Verse. 29 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

الَّذِىْ جَعَلَ لَكُمُ الْاَرْضَ فِرَاشًا وَّالسَّمَاۗءَ بِنَاۗءً۝۰۠ وَّاَنْزَلَ مِنَ السَّمَاۗءِ مَاۗءً فَاَخْرَجَ بِہٖ مِنَ الثَّمَرٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ۝۰ۚ فَلَا تَجْعَلُوْا لِلہِ اَنْدَادًا وَّاَنْتُمْ تَعْلَمُوْنَ۝۲۲
Allathee jaAAala lakumu alarda firashan waalssamaa binaan waanzala mina alssamai maan faakhraja bihi mina alththamarati rizqan lakum fala tajAAaloo lillahi andadan waantum taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذي جعل» خلق «لكم الأرض فراشا» حال بساطا يفترش لا غاية في الصلابة أو الليونة فلا يمكن الاستقرار عليها «والسماء بناءً» سقفاً «وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من» أنواع «الثمرات رزقاً لكم» تأكلونه وتعلفون دوابكم «فلا تجعلوا لله أنداداً» شركاء في العبادة «وأنتم تعلمون» أنه الخالق ولا تخلقون، ولا يكون إلهاً إلا من يخلق.

22

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلَ} معناه هنا صيّر لتعدّيه إلى مفعولين. ويأتي بمعنى خلق؛ ومنه قوله تعالى:{أية : مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ} تفسير : [المائدة: 103] وقوله: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ}تفسير : [الأنعام: 1]. ويأتي بمعنى سَمَّى؛ ومنه قوله تعالى: {أية : حـمۤ. وَٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ. إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً}تفسير : . [الزخرف: 1 ـ 3]. وقوله: {أية : وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا} تفسير : [الزخرف: 15]. {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً} تفسير : [الزخرف: 19] أي سَمّوهم. ويأتي بمعنى أخذ؛ كما قال الشاعر:شعر : وقد جَعلتْ نَفسِي تَطيبُ لِضَغْمةٍ لضَغْمِهِما هَا يَقرَعُ العظمَ نابُها تفسير : وقد تأتي زائدة؛ كما قال الآخر:شعر : وقد جعلتُ أرى الاثنين أربعةً والواحد ٱثنينِ لمْا هدّني الكِبَرُ تفسير : وقد قيل في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} تفسير : [الأنعام: 1]: إنها زائدة. وجعل وٱجتعل بمعنىً واحد؛ قال الشاعر: شعر : ناط أَمْرَ الضِّعافِ وٱجتعل الليـ ـلَ كَحْبلِ العادِيّةِ الممدُودِ تفسير : {فِرَاشاً} أي وِطاء يفترشونها ويستقرّون عليها. وما ليس بفراشٍ كالجبال والأوعار والبحار فهي من مصالح ما يفترش منها؛ لأن الجبال كالأوتاد؛ كما قال: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ مِهَاداً وَٱلْجِبَالَ أَوْتَاداً}تفسير : [النبأ: 6 ـ 7]. والبحار تركب إلى سائر منافعها؛ كما قال: {أية : وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِي تَجْرِي فِي ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ} تفسير : [البقرة: 164]. الثانية: قال أصحاب الشافعي: لو حلف رجل ألا يبيت على فراش أو لا يستسرج بسراج فبات على الأرض وجلس في الشمس لم يحنث؛ لأن اللفظ لا يرجع إليهما عُرْفاً. وأما المالكية فبنوه على أصلهم في الأيمان أنها محمولة على النية أو السبب أو البساط الذي جرت عليه اليمين؛ فإن عدم ذلك فالعرف. الثالثة: قوله تعالى: {وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} السماء للأرض كالسّقف للبيت؛ ولهذا قال وقوله الحق: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً} تفسير : [الأنبياء: 32]. وكل ما علا فأظلّ قيل له سماء؛ وقد تقدم القول فيه. والوقف على «بِناء» أحسن منه على «تَتّقُونَ»؛ لأن قوله: {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} تفسير : [البقرة:22] نعت للرّب. ويقال: بَنَى فلان بيتاً، وبنى على أهله ـ بِناء فيهما ـ أي زَفّها. والعامة تقول: بنى بأهله، وهو خطأ؛ وكأنّ الأصل فيه أن الداخل بأهله كان يضرب عليها قُبْةً ليلة دخوله بها؛ فقيل لكل داخل بأهله: بانٍ. وبَنّى (مقصوراً) شدّد للكثرة، وٱبنتى دار وبَنَى بمعنىً؛ ومنه بنيان الحائط؛ وأصله وضع لَبِنَة على أخرى حتى تثبت. وأصل الماء مَوَهٌ، قلبت الواو ألفاً لتحرّكها وتحرّك ما قبلها فقلت مَاهٌ، فٱلتقى حرفان خفيّان فأبدلت من الهاء همزة؛ لأنها أجلد، وهي بالألف أشبه؛ فقلت: ماء؛ الألف الأولى عين الفعل، وبعدها الهمزة التي هي بدل من الهاء، وبعد الهمزة ألف بدل من التنوين. قال أبو الحسن: لا يجوز أن يكتب إلا بألفين عند البصريين، وإن شئت بثلاث؛ فإذا جمعوا أو صغّروا ردّوا إلى الأصل فقالوا: مُوَيْهٌ وأَمْوَاهٌ ومِيَاهٌ؛ مثل جِمَال وأجمْال. الرابعة: قوله تعالى: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} الثمرات جمع ثمرة.ويقال: ثَمَر مثل شَجَر. ويقال ثُمُر مثل خُشُب. ويقال: ثُمْر مثل بُدْن. وثِمَارَ مثل إكام جمع ثمر. وسيأتي لهذا مزيد بيان في «الأنعام» إن شاء الله. وثمار السّياط: عُقَدُ أطرافها. والمعنى في الآية أخرجنا لكم ألواناً من الثمرات، وأنواعاً من النبات. {رِزْقاً} طعاماً لكم، وعَلَفاً لدوابّكم؛ وقد بيّن هذا قولُه تعالى: {أية : أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَآءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا ٱلأَرْضَ شَقّاً فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً وَعِنَباً وَقَضْباً وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً وَحَدَآئِقَ غُلْباً وَفَاكِهَةً وَأَبّاً مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ} تفسير : [عبس: 25 ـ 32]. وقد مضى الكلام في الرزق مستوفى والحمد لله. فإن قيل: كيف أطلق ٱسم الرزق على ما يخرج من الثمرات قبل التمّلك؟ قيل له: لأنها معدّة لأن تملك ويصح بها الانتفاع؛ فهي رزق. الخامسة: قلت: ودلّت هذه الآية على أن الله تعالى أغنى الإنسان عن كل مخلوق؛ ولهذا قال عليه السلام مشيراً إلى هذا المعنى: «حديث : والله لأنْ يأخذ أحدُكم حَبْلَه فَيَحْتطِبَ على ظهره خير له من أن يسأل أحداً أعطاه أو منعه»تفسير : . أخرجه مسلم. ويدخل في معنى الاحتطاب جميع الأشغال من الصنائع وغيرها؛ فمن أحوج نفسه إلى بشر مثله بسبب الحرص والأمل والرغبة في زُخرف الدنيا فقد أخذ بطرف من جعل لله نِدًّا. وقال علماء الصوفية: أعلم الله عز وجل في هذه الآية سبيل الفقر؛ وهو أن تجعل الأرض وِطاءً والسماء غِطاءً، والماء طيباً والكلأ طعاماً؛ ولا تعبد أحداً في الدنيا من الخلق بسبب الدنيا، فإن الله عزّ وجلّ قد أتاح لك ما لا بدّ لك منه، من غير مِنَةٍ فيه لأحد عليك. وقال نَوْف البِكَاليّ: رأيت عليّ بن أبي طالب خرج فنظر إلى النجوم فقال: يا نَوْف، أراقِد أنت أم رامق؟ قلت: بل رامق يا أمير المؤمنين، قال: طُوبَى للزاهدين في الدنيا والراغبين في الآخرة؛ أولئك قوم ٱتخذوا الأرض بساطاً، وتُرابها فِراشاً، وماءها طِيباً، والقرآن والدعاء دِثاراً وشِعاراً؛ فرفضوا الدنيا على منهاج المسيح عليه السلام... وذكر باقي الخبر، وسيأتي تمامه في هذه السورة عند قوله تعالى: {أية : أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ}تفسير : [البقرة: 186] إن شاء الله تعالى. السادسة: قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ} نَهْيٌ. {للَّهِ أَندَاداً} أي أكفاء وأمثالاً ونظراءً؛ واحدها نِدّ، وكذلك قرأ محمد بن السَّمَيْقَع «نِداًّ»؛ قال الشاعر:شعر : نَحْمَدُ الله ولا نِدّ له عنده الخير وما شاء فعلْ تفسير : وقال حَسّان:شعر : أتهجوه ولست له بِنِدٍّ فشرُّكما لخيرِكما الفِداء تفسير : ويقال: نِدٌّ وَندِيدٌ ونَدِيدَةٌ على المبالغة؛ قال لَبيد:شعر : لكيلاَ يكون السَّنْدَرِيّ نَدِيدتِي وأجعلَ أقواما عُموماً عَماعِمَا تفسير : وقال أبو عبيدة: «أنداداً» أضداداً. النحاس: «أنداداً» مفعول أوّل، و «لله» في موضع الثاني. الجوهري: والنَّدْ (بفتح النون): التَّلُّ المرتفع في السماء. والنَّد من الطيب ليس بعربيّ. ونَدّ البعير يَندُّ نَدًّا ونِداداً ونُدوداً: نفر وذهب على وجهه؛ ومنه قرأ بعضهم «يَوْمَ التَّنَادِ». ونَدَّد به أي شهّره وسَمَّع به. السابعة: قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ابتداء وخبر، والجملة في موضع الحال، والخطاب للكافرين والمنافقين؛ عن ٱبن عباس. فإن قيل: كيف وصفهم بالعلم وقد نعتهم بخلاف ذلك من الخَتْم والطَّبْع والصَّمَم والعَمَى. فالجواب من وجهين: أحدهما: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يريد العلم الخاص بأن الله تعالى خلق الخلق وأنزل الماء وأنبت الرزق؛ فيعلمون أنه المنعِم عليهم دون الأنداد. الثاني: أن يكون المعنى وأنتم تعلمون وحدانيّته بالقوّة والإمكان لو تدبرتم ونظرتم؛ والله أعلم. وفي هذا دليل على الأمر باستعمال حجج العقول وإبطال التقليد. وقال ٱبن فُورَك: يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين؛ فالمعنى لا ترتدّوا أيها المؤمنون وتجعلوا لله أنداداً بعد علمكم الذي هو نَفْيُ الجهل بأن الله واحد.

البيضاوي

تفسير : {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} صفة ثانية، أو مدح منصوب، أو مرفوع، أو مبتدأ خبره فلا تجعلوا وجعل من الأفعال العامة يجيء على ثلاثة أوجه: بمعنى صار، وطفق فلا يتعدى كقوله:شعر : فَقَدْ جعلتُ قلوصَ بني سُهَيل مِنْ الأَكْوارِ مرتعُها قَريبُ تفسير : وبمعنى أوجد فيتعدّى إلى مفعول واحد كقوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ }تفسير : [الأنعام: 1] وبمعنى صير، ويتعدى إلى مفعولين كقوله تعالى: {جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً } والتصيير يكون بالفعل تارة، وبالقول أو العقد أخرى. ومعنى جعلها فراشاً أن جعل بعض جوانبها بارزاً ظاهراً عن الماء، مع ما في طبعه من الإحاطة بها، وصيرها متوسطة بين الصلابة واللطافة حتى صارت مهيأة لأن يقعدوا ويناموا عليها كالفراش المبسوط، وذلك لا يستدعي كونها مسطحة، لأن كروية شكلها مع عظم حجمها. واتساع جرمها لا تأبى الافتراش عليها. {وَٱلسَّمَاء بِنَاءً} قبة مضروبة عليكم. والسماء اسم جنس يقع على الواحد والمتعدد كالدينار والدرهم، وقيل: جمع سماءة. والبناء مصدر، سمي به المبنى بيتاً كان أو قبة أو خباء، ومنه بني على امرأته، لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباءً جديداً. {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ } عطف على (جعل)، وخروج الثمار بقدرة الله تعالى ومشيئته، ولكن جعل الماء الممزوج بالتراب سبباً في إخراجها ومادة لها كالنطفة للحيوان، بأن أجرى عادته بإفاضة صورها وكيفياتها على المادة الممتزجة منهما، أو أودع في الماء قوة فاعلة وفي الأرض قوة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع الثمار، وهو قادر على أن يوجد الأشياء كلها بلا أسباب ومواد كما أبدع نفوس الأسباب والمواد، ولكن له في إنشائها مدرجاً من حال إلى حال، صنائع وحكم يجدد فيها لأُولي الأبصار عبراً، وسكوناً إلى عظيم قدرته ليس في إيجادها دفعة، و {مِنْ } الأولى للابتداء سواء أريد بالسماء السحاب فإن ما علاك سماء، أو الفلك فإن المطر يبتدىء من السماء إلى السحاب ومنه إلى الأرض على ما دلت عليه الظواهر. أو من أسباب سماوية تثير الأجزاء الرطبة من أعماق الأرض إلى جو الهواء فتنعقد سحاباً ماطراً. و {مِنْ } الثانية للتبعيض بدليل قوله تعالى: {أية : فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ }تفسير : [فاطر: 27] واكتناف المنكرين له أعني ماء ورزقاً كأنه قال: وأنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم، وهكذا الواقع إذ لم ينزل من السماء الماء كله، ولا أخرج بالمطر كل الثمرات، ولا جعل كل المرزوق ثماراً. أو للتبيين، ورزقاً مفعول بمعنى المرزوق كقولك أنفقت من الدراهم ألفاً. وإنما ساغ الثمرات والموضع موضع الكثرة، لأنه أراد بالثمرات جماعة الثمرة التي في قولك أدركت ثمرة بستانه، ويؤيده قراءة من قرأ: «من الثمرة» على التوحيد. أو لأن الجموع يتعاور بعضها موقع بعض كقوله تعالى: {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ }تفسير : [الدخان: 25] وقوله: {أية : ثَلَـٰثَةَ قُرُوء }تفسير : [البقرة: 228] أو لأنها لما كانت محلاة باللام خرجت عن حد القلة. و {لَكُمْ } صفة رزقاً إن أريد به المرزوق ومفعوله إن أريد به المصدر كأنه قال: رزقاً إياكم. {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} متعلق باعبدوا على أنه نهي معطوف عليه. أو نفي منصوب بإضمار أن جواب له. أو بلعل على أن نصب تجعلوا نصب فاطلع في قوله تعالى: {أية : لَّعَـلّى أَبْلُغُ ٱلاْسْبَـٰبَ أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ فَأَطَّلِعَ }تفسير : [غافر: 36-37] إلحاقاً لها بالأشياء الستة لاشتراكها في أنها غير موجبة، والمعنى: إن تتقوا لا تجعلوا لله أنداداً، أو بالذي جعل، إن استأنفت به على أنه نهي وقع خبراً على تأويل مقول فيه: لا تجعلوا، والفاء للسببية أدخلت عليه لتضمن المبتدأ معنى الشرط والمعنى: أن من خصكم بهذه النعم الجسام والآيات العظام ينبغي أن لا يُشْرَكَ به. والند: المثل المناوىء، قال جرير:شعر : أَتيماً تَجْعلونَ إليَّ ندَّا وما تيمٌ لِذي حَسَبٍ نَدِيدُ تفسير : من ند يند ندوداً: إذا نفر، وناددت الرَجُلَ خالفته، خص بالمخالف المماثل في الذات كما خص المساوي بالمماثل في القدر، وتسمية ما يعبده المشركون من دون الله (أنداداً)، وما زعموا أنها تساويه في ذاته وصفاته ولا أنها تخالفه في أفعاله لأنهم لما تركوا عبادته إلى عبادتها، وسموها آلهة شابهت حالهم حال من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات، قادرة على أن تدفع عنهم بأس الله، وتمنحهم ما لم يرد الله بهم من خير، فتهكم بهم وشنع عليهم بأن جعلوا أنداداً لمن يمتنع أن يكون له ند. ولهذا قال موحد الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل:شعر : أَرَبّاً واحِداً أَمْ أَلفُ رَب أَدِينُ إِذا تقسَّمتِ الأمورُ تركْت اللاتَ والعزَّى جميعاً كذلكَ يَفْعَلُ الرجُلُ البصِيرُ تفسير : {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} حال من ضمير فلا تجعلوا، ومفعول تعلمون مطروح، أي: وحالكم أنكم من أهل العلم والنظر وإصابة الرأي، فلو تأملتم أدنى تأمل اضطر عقلكم إلى إثبات موجد للمكنات منفرد بوجوب الذات، متعال عن مشابهة المخلوقات. أو منوي وهو أنها لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله كقوله سبحانه وتعالى: {أية : هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْء } تفسير : [الروم: 40] وعلى هذا فالمقصود منه التوبيخ والتثريب، لا تقييد الحكم وقصره عليه، فإن العالم والجاهل المتمكن من العلم سواء في التكليف. واعلم إن مضمون الآيتين هو الأمر بعبادة الله سبحانه وتعالى، والنهي عن الإشراك به تعالى، والإشارة إلى ما هو العلة والمقتضى. وبيانه أنه رتب الأمر بالعبادة على صفة الربوبية إشعاراً بأنها العلة لوجوبها، ثم بين ربوبيته بأنه تعالى خالقهم وخالق أصولهم وما يحتاجون إليه في معاشهم من المقلة والمظلة والمطاعم والملابس، فإن الثمرة أعم من المطعوم، والرزق أعم من المأكول والمشروب. ثم لما كانت هذه الأمور التي لا يقدر عليها غيره شاهدة على وحدانيته تعالى، رتب تعالى عليها النهي عن الإشراك به، ولعله سبحانه أراد من الآية الأخيرة مع ما دل عليه الظاهر وسيق فيه الكلام، الإشارة إلى تفصيل خلق الإنسان وما أفاض عليه من المعاني والصفات على طريقة التمثيل، فمثل البدن بالأرض، والنفس بالسماء، والعقل بالماء، وما أفاض عليه من الفضائل العملية والنظرية المحصلة بواسطة استعمال العقل للحواس، وازدواج القوى النفسانية والبدنية، بالثمرات المتولدة من ازدواج القوى السماوية الفاعلة والأرضية المنفعلة بقدرة الفاعل المختار، فإن لكل آية ظهراً وبطناً ولكل حد مطلعاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِى جَعَلَ } خلق {لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً } حال بساطا يُفْتَرَشُ لا غاية في الصلابة أو الليونة فلا يمكن الاستقرار عليها {وَٱلسَّمَاءَ بِنَاءً } سقفاً {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ } أنواع {ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ} تأكلونه وتعلفون به دوابكم { فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً } شركاء في العبادة {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه الخالق ولا يخلقون ولا يكون إلهاً إلا من يَخْلُقُ.

