٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
الرازي
تفسير : القول في إقامة الدلالة على التوحيد والنبوة والمعاد اعلم أن في هذه الآيات مسائل: ـ المسألة الأولى: أن الله تعالى لما قدم أحكام الفرق الثلاثة، أعني المؤمنين والكفار والمنافقين. أقبل عليهم بالخطاب، وهو من باب الالتفات المذكور في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } وفيه فوائد: أحدها: أن فيه مزيد هز وتحريك من السامع كما أنك إذا قلت لصاحبك حاكياً عن ثالث: إن فلاناً من قصته كيت وكيت، ثم تخاطب ذلك الثالث فقلت: يا فلان من حقك أن تسلك الطريقة الحميدة في مجاري أمورك، فهذا الانتقال من الغيبة إلى الحضور يوجب مزيد تحريك لذلك الثالث. وثانيها: كأنه سبحانه وتعالى يقول. جعلت الرسول واسطة بيني وبينك أولاً ثم الآن أزيد في إكرامك وتقريبك، فأخاطبك من غير واسطة، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة، شرف المخاطبة والمكالمة. وثالثها: أنه مشعر بأن العبد إذا كان مشتغلاً بالعبودية فإنه يكون أبداً في الترقي، بدليل أنه في هذه الآية، انتقل من الغيبة إلى الحضور. ورابعها: أن الآيات المتقدمة كانت في حكاية أحوالهم، وأما هذه الآيات فإنها أمر وتكليف، ففيه كلفة ومشقة فلا بدّ من راحة تقابل هذه الكلفة، وتلك الراحة هي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته، كما أن العبد إذا ألزم تكليفاً شاقاً فلو شافهه المولى وقال: أريد منك أن تفعل كذا فإنه يصير ذلك الشاق لذيذاً لأجل ذلك الخطاب. المسألة الثانية: حكي عن علقمة والحسن أنه قال: كل شيء في القرآن: {ياأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } فإنه مكي، وما كان {يَـاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } فبالمدينة، قال القاضي: هذا الذي ذكروه إن كان الرجوع فيه إلى النقل فمسلم، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة فهذا ضعيف، لأنه يجوز أن يخاطب المؤمنين مرة بصفتهم، ومرة باسم جنسهم، وقد يؤمر من ليس بمؤمن بالعبادة، كما يؤمر المؤمن بالاستمرار على العبادة والازدياد منها، فالخطاب في الجميع ممكن. المسألة الثالثة: اعلم أن الألفاظ في الأغلب عبارات دالة على أمور هي: إما الألفاظ أو غيرها، أما الألفاظ فهي: كالاسم والفعل والحرف، فإن هذه الألفاظ الثلاثة يدل كل واحد منها على شيء، هو في نفسه لفظ مخصوص، وغير الألفاظ: فكالحجر والسماء والأرض، ولفظ النداء لم يجعل دليلاً على شيء آخر، بل هو لفظ يجري مجرى عمل يعمله عامل لأجل التنبيه. فأما الذين فسروا قولنا: «يا زيد» بأنادي زيداً، أو أخاطب زيداً فهو خطأ من وجوه: أحدها: أن قولنا. أنادي زيداً، خبر يحتمل التصديق والتكذيب، وقولنا يا زيد، لا يحتملها. وثانيها: أن قولنا يا زيد، يقتضي صيرورة زيد منادى في الحال، وقولنا أنادي زيداً، لا يقتضي ذلك، وثالثها: أن قولنا يا زيد يقتضي صيرورة زيد مخاطباً بهذا الخطاب وقولنا أنادي زيداً لا يقتضي ذلك لأنه لا يمتنع أنه يخبر إنساناً آخر بأني أنادي زيداً. ورابعها: أن قولنا أنادي زيداً، إخبار عن النداء، والإخبار عن النداء غير النداء، والنداء هو قولنا: يا زيد، فإذن قولنا: أنادي زيداً، غير قولنا يا زيد، فثبت بهذه الوجوه فساد هذا القول. ثم ههنا نكتة نذكرها وهي: أن أقوى المراتب الاسم، وأضعفها الحرف، فظن قوم أنه لا يأتلف الاسم بالحرف، وكذا أعظم الموجودات هو الحق سبحانه وتعالى، وأضعفها البشر {أية : وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً } تفسير : [النساء: 28] فقالت الملائكة: أي مناسبة بينهما {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } تفسير : [البقرة: 30] فقيل قد يأتلف الاسم مع الحرف في حال النداء، فكذا البشر يصلح لخدمة الرب حال النداء والتضرع {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } تفسير : [الأعراف: 23]، {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمْ ٱدْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } تفسير : [غافر: 60]. المسألة الرابعة: «ياء» حرف وضع في أصله لنداء البعيد وإن كان لنداء القريب لكن لسبب أمر مهم جداً، وأما نداء القريب فله: أي والهمزة، ثم استعمل في نداء من سها وغفل وإن قرب تنزيلاً له منزلة البعيد. فإن قيل فلم يقول الداعي يا رب يا الله وهو تعالى يقول: {أية : وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ } تفسير : [قۤ: 16] قلنا هو استبعاد لنفسه من مظان الزلفى وما يقربه إلى منازل المقربين هضماً لنفسه وإقراراً عليها بالتنقيص حتى يتحقق الإجابة بمقتضى قوله: «أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي» أو لأجل أن إجابة الدعاء من أهم المهمات للداعي. المسألة الخامسة: «أي» وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن «ذو» و «الذي» وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل، وهو اسم مبهم يفتقر إلى ما يزيل إبهامه، فلا بدّ وأن يردفه اسم جنس، أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يحصل المقصود بالنداء فالذي يعمل فيه حرف النداء هو أي والاسم التابع له صفة كقولك يا زيد الظريف إلا أن أيا لا يستقل بنفسه استقلال زيد فلم ينفك عن الصفة وموصوفها وأما كلمة التنبيه المقحمة بين الصفة وموصوفها ففيها فائدتان: الأولى: معاضدة حرف النداء بتأكيد معناه. والثانية: وقوعها عوضاً / مما يستحقه أي من الإضافة وإنما كثر في كتاب الله تعالى النداء على هذه الطريقة لاستقلاله بهذه التأكيدات والمبالغات فإن كل ما نادى الله تعالى به عباده من الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، واقتصاص أخبار المتقدمين بأمور عظام، وأشياء يجب على المستمعين أن يتيقظوا لها مع أنهم غافلون عنها، فلهذا وجب أن ينادوا بالأبلغ الآكد. المسألة السادسة: اعلم أن قوله: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ } يقتضي أن الله تعالى أمر كل الناس بالعبادة فلو خرج البعض عن هذا الخطاب لكان ذلك تخصيصاً للعموم. وههنا أبحاث. البحث الأول: أن لفظ الجمع المعرف بلام التعريف يفيد العموم، والخلاف فيه مع الأشعري والقاضي أبي بكر وأبي هاشم، لنا أنه يصح تأكيده بما يفيد العموم كقوله: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } تفسير : [االحجر: 15] ولو لم يكن اللفظ في أصله للعموم لما كان قوله: {كُلُّهُمْ } تأكيداً بل بياناً ولأنه يصح استثناء كل واحد من الناس عنه والاستثناء يخرج ما لولاه لدخل فوجب أن يفيد العموم وتمام تقريره في أصول الفقه. البحث الثاني: لما ثبت أن قوله تعالى: {يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } يتناول جميع الناس الذين كانوا موجودين في ذلك العصر فهل يتناول الذين سيوجدون بعد ذلك أم لا؟ والأقرب أنه لا يتناولهم؛ لأن قوله: {يا أيهاالناس} خطاب مشافهة وخطاب المشافهة مع المعدوم لا يجوز، وأيضاً فالذين سيوجدون بعد ذلك ما كانوا موجودين في تلك الحالة، وما لا يكون موجوداً لا يكون إنساناً وما لا يكون إنساناً لا يدخل تحت قوله: {يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } فإن قيل: فوجب أن لا يتناول شيء من هذه الخطابات الذين وجدوا بعد ذلك الزمان وأنه باطل قطعاً. قلنا: لو لم يوجد دليل منفصل لكان الأمر كذلك إلا أنا عرفنا بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن تلك الخطابات ثابتة في حق من سيوجد بعد ذلك إلى قيام الساعة فلهذه الدلالة المنفصلة حكمنا بالعموم. البحث الثالث: قوله: { يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ } أمر للكل بالعبادة فهل يفيد أمر الكل بكل عبادة؟ الحق لا، لأن قوله اعبدوا معناه ادخلوا هذه الماهية في الوجود، فإذا أتوا بفرد من أفراد الماهية في الوجود فقد أدخلواالماهية في الوجود لأن الفرد من أفراد الماهية مشتمل على الماهية لأن هذه العبادة عبارة عن العبادة مع قيد كونها هذه ومتى وجد المركب فقد وجد قيداه، فالآتي بفرد من أفراد العبادة آتٍ بالعبادة، والآتي بالعبادة آتٍ بتمام ما اقتضاه قوله: {ٱعْبُدُواْ } وإذا كان كذلك وجب خروجه عن العهدة فإن أردنا أن نجعله دالاً على العموم نقول: الأمر بالعبادة لا بدّ وأن يكون لأجل كونها عبادة لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعلية الوصف، لا سيما إذا كان الوصف مناسباً للحكم، وههنا كون العبادة عبادة يناسب الأمر بها، لما أن العبادة عبارة عن تعظيم الله تعالى وإظهار الخضوع له وكل ذلك مناسب في العقول، وإذا ثبت أن كونه عبادة علة للأمر بها وجب في كل عبادة أن يكون مأموراً بها، لأنه أينما حصلت العلة وجب حصول الحكم لا محالة. البحث الرابع: لقائل أن يقول: قوله: { يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ } لا يتناول الكفار البتة لأن الكفار لا يمكن أن يكونوا مأمورين بالإيمان، وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكونوا مأمورين بالعبادة، أما أنه لا يمكن أن يكونوا مأمورين بالإيمان فلأن الأمر بمعرفة الله تعالى إما أن يتناوله حال كونه غير عارف بالله تعالى أو حال كونه عارفاً بالله تعالى، أما إن تناوله حال كونه غير عارف بالله فيستحيل أن يكون عارفاً بأمر الله تعالى لأن العلم بالصفة مع الجهل بالذات محال فلو تناوله الأمر في هذه الحالة لكان قد تناوله الأمر في حال يستحيل منه أن يعرف كونه مأموراً بذلك الأمر، وذلك تكليف ما لا يطاق، وإن تناوله الأمر بالمعرفة حال كونه عارفاً بالله فذالك محال، لأنه أمر بتحصيل الحاصل، وذلك غير ممكن. فثبت أن الكافر يستحيل أن يكون مأموراً بتحصيل المعرفة، وإذا استحال ذلك استحال أن يكون مأموراً بالعبادة لأنه إما أن يؤمر بالعبادة قبل المعرفة وهو محال لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة أو يؤمر بالعبادة بعد المعرفة إلا أن على هذا التقدير يكون الأمر بالعبادة موقوفاً على الأمر بالمعرفة فلما كان الأمر بالمعرفة ممتنعاً كان الأمر بالعبادة أيضاً ممتنعاً، وأيضاً يستحيل أن يكون هذا الخطاب مع المؤمنين، لأنهم يعبدون الله فأمرهم بالعبادة يكون أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال. والجواب: من الناس من قال: الأمر بالعبادة مشروط بحصول المعرفة، كما أن الأمر بالزكاة مشروط بحصول ملك النصاب، وهؤلاء هم القائلون بأن المعارف ضرورية، وأما من لم يقل بذلك استدل بهذه الآية على أن المعارف ليست ضرورية فقال: الأمر بالعبادة حاصل، والعبادة لا تمكن إلا بالمعرفة، والأمر بالشيء أمر بما هو من ضرورياته، كما أن الطهارة إذا لم تصح إلا بإحضار الماء كان إحضار الماء واجباً، والدهري لا يصح منه تصديق الرسول إلا بتقديم معرفة الله تعالى، فوجبت، والمحدث لا تصح منه الصلاة إلا بتقديم الطهارة فوجبت، والمودع لا يمكنه رد الوديعة إلا بالسعي إليها، فكان السعي واجباً، فكذا ههنا يصح أن يكون الكافر مخاطباً بالعبادة وشرط الإتيان بها الإتيان بالإيمان أولاً ثم الإتيان بالعبادة بعد ذلك. بقي لهم: الأمر بتحصيل المعرفة محال، قلنا هذه المسألة مستقصاة في الأصول والذي نقول ههنا إن هذا الكلام وإن تم في كل ما يتوقف العلم يكون الله آمراً على العلم به، فإنه لا يجري فيما عدا ذلك من الصفات. فلم لا يجوز ورود الأمر بذلك؟ سلمنا ذلك فلم لا يجوز أن يقال هذا الأمر يتناول المؤمنين؟ قوله لأنه يصير ذلك أمراً بتحصيل الحاصل وهو محال، قلنا لما تعذر ذلك فنحمله إما على الأمر بالاستمرار على العبادة أو على الأمر بالازدياد منها، ومعلوم أن الزيادة على العبادة عبادة، فصح تفسير قوله: «اعبدوا» بالزيادة في العبادة. البحث الخامس: قال منكرو التكليف: لا يجوز ورود الأمر من الله تعالى بالتكليف لوجوه: أحدها: أن التكليف إما أن يتوجه على العبد حال استواء دواعيه إلى الفعل أو الترك أو حال رجحان أحدهما على الآخر، فإن كان الأول فهو محال، لأن في حال الاستواء يمتنع حصول الترجيح لأن الاستواء يناقض الترجيح فالجمع بينهما محال والتكليف بالفعل حال استواء الداعيين تكليف بما لا يطاق، وإن كان الثاني فالراجح واجب الوقوع؛ لأن المرجوح حال ما كان مساوياً للراجح كان ممتنع الوقوع، وإلا فقد وقع الممكن لا عن مرجح، وإذا كان حال الاستواء ممتنع الوقوع فبأن يصير حال المرجوحية ممتنع الوقوع أولى وإذا كان المرجوح ممتنع الوقوع كان الراجح واجب الوقوع ضرورة أنه لا خروج عن النقيضين إذا ثبت هذا فالتكليف إن وقع بالراجح كان التكليف تكليفاً بإيجاد ما يجب وقوعه، وإن وقع بالمرجوح كان التكليف تكليفاً بما يمتنع وقوعه، وكلاهما تكليف ما لا يطاق. وثانيها: أن الذي ورد به التكليف إما أن يكون قد علم الله في الأزل وقوعه، أو علم أنه لا يقع أو لم يعلم لا هذا ولا ذاك، فإن كان الأول كان واجب الوقوع ممتنع العدم فلا فائدة في ورود الأمر به، وإن علم لا وقوعه كان ممتنع الوقوع واجب العدم، فكان الأمر بإيقاعه أمراً بإيقاع الممتنع وإن لم يعلم لا هذا ولا ذاك كان ذلك قولاً بالجهل على الله تعالى وهو محال، ولأن بتقدير أن يكون الأمر كذلك فإنه لا يتميز المطيع عن العاصي، وحينئذٍ لا يكون في الطاعة فائدة. وثالثها: أن ورود الأمر بالتكاليف إما أن يكون لفائدة أو لا لفائدة، فإن كان لفائدة فهي إما عائدة إلى المعبود أو إلى العابد أما إلى المعبود فمحال لأنه كامل لذاته، والكامل لذاته لا يكون كاملاً بغيره، ولأنا نعلم بالضرورة أن الإله العالي على الدهر والزمان يستحيل أن ينتفع بركوع العبد وسجوده، وأما إلى العابد فمحال؛ لأن جميع الفوائد محصورة في حصول اللذة ودفع الألم، وهو سبحانه وتعالى قادر على تحصيل كل ذلك للعبد ابتداء من غير توسط هذه المشاق فيكون توسطها عبثاً، والعبث غير جائز على الحكيم. ورابعها: أن العبد غير موجد لأفعاله لأنه غير عالم بتفاصيلها ومن لا يعلم تفاصيل الشيء لا يكون موجداً له وإذا لم يكن العبد موجداً لأفعال نفسه فإن أمره بذلك الفعل حال ما خلقه فيه فقد أمره بتحصيل الحاصل، وإن أمره به حال ما لم يخلقه فيه فقد أمره بالمحال وكل ذلك باطل. وخامسها: أن المقصود من التكليف إنما هو تطهير القلب على ما دلت عليه ظواهر القرآن فلو قدرنا إنساناً مشتغل القلب دائماً بالله تعالى وبحيث لو اشتغل بهذه الأفعال الظاهرة لصار ذلك عائقاً له عن الاستغراق في معرفة الله تعالى وجب أن يسقط عنه هذه التكاليف الظاهرة، فإن الفقهاء والقياسيين قالوا إذا لاح المقصود والحكمة في التكاليف وجب اتباع الأحكام المعقولة لا اتباع الظواهر. والجواب: عن الشبه الثلاثة الأول من وجهين: الأول: أن أصحاب هذه الشبه أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التكاليف فهذا تكليف ينفي التكليف وأنه متناقض. الثاني: أن عندنا يحسن من الله تعالى كل شيء سواء كان ذلك تكليف ما لا يطاق أو غيره لأنه تعالى خالق مالك، والمالك لا اعتراض عليه في فعله. البحث السادس: قالوا: الأمر بالعبادة وإن كان عاماً لكل الناس لكنه مخصوص في حق من لا يفهم كالصبي والمجنون والغافل والناسي، وفي حق من لا يقدر لقوله تعالى: {أية : لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } تفسير : [البقرة: 233]. ومنهم من قال إنه مخصوص في حق العبيد، لأن الله تعالى أوجب عليهم طاعة مواليهم، واشتغالهم بطاعة الموالي يمنعهم عن الاشتغال بالعبادة، والأمر الدال على وجوب طاعة المولى أخص من الأمر الدال على وجوب العبادة والخاص يقدم على العام والكلام في هذا المعنى مذكور في أصول الفقه. المسألة السابعة: قال القاضي: الآية تدل على أن سبب وجود العبادة ما بينه من خلقه لنا والإنعام علينا. واعلم أن أصحابنا يحتجون بهذه الآية على أن العبد لا يستحق بفعله الثواب لأنه لما كان خلقه إيانا وإنعامه علينا سبباً لوجوب العبادة فحينئذٍ يكون اشتغالنا بالعبادة أداء للواجب، والإنسان لا يستحق بأداء الواجب شيئاً فوجب أن لا يستحق العبد على العبادة ثواباً على الله تعالى أما قوله: {رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه سبحانه لما أمر بعبادة الرب أردفه بما يدل على وجود الصانع وهو خلق المكلفين وخلق من قبلهم، وهذا يدل على أنه لا طريق إلى معرفة الله تعالى إلا بالنظر والاستدلال وطعن قوم من الحشوية في هذه الطريقة وقالوا الاشتغال بهذا العلم بدعة ولنا في إثبات مذهبنا وجوه نقلية وعقلية وههنا ثلاث مقامات: المقام الأول: في بيان فضل هذا العلم وهو من وجوه: أحدها: أن شرف العلم بشرف المعلوم فمهما كان المعلوم أشرف كان العلم الحاصل به أشرف فلما كان أشرف المعلومات ذات الله تعالى وصفاته وجب أن يكون العلم المتعلق به أشرف العلوم. وثانيها: أن العلم إما أن يكون دينياً أو غير ديني، ولا شك أن العلم الديني أشرف من غير الديني، وأما العلم الديني فإما أن يكون هو علم الأصول، أو ما عداه، أما ما عداه فإنه تتوقف صحته على علم الأصول، لأن المفسر إنما يبحث عن معاني كلام الله تعالى، وذلك فرع على وجود الصانع المختار المتكلم، وأما المحدث فإنما يبحث عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك فرع على ثبوت نبوته صلى الله عليه وسلم، والفقيه إنما يبحث عن أحكام الله، وذلك فرع على التوحيد والنبوة، فثبت أن هذه العلوم مفتقرة إلى علم الأصول، والظاهر أن علم الأصول غني عنها فوجب أن يكون علم الأصول أشرف العلوم. وثالثها: أن شرف الشيء قد يظهر بواسطة خساسة ضده، فكلما كان ضده أخس كان هو أشرف وضد علم الأصول هو الكفر والبدعة، وهما من أخس الأشياء، فوجب أن يكون علم الأصول أشرف الأشياء. ورابعها: أن شرف الشيء قد يكون بشرف موضوعه وقد يكون لأجل شدة الحاجة إليه، وقد يكون لقوة براهينه، وعلم الأصول مشتمل على الكل وذلك لأن علم الهيئة أشرف من علم الطب نظراً إلى أن موضوع علم الهيئة أشرف من موضوع علم الطب، وإن كان الطب أشرف منه نظراً إلى أن الحاجة إلى الطب أكثر من الحاجة إلى الهيئة، وعلم الحساب أشرف منهما نظراً إلى أن براهين علم الحساب أقوى. أما علم الأصول فالمطلوب منه معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ومعرفة أقسام المعلومات من المعدومات والموجودات، ولا شك أن ذلك أشرف الأمور، وأما الحاجة إليه فشديدة لأن الحاجة إما في الدين أو في الدنيا، أما في الدين فشديدة لأن من عرف هذه الأشياء استوجب الثواب العظيم والتحق بالملائكة، ومن جهلها استوجب العقاب العظيم والتحق بالشياطين. وأما في الدنيا فلأن مصالح العالم إنما تنتظم عند الإيمان بالصانع والبعث والحشر، إذ لو لم يحصل هذا الإيمان لوقع الهرج والمرج في العالم، وأما قوة البراهين فبراهين هذا العلم يجب أن تكون مركبة من مقدمات يقينية تركيباً يقينياً وهذا هو النهاية في القوة فثبت أن هذا العلم مشتمل على جميع جهات الشرف والفضل فوجب أن يكون أشرف العلوم. وخامسها: أن هذا العلم لا يتطرق إليه النسخ ولا التغيير، ولا يختلف باختلاف الأمم والنواحي بخلاف سائر العلوم، فوجب أن يكون أشرف العلوم. وسادسها: أن الآيات المشتملة على مطالب هذا العلم وبراهينها أشرف من الآيات المشتملة على المطالب الفقهية بدليل أنه جاء في فضيلة {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } تفسير : [الإخلاص: 1] و {أية : آمن ٱلرَّسُولُ } تفسير : [البقرة: 285] وآية الكرسي ما لم يجيء مثله في فضيلة قوله: {أية : وَيَسْـئَلُونَكَ عَنِ ٱلْمَحِيض } تفسير : [البقرة: 222] وقوله: {أية : يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ } تفسير : [البقرة: 282] وذلك يدل على أن هذا العلم أفضل. وسابعها: أن الآيات الواردة في ا لأحكام الشرعية أقل من ستمائة آية، وأما البواقي ففي بيان التوحيد والنبوة والرد على عبدة الأوثان وأصناف المشركين، وأما الآيات الواردة في القصص فالمقصود منها معرفة حكمة الله تعالى وقدرته على ما قال: {أية : لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأوْلِى ٱلألْبَـٰبِ } تفسير : [يوسف: 111] فدل ذلك على أن هذا العلم أفضل، ونشير إلى معاقد الدلائل: أما الذي يدل على وجود الصانع فالقرآن مملوء منه. أولها: ما ذكر ههنا من الدلائل الخمسة وهي خلق المكلفين وخلق من قبلهم، وخلق السماء وخلق الأرض، وخلق الثمرات من الماء النازل من السماء إلى الأرض، وكل ما ورد في القرآن من عجائب السماوات والأرض، فالمقصود منه ذلك، وأما الذي يدل على الصفات. أما العلم فقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَىْء فِى ٱلأرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء } تفسير : [آل عمران: 5] ثم أردفه بقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِى يُصَوّرُكُمْ فِى ٱلأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء } تفسير : [آل عمران: 6] وهذا هو عين دليل المتكلمين فإنهم يستدلون بأحكام الأفعال واتقانها على علم الصانع، وههنا استدل الصانع سبحانه بتصوير الصور في الأرحام على كونه عالماً بالأشياء، وقال: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ } تفسير : [االملك: 14] وهو عين تلك الدلالة وقال: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُو} تفسير : [الأنعام: 59] وذلك تنبيه على كونه تعالى عالماً بكل المعلومات، لأنه تعالى مخبر عن المغيبات فتقع تلك الأشياء على وفق ذلك الخبر، فلولا كونه عالماً بالمغيبات وإلا لما وقع كذلك، وأما صفة القدرة فكل ما ذكر سبحانه من حدوث الثمار المختلفة والحيوانات المختلفة مع استواء الكل في الطبائع الأربع فذاك يدل على كونه سبحانه قادراً مختاراً لا موجباً بالذات، وأما التنزيه فالذي يدل على أنه ليس بجسم، ولا في مكان قوله: {قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ } فإن المركب مفتقر إلى أجزائه والمحتاج محدث، وإذا كان أحداً وجب أن لا يكون جسماً وإذا لم يكن جسماً لم يكن في المكان، وأما التوحيد فالذي يدل عليه قوله: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا } تفسير : و[الأنبياء: 22] قوله: {أية : إِذًاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِى ٱلْعَرْشِ سَبِيلا } تفسير : [الإسراء: 42] وقوله: {أية : وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ } تفسير : [المؤمنون: 91] وأما النبوة فالذي يدل عليها قوله ههنا: {أية : وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } تفسير : [البقرة: 23] وأما المعاد فقوله: {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [يۤس: 79] وأنت لو فتشت علم الكلام لم تجد فيه إلا تقرير هذه الدلائل والذب عنها ودفع المطاعن والشبهات القادحة فيها، أفترى أن علم الكلام يذم لاشتماله على هذه الأدلة التي ذكرها الله أو لاشتماله على دفع المطاعن والقوادح عن هذه الأدلة ما أرى أن عاقلاً مسلماً يقول ذلك ويرضى به. وثانيها: أن الله تعالى حكى الاستدلال بهذه الدلائل عن الملائكة وأكثر الأنبياء أما الملائكة فلأنهم لما قالوا: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} تفسير : [البقرة: 30] كان المراد أن خلق مثل هذا الشيء قبيح، والحكيم لا يفعل القبيح، فأجابهم الله تعالى بقوله: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } والمراد إني لما كنت عالماً بكل المعلومات كنت قد علمت في خلقهم وتكوينهم حكمة لا تعلمونها أنتم، ولا شك أن هذا هو المناظرة، وأما مناظرة الله تعالى مع إبليس فهي أيضاً ظاهرة وأما الأنبياء عليهم السلام فأولهم آدم عليه السلام وقد أظهر الله تعالى حجته على فضله بأن أظهر علمه على الملائكة وذلك محض الاستدلال، وأما نوح عليه السلام فقد حكى الله تعالى عن الكفار قولهم: {أية : يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } تفسير : [هود: 32] ومعلوم أن تلك المجادلة ما كانت في تفاصيل الأحكام الشرعية بل كانت في التوحيد والنبوة، فالمجادلة في نصرة الحق في هذا العلم هي حرفة الأنبياء، وأما إبراهيم عليه السلام فالاستقصاء في شرح أحواله في هذا الباب يطول وله مقامات: أحدها: مع نفسه وهو قوله: {أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ ٱلأَفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76] وهذا هو طريقة المتكلمين في الاستدلال بتغيرها على حدوثها، ثم إن الله تعالى مدحه على ذلك فقال: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ } تفسير : [الأنعام: 83] وثانيها: حاله مع أبيه وهو قوله: {أية : يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 42] وثالثها: حاله مع قومه تارة بالقول وأخرى بالفعل، أما بالقول فقوله: {أية : مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَـٰثِيلُ ٱلَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ} تفسير : [الأنبياء: 52] وأما بالفعل فقوله: {أية : فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُون } تفسير : [الأنبياء: 58]. ورابعها: حاله مع ملك زمانه في قوله: {أية : رَبّىَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ } تفسير : [البقرة: 258] إلى آخره وكل من سلمت فطرته علم أن علم الكلام ليس إلا تقرير هذه الدلائل ودفع الأسئلة والمعارضات عنها، فهذا كله بحث إبراهيم عليه السلام في المبدأ، وأما بحثه في المعاد فقال: {أية : رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [البقرة: 26] إلى آخره وأما موسى عليه السلام فانظر إلى مناظرته مع فرعون في التوحيد والنبوة، أما التوحيد فاعلم أن موسى عليه السلام إنما يعول في أكثر الأمر على دلائل إبراهيم عليه السلام وذلك لأن الله تعالى حكى في سورة طه: {أية : قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِى أَعْطَىٰ كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } تفسير : [طه: 49، 50] وهذا هو الدليل الذي ذكره إبراهيم عليه السلام في قوله: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ } تفسير : [الشعراء: 78] وقال في سورة الشعراء{أية : رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [الشعراء: 26] وهذا هو الذي قاله إبراهيم: {رَبّىَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ } (فلما لم يكتف فرعون بذلك وطالبه بشيء آخر قال موسى: {أية : رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ } تفسير : [الشعراء: 28] وهذا هو الذي قال إ براهيم عليه السلام {أية : فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب}تفسير : [البقرة:258] فهذا ينبهك على أن التمسك بهذه الدلائل حرفة هؤلاء المعصومين وأنهم كما استفادوها من عقولهم فقد توارثوها من أسلافهم الطاهرين، وأما استدلال موسى على النبوة بالمعجزة ففي قوله:{أية : أَولو جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ }تفسير : [الشعراء:30] وهذا هو الاستدلال بالمعجزة على الصدق، وأما محمد عليه الصلاة والسلام فاشتغاله بالدلائل على التوحيد والنبوة والمعاد أظهر من أن يحتاج فيه إلى التطويل، فإن القرآن مملوء منه ولقد كان عليه السلام مبتلى بجميع فرق الكفار فالأول: الدهرية الذين كانوا يقولون: {أية : وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ } تفسير : [الجاثية: 24] والله تعالى أبطل قولهم بأنواع الدلائل. والثاني: الذين ينكرون القادر المختار، والله تعالى أبطل قولهم بحدوث أنواع النبات وأصناف الحيوانات مع اشتراك الكل في الطبائع وتأثيرات الأفلاك، وذلك يدل على وجود القادر. والثالث: الذين أثبتوا شريكاً مع الله تعالى، وذلك الشريك إما أن يكون علوياً أو سفلياً، أما الشريك العلوي فمثل من جعل الكواكب مؤثرة في هذا العالم، والله تعالى أبطله بدليل الخليل في قوله: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ } وأما الشريك السفلي فالنصارى قالوا بإلاهية المسيح وعبدة الأوثان قالوا: بإلاهية الأوثان، والله تعالى أكثر من الدلائل على فساد قولهم. الرابع: الذين طعنوا في النبوة وهم فريقان: أحدهما: الذين طعنوا في أصل النبوة وهم الذين حكى الله عنهم أنهم قالوا: {أية : أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً } تفسير : [الإسراء: 94]. والثاني: الذين سلموا أصل النبوة وطعنوا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهم اليهود والنصارى، والقرآن مملوء من الرد عليهم، ثم إن طعنهم من وجوه تارة بالطعن في القرآن فأجاب الله بقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً } تفسير : [البقرة: 26] وتارة بالتماس سائر المعجزات كقوله: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعًا } تفسير : [الإسراء: 90] وتارة بأن هذا القرآن نزل نجماً نجماً وذلك يوجب تطرق التهمة إليه فأجاب الله تعالى عنه بقوله: {أية : كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ }تفسير : [الفرقان: 32]. الخامس: الذين نازعوا في الحشر والنشر، والله تعالى أورد على صحة ذلك وعلى إبطال قول المنكرين أنواعاً كثيرة من الدلائل. السادس: الذين طعنوا في التكليف تارة بأنه لا فائدة فيه، فأجاب الله عنه بقوله: {أية : إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } تفسير : [الإسراء: 7] وتارة بأن الحق هو الجبر، وأنه ينافي صحة التكليف، وأجاب الله تعالى عنه بأنه {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 23] وإنما اكتفينا في هذا المقام بهذه الإشارات المختصرة لأن الاستقصاء فيها مذكور في جملة هذا الكتاب وإذا ثبت أن هذه الحرفة هي حرفة كل الأنبياء والرسل علمنا أن الطاعن فيها إما أن يكون كافراً أو جاهلاً. المقام الثاني: في بيان أن تحصيل هذا العلم من الواجبات، ويدل عليه المعقول والمنقول. أما المعقول: فهو أنه ليس تقليد البعض أولى من تقليد الباقي، فأما أن يجوز تقليد الكل فيلزمنا تقليد الكفار، وإما أن يوجب تقليد البعض دون البعض فيلزم أن يصير الرجل مكلفاً بتقليد البعض دون البعض من غير أن يكون له سبيل إلى أنه لم قلد أحدهما دون الآخر، وإما أن لا يجوز التقليد أصلاً وهو المطلوب، فإذا بطل التقليد لم يبق إلا هذه الطريقة النظرية. وأما المنقول فيدل عليه الآيات والأخبار أما الآيات. فأحدها: قوله: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [النحل: 125] ولا شك أن المراد بقوله بالحكمة أي بالبرهان والحجة، فكانت الدعوة بالحجة والبرهان إلى الله تعالى مأموراً بها، وقوله: {وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } ليس المراد منه المجادلة في فروع الشرع لأن من أنكر نبوته فلا فائدة في الخوض معه في تفاريع الشرع، ومن أثبت نبوته فإنه لا يخالفه، فعلمنا أن هذا الجدال كان في التوحيد والنبوة، فكان الجدال فيه مأموراً به ثم إنا مأمورون باتباعه عليه السلام لقوله: {أية : فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 31] ولقوله: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } تفسير : [الأحزاب: 21] فوجب كوننا مأمورين بذلك الجدال. وثانيها: قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ} تفسير : [الحج: 3، 8 لقمان: 20] ذم من يجادل في الله بغير علم وذلك يقتضي أن المجادل بالعلم لا يكون مذموماً بل يكون ممدوحاً وأيضاً حكى الله تعالى ذلك عن نوح في قوله: {أية : يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } تفسير : [هود: 32] وثالثها: أن الله تعالى أمر بالنظر فقال: {أية : أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءانَ } تفسير : [النساء: 82]، {أية : أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى ٱلإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ } تفسير : [الغاشية: 17]، {أية : سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلأَفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ } تفسير : [فصلت: 53]، {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِى ٱلأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا } تفسير : [الرعد: 41]، {أية : قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [يونس: 101]، أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ورابعها: أن الله تعالى ذكر التفكر في معرض المدح فقال: {أية : إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىٰ لأُوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ } تفسير : [الزمر: 21]، {أية : إِنَّ فِى ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ } تفسير : [آل عمران: 13]، {أية : إِنَّ فِى ذَلِكَ لاَيَاتٍ لأُوْلِى النهى } تفسير : [طه: 54، 128] وأيضاً ذم المعرضين فقال: {أية : وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } تفسير : [يوسف: 105]، {أية : لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا } تفسير : [الأعراف: 179] وخامسها: أنه تعالى ذم التقليد، فقال حكاية عن الكفار {أية : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } تفسير : [الزخرف: 23] وقال: {أية : بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } تفسير : [لقمان: 21] وقال: {أية : بَلْ وَجَدْنَا ءابَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } تفسير : [الشعراء: 74] وقال: {أية : إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا } تفسير : [الفرقان: 42] وقال عن والد إبراهيم عليه السلام: {أية : لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَٱهْجُرْنِى مَلِيّاً }تفسير : [مريم: 46] وكل ذلك يدل على وجوب النظر والاستدلال والتفكر وذم التقليد فمن دعا إلى النظر والاستدلال، كان على وفق القرآن ودين الأنبياء ومن دعا إلى التقليد كان على خلاف القرآن وعلى وفاق دين الكفار. وأما الأخبار ففيها كثرة، ولنذكر منها وجوهاً: أحدها: ما روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: «جاء رجل من بني فزارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال إن امرأتي وضعت غلاماً أسود فقال له هل لك من إبل، فقال: نعم قال: فما ألوانها قال حمر قال: فهل فيها من أورق؟ قال: نعم. قال: فأنى ذلك، قال: عسى أن يكون قد نزعه عرق قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق» واعلم أن هذا هو التمسك بالإلزام والقياس. وثانيها: عن أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وشتمني ابن آدم ولم يكن له أن يشتمني. أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول خلقه بأهون على من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولداً وأنا الله الأَحد الصمد لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفواً أحد» تفسير : فانظر كيف احتج الله تعالى في المقام الأول بالقدرة على الابتداء، على القدرة على الإعادة، وفي المقام الثاني احتج بالأحدية على نفي الجسمية والوالدية والمولودية. وثالثها: روى عبادة بن الصامت أنه عليه السلام قال: «حديث : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه»تفسير : فقالت عائشة: يا رسول الله إنا نكره الموت فذاك كراهتنا لقاء الله؟ فقال عليه السلام: «حديث : لا ولكن المؤمن أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، والكافر كره لقاء الله فكره الله لقاءه » تفسير : وكل ذلك يدل على أن النظر والفكر في الدلائل مأمور به. واعلم أن للخصم مقامات. أحدها: أن النظر لا يفيد العلم. وثانيها: أن النظر المفيد للعلم غير مقدور. وثالثها: أنه لا يجوز الإقدام عليه. ورابعها: أن الرسول ما أمر به. وخامسها: أنه بدعة. أما المقام الأول: فاحتج الخصم عليه بأمور: أحدها: أنا إذا تفكرنا وحصل لنا عقيب فكرنا اعتقاد فعلمنا بكون ذلك الاعتقاد علماً، إما أن يكون ضرورياً أو نظرياً، والأول باطل لأن الإنسان إذا تأمل في اعتقاده في كون ذلك الاعتقاد علماً، وفي اعتقاده في أن الواحد نصف الاثنين، وأن الشمس مضيئة والنار محرقة وجد الأول أضعف من الثاني، وذلك يدل على أن تطرق الضعف إلى الأول والثاني باطل، لأن الكلام في ذلك الفكر الثاني كالكلام في الأول فيلزم التسلسل وهو محال. وثانيها: إنا رأينا عالماً من الناس قد تفكروا واجتهدوا وحصل لهم عقيب فكرهم اعتقاد، وكانوا جازمين بأنه علم ثم ظهر لهم أو لغيرهم أن ذلك كان جهلاً فرجعوا عنه وتركوه وإذا شاهدنا ذلك في الوقت الأول جاز أن يكون الاعتقاد الحاصل ثانياً كذلك، وعلى هذا الطريق لا يمكن الجزم بصحة شيء من العقائد المستفادة من الفكر والنظر. وثالثها: أن المطلوب إن كان مشعوراً به استحال طلبه، لأن تحصيل الحاصل محال، وإن كان غير مشعور به كان الذهن غافلاً عنه، و المغفول عنه يستحيل أن يتوجه الطلب إليه. ورابعها: أن العلم يكون النظر مفيداً للعلم إما أن يكون ضرورياً أو نظرياً فإن كان ضرورياً وجب اشتراك العقلاء فيه وليس كذلك. وإن كان نظرياً لزم إثبات جنس الشيء بفرد من أفراده وذلك محال لأن النزاع لما وقع في الماهية كان واقعاً في ذلك الفرد أيضاً فيلزم إثبات الشيء بنفسه وهو محال لأنه من حيث أنه وسيلة الإثبات يجب أن يكون معلوماً قبل. ومن حيث أنه مطلوب يجب أن لا يكون معلوماً قبل، فيلزم اجتماع النفي والإثبات وهو محال. وخامسها: أن المقدمة الواحدة لا تنتج بل المنتج مجموع المقدمتين، لكن حضور المقدمتين دفعة واحدة في الذهن محال لأنا جربنا أنفسنا فوجدنا أنا متى وجهنا الخاطر نحو معلوم استحال في ذلك الوقت توجيهه نحو معلوم آخر، وربما سلم بعضهم أن النظر في الجملة يفيد العلم لكنه يقول النظر في الإلاهيات لا يفيد واحتج عليه بوجهين: الأول: أن حقيقة الإله غير متصورة وإذا لم تكن الحقيقة متصورة استحال التصديق لا بثبوته ولا بثبوت صفة من صفاته. بيان الأول أن المعلوم عند البشر كون واجب الوجود منزهاً عن الحيز والجهة، وكونه موصوفاً بالعلم والقدرة. أما الوجوب والتنزيه فهو قيد سلبي وليست حقيقته نفس هذا السلب. فلم يكن العلم بهذا السلب علماً بحقيقته، وأما الموصوفية بالعلم والقدرة فهو عبارة عن انتساب ذاته إلى هذه الصفات وليست ذاته نفس هذا الانتساب فالعلم بهذا الانتساب ليس علماً بذاته. بيان الثاني أن التصديق موقوف على التصور، فإذا فقد التصور امتنع التصديق، ولا يقال ذاته تعالى وإن لم تكن متصورة بحسب الحقيقة المخصوصة التي له لكنها متصورة بحسب لوازمها، أعني أنا نعلم أنه شيء ما، يلزمه الوجوب والتنزيه والدوام فيحكم على هذا المتصور، قلنا هذه الأمور المعلومة إما أن يقال إنها نفس الذات وهو محال أو أمور خارجة عن الذات فلما لم نعلم الذات لا يمكننا أن نعلم كونها موصوفة بهذه الصفات فإن كان التصور الذي هو شرط إسناد هذه الصفات إلى ذاته هو أيضاً تصور بحسب صفات آخر، فحينئذٍ يكون الكلام فيه كما في الأول فيلزم التسلسل وهو محال. الوجه الثاني: أن أظهر الأشياء عندنا ذاتنا وحقيقتنا التي إليها نشير بقولنا أنا ثم الناس تحيروا في ماهية المشار إليه يقول أنا، فمنهم من يقول هو هذا البنية، ومنهم من يقول هو المزاج، ومنهم من يقول بعض الأجزاء الداخلة في هذه البنية، ومنهم من يقول شيء لا داخل هذا البدن ولا خارجه، فإذا كان الحال في أظهر الأشياء كذلك فما ظنك بأبعد الأشياء مناسبة عنا وعن أحوالنا. أما المقام الثاني: وهو أن النظر المفيد للعلم غير مقدور لنا فقد احتجوا عليه بوجوه: أحدها: أن تحصيل التصورات غير مقدور فالتصديقات البديهية غير مقدورة فجميع التصديقات غير مقدورة وإنما قلنا إن التصورات غير مقدورة لأن طالب تحصيلها إن كان عارفاً بها استحال منه طلبها لأن تحصيل الحاصل محال، فإن كان غافلاً عنها استحال كونه طالباً لها لأن الغافل عن الشيء لا يكون طالباً له. فإن قيل لم لا يجوز أن يكون معلوماً من وجه ومجهولاً من وجه. قلنا لأن الوجه الذي يصدق عليه أنه معلوم غير الوجه الذي يصدق عليه أنه غير معلوم، وإلا فقد صدق النفي والإثبات على الشيء الواحد وهو محال وحينئذٍ نقول الوجه المعلوم استحال طلبه لاستحالة تحصيل الحاصل والوجه الذي هو غير معلوم استحال طلبه لأن المغفول عنه لا يكون مطلوباً، وإنما قلنا إن التصورات لما كانت غير كسبية استحال كون التصديقات البديهية كسبية وذلك لأن عند حضور طرفي الموضوع والمحمول في الذهن من القضية البديهية إما أن يلزم من مجرد حضورهما جزم الذهن بإسناد أحدهما إلى الآخر بالنفي أو الإثبات، أو لا يلزم، فإن لم يلزم لم تكن القضية بديهية بل كانت مشكوكة. وإن لزم كان التصديق واجب الحصول عند حضور ذينك التصورين وممتنع الحصول عند عدم حضورهما، وما يكون واجب الدوران نفياً وإثباتاً مع ما لا يكون مقدوراً نفياً وإثباتاً وجب أن يكون أيضاً كذلك فثبت أن التصديقات البديهية غير كسبية؛ وإنما قلنا إن هذه التصديقات لما لم تكن كسبية لم يكن شيء من التصديقات كسبياً لأن التصديق الذي لا يكون بديهياً، لا بدّ وأن يكون نظرياً فلا يخلو إما أن يكون واجب اللزوم عند حضور تلك التصديقات البديهية أو لا يكون فإن لم يكن واجب اللزوم منها لم يلزم من صدق تلك المقدمات صدق ذلك المطلوب، فلم يكن ذلك استدلالاً يقينياً بل إما ظناً أو اعتقاداً تقليدياً، وإن كان واجباً فكانت تلك النظريات واجبة الدوران نفياً وإثباتاً مع تلك القضايا الضرورية، فوجب أن لا يكون شيء من تلك النظريات مقدوراً للعبد أصلاً. وثانيها: أن الإنسان إنما يكون قادراً على إدخال الشيء في الوجود لو كان يمكنه أن يميز ذلك المطلوب عن غيره والعلم إنما يتميز عن الجهل بكونه مطابقاً للمعلوم دون الجهل وإنما يعلم ذلك لو علم المعلوم على ما هو عليه، فإذن لا يمكنه إيجاد العلم بذلك الشيء إلا إذا كان عالماً بذلك الشيء لكن ذلك محال لاستحالة تحصيل الحاصل، فوجب أن لا يكون العبد متمكناً من إيجاد العلم ولا من طلبه. وثالثها: أن الموجب للنظر، إما ضرورة العقل، أو النظر أو السمع. والأول: باطل لأن الضروري لم يشترط العقل فيه، ووجوب الفكر والنظر ليس كذلك، بل كثير من العقلاء يستقبحونه، ويقولون إنه في الأكثر يفضي بصاحبه إلى الجهل، فوجب الاحتراز منه، والثاني: أيضاً باطل، لأنه إذا كان العلم بوجوبه يكون نظرياً، فحينئذٍ لا يمكنه العلم بوجوب النظر قبل النظر، فتكليفه بذلك يكون تكليف ما لا يطاق، وأما بعد النظر فلا يمكنه النظر، لأنه لا فائدة فيه، والثالث: باطل، لأنه قبل النظر لا يكون متمكناً من معرفة وجوب النظر، وبعد النظر لا يمكنه إيجابه أيضاً لعدم الفائدة، وإذا بطلت الأقسام ثبت نفي الوجوب. المقام الثالث: وهو أن بتقدير كون النظر مفيداً للعلم ومقدوراً للمكلف، لكنه يقبح من الله أن يأمر المكلف به، وبيانه من وجوه: أحدها: أن النظر في أكثر الأمر يفضي بصاحبه إلى الجهل فالمقدم عليه مقدم على أمر يفضي به غالباً إلى الجهل. وما يكون كذلك يكون قبيحاً، فوجب أن يكون الفكر قبيحاً، والله تعالى لا يأمر بالقبيح. وثانيها: أن الواحد منا مع ما هو عليه من النقص وضعف الخاطر وما يعتريه من الشبهات الكثيرة المتعارضة، لا يجوز أن يعتمد على عقله في التمييز بين الحق والباطل. فلما رأينا أرباب المذاهب كل واحد منهم يدعي أن الحق معه، وأن الباطل مع خصمه ثم إذا تركوا التعصب واللجاج وأنصفوا، وجدوا الكلمات متعارضة، وذلك يدل على عجز العقل عن إدراك هذه الحقائق. وثالثها: أن مدار الدين لو كان على النظر في حقائق الدلائل لوجب أن لا يستقر الإنسان على الإيمان ساعة واحدة، لأن صاحب النظر إذا خطر بباله سؤال على مقدمة من مقدمات دليل الدين، فقد صار بسبب ذلك السؤال شاكاً في تلك المقدمة، وإذا صار بعض مقدمات الدليل مشكوكاً فيه. صارت النتيجة ظنية. لأن المظنون لا يفيد اليقين، فيلزم أن يخرج الإنسان في كل ساعة عن الدين، بسبب كل ما يخطر بباله من الأسئلة والمباحث. ورابعها: أنه اشتهر في الألسنة أن من طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب الدين بالكلام تزندق، وذلك يدل على أنه لا يجوز فتح الباب فيه: المقام الرابع: أن بتقدير أنه في نفسه غير قبيح، ولكنا نقيم الدلالة على أن الله ورسوله ما أمرا بذلك، والذي يدل عليه أن هذه المطالب لا تخلو، إما أن يكون العلم بدلائلها علماً ضرورياً غنياً عن التعلم والاستفادة، وإما أن لا يكون كذلك، بل يحتاج في تحصيلها إلى التأمل والتدبر والاستفادة، والأول باطل، وإلا لوجب أن يحصل ذلك لكل الناس وهو مكابرة ولأنا نجرب أذكى الناس في هذا العلم فلا يمكنه تحصيله في السنين المتطاولة بعد الاستعانة بالأستاذ والتصانيف. وإن كان الثاني وجب أن لا يحصل ذلك العلم للإنسان، إلا بعد الممارسة الشديدة والمباحثة الكثيرة، فلو كان الدين مبنياً عليه، لوجب أن لا يحكم الرسول بصحة إسلام الرجل إلا بعد أن يسأله عن هذه المسائل، ويجربه في معرفة هذه الدلائل على الاستقصاء. ولو فعل الرسول ذلك لاشتهر ولما لم يشتهر بل المشهور المنقول عنه بالتواتر أنه كان يحكم بإسلام من يعلم بالضرورة أنه لم يخطر بباله شيء من ذلك، علمنا أن ذلك غير معتبر في صحة الدين، فإن قيل: معرفة أصول الدلائل حاصلة لأكثر العقلاء، إنما المحتاج إلى التدقيق دفع الأسئلة والجواب عن الشبهات وذلك غير معتبر في صحة أصل الدين، قلنا هذا ضعيف لأن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان ألبتة، وذلك لأن الدليل إذا كان مبنياً على مقدمات عشرة فإن كان الرجل جازماً بصحة تلك المقدمات كان عارفاً بالدليل معرفة لا يمكن الزيادة عليها، لأن الزيادة على تلك العشرة إن كان معتبراً في تحقق ذلك الدليل بطل قولنا إن ذلك الدليل مركب من العشرة فقط، وإلا لم يكن معتبراً لم يكن العلم به علماً بزيادة شيء في الدليل، بل يكون علماً منفصلاً. فثبت بهذا أن الدليل لا يقبل الزيادة ولا يقبل النقصان أيضاً، لأن تسعة منها لو كانت يقينية وكانت المقدمة العاشرة ظنية استحال كون المطلوب يقينياً لأن المبني على الظني أولى أن يكون ظنياً فثبت بهذا أن الدليل لا يقبل الزيادة والنقصان وبطل ببطلانه ذلك السؤال مثاله إذا رأى الإنسان حدوث مطر ورعد وبرق بعد أن كان الهواء صافياً قال سبحان الله، فمن الناس من قال: إن قوله سبحان الله يدل على أنه عرف الله بدليله، وهذا باطل لأنه إنما يكون عارفاً بالله إذا عرف بالدليل أن ذلك الحادث لا بدّ له من مؤثر ثم يعرف بالدليل أنه يستحيل أن يكون المؤثر فيه سوى الله تعالى، وهذه المقدمة الثانية إنما تستقيم لو عرف بالدليل أنه يستحيل إسناد هذا الحدوث إلى الفلك والنجوم، والطبيعة والعلة الموجبة. فإنه لو لم يعرف بطلان ذلك بالدليل لكان معتقداً لهذه المقدمة الثانية من غير دليل فتكون المقدمة تقليدية ويكون المبني عليها تقليداً لا يقيناً فثبت بهذا فساد ما قلتموه. المقام الخامس: أن نقول الاشتغال بعلم الكلام بدعة، والدليل عليه القرآن والخبر والإجماع وقول السلف والحكم. أما القرآن فقوله تعالى: {أية : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ } تفسير : [الزخرف: 58] ذم الجدل وقال أيضاً: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ } تفسير : [الأنعام: 68] قالوا: فأمر بالإعراض عنهم عند خوضهم في آيات الله تعالى وأما الخبر فقوله عليه السلام: «حديث : تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الخالق» تفسير : وقوله عليه السلام: «حديث : عليكم بدين العجائز» تفسير : وقوله: «حديث : إذا ذكر القدر فأمسكوا» تفسير : وأما الإجماع فهو أن هذا علم لم تتكلم فيه الصحابة فيكون بدعة فيكون حراماً، أما أن الصحابة ما تكلموا فيه فظاهر، لأنه لم ينقل عن أحد منهم أنه نصب نفسه للاستدلال في هذه الأشياء، بل كانوا من أشد الناس إنكاراً على من خاض فيه، وإذا ثبت هذا ثبت أنه بدعة وكل بدعة حرام بالاتفاق، أما الأثر، قال مالك بن أنس: إياكم والبدع قيل وما البدع يا أبا عبد الله؟ قال أهل البدع الذين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه ولا يسكتون عما سكت عنه الصحابة والتابعون. وسئل سفيان بن عيينة عن الكلام فقال اتبع السنة ودع البدعة. وقال الشافعي رضي الله عنه: لأن يبتلي الله العبد بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام وقال: لو أوصى رجل بكتبه العلمية لآخر وكان فيها كتب الكلام لم تدخل تلك الكتب في الوصية وأما الحكم فهو أنه لو أوصى للعلماء لا يدخل المتكلم فيه والله أعلم فهذا مجموع كلام الطاعنين في النظر والاستدلال. والجواب: أما الشبه التي تمسكوا بها في أن النظر لا يفيد العلم فهي فاسدة، لأن الشبه التي ذكروها ليست ضرورية بل نظرية، فهم أبطلوا كل النظر ببعض أنواعه وهو متناقض، وأما الشبه التي تمسكوا بها في أن النظر غير مقدور فهي فاسدة، لأنهم مختارون في استخراج تلك الشبه فيبطل قولهم إنها ليست اختيارية، وأما الشبه التي تمسكوا بها في أن التعاويل على النظر قبيح فهي متناقضة، لأنه يلزمهم أن يكون إيرادهم لهذه الشبه التي أوردوها قبيحاً، وأما الشبه التي تمسكوا بها في أن الرسول ما أمر بذلك فهو باطل، لأنا بينا أن الأنبياء بأسرهم ما جاءوا إلا بالأمر بالنظر والاستدلال. وأما قوله تعالى: {أية : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ } تفسير : [الزخرف:58] فهو محمول على الجدل بالباطل، توفيقاً بينه وبين قوله: {أية : وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [النحل: 125] وأما قوله: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِى ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ } تفسير : [الأنعام: 68] فجوابه أن الخوض ليس هو النظر، بل الخوض في الشيء هو اللجاج، وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : تفكروا في الخالق» تفسير : فذاك إنما أمر به ليستفاد منه معرفة الخالق وهو المطلوب. وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : عليكم بدين العجائز» تفسير : فليس المراد، إلا تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى والاعتماد في كل الأمور على الله على ما قلنا وأما قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إذا ذكر القدر فأمسكوا» تفسير : فضعيف، لأن النهي الجزئي لا يفيد النهي الكلي، وأما الإجماع فنقول: إن عنيتم أن الصحابة لم يستعملوا ألفاظ المتكلمين فمسلم، لكنه لا يلزم منه القدح في الكلام، كما أنهم لم يستعلموا ألفاظ الفقهاء، ولا يلزم منه القدح في الفقه ألبتة، وإن عنيتم أنهم ما عرفوا الله تعالى ورسوله بالدليل، فبئس ما قلتم، وأما تشديد السلف على الكلام فهو محمول على أهل البدعة، وأما مسألة الوصية فهي معارضة بما أنه لو أوصى لمن كان عارفاً بذات الله وصفاته وأفعاله وأنبيائه ورسله لا يدخل فيه الفقيه. ولأن مبنى الوصايا على العرف فهذا إتمام هذه المسألة والله أعلم. المسألة الثانية: أما حقيقة العبادة فذكرناها في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ } وأما الخلق فحكى الأزهري صاحب «التهذيب» عن ابن الأنباري أنه التقدير والتسوية، واحتجوا فيه بالآية والشعر والاستشهاد، أما الآية فقوله تعالى: {أية : أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون: 14] أي المقدرين {أية : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً } تفسير : [العنكبوت: 17] أي تقدرون كذباً {أية : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطّينِ } تفسير : [المائدة: 110] أي تقدر. وأما الشعر فقول زهير:شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري تفسير : وقال آخر:شعر : ولا يئط بأيدي الخالقين ولا أيدي الخوالق إلا جيد الأدم تفسير : وأما الاستشهاد يقال خلق النعل إذا قدرها وسواها بالقياس، ومنه قول العرب للأحاديث التي لا يصدق بها، أحاديث الخلق، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ خُلُقُ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [الشعراء: 137] والخلاق المقدار من الخير، وهو خليق أي جدير كأنه الذي منه الخلاق، والصخرة الخلقاء الملساء لأن في الملاسة استواء، وفي الخشونة اختلاف ومنه «أخلق الثوب» لأنه إذا بلي صار أملس واستوى نتوه واعوجاجه، فثبت أن الخلق عبارة عن التقدير والاستواء قال القاضي عبد الجبار: الخلق فعل بمعنى التقدير واللغة لا تقتضي أن ذلك لا يتأتى إلا من الله تعالى بل الكتاب نطق بخلافه في قوله: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون: 14]، {أية : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ طِينٍ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ } تفسير : [المائدة: 110] لكنه تعالى لما كان يفعل الأفعال لعلمه بالعواقب وكيفية المصلحة ولا فعل له إلا كذلك لا جرم اختص بهذا الاسم وقال أستاذه أبو عبد الله البصري إطلاق اسم خالق على الله محال لأن التقدير والتسوية عبارة عن الفكر والنظر والحسبان وذلك في حق الله محال، وقال جمهور أهل السنّة والجماعة: الخلق عبارة عن الإيجاد والإنشاء واحتجوا عليه بقول المسلمين لا خالق إلا الله، ولو كان الخلق عبارة عن التقدير لما صح ذلك. المسألة الثالثة: اعلم أنه سبحانه أمر بعبادته والأمر بعبادته موقوف على معرفة وجوده، ولما لم يكن العلم بوجوده ضرورياً بل استدلالياً لا جرم أورد ههنا ما يدل على وجوده، واعلم أننا بينا في «الكتب العقلية» أن الطريق إلى إثباته سبحانه وتعالى إما الإمكان، وإما الحدوث. وإما مجموعهما، وكل ذلك إما في الجواهر أو في الأعراض، فيكون مجموع الطرق الدالة على وجوده سبحانه وتعالى ستة لا مزيد عليها. أحدها: الاستدلال بإمكان الذوات، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ ٱلْغَنِىُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَاء } تفسير : [محمد: 38] وبقوله حكاية عن إبراهيم: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 77] وبقوله: {أية : وَأَنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ } تفسير : [النجم: 42] وقوله: {أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ} تفسير : [الأنعام: 91] {أية : فَفِرُّواْ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [الذاريات:50] {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ } تفسير : [الرعد:28] وثانيها: الاستدلال بإمكان الصفات وإليه الإشارة بقوله: {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [النحل: 3] وبقوله: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاء بِنَاء } على ما سيأتي تقريره. وثالثها: الاستدلال بحدوث الأجسام. وإليه الإشارة بقول إبراهيم عليه السلام: {أية : لا أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ } تفسير : [الأنعام: 76] ورابعها: الاستدلال بحدوث الأعراض، وهذه الطريقة أقرب الطرق إلى أفهام الخلق، وذلك محصور في أمرين: دلائل الأنفس، ودلائل الآفاق، «والكتب الإلهية» في الأكثر مشتملة على هذين البابين، والله تعالى جمع ههنا بين هذين الوجهين. أما دلائل الأنفس، فهي أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه ما كان موجوداً قبل ذلك وأنه صار الآن موجوداً وأن كل ما وجد بعد العدم فلا بدّ له من موجد وذلك الموجد ليس هو نفسه ولا الأبوان ولا سائر الناس، لأن عجز الخلق عن مثل هذا التركيب معلوم بالضرورة فلا بدّ من موجد يخالف هذه الموجودات حتى يصح منه إيجاد هذه الأشخاص إلا أن لقائل أن يقول ههنا: لم لا يجوز أن يكون المؤثر طبائع الفصول والأفلاك والنجوم؟ ولما كان هذا السؤال محتملاً ذكر الله تعالى عقيبه ما يدل على افتقار هذه الأشياء إلى المحدث والموجد وهو قوله: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاء بِنَاء } وهو المراد من دلائل الآفاق ويندرج فيها كل ما يوجد من تغييرات أحوال العالم من الرعد والبرق والرياح والسحاب واختلاف الفصول، وحاصلها يرجع إلى أن الأجسام الفلكية والأجسام العنصرية مشتركة في الجسمية، فاختصاص بعضها ببعض الصفات من المقادير والأَشكال والأحياز لا يمكن أن يكون للجسمية ولا لشيء من لوازمها. وإلا وجب اشتراك الكل في تلك الصفات فلا بدّ وأن يكون لأمر منفصل، وذلك الأمر إن كان جسماً عاد البحث في أنه لم اختص بتلك المؤثرية من بين تلك الأجسام، وإن لم يكن جسماً فإما أن يكون موجباً أو مختاراً. والأول باطل، وإلا لم يكن اختصاص بعض الأجسام ببعض الصفات أولى من العكس فلا بدّ وأن يكون قادراً، فثبت بهذه الدلالة افتقار جميع الأجسام إلى مؤثر قادر ليس بجسم، ولا بجسماني، وعند هذا ظهر أن الاستدلال بحدوث الأعراض على وجود الصانع لا يكفي إلا بعد الاستعانة بإمكان الأعراض والصفات، وإذا عرفت هذا فنقول: إن الله تعالى إنما خص هذا النوع من الأدلة بالإيراد في أول كتابه لوجهين: الأول: أن هذا الطريق لما كان أقرب الطرق إلى أفهام الخلق وأشدها التصاقاً بالعقول، وكانت الأدلة المذكورة في القرآن يجب أن تكون أبعدها عن الدقة وأقربها إلى الأفهام لينتفع به كل أحد من الخواص والعوام لا جرم ذكر الله تعالى في أول كتابه ذلك. الثاني: أنه ليس الغرض من الدلائل القرآنية المجادلة، بل الغرض منها تحصيل العقائد الحقة في القلوب، وهذا النوع من الدلائل أقوى من سائر الطرق في هذا الباب، لأن هذا النوع من الدلائل كما يفيد العلم بوجود الخالق فهو يذكر نعم الخالق علينا، فإن الوجود والحياة من النعم العظيمة علينا، وتذكير النعم مما يوجب المحبة وترك المنازعة وحصول الانقياد، فلهذا السبب كان ذكر هذا النوع من الأدلة أولى من سائر الأنواع. واعلم أن للسلف طرقاً لطيفة في هذا الباب، أحدها: يروى أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق رضي الله عنه. فقال جعفر: هل ركبت البحر؟ قال نعم. قال هل رأيت أهواله؟ قال بلى؛ هاجت يوماً رياح هائلة فكسرت السفن وغرقت الملاحين، فتعلقت أنا ببعض ألواحها ثم ذهب عني ذلك اللوح فإذا أنا مدفوع في تلاطم الأمواج حتى دفعت إلى الساحل، فقال جعفر قد كان اعتمادك من قبل على السفينة والملاح ثم على اللوح حتى تنجيك، فلما ذهبت هذه الأشياء عنك هل أسلمت نفسك للهلاك أم كنت ترجو السلامة بعد؟ قال بل رجوت السلامة، قال ممن كنت ترجوها فسكت الرجل فقال جعفر: إن الصانع هو الذي كنت ترجوه في ذلك الوقت، وهو الذي أنجاك من الغرق فأسلم الرجل على يده. وثانيها: جاء في «كتاب ديانات العرب» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمران بن حصين «كم لك من إله» قال عشرة، قال فمن لغمك وكربك ودفع الأمر العظيم إذا نزل بك من جملتهم؟ قال الله، قال عليه السلام: «حديث : مالك من إله إلا الله»تفسير : ، وثالثها: كان أبو حنيفة رحمه الله سيفاً على الدهرية، وكانوا ينتهزون الفرصة ليقتلوه فبينما هو يوماً في مسجده قاعد إذ هجم عليه جماعة بسيوف مسلولة وهموا بقتله فقال لهم: أجيبوني عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم فقالوا له هات، فقال: ما تقولون في رجل يقول لكم إني رأيت سفينة مشحونة بالأحمال مملوءة من الأثقال قد احتوشها في لجة البحر أمواج متلاطمة ورياح مختلفة وهي من بينها تجري مستوية ليس لها ملاح يجريها ولا متعهد يدفعها هل يجوز ذلك في العقل؟ قالوا: لا، هذا شيء لا يقبله العقل؟ فقال أبو حنيفة: يا سبحان الله إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد ولا مجري فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وتغير أعمالها وسعة أطرافها وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ؟ فبكوا جميعاً وقالوا: صدقت وأغمدوا سيوفهم وتابوا. ورابعها: سألوا الشافعي رضي الله عنه ما الدليل على وجود الصانع؟ فقال: ورقة الفرصاد طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم؟ قالوا: نعم، قال: فتأكلها دودة القز فيخرج منها الإبريسم، والنحل فيخرج منها العسل. والشاة فيخرج منها البعر، ويأكلها الظباء فينعقد في نوافجها المسك فمن الذي جعل هذه الأشياء كذلك مع أن الطبع واحد؟ فاستحسنوا منه ذلك وأسلموا على يده وكان عددهم سبعة عشر. وخامسها: سئل أبو حنيفة رضي الله عنه مرة أخرى فتمسك بأن الوالد يريد الذكر فيكون أنثى، وبالعكس فدل على الصانع، وسادسها: تمسك أحمد بن حنبل رضي الله عنه بقلعة حصينة ملساء لا فرجة فيها ظاهرها كالفضة المذابة وباطنها كالذهب الإبريز، ثم انشقت الجدران وخرج من القلعة حيوان سميع بصير فلا بدّ من الفاعل، عنى بالقلعة البيضة وبالحيوان الفرخ، وسابعها: سأل هرون الرشيد مالكاً عن ذلك فاستدل باختلاف الأصوات وتردد النغمات وتفاوت اللغات. وثامنها: سئل أبو نواس عنه، فقال:شعر : تأمل في نبات الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات وأزهار كما الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك تفسير : وتاسعها: سئل أعرابي عن الدليل فقال: البعرة تدل على البعير. والروث على الحمير، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج. وبحار ذات أمواج، أما تدل على الصانع الحليم العليم القدير؟ وعاشرها: قيل لطبيب: بم عرفت ربك؟ قال باهليلج مجفف أطلق، ولعاب ملين أمسك وقال آخر: عرفته بنحلة بأحد طرفيها تعسل، والآخر تلسع والعسل مقلوب اللسع. وحادي عشرها: حكم البديهية في قوله: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [الزخرف: 87]، {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُواْ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ } تفسير : [غافر: 87]. المسألة الرابعة: قال القاضي: الفائدة في قوله: {ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ } أن العبادة لا تستحق إلا بذلك، فلما ألزم عباده بالعبادة بين ماله ولأجله تلزم العبادة. فإن قيل فما الفائدة في قوله: {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } وخلق الله من قبلهم لا يقتضي وجوب العبادة عليهم، قلنا الجواب من وجهين: الأول: إن الأمر وإن كان على ما ذكرت ولكن علمهم بأن الله تعالى خلقهم كعلمهم بأنه تعالى خلق من قبلهم لأن طريقة العلم بذلك واحدة. الثاني: أن من قبلهم كالأصول لهم، وخلق الأصول يجري مجرى الإنعام على الفروع فكأنه تعالى يذكرهم عظيم إنعامه عليهم، كأنه تعالى يقول: لا تظن أني إنما أنعمت عليك حين وجدت بل كنت منعماً عليك قبل أن وجدت بألوف سنين بسبب أني كنت خالقاً لأصولك وآبائك. المسألة الخامسة: في قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } بحثان: البحث الأول: أن كلمة لعل للترجي والإشفاق، تقول لعل زيداً يكرمني وقال تعالى: {أية : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } تفسير : [طه: 44]، {أية : لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ } تفسير : [الشورى: 17] ألا ترى إلى قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا } تفسير : [الشورى: 18] والترجي والإشفاق لا يحصلان إلا عند الجهل بالعاقبة وذلك على الله تعالى محال، فلا بدّ فيه من التأويل وهو من وجوه: أحدها: أن معنى «لعل» راجع إلى العباد لا إلى الله تعالى فقوله: {لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } أي اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما في إيمانه، ثم الله تعالى عالم بما يؤول إليه أمره. وثانيها: أن من عادة الملوك والعظماء أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم على إنجازها على أن يقولوا لعل وعسى ونحوهما من الكلمات، أو للظفر منهم بالرمزة، أو الابتسامة أو النظرة الحلوة فإذا عثر على شيء من ذلك لم يبق للطالب شك في الفوز بالمطلوب فعلى هذاالطريق ورد لفظ لعل في كلام الله تعالى. وثالثها: ما قيل أن لعل بمعنى كي، قال صاحب «الكشاف»: ولعل لا يكون بمعنى كي، ولكن كلمة لعل للأطماع، والكريم الرحيم إذا أطمع فعلى ما يطمع فيه لا محالة تجري أطماعه مجرى وعده المحتوم، فلهذا السبب قيل لعل في كلام الله تعالى بمعنى كي. ورابعها: أنه تعالى فعل بالمكلفين ما لو فعله غيره لاقتضى رجاء حصول المقصود، لأنه تعالى لما أعطاهم القدرة على الخير والشر وخلق لهم العقول الهادية وأزاح أعذارهم، فكل من فعل بغيره ذلك فإنه يرجو منه حصول المقصود، فالمراد من لفظة لعل فعل ما لو فعله غيره لكان موجباً للرجاء. خامسها: قال القفال: لعل مأخوذ من تكرر الشيء كقولهم عللا بعد نهل، واللام فيها هي لام التأكيد كاللام التي تدخل في لقد، فأصل لعل عل، لأنهم يقولون علك أن تفعل كذا، أي لعلك، فإذا كانت حقيقته التكرير والتأكيد كان قول القائل: افعل كذا لعلك تظفر بحاجتك معنا. افعله فإن فعلك له يؤكد طلبك له ويقويك عليه. البحث الثاني: أن لقائل أن يقول: إذا كانت العبادة تقوى فقوله: {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } جار مجرى قوله: اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون. أو اتقوا ربكم لعلكم تتقون، والجواب من وجهين: الأول: لا نسلم أن العبادة نفس التقوى، بل العبادة فعل يحصل به التقوى، لأن الاتقاء هو الاحتراز عن المضار، والعبادة فعل المأمور به، ونفس هذا الفعل ليس هو نفس الاحتراز عن المضار بل يوجب الاحتراز، فكأنه تعالى قال: اعبدوا ربكم لتحترزوا به عن عقابه، وإذا قيل في نفس الفعل إنه اتقاء فذلك مجاز لأن الاتقاء غير ما يحصل به الاتقاء، لكن لاتصال أحد الأمرين بالآخر أجرى اسمه عليه. الثاني: أنه تعالى إنما خلق المكلفين لكي يتقوا ويطيعوا على ما قال: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] فكأنه تعالى أمر بعبادة الرب الذي خلقهم لهذا الغرض، وهذا التأويل لائق بأصول المعتزلة. المسألة السادسة: قرأ أبو عمرو: خلقكم بالإدغام وقرأ أبو السميفع: وخلق من قبلكم وقرأ زيد بن علي: والذين من قبلكم. قال صاحب «الكشاف»: الوجه فيه أنه أفحم الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيداً كما أقحم جرير في قوله: شعر : يا تيم تيم عدي لا أبا لكموا تيما الثاني بين الأول وما أضيف إليه . تفسير : أما قوله تعالى:{ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لله أنداداً وأنتم تعلمون} ففيه مسائل: المسألة الأولى: لفظ «الذي» وهو موصول مع صلته، إما أن يكون في محل النصب وصفاً للذي خلقكم أو على المدح والتعظيم، وإما أن يكون رفعاً على الابتداء، وفيه ما في النصب من المدح. المسألة الثانية: «الذي» كلمة موضوعة للإشارة إلى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة، كقولك ذهب الرجل الذي أبوه منطلق، فأبوه منطلق قضية معلومة، فإذا حاولت تعريف الرجل بهذه القضية المعلومة أدخلت عليه الذي، وهو تحقيق قولهم. إنه مستعمل لوصف المعارف بالجمل، إذا ثبت هذا فقوله: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلاْرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاء بِنَاء } يقتضي أنهم كانوا عالمين بوجود شيء جعل الأرض فراشاً والسماء بناء وذلك تحقيق قوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25، الزمر: 38]. المسألة الثالثة: أن الله تعالى ذكر ههنا خمسة أنواع من الدلائل اثنين من الأنفس وثلاثة من الآفاق، فبدأ أولاً بقوله: {خَلَقَكُمْ } وثانياً: بالآباء والأمهات، وهو قوله: {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } وثالثاً: بكون الأرض فراشاً، ورابعاً: بكون السماء بناء، وخامساً: بالأمور الحاصلة من مجموع السماء والأرض، وهو قوله: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ } ولهذا الترتيب أسباب. الأول: أن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، وعلم الإنسان بأحوال نفسه أظهر من علمه بأحوال غيره، وإذا كان الغرض من الاستدلال إفادة العلم، فكل ما كان أظهر دلالة كان أقوى إفادة، وكان أولى بالذكر. فلهذا السبب قدم ذكر نفس الإنسان، ثم ثناه بآبائه وأمهاته ثم ثلث بالأرض، لأن الأرض أقرب إلى الإنسان من السماء والإنسان أعرف بحال الأرض منه بأحوال السماء، وإنما قدم ذكر السماء على نزول الماء من السماء وخروج الثمرات بسببه لأن ذلك كالأمر المتولد من السماء والأرض والأثر متأخر عن المؤثر، فلهذا السبب أخر الله ذكره عن ذكر الأرض والسماء. الثاني: هو أن خلق المكلفين أحياء قادرين أصل لجميع النعم، وأما خلق الأرض والسماء والماء فذاك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة، فلا جرم قدم ذكر الأصول على الفروع. الثالث: أن كل ما في الأرض والسماء من دلائل الصانع فهو حاصل في الإنسان، وقد حصل في الإنسان من الدلائل ما لم يحصل فيهما؟ لأن الإنسان حصل فيه الحياة والقدرة والشهوة والعقل، وكل ذلك مما لا يقدر عليه أحد سوى الله تعالى. فلما كانت وجوه الدلائل له ههنا أتم كان أولى بالتقديم، واعلم أنا كما ذكرنا السبب في الترتيب فلنذكر في كل واحد من هذه الثلاثة من المنافع. المسألة الرابعة: اعلم أنه سبحانه وتعالى ذكر ههنا أنه جعل الأرض فراشاً، ونظيره قوله: {أية : أَم مَّنْ جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَا أَنْهَاراً } تفسير : [النمل: 61] وقوله: {أية : ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلاْرْضَ مِهَـٰداً } تفسير : [الزخرف: 10] واعلم أن كون الأرض فراشاً مشروط بأمور: الشرط الأول: كونها ساكنة، وذلك لأنها لو كانت متحركة لكانت حركتها إما بالإستقامة أو بالاستدارة، فإن كانت بالاستقامة لما كانت فراشاً لنا على الإطلاق لأن من طفر من موضع عال كان يجب أن لا يصل إلى الأرض لأن الأرض هاوية، وذلك الإنسان هاوٍ، والأرض أثقل من الإنسان، والثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما والأَبطأ لا يلحق الأسرع فكان يجب أن لا يصل الإنسان إلى الأرض فثبت أنها لو كانت هاوية لما كانت فراشاً، أما لو كانت حركتها بالاستدارة لم يكمل انتفاعنا بها؛ لأن حركة الأرض مثلاً إذا كانت إلى المشرق والإنسان يريد أن يتحرك إلى جانب المغرب ولا شك أن حركة الأرض أسرع فكان يجب أن يبقى الإنسان على مكانه وأنه لا يمكنه الوصول إلى حيث يريد، فلما أمكنه ذلك علمنا أن الأرض غير متحركة لا بالاستدارة ولا بالاستقامة فهي ساكنة، ثم اختلفوا في سبب ذلك السكون على وجوه: أحدها: أن الأرض لا نهاية لها من جانب السفل، وإذا كان كذلك لم يكن لها مهبط فلا تنزل وهذا فاسد لما ثبت بالدليل تناهي الأجسام. وثانيها: الذين سلموا تناهي الأجسام قالوا الأرض ليست بكرة بل هي كنصف كرة وحدبتها فوق وسطحها أسفل وذلك السطح موضوع على الماء والهواء، ومن شأن الثقيل إذا انبسط أن يندغم على الماء والهواء مثل / الرصاصة فإنها إذا انبسطت طفت على الماء، وإن جمعت رسبت وهذا باطل الوجهين: الأول: أن البحث عن سبب وقوف الماء والهواء كالبحث عن سبب وقوف الأرض. والثاني: لم صار ذلك الجانب من الأرض منبسطاً حتى وقف على الماء وصار هذا الجانب متحدباً؟. وثالثها: الذين قالوا سبب سكون الأرض جذب الفلك لها من كل الجوانب فلم يكن انجذابها إلى بعض الجوانب أولى من بعض فبقيت في الوسط وهذا باطل لوجهين: الأول: أن الأصغر أسرع انجذاباً من الأكبر، فما بال الذرة لا تنجذب إلى الفلك. الثاني: الأقرب أولى بالانجذاب فالذرة المقذوفة إلى فوق أولى بالانجذاب وكان يجب أن لا تعود. ورابعها: قول من جعل سبب سكونها دفع الفلك لها من كل الجوانب، كما إذا جعل شيء من التراب في قنينة ثم أديرت القنينة على قطبها إدارة سريعة، فإنه يقف التراب في وسط القنينة لتساوي الدفع من كل الجوانب. وهذا أيضاً باطل من وجوه خمسة. الأول: الدفع إذا بلغ في القوة إلى هذا الحد فلم لا يحس به الواحد منا؟ الثاني: ما بال هذا الدفع لا يجعل حركة السحب والرياح إلى جهة بعينها. الثالث: ما باله لم يجعل انتقالها إلى المغرب أسهل من انتقالها إلى المشرق. الرابع: يجب أن يكون الثقيل كلما كان أعظم أن تكون حركته أبطأ، لأن اندفاع الأعظم من الدافع القاسر، أبطأ من اندفاع الأصغر. الخامس: يجب أن تكون حركة الثقيل النازل من الابتداء أسرع من حركته عند الانتهاء، لأنه عند الابتداء، أبعد من الفلك. وخامسها: أن الأرض بالطبع تطلب وسط الفلك، وهو قول أرسطاطاليس وجمهور أتباعه، وهذا أيضاً ضعيف؛ لأن الأجسام متساوية في الجسمية، فاختصاص البعض بالصفة التي لأجلها تطلب تلك الحالة لا بدّ وأن يكون جائزاً، فيفتقر فيه إلى الفاعل المختار. وسادسها: قال أبو هاشم: النصف الأسفل من الأرض فيه اعتمادات صاعدة، والنصف الأعلى فيه اعتمادات هابطة فتدافع الاعتمادان فلزم الوقوف. والسؤال عليه: أن اختصاص كل واحد من النصفين بصفة مخصوصة لا يمكن إلا بالفاعل المختار. فثبت بما ذكرنا أن سكون الأرض ليس إلا من الله تعالى. وعند هذا نقول: انظر إلى الأرض لتعرف أنها مستقرة بلا علاقة فوقها ولا دعامة تحتها أما أنها لا علاقة فوقها فمشاهد، على أنها لو كانت معلقة بعلاقة لاحتاجت العلاقة إلى علاقة أخرى لا إلى نهاية، وبهذا الوجه ثبت أنه لا دعامة تحتها فعلمنا أنه لا بدّ من ممسك يمسكها بقدرته واختياره ولهذا قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُمْسِكُ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ } تفسير : [فاطر: 41]. الشرط الثاني: في كون الأرض فراشاً لنا أن لا تكون في غاية الصلابة كالحجر، فإن النوم والمشي عليه مما يؤلم البدن، وأيضاً فلو كانت الأرض من الذهب مثلاً لتعذرت الزراعة عليها، ولا يمكن اتخاذ الأبنية منه لتعذر حفرها وتركيبها كما يراد؛ وأن لا تكون في غاية اللين، كالماء الذي تغوص فيه الرجل: الشرط الثالث: أن لا تكون في غاية اللطافة والشفافية فإن الشفاف لا يستقر النور عليه، وما كان كذلك فإنه لا يتسخن من الكواكب والشمس، فكان يبرد جداً فجعل الله كونه أغبر، ليستقر النور عليه فيتسخن فيصلح أن يكون فراشاً للحيوانات. الشرط الرابع: أن تكون بارزة من الماء، لأن طبع الأرض أن يكون غائصاً في الماء فكان يجب أن تكون البحار محيطة بالأرض، ولو كانت كذلك لما كانت فراشاً لنا، فقلب الله طبيعة الأرض وأخرج بعض جوانبها من الماء كالجزيرة البارزة حتى صلحت لأن تكون فراشاً لنا، ومن الناس من زعم أن الشرط في كون الأرض فراشاً أن لا تكون كرة، واستدل بهذه الآية على أن الأرض ليست كرة، وهذا بعيد جداً، لأن الكرة إذا عظمت جداً كانت القطعة منها كالسطح في إمكان الاستقرار عليه، والذي يزيده تقريراً أن الجبال أوتاد الأرض ثم يمكن الاستقرار عليها، فهذا أولى والله أعلم. المسألة الخامسة: في سائر منافع الأرض وصفاتها. فالمنفعة الأولى: الأشياء المتولدة فيها من المعادن والنبات والحيوان والآثار العلوية والسفلية لا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى الثانية: أن يتخمر الرطب بها فيحصل التماسك في أبدان المركبات. الثالثة: اختلاف بقاع الأرض، فمنها أرض رخوة، وصلبة، ورملة، وسبخة، وحرة، وهي قوله تعالى: أية : {وَفِى ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَـٰوِرٰتٌ} تفسير : [الرعد: 4] وقال: {أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ وَٱلَّذِى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا } تفسير : [الأعراف: 58] الرابعة: اختلاف ألوانها فأحمر، وأبيض، وأسود، ورمادي اللون، وأغبر، على ما قال تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ } تفسير : [فاطر: 27]. الخامسة: انصداعها بالنبات، قال تعالى: {أية : وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ } تفسير : [الطارق: 12]. السادسة: كونها خازنة للماء المنزل من السماء وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِى ٱلأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَـٰدِرُونَ } تفسير : [المؤمنون: 18] وقوله: {أية : قُلْ أَرَءيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَاء مَّعِينٍ } تفسير : [الملك: 30] السابعة: العيون والأنهار العظام التي فيها وإليه الإشارة بقوله: {أية : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَـٰراً } تفسير : [الرعد: 3]. الثامنة: ما فيها من المعادن والفلزات، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَـٰهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوٰسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ شَىْء مَّوْزُونٍ } تفسير : [الحجر: 19] ثم بين بعد ذلك تمام البيان، فقال: {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } تفسير : [الحجر: 21]. التاسعة: الخبء الذي تخرجه الأرض من الحب والنوى قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلْحَبّ وَٱلنَّوَىٰ } تفسير : [الأنعام: 95] وقال: {أية : يُخْرِجُ ٱلْخَبْء فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [النمل: 25] ثم إن الأرض لها طبع الكرم لأنك تدفع إليها حبة واحدة، وهي تردها عليك سبعمائة {أية : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِى كُلّ سُنبُلَةٍ مّاْئَةُ حَبَّةٍ } تفسير : [البقرة: 261]. العاشرة: حياتها بعد موتها؛ قال تعالى: {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَاء إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً } تفسير : [السجدة: 27] وقال: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ } تفسير : [يۤس: 33] الحادية عشرة: ما عليها من الدواب المختلفة الألوان والصور والخلق، وإليه الإشارة بقوله: {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ } تفسير : [لقمان: 10]. والثانية عشر: ما فيها من النبات المختلف ألوانه وأنواعه ومنافعه، وإليه الإشارة بقوله: {أية : وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } تفسير : [قۤ: 7] فاختلاف ألوانها دلالة، واختلاف طعومها دلالة، واختلاف روائحها دلالة، فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم، كما قال: {أية : كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَـٰمَكُمْ } تفسير : [طه: 54] أما مطعوم البشر، فمنها الطعام، ومنها الأدام، ومنها الدواء، ومنها الفاكهة، ومنها الأنواع المختلفة في الحلاوة والحموضة. قال تعالى: {أية : وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ } تفسير : [فصلت: 10] وأيضاً فمنها كسوة البشر، لأن الكسوة إما نباتية، وهي القطن والكتان، وإما حيوانية وهي الشعر والصوف والإبريسم والجلود، وهي من الحيوانات التي بثها الله تعالى في الأرض، فالمطعوم من الأرض، والملبوس من الأرض. ثم قال: {وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وفيه إشارة إلى منافع كثيرة لا يعلمها إلا الله تعالى. ثم إنه سبحانه وتعالى جعل الأرض ساترة لقبائحك بعد مماتك، فقال: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَاء وَأَمْوٰتاً }تفسير : [المرسلات: 25،26]{أية : مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } تفسير : [طه: 55] ثم إنه سبحانه وتعالى جمع هذه المنافع العظيمة للسماء والأرض فقال: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الجاثية: 13]. الثالثة عشرة: ما فيها من الأحجار المختلفة، ففي صغارها ما يصلح للزينة فتجعل فصوصها للخواتم وفي كبارها ما يتخذ للأبنية، فانظر إلى الحجر الذي تستخرج النار منه مع كثرته، وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته. ثم انظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير، وقلة النفع بهذا الشريف. الرابعة عشرة: ما أودع الله تعالى فيها من المعادن الشريفة، كالذهب والفضة، ثم تأمل فإن البشر استخرجوا الحرف الدقيقة والصنائع الجليلة واستخرجوا السمكة من قعر البحر، واستنزلوا الطير من أوج الهواء ثم عجزوا عن إيجاد الذهب والفضة، والسبب فيه أنه لا فائدة في وجودهما إلا الثمينة، وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة فالقادر على إيجادهما يبطل هذه الحكمة، فلذلك ضرب الله دونهما باباً مسدوداً، إظهاراً لهذه الحكمة وإبقاء لهذه النعمة، ولذلك فإن ما لا مضرة على الخلق فيه مكنهم منه فصاروا متمكنين من اتخاذ الشبه من النحاس، والزجاج من الرمل، وإذا تأمل العاقل في هذه اللطائف والعجائب اضطر في افتقار هذه التدابير إلى صانع حكيم مقتدر عليم سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. الخامسة عشرة: كثرة ما يوجد على الجبال والأراضي من الأشجار التي تصلح للبناء، والسقف، ثم الحطب. وما أشد الحاجة إليه في الخبز والطبخ قد نبه الله تعالى على دلائل الأرض ومنافعها بألفاظ لا يبلغها البلغاء ويعجز عنها الفصحاء فقال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى مَدَّ ٱلأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ وَأَنْهَـٰراً وَمِن كُلّ ٱلثَّمَرٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ } تفسير : [الرعد: 3] وأما الأنهار فمنها العظيمة كالنيل، وسيحون، وجيحون، والفرات، ومنها الصغار، وهي كثيرة وكلها تحمل مياهاً عذبة للسقي والزراعة وسائر الفوائد. المسألة السادسة: في أن السماء أفضل أم الأرض؟ قال بعضهم: السماء أفضل لوجوه: أحدها: أن السماء متعبد الملائكة، وما فيها بقعة عصى الله فيها أحد. وثانيها: لما أتى آدم عليه السلام في الجنة بتلك المعصية قيل له اهبط من الجنة، وقال الله تعالى لا يسكن في جواري من عصاني. وثالثها: قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً } تفسير : [المؤمنون: 32] وقوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى جَعَلَ فِى ٱلسَّمَاء بُرُوجا } تفسير : [الفرقان: 61] ولم يذكر في الأرض مثل ذلك. ورابعها: أن في أكثر الأمر ورد ذكر السماء مقدماً على الأرض في الذكر. وقال آخرون: بل الأرض أفضل لوجوه «ا» أنه تعالى وصف بقاعاً من الأرض بالبركة بقوله: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَكَّةَ مُبَارَكاً } تفسير : [آل عمران: 96] «ب» {أية : فِى ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ } تفسير : [القصص: 30] «ج» {أية : إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ} تفسير : [الإسراء: 1] «د» وصف أرض الشام بالبركة فقال: {أية : مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } تفسير : [الأعراف: 137] وخامسها: وصف جملة الأرض بالبركة فقال: {أية : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ } تفسير : [فصلت: 9] إلى قوله: {أية : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا } تفسير : [فصلت: 10] فإن قيل: وأي بركة في الفلوات الخالية والمفاوز المهلكة؟ قلنا إنها مساكن للوحوش ومرعاها، ثم إنها مساكن للناس إذا احتاجوا إليها، فلهذه البركات قال تعالى: {أية : وَفِى ٱلأَرْضِ ءايَـٰتٌ لّلْمُوقِنِينَ } تفسير : [الذاريات: 20] وهذه الآيات وإن كانت حاصلة لغير الموقنين لكن لما لم ينتفع بها إلا الموقنون جعلها آيات للموقنين تشريفاً لهم كما قال: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } وسادسها: أنه سبحانه وتعالى خلق الأنبياء المكرمين من الأرض على ما قال: {أية : مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } تفسير : [طه: 55] ولم يخلق من السموات شيئاً لأنه قال: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً } تفسير : [الأنبياء: 32]. وسابعها: أن الله تعالى أكرم نبيه بها فجعل الأرض كلها مساجد له وجعل ترابها طهوراً. أما قوله: {ٱلسَّمَاء بِنَاء } ففيه مسائل: المسألة الأولى: أنه تعالى ذكر أمر السماوات والأرض في كتابه في مواضع، ولا شك أن إكثار ذكر الله تعالى من ذكر السماوات والأرض يدل على عظم شأنهما، وعلى أن له سبحانه وتعالى فيهما أسراراً عظيمة، وحكماً بالغة لا يصل إليها أفهام الخلق ولا عقولهم. المسألة الثانية: في فضائل السماء وهي من وجوه: الأول: أن الله تعالى زينها بسبعة أشياء بالمصابيح {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَاء ٱلدُّنْيَا بِمَصَـٰبِيحَ } تفسير : [الملك: 5] وبالقمر {أية : وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً } تفسير : [نوح: 16] وبالشمس {أية : وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً } تفسير : [نوح: 16] وبالعرش {أية : رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ } تفسير : [التوبة: 129] وبالكرسي {أية : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ } تفسير : [البقرة: 255] وباللوح {أية : فِى لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } تفسير : [البروج: 22] وبالقلم {أية : ن وَٱلْقَلَمِ } تفسير : [القلم: 1] فهذه سبعة: ثلاثة منها ظاهرة، وأربعة خفية: ثبتت بالدلائل السمعية من الآيات والأخبار. الثاني: أنه تعالى سمى السموات بأسماء تدل على عظم شأنها: سماء، وسقفاً محفوظاً، وسبعاً طباقاً، وسبعاً شداداً. ثم ذكر عاقبة أمرها فقال: {أية : وَإِذَا ٱلسَّمَاء فُرِجَتْ } تفسير : [المرسلات: 9]، {أية : وَإِذَا ٱلسَّمَاء كُشِطَتْ } تفسير : [التكوير: 11]، {أية : يَوْمَ نَطْوِى ٱلسَّمَاء } تفسير : [الأنبياء: 104]، {أية : يَوْمَ تَكُونُ ٱلسَّمَاء كَٱلْمُهْلِ } تفسير : [المعارج: 8]، {أية : يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَاء مَوْراً } تفسير : [الطور: 9]، {أية : فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ } تفسير : [الرحمن: 37] وذكر مبدأها في آيتين فقال: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَاء وَهِىَ دُخَانٌ } تفسير : [فصلت: 11] وقال: {أية : أَوَ لَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَـٰهُمَا } تفسير : [الأنبياء: 30] فهذا الاستقصاء الشديد في كيفية حدوثهما وفنائهما يدل على أنه سبحانه خلقهما لحكمة بالغة على ما قال: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً ذٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [صۤ: 27]، والثالث: أنه تعالى جعل السماء قبلة الدعاء: فالأيدي ترفع إليها، والوجوه تتوجه نحوها، وهي منزل الأنوار ومحل الصفاء والأضواء والطهارة والعصمة عن الخلل والفساد. الرابع: قال بعضهم السماوات والأرضون على صفتين، فالسماوات مؤثرة غير متأثرة. والأرضون متأثرة غير مؤثرة والمؤثر أشرف من القابل، فلهذا السبب قدم ذكر السماء على الأرض في الأكثر، وأيضاً ففي أكثر الأمر ذكر السموات بلفظ الجمع، والأرض بلفظ الواحد، فإنه لا بدّ من السموات الكثيرة ليحصل بسببها الاتصالات المختلفة للكواكب وتغير مطارح الشعاعات، وأما الأرض فقابلة فكانت الأرض الواحدة كافية. الخامس: تفكر في لون السماء وما فيه من صواب التدبير، فإن هذا اللون أشد الألوان موافقة للبصر وتقوية له، حتى أن الأطباء يأمرون من أصابه وجع العين بالنظر إلى الزرقة، فانظر كيف جعل الله تعالى أديم السماء ملوناً بهذا اللون الأزرق، لتنتفع به الأبصار الناظرة إليها، فهو سبحانه وتعالى جعل لونها أنفع الألوان، وهو المستنير وشكلها أفضل الأشكال، وهو المستدير، ولهذا قال: {أية : أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ إِلَى ٱلسَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَـٰهَا وَزَيَّنَّـٰهَا وما لَهَا مِن فُرُوجٍ } تفسير : [ق: 6] يعني ما فيها من فصول، ولو كانت سقفاً غير محيط بالأرض لكانت الفروج حاصلة. المسألة الثالثة: في بيان فضائل السماء وبيان فضائل ما فيها، وهي الشمس والقمر والنجوم أما الشمس فتفكر في طلوعها وغروبها، فلولا ذلك لبطل أمر العالم كله، فكيف كان الناس يسعون في معايشهم، ثم المنفعة في طلوع الشمس ظاهرة، ولكن تأمل النفع في غروبها فلولا غروبها لم يكن للناس هدو ولا قرار مع احتياجهم إلى الهدو والقرار لتحصيل الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء على ما قال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً } تفسير : [يونس: 67] وأيضاً فلولا الغروب لكان الحرص يحملهم على المداومة على العمل على ما قال: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلَّيْلَ لِبَاساً وَجَعَلْنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشاً }تفسير : [النبأ:10، 11] والثالث: أنه لولا الغروب لكانت الأرض تحمى بشروق الشمس عليها حتى يحترق كل ما عليها من حيوان، ويهلك ما عليها من نبات على ما قال: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً } تفسير : [الفرقان: 45] فصارت الشمس بحكمة الحق سبحانه وتعالى تطلع في وقت وتغيب في وقت، بمنزلة سراج يدفع لأهل بيت بمقدار حاجتهم ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا فصار النور والظلمة على تضادهما متعاونين متظاهرين على ما فيه صلاح العالم هذا كله في طلوع الشمس وغروبها. أما ارتفاع الشمس وانحطاطها فقد جعله الله تعالى سبباً لإقامة الفصول الأربعة ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منه مواد الثمار ويلطف الهواء ويكثر السحاب والمطر، ويقوي أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن، وفي الربيع تتحرك الطبائع وتظهر المواد المتولدة في الشتاء فيطلع النبات وينور الشجر ويهيج الحيوان للسفاد، وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار، وتنحل فضول الأبدان، ويجف وجه الأرض، ويتهيأ للبناء والعمارات، وفي الخريف يظهر اليبس والبرد فتنتقل الأبدان قليلاً قليلاً إلى الشتاء، فإنه إن وقع الانتقال دفعة واحدة هلكت الأبدان وفسدت، وأما حركة الشمس فتأمل في منافعها، فإنها لو كانت واقفة في موضع واحد لاشتدت السخونة في ذلك الموضع واشتد البرد في سائر المواضع، لكنها تطلع في أول النهار من المشرق فتقع على ما يحاذيها من وجه المغرب، ثم لا تزال تدور وتغشى جهة بعد جهة حتى تنتهي إلى الغروب فتشرق على الجوانب الشرقية فلا يبقى موضع مكشوف إلا ويأخذ حظاً من شعاع الشمس، وأيضاً كأن الله تعالى يقول لو وقفت في جانب الشرق والغنى قد رفع بناءه على كوة الفقير، فكان لا يصل النور إلى الفقير، لكنه تعالى يقول إن كان الغني منعه نور الشمس فأنا أدير الفلك وأديرها عليه حتى يأخذ الفقير نصيبه. وأما منافع ميلها في حركتها عن خط الاستواء، فنقول: لو لم يكن للكواكب حركة في الميل لكان التأثير مخصوصاً ببقعة واحدة فكان سائر الجوانب يخلو عن المنافع الحاصلة منه وكان الذي يقرب منه متشابه الأحوال، وكانت القوة هناك لكيفية واحدة، فإن كانت حارة أفنت الرطوبات وأحالتها كلها إلى النارية ولم تتكون المتولدات فيكون الموضع المحاذي لممر الكواكب على كيفية، وخط ما لا يحاذيه على كيفية أخرى وخط متوسط بينهما على كيفية متوسطة فيكون في موضع شتاء دائم يكون فيه الهواء والعجاجة وفي موضع آخر صيف دائم يوجب الاحتراق، وفي موضع آخر ربيع أو خريف لا يتم فيه النضج ولو لم يكن عودات متتالية؛ وكانت الكواكب تتحرك بطيئاً لكان الميل قليل المنفعة وكان التأثير شديد الأفراط، وكان يعرض قريباً مما لم يكن ميل، ولو كانت الكواكب أسرع حركة من هذه لما كملت المنافع وما تمت، فأما إذا كان هناك ميل يحفظ الحركة في جهة مدة، ثم تنتقل إلى جهة أخرى بمقدار الحاجة وتبقى في كل جهة برهة من الدهر تم بذلك تأثيره وكثرت منفعته، فسبحان الخالق المدبر بالحكمة البالغة والقدرة الغير المتناهية. هذا أما القمر، وهو المسمى بآية الليل: فاعلم أنه سبحانه وتعالى جعل طلوعه وغيبته مصلحة، وجعل طلوعه في وقت مصلحة، وغروبه في وقت آخر مصلحة، أما غروبه ففيه نفع لمن هرب من عدوه فيستره الليل يخفيه فلا يلحقه طالب فينجو، ولولا الظلام لأدركه العدو، وهو المراد من قول المتنبي:شعر : وكم لظلام الليل عندي من يد تخبر أن المانوية تكذب تفسير : وأما طلوعه ففيه نفع لمن ضل عنه شيء أخفاه الظلام وأظهره القمر. ومن الحكايات: أن أعرابياً نام عن جمله ليلاً ففقده، فلما طلع القمر وجده فنظر إلى القمر وقال: إن الله صورك ونورك، وعلى البروج دورك، فإذا شاء نورك، وإذا شاء كورك، فلا أعلم مزيداً أسأله لك، ولئن أهديت إليّ سروراً لقد أهدى الله إليك نوراً، ثم أنشأ يقول:شعر : ماذا أقول وقولي فيك ذو قصر وقد كفيتني التفصيل والجملا إن قلت لا زلت مرفوعا فأنت كذا أو قلت زانك ربي فهو قد فعلا تفسير : ولقد كان في العرب من يذم القمر ويقول: القمر يقرب الأجل، ويفضح السارق، ويدرك الهارب. ويهتك العاشق، ويبلي الكتان، ويهرم الشبان، وينسى ذكر الأحباب، ويقرب الدين، ويدني الحين. وكان فيهم أيضاً من يفضل القمر على الشمس من وجوه: أحدها: أن القمر مذكر. والشمس مؤنث لكن المتنبي طعن فيه بقوله:شعر : فما التأنيث لاسم الشمس عيب ولا التذكير فخر للهلال تفسير : وثانيها: أنهم قالوا: القمران، فجعلوا الشمس تابعة للقمر، ومنهم من فضل الشمس على القمر بأن الله تعالى قدمها على القمر في قوله: {أية : ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ } تفسير : [الرحمن: 5]، {أية : والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها} تفسير : [الشمس:1, 2] إلا أن هذه الحجة منقوضة بقوله: {أية : فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ } تفسير : [التغابن: 2] وقال: {أية : لاَ يَسْتَوِى أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [الحشر: 20] وقال: {أية : خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } تفسير : [الملك: 2] وقال: {أية : إِنَّ مَعَ ٱلْعُسْرِ يُسْراً } تفسير : [الشرح: 6] وقال: {أية : فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ } تفسير : [فاطر: 32] الآية. أما النجوم: ففيها منافع. المنفعة الأولى: كونها رجوماً للشياطين، والثانية: معرفة القبلة بها، والثالثة: أن يهتدي بها المسافر في البر والبحر، قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } تفسير : [الأنعام: 97] ثم النجوم على ثلاثة أقسام: غاربة لا تطلع كالكواكب الجنوبية، وطالعة لا تغرب كالشمالية، ومنها ما يغرب تارة ويطلع أخرى، وأيضاً منها ثوابت، ومنها سيارات، ومنها شرقية، ومنها غربية والكلام فيها طويل. أما الذي تدعيه الفلاسفة من معرفة الأجرام والأبعاد.شعر : فدع عنك بحراً ضل فيه السوابح تفسير : قال تعالى: {أية : عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } تفسير : [الجن: 26، 27] وقال: {أية : وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [الإسراء: 85] وقال: {أية : وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَائِنُ ٱللَّهِ وَلا أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ } تفسير : [هود:31] وقال: {أية : مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ } تفسير : [الكهف: 51] فقد عجز الخلق عن معرفة ذواتهم وصفاتهم فكيف يقدرون على معرفة أبعد الأشياء عنهم، والعرب مع بعدهم عن معرفة الحقائق عرفوا ذلك، قال قائلهم:شعر : وأعرف ما في اليوم والأمس قبله ولكنني عن علم ما في غد عمي تفسير : وقال لبيد:شعر : فوالله ما تدري الضوارب بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع تفسير : المسألة الرابعة: في شرح كون السماء بناء، قال الجاحظ: إذا تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منورة كالمصابيح والإنسان كمالك البيت المتصرف فيه، وضروب النبات مهيأة لمنافعه وضروب الحيوانات مصرفة في مصالحه، فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل وتقدير شامل وحكمة بالغة وقدرة غير متناهية والله أعلم. أما قوله تعالى: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ } فاعلم أن الله تعالى لما خلق الأرض وكانت كالصدف والدرة المودعة فيه آدم وأولاده، ثم علم الله أصناف حاجاتهم فكأنه قال يا آدم لا أحوجك إلى شيء غير هذه الأرض التي هي لك كالأم فقال: {أية : أَنَّاْ صَبَبْنَا ٱلْمَاء صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً } تفسير : [عبس: 25، 26] فانظر يا عبدي أن أعز الأشياء عندك الذهب والفضة، ولو أني خلقت الأرض من الذهب والفضة هل كان يحصل منها هذه المنافع، ثم إني جعلت هذه الأشياء في هذه الدنيا مع أنها سجن، فكيف الحال في الجنة، فالحاصل أن الأرض أمك بل أشفق من الأم؛ لأن الأم تسقيك لوناً واحداً من اللبن، والأرض تطعمك كذا وكذا لوناً من الأطعمة، ثم قال: {أية : مِنْهَا خَلَقْنَـٰكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ } تفسير : [طه: 55] معناه نردكم إلى هذه الأم، وهذا ليس بوعيد؛ لأن المرء لا يوعد بأمه وذلك لأن مكانك من الأم التي ولدتك أضيق من مكانك من الأرض، ثم إنك كنت في بطن الأم تسعة أشهر فما مسك جوع ولا عطش، فكيف إذا دخلت بطن الأم الكبرى، ولكن الشرط أن تدخل بطن هذه الأم الكبرى، كما كنت في بطن الأم الصغرى؛ لأنك حين كنت في بطن الأم الصغرى ما كانت لك زلة، فضلاً عن أن تكون لك كبيرة، بل كنت مطيعاً لله بحيث دعاك مرة إلى الخروج إلى الدنيا فخرجت إليها بالرأس طاعة منك لربك، واليوم يدعوك سبعين مرة إلى الصلاة فلا تجيبه برجلك، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر الأرض والسماء بين ما بينهما من شبه عقد النكاح بإنزال الماء من السماء على الأرض والإخراج به من بطنها أشباه النسل الحاصل من الحيوان، ومن أنواع الثمار رزقاً لبني آدم ليتفكروا في أنفسهم وفي أحوال ما فوقهم وما تحتهم، ويعرفوا أن شيئاً من هذه الأشياء لا يقدر على تكوينها وتخليقها إلا من كان مخالفاً لها في الذات والصفات، وذلك هو الصانع الحكيم سبحانه وتعالى. وههنا سؤالات: السؤال الأول: هل تقولون إن الله تعالى هو الخالق لهذه الثمرات عقيب وصول الماء إليها بمجرى العادة، أو تقولون إن الله تعالى خلق في الماء طبيعة مؤثرة، وفي الأرض طبيعة قابلة، فإذا اجتمعا حصل الأثر من تلك القوة التي خلقها الله تعالى؟ والجواب: لا شك أن على كلا القولين لا بدّ من الصانع الحكيم وأما التفصيل فنقول: لا شك أنه تعالى قادر على خلق هذه الثمار ابتداء من غير هذه الوسائط لأن الثمرة لا معنى لها إلا جسم قام به طعم ولون ورائحة ورطوبة، والجسم قابل لهذه الصفات، وهذه الصفات مقدورة لله تعالى ابتداء لأن المصحح للمقدورية إما الحدوث، أو الإمكان، وإما هما وعلى التقديرات فإنه يلزم أن يكون الله تعالى قادراً على خلق هذه الأعراض في الجسم ابتداء بدون هذه الوسائط، ومما يؤكد هذا الدليل العقلي من الدلائل النقلية ما ورد الخبر بأنه تعالى يخترع نعيم أهل الجنة للمثابين من غير هذه الوسائط، إلا أنا نقول قدرته على خلقها ابتداء لا تنافي قدرته عليها بواسطة خلق هذه القوى المؤثرة والقابلة في الأجسام، وظاهر قول المتأخرين من المتكلمين إنكار ذلك ولا بدّ فيه من دليل. السؤال الثاني: لما كان قادراً على خلق هذه الثمار بدون هذه الوسائط فما الحكمة في خلقها بهذه الوسائط في هذه المدة الطويلة؟ والجواب: يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد. ثم ذكروا من الحكم المفصلة وجوهاً: أحدها: أنه تعالى إنما أجرى العادة بأن لا يفعل ذلك إلا على ترتيب وتدريج، لأن المكلفين إذا تحلوا المشقة في الحرث والغرس طلباً للثمرات وكدوا أنفسهم في ذلك حالاً بعد حال علموا أنهم لما احتاجوا إلى تحمل هذه المشاق لطلب هذه المنافع الدنيوية، فلأن يتحملوا مشاق أقل من المشاق الدنيوية لطلب المنافع الأخروية التي هي أعظم من المنافع الدنيوية كان أولى، وصار هذا كما قلنا أنه تعالى قادر على خلق الشفاء من غير تناول الدواء لكنه أجرى عادته بتوقيفه عليه لأنه إذا تحمل مرارة الأدوية دفعاً لضرر المرض، فلأن يتحمل مشاق التكليف دفعاً لضرر العقاب كان أولى وثانيها: أنه تعالى لو خلقها دفعة من غير هذه الوسائط لحصل العلم الضروري بإسنادها إلى القادر الحكيم، وذلك كالمنافي للتكليف والابتلاء أما لو خلقها بهذه الوسائط فحينئذٍ يفتقر المكلف في إسنادها إلى القادر إلى نظر دقيق، وفكر غامض فيستوجب الثواب، ولهذا قيل: لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب. وثالثها: أنه ربما كان للملائكة ولأهل الاستبصار عبر في ذلك وأفكار صائبة. السؤال الثالث: قوله: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء } يقتضي نزول المطر من السماء وليس الأمر كذلك فإن الأمطار إنما تتولد من أبخرة ترتفع من الأرض وتتصاعد إلى الطبقة الباردة من الهواء فتجتمع هناك بسبب البرد وتنزل بعد اجتماعها وذلك هو المطر. والجواب من وجوه: أحدها: أن السماء إنما سميت سماء لسموها فكل ما سماك فهو سماء فإذا نزل من السحاب فقد نزل من السماء وثانيها: أن المحرك لإثارة تلك الأجزاء الرطبة من عمق الأرض الأجزاء الرطبة {أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاء مَآء } وثالثها: أن قول الله هو الصدق وقد أخبر أنه تعالى ينزل المطر من السماء، فإذا علمنا أنه مع ذلك ينزل من السحاب فيجب أن يقال ينزل من السماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض. السؤال الرابع: ما معنى من في قوله: {مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ } الجواب فيه وجهان: أحدهما: التبعيض لأن المنكرين أعني ماء ورزقاً يكتنفانه وقد قصد بتنكيرهما معنى البعضية فكأنه قيل وأنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم. والثاني: أن يكون للبيان كقولك أنفقت من الدراهم إنفاقاً، فإن قيل فبم انتصب رزقاً؟ قلنا إن كان من للتبعيض كان انتصابه بأنه مفعول له. وإن كا نت مبينة كان مفعولاً لأخرج. السؤال الخامس: الثمر المخرج بماء السماء كثير، فلم قيل الثمرات دون الثمر أو الثمار؟ الجواب: تنبيهاً على قلة ثمار الدنيا وإشعاراً بتعظيم أمر الآخرة والله أعلم. أما قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } ففيه سؤالات: السؤال الأول: بم تعلق قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ } الجواب فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتعلق بالأمر، أي أعبدوا {فلا تجعلوا لله أنداداً} فإن أصل العبادة وأساسها التوحيد. وثانيها: بلعل، والمعنى خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه فلا تثبتوا له نداً فإنه من أعظم موجبات العقاب. وثالثها: بقوله: {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً } أي هو الذي خلق لكم هذه الدلائل الباهرة فلا تتخذوا له شركاء السؤال الثاني: ما الند؟ الجواب: أنه المثل المنازع وناددت الرجل نافرته من ند ندوداً إذا نفر كأن كل واحد من الندين يناد صاحبه أي ينافره ويعانده، فإن قيل إنهم لم يقولوا إن الأصنام تنازع الله. قلنا لما عبدوها وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة قادرة على منازعته فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم وكما تهكم بلفظ الند شنع عليهم بأنهم جعلوا أنداداً كثيرة لمن لا يصلح أن يكون له ند قط، وقرأ محمد بن السميفع فلا تجعلوا لله نداً. السؤال الثالث: ما معنى {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } الجواب: معناه إنكم لكمال عقولكم تعلمون أن هذه الأشياء لا يصح جعلها أنداداً لله تعالى، فلا تقولوا ذلك فإن القول القبيح ممن علم قبحه يكون أقبح وههنا مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله شريكاً يساويه في الوجود والقدرة والعلم والحكمة، وهذا مما لم يوجد إلى الآن لكن الثنوية يثبتون إلهين: أحدهما: حليم يفعل الخير والثاني: سفيه يفعل الشر، وأما اتخاذ معبود سوى الله تعالى ففي الذاهبين إلى ذلك كثرة، الفريق الأول: عبدة الكواكب وهم الصابئة، فإنهم يقولون إن الله تعالى خلق هذه الكواكب، وهذه الكواكب هي المدبرات لهذا العالم، قالوا فيجب علينا أن نعبد الكواكب، والكواكب تعبد الله تعالى. والفريق الثاني: النصارى الذين يعبدون المسيح عليه السلام. والفريق الثالث: عبدة الأوثان، واعلم أنه لا دين أقدم من دين عبدة الأوثان، وذلك لأن أقدم الأنبياء الذين نقل إلينا تاريخهم هو نوح عليه السلام، وهو إنما جاء بالرد عليهم على ما أخبر الله تعالى عن قومه في قوله: {أية : وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ ءالِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً } تفسير : [نوح: 23] فعلمنا أن هذه المقالة كانت موجودة قبل نوح عليه السلام. وهي باقية إلى الآن بل أكثر أهل العالم مستمرون على هذه المقالة. والدين والمذهب الذي هذا شأنه يستحيل أن يكون بحيث يعرف فساده بالضرورة لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السموات والأرض علم ضروري فيستحيل إطباق الجمع العظيم عليه، فوجب أن يكون لعبدة الأوثان غرض آخر سوى ذلك والعلماء ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي في بعض مصنفاته أن كثيراً من أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله وملائكته ويعتقدون أن الله تعالى جسم وذو صورة كأحسن ما يكون من الصور، وهكذا حال الملائكة أيضاً في صورهم الحسنة، وأنهم كلهم قد احتجبوا عنا بالسماء وأن الواجب عليهم أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر حسنة الرواء على الهيئة التي كانوا يعتقدونها من صور الإله والملائكة، فيعكفون على عبادتها قاصدين طلب الزلفى إلى الله تعالى وملائكته فإن صح ما ذكره أبو معشر فالسبب في عبادة الأوثان اعتقاد الشبه. وثانيها: ما ذكره أكثر العلماء وهو أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب فإن بحسب قرب الشمس وبعدها عن سمت الرأس تحدث الفصول المختلفة والأحوال المتباينة، ثم إنهم رصدوا أحوال سائر الكواكب فاعتقدوا ارتباط السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها، فمنهم من اعتقد أنها أشياء واجبة الوجود لذواتها وهي التي خلقت هذه العوالم، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة للإله الأكبر لكنها خالقة لهذا العالم، فالأولون اعتقدوا أنها هي الإله في الحقيقة والفريق الثاني: أنها هي الوسائط بين الله تعالى وبين البشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها، ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار اتخذوا لها أصناماً وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادات تلك الأجرام العالية، ومتقربين إلى أشباحها الغائبة، ثم لما طالت المدة ألغوا ذكر الكواكب وتجردوا لعبادة تلك التماثيل، فهؤلاء في الحقيقة عبدة الكواكب. وثالثها: أن أصحاب الأحكام كانوا يعينون أوقاتاً في السنين المتطاولة نحو الألف والألفين ويزعمون أن من اتخذ طلسماً في ذلك الوقت على وجه خاص فإنه ينتفع به في أحوال مخصوصة نحو السعادة والخصب ودفع الآفات وكانوا إذا اتخذوا ذلك الطلسم عظموه لاعتقادهم أنهم ينتفعون به فلما بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك كالعبادة ولما طالت مدة ذلك الفعل نسوا مبدأ الأمر واشتغلوا بعبادتها على الجهالة بأصل الأمر. ورابعها: أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون فيه أنه مجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند الله تعالى اتخذوا صنماً على صورته يعبدونه على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعاً لهم يوم القيامة عند الله تعالى على ما أخبر الله تعالى عنهم بهذه المقالة في قوله: {أية : هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ } تفسير : [يونس: 18] وخامسها: لعلهم اتخذوها محاريب لصلواتهم وطاعاتهم ويسجدون إليها لا لها كما أنا نسجد إلى القبلة لا للقبلة ولما استمرت هذه الحالة ظن الجهال من القوم أنه يجب عبادتها. وسادسها: لعلهم كانوا من المجسمة فاعتقدوا جواز حلول الرب فيها فعبدوها على هذا التأويل، فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل هذه المقالة عليها حتى ليصير بحيث يعلم بطلانه بضرورة العقل. المسألة الثانية: فإن قال قائل: لما رجع حاصل مذهب عبدة الأوثان إلى هذه الوجوه التي ذكرتموها فمن أين يلزم من إثبات خالق العالم أن لا يجوز عبادة الأوثان؟ الجواب قلنا: إنه تعالى إنما نبه على كون الأرض والسماء مخلوقتين بما بينا أن الأرض والسماء يشاركون سائر الأجسام في الجسمية فلا بدّ وأن يكون اختصاص كل واحد منهما بما اختص به من الأشكال والصفات والأخبار بتخصيص مخصص وبينا أن ذلك المخصص لو كان جسماً لافتقر هو أيضاً إلى مخصص آخر، فوجب أن لا يكون جسماً، إذا ثبت هذا فنقول: أما قول من ذهب إلى عبادة الأوثان بناءً على اعتقاد الشبه فلما دللنا بهذه الدلالة على نفي الجسمية فقد بطل قوله، وأما القو ل الثاني: وهو أن هذه الكواكب هي المدبرة لهذا العالم فلما أقمنا الدلالة على أن كل جسم يفتقر في اتصافه بكل ما اتصف به إلى الفاعل المختار بطل كونها آلهة، وثبت أنها عبيد لا أرباب، وأما القول الثالث: وهو قول أصحاب الطلسمات فقد بطل أيضاً لأن تأثير الطلسمات إنما يكون بواسطة قوى الكواكب، فلما دللنا على حدوث الكواكب ثبت قولنا وبطل قولهم. وأما القول الرابع والخامس: فليس في العقل ما يوجه أو يحيله، لكن الشرع لما منع منه وجب الامتناع عنه. وأما القول السادس: فهو أيضاً بناءً على التشبيه فثبت بما قدمنا أن إقامة الدلالة على افتقار العالم إلى الصانع المختار المنزه عن الجسمية يبطل القول بعبادة الأوثان على كل التأويلات والله أعلم. المسألة الثالثة: اعلم أن اليونانيين كانوا قبل خروج الإسكندر عمدوا إلى بناء هياكل لهم معروفة بأسماء القوى الروحانية والأجرام النيرة واتخذوها معبوداً لهم على حدة، وقد كان هيكل العلة الأولى ـ وهي عندهم الأمر الإلهي ـ وهيكل العقل الصريح، وهيكل السياسة المطلقة. وهيكل النفس والصورة مدورات كلها، وكان هيكل زحل مسدساً. وهيكل المشتري مثلثاً. وهيكل المريخ مستطيلاً، وهيكل الشمس مربعاً، وكان هيكل الزهرة مثلثاً في جوفه مربع وهيكل عطارد مثلثاً في جوفه مستطيل، وهيكل القمر مثمناً فزعم أصحاب التاريخ أن عمرو بن لحي لما ساد قومه وترأس على طبقاتهم وولي أمر البيت الحرام اتفقت له سفرة إلى البلقاء فرأى قوماً يعبدون الأصنام فسألهم عنها فقالوا هذه أرباب نستنصر بها فننصر، ونستستقي بها فنسقى. فالتمس إليهم أن يكرموه بواحد منها فأعطوه الصنم المعروف بهبل فسار به إلى مكة ووضعه في الكعبة ودعا الناس إلى تعظيمه، وذلك في أول ملك سابور ذي الأكتاف. واعلم أن من بيوت الأصنام المشهورة «غمدان» الذي بناه الضحاك على اسم الزهرة بمدينة صنعاء وخربه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، ومنها «نوبهار بلخ» الذي بناه منو شهرالملك على اسم القمر ثم كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل «ود» بدومة الجندل لكلب و « سواع» لبني هذيل و «يغوث» لبني مذحج و «يعوق» لهمدان و «نسر» بأرض حمير لذي الكلاع و «اللات» بالطائف لثقيف و «مناة» بيثرب للخزرج و «العزى» لكنانة بنواحي مكة و «أساف ونائلة» على الصفا والمروة وكان قصي جد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن عبادتها ويدعوهم إلى عبادة الله تعالى، وكذلك زيد بن عمرو بن نفيل وهو الذي يقول:شعر : أربَّاً واحداً أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزى جميعا كذلك يفعل الرجل البصير
القرطبي
تفسير : قوله سبحانه وتعالى: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} قال علقمة ومجاهد: كل آية أوّلها «يأَيها الناس» فإنما نزلت بمكة، وكل آية أوّلها «يأَيها الذِين آمنوا» فإنما نزلت بالمدينة. قلت: وهذا يردّه أن هذه السورة والنساء مدنِيّتان وفيهما يأيها الناس. وأما قولهما في «يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» فصحيح. وقال عُرْوة بن الزبير: ما كان من حَدّ أو فريضة فإنه نزل بالمدينة، وما كان من ذكر الأمم والعذاب فإنه نزل بمكة. وهذا واضح. و «يا» في قوله: «يأَيها» حرف نداء. «أيُّ» منادَى مفرد مبنيّ على الضم؛ لأنه منادى في اللفظ، و «ها» للتنبيه. «الناسُ» مرفوع صفة لأي عند جماعة النحويين؛ ما عدا المازني فإنه أجاز النصب قياسًا على جوازه في: يا هذا الرجل. وقيل: ضُمّت «أي» كما ضُمّ المقصود المفرد، وجاءوا بـ «ها» عِوَضًا عن ياء أخرى، وإنما لم يأتوا بياء لئلا ينقطع الكلام فجاءوا بـ «ها» حتى يبقى الكلام متصلا. قال سيبويه: كأنك كررت «يا» مرتين وصار الاسم بينهما؛ كما قالوا: ها هو ذا. وقيل: لما تعذّر عليهم الجمع بين حرفي تعريف أتوا في الصورة بمنادى مجرّد عن حرف تعريف، وأجروْا عليه المعرّف باللام المقصود بالنداء، وٱلتزموا رفعه؛ لأنه المقصود بالنداء؛ فجعلوا إعرابه بالحركة التي كان يستحقها لو باشرها النداء تنبيهاً على أنه المنادى؛ فٱعلمه. وٱخْتُلِفَ من المراد بالناس هنا على قولين: أحدهما: الكفار الذين لم يعبدوه؛ يدل عليه قوله: {أية : وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} تفسير : [البقرة: 23]. الثاني: أنه عام في جميع الناس؛ فيكون خطابه للمؤمنين بٱستدامة العبادة، وللكافرين بٱبتدائها. وهذا حَسَن. قوله تعالى: {ٱعْبُدُواْ} أمْرٌ بالعبادة له. والعبادة هنا عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه. وأصل العبادة الخضوع والتذلل؛ يقال: طريق مُعَبَّدة إذا كانت موطوءةً بالأقدام. قال طرفة:شعر : وظِيفاً وظيفا فوق مَوْرٍ مُعَبَّدِ تفسير : والعبادة: الطاعة. والتعبد: التَّنَسُّك. وعبَّدت فلاناً: ٱتخذته عبداً. قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} خصّ تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته إذ كانت العرب مُقِرّة بأن الله خلقها؛ فذكر ذلك حجةً عليهم وتقريعاً لهم. وقيل: ليذكرهم بذلك نعمته عليهم. وفي أصل الخلق وجهان: أحدهما: التقدير؛ يقال خَلقتُ الأدِيم للسقاء إذا قدّرته قبل القطع؛ قال الشاعر:شعر : وَلأنتَ تَفْرِي ما خَلقتَ وبعـ ـضُ القوم يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِي تفسير : وقال الحجاج: ما خَلَقْتُ إلاّ فَرَيْتُ، ولا وَعَدْتُ إلاّ وَفّيْتُ. الثاني: الإنشاء والاختراع والإبداع؛ قال الله تعالى: {أية : وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} تفسير : [العنكبوت: 17]. قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} فيقال إذا ثبت عندهم خلقهم ثبت عندهم خلق غيرهم؛ فالجواب: أنه إنما يجري الكلام على التنبيه والتذكير ليكون أبلغ في العظة؛ فذكّرهم مَن قبلهم ليعلموا أن الذي أمات من قبلهم وهو خَلَقهم يميتهم؛ وليفكّروا فيمن مضى قبلهم كيف كانوا، وعلى أيّ الأمور مضوْا من إهلاك من أهلك؛ وليعلموا أنهم يُبتلون كما ٱبتلُوا. والله أعلم. قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} «لعلّ» متصلة بٱعبدوا لا بخلقكم؛ لأن من ذَرَأه الله لجهنم لم يخلقه ليتّقي. وهذا وما كان مثله فيما ورد في كلام الله تعالى من قوله: {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} فيه ثلاثة تأويلات: الأوْل: أن «لَعلّ» على بابها من الترجّي والتوقّع، والترجّي والتوقّع إنما هو في حيّز البشر؛ فكأنه قيل لهم: ٱفعلوا ذلك على الرجاء منكم والطمع أن تعقلوا وأن تذكروا وأن تتقوا. هذا قول سيبويه ورؤساء اللسان. قال سيبويه في قوله عز وجل: {أية : ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ}تفسير : [طهۤ: 43 ـ 44] قال معناه: اذهبا على طمعكما ورجائكما أن يتذكّر أو يخشى. وٱختار هذا القول أبو المعالي. الثاني: أن العرب ٱستعملت «لَعلّ» مجرّدة من الشك بمعنى لام كي. فالمعنى لتعقلوا ولتذكروا ولتتقوا؛ وعلى ذلك يدل قول الشاعر:شعر : وقلتم لنا كُفُّوا الحروبَ لعلّنا نَكُفُّ ووثّقتم لنا كلّ مَوْثِقِ فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كَلَمْعِ سَرابٍ في المَلا مُتَألِّقِ تفسير : المعنى: كفُّوا الحروب لنكُفّ، ولو كانت «لعل» هنا شكّاً لم يوثقوا لهم كل موثق؛ وهذا القول عن قُطْرُب والطبري. الثالث: أن تكون «لعل» بمعنى التعرّض للشيء؛ كأنه قيل: ٱفعلوا ذلك متعرّضين لأن تعقلوا، أو لأن تذكروا أو لأن تتقوا. والمعنى في قوله {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: أي لعلكم أن تجعلوا بقبول ما أمركم الله به وقاية بينكم وبين النار. وهذا من قول العرب: ٱتقاه بحقه إذا ٱستقبله به؛ فكأنه جعل دفعه حقه إليه وقاية له من المطالبة؛ ومنه قول عليّ رضي الله عنه: كنا إذا ٱحمرّ البأس ٱتقينا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ أي جعلناه وقاية لنا من العدوّ. وقال عنترة:شعر : ولقد كَرَرْتُ المُهْرَ يَدْمَى نَحْرُه حتى ٱتّقتني الخيلُ بٱبني حِذْيَم
البيضاوي
تفسير : { يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ } لما عدد فرق المكلفين وذكر خواصهم ومصارف أمورهم، أقبل عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات هَزّاً للسامع وتنشيطاً له واهتماماً بأمر العبادة، وتفخيماً لشأنها، وجبراً لكلفة العبادة بلذة المخاطبة. و (يـا) حرف وضع لنداء البعيد، وقد ينادي به القريب تنزيلاً له منزلة البعيد. إما لعظمته كقول الداعي: يا رب، ويا الله، هو أقرب إليه من حبل الوريد. أو لغفلته وسوء فهمه. أو للاعتناء بالمدعو له وزيادة الحث عليه. وهو مع المنادى جملة مفيدة، لأنه نائب مناب فعل. وأي: جعل وصلة إلى نداء المعرف باللام، فإن إدخال «يا» عليه متعذر لتعذر الجمع بين حرفي التعريف فإنهما كمثلين وأعطي حكم المنادى وأجري عليه المقصود بالنداء وصفاً موضحاً له، والتزام رفعه إشعاراً بأنه المقصود، وأقحمت بينهما هاء التنبيه تأكيداً وتعويضاً عما يستحقه، أي من المضاف إليه، وإنما كثر النداء على هذه الطريقة في القرآن لاستقلاله بأوجه من التأكيد، وكل ما نادى الله له عباده من حيث إنها أمور عظام، من حقها أن يتفطنوا إليها، ويقبلوا بقلوبهم عليها، وأكثرهم عنها غافلون، حقيق بأن ينادي له بالآكد الأبلغ والجموع وأسماؤها المحلاة باللام للعموم حيث لا عهد، ويدل عليه صحة الاستثناء منها. أو التأكيد بما يفيد العموم كقوله تعالى:{أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } تفسير : [الحجر: 30] واستدلال الصحابة بعمومها شائعاً وذائعاً، فالناس يعم الموجودين وقت النزول لفظاً ومن سيوجد، لما تواتر من دينه عليه الصلاة والسلام أن مقتضى خطابه وأحكامه شامل للقبيلين، ثابت إلى قيام الساعة إلا ما خصه الدليل، وما روي عن علقمة والحسن أن كل شيء نزل فيه {يَا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } فمكي {وَيَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمنوا} فمدني، إن صح رفعه فلا يوجب تخصيصه بالكفار، ولا أمرهم بالعبادة، فإن المأمور به هو القدر المشترك بين بدء العبادة، والزيادة فيها، والمواظبة عليها، فالمطلوب من الكفار هو الشروع فيها بعد الإتيان بما يجب تقديمه من المعرفة والإقرار بالصانع، فإن من لوازم وجوب الشيء وجوب ما لا يتم إلا به، وكما أن الحدث لا يمنع وجوب الصلاة، فالكفر لا يمنع وجوب العبادة، بل يجب رفعه والاشتغال بها عقيبه. ومن المؤمنين ازديادهم وثباتهم عليها وإنما قال: {رَبُّكُـمْ } تنبيهاً على أن الموجب للعبادة هي الربوبية. {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ } صفة جَرَتْ عليه تعالى للتعظيم والتعليل، ويحتمل التقييد والتوضيح إن خص الخطاب بالمشركين، وأريد بالرَّب أعم من الرب الحقيقي، والآلهة التي يسمونها أرباباً. والخلق إيجاد الشيء على تقدير واستواء، وأصله التقدير يقال: خلق النعل إذا قدرها وسواها بالمقياس. {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ } متناول كل ما يتقدم الإنسان بالذات أو بالزمان. منصوب معطوف على الضمير المنصوب في {خَلَقَكُمْ }. والجملة أُخْرِجَتْ مَخْرَجَ المقرر عندهم، إما لاعترافهم به كما قال الله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }تفسير : [الزخرف: 87] أو لتمكنهم من العلم به بأدنى نظر! وقرىء {مِن قَبْلِكُمْ } على إقحام الموصول الثاني بين الأول وصلته تأكيداً، كما أقحم جرير في قوله:شعر : يا تيم تيمَ عُدَيٍّ لا أبا لَكمُو تفسير : تيماً، الثاني بين الأول وما أضيف إليه. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} حال من الضمير في {ٱعْبُدُواْ} كأنه قال: اعبدوا ربكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح، المستوجبين جوار الله تعالى. نبه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين وهو التبري من كل شيء سوى الله تعالى إلى الله، وأن العابد ينبغي أن لا يغتر بعبادته، ويكون ذا خوف ورجاء قال تعالى: {أية : يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً } تفسير : [السجدة: 16] {أية : يَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَـٰفُونَ عَذَابَهُ }تفسير : [الإسراء: 57] أو من مفعول {خَلَقَكُمْ } والمعطوف عليه على معنى أنه خلقكم ومن قبلكم في صورة من يرجى منه التقوى لترجح أمره باجتماع أسبابه، وكثرة الدواعي إليه. وغلب المخاطبين على الغائبين في اللفظ، والمعنى على إرادتهم جميعاً. وقيل تعليل للخلق أي خلقكم لكي تتقوا كما قال: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] وهو ضعيف إذ لم يثبت في اللغة مثله. والآية تدل على أن الطريق إلى معرفة الله تعالى والعلم بوحدانيته واستحقاقه للعبادة، النظر في صنعه والاستدلال بأفعاله، وأن العبد لا يستحق بعبادته عليه ثواباً، فإنها لما وجبت عليه شكراً لما عدده عليه من النعم السابقة فهو كأجير أخذ الأجر قبل العمل.
ابن كثير
تفسير : شرع تبارك وتعالى في بيان وحدانية ألوهيته بأنه تعالى هو المنعم على عبيده بإخراجهم من العدم إلى الوجود، وإسباغه عليهم النعم الظاهرة والباطنة؛ بأن جعل لهم الأرض فراشاً، أي: مهداً كالفراش، مقررة موطأة، مثبتة بالرواسي الشامخات، والسماء بناء، وهو السقف، كما قال في الآية الأخرى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ ءَايَـٰتِهَا مُعْرِضُونَ}تفسير : [الأنبياء: 23] وأنزل لهم من السماء ماء والمراد به السحاب ههنا في وقته عند احتياجهم إليه، فأخرج لهم به من أنواع الزروع والثمار ما هو مشاهد؛ رزقاً لهم ولأنعامهم؛ كما قرر هذا في غير موضع من القرآن، ومن أشبه آية بهذه الآية قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِى جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً وَٱلسَّمَآءَ بِنَـآءً وَصَوَّرَكُـمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُـمْ وَرَزَقَكُـمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُـمْ فَتَـبَـٰرَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [غافر: 64] ومضمونه: أنه الخالق الرازق مالك الدار وساكنيها، ورازقهم، فبهذا يستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك به غيره ولهذا قال: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «حديث : أن تجعل لله نداً وهو خلقك»تفسير : الحديث، وكذا حديث معاذ: «حديث : أتدري ما حق الله على عباده؟ أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً»تفسير : الحديث، وفي الحديث الآخر: «حديث : لا يقولن أحدكم: ما شاء الله، وشاء فلان، ولكن ليقل: ما شاء الله، ثم شاء فلان»تفسير : وقال حماد بن سلمة: حدثنا عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن الطفيل بن سخبرة أخي عائشة أم المؤمنين لأمها قال: رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على نفر من اليهود، فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود، قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، قال: ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى، قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصبحت، أخبرت، بها من أخبرت ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: «حديث : هل أخبرت بها أحداً؟»تفسير : قلت: نعم، فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «حديث : أما بعد فإن طفيلاً رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده»تفسير : هكذا رواه ابن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث حماد بن سلمة به، وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر عن عبد الملك بن عمير به بنحوه، وقال سفيان بن سعيد الثوري عن الأجلح بن عبد الله الكندي عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال: قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت، فقال: «حديث : أجعلتني لله نداً؟ قل: ما شاء الله وحده»تفسير : رواه ابن مردويه وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث عيسى بن يونس عن الأجلح به، وهذا كله صيانة وحماية لجناب التوحيد، والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال الله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} للفريقين جميعاً من الكفار والمنافقين، أي: وحدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم. وبه عن ابن عباس: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: لا تشركوا بالله غيره من الأنداد التي لا تنفع ولا تضر، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره، وقد علمتم أن الذي يدعوكم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من التوحيد هو الحق الذي لا شك فيه. وهكذا قال قتادة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم حدثنا أبي عمرو حدثنا أبي الضحاك بن مخلد أبو عاصم حدثنا شبيب بن بشر حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قول الله عز وجل: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} قال: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان وحياتي، ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص البارحة، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها: فلان، هذا كله به شرك، وفي الحديث أن رجلاً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت، قال: «حديث : أجعلتني لله نداً»تفسير : وفي الحديث الآخر: «حديث : نعم القوم أنتم لولا أنكم تنددون؛ تقولون: ما شاء الله وشاء فلان»تفسير : قال أبو العالية: فلا تجعلوا لله أنداداً، أي: عدلاء شركاء. وهكذا قال الربيع بن أنس وقتادة والسدي وأبو مالك وإسماعيل بن أبي خالد، وقال مجاهد: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} قال: تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل. ذكر حديث في معنى هذه الآية الكريمة قال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يعد من البدلاء، حدثنا يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام عن جده ممطور عن الحارث الأشعري أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله عز وجل أمر يحيى بن زكريا عليه السلام بخمس كلمات أن يعمل بهن، وأن يأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، وأنه كاد أن يبطىء بها، فقال له عيسى عليه السلام: إنك قد أمرت بخمس كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تبلغهن، وإما أن أبلغهن، فقال: يا أخي إني أخشى إن سبقتني أن أعذب أو يخسف بي، قال: فجمع يحيى بن زكريا بني إسرائيل في بيت المقدس حتى امتلأ المسجد، فقعد على الشرف، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وآمركم أن تعملوا بهن، أولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، فإن مثل ذلك كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بورق أو ذهب، فجعل يعمل ويؤدي غلته إلى غير سيده، فأيكم يسره أن يكون عبده كذلك؟ وإن الله خلقكم ورزقكم، فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وآمركم بالصلاة؛ فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده ما لم يلتفت، فإذا صليتم فلا تلتفوا، وآمركم بالصيام؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل معه صرة من مسك في عصابة كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وآمركم بالصدقة؛ فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدو، فشدوا يديه إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه، وقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم؟ فجعل يفتدي نفسه منهم بالقليل والكثير؛ حتى فك نفسه، وآمركم بذكر الله كثيراً وإن مثل ذلك كمثل رجل طلبه العدو سراعاً في أثره، فأتى حصناً حصيناً، فتحصن فيه، وإن العبد أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر الله»تفسير : قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وأنا آمركم بخمسٍ الله أمرني بهن: الجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله؛ فإنه من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى جاهلية فهو من جثي جهنم»تفسير : قالوا: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ فقال: «حديث : وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فادعوا المسلمين بأسمائهم على ما سماهم الله عز وجل: المسلمين المؤمنين عباد الله»تفسير : هذا حديث حسن، والشاهد منه في هذه الآية قوله: «وإن الله خلقكم ورزقكم، فاعبدوه ولا تشركوا به شيئاً»، وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل به كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع تعالى، وهي دالة على ذلك بطريق الأولى؛ فإن من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية، واختلاف أشكالها وألوانها وطباعها ومنافعها ووضعها في مواضع النفع بها محكمة، علم قدرة خالقها وحكمته وعلمه وإتقانه وعظيم سلطانه، كما قال بعض الأعراب، وقد سئل ما الدليل على وجود الرب تعالى؟ فقال: يا سبحان الله إن البعر ليدل على البعير، وإن أثر الأقدام لتدل على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؟ ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟. وحكى الرازي عن الإمام مالك أن الرشيد سأله عن ذلك، فاستدل له باختلاف اللغات والأصوات والنغمات، وعن أبي حنيفة أن بعض الزنادقة سألوه عن وجود الباري تعالى، فقال لهم: دعوني فإني مفكر في أمر قد أخبرت عنه؛ ذكروا لي أن سفينة في البحر موقرة فيها أنواع من المتاجر وليس بها أحد يحرسها ولا يسوقها، وهي مع ذلك تذهب وتجيء، وتسير بنفسها وتخترق الأمواج العظام حتى تتخلص منها، وتسير حيث شاءت بنفسها من غير أن يسوقها أحد، فقالوا: هذا شيء لا يقوله عاقل، فقال: ويحكم هذه الموجودات بما فيها من العالم العلوي والسفلي، وما اشتملت عليه من الأشياء المحكمة، ليس لها صانع فبهت القوم، ورجعوا إلى الحق، وأسلموا على يديه. وعن الشافعي أنه سئل عن وجود الصانع، فقال: هذا ورق التوت طعمه واحد، تأكله الدود فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة والبقر والأنعام فتلقيه بعراً وروثاً، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك، وهو شيء واحد. وعن الإمام أحمد بن حنبل أنه سئل عن ذلك فقال: ههنا حصن حصين أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينا هو كذلك إذ انصدع جداره، فخرج منه حيوان سميع بصير ذو شكل حسن وصوت مليح، يعني بذلك البيضة إذا خرج منها الدجاجة. وسئل أبو نواس عن ذلك فأنشد:شعر : تَأَمَّلْ في نباتِ الأرضِ وانظُرْ إلى آثارِ ما صنعَ المَليكُ عُيونٌ من لُجَيْنٍ شاخِصاتٌ بأحداقٍ هي الذَّهَبُ السَّبيكُ على قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شاهداتٌ بأنَّ اللّهَ ليسَ لهُ شَريكُ تفسير : وقال ابن المعتز:شعر : فيا عجباً كيف يُعْصى الإلـ ـهُ أَمْ كَيْفَ يَجْحَدُهُ الجاحِدُ وفي كُل شَيْءٍ لهُ آيةٌ تدلُّ على أَنَّهُ واحِدُ تفسير : وقال آخرون: من تأمل هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وما فيها من الكواكب الكبار والصغار النيرة من السيارة ومن الثوابت، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة، ولها في أنفسها سير يخصها، ونظر إلى البحار المكتنفة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض لتقر ويسكن ساكنوها، مع اختلاف أشكالها وألوانها؛ كما قال تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَـٰمِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَٰنُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ}تفسير : [فاطر: 27 - 28] وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر للمنافع، وماذرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة، والنبات المختلف الطعوم والأراييج والأشكال والألوان، مع اتحاد طبيعة التربة والماء، استدل على وجود الصانع وقدرته العظيمة، وحكمته ورحمته بخلقه، ولطفه بهم، وإحسانه إليهم، وبره بهم، لا إله غيره، ولا رب سواه، عليه توكلت وإليه أنيب، والآيات في القرآن الدالة على هذا المقام كثيرة جداً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَٰ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ } أي أهل مكة {ٱعْبُدُواْ } وحدوا {رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ } أنشأكم ولم تكونوا شيئا {وَ} خلق {ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } بعبادته عقابه،( ولعلَّ) في الأصل للترجي وفي كلامه تَعالى: للتحقيق.
الشوكاني
تفسير : لما فرغ سبحانه من ذكر المؤمنين، والكافرين، والمنافقين أقبل عليهم بالخطاب التفاتاً للنكتة السابقة في الفاتحة. و"يا" حرف نداء، والمنادى "أيّ": وهو اسم مفرد مبني على الضم، و"ها" حرف تنبيه مقحم بين المنادى، وصفته. قال سيبويه: كأنك كررت «يا» مرتين، وصار الاسم بينهما كما قالوا: ها هو ذا. وقد تقدّم الكلام في تفسير الناس، والعبادة، وإنما خص نعمة الخلق، وامتنّ بها عليهم؛ لأن جميع النعم مترتبة عليها، وهي أصلها الذي لا يوجد شيء منها بدونها، وأيضاً، فالكفار مقرُّون بأن الله هو: الخالق {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [الزخرف: 87] فامتن عليهم بما يعترفون به، ولا ينكرونه. وفي أصل معنى الخلق، وجهان: أحدهما التقدير، يقال: خلقت الأديم للسقاء: إذا قدّرته قبل القطع. قال زهير:شعر : ولأنت تفرى ما خلقت وبعـ ـض القوم يخلق ثم لا يفرى تفسير : الثاني: الإنشاء، والإختراع، والإبداع. و"لعل" أصلها الترجي، والطمع، والتوقع، والإشفاق، وذلك مستحيل على الله سبحانه، ولكنه لما كانت المخاطبة منه سبحانه للبشر كان بمنزلة قوله لهم: افعلوا ذلك على الرجاء منكم، والطمع، وبهذا قال جماعة من أئمة العربية منهم سيبويه. وقيل: إن العرب استعملت "لعل" مجردة من الشك بمعنى لام "كي". والمعنى هنا: لتتقوا، وكذلك ما وقع هذا الموقع، ومنه قول الشاعر:شعر : وَقُلتْمُ لَنَا كُفُّوا الحروبَ لَعلنا نَكُفّ وَوَثَّقْتُم لَنَا كُلَّ مَوثِقِ شعر : فَلَمَّا كفَفَنْاَ الحَربَ كانت عُهُودُكمُ كَشَبّه سَرَابٍ في المَلأ مَُتَألقِ تفسير : أي: كفوا عن الحرب لنكف، ولو كانت "لعل" للشك لم يوثقوا لهم كل موثق، وبهذا قال جماعة منهم قطرب. وقيل إنها بمعنى التعرّض للشيء كأنه قال: متعرّضين للتقوى. و{جعل} هنا بمعنى صيّر لتعدّيه إلى المفعولين، ومنه قول الشاعر:شعر : وقد جعلت أرى الإثنين أربعة والأربع اثنين لما هدَّني الكبر تفسير : و{فِرَاشاً } أي: وطاء يستقرون عليها. لما قدّم نعمة خلقهم أتبعه بنعمة خلق الأرض فراشاً لهم، لما كانت الأرض التي هي مسكنهم، ومحل استقرارهم من أعظم ما تدعو إليه حاجتهم، ثم أتبع ذلك بنعمة جعل السماء كالقبة المضروبة عليهم، والسقف للبيت الذي يسكنونه كما قال: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَاء سَقْفاً مَّحْفُوظاً }تفسير : [الأنبياء: 32]. وأصل البناء: وضع لبنة على أخرى، ثم امتنّ عليهم بإنزال الماء من السماء. وأصل ماء موه، قلبت الواو لتحركها، وانفتاح ما قبلها ألفاً فصار ماه، فاجتمع حرفان خفيفان، فقلبت الهاء همزة. والثمرات جمع ثمرة. والمعنى: أخرجنا لكم ألواناً من الثمرات، وأنواعاً من النبات، ليكون ذلك متاعاً لكم إلى حين. والأنداد جمع ندّ، وهو المثل والنظير. وقوله: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} جملة حالية، والخطاب للكفار، والمنافقين. فإن قيل: كيف وصفهم بالعلم، وقد نعتهم بخلاف ذلك حيث قال: {أية : وَلَـٰكِن لاَّ يَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 13] {أية : وَلَـٰكِن لاَّ يَشْعُرُونَ}تفسير : [البقرة: 12] {أية : وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}تفسير : [البقرة: 16] {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ}تفسير : [البقرة: 18]. فيقال: إن المراد أن جهلهم، وعدم شعورهم لا يتناول هذا، أي: كونهم يعلمون أنه المنعم دون غيره من الأنداد، فإنهم كانوا يعلمون هذا، ولا ينكرونه كما حكاه الله عنهم في غير آية. وقد يقال: المراد، وأنتم تعلمون، وحدانيته بالقوّة، والإمكان لو تدبرتم، ونظرتم. وفيه دليل على وجوب استعمال الحجج، وترك التقليد. قال ابن فُورَك: المَراد وتجعلون لله أنداداً بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد. انتهى. وحذف مفعول تعلمون للدلالة على عدم اختصاص ما هم عليه من العلم بنوع واحد من الأنواع الموجبة للتوحيد. وقد أخرج البزار، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: ما كان {يا ايها الذين آمنوا} فهو أنزل بالمدينة، وما كان {يُذْهِبْكُمْ يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} فهو أنزل بمكة. وروى نحو ذلك عنه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، والطبراني في الأوسط، والحاكم وصححه. وروى نحوه أبو عبيد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر من قول علقمة. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن مردويه، وابن المنذر عن الضحاك مثله. وكذا أخرج أبو عبيد عن ميمون بن مهران. وأخرج نحوه أيضاً ابن أبي شيبة، وابن مردويه عن عروة، وعكرمة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} قال: هي للفريقين جميعاً من الكفار والمؤمنين. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: {لَعَلَّكُمْ } يعني "كي". وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عون بن عبد الله بن عتبة؛ قال: لعل من الله واجب. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة في قوله: {أية : ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلاُرْضَ فِرَاشاً }تفسير : [البقرة: 22] أي: تمشون عليها وهي: المهاد والقرار {أية : وَٱلسَّمَاء بِنَاء }تفسير : [البقرة: 22] قال: كهيئة القبة وهي سقف الأرض وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن أنه سئل: المطر من السماء أم من السحاب؟ قال: من السماء. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن كعب قال: السحاب غربال المطر، ولولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض، والبذر. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن خالد بن معدان قال: المطر ماء يخرج من تحت العرش، فينزل من سماء إلى سماء حتى يجتمع في سماء الدنيا، فيجتمع في موضع يقال له: الأبزم، فتجيء السحاب السود، فتدخله، فتشربه مثل شرب الإسفنجة، فيسوقها الله حيث يشاء. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة قال: ينزل الماء من السماء السابعة، فتقع القطرة منه على السحاب مثل البعير. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن خالد بن يزيد قال: المطر منه من السماء، ومنه ما يستقيه الغيم من البحر، فَيُعْذبُهُ الرعد والبرق. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المطر عن ابن عباس قال: إذا جاء القطر من السماء تفتحت له الأصداف، فكان لؤلؤاً. وأخرج الشافعي في الأم، وابن أبي الدنيا في كتاب المطر، وأبو الشيخ في العظمة عن المطلب بن حنطب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من ساعةٍ من ليلٍ، ولا نهارٍ إلا والسماء تمطر فيها، يصرفه الله حيث يشاء»تفسير : . وأخرج ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: ما نزل مطر من السماء إلا ومعه البذر، أما لو أنكم بسطتم نطعاً لرأيتموه. وأخرج ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: المطر. مزاجة من الجنة، فإذا كثر المزاج عظمت البركة، وإن قلّ المطر، وإذا قلّ المزاج قلت البركة، وإن كثر المطر. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء، وينزل مع المطر كذا وكذا من الملائكة يكتبون حيث يقع ذلك المطر، ومن يرزقه، ومن يخرج منه مع كل قطرة. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً } أي: لا تشركوا به غيره من الأنداد التي لا تضرّ، ولا تنفع {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه لا ربّ لكم يرزقكم غيره. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {أَندَاداً } قال: أشباهاً. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود {أَندَاداً } قال: أكفاء من الرجال يطيعونهم في معصية الله. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {أنداداً} قال: شركاء. وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في الأدب المفرد، والنسائي، وابن ماجه، وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: «قال رجل للنبيّ صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت، قال: حديث : جعلتني لله ندا ما شاء الله وحده»تفسير : . وأخرج ابن سعد عن قتيلة بنت صيفى قالت: «جاء حبر من الأحبار إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون، قال: حديث : وكيف؟تفسير : قال: يقول أحدكم لا والكعبة فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حديث : من حلف، فليحلف بربّ الكعبةتفسير : فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله نداً، قال:حديث : وكيف ذلك؟تفسير : قال: يقول أحدكم ما شاء الله وشئت، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم، فمن قال منكم «حديث : ما شاء الله قال ثم شئت»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان»تفسير : وأخرج أحمد، وابن ماجه، والبيهقي، وابن مردويه عن طفيل بن سخبرة: «أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مرّ برهط من اليهود فقال: أنتم نعم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيراً ابن الله، فقالوا: وأنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله، وشاء محمد. ثم مرّ برهط من النصارى فقال: أنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله، قالوا: وأنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبح أخبر النبيّ صلى الله عليه وسلم، فخطب، فقال:حديث : إن طفيلاً رأى رؤيا، وإنكم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم، فلا تقولوها، ولكن قولوا ما شاء الله وحده لا شريك له»تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفا سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله حياتك يا فلان وحياتي، وتقول: لولا كلبه هذا لأتانا اللصوص، ولولا القط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل ما شاء الله وشئت، وقول الرجل لولا الله وفلان، هذا كله شرك. وأخرج البخاري، ومسلم عن ابن مسعود قال: «قلت: يا رسول الله أي: الذنب أعظم؟حديث : قال: أن تجعل لله ندّاً، وهو خلقك»تفسير : الحديث.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فَلاَ تَجْعَلُوا للهِ أنْداداً} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنَّ الأنداد الأكْفَاءُ، وهذا قول ابن مسعود. والثاني: الأشباه، وهو قول ابن عباس. والثالث: الأضداد، وهو قول المفضل. {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: وأنتم تعلمون أن الله خلقكم، وهذا قول ابن عباس وقتادة. والثاني: معناه وأنتم تعلمون أنه لا ندَّ له ولا ضد، وهذا قول مجاهد. والثالث: معناه وأنتم تعْقلون فعبر عن العقل بالعلم.
