٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
24
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} يعني فيما مضى {وَلَن تَفْعَلُواْ} أي تُطيقوا ذلك فيما يأتي. والوقف على هذا على «صادقين» تامَّ. وقال جماعة من المفسرين: معنى الآية وٱدعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ولن تفعلوا، فإن لم تفعلوا فاتقوا النار. فعلى هذا التفسير لا يتم الوقف على «صادقين» فإن قيل: كيف دخلت «إن» على «لم» ولا يدخل عامل على عامل؟ فالجواب أن «إن» ها هنا غير عاملة في اللفظ، فدخلت على «لم» كما تدخل على الماضي؛ لأنها لا تعمل في «لم» كما لا تعمل في الماضي؛ فمعنى إن لم تفعلوا: إن تركتم الفعل. قوله تعالى: {وَلَن تَفْعَلُواْ} نصب بلن، ومن العرب من يجزم بها، ذكره أبو عبيدة؛ ومنه بيت النابغة:شعر : فلن أُعَرِّضْ أبَيْتَ اللّعْنَ بالصَّفَدِ تفسير : وفي حديث ٱبن عمر حين ذُهب به إلى النار في منامه: فقيل لي «لن تُرَعْ». هذا على تلك اللغة. وفي قوله: «وَلَنْ تَفْعَلُوا» إثارة لهممهم، وتحريك لنفوسهم؛ ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها. وقال ٱبن كَيْسان: «ولن تفعلوا» توقيفاً لهم على أنه الحق، وأنهم ليسوا صادقين فيما زعموا من أنه كذب، وأنه مفترًى وأنه سحر وأنه شِعر، وأنه أساطير الأوّلين؛ وهم يدّعون العلم ولا يأتون بسورة من مثله. وقوله: {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} جواب «فإنْ لَمْ تَفْعَلُوا»؛ أي ٱتقوا النار بتصديق النبيّ صلى الله عليه وسلم وطاعة الله تعالى. وقد تقدّم معنى التقوى فلا معنى لإعادتها. ويقال: إن لغة تميم وأسد «فتَقُوا النار». وحكى سيبويه: تَقَى يَتْقِي، مثل قَضَى يقضي. «النارَ» مفعولة. «التي» من نعتها. وفيها ثلاث لغات: التي واللِّتِ (بكسر التاء) واللّتْ (بإسكانها). وهي ٱسم مُبْهَم للمؤنث وهي معرفة؛ ولا يجوز نزع الألف واللام منها للتنكير، ولا تتم إلا بصلة. وفي تثنيتها ثلاث لغات أيضاً: اللّتانِ واللَّتا (بحذف النون) واللّتانِّ (بتشديد النون). وفي جمعها خمس لغات: اللاَّتِي، وهي لغة القرآن. واللاّتِ (بكسر التاء بلا ياء). واللّواتِي. واللّواتِ (بلا ياء)؛ وأنشد أبو عبيدة:شعر : من اللّواتِي واللّتي والّلاتِي زعمن أن قد كَبِرتْ لِداتي تفسير : واللّوا (بإسقاط التاء)؛ هذا ما حكاه الجوهري. وزاد ٱبن الشّجري: اللاّئي (بالهمز وإثبات الياء). واللاّءِ (بكسر الهمزة وحذف الياء). واللاّ (بحذف الهمزة). فإن جمعت الجمع قلت في اللاّتي: اللّواتي. وفي الّلائي: اللوائي. قال الجوهري: وتصغير الّتي اللُّتَيّا (بالفتح والتشديد)؛ قال الراجز:شعر : بعد اللُّتَيّا واللَّتَيّا والّتِي إذا عَلَتْهَا أنفسٌ تَرَدَّتِ تفسير : وبعض الشعراء أدخل على «التي» حرف النداء، وحروف النداء لا تدخل على ما فيه الألف واللام إلا في قولنا: يا الله، وحده. فكأنه شبّهها به من حيث كانت الألف واللام غير مفارقتين لها؛ وقال:شعر : من أجلِكِ يا الّتي تَيَّمْتِ قلبي وأنت بخيلةٌ بالوُدّ عنّي تفسير : ويقال: وقع فلان في اللّتَيَا والّتِي؛ وهما ٱسمان من أسماء الدّاهية. والوقود (بالفتح): الحطب. وبالضم: التوقد. و «الناس» عموم، ومعناه الخصوص فيمن سبق عليه القضاء أنه يكون حطباً لها؛ أجارنا الله منها. «والحجارة» هي حجارة الكبريت الأسود ـ عن ٱبن مسعود والفرّاء ـ وخُصّت بذلك لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب: سرعة الاتقاد، نتن الرائحة، كثرة الدخان، شدّة الالتصاق بالأبدان، قوّة حَرِّها إذا حَمِيَت. وليس في قوله تعالى: {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} ـ دليل على أن ليس فيها غير الناس والحجارة؛ بدليل ما ذكره في غير موضع من كَوْن الجنّ والشياطين فيها. وقيل: المراد بالحجارة الأصنام؛ لقوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98] أي حطب جهنم. وعليه فتكون الحجارة والناس وقوداً للنار؛ وذكر ذلك تعظيماً للنار أنها تحرق الحجارة مع إحراقها للناس. وعلى التأويل الأوّل يكونون معذّبين بالنار والحجارة. وقد جاء الحديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : كلُّ مُؤْذٍ في النار»تفسير : . وفي تأويله وجهان: أحدهما: أن كل من آذى الناس في الدنيا عذّبه الله في الآخرة بالنار. الثاني: أن كل ما يؤذي الناس في الدنيا من السباع والهوام وغيرها في النار مُعَدٌّ لعقوبة أهل النار. وذهب بعض أهل التأويل إلى أن هذه النار المخصوصة بالحجارة هي نار الكافرين خاصّةً. والله أعلم. روى مسلم "حديث : عن العباس بن عبد المطلب قال: قلت: يا رسول الله، إن أبا طالب كان يَحُوطُك وينصرك، فهل نفعه ذلك؟ قال: «نعم وجدته في غمرات من النار فأخرجته إلى ضَحْضَاح ـ في رواية ـ ولولا أنا لكان في الدّرِك الأسفل من النار»»تفسير : . «وَقُودُهَا» مبتدأ. «النّاسُ» خبره. «والحجارةُ» عطف عليهم. وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن مُصَرِّف: «وُقُودها» (بضم الواو). وقرأ عُبيد بن عُمير: «وَقِيدُها الناسُ». قال الكسائي والأخفش: الوقود (بفتح الواو): الحطب، و (بالضم): الفعل؛ يقال: وَقَدتِ النارُ تَقِدُ وُقُوداً (بالضم) ووَقَداً وقِدَةً (وَوَقِيداً ووَقْداً) ووَقَداناً، أي تَوَقّدت. وأوْقدتها أنا وٱستوقدتها أيضاً. والاتقاد مثلُ التَّوَقُّد، والموضع مَوْقِد؛ مثلُ مجلِس، والنار مُوَقدة. والوَقْدة: شدّة الحرّ، وهي عشرة أيام أو نصف شهر. قال النحاس: يجب على هذا ألا يُقرأ إلا «وَقُودها» (بفتح الواو) لأن المعنى حطبها؛ إلا أن الأخفش قال: وحُكي أن بعض العرب يجعل الوَقود والوُقود بمعنى الحطب والمصدر. قال النحاس: وذهب إلى أن الأوّل أكثر، قال: كما أن الوَضُوء الماءُ، والوُضُوء المصدر. قوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} ظاهره أن غير الكافرين لا يدخلها وليس كذلك؛ بدليل ما ذكره في غير موضع من الوعيد للمذنبين وبالأحاديث الثابتة في الشفاعة؛ على ما يأتي. وفيه دليل على ما يقوله أهل الحق من أن النار موجودة مخلوقة؛ خلافاً للمبتدعة في قولهم: إنها لم تخلق حتى الآن. وهو القول الذي سقط فيه القاضي منذر بن سعيد البَلُّوطِي الأندلسي. روى مسلم عن عبدالله بن مسعود "حديث : قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ سمِع وَجْبَةً؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تدرون ما هذا» قال قلنا: الله ورسوله أعلم؛ قال: «هذا حَجَر رُمِيَ به في النار منذ سبعين خَرِيفاً فهو يَهْوِي في النار الآن حتى ٱنتهى إلى قعرها»"تفسير : وروى البخاريّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ٱحتجّت النار والجنة فقالت هذه يدخلني الجبارون والمتكبرون وقالت هذه يدخلني الضعفاء والمساكين فقال الله عزّ وجلّ لهذه أنتِ عذابي أعذِّب بِك من أشاء وقال لهذه أنتِ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِك من أشاء ولكل واحدة منكما ملؤها»تفسير : . وأخرجه مسلم بمعناه. يقال: ٱحتجت بمعنى تحتج؛ للحديث المتقدم حديث ٱبن مسعود، ولأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قد أُرِيهما في صلاة الكسوف، ورآهما أيضاً في إسرائه ودخل الجنة؛ فلا معنى لما خالف ذلك. وبالله التوفيق. و {أُعِدَّتْ} يجوز أن يكون حالاً للنار على معنى مُعَدّة، وأضمرت معه قد؛ كما قال: {أية : أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ}تفسير : [النساء: 9] فمعناه قد حصرت صدورهم؛ فمع «حَصِرت» قد مضمرة لأن الماضي لا يكون حالا إلا مع قد؛ فعلى هذا لا يتم الوقف على «الحجارة». ويجوز أن يكون كلاماً منقطعًا عما قبله؛ كما قال: {أية : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ} تفسير : [فصلت: 23]. وقال السّجِسْتَاني: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} من صلة «الّتِي»؛ كما قال في آل عمران: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}تفسير : [آل عمران: 131]. ٱبن الأنبارِيّ: وهذا غَلَط؛ لأن التي في سورة البقرة قد وُصلت بقوله: {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ} فلا يجوز أن توصل بصلة ثانية؛ وفي آل عمران ليس لها صلة غير «أُعِدّتْ».
البيضاوي
تفسير : {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ } لما بين لهم ما يتعرفون به أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وميز لهم الحق عن الباطل، رتب عليه ما هو كالفذلكة له، وهو أنكم إذا اجتهدتم في معارضته وعجزتم جميعاً عن الإتيان بما يساويه أو يدانيه، ظهر أنه معجز والتصديق به واجب، فآمنوا به واتقوا العذاب المعد لمن كذب، فعبر عن الإتيان المكيف بالفعل الذي يعم الإتيان وغيره إيجازاً، ونزل لازم الجزاء منزلته على سبيل الكناية تقريراً للمكنى عنه، وتهويلاً لشأن العناد، وتصريحاً بالوعيد مع الإيجاز، وصدر الشرطية بإن التي للشك والحال يقتضي إذا الذي للوجوب، فإن القائل سبحانه وتعالى لم يكن شاكاً في عجزهم، ولذلك نفى إتيانهم معترضاً بين الشرط والجزاء تهكماً بهم وخطاباً معهم على حسب ظنهم، فإن العجز قبل التأمل لم يكن محققاً عندهم. و {تَفْعَلُواْ } جزم بـ {لَمْ } لأنها واجبة الإعمال مختصة بالمضارع متصلة بالمعمول، ولأنها لما صيرته ماضياً صارت كالجزء منه، وحرف الشرط كالداخل على المجموع فكأنه قال: فإن تركتم الفعل، ولذلك ساغ اجتماعهما. {وَلَنْ } كلا في نفي المستقبل غير أنه أبلغ وهو حرف مقتضب عند سيبويه والخليل في إحدى الروايتين عنه، وفي الرواية الأخرى أصله لا أن، وعند الفراء لا فأبدلت ألفها نوناً. والوَقود بالفتح ما توقد به النار، وبالضم المصدر وقد جاء المصدر بالفتح قال سيبويه: وسمعنا من يقول وقدت النار وَقوداً عالياً، واسم بالضم ولعله مصدر سمي به كما قيل: فلان فخر قومه وزين بلده، وقد قرىء به والظاهر أن المراد به الاسم، وإن أريد به المصدر فعلى حذف مضاف أي: وقودها احتراق الناس، والحجارة: وهي جمع حجر. كجمالة جمع جمل وهو قليل غير منقاس، والمراد بها الأصنام التي نحتوها وقرنوا بها أنفسهم وعبدوها طمعاً في شفاعتها والانتفاع بها واستدفاع المضار لمكانتهم، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ }تفسير : [الأنبياء: 98] عذبوا بما هو منشأ جرمهم كما عذب الكافرون بما كنزوه. أو بنقيض ما كانوا يتوقعون زيادة في تحسرهم. وقيل: الذهب والفضة التي كانوا يكنزونها ويغترون بها، وعلى هذا لم يكن لتخصيص إعداد هذا النوع من العذاب بالكفار وجه، وقيل: حجارة الكبريت وهو تخصيص بغير دليل وإبطال للمقصود، إذ الغرض تهويل شأنها وتفاقم لهبها بحيث تتقد بما لا يتقد به غيرها، والكبريت تتقد به كل نار وإن ضعفت، فإن صح هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فلعله عني به أن الأحجار كلها لتلك النار كحجارة الكبريت لسائر النيران. ولما كانت الآية مدنية نزلت بعد ما نزل بمكة قوله تعالى في سورة التحريم {أية : نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ }تفسير : [التحريم: 6] وسمعوه صح تعريف النار. ووقوع الجملة صلة «بإزائها» فإنها يجب أن تكون قصة معلومة. {أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } هيئت لهم وجعلت عدة لعذابهم. وقرىء: «أعتدت» من العتاد بمعنى العدة، والجملة استئناف، أو حال بإضمار قد من النار لا الضمير الذي في وقودها، وإن جعلته مصدراً للفصل بينهما بالخبر. وفي الآيتين ما يدل على النبوة من وجوه: الأول: ما فيهما من التحدي والتحريض على الجد وبذل الوسع في المعارضة بالتقريع والتهديد، وتعليق الوعيد على عدم الإتيان بما يعارض أقصر سورة من سور القرآن، ثم إنهم مع كثرتهم واشتهارهم بالفصاحة وتهالكهم على المضادة لم يتصدوا لمعارضته، التجؤوا إلى جلاء الوطن وبذل المهج. الثاني: أنهما يتضمنان الإخبار عن الغيب على ما هو به، فإنهم لو عارضوه بشيء لامتنع خفاؤه عادة سيما والطاعنون فيه أكثر من الذابين عنه في كل عصر. الثالث: أنه صلى الله عليه وسلم لو شك في أمره لما دعاهم إلى المعارضة بهذه المبالغة، مخافة أن يعارض فتدحض حجته. وقوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } دل على أن النار مخلوقة معدة الآن لهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } ما ذُكِرَ لعجزكم {وَلَن تَفْعَلُواْ } ذلك أبداً لظهور إعجازه اعتراض - {فَٱتَّقُواْ } بالإيمان بالله وأنه ليس من كلام البشر {ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ } الكفار {وَٱلْحِجَارَةُ } كأصنامهم منها يعني أنها مفرطة الحرارة تتَّقد بما ذكر لا كَنارِ الدنيا تتَّقد بالحطب ونحوه. {أُعِدَّتْ } هُيِّئَتْ {لِلْكَٰفِرِينَ } يعذبون بها، جملة مستأنفة أو حال لازمة.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَقُودُهَا} الوقود: الحطب، والوُقود: التوقد. {وَالْحِجَارَةُ} من كبريت أسود، فالحجارة وقود للنار مع الناس. هول أمرها بإحراقها الأحجار كما تحرق الناس، أو أنهم يعذبون فيها بالحجارة مع النار التي وقودها الناس. {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرينَ} إعدادها ـ مع اتحادها ـ لا ينفي أن تعد لغيرهم من أهل الكبائر ـ أو هذه نار أعدت لهم خاصة، ولغيرهم نار آخرى.