ابن عبد السلام

تفسير : {أَندَاداً} أكفاء أو أشباهاً، أو أضداداً. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أن الله خلقكم، أو لأنه لا ند له ولا ضد، أو وأنتم تعقلون.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً...} أخبرهم أنّ الله تعالى خلقهم، وعقّبه ببيان ما هو من ضروريات الأجسام المخلوقة وهو الخبر. وعبّر عنه بالفراش تنبيها على أنه نعمة لهم كالفراش الذي ينام عليه الإنسان، ويتلذذ به، ويطمئن إليه. قال الزمخشري: والموصول إما منصوب صفة للنعت كالذي خلقكم أو على المدح والتعظيم أو رفع على الابتداء وفيه ما في النصب من المدح. قال ابن عرفة: لا يكون فيه ما في النصب إلا إذا كان خبرا (لمبتدإ) مضمر لأن معناه الممدوح الذي جعل لكم وأما إذا كان مبتدأ فلا يفيد ذلك التعظيم الذي في النصب بل دونه لأنه إذا جعله خبرا يقدر المبتدأ معرفا بالألف واللام فيفيد الحصر والتعظيم، وإن جعله مبتدأ (يقدر) خبره نكرة. فإن قلت: هلا قيل: الذي جعل لكم ولمن قبلكم (كما قيل {أية : ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)} تفسير : فالجَواب من أوجه. قال ابن عرفة: إمّا أن يجاب بأنه من (الحذف) من (الثاني) لدلالة (الأول) عليه، أو (بأن) حصول العلم بخلق الله لهم لا يستلزم العلم بخلق الله لمن قبلهم لزوما عقليا، بخلاف الإخبار بجعل الأرض فراشا لهم بعد أن ذكر أن الله (خلقهم) وخلق من قبلهم فإنه لا يستلزم عقلا (جعلها فراشا لمن قبلهم كما جعلت فراشا لهم) أو يجاب (بأنه من تغليب المخاطب على الغائب). أو بأن الآية خرجت مخرج الامتنان (بما هو مأوى المخاطبين) فامتنّ عليهم بخلقهم، ثمّ بخلق آبائهم الذين هم سبب فيهم، ثم جعل الأرض لهم فراشا (لأنها) سبب في دوام وجودهم ونعمة لهم، ولم، يحتج إلى ذكر كونها فراشا لمن قبلهم لأن الامتنان (إنما) هو لها، وإنّما المخاطبون (الأحياء، ومن) قبلهم قد ماتوا وانتفى عنهم التكليف. قال ابن عرفة: والأرض (كرويّة) والكرة الحقيقية لا يمكن أن (يوجد) فيها خط مستقيم بوجه حسبما برهن عليه إقليدس. قال ابن الخطيب في الأربعين: لما استدل على بطلان الجوهر الفرد قال: إن الكرة الحقيقية إذا ما مسّت جزءا من الأرض فإن قلنا: إنّ ذلك الجزء لا ينقسم فهو الجوهر الفرد وإن قلنا: إنه ينقسم لزم أن يكون في الكرة خط مستقيم وهو باطل. قال ابن عرفة: فالصواب أن الكرة محددة (بكور) أخر (وضع عليها) (كما تأخذ) رطلا من شمع فتصنع من نصفه كرة وتأخذ (باقيه) تضعه على أجنابها (تسويها به) وكذا تعرض الأرض قال: (قبة أزين) في وسط الأرض. وذكروا أنه لا يعيش هناك أحد لكثرة ما فيها من الحرارة. قلت: وقال الشيخ عبد الخالق: والحكماء لما قاسوا الأرض اختلف عليهم وسطها الحقيقي لكن الاختلاف في مواضع قريب بعضها من بعض فبنوا عليه القبة على مواضع مسافتها ثلاثة أميال حتى تحققوا أنها احتوت على وسط الأرض الحقيقي قال: ورأيت رجلا رجلا أعجميا أخبر أنه رآها وسمع فيها الأفلاك ودوي حركتها. وأخبروا عن الحكيم (فيتاغوش) أنه أتى عليه وقت تروحن فيه وصعد إلى قريب السماء فسمع حس الأفلاك (قال): ويسمع أحسن من ذلك الحس فنزل (واستنبط صنعة الديباج) مما رأى في السماء والله أعلم. وقبة (أزين) بينها وبين جبل سرنديب درجتان لأن عرضه درجتان في الإقليم الأول وهو عامر والدرج يقابله في الأميال مائة ميل على ما عليه الأكثرون وصحّحوه. وقيل: مائة وثمانية وقيل: ستة وستون. ومن يكن في القبة يظهر له القطبان محاذيين للأفق. قيل لابن عرفة: إن الفخر في المباحث المشرقية ذكر أن الأرض على الماء (وجهتها الموالية) للماء كروية وأعلاها مسطح ولولا ذلك لما استقرت على الماء والله أعلم. قوله تعالى: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ...} المراد بالرزق المباح فهو عند المعتزلة من مادة اللّفظ على أصلهم وعندنا من (ناحية) أن الآية خرجت مخرج الامتنان والامتنان إنما يكون بالحلال (لا بالحرام). قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي وأنتم تعلمون الله. قيل لابن عرفة: فيه دليل على أن كفرهم عناد؟ قال: لا. بل هم عارفون بالله لأنهم قالوا في الأصنام {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ} تفسير : وهم جاهلون بما يبطل عبادتهم الأصنام للتقرب أو (نقول) (المعنى) وأنتم تعلمون الآيات والدلائل التي تدلكم على عبادته، (لكنّهم) لم يهتدوا (للعثور على الوجه) الذي منه يدل (الدليل إن كان ارتباط الدليل بالمدلول عقلا أو يقول: علموا الدليل، وعثروا على الوجه الذي منه يدل)، ولم يحصل لهم العلم بالمدلول بناء على ارتباط الدليل بالمدلول عادي.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله {الذي جعل لكم الأرض فراشاً} قال: هي فراش يمشي عليها، وهي المهاد، والقرار، {والسماء بناء} قال بنى السماء على الأرض كهيئة القبة، وهي سقف على الأرض. وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن جبير بن مطعم قال "حديث : جاء اعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله جهدت الأنفس، وضاعت العيال، ونهكت الأموال، وهلكت المواشي. استسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "سبحان الله! فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه فقال: ويحك أتدري ما الله؟ إن شأنه أعظم من ذاك، وإنه لا يستشفع به على أحد، إنه لفوق سمواته على عرشه، وعرشه على سمواته، وسمواته على أرضيه هكذا ـ وقال بأصابعه مثل القبة ـ وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة عن أياس بن معاوية قال: السماء مقببة على الأرض مثل القبة. وأخرج أبو الشيخ عن وهب بن منبه قال: شيء من أطراف السماء محدق بالأرضين، والبحار كأطراف الفسطاط. وأخرج ابن أبي حاتم عن القاسم بن أبي برة قال: ليست السماء مربعة، ولكنها مقبوّة يراها الناس خضراء. أما قوله تعالى: {وأنزل من السماء ماءً فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم} . أخرج أبو الشيخ في العظمة عن الحسن. أنه سئل المطر من السماء أم من السحاب؟ قال: من السماء، إنما السحاب علم ينزل عليه الماء من السماء. وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال: لا أدري المطر أنزل قطرة من السماء في السحاب، أم خلق في السحاب فأمطر؟. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعب قال: السحاب غربال المطر، ولولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض، والبذر ينزل من السماء. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن خالد بن معدان قال: المطر ماء يخرج من تحت العرش، فينزل من سماء إلى سماء حيث يجمع في السماء الدنيا، فيجتمع في موضع يقال له الايرم، فتجيء السحاب السود، فتدخله فتشربه مثل شرب الاسفنجة، فيسوقها الله حيث يشاء. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: ينزل الماء من السماء السابعة، فتقع القطرة منه على السحابة مثل البعير. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن خالد بن يزيد قال: المطر منه من السماء، ومنه ماء يسقيه الغيم من البحر، فيعذبه الرعد والبرق. فأما ما كان من البحر فلا يكون له نبات، وأما النبات فما كان من السماء. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عكرمة قال: ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبت بها في الأرض. عشبة، أو في البحر لؤلؤة. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب المطر عن ابن عباس قال: إذا جاء القطر من السحاب تفتحت له الأصداف فكان لؤلؤاً. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: يخلق الله اللؤلؤ في الأصداف من المطر، تفتح الأصداف أفواهها عند المطر، فاللؤلؤة العظيمة من القطرة العظيمة، واللؤلؤة الصغيرة من القطرة الصغيرة. وأخرج الشافعي في الأم وابن أبي الدنيا في كتاب المطر عن المطلب بن حنطب. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا والسماء تمطر فيها، يصرفه الله حيث يشاء ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: ما نزل مطر من السماء إلا ومعه البذر. أما انكم لو بسطتم نطعاً لرأيتموه. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ عن ابن عباس قال: المطر مزاجه من الجنة، فإذا عظم المزاج عظمت البركة وإن قل المطر، وإذا قل المزاج قلت البركة وإن كثر المطر. وأخرج أبو الشيخ عن الحسن قال: ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله يصرفه حيث شاء، وينزل مع المطر كذا وكذا من الملائكة، يكتبون حيث يقع ذلك المطر، ومن يرزقه، وما يخرج منه مع كل قطرة. أما قوله تعالى {فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون } . أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس {فلا تجعلوا لله أنداداً} أي لا تشركوا به غيره من الأنداد التي لا تضر ولا تنفع {وأنتم تعلمون} أنه لا رب لكم يرزقكم غيره. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال {الأنداد} هو الشرك. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {الأنداد} قال: أشباهاً. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {فلا تجعلوا لله أنداداً} قال: أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله. وأخرج الطستي عن ابن عباس. أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله عز وجل {أنداداً} قال: الأشباه والأمثال قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول لبيد: شعر : أحمد الله فلا ندّ له بيديه الخير ما شاء فعل تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {أنداداً} قال: شركاء. وأخرج ابن أبي حاتم عن عوف بن عبدالله قال "حديث : خرج النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم من المدينة فسمع منادياً ينادي للصلاة فقال: الله أكبر الله أكبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:على الفطرة فقال: أشهد أن لا إله إلا الله فقال: خلع الأنداد ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب المفرد والنسائي وابن ماجة وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال "حديث : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت فقال: جعلتني لله نداً، ما شاء الله وحده ". تفسير : وأخرج ابن سعد عن قتيلة بنت صيفي قالت"حديث : جاء حبر من الأحبار إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون قال: وكيف؟ قال: يقول أحدكم: لا والكعبة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه قد قال فمن حلف فليحلف برب الكعبة فقال: يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم {تجعلون لله أنداداً} قال: وكيف ذاك؟! قال: يقول أحدكم ما شاء الله وشئت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحبر: إنه قد قال فمن قال منكم فليقل ما شاء ثم شئت ". تفسير : وأخرج أحمد وابن ماجة والبيهقي عن طفيل بن سخبرة "حديث : أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مرّ برهط من اليهود فقال: أنتم نعم القوم لولا أنكم تزعمون أن عزيراً ابن الله فقالوا: وأنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. ثم مرَّ رهط من النصارى فقال: أنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله قالوا: وأنتم نعم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبح أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فخطب فقال:إن طفيلاً رأى رؤيا، وإنكم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم، فلا تقولوها ولكن قولوا: ما شاء الله وحده لا شريك له ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حديث : لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان. قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان ". تفسير : وأخرج ابن جريج عن قتادة في قوله {فلا تجعلوا لله أنداداً} أي عدلاء {وأنتم تعلمون} قال: إن الله خلقكم وخلق السموات والأرض. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {فلا تجعلوا لله أنداداً} أي عدلاء {وأنتم تعلمون} قال تعلمون أنه إله واحد في التوراة والإِنجيل لا ند له.

ابو السعود

تفسير : [من بواعث التقوى] {الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} وهو في محل النصب على أنه صفة ثانيةٌ لربكم، موضحة أو مادحة، أو على تقدير أخُص أو أمدَح، أو في محل الرفع على المدح والتعظيم بتقدير المبتدأ، قال ابن مالك: التُزم حذفُ الفعل في المنصوب على المدح إشعاراً بأنه إنشاء كما في المنادىٰ، وحُذف المبتدأ في المرفوع إجراءً للوجهين على سَننٍ واحد، وأما كونُه مبتدأً خبرُه فلا تجعلوا كما قيل، فيستدعي أن يكونَ مناطُ النهي ما في حين الصلة فقط من غير أن يكون لما سلف من خلقهم وخلقِ مَنْ قبلهم مدخلٌ في ذلك مع كونه أعظمَ شأناً، وجعل بمعنى صيّر، والمنصوبان بعده مفعولاه، وقيل: هي بمعنى خلق، وانتصابُ الثاني على الحالية والظرفُ متعلقٌ به على التقديرين، وتقديمُه على المفعول الصريح لتعجيل المسَرَّة ببـيان كون ما يعقُبه من منافع المخاطبـين، وللتشويق إليه، لأن النفسَ عند تأخيرِ ما حقُّه التقديمُ لا سيما عند الإشعار بمنفعته تبقىٰ مترقبةً له، فيتمكن لديها عند ورودِه عليها فضلُ تمكن، أو لما في المؤخَّر وما عطف عليه من نوع طول. فلو قدُم لفات تجاوبُ أطرافِ النظم الكريم، ومعنى جعلها فراشاً جعل بعضَها بارزاً من الماء مع اقتضاء طبعها الرسوبَ، وجعلها متوسطةً بـين الصلابة واللين صالحةً للقعود عليها والنوم فيها كالبساط المفروش، وليس من ضرورة ذلك كونُها سطحاً حقيقياً، فإن كرويةَ شكلِها مع عظم جِرْمها مصححٌ لافتراشها، وقرىء بساطاً ومِهاداً. {وَٱلسَّمَاءَ بِنَاءً} عطفٌ على المفعولين السابقين، وتقديمُ حالِ الأرض لما أن احتياجَهم إليها وانتفاعَهم بها أكثرُ وأظهر، أي جعلها قُبة مضروبةً عليكم، والسماءُ اسم جنسٍ يُطلق على الواحد والمتعدد، أو جمع سماوة أو سماءة، والبناءُ في الأصل مصدرٌ سُمِّي به المبنيُّ بـيتاً كان أو قُبةً أو خِباءً، ومنه قولُهم: بَنىٰ على امرأته لما أنهم كانوا إذا تزوجوا امرأةً ضربوا عليها خِباءً جديداً. {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مَاء} عطفٌ على جعل أي أنزل من جهتها، أو منها إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض، كما رُوي ذلك عنه عليه الصلاة والسلام أو المرادُ بالسماء جهةُ العلو كما ينبىء عنه الإظهارُ في موضع الإضمار، وهو على الأولين لزيادة التقرير، و(من) لابتداء الغايةِ متعلقةٌ بأنزل أو بمحذوفٍ وقع حالاً من المفعول أي كائناً من السماء، قُدِّم عليه لكونه نكرةً، وأما تقديمُ الظرفِ على الوجه الأول مع أن حقه التأخيرُ عن المفعول الصريح فإما لأن السماءَ أصلُه ومبدؤه، وإما لما مر من التشويق إليه مع ما فيه من مزيد انتظامٍ بـينه وبـين قوله تعالى: {فَأَخْرَجَ بِهِ} أي بسبب الماء {مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ}. وذلك بأن أوْدَعَ في الماء قوةً فاعلة وفي الأرض قوةً منفعلة، فتولَّد من تفاعُلِهما أصنافُ االثمار، أو بأن أجرىٰ عادتَه بإفاضة صورِ الثمار وكيفيتها المخالفة على المادة الممتزجة منها وإن كان المؤثرَ في الحقيقة قدرتُه تعالى ومشيئتُه، فإنه تعالى قادر على أن يوجِدَ جميعَ الأشياء بلا مباد وموادَّ كما أبدع نفوسَ المبادىءِ والأسباب، لكن له عز وجل في إنشائها متقلبةً في الأحوال، ومتبدلةً في الأطوار من بدائعَ حِكَمٌ باهرةٌ تُجَدِّدُ لأولي الأبصار عِبراً ومزيدَ طُمَأنينة إلى عظيم قدرتِه ولطيفِ حكمتِه ما ليس في إبداعها بغتة، و(من) للتبعيض لقوله تعالى: {أية : فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ} تفسير : [فاطر، الآية 27] ولوقوعها بـين مُنكَّرين، أعني ماءً ورزقاً كأنه قيل: وأنزل من السماء بعضَ الماء فأخرج به بعضَ الثمرات ليكون بعضَ رزقكم، وهكذا الواقعُ إذ لم ينزل من السماء كلُّ الماء، ولا أخرج من الأرض كل الثمرات، ولا جعل كلَّ المرزوق ثماراً، أو للتبـيـين، ورزقاً مفعول بمعنى المرزوق، ومن الثمرات بـيانٌ له، أو حال منه كقولك: أنفقت من الدراهم ألفاً، ويجوز أن يكون من الثمرات مفعولاً ورزقاً حالاً منه أو مصدراً من أخرج، لأنه بمعنى رزق. وإنما شاع ورودُ الثمرات دون الثمار مع أن الموضع موضعُ كثرة لأنه أريد بالثمرات جماعة الثمرة في قولك: أدركتْ ثمرةُ بستانه، ويؤيده القراءة على التوحيد، أو لأن الجموعَ يقعُ بعضها موقعَ بعض، كقوله تعالى: {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ} تفسير : [الدخان، الآية 25] وقوله تعالى: {أية : ثَلَـٰثَةَ قُرُوءٍ} تفسير : [البقرة، الآية 228] أو لأنها مُحلاة باللام خارجةٌ عن حد القِلة، واللامُ متعلقة بمحذوفٍ وقع صفةً لرزقا على تقدير كونه بمعنى المرزوق، أي رزقاً كائناً لكم، أو دِعامةً لتقوية عمل رزقاً على تقدير كونِه مصدراً، كأنه قيل: رزقاً إياكم. {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} إما متعلقٌ بالأمر السابق مترتِّبٌ عليه، كأنه قيل: إذا أمرتم بعبادة مَنْ هذا شأنه من التفرد بهذه النعوت الجليلة والأفعال الجميلة فلا تجعلوا له شريكاً، وإنما قيل: أنداداً باعتبار الواقع، لا لأن مدارَ النهي هو الجمعية، وقرىء نِدّا، وإيقاعُ الاسم الجليل موقعَ الضمير لتعيـين المعبودِ بالذاتِ إثرَ تعيـينه بالصفات، وتعيـينِ الحُكمِ بوصف الألوهية التي عليها يدور أمرُ الوحدانية واستحالةُ الشِّرْكة، والإيذانِ باستتباعها لسائر الصفات، وإما معطوفٌ عليه كما في قوله تعالى: {أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} تفسير : [النساء، الآية 36] والفاء للإشعار بعِلّية ما قبلها من الصفات المُجراة عليه تعالى للنهي أو الانتهاء أو لأن مآلَ النهْي هو الأمرُ بتخصيص العبادة به تعالى، المترتبُ على أصلها، كأنه قيل: اعبدوه فخُصُّوها به، والإظهارُ في موضع الإضمار لما مر آنفاً، وقيل: هو نفيٌ منصوبٌ بإضمار أن جواباً للأمر، ويأباه أن ذلك فيما يكون الأول سبباً للثاني. ولا ريب في أن العبادة لا تكون سبباً للتوحيد، الذي هو أصلُها ومبناها. وقيل: هو منصوبٌ بلعل نصبَ (فَأَطَّلِعَ) في قوله تعالى: {أية : لَّعَـلّى أَبْلُغُ ٱلأسْبَـٰبَ أَسْبَـٰبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ }تفسير : [غافر، الآية 37] أي خلقكم لتتقوا وتخافوا عقابه فلا تُشْبِهوه بخلقه، وحيث كان مدارُ هذا النصب تشبـيهَ لعل في بُعْد المرجوِّ بليت كان فيه تنبـيهٌ على تقصيرهم بجعلهم المرجوِّ القريبَ بمنزلة المتمنىٰ البعيد، وقيل: هو متعلِّق بقوله تعالى: {ٱلَّذِى جَعَلَ} [البقرة، الآية 22] الخ، على تقدير رفعِه على المدح، أي هو الذي خصّكم بهذه الآياتِ العظامِ والدلائل النيِّرة، فلا تتخذوا له شركاءَ، وفيه ما مر من لزوم كون خلقهم وخلقِ أسلافِهم بمعزل من مناطية النهي مع عراقتهما فيها. وقيل: هو خبرٌ للموصول بتأويل مَقولٍ في حقه، وقد عرفت ما فيه مع لزوم المصير إلى مذهب الأخفش في تنزيل الاسم الظاهرِ منزلةَ الضمير كما في قولك: زيدٌ قام أبو عبد الله إذا كان ذلك كنيتَه. والند المثل المساوي من ندّ ندُوداً إذا نفر، ونادَدْتُه خالفته، خُص بالمخالف المماثل بالذات كما خص المساوي بالمماثل في المقدار، وتسميةَ ما يعبده المشركون من دون الله أنداداً والحال أنهم ما زعموا أنها تماثله تعالى في صفاته ولا أنها تخالفه في أفعاله لما أنهم لما تركوا عبادته تعالى إلى عبادتها، وسمَّوْها آلهةً شابهتْ حالُهم حالَ من يعتقد أنها ذواتٌ واجبةُ بالذات، قادرة على أن تدفع عنهم بأسَ الله عز وجل، وتمنحهم ما لم يُرد الله تعالى بهم من خير، فتهكّمٌ بهم، وشُنِّع عليهم أن جعلوا أنداداً لمن يستحيل أن يكون له ندٌّ واحد وفي ذلك قال موحِّد الجاهلية زيد بن عمرو بن نفيل: شعر : أربّاً واحداً أم ألفَ رب أدينُ إذا تقسَّمت الأمورُ تركتُ اللاتَ والعزّى جميعا كذلك يفعل الرجلُ البصير تفسير : وقوله تعالى: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} حال من ضمير لا تجعلوا بصرف التقيـيد إلى ما أفاده النهي من قُبح المنهي عنه ووجوبِ الاجتنابِ عنه، ومفعول تعلمون مطروحٌ بالكلية كأنه قيل: لا تجعلوا ذلك فإنه قبـيحٌ واجبُ الاجتناب عنه، والحال أنكم من أهل العلم والمعرفة بدقائق الأمورِ وإصابة الرأي، أو مقدرٌ حسبما يقتضيه المقام، نحو وأنتم تعلمون بطلان ذلك، أو تعلمون أنه لا يماثله شيء، أو تعلمون ما بـينه وبـينها من التفاوت، أو تعلمون أنها لا تفعل مثلَ أفعاله كما في قوله تعالى: {أية : هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مّن شَىْءٍ }تفسير : [الروم، الآية 40] أو غير ذلك. وحاصلُه تنشيطُ المخاطبـين وحثُّهم على الانتهاء عما نُهوا عنه، هذا هو الذي يستدعيه عمومُ الخطاب في النهي بجعل المنهي عنه القدرَ المشتركَ المنتظِمَ لإنشاء الانتهاءِ كما هو المطلوبُ من الكفرة، وللثبات عليه كما هو شأنُ المؤمنين حسبما مر مثلُه في الأمر، وأما صرفُ التقيـيد إلى نفس النهي فيستدعي تخصيصَ الخطاب بالكفرة لا محالة إذ لا يتسنى ذلك بطريق قصرِ النهي على حالة العلمِ ضرورةَ شمولِ التكليفِ للعالم والجاهلِ المتمكنِ من العلم بل إنما يتأتى بطريق المبالغة في التوبـيخ والتقريع، بناءً على أن تعاطيَ القبائحِ من العالمِين بقُبحها أقبحُ وذلك إنما يُتصور في حق الكفرة، فمَنْ صرَفَ التقيـيدَ إلى نفس النهي مع تعميم الخطاب للمؤمنين أيضاً فقد نأى عن التحقيق. إن قلت: أليس في تخصيصه بالكفرة في الأمر والنهي خلاصٌ من أمثال ما مر من التكلفات وحسنُ انتظامٍ بـين السباقِ والسياق، إذ لا محيدَ في آية التحدي من تجريد الخطابِ، وتخصيصُه بالكفرة لا محالة مع ما فيه من رِباء محل المؤمنين ورفع شأنهم عن حيز الانتظام في سلك الكفرة والإيذان بأنهم مستمرون على الطاعة والعبادة حسبما مر في صدر السورة الكريمة مستغنون في ذلك عن الأمر والنهي؟ قلت: بلى إنه وجهٌ سَرِيٌّ، ونهج سوي، لا يضِلُّ من ذهب إليه ولا يزِلُّ من ثبَّت قدمَه عليه، فتأمل.