ابن عطية
تفسير : "يا" حرف نداء، وفيه تنبيه، و "أي" هو المنادى. قال أبو علي: "اجتلبت أي بعد حرف النداء فيما فيه الألف واللام لأن في حرف النداء تعريفاً فكان يجتمع تعريفان، و "ها" تنبيه وإشارة إلى المقصود، وهي بمنزلة ذا في الواحد، و {الناس} نعت لازم لأي". وقال مجاهد: {يا أيها الناس} حيث وقع في القرآن مكي، و {يا أيها الذين آمنوا} مدني. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: قد تقدم في أول السورة أنها كلها مدنية، وقد يجيء في المدني {يا أيها الناس}، وأما قوله في {يا أيها الذين آمنوا} فصحيح. وقوله تعالى: {اعبدوا ربكم} معناه وحدوه وخصوه بالعبادة، وذكر تعالى خلقه لهم من بين سائر صفاته إذ كانت العرب مقرة بأن الله خلقها، فذكر ذلك حجة عليهم. و "لعل" في هذه الآية قال فيها كثير من المفسرين هي بمعنى إيجاب التقوى وليست من الله تعالى بمعنى ترجٍّ وتوقُّع. وقال سيبويه ورؤساء اللسان: هي على بابها، والترجي والتوقع إنما هو في حيز البشر، أي إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم رجوتم لأنفسكم التقوى، و {لعلكم} متعلقة بقوله: {اعبدوا ربكم}، ويتجه تعلقها بخلقكم أي لما ولد كل مولود على الفطرة فهو إن تأمله متأمل توقَّع له ورجا أن يكون متقياً، و {تتقون} مأخوذ من الوقاية، وأصله "توتقيون" نقلت حركة الياء إلى القاف وحذفت للالتقاء مع الواو الساكنة وأدغمت الواو الأولى في التاء. وقوله تعالى: {الذي جعل} نصب على إتباع الذي المتقدم، ويصح أن يكون مرفوعاً على القطع. وما ذكر مكي من إضمار أعني أو مفعول بــ {تتقون} فضعيف. وجعل بمعنى صير في هذه الآية لتعديها إلى مفعولين، و {فراشاً} معناه تفترشونها وتستقرون عليها، وما في الأرض مما ليس بفراش كالجبال والبحار فهو من مصالح ما يفترش منها، لأن الجبال كالأوتاد والبحار يركب فيها إلى سائر منافعها، و {السماء} قيل هو اسم مفرد جمعه "سماوات"، وقيل هو جمع واحده "سماوة"، وكل ما ارتفع عليك في الهواء سماء، والهواء نفسه علواً يقال له "سماء"، ومنه الحديث: "خلق الله آدم طوله في السماء ستون ذراعاً"، واللفظة من السمو وتصاريفه. وقوله تعالى: {بناء} تشبيه بما يفهم، كما قال تعالى: {أية : والسماء بنيناها بأييد} تفسير : [الذاريات: 47]. وقال بعض الصحابة: "بناها على الأرض كالقبة". وقوله: {وأنزل من السماء} يريد السحاب، سمي بذلك تجوزاً لما كان يلي السماء ويقاربها وقد سموا المطر سماء للمجاورة، ومنه قول الشاعر: [الوافر]. شعر : إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه وإن كانوا غضابا تفسير : فتجوز أيضاً في رعيناه، فبتوسط المطر جعل السماء عشباً، وأصل {ماء} موه يدل على ذلك قولهم في الجمع مياه وأمواه، وفي التصغير مويه، وانطلق اسم الرزق على ما يخرج من الثمرات قبل التملك، أي هي معدة أن يصح الانتفاع بها فهي رزق، ورد بهذه الآية بعض الناس قول المعتزلة إن الرزق ما يصح تملكه، وليس الحرام برزق، وواحد الأنداد ند، وهو المقاوم والمضاهي كان مثلاً أو خلافاً أو ضداً، ومن حيث قاوم وضاهى فقد حصلت مماثلة ما. وقال أبو عبيدة معمر والمفضل: الضد الند، وهذا التخصيص منهما تمثيل لا حصر. واختلف المتأولون من المخاطب بهذه الآية؟ فقالت جماعة من المفسرين: المخاطب جميع المشركين: فقوله على هذا: {وأنتم تعلمون} يريد العلم الخاص في أنه تعالى خلق وأنزل الماء وأخرج الرزق، ولم تنف الآية الجهالة عن الكفار، وقيل المراد كفار بني إسرائيل، فالمعنى تعلمون من الكتب التي عندكم، أن الله لا ند له. وقال ابن فورك: "يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين" فالمعنى لا ترتدوا أيها المؤمنون، وتجعلوا لله أنداداً بعد علمكم الذي هو نفي الجهل بأن الله واحد. وهذه الآية تعطي أن الله تعالى أغنى الإنسان بنعمه هذه عن كل مخلوق، فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زخرف الدنيا، فقد أخذ بطرق من جعل لله نداً، عصمنا الله تعالى بفضله وقصر آمالنا عليه بمنه وطوله، لا رب غيره
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ...} قال ابن عرفة: هذا التفات من الغيبة إلى الخطاب لأنه تقدم الكلام بين المسلمين والمنافقين بلفظ الغيبة ثم أقبل على الجميع بالنداء وهو خطاب لمشركي مكة. قال القاضي العماد: "(في) هذا اضطراب وتناقض لأن جعله التفاتا يقتضي خطاب جميع الناس مسلمهم وكافرهم". وأجاب ابن عرفة: بأنه خطاب لجميع الناس الذين منهم مشركو مكة. قال: وإذا قلنا إن السورة مدنية كيف يخاطب مشركو مكة؟ إلا أن يقال: إنه خطاب للجميع ويتناول مشركي مكة وإن كانوا غالبين من باب تغليب المخاطب على الغائب. قال: وحرف النداء اما اسم فعل لأنادي وأنادي إما خبر أو إنشاء والصحيح أنه إنشاء في معنى الخبر يدل عليه قول الفقهاء: إن من قال لرجل: "يا زان" إنّه يحدّ. (قال): ويَا نداء للبعيد ويستعمل في القريب مجازا. وقيل إنه (وضع) أيضا للقريب فيكون مشتركا فيتعارض الاشتراك والمجاز فالمجاز (أولى). وعلى ما قال ابن الخطيب في القدر المشترك: يكون للقدر المشترك بينهما وهو أول من تكلّم به أعني ابن الخطيب. وقال بعضهم: لم تعرف العرب القدر المشترك بوجه. ورده بعضهم بتفريق الجزولي بين علم الجنس وعلم الشخص. قال: وحرف النداء جرى مجرى أداة التعريف فلذلك لم تدخل على ما فيه الألف واللام إلا بواسطة أي. قال (ابن عرفة): وعادتهم يردّون بقولك: يا/ رَجُل فلو كان (للتعريف) (لما صحّ) دخوله على النكرة. وأجاب بأن النكرة غير مقبل عليها، والتعريف في المنادى إنما هو (بما فيه من) معنى الإقبال. والنّاسُ (إن) أريد به أهل مكة فيدخل غيرهم من باب خطاب التسوية، (لأنّهم) يتناولهم التكليف كما قال اللّخمي في أول كتاب النكاح. قال مجاهد: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} حيث وقع (فهو) مكي و {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} تفسير : مدني. (قال الطّيبي) أكثر اقتران النّاس بلفظ الرّبّ. قال ابن عرفة: لأنه تكليف للجميع من المؤمنين والكافرين، فحسن فيه وصف التربية (بالإحسان) والإنعام على سبيل التهييج للامتثال. ولما كان الآخر خطابا لمن حصل له الإيمان بالفعل لم يحتج إلى ذلك التأكيد. وَاعْبُدُو: حمله ابن عطية على التوحيد. وحمله الزمخشري على الطاعات. قال الطّبري: وفيها حجة لأهل السنة القائلين بوقوع تكليف مالا يطاق (لأنّ) من جملة الناس المنافقون المخبر عنهم بأن الله ختم على قلوبهم (وسمعهم). (وردّه ابن عرفة بأن هذا ليس من محل النزاع). فقد استثنى ابن التلمساني في شرح المعالم (الفقهية) في المسألة الرابعة عشر من باب الأوامر استثناء المحال عقلا كالكون في محلين في وقت واحد، والمحال عادة. كالطيران في الهواء فقال: هذا لا يصحّ التكليف به (إلاّ مع التمكن ومع القدرة عليه. كما يحكى عن الركراكي وغيره من الصالحين وهذا) (ليس) من ذلك القبيل بل يصح التكليف به وإن كان غير واقع في علم الله تعالى. وحمل الزمخشري (الترجي) على الوجوب وهو المناسب لمذهب المعتزلة لأنهم يقولون: إن الطائع يجب على الله أن يثيبه وكما قالوا في قوله: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }. تفسير : قال ابن عرفة: وإذا فسّرنا العبادة بالتوحيد كما قال ابن عطية بيكون في الآية دليل على أن النظر واجب بالعقل، ولو وجب بالشرع لأمروا أولا بالنظر ثم بالتوحيد. فإن فسرنا العبادة بفعل التكاليف الشرعية من الصلاة والزكاة وغير ذلك كما قال الزمخشري فيكون فيها دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة إلا أن يقال: إنهم كلفوا بالايمان وبفروعه ضربة واحدة.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: "خلقكم" مدغماً: أبو عمرو وكذلك كل ما كان قبلها متحرك. وازاد عباس كل ما كان قبلها ساكن مثل {ما خلقكم} {وصديقكم} و {بورقكم} و {ميثاقكم} وأشباه ذلك. قال ابن مجاهد: يدغمها بإظهار صوت القاف. وقال غيره - وهو ابن مهران - لا يظهر ذلك وكل صواب. الوقوف: "تتقون" (ه) لأن "الذي" صفة الرب تعالى. "بناء" (ص) لعطف الجملتين المتفقتين "لكم" (ج) لانقطاع النظم مع فاء التعيب. "تعلمون" (ه). التفسير: لما قدم الله تعالى أحكام فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين وذكر صفاتهم ومجاري أمورهم عاجلاً وآجلاً، أقبل عليهم بالخطاب وهو من جملة الالتفات الذي يورث الكلام رونقاً وبهاء ويزيد السامع هزة ونشاطاً. ومن لطائف المقام أنه تعالى كأنه يقول: جعلت الرسول واسطة بيني وبينك أولاً، والآن أزيد في إكرامك وتقريبك فأخاطبك من غير واسطة، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة شرف المخاطبة والمكالمة. وفيه إشعار بأن العبد مهما اشتغل بالعبودية زاد قرباً وحضوراً. وأيضاً الآيات المتقدمة حكايات أحوالهم وهذه أمر وتكليف وفيه كلفة ومشقة، فلا بد من راحة وهي أن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين ويخاطبهم بذاته، فيستطاب التكليف بالتكليم حينئذ ويستلذ هذا. وقد صح الإسناد عن علقمة أن كل شيء نزل فيه "يا أيها الناس" فهو مكي و "يا أيها الذين آمنوا" فهو مدني فقوله {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} خطاب لمشركي مكة بحسب هذا النقل، وإن كان من الجائز أن يخاطب المؤمنون باسم جنسهم ويؤمروا بالاستمرار على العبادة والازدياد منها. "ويا" حرف وضع لأجل التخفيف مقام أنادي الإنشائية لا الإخبارية. وههنا نكتة وهي أن أقوى المراتب الاسم، وأضعفها الحرف، فظن قوم أنه لا يأتلف الاسم بالحرف، فكذا أقوى الموجودات هو الحق سبحانه وأضعفها البشر {أية : وخلق الإنسان ضعيفاً}تفسير : [النساء: 28] فقالت الملائكة: ما للتراب ورب الأرباب {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} تفسير : [البقرة: 30] فقيل لهم: قد يأتلف الاسم مع الحرف في حال النداء، فكذا البشر يصلح لحضرة الرب حال التضرع والدعاء {أية : ادعوني أستجب لكم}تفسير : [غافر: 60] {أية : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب}تفسير : [البقرة: 186] {أية : فاذكروني أذكركم}تفسير : [البقرة: 152] و "يا" وضع في أصله لنداء ما ليس بقريب حقيقة أو تقديراً لكونه ساهياً أو غافلاً أو نائماً، أو لتبعيد المنادي نفسه عن ساحة عزة المنادى هضماً واستقصاراً كقول الداعي في جؤاره: يا رب يا الله. مع أنه أقرب إليه من حبل الوريد، ليتحقق الإجابة بمقتضى قوله "أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي" وقد ينادي القريب. (3) المقاطن في غير هذه الصورة بيا ويكون المراد به أن الخطاب الذي يتلوه معنيّ به جداً نحو {أية : يا أيها الذين آمنوا}تفسير : [البقرة: 183] {أية : يا عبادي}تفسير : [الزمر: 53] {أية : يا أيها النبي} تفسير : [الأحزاب: 45] لأن ما يعقبها أمور عظام وخطوب جسام من الأوامر والنواهي والعظات، عليهم أن يتيقظوا لها ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها. وأي وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، وهو اسم مبهم يوصف باسم جنس ليصح المقصود بالنداء مع ضرب من التأكيد المستفاد من الإبهام ثم التوضيح. وفي حرف التنبيه المقحم فائدتان: معاضدة حرف النداء بتأكيد معناه ووقوعها عوضاً مما يستحقه أي من الإضافة. ثم إن قلنا: إن الخطاب عام لجميع المكلفين لأن الجمع المعرف باللام يفيد العموم بدليل صحة تأكيده "بكل" و "أجمعون" في مثل قوله {أية : فسجد الملائكة كلهم أجمعون}تفسير : [ص: 73]، بدليل صحة الاستثناء، فالأقرب أنه لا يتناول إلا الموجودين في ذلك العصر، وإنما يتناول الذين سيوجدون بدليل منفصل هو ما عرف بالتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم، أن حكم الموجودين في عصره حكم من سيوجد إلى قيام الساعة. وإن قلنا: إن الخطاب لمشركي مكة فيدخل سائر الناس بالتبعية على قياس ما قلنا. والمراد من قوله "اعبدوا" صححوا نسبة العبادة، وذلك بأن يعرف نفسه بالإمكان ليعرف ربه بالوجوب، ويعرف نفسه بالمملوكية ليعرف ربه بالمالكية، ويعرف نفسه بالمقهورية والمقدورية ليعرف ربه بالقاهرية والقادرية، ويعرف نفسه بالمأمورية والذلة ليعرف ربه بالآمرية والعزة، فلا يتجاوز حده ولا يعكس هذه القضايا فلا يرى لنفسه تصرفاً بوجه من الوجوه ولا قدرة بنوع من الأنواع، وإنما يكون عبداً ذليلاً ماثلاً بين يدي مولاه، طائعاً له بكل ما يأمره وينهاه، لأنه إذا تصور كونه عبداً فلا بد أن يطلب لنفسه سيداً، وإذا وجد السيد فلا محالة يوطن نفسه لطاعته وانقياده، ولا يرى مخالفته في شيء أصلاً {أية : إذا قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين}تفسير : [البقرة: 131] وإلا لم تصح نسبة عبوديته. عن الأصمعي أنه أتى بغلام ليشتريه فقال له: ما اسمك؟ قال: ما تسميني قال: أي شيء تأكل؟ قال: ما تطعمني. قال: ما تشرب؟ قال: ما تسقيني قال: تريد أن أشتريك؟ قال: العبد لا يكون له إرادة والأمر بالعبادة بهذا المعنى يشمل الكافر والمؤمن وكل من فيه أهلية الخطاب، ويندرج فيه المبادي والنهايات والأصول والفروع. ثم إنه تعالى لما علم القصور البشري وضعف قواهم الفطرية والفكرية أرشدهم إليه ونبههم عليه بقوله {ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم} واعلم أن الطريق إلى معرفة الواجب سبحانه وتعالى بعد ما قلنا من الرجوع إلى النفس والتنبه لسمة العبودية، إما الإمكان أو الحدوث أو مجموعهما، وكل منهما في الجواهر أو في الأعراض أما الاستدلال بإمكان الذوات فإليه الإشارة بقوله تعالى {أية : والله الغني وأنتم الفقراء}تفسير : [محمد: 38] {أية : وأن إلى ربك المنتهى} تفسير : [النجم: 42] وأما الاستدلال بإمكان الصفات فإليه الإشارة بقوله {أية : خلق الله السموات والأرض} تفسير : [العنكبوت: 44] {أية : الذي جعل لكم الأرض فراشاً}تفسير : وبحدوث الأجسام قول إبراهيم عليه السلام {أية : لا أحب الآفلين}تفسير : [الأنعام: 76] وبحدوث الأعراض دلائل الأنفس ودلائل الآفاق، فإن كل أحد يعلم بالضرورة أنه كان معدوماً قبل ذلك، والموجود بعد العدم له موجد وليس هو نفسه ولا الأبوان ولا سائر الناس لعجز الكل، ولا طبائع الفصول والأفلاك الآفلات في أفق الإمكان فهو شيء غير متسم بسمة الحدوث والنقصان، وهذا الطريق هو أقرب الطرق إلى الأفهام، فلهذا أورده الله تعالى في فاتحة كتابه لينتفع به الخاص والعام مع أن فيه تذكيراً لنعمه السابقة وعطيته السابغة عليهم وعلى آبائهم، وتذكير النعم مما يوجب المحبة والميل إلى الإنصاف وترك الجدال. وأما قوله "لعلكم تتقون" ففيه بحثان: الأول: كلمة "لعل" للترجي أو الإشفاق ولا يحصلان إلا عند الجهل بالعاقبة وهو على الله محال والجواب أن الترجي راجع إلى العباد لا إلى الله تعالى كقوله {لعله يتذكر أو يخشى} أي اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما في إيمانه، ثم الله عالم بما يؤول إليه أمره. وأيضاً فمن ديدن الملوك أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطنون أنفسهم لإنجازها على أن يقولوا "عسى" و "لعل"، وحينئذ لا يبقى لطالب ما عندهم شك في الفوز والنجاح بالمطلوب، أو جاء على طريق الأطماع دون التحقيق لئلا يتكل العباد مثل {أية : توبوا إلى الله توبة نصوحاً عسى ربكم أن يكفر عنكم سيآتكم}تفسير : [التحريم: 8] وقع "لعل" موقع المجاز لا الحقيقة لأن الله عز وجل خلق عباده ليتعبدهم بالتكليف، وركب فيهم العقول والشهوات وأزاح العلة في إقدارهم وتمكينهم، وهداهم النجدين وأراد منهم الخير والتقوى، فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا لترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المترجي بين أن يفعل وبين أن لا يفعل، ونظيره {أية : ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}تفسير : [الملك: 2] وهذا الجواب مبني على أن قوله "لعلكم" متعلق "بخلفكم" مثل {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : [الذاريات: 56] لا بـ "اعبدوا" وقيل: "لعل" بمعنى "كي" ووجه بأنها للأطماع والكريم الرحيم إذا أطمع فعل، فجرى إطماعه مجرى وعده المحتوم فلهذا قيل: إنها بمعنى "كي" قال القفال: في "لعل" معنى التكرير والتأكيد إذ اللام للإبتداء نحو "لقد"، ولقولهم علك أن تفعل كذا و "عل" يفيد التكرير ومنه العلل بعد النهل. فقول القائل "افعل كذا لعلك تظفر بحاجتك" معناه افعله فإن فعلك له يؤكد طلبك له ويقويك عليه. (البحث الثاني): إذا كانت العبادة تقوى فقوله "لعلكم تتقون" جار مجرى قوله: اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون واتقوا ربكم لعلكم تتقون. والجواب المنع من اتحاد مفهوميهما وخصوصاً على ما فسرنا إذ المعنى يعود إلى قولنا صححوا نسبة العبودية لتتصفوا بصفة التقوى وهي الاجتناب عن المعاصي فقط، أو هو مع الإتيان بالأوامر، وأما قوله: {هو الذي جعل لكم الأرض فراشاً} الآية. فنقول: فيه لفظ "الذي" مع صلته، إما أن يكون في محل النصب بدلاً من "الذي خلقكم" أو على المدح والتعظيم، وإما أن يكون رفعاً على المدح أيضاً أي "هو الذي"، وكلمة "الذي" موضوعة للإشارة إلى مفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة. فقوله "جعل لكم الأرض فراشاً" قضية معلومة فأدخل عليها "الذي" كي ينتبهوا للجاعل ويعترفوا به. والحاصل أنه تعالى عدد في هذا المقام عليهم خمسة دلائل: اثنين من الأنفس وهما خلقهم وخلق أصولهم، وثلاثة من الآفاق جعل الأرض فراشاً والسماء بناء والأمور الحاصلة من مجموعهما وهي إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات بسببه، وسبب هذا الترتيب ظاهر لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، ثم ما منه منشؤه وأصله، ثم الأرض التي هي مكانه ومستقره، يقعدون عليها وينامون ويتقلبون كما يتقلب أحدهم على فراشه، ثم السماء التي هي كالقبة المضروبة والخيمة المبنيّة على هذا القرار، ثم ما يحصل من شبه الازدواج بين المقلة والمظلة من إنزال الماء عليها والإخراج به من بطنها أشباه النسل من الحيوان من ألوان الغذاء وأنواع الثمار رزقاً لبني آدم. وأيضاً خلق المكلفين أحياء قادرين، أصل لجميع النعم. وأما خلق الأرض والسماء فذاك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة، وذكر الأصول مقدم على ذكر الفروع. وأيضاً كل ما في السماء والأرض من الدلائل على وجود الصانع فهو حاصل في الإنسان بزيادة الحياة والقدرة والشهوة والعقل، ولما كانت وجوه الدلالة فيه أتم كان تقديمه في الذكر أهم. (وههنا مسائل): الأولى في منافع الأرض: الفراش اسم لما يفرش كالمهاد لما يمهد والبساط لما يبسط، وليس من ضرورات الافتراش أن يكون سطحها مستوياً كالفراش على ما ظن، فسواء كانت كذلك أو على شكل الكرة فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع لعظم جرمها وتباعد أطرافها. ولكنه لا يتم الافتراش عليها ما لم تكن ساكنة في حيزها الطبيعي وهو وسط الأفلاك، لأن الثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أن الخفاف بالطبع تميل إلى فوق، والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء، والتحت ما يلي المركز، فكما أنه يستبعد صعود الأرض فيما يلينا إلى جهة السماء، فليستبعد هبوطها في مقابلة ذلك، لأن ذلك الهبوط صعود أيضاً إلى السماء، فإذن لا حاجة في سكون الأرض وقرارها في حيزها إلى علاقة من فوقها، ولا إلى دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ما أعطاها خالقها وركز فيها من الميل الطبيعي إلى الوسط الحقيقي بقدرته واختياره {أية : إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا}تفسير : [فاطر: 41] ومما منَّ الله تعالى به على عباده في خلق الأرض أنها لم تجعل في غاية الصلابة كالحجر، ولا في غاية اللين والانغمار كالماء، ليسهل النوم والمشي عليها، وأمكنت الزراعة واتخاذ الأبنية منها ويتأتى حفر الآبار وإجراء الأنهار. ومنها أنها لم تخلق في نهاية اللطافة والشفيف لتستقر الأنوار عليها وتسخن منها فيمكن جوارها. ومنها أن جعلت بارزة بعضها من الماء مع أن طبعها الغوص فيه لتصلح لتعيش الحيوانات البرية عليها، وسبب انكشاف ما برز منها وهو قريب من ربعها أنها لم تخلق صحيحة الاستدارة بل خلقت هي والماء بحيث إذا انجذب الماء بطبعه إلى المواضع الغائرة والمنخفضة منها بقي شيء منها مكشوفاً، وصار مجموع الأرض والماء بمنزلة كرة واحدة يدل على ذلك فيما بين الخافقين. تقدم طلوع الكواكب وغروبها للمشرقين على طلوعها وغروبها للمغربين، وفيما بين الشمال والجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظاهر وانحطاط الخفي للواغلين في الشمال، وبالعكس للواغلين في الجنوب، وتركب الاختلافين لمن يسير على سمت بين السمتين إلى غير ذلك من الأعراض الخاصة بالاستدارة يستوي في ذلك راكب البر وراكب البحر. ونتوء الجبال وإن شمخت لا يخرجها عن أصل الاستدارة لأنها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة لا في استدارتها. ومنها الأشياء المتولدة فيها من المعادن والنبات والحيوان والآثار العلوية والسفلية، ولا يعلم تفاصيلها إلا موجدها. ومنها أن يتخمر الرطب به فيحصل التماسك في أبدان المركبات. ومنها اختلاف بقاعها في الرخاوة والصلابة والدماثة والوعورة بحسب اختلاف الأعراض والحاجات {أية : وفي الأرض قطع متجاورات}تفسير : [الرعد: 4] ومنها اختلاف ألوانها {أية : ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود}تفسير : [فاطر: 27] ومنها انصداعها بالنبات {أية : والأرض ذات الصدع}تفسير : [الطارق: 12] ومنها جذبها للماء المنزل من السماء {أية : وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض}تفسير : [المؤمنون: 18] ومنها العيون والأنهار العظام التي فيها {أية : والأرض مددناها}تفسير : [ق: 7] ومنها أن لها طبع الكرم والسماحة تأخذ واحدة وترد سبعمائة {أية : كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} تفسير : [البقرة: 261] ومنها حياتها وموتها {أية : وآية لهم الأرض الميتة أحييناها} تفسير : [يس: 33] ومنها الدواب المختلفة {أية : وبث فيها من كل دابة} تفسير : [البقرة: 164] ومنها النباتات المتنوعة {أية : وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج}تفسير : [ق: 7] فاختلاف ألوانها دلالة، واختلاف طعومها دلالة، واختلاف روائحها دلالة، فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم {أية : كلوا وارعوا أنعامكم}تفسير : [طه: 54] ومنها الطعام، ومنها الإدام، ومنها الدواء، ومنها الفواكه، ومنها كسوة البشر نباتية كالقطن والكتان، وحيوانية كالشعر والصوف والإبريسم والجلود. ومنها الأحجار المختلفة بعضها للزينة وبعضها للأبنية، فانظر إلى الحجر الذي يستخرج منه النار مع كثرته، وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته، وانظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير وقلة النفع بهذا الخطير. ومنها ما أودع الله تعالى فيها من المعادن الشريفة كالذهب والفضة، ثم تأمل أن البشر استنبطوا الحرف الدقيقة والصنائع الجليلة واستخرجوا السمك من قعر البحر، واستنزلوا الطير من أوج الهواء، لكن عجزوا عن اتخاذ الذهب والفضة. والسبب فيه أن معظم فائدتهما ترجع إلى الثمنية، وهذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة والقدرة على اتخاذهما تبطل هذه الحكمة فلذلك ضرب الله دونهما باباً مسدوداً، ومن ههنا اشتهر في الألسنة "من طلب المال بالكيمياء أفلس". ومنها ما يوجد على الجبال والأراضي من الأشجار الصالحة للبناء والسقف ثم الحطب، وما أشد الحاجة إليه في الخبز والطبخ. ولعل ما تركنا من المنافع أكثر مما عددنا، فإذا تأمل العاقل في هذه الغرائب والعجائب اعترف بمدبر حكيم ومقدر عليم إن كان ممن يسمع ويعي ويبصر ويعتبر. الثانية في منافع السماء: البناء مصدر سمي به المبني بيتاً كان أو قبة أو خباء، وأبنية العرب أخبيتهم، ومنه بنى على امرأته لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباء جديداً. ثم إن الله تعالى زين السماء الدنيا بالمصابيح {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح} [الملك: 5] وبالقمر {أية : وجعل القمر فيهن نوراً} تفسير : [نوح: 16] وبالشمس {أية : وجعل الشمس سراجاً} تفسير : [نوح: 16] وبالعرش {أية : رب العرش العظيم}تفسير : [التوبة: 129] وبالكرسي {أية : وسع كرسيه السموات والأرض}تفسير : [البقرة: 255] وباللوح {أية : في لوح محفوظ}تفسير : [البروج: 22] وبالقلم {أية : ن والقلم}تفسير : [القلم: 1] وسماها سقفاً محفوظاً وسبعاً طباقاً وسبعاً شداداً. وذكر أن خلقها مشتمل على حكم بليغة وغايات صحيحة {أية : ربنا ما خلقت هذا باطلاً} تفسير : [آل عمران: 191] {أية : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا}تفسير : [ص: 27] وجعلها مصعد الأعمال ومهبط الأنوار وقبلة الدعاء ومحل الضياء والصفاء، وجعل لونها أنفع الألوان وهو المستنير، وشكلها أفضل الأشكال وهو المستدير، ونجومها رجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وقيض للشمس طلوعاً يسهل معه التقلب لقضاء الأوطار في الأطراف، وغروباً يصلح معه الهدوء والقرار في الأكنان لتحصيل الراحة وانبعاث القوة الهاضمة وتنفيذ الغذاء إلى الأعضاء، وأيضاً لولا الطلوع لانجمدت المياه وغلبت البرودة والكثافة وأفضت إلى خمود الحرارة الغريزية وانكسار سورتها، ولولا الغروب لحميت الأرض حتى يحترق كل من عليها من حيوان ونبات، فهي بمنزلة سراج يوضع لأهل بيت بمقدار حاجتهم ثم يرفع عنهم ليستقروا ويستريحوا. فصار النور والظلمة على تضادّهما متظاهرين على ما فيه صلاح قطان الأرض، وههنا نكتة، كأن الله تعالى يقول: لو وقفت الشمس في جانب من السماء فالغني قد يرفع بناءه على كوة الفقير الجار فلا يصل النور إلى الفقير، لكني أدير الفلك وأسيرها حتى يجد الفقير نصيبه كما وجد الغني نصيبه. أما ارتفاع الشمس وانحطاطها فقد جعله الله سبباً لإقامة الفصول الأربعة. ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر والنبات فيتولد منه مواد الثمار، ويلطف الهواء ويكثر السحاب والمطر وتقوى أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن. وفي الربيع تتحرك الطباع وتظهر المواد المتولدة في الشتاء، وينوّر الشجر ويهيج الحيوان للفساد. وفي الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار وتتحلل فضول الأبدان ويجف وجه الأرض ويتهيأ للعمارة والزراعة. وفي الخريف يظهر البرد واليبس فتدرك الثمار وتستعد الأبدان قليلاً قليلاً للشتاء. وأما القمر فهو تلو الشمس وخليفتها وبه يعلم عدد السنين والحساب ويضبط المواقيت الشرعية، ومنه تحصيل النماء والرواء، وقد جعل الله تعالى في طلوعه مصلحة وفي غيبته مصلحة. يحكى أن أعرابياً نام عن جمله ليلاً ففقده، فلما طلع القمر وجده فنظر إلى القمر فقال: إن الله صوّرك ونوّرك وعلى البروج دوّرك، فإذا شاء نورك وإذا شاء كوّرك، فلا أعلم مزيداً أساله لك، ولئن أهديت إليّ سروراً لقد أهدى الله إليك نوراً ثم أنشأ يقول: شعر : ماذا أقــول وقولـي فيـك ذو قصـر وقد كفيتني التفصيل والجملا إن قلت لا زلت مرفوعاً فأنت كذا أو قلت زانك ربي فهو قد فعلا تفسير : وقد كان في العرب من يذم القمر ويقول: القمر يدرك الهارب، ويهتك العاشق، ويبلي الكتان، ويهرم الشاب، وينسي ذكر الأحباب، ويقرب الدين، ويدني الحين. وكيفية ارتباط القمر وسائر الكواكب بالشمس وكمية حركتها وبيان اختلافات أوضاعها وعلل كل منها، فن برأسه لا يحتمل إيراده ههنا. قال الجاحظ: إذا تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعدّ فيه كل ما يحتاج إليه. فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والإنسان كمالك البيت المتصرف فيه، وضروب النبات مهيآت لمنافعه، وصنوف الحيوان متصرفة في مصالحه، فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل وتقدير شامل وحكمة بالغة وقدرة غير متناهية. الثالثة في أن السماء أفضل أم الأرض: قال بعضهم: السماء أفضل لأنها متعبد الملائكة وما فيها بقعة عصي الله فيها، ولما أتى آدم عليه السلام بتلك المعصية أهبط من الجنة وقال الله تعالى: لا يسكن في جواري من عصاني. وقال تعالى: {أية : وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً} تفسير : [الأنبياء: 32] وقال: {أية : تبارك الذي جعل في السماء بروجا}تفسير : [الفرقان: 61] وورد في الأكثر ذكر السماء مقدماً على ذكر الأرض. والسماويات مؤثرة والأرضيات متأثرة، والمؤثر أشرف من المتأثر. وقال آخرون: بل الأرض أفضل لأنه تعالى وصف بقاعاً من الأرض بالبركة {أية : إن أوّل بيت وضع للناس الذي ببكة مباركاً} تفسير : [آل عمران: 96] {أية : في البقعة المباركة} تفسير : [القصص: 3] {أية : إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} تفسير : [الإسراء: 1] {أية : مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها}تفسير : [الأعراف: 137] يعني أرض الشام. ووصف جملة الأرض بالبركة {أية : وبارك فيها وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام}تفسير : [فصلت: 10] فإن قيل: وأيّ بركة في المفاوز المهلكة؟ قلنا: إنها مساكن الوحوش ومرعاها، ومساكن الناس إذا احتاجوا إليها، ومساكن خلق لا يعلمهم إلا الله تعالى، فلهذه البركات قال تعالى: {أية : وفي الأرض آيات للموقنين} تفسير : [الذاريات: 20] تشريفاً لهم لأنهم هم المنتفعون بها كما قال: {هدى للمتقين} وخلق الأنبياء من الأرض {أية : منها خلقناكم}تفسير : [طه: 55] وأودعهم فيها {أية : وفيها نعيدكم} تفسير : [طه: 55] وأكرم نبيه المصطفى فجعل الأرض كلها له مسجداً وطهوراً. ولما خلق الله الأرض وكانت كالصدفة والدرة المودعة فيها آدم عليه السلام وأولاده، ثم علم الله أصناف حاجاتهم قال: يا آدم لا أحوجك إلى شيء غير هذه الأرض التي هي لك كالأم فقال: {أية : أنا صببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً}تفسير : [عبس: 25 - 26] {أية : وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم} تفسير : [إبراهيم: 32] ياعبدي إن أعز الأشياء عندك الذهب والفضة، ولو أني خلقت الأرض منهما هل كان يحصل منها هذه المنافع؟ ثم إني جعلت هذه الأشياء في الدنيا مع أنها سجن لك، فكيف الحال في الجنة؟ فالحاصل أن الأرض أمك بل أشفق من الأم، لأن الأم تسقيك نوعاً واحداً من اللبن، والأرض تطعمك ألواناً من الأطعمة. ثم قال: {أية : منها خلقناكم وفيها نعيدكم}تفسير : [طه: 55] معناه نردكم إلى هذه الأم وهذا ليس بوعيد، لأن المرء لا يتوعد بأمه وذلك لأن مقامك من الأم التي ولدتك أضيق من مقامك من الأرض، ثم إنك كنت في بطن الأم الصغرى تسعة أشهر فما مسك جوع ولا عطش، فكيف إذا دخلت بطن الأم الكبرى؟ ولكن الشرط أن تدخل بطن الأم الكبرى كما كنت في بطن الأم الصغرى، ما كانت لك زلة فضلاً من أن يكون لك كبيرة، بل كنت مطيعاً لله، فحيث دعاك مرة بالخروج إلى الدنيا خرجت إليها بالرأس طاعة منك لربك، واليوم يدعوك سبعين مرة إلى الصلاة فلا تجيبه برجلك. الرابعة: معنى إخراج الثمرات بالماء وإنما خرجت بقدرة الله ومشيئته أنه جعل الماء سبباً في خروجها ومادة لها كالنطفة في خلق الولد وهو قادر على إنشاء الأشياء بلا أسباب ومواد كما أنشأ نفوس الأسباب والمواد، ولكن له في هذا التدريج والتسبب حكماً يتبصر بها من يستبصر، ويتفطن بها من يعتبر و "من" في "من الثمرات" للتبعيض. كما أنه قصد بتنكير "ماء" و "رزقاً" معنى البعضية لأنه مفرد في سياق الإثبات، فكأنه قيل: وأنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم وهذا معنى صحيح، لأنه لم ينزل من السماء الماء كله، ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات، ولا جعل الرزق كله في الثمرات فيكون كل الثمرات بعض الرزق فضلاً عن بعضها. ويجوز أن تكون للبيان كقولك "أنفقت من الدراهم ألفاً". ثم إن كانت "من" للتبعيض كان انتصاب "رزقا" بأنه مفعول له، وإن كانت للبيان كان مفعولاً لا "خرج" و "لكم" صفة جارية على الرزق إن أريد به العين، وإن جعل مصدراً فهو مفعول به، كأنه قيل: رزقاً إياكم. وإنما قيل: "الثمرات" على لفظ القلة وإن كان الثمر المخرج بماء السماء جماً كثيراً لأنه قصد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك "فلان أدركت ثمرة بستانه" تريد ثماره كقولهم للقصيدة "كلمة" وللقرية "مدرة"، أو لأن القلة وضعت موضع الكثرة نحو {أية : ثلاثة قروء}تفسير : [البقرة: 228] أو تنبيهاً على قلة ثمار الدنيا في جنب ثمار الآخرة. الخامسة: قوله "فلا تجعلوا" إما أن يتعلق بالأمر أي اعبدوا ربكم فلا تجعلوا له أنداداً، لأن أصل العبادة وأساسها التوحيد، وأن لا يجعل لله ند ولا شريك، أو بـ "لعل" فتنصب "تجعلوا" بعده مثل {أية : لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع} تفسير : [غافر: 37] في رواية حفص عن عاصم. أو "بالذي جعل لكم" إذا رفعته على الابتداء، أي هو الذي نصب لكم هذه الأدلة القاطعة والآيات الناطقة بالوحدانية فلا تتخذوا له تعالى شركاء. والند المثل، ولا يقال إلا للمثل المخالف المنادّ من ناددت الرجل خالفته ونافرته، وندّ ندوداً إذا نفر. ومعنى قول الموحد "ليس لله ند ولا ضد" نفي ما يسد مسده ونفي ما ينافيه. وقوله "وأنتم تعلمون" بترك المفعول معناه وأنتم من أهل العلم والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال. وهكذا كانت العرب خصوصاً قطان الحرم من قريش وكنانة، لا يشق غبارهم في الدهاء والفطنة. والتوبيخ فيه آكد أي أنتم العرافون المميزون، ثم ما أنتم عليه في أمر ديانتكم من جعل الأصنام لله أنداداً هو غاية الجهل ونهاية سخافة العقل. ويجوز أن يقدر: وأنتم تعلمون أنه لا يماثل، أو وأنتم تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت، وأنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله كقوله {أية : هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء}تفسير : [الروم: 4] واعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله شريكاً يساويه في الوجوب والعلم والقدرة والحكمة، ولكن الثنوية يثبتون إلهين: حكيم يفعل الخير، وسفيه يفعل الشر. أما اتخاذ معبود سوى الله ففي الذاهبين إليه كثرة: الفريق الأول: عبدة الكواكب وهم الصابئة فإنهم يقولون: إن الله تعالى خلق هذه الكواكب وهي المدبرات في هذا العلم، فيجب علينا أن نعبد الكواكب والكواكب تعبد الله تعالى. والفريق الثاني: عبدة المسيح عليه السلام. والفريق الثالث: عبدة الأوثان. فنقول: لا دين أقدم من دين عبدة الأوثان لأن أقدم الأنبياء الذين نقل إلينا تاريخهم هو نوح عليه السلام، وهو إنما جاء بالرد عليهم {أية : وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسراً}تفسير : [نوح: 23] ودينهم باقٍ إلى الآن. والدين الذي هذا شأنه يستحيل أن يعرف فساده بالضرورة، ولكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلق السماء والأرض علم ضروري، فيمتنع إطباق الجمع العظيم عليه، فوجب أن يكون لهم غرض آخر سوى ذلك. و العلماء ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: ما ذكره أبو معشر جعفر بن محمد المنجم البلخي أن كثيراً من أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله وملائكته، ويعتقدون أنه جسم ذو صورة كأحسن ما يكون من الصور وكذا الملائكة، وأنهم كلهم قد احتجبوا عنا بالسماء، وأن الواجب عليهم أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر على الهيئة التي كانوا يعتقدونها من صور الإله والملائكة فيعكفون على عبادتها قاصدين به طلب الزلفى إلى الله تعالى وملائكته، فعلى هذا السبب في عبادة الأوثان هو اعتقاد الشبه. وثانيها: ما ذكره أكثر العلماء، وهو أن الناس لما رأوا تغيرات أحوال هذا العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب، واعتقدوا ارتباط السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس، بالغوا في تعظيمها. فمنهم من اعتقد أنها واجبة الوجود لذواتها وهي التي خلقت هذه العوالم، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة لله الأكبر لكنها خالقة لهذا العالم، وأنها الوسائط بين الله والبشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها. ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار، اتخذوا لها أصناماً وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادة تلك الأجرام العالية، ومتقربين إلى أشباحها الغائبة. ولما طالت المدة تركوا ذكر الكواكب وتجردوا لعبادة تلك التماثيل، فهؤلاء بالحقيقة عبدة الكواكب. وثالثها: أن أصحاب الأحكام كانوا يرتقبون أوقاتاً في السنين المتطاولة نحو الألف والألفين، ويزعمون أن من اتخذ طلسماً في ذلك الوقت على وجه خاص فإنه ينتفع به في أحوال مخصوصة نحو السعادة والخصب ودفع الآفات، وكانوا إذا اتخذوا ذلك الطلسم عظموه لاعتقادهم أنهم ينتفعون به، فلما بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك كالعبادة، ثم نسوا مبدأ الأمر بتطاول المدة واشتغلوا بعبادتها. ورابعها: أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون فيه أنه مستجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند الله تعالى، اتخذوا صنماً على صورته وعبدوها على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعاً لهم يوم القيامة عند الله تعالى {أية : ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} تفسير : [يونس: 18] وخامسها: لعلهم اتخذوها قبلة لصلاتهم وطاعاتهم ويسجدون إليها لا لها كما أنا نسجد إلى القبلة لا للقبلة، ولما استمرت هذه الحالة ظن جهال القوم أنه يجب عبادتها. وسادسها: لعلهم كانوا من المجسمة فاعتقدوا جواز حلول الرب فيها فعبدوها على هذا التأويل. فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل مذهبهم عليها حتى لا يصير بحيث يعلم بطلانه بالضرورة. فإن قيل: لما رجع حاصل مذاهب عبدة الأوثان إلى الوجوه التي ذكرت، فما وجه المنع عنها؟ قلنا: لما تقربوا إليها وعظموها وسموها آلهة أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله قادرة على مخالفته ومضادته، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم، وكما تهكم بهم بلفظ الند، شنع عليهم واستفظع شأنهم بأن جعلوا أنداداً كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ند قط، ولا يفيد في طريق عبادته إلا الحنيفية والإخلاص ورفع الوسائط من البين. واعلم أن اليونانيين كانوا قبل خروج الإسكندر عمدوا إلى بناء هياكل لهم معروفة بأسماء القوى الروحانية والأجرام النيرة، واتخذوها معبودة لهم على حدة. وقد كان هيكل العلة الأولى وهي عندهم الأمر الإلهي، وهيكل العقل الصريح، وهيكل السياسة المطلقة، وهيكل النفس والصور مدورات كلها، وكان هيكل زحل مسدساً، وهيكل المشتري مثلثاً، وهيكل المريخ مستطيلاً، وهيكل الشمس مربعاً، وهيكل الزهرة مثلثاً في جوفه مربع، وهيكل عطارد مثلثاً في جوفه مستطيل، وهيكل القمر مثمناً. وزعم أصحاب التاريخ أن عمرو بن لحيّ لما ساد قومه وترأس على طبقاتهم وولي أمر البيت الحرام، اتفقت له سفرة إلى البلقاء فرأى قوماً يعبدون الأصنام فسألهم عنها فقالوا: هذه أوثان نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقي، فالتمس منهم أن يأتوا بواحد منها فأعطوه الصنم المعروف بهبل، فصار به إلى مكة ووضعه في الكعبة، ودعا الناس إلى تعظيمه، وذلك في أول ملك سابور ذي الأكتاف. ومن بيوت الأصنام المشهورة (غمدان) الذي بناه الضحاك على اسم الزهرة بمدينة صنعاء وخربه عثمان بن عفان. ومنها (نوبهار) الذي بناه منوجهير الملك على اسم القمر. ثم كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل (ود) بدومة الجندل لكلب، و (سواع) لبني هذيل، و (يغوث) لمذحج، و (يعوق) لهمدان، و (نسر) بأرض حمير لذي الكلاع، و (اللات) بالطائف لثقيف، و (منات) بيثرب للخزرج، و (العزى) لكنانة بنواحي مكة، و (أساف) و (نائلة) على الصفا والمروة. وكان قصي جد رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن عبادتها ويدعوهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، وكذلك زيد بن عمرو بن نفيل حين فارق قومه وهو الذي يقول: شعر : أربــــاً واحـــداً أم ألــف رب أدين إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزى جميعاً كذلك يفعل الرجل البصير
الثعالبي
تفسير : قوله تعالَىٰ: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ...} الآيَةَ: «يَا»: حرفُ نداءٍ، وفيه تنبيهٌ، و «أَيُّ» هو المنادَىٰ، قال مجاهد: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} حيث وقع في القرآن مَكِّيٌّ، و {يـَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} مدنيٌّ. قال: * ع *: قد تقدَّم في أول السورة؛ أنها كلها مدنية، وقد يجـيء في المَدَنِيِّ: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ}. وأما قوله في: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} فصحيح. {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ}: معناه: وحِّدوه، وخصوه بالعبادة، وذكر تعالى خلقه لهم؛ إِذ كانت العرب مقرة بأن اللَّه خلقها، فذكر ذلك سبحانه حجةً عليهم، ولعل في هذه الآية قال فيها كثيرٌ من المفسِّرين: هي بمعنى إيجاب التقوَىٰ، وليست من اللَّه تعالَىٰ بمعنى ترجٍّ وتوقُّع، وفي «مختصر الطَّبَرِيِّ»: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} عن مجاهد، أي: لعلَّكم تطيعون، والتقوَى التوقِّي من عذاب اللَّه بعبادته، وهي من الوقاية، وأما «لَعَلَّ» هنا، فهي بمعنى «كَيْ» أو «لامِ كَيْ»، أي: لتتقوا، أوْ لكَيْ تتقوا، وليست هنا من اللَّه تعالَىٰ بمعنى الترجِّي، وإنما هي بمعنى كَيْ، وقد تجـيء بمعنى «كَيْ» في اللغة؛ قال الشاعر: (الطويل) شعر : وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ تفسير : انتهى. قال: * ع *: وقال سيبويه: ورؤساءُ اللِّسَان: هي على بابها، والترجِّي والتوقُّع إنما هو في حيز البشر، أي: إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم، رجَوْتُمْ لأنفسكم التقوَىٰ، و «لَعَلَّ»: متعلِّقة بقوله: «ٱعْبُدُوا»، ويتجه تعلُّقها بـ «خَلَقَكُمْ» أي: لَمَّا وُلِدَ كلُّ مولود على الفطرة، فهو إِن تأمله متأمِّل، توقَّع له ورجا أن يكون متقياً، و «تَتَّقُونَ»: مأخوذ من الوقاية، وجعل بمعنى «صَيَّرَ» في هذه الآية؛ لتعدِّيها إِلى مفعولين، و «فِرَاشاً» معناه: تفترشونها، و «السَّمَاء» قيل: هو اسم مفرد، جمعه سماوات، وقيل: هو جمعٌ، واحده سَمَاوَة، وكلُّ ما ارتفع عليك في الهواء، فهو سماء، {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ} يريد السحاب، سمي بذلك تجوُّزاً؛ لَمَّا كان يلي السماء، وقد سَمَّوُا المطر سماءً للمجاورة؛ ومنه قول الشاعر: [الوافر] شعر : إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأَرْضِ قَوْمٍ رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا تفسير : فتجوز أيضاً في «رَعَيْنَاهُ». وواحد الأنداد نِدٌّ، وهو المقاوم والمضاهي، واختلف المتأوِّلون من المخاطب بهذه الآية، فقالتْ جماعة من المفسِّرين: المخاطَبُ جميع المشركين، فقوله سبحانه على هذا: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} يريد العلم الخاصَّ في أنه تعالَىٰ خلق، وأنزل الماء، وأخرج الرزق، وقيل: المراد كفَّار بني إسرائيل، فالمعنى: وأنتم تعلَمُون من الكتب التي عندكم أنَّ اللَّه لا ندَّ له، وقال ابنْ فُورَكَ: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين. قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ}، أي: في شكٍّ، {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}: الضمير في «مِثْلِهِ» عند الجمهور: عائد على القرآن، {وَٱدْعُواْ شُهَدَاءَكُم}، أي: مَنْ شهدكم وحضركم من عون ونصير؛ قاله ابنُ عَبَّاس: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}، أي: فيما قلتم من أنَّكم تقدرون على معارضته. ويؤيِّد هذا القول ما حكي عنهم في آية أخرى: { أية : لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا } تفسير : [الأنفال:31]، وفي قوله جل وعلا: {وَلَنْ تَفْعَلُواْ} إِثَارةٌ لِهِمَمِهِمْ، وتحريكٌ لنفوسهم؛ ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهو أيضاً من الغيوب التي أخبر بها القرآن. وقوله تعالَىٰ: {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ}: أمر بالإيمانِ وطاعةِ اللَّه، قال الفَخْر ولما ظهر عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق النبيِّ صلى الله عليه وسلم وإِذا صح ذلك، ثم لزموا العناد، استوجبوا العقاب بالنار، واتقاءُ النار يوجب ترك العناد؛ فأقيم قوله: {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} مُقَامَ قوله: «وَٱتْرُكُوا العِنَادَ»، ووصف النار بأنها تتقد بالناس والحجارة؛ وذلك يدلُّ على قوتها، نجَّانا اللَّه منها برحمته الواسعة. وقرَنَ اللَّه سبحانه النَّاسَ بالحجارة؛ لأنهم اتخذوها في الدنيا أصناماً يعبدونها؛ قال تعالَىٰ: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ } تفسير : [الأنبياء:98] فإحدى الآيتين مفسِّرة للأخرى، وهذا كتعذيب مانعي الزكاة بنوعِ ما منعوا، انتهى.
ابن عادل
تفسير : اعلم أنه - تعالى - لما بين أحكام الفِرَقِ الثلاث - أعني المؤمنين والكفار والمنافقين - أقبل عليهم بالخطاب وهو من باب "الالتفات". "يا"حرف نداء وهي أم الباب. وزعم بعضهم أنها اسم فعل، وقد تحذف نحو: {أية : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا} تفسير : [يوسف: 29]. وينادى بها المندوب والمستغاث. قال أبو حيان: "وعلى كثرة وقوع النداء في القرآن لم يقع نداء إلاَّ بها". وزعم بعضهم أن قراءة: {أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ} [الزمر: 9] بتخفيف الميم أن الهمزة فيه للنداء، وهو غريب، وقد يراد بها مجرد التنبيه فيليها الجمل الاسمية والفعلية، قال تعالى: {أَلاَّ يَا اسْجُدُواْ} [النمل: 25] بتخفيف أَلاَ؛ وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 272- أَلاَ يَا اسْقِيَانِي قَبْلَ غَارَةِ سِنْجَالِ .............................. تفسير : وقال آخر: [البسيط] شعر : 273- يا لَعْنَةُ اللهِ وَالأَقْوَامِ كُلِّهِمُ وَالصَّالِحِينَ عَلَى سمْعَانَ مِنْ جَارِ تفسير : و "أي" اسم منادى في محلّ نصب، ولكنه بني على "الضم"؛ لأنه مفرد معرفة، وزعم الأخفش أنها هنا موصولة، وأن المرفوع بعدها خبر مبتدأ مضمر، والجملة صلةٌ، والتقدير: "يا الَّذِين هُمُ النَّاس"، والصحيح الأول، والمرفوع بعدها صفة لها، [والمشهور]: يلزم رفعه، ولا يجوز نصبه على المحلّ خلافاً للمازني. و "ها" زائدة للتنبيه لازمة لها، والمشهور فتح هَائِهَا، ويجوز ضمُّها إتباعاً للياء، وقد قرأ ابن عامر بذلك في بعض المواضع نحو {أَيُّهُ المُؤْمِنُونَ} [النور: 31] والمرسوم يساعده. ولا توصف "أي" هذه إلا بما فيه الألف واللام، أو بموصول هما فيه، أو باسم إشارة نحو: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ} تفسير : [الحجر: 6] وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 274- ألاَ أَيُّهَذَا النَّابِحُ السِّيدَ إِنَّنِي عَلَى نَأْيهَا مُسْتَبْسِلٌ مِنْ وَرَائِهَا تفسير : وفسر بعضهم يا زيد: أنادي زيداً، وأخاطب زيداً، وهو خطأ من وجوه: أحدها: أن قوله: "أنادي زيداً" خبر يحتمل الصدق والكذب، وقوله: يا زيد لا يحتملهما. وثانيها: أن قولنا: "يا زيد" يقتضي أن زيداً منادى في الحال، و "أنادي زيداً" لا يقتضي ذلك. وثالثها: أن قولنا: "يا زيد" يقتضي صيرورة زيد خاطباً هذا الخطاب، و "أنادي زيداً" لا يقتضي ذلك؛ لأنه لا يمكن أن يخبر إنساناً آخر بأن أنادي زيداً. ورابعها: أن قولنا: أنادي زيداً إخبار عن النداء، والإخبار عن النداء غير النداء. واعلم أن "يا" حرف وضع في أصله لنداء البعيد، وإن كان لنداء القريب، [لكن بسبب أمر مهم جدًّا، وأما نداء القريب فله: "أي" والهمزة] ثم استعمل في نداء من سها وغفل وإن قرب، تنزيلاً له منزلة البعيد. فإن قيل: فلم يقول الداعي: "يا رب"، "يا الله" وهو أقرب إليه من حبل الوريد؟ قلنا: هو استبعاد لنفسه من مَظَانّ الزُّلْفَى، إقراراً على نفسه بالتقصير. و "أي" وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام كما أن "ذو" الذي وصلة إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل، وهو اسم مبهم، فافتقر إلى ما يزيل إبهامه، فلا بد وأن يردفه اسم جنس، أو ما جرى مجراه، ويتصف به حتى يحصل المقصود بالنداء. و لـ "أي" معانٍ أخر كالاستفهام، والشرط، وكونها موصولة، ونكرة موصوفة لنكرة، وحالاً لمعرفة. و "النَّاس" صفة "أي"، أو خبر مبتدأ محذوف حسب ما تقدم من الخلاف. و "اعبدوا ربكم" جملة أمرية لا محلّ لها؛ لأنها ابتدائية. "الَّذِي خَلَقكُمْ" فيه ثلاثة أوجه: أظهرها: نصبه على النَّعت لـ "ربكم". الثَّاني: نصبه على القطع. الثالث: رفعه على القطع أيضاً. وقد تقدّم معناه. فصل في تقسيم ورود النداء في القرآن الكريم قال ابن عبَّاس رضي الله عنه: {يا أَيُّهَا النَّاسُ} خطاب لأهل "مكة" و {يا أَيُّهَا الَّذِين آمَنُوا} لأهل "المدينة"، ورد على قوله هذه الآية بأن البقرة مدنية. وقال غيره: كلّ ما كان في القرآن من قوله: "يا أيها الذين آمنوا" فهو مدني. وأما قوله: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} فمنه مكّي، ومنه [مدني] وهذا خطاب عام؛ لأنه لفظ جمع معرف، فيفيد العموم، لكنه مخصوص في حقّ ما لا يفهم، كالصَّبي، والمجنون، والغافل، ومن لا يقدر، لقوله تعالى: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286]. ومنهم من قال: إنه مخصوص في حق العبيد، لأنّ الله - تعالى - أوجب عليهم طاعة مواليهم، واشتغالهم بطاعة المولى كمنعهم عن الاشتغال بالعبادات، والأمر الدَّال على وجوب طاعة المولى أخصّ من الأمر الدَّال على وجوب العبادة، والخاصّ مقدّم على العام، والكلام على هذا مذكور في أصول الفقه. قال ابن الخطيب: قوله: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} يتناول جميع الناس الموجودين في ذلك العصر، فهل يتناول الَّذين سيوجدون بعد ذلك أم لا؟ قال: "والأقرب أنه لا يتناولهم؛ لأن قوله: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} خطاب مُشَافهة، وخطاب المُشَافهة مع المعدوم لا يجوز"، وأيضاً فالذين سيوجدون ما كانوا موجودين في تلك الحالة، وما لا يكون موجوداً لا يكون إنساناً، فلا يدخل تحت قوله: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ}. فإن قيل: فوجب أن يتناول أحداً من الَّذين وجدوا بعد ذلك الزمان، وإنه باطل قطعاً. قلنا: لو لم يجد دليل منفصل لكان الأمر كذلك، إلاَّ أنا عرفنا بالتَّوَاتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم أن تلك الخطابات ثابتة في حَقّ من سيوجد بعد ذلك إلى قيام السَّاعة؛ فلهذه الدلالة المنفصلة أوجبنا العموم. فصل في المراد بالعبادة في القرآن قال ابن عبَّاس رضي الله عنه: "كلّ ما ورد في القُرْآن من العبادة فمعناها التوحيد". وقال ابن الخطيب: قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} أمر كلّ واحد بالعبادة، فهل يفيد أمر الكلّ بكل عبادة؟ الحقّ لا؛ لأن قوله: {ٱعْبُدُواْ} معناه: أدخلوا هذه الماهية في الوجود، فإذا أتوا بفرد من أفراد هذه الماهيّة في الوجود فقد أدخلوا الماهية في الوجود؛ لأن الفرد من أفراد الماهية مشتمل على الماهية، لأن هذه العبادة عبارة عن العِبَادَةِ مع قيد كونها هذه، ومتى وجد المركب فقد وجد فيه قيده، فالآتي بفرد من أفراد العبادة أتى بالعبادة، وأتى بتمام ما اقتضاه قولنا: "اعْبُدُوا"، وإذا كان كذلك وجب خروجه عن العهدة. فصل في قول منكري التكليف ذكر ابن الخطيب عن منكري التكليف أنهم لا يجوِّزون ورود الأمر من الله - تعالى - بالتكاليف لوجوه: منها أنَّ الَّذي ورد به التكليف: إما أن يكون قد علم الله في الأزل وقوعه، أو علم أنه لا يقع، أو لم يعلم لا هذا ولا ذاك، فإن كان الأوّل كان واجب الوقوع، فلا فائدة في الأمر به، وإن علم أنه لا يقع كان ممتنع الوقوع، فكان الأمر به أمراً بإيقاع الممتنع، وإن لم يعلم لا هذا ولا ذاك كان ذلك قولاً بالجهل على الله، وهو محال. وأيضاً فورود الأمر بالتكاليف إمَّا أن يكون لفائدة، أو لا لفائدة، فإن كان لفائدة فإما أن يعود إلى المعبود، أو إلى العابد، أمّا إلى المعبود فمحال؛ لأنه كامل لذاته، والكامل لذاته لا يكون كاملاً بغيره، ولأنا نعلم بالضرورة أنّ الإله العالي على الدَّهر والزمان يستحيل أن ينتفع بركوع العبد وسجوده. وإن كانت الفائدة تعود إلى العابد فمحال؛ لأن جميع الفوائد محصورة في حصول اللَّذَّة ودفع الألم، وهو - سبحانه وتعالى - قادر على تحصيل كلّ ذلك للعبد، من غير واسطة هذه المشاق، فيكون توسّطها عبثاً، والعبث غير جائز على الحكيم. وأيضاً إنَّ العبد غير موجد لأفعاله؛ لأنه غير عالم بتفاصيلها، ومن لا يعلم تفاصيل الشيء لا يكون موجداً له، وإذا لم يكن العبد موجداً لأفعال نفسه، فإن أمره بذلك الفعل حالة ما خلقه فيه فقد أمره بتحصيل الحاصل، وإن أمره حالة ما لم يخلقه فيه فقد أمره بالمحال، وكل ذلك باطل. وأجاب ابن الخطيب بوجهين: أحدهما: أن أَصْحَابَ هذه الشّبه، أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التَّكليف، فهذا التكليف ينفي التكليف، وإنه متناقض. والثاني: أن عندنا يحسن من الله كل شيء، سواء كان ذلك تكليف ما لا يطاق أو غيره؛ لأنه - تعالى - خالقٌ مالكٌ، والمالك لا اعتراض عليه في فِعْلِهِ. والخَلْق اختراع الشَّيء على غير مِثَالٍ سبق، وهذه الصِّفة ينفرد بها الباري تعالى، ويُطْلَقُ أيضاً على "التقْدِيرِ"؛ قال زُهَيْر: [الكامل] شعر : 275- وَلأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي تفسير : وقال الحَجَّاج: "ما خَلَقْتُ إلاَّ فَرَيْتُ وَلاَ وَعَدْتُ إلاَّ وَفَيْتُ" وهذه الصّفة لا يختص بها الله تعالى، وقد غلط أبو عبد الله البصري في أنه لا يطلق اسم "الخَالِقِ" على الله - تعالى؛ قال: "لأنه مُحَالٌ، وذلك أن التقدير والتسوية في حقِّ اللهِ ممتنعانِ، لأنهما عبارة عن التفكُّر والظَّن"، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ} تفسير : [الحشر: 24] {أية : ٱللَّهُ خَالِقُ كُـلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الزمر: 62]، وكأنَّه لا يعلَم أن الخَلْق يكون عبارة عن الإنشاء والاختراع. قوله: {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} محلّه العطف على المنصوب في "خلقكم" و "من قبلكم" صلة "الذين"، فيتعلّق بمحذوف على ما تقرر. و "من" لابتداء الغاية، واستشكل بعضهم وقوع "من قبلكم" صلة من حيث إن كل ما جاز أن يخبر به جاز أن يقع صلة، و "من قبلكم" ناقص ليس في الإخبار به عن الأعيان فائدة إلا بتأويل، فكذلك الصّلة. قال: وتأويله أن ظرف الزمان إذا وصف صح الإخبار والوصل به تقول: "نحن في يوم طيب"، فيكون التقدير هنا - والله أعلم - "والَّذِين كانوا من زمان قبل زمانكم". وقال أبو البَقَاءِ: والتقدير: "والذين خلقهم من قبل خلقكم، فحذف الخلق، وأقام الضمير مقامه". وقرأ زيد بن علي: "والَّذِينَ مَنْ قَبْلَكُمْ" - بفتح الميم -. قال الزمخشري: ووجهها على إشكالها أن يقال: أقحم الموصول الثاني بين الأوّل وَصِلَتِهِ تأكيداً، كما أقحم جرير في قوله: [البسيط] شعر : 276- يَا تَيْمُ تَيْمَ عَدِيٍّ لاَ أَبَا لَكُمُ ............................ تفسير : تيْماً الثاني بين الأوَّل، وما أضيف إليه، وكإقحامهم لام الإضافَةِ بين المضاف والمضاف إلَيْه في نَحْو: "لاَ أَبَا لَكَ" قيل: هذا الذي قاله مذْهَبٌ لبعضهم؛ ومنه قوله: [الطويل] شعر : 277- مِنَ النَّفَرِ اللاَّءِ الَّذِينَ إذَا هُمُ يَهَابُ اللِّئَامُ حَلْقَةَ البَابِ قَعْقَعُوا تفسير : فـ "إذا" وجوبها صلةُ "اللاَّء"، ولا صلةَ للذين؛ لأنه توكيد للأول، إلا أن بعضهم يرد هذا القول، ويجعله فاسداً من جهة أنه لا يؤكد الحرف إلا بإعادة ما اتّصل به، فالموصول أولى بذلك، وخرج الآية والبيت على أن "مَنْ قَبْلَكُمْ" صلةٌ للموصول الثَّاني، والموصول الثَّاني وصلته خبر لمبتدأ محذوف، والمبتدأ وخبره صلة الأول، والتقدير: "والَّذين هُمْ مَنْ قَبْلِكُمْ"، وكذا [البيت] فجعل "إذا" وجوابها صلةً [للَّذِينَ، والَّذِينَ خبر لمبتدأ محذوف، وذلك المبتدأ وخبره صلة] لـ "اللاء"، ولا يخفَى ما في هذا التعسُّف. قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}. "لعل" واسمها وخبرها، وإذا ورد في كلام الله - تعالى - فللناس فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن "لَعَلّ" على بابها من الترجّي والإطماع، ولكن بالنسبة إلى المخاطبين، أي: لعلَّكم تتقون على رجائكم وطمعكم؛ وكذا قاتل سيبويه في قوله تعالى: {أية : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} تفسير : [طه: 44]: أي: اذْهَبَا على رجائِكُمَا. والثَّاني: أنها للتعْليل: أي: اعْبُدُوا رَبَّكُم؛ لِكَيْ تَتَّقُوا، وبه قال قُطْرُبٌ، والطبريُّ وغيرُهُما؛ وأنشدوا: [الطويل] شعر : 278- وقُلْتُمْ لَنَا: كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ فَلَمَّا كَفَفْنَا الحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ كَلَمْعِ سَرَابٍ في المَلاَ مُتَأَلِّقِ تفسير : أي: لنكُفَّ الحَرْبَ، ولو كانت "لَعَلّ" للترجِّي، لم يقل: وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مَوْثِقِ. والثَّالث: أنها للتعَرُّض للشيْءِ؛ كأنه قيل: افْعَلُوا ذلك متعرضِّين لأن تَتَّقُوا. وقال القَفَّال: "لعل" مأخوذةٌ من تكرير الشيء لقولهم: عللاً بعد نَهَلِ، و "اللام" فيها هي "لام" التأكيد كاللام التي تدخل في "لقد"، فأصل "لعل": "عل"؛ لأنهم يقولون: "علك أن تفعل كذا": أي لعلك. وإن كانت حقيقة في التكرير والتأكيد، كان قول القائل: افعل كذا لعلّك تظفر بحاجتك. معناه: افعله؛ فإن فعلك له يؤكد طلبك له ويقويك عليه، وهذه الجملة على كل قول متعلّقة من جهة المعنى بـ "اعبدوا" أي: اعبدوا على رجائكم التَّقوى، أو لتتقوا، أو متعرّضين للتقوى، وإليه مال المهدوي، وأبو البقاء. وقال ابن عطيّة: "[يتجه] تعلّقها بخلقكم، لأنَّ كل مولود يولد على الفطرة، فهو بحيث يرجى أن يكون متقياً"، إلاَّ أن المهدوي منع من ذلك. قال: لأن من ذرأه الله لجهنم لم يخلقه ليتقي، ولم يذكر الزمخشري غير تعلّقها بـ "خلقكم" ثم رتب على ذلك سؤالين: أحدهما: أنه كما خلق المُخاطبين لعلّهم يتقون، كذلك خلق الذين من قبلهم لذلك فلم خصّ المخاطبين بذلك دون من قبلهم؟ وأجاب عن ذلك بأنه لم يقصره عليهم، بل غَلّب المخاطبين على الغائبين في اللفظ والمعنى على إرادة الجميع. السُّؤال الثاني: هلا قيل: "تعبدون" لأجل "اعبدوا" أو اتقوا لمكان "تتقون" ليتجاوب طرفا النظم؟ وأجاب بأن التقوى ليست غير العبادة حتى يؤدي ذلك إلى تنافر النَّظْم، وإنَّما التقوى قصارى أمر العابد، وأقصى جهده. قال أبو حَيّان: وأما قوله: ليتجاوب طرفا النَّظم، فليس بشيء؛ لأنه لا يمكن هنا تجاوب طرفي النظم، إذ يصير اللفظ: اعبدوا ربكم لعلكم تعبدون، أو اتقوا ربكم لعلكم تتقون، وهذا بعيد في المعنى؛ إذ هو مثل: اضرب زيداً لعلك تضربه، واقصد خالداً لعلك تقصده، ولا يخفى ما في ذلك من غثاثة اللفظ، وفساد المعنى، والذي يظهر به صحّته أن يكون "لعلكم تتقون" متعلّقاً بقوله: "اعبدوا" فالَّذي نودوا لأجله هو الأمر بالعبادة، فناسب أن يتعلّق بها ذلك، وأتى بالموصول وصلته في سبيل التوضيح، أو المدح الذي تعلقت به العبادة، فلم يُجأْ بالموصول ليحدِّث عنه، بل جاء في ضمن المقصود بالعبادة، فلم يكن يتعلّق به دون المقصود، وأجاب بعضهم عن كلام الزمخشري بأنه جعل "لعل" متعلّقة بـ "خلقكم" لا بـ "اعبدوا"، فلا يصير التقدير: اعبدوا لعلكم تعبدون، وإنما التقدير: اعبدوا الذي خلقكم لعلكم تعبدون؛ أي خلقكم لأجل العبادة، يوضِّحه: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56]. وفي "لَعَلّ" لغاتٌ كثيرةٌ، وقد يُجَرُّ بها؛ قال: [الوافر] شعر : 279- لَعَلَّ اللهِ فَضَّلَكُمْ عَلَيْنَا بِشَيءٍ أَنَّ أُمَّكُمُ شَرِيمُ تفسير : ولا تنصب الاسمين على الصحيح، وقد تدخل "أَنْ" في خبرها؛ حملاً على "عَسَى"؛ قال: [الطويل] شعر : 280- لَعَلَّكَ يَوْماً أنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ ....................... تفسير : وقد تأتي للاستفهام والتعليل كما تقدم، ولكن أصلها أن تكون للترجّي والطمع في المحبوبات والإشفاق من المكروهات كـ "عسى"، وفيها كلام طويل يأتي في غضون هذا الكتاب إن شاء الله تَعَالَى. و "تَتَّقُونَ" أصله "توتقيون"؛ لأنه من "الوقاية"، فأبدلت الواو ياء قبل تاء الافتعال، وأدغمت فيها، وقد تقدم ذلك في "المتقين"، ثم استثقلت "الضّمة" على "الياء" فقدرت، فسكنت الياء والواو بعدها، فحذفت الياء لالتقاء السَّاكنين، وضمت القاف لتجانسها، فوزنه الآن "تفتعون"، وهذه الجملة أعني "لعلكم تتقون" لا يجوز أن تكون حالاً؛ لأنها طلبية، وإن كانت عبارة بعضهم تُوهمُ ذلك، ومفعول "تتقون" محذوف أي: تتقون الشرك، أو النار. فَصْلٌ في الاستدلال بالآية على الصانع هذه الآية تدلّ على الصانع القادر الفاعل المختار، سأل بعض الدهرية الشَّافعي - رضي الله تعالى عنه - ما الدَّليل على الصانع؟ فقال: ورقة الفِرْصَاد طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم؟ قالوا: نعم. قال: فتأكلها دودة القَزّ فيخرج منها الإبْرَيْسم، ويأكلها النحل فيخرج منها العَسَل، والشَّاة فيخرج منها البَعَر، وتأكلها الظِّبَاء فينعقد في نوافجها المسك، فمن الذي جعلها لذلك مع أن الطَّبع واحد؟ فاستحسنوا ذلك وآمنوا على يديه، وكانوا سبعة عشر. وسئل أبو حنيفة - رضي الله عنه - عن الصَّانع فقال: الوالد يريد الذكر، فيكون أنثى، وبالعكس فيدلّ على الصَّانع. وتمسك أحمد بن حنبل بقلعة حصينة مَلْسَاء لا فُرْجَةَ فيها، ظاهرها كالفضّة المُذَابة، وباطنها كالذهب الإبريز، ثم انشقت الجدران، وخرج من القلعة حيوان سميع بصير، فلا بُدّ من الفاعل؛ عنى بالقلعة البيضة، وبالحيوان الفرخ. وقال آخر: عرفت الصَّانع بنحلة بأحد طرفيها عسل، وبالآخر لسع، والعسل مقلوب لسع. فإن قيل: ما الفائدة في قوله {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}، وخلق الذين من قبلهم لا يقتضي وجوب العبادة عليهم. والجواب: أن الأمر وإن كان على ما ذكر ولكن علمهم بأن الله - تعالى - خلقهم كعلمهم بأنه خلق من قبلهم؛ لأن طريقة العلم بذلك واحدة. وأيضاً أن من قبلهم كالأصول لهم، وخلق الأصول يجري مجرى الإنعام على الفروع، كأنه - تعالى - يذكرهم عظيم إنعامه عليهم، أي: لا تظن أني إنما أنعمت عليك حين وجدت، بل كنت منعماً عليك قبل أن وجدت بألوف سنين، بسبب أني كنت خالقاً لأصولك. فإن قيل: إذا كانت العبادة تقوى فقوله: {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ما وجهه؟ والجواب من وجهين: الأول: لا نسلّم أن العبادة نفس التقوى، بل العبادة فعل يحصل به التقوى؛ لأن الاتِّقاء هو الاحتراز عن المَضَارّ، والعبادة فعل المأمور به، ونفس هذا الفعل ليس هو نفس الاحتراز، بل موجب الاحتراز، فإنه - تعالى - قال: {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} لتحترزوا به عن عقابه. وإذا قيل في نفس الفعل: "إنه اتقاء" فذلك غير ما يحصل به الاتقاء، لكن لما اتصل أحد الأمرين بالآخر أجري اسمه عليه. الثاني: أنه - تعالى - إنما خلق المكلفين لكي يتقوا ويطيعوا، على ما قال: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56] فكأنه - تعالى - أمر بعبادة الرَّبِّ الذي خلقهم لهذا الغرض، وهذا التأويل لائق بأصول المعتزلة. فَصْلٌ في القراءات في الآية قرأ أبو عمرو: خَلَقْكُمْ بالإدغام، وقرأ ابن السَّميفع: "وَخَلَقَ مَنْ قَبْلَكُم". قوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ} يحتمل النصب والرَّفع، فالنصب من خمسة أوجه: أحدها: أن يكون نصبه على القطع. الثاني: أنه نعت لربكم. الثالث: أنه بدل منه. الرابع: أنه مفعول لـ "تتقون"، وبه قال أبو البقاء. الخامس: أنه نعت النعت، أي: الموصول الأول، لكن المختار أن النعت لا ينعت، بل إن جاء ما يوهم ذلك جعل نعتاً للأول، إلا أن يمنع مانع فيكون نعتاً للنعت، نحو قولهم: "يا أيها الفارس ذو الجمة" فذو الجمة نعت للفارس لا لـ "أي"؛ لأنها لا تنعت إلا بما تقدم ذكره. والرَّفع من وجهين: أحدهما وهو الأصح: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هو الذي جعل. والثاني: أنه مبتدأ، وخبره قوله بعد ذلك: فلا تجعلوا لله، وهذا فيه نظر من وجهين: أحدهما: أنّ صلته ماضية فلم يشبه الشرط، فلا يزاد في خبره "الفاء". الثاني: عدم الرابط، إلا أن يقال بمذهب الأخفش، وهو أن يجعل الربط مكرر الاسم الظَّاهر إذا كان بمعناه نحو: "زيد قام أبو عبد الله" إذا كان أبو عبد الله كنية لزيد، وكذلك هنا أقام الجلالة مقام الضَّمير، كأنه قال: الَّذي جعل لكم، فلا تجعلوا له أنداداً. و "الذي" كلمة موضوعة للإشارة إلى المفرد عند محاولة تعريفه بقضية معلومة كقولك: ذهب الرجل الذي أبوه منطلق، فأبوه منطلق قضية معلومة، فإذا حاولت تعريف الرجل بهذه القضية المعلومة أدخلت عليه الَّذي، وهو يحقّق قولهم: إنه مستعمل لوصف المعارف بالجمل. وإذا ثبت هذا فقوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} يقتضي أنهم كانوا عالمين بوجود شيء جعل الأرض فراشاً، والسّماء بناءً، وذلك تحقيق قوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [لقمان: 25]. و "جعل" فيها وجهان: أحدهما: أن تكون بمعنى "صَيَّر" فتتعدى لمفعولين فيكون "الأرض" مفعولاً أول، و "فراشاً" مفعولاً ثانياً. والثاني: أن يكون بمعنى "خلق" فيتعدّى لواحد وهو "الأرض" ويكون "فراشاً" حالاً. و "السماء بناء" عطف على "الأرض فراشاً" على التقديرين المتقدمين، و "لكم" متعلق بالجعل أي: لأجلكم، والفراش: قيل: البساط، وقيل: مثلها. وقيل: ما يوطأ، ويُقعد عليه. واعلم أنه - تعالى - ذكر ها هنا أنه جعل الأرض فراشاً، ونظيره قوله: {أية : أَمَّن جَعَلَ ٱلأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً} تفسير : [النمل: 61] وقوله: {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداً}تفسير : [طه: 53]. واعلم أن كون الأرض فراشاً مشروط بأمور: قال ابن الخطيب: أحدها: كونها ساكنة؛ فإنها لو كانت متحركة لم يمكن الانتفاع بها لما تقرر في المعقولات. الثاني: ألا تكون في غاية الصَّلابة كالحجر؛ فإن النّوم عليه والمشي مما يؤلم البدن، وأيضاً لو كانت الأرض من الذَّهب مثلاً لتعذّرت الزراعة ولتعذّر حفرها، وتركيبها لما يراد. وألاَّ تكون في غاية اللين كالماء الذي تغوص فيه الرِّجْل. الثالث: ألاّ يكون في غاية اللّطافة والشفافية؛ فإن الشفّاف لا يستقر النور عليه، وما كان كذلك فإنه لا يتسخن بالشمس فكان يبرد جدًّا، فجعل كيفية لونه أخضر ليستقر النور عليه، فيتسخن فيصلح أن يكون فراشاً للحيوانات. الرابع: أن تكون بارزةً من الماء؛ لأن طبع الأرض أن يكون غائصاً في الماء فكان يجب أن تكون البحار محيطةً بالأرض، ولو كانت كذلك لما كانت فراشاً لنا، فقلب الله طبيعة الأرض وأخرج بعض أجزائها [من المياه] كالجزيرة البارزة حتى صلحت لأن تكون فراشاً لنا. ومن الناس من زعم أن الشرط في كون الأرض فراشاً ألا تكون كرة واستدل بهذه الآية، وهذا بعيد؛ لأن الكرة إذا عظمت جدًّا كانت القطعة منها كالسطح في إمكان الاستقرار عليه، والذي يؤيده كون الجبال أوتاداً للأرض ويمكن الاستقرار عليها، فها هنا أولى. فَصْلٌ في منافع الأرض وصفاتها فأولها: الأشياء المتولّدة فيها من المعادن، والنبات، والحيوان، والآثار العلوية والسّفلية، ولا يعلم تفاصيلها إلا الله تعالى. وثانيها: اختلاف بقاع الأرض، فمنها أرض رخوة، وصلبة، ورملة، وسبخة، وحرّة، قال تعالى: {أية : وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ} تفسير : [الرعد: 4]. وقال تعالى: {أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} تفسير : [الأعراف: 58]. وثالثها: اختلاف طعمها وروائحها. ورابعها: اختلاف ألوانها فأحمر، وأبيض، وأسود، ورمادي، وأغبر، قال تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} تفسير : [فاطر: 27]. وخامسها: انصداعها بالنبات، قال تعالى: {أية : وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ} تفسير : [الطارق: 12]. وسادسها: كونها خازنةً للماء المنزل، قال تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [المؤمنون: 18]. وسابعها: العيون والأنهار العظام. وثامنها: ما فيها من المَفَاوِزِ والفَلَواتِ {أية : وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا} تفسير : [ق: 7]. وتاسعها: أن لها طبع الكرم؛ لأنك تدفع إليها حبّة وهي تردها عليك سبعمائة {أية : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّاْئَةُ حَبَّةٍ} تفسير : [البقرة: 261]. وعاشرها: حيااتها بعد موتها {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} تفسير : [يس: 33]. الحادي عشر: ما فيها من الدَّواب المختلفة الألوان والصّور والخلق، {أية : وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ} تفسير : [البقرة: 164]. الثانية عشرة: ما فيها من النبات المختلف ألوانه، وأنواعه، ومنافعه: {أية : وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} تفسير : [ق: 7]. وفي اختلاف ألوانها دلالة، واختلاف روائحها دلالة، فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم: {أية : كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} تفسير : [طه: 54] ومطعوم البشر، فمنها الطعام ومنها الإدام، ومنها الرَّوَاء، ومنها الفاكهة، ومنها الأنواع المختلفة في الحَلاَوَةِ والحموضة، ومنها كسوة البشر؛ لأن الكسوة إمّا نباتية وهي القطن والكتان، وإما حيوانية وهي الشَّعَر والصُّوف، والأَبْرَيْسَم، والجلود، وهي من الحيوانات التي بثَّهَا الله في الأرض، فالمطعوم من الأرض، والملبوس من الأرض؛ ثم قال: {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل: 8]. وفيه إشارة إلى منافع كثيرة لا نعلمها نحن، والله [تعالى عالم بها]، فَصْلٌ قال بعضهم: السَّماء أفضل من الأرض لوجوه: أحدها: أن السَّماء متعبَّد الملائكة، وما فيها عُصي الله فيها. وثانيها: لما أتى آدم - عليه الصلاة والسلام - في الجَنّة بتلك المعصية قيل: اهبط من الجنة، وقال الله: "لا يسكن في جواري من عَصَاني". وثالثها: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً} تفسير : [الأنبياء: 32] وقوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً} تفسير : [الفرقان: 61] ولم يذكر في الأرض مثل ذلك. ورابعها: في أكثر الأمر ورد ذكر السَّماء مقدماً على الأرض في الذكر. وقال آخرون: بل الأرض أفضل؛ لوجوه: أحدها: أنه - تعالى - وصف بقاعاً في الأرض بالبركة {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} تفسير : [آل عمران: 96]، {أية : فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ} تفسير : [القصص: 30] {أية : إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} تفسير : [الإسراء: 1]. ووصف أرض "الشام" بالبركة فقال: {أية : مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} تفسير : [الأعراف: 137]. ووصف جملة الأرض بالبركة فقال: {أية : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ} تفسير : [فصلت: 9] إلى قوله: {أية : وَبَارَكَ فِيهَا} تفسير : [فصلت: 10]. فإن قيل: فأي بركةٍ في الفَلَواتِ الخالية، والمَفَاوزِ المُهْلِكَةِ؟ قلنا: إنها مساكن الوحوش ومرعاها، ومَسَاكن النَّاس إذا احتاجوا إليها، فلهذه البركة قال تعالى: {أية : وَفِي ٱلأَرْضِ ءَايَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} تفسير : [الذاريات: 20] وهذه الآيات وإن كانت حاصلةً لغير المؤمنين، لكن لمَّا لم ينتفع بها إلا الموقنون جعلها آيات للمؤمنين تشريفاً لهم كما قال: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2]. وثانيها: أنه - سبحانه - خلق الأنبياء المكرمين من الأرض على ما قال: {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} تفسير : [طه: 55] ولم يخلق من السماء شيئاً، لأنه قال: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً} تفسير : [الأنبياء: 32]. وثالثها: أن الله - تعالى - أكرم نبيّه، فجعل الأرض كلها مسجداً، وجعل ترابها طهوراً. فَصْلٌ في فَضْلِ السَّمَاءِ وهو من وجوه: الأول: أن الله - تعالى - زيَّنَهَا بسبعة أشياء: بالمصابيح {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} تفسير : [الملك: 5]. وبالقمر {أية : وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً} تفسير : [نوح: 16] وبالشمس: {أية : وَجَعَلَ ٱلشَّمْسَ سِرَاجاً} تفسير : [نوح: 16]. وبالعرش، وبالكرسي، وباللوح المحفوظ، وبالقلم، فهذه السَّبعة ثلاثة منها ظاهرة، وأربعة مثبتة بالدلائل السَّمعية. الثاني: أنه - تعالى - سمّاها بأسماء تدلّ على عظم شأنها سماء، وسقفاً محفوظاً، وسبعاً طباقاً، وسبعاً شداداً، ثم ذكر عاقبة أمرها فقال: {أية : وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتْ} تفسير : [المرسلات: 9]، {أية : وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتْ} تفسير : [التكوير: 11]، {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ} تفسير : [الانفطار: 1]، و {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ} تفسير : [الانشقاق:1]، {أية : يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} تفسير : [الأنبياء: 104]، {أية : تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلْمُهْلِ} تفسير : [المعارج: 8]، {أية : يَوْمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوْراً} تفسير : [الطور: 9]. {أية : فَكَانَتْ وَرْدَةً كَٱلدِّهَانِ} تفسير : [الرحمن: 37]. وذكر مبدأها فقال: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} تفسير : [فصلت: 11] وقال: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} تفسير : [الأنبياء: 30] فهذا الاستقصاء والتشديد في كيفية حدوثها وفنائها يدلُّ على أنه - سبحانه وتعالى - خلقها لحكمة بالغة على ما قال: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً} تفسير : [ص: 27]. الثَّالث: أنه - تعالى - جعل السَّماء قِبْلَةَ الدعاء، فالأيدي تُرفع إليها، والوجوه تتوجّه نحوها، وهي منزل الأنوار، ومحل الضياء والصّفاء، والطهارة، والعصمة من الخلل والفَسَاد. والبناء: مصدر "بنيت"، وإنما قلبت "الياء" همزة لتطرُّفها بعد ألف زائدة، وقد يراد به المفعول، و "أنزل" عطف على "جعل" و "من السماء" متعلّق به، وهي لابتداء الغاية، ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أن تكون حالاً من "ما"؛ لأن صفة النكرة إذا قدمت عليها نصبت حالاً، وحينئذ معناها التبعيض، وثَمَّ مضاف محذوف أي: من مياه السماء ماء. وأصل "ماء" موه بدليل قولهم: "مَاهَتِ الرَّكِيَّةُ تَمُوهُ" وفي جمعه مياه وأمواه، وفي تصغيره: مويه، فتحركت "الياء"وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً، فاجتمع حرفان خفيفان: "الألف" و "الهاء"، فأبدلوا من "الهاء" أختها وهي الهمزة؛ لأنها أجلد منها. فإن قيل: كيف قال: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} [البقرة: 22] وإنما ينزل من السَّحاب؟ فالجواب أن يقال: ينزل من السَّماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض. فَصْلٌ في أوجه ورود لفظ الماء قال أبو العباس المقري: ورد لفظ الماء في القُرْآن على ثلاثة أوجه: الأوّل: بمعنى الماء المُطْلَق كهذه الآية. الثاني: بمعنى النّطفة. قال تعالى: {أية : خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ} تفسير : [الطارق: 6]. وقوله: {أية : مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} تفسير : [السجدة: 8]. الثالث: بمعنى القرآن. قال تعالى: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} تفسير : [الرعد: 17] بمعنى القرآن، احتمله الناس على قَدَرٍ. قوله: "فأخرج" عطف على "أنزل" مرتب عليه، و "به" متعلق به، و "الباء" فيه للسببية، و "من الثمرات" متعلّق به أيضاً، و "من" هنا للتبعيض، كأنه قصد بتنكير الماء والرزق معنى البعضِيّة، كأنه قيل: وأنزل من السماء بعض الماء، فأخرج به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم؛ إذ ليس جميع رزقهم هو بعض الثمرات، إنما ذكر بعض رزقهم. وأبعد من جعلها زائدة لوجهين: أحدهما: زيادتها في الواجب، وكون المجرور بها معرفةً، وهذا لا يقول به بَصْرِيّ ولا كُوفِيّ إلاّ أبا الحسن الأَخْفَشَ. والثاني: أن يكون جميع الثمرات رزقاً لنا. وهذا يخالف الواقع؛ إذ كثير من الثمرات ليس رزقاً لنا. وجعلها الزمخشري لبيان الجنس، وفيه نظر؛ إذ لم يتقدم ما يبين هذا، وكأنه يعني أنه بيان لـ "رزقاً" من حيث المعنى. و "رزقاً" ظاهره أنه مفعول به ناصبه "أخرج"، ويجوز أن يكون "من الثمرات" في موضع المفعول به، والتقدير: فأخرج ببعض الماء بعض الثمرات، وفي "رزقاً" حينئذ وجهان: أحدهما: أن يكون حالاً على أن الرزق بمعنى المرزوق كالطَّحْن والرِّعْي. والثاني: أن يكون مصدراً منصوباً على المفعول من أجله، وفيه شروط النصب موجودة. وأجاز أبو البقاء أن يكون "من الثمرات" حالاً من "رزقاً"؛ لإنه لو تأخر لكان نعتاً، فعلى هذا يتعلّق بمحذوف. وجعل الزمخشري "من الثمرات" واقعاً موقع الثمر أو الثمار، يعني مما ناب فيه جمع قلّة عن جمع الكَثْرة نحو: {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ} تفسير : [الدخان: 25] و {أية : ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ} تفسير : [البقرة: 228]، ولا حاجة تدعو إلى هذا؛ لأن جمع السَّلامة المحلَّى بـ "أل" الَّتي للعموم يقع للكثرة، فلا فرْقَ إذن بين الثَّمَرَات والثِّمَار، ولذلك ردَّ المحقِّقون قول من رَدَّ على حَسَّان بن ثابت رضي الله عنه: [الطويل] شعر : 281- لَنَا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ في الضُّحَى وَأَسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دَمَا تفسير : قالوا: كان ينبغي أن يقول: "الجِفَان"، و "سيوفنا"؛ لأنه أمدح، وليس بصحيح؛ لما ذكرت قبل ذلك. و "لكم" يحتمل التعلّق بـ "أخرج"، ويحتمل التعلّق بمحذوف، على أن يكون صفة لـ "رزقاً". هذا إن أريد بالرزق المرزوق، وإن أريد به المصدر، فيتحمل أن تكون الكاف في "لكم" مفعولاً بالمصدر واللام مقوية له نحو: "ضربت ابني تأديباً له" أي: تأديبه. قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً} "الفاء" للتسبب أي: تسبب عن إيجاد هذه الآيات الباهرة النهي عن اتخاذكم الأنداد، و "لا" ناهية، و "تجعلوا" مجزوم بها، علامة جزمه حذف النون، وهي هنا بمعنى تُصَيِّرُوا. وأجاز أبو البَقَاءِ أن تكون بمعنى: تُسَمُّوا، وعَلَى القولين فيتعدى لاثنين. أولهما: "أنداداً". وثانيهما: الجار والمجرور قبله، هو واجب التقديم، و "أنداداً" جمع نِدّ. وقال أبو البقاء: "أنداداً" جمع "نِدّ" و "نديد"، وفي جعله "نديد" نظر؛ لأنّ أفعالاً يحفظ في فعيل بمعنى فاعل، نحو: شريف وأشراف، ولا يقاس عليه. فإن قيل: بم تعلّق قوله: "فلا تجعلوا"؟ فالجواب فيه وجوه: أحدها: أن يتعلّق بالأمر أي: اعبدوا، ولا تجعلوا لله أنداداً، فإن أصل العبادة التوحيد. وثانيها: بـ "لعل" على أن ينتصب بـ "تجعلوا" انتصاب "فَأَطَّلِع" في قراءة حَفْصٍ. قال الزمخشري: والمعنى خلقكم لكي تتقوا، وتخافوا عقابه فلا تثبتوا له ندًّا، فإنه من أعظم موجبات العقاب، فعلى هذا تكون "لا" نافية، والفعل بعدها منصوب بإضمار "أن" في جواب الترجي، وهذا لا يجيزه البصريون، وسيأتي تأويل "فَأَطَّلِعَ"، ونظائِرِه في موضعه إنْ شَاءَ الله تعالى. وثالثها: بقوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} إذا جعلت "الذي" خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الذي خلق لكم هذه الدلائل الباهرة فلا تتخذوا له شريكاً. و "النِّدُّ" المقاوم المُضاهي، سواءٌ كان مِثْلاً، أو ضدًّا، أو خلافاً. وقيل: هو الضِّدُّ عن أبي عُبَيْدة. وقيل: الكُفْء والمِثْلُ؛ قَال حَسَّان: [الوافر] شعر : 282- أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الفِدَاءُ تفسير : أي: "وَلَسْتَ لَهُ بِكُفءٍ". وقد رُوِيَ ذلك؛ وقال آخر: [الرمل] شعر : 283- نَحْمَدُ اللهَ وَلاَ نِدَّ لَهُ عِنْدَهُ الخَيْرُ وَمَا شاءَ فَعَلْ تفسير : وقال الزمخشري: النِّدُّ المِثْلُ: ولا يقال إلا للنّدِّ المخالف؛ قال جرير: [الوافر] شعر : 284- أَتَيْماً تَجْعَلُونَ إِلَيَّ نِدًّا وَمَا تَيْمٌ لِذِي حَسَبٍ نَدِيدُ تفسير : ونَادَدْتُ الرّجل: خالفته ونافرته، من: نَدَّ َيَنِدُّ نُدُوداً، أي: نَفَر. ومنه الحديث: "أيّ بعيرٍ نَدّ فأعياهم". ويقال: "نَدِيدَة" على المبالغة؛ قال لَبِيد: [الطويل] شعر : 285- لِكَيْلاَ يَكُونَ السَّنْدَرِيُّ نَدِيدَتِي وَأَجْعَلَ أَقَوَاماً عُمُوماً عَمَاعِمَا تفسير : وأما "النَّد" بفتح النون فهل التَّلُّ المرتفع، والنَّدُّ الطيب أيضاً، ليس بعربي. وقرأ محمد بن السَّمَيْفَع: "فلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ نِدًّا". فإن قيل: إنهم لم يقولوا: إن الأصنام تنازع الله. قلنا: لما عبدوها وسموها آلهة أشبهت حالهم حَالَ من يعتقد أنها آلهة قادرة على منازعته فقيل لهم ذلك على سبيل التهكُّم بهم. قوله: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال، ومفعول العلم متروك، لأن المعنى، وأنتم من أهل العلم، أو حذف اختصاراً أي: وأنتم تعلمون بطلاق ذلك، والاسم من "أنتم" قيل: "أن" و "التاء" حرف خطاب يتغير بحسب المخاطب، وقيل: بل "التاء" هي الاسم، و "أن" عماد قبلها. وقيل: بل هو ضمير برمته وهو ضمير رفع منفصل وحكم ميمه بالنسبة إلى السكون والحركة والإشباع والاختلاس حكم "ميم" هم، وقد تقدّم جميع ذلك. والمعنى: إنكم لكمال عقولكم تعلمون أن هذه الأشياء لا يصح جعلها أنداداً لله - تعالى - فلا تقولوا ذلك؛ فإن القول القبيح ممن علم قبحه يكون أقبح. وهذا الخطاب للكافرين، والمنافقين، قاله ابن عباس رضي الله عنه. فإن قيل: كيف وصفهم بالعِلْمِ، وقد نعتهم بالخَتْمِ، والطَّبْعِ، والصَّمَمِ، والعمى؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: وأنتم تعلمون العلم الخاص أن الله خلق، وأنزل الماء، وأنبت الرزق، وهو المنعم عليهم دون الأَنْدَادِ. الثاني: وأنتم تعلمون وحدانيته بالفرد والإمكان لو تدبرتم ونظرتم، وفي هذا دليل على استعمال حجج المعقول، وإبطال التقليد. وقال ابن فُورك: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين، والمعنى: لا ترتدوا أيها المؤمنون، وتجعلوا لله أَنْدَاداً بعد علمكم بأن الله واحد. فَصْلٌ في فرق المشركين قال ابن الخطيب: ليس في العالم أحد يثبت له شريكاً يساويه في الوجود، والقدرة، والعلم، والحكم، هذا مما لم يوجد، لكن الثنوية يثبتون إليهن، أحدهما: حكيم يفعل الخير، والثاني: سفيه يفعل الشر؛ وأما اتخاذ معبود سوى الله، فالذاهبون إلى ذلك فرق. فمنهم عبدة الكواكب. ومنهم الصَّابئة فإنهم يقولون: إنَّ الله - تعالى - خلق هذه الكواكب، وهي مدبّرات لهذا العالم قالوا: فيجب علينا أن نعبد الكواكب، والكواكب تعبد الله تعالى. الفريق الثاني: الَّذين يعبدون المسيح عليه الصلاة والسلام. الثالث: عبدة الأوثان. واعلم أنه لا دين من أديان الكفر أقدم من دين عباد النار؛ لأنه يروى أنّ النّار لما أكلت قربان "هابيل" جاء "إبليس" إلى "قابيل"، وأخبره أنها إنما أكلت قربان أخيه، لأنه عبدها، فعبدت النار من ذلك الوقت. وقيل: لا دين من أديان الكفر أقدم من دين عبدة الأوثان؛ لأن أقدم الأنبياء الذين نقل إلينا تاريخهم هو نوح عليه الصلاة والسلام؛ لأنه إنما جاء بالرد عليهم على ما أخبر الله - تعالى - عن قومه في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} تفسير : [نوح: 23] فعلمنا أن هذه المقالة كانت موجودةً قبل نوح عليه الصلاة والسَّلام باقية إلى الآن، والمذهب الذي هذا شأنه، فيستحيل معرفة فساده بالضرورة، لكن العلم بأن هذا الحجر المنحوت في هذه السَّاعة ليس هو الذي خلقه وخلق السماء والأرض علم ضروري، فيستحيل إطباق الجمع العظيم عليه؛ فوجب أن يكون لعبدة الأوثان غرض آخر سوى ذلك، والعلماء ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: ما ذكره أبو معْشَرٍ جَعْفَرُ بن محمد المنجم البَلْخي أن كثيراً من أهل "الصِّين" و "الهند" كانوا يقولون بالله، وملائكته، ويعتقدون أنه - تعالى - جسم وصورة كأحسن ما يكون من الصُّور، وهكذا حال الملائكة أيضاً في صورهم الحسنة، وأنهم كلّهم قد احتجبوا عنا بالسماء، وأن الواجب عليهم أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر، حسنة المرأى، على الهيئة التي كانوا يعتقدونها من صور الإله والملائكة، فيعكفون على عبادتها قاصدين به طلب الزُّلْفَى إلى الله - سبحانه - وملائكته. فإن صَحّ ما قال أبو معشر، فالسَّبب في عبادة الأوثان اعتقاد الشبه. وثانيها: ما ذكر أكثر العلماء أن الناس رأوا تغيرات أحوال هذا العالم مربوطة بتغيرات أحوال الكواكب؛ فإنه بحسب قرب الشمس وبعدها عن سمت الرأس يحدث الفصول المختلفة، والأحوال المتباينة، ثم إنهم رصدوا أحوال سائر الكواكب، فاعتقدوا ارتباط السعودة والنحوسة في الدنيا بكيفية وقوعها في طوالع الناس، فلما اعتقدوا ذلك بالغوا في تعظيمها، فمنهم من اعتقد أنها أشياء واجبة الوجود لذواتها، وهي التي خلقت هذه العوالم، ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة للإله الأكبر، لكنها [خالقة لهذا] العالم، فالأولون اعتقدوا أنها هي الإله في الحقيقة، والآخرون أنها هي الوسائط بين الله وبين البشر، فلا جرم اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها، ثم لما رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار اتخذوا لها أصناماً، وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادات الأجرام العالية، ومتقرّبين إلى أشباحها الغائبة، ثم لما طالت المدة ألغوا ذكر الكواكب وتجرّدوا لعبادة تلك التماثيل، فهؤلاء في الحقيقة عبدة الكواكب. وثالثها: أن أصحاب الأحكام كانوا يعيِّنون سنين متطاولة، نحو الألف والألفين، ويزعمون أن [من اتخذ] طلسماً في ذلك الوقت على وجه خاص، فإنه ينفع في أحوال مخصوصة نحو السَّعادة والخصب، ودفع الآفات، وكانوا إذا اتخذوا ذلك الطلسم عَظَّموه لاعتقادهم أنهم ينتفعون به، فلمَّا بالغوا في ذلك التعظيم صار ذلك كالعبادة، ولمَّا طالت مدّة ذلك الفِعْلِ نسوا مبدأ الأمر، وانشغلوا بعبادتها على الجهالة بأصل الأمر. ورابعها: أنه متى مات منهم رجل كبير يعتقدون في أنه مجاب الدعوة، ومقبول الشَّفاعة عند الله - تعالى - اتخذوا أصناماً على صورته، ويعبدونه على اعتقاد أن ذلك الإنسان يكون شفيعاً لهم يوم القيامة عند الله - تعالى - على ما أخبر الله عنهم في قولهم: {أية : هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [يونس: 18]. وخامسها: لعلهم اتخذوها محاريب لصلاتهم، وطاعاتهم، ويسجدون إليها لا لها كما أنَّا نسجد إلى القبلة لا للقبلة، ولما استمرت هذه الحالة ظنّ الجهال من القوم أنه يجب عبادتها. وسادسها: لعلّهم كانوا يعتقدون جواز حلول الرب فيها فعبدوها على هذا التأويل. فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل هذه المقالة عليها حتى ليصير بحيث يعلم بطلانه بضرورة العقل. واعلم أنّ إقامة الدّلالة على افتقار العالم إلى الصَّانع المختار يبطل القول بعبادة الأوثان على كلّ التأويلات، والله أعلم. فَصْلٌ اعلم أن من بيوت الأصنام المشهورة "غمدان" الذي بناه الضحاك على اسم الزهرة بمدينة "صنعاء" وخربه بن عفان، ومنها "نوبهار بلخ" الذي بناه "منوشهر" الملك على اسم القمر، ثم كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل: ود بـ "دومة الجندل" لكلب، و "سواع" لبني هذيل، و "يغوث" بـ "اليمن" لمذحج، و "يعوق" لمرادية همدان و "نَسْر" بأرض "حمير" لذي الكُلاَع، و "اللات" بـ "الطائف" لـ "ثقيف"، و "مناة" بـ "يثرب" للخزرج، و "العُزّى" لكنانة بنواحي "مكّة" و "أساف" و "نائلة" على "الصفا" و "المروة". وكان قُصَيّ جَدّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهاهم عن عبادتها، ويدعوهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى، وكذلك زَيْدُ بْنُ عَمْرو بْنِ نُفَيْلٍ، وهو الذي يقول: [الوافر] شعر : 286- أَرَبٌّ وَاحِدٌ أَمْ أَلْفُ رَبٍّ أَدِينُ إِذَا تَقَسَّمَتِ الأُمُورُ؟! تَرَكْتُ اللاَّتَ والعُزَّى جَمِيعاً كَذَلِكَ يَفْعَلُ الرَّجُلُ البَصِيرُ
السيوطي
تفسير : أخرج البزار والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: ما كان { يا أيها الذين آمنوا} أنزل بالمدينة، وما كان {يا أيها الناس} فبمكة. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: قرأنا المفصل ونحن بمكة حجيجاً، ليس فيها {يا أيها الذين آمنوا}. وأخرج أبو عبيد وابن شيبة وعبد بن حميد وابن الضريس وابن المنذر وأبو الشيخ بن حبان في التفسير عن علقمة قال: كل شيء في القرآن {يا أيها الناس} فهو مكي، وكل شيء في القرآن {يا أيها الذين آمنوا} فهو مدني. وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه وعبد بن حميد وابن المنذر عن الضحاك. مثله. وأخرج أبو عبيد عن ميمون بن مهران قال: ما كان في القرآن {يا أيها الناس، ويا بني آدم} فإنه مكي. وما كان {يا أيها الذين آمنوا} فإنه مدني. وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن عروة قال: ما كان {يا أيها الناس} بمكة، وما كان {يا أيها الذين آمنوا} بالمدينة. وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن عروة قال: ما كان من حج، أو فريضة، فإنه نزل بالمدينة، أو حد، أو جهاد، فإنه نزل بالمدينة. وما كان من ذكر الأمم، والقرون، وضرب الأمثال، فإنه نزل بمكة. وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة قال: كل سورة فيها {يا أيها الذين آمنوا} فهي مدنيه. وأخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {يا أيها الناس} فهي للفريقين جميعاً من الكفار والمؤمنين {اعبدوا} قال: وحدوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {الذي خلقكم والذين من قبلكم} يقول: خلقكم، وخلق الذين من قبلكم. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قوله {لعلكم} يعني كي غير آية في الشعراء { أية : لعلكم تخلدون}تفسير : [الشعراء: 129] يعني كأنكم تخلدون. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عون بن عبدالله بن غنية قال {لعل} من الله واجب. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله {لعلكم تتقون} قال: تطيعون. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {لعلكم تتقون} قال: تتقون النار.
