٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
الرازي
تفسير : الكلام في النبوة في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام الدلائل القاهرة على إثبات الصانع وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدل على النبوة، وذلك يدل على فساد قول التعليمية الذين جعلوا معرفة الله مستفادة من معرفة الرسول، وقول الحشوية الذين يقولون لا تحصل معرفة الله إلا من القرآن والأخبار، ولما كانت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مبنية على كون القرآن معجزاً أقام الدلالة على كونه معجزاً. واعلم أن كونه معجزاً يمكن بيانه من طريقين: الأول: أن يقال إن هذا القرآن لا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون مساوياً لسائر كلام الفصحاء، أو زائداً على سائر كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة أو زائداً عليه بقدر ينقض، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث، وإنما قلنا إنهما باطلان، لأنه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه إما مجتمعين أو منفردين، فإن وقع التنازع وحصل الخوف من عدم القبول فالشهود والحكام يزيلون الشبهة، وذلك نهاية في الاحتجاج لأنهم كانوا في معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية. وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال وارتكبوا ضروب المهالك والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل، وكل ذلك يوجب الاتيان بما يقدح في قوله والمعارضة أقوى القوادح، فلما لم يأتوا بها علمنا عجزهم عنها فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم، وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتاً معتاداً فهو إذن تفاوت ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزاً، فهذا هو المراد من تقرير هذه الدلالة فظهر أنه سبحانه كما لم يكتف في معرفة التوحيد بالتقليد فكذا في معرفة النبوة لم يكتف بالتقليد؛ واعلم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان فصاحته، ومع ذلك فإنه في الفصاحة بلغ النهاية التي لا غاية لها وراءها فدل ذلك على كونه معجزاً، أحدها: أن فصاحة العرب أكثرها في وصف مشاهدات مثل وصف بعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة وليس في القرآن من هذه الأشياء شيء فكان يجب أن لا تحصل فيه الألفاظ الفصيحة التي اتفقت العرب عليها في كلامهم، وثانيها: أنه تعالى راعى فيه طريقة الصدق وتنزه عن الكذب في جميعه وكل شاعر ترك الكذب والتزم الصدق نزل شعره ولم يكن جيداً ألا ترى أن لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما نزل شعرهما. ولم يكن شعرهما الإسلامي في الجودة كشعرهما الجاهلي وأن الله تعالى مع ما تنزه عن الكذب والمجازفة جاء بالقرآن فصيحاً كما ترى. وثالثها: أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في القصيدة في البيت والبيتين. والباقي لا يكون كذلك، وليس كذلك القرآن لأنه كله فصيح بحيث يعجز الخلق عنه كما عجزوا عن جملته. ورابعها: أن كل من قال شعراً فصيحاً في وصف شيء فإنه إذا كرره لم يكن كلامه الثاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول. وفي القرآن التكرار الكثير ومع ذلك كل واحد منها في نهاية الفصاحة ولم يظهر التفاوت أصلاً. وخامساً: أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم القبائح والحث على مكارم الأخلاق وترك الدنيا واختيار الآخرة، وأمثال هذه الكلمات توجب تقليل الفصاحة. وسادسها: أنهم قالوا إن شعر امرىء القيس يحسن عند الطرب وذكر النساء وصفة الخيل. وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند الطلب ووصف الخمر، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء، وبالجملة فكل شاعر يحسن كلامه في فن فإنه يضعف كلامه في غير ذلك الفن، أما القرآن فإنه جاء فصيحاً في كل الفنون على غاية الفصاحة، ألا ترى أنه سبحانه وتعالى قال في الترغيب:{أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ } تفسير : [السجدة: 17] وقال تعالى:{أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ} تفسير : [الزخرف 71] وقال في الترهيب:{أية : أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرّ تِ} تفسير : [الإسراء: 68] وقال:{أية : أأمنتم مَّن فِى ٱلسَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُمْ} تفسير : [الملك: 16، 17] الآية وقال: {أية : وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} تفسير : [إبراهيم: 15] إلى قوله: {أية : ويأتيه الموت من كل مكان} تفسير : [إبراهيم: 17] وقال في الزجر ما لا يبلغه وهم البشر وهو قوله: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ } تفسير : [العنكبوت: 40] إلى قوله: {أية : وَمِنْهُمْ مَّنْ أَغْرَقْنَا } تفسير : [العنكبوت: 40] وقال في الوعظ ما لا مزيد عليه {أية : أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَـٰهُمْ سِنِين} تفسير : [الشعراء: 205] وقال في الإلهيات: {أية : ٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ مَا تَغِيضُ ٱلأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَاد } تفسير : [الرعد: 8] إلى آخره. وسابعها: أن القرآن أصل العلوم كلها فعلم الكلام كله في القرآن، وعلم الفقه كله مأخوذ من القرآن، وكذا علم أصول الفقه. وعلم النحو واللغة، وعلم الزهد في الدنيا وأخبار الآخرة، واستعمال مكارم الأخلاق، ومن تأمل «كتابنا في دلائل الإعجاز» علم أن القرآن قد بلغ في جميع وجوه الفصاحة إلى النهاية القصوى، الطريق الثاني: أن نقول: القرآن لا يخلوا إما أن يقال إنه كان بالغاً في الفصاحة إلى حد الإعجاز، أو لم يكن كذلك فإن كان الأول ثبت أنه معجز. وإن كان الثاني كانت المعارضة على هذا التقدير ممكنة فعدم إتيانهم بالمعارضة مع كون المعارضة ممكنة ومع توفر دواعيهم على الإتيان بها أمر خارق العادة فكان ذلك معجزاً فثبت أن القرآن معجز على جميع الوجوه وهذا الطريق عندنا أقرب إلى الصواب. المسألة الثانية: إنما قال: {نَزَّلْنَا } على لفظ التنزيل دون الإنزال لأن المراد النزول على سبيل التدريج، وذكر هذا اللفظ هو اللائق بهذا المكان لأنهم كانوا يقولون: لو كان هذا من عند الله ومخالفاً لما يكون من عند الناس لم ينزل هكذا نجوماً سورة بعد سورة على حسب النوازل ووقوع الحوادث وعلى سنن ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقاً حيناً فحيناً بحسب ما يظهر من الأحوال المتجددة والحاجات المختلفة فإن الشاعر لا يظهر ديوان شعره دفعة والمترسل لا يظهر ديوان رسائله وخطبه دفعة فلو أنزله الله تعالى لأَنزله على خلاف هذه العادة جملة {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءانُ جُمْلَةً وٰحِدَةً } تفسير : [الفرقان: 32] والله سبحانه وتعالى ذكر ههنا ما يدل على أن القرآن معجز مع ما يزيل هذه الشبهة وتقريره أن هذا القرآن النازل على هذا التدريج إما أن يكون من جنس مقدور البشر أو لا يكون، فإن كان الأول وجب إتيانهم بمثله أو بما يقرب منه على التدريج، وإن كان الثاني ثبت أنه مع نزوله على التدريج معجز وقرىء «على عبادنا» يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته. المسألة الثالثة: السورة هي طائفة من القرآن، وواوها إن كانت أصلاً فإما أن تسمى بسور المدينة وهو حائطها لأنها طائفة من القرآن محدودة كالبلد المسور أو لأنها محتوية على فنون من العلم كاحتواء سور المدينة على ما فيها، وإما أن تسمى بالسورة التي هي الرتبة لأن السورة بمنزلة المنازل والمراتب يترقى فيها القارىء وهي أيضاً في أنفسها طوال وأوساط وقصار. أو لرفعة شأنها وجلالة محلها في الدين، وإن جعلت واوها منقلبة عن همزة فلأنها قطعة وطائفة من القرآن كالسورة التي هي البقية من الشيء والفضلة منه. فإن قيل فما فائدة تقطيع القرآن سوراً قلنا من وجوه: أحدها: ما لأجله بوب المصنفون كتبهم أبواباً وفصولاً. وثانيها: أن الجنس إذا حصل تحته أنواع كان أفراد كل نوع عن صاحبه أحسن. وثالثها: أن القارىء إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر كان أنشط له وأثبت على التحصيل منه لو استمر على الكتاب بطوله، ومثله المسافر إذا علم أنه قطع ميلاً أو طوى فرسخاً نفس ذلك عنه ونشطه للسير. ورابعها: أن الحافظ إذا حفظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيجل في نفسه ذلك ويغتبط به، ومن ثم كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل. المسألة الرابعة: قوله: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } يدل على أن القرآن وما هو عليه من كونه سوراً هو على حد ما أنزله الله تعالى بخلاف قول كثير من أهل الحديث: إنه نظم على هذا الترتيب في أيام عثمان فلذلك صح التحدي مرة بسورة ومرة بكل القرآن. المسألة الخامسة: اعلم أن التحدي بالقرآن جاء على وجوه: أحدها: قوله: {أية : فَأْتُواْ بِكِتَـٰبٍ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ } تفسير : [القصص: 49]. وثانيها: قوله: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } تفسير : [الإسراء: 88]. وثالثها: قوله: {أية : فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ } تفسير : [هود: 13] ورابعها: قوله: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } ونظير هذا كمن يتحدى صاحبه بتصنيفه فيقول ائتني بمثله، ائتني بنصفه، ائتني بربعه، ائتني بمسألة منه، فإن هذا هو النهاية في التحدي وإزالة العذر فإن قيل قوله: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } يتناول سورة الكوثر، وسورة العصر وسورة قل يا أيها الكافرون، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله أو بما يقرب منه ممكن فإن قلتم إن الإتيان بأمثال هذه السور خارج عن مقدور البشر كان ذلك مكابرة والإقدام على أمثال هذه المكابرات مما يطرق التهمة إلى الدين، قلنا فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني، وقلنا إن بلغت هذه السورة في الفصاحة إلى حد الإعجاز فقد حصل المقصود، وإن لم يكن الأمر كذلك كان امتناعهم عن المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزاً. فعلى هذين التقديرين يحصل المعجز. المسألة السادسة: الضمير في قوله: {مّن مّثْلِهِ } إلى ماذا يعود وفيه وجهان: أحدهما: أنه عائد إلى «ما» في قوله: {مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا } أي فأتوا بسورة مما هو على صفته في الفصاحة وحسن النظم والثاني: أنه عائد إلى «عبدنا» أي فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشراً أمياً لم يقرأ الكتب ولم يأخذ من العلماء، والأول مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن وأكثر المحققين، ويدل على الترجيح له وجوه: أحدها: أن ذلك مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي لا سيما ما ذكره في يونس {أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ }. تفسير : [يونس: 38] وثانيها: أن البحث إنما وقع في المنزل لأنه قال: {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا } فوجب صرف الضمير إليه، ألا ترى أن المعنى وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا شيئاً مما يماثله وقضية الترتيب لو كان الضمير مردوداً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقال: وإن ارتبتم في أن محمد منزل عليه فهاتوا قرآناً من مثله. وثالثها: أن الضمير لو كان عائداً إلى القرآن لاقتضى كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله سواء اجتمعوا أو انفردوا وسواء كانوا أميين أو كانوا عالمين محصلين، أما لو كان عائداً إلى محمد صلى الله عليه وسلم فذلك لا يقتضي إلا كون أحدهم من الأميين عاجزين عنه لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الواحد الأمي فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد، لأن الجماعة لا تماثل الواحد، والقارىء لا يكون مثل الأمي، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى. ورابعها: أنا لو صرفنا الضمير إلى القرآن فكونه معجزاً إنما يحصل لكمال حاله في الفصاحة أما لو صرفناه إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فكونه معجزاً إنما يكمل بتقرير كمال حاله في كونه أمياً بعيداً عن العلم. وهذا وإن كان معجزاً أيضاً إلا أنه لما كان لا يتم إلا بتقرير نوع من النقصان في حق محمد عليه السلام كان الأول أولى. وخامسها: أنا لو صرفنا الضمير إلى محمد عليه السلام لكان ذلك يوهم أن صدور مثله القرآن ممن لم يكن مثل محمد في كونه أمياً ممكن. ولو صرفناه إلى القرآن لدل ذلك على أن صدور مثل من الأمي وغير الأمي ممتنع فكان هذا أولى. المسألة السابعة: في المراد من الشهداء وجهان: الأول: المراد من ادعوا فيه الإلهية وهي الأوثان، فكأنه قيل لهم إن كان الأمر كما تقولون من أنها تستحق العبادة لما أنها تنفع وتضر فقد دفعتم في منازعة محمد صلى الله عليه وسلم إلى فاقة شديدة وحاجة عظيمة في التخلص عنها فتعجلوا الاستعانة بها وإلا فاعلموا أنكم مبطلون في ادعاء كونها آلهة وأنها تنفع وتضر، فيكون في الكلام محاجة من وجهين: أحدهما: في إبطال كونها آلهة. والثاني: في إبطال ما أنكروه من إعجاز القرآن وأنه من قبله. الثاني: المراد من الشهداء أكابرهم أو من يوافقهم في إنكار أمر محمد عليه السلام، والمعنى وادعوا أكابركم ورؤساءكم ليعينوكم على المعارضة وليحكموا لكم وعليكم فيما يمكن ويتعذر. فإن قيل هل يمكن حمل اللفظ عليهما معاً وبتقدير التعذر فأيهما أولى؟ قلنا أما الأول فممكن لأن الشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة فيمكن جعله مجازاً عن المعين والناصر، وأوثانهم وأكابرهم مشتركة في أنهم كانوا يعتقدون فيهم كونهم أنصاراً لهم وأعواناً، وإذا حملنا اللفظ على هذا المفهوم المشترك دخل الكل فيه وأما الثاني فنقول: الأولى حمله على الأكابر، وذلك لأن لفظ الشهداء لا يطلق ظاهراً إلا على من يصح أن يشاهد ويشهد فيتحمل بالمشاهدة ويؤدي الشهادة، وذلك لا يتحقق إلا في حق رؤسائهم، أما إذا حملناه على الأوثان لزم المجاز، في إطلاق لفظ الشهداء على الأوثان أو يقال: المراد وادعوا من تزعمون أنهم شهداؤكم، والإضمار خلاف الأصل، أما إذا حملناه على الوجه الأول صح الكلام، لأنه يصير كأنه قال: وادعوا من يشهد بعضكم لبعض لاتفاقكم على هذا الإنكار. فإن المتفقين على المذهب يشهد بعضهم لبعض لمكان الموافقة فصحت الإضافة في قوله شهداءكم، ولأنه كان في العرب أكابر يشهدون على المتنازعين في الفصاحة بأن أيهما أعلى درجة من الآخر، وإذا ثبت ذلك ظهر أن حمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز. المسألة الثامنة: أما (دون) فهو أدنى مكان من الشيء ومنه الشيء الدون، وهو الحقير الدني، ودوَّن الكتب إذا جمعها لأن جمع الشيء أدناه بعضه من بعض ويقال: هذا دون ذاك إذا كان أحط منه قليلاً، ودونك هذا، أصله خذه من دونك أي من أدنى مكان منك فاختصر ثم استعير هذا اللفظ للتفاوت في الأحوال، فقيل زيد دون عمرو في الشرف والعلم،ثم اتسع فيه فاستعمل في كل ما يجاوز حداً إلى حد، قال الله تعالى: {أية : لاَ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [آل عمران: 28] أي لا يتجاوزون ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين فإن قيل فما متعلق من دون الله قلنا فيه وجهان: أحدهما: أن متعلقه «شهداءكم» وهذا فيه احتمالان: الأول: المعنى ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق، وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن المعجز بفصاحته غاية التهكم بهم، والثاني: ادعوا شهداءكم من دون الله أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله، وهذا من المساهلة والإشعار بأن شهداءهم وهم فرسان الفصاحة تأبى عليهم الطبائع السليمة أن يرضوا لأنفسهم بالشهادة الكاذبة وثانيهما: أن متعلقه هو الدعاء، والمعنى ادعوا من دون الله شهداءكم، يعني لا تستشهدوا بالله ولا تقولوا الله يشهد أن ما ندعيه حق، كما يقول العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه، وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم بينه تصحح بها الدعاوى عند الحكام، وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم، وأنه لم يبق لهم متشبث عن قولهم: الله يشهد إنا لصادقون. المسألة التاسعة: قال القاضي هذا التحدي يبطل القول بالجبر من وجوه: أحدها: أنه مبني على تعذر مثله ممن يصح الفعل منه، فمن ينفي كون العبد فاعلاً لم يمكنه إثبات التحدي أصلاً وفي هذا إبطال الاستدلال بالمعجز. وثانيها: أن تعذره على قولهم يكون لفقد القدرة الموجبة ويستوي في ذلك ما يكون معجزاً. وما لا يكون فلا يصح معنى التحدي على قولهم وثالثها: أن ما يضاف إلى العبد فالله تعالى هو الخالق له فتحديه تعالى لهم يعود في التحقيق إلى أنه متحد لنفسه وهو قادر على مثله من غير شك فيجب أن لا يثبت الإعجاز على هذا القول ورابعها: أن المعجز إنما يدل بما فيه من نقض العادة، فإذا كان قولهم: إن المعتاد أيضاً ليس بفعل لم يثبت هذا الفرق فلا يصح الاستدلال بالمعجز. وخامسها: أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحتج بأنه تعالى خصه بذلك تصديقاً له فيما ادعاه ولو لم يكن ذلك من قبله تعالى لم يكن داخلاً في الإعجاز. وعلى قولهم بالجبر لا يصح هذا الفرق، لأن المعتاد وغير المعتاد لا يكون إلا من قبله، والجواب. أن المطلوب من التحدي إما أن يأتي الخصم بالمتحدى به قصداً أو أن يقع ذلك منه اتفاقاً، والثاني باطل، لأن الاتفاقيات لا تكون في وسعه، فثبت الأول وإذا كان كذلك ثبت أن إتيانه بالتحدي موقوف على أن يحصل في قلبه قصد إليه، فذلك القصد إن كان منه لزم التسلسل وهو محال، وإن كان من الله تعالى فحينئذٍ يعود الجبر ويلزمه كل ما أورده علينا فيبطل كل ما قال. أما قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ } فاعلم أن هذه الآية دالة على المعجز من وجوه أربعة: أحدها: أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا في غاية العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي غاية الحرص على إبطال أمره، لأن مفارقة الأوطان والعشيرة وبذل النفوس والمهج من أقوى ما يدل على ذلك، فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ } فلو كان في وسعهم وإمكانهم الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه لأتوا به، فحيث ما أتوا به ظهر المعجز. وثانيها: وهو أنه عليه السلام وإن كان متهماً عندهم فيما يتصل بالنبوة فقد كان معلوم الحال في وفور العقل والفضل والمعرفة بالعواقب، فلو تطرقت التهمة إلى ما ادعاه من النبوة لما استجاز أن يتحداهم ويبلغ في التحدي إلى نهايته، بل كان يكون وجلاً خائفاً مما يتوقعه من فضيحة يعود وبالها على جميع أموره، حاشاه من ذلك صلى الله عليه وسلم، فلولا معرفته بالاضطرار من حالهم أنهم عاجزون عن المعارضة لما جوز من نفسه أن يحملهم على المعارضة بأبلغ الطرق. وثالثها: أنه عليه السلام لو لم يكن قاطعاً بصحة نبوته لما قطع في الخبر بأنهم لا يأتون بمثله، لأنه إذا لم يكن قاطعاً بصحة نبوته كان يجوز خلافه، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، فالمبطل المزور البتة لا يقطع في الكلام. ولا يجزم به، فلما جزم دل على أنه عليه الصلاة والسلام كان قاطعاً في أمره، ورابعها: أنه وجد مخبر هذا الخبر على ذلك الوجه لأن من أيامه عليه الصلاة والسلام إلى عصرنا هذا لم يخل وقت من الأوقات ممن يعادي الدين والإسلام وتشتد دواعيه في الوقيعة فيه. ثم إنه مع هذا الحرص الشديد لم توجد المعارضة قط، فهذه الوجوه الأربعة في الدلالة على المعجز مما تشتمل عليها هذه الآية، وذلك يدل على فساد قول الجهال الذين يقولون إن كتاب الله لا يشتمل على الحجة والاستدلال، وههنا سؤالات. السؤال الأول: انتفاء إتيانهم بالسورة واجب، فهلا جيء بإذا الذي للوجوب دون «إن» الذي للشك الجواب فيه وجهان: أحدهما: أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم، فإنهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم على الكلام. الثاني: أن يتهكم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاومه: إن غلبتك، وهو يعلم أنه غالبه تهكماً به. السؤال الثاني: لم قال: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } ولم يقل فإن لم تأتوا به؟ الجواب: لأن هذا أخصر من أن يقال فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله. السؤال الثالث: {وَلَن تَفْعَلُواْ } ما محلها؟ الجواب لا محل لها لأنها جملة اعتراضية. السؤال الرابع: ما حقيقة لن في باب النفي؟ الجواب: لا ولن أختان في نفي المستقبل إلا أن في «لن» توكيداً وتشديداً تقول لصاحبك: لا أقيم غداً عندك، فإن أنكر عليك قلت لن أقيم غداً، ثم فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أصله لا أن، وهو قول الخليل. وثانيها: لا، أبدلت ألفها نوناً، وهو قول الفراء، وثالثها: حرف نصب لتأكيد نفي المستقبل وهو قول سيبويه، وإحدى الروايتين عن الخليل. السؤال الخامس: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله؟ الجواب: إذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح عندم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر، وجعل قوله: {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ } قائماً مقام قوله فاتركوا العناد، وهذا هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة وفيه تهويل لشأن العناد؛ لإنابة اتقاء النار منابه متبعاً ذلك بتهويل صفة النار. السؤال السادس: ما الوقود؟ الجواب: هو ما يوقد به النار وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح، قال سيبويه: وسمعنا من العرب من يقول وقدنا النار وقوداً عالياً، ثم قال والوقود أكثر، والوقود الحطب وقرأ عيسى بن عمر بالضم تسمية بالمصدر كما يقال فلان فخر قومه وزين بلده. السؤال السابع: صلة الذي يجب أن تكون قضية معلومة فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟ الجواب، لا يمنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب، أو سمعوه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سمعوا من قبل هذه الآية قوله في سورة التحريم: {أية : نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } تفسير : [التحريم: 6]. السؤال الثامن: فلم جاءت النار الموصوفة بهذه الجملة منكرة في سورة التحريم وههنا معرفة؟ الجواب: تلك الآية نزلت بمكة فعرفوا منها ناراً موصوفة بهذه الصفة ثم نزلت هذه بالمدينة مستندة إلى ما عرفوه أولاً. السؤال التاسع: ما معنى قوله: {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } الجواب: أنها نار ممتازة من النيران بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة، وذلك يدل على قوتها من وجهين: الأول: أن سائر النيران إذا أريد إحراق الناس بها أو إجماء الحجارة أوقدت أولاً بوقود ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، وتلك أعاذنا الله منها برحمته الواسعة توقد بنفس ما تحرق. الثاني: أنها لإفراط حرها تتقد في الحجر. السؤال العاشر: لم قرن الناس بالحجارة وجعلت الحجارة معهم وقوداً؟ الجواب: لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث نحتوها أصناماً وجعلوها لله أنداداً وعبدوها من دونه قال تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 98] وهذه الآية مفسرة لها فقوله: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ } في معنى الناس والحجارة وحصب جهنم في معنى وقودها ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشفعاء والشهداء الذين يستشفعون بهم ويستدفعون المضار عن أنفسهم تمسكاً بهم، وجعلها الله عذابهم فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغاً وإغراباً في تحسرهم، ونحوه ما يفعله بالكافرين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة فشحوا بها ومنعوها من الحقوق حيث يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباهم وجنوبهم وظهورهم، وقيل هي حجارة الكبريت، وهو تخصيص بغير دليل، بل فيه ما يدل على فساده، وذلك لأن الغرض ههنا تعظيم صفة هذه النار والإيقاد بحجارة الكبريت أمر معتاد فلا يدل الإيقاد بها على قوة النار، أما لو حملناه على سائر الأحجار دل ذلك على عظم أمر النار فإن سائر الأحجار تطفأ بها النيران فكأنه قال تلك النيران بلغت لقوتها أن تتعلق في أول أمرها بالحجارة التي هي مطفئة لنيران الدنيا، أما قوله: {أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } فإنه يدل على أن هذه النار الموصوفة معدة للكافرين، وليس فيه ما يدل على أن هناك نيراناً أخرى غير موصوفة بهذه الصفات معدة لفساق أهل الصلاة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} أي في شك. {مِّمَّا نَزَّلْنَا} يعني القرآن، والمراد المشركون الذين تُحُدُّوا، فإنهم لما سمعوا القرآن قالوا: ما يشبه هذا كلام الله، وإنَّا لفي شك منه؛ فنزلت الآية. ووجه ٱتصالها بما قبلها أن الله سبحانه لما ذكر في الآية الأولى الدلالة على وحدانيته وقدرته ذكر بعدها الدلالة على نبوّة نبيه، وأن ما جاء به ليس مُفْتَرًى من عنده. قوله: {عَلَىٰ عَبْدِنَا} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. والعبد مأخوذ من التعبُّد وهو التذلّل؛ فسُمِّي المملوكُ ـ من جنس ما يفعله ـ عبداً لتذلّله لمولاه؛ قال طَرَفة:شعر : إلى أن تحامتنِي العشيرة كلها وأُفْرِدْتُ إفرادَ البعير المُعَبَّدِ تفسير : أي المذلّل. قال بعضهم: لما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمي بها أشرف الخطط؛ سَمَّى نبيّه عبداً، وأنشدوا:شعر : يا قومِ قلبي عند زهراءِ يعرفه السامعُ والرّائي لا تَدْعُني إلا بِيَا عبدَها فإنه أشرف أسمائي تفسير : {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ} الفاء جواب الشرط، ائِتوا مقصور لأنه من باب المجيء؛ قاله ٱبن كَيْسان. وهو أمرٌ معناه التعجيز؛ لأنه تعالى عَلِم عجزهم عنه. والسورة واحدة السُّوَر. وقد تقدم الكلام فيها وفي إعجاز القرآن، فلا معنى للإعادة. و «مِن» ـ في قوله {مِّن مِّثْلِهِ} ـ زائدة؛ كما قال: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} والضمير في «مثله» عائد على القرآن عند الجمهور من العلماء؛ كقتادة ومجاهد وغيرهما. وقيل: يعود على التوراة والإنجيل. فالمعنى فأتوا بسورة من كتاب مثله فإنها تصدّق ما فيه. وقيل: يعود على النبيّ صلى الله عليه وسلم. المعنى: من بَشَر أُمِّيّ مثله لا يكتب ولا يقرأ. فمِن على هذين التأويلين للتبعيض. والوقف على «مثله» ليس بتامّ؛ لأن «وَٱدْعُواْ» نَسَقٌ عليه. قوله تعالى: {وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم} معناه أعوانكم ونصراءكم. الفَرّاء: آلهتكم. وقال ٱبن كَيْسان: فإن قيل كيف ذكر الشهداء ها هنا، وإنما يكون الشهداء ليشهدوا أمراً، أو ليخبروا بأمر شهدوه، وإنما قيل لهم: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}؟ فالجواب: أن المعنى ٱستعينوا بمن وجدتموه من علمائكم، وأحضروهم ليشاهدوا ما تأتون به؛ فيكون الردّ على الجميع أوكدَ في الحجة عليهم. قلت: هذا هو معنى قول مجاهد. قال مجاهد: معنى {وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم} أي ٱدعوا ناساً يشهدون لكم؛ أي يشهدون أنكم عارضتموه. النحاس: «شهداءكم» نصب بالفعل جمع شهيد؛ يقال: شاهد وشهيد، مثل قادر وقدير. وقوله: {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي من غيره، ودُون نقيض فوق؛ وهو تقصير عن الغاية، ويكون ظرفاً. والدُّون: الحقير الخسيس؛ قال:شعر : إذا ما علا المرء رام العلاء ويقنع بالدُّون من كان دُونا تفسير : ولا يُشتق منه فعل؛ وبعضهم يقول منه: دان يَدُون دَوْناً. ويقال: هذا دُون ذاك؛ أي أقرب منه. ويقال في الإغراء بالشيء: دُونَكَهُ. قالت تَميم للحجاج: أقْبِرنا صالِحاً ـ وكان قد صلبه ـ فقال: دُونَكُموه. قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فيما قلتم من أنكم تقدرون على المعارضة؛ لقولهم في آية أخرى: {أية : لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا} تفسير : [الأنفال: 31]. والصدق: خلاف الكذب، وقد صدق في الحديث. والصَّدْق: الصُّلب من الرماح. ويقال: صَدَقُوهم القتال. والصِّديّق: الملازم للصدق. ويقال: رجل صِدْقٍ؛ كما يقال: نِعْمَ الرجل. والصداقة مشتقة من الصدق في النصح والودّ.
البيضاوي
تفسير : {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ} لما قرر وحدانيته تعالى وبين الطريق الموصل إلى العلم بها، ذكر عقيبه ما هو الحجة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وهو القرآن المعجز بفصاحته التي بذت فصاحة كل منطق وإفحامه، من طولب بمعارضته من مصاقع الخطباء من العرب العرباء مع كثرتهم وإفراطهم في المضادة والمضارة، وتهالكهم على المعازة والمعارة، وعرف ما يتعرف به إعجازه ويتيقن أنه من عند الله كما يدعيه. وإنما قال: {مّمَّا نَزَّلْنَا } لأن نزوله نجماً منجماً بحسب الوقائع على ما ترى عليه أهل الشعر والخطابة مما يريبهم، كما حكى الله عنهم فقال {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءانُ جُمْلَةً وٰحِدَةً }تفسير : [الفرقان: 32] فكان الواجب تحديهم على هذا الوجه إزاحة للشبهة وإلزاماً للحجة، وأضاف العبد إلى نفسه تعالى تنويهاً بذكره، وتنبيهاً على أنه مختص به منقاد لحكمه تعالى، وقرىء «عبادنا» يريد محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته. والسورة الطائفة من القرآن المترجمة التي أقلها ثلاث آيات، وهي إن جعلت واوها أصلية منقولة من سور المدينة لأنها محيطة بطائفة من القرآن مفرزة محوزة على حيالها، أو محتوية على أنواع من العلم احتواء سور المدينة على ما فيها، أو من السورة التي هي الرتبة، قال النابغة:شعر : وَلرهْطِ حرابٍ وَقدٍّ سُورةٌ في المجْدِ ليسَ غرابُها بمطَارِ تفسير : لأن السُورَ كالمنازل والمراتب يترقى فيها القارىء، أولها مراتب في الطول والقصر والفضل والشرف وثواب القراءة. وإن جعلت مبدلة من الهمزة فمن السورة التي هي البقية والقطعة من الشيء. والحكمة في تقطيع القرآن سوراً: إفراد الأنواع، وتلاحق الأشكال، وتجاوب النظم، وتنشيط القارىء، وتسهيل الحفظ، والترغيب فيه. فإنه إذا ختم سورة نَفَّسَ ذلك عنه، كالمسافر إذا علم أنه قطع ميلاً أو طوى بريداً، والحافظ متى حذفها اعتقد أنه أخذ من القرآن حظاً تاماً، وفاز بطائفة محدودة مستقلة بنفسها، فعظم ذلك عنده وابتهج به إلى غير ذلك من الفوائد. {مّن مّثْلِهِ} صفة سورة أي: بسورة كائنة من مثله، والضمير لما نزلنا، و (من) للتبعيض أو للتبيين. وزائدة عند الأخفش أي بسورةِ مماثلة للقرآن العظيم في البلاغة وحسن النظم. أو لعبدنا، و (من) للابتداء أي: بسورة كائنة ممن هو على حاله عليه الصلاة والسلام من كونه بشراً أمياً لم يقرأ الكتب ولم يتعلم العلوم. أو صلة {فأتوا}، والضمير للعبد صلى الله عليه وسلم، والرد إلى المنزل أوجه لأنه المطابق لقوله تعالى: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } ولسائر آيات التحدي، ولأن الكلام فيه لا في المنزل عليه فَحَقه أن لا ينفكَ عنه ليتسق الترتيب والنظم، ولأن مخاطبة الجم الغفير بأن يأتوا بمثل ما أتى به واحد من أبناء جلدتهم أبلغ في التحدي من أن يقال لهم: ليأت بنحو ما أوتي به هذا آخر مثله، ولأنه معجز في نفسه لا بالنسبة إليه لقوله تعالى: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ }تفسير : [الإسراء: 88] ولأن رده إلى عبدنا يوهم إمكان صدوره ممن لم يكن على صفته، ولا يلائمه قوله تعالى. {وَٱدْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ } فإنه أمر بأن يستعينوا بكل من ينصرهم ويعينهم. والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر، أو الإمام. وكأنه سمي به لأنه يحضر النوادي وتبرم بمحضره الأمور، إذ التركيب للحضور، إما بالذات أو بالتصور، ومنه قيل: للمقتول في سبيل الله شهيد لأنه حضر ما كان يرجوه، أو الملائكة حضروه. ومعنى {دُونِ} أدنى مكان من الشيء ومنه تدوين الكتب، لأنه إدناء البعض من البعض، ودونك هذا أي: خذه من أدنى مكان منك، ثم استعير للرُتَب فقيل: زيد دون عمرو أي: في الشرف، ومنه الشيء الدون، ثم اتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطي أمر إلى آخر، قال تعالى: {أية : لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [آل عمران: 28] أي لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين. قال أمية:شعر : يا نفسُ مَا لَكِ دونَ اللَّهِ منْ واق تفسير : أي إذا تجاوزت وقاية الله فلا يقيك غيره، و {مِنْ } متعلقة بـ {ٱدْعُواْ }. والمعنى {وَٱدْعُواْ } للمعارضة من حضركم، أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله سبحانه وتعالى، فإنه لا يقدر على أن يأتي بمثله إلا الله. أو: {وَٱدْعُواْ } من دون الله شهداء يشهدون لكم بأن ما أتيتم به مثله، ولا تستشهدوا بالله فإنه من ديدن المبهوت العاجز عن إقامة الحجة. أو بـ {شهدائكم} أي الذين اتخذتموهم من دون الله أولياء وآلهة، وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة. أو الذين يشهدون لكم بين يدي الله تعالى على زعمكم من قول الأعشى:شعر : تُرِيكَ القَذَى مِنْ دونِها وهي دُونَهُ تفسير : ليعينوكم وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد في معارضة القرآن العزيز غاية التبكيت والتهكم بهم. وقيل: {مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي من دون أوليائه، يعني فصحاء العرب ووجوه المشاهد ليشهدوا لكم أن ما أتيتم به مثله، فإن العاقل لا يرضى لنفسه أن يشهد بصحة ما اتضح فساده وبان اختلاله. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أنه من كلام البشر، وجوابه محذوف دل عليه ما قبله. والصدق: الإخبار المطابق، وقيل: مع اعتقاد المخبر أنه كذلك عن دلالة أو أمارة، لأنه تعالى كذب المنافقين في قولهم: {أية : إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ }تفسير : [المنافقون: 1] لما لم يعتقدوا مطابقته، ورد بصرف التكذيب إلى قولهم {نَشْهَدُ }، لأن الشهادة إخبار عما علمه وهم ما كانوا عالمين به.
ابن كثير
تفسير : ثم شرع تعالى في تقرير النبوة بعد أن قرر أنه لا إله إلا هو، فقال مخاطباً للكافرين: {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم فأتوا بسورة من مثل ما جاء به، إن زعمتم أنه من عند غير الله، فعارضوه بمثل ما جاء به، واستعينوا على ذلك بمن شئتم من دون الله؛ فإنكم لا تستطيعون ذلك، قال ابن عباس: شهداءكم: أعوانكم، وقال السدي عن أبي مالك: شركاءكم، أي: قوماً آخرين يساعدونكم على ذلك، أي: استعينوا بآلهتكم في ذلك يمدونكم وينصرونكم، وقال مجاهد: وادعوا شهداءكم، قال: ناس يشهدون به، يعني: حكام الفصحاء، وقد تحداهم الله تعالى بهذا في غير موضع من القرآن، فقال في سورة القصص: {أية : قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَـٰبٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [القصص: 49] وقال في سورة سبحان: { أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا}تفسير : [الإِسراء: 88] وقال في سورة هود: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}تفسير : [هود: 13] وقال في سورة يونس: {أية : وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }تفسير : [يونس: 37 - 38] وكل هذه الآيات مكية، ثم تحداهم بذلك أيضاً في المدينة فقال في هذه الآية: {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ} - أي: شك - {مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} - يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} - يعني: من مثل القرآن، قاله مجاهد وقتادة، واختاره ابن جرير والطبري والزمخشري والرازي، ونقله عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن البصري، وأكثر المحققين، ورجح ذلك بوجوه، من أحسنها أنه تحداهم كلهم متفرقين ومجتمعين، سواء في ذلك أميهم وكتابيهم، وذلك أكمل في التحدي وأشمل من أن يتحدى آحادهم الأميين ممن لا يكتب ولا يعاني شيئاً من العلوم، وبدليل قوله تعالى:{أية : فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ} تفسير : [هود: 13] وقوله: {أية : لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} تفسير : [الإِسراء: 88] وقال بعضهم: من مثل محمد صلى الله عليه وسلم يعني من رجل أمي مثله، والصحيح الأول، لأن التحدي عام لهم كلهم، مع أنهم أفصح الأمم، وقد تحداهم بهذا في مكة والمدينة مرات عديدة، مع شدة عداوتهم له، وبغضهم لدينه، ومع هذا عجزوا عن ذلك، ولهذا قال تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ} ولن لنفي التأبيد في المستقبل، أي: ولن تفعلوا ذلك أبداً، وهذه أيضاً معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبراً جازماً قاطعاً مقدماً غير خائف ولا مشفق أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الآبدين ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا، ولا يمكن. وأنى يتأتى ذلك لأحد، والقرآن كلام الله خالق كل شيء؟ وكيف يشبه كلام الخالق كلام المخلوقين؟ ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنوناً ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى، قال الله تعالى: { أية : الۤر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَـٰتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} تفسير : [هود: 1] فأحكمت ألفاظه وفصلت معانيه، أو بالعكس على الخلاف، فكل من لفظه ومعناه فصيح لا يحاذى ولا يدانى، فقد أخبر عن مغيبات ماضية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير، ونهى عن كل شر؛ كما قال تعالى: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} تفسير : [الأنعام: 115] أي: صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام، فكله حق وصدق وعدل وهدى، ليس فيه مجازفة، ولا كذب، ولا افتراء؛ كما يوجد في أشعار العرب وغيرهم من الأكاذيب والمجازفات التي لا يحسن شعرهم إلا بها، كما قيل في الشعر: إن أعذبه أكذبه، وتجد القصيدة الطويلة المديدة قد استعمل غالبها في وصف النساء أو الخيل أو الخمر، أو في مدح شخص معين، أو فرس أو ناقة، أو حرب أو كائنة أو مخافة أو سبع، أو شيء من المشاهدات المتعينة التي لا تفيد شيئاً إلا قدرة المتكلم المعين على الشيء الخفي أو الدقيق، أو إبرازه إلى الشيء الواضح، ثم تجد له فيه بيتاً أو بيتين أو أكثر هي بيوت القصيد، وسائرها هذر لا طائل تحته، وأما القرآن، فجميعه فصيح في غاية نهايات البلاغة عند من يعرف ذلك تفصيلاً وإجمالاً ممن فهم كلام العرب وتصاريف التعبير، فإنه إن تأملت أخباره، وجدتها في غاية الحلاوة، سواء كانت مبسوطة أو وجيزة، وسواء تكررت أم لا، وكلما تكرر حلا وعلا، لا يخلق عن كثرة الرد، ولا يمل منه العلماء، وإن أخذ في الوعيد والتهديد، جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات؟ وإن وعد أتى بما يفتح القلوب والآذان، ويشوق إلى دار السلام ومجاورة عرش الرحمن، كما قال في الترغيب: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}تفسير : [السجدة: 17] وقال: {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدوُنَ} تفسير : [الزخرف: 71] وقال في الترهيب: {أية : أَفَأَمِنتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ}تفسير : [الإسراء: 68] {أية : أَءَمِنتُمْ مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِىَ تَمُورُ أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِى ٱلسَّمَآءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَـٰصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ } تفسير : [الملك: 16 - 17] وقال في الزجر: {أية : فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ} تفسير : [العنكبوت: 40] وقال في الوعظ: {أية : أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَـٰهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ}تفسير : [الشعراء: 205 - 206] إلى غير ذلك من أنواع الفصاحة والبلاغة والحلاوة، وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي، اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهي عن كل قبيح رذيل دنيء، كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: إذا سمعت الله تعالى يقول في القرآن: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} تفسير : [البقرة: 104] فأرعها سمعك فإنها خير يأمر به، أو شر ينهى عنه، ولهذا قال تعالى: {أية : يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَـٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَـٰئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلَـٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الأعراف: 157] الآية، وإن جاءت الآيات في وصف المعاد، وما فيه من الأهوال، وفي وصف الجنة والنار، وما أعد الله فيهما لأوليائه وأعدائه من النعيم والجحيم والملاذ والعذاب الأليم، بشرت به وحذرت وأنذرت، ودعت إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، وزهدت في الدنيا ورغبت في الأخرى، وثبتت على الطريقة المثلى، وهدت إلى صراط الله المستقيم وشرعه القويم، ونفت عن القلوب رجس الشيطان الرجيم. ولهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من نبي من الأنبياء إلا قد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة»تفسير : لفظ مسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : وإنما كان الذي أوتيته وحيا»تفسير : أي: الذي اختصصت به من بينهم هذا القرآن المعجز للبشر أن يعارضوه، بخلاف غيره من الكتب الإلهية، فإنها ليس فيها معجزة عند كثير من العلماء، والله أعلم. وله عليه الصلاة والسلام من الآيات الدالة على نبوته وصدقه فيما جاء به ما لا يدخل تحت حصر، ولله الحمد والمنة. وقد قرر بعض المتكلمين الإعجاز بطريق يشمل قول أهل السنة وقول المعتزلة في الصرفة، فقال: إن كان هذا القرآن معجزاً في نفسه، لا يستطيع البشر الإتيان بمثله، ولا في قواهم معارضته، فقد حصل المدعى وهو المطلوب، وإن كان في إمكانهم معارضته بمثله، ولم يفعلوا ذلك مع شدة عداوتهم له، كان ذلك دليلاً على أنه من عند الله لصرفه إياهم عن معارضته مع قدرتهم على ذلك، وهذه الطريقة وإن لم تكن مرضية؛ لأن القرآن في نفسه معجز لا يستطيع البشر معارضته كما قررنا، إلا أنها تصلح على سبيل التنزل والمجادلة والمنافحة عن الحق، وبهذه الطريقة أجاب الرازي في تفسيره عن سؤاله في السور القصار؛ كالعصر، وإنا أعطيناك الكوثر. وقوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ} أما الوقود، بفتح الواو، فهو ما يلقى في النار لإضرامها كالحطب ونحوه، كما قال تعالى: { أية : وَأَمَّا ٱلْقَـٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً }تفسير : [الجن: 15] وقال تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَـٰؤُلاۤءِ ءَالِهَةً مَّا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَـٰلِدُونَ }تفسير : [الأنبياء: 98 - 99] والمراد بالحجارة ههنا هي حجارة الكبريت العظيمة السوداء الصلبة المنتنة، وهي أشد الأحجار حراً إذا حميت، أجارنا الله منها، وقال عبد الملك بن ميسرة الزراد عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} قال: هي حجارة من كبريت، خلقها الله يوم خلق السموات والأرض في السماء الدنيا يعدها للكافرين. رواه ابن جرير وهذا لفظه، وابن أبي حاتم والحاكم في مستدركه، وقال: على شرط الشيخين. وقال السدي في تفسيره: عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرّة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: اتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة، أما الحجارة فهي من كبريت أسود يعذبون به مع النار، وقال مجاهد: حجارة من كبريت أنتن من الجيفة، وقال أبو جعفر محمد بن علي: حجارة من كبريت، وقال ابن جريج: حجارة من كبريت أسود في النار، وقال لي عمرو بن دينار: أصلب من هذه الحجارة وأعظم. وقيل: المراد بها حجارة الأصنام والأنداد التي كانت تعبد من دون الله كما قال تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء: 98] الآية، حكاه القرطبي والرازي ورجحه على الأول، قال لأن أخذ النار في حجارة الكبريت ليس بمستنكر، فجعلها هذه الحجارة أولى. وهذا الذي قاله ليس بقوي، وذلك أن النار إذا أضرمت بحجارة الكبريت كان ذلك أشد لحرها وأقوى لسعيرها، ولا سيما على ما ذكره السلف من أنها حجارة من كبريت معدة لذلك، ثم أخذ النار بهذه الحجارة أيضاً مشاهد، وهذا الجص يكون أحجاراً فيعمل فيه بالنار حتى يصير كذلك. وكذلك سائر الأحجار تفخرها النار وتحرقها، وإنما سيق هذا في حر هذه النار التي وعدوا بها، وشدة ضرامها، وقوة لهبها؛ كما قال تعالى: {أية : كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا}تفسير : [الإسراء: 97] وهكذا رجح القرطبي أن المراد بها الحجارة التي تسعر بها النار لتحمر ويشتد لهبها، قال: ليكون ذلك أشد عذاباً لأهلها، قال: وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : كل مؤذ في النار»تفسير : وهذا الحديث ليس بمحفوظ ولا معروف، ثم قال القرطبي: وقد فسر بمعنيين، أحدهما أن كل من آذى الناس دخل النار، والآخر أن كل ما يؤذي في النار يتأذى به أهلها من السباع والهوام وغير ذلك. وقوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ} الأظهر أن الضمير في أعدت عائد إلى النار التي وقودها الناس والحجارة، ويحتمل عوده إلى الحجارة كما قال ابن مسعود، ولا منافاة بين القولين في المعنى؛ لأنهما متلازمان. وأعدت: أي: أُرصدت وحصلت للكافرين بالله ورسوله. كما قال ابن إسحاق عن محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: {أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ} أي: لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر، وقد استدل كثير من أئمة السنة بهذه الآية على أن النار موجودة الآن؛ لقوله تعالى: {أُعِدَّتْ} أي: أرصدت وهيئت، وقد وردت أحاديث كثيرة في ذلك، منها: «حديث : تحاجت الجنة والنار» تفسير : ومنها: «حديث : استأذنت النار ربها، فقالت: رب أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف» تفسير : وحديث ابن مسعود: سمعنا وجبة، فقلنا: ما هذه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : هذا حجر ألقي به من شفير جهنم منذ سبعين سنة، الآن وصل إلى قعرها»تفسير : وهو عند مسلم، وحديث صلاة الكسوف وليلة الإسراء وغير ذلك من الأحاديث المتواترة في هذا المعنى. وقد خالفت المعتزلة بجهلهم في هذا، ووافقهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي قاضي الأندلس. تنبيه ينبغي الوقوف عليه قوله تعالى: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} وقوله في سورة يونس: {أية : بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} تفسير : [يونس: 38] يعم كل سورة في القرآن، طويلة كانت أم قصيرة؛ لأنها نكرة في سياق الشرط، فتعم كما هي في سياق النفي عند المحققين من الأصوليين كما هو مقرر في موضعه، فالإعجاز حاصل في طوال السور وقصارها، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعاً بين الناس سلفاً وخلفاً. وقد قال الرازي في تفسيره: فإن قيل: قوله تعالى: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} يتناول سورة الكوثر وسورة العصر، وقل يا أيها الكافرون، ونحن نعلم بالضرورة أن الإتيان بمثله، أو بما يقرب منه، ممكن، فإن قلتم: إن الإتيان بمثل هذه السور خارج عن مقدار البشر، كان مكابرة، والإقدام على هذه المكابرات مما يطرق بالتهمة إلى الدين، (قلنا): فلهذا السبب اخترنا الطريق الثاني، وقلنا: إن بلغت هذه السور في الفصاحة حد الإعجاز، فقد حصل المقصود، وإن لم يكن كذلك، كان امتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجزاً، فعلى التقديرين يحصل المعجز، هذا لفظه بحروفه. والصواب أن كل سورة من القرآن معجزة لا يستطيع البشر معارضتها، طويلة كانت أو قصيرة. قال الشافعي رحمه الله: لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم {أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ}تفسير : [العصر: 1 - 3] وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفد على مسيلمة الكذاب قبل أن يسلم، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم بمكة في هذا الحين؟ فقال له عمرو: لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة، فقال: وما هي؟ فقال:{أية : وَٱلْعَصْرِ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ}تفسير : [العصر: 1 -2] ففكر ساعة ثم رفع رأسه فقال ولقد أنزل علي مثلها، فقال: وما هو؟ فقال: يا وبر يا وبر إنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حقر فقر، ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني لأعلم أنك تكذب.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ } شك {مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا } محمد من القرآن أنه من عند الله {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } أي المنزل( ومن) للبيان أي هي مثله في البلاغة وحسن النظم والإخبار عن الغيب( والسورة قطعة لها أول وآخر أقلها ثلاث آيات ){وَٱدْعُواْ شُهَدَاءكُم } آلهتكم التي تعبدونها {مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره لِتُعينكم {إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ } في أن محمدا قاله من عند نفسه فافعلوا ذلك فإنكم عربيون فصحاء مثله. ولما عجزوا عن ذلك قال تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ }.