التستري

تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً}[22] قال سهل: أي أضداداً. فأكبر الأضداد النفس الأمّارة بالسوء المتطلعة إلى حظوظها ومناها بغير هدى من الله.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً}. أعلمكم فى هذه الآية سبيل الفقر بأن يجعل الأرض وطئًا والسماء غطاءً والماء طيبًا والكلأ طعامًا ولا تعبد أحدًا من الخلق بسبب الدنيا، فإن الله قد أباح لك ما لا بُدَّ لك منه من غير مِنَّة لأحد عليك.

القشيري

تفسير : تعرَّف إليهم بذكر ما مَنَّ به عليهم من خَلْقِ السماء لهم سقفاً مرفوعاً، وإنشاء الأرض لهم فرشاً موضوعاً، وإخراج النبات لهم بالمطر رزقاً مجموعاً. ويقال أعتقهم عن مِنَّة الأمثال بما أزاح لهم من العلة فيما لا بُدَّ منه، فكافيهم السماء لهم غطاءً، والأرض وطاءً، والمباحات رزقاً، والطاعة حرفةً، والعبادة شغلاً، والذكر مؤنساً، والرب وكيلاً - فلا تجعلوا لله أنداداً، ولا تُعلِّقوا قلوبكم بالأغيار في طلب ما تحتاجون إليه؛ فإن الحق سبحانه وتعالى مُتَوَحدِّ بالإبداع، لا مُحْدِثَ سواه، فإذا توهمتم أن شيئاً من الحادثات من نفع أو ضرر، أو خيرٍ أو شر يحدث من مخلوق كان ذلك - في التحقيق شِرْكاً. وقوله عز وجل: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أن من له حاجة في نفسه لا يَصْلُحُ أن تَرفَع حاجتك إليه. وتعلُّقُ المحتاج بالمحتاج، واعتماد الضعيف على الضعيف يزيد في الفقر، ولا يزيل هو أجم الضُر.

البقلي

تفسير : {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} من اشار بهذا الى ترك المرتع والمنظر ما دام الارض لغرماء الحق وما ان السّماء غطاءً {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ} بين للعباد وامر رزقهم انه ليس من عند غير الله حتى يشغلوا عن عبادة ربه باهتمام الرزق {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} اي فلا تجعلوا لله شريكاً في طلب رزقكم منه بعبادة ربّكم لا تبيعوا عبادة الله بمال الدنيا {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ان الله تعالى رازقكم وخالقكم اي لاتكونوا مرائين للطاعة بائعين وللدنيا وقبلوها مشترين قال سهل اي لا تجعلوا لله اضدادا واكبر الاضداد النفسُ الامارة بالسوء.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذى جعل لكم الارض} صفة ثانية لربكم. قال اهل اللغة الارض بساط العالم وبسيطها من حيث يحيط بها البحر الذى هو البحر المحيط اربعة وعشرون الف فرسخ كل فرسخ ثلاثة اميال وهو اثنا عشر الف ذراع بالذراع المرسلة وكل ذراع ست وثلاثون اصبعا كل اصبع ست حبات شعير مصفوفة بطون بعضها الى بعض فللسودان اثنا عشر الف فرسخ وللبيضان ثمانية وللفرس ثلاثة وللعرب الف كذا فى كتاب الملكوت وسمت وسط الارض المسكونة حضرة الكعبة واما وسط الارض كلها عامرها وخرابها فهو الموضع الذى يسمى قبة الارض وهو مكان يعتدل فيه الازمان فى الحر والبرد ويستوى الليل والنهار ابدا لا يزيد احدهما على الآخر كما فى الملكوت وروى عن على كرم الله وجهه انه قال انما سميت الارض ارضا لانها تتأرض ما فى بطنها يعنى تأكل ما فيها وقال بعضهم لانها تتأرض بالحوافر والاقدام {فراشا} ومعنى جعلها فراشا جعل بعضها بارزا من الماء مع اقتضاءطبعها الرسوب وجعلها متوسطة بين الصلابة واللين صالحة للقعود عليها والنوم فيها كالبساط المفروش وليس من ضرورة ذلك كونها سطحا حقيقيا وهو الذى له طول وعرض فان كرية شكلها مع عظم جرمها مصححة لافتراشها {و} جعل {السماء} وهو ما علاك واظلك {بناء} قبة مضروبة عليكم وكل سماء مطبقة على الاخرى مثل القبة والسماء الدنيا ملتزقة اطرافها على الارض كما فى تفسير ابى الليث {وانزل من السماء ماء} اى مطرا ينحدر منها على السحاب ومنه على الارض وهو رد لزعم انه يأخذه من البحر {فاخرج به} اى انبت الله بسبب الماء الذى انزل من السماء {من الثمرات} هى ههنا المأكولات كلها من الحبوب والفواكه وغيرها مما يخرج من الارض والشجر كما فى التيسير{رزقا لكم} وذلك بان اودع فى الماء قوة فاعلية وفى الارض قوة منفعلة فتولد من تفاعلهما اصناف الثمار فبين المظلة والمقلة شبه عقد النكاح بانزال الماء منها عليها والاخراج به من بطنها اشباه النسل المنتج من الحيوان من ألوان الثمار رزقا لبنى آدم ومن للبيان ورزقا اى طعاما وعلفا لكم ولدوابكم والمعنى ان الله تعالى انعم عليكم بذلك كله لتعرفوه بالخالقية والرازقية فتوحدوه {فلا تجعلوا لله اندادا} جمع ند وهو المثل اى امثالا تعبدونهم كعبادة الله يعنى لا تقولوا له شركاء تعبد معه. وعن ابن عباس رضى الله عنهما لا تقولوا لولا فلان لاصابنى كذا ولولا كلبنا يصيح على الباب لسرق متاعنا. وعن النبى صلى الله عليه وسلم انه قال "حديث : اياكم ولو فانه من كلام المنافقين قالوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا"تفسير : قال السعدى شعر : اكر عزو جاهست اكر ذل وقيد من ازحق شناسم نه از عمرو وزيد تفسير : {وانتم تعلمون} ان الله هو الذى خلقكم ومن قبلكم وخلق السماء والارض وخلق الارزاق دون الاصنام فانها لا تضر ولا تنفع والوعظ الكلى انه قال فى الآية {جعل لكم} وقال {رزقا لكم} فلو قال لك فى القيامة فعلت كذا كله لكم فما فعلتم لى فما تقول. وعن الشبلى رحمه الله انه وعظ يوما الناس فابكاهم لما ذكر من القيامة واهوالها فمر بهم ابو الحسين النورى قال لا تفزعهم فان حساب يومئذ ليس بهذا الطول انما هو كلمتان "من ترا بودم تو كرا بودى" وافادت الآية انه ينبغى الاخلاص فى العبادة بترك ملاحظة الاغيار وبشهود خالق الليل والنهار: قال السعدى شعر : كرت بيخ اخلاص در بوم نسيت درين در كسى جون تو محروم نسيت تفسير : وفى توصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ "حديث : يا معاذ انى محدثك بحديث ان انت حفظته نفعك وإن انت ضيعته انقطعت حجتك عند الله تعالى يا معاذ ان الله تبارك وتعالى خلق سبع املاك قبل ان يخلق السماوات والارض فجعل لكل سماء من السبعة ملكا بوابا فيصعد عليه الحفظة بعمل العبد من حين اصبح الى حين امسى له نور كنور الشمس حتى اذا طلعت به الملائكة الى السماء الدنيا زكته وكثرته فيقول الملك الموكل للحفظة قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا صاحب الغيبة امرنى ربى ان لا ادع عمل من اغتاب الناس يتجاوزنى انه كان يغتاب الناس". شعر : زبان آمد از بهر شكر وساس بغيبت نكرداندش حق شناس تفسير : قال عليه السلام "حديث : ثم يأتى الحفظة بعمل صالح من اعمال العبد فتزكيه وتكثره حتى تبلغ به الى السماء الثانية فيقول لهم الملك الموكل بالسماء الثانية قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا ملك الفخر انه اراد بعمله هذا عرض الدنيا امرنى ربى ان ادع عمله يتجاوز الى غيرى انه كان يفتخر على الناس فى مجالسهم". شعر : جه زنار مغ درميانت جه دلق كه در بوشى از بهر بندار خلق تفسير : قال عليه السلام "حديث : ويصعد الحفظة بعمل عبد يبتهج نورا من صدقة وصيام وصلاة قد اعجب الحفظة فيتجاوزون به الى السماء الثالثة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا ملك الكبر امرنى ربى ان لا ادع عمله يجاوزنى انه كان يتكبر على الناس فى مجالسهم". شعر : فروتن بود هوشمند كزين نهد شاخ برميوه سربر زمين تفسير : قال عليه السلام "حديث : ويصعد الحفظة بعمل عبد يزهو كما يزهو الكوكب الدرى من صلاة وتسبيح وحج وعمرة حتى يجاوزون به الى الرابعة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا صاحب العجب امرنى ربى ان لا ادع عمله يجاوزنى انه كان اذا عمل عملا ادخل العجب فيه". شعر : جو رويى بخدمت نهى بر زمين خدارا ثنا كوى خودرا مبين تفسير : قال عليه السلام "حديث : ويصعد الحفظة بعمل عبد حتى يجاوزون به الى السماء الخامسة كانه العروس المزفوفة الى اهلها فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انا ملك الحسد انه كان يحسد من يتعلم العلم ويعمل لله وكل من يأخذ بنصيب من العبادة كان يحسدهم ويعيبهم امرنى ربى ان لا ادع عمله يجاوزنى". شعر : عقبه زين صعبتر درراه نسيت اى خنك آنكس حسد همراه نسيت تفسير : قال عليه السلام "حديث : ويصعد الحفظة بعمل عبد من صيام وصلاة وزكاة وحج وعمرة فيجاوزون به الى السماء السادسة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه انه كان لا يرحم انسانا من عباد الله قط واذا أصابهم بلاء وضر كان يشمت فيهم انا ملك موكل بالرحمة امرنى ربى ان لا ادع عمله يجاوزنى". شعر : اشك خواهى رحم كن براشك بار رحم خواهى بر ضعيفان رحم آر تفسير : قال عليه السلام "حديث : ويصعد الحفظة الى السماء السابعة بعمل عبد من صلاة وصوم وفقه واجتهاد وورع لها دوىّ كدوىّ النحل وضوء كضوء الشمس معها ثلاثة آلاف ملك فيجاوزون بها الى السماء السابعة فيقول لهم الملك الموكل بها قفوا واضربوا بهذا العمل وجه صاحبه واقفلوا على قلبه انا احجب عن ربى كل عمل لم يرد به ربى انه كان يعمل لغير الله ان اراد به رفعة عند الفقهاء وذكرا عند العلماء وصيتا فى المدائن امرنى ربى ان لا ادع عمله يجاوزنى الى غيرى وكل عمل لم يكن لله تعالى خالصا فهو رياء". شعر : بروى ريا خرقه سهلست دوخت كرش باخدا در توانى فروخت تفسير : قال عليه السلام"حديث : ويصعد الحفظة بعمل عبد من زكاة وصوم وصلاة وحج وعمرة وخلق حسن وذكر لله ويشيعه ملائكة السموات حتى يقطعون الحجب كلها الى الله عز وجل فيقفون بين يديه ليشهدوا له بالعمل الصالح المخلص لله فيقول الله عز وجل انتم الحفظة على عمل عبدى وانا الرقيب على قلبه انه لم يردنى بهذا العمل واراد به غيرى فعليه لعنتى فتقول الملائكة كلهم عليه لعنتك ولعنتنا فتلعنه السموات السبع ومن فيهن ". تفسير : قال معاذ قلت يا رسول الله كيف لى بالنجاة والخلوص قال "حديث : اقتد بى وعليك باليقين وان كان فى عملك تقصير وحافظ على لسانك من الوقيعة"تفسير : اى الغيبة "فى اخوانك من حملة القرآن ولا تزك نفسك عليهم ولا تدخل عمل الدنيا بعمل الآخرة ولا تمزق الناس فيمزقك كلاب النار يوم القيامه فى النار ولا تراء بعملك الناس" قال السعدى شعر : اى هنرها نهاده بر كف دست عيبها بر كرفته زير بغل تاجه خواهى خريدن اى مغرور روز درماندكى بسيم دغل تفسير : وعن ابى يزيد البسطامى قدس سره قال كابدت العبادة اى اتعبت نفسى فيها ثلاثين سنة فرأيت قائلا يقول يا ابا يزيد خزائنه مملوة بالعبادة ان اردت الوصول اليه فعليك بالذلة والاحتقار والاخلاص فى العمل: قال ابو يزيد قدس سره شعر : جارجيز آورده ام شاها كه در كنج تونيست نيستى وحاجت وجرم وكناه آورده ام تفسير : قاله لما طلب منه الهدية حين طلع مبشرات الحقيقة فلما عرض تلك الهدية قيل ادخل جئت بهدية عظمى وحصل الاستحقاق للدخول وفى التأويلات النجمية {أية : يا أيها الناس}تفسير : [البقرة: 21]. الاشارة فى تحقيق الآيتين انه تعالى خاطب ناسى عهود يوم الميثاق والاقرار بربوبيته ومعاهدته ان لا تعبدوا الا ياه فخالفوه ونقضوا عهده وعبدوا الطواغيت من الاصنام والدنيا والنفس والهوى والشيطان فزل قدمهم عن جادة التوحيد ووقعوا فى ورطة الشرك والهلاك فبعث اليهم الرسول وكتب اليه الكتاب وأخبرهم عن النسيان والشرك ودعاهم الى التوحيد والعبودية وقال{أية : اعبدوا ربكم الذى خلقكم والذين من قبلكم} تفسير : [البقرة: 21]. يعنى ذراتكم وذرات من قبلكم يوم الميثاق واخذ مواثيقكم بالربوبية والتوحيد والعبادة فاوفوا بعهد العبودية بتوحيد اللسان وتجريد القلب وتفريد السر وتزكية النفس بترك المحظورات واقامة الطاعات المأمورات {أية : لعلكم تتقون}تفسير : [البقرة: 21]. عن شرك عبادة غير الله فيوفى الله بعهد الربوبية بالنجاة من الدركات ورفع الدرجات بالجنان والاكرام بالقربات والكرامات فى الآخرة كما اكرمكم فى الدنيا {الذى جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء} فيه اشارة الى تعريفه بالقدرة الكاملة ومنته على عباده وفضيلتهم عنده على جميع المخلوقات اما تعريف نفسه بالقدرة الكاملة فقوله تعالى {الذى جعل} واما منته على عباده فقوله تعالى {لكم الارض فراشا والسماء بناء} اى خلق هذه الاشياء لكم خاصة واما فضيلتهم على جميع المخلوقات بان خلق السموات والارض وما فيهما لاجلهم وسخره لهم لقوله تعالى {أية : وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض جميعا منه}تفسير : [الجاثية: 13]. فكان وجود السموات والارض تبعا لوجودهم وما كان وجوده تبعا لوجود شئ لا يكون مقصودا وجوده لذاته ولهذا السر امر الله تعالى ملائكته بسجود آدم عليه السلام وحرم على آدم واولاده سجود غير الله ليظهر ان الملائكة وان كانوا قبل وجود آدم افضل الموجودات فلما خلق آدم وجعله مسجودا لهم كان هو افضل الملخوقات واكرمهم على الله تعالى ومتبوع كل شئ والكل تابع له {وانزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم} تحقيقه ان الماء هو القرآن وثمراته الهدى والتقى والنور والرحمة والشفاء والبركة واليمن والسعادة والقربة والحق اليقين والنجاة والرفعة والصلاح والفلاح والحكمة والحلم والعلم والآداب والاخلاق والعزة والغنى والتمسك بالعروة الوثقى والاعتصام بحبل الله المتين وجماع كل خير وختام كل سعادة وزهوق باطل الوجود الانسانى عند مجيئ تجليات حقيقة الصفات الربانية كقوله تعالى {أية : وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا}تفسير : [الإِسراء: 81]. فاخرج بماء القرآن هذه الثمرات من ارض قلوب عباده فكما ان الله تعالى من على عباده باخراج الثمرات رزقا لكم وكان للحيوانات فيها رزق ولكن بتبعية الانسان وهذا مما لا تدركه العقول المشوبة بالوهم والخيال بل تدركه العقول المؤيدة بتأييد الفضل والنوال {فلا تجعلوا لله اندادا} فيه ثلاثة معان. اولها ان هذا الذى جعلت لكم من خلق انفسكم وخلق السموات والارض وما فيها لكم ليس من شأن احد غيرى {وانتم تعلمون} فلا تجعلو لى اندادا فى العبودية. وثانيها انى جعلت السموات والارض والشمس والقمر كلها واسطة ارزاقكم واسبابها وانا الرزاق فلا تجعلوا الوسائط اندادا لى فلا تسجدوا للشمس ولا للقمر الآية. وثالثها انى خلقت الموجودات وجعلت لك شئ حظا فى شىء حظا فى شئ آخر وجعلت حظ الانسان فى محبتى ومعرفتى وكل محظوظ لو انقطع عنه حظه لهلك فلا تنقطعوا عن حظوظكم من محبتى ومعرفتى بان تجعلوا لى اندادا تحبونهم كحبى فتهلكوا فى اودية الشرك يدل عليه قوله تعالى {أية : ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله}تفسير : [البقرة: 165]. فالانداد هى الاحباب غير الله ثم وصف الذين لم ينقطعوا عن حظ محبته بالايمان وقال {أية : والذين آمنوا اشد حبا لله}تفسير : [البقرة: 165]. يعنى الذين اتخذوا من دون الله آلهة فى المحبة ما آمنوا حقيقة وان زعموا انا آمنا فافهم جدا ولا تغتر بالايمان التقليدى الموروث حتى يصح على هذا المحل.