الخازن
تفسير : {فإن لم تفعلوا} أي فيما مضى {ولن تفعلوا} فيما بقي وهذه الآية دالة على عجزهم وأنهم لم يأتوا بمثله ولا بمثل شيء منه. وذلك أن النفوس الأبية إذا قرعت بمثل هذا التقريع استفرغت الوسع في الإتيان بمثل القرآن أو بمثل سورة منه ولو قدروا على ذلك لأتوا به فحيث لم يأتوا بشيء ظهرت المعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم وبان عجزهم وهم أهل الفصاحة والبلاغة، والقرآن من جنس كلامهم، وكانوا حراصاً على إطفاء نوره وإبطال أمره ثم مع هذا الحرص الشديد لم توجد المعارضة من أحدهم ورضوا بسبى الذراري وأخذ الأموال والقتل وإذا ظهر عجزهم عن المعارضة صح صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا كان الأمر كذلك وجب ترك العناد وهو قوله تعالى: {فاتقوا النار} أي فآمنوا واتقوا بالإيمان النار {التي وقودها} أي حطبها {الناس والحجارة} قال ابن عباس يعني حجارة الكبريت لأنها أكثر التهاباً. وقيل جميع الحجارة وفيه دليل على عظم تلك النار وقوتها. وقيل أراد بها الأصنام لأن أكثر أصنامهم كانت من الحجارة وإنما قرن الناس مع الحجارة لأنهم كانوا يعبدونها معتقدين فيها أنها تنفعهم وتشفع لهم فجعلها الله عذابهم في نار جهنم {أعدت} أي هيئت {للكافرين} قوله عزّ وجلّ: {وبشر الذين آمنوا} أي أخبر المؤمنين، وهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم. والبشارة إيراد الخبر السار على سامع يستبشر به ويظهر السرور في بشرة وجهه لأن الإنسان إذا فرح بشيء وسر به ظهر ذلك على بشرة وجهه ثم كثر حتى وضع موضع الخير والشر ومنه قوله: {أية : وبشرهم بعذاب أليم} تفسير : [آل عمران: 21] ولكن هو في السرور والخير أغلب {وعملوا الصالحات} أي الفعلات الصالحات وهي الطاعات. قيل العمل الصالح ما كان فيه أربعة أشياء: العلم والنية والصبر والإخلاص. وقال عثمان بن عفان: وعملوا الصالحات أي أخلصوا الأعمال يعني عن الرياء {أن لهم جنات} جمع جنة وهي البستان الذي فيه أشجار مثمرة سميت جنة لاجتنابها وتسترها بالأشجار والأوراق. وقيل: الجنة ما فيه نخيل والفردوس ما فيه كرم {تجري من تحتها} أي من تحت أشجارها ومساكنها {الأنهار} أي تجري المياه في الأنهار لأن الأنهار لا تجري وقيل معناه تجري بأمرهم وفي الحديث "حديث : إن أنهار الجنة تجري في غير أخدود" تفسير : أي في غير شق والخد الشق {كلما رزقوا} أي أطعموا {منها} أي من الجنة {من ثمرة رزقاً} أي طعاماً {قالوا هذا الذي رزقنا من قبل} أي في الدنيا، وقيل: إن ثمار الجنة متشابهة في اللون مختلفة في الطعم فإذا رزقوا ثمرة بعد أخرى ظنوا أنها الأولى {وأتوا به} أي بالرزق {متشابهاً} قال ابن عباس مختلفاً في الطعوم وقيل يشبه بعضه بعضاً في الجودة لا رداءة فيها وقيل يشبه ثمار الدنيا في الاسم لا في الطعم (م) عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبزقون يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس طعامهم جشاء ورشح كرشح المسك" تفسير : وفي رواية "ورشحهم المسك". قوله: يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس أي يجري على ألسنتهم كما يجري النفس فلا يشغلهم عن شيء كما أن النفس لا يشغل عن شيء قوله طعامهم جشاء، يعني أن فضول طعامهم يخرج في الجشاء وهو تنفس المعدة. والرشح العرق وقوله العرق. وقوله تعالى {ولهم فيها} أي في الجنات {أزواج} أي من الحور العين {مطهرة} يعني من البول والغائط والحيض والولد وسائر الأقذار وقيل هن عجائزكم الغمص العمش طهرن من قذرات الدنيا وقيل طهرن من مساوي الأخلاق قيل في الجنة جماع ما شئت ولا ولد {وهم فيها خالدون} أي لا يخرجون منها ولا يموتون. والخلد البقاء الدائم الذي لا انقطاع له (ق) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبصقون ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك ومجامرهم الألوّة وأزواجهم الحور العين على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء" تفسير : وفي رواية "حديث : لكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب رجل واحد يسبحون الله بكرة وعشياً" تفسير : (ق) عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم المؤمن فلا يرى بعضهم بعضاً" حديث : عن أبي هريرة قال: "قلت يا رسول الله ممّ خلق الله خلق؟ قال من الماء، قلت الجنة ما بناؤها؟ قال لبنة من فضة ولبنة من ذهب وملاطها المسك الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وتربتها الزعفران من يدخلها ينعم ولا ييأس ويخلد ولا يموت ولا تبلى ثيابهم ولا يفنى شبابهم" تفسير : أخرجه الترمذي يزيادة وقال ليس إسناده بذلك القوي. عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن في الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض والفردوس أعلاها درجة ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة ومن فوقها يكون العرش فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس" تفسير : أخرجه الترمذي (م) عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن في الجنة لسوقاً يأتونها كل جمعة فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسناً وجمالاً فيرجعون إلى أهلهم وقد ازدادوا حسناً وجمالاً فيقول لهم أهلوهم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً فيقولون وأنتم والله لقد ازددتم بعدنا حسناً وجمالاً" تفسير : عن علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن في الجنة لمجتمعاً للحور العين يرفعن بأصوات لم تسمع الخلائق مثلها يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد ونحن الناعمات فلا نبأس ونحن الراضيات فلا نسخط طوبى لمن كان لنا وكنا له" تفسير : أخرجه الترمذي وقال حديث غريب.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ...} قال ابن عرفة: لما أمرهم بالعبادة على لسان نبيه المقارنة للبرهان الدال على صدقه (وهو القرآن) وعجزهم بأنّهم إن لم (يفعلوا) ذلك (فليأتوا) بسورة من مثله قال هنا: فإن عجزتم ولم تقدروا على معارضته فاعلموا أن الرسول صادق فيجب عليكم الإيمان به (ثم قال): {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} (فأقام) مقام السبب الذي هو منه في ثالث رتبة أي: فإن لم تفعلوا تبين لكم أن ذلك معجزة وإذا تبين أنه معجزة دل ذلك على صدقه فمهما أخبر به، (فيكون سببا في الإيمان به) وفي تصديقه والإيمان به سبب في اتّقاء النار. قال الزّمخشري: فإن قلت: امتناع معارضتهم القرآن واجب هلا قيل: فإذا لم تفعلوا؟ وأجاب بوجهين: الأول أنه ساق ذلك على حسب نيتهم وقصدهم وأنهم كانوا يزعمون أنهم يقدرون على معارضته. الثاني: أنّه تهكّم بهم كقول الفارس النحرير لمن دونه: "إن غلبتك في كذا". قال ابن عرفة: وأنكر الشيخ أبو علي عمر بن خليل السّكوني هذا الإطلاق (لئلا) يلزم عليه أن يسمي الله تعالى متهكما، وأسماؤه تعالى توقيفية. وكان بعضهم يرد عليه بإجماع المسلمين على ورود المجاز في القرآن مع امتناع أن يقال فيه سبحانه وتعالى متجوز. فقال ابن عرفة: والصحيح أن التهكّم يطلق على معنيين: تقول تارة هذه القصيدة التي هي (للمعري: هو فيها) متهكم وتارة تقول فهمنا منها التهكم، ولا يلزم منه أن يكون (المعري) هو فيها متهكم بل التهكم باعتبار ما فهمنا نحن وعلى الأول يكون هو متهكما، فإطلاق التهكم على البارء جلّ وعلا بالمعنى الأول باطلا قطعا، وبالثاني (حق). قال ابن عرفة: ويظهر (لي) عن السؤال جواب ثالث، وهو أن هذا على سبيل التعظيم بالمخاطبات، وهو أن يظهر أحد الخصمين لآخر أنه مغلوب، أو شاك في الغلبة أو متوقع لها ولا (يريه) أنه محقق أنه الغالب له لئلا (يتحرز منه) أو يرجع عن مخاصمته بدليل قوله تعالى "وَلَن تَفْعَلُواْ". قال القرطبي: معناه فإنْ لَّمْ تَفْعَلُواْ في الماضي وَلَن تَفْعَلُواْ في المستقبل. قال ابن عرفة: فإن قلت: لم تخلص الفعل للماضي (وإن) تخلصه للاستقبال وهما متباينان؟ فالجواب: أنّ "لم" خلصت الفعل ("ولن") دخلت على الجملة فخلصتها. قال بعض الناس: فإذا قلت: إن لم يقم زيد قام عمرو فلم يقم مستقبل باعتبار ما مضى. والمعنى أن يقدر في المستقبل أنه لم يقم (زيد) فيما مضى فقد قام عمرو. ونظيره ما أجابوا به في قوله تعالى {أية : إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ} تفسير : لأن الشرط يخلص الفعل للاستقبال والمعنى يدل على أنه ماض. قالوا: المراد أن (يقول) في المستقبل إني إن قلته فيما مضى فقد عملته فكذلك هنا. فإن قلت: لم عدلوا في قولك: إن قام زيد قام عمرو إلى لفظ الماضى والأصل أن يعبروا بالمستقبل لفظا ومعنى؟ قلت: إما لتحقيق قيامه في المستقبل حتى كأنه واقع أو التفاؤل بذلك أو للتنبيه على أن قيامه محبوب مراد وقوعه. فإن قلت: (كان يلزمهم) أن يعبروا بإذا (موضع إن)؟ قلت: إذا لا تدخل إلا على المحقق وقوعه وإن تدخل على الممكن وقوعه، وعلى المحال مثل {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} تفسير : فإن أعم من أن تكون في هذا وفي هذا. قوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ...} قال ابن عباس رضي الله عنهما: هي حجارة الكبريت. ((قال) ابن عرفة: معناه مقارنة الناس لها أي هي نار شديدة دائمة (حالة) حلول أجسامهم الرطبة فيها كما لو كان فيها) فإنها لا تزال أبدا تشتعل كاشتعال النّار في الوقود. وقال الزمخشري: عرف النار هنا ونكرها في سورة التحريم لأن تلك الآية نزلت أولا بمكة وهذه نزلت بالمدينة بعد ما عرفوا (النار) وتقررت عندهم. قيل لابن عرفة: هذا مردود بما تقدم للزمخشري عن إبراهيم بن علقمة ولابن عطية عن مجاهد أن كل شيء نزل فيه يا أيها الناس فهو مكي ويا أيها الذين آمنوا فهو مدني وصوب ابن عطية (قوله) في يا أيَهَا الَّذِينَ آمَنُوا بخلاف قوله في أيها الناس فقال ابن عرفة: قال ابن عطية: إن سورة التحريم مدنية بإجماع لكن يقول الزّمخشري إن تلك الآية منها فقط نزلت بمكة، فيكون دليلا على تقدم نزولها على هذه وهو المراد.
ابو السعود
تفسير : {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} أي ما أمرتم به من الإتيان بالمثل بعد ما بذلتم في السعي غايةَ المجهود، وجاوزتم في الجِد كلَّ حدَ معهود، متشبثين بالذيول، راكبـين متنَ كل صَعْب وذَلول، وإنما لم يصرَّح به إيذاناً بعدم الحاجة إليه، بناءً على كمال ظهورِ تهالُكِهم على ذلك، وإنما أُورد في حيز الشرطِ مُطلقُ الفعل وجُعل مصدرُ المأمورِ به مفعولاً له للإيجاز البديعِ المغني عن التطويل والتكرير، مع سِرٍّ سَرِيٍّ استَقلَّ به المقامَ وهو الإيذان بأن المقصودَ بالتكليف هو إيقاعُ نفسِ الفعل المأمور به، لإظهار عجزِهم عنه لا لتحصيل المفعول أي المأتي به ضرورةَ استحالته، وأن مناطَ الجوابِ في الشرطية أعني الأمر باتقاءِ النار هو عجزُهم عن إيقاعه لا فوتُ حصولِ المفعول، فإن مدلولَ لفظٍ هو أنفُسُ الأفعال الخاصة لازمةً كانت أو متعديةً من غير اعتبارِ تعلقاتِها بمفعولاتها الخاصة، فإذا عُلِّق بفعل خاصٍّ متعدٍّ فإنما يُقصَدُ به إيقاعُ نفس ذلك الفعل وإخراجُه من القوة إلى الفعل، وأما تعلقُه بمفعوله المخصوصِ فهو خارج عن مدلول الفعلِ المطلقِ وإنما يستفاد ذلك من الفعل الخاص، ولذلك تراهم يتوسلون بذلك إلى تجريد الأفعالِ المتعديةِ عن مفعولاتها وتنزيلِها منزلةَ الأفعالِ اللازمة، فيقولون مثلاً: معنى فلانٌ يعطي ويمنع يفعل الإعطاء والمنع، يرشدك إلى هذا قوله تعالى: {أية : فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى وَلاَ تَقْرَبُونِ } تفسير : [يوسف، الآية 60] بعد قوله تعالى: {أية : ٱئْتُونِى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ } تفسير : [يوسف، الآية 59] فإنه لما كان مقصودُ يوسفَ عليه السلام بالأمر ومَرْمَى غرضِه بالتكليف منه استحضارَ بنيامين لم يكتفِ في الشرطية الداعية لهم إلى الجِد في الامتثال، والسعْيِ في تحقيق المأمورِ به بالإشارة الإجماليةِ إلى الفعل الذي ورد به الأمر بأن يقول: فإن لم تفعلوا، بل أعاده بعينه متعلقاً بمفعوله تحقيقاً لمطلبه وإعراباً عن مقصِده. هذا وقد قيل: أُطلق الفعلُ وأريد به الإتيانُ مع ما يتعلق به إما على طريقة التعبـير عن الأسماء الظاهرةِ بالضمائر الراجعةِ إليها حذراً من التكرار، أو على طريقة ذكر اللازمِ وإرادةِ الملزوم، لما بـينهما من التلازمِ المصححِ للانتقال بمعونة قرائنِ الحال فتدبر، وإيثارُ كلمة (إنْ) المفيدةِ للشك على إذا مع تحقق الجزم بعدم فعلِهم مجاراةٌ معهم بحسَب حُسبانهم قبل التجربة أو التهكمُ بهم. {وَلَن تَفْعَلُواْ} كلمة لن لنفي المستقبلِ كَلاَ، خلا أن في لن زيادةَ تأكيدٍ وتشديد، وأصلُها عند الخليل (لا أن) وعند الفراء (لا) أُبدلت ألفُها نوناً وعند سيبويه حرفٌ مقتَضَبٌ للمعنى المذكور، وهي إحدى الروايتين عن الخليل والجملة اعتراضٌ بـين جزأي الشرطية مقرِّر لمضمون مُقدَّمِها، ومؤكِّدٌ لإيجاب العمل بتاليها، وهذه معجزة باهرةٌ حيث أُخبر بالغيب الخاصِّ علمُه به عز وجل وقد وقع الأمر كذلك، كيف لا ولو عارضوه بشيءٍ يُدانيه في الجملة لتناقَلَه الرواةُ خلفاً عن سلف. {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} جوابٌ للشرط على أن اتقاءَ النار كنايةٌ عن الاحتراز من العِناد، إذ بذلك يتحقق تسبُّبه عنه وترتُبه عليه، كأنه قيل: فإذا عجَزتم عن الإتيان بمثله كما هو المقررُ فاحترزوا من إنكار كونِه منزّلاً من عند الله سبحانه فإنه مستوجِبٌ للعقاب بالنار، لكنْ أوثر عليه الكنايةُ المذكورة المبنيةُ على تصوير العنادِ بصورة النارِ، وجُعل الاتصافُ به عينَ الملابسة بها للمبالغة في تهويل شأنِه، وتفظيعِ أمرِه، وإظهارِ كمال العنايةِ بتحذير المخاطبـين منه، وتنفيرِهم عنه، وحثِّهم على الجدِّ في تحقيق المكنِي عنه، وفيه من الإيجاز البديع ما لا يخفى، حيث كان الأصل، فإن لم تفعلوا فقد صح صِدْقُه عندكم، وإذا صح ذلك كان لزومُكم العنادَ وتركُكم الإيمانَ به سبباً لاستحقاقكم العقابَ بالنار، فاحترزوا منه واتقوا النار {ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} صفةٌ للنار مُورثةٌ لها زيادةَ هولٍ وفظاعةٍ أعاذنا الله من ذلك، والوَقودُ ما توقد به النارُ وتُرفع من الحطب. وقرىء بضم الواو وهو مصدرٌ، وسمِّي به المفعول مبالغةً كما يقال: فلان فخرُ قومِه وزَيْنُ بلدِه، والمعنى أنها من الشدة بحيث لا تمَسُّ شيئاً من رَطْبٍ أو يابس إلا أحرقته، لا كنيران الدنيا تفتقِرُ في الالتهاب إلى وَقودٍ من حطب أو حشيش وإنما جُعل هذا الوصفُ صلةً للموصول مقتضيةً لكون انتسابها إلى ما نسبت هي إليه معلوماً للمخاطَب بناءً على أنهم سمِعوه من أهل الكتاب قبل ذلك، أو الرسولِ صلى الله عليه وسلم، أو سمِعوا قبل هذه الآية المدنية قولَه تعالى: {أية : نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} تفسير : [التحريم، الآية 6] فأُشير ههنا إلى ما سمعوه أولاً، وكونُ سورةِ التحريم مدنيةً لا يستلزِمُ كونَ جميعِ آياتها كذلك كما هو المشهورُ، وأما أن الصفةَ أيضاً يجبُ أن تكون معلومةَ الانتساب إلى الموصوف عند المخاطَبِ فالخطبُ فيه هيِّن، لما أن المخاطَب هناك المؤمنون، وظاهرٌ أنهم سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بالحجارة الأصنامُ، وبالناس أنفسُهم حسبما ورد في قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء، الآية 98] الآية. {أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ} أي هيئت للذين كفروا بما نزلناه وجعلت عِدةً لعذابهم والمرادُ إما جنسُ الكفار والمخاطَبون داخلون فيهم دُخولاً أولياً، وإما هم خاصةً، ووضعُ الكافرين موضعَ ضميرهم لذمهم وتعليلِ الحكم بكفرهم. وقرىء (أُعتِدت) من العَتاد بمعنى العِدة، وفيه دلالة على أن النارَ مخلوقةٌ موجودة الآن، والجملة استئنافٌ لا محل لها من الإعراب مقرِّرةٌ لمضمون ما قبلها، ومؤكدةٌ لإيجاب العمل به، ومبـيِّنةٌ لمن أريد بالناس دافعةٌ لاحتمال العموم، وقيل: حال بإضمار قد من النار، لا من ضميرها في وَقودها، لما في ذلك من الفصل بـينهما بالخبر، وقيل: صلةٌ بعد صلةٍ أو عطفٌ على الصلة بترك العاطف.
اسماعيل حقي
تفسير : {فان لم تفعلوا} اى ما امرتم من الاتيان بالمثل بعد ما بذلتم فى السعى غاية المجهود {ولن تفعلوا} فيما يستقبل ابدا وذلك لظهور اعجاز القرآن فانه معجزة النبى عليه السلام اعتراض بين الشرط وجوابه وهذه معجزة باهرة حيث اخبر بالغيب الخاص علمه به عز وجل وقد وَقع الامر كذلك كيف لا ولو عارضوه بشئ بداية فى الجملة لتناقله الرواة خلفا عن سلف {فاتقوا النار} اى ولما عجزتم عن معارضة القرآن ومثله لزمتكم الحجة ان محمدا رسولى والقرآن كتابى ولزمكم تصديقه والايمان به ولما لم تؤمنوا صرتم من اهل النار فاتقوها. وفى الكشاف لصيق اتقاء النار وضميمه ترك العناد من حيث انه من نتائجه لان من اتقى النار ترك المعاندة فوضع فاتقوا النار موضع فاتركوا العناد {التى وقودها} اى حطبها وهو ما يوقد به النار {الناس} اى العصاة {والحجارة} اى حجارة الكبريت وانما جعل حطبها منها لسرعة وقودها اى التهابها وبطئ خمودها وشدة حرها وقبح رائحتها لوصوقها بالبدن او الحجارة هى الاصنام التى عبدوها وانما جعل التعذيب بها ليتحققوا انهم عذبوا بعبادتها وليروا ذلها ومهانتها بعد اعتقادهم عزها وعظمتها والكافر عبد الصنم واعتمده ورجاه فعذب به اظهارا لجهله وقطعا لامله كأتباع الكبراء خدموهم ورجوهم وفى النار يسحبون معهم ليكون اشق عليهم واقطع لرجائهم. فان قلت أنار الجحيم كلها توقد بالناس والحجارة ام هى نيران شتى منها نار بهذه الصفة * قلت بل هى نار شتى منها نار توقد بالناس والحجارة يدل على ذلك تنكيرها فى قوله تعالى {أية : قوا انفسكم وأهليكم نارا} تفسير : [التحريم: 6] {أية : فأنذرتكم نارا تلظى}تفسير : [الليل: 14]. ولعل لكفار الجن ولشياطينهم نارا وقودها الشياطين كما ان لكفرة الانس نارا وقودهاهم جزاء لكل جنس بما يشاء كله من العذاب {اعدت للكافرين} اى هيئت للذين كفروا بما نزلناه وجعلت عدة لعذابهم. وفيه دلالة على ان النار مخلوقة موجودة الآن خلافا للمعتزلة وفى الآية اشارة الى ان ثمرة الاخذ بالقرآن والاقرار به وبمحمد صلى الله عليه وسلم هو النجاة من النار التى وقودها الناس والحجارة وفيه زيادة فضل القرآن واهله * قال البغوى عند قوله تعالى {فائتوا بسورة} قيل السورة اسم للمنزلة الرفية وسميت سورة لان القرئ ينال بقراءتها منزلة رفيعه حتى يستكمل المنازل باستكمال سورة القرآن. وعن ابن مسعود رضى الله عنه انه قال يرجع أتباع بليس كل عشية الى سيدهم فيقول كل واحد منهم بين يديه فعلت كذا وغررت فلانا الزاهد حتى يقول اصغرهم انا منعت صبيا من الكتاب فيقوم ابليس بين يديه ويقعده الى جنبه فرحا بما فعل وقالت الحكماء حق الولد على ابويه ثلاثة ان يسمياه باسم حسن عند الولادة وان يعلماه القرآن والادب والعلم وان يختناه ثم ان المقصد الاصلى هو العمل بالقرآن والتخلق بآدابه كما قيل "مراد ار نزول قرآن تحصيل سيرت خوبست" * نه ترتيل سوره مكتوب" وللقرآن ظهر وبطن ولبطنه بطن الى سبعة ابطن قال فى المثنوى شعر : تو ز قرآن اى بسر ظاهر مبين ديو آدم را نبيند جزكه طين ظاهر قران جو شخص آدميست كه نقوشش ظاهر وجانس خفيست تفسير : قال الشيخ نجم دايه فظاهره يدل على ما فسره العلماء وباطنه يدل على ما حققه اهل التحقيق بشرط ان يكون موافقا للكتاب والسنة ويشهدا عليه بالحق فان كل حقيقة لا يشهد عليها الكتاب والسنة فهى الحاد وزندقة لقوله تعالى {أية : ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين}تفسير : [الأَنعام: 59]. وقال ايضا فى تأويل الآية {أية : وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا}تفسير : [البقرة: 23]. جعل الله اعراض المعرضين قباب غيرته لحبيبه المرسل لئلا يشاهدوا من الله حبيبه وجعل اعتراض المعترضين سرادقات عزته لئلا يطلعوا على الله وكتابه وسماه عليه السلام بالعبد المطلق ولم يسم غيره الا بالعبد المقيد باسمه كما قال {أية : واذكر عبدنا أيوب تفسير : [ص: 41] }{أية : واذكر عبدنا داوود}تفسير : [ص: 17]. وغيرهما وذلك لان كمال العبودية ما تهيأ لاحد من العالمين الا لحبيبه عليه السلام وكمال العبودية فى كمال الحرية عما سوى الله وهو مختص بهذه الكرامة كما اثنى عليه بقوله {أية : ما زاغ البصر وما طغى} تفسير : [النجم: 17] {أية : فأْتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله}تفسير : [البقرة: 23]. اى الحاضرين معكم يوم الميثاق لانكم وانهم ومحمدا كنتم جميعا مستمعين خطاب ألست بربكم مجتمعين فى جواب بلى فلو كان محمد قادرا على اتيان القرآن من تلقاء نفسه فهو وانتم فى الاستعداد الانسانى الفطرى سواء فائتوا بالقرآن من تلقاء انفسكم ايضا {إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى} هى القهر وصورة غضب الحق كما قال الله للنار"حديث : انما انت عذابى اعذب بك من اشاء من عبادى ". تفسير : {وقودها الناس} انانية الانسان التى نسيان الله من خصوصيتها {والحجارة} اى الذهب لانه به يحصل مرادات النفس وشهواتها وما يميل اليه الهوى فعبر عما يعبده انانية الانسان بالحجارة لان اكثر الاصنام كان من الحجارة وعن انانية الانسان بالناس لانها انما طلبت غير الله وعبدته لنسيان الحق ومعاهدة يوم الميثاق ثم جعلها وقود النار لقوله تعالى {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم}تفسير : [الأَنبياء: 98]. {اعدت للكافرين} خاصة ولكن يطهر المذنبون بها بتبعية الكافرين كما ان الجنة خلقت واعدت للمتقين ولكن يدخلها المذنبون من أهل الايمان بعد تطهيرهم بورود النار والعبور عليها بتبعية المتقين يدل عليه قول النبى صلى الله عليه وسلم حكاية عن الله تعالى "حديث : خلقت الجنة وخلقت لها اهلها وبعمل اهل الجنة يعملون وخلقت النار وخلقت لها اهلها وبعمل اهل النار يعمُلون ".