الشوكاني
تفسير : {فِى رَيْبٍ} أي: شك {مما نزلنا على عبدنا} أي: القرآن أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم. والعبد مأخوذ من التعبد، وهو التذلل. والتنزيل التدريج، والتنجيم. وقوله: {فَاتُواْ } الفاء جواب الشرط، وهو: أمر معناه التعجيز. لما احتج عليهم بما يثبت الوحدانية، ويبطل الشرك، عقبه بما هو: الحجة على إثبات نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وما يدفع الشبهة في كون القرآن معجزة، فتحدّاهم بأن يأتوا بسورة من سوره. والسورة الطائفة من القرآن المسماة باسم خاصّ، سميت بذلك، لأنها مشتملة على كلماتها كاشتمال سور البلد عليها. و«من» في قوله{مّن مّثْلِهِ} زائدة لقوله {فأتوا بسورة مثله}. والضمير في {مثله} عائد على القرآن عند جمهور أهل العلم. وقيل: عائد على التوراة والإنجيل، لأن المعنى: فأتوا بسورة من كتاب مثله؛ فإنها تصدّق ما فيه. وقيل يعود على النبي صلى الله عليه وسلم، والمعنى من بشر مثل محمد: أي: لا يكتب، ولا يقرأ. والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو المعاون، والمراد هنا: الآلهة. ومعنى {دُونِ}: أدنى مكان من الشيء، واتسع فيه حتى استعمل في تخطي الشيء إلى شيء آخر، ومنه ما في هذه الآية، وكذلك قوله تعالى: {أية : لا يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَـٰفِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [آل عمران: 28] وله معان أخر، منها التقصير عن الغاية، والحقارة، يقال هذا الشيء دون: أي: حقير، ومنه:شعر : إذا ما علا المرءُ رامَ العُلا وَيقنعُ بالدون من كان دُونا تفسير : والقرب يقال: هذا دون ذاك: أي: أقرب منه، ويكون إغراء، تقول: دونك زيداً: أي خذه من أدنى مكان {مِن دُونِ ٱللَّهِ } متعلق بادعوا: أي: ادعوا الذين يشهدون لكم من دون الله إن كنتم صادقين فيما قلتم، من أنكم تقدرون على المعارضة، وهذا تعجيز لهم، وبيان لانقطاعهم. والصدق خلاف الكذب، وهو مطابقة الخبر للواقع، أو للاعتقاد أولهما على الخلاف المعروف في علم المعاني {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} يعني فيما مضى{وَلَن تَفْعَلُواْ }أي: تطيقوا ذلك، فيما يأتي، وتبين لكم عجزكم عن المعارضة{فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ } بالإيمان بالله، وكتبه، ورسله، والقيام بفرائضه، واجتناب مناهيه، وعبر عن الإتيان بالفعل، لأن الإتيان فعل من الأفعال لقصد الاختصار، وجملة {لن تفعلوا} لا محل لها من الإعراب، لأنها اعتراضية، و"لن" للنفي المؤكد لما دخلت عليه، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها؛ لأنها لم تقع المعارضة من أحد من الكفرة في أيام النبوّة، وفيما بعدها، وإلى الآن. والوَقُود بالفتح: الحطب، وبالضم: التوقد أي: المصدر، وقد جاء فيه الفتح. والمراد بالحجارة الأصنام التي كانوا يعبدونها؛ لأنهم قرنوا أنفسهم بها في الدنيا، فجعلت وقوداً للنار معهم. ويدل على هذا قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ }تفسير : [الأنبياء: 98] أي: حطب جهنم. وقيل المراد بها حجارة الكبريت، وفي هذا من التهويل مالا يقدّر قدره من كون هذه النار تتقد بالناس، والحجارة، فأوقدت بنفس ما يراد إحراقه بها. والمراد بقوله: {أُعِدَّتْ } جعلت عدّة لعذابهم، وهيئت لذلك. وقد كرّر الله سبحانه تحدّي الكفار بهذا في مواضع في القرآن، منها هذا، ومنها قوله تعالى في سورة القصص: {أية : قُلْ فَأْتُواْ بِكِتَـٰبٍ مّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }تفسير : [القصص: 49] وقال في سورة سبحان: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا }تفسير : [الإسراء: 88] وقال في سورة هود: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }تفسير : [هود: 13] في سورة يونس: {أية : وَمَا كَانَ هَـٰذَا ٱلْقُرْءانُ أَن يُفْتَرِى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [يونس: 37 - 38]. وقد وقع الخلاف بين أهل العلم هل وجه الإعجاز في القرآن هو: كونه في الرتبة العلية من البلاغة الخارجة عن طوق البشر، أو كان العجز عن المعارضة للصرفة من الله سبحانه لهم عن أن يعارضوه، والحق الأول، والكلام في هذا مبسوط في مواطنه. وقد أخرج أحمد، والبخاري، ومسلم، والنسائي، والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من نبيّ من الأنبياء إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة» تفسير : وقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ } قال: هذا قول الله لمن شكّ من الكفار فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ} قال: في شك{مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ } قال: من مثل القرآن حقاً، وصدقاً لا باطل فيه، ولا كذب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، عن مجاهد{فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ }قال: مثل القرآن{وَٱدْعُواْ شُهَدَاءكُم }قال: ناس يشهدون لكم إذا أتيتم بها أنها مثله. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله:{شُهَدَاءكُمُ }قال: أعوانكم على ما أنتم عليه{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ} فقد بين لكم الحق. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ } يقول: لن تقدروا على ذلك، ولن تطيقوه. وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد؛ أنه كان يقرأ كل شيء في القرآن، "وقودها" برفع الواو الأولى، إلا التي في السماء ذات البروج {أية : ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلْوَقُودِ }تفسير : [البروج: 5] - بنصب الواو- وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني في الكبير، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: إن الحجارة التي ذكرها الله في القرآن في قوله: {أية : وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ }تفسير : [البقرة: 24] حجارة من كبريت خلقها الله عنده كيف شاء. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس مثله. وأخرج ابن جرير أيضاً عن عمرو بن ميمون مثله أيضاً. وأخرج ابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس قال: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } قال: "حديث : أوقد عليها ألف عام حتى احمرّت، وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهبها"تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، والترمذي، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً مثله. وأخرج أحمد، ومالك، والبخاري، ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية؟ قال، فإنها قد فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهنّ مثل حرّها»تفسير : . وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي سعيد مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن ماجه، والحاكم وصححه عن أنس مرفوعاً، نحوه أيضاً. وأخرج مالك في الموطأ، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: أترونها حمراء مثل ناركم هذه التي توقدون، إنها لأشد سواداً من القار. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله:{أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } قال: أي: لمن كان مثل ما أنتم عليه من الكفر.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} يعني في القرآن، على عبدنا: يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، والعبد مأخوذ من التعبد، وهو التذلل، وسُمي المملوك من جنس ما يعقل عبداً، لتذللـه لمولاه. {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} فيه تأويلان: أحدهما: يعني من مثله من القرآن، وهذا قول مجاهد وقتادة. والثاني: فأتوا بسورة من مثل محمد صلى الله عليه وسلم من البشر، لأن محمداً بشر مثلهم. {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني أعوانكم، وهذا قول ابن عباس. والثاني: آلهتكم، لأنهم كانوا يعتقدون أنها تشهد لهم، وهذا قول الفراء. والثالث: ناساً يشهدون لكم، وهذا قول مجاهد. قوله عز وجل: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} الوَقود بالفتح الحطب، والوُقود بالضم التوقُّد، والحجارة من كبريتٍ أسود، وفيها قولان: أحدهما: أنهم يعذبون فيها بالحجارة مع النار، التي وقودها الناس، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس. والثاني: أن الحجارة وقود النار مع الناس، ذكر ذلك تعظيماً للنار، كأنها تحرق الحجارة مع إحراقها الناس. وفي قوله: {أُعِدَّتْ للْكَافِرِينَ} قولان: الأول: أنها وإن أعدت للكافرين، فهي معدة لغيرهم من مستحقي العذاب من غير الكافرين، وهي نار واحدة، وإنما يتفاوت عقابهم فيها. والثاني: أن هذه النار معدة للكافرين خاصة، ولغيرهم من مستحقي العذاب نارٌ غيرها.
ابن عطية
تفسير : الريب الشك، وهذه الآية تقتضي أن الخطاب المتقدم إنما هو لجماعة المشركين الذي تحدوا، وتقدم تفسير لفظ سورة في صدر هذا التعليق. وقرأ يزيد بن قطيب: "أنزلنا" بألف. واختلف المتأولون على من يعود الضمير في قوله {مثله}: فقال جمهور العلماء: هو عائد على القرآن ثم اختلفوا. فقال الأكثر من مثل نظمه ورصفه وفصاحة معانية التي يعرفونها ولا يعجزهم إلا التأليف الذي خُصَّ به القرآن، وبه وقع الإعجاز على قول حذاق أهل النظر. وقال بعضهم: {من مثله} في غيوبه وصدقه وقدمه، فالتحدي عند هؤلاء وقع بالقدم، والأول أبين و {من} على هذا القول زائدة، أو لبيان الجنس، وعلى القول الأول هي للتعبيض، أو لبيان الجنس. وقالت فرقة: الضمير في قوله {من مثله} عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، ثم اختلفوا. فقالت طائفة: من أمي صادق مثله. وقالت طائفة: من ساحر أو كاهن أو شاعر مثله. على زعمكم أيها المشركون. وقالت طائفة: الضمير في {مثله} عائد على الكتب القديمة التوراة والإنجيل والزبور. وقوله تعالى: {وادعوا شهداءكم} معناه دعاء استصراخ، والشهداء من شهدهم وحضرهم من عون ونصير، قاله ابن عباس. وقيل عن مجاهد: إن المعنى دعاء استحضار. والشهداء جمع شاهد، أي من يشهد لكم أنكم عارضتم، وهذا قول ضعيف. وقال الفراء: شهداؤهم يراد بهم آلهتهم. وقوله تعالى: {إن كنتم صادقين} أي فيما قلتم من الريب. هذا قول بعض المفسرين. وقال غيره: فيما قلتم من أنكم تقدرون على المعارضة. ويؤيد هذا القول أنه قد حكى عنهم في آية أخرى: {أية : لو نشاء لقلنا مثل هذا} تفسير : [الأنفال:31]. وقوله تعالى: {فإن لم تفعلوا}، دخلت "إن" على {لم} لأن {لم تفعلوا} معناه تركتم الفعل، فــ"إن" لا تؤثر كما لا تؤثر في الماضي من الأفعال، و {تفعلوا} جزم بـ {لم}، وجزمت بـ {لم} لأنها أشبهت "لا" في التبرية في أنهما ينفيان، فكما تحذف لا تنوين الاسم كذلك تحذف لم الحركة أو العلامة من الفعل. وقوله: {ولن تفعلوا} نصبت {لن}، ومن العرب من تجزم بها، ذكره أبو عبيدة، ومنه بيت النابغة على بعض الروايات: [البسيط] شعر : فلن أعرّضْ أبيت اللعن بالصفد تفسير : وفي الحديث في منامة عبد الله بن عمر فقيل لي: "لن ترعْ" هذا على تلك اللغة، وفي قوله: {لن تفعلوا} إثارة لهممهم وتحريك لنفوسهم، ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهو أيضاً من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها. وقوله تعالى: {فاتقوا النار}، أمر بالإيمان وطاعة الله خرج في هذه الألفاظ المحذرة. وقرأ الجمهور: "وَقودها" بفتح الواو. وقرأ الحسن بن أبي الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف وأبو حيوة: "وقودها" بضم الواو في كل القرآن، إلا أن طلحة استثنى الحرف الذي في البروج، وبفتح الواو هو الحطب وبضمها هو المصدر، وقد حكيا جميعاً في الحطب وقد حكيا في المصدر. قال ابن جني: "من قرأ بضم الواو فهو على حذف مضاف تقديره ذو وقودها، لأن الوقود بالضم مصدر، وليس بالناس، وقد جاء عنهم الوقود بالفتح في المصدر، ومثله ولعت به "ولوعاً" بفتح الواو، وكله شاذ، والباب هو الضم". وقوله: {الناس} عموم معناه الخصوص فيمن سبق عليه القضاء بدخولها. وروي عن ابن مسعود في {الحجارة} أنها حجارة الكبريت وخصت بذلك لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب: سرعة الاتقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدخان، وشدة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا حميت. وفي قوله تعالى: {أعدت} رد على من قال: إن النار لم تخلق حتى الآن، وهو القول الذي سقط فيه منذر بن سعيد البلوطي الأندلسي، وذهب بعض المتأولين إلى أن هذه النار المخصصة بالحجارة هي نار الكافرين خاصة، وأن غيرها هي للعصاة. وقال الجمهور: بل الإشارة إلى جميع النار لا إلى نار مخصوصة، وإنما ذكر الكافرين ليحصل المخاطبون في الوعيد، إذ فعلهم كفر، فكأنه قال أعدت لمن فعل فعلكم، وليس يقتضي ذلك أنه لا يدخلها غيرهم. وقرأ ابن أبي عبلة: "أَعدَّها الله للكافرين".
ابن عبد السلام
تفسير : {عَبْدِنَا} العبد مأخوذ من التعبد، وهو التذلل، فسُمي به المملوك من جنس ما يعقل لتذلُلِه لمولاه. {مِّن مِّثْلِهِ} من مثل القرآن، أو من مثل محمد صلى الله عليه وسلم، لأنه بشر مثلكم. {شُهَدَآءَكُم} أعوانكم، أو آلهتكم، لاعتقادهم أنها تشهد لهم، أو ناساً يشهدون لكم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ...} قال ابن عرفة: لمّا تقدم الكلام معهم في الإيمان بتوحيد الله والإيمان بالرسالة عقب ذلك بما جرت به العادة (في المخاطبة) بالجدل، وهو (أنكم) وقع منكم شك في البرهان الذي أتاكم به الرسول دليلا على صحة رسالته فعارضوه، وهذا أحد أنواع الجدل وهو إما القدح في دليل الخصم، أو معارضته بدليل آخر. (قيل): لابن عرفة: هم ادعوا أن القدح في الدليل فهلا عجزوا بذلك؟ فقال: (قد) نجد الخصم يدعي دعاوي (جملة) ويقدح في دعاوي خصمه، ولا يقبل منها شيّا إلا ما يمكن أن يكون فيه شبهة. قال: والأظهر أن الريب هو عدم الجزم بالشيء، فتناول الظن والشك والوهم، لأن الإيمان لا يحصل إلا بالجزم اليقيني، وما عداه كله ليس بإيمان. قال: وعبّر بـ "إن" دون إِذَا لأن المراد (التنبيه) عن حالهم، وأنها مذمومة شرعا فعبر عنها لما يقتضي عدم الوقوع وإن كانت واقعة. وأورد الزمخشري أن نزّل يقتضي التنجيم، وأنزل يقتضي الإنزال دفعة واحدة. وأجاب (عن ذلك) بأن المراد أنه نزل شيئا بعد شيء. قال ابن عرفة: ونقضوا هذا بقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً }. تفسير : وتقدم الجواب عنه. قال التلمساني: من أن اللّفظ (قد) يدل على المعنى بظاهره ولا (يظهر) (بخلافه) في بعض الصور. فإن قلت: ما الحكمة في تنزيله منجما؟ (قلنا): علله بعضهم بما في الآية وهي: {أية : كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ}. تفسير : قال ابن عرفة: يرد عليه أنه من الجائز أن يثبت الله تعالى به فؤادك صلّى الله عليه وسلم مع نزوله جملة واحدة. قال: ويمكن تعليله بأن ذلك الأظهر فيه كمال الدلالة على صدقه لأن العادة أن رسول الملك إذا كذب عليه إنما يكذب مرّة واحدة وبعيد أن (يكرر) الكذب خشية التفطن منه والعلم به فلو أنزل عليه في مرة واحدة لقويت التهمة في حقه فلما تكرر إنزاله مرارا كان ذلك ادعى لجواب تصديقه. قوله تعالى: {عَلَىٰ عَبْدِنَا...} ولم يقل على رسولنا تنبيها على ما يقوله أهل السّنة من أنّ الرّسول من جنس البشر وعلى طبعهم (وأنّ وصف الرسالة أمر اختص) الله به من شاء من عباده وليست في ذواتهم زيادة (موجبة) بوجه. وقال القرطبي: إنما قال ذلك لأن العبودية تقتضي التذلل والخضوع ولا شك أن التذلل للبارئ جل وعلا هو أشرف الأشياء. قال ابن عرفة: نمنع ذلك بل (وصف الرسالة أفضل منه) فهلا قيل: مما نزلنا على رسولنا؟ وقال بعضهم: إنما ذلك تنبيها على أنّهم إذا ذموا على مخالفته مع استحضار كونه عبدا فأحرى أن يذموا على ذلك مع استحضار كونه رسولا من عند الله. و(قرئ) {مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا}. فإن قلت: إنما هم في ريب مما نَزَلَ على عبدنا هذا فقط، قلنا: الشك في المنزل على هذا شك في المنزل على من قبله لأن الكل رسل من عند الله يصدق بعضهم بعضا فالشكّ في أحدهم شكّ في الجميع. قوله تعالى: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ...} قال ابن عرفة: (قال ابن عطية): قال الأكثرون: مثل نظمه ووصفه وفصاحة معانيه ولا يعجزهم إلا (التأليف) الذي خص الله به القرآن، وبه وقع الإعجاز عند الحذاق. وقال بعضهم: من مثله في غيوبه وصدقه وقدمه (في التحدي وقع عند هؤلاء بالقديم). قال ابن عرفة: إن قلت: هذا (الخلاف) مخالف لما (نصّ) عليه الفخر وإمام الحرمين في الإرشاد من أن المعجزة من شرطها أن تكون حادثة لأنها (إن) كانت قديمة استحال أن يأتي بها الرسول، (أو تكون) دليلا على صدقه لأن الرسول حادث. (قلت): القديم هنا ليس هو كل المتحدى به هو جزء من أجزاء المعجزة التي تحدّى بها الرسول، فالرسول تحدى بكلام لا مثل له في صدقه وإخباره بالغيوب وأن مدلوله (هو القديم). قال المقترح وابن بزيزة في شرح الإرشاد: اختلفوا هل يجوز أن تعلم صحة الرسالة بغير المعجزة (أم لا)؟ فأجاز القاضي أبو بكر الباقلاني وابن فورك في تأليفه في الأصول ومنعه إمام الحرمين هذا في الجواز. وأما الوقوع فلم يقع في الوجود إلا مع المعجزة (اتفاقا) وكان بعضهم يقول: هذا إنما لا ينبغي الخوض فيه لأنه كلام لغير فائدة لا ينبغي عليه كفر ولا إيمان. (وكان الشيخ الصالح الزاهد أبو محمد عبد الهادي نقل عنه بعضهم أنه قال: يجوز في العقل أن يخلق الله خلقا أكرم عليه من نبيه محمد صلى الله عليه وسلم فسمع بذلك) الشيخ الصالح أبو الحسن علي بن المنتصر الصوفي فأنكره الإنكار التام وألزمه إلزاما شنيعا. واجتمع بابن عبد السلام القاضي فخفف أمره حتى وقعت بين الشيخين وحشة عظيمة/ بسبب قوله يجوز أن يخلق الله عقلا أكرم من نبيّه محمد صلى الله عليه وسلّم. (قوله تعالى: {وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} يحتمل أن يريد بالشهادة أي الاستصراخ للاجتماع والتعاون على الإتيان بمثله ويحتمل أن يريد فأتوا بمثله واستحضروا شهداءكم لا شاهدا واحدا يشهدون لكم أنه من عند الله. وعبّر "بإِنْ" تنبيها على أن صدقهم في ذلك محال).
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: ما يتعلق بها من ضم ميم الجمع ومن إمالة الناس يعرف مما مر. الوقوف: "من مثله" (ص) "صادقين" "والحجارة" (ج) على تقدير هي أعدت للكافرين، والوصل أجود لأن قوله "أعدت" بدل الجملة الأولى في كونها صلة للتي "للكافرين" (ه). التفسير: لما نبه بالآيتين السابقتين على طريق الاعتراف بوجود الصانع ووحدانيته، أعقبهما بما يدل على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وحقية ما نزل عليه صلى الله عليه وسلم. وقد ذكر في كون القرآن معجزاً طريقان: الأول: أنه إما أن يكون مساوياً لكلام سائر الفصحاء أو زائداً عليه بما لا ينقض العادة أو بما ينقضها. والأولان باطلان لأنهم - وهم زعماء وملوك الكلام - تحدّوا بسورة منه مجتمعين أو منفردين ثم لم يأتوا بها مع أنهم كانوا متهالكين في إبطال أمره حتى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا المخاوف والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة إلى حد لا يقبلون الحق فكيف الباطل؟ فتعين القسم الثالث. الطريق الثاني: أن يقال: إن بلغت السورة المتحدى بها في الفصاحة إلى حد الإعجاز فقد حصل المقصود وإلا فامتناعهم من المعارضة مع شدة دواعيهم إلى توهين أمره معجز، فعلى التقديرين يحصل الإعجاز. فإن قيل: وما يدريك أنه لن يعارض في مستأنف الزمان وإن لم يعارض إلى الآن؟ قلت: لأنه لا احتياج إلى المعارضة أشد مما في وقت التحدي، وإلا لزم تقرير المبطل المشبه للحق. وحيث لم تقع المعارضة وقتئذ علم أن لا معارضة، وإلى هذا أشار سبحانه بقوله "ولن تفعلوا" كما يجيء. واعلم أن شأن الإعجاز عجيب يدرك ولا يمكن وصفه كاستقامة الوزن تدرك ولا يمكن وصفها، وكالملاحة فمدرك الإعجاز هو الذوق. ومن فسر الإعجاز بأنه صرف الله تعالى البشر عن معارضته، أو بأنه هو كون أسلوبه مخالفاً لأساليب الكلام، أو بأنه هو كونه مبرأ عن التناقض، أو بكونه مشتملاً على الأخبار بالغيوب وبما ينخرط في سلك هذه الآراء، فقد كذب ابن أخت خالته. فإنا نقطع أن الاستغراب من سماع القرآن إنما هو من أسلوبه، ونظمه المؤثر في القلوب تأثيراً لا يمكن إنكاره لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لا من صرف الله تعالى البشر عن الإتيان بمثله، كما لو قال أحد: معجزتي أن أضع الساعة يدي على رأسي ويتعذر ذلك عليكم. وكان كما قال، جاء الاستغراب من التعذر لا من نفس الفعل. وأيضاً تسمية كل أسلوب غريب معجزاً باطل، وكذا تسمية كل كلام مبرإ عن التناقض أو مشتملاً على الغيب ككلام الكهان ونحوهم. فإن قيل: كيف نعتقد إعجاز القرآن بحيث يعجز عنه الثقلان فقط والزائد غير معلوم الحال، أو بحيث يعجز عنه المخلوقات بأسرها؟ قلنا: لا ريب أن الحق هو القسم الثاني، إلا أن التحدي لم يقع إلا بالقدر الأول وبه يثبت صحة النبوة. لكن النبي صادق وقد أخبر بأنه كلام الله تعالى، ونحن نعلم أن كلام صفته وصفته يجب أن تكون في غاية الكمال ونهاية الجلال. فالقرآن إذاً في غاية البلاغة ونهاية الفصاحة. والبلاغة هي بلوغ المتكلم في تأدية المعاني حداً له اختصاص بتوفية خواص التراكيب حقها، وإيراد أنواع التشبيه والمجاز والكناية على وجهها، وهي فينا كأنها هيئة اجتماعية حاصلة من معرفة قوانين علمي المعاني والبيان. والفصاحة إما معنوية وهي خلوص الكلام عن التعقيد، والتعقيد أن يعثر صاحبه فكرك في متصرفه ويشيك طريقك إلى المعنى ويوعر مذهبك نحوه، حتى يقسم فكرك ويشعب ظنك فلا تدري من أين تتوصل وبأي طريق معناه يتحصل. وإما لفظية وهي أن تكون الكلمة عربية أصلية، وعلامة ذلك أن تكون على ألسنة الفصحاء من العرب الموثوق بعربيتهم أدرب، واستعمالهم لها أكثر، وأن تكون أجرى على قوانين اللغة العربية، وأن تكون سليمة عن التنافر، عذبة على العذبات، سلسة على الأسلات. والحاكم في ذلك هو الذوق السليم والطبع المستقيم، فقلما ينجع هنالك إلا ذلك. ثم إنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة تقتضي نقصان الفصاحة، ومع ذلك فإنه بلغ في الفصاحة النهاية التي لا غاية وراءها، فدل ذلك على كونه معجزاً. منها أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات كبعير أو فرس أو جارية أو ملك أو ضربة أو طعنة أو وصف حرب أو وصف غارة، وليس في القرآن من هذه الأشياء مقدار كثير. ومنها أنه تعالى راعى طريق الصدق وتبرأ عن الكذب، وقد قيل: أحسن الشعر أكذبه. ولهذا كان لبيد بن ربيعة وحسان بن ثابت لما أسلما وتركا سلوك سبيل الكذب والتخيل ترك شعرهما. ومنها أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح إنما يتفق في بيت أو في بيتين من قصيدة، والقرآن كله فصيح ككل جزء منه. ومنها أن الشاعر الفصيح إذا كرر كلامه لم يكن الثاني في الفصاحة بمنزلة الأول، وكل مكرر في القرآن فهو في نهاية الفصاحة وغاية الملاحة. شعر : أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره هو المسك ما كررته يتضوّع تفسير : ومنها أنه اقتصر على إيجاب العبادات وتحريم المنكرات والحث على مكارم الأخلاق والزهد في الدنيا والإقبال على الآخرة، ولا يخفى ضيق عطن البلاغة في هذه المواد. ومنها أنهم قالوا: إن شعر امرئ القيس يحسن في النساء وصفة الخيل، وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند الطرب ووصف الخمر، وشعر زهير عند الرغبة والرجاء والقرآن جاء فصيحاً في كل فن من فنون الكلام. فانظر في الترغيب إلى قوله: {أية : فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرّة أعين} تفسير : [السجدة: 17] وفي الترهيب {أية : وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرّعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت}تفسير : [إبراهيم: 15 - 17] وفي الزجر {أية : فكلاًّ أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا} تفسير : [العنكبوت: 40] وفي الوعظ {أية : أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون}تفسير : [الشعراء: 205] وفي الإلهيات {أية : الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال} تفسير : [الرعد: 8 - 9]. ومنها أن القرآن أصل العلوم كلها كعلم الكلام وعلم أصول الفقه وعلم الفقه واللغة والنحو والصرف والنجوم والمعاني والبيان وعلم الأحوال وعلم الأخلاق وما شئت، ومن يطيق وصف القرآن وبلاغته فإنه كما أن الإتيان بأقصر سورة منه فوق حد البشر فوصفه كما هو فوق طاقة البشر. شعر : "فدع عنك بحرا ضل فيه السوابح" تفسير : وإنما قيل: "وإن كنتم" دون إذ كنتم لما عرفت في تفسير {لا ريب فيه}. وإنما اختير "نزلنا" على لفظ التنزيل دون الإنزال، لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم وهو من مجازه لمكان التحدي، وذلك أنهم كانوا يقولون: لو أنزله الله لأنزله جملة واحدة {أية : وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة} تفسير : [الفرقان: 32] أي على خلاف ما نرى عليه أهل الخطابة والشعر من وجود ما يوجد منهم مفرقاً شيئاً فشيئاً وحيناً فحيناً حسب ما يعنّ لهم من الأحوال المتجددة والحاجات السانحة، فقيل لهم: إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهل وتدريج، فهاتوا أنتم نوبة واحدة من نوبه، وهلموا نجماً من نجومه أصغر سورة وهي الكوثر، ومعنى السورة مذكور في المقدمة الرابعة. وإنما قيل: "على عبدنا" دون أن يقال على محمد كقوله {أية : والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد}تفسير : [محمد: 2] تشريفاً له صلى الله عليه وسلم وإعلاماً بأنه صلى الله عليه وسلم ممن صحح نسبة العبودية المأمور بها في قوله تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا} وإضافة العبد إلى الضمير أيضاً تؤيد ذلك كقوله تعالى: {أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان}تفسير : [الإسراء: 65]. وفيه أن السعادة كل السعادة في نسبة العبدية، فهي التي توصل إلى العندية {أية : في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر} تفسير : [القمر: 55] "وأنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي" وكمال العندية في كمال الحرية عما سوى الله. وأما فائدة تفصيل القرآن وتقطيعه سوراً، فمن ذلك أن الجنس إذا انطوت تحته أنواع واشتملت الأنواع على الأصناف، كان إفراز كل من صاحبه أحسن، ولهذا وضع المصنفون كتبهم على الأبواب والفصول ونحوها. ومنها أن القارئ إذا ختم سورة أو باباً من الكتاب ثم أخذ في آخر، كان أنشط له كالمسافر إذا قطع ميلاً أو طوى فرسخاً، ومن ثم جزأوا القرآن أسباعاً وأجزاء وعشوراً وأخماساً، ومنها أن الحافظ إذا حفظ السورة اعتقد أنه أخذ من كتاب الله طائفة مستقلة بنفسها فيحل في نفسه، ومنه حديث أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا. ولهذا كانت القراءة في الصلاة بسورة تامة أفضل. و "من مثله" متعلق بمحذوف أي بسورة كائنة من مثله، والضمير لما نزلنا أو لعبدنا. ويجوز أن يتعلق بقوله "فأتوا" والضمير للعبد معناه، فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب والنظم الأنيق، أو فأتوا ممن هو على حاله من كونه بشراً عربياً أو أمياً لم يقرأ الكتب ولم يقصد إلى مثل ونظير معين، ولكنه كقول من قال للحجاج وقد توعده بقوله "لأحملنك على الأدهم مثل الأمير يحمل على الأدهم والأشهب" أراد من كان على صفة الأمير من السلطان والقدرة وبسطة اليد، ولم يقصد أحداً يجعله مثل الحجاج. وردّ الضمير على المنزل أوجه وعليه المحققون. ويروى عن عمر وابن مسعود وابن عباس والحسن، ولأن ذلك يطابق الآيات الأخر {أية : فأتو بسورة مثله}تفسير : [البقرة: 23] {أية : فأتوا بعشر سور مثله}تفسير : [هود: 13]، ولأن البحث إنما وقع في المنزل لا في المنزل عليه، إذ المعنى وإن ارتبتم أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم شيئاً مما يماثله. ولو كان الضمير مردوداً إلى الرسول اقتضى الترتيب أن يقال: وإن ارتبتم في أن محمداً صلى الله عليه وسلم منزل عليه، فأتوا بسورة ممن يماثله. وأيضاً لو كان عائداً إلى القرآن اقتضى أن يكونوا عاجزين عن الإتيان بمثله، مجتمعين أو متفرقين، أميين أو قارئين. ولو عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم اقتضى أن يكون الشخص الواحد الأمي الذي هو مثله عاجزاً، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أقوى، ولا سيما فإنه يلزم من الوجه الثاني تقرير نقص للنبي صلى الله عليه وسلم، وإيهام أنّ الإتيان بالقرآن ممن يكون قارئاً ممكن. وأيضاً الأول هو الملائم لقوله "وادعوا شهداءكم" إذ لو كان المراد فليأت واحد آخر أمي بنحو ما أتى به هذا الواحد، لم يحتج أن يستظهر بالشهداء وهي جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادات. والمراد بها إما آلهتهم كأنه قيل: إن كان الأمر كما تقولون من أنها تستحق العبادة لما أنها تنفع وتضر فقد دفعتم في منازعة محمد إلى فاقة شديدة فتعجلوا الاستعانة بها، وإلا فاعلموا أنكم مبطلون فيكون في الكلام محاجة من جهتين: من جهة إبطال كونها آلهة، ومن جهة إبطال ما أنكروه من إعجاز القرآن. وإما أكابرهم ورؤساؤهم أي ادعوهم ليعينوكم على المعارضة، أو ليحكموا لكم وعليكم. ومعنى "دون" أدنى مكان من الشيء، ومنه الشيء الدون وهو الحقير، ودوّن الكتب إذا جمعها بتقليل المسافة بينها. ويقال هذا دون ذلك إذا كان أحط منه قليلاً، ودونك هذا أي خذه من دونك أي من أدنى مكان منك، فاختصر واستعير للتفاوت في الأحوال والرتب. وقيل: زيد دون عمرو في الشرف والعلم، ومنه قول من قال لعدوّه وقد كان يثني عليه رياء: أنا دون هذا وفوق ما في نفسك. واتسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد وتخطى حكم إلى حكم. قال الله تعالى: {أية : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين}تفسير : [آل عمران: 28] أي لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين. و "من دون الله" متعلق بـ "شهداءكم" أو بـ "ادعوا" وعلى الأول يحتمل ثلاثة معان: ادعوا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله وزعمتم أنهم يشهدون لكم يوم القيامة أنكم على الحق، أو ادعوا الذين زعمتم أنهم يشهدون لكم بين يدي الله من قول الأعشى: شعر : تريك القذى من دونها وهي دونه تفسير : أي تريك القذى قدام الزجاجة والحال أن الخمر قدام القذى لرقتها وصفائها، وفي أمرهم أن يستظهروا بالجماد الذي لا ينطق في معارضة القرآن المعجز بفصاحته غاية التهكم بهم، أو ادعوا شهداءكم من دون الله أي من دون أوليائه ومن غير المؤمنين ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله، وهذا من المساهلة وإرخاء العنان والإشعار بأن شهداءهم - وهم فرسان البلاغة - تأبى بهم الطباع وتجمح بهم الإنسانية والأنفة أن يرضوا لأنفسهم الشهادة بصحة الفاسد. وعلى الثاني يحتمل معنيين: ادعوا من دون الله شهداءكم يعني لا تستشهدوا بالله ولا تقولوا الله يشهد أن ما ندعيه حق كما يقول العاجز عن إقامة البينة على صحة دعواه، وادعوا الشهداء من الناس الذين شهادتهم ظاهرة تصحح بها الدعاوى عند الحكام، وهذا تعجيز لهم وبيان لانقطاعهم وانخزالهم، وأن الحجة قد بهرتهم ولم تبق لهم متشبثاً غير قولهم "الله يشهد إنا لصادقون". سئل بعض العرب عن نسبه فقال: قرشي والحمد لله، فقيل له: قولك: "الحمد لله" في هذا المقام ريبة. أو المراد بالشهداء، الله تعالى، وكل من له أهلية الحضور من الجن والإنس. فكأنه قيل لهم ادعوا غير الله من الجن والإنس من أردتم كقوله {أية : قل لئن اجتمعت الإنس والجن}تفسير : [الإسراء: 88] الآية وإنما استثنى الله لأنه القادر وحده على أن يأتي بمثله دون كل شاهد. واعلم أن التحقيق في التحدي هو أن النبي يقول: إني مخصوص من الله تعالى بمزيد الكرامة والنور، وجعلني واسطة بينكم وبين هدايتكم فاتبعون أهدكم سبيل الخير والرشاد، وإن كنتم في ريب مما أقول، فانظروا إلى هذا الذي أقدر عليه بإظهار الله تعالى إياه على يدي وأنتم لا تقدرون عليه لعدم إقداره، لتعرفوا أني خصصت بمزيد فضل من عنده وأني صادق فيما أقول، فإن أنصفوا من أنفسهم بمشيئة الله تعالى ونور هدايته اتبعوه واهتدوا، وإلا بقوا في الضلالة خائبين. وكل هذا من عالم الأسباب التي ربط الله تعالى بها الوقائع والحوادث حسب ما أراد، ولا يلزم من هذا أن يكون للعبد قدرة مستقلة يقع التحدي عليها، بل الله يهدي من يشاء وكل بقدر. وقوله "إن كنتم صادقين" قيد لقوله "فأتوا" ولقوله "وادعوا" المعطوف عليه. ويجوز أن يكون قيداً لقوله "وادعوا" لأن قوله "فأتوا" مقيد بقوله و "إن كنتم" وجواب الشرط الثاني محذوف لدلالة ما قبله وهو مثله عليه التقدير: وإن كنتم في ريب فأتوا، وإن كنتم صادقين في أن أصنامكم تعينكم، أو في أن القرآن غير معجز، فادعوا شهداءكم. وإنما قلنا: الجواب محذوف، لأن الجزاء لا يتقدم على الشرط، فإن للشرط صدر الكلام كالاستفهام، ولهذا لم يلزم الفاء في قولك "أنت مكرم إن جئتني" وإنما تقدم ما يدل عليه ومثله في القرآن كثير فاعتبره في كل موضع. وأما قوله {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} الآية. فأقول أولاً: إنها تدل على إعجاز القرآن وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من وجوه: أحدها: أنا نعلم بالتواتر أن العرب كانوا يعادونه صلى الله عليه وسلم أشد المعاداة، ويتهالكون في إبطال أمره وفراق الأوطان والعشيرة وبذل النفوس والمهج منهم من أقوى ما يدل على ذلك. فإذا انضاف إليه مثل هذا التقريع وهو قوله {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} فلو أمكنهم الإتيان بمثله لأتوا به، وحيث لم يأتوا به ظهر كونه معجزاً. وثانيها: أنه صلى الله عليه وسلم إن كان متهماً عندهم فيما يتعلق بالنبوة، فقد كان معلوم الحال في وفور العقل. فلو خاف صلى الله عليه وسلم عاقبة أمره لتهمة فيه صلى الله عليه وسلم - حاشاه عن ذلك - لم يبالغ في التحدي إلى هذه الغاية. وثالثها: أنه صلى الله عليه وسلم لو لم يكن قاطعاً بنبوته لكان يجوز خلافه، وبتقدير وقوع خلافه يظهر كذبه، فالمبطل المزوّر لا يقطع في الكلام قطعاً، وحيث جزم دل على صدقه. ورابعها: أن قوله "ولن تفعلوا" وفي "لن"، تأكيد بليغ في نفي المستقبل إلى يوم الدين، إخبار بالغيب. وقد وقع كما قال صلى الله عليه وسلم، لأن أحداً لو عارضه صلى الله عليه وسلم لم يمتنع أن يتواصفه الناس ويتناقلوه عادة، لا سيما والطاعنون فيه صلى الله عليه وسلم أكثف عدداً من الذابين عنه صلى الله عليه وسلم. وإذا لم تقع المعارضة إلى الآن غلب على الظن، بل حصل الجزم أنها لا تقع أبداً لاستقرار الإسلام وقلة شوكة الطاعنين. وإنما جيء بـ "إن" الذي للشك دون "إذا" الذي للوجوب والقطع، مع أن انتفاء إتيانهم بالسورة واجب بناء على حسبانهم وطمعهم، فإنهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة لاتكالهم على بلاغتهم. وأيضاً فيه تهكم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة على من يقاويه: إن غلبتك لم أبق عليك. وإنما اختير قوله {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} على قوله {فإن لم تأتوا بسورة من مثله ولن تأتوا بسورة من مثله}، طلباً للوجازة، فإن الإتيان فعل من الأفعال، وحذف مفعول فعل كثير دون مفعول أتى فهو جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصاراً يغنيك عن طول المكنى عنه، كما لو قلت: أتيت فلاناً وأعطيته درهماً. فيقال لك: نعم ما فعلت. وقوله "ولن تفعلوا" جملة معترضة لا محل لها. وليس الواو للحال وإنما هو للاستئناف. والمعترضة تجيء بالواو وبدون الواو، وقد اجتمعتا في قوله: {أية : وإنه لقسم لو تعلمون عظيم}تفسير : [الواقعة: 76] وإنما لم يقل فإن لم تفعلوا فاتركوا العناد كما هو الظاهر، لأن اتقاء النار لصيقه وضميمه ترك العناد، فوضع موضعه من حيث إنه من نتائجه، لأن من اتقى النار ترك المعاندة، ونظيره قول الملك لجيشه: إن أردتم الكرامة عندي فاحذروا سخطي. يريد فاتبعون وافعلوا ما هو نتيجة حذر السخط، فهو من باب الكناية. وفائدته الإيجاز الذي هو من حلية القرآن، وتهويل شأن العناد بأنه الموجب للنار، ولهذا شنع بتفظيع أمرها. والوقود ما ترفع به النار، وأما المصدر فمضموم وقد جاء فيه الفتح. فإن قلت: صلة "الذي" و "التي" يجب أن تكون قصة معلومة للمخاطب، فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟ قلنا: لا يمتنع أن يتقدم لهم بذلك سماع من أهل الكتاب، أو سمعوه من رسول الله، أو يكون إشارة إلى ما نزلت بمكة قبل نزول هذه بالمدينة وذلك في سورة التحريم {أية : قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة}تفسير : [التحريم: 6] ولهذا عرّفت ههنا مشاراً بها إلى ما عرفوه ثمة أوّلاً، والمعنى: اتقوا ناراً ممتازة عن غيرها من النيران بأنها لا تتقّد إلا بالناس والحجارة، أو بأنها توقد بنفس ما يراد إحراقه وإحماؤه، أو بأنها لإفراط حرها إذا اتصلت بما لا يشتعل به نار اشتعلت وارتفع لهبها. ولعل لكفار الجن وشياطينهم ناراً وقودها الشياطين جزاء لكل جنس بما يشاكله من العذاب. والحجارة قيل: هي حجارة الكبريت. وقيل: هي ما نحتوها أصناماً {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}تفسير : [الأنبياء: 98] لأنهم لما اعتقدوا فيها أنها شفعاؤهم عند الله، وأنهم ينتفعون بها ويدفعون المضارّ عن أنفسهم، جعلها الله عذابهم إبلاغاً في إيلامهم وتوريثاً لنقيض مطلوبهم، ونحوه ما يفعله بالذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله، أي يمنعون حقوقها حيث {أية : يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم}تفسير : [التوبة: 35] والتاء في الحجارة لتأكيد التأنيث في الجماعة نحو: صقورة. وقد يدور في الخلد من هذه الآية، ومن قوله {أية : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة} تفسير : [البقرة: 74] ومن قوله {أية : نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة}تفسير : [الهمزة: 6 - 7] أن المراد بالحجارة هي الأفئدة أي وقودها الناس وقلوبهم. وتخصيص القلب بالذكر لأنه أشرف الأعضاء وأولى بالإحراق إن كان مقصراً في درك ما خلق الإنسان لأجله. ومعنى أعدت هيئت وجعلت عدّة لعذابهم، وإنما فقد العاطف لأنها بدل من الصلة أو استئناف، كأنه قيل لمن أعدّت هذه النار؟ فقيل أعدت للكافرين.