ابو السعود
تفسير : [الحث على عبادة الله] {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} إثرَ ما ذكر الله تعالى من علو طبقة كتابه الكريم وتحزُّب الناس في شأنه إلى ثلاث فرقٍ: مؤمنةٍ به محافظةٍ على ما فيه من الشرائع والأحكام. وكافرةٍ قد نبذتْه وراءَ ظهرِها بالمجاهرة والشقاق، وأخرى مذبذبةٍ بـينهما بالمخادعة والنفاق، ونعْتِ كل فرقةٍ منها بما لَها من النعوت والأحوال وبـين ما لهم من المصير والمآل - أقبل عليهم بالخطاب على نهج الالتفات هزاً لهم إلى الإصغاء وتوجيهاً لقلوبهم نحو التلقي، وجبراً لما في العبادة من الكُلفة بلذة الخطاب، فأمرهم كافةً بعبادته ونهاهم عن الإشراك به، و(يا) حرفٌ وضع لنداء البعيد، وقد ينادىٰ به القريبُ تنزيلاً له منزلةَ البعيد إما إجلالاً كما في قول الداعي: يا ألله ويا ربِّ، وهو أقربُ إليه من حبل الوريد استقصاراً لنفسه واستبعاداً لها من محافل الزُّلفىٰ ومنازلِ المقربـين، وإما تنبـيهاً على غفلته وسوءِ فهمِه وقد يُقصد به التنبـيهُ على أن ما يعقبُه أمرٌ خطير يُعتنىٰ بشأنه، و(أيُّ) اسمٌ مبهمٌ جعل وصلُه إلى نداء المعرف باللام لا على أنه المنادىٰ أصالةً بل على أنه صفةٌ موضحة له مُزيلة لإبهامه، والتُزم رفعُه مع انتصاب موصوفه محلاً إشعاراً بأنه المقصود بالنداء. وأُقحمَتْ بـينهما كلمةُ التنبـيه تأكيداً لمعنى النداء وتعويضاً عما يستحقه أي من المضاف إليه، ولِما ترى من استقلالِ هذه الطريقة بضروبٍ من أسباب المبالغةِ والتأكيد كثُر سلوكُها في التنزيل المجيد، كيف لا وكلُّ ما ورد في تضاعيفه على العباد من الأحكام والشرائع وغير ذلك خطوبٌ جليلةٌ حقيقةٌ بأن تقشعِرَّ منها الجلودُ وتطمئنَّ بها القلوبُ الأبـية، ويتلَقَّوْها بآذانٍ واعية، وأكثرهم عنها غافلون، فاقتضى الحالُ المبالغةَ والتأكيدَ في الإيقاظ والتنبـيه والمرادُ بالناس كافةُ المكلفين الموجودين في ذلك العصر، لما أن الجموعَ وأسماءَها المحلاة باللام للعموم بدليل صحة الاستثناءِ منها والتأكيدِ بما يفيد العمومَ كما في قوله تعالى: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } تفسير : [الحِجْر، الآية 30] واستدلالِ الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين بعمومها شائعاً ذائعاً، وأما مَنْ عداهم ممن سيوجد منهم فغيرُ داخلين في خطاب المشافهة، وإنما دخولُهم تحت حُكْمِه لما تواتر من دينه صلى الله عليه وسلم، ضرورةَ أن مقتضىٰ خطابه وأحكامِه شاملٌ للموجودين من المكلفين ولمن سيوجد منهم إلى قيام الساعة، ولا يَقدح في العموم ما رُوي عن علقمةَ والحسنِ البصري من أن كلَّ ما نزل فيه {يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} [البقرة، الآيات: 21، 167] فهو مكي، إذ ليس من ضرورة نزولِه بمكة شرفها الله تعالى اختصاصُ حُكمِه بأهلها ولا من قضية اختصاصِه بهم اختصاصُه بالكفار، إذ لم يكن كلُّ أهلها حينئذٍ كفرةً، ولا ضيرَ في تحقق العبادة في بعض المكلفين قبل ورود هذا الأمر لما أن المأمورَ به القدرُ المشترك الشاملُ لإنشاء العبادةِ والثباتِ عليها والزيادةِ فيها، مع أنها متكررة حسب تكررِ أسبابها ولا في انتفاء شرطها في الآخرين منهم أعني الإيمان لأن الأمرَ بها منتظِمٌ للأمر بما لا تتم إلا به وقد عُلم من الدين ضرورةً اشتراطُها به فإن أمرَ المحْدِث بالصلاة مستتبع للأمرِ بالتوضّي لا محالة. وقد قيل: المراد بالعبادة ما يعُمّ أفعالَ القلبِ أيضاً لما أنها عبارةٌ عن غاية التذلُّلِ والخضوعِ. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن كل ما ورد في القرآن من العبادات فمعناها التوحيد، وقيل معنى اعبدوا: وحِّدوا وأطيعوا، ولا شك في كون بعضٍ من الفِرْقتين الأخيرتين ممن لا يُجدي فيهم الإنذارُ بموجب النصِّ القاطعِ، لما أن الأمرَ لقطع الأعذار ليس فيه تكليفُهم بما ليس في وُسعهم من الإيمان بعدم إيمانهم أصلاً، إذ لا قطعَ لأحدٍ منهم بدخوله في حكم النص قطعاً، وورد النص بذلك لكونهم في أنفسهم بسوء اختيارهم كذلك لا أن كونَهم كذلك لورود النص بذلك، فلا جبر أصلاً. نعم لتخصيص الخطاب بالمشركين وجهٌ لطيفٌ ستقف عليه عند قوله تعالى: {أية : وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة، الآية 22] وإيراده تعالى بعنوان الربوبـية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبـين لتأكيد موجب الأمرِ بالإشعار بعلّيتها للعبادة {ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ} صفة أُجريت عليه سبحانه للتبجيل والتعليل إثرَ التعليل وقد جُوِّز كونُها للتقيـيد والتوضيح بناءً على تخصيص الخطاب بالمشركين، وحملِ الربِّ على ما هو أعمُّ من الرب الحقيقي، والآلهة التي يسمونها أرباباً، والخلق إيجاد الشيء على تقديرٍ واستواءٍ، وأصله التقدير، يقال: خلق النعلَ أي قدَّرها وسواها بالمقياس، وقرىء خلقكم بإدغام القاف في الكاف {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} عطفٌ على الضمير المنصوب ومتممٌ لما قصد من التعظيم والتعليل، فإن خلقَ أصولهم من موجبات العبادة كخلق أنفسهم، ومن ابتدائية متعلقةٌ بمحذوف أي كانوا من زمان قبلَ زمانكم، وقيل: خلقَهم من قبلِ خلقِكم فحُذف الخلقُ وأقيم الضميرُ مُقامَه، والمرادُ بهم مَنْ تقدّمهم من الأمم السالفة كافة ومن ضرورة عمومِ الخطابِ بـيانُ شمولِ خلقِه تعالى للكل، وتخصيصُه بالمشركين يؤدي إلى عدم التعرضِ لخلقِ مَنْ عداهم من معاصريهم، وإخراجُ الجملةُ مُخرجَ الصلةِ التي حقُها أن تكون معلومةَ الانتساب إلى الموصول عندهم أيضاً مع أنهم غيرُ معترفين بغاية الخلق وإن اعترفوا بنفسه كما ينطِق به قوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [الزخرف، الآية 87] للإيذان بأن خلقهم للتقوى من الظهور بحيث لا يتأتى لأحدٍ إنكارُه، وقرىء وخلق مَنْ قبلَكم، وقرىء والذين مَنْ قبلكم بإقحام الموصول الثاني بـين الأول وصلته توكيداً كإقحام اللام بـين المضافين في لا أبا لك، أو بجعله موصوفاً بالظرف خبراً لمبتدأ محذوف، أي الذين هم أناس كائنون من قبلكم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} المعنى الوضعي لكلمة لعل هو إنشاءُ توقع أمرٍ مترددٍ بـين الوقوع وعدمِه مع رجحان الأول إما محبوبٍ فيسمَّىٰ ترجياً، أو مكروهٍ فيسمَّى إشفاقاً، وذلك المعنى قد يعتبر تحققُه بالفعل إما من جهة المتكلم كما في قولك: لعل الله يرحمني وهو الأصلُ الشائعُ في الاستعمال. لأن معانيَ الانشاءاتِ قائمةٌ به وإما من جهة المخاطب تنزيلاً له منزلةَ المتكلم في التلبّس التام بالكلام الجاري بـينهما، كما في قوله سبحانه: {أية : فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } تفسير : [طه، الآية 44] وقد يعتبر تحققُه بالقوة بضربٍ من التجوز إيذاناً بأن ذلك الأمرَ في نفسه مَئنّةٌ للتوقع متصفٌ بحيثية مصححةٍ له من غير أن يعتبر هناك توقعٌ بالفعل من متوقَعٍ أصلاً. فإن روعِيَتْ في الآية الكريمة جهةُ المتكلم يستحيلُ إرادةُ ذلك المعنى لامتناع التوقعِ من علاّم الغيوب عز وجل فيُصار إما إلى الاستعارة بأن يُشبَّه طلبُه تعالى من عباده التقوى مع كونهم مئنةً لها لتعاضُد أسبابها برجاء الراجي من المرجوَّ منه أمراً هيِّنَ الحصول في كون متعلَّقِ كلَ منهما متردداً بـين الوقوع وعدمِه مع رجحان الأول، فيستعار له كلمةُ لعل استعارةً تبعية حرفيةً للمبالغة في الدلالة على قوة الطلب وقُربِ المطلوب من الوقوع، وإما إلى التمثيل بأن يلاحَظَ خلقُه تعالى إياهم مستعدين للتقوى وطلبُه إياها منهم وهم متمكنون منها جامعون لأسبابها، ويُنتزَعُ من ذلك هيئةٌ فتُشبَّه بهيئةٍ منتزعة من الراجي ورجائه من المرجو منه شيئاً سهلَ المنال، فيستعمل في الهيئة الأولى ما حقه أن يستعمل في الثانية، فيكون هناك استعارةٌ تمثيلية قد صُرِّح من ألفاظها بما هو العُمدة في انتزاع الهيئةِ المشبَّه بها أعني كلمةَ الترجي، والباقي منويٌّ بألفاظٍ متخيَّلة بها يحصُل التركيبُ المعتبرُ في التمثيل كما مر مراراً، وأما جعلُ المشبهِ إرادتَه تعالى في الاستعارة والتمثيل فأمرٌ مؤسَّـسٌ على قاعدة الاعتزال القائلة بجواز تخلّفِ المراد عن إرادتِه تعالى، فالجملةُ حالٌ إما من فاعل خلقكم أي طالباً منكم التقوى أو من مفعوله، وما عُطف عليه بطريق تغليبِ المخاطبـين على الغائبـين، لأنهم المأمورون بالعبادة أي خلقكم وإياهم مطلوباً منكم التقوى، أو علةٌ له، فإن خلقَهم على تلك الحال في معنى خلقِهم لأجل التقوى، كأنه قيل: خلقكم لتتقوا، أو كي تتقوا، إما بناءً على تجويز تعليلِ أفعاله تعالى بأغراضٍ راجعةٍ إلى العباد كما ذهب إليه كثيرٌ من أهل السنة، وإما تنزيلاً لترتُّب الغاية على ما هي ثمرةٌ له منزلةَ ترتبِ الغرض على ما هو غرضٌ له، فإن استتباعَ أفعاله تعالى لغاياتِ ومصالحَ متقنةٍ جليلة من غير أن تكون هي علةٌ غائيةٌ لها بحيث لولاها لما أَقدَم عليها مما لا نزاع فيه، وتقيـيدُ خلقهم بما ذكر من الحال أو العلة لتكميل عِلّيته للمأمورِ به وتأكيدِها، فإن إتيانَهم بما خُلقوا له أدخَلُ في الوجوب، وإيثارُ تتقون على تعبُدون مع موافقته لقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ }تفسير : [الذاريات، الآية 56] للمبالغة في إيجابِ العبادةِ والتشديدِ في إلزامها، لما أن التقوىٰ قُصارى أمرِ العابد ومنتهى جُهده، فإذا لزمتهم التقوى كان ما هو أدنى منها ألزمَ، والإتيانُ به أهونَ. وإن روعيت جهةُ المخاطبِ فلعل في معناها الحقيقي، والجملة حالٌ من ضمير اعبدوا، كأنه قيل: اعبدوا ربكم راجين للانتظام في زُمرة المتقين الفائزين بالهدى والفلاح. [بـيان المراد بالتقوى] على أن المرادَ بالتقوىٰ مرتبتُها الثالثة، التي هي التبتلُ إلى الله عز وجل بالكلية، والتنزُّه عن كل ما يشغل سرَّه عن مراقبته، وهي أقصى غايات العبادة التي يتنافس فيها المتنافسون، وبالانتظام القدرَ المشتركَ بـين إنشائه والثباتِ عليه ليرتجيَه أربابُ هذه المرتبة وما دونها من مرتبتي التوقي عن العذاب المخلد، والتجنّبِ عن كل ما يُؤثم من فعل أو تركٍ كما مر في تفسير المتقين. ولعل توسيطَ الحال من الفاعل بـين وصْفي المفعول لما في التقديم من فوات الإشعارِ بكون الوصفِ الأول معظمَ أحكام الربوبـية، وكونِه عريقاً في إيجاب العبادة وفي التأخير من زيادة طول الكلام، هذا على تقدير اعتبارِ تحققِ التوقعِ بالفعل، فأما إن اعتُبر تحققُه بالقوة فالجملةُ حال من مفعول خلقكم، وما عطف عليه على الطريقة المذكورة أي خلقكم وإياهم حالَ كونكم جميعاً بحيث يرجو منكم كلُّ راج أن تتقوا، فإنه سبحانه وتعالى لما بَرَأهم مستعدين للتقوى، جامعين لمباديها الآفاقية والأنفسية، كان حالهم بحيث يرجو منهم كلُّ راجٍ أن يتقوا لا محالة، وهذه الحالة مقارنةٌ لخلقهم وإن لم يتحقق الرجاء قطعاً. واعلم أن الآية الكريمةَ مع كونها بعبارتها ناطقةً بوجوب توحيده تعالى وتحتّم عبادتِه على كافة الناس مرشدةٌ لهم بإشارتها إلى أن مطالعةَ الآياتِ التكوينيةِ المنصوبةِ في الأنفس والآفاقِ مما يقضي بذلك قضاءً متقناً، وقد بـين فيها أولاً من تلك الآيات ما يتعلق بأنفسهم من خلقهم وخلقِ أسلافِهم لما أنه أقوى شهادةً وأظهرُ دلالة، ثم عقب بما يتعلق بمعاشهم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ}. قال بعضهم: وحدوا ربكم. وقال بعضهم: أخلصوا عبادة ربكم من غير اتخاذ الشريك فيه، فتوصلكم الوحدانية والإخلاص إلى التقوى.
القشيري
تفسير : العبادة موافقة الأمر، وهي استفراغ الطاقة في مطالبات تحقيق الغيب، ويدخل فيه التوحيد بالقلب، والتجريد بالسر، والتفريد بالقصد، والخضوع بالنفس، والاستسلام للحكم. ويقال اعبدوه بالتجرد عن المحظورات، والتجلد في أداء الطاعات، ومقابلة الواجبات بالخشوع والاستكانة، والتجافي عن التعريج في منازل الكسل والاستهانة. قوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: تقريب الأمر عليهم وتسهيله، ولقد وقفهم بهذه الكلمة - أعني لعلَّ - على حد الخوف والرجاء. وحقيقة التقوى التحرز والوفاء (بالطاعة) عن متوعدات العقاب.
البقلي
تفسير : {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} اي شَرّفوا انفسكم بعبادة ربّكم وايضاً اشكروا نعمة معرفتي بعبادي وقي وَحِدُوا ربّكم وقال جعفر الصّادق بينوا ربوبيته ثم اعبدوه على حدا الهَيَةِ والاجلال وعاينوا اوّل تربيتكم لتعلموا خصوصيته ايّاكُم من بين سائر خالقه.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الناس} الآية مسوقة لاثبات التوحيد وتحقيق نبوة محمد عليه الصلاة والسلام اللذين هما اصل الايمان. والناس يصلح اسماء للمؤمنين والكافرين والمنافقين. والنداء تنبيه الغافلين او احضار الغائبين وتحريك الساكنين وتعريف الجاهلين وتفريغ المشغولين وتوجيه المعرضين وتهييج المحبين وتشويف المريدين. قال بعض العارفين اقبل عليهم بالخطاب جبرا فما فى العبادة من الكلفة بلذة الخطاب اى يا مؤنس لا تنس انسك بى قبل الولادة او يا ابن النسيان تنبيه ولا تنس حيث كنت نسياً منسيا ولم تك شيأ مذكورا فخلقتك وخمرتك طينا ثم نطفة ثم دما ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ولحوما وعروقا وجلودا واعصابا ثم جنينا ثم طفلا ثم صبيا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا وانت فيما بين ذلك تتمرغ فى نعمتى وتسعى فى خدمة غيرى تعبد النفس والهوى وتبيع الدين بالدنيا لا تنس من خلقك وجعلك من لا شئ شيأ مذكورا كريما مشكورا علمك وقواك واكرمك واعطاك ما اعطاك فهذا خطاب للنفس والبدن. قال فى التيسير واذا كان الانسان من النسيان ففيه عتاب وتلقين اما العتاب فكانه يقول ايها الناس قابلتم نعمنا بالكفران واوامرنا بالعصيان واما التلقين للعذر فكانه يقول ايها المخالف لنا ناسيا لا عامدا وساهيا لا قاصدا عذرناك لنسيانك وعفونا عنك لايمانك {اعبدوا ربكم} يقول للكفار وحدوا ربكم ويقول للعاصيين اطيعوا ربكم ويقول للمنافقين اخلصوا بالتوحيد معرفة ربكم ويقول للمطيعين اثبتوا على طاعة ربكم واللفظ يحتمل لهذا الوجوه كلها وهو من جوامع الكلم كما فى تفسير ابى الليث. والعبادة استفراغ الطاقة فى استكمال الطاعة واستشعار الخشية فى استبعاد المعصية {الذى خلقكم} صفة جرت عنه للتعظيم والتعليل معناه أطيعوا ربكم الذى خلقكم لخلقكم ولم تكونوا شيأ. والخلق اختراع الشئ على غير مثال سبق {و} خلق {الذين من قبلكم} اى من زمن قبل زمانكم من الامم فمن ابتدائية متعلقة بمحذوف وفى الوصف به ايماء الى سبب وجوب عبادته تعالى فان خلق اصولهم من موجبات العبادة كخلق انفسهم وفيه دلالة على شمول القدرة وتنبيه من سنة الغفلة اى انهم كانوا فمضوا وجاءوا وانقضوا فلا تنسوا مصيركم ولا تستجيزوا تقصيركم {لعلكم تتقون} حال من ضمير اعبدوا اى راجين ان تدخلوا فى سلك المتقين الفائزين بالهدى والفلاح المستوجبين لجوار الله تعالى. ولعل للترجى والاطماع وهى من الله تعالى واجب لان الكريم لا يطمع الا فيما يفعل والاولون والآخرون مخاطبون بالامر بالتقوى وخص المخاطبين بالذكر تغليبا لهم على الغائبين كما فى الكواشى. وفيه تنبيه على ان التقوى منتهى درجة الساكلين وهو التبرى من كل شئ سوى الله تعالى وان العابد ينبغى ان لا يغتر بعبادته ويكون ذا خوف ورجاء كما قال تعالى{أية : يدعون ربهم خوفا وطمعا}تفسير : [السجدة: 16] {أية : ويرجون رحمته}تفسير : [الإسراء: 57]. قال السعدى قدس سره شعر : اكر مردى از مردئ خود مكوى نه هر شهسوارى بدر برد كوى تفسير : يعنى ليس كل عابد يخلص ايمانه بسبب عبادته.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: جملة الترجي حال من الواو في {اعْبُدُوا}، أي: اعبدوا ربكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتقين الفائزين بالهدي والفلاح، المستوجبين جوار الله تعالى، نبّه به على أن التقوى منتهى درجات السالكين؛ وهو التبري من كل شيء سوى الله تعالى - إلى الله تعالى. و {الَّذي جَعَلَ} صفة للرب، و {فَلا تَجْعَلُوا} معطوف على {اعْبُدُوا} على أنه نهي، أو منصوب بأن، جواب له، و(الأنداد) جمع نِدِّ، بكسر النون. وهو الشبه والمثل، و {أَنتُمْ تَعْلَمُونَ} حال من ضمير {فَلاَ تَجْعَلُوا} أي: فلا تجعلوا لله أنداداً والحال أنكم من أهل العلم. يقول الحقّ جلّ جلاله: يا عبادي اعبدوني بقلوبكم بالتوحيد والإيمان، وبجوارحكم بالطاعة والإذعان، وبأرواحكم بالشهود والعيان، فأنا الذي أظهرتكم من العدم - أنتم ومَن كان قبلكم - وأسبلت عليهم سوابغ النعم، الأرض تقلكم والسماء تظلكم، والجهات تكتنفكم، وأنزلت من السماء ماء فأخرجت به أصنافاً {من الثمرات رزقاً لكم}، فأنتم جوهرة الصدق، تنطوي عليكم أصداف مكنوناتي، وأنتم الذين أطلعتكم على أسرار مكنوناتي، فكيف يمكنكم أن تتوجهوا إلى غيري؟ وقد أغنيتكم بلطائف إحساني وبري، أنعمت عليكم أولاً بالإيجاد، وثانياً بتوالي الإمداد، خصصتكم بنور العقل والفهم، وأشرقت عليكم نبذة من أنوار القِدم، فبي عرفتموني، وبقدرتي عبدتموني، فلا شريك معي ولا ظهير، ولا احتياج إلى معين ولا وزير. الإشارة: توجه الخطاب إلى العارفين الكاملين في الإنسانية الذي يعبدون الله تعظيماً لحق الربوبية، وقياماً بوظائف العبودية، وفيهم قال صاحب العينية: شعر : هُم الناسُ فالزمْ إنْ عَرفْتَ جَنَابَهُمْ فَفِيهِم لِضُرِّ العالمين مَنَافعُ تفسير : وقال قبل ذلك: شعر : همُ الْقَصْدُ للملهوفِ والكنزُ والرجَا ومنهم يَنَالُ الصَّبُّ ما هُوَ طامعُ بهِم يَهْتَدي للعينِ مَن ضَلَّ في العَمَى بهِم يُجذَبُ العُشَّاقُ، والرَّبْعُ شاسعُ هم القَصْدُ والمطلوبُ والسؤلُ والمنَى واسْمُهُم لِلصَّبِّ في الحبِّ شَافعُ تفسير : فعبادة العارفين: بالله ومن الله وإلى الله، وعبادة الجاهلين: بأنفسهم ومن أنفسهم ولأنفسهم، عبادة العارفين حمد وشكر، وعبادة الغافلين اقتضاء حظ وأجر، عبادة العارفين قلبية باطنية، وعبادة الغافلين حسية ظاهرية، يا أيها الناس المخصوصون بالأنس والقرب دوموا على عبادة القريب، ومشاهدة الحبيب، فقد رَفَعْتُ بيني وبينكم الحجب والأستار، وأشهدتكم عجائب الألطاف والأسرار، أبرزتكم إلى الوجود، وأدخلتكم من باب الكرم والجود، ومنحتكم بفضلي غاية الشهود، لعلكم تتقون الإنكار والجحود، وتعرفونني في كل شاهد ومشهود. فقد جعلت أرض نفوسكم مهاداً لعلوم الشرعية، وسماء قلوبكم سقفاً لأسرار الحقيقة، وأنزلت من سماء الملوكت ماء غيبياً تحيا به أرض النفوس، وتهتز بواردات حضرة القدوس، فتخرج من ثمرات العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، والأحوال المرضية، ما تتقوت به عائلة المستمعين، وتنتعش به أسرار السائرين، فلا تشهدوا معي غيري، ولا تميلوا لغير إحساني وبري، فقد علمتم أني منفرد بالوجود، ومختص بالكرم والجود، فكيف يرجى غيري وأنا ما قطعت الإحسان؟! وكيف يلتفت إلى ما سواي وأنا بذلت عادة الأمتنان؟! مني كان الإيجاد، وعليَّ دوام الإمداد، فثقوا بي كفيلاً، واتخذوني وكيلاً، أعطكم عطاء جزيلاً، وأمنحكم فخراً جليلاً. ولما أمر عباده بعبادته وتوحيده، أمرهم بتصديق كلامه والإيمان برسوله.
الطوسي
تفسير : القراءة: أفصح اللغات فتح الهاء بـ {أيها} وبعض بني مالك من بني اسد رهط شقيق بن سلمة يقولون: يا أيه الناس ويا أيته المرأة ويا أيه الرجل ولا يقرأ بها. ومن رفعها توهمها آخر الحروف وقد حذفت الألف في الكتابة من ثلاثة مواضع: أيه المؤمنون ويا أيه الساحر وأيه الثقلان وسنذكر خلاف القراء في التلفظ بها النزول: وروي عن علقمة والحسن: أن كلما في القرآن {يا أيها الذين آمنوا} نزل بالمدينه وما فيه {يا أيها الناس} نزل بمكة واعلم أن "أيا" اسم مبهم ناقص جعل صلة إلى نداء ما فيه الألف واللام ويلزمه ها التي للتنبيه لابهامه ونقصه واجاز المازني "يا اي الظريف" قباساً على "يازيد الظريف" ولم يجزه غيره لأن "ايا" ناقص والنصب عطفاً على الموضع بالحمل على المعنى ولا يحمل على التأويل إلا بعد التمام وهذا هو الصحيح عندهم المعنى: وهذه الآية متوجهة إلى جميع الناس: مؤمنهم، وكافرهم، لحصول العموم فيها. إلا من ليس بشرائط التكليف من المجانين والأطفال وروي عن ابن عباس أنه قال: قوله {اعبدوا ربكم}: أي وحدوه وقال غيره: ينبغي أن يحمل على عمومه في كل ما هو عبادة لله: من معرفته، ومعرفة أنبيائه، والعمل بما أوجبه عليهم وندبهم اليه وهو الأقوى وقوله: {لعلكم تتقون}: أي تتقون عذابه بفعل ما أوجبه عليكم كما قال: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين} الاعراب: وقوله: {والذين} في موضع نصب لأنه عطف على الكاف والميم في قوله: {خلقكم} وهو مفعول به {من قبلكم}: اي من تقدم زمانكم من الخلائق والبشر وقال مجاهد: {تتقون}: مطيعون والاول أقوى والخلق: هو الفعل على تقدير وخلق الله السماوات: فعلها على تقدير ما تدعو اليه الحكمة من غير زيارة ولا نقصان ومثله الرزق والخلق: الطبع والخليقة: الطبيعة وخليق به: شبيه به والخلاق: النصيب والاختلاق: افتعال الكذب والخلق: البالي والاخلق: والاملس ومعنى {لعلكم تتقون} قال الشاعر: شعر : وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كلمح سراب في الملا متألق تفسير : يعني قلتم لنا: كفوا لنكف، لأنه لو كان شاكا لما كانوا وثقوا كل موثق ويقول القائل: اقبل قولي لعلك ترشد وادخاله "لعل" ترقيق للموعظة وتقريب لها من قلب الموعوظ يقول القائل لأجيره: اعمل لعلك تأخذ الاجرة وليس يربد بذلك الشك وانما يريد لتأخذ اجرتك وقال سيبويه: انما ورد ذلك على شك المخاطبين كما قال تعالى: {فقولا له قولا ليناً لعله يتذكر أو يخشى} واراد بذلك الابهام على موسى وهارون وفائدة ايراد لفظة "لعل" هو ان لا يحل العبد ابداً محل الأمن المدل لكي يزداد حرصاً على العمل وحذراً من تركه واكثر ما جاءت لعل وغيرها من معاني التشكيك فيما يتعلق بالاخرة في دار الدنيا فاذا ذكرت الأخرة مفردة جاء اليقين وهذه الآية يمكن الاستدلال بها على ان الكفار مخاطبون بالعبادات، لدخولهم تحت الاسم. وقال بعضهم: معنى قوله {لعلكم تتقون} لكي تتقوا النار في ظنكم ورجائكم، لأنهم لا يعلمون انهم يوقون النار في الآخرة، لأن ذلك من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. قال: لعلكم تتقون ذلك في ظنكم ورجائكم واجرى (لعل) على العباد دون نفسه تعالى الله عن ذلك. وهذا قريب مما حكيناه عن سيبويه. و (لعل) في الآية، يجوز أن تكون متعلقة بالتقوى. ويجوز أن تكون متعلقة بالعبادة في قوله: {اعبدوا}. وهو الاقوى.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : إعلم أن في هذه الآية نكات لطيفة، ومسائل غامضة، وعلوماً شريفة، وحِكماً عقلية، وأنواراً إلهية، وأسراراً ربوبية: أما النكات: فأولاها: إن من عادة الله سبحانه في هذا الكتاب، أن يخاطب جمهور المكلّفين بـ "يا أيّها الناس"، وأهل المعرفة والإيمان منهم بـ "يا أيّها الذين آمنوا"، وأهل الولاية والقرب بـ "يا عبادي"، تنبيهاً على تفاوت الدرجات، وتباين الرتب والمقامات؛ فإنّ لنوع الإنسان درجات متفاوتة في الحقيقة والذات عند أهل الشهود. فمن الناس من هو في طبقة النفس الحيوانية، إلاّ أنه قابل للترقّي بالتكليف - وهم أكثر الناس -، ومنهم مَن تجاوزها وبلغ حدود النفس الناطقة، - وهم العلماء - ومنهم من بلغ إلى مرتبة العقل بالفعل، - وهم عباد الله الربّانيون -، فهذا الخطاب متوجّه إلى جميع الناس مؤمنهم وكافرهم - إلاّ من هو خارج عن حدود التكليف من الأطفال والمجانين، لأن حالهم أنزل من حال الحيوان الغير المكلَّف. ويؤيِّد ذلك، ما روي عن ابن عباس والحسن: إن ما في القرآن من: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} فإنه نزل بمكَّة، وما فيه من: {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} فإنه نزل بالمدينة. وذلك لا يوجب تخصيص الخطاب بالكفّار والجاهلين، ولا أمرهم بالعبادة دون غيرهم، فإنّ الأمر متوجّه إلى الكل ما داموا في دار التكليف، لعدم خلوّهم عن نفس حيواينة حَريّةٍ للحمل والتكليف والرياضة والتأديب، وإلاّ لجَمحت. والمأمور به، هو المشترك بين بدء العبادة وزيادتها، والمواظبة عليها وأصلها وكيفيّتها، فالمطلوب من الكفار هو الشروع فيها، بعد الإتيان بما يجب تقديمه من المعرفة والإقرار بالصانع، فإن من لوازم وجوب الشيء مطلقاً، وجوب ما لا يتمُّ الواجب المطلق إلاّ به وكان مقدوراً، وكما أن تحقّق الحدَث لا يمنع وجوب الصلاة، فالكفر لا يمنع وجوب العبادة، بل يجب رفعه والاشتغال بها عقيبه، والمطلوب من المؤمنين ازديادهم كمّاً وكيفاً فيها، وثباتهم ودوامهم عليها. وثانيها: إن الله تعالى لمّا قدَّم أحكام فِرق المكلفين من المؤمنين والكفّار والمنافقين، وذكر صفاتهم وأفعالهم البدنيّة والقلبيّة، ومجاري أمورهم العاجليّة والآجليّة، أقبل عليهم بالخطاب، وهو من جملة الإلتفات التي تورِث الكلام رونقاً وبهاء، وتزيد السامع هزة ونشاطاً. وما يختصّ منه بهذا المقام من اللطائف؛ إنه كما انك تشكو من أحد - مخاطباً لصاحبك -: "إن فلاناً فعل كذا وكذا"، ثم تتوجّه إليه مخاطباً إيّاه: "يا فلان ألزم الطريقة الحسنة، واكتسب السيرة المرضيّة"، فهذا الانتقال منك، والالتفات من الغيبة إلى مواجهة المقال، يؤثّر في قلبه ما لا يؤثّر فيه استمرارك على لفظ الغيبة. ومنها: كأنّه تعالى يقول: إنّي قد جعلت واسطة بيني وبينك أوّلاً، والآن أزيد في إكرامك وتقريبك، فأخاطبك من غير واسطة، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلّة شرف المخاطبة والمكالمة، وفيه إشعار بأنّه لنفوذ نوره ورحمته، أقرب من كل قريب بالشخص - وإن كان الشخص بعيداً منه لحجابه -. ومنها: أنّه مشعر بأن العبد إذا اشتغل بالعبادة، زاد قرباً وحضوراً وأنساً وحبوراً، وذلك لوقوع الانتقال من الغيبة إلى الخطاب. ومنها: إن في العبادة كلفة ومشقّة فلا بدّ من راحة، وهي تحصل بأن يرفع ملك الملوك الواسطة من البين، ويخاطبهم بذاته ويقول: "أريد منكم الخدمة"، فيستطاب التكليف وتستلذّ العبودية. ومنها: ما لأهل الإشارة أن يقولوا في تحقيق ذلك، وهو أن الله يخاطب ناسي عهوده يوم الميثاق والإقرار بربوبيّته وشهوده ومعاهدته: "أن لا تعبدوا إلاّ إيّاه"، فخالَفوا، ونقضوا عهده، وعبدوا الطواغيت من الأصنام، والدنيا، والنفس، والهوى، والشيطان، فزلّ قدمهم عن جادة التوحيد، ووقعوا في ورطة الشرك والهلاك. فبعث إليهم الرسول وكتب إليهم الكتاب، وأخبرهم عن حالهم، وشكى عن فعالهم، ثمّ واجههم بالخطاب من الغيبة، ودعاهم إلى التوحيد والعبودية كفاحاً، لعلّهم يتّقون عن شرك عبادة الغير، ويوفون بعهد الربوبيّة وينجون من عذاب الدركات. وثالثها: "يا" حرف وضع لنداء البعيد، وقد ينادي به القريب تنزيلاً له منزلة البعيد، إما لعظمته - كقول الداعي: "يا ربّ" و "يا الله"، وهو أقرب إليه من حبل الوريد - أو لغفلته وسوء فهمه، أو للاعتناء بالمدعوّ له وزيادة الحثِّ عليه. وهو مع المنادىٰ جملة مفيدة، لأنه نائب مناب فعل كـ "أدعو" ونحوه، وليس بمعنى "أدعو زيداً"، أو "أُنادي زيداً" - كما تُوهِّم - لفساده من وجوه: أحدها: إن ذلك خبر يحتمل الصدق والكذب، وهذا لا يحتملهما لكونه إنشاءً. وثانيها: إن النداء يقتضي صيرورة "زيد" في الحال، وقولنا: "أنادي زيداً" لا يقتضي ذلك. وثالثها: إن "يا زيد" يقتضي صيرورة "زيد" مخاطباً بهذا الخطاب، و "أنادي زيداً" لا يقتضي ذلك، لجواز أن يخبر إنساناً آخر بأنّي أنادي زيداً. رابعها: إن "أنادي زيداً" إخبار عن النداء، والإخبار عن النداء غير النداء كما لا يخفى. نكتةٌ هٰهنا لأهل الإشارة: وهي أن أقوى الكلمات مرتبةً الاسم، وأضعفها الحرف، فظنَّ قوم انه لا يأتلف الاسم بالحرف، فكذا أعظم الموجودات هو الحقّ الأول، وأضعفها البشر، حيث قال: {أية : وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً} تفسير : [النساء:28]. فقالت الملائكة: أيُّ مناسبة بينهما: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}تفسير : [البقرة:30]. فقيل: قد يأتلف الاسم مع الحرف في حال النداء، فكذا البشر يصلح لخدمة الربّ حال النداء والتضرع: {أية : وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} تفسير : [غافر:60]. واعلم أن "أيُّ" إسمٌ مبهم يقع على أجناس كثيرة، لكنه لابهامه لا يتمّ إلاّ بأن يوصف، كما أن المعنى الجنسي لا يتمّ إلاّ بفصل من الفصول، وصفته لفظة دالّة على ما دلّ عليه "أيُّ" مخصّصة له، اتّحادهما في المعني كاتّحاد المبهم والمحصّل، فلا بدّ وأن يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه يتّصف به، حتى يصير وصلة إلى ندائه، فالذي يعمل فيه حرف النداء "أيُّ"، فهو منادى مفرد معرفة، إلاّ انه يبنى لأنه وقع موقع حرف الخطاب. وإنما بُني على الحركة - مع أن الأصل في البناء السكون - ليعلم أنّه ليس بعريق في البناء، وإنما حُرِّك بالضمّ، لأنه كان في أصله التنوين، فلما سقط التنوين في البناء أشبه "قبلُ" و "بعْدُ" من الأسماء المقطوعة الغايات، فارتفع، وفيه وجوه أُخر توجد في مظانّها. والإسم التابع له صفته، فهو مرفوع تبعاً له على حركة لفظه، ولا يجوز ها هنا النصب - وإن كانت أوصاف المنادى المفرد المعرفة يجوز فيها الوجهان - لأن هٰهنا المنادى هو الصفة في الحقيقة، و "أيُّ" ذريعة إليه لتعذّر الجمع بين حرفي التعريف، فإنهما كمثلين - إلاّ عند المازني وذلك خطأ منه كما قيل -، يدل على ذلك لزومها حرف التنبيه قبل الصفة، فصار ذلك كايذان باستيناف نداء، وأن لا يجوز الاقتصار على المنادى قبله - كما جاز في غيره -، فالتزم رفعها، وأقحمت بينهما "هاء" التنبيه تأكيداً وتعويضاً عما يستحقها "أيُّ" من المضاف إليه. وإنما كثُر في كتاب الله النداء على هذه الطريقة، للايذان بهذه التأكيدات والمبالغات بأن كل ما نادى الله به عبادَه من الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، واقتصاص أخبار المتقدّمين أمورٌ عظام وأشياء مهمّة يجب التفطُّن لها والاهتمام باستماعها والإقبال عليها بقلوبهم، وأكثر الناس عنها غافلون أحقّاء بأن ينادى بآكد النداء. ورابعها: إن الجموع وأسمائها المحلاّة باللاّم للعموم حيث لا عهد، واستدلّوا عليه بصحّة الإستثناء منها، والتوكيد بما يفيد العموم، كقوله تعالى: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} تفسير : [الحجر:30]. وباستدلال الصدر الأول بعمومها شائعاً ذائعاً من غير نكير؛ فثبت أن الناس يعمُّ الموجودين وقت النزول لفظاً، ومن سيوجد معنى لما تواتَرَ من دين محمد (صلى الله عليه وآله)، ان مقتضى خطابه وأحكامه شامل للعصر الأول ولمن سيوجد إلى قيام الساعة، وإن قلنا: إن الخطاب لمشركي مكة - كما وقع الإسناد عن ابن عباس أو علقمة، فيدخل سائر الناس بالتبيعيّة. تبصرة: وفي هذا المقام كلام محقّق، وهو أنه قد ثبت بالبراهين النيِّرة وشواهد أهل البصيرة، إن الكميّة الإتّصالية الزمانية، وهويّاتها الامتدادية، وما يطابقها وما يوازيها من الحوادث والزمانيات، وما معها من الجواهر والأعراض، والصور والأشخاص، كلها حاضرة عند الباري جلّ اسمه وأهل القرب منه، وكلها مساوية الحضور لديه، متوافقة المُثول بين يديه، لا تقدّم ولا تأخّر ولا تفاوت لها في القرب والبعد الزمانيّين، ولا في الحضور والغيبة المكانييّن، فكل ما ثبت مالها بقياس بعضها إلى بعض، بالقياس إلى علمه المحيط بالكل الموجب لحضور الجميع عنده على نسبة واحدة، فالخطاب منه تعالى موجَّه إلى الجميع (و) إن كان ظهوره بلسان جبرئيل عليه السلام مختصَّاً بزمان الرسول (صلى الله عليه وآله) - وهذا مما لا يكشف إلاّ لأهل البصيرة -. فصل وأما المسائل: الأولى: إن قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ} أمر للكل بالعبادة، فهل هو أمر بكل العبادة - أم لا؟ المختار عندنا أنه أمر بما تيسَّر من العبادة، كما قال: {أية : فَٱقْرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلْقُرْآنِ} تفسير : [المزمّل:20]. وهو متفاوتٌ حسب تفاوت المكلفين قوةً وضعفاً، لقوله تعالى: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلاَ عَلَىٰ ٱلْمَرْضَىٰ} تفسير : [التوبة:91] - الآية. وقوله: {أية : لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} تفسير : [النور:61] - الآية. حديث : ولوجوب صلاة الليل على النبي (صلى الله عليه وآله) واستحباب صوم الوصال له دون غيره، لقوله (صلى الله عليه وآله): "لست كأحدكم" . تفسير : واستُدِلَّ على عدم دلالة الأمر على وجوب كل المأمور به، بأن معنى "اعبدوا" مثلاً ادخلوا هذه الماهية في الوجود، لأن الفعل يتضمن مفهوم الحدَث ومعناه لا غير، فإذا أتى المكلَّف بفرد من أفراد المٰهيَّة، فقد أدخل المٰهيَّة في الوجود، لأن كل فرد مركب من المٰهيَّة مشتمل عليها، لأن كل فرد مركب من المٰهيَّة وقيد، ومتى وجد المركب فقد وجد جزءآه، فالآتي بفرد من العبادات آتٍ بالعبادة، فهو آتٍ بما اقتضاه قوله: {ٱعْبُدُواْ} فقد خرج عن العهدة فيما هو مقتضى هذا الأمر بحسب الدلالة عليه. ولك أن تقول - إن أردت تعميمه حسبما مرّت الإشارة إليه -: إن الأمر بالعبادة لا بدّ وأن يكون لأجل كونها عبادة، لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعليّة الوصف، لا سيّما إذا كان مناسباً للحكم، كإظهار الخضوع والتعظيم لله هٰهنا المناسب لهذا الحكم، فإذا ثبت عليه الوصف، فأينما حصل وجب حصول الحكم لا محالة. المسئلة الثانية إن الحكم بدخول الكفار تحت الأمر بالعبادة فيه إشكال، وهو أن كون الإنسان عابداً متوقّف على كونه مؤمناً، فالتكليف بالعبادة للكفار متوقّف على كونهم مأمورين بالإيمان، لأن عبادة من لا يعرف ممتنعة، وذلك ممتنع، والموقوف على الممتنع ممتنعٌ أيضاً، فكونهم مأمورين بالعبادة ممتنعٌ. أما وجه امتناع الأول، فلأن الأمر بمعرفة الله لهم، إمّا حال كفرهم وجهلهم، أو حال عرفانهم؛ فالأول يوجب التناقض، والثاني تحصيل الحاصل - وكلاهما محالان. أما وجه امتناع الثاني، فهو ظاهر، لتحقق الملازمة بينهما. وأيضاً، يستحيل أن يكون هذا الخطاب مع المؤمنين لأنهم يعبدون الله، فأمرهم بالعبادة تحصيل الحاصل. والجواب: إن مراتب الإيمان مختلفة متفاوتة كمراتب العبادة، وأقلّها ما هو حاصل لكل أحد بالفطرة الأولى التي فُطر الناس عليها، وذلك يكفي لتوجُّه الخطاب وورود التكليف وقيام الحجّة، فالأمر التكليفي بالعبادة متوجّه إلى الكفار مشروطاً بتقديم المعرفة المستأنفة، كاشتراط الصلاة للمحدث بتقديم الطهارة، واشتراط أداء الدين للمديون بالسعي إليه، فكما أن الطهارة والسعي واجبان على من وجب عليه الصلاة محدثاً، وأداء الدين ساكناً، فكذا الكافر، يصح أن تجب عليه العبادة بهذا التكليف، وشرط الإتيان بها الإيمان أولاً، ثم الإتيان بها. وكذا هذا الأمر متوجّه إلى المؤمنين بفعل الزيادة لها، والاستمرار فيها، والمواظبة عليها، والاجتهاد في استخراج أدلتها، والتوسّل بها إلى زيادة المعرفة والقرب، ومعلوم أن كل ذلك عبادة. المسئلة الثالثة إن لمنكر التكاليف وجوهاً من الشُبه، ها نحن نذكرها مع الإشارة إلى الجواب عنها: الأولى: إنّ التكليف (إما أن يتوجه) حال استواء دواعي العبد إلى الفعل والترك، أو حال رجحان دواعي أحدهما؟ فعلى الأول، يستحيل وقوع المأمور به، والتكليف غير واقع ولا جائز عند الأكثر، لأن الممكن ما لم يترجّح وجوده لم يقع، إذ من تجويز الترجيح من غير مرجّح ينسدّ اثبات الصانع، وعلى الثاني، فالمرجوح ممتنع الوقوع، وإلاّ لزم ترجيح المرجوح، فالراجح واجب الوقوع، فالتكليف بالراجح تكليف بايجاد ما يجب وقوعه، وبالمرجوح بما يمتنع وقوعه، وكلاهما مستحيلان. والثانية: أن المكلّف به، إنْ علِم الله في الأزل وقوعه، فخلاف معلومه محالٌ، فلا فائدة في ورود الأمر، وإن علِم لا وقوعه، فالتكليف به تكليف بالمحال، وكلاهما عبث وسفَهُ، والله منزَّه عنهما، وإنْ لم يعلم - لا هذا ولا ذاك - فهو قول بالجهل في حقّه، فهو باطل. والثالثة: إنّ ورود الأمر بالتكليف إما لفائدة، أو لا لفائدة؛ فإن كان الأول، فهي عائدة إلى المعبود، أو إلى العابد؛ والأول محالٌ، لأنه كامل الذات بذاته لا بغيره؛ وإن كان الثاني، فهي إما عاجلة أو آجلة؛ والأول باطلٌ، لأن التكاليف كلها مشاقّ وآلام في الدنيا؛ والثاني عبثٌ، لأن جميع الفوائد محصورة في دفع الألم وحصول اللذة، والله قادر على تحصيلهما للعبد ابتداء من غير توسيط العبادة والمشقّة، فيكون توسيطها عبثاً، وهو ممتنع على الحكيم؛ وكذلك حكم الشقّ الثاني. والرابعة: إنّ العبد غير موجِد لأفعاله، لِما تقرَّر أن المؤثِّر في الوجود هو الله، ولأن العبد غير عالِم بتفاصيل ما يفعله، ومن لا يعلم شيئاً بتفاصيله لا يكون موجِداً له، فالأمر له بذلك تكليف بالممتنع، وهو محال. ولكل من هذه الشُبه جواب تحقيقي عقلي مذكور في طيّ مسائل أخرى سابقة، فعليك باستخراجه. والأشاعرة أجابوا عن الكل، بأنه يحسن عندنا من الله كلّ شيء سواء كان تكليفاً بما لا يطاق أو غيره، لأنه خالقٌ مالكٌ، والمالك يتصرف في عبده حيث يشاء، ولا اعتراض لأحد عليه في ملكه. وأجيب أيضاً: بأن أصحاب هذه الشبه أوجبوا بما ذكروه اعتقاد عدم التكليف، فهذا تكليف بعدم التكليف، وإنّه متناقض. الخامسة: إنّ المقصود من التكليف، إنما هو تطهير القلب - على ما دلّت عليه ظواهر القرآن - فلو قدّرنا إنساناً مشتغل القلب دائماً بالله تعالى، بحيث لو اشتغل بهذه التكاليف الظاهرة لصار ذلك عائقاً له عن الاستغراق في معرفة الله تعالى، وجب أن يسقط عنه هذه التكاليف الظاهرة، فإن الفقهاء القياسيّين قالوا: إذا لاح المقصود والحكمة في التكاليف، وجب اتّباع الحكم المعقول، لا اتّباع الظواهر. والجواب عنه: أن المقصود من التكليف، وإن كان تطهير القلب وجلاءَه لتجلّي صورة المعرفة الإلهيّة، إلاّ أن الإنسان لا سبيل له إلى ذلك إلاّ بسبق أفعال وأعمال دينية توجب ذلك، وكل أحد نفسه مغمورةً في أول الكون في عمق بحر الطبائع، والِجةً في غياهب ظلمات الدنيا، مغشَّاةً بأغشية الحجب الجسمانيّة، ملطّخةٌ بالأخباث النفسانية، كالشهوة والغضب والأكل والجماع والنوم والهمّ والغمّ، وما يجري مجراها من خطرات الوهم وهواجس النفس، وغير ذلك. وليس أيضاً اشتغال القلب بالله، والتشوّق إليه، ممّا يمكن حصوله إلاّ عقيب العبادات، وبعد إطالة النظر في تحصيل المعارف الإلهيّة، لا كما زعمه عوام الصوفيّة وغيرهم، فأنّىٰ يتيسّر ذلك إلاّ بعد إقامة مراسم العبوديّة، وإطاعة أوامر الشريعة ونواهيها. المسئلة الرابعة إن مخالفة التكاليف وترك العبادات من العبد، لماذا يصير منشأ للعذاب وباعثاً له تعالى على العقاب، مع أن ذاته مستغنٍ عن طاعة العبد، منزَّه عن لذّة الإنتقام، متعالٍ عن الغرض الحاصل له من تعذيب المجرم والإيلام؟ والجواب: إن تكليف الله عباده، يجري مجرى تكليف الطبيب، فإذا غلبت عليه الحرارة أمَره بشرب المبرِّدات، وهو غنيُّ عن شربه، لا يضرّه مخالفته ولا ينفعه موافقته، كما اعترف به المعترض، ويساعدنا عليه، ولكن النفع والضرّ يرجعان إلى المريض ويلزمان لأفعاله، وإنما الطبيب مرشِدُ فقط، فإنْ وُفّق المريض حتى وافق الطبيب، يشفى ويتخلّص من ألم المرض، وإن لم يوفّق وخالف، تمادى به المرض وهلك؛ وبقاؤه وهلاكه سيّان عند الطبيب لاستغنائه عن بقائه وفنائه. فكما أن الله خلق للشفاءِ سبباً مفضياً إليه، فكذلك للسعادة الأُخرويّة سبباً وهو الطاعة، ونهي النفس عن الهوى بالمجاهدة المزكية لها عن رذائل الأخلاق، ورذائل الأخلاق مشقيات للنفس، مهلكات في الآخرة، كما أنّ رذائل الأخلاط ممرضات للبدن في الدنيا، والمعاصي بالإضافة إلى حياة الآخرة، كالسموم بالإضافة إلى الحياة الدنيا، وللنفوس طبيبُ كما أن للأجساد طبيباً، والأنبياء عليهم السلام أطبّاء النفوس، يرشدون الخلق إلى طريق الفلاح بتمهيد التكاليف المزكية للقلوب، كما قال تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّٰهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّٰهَا} تفسير : [الشمس:9 - 10]. ثم نقول: إن المريض إذا خالف أمر الطبيب وتمادى به المرض، فبالحقيقة لم يتماد مرض الممراض بمخالفة الطبيب لأجل عين المخالفة، بل لأنّه سلك غير طريق الصحّة الذي أمره الطبيب به، فكذلك التقوى التي أشار إليها قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} هي الاحتماء الذي ينفي عن القلوب أمراضها، وأمراض القلوب تفوِّت حياة الآخرة، كما تُفوِّت أمراض الأجساد حياة الدنيا. فهكذا ينبغي أن يفهم أمر التكاليف، فإن الطاعات أدوية نافعةٌ، والمعاصي سموم ناقعةٌ، وتأثيرها في القلوب كتأثير هاتين في الأبدان، لا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم. كما لا يسعد هٰهنا إلا من أتى بمزاج معتدل، وكما يصح قول الطبيب للمريض: "قد عرّفتك ما يضرّك وما ينفعك، فإنْ وافقتني فلنفسك، وإنْ خالفتني فعليها"، كذلك قال تعالى: {أية : مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} تفسير : [الإسراء:15]. وأما العقاب على ترك الأوامر وارتكاب الخطيئات، فليس ذلك من الله غضباً وانتقاماً على نحو غضبنا وانتقامنا، بل لأنه رتَّب الأسباب على المسبّبات، فخلق نفس الإنسان على وجه تكمِّلها وتنجيها الفضائل، وتهلكها وتشقيها الرذائل، والله تعالى غير عاجز عن الإشباع من غير أكل، والإرواء من غير شُرب، والإنشاء للولد من غير مضاجعة ووقاع، ولكن قد رتَّب الأسباب والمسببات لحكمة خفيَّة لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم. هذا ما ذكره بعض العلماء، وبه يخرج الجواب أيضاً عن الشبهة الثالثة لمنكري التكاليف. المسئلة الخامسة لمَّا كانت الفائدة في قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} أنّه لا يستحق العبادة إلا بذلك، فما الفائدة في قوله: {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}، وخلْقُ الله من قبلهم لا يقتضي وجوب العبادة لهم؟ قلنا فيه وجوه: أحدها: إن المراد تعدّد منشأ العلم بالصانع ومأخذه، لا إثبات مقتضى العبادة وموجبها. وثانيها: إن مَنْ قبلكم كالأصول والأسباب لوجودهم، فخلْقها يجري مجرى الإفضال على الفروع، فكأنّه يقول: كنت منعماً عليك قبل أن وجدت بألوف سنين بخلْق آبائك وأصولك. وثالثها: إزالة شبهة أنّ الموجِد للناس آباؤهم وأمّهاتهم. ورابعها: إزالة شبهة عبَدَة الملائكة والهياكل العلويّة. المسئلة السادسة إن كلمة "لعلّ" في قوله {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} للترجّي أو الإشفاق، ولا يحصلان إلا عند الجهل بالعاقبة، وهو على الله محال، فلا يجوز رجاء الله تقواهم، لأنه عالِم الغيب والشهادة. وأجيب: إن الترجّي راجع إلى العباد، لا إلى الله كقوله تعالى: {أية : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ} تفسير : [طه:44]. أي اذهبا أنتما إلى فرعون على رجائكما وطمعكما في ايمانه، ثم الله عالِمٌ بما يؤول إليه أمره، أي اعبدوا ربكم راجين للتقوى. أقول: الأولىٰ أن يقال: "لعلّ" أينما وقع في القرآن، كان واقعاً على أنه من لسان الرسول (صلى الله عليه وآله)، أو بحسب علمه تعالى التفصيلي الواقع في أخيرة المراتب، فإنّ لعلمه تعالى مراتب، كما إن لقدرته مراتب أعلاها ما هو عين ذاته، لأن ذاته بذاته مبدء انكشاف جميع الأشياء على ذاته في الأزل على وصف الوجوب الذاتي مقدساً عن التغيّر، وأدناها ما هو عين الممكنات، ويجري فيه التغيّر والإمكان، والإختيار والإبتلاء وغيرها من سمات الحدثان، ولكن بالقياس إلى ما في هذه الدرجة من الموجودات - لا بالقياس إلى ذاته الأخدية -. وهذا مما يحتاج دركه على التحقيق إلى علوم كثيرة مع نور بصيرة، ويمكن إدراكه على سبيل التقريب، بأن الله عزّ وجلّ، خلق عباده ليستعبدهم بالتكليف، وركّب فيهم العقول والشهوات، وأزاح العلّة في اقدارهم وتمكينهم، وهداهم النجدين، ووضع في أيديهم زمام الإختيار، وأراد منهم الخير والتقوى، فهم في صورة المرجوّ منهم أن يتَّقوا لترجيح خيرهم على شرِّهم، وهم مختارون بين الطاعة والعصيان، كما ترجّحت حال المرتجي بين أن يفعل وأن لا يفعل، ومصداقه قوله تعالى: {أية : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} تفسير : [هود:7]. وإنما يبلو ويختبر من تخفى عليه العواقب، ولكن لمّا كان بناء الأمر على الإمكان والإختيار والقوّة والصحّة - دون الإلجاء والإضطرار -، أطلق لفظ "الترجّي" من هذا الوجه، وإن كان بناء أمرهم بحسب الأسباب القصوى وصورة ما في الكتاب والقضاء هو التحقيق. وهذا مستقيم، سواء تعلق قوله: "لعلّكم" بـ "خَلَقكم" أو بـ "اعبدوا"، وحمله على "أن يخلقكم راجين للتقوى" ليس بسديد أصلاً. وقيل: "لعلّ" قد يجيء بمعنى "كي" ووُجِّه بأنها للإطماع، وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن، ولكن لأنّه إطماع من كريم رحيم إذا أطمع في فعل يجري إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به، وأيضاً فمِن ديدن الملوك أن يقتصروا في مواعيدهم التي يوطّنون أنفسهم لانجازها، على أن يقولوا: عسى ولعلّ، مثل قوله تعالى: {أية : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُوداً}تفسير : [الإسراء:79]. وحينئذ لا يبقى لطالب ما عندهم شكٌ في الفوز والنجاح بالمطلوب. أو جاء على طريق الإطماع دون التحقيق، لئلا يتَّكل العباد مثل: {أية : تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} تفسير : [التحريم:8]. وهذه مَجازات والتحقيق ما انفلق صبح نوره. قال القفّال: في "لعلّ" معنى التكرير والتأكيد، إذ اللام فيه للتأكيد، كما في نحو قولهم: "لقَد"، ولقولهم: "علَّك أن تفعل كذا" و "علّ" يفيد التكرير، ومنه "العَلّ بعد النهْل"، فقول القائل: "افعلْ كذا لعلَّك تظفر بحاجتك" معناه: افعل فإنّ فعلك له يؤكّد طلبك ويقويك عليه. المسئلة السابعة إذا كانت العبادة تقوى، فقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} جارٍ مجرى قوله: اعبدُوا ربّكم لعلّكم تعبُدون و "اتّقوا ربّكم لعلّكم تتّقون. والجواب: المنع من اتّحاد مفهوميهما، وذلك لأن أصل لفظ "التقوى" في اللغة هو "الوقوى" بالواو، وهو مصدر كالوِقاية، فأبدلت "الواو" "تاءً" كما هو في "الوكلان" و "التكلان" ونحوهما، فقيل: "تقوى" فإذاً لمّا حصلت وقاية بين العبد وبين المعاصي والشرور من قوة عزمه، وتوطين قلبه على تركها، فيوصف حينئذ بأنه متّقي، ويقال لذلك العزم والتوطين: "تقوى". والتقوى، أطلق في القرآن على ثلاثة أشياء: أحدها: بمعنى الهيبة والخشية، قوله تعالى: {أية : وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ} تفسير : [البقرة:41]. وقال: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة:281]. والثاني: بمعنى الطاعة والعبادة قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ} تفسير : [آل عمران:102]. وقال ابن عبَّاس: "أطيعوا الله حق إطاعته". وقال مجاهد: "أن يُطاع ولا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر". الثالث: بمعنى التنزيه للقلب عن الذنوب، وهذه هي الحقيقة في التقوى دون الأولين، ألاَ ترى أن الله تعالى يقول: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُون} تفسير : [النور:52]. ذكَر الطاعة والخشية ثم التقوى، فعلمنا أنّ حقيقة التقوى سوى الطاعة والخشية، وهو تنزيه القلب عما ذكر. وعند أهل الله: تنزيه القلب عن الإلتفات بغير الله. وقال بعض الشيوخ: منازل التقوى ثلاثة، تقوى عن الشرك، وتقوى عن البدعة، وتقوى عن المعاصي الفرعية؛ ولقد ذكرها الله تعالى في آية واحدة وهو قوله: {أية : لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوۤاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ} تفسير : [المائدة:93]. فالتقوى الأولى تقي القلب عن الشرك، والإيمان الذي ذكر في مقابله التوحيد؛ والتقوى الثانية عن البدعة، والإيمان ذكر معها اقتداء الشريعة واجتماع الأمّة؛ والتقوى الثالثة عن المعاصي الفرعية والإقرار في هذه المنزلة، فيقابلها الإحسان - وهي الطاعات والإقامة عليها -. وقد جاءت التقوى بمعنى اجتناب فضول الحلال، وهو ما روي في المشهور عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنّه قال: "حديث : إنَّما سمّي المتَّقون متّقين لتركهم ما لا بأس به حذراً عما به بأس"تفسير : . فإن أردت أن تجمع بين تلك المعاني وبين ما جاء في الخبر في حدّ جامع ومعنى بالغ، فلَك أن تقول: التقوى هي الاجتناب عما يُخاف منه ضررٌ في الدين؛ ثم الذي يخاف الضرر منه في أمر الدين قسمان، محض الحرام والمعصية، وفضول الحلال - لأنّ الانهماك فيه أيضاً يجرّ إلى الحرام المحض، لأنّه يوجب شَرَهَ النفس وطغيانها وتمرّدها وعصيانها -، فمن أراد أن يأمن الضرر في أمر دينه، فليجتنب عن فضول الحلال لئلاّ يقع في الحرام، حتى يصير ذلك وقاية له عن كل شرّ. والشرُّ ضَرْبان: شرٌّ بالإصالة كالمحرّمات، وشرٌّ لا بالإصالة كالشهوات المباحة، فالتقوى عن الأولى تقوى فرضٍ يجب بتركها عذاب النار، والثانية تقوى زَجْرٍ وأدب يلزم بتركها الحبس والحساب الطويل، واللوم والتعيير. فصل وأما العلوم الشريفة، فبيان استدعاء الآية لها واشتمالها عليها؛ أن الله لمّا أمرنا بعبادة الربّ، أردفه بما يدلّ على وجود الصانع، وهو خلْق نفوسنا، وخلْق من سبق وجوده على وجودنا، وهذا مما يدل على أنه لا طريق إلى معرفة الله، إلاّ بالنظر والاستدلال والتدبّر في مبادئ المطالب، وأوائل البراهين، والعلم بكيفيّة وجود الخلائق، والإطلاع على حقائق الآفاق والأنفس. وطعَن قوم من المعطِّلة والحشويَّة في هذه الطريقة وقالوا: "الاشتغال بنمط البراهين لتحقيق اليقين بدعة"، وقوم منهم أنكروا هذا العلم، وزعموا أن الإنسان مكلَّف بالعمل لا بالمعرفة، ولا ينكرون سائر العلوم، بل جعلوا بعضها واجبةً وبعضها مستحسَنةً. ونحن بحمد الله تعالى خالفنا سيرتهم، وهدمنا بنيانهم، وكسرنا أصنامهم الجاهليّة في رسالة سمّيناها كسر أصنام الجاهليّة، فلنذكر في بيان صحّة طريقنا وجوهاً نقليّة وعقليّة في عدّة إشراقات. الاشراق الأول: في بيان فضل هذا العلم على سائر العلوم وهو من وجوه: الأول: إن أجلّ العلوم رتبة، وأعلاها منزلة، وأرفعها درجة، وأعظمها ثمرة، العلم بذات الله الجليلة، وصفاته العالية، وأسمائه الحسنى، لأن العلم تابع للمعلوم، والمعلوم إذا كان أشرف الموجودات، فالعلم بذلك أشرف العلوم، وليس في المعلومات - موجوداً كان أو معدوماً - أشرف وأعلى من ذات الله القديمة، وصفاته وأسمائه، فيجب أن يكون العلم بها أشرف العلوم - وهذا مما لا شبهة فيه -. الثاني: إن العلم إما دينيّ أو غير دينيِّ، ولا شكّ أن الدينيّ أشرف؛ والعلم الدينيِّ؛ إما علم بالأصول أو بالفروع؛ والأول أشرف، إذ ما عداه يخدمه وتتوقّف صحّته على علم الأصول؛ لأن المفسِّر يبحث عن معاني كلام الله المجيد، وذلك فرع على وجود الصانع واختياره وعلمه وقدرته وكلامه، وأما المحدِّث، فإنّه إنّما يبحث عن كلام الرسول (صلى الله عليه وآله)، وكل ذلك فرع على العلم بوجود الرسول، والعلم بكيفيّة نبوّته ورسالته وصدقه؛ والفقيه، إنّما يبحث عن أحكام الله تعالى، وذلك فرع على التوحيد والنبوّة؛ فثبت أن هذه العلوم كلّها مفتقرة إلى العلم بالأصول، وظاهر أن علم الأصول غنيٌّ عنها. وإن سألت الحقّ، فجميع العلوم مفتقرةٌ إلى العلم الكلّي الإلهي، وهو غير مفتقر إليها، فهو علمٌ حرٌّ مخدوم الكلّ، وسائر العلوم عبيده وخدمه، لأن موضوعات العلوم تكون مسلّمة فيها على سبيل الوضع، وإنّما يقام البرهان على وجودها ووجود مباديها في العلم الأعلى. قال المحقّقون: مسائل كلّ علم بمنزلة قياسات استثنائيّة تثبت مقدّماتها الاستثنائية في العلم الأعلى، فهو أشرف العلوم. الوجه الثالث: إن شرف كلّ علم وعمل، وجلالة كل درك وفعل، إمّا بشرف موضوعه، وإمّا بحسن صورته، وإما بفضيلة فاعله، وإما بكمال غايته ونباهة الثمرة الحاصلة له؛ وهذا العلم مشتمل على الكلّ. وذلك لأن علم الهيئة - مثلاً -، أشرف من الطبِّ نظراً إلى الموضوع، لأنّ موضوع الهيئة هو الأجرام الكريمة البسيطة الرفيعة عن أرجاس العنصريّات، وموضوع الطبِّ، هو بدن الإنسان المركَّب من الأخلاط العِفنة والأضداد المستحيلة، القابل للأمراض والأوجاع، المتسارع إلى الموت والفساد، فيكون موضوع الهيئة أشرف من موضوع الطبّ. والفقْه أشرف منهما، باعتبار الغاية - وإن كان أدون منهما بحسب الموضوع، لأن موضوعه فعْل المكلَّف - ومن الهيئة بحسب الأدلّة والمبادئ، لأن أدلّتها مقدّمات يقينيّة وأدلّة الفقه ظنّية. ثم لا شكّ أن الأسباب الأربعة في المعارف الربوبيّة: ففاعلها القوّة النظريّة والبصيرة العقليّة المنوَّرة بنور الله، المؤيّدة من عنده، وهي أشرف أجزاء الجوهر النطقي المضاهي عند صيرورتها منوّرة بالفعل في التقدّس والتنوّر لجواهر الملائكة العقليّة، وهم سكّان حظائر القدس، المجاورون للحضرة الإلهيّة والجنّة العقليّة. وغايتها الوصول إلى الحضرة الإلهيّة والقرب من بارئ الكلّ، ومحرّك ملكوت السموات والأرض بالتشويق العقليّ والمحبّة الإلهيّة. وأمّا موضوعها، فهو ذات الباري وذوات الملائكة والكتب والرسل، ولا شبهة أنها أشرف الموضوعات العلميّة والعمليّة. وأمّا الصورة، فهي هيئة المعرفة الراسخة في النفس الإنسانيّة والقلب المعنويّ، الحاصلة من حضور صورة الكلّ - التي بها يصير الإنسان عالَماً عقليّاً مضاهياً للعالَم بجميع أجزائه الكلية وأسبابه القصوى، آخذاً من المبدء الأعلى إلى الجواهر العقليّة، ثمّ النفسيّة، ثمّ الاجرام الكليّة، والأنواع الحاصلة بفيض الإبداع، العائدة إليه؛ سيّما النوع الإنساني المشتمل على النفوس النبويّة والولويّة العائدة إلى الله تعالى بعد مرورها على الطبقات والوسائط - حضوراً عقلياً مقدّساً عن وصمة التغيّر والزوال والاضمحلال أبد الآبدين ودهر الداهرين، مرتبطاً وجودها بوجود الخير الأعظم، والجمال الأتمّ، والجلال الأرفع، مستهلكاً وجودها في وجوده، مضمحلاًّ نورها في نوره الساطع وضوئه الشامخ - تعالى كبرياؤه -. الوجه الرابع: إن شرف الشيء قد يظهر بواسطة خساسة ضدّه - فكلّما كان الشيء أخسّ ضدّاً كان أشرف وجوداً - وضدّ علم الأصول وعلم الإلهيّات هو الكفر والبدعة والسفسطة، وهي من أخسّ الأشياء بعد العدم، فوجب أن يكون هذا العلم من أشرف الأشياء بعد الوجود المبرّأ عن شوب النقص والعدم - وهو وجود الباري جلّ اسمه -. الوجه الخامس: إن هذا العلم، مما لا يتطرّق إليه النسخ والتغيير، ولا يختلف باختلاف الأزمنة والدهور، ولهذا اتّفق عليه جميع الأنبياء عليهم السلام، ولم ينقل من أحد منهم خلاف في هذه الأصول، فجميعهم متّفقون في إثبات المبدء وإثبات المعاد، وحقيّة الملائكة، والكتب والرسل والأولياء لله - بخلاف سائر العلوم -، فوجب أن يكون أشرف العلوم. الوجه السادس: إن الآيات المشتملة على مطالب هذا العلم وبراهينها، أشرف من الآيات المشتملة على المطالب الفقهيّة والعلوم السياسيّة، وهذا ممّا لا يخفى على مَن له اطّلاع على علم القرآن، ويدلّ عليه أنه جاء في فضائل: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص:1]، و: {أية : آمَنَ ٱلرَّسُولُ}تفسير : [البقرة:285]، وآية الكرسي، وآية السخرة، وسورة الحديد، ويٰس، وما يشابهها، ما لم يجئ مثله في آية الحيض وآية المداينات وآيات القتال؛ وذلك يدلّ على فضيلة العلم الإلهي. الوجه السابع: إن عدد الآيات الواردة في الأحكام قليل لا يبلغ إلى ستمائة آية، وأمّا البواقي ففي بيان التوحيد، والنبوّة، وإثبات المعاد، والردّ على عبدَة الأوثان وأصناف المشركين؛ وأمّا الواردة في القصص، فالمقصود منها معرفة حكمة الله وقدرته كما قال: {أية : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [يوسف:111]. فدلّ على أن هذا العلم أشرف وأفضل. الوجه الثامن: إن الله أول ما دعى المكلفين من خَلْقه، إنّما دعاهم إلى النظر والإعتبار الموصل إلى توحيد ذاته، ومعرفة صفاته بالدلالات الواصلة والعلامات الباهرة الزاهرة، الدالّة على وحدانيّته، وتنزيه ذاته وصفاته عن مشابهة خلْقه، وقطَع عذرهم، وأزاح علتهم، وأمَر بالنظر والإعتبار في كتابه المنزّل من السماء بأكثر من أربعمائة آية تصريحاً وتلويحاً، ومدح الناظرين والمباحثين والمجادلين الذين عرفوه وبيّنوه للخَلْق، وقمعوا شُبه المعاندين، ودعوا الناس إلى معرفته بآياته، فقال عزّ وجلّ: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ} تفسير : [آل عمران:7]. - على قراءة العطف - إخباراً عن رفع مراتبهم، وقال: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ}تفسير : [آل عمران:18]. وقال: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ}تفسير : [العنكبوت:43]. وقال: {أية : وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} تفسير : [سبأ:6] تنبيهاً على أن غير الذي أوتي العلم والحكمة من عند الله، ليس ممن يرى حقّية الرسالة وطريقة الهداية. وحكى أيضاً عن خيار رسله وأمناءِ وحْيه إلى خلقه، استعمالهم النظر والبحث والمجادلة مع من ضلّ وترَك الطريق الأمثَل. فقد حكى في قصّة نوح عليه السلام عن الكفار قولهم: {أية : يٰنُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} تفسير : [هود:32]. ومعلومٌ أن تلك المجادلة، ما كانت في تفاصيل الأحكام الشرعيّة، بل كانت في التوحيد والنبوّة، فالمجادلة في نصرة الحقّ في هذا العلم هي حرفة الأنبياء عليهم السلام. وقال في قصّة إبراهيم: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة:258]. قال تعالى في اخباره عن نظره واعتباره: {أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} تفسير : [الأنعام:76]. الآيات - فردّ المِثْل إلى المِثْل، والنظير إلى النظير، فأخرج هذه الأجرام عن الربوبيّة بعلَّة اشتراكها في الأفول، والإمكان، والزوال والانتقال في الأحوال، وسَمَّىٰ استدلاله حُجّة، وأضافه إلى نفسه فقال عزَّ وجل: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ} تفسير : [الأنعام:83]. انه تعالى بهذا العلم، رفع بدرجة إبراهيم عليه السلام، فقد ظهر من القرآن أنَّ له عليه السلام مقامات: أحدها: مع نفسه وهو قوله: {أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً} تفسير : [الأنعام:76] الآيات. وهذه طريقة استدلال الحكماء والمتكلّمين بإمكانها، أو بتغيُّرها وحدوثها، على حاجتها إلى من فطَرها وأقام وجودها، فمدح الله عليه بقوله: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ} تفسير : [الأنعام:83] - الآية. وثانيها: حاله مع أبيه وهو قوله: {أية : يٰأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً} تفسير : [مريم:42]. وثالثها: حاله مع قومه، تارة بالقول والتعليم، وأخرى بالزَجر والتوبيخ؛ أما بالقول فقوله: {أية : مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} تفسير : [الأنبياء:52] وأما بالفعل بقوله: {أية : فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ}تفسير : [الأنبياء:58]. ورابعها: حاله مع ملك زمانه في قوله: {أية : رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} تفسير : [البقرة:258]. - الآية - وكلّ من سلمت فطرته، عَلِم أن علْم الأصول ليس إلاّ تقرير هذه الأدلة، ودفع الأسئلة والمناقضات