الطوسي
تفسير : المعنى: معنى {فإن لم تفعلوا} لم تأتوا بسورة من مثله ـ قد تظاهرتم انتم وشركاؤكم عليه واعوانكم ـ وقد تبين لكم بامتحانكم، واختباركم عجزكم وعجز جميع الخلق عنه وعلمتم انه من عندي، ثم اقمتم على التكذيب به وقوله: {ولن تفعلوا} لا موضع له من الاعراب، وانما هو اعتراض بين المبتدأ والخبر، كقولك: زيد ـ فافهم ما اقول ـ رجل صدق. وانما لم يكن له موضع اعراب، لأنه لم يقع موضع المفرد. ومعنى {ولن تفعلوا}: اي لن تأتوا بسورة من مثله ابداً، لأن (لن) تنفي على التأبيد في المستقبل وفي قوله: {ولن تفعلوا} دلالة على صحة نبوته، لأنه يتضمن الاخبار عن حالهم في المستقبل بانهم لا يفعلون ولا يجوز لعاقل ان يقدم على جماعة من العقلاء يريد تهجينهم فيقول: انتم لا تفعلون إلا وهو واثق بذلك، ويعلم ان ذلك متعذر عندهم وينبغي ان يكون الخطاب خاصاً لمن علم الله انه لا يؤمن، ولا يدخل فيه من آمن فيما بعد وإلا كان كذبا وقوله: {فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة}. الوقود ـ بفتح الواو اسم لما يوقد. والوُقود ـ بضمها ـ: المصدر وقيل إنهما بمعنى واحد في المصدر واسم الحطب. حكاه الزجاج والبلخي. والاول أظهر. {اتقوا الله} ـ مشددة ـ لغة اهل الحجاز. وبنو أسد وتميم يقولون: (تقوا الله) خفيف بحذف الألف. {الحجارة} قيل: إنها حجارة الكبريت لأنها أحر شيء اذا حميت. وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود. والظاهر إن الناس والحجارة: وقود النار وحطبها كما قال: {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} تفسير : تهيباً وتعظيما بانها تحرق الحجارة والناس. وقيل: إن أجسادهم تبقى على النار بقاء الحجارة التي توقدها النار بالقدح وقال قوم معناه: أنهم يعذبون بالحجارة المحماة مع النار. والاول أقوى وأليق بالظاهر. وانما جاز أن يكون قوله: {فاتقوا النار} جواب الشرط مع لزوم الاتقاء من النار كيف تصرفت الحال، لأنه لا يلزمهم الاتقاء على التصديق بالنبوة إلا بعد قيام المعجزة، فكأنه قال: فان لم تفعلوا، ولن تفعلوا، فقد قامت الحجة، ووجب اتقاء النار بالمخالفة. وقوله: {أعدت للكافرين} لا يمنع من اعدادها لغير الكافرين من الفسّاق كما قال: {أية : وإن جهنم لمحيطه بالكافرين} تفسير : ولم يمنع ذلك من إحاطتها بالفساق والزناة والزبانية. وقال قوم: هذه نار مخصوصة للكافرين لا يدخلها غيرهم. والفساق لهم نار أخرى. وقد استدل بهذه على بطلان قول من حرم النظر والحجاج العقلي. بان قيل: كما احتج الله تعالى على الكافرين بما ذكره في هذه الآية وألزمهم به تصديق النبي (صلى الله عليه وسلم) والمعرفة بان القرآن كلامه، لأنه قال: إن كان هذا القرآن كلام محمد فاتوا بسورة من مثله. ودلهم بعقولهم أنه لو كان كلام محمد لتهيأ لهم مثل ذلك، لأنهم الذين يؤخذ عنهم اللغة. واذا كان لم يتهيأ لهم ذلك علموا بعقولهم أنه من كلام الله وهذا هو معنى الاحتجاج بالعقول، فيجب ان يكون ذلك صحيحاً من كل واحد
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : لما بيَّن الله لهم طريق الاهتداء إلى معرفة أحوال الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأرشدهم إلى قانون يعرف منه صحة ما جاء به من فساده، ويمتاز بذلك حقّه من باطله، أمرهم بتقوى النار المعدّة للكفار. معناه: فإن لم تأتوا بسورة من مثله، وقد تظاهرتم أنتم وشركاؤكم وأعوانكم من فصحاء العرب وبلغائهم مع كثرة عددهم كحصىٰ البطحاء، وتبيّن لكم عجْزكم وعجْز غيركم، وعلِمتم أنّ الإتيان ببعض قليل منه ليس في مقدرة البشر، فلا تقيموا على التكذيب به والإعراض عنه، فاتّقوا النار واحذروا أن تَصْلَوْهَا بتكذيبكم للحقّ وإعراضكم عن الحقّ. وعامِل الجزم في "تَفْعَلُوا" "لَمْ" - دون "إنْ" - لأنّها الأصل فيه، واجبة الإعمال، مختصّة بالمضارع، متّصلة بمعمولها؛ ولأنّها لما صيّرته ماضياً صارت كالجزء منه، وحرف الشرط كالداخل على المجموع، وكأنّه قال: "فإن تركتم الفعل" ولذلك جاز اجتماعهما. وقوله: "وَلَن تَفْعَلُواْ" جملة اعتراضيّة لا محلّ لها من الإعراب، معناه: "ولن تأتوا بسورة من مثله أبداً"، لأن: "لَنْ" نفي على التأبيد في المستقبل، أو على التأكيد فيه. وفيه مع ما مرّ في الآية السابقة، دلالة على حقيَّة النبوة من وجوه: أحدها: ما فيهما من التحدّي والتحريض على الجدّ، وبذل الوسع، وجمع العَدَد والعُدَد في المعارضة بالتقريع، والتحديد، وتعليق الوعيد على عدم الإتيان بما يعارض أقصر سورة من القرآن؛ ثم إنّهم مع كثرتهم واشتهارهم بالفصاحة، وتهالكهم على المضادّة، لم يتصدّوا لمعارضته، والتجأوا إلى جلاء الوطن والعشيرة، وبذل الأرواح والمهج؛ وهذا من أقوى الدلائل على اعجاز القرآن، لأنّهم - وهم فرسان اللسان -، لو كان في امكانهم ومقدرتهم الإتيان بمثله أو بمثل سورة منه، لأتوا به، وحيث ما أتوا به ظهَر العجْز وعلِم المُعجِز. وثانيها: إنّه (صلى الله عليه وآله) وإن كان متّهماً عند الأشرار والكفّار فيما يتّصل بأمر النبوّة، فقد كان معلوم الحال في وفور العقل وكمال الفضل والحزم في معرفة العواقب، فلو تطرّق الشك أو التهمة إلى ما ادّعاه من النبوّة، لما استجرء في دعواه، ولم تتبادر نفسه إلى أن يتحدّاهم بالغاً في التحدّي نهايته، وفي التقريع للخصوم غايته، بل كان خائفاً من وقوعه في فضيحة يعود وبالها على جميع أموره - حاشاه من ذلك (صلى الله عليه وآله) -، فلولا كان على بصيرة من أمره، وتثبُّت في قول ربّه، ومعرفة بعجزهم وأمثالهم عن المعارضة، لما اجترء على أن يحملهم على المعارضة بأبلغ وجه وآكده. وثالثها: إنّه [لو] لم يكن قاطعاً بصحَّة نبوَّته، لما قطَع في الخبر بأنّهم ونظرائهم من أفراد البشر، لن يأتوا أبداً بمثل القرآن، فإنّ الشاكّ المجوِّز لوقوع خلاف ما ادّعاه، لا يقطع في الكلام هذا المبلغ، مخافة أن يظهر خلاف دعواه، فتدحض حجته، وقد أوجد الله مصداق ما أخبره ومطابق ما وعده رسوله، حيث إنّه من أوان رسالته (صلى الله عليه وآله) إلى هذا العصر، لم يخلُ وقت من الأوقات من أعادي الدين وخصماء الإسلام، ومن يشتدّ دواعيه في الوقيعة فيه والإطفاء لنوره. ثم إنّه مع ذلك لم توجد المعارضة قطّ، إذ لو عارَضه معارِضٌ بشيء لامتنع خفاؤه عادة بأن لا يتواصفه حمَلة الأخبار، ولا يتناقله الحَكَوية - سيما والطاعنون فيه أكثف عدداً من الذابّين عنه في كل عصر وزمان -. واعلم أن هذه الآية تدل على بطلان قول من زعم أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يكن محتجَّاً بالأدلّة العقليّة، وأنّ القرآن خال عنها، لأن الله تعلى قد احتجّ على الكفار بما ذكره في هذه الآية، وألزمهم به تصديق نبيّه - عليه وآله السلام -، وقرّرهم بأنّ القرآن كلامه إذ قال: "إن كان هذا القرآن كلام محمّد (صلى الله عليه وآله) فأتوا بسورة من مثْله، لأنّه لو كان كلام البشر لجاز وتهيّأ لكم - مع تقدمكم في البلاغة والفصاحة - الإتيان بمثْله أو ببعضه مع قوّة دواعيكم إليه؛ فإذ لم يتأتّ لكم، فاعلموا بعقولكم أنّه كلام الله تعالى، لا كلام البشر". وهذا بعينه احتجاج عقليٌّ على صورة قياس شرطي استثنائي يستنتج فيه، يثبت أوّلاً صحّة الملازمة بين مقدّم القضية الشرطيّة وتاليها، ثمّ باستثناء نقيض التالي نقيض المقدّم. و "الوقود" - بالفتح -، إسم ما توقَد به النار، وبالضمّ هو المصدر، وجاء فيه بالفتح أيضاً - كما نقل عن سيبويه -، لكنّ الضمّ فيه أكثر وقوعاً، ولا يبعد أن يكون المضموم مصدراً سمّي به، كما تقول "فلان فخر قومه وزين بلده". وقد قرء بالضمّ عيسى بن عمر الهمداني، والإسم أظهر، وهو الحَطَب. وإن أريد به المصدر، يكون من قبيل قولك "حياة المصباح السليط" أي: به. أو على حذف مضاف، أي: وقودها احتراق الناس والحجارة. و"الحِجَارَةُ" جمع حجَر، كجِمالَة - جمع جَمَل. قال في الكشاف: "معناه: أنّها نار ممتازة عن غيرها من النيران بأنّها لا تتّقد إلاّ بالناس والحجارة، وبأنّ غيرها إن أريد احراق الناس بها، أو إحماء الحجارة، أوقدت أولاً بوَقود، ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، وتلك - أعاذنا الله منها برحمته الواسعة - توقَد بنفس ما يُحرَق ويُحمى بالنارن وبأنّها - لإفراط حرّها وشدّة ذكائها - إذا اتّصلت بما لا تشتعل به نار اشتغلت وارتفع لهبها". أقول: إن نار جهنم ممتازة عن سائر النيرانات بأمور شتى: منها: انها أخروية غير محسوسة بهذه الحواس الفانية، إلا بعد انقلابها إلى النشأة الآخرة، فعند ذلك يشاهدها الإنسان بعين اليقين، والعارف يشاهدها الآن بعلم اليقين، كما دلّ عليه قوله تعالى: {أية : كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ ٱلْيَقِينِ لَتَرَوُنَّ ٱلْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ ٱلْيَقِينِ} تفسير : [التكاثر:5 - 7]. ومنها: أنّها كامنة أولاً في بواطن الأشياء التي هي وَقودها، ثم تبرز من الباطن إلى ظاهرها، وسائر النيران تستولي أوّلاً على ظاهر الحطب وما يجري مجراه، ثم تنصرف إلى باطنه. وإليه وقعت الإشارة في قوله تعالى: {أية : كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً} تفسير : [الإسراء:97]. ولم يقل: "زِدناها"، دلّ على أنّه كلّما خبَت - يعني النار المتسلّطة على أبدانهم -، زدناهم - يعني نفوس المعذبين - سعيراً؛ فمعناه أن النار تغلب أولاً على بواطنهم، ثم يسري العذاب بها إلى ظواهرهم. ويحتمل أن يكون المراد: كلّما خبت النار في ظواهرهم، ووجدوا الراحة من حيث أبدانهم، سلّط الله عليهم الفكرة في حالهم وعاقبتهم فيما كانوا فيه من الأمور التي لو عملوا بها ولم يعملوا بأضدادها، لنالوا السعادة العظمى والغبطة الكبرى، فيزداد بذلك عذابهم المعنوي، أشدّ من حلول العذاب المقرون بتسليط النار المحسوسة على أجسادهم. ومنها: أنّ فعل المعاصي والشهوات واللذّات، يولدها ويقوّيها، وفعل التوبة يطفئها وينفيها، ويفعل بها ما يفعله صبّ الماء على هذه النيران. ومنها: أنّها كما تستولي على الأجسام، تستولي على النفوس أيضاً، قال تعالى: {أية : نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ * ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ}تفسير : [الهمزة:6 - 7]. بخلاف نيران الدنيا، فإنّها لا يبلغ أثر حرِّها إلى النفس ولا يتعدّى عن الجسد. فالنار الأخرويّة ناران - وإن كان تحت كل منهما أنواع كثيرة -: نار الله، ونار الجحيم؛ فأمّا نار الله، فهي نار حرّها القطيعة من الله تعالى، بها يعذِّب قلوب المنافقين والمحجوبين عن الحقِّ، مع مُكنة استعدادهم لدرْكه، كما قال: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [المطففين: 15 - 16]. وأما نار الجحيم، فهي نار الشهوات والمخالفات على الغفلة والجهالات، فهي تحرق الجلود، كما قال تعالى: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً}تفسير : [النساء:56]. ولا تخلص هذه النار إلى لب القلوب. وان عذاب حرقة الجلود بالنسبة إلى عذاب حرقة القلوب، كنسيم الحياة وسموم الممات - كما قيل: شعر : ففي فؤاد المحبّ نار هوى أحرّ نار الجحيم أبردها تفسير : وقيل أيضاً: شعر : النار ناران: نارٌ كلها لهبٌ ونار معنى على الأرواح تطَّلع وهي التي ما لها سَفْعٌ ولا لَهَبٌ لكن لها الَم في القلب ينطبع تفسير : ومنها: أنَّ نار الدنيا نوع واحد لا يختلف في الحقيقة، وله طبقة واحدة، ونار الآخرة - كما سنشير إليه -، أنواع كثيرة متخالفة الحقائق، ولها طبقات سَبْع، إلى كلّ منها باب على حِدة، على عدد مشاعر الإنسان - الوهم، والخيال، والحواسّ الخمس -. وأبواب الجنَّة ثمانية، يزيد عليها بواحد هو باب القلب - المغلَق على أكثر الناس، سيّما الكفّار والمنافقين -، وغيره من السبعة يقع الإشتراك فيه بين الطريقتين، على شكل الباب الذي إذا فتح إلى طريق منزل، انسدّ به طريق منزل آخر، فعين غَلْقه لمنزل عين فتْحه لمنزل آخر. وأما أسماء أبوابها السبعة: فبابُ جهنَّم، وبابُ الجحيم، وبابُ السَّعير، وبابُ سقَر، وبابُ لَظى، وبابُ الحُطَمَة، وبابُ سجِّين، والباب المغلَق - وهو الباب الثامن الذي لا يفتح الحجاب -. ومنها: أنّ طبقة من طبقاتها - وهي التي تسمّى سجِّين -، كتاب مرقومٌ كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ} تفسير : [المطففين:8 - 9]. وليس شيء من هذه النيران كتاباً. ومنها: أنها تحوي على الأجسام الحارّة والباردة جميعاً، وهذه النار يختصُّ احتواؤها بالجسم الحار، دلّ على ذلك قوله تعالى: {أية : وَٱلْبَحْرِ ٱلْمَسْجُورِ} تفسير : [الطور:6] وقوله: {أية : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً} تفسير : [نوح:25]. ومنها: أنّ اشتدادها وتسلّطها على أحد يلذّ وينفع له في الدنيا، ويؤلم ويضرّ به في الآخرة، كما أُشير إليه بقوله: {أية : وَذَرْنِي وَٱلْمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً * إِنَّ لَدَيْنَآ أَنكَالاً وَجَحِيماً * وَطَعَاماً ذَا غُصَّةٍ وَعَذَاباً أَلِيماً} تفسير : [المزمل:11 - 13]. ومنها: أن موقد هذه النار هو جسم آخر كالإنسان ونحوه، بحركاته وتحريكاته من تمويجه للهواء وغيره، وأما مهّاد النار الأُخرويّة فهم ملائكة العذاب، وسدَنة النيران باستخدام الله إيّاهم، وهم على عدد معيّن عند أهل الإيمان واليقين، كما قال تعالى: {أية : عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} تفسير : [المدثر:30] . {أية : وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَابَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً} تفسير : [المدثر:31]. - إلى قوله - {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [المدثر:31]. ومنها: أن هذه النار تحرق كلّما يلقى فيها من الكتب - سواء كان المكتوب فيها حقّاً أو باطلاً -، بخلاف تلك النار، فإنَّها تحرق كتاب الفجَّار فقط دون