ابن عادل
تفسير : اعلم أنه سبحانه لما أقام الدلائل القاطعة على إثبات الصّانع، وأبطل القول بالشريك عقبه بما يدلُّ على النبوة، ولما كانت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مبنية على كون القرآن معجزاً أقام الدلالة على كونه معجزاً. واعلم أن كونه معجزاً يمكن بيانه من طريقين: الأول: ألا يخلو حاله من أحد وجوه ثلاثة: إما أن يكون مساوياً لكلام الفصحاء، أو زائداً على كلام الفصحاء بقدر لا ينقض العادة، أو زائداً عليه بقدر ينقض العادة، والقسمان الأولان باطلان فتعين الثالث. وإنما قلنا: إنهما باطلان؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يأتوا [بمثل سورة منه] إما مجتمعين، أو منفردين، فإذا وقع التَّنَازع، فالشهود والحكام مزيلون الشبهة وذلك نهاية الاحتجاج؛ لأنه كان من معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية، وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية حتى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا المهالك والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقلبون الحق، فكيف الباطل، وكل ذلك يوجب الإتيان بما يقدح في قوله، فلما لم يأتوا بمثلها علمنا عجزهم عنها، فثبت أن القرآن لا يماثل قولهم، وأنَّ التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتاً معتاداً، فهو إذن تفاوت ناقض للعادة، فوجب أن يكون معجزاً. واعلم أنه قد اجتمع في القرآن وجوه كثيرة، تدلُّ على أنه أبلغ في الفصاحة النهاية التي لا غاية لها: أحدها: أن فصاحة العرب أكثرها في وصف المشاهدات مثل وصف بعير، أو فرس، أو جارية، أو ملك، أو ضربة، أو طعنة أو وصف حرب، أو وصف غارة، وليس في القرآن شيء من هذا، فكان يجب على هذا ألا يحصل فيه شيء من الفصاحة، التي اتفقت العرب في كلامهم عليها. وثانيها: أنه - تعالى - راعي فيه [طريقة] الصِّدق، وتنزَّه عن الكذب في جميعه، وكل شاعر ترك الكذب، ولزم الصدق زكي شعره، ألا ترى لبيد بن ربيعة، وحسان بن ثابت لما أسلما زكي شعرهما، [ولم يكن شعرهما] الإسلامي في الوجوه كشعرهما في الجاهلية، والقرآن مع لزوم الصدق وتنزُّهه عن الكذب بلغ الغاية في الفصاحة كما ترى. وثالثها: أن الكلام الفصيح والشعر الفصيح في القصيدة كلها، إنما هو بيت أو بيتان والباقي ليس كذلك، وأما القرآن فكله فصيح، فعجز الخلق عن بعضه كما عجزوا عن جملته. ورابعها: أن كل من وصف شيئاً بشعر، فإن كرره لم يكن كلامه الثَّاني في وصف ذلك الشيء بمنزلة كلامه الأول، وأما القرآن ففيه تكرار كثير، وهو في غاية الفَصَاحة، ولم يظهر التفاوت أصلاً. وخامسها: أنهم قالوا: شعر امرىء القيس يحسن عند الطَّرب، وذكر النِّسَاء، وصفة الخَيْلِ، وشعر النابغة عند الخوف، وشعر الأعشى عند الطَّلَبِ، ووصف الخَمْرِ، وزهير عند الرَّغْبَةِ والرجاء، وبالجملة فكل شاعر يحسن كلامه في فَنٍّ، ويضعف كلامه في غيره، والقرآن جاء فصيحاً في كل الفنون. وسادسها: أن القرآن أصل للعلوم كلها، فعلم الكلام كلّه في القرآن، وعلم الفقه مأخوذ من القرآن، وكذا علم أصول الفقه، وعلم النحو، واللغة، وعلم الزهد في الدُّنيا، وأخبار الآخرة، واستعمال مكارم الأخلاق. وأما الطريق الثاني: أن يقول: القرآن لا يخلو إما أن يكون بالغاً في الفصاحة إلى حَدّ الإعجاز، أو لم يكن، فإن كان الأول ثبت أنه معجز، وإن كان الثاني كانت المُعَارضة على هذا التقدير ممكنة، فعدم إتيانهم بالمُعَارضة، مع توفُّر داعيهم على الإتيان بها، أمر خارق للعادة، فكان ذلك معجزاً، فثبت أنَّ القرآن معجز على جميع الوجوه. "إن" حرف شرط يجزم فعلين: شرطاً وجزاءً، فلا تقول: "إن غربت الشمس". فإن قيل: فكيف قال هاهنا: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ}، وهذا خطاب مع الكفار، والله تَعَالَى يعلم أنه في ريب، وهم يعلمون ويقرون أنهم في ريب، ومع ذلك فالتعليق حسن. فالجواب: الخصائص الإلهية لا تدخل في الأوضاع العربية، بل الأوضاع العربية مبنيّة على خصائص الخلق، والله - تعالى - أنزل القرآن بلغة العرب، وعلى منوالهم، فكل ما كان في لغة العرب حسناً نزل القرآن على ذلك الوجه، وما كان نسخاً في لسان العرب لم ينزل في القرآن، فثبت بهذا أن كل ما جاء في العادة مشكوكاً فيه بين الناس، حسن تعليقه، سواء كان من قبل الله - تعالى - أو من قبل غيره، وسواء كان معلوماً للسَّامع أو المتكلّم أم لا، وكذلك حسن قوله: إن كان زيد في الدار فأكرمه، مع أنك تعلم أن زيداً في الدار؛ لأن حصول زيد في الدار، شأنه أن يكون في العادة مشكوكاً فيه، ولا يكون إلاَّ في المحتمل وقوعه، وهي أم الباب؛ فلذلك يحذف مجزومها كثيراً، وقد يحذف الشَّرط والجزاء معاً؛ قال: [الرجز] شعر : 287- قَالَتْ بَنَاتُ العَمِّ: يا سَلْمَى وَإِنْ كَانَ فَقِيراً مُعْدماً قَالَتْ: وَإِنْ تفسير : أي: وإن كان فقيراً تزوجته. وتكون "إن" نافية فتعمل وتهمل، وتكون مخففة وزائدة باطِّراد وعدمه، وأجاز بعضهم أن تكون بمعنى "إذا"، وبعضهم أن تكون بمعنى "قد"، ولها أَحْكَام كثيرة. و "في ريب" خبر كان، فيتعلّق بمحذوف، ومحل "كان" الجزم، وهي وإن كانت ماضية لفظاً فهي مستقبلة معنى. وزعم المبرد أنَّ لـ "كان" الناقصة حكماً مع "إنْ"، ليس لغيرها من الأفعال الناقصة، فزعم أنّه لقوة "كان" أنّ "إنْ" الشرطية لا تقلب معناها إلى الاستقبال، بل تكون على مَعْنَاها من المُضِيّ، وتبعه في ذلك أبو البَقَاءِ، وعلل ذلك بأن كثيراً استعملوها غير دالّة على حدث، وهذا مردود عند الجمهور، لأن التعليق إنما يكون في المستقبل، وتأولوا ما ظاهره غير ذلك نحو: {أية : إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ} تفسير : [يوسف: 26] إما بإضمار "يكن" بعد "إن"، وإما على التبيين، والتقدير: "إن يكن قميصه، أو إن يتبين كونه قميصه" ولما خفي هذا المعنى على بعضهم جعل "إن" هنا بمنزلة "إذ" وقوله: "في ريب" مجاز من حيث إنه يجعل الريب ظرفاً محيطاً بهم، بمنزلة المكان لكثرة وقوعه منهم. و "مِمَّا" يتعلّق بمحذوف؛ لأنه صفة لريب، فهو في محل جَرّ، و "من" للسَّببية، أو لابتداء الغاية، ولا يجوز أن تكون للتبعيض، ويجوز أن تتعلّق بـ "ريب" أي: إن ارتبتم من أجل، فـ "من" هُنا للسَّببية، و "ما" موصولة أو نكرة موصوفة، والعائد على كلا القولين محذوف، أي: نزلناه، والتضعيف في "نَزّلنا" هنا للتعدية مرادفاً لهمزة التعدي، ويدلّ عليه قراءة "أنزلنا" بالهمز، وجعل الزمخشري التضعيف هنا دالاًّ على نزوله منجماً في أوقات مختلفة. قال بعضهم: "وهذا الذي ذهب إليه في تضعيف الكلمة هنا، هو الَّذي يعبر عنه بالتكثير أي يفعل مرة بعد مرة، فيدل على ذلك بالتضعيف ويعبر عنه بالكثرة" قال: "وذهل عن قاعدة، وهي أن التضعيف الدّال على ذلك من شرطه أن يكون في الأفعال المتعدّية قبل التضعيف غالباً نحو: "جَرَّحْتُ زِيْداً، وفَتَّحْتُ الباب"، ولا يقال "جَلَّس زيدٌ" و "نَزَّل" [لأنه] لم يكن متعدياً قبل التضعيف، وإنَّ ما جعله متعدياً تضعيفه". وقوله: "غالباً" لأنه قد جاء التضعيف دالاًّ على الكثرة في اللاَّزم قليلاً نحو: "مَوَّت المال"، وأيضاً فالتضعيف الدَّال على الكثرة لا يجعل القاصر متعدياً، كما تقدم في "مَوَّتَ المال" و "نَزَّل" كان قاصراً، فصار بالتضعيف متعدياً، فدلّ على أنَّ تضعيفه للنقل لا للتكثير، وأيضاً كان يحتاج قوله تعالى: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} تفسير : [الفرقان: 32] إلى تأويل، وأيضاً فقد جاء التضعيف حيث لا يمكن فيه التكثير، نحو قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ءَايَةٌ} تفسير : [الأنعام: 37]، {أية : لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً } تفسير : [الإسراء: 95] إلا بتأويل بعيد جدًّا، إذ ليس المعنى على أنهم اقترحوا تكرير نزول [آية، ولا أنه علق تكرير نزول] مَلَك رسول على تقدير كون ملائكة في الأرض. وفي قوله: {نَزَّلْنَا} التفات من الغيبة إلى التكلّم؛ لأن قبله: {أية : ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} تفسير : [البقرة: 21] فلو جاء الكلام عليه لقيل: "مما نزّل عَلَى عَبْدِهِ" ولكن التفت للتفخيم. و "عَلَى عَبْدِنَا" متعلّق بـ "نَزَّلْنَا" وعُدِّي بـ "على" لإفادتها الاستعلاء، كأن المنزل تمكّن من المنزول عليه ولبسه، ولهذا جاء أكثر القرآن بالتعدّي بها دون "إلى" فإنها تفيد الانتهاء والوصول فقط، والإضافة في "عبدنا" تفيد التشريف؛ كقوله: [السريع] شعر : 288- يَا قَوْمِ قَلْبي عِنْدَ زَهْرَاءِ يَعْرِفُهُ السَّامِعُ وَالرَّائِي لاَ تَدْعُنِي إلاَّ بِيَا عَبْدَهَا فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَسْمَائِي تفسير : وقرىء "عبادنا" فقيل: المراد النبي - عليه الصلاة والسلام - وأمته؛ لأن جدوى المنزل حاصل لهم. وقيل: المراد بهم جميع الأنبياء عليهم السلام. والعبد: مأخوذ من التعبد، وهو التذلل؛ قال طَرَفَةُ: [الطويل] شعر : 289- إِلَى أَنْ تَحَامَتْنِي العَشِيرَةُ كُلُّها وأُفْرِدْتُ إِفْرَادَ البَعِيرِ المُعَبَّدِ تفسير : أي: المذلَّل. ولما كانت العبادة أشرف الخصال والتسمّي بها أشرف الخطط سمَّى نبيه عبداً. قوله: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ} جواب الشرط، والفاء هنا واجبة؛ لن ما بعدها لا يصحّ أن يكون شرطاً بنفسه، وأصل "فأتوا" "إأْتِيُوا" مثل: اضربوا، فلهمزة الأولى همزة وصل أُتي بها للابتداء بالسَّاكن، والثَّانية فاء الكلمة، فلما اجتمع همزتان، وجب قلب ثانيهما ياءً على حَدّ "إيمان" وبابه، واستثقلت "الضمة" على "الياء" التي هي "لام" الكلمة فقدرت، فسكنت "الياء"، وبعدها "واو" الضمير ساكنة، فحذفت "الياء" لالتقاء ساكنين، وضُمّت "التاء" للتجانُسِ، فوزن "ايتوا": "افعوا"، وهذه الهمزة إنما يحتاج إليها ابتداءً، أما في الدَّرْج فإنه يُسْتَغْنَى عنها، وتعودُ الهمزةُ التي هي "فاءُ" الكلمة؛ لأنّها إنّما قُلِبَتْ ياءً للكسرِ الذي كان قبلها، وقد زال نحو: "فأتوا" وبابه، وقد تحذف الهمزة التي هي "فاء" الكلمة في الأمر كقوله: [الطويل] شعر : 290- فَإِنْ نَحْنُ لَمْ نَنْهَضْ لَكُمْ فَنَبَرَّكُمْ فَتُونَا فَعَادُونَا إذاً بَالجَرَائِمِ تفسير : يريد: فأتونا كقوله: فأتوا. قال ابن كيسان: "وهو أمر معناه التعجيز؛ لأنه - تعالى - علم عجزهم عنه". و "بسورة" متعلّق بأتُوا، والسورة واحدة السُّوَر، وهي طائفة من القُرْآن. وقيل: السُّورة الدَّرجة الرفيعة، قال النابغة: [الطويل] شعر : 291- أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَعْطَاكَ سُورَةً تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دُونَها يَتَذَبْذَبُ تفسير : وسميت سورة القرآن بذلك؛ لأن قارئها يشرف بها وترفعه، أو لرفعة شأنها، وجلالة محلّها في الدِّين، وإن جعلت واوها منقلبة عن "الهمزة"، فيكون اشتقاقها من "السُّؤْر"، وهو البقية، والفضلة؛ ومنه: "أَسْأَرُوا في الإِنَاءِ"؛ قال الأعشى: [المتقارب] شعر : 292- فَبَانَتْ وَقَدْ أَسْأَرتْ في الفُؤَا دِ صَدْعاً عَلَى نَأْيِهَا مُسْتَطِيرَا تفسير : أي: أَبْقَتْ، ويدلّ على ذلك أن "تميماً" وغيرها يهمزون فيقولون: سؤرة بالهمزة. وسميت سورة القرآن بذلك؛ لأنها قطعة منه، وهي على هذا مخفّفة من "الهمز". وقيل: اشتقاقها من سُور البناء؛ لأنها تحيط بقارئها، وتحفظه كَسُورِ المدينة، ولكنّ جَمْعَ سُورةِ القرآن سُوَر بفتح الوَاوِ، وجَمْعَ سُورةِ البناء سُوْر بسكونها، ففرقوا بينهما في الجمع. فإن قيل: ما فائدةُ تقطيع القُرْآن سُوَراً؟ قلنا: وجوه: أحدها: ما لأجله بوب المصنِّفون كتبهم أبواباً وفصولاً. وثانيها: أن الجنس إذا حصل تحته كان إفراد كل نوع من صاحبه أحسن. وثالثها: أنَّ القارىء إذا ختم سورة، أو باباً من الكتاب، ثم أخذ في آخر كان أنشط له، كالمسافر إذا علم أنه قطع ميلاً أو طوى فرسخاً نشطه للمسير. فَصْلٌ في بيان أن ترتيب القرآن توقيفي قال ابن الخطيب: قوله: "فأتوا بسورة" يدلُّ على أن القرآن وما هو عليه من كونه سوراً هو على حدّ ما أنزله الله - تعال- بخلاف قول كثير من أهل الحديث، أنه نظم على هذا الترتيب في أيام عثمان، فلذلك صحّ التحدِّي بالقرآن على وجوه: أحدها: قوله: {أية : فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ} تفسير : [القصص: 49]. وثانيها: قوله: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} تفسير : [الإسراء: 88]. وثالثها: قوله: {أية : فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} تفسير : [هود: 13]. ورابعها: قوله: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة: 23]، ونظير هذا لمن يتحدّى صاحبه فيقول: ائتني بمثله، ائتني بنصفه، ائتني بربعه، ائتني بمسألة مثله، فإن هذا هُوَ النّهاية في التحدّي، وإزالة العُذْر. قوله: {مِّن مِّثْلِهِ} في الهاء ثلاثة أقوال: أحدهما: أنها تعود على "ما نَزَّلنا" عند الجمهور كعمرو، وابن مسعود، وابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد، وغيرهم، فيكون "من مثله" صفة لـ "سورة"، ويتعلّق بمحذوف على ما تقرر: أي بسورة كائنة من مثل المنزل في فصاحته، وإخباره بالغيوب، وغير ذلك، ويكون معنى "من" التبعيض. واختار ابن عطية والمَهْدَويّ أن تكون للبيان، وأجازا هما وأبو البقاء أن تكون زائدة ولا تجيء إلاَّ على قول الأخفش. الثاني: أنها تعود على "عَبْدنا" فيتعلّق "من مثله" بـ "أتوا"، ويكون معنى "من" ابتداء الغاية، ويجوز على هذا الوجه أيضاً أن تكون صفة لسورة أي: "بسورة كائنة من رجل مثل عبدنا أمي لا يقرأ ولا يكتب". قال القرطبي: و "من" على هذين التأويلين للتبعيض. الثالث: قال أبو البقاء: إنها تعود على الأنداد بلفظ المفرد كقوله: {أية : وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ} تفسير : [النحل: 66] ولا حاجة تدعو إلى ذلك، والمعنى يأباه أيضاً. قال القرطبي: وقيل: يعود على التوراة والإنجيل، والمعنى: فأتوا بسورة من كتاب مثله؛ فإنها تصدِّق ما فيه، والوقف على "مثله" ليس بتام؛ لأن "وادعوا" نسق عليه. قوله: {وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم} هذه جملة أمر معطوفة على الأمر قبلها، فهي في مَحَلّ جزم أيضاً، ووزن "ادعوا" افعوا؛ لأن لام الكلمة محذوف دلالة على السكون في الأمر الذي هو جزم في المُضَارع، و "الواو" ضمير الفاعلين. و "شهداءكم" مفعول به جمع "شهيد" كظريف. وقيل: بل جمع "شاهد" كـ "شاعر" والأوّل أولى؛ لاطَِّرَادِ "فعلاء" في "فعيل" دون فاعل، والشهادة الحضور، وفي المراد من الشهداء وجهان: الأول: المراد من الشهداء الأوثان. والثاني: المراد من الشهداء أكابرهم، أو من يوافقهم في إنكار أمر محمد عليه الصلاة والسلام، والمعنى: ادعوا أكابركم، ورؤساءكم ليعينوكم على المُعَارضة، أو ليشاهدوا ما تأتون به، فيكون [الرد على الجميع أوكد]. و "من دون الله" متعلّق بـ "ادعوا" من دون الله شهداءكم، فلا تستشهدوا بالله، فكأنه قال: وادعوا من غير الله من يشهد لكم، ويحتمل أن يتعلّق بـ "شهداءكم" والمعنى: ادعوا من اتخذتموه من دون الله، وزعمتم أنهم يشهدون لكم بصحّة عبادتكم إياهم، وأعوانكم من دون أولياء الله الذين تستعينون بهم دون الله، أو يكون معنى "من دون الله" بين يدي الله؛ كقوله: [الطويل] شعر : 293- تُرِيكَ القَذَى مِنْ دُونِهَا وَهْيَ دُونَهُ لِوَجْهِ أَخِيهَا في الإِنَاءِ قُطُوبُ تفسير : أي: تريك القذى قُدَّامها وهي قُدَّامه؛ لرقَّتها وصفَائِها. واختار أبو البقاء أن يكون "من دُونِ الله" حالاً من "شهدائكم" والعامل فيه محذوف قال: "تقديره: شهدائكم منفردين عن الله، أو عن أنصار الله". و "دون" من ظروف الأمكنة، ولا تتصرّف على المشهور إلا بالجر بـ "مِنْ". وزعم الأخفش أنها متصرّفة، وجعل من ذلك قوله تعالى: {أية : وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ} تفسير : [الجن: 11] فقال: "دون" مبتدأ و "منّا" خبره، وإنما بني لإضافته إلى مبنيٍّ، وقد شذَّ رفعُهُ خبراً في قول الشاعر: [الطويل] شعر : 294- أَلَمْ تَر أَنِّي قَدْ حَمَيْتُ حَقِيقَتي وبَاشَرْتُ حَدَّ المَوْتِ وَالمَوْتُ دُونُهَا تفسير : وهو من الأسماء اللاَّزمة للإضافة لفظاً ومعنى. وأمّا "دون" التي بمعنى رديء فتلك صفة كسائر الصفات، تقول: "هذا ثوب دُون"، و "رأيت ثوباً دوناً" أي: رديئاً، وليست مما نحن فيه. و "دون" أيضاً نقيض "فوق" ويقال: هذا دون ذاك، أي: أقرب منه، ويقال في الأخذ بالشَّيء: دونكه. قال تميم للحجَّاج: أَقْبِرنا صالحاً - وكان قد صلبه - فقال: دونكموه. قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} هذا شرط حذف جوابه للدلالة عليه تقديره: إن كنتم صادقين فافعلوا، ومتعلّق الصدق محذوف، والظاهر تقديره هكذا: إن كنتم صادقين في كونكم في رَيْبٍ من المنزل على عبدنا أنه من عندنا. وقيل: فيما تقدرون عليه من المُعَارضة، وقد صرّح بذلك عنهم في آية أُخْرَى، حيث قال تعالى حاكياً عنهم: {أية : لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا} تفسير : [الأنفال: 31] والصدق ضد الكذب وقد تقدم، والصّديق مشتقٌّ منه لصدقه في الوُدِّ والنُّصحِ، والصّدْق من الرماح: الصُّلبة. فَصلٌ في التهكم بالكافرين قال ابن الخطيب: "وفي أمرهم بأن يستظهروا بالجماد الذي ينطق في معارضة القرآن المعجز بالفصاحة غاية التهكم بهم". فصل في الاحتجاج على الجبرية قال القاضي: هذا التحدّي يبطل القول بالجَبْرِ من وجوه: أحدها: أنه مبني على تعذُّر مثله ممن يصح الفعل منه، فمن ينفي كون العبد فاعلاً لم يمكنه إثبات التحدّي أصلاً، وفي هذا إبطال الاستدلال بالمعجز. وثانيها: أن تعذُّره على قولهم يكون لفقد القدرة الموجودة، ويستوي في ذلك ما كان معجزاً، وما لا يكون، فلا يصح معنى التحدي على قولهم. وثالثها: أن ما يضاف إلى العبد فالله - تعالى - هو الخالق له، فتحديه يعود في التحقيق إلى أنه مُتَحَدٍّ لنفسه، وهو قادرٌ على مثله من غير شك فيجب ألا يثبت الإعجاز على هذا القول. ورابعها: أنّ المعجز إنما يدلّ بما فيه من بعض العادة، فإذا كان من قولهم: إن المعتاد أيضاً ليس بفعل لم يثبت هذا الفرق، فلا يصحّ الاستدلال بالمعجز. وخامسها: أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم يحتج بأنه - تعالى - إنما خصّه بذلك، تصديقاً له فيما ادَّعَاه، ولو لم يكن ذلك من قِبَلِهِ - تعالى - لم يكن داخلاً في الإعجاز، وعلى قولهم بالجبر لا يصح هذا الفرق؛ لأن المعتاد وغير المعتاد لا يكون إلاَّ من قبله. والجواب: أن المطلوب من التحدي أن يأتي الخصم بالمتحدّى به قصداً، وأن يقع ذلك منه اتفاقاً. والثاني باطل؛ لأن الاتفاقيات لا تكون في وُسْعِهِ، فثبت الأول، وإذا كان كذلك ثبت أن إتيانه بالمتحدى موقوف على أن يحصل في قلبه قصد إليه، فذاك القصد إن كان منه لزم التسلسل، وهو محال، وإن كان من الله - تعالى - فحينئذ يعود الجبر، ويلزمه كل ما أورده علينا، فبطل كل ما قال. قوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ} "إن" الشرطية داخلة على جملة "لم تفعلوا" و "تفعلوا" مجزوم بـ "لم"، كما تدخل "إن" الشرطية على فعل منفي بـ "لا" نحو: {أية : إِلاَّ تَفْعَلُوهُ} تفسير : [الأنفال: 73]، فيكون لم تفعلوا في محل جزم بها. وقوله: "فاتقوا" جواب الشَّرط، ويكون قوله: {وَلَن تَفْعَلُواْ} جملة معترضة بين الشرط وجزائه. وقال جماعة من المفسّرين: معنى الآية: وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، [ولن تفعلوا فإن لم تفعلوا فاتقوا النَّار، وفيه نظر لا يخفى، وإنما قال تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ] وَلَن تَفْعَلُواْ} فعبر بالفعل عن الإتيان؛ لأن الفعل يجري مجرى الكناية، فيعبر به عن كل فعل، ويغني عن طول ما تكنى به. وقال الزمخشري: "لو لم يعدل من لفظ الإتيان إلى لفظ الفعل، لاسْتُطِيعَ أن يقال: فإن لم تأتوا بسورة من مثله، ولن تأتوا بسورة من مثله". قال أبو حيان: "ولا يلزم ما قال؛ لأنه لو قال: "فإن لم تأتوا ولن تأتوا" كان المعنى على ما ذكر، ويكون قد حذف ذلك اختصاراً، كما حذف اختصاراً مفعول "لم تفعلوا، ولن تفعلوا" ألا [ترى] أن التقدير: فإن لم تفعلوا الإتيان بسورة من مثله، ولن تفعلوا الإتيان بسورة من مثله؟". فإن قيل: كيف دخلت "إن" على "لم" ولا يدخل عامل على عامل؟ فالجواب: أَنَّ "إنْ" ها هنا غير عاملة في اللفظ، ودخلت على "لم" كما تدخل على الماضي، لأنها لا تعمل في "لم" كما لم تعمل في الماضي، فمعنى "إن لم تفعلوا" إن تركتم الفعل. و "لَنْ" حرف نصف معناه نفي المستقبل، ويختص بصيغة المضارع كـ "لَمْ" ولا يقتضي نفيُهُ التَّأبيدَ، وليس أقلَّ مدة من نفي "لاَ"، ولا نونُه بدلاً من ألف "لاَ"، ولا هو مركَّباً من "لاَ أَنْ"؛ خلافاً للخليل، وزعم قومٌ أنها قد تجزم، منهم أبو عُبَيْدَة؛ وأنشدوا: [الخفيف] شعر : 295- لَنْ يَخِبِ الآنَ مِنْ رَجَائِكَ مَنْ حَرْ رَكَ مِنْ دُونِ بَابِكَ الحَلْقَهْ تفسير : وقال النابغة: [البسيط] شعر : 296-........................ فَلَنْ أُعْرِّضْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ بِالصَّفَدِ تفسير : ويمكن تأويل ذلك بأنه مما سُكِّن فيه للضَّرورة. قوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} هذا جواب الشرط كما تقدم، والكثير في لغة العرب: "اتَّقَى يَتَّقِي" على افْتَعَلَ يَفْتَعِلُ، ولغة "تميم" و "أسد" تَقَى يَتْقِي: مثل: رَمَى يَرْمِي، فيسكنون ما بعد حرف المضارعة؛ حكى هذه اللغة سيبويه، ومنهم من يحرك ما بعد حرف المضارعة؛ وأنشدوا: [الوافر] شعر : 297- تَقُوهُ أَيُّهَا الفِتْيَانُ إنِّي رَأَيْتُ اللهَ قَدْ غَلَبَ الجُدُودَا تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 298-...................... تَقِ اللهَ فِينَا وَالكِتَابَ الَّذِي تَتْلُو تفسير : قوله تعالى: {ٱلنَّارَ} مفعول به، و "الَّتي" صفتها، وفيها أربعُ اللغات المتقدِّمة، كقوله: [الكامل] شعر : 299- شُغِفَتْ بِكَ اللَّتْ تَيَّمَتْكَ فَمِثْلُ مَا بِكَ مَا بِهَا مِنْ لَوْعَةٍ وَغَرَامِ تفسير : وقال آخر: [الوافر] شعر : 300- فَقُلْ لِلَّتْ تَلُومُكَ إنَّ نَفْسِي أَرَاهَا لاَ تُعَوَّذُ بَالتَّمِيمِ تفسير : و "وقودها النَّاس والحجارة" جملة من مبتدأ وخبر، صلة وعائد، والألف واللام في "النار" للعهد. فإن قيل: الصِّلة مقررة، فيجب أن تكون معلومةً فكيف علم أولئك أن نار الآخرة توقد بالناس والحجارة؟ والجواب: لا يمتنع أن يتقدّم لهم بهذه الصّلة معهودة عند السامع بدليل قوله تعالى: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} تفسير : [النجم: 10] وقوله: {أية : إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ} تفسير : [النجم: 16] وقوله: {أية : فَغَشَّاهَا مَا غَشَّىٰ} تفسير : [النجم: 54] وقال: {أية : فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} تفسير : [طه: 78] إلا أنه خلاف المشهور أو لتقدم ذكرها في سورة التحريم - وهي مدينة بالاتفاق - وقد غلط الزمخشري في ذلك. والمشهور فتح واو الوقود، وهو اسم ما يوقد به. وقيل: هو مصدر كالوَلوع والقَبُول والوَضُوء والطَّهُور، ولم يجىء مصدر على "فَعُول" غير هذه الألفاظ فيما حكاه سيبويه. وزاد الكسائي: الوَزُوع. وقرىء شاذًّا في سورة "ق" {وَمَا مَسَّنَا مِن لَغُوبٍ} [ق: 38] فتصير سبعة، وهناك ذكرت هذه القراءة، ولكن المشهور أن الوَقُود والوَضُوء والطَّهُور بالفتح اسم، وبالضم مصدر. وقرأ عيسى بن عمر بفتحها وهو مصدر. وقال ابن عطية: وقد حُكيا جميعاً في الحطب، وقد حكيا في المصدر. انتهى. فإن أريد اسم ما يوقد به فلا حاجة إلى تأويل، وإن أريد بهما المصدر فلا بد من تأويل، وهو إما المُبَالغة أي: جُعِلُوا نفس التوقد مبالغة في وضعهم بالعذاب، وإمَّا حذف مضاف، إمّا من الأول أي أصحاب توقدها، وإمّا من الثاني أي: يوقدها إحراق الناس، ثم حذف المُضَاف، وأقيم المضاف إليه مُقَامه. والهاء في "الحِجَارة" لتأنيث الجمع. فَصْلٌ في تثنية "الَّتي" وجَمْعِهِ وفي تثنية "الّتي" ثلاث لغاتٍ: "اللَّتَانِ"، و "اللَّتَا" بحذف النون، و "اللَّتَانّ" بتشديد النون، وفي جمعها خَمْسُ لُغَاتٍ: "اللاَّتي" - وهي لغة القرآن - و "اللاَّتِ" - بكسر التاء بلا ياء - و "اللَّوَاتي"، و "اللَّوَاتِ" - بلا ياء، وأنشد أبو عُبَيْدة: [الرجز] شعر : 301- مِنَ اللَّوَاتِي وَالَّتِي وَاللاَّتِ زَعَمْنَ أَنِّي قَدْ كَبِرْتُ لِدَاتي تفسير : و "اللَّوَاءِ" بإسقاط "التاء" حكاه الجوهريُّ. وزاد ابن الشَّجَرِيِّ: "اللاَّئي" بالهمز وإثبات "الياء"، و "اللاءِ" بكسر "الهمزة" وحذف "الياء" و "اللاّ" بحذف الهمزة، فإن جمعت الجمع، قلتَ في "اللاتي": "اللواتي" وفي "اللائي": "اللوائي". قال الجوهريُّ: وتصغير "الَّتي" "اللَّتَيَّا" بالفتح والتشديد، قال الراجز: [الرجز] شعر : 302- بَعْدَ اللَّتَيَّا واللَّتَيَّا وَالَّتِي إذَا عَلَتْهَا أَنْفُسٌ تَرَدَّتِ تفسير : وبعض الشعراء أدخل على "الَّتي" حرْفَ النداء، وحروف النداء لا تدخلُ على ما فيه الألف واللام إلاَّ في قولنا: "يَا أَللَّه" وحده، فكأنه شبهها به؛ من حيث كانت الألفُ واللاَّمُ غير مفارقتين لها، وقال: [الوافر] شعر : 303- مِنْ اجْلِكِ يَا الَّتي تَيَّمْتِ قَلْبِي وَأَنْتِ بَخِيلَةٌ بِالوُدِّ عَنِّي تفسير : ويقال: "وقع فُلاَنٌ في اللَّتَيَّا وَالَّتي" وهما اسمان من أسماء الداهِيَة. فَصْلٌ قال ابن الخطيب: انتفاء إتيانهم بالسورة واجبٌ، فهلاَّ جيء بـ "إذا" الذي للوجوب دون "إن" الذي للشك؟ والجواب: من وجهين: أحدهما: أنه ساق القول معهم على حسب حسابهم، وأنهم لم يكونوا بعد جازمين بالعجز عن المُعَارضة؛ لاتكالهم على فصاحتهم، واقتدارهم على الكلام. والثَّاني: أنه تهكّم بهم كما يقول الموصوف بالقوة الواثق من نفسه بالغلبة لمن هو دونه: "إن غلبتك لم أُبْقِ عليك"، وهو عالم أنه غالبه تهكماً به. فإن قيل: ما معنى اشتراطه في اتقاء النار انتفاء إتيانهم بسورة من مثله. والجواب: إذا ظهر عجزهم عن المُعَارضة صَحّ عندهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذا صَحّ ذلك ثم لزموا العِنَادَ استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، فأقيم المؤثر مقام الأثر، وجعل قوله: {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} قائماً مقام قوله: فاتركوا العناد، فأناب إبقاء النار منابه. و "الحجارة" روي عن ابن مسعود والفراء - رضي الله تعالى عنهما - أنها حجارة الكبريت، وخصّت بذلك؛ لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب: سرعة الإيقاد، ونتن الرائحة، وكثرة الدُّخَان، وشدّة الالتصاق بالأبدان، وقوة حرها إذا حميت. وقيل: المراد بالحجارة الأصنام، لأنهم لما قرنوا أنفسهم بها في الدنيا حيث نحتوها أصناماً، وجعلوها أنداداً لله، وعبدوها من دونه قال تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98] وفي معنى "الناس والحجارة" و "حصب جهنم" في معنى "وقودها". ولما اعتقد الكفار في حجارتهم المعبودة من دون الله أنها الشّفعاء، والشهداء الذين يشفعون لهم، ويستدفعون بها المضار عن أنفسهم جعلهم الله عذابهم، فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغاً في تحسيرهم، ونحوه ما يفعل بالكافرين الذين جعلوا ذهبهم وفضتهم عدة وذخيرة فشحُّوا بها، ومنعوها من الحقوق، حيث يحمى عليها في نار جهنّم، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم. قال ابن الخطيب: والقول بأنها حجارة الكبريت تخصيص بغير دليل، بل فيه ما يدلّ على فساده؛ لأن الغرض هُنَا تفخيم صفة النَّار، والإيقاد بحجارة الكبريت أمر معتاد، فلا يدلّ الإيقاد بها على قوة النار. أما لو حملنا على سائر الحجارة، دلّ على عظم أمر النار؛ فإن سائر الأحجار تطفأ بها النيران، فكأنه قال: تلك النَّار نار بلغت لقوتها أن تتعلّق في أوّل أمرها بالحجارة التي هي مطفئة لنيران الدُّنيا. قال القرطبي: "وليس في قوله تعالى: {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} [البقرة: 24] دليلٌ على أنه ليس فيها غير الناس والحجارة، بدليل ما ذكره في غير موضع، مع كون الجن والشياطين فيها" وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : كل مؤذٍ في النَّار" تفسير : وفي تأويله وجهان: أحدهما: كل من آذى الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة بالنار. والثاني: أن كل ما يؤذي النَّاس في الدنيا من السِّباع والهوام وغيرها في النار معدّ لعقوبة أهل النار. وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه النار المخصوصة بالحجارة هي للكافرين خاصّة. روى مسلم حديث : عن العباس بن عبد المطّلب - رضي الله عنه - قال: قلت: يا رسول الله، إنّ أبا طالب كان يحوطك وينصرك، فهل ينفعه ذلك؟ قال: "نعم، وَجَدْتُهُ في غَمَرَاتٍ من النَّارِ فأخرجته إلى ضَحْضَاحٍ" . تفسير : وفي رواية: "حديث : ولَوْلاَ أَنَا لكان في الدَّرْكِ الأَسْفَلِ من النار" تفسير : ويدلُّ على هذا التأويل قوله: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}. وقال ابن الخطيب: وليس فيها ما يدلُّ على أنه ليس هناك نيران أخر غير موصوفة بهذه الصِّفة، معدّة لفساق أهل الصلاة. قوله تعالى: {أُعِدَّتْ} فعلٌ لما لم يسمَّ فاعلُهُ، والقائم مقام الفاعل ضمير "النَّارِ"، والتاء واجبةٌ، لأن الفعل أسند إلى ضمير المؤنَّث، ولا يلتفَتُ إلى قوله: [المتقارب] شعر : 304- فَلاَ مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ إبْقَالَهَا تفسير : لأنه ضرورةٌ؛ خلافاً لابن كَيْسَان. و "للكافرين" متعلّق به، ومعنى "أُعِِدَّتْ": هُيِّئَتْ؛ قال: [مجزوء الكامل] شعر : 305- أَعْدَدْتُ لِلْحَدَثَانِ سَا بِغَةً وَعَدَّاءً عَلَنْدَى تفسير : وقرىء: "أُعْتِدَتْ" من العَتَاد بمعنى العدة، وهذه الجملة الظاهر أنها لا محلّ لها، لكونها مستأنفة جواباً لمن قال: لمن أعدت؟ وقال أبو البَقَاء: محلها النصب على الحال من "النار"، والعامل فيها "اتقوا". قيل: وفيه نظر، فإنها معدة للكافرين اتقوا أم لم يتقوا، فتكون حالاً لازمة، لكن الأصل في الحال التي ليست للتوكيد أن تكون منتقلة، فالأولى أن تكون استئنافاً. قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تكون حالاً من الضمير في "وقودها" لثلاثة أشياء: أحدها: أنها مضاف إليها. الثاني: أن الحطب لا يعمل يعني أنه اسم جامد. الثالث: الفصل بين المصدر أو ما يعمل عمله، وبين ما يعمل فيه الخبر وهو "الناس"، يعني أن الوقود بالضم، وإن كان مصدراً صالحاً للعمل، فلا يجوز ذلك أيضاً؛ لأنه عامل في الحال، وقد فصلت بينه وبينها بأجنبي، وهو "الناس" وقال السّجستاني: "أعدّت للكافرين" من صلة "التي" كقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} تفسير : [آل عمران: 131]. قال ابن الأَنْبَاري: وهذا غلط؛ لأن "التي" هنا وصلت بقوله: "وقودها الناس" فلا يجوز أن توصل بصلة ثانية، بخلاف التي في "آل عمران". قلت: ويمكن ألا يكون غلطاً؛ لأنا لا نسلم أن "وقودها الناس" - والحالة هذه - صلة، بل إما معترضة، لأن فيها تأكيداً وإما حالاً، وهذان الوجهان لا يمنعهما معنى، ولا صناعة.
البقاعي
تفسير : ولما ثبتت هذه الأدلة فوجب امتثال ما دعت إليه ولم يبق لمتعنت شبهة إلا أن يقول: لا أفعل حتى أعلم أن هذا الكتاب الذي تقدم أنه الهدى كلام الله، قال مبيناً إنه من عنده نظماً كما كان من عنده معنى محققاً ما ختم به التي قبلها من أن من توقف عما دعا إليه من التوحيد وغيره لا علم له بوجه، وأتى بأداة الشك سبحانه مع علمه بحالهم تنبيهاً على أنه من البعيد جداً أن يجزم بشكهم بعد هذا البيان {وإِن} أي فإن كنتم من ذوي البصائر الصافية والضمائر النيرة علمتم بحقية هذه المعاني وجلالة هذه الأساليب وجزالة تلك التراكيب أن هذا كلامي، فبادرتم إلى امتثال ما أمر والانتهاء عما عنه زجر. {وإن كنتم في ريب} أي شك محيط بكم من الكتاب الذي قلت - ومن أصدق مني قيلاً - إنه {لا ريب فيه}. وأشار هنا أيضاً إلى عظمته وعظمة المنزل عليه بالنون التفاتاً من الغيبة إلى التكلم فقال: {مما نزلنا} قال الحرالي: من التنزيل وهو التقريب للفهم بتفصيل وترجمة ونحو ذلك - انتهى. {على عبدنا} أي الخالص لنا الذي لم يتعبد لغيرنا قط، فلذلك استحق الاختصاص دون عظماء القريتين وغيرهم، فارتبتم في أنه كلامنا نزل بأمرنا وزعمتم أن عبدنا محمداً أتى به من عنده لتوهمكم أن فيما سمعتم من الكلام شيئاً مثله لأجل الإتيان به منجماً أو غير ذلك من أحواله. {فأتوا} أي على سبيل التنجيم أو غيره، قال الحرالي: الآتي بالأمر يكون عن مكنة وقوة {بسورة} أي نجم واحد. قال الحرالي: السورة تمام جملة من المسموع يحيط بمعنى تام بمنزلة إحاطة السور بالمدينة - انتهى. وتفصيل القرآن إلى سور وآيات، لأن الشيء إذا كان جنساً وجعلت له أنواع واشتملت أنواعه على أصناف كان أحسن وأفخم لشأنه وأنبل ولا سيما إذا تلاحقت الأشكال بغرابة الانتظام، وتجاوبت النظائر بحسن الالتيام، وتعانقت الأمثال بالتشابه في تمام الأحكام وجمال الأحكام، وذلك أيضاً أنشط للقارىء وأعظم عنده لما يأخذه منه مسمى بآيات معدودة أو سورة معلومة وغير ذلك {من مثله} أي من الكلام الذي يمكنكم أن تدعوا أنه مثل ما نزلنا كما قال: {أية : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله} تفسير : [الإسراء: 88] فإن عبدنا منكم ونشأ بين أظهركم، فهو لا يقدر على أن يأتي بما لا تقدرون على مثله إلا بتأييد منا. ولما كانوا يستقبحون الكذب قال: {وادعوا شهداءكم} أي من تقدرون على دعائه من الموجودين بحضرتكم في بلدتكم أو ما قاربها، والشهيد كما قال الحرالي من يكثر الحضور لديه واستبصاره فيما حضره - انتهى. {من دون الله} أي لينظروا بين الكلامين فيشهدوا بما تؤديهم إليه معرفتهم من المماثلة أو المباينة فيزول الريب ويظهر إلى الشهادة الغيب أو ليعينوكم على الإتيان بمثل القطعة المحيطة التي تريدون معارضتها. قال الحرالي: والدون منزلة القريب فالقريب من جهة سفل، وقد عقلت العرب أن اسم الله لا يطلق على ما ناله إدراك العقل فكيف بالحس! فقد تحققوا أن كل ما أدركته حواسهم ونالته عقولهم فإنه من دون الله - انتهى. ففي التعبير به توبيخ لهم بأنهم لم يرضوا بشهادته سبحانه. وحكمة الإتيان بمن التبعيضية في هذه السورة دون بقية القرآن أنه سبحانه لما فرض لهم فيها الريب الذي يلزم منه زعمهم أن يكونوا اطلعوا له على مثيل أو سمعوا أن أحداً عثر له على شبيه اقتضى الحال الإتيان بها ليفيد أن المطلوب منهم في التحدي قطعة من ذلك المثل الذي ادعوه حكيمة المعاني متلائمة المباني منتظم أولها بآخرها كسور المدينة في صحة الانتظام وحسن الالتيام والإحاطة بالمباني التي هي كالمعاني والتقاء الطرفين حتى صار بحيث لا يدرى أوله من آخره سواء كانت القطعة المأتي بها تباري آية أو ما فوقها لأن آيات القرآن كسورة يعرف من ابتدائها ختامها ويهدي إلى افتتاحها تمامها، فالتحدي هنا منصرف إلى الآية بالنظر الأول وإلى ما فوقها بالنظر الثاني. والمراد بالسورة هنا مفهومها اللغوي، لأنها من المثل المفروض وهو لا وجود له في الخارج حتى يكون لقطعة اصطلاح في الأسماء معروف، ولأن معرفة المعنى الاصطلاحي كانت مخصوصاً بالمصدقين ولو أريد التحدي بسورة من القرآن لقيل: فائتوا بمثل سورة منه، ولما كان هذا هو المراد قصرهم في الدعاء على من بحضرتهم من الشهداء وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة يونس عليه السلام وبقية السور المذكورة فيها هذا المعنى ما يتم به هذا الكلام. وفي قوله: {إن كنتم صادقين} إيماء إلى كذبهم في دعوى الشك فيه، قال الحرالي: والصادق الذي يكون قول لسانه وعمل جوارحه مطابقاً لما احتوى عليه قلبه مما له حقيقة ثابتة بحسبه، وقال: اتسقت آية تنزيل الوحي بآية إنزال الرزق لما كان نزول ما نزل على الرسول المخصص بذلك ينبغي اعتباره بمقابلة نزول الرزق، لأنهما رزقان: أحدهما ظاهر يعم الكافر في نزوله، والآخر وهو الوحي رزق باطن يخص الخاصة بنزوله ويتعين له أيهم أتمهم فطرة وأكملهم ذاتاً؛ ولم يصلح أن يعم بنزول هذا الرزق الباطن كعموم الظاهر، فتبطل حكمة الاختصاص في الرزقين، فإن نازعهم ريب في الاختصاص فيفرضون أنه عام فيحاولون معارضته، وكما أنهم يشهدون بتمكنهم من الحس عند محاولته عمومه فكذلك يجب أن يشهدوا بعجزهم عن سورة من مثله تحقق اختصاص من نزل عليه به وأجرى ذكره باسم العبودية إعلاماً بوفائه بأنحاء التذلل وإظهاراً لمزية انفراده بذلك دونهم ليظهر به سبب الاختصاص. وانتظم النون في {نزلنا} من يتنزل بالوحي من روح القدس والروح الأمين ونحو ذلك، لأنها تقتضي الاستتباع، واقتضت النون في لفظ {عبدنا} ما يظهره النبي صلى الله عليه وسلم لهم من الانقياد والاتباع وما اقتضاه خلقه العظيم من خفض الجناح، حتى أنه يوافق من وقع على وجه من الصواب من أمته صلى الله عليه وسلم، وحتى أنه يتصف بأوصاف العبد في أكله كما قال: "آكل كما يأكل العبد" انتهى. والتحدي بسورة يشمل أقصر سورة كالكوثر ومثلها في التحدي آية مستقلة توازيها وآيات، كما قاله الإمام جلال الدين محمد بن أحمد المحلي في شرح جمع الجوامع، وسبقه الإمام شمس الدين محمد بن عبد الدائم البرماوي فنظمه في القنية في الأصول ونقله في شرحها عن ظاهر كلام إمام الحرمين في الشامل وعن كلام الفقهاء في الصداق فيما لو أصدقها تعليم سورة فلقنها بعض آية، وسبقهما العلامة سعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني فقال في تلويحه على توضيح صدر الشريعة: المعجز هو السورة أو مقدارها هكذا ذكر الذين تكلموا في الإعجاز من الأصوليين وغيرهم أن التحدي وقع بسورة من القرآن، والصواب أنه إنما وقع بقطعة آية فما فوقها، لأن المراد بالسورة مفهومها اللغوي لا الاصطلاحي كما تقدم بيانه. والحاصل أنه لما كان في آيات المنافقين ذكر الأمثال وكانوا قد استغربوا بعض أمثال القرآن وجعلوها موضعاً للشك من حيث كانت موضعاً لليقين فقالوا: لو كان هذا من عند الله لما ذكر فيه أمثال هذه الأمثال، لأنه أعظم من أن يذكر ما دعاهم إلى المعارضة في هذه السورة المدنية بكل طريق يمكنهم، وأخبرهم بأنهم عاجزون عنها وأن عجزهم دائم تحقيقاً لأنهم في ذلك الحال معاندون لا شاكون. ولما كان سبحانه عالماً بأن الأنفس الأبية والأنوف الشامخة الحمية التي قد لزمت شيئاً فمرنت عليه حتى صار لها خلقاً يصعب عليها انفكاكها عنه ويعسر خلاصها منه عبر عن هذا الإخبار بالعجز مهدداً في سياق ملجىء إلى الإنصاف بالاعتراف أو تفطر القلوب بالعجز عن المطلوب بقوله تعالى: {فإن لم تفعلوا} فأتى بأداة الشك تنفيساً لهم وتهكماً في نفس الأمر بهم واستجهالاً لهم، ثم لم يتمم ذلك التنفيس حتى ضربهم ضربة فضمت ظهورهم وقطعت قلوبهم فقال لتكون الآية كافلة لصحة نسبة النظم والمعنى آيد وآكد لادعائهم المقدرة بقوله تعالى: {ولن تفعلوا} فألزمهم الخزي بما حكم عليهم به من العجز، فلم يكن لهم فعل إلا المبادرة إلى تصديقه بالكف، فكانوا كمن ألقم الحجر فلم يسعه إلا السكوت، واستمر ذلك التصديق لهم ولأمثالهم على وجه الدهر في كل عصر ينادي مناديه فتخضع له الرقاب ويصدّح مؤذنه فتنكسر الرؤوس، والتعبير بالفعل الأعم من الإتيان أبلغ لأن نفيه نفي الأخص وزيادة. والفعل قال الحرالي ما ظهر عن داعية من الموقع كان عن علم أو غير علم لتدين كان أو لغيره كما تقدم مراراً - انتهى. فقد ثبت أن هذا الكتاب الذي بين أنه الهادي إلى الصراط المستقيم أعظم دليل على إفراده بالعبادة واختصاصه بالمراقبة التي أرشدنا إليها بقوله: {أية : إياك نعبد وإياك نستعين} تفسير : [الفاتحة: 4] الآية بما ثبت فيه من أدلة التفرد بالإلهية بما ثبت من عجزهم عن معارضته وعجز جميع العرب الذين كانوا أفصح الخلق وكذا جميع من ولد في بلادهم وانطبع بلسانهم من اليهود والنصارى الذين لهم من الفصاحة والعلم ما هو مشهور فقد كان لليهود من بني إسرائيل الذين كانوا في المدينة الشريفة وخيبر واليمن وغيرها، ومن دخل في دينهم من العرب من الفصاحة والبلاغة والعلم ما لا يحتاج من طالع السيرة فيه إلى توقف، وكان النصارى من بني إسرائيل ومن دان دينهم من العرب وهم كثير كثرة قوم المنذرين ماء السماء، وما قارب الشيء من عبد القيس وتنوخ وعامله وغسان كلهم فصحاء بلغاء، وزاد كثير منهم على ذلك العلم وكان منهم الشعراء المبرزون؛ ومع ذلك فلم يقدر أحد منهم على طعن في هذا القرآن ولا عارضه منهم إنسان إلا ما قاله مسيلمة والأسود العنسي فيما افتضحوا به وأكذبهم الله تعالى فيه وسارت بفضائحهم الركبان فكانوا بها مثلاً في سائر البلدان. قال عمرو بن بحر الجاحظ "في كتاب الحجة في تثبيت خبر الواحد" إن الله تبارك وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم أكثر ما كانت العرب شاعراً وخطيباً وأحكم ما كانت لغة وأشد ما كانت عدة فدعا أقصاها وأدناها إلى توحيد الله وتصديق رسالته فدعاهم إلى حظهم بالحجة، فلما قطع العذر وأزال الشبهة وصار الذي يمنعهم من الإقرار الهوى والحمية دون الجهل والحيرة حملهم على حظهم بالسيف، فنصب لهم الحرب ونصبوا له وقتل من عليتهم وأعلامهم وأعمامهم وبني أعمامهم وقتلوا أعمامه وبني أعمامه وعلية أصحابه وأعلام أهله، وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن وغيره ويدعوهم صباحاً ومساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذباً بسورة واحدة أو بآيات يسيرة، فكلما ازداد تحدياً لهم بها وتقريعاً بعجزهم عنها تكشف من نقصهم ما كان مستوراً وظهر منه ما كان خفياً، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا له: أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف فلذلك يمكنك ما لا يمكننا؛ قال: فهاتوها مفتريات، فلم يرم ذلك خطيب ولا طمع فيه شاعر ولا طبع فيه لتكلفه، ولو تكلفه لظهر ذلك، ولو ظهر لوجد من يستجيده ويحامي عليه ويكابر فيه ويزعم أنه قد عارض وقابل وناقض، فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم واتساع لغتهم وسهولة ذلك عليهم وكثرة شعرائهم وكثرة من هجاه منهم وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته، لأن سورة واحدة وآيات يسيرة كانت أنقض لقوله وأفسد لأمره وأبلغ في تكذيبه وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس والخروج من الأوطان وإنفاق الحرائب؛ وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في العقل والرأي بطبقات، ولهم القصيد العجيب والرجز الفاخر والخطب الطوال البليغة والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور، ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن ظهر عجز أدناهم؛ فمحال أكرمك الله أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر والخطأ المكشوف البين مع التقريع بالنقص والتوقيف على العجز وهم أشد الخلق أنفة وأكثرهم مفاخرة والكلام سيد علمهم وقد احتاجوا إليه والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض فكيف بالظاهر! وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثاً وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة فكذلك أيضاً محال أن يتركوه وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر منه - انتهى. فثبت بهذا عجزهم وخرس قطعاً إفصاحهم ورمزهم وطأطأ ذلاً كبرهم وعزهم، وكيف يمكن المخلوق مع تمكنه في سمات النقص ودركات الافتقار والضعف معارضة من اختص بصفات الكمال وتعالى عن الأنداد والأشباه والأشكال. وقد اختلف الناس في سبب الإعجاز وأحسن ما وقفت عليه من ذلك ما نقله الإمام بدر الدين الزركشي الشافعي في كتابه البرهان عن الإمام أبي سليمان الخطابي - وقال: وإليه ذهب الأكثرون من علماء النظر - أن وجه الإعجاز فيه من جهة البلاغة لكن صعب عليهم تفصيلها ووضعوا فيه إلى حكم الذوق، قال: والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة ومراتبها في درجات البيان متفاوتة، فمنها البليغ الرصين الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل؛ وهذه الأقسام هي الكلام الفاضل المحمود، فالقسم الأول أعلاه والقسم الثاني أوسطه والقسم الثالث أدناه وأقربه؛ فحازت بلاغات القرآن من كل قسم من هذه الأقسام حصة وأخذت من كل نوع شعبة، فانتظم لها بانتظام هذه الأوصاف نمط من الكلام يجمع صفتي الفخامة والعذوبة، وهما على الانفراد في نعوتهما كالمتضادين لأن العذوبة نتاج السهولة والجزالة والمتانة يعالجان نوعاً من الزعورة، فكان اجتماع الأمرين في نظمه مع نبو كل واحد منهما عن الآخر فضيلة خص بها القرآن لتكون آية بينة لنبيه صلى الله عليه وسلم، وإنما تعذر على البشر جميعاً الإتيان بمثله لأمور، منها أن علمهم لا يحيط بجميع أسماء اللغة العربية وأوضاعها التي هي ظروف المعاني، ولا تدرك أفهامهم جميع معاني الأشياء المحمولة على تلك الألفاظ، ولا تكمل معرفتهم باستيفاء جميع وجوه النظوم التي بها يكون ائتلافها وارتباط بعضها ببعض، فيتوصلوا باختيار الأفضل من الأحسن من وجوهها إلى أن يأتوا بكلام مثله، وإنما يقوم الكلام بهذه الأشياء الثلاثة لفظ حامل ومعنى به قائم ورباط لهما ناظم؛ وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة حتى لا ترى شيئاً من الألفاظ أفصح ولا أجزل ولا أعذب من ألفاظه، ولا ترى نظماً أحسن تأليفاً وأشد تلاؤماً وتشاكلاً من نظمه؛ وأما معانيه فكل ذي لب يشهد له بالتقدم في أبوابه والترقي إلى أعلى درجاته، وقد توجد هذه الفضائل الثلاث على التفرق في أنواع الكلام، فأما أن يوجد مجموعه في نوع واحد منه فلم توجد إلا في كلام العليم القدير، فخرج من هذا أن القرآن إنما صار معجزاً لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف، مضمناً أصح المعاني من توحيد الله تعالى وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته وبيان لطريق عبادته، في تحليل وتحريم وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق وزجر عن مساويها، واضعاً كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ولا يتوهم في صورة العقل أمر أليق به منه، مودعاً أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن مضى وعاند منهم، منبئاً عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الآتية من الزمان، جامعاً في ذلك بين الحجة والمحتج له والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وأنبأ عن وجوب ما أمر به ونهى عنه، ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين أشتاتها حتى تنتظم وتتسق أمر تعجز عنه قوى البشر ولا تبلغه قدرتهم؛ فانقطع الخلق دونه وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله، ثم صار المعاندون له يقولون مرة: إنه شعر - لما رأوه منظوماً - ومرة: إنه سحر - لما رأوه معجوزاً عنه غير مقدور عليه، وقد كانوا يجدون له وقعاً في القلوب وفزعاً في النفوس يريبهم ويحيرهم، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعاً من الاعتراف، ولذلك قالوا: إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وكانوا مرة بجهلهم يقولون: إنه {أية : أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاً} تفسير : [الفرقان: 5] مع علمهم أن صاحبه أمي وليس بحضرته من يملي أو يكتب في نحو ذلك من الأمور التي أوجبها العناد والجهل والعجز - انتهى. وأول كلامه يميل إلى أن الإعجاز بمجرد النظم من غير نظر إلى المعنى، وآخره يميل إلى أنه بالنظر إلى النظم والمعنى معاً من الحيثية التي ذكرها، وهو الذي ينبغي أن يعتقد لكن في التحدي بسورة واحدة وأما بالعشر فبالنظر إلى البلاغة في النظم فقط - نقله البغوي في تفسير سورة هود عن المبرد وقد مر آنفاً مثله في كلام الجاحظ. وقال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في مفتاح الباب المقفل الباب الأول في علو بيان القرآن على بيان الإنسان: اعلم أن بلاغة البيان تعلو على قدر علو المبين، فعلو بيان الله على بيان خلقه بقدر علو الله على خلقه، فبيان كل مبين على قدر إحاطة علمه، فإذا أبان الإنسان عن الكائن أبان بقدر ما يدرك منه وهو لا يحيط به علمه فلا يصل إلى غاية البلاغة فيه بيانه، وإذا أنبأ عن الماضي فبقدر ما بقي من ناقص علمه به كائناً في ذكره لما لزم الإنسان من نسيانه، وإذا أراد أن ينبىء عن الآتي أعوزه البيان كله إلا ما يقدّره أو يزوّره؛ فبيانه في الكائن ناقص وبيانه في الماضي أنقص وبيانه في الآتي ساقط {أية : بل يريد الإنسان ليفجر أمامه}تفسير : [القيامة: 5] وبيان الله سبحانه عن الكائن بالغ إلى غاية ما أحاط به علمه {أية : قل إنما العلم عند الله} تفسير : [الملك: 26] وعن المنقطع كونه بحسب إحاطته بالكائن وسبحانه من النسيان {أية : لا يضل ربي ولا ينسى} تفسير : [طه: 52] وعن الأتي بما هو الحق الواقع {أية : فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين * والوزن يومئذ الحق} تفسير : [الأعراف: 7، 8] والمبين الحق الذي لا يوهن بيانه إيهام نسبة النقص إلى بيانه، والإنسان يتهم نفسه في البيان ويخاف أن ينسب إلى العي فيقصد استقراء البيان ويضعف مفهوم بيانه ضعفاً من منته ومفهوم بيان القرآن أضعاف أضعاف أنبائه وقل ما ينقص عن نظيره - انتهى. وقال الإمام محمد بن عبد الرحمن المراكشي الأكمه في شرح نظمه لمصباح ابن مالك في المعاني والبيان ما يصلح أن يكون متناً وجملة وما تقدم شرحاً له وتفصيلاً قال: الجهة المعجزة في القرآن تعرف بالتفكر في علم البيان وهو كما اختاره جماعة في تعريفه ما يحترز به عن الخطأ في تأدية المعنى وعن تعقيده، وتعرف به وجوه تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقه لمقتضى الحال، لأن جهة إعجازه ليست مفردات ألفاظه وإلا لكانت قبل نزوله معجزة، ولا مجرد تأليفها وإلا لكان كل تأليف معجزاً، ولا إعرابها وإلا لكان كل كلام معرب معجزاً، ولا مجرد أسلوبه وإلا لكان الابتداء بأسلوب الشعر معجزاً - والأسلوب الطريق - ولكان هذيان مسيلمة معجزاً، ولأن الإعجاز يوجد دونه أي الأسلوب في نحو {أية : فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا}تفسير : [يوسف: 80] {أية : فاصدع بما تؤمر} تفسير : [الحجر: 94] ولا بالصرف عن معارضته، لأن تعجبهم كان من فصاحته، ولأن مسيلمة وابن المقفّع والمعري وغيرهم قد تعاطوها فلم يأتوا إلا بما تمجه الأسماع وتنفر منه الطباع ويضحك منه في أحوال تركيبه ويهان بتلك الأحوال، أعجز البلغاء وأخرس الفصحاء؛ فعلى إعجازه دليل إجمالي وهو أن العرب عجزت عنه وهو بلسانها فغيرها أحرى، ودليل تفصيلي مقدمته التفكر في خواص تركيبه، ونتيجته العلم بأنه تنزيل من المحيط بكل شيء علماً - انتهى. وسيأتي إن شاء الله تعالى في أواخر العنكبوت ما ينفع ها هنا وأشار سبحانه في تهديدهم بقوله: {فاتقوا النار} كذا قال الحرالي، وهي جوهر لطيف يفرط لشدة لطافته في تفريط المتجمد بالحر المفرط وفي تجميد المتمتع بالبرد المفرط. وقال غيره: جسم لطيف مضيء حار من شأنه الإحراق {التي وقودها} أي الشيء الذي يتوقد ويتأجج به {الناس والحجارة} التي هي أعم من أصنامهم التي قرنوا بها أنفسهم في الدنيا إلى أنهم لم يقدروا على المعارضة واستمروا على التكذيب، كانوا معاندين ومن عاند استحق النار، وإلى أنهم إذا أحرقوا فيها أوقد عليهم بأصنامهم تعريضاً بأنها وإن كانت في الدنيا لا ضرر فيها ولا نفع باعتبار ذواتها فهي في الآخرة ضرر لهم بلا نفع بشفاعة ولا غيرها؛ وتعريف النار وصلة الموصول لأن أخبار القرآن بعد ثبوت أنه من عند الله معلومة مقطوع بها فهو من باب تنزيل الجاهل منزلة العالم تنبيهاً على أن ما جهله لم يجهله أحد. وقال الحرالي: الحجارة ما تحجَّر أي اشتد تصام أجزائه من الماء والتراب، {واتقوا} أي توقفوا عن هذه التفرقة بين الله ورسوله حيث تذعنون لربوبيته وترتابون في رسوله، فالنار معدة للعذاب بأشد التفريق لألطف الأجزاء الذي هو معنى الحرق لمن فرق وقطع ما يجب وصله، أي لما فاتتكم التقوى بداعي العلم فلا تفتكم التقوى بسائق الموجع المخصوص المناسب عذابه لفعلكم، فإنها نار غذاؤها واشتعالها بالكون كله أنهاه تركيباً وهم الناس الملائمون لمارجها بالنوس وأطرفه وأجمده وهي الحجارة فهي تسع ما بين ذلك من باب الأولى، وفيه إشعار بمُنتها وقوتها وأنها بحكم هذا الوسع للالتصاق بخلق يعني وليست كنار الدنيا التي غذاؤها من ضعيف الموالد وهو النبات ولا تفعل في الطرفين إلا بواسطة وكان غذاؤها ووقودها النبات إذ كانت متقدحة منه كما قال:{أية : الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً} تفسير : [يس: 80] وتقول العرب: في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار، وذلك على حكم ما تحقق أن الغذاء للشيء مما منه أصل كونه وقال: {وقودها} لأن النار أشد فعلها في وقودها لأن بتوسطه تفعل فيما سواه، فإذا كان وقودها محرقها كانت فيه أشد عملاً لتقويها به عليه، ويفهم اعتبارها بنار الدنيا انقداحها من أعمال المجزيين بها ومن كونهم، فهم منها مخلوقون وبها مغتذون إلا أنها منطفية الظاهر في الدنيا متأججة في يوم الجزاء ومثال كل مجزي منها بمقدار ما في كونه من جوهرها. قلت: ويؤيده {أية : إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} تفسير : [الإسراء: 27] أي في أن الغالب عليهم العنصر الناري المفسد لما قاله: {أية : ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً} تفسير : [مريم: 27] قال: وفي ذكر الحجارة إفهام عموم البعث والجزاء لما حوته السماء والأرض وأن كل شيء ليس الثقلين فقط يعمه القسم بين الجنة والنار كما عمه القسم بين الخبيث والطيب؛ وإنما اقتصر في مبدأ عقيدة الإيمان على الإيمان ببعث الثقلين وجزائهم تيسيراً واستفتاحاً، وما سوى ذلك فمن زيادة الإيمان وتكامله كما قال: {أية : ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم} تفسير : [الفتح: 4] ومن العلماء من وقف بإيمانه على بعث الثقلين وجزائهما، حتى أن منهم من ينكر جزاء ما سواهما ويتكلف تأويل مثل قوله عليه السلام: "حديث : يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء" تفسير : انتهى. ولما تم ذلك وكان {الناس} عاماً للكافر وغيره كان كأنه قيل: هذه النار لمن؟ فقيل: {أعدت} أي هيئت وأكملت قبل زمن استعمالها وتقاد للمجهول لأن المشتكي إذا جهل فاعله كان أنكأ {للكافرين} فبين أنها موجودة مهيأة لهم ولكل من اتصف بوصفهم وهو ستر ما ظهر من آيات الله. قال الحرالي: وهي عدة الملك الديان لهم بمنزلة سيف الملك من ملوك الدنيا - انتهى. ولما ذكر ما لهم ترهيباً اتبعه ما للمؤمنين ترغيباً فقال صارفاً وجه الخطاب بالرحمة إلى نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم عاطفاً على ما تقديره: فأنذرهم بذلك، ولكنه طواه لأن السياق للاستعطاف {وبشر} والبشرى قال الحرالي إظهار غيب المسرة بالقول: {الذين آمنوا} أي صدقوا الرسل {وعملوا} قال الحرالي: من العمل وهو فعل بُني على علم أو زعمه {الصالحات} من الأقوال والأفعال، قال الحرالي: جمع صالحة، وهو العمل المتحفظ به من مداخل الخلل فيه، وإذا كانت البشرى لهؤلاء فالمؤمنون أحق بما فوق البشرى، وإنما يبشر من يكون على خطر، والمؤمن مطمئن فكيف بما فوق ذلك من رتبة الإحسان إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وما لا يناله علم نفس ولا خطر على قلب بشر. ولما ذكر المبشر اتبعه المبشر به فقال: {أن لهم جنّات} أي متعددة، قال الحرالي: لتعدد رتب أفعالهم التي يطابق الجزاء ترتبها وتعددها كما قال عليه الصلاة والسلام للتي سألت عن ابنها: "حديث : إنها جنان وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى" تفسير : وفي التعبير بلهم إشعار بأن ذلك الذي لهم ينبغي لحاقه بذواتهم ليحصل به من كمال أمرهم وصلاح حالهم نحو مما يحصل بكمال خلقهم وتسويتهم. والجنات مبتهجات للنفوس تجمع ملاذ جميع حواسها، تُجن المتصرف فيها أي تخفيه وتجن وراء نعيمها مزيداً دائماً - انتهى. ثم وصفها بأنها {تجري} قال الحرالي: من الجري وهو إسراع حركة الشيء ودوامها، {من تحتها} أي من تحت غرفها، والتحت ما دون المستوى، {الأنهار} جمع نهر، وهو المجرى الواسع للماء - انتهى. فإسناد الجري إليها مجاز، والتعريف لما عهده السامع من الجنس ويحتمل أن يكون المعنى أن أرضها منبع الأنهار، فَتَحتَ كل شجرة وغرفة منبع نهر، فهي لا تزال غضّة يانعة متصلة الزهر والثمر لا كما يجلب إليه الماء وربما انقطع في وقت فاختلّ بعض أمره. قال الحرالي: وإذا تعرف حال العامل من وصف جزائه علم أن أعمالهم كانت مبنية على الإخلاص الذي هو حظ العاملين من التوليد الذي الماء آيته - انتهى. فلما كانت الجنان معروفة بالثمار ساق وصفها بذلك مساق ما لا شك فيه بخلاف جري الأنهار فقال: {كلما} وهي كلمة تفهم تكرر الأمر في عموم الأوقات {رزقوا منها من ثمرة} أيّ ثمرة كانت رزقاً {قالوا} لكونه على صورة ما في الدنيا {هذا} أي الجنس لاستحكام الشبه {الذي رزقنا من قبل} أي في الدنيا، ولما كان الرزق معلوماً ولم يتعلق غرض بمعرفة الآتي بالرزق بُنيا للمجهول فقال تعالى عاطفاً على ما تقديره لأنا خلقناه على شكل ما كان ليكونوا به أغبط ولمزيته أعرف وله أقبل وإليه أميل موحداً للضمير إشارة إلى أنه لاستحكام الشبه كأنه واحد {وأتوا به} أي جيء لهم بهذا الجنس المرزوق لهم في الدارين في الجنة من غير تطلب وتشوق {متشابهاً} في مطلق اللون والجنس ليظن أنه متشابه في الطعم، فيصير فضله في ذلك بالذوق نعمة أخرى والتشابه المراد هنا اشتراك في ظاهر الصورة، والإتيان بأداة التكرار يدل على أن الشبه يزداد عظمة في كل مرة فيزداد العجب وجعل الحرالي هذا خاصاً بثمار الجنة فقال: من قبل إعلام بأن أشخاص ثمر الجنة وآحادها لا تتمايز لأنها على أعلى صورتها لا تتفاوت بأعلى وأدنى ولا يتراخى زمان عودها، فهي تتخلف لآنِ قطفها ولا تتمايز صور المقطوف من الخالف حتى يظن القاطف أن المتخلف عين الأول؛ فحال ثمر الجنة كحال الماء الذي هو أصله، وبسرعة الخلف من ثمر الجنة وأنه متصل جرية الوجود قال عليه السلام في عنقود من ثمرها: "حديث : لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا" تفسير : ويشعر ذلك عند اعتبار العمل به بأن نياتهم في الأعمال صالحة ثابتة مرابطة حتى جرُّوا بها هذا الاتصال وكمال الصورة في الرزق ومنه حديث مرفوع أخرجه الطبراني عن سهل بن سعد: "حديث : نية المؤمن خير من عمله"تفسير : . {وأتوا به متشابهاً} أظهر عذرهم في توهم اتحاد الثمر وعرف بأمنتهم من العنا، لأنه لو تفاوت تبعه الكراهة للأدنى وتكلف للانتقاء للأعلى وذلك إنما هو لائق بكيد الدنيا لا بنعيم الجنة، وقد ذكر بعض العلماء اطراد هذا التشابه في ثمر الجنة وإن اختلفت أصنافه، ويضعفه ما يلزم منه كمال الدلالة في المعنى والصورة في نحو قوله تعالى: {أية : فيهما فاكهة ونخل ورمان} تفسير : [الرحمن: 68] وما يجري مجراه - انتهى. ولما ذكر المسكن الذي هو محل اللذة وأتبعه المطعم المقصود بالذات وكانت لذة الدار لا تكمل إلا بأنس الجار لا سيما المستمتع به قال: {ولهم فيها} أي مع ذلك {أزواج} ولما كن على خلق واحد لا نقص فيه أشار إليه بتوحيد الصفة، وأكد ذلك بالتعبير بالتفعيل إلماماً بأنه عمل فيه عمل ما يبالغ فيه بحيث لا مطمع في الزيادة فقال: {مطهرة}. قال الحرالي: والزوج ما لا يكمل المقصود من الشيء إلا معه على نحو من الاشتراك والتعاون، والتطهير تكرار إذهاب مجتنب بعد مجتنب عن الشيء؛ ولما ذكر تعالى الرزق المستثمر من أعمال الذين آمنوا وصل به ذكر الأزواج المستثمرة من حال نفوسهم من حسن أخلاقها وجمال صورتها الباطنة في الدنيا، وكانت المرأة زوج الرجل لما كان لا يستقل أمره في النسل والسكن إلا بها - انتهى. ولما كان خوف الزوال أو الانتقال إلى أدنى منغصاً فلا تروق اللذة إلا مع الاستقرار وكان هذا الوصف عاماً في جميع الجنان العلى وغيرها قال مقدماً للجار إشارة إلى أنهم لا يكونون في جنة إلا وهذه صفتها وأن نعيمهم لا آخر له {وهم فيها} ولما أفاد تقديم الظرف تخصيص الكون بها وعدم الكون في غيرها وكان ذلك معنى الخلود وكان قد يطلق على الإقامة بلا نهاية على طول الإقامة وإن كان له آخر صرح به بياناً بأن المراد ما لا آخر له وإلا لم يفد شيئاً جديداً فقال: {خالدون} والخلود طول الإقامة بالقرار، وسياق الامتنان أغنى عن تقييده بالتأبيد والدوام.
