Verse. 2792 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

سُوْرَۃٌ اَنْزَلْنٰہَا وَفَرَضْنٰہَا وَاَنْزَلْنَا فِيْہَاۗ اٰيٰتٍؚبَيِّنٰتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُوْنَ۝۱
Sooratun anzalnaha wafaradnaha waanzalna feeha ayatin bayyinatin laAAallakum tathakkaroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

هذه «سورة أنزلناها وفرضناها» مخففة ومشددة لكثرة المفروض فيها «وأنزلنا فيها آيات بينات» واضحات الدلالات «لعلكم تذَّكرون» بإدغام التاء الثانية في الذال تتعظون

1

Tafseer

الرازي

تفسير : قرأ العامة (سورة) بالرفع، وقرأ طلحة بن مصرف بالنصب، أما الذين قرأوا بالرفع فالجمهور قالوا الابتداء بالنكرة لا يجوز، والتقدير هذه سورة أنزلناها، أو نقول سورة أنزلناها مبتدأ موصوف، والخبر محذوف أي فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها، وقال الأخفش لا يبعد الابتداء بالنكرة فسورة مبتدأ وأنزلنا خبره، ومن نصب فعلى معنى الفعل، يعني اتبعوا سورة أو أتل سورة أو أنزلنا سورة، وأما معنى السورة ومعنى الإنزال فقد تقدم، فإن قيل الإنزال إنما يكون من صعود إلى نزول، فهذا يدل على أنه تعالى في جهة، قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: أن جبريل عليه السلام كان يحفظها من اللوح المحفوظ ثم ينزلها عليه صلى الله عليه وسلم، فلهذا جاز أن يقال أنزلناها توسعاً وثانيها: أن الله تعالى أنزلها من أم الكتاب في السماء الدنيا دفعة واحدة ثم أنزلها بعد ذلك نجوماً على لسان جبريل عليه السلام وثالثها: معنى {أَنزَلْنَـٰهَا } أي أعطيناها الرسول، كما يقول العبد إذا كلم سيده رفعت إليه حاجتي، كذلك يكون من السيد إلى العبد الإنزال قال الله تعالى: { أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ } تفسير : [فاطر: 10]. أما قوله: {وَفَرَضْنَـٰهَا } فالمشهور قراءة التخفيف، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديد. أما قراءة التخفيف فالفرض هو القطع والتقدير قال الله تعالى: { أية : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ } تفسير : [البقرة: 237] أي قدرتم { أية : إِنَّ ٱلَّذِى فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءَانَ } تفسير : [القصص: 85] أي قدر، ثم إن السورة لا يمكن فرضها لأنها قد دخلت في الوجود وتحصيل الحاصل محال، فوجب أن يكون المراد وفرضنا ما بين فيها، وإنما قال ذلك لأن أكثر ما في هذه السورة من باب الأحكام والحدود فلذلك عقبها بهذا الكلام، وأما قراءة التشديد فقال الفراء: التشديد للمبالغة والتكثير، أما المبالغة فمن حيث إنها حدود وأحكام فلا بد من المبالغة في إيجابها ليحصل الانقياد لقبولها، وأما التكثير فلوجهين: أحدهما: أن الله تعالى بين فيها أحكاماً مختلفة والثاني: أنه سبحانه وتعالى أوجبها على كل المكلفين إلى آخر الدهر، أما قوله: {وأنزلنا فيها آيات بينات } ففيه وجوه: أحدها: أنه سبحانه ذكر في أول السورة أنواعاً من الأحكام والحدود وفي آخرها دلائل التوحيد فقوله: {وَفَرَضْنَـٰهَا } إشارة إلى الأحكام التي بينها أولاً ثم قوله: {وأنزلنا فيها آيات بينات } إشارة إلى ما بين من دلائل التوحيد، والذي يؤكد هذا التأويل قوله: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فإن الأحكام والشرائع ما كانت معلومة لهم ليؤمروا بتذكيرها. أما دلائل التوحيد فقد كانت كالمعلومة لهم لظهورها فأمروا بتذكيرها. وثانيها: قال أبو مسلم يجوز أن تكون الآيات البينات ما ذكر فيها من الحدود والشرائع كقوله: { أية : رَبّ ٱجْعَل لِّي ءايَةً قَالَ ءَايَتُكَ أَلاّ تُكَلّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَـٰثَ لَيَالٍ سَوِيّاً } تفسير : [مريم: 10] سأل ربه أن يفرض عليه عملاً وثالثها: قال القاضي إن السورة كما اشتملت على عمل الواجبات فقد اشتملت على كثير من المباحثات بأن بينها الله تعالى، ولما كان بيانه سبحانه لها مفصلاً وصف الآيات بأنها بينات. أما قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فقرىء بتشديد الذال وتخفيفها، ومعنى لعل قد تقدم في سورة البقرة، قال القاضي لعل بمعنى كي، وهذا يدل على أنه سبحانه أراد من جميعهم أن يتذكروا والجواب: أنه سبحانه لو أراد ذلك من الكل لما قوى دواعيهم إلى جانب المعصية، ولو لم توجد تلك التقوية لزم وقوع الفعل لا لمرجح، ولو جاز ذلك لما جاز الاستدلال بالإمكان والحدوث على وجود المرجح ويلزم نفي الصانع، وإذا كان كذلك وجب حمل لعل على سائر الوجوه المذكورة في سورة البقرة واعلم أنه سبحانه ذكر في هذه السورة أحكاماً كثيرة:

القرطبي

تفسير : مقصود هذه السورة ذكرُ أحكام العفاف والسِّتر. وكتب عمر رضي الله عنه إلى أهل الكوفة: علّموا نساءكم سورة النور. وقالت عائشة رضي الله عنها: لا تُنزلوا النساء الغُرَف ولا تعلموهنّ الكتابة وعلموهنّ سورة النور والغزل. {وَفَرَضْنَاهَا} قرىء بتخفيف الراء؛ أي فرضنا عليكم وعلى من بعدكم ما فيها من الأحكام. وبالتشديد: أي أنزلنا فيها فرائض مختلفة. وقرأ أبو عمرو: «وفَرّضناها» بالتشديد أي قطّعناها في الإنزال نُجُماً نُجُماً. والفرض القطع؛ ومنه فُرْضة القوس. وفرائض الميراث وفرض النفقة. وعنه أيضاً «فرّضناها» فصلناها وبيناها.، وقيل: هو على التكثير؛ لكثرة ما فيها من الفرائض. والسورة في اللغة اسم للمنزلة الشريفة؛ ولذلك سُمّيت السورة من القرآن سورة. قال زهير:شعر : لم تر أن الله أعطاك سورة ترى كلّ مَلْكٍ دونها يتذبذب تفسير : وقد مضى في مقدمة الكتاب القول فيها. وقرىء «سورةٌ» بالرفع على أنها مبتدأ وخبرها «أنزلناها»؛ قاله أبو عبيدة والأخفش. وقال الزجاج والفرّاء والمُبَرّد: «سورةٌ» بالرفع لأنها خبر الابتداء؛ لأنها نكرة ولا يبتدأ بالنكرة في كل موضع، أي هذه سورة. ويحتمل أن يكون قوله «سورة» ابتداء وما بعدها صفة لها أخرجتها عن حدّ النكرة المحضة فحسن الابتداء لذلك، ويكون الخبر في قوله «الزَّانِيَةُ والزّانِي». وقرىء «سورةً» بالنصب، على تقدير أنزلنا سورة أنزلناها. وقال الشاعر:شعر : والذئبَ أخشاه إن مررتُ به وَحْدِي وأخشى الرياح والمطرا تفسير : أو تكون منصوبة بإضمار فعل؛ أي اتل سورة. وقال الفرّاء: هي حال من الهاء والألف، والحال من المكنى يجوز أن يتقدم عليه.

البيضاوي

تفسير : مدنية وهي أربع وستون آية {سُورَةٌ} أي هذه سورة أو فيما أوحينا إليك سورة. {أَنزَلْنَـٰهَا} صفتها ومن نصبها جعله مفسراً لناصبها فلا يكون له محل إلا إذا قدر اتل أو دونك نحوه {وَفَرَضْنَـٰهَا} وفرضنا ما فيها من الأحكام، وشدده ابن كثير وأبو عمرو لكثرة فرائضها أو المفروض عليهم، أو للمبالغة في إيجابها. {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ} واضحات الدلالة {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فتتقون المحارم وقرىء بتخفيف الذال.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى: هذه {سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا} فيه تنبيه على الاعتناء بها، ولا ينفي ما عداها {وَفَرَضْنَـٰهَا}. قال مجاهد وقتادة: أي: بينا الحلال والحرام، والأمر والنهي والحدود. وقال البخاري: ومن قرأ: فرضناها، يقول: فرضناها عليكم، وعلى من بعدكم {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ ءَايَـٰتٍ بَيِّنَـٰتٍ} أي: مفسرات واضحات {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، ثم قال تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ} هذه الآية الكريمة فيها حكم الزاني في الحد، وللعلماء فيه تفصيل ونزاع، فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكراً، وهو الذي لم يتزوج، أو محصناً، وهو الذي قد وطىء في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل، فأما إذا كان بكراً لم يتزوج، فإن حده مائة جلدة، كما في الآية، ويزاد على ذلك أن يغرب عاماً عن بلده عند جمهور العلماء؛ خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله، فإن عنده أن التغريب إلى رأي الإمام: إن شاء غرب، وإن شاء لم يغرب، وحجة الجمهور في ذلك ما ثبت في "الصحيحين" من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في الأعرابيين اللذين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله إن ابني هذا كان عسيفاً ــــ يعني: أجيراً ــــ على هذا، فزنى بامرأته، فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مائة، وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس ــــ لرجل من أسلم ــــ إلى امرأة هذا، فإن اعترفت، فارجمها، فغدا عليها، فاعترفت، فرجمها»تفسير : ، وفي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلد مائة، إذا كان بكراً لم يتزوج، فأما إذا كان محصناً، وهو الذي قد وطىء في نكاح صحيح، وهو حر بالغ عاقل، فإنه يرجم. كما قال الإمام مالك: حدثني محمد بن شهاب، أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: أن ابن عباس أخبره: أن عمر رضي الله عنه قام، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد، أيها الناس فإن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، فقرأناها ووعيناها، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل: لا نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله، فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف. أخرجاه في "الصحيحين" من حديث مالك مطولاً، وهذه قطعة منه فيها مقصودنا ههنا. وروى الإمام أحمد عن هشيم عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس: حدثني عبد الرحمن بن عوف: أن عمر بن الخطاب خطب الناس، فسمعته يقول: ألا وإن أناساً يقولون: ما الرجم في كتاب الله، وإنما فيه الجلد، وقد رجم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائل، أو يتكلم متكلم أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه، لأثبتها كما نزلت. وأخرجه النسائي من حديث عبيد الله بن عبد الله به. وقد روى الإمام أحمد أيضاً عن هشيم عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال: خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فذكر الرجم، فقال: لا تُخدعن عنه؛ فإنه حد من حدود الله تعالى، ألا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم، ورجمنا بعده، ولولا أن يقول قائلون: زاد عمر في كتاب الله ما ليس فيه، لكتبت في ناحية من المصحف: وشهد عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وفلان وفلان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم، ورجمنا بعده، ألا وإنه سيكون من بعدكم قومٌ يكذبون بالرجم، وبالدجال، وبالشفاعة، وبعذاب القبر، وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا. وروى أحمد أيضاً عن يحيى القطان عن يحيى الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب: "إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم"، الحديث رواه الترمذي من حديث سعيد عن عمر، وقال: صحيح. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا ابن عون عن محمد، هو ابن سيرين، قال: نبئت عن كثير بن الصلت قال: كنا عند مروان، وفينا زيد، فقال زيد بن ثابت: كنا نقرأ: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة)، قال مروان: ألا كتبتها في المصحف؟ قال: ذكرنا ذلك، وفينا عمر بن الخطاب، فقال: أنا أشفيكم من ذلك، قال: قلنا: فكيف؟ قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: فذكر كذا وكذا، وذكر الرجم، فقال: يا رسول الله اكتب لي آية الرجم، قال: «حديث : لا أستطيع الآن» تفسير : هذا أو نحو ذلك. وقد رواه النسائي من حديث محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن كثير بن الصلت عن زيد بن ثابت به وهذه طرق كلها متعددة ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة، فنسخ تلاوتها، وبقي حكمها معمولاً به، والله أعلم. وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم هذه المرأة، وهي زوجة الرجل الذي استأجر الأجير لما زنت مع الأجير، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزاً والغامدية، وكل هؤلاء لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم جلدهم قبل الرجم، وإنما وردت الأحاديث الصحاح المتعددة الطرق والألفاظ بالاقتصار على رجمهم، وليس فيها ذكر الجلد، ولهذا كان هذا مذهب جمهور العلماء، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله، وذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أنه يجب أن يجمع على الزاني المحصن بين الجلد؛ للآية، والرجم؛ للسنة. كما رُويَ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أنه لما أتي بشراحة، وكانت قد زنت وهي محصنة، فجلدها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، فقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة ومسلم من حديث قتادة عن الحسن عن حطَّان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب، جلد مائة والرجم».تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ} أي: في حكم الله، أي: لا ترحموهما، وترأفوا بهما في شرع الله، وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية على إقامة الحد، وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد، فلا يجوز له ذلك. قال مجاهد: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ} قال: إقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان فتقام ولا تعطل، وكذا روي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح. وقد جاءفي الحديث: «حديث : تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب»تفسير : ، وفي الحديث الآخر: «حديث : لحد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحاً».تفسير : وقيل: المراد {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ}: فلا تقيموا الحد كما ينبغي من شدة الضرب الزاجر عن المأثم، وليس المراد الضرب المبرح. قال عامر الشعبي: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ} قال: رحمة في شدة الضرب. وقال عطاء: ضرب ليس بالمبرح. وقال سعيد بن أبي عروبة عن حماد بن أبي سليمان: يجلد القاذف وعليه ثيابه والزاني تخلع ثيابه، ثم تلا: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ} فقلت: هذا في الحكم؟ قال: هذا في الحكم والجلد، يعني: في إقامة الحد، وفي شدة الضرب. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي، حدثنا وكيع عن نافع عن ابن عمرو عن ابن أبي مليكة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر: أن جارية لابن عمر زنت، فضرب رجليها، قال نافع: أراه قال: وظهرها، قال قلت: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ} قال: يا بني ورأيتني أخذتني بها رأفة؟ إن الله لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجعل جلدها في رأسها، وقد أوجعت حين ضربتها. وقوله تعالى: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلأَخِرِ} أي: فافعلوا ذلك، وأقيموا الحدود على من زنى، وشددوا عليه الضرب، ولكن ليس مبرحاً؛ ليرتدع هو ومن يصنع مثله بذلك، وقد جاء في المسند عن بعض الصحابة أنه قال: يا رسول الله إني لأذبح الشاة، وأنا أرحمها، فقال: «حديث : ولك في ذلك أجر».تفسير : وقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جلدا بحضرة الناس، فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما، فإن في ذلك تقريعاً وتوبيخاً وفضيحة إذا كان الناس حضوراً. قال الحسن البصري في قوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يعني: علانية، ثم قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} الطائفة: الرجل فما فوقه. وقال مجاهد: الطائفة: رجل إلى ألف، وكذا قال عكرمة، ولهذا قال أحمد: إن الطائفة تصدق على واحد، وقال عطاء بن أبي رباح: اثنان، وبه قال إسحاق بن راهويه، وكذا قال سعيد بن جبير: {طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال: يعني: رجلين فصاعداً، وقال الزهري: ثلاثة نفر فصاعداً. وقال عبد الرزاق: حدثني ابن وهب عن الإمام مالك في قوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال: الطائفة: أربعة نفر فصاعداً؛ لأنه لا يكفي شهادة في الزنا دون أربعة شهداء فصاعداً، وبه قال الشافعي. وقال ربيعة: خمسة. وقال الحسن البصري: عشرة. وقال قتادة: أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين، أي: نفر من المسلمين؛ ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عثمان، حدثنا بقية قال: سمعت نصر بن علقمة يقول في قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} قال: ليس ذلك للفضيحة، إنما ذلك ليدعى الله تعالى لهما بالتوبة والرحمة.

المحلي و السيوطي

تفسير : هذه {سُورَةٌ أَنزَلْنَٰهَا وَفَرَضْنَٰهَا } مخففة ومشددة لكثرة المفروض فيها { وَأَنزَلْنَا فِيهَا ءَايَـٰتِ بَيِّنَٰتٍ} واضحات الدلالات {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } بإدغام التاء الثانية في الذال تتعظون.

الشوكاني

تفسير : السورة في اللغة اسم للمنزلة الشريفة، ولذلك سميت السورة من القرآن سورة، ومنه قول النابغة:شعر : ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب تفسير : أي منزلة. قرأ الجمهور (سورة) بالرفع وفيه وجهان: أحدهما: أن تكون خبراً لمبتدأ محذوف أي هذه سورة، ورجحه الزجاج، والفراء، والمبرد، قالوا: لأنها نكرة، ولا يبتدأ بالنكرة في كل موضع. والوجه الثاني أن يكون مبتدأ وجاز الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة بقوله {أَنزَلْنَـٰهَا } والخبر {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي} ويكون المعنى: السورة المنزلة المفروضة كذا وكذا، إذ السورة عبارة عن آيات مسرودة لها مبدأ ومختم، وهذا معنى صحيح، ولا وجه لما قاله الأولون من تعليل المنع من الابتداء بها كونها نكرة فهي نكرة مخصصة بالصفة، وهو مجمع على جواز الابتداء بها. وقيل: هي مبتدأ محذوف الخبر على تقدير: فيما أوحينا إليك سورة، وردّ بأن مقتضى المقام ببيان شأن هذه السورة الكريمة، لابيان أن في جملة ما أوحي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم سورة شأنها كذا وكذا. وقرأ الحسن بن عبد العزيز، وعيسى الثقفي، وعيسىٰ الكوفي، ومجاهد، وأبو حيوة، وطلحة بن مصرف بالنصب، وفيه أوجه: الأوّل أنها منصوبة بفعل مقدّر غير مفسر بما بعده، تقديره اتل سورة، أو اقرأ سورة. والثاني أنها منصوبة بفعل مضمر يفسره ما بعده على ما قيل في باب اشتغال الفعل عن الفاعل بضميره أي أنزلنا سورة أنزلناها، فلا محل لـ {أنزلناها} هاهنا؛ لأنها جملة مفسرة، بخلاف الوجه الذي قبله، فإنها في محل نصب على أنها صفة لسورة. الوجه الثالث: أنها منصوبة على الإغراء أي: دونك سورة، قاله صاحب الكشّاف. ورده أبو حيان بأنه لا يجوز حذف أداة الإغراء. الرابع: أنها منصوبة على الحال من ضمير {أنزلناها}، قال الفراء: هي حال من الهاء، والألف، والحال من المكنى يجوز أن تتقدّم عليه، وعلى هذا فالضمير في {أنزلناها} ليس عائداً على {سورة}، بل على الأحكام، كأنه قيل: أنزلنا الأحكام حال كونها سورة من سور القرآن. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو "وفرّضناها" بالتشديد، وقرأ الباقون بالتخفيف. قال أبو عمرو: فرّضناها بالتشديد أي: قطعناها في الإنزال نجماً نجماً، والفرض القطع، ويجوز أن يكون التشديد للتكثير، أو للمبالغة، ومعنى التخفيف: أوجبناها، وجعلناها مقطوعاً بها، وقيل: ألزمناكم العمل بها، وقيل: قدّرنا ما فيها من الحدود، والفرض: التقدير، ومنه {أية : إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْءانَ } تفسير : [القصص: 85]. {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَات} أي: أنزلنا في غضونها وتضاعيفها، ومعنى كونها بينات: أنها واضحة الدلالة على مدلولها، وتكرير {أنزلنا} لكمال العناية بإنزال هذه السورة، لما اشتملت عليه من الأحكام. {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي}: هذا شروع في تفصيل ما أجمل من الآيات البينات، والارتفاع على الابتداء، والخبر: {فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا }، أو على الخبرية لسورة كما تقدّم، والزنا هو: وطء الرجل للمرأة في فرجها من غير نكاح، ولا شبهة نكاح. وقيل: هو إيلاج فرج في فرج مشتهىً طبعاً محرّم شرعاً، والزانية هي: المرأة المطاوعة للزنا الممكنة منه كما تنبىء عنه الصيغة لا المكرهة، وكذلك الزاني، ودخول الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط على مذهب الأخفش، وأما على مذهب سيبويه فالخبر محذوف، والتقدير: فيما يتلى عليكم حكم الزانية، ثم بين ذلك بقوله {فَٱجْلِدُواْ } والجلد الضرب، يقال: جلده إذا ضرب جلده، مثل بطنه إذا ضرب بطنه، ورأسه إذا ضرب رأسه، وقوله {مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } هو حدّ الزاني الحر البالغ البكر، وكذلك الزانية، وثبت بالسنة زيادة على هذا الجلد، وهي: تغريب عام، وأما المملوك، والمملوكة، فجلد كلّ واحد منهما خمسون جلدة لقوله سبحانه: {أية : فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ } تفسير : [النساء: 25] وهذا نص في الإماء، وألحق بهنّ العبيد لعدم الفارق، وأما من كان محصناً من الأحرار، فعليه الرجم بالسنة الصحيحة المتواترة، وبإجماع أهل العلم، بل وبالقرآن المنسوخ لفظه الباقي حكمه وهو "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة". وزاد جماعة من أهل العلم مع الرجم جلد مائة، وقد أوضحنا ما هو الحق في ذلك في شرحنا للمنتقى، وقد مضى الكلام في حدّ الزنا مستوفى، وهذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء. وقرأ عيسى بن عمر الثقفي، ويحيـى بن يعمر، وأبو جعفر، وأبو شيبة "الزانية والزاني" بالنصب. وقيل: وهو القياس عند سيبويه؛ لأنه عنده كقولك: زيداً اضرب. وأما الفرّاء، والمبرّد، والزجاج، فالرفع عندهم أوجه وبه قرأ الجمهور. ووجه تقديم الزانية على الزاني هاهنا أن الزنا في ذلك الزمان كان في النساء أكثر حتى كان لهنّ رايات تنصب على أبوابهنّ ليعرفهنّ من أراد الفاحشة منهنّ. وقيل: وجه التقديم أن المرأة هي الأصل في الفعل، وقيل: لأن الشهوة فيها أكثر، وعليها أغلب، وقيل: لأن العار فيهنّ أكثر إذ موضوعهنّ الحجبة، والصيانة، فقدّم ذكر الزانية تغليظاً، واهتماماً. والخطاب في هذه الآية للأئمة ومن قام مقامهم، وقيل: للمسلمين أجمعين، لأن إقامة الحدود واجبة عليهم جميعاً، والإمام ينوب عنهم، إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود. {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ } يقال: رأف رأفة على وزن فعلة، ورآفة على وزن فعالة، مثل النشأة، والنشاءة وكلاهما بمعنى: الرقة، والرحمة، وقيل: هي أرق الرحمة. وقرأ الجمهور {رأفة} بسكون الهمزة، وقرأ ابن كثير بفتحها، وقرأ ابن جريج "رآفة" بالمد كفعالة، ومعنى: {في دين الله}: في طاعته، وحكمه، كما في قوله: {أية : مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ } تفسير : [يوسف: 76]، ثم قال: مثبتاً للمأمورين ومهيجاً لهم: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } كما تقول للرجل تحضه على أمر: إن كنت رجلاً فافعل كذا أي: إن كنتم تصدّقون بالتوحيد، والبعث الذي فيه جزاء الأعمال فلا تعطلوا الحدود {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي: ليحضره زيادة في التنكيل بهما، وشيوع العار عليهما، وإشهار فضيحتهما، والطائفة الفرقة التي تكون حافة حول الشيء، من الطوف، وأقلّ الطائفة ثلاثة، وقيل: اثنان، وقيل: واحد، وقيل: أربعة، وقيل: عشرة. ثم ذكر سبحانه شيئاً يختص بالزاني، والزانية، فقال {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً }. قد اختلف أهل العلم في معنى هذه الآية على أقوال: الأوّل: أن المقصود منها تشنيع الزنا، وتشنيع أهله، وأنه محرّم على المؤمنين، ويكون معنى الزاني لا ينكح: الوطء لا العقد أي: الزاني لا يزني إلاّ بزانية، والزانية لا تزني إلاّ بزانٍ، وزاد ذكر المشركة والمشرك لكون الشرك أعمّ في المعاصي من الزنا. وردّ هذا الزجاج وقال: لا يعرف النكاح في كتاب الله إلاّ بمعنى التزويج، ويردّ هذا الردّ بأن النكاح بمعنى الوطء ثابت في كتاب الله سبحانه، ومنه قوله: {أية : حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } تفسير : [البقرة: 230] فقد بينه النبيّ صلى الله عليه وسلم، بأن المراد به: الوطء، ومن جملة القائلين بأن معنى الزاني لا ينكح إلاّ زانية: الزاني لا يزني إلا بزانية سعيد بن جبير، وابن عباس، وعكرمة، كما حكاه ابن جرير عنهم، وحكاه الخطابي عن ابن عباس. القول الثاني: أن الآية هذه نزلت في امرأة خاصة كما سيأتي بيانه فتكون خاصة بها كما قاله الخطابي. القول الثالث: أنها نزلت في رجل من المسلمين، فتكون خاصة به قاله مجاهد. الرابع: أنها نزلت في أهل الصفة، فتكون خاصة بهم قاله أبو صالح. الخامس: أن المراد بالزاني والزانية: المحدودان حكاه الزجاج، وغيره عن الحسن قال: وهذا حكم من الله، فلا يجوز لزان محدود أن يتزوّج إلاّ محدودة. وروي نحوه عن إبراهيم النخعي، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. قال ابن العربي: وهذا معنى لا يصح نظراً كما لم يثبت نقلاً. السادس: أن الآية هذه منسوخة بقوله سبحانه:{وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مّنكُمْ} قال النحاس: وهذا القول عليه أكثر العلماء. القول السابع: أن هذا الحكم مؤسس على الغالب، والمعنى: أن غالب الزناة لا يرغب إلاّ في الزواج بزانية مثله، وغالب الزواني لا يرغبن إلاّ في الزواج بزانٍ مثلهن، والمقصود زجر المؤمنين عن نكاح الزواني بعد زجرهم عن الزنا، وهذا أرجح الأقوال، وسبب النزول يشهد له كما سيأتي. وقد اختلف في جواز تزوّج الرجل بامرأة قد زنى هو بها، فقال الشافعي، وأبو حنيفة: بجواز ذلك. وروي عن ابن عباس، وروي عن عمر، وابن مسعود، وجابر: أنه لا يجوز. قال ابن مسعود: إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبداً، وبه قال مالك، ومعنى {وَحُرّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي: نكاح الزواني، لما فيه من التشبه بالفسقة، والتعرّض للتهمة، والطعن في النسب. وقيل: هو مكروه فقط، وعبر بالتحريم عن كراهة التنزيه مبالغة في الزجر. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله {سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا وَفَرَضْنَـٰهَا } قال: بيناها. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عمر: أن جارية لابن عمر زنت فضرب رجليها وظهرها، فقلت: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِى دِينِ ٱللَّهِ } قال: يا بنيّ ورأيتني أخذتني بها رأفة؟ إن الله لم يأمرني أن أقتلها، ولا أن أجلد رأسها، وقد أوجعت حيث ضربت. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. عن ابن عباس {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قال: الطائفة الرجل فما فوقه. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في سننه، والضياء المقدسي في المختارة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ } قال: ليس هذا بالنكاح، ولكن الجماع، لا يزني بها حين يزني إلاّ زانٍ، أو مشرك {وَحُرّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } يعني: الزنا. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عن مجاهد في قوله {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً } قال: كنّ نساء في الجاهلية بغيات، فكانت منهنّ امرأة جميلة تدعى أمّ جميل، فكان الرجل من المسلمين يتزّوج إحداهنّ لتنفق عليه من كسبها، فنهى الله سبحانه أن يتزوّجهنّ أحد من المسلمين، وهو مرسل. وأخرج عبد بن حميد، عن سليمان بن يسار نحوه مختصراً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن عطاء، عن ابن عباس قال: كانت بغايا آل فلان، وبغايا آل فلان، فقال الله {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً } الآية، فأحكم الله ذلك في أمر الجاهلية، وروى نحو هذا عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عن الضحاك في الآية قال: إنما عنى بذلك الزنا، ولم يعن به التزويج. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن سعيد بن جبير نحوه. وأخرج ابن أبي شيبة، عن عكرمة نحوه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي، عن ابن عباس في هذه الآية قال: الزاني من أهل القبلة لا يزني إلاّ بزانية مثله من أهل القبلة، أو مشركة من غير أهل القبلة، والزانية من أهل القبلة لا تزني إلاّ بزانٍ مثلها من أهل القبلة، أو مشرك من غير أهل القبلة، وحرّم الزنا على المؤمنين. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وأبو داود في ناسخه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن عبد الله بن عمرو قال: كانت امرأة يقال لها: أمّ مهزول، وكانت تسافح، وتشترط أن تنفق عليه، فأراد رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوّجها، فأنزل الله {ٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ }. وأخرج عبد بن حميد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه قال: كان رجل يقال له: مرثد، يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت امرأة بغيّ بمكة يقال لها: عناق، وكانت صديقة له، وذكر قصة وفيها: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقاً؟، فلم يرد عليّ شيئاً حتى نزلت {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً } الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يا مرثد {ٱلزَّانِى لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ } فلا تنكحها» تفسير : .وأخرج ابن جرير، عن عبد الله بن عمرو في الآية قال: كنّ نساء معلومات، فكان الرجل من فقراء المسلمين يتزوّج المرأة منهنّ لتنفق عليه، فنهاهم الله عن ذلك. وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس: أنها نزلت في بغايا معلنات كنّ في الجاهلية وكنّ زواني مشركات، فحرّم الله نكاحهنّ على المؤمنين. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق شعبة مولى ابن عباس قال: كنت مع ابن عباس، فأتاه رجل، فقال: إني كنت أتبع امرأة، فأصبت منها ما حرّم الله عليّ، وقد رزقني الله منها توبة، فأردت أن أتزوّجها، فقال الناس: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً }، فقال ابن عباس: ليس هذا موضع هذه الآية، إنما كنّ نساء بغايا متعالنات يجعلن على أبوابهنّ رايات يأتيهنّ الناس يعرفن بذلك، فأنزل الله هذه الآية، تزوّجها فما كان فيها من إثم فعلىّ. وأخرج أبو داود، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن عديّ، وابن مردويه، والحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لا ينكح الزاني المجلود إلاّ مثله»تفسير : . وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر عن عليّ بن أبي طالب: أن رجلاً تزوّج امرأة، ثم إنه زنى فأقيم عليه الحدّ، فجاءوا به إلى عليّ ففرق بينه وبين امرأته، وقال: لا تتزوّج إلاّ مجلودة مثلك.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} أي هذه سورة أنزلناها ويحتمل أن يكون قد خصها بهذا الافتتاح لأمرين: أحدهما: أن المقصود الزجر والوعيد فافتتحت بالرهبة كسورة التوبة. الثاني: أن فيها تشريفاً للنبي صلى الله عليه وسلم بطهارة نسائه فافتتحت بذكر والسورة اسم للمنزلة الشريفة ولذلك سميت السورة من القرآن سورة قال الشاعر: شعر : ألم تَرَ أنَّ اللَّهَ أعْطَاكَ سُورةً تــرى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ تفسير : {وَفَرَضْنَاهَا} فيه قراءتان بالتخفيف وبالتشديد. فمن قرأ بالتخفيف ففي تأويله وجهان: أحدهما: فرضنا فيها إباحة الحلال وحظر الحرام، قاله مجاهد. الثاني: قدرنا فيها الحدود من قوله تعالى: {أية : فنصف ما فرضتم} تفسير : [البقرة: 237] أي قدرتم، قاله عكرمة. ومن قرأ بالتشديد ففي تأويله وجهان: أحدهما: معناه تكثير ما فرض فيها من الحلال والحرام، قاله ابن عيسى. الثاني: معناه بيناها، قاله ابن عباس. {وَأَنزَلْنَا فِيهآ ءَايَاتٍ بَيِّناتٍ} فيه وجهان: أحدهما: أنها الحجج الدالة على توحيده ووجوب طاعته. الثاني: أنها الحدود والأحكام التي شرعها. قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ} وإنما قدم ذكر الزانية على الزاني لأمرين: أحدهما: أن الزنى منها أعَرُّ، وهو لأجل الحَبَل أضر. الثاني: أن الشهوة فيها أكثر وعليها أغلب، وقدر الحد فيه بمائة جلدة من الحرية والبكارة، وهو أكثر حدود الجلد، لأن فعل الزنى أغلظ من القذف بالزنى، وزادت السنة على الجلد بتغريب عام بعده، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خُذُواْ عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً، البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مَائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ" تفسير : ومنع العراقيون من التغريب اقتصاراً على الجلد وحده، وفيه دفع السنة والأثر. والجلد مأخوذ من وصول الضرب إلى الجلد. فأما المحصنان فحدهما الرجم بالسنة إما بياناً لقوله تعالى في سورة النساء: {أية : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 15] على قول فريق: وإما ابتداء فرض على قول آخرين. وروى زر بن حبيش عن أُبَيٍّ أن في مصحفه من سورة الأحزاب ذكر الرجم: "إِذَا زَنَى الشَّيخُ وَالشَّيخَةُ فَارْجُمَوهُمَا البَتَّةَ نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ". {وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} أي في طاعة الله، وقد يعبر بالدين عن الطاعة. {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} أي إن كنتم تقيمون طاعة الله قيام من يؤمن بالله واليوم الآخر، والرأفة الرحمة ولم ينه عنها لأن الله هو الذي يوقعها في القلوب وإنما نهى عما تدعو الرحمة إليه، وفيه قولان: أحدهما: أن تدعوه الرحمة إلى إسقاط الحد حتى لا يقام، قاله عكرمة. الثاني: أن تدعوه الرحمة إلى تخفيف الضرب حتى لا يؤلم،قاله قتادة. واستنبط هذا المعنى الجنيد فقال: الشفقة على المخالفين كالإِعراض عن المواقعين {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا} يعني بالعذاب الحد يشهده عند الإِقامة طائفة من المؤمنين، ليكونوا زيادة في نكاله وبينة على إقامة حده واختلف في عددهم على أربعة أقاويل: أحدها: أربعة فصاعداً، قاله مالك والشافعي. الثاني: ثلاثة فصاعداً، قاله الزهري. الثالث: اثنان فصاعداً، قال عكرمة. الرابع: واحد فصاعداً، قاله الحسن، وإبراهيم. ولما شرط الله إيمان من يشهد عذابهما، قال بعض أصحاب الخواطر: لا يشهد مواضع التأديب إلا من لا يستحق التأديب.

ابن عطية

تفسير : قوله {سورة} قرأ الجمهور، "سورةٌ" بالرفع، وقرأ عيسى بن عمر ومجاهد "سورةً" بالنصب، وروي ذلك أيضاً عن عمر بن عبد العزيز وعن أبي الدرداء، فوجه الرفع خبر ابتداء مضمر تقديره هذه سورة، أو ابتداء وخبره مقدم تقديره فيما يتلى عليكم، ويحتمل أن يكون قوله "سورة" ابتداء وما بعدها صفة لها أخرجتها عن حد النكرة المحضة، فحسن الابتداء لذلك ويكون الخبر في قوله: {الزانية} وفيما بعد ذلك، والمعنى السورة المنزلة المفروضة كذا وكذا، إذ السورة عبارة عن آيات مسرودة لها بدء وختم ولكن يلحق هذا القول: إن كون الابتداء هو الخبر ليس بالبين إلا أن نقدر الخبر في السورة بأسرها وهذا بعيد في القياس، وقول الشاعر "فارس ما تركوه"، ووجه النصب إضمار فعل قدره بعضهم اتلوا سورة أو نحوه، وجعله بعضهم أنزلنا {سورة أنزلناها}، وقال الفراء: هي حال من الهاء والألف والحال من المكنى يجوز أن يتقدم عليه، وقرأ جمهور الناس: "وفرضناها" بتخفيف الراء، ومعناه الإثبات والإيجاب بأبلغ وجوهه إذ هو مشبه بالفرض في الأجرام، وقرأ مجاهد وغيره وأبو عمرو وابن كثير وعمر بن عبد العزيز وابن مسعود: "وفرّضناها" بشد الراء ومعناه جعلناها فرائض فرائض، فمن حيث تردد ذلك ضعّف الفعل للمبالغة والتكثير، وقرأ الأعمش "وفرضناها لكم"، وحكى الزهراوي عن بعض العلماء أنه قال كل ما في السورة من أمر ونهي فرض لا حض بهذه اللفظة، و"الآيات البينات" أمثالها ومواعظها وأحكامها، وقال الزهراوي المعنى ليس فيها مشكل تأويلها موافق لظاهرها. قال القاضي أبو محمد: وهذا تحكم، وقوله {لعلكم} أي على توقع البشر ورجائهم، وقرأ جمهور الناس "الزانيةُ" بالرفع، وقرأ عيسى الثقفي "الزانيةَ" بالنصب وهو أوجه عند سيبويه لأنه عنده كقولك زيداً أضرب، ووجه الرفع عنده خبر ابتداء تقديره فيما يتلى عليكم {الزانية والزاني}، وأجمع الناس على الرفع، وإن كان القياس عند سيبويه النصب، وأما الفراء والمبرد والزجاج فإن الرفع عندهم هو الأوجه والخبر في قوله {فاجلدوا} لأن المعنى {الزانية والزاني} مجلودان بحكم الله تعالى وهذا قول جيد وهو قول أكثر النحاة، وان شئت قدرت الخبر ينبغي أن يجلدا، وقرأ ابن مسعود "والزان" بغير ياء، وقدمت {الزانية} في اللفظ من حيث كان في ذلك الزمن زنى النساء أفشى وكان لأمراء العرب وبغايا الوقت رايات وكن مجاهرات بذلك وإذا العار بالنساء ألحق إذ موضعهن الحجبة والصيانة، فقدم ذكرهن تغليظاً واهتماماً، والألف واللام في قوله: {الزانية والزاني} للجنس وذلك يعطي أنها عامة في جميع الزناة وهذه الآية باتفاق ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء، وجماعة العلماء على عموم هذه الآية وأن حكم المحصنين منسوخ منها، واختلفوا في الناسخ فقالت فرقة الناسخ السنة المتواترة في الرجم، وقالت فرقة بل القرآن الذي ارتفع لفظه وبقي حكمه وهو الذي قرأه عمر في المنبر بمحضر الصحابة: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة"، وقال إنا قرأناه في كتاب الله، واتفق الجميع على أن لفظه رفع وبقي حكمه، وقال الحسن بن أبي الحسن وابن راهويه ليس في هذه الآية نسخ بل سنة الرجم جاءت بزيادة، فالمحصن، على رأي هذه الفرقة يجلد ثم يرجم، وهو قول علي بن أبي طالب وفعله بشراحة ودليلهم قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : والثيب بالثيب جلد مائة والرجم"تفسير : ، ويرد عليهم فعل النبي صلى الله عليه وسلم حيث يرجم ولم يجلد، وبه قال جمهور الأمة إذ فعله كقوله رفع الجلد عن المحصن وقال ابن سلام وغيره هذه الآية خاصة في البكرين. قال الفقيه الإمام القاضي: لإنه لم يبق من هذا حكمه إلا البكران واستدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"تفسير : ، وبقوله "حديث : على ابنك جلد مائة"تفسير : ، واستدلوا على أنها غير عامة بخروج الإماء والعبيد وغيرهم منها، وقد تقدم بسط كثير من هذه المعاني في سورة النساء، و"الجلد" يكون والمجلود قاعد، عند مالك ولا يجزىء عنده إلا في الظهر، وأصحاب الرأي والشافعي يرون أن يجلد الرجل وهو واقف وهو قول علي بن أبي طالب ويفرق الضرب على كل الأعضاء، وأشار ابن عمر بالضرب إلى رجلي أمة جلدها في الزنى والإجماع في تسليم الوجه والعورة والمقاتل، ويترجح قول مالك رحمه الله بقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : البينة أو حد في ظهرك"تفسير : ، وقول عمر: أو لأوجعن مثناك، ويعرى الرجل عند مالك والنخعي وأبي عبيدة بن الجراح وابن مسعود وعمر بن عبدالعزيز والحسن والشعبي وغيرهم يرون أن يضرب على قميص وهو قول عثمان ابن مسعود أيضاً، وأما المرأة فتستر قولاً واحداً، وقرأ الجمهور "رأْفة" همزة ساكنة على وزن فعلة، وقرأ ابن كثير "رأَفة" على وزن فعَله بفتح العين، وقرأ عاصم أيضاً "رآفة" على وزن فعالة كسآمة وكآبة، وهذه مصادر أشهرها الأولى من رأف إذا أرق ورحم، وقرأ الجمهور "تأخذكم" بالتاء من فوق، وقرأ أبو عبد الرحمن "يأخذكم" بالياء من تحت واختلف الناس في الرأفة المنهي عنها فيم هي فقال أبو مجلز ولاحق بن حميد ومجاهد وعكرمة وعطاء هي في إسقاط الحد أي أقيموه، ولا بد وهذا تأويل ابن عمر وابن جبير وغيرهما ومن رأيهم أن الضرب في الزنا والفرية والخمر على نحو واحد، وقال قتادة وابن المسيب وغيرهما "الرأفة" المنهي عنها هي في تخفيف الضرب عن الزناة، ومن رأيهم أن يخفف ضرب الخمر والفرية، ويشتد ضرب الزنا، وقال سليمان بي يسار نهي عن الرأفة في الوجهين، وقال أبو مجلز إنا لنرجم المحدود ولكن لا نسقط الحد. قال الفقيه الإمام القاضي: وقول النبي عليه السلام في السوط دون هذا، ضرب من الرأفة وقال عمر اضرب ولا تبدين إبطك، واتفق الناس على أن الضرب سوط بين سوطين، وقال الزهري ضرب الزنا والفرية مشدد لأَنهما بمعنى واحد وضرب الخمر مخفف، وقوله {في دين الله} بمعنى في الإخلال بدين الله أَي بشرعه، ويحتمل أن يكون "الدين" هنا بمعنى الحكم، ثم قررهم على معنى التثبيت والحض بقوله: {إن كنتم تؤمنون بالله} وهذا كما تقول لرجل تحضه إن كنت رجلاً فافعل كذا أي هذه أفعال الرجال وقوله {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}، المقصد بالآية الإغلاظ على الزناة والتوبيخ بحضرة الناس، فلا خلاف أن "الطائفة" كلما كثرت فهو أليق بامتثال الأمر، واختلف الناس في أَقل ما يجزىء فقال الحسن بن أبي الحسن لا بد من حضور عشرة رأى أن هذا العدد عقد خارج عن الآحاد وهي أقل الكثرة. وقال ابن زيد وغيره لا بد من حضور أربعة، ورأوا أن شهادة الزنا كذلك وأن هذا باب منه، وقال الزهري "الطائفة" ثلاثة فصاعداً، وقال عطاء وعكرمة لا بد من اثنين وهذا مشهور قول مالك فرآها موضع شهادة، وقال مجاهد: يجزىء الواحد ويسمى طائفة إلى الألف، وقاله ابن عباس ونزعا بقوله تعالى: {أية : فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} تفسير : [التوبة: 122]، وقوله: {أية : وإن طائفتان} تفسير : [الحجرات: 9] ونزلت في تقاتل رجلين، واختلف العلماء في التغريب، وقد غرب الصديق إلى فدك وهو رأي عمر وعثمان وعلي وأبي ذر وابن مسعود وأَبي بن كعب ولكن عمر بعد نفى رجلاً فلحق بالروم فقال لا أنفي أحداً بعدها، وفيه عن مالك قولان، ولا يرى تغريب النساء والعبيد واحتج بقوله عليه السلام "حديث : لا تسافر المرأة مسيرة يوم إلا مع ذي محرم"تفسير : ، وممن أبى التغريب جملة أصحاب الرأي، وقال الشافعي ينفى البكر رجلاً كان أو امرأة ونفى علي امرأة إلى البصرة.

ابن عبد السلام

تفسير : هذه {سُورَةٌ} {وَفَرَضْنَاهاَ} مخففاً قَدَّرنا فيها الحدود، أو فرضنا فيها إباحة الحلال وحظر الحرام، وبالتشديد بَيَّناها "ع" أو كثَّرنا ما فرض من الحلال والحرام {ءَايَاتٍ بَيْنَاتٍ} حججاً دالة على التوحيد ووجوب الطاعة، أو الحدود والأحكام.

النسفي

تفسير : مدنية وهي ستون وأربع آيات بسم الله الرحمن الرحيم {سُورَةٌ} خبر مبتدأ محذوف أي هذه سورة {أَنزَلْنَـٰهَا } صفة لها. وقرأ طلحة {سورةً} على «زيدا ضربته» أو على «اتل سورة». والسورة الجامعة لجمل آيات بفاتحة لها وخاتمة واشتقاقها من سور المدينة {وَفَرَضْنَـٰهَا } أي فرضنا أحكامها التي فيها. وأصل الفرض القطع أي جعلناها مقطوعاً بها. وبالتشديد: مكي وأبو عمرو للمبالغة في الإيجاب وتوكيده، أو لأن فيها فرائض شتى، أو لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن بعدهم {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِْنَاتٍ} أي دلائل واضحات {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } لكي تتعظوا. وبتخفيف الذال: حمزة وعلي وخلف وحفص. ثم فصل أحكامها فقال {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى } رفعهما على الابتداء والخبر محذوف أي فيما فرض عليكم الزانية والزاني أي جلدهما، أو الخبر {فاجلدوا} ودخلت الفاء لكون الألف واللام بمعنى الذي وتضمينه معنى الشرط وتقديره: التي زنت والذي زنى فاجلدوهما كما تقول من زنى فاجلدوه. وكقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَٱجْلِدُوهُمْ } تفسير : [النور: 4]. وقرأ عيسى بن عمر بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر وهو أحسن من {سورة أنزلناها} لأجل الأمر. {فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } الجلد ضرب الجلد وفيه إشارة إلى أنه لا يبالغ ليصل الألم إلى اللحم. والخطاب للأئمة لأن إقامة الحد من الدين وهي على الكل إلا أنهم لا يمكنهم الاجتماع فينوب الإمام منابهم، وهذا حكم حر ليس بمحصن إذ حكم المحصن الرجم وشرائط إحصان الرجم: الحرية والعقل والبلوغ والإسلام والتزوج بنكاح صحيح والدخول. وهذا دليل على أن التغريب غير مشروع لأن الفاء إنما يدخل على الجزاء وهو اسم للكافي، والتغريب المروي منسوخ بالآية كما نسخ الحبس والأذى في قوله {أية : فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ }تفسير : وقوله {أية : فَـئَاذُوهُمَا }تفسير : [النساء: 15] بهذه الآية {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ } أي رحمة والفتح لغة وهي قراءة مكي. وقيل: الرأفة في دفع المكروه والرحمة في إيصال المحبوب. والمعنى أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ولا يأخذهم اللين في استيفاء حدوده فيعطلوا الحدود أو يخففوا الضرب {فِى دِينِ ٱللَّهِ } أي في طاعة الله أو حكمه {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ } من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه، وجواب الشرط مضمر أي فاجلدوا ولا تعطلوا الحد {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا } وليحضر موضع حدهما وتسميته عذاباً دليل على أنه عقوبة {طَائِفَةٌ } فرقة يمكن أن تكون حلقة ليعتبروا وينزجر هو وأقلها ثلاثة أو أربعة وهي صفة غالبة كأنها الجماعة الحافة حول شيء. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أربعة إلى أربعين رجلاً {مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } من المصدقين بالله.