عنها. فهذا كلّه بحث ابراهيم عليه السلام في المبدء، وأما بحثه في المعاد فقوله: {أية : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [البقرة:260]. إلى آخره - ويندرج فيما قصده جميع علوم المعاد. وأمّا موسى عليه السلام، فانظر إلى مناظرته مع فرعون في التوحيد والنبوّة، أما التوحيد، فاعلم أن موسى عليه السلام إنما كان يقول في أكثر الأمر على دلائل آبراهيم عليه السلام، وذلك لأنّه تعالى حكى في سورة طٰه: {أية : قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} تفسير : [طه:49-50]. وهذا هو الدليل الذي ذكره ابراهيم عليه السلام: {أية : رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحْيِـي وَيُمِيتُ} تفسير : [البقرة:258]، فلمّا لم يكتف فرعون بذلك، وطالبه بشيء آخر، قال موسى: {أية : رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} تفسير : [الشعراء:28] فهذا هو الذي قال ابراهيم عليه السلام: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ} تفسير : [البقرة:258]، فهذا ينبهك على أن التمسُّك بهذه الدلائل، حِرفة هؤلاء المعصومين، وأنّهم كما استفادوها عن عقولهم، فقد توارثوها من أسلافهم الطاهرين. وأما استدلال موسى عليه السلام على النبوّة بالمعجرة، ففي قوله: {أية : أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الشعراء:30]. وهذا هو الاستدلال بالمعجزة على الصدق. فقد ظهر لك ان طريقتهم التمسّك بالحجّة والبرهان، ولذلك أمر الله بذلك رسوله المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وقال: {أية : بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً} تفسير : [البقرة:135]. وقال: {أية : مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الحج:78]. فيقتضي أمره تعالى أن يحتجَّ كما يحتجّ، ويستدلّ كما يستدلّ؛ وقال أيضاً عزَّ وجلَّ لرسوله ابتداءً: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [النحل:125]. أما اشتغال نبيِّنا بالدلائل على التوحيد والنبوّة والمعاد، فأظهر من أن يحتاج فيه إلى التطويل، فإنّ القرآن مملوء منه، ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) مبتلى بجميع فِرَق الكفار: الأولى: الدهريّة، الّذين كانوا يقولون بدهر هذا العالم قالوا: {أية : وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} تفسير : [الجاثية:24]، والله تعالى أبطل قولهم بأنواع الدلائل. والثانية: الذين ينكرون القادر المختار، والله تعالى أبطل قولهم بحدوث أنواع النبات، وأصناف الحيوانات، مع اشتراك الكلّ في الطبائع بتأثيرات الأفلاك، وذلك يدلّ على وجود القادر. الثالثة: الذين أثبتوا شريكاً مع الله، وذلك الشريك، إمّا أن يكون علوياً أو سفليّاً؛ أما الشريك العلوي، كمثل من جعل الكواكب مؤثّرات في هذا العالَم، كالصابئة، والله تعالى أبطله بدليل الخليل عليه السلام في قوله: {أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ} تفسير : [الأنعام:76]، وأما الشريك السفلي فالنصارى، قالوا بإلهيَّة المسيح، وعبدَة الأوثان قالوا بإلهيَّة الأوثان؛ والله تعالى أكثرَ من الدلائل على فساد قولهم. الرابعة: الذين طعنوا في النبوّة، وهم فريقان: أحدهما: الذين طعنوا في أصل النبوّة، فهم الذين حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: {أية : أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء:94]. والثاني: الذين سلَّموا أصل النبوَّة، وطعنوا في نبوَّة محمد (صلى الله عليه وآله)، وهم اليهود والنصارى، والقرآن مملوء من الردَّ عليهم، ثم إنّهم طعنوا تارة بالطعن في القرآن، فأجابه بقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} تفسير : [البقرة:26]. وتارة بالتماس سائر المعجزات بقوله: {أية : وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً} تفسير : [الإسراء:90]. وتارة بأن هذا القرآن ينزل نجماً نجماً وذلك لطَرْق التهمة إليه، فأجاب الله عنه بقوله: {أية : كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ}تفسير : [الفرقان:32]. الخامسة: الذين نازَعوا في الحشر والنشر، والله تعالى أورد على صحَّة ذلك، وعلى إبطال قول المنكرين أنواعاً كثيرة من الدّلائل. السادسة: الذين طعنوا في التكليف، تارة بأنّه لا فائدة فيه، فأجاب الله تعالى عنه بقوله: {أية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} تفسير : [الإسراء:7]. وتارة بأنّ الحق هو الجبر، وأنّه ينافي صحَّة التكليف، وأجاب الله تعالى عنه بأنّه: {أية : لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} تفسير : [الأنبياء:23]. فثبت أن هذه الحِرفة هي حِرفة كلّ الأنبياء والرسل عليهم السلام، وعلم أن الطاعن فيها إما كافر أو جاهل. وكذلك أمر الله أمة نبيِّنا بايضاح الحجَّة، ونهاهم عن التقليد، وذمَّهم عليه، فقال لكافَّة المؤمنين: {أية : وَلاَ تُجَادِلُوۤاْ أَهْلَ ٱلْكِتَابِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [العنكبوت:46]. فأمره سبحانه وأمَّته بايضاح طريق الحق بالجدال، وكشف بطلان أهل الضلال، والفصل بين الحقّ والباطل بالعلم، ونهى عن التقليد، وذمَّ أهله، وأمَرهم بالمسير إلى النظر والمعرفة في قوله: {أية : أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ} تفسير : [الأعراف:185]. {أية : أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ} تفسير : [الروم:8]. وأمَرهم بالمسافرة لطلب العلم واليقين، وخوَّفهم بالزجر عن اتّباع أسلافهم الماضين، والقول في دينه بغير دليل، فقال جلَّ جلاله: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا أَوَلَوْ كَانَ ٱلشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [لقمان:21]. وقال أيضاً في إخباره عن أمثال هؤلاء وردّهم ما أتي به النبيّون بقولهم: {أية : إِنَّا وَجَدْنَآ آبَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}تفسير : [الزخرف:23]. فعيَّرهم الله ووبَّخهم به، وجعله من أعظم ذنوبهم. فثبت بذلك أن المعرفة الإلهية أجلّ أنواع العلوم، وأعلاها كلّها درجة، وأعظمها، ولأنّ معرفة الله أصل الدين الذي يتّحد طريقه، ويؤمن سالكه، ويكفر تاركه، ولا يعذر من أخطأ في اجتهاده وعدَل عنه. ولهذا قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : افترقت بنو اسرائيل على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمَّتي على ثلاث وسبعين كلّها في النار إلاّ واحدة"تفسير : . وقال (صلى الله عليه وآله) في فروع الدين: "حديث : الاختلاف بين أُمّتي رحمة"تفسير : . وقال: "حديث : اجتهدوا فكلٌّ ميسّر لما خُلِق له"تفسير : . وقال: "حديث : من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد ". تفسير : ففرَّق صلوات الله عليه وآله بين أصل الدين من الخطر العظيم والثواب الجسيم - ومن طلَب العظيم خاطَر العظيم -، ولا يكون في هذا العلم كلّ مجتهد مصيباً، ولا المخطئ في اجتهاده مأجوراً - بل يكون مأزوراً باتّفاق العلماء -، بخلاف فروع الدين. وإنّما كان كذلك، لأنَّ الاختلاف في أصول الدين، إنّما يرجع إلى ذات واحدة، فمحالٌ أن تكون الذات الواحدة على صفات يقولها الصفاتيّة، وعلى ما يقوله المعتزلة، وعلى التي يقولها المشبّهة، وعلى ما يقوله المعطّلة، ومحال أيضاً أن يرد الشرع بالاعتقاد لكلّ فريق على الوجه الذي ذهب إليه كل فريق، ولهذا قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : الناجية منها واحدةٌ" تفسير : وهي التي قد أصابت الحقّ. ولا كذلك [الـ] فروع، لأن التكليف في ذلك يرجع إلى أعمال العباد، فيجوز أن تختلف التكاليف في حقِّ كل واحد منهم، ويرد الشرع ابتداء بذلك، كصوم يوم واحد من رمضان. يجب على واحد أن يصوم، ويتحتَّم عليه صومه كالصحيح المقيم، ويجب على الآخر أن يفطر، ويتحتَّم عليه افطاره كالحائض، ويخيَّر الآخر بين الصوم والافطار، كالمسافر عند جمع، والمريض أيضاً، واليوم يومٌ واحد، ويختلف حكمه باختلاف أحوال المكلَّفين من غير تناقض وتضادّ -، كذلك حكم المجتهدين من العلماء، إذا أدّى اجتهاد كلّ واحد منهم في حكم الحادثة التي لا نصّ فيها إلى خلاف ما أدّى إليه اجتهاد الآخر، فيكون كلّ واحد منهم متعبّداً مكلَّفاً فيما أدّى إليه اجتهاده باتّفاق الأمّة، ولهذا المعنى كانت شرائع الرسل صلوات الله [عليهم] مختلفة، وأديانهم في التوحيد والمعاد متّفقة، وإذا ثبت ذلك، فثبت أنّ هذا العلم أشرف من سائر علوم الدين - فضلاً عن سائر العلوم -، وأن اقتناءَه فرض عين، فمِن شأن العاقل أن يحتاط لنفسه، ويطلب ماله فيه نجاة العقبى، والفوز بالدرجة القصوى، فإن أمور الدنيا زائلة، وعذاب الله شديد - نسأل الله العصمة والتسديد. الإشراق الثاني في أنّ هذا العلم هو الفرض على العين لا على الكفاية، وسائر العلوم إما فرض على الكفاية، أو ليس بفرض أصلاً، وأنّ المراد من قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : طلب العلم فريضة على كل مسلم"تفسير : وقوله: "حديث : اطلبوا العلم ولو بالصّين" تفسير : هو هذا العلم دون غيره. وقد وقع الاختلاف بين الناس في العلم الذي هو فَرْضُ عَيْن، وتحزّبوا أكثر من عشرين فرقة، ويطول الكلام بتفصيلها، وحاصله أن كلّ فريق نزَّل الوجوب العيني المستفاد من الحديث على ما هو بصدده، فقال المتكلّم: "هو علم الكلام، إذ به يدرك التوحيد ويعلم ذات الله وصفاته". وقال الفقيه: "هو علم الفقه، إذ به تعرف العبادات وما يحرم ويحلّ في المعاملات". وقال المفسِّرون والمحدِّثون: "هو علم الكتاب والسُّنة، إذ بهما يُتوصّل إلى العلوم كلّها". وقال المتصوِّفة: "هو هذا العلم"، وقال بعضهم: "هو علم العبد بنفسه وبحالها ومقامها من الله". وقال بعضهم: "هو العلم بالإخلاص وآفات النفوس، وتمييز لمّة الملك من لمّة الشيطان". وقال أبو طالب المكّي: "هو العلم بما تضمّنه الحديث الذي فيه مباني الإسلام، وهو قول الرسول: "حديث : بني الإسلام على خمس" تفسير : لأن الواجب هذه الخمس، فيجب العلم بكيفيّة العمل فيها". قال بعض العلماء: الذي ينبغي أن يقطع المحصّل ولا يستريب فيه العاقل، هو أنّ العلم ينقسم إلى علم معاملة وعلم مكاشفة، وليس المراد بهذا العلم إذا عمّ وجوبه إلا علم المعاملة، فهي التي كلف العبد العاقل البالغ إيّاها. وهي على ثلاثة أقسام: اعتقادٌ، وقولٌ، وفعلٌ، فإذا بلغ الرجل العاقل الاحتلام والسنّ أول نهار مثلاً، فأول واجب عليه تعلّم كلمتي الشهادة وفهم معناها، وليس يجب عليه كشف ذلك لنفسه بالنظر والبحث وتحرير الأدلّة، ويكفيه أن يصدّق به ويعتقد جزماً من غير اختلاج وريب واضطراب نفس، وذلك قد يحصل بمجرد التقليد والسماع من غير بحث وبرهان؛ إذ اكتفى رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أجلاف العرب بالتصديق والإقرار من غير تعلّم دليل، فإذا فعل ذلك، فقد أدّى واجب وقته وفَرْضَ عينه في المعرفة. ثم يجب عليه العلم بكيفيّة ما يجب عليه ويحرم في كل وقت، كالصلاة وهي حاضر الوقت، والصيام وهو ممكن التراخي إلى سنة، والزكاة، والحجّ، والجهاد، وكلّ منها يمكن أن لا يجب على العبد في مدّة عمره، فلا يجب عليه العلم بكيفيّتها وجوباً عينيّاً؛ وأما الاعتقادات وأعمال القلوب، فيجب علمها عليه بحسب الخواطر والسوانح. وما ذكره الصوفيّة من فهم خواطر العدوّ ولمّة المَلَكِ فهو أيضاً [يجب] ولكن في حقّ من يتصدّى له، وإذا كان الغالب أن الإنسان لا ينفكّ عن أمراض القلب ودواعي الشرّ - من الحسد والرئاء وهواجس الشيطان ووساوس الهوى - فيلزمه أن يتعلّم ما يرى نفسه محتاجاً إليه، وكيف لا يجب وقد قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : ثلاثٌ مهلكات: شحٌ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه"تفسير : ، ولا ينفكّ عنها بَشرٌ، فإزالتها فرض عين، ولا يمكن إلا بمعرفة حدّها وأسبابها وعلاماتها، ومعرفة معالجتها، وما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب، فالعلم بجميع ما ذكرناه من فروض الأعيان، وقد تركه كافّة الناس اشتغالاً بما لا يعني. وممّا ينبغي أيضاً أن يبادر إليه: الإيمان بالجنّة والنار، والحشر والنشر، حتى يؤمن ويصدّق به، وهو ممّن يتمّم كلمتي الشهادة، فإنّه بعد التصديق بكونه رسولاً، ينبغي أن يفهم الرسالة التي هو مبلِّغها، وهو أن من أطاع الله فله الجنّة، ومن عصاه فله النار؛ وإذا تنبهت لهذا التدريج، علمت أنّ المذهب الحقّ هو هذا، فإذن تبيّن أنه المراد بالعلم المعرّف باللام في الحديث المذكور" - انتهى كلامه. ثم ذكر بيان العلم الذي هو فرض كفاية؛ فقسّم أولاً العلوم إلى الشرعيّة وغير الشرعيّة، وجعل كلاًّ منهما منقسماً إلى ما هو فرض كفاية، وإلى ما هو فضيلة وليس بفرض، وجعل الفقه من الأولى، والطبّ من الثانية من فروض الكفايات، وجعل كلاًّ منهما مندرجاً تحت علوم الدنيا، وجعل الفقهاء كالأطباء من علماءِ الدنيا، واستدلّ على ذلك ببيانات صحيحة واضحة حيث قال: "فإن قلت: فلِمَ ألحقتَ الفقه بعلم الدنيا وعلماءَه بعلماءِ الدنيا؟ فاعلم أن الله أخرج آدم من التراب، وأخرج ذريّته من سلالة من طين، ومن ماء دافق، وأخرجهم من الأصلاب إلى الأرحام، ومنها إلى الدنيا ثم إلى القبر، ثم إلى العَرْض، ثم إلى الجنّة والنار، فهذا مبدؤهم وهذه منازلهم؛ وخلَق الدنيا زاداً للمعاد ليتناول الناس ما يصلح للتزود، فلو تناولوها بالعدل انقطعت الخصومات وتعطّل الفقهاء، لكنّهم تناولوا بالشهوات فتولّدت منها الخصومات، فمسّت الحاجة إلى سلطان يسوسهم، وإلى قانون يسوسهم به، فالفقيه هو العالِم بقانون السياسة، ولَعَمري هو متعلق بالدين، ولكن لا بنفسه، بل بواسطة الدنيا، فإنّ الدنيا مزرعة الآخرة". ثمَّ قال: "فإن قلت: هذا - إن استقام - ففي ما سوى ربع العبادات، فما تقول فيها؟ فاعلم أن أقرب ما يتكلم الفقيه فيه من الأعمال التي من أعمال الآخرة ثلاثة: الإسلام والصلاة والحرام والحلال؛ فإذا تأمّلت منتهى نظر الفقيه فيها، علمت أنه لا يتجاوز حدود الدنيا إلى الآخرة، فإذا عرفت الأمر في هذه الثلاثة ففي غيرها أظهر. أما الإسلام: فيتكلم الفقيه فيما يصح منه ويفسد، وفي شروطه، وليس يلتفت فيه إلا إلى اللسان، وأما القلب فخارج عن ولاية الفقيه بعزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) أرباب السيوف والسلطنة عنها حيث قال: "حديث : هلاّ شققت عن قلبه؟" تفسير : في الذي قتل مَن تكلّم بالإسلام معتذراً بأنّه "كان ذلك من الخوف"، بل يحكم الفقيه بصحّة إسلام مثله، ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله؛ فإذا قالوها فقد عصموا منّي دماءَهم وأموالهم"تفسير : ، وجعل (صلى الله عليه وآله) أثر ذلك في الدم والمال، وأمّا الآخرة فلا تنفع فيها الأقوال، بل أنوار القلوب وأسرارها، وليس ذلك من فنّ الفقيه، وإن خاض فيه كان كما لو خاض في علم خارج عن فنّه كالطبّ والكلام. وأمّا الصلاة: فالفقيه يفتي بالصحّة إذا أتى بصورة الأعمال وظاهر الشروط - وإن كان غافلاً من أولها إلى آخرها، مشغولاً بالفكر في حساب معاملاته في السوق إلا عند التكبير - وهذه الصلاة لا تنفع في الآخرة. وأما الزكاة: فالفقيه ينظر إلى ما يقطع مطالبة السلطان، حتى أنه إن امتنع فأخذ السلطان منه، فهو حكم بأنّه برئت ذمته. وحُكي أن أبا يوسف كان يهب مالَه لزوجته في آخر الحول، ويستوهب مالَها لإسقاط الزكاة، فذلك من فقهه في الدنيا، ولكن مضرّته في الآخرة أعظم من كلّ خيانة، ومثل هذا العلم هو الضارّ. وأما الحلال والحرام: فالورع عن الحرام من الدين، وله مراتب؛ أدناها: هو الاحتراز عن الحرام الظاهر الذي يشترط في عدالة الشهود. الثانية: ورع الصالحين، وهو التوقّي من الشبهات، قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : دعْ ما يُريبك إلى ما لا يُريبك" تفسير : وقال: "حديث : الإثم خوان القلوب ". تفسير : الثالثة: ورع المتّقين، وهو ترك الحلال المحض الذي يخاف أداؤه إلى الحرام، قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : لا يكون الرجل من المتّقين حتى يدع ما لا بأس به مخافة ما به بأس" تفسير : وذلك مثل التورّع عن أكل الشهوات خيفة من هيجان النشاط والبطر المؤدّي إلى المحظور. الرابعة: ورع الصدّيقين، وهو الإعراض عما سوى الله، خوفاً من صرف ساعة من العمر إلى ما لا يفيد زيادة قرب عند الله. فهذه الدرجات كلها خارجة عن نظر الفقيه إلا الأول - وهو ورع الشهود والقضاة - فإذن، جميع طرق الفقه ترتبط بالدنيا، ومن تَعلَّمه لا ليعمل - بل ليتقرّب بتعاطيه إلى الله - فهو مجنونٌ". "فإن قلت: فَصِّلْ لي عِلْم الآخرة تفصيلاً يشير إلى تراجمه وإن لم يمكن استقصاء تفاصيله؟ فاعلم أنّه قسمان: عِلْم مكاشفة، وعِلْم معاملة. أما الأول؛ فهو علم الباطن، وذلك غاية العلوم، فقد قال بعض العارفين: مَن لم يكن له نصيب من هذا العلم، أخاف عليه سوء الخاتمة؛ وأدنى النصيب منه التصديق به والتسليم لأهله، وأقلّ عقوبة من ينكره أنه لا يرزق منه شيئاً، وهو علم الصدّيقين والمقرّبين - أعني علم المكاشفة -، فهو عبارة عن نورٍ يظهر في القلب عند تطهّره وتزكيته من صفاته المذمومة، وتنكشف من ذلك النور أمور كان يَسمع من قبل أسماءها ويتوهم لها معاني مجملة غير متضحة، فيتّضح إذ ذاك، حتّى تحصل المعرفة بذات الله وأسمائه وبكلماته التامّات، وبأفعاله، ومعنى الوحي، ومعنى لفظ الملائكة والشياطين، وكيفيّة معاداة الشياطين للإنسان، وكيفيّة ظهور المَلَك للأنبياء، وكيفيّة وصول الوحي إليهم، ومعرفة ملكوت السموات والأرض، ومعرفة القلب؛ وكيفيّة تصادم جنود الملائكة والشياطين فيه، ومعرفة الفرق بين لمّة الملك ولمّة الشيطان، ومعرفة الآخرة، والجنّة والنار، وعذاب القبر، والصراط، والميزان، والحساب، ومعنى قوله: {أية : كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء:14]. ومعنى قوله: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت:64]. ومعنى "لقاء الله"، و "النظر إلى وجهه الكريم"، ومعنى القرب منه، والنزول في جواره، ومعنى مرافقة الملأ الأعلى ومقارنة النبيّين، ومعنى تفاوت الدرجات في الجنان حتى يرى بعضهم بعضاً، كما يرى الكواكب اللاتي في جوِّ السماء، إلى غير ذلك مما يطول تفصيله". ثم قال: "وأمّا علْم المعاملة، وهو من علم أحوال القلب، ومعرفة ما يُحمد وما يُذمّ من صفاته، وكيفيّة إزالة الذمائم والأمراض منه حتى يزول عن مرآة القلب صداها وخبثها بقاذورات الدنيا، وترفع عنها الأغطية والأغشية، وتتّضح له جليّة الحقّ في الأمور التي تتعلّق بعلم المكاشفة اتّضاحاً يجري مجرى العيان الذي لا يُشك فيه. وهذا ممكن في حقّ الإنسان، فالعلم بهذه المعاملة هو فرض عين في فتوى علماء الآخرة، والمُعرِض عنها هالكٌ بسطوة ملك الملوك في الآخرة، كما إن المُعرِض عن الأعمال الظاهرة، هالكٌ بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا، فنظر الفقهاء في فروض العين بالإضافة إلى إصلاح الدنيا، وهذا بالإضافة إلى إصلاح الآخرة. ولو سُئل فقيه عن هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلاً، أو عن التوكّل، أو عن وجه الاحتراز عن الرئاءِ، لتوقّف فيه، مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة، ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق بالرمي والرهانة، لسرَد عليك مجلّدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يُحتاج إلى شيء منها، وإن احتيج لم يخل البلد عمّن يقوم به، فلا يزال يتعب ليله ونهاره في حفظه ودرسه، ويغفل عمّا هو مهمّ نفسه في الدين، وإذا روجع فيه قال: "اشتغلت به لأنّه علم الدين وفرض الكفاية" فيلبّس على نفسه وعلى غيره في تعلّمه. والفِطن يعلم أنّه لو صدَق لاشتغل بعض الاشتغال بسائر فروض الكفايات التي كانت أهمّ من ذلك، ولم يفتْ عنه كثيرٌ من فروض الأعيان، فهل لهذا سببُ إلاّ أنّ غير ما هو بصدده ليس يتيسَّر التوصُّل به إلى تولّي الأوقاف والوصايا، وحيازة مال الأيام، وتقلّد القضاء والحكومة، والتقدّم به على الأقران، والتسلّط به على الأعداء؟! هيهات، قد اندرس علم الدين بتلبيس علماء السوءِ، فنعوذ بالله من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن، ويضحك الشيطان". ثم قال: "كان جمع من علماء الظاهر مقرّين بفضل علماء الباطن وأرباب القلوب، وكان الشافعي يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يقعد الصبي في المكتب، ويسأله: "كيف يفعل في كذا وكذا"؟ فيقال له: "مثلك يسأل هذا البدوي؟!" فيقول: "هذا وفق لما علمناه". وكان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يختلفان إلى معروف الكرخي، ولم يكن في علم الظاهر بمنزلتهما، فكانا يسألانه: "كيف نفعل؟". انتهى ملخّص ما ذكره في هذا المقام، تأييداً لما نحن بصدده من تحقيق المرام، وإزالة الشكوك والأوهام عن ضمير الطلبة، ممَّن سُلمت فطرته من اللجاج والتعنُّد والتعصُّب للأقوام، دون المطرودين من باب دار السلام، ومَن حقَّ القولُ عليهم من الله ذي الجلال والإكرام. الإشراق الثالث: في دفع شُبه الخصوم واعتراضاتهم على وجوب النظر ولهم في ذلك مقامات: الأول: إن النظر لا يفيد العلم؛ واستدلّوا عليه بوجوه: أحدها: إنّا وجدنا العلماء قد تفكّروا واجتهدوا فحصّلوا عقيب أنظارهم علوماً جزموا بها، ثم ظهر لهم ولغيرهم أنها كانت أغلاطاً باطلة؛ فعلى هذا لا يمكن الجزم بصحّة ما يستفاد من النظر؛ وحكاية الإمام الرازي مع بعض الصوفيّة مشهورة..................... والنظم الذي صدر منه في أواخر عمره دالٌّ على ذلك هو قوله: شعر : نهاية اقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقال تفسير : وثانيها: أن المطلوب إن كان مشعوراً به استحال طلبه، وتحصيل للحاصل، وإن كان غير مشعور به فطلب المجهول المطلق محالٌ. والجواب: إنه معلوم بوجه وهو منشأ الطلب، ومجهول من وجه وهو الذي يؤدي إليه الطلب. وثالثها: إن العلم بكون النظر مفيداً للعلم، إن كان ضرورياً، وجب اشتراك العقلاء فيه بلا خلاف - وليس كذلك -، وإن كان نظرياً، يلزم إثبات جنس الشيء وماهيّته بفرد منه، ومن أنكر الماهية أنكر كل فرد منها، وذلك محال، لاستلزامه إثبات الشيء من نفسه؛ ويلزم اجتماع النفي والإثبات في شيء واحد أيضاً، لأنه من حيث إنّه وسيلة إليه معلوم، ومن حيث إنّه مطلوب حاصل منه غير معلوم، والتناقض محال. والجواب عنه: - بعد اختيار الشقّ الثاني -، أنّا لا نسلّم لزوم ما ذكر، لأن الدعوى إن النظر يفيد المطلوب، وهذا حكمٌ تصديقيٌ وليس أمراً تصورياً حتى يكون جنساً أو غيره، ولو سلّم، فلا نسلّم أنّه ماهيّةُ ما فرض مصداقاً له، بل يجوز أن يكون خارجاً لازماً من لوازمه، وإثبات اللوازم بإثبات بعض ملزوماتها غير مستنكر. ورابعها: إن الآلة التي تستعملها النفس في الفكر والانتقال من المقدمات إلى النتائج، إن كانت عقليّة كليّة فكيف تنتقل وتتحرّك من صورة إلى صورة - والحركة مختصّةٌ بما هو كائن في الجسم كما اعترف به الفلاسفة -، وإن كانت جزئية فكيف تدرك المعاني والحدود الوسطى والقضايا الكليّة لكبريات القياس؟ والجواب: إن القوة الفكريّة في الإنسان ذات جهتين، يدرك الكليات بوجهه الذي يلي العقل، ويتحرّك في الصورة المخزونة في الخيال بوجهه الذي يلي المادّة. قال أبو علي بن سينا في بعض رسائله: "القوّة العقليّة، إذا اشتاقت إلى شيء، وهو الصورة المعقولة، تضرّعت بالطبع إلى المبدء الواهب، فإن ساحت عليها على سبيل الحدس، كفت المؤنة، وإلاّ فزعت إلى حركات من قوى أخرى من شأنها أن تعدها لقبول الفيض لتأثير ما مخصوص بالنفس منها، ومشاكلة بينها وبين شيء من الصور التي في عالم الفيض؛ فيحصل لها بالاضطراب ما كان لا يحصل بالحدس" انتهى كلامه. وخامسها: وهو قول من سلّم أن النظر في الجملة يفيد العلم، لكن النظر في الإلهيّات لا يفيد، واحتجّ بوجهين: الأول: إن حقيقة الإله غير متصوّرة فاستحال التصديق بثبوته، أو ثبوت صفة من صفاته، لأن التصديق بشيء يتوقف على تصوّر موضوعه. والثاني: إن أظهر الأشياء عندنا حقيقتنا التي نشير إليها بـ "أنا"، ثم الناس تحيّروا في ماهيّة هذا المشار إليه بقولي: "أنا"، فمنهم من يقول: "هو هذه البنية"، ومنهم من يقول: "هو المزاج"، ومنهم من يقول: "بعض الأجزاء الداخلية في البنية"، ومنهم من يقول: "لا داخل البدن ولا خارجه"، فإذا كان الحال في أظهر الأشياء كذلك، فما ظنَّك بأبعد الأشياء مناسبة عنّا وعن أحوالنا كالباري وصفاته؟! والجواب عن الأول: إن ذاته تعالى وإن لم تكن متصوّرة بحسب الحقيقة المخصوصة التي له، لكنّها متصورة بحسب لوازمها الخاصّة - ككونه واجب الوجود، ومبدء سلسلة الممكنات - فيظهر لنا من النظر في الممكنات بالبرهان، افتقارها إلى مبدء وحداني الذات، يلزمه الوجوب والتنزيه والدوام، فنحكم على هذا المتصور بأنه كذا - إلى سائر الصفات والأفعال -، وهذا القدر يكفي للتأمّل في صفاته وآلائه، ثم ينجرّ إلى زيادة الكشف، وتصير هذه المعرفة بذر المشاهدة في الآخرة. وعن الثاني: إنّ النفس وإن كانت أظهر الأشياء عندنا وجوداً لكنها - ونحن في دار البدن، وظلمة الطبيعة، وغشاوة شواغل الدنيا -، أخفى الأشياء علينا حقيقة؛ لأن هذه الحجب وقعت بيننا وبين أنفسنا، وحجاب الشيء عن نفسه، أصعب من حجابه عن غيره، لأن الإنسان إذا نسي غيره يمكنه الاسترجاع له، وإذا نسي ذاته لا يمكنه الاسترجاع لها. وربما يجاب عن هذه الوجوه ونظائرها؛ بأن الوجوه التي ذكروها ليست ضروريّة بل نظرية؛ فهم أبطلوا كل النظر ببعض أنواعه، وهو متناقض. المقام الثاني: إن تحصيل العلم غير مقدور لنا بوجوه: الأول: تحصيل التصورات غير مقدور، فالتصديقات البديهية غير مقدورة، فجميع التصديقات غير مقدورة. أما الأول: لأن طالبها إن كان عارفاً بها، استحال طلبها، لكونه تحصيلاً للحاصل، وإن كان غير عارف بها، فكذلك، لكون الطّلب فعلاً اختياريّاً لا بد فيه من تصور المطلوب، والجواب بكونه معلوماً من وجه مجهولاً من وجه، غير مفيد، لأن الوجه الّذي يصدق عليه انّه معلوم، غير الذي يصدق عليه انه مجهول، لاستحالة صدق النفي والإثبات على شيء واحد، فيعود المحذورات عليها. وأما الثاني: فلأن حضور طرفي التصديق، أما أن يكفي للتّصدق البديهي، ويلزم جزم الذهن بإسناد أحدهما إلى الآخر بالنفي أو الإثبات، أو لا يلزم؛ فإن لم يلزم، لم تكن القضيّة بديهيّة، وإن لزم، كان التصديق واجب الحصول عندهما، وممتنع الحصول عند عدمهما، وما يكون واجب الدوران نفياً واثباتاً مع أمر غير مقدور نفياً واثباتاً، وجب أن لا يكون مقدوراً؛ فثبت أن التصديقات البديهية غير مقدورة. وأمّا الثّالث: فالبيان جارٍ فيه بمثل ما مرّ، فوجب أن لا يكون شيء من العلوم مكسوباً للعبد؛ فهذه شبهةٌ ذكرها العلاَّمة الرازي في هذا المقام في أكثر كتبه. والجواب: أما عمّا ذكره في باب التصور، فالتحقيق في باب كون الشيء معلوماً من وجه، هو أن وجه الشيء قد يؤخذ ويعتبر على وجه يصير عنواناً لموضوع القضيّة المتعارفة، وقد يؤخذ ويعتبر لا على ذلك المنوال، بل على أن يصير عنواناً للقضيّة الطبيعيّة، ففي الأول، يصير عنواناً للأفراد، ومرآة لملاحظة الجميع أو البعض، ولهذا يسري الحكم إليها كما في قولك: "كلّ كاتب متحرّك الأصابع" "وبعض الكاتب كذا" وفي الثاني يصير الوجه متصوّراً ومرئيّاً فقط ولا يصير مرآة لها. فقد تحقّق الفرق بين تصوّر الشيء بوجهه، وبين تصوّر وجهه، وفي كلا الاعتبارين وإن كان المتصوَّر بالذات وبالحقيقة هو الوجه دون ذي الوجه، إلاّ أن في الأول يكون ذو الوجه متّحداً معه، متصوَّراً بتصوّره بالعرَض وعلى سبيل التبعيّة، وذلك القدر يكفي لتوجّه النفس إلى تحصيله من غير لزوم أحد المحالين - لا تحصيل الحاصل ولا توجّه النفس نحو المجهول المطلق -، فافهم إنشاء الله. وعمّا ذكره ثانياً: إن الإدراك التصديقي نحو آخر من الإدراك مبائن بالنوع المتصوَّر - كما هو التحقيق -، فلا يلزم من مجرّد حضور الطرفين في الذهن الاذعان بثبوت أحدهما للآخر ونفيه عنه، وإن كان التصديق بديهياً، والبداهة في التصديق لا تنافي التأخُّر عن حضور الطرفين، فربما احتاج إلى قصد من النفس، أو التفات إلى إخطاره بالبال، ثمّ لا يخفى على أحد أن الجمع بين التصوّرين، وضمّ أحدهما بالآخر، غير وجود كلّ منهما في النفس، وغير وجودهما جميعاً، فهذا الجمع أمرٌ غير واجب بل ممكن مقدور. فقس على ما ذكرناه فساد ما ذكره في عدم اكتساب النظريّات التصديقيّة من البديهيّات، لأن الأصل إذا بطل، كان ما يبتني عليه باطلاً أيضاً. الثاني: إن الموجب للنظر إمّا ضرورة العقل، أو نظره، أو السمع؛ والكلّ باطلٌ. أمّا الأول: فلأنّه لو كان بديهيّاً لما اختلف العقلاء فيه - وليس كذلك -. وأما الثاني: فلأنّ العلم بوجوبه إذا كان نظريّاً لا يمكن حصوله إلاّ بعد النظر، فالتكليف قبله يكون تكليفاً بالمحال، وبعده يكون عبثاً لا فائدة فيه. وأمّا الثالث: فلأنّ قبل النظر لا يكون متمكّناً من معرفة وجوب النظر، وبعده لا يمكن ايجابه لعدم الفائدة، وإذا بطلت الأقسام ثبت نفي الوجوب. والجواب: - بعد تسليم بطلان الأول، وامتناع خفاء الضروري على بعض العقلاء -، بأنّ ما ذكره في بطلان الثاني والثالث، مبناه على أن التصديق قبل حصوله لا يمكن تصوره، وليس كذلك، إذ يجوز حصول صورة التصديق النظري أو البديهي في العقل قبل نفسه، كما إذا قلت لأحد: "صدِّق بأنّ زيداً قائم وأذعِن بذلك"، فيتصوّر أولاً ما أمرت به من التصديق ثمّ يوقعه. لا يقال: قد تقرّر إن العلم والمعلوم متّحدان ذاتاً، مختلفان بالإعتبار، فصورة كل شيء في الذهن عين ماهيّته، وقد تقرّر أيضاً كون التصور والتصديق نوعان متخالفان من العلم، فعلى ما ذكرت، يلزم كون صورة التصديق تصديقاً قبل حصول نفس التصديق، فيلزم كون تلك الصورة تصديقاً وليس بتصديق معاً، فيلزم التناقض وهو محال. لأنّا نقول: المعلوم إذا كان ماهيّة شيء فله صورة مطابقة له متّحدة معه، وإن كان وجوداً - سواء كان وجوداً عينياً أو وجوداً ظلّياً - فلا صورة مطابقة له، لأنّ كل صورة ذهنيّة تقبل الاشتراك بين كثيرين، وليست الهويات الوجوديّة كذلك، فلا صورة لها في الذهن، بل هي نفس الصور، بل لها وجوه واعتبارات يدرك بها إدراكاً ضعيفاً، وإدراكها التامّ لا يمكن إلاّ بشهود نفسها ونيل هويّتها، فكذلك حكم تعلّق التصوّر بنفس التصديق، إذ هو حالة وجدانيّة وكيفيّة نفسانيّة لا يمكن استيفاء تصوُّرها إلاّ بوجهٍ واعتبارٍ غير حقيقتها، فتبصَّر إنشاء الله. ولهاتين الشبهتين ونظائرهما جواب جدليٌّ، وهو أن التمسّك بشيء منها في أن النظر غير مقدور فاسدٌ، لأنّ القائلين بها مختارون في استخراج تلك الشُبه بالنظر، فبطل قولهم: "إنّها ليست اختياريّة" "وبأن النظر ليس إختيارياً". المقام الثالث: إنّ النظر وإن فرض كونه مفيداً للعلم ومقدوراً للعبد لكنّه يقبح من الله التكليف به وبيانه من وجوه: الأول: إن النظر يفضي بصاحبه في أكثر الأمور إلى الجهل، وما يفضي إلى القبيح فالإقدام عليه قبيحٌ، والله لا يأمر بالقبيح. والثاني: إن الواحد منّا - مع نقصه وضعف الخاطر وما يعتريه من الشبهات - لا يجوز أن يعتمد على عقله في التمييز بين الحقّ والباطل، بأنّا رأينا أرباب المذاهب والأقوياء لهم كلمات متناقضة، وذلك يدل على عجز العقل عن ادراك هذه العقائد. الثالث: إن مدار الدين لو كان على النظر في الدلائل، لوجب أن لا يستقر الإنسان ساعة على الدين، لأنّه إذا خطر بباله سؤال في مقدمة من مقدّمات دليل الدين، فيصير بسببه شاكّاً في دينه، فيلزم أن يخرج الإنسان في كلّ ساعة عن دينه بسبب ما يختلج بباله من الأسئلة والمباحثات. الرابع: إنه اشتهر في الألسنة أن: "من طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن طلب الدين بالكلام تزندق" وذلك يدلّ على أنّه لا يجوز فتح الباب فيه. وهذه الوجوه ممّا ذكرها الإمام الرازي ولم يجب عنها إلاّ بمثل ذلك الجواب الجدلي؛ وأما الشُبه التي تمسّكوا بها في أنّ التعويل على النظر قبيحٌ، فهي متناقضة، يلزمهم أن يكون ايرادهم لهذه الشبه التي ذكروها قبيحاً، وأنت تعلم أنّ ما ذكره لا يدفع هذه الشُبه، إذ مبناها على أن الله لا يكلّف العبد بالقبيح، لا أنّ العبد لا يفعل القبيح مطلقاً. بل الصواب غير ما ذكره، وهو أن يجاب: أمّا عن الأولى: فبأنّا لا نسلِّم ما ذكره. بل صاحب النظر إذا تحرّى طريق الصواب، وتحرّز عن الخطأ بصدق النيّة وصفاء الطويّة، مع فطرة صافية، يصير في أكثر الأمور فائزاً بمقام الفضيلة والعلم، متخلّصاً عن رذيلة الحمق والجهالة. وأما عن الثاني: فبأن أرباب المذاهب المتعارضة، إن كان المراد منهم رؤساءها، فما نقل عنهم الأتباع والمقلِّدون، ووقع بأيديهم ممّا لا اعتماد على ذلك. فلعلّ المنقول عنه قد كان له وجهٌ صحيح، ولكن وقع التحريف عنه؛ وإن كان المراد أتباعهم ومقلِّديهم، فالتعارض في أقوالهم لهم يحصل من مجرد النظر، بل لأمور أُخر يطول شرحها. وأما عن الثالث: فبأنّ الإنسان إذا كرّر النظر وردّد الفِكَر شطراً من الزمان في أصول الدين ودعائمه، يحصل في القلب نورٌ ينشرح به قلبه، ثمَّ بعد ذلك لا ينطفي ذلك النور بسبب القدح في شيء من المقدمات، لأنَّها بمنزلة معدّات للمطلوب، لا أنّها عللٌ موجبةٌ ليجب وجودها معه. وأمّا عن الرابع: فبأنّ علم الكلام حسنٌ تعلُّمه لأجل التمرّن والاعتياد لتدقيق النظر وتشحيذ الذهن، واستعماله للاحتجاج على خصماء الدين وأعداء الشريعة، وهو من الفروض الكفايات، وأمّا النظر المؤدّي إلى الكشف واليقين، فليس ذلك ممّا يتعلّق بعلم الكلام، بل هو صنعة أخرى وليس من صنائع المتكلِّمين في شيء، وإنّما هو شأن علماء الآخرة المتدبِّرين في آيات الله، الناظرين في ملكوت السموات والأرض. المقام الرابع: إنَّه وإن لم يقبح من الله ورسوله التكليف به لكنّه ما أمرا به، والدليل عليه: أنّ العلم بالأدلّة والبراهين المؤدّية إلى هذه المقاصد، إن كان ضرورياً غنيّاً عن التعلُّم، لوجب أن يحصل لجميع الناس - وتجويز ذلك مكابرة -. وإن لم يكن كذلك، بل احتاج إلى تدبُّر واستفادة من الكتب، واستعانة من الأساتذة، فذلك لا يحصل إلا في السنين المتطاولة بعد الممارسة الشديدة والمباحثة الكثيرة، فلو كان الدين مبنيّاً عليه، لوجب أن لا يحكم الرسول (صلى الله عليه وآله) بصحّة إسلام الرجل إلاّ بعد أن يسأله عن هذه المسائل، ويجرِّبه في معرفة الدلائل؛ ولو فعل ذلك لاشتهر - لتوفُّر الدواعي على نقل مثله -، فلمّا لم يشتهر - بل المشهور المنقول عنه بالتواتر أنّه كان يحكم بإسلام مَن يعلم من حاله أنه لا يخطر بباله شيء من ذلك -، فعلمِنا أنّ ذلك غير معتبر في صحّة الدين. والجواب: أن الإسلام - وهو الإقرار اللساني بالشهادتين - غير الإيمان، - وهو العلم بأصول الدين - وهذا يوجب النجاة عن عذاب الله دون الأول، والنبي (صلى الله عليه وآله) ما حكَم بإيمان من لم يعرف ذلك بالحقيقة، بل حكم بإسلامه الموجِب لحقن دمه ومالِه، وبإسلام من خالف لسانُه قلبَه أيضاً كالمنافقين حديث : أَوَمَا سمعت أنه لمّا قال حارثة الأنصاري: "أصبحت مؤمناً حقّاً" في جواب قوله (صلى الله عليه وآله): "كيف أصبحت؟" قال (صلى الله عليه وآله): "لكلِّ حقٍّ حقيقة، فما حقيقة ايمانك؟" ولمّا عرض عليه حقيقة ايمانه بما دلّ على عرفانه قال: "أصبت فالزَمْ"تفسير : ، فلم يحكم على ايمانه بالحقيقة ما لم يفتّش عن عرفانه، أوَلا ترى أن القرآن مشحون بالأمر بالنظر والتدبّر والاعتبار والتفكر؟ المقام الخامس: إن الاشتغال بعلم الكلام بدعةٌ، والدليل عليه: القرآن، والخبر، والاجماع، وقول السلف، والحُكم. أما القرآن، فقوله تعالى: {أية : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} تفسير : [الزخرف:58]. ذمّ الجدل. وقوله: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} تفسير : [الأنعام:68]. فأمر بالإعراض عنهم عند خوضهم في آيات الله. وأما الخبر: فقال (صلى الله عليه وآله): "حديث : تفكَّروا في الخَلْق، ولا تفكروا في الخالِق"تفسير : . وقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : عليكُم بدينِ العَجائز"تفسير : . وقوله: "حديث : إذا ذُكر القدَر فامسِكوا ". تفسير : وأما الإجماع: فهو أنّ هذا علمٌ لم يتكلّم فيه الصحابة، فيكون بدعةً، فيكون حراماً. وأما الأثر: فقال مالك بن أنس: "ايّاكم والبِدع" قالوا يا: "أبا عبد الله وما البِدع؟" قال: "أهل الدين يتكلمون في أسماء الله وصفاته وكلامه، ولا يسكتون عمّا سكت عنه الصحابة والتابعون". وسئل سفيان عن الكلام؟ فقال: "اتّبِع السُنَّة، ودَع البِدعة". وقال الشافعي: "لأنْ يبتلي الله أحداً بكلِّ ذنب سوى الشرك، خيرٌ له من أن ألقاه بشيء من الكلام". وقال: "لو أوصى رجلٌ بكتبه العلمية، وكان فيها كتب الكلام، لا تدخل تلك الكتب في الوصية". وأما الحُكم، فإنّه لو أوصى للعلماء، لا يدخل المتكلّم فيه. والجواب: أما قوله تعالى: {أية : مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاَ} تفسير : [الزخرف:58]، فهو محمول على الجَدَل الباطل، توفيقاً بينه وبين قوله تعالى: {أية : وَجَادِلْهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}تفسير : [النحل:125]. وأما قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيۤ آيَاتِنَا} تفسير : [الأنعام:68]، فالخوض المراد فيه ليس هو النظر، بل اللجاج والاستهزاء ونحوهما. وأما قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : تفكَّروا في الخَلْق"تفسير : ، فذلك إنّما أمر به ليستفاد منه معرفة الخالق، وهو لنا، لا علينا. وأما قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : عليكُم بدينِ العَجائز"تفسير : ، فليس المراد إلاّ تفويض الأمور كلّها إلى الله، والاعتماد في الأمور عليه. وأما قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : إذا ذُكر القدَر فأمسِكوا"تفسير : ، فالاستدلال به ضعيف، لأنَّ النهي الجزئي لا يفيد النهي الكلّي، ولأن النهي عن الإمساك غير النهي عن النظر والتدبُّر. وأما الإجماع؛ فإن عنيتُم أنّ الصحابة لم يستعملوا ألفاظ المتكلّمين واصطلاحاتهم فمُسَلَّمٌ، ولا يلزم منه القدحُ في الكلام، كما أنهم لم يستعملوا ألفاظ الفقهاء ولا يلزم منه القدحُ في الفقه، وإن عنيتم أنهم ما عرفوا الله بالدليل، فبئس ما قلتم. وأما تشديد السلف على الكلام، فهو محمول على أهل البِدع. وأما مسئلة الوصيّة، فهي معارضة بما لو أوصى لمن كان عارفاً بذات الله وصفاته وبأفعاله وأنبيائه ورسله، لا يدخل فيه. الاشراق الرابع في تأكيد القول بوجوب المعرفة اعلم أن الله لما أمَر بعبادته، وعلم أنها موقوفة على العلم بوجوده وعلمه وقدرته، وأنّ ذلك ليس بضروريّ بل هو نظريّ استدلاليّ، وقد بيّن في العلوم العقليّة أنّ الطريق إلى إثبات وجوده بغيره إمّا الإمكان، وإما الحدوث، وإما مجموعهما؛ وكلّ ذلك، إما من وجود الجواهر، أو الأعراض، فالطُرق إلى الله من ستّة جهات لا مزيد عليها، والقرآن مشتمل عليها: الأول: إمكان الذوات، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ}تفسير : [محمد:38]. وبقوله حكاية عن خليله عليه السلام: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء:77]. وبقوله: {أية : وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} تفسير : [النجم:42]. وقوله: {أية : فَفِرُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [الذاريات:50]. وقوله: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الرعد:28]. الثاني: الاستدلال بإمكان الصفات كقوله: {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تفسير : [الأنعام:73]. وقوله هٰهنا.....................: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} [البقرة:22]، كما سيأتي تقريره. والثالث: بحدوث الأجسام، وإليه الإشارة بقوله: {أية : لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ} تفسير : [الأنعام:76]. والرابع: بحدوث الأعراض، وهذه الطريقة أقرب إلى افهام الخلْق، وذلك محصور في دلائل الآفاق ودلائل الأنفس، والكتب الإلهيّة في الأكثر مشتملة على هذين البابين، فكلّ ما ذكر من الآيات في حدوث أحوال الإنسان وانقلاباته في الأطوار، وتغيُّراته في الأحوال، يكون من دلائل الأنفس، وإليه الإشارة بقوله: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة:21]، وحاصلها يرجع إلى أن كل أحد يعلم بالضرورة أنّه لم يكن من قبلُ فصار الآن كائناً، فيفتقر إلى موجِد، وليس موجِده نفسه، ولا أَبَواه، ولا سائر الخَلْق، لعجزهم عن مثل هذا التركيب بديهةً، فلا بدّ من موجِدٍ يخالفهم في الحقيقة - يتعالى عن أن يشابههم -، حتى يصحّ منه ايجاد هذه الأشخاص. ثمّ لقائل أن يقول: "لِمَ لا يجوز أن يكون الموجِد المدبِّر طبائع الفصول والأفلاك والنجوم؟" فأشار إلى ردِّ هذا الاحتمال، بافتقارها إلى المحدِث الموجِد بقوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً}. وكلّ ما ذكر في تغيّرات الأوضاع السماويّة والأرضيّة، هو المراد من دلائل الآفاق، ويندرج فيها الرعد والبرق والرياح والسحاب، واختلافات الأمزجة والفصول، وحاصلها يرجع إلى أن حدوث هذه الحركات والصفات يفتقر إلى سبب محدِث، وذلك السبب، إن كان جسماً فلكيّاً أو عنصريّاً، فلا يجوز كونها - ولا شيئاً منها - مبدءً أولاً لغيرها. وذلك لأنّها مشتركة في أصل الجسميّة، والمشترك فيها إمّا ماهية جنسيّة تفتقر في وجودها وقوامها إلى الفصول المنوِّعة، أو ماهيّة نوعيّة تفتقر في وجودها ودوامها إلى العوارض المشخّصة، وما يفتقر في وجوده ودوامه إلى مقارنات، كيف يكون سبباً لغيرها؟ ثمّ لا يجوز أن تكون تلك المقارنات كالفصول والمشخّصات، علّة لوجود تلك الماهيّة الجنسيّة أو النوعيّة، وبتوسّطها لوجود غيرها من اللواحق والحوادث، وذلك لافتقارها أيضاً في لوازمها وتشخّصاتها إلى ما هي مقوِّمة لها. فثبت أنّ الكلّ مفتقر إلى سبب منفصل الذات عنها، وذلك السبب، إن كان جسماً أو جسمانيّاً، عاد الكلام إليه، فهو مجرد عن الجسميّة وعوارضها، ففاعليّته إن كانت بالإيجاب بلا علْم وإرادة، لم يكن اختصاص بعض الأجسام ببعض الصّفات دون بعض أَوْلىٰ في الحكمة من العكس، إذ لا علم ولا حكمة في الفاعل الموجَب، فلا بدّ أن يكون عالِماً فيكون قادراً مختاراً، فثبت بهذه الدلالة، افتقار الأجسام كلّها إلى مؤثّر قادر ليس بجسم ولا جسماني، وعند هذا ظهر أن الاستدلال بحدوث الأعراض لا يكفى إلا بعد الاستعانة بإمكان الأعراض والصفات. وإنما أكثرَ الله تعالى في كتابه الكريم هذا النمط من الاستدلال، لكونه أقرب إلى الأفهام، وأسهل مأخذاً، وأقوى في إفحام الجاحدين؛ وإلاّ فمسلك الصدّيقين - الذين يستشهدون بوجود الحقّ على وجود الخلْق - أسدُّ وأوثق وأشرف وأحكَم كما أشار إليه بقوله: {أية : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}تفسير : [فصّلت:53]. وقد مرَّت الإشارة إليه سابقاً، ونحن قد قررنا طريقهم بوجه سديد لا مرية فيه ولا مزيد عليه في كتبنا العقلية. تذكرة واعلم أنّ لأئمّتنا المعصومين صلوات الله عليهم، ولمن يقتدي بهم من السلف الصالحين، طُرقاً لطيفة في هذا الباب. ففي كتاب التوحيد من كتب الكافي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: "اعرفوا الله بالله، والرسول بالرسالة، وأولي الأمر بالأمر بالمعروف والعدل والإحسان". وعن أبي ذبيحة مولى الرسول (صلى الله عليه وآله) قال: "سئل أمير المؤمنين عليه السلام بِمَ عَرفتَ ربَّك؟ قال: ممَّا عرَّفني نفسَه. قيل: وكيف عرَّفكَ نفسه؟ قال: لا تشبهه صورةٌ، ولا يحسُّ بالحواسِّ، ولا يقاس بالناس". وعن منصور بن حازم قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنّي ناظرتُ قوماً فقلت لهم: إن الله جلَّ جلاله أجلّ وأكرم من أن يُعرف بخَلْقه، بل العباد يُعرَفون بالله. فقال: رَحمكَ الله. منها: ما يُروى أن بعض الزنادقة أنكر الصانع عند جعفر الصادق عليه السلام فقال: هلْ ركبتَ البحرَ؟ قال: نِعمْ. قال: هلْ رأيتَ أهوالَه؟ قال: بَلىٰ، هاجتْ يوماً رياحُ هائلةٌ، فكسرت السفُن، وغرقت الملاّحين، فتعلَّقتُ ببعضِ ألواحِها، ثمَّ ذهبَ عنّي ذلكَ اللَّوحُ، فإذاً أنا مدفوعٌ في تلاطمِ الأمواجِ حتّى دفعتُ إلى الساحلِ. فقال عليه السلام: قد كانَ اعتمادكَ قبلُ على السفينةِ والملاّحِ وعَلى اللَّوحِ بأنه ينجيكَ، فلمّا ذهبتْ هذه الأشياءُ عنكَ، هلْ أسلمتَ نفسكَ للهلاكِ، أمْ كنتَ ترجو السلامة بعدُ؟ قال: بلْ رجوتُ. قال: ممّن ترجوها؟ فسكتَ الرجلُ فأسلمَ على يدِه. وبمثل هذا أشار في قوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزخرف:87] وقوله: {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ} تفسير : [غافر:84]. ومنها: أنّه جاء في كتاب ديانات العرب، حديث : أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعمران بن الحصين: كَمْ لَكَ من إله؟ قالَ: عشرة. قال: فمَن نعَّمكَ وكرَّمكَ ودفعَ الأمرَ العظيم الذي نزلَ بك من جهتهم؟ قال: الله تبارك وتعالى. قال النبي (صلى الله عليه وآله): مالك من إله إلاّ الله. تفسير : ومنها روى الكليني رحمه الله عن محمد بن إسحٰق قال: إن عبد الله الدَّيَصاني سأل هشام بن الحكَم فقال له: ألكَ ربٌّ؟ قال: بَلى. قال: أقادرٌ هو؟ قال: نعمْ - قادرٌ قاهرٌ. قال: يقدرُ أن يُدخل الدنيا كلَّها البيضة - لا تكبر البيضةُ ولا تصغر الدنيا -؟ قال هشام: النَظِرَة. قال له: قد أنظرتك حولاً. ثم خرج عنه، فركب هشام إلى أبي عبد الله عليه السلام فقال: يا بن رسول الله، أتاني الدَّيَصاني بمسئلة لبس المعوَّل فيها إلا على الله وعليك. فقال له عليه السلام: عمَّا ذا سألك؟ فقال: كيتَ وكيتَ. فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا هشام، كم حواسّك؟ قال: خمسٌ. قال: أيّها أصغرُ؟ قال: الناظرُ. [قال]: وكم قدر الناظر؟ قال: مثْلُ العدسة أو أقلّ منها. فقال له: يا هشام، فانظُر أمامَك وفوقَك وأخبرني بما ترى. فقال: أرى سماءً وأرضاً ودوراً وقصوراً وبراري وجبالاً وأنهاراً. فقال له أبو عبد الله عليه السلام: إنّ الذي قدِر أن يُدخل الّذي تراه العدسة أو أقلّ منها، قادرٌ أن يُدخل الدنيا كلّها في البيضة لا تصغر الدنيا ولا تكبر البيضة. فأكبّ هشام عليه وقبّل يديه ورجليه وقال: حسبي يابن رسول الله، وانصرف إلى منزله. ومنها: انه دخل هذا الديصاني [على] أبي عبد الله عليه السلام فقال له: يا جعفر، دُلّني على معبودي؟ فقال له: اجلس، وإذاً غلام له صغير في كفّه بيضة يلعب بها، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا غلام، ناولني البيضة. فناوله اياها، فقال أبو عبد الله عليه السلام: يا دَيَصاني، حصن مكنون له جلد غليظ، وتحت الجلد الغليظ جلد رقيق، وتحت الجلد الرّقيق ذهبة مائعة وفضّة ذائبة، فلا الذهبة المائعة تختلط بالفضة الذائبة، ولا الفضّة الذائبة تختلط بالذهبة المائعة، فهي على حالها، لم يخرج منها خارج مصلح فيخبر عن صلاحها، ولا دخل فيها مفسد فيخبر عن فسادها، لا يدرى للذكر خُلقت أم للأنثى. تنفلق عن مثل ألوان الطواويس. أترى لها مدبراً؟ فأطرق مليّاً ثم أسلم. ومنها: سئل الشافعي: "ما الدليل على الصانع؟" فقال: ورقة الفرصاد، طعمها ولونها وريحها وطبعها واحد عندكم؟ قالوا: نعم. فتأكلها دودة القزّ فيخرج منها الإبريسم؛ والنحلُ، فيخرج منها العسل؛ والشّاةُ، فيخرج منها البعرة؛ وتأكلها الظباء فينعقد في نوافجها المسك الأذفر؛ فمن الذي جعلها كذلك مع أن الطبع واحد؟! وأما ما تمسّك به أحمد بن حنبل من قوله: "قلعة حصينة ملساء لا فُرجة فيها، ظاهرها كالفضّة [المذابّة] وباطنها كالذهب الابريز، ثم انشقّت الجدران وخرج من القلعة حيوان سميع بصير، فلا بدّ من الفاعل"، فهو بعينه مأخوذ من كلام الإمام الناطق بالحق جعفر الصادق عليه السلام بعبارة أخرى، مع حذف بعض الفوائد - أراد بالقلعة: البيضة، وبالحيوان: الفرخ -. ومنها: سُئل أبو نواس عنه فقال: شعر : تأمّل في نبات الأرض فأنظر إلى آثار ما صنع المليك عيونٌ من لجين ناظرات بأحداق لها الذهب السبيك على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك تفسير : ومنها: سُئل أعرابي عن الدليل فقال: البعرة تدل على البعير، والروث على الحمير، وآثار الأقدام على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج أما تدل على العالِم القدير. ومنها: قيل لطبيب: بِمَ عرفت ربَّك؟ قال: بإهليلج مجفف أطلق، ولعابها مليّن أمسك. وقال آخر: عرفته بنحلة بأحد جوفيها عسل، وبالآخر لسع - والعسل مقلوب اللسع -. واعلم أن هذه الوجوه كلّها، وإن لم تكن برهانيّة تتنوّر بها قلوب ذوي البصائر الناظرين، وتسكن لديها حركة بواطن المتفكّرين المسافرين إلى الله بقدم الصدق واليقين، لكنّها وجوه حسنة للتفهيم والتعليم، ولإفحام المنكرين. ومن هذا القبيل، قول بعض المحقّقين من العلماء، حيث استدلّ على وجود الباري وقدرته، بأنّ جرم الشمس وغيرها يُرى في الأفق أعظم ممّا يُرى في وسط السماء، مع أن البرهان الهندسي دالّ على أن الكوكب متى كان في وسط السماء، كان أقرب إلى موضع الناظر منه عند كونه في الأفق، فلمّا كان الحال على خلاف ما هو مقتضى طبيعة تلك الأجرام، فقد دلّ على وجود فاعل مختار يفعل ما يريد. فهذا قياس مقبول عند الأكثر، أمكن به إلزام الجاحد، وربما كان مثله أكثر نفعاً من كثير من البراهين. فصل وأمّا الحِكم العقلية: فاعلم أولاً أن الله تعالى ذكر هٰهنا خمسة أنواع من الدلائل: إثنين من الأنفس، وممّا خلَقهم وخلَق أصولهم، وثلاثة من الآفاق: جَعْل الأرض فراشاً، والسماء بناء، وخَلْق الأمور الحاصلة من مجموعهما - وهي إنزال الماء من السماء، وإخراج الثمرات رزقاً لنا ولسائر الحيوانات. وسبب هذا الترتيب، إما لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، ثمّ ما منه منشأه، ثم الأرض التي هي مكانه ومستقرّه، يقعدون عليها وينامون يتقلبون كما يتقلب أحدكم على فراشه، ثمّ السماء التي كالقُبَّة المضروبة والخيمة المبنيّة على هذا القرار. ثم ما يحصل من شبْه الازدواج بين المقلَّة والمظلَّة - من إنزاله الماء عليها، والإخراج به من بطنها أشباه النسل من الحيوان، ألوان الغذاء وأنواع الثمار رزقاً لبني آدم. وإمّا لأنّ كل ما في السماء والأرض من الدلائل على وجود الصانع، فهو حاصل في الإنسان بزيادة الشهوة والغضب والدواعي النفسانية والأطوار الباطنيّة، ولمّا كانت الدلالة فيه أتمّ، كان تقديمه في الذكر أهمّ. وأيضاً، خلق المكلَّفين أحياء قادرين أصلُ جميع النعم، وأما الإنتفاع بوجود الأرض والسماء والماء، فذلك إنّما يكون بشرط حصول الخلق والحياة والقدرة والشهوة، فلا جرم قدّم ذكر الأصول على الفروع بالنسبة إليه. وأقول: ولك أن تحمل قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} على سبب وجوب العبادة وعلّتها. وقوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ} - إلى آخره - على دلائل المعرفة، لتوقّف العبادة عليها، وتوقّفها على الدلائل، لأن الله لمّا أنعمَ علينا باعطاء الوجود، وإعطاء ما يتوقَّف عليه الوجود، استحقّ العبادة، وهي متوقّفة على المعرفة، فذكر من الدلائل خمسة هي مجامع سائر الدلائل وجملها؛ وإلاّ فما من ذرّة في الأرض ولا في السماءِ ولا فيما بينهما، إلاّ وفيها من عجائب القدرة وبدائع الفطرة، ما تظهر به الدلالة على وجود الصانع وعلمه وحكمته. إثنان من تلك الخمسة هما الأرض والسماء - اللتان بمنزلة الآباء والأمّهات -، وثلاثة منها هي المواليد. أولها: الجماد، ومنه الماء النازل من السماء، واختصاصه بالذكر لكونه سبب حدوث غيره. وثانيها: النبات، ومنه الثمرات، وخصَّت بالذكر لكونها غاية النبات. وثالثها: الحيوان، وأفضله الإنسان المشار إليه بقوله: "رِزْقاً لَكمُ"، وإنّما خصّ هو بنسبة المرزوقيّة - وإن كان غيره من الحيوان مرزوقاً من الثمرات - لكون علَّة غائيّة لوجود الثمرات ونحوها دون سائر الحيوان، بل هي أيضاً كالأثمار مخلوقة لانتفاع الإنسان. ثمّ السبب في ترتيب هذه الثلاثة ظاهرٌ، لأنه بحسب ترتيبها في الحدوث؛ وكذا في تقديم الأولين عليها، وأمّا تقديم ذكر الأرض على ذكر السماء، فلأن الأرض أقرب إلينا من السماء، ونحن أعرف بحال الأرض - لكونها محسوسة بأكثر الحواسّ بل بكلّها على وجه - منّا بحال السماء، لكونها غير محسوسة، والمحسوس بحسّ البصر منها ليس إلاّ الكواكب، وإنما تحصل المعرفة بوجودها من جهة الحركات المستديرة المتّفقة والمختلفة، الدالّة على وجود جرم عظيم مستدير شامل لها، ومن جهة الحركات المستقيمة الدالة على وجود محدّد للجهات بالصفة المذكورة. فلننظر في الحكم والمنافع المنبعثة في خلْق هذه الأشياء الخمسة، ولنذكر لبيانها خمسة إشراقات: الإشراق الأول: اعلم أنّ الرحمة الإلهيّة، لمّا لم يجز وقوفها عند حدّ يبقى وراءها الإمكان الغير المتناهي لأشياءِ ممكنة الوجود، من غير أن يخرج وجودها من القوَّة إلى الفعل أبداً، فيلزم التعطيل في جوده، والإمساك عن الاعطاء والكرم من فضل وجوده - كما زعمه اليهود - كما حكى الله عنهم بقوله حيث قالوا: يد الله مغلولة {أية : وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَآءُ} تفسير : [المائدة:64]. وليس ذاته أيضاً محلاًّ لارادات متجددة وحوادث متعاقبة - سواء كانت متناهية كما ذهب إليه المعتزلة، أو غير متناهية كما ذهب إليه بعض المتفلسفة كأبي البركات البغدادي وغيره، أثبتوا على واجب الوجود إرادات متجددة متعاقبة غير متناهية، وزعموا أنه يفعل شيئاً ثمّ يريد بعده شيئاً آخر، فينفعل، ثمّ يريد فيفعل، وله إرادة ثابتة أزليّة، وإرادات متجدّدة لا تتناهى، وخالفوا في ذلك البرهان والقرآن جميعاً، كما فصّل في مقامه، وألزم عليهم أن يكون إلـه العالمين جسماً متحرّكاً على الدوام، متأثّراً عن غيره كسائر الأجرام، تعالى عمّا يقوله الجاهلون علوّاً كبيراً - فلا جرم لمّا كانت قوّته وقدرته غير متناهية، وجوده وكرمه غير واقف عند حدّ ليحصل منه قدرٌ متناه من الموجودات الممكنة، فوجب أن يكون من جوده وُجود أمر دائم الحركات، وأمر دائم التأثّر والانفعالات. وذلك يوجب انفتاح أبواب البركات، ورشح فنون الخيرات إلى ما شاء الله، لأنّه لم يكن الفاعل على الفيض بضنين، فيحصل الفيض على أهل الاستحقاق بحسب استحقاقه وقوة احتماله، حتى أنّ النملة مع حقارتها، لو كانت مستعدّة لقبول العقل والعرفان، لوجب أن يفيض عليها الواهب المنّان بلا مهلة. فلا جَرَمَ يجب في العناية الربّانية وجود جُرْمٍ مستدير متحرّك على الدوام، مؤثّر فيما تحته إلى أن يشاء الله، وجُرْم آخر ساكن منفعل متأثّر منه كذلك كحركة الآباء على الأمّهات، لتولّد البنين والبنات، فينبعث من حركة الفلك على وجه الأرض، وإنزال الماء منه إليها، أعداد المواليد، وأفضلها أفراد الإنسان المشابهة بحسب الروح النفساني للأب العلوي الجسماني، وبحسب الروح الأمري للأب المعنوي والروح القدسي، فإذا كمُلت منها نفس بالعلم والعمل، عادت إلى الموطن الأصلي عند باريها وجنّة أبيها، ومتى لم يكمل بأحدهما، مكثت زماناً طويلاً أو قصيراً في طبقات الجحيم - كما فصِّل في مقامه -. الإشراق الثاني: أما ما يتعلق بخلْق الأرض من عجائب الحكمة وغرائبها، فلا يمكن الاستقصاء فيها، لكن النبذ القليل منها، أنّ الله جعل الأرض في مركز الفلك ووسط الكلّ، فإنها لو كانت مجاورة للأجرام العلوية لاحترقت، لشدّة تسخين الحركة الدائمة فصارت ناراً محضة، وعلى تقدير بقائها أرضاً، ما كان يمكن أن يتكوّن عليها حيوان، ولا أن ينبت منها نبات، وذلك ينافي ما ذكرناه من الرحمة الشاملة. ومن رحمته أيضاً، جعلت الطبقة الناريّة مجاورة للسّماء بعيدة عن الأرض، وإلاّ لتضاعف التسخين بتوسيطها بين الأرض والهواء، إذ لو جاورت الهواء من تحت، لأحالتها بدوام مجاورتها وسخنها الفلك أيضاً بسرعة حركته، فاحترقت بواقي العناصر وصار الكلّ ناراً، فانفسدت العناصر والمركّبات كلها. ولمّا كانت العناية مقتضية لوجود نفوس إنسانيّة شريفة مستكلمة بالعلم والطهارة، ولا يمكن ذلك بدون أبدان حيوانيّة ونباتيّة يغلب على أكثرها العنصر اليابس، الذي يمسكها ويحفظ الصور والأشكال عليها، وأيضاً لحاجة الحيوان لتنفّسه بل النبات أيضاً لتبسّطه، إلى أن يستقرّ على مكان يحيط بجوانبه الهواء، ولا يغرق في جسم متراكم، فلا بدّ أن يكون موضع أفراد الحيوان والنّبات جسم بارد يابس متماسك الأجزاء، فخلَق الله الأرض كذلك ليجاورها وليستقرَّ عليها الحيوان والنّبات الغالب عليهما الأرضيَّة. وإليه الإشارة بقوله: {جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} إذ "الفراش" في اللّغة إسم لما يُفرش عليه، كـ "المِهاد" اسمٌ لما يمهّد، "والبِساط": لما يبسط. فليس ذلك دليل على أن الأرض مسطّحة وليست بكرويّة، ولا يلزم إلاَّ أن الناس يفترشونها ويفعلون بها ما يفعلون بالمَفارش، سواء كانت على شكل المستوي أو الكروي، فالافتراش عليها غير مستنكَر ولا مرفوع، لعِظم جرمها وتباعُد أكنافها وأطرافها، ولكن لا يتم الافتراش عليها إلا بشروط: أحدها: أن لا تكون في غاية اللين، كالماء الذي تغوص فيه الرِجْل - كما وقعت إليه الإشارة -، ولا في غاية الصلابة، كالحَجر، فإنّ النوم عليه ممّا يؤلم البدن، لتعذّر أخذ الأثواب والأكيسة منه، وأيضاً فلو كانت من الذهب - مثلاً - لم تمكن الزراعة عليه، ولا اتّخاذ الأبنية منه. وثانيها: أن لا تكون في غاية الشفيف واللطافة، وإلاّ لما استقرّ عليه النور، ولم يقبل التسخّن من الكواكب، فكان بارداً جداً لا يصلح أن يكون فراشاً للحيوانات؛ فمِن لطْف الله تعالى، أن جعلَ الأرض ذات لون غبراء ليستقرّ عليها ساطعُ الضياءِ. وثالثها: أن تكون بارزة من الماء، لأنّ طبع الأرض أن تكون غائصة في الماء، فكان يجب أن تكون البحار محيطة بالأرض، ولو كانت كذلك [لم تكن] فراشاً - هذا هو السبب الغائي -. وأما السبب الفاعلي: فهو ما يحدث في قعر البحر بسبب أمواجه الحاصلة من الرياح من شبه الأخاديد والوهدات، والمواضع المرتفعات، فينحدر منها إلى الوهدات فيبرز الأعلى منها، فصار مجموع الأرض والماء كرة واحدة، يدل على ذلك فيما بين الخافقين، تقدّم طلوع الكواكب وغروبها للمشرقيين على طلوعها وغروبها للمغربيين، وفيما بين الشمال والجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظاهر للواغلين في الشمال، وبالعكس للواغلين في الجنوب، وتركّب الاختلاف لمن يسير على سمت بين السّمتين، إلى غير ذلك من الأعراض الخاصّة بالاستدارة، يستوي في ذلك راكب البرِّ وراكب البحر، ونتوء الجبال - وإن شمخت - لا يخرجها عن الاستدارة، لأنّها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة لا في استدارتها. ورابعها: أن تكون ساكنة، إذ لو تحرّكت فإمّا على الاستقامة، أو على الاستدارة، وكلاهما باطل ينافي الافتراش. أمّا الاستقامة: فلأنها لو تحرّكت بكليّتها حركة مستقيمة، لكانت إلى جانب السفل - لا غير - لثقلها الطبيعي، فإذا تحرّكت هي كذلك، لم يمكن استقرار ثقيل آخر عليها لأنه هاوٍ، والأرض هاوية، وهي أثقل، والثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما في النزول، والأبطأ في النزول لا يلحق الأسرع، فلا يمكن وصول الإنسان إلى وجه الأرض حتى يفترشها. وأما الاستدارة: فلأنها لو تحرّكت بالاستدارة إلى جانب الغرب - كما توهّمه مَن زعم أن هذه الحركة الأولى الشرقية منسوبة إلى الأرض - والإنسان يريد أن يتحرّك إلى جانب الشّرق، فلا يمكنه الوصول إلى حيث يريد لِسرعة حركتها وبطءِ حركته بما لا نسبة بينهما، والوجود يكذبه ويشهد بخلافه، فالمفروض باطل. ثمّ النّاس اختلفوا في سكون الأرض وسببه، فمنهم من زعم أنّها هاويةٌ إلى غير النهاية بلا مهبط، وهذا باطلٌ لما مرّ، ولتناهي الأبعاد الثابت بالبرهان. ومنهم من زعم أن شكلها كنصف كرة موضوع على الماء، حدبتها إلى فوق وقاعدتها إلى أسفل، ومن شأن الثقيل إذا انبسط أن يندعم على الماء كالسفينة؛ وفيه - بعد تجويز مثل ذلك الشكل عليها - أن الكلام عائد في سبب وقوف الماء. ومنهم من قال: سبب سكونها جذب الفلك إيّاها من جميع الجوانب على نسبة واحدة. وهو باطل، وإلا لكانت المدرَة المنفصلة عنها أسرع إنجذاباً - لصغرها - إلى الفلك، فما بالها لم تنجذب!؟. ومنهم من جعل سببه دفع الفلك لها من كلّ الجوانب، كما إذا جعل شيء من التراب في قنينة، ثم أُديرت على قطبها إدارة سريعة، فإنّه يجتمع التراب ويقف في وسطها لتساوي الدفع من الجوانب؛ وهذا أيضاً باطل بوجوه كثيرة مذكورة في محلّها. ومنهم - كأبي هاشم - زعم أنّ النّصف الأسفل من الأرض [فيه] اعتمادات صاعدة، والنصف الأعلى فيه اعتمادات هابطة، فيتدافع الاعتمادان، فيلزم الوقوف. وهو أيضاً فاسد، لعدم اختصاص كلّ من النصفين بصفة يوجب ما ذكره، بل الأرض بتمامها لا تستدعي إلاّ أمراً واحداً. ومنهم من ذهب إلى أن الأرض تطلب بالطبع وسط الكل وجهة التّحت، لأنّ الثقيل بالطّبع يميل إلى السفل، كما أنّ الخفيف بالطّبع يميل إلى الفوق، والفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء، والتحت المركز، وكما يستبعد صعود الأرض فيما يلينا إلى جهة السماء، فليستبعد هبوطها في مقابلة ذلك، لأنّ ذلك المسمّى بالهبوط صعود بالحقيقة إلى جهة السماء أيضاً، فإذن لا حاجة في سكون الأرض وقرارها في حيِّزها إلى علاقة من فوقها، ولا إلى دعامة من تحتها، بل يكفي في ذلك ميلها الطبيعي إلى تحت، وهذا هو رأي أرسطاطاليس وجمهور أتباعه، الذين التزموا القوانين العقلية، وتحاشوا عن القول بالظنّ والتخمين، وعن المجازفة بالتقليد. واعترض عليه الإمام الرازي بأن هذا أيضاً ضعيف، لأنّ الأجسام متساوية في الجسميّة، فاختصاص البعض بالصفة التي تطلب لأجلها تلك، لا بدّ وأن يكون أمراً جائزاً، فيفتقر إلى الفاعل المختار. أقول: والعجب من هذا المتبحّر، مع استغراقه وتبحّره في الأفكار، كيف يشتبه عليه الأمر في تجويزه ترجيح الفاعل المختار أحد الأمرين أو الأمور المتساوية من غير مرجّح، مع أنّ كلّ عاقل إذا راجع وجدانه حكم بفساده. ثمّ لم يعلم أن تجويز مثل هذا الفاعل المختار - الذي أثبته هو وأصحابه من أتباع الشيخ الأشعري زعماً منهم أن في ذلك تقوية الدين ونصرة الشريعة - ينفسخ أصل الدين، وينسدّ طريق إثبات الصانع باليقين، وكذا إثبات جميع المطالب والأصول الحقّة البرهانيّة؛ فكلّ مختار لأحد طرفي أمر، أو لأحد أشياء متساوية النسبة، لا بدّ أن يترجّح عنده أحدهما أو واحد منها، فإنّه إن لم يترجّح، فنسبته الشيء إليه إمكانية، فلا يقع الممكن دون مرجّح. فالذي يقال: "إن الإرادة تخصّص أحد الجانبين بالوقوع، لا بناء على أولوية، بل لأن من خاصيّة الإرادة تخصيص أحد المثلين أو الأمثال من دون الحاجة إلى مرجّح، ولا يسئل عن اللميَّة، فإن لوازم الماهيَّة لا تعلّل" كلام لا حاصل له، فإنّ الإرادة إذا كان الجانبان أو الجوانب بالنسبة إليها سواء، لا يتخصّص بها شيء منها إلا بمرجّح، إذ لا يقع الممكن إلاّ بمرجِّح، وأمّا الخاصيّة التي يقولونها فهو هوسٌ؛ أليس لو اختارت الجانب الآخر - الذي فرض مساوياً لهذا الجانب - كانت تحصل هذه الخاصيّة. ثم تعلّق الإرادة بشيء، مع أنّ النسبة إلى الجانبين سواءٌ، هذيان، فإنّ الإرادة ما حصلت أولاً إرادة ثم تعلّقت، فإن المريد لا يريد إلا ما تميّز في علمه، فلا يكون له إرادة غير مضافة إلى شيء أصلاً، ثم يعرض لتلك الإرادة تخصيص ببعض جهات الإمكان، بلى إذا وقع إدراك، وحصل تصور يرجّح أحد الجانبين، تحصل إرادة متخصصة بأحدهما، فالترجح مقدم على الإرادة. وأعجب من ذلك، تعويله في أكثر الأمر في إثبات مثل هذا الفاعل المختار الذي تصوّره بهذه الإرادة الجزافيّة، التي جعلوها فاعلة للأشياء لمصالح أدلّتهم واحتجاجاتهم واعتذاراتهم من كلّ ما جهلوه، على أن الأجسام متساوية في الجسميّة، حتّى يلزم سلب ما يوجب تخصيص بعض أنواعها بما يستوجب به رجحان تعلّق أمْر الله وإرادته به في صدور بعض الآثار منه لذاته، دون سائر أنواع الأجسام. وقد جهِل - أو تجاهَل -، عن أنّ فصول الأجسام أو صورها، التي هي مبادي فصولها، أمور محصّلة للجسمية المشتركة، وهي في درجة التقرّر والوجود متقدّمة على أصل الجسمية، واستناد أمر واحد مشترك لازم، أو جنس، لأمور متخالفة الذوات غير مستنكر، فالسؤال في اختصاص كلّ جسم كالأرض أو السماء، بصورة تخصّصه، وطبيعة تنشأ منها آثاره المتخصّصة، غير وارد ولا إشكال فيه، إذ الجسمية تابعةٌ للطبيعة المخصوصة دون العكس. فهٰهنا نقول: جسميّة الأرض من لوازم طبيعتها المقوّمة لها، لكنّها من اللوازم المشتركة بين طبيعة الأرض وغيرها من الطبائع العنصريّة والفلكيّة. فإذا سئلنا بأن الأرض لماذا صارت في وسط الأجسام؟ قلنا: لأن الله بقدرته التي تمسك السموات والأرض أن تزولا، جعلها ذات طبيعة تقتضي ميل جسمها إلى تحت مطلقاً. وإن سئلنا: لِمَ صار الجسم ذا هذه الطبيعة؟ قلنا: لأن هذه الطبيعة اقتضته واستلزمته. ثمّ إن سئلنا بأن هذه الطبيعة لِمَ صارت هذه الطبيعة؟ فلا يستحق الجواب، إذ كل شيء هو هو، والجعل لا يتخلّل بين الشيء وذاته. وإن سئلنا: بأنه لِماذا وجدت هذه الطبيعة؟ قلنا: لإرادة الله وأمره المنبعثين عن علمه بوجه الخير في جميع الأشياء، التي من جملتها هذه الطبيعة على ترتيب ونظام لائق، وهو عين قدرته النافذة في جميع الأشياء، على ترتيب تقدّم وتأخّر ونظام، فبقدرته التي تمسك السموات والأرض أن تزولا، يمسك الأرض في الموضع الذي أثبته، من غير علاقة من فوق أو دعامة من تحت، كما أمسك السماء أن تقع على الأرض من غير علاقة وضعية، أو اعتماد جسماني، ولكلّ شيءِ مقام معلوم لا يتعدّاه، ولا يتقدّم عليه ولا يتأخَّر عنه، هكذا يجب أن يتصوّر العارف إرادته وقدرته، ليأمن عن اعتقاد التغيّر في ذاته، والتعطّل في صفاته، والجور في أحكامه. فإن قلت: هل في قدرة الله أن يخلق هذه الأشياء النازلة في هذا العالم من غير أن يخلق الوسائط والأسباب؟ قلت: نعمْ، لأن المصحّح للمقدوريّة؛ الإمكان، فمن قدر على خلْق الأعلى، يقدر على خلْق الأدنى، ومن قدِر على ايجاد الجواهر الشريفة، فهو أقدر على الجواهر الخسيسة، كما قال: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر:57] إلاّ أن ذلك ممتنعٌ من جهة العلم والحكمة، لا من جهة العجز والنقيصة، إذ ليس من الحكمة تقديم الأخسّ الأدنى على الأشرف الأعلى، فخلاف الحكمة ممتنع من الله - لا لأنه غير مقدور -. الإشراق الثالث: في ذكر آيات قرآنية تشير إلى منافع الأرض: واعلم أن في خلْق السماء والأرض آيات كثيرةٌ، وأنواراً لطيفة تهدي إلى سبيل الحق وتشير إلى طريق القدس وعالم الحقيقة الإلهية، لكن أكثر الناس عن آيات ربهم لغافلون، وعن فهم أنوار الحكمة وأسرار الحقّ معرضون؛ كما قال سبحانه: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف:105]. وإن الله تعالى قد أكثَر في الآيات القرآنيّة ذكر السماء والأرض، لما في كلّ منهما من عجائب الصنعة وغرائب الحكمة، فذكر للأرض منافع كثيرة وصفات عديدة: منها: قوله: {أية : وَفِي ٱلأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ}تفسير : [الرعد:4]. وقوله: {أية : وَٱلْبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَٱلَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً}تفسير : [الأعراف:58]. إشارة إلى أقاليمها المختلفة، ومواضعها وبقاعها المتفاوتة في الرخاوة والصلابة، والسبخيّة والرمليّة، والوعورة والخشونة، والحزونة والسهولة. ومنها: قوله: {أية : وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} تفسير : [فاطر:27]، إشارة إلى اختلاف ألوانها من الحمرة والبياض والسواد والصفرة والغبرة والرماديّة. ومنها: قوله: {أية : وَٱلأَرْضِ ذَاتِ ٱلصَّدْعِ}تفسير : [الطارق:12]. لانصداعها بالنبات والعيون. ومنها: قوله: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [المؤمنون:18]. وقوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ} تفسير : [الملك:30]. إشارة إلى كونها خازنة للماءِ، ينبوعاً له. ومنها: قوله: {أية : وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ} تفسير : [الحجر:19]. إشارة إلى ما يتولّد فيها من الجبال والمعادن والفلزّات، بل غيره من صور الكائنات التي هي أصنام الحقائق، وأمثلة أربابها النوريّة؛ ولهذا بيّن ذلك بقوله: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ}تفسير : [الحجر:21]. ومنها: قوله: {أية : يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [النمل:25]. إشارة إلى إخراج ما يخبّأ فيها من الحبِّ والنوى. ومنها: قوله: {أية : كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} تفسير : [البقرة:261] إشارة إلى أنّ لها طبع الكرم، تقبل منك حبَّة، وتردّها عليك سبعمائة، وذلك لسرّ إلهي أودع فيها. ومنها: قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ ٱلْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً} تفسير : [السجدة:27] إشارة إلى أن فيها قوة النماء. ومنها: قوله: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا}تفسير : [يس:33]. إشارة إلى أن فيها قوّة الحياة بعد الموت، وهذا مما أثبته بعض الحكماء الأقدمين. ومنها: قوله: {أية : وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ}تفسير : [البقرة:164]. إشارة [إلى] أن فيها مع بساطتها قوّة قبول جميع الصور الحيوانيّة على اختلاف صورها وأشكالها وأفعالها. ومنها: قوله: {أية : وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} تفسير : [ق:7]. إشارة إلى ما فيها من النبات المختلف ألوانه وأنواعه ومنافعه، فاختلاف ألوانها دلالةٌ، واختلاف طعومها دلالةُ، واختلاف روائحها دلالةٌ، واختلاف أشكالها دلالةٌ؛ فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم؛ ثمّ قال: {أية : كُلُواْ وَٱرْعَوْا أَنْعَامَكُمْ} تفسير : [طه:54]. ومنها الطعام، ومنها الادام، ومنها الدواء، ومنها الفاكهة؛ قال: {أية : وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا}تفسير : [فصّلت:10]. وقال: {أية : وَفَاكِهَةً وَأَبّاً} تفسير : [عبس:31]. ومنها كسوة البشر - نباتيّة كالقطن والكتّان، وحيوانيّة كالشَعر والصوف والأبريسم والجلود - وإليه الإشارة بقوله: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَآءً وَأَمْواتاً}تفسير : [المرسلات:25 - 26]............................... فقد جعلها الله ساترة لأبداننا في الحياة، ولفضائحنا بعد الممات. ومنها الأحجار المختلفة، بعضها للزينة وبعضها للأبنية، فانظر إلى الحجرَ الذي تستخرج منه النار مع كثرته، وإلى الياقوت الأحمر مع عزّته؛ ما أكثَر النفع بهذا الحقير، وما أقل النفع بذلك الخطير! ومنها ما أودع الله فيها من المعادن الشريفة كالذهب والفضلة وغيرهما. ثم تأمّل أن البشر استنبطوا الحِرَف الدقيقة والصنائع الجليلة، واستخرجوا السمك من قعر البحر، واستنزلوا الطير من أوج الهواء، لكن عجزوا عن اتّخاذ الذهب والفضّة عناية من الله، لأنّ معظم فائدتهما يرجع إلى الثمنيَّة؛ وهذه الفائدة لا تحصل إلاّ عند العزّة، والقدرة على اتّخاذها تُبطل الحكمة، فلذلك ضرَب الله دونها باباً مسدوداً؟ ولهذا اشتهر في الألسِنة: "مَن طلبَ المال من الكيمياء أفلس". ومنها الحطب والأشجار الصالحة للبناء والسقف، إلى غير ذلك ما لا يمكن ضبطها، وأعظم هذه الأمور، أنّها مادّة خِلقة الإنسان المنبعث منها النفس، ومنها القلب، ومنها الروح، ومنها سرّ الولاية والنبوّة كما قال عقيب الآية السابعة: {أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل:8] إشارة إلى خلق أطوار ونشئآت كثيرة منها لا نعلمها نحن، ثم إنه تعالى جمَع هذه المنافع العظيمة للأرض ومنَّ الله بها على عباده في قوله: {أية : سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الحج:65]. قال بعضهم: لمّا خلَق الله تعالى الأرض، وكانت كالصدف والدرّة المودعة فيها آدم، ثم علم أصناف حاجاته، فكأنّه قال: يا آدم لا أحوجك إلى شيء غير هذه الأرض التي هي لك كالأمِّ؛ فقال: {أية : أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً} تفسير : [عبس:25 - 26]. - الآية - {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} يا عبدي؛ إنَّ أعزّ الأشياء عندك الذهب والفضّة، ولو أنّي خلقتُ الأرض منهما هل كان يحصل منها هذه المنافع؟! ثم إنّي جعلت هذه الأشياء في الدنيا مع أنها سجن لك، فكيف الحال في الجنّة؟! فالحاصل، أن الأرض أمّك، بل أشفَق منها، لأنّ الأمّ تسقيك نوعاً واحداً من اللبن، والأرض تطعمك ألواناً من الأطعمة، ثمّ قال: {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} تفسير : [طه:55]. معناه: نردّكم إلى هذه الأمّ، وليس هذا بوعيد، لأنّ المرء لا يُتَوعَّد بأمِّه، وذلك لأنّ مقامك من الأمّ التي ولدتك، أضيق من مقامك من الأرض، ثمّ إنك كنت في بطن الأم تسعة أشهر وما مسَّك جوع ولا عطش، فكيف إذا دخلت بطن أمك الكبرى، ولكن بشرط أن تدخل بطن الأمّ الكبرى كما كنت في بطن الأمّ الصغرى، ما كانت لك زلّة - فضلاً من أن تكون لك كبيرة -، بل كنت مطيعاً لله، فحيث دعاك مرّة بالخروج إلى الدنيا خرجت إليها بالرأس طاعة منك لربِّك، واليوم يدعوك سبعين مرّة إلى الصلاة فلا تجيبه برجْلِك. فإذا تأمَّل العاقل في هذه العجائب والغرائب، يسافر بعقله من هذه النشأة إلى باب مدبّر حكيم، ومقدّر عليم - إن كان ممّن يسمع بقلبه، ويبصر ويعي بعقله ويعتبر -. الإشراق الرابع: في بيان حِكَم الله تعالى ودلائل صنْعه وقدرته في خلق السماء، وكونها بناء: "البناء" مصدر، سمّي به المبنيّ - بيتاً كان أو قبَّة أو خباء - وأبنية العرب أخبيتهم، ومنه: "بَنى بامرأته"، لأنّهم إذا تزوّجوا ضربوا عليها خباءً جديداً. قال الجاحظ: "إذا تأمّلت هذا العالَم، وجدته كالبيت المعدّ فيه كل ما يحتاج إليه؛ فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض ممدودة كالبساط، والنجوم منضودة كالمصابيح، والإنسان كمالِكِ البيت المتصرِّف فيه بعقله وفكره، وضروب النبات مهيّأة لمنافعه، وصنوف الحيوان مُصَرَّفة في منافعه، فهذه جملة واضحة دالّة على أن العالَم مخلوق بتدبير كامل، وتقدير شامل". تنبيه لمّا دريت أن تجدد الحوادث والأبدان، وتعاقب الأكوان في الأزمان، لا بدّ له من جسم دائم الحركة، وآخر دائم السكون، فالله تعالى خلق السماء فوق الأرض، وجعلها مشتملة على أجرام بعضها منيرة كالكواكب، وبعضها شفّافة كالأفلاك الكلّية والجزئيّة، لتؤثِّر أنوارها في الأرضيات وتمتزج بها، وتخرج منها اللطائف، والبخارات، وتنشأ منها الكائنات، ويتكوّن بها الحيوان والنبات رزقاً للعباد، ووسيلة لارتقاء الكلمات الطيّبات إليه تعالى. ولو كانت الفلكيّات كلّها نوريّة، لاحترق بالشعاع ما دونها من عالم الكون والفساد، ولو كانت عريّة عن النور، لبقي في مهوى ظُلمة شديدة لا أوحش منها، فجعل الله الكواكب مضيئة والسماء شفّافة، إذ لو كانت ملوّنة لوقف الضوء على سطوحها كما يقف على الاجرام الملوّنة الكثيفة. ولو كانت الكواكب النيِّرة ثابتة غير متحركة، بأن يكون مكان أكثرها أو معظمها كالشمس يلي القطب، لأحرقت ما قابلها من الأرض، ولم يلحق أثرها ما غاب عنها، فيؤدي إلى شدّة البرد وجمود المياه والرطوبات، الموجِب لهلاك الحيوان والثمرات، ولو كانت الكواكب النيِّرة - سيما الشمس - متحركة بالحركة البطيئة، فعلت ما فعله السكون من افراط الجمود والبرودة في المواضع الخارجة عن سَمْتها، ولو كانت مع تحرّكها بالحركة السريعة اليوميّة بوجه لازَمت دائرة واحدة، لأحرقت ما سامتته الدائرة، ولم يصل أثر الشعاع إلى باقي النواحي والأقطار. فجعل للكواكب - مع حركة الكل السريعة - الحركات الأُخر البطيئة، ليميل بها إلى النواحي شمالاً وجنوباً، ليحصل من ذلك الفصول الأربعة التي بها يتمُّ الكون، وباختلافها تنصلح أمزجة البلاد، وتتكون النفوس الصالحة من العباد للمعاد. وهذا هو الجلي من حكمة أوضاع السماء وما فيها، والذي يعرفه أكثر الناس؛ ولها في هيئاتها وأوضاعها الخفيّة - من خصائص مواضع أوجاتها وحضيضاتها، وجوزهراتها وغيرها - منافع عظيمة ومصالح كثيرة، يطلع على نبذ منها أهل الهيئة والهندسة ليس هٰهنا موضع بيانه. ثم لا يخفى أن تخالف الحركتين لا يكفي في ترتّب النفع، [ما] لم تكن جهة الحركات في أواسط السماء، وجهة أقطابها في نواحي الأفق - كما في معظم المعمورة -، إذ لو كان الوضع بعكس ذلك - كما في عرض تسعين درجة وما يليه من الآفاق التي حكمها حكمه - فلم يكن فيها كثير نفع من الأنوار، لميلانها الكثير عن سُموت رؤوسهم. فانظر في تمام نعمة الله في طلوع الشمس وغروبها، فكما أن النعمة في طلوعها عظيمة فكذا في غروبها، فتأمَّل النفع في غروبها حيث لو لم يكن، لم يكن للناس هدوء ولا قرار ولا استراحة، ولكان حرص الناس يحملهم على المداومة على العمل، فتستولي الحرارة على أمزجتهم، واحترقت أدمغتهم، فصارت الشمس بحكمة الله تطلع في وقت وتغيب في وقت، بمنزلة سراج يوضع لأهل بيت بمقدار حاجتهم، ثم يرفع عنهم ليستقرّوا ويستريحوا، فصار النور والظلمة على تضادّهما متعاونين على ما فيه صلاح أهل العالَم. وإليه الإشارة في قوله تعالى: {أية : أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلاَ تُبْصِرُونَ}تفسير : [القصص:72]. ثمّ قال: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمُ ٱلْلَّيْلَ سَرْمَداً إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ مَنْ إِلَـٰهٌ غَيْرُ ٱللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلاَ تَسْمَعُونَ} تفسير : [القصص:71]. وقال: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلْلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً} تفسير : [يونس:67]. ثمَّ لأجل أن مدار حركات الكواكب لا تدوم على سمت واحد، قال تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} تفسير : [الأعراف:54]. أي بالحركة طالعة تارة وغاربة أخرى، وشماليّة مرّة وجنوبيّة أخرى، وكذلك أَوْجِيّة وحضيضية. وسائرة في بروج مشيّدة ثابتة ومنقلبة وذوات الجسدين، وغير ذلك من أحوال الكواكب - كالرجوع، والإقامة، والإستقامة، وكونها في البيوت التي لها شرفها وهبوطها - وأمثال [ذلك] ممّا هو مذكور في كتب الأحكاميين على الإجمال والتخمين، ولا يحيط بتفاصيلها إلاّ الباري وخواصّ عبيده، الذين هم أنواره العقلية وأشعّته الروحانيّة، وبذلك كلّه يحصل النظام في العالم كلّه، ويدوم الكون والفساد الذي هو أصل النعمة وتمام الرحمة. فسبحانه مِن إله قدير، بدأ الوجود أولاً بأنوار عقليّة، وملائكة قدسيّة عارية عن الموادّ، عالية عن القوة والاستعداد، وثنّاها باختراع أجسام مستديرة دائمة الحركات، وكرات مستنيرة ذوات أنوار وشعاعات، نوّر الله بها البقاع والأطراف والأصقاع، وجعلها منوَّرة بأنوار النفوس، مصوَّرة بغرائب النقوش، باقية على نسقها بلا اختلال، قواعد ثابتة على أصولها بلا انحلال، إلى أن يأتي أجلها، فجعلها إذا جاء أجلها كالدخان، ووردة كالدهان، فصارت يوم القيامة كالمعطّل وكالمضمحل: {أية : يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ} تفسير : [الأنبياء:104]. الإشراق الخامس: في فضل السماء: أمّا حقيقة فضلها وشرفها، فلا يمكن لأحد أن يعرفها ما دام كونه في هذه الهاوية المظلمة مقروناً بمصاحبة المؤذيات، وإنّما يعرف ذلك بعد الارتقاء إلى فضاء ملكوت السموات، والصعود إلى منازل السعادات. وأما المعلوم من حالها لبعض المتفكرين في خلقها، فهو أن أبدعها وما فيها على أشرف الأشكال - وهو المستدير -، وأفضل الألوان - وهو المستنير -، آمِنة من الكون والفساد الحاصلين من جهة تغيّر المزاج، الحاصل بالامتزاج، غير قابلة للأضداد والأنداد، لعدم الخلل والنقصان في أنواعها المستدعيين لتكثير الأفراد وتوليد الأعداد من الأشخاص؛ وقسَّمها إلى نجوم زاهرة باهرة، وأفلاك عديدة دائرة غير ظاهرة؛ وحرَّكها بحركات مختلفة تشوّقاً وتقرّباً إلى الله طاعة لملكوته، مستتبعة لآثار عجيبة في أوقات مختلفة في هذا العالم، يتيسَّر بها نشوء الحيوان والنبات، وخلق الأبدان لمواطن النفوس والكلمات. فسبحان من أبدع السماء كأنَّها حديقة خضراء أنبتت فيها زهراء نضراء، وخلق خلال رياضها من أنواع الثمرات وألوان الأزهار والأنوار، في أواسطها أنهار تجري على حصاة كأنّها الدرّ والياقوت والمرجان، فيها بيوت عالية، وقصور شاهقة فيها سرر مرفوعة، وأكواب موضوعة، يطاف عليها ولدان وغلمان، وحور حسان، وفيها أنواع الطعوم اللذيذة، والروائح الطيبة، والفواكه والثمرات العجيبة. وبالجملة، كل ما يوجد في الأرض فيوجد في السماء على وجه ألطف وأصفى، فمن بركات تلك الحديقة اللطيفة وما لها من الثمرات تستمرّ حياة هذه الكائنات، ويتيسّر نشوء الحيوان والنبات، أعني بحسب اختلاف أوضاعها العلوية، وإبانة مناطقها وأطرافها تظهر الفصول، وتمتزج الأركان والأصول، وتتنوّع الاستعدادات من الأمّهات القابلة السفليّة، ويتنوّر الممتزج ويختلط المظلم بنور ظلّي فائض من منبع النور ومنبع البركات. وعند ذلك غلبت قوّة الأمِّهات، وظهرت الأنوثة في طبع النبات، وعند التكاثر ينبت النبات المنوّر بتباشير صبح الحياة؛ وتتولّد الحيوانات عند غلبة قوة الآباء، وتستضيء هياكلها بأنوار الحواسّ، ثم بآثار الذكاء، وعند قيامها على ميزان الاعتدال وأفق الاستواء ومشرق أنوار السماء، تقع عليها أضلال بل عكوس أنوار من العلم والقدرة وغيرها من عالم الأسماء، وعند الناطقة العالمة بعلم الأسماء، يقف ترتيب الفيض والجود، وبمبدأها ترجع دائرة الوجود. فصل قد اختلفوا في أن السماء أفضل، أم الأرض؟ أما أهل الكشف والشهود، فلهم وجوه دقيقة لطيفة في فضيلة الأرض على السماء، لا يمكن لغيرهم فهم تلك المعاني، لغموضها، وعلوّ سمكها عن درجة افهام الخلائق. وأما الحكماء، فالفضل بينهما عندهم ثابت للسماء. وأما المتكلّمون، وسائر العلماء، فمنهم من ذهب إلى أن السماء أفضل من الأرض، ومنهم من قال بالعكس، وكل من الفريقين قد تشبّثوا بوجود نقليّة متعارضة. أما وجوه أفضليّة السماء: فهي أن السماء معبد الملائكة، وما فيها بقعة عصي الله فيها، وأنه لما أتى آدم عليه السلام في الجنّة بتلك المعصية قيل: "اهبط من الجنّة" وقال: "لا يسكن في جواري من عصاني". وقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً}تفسير : [الأنبياء:32]. وقوله: {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً} تفسير : [الفرقان:61], وقوله: {أية : وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} تفسير : [الحجر:17]. وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وآله): "حديث : ما فيها موضعُ قدمٍ إلا وفيه ملكٌ راكعٌ أو ساجدٌ"تفسير : . وأنه تعالى جعل السماء قبلة الدعاء، فالأيدي اليها ترفع، والوجوه تتوجَّه نحوها، وهي منزل الأنوار ومحل الضياء والطهارة والعصمة عن الخلل والفساد. وأمّا وجوه أفضليّة الأرض: فهي أن الله وصف بقاعاً من الأرض بالبركة بقوله: {أية : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً}تفسير : [آل عمران:96]. وقوله: {أية : فِي ٱلْبُقْعَةِ ٱلْمُبَارَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ} تفسير : [القصص:30]. وقوله: {أية : إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَى ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} تفسير : [الإسراء:1]. ووصف أرض الشام بالبركة فقال: {أية : مَشَارِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} تفسير : [الأعراف:137]........................... ووصف جملة الأرض بالبركة فقال: {أية : وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} تفسير : [فصّلت:10]. قيل: "وأيُّ بركة في المفاوز المُهلكة؟". وأجيب: بأنها مساكن الوحوش ومرعاها، ومساكن الناس إذا احتاجوا اليها، ومساكن خلق لا يعلمهم إلا الله. ولهذه البركات قال: {أية : وَفِي ٱلأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ} تفسير : [الذاريات:20] تشريفاً لهم لأنّهم هم المنتفعون بها، كما قال: {أية : هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة:2]. وإن خلق الأنبياء من الأرض: {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} تفسير : [طه:55]. وأكرم نبيَّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) فجعل له الأرض كلّها مسجداً، وترابها طهوراً، فإذا كانت الأرض كلّها مسجداً له - والمساجد بيوت الله، وبيوت الله أكرم البيوت لإضافتها إلى الله -، فكيون أكرم من بناء السماء. ومن هٰهنا يظهر فضل هذه الأمَّة على سائر الأمم، إذ قد ورد في الخبر ما لمن يلازم المساجد من الفضل عند الله، وأمّته لا تبرح في مسجد أبداً، لأنّ الموت انتقال لأبدانهم من ظَهر الأرض إلى بطنها، وملازم المسجد جليس الله في بيته، فهذه الأمّة جلساء الله حياة وموتاً. وأما قوله تعالى: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} فاعلم أنّه تعالى لمّا ذكر الأرض والسماء، بيّن ما فيهما من شبه عقد النكاح بإنزال الماء من السماء الأرض، والانخراج به من بطنها أشباه النسل الحاصل من الحيوان ومن ألوان الثمار، رزقاً لبني آدم، ليتفكّروا في أنفسهم، وفي أحوال ما فوقهم وما تحتهم، ليعرفوا أن شيئاً من هذه الأشياء لا يقدر على تكوينها وتخليقها إلاّ من كان مخالفاً في الذات والصفات، لما ثبت وتحقّق في العلوم العقليّة: "أنّ المتّفقات في الحقيقة والذات، لا يمكن أن تكون متفاوتة في العليّة وعدمها، والتقدّم والتأخُّر، والقوّة والضعف". فإن قلت: هل تقولون إنّ الله يخلق هذه الثمرات عند وصول الماء بمجرى العادة، أم الله يخلق في مادّة النبات من الأرض عقيب إنزال الماء قوّة مغذية، وأخرى منمية، وأُخرى مولّدة، فإذا اجتمعت القوى الفاعليّة والموادّ المنفعلة، حصل الأثر من تلك القوى التي خلقها؟ قلنا: لا ذاك - كما هو مذهب الأشاعرة -، ولا هذا - كما هو مذهب أهل الحكمة -، بل شيء آخر أشرنا إليه من قبل، وهو أن الله يفعل الكلّ بتقدّم وتأخُّر، ولكن الله قادر على أن يخلق هذه الثمار من غير هذه الوسائط، لأنّ المصحِّح للمقدوريَّة هو الإمكان - كما مرَّ -، ويؤكِّد هذا القول من الدلائل النقليّة ما ورد في الخبر، "إن الله تعالى يخترع نعيم أهل الجنة للمثابين من غير هذه الوسائط"، فقدرته على خلْقها ابتداء، لا تنافي قدرته عليها بواسطة خلق هذه القوى المؤثّرة والقابلة في الأجسام. وظاهر قول أكثر المتكلّمين إنكار ذلك، ولا بدّ لهم فيه من دليل؛ ثمّ إنهم حيث لم يأخذوا العلوم من أهل بيتها وأربابها، ولم يأتوا البيوت من أبوابها، أشكل عليهم الأمر، من جهة أنه تعالى، لمّا كان قادراً على خلْق هذه الثمار بدون هذه الوسائط، فما الوجه في خلْقها بهذه الوسائط في هذه المدّة الطويلة؟ ثمّ أجابوا عن ذلك، تارة بالجواب العامي المشترك فيه لجميع ما يشكل عليهم،- كمن يعبد الله على حرف -، وهو "أنه يفعلُ ما يشاء ويحكمُ ما يريد" - وليتهم اكتفوا به!، وتارة بما ذكروا من الأجوبة الخاصّة: أحدها: إنّه تعالى إنما أجرى العادة بأن لا يفعل إلاّ على ترتيب وتدريج، لأن المكلَّفين إذا تحمَّلوا المشقَّة في الحرث والغرس طلباً للثمرات، وكدّوا أنفسهم في ذلك حالاً بعد حال، علموا أنهم لمّا احتاجوا إلى تحمُّل هذه المشاقّ لطلب المنافع الدنيويّة، فَلأَنَ يتحمّلوا أقلّ من هذه المشاقّ لطلب المنافع الأخرويّة - التي هي أجلّ وأعظم - كان أَوْلىٰ. وثانيها: إنّه تعالى لو خلَقها دفعة بلا هذه الوسائط، لَحصَل العلم الضروري بإسنادها إلى القادر الحكيم، وذلك ينافي التكليف والابتلاء. وثالثها: إنه ربما كان للملائكة ولأهل الاستبصار عِبَر في ذلك وأفكار صالحة - هذا.. واعلم أن الدنيا دار التجدد والارتحال، وعالَم الحركة والانتقال، والأشياء فيها تحصل على سبيل الاستحالة والتمزيج، وتتكوّن عقيب الانفعال والتدريج، وأمّا الآخرة فهي دار القرار، ومحلّ الراحة والاستقرار، فلو حصلت صورة هذه الثمار وغيرها من صور الحيوان والأشجار من غير مادة مستحيلة - بل بمجرد المشيَّة والإرادة - بلا واسطة مادّة ومدّة، لكانت الدنيا آخرة، والتعب راحة، والحركة سكوناً، والاضطراب طمأنينة، لأنّ من خصائص الجنّة، حضور الفاكهة والطير - وسائر ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين - لأهل الجنّة دفعة بلا فتور، وهي دار الخلد، يطوف عليهم ولدان مخلّدون على هذه الهيئة المرودة المرادة لهم، وكلّ ما فيها من الثمرات غير مقطوعة ولا ممنوعة، وفيها صور مطهّرة من الأدناس، قرَّة أعين أخفيت للناس جزاء بما كانوا يعملون؛ وسيأتي تحقيقها إن شاء الله تعالى. أبحاث لفظية: كلمة "مِن" الأولى إبتدائيّة، لأنّ المطر ابتداء نزوله من السماء. فإن قلت: ليس الأمر كذلك، فإن الأمطار إنّما تتولّد من أبخرة ترتفع من الأرض إلى الطبقة الباردة الهوائيّة، فتتكاثف بسبب البرد هناك، وتنزل بعد اجتماع قطرات بسبب الثقل. قلنا: إن أريد بـ "السماء" ما اشتقّ من "السموّ"، فذاك، فإنّ ما علاك فهو سَمَاكَ، فكلّ ما نزل من السماء فقد نزل من السماء؛ وإن أريد بها "الفلك"، فلأنّ أسباب حدوث الأمطار وغيرها، إنما تنبعث من أمور سماويّة وأنوار كوكبيّة، تقع بحركتها، على مواضع من الأرض والبحار، فتثير الأجزاء اللطيفة من أعماق الأرض وأطراف البحر إلى جوّ الهواء، فيعقد هناك سحاباً ماطراً. و "مِن" الثانية للتبعيض، بدليل قوله تعالى: {أية : فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ} تفسير : [فاطر:27]. ولأن المكتنفين به - أعني "ماءً" و "رزقاً" - منكرَّان، والتنكير يفيد البعضيّة، فكأنّه قال: "وأنزلنا من السماء بعض الماء، فأخرجنا به بعض الثمرات، ليكون بعض رزقكم"، والواقع هكذا، إذ لم ينزل من السماء كلّ الماء، ولا أخرج بالمطر كل الثمر، ولا جعل الثمرات كل أنحاء المرزوق - فإن من الرزق ما هو غيرها -. ويحتمل التبيين، ويكون "رزقاً" مفعولاً بمعنى "المرزوق"، كقولك: "أنفقت من الدراهم ألفاً" وعلى الأول كان مصدراً، انتصابه بأنّه مفعول له. وإنّما لم يقل: "الثُّمُر" و "الثِمار" - جمع الكثرة - والموضع موضعها تنبيهاً على قلّة ثِمار الدنيا، واشعاراً بتعظيم نعيم الآخرة، أو أنّه أراد بالثمرة جماعة الثمرة، كما في قولك: "أدركَتْ ثمرة بستانه"، ويؤيّده قراءة من قرء "الثمرة" - على التوحيد -، أو لأن الجموع يتعاور بعضها موقع بعض، كقوله تعالى: {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ}تفسير : [الدخان:25]. وقوله: {أية : ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}تفسير : [البقرة:228]. أو لأنّه لمّا كانت محلاّة باللام، أفادت الكثرة وخرجت عن حدّ القلّة. وقوله: "لكم" صفة "رزقاً"، إن أريد به المرزوق، ومفعوله إن أُريد به المصدر، يعني: "رزقاً ايّاكم". وقوله: "فَلاَ تَجْعَلُوا" متعلِّق إما بقوله: "اعبدوا" على أنه نهي معطوف عليه، أو نفي منصوب بإضمار "أن" جواب له؛ وإمّا بقوله "لَعلَّكُم"، والمعنى: "خلقكم لِكَي تتَّقوا وتخافوا عقابه فلا تجعلوا له ندّاً"، فيكون منصوباً كنصب " اطَّلع" في قوله: {أية : لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ * أَسْبَابَ ٱلسَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ}تفسير : [غافر:36-37]، الحاقاً لها بالأشياء الستّة لاشتراكها في أنها غير موجبة، وإما بـ "الّذي جَعَلَ" والمعنى: "مَن خصَّكم بهذه النعم الجسام والآيات العظام ينبغي أن لا يشرك به"، على أن يكون نهياً وقع خبراً على تأويل "مقولٌ فيه: لا تجعلوا". و"الفاء" للسببيَّة، أدخلت عليه لتضمّن الإبتداء معنى الشرط. و "الندِّ" بمعنى المِثْل المنازع، وناددت الرجل: نافَرته؛ من "ندّ، ندوداً" إذا نفر. خُصَّ بالمخالف في التشخّص، المماثل في الذات؛ كما خصَّ "المشابه" بالمماثل في الكيف، و "المساوي" بالمماثل في الكم. فإن قيل: الكفرة لم يزعموا أن الأصنام تنازع الله ولا أنها تماثله؟ قلنا: لمّا تركوا عبادة الربِّ إلى عبادتها؛ وسمّوها "آلهة"، شابَهت حالهم حال من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات، قادرة على أن تدفع عنهم بأس الله وتمنحهم ما لم يرد الله بهم، فأطلق عليها "الأنداد" تهكُّماً بهم، وتشنيعاً عليهم، ولهذا قال موحّد زمان الجاهليّة زيد بن عمرو بن نفيل: شعر : أربَّاً واحداً أم ألف ربٍّ أدين إذا تُقُسِّمت الأمور تركت اللات والعزّى جميعاً كذلك يفعل الرجل البصير تفسير : وقوله: "وأنتم تعلمون"، حال من ضمير: "فَلا تَجعلوا"، ومفعوله مطروح في مثل هذا المقام، لأن المراد: "إنّكم من أهل العلم والنظر، وأرباب الرأي والفِكَر، فلو تأمَّلتم أدنى تأمّل، لتسارع عقلكم إلى إثبات موجد للممكنات، منفرد بوجوب الذات، متعال عن صفات المخلوقات وعن مشابهة المصنوعات". أو مقدّر منويّ، وهو: إن شركاءكم لا تماثله أو لا تقدر على مثل ما يفعله، كقوله: {أية : هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ} تفسير : [الروم:40]. والمقصود منه التوبيخ والتثريب، لا تقييد النهي بالجملة الحاليّة وقصره عليها، فإنّ التكليف عامّ للعالِم والجاهل المتمكّن منه، لا يختصّ بالعلماء، وإن كان الأمر عليهم أشدّ، والحجّة عليهم أقوى. فصل وأما الأنوار الإلهية والأسرار الربوبيّة المندمجة في طيّ ألفاظ هاتين الآيتين فكثيرة منها: أن الخطاب بـ "يا أيّها الناس" يستدعي حضورهم كلّهم دفعة واحدة - كما هو مفاد الخطاب لاسم الجمع المحلّى باللام -، وأين للمعدوم الغائب منهم وجود حاضر، وسمع يسمع به الخطاب؟! والسرّ فيه، أن للإنسان نحواً آخر بل أنحاء أخرى من الوجود قبل دخوله في عالم الحسِّ والشهادة، كما أن له نشأة أخرى، بل نشئات أخر بعد خروجه من هذا العالم. ومنها: أن صيغة الأمر كما تحتمل الأمر التشريعي، تحتمل الأمر التكويني، كما في قوله تعالى: {أية : يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً}تفسير : [الأنبياء:69]. وقوله: {أية : يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ}تفسير : [سبأ:10]. والتخلّف عن الأمر بالمعنى الأول محرّم، وعنه بالمعنى الثاني مستحيل؛ فقوله. "اعبدوا" إن كان أمرُ تكوينٍ يجب وقوع مقتضاه. وهو كذلك، إلا أنّ العبادة أيضاً على ضربين: أحدهما: ما لا تكلُّف فيه - وهو الامتثال الوجودي والطاعة بحسب الجِبِلّة، فجميع الأشياء بذواتها وطبائعها مطيعة لله تعالى. والثاني: ما لا يخلو عن تكلُّف وتعمُّل، وهو مخصوص بنوع الإنسان، ومعناه تطويع النفس الأمّارة للنفس المطمئنَّة؛ فالعبادة لله تعالى بالمعنى الأول حاصلة للجميع، بلا فتور وتعب وقصور، قال الله تعالى: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ}تفسير : [الإسراء:23]. ولهذا جميع عبدَة الأصنام وغيرها، إنّما عبدوها لظنِّهم معنى الإلهية فيها؛ فهم إنما ضلّوا في المصداق لا في الحقيقة. ومنها: إن الله تعالى كأنّه يقول: "إنّي خلقتكم لأجلي، وخلقت كلّ شيء لأجلكم، وجعلت لكل شيء حظّاً من العبوديّة والمحبّة، وجعلت حظّكم محبّتي ومعرفتي بلا حجاب غيري وواسطة أحد سواي، فلا تنقطعوا عن طريق حظّكم، ولا تتولّوا مجرمين إلى ملاحظة الوسائط، ولا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون علْم الأسماء الذي لا يعلمه أحد من الملائكة وغيرهم، فكيف تولّون وجوهكم نحو غيري وأنتم أعلم بي منه، وأقرب بحسب النوع". ومنها: أن "جعل" يحتمل ثلاثة معان: بمعنى صار وطفق، فلا يتعدّى؛ كقوله: شعر : فقد جعلت قوص ابنَي سهيل من الأكوار مرتعها قريب تفسير : وبمعنى أوجد، فيتعدّى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ}تفسير : [الأنعام:1]. وبمعنى صيَّر - ويتعدّى إلى مفعولين - وخير الأمور أوسطها -. فيجوز أن يكون "جعَل" في قوله: {جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} بمعنى "أوجد" أي: أوجد لكم الأرض. بأن يكون: "فراشاً" حالاً من المفعول، ويكون: "لكم" صلة لجعل - "لا لفراشاً" - ويؤيِّده قوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}تفسير : [البقرة:29]. وكذا الكلام في قوله: {وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً}، لكونه معطوفاً على سابقه، أي وجعل لكم السماء بناء. أي: وأوجدنا لأجلكم السماء حال كونها بيتاً. ويؤيِّده قوله: {أية : سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [لقمان:20]. ومن هٰهنا يُعلم أن الإنسان غاية جميع الموجودات العلويّة والسفليّة، ويظهر سرّ الخلافة الإلهيّة له، كما في قوله: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة:30] وسرّ سجدة الملائكة أجمعين لأبينا عند تمامِ التسوية والنفخ فيه من روح الله، كما في قوله {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاَّ إِبْلِيسَ} تفسير : [ص:71 - 74]. ولكن علامة سرّ الخلافة، واستحقاق المسجوديّة للملائكة، وتحقيق كونه غاية ايجاد ما في الكونين، إنّما يظهر ويصدق إذا تحقّق وتبيَّن فيه مفاد قوله تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [فصّلت:53]. ومنها: أنه تعالى أراد من هذه الآية - مع ما دلّ عليه الظاهر وسبق فيه الكلام - الإشارة إلى تفصيل خلْق الإنسان، وما أفاض عليه من المعاني والصفات على سبيل التمثيل، فمثَّل البدن بالأرض، والنفس بالسماءِ، والعقل بالماء، وما أفاض عليه من الفضائل العمليّة والنظريّة المحصّلة بواسطة استعمال العقل للحواسّ، وازدواج القوى النفسانيّة والبدنية، بالثمرات المتولّدة من ازدواج القوى السماويّة الفاعلة والأرضيّة المنفعلة بقدرة الفاعل المختار، فإن لكلّ آية ظهْراً وبطناً، ولكل حدٍّ مطَّلعاً. ومنها: أن الإنسان لمّا كان كالقرآن له ظْهر وبطن، وظْهره في هذا العالَم، وبطنه في عالم الآخرة، فكذلك ما جعله الله رزقاً له في الدنيا من الثمرات وغيرها، فهي ستنقلب في مكامن باطنه، وأطوار نشأته رزقاً له في دار الآخرة، فإن كان من أهل الجنّة، فسيصير له من طعوم الجنَّة وثمارها وفواكهها ولحوم طيورها {أية : أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الصافات:41]. وإن كان من أهل النار، فسيصير عليه حميماً وزقّوماً من {أية : شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ} تفسير : [الصافات:64 - 65]. وكذلك إنزال الماء من هذه السماء - وهو مادّة الحياة الدنيوية - باطنه إنزال ماء العلم من سماء القدس، وهو منشأ الحياة الأخرويّة كما أشار إليه في قوله تعالى: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} تفسير : [الرعد:17]. - الآية -، فكذلك لمّا كانت كرة الأثير، وأشعّة الشمس بحرارتها تؤثر في نضج الثمرات وطبخ الفواكه والمولّدات والمعادن، فهي كلّها رحمة، مع كونها ناراً مسخّنة محرقة مؤذية. كذلك من عرف نشأة الآخرة، وموضع الجنّة والنار، وما في فواكه الجنة من النضج الذي يقع به الالتذاذ لآكلية من أهل الجنّة، وما في طعوم النار من [الغلي] الذي يتأذّى به الآكلون منها، فمالئون منها البطون؛ علِم أين النار، وأين الجنّة، وانّ نضج فواكه الجنّة سببها حرارة نار الخشية والخوف، وحرقة القلب من بأس غضب الله، ومنبتها حرارة النار التي تحت مقعّر أرضها، فيكون بها صلاح ما في الجنّة من المأكولات. والقلب أيضاً - وهو مقعّر أرض الروح - كالقِدر لطبخ طعام الآخرة كما ورد: "إنّه كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصلّي وفي قلْبِه أزيزٌ كأزيزِ المرجل"، وما لا ينضج بها وبقيت فجَّة نيَّة، فتحتاج إلى طبخ آخر في النار، فحرارة الأثير وأشعّة الشمس والقمر وغيرها، كحرارة النار تحت القِدر، فإنّ مقعَّر أرض الجنة هو سقف النار، والشمس والقمر والنجوم كلّها في النار. وعن أحكامها أنها أودع فيها ما كانت منافع للإنسان بالثمرات والحيوانات في الدنيا، فكذلك أودع فيها ما كانت منافع له في الآخرة بثمرات الجنّة وفواكهها، فيفعل بالأشياء هناك علواً، كما يفعل هٰهنا سفلاً، وكما هو الأمر هٰهنا، كذلك ينتقل إلى هناك، وإن اختلفت الصور وتخالفت النشأتان، ولهذا منَّ الله بخلْق السماء والأرض، وإنزال الماء، وخلْق الثمرات على الإنسان، فافهم هذا إن كنت من أهله. فصل في مذاهب الذين جعلوا لله أنداداً واعلم أن أهل الأهواء والنِحَل كثرة، وهم الذين لا يسمعون كلام الله من أهل النبوة والولاية، ويتّبعون أهواءهم بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، وكلّهم عبدَة الشهوات والأهواء بالحقيقة، وهم على طبقات: فمِن معطِّل بطّالٍ لا يرد عليه فكره بطائلٍ، ولا يرجع عقله وفهمه به إلى حاصل، ولم يؤدّ نظره إلى اعتقاد، ولا يرشد خياله وذهنه إلى معاد، قد ألِفَ المحسوس، وركَن إلى هذا المنزل المدروس، وظنَّ أن لا عالم سوى عالم هذه الديدان والحشرات، ولا فائدة فيه سوى الاشتغال بالمطاعم والمناكح واللذات. فهؤلاء هم الطبيعيّون والدهريّون ومَن يجري مجراهم من الأطبّاء والمنجّمين، فلا يثبتون عالَماً آخر وراء الطبيعة وفوق المحسوس. ومن محصِّل نوع تحصيل، قد ترقّى عن المحسوس وأثبت المعقول، وأثبت المبدء والمعاد، لكنّه لا يقول بحدود وأحكام شرعيّة تؤدّي إلى صلاح حال الآخرة، وهؤلاء هم جمهور المتفلسفة، الذين لا دين لهم سوى اتِّباع العقل الناقص الغير المطهَّر من شوائب آفات النفس والشيطان. ومن قوم يقولون بحدود وأحكام عقليّة، وربما أخذوا أصول أقوالهم وقوانينها من مؤيّد بالوحي، إلاّ أنَّهم اقتصروا على الأول منهم وما تعدوا إلى الآخرة، وهؤلاء هم الصابئون واليهود والنصارى. أمّا الصابئة: فهم قائلون بأغا[ثا] ذيمون وهِرمِس - وهما شيث وادريس عليهما السلام - ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء. وأما اليهود والنصارى فوقفوا على موسى وعيسى عليهما السلام، وما تعدّيا إلى القول بمحمد (صلى الله عليه وآله). وكلّهم ممن جعل لله أنداداً، لأنهم عبدوا غير الله، سواء كان محسوساً كالأصنام، أو معقولاً كالروحانيات؛ إلا أن عبدة المحسوسات صريحاً تسمّى بعبدَة الأشخاص، وهم الذين يعكفون على أصنام يصنعونها ويعملونها بأيديهم، وعبدَة المعقولات بوجه تسمّى باسم الصابئة، وهم الذين يعبدون أرواح الكواكب. واعلم أنه ليس في العالم أحد يثبت لله تعالى شريكاً مساوياً له في الوجوب والعلْم والقدْرة والحِكمة، لكن الثنويّة - وهم أقرب الكفار - يثبتون إلهين - حَكِيماً يفعل الخير، وسفيهاً يفعل الشر - أمّا اتّخاذ معبود سوى الله ففي الذاهبين إليه كثْرة كما ذكرنا. الفريق الأول: عبدَة الكواكب - وهم الصابِئَة - يقولون: الروحانيات قد جبلوا على الطهارة وفطروا على التقديس والتسبيح، فهم أشرف من أفراد الإنسان، فنحن نعبدها ونجعلها أرباباً لنا، وإنما أرشدنا إليه معلّمنا اغاثاذيمون وهِرمِس، فنحن نتقرّب إليهم ونتوكّل عليهم، وهم آلهتنا ووسائلنا وشفعاؤنا عند ربّ الأرباب وإلّه الآلهة، فالواجب علينا أن نطهِّر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعية، ونهذب أخلاقنا عن علائق القوى الشهويّة والغضبيّة، حتّى تحصل مناسبة ما بيننا وبينهم، فحينئذ نسأل حاجاتنا ونطلب مراداتنا فتستجاب دعوتنا بواسطتهم من إله الآلهة. وكان اليونانيّون قبل خروج اسكندر، عمَدوا إلى بناء هياكل لهم معروفة بأسماء القوى الروحانيّة والأجرام النّيرة، واتّخذوها معبودات أو معابد لهم على حدة، وقد كان هيكل العلّة الأولى - وهي عندهم الأمر الإلهي - وهيكل العقل الصريح، وهيكل السياسة المطلقة، وهيكل النفس والصور كلها مدوّرات؛ وكان هيكل زحل مسدّساً وهيكل المشتري مثلّثاً، وهيكل المريخ مستطيلاً، والشمس مربّعاً، والزهرة مثلّثاً في جوفه مربّع، وهيكل عطارد مثلّثاً في جوفه مستطيل، وهيكل القمر مثمَّناً. الفريق الثاني: عبدَة الأوثان، ولا دين أقدم من دين عبدَة الأوثان، لأنّ عقل جمهور الإنسان في أوائل الحال كان في مرتبة الحسّ لم يعرف غير المسحوس. والدليل على ذلك، أن أقدم الأنبياء الذين نُقل إلينا تأريخهم هو نوح عليه السلام، وهو إنّما جاء بالردّ عليهم: {أية : وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} تفسير : [نوح:23]. ودينهم باقٍ إلى الآن. والدين الذي هذا شأنه، يستحيل أن يعرف فساده بالضرورة، لكنّ العلم بأن الحجر المنحوت في هذه الساعة ليس هو الذي خلقني وخلَق السماء والأرض، ضروريُّ؛ فيمتنع إطباق الجمع العظيم [عليه]، فوجب أن يكون لهم غرض آخر سوى ذلك، والعلماء ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: ما ذكره أبو مَعشَر جعفر بن محمد المنجّم البَلْخي أن كثيراً من أهل الصين والهند كانوا يقولون بالله وملائكته، ويعتقدون أنه جسم ذو صورة كأحسن ما يكون من الصورة، وكذا الملائكة؛ وأنّهم كلّهم قد احتجبوا عنّا بالسماء، وأنّ الواجب أن يصوغوا تماثيل أنيقة المنظر على الهيئة التي كانوا يعتقدونها من صور الإله وملائكته، فيعتكفون على عبادة الأصنام قاصدين به طلب الزلفى إلى الله تعالى وملائكته، فعلى هذا، السبب في عبادة الأوثان هو اعتقاد التشبيه. وثانيها: ما ذكره أكثر العلماء، وهو أن الناس لمّا رأوا تغيُّرات أحوال العالم مربوطة بتغيّرات أحوال الكواكب، واعتقدوا أن السعادة والنحوسة في الدنيا بكيفيّة وقوعها في طوالع الناس، بالَغوا في تعظيمها. فمنهم من اعتقد أنّها واجبة الوجود لذواتها، وهي التي خلَقت هذه العوالم؛ ومنهم من اعتقد أنها مخلوقة لله الأكبر، إلاّ أنها خالِقة لهذا العالَم، وأنها الوسائط بين الله والبشر، فلا جَرَمَ اشتغلوا بعبادتها والخضوع لها؛ ثم لمّا رأوا الكواكب مستترة في أكثر الأوقات عن الأبصار، اتّخذوا لها أصناماً، وأقبلوا على عبادتها قاصدين بتلك العبادة تلك الأجرام العالية، ومتقرّبين إلى أشباحها الغائبة، ولمّا طالت المدّة، تركوا ذكر الكواكب وتجرّدوا لعبادة تلك التماثيل، فهم بالحقيقة عبَدة الكواكب كالصابئة، إلاّ أنّهم أدون منزلة منهم، نسبتهم إلى الصابئة نسبة الطبيعيّة إلى الدهريّة. وثالثها: أن أصحاب الأحكام يرتقبون أوقاتاً في السنين المتطاولة نحو الألف والألفين، ويزعمون أن من اتّخذ طلسماً في ذلك الوقت على وجه خاصّ، فإنّه ينتفع به في أوقات مخصوصة نحو السعادة والخصب، ودفع الآفات، وكانوا إذا اتّخذوا ذلك الطلسم عظّموه، لاعتقادهم أنّهم ينتفعون به، فلمّا بالغوا في ذلك التعظيم، صار ذلك كالعبادة، ثم نسوا مبدء الأمر بتطاول المدة واشتغلوا بعبادتها. ورابعها: أنّه متى مات منهم رجل كبير، يعتقدون فيه أنه مجاب الدعوة ومقبول الشفاعة عند الله، اتخذوا صنماً على صورته، وعبدوه على اعتقاد أنه ذلك الإنسان يكون شفيعاً لهم يوم القيامة عند الله تعالى و {أية : يَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [يونس:18]. وخامسها: لعلّهم اتّخذوها قبلة لصلواتهم وطاعاتهم ويسجدون إليها - لا لها -، كما أنّا نسجد إلى القبلة - لا للقبلة -، ولمّا استمرّت هذه الحالة، ظنّ جهّال القوم أنّه تجب عبادتها. وسادسها: لعلّهم كانوا من المجسِّمة، فاعتقدوا جواز حلول الربِّ فيها، فعبدوها على هذا التأويل. فهذه هي الوجوه التي يمكن حمل مذهبهم عليها، حتى لا تصير بحيث يعلم بطلانها بالضرورة. تنبيهٌ واعلم أن الحكيم هِرمِس العظيم - المحمود آثاره، المرضيّ أقواله وأفعاله، الذي يُعدّ من الأنبياء الكبار، ويقال هو ادريس النبي عليه السلام كما مرّ - هو الذي وضع أسامي البروج والكواكب السيّارة، ورتّبها في بيوتها، وأثبت لها الشرف والوبال، والأوج والحضيض، والمناظرة بينها بالتثليث والتربيع والتسديس، والمقابلة والمقارنة، والرجعة والإقامة والإستقامة، وبيَّن تأثير الكواكب. وأما الأحكام المنسوبة إلى هذه الاتصالات، فغير مبرهن عليها عند الجميع، وللهند والعرب طريقة أخرى في الأحكام أخذوا من خواصّ الكواكب - لا من طبائعها - ورتَّبوها على الثوابت - لا على السيّارات -. وأما أصحاب الهياكل وأصحاب الأشخاص، فهم من فرق الصابئة، والفرق بينهما كما أشرنا إليه، وهو أن أصحاب الروحانيّات، لمّا عرفوا أن لا بدّ للإنسان من متوسّط، ولا بدّ للمتوسّط من أن يُرى فيتوجّه إليه ويُتعرّف ويُستفاد منه، فزعوا إلى الهياكل التي هي السيّارات، وكانوا يسمّونها أرباباً وآلهة، والله تعالى ربّ الأرباب وإله الآلهة. ومنهم مَن جعل الشمس إله الآلهة وربّ الأرباب، وكانوا يتقرّبون إلى الهياكل تقرّباً إلى الروحانيّات تقرّباً إلى الباري تعالى، لاعتقادهم بأنّ الهياكل أبدان الروحانيّات، ونسبتها إلى الروحانيّات نسبة أجسادنا إلى أرواحنا، فهم الأحياء الناطقون بحياة تلك الأرواح، ولا شكّ أن من تقرَّب إلى شخص فقد تقرّب إلى روحه؛ ثمّ استخرجوا من عجائب الحيَل المرتّبة على عمل الكواكب، ما كان يقضي منه العجب، من الطلسمات والنيرنجأت وغيرها - من السِحْر والكهانة والتنجيم والتعزيم والخواتيم من الصور - وهذه كلّها من علومهم. وأما أصحاب الأشخاص فقالوا: إذا كان لا بدّ من متوسِّط يُتوسل به، وشفيع يُتشفع إليه، والروحانيّات وإن كانت هي الوسائل، لكنّا إذا لم نرَها بالأبصار، ولم نخاطبها بالألسُن، لم يتحقّق التقرّب إليها لاّ بهياكلها؛ ولكن الهياكل قد تُرى في وقت ولا تُرى في وقت - لطلوعها وأفولها، وظهورها بالليل وخفائها بالنهار - فلا بدّ لنا من صور وأشخاص موجودة قائمة منصوبة نصب أعيننا، نعكف عليها، ونتوسّل بها إلى الهياكل، فنتقرّب بها إلى الروحانيّات، وبها إلى الباري، فنعبدهم ليقرّبونا إلى الله زلفى. فاتَّخذوا أصناماً وأشخاصاً على مثال الهياكل السبعة، كل شخص في مقابلة هيكل، وصنعوها من الأجساد السبعة المتطرّقة من الحديد والنحاس وغيرهما، فراعوا في ذلك: الزمان، والوقت، واليوم، والساعة، والدرجة، والدقيقة، وجميع الأوصاف النجومية؛ فتقربوا إليه في يومه وساعته وتبخروا ببخوره، وتختّموا بخاتمه، ولبسوا لباسه، وتضرّعوا بدعائه، وعزموا بعزائمه، وسألوا حاجاتهم منه. فيقولون: كانت تُقضى حوائجهم بعد رعاية هذه الإضافات، وذلك هو الذي أشار إليه قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً}، فأصحاب الهياكل هم عبدَة الكواكب إذ قالوا بإلهيّتها - كما مرّ -، وأصحاب الأشخاص هم عبدة الأوثان إذ سمّوها آلهة في مقابل الآلهة السماويّة وقالوا: {أية : هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ}تفسير : [يونس:18]. وقد ناظر الخليل - على نبيّنا وآله وعليه السلام - هؤلاء الفريقين، فابتدء بكسر مذاهب الأشخاص، وذلك قوله تعالى: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ}تفسير : [الأنعام:83]. وتلك الحجَّة أن كسرهم قولاً، لقوله: {أية : أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}تفسير : [الصافات:95-96]. ولمّا كان أبوه آذر هو أعلم القوم بعمل الأشخاص والأصنام، ورعاية الإضافات النجوميّة - حقّ الرعاية -، ولهذا كانوا يشترون منه الأصنام - لا مِن غيره -، كان أكثر الحجج معه، وأقوى الإلزامات عليه، إذ قال عليه السلام: {أية : لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام:74]. ثم عدَل إلى كسر مذاهب أصحاب الهياكل، وكما أراه الله الحجَّة على قومه، قال: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} تفسير : [الأنعام:75]. فاطّلعه على ملكوت الكونين، وسرّ العالمين، تشريفاً له على الروحانيّات وهياكلها، وترجيحاً لمذهب الحنفاء على مذهب الصابئة، وتقريراً بأنّ الكمال في الرجال. فأقبلَ على إبطال مذاهب أصحاب الهياكل: {أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـٰذَا رَبِّي} تفسير : [الأنعام:76]. على وِزان إلزامه على أصحاب الأصنام: {أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا} تفسير : [الأنبياء:63] وإلاّ فما كان الخليل كاذباً في هذا القول، ولا مشرِكاً ولا شاكّاً في تلك الإشارة. ثمّ استدلّ بالأفول والزوال، والتغيُّر والإنتقال بأنّه لا يصحُّ أن يكون إلهاً، فإنّ الإله القديم لا يتغيَّر، وإلاّ لاحتاج إلى مغيِّر. وعن هذا ما استدل عليهم بالطلوع، - وإن كان الطلوع أقرب إلى الحدوث من الأفول - فإنّهم انتقلوا إلى عمل الأشخاص لما اعتراهم من التحيُّر بالأفول، فأتاهم الخليل عليه السلام من حيث تحيّرهم؛ فاستدلّ عليهم بما اعترفوا بصحَّته، وذلك أبلغ في الاحتجاج. فإن قلت: لمّا رجع حاصل مذاهب عبَدة الأصنام - بل عبدَة الأوثان - إلى الوجوه التي ذكرت، فما وجه المنع عنها؟ قلنا: لمّا تقرّبوا إليها، وعظَّموها، وسمُّوها "آلهة"، جرت أحوالهم مجرى مَن يعتقد أنها آلهة مثلُه، قادرةٌ على مخالفته ومضادته، شنّع عليهم واستفظع شأنهم، سيّما إذا كانوا محاربين لأهل الحقّ، مخاصمين للأنبياء عليهم السلام؛ فقيل لهم ذلك على سبيل التهكّم بأن جعلوها أنداداً كثيرة لمن لا يصح أن يكون له ندّ واحد فقط، ولا يفيد في عبادته إلا الحنيفيّة والإخلاص ورفع الوسائط من البين. تتمة زعم أصحاب التأريخ أن عَمرو بن لُحَى لمّا ساد قومه وترأس على طبقاتهم، وولي أمر البيت الحرام، اتّفقت له سفرة إلى البلقاء، فرأى قوماً يعبدون الأصنام، فسألهم عنها فقالوا: "هذه أرباب نستنصر بها فنُنصَر، ونستسقي بها فنُسقى"، فالتمس منهم أن يكرموه بواحدة منها؛ فأعطوه الصنم المعروف بـ "هُبَل"، فسار به إلى مكّة، ووضعه في الكعبة، ودعا الناس إلى تعظيمه - وذلك في أول ملك سابور ذي الأكتاف -. واعلم أن من بيوت الأصنام المشهورة غمدان الذي بناه الضحّاك على اسم الزهرة بمدينة صنعاء، وخربه عثمان. ومنها نوبهار بلْخ، الذي بناه منوشهر الملك على اسم القمر. ثمّ كان لقبائل العرب أوثان معروفة مثل وُدَّ بدومة الجندل، وسُواع لبني هذيل، ويَغُوث لمذحج، ويَعُوق لهمدان، ونَسْر بأرض حِمير لذي الكلاع، واللاَّت بالطائف لثَقيف، ومَناة بيثرب للخزرج، والعُزّىٰ لكنانة بنواحي مكة، وأساف ونائلة على الصفا والمروة. وكان قُصَيّ - جدّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) - ينهاهم عن عبادتها، ويدعوهم إلى عبادة الله سبحانه؛ وكذلك زيد بن عمرو بن نفيل - حتى فارَق قومه - وقد نقلنا شعره الدالّ على توحيده الباري -.
الجنابذي
تفسير : {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} صيروا عبيداً له بالخروج من رقّية أنفسكم وأهويتها او افعلوا له فعل العبيد لمواليهم بان لا يكون حركاتكم الاّ من امره ونهيه او افعلوا صورة ما جعله الله افعال عبيده من الاعمال المقرّرة فى الشّريعة، والرّب قد يطلق ويراد به ربّ الارباب اى الواجب الوجود بالذّات وهو المعبود على الاطلاق، وقد يطلق ويراد به الرّبّ المضاف وهو علويّة علىّ (ع) فانّه ظهور الرّبّ المطلق وعنوانه وما يخبر به عنه فانّه تعالى شأنه من غير هذا الظّهور والعنوان لا خبر عنه ولا اسم ولا رسم فلا يعبد، وامّا بعد ظهوره بهذا العنوان فهو يدرك ويخبر عنه ويعبد، وهذا العنوان لكونه ظهوراً للرّبّ المطلق ومضافاً الى الخلق يسمّى بالرّبّ المضاف وقد ورد فى بيان قوله تعالى وكان الكافر على ربّه ظهيراً انّ المراد به الرّبّ المضاف وهو علىّ (ع) ولا يبعد ان يراد بالرّبّ هنا الرّبّ المضاف ولا ينافيه التّوصيف بالخالقيّة لانّه واسطة خلق الخلق كما ورد خلق الله الاشياء بالمشيئة والمشيئة بنفسها، وعلويّة علىّ (ع) هى المشيئة، واذا اريد الرّبّ المضاف فالمراد بالعبادة عبادة الطّاعة، وقد يطلق الرّبّ ويراد به ما يسمّونه ربّاً من الله والاصنام والكواكب والسّلاطين {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} التّوصيف لتعليل الامر لا لتقييد الرّبّ او لتقييد الرّبّ على المعنى الثّالث للرّبّ والتعليل جميعاً {وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} استئناف بيانىّ لبيان علّة الامر بالعبادة او علّة العبادة او علّة الخلق وفى تفسير الامام (ع) اشارة الى تعدّد الوجوه وورد فى كثيرٍ من الاخبار عنهم للآيات تفاسير مختلفة ونقل عنهم فى بعض الآيات وجوهٌ عديدة وهذا من سعة وجوه القرآن ومن باب صحّة الحمل على الكلّ بحسب المقام المقتضى لكلّ، وما نقل انّ القرآن ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه؛ لا ينافى اختلاف التّفاسير، فانّ المقصود من الحمل على أحسن الوجوه الحمل على ما هو أحسن الوجوه بحسب مقام البيان لا الحمل على أحسن الوجوه مطلقاً.
الأعقم
تفسير : {يأيها الناس} قيل: هم أهل مكة، وقيل: هو عامٌ. {اعبدوا ربكَمْ} اي وحدّوه وأطيعوه. {لعلكم تتقون} أي لكي تتقوا الله تعالى. {الذي جعل لكم الأرض فراشاً} اي بساطاً. {والسماء بناءً} أي سقفاً. {فلا تجعلوا لله أنداداً} أي أضداداً. {وأنتم تعلمون} انه الخالق دون الأوثان، وقيل: تعلمون أنه المنعم عليكم دون الأوثان فإنها لا تنفع ولا تضر فكيف تستحق العبادة. {وإن كنتم في ريب ممَّا نزلنا على عبدنا} الآية، اعلم ان الله عزَّ وجلَّ تحدَّى العرب بأن يأتوا بمثله ثم حطهم مرتبة أخرى فقال: {فأتوا بسورة من مثله} وبالاتفاق ان العرب كانوا في النهاية من الفصاحة بحيث لا يكون قبلهم ولا بعدهم أفصح منهم وأقل سورة ثلاث آيات. {وادعوا شهداءكم} يعني واستعينوا بآلهتكم التي تعبدونها. {من دون الله إن كنتم صادقين} بأن محمداً (صلى الله عليه وآله وسلم) افتراه، وقيل: أعوانكم، وقيل: ناس يشهدون لكم. { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} فنفى عنهم انهم لم يفعلوا كما هو عالم لما فيه من الاعجاز فارجعوا الى عقولكم. {واتقوا الله} بفعل طاعتكم لله ولرسوله. {التي وقودها الناس} اي حطبها. {والحجارة} قيل: هي الاصنام، وقيل: هي الكبريت، وقيل: هي حجارة يعذبون بها، وقيل: هي كنوز الذهب والفضة. {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات} قيل: اخلصوا الأعمال. وعن علي (عليه السلام): "اقامة الصلاة المفروضة"، وقيل: الطاعة فيما بينهم وبين ربهم، وقيل: العمل الصالح الذي يكون فيه أربعة أشياء: العلم، والنية، والصبر، والاخلاص. {من تحتها الانهار} أي من تحت أشجارها فحذَف المضاف، وقيل: من تحت منازلها وهم في الغرفات. {قالوا هذا الذي رزقنا من قبل} قيل: في الجنة من قوله: {بكرة وعشيا}، وقيل: في الدنيا. {وأُتوا به متشابهاً} قيل: مشبها في الصورة واللون مختلفاً في الطعم، وقيل: متشابهاً في الأسماء، وعن ابن عباس (رضي الله عنه): ليس في الدنيا مما في الجنة الا الأسماء. {ولهم فيها أزواج} قيل: الحور العين، وقيل: نساء الدنيا المؤمنات مطهرات من الحيض والبول والغائط وجميع الأقذار.
