٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
2
Tafseer
الرازي
تفسير : إعلم أن قوله تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي } رفعهما على الابتداء والخبر محذوف عند الخليل وسيبويه على معنى: فيما فرض الله عليكم الزانية والزاني أي فاجلدوهما، ويجوز أن يكون الخبر فاجلدوا وإنما دخلت الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذي وتضمنه معنى الشرط تقديره التي زنت والذي زنى فاجلدوهما كما تقول من زنا فاجلدوه، وقرىء بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر، وقرىء والزان بلا ياء، واعلم أن الكلام في هذه الآية على نوعين: أحدهما: ما يتعلق بالشرعيات والثاني: ما يتعلق بالعقليات ونحن نأتي على البابين بقدر الطاقة إن شاء الله تعالى. النوع الأول: الشرعيات، واعلم أن الزنا حرام وهو من الكبائر ويدل عليه أمور: أحدها: أن الله تعالى قرنه بالشرك وقتل النفس في قوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذلك يلق آثاماً } تفسير : [الفرقان: 68] وقال: { أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً } تفسير : [الإسراء: 32]، وثانيها: أنه تعالى أوجب المائة فيها بكمالها بخلاف حد القذف وشرب الخمر، وشرع فيه الرجم، ونهى المؤمنين عن الرأفة وأمر بشهود الطائفة للتشهير وأوجب كون تلك الطائفة من المؤمنين، لأن الفاسق من صلحاء قومه أخجل وثالثها: ما روى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : يا معشر الناس اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، أما التي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأما التي في الآخرة فسخط الله سبحانه وتعالى وسوء الحساب وعذاب النار » تفسير : وعن عبد الله قال قلت يا رسول الله: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: « حديث : أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت ثم أي؟ قال، وأن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك قلت: ثم أي؟ قال: وأن تزني بحليلة جارك » تفسير : فأنزل الله تعالى تصديقها: { أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهَا ءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقّ وَلاَ يَزْنُونَ } تفسير : [الفرقان: 68] واعلم أنه يجب البحث في هذه الآية عن أمور: أحدها: عن ماهية الزنا وثانيها: عن أحكام الزنا وثالثها: عن الشرائط المعتبرة في كون الزنا موجباً لتلك الأحكام ورابعها: عن الطريق الذي به يعرف حصول الزنا وخامسها: أن المخاطبين بقوله: { أية : فَٱجْلِدُوهُمْ } تفسير : [النور: 4] من هم؟ وسادسها: أن الرجم والجلد المأمور بهما في الزنا كيف يكون حالهما؟. البحث الأول: عن ماهية الزنا قال بعض أصحابنا إنه عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم قطعاً وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أن اللواطة هل ينطلق عليها اسم الزنا أم لا؟ فقال قائلون نعم. واحتج عليه بالنص والمعنى، أما النص فما روى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان » تفسير : وأما المعنى فهو أن اللواط مثل الزنا صورة ومعنى. أما الصورة فلأن الزنا عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم قطعاً، والدبر أيضاً فرج لأن القبل إنما سمى فرجاً لما فيه من الانفراج، وهذا المعنى حاصل في الدبر أكثر ما في الباب أن في العرف لا تسمى اللواطة زنا ولكن هذا لا يقدح في أصل اللغة، كما يقال هذا طبيب وليس بعالم مع أن الطب علم، وأما المعنى فلأن الزنا قضاء للشهوة من محل مشتهى طبعاً على جهة الحرام المحض، وهذا موجود في اللواط لأن القبل والدبر يشتهيان لأنهما يشتركان في المعاني التي هي متعلق الشهوة من الحرارة واللين وضيق المدخل، ولذلك فإن من يقول بالطبائع لا يفرق بين المحلين، وإنما المفرق هو الشرع في التحريم والتحليل، فهذا حجة من قال اللواط داخل تحت اسم الزنا، وأما الأكثرون من أصحابنا فقد سلموا أن اللواط غير داخل تحت اسم الزنا واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: العرف المشهور من أن هذا لواط وليس بزنا وبالعكس والأصل عدم التغيير وثانيها: لو حلف لا يزني فلاط لا يحنث وثالثها: أن الصحابة اختلفوا في حكم اللواط وكانوا عالمين باللغة فلو سمي اللواط زناً لأغناهم نص الكتاب في حد الزنا عن الاختلاف والاجتهاد، وأما الحديث فهو محمول على الإثم بدليل قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان » تفسير : وقال عليه الصلاة والسلام: « حديث : اليدان تزنيان والعينان تزنيان » تفسير : وأما القياس فبعيد لأن الفرج وإن كان سمي فرجاً لما فيه من الانفراج فلا يجب أن يسمى كل ما فيه انفراج بالفرج وإلا لكان الفم والعين فرجاً، وأيضاً فهم سموا النجم نجماً لظهوره، ثم ما سموا كل ظاهر نجماً. وسموا الجنين جنيناً لاستناره، وما سموا كل مستتر جنيناً، واعلم أن للشافعي رحمه الله في فعل اللواط قولان أصحهما عليه حد الزنا إن كان محصناً يرجم، وإن لم يكن محصناً يجلد مائة ويغرب عاماً وثانيهما: يقتل الفاعل والمفعول به سواء كان محصناً أو لم يكن محصناً، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به » تفسير : ثم في كيفية قتله أوجه: أحدها: تحز رقبته كالمرتد وثانيها: يرجم بالحجارة وهو قول مالك وأحمد وإسحق وثالثها: يهدم عليه جدار، يروى ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ورابعها: يرمى من شاهق جبل حتى يموت، يروى ذلك عن علي عليه السلام وإنما ذكروا هذه الوجوه: لأن الله تعالى عذب قوم لوط بكل ذلك فقال تعالى: { أية : جَعَلْنَا عَـٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } تفسير : [هود: 82] وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يحد اللوطي بل يعذر، أما المفعول به فإن كان عاقلاً بالغاً طائعاً فإن قلنا على الفاعل القتل فيقتل المفعول به على صفة قتل الفاعل للخبر، وإن قلنا على الفاعل حد الزنا فعلى المفعول به مائة جلدة وتغريب عام محصناً كان أو غير محصن، وقيل إن كانت امرأة محصنة فعليها الرجم، وليس بصحيح لأنها لا تصير محصنة بالتمكين في الدبر فلا يلزمها حد المحصنات كما لو كان المفعول به، ذكر حجة الشافعي رحمه الله على وجوب الحد من وجوه: الأول: أن اللواط، إما أن يساوي الزنا في الماهية أو يساويه في لوازم هذه الماهية وإذا كان كذلك وجب الحد بيان الأول: قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان » تفسير : فاللفظ دل على كون اللائط زانياً، واللفظ الدال بالمطابقة على ماهية دال بالالتزام على حصول جميع لوازمها، ودلالة المطابقة والالتزام مشتركان في أصل الدلالة، فاللفظ الدال على حصول الزنا دال على حصول جميع اللوازم، ثم بعد هذا إن تحقق مسمى الزنا في اللواط دخل تحت قوله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ } وإن لم يتحقق مسمى الزنا وجب أن يتحقق لوازم مسمى الزنا لما ثبت أن اللفظ الدال على تحقق ماهية دال على تحقق جميع تلك اللوازم ترك العمل به في حق الماهية فوجب أن يبقى معمولاً به في الدلالة على جميع تلك اللوازم، لكن من لوازم الزنا وجوب الحد فوجب أن يتحقق ذلك في اللواط. أكثر ما في الباب أنه ترك العمل بذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان » تفسير : لكن لا يلزم من ترك العمل هناك تركه ههنا الثاني: أن اللائط يجب قتله فوجب أن يقتل رجماً بيان الأول: قوله عليه السلام: « حديث : من عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل منهما والمفعول به » تفسير : وبيان الثاني: أنه لما وجب قتله وجب أن يكون زانياً وإلا لما جاز قتله لقوله عليه السلام: « حديث : لا يحل دم امرىء مسلم إلا لإحدى ثلاث » تفسير : وههنا لم يوجد كفر بعد إيمان ولا قتل نفس بغير حق فلو لم يوجد الزنا بعد الإحصان لوجب أن لا يقتل، وإذا ثبت أنه وجد الزنا بعد الإحصان وجب الرجم لهذا الحديث الثالث: نقيس اللواط على الزنا، والجامع أن الطبع داع إليه لما فيه من الالتذاذ وهو قبيح فيناسب الزجر، والحد يصلح زاجراً عنه. قالوا: والفرق من وجهين: أحدهما: أنه وجد في الزنا داعيات، فكان وقوعه أكثر فساداً فكانت الحاجة إلى الزاجر أتم الثاني: أن الزنا يقتضي فساد الأنساب والجواب: إلغاؤهما بوطء العجوز الشوهاء واحتج أبو حنيفة رحمه الله بوجوه: أحدها: اللواط ليس بزنا على ما تقدم فوجب أن لا يقتل لقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : لا يحل دم امرىء مسلم إلا لإحدى ثلاث » تفسير : وثانيها: أن اللواط لا يساوي الزنا في الحاجة إلى شرع الزاجر، ولا في الجناية فلا يساويه في الحد بيان عدم المساواة في الحاجة. أن اللواطة وإن كانت يرغب فيها الفاعل لكن لا يرغب فيها المفعول طبعاً بخلاف الزنا، فإن الداعي حاصل من الجانبين، وأما عدم المساواة في الجناية فلأن في الزنا إضاعة النسب ولا كذلك اللواط، إذا ثبت هذا فوجب أن لا يساويه في العقوبة، لأن الدليل ينفي شرع الحد لكونه ضرراً ترك العمل به في الزنا، فوجب أن يبقى في اللواط على الأصل وثالثها: أن الحد كالبدل عن المهر فلما لم يتعلق باللواط المهر فكذا الحد والجواب: عن الأول أن اللواط وإن لم يكن مساوياً للزنا في ماهيته لكنه يساويه في الأحكام وعن الثاني: أن اللواط وإن كان لا يرغب فيه المفعول لكن ذلك بسبب اشتداد رغبة الفاعل، لأن الإنسان حريص على ما منع وعن الثالث: أنه لا بد من الجامع، والله أعلم. المسألة الثانية: أجمعت الأمة على حرمة إتيان البهائم. وللشافعي رحمه الله في عقوبته أقوال: أحدها: يجب به حد الزنا فيرجم المحصن ويجلد غير المحصن ويغرب والثاني: أنه يقتل محصناً كان أو غير محصن. لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه » تفسير : فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ فقال: ما أراه قال ذلك إلا أنه كره أن يؤكل لحمها، وقد عمل بها ذلك العمل والقول الثالث: وهو الأصح وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري وأحمد رحمهم الله: أن عليه التعزير لأن الحد شرح للزجر عما تميل النفس إليه، وهذا الفعل لا تميل النفس إليه، وضعفوا حديث ابن عباس رضي الله عنهما لضعف إسناده وإن ثبت فهو معارض بما روي أنه عليه السلام نهى عن ذبح الحيوان إلا لأكله. المسألة الثالثة: السحق من النسوان وإتيان الميتة والاستمناء باليد لا يشرع فيها إلا التعزير. البحث الثاني: عن أحكام الزنا. واعلم أنه كان في أول الإسلام عقوبة الزاني الحبس إلى الممات في حق الثيب، والأذى بالكلام في حق البكر. قال الله تعالى: { أية : وَٱللَـٰتِي يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نّسَائِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ الله لَهنَّ سَبيلاً * وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا } تفسير : [النساء: 15، 16] ثم نسخ ذلك فجعل حد الزنا على الثيب الرجم وحد البكر الجلد والتغريب، ولنذكر هاتين المسألتين: المسألة الأولى: الخوارج أنكروا الرجم واحتجوا فيه بوجوه: أحدها: قوله تعالى: { أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } تفسير : [النساء: 25] فلو وجب الرجم على المحصن لوجب نصف الرجم على الرقيق لكن الرجم لا نصف لها وثانيها: أن الله سبحانه ذكر في القرآن أنواع المعاصي من الكفر والقتل والسرقة، ولم يستقص في أحكامها كما استقصى في بيان أحكام الزنا، ألا ترى أنه تعالى نهى عن الزنا بقوله: { أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزّنَىٰ } تفسير : [الإسراء: 32] ثم توعد عليه ثانياً بالنار كما في كل المعاصي، ثم ذكر الجلد ثالثاً ثم خص الجلد بوجوب إحضار المؤمنين رابعاً، ثم خصه بالنهي عن الرأفة عليه بقوله: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ } خامساً، ثم أوجب على من رمى مسلماً بالزنا ثمانين جلدة، وسادساً، لم يجعل ذلك على من رماه بالقتل والكفر وهما أعظم منه، ثم قال سابعاً: {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً } ثم ذكر ثامناً من رمى زوجته بما يوجب التلاعن واستحقاق غضب الله تعالى ثم ذكر تاسعاً أن { أية : ٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } تفسير : [النور: 3]، ثم ذكر عاشراً أن ثبوت الزنا مخصوص بالشهود الأربعة فمع المبالغة في استقصاء أحكام الزنا قليلاً وكثيراً لا يجوز إهمال ما هو أجل أحكامها وأعظم آثارها، ومعلوم أن الرجم لو كان مشروعاً لكان أعظم الآثار فحيث لم يذكره الله تعالى في كتابه دل على أنه غير واجب وثالثها: قوله تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ } يقتضي وجوب الجلد على كل الزناة، وإيجاب الرجم على البعض بخبر الواحد يقتضي تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، وهو غير جائز. لأن الكتاب قاطع في متنه، وخبر الواحد غير قاطع في متنه، والمقطوع راجح على المظنون، واحتج الجمهور من المجتهدين على وجوب رجم المحصن لما ثبت بالتواتر أنه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك، قال أبو بكر الرازي روى الرجم أبو بكر وعمر وعلي وجابر بن عبدالله وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة وبعض هؤلاء الرواة روى خبر رجم ماعز وبعضهم خبر اللخمية والغامدية وقال عمر رضي الله عنه: لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لأثبته في المصحف. والجواب: عما احتجوا به أولاً أنه مخصوص بالجلد. فإن قيل فيلزم تخصيص القرآن بخبر الواحد قلنا بل بالخبر المتواتر لما بينا أن الرجم منقول بالتواتر، وأيضاً فقد بينا في أصول الفقه أن تخصيص القرآن بخبر الواحد جائز والجواب: عن الثاني أنه لا يستبعد تجدد الأحكام الشرعية بحسب تجدد المصالح فلعل المصلحة التي تقضي وجوب الرجم حدثت بعد نزول تلك الآيات والجواب: عن الثالث أنه نقل عن علي عليه السلام أنه كان يجمع بين الجلد والرجم وهو اختيار أحمد وإسحق وداود واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: أن عموم هذه الآية يقتضي وجوب الجلد والخبر المتواتر يقتضي وجوب الرجم ولا منافاة فوجب الجمع وثانيها: قوله عليه السلام: « حديث : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة » تفسير : وثالثها: روى أبو بكر الرازي في أحكام القرآن عن ابن جريج عن ابن الزبير عن جابر « حديث : أن رجلاً زنى بامرأة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فجلد ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان محصناً فأمر به فرجم » تفسير : ورابعها: روي أن علياً عليه السلام جلد شراحة الهمدانية ثم رجمها وقال جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. واعلم أن أكثر المجتهدين متفقون على أن المحصن يرجم ولا يجلد، واحتجوا عليه بأمور: أحدها: قصة العسيف فإنه عليه السلام قال: « حديث : يا أنيس اغد إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها » تفسير : ولم يذكر الجلد ولو وجب الجلد مع الرجم لذكره وثانيها: أن قصة ماعز رويت من جهات مختلفة ولم يذكر في شيء منها مع الرجم جلد، ولو كان الجلد معتبراً مع الرجم لجلده النبي عليه السلام ولو جلده لنقل كما نقل الرجم إذ ليس أحدهما بالنقل أولى من الآخر، وكذا في قصة الغامدية حين أقرت بالزنا فرجمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن وضعت ولو جلدها لنقل ذلك وثالثها: ما روى الزهري عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة عن ابن عباس رضي الله عنهم قال قال عمر رضي الله عنه قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله تعالى فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى، وقد قرأنا: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموها ألبتة، رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمنا بعده، فأخبر أن الذي فرضه الله تعالى هو الرجم ولو كان الجلد واجباً مع الرجم لذكره أما الجواب: عن التمسك بالآية فهو أنها مخصوصة في حق المحصن وتخصيص عموم القرآن بالخبر المتواتر غير ممتنع، وأما قوله عليه السلام: « حديث : الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة » تفسير : فلعل ذلك كان قبل قوله: « حديث : يا أنيس اغد إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها » تفسير : وأما أنه عليه السلام جلد امرأة ثم رجمها، فلعله عليه السلام ما علم إحصانها فجلدها، ثم لما علم إحصانها رجمها، وهو الجواب عن فعل علي عليه السلام، فهذا ما يمكن من التكلف في هذه الأجوبة، والله أعلم. المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله يجمع بين الجلد والتغريب في حد البكر، وقال أبو حنيفة رحمه الله يجلد، وأما التغريب فمفوض إلى رأي الإمام، وقال مالك يجلد الرجل ويغرب وتجلد المرأة ولا تغرب، حجة الشافعي رحمه الله حديث عبادة أنه عليه السلام قال: « حديث : خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة » تفسير : ويدل أيضاً عليه ما روى أبو هريرة رضي الله عنه وزيد بن خالد: « حديث : أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن ابني كان عسيفاً على هذا وزنى بامرأته فافتديت منه بوليدة ومائة شاة، ثم أخبرني أهل العلم أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم فاقض بيننا، فقال عليه الصلاة والسلام والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله أما الغنم والوليدة فرد عليك، وأما ابنك فإن عليه جلد مائة وتغريب عام، ثم قال لرجل من أسلم أغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها » تفسير : واحتج أبو حنيفة رحمه الله على نفي التغريب بوجوه: أحدها: أن إيجاب التغريب يقتضي نسخ الآية ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز وقرروا النسخ من ثلاثة أوجه: الأول: أنه سبحانه رتب الجلد على فعل الزنا بالفاء وحرف الفاء للجزاء إلا أن أئمة اللغة قالوا اليمين بغير لله ذكر شرط وجزاء وفسروا الشرط بالذي دخل عليه كلمة إن والجزاء بالذي دخل عليه حرف الفاء والجزاء اسم له يقع به الكفاية مأخوذ من قولهم جازيناه أي كافأناه، وقال عليه السلام: « حديث : تجزيك ولا تجزي أحداً بعدك » تفسير : أي تكفيك، ومنه قول القائل: اجتزت الإبل بالعشب بالماء وإنما تقع الكفاية بالجلد إذا لم يجب معه شيء آخر فإيجاب شيء آخر يقتضي نسخ كونه كافياً الثاني: أن المذكور في الآية لما كان هو الجلد فقط كان ذلك كمال الحد فلو جعلنا النفي معتبراً مع الجلد لكان الجلد بعض الحد لا كل الحد فيفضي إلى نسخ كونه كل الحد الثالث: إن بتقدير كون الجلد كمال الحد فإنه يتعلق بذلك رد الشهادة ولو جعلناه بعض الحد لزال ذلك الحكم، فثبت أن إيجاب التغريب يقتضي نسخ الآية ثانيها: قال أبو بكر الرازي لو كان النفي مشروعاً مع الجلد لوجب على النبي صلى الله عليه وسلم عند تلاوة الآية توقيف الصحابة عليه لئلا يعتقدوا عند سماع الآية أن الجلد هو كمال الحد ولو كان كذلك لكان اشتهاره مثل اشتهار الآية، فلما لم يكن خبر النفي بهذه المنزلة بل كان وروده من طريق الآحاد علم أنه غير معتبر وثالثها: ما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الأمة: « حديث : إذا زنت فاجلدوها، فإن زنت فاجلدوها، فإن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بطفير » تفسير : وفي رواية أخرى: « حديث : فليجلدها الحد ولا تثريب عليه » تفسير : ووجه الاستدلال به أنه لو كان النفي ثابتاً لذكره مع الجلد ورابعها: أنه إما أن يشرع التغريب في حق الأمة أو لا يشرع، ولا جائز أن يكون مشروعاً لأنه يلزم منه الإضرار بالسيد من غير جناية صدرت منه وهو غير جائز، ولأنه قال صلى الله عليه وسلم: « حديث : بيعوها ولو بطفير » تفسير : ولو وجب نفيها لما جاز بيعها لأن المكنة من تسليمها إلى المشتري لا تبقى بالنفي ولا جائز أن لا يكون مشروعاً لقوله تعالى: { أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [النساء: 25] وخامسها: أن التغريب لو كان مشروعاً في حق الرجل لكان إما أن يكون مشروعاً في حق المرأة أو لا يكون، والثاني باطل لأن التساوي في الجناية قد وجد في حقهما، وإن كان مشروعاً في حق المرأة فإما أن يكون مشروعاً في حقها وحدها أو مع ذي محرم والأول غير جائز للنص والمعقول، أما النص فقوله عليه السلام: « حديث : لا يحل لامرأة أن تسافر من غير ذي محرم » تفسير : وأما المعقول فهو أن الشهوة غالبة في النساء، والانزجار بالدين إنما يكون في الخواص من الناس، فإن الغالب لعدم الزنا من النساء بوجود الحفاظ من الرجال، وحيائهن من الأقارب. وبالتغريب تخرج المرأة من أيدي القرباء والحفاظ، ثم يقل حياؤها لبعدها عن معارفها فينفتح عليها باب الزنا، فربما كانت فقيرة فيشتد فقرها في السفر، فيصير مجموع ذلك سبباً لفتح باب هذه الفاحشة العظيمة عليها. ولا جائز أن يقال إنا نغربها مع الزوج أو المحرم، لأن عقوبة غير الجاني لا تجوز لقوله تعالى: { أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ } تفسير : [الأنعام: 164] وسادسها: ما روي عن عمر أنه غرب ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل، فقال عمر لا أغرب بعدها أحداً ولم يستثن الزنا. وروي عن علي عليه السلام أنه قال في البكرين إذا زنيا يجلدان ولا ينفيان وإن نفيهما من الفتنة، وعن ابن عمر أن أمة له زنت فجلدها ولم ينفها، ولو كان النفي معتبراً في حد الزنا لما خفي ذلك على أكابر الصحابة وسابعها: ما روي «أن شيخاً وجد على بطن جارية يحنث بها في خربة فأتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال اجلدوه مائة، فقيل إنه ضعيف من ذلك فقال خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها وخلوا سبيله». ولو كان النفي واجباً لنفاه، فإن قيل إنما لم ينفه لأنه كان ضعيفاً عاجزاً عن الحركة، قلنا كان ينبغي أن يكتري له دابة من بيت المال ينفى عليها. فإن قيل كان عسى يضعف عن الركوب، قلنا من قدر على الزنا كيف لا يقدر على الاستمساك! وثامنها: أن التغريب نظير القتل لقوله تعالى: {أَنِ ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُواْ مِن دِيَـٰرِكُمْ } فنزلهما منزلة واحدة، فإذا لم يشرع القتل في زنا البكر وجب أن لا يشرع أيضاً نظيره وهو التغريب. والجواب: عن الأول أنه ليس في كلام الله تعالى إلا إدخال حرف الفاء على الأمر بالجلد، فأما أن الذي دخل عليه هذا الحرف فإنه يسمى جزاء، فليس هذا من كلام الله ولا من كلام رسوله، بل هو قول بعض الأدباء فلا يكون حجة. أما قوله ثانياً: لو كان النفي مشروعاً لما كان الجلد كل الحد، فنقول لا نزاع في أنه زال أمره لأن إثبات كل شيء لا أقل من أن يقتضي زوال عدمه الذي كان، إلا أن الزائل ههنا ليس حكماً شرعياً، بل الزائل محض البراءة الأصلية، ومثل هذه الإزالة لا يمتنع إثباتها بخبر الواحد، وإنما قلنا إن الزائل محض العدم الأصلي، وذلك لأن إيجاب الجلد مفهوم مشترك بين إيجاب التغريب وبين إيجابه مع نفي التغريب. والقدر المشترك بين القسمين لا إشعار له بواحد من القسمين. فإذن إيجاب الجلد لا إشعار فيه ألبتة لا بإيجاب التغريب ولا بعدم إيجابه، إلا أن نفي التغريب كان معلوماً بالعقل نظراً إلى البراءة الأصلية، فإذا جاء خبر الواحد ودل على وجوب التغريب، فما أزال ألبتة شيئاً من مدلولات اللفظ الدال على وجوب الجلد بل أزال البراءة الأصلية، فأما كون الجلد وحده مجزياً، وكونه وحده كمال الحد. وتعلق رد الشهادة عليه، فكل ذلك تابع لنفي وجوب الزيادة. فلما كان ذلك النفي معلوماً بالعقل جاز قبول خبر الواحد فيه، كما أن الفروض لو كانت خمساً لتوقف على أدائها الخروج عن عهدة التكليف، وقبول الشهادة ولو زيد فيها شيء آخر لتوقف الخروج عن العهدة وقبول الشهادة على أداء تلك الزيادة، مع أنه يجوز إثباته بخبر الواحد والقياس فكذا ههنا. أما لو قال الله تعالى الجلد كمال الحد وعلمنا أنها وحدها متعلق رد الشهادة، فلا يقبل ههنا في إثبات الزيادة خبر الواحد لأن نفي وجوب الزيادة ثبت بدليل شرعي متواتر والجواب: عن الثاني أنه لو صح ما ذكره لوجب في كل ما خصص آية عامة أن يبلغ في الاشتهار مبلغ تلك الآية، ومعلوم أنه ليس كذلك والجواب: عن الثالث أن قوله: «ثم بيعوها» لا يفيد التعقيب فلعلها تنفى ثم بعد النفي تباع والجواب: عن الرابع أنه معارض بما روى الترمذي في جامعه أنه عليه السلام جلد وغرب، وأن أبا بكر جلد وغرب والجواب: عن الخامس أن للشافعي رحمه الله في تغريب العبد قولين: أحدهما: لا يغرب لأنه عليه السلام قال: « حديث : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد » تفسير : ولم يأمر بالتغريب، ولأن التغريب للمعرة ولا معرة على العبد فيه، لأنه ينقل من يد إلى يد، ولأن منافعه للسيد ففي نفيه إضرار بالسيد والثاني: وهو الأصح أنه يغرب لقوله تعالى: { أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [النساء: 25] ولا ينظر إلى ضرر المولى كما يقتل العبد بسبب الردة ويجلد العبد في الزنا والقذف، وإن تضرر به المولى فعلى هذا كم يغرب فيه قولان: أحدهما: يغرب نصف سنة لأنه يقبل التنصيف كما يجلد نصف حد الأحرار والثاني: يغرب سنة لأن التغريب المقصود منه الإيحاش وذلك معنى يرجع إلى الطبع فيستوي فيه الحر والعبد كمدة الإيلاء أو العنة والجواب: عن السادس أن المرأة لا تغرب وحدها بل مع محرم، فإن لم يتبرع المحرم بالخروج معها أعطى أجرته من بيت المال، وإن لم يكن لها محرم تغرب مع النساء الثقات، كما يجب عليها الخروج إلى الحج معهن. قوله التغريب يفتح عليها باب الزنا، قلنا لا نسلم فإن أكثر الزنا بالإلف والمؤانسة وفراغ القلب، وأكثر هذه الأشياء تبطل بالغربة، فإن الإنسان يقع في الوحشة والتعب والنصب فلا يتفرغ للزنا والجواب: عن السابع، أي استبعاد في أن يكون الإنسان الذي يعجز عن ركوب الدابة يقدر على الزنا؟ والجواب: عن الثامن أنه ينتقض بالتغريب إذا وقع على سبيل التعزير، والله أعلم. المسألة الثالثة: اتفقت الأمة على أن قوله سبحانه وتعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى } يفيد الحكم في كل الزناة، لكنهم اختلفوا في كيفية تلك الدلالة فقال قائلون لفظ الزاني يفيد العموم، والمختار أنه ليس كذلك ويدل عليه أمور: أحدها: أن الرجل إذا قال لبست الثوب أو شربت الماء لا يفيد العموم وثانيها: أنه لا يجوز توكيده بما يؤكد به الجمع، فلا يقال جاءني الرجل أجمعون وثالثها: لا ينعت بنعوت الجمع فلا يقال جاءني الرجل الفقراء، وتكلم الفقيه الفضلاء، فأما قولهم أهلك الناس الدرهم البيض والدينار الصفر، فمجاز بدليل أنه لا يطرد، وأيضاً فإن كان الدينار الصفر حقيقة وجب أن يكون الدينار الأصفر مجازاً، كما أن الدنانير الصفر لما كانت حقيقة كان الدنانير الأصفر مجازاً ورابعها: أن الزاني جزئي من هذا الزاني، فإيجاب جلد هذا الزاني إيجاب جلد الزاني، فلو كان إيجاب جلد الزاني إيجاباً لجلد كل زان لزم أن يكون إيجاب جلد هذا الزاني إيجاب جلد كل زان، ولما لم يكن كذلك بطل ما قالوه. فإن قيل لم لا يجوز أن يقال اللفظ المطلق إنما يفيد العموم بشرط العراء عن لفظ التعيين، أو يقال اللفظ المطلق وإن اقتضى العموم إلا أن لفظ التعيين يقتضي الخصوص، قلنا أما الأول فباطل لأن العدم لا دخل له في التأثير، أما الثاني فلأنه يقتضي التعارض وهو خلاف الأصل وخامسها: أن يقال الإنسان هو الضحاك فلو كان المفهوم من قولنا الإنسان هو كل الإنسان لنزل ذلك منزلة ما يقال كل إنسان هو الضحاك، وذلك متناقض لأنه يقتضي حصر الإنسانية في كل واحد من الناس ومعنى الحصر هو أن يثبت فيه لا في غيره فيلزم أن يصدق على كل واحد من أشخاص الناس أنه هو الضحاك لا غير واحتج المخالف بوجهين: الأول: أنه يجوز الاستثناء منه لقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } تفسير : [العصر:2، 3] والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحته الثاني: أن الألف واللام للتعريف، وليس ذلك لتعريف الماهية، فإن ذلك قد حصل بأصل الإسم، ولا لتعريف واحد بعينه، فإنه ليس في اللفظ دلالة عليه، ولا لتعريف بعض مراتب الخصوص فإنه ليس بعض المراتب أولى من بعض، فوجب حمله على تعريف الكل والجواب: عن الأول أن ذلك الاستثناء مجاز بدليل أنه لا يصح أن يقال رأيت الإنسان إلا المؤمنين، وعن الثاني أنه يشكل بدخول الألف واللام على صيغة الجمع، فإن جعلتها هناك للتأكيد فكدا ههنا، ومن الناس من قال إن قوله تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي } وإن كان لا يفيد العموم بحسب اللفظ، لكنه يفيده بحسب القرينة وذلك من وجهين: الأول: أن ترتيب الحكم على الوصف المشتق يفيد كون ذلك الوصف علة لذلك الحكم، لا سيما إذا كان الوصف مناسباً وههنا كذلك، فيدل ذلك على أن الزنا علة لوجوب الجد، فيلزم أن يقال أينما تحقق الزنا يتحقق وجوب الجلد ضرورة أن العلة لا تنفك عن المعلول الثاني: أن المراد من قوله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي } إما أن يكون كل الزناة أو البعض، فإن كان الثاني صارت الآية مجملة وذلك يمنع من إمكان العمل به، لكن العمل به مأمور وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فوجب حمله على العموم حتى يمكن العمل به، والله أعلم. البحث الثالث: في الشرائط المعتبرة في كون الزنا موجباً للرجم تارة والجلد أخرى، فنقول: أجمعوا على أن كون الزنا موجباً لهذين الحكمين مشروط بالعقل وبالبلوغ فلا يجب الرجم والحد على الصبي والمجنون وهذان الشرطان ليسا من خواص هذين الحكمين بل هما معتبران في كل العقوبات، أما كونهما موجبين للرجم فلا بد مع العقل والبلوغ من أمور أخر: الشرط الأول: الحرية وأجمعوا على أن الرقيق لا يجب عليه الرجم ألبتة الشرط الثاني: التزوج بنكاح صحيح، فلا يحصل الإحصان بالإصابة بملك اليمين ولا بوطء الشبهة ولا بالنكاح الفاسد الشرط الثالث: الدخول ولا بد منه لقوله عليه السلام: « حديث : الثيب بالثيب » تفسير : وإنما تصير ثيباً بالوطء وههنا مسألتان: المسألة الأولى: هل يشترط أن تكون الإصابة بالنكاح بعد البلوغ والحرية والعقل، فيه وجهان: أحدهما: لا يشترط حتى لو أصاب عبد أمة بنكاح صحيح أو في حال الجنون والصغر ثم كمل حاله فزنى يجب عليه الرجم، لأنه وطء يحصل به التحليل للزوج الأول فيحصل به الإحصان كالوطء في حال الكمال، ولأن عقد النكاح يجوز أن يكون قبل الكمال فكذلك الوطء والثاني: وهو الأصح وهو ظاهر النص، وقول أبي حنيفة رحمه الله يشترط أن تكون الإصابة بالنكاح بعد البلوغ والحرية والعقل، لأنه لما شرط أكمل الإصابات وهو أن يكون بنكاح صحيح شرط أن يكون تلك الإصابة في حال الكمال. المسألة الثانية: هل يعتبر الكمال في الطرفين أو يعتبر في كل واحد منهما كماله بنفسه دون صاحبه فيه قولان: أحدهما: معتبر في الطرفين حتى لو وطىء الصبي بالغة حرة عاقلة فإنه لا يحصنها وهو قول أبي حنيفة ومحمد والثاني: يعتبر في كل واحد منهما كماله بنفسه وهو قول أبي يوسف رحمه الله. حجة القول الأول: أنه وطء لا يفيد الإحصان لأحد الوطئين فلا يفيد في الآخر كوطء الأمة. حجة القول الثاني: أنه لا يشترط كونهما على صفة الإحصان وقت النكاح وكذا عند الدخول الشرط الرابع: الإسلام ليس شرطاً في كون الزنا موجباً للرجم عند الشافعي رحمه الله وأبي يوسف، وقال أبو حنيفة رحمه الله شرط، احتج الشافعي بأمور: أحدها: قوله عليه السلام: « حديث : فإذا قبلوا الجزية فانبئوهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين » تفسير : ومن جملة ما على المسلم كونه بحيث يجب عليه الرجم عند الإقدام على الزنا، فوجب أن يكون الذمي كذلك لتحصل التسوية وثانيها: حديث مالك عن نافع عن ابن عمر أنه عليه السلام رجم يهودياً ويهودية زنياً فإما أن يقال إنه عليه السلام حكم بذلك بشريعته أو بشريعة من قبله، فإن كان الأول فالاستدلال به بين، وإن كان الثاني فكذلك لأنه صار شرعاً له وثالثها: أن زنا الكافر مثل زنا المسلم فيجب عليه مثل ما يجب على المسلم وذلك لأن الزنا محرم قبيح فيناسب الزجر وإيجاب الرجم يصلح زاجراً له ولا يبقى إلا التفاوت بالكفر والإيمان، والكفر وإن كان لا يوجب تغليظ الجناية فلا يوجب تخفيفها واحتج أبو حنيفة رحمه الله بوجوه: أحدها: التمسك بعموم قوله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي } وجب العمل به في حق المسلم ولا يجب في الذمي لمعنى مفقود في الذمي، ووجه الفرق أن القتل بالأحجار عقوبة عظيمة فلا يجب إلا بجناية عظيمة، والجناية تعظم بكفران النعم في حق الجاني عقلاً وشرعاً، أما العقل فلأن المعصية كفران النعمة وكلما كانت النعم أكثر وأعظم كان كفرانها أعظم وأقبح، وأما الشرح فلأن الله تعالى قال في حق نساء النبي صلى الله عليه وسلم: { أية : يٰنِسَاء ٱلنَّبِيّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } تفسير : [الأحزاب: 30] فلما كانت نعم الله تعالى في حقهن أكثر كان العذاب في حقهن أكثر، وقال في حق الرسول: { أية : لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً * إِذًا لأَذَقْنَـٰكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَوٰةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ } تفسير : [الإسراء: 74، 75] وإنما عظمت معصيته لأن النعمة في حقه أعظم وهي نعمة النبوة، ومن المعلوم أن نعم الله تعالى في حق المسلم المحصن أكثر منها في حق الذمي، فكانت معصية المسلم أعظم فوجب أن تكون عقوبته أشد وثانيها: أن الذمي لم يزن بعد الإحصان فلا يجب عليه القتل بيان الأول: قوله عليه السلام: « حديث : من أشرك بالله طرفة عين فليس بمحصن » تفسير : بيان الثاني: أن المسلم الذي لا يكون محصناً لا يجب عليه القتل لقوله عليه السلام: « حديث : لا يحل دم امرىء مسلم إلا لإحدى ثلاث » تفسير : وإذا كان المسلم كذلك وجب أن يكون الذمي كذلك لقوله عليه السلام: « حديث : إذا قبلوا عقد الجزية فأعلمهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين » تفسير : وثالثها: أجمعنا على أن إحصان القذف يعتبر فيه الإسلام، فكان إحصان الرجم والجامع ما ذكرنا من كمال النعمة والجواب: عن الأول أنه خص عنه الثيب المسلم فكذا الثيب الذمي، وما ذكروه من حديث زيادة النعمة على المؤمنين فنقول نعمة الإسلام حصلت بكسب العبد فيصير ذلك كالخدمة الزائدة، وزيادة الخدمة إن لم تكن سبباً للعذر فلا أقل من أن لا تكون سبباً لزيادة العقوبة، وعن الثاني لا نسلم أن الذمي مشرك سلمناه، لكن الإحصان قد يراد به التزوج لقوله تعالى: { أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } تفسير : [النور: 40] وفي التفسير: { أية : فَإِذَا أُحْصِنَّ } تفسير : [النساء: 25] يعني فإذا تزوجن إذا ثبت هذا فنقول الذمي الثيب محصن بهذا التفسير فوجب رجمه لقوله صلى الله عليه وسلم أو زنا بعد إحصان رتب الحكم في حق المسلم على هذا الوصف فدل على كون الوصف علة والوصف قائم في حق الذمي فوجب كونه مستلزماً للحكم بالرجم وعن الثالث أن حد القذف لدفع العار كرامة للمقذوف، والكافر لا يكون محلاً للكرامة وصيانة العرض بخلاف ما ههنا، والله أعلم، أما ما يتعلق بالجلد ففيه مسائل: المسألة الأولى: اتفقوا على أن الرقيق لا يرجم واتفقوا على أنه يجلد، وثبت بنص الكتاب أن على الإماء نصف ما على المحصنات من العذاب، فلا جرم اتفقوا على أن الأمة تجلد خمسين جلدة، أما العبد فقد اتفق الجمهور على أنه يجلد أيضاً خمسين إلا أهل الظاهر فإنهم قالوا عموم قوله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي } يقتضي وجوب المائة على العبد والأمة إلا أنه ورد النص بالتنصيف في حق الأمة، فلو قسنا العبد عليها كان ذلك تخصيصاً لعموم الكتاب بالقياس وأنه غير جائز، ومنهم من قال الأمة إذا تزوجت فعليها خمسون جلدة وإذا لم تتزوج فعليها المائة، لظاهر قوله تعالى: {فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } وذكروا أن قوله: {فَإِذَا أُحْصِنَّ } أي تزوجن { أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [النساء: 25]. المسألة الثانية: قال الشافعي وأبو حنيفة رحمهما الله، الذمي يجلد، وقال مالك رحمه الله لا يجلد لنا وجوه: أحدها: عموم قوله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي } وثانيها: قوله عليه السلام: « حديث : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها » تفسير : وقوله: « حديث : أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم » تفسير : ولم يفرق بين الذمي والمسلم وثالثها: أنه عليه السلام رجم اليهوديين، فذاك الرجم إن من كان من شرع محمد صلى الله عليه وسلم فقد حصل المقصود، وإن كان من شرعهم فلما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم صار ذلك من شرعه، وحقيقة هذه المسألة ترجع إلى أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع. البحث الرابع: فيما يدل على صدور الزنا منه، اعلم أن ذلك لا يحصل إلا من أحد ثلاثة أوجه، إما بأن يراه الإمام بنفسه أو بأن يقر أو بأن يشهد عليه الشهود، أما الوجه الأول: وهو ما إذا رآه الإمام قال الإمام محيي السنة في كتاب التهذيب لا خلاف أن على القاضي أن يمتنع عن القضاء بعلم نفسه مثل ما إذا ادعى رجل على آخر حقاً وأقام عليه بينة، والقاضي يعلم أنه قد أبرأه، أو ادعى أنه قتل أباه وقت كذا، وقد رآه القاضي حياً بعد ذلك، أو ادعى نكاح امرأة وقد سمعه القاضي طلقها، لا يجوز أن يقضي به وإن أقام عليه شهوداً، وهل يجوز للقاضي أن يقضي بعلم نفسه مثل أن ادعى عليه ألفاً وقد رآه القاضي أقرضه أو سمع المدعي عليه أقربه فيه قولان أصحهما وبه قال أبو يوسف ومحمد والمزني رحمهم الله، أنه يجوز له أن يقضي بعلمه لأنه لما جاز له أن يحكم بشهادة الشهود وهو من قولهم على ظن فلأن يجوز بما رآه وسمعه وهو منه على علم أولى، قال الشافعي رحمه الله في كتاب الرسالة أقضي بعلمي وهو أقوى من شاهدين أو بشاهدين وشاهد وامرأتين وهو أقوى من شاهد ويمين أو بشاهد ويمين وهو أقوى من النكول ورد اليمين. والقول الثاني: لا يقضي بعلمه وهو قول ابن أبي ليلى، لأن انتفاء التهمة شرط في القضاء ولم يوجد هذا في المال، أما في العقوبات فينظر إن كان ذلك من حقوق العباد كالقصاص وحد القذف هل يحكم فيه بعلم نفسه يرتب على المال إن قلنا هناك لا يقضي فههنا أولى وإلا فقولان، والفرق أن مبنى حقوق الله تعالى على المساهلة والمسامحة، ولا فرق على القولين أن يحصل العلم للقاضي في بلد ولايته وزمان ولايته أو في غيره، وقال أبو حنيفة رحمه الله إن حصل له العلم في بلد ولايته أو في زمان ولايته له أن يقضي بعلمه وإلا فلا، فنقول العلم لا يختلف باختلاف هذه الأحوال، فوجب أن لا يختلف الحكم باختلافها والله أعلم. الطريق الثاني: الإقرار قال الشافعي رحمه الله الإقرار بالزنا مرة واحدة يوجب الحد، وقال أبو حنيفة رحمه الله بل لا بد من الإقرار أربع مرات في أربع مجالس، وقال أحمد لا بد من الإقرار أربع مرات لكن لا فرق بين أن يكون في أربع مجالس أو في مجلس واحد، حجة الشافعي رحمه الله أمران: الأول: قصة العسيف فإنه قال عليه السلام: «حديث : فإن اعترفت فارجمها»، تفسير : وذلك دليل عل أن الاعتراف مرة واحدة كاف والثاني: أنه لما أقر بالزنا وجب الحد عليه لقوله عليه السلام: «حديث : اقض بالظاهر»، تفسير : والإقرار مرة واحدة يوجب الظهور لا سيما ههنا، وذلك لأن الصارف عن الإقرار بالزنا قوي، لما أنه سبب العار في الحال والألم الشديد في المآل، والصارف عن الكذب أيضاً قائم وعند اجتماع الصارفين يقوى الانصراف، فثبت أنه إنما أقدم على هذا الإقرار لكونه صادقاً. وإذا ظهر اندرج تحت الحديث وتحت الآية، أو نقيسه على الإقرار بالقتل والردة، واحتج أبو حنيفة رحمه الله بوجوه: أحدها: قصة ماعز والاستدلال بها من وجوه: الأول: أنه عليه السلام أعرض عنه في المرة الأولى، ولو وجب عليه الحد لم يعرض عنه، لأن الإعراض عن إقامة حد الله تعالى بعد كمال الحجة لا يجوز الثاني: أنه عليه السلام قال: « حديث : إنك شهدت على نفسك أربع مرات » تفسير : ولو كان الواحد مثل الأربع في إيجاب الحد كان هذا القول لغواً والثالث: روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال لماعز بعدما أقر ثلاث مرات: « لو أقررت الرابعة لرجمك رسول الله » والرابع: عن بريدة الأسلمي قال: «كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نقول لو لم يقر ماعز أربع مرات ما رجمه رسول الله صلى الله عليه وسلم» وثانيها: أنهم قاسوا الإقرار على الشهادة فكما أنه لا يقبل في الزنا إلا أربع شهادات فكذا في الإقرار به والجامع السعي في كتمان هذه الفاحشة وثالثها: أن الزنا لا ينتفي إلا بأربع شهادات أو بأربع أيمان في اللعان فجاز أيضاً أن لا يثبت إلا بالإقرار أربع مرات، وبه يفارق سائر الحقوق فإنها تنتفي بيمين واحد، فجاز أيضاً أن يثبت بإقرار واحد والجواب: عن الأول أنه ليس في الحديث إلا أنه عليه السلام حكم بالشهادات الأربع وذلك لا ينافي جواز الحكم بالشهادة الواحدة وعن الثاني: أن الفرق بينهما أن المقذوف لو أقر بالزنا مرة لسقط الحد عن القاذف، ولولا أن الزنا ثبت لما سقط كما لو شهد اثنان بالزنا لا يسقط الحد عن القاذف حيث لم يثبت به الزنا والله أعلم. والطريق الثالث: الشهادة وقد أجمعوا على أنه لا بد من أربع شهادات، ويدل عليه قوله تعالى: { أية : فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ } تفسير : [النساء: 15] والكلام فيه سيأتي إن شاء الله تعالى في قوله: { أية : ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } تفسير : [النور: 4]. البحث الخامس: في أن المخاطب بقوله تعالى: {فَٱجْلِدُواْ } من هو؟ أجمعت الأمة على أن المخاطب بذلك هو الإمام، ثم احتجوا بهذا على وجوب نصب الإمام، قالوا لأنه سبحانه أمر بإقامة الحد، وأجمعوا على أنه لا يتولى إقامته إلا الإمام وما لا يتم الواجب المطلق إلا به، وكان مقدوراً للمكلف فهو واجب فكان نصب الإمام واجباً، وقد مر بيان هذه الدلالة في قوله: { أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا } تفسير : [المائدة: 38] بقي ههنا ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رحمه الله السيد يملك إقامة الحد على مملوكه. وهو قول ابن مسعود وابن عمر وفاطمة وعائشة. وعند أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وزفر رحمهم الله لا يملك، وقال مالك يحده المولى من الزنا وشرب الخمر والقذف ولا يقطعه في السرقة وإنما يقطعه الإمام وهو قول الليث، واحتج الشافعي رحمه الله بوجوه: أحدها: قوله عليه السلام: « حديث : أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم » تفسير : وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال عليه السلام: « حديث : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها » تفسير : وفي رواية أخرى « حديث : فليجلدها الحد » تفسير : قال أبو بكر الرازي لا دلالة في هذه الأخبار، لأن قوله: « حديث : أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم » تفسير : هو كقوله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } ومعلوم أن المراد منه رفعه إلى الإمام لإقامة الحد والمخاطبون بإقامة الحد هم الأئمة، وسائر الناس مخاطبون برفع الأمر إليهم حتى يقيموا عليهم الحدود فكذلك قوله: « حديث : أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم » تفسير : على هذا المعنى، وأما قوله: « حديث : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها » تفسير : فإنه ليس كل جلد حداً، لأن الجلد قد يكون على وجه التعزير، فإذا عزرنا فقد وفينا بمقتضى الحديث. والجواب: أن قوله: « حديث : أقيموا الحدود » تفسير : أمر بإقامة الحد فحمل هذا اللفظ على رفع الواقعة إلى الإمام عدول عن الظاهر، أقصى ما في الباب أنه ترك الظاهر في قوله فاجلدوا، لكن لا يلزم من ترك الظاهر هناك تركه ههنا، أما قوله: « حديث : فليجلدها » تفسير : المراد هو التعزير فباطل لأن الجلد المذكور عقيب الزنا لا يفهم منه إلا الحد وثانيها: أن السلطان لما ملك إقامة الحد عليه فسيده به أولى لأن تعلق السيد بالعبد أقوى من تعلق السلطان به، لأن الملك أقوى من عقد البيعة، وولاية السادة على العبيد فوق ولاية السلطان على الرعية، حتى إذا كان للأمة سيد وأب فإن ولاية النكاح للسيد دون الأب، ثم إن الأب مقدم على السلطان في ولاية النكاح فيكون السيد مقدماً على السلطان بدرجات فكان أولى، ولأن السيد يملك من التصرفات في هذا المحل ما لا يملكه الإمام فثبت أن المولى أولى وثالثها: أجمعنا على أن السيد يملك التعزير فكذا الحد، لأن كل واحد نظير الآخر وإن كان أحدهما مقدراً والآخر غير مقدر، واحتج أبو بكر الرازي على مذهب أبي حنيفة بوجوه: أحدها: قال قوله تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } لا شك أنه خطاب مع الأئمة دون عامة الناس، فالتقدير فاجلدوا أيها الأئمة والحكام كل واحد منهما مائة جلدة، ولم يفرق في هذه الآية بين المحدودين من الأحرار والعبيد، فوجب أن تكون الأئمة هم المخاطبون بإقامة الحدود على الأحرار والعبيد دون الموالي وثانيها: أنه لو جاز للمولى أن يسمع شهادة الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه، فلو رجعوا عن شهادتهم لوجب أن يتمكن من تضمين الشهود، لأن تضمين الشهود يتعلق بحكم الحاكم بالشهادة، لأنه لو لم يكن يحكم بشهادتهم لم يضمنوا شيئاً فكان يصير حاكماً لنفسه بإيجاب الضمان عليهم وذلك باطل لأنه ليس لأحد من الناس أن يحكم لنفسه. فعلمنا أن المولى لا يملك استماع البينة على عبده بذلك ولا قطعه وثالثها: أن المالك ربما لا يستوفي الحد بكماله لشفقته على ملكه، وإذا كان متهماً وجب أن لا يفوض إليه والجواب: عن الأول أن قوله {فَٱجْلِدُواْ } ليس بصريحه خطاباً مع الإمام، لكن بواسطة أنه لما انعقد الإجماع على أن غير الإمام لا يتولاه حملنا ذلك الخطاب على الإمام، وههنا لم ينعقد الإجماع على أن الإمام لا يتولاه لأنه عين النزاع والجواب: عن الثاني قال محيي السنة في كتاب «التهذيب» هل يجوز للمولى قطع يد عبده بسبب السرقة أو قطع الطريق؟ فيه وجهان أصحهما أنه يجوز، نص عليه في رواية البويطي لما روي عن ابن عمر أنه قطع عبداً له سرق وكما يجلده في الزنا وشرب الخمر والثاني: لا بل القطع إلى الإمام بخلاف الجلد لأن المولى يملك جنس الجلد وهو التعزير ولا يملك جنس القطع، ثم قال وكل حد يقيمه المولى على عبده إنما يقيمه إذا ثبت باعتراف العبد، فإن كانت عليه بينة فهل يسمع المولى الشهادة، فيه وجهان: أحدهما: يسمع لأنه ملك الإقامة بالاعتراف فيملك بالبينة كالإمام والثاني: لا يسمع بل ذاك إلى الحكام والجواب: عن الثالث أنه منقوض بالتعزير. المسألة الثانية: إذا فقد الإمام فليس لآحاد الناس إقامة هذه الحدود، بل الأولى أن يعينوا واحداً من الصالحين ليقوم به. المسألة الثالثة: الخارجي المتغلب هل له إقامة الحدود؟ قال بعضهم له ذلك وقال آخرون: ليس له ذلك، لأن إقامة الحد من جهة من لم يلزمنا أن نزيل ولايته أبعد من أن نفوض ذلك إلى رجل من الصالحين. البحث السادس: في كيفية إقامة الحد، أما الجلد، فاعلم أن المذكور في الآية هو الجلد، وهذا مشترك بين الجلد الشديد، والجلد الخفيف، والجلد على كل الأعضاء أو على بعض الأعضاء، فحينئذ لا يكون في الآية إشعار بشيء من هذه القيود، بل مقتضى الآية أن يكون الآتي بالجلد كيف كان خارجاً عن العهدة، لأنه أتى بما أمر به فوجب أن يخرج من العهدة، قال صاحب «الكشاف» وفي لفظ الجلد إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم، ولأن الجلد ضرب الجلد، يقال جلده كقولك ظهره بفتح الهاء وبطنه ورأسه، إلا أنا لما عرفنا أن المقصود منه الزجر والزجر لا يحصل إلا بالجلد الخفيف لا جرم تكلم العلماء في صفة الجلد على سبيل القياس ثم هنا مسائل: المسألة الأولى: المحصن يجلد مع ثيابه ولا يجرد، ولكن ينبغي أن يكون بحيث يصل الألم إليه، وينزع من ثيابه الحشو والفرو. روي أن أبا عبيدة بن الجراح أتى برجل في حد فذهب الرجل ينزع قميصه، وقال ما ينبغي لجسدي هذا المذنب أن يضرب وعليه قميص، فقال أبو عبيدة: لا تدعوه ينزع قميصه فضربه عليه. أما المرأة فلا خلاف في أنه لا يجوز تجريدها، بل يربط عليها ثيابها حتى لا تنكشف، ويلي ذلك منها امرأة. المسألة الثانية: لا يمد ولا يربط بل يترك حتى يتقي بيديه، ويضرب الرجل قائماً والمرأة جالسة. قال أبو يوسف رحمه الله: ضرب ابن أبي ليلى المرأة القاذفة قائمة فخطأه أبو حنيفة. المسألة الثالثة: يضرب بسوط وسط لا جديد يجرح ولا خلق لم يؤلم، ويضرب ضرباً بين ضربين لا شديد ولا واه. روى أبو عثمان النهدي قال أتى عمر برجل في حد ثم جيء بسوط فيه شدة، فقال أريد ألين من هذا، فأتى بسوط فيه لين، فقال أريد أشد من هذا، فأتى بسوط بين السوطين فرضي به. المسألة الرابعة: تفرق السياط على أعضائه ولا يجمعها في موضع واحد، واتفقوا على أنه يتقي المهالك كالوجه والبطن والفرج، ويضرب على الرأس عند الشافعي رحمه الله. وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يضرب على الرأس، وهو قول علي حجة الشافعي رحمه الله. قال أبو بكر أضرب على الرأس فإن الشيطان فيه. وعن عمر أنه ضرب صبيغ بن عسيل على رأسه حين سأل عن الذاريات على وجه التعنت، حجة أبي حنيفة رحمه الله، أجمعنا على أنه لا يضرب على الوجه فكذا الرأس والجامع الحكم والمعنى. أما الحكم فلأن الشين الذي يلحق الرأس بتأثير الضرب كالذي يلحق الوجه، بدليل أن الموضحة وسائر الشجاج حكمها في الرأس والوجه واحد، وفارقا سائر البدن، لأن الموضحة فيما سوى الرأس والوجه إنما يجب فيها حكومة ولا يجب فيها أرش الموضحة والواقعة في الرأس والوجه، فوجب استواء الرأس والوجه في وجوب صونهما عن الضرب. وأما المعنى فهو إنما منع من ضرب الوجه لما كان فيه من الجناية على البصر، وذلك موجود في الرأس، لأن ضرب الرأس يظلم منه البصر، وربما حدث منه الماء في العين، وربما حدث منه اختلاط العقل. أجاب أصحابنا عنه بأن الفرق بين الوجه والرأس ثابت، لأن الضربة إذا وقعت على الوجه، فعظم الجبهة رقيق فربما انكسر بخلاف عظم القفا، فإنه في نهاية الصلابة، وأيضاً فالعين في نهاية اللطافة، فالضرب عليها يورث العمى، وأيضاً فالضرب على الوجه يكسر الأنف لأنه من غضروف لطيف، ويكسر الأسنان لأنها عظام لطيفة، ويقع على الخدين وهما لحمان قريبان من الدماغ، والضربة عليهما في نهاية الخطر لسرعة وصول ذلك الأثر إلى جرم الدماغ، وكل ذلك لم يوجد في الضرب على الرأس. المسألة الخامسة: لو فرق سياط الحد تفريقاً لا يحصل به التنكيل، مثل أن يضرب كل يوم سوطاً أو سوطين لا يحسب، وإن ضرب كل يوم عشرين أو أكثر يحسب، والأولى أن لا يفرق. المسألة السادسة: إن وجب الحد على الحبلى لا يقام حتى تضع، روى عمران بن الحصين: أن امرأة من جهينة أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا، فقالت يا نبي الله أصبت حداً فأقمه علي، فدعا نبي الله وليها فقال أحسن إليها، فإذا وضعت فاتني بها ففعل، فأمر بها نبي الله صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها، ولأن المقصود التأديب دون الإتلاف. المسألة السابعة: إن وجب الجلد على المريض نظر، فإن كان به مرض يرجى زواله من صداع أو ضعف أو ولادة يؤخر حتى يبرأ، كما لو أقيم عليه حد أو قطع لا يقام عليه حد آخر حتى يبرأ من الأول، وإن كان به مرض لا يرجى زواله، كالسل والزمانة فلا يؤخر ولا يضرب بالسياط فإنه يموت وليس المقصود موته، وذلك لا يختلف سواء كان زناه في حال الصحة ثم مرض أو في حال المرض، بل يضرب بعثكال عليه مائة شمراخ فيقول ذلك مقام مائة جلدة. كما قال تعالى في قصة أيوب عليه السلام: { أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ } تفسير : [ص: 44] وعند أبي حنيفة رحمه الله: يضرب بالسياط، دليلنا ما روي أن رجلاً مقعداً أصاب امرأة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا مائة شمراخ فضربوه بها ضربة واحدة، ولأن الصلاة إذا كانت تختلف باختلاف حاله فالحد أولى بذلك. المسألة الثامنة: يقام الحد في وقت اعتدال الهواء، فإن كان في حال شدة حر أو برد نظر إن كان الحد رجماً يقام عليه كما يقام في المرض لأن المقصود قتله، وقيل إن كان الرجم ثبت عليه بإقراره فيؤخر إلى اعتدال الهواء وزوال المرض الذي يرجى زواله، لأنه ربما رجع عن إقراره في خلال الرجم وقد أثر الرجم في جسمه فتعين شدة الحر والبرد والمرض على أهلاكه بخلاف ما لو ثبت بالبينة لأنه لا يسقط، وإن كان الحد جلداً لم يجز إقامته في شدة الحر والبرد كما لا يقام في المرض. أما الرجم ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الشافعي رحمه الله، ومالك رحمه الله: يجوز للإمام أن يحضر رجمه وأن لا يحضر، وكذا الشهود لا يلزمهم الحضور. وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن ثبت الزنا بالبينة وجب على الشهود أن يبدأوا بالرجم ثم الإمام ثم الناس، وإن ثبت بإقرار بدأ الإمام ثم الناس. حجة الشافعي رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضر رجمهما. المسألة الثانية: إن ثبت الزنا بإقراره فمتى رجع ترك، وقع به بعض الحد أو لم يقع. وبه قال أبو حنيفة رحمه الله والثوري وأحمد وإسحق، وقال الحسن وابن أبي ليلى وداود لا يقبل رجوعه، وعن مالك رحمه الله روايتان. حجة القول الأول: أن ماعزاً لما مسته الحجارة وهرب، فقال عليه السلام: « حديث : هلا تركتموه » تفسير : . المسألة الثالثة: يحفر للمرأة إلى صدرها حتى لا تنكشف ويرمى إليها، ولا يحفر للرجل، لما روى أبو سعيد الخدري « حديث : أن ماعزاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله إني أصبت فاحشة فأقم على الحد، فرده النبي عليه السلام مراراً، ثم سأل قومه، فقالوا: لا نعلم به بأساً فأمرنا أن نرجمه، فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد فما أوثقناه ولا حفرنا له، قال فرميناه بالعظام والمدر والخزف، قال فاشتد واشتددنا خلفه حتى أتى عرض الحرة وانتصب لنا فرميناه بجلاميد الحرة حتى سكن » تفسير : وجه الاستدلال أنه قال: « حديث : فما أوثقناه ولا حفرنا له » تفسير : ولأنه هرب، ولو كان في حفرة لما أمكنه ذلك. المسألة الرابعة: إذا مات في الحد يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، فهذا ما أردنا ذكره من بيان الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه الآية. أما المباحث العقلية: فاعلم أن من الناس من قال: لا شك أن البدن مركب من أجزاء كثيرة، فإما أن يقوم بكل جزء حياة وعلم وقدرة على حدة أو يقوم بكل الأجزاء حياة واحدة وعلم واحد وقدرة واحدة، والثاني محال لاستحالة قيام العرض الواحد بالمحال الكثيرة فتعين الأول، وإذا كان كذلك كان كل جزء من أجزاء البدن حياً على حدة وعالماً على حدة وقادراً على حدة، وإذا ثبت هذا فنقول الزاني هو الفرج لا الظهر، فكيف يحسن من الحكيم أن يأمر بجلد الظهر، ولأنه ربما كان الإنسان حال إقدامه على الزنا عجيفاً نحيفاً ثم يسمن بعد ذلك فكيف يجوز إيلام تلك الأجزاء الزائدة مع أنها كانت بريئة عن فعل الزنا، فإن قال قائل هذا مدفوع من وجهين: الأول: وهو أنه ليس كل واحد من أجزاء البدن فاعلاً على حدة وحياً على حدة وذلك محال، بل الحياة والعلم والقدرة تقوم بالجزء الواحد ثم توجب حكم الحيية والعالمية والقادرية لمجموع الأجزاء، فيكون المجموع حياً واحداً عالماً واحداً قادراً واحداً، وعلى هذا التقدير يزول السؤال الثاني: أن يقال الذي هو الفاعل والمحرك والمدرك شيء ليس بجسم ولا جسماني. وإنما هو مدبر لهذا البدن، وعلى هذا التقدير أيضاً يزول السؤال والجواب: أما الأول فضعيف، وذلك لأن العلم إذا قام بجزء واحد، فإما أن يحصل بمجموع الأجزاء عالمية واحدة فيلزم قيام الصفة الواحدة بالمحال الكثيرة وهو محال، أو يقوم بكل جزء عالمية على حدة فيعود المحذور المذكور، وأما الثاني ففي نهاية البعد لأنه إذا كان الفاعل للقبيح هو ذلك المباين فلم يضرب هذا الجسد؟ واعلم أن المقصود من أحكام الشرع رعاية المصالح، ونحن نعلم أن شرع الحد يفيد الزجر، فكان المقصود حاصلاً والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: الرأفة الرقة والرحمة وقراءة العامة بسكون الهمزة وقرىء رأفة بفتح الهمزة ورآفة على فعالة. المسألة الثانية: يحتمل أن يكون المراد أن لا تأخذكم رأفة بأن يعطل الحد أو ينقص منه، والمعنى لا تعطلوا حدود الله ولا تتركوا إقامتها للشفقة والرحمة، وهذا قول مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير واختيار الفراء والزجاج، ويحتمل أن لا تأخذكم رأفة بأن يخفف الجلد وهو قول سعيد بن المسيب والحسن وقتادة، ويحتمل كلا الأمرين والأول أولى لأن الذي تقدم ذكره الأمر بنفس الجلد، ولم يذكر صفته، فما يعقبه يجب أن يكون راجعاً إليه وكفى برسول الله أسوة في ذلك حيث قال: « حديث : لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها » تفسير : ونبه بقوله في دين الله على أن الدين إذا أوجب أمراً لم يصح استعمال الرأفة في خلافه. أما قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } فهو من باب التهييج والنهاب الغضب لله تعالى ولدينه. قال الجبائي تقدير الآية: إن كنتم مؤمنين فلا تتركوا إقامة الحدود، وهذا يدل على أن الاشتغال بأداء الواجبات من الإيمان بخلاف ما تقوله المرجئة والجواب: أن الرأفة لا تحصل إلا إذا حكم الإنسان بطبعه أن الأولى أن لا تقام تلك الحدود، وحينئذ يكون منكراً للدين فيخرج عن الإيمان في الحديث « حديث : يؤتى بوال نقص من الحد سوطاً، فيقال له لم فعلت ذاك؟ فيقول رحمة لعبادك، فيقال له أنت أرحم بهم مني! فيؤمر به إلى النار، ويؤتى بمن زاد سوطاً فيقال له لم فعلت ذلك؟ فيقول لينتهوا عن معاصيك، فيقول أنت أحكم به مني! فيؤمر به إلى النار » تفسير : . أما قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ } أمر وظاهره للوجوب، لكن الفقهاء قالوا يستحب حضور الجمع والمقصود إعلان إقامة الحد، لما فيه من مزيد الردع، ولما فيه من رفع التهمة عمن يجلد، وقيل أراد بالطائفة الشهود لأنه يجب حضورهم ليعلم بقاؤهم على الشهادة. المسألة الثانية: اختلفوا في أقل الطائفة على أقوال: أحدها: أنه رجل واحد وهو قول النخعي ومجاهد. واحتجا بقوله تعالى: { أية : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } تفسير : [الحجرات: 9] وثانيها: أنه اثنان وهو قول عكرمة وعطاء واحتجا بقوله تعالى: { أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُواْ فِى ٱلدّينِ } تفسير : [التوبة: 122] وكل ثلاثة فرقة والخارج من الثلاثة واحد أو اثنان، والاحتياط يوجب الأخذ بالأكثر وثالثها: أنه ثلاثة وهو قول الزهري وقتادة، قالوا الطائفة هي الفرقة التي يمكن أن تكون حلقة، كأنها الجماعة الحافة حول الشيء، وهذه الصورة أقل ما لا بد في حصولها هو الثلاثة ورابعها: أنه أربعة بعدد شهود الزنا، وهو قول ابن عباس والشافعي رضي الله عنهم وخامسها: أنه عشرة وهو قول الحسن البصري، لأن العشرة هي العدد الكامل. المسألة الثالثة: تسميته عذاباً يدل على أنه عقوبة، ويجوز أن يسمى عذاباً لأنه يمنع المعاودة كما سمي نكالاً لذلك، ونبه تعالى بقوله: {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } على أن الذين يشهدون يجب أن يكونوا بهذا الوصف، لأنهم إذا كانوا كذلك عظم موقع حضورهم في الزجر وعظم موقع إخبارهم عما شاهدوا فيخاف المجلود من حضورهم الشهرة، فيكون ذلك أقوى في الانزجار. والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه إثنان وعشرون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي} كان الزّنَى في اللغة معروفاً قبل الشرع، مثل اسم السرقة والقتل. وهو اسمٌ لوطء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح بمطاوعتها. وإن شئت قلت: هو إدخال فرج في فرجٍ مشتهًى طبعاً محرّمٍ شرعاً؛ فإذا كان ذلك وجب الحدّ. وقد مضى الكلام في حدّ الزنى وحقيقته وما للعلماء في ذلك. وهذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة «النساء» باتفاق. الثانية: قوله تعالى: {مِئَةَ جَلْدَةٍ} هذا حدّ الزاني الحر البالِغ البكر، وكذلك الزانية البالغة البكر الحرّة. وثبت بالسُّنّة تغريب عامٍ؛ على الخلاف في ذلك. وأما المملوكات فالواجب خمسون جلدة؛ لقوله تعالى: {أية : فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25] وهذا في الأَمَة، ثم العبدُ في معناها. وأما المُحْصَن من الأحرار فعليه الرّجْم دون الجلد. ومن العلماء من يقول: يجلد مائة ثم يُرْجَم. وقد مضى هذا كله ممهَّداً في «النساء» فأغنى عن إعادته، والحمد لله. الثالثة: قرأ الجمهور «الزَّانِيَةُ والزّانِي» بالرفع. وقرأ عيسى بن عمر الثَّقَفِيّ «الزانيةَ» بالنصب، وهو أوجه عند سيبويه؛ لأنه عنده كقولك: زيداً اضرب. ووجه الرفع عنده: خبر ابتداء، وتقديره: فيما يتلى عليكم (حكم) الزانية والزاني. وأجمع الناس على الرفع وإن كان القياس عند سيبويه النصب. وأما الفرّاء والمبرد والزجاج فإن الرفع عندهم هو الأوجه، والخبر في قوله: «فاجلدوا»؛ لأن المعنى: الزانية والزاني مجلودان بحكم الله؛ وهو قول جيد، وهو قول أكثر النحاة. وإن شئت قدّرت الخبر: ينبغي أن يجلدا. وقرأ ابن مسعود «والزان» بغير ياء. الرابعة: ذكر الله سبحانه وتعالى الذَّكَر والأنثى، والزاني كان يكفي منهما؛ فقيل: ذكرهما للتأكيد؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} تفسير : [المائدة: 38]. ويحتمل أن يكون ذكرهما هنا لئلا يظن ظانّ أن الرجل لما كان هو الواطىء والمرأة محل ليست بواطئة فلا يجب عليها حدّ؛ فذكرها رفعاً لهذا الإشكال الذي أوقع جماعة من العلماء منهم الشافعيّ. فقالوا: لا كفارة على المرأة في الوطء في رمضان؛ لأنه قال جامعت أهلي في نهار رمضان؛ فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «كفِّر». فأمره بالكفارة، والمرأةُ ليست بمجامعة ولا واطئة. الخامسة: قُدّمت «الزانية» في هذه الآية من حيث كان في ذلك الزمان زِنَى النساء فاش، وكان لإماء العرب وبغايا الوقت رايات، وكنّ مجاهراتٍ بذلك. وقيل: لأن الزنى في النساء أعر وهو لأجل الحبل أضر. وقيل: لأن الشهوة في المرأة أكثر وعليها أغلب؛ فصدّرها تغليظاً لتَرْدَع شهوتها، وإن كان قد رُكِّب فيها حياء لكنها إذا زنت ذهب الحياء كله. وأيضاً فإن العار بالنساء ألحق إذ موضوعهنّ الحجب والصيانة فقدم ذكرهنّ تغليظاً واهتماماً. السادسة: الألف واللام في قوله: «الزانية والزاني» للجنس، وذلك يعطي أنها عامة في جميع الزناة. ومن قال بالجلد مع الرجم قال: السُّنة جاءت بزيادة حكم فيقام مع الجلد. وهو قول إسحاق بن رَاهْوَيْه والحسن بن أبي الحسن، وفعله عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بشُرَاحة، وقد مضى في «النساء» بيانه. وقال الجمهور: هي خاصة في البكرين، واستدلوا على أنها غير عامّة بخروج العبيد والإماء منها. السابعة: نصّ الله سبحانه وتعالى (على) ما يجب على الزانِيَيْن إذا شُهد بذلك عليهما؛ على ما يأتي، وأجمع العلماء على القول به. واختلفوا فيما يجب على الرجل يوجد مع المرأة في ثوب واحد؛ فقال إسحاق بن رَاهْوَيه: يضرب كل واحد منهما مائة جلدة. وروي ذلك عن عمر وعليّ، وليس يثبت ذلك عنهما. وقال عطاء وسفيان الثَّورِيّ: يؤدّبان. وبه قال مالك وأحمد؛ على قدر مذاهبهم في الأدب. قال ابن المنذر: والأكثر ممن رأيناه يرى على من وُجد على هذه الحال الأدبَ. وقد مضى في «هود» اختيار ما في هذه المسألة، والحمد لله وحده. الثامنة: قوله تعالى: {فَٱجْلِدُواْ} دخلت الفاء لأنه موضع أمر والأمرُ مضارع للشرط. وقال المبَرّد: فيه معنى الجزاء، أي إن زنى زانٍ فافعلوا به كذا، ولهذا دخلت الفاء؛ وهكذا {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا} تفسير : [المائدة: 38]. التاسعة: لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر الإمامُ ومن ناب منابه. وزاد مالك والشافعيّ: السادة في العبيد. قال الشافعيّ: في كل جلد وقطع. وقال مالك: في الجلد دون القطع. وقيل: الخطاب للمسلمين؛ لأن إقامة مراسم الدين واجبة على المسلمين، ثم الإمام ينوب عنهم؛ إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود. العاشرة: أجمع العلماء على أن الجلد بالسَّوْط يجب. والسَّوْط الذي يجب أن يجلد به يكون سوطاً بين سَوْطين، لا شديداً ولا ليِّناً. وروى مالك عن زيد بن أسلم أن رجلاً اعترف على نفسه بالزنى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسَوْط، فأتَى بسَوْط مكسور، فقال: «فوق هذا» فأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: «دون هذا» فأتِي بسوط قد رُكب به ولان. فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلد... الحديث. قال أبو عمر: هكذا رَوى هذا الحديثَ مرسلاً جميعُ رواة الموطّأ، ولا أعلمه يستند بهذا اللفظ بوجه من الوجوه، وقد روى معمر عن يحيـى بن أبي كثير عن النبيّ صلى الله عليه وسلم مثله سواء. وقد تقدّم في «المائدة» ضرب عمر قُدامَة في الخمر بسوط تام. يريد وَسَطاً. الحادية عشرة: اختلف العلماء في تجريد المجلود في الزنى؛ فقال مالك وأبو حنيفة وغيرهما: يجرّد، ويترك على المرأة ما يسترها دون ما يقيها الضرب. وقال الأوزاعِيّ: الإمامُ مخيَّر إن شاء جَرّد وإن شاء ترك. وقال الشَّعْبِيّ والنَّخَعِيّ: لا يجرّد، ولكن يترك عليه قيمص. قال ابن مسعود: لا يحل في هذه الأُمّة تجريد ولا مدّ؛ وبه قال الثورِيّ. الثانية عشرة: اختلف العلماء في كيفية ضرب الرجال والنساء؛ فقال مالك: الرجل والمرأة في الحدود كلّها سواء، لا يقام واحد منهما؛ ولا يجزي عنده إلا في الظهر. وأصحاب الرأي والشافعي يرون أن يُجلد الرجل وهو واقف، وهو قول عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. وقال اللّيْث بن سعد وأبو حنيفة والشافعيّ: الضرب في الحدود كلها وفي التعزير مجرّداً قائماً غير ممدود؛ إلا حدّ القذف فإنه يضرب وعليه ثيابه. وحكاه المهدوِيّ في التحصيل عن مالك. وينزع عنه الحَشْوُ والفَرْو. وقال الشافعي: إن كان مدّه صلاحاً مُدّ. الثالثة عشرة: واختلفوا في المواضع التي تضرب من الإنسان في الحدود؛ فقال مالك: الحدود كلها لا تضرب إلا في الظهر، وكذلك التعزير. وقال الشافعيّ وأصحابه: يُتّقَى الوجه والفرج وتضرب سائر الأعضاء؛ وروي عن عليّ. وأشار ابن عمر بالضرب إلى رِجْلَيْ أَمَة جلدها في الزنى. قال ابن عطية: والإجماع في تسليم الوجه والعورة والمَقاتل. واختلفوا في ضرب الرأس؛ فقال الجمهور: يُتّقَى الرأس. وقال أبو يوسف: يضرب الرأس. وروي عن عمر وابنه فقالا: يضرب الرأس. وضرب عمر رضي الله عنه صَبِيغاً في رأسه وكان تعزيراً لا حدًّا. ومن حجة مالك ما أدرك عليه الناس، وقوله عليه السلام: «حديث : البينةَ وإلا حَدٌّ في ظهرك» تفسير : وسيأتي. الرابعة عشرة: الضرب الذي يجب هو أن يكون مؤلماً لا يَجرح ولا يَبْضَع، ولا يُخرج الضارب يده من تحت إبطه. وبه قال الجمهور، وهو قول عليّ وابن مسعود رضي الله عنهما. وأُتِيَ عمر رضي الله عنه برجل في حدٍّ فأتى بسوط بين سوطين وقال للضارب: اضرب ولا يُرى إبطك؛ وأعط كلّ عضو حقه. وأتى رضي الله عنه بشارب فقال: لأبعثنك إلى رجل لا تأخذه فيك هوادة؛ فبعثه إلى مطيع بن الأسود العدويّ فقال: إذا أصبحت الغد فاضربه الحد؛ فجاء عمر رضي الله عنه وهو يضربه ضرباً شديداً فقال: قتلت الرجل! كم ضربته؟ فقال ستين؛ فقال: أَقِصَّ عنه بعشرين. قال أبو عبيدة: قوله «أَقِصَّ عنه بعشرين» يقول: اجعل شدّة هذا الضرب الذي ضربته قصاصاً بالعشرين التي بقيت ولا تضربه العشرين. وفي هذا الحديث من الفقه أن ضرب الشارب ضرب خفيف. وقد اختلف العلماء في أشد الحدود ضرباً وهي: الخامسة عشرة: فقال مالك وأصحابه واللّيث بن سعد: الضرب في الحدود كلها سواء، ضربٌ غير مُبَرِّح، ضربٌ بين ضربين. وهو قول الشافعيّ رضي الله عنه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: التعزير أشدّ الضرب؛ وضرب الزنى أشدّ من الضرب في الخمر، وضرب الشارب أشدّ من ضرب القذف. وقال الثَّوْرِيّ: ضرب الزنى أشدّ من ضرب القذف، وضرب القذف أشدّ من ضرب الخمر. احتج مالك بورود التوقيف على عدد الجلدات، ولم يَرِد في شيء منها تخفيف ولا تثقيل عمن يجب التسليم له. احتج أبو حنيفة بفعل عمر، فإنه ضرب في التعزير ضرباً أشدّ منه في الزنى. احتج الثورِيّ بأن الزنى لما كان أكثر عدداً في الجلدات استحال أن يكون القذف أبلغ في النكاية. وكذلك الخمر؛ لأنه لم يثبت فيه الحد إلا بالاجتهاد، وسبيل مسائل الاجتهاد لا يقوي قوّة مسائل التوقيف. السادسة عشرة: الحدّ الذي أوجب الله في الزنى والخمر والقذف وغير ذلك ينبغي أن يقام بين أيدي الحكام، ولا يقيمه إلا فضلاء الناس وخيارهم يختارهم الإمام لذلك. وكذلك كانت الصحابة تفعل كلما وقع لهم شيء من ذلك، رضي الله عنهم. وسبب ذلك أنه قيام بقاعدة شرعية وقُرْبةٍ تعبُّديّة، تجب المحافظة على فعلها وقدرها ومحلها وحالها، بحيث لا يُتعدّى شيء من شروطها ولا أحكامها؛ فإن دم المسلم وحرمته عظيمة، فتجب مراعاته بكل ما أمكن. روى الصحيح عن حُضين بن المنذر أبي ساسان قال: شهدت عثمان بن عفان وأتِي بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم؟ فشهِد عليه رجلان، أحدهما حُمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ؛ فقال عثمان: إنه لم يتقيّأ حتى شربها؛ فقال: يا عليّ قم فاجلده. فقال عليّ: قم يا حسن فاجلده. فقال الحسن: وَلِّ حارّها من تَوَلَّى قارّها (فكأنه وَجَد عليه) فقال: يا عبد الله بن جعفر، قم فاجلده؛ فجلده وعليّ يَعُدّ... الحديث. وقد تقدم في المائدة. فانظر قول عثمان للإمام عليّ: قم فاجلده. السابعة عشرة: نص الله تعالى على عدد الجلد في الزنى والقذف، وثبت التوقيف في الخمر على ثمانين من فعل عمر في جميع الصحابة ـ على ما تقدم في المائدة ـ فلا يجوز أن يُتعدَّى الحد في ذلك كله. قال ابن العربيّ: «وهذا ما لم يتتابع الناس في الشر ولا احْلَوْلت لهم المعاصي، حتى يتخذوها ضَراوة ويعطفون عليها بالهوادة فلا يتناهوْا عن منكرٍ فعلوه؛ فحينئذٍ تتعيّن الشدّة ويزاد الحدّ لأجل زيادة الذنب. وقد أتِيَ عمر بسكران في رمضان فضربه مائة؛ ثمانين حدّ الخمر وعشرين لهتك حرمة الشهر. فهكذا يجب أن تركّب العقوبات على تغليظ الجنايات وهتك الحرمات. وقد لعب رجل بصبيّ فضربه الوالي ثلثمائة سوط فلم يغيّر (ذلك) مالك حين بلغه، فكيف لو رأى زماننا هذا بهتك الحرمات والاستهتار بالمعاصي، والتظاهر بالمناكر وبيع الحدود واستيفاء العبيد لها في منصب القُضاة، لمات كمداً ولم يجالس أحداً؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل». قلت: ولهذا المعنى ـ والله أعلم ـ زِيد في حدّ الخمر حتى انتهى إلى ثمانين. وروى الدّارَقُطْنِيّ «حدّثنا القاضي الحسين بن إسماعيل حدّثنا يعقوب بن إبراهيم الدّوْرَقِيّ حدّثنا صفوان بن عيسى حدّثنا أسامة بن زيد عن الزهريّ قال: أخبرني عبد الرحمن بن أزهر قال: حديث : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حُنين وهو يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأتِي بسكران، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن عنده فضربوه بما في أيديهم. وقال: وحَثَا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الترابتفسير : . قال: ثم أتِيَ أبو بكر رضي الله عنه بسكران، قال: فتوخّى الذي كان مِن ضربهم يومئذٍ؛ فضرب أربعين. قال الزهريّ: ثم أخبرني حميد بن عبد الرحمن عن ابن وَبَرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر، قال: فأتيته ومعه عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وعليّ وطلحة والزبير وهم معه متكئون في المسجد فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر! وتحاقروا العقوبة فيه؛ فقال عمر: هم هؤلاء عندك فسَلْهم. فقال عليّ: نراه إذا سكِر هَذَى وإذا هَذَى افترى وعلى المفتري ثمانون؛ قال فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال. قال: فجلد خالد ثمانين وعمرُ ثمانين. قال: وكان عمر إذا أتِي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الذلّة ضربه أربعين. قال: وجلد عثمان أيضاً ثمانين وأربعين». ومن هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو تأخر الهلال لزدتكم» تفسير : كالمُنَكِّل لهم حين أبْوا أن ينتهوا. في رواية: «حديث : لو مُدّ لنا الشهر لواصلنا وصالاً يَدَع المتعمِّقون تعمّقهم»تفسير : . وروى حامد بن يحيـى عن سفيان عن مِسْعَر عن عطاء بن أبي مَرْوان أن عليًّا ضرب النجاشيّ في الخمر مائة جلدة؛ ذكره أبو عمر ولم يذكر سببه. الثامنة عشرة: قوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ} أي لا تمتنعوا عن إقامة الحدود شفقةً على المحدود، ولا تخففوا الضرب من غير إيجاع؛ هذا قول جماعة أهل التفسير. وقال الشَّعْبِيّ والنَّخَعِيّ وسعيد بن جُبير: «لا تأخذكم بِهِما رأفةٌ» قالوا في الضرب والجلد. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: إقامة حدّ بأرضٍ خيرٌ لأهلها من مطر أربعين ليلة؛ ثم قرأ هذه الآية. والرأفة أرقّ الرحمة. وقرىء «رأَفةٌ» بفتح الألف على وزن فَعَلة. وقرىء «رآفة» على وزن فَعالة؛ ثلاث لغات، وهي كلها مصادر، أشهرها الأولى؛ من رَأُف إذا رَقّ ورَحِم. ويقال: رأْفة ورآفة؛ مثل كَأْبة وكآبة. وقد رَأَفْتُ به ورأُفْت به. والرؤوف من صفات الله تعالى: العطوفُ الرحيم. التاسعة عشرة: قوله تعالى: {فِي دِينِ ٱللَّهِ} أي في حُكم الله؛ كما قال تعالى: {أية : مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ} تفسير : [يوسف: 76] أي في حكمه. وقيل: «في دِينِ اللَّهِ» أي في طاعة الله وشرعه فيما أمركم به من إقامة الحدود. ثم قرّرهم على معنى التثبيت والحضّ بقوله تعالى: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ}. وهذا كما تقول لرجل تحضّه: إن كنت رَجلاً فافعل كذا! أي هذه أفعال الرجال. الموفية عشرين: قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قيل: لا يشهد التعذيب إلا من لا يستحق التأديب. قال مجاهد: رَجُلٌ فما فوقه إلى ألف. وقال ابن زيد: لا بدّ من حضور أربعة قياساً على الشهادة على الزنى، وأن هذا باب منه؛ وهو قول مالك والليث والشافعيّ. وقال عكرمة وعطاء: لا بدّ من اثنين؛ وهذا مشهور قول مالك، فرآها موضع شهادة. وقال الزهريّ: ثلاثة؛ لأنه أقلّ الجمع. الحسن: واحد فصاعداً، وعنه عشرة. الربيع: ما زاد على الثلاثة. وحجة مجاهد قوله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} تفسير : [التوبة: 122]، وقولُه: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ} تفسير : [الحجرات: 9]، ونزلت في تقاتل رجلين؛ فكذلك قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. والواحد يسمى طائفة إلى الألف؛ وقاله ابن عباس وإبراهيم. وأمر أبو بَرْزَة الأسلميُّ بجارية له قد زنت وولدت فألقى عليها ثوباً، وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضربة غير مُبَرِّح ولا خفيفٍ لكن مؤلم، ودعا جماعة ثم تلا {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. الحادية والعشرون: اختلف في المراد بحضور الجماعة، هل المقصود بها الإغلاظ على الزُّناة والتوبيخُ بحضرة الناس، وأن ذلك يُرْدِع المحدود، ومن شَهِده وحضره يتّعظ به ويزدجر لأجله، ويَشيِع حديثُه فيَعْتبر به مَن بعده، أو الدعاء لهما بالتوبة والرحمة؛ قولان للعلماء. الثانية والعشرون: روي عن حُذيفة رضي الله عنه أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يا معاشر الناس اتقوا الزنى فإن فيه ستَّ خصال ثلاثاً في الدنيا وثلاثاً في الآخرة فأما اللواتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر ويَنْقُص العمر وأما اللواتي في الآخرة فيوجب السخط وسوء الحساب والخلود في النار»تفسير : . وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أعمال أمتي تعرض عليّ في كل جمعة مرتين فاشتد غضب الله على الزناة»تفسير : . وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كان ليلة النصف من شعبان اطلع الله على أمتي فغفر لكل مؤمن لا يشرك بالله شيئاً إلا خمسةً ساحراً و كاهناً و عاقاً لوالديه و مدمِنَ خمر و مصِرًّا على الزنى»
البيضاوي
تفسير : {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي} أو فيما فرضنا أو أنزلنا حكمها وهو الجلد، ويجوز أن يرفعا بالإِبتداء والخبر: {فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ} والفاء لتضمنها معنى الشرط إذ اللام بمعنى الذي، وقرىء بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر وهو أحسن من نصب سورة لأجل الأمر والزان بلا ياء، وإنما قدم {ٱلزَّانِيَةُ} لأن الزنا في الأغلب يكون بتعرضها للرجل وعرض نفسها عليه ولأن مفسدته تتحقق بالإِضافة إليها، والجلد ضرب الجلد وهو حكم يخص بمن ليس بمحصن لما دل على أن حد المحصن هو الرجم، وزاد الشافعي عليه تغريب الحر سنة لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام»تفسير : وليس في الآية ما يدفعه لينسخ أحدهما الآخر نسخاً مقبولاً أو مردوداً، وله في العبد ثلاثة أقوال. والإِحصان: بالحرية والبلوغ والعقل والإِصابة في نكاح صحيح، واعتبرت الحنفية الإِسلام أيضاً وهو مردود برجمه عليه الصلاة والسلام يهوديين، ولا يعارضه «حديث : من أشرك بالله فليس بمحصن» تفسير : إذ المراد بالمحصن الذي يقتص له من المسلم. {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} رحمة. {فِي دِينِ ٱللَّهِ} في طاعته وإقامة حده فتعطلوه أن تسامحوا فيه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام «حديث : لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها»تفسير : وقرأ ابن كثير بفتح الهمزة وقرئت بالمد على فعالة. {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} فإن الإِيمان يقتضي الجد في طاعة الله تعالى والاجتهاد في إقامة حدوده وأحكامه، وهو من باب التهييج. {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } زيادة في التنكيل فإن التفضيح قد ينكل أكثر مما ينكل التعذيب، والـ {طَائِفَةٌ } فرقة يمكن أن تكون حافة حول شيء من الطوف وأقلها ثلاثة وقيل واحداً واثنان، والمراد جمع يحصل به التشهير.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى } أي غير المحصنين لرجمهما بالسنة (وأل) فيما ذكر موصولة وهو مبتدأ ولشبهه بالشرط دخلت الفاء في خبره وهو {فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } أي ضربة يقال (جَلَدَه) ضَرَبَ جِلدَهُ ويزاد على ذلك بالسنة تغريب عام، والرقيق على النصف مما ذكر {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ } أي حكمه بأن تتركوا شيئاً من حدهما {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ } أي يوم البعث في هذا تحريض على ما قبل الشرط وهو جوابه أو دالّ على جوابه {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا } أي الجلد {طَائِفَةٌ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قيل ثلاثة وقيل أربعة عدد شهود الزنا.