الخازن

تفسير : قوله عزّ وجلّ {سورة أنزلناها وفرضناها} أي أوجبنا ما فيها من الأحكام وألزمناكم العمل بها وقيل معناه قدرنا ما فيها من الحدود وقيل أوجبناها عليكم وعلى من بعدكم، إلى قيام الساعة {وأنزلنا فيها آيات بينات} أي واضحات {لعلكم تذكرون} يعني تتعظون.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {فرضناها} بالتشديد: ابن كثير وأبو عمرو {ورأفة} بفتح الهمزة: ابن كثير عن ابن فليح ورفعه الباقون بالإسكان وكلاهما مصدر. وكذلك روى الخزاعي عن أصحابه، وروى ابن شنبوذ عن البزي ههنا وفي الحديد متحركة الهمزة، وعن قنبل ههنا بالفتح وفي الحديد بالسكون. وقرأ أبو عمر وغير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف بغير همز {أربع شهادات} بالرفع: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد. الآخرون بالنصب على إعمال المصدر فيما في حكم المصدر والتقدير فواجب شهادة أحدهم شهادات أربعاً {أن} مخففة {لعنة الله} بالرفع: نافع وسهل ويعقوب والمفضل. الباقون بالتشديد والنصب {والخامسة} الثانية بالنصب: حفص على معنى وتشهد الشهادة الخامسة. {أن} مخففاً {غضب} فعلاً ماضياً {الله} بالرفع: نافع والمفضل {أن} بالتخفيف {غضب الله} بالرفع: سهل ويعقوب. الباقون {أن غضب الله} بالتشديد والنصب. الوقوف: {تذكرون} ه {جلدة} ص {الآخر} ه للعدول واعتراض الشرط مع اتفاق الجملتين {المؤمنين} ه {مشركة} ه للتفصيل بين الحالتين مع اتفاق الجملتين {مشرك} ج لاختلاف الجملتين {المؤمنين} ه {أبداً} ه {الفاسقون} ه {وأصلحوا} ج للفاء وإن {رحيم} ه {بالله} ط في الموضعين لأن ما بعده جواب لما في حكم القسم {الصادقين} ه {الكاذبين} ه {الصادقين} ه {حكيم} ه. التفسير: لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في خاتمة السورة المتقدمة بطلب المغفرة والرحمة وطلبه يستلزم مطلوبة لا محالة بدليل سل تعط، أردفه بذكر ما هو اصل كل رحمة ومنشأ كل خير فقال {سورة} أي هذه سورة {أنزلناها وفرضناها} أو فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها. وقرئ بالنصب على "دونك سورة" أو "اتل سورة" أو على شريطة التفسير. وعلى هذا لا يكون لقوله {أنزلناها} محل من الإعراب لأنها ليست بصفة وإنما هي مفسرة للمضمر فكانت في حكمه. ومعنى إنزال الوحي قد سلف في أول البقرة. والفرض القطع والتقدير: ولا بد من تقدير مضاف لأن السورة قد دخلت في الوجود فلا معنى لفرضها فالمراد: فرضنا أحكامها التي فيها. ومن شدد فللمبالغة أو للتكثير ففي أحكام هذه السورة كثرة. ويجوز أن يرجع معنى الكثرة إلى المفروض عليهم فإنهم كل المكلفين من السلف والخلف. وأما الآيات البينات فإنها دلائل التوحيد التي يذكرها الله تعالى بعد الأحكام والحدود ويؤيده قوله {لعلكم تذكرون} فإن الأحكام والشرائع ما كانت معلومة لهم ليؤمروا بتذكرها بخلاف دلائل التوحيد فإنها كالمعلومة لظهورها فيكفي فيها التذكر. وقال أبو مسلم: هي الحدود والأحكام أيضاً ولا بعد في تسميتها آيات كقول زكريا {أية : رب اجعل لي آية}تفسير : [مريم: 10] سأل ربه أن يفرض عليه عملاً. وقال القاضي: أراد بها الأشياء المباحة المذكورة في السورة بينها الله تعالى لأجل التذكر. فمن جملة الأحكام حكم الزنا. قال الخليل وسيبويه: رفعهما على الابتداء والخبر محذوف ولا بد من تقدير مضاف اي فيما فرض عليكم جلد الزانية والزاني، أو فيما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني وقال آخرون: الخبر {فاجلدوا} والفاء لتضمن معنى الشرط فإن الألف واللام بمعنى الموصول تقديره: التي زنت والذي زنى فاجلدوا. وقرئ بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر وهو أحسن من نصب {سورة أنزلناها} لأجل الأمر فإن الطلب من مظان الفعل والجلد ضرب الجلد كما يقال "رأسه" أي ضرب رأسه وكذلك في سائر الأعضاء بعد ثبوت السماع، وفيه إشارة إلى أن إقامة هذا الحد ينبغي لأأن يكون على الاعتدال بحيث لا يتجاوز الألم من الجلد إلى اللحم. فعلى الإمام أن ينصب للحدود رجلاً عالماً بصيراً يعقل كيف يضرب. فالرجل يجلد قائماً على تجرده ليس عليه إزاره ضرباً وسطاً لا مبرحاً ولا هيناً على الأعضاء كلها إلا الوجه والفرج، والمرأة تجلد قاعدة ولا ينزع من ثيابها إلا الحشو والفرو. والصحيح أن الزنا من الكبائر ولهذا قرنه الله تعالى بالشرك وقتل النفس في قوله {أية : ولا يزنون}تفسير : [الفرقان: 68] وقد وفى فيه عقد المائة بكماله بخلاف حدّ القذف وشرب الخمر وشرع فيه الرجم الذي هو أشنع أنواع القتل، ونهى المؤمنين عن الرأفة بهما وأمر بشهود طائفة للتشهير. وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة. فأما التي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأما التي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب والخلود في النار"تفسير : واعلم أن البحث في هذه الآية يقع عن أمور أحدها عن ماهية الزنا، وثانيها عن أحكام الزنا، وثالثها في الشرائط المعتبرة في كون الزنا موجباً لتلك الأحكام، ورابعها في الطريق الذي به يعرف حصول الزنا، وخامسها عن كيفية إقامة هذا الحد الأول. قد حده علماء الشافعية بأنه عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً. قالوا: فيدخل فيه اللواطة لأنها مثل الزنا صورة وذلك ظاهر لحصول معنى الانفراج في الدبر ايضاً، ومعنى لأنهما يشتركان في المعاني المتعلقة بالشهوة من الحرارة واللين وضيق المدخل، ولذلك لا يفرق أهل الطبائع بين المحلين. والأكثرون على أن اللواط لا يدخل تحت الزنا للعرف ولهذا، لو حلف لا يزني فلاط أو بالعكس لم يحنث، ولأن الصحابة اختلفوا في حكم اللواط مع كونهم عالمين باللغة. وما روى عن أبي موسى الأشعري أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان"تفسير : محمول على اشتراكهما في الإثم بدليل قوله أيضاً "حديث : إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان"تفسير : وقوله "حديث : اليدان تزنيان والعينان تزنيان"تفسير : والقياس المذكور بعيد لأنه لا يلزم من تسمية القبل فرجاً. لانفراجه أن يسمى كل منفرج كالفم والعين فرجاً. واعلم أن للشافعي في اللائط قولين أصحهما أن عليه حد الزنا إن كان محصناً فيرجم، وإن لم يكن محصناً فيجلد ويغرب. والثاني قتل الفاعل والمفعول. والقتل إما بجز الرقبة كالمرتد، أو بالرجم وهو قول مالك وأحمد وإسحق، أو بالهدم عليه. ويروى عن أبيّ: أو بالرمي من شاهق. ويروى عن علي رضي الله عنه وذلك أن قوم لوطٍ عذبوا كل هذه الوجوه قال عز من قائل {أية : جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل}تفسير : [هود: 82] وأما المفعول فإن كان صغيراً أو مجنوناً أو مكروهاً فلا حد عليه ولا مهر لأن بضع الرجل لا يتقوَّم، وإن كان مكلفاً طائعاً فهو كالفاعل في الأقوال وإن أتى امرأة في دبرها ولا ملك ولا نكاح فالأظهر أنه لواط وحكمه ما مر، وقيل زناً لأنه وطء أثنى فأشبه الوطء في القبل، وإذا لاط بعبده فهو كالأجنبي على الأصح. ولو أتى امرأته أو جاريته في الدبر فالأصح القطع بمنع الحد لأنها محل استمتاعه وبالجملة جميع ذلك مما ذهب إليه الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن الائط لا يحدّ بل يعزر. حجة الشافعي خبر أبي موسى الأشعري. فإِنه يدل على اشتراك اللواط والزنا في الاسم والحقيقة لا أقل من اشتراكهما في اللوازم. وأيضاً إنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : من عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل منهما والمفعول به"تفسير : وقال صلى الله عيه وسلم "حديث : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس" تفسير : وليس اللواط من قبيل الثاني والثالث فهو من الأول. وأيضاً قاس اللواط على الزنا بجامع كون الطبع داعياً إليه فيناسب الزاجر. وفرق بأن الزنا أكثر وقوعاً وكان الاحتياج فيه إلى الزاجر اشد، وبأن الزنا يقتضي فساد الأنساب دون اللواط، وألغى الفرق بوطء العجوز الشوهاء. حجة أبي حنيفة أنه وطء لا يتعلق به المهر فلا يتعلق به الحد وضعف بفقد الجامع قال: إنه لا يساوي الزنا في الحاجة على شرع الحد لأن اللواط لا يرغب فيه المفعول طبعاً، ولأنه ليس فيه إضاعة النسب. وأجيب بأن الإنسان حريص على ما منع، فلو لم يشرع الحد شاع اللواط وأدى إلى إضاعة النسب بل إلى إفناء الأشخاص وانقطاع طريق التوالد والتناسل. وللشافعي في إتيان البهيمة أقوال: أحدهما أنه كالزنا في أحكامه، وثانيها القتل مطلقاً لما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"حديث : من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه" تفسير : فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ قال: لأنه كره أن يؤكل لحمها. وأصحها وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد والثوري أن عليه التعزير لأنه غير مشتهي طبعاً. والحديث ضعيف الإسناد وبتقدير صحته معارض بما روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ذبح الحيوان إلا لأكله. ولا خلاف في أن السحق وإتيان الميتة والاستمناء باليد لا يشرع فيها إلا التعزير. البحث الثاني قد مر في أول سورة النساء أن حكم الزاني في أوائل الإسلام كان الحبس في البيوت في حق الثيب، والإيذاء بالقول في حق البكر، ثم نسخ بآية الزنا وبقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الثيب بالثيب جلد مائه ورجم بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائه وتغريب عام"تفسير : والخوارج أنكروا الرجم لأنه لا ينتصف وقد قال تعالى {أية : فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب} تفسير : [النساء: 25] ولأنه تعالى أطنب في أحكام الزنا بما لم يطنب في غيره، فلو كان الرجم مشروعاً لكان أولى بالذكر، ولأن قوله {الزانية والزاني} يقتضي وجوب الجلد على كل الزناة وإيجاب الرجم على البعض يقتضي تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد. وجمهور المجتهدين خالفوهم في ذلك فأجابوا عن الأول بأن الرجم حيث لم ينتصف لم يشرع في حق العبد فخصص العذاب بغير الرجم للدليل العقلي. وعن الثاني بأن الأحكام الشرعية كانت تنزل بحسب تجدد المصالح فلعل المصلحة التي اقتضت وجوب الرجم حدثت بعد نزول هذه الآيات. وعن الثالث بأن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز عندنا لأن القرآن وإن كان قاطعاً في متنه إلا أن العام غير قاطع الدلالة فأمكن تخصيصه بالدليل المظنون. سلمنا إلا أن الرجم ثبت بالتواتر رواه ابو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم وجابر والخدري وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة. وما نقل عن علي أنه جمع بين الجلد والرجم وهو اختيار أحمد وإسحق وداود محمول على مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً زنى بامرأة فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فجلد، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان محصناً فأمر به فرجم. وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الثيب بالثيب جلد مائة"تفسير : ورجم بالحجارة متروك العمل بما روي في قصة العسيف أنه قال: يا أنيس اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. ولو وجب الجلد إذ ذاك لذكره. وأن قصة ما عز رويت من جهات مختلفة وليس فيها ذكر الجلد مع الرجم وكذا قصة الغامدية. وروى الزهري بإسناده عن ابن عباس أن عمر قال: قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله تعالى فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله تعالى وقد قرأنا "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" فرجم النبي صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده. فأخبر أن الذي فرضه الله تعالى هذا الرجم ولو كان الجلد واجباً مع الرجم لذكره. قال الشافعي: يجمع بين الجلد والتغريب في حد البكر. وقال أبو حنيفة: يجلد. وأما التغريب فمفوَّض إلى راي الإمام. وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"تفسير : وكذا ما يروى عن الصحابة أنهم جلدوا ونفوا منسوخ أو محمول على وجه التعزير والتأديب من غير وجوب. وقال مالك: يجلد الرجل ويغرب وتجلد المرأة بلا تغريب. حجة الشافعي حديث عبادة "حديث : البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام"تفسير : وقد ورد مثله في قصة العسيف. حجة أبي حنيفة أن إيجاب التغريب يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد. بيانه أن إيجاب الجلد مرتب على الزنا بالفاء التي هي للجزاء، ومعنى الجزاء كونه كافياً في ذلك الباب منه قوله صلى الله عليه وسلم "يجزيك ولا يجزي أحداً بعدك" وإيجاب شيء آخر غير الجلد يقتضي نسخ كونه كافياً ولو كان النفي مشروعاً لوجب على النبي صلى الله عليه وسلم توقيف الصحابة عليه عند تلاوة هذه الآية ولو فعل لاشتهر. وقد روى أبو هريرة حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الأمة "إذا زنت فاجلدها فإن زنت فاجلدها فإن زنت فبعها" تفسير : والاستدلال به أنه لم يذكر النفي مع الجلد ونظيره ما روي أن شيخاً وجد على بطن جارية، فأتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اجلدوه مائة. فقالوا: إنه اضعف من ذلك. فقال: خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها خلوا سبيله. لا يقال: إنه إنما لم ينفه لأنه كان عاجزاً عن الحركة لأنا نقول: كان ينبغي أن يأمر له بدابة يركبها. ولا يقال: لعله كان ضعيفاً عن الركوب أيضاً لأنا نقول: القادر على الجماع كيف لا يقدر على الاستمساك. وأيضاً الأمر بالنفي لو كان مشروعاً لزم في حق العبد الإضرار بسيده في مدة غيبته، وفي حق المرأة الإضرار بزوجها، وكذا لمن يؤمر أن يكون معها من محارمها أو من النسوة الثقاة مع انفتاح باب الزنا عليها في الغربة، لهذا روي عن علي رضي الله عنه أنه قال في البكرين: إذا زنيا يجلدان ولا ينفيان فإن نفيهما من الفتنة. وعن ابن عمر أن امرأة زنت فجلدها ولم ينفها. وأيضاً النفي نظير القتل لقوله تعالى {أية : اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم}تفسير : [النساء: 66] فإذا لم يشرع القتل في حد البكر وجب أن لا يشرع نظيره وهو التغريب. وأجيب بأن إيجاب الجلد مفهوم مشترك بين إيجاب الجلد مع إيجاب التغريب وبين إيجابه مع نفي التغريب فلا إشعار في الاية بأحد القسمين إلا أن عدم التغريب موافق للبراءة الأصلية. فإيجابه بخبر الواحد لا يزيل إلا محض البراءة فلا يلزم نسخ القرآن به وهو قول الأدباء إن الجزاء سمي جزاء لأنه كافٍ في الشرط لا يصلح حجة في الأحكام. ولا استبعاد في عدم اشتهار بعض الأحكام كأكثر المخصصات والأخبار الواردة في نفي التغريب معارضة بما روى أبو علي في جامعة أنه صلى الله عليه وسلم جلد وغرّب. ولا بعد في أن يكون القادر على الزنا عاجزاً عن الاستمساك على الدابة والإضرار بالسيد قد يجوز للضرورة كالعبد المرتد يقتل، وعلى هذا يغرّب نصف سنة على الأصح لأنه يقبل التنصيف. وقيل: سنة كاملة لأن التغريب للإِيحاش وهذا معنى يرجع إلى الطبع فيستوي فيه الحر والعبد كمدة الإيلاء والعنة. وأما المرأة فلا تغرّب وحدها لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم"تفسير : فإن تبرع المحرم أو نسوة ثقاة فذاك وإلا أعطي أجرتهم من مالها أو من بيت المال فيه قولان، وتنتفي التهمة حينئذ مع أن أكثر الزنا إنما يقع بالألف والمؤانسة وفراغ القلب، وفي التغريب الأغلب هو الوحشة والتعب. وأما أن النفي يشبه القتل فمسلم من بعض الوجوه لا من كلها. واعلم أن قولنا {الزانية والزاني} إما مطلق دال على الجنسين المنافيين لجنس العفيفة والعفيف أو عام يشمل كل ما اتصف بهذه الفعلة الشنعاء فلا بد من تقييد أو تخصيص وهو البحث الثالث فتقول: أجمعت الأمة على أنه لا بد فيه من العقل والبلوغ فلا حد على مجنون ولا على صبي لأنهما ليسا من أهل التكليف. هذا في غير الرجم وأما في الرجم فلا بد من شروط أخر منها: الحرية بالإجماع. ولا فرق بين القن والمدبر والمكاتب والمستولدة وحر البعض، والسبب أن الحرية توسع طريق الحلال لأن الرقيق يحتاج في النكاح إلى إذن السيد. ولا يجوز له أن ينكح إلا امرأتين، وجناية من ارتكب الحرام مع اتساع طريق الحلال أغلظ. ومنهما الإصابة في نكاح صحيح وقد يعبر عن هذا الشرط بشرطين: أحدهما التزويج بنكاح صحيح، والآخر الدخول. وكيفما كان فوجه الاعتبار أنه قضى الشهوة واستوفى اللذة فحقه أن يمتنع من الحرام. ويكفي في الإصابة تغيب الحشفة بلا إنزال، ولا يقدح وقوعها في حالة الحيض والإحرام وعدة الوطء بالشبهة، ولا يحصل الإحصان بالإصابة في ملك اليمين كما لا يحصل التحليل. وفي الإصابة بالشبهة وفي النكاح الفاسد قولان: أحدهما أنه يفيد الإحصان لأن الفاسد كالصحيح في العدة والنسب، وأصحهما المنع لأن الفاسد لا أثر له في إكمال طريق الحلال. وهل يشترط أن تكون الإصابة في النكاح بعد التكليف والحرية؟ الأصح عند إمام الحرمين لا، فإنه وطء يحصل به التحليل فكذا الإحصان. والأرجح عند معظم الأصحاب نعم، لأن شرط الإصابة أن تحصل بأكمل الجهات وهو النكاح الصحيح فيعتبر حصولها من كامل، وعلى هذا فهل يشترط كمال الواطئين جميعاً؟ قال أبو حنيفة: نعم وهو أحد قولي الشافعي فلو كان أحدهما كاملاً دون آخر لم يصر الكامل محصناً ايضاً. وقال الشافعي في اصح قولية: لا بل لكل منهما حكم نفسه. ومنها الإسلام عند أبي حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أشرك بالله فليس بمحصن"تفسير : دون الشافعي لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا قبلوا الجزية فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين"تفسير : ولحديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين زنيا. فلو حكم بشرعه فظاهر، ولو حكم بشريعة من قبله فقد صار شرعاً له، ولأن زنا الكافر مثل زنا المسلم في الحاجة إلا الزاجر ولهذا قلنا: إذا أقر الذمي بالزنا أقيم عليه الحد جبراً بخلاف الشرب فإنه لا يعتقد تحريمه. ومما احتج به لأبي حنيفة أن النعمة في حق المسلم أعظم فكانت جنايته أغلظ كقوله {أية : يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين}تفسير : [الأحزاب: 30] وعورض بأن الإسلام من كسب العبد. وزيادة الخدمة إن لم تكن سبباً للعذر فلا أقل من أن لا تكون سبباً لزيادة العقوبة. قالوا: إحصان القذف يعتبر فيه الإسلام بالإجماع فكذا إحصان الرجم والجامع كمال النعمة. وأجيب بأن حد القذف لرفع العار كرامة للمقذوف والكافر لا يكون محلاً للكرامة وصيانة للعرض. والجواب عن الحديث بأنا لا نسلم أن الذمى مشرك، سلمنا لكن الإحصان قد يراد به التزويج كقوله {أية : فإذا أحصن}تفسير : [النساء: 25] والذمي الثيب محصن بهذا التفسير فوجب رجمه لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : وزنا بعد إحصان"تفسير : وبقوله "حديث : عليهم ما على المسلمين"تفسير : قال بعض أهل الظاهر: عموم قوله {الزانية والزاني} يقتضي وجوب المائة على العبد والأمة إلا أنه ورد النصب بالتنصيف في حق الأمة، فلو قسنا العبد عليها لزم تخصيص عموم الكتاب بالقياس. ومنهم من قال: الأمة إذا تزوّجت فعليها خمسون لقوله {أية : فإذا أحصن}تفسير : [النساء: 25] أي تزوّجن {أية : فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات} تفسير : [النساء: 25] فإذا لم تتزوّج فعليها المائة لعموم قوله {الزانية} واتفاق الجمهور على حذف هذين. وقال الشافعي وأبو حنيفة: الذمي يجلد للعموم ولأنه صلى الله عليه وسلم رجم يهوديين فالجلد أولى. وقال مالكك لا يجلد بناء على أن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع. البحث الرابع في طريق معرفة الزنا وأنه ثلاثة: الأول أن يراه الإمام بنفسه فيجيء الخلاف في أن القاضي هل له أن يقضي بعلمه أم لا؟ رجح كلاً مرجحون. وجه القضاء أنه يقضي بالظن وذلك عند شهادة شاهدين فلأن يقضي بالعلم أولى. ووجه عدم القضاء أن فيه تهمة والتهمة تمنع القضاء ولهذا لا يقضي القاضي لولده ووالده. وهذا الوجه في حدود الله تعالى ارجح لأن الحاكم فيه مأمور بالستر ولهذا حديث : قال النبي في قضية اللعان "لو كنت راجماً بغير بينة لرجمتها" تفسير : ولا فرق على القولين أن يحصل العلم للقاضي في زمان ولايته ومكانها أو في غيرهما. وعن أبي حنيفة أنه إن حصل العلم فيهما قضى بعلمه وإلا فلا. الطريق الثاني الإقرار ويكفي عند الشافعي مرة واحدة. وقال أبو حنيفة: لا بد من أربع مرات في أربع مجالس. وجوّز أحمد أن يكون المجلس واحداً. حجة الشافعي قصة العسيف "فإن اعترفت فارجمها" والقياس على الإقرار بالقتل والردة مع أن الصارف عن الإقرار بالزنا قويّ وهو العار في الحال والقتل أو الألم الشديد في المآل، فالإقدام على الإقرار مع هذا الصارف لا يكون إلا عن صدق ويقين. حجة ابي حنيفة قصة ما عز وإعراضه صلى الله عليه وسلم عنه مرات حتى قال أبو بكر له بعدما أقر ثلاث مرات: لو اقررت الرابعة لرجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم والقياس على الشهادة. وأجيب بأنه لا منافاة بين القضيتين فإن الأولى محمولة على أقل المراتب، والثانية على كمالها. والفرق أن المقذوف لو اقر بالزنا مرة سقط الحد عن القاذف، ولو شهد اثنان بزناة لم يسقط. الطريق الثالث الشهادة وأجمعوا على أنه لا بد من شهود اربعة من الرجال لقوله تعالى {أية : فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} تفسير : [النساء: 15] ولقوله {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} والشهادة على الإقرار بالزنا كالشهادة على الزنا في أنه لا بد من شهود اربعة. وفي قول يكفي فيه اثنان لأن الفعل مما يعسر الاطلاع عليه فلزم الاحتياط فيه باشتراط الأربعة والإقرار أمر ظاهر فيكفي فيه رجلان. البحث الخامس: أجمعت الأمة على أن المخاطب بقوله {فاجلدوا} هو الإمام حتى احتجوا به على وجوب نصب الإمام فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقال الشافعي: السيد يملك إقامة الحد على مملوكه وهو قول ابن مسعود وابن عمر وفاطمة وعائشة. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يملك. حجة الشافعي أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" تفسير : وعن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" تفسير : وحمل الأول على رفع القضية إلى الإمام حتى يقيموا عليهم الحدود، وحمل الثاني على التعزير خلاف الظاهر. وأيضاً إن ولاية السيد على العبد فوق الولاية بالبيعة فكان أولى. وأيضاً الإجماع على أن السيد يملك التعزير مع أنه في محل الاجتهاد فلأن يملك الحد مع التنصيص عليه أولى. حجة أبي حنيفة في قوله {فاجلدوا} الخطاب للأمة بالتفاق ولم يذكر فرق بين الأحرار المحدودين وبين العبيد. وأيضاً لو جاز للمولى أن يسمع شهادة الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه، فلو رجعوا عن شهادتهم لوجب أن يتمكن من تضمين الشهود وليس له ذلك بالتفاق لأنه ليس لأحد أن يحكم لنفسه. وأيضاً المالك في محل التهمة لأنه قد يشفق على ملكه فلا يستوفى الحد. أجابت الشافعية بأن عدم ذكر الفرق لا يدل على عدم الفرق مع أن الكلام في جواز إقامة السيد الحد لا في وجوبه. فالإمام يملك حد العبد في الجملة وذلك كافٍ في بقاء الآية على عمومها. وعن الثاني بأن للشافعي في القطع والقتل قولين: أحدهما يجوز لما روي أن ابن عمر قطع عبداً له سرق. وثانيهما لا، وهو قول مالك أن القطع للإمام بخلاف الجلد لأن المولى يملك جنس الجلد وهو التعزير. وفي سماع المولى الشهادة ايضاً وجهان: فإذا فقد الإمام فليس لآحاد الناس إقامة هذه الحدود بل ينبغي أن يعينوا واحداً من الصلحاء ليقوم بها، وفي الخارجي المتغلب خلاف. البحث السادس في كيفية إقامة الحد: إنه سبحانه قد أشار إلى أن هذا الحد يجب أن لاي كون في غاية العنف بلفظ الجلد كما مر، وإلى أنه يجب أن لا يكون في غاية الرفق بقوله {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} وذلك إما بأن يترك الحد راساً، أو ينقص شيء منه، أو يخفف بحيث لا يحس الزاني بالألم. وفي معناه أن يفرق على الأيام كأن يضرب كل يوم سوطاً أو سوطين، وإن ضرب كل يوم عشرين مثلاً كان محسوباً لحصول التكليف. والأولى أن لا يفرق وأكد هذا المعنى بقوله {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} قال الجبائي: فيه دلالة على أن الاشتغال بأداء الواجبات من الإيمان لأن التقدير: إن كنتم مؤمنين فلا تتركوا إقامة الحدود. وأجيب بأن الرأفة لا تحصل إلا إذا حكم الإنسان بطبعه وأن ذلك يوجب ترك إقامة الحد، وحينئذ يكون منكراً للدين فلهذا يخرج من الإيمان. وفي الحديث "حديث : يؤتي بوال نقص من الحد سوط فيقال له: لم فعلت ذاك؟ فيقول: رحمة لعبادك. فيقول له: أنت أرحم بهم مني فيؤمر به إلى النار" تفسير : روى أبو عثمان النهدي قال: أتي عمر برجل في حد، ثم جيء بسوط فيه شدة فقال: أريد ألين من هذا. فأتي بسوط فيه لين فقال: أريد اشد من هذا. فأتي بسوط بين السوطين. وروي أن أبا عبيدة بن الجراح أتي برجل في حد فذهب الرجل ينزع قميصه وقال: ماينبغي لجسد هذا المذنب أن يضرب وعليه قميص. فقال أبو عبيدة: لا تدعوه ينزع قميصه وضربه عليه. ولا خلاف في أن المرأة لا يجوز تجريدها بل يربط عليها ثيابها حتى لا تنكشف ويلي ذلك منها امرأة. وجوّز الشافعي الضرب على الرأس لما روي أن أبا بكر قال: اضرب على الرأس فإن الشيطان فيه. وقال أبو حنيفة: حكم الراس حكم الوجه لأن الموضحة وسائر الشجاج حكمها في الرأس وفي الوجه واحد، وأما في سائر البدن فلا يجب إلا الحكومة. وأيضاً إن ضرب الرأس يوجب في الأغلب ظلمة البصر ونزول الماء واختلاط العقل كالوجه فإنه ايضا عرضة للآفات وفيه الأعضاء الشريفة اللطيفة. وللشافعي أن يقول: إنما يحترم الوجه لما جاء في الحديث "حديث : إن الله تعالى خلق آدم على صورته" تفسير : وهذا المعنى مفقود في الرأس. ولتكن إقامة الحد في وقت اعتدال الهواء إلا إذا كان رجماً فإن المقصود - وهو قتله - لا يتفاوت بذلك. ولهذا يرجم المريض أيضاً في مرضه. وقيل: إن كان مرضاً يرجى برؤه يؤخر كما في الجلد لأنه ربما يرجع عن إقراره في حال الرجم وقد أثر الرجم في بدنه فتعين شدة الحر والبرد مع المرض على إهلاكه، وهذا بخلاف ما ثبت بالبينة فإنه لا يسقط. وفي الجلد إن كان المرض مما لا يرجى زواله كالسل والزمانة فلا يؤخر سواء زنى في حال الصحة أو حال المرض ولكن لا يضرب بالسياط عند الشافعي، لأن المقصود ليس موته بل يضرب بعثكال عليه مائة شمراخ كما روي أن مقعداً اصاب امرأة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم فأخذوا مائة شمراخ فضربوه بها ضربة واحدة. والأثكال والعثكال الغصن الذي عليه فروع خفيفة من النخل أو من غيره. وعند أبي حنيفة يضرب بالسياط. ثم إن ثبت الزنا بإقراره فمتى رجع ترك وقع به بعض الحد أو لم يقع وبه قال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وإسحق، لأن حديث : ماعزاً لما مسته الحجارة هرب فقال صلى الله عليه وسلم:هلا تركتموهتفسير : . وعن الحسن وابن أبي ليلى وداود أن لا يقبل رجوعه. ويحفر للمرأة إلى صدرها حتى لا تنكشف ويرمى إليها، ولا يحفر للرجل كما في حق ماعز إذ لو كان في الحفرة لم يمكنه الهرب. ولما روى أبو سعيد الخدري في قصته "فما أوثقناه ولا حفرنا له". وإذا مات الزاني في الحد يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين. ومن تغليظات حد الزنا قوله سبحانه {وليشهد} ظاهره أمر للوجوب إلا أن الفقهاء أجمعوا على أن حضورالجمع مستحب والمقصود إعلان إقامة الحد لما فيه من مزيد الردع، ولما فيه من دفع التهمة عمن يجلد. وفي لفظ العذاب دليل على أنه عقوبة لا استصلاح إلا أن يراد بالعذاب ما يمنع من المعاودة كالنكال وقد مر في أول البقرة في قوله {أية : ولهم عذاب عظيم}تفسير : [الآية: 7] ومعنى الطائفة قد مر في التوبة. فقال النخعي ومجاهد: هي في الآية واحد. وعن عطاء وعكرمة اثنان. وعن الزهري وقتادة ثلاثة. وقال ابن عباس والشافعي: اربعة بعدد شهود الزنا. وعن الحسن عشرة لأنها أول عقد. وجوّز ابن عباس إلى أربعين رجلاً من المصدقين بالله. وحضور الإمام والشهود ليس بلازم عند الشافعي ومالك لأنه صلى الله عليه وسلم لم يحضر رجم ماعز والغامدية. وقال أبو حنيفة: إن ثبت بالبينة وجب على الشهود أن يبدأوا بالرجم ثم الإمام ثم الناس وإن ثبت بإقراره بدأ الإمام ثم الناس. ثم ذكر شيئاً من خواص الزناة فقال: {الزاني لا ينكح} وهو خبر في معنى النهي كقراءة عمرو بن عبد {لا ينكح} بالجزم. ويجوز أن يكون خبراً محضاً على معنى أن عادتهم جارية بذلك. وفي الآية أسئلة: الأول: كيف قدمت الزانية على الزاني في الآية المتقدمة وعكس الترتيب في هذه؟ والجواب أن تلك الاية مسبوقة لبيان عقوبتهما على جنياتهما وكانت المرأة أصلاً فيها لأنها هي التي أطمعت الرجل في ذلك. وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل هو الأصل في الرغبة والخطبة. والثاني: ما الفرق بين الجملتين في الآية؟ والجواب معنى الأولى صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف ولكن في الفواجر، ومعنى الثانية صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء، ولكن للزناة وهما معنيان مختلفان لأنه لا يلزم عقلاً من كون الزاني كذلك أن يكون حال الزانية منحصرة في ذلك فأخبره الله تعالى بالجملة الثانية عن هذا الانحصار. الثالث أنا نرى الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف، وايضاً المؤمن قد يحل له التزوج بالمرأة الزانية. الجواب للمفسرين فيه وجوه. أحدها وهو الأحسن قول القفال: إن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد منه الأعم الأغلب، وذلك أن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والتقحب لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من شكله أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة المسافحة لا يرغب في نكاحها الصلحاء في الأغلب وإنما يرغب فيها أشكالها من الفسقة أو المشركين نظير هذا الكلام قول القائل "لا يفعل الخير إلا الرجل التقي". وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقي. وأما المحرم على المؤمنين فصرف الرغبة بالكلية إلى الزواني وترك الرغبة في الصالحات لانخراطهم بسبب هذا الحصر في سلك الفسقة المتسمين بالزنا. الوجه الثاني أن الألف واللام في قوله {الزاني} وفي قوله {المؤمنين} للعهد. روى مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة أنه قدم المهاجرون المدينة وليست لهم أموال ولا عشائر وبها نساء يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة ولكل واحدة منهن علامة على بابها لتعرف بها وكان لا يدخل عليها إلا زانٍ أو مشرك، فرغب فيهن ناس من فقراء المسلمين وقالوا: نتزوج بهن إلى أن يغنينا الله عنهن. فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. والتقدير: أولئك الزواني لا ينكحون إلا تلك الزانيات، وتلك الزانيات لا ينكحها إلا أولئك الزواني، وحرم نكاحهن بأعيانهن على المؤمنين. الوجه الثالث أن هذا خبر في معنى النهي كما مر. وهكذا كان الحكم في ابتداء الإسلام. ثم قيل: إن ذلك الحكم باقٍ إلى الآن حتى يحرم على الزاني والزانية التزويج بالعفيفة والعفيف وبالعكس. ويقال: هذا مذهب ابي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعائشة. ثم في هؤلاء من يسوّي بين الابتداء والدوام فيقول: كما لا يحل للمؤمن أن يتزوج بالزانية فكذلك إذا زنت تحته لا يحل له أن يقيم عليها. ومنهم من يفصل لأن في جملة ما منع من التزوج مالا يمنع من دوام النكاح كالإحرام والعدة. وقيل: إنه صار منسوخاً إما بالإجماع - وهو قول سعيد بن المسيب - وزيف بأن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، وإما بعموم قوله{أية : وأنكحوا الأيامى} تفسير : [النور: 32] {أية : فانكحوا ما طاب لكم} تفسير : [النساء: 3] وهو قول الجبائي. وضعف بأن ذلك العام مشروط بعدم الموانع السببية والنسبية وليكن هذا المانع أيضاً من جملتها. وسئل ابن عباس عن ذلك فأجازه وشبه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك فقال: "حديث : أوّله سفاح وآخره نكاح والحرام لا يحرم الحلال". تفسير : الوجه الرابع قول أبي مسلم: إن النكاح محمول على الوطء وذلك إشارة إلى الزنا أي وحرم الزنا على المؤمنين. قال الزجاج: هذا التأويل فاسد من جهة أن النكاح في كتاب الله لم يرد إلا بمعنى التزويج، ومن جهة أن يخرج الكلام عن الفائدة إذ لا معنى لقول القائل "الزاني لا يطأ إلا الزانية" حتى يكون وطؤه زناً، ولو أريد حين التزوج فالإشكال عائد لأن الزاني قد يطأ العفيفة حين يتزوج بها. الحكم الثاني من أحكام السورة حد القذف والرمي قد يكون بالزنا وبغيره كالكفر والسرقة وشرب الخمر، إلا أن العلماء أجمعوا على أن المراد به في الآية هو الرمي بالزنا بالقرائن: منها تقدم ذكر الزنا، ومنها ذكر المحصنات وهن العفائف، ومنها قوله {لم يأتوا بأربعة شهداء} أي على صحة ما رموها به، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا في الزنا، والقذف بغير الزنا يكفي فيه شاهدان. وألفاظ القذف تتقسم إلى صريح وكناية وتعريض، فالصريح أن يقول: يا زانية أو زنيت أو زنى قبلك أو دبرك. والأصح أن قوله "زنى بدنك" صريح لأن الفعل لكل البدن والفرج آلة. والكناية أن يقول "يا فاسقة يا فاجرة يا خبيثة يا بنت الحرام أو امراة لا تردّ يد لامس" فهذا لا يكون قذفاً إلا أن يريده. وكذا لو قال العربي "يا نبطي الدار واللسان" وادعت أم المقول له أنه أراد القذف فالقول قوله مع يمينه. والتعريض ليس بقذف كقوله "يا ابن الحلال" و "أما أنا فليست أمي بزانية" وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه. وقال مالك: يجب الحد فيه. وقال أحمد وإسحق: هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا لنا أن الأصل براءة الذمة فلا يرجع عنه بالشك ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ادرؤا الحدود بالشبهات" تفسير : والإيذاء الحاصل بالتصريح فوق الإيذاء الحاصل بالتعريض. حجة المخالف ما روي أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب فقال أحدهما للآخر: والله ما أرى أبي بزانٍ ولا أمي بزانية. فاستشار عمر الناس في ذلك فقال قائل: مدح اباه وأمه. وقال آخرون قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا. فجلده عمر ثمانين. وإذا قذف شخصاً واحداً مراراً فإن اراد بالكل زنية واحدة كما لو قال مراراً؟زنيت بعمرو" لم يجب إلا حد واحد. ولو أنشأ الثاني بعد ما حد للأول عزر للثاني. وإن أراد زنيات مختلفة كأن قال "زنيت بزيد وزنيت بعمرو" فالأصح تداخل الحدود لأنهما حدان من جنس واحد فصار كما لو قذف زوجته مراراً يكتفي بلعان واحد. وإذا قذف جماعة بكلمات أو بكلمة واحدة كأن قال "يا ابن الزانيين" فعليه حدان لأنه قذف لكل واحد من أبويه، هذا هو الجديد من قولي الشافعي. وعند أبي حنيفة لا يجب إلا حد واحد لأن قوله {والذين يرمون المحصنات} معناه كل من رمى جماعة من المحصنات فاجلدوه ثمانين، ولأنه صلى الله عليه وسلم قال الهلال بن أمية "أو حدّ في ظهرك" فلم يوجب عليه إلا حداً واحداً مع قذفه لامرأته. ولشريك بن سحماء للقياس على من زنى مراراً أو شرب أو سرق مراراً والجامع رفع مزيد الضرر. وأجيب بأن قوله {والذين} صيغة جمع وقوله {المحصنات} كذلك. وإذا قوبل الجمع بالجمع يقابل الفرد بالفرد فيصير المعنى: كل من رمى محصنة فاجلدوه. وفيه أن رمي المحصنة علة الجلد فحيث وجدت وجد. ولا شك أن هذه العلة موجودة عند رمي كل واحدة من المحصنات فيترتب عليها الجلد لا محالة. وأما السنة فالإنصاف أن دلالتها على المطلوب قوية، وأما القياس فالفرق أن هذا الآدمي وتلك حدود الله تعالى. هذا كله هو البحث عن الرمي. وأما البحث عن الرامي فنقول: لا عبرة بقذف الصبي والمجنون إلا في باب التعزير للتأديب إن كان لهما تمييز ولو لم يتفق إقامة التعزير على الصبي حتى بلغ. قال القفال: يسقط التعزير لأنه كان للزجر. والعقل زاجر قوي وإشارة الأخرس وكتابته قذف ولعان عند الشافعي قياساً على سائر الأحكام، ولأنه كافٍ في لحوق العار. وعند ابي حنيفة لا يصح قذفه ولعانه لضعف تاثيرهما. وإذا قذف العبد حراً فعليه أربعون جلدة قاله مالك والشافعي وابو حنيفة واصحابه على قانون قوله{أية : فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}تفسير : [النساء: 25] وعند الشيعة ويروى عن علي رضي الله عنه أنه يجلد ثمانين أخذاً بعموم الآية، ولهذا اتفقوا على دخول الكافر فيه حتى لو قذف اليهودي مسلماً جلد ثمانين. ويستثنى من الرماة الأب أو الجد إذا قذف أولاده أو أحفاده فإنه لا يجب عليه الحد كما لا يجب عليه القصاص. وأما البحث عن المرمي فالمحصنات العفائف لأنهن منعن فرجهن إلا من زوجهن وهي عامة إلا أن الفقهاء اعتبروا لكونها محصنة شرائط خمساً: الإسلام لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : من أشرك بالله فليس بمحصن" تفسير : والعقل والبلوغ لأن المجنون والصبي لا اهتمام لهما بدفع العار عن أنفسهما، والحرية لمثل ما قلناه، والعفة لأن الحد شرع لتكذيب القاذف فإذا كان صادقاً فلا معنى للحد حتى لو زنى مرة في عنفوان شبابه ثم تاب وحسنت حاله لم يحد قاذفه بخلاف ما لو زنى في حال صغره أو جنونه ثم بلغ أو أفاق فقذفه قاذف فإنه يحد لأن فعل الصبي والمجنون لا يكون زنا. ولو زنى بعد القذف وقبل إقامة الحد على القاذف سقط الحد عن قاذفه. قال أبو حنيفة والشافعي لأن ظهور الزنا منه خدش ظن الإحصان به وقت القذف، ودل على أنه كان متصفاً به قبله كما روي أن رجلاً زنى في عهد عمر فقال: والله ما زنيت إلا هذه. فقال عمر: كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة. وقال أحمد والمزني وأبو ثور: الزنا الطارئ لا يسقط الحد عن القاذف. ولفظ المحصنات لا يتناول الرجال عند جمهور العلماء إلا أنهم أجمعوا على أنه لا فرق في هذا الباب بين المحصنين والمحصنات والقذف بغير الزنا كأن يقول "يا آكل الربا" يا "شارب الخمر" يا "يهودي" يا "مجوسي" يا "فاسق" وكذا قذف غير المحصنين بالزنا لا يوجب الا التعزير، ولو كان المقذوف معروفاً بما ذكره فلا تعزير أيضاً. واعلم أنه سبحانه حكم على القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء بثلاثة أحكام: جلد ثمانين وبطلان الشهادة والحكم بفسقه إلى أن يتوب. فذهب جمع من الأئمة كالشافعي والليث بن سعد إلى أنه رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء الأربعة أموراً ثلاثة معطوفة بعضها على بعض بالواو وهو لا يفيد الترتيب، فوجب أن لا يكون رد الشهادة مرتباً على إقامة الحد، بل يجب أن يثبت رد الشهادة بالقذف مع عدم البينة سواء اقيم عليه الحد أم لا. وقال مالك وأبو حنيفة واصحابه: شهادته مقبولة ما لم يحد فإذا استوفى لم تقبل شهادته. وإنما ذهب إلى هذا نظراً إلى ظاهر الترتيب مع موافقته للأصل وهو كونه مقبول الشهادة ما لم يطرأ مانع ولقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في قذف" تفسير : أخبر ببقاء عدالته ما لم يحدّ. أما الاستثناء في قوله {إلا الذين تابوا} فإنه لا يرجع إلا الجملة الأولى اتفاقاً لأنه إذا عجز عن البينة وهو الإتيان بأربعة شهداء وجب عليه الجلد ولم يكن للإمام ولا للمقذوف أن يعفو عن القاذف لأنه خالص حق الله عز وجل، ولهذا لا يصح أن يصالح عنه بمال. هذا قول أبي حنيفة وأصحابه. وقال الشافعي: إذا عجز عن البينة وجب على الإمام وهو المخاطب بقوله {فاجلدوهم} أن يأمر بجلده وإن تاب لأن القذف وحده حق الآدمي والمغلب فيه حقه، فليس للإمام أن يعفو عنه. ولا خلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة وأن المراد أنهم محكوم عليهم بالفسق. إلا أن تابوا. بقي الخلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة المتوسطة، منشأ الخلاف مسألة أصولية هي أن الاستثناء بعد جمل معطوف بعضها على بعض للجميع وهو مذهب الشافعية، أو للاخيرة وهو مذهب الحنفية، ويتفرع على مذهب الشافعي أن القاذف إذا تاب وحسنت حاله قبلت شهادته فيكون الأبد مصروفاً إلى مدة كونه قاذفاً وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف. ويتفرغ على مذهب أبي حنيفة أنه لم تقبل شهادته وإن تاب والأبد عنده مدة حياته. وقوله {وأولئك هم الفاسقون} جملة مستأنفة عنده لا معطوفة لأنها خبرية وما قبلها طلبية، ولو سلم أنها معطوفة فالاستثناء يرجع إليها فقط. قال صاحب الكشاف: حق المستثنى عند الشافعي أن يكون مجروراً بدلاً من هم في لهم، وحقه عند أبي حنيفة أن يكون منصوباً لأنه عن موجب. قلت: حقه عند الإمامين أن يكون منصوباً لأن الاستثناء يعود عند الشافعي إلى الجملتين، ولا يمكن أن يكون الاسم الواحد معرباً بإعرابين مختلفين في حالة واحدة، لكنه يجب نصبه نظراً إلى الأخيرة فتعين نصبه نظراً إلى ما قبلها أيضاً، وإن جاز البدل في غير هذه المادة. هذا وقد احتجت الشافعية أيضاً في قبول شهادة القاذف بعد التوبة بقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : التائب من الذنب كمن لا ذنب له" تفسير : وإذا كانت التوبة من الكفر والزنا والقتل مع غلظها مقبولة فلأن تقبل من القذف أولى. وأيضاً إن أبا حنيفة يقبل شهادته قبل الحد فبعده وقد تاب وحسن حاله أولى. وأيضاً الكافر يقذف فيتوب من الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، فالقاذف المسلم إذا تاب من القذف كان أولى بأن تقبل شهادته لأن القذف مع الإسلام أهون حالاً من القذف مع الكفر. لا يقال: المسلمون لا يعبؤون بسب الكفار لاشتهارهم بعداوتهم والطعن فيهم فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر عار حادث بخلاف ما لو قذفه مسلم. وأيضاً الإيمان يجب ما قبله وبهذا لا يلزم الحد بعد التوبة من الكفر ويلزم بعد التوبة من القذف لأنا نقول: هذا الفرق ملغى في أهل الذمة لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" تفسير : واحتجت الحنفية في عدم قبول شهادته بما روى ابن عباس في قصة هلال بن أمية يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين ولم يشترط التوبة، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف" تفسير : ولم يذكر التوبة. وروى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا تجوز شهادة محدود في الإسلام" تفسير : والشافعية عارضوا هذه الحجج بوجوه: منها قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا علمت مثل الشمس فاشهد" تفسير : فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم يقبل كان عبثاً. ومنها قوله نحن نحكم بالظاهر، وههنا قد ظهرت العفة والصلاح. ومنها أن عمر بن الخطاب ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم ابو بكرة ونافع ونفيع ثم قال لهم: من أكذب نفسه قبلت شهادته. فأكذب نافع ونفيع أنفسهما وتابا فكان يقبل شهادتهما. وقد بقي في الآية مسائل. الأولى: قال الشافعي: لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين. وقال أبو حنيفة: إذا جاؤوا متفرقين لم يثبت وعليهم حد القذف كما لو شهد على الزنا أقل من أربعة. حجة الشافعي أن الآتي بالشهداء متفرقين آتٍ بمقتضى النص واجتماعهم أمر زائد لا إشعار به في الآية. وأيضاً القياس على سائر الأحكام بل تفريقهم أولى لأنه ابعد عن التهمة والتواطؤ. وكذلك يفعل القاضي في كل حكم سواه عند الريبة. وايضاً لا يجب أن يشهدوا معاً في حالة واحدة بل إذا اجتمعوا عند القاضي ويقوم واحد بعد آخر ويشهد جاز فكذا إذا اجتمعوا على بابه ويدخل واحد بعد آخر. حجة أبي حنيفة الشاهد الواحد لما شهد قذفه ولم يأت بأربعة شهداء فوجب عليه الحد فخرج عن كونه شاهداً، ولا عبرة بتسميته شاهد إذا فقد المسمى فلا خلاص عن هذا الإشكال إلا باشتراط الاجتماع، ونظيره ما روي أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب اربعة: أبو بكرة ونافع ونفيع. وقال زياد: وكان رابعهم: رايت رجليها على عاتقه كأذني حمار ولا أدري ما وراء ذلك. فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد آخر. فلو قبل بعد ذلك شهادة غيرهم لتوقف في الحد للاحتياط. الثانية: جوّز أبو حنيفة أن يكون زوج المقذوفة واحداً من الشهداء الأربعة وأباه الشافعي. الثالثة: قال الشافعي: في أحد قوليه: إذا أتي بأربعة فساق فهم قذفه يجب عليهم الحد كما يجب على القاذف الأول. وقال أبو حنيفة: لا حد عليهم ولا على القاذف لأنه أتى باربعة من أهل الشهادة إلا أن الشرع لم يعتبر شهادتهم، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه فكذلك يجب اعتبارها في نفي الحد عنهم. الرابعة: لا يكفي في الشهادة إطلاق الزنا لا بد ان يذكروا التي زنى بها وأن يذكروا الزنا مفصلاً مفسراً فيقولوا: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة أو كالرشا في البئر، ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم. ولو أقر على نفسه بالزنا فهل يشترط التفسير والبيان؟ فيه وجهان: نعم كالشهود لا كالقذف. الخامسة: قالوا: أشد الحدود ضرب الزنا ثم ضرب الخمر ثم القذف لأن سبب عقوبته يحتمل الصدق والكذب. إلا أنه عوقب صيانة للأعراض. السادسة: حد القذف يورث عند مالك والشافعي بناء على أنه حق الآدمي. وقد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : من ترك حقاً فلورثته" تفسير : والأصح أنه يرثه جميع الورثة. وفي قول سوى الزوج والزوجة لأن الزوجية ترفع بالموت، ولأن لحوق العار بها أقل. وعلى هذا القول اعتراض أبو حنيفة بأنه لو كان موروثاً لكان للزوج والزوجة فيه نصيب. السابعة: إذا قذف إنسان إنساناً بين يدي الحاكم أو قذف امرأته برجل والرجل غائب فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلاناً قد قذفك وثبت لك حد القذف عليه كما لو ثبت له حق على آخر وهو لا يعلمه يلزمه إعلامه، وبهذا المعنى بعث النبي صلى الله عليه وسلم أنيساً ليخبرها بأن فلاناً قذفها بابنه ولم يبعثه ليتفحص عن زناها. قال الشافعي: وليس للإمام إذا رمى رجل بالزنى أن يبعث إليه فيساله عن ذلك لأن الله تعالى قال {أية : ولا تجسسوا} تفسير : [الحجرات: 12] وأراد به إذا لم يكن القاذف معيناً كأن قال رجل بين يدي الحاكم: الناس يقولون إن فلاناً زنى: فلا يبعث الحاكم إليه فيساله. الثامنة: قال الشافعي: توبة القاذف إكذابه نفسه. وفسره الأصطخري بأن يقول: كذبت فيما قلت فلا أعود إلى مثله. وقال أبو إسحق: لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقاً فيكون قوله كذبت كذباً والكذب معصية والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى بل يقول: القذف باطل وندمت على ما قلت ورجعت عنه ولا أعود إليه. ولا بد من مضيّ مدة عليه في حسن الحال وهو المراد بقوله {واصلحوا} وقدّروا تلك المدة بسنة لأن مرور الفصول الأربعة كلها له تاثير في الطباع. وأن الشارع جعل السنة معتبرة في الزكاة والجزية وغيرهما. أما قوله {وأولئك هم الفاسقون} ففيه دليل على أن القذف من جملة الكبائر، وأن الفاسق اسم من يستحق العقاب لأنه لو كان مشتقاً من فعله لكانت التوبة لا تمنع من دوامه كما لا تمنع من وصفه بأنه ضارب، اللهم إلا أن يقال: إنما لا يطلق عليه هذا الاسم بعد التوبة للتعظيم كما لا يقال الأكابر الصحابة كافر لكفر سبق. قالت الأشاعرة: في قوله {فإن الله غفور رحيم} دلالة على أن قبول التوبة لا يجب عليه وإلا لم يفد المدح. الحكم الثالث: اللعان وسببه قذف الزوجات خاصة. القذف أمر محظور في نفسه إلا إذا عرض ما يباح أو يجب به. وتفضيل ذلك أنه إن رآها الزوج بعينه تزني، أو أقرت هي على نفسها ووقع في قلبه صدقها، أو سمع ممن يثق بقوله، أو استفاض بين الناس أن فلاناً يزني بفلانة وقد رآه الزوج يخرج من بيتها، أو رآه معها في بيت، أبيح له القذف لتأكيد التهمة. ويجوز أن يمسكها أو يستر عليها لما روي أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي امرأة لا تردّ يد لامس. قال: طلقها. قال: إني أحبها. قال: فأمسكها أما إذا سمعه ممن لا يوثق بقوله، أو استفاض ولكن لم يره الزوج معها أو بالعكس لم يحل له قذفها لأنه ربما دخل لخوف أو سرقة أو لطلب فجور وابت المرأة هذا كله إذا لم يكن ثمة ولد يريد نفيه، فإن كان ثمة ولد فإن تيقن أنه ليس منه بأن لم يكن وطئها أو وطئها لكنها أتت به لأقل من ستة اشهر من وقت الوطء أو لأكثر من أربع سنين يجب عليه نفيه باللعان لأنه ممنوع من استلحاق نسب الغير كما هو ممنوع من نفي نسبه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته. وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الشهاد من الأولين والآخرين" تفسير : وإن احتمل أن يكون الولد منه بأن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الوطء ولأقل من أربع سنين، فإن لم يكن استبرأها بحيضة أو استبرأها وأتت به لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء لم يحل له القذف والنفي، وإن اتهمها بالزنا وإن استبرأها وأتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الاستبراء يباح له القذف والنفي، والأولى أن لا يفعل لأنها قد ترى الدم على الحبل. وإن أتت امرأته بولد لا يشبهه كأن كانا أبيضين وأتت به أسود فإن لم يتهمها بالزنا فليس له نفيه لما حديث : روى أبو هريرة أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود فقال: هل لك من إبل؟قال: نعم. قال:ما لونها؟ قال: حمر. قال: فهل فيها أورق؟ قال: نعم قال: فكيف ذاك؟ قال: نزعه عرق. قال: فلعل هذا نزعه عرقتفسير : . وإن كان يتهمها بزنا أو برجل فأتت بولد يشبهه فهل يباح نفيه؟ فيه وجهان: أما سبب نزول الاية فقد قال ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة قال عاصم بن عدي الأنصاري: إذا دخل منا رجل بيته ووجد رجلاً على بطن امرأته فإن جاء بأربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قتل به، وإن قال: وجدت فلاناً مع تلك المرأة ضرب، وإن سكت سكت على غيظ، اللهم افتح. وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويمر، وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس، فأتى عويمر عاصماً وقال: رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة فاسترجع عاصم وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي. أخبرني عويمر أنه رأى شريكاً على بطن امرأته، وكان عويمر وخولة وشريك كلهم أبناء عم عاصم. فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعاً وقال لعويمر: اتق الله في زوجتك وابنة عمك ولا تقذفها. فقال: يا رسول الله أقسم بالله أني رأيت شريكاً على بطنها وأني ما قربتها منذ أربعة اشهر وأنها حبلى من غيري. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعت. فقالت: يا رسول الله إن عويمراً رجل غيور وإنه رأى شريكاً يطيل التردد ويتحدث فحملته الغيرة على ما قال فأنزل الله سبحانه هذه الآيات. {والذين يرمون أزواجهم} إلى آخرها. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نودي بالصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويمر: قم وقل أشهد بالله أن خولة لزانية وإني لمن الصادقين. ثم قال في الثانية قل أشهد بالله إني رايت شريكاً على بطنها وإني لمن الصادقين. ثم قال في الثالثة: قل أشهد بالله أنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين. ثم قال في الرابعة: قل أشهد بالله إنها زانية وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين. ثم قال في الخامسة: قل لعنة الله على عويمر يعني نفسه إن كان من الكاذبين فيما قاله. ثم قال: اقعد. وقال لخولة: قومي فقامت. وقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجي عويمراً لمن الكاذبين. وقالت في الثانية: اشهد بالله ما رأى شريكاً على بطني وإنه لمن الكاذبين. وقالت في الثالثة: اشهد بالله إني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين. وفي الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني على فاحشة قط وإنه لمن الكاذبين. وفي الخامسة: غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين في قوله. ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما. وعن ابن عباس أيضاً في رواية الكلبي أن عاصماً رجع إلى أهله فوجد شريكاً على بطن امرأته فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث كما تقدم. وفي رواية عكرمة عن ابن عباس: "حديث : لما نزلت آية القذف قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: ولو وجدت رجلاً على بطنها فإني إن جئت بأربعة شهداء يكون قد قضى حاجته وذهب. فقال صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟ قالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور. فقال سعد: يا رسول الله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق ولكني عجبت منه. فقال صلى الله عليه وسلم: فإن الله أبى لي ذلك فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم فقال: يا رسول الله إني وجدت مع امرأتي رجلاً رأيت بعيني وسمعت باذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أخبرتك به، والله يعلم أني لصادق وما قلت إلا حقاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إما البينة وإما إقامة الحد عليك. فاجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد. فبيناهم كذلك إن نزل الوحي فقال: يا هلال أبشر فقد جعل الله لك فرجاً وأمر بالملاعنة وفرق بينهما وقال: أبصروها فإن جاءت به اصهب أحمش الساقين أي دقيقهما فهو لهلال، وإن جاءت به اورق جعداً خدلج الساقين. اي ضخمهما فهو لصاحبه. فجاءت به خدلج الساقين فقال صلى الله عليه وسلم: لولا الإيمان لكان لي ولها شأن. قال عكرمة: لقد رأيته بعد ذلك أمير مصر من الأمصار لا يدري من أبوه ". تفسير : واعلم أن الفرق بين قذف غير الزوجة وبين قذف الزوجة هو أن المخلص من الحد في الأول إقرار المقذوف بالزنا أو بينة تقوم على زناة، وفي الثانية المخلص أحد الأمرين أو اللعان. وسبب شرع اللعان هو أنه لا مضرة على الزوج في زنا الأجنبي والأولى له ستره، وأما في زنا الزوجة فيلحقه العار والشنار والسنب الفاسد فلا يمكنه الصبر عليه وتوقيفه على البينة كالمتعذر. وأيضاً الغالب أن الرجل لا يقصد رمي زوجته إلا عن حقيقة، فنفس الرمي دليل على صدقه إلا أن الشرع أراد كمال شهادة الحال بقرينة الإيمان كما أن شهادة المرأة حين ضعفت أكدت بزيادة العدد فمن هنا قال كثير من العلماء: إن حد قاذف الزوجة كان هو الجلد وإن الله نسخه باللعان. ولنذكر ههنا مسائل: الأولى: قال الشافعي: إذا نكل الزوج عن اللعان لزمه الحد للقذف، فإذا لاعن ونكلت عن اللعان لزمها حد الزنا. وقال أبو حنيفة: إذا نكل الزوج يحبس حتى يلاعن وكذا المرأة. حجة الشافعي إذا لم يأت بالمخلص وهو الملاعنة وجب الرجوع إلى مقتضى آية القذف وهو الحد. وايضاً قوله {ويدرأ عنها العذاب} ليست اللام فيه للجنس لأنه لا يجب عليها جميع أنواع العذاب، ولأن الآية تصير إذ ذاك مجملة فهو للعهد ولا معهود في الاية إلا حد القذف، ولقوله صلى الله عليه وسلم لخولة الرجم أهون عليك من غضب الله. وللمرأة أن تقول: إن كان الرجل صادقاً فحدّوني وإن كان كاذباً فخلوني فما بالي والحبس وليس حبسي في كتاب الله ولا سنة رسوله. حجة أبي حنيفة أن النكول ليس بصريح في الإقرار فلا يجوز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنا وغيره. الثانية: الجمهور على أنه إذا قال "يا زانية" وجب اللعان لعموم قوله {والذين يرمون} وقال مالك: لا يلاعن إلا أن يقول: رأيتك تزني وينفي حملاً بها أو ولداً منها. الثالثة: قال الشافعي: من صح رميه صح لعانه فلا يشترط إلا التكليف، ويجري اللعان بين الذميين والمحدودين والرقيقين. وذهب أبو حنيفة إلى ان الزوج ينبغي أن يكون مسلماً حراً عاقلاً بالغاً غير محدود في القذف، والمرأة ينبغي أن تكون بهذه الصفة مع العفة. فإذا كان الزوج عبداً أو محدوداً في قذف والمرأة محصنة حدّ كما في قذف الأجنبيات. دليل الشافعي عموم قوله {والذين يرمون أزواجهم} والإجماع. على أنه يصح لعان الفاسق والأعمى وإن لم يكونا من أهل الشهادة، فكذا القول في غيرهما، والجامع هو الحاجة إلى دفع العار. دليل أبي حنيفة حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي من النساء من ليس بينهن وبين أزواجهن ملاعنة اليهودية والنصرانية تحت المسلم والحّرة تحت المملوك والمملوكة تحت الحر. وأيضاً اللعان بين الزوجات قائم مقام الحد في الأجنبيات فلا يجب اللعان على من لا يجب عليه الحد لو قذفها أجنبي. وأيضاً اللعان شهادة لقوله تعالى {فشهادة أحدهم أربع شهادات} وقد جاء مثله في أحاديث اللعان. وإذا كان شهادة وجب أن لا يقبل من المحدود في القذف ولا من العبد والكافر. أجاب الشافعي بأن اللعان يمين مؤكدة بلفظ الشهادة أو يمين فيها شائبة الشهادات فلا يشترط في الملاعن إلا أهلية لليمين، ومما يدل على أنه يمين قوله صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية: احلف بالله الذي لا إله إلا هو إنك صادق. وقوله: لولا الإيمان لكان لي ولها شأن. وأيضاً لو كان شهادة لكان حظ المرأة ثمان شهادات لأنها على النصف من الرجل، ولم يجز لعان الفاسق والأعمى لأنهما ليسا من أهل الشهادة. لا يقال: الفاسق والفاسقة قد يتوبان لأنا نقول: العبد أيضاً قد يعتق، بل العبد إذا عتق تقبل شهادته في الحال، والفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته إلا بعد الاختبار. ثم ألزم الشافعي أبا حنيفة بأن شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة فينبغي أن يجوز اللعان بين الذمي والذمية. ثم قال الشافعي بعد ذلك: وتختلف الحدود لمن وقعت له، ومعناه أن الزوج إن لم يلاعن ينصف الحد عليه برقه، وإن لاعن ولم تلاعن اختلف حدها بإحصانها وحريتها ورقها. الرابعة: اختلف المجتهدون في نتائج اللعان، فعن عثمان البتي أنه لا يحصل به الفرقة أصلاً لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقاً في قذفه وهذا لا يوجب تحريماً كما لو قامت البينة عليها. وأيضاً إن تلاعنهما في بيتهما لا يوجب الافتراق فكذا عند الحاكم. وأيضاً إنه قائم مقام الشهود في الأجنبيات فلا يكون له تأثير إلا في إسقاط الحد. وأيضاً إذا أكذب الزوج نفسه ثم حدّ لا يوجب الفرقة فكذا اللعان. وأما تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين في قصة العجلاني فذلك لأن الزوج كان طلقها ثلاثاً قبل اللعان. وعن أبي حنيفة وأصحابه إلاَّ زفر، أن الحاكم يفرق بينهما لما روى سهل بن سعد: مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم يجتمعان أبداً، ولما في قصة عويمر كذبت عليها إن أمسكتها هي طالق ثلاثاً، فلو وقعت الفرقة باللعان لم يمكن إمساكها. وقال مالك والليث وزفر: إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة بينهما وإن لم يفرق الحاكم، لأنهما لو تراضيا على دوام النكاح لم يخليا فدل ذلك على وقوع الفرقة بينهما. وقال الشافعي: إذا فرغ الزوج وحده من اللعان حصل بذلك خمس نتائج: درء الحد عنه، ونفي الولد، والفرقة، والتحريم المؤبد، ووجوب الحد عليها. ولا تأثير للعان الزوجة إلا في دفع العذاب عن نفسها، وما روي أنه صلى الله عليه وسلم فرق بينهما محمول على أنه أخبر عن وقوع الفرقة بينهما. وزعم ابو بكر الرازي أن قول الشافعي خلاف الآية، لأنه لو وقعت الفرقة بلعان الزوج لاعنت المرأة وهي أجنبية، ولكنه تعالى أوجب اللعان بين الزوجين، وأيضاً اللعان شهادة فلا يثبت حكمها إلا عند الحاكم كسائر الشهادات. وأيضاً اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعي ما ادعاه بالبينة فيتوقف على حكم الحاكم. وأيضاً اللعان لا إشعار فيه بالتحريم فهو كما لو قامت البينة على زناها فلا بد من إحداث التفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم. ولقائل أن يقول: سميا زوجين باعتبار ما كان كالعبد على من عتق، ولا نسلم أن اللعان شهادة محضة. ومما يؤكد قول الشافعي تنصيص الله سبحانه على ذلك بقوله {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد} ففيه دلالة على أن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج إلا درء العذاب. وأيضاً أن لعان الزوج مستقل بنفي الولد لأن الاعتبار في الإلحاق بقوله لا بقولها، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه، وإذا انتفى الولد عنه بمجرد لعانه وجب أن يكون الفراش زائلاً لقوله "الولد للفراش". الخامسة: مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف والثوري وإسحق، أن المتلاعنين لا يجتمعان أبداً وهو قول علي وابن مسعود. ولما روي الزهري من حديث سهل بن سعد، ولما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين بعد اللعان لا سبيل لك عليها. ولم يقل حتى تكذب نفسك ولو كان إلا كذاب غاية لهذه الحرمة، وأنه إذا أكذب نفسه وحدّ زال تحريم العقد وحلت له بنكاح جديد لذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى {أية : فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره} تفسير : [البقرة: 230] وقد يحتج لأبي حنيفة بعموم قوله {أية : فانكحوا ما طاب لكم من النساء} تفسير : [النساء: 3] وقوله {أية : وأحل لكم ما وراء ذلكم} تفسير : [النساء: 24]. السادسة: اتفق أهل العلم على أن الولد ينتفي من الزوج باللعان. وخالف بعضهم مستدلاً بقوله صلى الله عليه وسلم "الولد للفراش" وزيف بأن الأخبار الدالة على أن الولد ينتفي باللعان كالمتواترة فلا يعارضها الواحد بل يجب تخصيصه بها. السابعة: لو أتى ببعض كلمات اللعان لا يتعلق بها الحكم عند الشافعي وهو ظاهر وعن أبي حنيفة أن للأكثر حكم الكل إذا حكم به الحاكم. الثامنة: كيفية اللعان كالصريحة في الاية وأن الحديث قد زادها بياناً كما مر. وقد عد الشافعي ومن سننها أن يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة حتى تشهد والرجل قاعد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه عند الانتهاء إلى العنة ويقول له القاضي أو صاحب المجلس: اتق الله فإنها موجبة. وهكذا يقال للمرأة إذا انتهت إلى الغضب. ومما يستحب في اللعان ولا يجب على الأصح، التغليظ بالزمان. وهو ما بعد صلاة العصر ولا سيما عصر يوم الجمعة، وبالمكان وذلك بمكة بين الركن والمقام، وبالمدينة بين المنبر والمدفن، وفي سائر البلاد عند المنبر في المسجد الجامع ايضاً وهو المقصورة، وفي بيت المقدس في المسجد القصى عند الصخرة، ولليهود في الكنيسة، وللنصارى في البيعة، وللمجوس في بيت نارهم، وإذا لم يكون له دين ففي مساجدنا إلا في المسجد الحرام. ولا بد من حضور الحاكم سواء كان مدار اللعان على اليمين أو على الشهادة، ولا بد من حضور جمع من الأعيان أقلهم أربعة. التاسعة: قال جار الله: إنما خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله تغليظاً عليها لأنها أصل الفجور ومنبعه بخلابتها وإطماعها ولذلك كانت متقدمة في آية الجلد. العاشرة: في فوائد متعلقة بالآية منها: إبطال الجمهور وقول الخوارج إن الزنا والقذف كفر، وذلك أن الرامي إن صدق فهي زانية وإن كذب فهو قاذف، فلا بد من كفر أحدهما والردة توجب الفرقة من غير لعان: ومنها إبطال قول من زعم أن الزنا يوجب فساد النكاح لأن رمي الزوج إياها اعتراف منه بزناها بل بفساد النكاح على قول هذا القائل فتحصل الفرقة بلا لعان. ومنها أن المعتزلة قالوا: المتلاعنان يستحقان اللعن أو الغضب الموجبين للعقاب الأبدي المضاد للثواب وذلك يدل على خلود الفساق في النار. أجابت الاشاعرة بأن كونه مغضوباً عليه بفسقه لا ينافى كونه مرضياً عنه بجهة إيمانه فلا بد أن يحصل له بعد العقاب ثواب. ثم أخبر عن كمال رافته بقوله {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} أي فيما بين من هذه الأحكام وفيما أمهل وأبقى ومكن من التوبة. وجواب "لولا" محذوف أي لهلكتم أو فضحتم أو لكان ما كان من أنواع المفاسد. وإنما حسن حذفه ليذهب الوهم كل مذهب فيكون أبلغ في البيان فرب مسكوت عنه ابلغ من منطوق به. التأويل: النفس الزانية المستسلمة لتصرفات الشيطان والدنيا فيها، والروح الزاني بتصرفه في الدنيا وشهواتها المنهية عنها {فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} من الجوع وترك الشهوات والمرادات، ومن حملهما على المخالفات. ولعل السر في تخصيص هذا العدد هو أن ساعات اليوم بليلته اربع وعشرون منها: أربع ساعات لأجل النوم {أية : إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل} تفسير : [المزمل: 20] والباقية يجب فيها مراقبة الحواس الخمس وتأديبهن بآداب الشرع والعقل، فيكون المجموع مائة وتأديبة يحصل نتائجها وكمالها للنفس والروح والله تعالى أعلم. {وليشهد عذابهما} ولتكن هذه التزكية والتأديبات بمحضر شيخ واصل كامل يحفظه من طرفي الإفراط والتفريط {الزاني لا ينكح} فيه أن الطبع يسرق والجنس إلى الجنس يميل، فأهل الفساد لا ترغب إلا في صحبة أمثالهم من أهل الفساد كما أن أرباب السداد لا تطمح إلا إلى صحبة أمثالهم من أرباب السداد. {وحرم ذلك} الذي قلنا من اختلاط الأشرار {على المؤمنين} {والذين يرمون المحصنات} أي الأرواح الذين ينسبون إلى نقصان النفوس المستعدات للكمالات {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} أي لم يكن خواص العناصر الأربعة ظاهرة على صفحات أحوالهن كما مر تقريره في أول النساء في قوله {أية : فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} تفسير : [النساء: 15] ولم تبلغ الملكات الذميمة منهن مرتبتها. الرابعة كالكاتب يكتب بالفعل {فاجلودهم ثمانين جلدة} مر وهم بالخلوة أربعين يوماً وأربعين ليلة حتى يظهر لهم كمال حال النفوس في الموافقة لهم ولا تقبلوا لهم بعد ذلك شهادة عليهن، وأولئك هم الذين يريدون أن يخرجوا عن طاعة الله بقدر نسبة النقصان إلى النفوس المستعدة. {والذين يرمون أزواجهم} وهن القوالب المزدوجة بالأرواح {ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم} لأنه لا يطلع على أحوال القالب إلا الروح {فشهادة أحدهم أربع شهادات} هي الأسنان الأربعة التي فيها تحصل التربية والاستكمال. {والخامسة} وهي حالة حلول الأجل اللعنة والغضب والعذاب الأبدي وما تولد منهما من الصفات الذميمة ينسبها الروح إلى ثالث هو الشيطان، وينسبها القالب إلى الروح الذي يدبره ويتصرف فيه. والافتراق الذي يحصل بينهما ليس بالصورة بل المعنى لأن الروح يميل إلى العالم العلوي والقالب إلى العالم السفلي لعدم الموافقة بينهما وهو سبحانه أعلم.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا وَفَرَضْنَـٰهَا...} الآية معنى «فرضنا». أوجبنا وأثبتنا، وقال الثَّعْلَبِيُّ والواحِدِيُّ: {فَرَضْنَـٰهَا} أي: أوجبنا ما فيها من الأحكامِ، انتهى، وقال البخاريُّ: قال ابن عباس: {سُورَةٌ أَنزَلْنَـٰهَا}: بَيَّنَّاها، انتهى. وما تقدم أَبْيَنُ. * ص *: {فَرَضْنَاهَا} الجمهور: بتخفيف الراء أي: فرضنا أحكامها، وأبو عمرو وابن كثير: بتشدِيْدِ الراء: إما للمبَالَغَةِ في الإيجاب، وإما لأَنَّ فيها فرائضَ شَتَّى، انتهى، والآيات البَيِّنَاتُ: أمثالُها ومواعِظُهَا وأحكامُها. وقوله تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ...} الآية, هذه الآية ناسخة لآية الحَبْسِ باتِّفاق، وحكم المُحْصَنِينَ منسوخٌ بآية الرجم والسُّنَّةِ المتواترة على ما تقدّم في سورة النساء، وقرأ الجمهور: «رَأْفَةٌ» بهمزة ساكنة؛ من رَأَفَ إذا رَقَّ وَرَحِمَ، والرأفة المَنْهِيُّ عنها هي في إسقاط الحَدِّ، أي: أقيموه ولا بُدَّ، وهذا تأويل ابنِ عمر وغيره. وقال قتادة وغيره: هي في تخفيف الضَّرْبِ عنِ الزُّنَاةِ، ومِنْ رأيهم أَنْ يُخَفَّفَ ضربُ الخمر، والفِرْيَةِ دون ضرب الزنا. وقوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: إغلاظاً على الزناة، وتوبيخاً لهم، ولا خلافَ أَنَّ الطائفة كُلَّمَا كَثُرَتْ فهو أليق بامتثال الأمر، واختلف في أَقَلِّ ما يجزِىءُ فقال الزُّهْرِيُّ: الطائفة: ثلاثةٌ فصاعداً، وقال عطاء: لا بُدَّ من اثنين، وهذا هو مشهورُ قول مالك فرآها موضع شهادة. وقوله تعالى: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} مَقْصِدُ الآية تشنيعُ الزنا وتشنيع أمره، وأَنَّهُ مُحَرَّمٌ على المؤمنين ويريد بقوله: {لاَ يَنكِحُ} أي: لا يَطَأُ، فالنكاح هنا بمعنى: الجماع؛ كقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ} تفسير : [البقرة:230]. وقد بَيَّنَهُ صلى الله عليه وسلم في الصحيح أَنَّه بمعنى الوطء، حيث قال: «حديث : لا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ...» تفسير : الحديث, وتحتمل الآية وجوهاً هذا أحسنها.