الطوسي

تفسير : {الذي}: في موضع نصب، لأنه نعت لقوله: {ربكم} في قوله: {اعبدوا ربكم} وهي مثل الذي قبلها. فانهما جميعاً نعتان لـ {ربكم}. فراشا: يعني مهاداً، أو وطاء. لا حزنة غليظة لا يمكن الاستقرار عليها. وتقديره: اعبدوا ربكم الخالق لكم والخالق للذين من قبلكم، الجاعل لكم الأرض فراشاً. فذكر بذلك عباده نعمه عليهم، وآلاءه لديهم، ليذكروا اياديه عندهم، فيثبتوا على طاعته تعطفاً منه بذلك عليهم، ورأفة منه بهم، ورحمة لهم من غير ما حاجة منه إلى عبادتهم، ليتم نعمته، لعلهم يهتدون. وسمّي السماء سماء لعلوها على الأرض، وعلو مكانها من خلقه وكل شيء كان فوق شيء فهو لما تحته سماء لذلك. وقيل لسقف البيت سماء لأنه فوقه. وسمى السحاب سماء. ويقال: سمى فلان لفلان اذا أشرف له، وقصد نحوه عاليا عليه. قال الفرزدق: شعر : سمونا لنجران اليماني واهله ونجران أرض لم تديث مقاوله تفسير : وقال النابغة الذبياني: شعر : سمت لي نظرة فرأيت منها تحيت الخدر واضعة القرام تفسير : يريد بذلك أشرفت لي نظرة وبدت. وقال الزجاج: كل ما على الأرض فهو فهو بناء لامساك بعضه بعضاً، فيأمنوا بذلك سقوطها. فخلق السماء بلا عمد، وخلق الأرض بلا سند، يدل على توحيده وقدمه، لأن المحدث لا يقدر على مثل ذلك. وانما قابل بين السماء وبين الفراش لأمرين: احدهما ـ ما حكاه أبو زيد: أن بنيان البيت سماؤه: وهو اعلاه؛ وكذلك بناؤه وانشد: شعر : بنى السماء فسواها ببنيتها ولم تمد باطناب ولا عمد تفسير : يريد (ببنيتها): علوها. والثاني ـ أن سماء البيت لما كان قد يكون بناء وغير بناء: اذا كان من شعر او وبر، أو غيره قيل جعلها بناء ليدل على العبرة برفعها. وكانت المقابلة في الارض والسماء باحكام هذه بالفرش وتلك بالبناء. وقوله: {من السماء} أي من ناحية السماء. قال الشاعر: شعر : أمنك البرق أرقبه فهاجا تفسير : أي من ناحيتك. فبناء السماء على الأرض كهيئة القبة. وهي سقف على الأرض وانما ذكر السماء والأرض، فيما عد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم، لأن فيها أقواتهم، وأرزاقهم ومعايشهم، وبها قوام دنياهم. وأعلمهم أن الذي خلقهما وخلق جميع ما فيهما من أنواع النعم هو الذي يستحق العبادة والطاعة، والشكر. دون الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع وقوله: {وأنزل من السماء ماء}: يعني مطراً. فاخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الأرض من زرعهم، وغروسهم ثمرات رزقا لهم، وغذاء وقوتاً، تنبيهاً على أنه هو الذي خلقهم، وأنه الذي يرزقهم ويكلفهم دون من جعلوه نداً وعدلا من الأوثان والآلهة، ثم زجرهم أن يجعلوا له نداً مع علمهم بان ذلك كما أخبرهم، وانه لا ندله ولا عدل. ولا لهم نافع ولا ضار، ولا خالق ولا رازق سواه بقوله: {فلا تجعلوا لله أنداداً}. والند: العدل والمثل قال حسان بن ثابت: شعر : اتهجوه ولست له بند فشركما لخيركما الفداء تفسير : أي لست له بمثل ولا عدل. وقال جرير: شعر : أتيما تجعلون إلي نداً وما تيم لذي حسب نديد تفسير : وقال مفضل بن سلمة الند: الضد والندود: الشرود، كما يند البعير. ويوم التناد: يوم التنافر. والتنديد: التقليل. والفراش: البساط والفرش: البسط. فرش يفرش فرشاً، وافترش افتراشاً. وفراش الرأس: طرائق رقاق من القحف. والفراش: فراش القاع والطين بعد ما يبس على وجه الأرض. والفراش: الذي يطير ويتهافت في السراج. وجارية فريش: قد افترشها الرجل. والفرش: صغار النعم. ورجل فراشة: خفيف. والفرش من الشجر: دقه. واصل الماء: موه، لأنه يجمع امواها، ويصغر مويه وماهت الركية تموه موها. واماهها صاحبها: ـ اذا أكثر ماءها ـ إماهة. وروى عن ابن مسعود وغيره من الصحابة، أن معنى الآية: لاتجعلوا لله أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله. قال ابن عباس: إنه خاطب بقوله: {فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون}، جميع الكفار من عباد الاصنام، واهل الكتابين، لأن معنى قوله: {وأنتم تعلمون} أنه لا رب لكم يرزقكم غيره. وإن ما تعبدون لا يضر ولا ينفع. وروي عن مجاهد: أنه عنى بذلك أهل الكتابين. لأنهم الذين كانوا يعلمون أنه لا خالق لهم غيره ولا منعم عليهم سواه. والعرب ما كانت تعتقد وحدانيته تعالى. والأول أقوى لأن الله تعالى، قد أخبر أن العرب قد كانت تعتقد وحدانيته تعالى. فقال تعالى حكاية عنهم: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله. ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}. وقال تعالى: {أية : قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويدبر الأمر سيقولون الله فقل ألا تتقون} تفسير : ؟ فحمل الآية على عمومها اولى، ويطابق أول الآية. وقد بينا أن خطابه لجميع الخلق. واستدل ابو علي الجبائي بهذه الآية، على أن الأرض بسيطة ليست كرة كما يقول المنجمون والبلخي بأن قال: جعلها فراشاً. والفراش البساط بسط الله تعالى اياها. والكرة لا تكون مبسوطة. قال: والعقل يدل ايضاً على بطلان قولهم، لأن الأرض لا يجوز أن تكون كروية مع كون البحار فيها، لأن الماء لا يستقر إلا فيما له جنبان يتساويان، لأن الماء لا يستقر فيه كاستقراره في الأواني. فلو كانت له ناحية في البحر مستعلية على الناحية الأخرى، لصار الماء من الناحية المرتفعة إلى الناحية المنخفضة. كما يصير كذلك إذا امتلأ الاناء الذي فيه الماء. وهذا لا يدل على ما قاله، لأن قول من قال الأرض كروية، معناه إن لجميعها شكل الكرة. وقوله: {وأنتم تعلمون} يتحمل امرين: احدهما ـ إنكم تعلمون أنه لا خالق لكم، ولا منعم بما عدده من انواع النعيم سوى الله. وإن من اشركتم به لا يضر ولا ينفع. والثاني ـ إنه أراد، وأنتم علماء بامور معايشكم، وتدبير حروبكم، ومضاركم ومنافعكم. لستم باغفال ولا جهال.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} صفة ثانية والفراش واحد الفرش وهو ما يفترش على الارض للجلوس والاضطجاع عليه ويلزمه الانتفاع به ومطاوعته للانسان ولمّا كانت الارض منبسطة يمكن الاستقرار والاضطجاع عليها والانتفاع بها أطلق الفراش عليها، وما نقل عن الرّضا (ع) من قوله جعلها ملائمةً لطبائعكم موافقة لاجسادكم، لم يجعلها شديدة الحمّى والحرارة فتحرقكم، ولا شديدة البرودة فتجمدكم، ولا شديدة طيب الرّيح فتصدع هاماتكم، ولا شديدة النتن فتعطبكم، ولا شديدة اللين كالماء فتغرقكم، ولا شديدة الصّلابة فتمتنع عليكم فى دوركم وابنيتكم وقبور موتاكم، ولكنّ الله تعالى جعل فيها من المتانة ما تنتفعون به وتتماسكون وتتماسك عليها ابدانكم وبنيانكم، وما تنتفعون به لدوركم وقبوركم وكثير من منافعكم فلذلك جعل الارض فراشاً؛ يدلّ على انّه (ع) اعتبر فى وجه الشّبه جميع لوازم الفراش {وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} سقفاً به يحفظكم ويسهّل تعيّشكم على الارض بتدبيره تعالى وتنظيمه تعالى اسبابه الّتى بها يحصل تمام ما تحتاجون اليه، {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} من جهة العلو {مَآءً} بالمطر والبرد والثلج فيستقى به قمم جبالكم وتلالكم كما يستقى به وهادكم وجعله بحيث ينتفع به اراضيكم واشجاركم وزروعكم ولم يجعله قطعة واحدة يفسد ابنيتكم وزروعكم {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ} جمع الثمرة وهى الفاكهة او مطلق ما يحصل من الزّروع والاشجار {رِزْقاً لَّكُمْ} لفظة من للابتداء او للتبيين او للتبعيض والجارّ والمجرور حال من رزقاً مقدّم عليه ورزقاً مفعولٌ به او لفظة من للتّبعيض والجارّ والمجرور قائمٌ مقام المفعول به ورزقاً حال من الثّمرات او بدل من بعض الثّمرات بدل الاشتمال، واذا كان الرّبّ الّذى خلقكم منعماً عليكم بعد خلقكم بهذه النّعم ومربّياً لكم بهذه التّربية من تسبيب الاسباب السّماويّة والارضيّة {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَندَاداً} فى الوجوب او الآلهة والتّربية او العبادة او الطّاعة او الاستعانة او الوجود فانّه حقيق ان يوحّد فى الكلّ، ووضع الظّاهر موضع المضمر للاشارة الى جميع الاضافات الّلازمة للرّبوبيّة فانّ الله اسمٌ للذّات من حيث جميع الصّفات ومن جملة الاضافات التّفرّد بالآلهة واستحقاق العبادة والاستعانة به حتّى يكون كالعلّة للنّهى، والوجه العامّ فى تكرار اسمائه تعالى الالتذاذ بها والنّشاط فى ذكرها، واقتضاء تمكّنها فى النّفس ذكرها على اللّسان، وتحصيل تمكّنها فى النّفس بتكرار ذكرها، وتكرار اسماء الله تعالى فى الكتاب المجيد ادلّ دليلٍ على انّ الآتى به لم يكن فى وجوده سوى تذكّر معبوده {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} ذوو العلم والشّعور ولا يسوّى ذو الشّعور من لا يقدر على شيئٍ بمن يقدر على هذه، هذا على ان يكون مفعول تعلمون منسيّاً، وامّا اذا قدّر المفعول قدرة الله وعدم قدرة الانداد فالمعنى وانتم تعلمون انّ الله يقدر على ذلك وانّ الانداد لا يقدرون على شىءٍ من ذلك.