الهواري
تفسير : قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} أي لا تشركوا به شيئاً {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي وخلق الذين من قبلكم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي لكي تتقوا. قوله: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً} فرشكموها ثم جعلكم عليها. وهو مثل قوله: (أية : بِسَاطاً)تفسير : [نوح:19] و (أية : مَهْداً)تفسير : [طه:53، والزخرف:10] قال: {وَالسَّمَآءَ بِنَاءً}. ذكروا عن الحسن حديث : أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال يوماً لأصحابه: ما تسمُّون هذه؟ أو قال: هذا، يعني السماء. قالوا: السماء. قال: هذا الرقيع، موج مكفوف. غلظها مسيرة خمسمائة عام، وبينها وبين السماء الثانية مسيرة خمسمائة عام، وغلظها مسيرة خمسمائة عام. وبينها وبين السماء الثالثة مسيرة خمسمائة عام، وغلظها مسيرة خمسمائة عام. وبينها وبين السماء الرابعة مسيرة خمسمائة عام، وغلظها مسيرة خمسمائة عام. وبينها وبين السماء الخامسة مسيرة خمسمائة عام، وغلظها مسيرة خمسمائة عام. وبينها وبين السماء السادسة مسيرة خمسمائة عام، وغلظها مسيرة خمسمائة عام. وبينها وبين السماء السابعة مسيرة خمسمائة عام، وغلظها مسيرة خمسمائة عام. وبين السماء السابعة وبين العرش كما بين سماءين. وغلظ هذه الأرض مسيرة خمسمائة عام. وبينها وبين الثانية مسيرة خمسمائة عام وغلظها مسيرة خمسمائة عام. وبينها وبين الثالثة مسيرة خمسمائة عام، وبين الرابعة إلى الخامسة مثل ذلك وبين الخامسة إلى السادسة مثل ذلك. وبين السادسة إلى السابعة مثل ذلك . تفسير : ذكروا حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [بينما كان] في مسير له في يوم شديد الحرّ، إذ نزل منزلاً فجعل رجل ينتعل ثوبه من شدّة الحرّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أراكم تجزعون من حر الشمس وبينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام، فوالذي نفسي بيده لو أن باباً من أبواب جهنم فُتح بالمشرق ورجل بالمغرب لغلا منه دماغه حتى يسيل من منخريه . تفسير : قوله: {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً} يعني أعدالاً، تعدلونهم بالله وتعبدونهم، وهو الله لا شريك له. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه خلقكم وخلق السماوات والأرض وأنه رازقكم؛ كقوله: (أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ)تفسير : [الزخرف:87]، وكقوله: (أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ الْعَلِيمُ)تفسير : [الزخرف:9]. وقال في آية أخرى: (أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ)تفسير : [العنكبوت: 61].
اطفيش
تفسير : {يَا آيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمْ}: لما ذكر المؤمنين والمشركين والمنافقين وخواص هؤلاء الفرق الثلاث، ومصارف أمورهم كصرف المؤمنين حواسهم إلى الحظوظ الآجلة، والمشركين والمنافقين حواسهم إلى العاجلة، أقبل عليهم بالخطاب على طريق العرب، فى التفاتها من الغيبة إلى الخطاب، تحريكاً للسامع وتنشيطاً له، واهتماماً بأمر العبادة وتفخيما لشأنها، فإن التفنن فى الكلام والخروج فيه من تصنيف إلى تصنيف ما يستدعى زيادة إصغاء، هذا كما تقول لمخاطبيك: إن من فعل كذا أو كذا لحميد وإن جزاءه من الخير كذا وكذا، وإن من فعل كذا وكذا لذميم، وإن عقابه كذا وكذا يا بنى فلان أنه حق عليكم أن تنظروا لأنفسكم ولا تهملوها وتلزموها طريق النجاح لتفوزوا عن الهلاك إلى الفلاح، ولما كان فى عبادة الله - عز وجل - مشقة يلزم الشيطان ساحتها، ويقوى ما ضعفت منها جبرها الله - جل وعلا - بخطابه الناس، لأن فى خطابه إياهم لذة وإيناساً. وإنما ناداهم بيا وهى للبعيد والله - سبحانه وتعالى - أقرب من حبل الوريد، لأنهم بسهوهم وغفلتهم منزلون بمنزلة البعيد، وللتأكيد فى النداء إيذاناً بإنما يتلو النداء مما يهتم به الغافل، والبعيد يعتنى بأمره خوفاً عليه أكثر مما يعتنى بالقريب، وأما دعاؤنا الله بيا فاستبعاد لأنفسنا واستقصار لها عن مظان الزلفى الموسومة للمقربين، وهضم لها وإقرار بالتفريط فى جنب الله، ومبالغة فى الدعاء وطلب الإجابة، وأى اسم جنس مبهم جعل وصلة لنداء ما فيه أل، لأن حرف النداء وأل متماثلان، ولا يجتمع تعريفان، وهى نكرة مقصودة، ولما كان اسم جنس مبهماً لزم بعده اسم جنس آخر مقرون بأل يزيل إبهامه، أو ما يجرى مجرى اسم الجنس نحو: يا أيها الزيدون، ويا أيها ذا، ففى ذلك فائدة الإيضاح بعد الإبهام، وهو نوع تأكيد، وها للتنبيه جاء بها تعويضاً عما يستحق أى من المضاف إليه، والتنبيه تأكيد، فهذا تأكيد آخر، فذلك ثلاث توكيدات: النداء بياء والتنبيه والإيضاح بعد الإيهام، ولا يقطع ما بعد أنها عن الضم إشعاراً بأنه المقصود بالنداء، والضمة فيه أو نائبها مناسبة للفظ أى وهو مقدر النصب بفتحة أو نائبها لا إعراب ولا بناء، لكن لما كانت حركة المنادى وحرفه النائب عنها كحركة الإعراب أو نائبها لحدوثها بحرف النداء اتبع فيه المنادى، وهذا أولى من أن يجعل ذلك فى تابع أيها إعراباً على نية أن المنادى نائب الفاعل تقدير الفعل النداء مبنياً للمفعول، كقولك فى الإنشاء يدعى الناس وللتوكيدات الثلاث فى ذلك كثر النداء بمثل ذلك فى القرآن فى كل أمر عظيم حقيق بالتفطن له والإقبال عليه، والأصل فى أل العموم فاذا لم يدل دليل على العهد أو غيره حملت على العموم أو الجنس، سواء دخلت على الجمع كالملائكة أو اسم الجمع كالناس أو المفرد كالإنسان، ولذلك صح الاستثناء منها والتوكيد بما يؤكد الجمع نحو:{أية : فسجد الملائكة كلهم أجمعون}،{أية : والعصر إن الإنسان لفى خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}تفسير : ، وما زالت الصحابة يستدلون بعموم ذلك، فالناس فى الآية يعم الموجودين وقت النزول عموماً ظاهراً متبادراً من لفظ النداء والخطاب، ويعم من سيوجد عموماً ملحقاً تنزيلا منزلة الموجودين لما تواتر أن ما نزل عليه - صلى الله عليه وسلم - شامل لمن يأتى بعد إلى قيام الساعة، إذ لا نبى بعده إلا ما خصه الدليل بمن فى زمانه أو بمن بعده، وقال الرازى: عموم من سيوجد من دليل خارج لا من الآية، وهو المتواتر المذكور والمشهور الأول، والله - عز وجل - قد أمر فى الآية الكفار والمؤمنين بالعبادة، أما العبادة التى أمر بها الكفار فالإيمان بالله والرسول والأنبياء والكتب والبعث وغير ذلك مما يجب الإيمان به، وعمل الفرائض من وضوء وصلاة وصيام وزكاة وغير ذلك وترك المعاصى كالزنى والسرقة والغصب وغير ذلك، وأما العبادة التى أمر بها المؤمنين فالثبات على الإيمان وعلى عمل الفرائض وترك المعاصى والارتياد من ذلك، وإن شئت فقل التى أمر بها المؤمنين ما ذكر، والتى أمر بها المشركين أداء الفرائض فعلا وتركاً، وهو أمر يستلزم من الأمر بالإيمان، إذ لا تتم عبادتهم إلا به، فإن الأمر بالشىء أمر بها لا يتم الشىء إلا به، فالأمر بالعبادة أمر بتقديم الإيمان عليها، كما أن الأمر بالوضوء أمر بتقديم غسل النجس عليه، وكثيراً ما يذكر النجس فى كتب الفقه والحديث، ويقتصر على ذكر الوضوء دون ذكر غسل النجس، لما علم أنه لا يصح وضوء مع وجود نجس، وكما أن الأمر بالصلاة أمر بالوضوء قبلها، فالشرك لا يمنع وجوب العبادة، بل يجب تركه والاشتغال بها بعد تركه، وعن ابن مسعود وابن عباس وعلقمة والحسن: أن كل شئ نزل فيه {يا أيها الناس} فمكى، و{أية : يا أيها الذين آمنوا}تفسير : فمدنى، ولم يصح رفع ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثاً فضلا عن أن يكون حديثاً حسناً أو صحيحاً، وقد تقرر أن البقرة مدنية وقد ذكر فيها {يَا أيُّهَا النَّاسُ} وكذا النساء والحجرات اتفقوا على أن الثلاث مدنيات، وقد ذكر فيهن {يَا أيُّهَا النَّاسُ} وسورة الحج مكية، وقد ذكر فيها {أية : يا أيها الذين آمنوا}تفسير : ، إلا أن يقال إن {يا أيها الناس} مكى، و{أية : يا أيها الذين آمنوا}تفسير : مدنى حيث كانا، وإن المراد بكون السورة مكية أو مدنية كون غالبها كذلك، وعلى صحة الرفع لا يوجب تخصيص الآية بالكفار، لأن عبادتهم إنما تعتبر بعد كونهم مؤمنين، أخرج الحاكم فى مستدركه، والبيهقى فى الدلائل، والبزاز فى مسنده من طريق الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: ما كان {أية : يا أيها الذين آمنوا}تفسير : نزل بالمدينة وما كان {يا أيها الناس} فبمكة، وأخرجه أبو عبيد فى الفضائل عن علقمة مرسلا، وأخرج عن ميمون بن مهران قال: ما كان فى القرآن {يَا أيُّهَا النَّاسُ} أو {أية : يا بنى آدم}تفسير : فإنه مكى، وما كان {أية : يا أيها الذين آمنوا}تفسير : فمدنى، قال ابن عطية وابن الفرس وغيرهما: هو فى {أية : يا أيها الذين آمنوا}تفسير : صحيح، وأما {يَا أيُّهَا النَّاسُ} فقد يأتى فى المدنى، وقال ابن الحصار قد اعتنى المتشاغلون بالنسخ بهذا الحديث واعتمده على ضعفه، وقد اتفق الناس على أن النساء مدنية وأولها {يَا أيُّهَا النَّاسُ} وعلى الحج مكية وفيها {أية : يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا}تفسير : وقال غيره: هذا القول إن أخذ على إطلاقه فيه نظر فإن سورة البقرة مدنية وفيها {يا أيها الناس اعبدوا ربكم}، {أية : يا أيها الناس كلوا مما فى الأرض}تفسير : وسورة النساء مدنية وأولها {يَا أيُّهَا النَّاسُ} وقال مكى: وهو عالم أندلسى معاصر لأبى عمرو والأندلسى الدانى هذا إنما هو فى الأكثر وليس بعام، وفى كثير من السور المكية {أية : يا أيها الذين آمنوا}تفسير : وقال غيره: الأقرب حمله على أنه خطاب المقصود به أو جل المقصود به أهل مكة أو المدنية، وقال القاضى عياض: إن كان الرجوع فى هذ إلى النقل فمسلم، وإن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على الكثرة دون مكة فضعيف إذ يجوز خطاب المؤمنين بصفتهم وباسمهم وجنسهم ويؤمر غير المؤمنين بالعبادة كما يؤمر المؤمنون بالاستمرار عليها، والازدياد منها، نقله فخر الدين فى تفسيره، وأخرج البيهقى فى الدلائل من طريق يونس بن بكر عن هاشم بن عروة عن أبيه قال: كل شىء نزل من القرآن فيه ذكر الأمم والقرون، فإنما نزل بمكة وما كان من الفرائض والسنن فإنما نزل بالمدينة، وقال الجعبرى: لمعرفة المكى والمدنى طريقان: سماعى وقياسى، فالسماعى ما وصل إلينا نزوله بأحدهما، والقياسى كل سورة فيها {يَا أيُّهَا النَّاسُ} فقط أو كلا، أو أولها حرف تهج سوى الزهراوين والرعد أو فيهما قصة آدم وإبليس سوى البقرة فهى مكية، وكل سورة فيها قصص الأنبياء والأمم الخالية فهى مكية، وكل سورة فيها فريضة أو حد فهى مدنية، وقال مكى: كل سورة فيها ذكر المنافقين فهى مدنية. قال غيره: إلا العنكبوت، وفى كامل البذلى كل سورة فيها سجدة فهى مكية وقال الدرينى: شعر : وما نزلت كلا بيثرت فاعلمن ولم تأت فى القرأن فى نصفه الأعلى تفسير : وحكمة ذلك أن نصفه الأخير نزل أكثره بمكة وأكثرها جبابرة فتكررت فيه على وجه التهديد والتعنيف لهم والإنكار عليهم، بخلاف النصف الأول وما نزل منه فى اليهود، ولم يحتج إلى إيرادها فيه لذلتهم وضعفهم ذكره العمانى، وإنما قلت أنا والفخر وغيره: دوام المؤمنين على العبادة وازديادهم منها دفعاً لتحصيل الحاصل، وهو مردود كما أشار إليه من قال من بحر الخفيف: شعر : فلو انى فعلت كنت كمن تسأله وهو قائم أن يقوما تفسير : وإنما قال:اعبدوا ربكم، ولم يقل: اعبدوا الله أو الرحمن أو نحو ذلك إشارة إلى أن موجب العبادة هو الربوبية. {الَّذِى خَلَقَكُمْ}: صفة للتعظيم والتعليل، والموصوف ربكم، أما التعظيم فلأنه الخالق ولا يقدر سواه أن يخلق، وفيه مدح، وأما التعليل فلأن الموصول مع صلته كالمشتق، وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بعليته، فكأنه قيل اعبدوا الله لأنه ربكم، ولأنه خلقكم، وهذا صحيح - إن شاء الله تعالى - سواء جعلنا الخطاب للمؤمنين والمشركين، أو للمشركين وحدهم، لأنهم مقرون بأن الحقيق بالربوبية هو الله - جل وعلا - وأنه الخالق كما قال جل وعلا:{أية : ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}، {أية : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله}تفسير : فلكونهم مقرين بذلك أخرج الكلام مخرج ما تقرر عند المخاطب، وكان المخاطب مسلماً إذ جعل الخلق صلة للموصول والصلة معهودة للمخاطب ثابتة عنده فى أصل الكلام، فلو قلت لمن يعترف بمجىء زيد: أكرم زيد الذى جاء، لم يكن كلامك مقبولا، إلا إن أردت التلويح إلى استبعاد إنكار مجيئه، وإلى أن مجيئه كالشىء الذى لا يمكن إنكاره، فحينئذ تخاطبه فى إثبات ما أنكر كأنك تشير إليه أنك معاند مكابر، أو أنك لو نظرت أدنى نظر لتمكنت من العلم بمجيئه، فجوز فى الآية أيضاً أن يقال. أخرج الكلام مخرج ما تقرر بالنسبة إلى مشركى العرب المقرين بأن الخالق الله لإقرارهم بالنسبة إلى كل من لم يقر بأن الله - عز وجل - هو الخالق لتمكنه من العلم بأنه هو الخالق، أو نظر أدنى نظر، ولو قال اعبدوا ربكم وهو خلقكم، أو لأنه خلقكم، لكان الكلام غير مخرج مخرج ما تقرر عند المخاطب جزماً، فإنهما يقالان لمن تقرر عنده ولمن لم يتقرر عنده، ويجوز أن يكون الوصف فى الآية للتوضيح إذا جعلنا الخطاب للمشركين المقرين بأن الله هو الخالق، فإن الرب عندهم يشمل الصنم والله سبحانه وتعالى، فاحترز بالذى خلقكم من الصنم، والخلق إيجاد الشىء على تقدير واستواء، وهذا مختص بالله - جلا وعلا - وأصله التقدير وهذا يوصف به المخلوق أيضاً، ولذا قال جل وعلا:{أية : تبارك الله أحسن الخالقين}تفسير : فأثبت تعدد الخالقين أى المقدرين، يقال خلق النعل إذا قدرها وسواها بالمقياس، وقرأ أبو عمر وخلقكم بإبدال القاف كافاً وإسكان هذه الكاف وإدغامها فى الكاف بعدها، ولم يدغم أبو عمرو من المتقاربين فى كلمة إلا القاف فى الكاف التى تكون فى جمع المذكرين إذا تحرك ما قبل الكاف نحو: خلقكم ورزقكم ويخلقكم ويرزقكم، وواثقكم به وأظهرها إن سكن ما قبلها نحو ميثاقكم وبورقكم، بإسكان الراء عنده، أو لم يكن الكاف للجمع نحو خلقك ويرزقك، واختلف أهل الأداء فى قوله: {أية : إن طلقكن}تفسير : فى التحريم، فكان ابن مجاهد يأخذ بالإظهار، وعلى ذلك عامة أصحابه، قال أبو عمرو والدانى وألزم اليزيدى أبا عمر وإدغامه فدل على أنه يرويه عنه بالإدغام وهو القيام لثقل الجمع والتأنيث. انتهى. {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ}: عطف على كاف خلقكم أى وخلق الذين تقدم زمانهم على زمانكم، ويستعمل لفظ قبل ونحوه فى التقدم بالذات، كتقدم الجزء على الكل والواحد على اثنين، وقرأ أبو السميدع:{أية : وخلق من قبلكم}تفسير : بإثبات من بفتح الميم مكان الذين، وفتح لام قبلكم وقرأ زيد بن على والذين من قبلكم بإثبات الذين، ومن بفتح الميم ولام قبلكم بزيادة الموصول الثانى، وهو من بفتح الميم تأكيداً لفظياً، ومع بالمرادف شذوذ وقبلكم صلة الذين أو من خير لصدر صلة الذى محذوف الطول الخبر الذى هو من بصلتها، أى والذين هم من قبلكم بفتح الميم واللام، وقبلكم صلة من ومما زيد فيه الاسم كقول جرير: شعر : يا تيم تيم عدى لا أبالكم لا يوقعنكم فى سوءة عمر تفسير : فتيم الأول مضاف لعدى والثانى زائد بينهما، وقال المبرد: الثانى مضاف إلى عدى والأول مضاف إلى محذوف أى يا تيم عدى تيم عدى. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: حال من الواو فى {اعْبُدُوا} على معنى قولك اعبدوا ربكم راجين الاتقاء عن مناهيه أو هو على تقدير القول، أى قائلين فى قلوبكم طمعاً لعلكم تتقون، وعلى هذا الوجه يكون فى ذلك التفات من التكلم إلى الخطاب على مذهب السكاكى، إذ مقتضى الظاهر أن يقول: لعلنا نتقى، أو الجملة حال من الكاف فى خلقكم والذين، أى خلقكم والذين من قبلكم فى صورة من يرجى منه التقوى والكمال أسبابه ودواعيه من عقل ومصنوعات الله وأفعاله فى الأمم السابقة، ومعجزات النبى صلى الله عليه وسلم، وكتاب الله سبحانه وتعالى فى هذا الوجه تغليب المخاطبين على الغائبين فإن الكاف للمخاطبين والذين اسم ظاهر للغائبين، وليس فى {تَتَّقُونَ} إلا الخطاب، والمعنى على إرادتهم جميعاً، ولعل فى هذه الأوجه كلها للترجى مصروفاً إلى البشر، وقيل لعل للتعليل وهو تعليل لقوله تعالى: {خَلَقَكُمْ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} أى خلقكم والذين من قبلكم لكى تتقوا، كما قال:{أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : وحكى البغوى عن الواقدى أن جميع ما فى القرآن من لعل فإنها للتعليل إلا قوله: {أية : لعلكم تخلدون}تفسير : فإنها للتشبيه، وكذا قال ابن أبى حاتم من طريق السدى عن أبى مالك، ونص البخارى: أنها فى {أية : لعلكم تخلدون}تفسير : للتشبيه، وعن قتادة كان فى بعض القراءات: كأنكم تخلدون، وكونها للتشبيه غريب، والتعليل أيضاً ضعيف، والصحيح أنها للترجى أو التوقع مصروف إلى البشر حيث وردت من كلام الله عز وجل، وقد أطلت البحث عن ذلك فى النحو، وإذا استعملت فى شأن عظيم، فهى للترجى كذلك، واليقين إنما يفيده الحال، حال ذلك العظيم إذ كان تلويحه بشىء على طريق غير الجزم جزماً، لأنه عظيم الوفاء والغنى عما طلبه منه غيره، فلا يمنعه عنه، قال الشاعر: شعر : وقلتم لنا كفوا القتال لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق تفسير : فلولا أنها لليقين ما قال وثقتم لنا كل موثق، إلا أن يقال هى فيه للتعليل، والآية تدل على أن التقوى فوز بالهدى وفلاح، مستوجبان لرضى الله وثوابه، وإن التقوى منتهى درجات السالكين، وهى ترك المعاصى والإعراض عما سوى الله تعالى، ووجه إرشاد الآية أنها إلى منتهى درجاتهم، أنها جعلت غاية للعبادة، أى اعبدوه تصلوا هذه الدرجة، أو خلقكم والذين من قبلكم على أن تناولوا التقوى، وتدل الآية أيضاً على أن العابد لا يغتر بعبادته، بل يرجو ويخاف كقوله عز وجل:{أية : يدعون ربهم خوفاً وطمعا}تفسير : وقوله:{أية : يرجون رحمته ويخافون عذابه}تفسير : أو على أن الإنسان غير مهمل، أى خلقكم على أن تتقوا، وتدل آية أيضاً على أن الطريق إلى معرفة الله تعالى والعلم بوحدانية واستحقاقه العبادة النظر فى صنعته والاستدال بأفعاله، قال القاضى: وإن العبد لا يستحق بعبادته عليه ثواباً فإنها لما وجبت عليه شكوراً لما عدده عليه من النعم السابقة، فهو كأجير أخذ الأجرة قبل العمل. انتهى.
اطفيش
تفسير : {يَٰأَيُّهَا النَّاسُ} لم يقع النداء فى القرآن بغير يا، وهى الأصل، فما حذف منه حرف النداء، مثل: {ربنا لا تؤاخذنا}، وآية المؤمنون قدر فيه ياء، لذكرها فى غيره ولأصالتها، ويأيها الناس مكىّ، وقلَّ مدنيا، كما فى هذه السورة والنساء والحجرات، فإنهن مدنيات، والنداء هنا، وفى قوله: {يَٰأيها الإنسان}، ونحوهما للتنبيه على ما يصلح، ويأتى للمدح، نحو، {يَٰأيها الرسول}، و، {يَٰأيها النبي}، و، {يَٰأيها الذين آمنوا}، وللذم نحو، قل يأيها الكافرون، وليس منه، يأيها الذين هادوا، لأن المعنى الذين ادعوا أنهم تابوا إلى الله. إلا أن يدعى خروجه عن معناه الأصلى إلى معنى الذين بقوا على اليهوديه مع بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، ويكون للعقاب، كقوله تعالى: يا أيها المدثر، و: يا أيها المزمّل، أو الآيتان للإنشاط والإراحة من صبق المفاكه لغيره، ويكون لغير ذلك، والخطاب فى مثل الآية للموجودين المكلفين والآيتين بعد إلى قيام الساعة، ولو مجانين أو صبيانا يقيد الإفاقة والبلوغ، وذلك تغليب وقيل للمكلفين الموجودين فى مهبط الوحى، وأما غيرهم فبالنص أو القياس أو لإجماع، لا بصيغة الشراء ونحوها، وعلى الأول خوطبوا إذا بلغوا أو أفاقوا من زمان الوحى، قال بعضهم: الأصح أن نحو يأيها الناس يشمل الرسول صلى الله عليه وسلم ولو قرن بقل، أو اكتب إليهم، أو بلغهم، أو نحو ذلك، وقيل: لا يشمله، لأنه ورد على لسانه للتبليغ لغيره، لأنه إن كان آمراً أو مبلغاً فلا يكون مأموراً أو مبلغاً إليه لأن الواحد بالخطاب الواحد لا يكون آمراً ومأموراً، ومبلغاً ومبلغاً إليه للضرورة ولأن الآمر أو المبلغ طالب، والمأمور أو المبلغ إليه مطلوب، وإن قيل: قد يكون آمراً ومأموراً، مبلغاً مبلغاً إليه من جهتين، قلت: الآمر أعلى رتبة من المأمور، ولا بد من المغايرة، إلا أنه لا يشترط أن يكون المبلغ أعلى رتبة من المبلغ إليه، لكن الخطاب يصل المبلغ قبل، وقيل: إن قرن بنحو قل لم يشمله صلى الله عليه وسلم لظهوره فى التبليغ. وإلا شمله. والأصح أن نحو، يأيها الناس يشمل العبد المكلف شرعاً كما يشمله لغة، وعليه الأكثر، وقيل: لا يشمله لصرف ما معه إلى سيده فى غير أوقات ضيق العبادات وشمل الكافر أيضاً، لأنه مخاطب بفروع الشريعة على الصحيح، وشمل الموجودين وقت النزول، وقيل: يتناول من سيوجد أيضا، وفيه أنه لا يظهر أن يقال للمعدوم يا فلان أو نحو ذلك {اعْبُدُوا رَبَّكُمْ} وخذوه لا تجعلوه له شريكا، أو اعملوا الصالحات واجتنبوا المحرمات له، ومن ذلك ترك الأصنام والهوى {الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم} وتعليق الحكم بالمشتق أو بما معناه يؤذن بكونه علة، أى اعبدوا الذى هو سيدكم، أو مريبكم، وخلقكم وخلق الذين من قبلكم، أى اعبدوه لسيادته وملكه وخلقه لكم، فما ليس سيداً لكم ولا مالكاً ولا خالقاً لا يستحق أن يعبد {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} قال سيبويه: عسى فى كلامه تعالى للتحقيق، ولا يشكل عليه قوله تعالى {عسى ربه إن طلقكن} لأن تحقيق تبديل أزواج خير معلق بالتطليق، والطليق غير واقع، وأمل سئل عسى، فمعنى الآية تحقق حصول الوقاية عن عقابه بالعبادة، أو اعبدوه راجين حصول الوقاية، فقد لا تكون العبادة وقاية لخلاها، أو إبطالها برياء أو وردة أو نحوهما، أو اعبدوه لتحصلوا الوقاية، أو شبه طلب التقوى منهم بعد اجتماع أسبابها ودواعيها بالترجى فى أن متعلق كل منهما مخير بين أن يفعل وأن لا يفعل، مع رجحان ما بجانب الفعل، فينتقل ذلك إلى كلمة لعل فتكون استعارة تبعية، أو تشبه ذواتهم بمن يرجى منه التقوى فيثبت له بعض لوازمه، وهو الرجاء، فتكون الاستعارة بالكناية.
الخليلي
تفسير : الآيات السابقة قسمت الناس إلى طوائف ثلاث، مؤمنة ظاهرا وباطنا، وكافرة ظاهرا وباطنا، ومذبذبة بين الطائفتين، مؤمنة في الظاهر وكافرة في الباطن، وبيّنت صفات كل طائفة، وما يؤول إليه أمرها، وجاء عقبها هذا النداء العام الموجّه الى عموم الناس على انقسام طوائفهم، يدعوهم إلى عبادة الله، ويذكرهم بمختلف آلائه وفي هذا النداء إيناس للنافر المستوحش مما سبق من قوارع الإِنكار، وتذكير للغافل بما تستوجبه نعم الله عليه من أداء شكرها بإخلاص العبادة لمن أسبغها عليه، وهو في حقيقته نداء موجه الى الفطرة الانسانية لايقاظها من نومها، وتنبيهها من غفلتها. نداء الفطرة أنجح طرق التربية النفسية: ونداء الفطرة يعد أنجح طريقة في التربية النفسية، ففيما تقدم من قواصف الانكار وصوادع الوعيد؛ كفكفة للنفس الطائشة عن غلوائها في الشر، وفي النداء الذي يتبع ذلك تذكير لها بأنها لم تزل - مع سوابق إعراضها وبعد شططها في الصدود - يراد لها الخير، ولا يُطلب منها إلا ما فيه مصلحتها، وبهذا الذي ذكرته ينكشف ما بين الآيات السابقة وبين هذه الآية وما بعدها من رباط. ولطف الخطاب هنا بعد شدته هناك - للحكمة التي ذكرتها - لا ينافي اندراج الطائفة الأولى في عموم هذا الخطاب، فإن سلاسة القول كما تتألف النافر، وتقرب البعيد، تزيد الأليف ألفة، والقريب قربا، وتمنحهما باعثا نفسيا على إتيان ما يراد منهما من الخير، وتزيد همتهما نشاطا، وفكرتهما اتقادا، ورؤيتهما وضوحا، على أن تلك الطائفة المؤمنة نفسها لا تخلو عادة من تأثر بالوعيد الموجه إلى غيرها، لأن من شأن المؤمن أن يكون شديد الحذر، مشفقا على نفسه من انزلاق قدمه فيكون في عداد أهل الضلال. وإذا كانت الآيات السابقة تثير الوجل وتبعث القلق في نفس المؤمن بهذا السبب، فإن هذا الخطاب يُفيض عليه الأنس والطمأنينة، فتتعادل في نفسه كفتا الخوف والرجاء. وهذا الذي قلته هو الذي يقتضيه اللفظ، فإن تعريف الناس تعريف جنسي - إذ لا عهد - فيشمل جميع الناس على اختلاف طوائفهم. ومن المفسرين من يخص هذا الخطاب بطائفتي الكفر والنفاق، وهو الذي رجّحه ابن جرير وعزاه إلى ابن عباس رضي الله عنهما، ومنهم من يرى أنه خاصّ بالمنافقين وحدهم، وعُزي إلى ابن عباس أيضا، ومنهم من يقول إنه خاص بكفار العرب، ومنهم من يقول إنه لليهود وحدهم، والتخصيص بغير مخصص تحكُّم، ويقوِّي العموم جواز التأكيد بما يفيد العموم في مثل هذا اللفظ، وجواز الاستثناء، وصُدر الخطاب بـ "يا" وهي أصل حروف النداء فيه، ولذلك ينادى بها القريب والبعيد على الراجح، خلافا لمن قال: إنها مخصوصة بالبعيد، وإن نودي بها القريب فلتنزيله منزلة البعيد، إما لسهوه وغفلته، وإما لاعتقاد البعد المعنوي بين المنادِي والمنادى، ولذلك ينادَى بها الله سبحانه وتعالى لأجل تنزيل المنادِي نفسه منزلة البعد لضعفه وعجزه وقصوره هضما لنفسه، واعترافا بما هو متلبس به مما يبعد عن مقامات الزلفى ودرجات المقربين. و"أي" وصْلةٌ لنداء ما دخل عليه الألف واللام، ومخاطبة الناس هنا بعد الاخبار عنهم فيما سبق، التفات كالذي تقدم شرحه في قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، والذي يحسنه هنا - بجانب النكتة العامة وهي تطرية الكلام وتجديد نشاط سامعه - أنَّ توصيف كل طائفة من تلك الطوائف الثلاث وبيان أحوالها، جعلها في حكم الحضور، فحسن نداؤها وتعميمها بالخطاب، مع ما ذكرته من أنَّ أُنس هذا الخطاب يجدد نشاط الصالح، ويكف من شطط المفسد. والعبادة سبق تفسيرها في الفاتحة، واختيار لفظة الرب دون سائر أسمائه تعالى؛ لما في مدلوله من معنى التربية بمختلف الآلاء الظاهرة والباطنة، وفي هذا حفز للمسارعة إلى ما أمر به من العبادة، لأن الخطاب صادر من الرب والعبادة المأمور بها له، وفيه نوع تعليل للأمر؛ لأن من القواعد المعروفة أن الحكم على المشتق يؤذن بعليته، ويقوي ذلك ما ولي اسم الموصول من ذكر الخلق وما بعده، وهذا لا ينافي أن يكون الله تعالى حقيقا بالعبادة، وجديرا بالطاعة المطلقة بنفس علو ذاته وكمال صفاته، مع قطع النظر عما أفاضه على عباده من صنوف النعم؛ أهمها إخراجهم من العدم إلى الوجود، الذي ترتبت عليه بقية الآلاء، إذ لا مانع أن يُراعَى في العبادة الكمال الذاتي للمعبود، وما صدر عنه من فيض هباته للعابدين، بل هذا هو المطلوب. والخلق أصله التقدير والتهيئة، يُقال خلق الأديم إذا هيَّأه للقطع، وخلق الأمر إذا قدَّره، ومنه قول الشاعر: شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ـض الناس يخلق ثم لا يفري تفسير : يعني أن الممدوح يُتْبِع التقدير العمل بخلاف بعض الناس، وإذا نُسب الخلق إلى الله سبحانه فهو بمعنى الانشاء والاختراع على غير سبق مثال، وأقرب ذلك أن يقال: هو الاخراج من العدم إلى الوجود، وبهذا المعنى فهو من اختصاص الله سبحانه وتعالى فلا يصح إسناده إلى غيره، فلا يوصف مخلوق بالخالقية، وأما ما جاء في سورة آل عمران من قوله حكاية عن عيسى عليه السلام: {أية : أَنِيۤ أَخْلُقُ لَكُمْ مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ} تفسير : [آل عمران: 49] ومثله ما في سورة المائدة - فهو محمول على مطلق الصّنع، ولم يُرد به اختراع على غير سبق مثال، وكان ذلك قبل تخصيصه في العرف الاسلامي بالله عز وجل، ونحوه قوله تعالى: {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14]، ولا مسوغ لقول أبي عبدالله البصري المعتزلي إن إطلاق الخالق على الله محال لمصادمته وصف الله نفسه بالخالقية في نحو قوله: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَالِقُ ٱلْبَارِىءُ} تفسير : [الحشر: 24]، وإن علل رأيه بأن التقدير يستدعي الفكر والحسبان؛ إذ لا قيمة للنظر مع ورود النص، على أن قياس الغائب على الشاهد لا يصح، فالله سبحانه يخلق ويقدر بدون احتياج إلى ما يحتاج إليه المخلوقون من الوسائل. وبما أن أقرب شيء إلى الانسان نفسه ذكر المخاطبون أولا بخلق أنفسهم، ثم أتبع ذلك تذكيرهم بخلق أصولهم التي ترتب وجودهم على وجودها، ومن المعلوم أن من لم تُجدِه الموعظة من نفسه لم تُجده من غيره، والخلق هو أصل النعم جميعا، وكما أن خلق الإِنسان نفسه نعمة جُلىَّ فخلق أصوله يُعَدّ من كبريات النعم، لترتب وجوده على وجودها كما تقدم. واستشكل القائلون بعدم خطاب المشرك بفروع الشريعة، توجيه هذا النداء إلى عموم الناس من مؤمن ومشرك وتضمنه الأمر بالعبادة، وتكلفوا الاجابة عن ذلك بالعديد من الأجوبة هروبا من الواضح إلى المشكل، وبما أنني أرى أن الخطاب بفروع الشريعة شامل للمسلمين والمشركين - كما سيأتي بيانه إن شاء الله في موضعه - لا أجد ما يدعوني إلى ذكر هذه التكلفات والحمد لله. ولعل تفيد التوقع المشترك بين الرجاء والإِشفاق، فإن كان المتوقع محبوبا فهي للرجاء، وإن كان مرهوبا فهي للإِشفاق، مثال الأول قول التائب: "لعل الله يرحمني"، ومثال الثاني قول الخائف: "لعل العدو يدهمني"، وكلا الأمرين مستحيل على الله سبحانه، فمن بيده ملكوت السماوات والأرض وهو بكل شيء عليم، يستحيل عليه الرجاء والاشفاق، ومن ثم كان مجيء لعل في كلامه تعالى داعيا إلى إمعان النظر فيما يراد بها. وقبل الحديث في هذا الموضوع ينبغي النظر فيما ترتبط به هنا، فقد تقدمها الأمر بالعبادة في قوله: {اعبدوا}، وذكر الخلق في قوله: {خلقكم}، وكل منهما يسوغ ارتباطها به - فيما يتبادر لي - وإن زعم القرطبي بأن تعلقها بخلقكم لا يجوز؛ لأن من ذرأه الله تعالى لجهنم لم يخلقه للتقوى، وقد عزا ذلك أبو حيان في البحر المحيط إلى المهدوي، وهو قول مرفوض لأن الله تعالى يقول: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56]، وهو نص صريح على أنهم مخلوقون للعبادة، ولا ينافي ذرء كثير منهم لجهنم كما أخبر الله، فإن استحقاقهم العذاب إنما هو بسبب إعراضهم عما خُلقوا له من العبادة والتوحيد، وذلك لم ينشأ إلا عن اختيارهم بأنفسهم، واستجابتهم لدعاء الشيطان، ولم يُجبروا على شيء منه وإن مضى القلم بحسب ما علم الله ما يكون منهم، وإذا جاز كونهم مخلوقين للعبادة فأي مانع من أن يكونوا مخلوقين للتقوى مع أن التقوى هي الغاية من العبادة، وما منعه المهدوي والقرطبي هو الذي عول عليه الزمخشري واقتصر عليه في كشَّافه، وسوَّغه ابن عطية، وإنما قلت بصحة كلا المذهبين لأن قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} ظاهر في جواز تعلّقها بخلق كما ذكرت، والرأي الآخر يعززه اقتران ذكر العبادات بذكر التقوى في مواضع من القرآن، كآيات الحج، وبداية آيات الصوم، وهي قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تفسير : [البقرة: 183]، وفي معنى ذلك قوله سبحانه: {أية : وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [العنكبوت: 45]، وهذه هي عين التقوى، وقوله: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} تفسير : [التوبة: 103]، وقد تقدم - والحمد لله - بيان حكمة مشروعية الصلاة، وأنها من أسباب الصلاح الظاهر والباطن، وسيأتي الحديث عن سائر العبادات في مواضعها إن شاء الله. وإذا عرفت الاختلاف فيما ترتبط به "لعل" في هذه الآية فلنعد إلى بيان معناها هنا لعدم جواز معناها الحقيقي - وهو التوقع - عليه سبحانه، وللعلماء في ذلك مذاهب: أولها: لسيبويه وجمهرة من أئمة العربية والتفسير، وهو أنها على حقيقتها من معنى الرجاء، غير أن هذا الرجاء ليس متلبسا بالله سبحانه، وإنما هو متلبس بالمخاطبين وهم الناس، ومعنى ذلك أنهم مأمورون بأن يعبدوا الله وهم راجون أن تفضي بهم عبادتهم إلى التقوى، وهو صلاح الظاهر والباطن كما هو شأن العبادة، وعليه "فلعل" متعلقة بـ {اعبدوا} دون {خلقكم} لتعذر ان يكونوا حال خلقهم راجين أن يتقوا، إذ لم يكونوا آن ذاك أهلا للتفكير أو الرجاء. ثانيها: لبعض المفسرين، وهو أن الرجاء لا يلزم أن يكون من المخاطِب أو المخاطَب، وإنما يكون حسب الواقع؛ وذلك أن يكون الأمر مئنة لرجاء كل من أمعن فيه النظر لتوفر أسباب الرجاء، والباعث عليه هنا أن الله عز وجل خلق الناس في أحسن تقويم، وهداهم النجدين، وأفاض عليهم نعمه، وأرسل إليهم رُسُلَهُ وأنزل إليهم كتُبَهُ، فكانوا مئنة لأن يُرجى منهم التقوى. ثالثها: أن لعل هنا محمولة على التعليل؛ وهو قول طائفة من النحويين، منهم الكسائي، وقطرب، وأبو علي الفارسي، وابن كيسان، وابن الأنباري، ونحا نحوهم بعض المفسرين وفي مقدمتهم ابن جرير، واستدلوا له بقول الشاعر: شعر : وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق فلما كففنا الحرب كانت عهودكم كلمع سراب في الملا متألق تفسير : فإنه يتعذر كون "لعل" للترجي في البيت مع قوله: "ووثقتم لنا كل موثق"، وقوله في البيت الثاني: "كانت عهودكم" إذ لا معنى لكونها دالة على الترجي مع بذل الناطقين بها العهود والمواثيق على الكف، وإذا تعذر حملها على الترجي فلا معنى تحمل عليه إلا التعليل، لجواز أن تحل محلها اللام أو كي التَّعْلِيليَّتان، والذي آراه أن كثيرا من الآيات شاهدة بصحة هذا المذهب، كقوله عز وجل: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ} تفسير : [المؤمنون: 49] إذ لا مساغ للترجي هنا إلا على ما تقدم في المذهب الثاني وهو لا دليل عليه، وبالغ الزمخشري في إنكار مجيئها للتعليل، وتابعه الجرجاني، وأبو حيان، وجماعة من المفسرين وغيرهم، وما ذكرته من الشواهد قاض بصحة ما أنكروه، والأولى أن يصار إلى الدليل، وذكر ابن أبي حاتم أن لعل في القرآن تعليلية إلا في موضع واحد، وهو مروي عن بعض المتقدمين من أئمة التفسير، ولا يخلو من مبالغة. رابعها: أنها للإِطماع، وذكر الزمخشري أنها جاءت للاطماع في مواضع من القرآن، وعد قول من قال بأنها تأتي بمعنى كي ساريا إلى أدمغة الذين قالوه من حيث إن إطماع الله لعباده جار مجرى وعده المحتوم، ونظّره بما يكون من الملوك في مقابل مطالب الرعايا من الاقتصار على الرمزة، أو الإِبتسامة، أو النظرة الحلوة، أو الكلمات المؤشرة إلى الفوز بالمطلوب، وإذا ما حصل ذلك منهم لم يبق للطالب شك في نجاح مطلوبه والفوز بمرغوبه، وعلى هذا السَّنَن جرى خطاب ملك الملوك. خامسها: أن الاتيان بلعل لأجل النظر إلى أن الله سبحانه خلق الناس واختصهم من بين خلقه بالعديد من المزايا، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، وأقام عليهم حجته بإرسال رسله وإنزال كتبه، وأمرهم بالاستقامة على الخير، ونهاهم عن الانحراف إلى جانب الشر، ووعدهم وتوعّدهم، وهي حالة مرجحة لاستمساكهم بحبل التقوى عند كل من يفكر في أمرهم، فعبر بلعل الدالة على الرجاء عن طلب التقوى الصادر من الله تعالى إليهم، على طريقة الاستعارة التبعية، ويحتمل أن تكون الاستعارة تمثيلية إذا شبهت حالة بحالة، وذلك أن يُنظر إلى جانب الخالق والخلق والمخلوقين، وطلب التقوى منه، فيقابل ذلك بما إذا حصل رجاء من راج في مرجو منه، وقد طُويت أركان هذا التشبيه ما عدا لعل لأنها العمدة فيه وإن لم يقتضها سياق الكلام، والذي يتبادر لي أن هذا المذهب لا يختلف عن المذهب الثاني إلا في اسلوب العرض، وعلى كلا المذهبين فهي مرتبطة بخلق، وأما المذهب الأول فهو مبني على ارتباطها بـ {اعبدوا} كما علمت، وأما على المذهبين الثالث والرابع فيجوز الأمران، والصحيح عندي المذهب الثالث لبعده عن التكلف وظهور أدلته، وان أنكره من أنكر. وقد سبق الكلام على التقوى في قوله تعالى: {هُدى للمتقين} فلا داعي إلى تكراره. هذا وقد جعل ابن جرير من الآية الكريمة سندا لمذهبه في جواز التكليف بما لا يطاق حيث أمر الله عز وجل عباده بعبادته مع علمه بأن كثيرا منهم لا يؤمنون، وتابعه على ذلك جماعة من المفسرين ولا مستند لهم في الآية، فإن إعراضهم عن الهدى ليس بإجبار من الله وإنما كان بمحض اختيارهم، وما كتبه الله عز وجل عليهم إنما هو بحسب ما علم من هذا الاختيار. ولا إشكال في دخول المؤمنين في عموم هذا الخطاب الداعي إلى عبادة الله، وإن كانوا من قبل يعبدونه لا يشركون به شيئا، لأن الأمر بالعبادة أعم من أن يحصر في إنشائها أو المواظبة عليها والاستزادة منها، فيحمل خطاب كل فريق على ما يلائم حاله. والخطاب كما أنه موجه إلى المعاصرين لنزوله، يتوجه إلى من بعدهم من أجيال البشر المتعاقبة بطريق النص لا القياس، فإنه خطاب صادر من الخالق العظيم إلى هذا الجنس من المخلوقين، وليس خطاب الحق كخطاب الخلق، إذ لم يكن خطاب مشافهة حتى يقال كيف يخاطب من هم في أصلاب الآباء أو أرحام الأمهات؟ وإنما هو خطاب لا تعتبر فيه مقاييس الخلق، فهو نداء سرمدي يواجه كل من سمعه أو تلاه من جديد، وبهذا يُستغنى عما قاله أكثر المفسرين في هذا الموضوع. وبعد تذكير الناس بنعمة الله عليهم المتمثلة في إيجادهم وإيجاد أصولهم، ينتقل بهم الخطاب إلى تذكيرهم بنعم الله في الكائنات من حولهم، وفي هذا تبصير لهم بآياته الكبرى الدالة على وحدانيته، والقاضية بوجوب الإِنقياد له والإِذعان لأمره ونهيه، فهو مرتبط بما أُمروا به من عبادته. ومعنى جعْل الأرض فراشا؛ تهيئتها لأن تكون مستقرا ومستودعا للمخلوقين فيها، فهي كالفراش من حيث أنهم يتقلبون عليها حسبما أرادوا، فعلى ظهرها يمشون ويقعدون وينامون، ومن حكمته سبحانه لم يجعلها رخوة كالوحل والدقيق، ولا لطيفة كالماء والهواء، ولا صلبة كالصلد، بل جعلها مهيأة لراحة الانسان كما يقتضيه حاله، وتقديم ذكرها على ذكر السماء لأنها إلى الإِنسان أقرب وحاجته إليها أمس. والأصل في لفظة السماء أن تطلق على كل ما علا، كسقف البيت والخيمة، لأنها مأخوذة من سما يسمو إذا ارتفع، وخُصِّصت في العرف بهذا الفضاء المحيط بالكرة الأرضية الذي نرى أبعاده شبيهة بقبة زرقاء مضروبة على الأرض، ولذلك تعتقد العامة أنها جسم أزرق مبني كالقبة، وما هي إلا فضاء واسع يسبح في عُبابه ما لا يُحصى من الأجرام الفلكية، وهذا لا ينافي كونها طبقات، لما عرف من أن الفضاء يتكون من طباق، كما أخبر الله سبحانه وفسره الاكتشاف العلمي، ومن الأدلة البارزة أن المراد بالسماء هو هذا الفضاء، قوله سبحانه في الشجرة الطيبة: {أية : أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [إبراهيم: 24]، مع العلم أن فرعها لا يمتد إلى الأجرام الفلكية، ومثله قوله هنا: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} مع كون الماء ينزل من طبقة قريبة جدا من الأرض ينشأ فيها السحاب ويشبه في تراكمه الجبال، وهو المراد بقوله: {أية : وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} تفسير : [النور: 43]، والراكب على الطائرة يخترق هذه الطبقة ويتجاوز هذا السحاب. والمراد من جعل السماء بناء الربط بين أجرامها بسنة الجاذبية، التي هي أشبه بوضع لبنة على لبنة في البناء، فإنها يشد بعضها بعضا بما أودع الله سبحانه في كل منها من طبائع تتلاءم كما يشد اللبِن بعضه بعضا، وذلك من أسباب تمكن الإِنسان من الإِستقرار على الأرض حتى يأتي وعد الله بانحلال هذا الرباط وتداعي هذا البناء، كما أخبر تعالى في قوله: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ وَإِذَا ٱلْكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتْ} تفسير : [الانفطار: 1 - 2]، وبجانب ذلك فإن الغلاف الهوائي المحيط بالكرة الأرضية أشبه ما يكون بالسقف المبني الواقي، فالشهب التي تتقاذف في أرجاء الفضاء لا تكاد تصلنا بسبب هذا الحاجز الطبيعي، وكذلك الأهوية المنبعثة من الأجرام السماوية ذات الطبائع المهلكة أو المؤذية، فإنها باتصالها بهذا الحاجز يصدها عن الوصول إلينا إلا بعد أن تلطف وتتكيف مع طبيعة هذه الكرة الأثيرية الملائمة لطبيعة الأرض ومن فيها، وعلى كلا المعنيين يتضح معنى جعل السماء بناء لنا، وهو يعد من الإِعجاز العلمي الذي سبق القول فيه في الجزء الأول، إذ لم تكن هذه الحقائق واضحة للناس في عهد نزول القرآن، خصوصا أولئك الأميين الذين نزل بينهم، وبجانب هذا فإن التعبير عن هذه الحقائق بهذا الأسلوب الغريب يعد نمطا من أنماط الإِعجاز البياني الذي تحدثنا عنه، وذلك أن القرآن واجه عصورا مختلفة تنوعت فيها الثقافات، وتباينت فيها التصورات باختلاف أطوار البشر، واختلاف علومهم وآدابهم، ومع ذلك فقد وسع هذا التعبير جميع هذه الأحوال، ولم يصطدم مع مفاهيم أي جيل من هذه الأجيال، فالبدوي البدائي الذي لم يكن يدرك شيئا مما سبق الحديث عنه؛ من ترابط الأجرام الفلكية، وإحاطة الأرض بمظلة هوائية، إذا تلا هذه الآية أو تليت عليه فهم من معناها ما وصل إليه فهمه، ولم تصطدم بشيء من تصوراته حول الكون، والعالم الفلكي في هذا العصر الذي توفرت لديه وسائل الاكتشاف التي لم تكن في الحسبان من قبل يرى أن الآية الكريمة ما جاءت إلا لتخاطب أمثاله، فسبحان من وسع كلامه جميع خلقه، وهو بكل شيء عليم. والمراد بإنزال الماء من السماء؛ إنزاله من هذا الفضاء الذي يعلو الأرض بعد أن تتصاعد إليه الأبخرة - بتأثير حرارة الشمس - من المحيطات والبحار والأنهار فتتجمد في الفضاء لتأثير البرودة، ويتكون منها السحاب فتذوبه الطاقة الحرارية، وينهمر منه هذا الودق النافع للعباد، وذلك كله بمشيئة الله، ولو شاء لخلق الماء في هذه الأرض نفسها من غير أن يتنزل من السماء، ومن غير أن يمر بأي طور من هذه الأطوار، كما أنه سبحانه لو شاء أن يخلق الناس والبهائم من غير لقاء بين الذكر والأنثى، ومن غير مرور بأطوار الحمل لكان ذلك، ولكنه - جلت حكمته - أراد بتنقل الأشياء من طور إلى آخر، وتقلبها من حال إلى أخرى تذكيرا للعباد، وتبصيرا بحكمة المبدأ وإمكان المعاد. هذا وقد جمد كثير من المفسرين على ظاهر الآية، وزعموا أن المطر يتنزل من السماوات العالية حيث الأجرام الفلكية وادّعوا أن السحاب ليس هو إلا غربالا له، ومنهم من قال إن القطرات التي تتنزل من السماوات هي في حجم الجمال ثم تتفرق عندما تقع على هذا الغربال فتنزل بحسب حالها الذي نشاهده، وبالغ بعضهم فادعى أن المطر ينزل من تحت شجرة من أشجار الجنة، وقد بالغوا في رد الرأي الصحيح وعَدُّوه من الأوهام الفلسفية، وما دروا أنهم هم الذين أسرتهم الأوهام بسبب ركونهم إلى الروايات الكاذبة التي راجت في أوساط الناس بعد ما مهد اليهود لرواجها، وليس لشيء منها سند يعول عليه، إذ لم يثبت أي شيء منها عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه - رضي الله تعالى عنهم -، ولا يصح الآن بعد ما وضح الصبح لذي عينين أن يتعلق أحد بهذه الأوهام، فقد دلت المشاهدة على كذبها، فكثيرا ما يخترق الراكبون على الطائرات طبقات السحاب الماطر، حتى إذا جاوزوه وكانوا أعلاه لم يروا للمطر أثرا، فأين هذه القطرات التي هي في حجم الجمال؟ والعجب من أولئك الذين صدقوا هذه الأوهام؛ فعولوا عليها في تفسير كلام ربهم، كيف عزب عنهم وصف الله تعالى في القرآن لإِنشاء السحاب نحو قوله: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} تفسير : [النور:43]، وقوله: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيْفَ يَشَآءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} تفسير : [الروم: 48]، وقوله: {أية : وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} تفسير : [فاطر: 9]، وهذه الآية نص صريح على أن المطر من نفس السحاب لأن الإِحياء إنما يكون به، والضمير في قوله: {فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} عائد إلى السحاب. وكذلك نجد من الناس من يتعلق بقوله تعالى: {والأرض فراشا} في إنكار كروية الأرض، مع أن كونها فراشا لا ينافي كرويتها بحال، كما نص عليه الزمخشري وهو من المفسرين القدامى، ونبه عليه كثير من المتقدمين، وذلك أن صلاحها للإِستقرار عليها هو معنى كونها فراشا. ومن حكمة الله تعالى أن جعل في الماء خاصية الإِنبات، وجعل في الأرض مثلها، وعندما تلتقي الخاصيتان وتتفاعلان يتولد النبات بمشيئته تعالى كما يكون اللقاح باجتماع ماء الذكر والأنثى في الرحم، وذلك هو المقصود بقوله: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ}. واختُلف فيما عُطف عليه قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً}، فذهب فريق إلى أنه معطوف على اعبدوا ربكم، لأن العبادة المطلوبة هي العبادة الماحضة التي لا يشوبها شرك، وجعل الأنداد لله مناف لها، فلا غرو إذا كان الأمر بها يتضمن النهي عن اتخاذ الأنداد بطريق اللزوم، غير أنه قد يخفى على الكثير ممن تربوا على الجاهلية واعتادوا اتخاذ الأنداد له سبحانه، فمن ثم صُرح بهذا اللازم معطوفا على ملزومه بالفاء الرابطة بين معطوفيها، وذهب آخرون إلى أنه معطوف على {تتقون}، ونظروه {فأطلع} من قوله سبحانه: {أية : لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ أَسْبَابَ ٱلسَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ} تفسير : [فاطر: 36 - 37]، وعليه فهو من ضمن ما يتعلق بلعل؛ سواء قيل إنها تعليلية أو للترجي على حسب الاختلاف الذي أوردتُه من قبل، وقيل: هو مرتبط بجملة {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً}، وعليه فالموصول مقطوع عما قبله، وإنما هو خبر لمبتدأ محذوف ولا يخلو من تكلف، والذي يظهر لي أنه مرتبط بجميع ما تقدم من تعداد الآلاء المتنوعة التي تبدأ بخلقهم وخلق من قبلهم، وما ذُكر بعده من جعل الأرض فراشا لهم، والسماء بناء، وإنزال الماء من السماء، وما يتبعه من إخراج رزقهم من الأرض، فإن جميع ذلك باعث على إخلاص العبادة لله الذي أغدق عليهم هذه النعم، فكان نهيهم عن اتخاذ الأنداد له سبحانه - بعد تذكيرهم بنعمه التي تقتضي منهم الشكر المنافي للاشراك - من الملاءمة لما تقدمه بمكان. والند هو المثل المعارض، وقيل: ولو لم يكن مُعارضا وإنما الغالب في الأنداد التنافس والتعارض بينها، فلذا خصه الأولون بالمعارض، وهؤلاء المخاطبون لم يكونوا يعتقدون في معبوداتهم أنها معارضة لله تعالى، وإنما كانوا يعتقدونها وسيلة توصلهم إلى مقامات الزلفى منه، غير أنهم عُدُّوا بمنزلة من اعتبرها معارضا له نظرا إلى أن العبادة من خصوصيات الخالق، فإشراك غيره فيها يعني اعتبار ذلك الغير في مقام الند له. والنهي عن جعل الأنداد لله يعم جميع أنواع الجعل، سواء كان بالتوجه إليها بالعبادات المعروفة؛ كالتقرب إليها بالركوع والسجود، والقرابين والنذور، أم كان بالضراعة والابتهال وطلب قضاء الحاجات التي لا يمكن لمخلوق قضاؤها، أم كان باعتقاد قدرتها على التصرف في هذا الوجود، أم كان بالطاعة المُطْلقة التي تخرج بالصادرة منه عن طاعة الله سبحانه وتعالى، وقد روي عن سلف الأمة ما يدل على ذلك كله، والاختلاف فيما روي عنهم لا يتجاوز أن يكون من باب الاختلاف في مراعاة الأحوال بحسب اختلاف المقامات، وإلا فالنهي شامل لذلك كله، ومن ذلك ما أخرجه ابن اسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} أنه قال: "أي لا تشركوا به غيره من الأنداد التي لا تضر ولا تنفع، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره"، وأخرج عنه ابن جرير وابن أبي حاتم قال: "أندادا أي أشباها"، وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب المفرد؛ والنسائي، وابن ماجة، وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: "حديث : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: "ما شاء الله وشئت" فقال له صلى الله عليه وسلم: "أجعلتني لله ندا؟ قل ما شاء الله وحده""تفسير : ، وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: "أندادا أي شركاء"، وأخرج أحمد وأبو داود، وابن أبي شيبة، والنسائي، وابن ماجة، والبيهقي، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: "الأنداد الشرك اخفى من دبيب النمل على صفا سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول والله وحياتك يا فلان وحياتي، وتقول لولا كلب هذا لأتانا اللصوص، ولولا القط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل ما شاء الله وشئت، وقول الرجل لولا الله وفلان، هذا كله شرك"، وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أن المراد من قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} فلا تجعلوا من الرجال أكفاء لله تطيعونهم في معصية الله. وما أدق هذه التفاسير المأثورة عن السلف الصالح رضي الله عنهم في معنى الأنداد، وما أعزب فهم كثير من الناس عنها، فلعلهم يتصورون ان اتخاذهم الأنداد لا يعدو عبادة الأصنام المنحوتة من الأحجار، ولا يدركون أن الأمر أعم منه، فقد تكون أصنام البشر أضر من أصنام الحجر إذا ما عُظِّم الطواغيت وانقادت لهم الناس، وخضعوا لأحكامهم الجائرة، وآثروا ضلالهم على هدى الله، ورددوا شعاراتهم الزائفة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يقصد بها إلا نقض عرى الدين وهدم صرح التوحيد، وإذا كان من شأن عقيدة التوحيد تطهير النفوس من الأوهام، وتزكية الأعمال بإخلاصها لله، فإن من شأنها أيضا تحرير الإِنسانية حتى لا تخضع لغير الله ولا تتحاكم إلى غير شرعه ولا تنقاد إلا لحكمه، ولا تذعن لغير طاعته، فلله الخلق ولله الأمر، وكل من تطاول فأمر بما يخالف أمره تعالى فهو متطاول على سلطان الله. وتذييل الآية بقوله: {وأنتم تعلمون} لأجل حفزهم على النظر في ملكوت الله الدال على ملكه القاهر وسلطانه الباهر، لينشأ عن هذا النظر إخلاص العبادة لوجهه والاستسلام لأمره ونهيه، والمراد بكونهم يعلمون أن الله خلقهم مهيئين للعلم بما آتاهم من أسبابه ومنح كلا منهم من القوة الفكرية ما يمكنه من التفرقة بين الحق والباطل، والتمييز بين الهدى والضلال، لولا اتباع الشهوات، وتحكيم العادات، والتأثر بالبيئات فإن هذه هي عوامل إطفاء نور الفطرة وإخماد جذوة الفكر، فإذا لم يبصر أحد الهدى فما هو إلا من تقصيره في النظر والملامة لا تعود إلا عليه، فالخلقة كاملة والفطرة سليمة. وكونهم من شأنهم العلم لا ينافي ما سبق من وصف المنافقين بعدم العلم وعدم الشعور، فإن العلم والشعور المنفيين هناك علم خاص وشعور خاص لا مطلق العلم والشعور، وقد علمت أن منشأ عدم شعورهم وعلمهم تقصيرهم في النظر بسبب هوى نفوسهم واتباع شياطينهم، وليس ذلك فيهم جِبلِّيا. هذا وفي تذكيرهم بأنهم يعلمون في مقام التقريع والزجر، تربية نفسية بالغة، فإن تذكير الانسان بأسباب الكمال في نفسه حافز له على استخدام هذه الأسباب في تغطية جوانب نقصه، وهو مسلك تربوي قرآني جاء ممن يعلم خفايا النفوس، ويحيط بأسرار طبائعها. ولا داعي إلى تقدير مفعول لـ {تعلمون} لأن المراد به أنهم متصفون بالعلم، وليس المراد تذكيرهم بمعرفتهم بشيء معين، خلافا لبعض المفسرين الذي قدر بعضهم؛ وأنتم تعلمون أن أولئك الأنداد ليسوا أهلا لأن يُعبدوا، وقدر آخرون منهم؛ وأنتم تعلمون أن الله وحده هو الخالق، وآخرون؛ وأنتم تعلمون أن الله لا ند له في التوراة، وهذا مبني على أن الخطاب موجه إلى اليهود فحسب، وقد علمت أن الصحيح غير ذلك. واستدل الفخر الرازي - بما جاء في هاتين الآيتين من الاستدلال على وجود الله، وعظمته، وعلو شأنه، وانفراده باستحقاق العبادة بأنواع مخلوقاته - على صحة المنهج الكلامي وأسلوب علماء الكلام، وأطال في الاستدلال لرأيه هذا، وساق له العديد من الأمثلة في القرآن، وشنع على الذين ينكرون على علماء الكلام هذا المسلك، وبين شُبَهَهُم التي يتعلقون بها، وأطال في تفنيدها ودحضها شبهة شبهة، والقول الفصل في هذا أن علم الكلام إن سلك مسلك القرآن في إثبات المعتقدات الصحيحة بدلائل الفطرة والبيئة، فذلك مسلك سليم وطريقة ناجحة، وإنما يُعاب على المتكلمين اتباعهم أسلوب فلاسفة اليونان القدامى، وحشر مصطلحاتهم في البحث والجدل، وهي طريقة عقيمة ليست من ورائها فائدة إلا كثرة الكلام، وما لنا وللجدل الإِغريقي وقد أغنانا الله بكتابه الكريم الذي يخاطب الانسان بمنطق الفطرة، ويقيم عليه الحجة مما انطوت عليه نفسه، واشتمل عليه خلقه من آيات الله، ويفتح عينيه ليتأمل الآيات الكبرى في فسيح الكون من حوله، ويبين له بدلائله الصادقة وبراهينه الصادعة أن الله سبحانه ميّزه عن سائر المخلوقات بما اختصه به من المواهب، وبخلق الأرض وما فيها له، وتسخير منافع الكون لأجله حتى صار القطب الذي تدور عليه رحى هذا الوجود. ولعمري إن هذه الطريقة هي أنجح طريقة في إيقاظ الفطرة من سباتها، وتنبيهها من غفلتها، وكانت هي الوسيلة لاقناع الناس بهذا الدين، من غير تعمق في الجدل ولا غلو في البحث، بخلاف المنطق الإِغريقي الذي لا يمت بصلة إلى الفطرة الانسانية، ولو قدرنا أنه صالح للإِقناع في عصر ما فإنه لا يصلح لأغلب العصور، ومما يؤسف له أن ينساق علماء الكلام وراء هذا المنطق، ويحشروا جل مؤلفاتهم أو كلها بجدلياته العقيمة حتى خرجوا بعلم الكلام إلى متاهات شتى، فلم يكن قاصرا على تنزيه الله سبحانه، بل أصبح أشبه بالعلوم الفلسفية منه بالعلوم الشرعية. والذي أراه - واقترحه على المفكرين المسلمين - تجريد مباحث علم التوحيد عن هذه الفلسفات والسير بها في منهاج القرآن، ولست أنحي باللائمة على المتكلمين وحدهم، فالذين يتعامون عن دلائل العقل، ويتصاممون عن حججه ليسوا من هدي القرآن في شيء، فالله تعالى يقول: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 43]، ويقول: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَاحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 164] ويقول: {أية : إِنَّ فِي خَلْقِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفِ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ} تفسير : [آل عمران: 190]، ويقول: {أية : كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [يونس: 24]، فشحذ الفكرة واستخدام العقل أمران لا بد منهما في فهم مقاصد الوحي. وفي هاتين الآيتين تنبيه لأولي الألباب على الوحدة الكونية القاضية بوحدة المكون الذي لا إله إلا هو وإليه المصير.