ابن عادل

تفسير : (قوله تعالى): {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} الآية. قرأ العامة "سُورَةٌ" بالرفع، وفيه وجهان: أحدهما: أن تكون مبتدأ، والجملة بعدها صفة لها، وذلك هو المُسَوِّغ للابتداء بالنكرة، وفي الخبر وجهان: أحدهما: أنه الجملة من قوله: "الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي". (وإلى هذا نحا ابن عطية فإنه قال: ويجوز أن تكون مبتدأ، والخبر "الزَّانِيَةُ والزّانِي") وما بعد ذلك. والمعنى: السورةُ المُنَزَّلةُ والمفروضة كذا وكذا، إذ السورة عبارة عن آيات مَسْرُودَة لها بدْءٌ وخَتْمٌ. والثاني: أن الخبر محذوف، أي: فيما يُتْلَى عليكم سورةٌ، أو فيما أنزلنا سورة. والوجه الثاني من الوجهين الأولين: أن تكون خبراً لمبتدأ مضمر، أي: هذه (سورة). وقال أبو البقاء: (سورة) بالرفع على تقدير: هذه سورةٌ، أو فيما يتلى عليك سورة، فلا تكون (سورة) مبتدأ، لأنها نكرة. وهذه عبارة مشكلةٌ على ظاهرها، كيف يقول: "لا تكون مبتدأ" مع تقديره: فيما يُتلى عليك سورةُ؟ وكيف يُعَلِّلُ المنعَ بأنها نكرة مع تقديره لخبرها جاراً مقدماً عليها، وهو مسوغ للابتداء بالنكرة؟ وقرأ عمر بن عبد العزيز وعيسى الثقفي وعيسى الكوفي ومجاهد وأبو حيوة وطلحة بن مصرف "سُورَةً" بالنصب، وفيها أوجه: أحدها: أنها منصوبة بفعل مُقَدَّر غير مُفَسِّرٍ بما بعده، تقديره: "اتْلُ سُورَةً" أو "اقرأ سورة". والثاني: أنها منصوبة بفعل مضمر يفسره ما بعده، والمسألة من الاشتغال، تقديره: "أنزلنا سورةً (أنزلناها"). والفرق بين الوجهين: أنَّ الجملة بعد "سُورَةً" في محل نصب على الأول، ولا محل لها على الثاني. الثالث: أنها منصوبة على الإغراء، أي: دونك سورةً، قاله الزمخشري. ورده أبو حيان بأنه لا يجوز حذف أداة الإغراء. واستشكل أبو حيان أيضاً على وجه الاشتغال جواز الابتداء بالنكرة من غير مسوغ، ومعنى ذلك أنه ما مِنْ موضع يجوز (فيه) النصب على الاشتغال إلاَّ ويجوز أن يُرْفَعَ على الابتداء، وهنا لو رفعت "سُورَةً" بالابتداء لم يَجُزْ، إذ لا مسوغ، فلا يقال: "رجلاً ضربتُه" لامتناع "رجل ضربتُه"، ثم أجاب بأنه إن اعْتُقِدَ حذف وصفٍ جاز، أي: "سُورة مُعَظَّمةً أو مُوَضّحَةً أنزلناها" فيجوز ذلك. الرابع: أنها منصوبة على الحال من "ها" في "أَنْزَلْنَاهَا"، والحال من المكنيّ يجوز أن يتقدم عليه، قاله الفراء. وعلى هذا فالضمير في "أَنْزَلْنَاهَا" ليس عائداً على "سُورَةً" بل على الأحكام، كأنه قيل: أنزلنا الأحكام سورةً من سُوَر القرآن، فهذه الأحكام ثابتةٌ بالقرآن بخلاف غيرها فإنه قد ثبت بالسُّنّة، وتقدم معنى الإنزال. قوله: "وفرضناها" قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتشديد. والباقون بالتخفيف. فالتشديد إمَّا للمبالغة في الإيجاب وتوكيد، وإمَّا لتكثير المَفْرُوض عليهم، وإمَّا لتكثير الشيء المفروض. والتخفيف بمعنى: أَوْجَبْنَاهَا وجعلناها مقطوعاً بها. وقيل: ألزمناكم العمل بها وقيل: قدرنا ما فيها من الحدود. والفرض: التقدير، قال الله (تعالى): {أية : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} تفسير : [البقرة: 237] أي: قدرتم، {أية : إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ} تفسير : [القصص: 85]. ثم إنَّ السورة لا يمكن فرضها لأنها قد دخلت في الوجود، وتحصيل الحاصل محال، فوجب أن يكون المراد: فرضنا ما بيِّن فيها من الأحكام، ثم قال: {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} واضحات. "لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ" تتعظون، وأراد بـ "الآيَات" ما ذكر في السورة من الأحكام والحدود ودلائل التوحيد. وقرئ "تَذَكَّرُونَ" بتشديد الذال وتخفيفها. وتقدم معنى "لَعَلَّ" في سورة البقرة. قال القاضي: "لَعَلّ" بمعنى "كَيْ". فإن قيل: الإنزال يكون من صعود إلى نزول، وهذا يدل على أنه تعالى في جهة؟ فالجواب: أن جبريل كان يحفظها من اللوح ثم ينزلها على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقيل: "أنْزَلْنَاهَا" توسعاً. وقيل: إن الله تعالى أنزلها من أم الكتاب إلى السماء الدنيا دفعة واحدة، ثم أنزلها بعد ذلك على لسان جبريل - عليه السلام -. وقيل: معنى "أنزلناها": أعطيناها الرسول، كما يقول العبد إذا كلم سيّده: رفعت إليه حاجتي، كذلك يكون من السيد إلى العبد الإنزال، قال الله تعالى: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} تفسير : [فاطر: 10]. قوله تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي} في رفعهما وجهان: مذهب سيبويه: أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي: فيما يُتْلَى عَلَيْكُمْ حُكْم الزَّانِيَةِ، ثم بَيَّنَ ذلك بقوله: "فَاجْلِدُوا"... إلى آخره. والثاني وهو مذهب الأخفش وغيره: أنه مبتدأ، والخبر جملة الأمر، ودَخَلَتِ الفاءُ لشبه المبتدأ بالشرط، ولكون الألف واللام بمعنى الذي، تقديره: مَنْ زنا فاجلده، أو التي زنت والذي زنا فاجلدوهما، وتقدم الكلام على هذه المسألة في قوله: {أية : وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا} تفسير : [النساء: 16] وعند قوله: "والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ" فأغْنَى عن إعادته. وقرأ عيسى الثقفي ويحيى بن يعمر وعمرو بن فائد وأبو جعفر وأبو شيبة ورُوَيْس بالنصب على الاشتغال. قال الزمخشري: "وهو أحسن من (سورةً أنزلناها) لأجل الأمر". وقرئ: "والزَّان" بلا ياء. ومعنى "فاجلدوا": فاضربوا {كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}، يقال: جَلَدَه: إذا ضرب جِلْدَهُ، كما يقال: رأسَه وبطنه: إذا ضرب رأسه وبطْنه، وذكر بلفظ الجلد لئلا يبرح، ولا يضرب بحيث يبلغ اللحم. قوله (تعالى): {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ}: رحمة ورقة. قرأ العامة هنا وفي الحديد بسكون همزة "رَأْفَة". وابن كثير بفتحها. وقرأ ابن جريج وتروى أيضاً عن ابن كثير وعاصم "رَآفَة" بألف بعد الهمزة بِزِنَةِ "سَحَابَةٍ". وكلها مصادر لـ "رَأَفَ بِهِ يَرْؤُف"، وتقدم معناه، وأشهر المصادر الأول، ونقل أبو البقاء فيها لغة رابعة، وهي إبدال الهمزة ألفاً، وهذا ظاهر. وقرأ العام "تَأْخُذْكُمْ" بتاء التأنيث مُرَاعاةً للفظ. وعليُّ بن أبي طالب والسُّلميُّ ومجاهد بالياء من تحت، لأنَّ التأنيث مجازيّ، وللفصل بالمفعول والجار. و"بِهِمَا" يتعلق بـ "تَأْخُذْكُمْ"، أو بمحذوف على سبيل البيان، ولا يتعلق بـ "رَأْفَة" لأن المصدر لا يتقدم عليه معمولاً، و"دِينِ اللَّهِ" مُتعلِّقٌ بالفعل قبله أيضاً. وهذه الجملة دالة على جواب الشرط بعدها، أو هي الجواب عند بعضهم. فصل الزنا حرام، وهو من الكبائر، لأن الله تعالى قرنه بالشرك وقتل النفس في قوله: "وَلاَ يَزْنُونَ"، وقال {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 32]، وقال عليه السلام: "حديث : يَا مَعْشَرَ الناس اتقوا الزِّنَا فإنَّ فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، أما التي في الدنيا: فيُذْهِبُ البهاء، ويورث الفقر، وينقص العمر. وأما اللاتي في الآخرة: فسُخْطُ الله، وسوء الحساب، وعذاب (النار) ". تفسير : قال بعض العلماء في حدّ الزنا: إنه عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم قطعاً. واختلف العلماء في اللواط، هل يسمى زنا أم لا؟ فقيل: نعم لقوله - عليه السلام -: "حديث : إذا أتى الرجلُ الرجلَ فهما زانيان"تفسير : ، ولدخوله في حدّ الزنا المتقدم. وقيل: لا يسمى زنا، لأنه في العرف لا يسمى زانياً، ولو حلف لا يزني فلاط لم يحنث، ولأن الصحابة اختلفوا في حكم اللواط وكانوا عالمين باللغة. وأما الحديث فمحمول على الإثم (بدليل قوله - عليه السلام -): "حديث : إذَا أَتَتِ المَرْأةُ المرأةَ فَهُمَا زَانِيتَان"تفسير : ، وقوله عليه السلام: "حديث : اليَدَان تَزْنِيَان، والعَيْنَان تَزْنِيَان"تفسير : . وأما دخوله في مسمى الفرج لما فيه من الانفراج فبعيد، لأن العين والفم منفرجان ولا يسميان فرجاً، وسمي النجم نجماً لظهوره، وما سموا كل ظاهر نجماً، وسموا الجنين جنيناً لاستتاره، وما سمّوا كل مستتر جنيناً. واختلفوا في حدّ اللوطي: فقيل: حدّ الزنا، إن كان محصناً رجم، وإن كان غير محصن جلد وغرب. وقيل: يقتل الفاعل والمفعول مطلقاً. واختلفوا في كيفية قتله: فقيل: تضرب رقبتُه كالمرتد لقوله عليه السلام: "حديث : مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوه ". تفسير : وقيل: يرجم بالحجارة. وقيل: يهدم عليه جدار. وقيل: يرمى من شاهق، لأن الله تعالى عذب قوم لوط بكل ذلك. وقيل: يعزّر الفاعل، وأما المفعول فعليه القتل إن قلنا يقتل الفاعل، وإن قلنا على الفاعل حدّ الزنا فعلى المفعول جلد مائة وتغريب عام محصناً كان أو غير محصن. وقيل: إن كانت امرأة محصنة فعليها الرجم. فصل وأجمعت الأمة على حرمة إتيان البهيمة، واختلفوا في حدّه: فقيل: حدّ الزنا. وقيل: يقتل مطلقاً لقوله عليه السلام: "حديث : مَنْ أَتَى بَهِيمةً فَاقْتُلوهُ واقْتُلُوهَا مَعَهُ ". تفسير : وقيل: التعزير، وهو الصحيح. وأما السحق وإتيان الميتة والاستمناء باليد فلا يشرع فيه إلا التعزير. فصل تقدم الكلام في حدّ الزنا في سورة النساء، وأما إثباته فلا يحصل إلا بالإقرار أو بالبينة. أما الإقرار، فقال الشافعي: يثبت بالإقرار مرة واحدة لقصة العسيف. وقال أبو حنيفة وأحمد: لا بد من الإقرار أربع مرات لقصة ماعز، ولقوله عليه السلام: "حديث : إنَّكَ شَهدتَ على نفسِكَ أربعَ مرات" تفسير : ولو كانت المرة الواحدة مثل الأربع في إيجاب الحدّ لكان هذا الكلام لغواً، ولقول أبي بكر - رضي الله عنه - لماعز بعد إقراره الثالثة: لو أقررت الرابعة لرجمك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال بريدة الأسلمي: كنا معشر أصحاب محمد نقول: لو لم يقر ماعز (أربع مرات) ما رجمه رسول الله. وأيضاً فكما لا يقبل في الشهادة على الزنا إلاّ أربع شهادات، فكذا في الإقرار. وكما أن الزنا لا ينتفي إلاّ بأربع شهادات في اللعان، فلا يثبت إلا بالإقرار أربع مرات. وأما البينة فأجمعوا على أنه لا بُدّ من أربع شهادات لقوله تعالى: {أية : فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} تفسير : [النساء: 15]. فصل قال بعض العلماء: لا خلاف أنه يجب على القاضي أن يمتنع عن القضاء بعلم نفسه، كما إذا ادعى رجل على آخر حقاً وأقام عليه بينة، والقاضي يعلم أنه قد أبرأه، أو ادعى أنه قتل أباه وقت كذا وقد رآه القاضي حيًّا بعد ذلك، أو ادعى نكاح امرأة وقد سمعه القاضي طلقها، لا يجوز أن يقضي به ولو أقام عليه شهوداً وهل يجوز له أن يقضي بعلم نفسه مثل إن ادعى عليه ألفاً وقد رآه القاضي أقرضه، أو سمع المدعى عليه يقرّ به؟ فقال أبو يوسف ومحمد والمزني: يجوز له أن يقضي بعلمه، لأنه لما جاز له أن يحكم بشهادة الشهود، وهي إنما تفيد الظن، فلأن يجوز (له) بما هو منه على علم أولى. قال الشافعي: أقْضِي بعلمي، وهو أقوى من شاهدين، أو شاهد وامرأتين، وهو أقوى من شاهد ويمين، (وبشاهد ويمين) وهو أقوى من (النكول) وردّ اليمين" وقيل: لا يحكم بعلمه لأن انتفاء التهمة شرط في القضاء، ولم يوجد هذا في الأموال فأما العقوبات، فإن كانت العقوبة من حقوق العباد كالقصاص وحدّ القذف فهو مثل المال، إن قلنا لا يقضي فهاهنا أولى، وإلا فقولان. والفرق بينهما أن حقوق الله تعالى مبنية على المساهلة والمسامحة، ولا فرق على القولين أن يحصل العلم للقاضي في بلد ولايته (وزمان ولايته) أو في غيره. وقال أبو حنيفة: إن حصل له العلم في بلد ولايته (وفي زمان ولايته) له أن يقضي بعلمه وإلا فلا. فصل لا يقيم الحد إلا الإمام أو نائبه وللسيد أن يقيم الحد على رقيقه لقوله عليه السلام: "حديث : إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدكم فَلْيَجلِدْها"تفسير : . وقيل: بل يرفعه إلى الإمام. ويُجلد المحصن مع ثيابه ولا يجرد، ولكن ينبغي أن تكون بحيث يصل ألم الضرب إليه، وأما المرأة فلا يجوز تجريدها، بل تربط عليها ثيابها حتى لا تنكشف، ويلي ذلك منها امرأة. ويضرب بسوط لا جديد يجرح ولا خلق لا يؤلم، ولا يمد، ولا يربط، بل يترك حتى يتقي بيديه ويضرب الرجل قائماً والمرأة جالسة، وتفرق السياط على أعضائه ولا يجمعها في موضع واحد ويتقى المهالك كالوجه والبطن والفرج. قال الشافعي: يضرب على الرأس. وقال أبو حنيفة: لا يضرب على الرأس. فصل ولا يقام الحدّ على الحامل حتى تضع ولدها، ويستغنى عنها لحديث الجهنية، وأما المريض فإن كان يرجى زوال مرضه أخّر حتى يبرأ (إن كان الحد جلداً، وإن كان رجماً أقيم عليه الحدُّ، لأن المقصود قتله)، وإن كان مرضه لا يرجى زواله لم يضرب بالسياط، بل يضرب بضغث فيه عيدان بعدد ما يجب عليه لقصة أيوب (- عليه السلام -) وأدلة جميع ما تقدم مذكورة في كتب الفقه. فصل لو فرق السياط تفريقاً لا يحصل به التنكيل مثل أن ضرب كل يوم سوطاً أو سوطين لم يحسب، وإن ضرب كل يوم عشرين وأكثر حسب. فصل ويقام الحد في وقت اعتدال الهواء، فإن كان في وقت شدة حرّ أو برد نظرنا: إن كان الحدّ رجماً أقيم عليه كما يقام في المرض، لأن المقصود قتله. وقيل: إن كان الرجم ثبت بإقراره أخّر إلى اعتدال الهواء وزوال المرض (إنْ كان يرجى زوال، لأنه ربما رجع عن إقراره في خلال الرجم) وقد أثر الرجم في جسمه فيعين شدة الحر والبرد والمرض على إهلاكه. وإن ثبت بالبينة لا يؤخر، لأنه لا يسقط. وإن كان الحد جلداً لم يجز إقامته في شدة الحر والبرد كما لا يقام في المرض. فصل معنى قوله: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ}. قال مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي: لا تأخذكم بهما رأفة فتعطلوا الحدود ولا تقيموها. وقيل: ولا تأخذكم رأفة فتخففوا، ولكن أوجعوهما ضرباً. وهو قول سعيد بن المسيب والحسن. قال الزهري: يجتهد في حدّ الزنا والغربة، ويخفف في حدّ الشرب. وقال قتادة: يخفف في الشرب والغربة، ويجتهد في الزنا. ومعنى {فِي دِينِ ٱللَّهِ}: أي: في حكم الله، روي أن عبد الله بن عمر جلد جارية له زنت فقال للجلاد: "اضْرُبْ ظَهْرَهَا ورِجْلَيْهَا" فقال له ابنه: "ولا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةً في دِينِ اللَّهِ" فقال: "يا بنيّ إن الله لم يأمرني بقتلها، وقد ضربت فأوجعت". فصل إذا ثبت الزنا بإقراره فمتى رجع ترك، وقع به بعض الحد أو لم يقع (به)، لأنّ ماعزاً لما مسته الحجارة هرب، فقال عليه السلام: "حديث : هَلاَّ تركتموه ". تفسير : وقيل: لا يقبل رجوعه. ويحفر للمرأة إلى صدرها، ولا يحفر للرجل، وإذا مات في الحدّ غُسِّل وكُفِّن وصُلِّيَ عليه ودفِن في مقابر المسلمين. قوله: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} معناه: أن المؤمن لا تأخذه الرأفة إذا جاء أمر الله. قوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا} أي: وليحضر "عَذَابَهُمَا": حدهما إذا أقيم عليهما "طَائِفَةٌ" نفر من المؤمنين. قال النخعي ومجاهد: أقله رجل واحد، لقوله تعالى: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ} تفسير : [الحجرات: 9]. وقال عطاء وعكرمة: اثنان، لقوله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ} تفسير : [التوبة: 122] وكل ثلاثة فرقة، والخارج عن الثلاثة واحد أو اثنان، والاحتياط يوجب الأخذ بالأكثر. وقال الزهري وقتادة: ثلاثة فصاعداً، لأن الطائفة هي الفرقة التي تكون حافة حول الشيء، وهذه الصورة أقل ما لا بد في حصولها الثلاثة. وقال ابن عباس: "إنَّها أربعة، عدد شهود الزنا"، وهو قول مالك وابن زيد. وقال الحسن البصري: عشرة، لأنها العدد الكامل. واعلم أن قوله: "وَلْيَشْهَد" أمر، وظاهره للوجوب، لكن الفقهاء قالوا: يستحب حضور الجمع، والمقصود منه: إعلان إقامة الحد لما فيه من الردع ودفع التهمة. وقيل: أراد بالطائفة: الشهود يجب حضورهم ليعلم بقاؤهم على الشهادة. وقال الشافعي ومالك: يجوز للإمام أن يحضر رجمه وأن لا يحضر، وكذا الشهود لا يلزمهم الحضور. وقال أبو حنيفة: "إن ثبت بالبينة وجب على الشهود أن يبدؤوا بالرمي، ثم الإمام، ثم الناس، وإن ثبت بالإقرار بدأ الإمام ثم الناس". واحتج الشافعي بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم ماعزاً والغامدية ولم يحضر رجمهما وأما تسميته عذاباً فإنه يدل على أنه عقوبة، ويجوز أن يسمى عذاباً لأنه يمنع المعاودة، كما يسمى نكالاً لذلك.

البقاعي

تفسير : {سورة} أي عظيمة؛ ثم رغب في امتثال ما فيها مبيناً أن تنويهاً للتعظيم بقوله: {أنزلناها} أي بما لنا من العظمة وتمام العلم والقدرة {وفرضناها} أي قررناها وقدرناها وأكثرنا فيها من الفروض وأكدناها {وأنزلنا فيها} بشمول علمنا {آيات} من الحدود والأحكام والمواعظ والأمثال وغيرها، مبرهناً عليها {بينات} لا إشكال فيها رحمة منا لكم، فمن قبلها دخل في دعوة نبينا صلى الله عليه وسلم التي لقناه إياها في آخر تلك فرحمه خير الراحمين، ومن أباها ضل فدخل في التبكيت بقولنا {أية : ألم تكن آياتي تتلى عليكم} تفسير : [المؤمنون: 105] ونحوه، وذلك معنى قوله: {لعلكم تذكرون*} أي لتكونوا - إذا تأملتموها مع ما قبلها من الآيات المرققة والقصص المحذرة - على رجاء - عند من لا يعلم العواقب - من أن تتذكروا ولو نوعاً من التذكر - كما أشار إليه الإدغام - بما ترون فيها من الحكم أن الذي نصبها لكم وفصلها إلى ما ترون لا يترككم سدى، فتقبلوا على جميع أوامره، وتنتهوا عن زواجره، ليغفر لكم ما قصرتم فيه من طاعته، ويرحمكم بتنويل ما لا وصول لكم إليه إلا برحمته، وتتذكروا أيضاً بما يبين لكم من الأمور، ويكشف عنه الغطاء من الأحكام التي اغمت عنها حجب النفوس، وسترتها ظلمات الأهوية - ما جبل عليه الآدميون، فتعلموا أن الذي تحبون أن يفعل معكم بحب غيركم أن تفعلوه معه، والذي تكرهونه من ذلك يكرهه غيركم، فيكون ذلك حاملاً لكم على النصفة فيثمر الصفاء، والألفة والوفاء، فتكونوا من المؤمنين المفلحين الوارثين الداخلين في دعوة البشير النذير بالرحمة. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير في برهانه: لما قال تعالى {أية : والذين هم لفروجهم حافظون} تفسير : [المؤمنون:5] ثم قال تعالى {أية : فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} تفسير : [المؤمنون: 7] استدعى الكلام بيان حكم العادي في ذلك، ولم يبين فيها فأوضحه في سورة النور فقال تعالى {الزانية والزاني} - الآية، ثم أتبع ذلك بحكم اللعان والقذف وانجرّ مع ذلك الإخبار بقصة الإفك تحذيراً للمؤمنين من زلل الألسنة رجماً بالغيب {وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم} وأتبع ذلك بعد بوعيد محبّي شياع الفاحشة، في المؤمنين بقوله تعالى {أية : إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات}تفسير : [النور: 23] الآيات، ثم بالتحذيرمن دخول البيوت إلا بعد الاستئذان المشروع، ثم بالأمر بغض الأبصار للرجال والنساء ونهى النساء عن إبداء الزينة إلا لمن سمى الله سبحانه في الآية، وتكررت هذه المقاصد في هذه السورة إلى ذكر حكم العورات الثلاث، ودخول بيوت الأقارب وذوي الأرحام، وكل هذا مما تبرأ ذمة المؤمن بالتزام ما أمر الله فيه من ذلك والوقوف عندما حده تعالى من أن يكون من العادين المذمومين في قوله تعالى {أية : فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}تفسير : [المؤمنون: 7]. وما تخلل الآي المذكورات ونسق عليها مما ليس من الحكم المذكور فلاستجرار الآي إياه واستدعائه، ومظنة استيفاء ذلك وبيان ارتباطه التفسير، وليس من شرطنا هنا - والله سبحانه وتعالى يوفقنا لفهم كتابه - انتهى. ولما كان مبنى هذه الدار على الأنساب في التوارث والإمامة والنكاح وغير ذلك، ومبنى تلك الدار على الأعمال لقوله تعالى {أية : فلا أنساب بينهم يومئذ} تفسير : [المؤمنون: 101] وكان قد حث في آخر تلك على الستر والرحمة، حذر رحمة منه في أول هذه من لبس الأنساب، وكسب الأعراض وقطع الأسباب، معلماً أن الستر والرقة ليسا على عمومهما، بل على ما يحده سبحانه، فقال مخاطباً للأئمة ومن يقيمونه: {الزانية} وهي من فعلت الزنى، وهو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً، وقدمها لأن أثر الزنى يبدو عليها من الحبل وزوال البكارة، ولأنها أصل الفتنة بهتك ما أمرت به من حجاب التستر والتصون والتحذر {والزاني}. ولما كان "ال" بمعنى الاسم الموصول، أدخل الفاء في الخبر فقال: {فاجلدوا} أي فاضربوا وإن كان أصله ضرب الجلد بالسوط الذي هو جلد {كل واحد منهما} إذا لم يكن محصناً، بل كان مكلفاً بكراً - بما بينته السنة الشريفة {مائة جلدة} فبدأ بحد الزنى المشار إليه أول تلك بقوله تعالى {أية : فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} تفسير : [المؤمنون: 7] وفي التعبير بلفظ الجلد الذي هو ضرب الجلد إشارة إلى أنه يكون مبرحاً بحيث يتجاوز الألم إلى اللحم. ولما كان هذا ظاهراً في ترك الشفقة عليهما، صرح به لأن من شأن كل من يجوز على نفسه الوقوع في مثل ذلك أن يرحمهما فقال: {ولا تأخذكم} أي على حال من الأحوال {بهما رأفة} أي لين، ولعله عبر بها إعلاماً بأنه لم ينه عن مطلق الرحمة، لأن الرأفة أشد الرحمة أو أرقها وتكون عن أسباب من المرؤوف به، وكذا قوله: {في دين الله} أي الذي شرعه لكم الملك المحيط بصفات الكمال - إشارة إلى أن الممنوع منه رحمة تؤدي إلى ترك الحد أو شيء منه أو التهاون به أو الرضى عن منتهكه لا رقة القلب المطبوع عليها البشر كما يحكى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه بكى يوم فتحت قبرص وضربت رقاب ناس من أسراها فقيل له: هذا يوم سرور، فقال: هو كذلك، ولكني أبكي رحمة لهؤلاء العباد الذين عصوا الله فخذلهم وأمكن منهم. ولما علم سبحانه ما طبع عليه عباده من رحمة بعضهم لبعض فحث على هذا الحكم بالأمر والنهي، زاد في التهييج إليه والحض عليه بقوله: {إن كنتم} أي بما هو كالجبلة التي لا تنفك {تؤمنون بالله} أي الملك الأعظم الذي هو أرحم الراحمين، فما شرع ذلك إلا رحمة للناس عموماً وللزانيين خصوصاً، فمن نقص سوطاً فقد ادعى أنه أرحم منه، ومن زاد سوطاً فقد ظن أنه أحكم وأعظم منه. ولما ذكر بالإيمان الذي من شرطه التزام الأحكام، وكان الرجاء غالباً على الإنسان، أتبعه ما يرهبه فقال: {واليوم الآخر} الذي يحاسب فيه على النقير والقطمير والخفي والجلي. ولما كان الخزي والفضيحة أعظم عند بعض الناس من ضرب السيف فضلاً عن ضرب السوط قال: {وليشهد} أي يحضر حضوراً تاماً {عذابهما طائفة} أي جماعة يمكن إطافتها أي تحلقها وحفوفها بكل منهما {من المؤمنين*} العريقين إشهاراً لأمرهما نكالاً لهما، وعن نصر بن علقمة أن ذلك ليدعى لهما بالتوبة والرحمة. وفي كل هذا إشارة ظاهرة إلى أن إقامة الحدود والغلظة فيها من رحمته سبحانه المشار إليها بقوله {أية : وأنت خير الراحمين}تفسير : [المؤمنون: 118].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حارثة عن ابن عباس في قوله {سورة أنزلناها وفرضناها} قال: بيناها. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وفرضناها} قال: وفسرناها، الأمر بالحلال والنهي عن الحرام. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {وفرضناها} قال: فرض الله فيها فرائضه، وأحل حلاله، وحرم حرامه، وحد حدوده، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه قرأ {وفرضناها} خفيفة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جرير {وأنزلنا فيها آيات بينات} قال: الحلال والحرام والحدود.

ابو السعود

تفسير : سورة النور مدنية وهي اثنتان أو أربع وستون آية {سُورَةٌ} خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي هذه سورةٌ وإنَّما أُشير إليها مع عدمِ سبقِ ذكرِها لأنَّها باعتبار كونِها في شرف الذِّكرِ في حُكم الحاضرِ المُشاهَدِ. وقولُه تعالَى: {أَنزَلْنَـٰهَا} معَ ما عُطف عليه صفاتٌ لها مؤكِّدةٌ لما أفادَهُ التَّنكيرُ من الفخامة من حيثُ الذَّاتُ بالفخامة من حيثُ الصِّفاتُ. وأمَّا كونُها مبتدأً محذوفَ الخبرِ على أنْ يكونَ التَّقديرُ فيما أوحينا إليك سورةٌ أنزلناها فيأباهُ أنَّ مُقتضى المقام بـيانِ شأنِ هذه السُّورةِ الكريمةِ لا أنَّ في جُملة ما أُوحي إلى النبـيِّ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ سورةً شأنُها كَذا وكَذا، وحملُها على السُّورةِ الكَريمةِ بمعونةِ المقامِ يُوهم أنَّ غيرَها من السُّورِ الكريمةِ ليستْ على تلكَ الصِّفاتِ، وقُرىء بالنَّصبِ على إضمارِ فعلٍ يُفسِّره أنزلناهَا فلا محلَّ له حينئذٍ من الإعرابِ أو على تقديرِ اقرأْ ونحوِه أو دُونَك من يُسوِّغُ حذفَ أداةِ الإغراءِ فمحلُّ أنزلنا النَّصبُ على الوصفيَّةِ {وَفَرَضْنَـٰهَا} أي أوجبنَا ما فيها من الأحكامِ إيجاباً قطعيًّا، وفيه من الإيذانِ بغايةِ وكادةِ الفرضيَّةِ ما لا يَخْفى. وقُرىءَ فرَّضناها بالتَّشديدِ لتأكيدِ الإيجابِ أو لتعددِ الفرائضِ أو لكثرةِ المفروضِ عليهم من السَّلفِ والخلفِ {وَأَنزَلْنَا فِيهَا} أي في تضاعيفِ السُّورةِ {ءَايَاتٍ بَيّنَاتٍ} إنْ أُريد بها الآياتُ التي نِيطتْ بها الأحكامُ المفروضةُ وهو الأظهرُ فكونُها في السُّورةِ ظاهرٌ ومعنى كونِها بـيناتٍ وضوحُ دلالاتِها على أحكامِها لا على الإطلاقِ فإنَّها أسوةٌ لسائرِ الآياتِ في ذلكَ، وتكريرُ أنزلنا معَ استلزام إنزالِ السُّورةِ لإنزالِها لإبرازِ كمالِ العنايةِ بشأنِها وإنْ أُريد جميعُ الآياتِ فالظَّرفيةُ باعتبارِ اشتمالِ الكلِّ على كلِّ واحدٍ من أجزائِه، وتكريرُ أنزلنا مع أنَّ جميعَ الآياتِ عينُ السُّورةِ وإنزالها لاستقلالها بعنوانٍ رائقٍ رادعٍ إلى تخصيصِ إنزالِها بالذِّكرِ إبانةً لخطرِها ورفعاً لمحلِّها كقولِه تعالى: { أية : وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تفسير : [هود: 58] بعد قولِه تعالى: {نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا} {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} بحذفِ إحدى التَّاءينِ. وقُرىء بإدغامِ الثَّانيةِ في الذَّالِ أي تَتذكَّرونها فتعملونَ بموجبِها عند وقوعِ الحوادثِ الدَّاعيةِ إلى إجراءِ أحكامِها وفيه إيذانٌ بأنَّ حقَّها أنْ تكونَ على ذكرٍ منهم بحيثُ مَتَى مسَّتِ الحاجةُ إليها استحضرُوها. {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى} شُروعٌ في تفصيلِ ما ذُكِر منَ الآياتِ البـيِّناتِ وبـيانِ أحكامِها، والزَّانيةُ هي المرأةُ المُطاوِعةُ للزِّنا الممكِّنةُ منه كما تُنبىء عنه الصِّيغةُ لا المزنيةُ كُرهاً وتقديمُها على الزَّاني لأنَّها الأصلُ في الفعل لكونِ الدَّاعيةِ فيها أوفرَ ولولا تمكينُها منه لم يقعْ. ورفعُهما على الابتداءِ، والخبرُ قولُه تعالى: {فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ} والفاءُ لتضمُّنِ المبتدأِ معنى الشَّرطِ إذِ اللاَّمُ بمعنى الموصولِ والتَّقديرُ التي زنتْ والذي زَنى كما في قوله تعالى: { أية : وَٱللَّذَانَ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ فَـئَاذُوهُمَا} تفسير : [النساء: 16] وقيل الخبرُ محذوفٌ أي فيما أنزلنا أو فيما فرضنا الزانيةُ والزَّاني أي حُكمهُما. وقولُه تعالى {فَٱجْلِدُواْ} الخ بـيانٌ لذلكَ الحُكمِ وكانَ هذا عامًّا في حقِّ المُحصنِ وغيرِه وقد نُسخَ في حقِّ المحصنِ قَطْعاً ويكفينا في تعيـينِ النَّاسخِ القطعُ بأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قد رجمَ ماعِزاً وغيره فيكونُ من بابِ نسخِ الكتابِ بالسُّنَّةِ المشهُورةِ. وفي الإيضاحِ الرَّجمُ حكمٌ ثبتَ بالسنَّةِ المشهورةِ المتفقِ عليها فجازتِ الزيادةُ بها على الكتابِ ورُوي عن عليَ رضي الله عنهُ: جلدتُها بكتابِ اللَّهِ ورجمتُها بسنَّةِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وقيلَ نُسخ بآيةٍ منسوخةِ التِّلاوةِ هي «الشَّيخُ والشَّيخةُ إذا زنيا فارجمُوهما البتة نكالاً من اللَّهِ واللَّهُ عزيزٌ حكيمٌ» ويأباهُ ما رُوي عن عليَ رضي الله عنهُ. {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} وقُرىء بفتحِ الهمزةِ وبالمدِّ أيضاً على فَعَالةٍ أي رحمةٌ ورقَّةٌ. {فِى دِينِ ٱللَّهِ} في طاعتهِ وإقامةِ حدِّه فتُعطِّلوه أو تُسامحوا فيهِ وقد قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: « حديث : لو سرقتْ فاطمةُ بنتُ محمَّدٍ لقطعتُ يدها »تفسير : . {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} منْ بابِ التَّهيـيج والإلهابِ فإنَّ الإيمانَ بهما يقتضي الجدَّ في طاعته تعالى والاجتهادَ في إجراءِ أحكامِه. وذكرُ اليومِ الآخرِ لتذكيرِ ما فيهِ من العقابِ في مقابلةِ المُسامحةِ والتَّعطيلِ. {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي لتحضره زيادةً في التَّنكيلِ، فإنَّ التَّفضيحَ قد يُنكِّلُ أكثرَ ممَّا يُنكلُّ التَّعذيبُ والطَّائفةُ فرقةٌ يُمكن أنْ تكونَ حافَّةً حولَ شيءٍ من الطَّوفِ وأقلُّها ثلاثةٌ كما رُوي عن قتادة. وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهُما أربعةٌ إلى أربعينَ. وعن الحسنِ عشرةٌ والمرادُ جمعٌ يحصلُ بهِ التَّشهيرُ والزَّجرُ.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا}[1] أي جمعناها وبينا حلالها وحرامها.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [الآية: 1]. قال سهل: جمعناها وبينا حلالها وحرامها. قوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} [الآية: 1]. قال بعضهم: لو لم يكن من آيات هذه السورة إلا براءة الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله لكان كثيرًا فكيف وقد جمعت من الأحكام والبراهين ما لم يجمعه غيرها.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا}. سورة هي شَرَفٌ لك - يا محمد - أنزلناها لأن أقلَّ ما ورد به التحدي سورة؛ فكلُّ سورةٍ شَرَفٌ له عليه السلام لأنها له معجزة، بيَّناها وشرعنا فيها من الحلال والحرام، وبيَّنا فيها من الأحكام لكم به اهتداء، وللقلوب من غمرة الاستعجام شفاء. أنزلنا فيها آياتٍ بيناتٍ، ودلائلَ واضحاتٍ، وحُجَجاً لائحات؛ لتتذكروا تلك الآيات، وتعتبروا بما فيها من البراهين والبينات.

البقلي

تفسير : انزل الله القرأن من سماء القدم على سيد اهل الكرم وجعله سرجا اسرجها من نور الذات فى مشكاة الأيات لالباء الحقيقة وادلاَّء الطريقة لينوروا بانوارها طرق المعارف وسبل الكواشف واوجب ما فيها من احكام العبودية على العباد وانزل فى هذه السورة أيات دالة على اسرار القدوسية وانوار السبوحية بنيات واضحات لاولى النهى من العارفين واهل الفطنة من الموقنين ليتعظ بمواعظها المريدون ويقتبس انوارها العارفون ويدرك حقايقها الموحدون قال سهل جمعناها وبيناها حلالها وحرامها وقال بعضهم لو لم يكن من أيات هذه السورة الابراءة الصديقة بنعت الصديق حبيبه حبيب الله لكان كثيرا فكيف وقد جمعت من الاحكام والبراهين ما لم يجمعه غيرها.

اسماعيل حقي

تفسير : {سورة} سورة القرآن طائفة منه محيطة بما فيها من الآيات والكلمات والعلوم والمعارف مأخوذة من سورة المدينة وهو حائطها المشتمل عليها وهى خبر مبتدأ محذوف اى هذه سورة وانما اشير اليها مع عدم سبق ذكرها لانها باعتبار كونها فى شرف الذكر فى حكم الحاضر المشاهد والتنكير مفيد للفخامة من حيث الذات كما ان قوله تعالى {انزلناها} مفيد لها من حيث الصفة اى انزلناها من عالم القدس بواسطة جبريل {وفرضناها} اى اوجبنا ما فيها من الاحكام ايجابا قطعيا فان اصل الفرض قطع الشىء الصلب والتأثير فيه كقطع الحديد والفرض كالايجاب لكن الايجاب يقال اعتبار بوقوعه وثباته والفرض بقطع الحكم فيه كما فى المفردات {وانزلنا فيها} اى فى تضاعيف السورة {آيات} هى الآيات التى نيطت بها الاحكام المفروضة كما هو الظاهر لامجموع الآيات {بينات} واضحات دلالاتها على احكامها وتكرير انزلنا مع استلزام انزال السورة لانزالها لابراز كمال العناية بشأنها {لعلكم تذكرون} [شايدكه شمايند بذيريد واز محارم برهيزيد] وهو بحذف احدى التاءين اى تتذكرونها فتعملون بموجبها عند وقوع الحوادث الداعية الى اجراء احكامها وفيه ايذان بان حقها ان تكون على ذكر منهم بحيث متى مست الحاجة اليها استحضروها، قال بعضهم لو لم يكن من آيات هذه السورة الا براءة الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله لكان كثيرا فكيف وقد جمعت من الاحكام والبراهين مالم يجمعها غيرها.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "سورة": خبر، أي: هذه سورة، وأشير لها، مع عدم تقدم ذكره؛ لأنها في حكم الحاضر المشاهدَ. وقرئ بالنصب على الاشتغال، وجملة: (أنزلناها)، وما عطف عليه: صفة لسورة، مؤكد لما أفاده التنكير من الفخامة. و(الزانية): مبتدأ، والخبر (فاجلدوا)، ودخلت الفاء؛ لتضمن المبتدأ معنى الشرط؛ إذ اللام موصولة، أي: والتي زنت والذي زنى فاجلدوا، هذا مذهب المبرد وغيره، والاختيار عند سيبويه: الرفع على الابتداء، والخبر: محذوف، أي: فيما فرض عليكم، أو: مما يُتلى عليكم: حكم الزانية والزاني، وقدَّم الزانية؛ لأنها الأصل في الفعل، والداعية فيها أوفر، ولولا تمكينها منه لم يقع. وقيل: لمّا كان وجود الزنى في النساء أكثر، بخلاف السرقة، ففي الرجال أكثر، قَدَّم الحق تعالى الأكثر فيهما. يقول الحق جل جلاله: هذه {سورةٌ}، وهي الجامعة لآيات، بفاتحة لها وخاتمة، مشتقة من سور البلد. من نعت تلك السورة: {أنزلناها} عليك، {وفرضْنَاها} أي: فرضنا الأحكام التي فيها. وأصل الفرض: القطع، أي: جعلناها مقطوعاً بها قطعَ إيجاب. وقرأ المكي وأبو عمرو: بالتشديد؛ للمبالغة في الإيجاب وتوكيده، أو: لأن فيها فرائض شتى، أو لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن بعدهم. {وأنزلنا فيها} أي: في تضاعيفها {آيات بينات} أي: دلائل واضحات؛ لوضوح دلالتها على أحكامها لا على معانيها؛ فإنها كسائر السور. وتكرير (أنزلنا)، مع أن جميع الآيات عين السورة؛ لاستقلالها بعنوان رائق دَاع إلى تخصيص إنزالها بالذكر؛ إبانة لخطرها، ورفعاً لقدرها، كقوله تعالى: {أية : وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ} تفسير : [هود: 58]، بعد قوله: {نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ}. {لعلكم تذكَّرون} أي: لكي تتعظوا فتعملوا بموجبها عند وقوع الحوادث الداعية إلى إجراء أحكامها. وفيه إيذان بأن حقها أن تكون على بالٍ منهم، بحيث متى مست الحاجة إليها استحضروها. ثم شرع في تفصيل أحكامها، فقال: {الزانيةُ والزاني فاجلدوا كلَّ واحد منهما مائةَ جلدةٍ}؛ إذا كانا حُرَّيْن، بالغين، غَيْر مُحْصَنَيْنِ، وألا تكون المرأة مكرَهة. وظاهر الآية: عموم المحصن وغيره، ثم نسخ بالسُنة المشهورة. وقد رجم - عليه الصلاة والسلام - مَاعزاً وغيره. وعن علي رضي الله عنه: جلدتهما بكتاب الله، ورجمتهما بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل نسخ بآية منسوخة التلاوة، وهي: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما أَلْبَتَّةَ؛ نكالاً من الله والله عزيز حكيم)، ويأباه ما رُوي عن علي رضي الله عنه. هـ. قاله أبو السعود. وشرط الإحصان: العقل، والحرية، والإسلام، والبلوغ، والتزوج بنكاح صحيح، ودخول معتبر. وفي التعبير بالجلد، دون الضرب؛ إشارة إلى أنه لا يبالغ إلى أن يصلَ أثرُ الضرب إلى اللحم، ولكن يخفف حتى يكون حد ألمه الجِلد الظاهر. والخطاب للأئمة؛ لأن إقامة الحدود من الدِّين، وهو على الكل، إلا أنه لا يمكن الاجتماع، فيقوم الإمام مقامهم، وزاد مالك والشافعي مع الجلد: تغريب عام، أخذاً بالحديث الصحيح. وقال أبو حنيفة: إنه منسوخ بالآية. {ولا تأخذكم بهما رأفةٌ} أي: رحمة ورقة. وفيها لغات: السكونُ، والفتح مع القصر والمد، كالنشأة والنشاءة، وقيل: الرأفة في دفع المكروه، والرحمة في إيصال المحبوب. {في دين الله} أي: طاعته وإقامة حدوده، والمعنى: أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله، ولا يأخذهم اللين حتى يتركوا حدود الله. {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}، هو من باب التهييج، وإلهاب الغضب لله، ولدينه، فإن الإيمان يقتضي الجد في طاعته، والاجتهاد في إجراء أحكامه. وذكر اليوم الآخر؛ لتذكير ما فيه العقاب في مقابلة المسامحة. وجواب الشرط: مضمر، أي: إن كنتم تؤمنون بالله فاجلدوا ولا تعطلوا الحد. قيل لأبي مجلز في هذه الآية: والله إنا لنرحمهم أن يُجلَدَ الرجل أو تُقطع يده، فقال: إنما ذلك في السلطان، ليس له أن يدعهم رحمة لهم. وجَلَدَ ابن عمر جارية، فقال للجلاد: ظهرَها ورجليها وأسفلها، وخفّف، فقيل له: أين قوله: {ولا تأخذكم بهما رأفة}...؟ فقال: أأقتلها؟، إنَّ الله أمرني أن أضربها وأأدبها، ولم يأمرني أن أقتلها. هـ. ويجرد للجلد إلا ما يستر العورة. {وليشهدْ عذابَهما} أي: وليحضر موضع حدِّهما {طائفةٌ من المؤمنين}؛ زيادة في التنكيل، فإن التفضيح قد ينكل أكثر من التعذيب. قال بعض العلماء: ينبغي أن يقام بين يدي الحكام، ولا يقيمه إلا فضلاء الناس وخيارهم؛ لأنه قيام بقاعدة شرعية، وقُربة تعبدية، يجب المحافظة على فعلها، وقدرها، ومحلها، وحالها، بحيث لا يتعذر شيء من شروطها وحرمتها، فإن دم المسلم وحرمته عظيمة، فيجب مراعاته بكل ما أمكن، فلا يقصر عن الحد، ولا يزاد عليه. ويطلب الاعتدال في السوط، فلا يكون ليناً جداً، ولا يابساً جداً، وكذلك في الضرب، فلا يرفع يده حتى يرى إبطه، ولا يخفف فيه جداً، بل يتوسط بحيث يؤلمه ولا يضره. وتسمية الحدّ عذاباً دليل على أنه عقوبة وكفارة. و"الطائفة": فرقة، يمكن أن تكون حافة حول الشيء، من الطوْف، وهو الإدارة، وأقلها: ثلاثة، وقيل: أربعة إلى أربعين. وعن الحسن: عشرة، والمراد: جمع يحصل به التشهير. والله تعالى أعلم. الإشارة: التقوى أساس الطريق، وبها يقع السير إلى عين التحقيق. فمن لا تقوى له لا طريق له، ومن لا طريق له لا سير له، ومن لا سيرله لا وصول له. وأعظم ما يتَقي العبدُ شهوةَ الفروج، فهي أعظم الفتن وأقبح المحن، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : ما تَرَكْتُ بَعْدِي أضَرّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ"،تفسير : أو كما قال صلى الله عليه وسلم. وعن حذيفة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يا معشر الناس اتقوا الزنا، فإن فيه ستَّ خصال: ثلاثاً في الدنيا، وثلاثاً في الآخرة: فأما اللاتي في الدنيا؛ فيُذهب البهاء، ويورثُ الفقرَ، وينْقُصُ العمرَ، وأما اللاتي في الآخرة؛ فيوجب السخطَة وسوءَ الحسابِ والخلودَ إلى النار" تفسير : . والمراد بنقص العمر: قلة بركته، وبالخلود: طول المكث. وفي حديث آخر: "حديث : إن أهل النار ليتأذون من نتن فروج الزناة والزواني"تفسير : ، وعن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أعمال أمتي تُعرض عليَّ في كل جمعة مرتين، فاشتد غضب الله على الزناة" تفسير : .وقال وهب بن منبه: (مكتوب في التوراة: الزاني لا يموت حتى يفتقر، والقواد لا يموت حتى يعمى). وفي بعض الأخبار القدسية: "يقول الله عز وجل: أنا الله لا إله إلا أنا، خلقت مكة بيدي، أُغني الحاج ولو بعد حين، وأُفقر الزاني ولو بعد حين" هذا وباله في الدنيا والآخرة، وأما في عالم البرزخ؛ فتُجعل أرواحهم في تنور من نار، فإذا اشتعلت عَلَوْا مع النار، وإذا خمدت سقطوا إلى أسفلها، هكذا حتى تقوم الساعة، كما في حديث البخاري. وقال ابن رشد: ليس بعد الشرك أقبح من الزنا؛ لِما فيه من هتك الأعراض واختلاط الأنساب، ومن تاب فإن الله يتوب على من تاب. وبالله التوفيق. وقوله تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} : قال في الإحياء: في الحديث: "حديث : خيار أمتي أَحِدَّاؤُهَا" تفسير : يعني: في الدين؛ قال تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفة}، فالغيرة على الحُرَمِ، والغضب لله وعلى النفس، بكفها عن شهوتها وهواها، محمود، وفَقْدُ ذلك: مذمومٌ. هـ. وبالله التوفيق. ثم نهى عن نكاح الزواني فقال: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً...}

الطوسي

تفسير : قرأ ابن كثير وابو عمرو {وفرضناها} بتشديد الراء. الباقون بتخفيفها. وفسر ابو عمرو قراءته بمعنى فصلناها وبيناها بفرائض مختلفه، والتقدير هذه {سورة} لان النكرة لا يبتدأ بها. وقال غيره: معنى التشديد حددنا فيها الحلال والحرام. وقال قتادة: معنى التشديد: قد بيناها. وقيل: معنى التشديد: جعلناها عليكم وعلى من بعدكم الى قيام الساعة، ومن خفف أراد من الفريضة أي فرض فيها الحلال والحرام، والفرض مأخوذ من فرض القوس وهو الحز الذي فيه الوتر، والفرض ايضاً نزول القرآن قال الله تعالى {إن الذي فرض عليك القرآن} أي انزل. وارتفع {سورة} على تقدير هذه {سورة} إلا انه حذف على تقدير التوقع لما ينزل من القرآن. والسورة المنزلة الشريفة قال الشاعر: شعر : ألم تر أن الله اعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب تفسير : فسميت السورة من القرآن بذلك لهذه العلة. والفرض هو التقدير - فى اللغة - وفصل بينه وبين الواجب، بأن الفرض واجب بجعل جاعل، فرضه على صاحبه، كما انه أوجبه عليه، والواجب قد يكون واجباً من غير جعل جاعل، كوجوب شكر المنعم، فجرى مجرى دلالة الفعل على الفاعل في انه يدل من غير جعل جاعل كما تجعل العلامة الوضعية، إلا أن الله تعالى لا يوجب على العبد الا ما له صفة الوجوب في نفسه، كما لا يرغب الا في ما هو مرغوب فى نفسه. وقوله {أنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون} فمعنى (الآيات) الدلالات على ما يحتاج الى علمه مما قد بينه الله فى هذه السورة، ونبه على ذلك من شأنها لينظر فيه طالب العلم ويفوز ببغيته منه، والتقدير، وفرضنا فرائضها. واضاف الفرائض الى السورة، وهي بعضها، لدلالة الكلام عليه، لانها مفهومة منها و {بينات} معناه ظاهرات واضحات. وقوله {لعلكم تذكرون} معناه لكي تذكروا الدلائل التي فيها، فتكون حاضرة لكم لتعملوا بموجبه وتلتزموا معانيه.