كتاب الأبرار، إذ يمتنع عليها احراق كتاب أهل الحقَّ، ويمتنع عليه أن يحترق، لأنّ المرقوم فيه علومٌ باقيةٌ أبد الدهر، لا تحرقها النار، ولا يمحوها الماء. وفي الحديث: "حديث : لا يأكلُ محلَّ الإيمان الترابُ ". تفسير : ومنها: أن هذه النار تحرق كل من ألقي فيها - مؤمناً كان أو كافراً -، بخلاف النار الأخرويّة، فإنّها لا تحرق جسدَ المؤمن، بل تنطفي بوروده عليها، كما ورد في الحديث: "حديث : إنها تقول: جُزني يا مؤمن فإنَّ نورَك أطفأ لهبي ". تفسير : ومنها: أن الصراط، الذي لا بد لكل أحدٍ من المرور عليه ليدخل الجنَّة، هو واقع على متن نار جهنَّم، بحيث وقوع الإنحراف والعدول عنه يقتضي الوقوع فيها، إلاّ أن يعفو الله عنه، بخلاف هذه النار، إذ ليس الصراط واقعاً عليها، ولا العدول عن الصراط يوجب الوقوع فيها. إلى غير ذلك من الخواصّ والمميّزات، التي يمكن استفادتها والاستبصار بها من اقتباس أنوار الآيات القرآنيّة، وأسرار الأحاديث النبويّة. وقيل: هي حجارة الكبريت، وذلك تخصيص بلا دليل، - بل فيه ما يدلّ على فساده -، لأنّ الغرض هٰهنا تعظيم تلك النار، والايقاد بحجارة الكبريت معتاد، فلا يدلّ الايقاد بها على قوّة النار، أما لو حملناه على سائر الحجارة، دلّ على عِظَم أمر النار لأنها مطفيةٌ لنيران الدنيا، ونار الآخرة تتعلَّق بها وتوقَد منها. إشارة: قال بعض أهل الكشف: إنّ النار مخلوقةٌ من صفة غضب الله، ومن الاسم "المُنتقِم" ومن تجلّى قوله في حديث قدسيّ عنه: "حديث : جعتُ فلمْ تُشبعني، وظَمأتُ فلم تَسقني، ومرِضتُ فلم تعدني" تفسير : وهذا أعظم نزول الحقّ، فلذلك تجبَّرت على الجبابرة وقصمت المتكبِّرين، وجميع ما يخلق فيها من الآلام التي يجدها الداخلون فمن صفة الغضب الآلهي، ولا يكون ذلك إلاَّ عند دخول الخلْق فيها، قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ} تفسير : [طه:81]. فإن الغضب هٰهنا عين الألم. وقال بعضهم: "وجميع ما تفعله النار بالكفّار من باب شكر المنعم وإنعامه، حيث أنعم عليها بأنواع الوَقود والحطب، فما تعرف منه سبحانه إلاَّ النعمة المطلقة التي لا يشوبها ما يقابلها، والناس غالطون في شأن خلقها". وسنزيدك بياناً إن شاء الله تعالى. فصل في الإشارة إلى كون نار الآخرة ذات حقائق متخالفة قال في الكشاف: "فإن قلت: أنار الجحيم كلّها موقَدةٌ بالناس والحجارة، أم هي نيران شتَّى منها نارٌ بهذه الصفة؟ قلت: بل هي نيرانٌ شتَّى، منها نار توقَد بالناس والحجارة، يدلّ على ذلك تنكيرها في قوله؛ {أية : قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً} تفسير : [التحريم:6]. {أية : فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّىٰ} تفسير : [الليل:14]. ولعلّ لكفار الجنِّ وشياطينهم ناراً وَقودها الجنّ والشياطين، كما إنّ لكفَرة الإنس ناراً وَقودها هم، جزاء لكل جنس بما يشاكله من العذاب - انتهى -. أقول: قد تكلّم بكلامٍ حسنٍ في بابه يشبه كلام أهل الكشوف. وكأنّه مما أنطق الله بالحقّ لسانه، وأجرى على وفْقه بيانه؛ فإن التحقيق أنّ المُلِذّ والمؤذي لكلّ جنس هو ما يجانسه ويجانس آلة إدراكه، فللبصر من باب المبصرات، وللسمع من باب المسموعات، وكذا للشمّ والذوق واللمس من أبوابها، وللخَيال من بابه، وللوهم من بابه، وهذه الأبواب سبعة أجناس، تحت كلّ [جنس] منها أنواع شتَّى، وتحت كلّ نوع أفراد لا تحصى. ثمّ إنّه قد تقرّر في مقامه، أنّ فعْل كل قوّة من القوى - حتّى الوهم والخيال -، لا يتمّ إلا بحرارة تخصّ بها، وهذه الحرارة ليست اسطقسيّة، لأنّها حرارة غريزيّة، والحرارة الغريزيّة فائضة من عالم السماء، والأسطقسيّة بخلافها. فإذا تقرّر هذا، فيشبه أن يكون قياس أفنان نيران الآخرة هذا القياس، وكلّ نار لها وقود خاص، ولكل وقود نار مخصوصة، النوع للنوع، والشخص للشخص، فهي متعدّدة الأفراد التي فيها، بل إنّها متعدّدة بتعدّد مدارك الشهوات والآلام، متفنِّنة على حسب فنون المعاصي والآثام. بقي الكلام في أنّه سبحانه لِمَ قرن الناس بالحجارة؟ فأكثر المفسرين وجَّهوا ذلك بأنّهم لمَّا قرنوا بها أنفسهم في الدنيا حيث نحَتوها أصناماً، وجعلوها لله أنداداً، وعبَدوها من دونه، فجمع الله بينهم وبينها في الآخرة بالعذاب والإلقاء في النار والإيقاد، قال الله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء:98]. والقرآن مما يفسِّر بعضه بعضاً، فهذه الآية مفسَّرة بتلك فـ {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ} تفسير : [الأنبياء:98] بمعنى {ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ}، و {أية : حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء:98] في معنى {وَقُودُهَا}، وقد تأكّد هذا بما في الحديث: "حديث : حتّى أنّه لو أحبَّ أحدُكم حجَراً لحُشِر معه ". تفسير : وقيل: المراد الذهب والفضّة التي كانوا يكنزونهما ويغترّون بها، ويشحّون بها ويمنعونها من الحقوق، حيث يحمى عليها في نار جهنَّم، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم - فإنّ أصل المعادن من الأحجار - وعلى هذا، لم يكن لتخصيص اعداد هذا النوع من العذاب وجه. وقيل: هي حجارة الكبريت؛ وهو تخصيصٌ بغير دليل. وهٰهنا وجهٌ آخر: إن أدنى المركَّبات القابلة للانفساد هو الجماد، وأعلاها رتبة هو الإنسان؛ ففي الآية إشارةٌ إلى احتواء النار للجميع، واستيلائها على الكلّ بذكر طرفيها الأقصيين، وهما الأخسُّ والأشرف. وفي قوله: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} - أي: هيِّئت لهم وجعلت عُدَّة لعذابهم - إشارة لطيفة [إلى] أن المقصود بالذات من خلق النار، تعذيب الكفار لأنهم عُمّارها الباقون فيها أبداً، لا يمكنهم الخروج عنها كما قال تعالى: {أية : لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ ٱلسَّمَآءِ وَلاَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ وَكَذٰلِكَ نَجْزِي ٱلْمُجْرِمِينَ} تفسير : [الأعراف:40]. وكقوله: {أية : كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا}تفسير : [السجدة:20]. {أية : لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ جَزَآءً بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ} تفسير : [فصّلت:28]. وليس فيه اختصاص الكافرين بها، بل يجوز أن يكون لغيرهم أيضاً دخولٌ فيها على التبعيّة كالأحجار وغيرها، كما قال في الجنّة: {أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين} تفسير : [آل عمران:133]. لأن بناءَها على التقوى والطهارة عن الأدناس، ومع ذلك يدخلها الأطفال والحيوانات، والحور والغلمان، والمجانين والنسوان. والجملة استيناف، أو حال باضمار: "قَدْ" من "النَّار"، لا من الضمير الذي في "وَقُودُهَا"، وإن جُعل مصدراً لوقوع الفصل بينهما بالخبر. لمعة شرقيّة: قال أهل الإشارة وأصحاب البشارة: {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} يعني بالناس أنانيَّة الإنسان، التي وقع بتعيّنها وخصوصيّتها والإحتجاب بها نسيان العهد القديم لله، الجامع لجميع النعوت الإلهيَّة والتجليّات الربّانيّة، كما أُشير إليه بقوله: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه:115]. وبالحجارة - كالذهب والفضّة - وما يجري مجراهما من الأجساد المعدنيّة والنباتيّة والحيوانيّة، التي بها تحصل مرادات النفس وشهواتها، وتميل اليها بالهوى عن الهدى. أقول: ويحتمل أيضاً أن يُراد بـ "الناس"، أنانيّة الإنسان التي بها تعيُّنه الخاصّ، أعني نفسَه المشعور بها دائماً، ما دامت غير فانية عن ذاتها، وبـ "الحِجارة" جسده المركّب من العظام الصلبة جمعاً بين النفس والبدن في العذاب - عذاب نار القطيعة للقلوب، وعذاب نار الجحيم للجلود -. أو يراد بها مادة قلبه القاسي، المشارك لسائر الأحجار في الجسميّة والكدورة والصلابة، كما في قوله [تعالى]: {أية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ} تفسير : [البقرة:74].................................... وعلى أيّ الوجوه الثلاثة، فكلّ من الناس والحجارة وقود نار على حدة من نيران الآخرة. ولا يظنّن أحدٌ، أن مثل هذه التحقيقات يدلّ على إبطال ما هو المفهوم من ظاهر الآية، وإهمال ما قاله العلماء، - كلاَّ -، ولكن تصديقاً لقوله عليه وآله السلام "إنّ للقرآنِ ظهْراً وبطْناً"، فظاهره دالّ على ما فسَر به العلماء الظاهريّون؛ وباطنه على ما حقَّقه وتحقَّق به المحقّقون المحقُّون بالكشف، بشرط أن يكون موافقاً للكتاب والسُنَّة، ويشهدان عليه بالحق، فإنّ كلّ دعوى لم يشهد عليه واحدٌ منهما، فهو من تفاريع العبَث والجزاف، وشعب الفسوق والكفر والخلاف. تتميم: وقد بقي هٰهنا سؤالات: أحدها: إن إنتفاء إتيانهم بسورة معلوم حتم، فهلاّ جيءَ بـ "إذا" الذي للوجوب، دون "إن" الذي للشكّ؟ والجواب بوجهين: الأول: أن يساق القول معهم على حسب حسبانهم، وأنّهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة، لاتكالهم على فصاحتهم واقتدارهم [على الكلام]. الثاني: أن يتهكّم بهم، كما يقول الموصوف بالقوّة، الواثق من نفسه عمن يقاومه: "ان غلبتك لم أَبْقَ" وهو يعلم انه غالبه - تهكماً به -. وثانيها: لِمَ قال: "فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ" ولم يقل: "فإن لم تأتوا بسورةٍ من مثْله"؟ الجواب: لأنّ هذا أخصَر. وثالثها: ما حقيقة "لَنْ" في باب النفي، وما أصله؟ الجواب: قد مرّ معناه. وفي أصله ثلاثة أقوال: ألف -: أصله "لا أن" وهو قول الخليل. ب -: "لا" أبدلت ألفها نوناً؛ وهو قول الفرّاء. ج -: حرف ينتصب، لتأكيد نفي المستقبل؛ وهو قول سيبويه، وإحدى الروايتين عن الخليل. ورابعها: ما معنى اشتراطه في اتّقاء النار انتفاء اتيانهم بسورة من مثله؟ والجواب: إذا ظهر عجزهم، صحّ عندهم حقيَّة النبي (صلى الله عليه وآله) في دعوى الرسالة، وإذا صحّ ذلك ثمّ لازَموا العناد والإنكار والاستكبار، استوجبوا العقاب بالنار، فاتّقاء النار يوجب ترك العناد والحسد واللداد، فوضع "فَاتَّقُوا النَّارَ" موضع "فاتركوا العناد" للتلاصق بينهما والتلازم، لأنّ متّقي النار تارك المعاندة والإنكار، فأنيب منابه وأبرز في صورته، منضمّاً إليه تهويل صفة النار، وتفظيع شأنها في الإحراق والإحماء. وخامسها: صلة "الذي" وأخته يجب أن يكون حُكْماً معلوماً، فكيف علِم أولئك أن نار الآخرة توقَد بالناس والحجارة؟ والجواب: ليس يبعد أن يتقدم لهم [بذلك] سماع من أهل الكتاب، أو قرع سمعهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو سمعوه قبل هذه الآية في سورة التحريم من قوله تعالى: {أية : نَاراً وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} تفسير : [التحريم:6]. لأنّها مكيَّة وهذه مدنيَّة. وسادسها: فلِمَ جاءَت النار الموصوفة بهذه الجملة هناك منكَّرة، وهٰهنا معرّفة؟ الجواب: لسبق المعرفة هٰهنا بوقوع الجملة صلة هناك، فيجب أن تكون قصّتها معلومة هٰهنا دون هناك، لأن تلك الآية لمّا نزلت بمكة - زادها الله شرفاً وتعظيماً - فعرفوا منها ناراً موصوفة بهذه الصفة، ثم نزلت هذه بالمدينة المنوّرة مشاراً بها إلى ما عرفوه أولاً.
الجنابذي
تفسير : {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} اتى بأداة الشّكّ مع انّه تعالى عالم بعدم الاتيان مراعاةً لحال المخاطبين لانّهم فى اوّل التحدّى كانوا شاكّين فى امكان المعارضة وعدمه ولذا اتى بجملة معترضة مخبرة عن نفى الاتيان بالنّفى التأبيدىّ حتّى لا يتوهّم متوهّم امكانه فقال {وَلَن تَفْعَلُواْ} وأبدل عن الاتيان المقيّد بالسّورة من مثله ودعاء الشّهداء من دون الله بالفعل الّذى يكنّى به عن الكلّ ايجازاً وحذراً من التّكرار والحذف ونظم الكلام مشتملاً على بيان المراد ان يقال ان كنتم فى ريب من القرآن وانّه منزل من عند الله، او ان انكرتم القرآن وانّه منزل من عند الله وقلتم انّ محمّداً (ص) تقوّله من عند نفسه او تعلّمه من بشرٍ مثله فان كنتم صادقين فى دعوى الرّيب من أنفسكم او فى انكار القرآن واقرار تقوّله من عند البشر يجز لكم الاتيان بمثله وخصوصاً من الخطباء البلغاء مع تعاون الشّهداء، فأتوا لمعارضته وابطال حقّيّته وابطال دعوى رسالة الآتى به بسورة من مثله {أية : وادعوا شهدائكم من دون الله}تفسير : ، فانّ المراد بتعليق الجزاء فى مثل مقام التّحدّى والتّعجيز تعليق جواز الجزاء وامكانه حتّى يرتفع برفع فعليّته امكانه وجوازه، فان لم تقدروا على ان تأتوا بسورةٍ مثله مع تعاون الشّهداء واهتمامكم وجهدكم فى معارضته وابطاله تعلموا صدقه، والاعتراض بجملة لن تفعلوا دليل ايضاً على انّ المراد نفى الامكان والقدرة فلا يرد عليه أنّ عدم الفعل لعلّه لعدم الاعتناء بالمعارضة لا لعدم القدرة حتّى يستلزم صدق القرآن وصدق الآتى به، واذا علمتم صدق القرآن وصدق الآتى به {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} فهو من اقامة المسبّب مقام الجزاء والمعنى فاتّقوا مخالفتهما الّتى هى سببٌ لدخول النّار فهو أيضاً من اقامة المسبّب مقام السّبب، او فاتّقوا بسبب متابعتهما النّار {ٱلَّتِي وَقُودُهَا} التّوصيف للتّهويل وتأكيد التحذير، والوقود بالفتح اسم مصدر لما يوقد به النّار وبالضّمّ مصدرٌ، وقيل الوقود بالفتح مصدرٌ وبالضّمّ اسم للمصدر وقرء بالضّم فان كان مصدراً كان التّقدير سبب وقودها {ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} او وقودها احتراق النّاس والحجارة والاوّل ابلغ فى مقام التّهويل لانّه يدلّ على أنّ نار الآخرة فى الشّدّة بحيث يكون ما توقد به النّاس والحجارة الّذين لا يتأثّران الاّ بالنّار الموقدة الشّديدة، والحجارة جمع الحجر كالجمالة جمع الجمل وهو قليل غير مُقاس {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} حالٌ بتقدير قد او مستأنف لجواب سؤال عن حالها.