اطفيش

تفسير : {الَّذِى جَعَلَ لَكُمْ الأرْضَ فِراشاً}: صفة ثانية لربكم أو منصوب بمحذوف أى امدح الذى، أو خير لمحذوف أى هو الذى، أو مبتدأ خبره فلا تجعلوا لله، والرابط هو لفظ الجلالة، وضعاً للظاهر وموضع المضمر، وإنما ساغ ذلك الإخبار مع اختلاف زمان الجعل الأول، والثانى مضياً واستقبالا، لأن الأول باق أثره إلى زمان الثانى، أو لأن القول مقدر فمقول فيه: لا تجعلوا لله أنداداً، وعلى هذا الوجه يجوز نصبه على الاشتغال أرجح من الابتداء، والجعل هنا بمعنى التصيير بالفعل، وقد يكون تصييراً بالقول أو بالاعتقاد، ويجوز كونه بمعنى الخلق وعليه: ففراشاً حال من الأرض مقدرة، ومعنى جعلها فراشاً جعلها كالفراش فى التوسط بين الصلابة واللطافة، وفى البسط، حتى صارت مهيأة أن يناموا أو يقعدوا عليها كالفراش المبسوط، فلو جعلها صلبة كالحجر لعسر النوم عليها والقعود، ولو جعلها لطيفة كالماء لم يمكن النوم والقعود على سطحها، ولا دليل فى كونها كالفراش على كونها غير كرية الشكل، لأن الجسم الكبير يتراءى بسيطاً ولو كان كرياً، فالبيضة على دورها تظهر بسيطة لما صغر جداً كالقملة، وتتبين كرية الشكل وبسيطة بالرؤية والحس. {وَالسَّمَآءَ بِنَآءً}: معطوفان على قوله الأرض فراشاً عطف معمولين على معمول واحد، وكأنهما جملة اسمية معطوفة على الأخرى غير أنهما تسلطا عليهما معنى الجعل واكتسى لفظهما بالإعراب الذى اقتضاه، ولذلك كان عاطفهما وعاطف ما أشبههما حرفاً واحداً وأيضاً أصلهما هنا مبتدأ وخبر والمبتدأ والخبر جملة يعطفها حرف واحد، وليس كل معمولين معطوفين كذلك، فإذا لم يكونا كذلك كما إذا جعلنا الثانى حالا، وكقولك ضرب زيد عمراً وبكر خالداً، فلما ساغ العطف بواحد لأنه فى التحقيق داخل على العامل أى وجعل السماء بناء، وضرب بكر خالداً، والسماء اسم للسماء الواحدة لا يدل على اثنين فصاعداً، إلا من جهة أل إذا قصدت الدالالة بها على ذلك، فهو اسم جنس يقع على الواحدة وما فوقها من جهة أل كالدينار والدرهم، وقيل هو جمع سماءة، والبناء اسم لما بنى بيتاً أو قبة أو خباء، يقال بنى على امرأته وابتنى بها، كناية عن الدخول عليها بالجماع الأول، لأنهم إذا أرادوا ذلك ضربوا عليها بناء من جلد أو كتان أو غير ذلك، وأصل البناء مصدر، بمعنى وضع البيت أو القبة أو الخباء أو نحوهن وتركيبه، فهو من التسمية بالمصدر كالنبات يطلق على خروج الشجر من الأرض، وعلى نفس الشجر، وفى الآية تلويح بأن الله - جل وعلا - لعظم فضله ورحمته جعل الإنسان كالعروس وكذا المرأة، وإن شئت فقل كالملك بكسر اللام فى بيت مفروش معد فيه ما يحتاج إليه، فالسماء كالسقف والأرض كالبساط والنجوم كالمصابيح، وفيه أصناف النبات والثمرات، وفيه الحيوانات والماء، وهذه المنافع عمت الناس فيجب على كل مكلف منهم شكرها، فأفقر الفقراء قد وصلته منافع الدواب، سواء تملكها أو لم يتملكها. وذكروا عن الحسن حديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوماً لأصحابه ما هذه أو قال ما هذا: يعنى السماء فقالوا السماء، قال: "هذا الرقيع موج مكفوف غلظها خمسمائة عام، وغلظ كل سماء خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السابعة ألف مائة عام، وغلظ كل أرض خمسمائة عام، وبين الأرض والسماء خمسمائة عام، وبين كل أرض وأرض خمسمائة عام""تفسير : . وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : إنى أراكم تجزعون من حر الشمس وبينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام، فوالذى نفسى بيده لو أن بابا من أبواب جهنم فتح بالمشرق ورجل بالمغرب لغلى منه دماغه حتى يسيل من منخرية"تفسير : خاطبهم بذلك فى مسير له فى يوم شديد الحر إذا نزل منزلا فرأى رجلا ينتعل ثوبه من شدة حر الأرض، وفى هذا الحديث دليل على كون الشمس فى هذه السماء الدنيا لا فى الرابعة كما شهر. {وأنزل من السماء ماء}: المطر وهو إما من السماء أحد السماوات السبع، أو المراد بالسماء السحاب، سمى سماء لأنه علا فأظل، أو لأنه من جهة السماء كما هو ظاهر قول تعالى:{أية : أو كصيب من السماء}، {أية : وأنزلنا من السماء ماء} {أية : أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع فى الأرض}.تفسير : قال خالد بن مقدان: المطر ماء من تحت العرش فينزل من سماء إلى سماء حتى يجتمع فى سماء الدنيا، فتجىء السحاب السود فتدخله فتشربه مثل شرب الإسفنجة فيسوقها حيث يشاء، وعلى كل حال، من: للابتداء فإن المطر يبتدئ من الجنة أو السماء إلى السحاب، ومن السحاب إلى الأرض وكذا إذا قلنا إنه من أسباب سماوية تثير الأجزاء الرطبة من أعماق الأرض إلى جو الهواء، فينعقد سحاباً ماطراً. {فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَّكُمْ}: الفاء تدل على أنه ليس بين الإنزال والإخراج إلا مدة القلة، وعلى السببية فهى للترتيب، وترتيب كل شىء بحسبه أو المراد وخصت مدة فأخرج به، أو أراد بإخراج الثمرات خلق مادتها وأصلها فى الشجرة، وجملة أخرج معطوفة على جملة أنزل، وجملة أنزل معطوفة على جملة جعل، والله - جل وعلا - قادر على إخراج الثمار بلا ماء وعلى إيجادها بلا شجر ولا أرض، وعلى خلق الحيوان بلا نطفة وعلى إيجاده بلا أم ولا أب ولا من الأرض ولا غيرها، وكذا سائر مخلوقاته التى يخلق بأسباب ومواد، هو سبحانه قادر على أن يخلقها بلا سبب ولا مادة، ويدل على قدرته أنه خلق الأسباب والمواد بلا سبب ولا مادة، وما خلق منها بسبب ومادة فقد انتهى إلى ما ليس بسبب ولا مادة، وإلا لزم التسلسل والدور، ولكن فى خلق الأشياء بأسباب ومواد برهان محسوس مشاهد لا يمكن إنكاره ولطف بخلقه بأن يقبل المعرض، وينتبه الغافل، ويتبصر الأعمى. إذا شاهدوا تدريج الشىء من حال إلى حال، وتولد شىء من شىء تدريجياً، تولداً يستحيل فى عقولهم أن يكون بالذات بلا فاعل، وأن يكون بصنع مخلوق، فلو خلق الأشياء بلا سبب ومادة ولا تولد ولا تدرج لم يكن فى خلقها من العبر والسكون إلى قدرته العظيمة ما فى خلقها الأشياء بسبب ومادة وتولد وتدريج، وذلك حكمة. وجعل الماء الممزوج بالتراب والتراب الممزوج بالماء سبباً فى إخراج الثمرات، ومادة لها بأن أفاض صورة الثمار وكيفيتها على المادة الممتزجة من الماء والتراب، أو أبدع فى التراب قوة فاعلة وفى الأرض قوة قابلة يتولد من اجتماعهما أنواع الثمر، ونعتقد فى ذلك كله أنه لا خالق إلا الله، فكل من القوة التى فى الماء وفعلها والقوة التى فى الأرض وقبولها مخلوق الله تبارك وتعالى، ومن فى قوله: {من الثمرات} للتبعيض لقوله: {أية : فأخرجنا به ثمرات}تفسير : فإن ثمرات بالتنكير جملة من الثمرات بالتعريف، كما أن رجالا جماعة من الرجال فالثمرات بأل كل، فإنما يفيد بالتبعيض بواسطة من، ويدل على كونها للتبعيض أيضاً توسطه بين المنكرين: ماء ورزق، المراد بهما بعض الماء وبعض الرزق، إذ لا شك أنه لم ينزل من السماء الماء كله، ولا أخرج بالمطر الثمرات كلها، ولا جعل كل الرزق ثمرات، وليس الماء كله يخرج بعض الثمرات فقط، فكأنه قيل فأخرج به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم، ويجوز أن تكون من للتبيين ومفعول أخرج هو من التبعيضية على القول باسميتها ومحذف نابت عنه هى ومجرورها على القول بحرفيتها وهو الصحيح، فأخرج به شيئاً ثابتاً من الثمرات، ورزقاً بمعنى المصدر مفعول لأجله، أو بمعنى مفعول أى مرزوق بدل من المفعول الذى هو من أو محذوف أو رزقا بمعنى مرزوق، ومفعول به لأخرج ومن الثمرات حال من رزقا، ولكم نعت لرزقا على أنه بمعنى مرزوق أو مفعول به لرزقا على أنه بمعنى المصدر قوى باللام كأنه ليس رزقا إياكم ولا مانع من كونه نعتا لرزق بمعنى المصدر، ويجوز تعليق لكم بأخرج، ويجوز كون رزقا مفعولا من أجله لأنزل وهو أعم، لأن المعنى وأنزل من السماء ماء ليكون منه الرزق، وهو يشمل المأكول والمشروب وغيرهما كالملبوس، والثمرات جمع قلة، لأنه جمع بألف وتاء، وإنما ساغ جمع القلة هنا والمقام مقام كثرة، لأن اللفظ ولو كان لفظ قلة لكن المراد الكثرة لأن الثمرات جمع الثمرة، والثمرة بالإفراد مراد به ثمار كثيرة، إما لأجل أل أو من تسميتهم الثمار المتلاحقة الكثيرة ثمرة، كما يقال أدركت ثمرة بستانه فكل مفرد من أفراد الجمع الذى هو قوله الثمرات هو ثمار، فالثمرات بهذا القصد أدل على الكثرة من الثمار الذى هو جمع كثرة، ويدل لذلك قراءة محمد بن السميدع: من الثمرة، بالإفراد، لأن المراد بها الجماعة لا الواحدة، أو استعمل جمع القلة فى الكثرة كقوله تعالى:{أية : كم تركوا من جنات وعيون}تفسير : بدليل كم التكثيرية كما عكس فى قوله: {أية : ثلاثة قروء}تفسير : بدليل لفظ العدد لا أصله أن يضاف لجمع القلة هكذا حكم ثلاثة وعشرة وما بينهما، أو نفاذ الكثرة من أل فتكون أل جائزة لجمع القلة ملحقة له بجمع الكثرة، وأجاز القاضى أن يلوح بالآية زيادة على ظاهرها إلى معنى باطن، وهو تمثيل البدن بالأرض والنفس بالسماء والعقل بالماء، وما أفاض عليه من الفضائل العملية والنظرية المحصلة بواسطة استعمال العقل للحواس، وازدواج القوى النفسانية والبدنية بالثمرات المتولدة من ازدواج القوى السماوية الفاعلة، والأرض المنفعلية بقدرة الفاعل المختار، فإن لكل آية ظهراً وباطنا، ولكل حد مطلعاً. انتهى. وقوله بقدرة الفاعل المختار عائد إلى قوله الفاعلة والمنفعلة تنازعاه، وقوله فإن لكل.. إلخ هو حديث رواه الحسن مرسلا وظهر الآية ما ظهر لأهل العلم بالظاهر وباطنها ما تضمنه من الأسرار التى أطلع الله عليها أرباب الحقائق، وقيل ظاهرها تلاوتها وباطنها فهمها والحد أحكام الحلال والحرام، والمطلع الإشراف على معرفتها. {فَلاَ تَجْعَلُوا للَّهِ أَنْدَاداً}: متصل فى المعنى بقوله:{أية : اعبدوا ربكم}تفسير : إما على أن لا حرف نهى وتجعلوا مجزوم، والجملة معطوفة على جملة اعبدوا، عطف نهى على أمر، وكلاهما غير إخبار، وإما على أن لا نافية وتجعلوا منصوباً بأن مضمرة وجوباً، فى جواب الأمر والمصدر معطوفة بالفاء مصدر مقدر من اعبدوا، أى لتكن منكم عبادة ربكم فعدم جعلكم لله أنداداً، أو متصل فى المعنى بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، على أن لا نافية وتجعلوا منصوب كذلك على جواب الترجى، لأن الترجى فى عدم القطع مثل الأمر والنهى ونحوهما، مما ينصب المضارع فى جوابه أى لعلكم يكون منكم الاتقاء وعدم جعل الأنداد لله، وقد تقدم جواز اتصال ذلك فى المعنى بقوله: {الذى جعل} بأن يكون الذى مبتدأ ولا تجعلوا خبراً ولا ناهية، أو الذى منصوب على الاشتغال وتجعلوا مشغول والفاء فى الخبر أو المشغول لتضمن المبتدأ أو المنصوب على الاشتغال معنى أو شرط ففيها تلويح بالسببية، ومن منع الإخبار بالأمر والنهى يقدر القول أى مقول فيه لا تجعلوا، والمعنى على اتصال ذلك بالذى جعل على أوجهه أن من هدى إليكم هذه النعم العظام والآيات الجسام ينبغى أن تزدجروا وتنتهوا عن إشراك الأنداد به، والنداء: المثل الذى يعادى ويقاوم. قال جرير: شعر : أتيما تجعلون إلى ندا وما تيم لذى حسب نديدى تفسير : وإلى فى البيت بمعنى اللام متعلق بتجعل أو هى على أصلها على تضمين تجعل معنى تضم متعلق بتجعل أو حال من تيما أو ندا أى مضموماً إلى، والنديد والند بمعنى واحد، وهما مأخوذان من ندندوداً أى نفر نفورا. ومنه حديث الإيضاح: ما ند لكم فاصنعوا به هكذا، وناددت الرجل خالفته قيل: خص بالمخالف المماثل فى الذات، كما خص المساوى بالمماثل فى القدر، وذكر بعضهم أن الند المشارك فى الجوهر، وأن المثل يقال فى أى مشاركة كانت، فكل ند مثل ولا عكس، وتفسير الشيخ هود رحمه الله بالعدل تفسير بالمقاوم، وقد فسره بعضهم بالمقاوم والمضاهى، أو تفسير الشيخ هو تفسير بالمساوى يقال: هذا عدل ذاك أى مقابله وموازنه، ويقال عدله أى مساويه، وعبارته يعنى أعدالا أى لا تعدلونهم بالله تعبدونهم. انتهى. وفسره بعض بالمثل كأنهما مترادفان، وأما تفسيره بالشريك بالعبادة ففيه ميل إلى التفسير بالمعنى المقصود فى الآية. وإن قلت لم سمى الله ما يعبده المشركون أنداداً مع أن الند هو المساوى فى الذات والصفات المخالف فى الفعل، وهم لم يزعموا أن معبوداتهم تساوى الله فى الذات والصفات، ولم يزعموا أنها تخالفه فى الفعل؟.. قلت: لأنهم تركوا عبادة الله وعبدوها، وسموها آلهة فشابهت حالهم حال من يعتقد أنها تساوى الله فى الذات والصفات، كوجود الوجود والقدرة، فكأنهم قالوا تدفع عنهم ما قدر الله عليهم من بأس، وتعطيهم ما منعهم الله من خير، ففى ذلك استعارة تمثيلية مقصود فيها التهكم لا تهكمية، هى استعارة أحد الضدين للآخر. ووجه التهكم ما شنع عليهم به، من أنهم جعلوا أنداداً متعددة لمن يمتنع أن يكون له ند، حتى نهاهم عنها وعليهم كيف تتخذونها وأنتم تعلمون. قال زيد بن عمرو بن نفيل، وهو موحد جاهلى، له ذكر فى مسند الربيع بن حبيب رحمه الله: شعر : أرب واحد أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزى جميعاً كذلك يفعل الرجل البصير ألم تعلم بأن الله أفنى رجالا كان شأنهم الفجور وأبقى آخرين ببر قوم فيربو منهم الطفل الصغير تفسير : فارق دين قومه ووجد الله - جل وعلا - ومعنى أدين: أطيع وأنقاد له، وشأنهم بالنصب خبر كان والفجور اسمها وشأنهم فعل ومفعول، والفجور فاعل أو الجملة خبر كان واسمها ضمير الشان، وبر قوم بكسر الباء: إحسان القوم، وهو ضد الفجور، ويربو ينمو ويزيد، والخطاب فى الآية للمشركين الذى يعلمون أن الخالق الرازق هو الله كما علمت، فالمراد بالعلم فى قوله تبارك وتعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} العلم الخاص وهو العلم بأن الله تعالى خلق الخلق، وأنزل الماء، وأخرج الرزق. وقيل الخطاب لكفار بنى إسرائيل، أى وأنتم تعلمون من الكتب التى عندكم أن الله سبحانه لا ند له. وقال ابن فورك: يحتمل أن تناول الآية المؤمنين الجمهور على الأول. أى وأنتم تعلمون أن الله هو الخالق الرازق لا غيره، ولا يكون إله إلا من يخلق ويزرق، لو تعلمون أن تلك المعبودات لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله، كقوله تعالى:{أية : هل من خالق غير الله}؟ {أية : وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها}، {أية : هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شىء}تفسير : ولك ألا تقدر ليعلم مفعولا بأن تنزله منزلة اللازم، ولا تستحضر متعلق العلم فى قلبك، ولا تستشعر أنه كذا ولا كذا، كأنه قيل: وأنتم أهل للعلم والنظر والرأى، ولو تأملتم أدنى تأمل لاضطر عقلكم إلى العمل، بمقتضى أنه الخالق الرازق، ومقتضى ذلك هو ألا تعبدوا سواه، وإذا قدرت المفعول، فالمقصود التهديد على فسادهم، لا تقييد النهى عن الأنداد بالعلم بالمفعول، فإن العالم والجاهل المتمكن من العلم سواء فى التكليف بترك الأنداد. والتهديد هنا أوكد من التهديد فى عدم تقدير المفعول وهو مقصود فيهما جميعاً وجملة: أنتم تعلمون، حال من واو تجعلوا. قال اليافعى: قوله:{أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم}تفسير : إلى {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} لصرف الآفات والعاهات والحيات والأذى عن الجنان والزرع والحدائق وجميع الأشجار. يتطهر ويصوم يوم الخميس ويخرج يوم الجمعة سحرا ويصلى فى أركان الموضع الأربعة ركعتين فى كل ركن متصلات، الأولى بأم القرآن وأرأيت الذى يكذب، والثانية بأم القرآن والفيل وقريش.. ويكتب الآية بقلم الزيتون أو الطرفا أو الطومار فى ورقة خضراء من الطومار بزعفران وماء ورد، ويبخر بعود، ويجعلها فى قصبة، ويقرأ الآية أيضاً عليها ويجعلها فى رأس أعلى الشجرة، وكذا من أراد حفظ بلد ودار بجعلها فى أعلاه ويصلى فى أركانه قبل الجعل.

اطفيش

تفسير : {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ} فى جملة من سواكم {الأَرْضَ فِرَٰشاً} بساطا خارجاً عن الماء مع ثقلها، ينتفع به لا صلباً ضاراً، ولا رخوا مفرقا، وسماها بساطا ولو قيل: إنها كريّة الشكل؛ لأن الكرة إذا عظمت كان كل قطعة سطحا، وكانت قبل خلق السماء كرية، وبعد خلق السماء دحيت، أى بسطت {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} من فوقكم كالسقف، كما جاء فى آية أخرى، أنها كسقف للأرض أو كقبة مضروبة على الأرض، لتقدم خلقها، ولأنهم فيها، ولأن انتفاعهم بها أكثر، ولأنها ما يحتاج إليه بعد الوجود، إذ لا بد من مكان يستقر فيه، أو لأنها أفضل من السماء، لأن الأنبياء منها وفيها، وهذا قول {وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ} أى من جهتها، أو من السحاب سماه سماء {مَآءً} والله قادر أن ينزل من السماء إحدى السبع ماء فى سرعة {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَٰتِ} أخرج به {رِزْقاً} من الثمرات {لَّكُمْ} تأكلونه، وتعلفون دوابكم وتلبسونه كالقطن والكتان، وما لدواب الناس هو لهم، من الثمرات حال من رزقا، ومن للتبيعيض أو للبيان، ورزقا مفعول به، أو من اسم بمعنى بعض، مفعول به ورزقا حال مِنَ مَن، والثمرات جميع ما تخرج الأرض حتى الحشيش، أو الثمار، ونواها داخل فيها علف، وذلك أسباب ألا تجعلوا له أنداداً، كما قال {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلهِ أَنْدَاداً} شركاء فى العبادة، مقاومين لله تعالى عن ذلك، فإن كل ما سواه عاجز ذليل، خلقه الله وملكه، وذلك أن ما يصنعون بأصنامهم، وما يعبدونه فى صورة المقاومة، قالوا بها أو لم يقولوا، والند المقاوم مثلا، أو خلافا، أو ضدا، وهم لا يقولون بالمناداة، أو الند الكف، أو المثل، وإذا جمع مع غير كالكف، والضدو المثل والشبيه كان كل بمعناه على حدة، الند مثل الشىء الذى يضاده ويخالفه فى أموره، وينافره، من ندّ البعير إذا نقر، وقيل: الند المشارك فى الجوهرية، والشِّكل المشارك فى القدر والمساحة والشبه المشارك فى الكيفية والمساوى فى الكمية، والمثل عام. وفى تسمية الأصنام أنداداً استعارة تهكمية. لأنهم علموا أنها عاجزة لا فعل لها، ولا تشارك الله تعالى فى شىء، كما يستعار أسد للجبان، والتبشير للوعيد، وحكمه ذلك الإشارة إلى أن عليهم ذنب من اعتقدها مشاركة له فى صفاته وأفعاله {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه ليس فى كتاب من كتب الله ثبوته الند له تعالى، وتعلمون أنه الخالق، وغيره ليس خالقا، فكيف يصح لكم جعل من لا يخلق شيئا إلها مع ما تشاهدون من حديث غيره وعجز غيره، هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شىء، أو تعلمون من أهل التوراة والإنجيل أنه ليس فيها جواز اتخاذ الأنداد، بل النهى.