الجنابذي

تفسير : {سُورَةٌ} قد مضى فى اوّل الفاتحة بيان السّورة وقرئ ههنا مرفوعاً مبتدءً او خبراً لمحذوفٍ او مبتدءٌ و {أَنزَلْنَاهَا} خبره ومسوّغ الابتداء به كون التّنوين للتّفخيم او للتّنويع، وقرئ بالنّصب مفعولاً لمحذوفٍ من غير مادّة الفعل المذكور، او لمحذوفٍ يفسّره قوله انزلناها {وَفَرَضْنَاهَا} اى وقّتناها وعيّنّاها او اوجبنا على النّاس ما فيها او فصّلناها وميّزناها وميّزنا ما فيها من الاحكام او أعطيناها {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ} تدوينيّة {بَيِّنَاتٍ} اى بيّنات المعانى او مبيّناتٍ للمقاصد او احكام تكليفيّة فى صورة الكلمات والحروف ظاهرات المصالح {لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} حكمها ومصالحها فتعملون بها، ثمّ شرع فى بيان الآيات فقال {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي....}.

الأعقم

تفسير : قوله: {سورة} أي هذه سورة قطعة من القرآن {أنزلناها} أمرنا جبريل أن ينزل بها {وفرضناها} قيل: بيّناها، وقيل: فرضنا أحكامها التي فيها، وأصله القطع، أي جعلنا واجبه مقطوعاً بها، والتشديد للمبالغة في الإِيجاب {وأنزلنا فيها} في السورة {آيات} دلالات {بينات لعلكم تذكرون} الدلائل فتردكم إلى العلم، وقيل: الآيات الشرع والأحكام التي فيها، ثم ذكر تلك الآيات وابتدأ بذكر الزاني فقال سبحانه: {أية : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} تفسير : [النور: 3] اختلفوا في سبب نزوله قيل: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء وبالمدينة نساء بغايا فاستأذنوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت، وقيل: نزلت في بغايا مكة والمدينة، وقيل: نزلت في مرثد وعناق زانية دعته إلى نفسه فقال مرثد: ان الله حرم الزنا، قالت: فانكحني، قال: حتى أسأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فسأله فنزلت، وقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما} وهذا إذا كان حرين بالغين بكرين، قيل: إنه خطاب لجماعة المسلمين، واتفقوا أن ليس لهم إقامة الحدود، والمراد به أنه.... إقامة إمام يقوم لها فلما كان إقامة الإِمام اليهم أضاف الحدّ اليهم، وقيل: هو خطاب للأئمة وليس بالوجه لأن الآية عامة {ولا تأخذكم} أيها المسلمون {بهما} بالزانين {رأفة} تمنع من إقامة الحدود، وقيل: يحد القاذف والسارق في دين الله، أي في حكمه {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}، قيل: إن كنتم تصدقون أنكم مبعوثون محاسبون، وقيل: إن كنتم تؤمنون تخالفوا من خالف أمري وارتكب ما نهيت عنه لأن ذلك من شرط الايمان {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} أي موضع حدهما، وقوله: {طائفة من المؤمنين} أي جماعة تغليظاً لهما وإشهاراً واعتباراً لغيرهما، وقيل: أراد بالطائفة الشهود لأنه يجب حضورهم، وقيل: أربعة بعدد شهود الزنا فيبدأ الشهود بالرجم ثم الإِمام ثم الناس، وعن ابن عباس: أربعة إلى أربعين، وعن الحسن: عشرة، وعن قتادة: ثلاثة، وعن عكرمة: رجلان، وفي الحديث: "حديث : يؤتى بوَالٍ نقص من الحد سوطاً فيقول: رحمة لعبادك، فيقول له: أنت أرحم بهم مني؟ فيؤمر به في النار" تفسير : وعن أبي هريرة: إقامة حد بأرضٍ خير لأهلها من مطر أربعين ليلة، وعلى الإِمام أن ينصب للحدود رجلاً عالماً بصيراً يعقل كيف يضرب، والرجل يجلد قائماً على مجرده ليس عليه إلاَّ إزار ضرباً وسطاً لا مبرحاً ولا هيّناً، والمرأة تجلد قاعدة ولا تنزع ثيابها.

الهواري

تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا} أي: هذه سورة أنزلناها {وَفَرَضْنَاهَا} أي: ما فرض في هذه السورة من فرائضه، وحدَّ فيها من حدوده، وسنَّ فيها من سننه وأحكامه، وهي تقرأ على وجهين: على التخفيف والتثقيل: فرَضناها وفرّضناها. يعني ما فرض الله فيها وسنّ فيها. {وَأَنْزَلْنَا فِيهَآ ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي: لكي تذكروا. قوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلُدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائةَ جَلْدَةٍ} وهذا في الأحرار إذا لم يكونا محصنين. فإن كانا محصنين رُجِما، وأما المملوكان فيجلدان خمسين خمسين إذا أحصنا، وليس عليهما رجم. ولا يقام حدّ الزنا على أحد حتى يشهد عليه أربعة أحرار عدول يأتون جميعاً غير متفرقين. حراً كان الزاني أو مملوكاً. فإن شهد أربعة على امرأة، أحدهم زوجها، ففي ذلك اختلاف؛ فبعضهم يقول: الزوج أجوزهم شهادة، إذا جاءوا معاً رجمت بشهادتهم، وبعضهم يقول: لا ترجم، ويلاعنها زوجها، ويجلد الثلاثة ثمانين ثمانين جلدة. فأما الرجل الزاني فتوضع عنه ثيابه إذا جلد، وأما المرأة فيترك عليها من الثياب ما يصل إليها الجلد. وإن أقر الرجل على نفسه بالزنا وكان حراً أقيم عليه الحد. والجلد في الزنا بالسوط. قال بعضهم: حديث : بلغنا أن رجلاً أقرّ عند رسول الله بالزنا فدعا بسوط، فأتي بسوط مكسور فقال: فوق هذا، فأتى بسوط [جديد] لم تقطع ثمرته فقال: دون هذا. فأتي بسوط قد رُكِبَ به ولان، فأمر به، فجلد جلداً بين الجلدينتفسير : . وكان بعضهم يقول: الحد في الزنا [المتح] الشديد. وقال: {وَلاَ تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ} أي: الجلد الشديد. [سعيد عن الحسن وعطاء قالا: أي: حتى لا تعطل الحدود]. ذكر عكرمة عن ابن عباس قال: لا يقام الحد حتى يشهدوا أنهم رأوه يدخل كما يدخل المرود في المكحلة. قال بعضهم: وأما الرجم فهو في مصحف أبي بن كعب. وهو في مصحفنا أيضاً في سورة المائدة في قوله: (أية : إِنَّآ أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيونَ الذِينَ أَسْلَمُوا لِلذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ) تفسير : [المائدة: 44] حيث رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهوديين حين ارتفعوا إليه. ذكروا عن [زرّ بن حبيش قال: قال لي] أبيّ بن كعب: كم تقرأون سورة الأحزاب؟ قلت: ثلاثاً وسبعين آية. قال: قط؟ قلت: قط. قال: فوالله لتوازي سورة البقرة، وإن فيها لآية الرجم. قلت: وما آية الرجم، يا أبا المنذر؟ قال: إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالاً من الله و الله عزيز حكيم. وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم غير واحد. قال بعضهم: كان عمر يقول: نزل الرجم في كتاب الله، ورجم عمر ورجم عثمان ورجم علي. وكان علي يقول: إذا قامت البينة رجمت البيّنة. ثم الإِمام ثم الناس. فإذا أقر عند الإمام إقراراً من غير أن يقوم عليه بينة رجم الإِمام ثم الناس. قال بعضهم: لا تحصن الأمَةُ ولا اليهوديةُ ولا النصرانيةُ، ولا يحصن المملوكُ الحرةَ. ولا يُحصَن الحر إذا كانت له امرأة لم يدخلُ بها. ولا تُحصَن المرأة إذا كان لها زوج لم يدخُل بها. وإذا أحصن الرجل أو المرأة بوطء مرة واحدة، ثم زنى بعد ذلك و ليس له امرأة يوم زنى، أو زنت امرأة ليس لها زوج يوم زنت فهما محصنان يرجمان. وهو قول جابر ابن زيد. وإذا زنى أحد الزوجين وقد أُحصِن أحدهما ولم يُحصن الآخر رُجِم الذي أُحصِن منهما وحُدَّ الذي لم يُحصَن مائة جلدة. ولا تُحصِن أمُّ الولد وإن ولدت له أولاداً. فإذا زنى الغلام أو الجارية وقد تزوّجا. ودخل الغلام بامرأته، ودخل على الجارية زوجُها، ولم يكن الغلام احتلم، ولم تكن الجارية حاضت فلا حدّ عليهما؛ لا رجم ولا جلد حتى يحتلم وتحيض، ويغشى امرأتَه بعدما احتلم، ويغشى الجاريةَ زوجُها بعدما حاضت، فحينئذ يكونان محصنين. وإذا كانت لرجل أم ولد قد ولدت منه فأعتقها فتزوّجها. ثم زنى قبل أن يغشاها بعدما أعتقت فلا رجم عليه، ولا هي إن زنت حتى يغشاها بعد ما أعتقت، وإن كان مملوك تحته حرّة قد دخل بها فعتق فزنى قبل أن يغشاها بعدما أعتق فلا رجم عليه. وإن كان الزوجان يهوديين أو نصرانيين فأسلما جميعاً، ثم زنى أحدهما أيهما كان قبل أن يغشاها بعدما أسلما فلا رجم عليه حتى يغشاها في الإِسلام. وإنما رجم النبي صلى الله عليه وسلم اليهوديين لأنهم تحاكموا إليه. وإحصان أهل الشرك في شركهم ليس بإحصان حتى يغشى في الإِسلام. قوله: {وَلاَ تَأخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ} أي: رحمة {فِي دينِ اللهِ} أي: في حكم الله {إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ} أي: إن كنتم تصدّقون {بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخرِ} أي: تصدّقون باليوم الآخر الذي فيه جزاء الأعمال. فلا توافوا بالزانية والزاني اللذين نزع الله منهما الرأفة، أي: فلا ترجموهما. وفي هذا دليل على أنهما ليسا بمؤمنين إذ نزع الله الرأفة التي جعل للمؤمنين منها [نصيباً] قال الله: (أية : وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) تفسير : [الأحزاب: 43] ووصف نبيّه فقال: (أية : بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) تفسير : [التوبة: 128]. فلو كانا مؤمنين لم ينزع الرأفة التي جعلها للمؤمنين. قوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المُؤْمِنِينَ} أي: ليشهد جلدهما طائفة من المؤمنين. قال بعضهم: الطائفة رجل فصاعداً. وقال بعضهم: الطائفة من ثلاثة فصاعداً. وهذه الآية تشدُّ الأولى، إذ أمر الله المؤمنين أن يحضروا عذاب الزاني، أي: جلده، وهم غير الزاني. فيجوز أن يحضر عذابهما طائفة من الزناة، تحضر الزناة عذاب الزناة. ففي هاتين الآيتين دليل لكلّ ذي حجى أو لجى أن الزاني ليس بمؤمن. وفيها ذكر الحسن عن النبي عليه السلام أنه قال: حديث : لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يقتل النفس التي حرَّم الله وهو مؤمن. فإذا فعل ذلك خلع ربقة الإِسلام من عنقه .

اطفيش

تفسير : {سُورَةٌ} اي هذه سورة. وقوله: {أَنْزَلْنَاهَا} نعت سورة. ويجوز كون سورة مبتدأ خبره (أَنزلناها) أي عظيمة انزلناها والمراد هذه السورة وابهمت تعظيما وانزالها الايحاء بها. ويجوز كون (سورة) مبتدأ (وانزلناها) صفة والخبر محذوف اي فيما اوحينا إليك. وقرئ بنصب (سورةً) على الاشتغال مجملة انزلنا مفسرة وهذا يؤيد جعل (سورة) مبتدأ خبره (أَنزلناها) في قراءة الرفع. ويجوز كون النصب على المفعولية لمحذوف بدون اشتغال (فانزلناها) صفة ويقدر المحذوف خذ اوائل أو نحوهما ولا يقدر اسم فعل كدونك وهاك بناء على ما ذكر جماعة من ان اسم الفعل لا يعمل محذوفا. واختاره الطبلاوي واجازه قوم واختاره بعض المتأخرين * {وَفَرَضْنَاهَا} اثبتناها أو اوحينا احكامها فكأنه قيل فرضنا احكامها التي فيها أو قدرنا ما فيها من الاحكام والحدود. وعن ابن عباس (انزلنا بيننا). وقرأ ابن كثير وابو عمرو بتشديد الراء مبالغة في الالزام وتوكيدا أو للتكثير لان فيها فرائض شتى. يقال: فرضت الفريضة بالتخفيف وفرضت الفرائض بالتشديد أو لكثرة المفروض عليهم من السلف ومن بعدهم {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتِ بَيِّنَاتٍ} امثالا ومواعظ واحكاما واضحات {لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تتعظون بادغام التاء الثانية في الذال. وقرئ باسكان الذال وضم الكاف

اطفيش

تفسير : {سورة} هذه سورة، أو مما يتلى عليكم سورة، أو مما يوحى إليكم، لا مما أوحى لأنها لما توح، وجاز على معنى أريد إيحاؤه أو على الانشاء، كبعت مراداً به إنشاء البيع، وإنزال البعض مبدأ إنزال الكل كحبل خصر طرف وغاب وباقية {أنزلناها} أى بدأنا إنزالها، أو يعتبر أن إمساك الطرف إمساك للكل {وفرضناها} فرضنا أحكامها، وذلك من مجاز الحذف، أو أسند الفرض إليها إسناداً لما للمدلول الى الدال فهو مجاز لغوى من معنى إسناد مالك مظروف الى الظرف، فان اللفظ ظرف للمعنى، ودل عليه، والفرض لغة قطع الشىء الصلب، والمراد الإلزام. {وأنزلنا فيها آيات بينات} دالات على الأحكام المفروضة، فالظرفية ظرفية الكل لبعضه، وإن أريد بالآيات آيات السورة كلها، فالظرفية باعتبار الكل على واحد من أجزائه أو الآيات البينات آيات التوحيد، ويناسبه قوله تعالى: {لعلكم تَذكَّرون} تتعظون فتختارون التوحيد على الاشراك، ويؤدى ذلك بكم الى اتقاء المحارم والاذعان الى الأحكام.

الالوسي

تفسير : بسم الله الرحمٰن الرَّحيم {سُورَةٌ } خبر مبتدأ محذوف أي هذه سورة وأشير إليها بهذه تنزيلاً لها منزلة الحاضر المشاهد. وقوله تعالى: {أَنزَلْنَـٰهَا } مع ما عطف عليه صفات لها مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة من حيث الذات بالفخامة من حيث الصفات على ما ذكره شيخ الإسلام، والقول بجواز أن تكون للتخصيص احترازاً عما هو قائم بذاته تعالى ليس بشيء أصلاً كما لا يخفى. وجوز أن تكون {سُورَةٌ } مبتدأ محذوف الخبر أي مما يتلى عليكم أو فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها الخ. وذكر بعضهم أنه قصد من هذه الجملة الامتنان والمدح والترغيب لا فائدة الخبر ولا لازمها وهو كون المخبر عالماً بالحكم للعلم بكل ذلك، والكلام فيما إذا قصد به مثل هذا إنشاء على ما اختاره في «الكشف» وهو ظاهر قول الإمام المرزوقي في قوله: شعر : قومي هموا قتلوا أميم أخي تفسير : هذا الكلام تحزن وتفجع وليس بإخبار، واختار آخرون أن الجملة خبرية مراد بها معناها إلا أنها إنما أوردت لغرض سوى إفادة الحكم أو لازمه وإليه ذهب السيالكوتي، وأول كلام المرزوقي بأن المراد بالإخبار فيه الإعلام، وتحقيق ذلك في موضعه. واعترض شيخ الإسلام هذا الوجه بما بحث فيه. وجوز ابن عطية أن تكون {سُورَةٌ } مبتدأ والخبر قوله تعالى: { أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى } تفسير : [النور: 2] الخ وفيه من البعد / ما فيه والوجه الوجيه هو الأول، وعندي في أمثال هذه الجملة أن الإثبات فيها متوجه إلى القيد، وقد ذكر ذلك الشيخ عبد القاهر وهو هنا إنزالها وفرضها، وإنزال آيات بينات فيها لأجل أن يتذكر المخاطبون أو مرجواً تذكرهم فتأمل. وقرأ عمر بن عبد العزيز ومجاهد وعيسى بن عمر الثقفي البصري وعيسى بن عمر الهمداني الكوفي وابن أبـي عبلة وأبو حيوة ومحبوب عن أبـي عمرو وأم الدرداء {سورة } بالنصب على أنها مفعول فعل محذوف أي اتل، وقدر بعضهم اتلوا بضمير الجمع لأن الخطابات الآتية بعده كذلك وليس بلازم لأن الفعل متضمن معنى القول فيكون الكلام حينئذ نظير قوله تعالى: { أية : قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ } تفسير : [آل عمران: 32] ولا شك في جوازه. وجوز الزمخشري أن تكون نصباً على الإغراء أي دونك سورة، ورده أبو حيان بأنه لا يجوز حذف أداة الإغراء لضعفها في العمل لما أن عملها بالحمل على الفعل، وكلام ابن مالك يقتضي جوازه وزعم أنه مذهب سيبويه وفيه بحث، وجوز غير واحد كون ذلك من باب الاشتغال وهو ظاهر على مذهب من لا يشترط في المنصوب على الاشتغال صحة الرفع على الابتداء وأما على مذهب من يشترط ذلك فغير ظاهر لأن {سُورَةٌ } نكرة لا مسوغ لها فلا يجوز رفعها على الابتداء، ولعل من يشترط ذلك ويقول بالنصب على الاشتغال هنا يجعل النكرة موصوفة بما يدل عليه التنوين كأنه قيل: سورة عظيمة كما قيل في ـ شراً هر ذا ناب ـ. وقال الفراء: نصب {سورة } على أنها حال من ضمير النصب في {أَنزَلْنَـٰهَا } والحال من الضمير يجوز أن يتقدم عليه انتهى، ولعل الضمير على هذا للأحكام المفهومة من الكلام فكأنه قيل: أنزلنا الأحكام سورة أي في حال كونها سورة من سور القرآن وإلى هذا ذهب في «البحر»، وربما يقال: يجوز أن يكون الضمير للسورة الموجودة في العلم من غير ملاحظة تقييدها بوصف، و {سُورَةٌ } المذكورة موصوفة بما يدل عليه تنوينها فكأنه قيل: أنزلنا السورة حال كونها سورة عظيمة، ولا يخفى أن كل ذلك تكلف لا داعي إليه مع وجود الوجه الذي لا غبار عليه. وقوله تعالى: {وَفَرَضْنَـٰهَا } إما على تقدير مضاف أي فرضنا أحكامها وإما على اعتبار المجاز في الإسناد حيث أسند ما للمدلول للدال لملابسة بينهما تشبه الظرفية، ويحتمل على بعد أن يكون في الكلام استخدام بأن يراد بسورة معناها الحقيقي وبضميرها معناها المجازي أعني الأحكام المدلول عليها بها. والفرض في الأصل قطع الشيء الصلب والتأثير فيه، والمراد به هنا الإيجاب على أتم وجه فكأنه قيل: أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجاباً قطعياً وفي ذكر ذلك براعة استهلال على ماقيل. وقرأ عبد الله وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وقتادة وأبو عمرو وابن كثير {وفرضناها} بتشديد الراء لتأكيد الإيجاب والإشارة إلى زيادة لزومه أو لتعدد الفرائض وكثرتها أو لكثرة المفروض عليهم من السلف والخلف. وفي «الحواشي الشهابية» قد فسر {فَرَضْنَـٰهَا } بفصلناها ويجري فيه ما ذكر أيضاً. {وَأَنزَلْنَا فِيهَا } أي في هذه السورة {ءايَـٰتٍ بَيّنَاتٍ } يحتمل أن يراد بها الآيات التي نيطت بها الأحكام المفروضة وأمر الظرفية عليه ظاهر. ومعنى كونها بينات وضوح دلالتها على أحكامها لا على معانيها مطلقاً لأنها أسوة لأكثر الآيات في ذلك، وتكرير {أَنزَلْنَا } مع استلزام إنزال السورة إنزالها إبراز كمال العناية بشأنها، ويحتمل أن يراد بها جميع آيات السورة والظرفية حينئذ باعتبار اشتمال الكل على كل واحد من أجزائه، ومعنى كونها بينات أنها / لا إشكال فيها يحوج إلى تأويل كبعض الآيات، وتكرير {أَنزَلْنَا } مع ظهور أن إنزال جميع الآيات عين إنزال السورة لاستقلالها بعنوان رائق داع إلى تخصيص إنزالها بالذكر إبانة لخطرها ورفعاً لمحلها كقوله تعالى: { أية : وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } تفسير : [هود: 58] بعد قوله سبحانه: {أية : نَجَّيْنَا هُودًا وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا }تفسير : [هود: 58] والاحتمال الأول أظهر. وقال الإمام: إنه تعالى ذكر في أول السورة أنواعاً من الأحكام والحدود وفي آخرها دلائل التوحيد فقوله تعالى: {فَرَضْنَـٰهَا } إشارة إلى الأحكام المبينة أولاً، وقوله سبحانه: {وَأَنزَلْنَا فِيهَا ءايَـٰتٍ بَيّنَاتٍ} إشارة إلى ما بين من دلائل التوحيد ويؤيده قوله عز وجل: {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } فإن الأحكام لم تكن معلومة حتى يتذكرونها انتهى. وهو عندي وجه حسن، نعم قيل فيما ذكره من التأييد نظر إذ لمن ذهب إلى الاحتمال الأول أن يقول: المراد من التذكر غايته وهو اتقاء المحارم بالعمل بموجب تلك الآيات، ولقائل أن يقول: إن هذا محوج إلى ارتكاب المجاز في التذكر دون ما ذكره الإمام فإن التذكر عليه على معناه المتبادر ويكفي هذا القدر في كونه مؤيداً. وأصل {تَذَكَّرُونَ } تتذكرون حذف إحدى التاءين وقرىء بإدغام الثانية منهما في الذال.