اطفيش
تفسير : {فإِن لَمْ تَفْعَلُوا}: أى فإن لم تأتوا بسورة من مثله فيما مضى، وإنما لم يقل فإن لم تأتوا بها، بل قال: {فإِن لَمْ تَفْعَلُوا} لأن الإتيان بها فعل من الأفعال، داخل تحت عموم الأفعال، وساغ التعبير به فى الجملة اختصاراً أو إيجازاً، أو جرى مجرى الكناية التى تفيد اختصارا أو إيجازاً من ضمير وإشارة كنايات اللغة والاصطلاح تقول: أكرمت زيدا بكذا فى موضع كذا، أو تعد ما شاء الله من خصال. فيقال لك: نعم ما فعلت. ولو قيل: نعم الإكرام إكرامك زيدا فى موضع كذا فى وقت كذا بكذلك إن فيه طول. وكذا لو قيل: نعم الإكرام مشارا به إلى الإكرام المكيف بتلك الكيفيات، لكان فيه طول بالنسبة إلى: نعم ما قعلت. ولم يكن نصاً فى معنى قولك: نعم ما فعلت فكان التعبير بمادة - ف ع ل - مرغوباً فيه لذلك معدوداً أفصح وأوجز فى الجملة، فكان التعبير به أولى ولو فى مقام لا يكون فيه أوجز كالآية. فإن قولك: {فإِن لَمْ تَفْعَلُوا} ذلك أو فإن تفعلوا السورة أى لم تعملوها وقولك فإن لم تأتوا بذلك أو فان لم تأتوا بالسورة متقاربان فى عدم الحروف، وكذا قولك: فإن لم تفعلوها أى لم تعملوها. وقولك: فإن لم تأتوا بها متقاربان وقولك: فإن لم تأتوا، فإن لم تفعلوا متقاربان والفاء استئنافية تفريعية، لأن ما بعدها كالندلة مرتب على ما قبلها من بيان الحق. وما يعرفون به رسالته - صلى الله عليه وسلم - أى إن عجزتم عن الإتيان بسورة بعد اجتهاد، فاتركوا المعارضة، وانقادوا لأمر الله، تسلموا من عقابه، وإن قلت: إن للشك أو للظن والله منزه عنهما، وكذا لا يشك مخلوق ولا يظن أن يأتوا بسورة مثله، وقد تحداهم وأفحمهم. فهل لا كان الكلام بإذا التى تساق لكون الشىء سيفعل بدون تلويح إلى الشك، قلت: كان الكلام بإن للتهكم بهم، والاستهزاء بإرخاء العنان لهم فيها لا طاقة لهم عليه جزماً وتصويره صورة ما يمكن أن يطبقوه، حتى إنه يشك شاك أن يظن أنهم قد فعلوه، وتصويره بصورة ما يقطع به المتغالب، كما إذا نفى أحد أن تقوى على صرعه وقد وثقت من نفسك أن تصرعه. فتقول: فإن صرعتك فماذا تفعل؟ أو إن صرعتك لم أبق عليك شيئاً من خير أو رفق بل أزيحه عنك كله. أو كان الكلام بأن مراعاة لظنهم وطمعهم أن يأتوا بسورة، لأن العجز عن المعارضة قبل التأمل لم يكن محققاً عندهم، بل مشكوكاً فيه، أو منفى جزماً لقولهم: لو نشاء لقلنا مثل هذا لا مضمونا فيه. كما قيل: وتفعلوا مجزوم بلم، لا بإن، لاتصالها به وتغييرها معناه إلى المضى، بخلاف إن فإنها مفصولة معناها مسلط على لم وما بعدها، فلم وما بعدها فى محل جزم بإن، وقد ردت أن الفعل إلى الاستقبال بعدما صرفته لم إلى المضى، فظهر تسلط معناها عليهما. كأنه قيل: فإن تركتم الفعل وبيان الاستقبال أن الكلام سياق لمعنى قولك: فإن صح أنكم لم تفعلوا، والصحة مستقبلة الثبوت، إذ ما شك فيه الإنسان لم يثبت، بل ينتظر الإنسان ثبوته، وزعم بعضهم أن إن بمعنى إذ، وإنما لم نقل بتنازع - إن ولم - لأن إن تطلب مثبتاً، ولم هى طالبة للمنفى، وشرط التنازع الاتحاد فى المعنى ولضعف الحرف وأجاز ابن العلج فى البسيط التنازع بين الحرفين، وكذا فى المسائل الدمشقيات الدائرة بين أبى على الفارسى وأبى الفتح بن جنى الإشارة إلى الجواز، ورد عليهم بما ذكروا ما الرد بأن الحرف لا يضمر فيه، وشرط التنازع صحة الإضمار بين المتنازعين، فلا يصح عندى، لأن المراد بالإضمار فى باب التنازع ما يشمل استتار الضمير وما يشمل الحذف، فالإضمار فى الحرف الحذف معه، كما تحذف الفضلة التى عمل فيها الفعل وغيره. {وَلَن تَفْعَلُوا}: فى المستقبل، وهذا من أخبار الغيب فهو معجزة، وهذه الجملة مستأنفة، اعترضت بين الشرط والجزاء، ونكتتها الجزم بنفى الإتيان بسورة، بعد ما ساق الكلام مساق الشك فى الإتيان بحسب ظنهم، والله - جل وعلا - يعلم أنهم عاجزون، ويجوز أن تكون الجملة حالا مقدرة، ولا يضر عندى تصدير الجملة الحالية بما يدل على الاستقبال، كلن إذا كانت الحال مقدرة، ولو أطلق غيرى المنع، والمعنى فإن لم تفعلوا فيما مضى، حال كونكم مقدراً عدم فعلكم فى المستقبل، أى قدرة الله، وأما أن تعطف الجملة على جملة {لَمْ تَفْعَلُوا} فلا يجوز، لأن لن لا تلى إن الشرطية. وإذا عطفت الجملة فكأنها تلت، إلا أن يقال يغتفر فى الثوانى ما لا يغتفر فى الأوائل. فان أنواع هذا الاغتفار كثيرة جدا، كعطف الظاهر على الضمير المستتر فيما لا يرفع الظاهر، وكعطف المذكر على الفاعل المؤنث، المقرون رافعه بالتاء، وكما ورد من عطف المعرفة على مجرور رب المنكر. وغير ذلك. وكثرتها تدل على القياس، غير أن الظاهر أنه ينظر إلى كل نوع على حدة، فإن كثر قيس كالنوعين الأولين، وإلا فلا كالثالث، وحمل الآية على الشاذ خلاف الأصل مع أنه لا دليل عليه. وقد اقتصر ابن هشام على أن الجملة معترضة إذ قال: والخامس بين الشرط وجوابه نحو: وإذا بدلنا آية مكان آية. والله أعلم بما ينزل. قالوا: إنما أنت مفتر ونحو: {فِإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُوا النَّارَ}... إلخ. {فَاتَّقُوا النَّارَ}: بالإيمان بالله والإيمان بأن القرآن من كلامه لا من كلام البشر، وبترك العناد، وإن قلت حق الشرط أن يكون سبباً للجزاء وملزوماً له، وحق الجواب أن يكون مسبباً عن الشرط ولازماً له، وليس عدم إتيانهم بالسورة فى الماضى والمستقبل سبباً لاتقاء النار ولا ملزوماً له. ولا اتقاؤها لازماً له ولا مسبباً عنه، فكيف صح الجزاء باتقوا النار؟ قلت: نزلت لازم الجزاء وهو اتقاء النار منزلة الجزاء وهو الإيمان بالله سبحانه وتعالى والقرآن. وترك العناد على سبيل الكناية، فإن الإيمان وترك العناد يصحان جزاء، لأنهما لازمان لعدم الإتيان بالسورة ومسببان عنه. وعدم الإتيان ملزوم لهما وسبب لهما، فأفادت هذه الكناية ترك العناد، وتهويل شأن العناد بإقامة النار مقامه، وإنابة اتقاء النار مناب ترك العناد، وتصريحاً بالوعيد وليس غير الكناية يفيد كل ذلك. قال الفخر: لما ظهر عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - وإذا صح ذلك ثم لزموا العناد استوجبوا العقاب بالنار. واتقاء النار يوجب ترك العناد. وأقيم قوله: {فَاتَقُوا النَّارَ} مقام قوله: فاتركوا العناد، وأل فى النار للعهد الذكرى، إذ ذكرت النار فى سورة التحريم نكرة، وهى من السور التى نزلت بالمدينة، والبقرة مدنية أيضاً، لكن سورة التحريم متقدمة النزول، بل قيل آية - وقود النار - نزلت بمكة. {التَّى وُقُّودُهَا}: أى ما توقد به. وأما الوقود - بضم الواو - فمصدر، بمعنى اشتعال النار، وقرأ به عيسى بن عمر الهمدانى. إما على المصدرية مبالغة بحيث نزل قوة الاشتعال منزلة الناس والحجار، كأن نفس الناس والحجارة هى الاشتعال، كقولك زيد صوم إذا أكثر الصوم. وقولهم حياة السراج الزيت أى ما يحيا إلا به، فكأنه نفس الزيت. وما تتقد النار إلا بالناس والحجارة. فكأن الاتقاد نفس الناس والحجارة، وإما على المصدرية وتقدير مضاف أى متعلق وقودها الناس والحجارة، أو محل وقودها الناس والحجارة، أو وقودها احتراق الناس والحجارة، أو اشتعال الناس والحجارة بها. وإما على التسمية بالمصدر بدون أن تعتبر المبالغة ولا تقدير مضاف، كقولك: زيد فخر قومه وزين بلده، أى والذى يفتخر قومه به ويتزين بلده به، وقيل: كل من الوقود، بالفتح، والوقود، بالضم، يكون اسماً لما تتقد به ومصدراً بمعنى الاتقاد. قال سيبوية: سمعنا من يقول، وقدت النار وقوداً عالياً، والاسم بالضم. {النَّاسُ}: الذين أشركوا والذين نافقوا. {وَالْحِجَارَةُ}: جمع حجر كجمل وجمالة، وهو غير كثير ولا مقيس، وجمع الجمع حجارات كجمالات، وفى الأخبار يكون وقودها الحجارة إخبار بقوتها، لأنها لا تتصل بالحجارة إلا لقوتها، وإذا اتصلت بالحجارة كانت قوتها قوة الحجارة، والمراد بالحجارة، الأصنام المنحوتة من الحجارة، يقرنهم الله بها فى النار {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون}تفسير : يعذبون بها لما عصوا بها، كما يعذب مانع الزكاة بماله. وبذلك يشتد تحسرهم إذا عذبوا بها. وإذا طمعوا فى أن تنجيهم فعبدوها فصارت وبالا عليهم عكس ما طمعوا، وإتيان المكروه من حيث ترجوا النفس إتيان ما تحبه أشد عليها من إتيانها من حيث ما تتوقع. وقيل المراد بالحجارة: الذهب والفضة اللذان يكنزان، ولا يؤدون منهما الحقوق. وإن قلت كيف يخص هذا بالمشركين؟ قلت: لا تخصيص بل الناس المشركون والمنافقون بالشرك أو بالكبائر. وقال ابن عباس: المراد بالحجارة حجارة الكبريت. رواه الطبرى وغيره ورواه الطبرانى والحاكم والبيهقى وغيرهم عن ابن مسعود، فإن كان ذلك منهما حديثاً مرفوعاً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا إشكال، وإن كان من كلامهما فله حكم الحديث المرفوع، وكلاهما سواء أكان حديثاً أم لا، دليل على تخصيص الحجارة بالكبريت، ووجه التخصيص أن الكبريت أشد حرا، وأكثر التهاباً، وأسرع اتقاداً، وأكثر دخاناً ومنتن الريح وشديد الالتصاق. وإن قلت: لعل ابن عباس وابن مسعود عينا أن الأحجار كله لتلك النار، كحجارة الكبريت لسائر النيران، وليس مرادهم خصوص الكبريت، لأنه تهويل فى الكبريت. لأن كل نار تتقد به وإن ضعفت، بخلاف ما إذا فسرنا الحجارة بالحجارة المعروفة. فإن فيها تهويل حيث اتقدت بما لا يتقد به غيرها. قلت هذا تأويل مخالف للظاهر مع أن النكت لا تتزاحم. فكما تقصد الحجارة المعروفة للتهويل المذكور، تقصد حجارة الكبريت لزيادة الالتهاب والدخان والحرارة والنتن والالتصاق وسرعة الاتقاد. والحجر يطلق على كل جامد يابس صلب، ولو كان أصله الحجر المعروف. وإنما جاء وقودها الناس والحجارة صلة، والصلة والصفة فى غير مقام قصد التهويل للإبهام، يجب أن تكونا معهودتين للمخاطب، وإلا كانتا من باب الخبر، لا من باب الصلة والصفة، لأن هذه الجملة معهودة عندهم، من قوله تعالى فى سورة التحريم:{أية : ناراً وقودها الناس والحجارة}تفسير : خوطب بها المؤمنون فسمعوها منهم أو سمعوها منه - صلى الله عليه وسلم - ومن غيره بدون تلاوة الآية أو تلاوتها، أو من أهل الكتاب كأنه قيل: فاتقوا النار التى عرفتم أنها ممتازة عن سائر النيران، بأنها، لا تتقد إلا بالناس والحجارة، كما يستفاد الحصر من تعريف الطرفين وهما وقودها، الناس والحجارة، وبأن غيرها من النار إن أريد إحراق الناس بها. وليس بجائز أو إحماء الحجارة بها أو إحراقها أو صنعها جيراً مثلا أوقدوا لا بنحو حطب، وقد تقرر أن أحكام الجن فى التكليف والثواب والعقاب واحدة، فكما يكون وقود نار الأشقياء من بنى آدم هو هؤلاء الأشقياء منهم والحجارة، كذلك يكون وقود نار الأشقياء من الجن هو هؤلاء الأشقياء من الجن والحجارة، فيجازى كل نفس بما يشاكله، ونار جهنم أنواع شتى، والتنكير فى سورة التحريم لهذا أو للتعظيم. {أُعِدتْ}: هيئت أى هيأها الله. {لِلْكَافِرِينَ}: وجعلها عدة لعذابهم، كما تجعل الخيل والسلاح عدة للقتال. وقرأها عبد الله بن مسعود أعدت بمعنى هيئت وجعلت عدة. أو بمعنى أحضرت من العدم إلى الوجود. وفى القراءتين دليل على وجود النار الآن. ومن قال: لم توجد قال معنى ذلك هو الحكم والقضاء بها. ولا يخفى ما فى هذه الآية من التحدى بتغليظ وتأكيد ولو كان - صلى الله عليه وسلم - على شك أو كان القرآن بحيث يمكن أن يؤتى بمثل بعضه لما أنزل الله هذه الآية هكذا بتغليظ يتحدى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المشركين لأن ذلك يؤدى إلى أن تدحض حجته، ولا سيما أن الله - سبحانه وتعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لا يتحديان إلا بحق لنزاهتهما عن الكذب والخيانة، وقد تحداهم بتغليظ ووعيد، فلم توجد منهم المعارضة بسورة من مثله، مع حرصهم على إطفاء نوره وإبطال أمره، مع علمهم بأنهم إذا عجزوا ولم يتركوا العناد سببت ذراريهم ونساؤهم، وغنمت أموالهم وقتلوا ولو عارضوه بشىء لم يكن خافياً لكثرة الطاعنين فى كل وقت وقلة الذابين عنه بالنسبة إليهم. وجملة {أعدت} صلة ثانية للتى عند التفتازانى لأنه أجاز تعدد الصلة بلا تبعية، كما يجوز تعدد الحال والصفة والخبر بلا تبعية، والذى عندى: أن المعنى على النعت وأن المراد بالنار الجنس، ولو كانت أل للعهد، لأن المعهودة نار كثيرة يصلح كل جزء منها لهؤلاء المخاطبين. والجملة: نعت للنار، وهذا أولى من كونها حالا أو مستأنفة. وما ذكره التفتازانى أحسن جداً من حيث المعنى القريب من معنى النعت على ما ذكرت، لكن أبدع فى تعدد الصلة بلا تبعية ولا بأس به، وعلى الحالية يختلف، هل يستغنى عن تقدير قد؟ ذهب بعض إلى أن الماضى المثبت المنصرف إذا وقعت جملة حالا، لا بد من قد فيه ظاهرة أو مقدرة، وقال بعض: لا يلزم ذلك، واعترض على الحالية بأن النار أعدت للكافرين فاتقوها أولا، وأجيب بأنها حال لازمة، ولا تجوز الحالية من الضمير فى وقودها، ولو جعلت الوقود مصدراً للفصل بين الحال وصاحبه بأجنبى وهو الخبر. وذكر التفتازانى أن الاستئناف لا يحسن.
اطفيش
تفسير : {فَإِنْ لَّمْ} مجزوم إن لم ومجزومها أو لم والجملة بعدها، فهى من الجمل التى لها محل، كما قيل بأن محل جملة الشرط إذا سبقت بمبتدأ رفع خبر له، نحو، من يعمل سوءاً وهو قول بعض {تَفْعَلُوا} إتيانا بالمثل لعجزكم {وَلَنْ تَفْعَلُواْ} إتيانا بالمثل لظهوره إعجازه، وعجزكم، أى، والحال أنكم مقدرون ألا تفعلوا أبدا، ولا يضر تصدير جملة الحال بأداة الاستقبال، إذا كانت الحال مقدرة، ولا يصح العطف لأن أداة الشرط لا تليها لن {فَاتَّقُواْ النَّارَ} بالإيمان بأن القرآن من الله عز وجل، فإن إنكاره موجب لها، أو، فاتقوها مع بقائكم على الكفر إن وجدتم وقاية ولكن لا تجدونها، وعرف بالنار عهدا من تنكيرها فى أية التحريم النازلة فى مكة وأول التحريم إليها مدنى {الَّتِي وَقُودُهَا} أى الجسم الذى توقد به {النَّاسُ} الكفرة، قدم الناس لأنهم المعذبون، ولأن لحومهم وشحومهم أليق بالنار تزداد بها وقودا، والمراد ما يشمل الجن أو لم يرادوا فى الآية. لأن السياق لكفار قريش، وذكروا فى غير هذه الآية {وَالْحِجَارَةُ} المعبودة، إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم وما شاء الهل من الحجارة لتعذيب الكفرة مطلقاً، ولمزيد التحسر إذا رأوا أنهم عذبوا بما عبدوا، ولم يدفع عذابهم، فضلا عن أن ينفعهم، وهى نار تتقد بالحجارة لشدة حرارتها، لا كنار الدنيا تتقد بالحيل أو بالحطب، ويوقى عنها الناس، وقيل حجارة الكبريت لشدة حرها، وكثر الالتهاب، وسرعة الإيقاد، ومزيد الالتصاق بالأبدان، ونتن الريح وكثرة الدخان، وقيل الذهب والفضة لأنهما يسميان حجرا، ولا يتبادر، ولا مانع من أن يراد ذلك كله {أُعِدَّتْ} هيأهاغ الله وأوجدها، ووكل عليها ملائكة قبل يوم القيامة، ولا تفنى، وإن فنيت أعادها، وحكمة إيجادها قبله الإخبار بأحوالها الواقعة للزجر، وهو أقوى من الإخبار أنها لم تكن، وأنها ستكون بوصف كذا، وإن لم تكن الآن فكأنها كانت لتحقق الوقوع، فعبر بأعدت، والمراد ستعدّ {لِلْكَـٰفِرِينَ} يعذبونها بها، أو الكافرون، كفار قريش ونحوهم، عدل عن الإضمار مع تقدم ذكرهم إلى ذكرهم باسم الكفر الموجب للنار المذكور، أو جنس الكفار، فيدخل هؤلاء أولا وبالذات.