السيوطي
تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {وإن كنتم في ريب} الآية. قال: هذا قول الله لمن شك من الكفار فيما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وإن كنتم في ريب} قال: في شك {مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله} قال: من مثل هذا القرآن حقاً وصدقاً، لا باطل فيه ولا كذب. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { فأتوا بسورة من مثله} قال: مثل القرآن {وادعوا شهداءكم من دون الله} قال: ناس يشهدون لكم إذا أتيتم بها أنه مثله. وأخرج ابن جرير وابن اسحق وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وادعوا شهداءكم} قال: أعوانكم على ما أنتم عليه {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} فقد بين لكم الحق. وأخرج عبد بن حميد وابن جريج عن قتادة {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} يقول: لن تقدروا على ذلك ولن تطيقوه. أما قوله تعالى: {فاتقوا النار} . أخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن مسعود قال: إذا مر أحدكم في الصلاة بذكر النار فليستعذ بالله من النار. وإذا مر أحدكم بذكر الجنة فليسأل الله الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة عن أبي ليلى قال "حديث : صليت إلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم فمر بآية فقال: أعوذ بالله من النار، ويل لأهل النار ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن النعمان بن بشير قال "حديث : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: أنذركم النار، أنذركم النار حتى سقط أحد عطفي ردائه على منكبيه ". تفسير : وأما قوله تعالى: {التي وقودها الناس والحجارة}. أخرج عبد بن حميد من طريق طلحة عن مجاهد. أنه كان يقرأ كل شيء في القرآن {وقودها} برفع الواو الأولى إلا التي في {والسماء ذات البروج} {أية : النار ذات الوقود}تفسير : [البروج: 5] بنصب الواو. وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور والفريابي وهناد بن السري في كتاب الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: إن الحجارة التي ذكرها الله في القرآن في قوله {وقودها الناس والحجارة} حجارة من كبريت خلقها الله عنده كيف شاء. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال:هي حجارة في النار من كبريت أسود يعذبون به مع النار. وأخرج ابن جرير عن عمرو بن ميمون قال: هي حجارة من كبريت، خلقها الله يوم خلق السموات والأرض، في السماء الدنيا فأعدها للكافرين. وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس قال "حديث : تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية {وقودها الناس والحجارة} فقال: أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهبها ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال "حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوقدت النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة ". تفسير : وأخرج أحمد ومالك والبخاري والبيهقي في البعث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : نار بني آدم التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم فقالوا: يا رسول الله إن كانت لكافية؟ قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلهن مثل حرها ". تفسير : وأخرج مالك في الموطأ والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: أترونها حمراء مثل ناركم هذه التي توقدون؟ إنها لأشد سواداً من القار. وأخرج الترمذي وحسنه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، لكل جزء منها حرها ". تفسير : وأخرج ابن ماجة والحاكم وصححه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، لولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما انتفعتم منها بشيء، وإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها ". تفسير : وأخرج البيهقي في البعث عن ابن مسعود قال: إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من تلك النار، ولولا أنها ضربت في البحر مرتين ما انتفعتم منها بشيء. وأخرج البيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، ضربت بماء البحر مرتين، ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: إن ناركم هذه تعوّذ من نار جهنم. وأما قوله تعالى: {أعدت للكافرين}. أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {أعدت للكافرين} قال: أي لمن كان على مثل ما أنتم عليه من الكفر.
ابو السعود
تفسير : {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} شروعٌ في تحقيق أن الكتابَ الكريم الذي من جُملته ما تلي من الآيتين الكريمتين، الناطقتين بوجوب العبادةِ والتوحيدِ منزلٌ من عند الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم، كما أن ما ذكر فيهما من الآيات التكوينيةِ الدالةِ على ذلك صادرة عنه تعالى لتوضيح اتصافِه بما ذكر في مطلَعِ السورةِ الشريفة من النعوتِ الجليّةِ التي من جملتها نزاهتُه عن أن يعتريَه ريبٌ ما، والتعبـيرُ عن اعتقادهم في حقه بالريب مع أنهم جازمون بكونه من كلام البشر كما يُعرب عنه قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} [البقرة، الآية 23 و31 و94 و111. وسورة آل عمران، الآية 93] إما للإيذان بأن أقصىٰ ما يمكن صدورُه عنهم وإن كانوا في غاية ما يكونُ من المكابرة والعِناد هو الارتيابُ في شأنه، وأما الجزمُ المذكورُ فخارجٌ من دائرة الاحتمال، كما أن تنكيرَه وتصديرَه بكلمة الشكِّ للإشعار بأن حقَّه أن يكون ضعيفاً مشكوكَ الوقوع، وإما للتنبـيه على أن جزمَهم ذلك بمنزلة الريب الضعيف لكمالِ وضوحِ دلائلِ الإعجازِ ونهايةِ قوتِها. وإنما لم يقل وإن ارتبتم فيما نزلنا الخ، لما أشير إليه فيما سَلَف من المبالغة في تنزيه ساحةِ التنزيلِ عن شائبة وقوعِ الريب فيه حسْبما نطَق به قولُه تعالى: {أية : لاَ رَيْبَ فِيهِ} تفسير : [البقرة، الآية 2] والإشعار بأن ذلك إنْ وقع فمن جهتهم لا من جهته العاليةِ، واعتبارُ استقرارِهم فيه وإحاطتُه بهم لا ينافي اعتبارَ ضعفِه وقِلته، لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوامُ ملابستهم به لا قوتُه وكثرتُه، و(مِن) في مما ابتدائيةٌ متعلقة بمحذوفٍ وقع صفةً لريب، وحملُها على السببـية ربما يوهمُ كونَه محلاً للريب في الجملة وحاشاه من ذلك، و(ما) موصولةً كانت أو موصوفةً عبارةٌ عن الكتاب الكريم لا عن القدر المشتركِ بـينه وبـين أبعاضِه، وليس معنى كونِهم في ريب منه ارتيابَهم في استقامة معانيه، وصحةِ أحكامِه، بل في نفس كونِه وحياً منزلاً من عند الله عز وجل، وإيثارُ التنزيلِ المنبىءِ عن التدريج على مطلقِ الإنزالِ لتذكيرِ منشأ ارتيابِهم، وبناءُ التحدي عليه إرخاءٌ للعِنان وتوسيعاً للميدان، فإنهم كانوا اتخذوا نزولَه منجّماً وسيلةً إلى إنكاره، فجُعل ذلك من مبادي الاعتراف به، كأنه قيل: إن ارتبتم في شأن ما نزلناه على مهل وتدريجٍ فهاتوا أنتم مثلَ نَوْبةٍ فذةٍ من نُوَبه، ونَجْم فَرْدٍ من نجومه، فإنه أيسرُ عليكم من أن يُنزلَ جُملةً واحدة، ويُتحدَّى بالكل. وهذا كما ترى غايةُ ما يكون في التبكيت وإزاحةِ العلل، وفي ذكره صلى الله عليه وسلم بعنوان العبودية مع الإضافة إلى ضميرِ الجلالة من التشريفِ والتنويه والتنبـيهِ على اختصاصه به عز وجل وانقيادِه لأوامره تعالى ما لا يخفى. وقرىء على عبادنا والمرادُ هو صلى الله عليه وسلم وأمتُه، أو جميعُ الأنبـياءِ عليهم السلام، ففيه إيذانٌ بأن الارتيابَ فيه ارتيابٌ فيما أنزل على مَنْ قبلَه لكونه مصدِّقاً له ومهيمِناً عليه. والأمرُ في قوله تعالى: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ} من باب التعجيز وإلقامِ الحجر، كما في قوله تعالى: {أية : فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ } تفسير : [البقرة، الآية 258] والفاءُ للجواب، وسببـيةُ الارتياب للأمر أو الإتيانِ بالمأمور به لما أشير إليه من أنه عبارةٌ عن جزمهم المذكور، فإنه سببٌ للأول مطلقاً، وللثاني على تقدير الصدقِ، كأنه قيل: إن كان الأمرُ كما زعمتم من كونه كلامَ البشر فأتوا بمثله، لأنكم تقدِرون على ما يقدِر عليه سائرُ بني نوعِكم. والسُورة الطائفةَ من القرآن العظيم المترجمة، وأقلها ثلاثُ آيات. وواوُها أصليةٌ منقولةٌ من سُور البلد، لأنها محيطةٌ بطائفةٍ من القرآن مفرَزةٍ مَحُوزةٍ على حِيالها، أو محتويةٍ على فنون رائقةٍ من العلوم احتواءَ سورِ المدينة على ما فيها، أو من السَّوْرة التي هي الرتبة، قال: [الكامل] شعر : ولرهط حرّابٍ وقذّ سَوْرةٌ في المجد ليس غرابُها بمُطارِ تفسير : فإن سور القرآن مع كونها في أنفسها رُتباً من حيث الفضلُ والشرفُ أو من حيث الطولُ والقِصَر، فهي من حيث انتظامُها مع أخواتها في المصحف مراتبُ يرتقي إليها القارىء شيئاً فشيئاً. وقيل: واوها مُبدلةٌ من الهمزة، فمعناها البقيةُ من الشيء، ولا يخفى ما فيه. ومن في قوله تعالى: {مِّن مِّثْلِهِ} بـيانيةٌ متعلقة بمحذوفٍ وقع صفةً لسورة، والضمير لما نزلنا، أي بسورة كائنةٍ من مثله في علو الرتبة وسموِّ الطبقة، والنظمِ الرائق والبـيانِ البديع، وحيازةِ سائرِ نعوتِ الإعجاز، وجعلُها تبعيضيةً يوهم أن له مثلاً محققاً قد أريد تعجيزُهم عن الإتيان ببعضه، كأنه قيل: فأتوا ببعضِ ما هو مثلٌ له فلا يُفهم منه كونُ المماثلة من تتمة المعجوز عنه فضلاً عن كونها مداراً للعجز مع أنه المراد، وبناءُ الأمر على المجاراة معهم بحسب حُسبانِهم حيث كانوا يقولون: {أية : لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـٰذَا } تفسير : [الأنفال، الآية 31] أو على التهكم بهم يأباه ما سبق من تنزيله منزلةَ الريب، فإن مبنىٰ التهكم على تسليم ذلك منهم وتسويفِه ولو بغير جِدّ، وقيل: هي زائدة كما هو رأيُ الأخفش، بدليل قوله تعالى: {أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ} تفسير : [يونس، الآية 38] {أية : بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ } تفسير : [هود، الآية 13] وقيل: هي ابتدائية، فالضميرُ حينئذ للمُنْزل عليه حتماً، لما أن رجوعَه إلى المنزَلِ يوهم أن له مثلاً محققاً قد ورد الأمرُ التعجيزيُّ بالإتيان بشيء منه، وقد عرفت ما فيه بخلاف رجوعِه إلى المنزل عليه، فإن تحققَ مثلِه عليه السلام في البشرية والعربـية والأمية يهوِّن الخطب في الجملة، خلا أن تخصيصَ التحدي بفردٍ يشاركُه عليه السلام فيما ذكرَ من الصفات المنافية للإتيان بالمأمور به لا يدلُّ على عجز مَنْ ليس كذلك من علمائهم، بل ربما يوهم قدرتَهم على ذلك في الجملة فرادى أو مجتمعين، مع أنه يستدعي عراءَ المُنْزَل عما فُصِّل من النعوت الموجبةِ لاستحالة وجود مثلِه، فأين هذا من تحدي أمةٍ جمّةٍ وأمرِهم بأن يحتشدوا في حلبة المعارضة بخيلهم ورَجِلِهم حسبما ينطِق به قوله تعالى: {وَٱدْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ} ويتعاونوا على الإتيان بقدْر يسيرٍ مماثلٍ في صفات الكمال لما أتىٰ بجملته واحدٌ من أبناء جنسهم. والشهداءُ جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة أو الناصر، ومعنى (دون) أدنى مكانٍ من شيء، يقال: هذا دون ذاك إذا كان أحطَّ منه قليلاً، ثم استعير للتفاوت في الأحوال والرتبِ فقيل: زيد دون عمرو، أي في الفضل والرتبة، ثم اتَّسع فاستُعمل في كل تجاوز حدٍّ إلى حد وتخطِّي حُكم إلى حكم من غير ملاحظةِ انحطاطِ أحدهما عن الآخر، فجرى مَجرى أداةِ الاستثناء، وكلمة (من) إما متعلقةٌ بادعوا فتكونُ لابتداءِ الغاية، والظرفُ مستقرٌّ والمعنى ادعوا متجاوزين الله تعالى لاستظهار من حضَركم كائناً من كان، أو الحاضرين في مشاهدكم ومحاضرِكم من رؤسائكم وأشرافِكم الذين تَفْزَعون إليهم في المُلمّات، وتعوِّلون عليهم في المُهِمّات، أو القائمين بشهاداتكم الجاريةِ فيما بـينكم من أمنائكم المتولّين لاستخلاص الحقوقِ بتنفيذ القولِ عند الولاة، أو القائمين بنُصرتكم حقيقةً أو زعماً من الإنس والجن ليعينوكم. وإخراجُه سبحانه وتعالى من حُكم الدعاء في الأول مع اندراجه في الحضورِ لتأكيد تناولِه لجميع ما عداه، لا لبـيان استبدادِه تعالى بالقدرة على ما كُلِّفوه، فإن ذلك مما يوهم أنهم لو دَعَوْه تعالى لأجابهم إليه وأما في سائر الوجوه فللتصريح من أول الأمرِ ببراءتهم منه تعالى وكونِهم في عُدْوة المحادّة والمشاقّة له قاصدين استظهارَهم على ما سواه والالتفاتُ لإدخال الرَّوْعة وتربـية المهابة وقيل: المعنى ادعوا من دون أولياءِ الله شهداءَكم الذين هم وجوهُ الناس وفرسانُ المقاولةِ والمناقلةِ ليشهدوا لكم أن ما أتيتم به مثلُه، إيذاناً بأنهم يأبَوْن أن يرضَوْا لأنفسهم الشهادةَ بصحة ما هو بـيِّنُ الفسادِ وجَليُّ الاستحالة. وفيه أنه يؤذِنُ بعدم شمولِ التحدي لأولئك الرؤساءِ، وقيل: المعنى ادعوا شهداءكم فصححوا بهم دعواكم ولا تستشهدوا بالله تعالى قائلين: الله يشهد أن ما ندعيه حقٌ، فإن ذلك دَيدَنُ المحجوج وفيه أنه إن أريد بما يدّعون حقِّية ما هم عليه من الدين الباطلِ فلا مِساسَ له بمقام التحدي، وإن أريد مثلية ما أتَوْا به للمتحدىٰ به فمعَ عدمِ ملاءمتِه لابتداء التحدي يوهم أنهم قد تصَدَّوا للمعارضة وأتَوْا بشيءٍ مشتبهِ الحال متردِّدين بـين المِثلية وعدمِها، وأنهم ادَّعَوْها مستشهدين في ذلك بالله سبحانه، إذ عند ذلك تمَسُّ الحاجةُ إلى الأمر بالاستشهاد بالناس والنهي عن الاستشهاد به تعالى، وأنىٰ لهم ذلك، وما نبَضَ لهم عِرقٌ ولا نَبَسوا ببنتِ شَفَةٍ. وإما متعلقةٌ (بشهداءَكم) والمراد بهم الأصنامُ، ودون بمعنى التجاوزِ على أنها ظرفٌ مستقِرٌ وقع حالاً من ضمير المخاطَبـين، والعاملُ ما دل عليه (شهداءكم) أي ادعوا أصنامَكم الذين اتخذتموهم آلهةً متجاوزين الله تعالى في اتخاذها كذلك، وكلمةُ (مِن) ابتدائية فإن الاتخاذَ ابتداءٌ من التجاوز، والتعبـيرُ عن الأصنام بالشهداء لتعيـين مدارِ الاستظهارِ بها بتذكير ما زعَموا من أنها بمكانٍ من الله تعالى وأنها تنفعُهم بشهادتها لهم أنهم على الحق، فإن ما هذا شأنُه يجب أن يكون مَلاذاً لهم في كل أمرٍ مُهم، وملجأً يأوُون إليه في كل خطب مُلم، كأنه قيل: أولئك عُدّتُكم فادعوهم لهذه الداهية التي دَهَمتكم، فوجهُ الالتفاتِ الإيذانُ بكمال سخافةِ عقولِهم حيث آثرَوُا على عبادة من له الألوهيةُ الجامعةُ لجميع صفاتِ الكمال عبادةَ ما لا أحقرَ منه. وقيل: لفظةُ دون مستعارةٌ من معناها الوضعي الذي هو أدنى مكانٍ من شيء لِقُدّامِه، كما في قول الأعشى: [الطويل] شعر : تُريك القَذى من دونها وهي دونَهُ [تراه إذا ما ذاقه يتمطَّقُ] تفسير : أي تريك القذى قُدّامها وهي قُدّامَ القذى، فتكون ظرفاً لغوياً معمولاً لشهداءكم لكفاية رائحةِ الفعل فيه، من غير حاجة إلى اعتماد ولا إلى تقدير يشهدون، أي ادعوا شهداءَكم الذين يشهدون لكم بـين يدَي الله تعالى ليعينوكم في المعارضة، وإيرادُها بهذا العنوان لما مر من الإشعار بمناطِ الاستعانةِ بها، ووجهُ الالتفات تربـيةُ المهابة وترشيحُ ذلك المعنى، فإن ما يقوم بهذا الأمر في ذلك المقام الخطيرِ حقُه أن يُستعان به في كل مَرام، وفي أمرِهم على الوجهين بأن يستظهروا في معارضة القرآن - الذي أخرسَ كلَّ مِنْطيقٍ ــ بالجماد من التهكم بهم ما لا يوصف، وكلمة (من) ها هنا تبعيضية، لما أنهم يقولون جلس بـين يديه وخلفَه بمعنى في لأنهما ظرفان للفعل ومن بـينِ يديه ومن خلفِه لأن الفعل إنما يقع في بعض تَيْنِك الجهتين كما تقول: جئتُه من الليل تريد بعضَ الليل. وقد يقال كلمةُ (من) الداخلةُ على (دون) في جميع المواقعِ بمعنى في كما في سائر الظروف التي لا تنصرف، وتكون منصوبةً على الظرفية أبداً، ولا تنجرُّ إلا بمن خاصة، وقيل: المرادُ بالشهداء مدارِهُ القومِ ووجوهُ المحافل والمحاضِر، ودون ظرفٌ مستقر ومن ابتدائية أي ادعوا الذين يشهدون لكم أن ما أتيتم به مثلُه متجاوزين في ذلك أولياءَ الله، ومحصله شهداء مغايرين لهم إيذاناً بأنهم أيضاً لا يشهدون بذلك، وإنما قُدر المضافُ إلى الله تعالى رعايةً للمقابلة، فإن أولياءَ الله تعالى يقابِلون أولياءَ الأصنام، كما أن ذكرَ الله تعالى يقابل ذكرَ الأصنام، والمقصودُ بهذا الأمر إرخاءُ العِنان والاستدراجُ إلى غاية التبكيت، كأنه قيل: تركنا إلزامَكم بشهداءَ لا ميلَ لهم إلى أحدِ الجانبـين كما هو المعتاد، واكتفينا بشهدائكم المعروفين بالذب عنكم، فإنهم أيضاً لا يشهدون لكم حذراً من اللائمة وأَنَفةً من الشهادة البـيِّنة البُطلان. كيف لا وأمرُ الإعجاز قد بلَغ من الظهورِ إلى حيث لم يبقَ إلى إنكاره سبـيلٌ قطعاً، وفيه ما مرَّ من عدم الملاءمةِ لابتداء التحدّي وعدمِ تناولِه لأولئك الشهداء، وإيهامِ أنهم تعرّضوا للمعارضة وأتَوْا بشيء احتاجوا في إثبات مِثْلِيَّتِه للمتحدىٰ به إلى الشهادة، وشتانَ بـينهم وبـين ذلك {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي في زعمِكم أنه من كلامه عليه السلام. وهو شرطٌ حذفَ جوابُه لدلالة ما سبق عليه، أي إن كنتم صادقين فأتوا بسورة من مثله الخ، واستلزامُ المقدَّم للتالي من حيث إن صدقَهم في ذلك الزَّعم يستدعي قدرتَهم على الإتيان بمثله بقضية مشاركتِهم له عليه السلام في البشرية والعربـية، مع ما بهم من طول الممارسة للخُطب والأشعارِ وكثرة المزاولةِ لأساليبِ النظمِ والنثر، والمبالغةِ في حفظ الوقائع والأيام، لا سيما عند المظاهرة والتعاونِ، ولا ريب في أن القدرة على الشيء من موجبات الإتيانِ به ودواعي الأمرِ به.
القشيري
تفسير : لبَّس على بصائر الأجانب حتى لم يشهدوا حبيبه صلوات الله عليه، فتاهوا في أدوية الظنون لما فقدوا نور العناية، فلم يزدد الرسول عليهم إتياناً بالآيات، وإظهاراً من المعجزات إلا ازدادوا ريباً على ريب وشَكًّا على شك، وهكذا سبيل من أعرض عن الحق سبحانه، لا يزيده ضياء الحجج إلا عمًى عن الحقيقة؛ قال الله تعالى: {أية : وَمَا تُغْنِى الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [يونس: 101]، وليبلغ عليهم في إلزام الحجة عرّفهم عجزهم عن معارضة ما آتاهم من معجزة القرآن الذي قهر الأنام من أولهم إلى آخرهم، وقدَّر عليهم أنهم لو تظاهروا فيما بينهم، واعتضدوا بأشكالهم، واستفرغوا كُنْه طاقتهم واحتيالهم لم يقدروا على الإتيان بسورة مثل سورة القرآن. ثم قال: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا} وأخبر أنهم قطعاً لا يقدرون على ذلك ولا يفعلون فقال: {وَلَن تَفْعَلُوا} فكان كما قال - فانظروا لأنفسكم، واحذروا الشِّرْكَ الذي يوجب لكم عقوبة النار التي من سطوتها بحيث وقودها الناس والحجارة، فإذا كانت تلك النار التي لا تثبت لها الحجارة مع صلابتها ( ) فكيف يطيقها الناس مع ضعفهم، وحين أشرفت قلوب المؤمنين على غاية الإشفاق من سماع ذكر النار تداركها بحكم التثبيت فقال: {أُعِدَّتْ للكَافِرِينَ} ففي ذلك بشارة للمؤمنين. وهذه سُنَّةٌ من الحق سبحانه: إذا خوَّف أعداءه بَشَّر مع ذلك أولياءه. وكما أنَّ كيد الكافرين يضمحل في مقابلة معجزات الرسل عليهم السلام فكذلك دعاوى المُلْبِسين تتلاشى عند ظهور أنوار الصديقين، وأمارةُ المُبْطِل في دعواه رجوعٌ الزجر منه إلى القلوب، وعلامة الصادق في معناه وقوع القهر منه على القلوب. وعزيزٌ من فصّل وميَّز بين رجوع الزجر وبين وقوع القهر.
اسماعيل حقي
تفسير : {وان كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا} اى فى شك من القرآن الذى نزلناه على محمد صلى الله عليه وسلم فى كونه وحيا منزلا من عند الله تعالى. والتنزيل النزول على سبيل التدريج وانزل القرآن جملة واحدة الى السماء الدنيا الى بيت العزة ثم منه على النبى صلى الله عليه وسلم مفرقا منجما فى ثلاث وعشرين سنة ليحفظ فانه عليه الصلاة والسلام كان اميا لا يقرأ ولا يكتب ففرق عليه ليثبت عنده حفظه بخلاف غيره من الانبياء فانه كان كاتبا قارئا فيمكنه حفظ الجميع من الكتاب ولذا قالوا ان سائر الكتب الآلهية انزلت جملة {فاتوا} جواب الشرط وهو امر تعجيز {بسورة} وحد السورة قطعة من القرآن معلومة الاول والآخر اقلها ثلاث آيات. وانما سميت سورة لكونها اقوى من الآية من سورة الاسد والشراب اى قوته هذا ان كانت واوها اصلية وان كانت منقلبة عن همزة فهى مأخوذة من السؤر الذى هى البقية من الشئ فالسورة قطعة من القرآن مفرزة باقية من غيرها {من مثله} اى سورة كائنة من مثل القرآن في البيان الغريب وعلو الطبقة فى حسن النظم فالضمير لما نزلنا اى ائتوا انتم بمثل ما اتى هو ان كان الامر كما زعمتم من كونه كلام البشر اذا انتم وهو سواء فى الجوهر والخلقة واللسان وليس هو اولى بالاختلاق منكم ثم القرآن وان كان لامثل له لانه صفة الله وكلام الله ووحى الله ولا مثل لصفاته كما لا مثل لذاته لكن معناه من مثله على زعمكم فقد كانوا يقولون لو شئنا لقلنا مثل هذا كما فى التيسير {واعدوا شهداءكم} جمع شهيد بمعنى الحاضر او القائم بالشهادة والناصر {من دون الله} اما متعلقة بادعوا فالمعنى ادعوا متجاوزين الله من حضركم كائنا من كان للاستظهار فى معارضة القرآن او الحاضرين فى مشاهدكم ومحاضركم من رؤسائكم واشرافكم الذين تفرزعون اليهم فى الملمات وتعولون عليهم فى المهمات او القائمين بشهادتكم الجارية فيما بينكم من امنائكم المتولين لاستخلاص الحقوق بتنفيذ القول عند الولاة او القائمين بنصركم حقيقة او زعما من الانس والجن ليعينوكم واما متعلقة بشهداءكم والمراد بهم الاصنام. ودون بمعنى التجاوز على انها ظرف مستقر وقع حالا من ضمير المخاطبين والعامل ما دل عليه شهداءكم اى ادعوا اصنامكم الذين اتخذتموهم آلهة وزعمتم انهم يشهدون لكم يوم القيامة انكم على الحق متجاوزين الله فى اتخاذها كذلك. ودلت الآية على ان الاستعانة بالخلق لا تغنى شيأ وما يغنى رجوع العاجز عن العاجز فلا ترفع حوائجك الا الى من لا يشق عليه قضاؤها ولا تسأل الا من لا تفنى خزائنه ولا تعتمد الا على من لا يعجز عن شئ ينصرك من غير معين ويحفظك من كل جانب ومن غير صاحب ويغنيك من غير مال فيقل اعداد الاعداء الكثيرة اذا حماك ويكثر عدد المال القليل اذا كفاك {ان كنتم صادقين} فى ان محمدا تقوله من تلقاء نفسه وان آلهتكم شهداؤكم وهو شرط جوابه محذوف تقديره فافعلوا اى فائتوا بسورة من مثله.
ابن عجيبة
تفسير : فإن قلت: الريب في القرآن قد وقع من الكفار قطعاً، فكيف عبّر بإِنْ الدالة على الشك والتردد؟ قلت: {إن} جازمة للفظ الشرط أو محله، موضوعة للشك في الشرط. و"إذا" لا تجزم في اللفظ، وتدل على الجزم في المعنى، وفي ذلك يقول القائل: شعر : إنا إنْ شَككتُ وجدْتُموني جَازِماً وإذا جَزمتُ فإنني لَمْ أجزمِ تفسير : فإن قلت: الريب في القرآن قد وقع من الكفار قطعاً، فكيف عبّر بإنْ الدالة على الشك والتردد؟ قلت: لما كان ريبهم واقعاً في غير محله - إذ لو تأملوا أدنى تأمل لزال ريبهم لوضوح الأمر وسطوع البرهان - كان ريبهم كأنه مشكوك فيه ومتردد في وقوعه، و(الشهداء) جمع شهيد بمعنى الحاضر، أو القائم بالشهادة، أو الناصر، أُطْلِقَ على الأصنام؛ لأنهم يزعمون أنها تشهد لهم، ومعنى (دون): أدنى مكان من الشيء، ثم استعير للرُّتَب فقيل: زيد دون عمرو؛ أي: في الشرف، ثم اتسع فيه فاستعير لكل تجاوزِ حدّ إلى حد، وتخطّي أمرٍ إلى آخر. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وَإِن كُنتُمْ} يا معشر الكفار {فِي} شك {مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى} محمد {عَبْدِنَا} ورسولنا المختار لِسِرّ وحينا، {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن} جنسه في البلاغة والفصاحة، مشتملة على علوم وأسرار ومغيبات كما اشتمل عليه كتابي، {وَادْعُوا} من استطعتم ممن تنتصرون به على ذلك الإتيان، مِن آلهتكم التي تزعمون أنها تشهد لكم يوم القيامة، أو من حضركم من البلغاء والفصحاء ممن تنتصرون به {مِن دُونِ اللَّهِ إن كُنتُمْ صَادِقِينَ} في أنها تنفعكم. {فَإن لَّمْ} تقدروا أن {تَفْعَلُوا} ذلك {ولَن} تقدروا ابداً فأسلموا وأقرُّوا بالحق، و{اتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} أي: حجارة الكبريت، فَهُمَا حطبُها ووقودها {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرينَ}. {وَبَشِّرِ} يا محمد ويا مَن يصلح منه التبشير {الَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله، {وَعَمِلُوا} ما كلفوا به من الأعمال {الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارِ} أي: من تحت قصورها، وهي أنهار من ماء، وأنهار من عسل، وأنهار من لبن، وأنهار من خمر لذة للشاربين. {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً} أي: صنفاً، {قَالُوا هَذَا الَّذِين رُزقْنَا مِن قَبْلُ} في دار الدنيا، فإن الطباع تميل إلى المألوف، فالصفة متفقة والطعم مختلف. أو في الجنة، قيل: هذا لما روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : والذي نفسُ محمدٍ بيدِه إنَّ الرجلَ مِنْ أهلِ الجنةِ لَيتَناولُ الثمرة لِيأكلهَا فما هي واصِلةٌ إلى جَوفِه حتى يبدل الله تعالى مكانها مِثلَها"تفسير : ، فلعلهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك، لفرط استغرابهم، وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه البليغ في الصورة، {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ} أي: حور {مُّطَهَّرَةٌ} من الحيض، وسائر الأدناس، ومن الأخلاق المذمومة، والشيم الذميمة، {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}؛ فإن النعيم إذا كان يعقُبه الفناء تنغّص على صاحبه، كما قال الشاعر: شعر : لا خيرَ في العيشِ ما دَامتْ مُنغَّصَةً لَذاتُه بادِّكارِ الموتِ والهَرَمِ تفسير : الإشارة: وإن كنتم يا معشر العوام في شك مما خصصنا به ولينا من الأنوار، وما أنزلنا على قلبه من المعارف والأسرار، وما ظهر عليه من البهجة والأنوار، وما اهتدى على يديه من الصالحين والأبرار، فأتوا أنتم بشيء من ذلك، وانتصروا بما قدرتم من دون الله إن كنتم صادقين في المعارضة، قال القشيري: وكما أن كيد الكافرين يَضْمَحِلُّ في مقابلة معجزات الرسول، فكذلك دعاوى المُلْبِسين تتلاشى عند ظهور أنوار الصديقين. هـ. فإن لم تفعلوا ما ذكرنا من المعارضة، ولن تقدروا على ذلك أبداً، فأَذْعنوا، واخْضعوا، واتقوا نار القطيعة والحظوظ، والطمع والهلع، التي مادتها النفوس والفلوس؛ إذ بهما هلك مَن هلك وفاز مَن فاز؛ أُعدت تلك النار للمنكرين الخصوصية، الجاحدين لوجود التربية النبوية. وبَشِّر الصديقين بوجود الخصوصية، المنقادين لأهلها، أن لهم جنات المعارف في الدنيا، وجنات الزخارف في الآخرة، تجري من تحت قلوب أهلها أنوار العلوم والمعارف، فإذا كشف لهم يوم القيامة عن أسرار ذاته، قالوا: هذا الذي عرفناه من قبل في دار الدنيا، إذ الوجود واحد والمعرفة متفاوتة، وأتُوا بأرزاق المعارف متشابهة؛ لأن مَنْ عَرَفه في الدنيا عرفه في الآخرة، ومَن أنكره هنا أنكره يوم القيامة، إلا في وقت مخصوص على وجه مخصوص، ولهم في جنات المعارف عرائس المعارف والكشوفات، مطهرات من أدناس الحس وعبث الهوى والشهوات، وهم بعد تمكنهم من شهود الذات، خالدون في عُشّ الحضرة، فيها يسكنون وإليها يأوون. وقال القشيري: كما أن أهل الجنة يجدد لهم النعيم في وقت، فالثاني عندهم على ما يظنون كالأول، فإذا ذاقوه وجدوه غير ما تقدم، كذلك أهل الحقائق: أحوالهم في الزيادة أبداً، فإذا رقي أحدهم عن محله، توهم أن الذي سيلقاه في هذا النَّفس مثل ما تقدم، فإذا ذاقه وجده فوق ذلك بأضعاف، كما قال قائلهم: شعر : ما زِلتُ أنزلُ مِنْ وِدادِكَ مَنْزِلاً تَتحَيرُ الألبابُ عِندَ نُزُولهِ تفسير : ولما ضرب الله الأمثال في القرآن للمنافقين وغيرهم تكلم في ذلك بعض الكفار والملحدين.