الالوسي

تفسير : {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَٰشاً وَٱلسَّمَاء بِنَاء} الموصول إما منصوب على أنه نعت {أية : رَبُّكُـمْ }تفسير : [البقرة: 21] أو بدل منه أو مقطوع بتقدير أخص أو أمدح وكونه مفعول {أية : تَتَّقُونَ }تفسير : [البقرة: 21] ـ كما قاله أبو البقاء ـ إعراب غث ينزه القرآن عنه، وكونه نعت الأول يرد عليه أن النعت لا ينعت عند الجمهور إلا في مثل يا أيها الفارس ذو الجمة، وفيه أيضاً غير مجمع عليه، وإما مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره جملة {فَلاَ تَجْعَلُواْ} والفاء قد تدخل في خبر الموصول بالماضي كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [البروج: 10] إلى قوله تعالى: {أية : فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ }تفسير : [البروح: 10] والاسم الظاهر يقوم مقام الرابط عند الأخفش والإنشاء يقع خبراً بالتأويل المشهور، ومع هذا كله الأولى ترك ما أوجبه وأبرد من يخ قول من زعم أنه مبتدأ خبره {رِزْقاً لَّكُمْ} بتقدير يرزق، و {جَعَلَ} بمعنى صير والمنصوبان بعده مفعولاه، وقيل: بمعنى أوجد وانتصاب الثاني على الحالية أي أوجد الأرض حالة كونها مفترشة لكم فلا تحتاجون للسعي في جعلها كذلك، ومعنى تصييرها فراشاً أي كالفراش في صحة القعود والنوم عليها أنه سبحانه جعل بعضها بارزاً عن الماء مع أن مقتضى طبعها أن يكون الماء محيطاً بأعلاها لثقلها وجعلها متوسطة بين الصلابة واللين ليتيسر التمكن عليها بلا مزيد كلفة، فالتصيير باعتبار أنه لما كانت قابلة لما عدا ذلك فكأنه نقلت منه، وإن صح ما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الأرض خلقت قبل خلق السماء غير مدحوة فدحيت بعد خلقها ومدت فأمر التصيير حينئذ ظاهر إلا أن كل الناس غير عالمين به، والصفة يجب أن تكون معلومة للمخاطب والذهاب إلى الطوفان، واعتبار التصيير بالقياس إليه من اضطراب أمواج الجهل ولا ينافي كرويتها كونها فراشاً لأن الكرة إذا عظمت كان كل قطعة منها كالسطح في افتراشه كما لا يخفى. وعبر سبحانه هنا بجعل وفيما تقدم بخلق لاختلاف المقام أو تفنناً في التعبير كما في قوله تعالى: {أية : خُلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ }تفسير : [الأنعام: 1] وتقديم المفعول الغير الصريح/ لتعجيل المسرة ببيان كون ما يعقبه من منافع المخاطبين أو للتشويق إلى ما يأتي بعده لا سيما بعد الإشعار بمنفعته فيتمكن عند وروده فضل تمكن، أو لما في المؤخر وما عطف عليه من نوع طول فلو قدم لفات تجاوب الأطراف، واختار سبحانه لفظ السماء على السمٰوات موافقة للفظ الأرض وليس في التصريح بتعددها هنا كثير نفع، ومع هذا يحتمل أن يراد بها مجموع السمٰوات، وكل طبقة وجهة منها، والبناء في الأصل مصدر أطلق على المبني بيتاً كان أو قبة أو خباء أو طرافاً، ومنه بنى بأهله أو على أهله خلافاً للحريري لأنهم كانوا إذا تزوّجوا ضربوا خباء جديداً ليدخلوا على العروس فيه، والمراد بكون السماء بناء أنها كالقبة المضروبة أو أنها كالسقف للأرض، ويقال لسقف البيت بناء، وروى هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقدم سبحانه حال الأرض لما أن احتياجهم إليها وانتفاعهم بها أكثر وأظهر، أو لأنه تعالى لما ذكر خلقهم ناسب أن يعقبه بذكر أول ما يحتاجونه بعده وهو المستقر أو ليحصل العروج من الأدنى إلى الأعلى، أو لأن خلق الأرض متقدم على خلق السماء كما يدل عليه ظواهر كثير من الآيات أو لأن الأرض لكونها مسكن النبيين ومنها خلقوا أفضل من السماء، وفي ذلك خلاف مشهور، وقرأ يزيد الشامي (بساطاً)، وطلحة (مهاداً) وهي نظائر، وأدغم أبو عمرو لام (جعل) في لام (لكم). {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مآءً فَٱخْرُجْ فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ} عطف على (جعل) و {مِنْ} الأولى للابتداء متعلقة بأنزل أو بمحذوف وقع حالاً من المفعول وقدم عليه للتشويق على الأول مع ما فيه من مزيد الانتظام مع ما بعد، أو لأن السماء أصله ومبدؤه ولتتأتى الحالية على الثاني إذ لو قدم المفعول وهو نكرة صار الظرف صفة، وذكر في «البحر» أن {مِنْ} على هذا للتبعيض أي من مياه السماء وهو كما ترى. والمراد من السماء جهة العلو أو السحاب وإرادة الفلك المخصوص بناء على الظواهر غير بعيدة نظراً إلى قدرة الملك القادر جل جلاله وسمت عن مدارك العقل أفعاله، إلا أن الشائع أن الشمس إذا سامتت بعض البحار والبراري أثارت من البحار بخاراً رطباً ومن البراري يابساً، فإذا صعد البخار إلى طبقة الهواء الثالثة تكاثف فإن لم يكن البرد قوياً اجتمع وتقاطر لثقله بالتكاثف، فالمجتمع سحاب والمتقاطر مطر، وإن كان قوياً كان ثلجاً وبرداً، وقد لا ينعقد ويسمى ضباباً.شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير : وعلى هذا يراد بالنزول من السماء نشوؤه من أسباب سماوية وتأثيرات أثيرية فهي مبدأ مجازي له، على أن من انجاب عن عين بصيرته سحاب الجهل رأى أن كل ما في هذا العالم السفلي نازل من عرش الإرادة وسماء القدرة حسبما تقتضيه الحكمة بواسطة أو بغير واسطة كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } تفسير : [الحجر: 21] بل من علم أن الله سبحانه في السماء ـ على المعنى الذي أراده وبالوصف الذي يليق به مع التنزيه اللائق بجلال ذاته تعالى ـ صح له أن يقول: إن ما في العالمين من تلك السماء، ونسبة نزوله إلى غيرها أحياناً لاعتبارات ظاهرة وهي راجعة إليه في الآخرة. - والماء - معروف، وعرفه بعضهم بأنه جوهر سيال به قوام الحيوان ووزنه فعل وألفه منقلبة عن واو همزته بدل من هاء كما يدل عليه مويه ومياه وأمواه وتنوينه للبعضية، وخصه سبحانه بالنزول من السماء في كثير من الآيات تنويهاً بشأنه لكثرة منفعته ومزيد بركته، و {مِنْ} الثانية إما للتبعيض إذ كم من ثمرة لم تخرج بعد، - فرزقاً - حينئذ بالمعنى المصدري مفعول له - لأخرج - و {لَكُمْ} ظرف لغو مفعول به/ لرزق أي أخرج شيئاً {مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ} أي بعضها لأجل أنه رزقكم. وجوّز أن يكون بعض الثمرات مفعول (أخرج)، و(رزقاً) بمعنى مرزوقاً حالاً من المفعول أو نصباً على المصدر لأخرج، وإما للتبيين - فرزق - بمعنى مرزوق مفعول لأخرج و {لَكُمْ} صفته، وقد كان {مِنَ ٱلثَّمَرٰتِ} صفته أيضاً إلا أنه لما قدم صار حالاً على القاعدة في أمثاله، وفي تقديم البيان على المبين خلاف، فجوزه الزمخشري والكثيرون، ومنعه صاحب «الدر المصون» وغيره، واحتمال جعلها ابتدائية بتقدير من ذكر الثمرات أو تفسير الثمرات بالبذر تعسف لا ثمرة فيه. وأل في (الثمرات) إما للجنس أو للاستغراق وجعلها له، (ومن) زائدة ليس بشيء لأن زيادة (من) في الإيجاب - وقبل - معرفة مما لم يقل به إلا الأخفش، ويلزم من ذلك أيضاً أن يكون جميع الثمرات التي أخرجت رزقاً لنا، وكم شجرة أثمرت ما لا يمكن أن يكون رزقاً وأتى بجمع القلة مع أن الموضع موضع الكثرة فكان المناسب لذلك من الثمار للإيماء إلى أن ما برز في رياض الوجود بفيض مياه الجود كالقليل بل أقل قليل بالنسبة لثمار الجنة، ولما ادخر في ممالك الغيب أو للإشارة إلى أن أجناسها من حيث إن بعضها يؤكل كله وبعضها ظاهره فقط وبعضها باطنه فقط، المشير ذلك إلى ما يشير قليلة لم تبلغ حد الكثرة، وما ذكر الإمام البيضاوي وغيره من أنه ساغ هذا الجمع هنا لأنه أراد بالثمرات جمع ثمرة أريد بها الكثرة كالثمار مثلها في قولك: أدركت ثمرة بستانك، وليست التاء للوحدة الحقيقية بل للوحدة الاعتبارية، ويؤيده قراءة ابن السميقع (من الثمرة) أو لأن الجموع يتعاور بعضها موقع بعض كقوله تعالى: {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّـٰتٍ }تفسير : [الدخان: 25] و {أية : ثَلَـٰثَةَ قُرُوء } تفسير : [البقرة: 228] أو لأنها لما كانت محلاة باللام خرجت عن حد القلة لا يخلو صفاؤه عن كدر كما يسفر عنه كلام الشهاب، وإذا قيل: بأن جمع السلامة المؤنث والمذكر موضوع للكثرة أو مشترك - والمقام يخصصه بها - اندفع السؤال وارتفع المقال إلا أن ذلك لم يذهب إليه من الناس إلا قليل. والباء من (به) للسببية، والمشهور عند الأشاعرة أنها سببية عادية في أمثال هذا الموضع فلا تأثير للماء عندهم أصلاً في الإخراج بل ولا في غيره وإنما المؤثر هو الله تعالى عند الأسباب لا بها لحديث الاستكمال بالغير، قالوا: ومن اعتقد أن الله تعالى أودع قوة الري في الماء مثلاً فهو فاسق وفي كفره قولان، وجمع على كفره كمن قال: إنه مؤثر بنفسه فيجب عندهم أن يعتقد المكلف أن الري جاء من جانب المبدأ الفياض بلا واسطة وصادف مجيئه شرب الماء من غير أن يكون للماء دخل في ذلك بوجه من الوجوه سوى الموافقة الصورية، والفقير لا أقول بذلك ولكني أقول: إن الله سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها شرعاً وقدراً، وجعل الأسباب محل حكمته في أمره الديني الشرعي وأمره الكوني القدري ومحل ملكه وتصرفه، فإنكار الأسباب والقوى جحد للضروريات وقدح في العقول والفطر ومكابرة للحس وجحد للشرع والجزاء، فقد جعل الله تعالى شأنه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل والحرمة كل ذلك مرتبطاً بالأسباب قائماً بها بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه، والقرآن مملوء من إثبات الأسباب، ولو تتبعنا ما يفيد ذلك من القرآن والسنة لزاد على عشرة آلاف موضع حقيقة لا مبالغة، ويالله تعالى العجب إذا كان الله خالق السبب والمسبب وهو الذي جعل هذا سبباً لهذا، والأسباب والمسببات طوع مشيئته وقدرته منقادة، فأي قدح يوجب/ ذلك في التوحيد وأي شرك يترتب عليه؟! نستغفر الله تعالى مما يقولون، فالله عز وجل يفعل بالأسباب التي اقتضتها الحكمة مع غناه عنها كما صح أن يفعل عندها لا بها، وحديث الاستكمال يرده أن الاستكمال إنما يلزم لو توقف الفعل على ذلك السبب حقيقة واللازم باطل لقوله تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82] فالأسباب مؤثرة بقوى أودعها الله تعالى فيها ولكن بإذنه وإذا لم يأذن وحال بينها وبين التأثير لم تؤثر كما يرشدك إلى ذلك قوله تعالى: {أية : وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 102] ولو لم يكن في هذه الأسباب قوى أودعها العزيز الحكيم لما قال سبحانه: {أية : يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الأنبياء: 69] إذ ما الفائدة في القول وهي ليس فيها قوة الإحراق وإنما الإحراق منه تعالى بلا واسطة ولو كان الأمر كما ذكروا لكان للنار أن تقول: إلهي ما أودعتني شيئاً ولا منحتني قوة وما أنا إلا كيد شلاء صحبتها يد صحيحة تعمل الأعمال وتصول وتجول في ميدان الأفعال أفيقال لليد الشلاء لا تفعلي وفي ذلك الميدان لا تنزلي ولا يقال ذلك لليد الفعالة وهي الحرية بتلك المقالة، ولا أظن الأشاعرة يستطيعون لذلك جواباً ولا أراهم يبدون فيه خطاباً، وهذا الذي ذكرناه هو ما ذهب إليه السلف الصالح وتلقاه أهل الله تعالى بالقبول، ولا يوقعنك في شك منه نسبته للمعتزلة فإنهم يقولون أيضاً لا إله إلا الله أفتشك فيها لأنهم قالوها معاذ الله تعالى من التعصب فالحكمة ضالة المؤمن والحق أحق بالاتباع والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل. {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} نهي معطوف على {أية : ٱعْبُدُواْ} تفسير : [البقرة: 21] مترتب عليه فكأنه قيل: إذا وجب عليكم عبادة ربكم فلا تجعلوا لله نداً وأفردوه بالعبادة إذ لا رب لكم سواه وإيقاع الاسم الجليل موقع الضمير لتعيين المعبود بالذات بعد تعيينه بالصفات وتعليل الحكم بوصف الألوهية التي عليها يدور أمر الوحدانية واستحالة الشركة والإيذان باستتباعها لسائر الصفات؛ وقيل: لفظ الرب مستعمل في المفهوم الكلي والله علم للجزئي الحقيقي الواجب الوجود تعالى شأنه فلا يكون من وضع المظهر موضع المضمر، وحنيئذ يظهر الفرق بين هذه الآية الكريمة حيث علق العبادة بصفة الربوبية فالمناسب الفاء وبين قوله تعالى: {أية : ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً} تفسير : [النساء: 36] حيث علق العبادة وعدم الشرك بذاته تعالى فالمناسب الواو، فلا يرد أن المناسب على هذا الواو كما في الآية الثانية أو نفي منصوب بإضمار أن جواب للأمر كما قاله مولانا البيضاوي، واعترض بأنه يأباه أن ذلك فيما يكون الأول سبباً للثاني، ولا ريب في أن العبادة لا تكون سبباً للتوحيد الذي هو أصلها ومنشؤها، وأجيب بأن عبادته تعالى أساسها التوحيد وعدم الإشراك به، وأما عبادة الرب فليس أصلها عدم الإشراك بذاته تعالى بل من متفرعاته، والحق أن الآية تضمنت عبادة رب موصوف بما يجعله كالمشاهد من خلقه لهم ولأصولهم وإبداع الكائنات العظيمة والتفضل بإفاضة النعم الجسيمة فدلت عليه دلالة عرفتهم به، فمحصلها اعبدوا الله تعالى الذي عرفتموه معرفة لا مرية فيها، ولا شك في أن العبادة والمعرفة سبب لعدم الإشراك إذ من عرف الله تعالى لا يسوي به سواه؛ فالذي سول للمعترض النظر للعبادة وقطع النظر عن المعرفة، ويحتمل أن يكون متعلقاً بلعل فينصب الفعل نصب (فأطلع) على قراءة جعفر من {أية : لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ} تفسير : [غافر: 36] الخ على رأي إلحاقاً بالأشياء الستة لأنها غير موجبة لحصول ما يتضمنها فتكون كالشرط في عدم التحقق، والقول بالإلحاق لها بليت تنزيلاً للمرجو منزلة المتمنى في عدم الوقوع يؤول إلى هذا إن أريد بعدم الوقوع عدمه في حال الحكم لا استحالته، والمعنى خلقكم لتتقوا وتخافوا عقابه/ فلا تشبهوه بخلقه فافهم، ويحتمل أن تكون الفاء زائدة مشعرة بالسببية وجملة النهي بتأويل القول خبر عن {ٱلَّذِى} على جعله مبتدأ، وقيل: الجملة متعلقة بالذي، والفاء جزاء شرط محذوف، والمعنى هو الذي جعل لكم ما ذكر من النعم المتكاثرة، وإذا كان كذلك: فلا تجعلوا الخ. والجعل هنا بمعنى التصيير وهو كما يكون بالفعل نحو صيرت الحديد سيفاً، ومنه ما تقدم على وجه يكون بالقول والعقد. والأنداد - جمع ند - كعدل أو أعدال أو نديد - كيتيم وأيتام - والند مثل الشيء الذي يضاده ويخالفه في أموره وينافره ويتباعد عنه وليس من الأضداد على الأصح، وأصله من ند ندوداً إذا نفر، وقيل: الند المشارك في الجوهرية فقط، والشكل المشارك في القدر والمساحة، والشبه المشارك في الكيفية فقط، والمساوي في الكمية فقط، والمثل عام في جميع ذلك، وفي تسمية ما يعبده المشركون من دون الله أنداداً والحال أنهم ما زعموا أنها تماثله في ذاته تعالى وصفاته ولا تخالفه في أفعاله. وإنما عبدوها لتقربهم إليه سبحانه زلفى - إشارة إلى استعارة تهكمية حيث استعير النظير المصادر للمناسب المقرب كما استعير التبشير للإنذار والأسد للجبان، وإن أريد بالند النظير مطلقاً لم يكن هناك تضاد وإنما هو من استعارة أحد المتشابهين للآخر، فإن المشركين جعلوا الأصنام بحسب أفعالهم وأحوالهم مماثلة له تعالى في العبادة، وهي خطة شنعاء وصفة حمقاء في ذكرها ما يستلزم تحميقهم والتهكم بهم، ولعل الأول أولى، وفي الإتيان بالجمع تشنيع عليهم حيث جعلوا أَندَاداً لمن يستحيل أن يكون له ند واحد، ولله در موحد الفترة زيد بن عمر بن نفيل رضي الله تعالى عنه حيث يقول في ذلك:شعر : أرباً واحداً أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور تركت اللات والعزى جميعا كذلك يفعل الرجل البصير تفسير : {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} حال من ضمير (لا تجعلوا) والمفعول مطروح أي: وحالكم أنكم من أهل العلم والمعرفة والنظر وإصابة الرأي فإذا تأملتم أدنى تأمل علمتم وجود صانع يجب توحيده في ذاته وصفاته لا يليق أن يعبد سواه، أو مقدر حسبما يقتضيه المقام ويسد مسد مفعولي العلم، أي: تعلمون أنه سبحانه لا يماثله شيء، أو أنها لا تماثله ولا تقدر على مثل ما يفعله، والحال على الوجه الأول للتوبيخ أو التقييد إذ العلم مناط التكليف ولا تكليف عند عدم الأهلية، وعلى الوجه الثاني للتوبيخ لا غير لأن قيد الحكم تعليق العلم بالمفعول، ومناط التكليف العلم فقط والتوبيخ باعتبار أفراد المخاطبين بالنهي بناء على عموم الخطاب حسبما مر في الأمر فلا يستدعي تخصيص الخطاب بالكفرة على أنه لا بأس بالتخصيص بهم أمراً ونهياً بل قيل: إنه أولى للخلاص من التكلف وحسن الانتظام إذ لا محيص في ظاهر آية التحدي من تجريد الخطاب وتخصيصه بالكفرة مع ما فيه من رباء محل المؤمنين ورفع شأنهم عن حيز الانتظام في سلك الكفرة اللئام والإيذان بأنهم مستمرون على الطاعة والعبادة مستغنون في ذلك عن الأمر والنهي فتأمل. وقد تضمنت هذه الآيات من بدائع الصنعة ودقائق الحكمة وظهور البراهين ما اقتضى أنه تعالى المنفرد بالإيجاد المستحق للعبادة دون غيره من الأنداد التي لا تخلق ولا ترزق وليس لها نفع ولا ضر {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلاْمْرُ } تفسير : [الأعراف: 54]. ومن باب الإشارة أنه تعالى مثل البدن بالأرض، والنفس بالسماء، والعقل بالماء، وما أفاض على القوابل من الفضائل العلمية والعملية المحصلة بواسطة استعمال العقل والحس، وازدواج القوى النفسانية والبدنية بالثمرات المتولدة من ازدواج القوى السماوية الفاعلة والأرضية المنفعلة بإذن الفاعل المختار، وقد يقال: إنه تعالى لما امتن عليهم بأنه سبحانه خلقهم والذين من قبلهم ذكر ما يرشدهم إلى معرفة كيفية خلقهم فجعل الأرض التي هي فراش مثل الأم التي يفترشها الرجل، وهي أيضاً تسمى فراشاً، وشبه السماء التي علت على الأرض بالأب الذي يعلو على الأم ويغشاها، وضرب/ الماء النازل من السماء مثلاً للنطفة التي تنزل من صلب الأب وضرب ما يخرج من الأرض من الثمرات مثلاً للولد الذي يخرج من الأم، كل ذلك ليؤنس عقولهم ويرشدها إلى معرفة كيفية التخليق ويعرفها أنه الخالق لهذا الولد والمخرج له من بطن أمه كما أنه الخالق للثمرات ومخرجها من بطون أشجارها ومخرج أشجارها من بطن الأرض، فإذا وضح ذلك لهم أفردوه بالألوهية وخصوه بالعبادة وحصلت لهم الهداية:شعر : تأمل في رياض الأرض وانظر إلى آثار ما صنع المليك عيون من لجين شاخصات على أهدابها ذهب سبيك على قضب الزبرجد شاهدات بأن الله ليس له شريك