سيد قطب

تفسير : هذه سورة النور.. يذكر فيها النور بلفظه متصلاً بذات الله: {الله نور السماوات والأرض} ويذكر فيها النور بآثاره ومظاهره في القلوب والأرواح؛ ممثلة هذه الآثار في الآداب والأخلاق التي يقوم عليها بناء هذه السورة. وهي آداب وأخلاق نفسية وعائلية وجماعية، تنير القلب، وتنير الحياة؛ ويربطها بذلك النور الكوني الشامل أنها نور في الأرواح، وإشراق في القلوب، وشفافية في الضمائر، مستمدة كلها من ذلك النور الكبير. وهي تبدأ بإعلان قوي حاسم عن تقرير هذه السورة وفرضها بكل ما فيها من حدود وتكاليف، ومن آداب وأخلاق: {سورة أنزلناها وفرضناها. وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون}.. فيدل هذا البدء الفريد على مدى اهتمام القرآن بالعنصر الأخلاقي في الحياة؛ ومدى عمق هذا العنصر وأصالته في العقيدة الإسلامية، وفي فكرة الإسلام عن الحياة الإنسانية.. والمحور الذي تدور عليه السورة كلها هو محور التربية التي تشتد في وسائلها إلى درجة الحدود. وترق إلى درجة اللمسات الوجدانية الرفيقة، التي تصل القلب بنور الله وبآياته المبثوثة في تضاعيف الكون وثنايا الحياة. والهدف واحد في الشدة واللين. هو تربية الضمائر، واستجاشة المشاعر؛ ورفع المقاييس الأخلاقية للحياة، حتى تشف وترف، وتتصل بنور الله.. وتتداخل الآداب النفسية الفردية، وآداب البيت والأسرة، وآداب الجماعة والقيادة. بوصفها نابعة كلها من معين واحد هو العقيدة في الله، متصلة كلها بنور واحد هو نور الله. وهي في صميمها نور وشفافية، وإشراق وطهارة. تربية عناصرها من مصدر النور الأول في السماوات والأرض. نور الله الذي أشرقت به الظلمات. في السماوات والأرض، والقلوب والضمائر، والنفوس والأرواح. ويجري سياق السورة حول محورها الأصيل في خمسة أشواط: الأول يتضمن الإعلان الحاسم الذي تبدأ به؛ ويليه بيان حد الزنا، وتفظيع هذه الفعلة، وتقطيع ما بين الزناة والجماعة المسلمة، فلا هي منهم ولا هم منها. ثم بيان حد القذف وعلة التشديد فيه؛ واستثناء الأزواج من هذا الحد مع التفريق بين الزوجين بالملاعنة. ثم حديث الإفك وقصته.. وينتهي هذا الشوط بتقرير مشاكلة الخبيثين للخبيثات، ومشاكلة الطيبين للطيبات. وبالعلاقة التي تربط بين هؤلاء وهؤلاء. ويتناول الشوط الثاني وسائل الوقاية من الجريمة، وتجنيب النفوس أسباب الإغراء والغواية. فيبدأ بآداب البيوت والاستئذان على أهلها، والأمر بغض البصر والنهي عن إبداء الزينة للمحارم. والحض على إنكاح الأيامى. والتحذير من دفع الفتيات إلى البغاء.. وكلها أسباب وقائية لضمانة الطهر والتعفف في عالم الضمير والشعور، ودفع المؤثرات التي تهيج الميول الحيوانية، وترهق أعصاب المتحرجين المتطهرين، وهم يقاومون عوامل الإغراء والغواية. والشوط الثالث يتوسط مجموعة الآداب التي تتضمنها السورة، فيربطها بنور الله. ويتحدث عن أطهر البيوت التي يعمرها وهي التي تعمر بيوت الله.. وفي الجانب المقابل الذين كفروا وأعمالهم كسراب من اللمعان الكاذب؛ أو كظلمات بعضها فوق بعض. ثم يكشف عن فيوض من نور الله في الآفاق: في تسبيح الخلائق كلها لله. وفي إزجاء السحاب. وفي تقليب الليل والنهار. وفي خلق كل دابة من ماء، ثم اختلاف أشكالها ووظائفها وأنواعها وأجناسها، مما هو معروض في صفحة الكون للبصائر والأبصار.. والشوط الرابع يتحدث عن مجافاة المنافقين للأدب الواجب مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الطاعة والتحاكم. ويصور أدب المؤمنين الخالص وطاعتهم. ويعدهم، على هذا، الاستخلاف في الأرض والتمكين في الدين، والنصر على الكافرين. ثم يعود الشوط الخامس إلى آداب الاستئذان والضيافة في محيط البيوت بين الأقارب والأصدقاء. وإلى آداب الجماعة المسلمة كلها كأسرة واحدة، مع رئيسها ومربيها ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتتم السورة بإعلان ملكية الله لما في السماوات والأرض، وعلمه بواقع الناس، وما تنطوي عليه حناياهم، ورجعتهم إليه، وحسابهم على ما يعلمه من أمرهم. وهو بكل شيء عليم. والآن نأخذ في التفصيل. {سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون}.. مطلع فريد في القرآن كله. الجديد فيه كلمة {فرضناها} والمقصود بها ـ فيما نعلم ـ توكيد الأخذ بكل ما في السورة على درجة سواء. ففريضة الآداب والأخلاق فيها كفريضة الحدود والعقوبات. هذه الآداب والأخلاق المركوزة في الفطرة، والتي ينساها الناس تحت تأثير المغريات والانحرافات، فتذكرهم بها تلك الآيات البينات، وتردهم إلى منطق الفطرة الواضح المبين. ويتبع هذا المطلع القوي الصريح الجازم ببيان حد الزنا؛ وتفظيع هذه الفعلة، التي تقطع ما بين فاعليها وبين الأمة المسلمة من وشائج وارتباطات: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة؛ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ـ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ـ وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين. الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك؛ وحرم ذلك على المؤمنين}.. كان حد الزانين في أول الإسلام ما جاء في سورة النساء: {أية : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم. فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا}..تفسير : فكان حد المرأة الحبس في البيت والأذى بالتعيير. وكان حد الرجل الأذى بالتعيير. ثم أنزل الله حد الزنا في سورة النور. فكان هذا هو "السبيل" الذي أشارت إليه من قبل آية النساء. والجلد هو حد البكر من الرجال والنساء. وهو الذي لم يحصن بالزواج. ويوقع عليه متى كان مسلماً بالغاً عاقلاً حراً. فأما المحصن وهو من سبق له الوطء في نكاح صحيح وهو مسلم حر بالغ فحده الرجم. وقد ثبت الرجم بالسنة. وثبت الجلد بالقرآن، ولما كان النص القرآني مجملاً وعاماً. وكان رسول الله صلى الله ـ عليه وسلم ـ قد رجم الزانيين المحصنين، فقد تبين من هذا أن الجلد خاص بغير المحصن. وهناك خلاف فقهي حول الجمع بين الجلد والرجم للمحصن. والجمهور على أنه لا يجمع بين الجلد والرجم. كما أنه هناك خلافاً فقهياً حول تغريب الزاني غير المحصن مع جلده. وحول حد الزاني غير الحر.. وهو خلاف طويل لا ندخل في تفصيله هنا، يطلب في موضعه من كتب الفقة.. إنما نمضي نحن مع حكمة هذا التشريع. فنرى أن عقوبة البكر هي الجلد، وعقوبة المحصن هي الرجم. ذلك أن الذي سبق له الوطء في نكاح صحيح ـ وهو مسلم حر بالغ ـ قد عرف الطريق الصحيح النظيف وجربه، فعدوله عنه إلى الزنا يشي بفساد فطرته وانحرافها، فهو جدير بتشديد العقوبة، بخلاف البكر الغفل الغر، الذي قد يندفع تحت ضغط الميل وهو غرير.. وهناك فارق آخر في طبيعة الفعل. فالمحصن ذو تجربة فيه تجعله يتذوقه ويستجيب له بدرجة أعمق مما يتذوقه البكر. فهو حري بعقوبة كذلك أشد. والقرآن يذكر هنا حد البكر وحده ـ كما سلف ـ فيشدد في الأخذ به، دون تسامح ولا هوادة: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله. إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}. فهي الصرامة في إقامة الحد؛ وعدم الرأفة في أخذ الفاعلين بجرمهما، وعدم تعطيل الحد أو الترفق في إقامته، تراخياً في دين الله وحقه. وإقامته في مشهد عام تحضره طائفة من المؤمنين، فيكون أوجع وأوقع في نفوس الفاعلين ونفوس المشاهدين. ثم يزيد في تفظيع الفعلة وتبشيعها، فيقطع ما بين فاعليها وبين الجماعة المسلمة من وشيجة: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك. وحرم ذلك على المؤمنين}.. وإذن فالذين يرتكبون هذه الفعلة لا يرتكبونها وهم مؤمنون. إنما يكونون في حالة نفسية بعيدة عن الإيمان وعن مشاعر الإيمان. وبعد ارتكابها لا ترتضي النفس المؤمنة أن ترتبط في نكاح مع نفس خرجت عن الإيمان بتلك الفعلة البشعة؛ لأنها تنفر من هذا الرباط وتشمئز. حتى لقد ذهب الإمام احمد إلى تحريم مثل هذا الرباط بين زان وعفيفة، وبين عفيف وزانية؛ إلا أن تقع التوبة التي تطهر من ذلك الدنس المنفر. وعلى أية حال فالآية تفيد نفور طبع المؤمن من نكاح الزانية، ونفور طبع المؤمنة من نكاح الزاني؛ واستبعاد وقوع هذا الرباط بلفظ التحريم الدال على شدة الاستبعاد: {وحرم ذلك على المؤمنين}.. وبذلك تقطع الوشائج التي تربط هذا الصنف المدنس من الناس بالجماعة المسلمة الطاهرة النظيفة. ورد في سبب نزول هذه الآية أن رجلاً يقال له: مرثد بن أبي مرثد كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة. وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها: عناق. وكانت صديقة له. وأنه واعد رجلاً من أسارى مكة يحمله. قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة. قال: فجاءت عناق، فأبصرت سواد ظل تحت الحائط. فلما انتهت إليَّ عرفتني. فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد‍! فقالت: مرحباً واهلاً. هلم فبت عندنا الليلة: قال: فقلت: يا عناق حرم الله الزنا. فقالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم. قال: فتبعني ثمانية، ودخلت الحديقة. فانتهيت إلى غار أو كهف، فدخلت، فجاءوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا، فظل بولهم على رأسي، فأعماهم الله عني. قال: ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته؛ وكان رجلاً ثقيلاً؛ حتى انتهيت إلى الإذخر؛ ففككت عنه أحبله، فجعلت أحمله ويعينني حتى أتيت به المدينة؛ فأتيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت: يا رسول الله أنكح عناقاً؟ - مرتين - فأمسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يرد عليَّ شيئاً حتى نزلت {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، وحرم ذلك على المؤمنين} فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: "حديث : يا مرثد. الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة. فلا تنكحها ". تفسير : فهذه الرواية تفيد تحريم نكاح المؤمن للزانية ما لم تتب، ونكاح المؤمنة للزاني كذلك. وهو ما أخذ ما أخذ به الإمام أحمد. ورأى غيره غير رأيه. والمسألة خلافية تطلب في كتب الفقه. وعلى أية حال فهي فعلة تعزل فاعلها عن الجماعة المسلمة؛ وتقطع ما بينه وبينها من روابط. وهذه وحدها عقوبة اجتماعية أليمة كعقوبة الجلد أو أشد وقعاً‍! والإسلام وهو يضع هذه العقوبات الصارمة الحاسمة لتلك الفعلة المستنكرة الشائنة لم يكن يغفل الدوافع الفطرية أو يحاربها. فالإسلام يقدر أنه لا حيلة للبشر في دفع هذه الميول، ولا خير لهم في كبتها أو قتلها. ولم يكن يحاول أن يوقف الوظائف الطبيعية التي ركبها الله في كيانهم، وجعلها جزءاً من ناموس الحياة الأكبر، يؤدي إلى غايته من امتداد الحياة، وعمارة الأرض، التي استخلف فيها هذا الإنسان. إنما أراد الإسلام محاربة الحيوانية التي لا تفرق بين جسد وجسد، أو لا تهدف إلى إقامة بيت، وبناء عش، وإنشاء حياة مشتركة، لا تنتهي بانتهاء اللحظة الجسدية الغليظة! وأن يقيم العلاقات الجنسية على أساس من المشاعر الإنسانية الراقية، التي تجعل من التقاء جسدين نفسين وقلبين وروحين، وبتعبير شامل التقاء إنسانين، تربط بينهما حياة مشتركة، وآمال مشتركة، وآلام مشتركة، ومستقبل مشترك، يلتقي في الذرية المرتقبة، ويتقابل في الجيل الجديد الذي ينشأ في العش المشترك، الذي يقوم عليه الوالدان حارسين لا يفترقان. من هنا شدد الإسلام في عقوبة الزنا بوصفه نكسة حيوانية، تذهب بكل هذه المعاني، وتطيح بكل هذه الأهداف؛ وترد الكائن الإنساني مسخاً حيوانياً، لا يفرق بين أنثى وأنثى، ولا بين ذكر وذكر. مسخاً كل همه إرواء جوعة اللحم والدم في لحظة عابرة. فإن فرق وميز فليس وراء اللذة بناء في الحياة، وليس وراءها عمارة في الأرض، وليس وراءها نتاج ولا إرادة نتاج! بل ليس وراءها عاطفة حقيقية راقية، لأن العاطفة تحمل طابع الاستمرار. وهذا ما يفرقها من الانفعال المنفرد المتقطع، الذي يحسبه الكثيرون عاطفة يتغنون بها، وإنما هي انفعال حيواني يتزيا بزي العاطفة الإنسانية في بعض الأحيان! إن الإسلام لا يحارب دوافع الفطرة ولا يستقذرها؛ إنما ينظمها ويطهرها، ويرفعها عن المستوى الحيواني، ويرقيها حتى تصبح المحور الذي يدور عليه الكثير من الآداب النفسية والاجتماعية. فأما الزنا ـ وبخاصة البغاء ـ فيجرد هذا الميل الفطري من كل الرفرفات الروحية، والأشواق العلوية؛ ومن كل الآداب التي تجمعت حول الجنس في تاريخ البشرية الطويل؛ ويبديه عارياً غليظاً قذراً كما هو في الحيوان، بل اشد غلظاً من الحيوان. ذلك أن كثيراً من أزواج الحيوان والطير تعيش متلازمة، في حياة زوجية منظمة، بعيدة عن الفوضى الجنسية التي يشيعها الزنا ـ في بعض بيئات الإنسان! دفع هذه النكسة عن الإنسان هو الذي جعل الإسلام يشدد ذلك التشديد في عقوبة الزنا.. ذلك إلى الأضرار الاجتماعية التي تعارف الناس على أن يذكروها عند الكلام عن هذه الجريمة، من اختلاط الأنساب، وإثارة الأحقاد، وتهديد البيوت الآمنة المطمئنة.. وكل واحد من هذه الأسباب يكفي لتشديد العقوبة. ولكن السبب الأول وهو دفع النكسة الحيوانية عن الفطرة البشرية، ووقاية الآداب الإنسانية التي تجمعت حول الجنس، والمحافظة على أهداف الحياة العليا من الحياة الزوجية المشتركة القائمة على أساس الدوام والامتداد.. هذا السبب هو الأهم في اعتقادي. وهو الجامع لكل الأسباب الفرعية الأخرى. على أن الإسلام لا يشدد في العقوبة هذا التشديد إلا بعد تحقيق الضمانات الوقائية المانعة من وقوع الفعل، ومن توقيع العقوبة إلا في الحالات الثابتة التي لا شبهة فيها. فالإسلام منهج حياة متكامل، لا يقوم على العقوبة؛ إنما يقوم على توفير أسباب الحياة النظيفة. ثم يعاقب بعد ذلك من يدع الأخذ بهذه الأسباب الميسرة ويتمرغ في الوحل طائعاً غير مضطر. وفي هذه السورة نماذج من هذه الضمانات الوقائية الكثيرة ستأتي في موضعها من السياق.. فإذا وقعت الجريمة بعد هذا كله فهو يدرأ الحد ما كان هناك مخرج منه لقوله ـ صلى الله عليه وسلم -: "حديث : ادرأوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة" تفسير : لذلك يطلب شهادة أربعة عدول يقرون برؤية الفعل. أو اعترافاً لا شبهة في صحته. وقد يظن أن العقوبة إذن وهمية لا تردع أحداً، لأنها غير قابلة للتطبيق. ولكن الإسلام ـ كما ذكرنا ـ لا يقيم بناءه على العقوبة، بل على الوقاية من الأسباب الدافعة إلى الجريمة؛ وعلى تهذيب النفوس، وتطهير الضمائر؛ وعلى الحساسية التي يثيرها في القلوب. فتتحرج من الإقدام على جريمة تقطع ما بين فاعلها وبين الجماعة المسلمة من وشيجة. ولا يعاقب إلا المتبجحين بالجريمة، الذين يرتكبونها بطريقة فاضحة مستهترة فيراها الشهود. أو الذين يرغبون في التطهير بإقامة الحد عليه كما وقع لماعز ولصاحبته الغامدية. وقد جاء كل منهما يطلب من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يطهره بالحد، ويلح في ذلك، على الرغم من إعراض النبي مراراً؛ حتى بلغ الإقرار أربع مرات. ولم يعد بد من إقامة الحد، لأنه بلغ إلى الرسول بصفة مستيقنة لا شبهة فيها، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "حديث : تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب ". تفسير : فإذا وقع اليقين، وبلغ الأمر إلى الحاكم، فقد وجب الحد ولا هوادة، ولا رأفة في دين الله. فالرأفة بالزناة الجناة حينئذ هي قسوة على الجماعة، وعلى الآداب الإنسانية، وعلى الضمير البشري. وهي رأفة مصطنعة. فالله أرأف بعباده. وقد اختار لهم. وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن تكون لهم الخيرة من أمرهم. والله أعلم بمصالح العباد، وأعرف بطبائعهم، فليس لمتشدق أن يتحدث عن قسوة العقوبة الظاهرية، فهي أرأف مما ينتظر الجماعة التي يشيع فيها الزنا، وتفسد فيها الفطرة، وترتكس في الحمأة، وتنتكس إلى درك البهيمة الأولى.. والتشديد في عقوبة الزنا لا يغني وحده في صيانة حياة الجماعة، وتطهير الجو الذي تعيش فيه. والإسلام لا يعتمد على العقوبة في إنشاء الحياة النظيفة ـ كما قلنا ـ إنما يعتمد على الضمانات الوقائية وعلى تطهير جو الحياة كلها من من رائحة الجريمة. لذلك يعقب على حد الزنا بعزل الزناة عن جسم الأمة المسلمة. ثم يمضي في الطريق خطوة أخرى في استبعاد ظل الجريمة من جو الجماعة؛ فيعاقب على قذف المحصنات واتهامهن دون دليل أكيد {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولـئك هم الفاسقون}.. إن ترك الألسنة تلقي التهم على المحصنات ـ وهن العفيفات الحرائر ثيبات أو أبكاراً ـ بدون دليل قاطع، يترك المجال فسيحاً لكل من شاء أن يقذف بريئة او بريئاً بتلك التهمة النكراء؛ ثم يمضي آمناً! فتصبح الجماعة وتمسي، وإذا أعراضها مجرحة، وسمعتها ملوثة؛ وإذا كل فرد فيها متهم أو مهدد بالاتهام؛ وإذا كل زوج فيها شاك في زوجه، وكل رجل فيها شاك في أصله، وكل بيت فيها مهدد بالانهيار.. وهي حالة من الشك والقلق والريبة لا تطاق. ذلك إلى أن اطراد سماع التهم يوحي إلى النفوس المتحرجة من ارتكاب الفعلة أن جو الجماعة كله ملوث؛ وأن الفعلة فيها شائعة؛ فيقدم عليها من كان يتحرج منها، وتهون في حسه بشاعتها بكثرة تردادها، وشعوره بأن كثيرين غيره يأتونها! ومن ثم لا تجدي عقوبة الزنا في منع وقوعه؛ والجماعة تمسي وتصبح وهي تتنفس في ذلك الجو الملوث الموحي بارتكاب الفحشاء. لهذا، وصيانة للأعراض من التهجم، وحماية لأصحابها من الآلام الفظيعة التي تصب عليهم.. شدد القرآن الكريم في عقوبة القذف، فجعلها قريبة من عقوبة الزنا.. ثمانين جلدة.. مع إسقاط الشهادة، والوصم بالفسق.. والعقوبة الأولى جسدية. والثانية أدبية في وسط الجماعة؛ ويكفي أن يهدر قول القاذف فلا يؤخذ له بشهادة، وأن يسقط اعتباره بين الناس ويمشي بينهم متهماً لا يوثق له بكلام! والثالثة دينية فهو منحرف عن الإيمان خارج عن طريقه المستقيم.. ذلك إلا أن يأتي القاذف بأربعة يشهدون برؤية الفعل، أو بثلاثة معه إن كان قد رآه. فيكون قوله إذن صحيحاً. ويوقع حد الزنا على صاحب الفعلة. والجماعة المسلمة لا تخسر بالسكوت عن تهمة غير محققة كما تخسر بشيوع الاتهام والترخص فيه، وعدم التحرج من الإذاعة به، وتحريض الكثيرين من المتحرجين على ارتكاب الفعلة التي كانوا يستقذرونها، ويظنونها ممنوعة في الجماعة أو نادرة. وذلك فوق الآلام الفظيعة التي تصيب الحرائر الشريفات والأحرار الشرفاء؛ وفوق الآثار التي تترتب عليها في حياة الناس وطمأنينة البيوت. وتظل العقوبات التي توقع على القاذف، بعد الحد، مصلتة فوق رأسه، إلا أن يتوب: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم}.. وقد اختلف الفقهاء في هذا الاستثناء: هل يعود إلى العقوبة الأخيرة وحدها، فيرفع عنه وصف الفسق، ويظل مردود الشهادة؟ أم إن شهادته تقبل كذلك بالتوبة.. فذهب الأئمة مالك وأحمد والشافعي إلى أنه إذا تاب قبلت شهادته، وارتفع عنه حكم الفسق. وقال الإمام أبو حنيفة: إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة، فيرتفع الفسق بالتوبة، ويبقى مردود الشهادة وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته، وإن تاب، إلا أن يعترف على نفسه أنه قال البهتان فيما قذف؛ فحينئذ تقبل شهادته. وأنا أختار هذا الأخير لأنه يزيد على التوبة إعلان براءة المقذوف باعتراف مباشر من القاذف. وبذلك يمحي آخر أثر للقذف. ولا يقال: إنه إنما وقع الحد على القاذف لعدم كفاية الأدلة! ولا يحيك في أي نفس ممن سمعوا الاتهام أنه ربما كان صحيحاً؛ ولكن القاذف لم يجد بقية الشهود.. بذلك يبرأ العرض المقذوف تماماً، ويرد له اعتباره من الوجهة الشعورية بعد رده من الوجهة التشريعية؛ فلا يبقى هنالك داع لإهدار اعتبار القاذف المحدود التائب المعترف بما كان من بهتان. ذلك حكم القذف العام. ولكن استثني منه أن يقذف الرجل امرأته. فإن مطالبته بأن يأتي بأربعة شهداء فيه إرهاق له وإعنات. والمفروض ألا يقذف الرجل امرأته إلا صادقاً لما في ذلك من التشهير بعرضه وشرفه وكرامة أبنائه. لذلك جعل لهذا النوع من القذف حكم خاص: {والذين يرمون أزواجهم، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم. فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليهآ إن كان من الصادقين. ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم}.. وفي هذه النصوص تيسير على الأزواج، يناسب دقة الحالة وحرج الموقف. ذلك حين يطلع الزوج على فعلة زوجته؛ وليس له من شاهد إلا نفسه. فعندئذ يحلف أربع مرات بالله إنه لصادق في دعواه عليها بالزنا، ويحلف يميناً خامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. وتسمى هذه شهادات لأنه الشاهد الوحيد. فإذا فعل أعطاها قدر مهرها، وطلقت منه طلقة بائنة، وحق عليها حد الزنا وهو الرجم.. ذلك إلا أن ترغب في درء الحد عنها فإنها عندئذ تحلف بالله أربع مرات انه كاذب عليها فيما رماها به؛ وتحلف يميناً خامسة بأن غضب الله عليها إن كان صادقاً وهي كاذبه.. بذلك يدرأ عنها الحد، وتبين من زوجها بالملاعنة؛ ولا ينسب ولدها ـ إن كانت حاملاً ـ إليه بل إليها. ولا يقذف الولد ومن يقذفه يحد.. وقد عقب على هذا التخفيف والتيسير، ومراعاة الأحوال والظروف بقوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم}.. ولم يبين ما الذي كان يكون لولا فضل الله ورحمته بمثل هذه التيسيرات، وبالتوبة بعد مفارقة الذنوب.. لم يبينه ليتركه مجملاً مرهوباً، يتقيه المتقون. والنص يوحي بأنه شر عظيم. وقد وردت روايات صحيحة في سبب نزول هذا الحكم: روى الأمام أحمد ـ بإسناده ـ عن ابن عباس قال: لما نزلت: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً} "حديث : قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار ـ رضي الله عنه ـ: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟" فقالوا: يا رسول الله لا تلمه، فإنه رجل غيور. والله ما تزوج امرأة قط إلا بكراً، وما طلق امرأة قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته.. فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها لحق، وأنها من الله؛ ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعاً قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء. فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته.. قال: فما لبثوا إلا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية، فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله رجلاً، فرأى بعينيه، وسمع بأذنيه، فلم يهيجه حتى أصبح فغدا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله إني جئت على أهلي عشاء، فوجدت عندها رجلاً، فرأيت بعيني وسمعت بأذني.. فكره رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما جاء به؛ واشتد عليه؛ واجتمعت عليه الأنصار وقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، إلا أن يضرب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ هلال بن أمية، ويبطل شهادته في الناس. فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله منها مخرجاً. وقال هلال: يا رسول الله فإني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به، والله يعلم إني لصادق.. فوالله إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يريد أن يأمر بضربه إذ أنزل الله على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الوحي. وكان إذا أنزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد وجهه. (يعني فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي) فنزلت: والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله.. الآية} فسري عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: "أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً".. فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي عز وجل: فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم: "أرسلوا اليها" فأرسلوا إليها فجاءت؛ فتلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليهما، فذكرهما، وأخبرهما أن عذاب الاخرة أشد من عذاب الدنيا. فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صدقت عليها. فقالت: كذب. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: "لاعنوا بينهما".. فقيل لهلال: اشهد. فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. فلما كانت الخامسة قيل له: يا هلال اتق الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب. فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها. فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.. ثم قيل للمرأة. اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. وقيل لها عند الخامسة: اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة. وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب. فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف. ثم قالت: والله لا أفضح قومي. فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.. ففرق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بينهما؛ وقضى أن لا يدعى ولدها لأب؛ ولا يرمى ولدها؛ ومن رمى ولدها فعليه الحد؛ وقضى أن لا بيت لها عليه، ولا قوت لها، من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها. وقال: "إن جاءت به، أصيهب أريسح حمش الساقين فهو لهلال.. وإن جاءت به أورق جعداً جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين فهو الذي رميت به" فجاءت به أورق جعدا جمالياً خدلج الساقين سابغ الأليتين. فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم -: لولا الأيمان لكان لي ولها شأن ".. تفسير : وهكذا جاء هذا التشريع لمواجهة حالة واقعة بالفعل، وعلاج موقف صعب على صاحبه وعلى المسلمين، قد اشتد على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يجد منه مخرجاً، حتى طفق يقول لهلال بن أمية ـ كما ورد في رواية البخاري ـ "حديث : البينة أو حد في ظهرك" تفسير : وهلال يقول: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة؟ ولقد يقول قائل: أليس الله ـ سبحانه ـ يعلم أن هذه الحالة قد تعترض التشريع العام للقذف؛ فلماذا لم ينزل الله الاستثناء إلا بعد ذلك الموقف المحرج؟ والجواب: بلى إنه سبحانه ليعلم. ولكن حكمته تقتضي أن ينزل التشريع عند الشعور بالحاجة إليه، فتستقبله نفوس الناس باللهفة إليه، وإدراك ما فيه من حكمة ورحمة. ومن ثم عقب بقوله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم}. ونقف قليلاً أمام هذه الواقعة، لنرى كيف صنع الإسلام، وكيف صنعت تربية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للناس بهذا القرآن.. كيف صنع هذا بالنفس العربية الغيور الشديدة الانفعال، المتحمسة التي لا تفكر طويلاً قبل الاندفاع. فهذا حكم ينزل بعقوبة القذف، فيشق على هذه النفوس. يشق عليها حتى ليسأل سعد ابن عباده رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أهكذا أنزلت يا رسول الله؟ يسأل هذا السؤال وهو مستيقن أنها هكذا أنزلت. ولكنه يعبر بهذا السؤال عن المشقة التي يجدها في نفسه من الخضوع لهذا الحكم في حالة معينة في فراشه، وهو يعبر عن مرارة هذا التصور بقوله: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها لحق، وأنها من الله؛ ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعاً قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء؟ فوالله إني لا آتي بهم حتى يكون قد قضى حاجته! وما يلبث هذا التصور المرير الذي لا يطيقه سعد بن عباده في خياله.. ما يلبث أن يتحقق.. فهذا رجل يرى بعينيه ويسمع بأذنيه، ولكنه يجد نفسه محجوزاً بحاجز القرآن؛ فيغلب مشاعره، ويغلب وراثاته، ويغلب منطق البيئة العربية العنيف العميق؛ ويكبح غليان دمه، وفوران شعوره، واندفاع أعصابه.. ويربط على هذا كله في انتظار حكم الله وحكم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو جهد شاق مرهق؛ ولكن التربية الإسلامية أعدت النفوس لاحتماله كي لا يكون حكم إلا لله، في ذات الأنفس وفي شؤون الحياة. كيف أمكن أن يحدث هذا؟ لقد حدث لأنهم كانوا يحسون أن الله معهم، وأنهم في كنف الله، وأن الله يرعاهم، ولا يكلفهم عنتاً ولا رهقاً، ولا يتركهم عندما يتجاوز الأمر طاقتهم، ولا يظلمهم أبداً. كانوا يعيشون دائماً في ظل الله، يتنفسون من روح الله، ويتطلعون إليه دائماً كما يتطلع الأطفال إلى العائل الكافل الرحيم.. فها هو ذا هلال بن أمية يرى بعينيه ويسمع بأذنيه، وهو وحده؛ فيشكو إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلا يجد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مناصاً من تنفيذ حد الله، وهو يقول له "حديث : البينة أو حد في ظهرك"تفسير : ولكن هلال بن أمية لا يتصور أن الله تاركه للحد، وهو صادق في دعواه. فإذا الله ينزل ذلك الاستثناء في حالة الأزواج؛ فيبشر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هلالاً به؛ فإذا هو يقول قولة الواثق المطمئن: قد كنت أرجو ذلك من ربي عز وجل.. فهو الاطمئان إلى رحمة الله ورعايته وعدله. والاطمئنان أكثر إلى أنه معهم، وأنهم ليسوا متروكين لأنفسهم؛ إنما هم في حضرته، وفي كفالته.. وهذا هو الإيمان الذي راضهم على الطاعة والتسليم والرضى بحكم الله. وبعد الانتهاء من بيان حكم القذف يورد نموذجاً من القذف، يكشف عن شناعة الجرم وبشاعته؛ وهو يتناول بيت النبوة الطاهر الكريم، وعرض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكرم إنسان على الله، وعرض صديقه الصديق أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ أكرم إنسان على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعرض رجل من الصحابة ـ صفوان بن المعطل رضي الله عنه ـ يشهد رسول الله أنه لم يعرف عليه إلا خيراً.. وهو يشغل المسلمين في المدينة شهراً من الزمان.. ذلك هو حديث الإفك الذي تطاول إلى ذلك المرتقى السامي الرفيع: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم. لا تحسبوه شراً لكم، بل هو خير لكم. لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم، والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم. لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً، وقالوا: هـذا إفك مبين. لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء! فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولـئك عند الله هم الكاذبون. ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم. إذ تلقونه بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم؛ وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم. ولولا إذ سمعتموه قلتم: ما يكون لنا أن نتكلم بهـذا. سبحانك! هـذا بهتان عظيم. يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين. ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم. إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، والله يعلم وأنتم لا تعلمون. ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم. يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر، ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبداً؛ ولـكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم. ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله. وليعفوا وليصفحوا. ألا تحبون أن يغفر الله لكم. والله غفور رحيم. إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب عظيم. يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق، ويعلمون أن الله هو الحق المبين. الخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات، والطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات، أولـئك مبرءُون مما يقولون، لهم مغفرة ورزق كريم}.. هذا الحادث. حادث الإفك. قد كلف أطهر النفوس في تاريخ البشرية كلها آلاماً لا تطاق؛ وكلف الأمة المسلمة كلها تجربة من أشق التجارب في تاريخها الطويل؛ وعلق قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقلب زوجه عائشة التي يحبها، وقلب أبي بكر الصديق وزوجه، وقلب صفوان بن المعطل.. شهراً كاملاً. علقها بحبال الشك والقلق والألم الذي لا يطاق. فلندع عائشة ـ رضي الله عنها ـ تروي قصة هذا الألم، وتكشف عن سر هذه الآيات: عن الزهري عن عروة وغيره عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه؛ وإنه أقرع بيننا في غزاة فخرج سهمي، فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، وأنا أحمل في هودج، وأنزل فيه. فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من غزوته تلك، وقفل، ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل؛ فقمت حين آذنوا بالرحيل، حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع، فرجعت فالتمسته فحبسني ابتغاؤه؛ وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم؛ وإنما نأكل العلقة من الطعام؛ فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة الهودج، فحملوه؛ وكنت جارية حديثة السن؛ فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي، بعدما استمر الجيش، فجئت منزلهم، وليس فيه أحد منهم، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إلي؛ فبينما أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت. وكان صفوان بن المعطل السلمي. ثم الذكواني. قد عرس وراء الجيش، فأدلج، فأصبح عند منزلي؛ فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني. وكان يراني قبل الحجاب. فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي والله ما يكلمني بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه؛ وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها، فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش، بعد ما نزلوا معرسين. قالت: فهلك في شأني من هلك. وكان الذي تولى كبر الإثم عبد الله بن أبي سلول؛ فقدمنا المدينة، فاشتكيت بها شهراً؛ والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر. وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلم ثم يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف. فذلك الذي يريبني منه، ولا أشعر بالشر حتى نقهت، فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط. فأقبلت أنا وأم مسطح ـ وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب ـ حين فرغنا من شأننا نمشي. فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح! فقلت لها: بئسما قلت. أتسبين رجلاً شهد بدراً؟ فقالت: يا هنتاه ألم تسمعي ما قال؟ فقلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي. فلما رجعت إلى بيتي دخل رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: كيف تيكم؟ فقلت: ائذن لي أن آتي أبوي. وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. فأذن لي، فأتيت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه ماذا يتحدث الناس به. فقالت يا بنية هوني على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها. فقلت سبحان الله! ولقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصحبت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. ثم أصبحت أبكي. فدعا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد ـ رضي الله عنهما ـ حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله. قالت: فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه من الود لهم. فقال أسامة: هم أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيراً. وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تخبرك. قالت فدعا رسول الله صلى الله ـ عليه وسلم ـ بريرة فقال لها: أي بريرة. هل رأيت فيها شيئاً يريبك؟ فقالت: لا والذي بعثك بالحق نبياً إن رأيت منها أمراً أغمصه عليها أكثرمن أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله قالت: فقام رسول الله صلى الله ـ عليه وسلم ـ من يومه واستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول. فقال وهو على المنبر: من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً. ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي. قالت: فقام سعد بن معاذ ـ رضي الله عنه فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه. إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. فقام سعد بن عباده ـ رضي الله عنه وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً ولكن أخذته الحمية. فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على ذلك. فقام أسيد بن حضير رضي الله عنه وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عيادة: كذبت ـ لعمر الله ـ لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيّان ـ الأوس والخزرج ـ حتى همّوا أن يقتتلوا، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على المنبر، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا ونزل. وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم. ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم. فأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوماً، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي. فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي. فبينما نحن كذلك إذا دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جلس، ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء، فتشهد حين جلس، ثم قال: "حديث : أما بعد فإنه بلغني عنك كذا وكذا. فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله تعالى عليه"تفسير : . فلما قضى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه بقطرة. فقلت لأبي: أجب عني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما قال. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قالت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن. فقلت: إني والله أعلم أنكم سمعتم حديثاً تحدث الناس به، واستقر في نفوسكم، وصدقتم به. فلئن قلت لكم: إني بريئة لا تصدقوني بذلك. ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة، لتصدقنني. فوالله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف إذ قال: {أية : فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون}. تفسير : ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله تعالى مبرئي ببراءتي. ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل الله تعالى في شأني وحياً يتلى؛ ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله تعالى فيّ بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النوم رؤيا يبرئني الله تعالى بها. فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل الله تعالى على نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحاء، فسري عنه، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة احمدي الله تعالى فإنه قد برأك. فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله تعالى، هو الذي أنزل براءتي. فأنزل الله تعالى: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم... العشر الآيات} فلما أنزل الله تعالى هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد ما قال لعائشة ـ رضي الله عنها ـ فأنزل الله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة..} إلى قوله: {والله غفور رحيم} فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان يجري عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. قالت عائشة رضي الله عنها: وكان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سأل زينب بنت جحش عن أمري، فقال: "حديث : يا زينب ما علمت وما رأيت"تفسير : ؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيراً. وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعصمها الله تعالى بالورع. قالت: فطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك. وهكذا عاش رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأهل بيته. وعاش أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ وأهل بيته. وعاش صفوان بن المعطل. وعاش المسلمون جميعاً هذا الشهر كله في مثل هذا الجو الخانق، وفي ظل تلك الآلام الهائلة، بسبب حديث الإفك الذي نزلت فيه تلك الآيات. وإن الإنسان ليقف متململاً أمام هذه الصورة الفظيعة لتلك الفترة الأليمة في حياة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمام تلك الآلام العميقة اللاذعة لعائشة زوجه المقربة. وهي فتاة صغيرة في نحو السادسة عشرة. تلك السن المليئة بالحساسية المرهفة والرفرفة الشفيفة. فها هي ذي عائشة الطيبة الطاهرة. ها هي ذي في براءتها ووضاءة ضميرها، ونظافة تصوراتها، ها هي ذي ترمى في أعز ما تعتز به. ترمى في شرفها. وهي ابنة الصديق الناشئة في العش الطاهر الرفيع. وترمى في أمانتها. وهي زوج محمد بن عبد الله من ذروة بني هاشم. وترمى في وفائها. وهي الحبيبة المدللة القريبة من ذلك القلب الكبير.. ثم ترمى في إيمانها. وهي المسلمة الناشئة في حجر الإسلام، من أول يوم تفتحت عيناها فيه على الحياة. وهي زوج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم. ها هي ذي ترمى، وهي بريئة غارة غافلة، لا تحتاط لشيء، ولا تتوقع شيئاً؛ فلا تجد ما يبرئها إلا أن ترجو في جناب الله، وتترقب أن يرى رسول الله رؤيا، تبرئها مما رميت به. ولكن الوحي يتلبث، لحكمة يريدها الله، شهراً كاملاً؛ وهي في مثل هذا العذاب. ويا لله لها وهي تفاجأ بالنبأ من أم مسطح. وهي مهدودة من المرض، فتعاودها الحمى؛ وهي تقول لأمها في أسى: سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا؟ وفي رواية أخرى تسال: وقد علم به أبي؟ فتجيب أمها: نعم! فتقول: ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم؟ ـ فتجيبها أمها كذلك: نعم! ويا لله لها ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نبيها الذي تؤمن به ورجلها الذي تحبه، يقول لها: "حديث : أما بعد فإنه بلغني عنك كذا وكذا؛ فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه"تفسير : .. فتعلم أنه شاك فيها، لا يستيقن من طهارتها، ولا يقضي في تهمتها. وربه لم يخبره بعد، ولم يكشف له عن براءتها التي تعلمها ولكن لا تملك إثباتها؛ فتمسي وتصبح وهي متهمة في ذلك القلب الكبير الذي أحبها، وأحلها في سويدائه! وها هو ذا أبو بكر الصديق ـ في وقاره وحساسيته وطيب نفسه ـ يلذعه الألم، وهو يرمى في عرضه. في ابنته زوج محمد ـ صاحبه الذي يحبه ويطمئن إليه، ونبيه الذي يؤمن به ويصدقه تصديق القلب المتصل، لا يطلب دليلاً من خارجه.. وإذا الألم يفيض على لسانه، وهو الصابر المحتسب القوي على الألم، فيقول: والله ما رمينا بهذا في جاهلية. أفنرضى به في الإسلام؟ وهي كلمة تحمل من المرارة ما تحمل. حتى إذا قالت له ابنته المريضة المعذبة: أجب عني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال في مرارة هامدة: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم! وأم رومان ـ زوج الصديق رضي الله عنهما ـ وهي تتماسك أمام ابنتها المفجوعة في كل شيء. المريضة التي تبكي حتى تظن أن البكاء فالق كبدها. فتقول لها: يا بنية هوني على نفسك الشأن، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها.. ولكن هذا التماسك يتزايل وعائشة تقول لها: أجيبي عني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فتقول كما قال زوجها من قبل: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم! والرجل المسلم الطيب الطاهر المجاهد في سبيل الله صفوان بن المعطل. وهو يرمى بخيانة نبيه في زوجه. فيرمى بذلك في إسلامه، وفي أمانته، وفي شرفه، وفي حميته. وفي كل ما يعتز به صحابي، وهو من ذلك كله بريء. وهو يفاجأ بالاتهام الظالم وقلبه بريء من تصوره، فيقول: سبحان الله! والله ما كشفت كتف أنثى قط. ويعلم أن حسان بن ثابت يروج لهذا الإفك عنه، فلا يملك نفسه أن يضربه بالسيف على رأسه ضربة تكاد تودي به. ودافعه إلى رفع سيفه على امرئ مسلم، وهو منهي عنه، أن الألم قد تجاوز طاقته، فلم يملك زمام نفسه الجريح! ثم ها هو ذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو رسول الله، وهو في الذروة من بني هاشم.. ها هو ذا يرمى في بيته. وفي من؟ في عائشة التي حلت من قلبه في مكان الابنة والزوجة والحبيبة. وها هو ذا يرمى في طهارة فراشه، وهو الطاهر الذي تفيض منه الطهارة. وها هو ذا يرمى في صيانة حرمته، وهو القائم على الحرمات في أمته. وها هو ذا يرمى في حياطة ربه له، وهو الرسول المعصوم من كل سوء. ها هو ذا ـ صلى الله عليه وسلم ـ يرمى في كل شيء حين يرمى في عائشة ـ رضي الله عنها ـ يرمى في فراشه وعرضه، وقلبه ورسالته. يرمى في كل ما يعتز به عربي، وكل ما يعتز به نبي.. ها هو ذا يرمى في هذا كله؛ ويتحدث الناس به في المدينة شهراً كاملاً، فلا يملك أن يضع لهذا كله حداً. والله يريد لحكمة يراها أن يدع هذا الأمر شهراً كاملاً لا يبين فيه بياناً. ومحمد الإنسان يعاني ما يعانية الإنسان في هذا الموقف الأليم. يعاني من العار، ويعاني فجيعة القلب؛ ويعاني فوق ذلك الوحشة المؤرقة. الوحشة من نور الله الذي اعتاد أن ينير له الطريق.. والشك يعمل في قلبه ـ مع وجود القرائن الكثيرة على براءة أهله، ولكنه لا يطمئن نهائياً إلى هذه القرائن ـ والفرية تفوح في المدينة، وقلبه الإنساني المحب لزوجه الصغيرة يتعذب بالشك؛ فلا يملك أن يطرد الشك. لأنه في النهاية بشر، ينفعل في هذا انفعالات البشر. وزوج لا يطيق أن يمس فراشه. ورجل تتضخم بذرة الشك في قلبه متى استقرت، ويصعب عليه اقتلاعها دون دليل حاسم. وها هو ذا يثقل عليه العبء وحده، فيبعث إلى أسامة بن زيد. حبه القريب إلى قلبه.. ويبعث إلى علي ابن أبي طالب. ابن عمه وسنده. يستشيرهما في خاصة أمره. فأما علي فهو من عصب محمد، وهو شديد الحساسية بالموقف لهذا السبب. ثم هو شديد الحساسية بالألم والقلق اللذين يعتصران قلب محمد، ابن عمه وكافله. فهو يشير بأن الله لم يضيق عليه. ويشير مع هذا بالتثبت من الجارية ليطمئن قلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويستقر على قرار. وأما أسامة فيدرك ما بقلب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الود لأهله، والتعب لخاطر الفراق، فيشير بما يعلمه من طهارة أم المؤمنين، وكذب المفترين الأفاكين. ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في لهفة الإنسان، وفي قلق الإنسان، يستمد من حديث أسامة، ومن شهادة الجارية مدداً وقوة يواجه بهما القوم في المسجد، فيستعذر ممن نالوا عرضه، ورموا أهله، ورموا رجلاً من فضلاء المسلمين لا يعلم أحد عليه من سوء.. فيقع بين الأوس والخزرج ما يقع من تناور ـ وهم في مسجد رسول الله ـ صلى الله عليه السلام ـ وفي حضرة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويدل هذا على الجو الذي كان يظلل الجماعة المسلمة في هذه الفترة الغريبة، وقد خدشت قداسة القيادة، ويحز هذا في نفس الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والنور الذي أعتاد أن يسعفه لا ينير له الطريق! فإذا هو يذهب إلى عائشة نفسها يصارحها بما يقول الناس؛ ويطلب منها هي البيان الشافي المريح! وعندما تصل الآلام إلى ذروتها على هذا النحو يتعطف عليه ربه، فيتنزل القرآن ببراءة عائشة الصديقة الطاهرة؛ وبراءة بيت النبوة الطيب الرفيع؛ ويكشف المنافقين الذين حاكوا هذا الإفك، ويرسم الطريق المستقيم للجماعة المسلمة في مواجهة مثل هذا الشأن العظيم. ولقد قالت عائشة عن هذا القرآن الذي تنزل: "وأنا والله أعلم حينئذ أني بريئة، وأن الله تعالى مبرئي ببراءتي. ولكني والله ما كنت أظن أن ينزل الله تعالى في شأني وحياً يتلى. ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر يتلى. ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النوم رؤيا يبرئني الله تعالى بها".. ولكن الأمر ـ كما يبدو من ذلك الاستعراض ـ لم يكن أمر عائشة ـ رضي الله عنها ـ ولا قاصراً على شخصها. فلقد تجاوزها إلى شخص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ووظيفته في الجماعة يومها. بل تجاوزه إلى صلته بربه ورسالته كلها. وما كان حديث الإفك رمية لعائشة وحدها، إنما كان رمية للعقيدة في شخص نبيها وبانيها.. من أجل ذلك أنزل الله القرآن ليفصل في القضية المبتدعة، ويرد المكيدة المدبرة، ويتولى المعركة الدائرة ضد الإسلام ورسول الإسلام؛ ويكشف عن الحكمة العليا وراء ذلك كله؛ وما يعلمها إلا الله. {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم. لا تحسبوه شراً لكم، بل هو خير لكم. لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم. والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم}. فهم ليسوا فرداً ولا أفراداً؛ إنما هم {عصبة} متجمعة ذات هدف واحد. ولم يكن عبد الله بن أبي بن سلول وحده هو الذي أطلق ذلك الإفك. إنما هو الذي تولى معظمه. وهو يمثل عصبة اليهود أو المنافقين، الذين عجزوا عن حرب الإسلام جهرة؛ فتواروا وراء ستار الإسلام ليكيدوا للإسلام خفية، وكان حديث الإفك إحدى مكائدهم القاتلة. ثم خدع فيها المسلمون فخاض منهم من خاض في حديث الإفك كحمنة بنت جحش؛ وحسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة. أما أصل التدبير فكان عند تلك العصبة، وعلى رأسها ابن سلول، الحذر الماكر، الذي لم يظهر بشخصه في المعركة. ولم يقل علانية ما يؤخذ به، فيقاد إلى الحد. إنما كان يهمس به بين ملئه الذين يطمئن إليهم، ولا يشهدون عليه. وكان التدبير من المهارة والخبث بحيث أمكن أن ترجف به المدينة شهراً كاملاً، وأن تتداوله الألسنة في أطهر بيئة وأتقاها! وقد بدأ السياق ببيان تلك الحقيقة ليكشف عن ضخامة الحادث، وعمق جذوره، وما وراءه من عصبة تكيد للإسلام والمسلمين هذا الكيد الدقيق العميق اللئيم. ثم سارع بتطمين المسلمين من عاقبة هذا الكيد: {لا تحسبوه شراً لكم؛ بل هو خير لكم}.. خير. فهو يكشف عن الكائدين للإسلام في شخص رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأهل بيته. وهو يكشف للجماعة المسلمة عن ضرورة تحريم القذف وأخذ القاذفين بالحد الذي فرضه الله؛ ويبين مدى الأخطار التي تحيق بالجماعة لو أطلقت فيها الألسنة تقذف المحصنات الغافلات المؤمنات. فهي عندئذ لا تقف عند حد. إنما تمضي صعداً إلى أشرف المقامات، وتتطاول إلى أعلى الهامات، وتعدم الجماعة كل وقاية وكل تحرج وكل حياء. وهو خير أن يكشف الله للجماعة المسلمة ـ بهذه المناسبة ـ عن المنهج القويم في مواجهة مثل هذا الأمر العظيم. أما الآلام التي عاناها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأهل بيته، والجماعة المسلمة كلها، فهي ثمن التجربة، وضريبة الابتلاء، الواجبة الأداء! أما الذين خاضوا في الإفك، فلكل منهم بقدر نصيبه من تلك الخطيئة: {لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم}.. ولكل منهم نصيبه من سوء العاقبة عند الله. وبئس ما اكتسبوه، فهو إثم يعاقبون عليه في حياتهم الدنيا وحياتهم الأخرى: {والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} يناسب نصيبه من ذلك الجرم العظيم. والذي تولى كبره، وقاد حملته، واضطلع منه بالنصيب الأوفى، كان هو عبد الله بن أبي بن سلول. رأس النفاق، وحامل لواء الكيد. ولقد عرف كيف يختار مقتلاً، لولا أن الله كان من ورائه محيطاً، وكان لدينه حافظاً، ولرسوله عاصماً، وللجماعة المسلمة راعياً.. ولقد روي أنه لما مر صفوان بن المعطل بهودج أم المؤمنين وابن سلول في ملأ من قومه قال: من هذه؟ فقالوا: عائشة رضي الله عنها.. فقال: والله ما نجت منه ولا نجا منها. وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت؛ ثم جاء يقودها! وهي قولة خبيثة راح يذيعها ـ عن طريق عصبة النفاق ـ بوسائل ملتوية. بلغ من خبثها أن تموج المدينة بالفرية التي لا تصدق، والتي تكذبها القرآئن كلها. وأن تلوكها ألسنة المسلمين غير متحرجين. وأن تصبح موضوع أحاديثهم شهراً كاملاً. وهي الفرية الجديرة بأن تنفى وتستبعد للوهلة الأولى. وإن الإنسان ليدهش ـ حتى اليوم ـ كيف أمكن أن تروج فرية ساقطة كهذه في جو الجماعة المسلمة حينذاك. وأن تحدث هذه الآثار الضخمة في جسم الجماعة، وتسبب هذه الآلام القاسية لأطهر النفوس وأكبرها على الإطلاق. لقد كانت معركة خاضها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخاضتها الجماعة المسلمة يومذاك. وخاضها الإسلام. معركة ضخمة لعلها أضخم المعارك التي خاضها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخرج منها منتصراً كاظماً لآلامه الكبار، محتفظاً بوقار نفسه وعظمة قلبه وجميل صبره. فلم تؤثر عنه كلمة واحدة تدل على نفاد صبره وضعف احتماله. والآلام التي تناوشه لعلها أعظم الآلام التي مرت به في حياته. والخطر على الإسلام من تلك الفرية من أشد الأخطار التي تعرض لها في تاريخه. ولو استشار كل مسلم قلبه يومها لأفتاه؛ ولو عاد إلى منطق الفطرة لهداه. والقرآن الكريم يوجه المسلمين إلى هذا المنهج في مواجهة الأمور، بوصفه أول خطوة في الحكم عليها: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً، وقالوا: هـذا إفك مبين}.. نعم كان هذا هو الأولى.. أن يظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً. وأن يستبعدوا سقوط أنفسهم في مثل هذه الحمأة.. وامرأة نبيهم الطاهرة وأخوهم الصحابي المجاهد هما من أنفسهم، فظن الخير بهما أولى. فإن ما لا يليق بهم لا يليق بزوج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا يليق بصاحبه الذي لم يعلم عنه إلا خيراً.. كذلك فعل أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته ـ رضي الله عنهما ـ كما روى الإمام محمد ابن اسحاق: أن أبا أيوب قالت له امرأته ـ أم أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة ـ رضي الله عنها؟ ـ قال: نعم. وذلك الكذب. أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله. قال: فعائشة والله خير منك.. ونقل الإمام محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره: "الكشاف" أن أبا أيوب الأنصاري قال لأم أيوب: ألا ترين ما يقال؟ فقالت: لو كنت بدل صفوان أكنت تظن بحرمة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سوءاً؟ قال: لا. قالت: ولو كنت أنا بدل عائشة ـ رضي الله عنها ـ ما خنت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فعائشة خير مني، وصفوان خير منك.. وكلتا الروايتين تدلان على أن بعض المسلمين رجع إلى نفسه واستفتى قلبه، فاستبعد أن يقع ما نسب إلى عائشة، وما نسب إلى رجل من المسلمين: من معصية لله وخيانة لرسوله، وارتكاس في حمأة الفاحشة، لمجرد شبهة لا تقف للمناقشة! هذه هي الخطوة الأولى في المنهج الذي يفرضه القرآن لمواجهة الأمور. خطوة الدليل الباطني الوجداني. فأما الخطوة الثانية فهي طلب الدليل الخارجي والبرهان الواقعي: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء! فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولـئك عند الله هم الكاذبون}.. وهذه الفرية الضخمة التي تتناول أعلى المقامات، وأطهر الأعراض، ما كان ينبغي أن تمر هكذا سهلة هينة؛ وأن تشيع هكذا دون تثبت ولا بينة؛ وأن تتقاذفها الألسنة وتلوكها الأفواه دون شاهد ولا دليل: {لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء!} وهم لم يفعلوا فهم كاذبون إذن. كاذبون عند الله الذي لا يبدل القول لديه، والذي لا يتغير حكمه، ولا يتبدل قراره. فهي الوصمة الثابتة الصادقة الدائمة التي لا براءة لهم منها، ولا نجاة لهم من عقباها. هاتان الخطوتان: خطوة عرض الأمر على القلب واستفتاء الضمير. وخطوة التثبيت بالبينة والدليل.. غفل عنهما المؤمنون في حادث الإفك؛ وتركوا الخائضين يخوضون في عرض رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو أمر عظيم لولا لطف الله لمس الجماعة كلها البلاء العظيم. فالله يحذرهم أن يعودوا لمثله أبداً بعد هذا الدرس الأليم: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم}.. لقد احتسبها الله للجماعة المسلمة الناشئة درساً قاسياً. فأدركهم بفضله ورحمته ولم يمسسهم بعقابه وعذابه. فهي فعلة تستحق العذاب العظيم. والعذاب الذي يتناسب مع العذاب الذي سببوه للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وزوجه وصديقه وصاحبه الذي لا يعلم عليه إلا خيراً. والعذاب الذي يتناسب مع الشر الذي ذاع في الجماعة المسلمة وشاع؛ ومس كل المقدسات التي تقوم عليها حياة الجماعة. والعذاب الذي يناسب خبث الكيد الذي كادته عصبة المنافقين للعقيدة لتقتلعها من جذورها حين تزلزل ثقة المؤمنين بربهم ونبيهم وأنفسهم طوال شهر كامل، حافل بالقلق والقلقلة والحيرة بلا يقين! ولكن فضل الله تدارك الجماعة الناشئة، ورحمته شملت المخطئين، بعد الدرس الأليم. والقرآن يرسم صورة لتلك الفترة التي أفلت فيها الزمام؛ واختلت فيها المقاييس، واضطربت فيها القيم، وضاعت فيها الأصول: {إذ تلقونه بألسنتكم، وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، وتحسبونه هيناً، وهو عند الله عظيم}.. وهي صورة فيها الخفة والاستهتار وقلة التحرج، وتناول أعظم الأمور وأخطرها بلا مبالاة ولا اهتمام: {إذ تلقونه بألسنتكم}.. لسان يتلقى عن لسان، بلا تدبر ولا ترو ولا فحص ولا إنعام نظر. حتى لكأن القول لا يمر على الآذان، ولا تتملاه الرؤوس، ولا تتدبره القلوب! {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم}.. بأفواهكم لا بوعيكم ولا بعقلكم ولا بقلبكم. إنما هي كلمات تقذف بها الأفواه، قبل أن تستقر في المدارك، وقبل أن تتلقاها العقول.. {وتحسبونه هيناً} أن تقذفوا عرض رسول الله، وأن تدعوا الألم يعصر قلبه وقلب زوجه وأهله؛ وأن تلوثوا بيت الصديق الذي لم يرم في الجاهلية؛ وأن تتهموا صحابياً مجاهداً في سبيل الله. وأن تمسوا عصمة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصلته بربه، ورعاية الله له.. {وتحسبونه هيناً}.. {وهو عند الله عظيم}.. وما يعظم عند الله إلا الجليل الضخم الذي تزلزل له الرواسي، وتضج منه الأرض والسماء. ولقد كان ينبغي أن تجفل القلوب من مجرد سماعه، وأن تتحرج من مجرد النطق به، وأن تنكر أن يكون هذا موضوعاً للحديث؛ وأن تتوجه إلى الله تنزهه عن أن يدع نبيه لمثل هذا؛ وأن تقذف بهذا الإفك بعيداً عن ذلك الجو الطاهر الكريم: {ولولا إذ سمعتموه قلتم: ما يكون لنا أن نتكلم بهـذا. سبحانك! هـذا بهتان عظيم}.. وعندما تصل هذه اللمسة إلى أعماق القلوب فتهزها هزاً؛ وهي تطلعها على ضخامة ما جنت وبشاعة ما عملت.. عندئذ يجيء التحذير من العودة إلى مثل هذا الأمر العظيم: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين}.. {يعظكم}.. في أسلوب التربية المؤثر. في أنسب الظروف للسمع والطاعة والاعتبار. مع تضمين اللفظ معنى التحذير من العودة إلى مثل ما كان: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً}.. ومع تعليق إيمانهم على الانتفاع بتلك العظة: {إن كنتم مؤمنين}.. فالمؤمنون لا يمكن أن يكشف لهم عن بشاعة عمل كهذا الكشف، وأن يحذروا منه مثل هذا التحذير، ثم يعودوا إليه وهم مؤمنون: {ويبين الله لكم الآيات}.. على مثال ما بين في حديث الإفك، وكشف عما وراءه من كيد؛ وما وقع فيه من خطايا وأخطاء: {والله عليم حكيم} يعلم البواعث والنوايا والغايات والأهداف؛ ويعلم مداخل القلوب، ومسارب النفوس. وهو حكيم في علاجها، وتدبير أمرها، ووضع النظم والحدود التي تصلح بها.. ثم يمضي في التعقيب على حديث الإفك؛ وما تخلف عنه من آثار؛ مكرراً التحذير من مثله، مذكراً بفضل الله ورحمته، متوعداً من يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بعذاب الله في الآخرة. ذلك مع تنقية النفوس من آثار المعركة؛ وإطلاقها من ملابسات الأرض، وإعادة الصفاء إليها والإشراق.. كما تتمثل في موقف أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ من قريبه مسطح بن أثاثة الذي خاض في حديث الإفك مع من خاض: {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.. والذين يرمون المحصنات ـ وبخاصة أولئك الذين تجرأوا على رمي بيت النبوة الكريم ـ إنما يعملون على زعزعة ثقة الجماعة المؤمنة بالخير والعفة والنظافة؛ وعلى إزالة التحرج من ارتكاب الفاحشة، وذلك عن طريق الإيحاء بأن الفاحشة شائعة فيها.. بذلك تشيع الفاحشة في النفوس، لتشيع بعد ذلك في الواقع. من أجل هذا وصف الذين يرمون المحصنات بأنهم يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وتوعدهم بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة. وذلك جانب من منهج التربية، وإجراء من إجراءات الوقاية. يقوم على خبرة بالنفس البشرية، ومعرفة بطريقة تكيف مشاعرها واتجاهاتها.. ومن ثم يعقب بقوله: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}.. ومن ذا الذي يعلم أمر هذه النفس إلا الذي خلقها؟ ومن ذا الذي يدبر أمر هذه الإنسانية إلا الذي برأها؟ ومن ذا الذي يرى الظاهر والباطن، ولا يخفى على علمه شيء إلا العليم الخبير؟ ومرة أخرى يذكر المؤمنين بفضل الله عليهم ورحمته: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم}.. إن الحدث لعظيم، وإن الخطأ لجسيم، وإن الشر الكامن فيه لخليق أن يصيب الجماعة المسلمة كلها بالسوء. ولكن فضل الله ورحمته، ورأفته ورعايته.. ذلك ما وقاهم السوء.. ومن ثم يذكرهم به المرة بعد المرة؛ وهو يربيهم بهذه التجربة الضخمة التي شملت حياة المسلمين. فإذا تمثلوا أن ذلك الشر العظيم كان وشيكاً أن يصيبهم جميعاً، لولا فضل الله ورحمته، صور لهم عملهم بأنه اتباع لخطوات الشيطان. وما كان لهم أن يتبعوا خطوات عدوهم وعدو أبيهم من قديم. وحذرهم ما يقودهم الشيطان إليه من مثل هذا الشر المستطير: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان؛ ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر. ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبداً؛ ولـكن الله يزكي من يشاء، والله سميع عليم}.. وإنها لصورة مستنكرة أن يخطو الشيطان فيتبع المؤمنون خطاه، وهم أجدر الناس أن ينفروا من الشيطان وأن يسلكوا طريقاً غير طريقه المشؤوم! صورة مستنكرة ينفر منها طبع المؤمن، ويرتجف لها وجدانه، ويقشعر لها خياله! ورسم هذه الصورة ومواجهة المؤمنين بها يثير في نفوسهم اليقظة والحذر والحساسية: {ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر}.. وحديث الإفك نموذج من هذا المنكر الذي قاد إليه المؤمنين الذين خاضوا فيه. وهو نموذج منفر شنيع. وإن الإنسان لضعيف، معرض للنزعات، عرضة للتلوث. إلا أن يدركه فضل الله ورحمته. حين يتجه إلى الله، ويسير على نهجه. {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبداً. ولـكن الله يزكي من يشآء}.. فنور الله الذي يشرق في القلب يطهره ويزكيه. ولولا فضل الله ورحمته لم يزك من أحد ولم يتطهر. والله يسمع ويعلم، فيزكي من يستحق التزكيه. ويطهر من يعلم فيه الخير والاستعداد {والله سميع عليم}.. وعلى ذكر التزكية والطهارة تجيء الدعوة إلى الصفح والمغفرة بين بعض المؤمنين وبعض ـ كما يرجون غفران الله لما يرتكبونه من أخطاء وذنوب ـ: {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله؛ وليعفوا وليصفحوا. ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟ والله غفور رحيم}.. نزلت في أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ بعد نزول القرآن ببراءة الصديقة. وقد عرف أن مسطح بن أثاثة كان ممن خاضوا فيه. وهو قريبة. وهو من فقراء المهاجرين. وكان أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ ينفق عليه. فآلى على نفسه لا ينفع مسطحاً بنافعة أبداً. نزلت هذه الآية تذكر أبا بكر، وتذكر المؤمنين، بأنهم هم يخطئون ثم يحبون من الله أن يغفر لهم. فليأخذوا أنفسهم ـ بعضهم مع بعض ـ بهذا الذي يحبونه، ولا يحلفوا أن يمنعوا البر عن مستحقيه، وإن كانوا قد أخطأوا وأساءوا.. وهنا نطلع على أفق عال من آفاق النفوس الزكية، التي تطهرت بنور الله. أفق يشرق في نفس أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ أبي بكر الذي مسه حديث الإفك في أعماق قلبه، والذي احتمل مرارة الاتهام لبيته وعرضه. فما يكاد يسمع دعوة ربه إلى العفو؛ وما يكاد يلمس وجدانيه ذلك السؤال الموحي: {ألا تحبون أن يغفر الله لكم؟} حتى يرتفع على الآلام، ويرتفع على مشاعر الإنسان، ويرتفع على منطق البيئة. وحتى تشف روحه وترف وتشرق بنور الله. فإذا هو يلبي داعي الله في طمأنينة وصدق يقول: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي. ويعيد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، ويحلف: والله لا أنزعها منه أبداً. ذلك في مقابل ما حلف: والله لا أنفعه بنافعة أبداً. بذلك يمسح الله على آلام ذلك القلب الكبير، ويغسله من أوضار المعركة، ليبقى أبداً نظيفاً طاهراً زكياً مشرقاً بالنور.. ذلك الغفران الذي يذكر الله المؤمنين به. إنما هو لمن تاب عن خطيئة رمي المحصنات وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا. فأما الذين يرمون المحصنات عن خبث وعن إصرار، كأمثال ابن أبيّ فلا سماحة ولا عفو. ولو أفلتوا من الحد في الدنيا، لأن الشهود لم يشهدوا فإن عذاب الله ينتظرهم في الآخرة. ويومذاك لن يحتاج الأمر إلى شهود: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب عظيم. يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق، ويعلمون أن الله هو الحق المبين}.. ويجسم التعبير جريمة هؤلاء ويبشعها؛ وهو يصورها رمياً للمحصنات المؤمنات وهن غافلات غارّات، غير آخذات حذرهن من الرمية. وهن بريئات الطوايا مطمئنان لا يحذرن شيئاً، لأنهن لم يأتين شيئاً يحذرنه! فهي جريمة تتمثل فيها البشاعة كما تتمثل فيها الخسة. ومن ثم يعاجل مقترفيها باللعنة. لعنة الله لهم، وطردهم من رحمته في الدنيا والآخرة. ثم يرسم ذلك المشهد الأخاذ: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم}.. فإذا بعضهم يتهم بعضاً بالحق، إذ كانوا يتهمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالإفك! وهي مقابلة في المشهد مؤثرة، على طريقة التناسق الفني في التصوير القرآني. {يؤمئذ يوفيهم الله دينهم الحق}.. ويجزيهم جزاءهم العدل، ويؤدي لهم حسابهم الدقيق. ويومئذ يستيقنون مما كانوا يستريبون: {ويعلمون أن الله هو الحق المبين}.. ويختم الحديث عن حادث الإفك ببيان عدل الله في اختياره الذي ركبه في الفطرة، وحققه في واقع الناس. وهو أن تلتئم النفس الخبيثة بالنفس الخبيثة، وأن تمتزج النفس الطيبة بالنفس الطيبة. وعلى هذا تقوم العلاقات بين الأزواج. وما كان يكمن أن تكون عائشة - رضي الله عنها - كما رموها، وهي مقسومة لأطيب نفس على ظهر هذه الأرض: {الخبيثات للخبيثين، والخبيثون للخبيثات. والطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات. أولـئك مبرءُون مما يقولون، لهم مغفرة ورزق كريم}.. ولقد أحبت نفس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عائشة حباً عظيماً. فما كان يمكن أن يحببها الله لنبيه المعصوم، إن لم تكن طاهرة تستحق هذا الحب العظيم. أولئك الطيبون والطيبات {مبرءُون مما يقولون} بفطرتهم وطبيعتهم، لا يلتبس بهم شيء مما قيل. {لهم مغفرة ورزق كريم}.. مغفرة عما يقع منهم من أخطاء. ورزق كريم. دلالة على كرامتهم عند ربهم الكريم. بذلك ينتهي حديث الإفك. ذلك الحادث الذي تعرضت فيه الجماعة المسلمة لأكبر محنة. إذ كانت محنة الثقة في طهارة بيت الرسول، وفي عصمة الله لنبيه أن يجعل في بيته إلا العنصر الطاهر الكريم. وقد جعلها الله معرضاً لتربية الجماعة المسلمة، حتى تشف وترف؛ وترتفع إلى آفاق النور.. في سورة النور..

ابن عاشور

تفسير : يجوز أن يكون {سورة} خبراً عن مبتدأ مقدر دل عليه ابتداء السورة، فيقدر: هذه سورة. واسم الإشارة المقدر يشير إلى حاضر في السمع وهو الكلام المتتالي، فكل ما ينزل من هذه السورة وألحق بها من الآيات فهو من المشار إليه باسم الإشارة المقدر. وهذه الإشارة مستعملة في الكلام كثيراً. ويجوز أن تكون {سورة} مبتدأ ويكون قوله: { أية : الزانية والزاني } تفسير : [النور: 2] إلى آخر السورة خبراً عن {سورة} ويكون الابتداء بكلمة {سورة} ثم أجري عليه من الصفات تشويقاً إلى ما يأتي بعده مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : كلمتان حبيبتان إلى الرحمان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم » تفسير : .وأحسن وجوه التقدير ما كان منساقاً إليه ذهن السامع دون كلفة، فدع عنك التقادير الأخرى التي جوزوها هنا. ومعنى {سورة} جزء من القرآن معين بمبدأ ونهاية وعدد آيات. وتقدم بيانه في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير. وجملة: {أنزلناها} وما عطف عليها في موضع الصفة لــــ{سورة}. والمقصود من تلك الأوصاف التنويه بهذه السورة ليقبل المسلمون بشراشرهم على تلقي ما فيها. وفي ذلك امتنان على الأمة بتحديد أحكام سيرتها في أحوالها. ففي قوله: {أنزلناها} تنويه بالسورة بما يدل عليه «أنزلنا» من الإسناد إلى ضمير الجلالة الدال على العناية بها وتشريفها. وعبر بــــ«أنزلنا» عن ابتداء إنزال آياتها بعد أن قدرها الله بعلمه بكلامه النفسي. فالمقصود من إسناد إنزالها إلى الله تعالى تنويه بها. وعبر عن إنزالها بصيغة المضي وإنما هو واقع في الحال باعتبار إرادة إنزالها، فكأنه قيل: أردنا إنزالها وإبلاغها، فجعل ذلك الاعتناء كالماضي حرصاً عليه. وهذا من استعمال الفعل في معنى إرادة وقوعه كقوله تعالى: { أية : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } تفسير : [المائدة: 6] الآية. والقرينة قوله: {وفرضناها} ومعنى {فرضناها} عند المفسرين: أوجبنا العمل بما فيها. وإنما يليق هذا التفسير بالنظر إلى معظم هذه السورة لا إلى جميعها فإن منها ما لا يتعلق به عمل كقوله: { أية : الله نور السماوات والأرض } تفسير : [النور: 35] الآيات وقوله: { أية : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة } تفسير : [النور: 39]. فالذي أختاره أن يكون الفرض هنا بمعنى التعيين والتقدير كقوله تعالى: { أية : نصيباً مفروضاً } تفسير : [النساء: 7] وقوله: { أية : ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له } تفسير : [الأحزاب: 38]. وتعدية فعل «فرضنا» إلى ضمير السورة من قبيل ما يعبر عنه في مسائل أصول الفقه من إضافة الأحكام إلى الأعيان بإرادة أحوالها، مثل { أية : حرمت عليكم الميتة } تفسير : [المائدة: 3]، أي أكلها. فالمعنى: وفرضنا آياتها. وسنذكر قريباً ما يزيد هذا بياناً عند قوله تعالى: { أية : ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } تفسير : [النور: 34] وكيف قوبلت الصفات الثلاث المذكورة هنا بالصفات الثلاث المذكورة هنالك. وقرأ الجمهور: {وفرضناها} بتخفيف الراء بصيغة الفعل المجرد. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو {وفرّضناها} بتشديد الراء للمبالغة مثل نزّل المشدّد. ونقل في حواشي «الكشاف» عن الزمخشري قوله: شعر : كأنه عامل في دين سؤدده بسورة أنزلت فيه وفُرّضَتِ تفسير : وهذان الحكمان وهما الإنزال والفرض ثبتا لجميع السورة. وأما قوله: {أنزلنا فيها آيات بينات} فهو تنويه آخر بهذه السورة تنويه بكل آية اشتملت عليها السورة: من الهدى إلى التوحيد، وحقية الإسلام، ومن حجج وتمثيل، وما في دلائل صنع الله على سعة قدرته وعلمه وحكمته، وهي ما أشار إليه قوله: { أية : ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين } تفسير : [النور: 34] وقوله: { أية : ألم تر أن الله يزجي سحاباً } تفسير : [النور: 43] إلى قوله: { أية : صراط مستقيم } تفسير : [النور: 46]. ومن الآيات البينات التي أنزلت فيها إطلاع الله رسوله على دخائل المنافقين مما كتموه في نفوسهم من قوله: { أية : وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون } تفسير : [النور: 48] إلى قوله: { أية : إن الله خبير بما تعلمون } تفسير : [النور:53] فحصل التنويه بمجموع السورة ابتداء والتنويه بكل جزء منها ثانياً. فالآيات جمع آية وهي قطعة من الكلام القرآني دالة على معنى مستقل وتقدم بيانها في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير. فالمراد من الآيات المنزلة في هذه السورة جميع ما اشتملت عليه من الآيات لا آيات مخصوصة من بينها. والمقصود التنويه بآياتها بإجراء وصف {بينات} عليها. وإذا كانت الآيات التي اشتملت السورة على جميعها هي عين السورة لا بعضاً منها إذ ليس ثم شيء غير تلك الآيات حاوٍ لتلك الآيات حقيقة ولا مشبه بما يحوي، فكان حرف (في) الموضوع للظرفية مستعملاً في غير ما وضع له لا حقيقة ولا استعارة مصرحة. فتعين أن كلمة {فيها} تؤذن باستعارة مكنية بتشبيه آيات هذه السورة بأعلاق نفسية تكتنز ويحرص على حفظها من الإضاعة والتلاشي كأنها مما يجعل في خزانة ونحوها. ورمز إلى المشبه به بشيء من روادفه وهو حرف الظرفية فيكون حرف (في) تخييلاً مجرداً وليس باستعارة تخيلية إذ ليس ثم ما يشبه بالخزانة ونحوها، فوزان هذا التخييل وزان أظفار المنية في قول أبي ذؤيب الهذلي: شعر : وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع تفسير : وهذه الظرفية شبيهة بالإضافة البيانية مثل قوله تعالى: { أية : أُحلت لكم بهيمة الأنعام } تفسير : [المائدة: 1] وقوله: { أية : أكفاركم خير } تفسير : [القمر: 43] فإن الكفار هم عين ضمير الجماعة المخاطبين وهم المشركون. فقوله: {وأنزلنا فيها} هو: بمعنى وأنزلناها آيات بينات. ووصف {آيات} بــــ{بينات} أي واضحات، مجاز عقلي لأن البيّن هو معانيها، وأعيد فعل الإنزال مع إغناء حرف العطف عنه لإظهار مزيد العناية بها. والوجه أن جملة {لعلكم تذكرون} مرتبطة بجملة: {أنزلنا فيها آيات بينات} لأن الآيات بهذا المعنى مظنة التذكر، أي دلائل مظنة لحصول تذكركم. فحصل بهذا الرجاء وصف آخر للسورة هو أنها مبعث تذكر وعظة. والتذكر: خطور ما كان منسياً بالذهن وهو هنا مستعار لاكتساب العلم من أدلته اليقينية بجعله كالعلم الحاصل من قبل فنسيه الذهن، أي العلم الذي شأنه أن يكون معلوماً، فشبه جهله بالنسيان وشبه علمه بالتذكر. وقرأ الجمهور: {تذَّكرون} بتشديد الذال وأصله تتذكرون فأدغم. وقرأه حمزة والكسائي وحفص وخلف {تذَكرون} بتخفيف الذال فحذفت إحدى التائين اختصاراً.

الواحدي

تفسير : {سورة أنزلناها} أَيْ: هذه سُورةٌ أنزلناها {وفرضناها} ألزمنا العمل بما فُرض فيها. {الزانية والزاني} إذا كانا حُرَّين بالغين غير محصنين {فاجلدوا كلَّ واحدٍ منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة} رقَّةٌ ورحمةٌ فَتُعطِّلوا الحدود، وتخفِّفوا الضَّرب حتَّى لا يُؤلم، وقوله: {في دين الله} أَيْ: في حكم الله. {وليشهد} وليحضر {عذابهما} جلدهما {طائفة} نفرٌ {من المؤمنين}. {الزاني لا ينكح إلاَّ زانية...} الآية. نزلت في قومٍ من فقراء المهاجرين همُّوا أن يتزوَّجوا بغايا كنَّ بالمدينة لِعَيْلَتِهم، فأنزل الله تعالى تحريم ذلك؛ لأنهنَّ كنَّ زانياتٍ مشركاتٍ، وبيَّن أنَّه لا يتزوَّج بهنَّ إلاَّ زانٍ أو مشركٌ، وأنَّ ذلك حرامٌ على المؤمنين.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 1- هذه سورة أوحينا بها وأوجبنا أحكامها. ونزلنا فيها دلائل واضحة على قدرة الله ووحدانيته. وعلى أن هذا الكتاب من عند الله، لتتعظوا بها. 2- ومن تلك الأحكام حكم الزانية والزانى فاضربوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا يمنعكم شئ من الرأفة بهما عن تنفيذ الحكم، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. لأن مقتضى الإيمان إيثار رضا الله على رضا الناس، ولْيحضر تنفيذ الحكم فيهما جماعة من المؤمنين. ليكون العقاب فيه ردع لغيرهما.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: سورة أنزلناها: أي هذه سورة أنزلناها. وفرضناها: أي فرضنا ما فيها من أحكام. وأنزلنا فيها آيات بينات: أي وأنزلنا ضمنها آيات أي حججاً واضحات تهدي إلى الحق وإلى صراط مستقيم. لعلكم تذكرون: أي تتعظون فتعملون بما في السورة من أحكام. الزانية: من أفضت إلى رجل بغير نكاح شرعي وهي غير محصنة. مائة جلدة: أي ضربة على جلد ظهره. رأفة: شفقة ورحمة. وليشهد عذابهما: أي إقامة الحد عليهما. طائفة: أي عدد لا يقل عن ثلاثة أنفار من المسلمين والأربعة أولى من الثلاثة. الزاني لا ينكح إلا زانية: أي إلا زانية مثله أو مشركة أي لا يقع وطء إلاَّ على مثله. معنى الآيات: قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} أي هذه سورة من كتاب الله أنزلناها أي على عبدنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم {وَفَرَضْنَاهَا} أي وفرضنا ما اشتملت عليه من أحكام على أمة الإِسلام، وقوله: {لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي تتعظون فتعملون بما حوته هذه السورة من أوامر ونواه وآداب وأخلاق وقوله تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} أي من زنت برجل منكم أيها المسلمون وهما بكران حُرَّان غير محصنين ولا مملوكين فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة بعصا لا تشين جارحة ولا تكسر عضواً أي جلداً غير مبرح، وزادت السنة تغريب سنة، وقوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ}، أي لا تشفقوا عليهما فتعطلوا حَدَّ الله تعالى وتحرموهما من التطهير بهذا الحد لأن الحدود كفارة لأصحابها، وقوله: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي فأقيموا عليهما الحد وقوله: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا} أي إقامة الحد {طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي ثلاثة أنفار فأكثر وأربعة أولى لأن شهادة الزنا تثبت بأربعة شهداء وكلما كثر العدد كان أولى وأفضل. وقوله تعالى: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} أي لا يطأ إلا مثله من الزواني أو مشركة لا دين لها، والزانية أيضاً لا يطأها إلا زانٍ مثلها أو مشرك {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي حرم الله الزنا على المؤمنين والمؤمنات ولازم هذا أن لا نزوج زانياً من عفيفة إلا بعد توبته، ولا نزوج زانية من عفيف إلا بعد توبتها. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان حكم الزانية والزاني البكرين الحرين وهو جلد مائة وتغريب عام وأما الثيبان فالرجم إن كانا حرين أو جلد خمسين جلدة لكل واحد منهما إن كانا غير حرين. 2- وجوب إقامة هذا الحد أمام طائفة من المؤمنين. 3- لا يحل تزويج الزاني إلا بعد توبته، ولا الزانية إلا بعد توبتها.

القطان

تفسير : السورة: المنزلة الرفيعة، الفضل والشرف، العلامة. فرضناها: اوجبنا العمل بها. يرمون المحصنات: يقذفون العفيفات بالزنا. {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}. هذه سورة أوحينا بها وأوجبنا أحكامَها، وأنزلنا فيها دلائلَ واضحةً على قدرة الله ووحدانيته، لعلّكم تتعظون فتعملون بهذه التعاليم الإلهية. {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. تبين هذه الآية الكريمة حدَّ الزاني غير المتزوج والزانية غير المتزوجة اذا ثبت عليهما ذلك بإقرارهما او بشهادةِ أربعة شهودٍ رأوا ذلك العملَ بأعينهم وحلفوا عليه، فلو كانوا ثلاثةَ شهود لا تثبتُ الجريمة، ولا يقع الحّد. وتنص الآية ان لا نرأفَ عند تنفيذ الحكم. وتطلب ان يكون ذلك بمشهدٍ من الناس، ليكونَ في العقاب ردع لغيرهما من الناس. ويزاد على عقاب الجلد ان يغرَّب الزاني عاماً عن بلَده عند جمهور العلماء، وعند أبي حنيفة أن التغريب عائدٌ الى رأي الإمام ان شاء غرَّبَ وان شاء لم يغرِّب. قراءات: قرأ ابن كثير: رآفة بفتح الهمزة ومدها. والباقون: رأْفة باسكان الهمزة. وقرأ ابن كثير وابو عمرو: فرّضناها بتشديد الراء اي فصّلناها. والباقون: فرضناها بفتح الراء دون تشديد. أما عقوبة الزاني المتزوج فقد ثبتت بالسنّة الشريفة أنها القتلُ رجماً بالحجارة. وكانت العقوبة في أول الاسلام: للمرأة الحبسُ في البيت والأذى والتعيير، وللرجل الأذى والتعيير كما تنص الآية على ذلك من سورة النساء: {أية : وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً}تفسير : الآيتان 15، 16. ثم نسخ هذا الحكم بهذه الآية. فالاسلام جاء ليحافظ على المصالح المعتبرة وهي خمس: 1 - المحافظة على النفس. 2 - المحافظة على الدين. 3 - المحافظة على العقل. 4 - المحافظة على المال. 5 - المحافظة على العِرض. فالقتلُ اعتداءٌ على النفس، والردّةُ اعتداء على الدين، وتعاطي الخمر والمخدّرات اعتداء على العقل، والسرقةُ اعتداء على المال، والزنا اعتداء على العرض. {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ}. روى مجاهد وعطاء وغيرهم من المفسّرين أن المهاجرين لما قدِموا المدينة كان فيهم فقراء ليس لهم أموال ولا أقارب في المدينة، وكان فيها عدد من النساء بغايا يؤجّرن انفسهن، وهن يومئذ اخصبُ أهل المدينة عيشا، وعلى أبوابهن رايات للتعريف عنهن، فرغبَ في زواجهن رجالٌ من فقراء المسلمين المهاجرين، وقالوا نتزوَّجُهن الى أن يُغنينا الله عنهن، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية. وفي هذه الآية زَجرٌ كبير، وإيضاح بأن من يرغب في زواج الزانية فهو زانٍ او مشرك، والزانية لا يرغبُ في زواجها الصالحون من الرجال المؤمنين، وهذا النكاح لا يليق بالمؤمنين فهو محرم عليهم. اما اذا تابت الزانيةُ فيجوز الزواج منها، وكذلك الزاني إذا تاب يجوز ان يتزوج من المؤمنات العفيفات، كما نصّ على ذلك الإمامُ أحمد رضي الله عنه. {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. والذين يتّهمون العفيفاتِ من النساء بالزنا، ثم لا يُثبتون ذلك بأربعة شهود عدولٍ يشهدون انهم رأوا ذلك بالعين، فعاقِبوهم بالضرب ثمانين جلدة، ولا تقبلوا شهادتهم على أي شيء مدى الحياة، جزاءً على هذه الفِرية الشنيعة. هؤلاء خارجون عن طاعة ربهم، وأصحاب واحدةٍ من الكبائر، الا الذين رجعوا منهم عما قالوا وندموا على ما تكلموا به وتابوا توبةً نصوحا، فان الله يتجاوز عنهم ويغفر لهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {أَنزَلْنَاهَا} {وَفَرَضْنَاهَا} {آيَاتٍ} {بَيِّنَاتٍ} (1) - يُنَبِّهُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَه إِلَى الاعْتِنَاءِ بِهَذِهِ السُّورَةِ التي أَنْزَلَهَا عَلَى رَسُولِهِ الكَرِيم، وَقَدَّرَ فِيهَا الحُدُودََ والأَحْكَامَ عَلَى أَتَمَّ وَجْهٍ، وَبَيِّنَ فِيهَا أَدِلَّةَ التَّوْحِيدِ وَبَيِّنَاتِهِ الوَاضِحَةَ لِيُعِدَّهُم بِذَلِكَ إِلَى الهُدَى والاتِّعَاظِ، والعَمَلَِ بِمَا جَاءَ فِيهَا مِنْ أَوَامِرَ، والانْتِهَاءِ عَمَّا جَاءَ فِيهَا مِنْ نَوَاهٍ وَزَوَاجِرَ، لِتَتَحَقَّقَ لَهُم السَعَادَةُ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ. فَرَضْنَاها - أَوْجَبْنَا أَحْكَامَهَا عَلَيْكُم، أَوْ قَدَّرْنَاهَا.