الطوسي
تفسير : الحجة: هذه الآية فيها احتجاج لله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) على مشركي قوم من العرب والمنافقين، وجميع الكفار من أهل الكتابين، وغيرهم، لأنه خاطب أقواماً عقلاء ألباء في الذروة العليا من الفصاحة، والغاية القصوى من البلاغة واليهم المفزع في ذلك. فجاءهم بكلام من جنس كلامهم وجعل عجزهم من مثله حجة عليهم، ودلالة على بطلان قولهم. ووبخهم، وقرعهم وامهلهم المدة الطويلة وقال لهم: {أية : فأتوا بعشر سور مثله مفتريات} تفسير : ، ثم قال: {أية : فأتوا بسورة مثله} تفسير : وقال في موضع آخر: {بسورة من مثله}. وخبرهم أن عجزهم، إنما هو عن النظير والجنس، مع أنه ولد بين أظهرهم ونشأ معهم، ولم يفارقهم في سفر ولا حضر. وهو من لا يخفى عليهم حاله لشهرته وموضعه. وهم اهل الحمية والانفة يأتي الرجل منهم بسبب كلمة على القبيلة، فبذلوا أموالهم ونفوسهم في إطفاء امره ولم يتكلفوا معارضته بسورة ولا خطبة فدل ذلك على صدقه. وذكرنا ذلك في الأصول المعنى: وقوله: {بسورة من مثله} قال قوم: إنها بمعنى التبعيض: وتقديره: فاتوا ببعض ما هو مثل له وهو سورة. وقال آخرون: هي بمعنى تبيين الصفة كقوله: {أية : فاجتنبوا الرجس من الأوثان} تفسير : وقال قوم: إن {من} زائدة. كما قال في موضع آخر: {بسورة مثله} يعني مثل هذا القرآن. وقال آخرون: أراد ذلك من مثله في كونه بشراً امياً، طريقته مثل طريقته والأول أقوى، لأنه تعالى قال في سورة أخرى: {بسورة مثله}. ومعلوم أن السورة ليست محمداً "ص"، ولا له بنظير ولأن في هذا الوجه تضعيفاً لكون القرآن معجزة، ودلالة على النبوة. وقوله: {وادعوا شهداءكم من دون الله}. قال ابن عباس: أراد أعوانكم على ما أنتم عليه، إن كنتم صادقين. وقال الفراء: أراد ادعوا آلهتكم. وقال مجاهد وابن جريح أراد قوماً يشهدون لكم بذلك ممن يقبل قولهم. وقول ابن عباس أقوى وقوله: {مثله}، أراد به مايقاربه في الفصاحة، ونظمه، وحسن ترصيفه وتأليفه، ليعلم أنه اذا عجزوا عنه، ولم يتمكنوا منه، أنه من فعل الله تعالى، جعله تصديقاً لنبيه، وليس المراد أن القرآن له مثل عند الله، ولولاه لم يصح التحدي لأن ما قالوه: لا دليل عليه. والاعجاز يصح، وإن لم يكن له مثل أصلا، بل ذلك أبلغ في الاعجاز، لأن ذلك جار مجرى قوله: {أية : هاتوا برهانكم} تفسير : وانما أراد نفي البرهان أصلا. والدعاء اراد به الاستعانة. قال الشاعر: شعر : وقبلك ربّ خصم قد تمالوا عليّ فما جزعت ولا دعوت تفسير : وقال آخر: شعر : فلما التقت فرساننا ورجالهم دعوا يا لكعب واعتزينا لعامر تفسير : يعني انتصروا بكعب واستغاثوا بهم. وشهداء جمع شهيد: مثل شريك وشركاء وخطيب وخطباء. والشهيد: يسمى به الشاهد على الشيء لغيره بما يحقق دعواه. وقد يسمى به المشاهد للشيء. كما يقال: جليس فلان. يريد به مجالسه ومنادمه. فعلى هذا تفسير ابن عباس أقوى. وهو، أن معناه استنصروا أعوانكم على أن يأتوا بمثله، وشهداءكم الذين يشاهدونكم ويعاونونكم على تكذيب الله ورسوله، ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم إن كنتم محقين. وما قاله مجاهد وابن جريح في تأويل ذلك لا وجه له، لأن القوم على ثلاثة اصناف: فبعضهم اهل ايمان صحيح. وبعضهم أهل كفر صحيح. وبعضهم أهل نفاق. فأهل الايمان اذا كانوا مؤمنين بالله ورسوله، فلا يجوز ان يكونوا شهداء للكفار على ما يدعونه، واما اهل النفاق والكفر فلا شك انهم اذا دعوا الى تحقيق الباطل وابطال الحق، سارعوا اليه مع كفرهم وضلالتهم. فمن أي الفريقين كانت تكون شهداء. لكن يجري ذلك مجرى قوله: {أية : قل لئن اجتمعت الأنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } تفسير : وقد أجاز قوم هذا الوجه أيضاً قالوا: لأن العقلاء لا يجوز أن يحملوا نفوسهم على الشهادة بما يفتضحون به في كلام أنه مثل القرآن ولا يكون مثله. كما لا يجوز ان يحملوا نفوسهم على ان يعارضوا ما ليس بمعارض في الحقيقة. ومعنى الآية: إن كنتم في شك من صدق محمد صلى الله عليه وآله فيما جاءكم به من عندي، فاتوا بسورة من مثله، فاستنصروا بعضكم بعضاً على ذلك إن كنتم صادقين في زعمكم حتى إذا عجزتم وعلمتم انه لا يقدر على ان يأتي به محمد (صلى الله عليه وسلم)، ولا احد من البشر يتضح عندكم انه من عند الله تعالى
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : اعلم أن الله سبحانه، لمَّا أقام الدلائل الباهرة والحجج القاهرة على اثبات التوحيد وتحقيقه، وإبطال الإشراك، وهدم قواعد الأنداد والأعداد، وعرَّف العقول بأنّ من أشرك فقط عطَّل ميزان عقله عن الاستعمال، وباع رأس مال فطرته باتِّباع الأرذال وتقليد الجهّال، وغطّى ما أنعم الله عليه من نور العقل والتمييز بظلمات الوهم والخيال، عطف على ذلك ما هو الحجّة على إثبات النبوّة لنبيّنا محمّد (صلى الله عليه وآله)، المبعوث على كافَّة البريَّة، وما يدحض به الشبهة في كون القرآن معجزة، وأراهم ما يلجئهم إلى الاعتراف بذلك. وإلاّ فقد حرّم الله تعالى شرب ماء حياة القرآن، وذوق مشارب الإيمان وحقائق العرفان على أهل هذه الظلمات ومقابر الأموات، والراقدين في مراقد الجهالات، فإنّه تعالى قد جعَل إعراض المعرِضين عن مطالعة كتابه، واعتراض المعترضين على سيِّد أحبّائه حجاباً من حُجب غيرته، وسرادقاً من سرادقات عزّته لحبيبه المرسَل وكتابه المنزَل؛ فلا يشاهِد المعرِضون عن الله حبيبه، ولا يطالِع المعترضون على الله كتابه. فلم يزدْهم بيان النبي (صلى الله عليه وآله) وإعجاز القرآن إلاّ ريباً على ريباً وخساراً على خسار؛ كما قال الله تعالى: {أية : وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس:101]. فلمّا حُجِبوا عن مشاهدة أنوار الحبيب، ومُنعوا عن مطالعة آيات الكتاب، أقام عليهم الحجَّة البيِّنة إعلاماً لبُعدهم عن المحجَّة، وايذاناً بانحرافهم عن الصراط المستقيم، وتنكُّبهم عن الطريق القويم، وأراهم كيف يتعرَّفون ما أتى به عبدُه؛ أهو من عند الله - كما يدّعي -، أم هو من عند نفسه - كما يدّعون -. ونفوس البشر - بما هي نفوس البشر - متماثِلةٌ، وإنّما التفاوت والتفاضل بأمور أُخرويَّة فائضة عليها من الله، فلو كانت النبوّة كسبيّة، أو كان القرآن آلفاظاً تأليفيّة، لمَاع عجَزوا عن آخرهم عن اكتسابها ومعارضته. فأرشدهم إلى أن يجرِّبوا أنفسهم، ويمتحنوا أذواق طباعهم - وهم أبناء جنسه وأهل جِلْدته -، هل يقدرون على الإتيان بمثل ما أتى به؟ وإن كانوا من مصاقع الخطباء من العرَب العرْباءِ، مع كثرتهم وإفراطهم في المضادَّة والمضارَّة، وتهالُكهم على المعازَّة والمعارَّة؛ فعرَّفهم ما يتعرف به اعجازه، ويتيقَّن أنّه من عند الله كما يدّعيه عبده. وإنّما سمّاه "عبداً" مطلقاً مقيّداً بـ "هـ" ولم يسمّ غيره من الأنبياء عليهم السلام إلاّ بالعبد المقيّد المقرون باسمه - كما قال: {أية : وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ} تفسير : [ص:41] {أية : وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ} تفسير : [ص:17]. وغيرهما -، وذلك لأنّ كمال العبوديّة ما تهيّأ لأحد من العالمين إلا لحبيبه - صلوات الله عليه وآله -، لأنّه يحصل في كمال الحريّة عما سوى الله بقطع منازل الخلٌْ والأمْر كلها، وطيِّ معارج الملك والملكوت، والخروج عن مكامن أطوار الإنيَّة ومطاوي أستار الأنانيَّة، إلى فضاء مشاهدة الأحديّة وعرصة القيامة اللاهوتيّة. وهو المختص بهذه الكرامة كما أثنى الله عليه بذلك: {أية : إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ * مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ} تفسير : [النجم:16 - 17]. فلمّا اختُصّ بهذه الحريّة، أكرم بهذه العبوديّة، وسُمّي باسم العبد المطلق، كما قال: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ} تفسير : [النجم:10]. وهو المقدّم في رتبة التشريف في التشهّد على الرسالة. وإنّما ذكره في هذه الآية بـ "عَبْدِنَا"، لأنّه أمَر في الآية المتقدّمة بالعبوديّة خالصة لله بترك الأنداد ورفض الأحباب - من الدنيا، والهوى، والنفس وشهواتها من المراتع الحيوانيّة والملاذّ النفسانيّة -، وما صحّ لأحد من العالمين من العبودية الخالصة، كما صحّ له (صلى الله عليه وآله)، فذكره في هذا المعرض، وسمّاه به، وأضافه إلى ذاته تنبيهاً على منزلته فقال: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا} أنعمنا على عبدِنا محمد (صلى الله عليه وآله)، بحسن الطاعة والخدمة، وكمال العبودية والاستعداد بإنعام الوحي وإنزال القرآن {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}. وإنما قيل: "نَزّلْنَا" - على لفظ "التنزيل" دون "الإنزال" -، لأن المراد نزوله على نهج التدريج والتنجيم، وهو الحريّ بمكان التحدّي، لأنّهم كانوا يقولون: لو كان هذا من عند الله لم ينزل هكذا نجوماً - سورة بعد سورة، وآيات غبَّ آيات -، على سنن أهل الخطابة والشعر، حيث صدر عنهم وسنح ببالهم مضامين الأشعار والخطب، حسب ما عَنَّ لهم من الأحوال، وتجدّد عليهم سوانح الحاجات، ولم يلق الناظم ديوان شعره دفعةً، ولم يرم الخطيب مجموع خطبه ورسائله ضربةً، كما حكى الله عنهم: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} تفسير : [الفرقان:32]. ثم بيَّن الحكمة في ذلك بقوله: {أية : كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} تفسير : [الفرقان:32]. وذلك لأن الله بيَّن حجَّة نبيِّه بأوضح وجه وآكده، فأزاح علّتهم، وأدحض حجَّتهم بأنّه إن ارتبتم في هذا الذي وقع إنزاله هكذا على مهلٍ وتدريج، فهاتوا بمثْل نجْم من نجومه، وقسْم من أقسامه، وسورة من سوره، أو آيات مفتريات. وهذا غاية الإلزام ونهاية التبكيت، التي لم يبق للمحجوج المعاند مجال الكلام إلاّ باتيان المثل أو ما يقرب منه، لو وجد عنده، أو أخذه من أقرانه وأعوانه، كما قال: {أية : وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}تفسير : [الإسراء:88]. وإذا لم يأت بمثله ولا بما يقرب منه، فقد علم عجزه. فهذا أوضح الطرُق للدلالة على أن القرآن معجزة، وذلك لأنّه لا يخلو حاله من أحد وجوه: إمّا أن يكون مساوياً لكلام سائر الفصحاء، أو زائداً عليه بقدر لا ينقض العادة، أو زائداً عليه بقدر ينقض العادة. والأولان باطلان، فتعيّن الثالث. أما بطلانهما: فإنه (صلى الله عليه وآله) تحدّى بالقرآن، ودعى إلى الإتيان بسورة مثله مصاقع البلغاء والفصحاء مع [كثرتهم] كثرة رمال الدهناء وحصاء البطحاء، وكانوا في معرفة اللغة والاطلاع على قوانين الفصاحة في الغاية، [و] كانت شهرتهم بغاية العصبيّة والعناد والحميّة الجاهلية واللداد فوق النهاية، وكان تهالكهم على المباهاة والمبالاة، والدفاع عن الأحساب وركوب الشطط في هذا الباب خارجاً عن الحدّ والحساب؛ فعجزوا حتى آثروا المقارعة على المعارضة، وبذلوا المهج والأرواح دون المدافعة. فلو قدَروا على المعارضة بالمثْل - أو بالأقلّ منه تفاوتاً غير فاحش -، لعارضوا بمقارعة اللسان - لا بمعارضة السيف والسنان -، ولم يرتكبوا ضروب المهالك والمحن، ولم يبذلوا النفوس والأموال في الحروب والفتن - إذ المعارضة أقوى القوادح -، ولو عارَضوا لاشتَهر وتواتَر نقله إلينا لتوفُّر الدواعي وعدم الصارف. والعلم بجميع ذلك يجري مجرى الضروريات كسائر علوم العاديات، ولا يقدح فيه احتمال أنّهم تركوا المعارضة مع القدرة عليها، أو عارَضوا ولم يُنقل الينا لمانعٍ - كعدم المبالاة وقلّة الالتفات والاشتغال بالمهمّات -. وإذ تبين بطلان القسمين، فثبت أن القرآن لا يماثل كلام سائر الفصحاء، وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتاً معتاداً، فهو إذاً تفاوت خارج عن العادة، بالغ حدّ الإعجاز؛ فالقرآن إذن معجزٌ. فصل في بيان جهة اعجاز القرآن اعلم أنّ الناس اختلفوا في وجه إعجاز القرآن، فالجمهور على أن ذلك لأجل كونه في الطبقة العليا من الفصاحة، والدرجة القصوى من البلاغة على ما يعرفه فصحاء العرب بسليقتهم، وعلماء الفرق بمهارتهم في البيان، وإحاطتهم بأساليب الكلام. هذا مع اشتماله على الإخبار عن المغيبات الماضية والآتية، وعلى دقائق العلوم الإلهية وغوامض المعارف الربانية، وأحوال المبدء والمعاد، والإرشاد إلى مكارم الأخلاق وإلى فنون الحِكمة العمليّة والمصالح الدينيّة والدنيويّة - على ما يظهر للمتدبّرين ويتجلّى للمتفكّرين؛ وعلى ما هو فوق هذا كلّه ووراء طور العقول - ممّا لا يظهر إلا للراسخين في علوم الأذواق، والمبتهجين بأنوار عالم الإشراق. وذهب من علمائنا الإماميّة السيد المرتضى - رضي الله عنه وعنهم - طباقاً لكثير من المعتزلة: [إلى] أن إعجازه بالصرفة، وهي ان الله صرف همم المتحدين عن معارضته مع اقتدارهم عليها - وذلك إمّا بسلب قدرتهم، أو صرف دواعيهم، أو سلب العلوم التي لا بدّ منها في الإتيان بمثل القرآن - بمعنى أنّها لم تكن حاصلةً لهم، أو بمعنى انها كانت كاملة حاصلة، فأزالها الله. والأخير هو المختار عند المرتضى. واحتجّوا على ذلك أوّلاً: بأنّا نقطع بأن فصحاء العرب كانوا قادرين على التكلّم بمثل مفردات السورة ومركّباتها القصيرة، - مثل: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ} تفسير : [الفاتحة:2] ومثل: {أية : رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الفاتحة:2] وهكذا إلى الآخر، فيكونوا قادرين على الإتيان بمثل السورة. وثانياً: بأن الصحابة عند جمع القرآن، كانوا يتوقّفون في بعض السور والآيات إلى شهادة الثقاة، وكان ابن مسعود قد بقي متردّداً في الفاتحة والمعوذتين؛ ولو كان نظم القرآن معجزاً بفصاحته لكان كافياً في الشهادة. والجواب عن الأول: إنّ حكم الجملة قد يخالف حكم الأجزاء، وهذه بعينها شبهة من نفى قطعيّة الإجماع والخبر المتواتر، ولو صحّ ما ذكر، لكان كلّ من آحاد العرب قادراً على الإتيان بمثل قصائد فصائحهم - كامرئ القيس وأضرابه - واللازم قطعي البطلان. وعن الثاني: بعد صحّة الرواية، وكون الجمع بعد النبي (صلى الله عليه وآله) لا في زمانه، وكون كل سورة مستقلة بالإعجاز -، إنّ ذلك كان للاحتياط والاحتراز عن أدنى تغيير لا يخلّ بالإعجاز، وأن اعجاز كلّ سورة ليس مما يظهر لكل أحد، بحيث لا يبقى له تردّد أصلاً. وقيل: إعجازه بنظمه الغريب المخالف لما عليه كلام العرب في الرسائل والأشعار والخطب. وقيل: بسلامته عن الاختلاف والتناقض. وقيل: باشتماله على دقائق العلوم وحقائق المصالح والحِكَم. وقيل: بإخباره عن المَغيبات. ورُدّ الأوّل: بأنّ حماقات مسيلمة ومَن جرى مجراها أيضاً على ذلك النظم. والثاني: بأنّه كثيراً ما يَسْلَم كلام البلغاء عن الاختلاف والتناقض. والثالث: [بأنّه] قد يشتمل كلام الحكماء على دقائق العلوم والحقائق. والرابع: بأنّ الإخبار عن المَغيبات لا يوجد إلا في قليل من الآيات. فصل في وجه شُبَه الطاعنين في القرآن واعلم أن أشراف العرب وكبراءهم - مع كمال حذاقتهم في أسرار بلاغة الكلام، وفرط عداوتهم للإسلام - لم يجدوا فيه للطعن مجالاً، ولم يوردوا في القدح مقالاً ونسبوه إلى السحر - على ما هو دأب المحجوج المبهوت -، تعجُّباً من فصاحته، وحسن نظمه وبلاغته، واعترفوا بأنّه ليس من جنس خطب الخطباء وأشعار الشعراء، وأنّ له حلاوة وعليه طلاوة، وأن أسافله مغدقة وأعاليه مثمرة، فآثروا المنازعة والمقاتلة على المقاولة، وأبى الله إلاّ أن يتمّ نوره على كُره من المشركين، ورغم أنوف المعاندين، وحين انتهى الأمر إلى من بَعدهم من أعداء الدين، وفِرَق الملحدين، اخترعوا مطاعنَ ليست إلا هزءة للساخرين، وضحكة للناظرين. منها: إنّ فيه كلمات غير عربيّة - كالاستبرق والسجّيل، والقسطاس، والمقاليد - فكيف يصحّ أنه {أية : عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}؟ تفسير : [النحل:103] ورُدَّ بأنّ ذلك من توافق اللغتين، والمراد أنه عربيّ النظم والتركيب، أو الكلّ عربيّ على سبيل التغليب. ومنها: إن فيه خطأ من جهة الإعراب، مثل {أية : إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ} تفسير : [طه:63]. و {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ} تفسير : [المائدة:69]. و {أية : لَّـٰكِنِ ٱلرَّاسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلاَةَ} تفسير : [النساء:162]. ورُدَّ بأنّ كلّ ذلك صواب على ما بُيِّن في علم الإعراب. ومنها: إنّ فيه ما يكذبه، حيث أخبر بأنه لا يتيسّر للبشر - بل للإنس والجنّ - مثل سورة منه، وأقلّ السورة ثلاث آيات، ثم حَكى عن موسى عليه السلام - مع اعترافه بأنّ هٰرون أفصح منه - مقدار إحدى عشرة آية منه؛ وهو قوله: {أية : قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِيۤ أَمْرِي}تفسير : [طه:25 - 26] إلى قوله: {أية : إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً}تفسير : [طه:35]. ورُدّ بأنّ المحكي لا يلزم أن يكون بهذا النظم بعينه، على أنّ المختار عند البعض في المتحدى به سورة من الطوال، أو عشر من الأوساط. ومنها: إن فيه متشابهات يتمسك بها أهل الغواية - كالمجسِّمة بمثل: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} تفسير : [طه:5]. ورُدَّ بأنّها لنيل المَثوبة بالنظر والاجتهاد في طلب المراد؛ ولفوائد لا تحصى في الرجوع إلى الراسخين في العلم. ومنها: إن فيه عيب التَكرار - كإعادة قصّة فرعون في عدّة مواضع، وكإعادة: {أية : فَبِأَيِّ آلاۤءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ}تفسير : [الرحمن:13] و {أية : وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ} تفسير : [المرسلات:15] في سورة الرحمن والمرسلات. ورُدّ بأنه إنّما يكون من محاسن الكلام على ما يقرره علماء البيان فيما وقع منه في الآخرة. ومنها: إن فيه قوله: {أية : لَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء:82]، وأنت تجد فيه من الإختلاف المسموع من أصحاب القراءة ما ترى على اثني عشر ألفاً. ورُدَّ بأنّ الاختلاف المنفيّ هو التفاوت في مراتب البلاغة، بحيث يكون بعضه قاصراً عن مرتبة الإعجاز، أو مشتملاً على تناقض في الأحكام أو الأخبار. لا يقال: تقرير الطعن فاسدٌ من أصله، لأنّه استدلال بثبوت اللازم على ثبوت الملزوم. لأنّا نقول: لا. بل هو مبنيّ على أن كلمة: "لو" في اللغة تفيد انتفاء الجزاء لانتفاء الشرط، بمعنى أنّ عدم وجدان الاختلاف بسبب أنّه ليس من عند غير الله. أمّا لو حملت كلمة "لو" في الآية على ما هو قانون الاستدلال - كما في قوله: {أية : لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ ٱللَّهُ لَفَسَدَتَا} تفسير : [الأنبياء:22]، فهو استدلال بنفي اللازم على نفي الملزوم. أي: "لكن لم يوجد فيه الاختلاف، فلم يكن من عند غير الله". ومنها: إن فيه التناقض، كقوله: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ} تفسير : [الرحمن:39]. مع قوله: {أية : فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الحجر:92 - 93]. وكقوله: {أية : لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ}تفسير : [الغاشية:6]. مع قوله: {أية : وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ} تفسير : [الحاقة:36]. إلى غير ذلك من مواضع يُتوهّم منها تنافي الكلامين. وَرُدَّ بمنع وجود شرائط التناقض - وقد بُيِّن ذلك في التفاسير -. ومنها: إن فيه الكذب المحضْ، كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ}تفسير : [الأعراف:11]. للقطع بأن الأمر بالسجود لم يكن بعد خلقنا وتصويرنا. ورُدَّ بأنّ المراد خلق أبينا آدم وتصويره. ومنها: إن فيه الشعر من كل بَحرٍ؛ وقد قال: {أية : وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ} تفسير : [يس:69]. فمن الطويل: {أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ} تفسير : [الكهف:29]. ومن المديد: {أية : وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا} تفسير : [هود:37]. ومن البسيط: {أية : لِّيَقْضِيَ ٱللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} تفسير : [الأنفال:42]. ومن الوافر: {أية : وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [التوبة:14]. ومن الكامل: {أية : وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [البقرة:213]. ومن الهزج: {أية : تَٱللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيْنَا} تفسير : [يوسف:91]. ومن الرجز: {أية : وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاَلُهَا}تفسير : [الإنسان:14]. ومن الرمل: {أية : وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ}تفسير : [سبأ:13]. ومن السريع: {أية : قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يٰسَامِرِيُّ}تفسير : [طه:95]. ومن المنسرح: {أية : إِنَّا خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ} تفسير : [الإنسان:2]. ومن الخفيف: {أية : أَرَأَيْتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ * فَذَلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلْيَتِيمَ} تفسير : [الماعون: 1 - 2]. ومن المضارع: {أية : يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ} تفسير : [غافر:32 - 33]. ومن المقتضب: {أية : فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ}تفسير : [البقرة:10]. ومن المجتث: {أية : ٱلْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} تفسير : [التوبة:79]. ومن المتقارب: {أية : وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} تفسير : [الأعراف:183]. ورُدَّ بأنّ مجرد كون اللفظ على هذه الأوزان لا يكفي، بل لا بدّ من تعمُّد الوزن - وعند البعض من التقفية -، على أنّ في كثير مما ذُكر نوع تغيير؛ ولو سلِّم فالتغليب باب واسع. أقول: المراد من الشعر المنهي عنه، هو التخيُّلات والمبالغات في تحسين الأشياء وتقبيحها مع مراعاة النظم وغيره، وإلاّ فمجرّد النظم الواقع في الكلام المطابق للحق، مما ليس به بأس أصلاً. فصل في معنى السورة قيل: هي إما مستعارة من "سُور المدينة" لأحاطتها بما تضمّنته من أصناف المعارف والأحكام، كاحاطة السُور بما يحتوي عيه. أو مَجاز مرسل من "السورة" أي المرتبة العالية والمنزلة الرفيعة، ومنه قول النابغة: شعر : ألَم ترَ أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها يتذبذب تفسير : إذ لكل واحدة من السوَر الكريمة مرتبة في الفضل عالية، ومنزلة في الشرف رفيعة؛ أو لأنها توجب علو درجة تاليها وسموّ منزلته عند الله سبحانه، فكأنّ القاري يرتفع من كل منزلة إلى منزلة أخرى، إلى أن يستكمل القرآن ويرتفع به، كما ورَد عنه (صلى الله عليه وآله): "حديث : اقرأ وارْقَ ". تفسير : وقيل: "واوُها" مبدّل من "الهمزة"، آخذاً من السُؤْر بمعنى: البقيَّة، والقطعة من الشيء. واختلفوا في رسمها عرفاً؛ فقيل: طائفة من القرآن مصدّرة بالبسملة الا براءة، فأورد على طرده الآية الأولى من كل سورة. فزيد: "متّصل آخرها فيه بإحداها". فأورد على عكسه "سورة الناس". فزيد: "أو غير متصل بشيء منه" فوَرد عليه بعض أجزاء سورة النمل. وقيل: "طائفة من القرآن مترجمة بترجمة خاصّة" ونقض طرده بآية الكرسي. ورُدّ بأن المراد بالترجمة الإسم، وتلك إضافة محضة. وأنت خبيرٌ بأنّ القول ببلوغ سورتي الإسراء والكهف مثلاً حدّ التسمية - دون آية الكرسي - لا يخلو من صعوبة. وقيل: الأولى أن يراد بالترجمة ما يكتب في العنوان، ومنه "ترجمة الكتاب"، والمراد بها هاهنا ما جرت العادة برسمه في المصحف المجيد عند أول تلك الطائفة من لقبها، وعدد آياتها، ونسبتها إلى أحد الحرمين الشريفين. أقول: والأمر في تحقيق أمثال ذلك هيّن. تذكرة: قد ذهب جماعة من قدماء الأمة، إلى أنّ "الضُحَىٰ"، و "ألَمْ نَشْرَحْ" سورة واحدة، وكذا "الفيل" و "لإيلاف" وهو مذهب جماعة من فقهائنا - رضوان الله عليهم -. قال شيخنا بهاء الحق والدين - رحمه الله -: هذا القول وإن قال به جمع من السلَف والخلَف، إلاّ أنّ الحقّ خلافه، واستدلالهم بالارتباط المعنوي [بين] كل وصاحبتها، وبقول الأخفش والزجّاج "إن الجار في قوله عزّ وعلا: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ} تفسير : [قريش:1] متعلق بقوله جلّ شأنه: {أية : فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولِ}تفسير : [الفيل:5]، وبعدم الفصل بينهما في مصحَف أبي بن كعب، ضعيف؛ لوجود الإرتباط بين كثير من السور التي لا خلاف في تعددها، فليكن هذا من ذاك. وكلام الأخَفَشين لا ينهض حجة في أمثال هذه المطالب، وتعلّق الجار بقوله سبحانه: {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ} تفسير : [قريش:3] لا مانع عنه، وعدم الفصل في مصحَف أبيّ لعلَّه سهوٌ منه؛ على أنّه لا يصلح معارضاً لسائر مصاحف الأمَّة. وأمّا ما ذكره جماعة من مفسِّري أصحابنا الإمامية - رضوان الله عليهم - كشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي في التبيان، وثقة الإسلام أبي علي الطبرسي في مجمع البيان، من ورود الرواية بالوحدة عن أئمتنا عليهم السلام - فهذه الرواية لم نظفر بها، وما اطَّلعنا عليه من الروايات التي تضمَّنتها أصولنا، لا تدلّ على الوحدة بشيء من الدلالات، بل لعل دلالة بعضها على التعدّد أظهر. وأقصى ما يُستنبط منها جواز الجمع بينهما في الركعة الواحدة؛ وهو عن الدلالة على الوحدة بمراحل. وما تشرّفنا بمشاهدته في مشهد مولانا وإمامنا أبي الحسن الرضا عليه السلام من المصاحف، التي قد شاع وذاع في تلك الأقطار أن بعضها بخطّه عليه السلام، وبعضها بخط آبائه الطاهرين - سلام الله عليهم أجمعين - [يدل] على ما قلنا من التعدد، فإنَّ الفصل في تلك المصاحف بين كل من تلك السور الأربع وصاحبتها على وتيرة الفصل بين البواقي - انتهى كلامه. فإن قيل: ما فائدة تقطيع القرآن سوَراً؟ قلنا: ذكرت فيه وجوه: منها: ما لأجله بوَّب المصنِّفون كتبهم أبواباً وفصولاً موشّحة الأوائل بالتراجم والعنوانات لسهولة الأخذ والضبط، ولأن الجنس إذا حصل تحته أنواع، كان أفراد كلّ نوع عن صاحبه أحسن، ففيه إفراد الأنواع، وتلاحق الأشكال، وتجاوب النظم. ومنها: أن القاري إذا ختَم سورة أو باباً من كتاب الله، ثم أخذ في آخر، كان أنشط له. ومنها: أن الحافظ إذا حذق طائفة مستقلّة بنفسها، فيجلّ في نفسه ذلك ويغتبط به، ومن ثمَّ كانت القراءة في الصلاة بسورة تامَّة أفضل؛ ففيه تنشيط القاري، وتسهيل الحفظ والترغيب فيه والتنفيس - كالمسافر إذا علم أنّه قطع ميلاً أو طوى فرسخاً أو انتهى إلى رأس بريد، نفَّس ذلك عنه ونشط للسير، ومن ثَمَّة جزّء القرّاء القرآن أسباعاً وأجزاءً وعشوراً. وقيل: إن في القرآن ميادين، وبساتين، ومقاصير، وعرائس، وديابيج، ورياضاً، وخانات؛ فالميمات ميادين القرآن، والراءات بساتينه، والحامدات مقاصيره، والمسبِّحات عرائس القرآن، والحامّيمات ديباج القرآن. والمفصّل رياضه، والخانات ما سوى ذلك. فإذا دخل القاري في الميادين، وقطف من البساتين، ودخل المقاصير، وشهد العرائس، ولبس الديباج، وتنزَّه في الرياض، وسكن غرف الخانات، استغرقه ذلك عمّا سواه، فلم يكن شغله عن تفكُّره وتدبُّره فيه شاغل. نكتة قد وقع التحدّي بالقرآن بوجوه وتارات؛ تارة بقوله: {أية : فَأْتُواْ بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهْدَىٰ} تفسير : [القصص:49]. وتارة بقوله: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} تفسير : [الإسراء:88]. وتارة بقوله: {أية : فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} تفسير : [هود:13]. وتارة بقوله: {أية : قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} تفسير : [يونس:38]. وذلك لكون التحدّي بشيء على عدّة مراتب متنازلة يكون أقوى وأبلغ. نظيره كمن يتحدّى صاحبه بتصنيفه فيقول: "إيتني بمثْله، إيتني بنصْفه، ايتني بربْعه، ايتني بمسئلة مثْله"، هذا هو النهاية في إزالة العذر وإزاحة الشبهة. واعلم أنّ هذا دالٌّ على أنّ القرآن، وما هو عليه، من كونه سوَراً هو على حدّ ما أنزل الله - لا كما اشتهر من أنّه وقع الترتيب في أيّام عثمان - فصل الضمير في "مِثْلِه" عائدٌ إلى "مَا نَزَّلنَا"؛ و "مِنْ" للتبعيض أو التبيين، وزائد عند الأخفش؛ أي: فأتوا بسورة مماثلة للقرآن في الفصاحة وحسْن الترتيب. وقيل: إلى "عَبْدِنَا"، و"مِنْ" للابتداء، أي: "فأتوا بسورة كائنة ممّن هو على حاله من كونه بشَراً أمّياً لم يقرء الكتب ولم يأخذ من العلماء". أو صلة "فأتوا" والضمير للعبد. ورجّح الأول بوجوه: أحدها: إنّه المطابق لسائر آيات التحدّي - لا سيّما ما في سورة يونس -: {أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ} تفسير : [يونس:38]. والثاني: إن الكلام مسوق في المتحدّى به - لا في المنزل عليه -، فوجب صرف الضمير إليه ليتّسق الترتيب ويحسن النظم. والثالث: إن مخاطبة الجماعة الكثيرة بأن يأتوا بمثل ما أتى به واحد من أمثالهم في البشريّة، أبلغ وأقوى في التحدّي من أن يقال لهم: "ليأت آخر مثله بنحو ما أتى به هذا". الرابع: إنّ القرآن معجز في نفسه، كامل في حقيقته، كما قال سبحانه: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} تفسير : [الإسراء:88]. وعند عود الضمير إلى محمّد (صلى الله عليه وآله)، يفيد أن كونه معجزاً، إنّما يكمل ويتمّ عند تقدير ما يوهم نقصاً في حقّه - من كونه أميّاً بعيداً من العلم -، حاشى الجناب المصطفوي الختمي - على القائم به وآله الصلاة والسلام - عمّا يوهم خطأ في حقّه أو نقصاً في نفسه؛ بل كما تشرّفت ذاته بالقرآن بعد النزول، تشرّفت قبل نزوله بعلوم إلهيَّة وأنوار عقليّة، كان يتهيّأ ويستعدّ بها من بين الخلائق كلهم لمشاهدة الوحي الإلهي، وتلقّي القرآن من لَدُنْ حكيم عليم. وليس كما زعمه أكثر الناس - ممّن لا اطلاع لهم على معنى النبوّة وحقيقة الرسالة - من أنه قبل البعثة لم يكن من أولي العلم - حاشاه عن ذلك -، كيف، ولا شرف ولا فضيلة بالحقيقة لنفس الإسنان إلاّ بالعلم والمعرفة، وبذلك يتميّز عن الأقران، ويفوق على سائر الأكوان. وكونه (صلى الله عليه وآله) أمّياً لا ينافي أفضليّته على الخلق، لأن علم الخط والكتابة ليس من الفضائل الكلّية والكمالات العقليّة، بل هو من الصنائع الجزئيّة الوضعيّة المتعلّقة بإدراك الحواسّ، وأنها كسائر العلوم الجزئيّة داثرة باندراس الحواسّ، وكلّ ما من شأنه الدثور والزوال، فليس في شيء من الشرف والكمال. الخامس: إنّ ردّ الضمير إليه - لا إلى المُنزل -، يوهم إمكان صدوره عمّن لم يكن مثله (صلى الله عليه وآله) في كونه أمّياً، ولو صرف إلى المنزَل، لدلّ على امتناع صدوره من البشر مطلقاً؛ فهذا أولى وأوفق بقوله: {وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ}. فصل "الشهداء" جمع شهيد، من "الشهود" وهو الحضور، سواء كان في العين أو في العلم، بالذات أو بالتصور. ومنه قيل للمقتول في سبيل الله: "شهيد"، لأنّه يحضر ما كان يرجوه، أو الملائكة حضروه، ويطلق على القائم بالشهادة، والناصر، والإمام، فكأنه سمّي به لأنّه يحضر النوادي وتبرم بمحضره الأمور. والمراد من الشهداء؛ إمّا من ادّعوا فيه الإلهيّة من الأوثان، وإمّا أكابرهم ورؤساؤهم لأنهم يشتركون في أنهم كانوا يعتقدون فيهم كونهم أنصاراً وأعواناً. ومعنى "دون"، أدنى مكان من الشيء، ومنه "تدوين الكتب"، لأنّه إدناء البعض من البعض، و "دونك هذا" أي: خذه من أدنى مكان منك. ثم استعير للرتب فقيل: "زيد دون عمرو في الشرف"، ومنه "الشيء الدون". ثم استعمل اتّساعاً في تجاوز حدّ إلى حدّ، وتخطّي أمر إلى غيره. قال الله تعالى: {أية : لاَّ يَتَّخِذِ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلْكَافِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [آل عمران:28]. أي: لا يتجاوزوا ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين. وقال أميّة: "يا نفس مالَك دون الله من واقٍ". أي إذا تجاوزت وقاية الله فلا يقيك غيره. و "مِنْ دُونِ اللهِ" متعلّق إمّا بـ "شهداءَكم" أو بـ "ادعوا". وعلى الأول ففيه معنيان: أحدهما: ادعوا للمعارضة الذين زعمتموهم آلهتكم من دون الله، وشهداء لكم يوم القيامة على أنكم محقّين. وثانيهما: ادعوا شهداءكم من دون أولياءِ الله وغير المؤمنين ليشهدوا لكم أنّكم أتيتم بمثله. ففي الأول، حيث وقع الأمر لهم بأن يستظهروا بالجمادات في معارضة [القرآن] غاية التهكّم بها والتبكيت؛ وفي الثاني، إشعار بأنّ شهداءَهم لمّا كانوا فرسان الفصاحة، تأبى عليهم طباعهم السليمة الرضا بالشهادة الكاذبة لأولئك المدّعين. وأمّا الثاني: ففيه أيضاً معنيان: أحدهما: ادعوا للإتيان بسورة منه كلّ من حضركم، أو تصوّرتم معونته من إنسكم وجنِّكم وأعوانكم وأنصاركم وآلهتكم غير الله، فإنّه لا يقدر أحد مما سوى الله أن يأتي بمثله. وثانيهما: ادعوا من دون الله شهداء يشهدون لكم بأنّ ما أتيتم على مثله، ولا تستشهدوا بالله، فإنّ من ديدن المبهوت العاجز وهجّيره أن يقول: "الله يشهد أني لَصادق"، وهذا تعجيز لهم، وبيان لانقطاعهم عن البحث إلاّ بمثل هذا القول. مسئلة: اعلم أنّ هذا التحدي يبطل مذهب الجبر - كما ذكره القاضي - لأنّه مبني على تعذّر مثله ممّن يصح وقوع الفعل منه، فمن ينفي كون العبد فاعلاً أصلاً، لم يمكنه إثبات التحدّي أصلاً، ويلزم منه إبطال الاستدلال بالمعجزات، لأنّ تعذّر وقوعها عن الغير يكون لفقْد القدْرة، ويستوي في ذلك ما يكون معجزاً وما لا يكون. وأيضاً، فإذا كانت الأفعال كلّها من الله، فكلّ ما ينسب إلى العبد من التحدّي يرجع في التحقيق إلى أنّ الله متحدٍ لنفسه، وهو قادر على الإتيان بمثله من غير شكّ، فيجب أن لا يثبت الإعجاز على هذا القول. وأيضاً، إنّ الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يحتجّ بأنّ الله قد خصَّه بالقرآن تصديقاً له في دعوى الرسالة، فلو لم يكن من قِبَله تعالى، لم يكن داخلاً في الإعجاز، وعلى القول (بالجبر)، لم يبق فرق بين المعتاد وغيره، لأنّ الكلّ لا يكون إلاّ من عند الله. هذا هو المذكور في هذا المقام، وهو حجَّة قويَّة الإلزام، وأجاب عنه صاحب الكبير بقوله: "إنّ المطلوب من التحدّي [إما] أن يأتي الخصم بالمتحدّى به قصداً، أو أن يقع ذلك منه إتّفاقاً؛ والثاني باطل، لأن الإتّفاقيّات لا تكون في وسعه، وعلى الأول، إتيانه بالمتحدّى به موقوف على أن يحصل في قلبه قصد إليه، فذاك القصد إن كان منه لزم التسلسل - وهو محال -، وإن كان من الله، فحينئذ يعود الجبر، ويلزمه كل ما أورده علينا، فيبطل كلّ ما ذكره. وأقول - ومن الله الهداية والعصمة -: إنّ هذا النِحرير بطول عمره في البحث والتحرير، لم يفرّق بعد بين ما هو مذهب الأشعري وأتباعه، وما هو مذهب القائلين بالعلّة والمعلول، و "أنّ الشيء ما لم يجب لم يوجد"، و "أن ترجيح أحد المتساويين محال إلاّ لداع"، و "أن الممكن من حيث إمكانه يستحيل وجوده وعدمه إلاّ بسبب". وذلك لأن بناء هذا الإلزام من إبطال التحدّي على رأي أصحابه - النافين للأسباب والعلل -، من جهة أن نسبة المتحدّي وغير المتحدّي إلى المتحدّى به واحدة، وليس - ولا واحد منهما - مما له مدخل في وجود ذلك الأمر بوجه من وجوه المدخليّة - ككونه فاعلاً أو غاية أو شرطاً أو مُعِدّاً أو غير ذلك من الأسباب والشروط -، فلا معنى للتحدّي بأمر غير مختصّ بواحد دون واحد. وأمّا إذا كان ورود الفضائل والكمالات، وفيضان العلوم والخيرات من الله على بعض النفوس والذوات دون بعض، من جهة أعماله السابقة المقرّبة، ونيّاته المتقدّمة والمهيّئة، وفكره وذكره وطاعته وعبادته، فلا يرد ذلك أصلاً، لأن تلك السوابق، مخصّصات للعبد باستحقاق منقبة خاصّة. وتلك السوابق، وإن كانت كلّها أيضاً واردة عليه من قِبَل الله ورحمته - لا منبعثة من ذات العبد -، إلا أنّها تقرّبه وتُزْلِفُهُ إلى الله، وتخصّصه لقبول العناية الإلهيّة، فيصحّ لأحد على هذا الوجه دعوى النبوّة، واثباتها بالتحدّي بفضيلة زائدة على فضائل سائر الناس، ومنقبة فائقة على مناقبهم، خارجة عن حدّ طاقتهم ووسع قوّتهم وقدرتهم. ولا يمكن حينئذ لأحد إبطال قوله؛ بأنّ هذا المتحدّى به ليس فعلك - بل من فعل الله -، فأيّ اختصاص له بك؟ وأي منقبة حصلت لك منه دون أقرانك وأمثالك؟ لأنّ له أن يقول: إنّ جميع الأمور، وإن كانت حاصلة بقضاء الله وتقديره، إلاّ أنَّ قضاءه وقدره يوجبان ما يوجبان بتوسيط مقدمات وسوابق، وأسباب وبواعث، كلّها راجعة إليه أيضاً. ومن جملة تلك الأسباب إرادة العبد وطاعته وذكره وعبادته، فسوابق الطاعات، ومقدمات العبادات من عبد توجب له التقرّب إلى الله زلفى، وهذا التقرّب قرْب معنويّ ودنوّ عقلي بحسب الشرف والفضيلة الذاتيّة - لا بحسب الوضع والرتبة المكانيّة -، وأفراد البشر وإن كانت متساوية في الجسميّة والبشريّة، لكنّها بعد انتقالاتها وحركاتها إلى الأعراض، وتطويرها في الأطوار، واكتسابها للخيرات والشرور، واقتنائها للفضائل والرذائل، تصير متخالفة الذوات والصفات بحسب البواطن والقلوب. فمِن القلوب ما هو أبيض منير كالشمس، ومنها ما هو أسود مظلم كالقير، فهل هذا التفاوت إلاّ بأمور ذاتية مجعولة من الله، حاصلة من مواهبه وعطاياه؟ وليست أفراد الإنسان متساوية فيها، كما قال تعالى: {أية : هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر:9]. فالنبوَّة، وإن لم تكن مكسوبة للعبد، إلا انها فائضة من الله على قلب مطهّر بطهارة الأخلاق والرياضات، منوّر بنور المعارف والخيرات، كمن يكنس من جملة عبيد السلطان بيتَه من الأرجاس والأخباث والكثائف، وينظفه بفنون التنظيفات، ويطيّبه بأنواع الطيب والبخورات الحسنة انتظاراً لقدومه - بما لم يفعل سائر العبيد والخدّام - فليس من الحكمة والعدالة السلطانيّة، أن لا ينزل في بيته وينزل في بيت غيره - مع تساوي نسبة قدْرة السلطان إلى الجميع -. فهكذا قلب النبي (صلى الله عليه وآله)، كان طاهراً كالسقف المرفوع من جميع الخبائث السفليّة النفسانيّة، والصفات البشريّة، منوّراً كالبيت المعمور بأنوار العلوم والطاعات، فصار بيت الله مورد آيات بينات منه، فيه مقام ابراهيم من التوحيد وسائر المقامات. فأقبل أوّلاً إلى أهل بيته عليهم السلام، فأمطر عليهم من سماء علمه أمطار العلوم، وأضاء قلوبهم بأضواء المعارف، فارتوى بالعلم والهدى ظاهرهم وباطنهم، ثم أقبلَ على الأمّة بقلب كالبحر موّاج بمياه العلوم، فاستقبلته أودية العقول وأنهارها، وجداول الفهوم وسَواقيها، وجَرىٰ من بحره في كلّ وادٍ وجدولٍ وساقيةٍ من قلوب العلماء قسطٌ ونصيب لائق، وذلك القسط الواصل إلى الفهوم، هو الفقه في الدين. وبالجملة، فليس بناء أمر العالَم - من تعظيم العالِم، وإهانة الجاهِل، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، والهداية والضلالة، وإعلام طريقي الخير والشرّ، وسبيلي الطاعة والمعصية، وسائر ما ينوط بذلك - على مجرّد التخمين والجُزاف، والعبث والاتفاق، من غير حقّ لازم وقضاء ثابت، حتى يمكن انقلاب كل شيء إلى ضده، وترتّب كل أثر على نقيض مؤثّرة - تعالى الله عن سفَه المعطِّلين وبطالة البَطّالين علوّاً كبيراً. وقوله: "إِنْ كُنْتُمْ صَادِقين" قضيّة شرطيّة جوابها محذوف، لدلالة ما قبلها عليه أي: "إن كنتم صادقين في أنّ القرآن كلام البشر، والإتيان بمثله ممكن فأتوا بمثل سورة منه". و "الصِّدْق": هو الإخبار عمّا يطابق الواقع، والمراد من الواقع ما في نفس الأمر. أي: وجود الشيء في نفسه - لا بتعمّل الوهم واختراعه - فـ "الأمْر" بمعنى الشيء. واعترض عليه: بأنّ بعض الأشياء كالقضايا الذهنية ممّا لا وجود [له] إلاّ في الذهن، فصدق الحكم فيها على الشيء حكماً ايجابياً، يستدعي مطابَقاً خارجيّاً، وليس لها مطابَق خارجيّ أصلاً - كالحكم بأنّ التناقض محال. والعدم تفيٌّ محض -. وأجيب: بأنّ المغايرة بين المطابِق والمطابَق لا يجب أن تكون حقيقة، بل مطلق المغائرة الشاملة للحقيقية والاعتبارية بينهما كاف في صدق الخبر، فهٰهنا مغائرة اعتبارية، بمعنى أنّ هذه النسبة الموجودة في الذهن، مطابقةٌ لنفسها من حيث أنّها موجودة في نفسها لا بتعمّل العقل -، فهي من حيث وجودها في الذهن، مغاير لها من حيث وجودها في نفسها. وتفصيله - كما ذكره بعض أهل التحقيق - أن النسبة إذا وجدت في الذهن كان لها وجودٌ ذهنيٌّ - سواء كان باختراع العقل وتعمُّله، كالحُكم بزوجيّة الثلاثة أو بدون اختراعه كما في الصوادق -. فالأولىٰ ليست موجودة في حدّ ذاتها، بل باختراع وتعمّل من العقل. والثانية موجودة في نفسها مع قطع النظر عن اختراعه وتعمّله، وإن كان وجودها في نفسها لا يكون إلا في الذهن، إلا إنّها موجودة فيه بدون تعمّله، فهي من حيث إنّها موجودة في الذهن، مطابقة لها من حيث أنّها موجودة فيه مطلقاً بلا تعمّل؛ فالوجود بالاعتبار الأول مطابِق - بالكسر - وبالاعتبار الثاني مطابَق - بالفتح. فالمنظور إليه في الاعتبار الأول، الوجود الذهنيّ؛ وفي الاعتبار الثاني، مطلق الوجود في حدّ ذاته - سواء كان في الذهن أو في الخارج - فالنسبة الذهنيّة للصوادق مطابِقة لما في نفس الأمر بالمعنى المذكور، حتى أنّها لو فرضت موجودة في الخارج أيضاً، كانت المطابِقة لها بحالها؛ بخلافها في الكواذب، إذ لا مطابِق لها ولا وجود لها في نفسها، أي: بلا تعمّل واختراع أصلاً، لا في الخارج ولا في الذهن. وذهبت الحكماء إلى أن نفس الأمر عبارة عن العقل الفعّال عندهم، فالمراد بـ "الأمر" هو المعنى المقابل لـ "لخَلْق"، فيكون مرادهم من الموجود في نفس الأمر، الموجود في عالم الأمر. قالوا: إن ما في أذهاننا من الأحكام، إن كانت مطابقة لما في العقل الفعّال، كانت صادقة مطابِقة لما في نفس الأمر - وإلاّ فكانت كاذبة -. واعترض عليه: بأنّه لو كان معنى صدق الحكم ما ذكروه، لم يمكن لنا العلم بصدق خبر من الأخبار، ما لم نعلم أنه مطابق لما ارتسم في العقل الفعّال، وربّ إنسان عَلِم يقيناً "أنّ الواحد نصف الإثنين"، ولم يعرف العقل الفعّال - بل ينكر وجوده -. وبأنّ ما ذكروه من الاستدلال على ارتسام صور المعقولات في جوهرٍ مفارق - هو خزانة معلومات النفس الناطقة-، هو بعينه جارٍ في الأحكام الكاذبة، فيجب عليهم القول بارتسامها فيه أيضاً. بيان ذلك: أنّهم استدلّوا على ذلك بالفرق بين حالتي الذهول والنسيان، بأنّه عند الذهول تزول الصورة التي أدركها الإنسان من قوّته المدركة دون الحافظة؛ وعند النسيان، تزول عنهما جميعاً؛ فهما قوّتان إحداهما ذات الإنسان. والأخرى جوهر آخر مفارق، فيه المعقولات دائمة بالفعل، وزوال الصورة عن حافظة النفس عند النسيان، عبارة عن بطلان استعدادها للاتصال به من هذه الجهة. ثم إنّ الذهول والنسيان كما يجريان في الصوادق، يجريان في الكواذب، فلو كان المطابِق لما ارتُسم في الجوهر الذي هو خزانة المعقولات صادقاً موجوداً في نفس الأمر، لكانت تلك الكواذب أيضاً صادقة موجودة في نفس الأمر، واللازم باطلٌ، فكذا الملزوم. وذكر العلامة الحلي - طاب ثراه -: "اني ذكرت هذا السؤال للأستاذ نصير الحق والدين فلم يأت بكلام مشبع". وبأن صدق الخبر وصحّة الحكم، إن كان بمطابقته لما في نفس الأمر، بمعنى "عالَم الأمر" من النسب الحكميّة، فما يكون في عالَم الأمر من الأحكام، يلزم أن لا تكون صادقة، إذ لا تغاير بينها وبين ما في نفس الأمر، فلا مطابقة بينهما. ويمكن الجواب: عن الأول، بأنّ حقيقة الصدق وملاكه هو غير عنوانه ورسمه، وكثيراً ما يكون الشيء خفيّ الماهية وظاهر الإنيّة - كحقيقة الزمان والجسم وغيرهما -. والعالِم بصدق الخبر بشيء من الخواص والعلامات، لا يلزم أن يكون عالِماً بحقيقتهما. وعن الثاني: بأنّ المطابق لما ارتسم فيه من حيث تصديقه واذعانه، صادقٌ، وتلك الكواذب - وإن كانت مرتسمة فيه -، لكن لا بوجه التصديق بها والاذعان - بل بوجه الحفظ -، فإنّ الحافظ لا يلزم أن يكون مذعِناً بما يحفظه. لا لما قاله بعض الأفاضل: "إن الحافظ لا يجب أن يكون مدركاً لما يحفظه"، ومثَّل ذلك بحافظة الإنسان وخياله، حيث إن الخيال خزانة الصور وليس مدركاً لها؛ لأن حافظة الصور، سواء كانت عقلية أو حسيّة، لا تنفك عن المدركة، وإن كانت جهة الحفظ غير جهة القبول في بعض الأشياء، الا ان الحافظ والمدرك لهما ذات واحدة. بل لأنّ اللازم من انحفاظ صور الكواذب، وسائر ما يوجد في هذا العالم من الشرور والآلام وغيرها، تصوّر العقل الفعّال لها بوجه من وجوه التصور اللائق به، أوَ لا تَرى أنّهم ذهبوا إلى أنّ العلْم بجميع الأشياء السفليّة حاصل للمراتب العالية، وفيها صورة النقائص، والشرور، والآفات، والأمراض، والأوجاع، والقبائح الموجودة هٰهنا، وهي في ذلك بريئة منها بالكليّة، لبراءة عالَم الأمر عن الشرّ مطلقاً. فكما لا يلزم من تعقُّل المرض والآفة والشرّ، أن يكون العالِم بها مريضاً، مأوفاً، شرّيراً؛ فكذا لا يلزم من تعقّل الكِذْب، أن يكون العالِم به كاذباً؛ لأنّ الكاذب هو المذعِن بالكذْب - لا المتصوِّر له -، فصورة الكذْب في العقل ليست كذباً، كما أنّ صورة الحرَكة والحرارة في العقل ليست حركة وحرارة؛ فارتسام صور الكواذب في عالَم الأمر، يستلزم كونه عالِماً بها من حيث التصور على وجه عقليّ، ولا يستلزم منه حصول التصديق بها والإذعان. وعن الثالث: بأنّ صدق الخبر وصحّة الحكم الذي في الجوهر العقلي المسمّى عندهم بالعقل الفعّال، لا يكون لكونه مطابقاً لما في نفس الأمر، بل يكون لكونه عينه، فيكون صدق الخبر أعمّ من كونه نفس الأمر، أو مطابِقاً له؛ ففي التعريف الذي ذكروه من المطابقة، نوع مسامحة من باب عموم المجاز. وقد وجد في كلام بعض الحكماء كأرسطو في أثولوجيا، ما يفهم منه أنّ علم المبادي أجلّ من أن يوصف بالصدق، وإنّما هو الحقُّ - بمعنى أنّه الواقع، لا المطابق للواقع - فلا حاجة إلى ارتكاب التجوُّز أصلاً. واعلم أن الحكماء أرادوا بالعقل الفعَّال، عالَم الأمر كلّه، وهو بعينه عند التحقيق ما فيه صور علْم الله من اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه صورة ما في السموات وما في الأرض بيد القدرة الإلٰهية؛ فالأولىٰ أن يقال: إنَّ الصدق بمطابقة الخبر لِما في علم الله، والحقُّ هو عين علمه بالأشياء على وجهه. وقيل: لا يكفي في صدق الخبر المطابقة فقط، بل لا بدّ معها من اعتقاد المخبر انه كذلك عن دلالة أو أمارة، لأنه تعالى كذّب المنافقين في قولهم: {أية : إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} تفسير : [المنافقون:1]. لمّا لم يعتقدوا مطابقته. ورُدّ: بأنّ التكذيب انصرف إلى قولهم: {أية : نَشْهَدُ} تفسير : [المنافقون:1] لأن الشهادة إخبار عن تحقُّق العلم، وهم ما كانوا عالمين بحقيّة الرسول، لأن ذلك بالبرهان شأن أولي العلْم والدراية، وبالتقليد شأن أهل السلامة للقلوب، والصفاء للصدور من الجهل والعناد والاستكبار، وكلاهما مفقودان عنهم.