ابن عبد السلام
تفسير : {الزَّانِيَةُ} بدأ بها لأن شهوتها أغلب وزناها أعرُّ ولأجل الحبل أضر {فَاجْلِدُواْ} أخذ الجلد من وصول الضرب إلى الجلد، وهو أكبر حدود الجلد؛ لأن الزنا أعظم من القذف، وزادت السنة التغريب وحد المحصن بالسنة بياناً لقوله {أية : أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً}تفسير : [النساء: 15] أو ابتداء فرض {فِى دِينِ اللَّهِ} في طاعته {رَأْفَةٌ} رحمة نهى عن آثارها من تخفيف الضرب إذ لا صنع للمخلوق في الرحمة. {تُؤْمِنُونَ} تطيعونه طاعة المؤمنين {عَذَابَهُمَا} حدهما {طَآئِفَةٌ} أربعة فما زاد أو ثلاثة، أو اثنان، أو واحد، وذلك للزيادة في نكاله.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} الزنا هو من الكبائر وموجب للحد وهو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً. والشروط المعتبرة في وجوب الحد العقل والبلوغ ويشترط الإحصان في الرجم ويجب على العبد والأمة نصف الحد ولا رجم عليهما لأنه لا يتنصف وقوله فاجلدوا أي فاضربوا يقال جلده إذا ضرب جلده ولا يضرب بحيث يبلغ اللحم كل واحد منهما أي الزانية والزاني مائة جلدة. وقد وردت السنة بجلد مائة وتغريب عام وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة التغريب إلى رأي الإمام وقال مالك يجلد الرجل مائة جلدة ويغرب وتجلد المرأة ولا تغرب وإن كان الزاني محصناً فعليه الرجم {ولا تأخذكم بهما رأفة} أي رحمة ورقة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها. وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي الشعبي وقيل معنى الرأفة أن تحفظوا الضرب بل أوجعوهما ضرباً وهو قول سعيد بن المسيب والحسن. قال الزهري يجتهد في حد الزنا والفرية أي القذف ويخفف في حد الشرب وقيل يجتهد في حد الزنا ويخفف دون ذلك في حد الفرية دون ذلك في حد الشرب {في دين الله} أي في حكم الله. وروي أن عبد الله بن عمر جلد جارية له زنت فقال للجلاد اضرب ظهرها ورجليها فقال له ابنه ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله فقال يا بني إن الله لم يأمرني بقتلها وقد ضربت فأوجعت {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} معناه أن المؤمن لا تأخذه الرأفة إذا جاء أمر الله وقيل هو من باب التهييج، والتهاب التغضب لله تعالى ولدينه ومعناه إن كنتم تؤمنون فلا تتركوا إقامة الحدود {وليشهد} يعني وليحضر {عذابهما} أي حدهما إذا أقيم عليهما {طائفة} يعني نفر {من المؤمنين} قيل أقله رجل واحد فصاعداً وقيل رجلان وقيل ثلاثة وقيل أربعة بعدد شهود الزنا. قوله عزّ وجلّ {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها فقال قوم قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء لا مال لهم ولا عشائر وفي المدنية نساء بغايا هنّ أخصب أهل المدينة فرغب ناس من فقراء المسلمين في نكاحهن لينفقن عليهم فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فنزلت هذه الآية فحرم على المؤمنين أن يتزوجوا تلك البغايا لأنهنّ كن مشركات. وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والزهري والشعبي ورواية عن ابن عباس. وقال عكرمة نزلت في نساء كن بمكة والمدينة لهن رايات يعرفن بها منهن أم مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي. وكان في الجاهلية ينكح الزانية ويتخذها مأكله فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الصفة فاستأذن رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم في نكاح أم مهزول واشترطت له أن تنفق عليه فأنزل الله عزّ وجلّ هذه الآية وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: حديث : كان رجل يقال له مرثد بن مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة وكانت بمكة بغي يقال لها عناق وكانت صديقة له في الجاهلية فلما أتى مكة دعته عناق إلى نفسها. فقال مرثد إن الله حرم الزنا قالت فانكحني فقال حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فأتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أنكح عناقاً؟ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد شيئاً فنزلت الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زانٍ أو مشرك فدعاني فقرأها علي وقال لا تنكحهاتفسير : . أخرجه الترمذي والنسائي وأبو داود بألفاظ متقاربة المعنى فعلى قول هؤلاء كان التحريم خاصاً في حق أولئك دون سائر الناس. وقال قوم المراد من النكاح هو الجماع ومعنى الآية الزاني لا يزني إلا بزانية أو مشركة والزانية لا تزني إلا بزانٍ أو مشرك. وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك ورواية عن ابن عباس قال يزيد بن هارون إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك وإن جامعها وهو محرم فهو زانٍ. وكان ابن مسعود يحرم نكاح الزانية ويقول إذا تزوج الزاني الزانية فهما زانيان وقال سعيد بن المسيب وجماعة إن حكم الآية منسوخ وكان نكاح الزانية حراماً بهذه الآية ثم نسخت بقوله تعالى {وأنكحوا الأيامى منكم} فدخلت الزانية في هذا العموم واحتج من جوز نكاح الزانية بما روي عن جابر: حديث : أن رجلاً أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن امرأتي لا تمنع يد لامس فقال طلقها قال إني أحبها وهي جميلة قال استمتع بهاتفسير : وفي رواية غيره فأمسكها إذاً وروى هذا الحديث أبو داود والنسائي عن ابن عباس قال النسائي رفعه أحد الرواة إلى ابن عباس ولم يرفعه بعضهم قال وهذا الحديث ليس بثابت. وروي أنّ عمر بن الخطاب ضرب رجلاً وامرأة في زنا وحرص على أن يجمع بينهما فأبى الغلام وقيل في معنى الآية إن الفاجر الخبيث لا يرغب في نكاح الصالحة من النساء وإنما يرغب في نكاح فاجرة خبيثة مثله أو مشركة والفاسقة الخبيثة لا ترغب في نكاح الصلحاء من الرجال وإنما ترغب في نكاح فاسق خبيث مثلها أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين أي صرف الرغبة بالكلية إلى نكاح الزواني وترك الرغبة في الصالحات العفائف محرم على المؤمنين ولا يلزم من حرمة هذا حرمة التزوج بالزانية.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} قال: في الحدِّ أن يقام عليهم ولا يعطل. أما أنه ليس بشدة الْجَلْدِ. أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد {ولا تأخذكم بهما رأفة} قال: في اقامة الحد. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك {ولا تأخذكم بهما رأفة} قال: في تعطيل الحد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمران بن حدير قال: قلت لأبي مجلز {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} قال: انا لنرجم الرجل أو يجلد أو يقطع قال: ليس كذاك، إنما هو إذا رفع للسلطان فليس له أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن {ولا تأخذكم بهما رأفة} قال: الجلد الشديد. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم وعامر {ولا تأخذكم بهما رأفة} قالا: شدة الجلد في الزنا، ويعطى كل عضو منه حقه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن شعبة قال: قلت لحماد: الزاني يضرب ضرباً شديداً؟ قال: نعم ويخلع عنه ثيابه قال الله {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} قلت له: إنما ذلك في الحكم قال: في الحكم والجلد. وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عمرو بن شعيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : قد قضى الله ورسوله إن شهد أربعة على بكرين جلدا كما قال الله مائة جلدة، وغربا سنة غير الأرض التي كان بها، وتغريبهما سنتي ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عمر؛ أن جارية لابن عمر زنت، فضرب رجليها وظهرها فقلت: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} فقال:إن الله لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجلد رأسها، وقد أوجعت حيث ضربت. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي برزة الاسلمي، أنه أتي بأمة لبعض أهله قد زنت وعنده نفر نحو عشرة، فأمر بها فاجلست في ناحية، ثم أمر بثوب فطرح عليها، ثم أعطى السوط رجلاً فقال: اجلد خمسين جلدة ليس باليسير ولا بالخضفة، فقام فجلدها وجعل يفرق عليها الضرب، ثم قرأ {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} قال: الطائفة الرجل فما فوقه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} قال: الطائفة عشرة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: الطائفة واحد إلى الألف. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، ليكون ذلك عبرة وموعظة ونكالاً لهم. وأخرج ابن جرير عن عكرمة في الآية قال: ليحضر رجلان فصاعداً. وأخرج ابن جرير عن الزهري قال: الطائفة الثلاثة فصاعداً. وأخرج عن ابن زيد في الآية قال: الطائفة أربعة. وأخرج ابن أبي حاتم عن نصر بن علقمة في قوله {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} قال: ليس ذلك للفضيحة، إنما ذاك ليدعو الله لهما بالتوبة والرحمة. وأخرج ابن أبي شيبة عن الشيباني قال: قلت لابن أبي أوفى رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قلت: بعدما أنزلت سورة النور أو قبلها؟ قال: لا أدري.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ} [الآية: 2]. قال بعضهم: إن كنتم من أهل عودتى ومحبتى فخالفوا من يخالف أمرى أو يرتكب نهيًا، ولا يكون محبًا من يصير على مخالفتى. قال الجنيد رحمه الله: الشفقة على المخالفين كالإعراض على المنافقين. {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} [الآية: 2]. قال الواسطى رحمه الله: جعل للمؤمن فى كل نظرة فائدة فمن يتعظ استفاد، ومن غفل حجب وخاب. قوله تعالى وتقدس: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [الآية: 2]. قال أبو بكر بن طاهر: لا يشهد مواضع التأديب إلا من لا يستحق التأديب وهم طائفة من المؤمنين لا المؤمنون أجمع. وقال أبو عثمان: فى هذه الآية أولئك طائفة يصلحون لمشاهدة ذلك المشهد بصحة إيمانهم، وتمام شفقتهم ورأفتهم، ورحمتهم ورؤية نعم الله حيث عافاهم مما ابتلى غيرهم، ولا يعيرون المبتلى لعلمهم بجريان المقدور، ولا يشهد ذلك المشهد سفهاء من الناس ومن لا يعرف موضع النعمة فى الدفع.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}. والعقوبة على الزنا شديدة أكيدة، ولكن جعل إثباتَ أمره وتقريرَ حُكْمِه والقطعَ بكونه على أكثر الناسِ خصلةً عسيرةً بعيدةً؛ إذ لا تُقْبَلُ الشهادةُ عليه حتى يقولُ: رأيتُ ذلك منه في ذلك منها! وذلك أمرٌ ليس بالهيِّن، فسبحان مَنْ أَعْظَمَ العقوبةَ على تلك الفَعْلَةِ الفحشاء، ثم جعل الأمر في إثباتها بغاية الكدِّ والعناء! وحين اعترف واحدٌ له بذلك قال له صلى الله عليه وسلم:"حديث : لعلَّك قَبَّلْتَ... لعلَّك لامَسْتَ" تفسير : وقال لبعض أصحابه. "استنكهوه" وكلُّ ذلك رَوْماً لِدَرْءِ الحدِّ عنه، إلى أن ألحَّ وأصرَّ على الاعتراف. قوله جل ذكره: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}. ما يأمر به الحقُّ فالواجب مقابلته بالسمع والطوع. والرحمة من موجب الشرع وهو المحمود، فأمّا ما يقتضيه الطَّبعُ والعادة والسوء فمذمومٌ غيرُ محمود. ونهى عن الرحمة على من خَرَقَ الشرعَ، وتَرَكَ الأمرَ، وأساءَ الأدبَ، وانتصبَ في مواطنِ المخالفة. ويقال نهانا عن الرحمة بهم، وهو يرحمهم بحيث لا يمحو عنهم - بتلك الفَعْلة الفحشاء - رقم الإيمان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"تفسير : ولولا رحمته لما استبقى عليه حُلّة إيمانه مع قبيح جُرْمِهِ وعصيانه. قوله جل ذكره: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. أي لِيَكُونَ عليهم أشَدَّ، وليكون تخويفاً لمتعاطي ذلك الفعل، ثم من حقِّ الذين يشهدون ذلك الموضعَ أن يتذكروا عظيمَ نعمةِ الله عليهم أنهم لم يفعلوا مِثْله، وكيف عَصَمَهم من ذلك. وإن جرى منهم شيءٌ من ذلك يذكروا عظيمَ نعَمةِ الله عليهم؛ كيف سَتَرَ عليهم ولم يفضحهم، ولم يُقِمْهم في الموضع الذي أقام فيه هذا المُبْتَلَى به وسبيلُ من يشهد ذلك الموضعَ ألا يُعَيِّرَ صاحبَه بذلك، وألا ينسى حُكْمَ الله تعالى في إقدامه على جُرْمِه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ} ان كنتم تشاهدون عظمتى وجلالى فلا تراهنوا فى دينى وكونوا موافقين لامرى حيث او اخذ احد بقهرى عند ---- فى حد من حدودى قال بعضهم ان كنتم من اهل مودتى ومحبتى فخالفوا من خالف امرى او يرتكب فى فلا يكون محبا من يصير على مخالفة حبيبه وقال الجنيد الشفقة على المخالفين كالاعراض عن الموافقين وقال الواسطى للمؤمن فى كل خطوة فائدة فمن--- استفاد من غفل حجب وخاب قوله تعالى {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} زجر النفوس الامارة لتتعظ برؤية ----- وتنزجر عن معصية الله وتعرف الله يقطع انساب الخليقة من جلال الحقيقة فات العبودية حقوق الربوبية قال ابو بكر ظاهر لا يشهد مواضع التاديب الا من لا يستحق التاديب وهم طائفة من المؤمنين لا المؤمنون اجمع.
اسماعيل حقي
تفسير : { الزانية والزانى} شروع فى تفصيل ما ذكر من الآيات البينات وبيان احكامها والزنى وطىء المرأة من غير عقد شرعى وقد يقصر واذا مد يصح ان يكون مصدر المفاعلة والنسبة اليه زنوى كذا فى المفردات والزانية هى المرأة المطاوعة للزنى الممكنة منه كما ينبىء عنه الصيغة لا المزينة كرها وتقديمها على الزانى لما ان زنى النساء من اماء العرب كان فاشيا فى ذلك الزمان او لانها الاصل فى الفعل لكون الداعية فيها اوفر والشهوة اكثر ولولا تمكينها منه لم يقع ورفعها على الابتداء والخبر قوله {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط اذ اللام بمعنى الموصول والتقدير التى زنت والذى زنى. والجلد ضرب الجلد بالكسر وهو قشر البدن يقال جلده ضرب جلده نحو بطنه وظهره اذا ضرب بطنه وظهره او معنى جلده ضربه بالجلد نحو عصاه اذا ضربه بالعصا ومائة نصب على المصدر: والمعنى بالفارسية [بس بزنيد اى اهل واحكام هربكى را ازان هردو صد تازيانه] وكان هذا عاما فى المحصن وغيره وقد نسخ فى حق المحصن قطعا ويكفينا فى حق الناسخ القطع بانه عليه السلام قد رجم ما عزا وغيره فيكون من باب نسخ الكتاب بالسنة المشهورة فحد المحصن هو الرجم وحد غير المحصن هو الجلد. وشرائط الاحصان فى باب الرجم ست عند ابى حنيفة الاسلام والحرية والعقل والبلوغ والنكاح الصحيح والدخول فلا احصان عند فقد واحدة منها وفى باب القذف الاربع الاول والعفة فمعنى قولهم رجم محصن اى مسلم حر عاقل بالغ متزوج وذو دخول ومعنى قولهم قذف محصنا اى مسلما حرا عاقلا بالغا عفيفا واذا فقدت واحدة منها فلا احصان {ولا تأخذكم بهما رأفة} رحمة ورقة، وفى البحر الرأفة ارق الرحمة: وبالفارسية [مهربانى كردن] وتنكيرها للتقليل اى لا يأخذكم بهما شىء من الرأفة قليل من هذه الحقيقة، وبالفارسية [وفرانكيرد شمارا باين روزناكننده مهربانى] {فى دين الله} فى طاعته واقامة حده فتعطلوه او تسامحوا فيه بعدم الايجاع ضربا والتكميل حدا وذلك ان المضروب يفعل اثناء الضرب افعالا غريبة ويتضرع ويستغيث ويسترحم وربما يغشى عليه فيرأف به الامام او الضارب او بعض الحاضرين لا سيما اذا كان احب الناس اليه كالولد والاخ مثلا فلا يستوفى حدالله وحقه ولا يكمل جلد مائة بل ينقصه بترك شىء منها او يخفف الضرب فنهاهم الله عن ذلك، وفيه تنبيه على ان الله تعالى اذا اوجب امرا قبح استعمال الرحمة فيه وفى الحديث "حديث : يؤتى بوال نقص من حد سوطا فيقال لم نقصت فيقول رحمة لعبادك فيقال له انت ارحم منى انطلقوا به الى النار ويؤتى بمن زاد سوطا فيقال لم زدت فيقول لينتهوا عن معاصيك فيقال له انت احكم منى فيؤمر به الى النار"تفسير : ، قال فى الاسئلة المقحمة ان الله نهى عن الرأفة والرحمة وعلى هذا ان وجدنا واحدا بقلبه اشفاق على اخيه المسلم حيث وقع فى المعصية يؤاخذ بها والجواب انه لم يرد الرأفة الجبلية والرحمة الغريزية فانها لا تدخل تحت التكليف وانما اراد بذلك الرأفة التى تمنع عن اقامة حدود الله وتفضى الى تعطيل احكام الشرع فهى منهى عنها، قال فى بحر العلوم وفيه دلالة على ان المخاطبين يجب عليهم ان يجتهدوا فى حد الزنى ولا يخففوا الضرب بل يوجعوها ضربا وكذلك حد القذف عند الزهرى لاحد الشرب وعن قتادة يخفف فى حد الشرب والقذف ويجتهد فىحد الزنى {ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} من باب التهييج والتهاب الغضب لله ولدينه فان الايمان بهما يقتضى الجد فى طاعته والاجتهاد فى اجراء الاحكام. قال الجنيد رحمه الله الشفقة على المخالفين كالاعراض عن الموافقين وذكر اليوم الآخر لتذكر ما فيه من العقاب فى مقابلة المسامحة والتعطيل وانما سمى يوم القيامة اليوم الآخر لانه يكون بعده ليل فيصير كله بمنزلة يوم واحد وقد قيل انه تجتمع الانوار كلها وتصير فى الجنة يوما واحدا وتجتمع الظلمات كلها وتصير فى النار ليلة واحدة {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} الشهود الحضور والعذاب الايجاع الشديد. قال بعضهم التعذيب اكثار الضرب بعذبة السوط اى طرفه وقيل غير ذلك وفى تسميته عذابا دليل على انه عقوبة ويجوز ان يسمى عذابا لانه الم مانع من المعاودة كما سمى نكالا اى عقابا يردع عن المعاودة والطائفة فرقة يمكن ان تكون حافة حول الشىء وحلقة من الطوف والمراد به جمع يحصل به التشهير والزجر وقوله من المؤمنين لان الفاسق من صلحاء قومه اخجل وظاهر الامر الوجوب لكن الفقهاء قالوا بالاستحباب. والمعنى لتحضره زيادة فى التنكيل فان التفضيح قد ينكل اكثر مما ينكل التعذيب: وبالفارسية [وبايد كه حاضر شونددر وقت عذاب آن دوتن يعنى درزمان اقامت برايشان كروهى ازمؤمنان تاتشهيرايشان حاصل وآن تفضيح مانع كردد ازمعاودت بامثال آن عمل] فحد غير المحصن جلد مائة وسطا بسوط لاثمرة له ويجلد الرجل قائما وينزع عنه ثيابه الا ازاره ويفرق على بدنه الا رأسه ووجهه وفرجه وتجلد المرأة قاعدة لا ينزع من ثيابها الا الحشو والفرو وجاز الحفر لها لا له ولا يجمع بين جلد ورجم ولا بين جلد ونفى الا سياسة ويرجم مريض زنى ولا يجلد حتى يبرأ وحامل زنت ترجم حين وضعت وتجلد بعد النفاس وللعبد نصفها ولا يحده سيده الا باذن الامام خلافا للشافعى وفى الحديث "حديث : اقامة حد بارض خير لاهلها من مطر اربعين ليلة"تفسير : ، واعلم ان الزنى حرام وكبيرة ـ روى ـ حذيفة رضى الله عنه عنه عليه السلام يا معشر الناس اتقوا الزنى فان فيه ست خصال ثلاث فى الدنيا وثلاث فى الآخرة. اما التى فى الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر. واما التى فى الآخرة فسخط الله وسوء الحساب وعذاب النار ومن الزنى زنى النظر والنظرة سهم مسموم من سهام ابليس: وفى المثنوى شعر : اين نظر ازدور جون تيراست وسم عشقت افزون ميكند صبر توكم تفسير : وفى التأويلات النجمية قوله {الزانية والزانى} يشير الى النفس اذا زنت وزناها بان استسلمت لتصرفات الشيطان والدنيا فيها بما نهاها الله عنه والى الروح اذا زنى وزناه تصرفه فى الدنيا وشهواتها مما نهاه الله عنه {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} من الجوع وترك الشهوات والمرادات تزكية لهما {وتأديبا ولا تأخذكم بها رأفة فى دين الله} يعنى اذا ادعيتم محبة الله فابغضوا مخالفى امره ولا ترحموا انفسكم وارواحكم على مخالفة الله فانهم يظلمون انفسهم بجهلهم بحالهم وان رحمتكم عليهم فى ترك تزكيتهم وتأديبهم كترك الوالد علاج ولده المريض شفقة عليه لينهكه المرض فادبوهما {ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} يشير الى شهود اهل الصحبة وان يزكى النفس ويؤدب الروح بمشهد شيخ واصل كامل ليحفظه من طرفى الافراط والتفريط ويهديه الى صراط مستقيم هو صراط يسلكه فيه شعر : قطع اين مرحلة بنى همرهىء خضر مكن ظلما تست بترس از خطر كمراهى
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير الا ابن فليح {رآفة} بفتح الهمزة على وزن (فعالة). الباقون بسكونها، وهما لغتان في المصدر، يقال: رأف رأفة مثل كرم كرماً. وقيل: رآفة مثل سقم سقامة. والرأفة رقة الرحمة. أمر الله تعالى فى هذه الآية: أن يجلد الزاني، والزانية اذا لم يكونا محصنين {كل واحد منهما مئة جلدة} واذا كانا محصنين أو أحدهما، كان على المحصن الرجم بلا خلاف. وعندنا انه يجلد اولا مئة جلدة ثم يرجم، وفي اصحابنا من خص ذلك بالشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا محصنين، فأما اذا كانا شابين محصنين لم يكن عليهما غير الرجم، وهو قول مسروق. وفي ذلك خلاف ذكرناه فى خلاف الفقهاء. والاحصان الذي يوجب الرجم هو أن يكون له زوج يغدو اليه ويروح على وجه الدوام، وكان حرّاً. فأما العبد، فلا يكون محصناً، وكذلك الأمة لا تكون محصنة، وانما عليهما نصف الحد: خمسون جلدة، والحر متى كان عنده زوجة يتمكن من وطئها مخلى بينه وبينها سواء كانت حرة او أمة، او كان عنده أمة يطؤها بملك اليمين، فانه متى زنا وجب عليه الرجم، ومن كان غائباً عن زوجته شهراً فصاعداً أو كان محبوساً او هي محبوسة هذه المدة، فلا أحصان. ومن كان محصناً على ما قدمناه ثم ماتت زوجته أو طلقها بطل احصانه. وفى جميع ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه فى الخلاف. والخطاب بهذه الآية وان كان متوجهاً الى الجماعة، فالمراد به الأئمة بلا خلاف، لانه لا خلاف أنه ليس لاحد اقامة الحدود إلا للامام أو من يوليه الامام. ومن خالف فيه لا يعتد بخلافه. والزنا هو وطؤ المرأة في الفرج من غير عقد شرعي ولا شبهة عقد شرعي مع العلم بذلك أو غلبة الظن. وليس كل وطئ حرام زناً، لانه قد يطؤ امرأته فى الحيض والنفاس، وهو حرام، ولا يكون زناً، وكذلك لو وجد امرأة على فراشه، فظنها زوجته او أمته فوطأها لم يكن ذلك زناً، لانه شبهة. وقوله {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} قال مجاهد وعطاء ابن أبي رياح وسعيد بن جبير وابراهيم: معناه لا تمنعنكم الرأفة والرحمة من اقامة الحد. وقال الحسن وسعيد بن المسيب وعامر الشعبي وحماد: لا يمنعكم ذلك من الجلد الشديد. (والرأفة) بسكون الهمزة. والرآفة - بفتح الهمزة - مثل الكأبة والكآبة، والسأمة والسآمة، وهما لغتان، وبفتح الهمزة قرأ ابن كثير على ما قدمناه. وقوله {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} أي إن كنتم تصدقون بما وعد الله وتوعد عليه، وتقرون بالبعث والنشور، فلا تأخذكم فى من ذكرناه الرأفة، ولا تمنعكم من اقامة الحد على من ذكرناه، وقوله {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} قال مجاهد وابراهيم: الطائفة رجل واحد. وعن ابي جعفر (ع) ان اقله رجل واحد. وقال عكرمة: الطائفة رجلان فصاعداً. وقال قتادة والزهري: هم ثلاثة فصاعداً. وقال ابن زيد: اقله اربعة. وقال الجبائي: من زعم ان الطائفة اقل من ثلاثة فقد غلط من جهة اللغة، ومن جهة المراد بالآية، من احتياطه بالشهادة. وقال: ليس لأحد ان يقيم الحد إلا الأئمة وولاتهم، ومن خالف فيه فقد غلط، كما انه ليس للشاهد ان يقيم الحد. وقد دخل المحصن فى حكم الآية بلا خلاف. وكان سيبويه يذهب الى ان التأويل: في ما فرض عليكم، الزانية والزاني، ولولا ذلك لنصب بالأمر. وقال المبرد: إذا رفعته ففيه معنى الجزاء، ولذلك دخل الفاء فى الخبر، والتقدير التي تزني، والذي يزني، ومعناه من زنى فاجلدوه، فيكون على ذلك عاماً في الجنس. وقال الحسن: رجم النبي (صلى الله عليه وسلم) الثيب وأراد عمر ان يكتبه فى آخر المصحف ثم تركه، لئلا يتوهم انه من القرآن. وقال قوم: إن ذلك منسوخ التلاوة دون الحكم. وروي عن علي (ع) ان المحصن يجلد مئة بالقرآن، ثم يرجم بالسنة. وانه امر بذلك. وقوله {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك... } الآية. قيل: انها نزلت على سبب، وذلك انه استأذن رجل من المسلمين النبي (صلى الله عليه وسلم) ان يتزوج امرأة من اصحاب الرايات، كانت تسافح، فأنزل الله تعالى الآية. وروي ذلك عن عبد الله بن عمر، وابن عباس: وقال حرم الله نكاحهن على المؤمنين، فلا يتزوج بهن الا زان او مشرك. وقال مجاهد والزهري والشعبي: ان التي استؤذن فيها ام مهزول. وقيل النكاح - ها هنا - المراد به الجماع، والمعنى الاشتراك في الزنا، يعني انهما جميعاً يكونان زانيين، ذكر ذلك ابن عباس. وقد ضعف الطبري ذلك، قال: لا فائدة في ذلك. ومن قال بالأول، قال: الآية وان كان ظاهرها الخبر، فالمراد به النهي. وقال سعيد بن جبير: معناه انها زانية مثله. وهو قول الضحاك وابن زيد. وقال سعيد بن المسيب: كان ذلك حكم كل زان وزانية، ثم نسخ بقوله {أية : وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين}، تفسير : وبه قال اكثر الفقهاء. وقال الرماني: وجه التأويل انهما مشتركان فى الزنا، لأنه لا خلاف انه ليس لاحد من اهل الصلاة ان ينكح زانية وان الزانية من المسلمات حرام على كل مسلم من اهل الصلاة، فعلى هذا له ان يتزوج بمن كان زنى بها. وعن ابي جعفر (ع) (ان الآية نزلت في اصحاب الرايات، فأما غيرهن فانه يجوز ان يتزوجها، وان كان الأفضل غيرها، ويمنعها من الفجور). وفى ذلك خلاف بين الفقهاء.
الجنابذي
تفسير : {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي} اى منهما حكمهما او الزّانية مبتدء وقوله {فَٱجْلِدُواْ} خبره، ودخول الفاء بتقدير امّا او توهّمها لكون المقام للتّفصيل او لتضمّن المبتدا معنى الشّرط لانّه بمعنى الّتى زنت، وقرئ بنصبهما بتقدير فعل ناصب لهما من مادّة الفعل المتأخّر اى اجلدوا او من مادّةٍ اخرى اى اذكروا او احضروا الزّانية، وتقديم الزّانية مع انّ الرّجل اولى بالتّقديم لانّ الزّنا منها اقبح ولانّ شأنها بفطرتها ان تمنع الرّجال من نفسها فاذا مكّنت الرّجل منها كانت اولى بالعقاب ولذلك كان حدّها مساوياً لحدّه وقال تعالى فاجلدوا {كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} مع انّ شأنها فى الحدود ان يخفّف عليها بالنّسبة الى الرّجال {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا} متعلّق بلا تأخذكم والباء للسّببيّة او للآلة او متعلّق بقوله {رَأْفَةٌ} وتقديمه على المصدر لكونه ظرفاً {فِي دِينِ ٱللَّهِ} ظرف لغو متعلّق باجلدوا او بلا تأخذكم او برأفة شبّه دين الله بمكانٍ مخصوصٍ او ظرف مستقرّ حال من فاعل اجلدوا او من مفعوله وجعله حالاً من مفعوله يفيد انّهما لا يجلد ان لم يكونا فى دين الله، او حال من مفعول لا تأخذكم او صفة لرأفة وفائدة التّقييد به التّنبيه على الخلوص من شوب الهوى {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} قيد للجلد او لعدم أخذ الرّأفة والشّرط للتّهييج {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} اى جماعة اقلّها الثّلاثة وقيل: اقلّها الواحد، وقيل: اقلّها ههنا اربعة لانّ اقلّ ما يثبت به الزّنا شهادة الاربعة، وقيل: منوط عددهم برأى الامام والمقصود من احضار طائفةٍ فى عذابهما تنكيلهما بالتّفضيح علاوة على تنكيلهما بالعذاب ليكون تعذيباً شديداً لهما وعبرة لغيرهما، وهذه الآية فى بيان حدّ الزّانيين مجملةً؛ فانّ الزّانيين امّا يكون كلاهما او احدهما من اهل الذّمّة او يكونان مسلمين محصنين او غير محصنين، بكرين او غير بكرين، حرّين او عبدين، ولكلٍّ حكمٌ وهذا حكم الحرّين المسلمين الغير المحصنين الغير البكرين، روى انّ عمر اتى بخمسة نفر أخذوا فى الزّنا فامر ان يقام على كلّ واحد منهم الحدّ، وكان امير المؤمنين (ع) حاضراً فقال: يا عمر ليس هذا حكمهم، قال: فأقم انت الحدّ عليهم فقدّم واحداً منهم فضرب عنقه، وقدّم الآخر فرجمه، وقدّم الثّالث فضربه الحدّ، وقدّم الرّابع فضربه نصف الحدّ، وقدّم الخامس فعزّره؛ فتحيّر عمر وتعجّب النّاس من فعله، فقال له عمر: يا ابا الحسن خمسة فى قضيّةٍ واحدةٍ اقمت عليهم خمسة حدود وليس شيءٌ منها يشبه الآخر؟! فقال امير المؤمنين (ع): امّا الاوّل فكان ذمّيّاً فخرج عن ذمّته ولم يكن له حدّ الاّ السّيف، وامّا الثّانى فرجل محصن حدّه الرّجم، وامّا الثّالث فغير محصنٍ حدّه الجلد، وامّا الرّابع فعبد ضربناه نصف الحدّ، وامّا الخامس فمجنون مغلوب على عقله، ونقل ستّة نفر وقال: واطلق السّادس ثمّ قال: وامّا الخامس فكان منه ذلك الفعل بالشّبهة فعزّرناه وادّبناه، وامّا السّادس فمجنون مغلوب على عقله سقط منه التّكليف، وتفصيل الزّانيين وحكمهما يطلب من الكتب الفقهيّة.
اطفيش
تفسير : {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} مبتدأ ومعطوف عليه والخبر محذوف اي فيما فرض عليكم الزانية والزاني اي جلدهما أو مما يتلى عليكم الزانية والزاني اي حكمهما وذلك مذهب الخليل وسيبويه وجملة. {فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا} مستأنفة. قال ابن هشام: وذلك متعين عند سيبويه لان الفاء لا تدخل عنده في الخبر إذا لم يكن المبتدأ موصولا بفعل أو ظرف. وقال المبرد: الخبر اجلدوا دخلته الفاء لان الموصول وهو هنا (ال) فيه معنى الشرط وهو سالم من الاضمار لكن فيه الاخبار بالطلب وهو مجيز له أو يقدر الخبر (قولا) اي مقول في حقهما (اجلدوا كل واحد منهما زيادة) وقرئ بحذف (ياء) الزاني تخفيفا. وقرئ بنصب الزانية والزاني على الاشتغال اي (اجلدوا الزانية والزاني) فاجلدوا الخ بزيادة الفاء في المفسر وهو اولى من نصب سورة على الاشتغال للمطلب واتفق السبعة على الرفع. قال ابن هشام: لان الفاء مانعة من الاشتغال ولأن (ال) الموصولة في الآية كاسم الشرط وما بعد الفاء كالجواب ولا يعمل الجواب في الشرط وما لا يعمل لا يفسر عاملا وقاله المبرد. قلنا: الفاء زائدة لا تمنع الاشتغال واسماء الشرط الظرفية يعمل فيها جوابها على الاصح الا ان قيل: ان المعمول هنا غير ظرف فمنع شبه الجواب من تفسير عامل فيما قبله ويحتمل ان يريدوا ان ذلك المرفوع قام مقام اداة الشرط والفعل والجواب لا يعمل في فعل الشرط. والاخفش يجيز زيادة الفاء في الخبر مطلقا والفراء يجيزها ان كان الخبر امرا ونهيا وقدم الزانية لان الزنا في الاغلب يكون بتعرضها للرجل وعرض نفسها عليه ومفسدته تتحقق بالاضافة إليها. {مِائَةَ جَلْدَةٍ} مفعول مطلق والجلد ضرب لجلد كما يقال ظهره وبطنه ورأسه اي فضرب ظهره وبطنه ورأسه وذلك في غير المحصن. واما المحصن فحكمه الرجم كما علم من السنة وغيرها كما تراه في سورة النساء وسورة المائدة. وعن أُبيّ بن كعب انه قال: كم تقرأون سورة الاحزاب قيل: اثنتين وسبعين آية قال: والله لقد كانت تقارب سورة البقرة وكانت فيها آية الرجم نسخ لفظها وبقي حكمها. الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما الميتة{أية : نكالا من الله والله عزيز حكيم}. تفسير : وعن عمر نزل الرجم في كتاب الله ورجم صلى الله عليه وسلم غير مرة ورجم عمر ورجم عثمان ورجم علي. والعبد والامة يجلدان خمسين جلدة ولو تزوج بحرة وتزوجت بحر ووقع المسيس. وقال الشافعي: في الحر الزاني غير المحصن يجلد مائة ويغرب سنة لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"تفسير : وليست الآية ما ينافي هذا الحديث فضلا عن ان تكون الآية ناسخة له أو ان يكون الحديث ناسخا لها. وله في العبد ثلاثة اقوال تغريب سنة وتغريب نصفها وعدم التغريب. وشرط الاحصان عند ابي حنيفة الاسلام العقل والحرية والبلوغ والتزوج بنكاح صحيح والدخول. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أَشرك بالله فليس بمحصن"تفسير : ولم يشترط الشافعي الاسلام لانه صلى الله عليه وسلم رجم يهوديا ويهودية. واما قوله: "حديث : من أَشرك فليس بمحصن"تفسير : فيحتمل ان يراد فيه بالمحصن الذي يقتص له من المسلم وقد علمت ان المراد من جنس الزاني والزانية غير المحصنين كما تقول عندي (عين) ويصح ان تريد (عين وجه) أو غير ذلك كالذهب فان العين تطلق على المورودة والمنقودة وغيرهما. وابو حنيفة لا يرى التغريب وقال: ان حديث "حديث : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"تفسير : وما روي ان الصحابة جلدوا ونفوا منسوخان بالآية أو محمولان على وجه التأديب من غير وجوب وكذا عند اصحابه. وبهذه الآية نسخ الحبس والاذى في قوله (فامسكوهن في البيوت) وقوله (فآذوهما). ولا تجوز شهادة النساء في الجلد والرجم ولا تقبل الا شهادة الاربعة رجال احرار مسلمين وان كان احدهم زوج المرأة المدعى زناها فقيل: ترجم وان الزوج اجوزهم شهادة. وقيل: لا؛ ويجلد الثلاثة ثمانين ثمانين ويترك على المرأة في الجلد ما يسترها من الثياب ولا يمنع الم الضرب ويكون الجلد بشرط لان كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا جلد ولا رجم حتى يرى الذكر في الفرج كالميل في المكحلة. ومذهبنا كمذهب الحنفية في انه لا رجم إذا كان الزوجان مشركين أو الزوجة وانما رجم صلى الله عليه وسلم اليهودي لانهم تحاكموا إليه كذا قيل. وكان علي يقول: إذا قامت البينة رجمت البينة ثم الامام ثم الناس وان اقر عند الامام رجم الامام ثم الناس ولا تحصن المشركة موحدا ولا المملوك الحرة. ومن فارق زوجته بطلاق أو موت أو غيرهما وزنى ولا زوجة له فهو محصن وكذا هي وهذا قول جابر وان زنى محصن بغير محصنة أو محصنة بغير محصن رجم المحصن وجلد غيره. وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما "لا تجلد الامة ان لم تتزوج" ولا جلد ولا رجم ان لم تتفق الشهادة في المكان والوقت ومن اقرا فلا يجدان رجعة عما أقرا به قبل اقامة أول الحد ولا رجم ولا جلد إذا كان الشبهة. وذكر أبو زكريا رحمه الله في الذي ماتت زوجته او طلقها طلاقا لا يملك رجعتها خلافا هل هو محصن أو لا؟ وذكر ان الاحصان يكون بمجرد العقد ولو لم يكن الدخول وبطل ادعاء بعضهم الاجماع على ان الدخول شرط. وزعم ابو ثور وحده ان النكاح الفاسد يحصن. ومذهبنا انه إذا حصلت الخلوة حكم بالدخول. وقال ابن حجر: لا حتى تقوم البينة أو يقرا ويعلم له منها ولد قال ومن وجد رجلا مع امرأته وتحقق الزنا فالجمهور على انه من قتله لا يقتل بل يقتص منه الا ببينة أو اقرار. وقيل: يقتل. وقال بعض السلف: لا قتل عليه ولا اقتصاص إذا ظهرت امارة صدقه وشرطه احمد واسحاق ومن تبعهما ان يأتي بشهادتين انه قتله بسبب ذلك ووافقهم ابن القاسم وابن حبيب من المالكية ولكن زاد ان يكون المقتول محصنا. ومذهبنا انه يقتل به الا ان كانت بينه أو اقرار مع الاحصان وله قتله فيما بينه وبين الله عند بعض ولا يقيم الحد على العبد والامة عند الامام أو مأموره. وقيل: يجوز للسيد اقامة حد الزنا فقط. وقيل: يجوز له حد الزنا على الامة فقط. وقيل: يقيم السيد الحدود كلها وعن ابن عمر ان زنت امة ولا زوج لها حدها السيد وان كانت ذات زوج فأمرها إلى الامام وبه قال مالك الا ان كان زوجها عبدا للسيد فأمرها للسيد واستثنى مالك القطع وهو وجه للشافعية والوجه الآخر استثناء حد الشرب وعن بعضهم ان الطفلة تحصن البالغ وهو احوط. ومن قال لا تحصنه فقوله غير معمول به. وفي الديوان سن في الرجل ان يحفر للرجل إلى سرته وللمرأة إلى صدرها ويشد عليها خمارها وأول من يرمي قيل: الشهود ثم الامام ثم سائر الناس أو يرمي الامام المقر أولا ويصلي عليه وتولى اذا تاب. وجوز للحاكم ان يحضر الرجم وان يأمر به ويغيب. ومن اريد جلده من الرجال جلد قائما ويمسكه شأن ويضع ضربا على كتفيه ولا يفرق على جسده وتقعد البكر وترفع عنها ما فوق رأسها من ثيابها ويجلد محصن من العبيد خمسين ويعزر البكر منهم ولا يبلغ بالتعزير الحد. وقيل: لا يحد عبد بل يعزر وبالاول نأخذ (انتهى). ومن زنى مرات جلد جلدا واحدا ولا تجلد حامل ولا ترجم حتى تضع وان لم يستغن عنها ولدها حتى يتم رضاعه ويجدان بالاقرار. وقيل: حتى يقر أربع مرات ويجلد ناكح بهيمة. وقيل يرمى من شاهق كلائط. وقيل: يقتل ناكحها بالسيف وضعف ويدرأ الحد بالشبهة فلا تحد امرأة ذات زوج تزوجت وقالت ظننت ان زوجي مات أو انه جاز للمرأة اربعة رجال وترجم ان لم تعذر بذلك وعلى كل حال لا صداق لها لخيانتها. وتزوجت امرأة بغلامها فاراد عمر عقابها فقالت: لم لا يحل لنا ما ملكت ايماننا كما حل لكم فدرأ عنها الحد. وعن جابر من تزوج ولم يدخل رجم. ومن وجد مع بكر تعلقت به ودمها يسفح وتقول غلبني على نفسي فعليه صداقها وتحد لانها قذفته. وقيل: لا ما لم تقل وطئني ولا تصدق ثيب حتى تأتي باربعة شهود فيكون لها الصداق وان لم تأت بها حدت ولا صداق لها. وقيل: يرمى زان بمجرمته من عالي وتحد زانية وان ببهيمة ولا يحد واطئ زوجته في دبرها وتحرم عليه على الشهور ويحد واطئ جارية غيره بامره ولا يحد من زنا بحربية في دار الحرب وان زنا حربي بحربية في دار الاسلام فلا يحدان وان اربعة على زان بامرأة لا يعرفونها فلا يحد لاحتمال انها زوجته أو سريته. ومن لم يعرف محصنا أو غيره جلد ولا يبحث عنه وان ادعى انه عبد ولم يعرفوه فلا يرجم. ومن جلد ثم بان احصانه رجم ولا ارش لجلده الا ان لم يسأل فالارش من بيت المال ولا يلزم الحد الا بغيبوبة الحشفة. ولا تجلد حامل إذا ادعت حملا وبان والا فلينظرها الامينات غدوة قبل اكلها وان بان لهن الحمل اخبرن به فتترك حتى تضع وان اخبرن انها غير حامل فضربت فاسقطت فلا عليهم لانهم فعلوا بالعلم ولا عليهن الا ان بان لهن فكذبن ولا تضرب ان اشتبه عليهن حالها أو اختلفن فيها أو قالت امنيتان لم تحمل وغيرهما حملت أو قالت به النساء وقالت هي لم احمل وان قالت انا حامل ثم قالت لست بحامل ضربت الا ان اتهمت به وان ادعته وزوجها عدمه أو بالعكس فلا يشتغل بقوله. وان ضربوها ولم تخبر به فاسقطت ضمنته ان علمت به والا فلا عليها ولا عليهم وان علموا به فضربوها ولم تسقطه فليتوبوا ولا عليهم من دية الضرب. وان تعمدوا ضرب حامل فماتت لزمتهم ديتها ودية حملها. وقيل: دية فقط ان رجمت رجما وان سقطت ولم تمت ضمنوا دية السقط. والمرأة كالرجل في كل ما يؤخر عنه الضرب به كمرض أو علة ومن ضرب انسانا لتعديه فضرب به الانسان في وقته اخذ حق التعدية منه وهدر دمه دون الانسان وان تراخى ضربه عن وقته فهو متعد ايضا ويؤخذ حقها كالاول وان تكلم له كلام يجري إلى القتال فرد له مثله فيؤذي. وقيل: الاول وكذا ان بزق له او حث إليه التراب أو جمع له اصابع يده مع الكف وجعلها كالكورة إليه أو جعل انملة ابهامه متصلة بانملة سبابته وكانت منهما حلقة فرد له مثل ذلك وان بلغته يده جاز له ضربه ليردها. ومن وجد مفسدا لماله فله ضربه في حينه الا ان هرب وترك الفساد وان ضربه كذلك فمتعد. ومن وجب رجمه فرجم مريضا فلا عليهم ومن جلد مريضا اعيد جلده بعد صحة واعطي الارش. وقيل: لا اعادة ولا ارش وان مات ضمنوه. ومن اعتل موضع الضرب منه فلا يضرب حتى يبرأ ان بان اعتلاله وان لم يخبرهم وهلك ظلم نفسه وكذا ان علموا فضربوه ظلموه. {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ} رحمة بهمزة ساكنة وفتحها ابن كثير وقرأ بعضهم (رآفة) بمد الهمزة بوزن سحابة. وبعضهم (ولا يأخذكم) بالمثناة التحتية * {فِي دِينِ اللَّهِ} في حكمه وطاعته واقامة حدوده بل يجب عليكم التصلب في الدين لا تعطلوا الحدود أو تتركوا منها شيئا أو تخففوا الضرب وكفى برسول الله اسوة في ذلك صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا قال لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها"تفسير : وعن عبدالله بن عمرو "جلد جارية له زنت فقال للجلاد: اضرب ظهرها ورجليها فقال له ابنه: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} فقال: يا بني ان الله لم يأمرني بقتلها وقد ضربت فاوجعت وهذا وارد في البالغة العاقلة كبيرة الزنى فلا يقيس عليها من ليس من المجتهدين من ليس ببالغ فيضربه على الرجلين مع ان افعال غير البالغ لا تكون كبائر ومع نص علمائنا رزقنا الله الاقتداء بهم على ان غير البالغ يؤدب في مقعدتيه وفي الحديث "حديث : يؤتي بوال نقص من الحد سوطا فيقول رحمة لعبادك اي تركته رحمة او تركه رحمة فيقال له انت ارحم به مني فيؤمر به إلى النار " تفسير : وعن ابي هريرة "اقامة حد بارض خير لاهلها من مطر اربعين ليلة". وعلى الامام ان ينصب للحدود رجلا عالما بصيرا يعقل كيف يضرب. والذي اريد جلده يجلد قائما على مجرده ليس عليه الا ازاره ضربا وسطا لا مبرحا ولا هينا مفرقا على الاعضاء كلها لا يستثنى منهما الا ثلاثة الوجه والرأس والفرج قاله جارالله من المعتزلة عن الديوان لاصحابنا رزقنا الله الاقتداء بهم انه لا يفرق. وذكرت اصحابنا انه يضرب على الظهر أو الكتفين أو المقاعد وذكر بعض اصحابنا المشارقة ان الزاني غير المحصن والسكران والقاذف يضربون في كل موضع الا الوجه والفرج ومعنى استثناء الفرج انه لا يضرب في الكوة وما تسفل من الجوانب فلا ينافى انه يجوز ضربه في المقعدتين عرضا. وبعد؛ فليس لغير المجتهد ان يقيس الطفل على ما ذكر جارالله لان كلامه في جلد الزاني فكيف يقاس عليه الطفل فيقال: انه يضرب في كل موضع حتى الرجلين والقياس لا يجوز الا للمجتهد وكيف يقاس افعال الصبي التي يؤدب عليها مع انها ليست كبائر على افعال البالغ التي هي كبائر وكيف يقاس مع وجود النص وقد صرح الاصوليون ان القياس في معرض النصر باطل؟ وكيف يترك ما نص عليه اصحابنا من انه يضرب في المقاعد ويقاس على كلام غيرهم؟. واتفقت اصحابنا انه لا يعمل باقوال المخالفين الصريحة نعم لو عمل بها احد في غير ما يقطع فيه العذر كالروية لم يحكموا بهلاكه ومضى فعله الا ان لم يوجد في المذهب حكم مسألة فانه يجوز العمل بقول غير المذهب ولا يقاس ايضا على كلام ذلك المشرقي من اصحابنا لما علمت ان القياس من وظيفة المجتهد وانه انما يجوز فيما لم يكن فيه نص وغير ذلك. وكلام جارالله اولا وآخرا في حد الزنى الا قوله: وعلى الامام ان ينصب للحدود فهام وليس كلامنا في نصب الامام رجلا عالما وكذلك لا يقاس غير الزنى والسكر والقذف عليها فلا يقال يضرب فاعل الكبيرة من البلغ حيث شاء الضارب الا الوجه والفرج. قيل: وفي لفظ الجلد اشارة إلى انه لا ينبغي ان يتجاوز الالم إلى اللحم وعن بعضهم لا ينزع عن المرأة الا الحشو والفرج. وقال بعضهم: ومن رأيهم ان يخفف ضرب الخمر والقذف. وقيل: يشدد في ضرب الزنى ويخفف في القذف ويخفف في الشرب تخفيفا اكثر من التخفيف في القذف. وقال الزهري: يشدد في الزنى والقذف ويخفف في الشرب * {إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} يوم القيامة وذلك تلويح بان المؤمن لا تأخذه الرأفة إذا جاء حق الله ومن اخذته الرأفة فعطل الحد أو ترك بعضه أو خفف فهو هالك وفي ذلك تهيج إلى امر الله وتعظيم امر الزنى قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يزني الزاني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر وهو مؤمن ولا يسرق وهو مؤمن ولا يقتل النفس التي حرم الله وهو مؤمن"تفسير : فاذا فعل ذلك خلع ربقة الاسلام من عنقه. وفي الآية ايضا اشارة إلى الزاني ليس مؤمنا بل منافقا اذ نزع عنه الرحمة التي جعل بين المؤمن {وَلْيَشْهَدْ} اي وليحضر {عَذَابَهُمَا} وهو الجلد وسماه عذابا قيل: للدلالة على انه عقوبة أو لانه يمنع من المعاودة كما سمي نكالا * {طَآئِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} قيل: هذه الآية دليل ايضا ان الزاني لا يسمى مؤمنا إذا مر بحضور طائفة من المؤمنين لا من الزناة واختصاص المؤمنين بالحضور لان حضورهم افضح والفاسق بين صلحاء قومه اخجل والتفضيح قد ينكل اكثر من التعذيب ولا خلاف ان الطائفة كلما كثرت فأليق بامثتال الامر. وعن ابن عباس: الطائفة اربعة إلى اربعين من المتصدقين بالله والامر بشهادة الطائفة المتشهر فوجب ان تكون طائفة يحصل بها التشهير والواحد والاثنان ليسوا كذلك والثلاثة ولو حصل بها التشهير لكن لا تكفي في أمر الزنى لعظمه حتى انه اشترط الله فيه اربعة فلتكن الاربعة هي التي يحصل بها التشهير سواء ان كانت هي الاربعة الشاهدة بالزاني أو غيرها. والزنى كبيرة مقرونة بالشرك وقتل النفس وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : يا معشر الناس اتقوا الزنى فان فيه ست خصال ثلاث في الدنيا يذهب البهاء ويورث الفقر وينقص بركة العمر وثلاث في الآخرة يوجب السخط وسوء الحساب والخلود في النار"تفسير : ولذلك وفى الله فيه عقد المائة بكلامه بخلاف القذف والشرب وشرع فيه القتلة الشنعاء وهي الرجم ونهى عن الرأفة وامر بشهادة الطائفة للتشهير. وقيل لا بد ان يكون الطائفة غير شهود الزنى. وقيل: الطائفة التي يمكن ان يكن حلقة واقلها ثلاثة أو اربعة قد يؤخذ منه حكم حقوق المجلس من التدوير وغيره فاذا كانوا ثلاثة استداروا وسدوا الخلل والذي نسمع نقلا انه يجب التدوير وسد الخلل إذا كانوا خمسة ولم نجد النص. والطائفة صفة (تغلب) عليها الاسمية كأنها الجماعة الحافة حول الشيء. وعن الحسن: الطائفة عشرة. وعن قتادة: ثلاثة فصاعدا. وعن عكرمة: رجلان فصاعدا. وعن مجاهد: الواحد فصاعدا. وعلى قولهما التاء للنقل من الوصفية للاسمية. ويحتمل على قول عكرمة انها تاء التأنيث مستصحبة بناء على ان (الاثنان) جماعة حقيقة أو مجاز. ويحتمل على قول مجاهد ان تكون كذلك على ان الاصل نفس طائفة يقال (طاف زيد حول الشيء) فهو طائف ونفس اي ذات طائفة. وقول الزهري: الطائفة ثلاثة فصاعدا. وقول لعطاء ومالك: انها اثنان فصاعدا. وها هنا فصول من الديوان وغيره الاول إذا اراد المسلمون ضرب من لزمه الضرب لزنى أو غيره أمروه ان يشد ازاره على غير الموضع الذي يضرب فيه بكرزية أو غيرها ويبرك على ركبته ولا يلبس طوقا ولا يترك معه حديد ويجبر إن امتنع ولو بضرب بما وجد وفي اي موضع من جسده حتى يذعن وان عصاهم فلهم ان يوثقوه ويمسكوا بيديه ورجليه ويربط على سارية ويضربه الحاكم اولا ما قدر أو حتى يتم وله ان يأمر غيره ولو من أهل الجملة ان لم يخف ان يطلب فيه حسيفة او يحن عليه ولا يامر اعمى ولا طفلا ولا مجنونا ولا مشركا ولا امرأة ولا عبدا الا باذن ربه ولا قليل البصر ويؤمر ممسك العدد بالجهرية حذرا من الغلط. ويختلف الرجال على الضرب حتى يتم ما وجب عليه. وقيل: انما يضربه في جلد مائة اثنان لكل خمسون. وقيل: خمسة لكل (عشرون). وقيل: عشرة لكل (عشرة) وليكونوا حيث يمكن الضرب ويتمكن منه وليحذروا مجاوزة كتفيه إلى جوانبه بالضرب أو إلى بطنه وتحت ضلعيه أو إلى رأسه أو اذنيه فمن جاوز منهم إلى ذلك ضمن الا ان تعرض ولم يستقم لهم فليضربوه حيث وجدوا ولو في البطن وفي ضمانات الديوان ما نصه ومن اخرج الحق من رجل فجاوز في العدد فهو ضامن وكذلك ان جاوز الموضع الذي يضرب فيه في البدن أو ضربه في الرأس وفي غير موضع الضرب الا ان اصابه الضرب من قبل تحركه. وان رأوا ضاربه خفف عليه أو بضربه بطرف السوط ويخطفه أو يضرب ثيابه او الارض أو قد ضعف امروه بالكف وامروا غيره بالضرب. ولا يضرب الجالد السوط في الارض ليأخذ به حصى يتاذى منه المجلود ولا يجعلوا ترابا على كتفيه وليرفع يده ما استطاع وليذكر اسم الله عند ابتدائه ويقصد بذلك ما عند الله وليكن الابتداء على الكتف الايمن ثم الايسر ثم كذلك حتى يتم وليتحول مقابل كل ولا يضربه على عرضهما ولا كلا من ناحية الآخر ولا يعجل بالضرب حتى لا يستقيم العدد لممسكه ولا يتباطأ به ولا يلق السوط من يده إذا ترك بل يدفعه لآخر يضرب به وان انقطع منه شيء عند الضرب فليضرب بباق منه ما وجد فيه ما يضرب به ولا يضرب بالسوط ان انعقد عند ضربه حتى يحله وكذا ان انطع ما تحت العقد لا يضرب به حتى يحله ولا يضربه اثنان في مرة ولا واحد بسوطين أو اكثر ولو امسك الكل بيديه معا فإن فعل فانه يحسب كل ما بلغ جسده من الاسواط وليضربوا من استحق الضرب واحدا بعد واحد ولا يضربوهم معا الثاني ان امرهم ان يضربوه على كتف واحدة فلا ينصتوا إليه الا ان اعلت الاخرى أو خرج عظمها وان لم يوجد فيه ما يضرب فيه ضرب على مقاعده بعد سترها بخرقة فان انقطعت قبل الاتمام سترت باخرى ولو تغير الموضع بالضرب حتى لا يعزر إذ لا بد من ستر العورة. وقيل: انه يضرب على المقعدة ولو امكن ضربه على الكتفين ان شاءوا وان اشتبه عليهم بلوغ عدد ما لزم من الضربات في الادب وغيره فليكفوا وان اشتبه عليهم ما اتفقوا عليه من ضربه في الادب والنكال فلهم ما ارادوا من ضربه وان بان انهم ضربوه اكثر ضمنوا الزيادة وان اتفقوا على أقل من تسعة عشر في الادب فبلغوا لم يضمنوا وان لزمه النكال فاتفقوا ان يضربوه كذا فرأوا ان يزيدوا أو ينقصوا جاز وان اشتبه ما ضربوه وما اتفقوا عليه فليتمادوا على ضربه ان شاءوا أو يكفوا. وقيل: لا يشتغل بالعدد في النكال بل يضرب حتى تتغير اكتافه وان اخذوا في الضرب وقد اختلف رأيهم في العدد فليضربه من رايه اقل ولا يجاوز ان لم يرجع إلى رأيهم ولا يجلدوا ليلا من الغروب للطلوع الا ان اخذوا في جلده قبله فغابت قبل اتمامه فليتموا ما لم يمنعهم الظلام ولا يقصدوا من ارادوا ضربه كثيرا إذا حان الغروب. ولا يقام حد ولا ادب ليلا الا لضوء نار. وقيل: لا مطلقا ولا بعد اذان الجمعة حتى يفرغ من الصلاة ولا في مسجد ولا في الحرم وليهجر ان التجا إليه ولا يطعم ولا يسقى حتى يخرج فيقام عليه ما لزمه ويقال عليه فيه ما جنى فيه وان تعمد الحاسب غلطا في العدد فزاد على المضروب ضمن الزائد على المتفق عليه هو لا ضاربه. وقيل: بالعكس وان لم يتعمد ضمن الضارب ومن تعمد الزيادة فخرج التمام أو النقص فليتب إلى الله الثالث ان ضرب الحاكم أو الجماعة من ظنوا انه استوجب الضرب فبان لهم عدمه ضمنوا ديته من بيت المال ان كان والا فمن اموالهم وان اتهموه فحبسوه فاقر فضربوه فخرج انه لم يستحق الضرب فلا ضمان عليهم وان شهد عليه بتعديه فضرب ثم نزع الشهود قولهم فيها أو خرجوا عبيدا أو مشركين أو مجانين أو نساء ضمنوه لا ضار به وضمن ان خرجوا اطفالا وان كرهوه حتى اقر أو أقر من لا يجوز اقراره على نفسه فضربوه به ضمنوه أو من ضربوه على فعل فاذا هو لم يفعله ثم بان انه قد فعل موجب الضرب قبل من غير ما ضربوه عليه فلا عليهم الرابع من شهر بافعال السوء ينكل فاذا وجب الحق على مسلم بزلة فلا يخرجوه منه ولينهروه بكلام إذ لا يعود لمثلها ولهم ضربه ان رأوه. ومن وجب عليه حق لتعديه جاز للحاكم أو الجماعة ضربه أو تركه بحسب نظرهم لان حق التعدية مرجعه إليهم لا إلى صاحبه ولا ينصت إليه ان قال تركته أو اعطوه لي. وان كان لضعيف على اقوى حق اخذوه له وان بلا اذنه ان لم يخافوا ضره منه. ومن وجب عليه الحق فضربه الاشرار ولو قدره فان بان للجماعة اعادة الضرب جازت ويؤدبون الاشرار على ذلك وكذا ان ضربه عبيد أو نساء أو اطفال. والخامس من وجد قوما يضربون احدا في موضع يخرج فيه الحق فلا يغير عليهم ولا يقعد إليهم حتى يسألهم عن موجب فان اخبره امينان انه فعل كذا مما يوجب ضربه قعد ان شاء ولا يقعد ان لم يكن فيهم الامناء أو لم يخبروه وجوز له ان يقعد ان كانوا فيهم بلا سؤال أو جوز له ايضا ان كانوا من أهل الجملة ولا يبرأ منه احد به ومن امروه ان يجلد احدا فلا يفعل ان لم يعلم موجبه الا ان امره الامام ولا يبراء من المضروب ولو بلغ في ضربه قدر موجب النكال. وكذا من لم يعلم من الحاضرين موجبه لا يبرأ منه وليطع الامام من امره بضرب احد ولا يبحث عن موجبه وليبحث عنه في امر القاضي لانه ليس كالامام في ذلك ولا يشتغل به ان قال لهم قد وجب عليهم الحق عندي ولو امينا وليقتد بعض الجماعة ببعض في هذا ان كانوا امناء اذ لا يقتد الا بأمينين. وان ارادوا ضرب احد على فعل وقد علم احدهم انه لا يوجبه فليخبرهم فان انصتوا إليه فذاك والا قام عنهم إذا اخذوا في ضربه ولا يبرأ منهم إذا علم غلطهم في ذلك وكذا ان فعل موجب ضرب فرأى بعضهم جلده وبعضهم ترك لا يحضر هذا الضربة ومن أخذه الجماعة ليخرجوا منه الحق ولم يجبروه عن موجبه فليطاوعهم ان كان من أهل السوء والا فله ان يمتنع لهم كما مر حتى يخبروه بفعله فان كان يوجب ضربا طاوعهم عليه ولو لم يعلم ذلك والا آخذه أهل الجملة أو الخلاف امتنع ان قدر ومن فعل موجب قتل جاز قتله للجماعة وان يضرب بسوط بلا عدد حتى يموت ودمه نجس. وقيل: دم من اخرج منه الحق طاهر ولا يزال من اخرج منه الحق ولا يؤوى ولا يذاوي الا ان ثاب وضمنوا دية ما ضربوه بعد موته ان فعلوا. وان غشي عليه بالضرب او زال عقله خفوا عنه حتى يفيق ويجلد العبد على الاكتاف كالحر وجاز على مقاعده ايضا. السادس ان ارادوا ضرب امرأة رشوا كفة بماء وامروها ان تقعد فيها وتخرج يديها من عراها ان أوجدوها والا فغرارة وان لم يجدوها فوعاء سترها ويرش موضع تقعد فيه بماء ويشترى الوعاء من بيت المال ان كان والا فمن الموقوف على اخراج الحق وتضرب على الكتف وكالحرائر الموحدات الاماء والمشركات ويجوز ضرب الامة على المقعدين وتضرب الخنثى على كتفها بلا كشف عنها في وعاء كالمرأة. وان قالت لهم: دعوني اقعد بلا وعاء اجبرت على الدخول فيه فتلبس اوسط لا رقيقا ولا غليظا ولا ترادف ثابا وتستر جسدها ويأمرون ذا محرم منها بفتشها فان وجد غير ما ذكر فلينزعه وان لم يوجد محرم منها امروا امينة ان وجدت والا فامينا وان اخذوا في ضربها بلا تفتيش فبان انها ردفت نزعوه وتجبر ان امتنعت ويبنى على الضرب الاول والمرأة والخنثى في ذلك كله سواء. وان انقطع ما على الاكتاف كفوا حتى تستر. وقيل: يتمادون على الضرب ان تغير لون جسدها به وان لم يكن لها ثوب تستر به فيخرقه من بيت المال ولا يجب ستر اكتاف الاماء ان ضربن فيها وان امتنعت امرأة فليمسك يديها محرمها ان وجد والا فالمسلمون من فوق ثوبها وان تعرضت حين الضرب حتى انكشف رأسها أو بعض جسدها فليضربوها كذلك ولم ان يربطوها إلى سارية وتضرب قاعدة في حد أو غيره وقيل قائمة. السابع من وجب عليه ادب او تعزير أو حد اقيم عليه ذلك وان وجب عليه نكال اجتهد الصلحاء فيه بنظرهم واختاروا منهم ثلاثة أو ما رأوه فينظروا في الفاعل وما يتحمله جسده من الضرب وفي جرمه ويخبرهم كل بما رأى فان اتفقوا فحسن والا ارتفع النازل ونزل المرتفع فيجتمعوا على الاوسط ويأمرون بضربه فيمسكون العدد ولا يحيفوا ولا يشاركوا من يخبرهم بسرهم أو من يحن أو ببغض ولا أهل الجملة واجيزوا ان كانوا لا يخرجون عن رأيهم وليدعوا التنازع وان لم يكن الا رجلان متاهلان اتفقا أو واحد نظر وعمل برأيه ولا يشارك طفل أو امرأة أو عبد. الثامن لا حد للنكال ولكنه على قدر النظر في الفاعل فلهم يغلظوا عليه بالكلام في مجمع أو يربطوا له الازار أو يحبسوه أو يضربوه أو نحو ذلك. وقيل: النكال ما دون خمسين جلدة وموجبه كالتعزير للكبيرة فمن جعل يده في عيره بتعديه أو ضربه بها او غصب ماله أو سرقه أو زنى أو شرب خمرا في الكتمان أو أكل دما أو ميتة أو لحم خنزير أو آدمي او بوله أو عذرته فانه ينكل وأهل الفتنة ينكلون ان اخذ بعضهم السلاح إلى بعض وان لم يتلاقوا أو لم يتراءوا. وينكل مانع الحق كالطاعن في الذين ان لم يقدر على قتله. وينكل آبق وهاربة من زوجها إلى رجل وهارب بامرأة مطلقا أو بصبي اراد به سوءا الا من هرب بها باتفاقها على ان يتزوجها أو لم يرد بها سوءا ولكنهما يؤدبان. وينكل متعد في افساد آدمي بعد موته أو مال أو خارج إلى قطع الطرق وان لم يأخذ أو لم يقتل وبائع حر ومشتريه أو مال اخذ بلا اذنه أو حراما او ريبة واكل ذلك ومن ياوى اليه وحاكم به لغير مالكه ومتزوج ذات زوج أو في عدة أو زوجة ابنه وان سفل أو ابيه او ان علا أو محرمته وان برضاع أو صهرا واكثر من اربع أو امرأة واختها أو مجوسية أو وثنية وكذا المرأة ومزوجها وشاهد مع علم بذلك وتعمده. وينكل متعر للناس عمدا ومنجس آدمي أو ثيابه أو انائه او طعامه او شرابه أو دابته أو بيته أو مسجد ومفسد فيه أو في مائه أو مال الاجر وسارقه أو مال مقبرة أو مصباح وحافر في طريق وناصب فيه خشبة أو حجرا فتلف به مال أو نفس وقاعدة فيه أو في سوق لا ضرار متفق مع من يدفعه على أحد فدفعه فوقع الهلاك وجاعل لآخر صقفلة فبلغت جسده أو ثوبه وبازق له وان بماء او دهن ان بلغه أو لباسه وحاث له ترابا أو رمادا أو كناسا أو ماء أو غير ذلك فبلغه ايضا فانه ينكل ان تعمده. وينكل مقر بفعل موجب نكالا بتعديه لا ان لم يذكرها وان فعل موجب ادب ثم موجب تعزير او نكال أو حد أو قتل أو فعل أو لا موجب قتل أو حد أو تعزير أو نكال ثم موجب ادب فانه يؤخذ منه الاول فيترك حتى يبرأ ان جرح ثم يؤخذ منه تاليه إلى آخرها ويؤخر القتل ويضرب مترتبا بلا تراخ ان لم يجرح. وقيل: يضرب في اماكن من جسده بلا تراخ وان جرح. وقيل: تؤخذ منه في وقت ويفرق بينها بحيث لا يوصل ضرب كل منها بالآخر. وقيل: يؤخذ منه في مكان بلا تفرق بينها. وقيل: يؤخذ منه الاكثر كالقتل ويترك ما سواه لانه يأتي عليه وحق الله وحق العباد يؤخذان منه جميعا ان امكن والا أخذ حقهم. وقيل: حقه لانه اولى من حقهم وينكل من ركن إلى من ظلم أو في اخراج الحق وان رأوا حبسه حبسوه لانه قيل يهلك الراكن قبل الفاعل. ومن تكلم في موضع يخرج فيه الحق أو في خروجه بما يعارضه به او يضره أو قال اضربوني بدل المضروب أو لا يضرب حتى يضرب فلان أو انما تقدرون علينا لا على بني فلان أو قال للجماعة تحاميتم علينا في فلان أو انما اتبعتم فينا قول فلان وهو عدونا لرجل صالح أو اخذتمونا بالجور أو بالظلم أو بنحوهما أو والله ما طلبتم الينا الحق أو لا نعطيه حتى يعطيه فلان أو بنو فلان أو اراد ان يمنع من وجب عليه أو من اراد ان يخرجه منه أو جعل ثوبه على المضروب او مسك السوط للضارب أو قال لا يضربني هذا أو فلان فانه ينكل في ذلك ونحوه ان اراد به معارضته الحق. التاسع من جاء إلى غيره وفي يده ما يضربه به كعصا أو حجر أو حديد فانه يعزر وان ملل به ولم يبلغه فانه ينكل. وقيل: يعزر ومن وجد مع امرأة غيره أو سريته في لحاف عزر ان لم يكن بينهما ثوب ويعزر من مثل بقاتل وليه بعد قتله وانما يجب على كبيرة وهو ما دون اربعين جلدة ولو في الكتمان ولا يبالغ ولا يتجاوز. وقيل: يبلغ به إلى سبعين. وقيل: هو كالنكال. العاشر يجب الادب لمن يلعب بكل لهو وكسر الحجر عليه والتلفظ بالقبيح بسوء القذف ففيه الحد في الظهور والادب في الكتمان. وقيل: كل ما وصل إليه من احكام الظهور في الكتمان جاز فعله يجب الادب بالتغني والنياحة وما يؤدي إلى مقاتلة من قول أو فعل كتلقيب احد بغير اسمه أو بما ينقصه وبالبزاق وحث التراب ان لم يبلغا والا فالنكال وبدخول بيت الغير بتعديه. ومن فعل موجب الادب مرة او اكثر فامره إلى الجماعة في تركه أو تأديبه بكل أو بعض ومن استوجبته امرأته فيما بينهما فليأخذ بها إلى الحاكم أو الجماعة فينظروا فيها فان صح أدبوها ولا يؤدبها بنفسه وجوز له ان عرف الادب ولم يخش الفتنة وتؤدب على عصيان في الفراش وللرجل ان يؤدب عبيده ان عرف والا رفعهم إلى الحاكم أو الجماعة ويؤدب اطفاله أو يأمر بهم من يؤدبهم ان عرف ولا تؤدبهم الا باذن الاب وان لم يكن لهم اب ادبتهم ان عرفت ولمن عنده يتيم ان يؤدبه ولمن مر على اطفال يفعلون موجبة ان يؤدبهم ان عرف ولم يخف شرا. ومن اتى بهم إلى الحاكم أو الجماعة فلا يشتغل به الا بالبيان ولو كان ابا وكذا سيد مع عبده وجاز تأديب الطفل ولو ليلا ولا يؤدب اعمى اطفاله وجوز ان كان يحسن الادب ويؤدب مجنون على فعل سوء وطفل على غضب واستقلال ما يعطي وكثرة الضحك والبكاء وعلى النميمة وترك ما أمر به وشتم ومقاتلة وضرب وافساد وكثرة الكلام والزيادة فيه واللعب والنطق بالفحش وفعله وامتناع من سير إلى المعلم والهرب منه وتضييع لوحه وتضييع درس ما حفظ والاخذ في البطالة وجميع الاخلاق السوء كالتعري ان كان مراهقا أو إلى النار أو في حر او برد وتضييع شغله وترك القيلولة وكثرة النوم على البيات في غير بيت والده وعلى كثرة المشي في غير حاجة وعصيان ابويه وعلى شتمهما أو تسميتهما باسمائهما ورد الكلام لاكبر منه والاستهزاء بكلام غيره والسخرياء والهمزة والغمز واللمز والمزاح ورمي الطعام واهراق الماء واللبن ونحو ذلك وعلى افساد ذلك وكثرة دخول الماء واللعب فيه وقطع ثيابه وبلها ودخول المسجد والطلوع عليه وتنجيس حواليه أو حوالي بيوت الناس وطرقهم ومقاعدهم واللعب بالملاهي وان بالكورة والنرد والتغني وغير ذلك وخطف الطعام من غيره وعلى التعبث والنفار وسائر التصعب واخذ ما تخفيه امه بلا اذنها ودخول بيوت الناس بلا اذنهم وعلى اطلاعه عليهم فيها واصغائه إليهم وعلى الدخول على ابويه في الاوقات المذكورة في القرآن وهي ثلاث العورات بعد التقدم ان لا يدخل عليهما بلا اذن وعلى أكل الانجاس والحرم والريبة وشرب المحرم. وكذا العبد والمجنون يؤدبان على مما يؤدب عليه الطفل ويؤدب الكبير ان ذهب إلى الكبير ولم يكن في يده ما يضربه ما دون عشرين ولو في الظهور ولا تبلغ فيه ولم يزد عليها ويؤدب ايضا بحبس وبانتهار من كلام وبهجران ويربط الازار قدر النظر. وبقي في حفظي ان الادب في الظهور تسع عشرة ضربة وفي الكتمان ثماني عشرة. وان بعضا قال انه عشرون في الظهور وتسع عشرة في الكتمان. الحادي عشرة وانما يؤدب الطفل بالدرة لا بشراكها الا ان عزل منها واحد وبمنطقة من ناحية سليمة منها وبالشراك الطائفي وبنعل لا رقائع فيه وبقرق وخف ويمسك الخف من عقب ويضرب بنعله أو من نعله ويضرب بجلده ويضرب الاطفال ان وجدوا يلعبون بطرف كسائي الضارب أو طرف ازاره أو بكمه من وجدهم يلعبون بطرف كساء او ازاره أو بكمه أو بقصبة او سبطة على رأسه نقرا خفيفا أو على يده ان مدها إلى فساد وبضربه بطرف جريدة مع سعفها أورتم او طرفها مع ورقها ونحو ذلك ويفتل اذنه ويجيذها خفيفا ولا يحكها ولا يؤدبه بسوط وجوز ان كان من غير الخنزير وكان ممن يحتمله ويؤدبه مقاعد بالدرة وبالنعل ويحمله غيره ولا باس بضربه على كتفيه ولا بضربه بيد ولا بعصى ولا بجريدة لا سعف فيها ولا بشماريخ وكذا امرأته وعبده ولا يضربهم جزافا ولا ضربا مبرحا ولا يؤدب اطفاله ومجانينه وعبيده وقت غضبه. قال الشيخ موسى والاطفال انما يضربون على افعالهم كلها إذا كانت قبيحة وانما يضربون فيه اكثر ولكن بالدرة أو بالنعال أو باللوح أو بالمنطقة ولا تكون هذه الدرة من جلد جمل ولا حمار ولا فرس ولا تكون الا من جلد ثور أو بقرة مدبوغ وان كان النعل الذي يضرب به الطفل فيه طاقتان فليعد الذي اراد ضربه في الضربة اثنتين ولا يضرب الا في مقعدتيه ويكشف عن مقعدتيه الا ان كان مراهقا وجاز للانسان في طفله وعبده وامرأته ويتاماه ونحوهم ما لم يجز لغيره وان يضرب ليلا أو بما لا يضرب به بلا قصد لكسر او زوال عضو أو مثله. الثاني عشر قد علمت ان موضع ضرب الطفل المقعدتان أو الكتفان الا مأمر في نحو طفله فيجوز له فيه ما لا يجوز في غيره. لكن تأمله امرتك بالتأمل ثم اطلعت في حاشيه التبيين للشيخ محمد بن يوسف الجربي منزلا على انه قيل لعل في قوله النبيين ويجوز له فيهم ما لا يجوز له في غيرهم تحريفا والاصل اسقاط لا وان من جاوز موضع الضرب ضامن فنتج من الشكل الاول ان ضاربه في الرجلين ضامن وكذا الرجل الا القاذف والشارب والزاني غير المحصن فيضربون في اي موضع اراد الضارب الا الوجه والفرج وكذا لا يضرب احدا الا بما اجاز العلماء الضرب به رزقنا الله الاقتداء بهم. وأما قوله في القناطر: ان عمر رضي الله عنه كان يضرب قدميه بالدرة إذا جنه الليل ويقول لنفسه ماذا عملت اليوم؟ فلا دليل فيه لهؤلاء الذين يضربون الاطفال على ارجلهم لان عمر بالغ فلا يقاس عليه الطفل ولان عمر يضرب بالدرة وهم يضربون الطفل بعصا بل بجريدة بعد نزع السعف ولان ضرب عمر نفسه انما هو على جهة التنبيه كما كان ابو بكر رضي الله عنه يمسك لسانه ويقول لها قولي خيرا او اسكتي لا على جهة الادب إذ ليس لاحد ان يخرج حق الادب أو غيره من نفسه بنفسه ولان الادب وغيره ضربه موجع ولا يشك عاقل ان عمر يوجع نفسه ضربا وكذلك لا يقاس عليه غير الطفل. واما قول صاحب النيل في النيل اكرمه الله ويقلد العالم الامين في قول وعمل وفتيا وحكم فقال لي شيخنا ان المراد فيه بتقليده في العمل ان يامرك بالعمل فتعمل لا ان تراه يعمل فتعمل كما عمل واسم الاشارة في كلام التبيين يدل على ذلك. قال الشيخ احمد الجربي: مراد صاحب التبيين العالم المعروف بالعلم والورع والصيانة المطمئنة النفس لفتواه ونقله ان كان من شأنه النقل فليس لقائل ان يقول وجدنا الناس يضربون بباطن القدم فنحن نقلدهم وان سلمنا انه على ظاهره من انك تراه يعمل فتعمل كعمله فلسنا نسلم انه يجوز هذا التقليد مع وجود النص ان موضع الضرب في المقعدتين والكتفين خاص. ومذهبنا ان العمل بالخاص إذا وجد لا بالعام كما نص عليه الشيخ أحمد في الاصول. وعن بعض العمانيين ان العمل بالعام مع وجود الخاص كجعل الامام تابعا للمأموم. وقد نص صاحب النيل في كتاب سماه (الورد البسام) ان موضع الضرب المقعدتان أو الكتفان فليحمل على خصوصية عموم النيل. وفي السؤالات في السؤال التاسع القول اشد من الفعل لان القول يعد والقائل اي يقلد فيه والفعل لا يعدوه إلى غيره. قال الخطاب في شرح الورقات انما يقلده في الفتوى ولا يقلده في الافعال فلو راى الجاهل العالم يفعل فعلا لم يجز له تقليده فيه حتى يسأله إذ لعله فعله لامر لم يظهر للمقلد. واما ما في الكشاف من لفظ الجلد بال بعد الكلام على جلد الزنى فلا دليل فيه لان الصحيح كما قال الشيخ احمد في الاصول لان (ال) تحمل على العهد قال في الجلد في كلام الكشاف للعهد وجعل قول من قال تحمل على الجنس الماهي مرجوحا. واما ما ذكر بعضهم من ان الصبيان بعمان يتغالبون بالكتابة وبضرب الغالب المغلوب على رجله ويسمى ذلك بالمصع فلا دليل فيه على جواز ضرب الادب أو الحد على الرجلين لان تضاربهم على ذلك لا يجوز فلا يتركون إليه بل يجب نهيهم إذ لم يصدر من المغلوب شيء مما ذكر في الكتب انه يوجب الادب ولم نر في كتاب موافق ولا مخالف ان التفاوت بحسن الكتابة يوجب تادب المفوت بل ذلك شبيه بالتجسس وذريعة إلى البغضاء والتحاقد لمكان الضرب على شيء كلف عليه على نحو التعنت وبحث عنه بينا طفل في امنه دعى النضال بالكتابة على شرطة ان يضرب ان غلب فذلك لا يجوز ولو كان الضرب على الكتف أو المقعدتين. ومن اجاز ذلك فقد سها سهولا لا يتبع عليه وإذا لم يجز لم يصح القياس عليه بل لو جاز ذلك وثبت انه تأجيب فلاحظ للصبي في التأديب لغيره ولم أجد النص في ما بيدي من كتب المذهب على جواز الضرب في الرجل أو القدم. ووجدته في الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة الشوكاني وهو مالكي وانما ذكرته لك تتميما لقولي اني لم اجده في كتب المذهب لا لتعمل به. ومن ترك العمل بقول اصحابنا وعمل بقول المخالفين حشره الله معهم ان كان ذلك منهم اهانة باصحابنا أو لغرض دنيوي كالانتصار للنفس ونص الشوتاني ان صفة الضرب للطفل لا خفيف ولا شديد وان بعضا صحح انه يختلف بحال الصبي فصبي لا يمتثل الا بالشديد وبعض يمتثل بالخفيف وبعض بالزجر والشتم فلا يضرب ويضرب على ترك الصلاة بسوط رطب لين عريض فوق الظهر أو باطن القدمين مجردين قال وهل غير الصلاة كذلك فانظره وانه يضرب على الصلاة واللوح والشتم والكذب والهرب من المكتب وعقوق الوالدين ومخالطة أقران السوء وغير ذلك من المظالم وان زمان الضرب عند ابن القاسم عشر سنين وعند اشهب سبع وهذا في الصلاة وانه لا حد للضرب بل موكول لاجتهاد المعلم. وقال الزناتي: يحد بثلاث ضربات في الصلاة. وقال الفاسي: ان جاوز ثلاث ضربات في ظاهر القدمين اقتص منه. ويضرب على الوجه خمس ضربات وعلى الشتم سبعا وعلى الهروب من المكتب عشرا. وقال ابن ابي زيد: يجوز للمعلم ضربه عشرا على البطالة وعلى القراءة ثلاثا وان جاوز ضمن وان جاوز الزوج في ضرب زوجته عن عشر ضمن. وقال اشهب يقتص على السب بسبع وعلى الهروب بعشر وعلى الحفظ بثلاث ولا يكون الضرب الا اسفل القدمين لا في الظهر ولا في البطن ولا شيء فيما تولد عن الضرب الجائز وفي غير الجائز الضمان والله اعلم. ومذهبنا انه لا ضمان في تسع عشرة ضربة وما دونها في الادب على ما مر الا ان ضرب بما لا يجوز به الضرب أو في غير موضع الضرب وان الصبي يؤدب إذا تمت له ست سنين ويضرب على الصلاة إذ بلغ ثلاث عشرة وفيه غير ذلك ومن لم يسكن بضرب وجب عليه ضرب في بدنه مطلقا بلا تخصيص موضع دون اخر حتى ينقاد الا ان ارادوا ضربه في الرجلين ونحوهما مما لا يجوز الضرب فيه ولم يكن فان ضربه في الرجلين يضمن ومن ضربه ليسكن يضمن وذلك لان ضربه في الرجلين معصية لا يعان عليها او كذبا غير الرجلين مما لا يجوز الضرب فيه حكمه حكم الرجلين. الثالث عشر يعمل الحاكم أو الجماعة السوط ونحوه من جلد الثور وهو رطب ويصلح وطوله على ما يرون وعرضه قدر ثلاثة اصابع وقيل اربعة ويدور ولا تجمع اطرافه بل يترك كذلك حتى يدار ولا يقطع فيصير شراكا مفترقة ثم يجمع بينهما ويعملون من السياط ما يصلح لهم وتنشر في الشمس حتى تجف ولا يحرقون رؤوسها ويشترون ذلك من بيت المال ان كان والا فمن موقوف على اخراج الحق والا فمن اموالهم وان لم يشتروا ولم يكن عند الحاكم فليكلف به من وجب عليه الحق وان عدم ما يضرب برسن مفتول على ثلاثة اشراك والا فيجعل مثلث من الحلفاء المنقوعة المدقوقة وان لم توجد فبجريد فسيل لا رطب ولا يابس وان لم يوجد فبجريد نخل ويقطع غليظه ورقيقه وينزع سعفه ويمسكه الضارب من جهة غلظه. وقيل: يضرب بغليظه على المقعدتين ورقيقه على الكتفين ولا يضرب بسوط الجنزير ولا برسن مثنى أو مربع أو ذي شراك واحد ولا بمعمول من ليف أو شعر أو صوف ولا بمعقود رأس ولا بشماريخ أو عراجين ولا بقضيب ولا قصب ولا بعصا. وفي الاثر يعمل السوط من جلد بقر طوله ذراع وشبر وعرضه ثلاثة اصابع. وقيل: يعمل من جلد الجمل إذا دبغ وان لم يوجد الجلد عمل من جريدة النخل تقطع من الوسط لا من فوق ولا من اسفل ويعمل منها مثل السوط طولا وعرضا ويضرب بها على الاكتاف كالسوط وان ارادوا الضرب بها على المقعدتين قطعوها خضراء من الغلظة التي تكون فوق اصل الجريدة. على نحو ما تقدم طولا وعرضا. ولقد هممت ان اصنف كتابا في الحدود ومواضع الضرب وما به الضرب واسمه رد شبه اللصوص إلى واضحات النصوص. الرابع عشر في الديوان ان البكر إذا تمسكت برجل ودمها يسيل وقالت انه غلبني فعليه صداقها وتحد لقذفها اياه. وقيل: لا ما لم تقل وطئني ولا تصدق ثيب حتى تأتي باربعة شهود والا جلدت حد القذف ولم يكن لها صدق وان اتت بهم فلها. وإذا ادعت امرأة ليست من أهل التهم ان رجلا جعل فيها يده بسوء ضرب النكال وحبس الا ان كانت من أهل الريب. وان ادعى طفل جميل راهق البلوغ او جاوزه مثل ذلك حبس الرجل.
اطفيش
تفسير : {الزَّانية} قدمت لأنها أدعى للزنى، إذا وافقت، وأشد اشتهاء، ولو صاحت أو امتنعت جدا أو هددته بالشكوى لم يقدر عليها {والزانى} مما يتلى عليكم حكم الزانية والزانى، أو من فرائض السورة حكم الزانية والزانى، وفرع على ذلك بيانه بقوله {فاجلدوا كل واحدٍ منهما مِائة جَلْدةٍ} عطف انشاء على إخبار او جواب شرط إن قلتم: ما حكمهما، فاجلدوا الخ، والجلد ضرب الجلد أى اضربوا جلد كل واحد، فذلك من الأفعال المأخوذة من اسم العين، كرأسته ضربت رأسه، وبطنته ضربت بطنه، وظهرته ضربت ظهره، أو أصبت ذلك بأمر ما، وعصوته ضربته بالعصا، ولا يلزم من ذلك أن يباشر الضرب الجلد، بل يشمل الضرب من فوق ثوب، فيجب أن لا يكون غليظاً مانعاً من الألم، ولا يعرى من جلده ما تحت سرته ومقابها من ظهره، لأن ذلك عورة فيضرب على ظهره أو مقعدتيه، وعليهما ثوب، ولا يضرب فى ثقبة دبره، وما استدار عليها، ولا فى ذكره، ولا حيث يضره كالرأس والوجه، والبطن والصدر، ممدوداً أو قائماً او قاعداً أو نحو ذلك، والمرأة قاعدة. وعنه صلى الله عليه وسلم إن أضرب أحدكم فليتق الوجه، وسواء الموحد والمشرك والحر والعبد، إلا أن العبد والأمة يجلدان خمسين، ويرجم المشرك المحصن كالموحد المحصن، وكذا الاناث، ولا يرجم العبد والأمة، لأنهما مال، ولأنهما لا يحصنان، ولو تزوجا وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أقيموا على العبد نصف الحر" تفسير : والرجم لا ينتصف، وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم احصنوا أم لم يحصنوا"تفسير : بمعنى تزوجوا أم لم يتزوجوا. وعن ابن عباس: لا تجلدوا الأمة إلا إن أحصنت بزوج، والظاهر أن العبد كذلك، والصحيح الجلد لهما مطلقاً، وفى هذه السورة، او سورة الأحزاب قولان: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم، نسخ لفظه لا حكمه، والجلد والرجم بالاقرار، وبشهادة أربعة شهود، رأوا بأعينهم غيوب الحشفة، وجاز لهم النظر لإِقامة الحد، وقيل: إذا وجدوا فى لحاف جلدا. ورجم صلى الله عليه وسلم يهوديا ويهودية زنيا بعد أن قرئت عليه آية الرجم التي وضع عليها ابن صوريا يده، إبكات لهم، لا لكونه لا يعلم حكمهما، فإنه علمه من القرآن، وسواء فى الجلد الثيب والثيبة، والبكر والبكرة، ولا يجلد ولا يرجم مجنون ولا صبى ولا ذو شبهة. {ولا تأخذكم بهما رأفةٌ فى دين الله} فى إقامة حده، بنقص عدد الضرب، أو تخفيفه بلا إيلام {إنَّ كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} الموعود بالجزاء على إقامة الدين وتركها، والخطاب للمؤمنين، ولكن لوم الى انهم إن أخذتهم الرأفة فكأنهم لم يؤمنوا {وليشهد} يحضر وجوبا، وهو الصحيح لظاهر الأمر، وهو الواقع من الصحابة، ولأنه أشد على من زنى وأردع، وليشهر الحكم، وقيل ندبا {عَذَابهُما} جلدهما {طائفةٌ مِن المُؤمنين} اثنان فصاعدا هو المشهور لمالك، أو ثلاث فصاعدا، وهو الصحيح، أو عشرة أو أربعة وهو قول لمالك.