الالوسي
تفسير : {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} فذلكة لما تقدم فلذا أتى بالفاء أي إذا بذلتم في السعي غاية المجهود وجاوزتم في الحد كل حد معهود متشبثين بالذيول راكبين متن كل صعب وذلول وعجزتم عن الإتيان بمثله وما يداينه في أسلوبه وفضله ظهر أنه معجز والتصديق به لازم - فآمنوا واتقوا النار، - وأتى - بإن - والمقام - لاذا - لاستمرار العجز - وهو سبحانه وتعالى اللطيف الخبير - تهكماً بهم كما يقول الواثق بالغلبة لخصمه إن غلبتك لم أبق عليك، وتحميقاً لهم لشكهم في المتيقن الشديد الوضوح، ففي الآية استعارة تهكمية تبعية حرفية أو حقيقة وكناية كسائر ما جاء على خلاف مقتضى الظاهر، وقد يقال عبر بذلك نظراً لحال المخاطبين فإن العجز كان قبل التأمل كالمشكوك فيه لديهم لاتكالهم على فصاحتهم، و {تَفْعَلُواْ} مجزوم بلم ولا تنازع بينها وبين {إن}، وإن تخيل، وقد صرح ابن هشام بأنه لا يكون بين الحروف لأنها لا دلالة لها على الحدث حتى تطلب المعمولات إلا أن ابن العلج أجازه استدلالاً بهذه الآية، وردّ بأن (إن) تطلب مثبتاً، و (لم) منفياً، وشرط التنازع الاتحاد في المعنى - فإن - هنا داخلة على المجموع عاملة في محله كأنه قال: فإن تركتم الفعل، فيفيد الكلام استمرار عدم الإتيان المحقق في الماضي وبهذا ساغ اجتماعهما وإلا فبين مقتضاهما الاستقبال والمضي تناف، نعم قيل في ذلك إشكال لم يحرر دفعه بعد بما يشفي العليل: وهو أن المحل إن كان للفعل وحده لزم توارد عاملين في نحو - إن لم يقمن - وإن كان للجملة يرد أنهم لم يعدوها مما لها محل أو للمحل مع الفعل فلا نظير له فلعلهم يتصيدون فعلاً مما بعدها ويجزمونه بها وهو كما ترى، وعبر سبحانه عن الفعل الخاص حيث كان الظاهر - فإن لم تأتوا بسورة من مثله بالفعل المطلق العام - ظاهراً لإيجاز القصر، وفيه إيذان بأن المقصود بالتكليف إيقاع نفس الفعل المأمور به لإظهار عجزهم عنه لا تحصيل المفعول ضرورة استحالته، وإن مناط الجواب في الشرطية - أعني الأمر بالاتقاء - هو عجزهم عن إيقاعه لا فوت حصول المقصود، وقيل: أطلق الفعل وأريد به الإتيان مع ما يتعلق به على طريقة ذكر اللازم وإرادة الملزوم لما بينهما من التلازم المصحح للانتقال بمعونة قرائن الحال، أو على طريقة التعبير/ عن الأسماء الظاهرة بالضمائر الراجعة إليها حذراً من التكرير، والظاهر أن فيما عبر به إيجازاً وكناية وإيهام نفي الإتيان بالمثل وما يدانيه بل وغيره، وإن لم يكن مراداً (ولن) كلا في نفي المستقبل وإن فارقتها بالاختصاص بالمضارع، وعمل النصب إلا فيما شذ من الجزم بها في قوله:شعر : (لن) يخب الآن من رجاك ومن حرك من دون بابك الحلقة تفسير : ولا تقتضي النفي على التأبيد وإن أفادت التأكيد والتشديد ولا طول مدة أو قلتها خلافاً لبعضهم، وليس أصلها (لا أن) كما روي عن الخليل فحذفت الهمزة لكثرتها وسقطت الألف للساكنين وتغير الحكم وصار (لن) تضرب كلاماً تاماً دون أن ومصحوبها، وقيل به لقوله:شعر : يرجى المرء ما (لا أن) يلاقيه ويعرض دون أقربه الخطوب تفسير : واحتمال زيادة أن يوهن الاحتجاج ولا لا كما عند الفراء فأبدلت ألفه نوناً إذ لا داعي إلى ذلك وهو خلاف الأصل. والجملة اعتراض بين جزئي الشرطية ظاهراً مقرر لمضمون مقدمها ومؤكد لإيجاد العمل بتاليها وهذه معجزة باهرة حيث أخبر بالغيب الخاص علمه به سبحانه وقد وقع الأمر كذلك، كيف لا ولو عارضوه بشيء يدانيه لتناقله الرواة لتوفر الدواعي؟ وما أتى به نحو مسيلمة الكذاب مما تضحك منه الثكلى لما يقصد به المعارضة وإنما ادعاه وحياً. وقوله سبحانه: {فَٱتَّقُواْ} جواب للشرط على أن اتقاء النار كناية عن ظهور إعجازه المقتضي للتصديق والإيمان به أو عن الإيمان نفسه، وبهذا يندفع ما يتوهم من أن اتقاء النار لازم من غير توقف على هذا الشرط فما معنى التعليق، وأيضاً الشرط سبب أو ملزوم للجزاء، وليس عدم الفعل سبباً للاتقاء ولا ملزوماً له فكيف وقع جزاء له، وبعضهم قدر لذلك جواباً، والتزمه جملة خبرية لأن الإنشائية لا تقع جزاء كما لا تقع خبراً إلا بتأويل، والزمخشري لا يوجب ذلك فيها لعدم الحمل المقتضي له. - والوقود - بالفتح كما قرأ به الجمهور ما يوقد به النار، وكذا كل ما كان على فعول اسم لما يفعل به في المشهور، وقد يكون مصدراً عند بعض، وحكوا ولوعاً، وقبولاً، ووضوءاً، وطهوراً، ووزوعاً، ولغوباً. وقرأ عبيد بن عمير (وقيدها) وعيسى بن عمير وغيره {وَقُودُهَا} بالضم. فإن كان اسماً لما يوقد به كالمفتوح فذاك وإن كان مصدراً كما قيل في سائر ما كان على فعول فحمله على النار للمبالغة أو للتجوز فيه أو في التشبيه أو بتقدير مضاف أولاً: كذو وقودها أو ثانياً: كاحتراق وهو نفسه خارجاً غير مفهوماً وذاك مصداق الحمل، وحكي أن من العرب من يجعل المفتوح مصدراً والمضموم اسماً فينعكس الحال فيما نحن فيه. والحجارة كحجار جمع كثرة لحجر، وجمع القلة أحجار وجمع فعل - بفتحتين - على فعال شاذ، وابن مالك في «التسهيل» يقول: إنه اسم جمع لغلبة وزنه في المفردات وهو الظاهر، والمراد بها على ما صح عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم، ولمثل ذلك حكم الرفع حجارة الكبريت، وفيها من - شدة الحر وكثرة الالتهاب وسرعة الإيقاد ومزيد الالتصاق بالأبدان، وإعداد أهل النار أن يكونوا حطباً مع نتن ريح وكثرة دخان ووفور كثافة - ما نعوذ بالله منه، وفي ذلك تهويل لشأن النار وتنفير عما يجر إليها بما هو معلوم في الشاهد، وإن كان الأمر وراء ذلك فالعالم وراء هذا العالم وعيلم قدرة الجبار سبحانه وتعالى يضمحل فيه هذا العيلم، وقيل: المراد بها الأصنام التي ينحتونها وقرنها بهم في الآخرة زيادة لتحسرهم حيث بدا لهم نقيض ما كانوا يتوقعون، وهناك يتم لهم نوعان من العذاب روحاني وجسماني، ويؤيد هذا قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ }تفسير : [الأنبياء: 98] / وحملها على الذهب والفضة لأنهما يسميان حجراً ـ كما في «القاموس» ـ دون هذين القولين، الأصح أولهما: عند المحدثين وثانيهما: عند الزمخشري؛ ويشير إليه كلام الشيخ الأكبر قدس سره. وأل فيها - على كل - ليست للعموم، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها له، ويكون المعنى أن النار التي وعدوا بها صالحة لأن تحرق ما ألقي فيها من هذين الجنسين؛ فعبر عن صلاحيتها واستعدادها بالأمر المحقق، وذكر الناس والحجارة تعظيماً لشأن جهنم وتنبيهاً على شدة وقودها ليقع ذلك في النفوس أعظم موقع ويحصل به من التخويف ما لا يحصل بغيره وليس المراد الحقيقة وهو خلاف الظاهر والمتبادر من الآيات، ويوشك أن يكون سوء ظن بالقدرة ولا يتوهم من الاقتصار على هذين الجنسين أن لا يكون في النار غيرهما بدليل ما ذكر في غير موضع من كون الجن والشياطين فيها أيضاً، نعم قال سيدي الشيخ الأكبر قدس سره: إنهم لهبها وأولئك جمرها، وبدأ سبحانه بالناس لأنهم الذين يدركون الآلام أو لكونهم أكثر إيقاداً من الجماد لما فيهم من الجلود واللحوم والشحوم ولأن في ذلك مزيد التخويف، وإنما عرف النار وجعل الجملة ـ صلة وأنها يجب أن تكون قصة معلومة لأن المنكر في سورة التحريم نزل أولاً فسمعوه بصفته فلما نزل هذا بعد جاء معهوداً فعرف وجعلت صفته صلة وكون الصفة كذلك الخطب فيه هين لما أن المخاطب هناك المؤمنون، وظاهر أنهم سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن في كون سورة التحريم نزلت أولاً مقالاً فتأمل. {أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ} ابتداء كلام قطع عما قبله مع أن مقتضى الظاهر أن يعطف على الصلة السابقة اعتناء بشأنه بجعله مقصوداً بالذات بالإفادة مبالغة في الوعيد، وجعله استئنافاً بيانياً بأن يقدر لمن أعدت أو لمَ كان وقودها كذا وكذا، فمع عدم مساعدة عطف ـ {أية : بَشِّرِ} تفسير : [البقرة: 25] ـ الآتي على البناء للمفعول عليه لأنه لا يصلح للجواب إلا أن يقال المعطوف على الاستئناف لا يجب أن يكون استئنافاً يأبى عنه الذوق، أما الأول: فلأن السياق لا يقتضيه، وأما الثاني: فلأن المقصد من الصلة التهويل، فالسؤال ـ بلمَ كان شأن النار كذا ـ مما لا معنى له، والجواب غير واف به وجعله حالاً من النار - بإضمار قد والخبر من أجزاء الصلة لذي الحال لا من ضمير {وَقُودُهَا} للجمود أو لوقوع الفصل بالخبر الأجبني حينئذ ـ ليس بشيء إذ لا يحسن التقييد بهذه الحال إلا أن يقال إنها لازمة بمنزلة الصفة فيفيد المعنى الذي تفيده الصلة، ولذا قيل: إنها صلة بعد صلة وتعدد الصلات كالصفات والإخبار كثير بعاطف وبدونه كما نص عليه الإمام المرزوقي وإن لم يظفر به السعد، أو معطوف بحذف الحرف كما صرح به ابن مالك وجعله صلة. و {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ } إما معترضة للتأكيد أو حال مما لا ينبغي أن يخرج عليه التنزيل، ومعنى: {أُعِدَّتْ } هيئت، وقرأ عبد الله - (اعتدت) -من العتاد بمعنى العدة، وابن أبـي عبلة - (أعدها الله للكافرين) - والمراد إما جنسهم والمخاطبون داخلون فيهم دخولاً أولياً أو هم خاصة ووضع الظاهر موضع ضميرهم حينئذ لذمهم وتعليل الحكم بكفرهم وكون الإعداد للكافرين لا ينافي دخول غيرهم فيها على جهة التطفل فلا حاجة إلى القول بأن نار العصاة غير نار الكفار. ثم ما يتبادر من الآية الكريمة أن النار مخلوقة الآن والله تعالى أعلم بمكانها في واسع ملكه، وجعل المستقبل لتحققه ماضياً ـ كـ{أية : نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ}تفسير : [الكهف: 99] ـ والإعداد مثله في {أية : أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً }تفسير : [الأحزاب: 35] كما يقول المعتزلة خلاف الظاهر، والذي ذهب أهل الكشف إليه أنها مخلوقة غير أنها لم تتم وهي الآن عندهم دار حرورها هواء محترق لا جمر لها البتة ومن فيها من الزبانية في رحمة منعمون يسبحون الله تعالى لا يفترون وتحدث فيها الآلام بحدوث أعمال الإنس والجن الذين يدخلونها، ولذا يختلف عذاب داخليها وحدها بعد الفراغ من الحساب ودخول/ أهل الجنة الجنة من مقعر فك الثوابت إلى أسفل السافلين، فهذا كله يزاد إلى ما هو الآن. ولذا كان يقول عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: إذا رأى البحر يا بحر متى تعود ناراً، وكان يكره الوضوء بمائه ويقول: التيمم أحب إلي منه وقال تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجّرَتْ } تفسير : [التكوير: 6] أي أججت، وليس للكفار اليوم مكث فيها وإنما يعرضون عليها كما قال تعالى: {أية : غُدُوّاً وَعَشِيّاً } تفسير : [غافر: 46] وهي ناران حسية مسلطة على ظاهر الجسم، والإحساس والحيوانية، ومعنوية وهي: {أية : ٱلَّتِى تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ }تفسير : [الهمزة: 7] وبها يعذب الروح المدبر للهيكل الذي أمر فعصى، والمخالفة وهي عين الجهل بمن استكبر عليه أشد العذاب، وقد أطالوا الكلام في ذلك وأتوا بالعجب العجاب، وحقيقة الأمر عندي لا يعلمها إلا الله تعالى ولا شيء أحسن من التسليم لما جاء به النبـي صلى الله عليه وسلم، فكيفية ما في تلك النشأة الأخروية مما لا يمكن أن تعلم كما ينبغي لمن غرق في بحار العلائق الدنيوية ـ وماذا على إذا آمنت بما جاء مما أخبر به الصادق من الأمور السمعية مما لا يستحيل على ما جاء وفوضت الأمر إلى خالق الأرض والسماء أسأل الله تعالى أن يثبت قلوبنا على دينه.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على الشرط وجوابه، أي فإن لم تأتوا بسورة أو أتيتم بما زعمتم أنه سورة ولم يستطع ذلك شهداؤكم على التفسيرين فاعلموا أنكم اجترأتم على الله بتكذيب رسوله المؤيد بمعجزة القرآن فاتقوا عقابه المعد لأمثالكم. ومفعول {تفعلوا} محذوف يدل عليه السياق أي فإن لم تفعلوا ذلك أي الإتيان بسورة مثله وسيأتي الكلام على حذف المفعول في مثله عند قوله تعالى: {أية : وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته} تفسير : في سورة المائدة (67). وجيء بإن الشرطية التي الأصل فيها عدم القطع مع أن عدم فعلهم هو الأرجح بقرينة مقام التحدي والتعجيز؛ لأن القصد إظهار هذا الشرط في صورة النادر مبالغة في توفير دواعيهم على المعارضة بطريق الملاينة والتحريض واستقصاء لهم في إمكانها وذلك من استنزال طائر الخصم وقيد لأوابد مكابرته ومجادلة له بالتي هي أحسن حتى إذا جاء للحق وأنصف من نفسه يرتَقي معه في درجات الجدل؛ ولذلك جاء بعده {ولن تفعلوا} كأن المتحدي يتدبر في شأنهم، ويزن أمرهم فيقول أولاً ائتوا بسورة، ثم يقول: قدروا أنكم لا تستطيعون الإتيان بمثله وأعدوا لهاته الحالة مخلصاً منها ثم يقول: ها قد أيقنت وأيقنتم أنكم لا تستطيعون الإتيان بمثله، مع ما في هذا من توفير دواعيهم على المعارضة بطريق المخاشنة والتحذير. ولذلك حسن موقع (لن) الدالة على نفي المستقبل فالنفي بها آكد من النفي بلا، ولهذا قال سيبويه لا لنفي يفعل، ولن لنفي سيفعل فقد قال الخليل إن لن حرف مختزل من لا النافية وأن الاستقبالية وهو رأي حسن وإذا كانت لنفي المستقبل تدل على النفي المؤبد غالباً لأنه لما لم يوقت بحد من حدود المستقبل دل على استغراق أزمنته إذ ليس بعضها أولى من بعض ومن أجل ذلك قال الزمخشري بإفادتها التأبيد حقيقة أو مجازاً وهو التأكيد، وقد استقريت مواقعها في القرآن وكلام العرب فوجدتها لا يؤتى بها إلا في مقام إرادة النفي المؤكد أو المؤبد. وكلام الخليل في أصل وضعها يؤيد ذلك فمن قال من النحاة إنها لا تفيد تأكيداً ولا تأبيداً فقد كابر. وقوله: {ولن تفعلوا} من أكبر معجزات القرآن فإنها معجزة من جهتين: الأولى أنها أثبتت أنهم لم يعارضوا لأن ذلك أبعث لهم على المعارضة لو كانوا قادرين، وقد تأكد ذلك كله بقوله قبل {أية : إن كنتم صادقين}تفسير : [البقرة: 23] وذلك دليل العجز عن الإتيان بمثله فيدل على أنه كلام مَن قدرتهُ فوق طوق البشر. الثانية أنه أخبر بأنهم لا يأتون بذلك في المستقبل فما أتى أحد منهم ولا ممن خلَفهم بما يعارض القرآن فكانت هاته الآية معجزة من نوع الإعجاز بالإخبار عن الغيب مستمرة على تعاقب السنين فإن آيات المعارضة الكثيرة في القرآن قد قرعت بها أسماع المعاندين من العرب الذين أبوا تصديق الرسول وتواترت بها الأخبار بينهم وسارت بها الركبان بحيث لا يسع ادعاء جهلها، ودواعي المعارضة موجودة فيهم، ففي خاصتهم بما يأنسونه من تأهلهم لقول الكلام البليغ وهم شعراؤهم وخطباؤهم. وكانت لهم مجامع التقاول ونوادي التشاور والتعاون، وفي عامتهم وصعاليكهم بحرصهم على حث خاصتهم لدفع مسبة الغلبة عن قبائلهم ودينهم والانتصار لآلهتهم وإيقاف تيار دخول رجالهم في دين الإسلام، مع ما عرف به العربي من إباءة الغلبة وكراهة الاستكانة. فما أمسك الكافة عن الإتيان بمثل القرآن إلا لعجزهم عن ذلك وذلك حجة على أنه منزل من عند الله تعالى، ولو عارضه واحد أو جماعة لطاروا به فرحاً وأشاعوه وتناقلوه فإنهم اعتادوا تناقل أقوال بلغائهم من قبل أن يغريهم التحدي فما ظنك بهم لو ظفروا بشيء منه يدفعون به عنهم هذه الاستكانة وعدم العثور على شيء يدعى من ذلك يوجب اليقين بأنهم أمسكوا عن معارضته، وسنبين ذلك بالتفصيل في آخر تفسير هذه الآية. و {تفعلوا} الأول مجزوم بلم لا محالة لأن (إن) الشرطية دخلت على الفعل بعد اعتباره منفياً فيكون معنى الشرط متسلطاً على (لم) وفعلها فظهر أن ليس هذا متنازع بين إن ولم في العمل في {تفعلوا} لاختلاف المعنيين فلا يفرض فيه الاختلاف الواقع بين النحاة في صحة تنازع الحرفين معمولاً واحداً كما توهمه ابن العلج أحد نحاة الأندلس نسبه إليه في «التصريح على