الجنابذي
تفسير : {وَإِن كُنْتُمْ} عطف باعتبار المعنى يعنى ان كنتم فى ريبٍ من الله ووجوب وجوده ومبدئيّته فهذه أوصافه الّتى لا تنكرونها وان كنتم {فِي رَيْبٍ} من الرّسالة {مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} حتّى تجحدوا رسالته وما قاله هو فى التّوحيد وخلع الانداد {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ} السّورة من القرآن طائفةٌ من القرآن محدودة مبدوأة ببسم الله الرّحمن الرّحيم او غير مبدوأة مأخوذة من سور المدينة او من السّور بمعنى الرّتبة او من السؤر بالهمزة بمعنى البقيّة والقطعة من الشئ، وقد مضى فى اوّل الفاتحة تفصيل لبيان السّورة {مِّن مِّثْلِهِ} من مثل محمّد (ص) او من مثل ما نزّلنا وهذا أوفق بالتّحدّى وأبلغ فى ادّعاء اعجاز القرآن لانّه يدلّ على انّه معجز مطلقاً بخلاف الاوّل فانّه يدلّ على اعجازه من مثل محمّد (ص) الّذى لم يقرأ ولم يكتب اصلاً واطبق بسائر الآيات المتحدّى بها وأنسب بقوله {وَٱدْعُواْ} اى للاستعانة او التّصديق {شُهَدَآءَكُم} جمع الشهيد بمعنى الحاضر والمعنى ادعوا من ينبغى ان يحضر للاعانة او بمعنى النّاصر او الامام او بمعنى القائم بالشّهادة المؤدّى لها {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} لفظ دون بمعنى المكان الدّانى من الشيئ وبمعنى تحت نقيض فوق وبمعنى عند ويستعمل من باب الاتّساع فى الرّتبة مثل، زيد دون عمرو، يعنى مرتبته تحت مرتبة عمرو، وبمعنى غير وهو المراد هنا والظّرف مستّقرّ حال من شهدائكم والمعنى ادعوا ناصريكم او من ينبغى ان يحضر ناديكم لاعانتكم او ائمتّكم او من يشهد لكم بالمماثلة لاداء الشّهادة حين الاتيان، او للاعانة حين التّرتيب حال كونهم بعضاً ممّن هو غير الله. تحقيق معنى من دون الله وقد ذكر فى بيان من دون الله فى بعض تفاسير العامّة ما لنا الغناء عن ذكره ولما كان اولياء الله من الانبياء واوصيائهم (ع) مظاهر اسماء الله وصفاته بل لا يظهر الله الاّ بهم كما ورد: بكم عرف الله؛ جاز ان يراد بقوله من دون الله من دون اولياء الله خصوصاً على اجراء الآية الشريفة فى منافقى الامّة وقد ذكر انّ المراد من دون اولياء الله {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فى ادّعاء الرّيب، او فى انكار التّوحيد، او انكار تنزيل القرآن من السّماء او فى انكار الرّسالة، وانكار الكتاب المنزل عليه وانّ محمّداً (ص) تقوّله من تلقاء نفسه او تعلّمه من بشرٍ مثله فانّ العامّة اذا ارتابوا فى شئ أنكروه فى الاغلب لانّهم ينكرون ما وراء معلومهم فيجوز ان يراد بقوله {إِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا} معنى قوله ان انكرتم ما نزّلنا على عبدنا. الاشارة الى وجوه اعجاز القرآن واعلم انّ آيات التحدّى وانّ القرآن لا يمكن الاتيان للبشر بمثله {أية : وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} تفسير : [الإسراء: 88] كثيرة وقد ورد وشاع فى الالسن انّ القرآن هو المعجزة الباقية بعد محمّد (ص) وذكروا فى اعجاز القرآن وجوهاً كثيرةً تبلغ بضعة عشر وجهاً متحيّرين غير قاطعين والتّرديد فى وجه اعجاز القرآن دليل على عدم ادراك وجه اعجازه، وما ورد فى الاخبار من انّ اعجازه بفصاحته وبلاغته لا يدركه الاّ اهل اللّسان البارع فى الفصاحة وقد ورد فى الكتاب الكريم انّ فيه تبيان كلّ شيئٍ وهذا وجه لا يدركه الاّ أهله، وكذا ما ورد انّ به تسيير الجبال وتقطيع الارض وتكليم الموتى ليس الاّ لأهله، وما ورد انّ فيه شفاء ورحمة للمؤمنين لا يدركه الاّ الخّواصّ من المؤمنين، واشير فى الاخبار الى استنباط الوقائع الآتية من أعداد حروفه، واشير ايضاً الى ترتّب الآثار على اعداد حروفه، وهذا ايضاً وجه لا يدركه الاّ اهل العلوم الغريبة، ولهذا أنكر بعضٌ اعجاز القرآن وتردّد بعضٌ فيه، ومن قال به لم يقل عن تحقيق بل محض التّقليد للاسلاف او للآيات والاخبار، ومن حقّق اعجازه ببعض الوجوه او بكلّها قليل جدّاً وليس له اظهاره كما لم يظهره الاوائل الاّ بالاشارة، ولمّا كان التحدّى مع اهل لغة العرب وكانوا مباهين بالخطب والاشعار كان التحدّى بفصاحته وقد اعترفوا ببراعته كلّ كلام وخطاب، ولهذا ورد فى اخبار كثيرة انّ التحدّى كان بوجه فصاحته.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ} أي في شكٍّ {مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} على نبينا محمد {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} أي: من مثل هذا القرآن {وَادْعُوا شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ اللهِ} فيشهدوا أنه مثله {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} بأن هذا القرآن ليس من كلام الوحي، وذلك أن اليهود قالت: إن هذا ليس من كلام الوحي. قال: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا} أي: فإن لم تستطيعوا {وَلَن تَفْعَلُوا} أي ولن تقدروا على ذلك ولا تفعلونه، أي ولا تستطيعونه. وهذا الحرف يُثبت أن الاستطاعة مع الفعل، كقول الحواريّين: (أية : يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ)تفسير : [المائدة:112] أي: هل يفعل ربك. ثم قال: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}؛ من كافر مشرك، أو كافر منافق. وهو كفر فوق كفر، وكفر دون كفر. والحجارة من كبريت يفور دخانه ونتنه، فلا يزالون في نتن وغم. قوله: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}. ذكروا عن أنس بن مالك خادم رسول الله قال: أنهار الجنة تجري في غير أخدود: الماء واللبن والعسل والخمر. وهو أبيض كله؛ فطينة النهر مسك أذفر، وضراضه الدر والياقوت، وحافاته قباب اللؤلؤ. قوله: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} أي في الدنيا، يعرفونه بأسمائه. وقال بعضهم: كلما أُتوا منه بشيء فأكلوه، ثم أُتوا بعدُ بغيره: قالوا: هَذَا الذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ، أي: يشبِّهونه به في طعمه ولونه ورائحته. قوله: {وَأُتُوا بِهِ مَتَشَابِهاً}، قالوا: خياراً كله، لا رذلَ فيه. وقال الكلبي: متشابهاً في المنظر مختلفاً في المطعم. قوله: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْواجٌ مُّطَهَّرَةٌ} ذكر الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في نساء أهل الجنة: حديث : يدخلنَها عُرُباً أتراباً لا يحضن ولا يلدن ولا يمتخطن ولا يقضين حاجة فيها قذرتفسير : . وقال بعضهم: مطهّرة من الإِثم والأذى، قال: ومن مساوىء الأخلاق. {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لا يموتون ولا يخرجون منها.
اطفيش
تفسير : {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ}: شك {مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا}: محمد بن عبد الله ابن عبد المطلب - صلى الله عليه وسلم - وقرأ بعضهم: {على عبادنا} أى محمد وأمته، والإضافة فى القراءتين تشريف وتنبيه، على أنه أو أنه وأمته على اختصاص بالله وانقياد لحكمه. روى أن اليهود قالوا إن القرآن ليس وحياً لأنه لم يشبه كلام الوحى، فنزلت الآية تحدياً لهم أنه إن كان من كلام البشر فليأتوا بمثله. وعلى هذا فالخطاب لليهود، وهذا أنسب بالقراءة الثانية. وقيل: قال لك كفار مكة فنزلت. ويجمع بينهما بأن اليهود قالته فتبعتهم كفار مكة. وكذا يقال فى قوله تعالى:{أية : وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة}.تفسير : ووجه قولهم أنه لا يشبه الوحى، أنهم سمعوا أنه ينزل شيئاً فشيئاً بحسب الوقائع. كما يركب الشاعر قصيدته شيئاً فشيئاً والتأثر كلامه شيئاَ فشيئاً والخطيب خطابته. {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}: وأنتم أفصح العرب العرباء وأبلغهم وفى كثرة العدد والمضادة والمضارة وحب المغالبة مشمرون فى ذلك فاجهدوا جهدكم فى ذلك لعلكم تأتون بسورة من مثله تركبونها شيئاَ فشيئاً. {وَادْعُوا شُهَدَآءَكُمْ}: آلهتكم. وقال ابن عباس: من شهدكم وحضركم من عون ونصير. {مِنْ دُونِ اللَّهِ}: ليعينوكم على ذلك. {إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ}: فى قولكم إنه من كلام البشر والسورة من القرآن أو التوراة أو الإنجيل أو غير ذلك من كتب الله طائفة مسماة باسم خاص أقلها ثلاث آيات. وذكر الجعبرى أن السورة قرآن يشتمل على آى ذى فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات. والواو أصل وهى منقولة من سورة المدينة لأنها محيطة بطائفة من القرآن مفرزة محورة على انفرادها مجتمعة اجتماع البيوت، كما يحيط سور المدينة ببيوتها، ومن هذا المعنى السوار لإحاطته بالساعد، أو لأنها محيطة بأنواع من العلم إحاطة السور بالمدينة والسوار بالساعد. وقيل سميت سورة لأنها مرتفعة الشأن لأنها من كلام الله، والسورة المنزلة الرفيعة. قال النابغة: شعر : ألم تر أن الله أعطاك سورة ترى كل ملك دونها بتذبذب تفسير : وقال أيضاً من قصيدة أخرى له: شعر : ولرهط حراب وقد سورة فى المجد ليس غرابها بمطار تفسير : وحراب وقد رجلان من بنى إسرائيل. وسورة منزلة رفعية. وقوله: ليس غرابها بمطار، كناية عن كثرة الرهطين، ودوام المجد لهما فإن النبات إذا كثر فى موضع لا يطير غرابه، لأن الغراب إذا وقع فى موضع الخصب أصاب فيه ما لا يحتاج معه إلى أن ينتقل منه إلى مكان آخر، أو كناية عن كثرة الثمار المكنى بها عن عمار الموضع والبقاء فيه، وقيل من السورة بمعنى مطلق المنزلة والمرتبة لا من حيث كونها مرتفعة. ولو كانت السورة عالية الشأن أو من المنزلة والمرتبة من حيث إن القارئ يرتقى فيها أو لأن لها مرتب فى الطول والقصر والفضل والشرف وثواب القراءة وقد علمت أن السورة فى البيتين: المنزلة والرتبة. وقيل: سميت سورة لتركيب بعضها على بعض، من التسور بمعنى التصاعد والتركب، ومنه:{أية : إذا تسوروا المحراب}تفسير : . ويجوز أن تكون الواو بدلا من الهمزة من السؤرة التى هي البقية والقطعة من الشىء، يقال أسأرت أى أفضلت وأبقيت من الشراب أو الطعام أو غيرها، وسورة البناء: القطعة منه بعد الأخرى، وبعضهم يهمز الواو. وحكمة جعل القرآن سوراً. تحقيقاً كون السورة تجردها معجزة وآية من آيات الله عز وجل، والإشارة إلى أن كل سورة طريق مستقل فى نوعه. فسورة يوسف: تترجم عن قصته. وسورة براءة: تترجم عن أحوال المنافقين وأسرارهم والتنبيه على أن الطول ليس من شرط الإعجاز إذ كان منه طوال وقصار وأوساط، وكلها معجز، وهذه سورة الكوثر ثلاث آيات، وهى معجزة إعجاز سورة البقرة، فلو تفاوت الإعجاز بالطول والقصر والتوسط لأمكن لهم أن يأتوا بمعجز قصيراً وكادوا يأتون به، ولا يمكن لهم ذلك أبداً ولو اجتمع الخلق.. فافهم. وتدريج الأطفال من السور القصار إلى الأوساط والطوال وكذا الضعفاء فى الحفظ من الرجال والنساء والعبيد والعجم تيسيراً من الله على عباده لحفظ كتابه، وتنشيطا على الحفظ والدرس والتعليم والتعلم وتطرية وتجديدا: شعر : لكل جديد لذة غير أننى وجدت جديد الموت غير لذيذ تفسير : ولذلك جزءوه أرباعاً وأحزاباً وغير ذلك، فكيون متناوله كمسافر، إذا قطع ميلا أو فرسخاً استراحت نفسه إليه وانتشطت لما بعده. فلو جهل ذلك لضاق ذرعاً بما هو فيه من المشقة. وبما بقى له منها لجهله به إلا أن عرف كم يوم أو كم مرحلة، فقد يستريح بعدد الأيام والمراحل، ولذلك المعنى بوبنا تأليفنا وترجمنا بها. وأيضاً الجنس إذا انطوت تحته أنواع، واشتمل على أصناف، كان أحسن من أن يكون ضرباً واحدا. وتنويعه منصور بجعله سوراً وإذا ختم المتعلم السورة حافظاً لها اعتقد أنه فاز بطائفة من كتاب الله، مستقلة بنفسها، لها مبدأ ومختم فيعظم عنده ذلك، ويغتبط به كفوز من ظفر بكنز وفرحه. وقال أنس: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا، ولذا كانت القراءة فى الصلاة بسورة تامة أفضل. وأيضاً التفضيل سبب تلاحق الأشكال والنظائر وملاءمة بعضها لبعض. وبذلك تتلاحق المعانى والتراكيب، وكذلك سائر كتب الله قد جعلها الله سوراً. لذلك أخرج بن أبى حاتم عن قتادة: كنا نتحدث أن الزبور مائة وخمسون سورة كلها مواعظ وثناء، ليس فيه حلال ولا حرام، ولا فرائض ولا حدود. وذكروا أن فى الإنجيل سورة تسمى سورة الأمثال، وليس كما قال الزركشى: إن سائر كتب الله غير مسور. بل سورة القرآن لأنها لم تكن معجزة من جهة التركيب والترتيب. ولأنها لم تنشر للحفظ. والله علم. و {من مثله} متعلق بمحذوف نعت لسورة. والهاء عائدة لما نزلنا. ومن للتبعيض أو للتبيين، أى بسورة ثابتة بعضاً من جنس الكلام الذى يماثله، وهو الكلام الذى يقدر عليه الله لا غيره، وليس من القرآن ولا من سائر كتبه أو بعضاً من جنس كلام البشر الذى يماثله، لو كان بعض كلامهم مماثلا له، لكنه لم يماثلة بعضه ولا كله أو بسورة من مثله. ومن أجاز زيادة من فى الإثبات كالأخفش أجاز جعلها صلة للتأكيد فيكون مثله نعتاً لسورة، أى فأتوا بسورة مماثله له، ووجه الشبه البلاغة وحسن النظم، أعنى حسن التركيب. ويجوز أن تكون الهاء لعبدنا، فتكون من للابتداء أى بسورة كائنة من مثل عبدنا، أو صادرة من مثله، أو مخترعة من مثله. ووجه الشبه كونه أمياً لا يكتب ولا يقرأ كتابة ولم يتعلم العلم، وإن قلت فهل يجوز أن تكون للابتداء مع كون الهاء لما نزلنا؟ قلت: لا يجوز لأنه يلزم من كونها للابتداء مع كون الهاء لما نزلنا أن يكون للقرآن مثل محقق موجود، وإنما عجزوا عن الإتيان به وليس كذلك، ولأن كلمة من على ذلك ليست بيانية ولا تبعيضية، لأن الإنسان لا يكون سورة ولا بعض قرآن. وليست صالحة لمعنى من معانيها ولا يتخيل إلا الابتداء وهو ضعيف كضعفه فى قولك: أتيت من الدراهم بدرهم، لأن الكل فيه يكون مبتدأ للإتيان بما هو بعض منه، بخلاف ما إذا لم يكن ذلك فإنه حسن قوى، نحو أتيت من زيد بشعر، ويجوز أن تكون للابتداء متعلقة بقوله: {فأتوا} والهاء للعبد وما ذكرته أولا من كون الهاء للعبد أحسن لأنه المطابق لقوله فى سورة هود:{أية : فأتوا بسورة مثله}تفسير : دون {مِّن} ومعلوم أن السورة لا تكون مثل النبى - صلى الله عليه وسلم - ولو جعلنا الهاء للعبد لكان المعنى فأتوا بسورة مماثلة له، ولأنه المطابق أيضاً لسائر آيات التحدى، ولأن الكلام فى المنزل وهو القرآن لا فى المنزل عليه وهو العبد المذكور - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى: {وَإِن كُنْتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} ولم يقل وإن كنتم فى ريب من أن محمداً منزل عليه، فحق الكلام: أن لا ينفك عن ذكر المنزل ليتسق التركيب والترتيب، فإن المعنى: وإن ارتبتم فى أن القرآن منزل من عند الله فأتوا بشىء مما يماثله، ولو كان الضمير للمنزل عليه لقيل: وإن ارتبتم فى أن محمداً منزل عليه فأتوا بقرآن من مثله، ولأن مخاطبة الكثير بأن يأتوا بقليل مما أتى به واحد منهم، هو وهم سواء فى العشيرة، وعدم الكتابة، وعدم قراءتها، وعدم التعلم، أبلغ فى التحدى، من أن يقال لهم: ليأت مثل هذا العبد بمثل ما أتى هذا العبد، ولأن القرآن معجز فى نفسه لا بالنسبة إلى سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى:{أية : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً}تفسير : ولهذا العلل رد الجمهور الهاء إلى ما نزلنا، ولو رددنا إلى العبد لأوهم إمكان صدور مثل الصورة ممن لم يكن على صفته، ولكان قوله: {وَادْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ} غير ملائم لذلك الإمكان إذ لا معنى للاستظهار بشهدائهم على أن يأتوا بسورة واحدة من مثل محمد - صلى الله عليه وسلم - فإن قوله: {ادعوا... الخ} أمر تعجيز بأن يستعينوا بكل من ينصرهم ويعينهم، سواء كان مثله أم لا، والشهداء جمع شهيد بمعنى حاضر أو قائم بالشهادة أو الناصر أو الإمام. سمى به لأنه يحضر النادى، أعنى المجلس، وتبرم بحضرته الأمور لأن لفظ الشهادة، وما تصرف منه لحضور الشىء بذاته أو بعلمه، ومنه سمى القتيل فى سبيل الله شهيداً، لأنه حضر ما كان بمجيئه يرجوه أو حضرته الملائكة، وفيه أوجه تأتى إن شاء الله فى محلها. وقال الله جل وعلا:{أية : شهد الله أنه لا إله إلا هو}تفسير : أى علم الله أنه لا إله إلا هو. ويجوز أن يكون الشهداء: جمع شاهد كعالم وعلماء، وعاقل وعقلاء، وشاعر وشعراء، والله أعلم. ومعنى {دُونِ}: أدنى مكان من الشىء، ولست أريد أن مادة دون الدنو وما تصرف منه واحدة، بل مادتان اختلفتا فى إعلال العين واللام وتصحيحهما، ومن ذلك تدوين الكتب، لأنه أدنى البعض من البعض بأن تضم المعانى والنقوش وتضم كل ورقة إلى أخرى، ويقال دونك هذا أى خذه من أدنى مكان منك، ثم استعير للرتب فقيل: عمرو دون زيد، أى فى الشرف، ومنه قولهم: الشىء الدون، أى الردىء، ثم اتسع فيه فاستعمل فى كل تجاوز حد، أو تخطى أمر إلى آخر. وإن خلا عن اعتبار المنزلة والرتبة. قال جل وعلا:{أية : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين}تفسير : أى لا يتجاوز ولاية المؤمنين إلى ولاية الكافرين. وقال أمية بن أبى الصلت: شعر : يا نفس مالك دون الله من واق ولا لسع بنات الدهر من راق تفسير : أى إذا تجاوزت وقاية الله، فلا يغنيك غيره ومن متعلقه بادعوا. والمعنى: وادعوا لمعارضة القرآن بالإتيان بمثل سورة منه، من حضركم أو رجوتم معونته من الإنس والجن والأصنام، فإنه لا قدرة لكم على الإتيان بمثلها ولا تدعوا الله لذلكم فإنه القادر وحده على الإتيان بمثل القرآن. أو المعنى ادعوا من دون الله من يشهد لكم من الناس إنما أتيتم به مثله، وصححوا دعواكم ولا تقصروا على قولكم: الله يشهد إنما ندعيه حق فإنه من عادة الذى يقول البهتان ويعجز عن إقامة الحجة: والأمر على هذين المعنيين للتبكيت والتعجيز، أو المعنى: ادعوا من دون الله شهداءكم الذين اتخذتموهم أولياء من دون الله، وهم شرفاؤكم ليشهدوا أنكم أتيتم بمثله، وليسوا بشاهدين بذلك. وأما المؤمنون فلا مطمع لكم فى الشهادة بذلك. و{مِّن} على المعانى الثلاثة متعلق بادعوا. والأمر على المعنى الثالث لاستدراج. والمعنى: ادعوا شهداءكم الذين اتخذتموهم آلهة وهم الأصنام وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة أنكم على الحق، ولا تدعوا الله. والأمر على ذهاب المعنى أيضاً للتهكم أو المعنى: ادعوا أصنامكم التى تشهد لكم بين يدى الله أنكم على الحق. والأمر على هذا المعنى للتهكم أيضاً. والمعنى: ادعوا شرفاءكم ورؤساءكم يشهدوا أنكم آتيتم بمثله، متجاوزين أولياء الله المؤمنين فإنه لا شهادة لهم فى ذلك. يعنى أن شرفاءكم ورؤساءكم لا يشهدون بذلك لظهور بطلانه. و{مِّن} على المعانى الثلاثة الأخيرة متعلقة بشهداء والأمر على الأخير لاستدراج، أو يجوز تعليق {مِّن} بمحذوف حال فى تلك المعانى كلها، إلا الخامس فتعلق فيه بشهدائكم أو بمحذوف ليشهدوا. أى من دون الله ومن استعمال دون بمعنى بين قول الأعشى: شعر : تريك القذى من دونها وهى دونه إذا ذاقها من ذاقها يتمطق تفسير : أى تريك زجاجة الخمر القذى من قدامها وهى قدام القذى من ذاقها أى الحمر أو الزجاجة، أى خمرها يتمطق، أى يمتص فمه وشفتيه للذتها، وقل: من دون الله بمعى من دون أولياء الله، وأن المراد بشهدائكم فصحاء العرب ليشهدوا أن ما آتيتم به مثله. فإن العاقل لا يرضى لنفسه أن يشهد بصحة ما اتضح فساده، لرجوع ذلك عليه بالذم، إذا نسب إلى الجهل وعدم التمييز، فليسوا بشاهدين لكم، وقد اعترف الفصحاء بإعجاز القرآن، وكان قد تحدى الله به من حيث تأليفه ومعانيه وإخباره بالغيب، وكان فى زمان هاجت فيه فحول الشعراء، وفصحاء الكلام، فتحداهم بتأليفه كما تحداهم بمعانيه وإخباره بالغيب، وعجزوا كلهم وانكشفوا. وقد قال الوليد بن المغيرة فى وصف القرآن: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أصله لغدق وإن أعلاه لمثمر... والله أعلم. والآية نص فى أنهم كاذبون فى ادعائهم الإتيان بمثله إذ قال: {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} وقال:{أية : فإن لم تفعلوا...}تفسير : إلخ الآية. والصدق: الإخبار المطابق للواقع سواء طابق اعتقاد المتكلم أم لا، وقيل بشرط أن يطابق الاعتقاد عن دلالة أو أمارة. وقيل: هو مطابقته لاعتقاد المتكلم، سواء كان اعتقاده حقاً أو خطأ. فالأول: مذهب الجمهور، والثانى: مذهب الجاحظ، والثالث: مذهب النظام. فالكذب على الله عدم مطابقته للواقع، سواء طابق الاعتقاد أم لا. وعلى الثانى: عدم مطابقته للواقع مع اعتقاد أنه غير مطابق. وعلى الثالث: عدم مطابقته اعتقاد المتكلم، ولو كان خطأ ولا واسطة بين الصدق والكذب إلا فى مذهب الجاحظ المذكور ويوصف المتكلم والكلام بالصدق والكذب، ومرادى بمطابقة الإخبار: مطابقة حكمه، فان الصدق والكذب راجعان أولا إلى الحكم، وراجعان إليه بالذات، أعنى أنهما يرجعان إليه بلا تفرع على شىء، ولو تفرعا فى الرجوع إليه على شىء لم يكن رجوعهما أولا، وهما راجعان إلى الإخبار ثانياً، راجعان إليه بالواسطة، وذلك أن الإخبار إنما يقع بعد الحكم، فهو ثان بواسطة الحكم. ومرادى بالحكم هنا: العزم على إثبات شىء، يقطع النظر عن كونه صدقاً أو كذبا. ومرادى بالواقع فى قولى المطابق للواقع ونحوه ما فى نفس الأمر. وإن شئت ففسر الواقع بما هو بحاله الذى عند الله، بحسب معتاد الناس، وإن شئت فقل هو الخارج الذى يكون بنسبة الكلام الخبرى. فالخارج فى مقتضى قولك: قام زيد هو القيام الماضى. وفى قولك: يقوم هو القيام أو المستبقل. والنسبة التامة تعليق أحد الأمرين بالآخر، بحيث يحسن السكوت. كقام زيد. والناقصة تعليق أحد الأمرين بالآخر، حيث لا يحسن السكوت كغلام زيد وإن قام زيد. والنسبة إما ثبوتية أو سلبية يعتقدها المتكلم إما صادقاً فيها أو كاذباً. وهذه النسبة الذهنية. والسامع بجزم بالنسبة إنها موجودة مع قطع النظر عما فى اعتقاد المتكلم، إما موافقة لنسبة المتكلم فصدق، وإما مخالفة فكذب. وقول القائل: السماء فوقنا فصدق عند الجمهور، ولو اعتقد أنها تحتنا لمطابقته الواقع. وقوله: تحتنا كذب، ولو اعتقده لعدم مطابقة الواقع. وأما على قول الجاحظ فقولك: السماء فوقنا معتقد أنها قوقنا صدق، وقولك معتقداً أنها تحت كذب. وأما على قول النظام فقولك السماء تحتنا معتقداً أنها تحتنا صدق. فقولك فوقنا غير معتقد أنها فوقنا كذب. والمراد بالاعتقاد: الحكم الذهنى الجازم أو الراجح، فيعم العلم وهو حكم جازم لا يقبل التشكيك. والاعتقاد المشهور وهو حكم جازم يقبله. والظن: وهو الحكم بالطرف الراجح، فكل ذلك صدق. فيخرج الموهوم فإنه كاذب لأنه الحكم بخلاف الطرف الراجح، فليس بصدق عند النظام لخلوه من الاعتقاد المذكور، الذى هو الحكم الذهنى الجازم أو الراجح، وأما المشكوك فكذب أيضاً لعدم ذلك الاعتقاد فيه، أيضاً لأن الشك التردد بين الطرفين بلا ترجيح. وإذا كان الكلام الكاذب خبراً فكيف لا يكون كلام الشك خبراً، مثل أن تقول: قام زيد، مع الشك، فلا يقال المشكوك ليس صدقاً ولا كذباً، واستدل النظام بقوله: تعالى {أية : إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون}.تفسير : لأن الله - جل وعلا - نسبهم إلى الكذب فى قولهم: {إنك لرسول الله} مع أنه مطابق للواقع إذ لم يعتقدوا أنه رسول الله، فسماه كذاباً إذ قالوه من غير أن يعتقدوه. وأجيب: بأنه إنما نسبهم إلى الكذب فى ادعائهم اعتقاد رسالته، ولا شك أن هذا الادعاء غير صحيح، لأنهم لم يعتقدوها. وهذا الادعاء مستفاد من المقام، لا من خصوص قولهم {نشهد} لأنه ليس بإخبار بل إنشاء فضلا عن أن يقال: إن قولهم {نشهد} غير مطابق للواقع. وأجيب أيضاً: بأن المعنى إنهم لكاذبون فى المشهود به، وهو الرسالة، إذ لم يثبتوها فى اعتقادهم، فإثباتهم إياها بألسنتهم كذب إذ لم يوافقها اعتقادهم، فهم عالمون بأنهم كاذبون فأخبرنا الله سحبانه بهذا الكذب الذى صدر منهم، وعلموا به ولو كان فى نفس الأمر صدقاً، لمطابقته الواقع الذى هو ثبوت الرسالة عند الله. وإن قلت هل يصح أن يجاب أيضاً بأن المعنى إنهم لكاذبون فى تسمية قولهم: {إنك لرسول الله} مع عدم اعتقادهم رسالته شهادة، لأن موافقة القلب للنطق مشروطة فى الشهادة؟ قلت: لا يصح أن يجاب بذلك لأن نسمية ما ليس شهادة باسم الشهادة خطأ لا كذب لأن التسمية ليست إخباراً. ولو قلت: مشيراً إلى السماء: هذه الأرض ممطرة، لكنت خاطئاً فى تسيمة السماء أرضاً، لا كذباً لأنك أردت السماء الحق. وإنما تكون التسمية كذباً، حيث جعل فيها كلام تام مثل قولك: هذا الهيكل العلوى أرض، واسم هذا الهيكل العلوى أرض لأن سلمنا تسمية التسمية كذباً على الإطلاق إذا خالفت الواقع لتمنعن اشتراط موافقة القلب للنطق فى اسم الشهادة بل نشرطها فى المشهود به. وأجيب أيضاً بأن التكذيب راجع إلى حلف المنافقين وزعمهم أنهم لم يقولوا لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا لأن الآية نزلت بعد وقوع هذا منهم. وتبقى أربعة أقسام لا تسمى صدقاً ولا كذباً عند الجاحظ: المطابقة مع عدم اعتقادها، والمطابقة بدون اعتقاد أصلا، وعدم المطابقة مع اعتقاد المطابقة، وعدم المطابقة بدون اعتقاد أصلا، وأما الصدق فالمطابقة مع اعتقادها وأما الكذب فعدهما مع اعتقاد عدمها فهذه ستة أقسام: فالصدق والكذب بتفسير الجاحظ أخص منهما بتفسير الجمهور والنظام، واستدل الجاحظ بقوله تعالى:{أية : افترى على الله كذبا أم به جنة}تفسير : لأن الكفار حصروا إخبار النبى - صلى الله عليه وسلم - بالحشر فى الافتراء والإخبار حال الجنة على سبيل منع الخلود، ولا شك أن المراد بقولهم {أم به جنة} أن الإخبار حال الجنة، غير الافتراء لأنهم أتوا به قسيما للافتراء، ولا شك أن الإخبار حال الجنة غير الصدق أيضاً إذ لم يعتقدوا الصدق بل اعتقدوا عدمه، ولا شك أنه ليس معنى قوله: {أم به جنة} أم صدق فنحصل فى الجملة افتراء. وإخبار حال الجنة وصدق وجعل عدم اعتقاد الصدق دليلا على عدم إرادتهم كونه صدق لا على عدم كونه صادق فضلا عن أن يعترض بأنه لا يلزم من عدم اعتقاد الصدق عدم الصدق وأجيب بأن معنى {أم به جنة} أم لم يفتروا فعبرو عن عدم الافتراء بالجنة لأن المجنون لا افتراء له، لأن الافتراء هو الكذب عن عمد، ولا عمد للمجنون فعدم الافتراء المعبر عنه بالجنة قسيم الافتراء، والافتراء أخص من عدم الافتراء. والمراد بعدمه الكذب بلا عمد، فيكون ذلك حصر للكذب فى نوعين: الكذب عن عمد والكذب بلا عمد. ولو سلمنا أن الافتراء بمعنى مطلق الكذب عمداً أو بلا عمد، لقلنا إن المعنى أقصد الافتراء أى الكذب أم لم يقصد، بل كذب بلا قصد لما به من الجنة، وتفسير الافتراء بكذب العمد لا بمطلق الكذب صح عن أئمة اللغة، ودل له استعمال العرب، فإن قلت: فهل يشترط فى الإخبار القصد، وإن لم يكن القصد لم يسم الكلام إخبارا فلا يسمى كلام المجنون ونحوه كالنائم والساهى ممن لا قصد له إخباراً لأنه لا قصد فيه يعتد به، فيكون مرادهم حصره فى كونه خبراً كذباً أو ليس بخبر لصدوره حال الجنة، فلا يثبت خبر ليس صادقاً ولا كاذباً، قلت الذى عندى: تسمية اللفظ المفيد من المجنون ونحوه كلاما، لظهور أن مرجع التسمية به إلى التلفظ. وقد تلفظ وركب وأفاد. ولو اشتهر عدم تسمتيه كلاما، ولا يسمى عندى إخبارا لأن مرجع التسمية بالإخبار الصدق والكذب، ونحو المجنون لا يسمى صادقاً ولا كاذباً بالعدم قصده، وهذا معروف فى القلب معتاد، وإذا أطلق على كلامه الصدق، فعلى معنى الاتفاق، وإذا أطلق عليه الكذب فعلى معنى الخطأ وعدم الاتفاق.
اطفيش
تفسير : {وَإِنْ} جريان مع تحقق ارتيابهم إشارة إلى أنه بعيد جداً حتى إنه يشك فى وقوعه، وذلك توبيخ، أو لأن فيهم من لم يتحقق ارتيابه، فغلب على غيره ممن تحقق ارتيابه، ولما اختلفوا جعلوا كأنه لا قطع بارتيابهم {كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} شك {مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن، أهو من الله، أو من عنده، أو غيره من الناس، ومقتضى الظاهر الغيبة فى، وإن كنتم فى ريب مما نزل على عبده، ولكن عدله إلى التكلم تفخيماً للقرآن ورسوله صلى الله عليه وسلم، قالوا ما يقول محمد لا يشبه الوحى، وإنا لفى شك منه، فنزلت الآية {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّنْ مِّثْلِهِ} أى سورة هى مثل ما أنزلنا فى البلاغة، وحسن التأليف، والإخبار بالغيب مع الصدق، أو، فأتوا بسورة صدرت، أو كانت من مثل عبدنا من فصحاء العرب وبلغائها، ولو كان يقرأ الكتب والأخبار ويسمعها. وكيف تأتون بها من أمى مثله، لا يقرأ ولا يكتب، ولا يسمع الأخبار، ويدل للأول قوله {وَادْعُوا}... إلخ، وقوله تعالى فى سورة أخرى {أية : بسورة مثله} تفسير : [يونس: 38] وقوله تعالى {أية : بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثلِه} تفسير : [هود: 14] فإنه لا يصح فيها عود الضمير إليه صلى الله عليه وسلم، وأقل السور ما فيه ثلاث أيات كسورة الكوثر، وسورة والعصر، وسورة قريش، إلا أن يعد {أية : لإِيلٰفِ قُرَيْشٍ} تفسير : [قريش: 1] أية، وكسورة الفتح إن عد {أية : إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحِ} تفسير : [النصر: 1] أية وهو المكتوب، والواضح أنها آيتان، آخر الأولى أفواجا، وآخر الثانية توابا، فأقل السور آيتان، إلا أن جاء حديث فى أن آخر الأولى والفتح {وَادْعُوْا} نادراً واطلبوا {شُهَدَاءَكُمْ} جمع شهيد أو شاهد، لتعينكم آلهتكم التى تشهد لكم على زعمكم، أنكم عبدتموها وتقربكم إلى الله زلفى، أو تنصركم، أو تحضركم للنفع، أو تكون إماماً لكم، فإن الشهادة تكون من تلك المعانى {مِّن دُونِ اللهِ} غير الله، أصل دون التفاوت والانحطاط فى الحس كقرب مكان، وكقولك عمرو دون زيد فى للمقامة، وتستعمل فى غير الحس، نحو عمرو دون زيد شرفا، ثم شاع استعماله فى كل تفاوت، وكأنه أداة استثناء {إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} فى أن القرآن من غير الله.
الخليلي
تفسير : هذا انتقال من إثبات وحدانية الله سبحانه إلى تقرير نبوة عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومجيئه بعده لأن الإِيمان بالألوهية والايمان بالنبوة لا يفترقان إذ لا يتم أحدهما إلا بالآخر، والخطاب موجه إلى الناس المأمورين بالعبادة فيما تقدم وما كان هناك من اختلاف، هل هم جميع الناس، أو المنافقون والمشركون، أو اليهود أو العرب الجاهليون، أو المشركون والمنافقون واليهود؟ فهو هنا كذلك، والصحيح ما صححته ثم من ان الخطاب شامل لجميع الناس، ولا إشكال في شموله للمؤمنين وإن لم يكونوا على شك في شيء مما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يراد به تقرير إيمانهم ومضاعفة يقينهم، على أن مثل هذا الخطاب كان للرسول صلى الله عليه وسلم نفسه؛ في قوله تعالى: {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ} تفسير : [يونس: 94]. ولم يُعلق هذا الشرط بإذا المفيدة للجزم بالوقوع، بل عُلق بإن المفيدة للشك في مشروطها، مع القطع بأن المشركين والمنافقين واليهود كانوا في ريب مما نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم نظرا إلى أن ريبهم كان مستضعفا، ولم ينشأ إلا عن مكابرتهم للحق وتعاميهم عن الحقيقة، وإلا فالقرآن من وضوح الحجة ونصوع البرهان بمكان لا يرقى إليه شك، ممن استنار فكره واتقد ذهنه وانجلت بصيرته، وذهب بعضهم إلى أنّ إنْ هنا بمعنى إذا، وهو لا يصح لعدم ثبوته عن أحد ممن يُعتد به. وقد سبق تفسير الريب والمراد به هنا الشك، وبه قال أئمة التفسير من الصحابة فمن بعدهم، والتعبير بالتنزيل دون الانزال - قيل - لدلالة التفعيل على الكثرة، وقد كان من بواعث شكوك هؤلاء الشكاك في القرآن أن إنزاله لم يكن دفعة، وإنما كان نجوما بحسب الوقائع والأحداث، وهو لم يختلف - حسبما كانوا يرون - عن عادة الناس في كلامهم، فالشاعر لا يلقي بقصائده دفعة واحدة، والخطيب لا يجمع جميع خُطَبِه في مقام واحد، وإنما ينظر كل منهما إلى المناسبات التي تستوجب الحديث عنها نظما أو نثرا، ومثل ذلك شأن الكتاب والقصاص، وقد رأى أولئك الذين شككوا في صحة نزول القرآن من عند الله، أنه لو كان حقا منه تعالى لكان له شأن من هذه الناحية مغاير لأحوال الناس، وقد حكى الله عنهم ذلك في قوله: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} تفسير : [الفرقان: 32]، وقد قيل لهم هنا: إن كنتم في شك منه بسبب ما ذكرتموه فَلْتَأْتُوا أنتم بمثل نوبة واحدة من نوبه وهي سورة من قصار سوره، أفاد ذلك الزمخشري، وتعقبه أبو حيان بأن دلالة التفعيل على الكثرة لا تخرج بالفعل عن اللزوم إلى التعدي، فالفعل اللازم إذا ضُعِّف يبقى على لزومه، والمتعدي يبقى كذلك متعديا، وإنما يُفهم من الفعلين وقوعه بالكثرة، مثال ذلك جَرَحَ وجَرّح، فإن الفعلين متعديان وإنما يمتاز المضعَّف عن المجرد بالدلالة على كثرة الوقوع، وإذا انتقل الفعل بالتضعيف عن اللزوم إلى التعدي نحو بان وبيَّن لم يدل تضعيفه على الكثرة، ومن هذا الباب نزل ونزَّل، فإن نزّل - بالتضعيف - لا يختلف عن أنزل في شيء، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} حيث ضُعّف الفعل ولم يُقصد به إلا المرة، وبهذا يتبين ان التعبير بالإِنزال تارة وبالتنزيل أخرى ليس لفارق بينهما، وإنما هو من باب التفنن في الكلام، وكثيرا ما يأتي لفظ التنزيل في القرآن فيما لا يحتمل التكثير إلا بضرب من التأويل البعيد، كقوله تعالى: {أية : لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 95]، وقوله: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ} تفسير : [الأنعام: 37]، هذه خلاصة رد أبي حيان على الزمخشري، وهو في منتهى القوة والوضوح. العبودية لله أرقى درجات التكريم: وذكر النبي صلى الله عليه وسلم بلقب العبودية في مقام الدفاع عنه مؤذن بأن عبودية الانسان لله شرف له إذ هي أرقى الدرجات الروحية التي يصلها العبد بجهاده وبعناية الله، وفي هذه الإِضافة إلى الضمير العائد إليه تعالى تشريف له صلى الله عليه وسلم، وتنويه بأنه تحت رعاية الله وفي حمى عنايته. وفي قوله: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} تحد لهم واستفزاز لنخواتهم، واستنفار لعزائمهم، أي إن كنتم صادقين بأن ما أنزل على عبدنا مما يحوم حوله الريب ويرقى إلى عليائه الشك أو أنه تَعَلَّمَهُ من غيره؛ أو افتراه بنفسه، أو أنه أساطير الأولين اكتتبها، فما عليكم إلا أن تصدقوا مقالتكم فتأتوا بجزء قصير من الكلام الذي يشبه ما جاء به أسلوبا، وبلاغة، وغزارة معنى. والسورة معروفة وهي آيات مستقلة تشتمل على غرض أو أغراض لها فاتحة وخاتمة، ولكل سورة ترجمة في المصحف الشريف، وتقدم في مقدمة تفسير الفاتحة بيان معنى السورة لغة واصطلاحا، وذكر الاختلاف في كونها مأخوذة من السور أو من السؤْر - بالهمز - وهو ضعيف جدا لدلالته على الاحتقار - او من السورة بمعنى المنزلة، وفيما ذكرته هناك غِنىً عن تكراره، والمثل كالشبه لفظا ومعنى. واختلف في الضمير الذي أضيف إليه "مثل" هل هو عائد إلى الموصول وهو "ما" أو هو عائد إلى عبد؟ والأول هو الذي عليه الاكثرون، ونسب إلى عُمر وابن مسعود وابن عباس من الصحابة رضي الله عنهم، وإلى الحسن البصري ومجاهد وقتادة من التابعين، واختاره ابن جرير والزمخشري والرازي وأبو حيان والألوسي والقطب في التيسير، ورجح بكثير من المرجحات منها أن سياق الكلام فيما نُزل عليه صلوات الله وسلامه عليه لا في شخصه ولا في نبوته، وإن ارتبطت نبوته بما أنزل عليه، ومنها مراعاة التواؤم بين صدر الكلام وعُجُزِه، وشَرْطِهِ وجزائه، ومنها موافقة ما في بقية السور، نحو قوله تعالى: {أية : أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لاَّ يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُواْ بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُواْ صَادِقِينَ} تفسير : [الطور: 33 - 34]، وقوله: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [هود: 13]، وقوله: {أية : أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تفسير : [يونس: 38]، وقوله: {أية : قُل لَّئِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلإِنْسُ وَٱلْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} تفسير : [الاسراء: 88]، ومنها ان عود الضمير على المنزَّل لا المنزل عليه أدل على كمال التحدي لما فيه من إرخاء العنان وتوسيع المجال للخصوم، بحيث طلب منهم جميعا على اختلاف طبقاتهم الفكرية وتباين ملكاتهم البيانية أن يأتوا بجزء يسير من مثل ما هم شاكُّون فيه، بخلاف ما إذا حُصِرَت المطالبة فيمن كان مثل النبي صلى الله عليه وسلم في الأمية، ويؤيد ذلك قوله: {وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ}، وقوله: {وَٱدْعُواْ مَنِ ٱسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} في آيتي يونس وهود، وقوله: {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} في آية الاسراء. والمراد بالمثلية أن تكون مثل سورة من القرآن في تلاؤُم ألفاظها وتواؤم معانيها، وتناسق حروفها، وتآخي كلماتها، وسلاسة أسلوبها، كما سبق بيان ذلك في الإِعجاز البياني؛ وقيل المراد بالمثلية أن تكون كسورة من القرآن فيما تشتمل عليه من أوامر ونواه، ووعد ووعيد، وقصص وحكم، ومواعظ وأمثال، وقيل: المراد أن تكون منطوية على مثل ما في القرآن من أخبار الغيوب التي لم تكن العرب تحيط بها علما، وقيل: كونها كالقرآن في عدم فناء عجائبه وانقضاء غرائبه، وأنه لا يمحوه الماء ولا تمله الأسماع، ولا يزداد إلا تجددا ما تجدد الجديدان. والقول الأول هو الصحيح لأن العرب بُهروا بأُسلوب القرآن الراقي، مع غض النظر عن عجائب محتوياته، وهم كانوا يكذبون بوعده ووعيده، وقصصه وأخباره، ومواعظه وأمثاله، وأوامره ونواهيه. وعلى أي حال فالمثلية مفروضة - كما قال الزمخشري - وليست واقعة، ولا معنى لما يقوله البعض من أن لفظة مثل زائدة كزيادتها في {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} تفسير : [الشورى: 11]، على رأي بعضهم، لأن ذلك يفضي إلى أن المراد فأتوا بسورة منه، مع أن المطلوب منهم أن يعارضوا القرآن بشيء يشبهه، كما كانوا يدعون بقولهم لو نشاء لقلنا مثل هذا، وإنما قلنا بفرض المثلية دون حصولها، ليتفق ما هنا مع ما في قوله تعالى من بعد: {ولن تفعلوا}، وقوله: {لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ}، وفرضها مبني على اعتقاد المخاطبين، وما كانوا يمنون به أنفسهم في دحض حجة القرآن، وسوق الكلام مساق التعجيز والتحدي شاهد على عدم وجود المثل، وانتقد أبو حيان الزمخشري في جعله المثلية مفروضة، مع أن ذلك لا يتأتى إن أعيد الضمير في {مثله} على المنزل عليه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم، لوجود عدد كبير في العرب ممن يشبهه في الأمية، وكذلك إن أعيد الضمير على المنزل، لوجود الكلام البليغ فيما تنطق به العرب، وهو بجعل المماثلة حاصلة له من بعض الوجوه. وليس فيما قاله الزمخشري موضع للنقد: إما أولا فقد بنى مذهبه على ما اختاره سابقا من عود الضمير في مثله إلى المنزَّل، وهذا الذي اختاره أبو حيان نفسه وعزاه إلى الأكثرين، ومن المعلوم أن التفريع يجب أن لا يخرج عن منهج التأصيل. وإما ثانيا فلأن البلاغة وحدها لا تكفي لعد سائر الكلام العربي البليغ مماثلا للقرآن، لما علمته من اختصاص القرآن بروح بيانية غيبية لا توجد في أي كلام آخر، ولولاها لم يكن لفرسان البلاغة العربية أن يقفوا مشدوهين أمام معجزته، متحيرين من ترتيب حروفه، ورصف كلماته بطريقة تجعل كل حرف وكل كلمة ينبضان بحياة لا توجد في سائر الكلام، وقد سبق شرح ذلك في الإِعجاز البياني، وهو يعني أن البلاغة المتيسرة للكلام العربي لا تكفي لأن ترفع ذلك الكلام إلى هذا المستوى الرفيع. وبناء على القول بعود الضمير على "عبد" فالمراد بالمثلية أن يكون مثله في صفة الأمية التي من شأنها عدم اتساع الأفق العلمي والمعرفة بأحوال الأمم، وأخبار النبيين، والأمور التشريعية، والأوضاع الاجتماعية، إلى غير ذلك مما حواه القرآن الكريم، وعلى هذا مشى الإِمامان محمد عبده ومحمد رشيد في المنار، واستدل له الاستاذ الامام بدخول "من" الدالة على النشوء على لفظة "مثل"، وفرق السيد محمد رشيد بين هذه الآية وسائر آيات التحدي في الاسراء ويونس وهود؛ بأن التحدي في سورتي يونس وهود خاص ببعض أنواع الإِعجاز، وهو ما يتعلق بالأخبار، كقصص الرسل مع أقوامهم التي لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا قومه يحيطون بها علما من قبل، وجوّز أن يكون التحدي بعشر سور مفتريات دون سورة واحدة لإِرادة نوع خاص من أنواع الإعجاز، وهو تعديد الأساليب في الاخبار بالشيء الواحد مع عدم تفاوتها في البلاغة، كما يظهر ذلك في بعض القصص التي ترد في القرآن بعبارات مختلفة الأسلوب والنظم من مختصر ومطوّل، والتحدي بمثله لا يظهر في قصة مخترعة مفتراة، بل لا بد من التعدد الذي يظهر فيه التعبير عن المعنى الواحد، والقصة الواحدة، بأساليب مختلفة، وتراكيب متعددة، كما هو واضح في سُوَرِهِ، ومن هنا أباح لهم أن تكون هذه السورة التي طولبوا بها مفتراة كما وصفوا بذلك القرآن. وأما في سورة يونس فقد اكتفى بالتحدي بسورة واحدة؛ في مقام الرد على قولهم افتراه لعدم التقييد بكونها مفتراة، لا لأجل التخفيف عنهم بالواحدة بعد عجزهم عن العشر، وعليه فيقتضي ذلك انطواءها على خبر الغيب والتزامها بالصدق، وفي هذه السورة التي أعادت هذا التحدي في مواجهة اليهود بالمدينة المنورة بعدما تكرر بمكة المكرمة، كان التقييد في المطالبة بالإِتيان بسورة مشتملة على ما تشتمل عليه سور القرآن من مثل الرسول صلى الله عليه وسلم في أميته لأجل أن اليهود لم يكونوا يعدّون التحدث عما جاءت به الرسل من الغيوب، فكأنهم طولبوا بالإِتيان بذلك من رجل أمي كالرسول عليه أفضل الصلاة والسلام. هذه خلاصة تفرقته، ورأي الجمهور أوضح حجة وأقوى دليلا، لما علمته من ان المقصود بيان عجز الناس - ولو تضافرت جهودهم وتظاهرت قواهم - عن محاكاة القرآن، وقد سبق لك ان الاسلوب القرآني وحده كان كافيا في تبكيت العرب وإقامة الحجة عليهم بأن البيان الذي تحدوا به لم ينشأ عن ملكة بشرية، وإنما هو نداء غيبي يخرسُ صوت كل معاند، ويستأصل شبهة كل مشاقق، ويهدي أولي البصائر الى سواء السبيل، وذلك مع غض النظر عن محتواه من الغيوب وغيرها، وأخبار النبوات وإن كانت هي من ضروب إعجازه فإنها لم تكن هي المبكتة لطواغيت الجاهلية الذين لم يكونوا يؤمنون بالنبوات، ولا يصفون هذه الأخبار إلا بكونها أساطير الأولين، ولو كان التحدي في مكة المكرمة بمضمون القرآن دون لفظه لكان في ذلك مجال للكفار بأن يُلَفِّقُوا بعض الأساطير الكاذبة، ويوهموا أتباعهم بأنها نظيرة ما في القرآن، إذ لا حكم يحتكم إليه في مثل هذه الأمور عندهم، بخلاف البلاغة فإن الحكم فيها الذوق والوجدان، والكل مشتركون فيهما، وعدم التقييد في المطالبة بالاتيان بكون الآتي مثل الرسول صلى الله عليه وسلم في الأمية أبلغ في التحدي وأوغل في التبكيت لما فيه من إفساح المجال للمعارضة وإرخاء العناء للمعارضين، وليست في "من" دلالة على ما قاله الأستاذ الامام، لأنها موضوعة لابتداء الغاية غالبا، وإذا كانت السورة المطلوبة منهم مؤلفة من كلام مثيل لما في القرآن لم تخرج "من" عن هذا المعنى الذي وضعت له. والشهداء جمع شهيد، وهو الذي يقتضيه القياس، وحمله بعضهم على أنه جمع شاهد كعالم وعلماء، وهو مأخوذ من شهد إذا حضر، كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ} تفسير : [البقرة: 282]، واستعْمِل بمعنى النصير لأن الشاهد يناصر المشهود له بشهادته، والمراد بالشهداء هنا نصراؤهم من الذين اتخذوهم آلهة من دون الله، والمراد بدعوتهم استحضارهم لأجل مناصرتهم كما هو شأنهم في اللجوء إليهم من دون الله تعالى. وأفاد الإِمام ابن عاشور بأن في الآية إدماجا لأنها جمعت بين تعجيزهم عن المعارضة، وتوبيخهم على الشرك، وهو من أفانين البلاغة، ويحتمل أن يراد بالشهداء نصراؤهم من أهل البلاغة، وهو أبلغ في التعجيز، لما في ذلك من حضهم على استنفار جميع أصحاب الملكات البيانية، ويعْضُدُه قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً}. وروي عن ابن عباس والسدي، ومقاتل والفراء؛ أن المراد بهم الذين يشهدون لهم عند الله في زعمهم، وهو كالقول الأول لأن اتخاذهم الآلهة من دون الله إنما هو لأجل تقريبهم إليه كما يقتضيه قوله تعالى حاكيا عنهم: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ} تفسير : [الزمر: 3]، وروي عن ابن عباس ومجاهد أن المراد بهم الذين يشهدون لهم بمماثلة ما جاءوا به للقرآن، فإنهم لو احتكموا إلى أرباب الصناعة البيانية ممن هم على مثل اعتقادهم، وجاءوا بما يزعمون أنه مثل القرآن ما كانوا ليشهدوا لهم، فإن من شأن البارعين في الصناعة الأنفة من ان يسجل عليهم تصحيح فاسدها أو تزييف صحيحها، وقد جرت العادة عند العرب إذا ما تنافرت أن تحتكم إلى عقلائها، وكان المحتكم إليهم يحرصون على تنزيه ساحتهم من نسبة الجور أو الغلط إليهم فيما يحكمون، ولذلك قال السَّمَوْأل: شعر : إنا إذا مالت دواعي الهوى وأنصت السامع للقائل لا نجعل الباطل حقا ولا نلظ دون الحق بالباطل نخاف أن تسْفَهَ أحلامنا فنخمل الدهر مع الخامل تفسير : و{مِّن دُونِ ٱللَّهِ} متعلق بـ {ادعوا} أي استنصروا بشهدائكم ولا تستنصروا بالله، فإنه لن ينصركم، وهو مبني على أن المراد بالشهداء المناصرون، أما إن قيل إن المراد بهم الذين يشهدون لهم بمضارعة ما جاءوا به للقرآن، فيكون المعنى ادعوا الذين يشهدون لكم بذلك ولا تدعوا الله إن كنتم تتصورون أن من أعوانكم ونصرائكم من تطاوعه لسانه فينطق بالتسوية بين القرآن وما جئتم به، وهذا يعني أن يجعلوا جانب الله تعالى كالمشهود عليه، وهو أيضا من باب توسعة ميدان المعارضة لهم بحيث سمح لهم أن يأتوا بمن شاءوا من دون الله، ممن يطمعون أن يميلوا إلى جانبهم فيرفعوا ما يلفقونه من القول إلى مقام القرآن. ويصح أن يكون متعلقا بشهداء، وعليه فالمراد استحضروا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله زاعمين أنهم يشهدون لكم يوم القيامة، و{دون} على هذا القول مستعملة في التجاوز، وجوّز بعضهم أن تكون بمعنى أمام أخذا من قول الشاعر: شعر : تريك القذى من دونها وهي دُونَهُ تفسير : ومعنى ذلك ادعوا الذين يزعمون أنهم يشهدون لكم بين يدي الله، أما إن قيل إن الشهداء الذين يشهدون لهم بأن ما يأتون به كالقرآن فـ {دون} دالة على التجاوز لا غير، وجّوز بعضهم تقدير مضاف، أي من دون حزب الله ويراد بهم المؤمنون توسعة لهم أن يأتوا بمن شاءوا من الحكام الذين هم على ملتهم كما تقدم. وقوله: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} تذييل لما تقدم بما يثير حماسهم من تكرار التحدي وتأكيده، والمراد به إن كنتم صادقين أنه كلام بشر، أو أنه مظنة للريب، أو أن الاتيان بمثله أمر مقدور عليه، وجىء بـ "إن" دون إذا لأن صدقهم لا مكان له هنا، وقد تقدم الكلام على الصدق في معرض الحديث عن نقيضه وهو الكذب فلا داعي لتكراره. وإيثار "إن" على إذا - في قوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} مع القطع بأنهم لا يفعلون - لأجل ملاينتهم وإطماعهم في القدرة على الإِتيان بالمطلوب، بعد إثارة نعراتهم بما تقدم من التعريض بهم أنهم كاذبون، وهم أحرص ما يكونون على إلقاء هذه الوصمة الشائنة، ودرء هذا العار البغيض عن أنفسهم، وقد كانوا أصحاب الحمية المتوقدة، والعصبية الثائرة، فلا يمكن مع ما سبق من تكرار التحدي وتتابع التقريع إلا أن يفكروا في استعراض ملكاتهم، والمقارنة بين ما تحدوا به من القول وما هو من مقدور ألسنتهم، فكأنه قيل لهم قدروا أنكم عاجزون عن فعل ما طولبتم به، ثم أُتبعت هذه الملاينة المطمعة بالشدة المؤيسة في قوله: {ولن تفعلوا} لئلا يبقى لهم عذر أو دعوى يتشبثون بها في تركهم المعارضة، فقد أغُروا بها بأنواع القول. وفي قوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} اختصار، لأنه بمعنى فإن لم تأتوا بسورة من مثله، وكذا في قوله: {ولن تفعلوا} لأن مؤداه ولن تأتوا بسورة من مثله، و"لن" لا تأتي إلا مع قصد تأكيد النفي أو تأبيده أو لأجلهما معا، وهي هنا مفيدة للتأكيد والتأبيد كما في قوله تعالى: {أية : لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً} تفسير : [الحج: 73] لتعذر أن يأتي أحد بمثل القرآن أو بمثل سورة منه في أي عصر كان. وجملة {ولن تفعلوا} معترضة بين الشرط وجوابه، وهي تفيد خبرا غيبيا صدقه الواقع، فقد تعاقبت عند العرب منذ نزول هذه الآية مدارس بيانية متنوعة، وكان من بين تلامذتها كثير ممن أوغل في الإِلحاد، وبالغ في محاربة القرآن، غير أنهم لم تحدثهم أنفسهم أن يخوضوا تجربة فيحاولوا إنشاء سورة واحدة من مثل قصار سوره لتثبيت عقيدتهم وتأييد نزعتهم، بل قصرت عزائمهم جميعا عن الطموح إلى ذلك، على أن الوقت الذي نزل فيه القرآن كان زاخرا بأرباب ملكات البيان، فقد بلغت فيه اللغة العربية أوج ارتفاعها، وانتهى طوفان الكلام عند العرب إلى أقصى حده، وكانت عداوة الحق وكره الرسالة الجديدة، والتكذيب بها قد جمعت بين فئاتهم، والتقى عليها كتابيهم ووثنيهم، وقد تعاقدوا بالخناصر، وتشادوا بالعهود على محاربة الله ورسوله، إلا من رحم ربك ممن شرح الله صدره للاسلام، وقليل ما هم في بداية الأمر وكانت آيات التحدي تقرع مسامعهم جميعا، ومع ذلك رضوا لأنفُسهم الذلة والخنوع من آثار هزيمتهم في هذا المجال، لأنهم شعروا من أعماق نفوسهم أنهم لو نزلوا حلبة المعارضة لما جاءوا بشيء ما عدا السخ افات التي يربأون بأنفسهم عنها، وسجل التاريخ عليهم هزيمة نكراء لا يعرفون لها نظيرا، ويتضح بهذا أن هذه الجملة الإعتراضية - بجانب إعجاز بيانها - تحتوي على إعجاز خبري أقره التأريخ، وسلم له الحميم والعدو. وجملة: "فإن لم تفعلوا .. إلى آخره"؛ مفرعة على الشرط وجوابه على الصحيح، وليست فذلكة لما تقدم كما قال الألوسي، فإن المراد فإن عجزتم عن الاتيان بسورة مماثلة لما فيه القرآن، أو حاولتم المعارضة، ولم يمكن لشهدائكم أن يسجلوا لكم بأنكم بلغتم بما أتيتم به شأو القرآن، فأيقنوا أن ما جاءكم حق نازل من عند الله، وأنكم اجترأتم عليه بتكذيب رسوله المؤيد بهذه المعجزة الخالدة، فاتقوا عقابه المعد لأمثالكم من الكفار المكذبين. وعزا القرطبي إلى جماعة من المفسرين أن في الآية تقديما وتأخيرا، وأن الأصل وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، ولن تفعلوا فإن لم تفعلوا فاتقوا النار، وفرع عليه عدم تمام الوقف على صادقين، وهو قول مرفوض، لما علمته من أن جملة {ولن تفعلوا} جاءت معترضة في موضع حسن فيه مثل هذا الاعتراض، والتجرؤ على القول بأن في القرآن تقديم ما حقه التأخير أو العكس اجتراء عظيم على من أنزله بحسب هذا الترتيب، لأن تقديم ما حقه التأخير لا يصدر إلا ممن يُعْييه ترتيب الكلمات أو الجمل بحسب ما تقتضيه معانيها، وهو عجز لا تصح نسبته إلى الله، ومن نسبه إليه فقد كفر والعياذ بالله، وما أشبه هذا الذي عزاه القرطبي إلى جماعة من المفسرين - في الغرابة والبُعد - بما ذكره ابن عطية والقرطبي أيضا أن بعضهم ذهب إلى أن الضمير في قوله {من مثله} عائد إلى ما نُزل من قبل من كتب الله، وفساد هذا الرأي ظاهر بداهة لمخالفته ما يتبادر من معنى الآية ومعاني نظائرها، ولأن التحدي إنما هو بالقرآن وليس بما تقدمه من الكتب. والمراد باتقائهم النار اتقاؤهم الأسباب الموصلة إليها، وأهمها ركوب متن العناد، والإِخلاد إلى الكفر والشقاق كرها للحق وتعاميا عن الحقيقة مع سطوع حجتهما وإشراق براهينهما، وهو من التعبير بالمسبب عن السبب. والوقود ما تشتعل به النار من زيت أو حطب أو ما أشبهها، وهو بفتح الواو في قراءة العشرة وقرأ الحسن بن أبي الحسن، ومجاهد، وطلحة بن مصرف، وأبو حيوة، وعيسى بن عمر الهمداني بضم الواو، وهي محمولة على أنه مصدر للمبالغة كما قال الشاعر: شعر : فإنما هي إقبال وإدبار تفسير : وذلك بأن يُجعل ذلك عين اتقادها، ولا معنى لتقدير بعضهم مضافا - وهو ذوو - قبل وقود لأنه مما ينفر عنه الطبع السليم، ويأباه الذوق المستقيم، فضلا عن كون هذا المحذوف ليس إليه من داع فالمعنى واضح حسب التأويل الذي سبق، على أن المضموم من هذه اللفظة يأتي بمعنى المفتوح، والعكس كما ذكره بعض من يعوَّل عليهم من أئمة العربية. والمراد بالناس الكفار المكذبون بالرسول صلى الله عليه وسلم وما نزل عليه، وهو مبني على أنها نار مخصوصة بالكفار، وثم نيران أخرى لغيرهم من أصحاب الكبائر، ويدل عليه تذييل الآية بقوله: {أعدت للكافرين}، وذهب جماعة إلى أن إعدادها للكفار لا ينافي اشتراك سائر أهل الكبائر معهم في دخولها. والمراد بالحجارة التماثيل المنحوتة التي عبدوها من دون الله وعلقوا على عبادتها أمل نجاتهم، فإنهم يعذبون بها يوم القيامة لمضاعفة حسرتهم على تأليهها، وبيان حقارتها عند الله عندما تنقلب أداة ضر، بعدما عدوها وسيلة نفع، وسببا للسحق بعدما كانوا يطمعون أن تكون لهم سبيلا إلى الزلفى، وهناك يكتشفون ضلال عقولهم وخيبة سعيهم إذ عدلوا عن عبادة الله خالق السماوات والأرض ومن فيهن إلى عبادة أحجار نحتوها بأيديهم، وصوروها بحسب رغبتهم، لا تسمع، ولا تبصر، ولا تحسب، ولا تفكر، ولا تأتي بخير، ولا تدفع ضيرا، ويشهد لهذا التفسير قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 98]، وقيل هي حجارة الكبريت لتميزها بين الأحجار بسرعة الاشتعال، وشدة الحرارة، وكثرة الدخان، ونتن الرائحة والالتصاق بالأبدان، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، أخرجه ابن جرير، واخرج هو وعبدالرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير، والحاكم وصححه مثله عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وعول عليه جماعة من أهل التفسير بناء على ما تقدم من أن بعضهم يرى أن قول الصحابي في التفسير له حكم الرفع، وهذان الصحابيان الجليلان معدودان في مقدمة الصحابة في فن التفسير، رواية ودراية، وقد سبق أن كثيرا من العلماء يرون مثل هذا القول لا يعدو أن يكون موقوفا على الصحابي المنسوب إليه، ومن ثم عول أصحاب الرأي الأول على ما دلت عليه آية الأنبياء من معنى، وتعضده النصوص الدالة على أن المجرم يعذب يوم القيامة بآلة إجرامه، كقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} تفسير : [التوبة: 34 - 35]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها أبدا .."تفسير : ، ويمكن الجمع بين الرأيين بان تلك الحجارة نفسها تتحول إلى حجارة ذات طبع كبريتي، وذكر الناس والحجارة لا ينافي أن يكون لهذه النار وقود غيرهما، فالشياطين ومردة الجن تشتعل بهم كما تشتعل بكفار البشر والعياذ بالله. وهذه النار إن كانت خاصة بالكفار المشركين فلسائر أهل الكبائر نيران أخرى يعذبُون بها، وإن كانت عامة لهم ولغيرهم فقوله: {أعدت للكافرين} ما هو إلا لمزيد التنفير من الكفر والتحذير من الدنو منه، وأي كفر أعظم من كفر الذي يتعامى عن آيات الله، ويتصامم عن دعوته مع ظهور حجتها وإشراق نورها، وإن أعظم حجة على صدق هذا القرآن المنزل من عند الله هذا العجز البشري طوال القرون الخالية عن الإِتيان بشيء من مثله، لا سيما في ذلك العصر عندما كان المسلمون قلة مضطهدين، ولم تكن لدى الكفار حيلة لإِسكات هذا الصوت إلا اللجوء إلى العنف والارهاب دون معارضته بصوت من مثله. ولرُب قائل يقول: لا يبعد أن يكونوا قاموا بالمعارضة وأتوا بمثل القرآن في روعة بيانه وجمال أسلوبه، وإنما نفوذ المسلمين في العرب هو الذي قضى على ما جاءوا به، وقد سجل التأريخ محاولة مسيلمة وغيره للقيام بهذه المعارضة؛ والجواب عن ذلك أن هذا التحدي لم يكن بعدما كانت أزمة الأمور في جزيرة العرب بأيدي المسلمين، وإنما بدأ بمكة المكرمة والجاهلية في أوج قوتها وعنفوان جبروتها، وكان العرب على اتصال ببعض ممالك الفرس والروم، فلو أنهم جاءوا بشيء مما طولبوا به لطاروا بذلك فرحا ونشروا خبره في الآفاق وسجله التاريخ، وبقي محفوظا لدى الأمم التي كانت تكيد للاسلام وتناوئ القرآن، ولكن شيئا من ذلك لم يكن، أما ما جاء به مسيلمة ونظراؤه فقد كان من السخف بحيث يربأ اللبيب بنفسه عن نسبته إليه، وإذا كانت المعارضة قد تعذرت على قريش وهي ذؤابة العرب، ومنبع البيان، وأساتذة البلاغة، فأحرى بغيرهم أن تتعذر عليه. وإعداد الشيء تهيئته، والنار مهيأة للكفار بما أُعد فيها من صنوف العذاب، وبنفس الإِضرام الذي هو أكبر سبب لتعذيبهم، واستدل بالآية على أن النار قد خُلقت وهُيئت لاستقبال أهلها وكذا الجنة وهو قول جمهور الأمة، وذهب أكثر المعتزلة وبعض أصحابنا كأبي المؤثر وأبي سهل الفارسي وابن أبي نبهان إلى أنهما لم تُخلقا إلى الآن وإنما تخلقان يوم القيامة، وعزا ابن عطية هذا القول إلى المنذر بن سعيد البلوطي الأندلسي، وعَدَّهُ سقوطا منه، والمسألة ليست من مسائل الدين القطعية لاحتمال أن يكون قوله: {أُعِدَّت للكافرين}، ومثله في الجنة {أعدت للمتقين} محمولا على الإِخبار عن المستقبل بصيغة الماضي لتحقيق وقوعه، نحو قوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ} تفسير : [يس: 51] وآيات أخرى. وإنما يترجح القول بأن الجنة والنار قد خلقتا بالأحاديث الصحيحة الناصة على ذلك، وإنما جعلتها مرجحة ولم أجعلها قاطعة لأنها لم تبلغ مبلغ التواتر اليقيني الذي يفيد العلم القطعي لأن قصة آدم عليه السلام وإسكانه الجنة ثم إخراجه عنها؛ لا تفيد إلا الترجيح فقط للخلاف الموجود بين علماء الأمة، هل تلك الجنة هي جنة الخلد أو غيرها؟ وجملة أعدت للكافرين مستأنفة لبيان شأن هذه النار.
الالوسي
تفسير : {وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ} لما قرر سبحانه أمر توحيده بأحسن أسلوب عقبه بما يدل على تصديق رسوله صلى الله عليه وسلم، والتوحيد والتصديق توأمان لا ينفك أحدهما عن الآخر، فالآية وإن سيقت لبيان الإعجاز إلا أن الغرض منه إثبات النبوة، وفي التعقيب إشارة إلى الرد على التعليمية الذين جعلوا معرفة الله تعالى مستفادة من معرفة الرسول، والحشوية القائلين بعدم حصول معرفته سبحانه إلا من القرآن والأخبار، والعطف إما على قوله تعالى: {أية : ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ }تفسير : [البقرة: 21] و على {أية : فَلاَ تَجْعَلُواْ } تفسير : [البقرة: 22] وتوجيه الربط بأنه لما أوجب سبحانه وتعالى العبادة ونفي الشرك - بإزاء تلك الآيات والانقياد لها لا يمكن بدون التصديق بأنها من عنده سبحانه ـ أرشدهم بما يوجب هذا العلم، ولذا لم يقل جل شأنه - وإن كنتم في ريب من رسالة عبدنا غير وجيه إذ يصير عليه البرهان العقلي سميعاً ولو أريد ذلك لكفى - اعبدوا ولا تشركوا - من دون تفصيل الأدلة الأنفسية والآفاقية، والظاهر أن الخطاب هنا للكفار وهو المروي عن الحسن، وقيل لليهود لما أن سبب النزول كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم قالوا هذا الذي يأتينا به محمد صلى الله عليه وسلم لا يشبه الوحي {وَإِنَّا لَفِى شَكّ مِنْهُ} وقيل: هو على نحو الخطاب في {أية : ٱعْبُدُواْ }تفسير : [البقرة: 21]. وكلمة {إنْ} إما للتوبيخ على الارتياب وتصوير أنه مما لا ينبغي أن يثبت إلا على سبيل الفرض لاشتمال المقام على ما يزيله، أو لتغليب - من لا - قطع بارتيابهم على من سواهم، أو لأن البعض لما كان مرتاباً والبعض غير مرتاب جعل الجميع كأنه لا قطع بارتيابهم ولا بعدمه - وجعلها بمعنى إذا كما ادعاه بعض المفسرين - خلاف مذهب المحققين - وإيراد كلمة كان لإبقاء معنى المضي فإنها لتمحضها للزمان لا تقبلها - إن - إلى معنى الاستقبال - كما ذهب إليه المبرد وموافقوه - والجمهور على أنها كسائر الأفعال الماضية، وقدر بعضهم بينها وبين إن يكن، أو تبين مثلاً ولا يميل إليه الفؤاد. وتنكير الريب للإشعار بأن حقه إن كان أن يكون ضعيفاً قليلاً لسطوع ما يدفعه وقوة ما يزيله، وجعله ظرفاً بتنزيل المعاني منزلة الأجرام واستقرارهم فيه وإحاطته بهم لا ينافي اعتبار ضعفه وقلته لما أن ما يقتضيه ذلك هو دوام ملابستهم به لا قوته وكثرته، و (من) ابتدائية صفة {رَيْبَ} ولا يجوز أن تكون للتبعيض وحملها على السببية ربما يوهم كون المنزل محلاً للريب وحاشاه، و (ما) موصولة كانت أو موصوفة عبارة عن الكتاب، وقيل: عن القدر المشترك بينه وبين أبعاضه. ومعنى كونهم في ريب منه ارتيابهم في كونه وحياً من الله تعالى شأنه، والتضعيف في {نَزَّلْنَا} للنقل وهو المرادف للهمزة، ويؤيد ذلك قراءة زيد بن قطيب - (أنزلنا) - وليس التضعيف هنا دالاً على نزوله منجماً ليكون إيثاره على الإنزال لتذكير منشأ ارتيابهم فقد قالوا: {أية : لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءانُ جُمْلَةً وٰحِدَةً } تفسير : [الفرقان: 32] وبناء التحدي عليه إرخاء للعنان كما ذهب إليه الكثير ممن يعقد عند/ ذكرهم الخناصر لأن ذلك قول بدلالة التضعيف على التكثير وهو إنما يكون غالباً في الأفعال التي تكون قبل التضعيف متعدية نحو - فتحت وقطعت -، و - (نزلنا) - لم يكن معتدياً قبل، وأيضاً التضعيف الذي يراد به التكثير إنما يدل على كثرة وقوع الفعل وأما على أنه يجعل اللازم متعدياً فلا، والفعل هنا كان لازماً فكون التعدي مستفاداً من التضعيف دليل على أنه للنقل لا للتكثير، وأيضاً لو كان نزل مفيداً للتنجيم لاحتاج قوله تعالى: {أية : لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ٱلْقُرْءانُ جُمْلَةً وَاحِدةً}تفسير : [الفرقان: 32] إلى تأويل، لمنافاة العجز الصدر، وكذا مثل {أية : وَلولاَ نُزّلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ }تفسير : [الأنعام: 37] و{أية : لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ ٱلسَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً }تفسير : [الإسراء: 95] وقد قرىء بالوجهين في كثير مما لا يمكن فيه التنجيم والتكثير وجعل هذا غير التكثير المذكور في النحو وهو التدريج بمعنى الإتيان بالشيء قليلاً قليلاً كما ذكروه في تسللوا حيث فسروه بأنهم يتسللون قليلاً قليلاً قالوا: ونظيره تدرج وتدخل ونحوه - رتبه - أي أتى به رتبة رتبة ولم يوجد غير ذلك، فحينئذ تكون صيغة فعل بعد كونها للنقل دالة على هذا المعنى إما مجازاً أو اشتراكاً فلا يلزم اطراده بعيد لا سيما مع خفاء القرينة، وفي تعدي - (نزل) - بعلى إشارة إلى استعلاء المنزل على المنزل عليه وتمكنه منه وأنه صار كاللابس له بخلاف إلى إذ لا دلالة لها على أكثر من الانتهاء والوصول. وفي ذكره صلى الله عليه وسلم - بعنوان العبودية مع الإضافة إلى ضمير الجلالة - تنبيه على عظم قدره واختصاصه به وانقياده لأوامره، وفي ذلك غاية التشريف والتنويه بقدره صلى الله عليه وسلم:شعر : لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي تفسير : وقرىء - (عبادنا) - فيحتمل أنه أريد بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته لأن جدوى المنزل والهداية الحاصلة به لا تختص بل يشترك فيها المتبوع والتابع فجعل كأنه نزل عليهم، ويحتمل أنه أريد به النبيون الذين أنزل عليهم الوحي والرسول صلى الله عليه وسلم أول مقصود وأسبق داخل لأنه الذي طلب معاندوه بالتحدي في كتابه، وفيه إيذان بأن ارتياب فيه، ارتياب فيما أنزل من قبله لكونه مصدقاً له ومهيمناً عليه، وبعضهم جعل الخطاب على هذا لمنكري النبوات الذين حكى الله تعالى عنهم بقوله: {أية : وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مّن شَىْء }تفسير : [الأنعام: 91] وفي الآية التفات من الغائب إلى ضمير المتكلم وإلا لقال سبحانه ـ مما نزل على عبده ـ لكنه عدل سبحانه إلى ذلك تفخيماً للمنزل أو المنزل عليه لا سيما وقد أتى بـ - (نا) - المشعرة بالتعظيم التام وتفخيم الأمر رعاية لرفعة شأنه عليه الصلاة والسلام. والفاء من {فَأتُواْ} جوابية وأمر السببية ظاهر، والأمر من باب التعجيز وإلقام الحجر كما في قوله تعالى: {أية : فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ } تفسير : [البقرة: 258] وهو من الإتيان بمعنى المجيء بسهولة كيفما كان، ويقال في الخير والشر والاعيان والاعراض، ثم صار بمعنى الفعل والتعاطي كـ {أية : لاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ} تفسير : [التوبة: 54] وأصل {فَأتُواْ} فأتيوا فأعل الإعلال المشهور، وأتى شذوذاً حذف الفاء فقيل (ت وتوا) والتنوين في (سورة) للتنكير أي ائتوا بسورة ما وهي القطعة من القرآن التي أقلها ثلاث آيات، وفيه من التبكيت والتخجيل لهم في الارتياب ما لا يخفى. و {مّن مّثْلِهِ } إما أن يكون ظرفاً مستقراً صفة لسورة والضمير راجع إما لـِ - (ما) - التي هي عبارة عن المنزل أو للعبد وعلى الأول يحتمل أن تكون من للتبعيض أو للتبيين، والأخفش يجوز زيادتها في مثله، والمعنى بسورة مماثلة للقرآن في البلاغة والأسلوب المعجز وهذا على الأخيرين ظاهر، وأما على التبعيض فلأنه لم يرد بالمثل مثل محقق معين للقرآن بل ما يماثله فرضاً كما قيل: في مثلك لا يجهل، ولا شك أن بعضيتها للمماثل الفرضي لازمة/ لمماثلتها للقرآن فذكر اللازم وأريد الملزوم سلوكاً لطريق الكناية مع ما في لفظ (من) التبعيضية الدالة على القلة من المبالغة المناسبة لمقام التحدي، وبهذا رجح بعضهم التبعيض على التبيين مع ما في التبيين من التصريح بما علم ضمناً حيث إن المماثلة للقرآن تفهم من التعبير بالسورة إلا أنه مؤيد بما يأتي، وعلى الثاني يتعين أن تكون (من) للإبتداء مثلها في {أية : إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ } تفسير : [النمل: 30] ويمتنع التبعيض والتبيين والزيادة امتناع الابتداء في الوجه الأول، وإما أن تكون صلة {فَاتُواْ }. والشائع أنه يتعين حينئذ عود الضمير للعبد لأن (من) لا تكون بيانية إذ لا مبهم، ولكونه مستقراً أبداً لا تتعلق بالأمر لغواً ولا تبعيضية وإلا لكان الفعل واقعاً عليه حقيقة كما في ـ أخذت من الدراهم ـ ولا معنى لإتيان البعض بل المقصد الإتيان بالبعض، ولا مجال لتقدير الباء مع وجود (من) ولأنه يلزم أن يكون {بِسُورَةٍ} ضائعاً فتعين أن تكون ابتدائية، وحينئذ يجب كون الضمير للعبد لا للمنزل، وجعل المتكلم مبدأ عرفاً - للإتيان بالكلام منه - معنى حسن مقبول بخلاف جعل الكل مبدأ للإتيان ببعض منه فإنه لا يرتضيه ذو فطرة سليمة، وأيضاً المعتبر في مبدأ الفعل هو المبدأ الفاعلي أو المادي، أو الغائي، أو جهة يتلبس بها وليس الكل بالنسبة إلى الجزء شيئاً من ذلك، وعليه يكون اعتبار مماثلة المأتي به للقرآن في البلاغة مستفاداً من لفظ السورة، ومساق الكلام بمعونة المقام. واعترض بأن معنى (من) لا ينحصر فيما ذكر فقد تجيء للبدل نحو {أية : أَرَضِيتُمْ بِٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلآخِرَةِ }تفسير : [التوبه: 38] و{أية : لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَـٰئِكَةً } تفسير : [الزخرف: 60] وللمجاوزة كعذت منه، فعلى هذا لو علق {مّن مّثْلِهِ} بـ {فأتُواْ} وحمل (من) على البدل أو المجاوزة و ـ مثل ـ على المقحم ورجع الضمير إلى {مَا أَنَزَلْنَا} على معنى: فأتوا بدل ذلك الكتاب العظيم شأنه، الواضح برهانه أو مجاوزين من هذا الكتاب مع فخامة أثره وجلالة قدره بسورة فذة ـ لكان أبلغ في التحدي وأظهر في الإعجاز، على أن عدم صحة شيء مما اعتبر في المبدأ ممنوع فإن الملابسة بين الكل والبعض أقوى منها بين المكان والمتمكن، فكما يجوز جعل المكان مبدأ الفعل المتمكن يجوز أن يجعل الكل مبدأ للإتيان بالبعض، ولعل من قال ذلك لم يطرق سمعه قول سيبويه: وبمنزلة المكان ما ليس بمكان ولا زمان نحو ـ قرأت من أول السورة إلى آخرها، وأعطيتك من درهم إلى دينار ـ وأيضاً فالإتيان ببعض الشيء تفريقه منه، ولا يستراب أن الكل مبدأ تفريق البعض منه، ويمكن أن يقال وهو الذي اختاره مولانا الشهاب - أن المراد من الآية التحدي وتعجيز بلغاء العرب المرتابين فيه عن الإتيان بما يضاهيه، فمقتضى المقام أن يقال لهم: معاشر الفصحاء المرتابين في أن القرآن من عند الله ائتوا بمقدار أقصر سورة من كلام البشر محلاة بطراز الإعجاز ونظمه، وما ذكر يدل على هذا إذا كان (من مثله) صفة (سورة) سواء كان الضمير - لما - أو - للعبد - لأن معناه ائتوا بمقدار سورة تماثله في البلاغة كائنة من كلام أحد، مثل هذا العبد في البشرية فهو معجز للبشر عن الإتيان بمثله أو ائتوا بمقدار سورة من كلام هو مثل هذا المنزل ومثل الشيء غيره فهو من كلام البشر أيضاً، فإذا تعلق ورجع الضمير للعبد فمعناه أيضاً - ائتوا - من مثل هذا العبد في البشرية بمقدار سورة تماثله فيفيد ما ذكرنا، ولو رجع على هذا لما كان معناه - ائتوا - من مثل هذا المنزل بسورة، ولا شك أن (من) ليست بيانية لأنها لا تكون لغواً ولا تبعيضية لأن المعنى ليس عليه فهي ابتدائية والمبدأ ليس فاعلياً بل مادياً، فحينئذ المثل الذي السورة بعض منه لم يؤمر بالإتيان به، فلا يخلو من أن يدعى وجوده وهو خلاف الواقع وابتناؤه على الزعم أو الفرض تعسف بلا مقتضىٍ أولاً ولا يليق بالتنزيل، وكيف يأتون ببعض من شيء لا وجود له؟! والحق عندي أن رجوع الضمير إلى كل من العبد، و (ما) على تقديري اللغو والاستقرار/ أمر ممكن، ودائرة التأويل واسعة والاستحسان مفوض إلى الذوق السليم، والذي يدركه ذوقي ـ ولا أزكى نفسي ـ أنه على تقدير التعلق يكون رجوع الضمير إلى العبد أحلى، والبحث في هذه الآية مشهور، وقد جرى فيه بين العضد والجار بردي ما أدى إلى تأليف الرسائل في الانتصار لكل. وقد وفقت للوقوف على كثير منها والحمد لله، ونقلت نبذة منها في «الأجوبة العراقية» ثم أولى الوجوه هنا على الإطلاق جعل الظرف صفة للسورة والضمير للمنزل و {مِنْ } بيانية، أما أولاً: فلأنه الموافق لنظائره من آيات التحدي كقوله تعالى: {أية : فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ }تفسير : [يونس: 38] لأن المماثلة فيها صفة للمأتي به، وأما ثانياً: فلأن الكلام في المنزل لا المنزل عليه وذكره إنما وقع تبعاً ولو عاد الضمير إليه ترك التصريح بمماثلة السورة وهو عمدة التحدي وإن فهم، وأما ثالثاً: فلأن أمر الجم الغفير ـ لأن يأتوا من مثل ما أتى به واحد من جنسهم ـ أبلغ من أمرهم بأن يجدوا أحداً يأتي ما أتى به رجل آخر، وأما رابعاً: فلأنه لو رجع الضمير للعبد لأوهم أن إعجازه لكونه ممن لم يدرس ولم يكتب لا أنه في نفسه معجز مع أن الواقع هذا، وبعضهم رجح رد الضمير إلى العبد صلى الله عليه وسلم باشتماله على معنى مستبدع مستجد وبأنه الكلام مسوق للمنزل عليه إذ التوحيد والتصديق بالنبوة توأمان، فالمقصود إثبات النبوة والحجة ذريعة فلا يلزم من الافتتاح بذكر ـ ما نزلنا ـ أن يكون الكلام مسوقاً له وبأن التحدي على ذلك أبلغ، لأن المعنى اجتمعوا كلكم وانظروا هل يتيسر لكم الإتيان بسورة ممن لم يمارس الكتب ولم يدارس العلوم؟! وضم بنات أفكار بعضهم إلى بعض معارض بهذه الحجة بل هي أقوى في الإفحام إذ لا يبعد أن يعارضوه بما يصدر عن بعض علمائهم مما اشتمل على قصص الأمم الخالية المنقولة من الكتب الماضية وإن كان بينهما بون إذ الغريق يتشبث بالحشيش، وأما إذا تحدى بسورة من أميّ كذا وكذا لم يبق للعوارض مجال، هذا ولا يخفى أنه صرح ممرد ونحاس مموه، وظاهر السباق يؤيد ما قلنا ويلائمه ظاهراً كما سنبينه بمنه تعالى. قوله تعالى: {وَٱدْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }. الدعاء النداء والاستعانة، ولعل الثاني مجاز أو كناية مبنية على النداء لأن الشخص إنما ينادى ليستعان به، ومنه {أية : أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ } تفسير : [الأنعام: 40] والشهداء جمع شهيد أو شاهد، والشهيد كما قال الراغب: كل من يعتد بحضوره ممن له الحل والعقد، ولذا سموا غيره مخلفاً وجاء بمعنى الحاضر، والقائم بالشهادة والناصر والإمام أيضاً. و {دُون} ظرف مكان لا ينصرف ويستعمل - (بمن) - كثيراً - وبالباء - قليلاً، وخصه في «البحر» بمن (دونها) ورفعه في قوله:شعر : ألم تريا أني حميت حقيقتي وباشرت حد الموت والموت دونها تفسير : نادر لا يقاس عليه ومعناها أقرب مكان من الشيء فهو - كعند - إلا أنها تنبىء عن دنو كثير وانحطاط يسير، ومنه دونك اسم فعل لا تدوين الكتب خلافاً للبيضاوي - كما قيل - لأنه من الديوان الدفتر ومحله، وهي فارسي معرب من قول كسرى إذ رأى سرعة الكتاب في كتابتهم وحسابهم ديوانه. وقد يقال لا بعد فيما ذكره البيضاوي وديوان مما اشتركت فيه اللغتان، وقد استعمل في انحطاط محسوس لا في ظرف - كدون زيد في القامة - ثم استعير للتفاوت في المراتب المعنوية تشبيهاً بالمراتب الحسية - كدون عمرو شرفاً - ولشيوع ذلك اتسع في هذا المستعار فاستعمل في كل تجاوز حد إلى حد ولو من دون تفاوت وانحطاط، وهو بهذا المعنى قريب من غير فكأنه أداة استثناء، ومن الشائع دون بمعنى خسيس فيخرج عن الظرفية ويعرف بأل ويقطع عن الإضافة كما في قوله:شعر : إذا ما علا المرء رام العلا ويقنع (بالدون) من كان دونا تفسير : وما في «القاموس» من أنه يقال رجل من دون، ولا يقال دون مخالف للدراية والرواية، وليس عندي/ وجه وجيه في توجيهه، والمشهور أنه ليس لهذا فعل، وقيل يقال: دان يدين منه واستعماله بمعنى فضلاً وعليه حمل قول أبـي تمام:شعر : الود للقربى ولكن عرفه للأبعد الأوطان (دون) الأقرب تفسير : لم يسلمه أرباب التنقير نعم قالوا: يكون بمعنى وراء كأمام وبمعنى فوق ونقيضاً له. و (من) لابتداء الغاية متعلقة بادعوا، ودون تستعمل بمعنى التجاوز في محل النصب على الحال، والمعنى ادعوا إلى المعارضة من يحضركم أو من ينصركم بزعمكم متجاوزين الله تعالى في الدعاء بأن لا تدعوه، والأمر للتعجيز والإرشاد أو ادعوا من دون الله من يقيم لكم الشهادة بأن ما أتيتم به مماثله فإنه لا يشهدون، ولا تدعوا الله تعالى للشهادة بأن تقولوا الله تعالى شاهد وعالم بأنه مثله فإن ذلك علامة العجز والانقطاع عن إقامة البينة والأمر حينئذ للتبكيت والشهيد على الأول بمعنى الحاضر، وعلى الثاني بمعنى الناصر، وعلى الثالث بمعنى القائم بالشهادة، قيل: ولا يجوز أن يكون بمعنى الأمام بأن يكون المراد بالشهداء الآلهة الباطلة لأن الأمر بدعاء الأصنام لا يكون إلا تهكماً، ولو قيل: ادعوا الأصنام ولا تدعوا الله تعالى ولا تستظهروا به لانقلب الأمر من التهكم إلى الامتحان إذ لا دخل لإخراج الله تعالى عن الدعاء في التهكم، وفيه أن أيّ تهكم وتحميق أقوى من أن يقال لهم استعينوا بالجماد ولا تلتفتوا نحو رب العباد؟ ولا يجوز حينئذ أن تجعل دون بمعنى القدام إذ لا معنى لأن يقال ادعوها بين يدي الله تعالى أي في القيامة للاستظهار بها في المعارضة التي في الدنيا، وجوزوا أن تتعلق من بـ {شُهَدَاءكُمُ} وهي للابتداء أيضاً، و {دُونِ} بمعنى التجاوز في محل النصب على الحال والعامل فيه معنى الفعل المستفاد من إضافة - الشهداء - أعني الاتخاذ، والمعنى ادعوا الذين اتخذتموهم أولياء من دون الله تعالى، وزعمتم أنها تشهد لكم يوم القيامة، ويحتمل أن يكون {دُونِ} بمعنى أمام حقيقة أو مستعاراً من معناه الحقيقي الذي يناسبه أعني به أدنى مكان من الشيء وهو ظرف لغو معمول - لشهداء - ويكفيه رائحة الفعل فلا حاجة إلى الاعتماد ولا إلى تقدير ليشهدوا، و (من) للتبعيض كما قالوا في: {أية : مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ }تفسير : [الرعد: 11] لأن الفعل يقع في بعض الجهتين، وظاهر كلام الدماميني في «شرح التسهيل»: أنها زائدة، وهو مذهب ابن مالك، والجمهور على أنها ابتدائية، والمعنى ادعوا الذين يشهدون لكم بين يدي الله عز وجل على زعمكم، والأمر للتهكم، وفي التعبير عن الأصنام بالشهداء ترشيح له بتذكير ما اعتقدوه من أنها من الله تعالى بمكان، وأنها تنفعهم بشهادتهم كأنه قيل: هؤلاء عدتكم وملاذكم فادعوهم لهذه العظيمة النازلة بكم فلا عطر بعد عروس، وما وراء عبادان قرية ـ ولم تجعل {دُونِ} بمعنى التجاوز لأنهم لا يزعمون شركته تعالى مع الأصنام في الشهادة فلا وجه للإخراج، وقيل يجوز أن تكون {مِنْ} للابتداء والظرف حال ويحذف من الكلام مضاف، والمعنى: ادعوا - شهداءكم - من فصحاء العرب وهم أولياء الأصنام متجاوزين في ذلك أولياء الله ليشهدوا لكم أنكم أتيتم بمثله، والمقصود بالأمر حينئذ إرخاء العنان والاستدراج إلى غاية التبكيت كأنه قيل: تركنا إلزامكم بشهداء الحق إلى شهدائكم المعروفين بالذب عنكم فإنهم أيضاً لا يشهدون لكم حذاراً من اللائمة وأنفة من الشهادة البتة البطلان، كيف لا وأمر الإعجاز قد بلغ من الظهور إلى حيث لم يبق إلى إنكاره سبيل؟ وإخراج الله تعالى على بعض الوجوه لتأكيد تناول المستثنى منه بجميع ما عداه لا لبيان استبداده تعالى بالقدرة على ما كلفوه لإيهامه أنهم لو دعوه تعالى لأجابهم إليه وعلى بعض للتصريح من أول الأمر ببراءتهم منه تعالى وكونهم في عروة المحادة والمشاقة له قاصرين استظهارهم على ما سواه، والالتفات إما لإدخال الروع وتربية المهابة أو للإيذان بكمال سخافة عقولهم حيث آثروا على عبادة من له الألوهية الجامعة عبادة من لا أحقر منه - والصدق - مطابقة الواقع والمذاهب فيه مشهورة، وجواب {إن} محذوف/ لدلالة الأول عليه وليس هو جواباً لهما، وكذا متعلق الصدق أي: إن كنتم صادقين بزعمكم في أنه كلام البشر أو في أنكم تقدرون على معارضته - فأتوا، وادعوا - فقد بلغ السيل الزبـى، وهذا كالتكرير للتحدي والتأكيد له، ولذا ترك العطف وجعل المتعلق الارتياب لتقدمه مما لا ارتياب في تأخره لأن الارتياب من قبيل التصور الذي لا يجري فيه صدق ولا كذب، والقول بأن المراد: إن كنتم صادقين في احتمال أنه كذا مع ما فيه من التكلف لا يجدي نفعاً لأن الاحتمال شك أيضاً، ومن التكلف بمكان قول الشهاب: إن المراد من النظم الكريم الترقي في إلزام الحجة، وتوضيح المحجة، فالمعنى إن ارتبتم فأتوا بنظيره ليزول ريبكم ويظهر أنكم أصبتم فيما خطر على بالكم وحينئذ فإن صدقت مقالتكم في أنه مفتري فأظهروها ولا تخافوا. هذا ووجه ملائمة الآية ـ لما قلناه في الآية السابقة ـ أنه سبحانه وتعالى أمرهم بالاستعانة إما حقيقة أو تهكماً بكل ما يعينهم بالإمداد في الإتيان في - المثل - أو بالشهادة على أن المأتي به - مثل - ولا شك أن ذلك إنما يلائم إذا كانوا مأمورين بالإتيان بالمثل بخلاف ما إذا كان المأمور واحداً منهم فإنهم باعثون له على الإتيان فالملائم حينئذ نسبة الشهداء إليه لأنهم شهداء له، وإن صح نسبته إليهم - باعتبار مشاركتهم إياه في تلك الدعوى بالتحريك والحث والقول بأنهم مشاركون للمأتي منه في دعوى المماثلة ليس بشيء لأنه شهادة على المماثلة - ثم ترجيح رجوع الضمير للمنزل يقتضي ترجيح كون الظرف صفة للسورة أيضاً، وقد أورد هٰهنا أمور طويلة لا طائل تحتها.