الثعلبي

تفسير : {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} قراءة العامة بالرفع: هذه سورة لأنّ العرب لا تبتدئ بالنكرة، هذا قول الخليل، وقال الأخفش: سورة ابتداء وخبره في أنزلناها، وقرأ طلحة بن مصرف: سورةً بالنصب على معنى أنزلنا سورة، والكناية صلة زائدة، وقيل: اتّبعوا سورة أنزلناها {وَفَرَضْنَاهَا} أي أوجبنا ما فيها من الأحكام، وقرأ الحسن ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو: وفرّضناها بالتشديد أي فصّلناها وبيّنّاها، وقيل: هو من الفرض والتشديد على التكثير أي جعلناها فرائض مختلفة، وأوجبناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، وتصديق التخفيف قوله سبحانه {أية : إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [القصص: 85]. {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (*) ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي} إذا كانا حُرّين بالغين بكرين غير محصنين {فَٱجْلِدُواْ} فاضربوا {كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} رحمة ورقّة. قال الأخفش: رحمة في توجّع وفيها ثلاث لغات: رأفة ساكنة الهمز وقد تخفف الهمزة، وهي قراءة العامة، ورأَفة بفتح الهمزة، ورآفة مهموزة ممدودة مثل الكتابة، وهما قراءة أهل مكة مثل الشناة والشنآة، وقيل: القصر على الاسم والمدّ بمعنى المصدر مثل صؤل صآلةً، وقبح قباحة، ولم يختلفوا في سورة الحديد أنها ساكنة لأنّ العرب لا تجمع بين أكثر من ثلاث فتحات. واختلف العلماء في معنى الآية فقال قوم: ولا تأخذكم بهما رأفة فتعطلّوا الحدود ولا تقيموها. روى المعمّر عن عمران قال: قلت لأبي مخلد في هذه الآية: واللّه إنا لنرحمهم أن يجلد الرجل أو تقطع يده فقال: إنّما ذاك أنّه ليس للسلطان إذا رفعوا إليه أن يدعهم رحمة لهم حتى يقيم عليهم الحدّ، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي وابن زيد وسليمان بن يسار، يدلّ عليه من الآية أنّ اللّه سبحانه وتعالى أمر بالجلد، وهو ضرب الجلد كالرأس لضرب الرأس فذكر الضرب بلفظ الجلد لئلاّ ينكأ ولا يبرح ولا تبلغ به اللحم. وروى ابن أبي مليكة عن عبد الله بن عبد الله أنَّ عبد الله بن عمر جلد جارية له فقال للجالد: اجلد ظهرها ورجليها وأسفلها وخفّفها، قلت: فأين قول الله سبحانه {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ}؟ قال: أفأقتلها؟ إنَّ الله أمرني أن أضربها وأؤدّبها ولم يأمرني أن أقتلها. وقال الآخرون: بل معناها ولا يأخذكم بهما رأفة فتخففوا الضرب ولكن أوجعوهما ضرباً، وهو قول سعيد بن المسيّب والحسن. قال الزهري: يجتهد في حدّ الزنا والفرية ويخفّف في حدّ الشراب. وقال قتادة: يخفّف في حدّ الشراب والفرية ويجتهد في الزنا. وقال حمّاد: يُحدّ القاذف والشارب وعليهما ثيابهما، وأمّا الزاني فيخلع ثيابه، وتلا هذه الآية. {فِي دِينِ ٱللَّهِ} أي في حكم الله نظيره قوله سبحانه {أية : مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلْمَلِكِ}تفسير : [يوسف: 76]. {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا} وليحضر حدّيهما إذا أُقيم عليهما {طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} اختلفوا في مبلغ عدد الطائفة فقال النخعي ومجاهد: أقلّه رجل واحد فما فوقه، واحتجّا بقوله {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ}تفسير : [الحجرات: 9] الآية. عطاء وعكرمة: رجلان فصاعداً، الزهري: ثلاثة فصاعداً، ابن زيد: أربعة بعدد من يقبل شهادته على الزنى، قتادة: نفر من المسلمين. روى حفص بن غياث عن أشعث عن أبيه قال: أتيت أبا برزة الأسلمي في حاجة وقد أخرج جارية له إلى باب الدار وقد زنت وولدت من الزنا، فألقى عليها ثوباً وأمر ابنه أن يضربها خمسين ضرباً غير مبرح، ودعا جماعة ثم قرأ {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. أخبرني ابن فنجويه قال: حدَّثنا أبو علي بن حنش المقري قال: حدَّثنا محمد بن أحمد ابن عثمان قال: حدَّثنا إبراهيم بن نصره قال: حدَّثنا مسدّد قال: حدَّثنا إسماعيل قال: حدَّثنا يونس بن عبيد عن حريز بن يزيد البجلي عن أبي زرعة عن عمرو بن حريز عن أبي هريرة قال: إِقامة حد بأرض خير لأهلها من مطر أربعين ليلة. وأخبرنا أبو سعيد محمد بن عبد الله بن حمدون قال: حدَّثنا أبو نعيم عبد الملك بن محمد ابن عدي قال: أخبرنا العباس بن الوليد بن مزيد البيروتي قال: أخبرني محمد بن شعيب قال: أخبرني معاوية بن يحيى عن سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة عن حذيفة حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: "يا معشر الناس اتقوا الزنى فإنَّ فيه ست خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، فأمّا اللاتي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأمّا اللاتي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب والخلود في النار" . تفسير : وأخبرنا أبو طاهر بن خزيمة قرأه عليه في شهور سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة قال: حدَّثنا عبد الله بن محمد بن مسلم قال: حدّثنا عطية بن بقية قال: حدَّثنا أبي قال: حدّثني عبّاد بن كثير عن عمران القصير عن أنس قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنَّ أعمال أُمَتي تُعرض علىّ في كلّ جمعة مرّتين فاشتدّ غضب الله على الزناة . تفسير : وأخبرنا أبو عبد الله بن فنجويه قال: حدَّثنا إبراهيم بن يزيد الحرّاني قال: حدَّثنا المغيرة ابن سقلاب قال: حدَّثنا النضر بن عدي عن وهب بن منبه قال: مكتوب في التوراة: الزاني لا يموت حتى يفتقر، والقوّاد لا يموت حتى يعمى. {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} الآية. اختلف العلماء في معنى الآية وحكمها فقال قوم: قدم المهاجرون المدينة وفيهم فقراء كثير ليست لهم أموال ولا عشائر ولا أهلون، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المسلمين فقالوا: إنّا لو تزوّجنا منهن فعشنا معهن إلى يوم يغنينا الله سبحانه عنهن، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فنزلت هذه الآية وحُرَّم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك، وأخبر سبحانه وتعالى أنّ الزانية إنّما ينكحها الزاني والمشرك لأنهنّ كنّ زانيات مشركات، والآية وإن كان ظاهرها خبر فمجازها ينبغي أن يكون كذا كقوله {أية : وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً}تفسير : [آل عمران: 97] وقوله سبحانه وتعالى {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}تفسير : [العنكبوت: 45] يعني ينبغي أن تكون كذلك، وهذا قول مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري والقاسم بن أبي برزه والشعبي وأبي حمزة الثمالي ورواية العوفي عن ابن عباس. وقال عكرمة: نزلت في نساء بغايا متعالمات بمكة والمدينة وكنّ كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات، لهن رايات كرايات البيطار يُعرفن بها: أُمّ مهزول جارية السائب بن أبي السائب المخزومي، وأُم عليط جارية صفوان بن أُمّية، وحنّة القبطية جارية العاص بن وائل، ومرية جارية مالك بن عميلة بن السباق، وحلالة جارية سهيل بن عمرو، وأُم سويد جارية عمرو ابن عثمان المخزومي، وسريفة جارية زمعة بن الاسود، وفرسة جارية هشام بن ربيعة بن حبيب ابن حذيفة، وقرينة جارية هلال بن أنس بن جابر بن نمر، وكانت بيوتهن تسمى المواخير في الجاهلية، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلاّ زان من أهل القبلة أو مشرك من أهل الأوثان وكان الرجل ينكح الزانية في الجاهلية يتخذها ماكله، فأراد ناس من المسلمين نكاحهن على تلك الجهة، واستأذن رجل من المسلمين نبي الله صلى الله عليه وسلم في نكاح أم مهزول اشترطت له ان تنفق عليه فأنزل الله سبحانه هذه الآية ونهى المؤمنين عن ذلك وحرّمهُ عليهم. وقال عمرو بن شعيب: نزلت في مرثد الغنوي وعناق، وكان مرثد رجلا شديداً وكان يقال له دلدل وكان يأتي مكة فيحتمل ضعفه المسلمين الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت عناق صديقته في الجاهلية، فلمّا أتى مكه دعته عناق الى نفسها فقال مرثد: إنَّ الله حرَّم الزنا قالت: فأنكحني فقال: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فسأله عنه فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وقد مضت القصة في سورة البقرة. وقال آخرون: أراد بالنكاح ههنا الجماع ومعنى الآية الزاني لا يزني إلاّ بزانية أو مشركة والزانية لا يزني بها إلاّ زان أو مشرك، وهذا قول سعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم وعبد الرَّحْمن بن زيد ورواية الوالبي عن ابن عباس، أخبرني الحسين بن محمد بن عبد الله قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن إسحاق السُني قال: أخبرني محمد بن عمران قال: حدَّثنا سعيد بن عبد الرَّحْمن ومحمد بن عبد الله المقري قالا: حدَّثنا عبد الله بن الوليد العدني عن سفيان عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: الزاني لا ينكح إلا زانية قال: ليس هذا بالنكاح ولكنه الجماع، لا يزني بها إلاّ زان أو مشرك، فكنّى. وأخبرنا ابن فنجويه قال: حدَّثنا أبو علي بن حبش قال: حدّثني الحسن بن علي بن زكريا قال: حدّثنا الحسن بن علي بن راشد قال: قال لنا يزيد بن هارون: هذا عندي إن جامعها وهو مستحل فهو مشرك، وإن جامعها وهو محرم فهو زان. وقال بعضهم: كان هذا حكم الله في كلّ زان وزانية حتى نسختها الآية التي بعدها {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} فأحلّ نكاح كل مسلمة وكل مسلم، وهو قول سعيد بن المسيّب أخبرنيه ابن فنجويه قال: حدَّثنا ابن شيبة قال: حدَّثنا الفريابي قال: حدَّثنا قتيبة قال: حدَّثنا الليث عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنّه قال: يزعمون أن تلك الآية {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} نسخت بالآية التي بعدها {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} فدخلت الزانية في أيامى المسلمين. وقال الحسن: معناها المجلود لا ينكح إلاّ مجلودة. {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} أي يشتمون المسلمات الحرائر العفائف فيقذفونهن بالزنى {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ} على ما رموهن به {بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} عدول يشهدون عليهنّ أنهم رأوهنّ يفعلن ذلك {فَٱجْلِدُوهُمْ} يعني القاذفين اضربوا كلّ واحد منهم {ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ}. ثمَّ استثنى فقال عزَّ من قائل {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} واختلف العلماء في حكم هذا الاستثناء فقال قوم: هو استثناء من قوله {لاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} وقالوا: إذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه اسم الفسق وعادت ولايته حُد فيه أو لم يحدّ، وهذا قول الشعبي ومسروق وسليمان بن يسار وسعيد بن جبير وعطاء وطاووس ومجاهد وسعيد بن المسيب وعبد الله بن عتبة والضحّاك، وهو قول أهل الحجاز وإليه ذهب الشافعي. واختلفوا في كيفيّة توبته، فقال بعضهم: هو ان يرجع عن قوله ويكذّب نفسه، وقال آخرون: هي الندم على ما سلف والاستغفار منه وترك العود فيما بقي، فإذا أُقيم عليه الحدّأو عفا المقذوف عنه سقط الحد، وذلك أن القذف حق للمقذوف كالقصاص والجنايات وبالعفو تسقط فإذا عفا عنه فلم يطالبه بالحد، أو مات المقذوف قبل مطالبته بالحد، أو لم يرفع إلى السلطان فلم يُحَدّ لأجل هذه، أو حُدّ ثم تاب أصلح العمل قبلت شهادته وعادت ولايته، يدلّ عليه ما روى ابن إسحاق عن الزهري عن سعيد بن المسيّب أنّ عمر بن الخطاب رضى الله عنه ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم أبو بكرة و شبل بن معبد ونافع بن الحرث بن كلّدة فحدَّهم ثمَّ قال لهم: من أكذب نفسه أجزتُ شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أُجز شهادته، فأكذب شبل نفسه ونافع وتابا، وأبى أبو بكرة أن يفعل فكان لا تقبل شهادته. وروى ابن جريج عن عمران بن موسى قال: شهدت عمر بن عبد العزيز أجاز شهادة القاذف ومعه رجل. وقال آخرون: هذا الاستثناء راجع الى قوله {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} فأمّا قوله {لاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً} فقد وصل بالأبد ولا يجوز قبولها أبداً، وهذا قول النخعي وشريح ورواية علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. روى الأشعث عن الشعبي قال: جاء خصمان إلى شريح فجاء أحدهما بشاهد قد قطع زناد يده ورجله في قطع الطريق ثم تاب وأصلح، فأجاز شريح شهادته فقال المشهود عليه: أتجيز شهادته عليَّ وهو أقطع؟ فقال شريح: كلّ صاحب حدّ إذا أُقيم عليه ثم تاب وأصلح فشهادته جائزة إلاّ القاذف، فإنّه قضاء من اللّه أن لا تقبل شهادته أبداً وإنّما توبته فيما بينه وبين الله. {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} أي يقذفونهنّ بالزنا. {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ} يشهدون على صحة ما قالوا. {إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} قرأ أهل الكوفة أربع بالرفع على الابتداء والخبر، وقرأ الباقون بالنصب على معنى أن يشهد أربع شهادات. {وَٱلْخَامِسَةُ} يعني والشهادة الخامسة، قراءة العامة بالرفع على الابتداء وخبره في أن. وقرأ حفص بالنصب على معنى ويشهد الشهادة الخامسة. وقرأ نافع ويعقوب وأيوب: إن وأن خفيفتين، لعنة وغضب مرفوعين، وهي رواية المفضل عن عاصم، وقرأ الباقون: بتشديد النونين وما بعدهما نصب. {إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ (*) وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ} ويدفع عن الزوجة الحد. {أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ } يعني الزوج {لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ}. {وَٱلْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} قرأ نافع: غضب الله مثل سمع الله على الفعل، الباقون على الإسم. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} جواب لولا محذوف يعني لعاجلكم بالعقوبة وفضحكم ولكنه ستر عليكم ورفع عنكم الحد باللعان حكمة منه ورحمة. فأما سبب نزول الآية، فروى عكرمة عن ابن عباس قال: حديث : لمّا نزلت {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} الآية، قال سعد بن عبادة: والله لو أتيت لكاع وقد تفخّذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أُحركّه حتى آتي بأربعة شهداء فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ من حاجته ويذهب، فإن قلت ما رأيت، إنّ في ظهري لثمانين جلدة،فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيّدكم"؟ قالوا: لا تلمه فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلاّ بكراً و لا طلّق امرأة له فاجترأ رجل منّا أن يتزوّجها. فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله بأبي أنت وأُمّي والله إنّي لأعرف أنّها من الله وأنّها حقّ ولكن عجبت من ذلك لما أخبرتك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فإنّ الله يأبى إلاّ ذاك"، فقال: صدق الله ورسوله. قال: فلم يلبثوا إلاّ يسيراً حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أُميّة من حديقة له، فرأى رجلا مع امرأته يزني بها فأمسك حتى أصبح، فلمّا أصبح غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس مع أصحابه فقال: يا رسول الله إنّي جئت أهلي عشاء فوجدت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت بأُذني فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أتاه به وثقل عليه جدّاً حتى عرف ذلك في وجهه. فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أتيتك به، والله يعلم أني صادق وما قلت إلاّ حقّاً وإنّي لأرجو أن يجعل الله فرجاً، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضربه. قال: واجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد، أيُجلد هلال وتبطل شهادته؟ فإنّهم لكذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي فأمسك أصحابه عن كلامه حين عرفوا أنَّ الوحي قد نزل حتى فرغ، فأنزل الله سبحانه {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} إلى آخر الآيات. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أبشر يا هلال فإنّ الله قد جعل لك فرجاً"، فقال: قد كنت أرجو بذلك من الله تعالى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أرسلوا إليها"، فجاءت فلمّا اجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل لها، فكذّبت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنّ الله يعلم أنّ أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟". فقال هلال: يا رسول الله بأبي وأمّي لقد صدقتُ وما قلتُ إلاّ حقّاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لاعنوا بينهما"، فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنّه لمن الصادقين، فقيل له عند الخامسة: يا هلال اتّق الله فإنَّ عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قال للمرأة: اشهدي فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرّق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى أن الولد لها ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها، ثمَّ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن جاءت به كذا وكذا) فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا) فهو للذي قيل فيه". تفسير : قال: فجاءت به غلاماً كأنه حمل أورق على الشبه المكروه، وكان بعد أميراً بمصر لا يدرى من أبوه. وأخبرنا محمد بن عبدوس قال: أخبرنا محمد بن الحسن قال: أخبرنا علي بن عبد العزيز قال: أخبرنا القاسم بن سلام قال: حدّثنا هيثم عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: حديث : لمّا نزلت {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} الآية، قال سعد بن عبادة: يا رسول الله أرأيت إن رأى رجل مع امرأته رجلا فقتله يقتلونه، وإن أخبر بما رأى جُلد ثمانين أفلا يضربه بالسيف؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كفى بالسيف شا...، قال: أراد أن يقول شاهداً ثمَّ أمسك وقال: لولا ان يتتابع فيه الغيران والسكران، وذكر الحديث. تفسير : وقال ابن عباس في سائر الروايات ومقاتل: حديث : لمّا نزلت {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} الآية، قرأها النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر فقام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: جعلني الله فداك إنْ رأى رجل منّا مع إمرأته رجلا فأخبر بما رأى جُلد ثمانين وسمّاه المسلمون فاسقاً ولا تقبل شهادته أبداً، فكيف لنا بالشهداء ونحن إذا التمسنا الشهداء كان الرجل قد فرغ من حاجته ومرَّ؟ وكان لعاصم هذا ابن عم له يقال له عويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس بن محصن فأتى عويمر عاصماً فقال: لقد رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة، فاسترجع عاصم وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجمعة الأُخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية في أهل بيتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذاك؟ قال: أخبرني عويمر ابن عمّي أنه رأى شريك ابن السحماء على بطن امرأته خولة، وكان عويمر وخولة وشريك كلّهم بني عم عاصم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم جميعاً فقال لعويمر: "اتق الله في زوجتك وخليلتك وابنة عمك فلا تقذفها بالبهتان، فقال: يا رسول الله أُقسم بالله إني رأيت شريكاً على بطنها وإني ما قربتها منذ أربعة اشهر وانها حبلى من غيري. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمرأة: "اتقي الله ولا تخبري إلاّ بما صنعت"، فقالت: يا رسول الله إنَّ عويمراً رجل غيور، وإنه رآني وشريكاً نطيل السَمَرَ ونتحدث فحملته الغيرة على ما قال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لشريك: "ما تقول"؟ قال: ما تقوله المرأة، فأنزل الله سبحانه {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} الآية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نودي: الصلاة جامعة، فصلّى العصر ثمَّ قال لعويمر: قم فقام فقال: أشهد بالله إنَّ خولة لزانية وإنّي لمن الصادقين، ثمَّ قال في الرابعة: أشهد بالله إنّي ما قربتها منذ أربعة أشهر وإنّي لمن الصادقين ثمَّ قال في الخامسة: لعنة الله على عويمر يعني نفسه إن كان من الكاذبين فيما قال. ثمَّ أمره بالقعود وقال لخولة: قومي فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإنّ عويمراً لمن الكاذبين، ثمَّ قالت في الثانية: أشهد بالله إنه ما رأى شريكاً على بطني وإنه لمن الكاذبين، ثمَّ قالت في الثالثة: أشهد بالله إني حبلى منه وإنّه لمن الكاذبين، ثمَّ قالت في الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني قط على فاحشة وإنه لمن الكاذبين، ثمَّ قالت في الخامسة: غضب الله على خولة تعني نفسها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال: "لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرهما رأيٌ، ثمَّ قال: تحيّنوا بها الولادة فإن جاءت بأُصيهب أُثيبج يضرب إلى السواد فهو لشريك بن السحماء، وإن جاءت بأورق جعد حمش حدلج الساقين فهو لغير الذي رميت به" . تفسير : قال ابن عباس: فجاءت بأشبه خلق الله بشريك. ذكر حكم الآية إذا قذف الرجل زوجته بالزنا لزمه الحدّ وله التخلّص منه بإقامة البيّنة على زناها أو باللعان، فإن أقام البيّنة حقّق الزنا ولزمها الحدّ، وان التعن حقّق عليها الزنا ولها التخلص منه باللعان، فإن التعنت وإلاّ لزمها الحدّ، وللزوج ان يلتعن سواء كان متمكّنا من البيّنة أو غير متمكّن منها، ويصح اللعان من كلّ زوج مكلّف حراً كان أو عبداً، مسلماً كان أو كافرا، فكلُّ مَن صحّت يمينه صحَّ قذفه ولعانه. وقال أهل العراق: اللعان بين كلّ حرّين بالغين ولا يصحّ اللعان إلاّ عند الحاكم أو خليفته، فإذا لاعن بينهما غلّظ عليهما بأربعة أشياء عدد الألفاظ، والمكان، والوقت، وجمع الناس. فأمّا اللفظ فأربع شهادات والخامسة ذكر اللعنة للرجل وذكر الغضب للمرأة، وقد مضت كيفية ذلك، وأمّا المكان فإنه يقصد أشرف البقاع بالبلدان إن كان بمكة فعند الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس ففي مسجدها، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين بالكنيسة وإن كانا نصرانيين فبالبيعة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين فإنه يلاعن بينهما في مجلس حكمه. وأما الوقت، فإنّه بعد صلاة العصر. وأمّا العدد، فيحتاج أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعداً، فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والمكان والزمان مستحبّان، فإذا تلاعنا تعلّق باللعان أربعة أحكام: سقوط الحدّ، ونفي الولد، وزوال الفراش، ووقوع التحريم المؤبّد، وكلّ هذا يتعلّق بلعان الزوج، فأمّا لعان المرأة فإنه يسقط به الحدّ فقط، فإن أكذب الرجل نفسه فإنه يعود ما عليه ولا عود ماله في الحدّ والنسب عليه فيعودان. وأما التحريم والفراش فإنهما له فلا يعودان، وفرقة اللعان هي فسخ لأنه جاء بفعل من قبل المرأة. وقال أبو حنيفة وسفيان: اللعان تطليقة بائنة لأنه من قبل الرجل بدءاً، والله أعلم.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : اسمها سورة (النور)، وإذا استقرأنا موضوع المُسمَّى أو المُعْنون له بسورة (النور) تجد النور شائعاً في كل أعطافها - لا أقول آياتها ولا أقول كلماتها - ولكن النور شائع في كل حروفها، لماذا؟ قالوا: لأن النور من الألفاظ التي يدل عليها نطقها ويعرفها أكثر من أيّ تعريف آخر، فالناس تعرف النور بمجرد نُطْق هذه الكلمة، والنور لا يُعرَّف إلا بحقيقة ما يؤديه، وهو ما تتضح به المرئيات، وتتجلى به الكائنات، فلولا هذا النور ما كنا نرى شيئاً. إذن: يُعرف النور بخاصيته، وهو الذي يجعل لك قدرة على أن ترى المرئيات، بدليل أنها إنْ كانت في ظلمة لا تراها. إذن: فالنور لا يُرَى، ولكن نرى به الأشياء، فالله تعالى نور السماوات والأرض يُنوِّرهما لنا، لكن لا نراه سبحانه. لكن، هل كل الأشياء مرائي؟ أليس منها المسموع والمشموم والمتذوّق؟ قالوا: نعم، لكن الدليل الأول على كل هذه وفعل الحوادث هي المرئيات؟ لأن كل أدلة الكون مرئية نراها أولاً، ثم حين تسمع، وحين تشم، وحين تلمس، وحين تميز الثقيل من الخفيف، أو القريب من البعيد. فهذا كله فرع ما يوجد فيك، بعد ما تؤمن أن الله الذي أوجدك هو الذي أوجد لك كل شيء، فإذا ما نظرت إلى النور وجدتَ النور أمراً حسياً ترى به الأشياء. وكانوا في الماضي يعتقدون أن الإنسان يبصر الأشياء بشعاع يخرج من العين، فيسقط على الشيء فتراه، إلى أن جاء العالم الإسلامي الحسن بن الهيثم، وأبطل هذه النظرية وقال: إن الشعاع يأتي من المرئي إلى العين فتراه، وليس العكس، واستدل على ذلك بأن الشيء إنْ كان في الظلام لا نراه، ونحن في النور، فلو أن الشعاع يخرج منك لرأيته. وفي ضوء هذه النظرية فهمنا قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَآ آيَةَ ٱلنَّهَارِ مُبْصِرَةً ..} تفسير : [الإسراء: 12] فهي مُبْصِرة؛ لأن الشعاع يأتي من هناك، فكأنها هي التي ترى. لكن، ما نَفْع هذا النور الحسيّ للإنسان الخليفة في الأرض؟ أنت حين ترى الأشياء تتعامل معها تعاملاً يعطيك خيرها ويكفّ عنك شرها، ولو لم تَرَ الأشياء ما أمكنك التعامل معها، وإلا فكيف تسير في مكان مظلم فيه ما يؤذيك مثل الثعابين أو زجاج متكسر؟ إذن: لا تستطيع أن تهتدي إلى مواضع قدمك، وتأخذ خير الأشياء، وتتجنب شرها إلا بالنور الحسيِّ، كذلك إنْ سِرْت في ظُلْمة وعلى غير هُدىً، فلا بُدَّ أن تصطدم بأقوى منك فيحطمك، أو بأضعف منك فتحطمه. لذلك سمَّى الحق - تبارك وتعالى - المنهج الذي يهديك في دروب الحياة نوراً. والناس حين لا يوجد النور الرباني الإلهي يصنعون لأنفسهم أنواراً على قَدْر إمكاناتهم وبيئاتهم بداية من المسرجة ولمبة الجاز، وكان الناس يتفاوتون حتى في هذه - حتى عصر الكهرباء والفلوروسنت والنيون وخلافه من وسائل الإضاءة التي يتفاوت فيها الناس تفاوتاً كبيراً، هذا في الليل، فإذا ما أشرقتْ الشمس أطفأ الجميع أنوارهم ومصابيحهم، لماذا؟ لأن مصباح الله قد ظهر واستوى فيه الجميع لا يتميز فيه أحد عن أحد. وكذلك النور المعنوي نور المنهج الذي يهديك إنْ كان لله فيه توجيه، فأطفىء مصابيح توجيه البشر لا يصح أن تستضيء بنور ونورُ ربك موجود، بل عليك أن تبادر وتأخذ ما تقدر عليه من نور ربك، فكما أخذتَ نور الله الحسيّ فألغيتَ به كل الأنوار، فخُذْ نور الله في القيم، خُذْ نُور الله في الأخلاق وفي المعاملات وفي السلوك يغنيك هذا عن أيِّ نور من أنوار البشر ومناهجهم. أَلاَ ترى النمرود كيف بُهِتَ حينما قطع عليه إبراهيم - عليه السلام - جدله وألجأه إلى الحجة التي لا يستطيع الفكاك منها، حين قال له: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ ..} تفسير : [البقرة: 258]. والحق - تبارك وتعالى - يفيض من أنواره وصفات كماله على خَلْقه الذين جعلهم خلفاء له سبحانه في الأرض، فقال: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ..} تفسير : [البقرة: 30] والخليفة في الأرض ليس جيلاً واحداً خلقه الله واستخلفه في الأرض إلى قيام الساعة، إنما الخليفة أجيال وأنسال تتوالى، يموت واحد ويُولَد آخر في حلقات موصولة الأنسال لا الذوات. والخليفة لا ينجح في خلافته إلا إذا سار فيها على وَفْق مراد مَن استخلفه، وآفة الناس في خلافتهم لله في الأرض أنْ يعتبروا أنفسهم أُصَلاء لا خلفاء، فالخليفة في ذِهْنه دائماً هذه الخلافة؛ لذلك يلتفت إلى الأصل، وينظر ماذا يريد منه مَن استخلفه. والحق - تبارك وتعالى - جعل له خليفة في الأرض لتظهر عليه سمات قدرته تعالى وصفات كماله، فالله تعالى قادر، الله عالم، الله حكيم، الله غنيّ، الله رحيم، الله غفور .. الخ وهو سبحانه يعطي من صفاته ويفيض منها على خَلْقه وخليفته في أرضه بعضاً من هذه الصفات، فيعطيك من قدرته قدرة، ومن رحمته رحمةً، ومن غنائه غِنىً، لكن تظل الصفة في يده تعالى أنْ شاء سلبها، أَلاَ ترى القوي قد يصير ضعيفاً، والغني قد يصير فقيراً؟ ذلك لنعلم أن هذه الصفات ليست ذاتية فينا، وأن هذه الهبات ليست أصلاً عندنا، إنما هي فيْض من فيض الله وهبةٌ من هباته سبحانه، لذلك علينا أن نستعملها وَفْق مراده تعالى، فإنْ أعطاك ربُّك القدرة فإنما أفاض بها عليك لتفيض أنت بها على غيرك، أعطاك العلم لتنثره على الناس، أعطاك الغنى لترعى حق الفقير. إذن: ما دام أن الله تعالى أفاض عليك من صفات الكمال واحتفظ هو سبحانه بملكية هذه الصفات، فإنْ شاء سلبها منك، فعليك أن تستغل الفرصة وتنتهز وجود هذه الخَصْلة عندك، فتُثمِّرها فيما أراده الله منك قبل أنْ تُسلَب، حتى إذا سُلِبَتْ منك نالتك من غيرك. فتصدَّق وأنت غني لتنال صدقة الآخرين إنْ أصابك الفقر، وأكرم اليتيم لتجد مَنْ يُكرم يتيمك من بعدك، فإنْ قابلتَ أحداث الحياة بهذه النظرة اطمأنَّ قلبك، وأمِنْتَ من حوادث الزمن، واستقبلتَ الأحداث بالرضا، وكيف تهتم وأنت في مجتمع يرعاك كما رعيته، ويحملك كما حملته، ويتعاون معك كما تعاونتَ معه؟ وصدق الله تعالى حين قال: {أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} تفسير : [النساء: 9]. إذن: الحق - تبارك وتعالى - يريد من خليفته في أرضه أن يكون جِماعاً لصفات الكمال التي تسعد الخَلْقَ بآثار الخالق فيهم، وهذه هي الخلافة الحقة. وسورة النور جاءت لتحمل نور المعنويات، نور القيم، نور التعامل، نور الأخلاق، نور الإدارة والتصرف، وما دام أن الله تعالى وضع لنا هذا النور فلا يصح للبشر أنْ يضعوا لأنفسهم قوانين أخرى؛ لأنه كما قال سبحانه: {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} تفسير : [النور: 40] فلو لم تكُنْ هذه الشمس ما استطاع أحد أنْ يصنع لنفسه نوراً أبداً. فالحق - تبارك وتعالى - يريد لخليفته في أرضه أن يكون طاهراً شريفاً كريماً عزيزاً؛ لذلك وضع له من القوانين ما يكفل له هذه الغاية، وأول هذه القوانين وأهمها قانون التقاء الرجل والمرأة التقاء سليماً في وضح النهار؛ لينتج عن هذا اللقاء نَسْل طاهر جدير بخلافة الله في أرضه؛ لذلك أول ما تكلم الحق سبحانه في هذه السورة تكلَّم عن مسألة الزنى. والعجيب أن تأتي هذه السورة بعد سورة (المؤمنون) التي قال الله في أولها {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [المؤمنون: 1] ثم ذكر من هؤلاء المؤمنين المفلحين {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} تفسير : [المؤمنون: 5] وهنا قال: {أية : ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي ..} تفسير : [النور: 2] فجاء بالمقابل للذين هم لفروجهم حافظون. نفهم من هذا أنه لا يلتقي رجل وامرأة إلا على نور من الله وهدى من شريعته الحكيمة؛ لأنه عز وجلَّ هو خالق الإنسان، وهو أعلم بما يُصلحه، وهو خالق ذرّاته، ويعلم كيف تنسجم هذه الذرات بعضها البعض، وهو سبحانه خالق مَلَكات النفس، ويعلم كيف تتعايش هذه الملكات ولا تتنافر. إذن: طبيعي أنْ أردتَ أن تنشىء خليفة في الكون على غير مراد الله وعلى غير مواصفات الحق، لا بُدَّ أنْ يضطرب الكون وتتصارع فيه مَلكات النفس، وماذا تنتظر من هذا الخليفة إنْ جاء في الظلام؟ ساعتها تظهر أمراض النسل من وَأْد الأولاد وقتلهم حتى في بطون الأمهات، وقد يتشكّك الرجل في ولده، فيبغضه ويهمله ويتركه للتشرد. إذن: لن تستقيم هذه المسألة إلا حين يأتي الخليفة وَفْق مواصفات ربه، وأنْ يلتقي الزوجان على ما شرع الله في وضح النهار، لا أن يندس كل منهما على الآخر في ظلمة الإثم، فيحدث المحظور الذي تختلط به الأنساب، ويتفكك رباط المجتمع. إن من أقسى تجارب الحياة على المرء أن يشكَّ في نِسْبة ولده إليه، وأن تعتصره هذه الفكرة، فيهمل ولده وفلذة كبده، وينفق هنا وهناك ويحرمه على خلاف النسْل الطاهر، حيث يتلهف الأب لولده، ويجوع ليشبع، ويتعرّى ليلبس. فالحق سبحانه يريد النسل المحضون بالأبوين في أُبوة صحيحة شرعية وأمومة صحيحة شرعية اجتمعا على نور الله. ولك أنْ تُجري مقارنة بين امرأة حملتْ سفاحاً وأخرى حملتْ حَمْلاً شرعياً طاهراً، ستجد الأولى تحمله على مضض وكُرْه، وتودّ أنْ تتخلَّص منه وهو جنين في بطنها، فإنْ تحاملتْ على نفسها إلى حين ولادته تخلَّصتْ منه في ليلتها ولو بإلقائه على قارعة الطريق. أما صاحبة الحمل الشرعي فتتلهف على الولد، وإنْ تأخر بعض الوقت صارت قلقة تدور بين الأطباء، فإنْ أكرمها الله بالحمل طارت به فرحاً وفخراً، وحافظت عليه في مَشْيها وحركاتها ونومها وقيامها إلى حين الوضع، فتتحمل آلامه راضيةً ثم تحتضنه وتُرضِعه وتعيش حياتها في خدمته ورعايته. فالله يريد أن يأتي خليفته في أرضه من إخصاب طاهر على أعْيُنِ الناس جميعاً وفي نور الله المعنوي، يريد للزوج أن يأتي من الباب في ضوء هذا النور، لا أن يتلصص في الظلام من باب الخدم. لذلك يتوعد الحق - سبحانه وتعالى - مَنْ يخالف هذا المنهج ويريد أن يُفسِد شرف الخلافة التي يريدها الله طاهرة، ويُدنِّس النسل، ويُوغِر الصدور بالأحقاد والعداوات، ويزرع الشك في نفوس الخَلْق، وجرائم العرض لا يقتصر ضررها على العداوات الشخصية إنما تتعدى هذه إلى الإضرار بالمجتمع كله. وانظر إلى الإيدز الذي يهدد المجتمعات الآن، وهو ناتج عن الالتقاء غير الشرعي، وخطر الإيدز لا يقتصر على طرفيه إنما يتعدّاها إلى الغير، إذن: من صالح المجتمع كله أن نقيم حدَّ الزنا حتى لا يستشري هذا الداء. ونعجب من هؤلاء الذين يهاجمون شَرْع الله في مسألة الحدود حين تقضي برَجْم الزاني المحْصَن حتى الموت، أَلاَ يعلم هؤلاء أننا نُضحِّي بواحد لنحفظ سلامة الملايين في صحة وعافية؟ أَلاَ يروْنَ ما يحدث مثلاً في وباء الطاعون الذي أعجز العلماء حتى الآن، ولم يجدوا له علاجاً، وكيف أن الشرع أمرنا إنْ نزل الطاعون بأرض ألاَّ نذهب إليها، وأمر مَنْ فيها ألاَّ يخرجوا منها، لماذا؟ لنحصر هذا الوباء حتى لا يستشري بين الناس. كذلك الحال في مسألة الزنا؛ لأن الزاني لا يقتصر شرُّه عليه وحده، إنما يتعدّى شرُّه إلى المجتمع كله، مع مراعاة أن الشرع فرَّق بين الزاني المحصن وغير المحصن، وكذلك الزانية، ففي حالة الإحصان تتعدد الماءات في المكان الواحد ، لذلك سُئلنا في سان فرانسيسكو: لماذا أبحتم تعدُّد الزوجات، ولم تبيحوا تعدُّد الأزواج؟ هذا منهم على سبيل قياس الرجل على المرأة: لماذا لا تتزوج المرأة وتجمع بين أربعة رجال؟ قلت: اسألوهم، أليس عندهم أماكن يستريح فيها الشباب جنسياً - يعني بيوت للدعارة - قالوا: نعم في بعض الولايات، قلت: فبماذا احتطتم لصحة المجتمع وسلامته؟ قالوا: نُجرِي عليهم كشفاً دورياً كل أسبوع، قلت: وهل هذا الكشف الدوري يستوعب الجميع؟ أم أنه مجرد (ششن) وعينات عشوائية. إذن: من الممكن أن يتسرّب المرض بين هؤلاء الشباب، وهَبْ أنك أجريتَ على إحداهن الكشف يوم الأحد مثلاً، وفي يوم الاثنين جاءها المرض، فإلى كم واحد سينتقل المرض إلى أنْ يأتي الأحد القادم؟ فهذه مسألة لا تستطيع السيطرة فيها على الداء. ثم أتُجرون هذه الفحوصات على المتزوجين والمتزوجات؟ وهل اكتشفتم بينهم مثل هذه الأمراض؟ قالوا: لا لم يحدث أن اكتشفنا هذا بين المتزوجين. قلت: إذن كان عليكم أنْ تنتبهوا إلى سبب هذه الداءات، وأنها تأتي من تعدُّد ماءات الرجال في المكان الواحد؛ لأن كل ماء سياله وله ميكروبات تتصارع، إن اجتمعت في المكان الواحد فينشأ منها المرض. لكن حين يكون للزوجة زوج واحد، فلن نرى مثل هذه الداءات في المجتمع، ومن هنا يأتي دور الوازع الديني، فإن فُقِد الوازع الديني فلا بُدَّ من الوازع الحسيّ ليزجر مثل هؤلاء ويُوقِفهم عند حدود الله رَغْماً عنهم، حتى وإنْ لم يكونوا يؤمنون بها. إذن: هذه أقضية ومشاكل وداءات حدثتْ للناس بقدر ما أحدثوا من الفجور، وبقدر ما انتهكوا من حُرُمات الله، وانظر مثلاً لمن يُضطرّ للسفر إلى مثل هذه البلاد، كم يكون حَذراً مُفزَّعاً حين يقيم مثلاً في فندق، فيأخذ أدواته الشخصية، ويخاف أن يستعمل أشياء غيره، ويحرص على نظافة المكان وتغيير الفراش قبل أن ينام عليه .. الخ كل هذه الاحتياطات. فالشرع حين يأمر بقتل الزاني أو الزانية إنما فعل ذلك ليسْلَمَ المجتمع بأسْره، وكثيراً ما نواجه مثل هذه الاعتراضات من أصحاب الرحمة الحمقاء والشعارات الجوفاء، أهُم أرحم بالخَلْق من الخالق؟ أَلاَ يروْن للزلزال أو لحوادث السيارات والطائرات التي تحصد الآلاف من الأرواح؟ فلماذا هي الضجة حين نبتر العضو المريض من المجتمع؟ قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا ..} [النور: 1] السورة: مأخوذة من سور البيت، وهي طائفة من نجوم القرآن أو آياته محوطة ببداية ونهاية، تحمل أحكاماً وقد تكون طويلة كسورة البقرة، أو قصيرة كالإخلاص والكوثر، فليس للسورة كمية مخصوصة؛ لأنها توقيفية. {أَنزَلْنَاهَا ..} [النور: 1] نفهم من أنزل أن الإنزال من أعلى إلى مَنْ هو أدنى منه، كما يكتب الموظف مثلاً يريد التظلُّم لرئيسه: أرفع إليك كذا وكذا، فيقول الأعلى: وأنا أنزلت القرار الفلاني، فالأدنى يرفع للأعلى، والأعلى يُنزِل للأدنى. لذلك يقول تعالى: (أنزلنا) حتى للشيء الذي لا ينزل من السماء، كما قال سبحانه: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ..} تفسير : [الحديد: 25] فالحديد وإنْ كان مصدره الأرض، إلا أنه لا يكون إلا بقدرة الأعلى سبحانه. {وَفَرَضْنَاهَا ..} [النور: 1] الشيء المفروض يعني الواجب أن يُعمل؛ لأن المشرِّع قاله وحكم به وقدَّره، ومنه قوله سبحانه: {أية : فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ..} تفسير : [البقرة: 237] أي: نصف ما قدَّرتم، إذن: كل شيء له حُكْم في الشرع، فإن الله تعالى مُقدِّره تقديراً حكيماً على قَدْره. وقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ..} [النور: 1] الآيات الواضحات، وتُطلق الآيات - كما قلنا - على الآيات الكونية التي تلفت أنظارنا إلى قدرة الله وبديع صُنْعه، وتُطلق على المعجزات التي تثبت صِدْق الرسل، وتُطلق على آيات القرآن الحاملة للأحكام. وفي هذه السورة كثير من الأحكام إلى أن قال فيها الحق سبحانه: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..}تفسير : [النور: 35] وقال: {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ..} تفسير : [النور: 35] فطالما أنكم أخذتُم نور الدنيا، وأقررتُم أنه الأحسن، وأنه إذا ظهر ألغى جميع أنواركم، فكذلك خذوا نور التشريع واعملوا به واعلموا أنه نور على نور. إذن: لديكم من الله نوران: نور حسي ونور معنوي. {لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 1] بعد أنْ قال سبحانه أنزلت كذا وكذا أراد أنْ يُلهب المشاعر لتُستقبل آياته الاستقبال الحسن، وتُطبِّق أحكامه التطبيق الأمثل يقول: أنزلتُ إليكم كذا لعلكم تذكرون، ففيها حَثٌّ وإلهابٌ لنستفيد بتشريع الحق للخَلْق. ثم يتحدث الحق سبحانه عن أول قضية فيما فرضه على عبادة: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [الآية: 1]. يقول: فرضنا فيها الأَمر بالحلال والنهي عن الحرام. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} [الآية: 3]. قال: هم رجال كانوا يريدون نكاح نساءٍ زوان بغايا متعالمات. كان كذلك في الجاهلية فقيل لهم هذا حرام. فنزلت فيهم هذه الآية، فحرم الله نكاحهن.

الصابوني

تفسير : اللغَة: {سُورَةٌ} السورة في اللغة: المنزلة السامية والمكانة الرفيعة قال النابغة: شعر : ألم تَرَ أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب تفسير : وسميت المجموعة من الآيات لها بدءٌ ونهاية سورة لشرفها وارتفاعها كما يسمى السور للمرتفع من الجدار {ٱلزَّانِي} الزنى: الوطء المحرم ويسمى الفاحشة لتناهي قبحه وهو مقصور وقد يمد على لغة أهل نجد فيقال الزناء قال الفرزدق: شعر : أبا طاهر من يزن يعرف زناؤه ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكراً تفسير : {رَأْفَةٌ} شفقة وعطف مأخوذ من رؤف إذا رق ورحم {ٱلْمُحْصَنَاتِ} العفيفات وأصل الإِحصان المنع سميت العفيفة محصنة لأنها منعت نفسها عن القبيح، ومنه الحصن لأنه يمنع من الأعداء {يَدْرَؤُاْ} يدفع والدرء: الدفع {تَشِيعَ} شاع الأمر شيوعاً إذا فشا وظهر وانتشر {عُصْبَةٌ} العصبة: الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض. سَبَبُ النّزول: أ - روي أن امرأةً تُدعى "ام مهزول" كانت من البغايا فكانت تُسافح الرجل وتشرط أن تنفق عليه، فأراد رجل من المسلمين أن يتزوجها فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله {ٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} الآية. ب - عن ابن عباس أن "هلال بن أُمية" قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بـ "شريك بن سحماء" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : البينةُ أو حدٌّ في ظهرك"تفسير : فقال يا رسول الله: إذا رأى أحدنا مع امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة؟ والذي بعثك بالحق إني لصادقٌ، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزلت {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ..} الآية. التفسِير: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} أي هذه سورة عظيمة الشأن من جوامع سور القرآن أوحينا بها إليك يا محمد {وَفَرَضْنَاهَا} أي أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجاباً قطعياً {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} أي أنزلنا فيها آياتٍ تشريعية، واضحات الدلالة على أحكامها، لتكون لكم - أيها المؤمنون - قبساً ونبراساً، وتكريرُ لفظ الإِنزال لإِبراز كمال العناية بشأنها فكأنه يقول: ما أنزلتها عليكم لمجرد التلاوة وإنما أنزلتها للعمل والتطبيق {لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي لكي تعتبروا وتتعظوا بهذه الأحكام وتعملوا بموجبها، ثم شرع تعالى بذكر الأحكام وبدأ بحد الزنى فقال {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} أي فيما شرعت لكم وفرضت عليكم أن تجلدوا كل واحدٍ من الزانيين - غير المحصنين - مائة ضربة بالسوط عقوبة لهما على هذه الجريمة الشنيعة {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ} أي لا تأخذكم بهما رقة ورحمة في حكم الله تعالى فتخففوا الضرب أو تنقصوا العدد بل أوجعوهما ضرباً قال مجاهد: لا تعطلوا حدود الله ولا تتركوا إقامتها شفقة ورحمة {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} هذا من باب الإِلهاب والتهييج أي إن كنتم مؤمنين حقاً تصدقون بالله وباليوم الآخر، فلا تعطلوا الحدود ولا تأخذكم شفقة بالزناة، فإن جريمة الزنى أكبر من أن تستدر العطف أو تدفع إلى الرحمة {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي وليحضر عقوبة الزانيين جماعةٌ من المؤمنين، ليكون أبلغ في زجرهما، وأنجع في ردعهما، فإنَّ الفضيحة قد تنكل أكثر مما ينكل التعذيب {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} أي الزاني لا يليق به أن يتزوج العفيفة الشريفة، إنما ينكح مثله أو أخسَّ منه كالبغيّ الفاجر، أو المشركة الوثنية {وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} أي والزانية لا يليق أن يتزوج بها المؤمن العفيف، إنما يتزوجها من هو مثلها أو أخسَّ منها، كالزاني الخبيث أو المشرك الكافر، فإن النفوس الطاهرة تأبى الزواج بالفواجر الفاسقات، قال الإِمام الفخر: "من أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية: أنَّ الفاسقَ الخبيث - الذي من شأنه الزنى والفِسق - لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء، وإنما يرغب في فاسقةٍ خبيثةٍ مثله أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من جنسها من الفسقة والمشركين، وهذا على الأعم الأغلب كما يقال: لا يفعل الخير إلا الرجل التقي، وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقيٍّ فكذا هنا" {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي وحرم الزنى على المؤمنين لشناعته وقبحه، أو حرم نكاح الزواني على المؤمنين لما فيه من الأضرار الجسيمة.. ثم شرع تعالى في بيان حد القذف فقال {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} أي يقذفون بالزنى العفيفات الشريفات {ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} أي ثم لم يأتوا على دعواهم بأربعة شهود عدول يشهدون عليهم بما نسبوا إليهن من الفاحشة {فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} أي اضربوا كل واحدٍ من الرامين ثمانين ضربةً بالسوط ونحوه، لأنهم كذبة يتهمون البريئات، ويخوضون في أعراض الناس {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} أي وزيدوا لهم في العقوبة بإهدار كرامتهم الإِنسانية فلا تقبلوا شهادة أي واحدٍ منهم ما دام مصراً على كذبه وبهتانه {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} أي هم الخارجون عن طاعة الله عز وجل لإِتيانهم بالذنب الكبير، والجرم الشنيع قال ابن كثير: أوجب تعالى على القاذف إذا لم يُقم البينة على صحة ما قال ثلاثة أحكام: أحدها أن يجلد ثمانين جلدة الثاني: أن ترد شهادته أبداً الثالث: أن يكون فاسقاً ليس بعدل لا عند الله ولا عند الناس {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي إلا الذين تابوا وأنابوا وندموا على ما فعلوا من بعد ما اقترفوا ذلك الذنب العظيم {وَأَصْلَحُواْ} أي أصلحوا أعمالهم فلم يعودوا إلى قذف المحصنات قال ابن عباس: أي أظهروا التوبة {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي فاعفوا عنهم واصفحوا وردُّوا إليهم اعتبارهم بقبول شهادتهم، فإن الله غفور رحيم يقبل توبة عبده إذا تاب وأناب وأصلح سيرته وحاله.. ثم ذكر تعالى حكم من قذف زوجته وهو المعروف باللعان فقال {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} أي يقذفون زوجاتهم بالزنى {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ} أي وليس لهم شهود يشهدون بما رموهنَّ به من الزنى سوى شهادة أنفسهم {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ} أي فشهادة أحدهم التي تزيل عنه حدَّ القذف أربع شهادات بالله تقوم مقام الشهداء الأربعة {إِنَّهُ لَمِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي إنه صادقٌ فيما رمى به زوجته من الزنى {وَٱلْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ} أي وعليه أيضاً أن يحلف في المرة الخامسة بأن لعنة الله عليه {إِن كَانَ مِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} أي إن كان كاذباً في قذفه لها بالزنى {وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ} أي ويدفع عن الزوجة المقذوفة حدَّ الزنى الذي ثبت بشهادة الزوج {أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ ٱلْكَاذِبِينَ} أي أن تحلف أربع مرات إنه لمن الكاذبين فيما رماها به من الزنى {وَٱلْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي وتحلف في المرة الخامسة بأنَّ غضب الله وسخطه عليها إن كان زوجها صادقاً في اتهامه لها بالزنى {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} أي ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم بالستر في ذلك، وجوابُ {لَوْلاَ} محذوف لتهويل الأمر تقديره: لهلكتم أو لفضحكم أو عاجلكم بالعقوبة، ورب مسكوتٍ عنه أبلغ من المنطوق {وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ} أي وأنه تعالى مبالغ في قبول التوبة، حكيم في ما شرع من الأحكام ومن جملتها حكم اللعان قال أبو السعود: وجواب لولا محذوف لتهويله كأنه قيل: ولولا تفضله تعالى عليكم ورحمته بكم لكان ما كان ممّا لا يحيط به نطاق البيان ومن جملته أنه تعالى لو لم يشرع لهم ذلك لوجب على الزوج حدُّ القذف مع أن الظاهر صدقه لاشتراكه في الفضيحة، ولو جعل شهاداته موجبةً لحد الزنى عليها لفات النظر لها، ولو جعل شهادتها موجبة لحد القذف عليه لفات النظر له، فسبحانه ما أعظم شأنه، وأوسع رحمته، وأدقَّ حكمته.. ثم بيَّن تعالى "قصة الإِفك" التي اتهمت فيها العفيفة البريئة الطاهرة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالكذب والبهتان فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ} أي جاءوا بأسوء الكذب وأشنع صور البهتان وهو قذف عائشة بالفاحشة قال الإِمام الفخر: الإِفك أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء، وقد أجمع المسلمون على أن المراد ما أُفك به على عائشة وهي زوجة الرسول المعصوم {عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ} أي جماعة منكم أيها المؤمنون وعلى رأسهم "ابن سلول" رأس النفاق {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ} أي لا تظنوا هذا القذف والاتهام شراً لكم يا آل أبي بكر {بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} لما فيه من الشرف العظيم بنزول الوحي ببراءة أم المؤمنين، وهذا غاية الشرف والفضل قال المفسرون: والخير في ذلك من خمسة أوجه: تبرئة أم المؤمنين، وكرامة الله لها بإنزال الوحي في شأنها، والأجر الجزيل لها في الفِرية عليها، وموعظة المؤمنين، والانتقام من المفترين {لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ} أي لكل فردٍ من العُصبة الكاذبة جزاء ما اجترح من الذنب على قدر خوضه فيه {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ} أي والذي تولى معظمه وأشاع هذا البهتان وهو "ابن سلول" رأس النفاق {لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي له في الآخرة عذاب شديد في نار جهنم {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} أي هلاَّ حين سمعتم يا معشر المؤمنين هذا الافتراء وقذف الصديقة عائشة {ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً} أي هلاّ طنوا الخير ولم يسرعوا إلى التهمة فيمن عرفوا فيها النزاهة والطهارة؟ فإن مقتضى الإِيمان ألاّ يصدق مؤمنٌ على أخيه قوله عائب ولا طاعن قال ابن كثير: هذا تأديبٌ من الله تعالى للمؤمنين في قصة عائشة حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام السُّوء، وهلا قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم فإن كان لا يليق بهم فأمُ المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى، روي أن امرأة "أبي أيوب" قالت له: أما تسمع ما يقول الناسُ في عائشة! قال: نعم وذلك الكذب، أكنت فاعلةً ذكل يا أم أيوب؟ قالت: لا والله قال فعائشة والله خير منك، {وَقَالُواْ هَـٰذَآ إِفْكٌ مُّبِينٌ} أي قالوا في ذلك الحين هذا كذبٌ ظاهر مبين {لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} أي هلاّ جاء أولئك المفترون بأربعة شهود يشهدون على ما قالوا {فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ} أي فإن عجزوا ولم يأتوا على دعواهم بالشهود {فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ} أي فأولئك هم المفسدون الكاذبون في حكم الله وشرعه، وفيه توبيخُ وتعنيف للذين سمعوا الإِفك ولم ينكروه أول وهلة {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي لولا فضله تعالى عليكم - أيها الخائضون في شأن عائشة - ورحمته بكم في الدنيا والآخرة حيث أمهلكم ولم يعاجلكم بالعقوبة {لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ} أي لأصابكم ونالكم بسبب ما خضتم فيه من حديث الإِفك {عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي عذاب شديد هائل يُستحقر دونه الجلد والتعنيف قال القرطبي: هذا عتابٌ من الله بليغُ لمن خاضوا في الإِفك، ولكنه برحمته ستر عليكم في الدنيا، ويرحم في الآخرة من أتاه تائباً {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ} أي وذلك حين تتلقونه ويأخذه بعضكم من بعض بالسؤال عنه قال مجاهد: أي يرويه بعضُكم عن بعض، يقول هذا سمعته من فلان، وقال فلانٌ كذا {وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ} أي تقولون ما ليس له حقيقة في الواقع، وإنما هو محض كذبٍ وبهتان {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً} أي وتظنونه ذنباً صغيراً لا يلحقكم فيه إثم {وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ} أي والحال أنه عند الله من أعظم الموبقات والجرائم لأنه وقوع في أعراض المسلمين قال في التسهيل: عاتبهم تعالى على ثلاثة أشياء: الأول: تلقيه بالألسنة اي السؤال عنه والثاني: التكلم به والثالث: استصغاره حيث حسبوه هيناً وهو عند الله عظيم، وفائدة قوله بألسنتكم وبأفواهكم الإِشارة إلى أنَّ ذلك الحديث كان باللسان دون القلب لأنهم لم يعلموا حقيقته بقلوبهم {وَلَوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا} عتابٌ لجميع المؤمنين أي كان ينبغي عليكم أن تنكروه أول ما سماعكم له وتقولوا لا ينبغي لنا أن نتفوه بهذا الكلام ولا نذكره لأحد {سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} أي سبحان الله أن يقال هذا الكلام على زوجة رسول الله الطاهرة البريئة فإن هذا الافتراء كذبٌ واضح، عظيم الجرم قال الزمخشري: هو بمعنى التعجب من عظيم الأمر والاستبعاد له، والأصل في ذلك أن يُسبَّح الله عند رؤية العجائب {يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً} أي يذكركم الله ويعظكم بالمواعظ الشافية لكي لا تعودوا إلى مثل هذا العمل أبداً {إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ} أي إن كنتم حقاً مؤمنين فإن الإيمان وازع عن مثل هذا البهتان، وفيه حثٌ لهم على الاتعاظ وتهييج {وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلآيَاتِ} أي ويوضح لكم الآيات الدالة على الشرائع ومحاسن الآداب، لتتعظوا وتتأدبوا بها {وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} أي عالم بما يصلح العباد، حكيم في تدبيره وتشريعه {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ} أي يريدون أن ينتشر الفعل القبيح المفرط في القبح كإشاعة الرذيلة والزنى وغير ذلك من المنكرات {فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي في المؤمنين الأطهار {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي لهم عذاب موجع مؤلم في الدنيا فإقامة الحدِّ، وفي الآخرة بعذاب جهنم قال الحسن: عنى بهذا الوعيد واللعن المنافقين فإنهم أحبوا وقصدوا إذاية الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك كفرٌ وملعون صاحبه {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي هو تعالى عالمٌ بالخفايا والنوايا وأنتم لا تعلمون ذلك قال الإِمام الفخر: وهذه الجملة فيها حسنُ الموقع بهذا الموضع، لأن محبة القلب كامنةٌ ونحن لا نعلمها إلاّ بالأمارات أما الله سبحانه فهو لا يخفى عليه شيء، فصار هذا الذكر نهايةً في الزجر لأن من أحبَّ إشاعة الفاحشة وإن بالغَ في إخفاء تلك المحبة فهو يعلم أن الله تعالى يعلم ذلك منه ويعلم قدر الجزاء عليه {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} جواب {لَوْلاَ} محذوف لتهويل الأمر أي لولا فضله تعالى على عباده ورحمته بهم لأهلكهم وعذَّبهم، وكان ما كان مما لا يكاد يتصوره الإِنسان لأنه فوق الوصف والبيان. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- التنكير للتفخيم {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} أي هذه سورة عظيمة الشأن، جليلة القدر أنزلها الله. 2- الإِطناب بتكرير لفظ {أَنزَلْنَا} في قوله {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} لإِبراز كمال العناية بشأنها، وهو من باب ذكر الخاص بعد العام للعناية والاهتمام. 3- الاستعارة {يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} أصل الرمي القذفُ بالحجارة أو بشيء صلب ثم استعير للقذف باللسان لأنه يشبه الأذى الحسّي ففيه استعارة لطيفة. 4- التهييج والإِلهاب {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} كقولهم إن كنت رجلاً فأقدم. 5- صيغة المبالغة {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} و {تَوَّابٌ حَكِيمٌ} فإن " فعول، وفعّال، وفعيل" من صيغ المبالغة وكلها تفيد بلوغ النهاية في هذه الصفات. 6- الطباق بين {ٱلصَّادِقِينَ} و {ٱلْكَاذِبِينَ}. 7- حذف جواب {لَوْلاَ} للتهويل في {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} وذلك حتى يذهب الوهم في تقديره كل مذهب فيكون أبلغ في البيان وأبعد في التهويل والزجر. 8- الطباق {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} وكذلك {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٌ} فقد طابق بين الشر والخير، وبين الهيّن والعظيم. 9- الالتفات من الخطاب إلى الغيبة {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ} والأصل أن يقال ظننتم وإنما عدل عنه مبالغة في التوبيخ وإشعاراً بأن الإيمان يقتضي ظنَّ الخير بالمؤمنين. 10- التحضيض {لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} أي هلاَّ جاءوا وغرضُه التوبيخ واللوم. 11- التعجب {سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} ففيه تعجب ممن يقول ذلك والأصل في ذكر هذه الكلمة {سُبْحَانَكَ} أن يُسبح الله تعالى عند رؤية العجيب من صنائعه، تنزيهاً له من أن يخرج مثله عن قدرته ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه. فَائِدَة: لماذا بدأ الله في الزنى بالمرأة، وفي السرقة بالرجل؟ والجواب أن الزنى من المرأة أقبح، وجرمه أشنع فبدأ بها، وأما السرقة فالرجل عليها أجرأ وهو عليها أقدر ولذلك بدأ به {وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا}. تنبيه: في التعبير بالإِحصان {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} إشارة دقيقة إلى أنَّ قذف العفيف من الرجال أو النساء موجب لحدِّ القذف، وأما إذا كان الشخص معروفاً بفجوره أو اشتهر بالاستهتار والمجون فلا حدَّ على قاذفه، لأنه لا كرامة للفاسق الماجن. فتدبر السر الدقيق. لطيفَة: لماذا عدل عن قوله {تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} إلى قوله {تَوَّابٌ حَكِيمٌ} مع أن الرحمة تناسب التوبة؟ والجواب أن الله عز وجل أراد الستر على العباد بتشريع اللعان بين الزوجين، فلو لم يكن اللعان مشروعاً لوجب على الزوج حدُّ القذف مع أن الظاهر صدقه، ولو اكتفى بلعانه لوجب على الزوجة حدُّ الزنى، فكان من الحكمة وحسن النظر لهما جميعاً أن شرع هذا الحكم، ودرأ عنهما العذاب بتلك الشهادات، فسبحانه ما أوسع رحمته، وأجل حكمته!!.