التوضيح» على أن الحق أنه لا مانع منه مع اتحاد الاقتضاء من حيث المعنى وقد أخذ جوازه من كلام أبي علي الفارسي في «المسائل الدمشقيات» ومن كتاب «التذكرة» له أنه جعل قول الراجز:شعر : حتى تراها وكأنَّ وكأنْ أعناقُها مُشَرَّفَات في قَرَن تفسير : من قبيل التنازع بين كأنَّ المشددة وكأنْ المخففة. وقوله: {فاتقوا النار} أثر لجواب الشرط في قوله: {فإن لم تفعلوا} دل على جمل محذوفة للإيجاز لأن جواب الشرط في المعنى هو ما جيء بالشرط لأجله وهو مفاد قوله: {أية : وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا}تفسير : [البقرة: 23]، فتقدير جواب قوله {فإن لم تفعلوا} أنه: "فأيقنوا بأن ما جاء به محمد منزل من عندنا وأنه صادق فيما أمركم به من وجوب عبادة الله وحده واحذروا إن لم تمتثلوا أمره عذاب النار"، فوقع قوله: {فاتقوا النار} موقع الجواب لدلالته عليه وإيذانه به وهو إيجاز بديع وذلك أن اتقاء النار لم يكن مما يؤمنون به من قبل لتكذيبهم بالبعث فإذا تبين صدق الرسول لزمهم الإيمان بالبعث والجزاء. وإنما عُبّر بلم تفعلوا ولن تفعلوا دون فإن لم تأتوا بذلك ولن تأتوا كما في قوله تعالى: {قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم} إلى قوله: {أية : فإن لم تأتوني به}تفسير : [يوسف: 59، 60] الخ لأن في لفظ {تفعلوا} هنا من الإيجاز ما ليس مثلُه في الآية الأخرى إذ الإتيان المتحدَّى به في هذه الآية إتيان مكيف بكيفية خاصة وهي كون المأتيِّ به مثلَ هذا القرآن ومشهوداً عليه ومستعاناً عليه بشهدائهم فكان في لفظ {تفعلوا} من الإحاطة بتلك الصفات والقيود إيجاز لا يقتضيه الإتيان الذي في سورة يوسف. والوَقود بفتح الواو اسم لما يوقد به، وبالضم مصدر وقيل بالعكس، وقال ابن عطية حُكي الضم والفتح في كل من الحطب والمصدر. وقياس فَعول بفتح الفاء أنه اسم لما يُفعل به كالوَضوء والحَنوط والسَّعوط والوَجور إلاَّ سبعة ألفاظ وردت بالفتح للمصدر وهي الوَلوع والقَبول والوَضوء والطَّهور والوَزوع واللَّغوب والوَقود. والفتح هنا هو المتعين لأن المراد الاسم وقرىء بالضم في الشاذ وذلك على اعتبار الضم مصدراً أو على حذف مضاف أي ذَوُو وَقودِها الناسُ. والناس أريد به صنف منهم وهم الكافرون فتعريفه تعريف الاستغراق العرفي ويجوز أن يكون تعريف العهد لأن كونهم المشركين قد علم من آيات أخرى كثيرة. والحجارة جمع حجر على غير قياس وهو وزن نادر في كلامهم جمعوا حجراً عن أحجار وألحقوا به هاء التأنيث قال سيبويه كما ألحقوها بالبُعولة والفُحولة. وعن أبي الهيثم أن العرب تدخل الهاء في كل جمع على فِعال أو فُعول لأنه إذا وقف عليه اجتمع فيه عند الوقف ساكنان أحدهما الألف الساكنة والثاني الحرف الموقوف عليه أي استحسنوا أن يكون خفيفاً إذا وقفوا عليه، وليس هو من اجتماع الساكنين الممنوع، ومن ذلك عِظامة ونِفارة وفِحالة وحِبالة وذِكارة وفُحولة وحُمولة (جموعاً) وبِكارة جمع بَكرٍ (بفتح الباء) ومِهارة جمع مُهر. ومعنى وقودها الحجارة أن الحجر جعل لها مكانَ الحطب لأنه إذا اشتعل صار أشد إحراقاً وأبطأَ انطفاءً ومن الحجارة أصنامهم فإنها أحجار وقد جاء ذلك صريحاً في قوله تعالى: {أية : إنكم وما تعبدون من دون الله حصَب جهنم}تفسير : [الأنبياء: 98]. وفي هذه الآية تعريض بتهديد المخاطبين والمعنى المعرض به فاحذروا أن تكونوا أنتم وما عبدتم وَقود النار وقرينة التعريض قوله: {فاتقوا} وقوله: {والحجارة} لأنهم لما أمروا باتقائها أَمْرَ تحذير علموا أنهم هم الناس، ولما ذكرت الحجارة علموا أنها أصنامهم، فلزم أن يكون الناس هم عُبَّاد تلك الأصنام فالتعريض هنا متفاوت فالأول منه بواسطة واحدة والثاني بواسطتين. وحكمة إلقاء حجارة الأصنام في النار مع أنها لا تظهر فيها حكمة الجزاء أن ذلك تحقير لها وزيادةُ إظهارِ خطإ عَبَدَتِها فيما عَبَدوا، وتكررٌ لحسرتهم على إهانتها، وحسرتِهم أيضاً على أنْ كان ما أعدوه سبباً لعزهم وفخرهم سبباً لعذابهم، وما أعدوه لنجاتهم سبباً لعذابهم، قال تعالى: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم} الآية. وتعريف (النار) للعهد ووصفها بالموصول المقتضي علم المخاطبين بالصلة كما هو الغالب في صلة الموصول لتنزيل الجاهل منزلة العالم بقصد تحقيق وجود جهنم، أو لأن وصف جهنم بذلك قد تقرر فيما نزل قبلُ من القرآن كقوله تعالى في سورة التحريم (6): {أية : يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة} تفسير : وإن كانت سورة التحريم معدودة في السور التي نزلت بعد سورة البقرة فإن في صحة ذلك العد نظراً، أو لأنه قد عُلم ذلك عندهم من أخبار أهل الكتاب. وفي جعل الناس والحجارة وقوداً دليل على أن نار جهنم مشتعلة من قبل زَجِّ الناس فيها وأن الناس والحجارة إنما تتقد بها لأن نار جهنم هي عنصر الحرارة كلها كما أشار إليه حديث الموطأ: «حديث : إن شدة الحر من فيح جهنم»تفسير : فإذا اتصل بها الآدمي اشتعل ونضج جلده وإذا اتصلت بها الحجارة صهرت، وفي الاحتراق بالسيال الكهربائي نموذج يقرِّب ذلك للناس اليوم. وروي عن ابن عباس أن جهنم تتقد بحجارة الكبريت فيكون نَموذَجُها البراكين الملتهبة. وقوله: {أعدت للكافرين} استئناف لم يُعطف لقصد التنبيه على أنه مقصود بالخبرية لأنه لو عطف لأوهم العطف أنه صفة ثانية أو صلة أخرى وجعلة خبراً أهول وأفخم وأدخل للروع في قلوب المخاطبين وهو تعريض بأنها أعدت لهم ابتداء لأن المحاورة معهم. وهذه الآية قد أثبتت إعجاز القرآن إثباتاً متواتراً امتاز به القرآن عن بقية المعجزات، فإن سائر المعجزات للأنبياء ولنبينا عليهم الصلاة والسلام إنما ثبتت بأخبار آحاد وثبت من جميعها قدر مشترك بين جميعها وهو وقوع أصل الإعجاز بتواتر معنوي مثل كرم حاتم وشجاعة عمرو فأما القرآن فإعجازه ثبت بالتواتر النقلي أدرك معجزته العرب بالحس، وأدركها عامة غيرهم بالنقل، وقد تدركها الخاصة من غيرهم بالحس كذلك على ما سنبينه. أما إدراك العرب معجزة القرآن فظاهر من هذه الآية وأمثالها فإنهم كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وناوؤُه وأعرضوا عن متابعته فحاجهم على إثبات صدقه بكلام أوحاه الله إليه، وجعل دليل أنه من عند الله عجزهم عن معارضته فإنه مركب من حروف لغتهم ومن كلماتها وعلى أساليب تراكيبها، وأودع من الخصائص البلاغية ما عرفوا أمثاله في كلام بلغائهم من الخطباء والشعراء ثم حاكمهم إلى الفصل في أمر تصديقه أو تكذيبه بحكم سهل وعدل، وهو معارضتهم لما أتى به أو عجزهم عن ذلك نطق بذلك القرآن في غير موضع كهاته الآية فلم يستطيعوا المعارضة فكان عجزهم عن المعارضة لا يعدو أمرين: إما أن يكون عجزهم لأن القرآن بلغ فيما اشتمل عليه من الخصائص البلاغية التي يقتضيها الحال حد الإطاقة لأذهان بلغاء البشر بالإحاطة به، بحيث لو اجتمعت أذهانهم وانقدحت قرائحهم وتآمروا وتشاوروا في نواديهم وبطاحهم وأسواق موسمهم، فأبدى كل بليغ ما لاح له من النكت والخصائص لوجدوا كل ذلك قد وفت به آيات القرآن في مثله وأتت بأعظم منه، ثم لو لحق بهم لاحق، وخلف من بعدهم خلف فأبدى ما لم يبدوه من النكت لوجد تلك الآية التي انقدحت فيها أفهام السابقين وأحصت ما فيها من الخصائص قد اشتملت على ما لاح لهذا الأخير وأوفر منه، فهذا هو القدر الذي أدركه بلغاء العرب بفطرهم، فأعرضوا عن معارضته علماً بأنهم لا قبل لهم بمثله، وقد كانوا من علو الهمة ورجاحة الرأي بحيث لا يعرضون أنفسهم للافتضاح ولا يرضون لأنفسهم بالانتقاص لذلك رأوا الإمساك عن المعارضة أجدى بهم واحتملوا النداء عليهم بالعجز عن المعارضة في مثل هذه الآية، لعلهم رأوا أن السكوت يقبل من التأويل بالأنفة ما لا تقبله المعارضة القاصرة عن بلاغة القرآن فثبت أنه معجز لبلوغه حداً لا يستطيعه البشر فكان هذا الكلام خارقاً للعادة ودليلاً على أن الله أوجده كذلك ليكون دليلاً على صدق الرسول فالعجز عن المعارضة لهذا الوجه كان لعدم القدرة على الإتيان بمثله وهذا هو رأي جمهور أهل السنة والمعتزلة وأعيان الأشاعرة مثل أبي بكر الباقلاني وعبد القاهر الجرجاني وهو المشهور عن الأشعري. وقد يجوز أن يكونوا قادرين على الإتيان بمثله ممكنة منهم المعارضة ولكنهم صرفهم الله عن التصدي لها مع توفر الدواعي على ذلك فيكون صدهم عن ذلك مع اختلاف أحوالهم أمراً خارقاً للعادة أيضاً وهو دليل المعجزة، وهذا مذهب من قول ذهب إليه فريق وقد ذكره أبو بكر الباقلاني في كتابه في «إعجاز القرآن» ولم يعين له قائلاً وقد نسبه التفتزاني في كتاب «المقاصد» إلى القائلين إن الإعجاز بالصرفة وهو قول النظام من المعتزلة وكثير من المعتزلة ونسبه الخفاجي إلى أبي إسحاق الإسفرائيني ونسبه عياض إلى أبي الحسن الأشعري ولكنه لم يشتهر عنه وقال به الشريف المرتضى من الشيعة كما في «المقاصد» وهو مع كونه كافياً في أن عجزهم على المعارضة بتعجيز الله إياهم هو مسلك ضعيف. وقد تقدم الكلام على وجوه إعجاز القرآن تفصيلاً في المقدمة العاشرة من مقدمات هذا التفسير. فإن قلت: لم لا يجوز أن يكون ترك العرب للمعارضة تعاجزاً لا عجزاً؟ وبعد فمن آمننا أن يكون العرب قد عارضوا القرآن ولم ينقل إلينا ما عارضوا به؟ قلت يستحيل أن يكون فعلهم ذلك تعاجزاً فإن محمداً صلى الله عليه وسلم بعث في أمة مناوئة له معادية لا كما بعث موسى في بني إسرائيل موالين معاضدين له ومشايعين فكانت العرب قاطبة معارضة للنبي صلى الله عليه وسلم إذ كذبوه ولمزوه بالجنون والسحر وغير ذلك لم يتبعه منهم إلا نفر قليل مستضعفين بين قومهم لا نصير لهم في أول الدعوة ثم كان من أمر قومه أن قاطعوه ثم أمروه بالخروج بين هم بقتله واقتصار على إخراجه كل هذا ثبت عنهم في أحاديثهم وأقوالهم المنقولة نقلاً يستحيل تواطؤنا عليه على الكذب وداموا على مناوأته بعد خروجه كذلك يصدونه عن الحج ويضطهدون أتباعه إلى آخر ما عرف في التاريخ والسير ولم تكن تلك المناوأة في أمد قصير يمكن في خلاله كتم الحوادث وطي نشر المعارضة فإنها مدة تسع عشرة سنة إلى يوم فتح مكة. لا جرم أن أقصى رغبة لهم في تلك المدة هي إظهار تكذيبه انتصاراً لأنفسهم ولآلهتهم وتظاهراً بالنصر بين قبائل العرب كل هذا ثبت بالتواتر عند جميع الأمم المجاورة لهم من فرس وروم وقبط وأحباش. ولا جرم أن القرآن قصر معهم مسافة المجادلة وهيأ لهم طريق إلزامه بحقية ما نسبوه إليه فأتاهم كتاباً منزلاً نجوماً ودعاهم إلى المعارضة بالإتيان بقطعة قصيرة مثله وأن يجمعوا لذلك شهداءهم وأعوانهم نطق بذلك هذا الكتاب، كل هذا ثبت بالتواتر فإن هذا الكتاب متواتر بين العرب ولا يخلو عن العلم بوجوده أهل الدين من الأمم وإن اشتماله على طلب المعارضة ثابت بالتواتر المعلوم لدينا فإنه هو هذا الكتاب الذي آمن المسلمون قبل فتح مكة به وحفظوه وآمن به جميع العرب أيضاً بعد فتح مكة فألفوه كما هو اليوم شهدت على ذلك الأجيال جيلاً بعد جيل. وقد كان هؤلاء المتحدون المدعوون إلى المعارضة بالمكانة المعروفة من أصالة الرأي واستقامة الأذهان، ورجحان العقول وعدم رواج الزيف عليهم، وبالكفاءة والمقدرة على التفنن في المعاني والألفاظ تواتر ذلك كله عنهم بما نقل من كلامهم نظماً ونثراً وبما اشتهر وتواتر من القدر المشترك من بين المرويات من نوادرهم وأخبارهم فلم يكن يعوزهم أن يعارضوه لو وجدوه على النحو المتعارف لديهم فإن صحة أذهانهم أدركت أنه تجاوز الحد المتعارف لديهم فلذلك أعرضوا عن المعارضة مع توفر داعيهم بالطبع وحرصهم لو وجدوا إليه سبيلاً ثبت إعراضهم عن المعارضة بطريق التواتر إذ لو وقع مثل هذا لأعلنوه وأشاعوه وتناقله الناس لأنه من الحوادث العظيمة فعدلوا عن المعارضة باللسان إلى المحاربة والمكافحة، ثبت ذلك بالتواتر لا محالة عند أهل التاريخ وغيرهم. وأياً ما جعلت سبب إعراضهم عن المعارضة من خروج كلامه عن طوق البشر أو من صرف الله أذهانهم عن ذلك فهو دليل على أمر خارق للعادة كان بتقدير من خالق القدر ومعجز البشر. ووراء هذا كله دليل آخر يعرفنا بأن العرب بحسن فطرتهم قد أدركوا صدق الرسول وفطنوا لإعجاز القرآن وأنه ليس بكلام معتاد للبشر وأنهم ما كذبوا إلا عناداً أو مكابرة وحرصاً على السيادة ونفوراً من الاعتراف بالخطأ، ذلك الدليل هو إسلام جميع قبائل العرب وتعاقبهم في الوفادة بعد فتح مكة فإنهم كانوا مقتدين بقريش في المعارضة مكبرين المتابعة لهذا الدين خشية مسبة بعضهم وخاصة قريش ومن ظاهرهم، فلما غلبت قريش لم يبق ما يصد بقية العرب عن المجيء طائعين معترفين عن غير غلب فإنهم كانوا يستطيعون الثبات للمقارعة أكثر مما ثبتت قريش إذ قد كان من تلك القبائل أهل البأس والشدة من عرب نجد وطىء وغيرهم ممن اعتز بهم الإسلام بعد ذلك فإنه ليس مما عرف في عوائد الأمم وأخلاقها أن تنبذ قبائل عظيمة كثيرة أدياناً تعتقد صحتها وتجيء جميعها طائعاً نابذاً دينه في خلال أشهر من عام الوفود لم يجمعهم فيه ناد ولم تسر بينهم سفراء ولا حشرهم مجمع لولا أنهم كانوا متهيئين لهذا الاعتراف لا يصدهم عنه إلا صاد ضعيف وهو المكابرة والمعاندة. ثم في هذه الآية معجزة باقية وهي قوله: {ولن تفعلوا} فإنها قد مرت عليها العصور والقرون وماصدقها واضح إذ لم تقع المعارضة من أحد من المخاطبين ولا ممن لحقهم إلى اليوم. فإن قلت: ثبت بهذا أن القرآن معجز للعرب وبذلك ثبت لديهم أنه معجزة وثبت لديهم به صدق الرسول ولكن لم يثبت ذلك لمن ليس مثلهم فما هي المعجزة لغيرهم؟ قلت إن ثبوت الإعجاز لا يستلزم مساواة الناس في طريق الثبوت فإنه إذا أعجز العرب ثبت أنه خارق للعادة لما علمت من الوجهين السابقين فيكون الإعجاز للعرب بالبداهة ولمن جاء بعدهم بالاستدلال والبرهان وهما طريقان لحصول العلم. وبعد فإن من شاء أن يدرك الإعجاز كما أدركه العرب فما عليه إلا أن يشتغل بتعلم اللغة وأدبها وخصائصها حتى يساوي أو يقارب العرب في ذوق لغتهم ثم ينظر بعد ذلك في نسبة القرآن من كلام بلغائهم ولم يخل عصر من فئة اضطلعت بفهم البلاغة العربية وأدركت إعجاز القرآن وهم علماء البلاغة وأدب العربية الصحيح. قال الشيخ عبد القاهر في مقدمة «دلائل الإعجاز» فإن قال قائل إن لنا طريقاً إلى إعجاز القرآن غير ما قلت (أي من توقفه على علم البيان) وهو علمنا بعجز العرب عن أن يأتوا بمثله وتركهم أن يعارضوه مع تكرار التحدي عليهم وطول التقريع لهم بالعجز عنه ولو كان الأمر كذلك ما قامت به الحجة على العجم قيامها على العرب وما استوى الناس فيه قاطبة فلم يخرج الجاهل بلسان العرب عن أن يكون محجوجاً بالقرآن قيل له خبرنا عما اتفق عليه المسلمون من اختصاص نبينا عليه السلام بأن كانت معجزته باقية على وجه الدهر أتعرف له معنى غير ألا يزال البرهان منه لائحاً معرضاً لكل من أراد العلم به والعلم به ممكناً لمن التمسه وألا معنى لبقاء المعجزة بالقرآن إلا أن الوصف الذي كان به معجزاً قائم فيه أبداً ا هـ. وقال السكاكي في معرض التنويه ببعض مسائل التقديم قوله: «متوسلاً بذلك إلى أن يتأنق في وجه الإعجاز في التنزيل منتقلاً مما أجمله عجز المتحدين به عندك إلى التفصيل» وقد بينت في المقدمة العاشرة تفاصيل من وجوه إعجازه فقد اشتملت هذه الآية على أصناف من الإعجاز إذ نقلت الإعجاز بالتواتر وكانت ببلاغتها معجزة، وكانت معجزة من حيث الإخبار عن المستقبل كله بما تحقق صدقه فسبحان منزلها ومؤتيها.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ}. هذه الحجارة قال كثير من العلماء: إنها حجارة من كبريت. وقال بعضهم: إنها الأصنام التي كانوا يعبدونها. وهذا القول يبينه ويشهد له قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98] الآية...