الالوسي
تفسير : {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} لما بين سبحانه فرق المكلفين وقسمهم إلى مؤمنين وكفار ومذبذبين، وقال في الطائفة الأولى: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ }تفسير : [البقرة: 3] وفي الثانية: {أية : سَوَاء عَلَيْهِمْ }تفسير : [البقرة: 6] وفي الثالثة: {أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ }تفسير : [البقرة: 9] وشرح ما ترجع إليه أحوالهم دنيا وأخرى فقال سبحانه في الأولى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مّن رَّبّهِمْ وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ }تفسير : [البقرة: 5] وفي الثانية: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ... وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ }تفسير : [البقرة: 7] وفي الثالثة: {أية : فِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ .... وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ }تفسير : [البقرة: 10] أقبل عز شأنه عليهم بالخطاب على نهج الالتفات هزاً لهم إلى الإصغاء وتوجيهاً لقلوبهم نحو التلقي وجبراً لما في العبادة من الكلفة بلذيذ المخاطبة ويكفي للنكتة الوجود في البعض، و (يا) حرف لا اسم فعل على الصحيح وضع لنداء البعيد، وقيل: لمطلق النداء أو مشتركة بين أقسامه، وعلى الأول ينادي بها القريب لتنزيله منزلة غيره إما لعلو مرتبة المنادي أو المنادى، وقد ينزل غفلة السامع وسوء فهمه منزلة بعده، وقد يكون ذلك للاعتناء بأمر المدعو له والحث عليه لأن نداء البعيد وتكليفه الحضور لأمر يقتضي الاعتناء والحث، فاستعمل في لازم معناه على أنه مجاز مرسل أو استعارة تبعية في الحرف أو مكنية وتخييلية ـ وهو مع المنادى المنصوب لفظاً أو تقديراً به لنيابته عن نحو ناديت الإنشائي أو بناديت اللازم الإضمار لظهور معناه مع قصد الإنشاء ـ كلام يحسن السكوت عليه كما يحسن في نحو (لا، ونعم) و (أي) لها معان شهيرة والواقعة في النداء نكرة موضوعة لبعض من كل، ثم تعرفت بالنداء وتوصل بها لنداء ما فيه ـ أل ـ لأن (يا) لا يدخل عليها في غير الله إلا شذوذاً لتعذر الجمع بين حرفي التعريف فإنهما كمثلين وهما لا يجتمعان إلا فيما شذ من نحو:شعر : فلا والله لا يلفي لما بـي ولا للما بهم أبداً دواء تفسير : / وأعطيت حكم المنادى وجعل المقصود بالنداء وصفاً لها والتزم فيه هذه الحركة الخاصة المسماة بالضمة خلافاً للمازني فإنه أجاز نصبه وليس له في ذلك سلف ولا خلف لمخالفته للمسموع وإنما التزم ذلك إشعاراً بأنه المقصود بالنداء ولا ينافي هذا كون الوصف تابعاً غير مقصود بالنسبة لمتبوعه لأن ذلك بحسب الوضع الأصلي حيث لم يطرأ عليه ما يجعله مقصوداً في حد ذاته ككونه مفسراً لمبهم ومن هنا لم يشترطوا في هذا الوصف الاشتقاق مع أن النحويين ـ إلا النذر ـ كابن الحاجب اشترطوا ذلك في النعوت على ما بين في محله، و (ها) التنبيهية زائدة لازمة للتأكيد والتعويض عما تستحق من المضاف إليه أو ما في حكمه من التنوين كما في {أية : أَيّا مَّا تَدْعُواْ }تفسير : [الإسراء: 110] وإن لم يستعمل هنا مضافاً أصلاً وكثر النداء في الكتاب المجيد على هذه الطريقة لما فيها من التأكيد الذي كثيراً ما يقتضيه المقام بتكرر الذكر والإيضاح بعد الإيهام والتأكيد بحرف التنبيه واجتماع التعريفين. هذا ما ذهب إليه الجمهور، وقطع الأخفش لضعف نظره بأن (أياً) الواقعة في النداء موصولة حذف صدر صلتها وجوباً لمناسبة التخفيف للمنادى وأيد بكثرة وقوعها في كلامهم موصولة، وندرة وقوعها موصوفة، واعتذر عن عدم نصبها حينئذ مع أنها مضارعة للمضاف بأنه إذا حذف صدر صلتها كان الأغلب فيها البناء على الضم، فحرف النداء على هذا يكون داخلاً على مبنى على الضم ولم يغيره، وإن كان مضارعاً للمضاف، ويؤيد الأول عدم الاحتياج إلى الحذف وصدق تعريف النعت والموافقة مع هذا وأنها لو كانت موصولة لجاز أن توصل بجملة فعلية أو ظرفية إلى غير ذلك مما يقطع المنصف معه بأرجحية مذهب الجمهور، نعم أورد عليه إشكال استصعبه بعض من سلف من علماء العربية وقال: إنه لا جواب له وهو أن ما ادعوا كونه تابعاً معرب بالرفع وكل حركة إعرابية إنما تحدث بعامل ولا عامل يقتضي الرفع هناك لأن متبوعه مبني لفظاً ومنصوب محلاً فلا وجه لرفعه، وأقول: إن هذا من الأبحاث الواقعة بين أبـي نزار وابن الشجري، وذلك أنه وقع سؤال عن ضمة هذا التابع فكتب أبو نزار أنها ضمة بناء وليست ضمة إعراب لأن ضمة الإعراب لا بد لها من عامل يوجبها ولا عامل هنا يوجب هذه الضمة، وكتب الشيخ منصور موهوب بن أحمد أنها ضمة إعراب ولا يجوز أن تكون ضمة بناء، ومن قال ذلك فقد غفل عن الصواب، وذلك لأن الواقع عليه النداء أي المبني على الضم لوقوعه موقع الحرف والاسم الواقع بعد وإن كان مقصوداً بالنداء إلا أنه صفة أي فمحال أن يبنى أيضاً لأنه مرفوع رفعاً صحيحاً، ولهذا أجاز فيه المازني النصب على الموضع كما يجوز في (يا) زيد الظريف. وعلة الرفع أنه لما استمر الضم في كل منادى معرفة أشبه ما أسند إليه الفعل فأجريت صفته على اللفظ فرفعت، وأجاب ابن الشجري بما أجاب به الشيخ وكتب أنها ضمة إعراب لأن ضمة المنادى المفرد لها باطرادها منزلة بين منزلتين فليست كضمة حيث لأنها غير مطردة لعدم اطراد العلة التي أوجبتها ولا كضمة زيد في نحو خرج زيد لأنها حدثت بعامل لفظي ولما اطردت الضمة في نحو يا زيد يا عمرو وكذلك اطردت في نحو يا رجل يا غلام إلى ما لا يحصى نزل الاطراد فيها منزلة العامل المعنوي الواقع للمبتدأ من حيث اطردت الرفعة في كل اسم ابتدىء به مجرداً عن عامل لفظي وجيء له بخبر كعمرو ومنطلق، وزيد ذاهب ـ إلى غير ذلك فلما استمرت ضمة المنادى في معظم الأسماء كما استمرت الأسماء المعربة الضمة الحادثة عن الابتداء ـ شبهتها العرب بضمة المبتدأ فأتبعها ضمة الإعراب في صفة المنادى في نحو (يا زيد الطويل) وجمع بينهما أيضاً أن الإطراد معنى كما أن الإبتداء كذلك، ومن شأن العرب أن تحمل الشيء على الشيء مع حصول أدنى مناسبة بينهما حتى إنهم قد حملوا أشياء على نقائضها، ألا ترى أنهم أتبعوا حركة الإعراب حركة البناء في قراءة من قرأ {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ}تفسير : [الفاتحة:2] بضم اللام وكذلك أتبعوا حركة البناء/ حركة الإعراب في نحو ـ يا زيد بن عمرو ـ في قول من فتح الدال من زيد انتهى ملخصاً، وقد ذكر ذلك ابن الشجري في «أماليه» وأكثر في الحط على ابن نزار وبين ما وقع بينه وبينه مشافهة، ولولا مزيد الإطالة لذكرته بعجره وبجره، وأنت تعلم ما في ذلك كله من الوهن، ولهذا قال بعض المحققين: إن الحق أنها حركة اتباع ومناسبة لضمة المنادى ـ ككسر الميم من غلامي ـ وحينئذ يندفع الإشكال كما لا يخفى على ذوي الكمال. بقي الكلام في اللام الداخلة على هذا النعت هل هي للتعريف أم لا؟ والذي عليه الجمهور وهو المشهور أنها للتعريف كما تقدمت الإشارة إليه، ولما سئل عن ذلك أبو نزار قال: إنها هناك ليست للتعريف لأن التعريف لا يكون إلا بين اثنين في ثالث واللام فيما نحن فيه داخلة في اسم المخاطب، ثم قال: والصحيح أنها دخلت بدلاً من (يا)، و (أي) وإن كان منادى إلا أن نداءه لفظي، والمنادى على الحقيقة هو المقرون بأل ولما قصدوا تأكيد التنبيه وقدروا تكرير حرف النداء كرهوا التكرير فعوضوا عن حرف النداء ثانياً (ها) وثالثاً (أل) وتعقبه ابن الشجري قائلاً: إن هذا قول فاسد بل اللام هناك لتعريف الحضور كالتعريف في قولك جاء هذا الرجل مثلاً ولكنها لما دخلت على اسم المخاطب صار الحكم للخطاب من حيث كان قولنا يا أيها الرجل معناه يا رجل، ولما كان الرجل هو المخاطب في المعنى غلب حكم الخطاب فاكتفى باثنين لأن أسماء الخطاب لا تفتقر في تعريفها إلى حضور ثالث، ألا ترى أن قولك خرجت يا هذا وانطلقت وأكرمتك لا حاجة به إلى ثالث؟ وليس كل وجوه التعريف يقتضي أن يكون بين إثنين في ثالث فإن ضمير المتكلم في (أنا خرجت) معرفة إجماعاً ولا يتوقف تعريفه على حضور ثالث، وأيضاً ما قص من حديث التعويض يستدعي بظاهره أن يكون أصل يا أيها الرجل مثلاً: (يا أي يايا رجل) وأنهم عوضوا من (يا) الثانية (ها) ومن الثالثة الألف واللام، وأنت تعلم أن هذا مع مخالفته لقول الجماعة خلف من القول يمجه السمع وينكره الطبع فليفهم. والناس: اسم جمع على ما حققه جمع، والجموع وأسماؤها المحلاة بأل للعموم حيث لا عهد خارجي كما يدل عليه وقوع الاستثناء والأصل فيه الاتصال هو يقتضي الدخول يقيناً ولا يتصور إلا بالعموم، ونحو ضربت زيداً إلا رأسه وصمت رمضان إلا عشره الأخير ـ عام تأويلاً، وكذا التأكيد بما يفيد العموم إذا لو لم يكن هناك عموم كان التأكيد تأسيساً والاتفاق على خلافه، وشيوع استدلال الصحابة رضي الله تعالى عنهم بالعموم كما في حديث السقيفة وهم أئمة الهدى. ثم هذا الخطاب في نحو {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} يسمى بالخطاب الشفاهي عند الأصوليين قالوا: وليس عاماً لمن بعد الموجودين في زمن الوحي أو لمن بعد الحاضرين مهابط الوحي، والأول هو الوجه وإنما يثبت حكمه لهم بدليل آخر من نص أو قياس أو إجماع، وأما بمجرد الصيغة فلا، وقالت الحنابلة: بل هو عام لمن بعدهم إلى يوم القيامة واستدل الأولون بأنا نعلم أنه لا يقال للمعدومين نحو {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} قال العضد: وإنكاره مكابرة وبأنه امتنع خطاب الصبـي والمجنون بنحوه وإذا لم نوجهه نحوهم مع وجودهم لقصورهم عن الخطاب فالمعدوم أجدر أن يمنع لأن تناوله أبعد، واستدل الآخرون بأنه لو لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم مخاطباً به لمن بعدهم لم يكن مرسلاً إليهم واللازم منتف وبأنه لم يزل العلماء يحتجون على أهل الأعصار ممن بعد الصحابة بمثل ذلك، وهو إجماع على العموم لهم. وأجيب: أما عن الأول فبأن الرسالة إنما تستدعي التبليغ في الجملة وهو لا يتوقف على المشافهة بل يكفي فيه حصوله للبعض شفاهاً وللبعض بنصب الدلائل والأمارات على أن حكمهم حكم الذين شافههم، وأما عن الثاني: فبأنه لا يتعين أن يكون ذلك لتناوله لهم بل قد يكون لأنهم علموا أن حكمه ثابت عليهم بدليل آخر قاله غير واحد. وفي «شرح العلامة الثاني للشرح العضدي» أن القول بعموم الشفاهي وإن نسب إلى الحنابلة ليس ببعيد. وقال بعض/ أجلة المحققين: إنه المشهور حتى قالوا إن الحق أن العموم معلوم بالضرورة من الدين المحمدي وهو الأقرب، وقول العضد: إن إنكاره مكابرة حق لو كان الخطاب للمعدومين خاصة، أما إذا كان للموجودين والمعدومين على طريق التغليب فلا، ومثله فصيح شائع وكل ما استدل به على خلافه ضعيف انتهى. وإلى العموم ذهب كثير من الشافعية على أنه عندهم عام بحاق لفظه ومنطوقه من غير احتياج إلى دليل آخر، وقد قيل: إنه من قبيل الخطاب العام الذي أجري على غير ظاهره كما في قوله:شعر : إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا تفسير : هذا وعلى كل حال ما روى عن ابن مسعود وعلقمة من أن كل شيء نزل فيه {أَيُّهَا ٱلنَّاسُ} مكي و {يَاأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مدني إن صح ولم يؤول لا يوجب تخصيص هذا العام بوجه بالكفار بل هم أيضاً داخلون فيه ومأمورون بأداء العبادة كالاعتقاد، والأمر بالشيء أمر بما لا يتم إلا به وكون الإيمان أصل العبادات، ولو وجب بوجوبها انقلب الأصل تبعاً مردود بأن الأصالة بحسب الصحة لا تنافي التبعية في الوجوب على أنه واجب استقلالاً أيضاً، والعجب كيف خفي على مشايخ سمرقند؟! وهذا ما ذهب إليه العراقيون والشافعية، ويؤيده ظواهر الآيات كقوله تعالى: {أية : وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ * ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْتُونَ ٱلزَّكَٰوةَ } تفسير : [فصلت: 6-7] وقوله سبحانه: {أية : مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ * قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ } تفسير : [المدثر: 42 ـ 44] وذهب البخاريون إلى أنهم مكلفون في حق الاعتقاد فقط، وأبو حنيفة رضي الله تعالى عنه لم ينص ظاهراً على شيء في المسألة لكن في كلام صاحبه الثاني ما يدل عليها، ولعل ذلك من الإمام لأنه لا ثمرة للخلاف في الدنيا للاتفاق على أنهم ما داموا كفاراً يمتنع منه الإقدام عليها ولا يؤمرون بها وإذا أسلموا لم يجب قضاؤها عليهم، وإنما ثمرته في الآخرة وهو أنهم يعذبون على تركها كما يعذبون على ترك الإيمان عند من قال بوجوبها عليهم، وعلى ترك الإيمان فقط عند من لم يقل، وهذا في غير العقوبات والمعاملات، أما هي فمتفق على خطابهم بها، والأمر بالعبادة هنا للطوائف الثلاث باعتبار أن المراد بها الشامل لإيجاد أصلها والزيادة والثبات ـ فاعبدوا ـ يدل على طلب في الحال لعبادة مستقلة وهي من الكفار ابتداء عبادة ومن بعض المؤمنين زيادة ومن آخرين مواظبة، وليس الابتداء والزيادة والمواظبة داخلاً في المفهوم وضعاً فلا محذور في شيء أصلاً خلافاً لمن توهمه فتكلف في دفعه وذكر سبحانه الرب ليشير إلى أن الموجب القريب للعبادة هي نعمة التربية، وإن كانت عبادة الكاملين لذاته تعالى من غير واسطة أصلاً سوى أنه هو هو فسبحانه من إله ما أعظمه ومن رب ما أكرمه. {ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} الموصول صفة مادحة للرب، وفيها أيضاً تعليل العبادة أو الربوبية على ما قيل، فإن كان الخطاب في {رَبُّكُـمْ} شاملاً للفرق الثلاث فذاك وإن خص بالمشركين وأريد بالرب ما تعورف بينهم من إطلاقه على غيره تعالى احتمل أن تكون مقيدة إن حملت الإضافة على الجنس وموضحة إن حملت على العهد، ولا يبعد على هذا أن تكون مادحة لأن المطلق يتبادر منه رب الأرباب إلا إن جعلها للتقييد والتوضيح أظهر بناء على ما كانوا فيه وتعريضاً بما كانوا عليه ولأنه الأصل فلا يترك إلا بدليل. والخلق الاختراع بلا مثال ويكون بمعنى التقدير وعلى الأول لا يتصف به سواه سبحانه، وعلى الثاني قد يتصف به غير ومنه {أية : فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : [المؤمنون: 14] {أية : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطّينِ }تفسير : [المائدة: 110] وقول زهير:شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ـض القوم يخلق ثم لا يفري تفسير : ومن العجب أن أبا عبد الله البصري أستاذ القاضي عبد الجبار قال: إطلاق الخالق عليه تعالى محال لأن التقدير/ يستدعي الفكر والحسبان وهي مسألة خلافية بينه وبين الله تعالى القائل: {أية : هُوَ ٱللَّهُ ٱلْخَـٰلِقُ ٱلْبَارِىء } تفسير : [الحشر: 24] وبقول الله تعالى أقول، والموصول الثاني عطف على المنصوب في {خَلَقَكُمْ } و (قبل) ظرف زمان بكثرة ومكان بقلة ويتجوز بها عن التقدم بالشرف والرتبة، والخطاب إن شمل المؤمنين وغيرهم فالمراد بالذين قبلهم من تقدمهم في الوجود ومن هو موجود وهو أعلى منزلة منهم وفي هذا تذكير لكمال جلال الله تعالى وربوبيته وفيه من تأكيد أمر العبادة ما لا يخفى، وقدم سبحانه التنبيه على خلقهم وإن كان متأخراً بالزمان لأن علم الإنسان بأحوال نفسه أظهر ولأنهم المواجهون بالأمر بالعبادة فتنبيههم أولاً على أنفسهم آكد وأهم، وأتى بالخلق صلة والصلات لا بد من كونها معلومة الانتساب عند المخاطب، ولذا يعرف الموصول عنده بما فيها من العهد، واشترطت خبريتها إشارة إلى أنه ليس في المخاطبين من ينكر كون الخالق هو الله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ }تفسير : [الزخرف: 87] أو {أية : مِنْ خَلَـٰقٍ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاْرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ }تفسير : [الزمر: 38] وانفهام ذلك من الوصف بناء على ما قالوا الأخبار بعد العلم بها أوصاف والأوصاف قبل العلم بها أخبار مما قاله بعض المحققين وإن كان هناك من لا يعلم أن الله تعالى خالقه وخالق من قبله احتيج إلى ادعاء التغليب أو تنزيل غير العالم منزلة العالم لوضوح البراهين فتخرج الجملة مخرج المعلوم على خلاف مقتضى الظاهر، وقرأ ابن السميقع (وخلق من قبلكم) وزيد بن علي رضي الله تعالى عنهما والذين من قبلكم بفتح الميم، واستشكل لتوالي موصولين والصلة واحدة وخرجت على جعل (من) تأكيداً للذين فلا يحتاج إلى صلة نحو قوله:شعر : من النفر اللائي الذين إذا هم تهاب اللئام حلقة الباب قعقعوا تفسير : واعترض بأن الحرف لا يؤكد بدون إعادة ما اتصل به فالموصول أولى بذلك إذ يكاد أن يكون تأكيده كتأكيد بعض الاسم (فمن) حينئذ موصولة أو موصوفة وهي خبر مبتدأ مقدر وما بعدها صلة أو صفة وهي مع المقدر صلة الموصول الأول ويكون على أحد الاحتمالين نظير:شعر : فقلت وأنكرت الوجوه هم هم تفسير : وتخريج البيت على نحو هذا، وقيل: {مِنْ } زائدة، وقد أجاز بعض النحاة زيادة الأسماء؛ والكسائي زيادة {مِنْ} الموصولة، و (جعل) من ذلك:شعر : وكفى بنا فضلاً على من غيرنا حب النبـي محمد إيانا تفسير : وبعضهم استشكل القراءة المشهورة أيضاً بأن الذين أعيان و {مِن قَبْلِكُمْ} ناقص ليس في الإخبار به عنها فائدة، فكذلك الوصل به إلا على تأويل وتأويله أن ظرف الزمان إذا وصف لفظاً أو تقديراً مع القرينة صح الإخبار والوصل به تقول: نحن في يوم طيب، و (ما) هنا في تقدير: والذين كانوا من زمان قبل زمانكم، وقدر أبو البقاء: والذين خلقهم من قبل خلقكم فحذف الفعل الذي هو صلة وأقيم متعلقه مقامه فتدبر. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (لعل) في المشهور موضوعة للترجي وهو الطمع في حصول أمر محبوب ممكن الوقوع والإشفاق وهو توقع مخوف ممكن، والظاهر التقابل فتكون مشتركة، وذكر الرضي أنها للترجي وهو ارتقاب شيء لا وثوق بحصوله فيدخل فيه الطمع والإشفاق، والذي يميل إليه القلب ما ذكره بعض المحققين أنها لإنشاء توقع أمر متردد بين الوقوع وعدمه مع رجحان الأول، إما محبوب فيسمى رجاء أو مكروه فيسمى إشفاقاً وذلك قد يعتبر تحققه بالفعل إما من جهة المتكلم ـ وهو الشائع ـ لأن معاني الإنشاآت قائمة به. وإمّا من جهة المخاطب تنزيلاً له منزلة المتكلم في التلبس التام بالكلام الجاري بينهما، ومنه {أية : لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ } تفسير : [طه: 44] وقد يعتبر تحققه بالقوة بضرب من التجوز إيذاناً بأن ذلك الأمر في نفسه مئنة للتوقع متصف بحيثية مصححة له من غير أن يعتبر هناك توقع بالفعل من متوقع أصلاً. ففي الآية الكريمة ـ إن جعلت الجملة حالاً/ من مفعول {خَلَقَكُمْ} وما عطف عليه بطريق تغليب المخاطبين على الغائبين لأنهم المأمورون بالعبادة ـ امتنع حمل ـ لعل ـ على حقيقتها لا بالنظر إلى المتكلم لاستحالة الترجي على عالم الغيب والشهادة الفاعل لما يشاء، ولا بالنظر إلى المخاطبين لأنهم حين الخلق لم يكونوا عالمين فكيف يتصور الرجاء منهم؟! ولا يجوز جعلها حالاً مقدرة لأن المقدر حال الخلق التقوى لا رجاؤها فلا بد أن يحمل على المعنى المجازي بأن يشبه طلب التقوى منهم بعد اجتماع أسبابه ودواعيه بالترجي في أن متعلق كل واحد منهما مخير بين أن يفعل وأن لا يفعل مع رجحان ما بجانب الفعل فيستعمل كلمة ـ لعل ـ الموضوع له فيه فيكون استعارة تبعية أو تشبه صورة منتزعة من حال خالقهم بالقياس إليهم بعد أن مكنهم على التقوى وتركها مع رجحانها منهم بحال المرتجى بالقياس إلى المرتجى منه القادر على المرتجى، وتركه مع رجحان وجوده فيكون استعارة تمثيلية إلا أنه ذكر من المشبه به ما هو العمدة فيه أعني كلمة ـ لعل ـ أو تشبه ذواتهم بمن يرجى منه التقوى فيثبت له بعض لوازمه أعني الرجاء فيكون استعارة بالكناية، وجعل المشبه إرادته تعالى في الاستعارة والتمثيل نزغة اعتزالية مؤسسة على القاعدة القائلة بجواز تخلف المراد عن إرادته تعالى شأنه وبعضهم قال بالترجي هنا إلا أنه ليس من المتكلم ولا من المخاطب بل من غيرهما كما في قوله تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ }تفسير : [هود: 12] لأنه لما ولد كل مولود على الفطرة كان بحيث أن تأمله متأمل توقع منه رجاء أن يكون متقياً وليس بالبعيد، وإن جعلت حالاً من فاعل {خَلَقَكُمْ} امتنعت الحقيقة أيضاً وتعينت بعض الوجوه، وإن جعلت حالاً من ضمير {ٱعْبُدُواْ} جاز إبقاء الترجي على حقيقته مصروفاً إلى المخاطبين ـ أي راجين التقوى ـ والمراد بها حينئذ منتهى درجات السالكين وهو طرح الهوى ونبذ السوى والفوز بالمحبوب الأعلى وفي ذلك غاية المبتغى والعروج فوق سدرة المنتهى. وقد شاع ذلك عند الأقصى والأدنى وبذلك يصح الترغيب ويندفع ما قيل إن اللائق بالبلاغة القرآنية أن يعتبر من أول الأمر غاية عبادتهم وما هو لذة لهم ـ أعني الثواب ـ لا ما يشق عليهم وهو التقوى وإن كان مفضياً إليه ووجه الدفع ظاهر، وما قاله المولى التفتازاني من أن تقييد العبادة بترجي التقوى ليس له كثير معنى إنما المناسب تقييدها بالتقوى أو اقترانها برجاء ثوابها يدفعه أن في الترجي تنبيهاً على أن العابد ينبغي أن لا يفتر في عبادته ويكون ذا خوف ورجاء، نعم قالوا: الحال قيد لعاملها وهو هنا الأمر، فإن قلنا: إنه أعم من الوجوب فلا إشكال، وإن قلنا: إنه حقيقة في الوجوب اقتضى وجوب الرجاء المقيد به العبادة المأمور بها ولعله ليس بواجب والقول بأنه يقتضي وجوب المقيد دون القيد فيه كلام في الأصول لا يخفى على ذويه. وما أورد من أنه يلزم على هذا الوجه التوسط بين العصا ولحائها، فإن {أية : ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ } تفسير : [البقرة: 22] موصول بربكم صفة له ـ يجاب عنه بأن القطع يهون الفصل وإن كان هناك اتصال معنوي، وإن جعل {ٱلَّذِى جَعَلَ} مبتدأ ـ خبره {أية : لاَ تَجْعَلُواْ}تفسير : [البقرة: 22] كاد يزول الإشكال ويرتفع المقال، ومع هذا لا شك في مرجوحية هذا الوجه وإن أشعر كلام مولانا البيضاوي بأرجحيته، ثم لا يبعد أن يقال: إن المعنى في الآية على التعليل إما لأن (لعل) تجيء بمعنى كي كما ذهب إليه ابن الأنباري وغيره واستشهدوا بقوله:شعر : فقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا نكف ووثقتم لنا كل موثق تفسير : أو لأنها تجيء للإطماع فيكنى به بقرينة المقام عن تحقق ما بعدها على عادة الكبراء، ثم يتجوز به عن كل متحقق/ كتحقق العلة سواء كان معه إطماع أم لا على ما قيل. ولا يرد أن تعليل الخلق وهو فعله تعالى مما لم يجوزه أكثر الأشاعرة حيث منعوا تعليل أفعاله سبحان بالأغراض لئلا يلزم استكماله ـ عز شأنه ـ بالغير وهو محال لأنا نقول الحق الذي لا محيص عنه أن أفعاله تعالى معللة بمصالح العباد مع أنه سبحانه لا يجب عليه الأصلح، ومن أنكر تعليل بعض الأفعال ـ لا سيما الأحكام الشرعية كالحدود ـ فقد كاد أن ينكر النبوة كما قاله مولانا صدر الشريعة، والوقوف على ذلك في كل محل مما لا يلزم، على أن بعضهم يجعل الخلاف في المسألة لفظياً لأن العلة إن فسرت بما يتوقف عليه ويستكمل به الفاعل امتنع ذلك في حقه سبحانه، وإن فسرت بالحكمة المقتضية للفعل ظاهراً مع الغنى الذاتي فلا شبهة في وقوعها ولا ينكر ذلك إلا جهول أو معاند، وإنما لم يقل سبحانه في النظم تعبدون لأجل ـ اعبدوا ـ أو اتقوا لأجل تتقون ليتجاوب طرفاه مع اشتماله على صنعة بديعة من رد العجز على الصدر لأن التقوى قصارى أمر العابد فيكون الكلام أبعث على العبادة وأشد إلزاماً كذا قيل، وفي القلب منه شيء، وسبب حذف مفعول {تَتَّقُونَ} مما لا يخفى، وابن عباس رضي الله تعالى عنه يقدره الشرك، والضحاك النار، وأظنك لا تقدر شيئاً. ولما أمر سبحانه المكلفين بعبادة الرب الواجد لهم ووصفه بما وصفه، ومعلوم أن الصفة آلة لتمييز الموصوف عما عداه وأن تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية أشعرت الآية أن طريق معرفته تعالى والعلم بوحدانيته واستحقاقه العبادة النظر في صنعه، ولما كان التربية والخلق اللذان نيط بهما العبادة سابقين على طلبها فهم أن العبد لا يستحق ثواباً حيث أنعم عليه قبل العبادة بما لا يحصى مما لا تفي الطاقة البشرية بشكره ولا تقاوم عبادته عشر عشر. واستدل بالآية من زعم أن التكليف بالمحال واقع حيث أمر سبحانه بعبادته من آمن به ومن كفر بعد إخباره عنهم أنهم لا يؤمنون وأنهم عن ضلالتهم لا يرجعون، وقد تقدم الكلام في ذلك فارجع إليه.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي ثني به العِنان إلى موعظة كل فريق من الفرق الأربع المتقدم ذكرها موعظة تليق بحاله بعد أن قضى حق وصف كل فريق منهم بخلاله، ومثلت حال كل فريق وضربت له أمثاله فإنه لما استوفى أحوالاً للمؤمنين وأضدادِهم من المشركين والمنافقين لا جرم تهيأ المقام لخطاب عمومهم بما ينفعهم إرشاداً لهم ورحمة بهم لأنه لا يرضى لهم الضلال ولم يكن ما ذكر آنفاً من سوء صنعهم حائلاً دون إعادة إرشادهم والإقبال عليهم بالخطاب ففيه تأنيس لأنفسهم بعد أن هددهم ولامهم وذم صنعهم ليعلموا أن الإغلاظ عليهم ليس إلا حرصاً على صلاحهم وأنه غني عنهم كما يفعله المربي الناصح حين يزجر أو يوبخ فيرى انكسار نفس مرباه فيجبر خاطره بكلمة لينة ليريه أنه إنما أساء إليه استصلاحاً وحباً لخيره فلم يترك من رحمته لخلقه حتى في حال عتوهم وضلالهم وفي حال حملهم إلى مصالحهم. وبعد فهذا الاستئناس وجبر الخواطر يزداد به المحسنون إحساناً وينكف به المجرمون عن سوء صنعهم فيأخذ كل فريق من الذين ذكروا فيما سلف حظَّه منه. فالمقصود بالنداء من قوله: {يأيها الناس} الإقبال على موعظة نبذ الشرك وذلك هو غالب اصطلاح القرآن في الخطاب بيأيها الناس، وقرينة ذلك هنا قوله: {أية : فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون}تفسير : [البقرة: 22] وافتتح الخطاب بالنداء تنويهاً به. و(يا) حرف للنداء وهو أكثر حروف النداء استعمالاً فهو أصل حروف النداء ولذلك لا يقدر غيره عند حذف حرف النداء ولكونه أصلاً كان مشتركاً لنداء القريب والبعيد كما في «القاموس». قال الرضي في «شرح الكافية»: إن استعمال يا في القريب والبعيد على السواء ودعوى المجاز في أحدهما أو التأويل خلافُ الأصل، وهو يريد بذلك الرد على الزمخشري إذ قال في «الكشاف»: «ويا حرف وضع في أصله لنداء البعيد ثم استعمل في مناداة من سها أو غفل وإن قرب تنزيلاً له منزلة من بعد» وكذلك فعل في كتاب «المفصل». و(أيٌّ) في الأصل نكرة تدل على فرد من جنس اسم يتصل بها بطريق الإضافة، نحو أيُّ رجل أو بطريق الإبدال نحو يأيها الرجل، ومنه ما في الاختصاص كقولك لجليسك أنا كفيت مهمك أيها الجالس عندك وقد ينادون المنادى باسم جنسه أو بوصفه لأنه طريق معرفته أو لأنه أشمل لإحضاره كما هنا فربما يؤتى بالمنادى حينئذٍ نكرة مقصودة أو غير مقصودة، وربما يأتون باسم الجنس أو الوصف معرفاً باللام الجنسية إشارة إلى تطرق التعريف إليه على الجملة تفنناً فجرى استعمالهم أن يأتوا حينئذٍ مع اللام باسم إشارة إغراقاً في تعريفه ويفصلوا بين حرف النداء والاسم المنادى حينئذٍ بكلمة أيّ وهو تركيب غير جار على قياس اللغة ولعله من بقايا استعمال عتيق. وقد اختصروا اسم الإشارة فأبقوا(هَا) التنبيهية وحذفوا اسم الإشارة، فأصل يأيها الناس يأيهؤلاء وقد صرحوا بذلك في بعض كلامهم كقول الشاعر الذي لا نعرفه:شعر : أيهذَانِ كُلا زاديكما تفسير : وربما أرادوا نداء المجهول الحاضر الذات أيضاً بما يدل على طريق إحضاره من حالة قائمة به باعتبار كونه فرداً من جنس فتوصلوا لذلك باسم الموصول الدال على الحالة بصلته والدال على الجنسية لأن الموصول يأتي لما تأتي له اللام فيقحمون أيًّا كذلك نحو: {أية : يأيها الذي نزل عليه الذكر}تفسير : [الحجر: 6]. و(الناس) تقدم الكلام في اشتقاقه عند قوله تعالى: {أية : ومن الناس}تفسير : [البقرة: 8] وهو اسم جمع نودي هنا وعرف بأل يشمل كل أفراد مسماه لأن الجموع المعرفة باللام للعموم ما لم يتحقق عهد كما تقرر في الأصول واحتمالها العهد ضعيف إذ الشأن عهد الأفراد فلذلك كانت في العموم أنص من عموم المفرد المحلى بأل. فإن نظرت إلى صورة الخطاب فهو إنما واجه به ناساً سامعين فعمومه لمن لم يحضر وقت سماع هذه الآية، ولمن سيوجد من بعد يكون بقرينة عموم التكليف وعدم قصد تخصيص الحاضرين وذلك أمر قد تواتر نقلاً ومعنى فلا جرم أن يعم الجميع من غير حاجة إلى القياس، وإن نظرت إلى أن هذا من أضرب الخطاب الذي لا يكون لمعين فيترك فيه التعيين ليعم كل من يصلح للمخاطبة بذلك وهذا شأن الخطاب الصادر من الدعاة والأمراء والمؤلفين في كتبهم من نحو قولهم يا قوم، ويا فتى، وأنتَ ترى، وبهذا تعلم، ونحو ذلك فما ظنك بخطاب الرسل وخطاب هو نازل من الله تعالى كان ذلك عاماً لكل من يشمله اللفظ من غير استعانة بدليل آخر. وهذا هو تحقيق المسألة التي يفرضها الأصوليون ويعبرون عنها بخطاب المشافهة والمواجهة هل يعم أم لا؟ والجمهور وإن قالوا إنه يتناول الموجودين دون مَن بعدهم بناء على أن ذلك هو مقتضى المخاطبة حتى قال العضد إن إنكار ذلك مكابرة، وبحث فيه التفتزاني، فهم قالوا إن شمول الحكم لمن يأتي بعدهم هو مما تواتر من عموم البعثة وأن أحكامها شاملة للخلق في جميع العصور كما أشار إليه البيضاوي. قلت: الظاهر أن خطابات التشريع ونحوها غير جارية على المعروف في توجه الخطاب في أصل اللغات لأن المشرع لا يقصد لفريق معين، وكذلك خطاب الخلفاء والولاة في الظهائر والتقاليد، فقرينة عدم قصد الحاضرين ثابتة واضحة، غاية ما في الباب أن تعلقه بالحاضرين تعلق أصلي إلزامي وتعلقه بالذين يأتون من بعد تعلق معنوي إعلامي على نحو ما تقرر في تعلق الأمر في علم أصول الفقه فنفرض مثلَه في توجه الخطاب. والعبادة في الأصل التذلل والخضوع وقد تقدم القول فيها عند قوله تعالى: {أية : إياك نعبد}تفسير : [الفاتحة: 5] ولما كان التذلل والخضوع إنما يحصل عن صدق اليقين كان الإيمان بالله وتوحيده بالإلٰهية مبدأ العبادة لأن من أشرك مع المستحق ما ليس بمستحق فقد تباعد عن التذلل والخضوع له. فالمخاطب بالأمر بالعبادة المشركون من العرب والدهريون منهم وأهل الكتاب والمؤمنون كل بما عليه من واجب العبادة من إثبات الخالق ومن توحيده، ومن الإيمان بالرسول، والإسلام للدين والامتثال لما شرعه إلى ما وراء ذلك كله حتى منتهى العبادة ولو بالدوام والمواظبة بالنسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه فإنهم مشمولون للخطاب على ما تقرر في الأصول، فالمأمورية هو القدر المشترك حتى لا يلزم استعمال المشترك في معانيه عند من يأبى ذلك الاستعمال وإن كنا لا نأباه إذا صلح له السياق بدليل تفريع قوله بعد ذلك: {أية : فلا تجعلوا لله أنداداً}تفسير : [البقرة: 22] على قوله: {اعبدوا ربكم} الآية. فليس في هذه الآية حجة للقول بخطاب الكفار بفروع الشريعة لأن الأمر بالعبادة بالنسبة إليهم إنما يُعنَى به الإيمان والتوحيد وتصديق الرسول، وخطابهم بذلك متفق عليه وهي مسألة سمجة. وقد مضى القول في معنى الرب عند قوله تعالى: {أية : الحمد لله رب العالمين}تفسير : في سورة الفاتحة (2). ووجه العدول عن غير طريق الإضافة من طرق التعريف نحو العلمية إذ لم يقل اعبدوا الله، لأن في الإتيان بلفظ الرب إيذاناً بأحقية الأمر بعبادته فإن المدبر لأمور الخلق هو جدير بالعبادة لأن فيها معنى الشكر وإظهار الاحتياج. وإفراد اسم الرب دل على أن المراد رب جميع الخلق وهو الله تعالى إذ ليس ثمة رب يستحق هذا الاسم بالإفراد والإضافة إلى جميع الناس إلا الله، فإن المشركين وإن أشركوا مع الله آلهة إلا أن بعض القبائل كان لها مزيد اختصاص ببعض الأصنام، كما كان لثقيف مزيد اختصاص باللات كما تقدم في سورة الفاتحة وتبعهم الأوس والخزرج كما سيأتي في تفسير قوله تعالى: {أية : فمن حج البيت أو اعتمر}تفسير : [البقرة: 158] في هذه السورة فالعدول إلى الإضافة هنا لأنها أخصر طريق في الدلالة على هذا المقصد فهي أخصر من الموصُول فلو أريد غير الله لقيل اعبدوا أربابكم فلا جرم كان قوله: {اعبدوا ربكم} صريحاً في أنه دعوة إلى توحيد الله ولذلك فقوله: {الذي خلقكم} زيادة بيان لموجب العبادة، أو زيادة بيان لما اقتضته الإضافة من تضمن معنى الاختصاص بأحقية العبادة. وقوله: {والذين من قبلكم} يفيد تذكير الدهريين من المخاطبين الذين يزعمون أنهم إنما خلقهم آباؤهم فقالوا {أية : نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر}تفسير : [الجاثية: 24] فكان قوله: {والذين من قبلكم} تذكيراً لهم بأن آباءهم الأولين لا بد أن ينتهوا إلى أب أول فهو مخلوق لله تعالى. ولعل هذا هو وجه التأكيد بزيادة حرف(من) في قوله: {من قبلكم} الذي يمكن الاستغناء عنه بالاقتصار على {قبلكم} لأن (من) في الأصل للابتداء فهي تشير إلى أول الموصوفين بالقبْلية فذكرها هنا استرواح لأصل معناها مع معنى التأكيد الغالب عليها إذا وقعت مع قبل وبعد. والخلق أصله الإيجاد على تقدير وتسوية ومنه (خلَق الأديمَ إذا هيأه ليقطعه ويخرزه) قال جبير في هرم بن سنان:شعر : ولأَنْتَ تفري ما خَلَقْتَ وبَعْ ض القوم يَخْلقُ ثم لا يفري تفسير : وأطلق الخلق في القرآن وكلام الشريعة على إيجاد الأشياء المعدومة فهو إخراج الأشياء من العدم إلى الوجود إخراجاً لا صنعة فيه للبشر فإن إيجاد البشر بصنعتهم أشياء إنما هو تصويرها بتركيب متفرق أجزائها وتقدير مقادير مطلوبة منها كصانع الخزف فالخلق وإيجاد العوالم وأجناس الموجودات وأنواعها وتولد بعضها عن بعض بما أودعت الخلقة الإلٰهية فيها من نظام الإيجاد مثل تكوين الأجنة في الحيوان في بطونه وبيضه وتكوين الزرع في حبوب الزريعة وتكوين الماء في الأسحبة فذلك كله خلق وهو من تكوين الله تعالى ولا عبرة بما قد يقارن بعض ذلك الإيجاد من علاج الناس كالتزوج وإلقاء الحب والنوى في الأرض للإنبات، فالإيجاد الذي هو الإخراج من العدم إلى الوجود بدون عمل بشري خص باسم الخلق في اصطلاح الشرع، لأن لفظ الخلق هو أقرب الألفاظ في اللغة العربية دلالة على معنى الإيجاد من العدم الذي هو صفة الله تعالى وصار ذلك مدلول مادة خلق في اصطلاح أهل الإسلام فلذلك خص إطلاقه في لسان الإسلام بالله تعالى: {أية : أفمن يخلُق كمن لا يخلُق أفلا تذكرون}تفسير : [النحل: 17] - وقال -: {أية : هل من خالق غير الله}تفسير : [فاطر: 3] وخص اسم الخالق به تعالى فلا يطلق على غيره ولو أطلقه أحد على غير الله تعالى بناء على الحقيقة اللغوية لكان إطلاقه عجرفة فيجب أن ينبه على تركه. وقال الغزالي في «المقصد الأسنى»: لا حظ للعبد في اسمه تعالى الخالق إلا بوجه من المجاز بعيد فإذا بلغ في سياسة نفسه وسياسة الخلق مبلغاً ينفرد فيه باستنباط أمور لم يسبق إليها ويقدر مع ذلك على فعلها كان كالمخترع لما لم يكن له وجود من قبل فيجوز إطلاق الاسم (أي الخالق) عليه مجازاً ا هـ. فجعل جواز إطلاق فعل الخلق على اختراع بعض العباد مشروطاً بهذه الحالة النادرة ومع ذلك جعله مجازاً بعيداً فما حكاه الله في القرآن من قول عيسى عليه السلام: {أية : إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طائراً بإذن الله}تفسير : [آل عمران: 49] - وقول الله تعالى -: {أية : وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني}تفسير : [المائدة: 110] فإن ذلك مراعىً فيه أصل الإطلاق اللغوي قبل غلبة استعمال مادة خلق في الخلق الذي لا يقدر عليه إلا الله تعالى. ثم تخصيص تلك المادة بتكوين الله تعالى الموجودات ومن أجل ذلك قال الله تعالى: {أية : فتبارك الله أحسن الخالقين}تفسير : [المؤمنون: 14]. وجملة: {لعلكم تتقون} تعليل للأمر باعبدوا فلذلك فصلت، أي أمرتكم بعبادته لرجاء منكم أن تتقوا. «ولعل» حرف يدل على الرجاء، والرجاء هو الإخبار عن تهيىء وقوع أمر في المستقبل وقوعاً مؤكداً، فتبين أن لعل حرف مدلوله خبري لأنها إخبار عن تأكد حصول الشيء ومعناها مركب من رجاء المتكلم في المخاطب وهو معنى جزئي حرفي. وقد شاع عند المفسرين وأهل العلوم الحيرة في محمل لعل الواقعة من كلام الله تعالى لأن معنى الترجي يقتضي عدم الجزم بوقوع المرجو عند المتكلم فللشك جانب في معناها حتى قال الجوهري: «لعل كلمة شك» وهذا لا يناسب علم الله تعالى بأحوال الأشياء قبل وقوعها ولأنها قد وردت في أخبار مع عدم حصول المرجو لقوله تعالى: {أية : ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون}تفسير : [الأعراف: 13] مع أنهم لم يتذكروا كما بينته الآيات من بعد. ولهم في تأويل لعل الواقعة في كلام الله تعالى وجوه: أحدها قال سيبويه: «لعل على بابها والترجي أو التوقع إنما هو في حيز المخاطبين ا هـ". يعني أنها للإخبار بأن المخاطب يكون مرجواً، واختاره الرضي قائلاً لأن الأصل أن لا تخرج عن معناها بالكلية. وأقول لا يعني سيبويه أن ذلك معنى أصل لها ولكنه يعني أنها مجاز قريب من معنى الحقيقة لوقوع التعجيز في أحد جزأي المعنى الحقيقي لأن الرجاء يقتضي راجياً ومرجواً منه فحرف الرجاء دال على معنى فعل الرجاء إلا أنه معنى جزئي، وكل من الفاعل والمفعول مدلول لمعنى الفعل بالالتزام، فإذا دلت قرينة على تعطيل دلالة حرف الرجاء على فاعل الرجاء لم يكن في الحرف أو الفعل تمجز، إذ المجاز إنما يتطرق للمدلولات اللغوية لا العقلية وكذلك إذا لم يحصل الفعل المرجو. ثانيها: أن لعل للإطماع تقول: للقاصد لعلك تنال بغيتك، قال الزمخشري: «وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن». والإطماع أيضاً معنى مجازي للرجاء لأن الرجاء يلزمه التقريب والتقريب يستلزم الإطماع فالإطماع لازم بمرتبتين. ثالثها: أنها للتعليل بمعنى كي قاله قطرب وأبو علي الفارسي وابن الأنباري؛ وأحسب أن مرادهم هذا المعنى في المواقع التي لا يظهر فيها معنى الرجاء، فلا يرد عليهم أنه لا يطرد في نحو قوله: {أية : وما يدريك لعل الساعة قريب}تفسير : [الشورى: 17] لصحة معنى الرجاء بالنسبة للمخاطب ولا يرد عليهم أيضاً أنه إثبات معنى في (لعل) لا يوجد له شاهد من كلام العرب وجعله الزمخشري قولاً متفرعاً على قول من جعلها للإطماع فقال: «ولأنه إطماع من كريم إذا أطمع فعل» قال من قال: إن لعل بمعنى كي، يعني فهو معنى مجازي ناشيء عن مجاز آخر، فهو من تركيب المجاز على اللزوم بثلاث مراتب. رابعها: ما ذهب إليه صاحب «الكشاف» أنها استعارة فقال: «ولعل واقعة في الآية موقع المجاز لأن الله تعالى خلق عباده ليتعبدهم ووضع في أيديهم زمام الاختيار وأراد منهم الخير والتقوى فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا ليترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والعصيان كما ترجحت حال المرتجى بين أن يفعل وأن لا يفعل ومصداقه قوله تعالى: {أية : ليبلوكم أيكم أحسن عملاً}تفسير : [هود: 7] وإنما يبلي ويختبر من تخفي عنه العواقب ولكن شبه بالاختبار بناء أمرهم على الاختيار فكلام «الكشاف» يجعل لعل في كلامه تعالى استعارة تمثيلية لأنه جعلها تشبيه هيئة مركبة من شأن المزيد والمراد منه والإرادة بحال مركبة من الراجي والمرجو منه والرجاء فاستعير المركب الموضوع للرجاء لمعنى المركب الدال على الإرادة. وعندي وجه آخر مستقل وهو: «أن لعل الواقعة في مقام تعليل أمر أو نهي لها استعمال يغاير استعمال لعل المستأنفة في الكلام سواء وقعت في كلام الله أم في غيره، فإذا قلت افتقد فلاناً لعلك تنصحه كان إخباراً باقتراب وقوع الشيء وأنه في حيز الإمكان إن تم ما علق عليه فأما اقتضاؤه عدم جزم المتكلم بالحصول فذلك معنى التزامي أغلبي قد يعلم انتفاؤه بالقرينة وذلك الانتفاء في كلام الله أوقع، فاعتقادنا بأن كل شيء لم يقع أو لا يقع في المستقبل هو القرينة على تعطيل هذا المعنى الالتزامي دون احتياج إلى التأويل في معنى الرجاء الذي تفيده لعل حتى يكون مجازاً أو استعارة لأن لعل إنما أتى بها لأن المقام يقتضي معنى الرجاء فالتزام تأويل هذه الدلالة في كل موضع في القرآن تعطيل لمعنى الرجاء الذي يقتضيه المقام والجماعة لجأوا إلى التأويل لأنهم نظروا إلى لعل بنظر متحد في مواقع استعمالها بخلاف لعل المستأنفة فإنها أقرب إلى إنشاء الرجاء منها إلى الإخبار به. وعلى كل فمعنى لعل غير معنى أفعال المقاربة". والتقوى هي الحذر مما يكره، وشاعت عند العرب والمتدينين في أسبابها، وهو حصول صفات الكمال التي يجمعها التدين، وقد تقدم القول فيها عند قوله تعالى: {أية : هدى للمتقين}تفسير : [البقرة: 2]. ولما كانت التقوى نتيجة العبادة جعل رجاؤها أثراً للأمر بالعبادة وتقدم عند قوله تعالى: {هدى للمتقين}فالمعنى اعبدوا ربكم رجاء أن تتقوا فتصبحوا كاملين متقين، فإن التقوى هي الغاية من العبادة فرجاء حصولها عند الأمر بالعبادة وعند عبادة العابد أو عند إرادة الخلق والتكوين واضحُ الفائدة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ}. أشار في هذه الآية إلى ثلاثة براهين من براهين البعث بعد الموت وبينها مفصلة في آيات أخر. البرهان الأول: خلق الناس أولاً المشار إليه بقوله: { ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة:21] لأن الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني، وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} تفسير : [الروم: 27] الآية وقوله: {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} تفسير : [الأنبياء: 104]، وكقوله: {أية : فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الإسراء: 51] الآية، وكقوله: {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [يس: 79]، وقوله {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ}تفسير : [ق: 15] الآية، وكقوله {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} تفسير : [الحج: 5]، وكقوله: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الواقعة: 62] الآية. ولذا ذكر تعالى أن من أنكر البعث فقد نسي الإيجاد الأول، كما في قوله: {أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ} تفسير : [يس: 78] الآية، وقوله: {أية : وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلاَ يَذْكُرُ ٱلإِنْسَٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} تفسير : [مريم: 66-67]. ثم رتب على ذلك نتيجة الدليل بقوله: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ} تفسير : [مريم: 68] الآية.. إلى غير ذلك من الآيات. البرهان الثاني: خلق السموات والأرض المشار إليه بقوله: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} [البقرة: 22] لأنهما من أعظم المخلوقات، ومن قدر على خلق الأعظم، فهو على غيره قادر من باب أحرى. وأوضح الله تعالى هذا البرهان في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ} تفسير : [غافر: 57]، وقوله: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلاَّقُ ٱلْعَلِيمُ} تفسير : [يس: 81]، وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ} تفسير : [الأحقاف: 33]، وقوله: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 99]، وقوله: {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} تفسير : [النازعات: 27-28] الآية.. إلى غير ذلك من الآيات. البرهان الثالث: إحياء الأرض بعد موتها. فإنه من أعظم الأدلة على البعث بعد الموت، كما أشار له هنا بقوله: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} [البقرة: 22]، وأوضحه في آيات كثيرة كقوله: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ ٱلَّذِيۤ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} تفسير : [فصلت: 39]، وقوله: {أية : وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ ٱلْخُرُوجُ } تفسير : [ق: 11]، يعني: خروجكم من قبوركم أحياء بعد أن كنتم عظاماً رميما. وقوله: {أية : وَيُحْيِي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ} تفسير : [الروم: 19]، وقوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الأعراف: 57]، إلى غير ذلك من الآيات.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 21- يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذى أنشأكم وخلقكم ونماكم كما خلق الذين سبقوكم، فهو خالق كل شئ، لعلكم بذلك تعدون أنفسكم وتهيئونها لتعظيم الله ومراقبته، فتتطهر بذلك نفوسكم وتذعن للحق، وتخاف سوء العاقبة. 22- إنه وحده هو الذى مهد لكم الأرض بقدرته، وبسط رقعتها ليسهل عليكم الإقامة فيها والانتفاع بها، وجعل ما فوقكم من السماء وأجرامها وكواكبها كالبنيان المشيد، وأمدكم بسبب الحياة والنعمة - وهو الماء - أنزله عليكم من السماء فجعله سبباً لإخراج النباتات والأشجار المثمرة التى رزقكم بفوائدها، فلا يصح مع هذا أن تتصوروا أن لله نظراء تعبدونهم كعبادته لأنه ليس له مثيل ولا شريك، وأنتم بفطرتكم الأصلية تعلمون أنه لا مثيل له ولا شريك، فلا تحرفوا هذه الطبيعة. 23- وإن كنتم فى ريب من صدق هذا القرآن الذى تتابع إنزالنا له على عبدنا محمد فلديكم الحجة الظاهرة التي تبين الحق لكم، فحاولوا أن تأتوا بسورة مماثلة من سور هذا القرآن فى بلاغتها وأحكامها وعلومها وسائر هدايتها، ونادوا الذين يشهدون لكم أنكم أتيتم بسورة مماثلة له فاستعينوا بهم ولن تجدوهم، وهؤلاء الشهداء هم غير الله، لأن الله يؤيد عبده بكتابه، ويشهد له بأفعاله، هذا إن كنتم صادقين فى ارتيابكم فى هذا القرآن. 24- فإن لم تستطيعوا الإتيان بسورة مماثلة لسور القرآن - ولن تستطيعوا ذلك بحال من الأحوال - لأنه فوق طاقة البشر، إذ القرآن كلام الخالق فالواجب عليكم أن تتجنبوا الأسباب التى تؤدى بكم إلى عذاب النار فى الآخرة، التى سيكون وقودها وحطبها من الكافرين ومن الأصنام، ولقد هيئت هذه النار لتعذيب الجاحدين المعاندين.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الناس: لفظ جمع لا مفرد له من لفظه، واحده إنسان. اعبدوا: أطيعوا بالإيمان والامتثال للأمر والنهي مع غاية الحب لله والتعظيم. ربكم: خالقكم ومالك أمركم وإلهكم الحق. خلقكم: أوجدكم من العدم بتقدير عظيم. تتقون: تتخذون وقاية تحفظكم من الله، وذلك بالإيمان والعمل الصالح بعد ترك الشرك والمعاصي. فراشا: وطاء للجلوس عليها والنوم فوقها. بناءً: مَبْنيّة كقبة فوقكم. الثمرات: جمع ثمرة وهو ما تخرجه الأرض من حبوب وخضر وتخرجه الأشجار من فواكه. رزقا لكم: قوتا لكم تقتاتون به فتحفظ حياتكم إلى أجلها. أنداداً: جمع ندّ: النظير والمثيل تعبدونه دون الله أو مع الله تضادون به الرب تبارك وتعالى. المناسبة ومعنى الآيتين: وَجْه المناسبة أنه تعالى لما ذكر المؤمنين المفلحين، والكافرين الخاسرين ذكر المنافقين وهم بين المؤمنين الصادقين والكافرين الخاسرين ثم على طريقة الالتفات نادى الجميع بعنوان الناس ليكون نداء عاما للبشرية جمعاء في كل مكان وزمان وأمرهم بعبادته ليقوا أنفسهم من الخسران. معرفاً لهم نفسه ليعرفوه بصفات الجلال والكمال فيكون ذلك أَدعى لاستجابتهم له فيعبدونه عبادة تنجيهم من عذابه وتكسبهم رضاه وجنته، وختم نداءه لهم بتنبيههم عن اتخاذ شركاء له يعبدونهم معه مع علمهم أنهم لا يستحقون العبادة لعجزهم عن نفعهم أو ضرهم. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- وجوب عبادة الله تعالى، إذ هي علة الحياة كلها. 2- وجوب معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته. 3- تحريم الشرك صغيره وكبيره ظاهره وخفيه.
القطان
تفسير : بعد ان استعرض الله تعالى طوائف الناس الثلاث: المؤمنين المتقين، والكافرين، والمنافقين ـ وجّه دعوة عامة للناس جميعاً الى عبادته والايمان بالكتاب الذي أنزله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم، وخاطبهم بـ {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ}، فوصفهم بهذه الإنسانية التي هي عنوان على العقل والنظر و التدبُّر. يا أيها الناس اعبُدوا ربَّكم. الذي أنشأكم وخلقكم كما خلق الأقوام الذين سبقوكم. إنه خالق هذا الكون وكل شيء فيه. اعبُدوه لعلكم تُعدون أنفسكم وتهيئونها لأن تتطهر بفضل عبادتها له فيسهُل عليها ان تذعن للحق. وبعد ان أرشدهم الرحمن الى دلائل التوحيد وحثهم على عبادة الخالق العظيم أشار لهم الى دلائل وحدانيته من آيات قدرته المحيطة بهم في أرضه وسمائه، وبصّرهم بما أنعم عليهم فيها من وسائل الحياة، وموارد الرزق فقال: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} مهّده بقدرته وبسَط رقعته بحكمته كما يسهُل عليكم العيش فيها والانتفاع بها. والبسط والتمهيد هنا لا يعني كروية في الشكل ولا عدمها، وانما يعني تذليل الأرض لنفع الانسان. لكنّ الله بسط لنا في الأرض السهول، وجعل لنا فيها الجبال الشاهقة والبحار العميقة، والأنهار الجارية والأودية السحيقة: كل ذلك جعله لنا، نتمتع بكافة خيراتها العديدة الأصناف. اما فوقنا فقد جعل السماء وأجرامها وكواكبها المتراصة في نظرنا كالبنيان المشيد. ومن هذه السماء أمدّنا جلّ وعلا بسب الحياة والنعمة. ألا وهو الماء، انزله علينا يغيثنا به فجعله سبباً لأخراج النبات والشجر المثمر. لذا فإن من عمى البصيرة والبصر أيها الناس ان تجعلوا لله أندادا. فلا تفعلوه. إذ من الغيّ وحده أن تتصوروا ان لله نظراء، ثم تأخذون تعبدونهم كعبادته. انه خالقكم، ليس له مثيل ولا شريك، وأنتم بفطرتكم الأصيلة تعلمون انه لا مثيل له ولا شريك، فلا تحرّفوا هذه الطبيعة. نعم ان كثيراً من مشركي العرب كانوا يعتقدون بالإلَه لكنهم يتذرعون بقولهم: انما نعبد هذه الأصنام لتُقِّربنا الى الله.. فهل الله في حاجة الى وثن يتخذه واسطة بينه وبين عباده!! وفي هذه الآية جزء من دلائل الإعجاز في القرآن الكريم، وهو قوله تعالى {ٱلسَّمَاءَ بِنَآءً}، ففي ذلك معنى ما كان يمكن أن يعرفه النبي الأميّ الا بوحي من الله. فالسماء في المعنى العلمي هي كل ما يحيط بالارض في أي اتجاه، و الى أي مدى، وعلى أية صورة، ويشمل ذلك الجوّ المحيط بالارض الى ارتفاعات تنتهي حيث يبدأ الفراغ الكوني الشاسع بما فيه من الأجرام السماوية المنتشرة في اعماقه السحيقة على اختلاف أشكالها وأحجامها. وهي تتحرك في نظام بديع عجيب، على أساسه يتوالى ظهورها واختفاؤها لسكان الأرض. وهي جميعاً في دورانها وترابطها بقوى الجاذبية، كالبنيان في تماسكه واتزانه، وتدّرجه طبقة بعد طبقة. وكل هذا لم يكن معروفاً للعلم في عصر محمد. صلى الله عليه وسلم. وفي الجزء الأدنى من السماء، وهو الحد المحيط بالأرض القريبُ منها مباشرة ـ توجد الطبقات الجوية المختلفة الواقية من الإشعاعات الضارة عن أرجاء الكون، والتي لا تسمح الا للأشعة المنيرة منها بالنفاذ، فهي كالمظلات الواقية. وفي هذه الطبقة يكون السحاب ومنه المطر. وبعد أن بيَّن الله للناس انه هو الخالق الواحد المعبود بحق، وانه المنعم بكل ما في الوجود ـ خاطبهم برفق قائلا: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} وذلك لان المشركين كانوا ينكرون الرسالة وأن القرآن وحي من عند الله. لذا طلب اليهم، لتبرير شكّهم وإنكارهم، عند أنفسهم، أن يأتوا بسورة واحدة تضارع أياً من سور القرآن في بلاغتها وإحكامها وعلومها وسائر هدايتها. وحجّهم قائلاً: نادوا الذين يشهدون لكم أنكم أتيتم بسورة مماثلة. استعينوا بهم في اثبات دعواكم. غير انكم لن تجدوهم.. وهؤلاء الشهود هم غير الله حُكماً، لأن الله يؤيد عبده بكتابه، ويشهد له بأفعاله. ثم ينتقل الى التحدّي والتحذير فيقول: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}. فإن لم تستطيعوا ان تأتوا بسورةٍ من مِثلِ سوَر القرآن ـ ولن تستطيعوا ذلك بحال من الأحوال، لأن القرآن كلام الله الخالق، فهو فوق طاقة المخلوقين ـ فالواجب عليكم ان تجتنبوا ما يؤدي بكم الى عذاب الآخرة، وإلى النار التي سيكون وقودها الكافرين من الناس والحجارة من أصنامكم، والتي أعدّها الله لتعذيب الجاحدين أمثالكم. ولقد سجل القرآن على المشركين المكابرين واقع العجز الدائم عن الإتيان بمثل هذا القرآن، بل جزءٍ منه أو سورة واحدة. وذلك من إعجاز القرآن. لأن التحدي ظل قائماً في حياة الرسول الكريم رغم وجود الفصحاء والبلغاء من خطباء العرب وشعرائهم وكبار متحدثيهم. ولا يزال قائماً الى يومنا هذا والى يوم الدين. وحيث عجز بلغاء ذلك العصر وفصحاؤه. فإن سواهم أعجز. وفي هذا أكبر دليل على ان القرآن ليس من كلام البشر، بل هو من الخالق العظيم، انزله تصديقاً لرسوله محمد بن عبد الله، الرسول الأميّ الذي لم يجلس الى معلم، ولم يدخل أية مدرسة. وبعد أن حذّر المكذّبين المعاندين وأنذرهم بعقاب الفجّار في نار لاهبة ـ أخذ يبشّر المؤمنين المتقين بالجنة. لقد أذعنوا للحق دون شك أو ارتياب، وعملوا الأعمال الصالحة الطيبة، فبشّرْهم يا محمد بما يسرهم ويشرح صدورهم: لقد أعدّ الله لهم عنده جنات تتخللها الأنهار الجارية تنساب تحت أشجارها وبين قصورها، وكلّما نالوا رزقاً من بعض ثمارها قالوا: هذا شبيه ما رزقنا الله في الدنيا من قبل. ومع أن الثمرات التي ينالونها اذ ذاك تتشابه في الصورة والشكل والجنس مع مثيلاتها في الدنيا فهي تتمايز عنها في الطعم واللذة. ولهم في الجنة زوجات رضيّات، مطهرات من الخبث والدنس، هن أرفعُ من المكر والكيد ومساوئ الاخلاق. هناك سيبقون في الحياة الخالدة، ويعيشون في النعيم المقيم.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَاأَيُّهَا} (21) - يَدْعُو اللهُ تَعَالَى النَّاسَ (وَقَالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ إِنَّهُ قَصَدَ بِدَعْوَتِهِ هذِهِ هُنَا المُنَافِقينَ وَالكَافِرِينَ) إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، عِبَادَةَ خُشُوعٍ وَإِخْلاصٍ، لأَِنَّهُ هُوَ الذِي خَلَقَهُمْ، وَخَلَقَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الأَجْيَالِ، فَإِنْ فَعَلُوا ذلِكَ أَعَدُّوا أَنْفُسَهُمْ لِلتَّقْوَى، وَبَلَغُوا الغَايَةَ القُصْوَى، وَكَانُوا مِنْ عِبَادِ اللهِ المُتَّقِينَ الذِينَ يُذْعِنُونَ لِلْحَقِّ، وَيَخَافُونَ سُوءَ العَاقِبَةِ.
الثعلبي
تفسير : {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ}: قال ابن عباس: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} خطاب أهل مكة، و{يا أيها الذين آمنوا} خطاب أهل المدينة، وهو هاهنا عام. {ٱعْبُدُواْ} وحّدوا وأطيعوا. {رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} أوجدكم وأنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئاً. {وَٱلَّذِينَ} أي وخلق الذين {مِن قَبْلِكُمْ} {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}: لكي تنجوا من السُحت والعذاب. قال سيبويه: لعل وعسى حرفا ترج وهما من الله [.....]. {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} بساطاً ومقاماً ومناماً. {وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} سقفاً مرفوعاً محفوظاً. {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ}: من السحاب. {مَآءً} وهو المطر {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ} من الوان الثمرات وأنواع النبات. {رِزْقاً} طعاماً. {لَّكُمْ} وعلفاً لدوابكم. {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} أي أمثالا [وأعدالاً] وقرأ ابن السميقع: ندّاً على الواحد، كقول جرير: شعر : أتيما تجعلون إليّ ندّاً وما تيم لذي حسب نديد تفسير : {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} إنّه واحد وأنّه خالق هذه الأشياء. قال ابن مسعود في قوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} قال: أكفّاء من الرجال تطيعوهم في معصية الله. وقال عكرمة: هو قول الرجل: لولا كلبنا لدخل اللص دارنا. {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} الآية نزلت في الكفّار، وذلك أنهم قالوا لما سمعوا القرآن: ما يشبه هذا كلام الله وإنّا لفي شكَ منه، فأنزل الله تعالى {وَإِن كُنْتُمْ} يا معشر الكفّار، [وإن] لفظة جزاء وشرط، ومعناه: إذ؛ لأنّ الله تعالى علم إنهم شاكّون كقوله: {أية : وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 139] وقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 278]. قال الأعشى: شعر : بانت وقد أسفرت في النفس حاجتها بعد ائتلاف وخير الودّ ما نفعا تفسير : قال المؤرّخ: أصلها من السّورة وهي الوثبة: تقول العرب سرت إليه وثبت إليه. قال العجاج: شعر : وربّ ذي سرادق محجورٌ سرت إليه في أعالي السّور تفسير : قال الأعشى: شعر : وسمعت حلفتها التي حلفت إن كان سمعك غير ذي وقر تفسير : {فِي رَيْبٍ} أي في شك وتهمة. {مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} محمد يعني القرآن. {فَأْتُواْ} لم يأتوا بمثله، لأنّ الله علم عجزهم عنه. {بِسُورَةٍ} أصلها في قول بعضهم: من أسارت، أي أفضلت فحذفت الهمزة كأنّها قطعة من القرآن، وقيل: هي الدرجة الرفيعة، وأصلها من سور البناء، أي منزلة بعد منزلة. قال النابغة: شعر : ألم تر أنّ الله أعطاك سورة ترى كل مُلْك دونها يتذبذب تفسير : {مِّن مِّثْلِهِ} يعني مثل القرآن، و(من) صلة كقوله تعالى: {أية : قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} {أية : وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ} تفسير : [النور: 30-31]. كقول النابغة: شعر : ولا أرى ملكاً في الناس يشبهه ولا أخا (لي) من الأقوام من أحد تفسير : أي أحداً. وقيل في قوله: (مثله): راجعة الى محمد صلى الله عليه وسلم ومعناه: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} أي من رجل أُمّي لا يُحسن الخط والكتابة. {وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم} يعني استعينوا بآلهتكم التي تعبدونها من دون الله. وقال مجاهد والقرظي: ناساً يشهدون لكم. وإنما ذكر الاستعانة بلفظ الدعاء على عادة العرب في دعائهم القائل في الحروب والشدائد: [يال.....]. قال الشاعر: شعر : فلمّا التقت فرساننا ورجالهم دعوا يا لكعب واعتزينا لعامر تفسير : {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} إنّ محمداً أسرّ قوله من تلقاء نفسه، فلما تحدّاهم وعجزوا [قال الله تعالى]: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} أي فإن لم تجيئوا بمثل القرآن. {وَلَن تَفْعَلُواْ}: ولن تقدروا على ذلك. وقيل {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} فيما مضى {وَلَن تَفْعَلُواْ} فيما بقي. {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا} حطبها وعلفها {ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} قال الحسن ومجاهد: (وقودها) بضم الواو حيث كان وهو رديء، لأن الوقود بضم الراء المصدر وهو الالتهاب، والوقود بالفتح وهو ما يوقد به النار كالظهور والبرود، ومثليهما ومثل الوَضوء والوُضوء. وقرأ عبيد بن عمير: وقيدها الناس والحجارة. قيل: تلك الحجارة [كجت الأرض النائية] مثل الكبريت يجعل في أعناقهم إذا إشتعلت فيها النار أحرق توهجها وجوههم، فذلك قوله تعالى: {أية : أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [الزمر: 24]. اختلفوا في الحجارة، فقال ابن عباس وأكثر المفسّرين: إنها حجارة الكبريت [الأسود وهي أشد الأشياء حراً]، وقال حفص ابن المعلى: أراد بها الأصنام لأن أكثر أصنامهم كانت معمولة من الحجر، دليله قوله: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 98]. وقيل: هي أن أهل النار إذا عيل صبرهم بكوا وشكوا فتنشأ سحابة سوداء مظلمة فيرجون الفرج ويرفعون رؤوسهم إليها فتمطرهم حجارة عظاماً كحجارة الرّحا، فتزداد النار اتّقاداً والتهاباً كنار الدنيا إذا زيد حطبها زاد لهيبها. وقيل: ذكر الحجارة ها هنا تعظيماً لأمر النار لأنها لا تأكل الحجارة إلاّ إذا كانت فظيعة وهائلة. {أُعِدَّتْ}: خلقت وهُيئت للكافرين، وفي هذه الآية دليل على أنّ النار مخلوقة؛ لأنّ المعدَّ لا يكون إلاّ موجوداً. {وَبَشِّرِ} أي وأخبر. {ٱلَّذِين آمَنُواْ} وأصل التبشير: إيصال الخبر السار على [مسامع الناس] ويستبشر به، وأصله من البشرة؛ لأنّ الإنسان إذا فرح بان ذلك في وجهه وبشرته، ثمّ كثر حتى وضع موضع الخبر فيما [ساء وسرّ] قال الله تعالى: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [آل عمران: 21]. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي الخصال والفعلات {ٱلصَّالِحَاتِ} نعت لأسم مؤنث محذوف. وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه في {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}: معناه أخلصوا الأعمال، يدلّ عليه قوله: {أية : فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً} تفسير : [الكهف: 110] أي خالصاً لأن المنافق والمرائي لا يكون عمله خالصاً، وقال: أقاموا الصلوات المفروضات، دليله قوله تعالى: {وأقاموا الصلاة}. {أية : وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلْكِتَابِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُصْلِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 170] من المسلمين. وقال ابن عباس: عملوا الصالحات فيما بينهم وبين ربّهم، وقال: العمل الصالح يكون فيه أربعة أشياء: العلم، والنية، والصبر، والاخلاص. وقال سهل بن عبدالله: لزموا السنّة؛ لأنّ عمل المبتدع لا يكون صالحاً. وقيل: أدّوا الأمانة، يدل عليه قوله: {أية : وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً} تفسير : [الكهف: 82] أي أميناً. وقيل: تابوا، ودليله قوله تعالى: {أية : وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ} تفسير : [يوسف: 9] أي التائبين. {أَنَّ لَهُمْ}: محل (أن) نصب بنزع حرف الصّفة، أي بأنّ لهم. {جَنَّاتٍ}: في محل النصب فخفض لأنها جمع التأنيث، وهي جمع الجنّة وهي البستان، سمّيت جنّة لاجتنانها بالأشجار. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}: أي من تحت شجرها ومساكنها. وقيل: بأمرهم، كقوله: {أية : وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ} تفسير : [الزخرف: 51] أي بأمري. والأنهار: جمع نهر، سمّي نهراً لسعته وضيائه ومنه النهار. وأنشد أبو عبيدة: شعر : ملكتُ بها كفّي فأنهرتُ فتقها يرى قائم من دونها ما وراءها تفسير : أي وسعتها، يصف طعنة. وأراد بالأنهار المياه على قرب الجوار لأن النهر لا يجري. وقد جاء في الحديث: "حديث : أنهار الجنّة تجري في غير إخدود ". تفسير : {كُلَّمَا} متى ما {رُزِقُواْ} أطعموا {مِنْهَا} من الجنّة {مِن ثَمَرَةٍ}: أي ثمره، و(من) صلة. {رِّزْقاً} طعاماً. {قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا} أُطعمنا {مِن قَبْلُ}: طعامهما، وقيل معناه: هذا الذي رزقنا من قبل، أي وعدنا الله في الدنيا وهو قول عطاء، و(قبل) رفع على الغاية، قال الله تعالى: {أية : لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ} تفسير : [الروم: 4]. {وَأُتُواْ} وجيئوا {بِهِ} بالرزق. قرأ هارون بن موسى: (وأتوا) بفتح الألف، أراد أتاهم الخدم به. {مُتَشَابِهاً} اختلفوا في معناه، فقال ابن عباس ومجاهد والربيع والسّدي: متشابهاً في الألوان، مختلفاً في الطعوم. الحسن وقتادة: متشابهاً في الفضل، خياراً كلّه؛ لأنّ ثمار الدنيا [تبقى] ويرذل منها، وإن ثمار الجنة لا يرذل منها شيء. محمد بن كعب وعلي بن زيد: بمعنى يشبه ثمر الدنيا غير أنها أطيب. وقال بعضهم: متشابهاً في الإسم مختلفاً في الطعم. قال ابن عباس: ليس في الجنة شيء ممّا في الدنيا غير الأسماء. {وَلَهُمْ فِيهَآ} في الجنّات. {أَزْوَاجٌ} نساء وجوار، يعني الحور العين. قال ثعلب: الزوج في اللغة: المرأة والرجل، والجمع والفرد، والنوع واللون، وجميعها أزواج. {مُّطَهَّرَةٌ} من الغائط والبول والحيض والنفاس والمخاط والبصاق والقيء والمني والولد وكل قذر ودنس. وقال إبراهيم النخعي: في الجنة جماع ما شئت ولا ولد. وقيل: مطهّرة عن مساويء الأخلاق. وقال يمان: مطهّرة من الأثم والأذى. قال النبي صلى الله عليه وسلم:"حديث : إنّ أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يتفلون ولا يتغوّطون ولا يبولون ولا يتمخطون". قيل: فما بال الطعام؟ قال: "جشأ ورشح تجري من أعرافهم كريح المسك يلهمون التسبيح والتهليل كما يلهمون النفس ". تفسير : {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} دائمون مقيمون لا يموتون فيها ولا يخرجون منها. الحسن عن ابن عمر قال: حديث : سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجنة: كيف هي؟ قال: "من يدخل الجنة يحيى ولا يموت وينعم ولا يبؤس ولا تبلى ثيابه ولا شبابه". قيل: يا رسول الله كيف بناؤها؟ قال: "لبنة من فضّة ولبنةٌ من ذهب، بلاطها مسك أذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران ". تفسير : وقال يحيى بن أبي كثير: إنّ الحور العين لتُنادينّ أزواجهنّ بأصوات حسان، فيقلن: طالما انتظرناكم، نحن الراضيات الناعمات الخالدات، أنتم حبّنا ونحن حبّكم ليس دونكم مقصد ولا وراءكم معذر. وقال الحسن في هذه الآية: هنّ عجائزكم الغمض الرّمض العمش طُهّرن من قذرات الدنيا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن حدثنا الله سبحانه وتعالى عن صفات المنافقين في ثلاث عشرة آية وأعطانا أوصافهم الظاهرة، وأعطانا أمثلة لما يحدث في قلوبهم كي يعرفهم المؤمنون ظاهراً وباطناً، ويحذروهم ولا يأمنوا لهم. بين لنا كيف أن المنافقين لم يكفروا بالله كإله فقط، ويستروا وجوده، ولكن كفروا به كرب والرب عطاؤه مكفول لكل مَنْ خلق: مؤمنهم وكافرهم، فهو سبحانه وتعالى الذي استدعاهم للوجود وخلقهم. ولذلك فإنه سبحانه يضمن لهم رزقهم وحياتهم. والله سبحانه وتعالى لا يَحْرِمُ خلقاً من خلقه من عطاء ربوبيته في الدنيا. فالشمس تشرق على المؤمن والكافر، والمطر ينزل على مَنْ قال لا إله إلا الله ومَنْ ستر وجوده تعالى، والهواء يتنفس به ذلك الذي يقيم الصلاة والذي لم يركع ركعة في حياته، والطعام يأكله الذي يحب الله والذي يكفر بنعم الله .. ذلك أن هذه عطاءات ربوبية يعطيها الله تعالى لكل خلقه في الدنيا. أما عطاءات الألوهية، فهي للمؤمنين في الدنيا والآخرة. فالله سبحانه وتعالى يلفت انتباه خلقه إلى أن عطاء الربوبية من الله سبحانه وتعالى لهم يكفي ليؤمنوا بالله ويعبدوه. والحق سبحانه وتعالى حينما يخاطب الناس في القرآن الكريم، ذلك الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلابد أن يكون الخطاب للناس في كل زمان ومكان منذ نزول القرآن الكريم إلى يوم القيامة. وخطاب الله سبحانه وتعالى خاص بقضية الإيمان في القمة، وهي الخضوع لإله واحد لا شريك له. وقوله تعالى {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} [البقرة: 21] معناه أن من مقتضيات العبادة. أن الله هو خالق الناس جميعاً. وليس في قضية الخلق كما قلنا شبهة؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يدَّعي أنه خلق نفسه، أو خلق هذا الكون، بل إن الحق سبحانه وتعالى يطلب منا أن نحترم السببية المباشرة في وجودنا؛ فالأب والأم هنا سبب في وجود الإنسان. فنجد الله سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ ٱلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً} تفسير : [الإسراء: 23]. وهكذا نرى أن الحق قد احترم السببية في الموجد، مع أنه سبحانه وتعالى الموجِد الذي خلق كل شيء. ولكن الله يحترم عمل الإنسان. مع أنه سبب فقط، فالمال هو مال الله، يعطيه لمَنْ يشاء. لكننا نجد الحق سبحانه وتعالى وهو يحث على الصدقة يقول: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ..} تفسير : [البقرة: 245]. فكأنه سبحانه احترم عمل الإنسان في الحصول على المال، رغم أن المال مال الله. فقال وهو الخالق الأعظم: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ..} تفسير : [البقرة: 245] وهكذا تتجلى رحمة الحق بالخلق. الله يقول: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 21] نتقي ماذا؟ نتقي صفات الجلال في الله. فالله سبحانه وتعالى له صفات جلال وصفات جمال، صفات الجلال هي "الجبار والقهار والمتكبر والقوي والقادر والمقتدر والضار" وغيرها من صفات الجلال. فالله سبحانه وتعالى يريدنا أن نجعل بيننا وبين صفات الجلال وقاية حتى لا نغضب الله، فيعاملنا بمتعلقات صفات جلاله، وأن نتمسك بصفات جمال الله: الرحيم، الودود، الغفار، التواب، فإذا نجحنا في ذلك كان لنا نجاة من النار التي هي أحد جنود الله، ومتعلقات جلاله. على أننا لابد أن نتنبه إلى أن الله سبحانه وتعالى حينما يقول "يا أيها الناس" إنما يخاطب كل الناس، فإذا أراد الحق سبحانه وتعالى مخاطبة المؤمنين قال: "يا أيها الذين آمنوا" أي يا أيها الذين آمنتم بالله إلهاً، ودخلتم معه في عقد إيماني.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى الأصناف الثلاثة "المؤمنين، والكافرين، والمنافقين" وذكر ما تميزوا به من سعادة أو شقاوة، أو إِيمان أو نفاق، وضرب الأمثال ووضَّح طرق الضلال أعقبه هنا بذكر الأدلة والبراهين على وحدانية ربِّ العالمين، وعَرَّف الناس بنعمه ليشكروه عليها، وأقبل عليهم بالخطاب {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} وهو خطاب لجميع الفئات ممتناً عليهم بما خلق ورزق، وأبرز لهم "معجزة القرآن" بأنصع بيان وأوضح برهان، ليقتلع من القلوب جذور الشك والارتياب. اللغَة: {خَلَقَكُمْ} الخلق: الإِيجاد والاختراع بلا مثال، وأصله في اللغة التقدير يقال: خَلَق النعل إِذا قدَّرها وسوَّاها بالمقياس، وخلق الأديمَ للسقاء إِذا قدَّره قال الحجاج "ما خلقتُ إِلا فريتُ، ولا وعدتُ إِلا وفيتُ" أي ما قدرت شيئاً إِلا أمضيته، ولا وعدت بشيء إِلا وفيت به. {فِرَاشاً} الفراش: الوطاءُ والمهاد الذي يقعد عليه الإِنسان وينام {بِنَآءً} البناء: ما يُبنى من قبةٍ أو خباءٍ أو بيت {أَندَاداً} جمع نِدّ وهو الكفء والمثيل والنظير ومنه قول علماء التوحيد "ليس للهِ نِدٌّ ولا ضِدّ" قال حسان: شعر : أتهجوه ولستَ له بندٍّ فشرُّكما لخيركما الفِداء تفسير : وقال الزمخشري: "النِدُّ: المثل ولا يقال إلا للمخالف المناوئ قال جرير: أتيماً تجعلون إلىَّ نداً؟ {وَقُودُهَا} الوَقُود: الحطب الذي توقد به النار قال القرطبي: الوَقود بالفتح الحطب، وبالضم مصدر بمعنى التوقد {أُعِدَّتْ} هيئت، وأعددنا هيأنا قال البيضاوي: {أُعِدَّتْ} هُيّئت لهم وجُعلت عُدَّة لعذابهم {وَبَشِّرِ} البشارة: الخبر السارُّ الذي يتغير به بشرة الوجه من السرور، وإِذا استعمل في الشر فهو تهكم مثل {أية : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الانشقاق: 24] {أَزْوَاجٌ} جمع زوج ويطلق على الذكر والأنثى {أية : ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} تفسير : [البقرة: 35] فالمرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة قال الأصمعي: لا تكاد العرب تقول زوجة {خَالِدُونَ} باقون دائمون. التفسِير: يقول تعالى منبهاً العبادَ إِلى دلائل القدرة والوحدانية {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} أي يا معشر بني آدم اذكروا نِعَم الله الجليلة عليكم، واعبدوا الله ربكم الذي ربَّاكم وأنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئاً، اعبدوه بتوحيده، وشكره، وطاعته {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} أي الذي أوجدكم بقدرته من العدم، وخلق من قبلكم من الأمم {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أي لتكونوا في زمرة المتقين، الفائزين بالهدى والفلاح قال البيضاوي: لما عدَّد تعالى فِرَق المكلفين، أقبل عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات، هزاً للسامع، وتنشيطاً له، واهتماماً بأمر العبادة وتفخيماً لشأنها، وإِنما كثر النداء في القرآن بـ {يَاأَيُّهَا} لاستقلاله بأوجهٍ من التأكيد، وكلُّ ما نادى الله له عباده من حيث إِنها أمور عظام من حقها أن يتفطنوا لها، ويقبلوا بقلوبهم عليها وأكثرهم عنها غافلون حقيقٌ بأن يُنادى له بالآكد الأبلغ، ثمَّ عدَّد تعالى نِعَمه عليهم فقال {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} أي جعلها مهاداً وقراراً، تستقرون عليها وتفترشونها كالبساط المفروش مع كرويتها، وإِلا ما أمكنكم العيش والاستقرار عليها قال البيضاوي: جعلها مهيأة لأن يقعدوا ويناموا عليها كالفراش المبسوط، وذلك لا يستدعي كونها مسطَّحة لأن كروية شكلها مع عظم حجمها لا يأبى الافتراش عليها {وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} أي سقفاً للأرض مرفوعاً فوقها كهيئة القبة {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} أي مطراً عذباً فراتاً أنزله بقدرته من السحاب {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} أي فأخرج بذلك المطر أنواع الثمار والفواكه والخضار غذاءً لكم {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أي فلا تتخذوا معه شركاء من الأصنام والبشر تشركونهم مع الله في العبادة، وأنتم تعلمون أنها لا تَخْلُق شيئاً ولا تَرْزق، وأَنَّ الله هو الخالق الرازق وحده، ذو القوة المتين قال ابن كثير: شرع تعالى في بيان وحدانية ألوهيته بأنه هو المنعم على عبيده بإِخراجهم من العدم، وإِسباغه عليهم النِّعَم، والمرادُ بالسَّماء هنا السحاب، فهو تعالى الذي أنزل المطر من السحاب في وقته عند احتياجهم إِليه، فأخرج لهم به أنواع الزروع والثمار رزقاً لهم ولأنعامهم، ومضمونه أنه الخالق الرازق مالكُ الدار وساكنيها ورازقهم، فبهذا يستحق أن يُعبد وحده ولا يُشرك به غيره. ثم ذكر تعالى بعد أدلة التوحيد الحجة على النبوة، وأقام البرهان على إِعجاز القرآن فقال {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} أي وإِذا كنتم أيها الناسُ في شك وارتياب من صدق هذا القرآن، المعجز في بيانه، وتشريعه، ونظمه، الذي أنزلناه على عبدنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} أي فأتوا بسورةٍ واحدةٍ من مثل هذا القرآن، في البلاغة والفصاحة والبيان {وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي وادعوا أعوانكم وأنصاركم الذين يساعدونكم على معارضة القرآن غير الله سبحانه، والمراد استعينوا بمن شئتم غيره تعالى قال البيضاوي: المعنى أدعوا للمعارضة من حضركم أو رجوتم معونته من إِنسكم وجِنكم وآلهتكم غيرَ اللهِ سُبحانه وتعالى، فإِنه لا يقدر أن يأتي بمثله إِلا الله {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي أنه مختلق وأنه من كلام البشر، وجوابُه محذوف دلَّ عليه ما قبله {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} أي فإِن لم تقدروا على الإِتيان بمثل سورةٍ من سوره، وعجزتم في الماضي عن الإِتيان بما يساويه أو يدانيه، مع استعانتكم بالفصحاء والعباقرة والبلغاء {وَلَن تَفْعَلُواْ} أي ولن تقدروا في المستقبل أيضاً على الإِتيان بمثله، والجملةُ اعتراضيةٌ للإِشارة إِلى عجز البشر في الحاضر والمستقبل كقوله {أية : لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} تفسير : [الإسراء: 88] أي معيناً قال ابن كثير: تحداهم القرآن وهم أفصح الأمم ومع هذا عجزوا، و{لَن} لنفي التأبيد في المستقبل أي ولن تفعلوا ذلك أبداً، وهذه أيضاً معجزة أخرى وهو أنه أخبر خبراً جازماً قاطعاً، غير خائفٍ ولا مشفق أنَّ هذا القرآن لا يُعارضُ بمثله أبد الآبدين ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر لم يُعارض من لدنه إِلى زماننا هذا، ومن تدبّر القرآن وجد فيه من وجوه الإِعجاز فنوناً ظاهرة وخفية، من حيثُ اللفظ ومن حيثُ المعنى، والقرآنُ جميعه فصيح في غاية نهايات الفصاحة والبيان عند من يعرف كلام العرب، ويفهم تصاريف الكلام {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} أي فخافوا عذاب الله، واحذروا نار الجحيم التي جعلها الله جزاء المكذبين {ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} أي اتقوا النار التي مادتُها التي تُشعل بها وتُضرم لإِيقادها هي الكفار والأصنام التي عبدوها من دون الله كقوله تعالى {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98] قال مجاهد: حجارةٌ من كبريت أنتن من الجيفة يعذبون بها مع النار {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} أي هُيّئت تلك النارُ وأُرصدت للكافرين الجاحدين، ينالون فيها ألوان العذاب المهين. ثم لما ذكر ما أعدَّه لأعدائه، عطف عليه بذكر ما أعدَّه لأوليائه، على طريقة القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب، للمقارنة بين حال الأبرار والفجار فقال {وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي وبَشِّرْ يا محمد المؤمنين المتقين، الذين كانوا في الدنيا محسنين، والذين جمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح {أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} أي بأن لهم حدائق وبساتين ذاتِ أشجار ومساكن، تجري من تحت قصورها ومساكنها أنهار الجنة {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً} أي كلما أعطوا عطاءً ورُزقوا رزقاً من ثمار الجنة {قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} أي هذا مثلُ الطعام الذي قُدِّم إِلينا قبل هذه المرة قال المفسرون: إِن أهل الجنة يُرزقون من ثمارها، تأتيهم به الملائكة، فإِِذا قُدّم لهم مرة ثانية قالوا: هذا الذي أتيتمونا به من قبل فتقول الملائكة: كلْ يا عبد الله فاللونُ واحدٌ والطعم مختلف قال تعالى {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} أي متشابهاً في الشكل والمنظر، لا في الطعم والمَخْبر قال ابن جرير: يعني في اللون والمرأى وليس يشبهه في الطعم قال ابن عباس: لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إِلا في الأسماء {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي ولهم في الجنة زوجاتٌ من الحور العين مطهَّرات من الأقذار والأدناس الحسية والمعنوية قال ابن عباس: مطهَّرة من القذر والأذى وقال مجاهد: مطهَّرة من الحيض والنفاس، والغائط والبول والنخام، وورد أن نساء الدنيا المؤمنات يكنَّ يوم القيامة أجمل من الحور العين كما قال تعالى {أية : إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً * عُرُباً أَتْرَاباً} تفسير : [الواقعة: 35 - 37] {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي دائمون، وهذا هو تمام السعادة، فإِنهم مع هذا النعيم في مقام أمين، يعيشون مع زوجاتهم في هناءٍ خالد لا يعتريه انقطاع. البَلاَغَة: 1- ذكر الربوبية {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} مع إِضافته إِلى المخاطبين للتفخيم والتعظيم. 2 - الإِضافة {عَلَىٰ عَبْدِنَا} للتشريف والتخصيص، وهذا أشرف وصفٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم. 3 - التعجيز {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ} خرج الأمر عن صيغته إِلى معنى التعجيز، وتنكيرُ السورة لإِرادة العموم والشمول. 4 - المقابلة اللطيفة {جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} فقد قابل بين الأرض والسماء، والفراش والبناء، وهذا من المحسنات البديعية. 5 - الجملة الاعتراضية {وَلَن تَفْعَلُواْ} لبيان التحدي في الماضي والمستقبل وبيان العجز التام في جميع العصور والأزمان. 6 - الإيجاز البديع بذكر الكناية {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} أي فإن عجزتم فخافوا نار جهنم بتصديقكم بالقرآن.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا أمر عام لكل الناس، بأمر عام، وهو العبادة الجامعة، لامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وتصديق خبره، فأمرهم تعالى بما خلقهم له، قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} . تفسير : ثم استدل على وجوب عبادته وحده، بأنه ربكم الذي رباكم بأصناف النعم، فخلقكم بعد العدم، وخلق الذين من قبلكم، وأنعم عليكم بالنعم الظاهرة والباطنة، فجعل لكم الأرض فراشا تستقرون عليها، وتنتفعون بالأبنية، والزراعة، والحراثة، والسلوك من محل إلى محل، وغير ذلك من أنواع الانتفاع بها، وجعل السماء بناء لمسكنكم، وأودع فيها من المنافع ما هو من ضروراتكم وحاجاتكم، كالشمس، والقمر، والنجوم. { وَأَنزلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً } والسماء: [هو] كل ما علا فوقك فهو سماء، ولهذا قال المفسرون: المراد بالسماء هاهنا: السحاب، فأنزل منه تعالى ماء، { فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ } كالحبوب، والثمار، من نخيل، وفواكه، [وزروع] وغيرها { رِزْقًا لَكُمْ } به ترتزقون، وتقوتون وتعيشون وتفكهون. { فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا } أي: نظراء وأشباها من المخلوقين، فتعبدونهم كما تعبدون الله، وتحبونهم كما تحبون الله، وهم مثلكم، مخلوقون، مرزوقون مدبرون، لا يملكون مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض، ولا ينفعونكم ولا يضرون، { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } أن الله ليس له شريك، ولا نظير، لا في الخلق، والرزق، والتدبير، ولا في العبادة فكيف تعبدون معه آلهة أخرى مع علمكم بذلك؟ هذا من أعجب العجب، وأسفه السفه. وهذه الآية جمعت بين الأمر بعبادة الله وحده، والنهي عن عبادة ما سواه، وبيان الدليل الباهر على وجوب عبادته، وبطلان عبادة من سواه، وهو [ذكر] توحيد الربوبية، المتضمن لانفراده بالخلق والرزق والتدبير، فإذا كان كل أحد مقرا بأنه ليس له شريك في ذلك، فكذلك فليكن إقراره بأن [الله] لا شريك له في العبادة، وهذا أوضح دليل عقلي على وحدانية الباري، وبطلان الشرك. وقوله تعالى: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } يحتمل أن المعنى: أنكم إذا عبدتم الله وحده، اتقيتم بذلك سخطه وعذابه، لأنكم أتيتم بالسبب الدافع لذلك، ويحتمل أن يكون المعنى: أنكم إذا عبدتم الله، صرتم من المتقين الموصوفين بالتقوى، وكلا المعنيين صحيح، وهما متلازمان، فمن أتى بالعبادة كاملة، كان من المتقين، ومن كان من المتقين، حصلت له النجاة من عذاب الله وسخطه. ثم قال تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ }.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 4:- سفين عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله جل وعز: {يَٰـأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} قال تطيعون. [الآية 21].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):