الصابوني

تفسير : [1] حد الزنى التحليل اللفظي {سُورَةٌ}: السورة في اللغة معناها المنزلة السامية والمكانة الرفيعة، قال النابغة:شعر : "ألم تر أن الله أعطاك سورةً تَرى كلَّ مَلْك دونها يتذبذب" تفسير : وهي في الاصطلاح: مجموعة من الآيات الكريمة لها بدء ونهاية كسورة الكوثر. وسميت (سورة) لشرفها وارتفاعها، كما يسمّي السور للمرتفع من الجدار. {أَنزَلْنَٰهَا}: المراد: أوحينا بها إليك يا محمد، ولعل السر في التعبير بالإنزال الذي يشعر بالنزول مع العلو هو الإشارة إلى أن هذا القرآن هو من عند الله تعالى لا من تأليف محمد كما زعم المشركون. {وَفَرَضْنَاهَا}: أي أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجاباً قطعياً. وأصلُ الفرض قطع الشيء الصلب والتأثير فيه والمراد به هنا الإيجاب على أتم وجه، وفي ذكر ذلك براعة استهلال على ما قيل، وقرئ بالتشديد {فَرَّضْناها} للمبالغة، ولتأكيد الإيجاب، ولتعدد الفرائض وكثرتها. {آيَٰتٍ بَيِّنَٰتٍ}: الآيات جمع (آية) وهي قد ترد بمعنى الآية القرآنية، وقد ترد بمعنى العلامة، أو الشاهد على القدرة الإلٰهية، مثل قوله تعالى: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ} تفسير : [يس: 37] وقوله: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ}تفسير : [الشورى: 32] وقول الشاعر:شعر : وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ تدل على أنه واحد تفسير : ومعنى (بينات) أي واضحات، فإن أريد بالآيات (الآيات القرآنية) كان المعنى أنها واضحات الدلالة على أحكامها، مثل الآيات التي فيها أحكام الزنى، والقذف، واللعان وغيرها، وإن أريد بالآيات (الآيات الكونيّة) كان المعنى أنها واضحات الدلالة على وحدانية الله، وكمال قدرته مثل التأليف بين السحاب، ووميض البرق ولمعانه، وتقليب الليل والنهار، واختلاف المخلوقات في أشكالها، وهيئاتها، وطبائعها، مع اتحاد المادة التي خلقت منها. إلى غير ما هنالك من أدلة التوحيد، وشواهد القدرة. {تَذَكَّرُونَ}: مضارع حذف منه إحدى التائين وأصلها تتذكرون. ومعنى التذكر أن يعاد إلى الذاكرة الشيء الذي غاب عنها، والمراد به هنا الاتعاظ والاعتبار أي (لعلكم تعتبرون وتتعظون). {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي}: الزنى في اللغة: الوطء المحرّم، وفي الشرع: (وطءَ الرجل المرأةَ في الفرج من غير نكاحٍ ولا شبهة نكاح) ويسمى الفاحشة قال تعالى: {أية : وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ...} تفسير : [النساء: 15] الآية وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 32]. وهو في اللغة الفصحى - لغة أهل الحجاز - مقصورٌ، وقد يمد في لغة - أهل نجد - فيقال الزناء وعليه قول الفرزدق:شعر : أبا طاهرٍ من يزنِ يعرف زناؤه ومن يشرب الخرطوم يصبح مسكراً تفسير : قال القرطبي: كان الزنى في اللغة معروفاً قبل الشرع مثل اسم (السرقة) و (القتل) وهو اسم لوطء الرجل امرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح، وإن شئت قلت: هو إدخال فرجٍ في فرجٍ مشتهى طبعاً محرّمٍ شرعاً. {فَٱجْلِدُواْ}: الجَلد بفتح الجيم ضرب الجِلد بكسرها، قال الألوسي: وقد اطرد صوغ (فَعَل) الثلاثي المفتوح العين من أسماء الأعيان فيقال: رأسَه، وظَهرَه، وبَطنَه، إذا ضرب رأسه وظهره وبطنه. وجوّز (الراغب) أن يكون معنى جَلَده: أي ضربه بالجِلْد، نحو عَصَاه ضربه بالعصا، ورَمَحه طعنه بالرمح. والمراد هنا المعنى الأول: فإنّ الأخبار قد دلت على أنّ الزانية والزاني يضربان بسوط (عصا) لا عقدة عليه ولا فرع له. ويرى بعضهم: أن الجَلد في العرف الضربُ مطلقاً، وليس خاصاً بضرب الجِلد بلا واسطة. {رَأْفَةٌ}: شفقة وعطف، مأخوذ من رؤف إذا رق ورحم، والرؤوف من أسماء الله تعالى: العطوفُ الرحيم، وقيل الرأفة تكون في دفع المكروه، والرحمة أعم، والمراد: النهي عن التخفيف في الجلد، أو إسقاط الحد بالكلية كما نبّه عليه الألوسي. {دِينِ ٱللَّهِ}: أي في شرع الله وحكمه، أو في طاعته وإقامة حده، وروى عن عطاء أنّ المراد النهي عن إسقاط الحد بشفاعة ونحوها. {طَآئِفَةٌ}: الطائفة في الأصل اسم فاعل مؤنث من الطواف، وهو الدَّوران والإحاطة وقد تطلق في اللغة ويراد بها الواحد، أو الجماعة، قال الألوسي: والمراد بالطائفة هنا جماعة يحصل بهم التشهير والزجر، وتختلف قلة وكثرة بحسب اختلاف الأماكن والأشخاص. {لاَ يَنكِحُ}: المراد بالنكاح هنا (العقد) بمعنى لا يتزوج الزاني إلا زانية مثله، ويوافقه سبب النزول كما سيأتي والنفي في الآية بمعنى النهي للمبالغة ويؤيده قراءة {لا يَنْكِحْ} بالجزم، ويشبه هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تُنْكِحُ البِكرُ حتى تُسْتَأذن"تفسير : فهو خبر بمعنى النهي أي لا تزوِّجوا البكر حتى تستأذنوها. وقيل المراد بالنكاح في الآية: الوطء وأنكر ذلك الزجاج وقال: لا يعرف النكاح في كتاب الله تعالى إلا بمعنى التزوج. {مُشْرِكَةً}: هي التي ليس لها دين سماوي والتي لا تؤمن بالله كالمجوسية، والوثنية، وهي تختلف عن الكتابية في الحكم، فالكتابية يجوز الزواج بها، والمشركةُ لا يجوز قال تعالى: {أية : وَلاَ تَنْكِحُواْ ٱلْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ...} تفسير : [البقرة: 221] الآية. {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ}: أي حرَّم الله تعالى الزنى على المؤمنين لما فيه من أضرار جسيمة، ومفاسد عظيمة، أو المراد حرم الله نكاح الزانيات والمشركات. المعنى الإجمالي يخبر الله جل وعلا بما أنزل على عباده المؤمنين في هذه السورة الكريمة، من تشريع وأحكام ومواعظ وآداب وإرشادات حكيمة، وأخلاق كريمة، ونُظم وتشريعات، بها صلاح دينهم ودنياهم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة فيقول سبحانه ما معناه: هذه سورة من جوامع سور القرآن أنزلتها عليكم أيها المؤمنون لتطبقوا أحكامها وتتأدبوا بما فيها من آداب. ولم أنزلها عليكم لمجرد التلاوة وإنما فرضتها عليكم وألزمتكم أن تعملوا بما فيها لتكون لكم قبساً ونبراساً، ولتعتبروا بما فيها من الآيات البيّنات، والدلائل المحكمات والشواهد الكثيرة على حكمة الله عز وجل العادلة في تشريع هذه الأحكام التي بها سعادة المجتمع، وحياة الإنسانية {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلْقِصَاصِ حَيَٰوةٌ يٰأُولِي ٱلأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تفسير : [البقرة: 179]. ومن هذه الأحكام والحدود التي شرعتها لكم، أن تجلدوا كلاً من الزانيين مائة جلدة، تستوفونها منهما كاملة دون رحمة أو شفقة، ودون تخفيف من العقاب، أو إنقاصٍ من الحد، فإن (جريمة الزنى) أخطر وأعظم من أن تستدر العطف أو تدفع إلى العفو عن مرتكب هذه الجريمة النكراء، فإن من عرف آثارها وأضرارها من تدنيسٍ للعرض والشرف، وضياع للأنساب، واعتداء على كرامة الناس، وتلطيخ لهم بالعار والشنار وتعريض للأولاد للتشرد والضياع، حيث يولد (اللقيط) وهو لا يدري أباه، ولا يعرف حسبه ونسبه - إلى غير ما هنالك من أضرار - من عرف ذلك أدرك حكمة الله تعالى في تشريع هذا العقاب الزاجر الصارم. وليس هذا فحسب بل لا بد أن تشهدوا على هذه العقوبة لتكون زجراً له ولأفراد المجتمع من اقتراف مثل هذا المنكر الشنيع، فتحصل العظة والعبرة... {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ}. ثم بين تعالى أن الزاني لا يليق به أن ينكح المؤمنة العفيفة الشريفة إنما ينكح مثله أو أخسّ منه، ينكح الزانية الفاجرة أو المشركة الوثنية، ولا عجب فإن الفاسق الخبيث لا يرغب غالباً إلا في فاسقة من شكله أو مشركة، والزانيةُ الخبيثة كذلك لا يرغب فيها إلا خبيث مثلها أو مشرك. فالنفوس الطاهرة تأبى مثل هذا الزواج بالفواجر الفاسقات وصدق الله: {أية : ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ} تفسير : [النور: 26]. وقد حرم الله الزنى لما فيه من أضرار عظيمة، ومخاطر جسيمة تودي بحياة الأفراد والجماعات، وتقوّض بنيان المجتمعات، وتعرِّض الأولاد للتشرد والضياع. سبب النزول رُويَ في سبب نزول الآية الكريمة {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} عدة أسباب ذكرها المفسرون ونحن ننقل أجمعها وأصحها وهي كالآتي: أولاً - روى أن رجلاً يقال له (مرثد الغنوي) كان يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، وكانت امرأة بغّي بمكة يقال لها (عَنَاق) وكانت صديقة له، وأنه وعد رجلاً من أسارى مكة أن يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، فجاءت (عَنَاق) فأبصرتْ سوادَ ظلي تحت الحائط، فلما انتهت إليّ عرفتني فقالت: مرثد؟ فقلت: مرثد، فقالت: مرحباً وأهلاً هلمّ فبت عندنا الليلة، فقلتُ يا عناق: قد حرَّم الله تعالى الزنى، فنادت يا أهل الخيام: هذا الرجل يحمل أسراكم، قال: فتبعني منهم ثمانية، فانتهيت إلى غار فجاءوا حتى قاموا على رأسي وبالوا، حتى ظلّ بولهم على رأسي، وأعماهم الله تعالى عني، ثم رجعوا ورجعتُ إلى صاحبي فحملته حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله: أأنكح عناقاً؟ فأمسك فلم يردّ عليَّ شيئاً فأنزل الله {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} الآية فقرأها عليَّ الرسول، ثم قال يا مرثد: لا تَنكحها. ثانياًً - وروي أن امرأة تُدعى (أم مهزول) كانت من البغايا، فكانت تسافح الرجل وتشرط أن تنفق عليه، فأراد رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها فأنزل الله تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ}. ثالثاً - وروي أنها نزلت في أهل الصفّة وكانوا قوماً من المهاجرين، ولم يكن لهم مساكن ولا عشائر، فنزلوا صفة المسجد وكانوا أربعمأة رجل يلتمسون الرزق بالنهار ويأوون إلى الصفة بالليل وكان بالمدينة (بغايا) متعالنات بالفجور مخاصيب بالكسوة والطعام، فهمّ بعضهم أن يتزوجوا بهنّ، ليأووا إلى مساكنهنّ، ويأكلوا من طعامهن فنزلت هذه الآية. لطائف التفسير 1 - اللطيفة الأولى: التنكير في قوله (سورة) للتفخيم فكأن الله تعالى يقول: هذه سورة عظيمة الشأن جليلة القدر، لما فيها من الآداب السامية والأحكام الجليلة، قال الألوسي: وهي (خبر) لمبتدأ محذوف أي هذه سورة، وأشير إليها بهذه تنزيلاً لها منزلة (الحاضر) المشاهد وقوله تعالى: {أَنزَلْنَاهَا} وما بعده صفات لها مؤكدة، لما أفاده التنكير من (الفخامة) من حيث الذات، بالفخامة من حيث الصفات. 2 - اللطيفة الثانية: تكرير لفظ {أَنزَلْنَا} في قوله: {أَنزَلْنَاهَا} و {أَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ} لإبراز كمال العناية بشأنها، وهو يشبه ذكر الخاص بعد العام للعناية والاهتمام. 3 - اللطيفة الثالثة: قال الفخر الرازي: أنه تعالى ذكر في أول السورة أنواعاً من الأحكام والحدود وذكر في آخرها دلائل التوحيد فقوله تعالى: {فَرَضْنَاهَا} إشارة إلى الأحكام، وقوله: {آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} إشارة إلى دلائل التوحيد ويؤيده قوله: {لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} فإن الأحكام لم تكن معلومة حتى يتذكروا بها. قال الألوسي: وهذا الوجه عندي حسن. 4 - اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أصل (لعل) للترجي والترجي لا يليق من الله تعالى ولذلك تكون لعل هنا بمعنى (لام التعليل) أي لتتذكروا وتتدبروا بما فيها واستشهدوا بقول الشاعر:شعر : فقلتم لنا كفّوا الحروب لعلّنا نكفّ ووثّقتم لنا كل مَوثِقِ تفسير : أي كفوا الحروب لنكف، وذكر القرطبي وجهاً آخر وهو أن تبقى (لعل) للترجي ولكن يكون الترجي من المخلوق لا من الخالق أي رجاء منكم أن تتذكروا. 5 - اللطيفة الخامسة: فإن قيل: ما الحكمة في أن يبدأ الله في الزنى بالمرأة وفي السرقة بالرجل؟ فالجواب أنَّ الزنى من المرأة أقبح، وجرمه أشنع، لما يترتب عليه من تلطيخ فراش الرجل وفساد الأنساب وإلحاق العار بالعشيرة ثم الفضيحة بالنسبة للمرأة (بالحمل) تكون أظهر وأدوم فلهذا كان تقديمها على الرجل. وأما السرقة فالغالب وقوعها من الرجل لأنه أجرأ عليها وأجلد وأخطر فقدم عليها لذلك. قال القرطبي: قدمت {ٱلزَّانِيَةُ} في هذه الآية، من حيث كان في ذلك الزمان زنى النساء فاشٍ وكان لإماء العرب وبغايا الوقت رايات وكن مجاهرات بذلك، وذكر وجوهاً أخرى تؤيد ما سبق. 6 - اللطيفة السادسة: عبّر بقوله: (فاجلدوا) ولم يقل (فاضربوا) للإشارة إلى أن الغرض من الحد الإيلام بحيث يصل ألمه إلى الجِلد، لعظم الجُرم ردعاً له وزجراً. قال العلماء: ينزع عن الزاني عند الجلد ثيابه إلا الإزار فإنه لا ينزع لستر عورته به وأما بقية الحدود فالأمر فيها أخف. 7 - اللطيفة السابعة: قال القرطبي: ذكر الله سبحانه وتعالى: (الذكر والأنثى) وكان يكفي منهما لفظ (الزاني) فقيل: ذكرهما للتأكيد، ويحتمل أن يكون ذكرهما لئلا يظن ظانّ أن الرجل لما كان هو الواطئ والمرأة محل ليست بواطئة فلا يجب عليها حد فذكرها رفعاً لهذا الإشكال الذي أوقع جماعة من العلماء منهم الشافعي - رحمه الله - فقالوا: لا كفارة على المرأة في الوطء في رمضان. 8 - اللطيفة الثامنة: قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} هذا من باب التهييج والإلهاب كما يقال إن كنت رجلاً فافعل كذا، ولا شك في رجوليته وكذا المخاطبون هنا مقطوع بإيمانهم، ولكن قصد تهييج وتحريك حميتهم ليجتهدوا في تنفيذ الأحكام على الوجه الأكمل. 9 - اللطيفة التاسعة: قوله تعالى: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} الآية قال الألوسي: فيه تقبيح لأمر الزاني أشد تقبيح ببيان أنه بعد أن رضي بالزنى لا يليق به أن ينكح العفيفة المؤمنة، والزانية بعد أن رضيت بالزنى لا يليق أن ينكحها إلاّ مَنْ هو مثلها وهو الزاني، أو هو أشد حالاً منها وهو المشرك وأما المسلم العفيف فأسَدُ غيرته يأبى ورود جَفْرتها:شعر : وتجتنبُ الأسودُ ورودَ ماء إذا كان الكلاب ولَغْن فيه تفسير : والسر في تقديم (الزانية) في الآية الأولى، (والزاني) في الآية الثانية، أن الأولى في بيان عقوبة الزنى والأصل فيه المرأة لموافقتها ورضاها، وأما الثانية فهي في حكم نكاح الزناة، والأصلُ في النكاح الذكور. قال في "التفسير الواضح": إن الزنى ينشأ غالباً وللمرأة فيه الضلع الأكبر، فخروجها سافرة متبرجة متزينة داعية لنفسها بشتى الوسائل المغرية من أصباغ وعطور وملابس ضيقة، ونظرات كلها إغراء للشباب وفتنة فهذه كلها حبائل الشيطان. وليس معنى هذا أن الرجال بريئون بل عليهم قسط كبير في الجرم وقسطُ المرأة أكبر، ولهذا قدمها على الزاني وفي الآية الثانية يعالج النكاح بمعنى (العقد) وللمرأة فيه الخطوة الثانية، أما الرجل فله الخطوة الأولى ولهذا قدمه على المرأة والله أعلم بأسرار كتابه. 10 - اللطيفة العاشرة: قرن الله عز وجل الزاني بالمشرك وذلك ليشير إلى عظيم خطر الزنى وكبير ضرره وذلك جرم من أعظم الجرائم الاجتماعية يهدم بنيان الأسرة ويحطم كيان المجتمع ولهذا قرنه الله بالشرك في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ...}تفسير : [الفرقان: 68] الآية. جنبنا الله السوء والفاحشة. بمنّه وكرمه آمين. وجوه القراءات 1 - قوله تعالى: {فَرَضْنَاهَا} قرئ بالتخفيف والتشديد، فقراءة التخفيف (فَرَضْناها) بمعنى أوجبنا وألزمنا العمل بما فيها من الأحكام إيجاباً قطعياً وقراءة التشديد (فرّضْناها) لتأكيد الايجاب أو المبالغة في لزومه وقيل: هو على التكثير، أي لكثرة ما فيها من الفرائض كأحكام الزنى، والقذف، واللعان، والأمر بالحجاب، والاستئذان وغضّ البصر، وغير ذلك. 2 - قوله تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي} قرأ الجمهور بالرفع وقرئ بالنصب (الزانية) واختار الخليل وسيبويه الرفع اختيار الأكثرين. قال الزجاج: والرفع أقوى في العربية لأن معناه: من زنى فاجلدوه فتأويله الابتداء ويجوز النصب على معنى: اجلدوا الزانية. 3 - قوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ} قرأ الضحاك والأعمش (ولا يأخذكم) بالياء بدل التاء وقوله تعالى: {رَأْفَةٌ} بإسكان الهمزة هي القراءة المشهورة وقرئ (رَأَفة) بفتح الهمزة قال القرطبي: وفيه ثلاث لغات: (رَأَفة، ورأْفة، ورآفة) بالمدِّ وهي كلها مصادر أشهرها الأولى. 4 - قوله تعالى: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ} بضم الحاء وقرئ بإسكانها (لا ينكحْ) فالأولى (نفيٌ)، والثانية (نهيٌ)، وقوله تعالى: {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ} قرئ بالتشديد أي بضم الحاء وتشديد الراء، وقرئ بالتخفيف {وحَرُم} بفتح الحاء وضم الراء - قال ابن الجوزي: وقرأ أُبيُّ بن كعب {وحَرّم اللَّهُ} بزيادة اسم الله عز وجل مع فتح حروف (حَرّم). وجوه الإعراب 1 - قوله تعالى: {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} سورة خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هذه سورة، وإنما قدرنا ذلك لأنها نكرة، والمشهورُ عند علماء النحو أنه لا يجوز الابتداء بالنكرة كما قال ابن مالك: شعر : ولا يجوز الابتدا بالنكرة ما لم تفد كعند زيد نمرة تفسير : وجوَّز بعضهم أن تكون مبتدأ لأنها موصوفة بجملة (أنزلناها) وهو رأي (الأخفش) قال القرطبي: ويحتمل أن يكون قوله (سورة) ابتداء وما بعدها صفة لها أخرجتها عن حد النكرة المحضة فحسن الابتداء لذلك. ويرى (الزمخشري) أنه يجوز أن تكون مبتدأ موصوفاً والخبر محذوف تقديره فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها، وقد رد العلامة (أبو السعود) هذا الرأي وقال: وأما كونها مبتدأ محذوف الخبر على أن يكون التقدير: (فيما أوحينا إليك سورةٌ أنزلناها) الخ فيأباه أنّ مقتضى المقام بيان شأن هذه السورة الكريمة لا أن في جملة ما أوحي إلى النبي عليه الصلاة والسلام سورة شأنها كذا وكذا. وحملها على السورة الكريمة بمعونة المقام يوهم أن غيرها من السور الكريمة ليست على تلك الصفات. 2 - قوله: {أَنزَلْنَاهَا} الجملة من الفعل والفاعل في محل رفع (صفة) لأن الجمل من بعد النكرات صفات. كما يقول علماء النحو. 3 - قوله: {لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} لعل للترجي وهي من أخوات (إنَّ) والكاف في محل نصب اسم لعل، وجملة (تَذكَّرون) من الفعل والفاعل في محل رفع خبرها. 4 - قوله: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي} الزانية مبتدأ والزاني معطوف عليها والخبر هو جملة (فاجلدوا) والتقدير الزانية والزاني مجلودان في حكم الله أو ينبغي أن يُجْلدا، وإنما دخلت الفاء على الخبر لأن في الجملة معنى الشرط أي من زنى أو من زنت فاجلدوهما مائة جلدة، وأما قراءة النصب (الزَّانيةَ والزاني) فهو منصوب بفعل محذوف يفسِّره المذكور أي اجلدوا الزانيةَ واجلدوا الزاني. 5 - قوله: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ} أن الشرطية جازمة (وكنتم) فعل الشرط متصرفة من (كان) الناقصة والضمير اسمها وجملة (تؤمنون) من الفعل والفاعل خبرها وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله أي إن كنتم مؤمنين حقاً فلا تأخذكم بهما رأفة والله أعلم. الأحكام الشرعية الحكم الأول: كيف كانت عقوبة الزنى في صدر الإسلام؟ كان عقوبة الزنى في صدر الإسلام. عقوبة خفيفة موقَّتة، لأن الناس كانوا حديثي عهد بحياة الجاهلية. ومن سنة الله جل وعلا في تشريع الأحكام، أن يسير بالأمة في طريق (التدرج) ليكون أنجح في العلاج. وأحكم في التطبيق، وأسهل على النفوس لتتقبل شريعة الله عن - رضى واطمئنان - كما رأينا ذلك في تحريم الخمر والربا وغيرهما من الأحكام الشرعية. وقد كانت العقوبة في صدر الإسلام هي ما قصه الله علينا في سورة النساء في قوله جل شأنه {أية : وَٱللاَّتِي يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً * وَٱللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً}تفسير : [النساء: 15-16] فكانت عقوبة المرأة (الحبس) في البيت وعدم الإذن لها بالخروج منه، وعقوبة الرجل (التأنيث والتوبيخ) بالقول والكلام ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ...} الآية. ويظهر أن هذه العقوبة كانت أول الإسلام من قبيل (التعزير) لا من قبيل (الحدّ) بدليل التوقيت الذي أشارت إليه الآية الكريمة {أية : حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 15] وقد استبدلت هذه العقوبة بعقوبة أشد هي (الجلد) للبكر و (الرجم) للزاني المحصن، وانتهى ذلك الحكم الموقت إلى تلك العقوبة الرادعة الزاجرة. روى عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال: (كان نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا أُنزل عليه الوحي كُرِبَ لذلك وتربّد وجهه، فأنزل الله عليه ذات يوم فلقي كذلك فلما سُرِّي عنه قال: خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهنَّ سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيبُ بالثيب جلد مائة والرجم). الحكم الثاني: ما هو حدُّ البكر، وحدُّ المحصن؟ فرقت الشريعة الإسلامية بين حد البكر (غير المتزوج) وحد المحصن (المتزوج) فخففّفت العقوبة في الأول فجعلتها مائة جلدة، وغلّظت العقوبة في الثاني فجعلتها الرجم بالحجارة حتى الموت، وذلك لأن جريمة الزنى بعد الإحصان (التَّزوج) أشد وأغلظ من الزنى المحض في نظر الإسلام فالجريمة التي يرتكبها رجل محصن من (امرأة محصنة) عن طريق الفاحشة أشنع وأقبح من الجريمة التي يرتكبها مع البكر لأنه قد أفسد نسب غيره ودنّس فراشه وسلك لقضاء شهوته طريقاً غير مشروع مع أنه كان متمكناً من قضائها بطريق مشروع فكانت العقوبة أشد وأغلظ. "الجلد ثابت بالنص القرآني القاطع" أما الجلد: فقد ثبت بالنص القرآني القاطع {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} والآية الكريمة إنما هي في حد الزاني (غير المحصن) والآية وإن كانت عامة في كل (زان) إلا أن السنة النبوية قد بينت ذلك ووضحته كما في حديث (عبادة بن الصامت) المتقدم ومهمة الرسول البيان كما قال تعالى: {أية : لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} تفسير : [النحل: 44] وكفى بتوضيح الرسول وبيانه وتفصيلاً وبياناً لمجمل القرآن!! "الرجم ثابت بالسنة النبوية المتواترة" وأمّا الرجم: فقد ثبت بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله، وعمله، وكذلك بإجماع الصحابة والتابعين فقد ثبت بالروايات الصحيحة التي لا يتطرأ إليها الشك، وبطريق التواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام (حد الرجم) على بعض الصحابة كماعز، والغامدية، وأن الخلفاء الراشدين من بعده قد أقاموا هذا الحد في عهودهم وأعلنوا مراراً أن الرجم هو الحد للزنى بعد الإحصان. ثم ظلّ فقهاء الإسلام في كل عصر وفي كل مصر مجمعين على كونه حكماً ثابتاً وسنة متبعة وشريعة إلٰهية قاطعة، بأدلة متضافرة لا مجال للشك فيها أو الارتياب، وبقي هذا الحكم إلى عصرنا هذا لم يخالف فيه أحد إلا فئة شاذة من المنحرفين عن الإسلام هم (الخوارج) حيث قالوا: إن الرجم غير مشروع وسنبين فساد مذهبهم فيما يأتي: أدلة الخوارج والرد عليها: استدل الخوارج على أنّ الرجم غير مشروع بأدلة ثلاثة هي أوهَى من بيت العنكبوت نلخصها فيما يلي: أولاً: قالوا الرجمُ أشدُّ العقوبات فلو كان مشروعاً لذكِر في القرآن ولمّا لم يذكر دل على أنه غير مشروع. ثانياً: إن حدّ الأمة نصف حد الحرة {أية : فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25] والرجم لا ينتصف فلا يصح أن يكون حداً للحرة. ثالثاً: إن الحكم عام في جميع الزناة وتخصيص (الزاني المحصن) من هذا الحكم مخالف للقرآن. هذه هي خلاصة أدلتهم وهي في الواقع تدل على جهلهم الفاضح وعدم فهمهم لمهمة الرسول صلى الله عليه وسلم أو سوء إدراكهم لأسرار القرآن ومقاصده، وذلك منتهى الجهل والغباء. الرد على أدلة الخوارج: وقد ردّ أهل السنة والجماعة على الخوارج بأدلة دامغة تقصم ظهر الباطل، وتخرس كلّ أفّاك أثيم نلخصها فيما يلي: أولاً: إن عدم ذكر الرجم في القرآن لا يدل على عدم المشروعية فكثير من الأحكام الشرعية لم تذكر في القرآن وإنما بينتها السنة النبوية والله تعالى قد أمرنا باتباع الرسول والعمل بأوامره {أية : وَمَآ آتَاكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ} تفسير : [الحشر: 7] والرسولُ مبلغ عن الله عزَّ وجلَّ، وكلُّ ما جاء به إنما هو بوحي سماوي من العليم الحكيم {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ} تفسير : [النجم: 3-4]. وكيف يكون الرجم غير مشروع وقد رجم صلى الله عليه وسلم ورجم معه أصحابه وبيّن ذلك بهديه وفعله!!. ثم إن مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم قد بينها القرآن بقوله تعالى: {أية : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [النحل: 44] وليس قول الرسول "خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً.. وفيه: والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" ليس هذا القول إلا من البيان الذي أشار إليه القرآن وهو نص قاطع على حكم الزاني المحصن وقد أشار صلى الله عليه وسلم في الحديث الشريف بقوله: "حديث : ألا وإني أوتيت القرآن ومثله معه" تفسير : إلى أن سنته المطهرة بوحي من الله فثبت أن كل ما جاء به الرسول هو تشريع من الله، وأنه واجب الاتّباع. ثانياً: إن قوله تعالى: {أية : فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النساء: 25] ليس فيها دليل على ما قاله الخوارج من عدم مشروعية الرجم، فإن الآية الكريمة قد أشارت إلى أن المراد بالعذاب هنا (الجلد) لا (الرجم) بدليل التنصيف في العقوبة والله تعالى يعلم أن الرجم لا ينصف ولا يمكن للناس أن يميتوا إنساناً نصف موتة فدل (العقل) و (الفهم السليم) على أن المراد بهذه العقوبة الجلد لا الرجم. فتجلد الأمة المتزوجة خمسين جلدة، وتجلد الحرة البكر مائة جلدة. والسر في هذا التخفيف على (الأمة) دون الحرة أن الجريمة من الحرة أفظع وأشنع لكون الحرة في مأمن من الفتنة، وهي أبعد عن داعية الفاحشة والأمة ضعيفة عن مقاومتها، فرحم الله ضعفها وخفف العقاب عنها. ثالثاً: وأما دعواهم أن الحكم عام، وتخصيصه مخالف للقرآن فجهلٌ مطبق ألا ترى أن كثيراً من الأحكام جاءت عامة وخصصتها السنة النبوية!! مثل: قوله تعالى {أية : وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوۤاْ أَيْدِيَهُمَا}تفسير : [المائدة: 38] فإن هذا اللفظ عام يشمل كل سارق حتى ولو كانت سرقته لشيء حقير (وتافه) وعلى دعواهم ينبغي أن نقطع يد من سرق فلساً أو إبرة، مع أن السنة النبوية قد خصصت هذا الحكم وقيدته بربع دينار أو ما قيمته عشرة دراهم، وكذلك قوله تعالى: {أية : وَأُمَّهَٰتُكُمُ الَّٰتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ} تفسير : [النساء: 23] لم تنص الآية إلا على حرمة الأم والأخت من الرضاعة، مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فيجب أن تكون حرمة (البنت من الرضاعة) مخالفة للقرآن بموجب دعواهم. والقرآن نهى عن (الجمع بين الأختين) فمن قال بحرمة الجمع بين العمة وبنت أخيها، أو الخالة وبنت أختها يجب أن نحكم عليه بمخالفة القرآن... وهذا جهل واضح لا يصدر من مسلم عاقل. قال العلامة الألوسي في تفسيره "روح المعاني": وقد أجمع الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ومن تقدم من السلف وعلماء الأمة وأئمة المسلمين على أن المحصن يرجم بالحجارة حتى يموت، وإنكار الخوارج ذلك باطل، لأنهم إن أنكروا حجية إجماع الصحابة فجهل مركب، وإن أنكروا وقوعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنكارهم حجية خبر الواحد فهو بعد بطلانه بالدليل ليس مما نحن فيه لأن ثبوت الرجم منه عليه السلام (متواتر) المعنى، وهم كسائر المسلمين يوجبون العمل بالمتواتر (معنى) كالمتواتر (لفظاً) إلا أن انحرافهم عن الصحابة والمسلمين أوقعهم في جهالات كثيرة، ولهذا حين عابوا على عمر بن عبد العزيز القول بالرجم من كونه ليس في كتاب الله تعالى ألزمهم بأعداد الركعات ومقادير الزكوات، فقالوا: ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم والمسلمين فقال لهم: وهذا أيضاً كذلك. ومراده أنهم لما احتجوا عليه بعدم وجود الرجم في القرآن، سألهم عن عدد ركعات الصلاة، هل هي مذكورة في القرآن؟ مقدار نصاب الزكاة وشروط وجوبها، هل هو موجود في القرآن؟ فلما أقروا بأن هذا ثبت من النبي صلى الله عليه وسلم ومن فعل المسلمين أقام عليهم الحجة بذلك. شهادة صادقة وبصيرة نافذة: وكأني بالفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه، قد ألهم أمر هؤلاء الخوارج فكشف نواياهم وأطلع الناس على خبث عقيدتهم فخطب على المنبر وكان فيما قال: إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم يعني بها قوله تعالى: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم) فقرأناها ووعيناها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده وأخشى أن يطول الناس زمان فيقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله تعالى فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله عز وجل في كتابه. ألا وإنّ الرجم حق على من زنى إذا أحصن من الرجال أو النساء وقامت البينة أو كان حمل أو اعتراف، والله لولا أن يقول الناس زاد في كتاب الله لكتبتها. الحكم الثالث: هل يجمع بين الرجم والجلد؟ ذهب أهل الظاهر إلى وجوب (الجلد والرجم) في حق الزاني المحصن وهي إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله. وذهب الجمهور إلى أن حده (الرجم) فقط وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار والرواية الأخرى عن أحمد. أدلة الظاهرية: استدل أهل الظاهر على الجمع بين الجلد والرجم بما يلي: أ - العموم الوارد في الآية الكريمة {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي} فإنّ (أل) للجنس والعموم، فيشمل جميع الزناة وجاءت السنة بزيادة حكم في حق المحصن وهو (الرجم) فيزاد على الجلد. ب - حديث عبادة بن الصامت (الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة) وقد تقدم. ج - ما روي عن (علي) كرم الله وجهه حين جلد (شراحة) ثم رجمها من قوله: جلدتها بكتاب الله تعالى ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أدلة الجمهور: واستدل الجمهور على عدم الجمع بين الجلد والرجم ببضعة أدلة نلخصها فيما يلي: أولاً: ما روي في "الصحيحين": أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله: أنشدك بالله إلا قضيت لي بكتاب الله تعالى، فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه - نعم فاقض بيننا بكتاب الله تعالى وائذن لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل: فقال: إنّ ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بمائة شاة، ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أنّ على ابني (جلد مائة وتغريب عام) وأن على امرأة هذا الرجم.. فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده لأقضينَّ بينكما بكتاب الله، الوليدةُ والغنمُ ردٌّ عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أُنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها ". تفسير : فغدا عليها فاعترفت فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فرجمت. قالوا فأمره برجمها ولم يقل له اجلدها ثم ارجمها. ثانياً: واستدلوا بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فقد تكرر الرجم في زمانه، فرجم (ماعزاً) و(الغامدية) ورجم أصحابه معه ولم يَروِ أحدٌ أنه جمع بينه وبين الجلد، فقطعنا بأنّ حد المحصن لم يكن إلا (الرجم) لا غير. ثالثاً: واستدلوا بالمعقول أيضاً فقالوا: إن الغرض من الجلد الزجرُ والتأديبُ، فإذا حكمنا عليه بالرجم فلا يبقى ثمة داع إلى الجلد، لأن الجلد يَعرى عن المقصود الذي شرع الحد له وهو الانزجار، لأن هذا الشخص سيرجم حتى الموت فلا ينفع الجلد مع وجود الرجم. ومثله إذا وجب الغسل على إنسان يدخل معه الوضوء. وأجابوا عن أدلة الظاهرية بأن حديث (عبادة بن الصامت) منسوخ بقول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله حيث رجم ولم يجلد، فوجب أن يكون الخبر السابق منسوخاً... وأما استدلالهم بالعموم في الآية الكريمة فغير مسلّم لأن الآية كما يقول الجمهور خاصة بـ (البكرين) وليست عامة بدليل خروج العبيد والإماء منها حيث أن حد العبد خمسون جلدة لا مائة جلدة وهذا يدفع العموم. وأجابوا عن فعل علي كرم الله وجهه بشراحة حيث جلدها ثم رجمها بأن هذا رأيٌ له لا يقاوم الثابت الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله، وكذلك لا يقاوم إجماع غيره من الصحابة، ويمكن حمله على أنه لم يثبت عنده الإحصان إلا بعد الجلد فأخبِرَ أولاً بأنها بكر فجلدها، ثم أُخبِرَ بأنها محصنة أي (متزوجة) فرجمها ويشبه هذا ما رواه جابر رضي الله عنه أن رجلاً زنى بامرأة، فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فجلد الحَدّ ثم أُخبر أنه محصن فأمر به فرجم. الترجيح: وبهذا يتبين لنا قوة أدلة الجمهور وضعف أدلة الظاهرية والله أعلم. الحكم الرابع: هل يُنْفى الزاني ويغرّبُ من بلده؟ يرى الإمام (أبو حنيفة) أن حدّ الزاني البكر هو الجلد مائة جلدة وأن النفي ليس من الحد في شيء وأنه مفوض إلى رأي الإمام إن شاء غرّب وإن شاء ترك. ويرى الجمهور (مالك والشافعي وأحمد) أن حده الجلد مائة جلدة وتغريب عام. أدلة الأحناف: أولاً: استدل أبو حنيفة بظاهر الآية الكريمة، فإنها اقتصرت في مقام البيان على مائة جلدة، فلو كان النفي مشروعاً لكان ذلك نسخاً للكتاب، وخبرُ الآحاد لا يقوى على نسخ الكتاب، ولو كان النفي حداً مع الجلد لبيَّنه عليه الصلاة والسلام للصحابة لئلا يعتقدوا عند سماع التلاوة أن الجلد هو جميع الحد، ولكان وروده في وزن ورود نقل الآية وشُهرتها، ولمّا لم يكن ذلك كذلك ثبت أنه ليس بحد، وأن حد الزنى ليس إلا (الجلدُ). ثانياً: استدل بحديث إذا زنتْ الأمةُ فتبيّن زناها فليجلدها الحدّ ولا يُثرِّبْ عليها، ثم إن زنت فلْيَبعها ولو بحبل من شعر فدل الحديث على أن الجلد هو تمام الحد، ولو كان النفي من الحد لذكره. ثالثاً: واستدل أيضاً بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: إذا زنى البكران فإنهما يجلدان ولا ينفيان لأن نفيهما فتنة لهما وقال: "وكفى بالنفي فتنة". رابعاً: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه غرّب (ربيعة بن أمية) في الخمر لخيبر فلحق بهرقل، فقال عمر لا أغرّبُ بعده أحداً ولم يستثن الزنى وخلاصة رأيه: أن النفي من (التعزير) وليس من (الحد) فهو مفوض إلى أمر الإمام إن رأى المصلحة نفى، وإلاّ ترك النفي. أدلة الجمهور: 1 - واستدل الجمهور بحديث عبادة بن الصامت المتقدم وفيه (البكرُ بالبكرِ جلدُ مائةٍ وتغريبُ عام، والثيَّبُ بالثِّيبِ جلدُ مائةٍ والرجمُ). 2 - قصة العسيف الذي زنى بامرأة الأعرابي وقد تقدم وفيه قوله: (إن على ابنك جلد مائة وتغريب عام) والحديث مروي في "الصحيحين". 3 - قالوا وقد تكرر ذكر النفي في قصة العسيف على أنه من الحد، ولا مانع من الزيادة على حكم الآية بخبر الآحاد، فقد أنزل الله الجلد (قرآناً) وبقي التغريب في البكر (سنة). هل التغريب يشمل المرأة؟ ثم إن القائلين بالنفي - وهم الجمهور - اختلفوا هل التغريب خاص بالرجل أم يشمل المرأة أيضاً، فذهب مالك والأوزاعي إلى أن النفي خاص بالرجل ولا تُنفى المرأة لقوله عليه السلام: (البكر بالبكر) الحديث. وقال الشافعي وأحمد: إن النفي عام للرجال والنساء فتغرب المرأة مع محرم وأجرته عليها ودليلهما عموم الأحاديث وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة. قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "إنّ الزاني لا يخلو: إما أن يكون بكراً وهو الذي لم يتزوج، أو محصناً وهو الذي قد وَطِيءَ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل، فأما إذا كان بكراً لم يتزوج فإن حده مائة جلدة كما في الآية، ويزاد على ذلك أن يُغرّب عاماً عن بلده عند جمهور العلماء، خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله، فإن عنده أن التغريب إلى رأي الإمام إن شاء غرَّب، وإن شاء لم يغرِّب. وحجة الجمهور في ذلك ما ثبت في "الصحيحين". وذكر قصة العسيف التي مرّ ذكرها". يقول الشيخ السايس في كتابه "تفسير آيات الأحكام": "ويمكن الجمع بين هذه الأخبار بإبقاء الآية على حكمها، وأن الجلد هو تمام الحد، وجعل النفي على وجه التعزير، ويكون النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى في ذلك الوقت نفي البكر لأنهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية، فرأى ردعهم بالنفي بعد الجلد كما أمر بشق روايا الخمر، وكسر الأواني، لأنه أبلغ في الزجر وأحرى بقطع العادة". الحكم الخامس: ما هو حد الذمي المحصن؟ اختلف العلماء في حد الذمي المحصن فذهب الحنفية إلى أن حدَّه (الجلد) وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن حده الرجم. دليل الأحناف: 1 - حديث ابن عمر (من أشرك بالله فليس بمحصن) قالوا: والمراد به إحصان الرجم، وأما رجم الرسول صلى الله عليه وسلم لليهودِيّيْنِ فإنما كان بحكم التوراة. 2 - قالوا: إن النعمة في حق المسلم أعظم فكانت جنايته أغلظ ولهذا تُشدّد العقوبة واستدلوا على ذلك بقوله تعالى في حق أمهات المؤمنين {أية : يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}تفسير : [الأحزاب: 30]. 3 - واستدلوا أيضاً بأن إحصان القذف يعتبر فيه (الإسلام) بالإجماع، فكذلك إحصان الرجم، والجامعُ هو كمال النعمة. دليل الشافعية: 1 - استدلوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا قبلوا الجزية فلهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين ". تفسير : 2 - واستدلوا بما ثبت في "الصحيحين" عن ابن عمر رضي الله عنهما: "حديث : أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم برجل وامرأة منهم قد زنيا، فقال: ما تجدون في كتابكم؟ قالوا: نسخِّم وجوههما ويخزيان، قال: كذبتم إنَّ فيها الرجم فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين، فجاءوا بقارئ لهم، فقرأ حتى إذا انتهى إلى موضع منها وضع يده عليه، فقيل له ارفع يدك، فرفع يده فإذا هي تلوح، فقالوا يا محمد: إن فيها الرجم ولكنا كنا نتكاتمه بيننا، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما... قال: فلقد رأيته يُحنى على المرأة يقيها الحجارة بنفسه"تفسير : . رواه البخاري ومسلم. وعن البراء بن عازب رضي الله عنه: "حديث : مُرّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محمّم مجلود، فدعاهم فقال: أهكذا تجدون حد الزنى في كتابكم؟ قالوا: نعم، فدعا رجلاً من علمائهم فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال: لا.. ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك بحد الرجم، ولكن كثر في أشرافنا وكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا: تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أول من أحيا أمرك إذْ أماتوه"" تفسير : فأمر به فرجم، فأنزل الله عز وجل {أية : يٰأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْكُفْرِ} تفسير : إلى قوله {أية : إِنْ أُوتِيتُمْ هَـٰذَا فَخُذُوهُ} تفسير : [المائدة: 41] يقولون: ائتوا محمداً، فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا..." فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهوديين فإن كان ذلك حكماً بشرعِهِ فالأمرُ ظاهر، وإن كان حكماً بشرع من قبله فقد صار شرعاً له. 3 - وقالوا: إنّ زنى الكافر مثل زنى المسلم في الحاجة إلى الزَّاجر فلذا يرجم. 4 - وتأولوا حديث (من أشرك بالله فليس بمحصن) بأن المراد به ليس على قاذف المشرك عقوبة كما تجب على قاذف المسلم العفيف. 5 - وأجابوا على القياس على حد القذف، بأن حد القذف ثبت لرفع العار كرامةً للمقذوف، والكافرُ لا يكون محلاً للكرامة... الترجيح: ولعلَّ ما ذهب إليه الشافعية أرجح لقوة أدلتهم حيث أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم الزانيين من اليهود فكان ذلك حجَّةً واضحة. الحكم السادس: من الذي يتولى إقامة الحدود؟ الظاهر من قوله تعالى: {فَٱجْلِدُواْ} أنه خطاب موجه (لأولي الأمر) من الحكام لأن فيه مصلحة للمجتمع وذلك بدرء الفساد، واستصلاح العباد وكلُّ ما كان من قبيل المصلحة العامة، فإنما يكون تنفيذه على الإمام أو من ينيبه من القضاة أو الولاة أو غيرهم. وقد اتفق العلماء على أن الذي يقيم الحدود على الأحرار إنما هو الإمام أو نائبه أما الأرقاء (العبيد) فقد اختلفوا فيهم على مذهبين: أ - مذهب (مالك والشافعي وأحمد) قالوا: يجوز للسيد أن يقيم الحد على عبده وأمته في الزنى والخمر والقذف وأما السرقة فإنه من حقّ الإمام. ب - مذهب (الأحناف): قالوا: إقامة الحدود كلها من حق الإمام، ولا يملك السيد أن يقيم حدّاً ما إلا بإذن الإمام. حجة الجمهور: احتج الجمهور بنصوص من السنة النبوية وبآثار عن الصحابة نلخصها فيما يلي: 1 - حديث أبي هريرة (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحدّ ولا يُثَرّبْ ثمَّ إن زنت فليبعها ولو بحبل من شعر). قالوا: فقد أذن الرسول صلى الله عليه وسلم للسيد بإقامة الحد على العبد، ومعنى لا يثرّب: أي لا يجاوز الحدّ في الجلد ولا يبالغ فيه. 2 - حديث علي كرم الله وجهه (أقيموا الحدودَ على ما ملكتْ أيمانُكم مَنْ أُحْصِن أوْ لم يحْصن). 3 - ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه أقام حداً على بعض إمائه فجعل يضرب رجليها وساقيها، فقال له ولده (سالم) فأين قول الله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ}؟ فقال يا بنيّ: أتراني أشفقت عليها إن الله تعالى لم يأمرني أن أقتلها. قالوا: ولم يكن ابن عمر والياً ولا نائباً عن الوالي فدل على جواز إقامة الحد من جهة السيِّد. حجة الأحناف: 1 - واحتج الأحناف بظاهر الآية الكريمة {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجْلِدُواْ} وقالوا: إن الآية عامة في كل زان وزانية وهو خطاب مع الأئمة دون سائر الناس، والآية لم تفرق بين الأحرار والعبيد، فوجب أن تكون إقامة الحد على الأحرار وعلى العبيد للأئمة دون الناس. 2 - وتأولوا الأحاديث التي استدل بها الجمهور بأن المراد بها أن يرفع الموالي أمر عبيدهم إلى الحكام ليجلدوهم ويقيموا عليهم الحد، ولا يسكتوا عنهم فيكون المراد من الحديث الشريف (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) أي بلغوا أمرهم للحكام ولا تخفوا عنهم ذلك ليقيموا عليهم حدود الله. 3 - وقالوا: إن جلد ابن عمر بعض إمائه - إن صح - كان رأياً له لا يعارض العموم في الآية. الترجيح: ولعل ما ذهب إليه الجمهور هو الأرجح سيما بعد أن وضَّحته السنة النبوية وتعزّز بفعل بعض الصحابة الأخيار، والله أعلم. الحكم السابع: ما هي صفة الجلد وكيفيته؟ استدل العلماء من قوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ} على أنه لا يجوز تخفيف العقوبة على الزاني بإسقاطها وإنقاص العدد، أو تخفيف الضرب، فإن العقوبة ما شرعت إلا للزجر والتأديب. قال القرطبي: والضرب الذي يجب تنفيذه، هو أن يكون مؤلماً لا يجرح، ولا يبضع، ولا يخرج الضارب يده من تحت إبطه، وقد أتى عمر رضي الله عنه برجل في حد فقال: للضارب اضرب ولا يرى إبطك وأعط كل عضو حقه، وأتي بشارب فقال: لأبعثنك إلى رجلا لا تأخذه فيك هوادة، فبعثه إلى (مطيع بن الأسود) فقال: إذا أصبحت الغد فاضربه الحد، فجاء عمر رضي الله عنه وهو يضربه ضرباً شديداً فقال: قتلتَ الرجل كم ضربته؟ فقال: ستين فقال: اقصَّ عنه بعشرين. يريد بذلك أن يجعل شدة الضرب الذي ضربه قصاصاً بالعشرين التي بقيت ولا يضربه العشرين. فينبغي أن يكون الضرب معتدلاً، لأن الغرض (الإيلام) لا سلخ الجلود وإزهاق الأرواح، وهذا كما مر في حديث ابن عمر حين جلد جاريته، واعترض عليه ولده فقال أين قول الله: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ} فقال يا بني (ورأيتني أخذتني بها رأفة) إن الله تعالى لم يأمرني أن اقتلها ولا أن أجعل جَلْدها في رأسها وقد أوجعت حيث ضربت. هل الضرب في الحدود على السواء؟ وقد اختلف الفقهاء في الحدود أيها أشد؟ فقال الأحناف: ضربُ الزِّنى أشد من ضرب الخمر، وضربُ الشُرْب أشدُ من ضرب القذف، وأشدُّ الضربِ إنما هو في التعزير. وقال المالكية والشافعية: الضرب في الحدود كلها سواء. ضربٌ غيرُ مبرّح، ضربٌ بين ضربين. وقال الثوري: ضربُ الزنى أشدُّ من ضرب القذف، وضرب القذف أشد من ضرب الخمر. احتج (أبو حنيفة) بفعل عمر، حيث ضرب في التعزير ضرباً أشد منه في الزنى. واحتج (مالك والشافعي) بأن الحدود موقوفة على الشارع وليس فيها مجال للاجتهاد، ولم يرد عن المعصوم صلى الله عليه وسلم شيء في التخفيف أو التثقيل فتكون الحدود سواء. واحتج (الثوري) بأن الزنى لمّا كان أكثر في العدد، فلا بد أن يكون الجُرم فيه أعظم، والعقوبة أبلغ، بخلاف القذف والخمر. ومذهب الثوري على ما عرفت قريب من مذهب الأحناف. وقد انتصر (الجصاص) رحمه الله للمذهب الأول فقال ما نصه: قد دلَّ قوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ} على شدة ضرب الزاني، وأنه أشد من ضرب الشارب والقاذف لدلالة الآية على شدة الضرب فيه ولأن ضرب الشارب كان من النبي صلى الله عليه وسلم بالجريد والنعال، وضربُ الزاني إنما يكون بالسوط وهذا يوجب أن يكون ضرب الزاني أشد من ضرب الشارب. وإنما جعلوا ضرب (القاذف) أخف الضرب لأن القاذف جائزٌ أن يكون صادقاً في قذفه وأنّ له شهوداً على ذلك، والشهودُ مندوبون إلى الستر على الزاني وإنما وجب عليه الحد لقعود الشهود عن الشهادة وذلك يوجب تخفيف الضرب. ومن جهة أخرى: فإنَّ القاذف قد غلظت عليه العقوبة في إبطال شهادته فغير جائز التغليظ عليه من جهة شدة الضرب. وينبغي أن نعلم أن الحدود موقوفة على تقدير الشارع، فلا تجوز الزيادة فيها ولا النقصان إلا إذا كان على وجه التعزير، فللحاكم أن يشدِّد في العقوبة. قال العلامة القرطبي: نصَّ الله تعالى على عدد الجلد في الزنى والقذف، وثبت التوقيف في الخمر على (ثمانين) جلدة من فعل عمر رضي الله عنه في جمعٍ من الصحابة فلا يجوز أن يتعدى الحد في ذلك كله، قال ابن العربي: وهذا ما لم يتتابع الناس في الشرّ، ولا احلَوْلَت لهم المعاصي حتى يتخذوها ضَراوة ويعطف الناس عليهم بالهَوادة فلا يتناهوا عن منكرٍ فعلوه فحينئذ تتعين الشدة ويزيد الحد لأجل زيادة الذنب، وقد أتي عمر بسكران في رمضان، فضربه مائةً، (ثمانين) حد الخمر، و(عشرين) لهتك حرمة الشهر، فهكذا يجب أن تتركب العقوبات على تغليظ الجنايات وهتك الحرمات، وقد لعب رجلٌ بصبيٍّ، فضربه الوالي ثلاثمائة سوط فلم يغيّر ذلك (مالك) رحمه الله حين بلغه، فكيف لو رأى زماننا هذا بهتك الحرمات، والاستهتار بالمعاصي، والتظاهر بالمناكر، وبيع الحدود واستيفاء العبيد لها في منصب القضاة لمات كمداً ولم يجالس أحداً وحسبنا الله ونعم الوكيل. الحكم الثامن: ما هي الأعضاء التي تضرب في الحد؟ اتفق العلماء على أن الضرب في الحدود ينبغي أن يتقي به (الوجه، والعورة، والمقاتل) حتى حكى ابن عطية الإجماع على ذلك ولكن اختلفوا فيما عداها من الأعضاء. قال ابن الجوزي في "زاد المسير": (فأمَّا ما يضرب من الأعضاء فنقل عن الإمام أحمد في حد الزاني أنه قال يجرّد من الثياب ويعطي كل عضو حقه، ولا يضرب وجهه ورأسه وروي عنه أيضاً: لا يضرب الرأس ولا الوجه ولا المذاكير وهو قول أبي حنيفة وقال مالك: لا يضرب إلا في الظهر. وقال الشافعي: يتقي الفرج والوجه). قال القرطبي: واختلفوا في ضرب الرأس، فقال الجمهور: يتقي الرأس وقال (أبو يوسف) يضرب الرأس وضرب عمر رضي الله عنه (صبيغاً) في رأسه وكان تعزيراً لا حداً. أما الوجه والعورة فمتفق على حرمة الضرب فيهما لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه ". تفسير : وروي عن علي رضي الله عنه أنه أتي برجل سكران أو في حد، فقال: اضرب وأعط كل عضو حقه واتق الوجه والمذاكير... وإنما يتقي الفرج لأنه مقتل - وجاء في بعض الروايات - أنه قال: (إجْتَنِبْ رأسه ومذاكيره وأعطِ كل عضو حقه). وقد استدل الجمهور على حرمة ضرب الرأس بما روي عن علي في الحديث السابق، وفيه النص على اجتناب الرأس، وقالوا: إن الرأس كالوجه يمنع من ضربه وربما أثر الضربُ فيه على السمع والبصر وربما حدث بسبب الضرب خلل في العقل، واستدل الشافعي وأبو يوسف على جواز ضرب الرأس بما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه أتي برجل انتفى من ابنه، فقال أبو بكر: اضرب الرأس فإن الشيطان في الرأس. وبما روي عن عمر رضي الله عنه أنه ضرب (صبيغ بن عسيل) على رأسه حين سأل عن (الذاريات ذروا) على وجه التعنت. وأما مالك رحمه الله فمذهبه أن الحدود كلها يجب أن تكون في الظهر وحجته في ذلك عمل السلف الصالح وقوله عليه السلام: لهلال بن أمية حين قذف امرأته (البينة أو حدّ في ظهرك). وينبغي أن يجرّد المجلود من الثياب ويضرب قائماً غير ممدود، إلا (حد القذف) فإنه يضرب وعليه ثيابه وينزع عنه الحشو والفرو، وأما المرأة فتترك عليها ثيابها وتضرب قاعدة ستراً عليها، والدليل ما روي في حديث رجم النبي صلى الله عليه وسلم لليهوديين، وفيه يقول الراوي (ورأيت الرجل يحني على المرأة يقيها الحجارة).. وهذا يدل على أن الرجل كان قائماً والمرأة قاعدة والله أعلم. الحكم التاسع: تحريم الشفاعة في الحدود. لا تجوز الشفاعة في الحدود لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حالت شفاعته دون حد من حدود الله تعالى فقد ضادّ الله عز وجل"تفسير : . ولأن الحدود إنما شرعت للزجر والتأنيب، والشفاعةُ تدفع هذا المعنى ولا تحققه وقد دلت الآية الكريمة على تحريم الشفاعة وهي قوله تعالى: {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ} وقد تأولها السلف على أحد وجهين: 1 - المراد منها تخفيف الحد، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن البصري. 2 - المراد إسقاطُ الحد، وهو قول مجاهد والشعبي. قال ابن العربي: وهو عندي محمول عليهما جميعاً، فلا يجوز أن يحمل أحداً رأفة على زان بأن يُسْقط الحد أو يخفَّفه عنه. ولما كانت الشفاعة تحول دون تنفيذ الحد كانت محرمة. ومما يدل على تحريم الشفاعة في (الحدود) ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن قريشاً أهمَّهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت، فقالوا: مَنْ يكلِّم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد حبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكلمه أسامة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتشفع في حد من حدود الله تعالى ثم قام فاختطب ثم قال: "حديث : إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ". تفسير : وكما تحرم الشفاعة في الحدود يحرم على الإمام قبولها فقد روي أن (الزبير بن العوام) لقي رجلاً قد أخذ سارقاً يريد أن يذهب به إلى السلطان فشفع له الزبير ليرسله فقال: لا، حتى أبلغ به إلى السلطان فقال الزبير: إنما الشفاعة قبل أن تبلغ إلى السلطان فإذا بلغ السلطان لُعِنَ الشافعُ والمشفَّع) رواه البخاري. الحكم العاشر: حضور الحد وشهوده. ظاهر الأمر في قوله تعالى: {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} يقتضي وجوب حضور جمع من المؤمنين عند إقامة الحد والمقصود من حضورهم (حدَّ الزانيين) التنكيلُ، والعبرةُ، والعظة. وقد أختلف العلماء في هذه الطائفة على أقوال: أ - الطائفة: رجل واحد فما فوقه وهو قول مجاهد. ب - الطائفة: اثنان فأكثر وهو قول عكرمة وعطاء وبه أخذ المالكية. ج - الطائفة: ثلاثة فأكثر لأنه أقل الجمع وهو قول الزهري. د - الطائفة: أربعة فأكثر بعدد شهود الزنى وهو قول ابن عباس رضي الله عنه وبه أخذ الشافعية وهو الصحيح. قال الزمخشري في "الكشاف" بعد سرده الأقوال: (والصحيح أن هذه الكبيرة من أمهات الكبائر ولهذا قرنها الله بالشرك وقتل النفس في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ}تفسير : [الفرقان: 68] وفي قوله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 32] ولذلك وفّى الله في عقد المائة بكماله، وشرع فيه القَتْلَة الهُوْلة وهي الرجم ونهى المؤمنين عن الرأفة بالمجلود وأمر بشهادة الطائفة للتشهير فوجب أن يكون طائفة يحصل بها التشهير، والواحد والاثنان ليسوا بتلك المثابة، واختصاصه المؤمنين لأن ذلك أفضح والفاسق بين صلحاء قومه أخجل ويشهد له قول ابن عباس رضي الله عنهما: أربعة إلى أربعين رجلاً من المصدِّقين بالله). الحكم الحادي عشر: ما هو حكم اللواط، والسحاق، وإتيان البهائم؟! جريمة اللواط من أشنع الجرائم وأقبحها، وهي تدل على انحراف في الفطرة، وفساد في العقل، وشذوذ في النفس ومعنى (اللواط) أن ينكح الرجلُ الرجلَ، ويأتيَ الذكرُ الذكرَ، كما قال تعالى عن قوم لوط {أية : أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} تفسير : [الشعراء: 165-166] - وسميت باللواط نسبة إلى قوم (لوط) الذين ظهرت فيهم هذه الفعلة الشنيعة، وقد عاقبهم الله تعالى عليها بأقسى عقوبة، فخسف الأرض بهم، وأمطر عليهم حجار من سجيل جزاء فَعْلتهم القذرة... وجعل ذلك قرآناً يتلى، ليبقي عبرةً للأمم والأجيال {أية : فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ * مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} تفسير : [هود: 82-83]. قال الشوكاني رحمه الله: (وما أحق مرتكب هذه الجريمة، ومقارف هذه الرذيلة الذميمة، بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين ويعذب تعذيباً يكسِرُ شهوة الفسقة المتمردين، فحقيق بمن أتى بفاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين أن يَصْلى من العقوبة بما يكون في الشدة والشناعة مشبهاً لعقوبتهم وقد خسف الله تعالى بهم واستأصل بذلك العذاب بِكْرَهُم وثيبّهم). رأي الفقهاء في حكم اللواط: وهذه الجريمة النكراء غاية في القبح والشناعة، تعافها حتى الحيوانات فلا نكاد نجد حيواناً من الذكور ينزو على ذكر، وإنما يظهر هذا الشذوذ بين البشر، ومن أجل ذلك نستطيع أن نقول إنَّ هذا النوع من الشذوذ (لوثة أخلاقية)، ومرض نفسي خطير وهو انحراف بالفطرة تستوجب أخذ مقترفها بالشدة، وقد اختلف الفقهاء في تقدير العقوبة اللازمة لها على ثلاثة مذاهب: أولاً: مذهب القائلين بالقتل مطلقاً. ثانياً: مذهب القائلين بأن حده كحد الزنى. ثالثاً: مذهب القائلين بالتعزير. المذهب الأول: أما المذهب الأول فهو مذهب (مالك وأحمد) وقول (للشافعي) وقد ذهبوا إلى أنّ حدّه القتل، سواء كان بكراً أم ثيباً، فاعلاً أو مفعولاً به، وهذا القول مروي عن أبي بكر وعمر وابن عباس رضوان الله عليهم أجمعين وإليه ذهبت طائفة من العلماء، ونقل بعض الحنابلة إجماع الصحابة على أن الحد في اللواط القتل. واستدلوا بما يأتي: أ - حديث (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به). ب - ما روي عن علي كرم الله وجهه أنه رجم من عمل هذا العمل - أي ارتكب اللواطة - قال الشافعي: وبهذا نأخذ برجم من يعمل هذا العمل محصناً كان أو غير محصن. ج - واستدلوا أيضاً بما روي عن أبي بكر أنه جمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم عن رجل يُنْكح كما تنكح النساء فكان أشدهم يومئذ قولاً (علي بن أبي طالب) قال: (هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم، إلا أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن تحرقه بالنار) فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد يأمره أن يحرقه بالنار. كيفية القتل: ثم إن هؤلاء القائلين بالقتل قد اختلفوا في كيفية القتل على أقوال: أحدها: تحزّ رقبته كالمرتد، وهو مروي عن (أبي بكر وعلي). ثانيها: يرجم بالحجارة، وهو مروي عن ابن عباس وبه قال (مالك وأحمد). ثالثها: يلقى من أعلى شاهق، وهو مشهور مذهب مالك. رابعها: يهدم عليه جدار، وهو مروي عن أبي بكر الصديق. وإنما ذكروا هذه الوجوه لأن الله تعالى عذَّب قوم لوط بكل ذلك فقال تعالى: {أية : جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ} تفسير : [هود: 82] وذلك العقاب إنما استحقوه بسبب عظم الجريمة. المذهب الثاني: وذهب (الشافعية) إلى أن اللواط حده كحد الزنى، يجلد البكر، ويرجم المحصن، وهذا المذهب مروي عن بعض التابعين كعطاء، وقتادة والنخعي وسعيد بن المسيب وغيرهم. وقد استدلوا على مذهبهم بالنص، والمعقول، والقياس. أ - أما النص فما روي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا أتى الرجلُ الرجلَ فهما زانيان ". تفسير : فقد دل الحديث على أن حكمه كحكم الزنى. ب - وأما المعقول فقد قالوا: إن الزنى عبارة عن إيلاج فرج في فرج، مشتهى طبعاً محرم شرعاً. والدبر أيضاً فرج لأن القبل إنما سمي فرجاً لما فيه من الانفراج وهذا المعنى حاصل في الدّبر فيكون مثله في الحكم. ج - وأما القياس فقد قالوا: إن الأدلة الواردة في (الزانيْين) وإن لم تشملهما أيضاً لكنهما لاحقان بالزنى بطريق القياس، فقضاءُ الشهوة كما يكون في القبل يكون في الدبر بجامع الاشتهاء فيهما، وهو قبيح فيناسبه الزجر والحد يصلح زاجراً له. المذهب الثالث: وذهب الأئمة الأحناف إلى أن (اللواط) جريمة عظيمة وشنيعة ولكنه ليس كالزنى، فلا يكون حدُّه حدّ الزنى، وإنما فيه التعزير، واستدلوا بما يأتي: أ - قالوا: الزنى غير اللواط من حيث اللغة فإن الزنى اسم لوطء الرجل المرأة في القبل، واللواطُ: اسم لوطء الرجل الرجل، ألا ترى أن القرآن فرَّق بينهما حيث قال عن قوم لوط {أية : أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}تفسير : [النمل: 55] وقال تعالى: {أية : أَتَأْتُونَ ٱلذُّكْرَانَ مِنَ ٱلْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} تفسير : [الشعراء: 165-166] فنسبهم إلى الجهل والعدوان ولم ينسبهم إلى الزنى. ب - قالوا والعرف أيضاً يعارض هذا وينقضه فالذي يأتي الفاحشة بالنساء يسمى (زانياً) والذي يأتي الفاحشة بالذكور يسمى (لوطياً) وقد تعارف الناس هذا منذ القديم، ألا ترى لو حلف لا يزني فلاط وبالعكس لم يحنث. ج - وقالوا أيضاً - كيف يكون (اللواط) زنى وقد اختلف الصحابة في حكمه وهم أعلم باللغة وموارد اللسان ولو كان زنى لأغناهم نص الكتاب عن الاختلاف والاجتهاد. د - وقالوا أيضاً: إن قياسه على الزنى ليس بسديد، لأن الزنى يدعو إليه الطبع وتشتهيه النفس، بخلاف اللواط فإنه تأباه الطباع حتى الحيوانات تعافه فكيف يكون مشتهى مع أنه تقذره النفوس ولا تميل إليه الطباع السليمة. ولو سلمنا أن الطبع يدعو إلى اللواط، فإن الزنى أعظم ضرراً وأسوء خطراً لما يترتب عليه من (فساد الأنساب) فكان الاحتياج فيه إلى الزاجر أشد وأقوى. هـ - واستدلوا بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله "حديث : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير نفس"تفسير : وقالوا: لقد حظر صلى الله عليه وسلم قتل المسلم إلا بإحدى هذه الثلاث وفاعل ذلك خارج عنها لأنه لا يسمى زنى ثم لو كان بمنزلة الزنى لفرّق عليه الصلاة والسلام في حكمه بين المحصن، وغير المحصن: عندما قال: (فاقتلوا الفاعل والمفعول به) فلما لم يفرّق دلّ على أنه لم يوجبه على وجه (الحد) وإنما أوجبه على وجه (التعزير) وللحاكم في باب التعزير سعة في الأمر. هذه هي خلاصة أدلة الأحناف وأدلة الآخرين. وقد رجَّح العلامة الشوكاني المذهب الأول القاضي بالقتل وضعّف ما سواه من مذهب الشافعية والأحناف ولعله في صواب فيما رجح، فإن عظم هذه الجريمة (جريمة اللواط) تستدعي عقاباً شديداً صارماً يستأصل الجريمة من جذورها، ويكسر شهوة الفسقة المتمردين ويقضي على الفساد والمفسدين، وليس هناك من طريق أجدى ولا أنفع من تنفيذ الإعدام حرقاً أو هدماً أو رجماً أو إلقاء من شاهق جبل ليكون عبرة للمعتبرين وفي ذلك تطبيق لهدي النبوة: "حديث : من رأيتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ". تفسير : حكم السحاق وإتيان البهائم: وأما السحاق (وهو ما يكون بين المرأة والمرأة) فقد اتفق الفقهاء على أنه ليس فيه إلا (التعزير) وأما إتيان البهائم فالجمهور على أنَّ حده التعزير إلاّ ما ورد في بعض الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله أن عقوبته كاللواط يقتل الفاعل وتقتل الدابة. ولا شك في أن من يأتي مثل هذه القبيحة النكراء يكون أخس من الحيوان ولكن الرأي الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور والله تعالى أعلم. الحكم الثاني عشر: كيف تثبت جريمة الزنى؟ لما كان الزنى جريمة منكرة وكانت عقوبته عقوبة صارمة وهي (الجلد أو الرجم) لذلك فقد شرطت الشريعة الإسلامية شروطاً شديدة من أجل إقامة الحد، فلم تقبل شهادة النساء أبداً، وفرضت أن يكون الشهود من الرجال العدول الذين هم أهل لأداء الشهادة، وأن يكونوا قد رأوا بأم عينهم هذه الفاحشة (كالميل في المكحلة) وهذا بلا شك لا يمكن أن يتحقق بسهولة ولا يتصور إلا إذا كان - والعياذ بالله - يرتكبها الفرد على قارعة الطريق كما يفعل الحيوان. شروط الشهادة في الزنى: وكان غرض الشارع من هذا التشديد أن يسد السبيل على الذين يتهمون الأبرياء ظلماً أو لأدنى حزازة بعار الدهر وفضيحة الأبد، فاشترط في الشهادة على الزنى الشروط الآتية: أولاً: أن يكون الشهود أربعة لقوله تعالى: {أية : فَٱسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} تفسير : [النساء: 15] الآية بخلاف سائر الحقوق فإنه يقبل فيها شهادة اثنين فقط. ثانياً: أن يكون الشهود ذكوراً، فلا تقبل شهادة النساء في هذا الباب لقوله تعالى: {أية : أَرْبَعةً مِّنْكُمْ} تفسير : [النساء: 15] أي من الرجال وقوله تعالى: {أية : ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} تفسير : [النور: 4] الآية. والمراد بالشهداء الرجال بدليل تأنيث العدد. ثالثاً: أن يكون الشهود من أهل العدالة لقوله تعالى: {أية : وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} تفسير : [الطلاق: 2] الآية وقوله {أية : إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ}تفسير : [الحجرات: 6] الآية. رابعاً: أن يكون الشهود (مسلمين عاقلين بالغين) وهذه شروط التكليف. خامساً: أن يعاينوا الجريمة برؤية فرجه في فرجها كالميل في المكحلة، والرشاء في البئر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ادرءوا الحدود بالشبهات"تفسير : . فربما كانا في فراش واحد ولم تحصل منهما جريمة الزنى. سادساً: اتحاد المجلس بأن يشهدوا مجتمعين، فإن جاؤوا متفرقين لا تقبل شهادتهم وهو مذهب الجمهور. هذه هي الشروط التي تشترط لإثبات الزنى، وهي الطريقة الأولى. وهناك طريقة ثانية لإثبات الزنى وهي طريقة (الإقرار) بأن يشهد الشخص على نفسه ويعترف صريحاً بالزنى. والإقرار - كما يقولون - سيّدُ الأدلة {أية : بَلِ ٱلإِنسَانُ عَلَىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ} تفسير : [القيامة: 14] وقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم باعتراف ماعز والغامدية، وأقام عليهما الحد بمجرد الاعتراف ولم يكلفهما البينة، ولكن يطلب التثبت في أمر الإقرار. واعتبر بعض الفقهاء (الحبل) كقرينة على اقتراف فاحشة الزنى. ولم يحصل في عصره صلى الله عليه وسلم إقامة حد الزنى إلا عن طريق الإقرار وذلك في حادثتين اثنتين هما: حادثة ماعز، وحادثة الغامدية وإليك بيانهما. 1 - قصة ماعز الأسلمي: روي أن (ماعز بن مالك الأسلمي) كان غلاماً يتيماً في حجر (هزال بن نعيم) فزنى بجارية من الحي فأمره هزال أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويخبره بما صنع لعله يستغفر له، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه: يا رسول الله (إني زنيت فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: ويحك ارجع فاستغفر الله وتب إليه، فتنحّى لشق وجهه الذي أعرض قبله فقال (إني زنيت) فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم فتنحّى لشق وجهه الذي أعرض قبله فقال (طهرني يا رسول الله فقد زنيت) فقال له أبو بكر الصديق: لو أقررت الرابعة لرجمك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه أبى فقال يا رسول الله (زنيت فطهرني). فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لعلك قبّلتَ أو غمزتَ أو نظرتَ" تفسير : قال لا، فسأله رسول الله باللفظ الصريح الذي معناه (الجماع) فقال نعم، قال: حتى غاب ذلك منك في ذلك منها؟ قال: نعم، قال كما يغيب الميل في المكحلة والرشاة في البئر؟ قال: نعم فسأله النبي هل تدري ما الزنى؟ قال: نعم أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من أهله حلالاً، قال: فما تريد بهذا القول: قال إني أريد أن تطهرني فأمر صلى الله عليه وسلم به فرجم، فلما أحسّ مسّ الحجارة صرخ بالناس: يا قوم ردوني إلى رسول الله فإن قومي قتلوني وغرُّوني من نفسي وأخبروني أن رسول الله غير قاتلي، ولكن الناس ضربوه حتى مات فذكروا فراره لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه وسمع الرسول بعض الصحابة يتكلم عنه ويقول: لقد رجم رجم الكلاب فغضب وقال "حديث : لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم"تفسير : . وفي رواية أخرى: "حديث : والذي نفسي بيده أنه الآن لفي أنهار الجنة ينغمس فيها ". تفسير : 2 - قصة الغامدية: وروى مسلم في "صحيحه" أن امرأة تسمى (الغامدية) جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله (إني زنيت فطهرني) فردها صلى الله عليه وسلم فلما كان من الغد قالت: يا رسول الله لم تردني؟ لعلك تردني كما رددت ماعزاً؟ فوالله إني حبلى، فقال: أما الآن فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت هذا قد ولدته، قال: فاذهبي فارضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام فدفع الصبيّ إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها، فنضح الدم على وجه (خالد بن الوليد) فسبها، فسمعه صلى الله عليه وسلم فقال: "حديث : مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغُفِر له، ثم أمر بها فصلي عليها ودفنت ". تفسير : أقول: إن مثل هذه الحوادث قد وقعت في (عصر النبوة) أفضل العصور وحصلت مع بعض الأفاضل من أصحاب الرسول، وذلك لحكمة سامية حتى يكتمل التشريع ويتم الدين بتنفيذ الحدود من الرسول صلى الله عليه وسلم في عصره وزمانه وليظل تشريعاً عاماً خالداً مدى الأزمان وعبر الأجيال، فلو لم تحصل أمثال هذه الحوادث لأصبحت هذه (الحدود الشرعية) التي فرضها الله وأوجبها على عباده أخباراً تروى، وحكايات تذكر، ولما أمكن أن تنفذ في عصر من العصور بعد، وقد أراد الله عز وجل أن تبقى شريعة خاتم المرسلين شريعة كاملة خالدة مطبقة في جميع العصور، وقانوناً نافذاً على جميع الأمم، فحصل ما حصل من وقوع بعض الصحابة في بعض المخالفات - مع أنهم أكمل الناس - ليتم التشريع ويكمل الدين بتنفيذ الرسول الحدود عليهم. فانظر إلى هذه النفوس الكريمة التي لم تتحمل عِظَم هذا الذنب فجاءت تريد الطهارة منه (إني زنيت فطهرني) لأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فيا لها من نفوس كريمة ربَّاها الإسلام ودرّبها على الطهر والعفة والاستقامة؟ الحكم الثالث عشر: هل يصح الزواج بالزانية؟ اختلف علماء السَّلف في هذه المسألة على قولين: الأول: حرمة الزواج بالزانية، وهو منقول عن علي والبراء وعائشة وابن مسعود. الثاني: جواز الزواج بالزانية وهو منقول عن أبي بكر وعمر وابن عباس وهو مذهب الجمهور. وبه قال الفقهاء الأربعة من الأئمة المجتهدين. دليل القول الأول: وقد استدل القائلون بتحريم الزواج من الزانية بظاهر الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً...} الآية فقالوا: إن هذه الآية ظاهرها الخبر وحقيقتها النهي والتحريم بدليل آخر الآية {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} وقد قال (علي) كرَّم الله وجهه: إذا زنى الرجل فرّق بينه وبين امرأته، وكذلك إذا زنت المرأة فُرِّق بينها وبين بعلها. واستدلوا بما ورد أن (مرثد بن أبي مرثد) جاء يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الزواج من (عناق) وكانت من بغايا الجاهلية، فلم يرد عليه حتى نزلت الآية الكريمة فقال: (يا مرثد لا تنكحها) وقد تقدمت قصته في بيان سبب النزول. أدلة الجمهور: واستدل الجمهور على جواز النكاح بغير العفيفة من النساء بما يلي: أ - حديث عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل زنى بامرأة وأراد أن يتزوجها فقال "حديث : أولُه سفاح وآخره نكاح، والحرامُ لا يحرِّم الحلال ." تفسير : ب - ما روي عن ابن عمر أنه قال (بينما أبو بكر الصديق في المسجد إذ جاء رجل فلاث عليه لوثاً من كلام وهو دَهِشٌ فقال لعمر: قم فانظر في شأنه فإنّ له شأناً، فقام إليه عمر فقال: إنّ ضيفاً ضافه فزنى بابنته، فضرب عمر في صدره وقال (قبَّحك الله ألا سترت على ابنتك؟ فأمر بهما أبو بكر فضربا الحد، ثم زوَّج أحدهَما الآخر وغرّبهما حولا). ج - وروى عن ابن عباس أنه سئل عن ذلك فقال: أوله سفاح وآخره نكاح، ومَثَلُ ذلك كمثل رجل سرق من حائطٍ ثمره، ثم أتى صاحب البستان فاشترى منه ثمرهُ، فما سرق حرام، وما اشترى حلالا. د - وتأولوا الآية الكريمة {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} بأنها محمولةٌ على الأعم والأغلب ومعناها أن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنى والفسق لا يرغب في نكاح المؤمنة الصالحة من النساء إنما يرغب في فاسقة خبيثة مثله أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة لا يرغب في نكاحها الصالح المؤمن من الرجال وإنما يرغب فيها الذي هو من جنسها من الفسقة والمشركين فهذا على الأعم الأغلب. وقال بعضهم إن الآية منسوخة نسختها الآية في سورة النور {أية : وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} تفسير : [النور: 32] والزانية من الأيامى وسيأتي معنى (الأيامى) مفصلاً إن شاء الله فارجع إليه هناك والله يتولاك. ما يرشد إليه الآيات الكريمة أولاً - القرآن دستور الأمة الإسلامية وعلى المسلمين أن يتمسكوا بتعاليمه الرشيدة. ثانياً - التشريع لله وحده الذي شرع الأحكام لمصالح عبادة المؤمنين. ثالثاً - الأحكام الشرعية يجب تنفيذها بدقة، وتطبيقها على الوجه الأكمل. رابعاً - الحدودُ شرعت لحفظ الأعراض، وصيانة الأنساب، والحِفاظ على الكرامة الإنسانية. خامساً - يجب أن تنفَّذ الحدودُ بمشهد من الناس ليرتدع أهل الفسق والفجور. سادساً - استيفاء الحدود من واجب الحاكم المسلم لتطهير المجتمع من أدران الفاحشة. سابعاً - الرجل والمرأة في اقتراف الفاحشة سواء فيجب أن تسوّى بينهما العقوبة. ثامناً - الزنى جريمة دينية، وخلقية، واجتماعية، ولذلك حرَّمه الله تعالى. تاسعاً - لا يجوز تعطيل الحدود، ولا الشفاعة فيها لئلا تكثر الجرائم في المجتمع، ويختلَّ الأمن. عاشراً - لا يليق بالمؤمن العفيف أن يتزوج بالفاسقة أو الفاجرة، كما لا يليقُ بالعفيفة أن تتزَّوج بالفاسق أو الفاجر من الرجال. خاتمة البحث: حكمة التشريع يعتبر الزنى في نظر الإسلام جريمة من أشنع الجرائم، ومنكراً من أخبث المنكرات، ولذلك كانت عقوبته شديدة صارمة، لأن في هذه الجريمة هدراً للكرامة الإنسانية، وتصديعاً لبنيان المجتمع، وفيه أيضاً تعريض النسل للخطر، حيث يكثر (اللقطاء) وأولاد البغاء، ولا يكون هناك من يتعهدهم ويربيهم وينشِّئُهم النشأة الصالحة!! ومن أهداف الشريعة الإسلامية الغراء، وأغراضها الأساسية، حفظُ الضروريات الخمس وهي (العقل - والنسل - والنفس - والدين - والمال) وسميت بالضروريات: أو الكليات الخمس لأن جميع الأديان والشرائع قررت حفظها، وشرعت ما يكفل حمايتها لأنها ضرورية لحياة الإنسان. ولما كان (النسل) هو أحد هذه الضروريات لذلك شرع الإسلام من العقوبات الصارمة الزاجرة ما يقطع دابر هذه الجريمة ويحقق الأمن والاستقرار للمجتمع. ولعل بعض الذين تأثروا بالثقافة الغربية، يرون في هذه الحدود والعقوبات شيئاً من الشدة والقسوة لا تتفق مع روح العصر، وتعارض الحرية الشخصية وخاصة (حرية المرأة) التي أطلقها لها الغرب باسم التحرر والمساواة، وتحت شعار (الديمقراطية) التي قررها لها القانون. والواقع أن العقوبة التي شرعها الإسلام صارمة، ولكنها في الوقت نفسه عادلة فمن الذي يعاقب بهذا العقاب؟ أليس هو الشخص المستهتر الذي يسعى في طريق شهوته كالحيوان لا يبالي بأي طريق نال الشهوة ولا ما يترتب عليها من أخطار وأضرار؟ إن الذي يرتكب هذه الجريمة لمجرد الاستمتاع والشهوة ليس إنساناً بل هو حيوان، وذلك لأن الحيوان تسيطر عليه شهوته فهو يسير تبعاً لها، والإنسانُ يحكمه عقله ولهذا يسير مع منطق العقل، وليست هذه الغريزة التي أودعها الله في الإنسان لمجرد نيل الشهوة أو قضاء الوطر، بل هي من أجل غاية نبيلة سامية هي (بقاء النسل). والله - جل وعلا - بحكمته العلية، جعل هذا الارتباط بين الذكر والأنثى، ولكنه لم يسمح به بطريق الفوضى كما تفعل الحيوانات، حيث ينزو بعضها على بعض، وإنما سمح به في دائرة (الطهر والعفة) وبطريق الزواج الشرعي، الذي يحقِّق الهدف النبيل والغاية الإنسانية المُثْلى في بقاء النوع الإنساني كما قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً} تفسير : [النحل: 72]. والإسلام يعتبر الزنى لوثة أخلاقية وجريمة اجتماعية خطيرة، ينبغي أن تكافح بدون هوادة، ولكنه لا يفرض هذه العقوبة الصارمة (الجلد أو الرجم) لمجرد التهمة أو الظن بل على العكس يوجب التحقق والتثبت، ويدرأ الحد بالشبهات ويشرط شروطاً شديدة تكاد لا تتوفر هي شهادة (أربعة رجال) مؤمنين عدول يشهدون بوقوعها، ويشهدون على مثل ضوء الشمس، أو اعترافاً صريحاً لا شبهة فيه من الشخص الذي قارف الجريمة. والغربيون لا يعتبرون الزنى جريمة يعاقب عليها القانون إلا إذا كان بالإكراه أو كان اعتداء على حرية الغير، أما إذا كان بالرضى فليس فيه ما يدعو إلى العقوبة لأنه يخلو حينئذ عن فكرة (العدوان). فالزنى - في نظرهم - وإن كان عيباً إلا أنه ليس بجريمة على كل حال، فإذا زنى الرجل البكر بامرأة بكر فإن فعلهما ليس بفاحشة مستلزمة للعقوبة إلا إذا كان ذلك بالإكراه فإنه يعاقب للإكراه بعقوبة خفيفة، وأما إذا زنى بامرأة متزوجة فللزوج أن يطالبه بتعويضٍ (غرامة مالية) من الرجل الذي أفسد زوجته فنظرتهم إذن هي نظرة مادية، ومن أجل ذلك تهدَّم المجتمع وتخربت الأسر، وانتشرت تلك الأوباء والجرائم الخلقية فيهم. فأين هذا من تشريع العليم الحكيم الذي صان الأعراض، وحفظ الأنساب، وطهَّر المجتمع من لوثة تلك الجريمة الشنيعة؟