ابن عاشور
تفسير : انتقال لإثبات الجزء الثاني من جزئي الإيمان بعد أن تم إثبات الجزء الأول من ذلك بما قدمه من قوله تعالى: {أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم}تفسير : [البقرة: 21] الخ. فتلك هي المناسبة التي اقتضت عطف هذه الجملة على جملة: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم،}ولأن النهي عن أن يجعلوا لله أنداداً جاء من عند الله فهم بمظنة أن ينكروا أن الله نهى عن عبادة شفعائه ومقربيه لأنهم من ضَلالهم كانوا يدَّعون أن الله أمرهم بذلك قال تعالى: {أية : وقالوا لو شاء الرحمٰن ما عبدناهم}تفسير : [الزخرف: 20] فقد اعتلوا لعبادة الأصنام بأن الله أقامها وسائط بينه وبينهم، فزادت بهذا مناسبةُ عطف قوله: {وإن كنتم في ريب} عقب قوله: {أية : فلا تجعلوا لله أنداداً}تفسير : [البقرة: 22]. وأتى بإنْ في تعليق هذا الشرط وهو كونهم في ريب وقد علم في فن المعاني اختصاص إن بمقام عدم الجزم بوقوع الشرط، لأن مدلول هذا الشرط قد حَفَّ به من الدلائل ما شأنه أن يقلَع الشرط من أصله بحيث يكون وقوعه مفروضاً فيكون الإتيان بإن مع تحقق المخاطب علم المتكلم بتحقق الشرط توبيخاً على تحقق ذلك الشرط، كأن ريبهم في القرآن مستضعف الوقوع. ووجه ذلك أن القرآن قد اشتطت ألفاظه ومعانيه على ما لو تدبره العقل السليم لجزم بكونه من عند الله تعالى فإنه جاء على فصاحة وبلاغة ما عهدوا مثلهما من فحول بلغائهم، وهم فيهم متوافرون متكاثرون حتى لقد سجد بعضهم لبلاغته واعترف بعضهم بأنه ليس بكلام بشر. وقد اشتمل من المعاني على ما لم يطرقه شعراؤهم وخطباؤهم وحكماؤهم، بل وعلى ما لم يبلغ إلى بعضه علماء الأمم. ولم يزل العلم في طول الزمان يظهر خبايا القرآن ويبرهن على صدق كونه من عند الله فهذه الصفات كافية لهم في إدراك ذلك وهم أهل العقول الراجحة والفطنة الواضحة التي دلت عليها أشعارهم وأخبارهم وبداهتهم ومناظرتهم، والتي شهد لهم بها الأمم في كل زمان، فكيف يبقى بعد ذلك كله مسلك للريب فيه إليهم فضلاً عن أن يكونوا منغمسين فيه. ووجه الإتيان بفي الدالة على الظرفية الإشارة إلى أنهم قد امتلكهم الريب وأحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف. واستعارة (في) لمعنى الملابسة شائعة في كلام العرب كقولهم هو في نعمة. وأتى بفعل نَزَّل دون أنزل لأن القرآن نزل نجوماً. وقد تقدم في أول التفسير أن فعَّل يدل على التقضي شيئاً فشيئاً على أن صاحب «الكشاف» قد ذكر أن اختياره هنا في مقام التحدي لمراعاة ما كانوا يقولون {أية : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة}تفسير : [الفرقان: 32] فلما كان ذلك من مثارات شبههم ناسب ذكره في تحديهم أن يأتوا بسورة مثله منجمة. والسورة قطعة من القرآن معينة فتميزه عن غيرها من أمثالها بمبدأ ونهاية تشتمل على ثلاث آيات فأكثر في غرض تام أو عدة أغراض. وجعلُ لفظ سورة اسماً جنسياً لأجزاء من القرآن اصطلاحٌ جاء به القرآن. وهي مشتقة من السور وهو الجدار الذي يحيط بالقرية أو الحظيرة، فاسم السورة خاص بالأجزاء المعينة من القرآن دون غيره من الكتب وقد تقدم تفصيله في المقدمة الثامنة من مقدمات هذا التفسير، وإنما كان التحدي بسورة ولم يكن بمقدار سورة من آيات القرآن لأن من جملة وجوه الإعجاز أموراً لا تظهر خصائصها إلا بالنظر إلى كلام مستوفى في غرض من الأغراض وإنما تنزل سور القرآن في أغراض مقصودة فلا غنى عن مراعاة الخصوصيات المناسبة لفواتح الكلام وخواتمه بحسب الغرض، واستيفاء الغرض المسوق له الكلام، وصحة التقسيم، ونكت الإجمال والتفصيل، وأحكام الانتقال من فن إلى آخر من فنون الغرض، ومناسبات الاستطراد والاعتراض والخروج والرجوع، وفصل الجمل ووصلها، والإيجاز والإطناب، ونحو ذلك مما يرجع إلى نكت مجموع نَظم الكلام، وتلك لا تظهر مطابقتها جلية إلا إذا تم الكلام واستَوفَى الغرضُ حقه، فلا جرم كان لنظم القرآن وحسن سَبكه إعجازٌ يفوت قدرة البشر هو غير الإعجاز الذي لِجُمله وتراكيبه وفصَاحةِ ألفاظه. فكانت السورة من القرآن بمنزلة خطبة الخطيب وقصيدة الشاعر لا يُحكم لها بالتفوق إلا باعتبارات مجموعها بعد اعتبار أجزائها. قال الطيبي في «حاشية الكشاف» عند قوله تعالى: {أية : فلم تقتلوهم} تفسير : في سورة الأنفال (17)، ولسر النظم القرآني كان التحدي بالسورة وإن كانت قصيرة دون الآيات وإن كانت ذوات عدد. والتنكير للإفراد أو النوعية، أي بسورة واحدة من نوع السور وذلك صادق بأقل سورة ترجمت باسم يخصها، وأقل السور عددَ آيات سورةُ الكوثر، وقد كان المشركون بالمدينة تبعاً للمشركين بمكة وكان نزول هذه السورة في أول العهد بالهجرة إلى المدينة فكان المشركون كلهم ألْباً على النبي يتداولون الإغراء بتكذيبه وصد الناس عن اتباعه، فأعيد لهم التحدي بإعجاز القرآن الذي كان قد سبق تحديهم به في سورة يونس وسورة هود وسورة الإسراء. وقد كان التحدي أولاً بالإتيان بكتابٍ مثل ما نزل منه ففي سورة الإسراء (88): {أية : قُل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً}تفسير : . فلما عجزوا استُنزلوا إلى الإتيان "بعشْرِ سور مثله" في سورة هود، ثم استنزلوا إلى الإتيان بسورة مثله في سورة يونس. والمِثْل أصله المَثيل والمُشابه تمامَ المشابهة فهو في الأصل صفة يتبع موصوفاً ثم شاع إطلاقه على الشيء المشابه المكافىء. والضمير في قوله: {من مثله} يجوز أن يعود إلى (مَا نَزّلنا) أي من مِثل القرآن، ويجوز أن يعود إلى {عبدنا} فإن أعيد إلى (ما نزلنا) أي من مثل القرآن فالأظهر أن (من) ابتدائية أي سورة مأخوذة من مثل القرآن أي كتاب مثل القرآن والجار والمجرور صفة لسورة، ويحتمل أن تكون (من) تبعيضية أو بيانية أو زائدة، وقد قيل بذلك كله، وهي وجوه مرجوحة، وعلى الجميع فالجار والمجرور صفة لسورة، أي هي بعض مثل ما نزلنا، ومِثل اسم حينئذٍ بمعنى المماثل، أو سورة مثل ما نزلنا و(مثل) صفةٌ على احتمالي كون (من) بيانية أو زائدة، وكل هذه الأوجه تقتضي أن المِثل سواء كان صفة أو اسماً فهو مثل مقدَّر بناء على اعتقادهم وفرضهم ولا يقتضي أن هذا المثل موجود لأن الكلام مسوق مساق التعجيز. وإن أُعيد الضمير لعبدنا فمن لتعدية فعل (ائتوا) وهي ابتدائية وحينئذٍ فالجار والمجرور ظرف لغو غير مستقر. ويجوز كون الجار والمجرور صفة لسورة على أنه ظرف مستقر والمعنى فيهما ائتوا بسورة منتزعة من رجل مثل محمد في الأمية، ولفظ مثل إذن اسْم. وقد تبين لك أن لفظ (مثل) في الآية لا يحتمل أن يكون المراد به الكناية عن المضاف إليه على طريقة قوله تعالى: {أية : ليس كمثله شيء}تفسير : [الشورى: 11] بناء على أن لفظ (مِثل) كناية عن المضاف إليه إذ لا يستقيم المعنى أن يكون التقدير فأتوا بسورة من القرآن، أو من محمد خلافاً لمن توهم ذلك من كلام «الكشاف» وإنما لفظ مثل مستعمل في معناه الصريح إلا أنه أشبه المكنَّى به عن نفس المضافِ هُو إليه من حيث إن المِثل هنا على تقدير الاسمية غير متحقق الوجود إلا أن سبب انتفاء تحققه هو كونه مفروضاً فإن كون الأمر للتعجيز يقتضي تعذر المأمور، فليس شيء من هاته الوجوه بمقتضٍ وجود مثل للقرآن حتى يُراد به بعض الوجوه كما توهمه التفتزاني. وعندي أن الاحتمالات التي احتملها قوله: {من مثله} كلها مرادة لرد دعاوى المكذبين في اختلاف دعاويهم فإن منهم من قال: القرآن كلامُ بشر، ومنهم من قال: هو مكتتب من أساطير الأولين، ومنهم من قال: إنما يعلمه بشر. وهاته الوجوه في معنى الآية تُفند جميع الدعاوى فإن كان كلام بشر فأتوا بمماثله أو بمثله، وإن كان من أساطير الأولين فأتوا أنتم بجزء من هذه الأساطير، وإن كان يُعلمه بشر فأتوا أنتم من عنده بسورة فما هو ببخيل عنكم إن سألتموه. وكل هذا إرخاء لعنان المعارضة وتسجيل للإعجاز عند عدمها. فالتحدي على صدق القرآن هو مجموع مماثلةِ القرآن في ألفاظه وتراكيبه، ومماثلة الرسول المنزَّل عليه في أنه أمي لم يسبق له تعليم ولا يعلم الكتب السالفة، قال تعالى: {أية : أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب}تفسير : [العنكبوت: 51]. فذلك معنى المماثلة فلو أتوا بشيء من خُطبِ أو شعر بلغائهم غير مشتمل على ما يشتمل عليه القرآن من الخصوصيات لم يكن ذلك إتياناً بما تحداهم به، ولو أتوا بكلام مشتمل على معان تشريعية أو من الحكمة من تأليف رجل عالم حكيم لم يكن ذلك إتياناً بما تحداهم به. فليس في جعل (من) ابتدائية إيهام إجْزاء أن يأتوا بشيء من كلام بلغائهم لأن تلك مماثلة غير تامة. وقولُه تعالى: {وادعوا شهداءكم من دون الله} معطوف على {فأتوا بسورة} أي ائتوا بها وادعوا شهداءكم. والدعاء يستعمل بمعنى طلب حضور المدعو، وبمعنى استعطافه وسؤاله لفعل ما، قال أبو فراس يخاطب سيف الدولة ليفديه من أسر ملك الروم:شعر : دَعَوْتُك للجفن القريح المسهد لديّ وللنوم الطريد المشرد تفسير : والشهداء جمع شهيد فعيل بمعنى فاعل من شهد إذا حضر، وأصله الحاضر قال تعالى: {أية : ولا يَأْبَ الشهداء إذا ما دُعُوا}تفسير : [البقرة: 282] ثم استعمل هذا اللفظ فيما يلازمه الحضور مجازاً أو كناية لا بأصل وضع اللفظ، وأطلق على النصير على طريقة الكناية فإن الشاهد يؤيد قول المشهود فينصره على معارضه ولا يطلق الشهيد على الإمام والقدوة وأثبته البيضاوي ولا يعرف في كتب اللغة ولا في كلام المفسرين. ولعله انجر إليه من تفسير «الكشاف» لحاصل معنى الآية فتوهمه معنى وضعياً فالمراد هنا ادعوا آلهتكم بقرينة قوله: {من دون الله} أي ادعوهم من دون الله كدأبكم في الفزع إليهم عند مهماتكم معرضين بدعائهم واستنجادهم عن دعاء الله واللجأ إليه ففي الآية إدماج توبيخهم على الشرك في أثناء التعجيز عن المعارضة وهذا الإدماج من أفانين البلاغة أن يكون مراد البليغ غرضين فيقرن الغرض المسوق له الكلام بالغرض الثاني وفيه تظهر مقدرة البليغ إذ يأتي بذلك الاقتران بدون خروج عن غرضه المسوق له الكلام ولا تكلف. قال الحرث بن حلّزة:شعر : آذنتنا ببينها أسماءُ رب ثاوٍ يَمَلّ منه الثّواءُ تفسير : فإن قوله رب ثاو عند ذكر بعد الحبيبة والتحسر منه كناية عن أن ليست هي من هذا القبيل الذي يمل ثواؤه. وقد قضى بذلك حق إرضائها بأنه لا يحفل بإقامة غيرها، وقد عد الإدماج من المحسنات البديعة وهو جدير بأن يعد في الأبواب البلاغية في مبحث الإطناب أو تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر، فإن آلهتهم أنصار لهم في زعمهم. ويجوز أن يكون المراد ادعوا نصراءكم من أهل البلاغة فيكون تعجيزاً للعامة والخاصة، وادعوا من يشهد بمماثلة ما أتيتم به لما نزلنا، على نحو قوله تعالى: {أية : قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا}تفسير : [الأنعام: 150] ويكون قوله: {من دون الله} على هذه الوجوه حالاً من الضمير في (ادعوا) أو من (شهداءكم) أي في حال كونكم غير داعين لذلك الله أو حال كون الشهداء غير الله بمعنى اجعلوا جانب الله الذي أنزل الكتاب كالجانب المشهود عليه فقد أذناكم بذلك تيسيراً عليكم لأن شدة تسجيل العجز تكون بمقدار تيسير أسباب العمل، وجوز أن يكون (دون) بمعنى أمام وبين يدي يعني ادعوا شهداءكم بين يدي الله، واستشهد له بقول الأعشى:شعر : تريك القَذى من دونها وهي دونهُ إذا ذاقَها من ذاقها يتمطِّق تفسير : كما جوز أن يكون {من دون الله} بمعنى من دون حزب الله وهم المؤمنون أي أحضروا شهداء من الذين هم على دينكم فقد رضيناهم شهوداً فإن البارع في صناعة لا يرضى بأن يشهد بتصحيح فاسدها وعكسه إباءَة أن ينسب إلى سوء المعرفة أو الجور، وكلاهما لا يرضاه ذو المروءة وقديماً كانت العرب تتنافر وتتحاكم إلى عقلائها وحكامها فما كانوا يحفظون لهم غلطاً أو جوراً. وقد قال السموأل:شعر : إنا إذا مالت دواعي الهوى وأنصت السامع للقائل لا نجعل الباطل حقاً ولا نلظ دون الحق بالباطل نخاف أن تسفه أحلامنا فنخمُل الدهر مع الخامل تفسير : وعلى هذا التفسير يجىء قول الفقهاء إن شهادة أهل المعرفة بإثبات العيوب أو بالسلامة لا تشترط فيها العدالة، وكنت أعلل ذلك في دروس الفقه بأن المقصود من العدالة تحقق الوازع عن شهادة الزور، وقد قام الوازع العلمي في شهادة أهل المعرفة مقام الوازع الديني لأن العارف حريص ما استطاع أن لا يؤثر عنه الغلط والخطأ وكفى بذلك وازعاً عن تعمده وكفى بعلمه مظنة لإصابة الصواب فحصل المقصود من الشهادة. وقوله: {إن كنتم صادقين} اعتراض في آخر الكلام وتذييل. أتى بإن الشرطية التي الأصل في شرطها أن يكون غير مقطوع بوقوعه لأن صدقهم غير محتمل الوقوع وإن كنتم صادقين في أن القرآن كلام بشر وإنكم أتيتم بمثله. والصدق ضد الكذب وهما وصفان للخبر لا يخلو عن أحدهما فالصدق أن يكون مدلول الكلام الخبري مطابقاً ومماثلاً للواقع في الخارج أي في الوجود الخارجي احترازاً عن الوجود الذهني، والكذب ضد الصدق وهو أن يكون مدلول الكلام الخبري غير مطابق أي غير مماثل للواقع في الخارج، والكلام موضوع للصدق وأما الكذب فاحتمال عقلي والإنشاء لا يوصف بصدق ولا كذب إذ لا معنى لمطابقته لما في نفس الأمر لأنه إيجاد للمعنى لا للأمور الخارجية. هذا معنى الصدق والكذب في الإطلاق المشهور. وقد يطلق الكذب صفة ذم فيلاحظ في معناه حينئذٍ أن مخالفته للواقع كانت عن تعمد فتوهم الجاحظ أن ماهية الكذب تتقوم من عدم مطابقة الخبر للواقع وللاعتقاد معاً وسرى هذا التقوم إلى ماهية الصدق فجعل قوامها المطابقة للخارج والاعتقاد معاً ومن هنا أثبت الواسطة بين الصدق والكذب، وقريب منه قول الراغب، ويشبه أن يكون الخلاف لفظياً ومحل بسطه في علمي الأصول والبلاغة. والمعنى إن كنتم صادقين في دعوى أن القرآن كلام بشر، فحذف متعلق (صادقين) لدلالة ما تقدم عليه، وجواب الشرط محذوف تدل عليه جملة مقدرة بعد جملة: {وادعوا شهداءكم من دون الله} إذ التقدير فتأتون بسورة من مثله ودل على الجملة المقدرة قوله قبلها: {فأتوا بسورة من مثله} وتكون الجملة المقدرة دليلاً على جواب الشرط فتصير جملة {إن كنتم صادقين} تكريراً للتحدي. وفي هذه الآية إثارة لحماسهم إذ عرض بعدم صدقهم فتتوفر دواعيهم على المعارضة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا}. لم يصرح هنا باسم هذا العبد الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، وصرح باسمه في موضع آخر وهو قوله: {أية : وَآمَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ} تفسير : [محمد: 2] صلوات الله وسلامه عليه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات الريب: الشك مع اضطراب النفس وقلقها. عبدنا: محمد صلى الله عليه وسلم. من مثله: مثل القرآن ومثل محمد في أمّيته. شهداءكم: أنصاركم. وآلهتكم التي تدعون أنها تشهد لكم عند الله وتشفع. وقودها: ما تتقد به وتشتعل وهو الكفار والأصنام المعبودة مع الله عز وجل. أعدت: هيئت وأحضرت. الكافرين: الجاحدين لحق الله تعالى في العبادة له وحده المكذبين برسوله وشرعه. مناسبة الآية ومعناها: لما قرر تعالى في الآية السابقة أصل الدين وهو التوحيد الذي هو عبادة الله تعالى وحده قرر في هذه الآية أصل الدين الثاني وهو نبوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وذلك من طريق برهاني وهو ان كنتم في شك من القرآن الذي أنزلناه على عبدنا رسولنا محمد فأتوا بسورة من مثل سوره أو من رجل أمي مثل عبدنا في أميته فإن لم تأتوا لعجزكم فقوا أنفسكم من النار بالإيمان بالوحي الإِلهي وعبادة الله تعالى بما شرع فيه. هداية الآية: من هداية الآية: 1- تقرير نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم بإثبات نزول القرآن عليه. 2- تأكد عجز البشر عن الإتيان بسورة مثل سور القرآن الكريم لمرور ألف سنة وأربعمائة وست سنين والتحدي قائم ولم يأتوا بسورة مثل سور القرآن لقوله تعالى {وَلَن تَفْعَلُواْ}. 3- النار تتقي بالإيمان والعمل الصالح وفي الحديث الصحيح، "حديث : اتقوا النار ولو بشق تمرة ".
د. أسعد حومد
تفسير : {صَادِقِينَ} (23) - وَيَتَحَدَّى اللهُ المُشْرِكِينَ وَالكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ بِأَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا فِي شَكٍّ (رَيْبٍ) مِنْ صِحَّةِ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ، مِنْ وَحْيٍ وَقُرْآنٍ، فَلْيَأْتُوا بِسُورَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مِثْلِ هذا القُرآنِ فِي بَلاغَتِهَا وَإِحْكَامِهَا وَهِدَايَتِهَا، وَلْيَدْعُوا آلِهَتَهُمْ وَأَعْوَانَهُمْ وَمَنْ يَسْتَنْصِرُونَ بِهِمْ (شُهَدَاءَهُمْ) مِنْ دُونِ اللهِ، إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَاعتِقَادَاتِهِمْ. ادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ - أَحْضِرُوا آلِهَتَكُمْ الذِينَ تَسْتَنْصِرُونَ بِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن بَيَّن الحق سبحانه وتعالى لنا أن هؤلاء الذين يتخذون من دون الله أنداداً لا يعتمدون على منطق ولا عقل. ولكنهم يعتمدون على شهوات دنيوية عاجلة. أراد أن يأتي بالتحدي بالنسبة للقرآن الكريم - المعجزة الخالدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم - حتى يثبت لهم أن الله سبحانه وتعالى إذا كان قد جعل خلق الكون إعجازاً محساً .. فإن القرآن منهج معجز إعجازاً قيماً .. قال الله جل جلاله: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ ..} [البقرة: 23] الخطاب هنا لكل كافر ومنافق وغير مؤمن، لأن الذين آمنوا بالله ورسوله ليس في قلوبهم ريب، بل هم يؤمنون بأن القرآن مُوحَى به من الله، مُبَلَّغ إلى محمد صلى الله عليه وسلم بالوحي المنزل من السماء. والريب: هو الشك. وقوله تعالى: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} [البقرة: 23] أي: إن كنتم في شك. من أين يأتي هذا الشك والمعجزة تحيط بالقرآن وبرسوله صلى الله عليه وسلم؟ ما هي مبررات الشك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقرأ ولا يكتب ولم يُعْرفْ بالبلاغة والشعر بين قومه حتى يستطيع أن يأتي من عنده بهذا الكلام المعجز الذي لم يستطع فطاحل شعراء العرب الذين تمرسوا في البلاغة واللغة أن يأتوا بآية من مثله. هذه واحدة. والثانية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكذب أبداً ولم يُعرف عنه كذب قبل تكليفه بالرسالة بل كانوا يلقبونه صلى الله عليه وسلم بالصادق الأمين. والذين كانوا يلقبون رسول الله صلى الله عليه وسلم هم الذين اتهموه بأن هذا القرآن ليس من عند الله .. أيصدق رسول الله عليه الصلاة والسلام مع الناس .. ويكذب على الله؟! .. هذا مستحيل. الكلام الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القرآن لم يكن أحد ليستطيع أن يأتي به من فطاحل علماء البلاغة العرب. والعلم الذي نزل في القرآن الكريم لم يكن يعرفه بشر في ذلك الوقت. فكيف جاء النبي الأمي بهذا الكلام المعجزة، وبهذا العلم الذي لا يعلمه البشر؟! لو جلس إلى معلم أو قرأ كتب الحضارات القديمة لقالوا ربما استنبط منها، ولكنه لم يفعل ذلك. فمن أين دخل الريب إلى قلوبهم؟ لا شك أنه دخل من باب الباطل .. والباطل لا حجة له. وبلا شك لقد فضحوا أنفسهم بأنهم لا يرتابون في القرآن، ولكنهم كانوا يريدونه أن ينزل على سيد من سادة قريش. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. وهؤلاء المرتابون لم يجدوا حجة يواجهون بها القرآن، فقالوا: ساحر، وهل للمسحور إرادة مع الساحر؟ إذا كان ساحراً فلماذا لم يسحركم أنتم؟ وقالوا: مجنون. والمجنون يتصرف بلا منطق .. يضحك بلا سبب. ويبكي بلا سبب، ويضرب الناس بلا سبب!. ولذلك رد الحق سبحانه عليهم بقوله تعالى: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 1-4]. فهل يكون المجنون على خلق عظيم؟ إذن: فأسباب الريب كلها أو الأسباب التي تثير الشك غير موجودة. وغير متوافرة. ولا يوجد سبب حقيقي واحد يجعلهم يشكون في أن القرآن ليس من عند الله. ولكنهم هم القائلون كما يروي لنا الحق تبارك وتعالى: {أية : وَإِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الأنفال: 32]. إذن، فكل أسباب الشك غير موجودة وأسباب اليقين هي الموجودة، ومع ذلك ارتابوا وشكوا. وقوله سبحانه وتعالى: {مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا ..} [البقرة: 23]. فالقرآن الكريم وجد في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الإنسان، وعندما جاء وقت مباشرته لمهمته في الكون نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا دفعة واحدة، ثم أنزله الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم بقدر ما احتاجت إليه المناسبات والأحداث. إذن فقوله "نَزَّلنا" أي نزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا دفعة واحدة. وقوله تعالى "أنزل" أي أنزله آيات على محمد صلى الله عليه وسلم بحسب اقتضاء الأحداث والمناسبات . الحق سبحانه وتعالى يقول: "على عبدنا" وهذه محتاجة إلى وقفة. فالله جل جلاله. له عبيد وله عباد. كل خلق الله في كونه عبيد لله سبحانه وتعالى، لا يستطيعون الخروج عن مشيئة الله أو إرادته. هؤلاء هم العبيد. ولكن العباد هم الذين اتحدت مراداتهم مع ما يريده الله سبحانه وتعالى .. تخلوا عن اختيارهم الدنيوي، ليصبحوا طائعين لله باختيارهم، أي أنهم تساووا مع المقهورين في أنهم اختاروا منهج الله وتركوا أي اختيار يخالفه. هؤلاء هم العباد، وإذا قرأت القرآن الكريم تجد أن الله سبحانه وتعالى يشير إلى العباد بأنهم الصالحون من البشر فيقول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} تفسير : [البقرة: 186]. هذا ليس لكل خلق الله، ولكنه للعباد الذين إذا قال الله تعالى لهم افعلوا فعلوا وإذا قال الله لا تفعلوا لم يفعلوا. أي: أنهم لا يخالفون - بقدرتهم على الاختيار - منهج الله سبحانه وتعالى. ولذلك في الجهاد لا يقول الحق سبحانه وتعالى عن المجاهدين أنهم عبيد. بل يقول جل جلاله: {أية : فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} تفسير : [الإسراء: 5]. وبعض المستشرقين الذين يحاولون الطعن في القرآن الكريم يقولون: إن كلمة عباد قد جاءت في وصف غير المؤمن في قوله تعالى: {أية : أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ} تفسير : [الفرقان: 17]. نقول: إنكم لم تفهموا أن هذا يحدث ساعة الحساب في الآخرة، وفي الآخرة كلنا عباد لأننا كلنا مقهورون فلا اختيار لأحد في الآخرة، وإنما الاختيار البشري ينتهي ساعة الاحتضار، ثم يصبح الإنسان بعد ذلك مقهوراً. فنحن جميعاً في الآخرة عباد، ولكن الفرق بين العبيد والعباد هو في الحياة الدنيا فقط. والعبودية هي أرقى مراتب القرب من الله تعالى؛ لأنك تأتي إلى الله طائعاً، منفذاً للمنهج باختيارك. ولقد عُرِضَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون ملكاً رسولاً، أو عبداً رسولاً. فاختار أن يكون عبداً رسولاً. وإذا أردنا أن نعرف معنى العبودية نقرأ في سورة الإسراء: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} تفسير : [الإسراء: 1]. لنرى أنه في أعلى درجات الإنعام من الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم في المعجزة الكبرى التي لم تحدث لبشر قبله صلى الله عليه وسلم سواء كان رسولاً أو غير رسول، ولن تحدث لبشر بعده .. ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد إلى السماوات السبع بالروح وبالجسد ثم عاد إلى الأرض .. وتجاوز رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة جبريل فتجاوز سدرة المنتهى وهي المكان الذي ينتهي إليه علم خلق الله من البشر والملائكة المقربين. وبشرية الرسول أخذت جدلاً كبيراً منذ بدأت الرسالات السماوية، وحتى عصرنا هذا. واقرأ قوله تعالى: {أية : فَقَالَ ٱلْمَلأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا ..} تفسير : [هود: 27]. وقوله تعالى: {أية : فَقَالُوۤاْ أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} تفسير : [القمر: 24]. وقوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94]. وقوله تعالى: {أية : وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 34]. إذن، فبشرية الرسول اتخذت حجة للذين لا يريدون أن يؤمنوا، والرسول مُبلِّغٌ عن الله. ولابد أن يكون من جنس القوم الذين أُرْسِلَ إليهم، ولابد أن يكون قد عاش بينهم فترة قبل الرسالة واشتهر بالأمانة والصدق حتى لا يكذبوه. وفي الوقت نفسه هو قدوة. ولذلك لابد أن يكون من جنس قومه، لأنه سيطبق المنهج علمياً أمامهم، ولو كان من جنس آخر لقالوا: لا نطيق ما كلفتنا به يا رب؛ لأن هذا الرسول مخلوق من غير مادتنا، ومقهور على الطاعة. إذن: فبشرية الرسول حتمية. وكل مَنْ يحاول أن يعطي الرسول صفة غير البشرية، إنما يحاول أن ينقص من كمالات رسالات الله، والله سبحانه وتعالى ليس عاجزاً، عن أن يُحَوِّلَ البشر إلى ملائكة، واقرأ قوله تعالى: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ} تفسير : [الزخرف: 60]. إذن: فبشرية الرسول هي من تمام الرسالة. ثم يأتي التحدي من الله سبحانه وتعالى {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} والمطلوب أن يأتي العرب بسورة من مثل ما جاء به القرآن الكريم. الشهود الذين يطلب الله دعوتهم هم شهود ضعفاء، شهود من البشر وليست شهادة من الله بالغيب. والله سبحانه وتعالى وضع في هذه الآية معظم الشكوك لنفحصها، ولنصل فيما بعد ذلك إلى جوهر الإعجاز القرآني. والحق سبحانه وتعالى تَدَرَّجَ في التحدي مع الكافرين. فطلب منهم أن يأتوا بمثل القرآن، ثم طلب عشر سور من مثله، ثم تَدَرَّجَ في التحدي فطلب سورة واحدة، والنزول في التحدي - من القرآن كله إلى عشر سور إلى سورة واحدة - دليل ضد مَنْ تحداهم. فلا يستطيعون أن يأتوا بمثل القرآن، فيقول: إذن فأتوا بعشر سور، فلا يستطيعون ويصبح موقفهم مدعاة للسخرية، فيقول: فأتوا بسورة، وهذا منتهى الاستهانة بالذين تحداهم الله سبحانه وتعالى، وإثباتٌ لأنهم لا يقدرون على شيء. وكلمة "بمثل" معناها أن الحق سبحانه وتعالى يطلب المثيل ولا يطلب نص القرآن، وهذا إمعان وزيادة في إظهار عجز القوم الذين لا يؤمنون بالله ويشككون في القرآن. وقوله تعالى: {وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم}. معناه: أن الله سبحانه وتعالى زيادة في التحدي يطالبهم بأن يأتوا هم بالشهداء ويعرضوا عليهم الآية ليحكم هؤلاء الشهود إذا كان ما جاءوا به مثل القرآن أم لا. أليس هذا إظهاراً المنتهى القوة لله سبحانه وتعالى؛ لأنه لم يشترط شهداء من الملائكة ولا شهداء من الذين اشتهر عنهم الصدق، وأنهم يشهدون بالحق، بل ترك الحق سبحانه لهم أن يأتوا بالشهداء، وهؤلاء الشهداء لن يستطيعوا أن يشهدوا أن كلام هؤلاء المشككين يماثل سورة من القرآن. الله سبحانه وتعالى طلب منهم أن يأتوا بأي شهداء متحيزين لهم، وأطلقها سبحانه وتعالى على كل أجناس الأرض فقال: {مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23] ولكن إياكم أن تقولوا يشهد الله بأن ما جئنا به مثل القرآن؛ لأنكم تكونون قد كذبتم على الله وادعيتم شيئاً لم يقله سبحانه وتعالى. ولكن ما معنى قوله تعالى: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 23] صادقين في ماذا؟ وما هو الصدق؟ الصدق يقابل الكذب، والصدق والكذب كل منهما نسبي. كلنا يعلم أن هناك كلاماً غير مفيد، فإذا قلت: محمد، وسَكَتَّ فمَنْ يسمعك سيسألك: ماذا تقصد بقولك: محمد؟ وسؤاله دليل على أنه لم يستفد شيئاً، ولكنه لو سألك: مَنْ عندك؟ وأجبت: محمد. فكأنك تخبره بأن عندك محمداً، وهذه كلمة واحدة لكنك فهمتها بالمعنى الذي أخذته من كلام السائل. إذن: فلا تقل كلمة واحدة، ولكن قل كلاماً مفيداً. إذن: فالكلام المفيد هو الذي يسكت السامع عليه. وكل متكلم قبل أن ينطق بالكلام يكون عنده نسبة ذهنية لما سيقول، يعبِّر عنها بنسبة كلامية، ولكن هناك نسبة خارجية لما يقول تمثِّل الواقع. أي: أنك لو قلت: محمد مجتهد، فلابد أن يكون هناك شخص اسمه محمد. ولابد أن يكون مجتهداً فعلاً؛ لتتطابق النسبة الكلامية مع النسبة الواقعية. فإذا لم يكن هناك شخص اسمه محمد. أو كان هناك شخص اسمه محمد ولكنه ليس مجتهداً، فإن النسبة الكلامية تخالف النسبة الواقعية. والصدق أن تتطابق النسبة الكلامية والنسبة الواقعية، والكذب ألا تتطابق النسبة الكلامية مع النسبة الواقعية .. هذا المفهوم ضرورة لعرض معنى الآية الكريمة. إذن: فقوله تعالى {صَادِقِينَ} [البقرة: 23] أي: أن تتطابق النسب الكلامية التي ستقولونها مع نسبة واقعية تستطيعون أن تدللوا عليها، فإن لم يحدث ذلك فأنتم كاذبون. فالله سبحانه وتعالى يريد منكم الدليل على صدقكم.
الجيلاني
تفسير : {وَإِن كُنْتُمْ} أيها المحجوبون بالأديان الباطلة {فِي رَيْبٍ} شكٍ وارتيابٍ {مِّمَّا نَزَّلْنَا} من مقام كما ترتيبنا وإرشادنا {عَلَىٰ عَبْدِنَا} الذي هو خليفتنا ومرآنا ومظهر جميع أوصافنا، وحامل وحينا المنزل عليه، المشتمل على جميع الأخلاق الإلهية {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ} جملة قصيرة {مِّن مِّثْلِهِ} إذ من خواص هذا الكتاب أن مجموعة مشتمل على جميع الأخلاق الإلهية، وكل سورة منه تشتمل على ما اشتمل عليه المجموع، تأمل. {وَ} إن عجزتم أنتم عن إتيانه {ٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم} حضراءكم الذين أنتم تشهدون بألوهيتهم وترجعون في الخطاب إليهم {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} المحيط بكم وبهم، فأمروهم بإتيان كل سورةٍ جامعة جميع أوصاف المعبود بالحق {إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} [البقرة: 23] أنهم آلهة غير الله، سبحان الله وتعالى عما يقولون. {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} فإن لم تفعلوا الإتيان أنتم في حين التحدي والمعارضة {وَلَن تَفْعَلُواْ} أيضاً بعدما رجعتم إليهم، فلا تكابروا ولا تنازعوا، بل انقادوا وامتثلوا بأوامر الكتاب المنزل على عبدنا، واجتنبوا عن نواهيه {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي} أخبر فيه بأنه {وَقُودُهَا} أي: ما يتقد به النار {ٱلنَّاسُ} الذين يعبدون غير الله {وَٱلْحِجَارَةُ} التي هي معبوداتهم التي نحتوها بأيديهم وما {أُعِدَّتْ} هذه النار إلا {لِلْكَٰفِرِينَ} [البقرة: 24] الجاهلين طريق توحيد الحق، والمكذبين كتاب الله ورسوله المنزل عليه. {وَبَشِّرِ} المؤمنين الموقنين الموحدين {ٱلَّذِين آمَنُواْ} بالكتاب المنزل على عبدنا {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ} المؤمنون فيه، واجتنبوا عن الفاسدات المنهي عنها {أَنَّ} أي: حق وثبت {لَهُمْ} بعد رفع القيود {جَنَّٰتٍ} متنزهاتٍ من العلم والعين والحق التي هي المعارف الكلية المخلصة عن جميع القيود المنافية للتوحيد {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ} أنهار المعارف الجزئية المترتبة على تلك المعارف الكلية {كُلَّمَا رُزِقُواْ} حظوا منها؛ أي من تلك المعارف الكلية {مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ} حاصلةٍ من شجرة اليقين {رِّزْقاً} حظاً كاملاً يخصلهم من رتبة الإمكان {قَالُواْ} متذكرين العهود السابقة: {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} من الأعيان الثابتة، أو في عالم الأسماء والصفات، أو في اللوح المحفوظ، أو في عالم الأرواح إلى غير ذلك من العبارات، ومن غايات التلذاذهم ونهاية شوقهم والتذاذهم بالثمرة المحظوظ بها {وَأُتُواْ بِهِ} متماثلاً {مُتَشَٰبِهاً} متجدداً بتجدد الأمثال {وَلَهُمْ فِيهَآ} في تلك المرتبة الكلية {أَزْوَٰجٌ} أعمال صالحة ونيات خالصة {مُّطَهَّرَةٌ} عن شوائب الأغيار المانعة عن الوصول إلى دار القرار {وَهُمْ فِيهَا} في تلك المراتب {خَٰلِدُونَ} [البقرة: 25] دائمون يداومه، باقون ببقائه، مستغرقون بمشاهدة لقائه سبحانه. أرزقنا بلطفك حلاوة التحقيق وبرد اليقين.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : حجبوا عن مشاهدة الحبيب صلى الله عليه وسلم ومنعوا عن طاعة الكتاب قال لهم: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا} [البقرة: 23] سماه بالعبد المطلق ولم يسم غيره إلا بالعبد المقيد باسمه كما قال تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ عَبْدَنَآ أَيُّوبَ}تفسير : [ص: 41]، وذلك أن كمال العبودية ما تهيأ لأحد من العالمين وهو كمال حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، وكمال العبودية في كمال الحرية عما سوى الله تعالى وهو مختص بهذه الكرامة كما أثنى الله تعالى عليه بذلك وقال: {أية : إِذْ يَغْشَىٰ ٱلسِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ * مَا زَاغَ ٱلْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ}تفسير : [النجم: 16-17]، فلما اختص بهذه الحرية أكرمه باسم العبد المطلق كما قال تعالى: {أية : فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ}تفسير : [النجم: 10] إنما ذكره في هذه الآية بعبدنا أمر في الآيات المتقدمة بالعبودية الخالصة وترك الأنداد، ولقوله {أية : ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ}تفسير : [البقرة: 21]، وقوله تالى: {أية : فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً}تفسير : [البقرة: 22]، أي: أحباباً من الدنيا والهوى والنفس وشهواتها من المراتع الحيوانية والآخرة ونعيمها والروح وما لو فاتها من المستحسنات الروحانية وما صح لأحد من العالمين من هذه المرتبة من العبودية الخالصة إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم فذكره في هذا المعرض وسماه بعبدنا مطلقاً. وقال تعالى: {أية : إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ}تفسير : [يونس: 104] مما أنعمنا على عبدنا محمد لحسن استعداده في كمال العبودية بإنعام الوحي ونعمة القرآن، {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة: 23] مثل القرآن من أنفسكم {وَٱدْعُواْ شُهَدَآءَكُم} [البقرة: 23]، الحاضرين معكم يوم الميثاق لأنكم وأنهم ومحمد صلى الله عليه وسلم كنتم جميعاً مستمعين لخطاب، {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، مجتمعين في جواب {بَلَىٰ}، فلو كان محمد قادراً على إتيان القرآن من تلقاء نفسه فهو وأنتم في الاستعداد الإنساني الفطري سواء، فأتوا بالقرآن من تلقاء أنفسكم أيضاً. {مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} [البقرة: 23]، إنه لقوله من عنده والذي يدل عليه قوله: {أية : قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ}تفسير : [الكهف: 110]، يعني: في الاستعداد البشري {أية : يُوحَىٰ إِلَيَّ}تفسير : [الكهف: 110] ولكن خصصت بالوحي. ثم أخبر عن عجزهم بالإتيان بمثل القرآن في الاستقبال {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ} [البقرة: 24] أي: لا تقدرون أنتم ولا من يجيء بعدكم أبداً لأن "لن" للتأبيد وهذا من جملة معجزات القرآن، {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ} [البقرة: 24]، هي صفة القهر وصورة غضب الحق كما جاء في الحديث الصحيح: "حديث : قال الله للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي ". تفسير : {ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ} [البقرة: 24]، أنانية الإنسان التي نسيان الله من خصوصيتها {وَٱلْحِجَارَةُ} [البقرة: 24]، أي: الذهب لأن به تحصيل مرادات النفس وشهواتها وما يميل إليه الهوى، فعبر عما يعبده أنانية نفس الإنسان بالحجارة؛ لأن أكثر الأصنام كانت من الحجارة وعن أنانياته الإنسان بالناس؛ لأنه طلبت غير الله تعالى وعبدته لنسيان الحق ومعاهدة يوم الميثاق، ثم جعل وقودها الناس لقوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [الأنبياء: 98]. ولا يظنن جاهل أن مثل هذه التحقيقات تدل على إبطال ما هو المفهوم من ظاهر الآية وإبطال ما قرره العلماء والكبراء من المعاني الظاهرة! حاشا وكلا؛ ولكن قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن للقرآن ظهراً وباطناً"تفسير : فظاهره يدل على ما فسره العلماء، وباطنه يدل على تحقيق أهل التحقيق بشرط أن يكون موافقاً للكتاب والسنة ويشهدان عليه بالحق فإن كل حقيقة لا يشهد عليها الكتاب والسنة فهي إلحاق وزندقة لقوله تعالى: {أية : وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الأنعام: 59]. قوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْكَٰفِرِينَ} [البقرة: 24]، أي: خلقت وهيأت للكافرين خاصة، ولكن يتطهر المذنبون بها لعبورهم بتبعية الكافرين كما أن الجنة خلقت وعدت للمتقين خاصة ولكن يدخلها المذنبون من أهل الإيمان بعد تطهيرهم بورود النار والعبور عليها بتبعية المتقين، ويدل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى: "حديث : خلقت الجنة وخلقت لها أهلها وبعمل أهل الجنة يعملون، وخلقت النار وخلقت لها أهلها وبعمل أهل النار يعملون"تفسير : فلما ذكر الكفار وتخويفهم ذكر المؤمنين وبشرهم بالجنان وقرب الجوار بقوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ} [البقرة: 25]، الإشارة في تحقيق الآية إن الله تعالى بشر الذين آمنوا وهم صنفان: خواص وخواص الخواص، فالخواص آمنوا بالنور الغيبي الروحاني المشاهد في غيب الأمور الأخروية. {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ} [البقرة: 25]، أي: الصالحات التي تنبت بذر الإيمان في القلوب يدل عليه قوله تعالى: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}تفسير : [فاطر: 10]، وهي الطاعة التي ذكرت في الآيات الثلاث من أول السورة وغيرها، {أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ} [البقرة: 25] أي: أي يحصل لهم من نتائجها هذه الجنات والثمرات. وخواص الخواص آمنوا بنور الغيب الرباني وشاهدوا ما آمنوا به وعاينوا ما شاهدو وكوشفوا بحقائقه، فقد حصلت لهم جنات القربة معجلة من بذر الإيمان الحقيقي وأعمالهم الصالحة القلبية والروحية والسرية بالتوحيد والتجريد والتفريد جنات من اشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والإخلاص، والهدى والقناعة والعفو والمروءة والفتوة والمجاهدات والمكائد والشوق والذوق والرغبة والرهبة، والخوف والخشية والرجاء والصفاء والوفاء والطلب والإرادة والمحبة والحياء والكرم والسخاوة والشجاعة، والعلم والمعرفة والغرس والرفعة والقدرة والحلم والعفو والرحمة والهمة العالية، وغيرها من المقامات والأخلاق تجري من تحتها مياه العناية والتوفيق والرأفة والعطف والفضل. {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا} [البقرة: 25]، أي: من هذه الأشجار {مِن ثَمَرَةٍ} [البقرة: 25]، من ثمرات المشاهدات والمكاشفات والمعاينات والموافقات والألطاف والأسرار والإشارات والإلهامات والمكالمات والأنوار والحقائق وغيرها من المواهب والأحوال {رِّزْقاً} [البقرة: 25]، أي: عطفاً وختماً وعطية {قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} [البقرة: 25]، وذلك لأن أصحاب المشاهدات شاهدوا أحولاً شتى في صورة واحدة من ثمرات مجاهدتهم فيظن بعضهم من المتوسطين أن هذا المشاهد هو الذي شاهده قبل هذا فتكون الصورة تلك الصورة؛ ولكن المعنى حقيقة أخرى مثاله شاهد السالك نوراً في صورة نار كما شاهد موسى عليه السلام نور الهداية في صورة نار كما قال: {أية : إِنِّيۤ آنَسْتُ نَاراً}تفسير : [طه: 10]، فتكون تارة تلك النار نار صفة غضب كما كان لموسى عليه السلام إذ اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته ناراً أو تارة يشاهد النار وهي صفة الشيطنة، وتارة تكون نار المحبة تقع في محبوبات النفس فتحرقها، وتارة تكون {أية : نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ * ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ}تفسير : [الهمزة: 6-7] فتخرق عليهم بيت وجودهم {أية : إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةِ}تفسير : [الهمزة: 8-9] فالصورة النارية المشاهدة مشابهة بعضها ببعض. كما قال تعالى: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} [البقرة: 25]، ولكن السالك الواصل يحد من كل نار منها ذوق صفة أخرى كما مر في ثمار الجنة فافهم واغتنم فإنك لم تجد هذه الحقائق والمعاني في كتب أخرى. {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ} [البقرة: 25]، أي: لأرباب الشهود في جنات القربات أزواج من أبكار الغيب {مُّطَهَّرَةٌ} [البقرة: 25]، من ملامسة الأغيار {أية : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ}تفسير : [الرحمن: 56]. {وَهُمْ فِيهَا} [البقرة: 25]، في اقتضاء، فهم {خَٰلِدُونَ} [البقرة: 25]، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن من العلوم كهيئة المكنون لا يعلمها إلا العلماء بالله فإذا نطقوا بها لا ينكرها إلا أهل الغرة بالله ". تفسير : واعلم أن كل شيء يشاهد في الشهادات كما أن له صورة في الدنيا له معنى حقيقي في الغيب ولهذا كان النبي صلى الله وعليه وسلم يسال الله تعالى بقوله: "حديث : أرنا الأشياء كما هي"تفسير : فتكون في الآخرة صورة الأشياء وحقاقئها حاصلة، ولكن الحقائق والمعاني على الصورة غالبة فتربى في الآخرة صورة شيء بعينه فتعرفه فتقول: {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} [البقرة: 25] فيكون الاسم والصورة كما كانت ولكنها في ذوق آخر غير ما كنت تعرفه ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس شيء في الجنة مما في الدنيا غير الأسماء، وهذا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيتها، إذا طعنت تفجر دماً فاللون لون الدم والعرف عرف المسك"تفسير : فالآن لون ذلك الدم في الشهادة حاصل ولكن عرفه في الغيب لا يشاهد، ففي الآخرة يشاهد الصورة الدنيوية والمعاني الغيبية فافهم جداً واغتنم. ذكر بعد إظهار الحقائق في الأمثلة المتناسبة لتفهم المعاني المتشابهة قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} [البقرة: 26]، إلى قوله: {ٱلْفَٰسِقِينَ} [البقرة: 26]، {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى} أي: لا يبالي الله أن يضرب مثلاً {مَّا بَعُوضَةً} [البقرة: 26]، أي: يلبس المعاني كسوة الأمثلة لبيان البعوضة {فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26]، في الحقارة والصغر أو فوقها في الكبر كالذباب والعنكبوت وذلك لأن في كل شيء من العرش العظيم والذرة الحقيرة لله تعالى آية تدل العباد إلى المعبود، وتهدي القاصد إلى المقصود ففي البعوضة دلالات وآيات إذا جاعت قويت وطارت، وإذا شبعت تشققت وتفلت فهذه تدل على الإنسان فإنه إذا جاع رجع إلى الله تعالى، وإذا أشبع يتبع الهوى كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الشورى: 27]. وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ}تفسير : [العلق: 6-7]، ومنها أن البعوضة خلقت على صورة الفيل وفيها معانٍ: منها: أن القدرة على إيجاد كل واحد منها غير منقادة ليس خلق أحدها بأهون على الله تعالى من الأخرى. ومنها: أن البعوضة إذا أعطيت على قدر حجمها الحقير كل آلة وعضو أعطيت الفيل الكبير القوي. وفيه إشارة إلى حال الإنسان وكمال استعداده كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق كل شيء على صورته"تفسير : أي: على صفته فعلى قدر صفة الإنسان أعطاه الله من كل صفة من صفات جلاله وجماله أنموذجاً ليشاهد في مرآة صفات نفسه كمال صفات ربه، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من عرف نفسه فقدر عرف ربه"، تفسير : ليس لشيء من المخلوقات هذه الكرامة المختصة بالإنسان. كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ}تفسير : [الإسراء: 70]، وفيها وفي أمثالها دلالات يطول شرحها فقس الباقي على نداء {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} [البقرة: 26]، بنور الإيمان يشاهدون المعاني والحقائق في صورة الأمثلة {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [البقرة: 26]، جحدوا الحق ظلمة إنكارهم غشاوة أبصارهم فما شاهدوا الحقائق في كسوة الأمثلة كما أن العجمي لا يشاهد المعاني في كسوة اللغة العربية فيسأل عن الحيرة: "ماذا أراد العربي بهذه اللفظة"، فكذلك الكفار والجهال عند تحيرهم في إدراك حقائق الأمثال قالوا: {فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} [البقرة: 26]، فبجهلهم زاد إنكارهم على الإنكار فتاهوا في أودية الضلالة بقدم الجهالة. {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} [البقرة: 26]، ممن أخطأه رشاش النور في بدء الخلقة كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل"،تفسير : فمن أخطأه ذلك النور في عالم الأرواح فقد أخطأه نور الإيمان هاهنا، ومن أخطأه نور الإيمان فقد أخطأه نور القرآن فلا يتهدي، ومن أصابه ذلك هناك أصابه هاهنا نور الإيمان ومن أصابه نور الإيمان فقد أصابه نور القرآن، ومن أصابه نور القرآن فهو ممن قال: {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} [البقرة: 26]، وكان القرآن لقوم شفاء ونعمة لأن كلامه صفة شاملة للطف والقهر؛ فبلطفه هدى الصادقين، وبقهره أضل الفاسقين بقوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ} [البقرة: 26]، والفاسق الخارج من إصابة رشاش النور في بدء الخلقة. ثم أخبر عن نتائج ذلك الخروج ونقض العهد كما قال تعالى: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ} [البقرة: 27]، الذين ينقضون عهد الله الذي عاهدوه يوم الميثاق على التوحيد والعبودية والإخلاص من بعد ميثاقه، {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} [البقرة: 27]، من أسباب السلوك الموصل إلى الحق وأسباب النقل والانقطاع عن غير الخالق. كما قال تعالى: {أية : وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً}تفسير : [المزمل: 8]، أي: انقطع إليه انقطاعاً كاملاً عن غيره {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ} [البقرة: 27]، أي: يفسدون بذر التوحيد الفطري في أرض طينتهم بالشرك والإعراض عن قبول دعوة الأنبياء، وسقي بذر التوحيد بالإيمان والعمل الصالح {أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ} [البقرة: 27]، خسروا استعداد كمالية الإنسان المودعة فيهم كما تخسر النواة في الأرض استعداد النخلية المودعة فيها عند عدم الماء لقوله تعالى: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}تفسير : [العصر: 1-3]. ثم أخبر عن كمال جرأتهم بنيسان نعمة اختراع وجودهم وكفرانهم كما قال تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} [البقرة: 28]، والإشارة في تحقيق الآية أن قوله تعالى: {كَيْفَ} خطاب التهديد للكافرين عموماً وخطاب التوحيد للمؤمنين خصوصاً وخطاب التشريف للأنبياء اختصاصاً، فتهديد الكافرين {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً} [البقرة: 28]، نطفاً في أصلاب آبائكم {فَأَحْيَٰكُمْ} [البقرة: 28]، بنفخ الروح فيكم في أرحام أمهاتكم، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [البقرة: 28]، عند مفارقة نفوسكم عن أبدانكم. {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28]، عند نفخ الصور والبعث عن القبور {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28]، بالسلاسل والأغلال، ثم يسحبون في النار على وجوههم. وفيه إشارة أخرى: كيف تكفرون بالله أي: لا تكفرون بالله وإنما تكفرون بأنبيائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث، والجنة والنار، يدل عليه قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} [البقرة: 28] وبأنبيائه لأنكم {وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً} [البقرة: 28] ذرات في صلب آدم فأحياكم بأخراجكم عن صلبه وأسمعكم لذلك خطاب: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، وأذاقكم لذات الخطاب ووفقكم للجواب بالصواب حتى قلتم: {بَلَىٰ} رغبة لا رهبة {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [البقرة: 28] بالرجعة إلى أصلاب آبائكم، وإلى عالم الطعبية الإنسانية {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] ببعثة الأنبياء وقبول دعوته {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] بدلالة الأنبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة إلى درجات الجنان والنعيم المقيم. وأما خطاب التشريف للأنبياء والأولياء بقوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} [البقرة: 28]، أي: لا تكفرون وكنتم في العدم، فأحياكم بالتكوين في عالم الأرواح ورشاش النور فخمر طينة أرواحكم بماء نور العناية، وتخمير الطينة أربعين صباح الوصال، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [البقرة: 28] بالمفارقة عن شهود الجمال إلى معبرة الحسن والخيال، كما قيل: شعر : لَولا مُفارقة الأَحباب ما وجدت لَها المَنايا إِلى أَرواحنا سُبُلا تفسير : {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} [البقرة: 28] أما الأنبياء فبنور نور الوحي لقوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ وَلَـٰكِن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا}تفسير : [الشورى: 52]، وأما الأولياء فبروح روح الإيمان لقوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ}تفسير : [المجادلة: 22]. {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] أما الأنبياء فبالعروج لقوله تعالى: {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً}تفسير : [الفجر: 28]، فلما أثبت أن الرجوع إليه أمر ضروري؛ إما بالاختيار كقراءة يعقوب ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم، وأما بالإضطرار كقراءة الباقين أشار إلى أن الذي ترجعون إليه.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : وهذا دليل عقلي على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحة ما جاء به، فقال: { وإن كنتم } معشر المعاندين للرسول، الرادين دعوته، الزاعمين كذبه في شك واشتباه، مما نزلنا على عبدنا، هل هو حق أو غيره ؟ فهاهنا أمر نصف، فيه الفيصلة بينكم وبينه، وهو أنه بشر مثلكم، ليس بأفصحكم ولا بأعلمكم وأنتم تعرفونه منذ نشأ بينكم، لا يكتب ولا يقرأ، فأتاكم بكتاب زعم أنه من عند الله، وقلتم أنتم أنه تقوَّله وافتراه، فإن كان الأمر كما تقولون، فأتوا بسورة من مثله، واستعينوا بمن تقدرون عليه من أعوانكم وشهدائكم، فإن هذا أمر يسير عليكم، خصوصا وأنتم أهل الفصاحة والخطابة، والعداوة العظيمة للرسول، فإن جئتم بسورة من مثله، فهو كما زعمتم، وإن لم تأتوا بسورة من مثله وعجزتم غاية العجز، ولن تأتوا بسورة من مثله، ولكن هذا التقييم على وجه الإنصاف والتنزل معكم، فهذا آية كبرى، ودليل واضح [جلي] على صدقه وصدق ما جاء به، فيتعين عليكم اتباعه، واتقاء النار التي بلغت في الحرارة العظيمة [والشدة]، أن كانت وقودها الناس والحجارة، ليست كنار الدنيا التي إنما تتقد بالحطب، وهذه النار الموصوفة معدة ومهيأة للكافرين بالله ورسله. فاحذروا الكفر برسوله، بعد ما تبين لكم أنه رسول الله. وهذه الآية ونحوها يسمونها آيات التحدي، وهو تعجيز الخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن، قال تعالى {أية : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } . تفسير : وكيف يقدر المخلوق من تراب، أن يكون كلامه ككلام رب الأرباب؟ أم كيف يقدر الناقص الفقير من كل الوجوه، أن يأتي بكلام ككلام الكامل، الذي له الكمال المطلق، والغنى الواسع من كل الوجوه؟ هذا ليس في الإمكان، ولا في قدرة الإنسان، وكل من له أدنى ذوق ومعرفة [بأنواع] الكلام، إذا وزن هذا القرآن العظيم بغيره من كلام البلغاء، ظهر له الفرق العظيم. وفي قوله: { وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ } إلى آخره، دليل على أن الذي يرجى له الهداية من الضلالة: [هو] الشاك الحائر الذي لم يعرف الحق من الضلال، فهذا إذا بين له الحق فهو حري بالتوفيق إن كان صادقا في طلب الحق. وأما المعاند الذي يعرف الحق ويتركه، فهذا لا يمكن رجوعه، لأنه ترك الحق بعد ما تبين له، لم يتركه عن جهل، فلا حيلة فيه. وكذلك الشاك غير الصادق في طلب الحق، بل هو معرض غير مجتهد في طلبه، فهذا في الغالب أنه لا يوفق. وفي وصف الرسول بالعبودية في هذا المقام العظيم، دليل على أن أعظم أوصافه صلى الله عليه وسلم، قيامه بالعبودية، التي لا يلحقه فيها أحد من الأولين والآخرين. كما وصفه بالعبودية في مقام الإسراء، فقال: {أية : سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } تفسير : وفي مقام الإنزال، فقال: {أية : تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ } . تفسير : وفي قوله: { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } ونحوها من الآيات، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، أن الجنة والنار مخلوقتان خلافا للمعتزلة، وفيها أيضا، أن الموحدين وإن ارتكبوا بعض الكبائر لا يخلدون في النار، لأنه قال: { أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } فلو كان [عصاة الموحدين] يخلدون فيها، لم تكن معدة للكافرين وحدهم، خلافا للخوارج والمعتزلة. وفيها دلالة على أن العذاب مستحق بأسبابه، وهو الكفر، وأنواع المعاصي على اختلافها.
همام الصنعاني
تفسير : 19- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، في قوله تعالى: {فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ}: [الآية: 23]، قال: يقول بسورة مثلِ هذا القرآن حقّاً لا باطلَ فيه ولا كذب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):