الالوسي
تفسير : {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى } شروع في تفصيل الأحكام التي أشير إليها أولاً. ورفع {ٱلزَّانِيَةُ } على أنها خبر مبتدأ محذوف والكلام على حذف مضاف وإقامة المضاف إليه مقامه والأصل ما يتلى عليكم أو في الفرائض أي المشار إليها في قوله تعالى: { أية : وَفَرَضْنَـٰهَا } تفسير : [النور: 1] حكم الزانية والزاني. والفاء في قوله تعالى: {فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } سببية وقيل سيف خطيب، وذهب الفراء والمبرد والزجاج إلى أن الخبر جملة {فَٱجْلِدُواْ } الخ، والفاء في المشهور لتضمن المبتدأ معنى الشرط إذ اللام فيه وفيما عطف عليه موصولة أي التي زنت والذي زنى فاجلدوا الخ، وبعضهم يجوز دخول الفاء في الخبر إذا كان في المبتدأ معنى يستحق به أن يترتب عليه الخبر وإن لم يكن هناك موصول كما في قوله: شعر : وقائلة خولان فانكح فتاتهم تفسير : فإن هذه القبيلة مشهورة بالشرف والحسن شهرة حاتم بالسخاء وعنترة بالشجاعة وذلك معنى يستحق به أن يترتب عليه الأمر بالنكاح وعلى هذا يقوى أمر دخول الفاء هنا كما لا يخفى. وقال العلامة القطب: جيء بالفاء لوقوع المبتدأ بعد أما تقديراً أي أما الزانية والزاني فاجلدوا الخ، ونقل عن الأخفش أنها سيف خطيب، والداعي لسيبويه على ما ذهب إليه ما يفهم من «الكتاب» كما قيل من أن النهج المألوف في كلام العرب إذا أريد بيان معنى وتفصيله اعتناء بشأنه أن يذكر قبله ماهو عنوان وترجمة له وهذا لا يكون إلا بأن يبنى على جملتين فما ذهب إليه في الآية أولى لذلك مما ذهب إليه غيره، وأيضاً هو سالم من وقوع الإنشاء خبراً والدغدغة التي فيه، وأمر الفاء عليه ظاهر لا يحتاج إلى تكلف، وقال أبو حيان: سبب الخلاف أن سيبويه والخليل يشترطان في دخول الفاء الخبر كون المبتدأ موصولاً بما يقبل مباشرة أداة الشرط وغيرهما لا يشترط ذلك. وقرأ عبد الله {والزان} بلا ياء تخفيفاً. وقرأ عيسى الثقفي ويحيـى بن يعمر وعمرو بن قائد وأبو جعفر وشيبة وأبو السمال ورويس {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى } بنصبهما على إضمار فعل يفسره الظاهر، والفاء على ما قال ابن جني لأن مآل المعنى إلى الشرط والأمر في الجواب يقترن بها فيجوز زيداً فاضربه لذلك ولا يجوز زيداً فضربته بالفاء لأنها لا تدخل في جواب الشرط إذا كان ماضياً. والمراد هنا على ما في بعض «شروح الكشاف» إن أردتم معرفة حكم الزانية والزاني فاجلدوا الخ، وقيل: إن جلدتم الزانية والزاني فاجلدوا الخ وهو لا يدل على الوجوب المراد؛ وقيل دخلت الفاء لأن حق المفسر / أن يذكر عقب المفسر كالتفصيل بعد الإجمال في قوله تعالى: { أية : فَتُوبُواْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [البقرة: 54] ويجوز أن تكون عاطفة والمراد جلد بعد جلد وذلك لا ينافي كونه مفسراً للمعطوف عليه لأنه باعتبار الاتحاد النوعي انتهى. وأنت تعلم أنه لم يعهد العطف بالفاء فيما اتحد فيه لفظ المفسر والمفسر وقد نصوا على عدم جواز زيداً فضربته بالاتفاق فلو ساغ العطف فيما ذكر لجاز هذا على معنى ضرب بعد ضرب، على أن كون المراد فيما نحن فيه جلد بعد جلد مما لا يخفى ما فيه فالظاهر ما نقل عن ابن جني، والمشهور أن سيبويه والخليل يفضلان قراءة النصب لمكان الأمر، وغيرهما من البصريين والكوفيين يفضلون الرفع لأنه كالإجماع في القراءة وهو أقوى في العربية لأن المعنى عليه من زنى فاجلدوه كذا قال الزجاج. وقال الخفاجي بعد نقله كلام سيبويه في هذا المقام: ليس في كلام سيبويه شيء مما يدل على التفضيل كما سمعت بل يفهم منه أن الرفع في نحو ذلك أفصح وأبلغ من النصب من جهة المعنى وأفصح من الرفع على أن الكلام جملة واحدة من جهة المعنى واللفظ معاً فليراجع وليتأمل. والجلد ضرب الجلد وقد اطرد صوغ فعل المفتوح العين الثلاثي من أسماء الأعيان فيقال رأسه وظهره وبطنه إذا ضرب رأسه وظهره وبطنه، وجوز الراغب أن يكون معنى جلده ضربه بالجلد نحو عصاه ضربه بالعصا، والمراد هنا المعنى الأول فإن الأخبار قد دلت على أن الزانية والزاني يضربان بسوط لا عقدة عليه ولا فرع له، وقيل: إن كون الجلد بسوط كذلك كان في زمن عمر رضي الله تعالى عنه بإجماع الصحابة وأما قبله فكان تارة باليد وتارة بالنعل وتارة بالجريدة الرطبة وتارة بالعصا. ثم الظاهر من ضرب الجلد أعم من أن يكون بلا واسطة أو بواسطة، وزعم بعضهم وليس بشيء أن الظاهر أن يكون بلا واسطة وأنه ربما يستأنس به لما ذهب إليه أصحابنا وبه قال مالك من أنه ينزع عن الزاني عند الجلد ثيابه إلا الإزار فإنه لا ينزع لستر عورته به، وعن الشافعي وأحمد أنه يترك عليه قميص أو قميصان، وروى عبد الزراق بسنده عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه أتي برجل في حد فضربه وعليه كساء قسطلاني، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لا يحل في هذه الأمة تجريد ولا مد، وأما الإمرأة فلا ينزع عنها ثيابها عندنا إلا الفرو والمحشو ووجهه ظاهر. وفي بعض الأخبار ما يدل على أن الرجل والمرأة في عدم نزع الثياب إلا الفرو والمحشو سواء، وكأن من لا يقول بنزع الثياب يقول: إن الجلد في العرف الضرب مطلقاً وليس خاصاً بضرب الجلد بلا واسطة، نعم ربما يقال: إن في اختياره على الضرب إشارة إلى أن المراد ضرب يؤلم الجلد وكأنه لهذا قيل ينزع الفرو والمحشو فإن الضرب في الأغلب لا يؤلم جلد من عليه واحد منهما. وينبغي أن لا يكون الضرب مبرحاً لأن الإهلاك غير مطلوب، ومن هنا قالوا: إن كان من وجب عليه الحد ضعيف الخلقة فخيف عليه الهلاك يجلد جلداً ضعيفاً يحتمله، وكذا قالوا: يفرق الضرب على أعضاء المحدود لأن جمعه في عضو قد يفسده وربما يفضي إلى الهلاك. وينبغي أن يتقى الوجه والمذاكير لما روي موقوفاً على علي كرم الله تعالى وجهه أنه أتي برجل سكران أو في حد فقال: اضرب واعط كل عضو حقه واتق الوجه والمذاكير، وكذا الرأس لأنه مجمع الحواس الباطنة فربما يفسد وهو إهلاك معنى، وكان أبو يوسف يقول باتقائه ثم رجع وقال يضرب ضربة واحدة، وروي عنه أنه استثنى البطن والصدر وفيه نظر إلا أن يقال: كان الضرب في زمانه / كالضرب الذي يفعله ظلمة زماننا وحيئنذ ينبغي أن يقول باستثناء الرأس قطعاً، وعن مالك أنه خص الظهر وما يليه بالجلد لما صح من « حديث : قوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية البينة وإلا فحد في ظهرك » تفسير : وأجيب بأن المراد بالظهر فيه نفسه أي فحد ثابت عليك بدليل ما ثبت عن كبار الصحابة من عمر وعلي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم، وقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه » تفسير : فإنه في نحو الحد فما سواه داخل في الضرب، ثم خص منه الفرج بدليل الإجماع، وعن محمد في التعزير ضرب الظهر وفي الحدود ضرب الأعضاء. ثم هذا الضرب يكون للرجل قائماً غير ممدود وللمرأة قاعدة وجاء ذلك عن علي كرم الله تعالى وجهه، وكأن وجهه أن مبنى الحد على التشهير زجراً للعامة عن مثله والقيام أبلغ فيه، والمرأة مبنى أمرها على الستر فيكتفي بتشهير الحد فقط من غير زيادة، وإن امتنع الرجل ولم يقف أو لم يصبر فلا بأس بربطه على أسطوانة أو إمساك أحد له. والمراد من العدد المفروض في جلد كل واحد منهما أعني مائة جلدة مايقال له مائة جلدة بوجه من الوجوه وإن لم تتعين الأولى والثانية والثالثة وهكذا إلى تمام المائة فلو ضربه مائة رجل بمائة سوط دفعة واحدة كفى في الحد بل قالوا: جاز أن تجمع الأسواط فيضرب مرة واحدة بحيث يصيبه كل واحد منها وروي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه ضرب في حد بسوط له طرفان أربعين ضربة فحسب كل ضربة بضربتين. وقدمت الزانية على الزاني مع أن العادة تقديم الزاني عليها لأنها هي الأصل إذ الباعثة فيها أقوى ولولا تمكينها لم يزن. واشتقاقهما من الزنا وهو مقصور في اللغة الفصحى وهي لغة أهل الحجاز وقد يمد في لغة أهل نجد وعليها قال الفرزدق: شعر : أبا طاهر من يزن يعرف زناؤه ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكَّراً تفسير : والزنا في عرف اللغة والشرع على ما قيل وطء الرجل المرأة في القبل في غير الملك وشبهة الملك، وفيه أنه يرد عليه زنى المرأة فإنه زنى ولا يصدق عليه التعريف، وما قيل في الجواب عنه: إنه فعل الوطىء أمر مشترك بين الرجل والمرأة فإذا وجد بينهما يتصف كل منهما به وتسمى هي واطئة ولذا سماها سبحانه وتعالى زانية ولا يخفى ما فيه مع أن في التعريف ما لا يصلحه هذا الجواب لو كان صحيحاً. والحق أن زناها لغة تمكينها من زنى الرجل بها وأنه إذا أريد تعريف الزنا المراد في الآية بحيث يشمل زناها فلا بد من زيادة التمكين بالنسبة إليها بل زيادته بالنسبة إلى كل منهما وأن يقال: هو إدخال المكلف الطائع قدر حشفته قبل مشتهاة حالاً أو ماضياً بلا ملك أو شبهة أو تمكينه من ذلك أو تمكينها في دار الإسلام ليصدق على ما لو كان مستلقياً فقعدت على ذكره فتركها حتى أدخلته فإنهما يحدان في هذه الصورة وليس الموجود منه سوى التمكين، ويعلم من هذا التعريف أنه لا حل على الصبـي والمجنون ومن أكرهه السلطان، ولا على من أولج في دبر أو في فرج صغيرة غير مشتهاة أو ميتة أو بهيمة بخلاف من أولج في فرج عجوز، ولا على من زنى في دار الحرب، ولا على من زنى مع شبهة، وفي بعض ما ذكر كلام يطلب من «كتب الفقه». والحكم عام فيمن زنى وهو محصن وفي غيره لكن نسخ في حق المحصن قطعاً فإن الحكم في حقه الرجم، ويكفينا في تعيين الناسخ القطع بأمره صلى الله عليه وسلم بالرجم وفعله في زمانه عليه الصلاة والسلام مرات فيكون من نسخ الكتاب بالسنة القطعية. وقد أجمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن تقدم من السلف وعلماء الأمة وأئمة المسلمين على أن المحصن يرجم بالحجارة حتى يموت، وإنكار الخوارج ذلك باطل لأنهم إن أنكروا حجية إجماع الصحابة رضي / الله تعالى عنهم فجعل مركب، وإن أنكروا وقوعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنكارهم حجية خبر الواحد فهو بعد بطلانه بالدليل ليس مما نحن فيه لأن ثبوت الرجم منه عليه الصلاة والسلام متواتر المعنى كشجاعة علي كرم الله تعالى وجهه وجود حاتم، والآحاد في تفاصيل صوره وخصوصياته وهم كسائر المسلمين يوجبون العمل بالمتواتر معنى كالمتواتر لفظاً إلا أن انحرافهم عن الصحابة والمسلمين وترك التردد إلى علماء المسلمين والرواة أوقعهم في جهالات كثيرة لخفاء السمع عنهم والشهرة، ولذا حين عابوا على عمر بن عبد العزيز في القول بالرجم من كونه ليس في كتاب الله تعالى ألزمهم بأعداد الركعات ومقادير الزكوات فقالوا: ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم والمسلمين فقال لهم: وهذا أيضاً كذلك، وقد كوشف بهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وكاشف بهم حيث قال كما روى البخاري: خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله تعالى عز وجل فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله عز وجل ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف، وروى أبو داود أنه رضي الله تعالى عنه خطب وقال: « حديث : إن الله عز وجل بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه كتاباً فكان فيما أنزل عليه آية الرجم يعني بها قوله تعالى: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم فقرأناها ووعيناها إلى أن قال وإني خشيت أن يطول بالناس زمان فيقول قائل: لا نجد الرجم » تفسير : الحديث بطرقه، وقال: لولا أن يقال: إن عمر زاد في الكتاب لكتبتها على حاشية المصحف الشريف. ومن الناس من ذهب إلى أن الناسخ الآية المنسوخة التي ذكرها عمر رضي الله تعالى عنه. وقال العلامة ابن الهمام: إن كون الناسخ السنة القطعية أولى من كون الناسخ ما ذكر من الآية لعدم القطع بثبوتها قرآناً، ثم نسخ تلاوتها وإن ذكرها عمر رضي الله تعالى عنه وسكت الناس فإن كون الإجماع السكوتي حجة مختلف فيه وبتقدير حجيته لا نقطع بأن جميع المجتهدين من الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا إذ ذاك حضوراً ثم لا شك في أن الطريق في ذلك إلى عمر رضي الله تعالى عنه ظني ولهذا والله تعالى أعلم قال علي كرم الله تعالى وجهه حين جلد شراحة ثم رجمها: جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلل الرجم بالقرآن المنسوخ التلاوة، ويعلم من قوله المذكور كرم الله تعالى وجهه أنه قائل بعدم نسخ عموم الآية فيكون رأيه أن الرجم حكم زائد في حق المحصن ثبت بالسنة وبذلك قال أهل الظاهر وهو رواية عن أحمد، واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود من قوله صلى الله عليه وسلم: « حديث : الثيب بالثيب جلد مائة ورمي الحجارة » تفسير : وفي رواية غيره « حديث : ورجم بالحجارة » تفسير : وعند الحنفية لا يجمع بين الرجم والجلد في المحصن وهو قول مالك والشافعي ورواية أخرى عن أحمد لأن الجلد يعرى عن المقصود الذي شرع الحد له وهو الانزجار أو قصده إذا كان القتل لاحقاً له، والعمدة في استدلالهم على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لم يجمع بينهما قطعاً، فقد تظافرت الطرق أنه صلى الله عليه وسلم بعد سؤاله ماعزاً عن الإحصان وتلقينه الرجوع لم يزد على الأمر بالرجم فقال: اذهبوا به فارجموه، وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: « حديث : اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت بذلك فارجمها » تفسير : ولم يقل فاجلدها ثم ارجمها، وجاء في باقي الحديث الشريف « حديث : فاعترفت فأمر بها صلى الله عليه وسلم فرجمت » تفسير : وقد تكرر الرجم في زمانه صلى الله عليه وسلم ولم يرو أحد أنه جمع بينه وبين الجلد فقطعنا بأنه لم يكن إلا الرجم فوجب كون الخبر السابق منسوخاً وإن لم يعلم خصوص الناسخ. وأجيب عما فعل علي كرم الله تعالى وجهه من الجمع بأنه رأى / لا يقاوم ما ذكر من القطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا لا يقاوم إجماع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ويحتمل أن يقال: إنه كرم الله تعالى وجهه لم يثبت عنده الإحصان إلا بعد الجلد وهو بعيد جداً كما يظهر من الرجوع إلى القصة والله تعالى أعلم، وإحصان الرجم يتحقق بأشياء نظمها بعضهم فقال: شعر : شروط إحصان أتت ستة فخذها عن النص مستفهما بلوغ وعقل وحرية ورابعها كونه مسلما وعقد صحيح ووطء مباح متى اختل شرط فلن يرجما تفسير : وزاد غير واحد كون واحد من الزوجين مساوياً الآخر في شراط الإحصان وقت الإصابة بحكم النكاح, فلو تزوج الحر المسلم البالغ العاقل أمة أو صبية أو مجنونة أو كتابية ودخل بها لا يصير محصناً بهذا الدخول حتى لو زنى من بعد لا يرجم، وكذا لو تزوجت الحرة البالغة العاقلة المسلمة من عبد أو مجنون أو صبـي ودخل بها لا تصير محصنة فلا ترجم لو زنت بعد. وذكر ابن الكمال شرطاً آخر وهو أن لا يبطل إحصانهما بالارتداد، فلو ارتدا والعياذ بالله تعالى ثم أسلما لم يعد إلا بالدخول بعده ولو بطل بجنون أو عته عاد بالإفاقة، وقيل بالوطء بعده. والشافعي لا يشترط المساواة في شرائط الإحصان وقت الإصابة فلا رجم عنده في المسألتين السابقتين، وكذا لا يشترط الإسلام فلو زنى الذمي الثيب الحر يجلد عندنا ويرجم عنده وهو رواية عن أبـي يوسف وبه قال أحمد، وقول مالك كقولنا. واستدل المخالف بما في «الصحيحين» من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن اليهود جاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن امرأة منهم ورجلاً زنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا نفضحهم ويجلدون فقال عبد الله بن سلام: كذبتم فيما زعمتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فسردوها فوضع أحدهم يعني عبد الله بن صوريا يده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك فرفع يده فإذا آية الرجم فقالوا: صدق يا محمد فأمر بهما النبـي صلى الله عليه وسلم فرجما. ودليلنا ما رواه إسحٰق بن راهويه في «مسنده» قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : من أشرك بالله فليس بمحصن » تفسير : وقد رفع هذا الخبر كما قال إسحٰق مرة ووقف أخرى، ورواه الدارقطني في «سننه» وقال: لم يرفعه غير إسحٰق بن راهويه، ويقال: إنه رجع عن ذلك والصواب أنه موقوف اهـ. وفي «العناية» أن لفظ إسحٰق كما تراه ليس فيه رجوع وإنما ذكره عن الراوي أنه مرة رفعه ومرة أخرجه مخرج الفتوى ولم يرفعه ولا شك في أن مثله بعد صحة الطريق إليه محكوم برفعه على ما هو المختار في علم الحديث من أنه إذا تعارض الرفع والوقف حكم بالرفع وبعد ذلك إذا خرج من طرق فيها ضعف لا يضر. وأجاب بعض أجلة أصحابنا بأنه كان الرجم مشروعاً بدون اشتراط الإسلام حين رجم صلى الله عليه وسلم الرجل والمرأة اليهوديين وذلك بما أنزله الله تعالى إليه عليه الصلاة والسلام، وسؤاله صلى الله عليه وسلم اليهود عما يجدونه في التوراة في شأنه ليس لأن يعلم حكمه من ذلك. والقول بأنه عليه الصلاة والسلام كان أول ما قدم المدينة مأموراً بالحكم بما في التوراة ممنوع بل ليس ذلك إلا ليبكتهم بترك الحكم بما أنزل الله تعالى عليهم فلما حصل الغرض حكم صلى الله عليه وسلم برجمهما بشرعه الموافق / لشرعهم وإذا علم أن الرجم كان ثابتاً في شرعنا حال رجمها بلا اشتراط الإسلام وقد ثبت حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما المفيد لاشتراط الإسلام وليس تاريخ يعرف به تقدم اشتراط الإسلام على عدم اشتراطه أو تأخره عنه حصل التعارض بين فعله صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين وقوله المذكور فيطلب الترجيح، وقد قالوا: إذا تعارض القول والفعل ولم يعلم المتقدم من المتأخر يقدم القول على الفعل، وفيه وجه آخر وهو أن تقديم هذا القول موجب لدرء الحد وتقديم ذلك الفعل يوجب الاحتياط في إيجاب الحد والأولى في الحدود ترجيح الرافع عند التعارض. ولا يخفى أن كل مترجح فهو محكوم بتأخره اجتهاداً فيكون المعول عليه في الحكم حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وقول المخالف: إن المراد بالمحصن فيه المحصن الذي يقتص له من المسلم خلاف الظاهر لأن أكثر استعمال الإحصان في إحصان الرجم. ورد بعضهم بالآية على القائلين: إن حد زنا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب سنة وهم الإمام الشافعي والإمام أحمد والثوري والحسن بن صالح، ووجه الرد أن قوله تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى } الخ شروع في بيان حكم الزنا ما هو فكان المذكور تمام حكمه وإلا كان تجهيلاً لا بياناً وتفصيلاً إذ يفهم منه أنه تمام وليس بتمام في الواقع فكان مع الشروع في البيان أبعد من البيان لأنه أوقع في الجهل المركب وقبله كان الجهل بسيطاً فيفهم بمقتضى ذلك أن حد الزانية والزاني ليس إلا الجلد، وأخصر من هذا أن المقام مقام البيان فالسكوت فيه يفيد الحصر، وقال المخالف: لو سلمنا الدلالة على الحصر وأن المذكور تمام الحكم ليكون المعنى أن حد كل ليس إلا الجلد فذلك منسوخ بما صح من رواية عبادة بن الصامت عنه صلى الله عليه وسلم: « حديث : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام » تفسير : وأجيب بأنه بعد التسليم لا تصح دعوى النسخ بما ذكر لأنه خبر الواحد وعندنا لا يجوز نسخ الكتاب به؛ والقول بأن الخبر المذكور قد تلقته الأمة بالقبول لا يجدي نفعاً لأنه إن أريد بتلقيه بالقبول إجماعهم على العمل به فممنوع، فقد صح عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه لا يقول بتغريبهما وقال حسبهما من الفتنة أن ينفيا، وفي رواية كفى بالنفي فتنة، وإن أريد إجماعهم على صحته بمعنى صحه سنده فكثير من أخبار الآحاد كذلك ولم تخرج بذلك عن كونها آحاداً، على أنه ليس فيه أكثر من كون التغريب واجباً ولا يدل على أنه واجب بطريق الحد بل ما في «صحيح البخاري» من قول أبـي هريرة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وإقامة الحد ظاهر في أن النفي ليس من الحد لعطفه عليه، وكونه استعمل الحد في جزء مسماه وعطف على الجزء الآخر بعيد فجاز كونه تعزيراً لمصلحة، وقد يغرب الإمام لمصلحة يراها في غير ما ذكر كما صح أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه غرب نصر بن حجاج إلى البصرة بسبب أنه لجماله افتتن بعض النساء به فسمع قائلة يقال إنها أم الحجاج الثقفي ولذا قال له عبد الملك يوماً با ابن المتمنية تقول: شعر : هل من سبيل إلى خمر فأشربها أو هل سبيل إلى نصر بن حجاج إلى فتى ماجد الاعراق مقتبل سهل المحيا كريم غير ملجاج تفسير : / والقول بأنه لا يجتمع التعزيز مع الحد لا يخفى ما فيه. وادعى الفقيه المرغيناني أن الخبر المذكور منسوخ فإن شطره الثاني الدال على الجمع بين الجلد والرجم منسوخ كما علمت؛ وفيه أنه لا لزوم فيجوز أن تروى جمل نسخ بعضها وبعضها لم ينسخ، نعم ربما يكون نسخ أحد الشطرين مسهلاً لتطرق احتمال نسخ الشطر الآخر فيكون هذا الاحتمال قائماً فيما نحن فيه فيضعف عن درجة الآحاد التي لم يتطرق ذلك الاحتمال إليها فيكون أحرى أن لا ينسخ ما أفاده الكتاب من أن الحد هو الجلد لا غير على ما سمعت تقريره فتأمل. ثم إن التغريب ليس مخصوصاً بالرجل عند أولئك الأئمة فقد قالوا: تغرب المرأة مع محرم وأجرته عليها في قول وفي بيت المال في آخر، ولو امتنع ففي قول يجبره الإمام وفي آخر لا، ولو كانت الطريق آمنة ففي تغريبها بلا محرم قولان، وعند مالك والأوزاعي إنما ينفى الرجل ولا تنفى المرأة لقوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : البكر بالبكر » تفسير : الخ، وقال غيرهما ممن تقدم: إن الحديث يجب أن يشملها فإن أوله « حديث : خذوا عني قد جعل الله تعالى لهن سبيلاً البكر البكر » تفسير : الخ وهو نص على أن النفي والجلد سبيل للنساء والبكر يقال على الأنثى ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : البكر تستأذن » تفسير : ومع قطع النظر عن كل ذلك قد يقال: إن هذا من المواضع التي تثبت الأحكام فيه في النساء بالنصوص المفيدة إياها للرجال بتنقيح المناط. هذا ثم لا يخفى أن الظاهر من {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى } ما يشمل الرقيق وغيره فيكون مقدار الحد في الجميع واحداً لكن قوله تعالى: { أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [النساء: 25] الآية أخرجت الإماء فإن الآية نزلت فيهن، وكذا أخرجت العبيد إذ لا فرق بين الذكر والأنثى بتنقيح المناط فيرجع في ذلك إلى دلالة النص بناء على أنه لا يشترط في الدلالة أولوية المسكوت بالحكم من المذكور بل المساواة تكفي فيه وقيل تدخل العبيد بطريق التغليب عكس القاعدة وهي تغليب الذكور. ولا يشترط الإحصان في الرقيق لما روى مسلم وأبو داود والنسائي عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن ومن لم يحصن » تفسير : وفيه دليل على أن الشرط أعني الإحصان في الآية الدالة على تنصيف الحد لا مفهوم له، ونقل عن ابن عباس وطاوس أنه لا حد على الأمة حتى تحصن بزوج، وفيه اعتبار المفهوم، ثم هذا الإحصان شرط للجلد لأن الرجم لا يتنصف، وللشافعي في تغريب العبد أقوال: يغرب سنة، يغرب نصف سنة، لا يغرب أصلاً. والخطاب في قوله تعالى: {فَٱجْلِدُواْ } لأئمة المسلمين ونوابهم. واختلف في إقامة المولى الحد على عبده فعندنا لا يقيمه إلا بإذن الإمام؛ وقال الشافعي ومالك وأحمد يقيمه من غير إذن، وعن مالك إلا في الأمة المزوجة، واستثنى الشافعي من المولى الذمي والمكاتب والمرأة، وكذا اختلف في إقامة الخارجي المتغلب الحد فقيل يقيم وقيل لا، وأدلة الأقوال المذكورة وتحقيق ما هو الحق منها في محله. والظاهر أن إقامة الحد المذكور بعد تحقق الزنا بإحدى الطرق المعلومة، وقال إسحٰق: إذا وجد رجل وامرأة في ثوب واحد يجلد كل واحد منهما مائة جلدة وروي ذلك عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما، وقال عطاء والثوري ومالك وأحمد: يؤدبان على مذاهبهم في الأدب. {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ } تلطف ومعاملة برفق وشفقة {فِى دِينِ ٱللَّهِ } في طاعته وإقامة حده الذي شرعه عز وجل، والمراد النهي عن / التخفيف في الجلد بأن يجلدوهما جلداً غير مؤلم أو بأن يكون أقل من مائة جلدة. وقال أبو مجلز ومجاهد وعكرمة وعطاء: المراد النهي عن إسقاط الحد بنحو شفاعة كأنه قيل: أقيموا عليهما الحد ولا بد، وروي معنى ذلك عن ابن عمر وابن جبير، وفي هذا دليل على أنه لا يجوز الشفاعة في إسقاط الحد، والظاهر أن المراد عدم جواز ذلك بعد ثبوت سبب الحد عند الحاكم، وأما قبل الوصول إليه والثبوت فإن الشفاعة عند الرافع لمن اتصف بسبب الحد إلى الحاكم ليطلقه قبل الوصول وقبل الثبوت تجوز، ولم يخصوا ذلك بالزنا لما صح « حديث : أنه عليه الصلاة والسلام أنكر على حِبِّه أسامة بن زيد حين شفع في فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية السارقة قطيفة، وقيل حلياً فقال له: أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟ ثم قام فخطب فقال: أيها الناس إنما ضل من قلبكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله تعالى لو أن فاطمة بنت محمد سرقت - وحاشاها - لقطعت يدها » تفسير : وكما تحرم الشفاعة يحرم قبولها فعن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا بلغ الحد إلى الإمام فلا عفا الله تعالى عنه إن عفا. و {بِهِمَا } قيل متعلق بمحذوف على البيان أي أعني بهما، وقيل بترأفوا محذوفاً أي ولا ترأفوا بهما، ويفهم صنيع أبـي البقاء اختيار تعلقه بتأخذ والباء للسببية أي ولا تأخذكم بسببهما رأفة ولم يجوز تعلقه برأفة معللاً بأن المصدر لا يتقدم معموله عليه، وعندي هو متعلق بالمصدر ويتوسع في الظرف ما لا يتوسع في غيره. وقد حقق ذلك العلامة سعد الملة والدين في أول «شرح التلخيص» بما لا مزيد عليه. و {فِى دِينِ } قيل متعلق بتأخذ وعليه أبو البقاء، وقيل متعلق بمحذوف وقع صفة لرأفة. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والسلمي وابن مقسم وداود بن أبـي هند عن مجاهد {وَلاَ يأخذكم} بالياء التحتية لأن تأنيث {رَأْفَةٌ } مجازي وحسن ذلك الفصل. وقرأ ابن كثير {رَأفَةٌ } بفتح الهمزة، وابن جريج {رءافة} بألف بعد الهمزة على وزن فعالة وروي ذلك عن عاصم وابن كثير، ونقل أبو البقاء أنه قرأ {رافة } بقلب الهمزة ألفاً وهي في كل ذلك مصدر مسموع إلا أن الأشهر في الاستعمال ما وافق قراءة الجمهور. {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } من باب التهييج والإلهاب كما يقال: إن كنت رجلاً فافعل كذا ولا شك في رجوليته وكذا المخاطبون هنا مقطوع بإيمانهم لكن قصد تهييجهم وتحريك حميتهم ليجدوا في طاعة الله تعالى ويجتهدوا في إجراء أحكامه على وجهها. وذكر {ٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ } لتذكير ما فيه من العقاب في مقابلة الرأفة بهما. {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي ليحضره زيادة في التنكيل فإن التفضيح قد ينكل أكثر من التعذيب أو لذلك وللعبرة والموعظة، وعن نصر بن علقمة أن ذلك ليدعى لهما بالتوبة والرحمة لا للتفضيح وهو في غاية البعد من السياق، والأمر هنا على ما يدل عليه كلام الفقهاء للندب. واختلف في هذه الطائفة فأخرج عبد بن حميد وغيره عن ابن عباس أنه قال: الطائفة الرجل فما فوقه وبه قال أحمد، وقال عطاء وعكرمة وإسحٰق بن راهويه: اثنان فصاعداً وهو القول المشهور لمالك، وقال قتادة والزهري: ثلاثة فصاعداً، وقال الحسن: عشرة، وعن الشافعي وزيد: أربعة وهو قول لمالك، قال الخفاجي: وتحقيق المقام أن الطائفة في الأصل اسم فاعل مؤنث من الطواف الدوران أو الإحاطة فهي إما صفة نفس أي نفس طائفة فتطلق على الواحد أو صفة جماعة أي جماعة طائفة فتطلق على ما فوقه فهي / كالمشترك بين تلك المعاني فتحمل في كل مقام على ما يناسبه. وذكر الراغب أنها إذا أريد بها الواحد يصح أن تكون جمعاً كني به عن الواحد ويصح أن تكون مفرداً والتاء فيها كما في رواية، وفي «حواشي العضد» للهروي يصح أن يقال للواحد طائفة ويراد نفس طائفة فهي من الطواف بمعنى الدوران. وفي «شرح البخاري» حمل الشافعي الطائفة في مواضع من القرآن على أوجه مختلفة بحسب المواضع فهي في قوله تعالى: { أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ } تفسير : [التوبة: 122] واحد فأكثر واحتج به على قبول خبر الواحد وفي قوله تعالى: { أية : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ } تفسير : [النور: 2] أربعة وفي قوله سبحانه: { أية : فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ } تفسير : [النساء: 102] ثلاثة، وفرقوا في هذه المواضع بحسب القرائن، أما في الأولى فلأن الإنذار يحصل به، وأما في الثانية فلأن التشنيع فيه أشد، وأما في الثالثة فلضمير الجمع بعد قوله تعالى: { أية : وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ } تفسير : [النساء: 102] وأقله ثلاثة وكونها مشتقة من الطواف لا ينافيه لأنه يكون بمعنى الدوران أو هو الأصل وقد لا ينظر إليه بعد الغلبة فلذا قيل: إن تاءها للنقل انتهى ولا يخلو عن بحث. والحق أن المراد بالطائفة هنا جماعة يحصل بهم التشهير والزجر وتختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الأماكن والأشخاص فرب شخص يحصل تشهيره وزجره بثلاثة وآخر لا يحصل تشهيره وزجره بعشرة، وللقائل بالأربعة هنا وجه وجيه كما لا يخفى.
ابن عاشور
تفسير : {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ}. ابتداء كلام وهو كالعنوان والترجمة في التبويب فلذلك أتي بعده بالفاء المؤذنة بأن ما بعدها في قوة الجواب وأن ما قبلها في قوة الشرط. فالتقدير: الزانية والزاني مما أنزلت له هذه السورة وفرضت. ولما كان هذا يستدعي استشراف السامع كان الكلام في قوة: إن أردتم حكمهما فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة. وهكذا شأن هذه الفاء كلما جاءت بعد ما هو في صورة المبتدأ فإنما يكون ذلك المبتدأ في معنى ما للسامع رغبة في استعلام حاله كقول الشاعر، وهو من شواهد «كتاب سيبويه» التي لم يعرف قائلها: شعر : وقائلة: خولانُ فانكح فتاتهم وأُكرومة الحيين خِلو كما هِيا تفسير : التقدير: هذه خولان، أو خولان مما يرغب في صهرها فانكح فتاتهم إن رغبت. ومن صرفوا ذهنهم عن هذه الدقائق في الاستعمال قالوا الفاء زائدة في الخبر. وتقدم زيادة الفاء في قوله تعالى: { أية : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } تفسير : في سورة العقود (38). وصيغتا {الزانية والزاني} صيغة اسم فاعل وهو هنا مستعمل في أصل معناه وهو اتصاف صاحبه بمعنى مادته فلذلك يعتبر بمنزلة الفعل المضارع في الدلالة على الاتصاف بالحدث في زمن الحال، فكأنه قيل: التي تزني والذي يزني فاجلدوا كل واحد منهما إلخ. ويؤيد ذلك الأمر بجلد كل واحد منهما فإن الجلد يترتب على التلبس بسببه. ثم يجوز أن تكون قصة مرثد بن أبي مرثد النازل فيها قوله تعالى: { أية : الزاني لا ينكح إلا زنية أو مشركة } تفسير : [النور: 3] إلخ هي سبب نزول أول هذه السورة. فتكون آية {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} هي المقصد الأول من هذه السورة ويكون قوله: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} تمهيداً ومقدمة لقوله: { أية : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } تفسير : [النور: 3] فإن تشنيع حال البغايا جدير بأن يقدم قبله ما هو أجدر بالتشريع وهو عقوبة فاعل الزنى. ذلك أن مرثد ما بعثه على الرغبة في تزوج عناق إلا ما عرضته عليه من أن يزني معها. وقدم ذكر {الزانية} على {الزاني} للاهتمام بالحكم لأن المرأة هي الباعث على زنى الرجل وبمساعفتها الرجل يحصل الزنى ولو منعت المرأة نفسها ما وجد الرجل إلى الزنى تمكيناً، فتقديم المرأة في الذكر لأنه أشد في تحذيرها. وقوله: {كل واحد منهما} للدلالة على أنه ليس أحدهما بأولى بالعقوبة من الآخر. وتعريف {الزانية والزاني} تعريف الجنس وهو يفيد الاستغراق غالباً ومقام التشريع يقتضيه، وشأن (أل) الجنسية إذا دخلت على اسم الفاعل أن تبعّد الوصف عن مشابهة الفعل فلذلك لا يكون اسم الفاعل معها حقيقة في الحال ولا في غيره وإنما هو تحقق الوصف في صاحبه. وبهذا العموم شمل الإماء والعبيد، فـــ{الزانية والزاني} من اتصفت بالزنى واتصف بالزنى. والزنى: اسم مصدر زَنى، وهو جماع بين الرجل والمرأة اللذين لا يحل أحدهما للآخر، يقال: زنى الرجل وزنت المرأة، ويقال: زانى بصيغة المفاعلة لأن الفعل حاصل من فاعلين ولذلك جاء مصدره الزناء بالمدّ أيضاً بوزن الفِعال ويخفف همزه فيصير اسماً مقصوراً. وأكثر ما كان في الجاهلية أن يكون بداعي المحبة والموافقة بين الرجل والمرأة دون عوض، فإن كان بعوض فهو البغاء يكون في الحرائر ويغلب في الإماء وكانوا يجهرون به فكانت البغايا يجعلن رايات على بيوتهن مثل راية البيطار ليعرفن بذلك وكل ذلك يشمله اسم الزنى في اصطلاح القرآن وفي الحكم الشرعي. وتقدم ذكر الزنى في قوله تعالى: { أية : ولا تقربوا الزنى } تفسير : في سورة الإسراء (32). والجلد: الضرب بسير من جلد. مشتق من الجلد بكسر الجيم لأنه ضرب الجلد. أي البشرة. كما اشتق الجَبْه، والبَطْن، والرأس في قولهم جَبَهه إذا ضرب جبهته، وبَطنَه إذا ضرب بطنه، ورَأسه إذا ضرب رأسه. قال في «الكشاف»: وفي لفظ الجلد إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم اهــــ. أي لا يكون الضرب يُطير الجلد حتى يظهر اللحم، فاختيار هذا اللفظ دون الضرب مقصود به الإشارة إلى هذا المعنى على طريقة الإدماج. واتفق فقهاء الأمصار على: أن ضرب الجلد بالسوط. أي بسَيْر من جلد. والسوط: هو ما يضرب به الراكب الفرس وهو جلد مضفور، وأن يكون السوط متوسط اللين، وأن يكون رفع يد الضارب متوسطاً. ومحل الجلد هو الظهر عند مالك. وقال الشافعي: تضرب سائر الأعضاء ما عدا الوجه والفرج. وأجمعوا على ترك الضرب على المقاتل، ومنها الرأس في الحد. روى الطبري أن عبد الله بن عمر حد جارية أحدثت فقال للجالد: اجلد رجليها وأسفلها، فقال له ابنه عبد الله: فأين قول الله تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} فقال فاقتها. وقوله: {كل واحد منهما} تأكيد للعموم المستفاد من التعريف فلم يكتف بأن يقال: فاجلدوهما، كما قال: { أية : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } تفسير : [المائدة: 38] وتذكير كل واحد تغليب للمذكر مثل { أية : وكانت من القانتين } تفسير : [التحريم: 12]. والخطاب بالأمر بالجلد موجه إلى المسلمين فيقوم به من يتولى أمور المسلمين من الأمراء والقضاة ولا يتولاه الأولياء، وقال مالك والشافعي وأحمد: يقيم السيد على عبده وأمته حد الزنى، وقال أبو حنيفة لا يقيمه إلا الإمام. وقال مالك: لا يقيم السيد حد الزنى على أمته إذا كانت ذات زوج حر أو عبد ولا يقيم الحد عليها إلا ولي الأمر. وكان أهل الجاهلية لا يعاقبون على الزنى لأنه بالتراضي بين الرجل والمرأة إلا إذا كان للمرأة زوج أو ولي يذب عن عرضه بنفسه كما أشار إليه قول امرىء القيس: شعر : تجاوزت أحراساً إليها ومعشراً علي حراصاً لو يسرّون مقتلي تفسير : وقول عبد بني الحسحاس: شعر : وهن بنات القوم إن يشعروا بنا يكن في بنات القوم إحدى الدهارس تفسير : الدهارس: الدواهي. ولم تكن في ذلك عقوبة مقدرة ولكنه حكم السيف أو التصالح على ما يتراضيان عليه. وفي «الموطأ» عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني حديث : أن رجلين اختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي أن أتكلم. فقال: تكلم. قال: إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة وبجارية لي، ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام وأخبروني أنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فردّ عليك. وجلد ابنه مائة وغربه عاماً وأمر أنيساً الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رَجمها فاعترفت فرجمهاتفسير : . قال مالك: والعسيف الأجير اهــــ. فهذا الافتداء أثر مما كانوا عليه في الجاهلية، ثم فرض عقاب الزنى في الإسلام بما في سورة النساء وهو الأذى للرجل الزاني، أي بالعقاب الموجع، وحبس للمرأة الزانية مدة حياتها. وأشارت الآية إلى أن ذلك حكم مجمل بالنسبة للرجل لأن الأذى صالح لأن يبيّن بالضرب أو بالرجم وهو حكم موقت بالنسبة إلى المرأة بقوله: { أية : أو يجعل الله لهن سبيلاً } تفسير : [النساء: 15] ثم فرض حد الزنى بما في هذه السورة. ففرض حد الزنى بهذه الآية جلد مائة فعمّ المحصن وغيره، وخصصته السنة بغير المحصن من الرجال والنساء. فأما من أحصن منهما، أي تزوج بعقد صحيح ووقع الدخول فإن الزاني المحصن حده الرجم بالحجارة حتى يموت. وكان ذلك سُنةً متواترةً في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ورجم ماعز بن مالك. وأجمع على ذلك العلماء وكان ذلك الإجماع أثراً من آثار تواترها. وقد روي عن عمر أن الرجم كان في القرآن «الثيِّب والثيبة إذا زنيا فارجموهما البتة» وفي رواية «الشيخ والشيخة» وأنه كان يقرأ ونسخت تلاوته. وفي «أحكام ابن الفرس» في سورة النساء: «وقد أنكر هذا قوم»، ولم أر من عيّن الذين أنكروا. وذكر في سورة النور أن الخوارج بأجمعهم يرون هذه الآية على عمومها في المحصن وغيره ولا يرون الرجم ويقولون: ليس في كتاب الله الرجم فلا رجم. ولا شك في أن القضاء بالرجم وقع بعد نزول سورة النور. وقد سئل عبد الله بن أبي أوفى عن الرجم: أكان قبل سورة النور أو بعدها؟ (يريد السائل بذلك أن تكون آية سورة النور منسوخة بحديث الرجم أو العكس، أي أن الرجم منسوخ بالجلد) فقال ابن أبي أوفى: لا أدري. وفي رواية أبي هريرة أنه شهد الرجم. وهذا يقتضي أنه كان معمولاً به بعد سورة النور لأن أبا هريرة أسلم سنة سبع وسورة النور نزلت سنة أربع أو خمس كما علمت وأجمع العلماء على أن حد الزاني المحصن الرجم. وقد ثبت بالسنة أيضاً تغريب الزاني بعد جلده تغريب سنة كاملة، ولا تغريب على المرأة. وليس التغريب عند أبي حنيفة بمتعين ولكنه لاجتهاد الإمام إن رأى تغريبه لدعارته. وصفة الرجم والجلد وآلتهما مبينة في كتب الفقه ولا يتوقف معنى الآية على ذكرها. عطف على جملة {فاجلدوا}؛ فلما كان الجلد موجعاً وكان المباشر له قد يرق على المجلود من وجعه نُهي المسلمون أن تأخذهم رأفة بالزانية والزاني فيتركوا الحد أو ينقصوه. والأخذ: حقيقته الاستيلاء. وهو هنا مستعار لشدة تأثير الرأفة على المخاطبين وامتلاكها إرادتهم بحيث يضعفون عن إقامة الحد فيكون كقوله: { أية : أخذته العزة بالإثم } تفسير : [البقرة: 206] فهو مستعمل في قوة ملابسة الوصف للموصوف. و{بهما} يجوز أن يتعلق بــــ{رأفة} فالباء للمصاحبة لأن معنى الأخذ هنا حدوث الوصف عند مشاهدتهما. ويجوز تعليقه بــــ{تأخذكم} فتكون الباء للسببية، أي أخذ الرأفة بسببهما أي بسبب جلدهما. وتقديم المجرور على عامله للاهتمام بذكر الزاني والزانية تنبيهاً على الاعتناء بإقامة الحد. والنهي عن أن تأخذهم رأفة كناية عن النهي عن أثر ذلك وهو ترك الحد أو نقصه. وأما الرأفة فتقع في النفس بدون اختيار فلا يتعلق بها النهي؛ فعلى المسلم أن يروض نفسه على دفع الرأفة في المواضع المذمومة فيها الرأفة. والرأفة: رحمة خاصة تنشأ عند مشاهدة ضُرّ بالمرؤوف. وتقدم الكلام عليها عند قوله تعالى: { أية : إن الله بالناس لرؤوف رحيم } تفسير : في سورة البقرة (143). ويجوز سكون الهمزة وبذلك قرأ الجمهور. ويجوز فتحها وبالفتح قرأ ابن كثير. وعلق بالرأفة قوله: {في دين الله} لإفادة أنها رأفة غير محمودة لأنها تعطل دين الله، أي أحكامه، وإنما شرع الله الحد استصلاحاً فكانت الرأفة في إقامته فساداً. وفيه تعريض بأن الله الذي شرع الحد هو أرأف بعباده من بعضهم ببعض. وفي «مسند أبي يعلى» عن حذيفة مرفوعاً: « حديث : يؤتى بالذي ضَرب فوق الحد فيقول الله له: عبدي لم ضربت فوق الحد؟ فيقول: غضبت لك فيقول الله: أكان غضبك أشد من غضبي؟ ويؤتى بالذي قصّر فيقول: عبدي لِمَ قصرت؟ فيقول: رحِمتُهُ. فيقول: أكانت رحمتك أشد من رحمتي. ويؤمر بهما إلى النار ». تفسير : وجملة: {إن كنتم تؤمنون بالله} شرط محذوف الجواب لدلالة ما قبله عليه، أي إن كنتم مؤمنين فلا تأخذكم بهما رأفة، أي لا تؤثر فيكم رأفة بهما. والمقصود: شدة التحذير من أن يتأثروا بالرأفة بهما بحيث يفرض أنهم لا يؤمنون. وهذا صادر مصدر التلهيب والتهييج حتى يقول السامع: كيف لا أومن بالله واليوم الآخر. وعطف الإيمان باليوم الآخر على الإيمان بالله للتذكير بأن الرأفة بهما في تعطيل الحد أو نقصه نسيان لليوم الآخر فإن تلك الرأفة تفضي بهما إلى أن يؤخذ منهما العقاب يوم القيامة فهي رأفة ضارة كرأفة ترك الدواء للمريض، فإن الحدود جوابر على ما تؤذن به أدلة الشريعة. {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. أمر أن تحضر جماعة من المسلمين إقامة حد الزنا تحقيقاً لإقامة الحد وحذراً من التساهل فيه فإن الإخفاء ذريعة للإنساء، فإذا لم يشهده المؤمنون فقد يتساءلون عن عدم إقامته فإذا تبين لهم إهماله فلا يعدم بينهم من يقوم بتغيير المنكر من تعطيل الحدود. وفيه فائدة أخرى وهي أن من مقاصد الحدود مع عقوبة الجاني أن يرتدع غيره، وبحضور طائفة من المؤمنين يتعظ به الحاضرون ويزدجرون ويشيع الحديث فيه بنقل الحاضر إلى الغائب. والطائفة: الجماعة من الناس. وقد تقدم ذكرها عند قوله تعالى: { أية : فلتقم طائفة منهم معك } تفسير : في سورة النساء (102)، وعند قوله: { أية : أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا } تفسير : في آخر الأنعام (156). وقد اختلف في ضبط عددها هنا. والظاهر أنه عدد تحصل بخبره الاستفاضة وهو يختلف باختلاف الأمكنة. والمشهور عن مالك الاثنان فصاعداً، وقال ابن أبي زيد: أربعة اعتباراً بشهادة الزنا. وقيل عشرة. وظاهر الأمر يقتضي وجوب حضور طائفة للحد. وحمله الحنفية على الندب وكذلك الشافعية ولم أقف على تصريح بحكمه في المذهب المالكي. ويظهر من إطلاق المفسرين وأصحاب الأحكام من المالكية ومن اختلافهم في أقل ما يجزىء من عدد الطائفة أنه يحمل على الوجوب إذ هو محمل الأمر عند مالك. وأيَّاً مَّا كان حكمه فهو في الكفاية ولا يطالب به من له بالمحدود مزيد صلة يحزنه أن يشاهد إقامة الحد عليه.