الأندلسي

تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا} الآية، هذه السورة مدنية بلا خلاف ولما ذكر تعالى في مشركي قريش ولهم أعمال من دون ذلك أي أعمال سيئة هم لها عاملون واستطرد بعد ذلك إلى أحوالهم واتخاذهم الولد والشريك وإلى مآلهم في النار كان من أعمالهم السيئة أنه كان لهم جوار بغايا يستحسنون عليهن ويأكلون من كسبهن من الزنا فأنزل الله تعالى هذه السورة تغليظاً في أمر الزنا وكان فيما ذكر ناس من المسلمين هموا بنكاحهن. {سُورَةٌ} مرفوع بالابتداء أو خبر مبتدأ محذوف تقديره فيما أنزلنا سورة أو هذه سورة وقرىء: سورة "انتهى" جعله بالنصب على الاشتغال أي أنزلنا سورة أنزلنا ما قال الزمخشري: أو على دونك سورة "انتهى" جعله منصوباً على الأعراء ولا يجوز حذف أداة الإِغراء * وكان الابتداء بقوله: سورة وإن كان نكرة لتقدير صفة محذوفة تسوغ الابتداء بالنكرة كأنه قيل سورة معظمة أنزلناها وقرىء: {وَفَرَضْنَاهَا} بالتخفيف والتشديد. {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ} أي: أمثالاً ومواعظ وأحكاماً ليس فيها مشكل يحتاج إلى تأويل. {ٱلزَّانِيَةُ} مبتدأ والخبر محذوف أي فيما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني وقوله: فاجلدوا بيان لذلك الحكم هذا مذهب سيبويه وقدمت الزانية على الزاني لأن داعيتها أقوى لقوة شهوتها ونقصان عقلها ولكون زناها أفحش وأكثر عاراً وللعلوق بولد الزنا وحال النساء الحجبة والصيانة وأل في الزانية والزاني للعموم في جميع الزناة والجلد إصابة الجلد بالضرب كما تقول رأسه وبطنه وظهره أي ضرب رأسه وبطنه وظهره والمأمور بالجلد أئمة المسلمين دنوا بهم. {كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا} الظاهر إندراج الكافر والعبد والمحصن في هذا العموم وهو لا يندرج فيه لا الصبي ولا المجنون والظاهر الاقتصار على الجلد أحصنا أو لم يحصنا وهو مذهب الخوارج واتفق فقهاء الأمصار على أن المحصن يرجم ولا يجلد وجلد علي رضي الله عنه شراحة الهمدانية ثم رجمها وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله. {تَأْخُذْكُمْ} بالتاء والياء رأفة بسكون الهمزة وفتحها. {رَأْفَةٌ} أي لين وهوادة في استيفاء حدود الله وقرىء: {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} تثبيت وحض وتهييج للغضب لله ولدينه وأمره تعالى بحضور جلدهما طائفة إغلاظاً على الزناة وتوبيخاً لهم بحضرة الناس وسمي الجلد عذاباً إذ فيه إيلام وافتضاح وهو عقوبة على ذلك الفعل والطائفة المأمور بشهودها ذلك أقل ما يتصور فيه ذلك ثلاثة وهي صفة غالبة لأنها الجماعة. {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً} الظاهر أنه خبر قصد به تشنيع الزنا وأمره ومعنى لا ينكح لا يطأ وزاد المشركة في التقسيم فالمعنى أن الزاني في وقت زناه لا يجامع إلا زانية من المسلمين أو أخس منها وهي المشركة والنكاح بمعنى الجماع. {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ} القذف الرمي بالزنا وغيره واستعير الرمي للشتم لأنه إذاية بالقول كما قال وجرح اللسان كجرح اليد. و{ٱلْمُحْصَنَاتِ} الظاهر أن المراد النساء العفائف وخص النساء بذلك وإن كان الرجال يشاركوهن في الحكم لأن القذف فيهن أشنع وأنكى للنفوس ومن حيث هنّ هوى للرجال ففيه إيذاء لهن ولأزواجهن وقراباتهن وقيل المعنى الفروج المحصنات كما قال: {أية : وَٱلَّتِيۤ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} تفسير : [الأنبياء: 91] ويكون اللفظ شاملاً للنساء والرجال * ولما كانت معصية الزنا كبيرة من أمهات الكبائر وكان متعاطيها كثيراً ما يتستر بها وقلما يطلع عليها أحد شدّد الله على القاذف حيث شرط فيها أربعة شهداء رحمة للعباد وستراً والمعنى ثم لم يأتوا الحكام والجمهور على إضافة أربعة إلى شهداء وقرأ أبو زرعة وعبد الله بن مسلم بأربعة بالتنوين وهي قراءة فصيحة لأنه إذا اجتمع اسم العدد والصفة كان الاتباع أجود من الإِضافة قال ابن عطية وسيبويه: يرى أن تنوين العدد وترك إضافته إنما يجوز في الشعر "انتهى". ليس كما ذكر إنما يرى ذلك سيبويه في العدد الذي بعده اسم نحو ثلاثة رجال وأما في الصفة فلا بل الصحيح التفضيل الذي ذكرنا وإذا نونت أربعة فشهداء بدل إذ هو وصف جرى مجرى الأسماء أو صفة لأنه صفة حقيقة ويضعف قول من قال انه حال أو تمييز. {فَٱجْلِدُوهُمْ} الأمر للإِمام ونوابه بالجلد والظاهر وجوب الجلد وان لم يطالب المقذوف وبه قال ابن أبي ليلى وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي لا يجلد إلا بمطالبته قال مالك: إلا أن يكون الإِمام سمعه يقذفه فيحده إذا كان مع الإِمام شهود عدول وان لم يطالب المقذوف والظاهر أن العبد القاذف الحر إذا لم يأت بأربعة شهداء جلد ثمانين لاندراجه في عموم والذين وبه قال عبد الله بن مسعود والأوزاعي وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والثوري وعثمان البتي والشافعي يجلد أربعين. {وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً} الظاهر أن لا تقبل شهادته أبداً وإن أكذب نفسه وتاب وهو نهي جاء بعد أمر وكما أن حكمه الجلد كذلك حكم رد شهادته. {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} الظاهر أنه كلام مستأنف غير راحل في خبر والذين يرمون كأنه اخبار بحال الرامين بعد انقضاء الموصول المتضمن معنى الشرط وما ترتب في خبره من الجلد وعدم قبول الشهادة أبداً. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} الآية هذا الاستثناء تعقب جملاً ثلاثة جملة الأمر بالجلد وهو لو تاب وأكذب نفسه لم يسقط عنه حد القذف وجملة النهي عن قبول شهادتهم أبداً وقد وقع الخلاف في قبول شهادتهم إذا تابوا بناء على أن هذا الاستثناء راجع إلى جملة النهي وجملة الحكم بالفسق أو هو راجع إلى الجملة الأخيرة وهي الثالثة وهي الحكم بفسقهم والذي يقتضيه النظر أن الاستثناء إذا تعقب جملاً يصلح أن يتخصص كل واحد منها بالاستثناء أي يجعل تخصيصاً في الجملة الأخيرة وهذه المسئلة تكلم عليها في أصول الفقه وفيها خلاف وتفصيل ولم أر من تكلم عليها من النحاة غير المهابادي وابن مالك واختار ابن مالك أن يعود إلى الجمل كلها كالشرط واختار المهابادي أن يعود إلى الجملة الأخيرة وهو الذي نختاره وقد استدللنا على صحة ذلك في شرح التسهيل * ولما ذكر تعالى قذف المحصنات وكان الظاهر أنه يتناول الأزواج وغيرهن وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عزم على حد هلال بن أمية حين رمى زوجته بشريك من سحماء فنزلت: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ} والمعنى بالزنا. {وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ} ولم يقيد بعدد اكتفاء بالتقييد في قذف غير الزوجات والمعنى: شهداء على صدق قولهم وأزواجهم يعم سائر الأزواج من المؤمنات والكافرات والاماء فكلهن يلاعن الزوج للانتفاء من الحمل وقرىء: أربع شهادات بالنصب على المصدر وارتفع فشهادة خبراً على إضمار مبتدأ أي صالحكم أو الواجب أو مبتدأ على إضمار الخبر متقدماً أي فعليه أن يشهد أو مؤخراً أي كافية أو واجبة وقرىء: {وَٱلْخَامِسَةُ} بالرفع فيهما وهو مبتدأ وقرىء: {أَنَّ لَعْنَتَ ٱللَّهِ} وأن لعنة مخففة من الثقيلة وينسبك من القراءتين مصدر وهو خبر عن قوله: والخامسة كينونة لعنة الله عليه وقرىء: {أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيْهَآ} بالتشديد والتخفيف. {وَيَدْرَؤُاْ} أي يدفع * والعذاب قال الجمهور: الحد، وقال أصحاب الرأي: لا حدّ عليها إن لم تلاعن ولا يوجبه عليها قول الزوج والظاهر الاكتفاء في اللعان بهذه الكيفية المذكورة في الآية. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ} جواب لو محذوف تقديره لهلكتم. {إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ} الآية، سبب نزول هذه الآيات مذكور في حديث عائشة في الصحيح والإِفك الكذب والافتراء * والعصبة الجماعة وتقدم الكلام عليها في يوسف. {مِّنْكُمْ} أي من أهل ملتكم في موضع الصفة. و{لاَ تَحْسَبُوهُ} مستأنف والضمير في لا تحسبوه الظاهر أنه عائد على الإِفك بل هو خير لكم لبراءة الساحة وثواب الصبر على ذلك الأذى وانكشاف كذب القاذفين. {مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ} أي جزاء ما اكتسب وذلك بقدر ما خاض فيه لأن بعضهم ضحك وبعضهم سكت وبعضهم تكلم واكتسب مستعمل في المآثم ونحوها لأنها تدل على اعتمال وقصد فهو أبلغ في التكذيب وكسب مستعمل في الخير لأن حصوله مغن عن الدلالة على اعتمال فيه وقد تستعمل كسب في الوجهين. {وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ} المشهور أنه عبد الله بن أبي ابن سلول * والعذاب العظيم هو عذاب يوم القيامة وقيل هو ما أصاب حسان من ذهاب بصره وشل يده، وقرىء: كبره بكسر الكاف وضمها والعذاب الأليم عماه وحدّه وضرب صفوان له بالسيف على رأسه وقال: توق ذباب السيوف عني فإِنني غلام إذا هو جيت لست بشاعر. ولكنني أحمي حماي وأتقى من الباهت الرامي البريء الظواهر وأنشد حسان أبياتاً يثني فيها على أم المؤمنين ويهر براءته مما نسب إليه وهي هذه: شعر : حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل خليلة خير الناس ديناً ومنصباً نبي الهدى والمكرمات الفواضل عقيلة جى من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدها غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل شين وباطل فإِن كان ما بلغت عني قلته فلا رفعت سوطي إلى أناملي وكيف وودي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زين المحافل له رتب عال على الناس فضلها تقاصر عنها سورة المتطاول تفسير : {لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ} لولا حرف تحضيض بمعنى هلا وفيه تحريض على ظن الخبر وزجر وأدب والظاهر أن الخطاب للمؤمنين حاشا من تولى كبره قيل ويحتمل دخولهم في الخطاب وفيه عتاب أي كان الإِنكار واجباً عليهم وعدل بعد الخطاب إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر ولم يجيء التركيب ظننتم بأنفسكم خيراً وقلتم ليبالغ في التوبيخ بطريقة الإِلتفات وليصرح بلفظ الإِيمان دلالة على أن الإِشتراك فيه مقتض أن لا يصدق مؤمن على أخيه قول عائب ولا طاعن وفيه تنبيه على أن حق المؤمن إذا سمع مقالة في أخيه أن يبني الأمر فيه على ظن الخير وان يقول بناء على ظنه هذا إفك مبين هكذا باللفظ الصريح ببراءة أخيه. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} الآية، أي في الدنيا بالنعم التي منها الإِمهال للتوبة. {وَرَحْمَتُهُ} عليكم في الآخرة بالعفو والمغفرة. {لَمَسَّكُمْ} العذاب فيما خضتم فيه من حديث الإِفك يقال: أخاض في الحديث واندفع وهضب وخاض. {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ} العامل في إذ لمسكم تلقونه أي يأخذه بعضكم من بعض يقال تلقى القول وتلقنه والأصل وتلقنه تتلقونه ومعنى بأفواهكم أي تلوكونه وتديرونه فيها من غير علم لأن الشىء المعلوم يكون في القلب ثم يعبر عنه باللسان وهذا الإِفك ليس محله إلا الأفواه كما قال يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً} أي ذنباً صغيراً. {وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ} من الكبائر وعلق من العذاب بثلاثة آثام تلقى الإِفك والتكلم به واستصغاره ثم أخذ يوبخهم على التكلم به وكان الواجب عليهم إذا سمعوه أن لا يفوهوا به. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ} قال مجاهد هذه الإِشارة إلى عبد الله ابن أبي ومن أشبهه. {فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} لعداوتهم لهم والعذاب الأليم في الدنيا الحد وفي الآخرة النار والظاهر في الذين يحبون العموم في كل قاذف منافقاً كان أو مؤمناً وتعليق الوعيد على محبة الشياع دليل على أن إرادة الفسق فسق والله يعلم أي البريء من المذنب وسرائر الأمور ووجه الحكمة في ستركم والتغليظ في الوعيد. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} كذبهم. {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} لأنه غيب وجواب لولا محذوف أي لعاقبكم. {وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ} بالبرية. {رَّحِيمٌ} بقبول توبة من تاب من قذف قال ابن عباس: والخطاب لحسان ومسطح وحمنة والظاهر العموم. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ} الآية تقدم الكلام على خطوات الشيطان في فإِنه عائد على من الشرطية أي فإِن متبع خطوات الشيطان. {يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} وهو ما أفرط قبحه. {وَٱلْمُنْكَرِ} وهو ما تنكره العقول السليمة أي يصر رأساً في الضلال بحيث يكون أمراً تطيعه أصحابه. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} بالتوبة الممحصة ما طهر أحد منكم ما زكى يزكى من يشاء ممن سبقت له السعادة وكان عمله الصالح أمارة على سبقها أو من يشاء بقبول التوبة النصوح. {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} لأقوالكم عليكم بضمائركم. {وَلاَ يَأْتَلِ} هو مضارع ائتلى افتعل من الألية وهي الحلف وقيل معناه يقصر بني افتعل من ألوت بمعنى قصرت ومنه لا يألونكم خبالاً وقال الشاعر: شعر : وما المرء ما دامت حشاشة نفسه بمدرك أطراف الخطوب ولا آل تفسير : وسبب نزولها المشهور أنه حلف أبي بكر على مسطح أن لا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة وقال ابن عباس والضحاك: قطع جماعة من المؤمنين منافعهم عمن قال في الإِفك وقالوا لا نصل من تكلم به فنزلت في جميعهم، والآية تتناول من هو بهذا الوصف. {ٱلْغَافِلاَتِ} أي السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر لأنهن لم يجربن الأمور ولا يفطنّ لما يفطن له المجربات. {لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} جاء في قذف المحصنات قبل هذا الاستثناء بالتوبة وفي هذه الآية لم يجيء استثناء ويناسب أن تكون هذه الآية كما قيل نزلت في مشركي مكة كانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفوها وقالوا: خرجت لتفجر قاله أبو حمزة اليماني ويؤيده قوله: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ} والناصب ليوم تشهد ما تعلق به الجار والمجرور وهو ولهم. {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ} يوم بدل من يوم والتنوين في إذ للعوض من الجملة المحذوفة والتقدير يوم إذ تشهد عليهم والذين هنا هو الجزاء أي جزاء أعمالهم الخبيث من يكتم في قلبه إذاية الناس حتى يمكر بهم. {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة للطيبين والطيبات والضمير في يقولون عائد على ذوي الخبث. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ} الآية، جاءت إمرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني أكون في بيتي على حال لا أحب أحداً يراني عليها فلا يزال حتى يدخل علي رجل من أهلي فنزلت فقال أبو بكر بعد نزولها يا رسول الله أرأيت الخانات والمساكن التي ليس فيها ساكن فنزل ليس عليكم جناح الآية * ومناسبتها لما قبلها هو أن أهل الإِفك إنما وجدوا السبيل إلى بهتانهم من حيث اتفقت الخلوة فصارت كأنها طريقة للتهمة فأوجب الله أن لا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام لأن في الدخول على غير هذا الوجه وقوع التهمة وفي ذلك من المضرة ما لا يخفي والظاهر أنه يجوز للإِنسان أن يدخل بيت نفسه بغير استئذان ولا سلام لقوله: غير بيوتكم، ويروى: حديث : أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أأستأذن على أمي قال: نعم، قال: ليس لها خادم غيري أأستأذن عليها كلما دخلت؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ قال الرجل: لا، قال: فاستأذن وعيا النهي عن الدخول بالاستئناس والسلام على أهل تلك البيوت تفسير : والظاهر أن الاستئناس خلاف الاستيحاش.

الجيلاني

تفسير : هذه {سُورَةٌ} عظيمةُ، وسِفرُ جليلُ، وآياتُ كريمةُ {أَنزَلْنَاهَا} من مقام جودنا، وفضلنا عليك يا أكمل الرسل تأييداً لنبوتك ورسالتك، وترويجاً لدينك وملكتك {وَفَرَضْنَاهَا} أي: أوجبنا الأحكام التي ذُكرتُ فيها، وقدّرنا الحدود المقررة في ضمنها، ألزمناها على من تبعك من المؤمنين تهذيباً لظوهرهم وبواطنهم {وَ} مع ذلك {أَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ} عظام دالة على وحدى ذاتنا، وكمال قدرتنا على الإنعام والانتقام مع كونها {بَيِّنَاتٍ} واضحات الدلالات {لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 1] وتتعظون، فتتركون ما يوجب مقتكم وهلاككم، وتتوجهون إلى ما جُبلتم لأجله. ثم أخذ سبحانه بتطهير المؤمنين عن أفحش الفواحش وأقبح الآثام، فقال: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي} أي: حكمهما وحدهما فيما فرضناهما، وتلوناها عليكم أيها المؤمنين الجَلد، قدَّم سبحانه الزانية؛ لأن وقوع الزنا في الأغلب من جانبهن، ومن غرض نفوسهن، وزينتهن على الرجال، وإذا سمعتم أيها الحكام الحدودَ والحُكمَ فيهما {فَٱجْلِدُواْ} بعدما ثبت الزنا بينما، وهما غير محصنين؛ إذ حكم المحصن مطلقاً بالإجماع رجمُ كل منهما إن كانا محصنين، ورجم أحدهما إن كان الآخر غير محصن. والمحصن هو: المسلم الحر العاقل البالغ الذي وقع منه الوقاع بنكاحٍ صحيح {كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} أي: مائة ضربةٍ بسوطٍ مؤلمةٍ مجلدةٍ أشدَّ إيلامٍ بدل ضرباتٍ استلذَّ بها حال الوقاع. وزاد الإمام الشاافعي - رحمه الله - على جلد المائة تغريبَ العام؛ إذ هو أحوطُ وأَدخلُ في الانزجار، لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : البِكْرُ بِالبِكْرِ جَلْدُ مِائة وَتَعْرِيْبُ عَامْ ". تفسير : {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ} أيها الحكام وقت إجرائكم الحدودَ والأحكامَ {بِهِمَا رَأْفَةٌ} رقةُ ومرحمةُ تضيّعون بها حكمة الحد؛ إذ لا رأفة {فِي دِينِ ٱللَّهِ} وتفيِيذ أحكامه وحدودِه الموضوعة فيه {إِن كُنتُمْ} أيها لاحكام المقيمون للأحكام والحدود {تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ} وبجميع ما جاء به من عنده من الأوامر والنواهي، وجميع الحدود الموضوعة من عنده {وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} الذي فيه تبلى السرائر وتكشف الضمائر، فلكم أن تقيموا حدود الله على الوجه الذي أُمرت به؛ لئلا تؤاخذوا في يوم الجزاء. {وَ} بعدما قصدتم أيها الحكام إجراء الحد عليهما {لْيَشْهَدْ} أي: ليحضر وليبصر {عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ} أي: جميعٌ حثيرُ {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] المعتبرين تفيضيحاً لهما، وتشهيراً لأمرهما؛ لينزجرا مما جرى عليهما مَن في قلبه ميلُ إلى أمثا ما أَتَيَا به من الفعلة القبيحة والديدنة الشنيعة. ثم أشار سبحاه إلى قبح مناكحتهما وشناعة ألفتهما، ومواصلتهما على وجه المبالغة في النهي والكراهة، فقال: {ٱلزَّانِي} أي: الذي يرغب، ويميل إلى عورات المسلمين بلا رخصةٍ شرعيةٍ تعدياً عن حدود الله وهتكاً لستره {لاَ يَنكِحُ} إن نَكح {إِلاَّ زَانِيَةً} مثله مناسبةً له ومشاكلةً إياه؛ إذ الجنسية علة التضام والألفة {أَوْ مُشْرِكَةً} هي أخسُّ وأخبثُ وأشدُّ قبحاً وشناعةً {وَٱلزَّانِيَةُ} الراغبة للأجانب، المائلةُ إليهم بلا طريقٍ شرعي {لاَ يَنكِحُهَآ} أيضاً {إِلاَّ زَانٍ} كذلك لكمال الملائمة والمشابهة {أَوْ مُشْرِكٌ} هو أخبثُ وأقبحُ {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ} الفعلُ القبيح، والخصلةُ الذميمةُ الشنيعة {عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النور: 3] الموقنين المخصلين من أرباب العزائم، ونهيُ على أهل الرخص منهم نهياً واصلاً إلى حد النفي والحرمة. ثم قال سبحانه: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ} بالزنا {ٱلْمُحْصَنَاتِ} الحرائر العاقلات البالغات العفائف من المسلمات، سواءً كان الرامي أزواجُهن أو غيرهم، وحكمُ المحصنين أيضاً كذلك، وإنما خصهن بالذكر؛ لكثرة ورود الرمي في حقهن، وكون رميهن سبباً لنزول الآية الكريمة، {ثُمَّ} بعدما رَموا {لَمْ يَأْتُواْ} لإثباته {بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} ذوي عدلٍ وأمانة ومروءةٍ؛ بحيث لم يكونوا متجسسين عن أحوال الزانيين البغيين، ولا مستورين منتظرين لاطلاع ما يأتيان به من الفعلة الشنيعة، بل وقع نظرهم عليها بغتة فرأوا قبح صنيعهما - العياذ بالله - كالميل في المكحلة. فإن أتوا بأربعة شهداء على الوجه المذكور فقد أثبتوا الزنا، وإن لم يأتوا {فَٱجْلِدُوهُمْ} أيها الحكام، الراميين القاذفين {ثَمَانِينَ جَلْدَةً} لا كجلدة الزنا بل أخف منها كما هي أقل عدداً. {وَ} بعدما جلدتم أيها الميقيمون لحدود الله {لاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً} أصلآ في حالٍ من الأحوال ودعوىً من الدعاوي {أَبَداً} إلى انقراض حياتهم {وَأُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المردودون {هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} [النور: 4] الخارجون عن مقتضى العقل والشرعِ، المسقطون للمروءة والعدالة، التاركون طريق الإنصاف والانتصاف، لا تُرجى نجاتهم من عذاب الله أصلاً. {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} منهم ورجعوا {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} الرمي والافتراء {وَأَصْلَحُواْ} ما أفسدوا على نفوسهم بالتوبة والندامة عن ظهر القلب {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المطلع لضمائرهم {غَفُورٌ} يعفو عنهم ويستر زلتهم {رَّحِيمٌ} [النور: 5] يرحمهم، ويقبل توبتهم إن أخلصوا فيها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} [النور: 1] يُشير إلى أن سورة القرآن كلها منزلة سورة سورة كل سورة مشتملة على معان وأحكام أخرى، وهذه السورة أنزلناها وفرضناها أي: جعلناها فرضاً واجباً قبول ما بينا فيها {وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} من براءة الصديقة ابنة الصديق حبيب رب العالمين، {لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 1] تتعظون وتحترزون عن مثل هذا الإفك والبهتان العظيم. وبقوله تعالى: {ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي} [النور: 2] يشير إلى أن النفس إذا زنت وزناها بالتسليم لغير الله تسلمت لتصرفات الشيطان والدنيا فنهاها الله تعالى عنه، وإلى الروح إذا زنى وزناه تصرفه في الدنيا وشهواتها فنهاه الله عنها، {فَٱجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] من الجوع وترك الشهوات والمرادات تزكية لهما وتأديباً {وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ} [النور: 2] يعني: إذا دعيتم محبة الله فابغضوا مخالفي أمره، ولا ترحموا أنفسكم ولا أرواحكم على مخالفة الله فإنهم يظلمون على أنفسهم لجهلهم بحالهم، وإن رحمتك عليهم في ترك تزكيتهم وتأديبهم كترك الوالد علاج ولده المريض شفقة عليه ليهلك، فيلزم من هذه الرحمة أمران مذمومان: أحدهما: الإعراض عن الله بالإقبال على شفقة مخالفيه، والثاني: السعي: في هلاك قاتل نفسه بألا يأخذ على يده ليهلك نفسه فأدبوهما. {إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ} أي: يجازيكم بالخير خيراً وبالشر شراً {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [النور: 2] به يشير إلى شهود أهل الصحبة يذكر النفس، ويؤدب الروح بمشهد شيخ واصل كامل؛ ليحفظ من طرفي الإفراط ويهديه إلى صراطه المستقيم وهو صراط الله ويسلكه فيه. وبقوله تعالى: {ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَٱلزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور: 3] يُشير إلى ان الحذر من غخوان السوء والحث على مخالطة أهل الصحبة والإخوان في الله، فإن الطبع من التطبع يسرق وإن للناس أشكالاً؛ فكلُّ نظيرٍ مع شكله، وكلُّ يُساكِن شكله، كما قال بعضهم: شعر : عَنِ المَرءِ لا تَسأَل وَسَل عَن قَرينِهِ فَكُلُّ قَرينٍ بِالمُقارِنِ مُقتَدِ تفسير : أهلُ الفسادِ الفسادُ يجمعهم وإن تَبَاعَدَ مزارُهم، وأهل السدادِ السدادُ يجمعهم وإن تناءت ديارهم {وَحُرِّمَ ذٰلِكَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي: مخالطة إخوان الشر لئلا يؤثر فيهم فساد حالهم وسوء أخلاقهم. ثم أخبر عن أرباب الغفلات في رمي المحصنات بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} [النور: 4] يُشير إلى غاية كرم الله ورحمته على عباده بأن يستر عليهم ما أراد بعضهم إظهاره على بعض، ولم يظهر صدق أحدهما أو كذبهما، فلذا أوجب عليهم الحدود وقبول شهادتهم أبداً وسماهم الفاسقين، وليتصف بصفاته الستارية والكريمية والرحيمية فيما يسترون عيوب إخوانهم المؤمنين ولا يتعبون عوراتهم، وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم على من يتبع عورات المسلمين فإنه من يتبع عوراتهم يفضحه الله يوم القيامة على رؤوس الأشهاد وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ستر عورته ستر الله عليه في الدنيا والآخرة ". تفسير : وفي قوله تعالى: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 5] إشارة إلى كمال عتابه في حق عباده بانه يقبل توبتهم من ارتكاب الذنوب العظام، وفيه إشارة إلى أن بمجرد التوبة لا يكون مقبولاً إلا بشرط إزالة حاله وإصلاح أعماله وأحواله {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 5] لمن تاب وأصلح حاله.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: هذه { سُورَةٌ } عظيمة القدر { أَنزلْنَاهَا } رحمة منا بالعباد، وحفظناها من كل شيطان { وَفَرَضْنَاهَا } أي: قدرنا فيها ما قدرنا، من الحدود والشهادات وغيرها، { وَأَنزلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } أي: أحكاما جليلة، وأوامر وزواجر، وحكما عظيمة { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } حين نبين لكم، ونعلمكم ما لم تكونوا تعلمون. ثم شرع في بيان تلك الأحكام المشار إليها، فقال: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ ...}.