ابن عاشور

تفسير : {ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلاَْرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقاً لَّكُمْ}. يتعين أن قوله: {الذي جعل لكم الأرض فراشاً} صفة ثانية للرب لأن مساقها مساق قوله: {أية : الذي خلقكم}تفسير : [البقرة: 21]، والمقصود الإيماء إلى سبب آخر لاستحقاقه العبادة وإفراده بها فإنه لما أوجب عبادته أنه خالق الناس كلهم أتبع ذلك بصفة أخرى تقتضي عبادتهم إياه وحده، وهي نعمه المستمرة عليهم مع ما فيها من دلائل عظيم قدرته فإنه مكن لهم سبل العيش وأولها المكان الصالح للاستقرار عليه بدون لغوب فجعله كالفراش لهم ومن إحاطة هذا القرار بالهواء النافع لحياتهم والذي هو غذاء الروح الحيواني، وذلك ما أشير إليه بقوله: {والسماء بناء} وبكون تلك الكرة الهوائية واقية الناس من إضرار طبقات فوقها متناهية في العلو، من زمهرير أو عناصر غريبة قاتلة خانقة، فالكرة الهوائية جعلت فوق هذا العالم فهي كالبناء له ونفعها كنفع البناء فشبهت به على طريقة التشبيه البليغ وبأن أخرج للناس ما فيه إقامة أود حياتهم باجتماع ماء السماء مع قوة الأرض وهو الثمار. والمراد بالسماء هنا إطلاقها العرفي عند العرب وهو ما يبدو للناظر كالقبة الزرقاء وهو كرة الهواء المحيط بالأرض كما هو المراد في قوله: {أية : أو كصيب من السماء}تفسير : [البقرة: 19] وهذا هو المراد الغالب إذا أطلق السماء بالإفراد دون الجمع. ومعنى جعل الأرض فراشاً أنها كالفراش في التمكن من الاستقرار والاضطجاع عليها وهو أخص أحوال الاستقرار. والمعنى أنه جعلها متوسطة بين شدة الصخور بحيث تؤلم جلد الإنسان وبين رخاوة الحمأة بحيث يتزحزح الكائن فوقها ويسوخ فيها وتلك منة عظيمة. وأما وجه شبه السماء بالبناء فهو أن الكرة الهوائية جعلها الله حاجزة بين الكرة الأرضية وبين الكرة الأثيرية فهي كالبناء فيما يراد له البناء وهو الوقاية من الأضرار النازلة، فإن للكرة الهوائية دفعاً لأضرار أظهرها دفع ضرر طغيان مياه البحار على الأرض ودفع أضرار بلوغ أهوية تندفع عن بعض الكواكب إلينا وتلطيفها حتى تختلط بالهواء أو صد الهواء إياها عنا مع ما في مشابهة منظر الكرة الهوائية لهيئة القبة، والقبة بيت من أدم مقبب وتسمى بناء، والبناء في كلام العرب ما يرفع سمكه على الأرض للوقاية سواء كان من حجر أو من أدم أو من شعر، ومنه قولهم: بنى على امرأته إذا تزوج لأن المتزوج يجعل بيتاً يسكن فيه مع امرأته وقد اشتهر اطلاق البناء على القبة من أدم ولذلك سموا الأدم الذي تبنى منه القباب مبناة بفتح الميم وكسرها، وهذا كقوله في سورة الأنبياء (32): {أية : وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً}تفسير : . فإن قلت يقتضي كلامك هذا أن الامتنان بجعل السماء كالبناء لوقاية الناس من قبيل المعجزات العلمية التي أشرت إليها في المقدمة العاشرة وذلك لا يدركه إلا الأجيال التي حدثت بعد زمان النزول فماذا يكون حظ المسلمين وغيرهم الذين نزلت بينهم الآية: {أية : والذين جاءوا من بعدهم}تفسير : [الحشر: 10] في عدة أجيال فإن أهل الجاهلية لم يكونوا يشعرون بأن للسماء خاصية البناء في الوقاية وغاية ما كانوا يتخيلونه أن السماء تشبه سقف القبة كما قالت الأعرابية حين سئلت عن معرفة النجوم: أيجهل أحد خرزات معلقة في سقفه فتتمحض الآية لإفادة العبرة بذلك الخلق البديع إلا أنه ليس فيه حظ من الامتنان الذي أفاده قوله: {لكم} فهل نخص تعلقه بفعل {جعل} المصرح به دون تعلقه بالفعل المطوي تحت واو العطف، أو بجعله متعلقاً بقوله: {فراشاً} فيكون قوله: {والسماء بناء} معطوفاً على معمول فعل الجعل المجرد عن التقييد بالمتعلق. قلت: هذا يفضي إلى التحكم في تعلق قوله: {لكم} تحكماً لا يدل عليه دليل للسامع بل الوجه أن يجعل {لكم} متعلقاً بفعل {جعل} ويكفي في الامتنان بخلق السماء إشعار السامعين لهذه الآية بأن في خلق السماء على تلك الصفة ما في إقامة البناء من الفوائد على الإجمال ليفرضه السامعون على مقدار قرائحهم وأفهامهم ثم يأتي تأويله في قابل الأجيال. وحذف (لكم) عند ذكر السماء إيجازاً لأن ذكره في قوله: {الذي جعل لكم الأرض} دليل عليه. و(جعل) إن كانت بمعنى أوجد فحمل الامتنان هو إن كانتا على هذه الحالة وإن كانت بمعنى صير فهي دالة على أن الأرض والسماء قد انتقلتا من حال إلى حال حتى صارتا كما هما وصار أظهر في معنى الانتقال من صفة إلى صفة وقواعد علم طبقات الأرض (الجيولوجيا) تؤذن بهذا الوجه الثاني فيكون في الآية منتان وعبرتان في جعلهما على ما رأينا وفي الأطوار التي انتقلتا فيهما بقدرة الله تعالى وإذنه فيكون كقوله تعالى: {أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما إلى قوله: {أية : وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون}تفسير : [الأنبياء: 30 ـــ 32] وقد امتن الله وضرب العبرة بأقرب الأشياء وأظهرها لسائر الناس حاضرهم وباديهم وبأول الأشياء في شروط هذه الحياة، وفيهما أنفع الأشياء وهما الهواء والماء النابع من الأرض وفيهما كانت أول منافع البشر. وفي تخصيص الأرض والسماء بالذكر نكتة أخرى وهي التمهيد لما سيأتي من قوله: {وأنزل من السماء ماء} الخ. وابتدأ بالأرض لأنها أول ما يخطر ببال المعتبر ثم بالسماء لأنه بعد أن ينظر لما بين يديه ينظر إلى ما يحيط به. وقوله: {وأنزل من السماء ماء فأخرج به} الخ هذا امتنان بما يلحق الإيجاد مما يحفظه من الاختلال وهو خلقة لما تتلفه الحرارة الغريزية والعمل العصبي والدماغي من القوة البدنية ليدوم قوام البدن بالغذاء وأصل الغذاء هو ما يخرج من الأرض وإنما تخرج الأرض النبات بنزول الماء عليها من السماء أي من السحاب والطبقات العليا. واعلم أن كون الماء نازلاً من السماء هو أن تكونه يكون في طبقات الجو من آثار البخار الذي في الجو فإن الجو ممتلىء دائماً بالأبخرة الصاعدة إليه بواسطة حرارة الشمس من مياه البحار والأنهار ومن نداوة الأرض ومن النبات ولهذا نجد الإناء المملوء ماء فارغاً بعد أيام إذا ترك مكشوفاً للهواء فإذا بلغ البخار أقطار الجو العالية برد ببرودتها وخاصة في فصل الشتاء فإذا برد مال إلى التميع، فيصير سحاباً ثم يمكث قليلاً أو كثيراً بحسب التناسب بين برودة الطبقات الجوية والحرارة البخارية فإذا زادت البرودة عليه انقبض السحاب وثقل وتميع فتجتمع فيه الفقاقيع المائية وتثقل عليه فتنزل مطراً وهو ما أشار له قوله تعالى: {أية : وينشىء السحاب الثقال}تفسير : [الرعد: 12] وكذلك إذا تعرض السحاب للريح الآتية من جهة البحر وهي ريح ندية ارتفع الهواء إلى أعلى الجو فبرد فصار مائعاً وربما كان السحاب قليلاً فساقت إليه الريح سحاباً آخر فانضم أحدهما للآخر ونزلا مطراً، ولهذا غلب المطر بعد هبوب الريح البحرية وفي الحديث: «حديث : إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غُدَيقة»تفسير : ومن القواعد أن الحرارة وقلة الضغط يزيدان في صعود البخار وفي قوة انبساطه والبرودة وكثرة الضغط يصيران البخار مائعاً وقد جرب أن صعود البخار يزداد بقدر قرب الجهة من خط الاستواء وينقص بقدر بعده عنه وإلى بعض هذا يشير ما ورد في الحديث أن المطر ينزل من صخرة تحت العرش فإن العرش هو اسم لسماء من السماوات والصخرة تقريب لمكان ذي برودة وقد علمت أن المطر تنشئه البرودة فيتميع السحاب فكانت البرودة هي لقاح المطر. و(من) التي في قوله: {من الثمرات} ليست للتبعيض إذ ليس التبعيض مناسباً لمقام الامتنان بل إما لبيان الرزق المخرج، وتقديم البيان على المبين شائع في كلام العرب وإما زائدة لتأكيد تعلق الإخراج بالثمرات. {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}. أتت الفاء لترتيب هاته الجملة على الكلام السابق وهو مترتب على الأمر بالعبادة و(لا) ناهية والفعل مجزوم وليست نافية حتى يكون الفعل منصوباً في جواب الأمر من قوله: {اعبدوا ربكم} والمراد هنا تسببه الخاص وهو حصوله عن دليل يوجبه وهو أن الذي أمركم بعبادته هو المستحق للإفراد بها فهو أخص من مطلق ضد العبادة لأن ضد العبادة عدم العبادة. ولكن لما كان الإشراك للمعبود في العبادة يشبه ترك العبادة جعل ترك الإشراك مساوياً لنقيض العبادة لأن الإشراك ما هو إلا ترك لعبادة الله في أوقات تعظيم شركائهم. والند بكسر النون المساوي والمماثل في أمر من مجد أو حرب، وزاد بعض أهل اللغة أن يكون مناوئاً أي معادياً، وكأنهم نظروا إلى اشتقاقه من ند إذا نفر وعاند، وليس بمتعين لجواز كونه اسماً جامداً وأظن أن وجه دلالة الند على المناوأة والمضادة أنها من لوازم المماثلة عرفاً عند العرب، فإن شأن المثل عندهم أن ينافس مماثله ويزاحمه في مراده فتحصل المضادة. ونظيره في عكسه تسميتهم المماثل قريعاً، فإن القريع هو الذي يقارع ويضارب ولما كان أحد لا يتصدى لمقارعة من هو فوقه لخشيته ولا من هو دونه لاحتقاره كانت المقارعة مستلزمة للمماثلة، وكذلك قولهم قرن للمحارب المكافىء في الشجاعة. ويقال جعل له نداً، إذا سوى غيره به. والمعنى لاتثبتوا لله أنداداً تجعلونها جعلاً وهي ليست أنداداً وسماها أنداداً تعريضاً بزعمهم لأن حال العرب في عبادتهم لها كحال من يسوي بين الله وبينها وإن كان أهل الجاهلية يقولون إن الآلٰهة شفعاء ويقولون ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله، وجعلوا الله خالق الآلهة فقالوا في التلبية: «لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك» لكنهم لما عبدوها ونسوا بعبادتها والسعي إليها والنذور عندها وإقامة المواسم حولها عبادة الله، أصبح عملهم عمل من يعتقد التسوية بينها وبين الله تعالى لأن العبرة بالفعل لا بالقول. وفي ذلك معنى من التعريض بهم ورميهم باضطراب الحال ومناقضة الأقوال للأفعال. وقوله: {وأنتم تعلمون} جملة حالية ومفعول {تعلمون} متروك لأن الفعل لم يقصد تعليقه بمفعول بل قصد إثباته لفاعله فقط فنزل الفعل منزلة اللازم، والمعنى وأنتم ذو علم. والمراد بالعلم هنا العقل التام وهو رجحان الرأي المقابل عندهم بالجهل على نحو قوله تعالى: {أية : قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}تفسير : [الزمر: 9] وقد جعلت هاته الحال محط النهي والنفي تمليحاً في الكلام للجمع بين التوبيخ وإثارة الهمة فإنه أثبت لهم علماً ورجاحة الرأي ليثير همتهم ويلفت بصائرهم إلى دلائل الوحدانية ونهاهم عن اتخاذ الآلهة أو نفي ذلك مع تلبسهم به وجعله لا يجتمع مع العلم توبيخاً لهم على ما أهملوا من مواهب عقولهم وأضاعوا من سلامة مداركهم. وهذا منزع تهذيبي عظيم، أن يعمد المربي فيجمع لمن يربيه بين ما يدل على بقية كمال فيه حتى لا يقتل همته باليأس من كماله فإنه إذا ساءت ظنونه في نفسه خارت عزيمته وذهبت مواهبه، ويأتي بما يدل على نقائص فيه ليطلب الكمال فلا يستريح من الكد في طلب العلا والكمال. وقد أومأ قوله: {وأنتم تعلمون} إلى أنهم يعلمون أن الله لا ند له ولكنهم تعاموا وتناسوا فقالوا: «إلا شريكاً هو لك».