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}. ظاهر هذه الآية الكريمة: أن كل زانية وكل زان: يجب جلد كل واحد منهما مائة جلدة، لأن الألف واللام في قوله {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي} إن قلنا: إنهما موصول وصلتهما الوصف الذي هو اسم الفاعل الذي هو الزانية والزاني، فالموصولات من صيغ العموم. وإن قلنا إنهما للتعريف لتناسي الوصفية، وإن مرتكب تلك الفاحشة يطلق عليه اسم الزاني، كإطلاق أسماء الأجناس، فإن ذلك يفيد الاستغراق، فالعموم الشامل لكل زانية وكل زان، هو ظاهر الآية، على جميع الاحتمالات. وظاهر هذا العموم شموله للعبد، والحر، والأمة، والبكر، والمحصن من الرجال والنساء. وظاهره أيضاً: أنه لا تغرب الزانية، ولا الزاني عاماً مع الجلد، ولكن بعض الآيات القرآنية دل على أن عموم الزانية يخصص مرتين. إحداهما: تخصيص حكم جلدها مائة بكونها حرة، أما إن كانت أمة، فإنها تجلد نصف المائة وهو خمسون وذلك في قوله تعالى في الإماء {أية : فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25] والمراد بالمحصنات هنا: الحرائر والعذاب الجلد، وهو بالنسبة إلى الحرة الزانية: مائة جلدة والأمة عليها نصفه بنص آية النساء هذه، وهو خمسون. فآية {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25] مخصصة لعموم قوله {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي} الآية بالنسبة إلى الزانية الأنثى. وأما التخصيص للمرة الثانية لعموم الزانية في آية النور هذه فهو بآية منسوخة التلاوة، باقية الحكم، تقتضي أن عموم الزانية هنا مخصص بكونها بكراً. أما إن كانت محصنة، بمعنى أنها قد تزوجت من قبل الزنى، وجامعها زوجها في نكاح صحيح فإنها ترجم. والآية التي خصصتها بهذا الحكم الذي ذكرنا أنها منسوخة التلاوة باقية الحكم هي قوله تعالى: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم. وهذا التخصيص إنما هو على قول من يقول: لا يجمع للزاني المحصن، بين الجلد والرجم، وإنما يرجم فقط بدون جلد. أما على قول من يرى الجمع بينهما فلا تخصيص، وإنما في آية الرجم زيادته على الجلد، فكلتا الآيتين أثبتت حكماً لم تثبته الأخرى، وسيأتي إيضاح هذا إن شاء الله غير بعيد وأقوال أهل العلم فيه ومناقشة أدلتهم. أما الزاني الذكر فقد دلت الآية التي ذكرنا، أنها منسوخة التلاوة، باقية الحكم على تخصيص عمومه، وأن الذي يجلد المائة من الذكور، إنما هو الزاني البكر، وأما المحصن فإنه يرجم، وهذا التخصيص في الذكر أيضاً إنما هو على قول من لا يرى الجمع بين الجلد والرجم، كما أوضحناه قريباً في الأنثى. وأما على قول من يرى الجمع بينهما فلا تخصيص، بل كل واحدة من الآيتين أثبتت حكماً لم تثبته الأخرى. وعموم الزاني في آية النور هذه، مخصص عند الجمهور أيضاً مرة أخرى، بكون جلد المائة خاصاً بالزاني الحر، أما الزاني الذكر العبد فإنه يجلد نصف المائة وهو الخمسون. ووجه هذا التخصيص: إلحاق العبد بالأمة في تشطير حد الزنى بالرق، لأن مناط التشطير الرق بلا شك، لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى الحدود وصفان طرديان، لا يترتب عليهما حكم، فدل قوله تعالى في آية النساء في الإماء {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25] أن الرق مناط تشطير حد الزنى، إذ لا فرق بين الذكر والأنثى في الحدود، فالمخصص لعموم الزاني في الحقيقة: هو ما أفادته آية {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25]. وإن سماه الأصوليون تخصيصاً بالقياس، فهو في الحقيقة تخصيص آية بما فهم من آية أخرى. مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة المسألة الأولى: اعلم أن رجم الزانيين المحصنين، دلت عليه آيتان من كتاب الله، إحداهما نسخت تلاوتها، وبقى حكمها، والثانية: باقية التلاوة والحكم، أما التي نسخت تلاوتها، وبقي حكمها فهي قوله تعالى: الشيخ والشيخة إلى آخرها كما سيأتي. وكون الرجم ثابتاً بالقرآن ثابت في الصحيح. قال البخاري رحمه الله في صحيحه: في باب رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت: حدثنا عبدالعزيز بن عبدالله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: كنت أقرئ رجالاً من المهاجرين منهم: عبدالرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها، إذ رجع إلى عبدالرحمن فقال: لو رأيت رجلاً أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم. الحديث بطوله. وفيه: إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها: "رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى، إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف" انتهى محل الغرض من صحيح البخاري. وفيه أن الرجم نزل في القرآن في آية من كتاب الله، وكونها لم تقرأ في المصحف، يدل على نسخ تلاوتها، مع بقاء حكمها كما هو ثابت في الحديث المذكور. وفي رواية في البخاري من حديث عمر رضي الله عنه "لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى، وقد أحصن إذا قامت البينة، أو كان الحمل، أو الاعتراف". قال سفيان: كذا حفظت "ألا وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده". وقال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لهذه الرواية الأخيرة، "وقد أخرجه الإسماعيلي من رواية جعفر الفريابي، عن علي بن عبدالله شيخ البخاري فيه، فقال بعد قوله: أو الاعتراف، وقد قرأناها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجمنا بعده، فسقط من رواية البخاري من قوله: وقد قرأناها إلى قوله: ألبتة، ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمداً، فقد أخرجه النسائي عن محمد بن منصور، عن سفيان كرواية جعفر ثم قال: لا أعلم أحداً ذكر في هذا الحديث: الشيخ والشيخة... غير سفيان، وينبغي أن يكون وهم في ذلك. قلت: وقد أخرج الأئمة هذا الحديث من رواية مالك، ويونس، ومعمر، وصالح بن كيسان، وعقيل، وغيرهم من الحفاظ عن الزهري". وقد وقعت هذه الزيادة في هذا الحديث من رواية الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: لما صدر عمر من الحج، وقدم المدينة خطب الناس فقال: أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أن يقول قائل: لا نجد حدّين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله، ورجمنا والذي نفسي بيده، لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. قال مالك: الشيخ والشيخة: الثيب والثيبة. ووقع في الحلية في ترجمة داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب عن عمر: "لكتبتها في آخر القرآن". ووقعت أيضاً في هذا الحديث في رواية أبي معشر الآتي التنبيه عليها، في الباب الذي يليه فقال متصلاً بقوله: "قد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، ولولا أن يقولوا: كتب عمر ما ليس في كتاب الله، لكتبته قد قرأنا: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالاً من الله، والله عزيز حكيم". وأخرج هذه الجملة النسائي وصححه الحاكم، من حديث أبي بن كعب قال: ولقد كان فيها أي سورة الأحزاب، آية الرجم: الشيخ فذكر مثله. ومن حديث زيد بن ثابت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الشيخ والشيخة مثله إلى قوله: ألبتة. ومن رواية أسامة بن سهل أن خالته أخبرته قالت: لقد أقرأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الرجم، فذكره إلى قوله: ألبتة، وزاد بما قضيا من اللذة. وأخرج النسائي أيضاً أن مروان بن الحكم قال لزيد: ألا تكتبها في المصحف قال: لا ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان ولقد ذكرنا ذلك فقال عمر: أنا أكفيكم فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتبني آية الرجم فقال: "لا أستطيع". وروينا في فضائل القرآن لابن الضريس من طريق يعلى وهو ابن حكيم، عن زيد بن أسلم أن عمر خطب الناس فقال: لا تشكوا في الرجم فإنه حق، ولقد هممت أن أكتبه في المصحف، فسألت أبيّ بن كعب، فقال: أليس أتيتني، وأنا أستقرئها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدفعت في صدري وقلت: استقرئه آية الرجم، وهم يتسافدون تسافد الحمر، ورجاله ثقات وفيه: إشارة إلى بيان السبب في رفع تلاوتها، وهو الاختلاف. وأخرج الحاكم من طريق كثير بن الصلت قال: كان زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص يكتبان في المصحف، فمرا على هذه الآية فقال زيد: حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الشيخ والشيخة فارجموهما ألبتة"تفسير : ، فقال عمر: لما نزلت آتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: أكتبها فكأنه كره ذلك فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا زنى، ولم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم. فيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها. انتهى بطوله من فتح الباري. وفيه الدلالة الظاهرة على ما ذكرنا من أن آية الرجم منسوخة التلاوة، باقية الحكم، وأنها مخصصة لآية الجلد، على القول بعدم الجمع بين الرجم والجلد، كما تقدم. ولكن ما أشار إليه ابن حجر من استفادة سبب نسخ تلاوتها من بعض الأحاديث المذكورة غير ظاهر، لأن كثيراً من الآيات يبين النبي صلى الله عليه وسلم تخصيص عمومه، ويوضح المقصود به وإن كان خلاف الظاهر المتبادر منه، ولم يؤد شيء من ذلك إلى نسخ تلاوته كما هو معلوم، والآية القرآنية عند نزولها تكون لها أحكام متعددة، كالتعبد بتلاوتها، وكالعمل بما تضمنته من الأحكام الشرعية، والقراءة بها في الصلاة، ونحو ذلك من الأحكام. وإذا أراد الله أن ينسخها بحكمته فتارة ينسخ جميع أحكامها من تلاوة، وتعبد، وعمل بما فيها من الأحكام كآية عشر رضعات معلومات يحرمن، وتارة ينسخ بعض أحكامها دون بعض، كنسخ حكم تلاوتها، والتعبد بها مع بقاء ما تضمنته من الأحكام الشرعية، وكنسخ حكمها دون تلاوتها. والتعبد بها كما هو غالب ما في القرآن من النسخ. وقد أوضحنا جميع ذلك بأمثلته في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى {أية : وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ} تفسير : [النحل: 101] الآية. وله الحكمة البالغة في جميع ما يفعله من ذلك. فآية الرجم المقصود منها إثبات حكمها، لا التعبد بها، ولا تلاوتها، فأنزلت وقرأها الناس، وفهموا منها حكم الرجم، فلما تقرر ذلك في نفوسهم نسخ الله تلاوتها، والتعبد بها، وأبقى حكمها الذي هو المقصود. والله جل وعلا أعلم. فالرجم ثابت في القرآن وما سيأتي عن علي رضي الله عنه أنه قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ينافي ذلك، لأن السنة هي التي بينت أن حكم آية الرجم باقٍ بعد نسخ تلاوتها فصار حكمها من هذه الجهة، كأنه ثابت بالسنة، والله تعالى أعلم. وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثني أبو الطاهر، وحرملة بن يحيى قالا: حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة: أنه سمع عبدالله بن عباس: يقول: قال عمر بن الخطاب، وهو جالس على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها، وعقلناها: فرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان، أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف ا هـ منه. فهذا الحديث الذي اتفق عليه الشيخان، عن هذا الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ دليل صريح صحيح على أن الرجم ثابت بآية من كتاب الله، أنزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرأها الصحابة، ووعوها، وعقلوها وأن حكمها باق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله والصحابة رضي الله عنهم فعلوه بعده. فتحققنا بذلك بقاء حكمها مع أنها لا شك في نسخ تلاوتها مع الروايات التي ذكرنا في كلام ابن حجر، ومن جملة ما فيها لفظ آية الرجم المذكورة، والعلم عند الله تعالى. وأما الآية التي هي باقية التلاوة والحكم فهي قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ ٱلْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَىٰ كِتَابِ ٱللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [آل عمران: 23] على القول بأنها نزلت في رجم اليهوديين الزانيين بعد الإحصان، وقد رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم، وقصة رجمه لهما مشهورة، ثابتة في الصحيح، وعليه قوله {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُمْ مُّعْرِضُونَ} أي عما في التوراة من حكم الرجم، وذم المعرض عن الرجم في هذه الآية، يدل على أنه ثابت في شرعنا، فدلت الآية على هذا القول أن الرجم ثابت في شرعنا، وهي باقية التلاوة. فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول: أجمع العلماء: على أن الرجم لا يكون إلا على من زنى، وهو محصن. ومعنى الإحصان: أن يكون قد جامع في عمره، ولو مرة واحدة في نكاح صحيح، وهو بالغ عاقل حر، والرجل والمرأة في هذا سواء، وكذلك المسلم، والكافر، والرشيد، والمحجور عليه لسفه، والدليل على أن الكافر إذا كان محصناً يرجم الحديث الصحيح الذي ثبت فيه "أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين زنيا بعد الإحصان" وقصة رجمهما مشهورة مع صحتها كما هو معلوم. الفرع الثاني: أجمع أهل العلم على أن من زنى، وهو محصن يرجم، ولم نعلم بأحد من أهل القبلة خالف في رجم الزاني المحصن، ذكراً كان أو أنثى إلا ما حكاه القاضي عياض وغيره عن الخوارج، وبعض المعتزلة كالنظام وأصحابه. فإنهم لم يقولوا بالرجم، وبطلان مذهب من ذكر من الخوارج، وبعض المعتزلة واضح من النصوص الصحيحة الصريحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بعده كما قدمنا من حديث عمر المتفق عليه، وكما سيأتي إن شاء الله. الفرع الثالث: أجمع العلماء على أن الزاني ذكراً كان أو أنثى، إذا قامت عليه البينة، أنهم رأوه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة: أنه يجب رجمه إذا كان محصناً، وأجمع العلماء أن بينة الزنى، لا يقبل فيها أقل من أربعة عدول ذكور، فإن شهد ثلاثة عدول، لم تقبل شهادتهم وحدوا، لأنهم قذفة كاذبون، لأن الله تعالى يقول {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً}تفسير : [النور: 4] ويقول جل وعلا {أية : وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} تفسير : [النساء: 15] الآية، وكلتا الآيتين المذكورتين صريحة في أن الشهود في الزنى، لا يجوز أن يكونوا أقل من أربعة، وقد قال جل وعلا {أية : لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} تفسير : [النور: 13] وقد بينت هذه الآية اشتراط الأربعة كما في الآيتين المذكورتين قبلها، زادت أن القاذفين إذ لم يأتوا بالشهداء الأربعة هم الكاذبون عند الله. ومن كذب في دعواه الزنى على محصن أو محصنة وجب عليه حد القذف كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله. وما ذكره أبو الخطاب من الحنابلة عن أحمد والشافعي من أن شهود الزنى، إذا لم يكملوا لا حد قذف عليهم، لأنهم شهود لا قذفة، لا يعول عليه، والصواب إن شاء الله هو ما ذكرنا. ومما يؤيده قصة عمر مع الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة فإن رابعهم لما لم يصرح بالشهادة على المغيرة بالزنى، جلد عمر الشهود الثلاثة جلد القذف ثمانين، وفيهم أبو بكرة رضي الله عنه، والقصة معروفة مشهورة، وقد أوضحناها في غير هذا الموضع. وجمهور أهل العلم أن العبيد لا تقبل شهادتهم في الزنى، ولا نعلم خلافاً عن أحد من أهل العلم، في عدم قبول شهادة العبيد في الزنى، إلا رواية عن أحمد ليست هي مذهبه وإلا قول أبي ثور. ويشترط في شهود الزنى: أن يكونوا ذكوراً ولا تصح فيه شهادة النساء بحال، ولا نعلم أحداً من أهل العلم خالف في ذلك، إلا شيئاً يروى عن عطاء، وحماد أنه يقبل فيه ثلاثة رجال وامرأتان. وقال ابن قدامة في المغني: وهو شذوذ لا يعول عليه، لأن لفظ الأربعة اسم لعدد المذكورين، ويقتضي أن يكتفي فيه بأربعة، ولا خلاف أن الأربعة إذا كان بعضهم نساء لا يكتفي بهم، وأن أقل ما يجزئ خمسة، وهذا خلاف النص، ولأن في شهادتهن شبهة لتطرق الضلال إليهن، قال الله تعالى: {أية : أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ} تفسير : [البقرة: 282] والحدود تدرأ بالشبهات انتهى منه. ولا خلاف بين أهل العلم أن شهادة الكفار كالذميين لا تقبل على المسلم بالزنى. واختلف هل تقبل على كافر مثله؟ فقيل: لا، والنبي صلى الله عليه وسلم "إنما رجم اليهوديين باعترافهما بالزنى لا بشهادة شهود من اليهود عليهم بالزنى". والذين قالوا هذا القول زعموا أن شهادة الشهود في حديث جابر: أنها شهادة شهود مسلمين، يشهدون على اعتراف اليهوديين المذكورين بالزنى. وممن قال هذا القول: ابن العربي المالكي. وقال بعض أهل العلم: تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض إن تحاكموا إلينا. وقال القرطبي: الجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على مسلم، ولا على كافر لا في حد ولا في غيره، ولا فرق بين السفر والحضر في ذلك. وقيل: شهادتهم جماعة من التابعين، وبعض الفقهاء إذا لم يوجد مسلم، واستثنى أحمد حالة السفر إذا لم يوجد مسلم. وأجاب القرطبي عن الجمهور عن واقعة اليهوديين بأنه صلى الله عليه وسلم نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة وألزمهم العمل به ظاهراً لتحريفهم كتابهم، وتغييرهم حكمه أو كان ذلك خاصاً بهذه الواقعة. وقال ابن حجر بعد نقله كلام القرطبي المذكور كذا قال: والثاني مردود، ثم قال: وقال النووي الظاهر أنه رجمهما بالاعتراف، فإن ثبت حديث جابر فلعل الشهود كانوا مسلمين وإلا فلا عبرة بشهادتهم، ويتعين أنهما أقرا بالزنى. ثم قال ابن حجر قلت: لم يثبت أنهم كانوا مسلمين، ويحتمل أن يكون الشهود أخبروا بذلك بقية اليهود، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم كلامهم، ولم يحكم فيها إلا مستنداً لما أطلعه الله تعالى عليه، فحكم بالوحي، وألزمهم الحجة بينهم كما قال تعالى: {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ} تفسير : [يوسف: 26] وأن شهودهم شهدوا عليهما عند إخبارهم بما ذكر، فلما رفعوا الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم استعلم القصة على وجهها فذكر كل من حضره من الرواة ما حفظه في ذلك، ولم يكن مستند حكم النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما أطلعه الله عليه. انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر في فتح الباري. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل، هو مذهب الجمهور من عدم قبول شهادة الكفار مطلقاً لأن الله يقول في المسلمين الفاسقين {أية : وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [النور: 4]. وإذا نص الله جل وعلا في محكم كتابه على عدم قبول شهادة الفاسق، فالكافر أولى بذلك كما لا يخفى، وقد قال جل وعلا في شهود الزنا، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منه {أية : وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} تفسير : [النساء: 15] فخص الأربعة بكونهم منا، ويمكن أن يجيب المانع بأن أول الآية فيه من نسائكم، فلا نتناول نساء أهل الذمة ونحوهم من الكفار، وأنه لا تقبل شهادة كافر في شيء إلا بدليل خاص كالوصية في السفر، إذا لم يوجد مسلم، لأن الله نص على ذلك بقوله {أية : أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ} تفسير : [المائدة: 106] الآية. والتحقيق أن حكمها غير منسوخ، لأن القرآن لا يثبت نسخ حكمه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه، والآيات التي زعم من ادعى النسخ: أنها ناسخة لها كقوله {أية : ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ}تفسير : [الطلاق: 2] وقوله {أية : مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ} تفسير : [البقرة: 282] وقوله {أية : وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} تفسير : [النور: 4] أعم منها. والجمهور على أن الأعم لا ينسخ الأخص خلافاً لأبي حنيفة. أما حديث جابر المشار إليه الذي يفهم منه قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض في حد الزنى. فقد قال فيه أبو داود رحمه الله في سننه: حدثنا يحيى بن موسى البلخي، ثنا أبو أسامة قال مجالد: أخبرنا عن عامر عن جابر بن عبدالله، قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا فقال: ائتوني بأعلم رجلين منكم الحديث. وفيه: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود، فجاءوا بأربعة فشهدوا بأنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما. انتهى محل الغرض منه. وظاهره المتبادر منه: أن الشهود الذين شهدوا من اليهود كما لا يخفى فظاهر الحديث، دال دلالة واضحة على قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض، في حد الزنى، إن كان صحيحاً، والسند المذكور الذي أخرجه به أبو داود لا يصح لأن فيه مجالداً وهو مجالد بن سعيد بن عمير بن بسطام بن ذي مران بن شرحبيل الهمداني أبو عمرو، ويقال أبو سعيد الكوفي، وأكثر أهل العلم على ضعفه، وعدم الإحتجاج به، والإمام مسلم بن الحجاج، إنما أخرج حديثه مقروناً بغيره، فلا عبرة بقول يعقوب بن سفيان، إنه صدوق ولا بتوثيق النسائي له مرة، لأنه ضعفه مرة أخرى، ولا بقول ابن عدي إن له عن الشعبي، عن جابر أحاديث صالحة، لأن أكثر أهل العلم بالرجال على تضعيفه، وعدم الاحتجاج به أما غير مجالد من رجال سند أبي داود فهم ثقات معروفون، لأن يحيى بن موسى البلخي ثقة، وأبو أسامة المذكور فيه هو حماد بن أسامة القرشي مولاهم، وهو ثقة ثبت، ربما دلس وكان بأخرة يحدث من كتب غيره، وعامر الذي روى عنه مجالد هو الإمام الشعبي وجلالته معروفة. والحاصل: أن مثل هذا السند الذي فيه مجالد المذكور، لا يجب الرجوع إليه عن عموم النصوص الصحيحة المقتضية، أن الكفار لا تقبل شهادتهم مطلقاً، والله تعالى أعلم. الفرع الرابع: اعلم أن أهل العلم قد اختلفوا في اشتراط اتحاد المجلس لشهادة شهود الزنا، وعلى اشتراط ذلك لو شهدوا في مجلسين أو مجالس متفرقة، بطلت شهادتهم، وحدوا حد القذف. وعلى عدم اشتراط اتحاد المجلس تصح شهادتهم ولو جاءوا متفرقين، وأدوا شهادتهم في مجالس متعددة، وممن قال باشتراط اتحاد المجلس: مالك وأصحابه وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وممن قال بعدم اشتراط اتحاد المجلس: الشافعي، وعثمان البتي، وابن المنذر. قال في المغني: وإنما قالوا بعدم اشتراط ذلك لقوله تعالى: {أية : لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ}تفسير : [النور: 13] ولم يذكر المجلس. وقال تعالى: {أية : فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ } تفسير : [النساء: 15] ولأن كل شهادة مقبولة، إن اتفقت تقبل إذا افترقت في مجالس كسائر الشهادات، ولنا أن أبا بكرة، ونافعاً، وشبل بن معبد شهدوا عند عمر رضي الله عنه على المغيرة بن شعبة بالزنى ولم يشهد زياد فحد الثلاثة، ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم، لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر، ولأنه لو شهد ثلاثة فحدهم، ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته، ولولا اشتراط اتحاد المجلس لكملت شهادتهم، وبهذا فارق سائر الشهادات. وأما الآية فإنها لم تتعرض للشروط، ولهذا لم تذكر العدالة، وصفة الزنى ولأن قوله {أية : ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ } تفسير : [النور: 4] لا يخلو من أن يكون مطلقاً في الزمان كله أو مقيداً، ولا يجوز أن يكون مطلقاً، لأنه يمنع من جواز جلدهم، لأنه ما من زمن إلا يجوز أن يأتي فيه بأربعة شهداء، أو بكمالهم إن كان قد شهد بعضهم فيمتنع جلدهم المأمور به، فيكون تناقضاً، وإذا ثبت أنه مقيد فأولى ما قيد به المجلس، لأن المجلس كله بمنزلة الحال الواحدة، ولهذا ثبت فيه خيار المجلس، واكتفى فيه بالقبض فيما يعتبر القبض فيه إذا ثبت هذا، فإنه لا يشترط اجتماعهم حال مجيئهم، ولو جاءوا متفرقين واحداً بعد واحد في مجلس واحد، قبلت شهادتهم. وقال مالك وأبو حنيفة: إن جاءوا متفرقين فهم قذفة، لأنهم لم يجتمعوا في مجيئهم، فلم تقبل شهادتهم، كالذين لم يشهدوا في مجلس واحد ولناقصة المغيرة، فإن الشهود جاءوا واحداً بعد واحد وسمعت شهادتهم، وإنما حدوا لعدم كمالها. وفي حديثه أن أبا بكرة قال: أرأيت إن جاء آخر يشهد أكنت ترجمه؟ قال عمر: إي والذي نفسي بيده، ولأنهم اجتمعوا في مجلس واحد أشبه ما لو جاءوا وكانوا مجتمعين، ولأن المجلس كله بمنزلة ابتدائه لما ذكرناه، وإذا تفرقوا في مجالس فعليهم الحد، لأن من شهد بالزنى، ولم يكمل الشهادة يلزمه الحد لقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً } تفسير : [النور: 4] انتهى من المغني لابن قدامة. وقد عرفت أقوال أهل العلم في اشتراط اتحاد المجلس لشهادة شهود الزنى وما احتج به كل واحد من الفريقين. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلاً هو قبول شهادتهم، ولو جاءوا متفرقين في مجالس متعددة، لأن الله جل وعلا صرح في كتابه بقبول شهادة الأربعة في الزنى، فإبطالها مع كونهم أربعة بدعوى عدم اتحاد المجلس إبطال لشهادة العدول بغير دليل مقنع يجب الرجوع إليه، وما وجه من اشترط اتحاد المجلس قوله به لا يتجه كل الاتجاه، فإن قال: الشهود معنا من يشهد مثل شهادتنا، انتظره الإمام، وقبل شهادته، فإن لم يدعو زيادة من شهود ولا علم الحاكم بشاهد أقام عليهم الحد، لعدم كمال شهادتهم، هذا هو الظاهر لنا من عموم الأدلة، وإن كان مخالفاً لمذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، والعلم عند الله تعالى. تنبيه اعلم أن مالكاً وأصحابه يشترط عندهم زيادة على أداء شهود الزنى شهادتهم في وقت واحد، أن يكونوا شاهدين على فعل واحد، فلو اجتمعوا ونظر واحد بعد واحد؛ لم تصح شهادتهم على الأصح من مذهب مالك، لاحتمال تعدد الوطء وأن يكون الزاني نزع فرجه من فرجها بعد رؤية الأول، ورأى الثاني إيلاجاً آخر غير الإيلاج الذي رآه من قبله، لأن الأفعال لا يضم بعضها إلى بعض في الشهادة عندهم، ومتى لم تقبل شهادتهم حدوا حد القذف. ومشهور مذهب مالك أيضاً: وجوب تفرقتهم أعني شهود الزنى خاصة، دون غيرهم من سائر الشهود. ومعناه عندهم: أنه لا بد من إتيانهم مجتمعين، فإذا جاءوا مجتمعين فرق بينهم عند أداء الشهادة فيسأل كل واحد منهم دون حضرة الآخرين، ويشهد كل واحد منهم، أنه رآه أدخل فرجه في فرجها، أو أولجه فيه، ولا بد عندهم من زيادة كالمرود في المكحلة ونحوه، ويجوز للشهود النظر إلى عورة الزانيين، ليمكنهم أن يؤدوا الشهادة على وجهها، ولا إثم عليهم في ذلك، ولا يقدح في شهادتهم لأنه وسيلة إقامة حد من حدود الله، ومحل هذا إن كانوا أربعة فإن كانوا أقل من أربعة لم يجز لهم النظر إلى عورة الزاني إذ لا فائدة في شهادتهم، ولأنهم يجلدون حد القذف. وقال بعض المالكية: لا يجوز لهم النظر إلى عورات الزناة، ولو كانوا أربعة، لما نبه عليه الشرع من استحسان الستر، ويندب للحاكم عند المالكية سؤال الشهود في الزنى عما ليس شرطاً في صحة الشهادة، كأن يقول لكل واحد من الشهود بانفراده، دون حضرة الآخرين على أي حال رأيتهما وقت زناهما، وهل كانت المرأة على جنبها الأيمن، أو الأيسر، أو على بطنها، أو على قفاها، وفي أي جوانب البيت ونحو ذلك، فإن اختلفوا بأن قال أحدهم: كانت على قفاها، وقال الآخر: كانت على جنبها الأيمن ونحو ذلك بطلت شهادتهم، لدلالة اختلافهم على كذبهم، وكذلك إن اختلفوا في جانب البيت الذي وقع فيه الزنى. ولا شك أن مثل هذا السؤال أحوط في الدفع عن أعراض المسلمين، لأنهم إن كانوا صادقين لم يختلفوا، وإن كانوا كاذبين علم كذبهم باختلافهم، وقد قدمنا ما يستأنس به لتفرقة شهود الزنى، وسؤالهم متفرقين في قصة سليمان وداود في المرأة التي شهد عليها أربعة، أنها زنت بكلبها فرجمها داود فجاء سليمان بالصبيان، وجعل منهم شهوداً، وفرقهم وسألهم متفرقين عن لون الكلب الذين زنت به، فأخبر كل واحد منهم بلون غير اللون الذي أخبر به الآخر، فأرسل داود للشهود، وفرقهم وسألهم متفرقين عن لون الكلب الذي زنت به، فاختلفوا في لونه كما تقدم إيضاحه. واعلم أن كلما يثبت به الرجم يثبت به الجلد فطريق ثبوتهما متحدة لا فرق بينهما كما لا يخفى. الفرع الخامس: اعلم أنه إذا شهد اثنان: أنه زنى بها في هذا البيت، واثنان: أنه زنى بها في بيت آخر، أو شهد كل اثنين عليه بالزنى في بلد غير البلد الذي شهد عليه فيه صاحباهما، أو اختلفوا في اليوم الذي وقع فيه الزنى. فقد اختلف أهل العلم هل تقبل شهادتهم، نظراً إلى أنهم أربعة شهدوا بالزنى، أو لا تقبل، لأنه لم تشهد أربعة على زنى واحد، فكل زنى شهد عليه اثنان، ولا يثبت زنى باثنين؟ قال ابن قدامة في المغني: الجميع قذفة وعليهم الحد، وبهذا قال مالك، والشافعي، واختار أبو بكر أنه لا حد عليهم، وبه قال النخعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، لأنهم كملوا أربعة، ولنا أنه لم يكمل أربعة على زنى واحد، فوجب عليهم الحد كما لو انفرد بالشهادة اثنان وحدهما. فأما المشهود عليه، فلا حد عليه في قولهم جميعاً، وقال أبو بكر: عليه الحد، وحكاه قولاً لأحمد، وهذا بعيد، فإنه لم يثبت زنى واحد بشهادة أربعة، فلم يجب الحد، ولأن جميع ما تعتبر له البينة يعتبر فيه كمالها في حق واحد، فالموجب للحد أولى، لأنه مما يحتاط فيه ويدرأ بالشبهات؛ وقد قال أبو بكر: إنه لو شهد اثنان أنه زنى بامرأة بيضاء، وشهد اثنان أنه زنى بسوداء فهم قذفة ذكره القاضي عنه، وهذا ينقض قوله انتهى منه، ثم قال: وإن شهد اثنان أنه زنى بها في زاوية بيت، وشهد اثنان أنه زنى بها في زاوية منه أخرى، وكانت الزاويتان متباعدتين، فالقول فيهما كالقول في البيتين وإن كانتا متقاربتين كملت شهادتهم، وحد المشهور عليه، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: لا حد عليه، لأن شهادتهم لم تكمل، ولأنهم اختلفوا في المكان، فأشبه ما لو اختلفا في البيتين، وعلى قول أبي بكر تكمل شهادتهم، سواء تقاربت الزاويتان، أو تباعدتا، ولنا أنهما إذا تقاربتا أمكن صدق الشهود، بأن يكون ابتداء الفعل في إحداهما وتمامه في الأخرى أو ينسبه كل اثنين إلى إحدى الزاويتين لقربه منها فيجب قبول شهادتهم كما لو اتفقوا، بخلاف ما إذا كانتا متباعدتين، فإنه لا يمكن كون المشهود به فعلاً واحداً. فإن قيل: فقد يمكن أن يكون المشهود به فعلين، فلم أوجبتم الحد مع الاحتمال، والحد يدرأ بالشبهات؟ قلنا: ليس هذا بشبهة، بدليل ما لو اتفقوا على موضع واحد، فإن هذا يحتمل فيه والحد واجب، والقول في زمان كالقول في هذا، وأنه متى كان بينهما زمن متباعد لا يمكن وجود الفعل الواحد في جميعه، كطرفي النهار لم تكمل شهادتهم، ومتى تقاربا كملت شهادتهم انتهى من المغني: قال مقيده عفا الله عنه وغفر له؛ فقد رأيت كلام أهل العلم في هذا الفرع والظاهر أنه لا تكمل شهادة الأربعة إلا إذا شهدوا على فعل واحد في مكان متحد ووقت متحد؛ فإن اختلفوا في الزمان أو المكان حدوا، لأنهما فعلان، ولم يشهد على واحد منهما أربعة عدول، فلم يثبت واحد منهما، والقول بتلفيق شهادتهم، وضم شهادة بعضهم إلى شهادة بعض لا يظهر، وقد علمت أن مالكاً وأصحابه زادوا أن تكون شهادة الأربعة على إيلاج متحد، فلو نظروا واحداً بعد واحد مع اتحاد الوقت والمكان لم تقبل عنده شهادتهم حتى ينظروا فرجه في فرجها نظرة واحدة في لحظة واحدة، وله وجه. الفرع السادس: إن شهد اثنان أنه زنى بها في قميص أبيض، وشهد اثنان أنه زنى بها في قميص أحمر، أو شهد اثنان أنه زنى بها في ثوب كتان، وشهد اثنان أنه زنى بها في ثوب خز. فقد اختلف أهل العلم هل تكمل شهادتهم أو لا؟ فقال بعضهم: لا تكمل شهادتهم، لأن كل اثنين منهما تخالف شهادتهما شهادة الاثنين الآخرين، وممن روى عنه ذلك الشافعي، وقال بعضهم: تكمل شهادتهم قائلاً: إنه لا تنافي بين الشهادتين، لإمكان أن يكون عليه قميصان فذكر كل اثنين أحد القميصين، وتركا ذكر الآخر؛ فيكون الجميع صادقين؛ لأن أحد الثوبين الذي سكت عنه هذان هو الذي ذكره ذانك كعكسه: فلا تنافي، ويمكن أن يكون عليها هي قميص أحمر؛ وعليه هو قميص أبيض كعكسه أو عليه هو ثوب كتان، وعليها هي ثوب خز كعكسه فيمكن صدق الجميع؛ وإذا أمكن صدقهم فلا وجه لرد شهادتهم؛ وبهذا جزم صاحب المغني موجهاً له بما ذكرنا. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لنا في هذا الفرع هو وجوب استفسار الشهود؛ فإن جزم اثنان بأن عليه ثوباً واحداً أحمر، وجزم الآخران أن عليه ثوباً واحداً أبيض لم تكمل شهادتهم لتنافي الشهادتين، وإن اتفقوا على أن عليه ثوبين مثلاً أحدهما أحمر، والثاني أبيض، وذكر كل اثنين أحد الثوبين فلا إشكال في كمال شهادتهم، لاتفاق الشهادتين، وإن لم يمكن استفسار الشهود لموتهم، أو غيبتهم غيبة يتعذر معها سؤالهم. فالذي يظهر لي عدم كمال شهادتهم، لاحتمال تخالف شهادتيهما، ومطلق احتمال اتفاقهما لا يكفي في إقامة الحد، لأن الحد يدرأ بالشبهات، فلا يقام بشهادة محتملة البطلان، بل الظاهر من الصيغة اختلاف الشهادتين والعمل بالظاهر لازم ما لم يقم دليل صارف عنه يجب الرجوع إليه. والذي يظهر أنهم إن لم تكمل شهادتهم يحدون حد القذف. أما في الشهادة المحتملة فإنه قبل إمكان استفسارهم، فلا إشكال في عدم إمكان حدهم وإن أمكن استفسارهم، فإن فسروا بما يقتضي كمال شهادتهم حد المشهود عليه بشهادتهم، وإن فسروا بما يوجب بطلان شهادتهم. فالظاهر أنهم يحدون حد القذف كما قدمنا. والعلم عند الله تعالى. الفرع السابع: إن شهد اثنان أنه زنى بها مكرهة، وشهد اثنان أنه زنى بها مطاوعة، فلا حدّ على المرأة إجماعاً، لأن الشهادة عليها لم تكمل على فعل موجب للحد، وإنما الخلاف فى حكم الرجل والشهود. قال ابن قدامة في المغني: وفي الرجل وجهان. أحدهما: لا حدّ عليه، وهو قول أبي بكر، والقاضي وأكثر الأصحاب، وقول أبي حنيفة، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي، لأن البينة لم تكمل على فعل واحد، فإن فعل المطاوعة غير فعل المكرهة، ولم يتم العدد على كل واحد من الفعلين، ولأن كل شاهدين منهما يكذبان الآخرين، وذلك يمنع قبول الشهادة، أو يكون شبهة في درء الحد ولا يخرج عن أن يكون قول واحد منهما مكذباً للآخر إلا بتقدير فعلين تكون مطاوعة في أحدهما، مكرهة فى الآخر، وهذا يمنع كون الشهادة كاملة على فعل واحد، ولأن شاهدى المطاوعة قاذفان لها، ولم تكمل البينة عليها، فلا تقبل شهادتهما على غيرها. والوجه الثاني: أنه يجب الحد عليه، اختاره أبو الخطاب، وهو قول أبي يوسف ومحمد، ووجه ثان للشافعي، لأن الشهادة كملت على وجود الزنى منه، واختلافهما إنما هو في فعلها لا في فعله، فلا يمنع كمال الشهادة عليه. وفي الشهود ثلاثة أوجه: أحدها: لا حدّ عليهم، وهو قول من أوجب الحد على الرجل بشهادتهم. والثاني: عليهم الحد، لأنهم شهدوا بالزنى، ولم تكمل شهادتهم فلزمهم الحد كما لو لم يكمل عددهم. والثالث: يجب الحد على شاهدي المطاوعة، لأنهما قذفا المرأة بالزنى، ولم تكمل شهادتهم عليها، ولا تجب على شاهدي الإكراه لأنهما لم يقذفا المرأة، وقد كملت شهادتهم على الرجل، وإنما انتفى عنه الحد للشبهة. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد رأيت خلاف أهل العلم فى هذا الفرع، وأظهر أقوالهم عندي فيه: أن الرجل والمرأة لا حدّ على واحد منهما، وأن على الشهود الأربعة حد القذف. أما نفي الحد عن المرأة، فلا خلاف فيه، ووجهه ظاهر، لأنها لم تكمل عليها شهادة الزنى. وأما نفي الحد عن الرجل فلأن الاثنين الشاهدين بالمطاوعة يكذبان الشاهدين بالإكراه كعكسه، وإذا كان كل اثنين من الأربعة يكذبان الآخرين في الحالة التي وقع عليها الفعل لم تكمل شهادتهم على فعل واحد، فلم تكمل على الرجل شهادة على حالة زنى واحد، لأن الإكراه والطوع أمران متنافيان، وإذ لم تكمل عليه شهادة بفعل واحد على حالة واحدة فعدم حده الأظهر، أما وجه حد الشهود فلأن الشاهدين على المرأة بأنها زنت مطاوعة للرجل قاذفان لها بالزنى، ولم تكمل شهادتهما عليها فحدهما لقذفهما المرأة ظاهر جداً، ولأن الشاهدين بأنه زنى بها مكرهة قاذفان للرجل بأنه أكرهها فزنى بها، ولم تكمل شهادتهم؛ ولأن شاهدي الطوع مكذبان لهما في دعواهما الإكراه فحدهما لقذفهما للرجل، ولم تكمل شهادتهما عليه ظاهر، أما كون الأربعة قد اتفقت شهادتهم على أنه زنى بها، فيرده أن كل اثنين منهما يكذبان الآخرين في الحالة التي وقع عليها الزنى، هذا هو الأظهر عندنا من كلام أهل العلم في هذا الفرع. والعلم عند الله تعالى. ومن المعلوم: أن كل ما يثبت به الرجم على المحصن يثبت به الجلد على البكر، فثبوت الأمرين طريقه واحدة. الفرع الثامن: اعلم أنه إن شهد أربعة عدول على امرأة أنها زنت وتمت شهادتهم على الوجه المطلوب، فقالت إنها عذراء لم تزل بكارتها ونظر اليها أربع من النساء معروفات بالعدالة، وشهدن بأنها عذراء لم تزل بكارتها بمزيل. فقد اختلف أهل العلم، هل تدرأ شهادة النساء عنها الحد أو لا؟ فذهب مالك وأصحابه إلى أنها يقام عليها الحد ولا يلتفت لشهادة النساء، وعبارة المدونة في ذلك: إذا شهد عليها بالزنى أربعة عدول فقالت: إنها عذراء ونظر إليها النساء، وصدقنها لم ينظر إلى قولهن وأقيم عليها الحد. انتهى بواسطة نقل المواق في شرحه لقول خليل في مختصره، وبالبينة فلا يسقط بشهادة أربع نسوة ببكارتها، وذهب جماعة من أهل العلم الى أن شهادة النساء ببكارتها تدرأ عنها الحد وهو مذهب الإمام أحمد، قال ابن قدامة في المغني وبه قال الشعبي، والثوري، والشافعي، وأبو ثور وأصحاب الرأي ووجه قول مالك، وأصحابه بأنها يقام عليها الحد، هو أن الشهادة على زناها تمت بأربعة عدول، وأن شهادة النساء لا مدخل لها فى الحدود، فلا تسقط بشهادتهن شهادة الرجال عليها بالزنى، ووجه قول الآخرين بدون الإيلاج فى الفرج، ولا يتصور ذلك مع بقاء البكارة، لأن البكر هي التي لم توطأ في قبلها، وإذا انتفى الزنى لم يجب الحد، كما لو قامت البينة بأن المشهود عليه بالزنى مجبوب. وقال ابن قدامة في المغني: ويجب أن يكتفي بشهادة امرأة واحدة، لأنها مقبولة فيما لا يطلع عليه الرجال، يعني البكارة المذكورة انتهى. وأما الأربعة الذين شهدوا بالزنى فلا حدّ عليهم لتمام شهادتهم وهي أقوى من شهادة النساء بالبكارة. وقال صاحب المغني: وإنما لم يجب الحد عليهم لكمال عدتهم، مع احتمال صدقهم لأنه يحتمل أن يكون وطئها، ثم عادت عذرتها، فيكون ذلك شبهة في درء الحد عنهم: وأما إن شهدت بينة على رجل بالزنى فثبت ببينة أخرى أنه مجبوب، أو شهدت بينة على امرأة بالزنى فثبت ببينة أخرى أنها رتقاء فالظاهر وجوب حد القذف على بينة الزنى، لظهور كذبها. لأن المجبوب من الرجال والرتقاء من النساء لا يمكن حصول الزنى من واحد منهما كما هو معلوم. المسألة الثانية: اعلم أن العلماء أجمعوا على ثبوت الزنى، ووجوب الحد رجماً كان أو جلداً بإقرار الزاني والزانية، ولكنهم اختلفوا هل يثبت الزنى بإقرار الزاني مرة واحدة، أو لا يكفي ذلك حتى يقر به أربع مرات؟ فذهب الإمام أحمد، وأبو حنيفة وابن أبي ليلى والحكم: إلى أنه لا يثبت إلا إذا أقر به أربع مرات وزاد أبو حنيفة وابن ابي ليلى: أن يكون ذلك في أربع مجالس، ولا تكفي عندهما الإقرارات الأربعة في مجلس واحد. وذهب مالك، والشافعي، والحسن وحماد وأبو ثور، وابن المنذر إلى أن الزنى يثبت بالإقرار مرة واحدة. أما حجج من قال يكفي الإقرار به مرة واحدة، فمنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأنيس في الحديث الصحيح المشهور "حديث : واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها" تفسير : وفي رواية في الصحيح "حديث : فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت" تفسير : قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما ظاهر ظهوراً واضحاً في أن الزنى يثبت بالاعتراف به مرة واحدة، لأن قوله صلى الله عليه وسلم فيه "حديث : فإن اعترفت فارجمها" تفسير : : ظاهر في الاكتفاء بالاعتراف مرة واحدة، إذ لو كان الاعتراف أربع مرات لا بد منه لقال له صلى الله عليه وسلم: فإن اعترفت أربع مرات فارجمها، فلما لم يقل ذلك عرفنا أن المرة الواحدة تكفي، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، كما هو معلوم. ومن أدلتهم على الاكتفاء بالاعتراف بالزنى مرة واحدة ما ثبت في الصحيح من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما: حديث : "أن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنى، فقالت: يا نبي الله أصبت حداً فأقمه عليّ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وليها فقال: أحسن إليها فإذا وضعت فأتني بها ففعل فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها فقال له عمر تصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟: فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لو سعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها لله تعالى" تفسير : هذا لفظ مسلم في صحيحه، وهو نص صحيح في أنه صلى الله عليه وسلم؛ أمر برجمها بإقرارها مرة واحدة لأنها قالت: إني أصبت حداً مرة واحدة وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برجمها من غير تعدد الإقرار لأن الحديث لم يذكر فيه إلا إقرارها مرة واحدة. ومن أدلتهم على ذلك أيضا: ما ثبت في الصحيح من قصة الغامدية التي جاءت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إني قد زنيت فطهرني، وأنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لم تردني لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً، فوالله إني لحبلى فقال حديث : أما لا فاذهبي حتى تلدي تفسير : فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته قال: حديث : اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه تفسير : ، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز فقالت. هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام، فدفع الصبى إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها فتنضح الدم على وجه خالد، فسبها فسمع النبى صلى الله عليه وسلم سبه اياها فقال حديث : مهلاً يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت تفسير : هذا لفظ مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه، وهو من أصرح الأدلة على الاكتفاء بإقرار الزاني بالزنا مرة واحدة لأن الغامدية المذكورة لما قالت له صلى الله عليه وسلم: لعلك أن تردني كما رددت ماعزاً، لم ينكر ذلك عليها، ولو كان الإقرار أربع مرات شرطاً في لزوم الحد لقال لها إنما رددته، لكونه لم يقرّ أربعاً. وقد قال الشوكاني في نيل الأوطار بعد ذكره لهذه الواقعة: وهذه الواقعة من أعظم الأدلة الدالة على أن تربيع الإقرار، ليس بشرط للتصريح فيها، بأنها متأخرة عن قضية ماعز، وقد اكتفى فيها بدون أربع كما سيأتي. اهـ منه. وفي صحيح مسلم ايضاً من حديث سليمان بن بريدة، عن أبيه ما نصه: قال حديث : ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسول الله طهرني، فقال "ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه فقالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك! قال: وما ذاك؟ قالت: إنها حبلى من الزنا، فقال آنت؟ قالت: نعم فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال فأتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: قد وضعت الغامدية؛ فقال إذاً لا نرجمها وندع ولدها صغيراً ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار فقال إلى رضاعه يا نبى الله قال فرجمها"تفسير : اهـ منه. وهذه الرواية كالتي قبلها في الدلالة على الاكتفاء بالإقرار مرة واحدة إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على عدم اشتراط تكرر الإقرار بالزنا أربعا، وأما حجة من قالوا: يشترط في ثبوت الإقرار بالزنا، أن يقر به أربع مرات، وأنه لا يجب عليه الحد إلا بالإقرار أربعا، فهي ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه المتفق عليه قال: حديث : "أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من الناس وهو في المسجد فناداه: يا رسول الله إني زنيت يريد نفسه، فأعرض عنه النبى صلى الله عليه وسلم فتنحى لشق وجهه الذى أعرض قبله، فقال: يا رسول الله إني زنيت فأعرض عنه، فجاء لشق وجه النبى صلى الله عليه وسلم الذي أعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبك جنون؟ قال لا يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فقال: أحصنت؟ قال: نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهبوا فارجموه" تفسير : الحديث. هذا لفظ البخاري في صحيحه. ولفظ مسلم حديث : فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"أباك جنون؟ قال: لا. قال: فهل أحصنت؟ قال نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهبوا به فارجموه"تفسير : اهـ. قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه فيه ترتيب الرجم على أربع شهادات على نفسه: أي أربع إقرارات بصيغة ترتيب الجزاء على الشرط، لأن لما مضمنة معنى الشرط وترتيب الحدّ على الأربع ترتيب الجزاء على شرطه، دليل على اشتراط الأربع المذكورة، والرجل المذكور في هذا الحديث، هو ماعز بن مالك وقصته مشهورة صحيحة، وفي ألفاظ رواياتها ما يدل على أنه لم يرجمه، حتى شهد على نفسه أربع شهادات كما رأيت في الحديث المذكور آنفاً، وقد علمت مما ذكرنا ما استدل به كل واحد من الفريقين. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر قولي أهل العلم في هذه المسألة عندي: هو الجمع بين الأحاديث الدالة على اشتراط الأربع: والأحاديث الدالة على الاكتفاء بالمرة الواحدة، لأن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ووجه الجمع المذكور هو حمل الأحاديث التي فيها التراخي، عن إقامة الحد بعد صدور الإقرار مرة على من كان أمره ملتبساً في صحة عقله، واختلاله، وفي سكره، وصحوه من الكسر، ونحو ذلك. وحمل أحاديث إقامة الحد بعد الإقرار مرة واحدة على من عرفت صحة عقله وصحوه من السكر، وسلامة إقراره من المبطلات، وهذا الجمع رجحه الشوكاني في نيل الأوطار. ومما يؤيده أن جميع الروايات التي يفهم منها اشتراط الأربع كلها في قصة ماعز، وقد دلت روايات حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدري أمجنون هو أم لا، صاح هو أو سكران. بدليل قوله له في الحديث المتفق عليه المذكور آنفاً. حديث : أبك جنون تفسير : وسؤاله صلى الله عليه وسلم لقومه عن عقله، وسؤاله صلى الله عليه وسلم أشرب خمراً، فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، وكل ذلك ثابت في الصحيح، وهو دليل قوي على الجمع بين الأحاديث كما ذكرنا والعلم عند الله تعالى. فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول: اعلم أن الظاهر اشتراط التصريح بموجب الحد الذي هو الزنى تصريحاً ينفي كل احتمال، لأن بعض الناس قد يطلق اسم الزنى على ما ليس موجباً للحد. ويدل لهذا قوله صلى الله عليه وسلم لماعز لما قال: حديث : إنه زنى لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا. قال: أفنكتها لا يكنى قال: نعم. قال فعند ذلك أمر برجمه تفسير : وهذا ثابت في صحيح البخاري وغيره من حديث ابن عباس، ويؤخذ منه التعريض للزاني بأن يستر على نفسه، ويستغفر الله فإنه غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً. الفرع الثاني: اعلم أنه إذا تمت شهادة الشهود الأربعة بالزنى فصدقهم الزاني المشهود عليه، بأن أقر أنه زنى مرة واحدة فصارت الشهادة تامة، والإقرار غير تام عند من يشترط أربعاً. فأظهر قولي أهل العلم عندي: أن الحد يقام عليه لكمال البينة خلافاً لمن زعم أنه لا يقام عليه الحد، لأن شرط صحة البينة الإنكار، وهذا غير منكر. وقال ابن قدامة في المغني: إن سقوط الحد بإقراره مرة قول أبي حنيفة ا هـ. وكذلك لو تمت عليه شهادة البينة وأقر على نفسه أربع مرات، ثم رجع عن إقراره، فلا ينفعه الرجوع لوجوب الحد عليه بشهادة البينة. فلا حاجة لإقراره ولا فائدة في رجوعه عنه، والعلم عند الله تعالى. الفرع الثالث: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه إذا أقر بزنى قديم قبل إقراره، ولا يبطل الإقرار بأنه لم يقر إلا بعد زمن طويل، لأن الظاهر اعتبار الإقرار مطلقاً، سواء تقادم عهده، أو لم يتقادم، وكذلك شهادة البينة، فإنها تقبل، ولو لم تشهد إلا بعد طول الزمن، لأن عموم النصوص يقتضي ذلك، لأنها ليس فيها التفريق بين تعجيل الشهادة وتأخيرها، خلافاً لأبي حنيفة ومن وافقه في قولهم، إن الإقرار يقبل بعد زمن طويل والشهادة لا تقبل مع التأخير. وقال ابن قدامة في المغني: وإن شهدوا بزنى قديم أو أقر به وجب الحد، وبهذا قال مالك، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: لا أقبل بينة على زنى قديم وأحده بالإقرار به، وهذا قول ابن حامد، وذكره ابن أبي موسى مذهباً لأحمد اهـ منه. أما قبول الإقرار بالزنا القديم ووجوب الحد به فلا وجه للعدول عنه بحال، لأنه مقر على نفسه، ولا يتهم في نفسه. وأما شهادة البينة بزنا قديم، فالأظهر قبولها، لعموم النصوص كما ذكرنا آنفاً. وحجة أبي حنيفة، ومن وافقه في رد شهادة البينة على زنا قديم، هو أن تأخير الشهادة، يدل على التهمة فيدرأ ذلك الحد. وقال في المغني: "ومن حجتهم على ذلك ما روي عن عمر أنه قال: أيما شهود شهدوا بحدّ لم يشهدوا بحضرته فهم شهود ضغن، ثم قال رواه الحسن مرسلاً، ومراسيل الحسن ليست بالقوية اهـ منه". وقد قدمنا الكلام مستوفى على مراسيل الحسن. والعلم عند الله تعالى. الفرع الرابع: اعلم أنه إن أقر بأنه زنى بامرأة وسماها فكذبته وقالت: إنه لم يزن بها. فأظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه يجب عليه حد الزنى بإقراره، وحد القذف أيضاً، لأنه قذف المرأة بالزنا ولم يأت بأربعة شهود فوجب عليه حد القذف. وقال في المغني: وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا حدّ عليه، لأنا صدقناها في إنكارها فصار محكوماً بكذبه. قال مقيده عفا الله عنه، وغفر له: وجوب الحد عليه بإقراره لا ينبغي العدول عنه، ولا يمكن أن يصح خلافه لأمرين. الأول: أنه أقر على نفسه بالزنا إقراراً صحيحاً، وقولهم إننا صدقناها ليس بصحيح. بل نحن لم نصدقها، ولم نقل إنها صادقة، ولكن انتفاء الحد عنها إنما وقع، لأنها لم تقر، ولم تقم عليها بينة، فعدم حدها لانتفاء مقتضية لا لأنها صادقة كما ترى. الأمر الثاني: ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا طلق بن غنام، ثنا عبد السلام بن حفص، ثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أن رجلاً أتاه، فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها له، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة، فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت فجلده الحد وتركها" تفسير : ا هـ منه. وعبد السلام المذكور في هذا الإسناد وثقه ابن معين، وتوثيقه ابن معين، وتوثيقه له أولى من قول أبي حاتم الرازي: إنه غير معروف، لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ. والحديث المذكور نص في أن المقر يقام عليه الحد وهو واضح، لأن من أقر على نفسه بالزنا لا نزاع في وجوب الحد عليه. وأما كونه يحد مع ذلك حد القذف فظاهر أيضاً، ويدل عليه عموم قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} تفسير : [النور: 4] الآية. والأخذ بعموم النصوص واجب، إلا بدليل مخصص يجب إليه، وكون حديث سهل بن سعد الساعدي الذي ذكرناه آنفاً عند أبي داود ليس فيه أن النبي حد الرجل المذكور حد القذف، بل حد الزنا فقط لا يعارض به عموم النصوص. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وحده للزنا والقذف معاً هو الظاهر لوجهين: الأول: أن غاية ما في حديث سهل: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحد ذلك الرجل للقذف وذلك لا ينتهض للاستدلال به على السقوط، لاحتمال أن يكون ذلك لعدم الطلب من المرأة أو لوجود مسقط إلى أن قال: الوجه الثاني: أن ظاهر القذف العموم فلا يخرج من ذلك إلا ما خرج بدليل، وقد صدق على كل من كان كذلك أنه قذف اهـ منه. وهو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه، وكذلك ما جاء في بعض روايات حديث ماعز بن مالك أنه عين الجارية التي زنا بها، ولم يحده النبي صلى الله عليه وسلم لقذفها بل حده فقط، فإن ترك حده له يوجه بما قدمنا قريباً. وعلى كل حال فمن قال: زنيت بفلانة فلا شك أنه مقر على نفسه بالزنا، وقاذف لها هي به، وظاهر النصوص مؤاخذته بإقراره على نفسه، وحده أيضاً حد القذف، ولأنه قاذف بلا شك كما ترى. ومما يؤيد هذا المذهب ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا موسى بن هارون البردي، ثنا هشام بن يوسف عن القاسم بن فياض الأبناوي، عن خلاد بن عبد الرحمن، عن ابن المسيب، عن ابن عباس: أن رجلاً من بني بكر بن ليث أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات، فجلده مائة وكان بكراً، ثم سأله البينة على المرأة، فقالت: كذب والله يا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فجلده حد الفرية ثمانين ا هـ منه. فإن قيل: هذا الحديث ضعيف، لأن في إسناده القاسم بن فياض الأبناوي الصنعاني، قال فيه ابن حجر في التقريب، مجهول، وقال فيه الذهبي في الميزان: ضعفه غير واحد منهم عباس عن ابن معين، فالجواب من وجهين: الأول: أن القاسم المذكور قال فيه أبو داود ثقة، كما نقله عنه الذهبي في الميزان، والتعديل يقبل مجملاً، والتجريح لا يقبل مجملاً كما تقدم. الثاني: أن حديث ابن عباس هذا الذي فيه الجمع بين حد القذف، وحد الزنا إن قال: إنه زنى بامرأة عينها فأنكرت، معتضد اعتضاداً قوياً بظواهر النصوص الدالة على مؤاخذته بإقراره، والنصوص الدالة على أن من قذف امرأة بالزنى، فأنكرت ولم يأت ببينة أنه يحد حد القذف. فالحاصل: أن أظهر الأقوال عندنا أنه يحد حد القذف وحد الزنا، وهو مذهب مالك، وقد نص عليه في المدونة خلافاً لمن قال يحد حد الزنا فقط، كأحمد والشافعين ولمن قال: يحد حد القذف فقط، ويؤيد هذا المذهب الذي اخترناه في هذه المسألة ما قاله مالك وأصحابه: من أن الرجل لو قال لامرأة: زنيت فقالت له: زنيت بك أنها تحد للقذف، وللزنا معاً ولا يحد الرجل لهما لأنها صدقته. والعلم عند الله تعالى. الفرع الخامس: اعلم أنه لا يصح إقرار المكره، فلو أكره الرجل بالضرب أو غيره من أنواع التعذيب ليقر بالزنا فأقر به مكرهاً لم يلزمه إقراره به فلا يحد، ولا يثبت عليه لزنا، ولا نعلم من أهل العلم من خالف في هذا، والعلم عند الله تعالى. المسألة الثالثة: اعلم أنا قد قدمنا ثبوت الزنا بالبنية والإقرار، ولا خلاف في ثبوته بكل واحد منهما إن وقع على وجه المطلوب أما ظهور الحمل بامرأة، لا يعرف لها زوج ولا سيد، فقد اختلف العلماء في ثبوت الحد به. فقال بعض أهل العلم: الحبل في التي لا يعرف لها زوج ولا سيد يثبت عليها به الزنا، ويجب عليها الحد به، وقد ثبت هذا في حديث عمر رضي الله عنه الذي قدمناه في قوله: إذا قامت البينة أو كان الحبل، أو الاعتراف. والحديث المذكور في الصحيحين، وغيرهما كما تقدم. وقد صرح فيه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، بأن الحبل الذي هو الحمل يثبت به الزنا كما يثبت بالبينة والإقرار، وممن ذهب إلى أن الحبل يثبت به الزنا، عمر رضي الله عنه كما رأيت، ومالك، وأصحابه. وذهب الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وجماهير أهل العلم إلى أنه لا يثبت الزنا ولا يجب الحد بمجرد الحبل ولو لم يعرف لها زوج ولا سيد، وهذا القول عزاه النووي في شرح مسلم للشافعي، وأبي حنيفة، وجماهير أهل العلم، وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه أدلتهم. أما الذين قالوا: إن الزنا يثبت بالحمل، إن لم يكن لها زوج ولا سيد، فقد احتجوا بحديث عمر المتفق عليه المتقدم وفيه التصريح من عمر بأن الحبل يثبت به الزنا كالبينة والإقرار. وقال ابن قدامة في المغني: "إنما قال من قال: بوجوب الحد وثبوت الزنا بالحمل، لقول عمر رضي الله عنه، والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء، إذا كان محصناً، إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف"، وروي أن عثمان أوتِيَ بامرأة ولدت لستة أشهر فأمر بها عثمان أن ترجم، فقال عليّ: ليس لك عليها سبيل قال الله {أية : وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً} تفسير : [الأحقاف: 15] وهذا يدل على أنه كان يرجمها بحملها وعن عمر نحو من هذا، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "يا أيها الناس إن الزنا زنا آن: زنا سر، وزنا علانية، فزنا السر: أن يشهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي، وزنا العلانية: أن يظهر الحبل أو الاعتراف، فيكون الإمام أول من يرمي". وهذا قول سادة الصحابة ولم يظهر في عصرهم مخالف، فيكون إجماعاً. انتهى محل الغرض من المغني. وانظر أسانيد الآثار التي ذكرها عن الصحابة، وهذا هو حاصل ما احتج به من قال: إن الزنا يثبت بالحمل. وأما الذين قالوا: إن الحمل وحده لا يثبت به الزنا، ولا يجب به الحد، بل لا بد من البينة أو الإقرار، فقد قال في المغني: حجتهم أنه يحتمل أن الحمل من وطء إكراه أو شبهة والحد يسقط بالشبهات، وقد قيل: إن المرأة تحمل من غير وطء بأن يدخل ماء الرجل في فرجها، إما بفعلها، أو فعل غيرها، ولهذا تصور حمل البكر فقد وجد ذلك. وأما قول الصحابة: فقد اختلف الرواية عنهم فروى سعيد: حدثنا خلف بن خليفة، حدثنا هاشم: أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ليس لها زوج، وقد حملت فسألها عمر فقالت: "إنني امرأة ثقيلة الرأس وقع عليّ رجل، وأنا نائمة فما استيقظت حتى فرغ فدرأ عنها الحد". وروى البراء بن صبرة، عن عمر أنه أوتي بامرأة حامل، فادعت أنها أكرهت فقال: خلّ سبيلها، وكتب إلى أمراء الأجناد، ألا يقتل أحد إلا بإذنه. وروي عن علي وابن عباس أنهما قالا: إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل. وروى الدارقطني بإسناده عن عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعقبة بن عامر رضي الله عنهم أنهم قالوا: إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ما استطعت، ولا خلاف في أن الحد يدرأ بالشبهات، وهي متحققة هنا ا هـ منه بلفظه من المغني. وانظر أيضاً أسانيد هذه الآثار التي ذكرها عن الصحابة، وهذا الذي ذكر هو حاصل ما احتج به الجمهور الذين قالوا إن الحبل لا يثبت به الزنا. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن الزنا لا يثبت بمجرد الحبل، ولو لم يعرف لها زوج ولا سيد لأن الحمل قد يقع بلا شك من غير وطء في الفرج، بل قد يطأ الرجل المرأة في فخذيها، فتتحرك شهوتها فينزل ماؤها وينزل الرجل، فيسيل ماؤه فيدخل في فرجها، فيلتقي ماؤه بمائها فتحمل من غير وطء وهذا مشاهد لا يمكن إنكاره. ولأجل ذلك فالأصح أن الزوج إذا كان يطأ امرأته في الفخذين، ولم يجامعها في الفرج فظهر بها حمل أنه لا يجوز له اللعان لنفي ذلك الحمل، لأن ماءه قد يسيل إلى فرجها. فتحمل منه، وقول عمر رضي الله عنه: إذا كان الحبل أو الاعتراف اجتهاد منه، لأنه يظهر له رضي الله عنه أن الحمل يثبت به الزنا كالاعتراف والبينة. وإنما قلنا إن الأظهر لنا خلاف قوله رضي الله عنه، لأنا نعلم أن وجود الحمل لا يستلزم الوطء في الفرج بل قد تحبل بدون ذلك، وإذا كان الحبل لا يستلزم الوطء في الفرج فلا وجه لثبوت الزنا، وإقامة الحد بأمر محتمل غير مستلزم لموجب الحد كما ترى. ومن المعلوم أن الحدود تدرأ بالشبهات. هذا هو الأظهر عندنا والعلم عند الله تعالى. فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول: اعلم أن الذين قالوا: بوجوب الحد بالحمل قالوا: إن تلك الحامل إن كانت طارئة من بلاد أخرى، وادعت أن حملها من زوج لها تركته في بلدها فلا حد عليها عندهم، ولا يثبت عليها الزنا بذلك الحمل. الفرع الثاني: اعلم أنه إن ظهر بها حمل فادعت أنها مكرهة لا يقبل دعواها الإكراه عند من يثبت الزنا بالحمل إلا إذا اعتضدت دعواها بما يقويها من القرائن كإتيانها صارخة مستغيثة ممن فعل بها ذلك، وكأن يأتي متعلقة برجل تزعم أنه هو الذي أكرهها وكأن تشتكي من الذي فعل بها ذلك قبل ظهور الحمل. وقال بعض علماء المالكية إن كانت شكواها من الرجل الذي فعل بها ذلك مشبهة لكون الرجل الذي ادعت عليه غير معروف بالصلاح، فلا حد عليها، وإن كان الذي ادعت عليه معروفاً بالصلاح، والعفاف، والتقوى حدت ولم يقبل قولها عليه. وقال بعض المالكية: إن لم تسم الرجل الذي ادعت أنه أكرهها تعزر، ولا تحد إن كانت معروفة بالصلاح والعفاف. الفرع الثالث: قال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره المالكي أو مكرهة ما نصه: قال في الطراز في أواخر الجزء الثالث في ترجمة تفسير الطلاق، وما يلزم من ألفاظه قال ابن عبد الغفور: ويقال إن عبد الله بن عيسى سئل عن جارية بكر زوجها فابتنى بها زوجها فأتت بولد لأربعة أشهر، فذكر ذلك لها فقالت: إني كنت نائمة فانتبهت لبلل بين فخذي، وذكر الزوج أنه وجدها عذراء. فأجاب فيها: أنها لا حد عليها إذا كانت معروفة بالعفاف، وحسن الحال، ويفسخ النكاح، ولها المهر كاملاً، إلا أن تكون علمت الحمل، وغرت فلها قدر ما استحل منها انتهى من الاستغناء انتهى كلام الطراز انتهى ما نقله الحطابن وهو يؤيد أن الحمل قد يقع من غير وطء يوجب الحد كما ذكرنا والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة: اعلم أن من ثبت عليه الزنا وهو محصن. اختلف أهل العلم فيه فقال بعضهم: يجلد مائة جلدة أولاً ثم يرجم بعد ذلك، فيجمع له بين الجلد والرجم، وقال بعضهم: يرجم فقط ولا يجلد، لأن غير القتل يندرج في القتل، وممن قال بالجمع بينهما علي رضي الله عنه، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. قال ابن قدامة في المغني وبه قال ابن عباس، وأبيّ بن كعب، وأبو ذر. ذكر ذلك عبد العزيز عنهما واختاره وبه قال الحسن، وإسحاق، وداود، وابن المنذر، وممن قال بأنه يرجم فقط ولا يجلد مع الرجم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي والنخعي، والزهري والأوزاعي. واختاره أبو إسحاق الجوزجاني وأبو بكر الأثرم، ونصراه في سننهما وهو رواية عن الإمام أحمد وهو مروي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود قال ذلك كله ابن قدامة في المغني، وهذا القول الأخير الذي هو الاقتصار على الرجم عزاه النووي في شرح مسلم لجماهير العلماء. وفي المسألة قول ثالث: وهو ما حكاه القاضي عياض، عن طائفة من أهل الحديث، وهو أنه يجب الجمع بينهما إذا كان الزاني شيخاً ثيباً فإن كان شاباً ثيباً اقتصر على الرجم. وإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه تفاصيل أدلتهم أما الذين قالوا: يجمع للزاني المحصن بين الجلد والرجم، فقد احتجوا بأدلة: منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بالجمع بينهما للزاني المحصن تصريحاً ثابتاً عنه ثبوتاً لا مطعن فيه. قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" تفسير : وهذا تصريح منه صلى الله عليه وسلم، بأن الثيب وهو المحصن يجلد مائة ويرجم، وهذا اللفظ أخرجه مسلم أيضاً بإسناد آخر وفي لفظ في صحيح مسلم "حديث : الثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة" تفسير : وهو تصريح من النبي صلى الله عليه وسلم بالجمع بينهما. وفي لفظ عند مسلم أيضاً "حديث : الثيب يجلد ويرجم" تفسير : وهذه الروايات الثابتة في الصحيح فيها تصريحه صلى الله عليه وسلم بالجمع بين الجلد والرجم. ومن أدلتهم على الجمع بينهما أن علياً رضي الله عنه جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال البخاري رحمه الله في صحيحه: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، ثنا سلمة بن كهيل قال: سمعت الشعبي يحدث عن علي رضي الله عنه، حين رجم المرأة يوم الجمعة وقال: قد رجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. انتهى منه. وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث ما نصه في رواية علي بن الجعد: أن علياً أتي بامرأة زنت فضربها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة إلى آخر ما ذكره من الروايات، بأن علياً ضربها ورجمها وهي شراحة الهمدانية كما تقدم وفي رواية: أنها مولاة لسعيد بن قيس ومن أدلتهم على الجمع بينهما أن الله تعالى قال: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [2] واللفظ عام في البكر والمحصن، ثم جاءت السنة بالرجم في حق المحصن والتغريب سنة في حق البكر، فوجب الجمع بينهما عملاً بدلالة الكتاب والسنة معاً كما قال علي رضي الله عنه قالوا: وقد شرع في كل من المحصن والثيب عقوبتان: أما عقوبتا الثيب: فهما الجلد والرجم، وأما عقوبتا البكر: فهما الجلد والتغريب. هذا هو حاصل ما احتج به الذين قالوا: إنه يجمع للمحصن بين الجلد والرجم. وأما الذين قالوا: يرجم فقط، ولا يجلد فاحتجوا بأدلة. منها: "أنه صلى الله عليه وسلم رجم ماعزاً، ولم يجلده مع الرجم" لأن جميع الروايات في رجم ماعز بن مالك ليس في شيء منها أنه جلده مع الرجم بل ألفاظها كلها مقتصرة على الرجم قالوا: ولو كان الجلد مع الرجم لم ينسخ لأمر بجلد ماعز مع الرجم، ولو أمر به لنقله بعض رواة القصة قالوا: وقصة ماعز متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي فيه التصريح بالجمع بينهما. والدليل على أن حديث عبادة متقدم وأنه أول نص نزل في حد الزنا أن قوله صلى الله عليه وسلم فيه "حديث : خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً" تفسير : الحديث، يشير بجعل الله لهن سبيلاً بالحد إلى قوله تعالى {أية : وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 15] فالزواني كن محبوسات في البيوت إلى أحد أمرين: وهما الموت، أو جعل الله لهن سبيلا فلما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : قد جعل الله لهن سبيلا" تفسير : ثم فسر السبيل بحد الزنا علمنا بذلك أن حديث عبادة أول نص في حد الزنا، وأن قصة ماعز متأخرة عن ذلك. ومن أدلتهم أنه رجم الغامدية كما تقدم ولم يقل أحد إنه جلدها، ولو جلدها مع الرجم لنقل ذلك بعض الرواة. ومن أدلتهم: أنه قال صلى الله عليه وسلم "حديث : واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" تفسير : ولم يقل فاجلدها مع الرجم، فدل ذلك على سقوط الجلد لأنه لو وقع لنقله بعض الرواة. وهذه الوقائع كلها متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت كما أشرنا إلى ما يقتضي ذلك أنفاً. ومن أدلتهم على أنه يرجم فقط، ولا يجلد مع الرجم الروايات الصحيحة التي قدمناها في رجمه صلى الله عليه وسلم للمرأة الجهنية، والغامدية، فإنها كلها مقتصرة على الرجم، ولم يذكر فيها جلد وقال أبو داود، قال الغساني: جهينة وغامد وبارق واحد. انتهى منه وعليه فالجهنية هي الغامدية. وعلى كل حال فجميع الروايات الواردة في رجم الغامدية، ورجم الجهنية ليس في شيء منها ذكر الجلد، وإنما فيها كلها الاقتصار على الرجم، كذلك قصة اليهوديين اللذين رجمهما صلى الله عليه وسلم ليس فيها إلا الرجم ولم يذكر فيها جلد، هذا حاصل ما احتج به أهل هذا القول. وأما الذين قالوا: إن الجمع بين الرجم والجلد خاص بالشيخ والشيخة. وأما الشاب فيجلد إن لم يحصن ويرجم فقط إن أحصن، فقد احتجوا بلفظ الآية التي نسخت تلاوتها، وهي قوله تعالى: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما" إلى آخره، قالوا: فرجم الشيخ والشيخة ثبت بهذه الآية، وإن نسخت تلاوتها فحكمها باق. وقال ابن حجر في الفتح، وقال عياض: شذت فرقة من أهل الحديث فقالت: الجمع على الشيخ الثيب دون الشاب، ولا أصل له. وقال النووي: هو مذهب باطل كذا قاله، ونفى أصله، ووصفه بالبطلان إن أراد به طريقه فليس بجيد، لأنه ثابت كما سأبينه في باب البكران يجلدان وإن كان المراد دليله ففيه نظر أيضاً، لأن الآية وردت بلفظ الشيخ ففهم هؤلاء من تخصيص الشيخ بذلك: أن الشاب اعذر منه في الجملة فهو معنى مناسب، وفيه جمع بين الأدلة، فكيف يوصف بالبطلان. انتهى محل الغرض من فتح الباري. وقد قال صاحب فتح الباري: إن هذا القول حكاه ابن المنذر وابن حزم، عن أبي بن كعب زاد ابن حزم وأبي ذر وابن عبد البر، عن مسروق انتهى. وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسالة وحججهم، فاعلم أَن كل طائفة منهم ترجح قولها على قول الأخرى. أما الذين قالوا: يجمع بين الجلد والرجم للمحصن، فقد قالوا هذا القول، هو أرجح الأقوال، ولا ينبغي العدول عنه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صرح في حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: أن المحصن يجلد ويرجم بالحجارة، فهو حديث صحيح صريح في محل النزاع، فلا يعارض بعدم ذكر الجلد في قصة ماعز، والجهينة، والغامدية، واليهوديين. لأن ما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم لا يعدل عنه بأمر محتمل، يجوز أن يكون الجلد وقع لماعز ومن ذكر معه ولم يذكره الرواة، لأن عدم ذكره لا يدل دلالة قطعية على عدم وقوعه، لأن الراوي قد يتركه لظهوره، وأنه معروف عند الناس جلد الزاني، قالوا والمحصن داخل قطعاً في عموم {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [2] وهذا العموم القرآني لا يجوز العدول عنه، إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وعدم ذكر الجلد مع الرجم لا يعارض الأدلة على أنه لم ينسخ، ولم يعلم أن أحداً من الصحابة أنكر عليه ذلك، ولا تخفى قوة هذا الاستدلال الذي استدل به أهل هذا القول. وأما الذين قالوا: بأن المحصن يرجم فقط ولا يجلد، فقد رجحوا أدلتهم بأنها متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت، الذي فيه التصريح بالجمع بين الرجم والجلد، والعمل بالمتأخر أولى. والحق أنها متأخرة عن حديث عبادة المذكور، كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : قد جعل الله لهن سبيلاً" تفسير : فهو دليل على أن حديث عبادة، هو أول نص ورد في حد الزنا كما هو ظاهر من الغاية في قوله تعالى {أية : حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 15] قالوا: ومن أصرح الأدلة في أن الجمع بين الجلد والرجم منسوخ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قصة العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان أجيراً عنده "حديث : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله" تفسير : وهذا قسم منه صلى الله عليه وسلم أنّه يقضي بينهما بكتاب الله، ثم قال في الحديث الذي أقسم على أنه قضاء بكتاب الله "حديث : واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" تفسير : قالوا: إن قوله "حديث : فإن اعترفت" تفسير : شرط وقوله "حديث : فارجمها" تفسير : جزاء هذا الشرط، فدل الربط بين الشرط، وجزائه على أن جزاء اعترافها هو الرجم وحده، وأن ذلك قضاء بكتاب الله تعالى. وهذا دليل من لفظ النبي الصريح على أن جزاء اعترافها بالزنا: هو رجمها فقط فربط هذا الجزاء بهذا الشرط أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضاء بكتاب الله وهو متأخر عن حديث عبادة لما قدمنا. وهذا الدليل أيضاً قوي جداً لأن فيه إقسامه صلى الله عليه وسلم بأن الاعتراف بالزنا من المحصن يترتب عليه الرجم، ولا يخلو هذا الحديث من أحد أمرين: إما أن يكون صلى الله عليه وسلم اقتصر على قوله فارجمها أو يكون قال مع ذلك فاجلدها، وترك الراوي الجلد، فإن كان قد اقتصر على الرجم، فذلك يدل على نسخ الجلد، لأنه جعل جزاء الاعتراف الرجم وحده، لأن ربط الجزاء بالشرط يدل على ذلك دلالة لفظية لا دلالة سكوت، وإن كان قال مع الرجم واجلدها، وحذف الراوي الجلد، فإن هذا النوع من الحذف ممنوع، لأن حذف بعض جزاء الشرط مخل بالمعنى موهم غير المراد، والحذف إن كان كذلك فهو ممنوع، ولا يجوز للراوي أن يفعله والراوي عدل فلن يفعله. وقد أوضحنا في سورة الأنعام في الكلام على قوله {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ} تفسير : [الأنعام: 145] الآية. أنه لا تعارض بين نصين، مع اختلاف زمنهما كما هو التحقيق. وأما القول الثالث وهو الفرق بين الشيخ والشاب، وإن وجهه ابن حجر بما ذكرنا فلا يخفى سقوطه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: دليل كل منهما قوي، وأقربهما عندي: أنه يرجم فقط، ولا يجلد مع الرجم لأمور: منها: أنه قول جمهور أهل العلم، ومنها: أن روايات الاقتصار على الرجم في قصة ماعز، والجهينة، والغامدية، واليهوديين كلها متأخرة بلا شك عن حديث عبادة. وقد يبعد أن يكون في كل منها الجلد مع الرجم، ولم يذكره أحد من الرواة مع تعدد طرقها. ومنها: أن قوله الثابت في الصحيح "حديث : واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها" تفسير : تصريح منه صلى الله عليه وسلم بأن جزاء اعترافها رجمها، والذي يوجد بالشرط هو الجزاء، وهو في الحديث الرجم فقط. ومنها: أن جميع الروايات المذكورة المقتضية لنسخ الجمع بين الجلد والرجم على أدنى الاحتمالات لا تقل عن شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات. ومنها: أن الخطأ في ترك عقوبة لازمة أهون من الخطأ في عقوبة غير لازمة. والعلم عند الله تعالى. قال بعضهم ويؤيده من جهة المعنى أن القتل بالرجم أعظم العقوبات فليس فوقه عقوبة فلا داعي للجلد معه لاندراج الأصغر في الأكبر. فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول: إذا ثبت الزنا على الزاني فظن الإمام أنه بكر فجلده مائة، ثم ثبت بعد جلده أنه محصن فإنه يرجم، ولا ينبغي أن يختلف في هذا، وقد قال أبو داود رحمه الله في سننه: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا (ح) وثنا ابن السرح المعنى قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه: أن رجلاً زنى بامرأة فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم، فجلد الحد، ثم أخبر أَنه محصن، فأمر به فرجم. قال أبو داود: روى هذا الحديث محمد بن بكر البرساني، عن ابن جريج موقوفاً على جابر ورواه أبو عاصم عن ابن جريج بنحو ابن وهب، لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن رجلاً زنى فلم يعلم إحصانه، فجلد ثم علم بإحصانه فرجم " تفسير : حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزار؛ أخبرنا أبو عاصم عن ابن جريج عن أبي الزبير، عن جابر: أن رجلاً زنى بامرأة فلم يعلم بإحصانه فجلد، ثم علم بإحصانه فرجم. اهـ من سنن أبي داود. وقال الشوكاني رحمه الله في نيل الأوطار في حديث أبي داود هذا ما نصه: حديث جابر بن عبد الله سكت عنه أبو داود والمنذري، وقدمنا في أول الكتاب أن ما سكتا عنه، فهو صالح للاحتجاج به، وقد أخرجه أبو داود عنه من طريقين، ورجال إسناده رجال الصحيح، وأخرجه أيضاً النسائي اهـ منه. الفرع الثاني: قد قدمنا في الروايات الصحيحة: أن الحامل من الزنا لا ترجم، حتى تضع حملها وتفطمه، أو يوجد من يقوم برضاعه، لأن رجمها وهي حامل فيه إهلاك جنينها الذي في بطنها وهو لا ذنب له، فلا يجوز قتله، وهو واضح مما تقدم. الفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن وجب عليه الرجم، هل يحفر له أو لا يحفر له؟ فقال بعضهم: لا يحفر له مطلقاً، وقال بعضهم: يحفر لمن زنى مطلقاً، وقيل: يحفر للمرأة إن كان الزنا ثابتاً بالبينة دون الإقرار، واحتج من قال: بأن المرجوم لا يحفر له بما ثبت في صحيح مسلم، وغيره، عن أبي سعيد الخدري في قصة رجم ماعز، ولفظ مسلم في صحيحه في المراد من الحديث قال: "حديث : فما أوثقناه، ولا حفرنا له" تفسير : الحديث، وفيه التصريح من أبي سعيد في هذا الحديث الصحيح: أنهم لم يحفروا له. وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على قول أبي سعيد: "فما أوثقناه، ولا حفرنا له" ما نصه: وفي الرواية الأخرى في صحيح مسلم، "فلما كان الرابعة حفر له حفرة ثم أمر به فرجم". وذكر بعده في حديث الغامدية، "ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها". أما قوله: فما أوثقناه فهكذا الحكم عند الفقهاء. وأما الحفر للمرجوم والمرجومة ففيه مذاهب للعلماء. قال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد رضي الله عنهم في المشهور عنهم: لا يحفر لواحد منهما. وقال قتادة، وأبو ثور، وأبو يوسف، وأبو حنيفة في رواية: يحفر لهما. وقال بعض المالكية: يحفر لمن يرجم بالبينة لا من يرجم بالإقرار. وأما أصحابنا فقالوا: لا يحفر للرجل سواء ثبت زناه بالبينة أم بالإقرار. وأما المرأة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا. أحدها: يستحب الخفر لها إلى صدرها، ليكون أستر لها. والثاني: لا يستحب ولا يكره، بل هو إلى خيرة الإمام. والثالث: وهو الأصح إن ثبت زناها بالبينة استحب، وإن ثبت بالإقرار فلا، ليمكنها الهرب إن رجعت. فمن قال بالحفر لهما احتج بأنه حفر للغامدية، وكذا لماعز في رواية، ويجيب هؤلاء عن الرواية الأخرى في ماعز أنه لم يحفر له، أن المراد حفيرة عظيمة أو غير ذلك من تخصيص الحفيرة. وأما من قال: لا يحفر فاحتج برواية من روى "فما أوثقناه، ولا حفرنا له، وهذا المذهب ضعيف، لأنه منابذ لحديث الغامدية ولرواية الحفر لماعز". وأما من قال: بالتخيير فظاهر وأما من فرَّق بين الرجل والمرأة، فيحمل رواية الحفر لماعز، على أنه لبيان الجواز، وهذا تأويل ضعيف، ومما احتج به من ترك الحفر حديث اليهوديين المذكور بعد هذا، وقوله جعل يجنأ عليها، ولو حفر لهما لم يجنأ عليها. واحتجوا أيضاً بقوله في حديث ماعز: فلما أذلقته الحجارة هرب، وهذا ظاهر في أنه لم تكن حفرة والله أعلم. انتهى كلام النووي. وقد ذكر فيه أقوال أهل العلم في المسألة، وبين حججهم، وناقشها، وقد ذكر في كلامه، أن المشهور عن أبي حنيفة عدم الحفر للرجل والمرأة. والظاهر أن المشهور عند الحنفية الحفر للمرأة دون الرجل، وأنه لو ترك الحفر لهما معاً فلا بأس. قال صاحب كنز الدقائق في الفقه الحنفي: ويحفر لها في الرجم لا له، وقال شارحه في تبيين الحقائق: ولا بأس بترك الحفر لهما، لأنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر بذلك اهـ. وقال ابن قدامة في المغني في الفقه الحنبلي: وإن كان الزاني رجلاً أقيم قائماً، ولم يوثق بشيء ولم يحفر له، سواء ثبت الزنا ببينة أو إقرار لا نعلم فيه خلافاً لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر لماعز. قال أبو سعيد: "لما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم ماعز، خرجنا به إلى البقيع فوالله ما حفرنا له، ولا أوثقناه، ولكنه قام لنا" رواه أبو داود، ولأن الحفر له ودفن بعضه عقوبة لم يرد بها الشرع في حقه، فوجب ألا تثبت، وإن كان امرأة فظاهر كلام أحمد أنها لا يحفر لها أيضاً، وهو الذي ذكره القاضي في الخلاف، وذكر في المحرر أنه إن ثبت الحد بالإقرار لم يحفر لها، وإن ثبت بالبينة حفر لها إلى الصدر. قال أبو الخطاب: وهذا أصح عندي، وهو قول أصحاب الشافعي لما روى أبو بكرة، وبريدة "أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم امرأة فحفر لها إلى التندوة" رواه أبو داود، ولأنه أستر لها، ولا حاجة لتمكينها من الهرب لكون الحد ثبت بالبينة، فلا يسقط بفعل من جهتها بخلاف الثابت بالإقرار، فإنها تترك على حال، لو أرادت الهرب تمكنت منه، لأن رجوعها عن إقرارها مقبول، ولنا أن أكثر الأحاديث على ترك الحفر. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحفر للجهنية ولا لماعز، ولا لليهوديين، والحديث الذي احتجوا به غير معمول به، ولا يقولون به، فإن التي نقل عنه الحفر لها ثبت حدها بإقرارها، ولا خلاف بيننا فيها، فلا يسوغ لهم الاحتجاج به مع مخالفتهم له إذا ثبت هذا فإن ثياب المرأة تشد عليها كيلا تنكشف. وقد روى أبو داود بإسناده عن عمران بن حصين قال: فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فشدت عليها ثيابها، ولأن ذلك أستر لها اهـ من المغني. وقد علمت مما ذكرنا أقوال أهل العلم وأدلتهم في مسألة الحفر للمرجوم من الرجال والنساء. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقوى الأقوال المذكورة دليلاً بحسب صناعة أصول الفقه، وعلم الحديث: أن المرجوم يحفر له مطلقاً ذكراً كان أو أنثى ثبت زناه ببينة، أو بإقرار، ووجه ذلك أن قول أبي سعيد في صحيح مسلم: "حديث : فما أوثقناه ولا حفرنا له" تفسير : يقدم عليه ما رواه مسلم في صحيحه من حديث بريدة، بلفظ: "حديث : فما كان الرابعة حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم" تفسير : اهـ. وهو نص صحيح صريح في أن ماعزاً حفر له. وظاهر الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الحافر له أي بأمره بذلك فبريدة مثبت للحفر، وأبو سعيد نافٍ له، والمقرر في الأصول وعلم الحديث: أن المثبت مقدم على النافي، وتعتضد رواية بريدة هذه بالحفر لماعز بروايته أيضاً في صحيح مسلم بنفس الإسناد "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالحفر للغامدية إلى صدرها" تفسير : وهذا نص صحيح صريح في الحفر للذكر والأنثى معاً، أما الأنثى فلم يرد ما يعارض هذه الرواية الصحيحة بالحفر لها إلى صدرها، وأما الرجل فرواية الحفر له الثابتة في صحيح مسلم مقدمة على الرواية الأخرى في صحيح مسلم بعدم الحفر، لأن المثبت مقدم على النافي. وقول ابن قدامة في المغني: والحديث الذي احتجوا به غير معمول به ظاهر السقوط، لأنه حديث صحيح وليس بمنسوخ، فلا وجه لترك العمل به مع ثبوته عنه صلى الله عليه وسلم كما ترى، وبالرواية الصحيحة التي في صحيح مسلم من حديث بريدة "أنه صلى الله عليه وسلم حفر للغامدية"، وزناها ثابت بإقرارها، لا ببينة تعلم أن الذين نفوا الحفر لمن ثبت زناها بإقرارها مخالفون لصريح النص الصحيح بلا مستند كما ترى، والعلم عند الله تعالى. الفرع الرابع: اعلم أن أهل العلم اختلفوا فيمن يبدأ بالرجم فقال بعضهم: إن كان الزنا ثابتاً ببينة، فالسنة أن يبدأ الشهود بالرجم، وإن كان ثبت بإقرار بدأ به الإمام أو الحاكم، إن كان ثبت عنده، ثم يرجم الناس بعده، وهذا مذهب أبي حنيفة، وأحمد، ومن وافقهما. واستدلوا لبداءة الشهود، وبداءة الإمام بما ذكره ابن قدامة في الفقة الحنبلي، وصاحب تبيين الحقائق في الفقه الحنفي. قال صاحب المغني: وروى سعيد بإسناده عن علي رضي الله عنه: أنه قال "الرجم رجمان، فما كان منه بإقرار فأول من يرجم الإمام ثم الناس، وما كان ببينة؛ فأول من يرجم البينة ثم الناس"، ولأن فعل ذلك أبعد لهم من التهمة في الكذب عليه. اهـ منه. وحاصل هذا الاستدلال: أثر مروي عن علي، وكون مباشرتهم الرمي بالفعل أبعد لهم من التهمة في الكذب عليه، وهذا كأنه استدلال عقلي لا نقلي. اهـ. وقال صاحب تبيين الحقائق في شرحه لقول صاحب كنز الدقائق: يبدأ الشهود به فإن أبوا سقط ثم الإمام ثم الناس، ويبدأ الإمام، ولو مقراً ثم الناس. ما نصه: أي يبدأ الشهود بالرجم. وقال الشافعي: لا تشترط بداءتهم اعتباراً بالجلد، ولنا ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال حين رجم شراحة الهمدانية: "إن الرجم سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان شهد على هذه أحد لكان أول من يرمي الشاهد يشهد، ثم يتبع شهادته حجره ولكنها أقرت فأنا أول من رماها بحجر". قال الراوي: ثم رمى الناس وأنا فيهم، ولأن الشاهد ربما يتجاسر على الشهادة ثم يستعظم المباشرة فيأبى أو يرجع، فكان في بداءته احتيال للدرء بخلاف الجلد، فإن كل أحد لا يحسنه، فيخاف أن يقع مهلكاً أو متلفاً لعضو، وهو غير مستحق ولا كذلك الرجم، لأن الإتلاف فيه متعين". قال رحمه الله: فإن أبوا سقط أي إن أبى الشهود من البداءة سقط الحد، لأنه دلالة الرجوع، وكذلك إن امتنع واحد منهم، أو جنوا، أو فسقوا، أو قذفوا فحدوا أو أحدهم، أو عمى، أو خرس، أو ارتد، والعياذ بالله تعالى، لأن الطارئ على الحد قبل الاستيفاء كالموجود في الابتداء، وكذا إذا غابوا أو بعضهم، أو ماتوا أو بعضهم لما ذكرنا، وهذا عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وروى عنه أنهم إذا امتنعوا أو ماتوا أو غابوا، رجم الإمام، ثم الناس، وإن كان الشهود مرضى لا يستطيعون أن يرموا أو مقطوعي الأيدي رجم بحضرتهم بخلاف ما إذا قطعت أيديهم بعد الشهادة. ذكره في النهاية. قال رحمه الله: ثم الإمام ثم الناس لما روينا من أثر علي رضي الله عنه، ويقصدون بذلك مقتله إلا من كان منهم ذا رحم محرم منه؛ فإنه لا يقصد مقتله لأن بغيره كفاية. وروي "أن حنظلة استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل أبيه، وكان كافراً فمنعه من ذلك، وقال: دعه يكفيك غيرك"؛ ولأنه مأمور بصلة الرحم، فلا يجوز القطع من غير حاجة. قال رحمه الله: ويبدأ الإمام، ولو مقراً ثم الناس. أي يبدأ الإمام بالرجم إن كان الزاني مقراً لما روينا من أثر علي رضي الله عنه؛ حديث : "ورمى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغامدية بحصاة مثل الحمصة؛ ثم قال للناس: ارموا"تفسير : ، وكانت أقرت بالزنا. انتهى محل الغرض من تبيين الحقائق ممزوجاً بنص كنز الدقائق. هذا حاصل ما استدل به من قال ببداءة الشهود أو الإمام. وذهب مالك وأصحابه ومن وافقهم، إلى أنه لا تعيين لمن يبدأ من شهود ولا إمام؛ ولا غيرهم. واحتج مالك لهذا بأنه لم يعلم أحداً من الأئمة تولى ذلك بنفسه؛ ولا ألزم به البينة. قال الشيخ المواق في شرحه لقول خليل في مختصره المالكي: ولم يعرف بداءة البينة، ولا الإمام، ما نصه: قال مالك: مذ أقامت الأئمة الحدود، فلم نعلم أحداً منهم تولى ذلك بنفسه، ولا ألزم ذلك البينة خلافاً لأبي حنيفة القائل: إن ثبت الزنا ببينة بدأ الشهود ثم الإمام ثم الناس اهـ منه، واستدل له بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبدأ برجم ماعز، وأنه قال لأنيس "حديث : فإن اعترفت فارجمها" تفسير : ولم يحضر صلى الله عليه وسلم ليبدأ برجمها، وقول مالك رحمه الله إنه لم يعلم أحداً تولى ذلك بنفسه من الأئمة، ولا ألزم به البينة يدل على أنه لم يبلغه أثر علي أو بلغه ولم يصح عنده. وكذلك الحديث المرفوع الذي استدل به القائلون ببداءة والإمام، وهو أنه صلى الله عليه وسلم رمى الغامدية بحصاة كالحمصة ثم قال للناس: حديث : ارموا . تفسير : قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما هذا الحديث المرفوع، فليس بثابت، ولا يصلح للاحتجاج، لأن في إسناده راوياً مبهماً. قال أبو داود رحمه الله في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع بن الجراح، عن زكريا أبي عمران قال: سمعت شيخاً يحدث عن ابن أبي بكرة، عن أبيه "أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم امرأة فحفر لها إلى التندوة" ثم قال أبو داود: حدثنا: عن بعد الصمد بن عبد الوارث، قال حدثنا زكريا بن سليم بإسناده نحوه زاد: ثم رماها بحصاة مثل الحمصة، ثم قال: حديث : ارموا واتقوا الوجه تفسير : الحديث، وهذا الإسناد الذي فيه زيادة، ثم رماها بحصاة مثل الحمصة، هو بعينه الإسناد الذي فيه قال: سمعت شيخنا يحدث عن ابن أبي بكرة، وهذا الشيخ الذي حدث عن ابن أبي بكرة لم يدر أحد من هو، فهو مبهم، والمبهم مجهول العين والعدالة، فلا يحتج به كما ترى. وقال صاحب نصب الراية في هذا الحديث بعد أن ذكر رواية أبي داود التي سقناها آنفاً: رواه النسائي في الرجم. حدثنا محمد بن حاتم عن حبان بن موسى، عن عبد الله، عن زكريا أبي عمران البصري قال: سمعت شيخاً يحدث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة بهذا الحديث بتمامه. ورواه البزار في مسنده والطبراني في معجمه. قال البزار: ولا نعلم أحداً سمى هذا الشيخ وتراجع ألفاظهم، وذكره عبد الحق في أحكامه من جهة النسائي، ولم يعله بغير الانقطاع اهـ. منه. وأي علة أعظم من الانقطاع بإبهام الشيخ المذكور. فتحصل أن الحديث المرفوع ضعيف ليس بصالح للاحتجاج. أما الأثر المروي عن علي رضي الله عنه فقد قال البيهقي في سننه الكبرى في باب: من اعتبر حضور الإمام والشهود، وبداءة الإمام بالرجم ما نصه: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا أبو الجواب، ثنا عمار هو ابن رزيق عن أبي حصين عن الشعبي قال: "أتى علي رضي الله عنه بشراحة الهمدانية قد فجرت فردها حتى ولدت، فلما ولدت قال: ائتوني بأقرب النساء منها فأعطاها ولدها ثم جلدها ورجمها ثم قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بالسنة ثم قال: أيما امرأة نعى عليها ولدها أو كان اعتراف، فالإمام أول من يرجم، ثم الناس، فإن نعاها الشهود فالشهود أول من يرجم، ثم الإمام ثم الناس". وأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، أنبأ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني ثنا محمد بن عبد الوهاب؛ أنبأ جعفر بن عون، أنبأ الأجلح عن الشعبي قال: "جيء بشراحة الهمدانية إلى عليّ رضي الله عنه فقال لها: ويلك لعل رجلاً وقع عليك وأنت نائمة، قالت:لا قال: لعله استكرهك؟ قالت: لا. قال: لعل زوجك من عدونا هذا أتاك فأنت تكرهين أن تدلي عليه، يلقنها لعلها تقول نعم، قال: فأمر بها فحبست، فلما وضعت ما في بطنها أخرجها يوم الخميس فضربها مائة، وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة فأحاط الناس بها؛ وأخذوا الحجارة فقال ليس هكذا الرجم إنما يصيب بعضكم بعضاً صفوا كصف الصلاة صفاً خلف صف؛ ثم قال: أيها الناس أيما امرأة جيء بها وبها حبل يعني أو اعترفت، فالإمام أول من يرجم، ثم الناس، وأيما امرأة جيء بها أو رجل زان فشهد عليه أربعة بالزنا فالشهود أول من يرجم، ثم الإمام ثم الناس. ثم أمرهم فرجم صف ثم صف، ثم قال افعلوا بها ما تفعلون بموتاكم". قال الشيخ رحمه الله: قد ذكرنا أن جلد الثيب صار منسوخاً، وأن الأمر إلى الرجم فقط اهـ. من السنن الكبرى بلفظه، وذلك يدل على أن المرجوم يغسل ويكفن ويصلى عليه، وهو كذلك، وقد جاءت النصوص بالصلاة على المرجوم كما هو معلوم. وقال صاحب نصب الراية في أثر على هذا ما نصه: قلت: أخرجه البيهقي في سننه عن الأجلح عن الشعبي، قال جيء بشراحة الهمدانية إلى علي رضي الله عنه إلى آخر ما ذكرنا، عن البيهقي باللفظ الذي سقناه به، والعجب من صاحب نصب الراية، حيث اقتصر على رواية البيهقي للأثر المذكور من طريق الأجلح عن الشعبي؛ ولم يشر إلى الرواية الأولى التي سقناها التي الراوي فيها عن الشعبي أو حصين فاقتصاره على رواية الأجلح عن الشعبي وتركه للرواية التي ذكرنا أولاً لا وجه له. والأجلح المذكور في إسناد المذكور: هو ابن عبد الله بن حجية بالمهملة والجيم مصغراً. ويقال: ابن معاوية يكنى أبا حجية الكندي؛ ويقال اسمه: يحيى. قال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق شيعي. وقال عنه في تهذيب التهذيب قال القطان: في نفسي منه شيء. وقال أيضاً: ما كان يفصل بين الحسين بن علي وعلي بن الحسين. وقال أحمد: أجلح ومجالد متقاربان في الحديث. وقد روى الأجلح غير حديث منكر. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما أقرب الأجلح من فطر بن خليفة. وقال ابن معين: صالح، وقال مرة: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس، وقال العجلي: كوفي ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: ضعيف ليس بذاك؛ وكان له رأي سوء، وقال الجوزجاني: مفتر: وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، ويروي عنه الكوفيون وغيرهم، ولم أر له حديثاً منكراً مجاوزاً للحد لا إسناداً ولا متناً إلا أنه يعد في شيعة الكوفة، وهو عندي مستقيم الحديث صدوق. وقال شريك عن الأجلح: سمعنا أنه ما يسب أبا بكر وعمر أحد إلا مات قتلاً أو فقيراً: وقال عمرو بن علي: مات سنة مائة وخمس وأربعين في أول السنة، وهو رجل من يجلية مستقيم الحديث صدوق. قلت: ليس هو من بجيلة، وقال أبو داود: ضعيف، وقال مرة: زكريا أرفع منه بمائة درجة، وقال ابن سعد: كان ضعيفاً جدا. وقال العقيلي: روى عن الشعبي أحاديث مضطربة لا يتابع عليها. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، حديثه لين. وقال ابن حبان: كان لا يدري ما يقول جعل أبا سفيان أبا الزبير. انتهى منه. وقد رأيت كثرة الاختلاف في الأجلح المذكور إلا أن روايته لهذا الأثر عن الشعبي عن علي تعتضد برواية أبي الحصين له عن الشعبي، عن علي. وأبو حصين المذكور، هو بفتح الحاء، وهو عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي أخرج له الجميع. وقال فيه في التقريب: ثقة ثبت سني وربما دلس. اهـ. وإذا علمت أقوال أهل العلم في بداءة الشهود والإمام بالرجم وما احتج به كل منهم. فاعلم أن أظهر القولين هو قول من قال ببداءة الشهود أو الإمام كما ذكرنا. وقول الإمام مالك رحمه الله: إنه لم يعلم أحداً من الأئمة فعله يقتضي أنه لم يبلغه أثر علي رضي الله عنه المذكور، ولو بلغه لعمل به، والظاهر أن له حكم الرفع لأنه لا يظهر أنه يقال من جهة الرأي، وإن كان الكلام الذي قدمنا عن صاحب المغني، وصاحب تبيين الحقائق يقتضي أن مثله يقال بطريق الرأي للتعليل الذي عللوا به القول به. وقال صاحب نصب الراية بعد أن ذكر رواية البيهقي للأثر المذكور عن علي من طريق الأجلح، عن الشعبي ما نصه: ورواه أحمد في مسنده، عن يحيى بن سعيد، عن مجالد عن الشعبي ثم ساق متن رواية الإمام أحمد بنحو ما قدمنا، ثم قال ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن علياً رضي الله عنه ثم ساق الأثر بنحو ما قدمنا. ثم قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن الحسن بن سعيد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن علي، ثم ساق الأثر المذكور بنحو ما قدمنا. اهـ. وهذه الروايات يعضد بعضها بعضاً وهي تدل على أن علياً كان يقول ببداءة الإمام في الإقرار وبداءة الشهود في البينة، وإن كان له حكم الرفع فالأمر واضح، وإن كان له حكم الوقف فهي فتوى وفعل من خليفة راشد، ولم يعلم أن أحداً أنكر عليه، ولهذا استظهرنا بداءة البينة والإمام في الرجم والعلم عند الله تعالى. الفرع الخامس: اعلم أن المرجوم إذا هرب في أثناء الرجم عندما وجد ألم الضرب بالحجارة فإن كان زناه ثابتاً ببينة، فلا خلاف في أنهم يتبعونه، حتى يدركوه، فيرجموه لوجوب إقامة الحد عليه الذي هو الرجم بالبينة، وإن كان زناه ثابتاً بإقرار فقد اختلف أهل العلم فيه. قال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في المحصن: إذا أقر بالزنا فشرعوا في رجمه، ثم هرب هل يترك أم يتبع ليقام عليه الحد؟ فقال الشافعي وأحمد وغيرهما: يترك، ولا يتبع لكي يقال له بعد ذلك، فإن رجع عن الإقرار ترك، وإن أعاد رجم. وقال مالك في رواية وغيره: إنه يتبع ويرجم. واحتج الشافعي وموافقوه بما جاء في رواية أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألا تركتموه حتى أنظر في شأنه؟" تفسير : وفي رواية "حديث : هل تركتموه فلعله يتوب الله عليه"تفسير : . واحتج الآخرون بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يلزمهم ذنبه، مع أنهم قتلوه بعد هربه، وأجاب الشافعي وموافقوه عن هذا بأنه لم يصرح بالرجوع، وقد ثبت إقراره فلا يترك حتى يصرح بالرجوع قالوا: وإنما قلنا لا يتبع في هربه لعله يريد الرجوع. ولم نقل إنه سقط الرجم بمجرد الهرب. والله أعلم انتهى منه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي أنه إن هرب في أثناء الرجم لا يتبع بل يمهل حتى ينظر في أمره، فإن صرح بالرجوع ترك، وإن تمادى على إقراره رجم. ويدل لهذا ما في رواية أبي داود التي أشار لها النووي والعلم عند الله تعالى. المسألة الخامسة: اعلم أن البكر من الرجال والنساء، إذا زنا وجب جلده مائة جلدة كما هو نص الآية الكريمة، ولا خلاف فيه، ولكن العلماء اختلفوا هل يغرب سنة مع جلده مائة أو لا يغرب؟ فذهب جمهور أهل العلم إلى أن البكر يغرب سنة مع الجلد. قال ابن قدامة في المغني: وهو قول الجمهور أهل العلم. روي ذلك عن الخلفاء الراشدين، وبه قال أُبيّ وابن مسعود، وابن عمر رضي الله عنهم. وإليه ذهب عطاء، وطاوس، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي وإسحاق وأبو ثور: وقال مالك والأوزاعي: يغرب الرجل دون المرأة. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجب التغريب على ذكر أو أنثى. وقال النووي في شرح مسلم: قال الشافعي والجماهير ينفى سنة رجلاً كان أو امرأة. وقال الحسن: لا يجب النفي. وقال مالك والأوزاعي: لا نفي على النساء، وروي مثله عن علي رضي الله عنه إلى أن قال: وأما العبد والأمة ففيهما ثلاثة أقوال للشافعي. أحدها: يغرب كل واحد منهما سنة لظاهر الحديث. وبهذا قال سفيان الثوري، وأبو ثور، وداود، وابن جرير. والثاني: يغرب نصف سنة لقوله تعالى: {أية : فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25] وهذا أصح الأقوال عند اصحابنا، وهذه الآية مخصصة لعموم الحديث والصحيح عند الأصوليين، جواز تخصيص السنة بالكتاب، لأنه إذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب فتخصيص السنة به أولى. والثالث: لا يغرب المملوك أصلاً، وبه قال الحسن البصري، وحماد، ومالك، وأحمد وإسحاق لقوله صلى الله عليه وسلم في الأمة إذا زنت "حديث : فليجلدها" تفسير : ولم يذكر النفي، ولأن نفيه يضر سيده مع أنه لا جناية من سيده، وأجاب أصحاب الشافعي عن حديث الأمة إذا زنت أنه ليس فيه تعرض للنفي، والآية ظاهرة في وجوب النفي، فوجب العمل بها، وحمل الحديث على موافقتها والله أعلم. اهـ كلام النووي، وقوله: إن الآية ظاهرة في وجوب النفي ليس بظاهر فانظره. وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وأن الأئمة الثلاثة: مالكاً، والشافعي، وأحمد، متفقون على تغريب الزاني البكر الحر الذكر، وإن وقع بينهم خلاف في تغريب الإناث والعبيد، وعلمت أن أبا حنيفة، ومن ذكرنا معه يقولون: بأنه لا يجب التغريب على الزاني مطلقاً ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً فهذه تفاصيل أدلتهم. أما الذين قالوا: يغرب البكر الزاني سنة، فاحتجوا بأن ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتاً لا مطعن فيه، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما وباقي الجماعة في حديث العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان أجيراً عنده، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم، رد عليك وعلى ابنك، جلد مائة وتغريب عام" تفسير : الحديث وفيه التصرح من النبي صلى الله عليه وسلم برواية صحابيين جليلين أنه أقسم ليقضين بينهما بكتاب الله، ثم صرح بأن من ذلك القضاء بكتاب الله جلد ذلك الزاني البكر مائة وتغريبه عاماً، وهذا أصح نص وأصرحه في محل النزاع. ومن ذلك ما أخرحه مسلم في صحيحه وغيره وهو حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي قدمناه، وفيه "حديث : البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة"تفسير : . وهو أيضاً نص صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم في محل النزاع. واحتج الحنفية ومن وافقهم من الكوفيين على عدم التغريب بأدلة: منها: أن التغريب سنة زيادة على قوله تعالى: {فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] والمقرر في أصول الحنفية هو أن الزيادة على النص نسخ له، وإذا كانت زيادة التغريب على الجلد في الآية تعتبر نسخاً للآية فهم يقولون: إن الآية متواترة، وأحاديث التغريب أخبار آحاد. والمتواتر عندهم لا ينسخ بالآحاد، وقد قدمنا في مواضع من هذا الكتاب المبارك أن كلا الأمرين ليس بمسلم، أما الأول منهما وهو أن كل منهما وهو أن كل زيادة على النص، فهي ناسخة له ليس بصحيح، لأن الزيادة على النص لا تكون ناسخة له على التحقيق؛ إلا إن كانت زيادة على النص، فهي ناسخة له ليس بصحيح، لأن الزيادة على النص لا تكون ناسخة له على التحقيق؛ إلا إن كانت مثبتة شيئاً قد نفاه النص أو نافية شيئاً أثبته النص، أما إذا كانت زيادة شيء سكت عنه النص السابق، ولم يتعرض لنفيه، ولا لإثباته فالزيادة حينئذ إنما هي رافعة للبراءة الأصلية المعروفة في الأصول بالإباحة العقلية، وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي، حتى يرد دليل ناقل عنه، ورفع البراءة الأصلية ليس بنسخ، وإنما النسخ رفع حكم شرعي كان ثابتاً بدليل شرعي. وقد أوضحنا هذا المبحث في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً} تفسير : [الأنعام: 145] الآية. وفي سورة الحج في مبحث اشتراط الطهارة للطواف في كلامنا الطويل على آيات الحج وغير ذلك من مواضع هذا الكتاب المبارك. وأما الأمر الثاني: وهو أن المتواتر لا ينسخ بأخبار الآحاد؛ فقد قدمنا في سورة الأنعام في الكلام على آية الأنعام المذكورة آنفاً؛ أنه غلط فيه جمهور الأصوليين غلطاً لا شك فيه، وأن التحقيق هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد إذا ثبت تأخرها عنه، ولا منافاة بينهما أصلاً، حتى يرجح المتواتر على الآحاد، لأنه لا تناقض مع اختلاف زمن الدليلين، لأن كلا منهما حق في وقته؛ فلو قالت لك جماعة من العدول: إن أخاك المسافر لم يصل بيته إلى الآن؛ ثم بعد ذلك بقليل من الزمن أخبرك إنسان واحد أن أخاك وصل بيته، فإن خبر هذا الإنسان الواحد أحق بالتصديق من خبر جماعة العدول المذكورة، لأن أخاك وقت كونهم في بيته لم يقدم، وبعد ذهابهم بزمن قليل قدم أخوك فأخبرك ذلك الإنسان بقدومه وهو صادق. وخبره لم يعارض خبر الجماعة الآخرين لاختلاف زمنهما كما أوضحناه في المحل المذكور؛ فالمتواتر في وقته قطعي؛ ولكن استمرار حكمه إلى الأبد ليس بقطعي؛ فنسخه بالآحاد إنما نفي استمرار حكمه؛ وقد عرفت أنه ليس بقطعي كما ترى. ومن أدلتهم على عدم التغريب حديث سهل بن سعد الساعدي عند أبي داود وقد قدمناه: "أن رجلاً أقر عنده صلى الله عليه وسلم أنه زنى بامرأة سماها فأنكرت أن تكون زنت؛ فجلده الحد؛ وتركها". وما رواه أبو داود أيضاً عن ابن عباس: "أن رجلاً من بكر بن ليث أقر عند النبي صلى الله عليه وسلم أنه زنى بامرأة أربع مرات؛ وكان بكراً فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة، وسأله صلى الله عليه وسلم البينة على المرأة إذا كذبته، فلم يأت بها؛ فجلده حد الفرية ثمانين جلدة"؛ قالوا ولو كان التغريب واجباً لما أخل به النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أدلتهم أيضاً: الحديث الصحيح "حديث : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" تفسير : الحديث، وهو متفق عليه، ولم يذكر فيه التغريب مع الجلد، فدل ذلك على أن التغريب منسوخ، وهذا الاستدلال لا ينهض لمعارضة النصوص الصحيحة الصريحة التي فيها إقسامه صلى الله عليه وسلم أن الجمع بين جلد البكر، ونفيه سنة قضاء منه صلى الله عليه وسلم بكتاب الله. وإيضاح ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقسم أن الجمع بين الجلد والتغريب قضاء بكتاب الله، وهذا النص الصحيح بالغ من الصراحة في محل النزاع، ما لم يبلغه شيء آخر يعارض به. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: إن النبي صلى الله عليه وسلم هو المبين، وقد أقسم أن الجمع بين الجلد والتغريب قضاء بكتاب الله. قال: وخطب بذلك عمر رضي الله عنه على رؤوس المنابر؛ وعمل به الخلفاء الراشدون؛ ولم ينكره أحد فكان إجماعاً. اهـ منه. وذكر مرجحات أخرى متعددة لوجوب التغريب. والحاصل: أن حديث أبي داود الذي استدلوا به من حديث سهل بن سعد وابن عباس ليس فيه ذكر التغريب؛ ولا التصريح بعدمه؛ ولم يعلم هل هو قبل حديث الإقسام: بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله أو بعده؟ فعلى أن المتأخر الإقسام المذكور فالأمر واضح؛ وعلى تقدير: أن الإقسام هو المتقدم. فذلك التصريح: بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله مع الإقسام على ذلك لا يصح رفعه بمحتمل؛ ولو تكررت الروايات به تكرراً كثيراً. وعلى أنه لا يعرف المتقدم منهما كما هو الحق، فالحديث المتفق عليه عن صحابيين جليلين هما: أبو هريرة، وزيد بن خالد الجهني الذي فيه الإقسام بان الجمع بينهما قضاء بكتاب الله، لا شك في تقديمه على حديث أبي داود الذي هو دونه في السند والمتن. أما كونه في السند: فظاهر، وأما كونه في المتن: فلأن حديث ابي داود ليس فيه التصريح بنفي التغريب، والصريح مقدم على غير الصريح كما هو معروف في الأصول، وبه تعلم أن الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه جمع الجلد والتغريب. وأما الاستدلال بحديث الأمة فليس بوجيه لاختلاف الأمة والأحرار في أحكام الحد، فهي تجلد خمسين، ولو محصنة، ولا ترجم. والأحرار بخلاف ذلك، فأحكام الأحرار والعبيد في الحدود قد تختلف. وقد بينت آية النساء اختلاف الحرة والأمة في حكم حد الزنا من جهتين: إحداهما: أنها صرحت بأنها إن كانت محصنة، فعليها الجلد لا الرجم. والثانية: أن عليها نصفه، وذلك في قوله {أية : فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25] فتأمل قول {فَإِذَآ أُحْصِنَّ} وقوله: {فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} يظهر لك ما ذكرنا. ومما ذكرنا تعلم أن الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه: هو وجوب تغريب البكر سنة مع جلده مائة لصراحة الأدلة الصحيحة في ذلك، والعلم عند الله تعالى. فروع تتعلق بهذه المسألة الفرع الأول: اعلم أن الذين قالوا بالتغريب، وهم الجمهور اختلفوا في تغريب المرأة، فقال جماعة من أهل العلم: تغرب المرأة سنة لعموم أدلة التغريب، وممن قال به: الشافعي وأحمد، وقال بعض أهل العلم: لا تغريب على النساء، وممن قال به مالك والأوزاعي، وروي مثله عن علي رضي الله عنه. أما حجة من قال بتغريب النساء فهي عموم أدلة التغريب، وظاهرها شمول الأنثى، وأما الذين قالوا: لا تغريب على النساء، فقد احتجوا بالأحاديث الصحيحة الواردة بنهي المرأة عن السفر، إلا مع محرم أو زوج. وقد قدمناها في سورة النساء في الكلام على مسافة القصر. قالوا: لا يجوز سفرها دون محرم، ولا يكلف محرمها بالسفر معها، لأنه لا ذنب له يكلف السفر بسببه، قالوا: ولأن المرأة عورة وفي تغريبها تضييع لها، وتعريض لها للفتنة، ولذلك نهيت عن السفر إلا مع محرم أو زوج، قالوا: وغاية ما في الأمر، أن عموم أحاديث التغريب بالنسبة إلى النساء خصصته أحاديث نهي المرأة عن السفر إلا مع محرم أو زوج، وهذا لا إشكال فيه. قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أنها إن وجد لها محرم متبرع بالسفر معها إلى محل التغريب مع كون محل التغريب محل مأمن لا تخشى فيه فتنة، مع تبرع المحرم المذكور بالرحوع معها إلى محلها، بعد انتهاء السنة، فإنها تغرب، لأن العمل بعموم أحاديث التغريب لا معارض له في الحالة المذكورة. وأما إن لم تجد محرماً متبرعاً بالسفر معها، فلا يجبر، لأنه لا ذنب له، ولا تكلف هي السفر بدون محرم، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وقد قدمنا مراراً أن النص الدال على النهي يقدم على الدال على الأمر على الأصح، لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذا التفصيل الذي استظهرنا لم نعلم أحداً ذهب إليه، ولكنه هو الظاهر من الأدلة، والعلم عند الله تعالى. الفرع الثاني: اعلم أن العلماء اختلفوا في تغريب العبد والأمة، وقد قدمنا أقوال أهل العلم في ذلك. وأظهر أقوالهم عندنا: أن المملوك لا يغرب، لأنه مال، وفي تغريبه إضرار بمالكه، وهو لا ذنب له ويستأنس له بأنه لا يرجم، ولو كان محصناً، لأن إهلاكه بالرجم إضرار بمالكه. ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" تفسير : الحديث، ولم يذكر تغريباً، وقد فهم البخاري رحمه الله عدم نفي الأمة من الحديث المذكور، ولذا قال في ترجمته: باب لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفى. وقد قدمنا اختلاف الأصوليين في العبيد هل يدخلون في عموم نصوص الشرع، لأنهم من جملة المكلفين، أو لا يدخلون في عموم النصوص، إلا بدليل منفصل لكثرة خروجهم من عموم النصوص، كما تقدم إيضاحه. وقد قدمنا أن الصحيح هو دخولهم في عموم النصوص إلا ما أخرجهم منه دليل، واعتمده صاحب مراقي السعود بقوله: شعر : والعبد والموجود والذي كفر مشمولة له لدى ذوي النظر تفسير : وإخراجهم هنا من نصوص التغريب، لأنه صلى الله عليه وسلم امر بجلد الأمة الزانية وبيعها، ولم يذكر تغريبها، ولأنهم مال، وفي تغريبهم إضرار بالمالك. وفي الحديث "حديث : لا ضرر ولا ضرار" تفسير : والعلم عند الله تعالى. أظهر القولين عندي: أنه لا بد في التغريب من مسافة تقصر فيها الصلاة، لأنه فيما دونها له حكم الحاضر بالبلد زنى فيه. وأظهر القولين أيضاً عندي أن المغرب لا يسجن في محل تغريبه، لأن السجن عقوبة زائدة على التغريب، فتحتاج إلى دليل، ولا دليل عليها، والعلم عند الله تعالى. والأظهر أن الغريب إذا زنى غرب من محل زناه إلى محل آخر غير وطنه الأصلي. المسألة السادسة: اعلم أن من أقر بأنه أصاب حداً، ولم يعين ذلك الحد، فإنه لا يجب عليه الحد، لعدم التعيين وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه، لما ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال "كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل فقال يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه عليّ، قال: ولم يسأله عنه قال: وحضرت الصلاة فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله: إني أصبت حداً فأقم فيّ كتاب الله، قال: حديث : أليس صليت معنا؟ تفسير : قال: نعم. قال: حديث : فإن الله قد غفر لك ذنبك أو قال: حدك تفسير : هذا لفظ البخاري في صحيحه. والحديث متفق عليه. ولمسلم وأحمد من حديث أبي أمامة نحوه: وهو نص صحيح صريح في أن من أقر بحد ولم يسمه، لا حد عليه كما ترى، والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة: في حكم رجوع الزاني المقر بالزنى أو رجوع البينة قبل إتمام إقامة الحد عليه. أما الزاني المقر بزناه إذا رجع عن إقراره، سقط عنه الحد، ولو رجع في أثناء إقامة الحد من جلد أو رجم. هذا هو الظاهر. قال ابن قدامة: وبه قال عطاء ويحيى بن يعمر، والزهري، وحماد، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأبو يوسف. وقد حكى ابن قدامة خلاف هذا عن جماعة وروايته عن مالك ضعيفة. والظاهر لنا هو ما ذكرنا من سقوط الحد عنه برجوعه عن إقراره، ولو في أثناء إقامة الحد لما قدمنا من حديث أبي داود وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حديث : "لهم لما تبعوا ماعزاً بعد هربه "ألا تركتموه؟ تفسير : وفي رواية "حديث : هلا تركتموه؟ فلعله يتوب فيتوب الله عليه" تفسير : وفي ذلك دليل على قبول رجوعه، وعليه أكثر أهل العلم، وهو الحق إن شاء الله تعالى. وأما رجوع البينة أو بعضهم فلم أعلم فيه بخصوصه نصاً من كتاب ولا سنة، والعلماء مختلفون فيه. واعلم أن له حالتين: إحداهما: أن يكون رجوعهم، أو رجوع بعضهم قبل إقامة الحد على الزاني بشهادتهم. والثانية: أن يكون رجوعهم، أو رجوع بعضهم بعد إقامة الحد عليه، والحد المذكور قد يكون جلداً، وقد يكون رجماً، فإذا رجعوا كلهم أو واحد منهم قبل إقامة الحد، فقد قال في ذلك ابن قدامة في المغني: فإن رجعوا عن الشهادة، أو واحد منهم فعلى جميعهم الحد في أصح الروايتين، وهو قول أبي حنيفة. والثانية: يحد الثلاثة دون الراجع، وهو اختيار أبي بكر، وابن حامد؛ لأنه إذا رجع قبل الحد فهو كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله: فسقط عنه الحد، ولأن في درء الحد عنه تمكيناً له من الرجوع الذي يحصل به مصلحة المشهود عليه. وفي إيجاب الحد زجر له عن الرجوع خوفاً من الحد، فتفوت تلك المصلحة، وتتحقق المفسدة، فناسب ذلك نفي الحد عنه. وقال الشافعي: يحد الراجع دون الثلاثة؛ لأنه مقر على نفسه بالكذب في قذفه. وأما الثلاثة فقد وجب الحد بشهادتهم، وإنما سقط بعد وجوبه برجوع الراجع، ومن وجب الحد بشهادته لم يكن قاذفاً فلم يحد، كما لو لم يرجع. ولنا أنه نقص العدد بالرجوع قبل إقامة الحد، فلزمهم الحد كما لو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهاة، وقولهم: وجب الحد بشهادتهم يبطل بما اذا رجعوا كلهم، وبالراجع وحده، فإن الحد وجب، ثم سقط، ووجب الحد عليهم بسقوطه، ولأن الحد إذا وجب على الراجع مع المصلحة في رجوعه، وإسقاط الحد عن المشهود عليه بعد وجوبه، وإحيائه المشهود عليه بعد إشرافه على التلف فعلى غيره أولى. انتهى من المغني. وحاصله: أنهم إن رجعوا كلهم حدوا كلهم، وإن رجع بعضهم، ففي ذلك ثلاثة أقوال: الأول: يحدون كلهم. والثاني: يحد من لم يرجع دون من رجع. والثالث: عكسه كما هو واضح من كلامه. والأظهر: أنهم إن رجعوا بعد الحكم عليه بالرجم أو الجلد بشهادتهم أنه لا يقام عليه الحد، لرجوع الشهود أو بعضهم. وقول بعض المالكية: إن الحكم ينفذ عليه، ولو رجعوا كلهم أو بعضهم قبل التنفيذ خلاف التحقيق، وإن كان المعروف في مذهب مالك أن الحكم إذا نفذ بشهادة البينة، أنه لا ينقض برجوعهم وإنما ينقض بظهور كذبهم، لأن هذا لم يعمموه في الشهادة المفضية إلى القتل لعظم شأنه، والأظهر أنه لا يقتل بشهادة بينة كذبت أنفسها، فيما شهدت عليه به كما لا يخفى. وأما إن كان رجوع البينة بعد إقامة الحد، فالأظهر أنه إن لم يظهر تعمدهم الكذب لزمتهم دية المرجوم، وإن ظهر أنهم تعمدوا الكذب فقال بعض أهل العلم: تلزم الدية أيضاً. وقال بعضهم: بالقصاص، وهو قول أشهب من أصحاب مالك، وله وجه من النظر، لأنهم تسببوا في قتله بشهادة زور، فقتلهم به له وجه، والعلم عند الله تعالى. وإن كان رجوعهم أو رجوع بعضهم بعد جلد المشهود عليه بالزنى بشهادتهم، فإن لم يظهر تعمدهم الكذب، فالظاهر أنهم لا شيء عليهم، لأنهم لم يقصدوا سوءاً، وإن ظهر تعمدهم الكذب وجب تعزيزهم بقدر ما يراه الإمام رادعاً لهم ولأمثالهم، لأنهم فعلوا معصيتين عظيمتين. الأولى: تعمدهم شهادة الزور. والثانية: إضرارهم بالمشهود عليه بالجلد، وهو أذى عظيم أوقعوه به بشهادة زور والعلم عند الله تعالى. تنبيه اعلم أنا قدمنا حكم من زنى ببهيمة في سورة الإسراء، في الكلام على قوله تعالى {أية : وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً} تفسير : [الإسراء: 33] وقدمنا حكم اللواط وأقوال أهل العلم وأدلتهم في ذلك في سورة هود في الكلام على قوله تعالى {أية : وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} تفسير : [هود: 83] وقد قدمنا الكلام أيضاً على أن من زنى مرات متعددة، قبل أن يقام عليه الحد، يكفي لجميع ذلك حد واحد في الكلام على آيات الحج. وقد أوضحنا أن الأمة تجلد خمسين، سواء كانت محصنة أو غير محصنة، لأن جلدها خمسين مع الإحصان منصوص في القرآن كما تقدم إيضاحه، وجلدها مع عدم الإحصان ثابت في الصحيح. وأظهر الأقوال عندنا: أن الأمة غير المحصنة تجلد خمسين، وألحق أكثر أهل العلم العبد بالأمة. والأظهر عندنا: أنه يجلد خمسين مطلقا أحصن أم لا. وقد تركنا الأقوال المخالفة لما ذكرنا لعدم اتجاهها عندنا مع أنا أوضحناها في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى {أية : فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ} تفسير : [النساء: 25] الآية ولنكتف بما ذكرنا هنا من أحكام الزنى المتعلقة بهذه الآية التي نحن بصددها. وعادتنا أن الآية إن كان يتعلق بها باب من أبواب الفقه أنا نذكر عيون مسائل ذلك الباب، والمهم منه وتبيين أقوال أهل العلم في ذلك ونناقشها، ولا نستقصي جميع ما في الباب، لأن استقصاء ذلك في كتب فروع المذاهب كما هو معلوم، والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَاحِدٍ} {ٱلآخِرِ} {طَآئِفَةٌ} (2) - فَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيهَا حُكْمُ الزَّانِي فِي الحَدِّ فَالزَّانِي إِذَا كَانَ بِكْراً - ذَكَراً كَانَ أَوْ أُنْثَى - وَهُوَ حُرٌّ بَالِغٌ عَاقِلٌ فَحَدُّهُ مِئَةُ جَلْدَةٍ كَمَا فِي الآيَةِ. وَيَرَى جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ أَنْ يُغَرَّبَ سَنَةً عَنْ مَوْطِنِهِ، إِنْ شَاءَ الإِمَامُ تَغْرِيبَهُ (أَي نَفْيَهُ مِنْ مَوْطِنِهِ). أَمَّا إِذَا كانَ الزَّانِي مُحْصَناً، وَهُوَ الذي سَبَقَ لَهُ الوَطْءُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَإِنَّهُ يُرْجَمُ بالحِجَارَةِ حَتَّى المَوْتِ. وَحُكْمُ الزَّانِي المُحْصَنِ مَأْخُوذٌ مِنَ السُنَّةِ، فَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِرَجْمِ امْرَأَةٍ مُحْصَنَةٍ زَنَتْ. وَيَثْبُتُ الزِّنَى بِالإِقْرَارِ، أَوْ بِحَبَلِ المَرْأَةِ بِلاَ زَوْجٍ مَعْرُوفٍ لَهَا، أو بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ مِنَ الشُّهُودِ العُدُولِ يَرَوْنَها فِي حَالَةِ الفِعْلِ. (وَقَالَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ: إِنَّهُ يَجِبُ الجَلْدُ مَعَ الرَّجْمِ عَمَلاً بالنَّصِّ. وَلَكنَّ أَكْثَرَ الأَئِمَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الجَلْدِ مَعَ الرَّجْمِ لأَِنَّ عُقُوبةَ الرَّجْمِ أَشَدُّ مِنْ عُقُوبَةِ الجَلْدِ). وَيُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى المُؤْمِنينَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِم أَلاَّ تَأْخُذَهُمْ رَأْفَةٌ بِالزُّنَاةِ فِي تَطْبِيقِ حُكْمِ اللهِ وَشَرْعِهِ، لأَِنَّ مِنْ مُقْتَضَى الإِيْمَانِ إِيثَارَ مَرْضَاةِ اللهِ عَلَى مَرْضَاةِ النَّاسِِ، فَإِذَا رُفِعَتِ الحُدُودُ إِلَى السُّلْطَانِ فَتُقَامُ وَلاَ تُعَطَّلُ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: حديث : تَعَافوا الحُدُودَ بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَد وَجَبَتفسير : ). فَإِذَا كُنْتُم تُؤْمِنُونَ بِاللهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، فَافْعَلُوا مَا أَمَرَكُمْ بِهِ اللهُ مِنْ إِقَامَةِ الحَدِّ عَلَى الزُنَاةِ، وشَدِّدُوا عَلَيْهِم الضَّرْبَ عَلَى أَنْ لاَ يَكُونَ الضَّرْبُ مُبرِّحاًَ، لِيَرْتَدِعَ مَنْ يَصْنَعُ مِثْلَهُمْ. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِأَنْ يَكُونَ تَنْفِيذُ الحُدُودِ عَلاَنِيَةً، وَأَنْ يَشْهَدَهُ طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ لأَنَّهُ يَكُونُ أَبْلَغَ فِي زَجْرِ النَّاسِ، وَأَنْجَعَ فِي رَدْعِهِمْ، وَيَكُونُ تَقْرِيعاً وَتَوْبِيخاً وَفَضِيحَةً إِذَا كَانَ النَّاسُ حُضُوراً. الطائِفَةُ - تَشْمَلُ الوَاحِدَ فَمَا فَوقَ، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسِ إِنَّهَا تَشْمَلُ الأَرْبَعَةَ فَصَاعِداً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قلنا: إن الحق سبحانه تناول هذه المسألة حرصاً على سلامة النشء، وطهارة هذا الإنسان الذي جعله الله خليفة له في الأرض، وحين نتأمل السياق القرآني في هذه الآية نجد أن كلمة الزاني تدل على كُلٍّ من الأنثى والذكر، ففي اللغة الاسم الموصول: الذي للمفرد المذكر، والتي للمفردة المؤنثة، واللذان للمثنى المذكر، واللتان للمثنى المؤنث، والذين لجمع الذكور، واللائي لجمع الإناث. لكن هناك أسماء تدل على كل هذه الصيغ مثل: مَنْ، ما، ال. تقول: جاء مَنْ أكرمني، وجاءت من أكرمتني، وجاء من أكرموني. فكذلك (ال) في (الزاني) تدل على المؤنث وعلى المذكر، لكن الحق سبحانه ذكرهما صراحةً ليُزيلَ ما قد يحدث عند البعض من خلاف: أيهما السبب في هذه الجريمة، هذا الخلاف الذي وقع فيه حتى الأئمة والفقهاء، فهناك مَنْ يقول: الزاني واطئ وفاعل، والمرأة موطوءة، فالفعل للرجل لا للمرأة، فهو وحده الذي يتحمل هذه التبعة. لذلك الإمام الشافعي رضي الله عنه يحكي حديث : أن رجلاً ذهب للنبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله وطئت امرأتي في رمضان. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "كَفِّر" . تفسير : وأخذ الشافعي من هذا الحديث أن الكفارة إنما تكون على الرجل دون المرأة، وإلا لقال له الرسول: كَفِّرا. لكن يجب أن نفرق بين وطِئ وجامع: الوَطْءُ فعل الرجل حتى وإن كانت الزوجة كارهة رافضة، أمَّا الجماع فهو حال الرضا والقبول من الطرفين، وفي هذه الحالة تكون الكفارة عليهما معاً؛ لذلك صرَّح الحق تبارك وتعالى بالزاني والزانية ليزيل هذه الشُّبهة وهذا الخلاف. وأرى في هذه المسألة أن الذي استفتى رسولَ الله هو الرجلُ، ولو كانت المرأة لقال لها أيضاً: كفِّري، فالحكم خاصٌّ بمن استفتى. والمتأَمل في آيات الحدود يجد مثلاً في حَدِّ السرقة قوله تعالى{أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ ..} تفسير : [المائدة: 38] فبدَأ بالمذكر، أما في حَدِّ الزنا فقال: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي ..} [النور: 2] فبدأ بالمؤنث، لماذا الاختلاف في التعبير القرآني؟ قالوا: لأن دور المرأة في مسألة الزنا أعظم ومدخلها أوسع، فهي التي تغري الرجل وتثيره وتهيج عواطفه؛ لذلك أمر الحق - تبارك وتعالى - الرجال بغَضِّ البصر وأمر النساء بعدم إبداء الزينة، ذلك ليسُدَّ نوافذ هذه الجريمة ويمنع أسبابها. أما في حالة السرقة فعادةً يكون عِبْءُ النفقة ومُؤْنة الحياة على كاهل الرجل، فهو المكلف بها؛ لذلك يسرق الرجل، أمَّا المرأة فالعادة أنها في البيت تستقبل، وليس من مهمتها توفير تكاليف الحياة، لكن لا مانعَ مع ذلك أن تسرق المرأة أيضاً؛ لذلك بدأ في السرقة بالرجل. إذن: بمقارنة آيات القرآن تجد الكلام موزوناً دقيقاً غاية الدقة، لكل كلمة ولكل حرف عطاؤه، فهو كلام رب حكيم، ولو كانت المسألة مجرد تقنين عادي ما التفتَ إلى مثل هذه المسائل. ثم يأتي الحد الرادع لهذه الجريمة {فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ..} [النور: 2] اجلدوا: أمر، لكن لمن؟ لم يقُل أيها الحاكم أو القاضي؛ لأن الأمر هنا للأمة كلها، فأمر إقامة الحدود منوط بالأمة كلها، لكن أتنهض الأمة بأَسْرها وتعدّدها بفعل واحد في كل مكان؟ قالوا: الأمة مثل النائب العام للوالي، عليه أن يختار مَنْ يراه أهلاً للولاية لينفذ له ما يريد، ومَنْ ولَّى قاضياً فقد قضى، وما دام الأمر كذلك فإياك أنْ تُولِّي القضاء مَنْ لا يصلح للقضاء؛ لأن التبعة - إذن - ستكون عليك إنْ ظلم أو جار، فالواو والألف في {فَٱجْلِدُواْ ..} [النور: 2] تدل على معانٍ كبيرة، فالأمة في مجموعها لا تستطيع أن تجلد كل زانٍ أو زانية، لكن حين تولي إمامها بالبيعة، وحين تختاره ليقيم حدود الله، فكأنها هي التي أقامتْ الحدود وهي التي نفذت. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : مَنْ ولّى أحداً أمراً وفي الناس خير منه لا يشم رائحة الجنة . تفسير : لماذا؟ لأنك حين تُولِّي أمور الناس مَنْ لا يصلح لها في وجود مَنْ يصلح إنما تُشيع الفساد في المجتمع، ولا تظن أنك تستطيع أن تخفي شيئاً عن أعيُن الناس، فلهم من الوعي والانتباه ما يُفرِّقون به بين الكفء وغيره، وإنْ سكتوا وتغافلوا فإنهم يتساءلون من ورائك: لماذا ولّى هذا، وترك مَنْ هو أكفأ منه، لا بُدَّ أن له مؤهلات أخرى، دخل بها من الباب الخلفي، ولماذا لا نفعل مثله؟ عندها تسود الفوضى وتضيع الحقوق وينتشر الإحباط والتكاسل والخمول، ويحدث خلل في المجتمع وتتعطل المصالح. ومع هذا كله لا نستطيع أن نلوم الوالي حين يختار مَنْ لا يصلح قبل أن نلوم أنفسنا أولاً، فنحن الذين اخترناه ودلَّسْنَا في البيعة له، فسلّطه الله علينا ليُدلِّس هو أيضاً في اختياره، أمّا لو أدى كل منا واجبه في اختيار مَنْ يصلح ما وصل إلى مراتب القيادة مَنْ يدلس على الناس، وبذلك تستقيم الأمور، ويتقرب الإنسان للولاية بالعمل وبالجد والإخلاص والأمانة والصدق والتفاني في خدمة المجتمع. ومن رحمة الله تعالى بالخَلْق أنْ يقذف الإخلاص وحُبّ العمل ويزرع الرحمة بالخلق في بعض القلوب؛ لذلك ترى في كل مصلحة أو في كل مكتب موظفاً متواضعاً يحب الناس ويحرص على قضاء مصالحهم، تراه يرتدي نظارة سميكة يرى من خلالها بصعوبة، وهو دائماً مُنكبٌّ على الأوراق والملفات، ويقصده الخَلْق لقضاء مصالحهم: يا فلان أفندي، أعطني كذا، واكتب لي كذا، وقد وسَّع الله صَدْره للناس فلا يرد أحداً. هذه المسائل كلها نفهمها من الواو والألف في {فَٱجْلِدُواْ ..} [النور: 2] أما الجَلْد فهو الضرب، نقول: جلَده: يعني ضرب جِلْدَه، ورأسه: يعني ضرب رِأسه، وظهَره: ضرب ظهره. والجلد ضَرْبٌ بكيفية خاصة، بحيث لا يقطع لحماً ولا يكسر عظماً؛ لأن الضربة حسب قوتها وحسب الآلة المستخدمة في الضرب، فمن الضرب ما يكسر العظم ولا يقطع الجلد، ومنه ما يقطع الجلد ولا يكسر العظم، ومنه ما يؤلم دون هذا أو ذاك. ثم يقول سبحانه: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ ..} [النور: 2] تحذير من الرحمة الحمقاء، الرحمة في غير محلها، وعلى حَدِّ قول الشاعر: شعر : فَقَسَا لِيزدْجِرُوا ومَنْ يَكُ حَازِماً فَلْيَقْسُ أحْيَاناً على مَنْ يَرحَمُ تفسير : فالرأفة لا تكون في حدود الله، ارأفوا بهم في مسائلكم الخاصة فيما بينكم، وعجيب أن تدعوا الرأفة في مسائل الحدود وأنتم من ناحية أخرى تضربون وتسرقون أموال الناس، وتنتهكون حرماتهم، وتثيرون بينهم الفتنة والحروب، فأين الرأفة إذن؟ إذن: لا مجالَ للرحمة وللرأفَة في حدود الله، فلسنا أرحم بالخَلْق من الخالق، وما وُضِعَتْ الحدود حباً في تعذيب الناس، إنما وُضِعت وشُدِّد عليها لتمنع الوقوع في الجريمة التي تستوجب الحد، فقَطْع يد واحدة تمنع قَطْع آلاف الأيدي. والذين يتهمون الإسلام بالقسوة والبشاعة في تطبيق الحدود أنَسُوا ما فعلوه في هيروشيما، وما زالت آثاره حتى الآن؟ أنسوا الحروب التي يشعلونها في أنحاء العالم، والتي تحصد آلاف الأرواح؟ أهي الرحمة الحمقاء التي لا معنى لها؟ أم هي الكراهية لحدود الله؟ ونذكر في الماضي أنه كان يخرج مع فوج الحجيج قوة حماية وحراسة من الجيش، تحمي الحجيج من قطاع الطرق، وكانوا يُسَمُّون بعثة الحج هذه (المحمل)، فلما أقامت السعودية حكم الله وطبَّقَتْ الحدود أمَّنَتْ الطرق، واستغنى الناس عن هذه الحراسات مع اتساعها وتشعُّب طرقها ووعورتها بين الجبال والوديان والصحاري الشاسعة التي لا يمكن أن تحكمها أو تحرسها عَيْن بشر، لا بُدَّ لها من تقنين الخالق عز وجل. ومع ذلك حين أحْصَوا الأيدي التي قُطِعَتْ وجدوها قليلة جداً، وأغلبها من خارج المملكة - وأذكر أنني قلت مرة في خطبة عرفة: ارجعوا إلى حكامكم وقولوا لهم: اقطعوا يد السارق، فالذي لا يقطع يد السارق في نيته أن يسرق؛ لذلك يخاف على يده، فحين تذكر له مسألة قَطْع يد السارق ترتجف يده. والذين يعارضون حدود الله هم أنفسهم يسيرون على مبدأ أن هلاك الثُلث جائز لإصلاح الثلثين، لكن تقف حدود الله غُصَّة في حلوقهم. والجلْد مائة جلدة يخصّ الزاني غير المحْصَن يعني غير المتزوج، أمَّا المتزوج فله حكم آخر لم يأْت في كتاب الله، إنما أتى في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ذلك لأن القرآن الكريم ليس كتابَ منهج فقط، إنما كتابَ منهج ومعجزة ومعه أصول، من هذه الأصول أنه قال في آية من آياته: إننا وكلنا رسول الله في أن يُشرِّع للناس. والحكم الذي يؤخذ من القول عُرْضة لأن نتمحك فيه ونقف أمامه نُقلّب ألفاظه أو نؤوله، أمّا إنْ أُخِذ الحكم من فعل المشرع، فليس فيه شكٌّ أو تمحُّك، وليس قابلاً للتأويل لأنه فعل، وقد فعل الرسول ورجم الزاني والزانية المحصنين في قصة ماعز والغامدية، لأنه مفوض من الله. ولا بد أن نفرق بين الحدَّيْن، ففي حَدِّ الأمة إنْ زنت يقول تعالى: {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ..} تفسير : [النساء: 25] البعض فَهِم من الآية أنها تشمل حدَّيْ الرَّجْم والجَلْد، فقالوا: في الجلد يمكن أن تجلد خمسين جلده، لكن كيف نجزىء الرجم؟ وما دام الرجم لا يُجَزَّأ فليس عليها رجم. ولو تأمل هؤلاء نصَّ الآية لخرجوا من هذا الخلاف، فالحق سبحانه وتعالى لم يقل {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَاتِ ..} تفسير : [النساء: 25] وسكت، إنما قال {أية : مِنَ ٱلْعَذَابِ ..} تفسير : [النساء: 25] فخصَّ بذلك حدَّ الجلد؛ لأن العذاب إيلام حَيٍّ، أمَّا الرجم فهو إزهاق حياة، فهما متقابلان. أَلاَ ترى قول القرآن في قصة سليمان عليه السلام والهدهد: {أية : لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ ..} تفسير : [النمل: 21] فالعذاب غير الذبح. إذن: تجزئة الحد في الجَلْد فقط، أمّا الرَّجم فلا يُجزَّأ، فإنْ زنتِ الأَمَة المحصنة رُجِمَتْ. وقوله تعالى: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ..} [النور: 2] هذا كلام مُوجِع، وإهاجة لجماعة المؤمنين، فهذا هو الحكم، وهذا هو الحدُّ قد شرعه الله، فإن كنتم مؤمنين بالله وبالحساب والعقاب فطبِّقوا شَرْع الله، وإلاَّ فراجعوا إيمانكم بالله وباليوم الآخر لأننا نشكُّ في صِدْق هذا الإيمان. وكأن الحق - تبارك وتعالى - يهيجنا ويثيرنا على أهل هذه الجريمة، لنأخذ على أيديهم ونُخوِّفهم بما شرع الله من الحدود. فالمعنى: إنْ كنتم تؤمنون بالله إلهاً حكيماً مشرعاً، خلق خَلْقاً، ويريد أن يحمي خَلْقه ويُطهره ليكون أهلاً لخلافته في الأرض الخلافة الحقة، فاتركوا الخالق يتصرف في كونه وفي خَلْقه على مراده عَزَّ وجَلَّ، فالخَلْق ليس خَلْقكم لتتدخلوا فيه. ثم يقول تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] فالأمر لا يقف عند حدِّ التعذيب والجَلْد، إنما لا بُدَّ أن يشهد هذا العذاب جماعة من المؤمنين، والطائفة هم الجماعة وأقلها أربعة لماذا؟ قالوا: لأن النفس قد تتحمّل الإهانة إنْ كانت سِراً لا يطَّلع عليها أحد، فلا يؤلمه أنْ تُعذِّبه أشدَّ العذاب بينك وبينه، إنما لا يتحمل أن تشتمه أمام الناس. إذن: فمشاهدة الحدِّ إهانة لصاحبه، وهي أيضاً زَجْر للمشاهد، ونموذج عمليٌّ رادع. لذلك يقولون: الحدود زواجر وجوابر، زواجر لمن شاهدها أي: تزجره عن ارتكاب ما يستوجب هذا الحدَّ، وجوابر لصاحب الحد تجبر ذنبه وتُسقِط عنه عقوبة الآخرة، فلا يمكن أن يستوي مَنْ أقر وأقيم عليه الحد بمَنْ لم يقر، ولأن الزنا لم يثبت بشهود أبداً، وإنما بإقرار، وهذا دليل على أن الحكم صحيح في ذِهْنه، ويرى أن فضوح الدنيا وعذابها أهونُ من فضوح الآخرة وعذابها، إلا لما أقر على نفسه. فالمسألة يقين وإيمان ثابت بالقيامة وبالبعث والحساب، والعقوبة اليوم أهون، وإنْ كان الزنا يثبت بالشهود فلربما دلَّسُوا، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتيه الرجل مُقرّاً بالزنا فيقول له: "حديث : لعلك قبَّلْتَ، لعلك غمزْتَ، لعلك لمسْت" تفسير : يعني: لم تصل إلى الحد الذي يسمى زنا، يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدرأ الحدَّ بالشبهة. ولهذا المبدأ الإسلامي السمح إنْ أخذتَ الزاني وذهبت ترجمه فآلمه الحجر فحاول الفرار يأمرنا الشرع ألاَّ نتبعه وألاَّ نلاحقه، لماذا؟ لأنه اعتبر أن فراره من الحد كأنه رجوع عن الإقرار. يقول الحق سبحانه: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ...}.
زيد بن علي
تفسير : حدّثنا أبو حعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال حدّثنا عطاءُ بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السّلامُ. في قوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ} معناه رحمةٌ فِي تَركِ الضَّربِ. تفسير : وقوله تعالى: {طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} معناه رجلٌ فَما فَوقهُ إلى الألفِ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا الحكم في الزاني والزانية البكرين، أنهما يجلد كل منهما مائة جلدة، وأما الثيب، فقد دلت السنة الصحيحة المشهورة، أن حده الرجم، ونهانا تعالى أن تأخذنا رأفة [بهما] في دين الله، تمنعنا من إقامة الحد عليهم، سواء رأفة طبيعية، أو لأجل قرابة أو صداقة أو غير ذلك، وأن الإيمان موجب لانتفاء هذه الرأفة المانعة من إقامة أمر الله، فرحمته حقيقة، بإقامة حد الله عليه، فنحن وإن رحمناه لجريان القدر عليه، فلا نرحمه من هذا الجانب، وأمر تعالى أن يحضر عذاب الزانيين طائفة، أي: جماعة من المؤمنين، ليشتهر ويحصل بذلك الخزي والارتداع، وليشاهدوا الحد فعلا فإن مشاهدة أحكام الشرع بالفعل، مما يقوى بها العلم، ويستقر به الفهم، ويكون أقرب لإصابة الصواب، فلا يزاد فيه ولا ينقص، والله أعلم. هذا بيان لرذيلة الزنا، وأنه يدنس عرض صاحبه، وعرض من قارنه ومازجه، ما لا يفعله بقية الذنوب، فأخبر أن الزاني لا يقدم على نكاحه من النساء، إلا أنثى زانية، تناسب حاله حالها، أو مشركة بالله، لا تؤمن ببعث ولا جزاء، ولا تلتزم أمر الله، والزانية كذلك، لا ينكحها إلا زان أو مشرك { وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } أي: حرم عليهم أن ينكحوا زانيا، أو ينكحوا زانية. ومعنى الآية: أن من اتصف بالزنا، من رجل أو امرأة، ولم يتب من ذلك، أن المقدم على نكاحه، مع تحريم الله لذلك، لا يخلو إما أن لا يكون ملتزما لحكم الله ورسوله، فذاك لا يكون إلا مشركا، وإما أن يكون ملتزما لحكم الله ورسوله، فأقدم على نكاحه مع علمه بزناه، فإن هذا النكاح زنا، والناكح زان مسافح، فلو كان مؤمنا بالله حقا، لم يقدم على ذلك، وهذا دليل صريح على تحريم نكاح الزانية حتى تتوب، وكذلك إنكاح الزاني حتى يتوب، فإن مقارنة الزوج لزوجته، والزوجة لزوجها، أشد الاقترانات والازدواجات، وقد قال تعالى: {أية : احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ } تفسير : أي: قرناءهم، فحرم الله ذلك، لما فيه من الشر العظيم، وفيه من قلة الغيرة، وإلحاق الأولاد، الذين ليسوا من الزوج، وكون الزاني لا يعفها بسبب اشتغاله بغيرها، مما بعضه كاف للتحريم وفي هذا دليل أن الزاني ليس مؤمنا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " تفسير : فهو وإن لم يكن مشركا، فلا يطلق عليه اسم المدح، الذي هو الإيمان المطلق.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 707 : 1 : 9 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ} قال، تعطيل الحد. [الآية 2]. 708 : 2 : 2 - سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال، الطائفة رجل فما زاد. [الآية 2]. 709 : 3 : 3 - سفين عن ليث عن مجاهد مثله.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة النور قوله تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [2] 376 - أنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، نا اللَّيثُ، عن ابن شهابٍ، عن عُبيدِ الله بن عبد الله ابن عُتبةَ، عن أبي هُريرة وزيدِ بن خالدٍ، أنَّهما قالا: حديث : إن رجلاً من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أنشُدُكَ إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصمُ الآخرُ - وهو أفقهُ منهُ - نعم واقض بيننا بكتاب اللهِ، وائذن لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قُلْ" فقال: إنّ ابني كان عسيفاً على هذا، فزنى بامرأتهِ، وإني أُخبرتُ أن على ابني الرجم، فافتديتُ منهُ بمائةِ شاةٍ وبوليدةٍ، فسألتُ أهل العلمِ فأخبروني أن على ابني جلد مائةٍ وتغريب عامٍ، وأن على امرأة هذا الرَّجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيدهِ، لأقضينَّ بينكما بكتاب اللهِ؛ الوليدةُ والغنم ردُّ، وعلى ابنك جلدُ مائةٍ وتغريبُ عامٍ، اغدُ يا أُنيسُ إلى امرأةِ هذا فارجُمها" فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها فرُجِمتْ .
همام الصنعاني
تفسير : 1995- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الكلبي في قوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ}: [الآية: 2]، قال: رأفة في تعطيل الحدود عنهما. 1996- قال عبد الرزاق، قال معمر، قال الزهري، يجتهد في حَدِّ الزنا، والفرية، ويخفف في حد الشراب. 1997- قال عبد الرزاق، قال معمر، وقال قتادة، يخفف في الشراب والفرية، ويجتهد في الزنا. 1998- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا الثوري عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ}: [الآية: 2]، قال: ألاّ تقام الحدود ... وقال في قوله: {طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}: [الآية: 2]، قال: الطائفة رَجٌلٌ فما فوقه. 1999- قال عبد الرزاق، قال الثوري، وقال ابن أبي نجيح، قال عطاء: الطائفة، اثنان فصَاعِداً. 2000- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}: [الآية: 2]، قال: نَفَرٌ مِنَ المسلمين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):