د. أسعد حومد

تفسير : {فِرَاشاً} {ٱلثَّمَرَاتِ} (22) - فَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هُوَ الَذِي جَعَلَ الأَرْضَ لِلنَّاسِ مُوطَّأَةً مِثْلَ الفِراشِ لِيَنْتَفِعُوا بِخَيْرَاتِها، وَليَسْهُلَ عَلَيهِم الاستِقْرارُ عَلَيها، وَجَعَلَ السَّمَاءَ سَقْفاً يُحِيطُ بِالأَرْضِ (بِنَاءً)،وَزَيَّنَهَا بِالكَوَاكِبِ لِيَهْتَدِيَ بِها السَّارِي فِي ظُلُماتِ اللَّيلِ، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَراً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ أَنْواعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ رِزْقاًً لَهُمْ وَلأَنْعَامِهِمْ، وَفِي كُلِّ ذلِكَ مَا يَهْدِي العَقْلَ إِلى أَنَّ خَالِقَ هذا الكَوْنِ البَدِيعِ المِثَالِ لاَ نِدَّ لَهُ وَلاَ نَظِيرَ، لِذلِكَ فَإِنَّهُ وَحْدَه الذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يَعبُدُوهُ. ثُمَّ يأمُرُ اللهُ تَعَالى العِبَادَ بِأَنْ يَعبُدُوهُ، وبِأَنْ لاَ يَجْعَلُوا لَهُ شُرَكَاءَ وَأَنْدَاداً يُمَاثِلُونَهُمْ بِهِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ وَالخَلْقِ، وَلاَ نَظِيرَ لَهُ وَلاَ مُمَاثِلَ. نِدٌّ - نَظِيرٌ وَمُمَاثِلٌ وَشَبيهٌ. فِراشاً - بِسَاطاً وَوِطَاءً للاسْتِقْرارِ عَلَيهَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فبعد أن بيَّنَ لنا الحق سبحانه وتعالى أن عطاء ربوبيته الذي يعطيه لخلقه جميعاً: المؤمن والكافر، كان يكفي لكي يؤمن الناس - كل الناس - .. أخذ يبين لنا آيات من عطاء الربوبية. ويلفتنا إليها لعل مَنْ لم يؤمن عندما يقرأ هذه الآيات يدخل الإيمان في قلبه. فيلفتنا الله سبحانه وتعالى إلى خلق الأرض في قوله تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} [البقرة: 22]. والأرض هي المكان الذي يعيش فيه الناس ولا يستطيع أحد أن يدَّعي أنه خلق الأرض أو أوجدها. إذن: فهي آية ربوبية لا تحتاج لكي نتنبه إليها إلى جهد عقلي؛ لأنها بديهات محسومة لله سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: "فراشاً" توحي بأنه أعد الأرض إعداداً مريحاً للبشر. كما تفرش على الأرض شيئاً، تجلس عليه أو تنام عليه، فيكون فراشاً يريحك. ونحن نتوارث الأرض جيلاً بعد جيل. وهي تصلح لحياتنا جميعاً. ومنذ أن خُلِقت الأرض إلى يوم القيامة، ستظل فراشاً للإنسان. قد يقول بعض الناس: أنك إذا نمت على الأرض فقد تكون غير مريحة تحتك، فيها حصى أو غير ذلك مما يضايقك. نقول: إن الإنسان الأول كان ينام عليها مستريحاً .. إذن فضرورة النوم ممكنة على الأرض. وعندما تقدمت الحضارة وزادت الرفاهية ظلت الأرض فراشاً رغم ما وُجِد عليها من أشياء لينة. فكأنَّ الله تعالى قد أعدها لنا إعداداً يتناسب مع كل جيل. فكل جيل رُفِّه في العيش بسبب تقدم الحضارة كشف الله سبحانه من العلم ما يطوع له الأرض ويجعلها فراشاً. ونلاحظ أن الله سبحانه وتعالى في آية أخرى يقول: {أية : جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ مَهْداًَ ..} تفسير : [الزخرف: 10]. والمهد: هو فراش الطفل، ولابد أن يكون مريحاً لأن الطفل إذا وجد في الفراش أي شيء يتعبه، فإنه لا يملك الإمكانات التي تجعله يريحه، ولذلك تمهِّد الأم لطفلها مكان نومه، حتى ينام نوماً مريحاً. ولكن الذي يمهد الأرض لكل خلقه هو الله سبحانه وتعالى. يجعلها فراشاً لعباده. وإذا قرأت قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ ذَلُولاً فَٱمْشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ ..} تفسير : [الملك: 15]. فإن معنى ذلك أن الحق سبحانه جعل الأرض مطيعة للإنسان، تعطيه كل ما يحتاج إليه. ويأتي الحق سبحانه وتعالى إلى السماء فيقول: "والسماء بناءً" والبناء يفيد المتانة والتماسك. أي أن السماء - وهي فوقك - لا نرى شيئاً يحملها حتى لا تسقط عليك. إنها سقف متماسك متين .. ويؤكد الحق هذا المعنى بقوله تعالى: {أية : وَيُمْسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [الحج: 65]. وفي آية أخرى يقول: {أية : وَجَعَلْنَا ٱلسَّمَآءَ سَقْفاً مَّحْفُوظاً ..} تفسير : [الأنبياء: 32]. والهدف من هذه الآيات كلها أن نطمئن ونحن نعيش على الأرض أن السماء لن تتساقط علينا لأن الله يحفظها. إذن: من آيات الحق سبحانه وتعالى في الأرض أنه جعلها فراشاً أي: ممهدة ومريحة لحياة الإنسان، وحفظ السماء بقدرته جل جلاله، فهي ثابتة في مكانها، لا تهدد سكان الأرض وتفزعهم، بأنها قد تسقط عليهم، ثم جاء بآية أخرى: {وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ ..} [البقرة: 22]. فكأن الحق سبحانه وتعالى وضع في الأرض وسائل استبقاء الحياة. فلم يترك الإنسان على الأرض دون أن يوفر له وسائل استمرار حياته. فالمطر ينزل من السماء، والسماء هي كل ما علاك فأظلك. فينبت به الزرع والثمر، وهذا رزق لنا، والناس تختلف في مسألة الرزق. والرزق هو ما يُنْتفَعُ به، وليس هو ما تحصل عليه. فقد تربح مالاً وافراً ولكنك لا تنفقه ولا تستفيد منه فلا يكون هذا رزقك ولكنه رزق غيرك، وأنت تظل حارساً عليه، لا تنفق منه قرشاً واحداً، حتى توصله إلى صاحبه. والرزق في نظر معظم الناس هو المال، قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : يقول ابن آدم: مالي مالي .. وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت ". تفسير : هذا هو رزق المال، وهو جزء من الرزق. ولكن هناك رزق الصحة. ورزق الولد. ورزق في الطعام، ورزق في البركة، وكل نعمة من الله سبحانه وتعالى هي رزق وليس المال وحده. فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا بهذه الآية الكريمة إلى أن نفكر قليلاً، فيمن خلق هذا الكون. لنعرف أنه قبل أن يخلق الإنسان خلق له عناصر بقائه. ولكن هذا الإعداد لم يتوقف عند الحياة المادية. بل إن الله كما أعد لنا مقومات حياتنا المادية أعد لنا مقومات حياتنا الروحية، أو القيم في الوجود. وإذا قرأت في سورة الرحمن قوله تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} تفسير : [الرحمن: 1-4]. لوجدت القرآن يعطينا قيم الحياة، التي بدونها تصبح الدنيا كلها لا قيمة لها. لأن الدنيا امتحان أو اختبار لحياة قادمة في الآخرة. فإذا لم تأخذها بمهمتها في أنها الطريق الذي يوصلك إلى الجنة. أهدرت قيمتها تماماً. ولم تعد الدنيا تعطيك شيئاً إلا العذاب في الآخرة. وقد ربط الحق سبحانه وتعالى الرزق في هذه الآية بالسماء فقال سبحانه: {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ ..} [البقرة: 22]. ليلفتنا إلى أن الرزق، لا يأتي إلا من أعلى، وضرب الله سبحانه وتعالى المثل بالماء لأنه رزق مباشر محسوس منا، والماء ينزل من السماء في أنقى صوره مقطراً. كل ما يأتينا من السماء فيه علو. ينزل ليزيد حياة القيم ارتقاءً، عملية لو أراد البشر أن يقوموا بها ما استطاعوا لأنها كانت ستتكلف ملايين الجنيهات، لتعطينا ماءً لا يكفي أسرة واحدة. ولكن الله سبحانه وتعالى أنزل من السماء ماءً في أنقى صوره لينبت به الثمرات، التي تضمن استمرار الحياة في هذا الكون. وبعد أن نفهم هذه النعم كلها. والإعجاز الذي فيها ونستوعبها يقول الحق تبارك وتعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]. "أنداداً" جمع نِدّ، والند هو النظير أو الشبيه. وأي عقل فيه ذرّة من فكر يبتعد عن مثل هذا، فلا يجعل لله تعالى شبيهاً ولا نظيراً ولا يُشَبِّهُ بالله تعالى أحداً. فالله واحد في قدرته، واحد في قوته، واحد في خلقه. واحد في ذاته، وواحد في صفاته. ولا توجد مقارنة بين صفات الحق سبحانه وتعالى وصفات الخلق. والله خلق لكل منا عقلاً يفكر به، لو عرضت هذه المسألة على العقل لرفضها تماماً، لأنها لا تتفق مع عقل أو منطق، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22]. أي تعرفون هذا جيداً بعقولكم لأن طبيعة العقل ترفض هذا تماماً. فمنذا الذي يستطيع أن يدَّعي أنه خلقكم والذين من قبلكم؟! ومنذا الذي يستطيع أن يدَّعي ولو كذباً، أنه هو الذي جعل الأرض فراشاً، وجعل السماء سقفاً محفوظاً، أو أنزل المطر وأنبت الزرع؟ لا أحد. إذن: فأنتم تعلمون أن العقل كله لله وحده، وما دام لا يوجد معارض ولا يمكن أن يوجد. فالقضية محسومة للحق تبارك وتعالى. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ ..} تفسير : [البقرة: 165]. لماذا اتخذ هؤلاء الناس لله تعالى أنداداً؟ لأنهم يريدون ديناً بلا منهج. يريدون أن يُرضوا فطرة الإيمان التي خلقها الله فيهم. وفي الوقت نفسه يتبعون شهواتهم. عندما فكروا في هذا وجدوا أن أحسن طريقة هي أن يختاروا إلهاً بلا منهج، لا يطلب منهم شيئاً، ولذلك كل دعوة منحرفة تجد أنها تبيح ما حرَّم الله، وتحل الإنسان من كل التكاليف الإيمانية كالصلاة والزكاة والجهاد وغيرها. أما الذين آمنوا، فإنهم يعرفون أن الله سبحانه وتعالى إنما وضع منهجه لصالح الإنسان، فالله لا يستفيد من صلاتنا ولا من زكاتنا. ولا من منهج الإيمان شيئاً، ولكننا نحن الذين نستفيد من رحمة الله. ومن نعم الله ومن جنته في الآخرة. ولأن الذين آمنوا يعرفون هذا فإنهم يحبون الله حباً شديداً، والذين كفروا رغم كل ما يدعون فإنهم ساعة العسرة يلجأون إلى الله سبحانه وتعالى باعتباره وحده الملجأ والملاذ. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلإِنسَانَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُ ..} تفسير : [يونس: 12]. لماذا لم يستدع الأنداد؟ لأن الإنسان لا يغش نفسه أبداً في ساعة الخطر، ولأن هؤلاء يعرفون بعقولهم أنه لا يمكن أن يوجد لله أنداد. ولكنه يتخذهم لأغراض دنيوية. فإذا جاء الخطر يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنه يعلم يقيناً أنه وحده الذي يكشف الضر، فحلاق الصحة الذي يعالج الناس دجلاً، إذا مرض ابنه أسرع به إلى الطبيب، لأنه يغش الناس. ولكنه لا يمكن أن يغش نفسه. ولقد كان الأصمعي واقفاً عند الكعبة، فسمع أعْرابياً يدعو ويقول: "يا رب، أنت تعلم أني عاصيك وكان من حقك عليَّ ألا أدعوك، وأنا عاصٍ. ولكني أعلم أنه لا إله إلا أنت فلمَنْ أذهب؟ "فقال الأصمعي: يا هذا إن الله يغفر لك لحسن مسألتك".

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً} أَي مِهاداً. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} أي أَضدَاداً، وواحدُهَا نِدٌّ ونَديدٌ.

الأندلسي

تفسير : الذي جعل يجوز رفعه خبر مبتدأ محذوف ونصبه صفة لما قبله أو على القطع وأجيز رفعه على الابتداء والخبر. {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} وهو في نهاية الضعف لمضي الصلة فلا يناسب دخول الفاء في الخبر وللربط بالاسم الظاهر وهو لله فلا تجعلوا له وأجاز مكي رحمه الله أن ينتصب على أعني وليس بالتفسير فيحتاج إلى إضمار أعني وأن ينتصب بتتقون وهو إعراب تنزه القرآن عنه، والأحسن جَعْل جَعَلَ بمعنى صيّر، فينتصب فراشا وبناء على المفعول لا يمعنى خلق فينتصبان على الحال. ومعنى فراشا: تستقرون عليها. والفراش والمهاد والبساط والقرار والوطاء نظائر، والبناء مصدر يراد به المبني فهو تشبيه بما يفهم كقوله: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ} تفسير : [الذاريات: 47] شبهت بالقبة المبنية على الأرض. ومن السماء متعلق بانزل أو في موضع الحال فتتعلق بمحذوف إذ لو تأخر لكان صفة لما فيكون التقدير من مياه السماء ونكر ماء لأن المنزل لم يكن عاماً فتدخل فيه أل. {فَأَخْرَجَ بِهِ} أي بالماء. والباء للسببية وهذه السببية مجاز، إذ هو تعالى قادر على أن ينشىء الأجناس وقد أنشأها من غير مادة ولا سبب ولكن لما وجد خلقه بعض الأشياء عنه أمر ما أجرى ذلك الأمر مجرى لسبب لا انه سببه حقيقة ومن للتبعبيض وأل في الثمرات لتعريف الجنس وجمع لاختلاف أنواعه ولا حاجة إلى ارتكاب أن الثمرات من باب الجموع التي يتعاور بعضها موضع بعض لاكتفائها في الجمعية نحو: كم تركوا من جنات وثلاثة قروء، فقامت الثمرات مقام الثمر أو الثمار كما ذهب إليه الزمخشري وأبعد من جعل من زائدة وألْ في الثمرات للاستغراق لأن زيادة مِنْ في الواجب وقيل: معرفة انفرد بجوازه الأخفش ولأن من الثمرات ما لا يكون رزقاً لنا فلا يصح الاستغراق واحتمل رزقاً أن يكون كالطحن. فينتصب على الحال. وأن يكون مصدراً فيكون مفعولاً من أجله وقرىء من الثمرة على التوحيد ولكم في موضع الصفة ان كان رزقاً بمعنى المرزوق وفي موضع المفعول إن كان مصدراً وجوز أن يتعلق بأخرج. وقدم خلق الانسان لأنه أقرب إلى معرفته ثم بخلق الآباء ثم بالأرض لأنها أقرب إليه من السماء، وقدم السماء على نزول المطر وخروج الثمرات لأنه كالمتولد بين السماء والأرض؛ والأثر متأخر عن المؤثر. قال أبو عبيدة: النداء الضد وقيل: الكفؤ والمثل. ولما كانوا اتخذوا أندادا جاء النهي عن جعل أنداد لله تعالى على حسب الواقع. وهذه الجملة متعلقة بقوله: اعبدوا، أي فوحدوه وأخلصوا له العبادة لأن أصلها هو التوحيد. وقال الزمخشري: تتعلق بلعل على أن ينتصب تجعلوا انتصاب فأطلع في قوله {أية : لَّعَـلِّيۤ أَبْلُغُ ٱلأَسْبَابَ أَسْبَابَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ} تفسير : [غافر: 36-37] في رواية حفص عن عاصم أي خلقكم لكي تتقوا وتخافوا عقابه ولا تشبهوه بخلقه "انتهى". فعلى هذا لا تكون لا ناهية بل نافية. وتجعلوا منصوب على جواب الترجي ولا يجوز على مذهب البصريين وفي كلامه تعليق لعلكم تتقون بخلقكم على ما مر من مذهبه الاعتزالي ويجوز أن يكون متعلقاً بالموصول وصلاته إذا جعلت. الذي خبر مبتدأ محذوف أي هو الذي جعل لكم هذه الآيات العظيمة والدلائل النيرة على توحيده. {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} جملة حالية فيها هُزء لترك الأنداد أي أنتم من أهل العلم والتمييز بين الحقائق فلا تفعلوا فعل أجهل العلم أو أبعدهم عن الفطنة. وقدروا مفعول تعلمون أنواعاً من التقادير والأولى أن يكون متروكاً إذ المقصود إثبات أنهم من أولي العلم. قال ابن عطية: هذه الآية تعطي أن الله تعالى أغنى الإِنسان.. إلى آخر كلامه وهذا خطأ في التركيب لأنه لا ينوب أن ومعمولاها مناب مفعولي أعطى بخلاف باب ظن. {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ}: "الآية" ليست ان بمعنى إذ ولا كان هنا ماضية المعنى واللفظ ولم تخلصه ان للاستقبال وإن كان الريب وقعوا فيه حقيقة كما زعموا بل أخرج هذا الشرط في صورة المستقبل أي هو مما يعرض وقوعه وإن كان لا يمكن وجوده إذ وضوح انتفاء أن يكونوا في ريب من جهته غير خاف، وفي ريب هو من تنزيل المعاني منزلة الاجرام. ومن: تحتمل ابتداء الغاية والسببية. وما موصولة، أي من الذي نزلنا والعائد محذوف أي نزلناه وأجيز أن تكون نكرة موصوفة ونزلنا تضعيفه مرادف للهمزة التي للنقل. وقرىء: أنزلنا وليس التضعيف هنا دالاً على نزوله منجماً في أوقات مختلفة خلافاً للزمخشري قال: فإن قلت: لم قيل مما نزلنا على لفظ التنزيل دون الانزال؟ قلت: لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وهو من مجازه لمكان التحدي. "انتهى". وهذا الذي قاله الزمخشري في تضعيف عين الكلمة هو الذي يعبر عنه بالتكثير أي يفعل ذلك مرة بعد مرة فيدل على هذا المعنى بالتضعيف وذهل الزمخشري عن كون ذلك إنما يكون في الأفعال التي تكون قبل التضعيف متعدية، نحو: خرجت زيداً وفتحت الباب وقطعت وذبحت. فلا يقال: جلّس زيد ولا قعّد ولا صَوّم. ونزلنا لم يكن متعدياً قبل التضعيف إنما تعدى بالتضعيف أو الهمزة فإِن جاء التكثير في لازم فهو قليل ويبقى على حاله لازماً قالوا مات المال وموت إذا كثر ذلك فيه وأيضاً فالتضعيف الذي يراد به التكثير إنما يدل على كثرة الفعل إما أن يصير اللازم متعدياً فلا ونزلنا كان قبل التضعيف لازماً تقول نزل القرآن، ويدل على بطلان ما ذهب إليه قوله تعالى: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً}تفسير : [الفرقان: 32]. ففي قوله تعالى: {نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} التفات إذ هو خروج من غائب إلى متكلم ويفيد التفخيم للمنزل والمنزل عليه، وفي إضافة العبد إليه تعالى تنبيه على عظم قدره واختصاصه بخالص العبودية. ولفظ العبد عام وخاص وهذا من الخاص لا تدعني إلا بيا عبدها لأنه أشرف أسمائي. وقرىء على عبادنا. يعني الرسول وأمته. قيل: ويحتمل أن يراد بالعباد النبيون الذين أنزل عليهم الكتب والرسول عليه السلام أول مقصود بذلك. والسورة المنزلة الرفيعة وسميت سورة القرآن بذلك لأنه يشرف بها قارئها. وقيل: قطعة من القرآن من أسأرت من السؤر والهمزة في سؤرة لغة وطلب منهم الإِتيان بمطلق سورة وهي التي أقلها ثلاث آيات وتقدم وإن كنتم في ريب مما نزلنا ولم يكن التركيب في ريب من عبدنا، فناسب أن يكون الضمير في من مثله عائداً على المنزل لا على المنزل عليه. والمطلوب في غير هذا أن يأتوا بسورة مثله وبعشر سور مثله، وقال علي أن يأتوا بمثل هذا القرآن. ومن في موضع الصفة: أي من كلام مثله. وقول من قال: انها لبيان الجنس أو زائدة مرغوب عنه. والمثلية في حسن النظم وبديع الوصف وغرابة الأسلوب والأخبار بالغيب مما كان وما يكون ومما احتوى عليه من الأمر والنهي والوعد والوعيد والقصص والحكم والمواعظ والأمثال والصدق والأمن من التحريف والتبديل. وقيل: الضمير في مثله عائد على المنزل عليه فمن متعلقة بقوله: فاتوا، أي فاتوا من مثل الرسول بسورة. أو في موضع الصفة، أي بسورة كائنة وصادرة من رجل مثله. وفي كلا التقديرين من الابتداء الغاية والمثلية تتجه على كونه على الفطرة الأصلية أميّاً لا يحسن الكتابة ولا دارس العلماء ولا جالس الحكما ولا فارق وطنه الذي نشأ فيه. وإذا كان الضمير في من مثله عائداً على المنزل فذكر المثل على سبيل الفرض. والشهداء جمع شهيد للمبالغة كعليم وعلماء. وكونه جمع شاهد كشاعر وشعراء وليس من باب فاعل. وقال الزمخشري: ولا قصد إلى مثل ونظير هنا ولكنه مثل قوله القبعثري للحجاج. وقال له: لا حملنك على الأدهم مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب. أراد من كان على صفة الأمير من السلطان والقوة وسط اليد، ولم يقصد أحداً يجعله مثلاً الحجاج. "انتهى". وقد فسر هو المثلية: في كونه بشراً عربياً أميّاً لم يقرأ الكتب. فقوله لا مثل ولا نظير ليس بظاهر لأن المماثل في هذا الشيء الخاص موجود ومن دون الله يحتمل أن يتعلق بشهداءكم أي ادعوا من اتخذتم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم أنكم على الحق أو أعوانكم من دون الله أي من دون أولياء الله ومن تستعينون بهم دون الله أو يتعلق بادعوا أي وادعوا من دون الله أي لا تستشهدوا بالله فتقولوا الله يشهد ان ما ندعيه حق ولم يكتف في تعجيزهم بأن يعارضوه حتى أمرهم أن يدعوا شهداءهم فيستعينون بهم على ذلك وهو أمر تعجيز. والظاهر أنّ {إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} في كونكم في ريب من المنزل على عبدنا، وجواب الشرط محذوف أي فأتواه

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 5 :133 - سفين عن مجاهد {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً}، قال عدلآء {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يا أهل الكتاب، تعلمون أنه واحد في التورية والانجيل. [الآية 22].

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [22] 7- أنا قُتيبة بن سعيد، نا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عمرو بن شُرَحبيل، عن عبد الله قال: حديث : سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الذَّنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله ندًّا وهو خلقك" قلت: إن ذلك لعظيم، قلت: ثم أيٌّ؟ قال: "ثم تقتل ولدك أن يطعم معك" قلت: ثم أيٌّ؟ قال: أن تزاني حليلة جارك ".