د. أسعد حومد
تفسير : {لِلْكَافِرِينَ} (24) - فَإِنْ لَم يَسْتَطِيعُوا هُمْ وِشُرَكَاؤهُمْ وَشُهَداؤهُمْ أَنْ يَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ (وَهُمْ لَنْ يَسْتَطِيعُوا ذلِكَ أَبَداً مَهْمَا طَالَ الزَّمَنُ) فَلْيَعْلَمُوا أَنَّ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ هُوَ مِنْ وَحيِ اللهِ، وَأَنَّهُ صَادِقٌ في دَعْوَتِهِ، وَفِيما يُبَلِّغُهُ عَنْ رَبِّهِ، وَيَكُونُونَ هُمُ المُكَابِرِينَ المُعانِدِينَ المُكَذِّبينَ بِالحَقِّ، وَعَلَيهِمْ أَنْ يَخْشَوْا عَذَابَ اللهِ وَنَارَهُ التِي يَكُونُ النَّاسُ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ أَصْنَامٍ وَحِجَارَةٍ ... مِنَ الوَقُودِ الذِي تَشْتَعِلُ بِهِ، وَهِيَ مُعَدَّةٌ لِتَعْذِيبِ الكَافِرِينَ الجَاحِدِينَ المُعَانِدِينَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن تحدث الله سبحانه وتعالى عن الأدلة التي يستند إليها المشككون في القرآن الكريم، وهي أدلة لا تستند إلى عقل ولا إلى منطق تحداهم بأن يأتوا بسورة مثل القرآن، وأن يستعينوا بمَنْ يريدون من دون الله، لأن القرآن كلام الله، والله سبحانه هو القائل. وبما أنهم يحاولون التشكيك في أن القرآن كلام الله، وأنه مُنَزَّلٌ من عند الله، فليستعينوا بمَنْ يريدون ليأتوا بآية من مثله، لأن التحدي هنا لا يمكن أن يتم إلا إذا استعانوا بجميع القوى ما عدا الله سبحانه وتعالى. ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك بالنتيجة قبل أن يتم التحدي. لأن الله سبحانه وتعالى يعلم أنهم لن يفعلوا ولن يستطيعوا. إن قوله سبحانه: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ..} [البقرة: 24] معناه: أنه حكم عليهم بالفشل وقت نزول القرآن وبعد نزول القرآن إلى يوم القيامة؛ لأن الله لا يخفى عن علمه شيء، فهو بكل شيء عليم. وكلمة "لم تفعلوا" عندما تأتي قد تثير الشك. فنحن نعرف أن مجيء "إن" الشرطية يثير الشك .. لأن الأمر لكي يتحقق يتعلق بشرط. وأنت إن قلت: إن ذاكرت تنجح، ففي المسألة شك .. أما إذا قلت كقول الحق {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ} تفسير : [النصر: 1] فمعنى ذلك أن نصر الله آت لا محالة. و"إن" حرف و"إذا" ظرف، وكل حدث يحتاج إلى مكان وزمن. فإذا جئت بأداة الشرط فمعنى ذلك أنك تقربها من عنصر تكوين الفعل والحدث. فإذا أردت أن تعبر عن شيء سيتحقق تقول إذا، وإذا أردت أن تشكك فيه تقول "إن" والله سبحانه وتعالى قال "فإن لم تفعلوا" ولأن الفعل ممكن الحدث أراد أن يُرَجِّح الجانب المانع فقال: "ولن تفعلوا" هذا أمر اختياري. فإذا تكلمت عن أمر اختياري ثم حكمت أنه لن يحدث، فكأن قدرتك هي التي منعته من الفعل، فلا يقال إنك قهرته على ألا يفعل. لا، بل علمت أنه لن يفعل. فاستعداداته لا يمكن أن تمكنه من الفعل. وهذه أمور ضمن اخبارات القرآن الكريم في القضايا الغيبية التي أخبر عنها، فعندما يقول الله سبحانه وتعالى {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ..} تفسير : [النمل: 14] معناها: أنهم مصدقون، ولكن ألسنتهم لا تعترف بذلك. وقوله تعالى {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ ..} [البقرة: 24] معناها: أن الشك مفتعل في نفوسهم؛ هم لا يريدون أن يؤمنوا؛ ولذلك يأتون بسبب مفتعل لعدم الإيمان. لقد استقر فكرهم على أنهم لا يؤمنون، وما دام هذا هو ما قررتموه. فإنكم ستظلون تبحثون عن أسباب ملفقة لعدم الإيمان. وقوله تعالى: {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ ..} [البقرة: 24]. الحق سبحانه وتعالى يريد هنا أن يلفتنا إلى صورة أخرى عن عجز هؤلاء الكفار. فهم بحثوا عن أعذار، ليبرروا بها عدم إيمانهم، وتظاهروا بأنهم يشكون في القرآن الكريم. فكأنّه يقول لهم: لو كانت لكم قدرة وذاتية فعلاً فامنعوا أنفسكم من دخول النار يوم القيامة. كما منعتم انفسكم من الإيمان في الدنيا. وهذا وعيد من الله. لقد أعطاهم ذاتية الاختيار في الدنيا، ولم يختاروا قهراً بل اختاروا عدم الإيمان بمشيئة الاختيار التي أعطاه الله لهم، ولكن هناك وقتاً ليس فيه اختيار وهو الآخرة، فحاولوا أن تتقوا في الآخرة عذاب النار يوم القيامة، ولكن لن يكون لأحد اختيار، فالله سبحانه وتعالى يقول في ذلك اليوم: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر: 16]. ويقول جل جلاله: {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} تفسير : [الانفطار: 19]. فإرادتكم التي منعتكم من الإيمان .. لن تقيكم يومئذ من عذاب النار. واقرأ قوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 98]. لماذا هم وما يعبدون؟ لأن العابد يرتجي نفع المعبود. فكأنهما عندما يرى كل منهما الآخر في العذاب تكون الحسرة أشد، ولذلك فإن الحجارة والأصنام التي يعبدونها ستكون معهم في النار يوم القيامة، وليس هذا عقاباً للأحجار والأصنام لأنها خلق مقهور لله مُسَبِّح له، ولكن هذه الأصنام والأحجار تكون راضية وهي تحرق الذين كفروا بالله، وتقول: عبدونا ونحن أعبد لله من المستغفرين بالأسحار. وقوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] الله سبحانه وتعالى يخبرهم وهم في الدنيا، أن النار أعدت للكافرين، وهذا تطمين غاية الاطمئنان للمؤمن. وإرهاب غاية الإرهاب للكافر .. وقوله تعالى {أُعِدَّتْ ..} [البقرة: 24] معناها: أنها موجودة فعلاً، وإن لم نكن نراها، وأنها مخلوقة، وإن كانت محجوبة عنا. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : عُرِضَتْ عليّ الجنة ولو شئتُ أن آتيكم منها بقطافٍ لفعلتُ ". تفسير : وهذا دليل على أنها موجودة فعلاً. والمؤمن حينما يعلم أن الجنة موجودة فعلاً، وأن الإيمان سيقوده إليها، فإنه يحس بالسعادة ويشتاق للجنة، فإذا سمع قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ * ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [المؤمنون: 10-11]. ساعة تقرأ هذه الآية الكريمة تعرف أن الله سبحانه وتعالى سيجعلك في الجنة تأخذ ما كان لغيرك. لأن الميراث يأتيك من غيرك. وقد سبق علم الله سبحانه وتعالى خلق الناس جميعاً. وقبل أن يخلق أعدَّ لكل فرد مِنْ خلقه مقعداً في النار ومقعداً في الجنة. الذين سيدخلون النار خالدين فيها، مقاعدهم في الجنة ستكون خالية، فيأتي الله سبحانه وتعالى يعطيها للمؤمنين ليرثوها فوق مقاعدهم ومنازلهم في الجنة. والحق سبحانه عندما يقول: {أُعِدَّتْ ..} [البقرة: 24] فهي موجودة فعلاً.
الأندلسي
تفسير : ولما كان الأمر أمر تهكم وتعجيز أخبر أنهم ليسوا قادرين على المعارضة بقوله: ولن تفعلوا. وجاء بلن وإن كان الغالب أنها تدخل على الممكن تهكماً بهم على أنها ربما تدخل على الممتنع وعبر بالفعل عن الاتيان لأنه ما من شيء من الاحداث إلا يصح أن يعبر عنه بالفعل. وفي كتاب ابن عطية تعليل غريب لعمل لم الجزم. قال: وجزمت لم لأنها أشبهت لا في التبرئة في أنهما ينفيان وكما تحذف لا تنوين الاسم كذلك تحذف لم الحركة ولن تفعلوا إثارة لهممهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبلغ وفيه دليل على إثبات النبوة إذ هو إخبار بالغيب ولم يقع من أحد معارضة أصلاً ولن تفعلوا جملة اعتراض لا موضع لها من الإِعراب. وقال الزمخشري: واقتران الفعل بلن في هذه الجملة دون لا وان كانتا أختين في نفس المستقبل، لأن في لن توكيد أو تشديد أتقول لصاحبك لا أقيم غداً. فإِن أنكر عليك قلت: لن أقيم غداً كما تفعل في أنا مقيم واني مقيم. "انتهى". وهذا مخالف لما حكي عنه أنّ لن تقتضي التأبيد فيما نفي. وقال ابن خطيب: زملكاً لن تنفي ما قرب ولا يمتد النفي فيها وهذا يكاد يكون عكس قول الزمخشري وكون لن تقتضي التأكيد أو التأبيد أو نفي ما قرب أقوال متأخرين والرجوع ذلك لمستقرىء اللسان سيبويه ومن في طبقته قال سيبويه: لن نفي لقول سيفعل، ولا نفي لقول يفعل. "انتهى". وهو نص على أنهما ينفيان المستقبل. {فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} جواب على الشرط الذي هو فإِن لم تفعلوا وكني به عن ترك العناد لأن من عاند بعد وضوح الحق له استوجب العقاب بالنار واتقاء النار من نتائج ترك العناد. قيل وعرّفت النار ووصفت بالتي وصلت لتقدم ذكرها في سورة التحريم إذ تلك الآية نزلت بمكة وهذه بالمدينة. وقرىء {وقودها} على أن يراد به الذي توقد به. ووقودها - بضم الواو - وهو مصدر أي ذووا وقودها أو جعلوا المصدر مبالغة وحكي المصدر بالفتح أيضاً وقرىء وقيدها أي موقودها. {وَٱلْحِجَارَةُ} يناسب أن تفسر بالأصنام لقوله تعالى: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}تفسير : [الأنبياء: 98]. أعدت للكافرين الكثير في لسان العرب ان الاعداد لا يكون إلا للموجود وهو التهيئة والارصاد. قال الشاعر: شعر : أعددت للحادثان سابغة وعداء علندا تفسير : وقد تكون فلما هو في معنى الموجود كقوله تعالى: {أية : أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً}تفسير : [الأحزاب: 35]. قال ابن عطية في قوله: أعدت، رد على من قال بأن النار لم تخلق حتى الآن وهذا القول الذي سقط فيه منذر بن سعيد. "انتهى". ولفظه للكافرين لا تدل على اختصاصهم بدخول النار وإنما نص تعالى عليهم لانتظام المخاطبين فيهم والجملة استئناف إخبار. وقال أبو البقاء في موضع: الحال من النار والعامل، واتقوا. "انتهى". وجعلها حالاً لا يظهر إذ يصير المعنى فاتقوا النار في حال إعدادها للكافرين وهي معدة للكافرين اتقى هؤلاء النار أو لم يتقوها فيكون إذ ذاك حالا لازمة. والبشارة أول خبر يرد على الإِنسان وأكثر ما يستعمل في الخير، ولما ذكر الكفار ومآلهم ذكر مقابلهم المؤمنين ومآلهم لتكون الموعظة جامعة بين الوعيد والوعد والمأمور بالتبشير الرسول صلى الله عليه وسلم أو كل من تصح البشارة منه من غير تعيين. قال الزمخشري: وهذا أحسن وأجزل فإِنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة. "انتهى". والوجه الأول عندي أولى لأن أمره عليه السلام بالبشارة مخصوصاً بها أفخم وأجزل وكأنه ما اتكل على أن يبشر المؤمنين كل سامع بل نص على أعظمهم وأصدقهم ليكون ذلك أوثق عندهم وأقطع في الاخبار بهذه البشارة العظيمة إذ تبشيره تبشير من الله تعالى والجملة من "وبشر" معطوفة على ما قبلها وليس الذي اعتمدت بالعطف عليه هو الأمر حتى يطلب مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه، إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والإِزهاق، وبشر عمراً بالعفو والاطلاق: قاله الزمخشري وتبعه أبو البقاء. وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن يكون قوله: وبشر، معطوفاً على قوله: فاتقوا النار، ليكون عطف أمر على أمر. قال الزمخشري: كما تقول: يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بني أسد بإِحساني إليهم. "انتهى". وهذا خطأ لأن قوله: فاتقوا النار، جواب للشروط وموضعه الجزم والمعطوف على الجواب جواب ولا يمكن في قوله: وبشر، أن يكون جواباً لأنه أمر بالبشارة مطلقاً لا على تقدير فإِن لم تفعلوا، بل أمر أن يبشر الذين آمنوا أمراً ليس مترتباً على شيء قبله. وليس قوله: وبشر، على إعرابه مثل ما مثل به من قوله: يا بني تميم إلى آخره. لأن قوله: احذروا لا موضع له من الاعراب، بخلاف قوله: فاتقوا فلذلك أمكن فيما مثل به العطف ولم يمكن في: وبشر. وقرىء: وبشر ماضياً مبنياً للمفعول. قال الزمخشري: عطفاً على أعدت. "انتهى". وهذا الاعراب لا يتأتى على قول من جعل أعدت جملة في موضع الحال، لأن المعطوف على الحال حال، وبشر لا يكون حالاً وبشر يتعدى إلى مفعول بنفسه وإلى آخر بحرف الجر وهو قوله: إن لهم جنات، وحذف منه الحرف وهو في موضع نصب على مذهب الخليل لا في موضع جر خلافاً لمن قال: مذهب الخليل انه في موضع جر وهو ابن مالك قاله في التسهيل وهو كان قليل الالمام بكتاب سيبويه وجاءت صلة الموصول بالماضي لا باسم فاعل دلالة على أن المستحق للتبشير بفضل الله من وقع فيه الإِيمان وتحقق به وبالعمل الصالح. و{ٱلصَّـٰلِحَٰتِ} صفة جرت مجرى الأسماء فوليت العوامل فانتصبت على أنها مفعول به مألْ فيها للجنس لا للعموم، والظاهر أن من اقتصر على الإِيمان فقط دون العمل الصالح لا يكون مبشراً بالجنة من هذه الآية. والجنة: البستان الذي سترت أشجاره أرضه والنهر دون البحر وفوق الجدول وفتح الهاء اللغة العالية. وقال الزمخشري: الجنة: اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاق العاملين لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان. "انتهى". وقوله: على حسب استحقاق العاملين فيه دسيسة الاعتزال. واللام في لهم للاختصاص وتقديم الخبر هنا آكد من تقديم المخبر عنه لقرب عود الضمير على الذين آمنوا فهو أسر للسامع وليست من زائدة. ولا: بمعنى في، فإِن كانت الجنة الأشجار الملتفة ذوات الظل فلا حذف أو الأرض فعلى حذف أي من تحت أشجارها أو غرفها ومنازلها ومن لابتداء الغاية وأحسن أوصاف الجنة جريان الماء الذي هو كالروح لها لذلك لا يكاد يأتي ذكرها إلا مشفوعاً بجري الأنهار. وقال ابن عطية: نسب الجري إلى النهر وإنما يجري الماء وحده توسعاً وتجوز، كما قال: {أية : وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82]. وكما قال الشاعر: شعر : واستب بعدك يا كليب المجلس تفسير : ثم ناقض فقال بعد ذلك بنحو من خمسة أسطار: والأنهار المياه في مجاريها المتطاولة الواسعة. وأل في الأنهار للجنس. وقال الزمخشري: أو يراد أنهارها فعوّض التعريف باللام من تعريف الاضافة. كقوله تعالى: {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً}تفسير : [مريم: 4]. "انتهى". وهذا شيء قاله الكوفيون ولا تكون أل عند البصريين تنوب مناب الاضافة: قيل: أو تكون أل للعهد الثابت في الذهن من الأربعة المذكورة في سورة القتال. والجملة من قوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ} مستأنفة. لما ذكر تبشير المؤمنين بالجنة ووصفت بجري الأنهار تشوقت الجملة النفوس إليها وإلى ذكر حال المؤمنين فيها فبدأ بذكر ملاذها والأهم منها فقيل: كلما. وجعل الجملة صفة للجنان أو في موضع رفع على الابتداء مضمراً هي كلما أوهم كلما مرجوح لافتقارها في هذين الوجهين إلى موصوف أو إلى محذوف واستقلالها إذا كانت استئنافاً. وأجاز أبو البقاء أن تكون حالاً من الذين آمنوا أي مرزوقين على الدوام ولا يتم إلا إن كانت حالاً مقدرة لأنهم وقت التبشير لم يكونوا مرزوقين ولا قائلين هذا الذي رزقنا من قبل. والضمير في "منها" عائد على الجنات ومن ثمرة بدل اشتمال أعيد معه الجار. ومن لابتداء الغاية فيهما ويتعلقان برزقوا على جهة البدل. وجاز الزمخشري أن يكون من ثمرة بياناً قال على منهاج قولك: رأيت منك أسد. "انتهى". وكون من للبيان ليس بمذهب للمحقين وقد تأولوا ما استدل به القائلون بأنّ من تكون للبيان. وعلى تقدير أن تكون من تأتي للبيان لا يتمشى هذا، لأن البيانية ان كان قبلها معرفة قدر مكانها مضمر صدر الموصول يكون كتلك المعرفة وإن كان قبلها نكرة قدر ضمير مكان من، ويكون ما دخلت عليه خبراً لذلك الضمير، وهذان التقديران تفسيراً معنى لا تفسير إعراب ولا يجيئان هذان التقديران هنا. وأما: رأيت منك أسداً، فمن لابتداء الغاية. إذ للغاية ابتداء وانتهاء، نحو: أخذته منك ولا يراد بالواحد الشخص الواحد من التفاح مثلاً، بل المراد والله أعلم: النوع من أنواع الثمار. وقال الزمخشري: وعلى هذا، أي على تقدير أن تكون بياناً يصح أن يراد بثمره النوع من الثمار والجنات الواحدة. "انتهى". وهذا تقريع على أن من تكون بياناً. ورزقاً أي مرزوقاً وتبعه فيه المصدرية لقوله هذا "واتوا" وهذا الذي مبتدأ وخبر أي مثل الذي وحذف مثل لاستحكام الشبه حتى كان هذه العين تلك. ومن قبل متعلق برزقنا وهو مقطوع عن الإِضافة والتقدير من قبل المرزوق. وهذا (وقال) ابن عطية: هذا إشارة إلى الجنس أي هذا من الجنس الذي رزقناه من قبل. "انتهى". فيصير التركيب هذا الجنس من هذا الجنس ولعل الناسخ صحف مثل بمن أي هذا الجنس مثل الجنس ومعنى قالوا أي قال بعضهم لبعض، وذلك على سبيل التذكر لنعم الله. وقيل: ذلك على سبيل التعجب يرزقون الثمرة ثم مثلها صورة والطعم مختلف فيتعجبون. "وأتوا" مبنيّ للمفعول والآتي بتلك الخدم والولدان. وقرىء وأتوا مبنياً للفاعل وهو إضمار الآتين دل عليه المعنى ألا ترى إلى قوله: {أية : وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ} تفسير : [الإنسان: 19]. الآية. والضمير في "به" عائد على الرزق الذي هو من الثمار كما أن هذا إشارة إليه. وقال الزمخشري: فإِن قلت: إلى (م) يرجع الضمير في قوله: وأتوا به؟ قلت: إلى المرزوق في الدنيا والآخرة لأن قوله: هذا الذي رزقنا من قبل انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين. "انتهى". وهذا غير ظاهر بل الظاهر أن يعود به على المرزوق في الآخرة لأنه هو المحدث عنه والمشبه بالذي رزقوه من قبل مع أنه إذا فسرت القبلية بما في الجنة تعين عود الضمير إلى المرزوق في الجنة ولا سيما إذا أعربت الجملة من قوله: وأتوا حالاً، أي قالوا كذا وقد أتوا به، أو كانت معطوفة على قالوا: لأن ما في حيز كلما والعامل فيها مستقبل المعنى لأنها لا تخلو من معنى الشرط، أو كانت مستأنفة لأن هذه الجمل إنما جيىء بها محدّثاً عن الجنة وأحوالها وكونه مخبراً عن المرزوق في الدنيا والآخرة انه متشابه ليس من حديث الجنة إلا بتكلف. و{مُتَشَٰبِهاً} حال من الضمير في به، أي بالمرزوق في حال تشابهه وأطلق التشابه ولم يقيده وقيده المفسرون بمحتملات. وقال الزمخشري: إن ثمر الجنة متشابه بثمر الدنيا وأطال القول في ذلك والذي يظهر أن المتشابه فيه كونه يشابه بعضه بعضاً في أعلا غاية الجودة ليس فيه تنافر كما في ثمر الدنيا إذ تجد النوع الواحد مختلفاً في الجودة والرداءة اختلافاً كثيراً ويتباين حتى يساوي بعض النوع إضعاف ما يساوي بعضه ولما كانت مجامع اللذة في المسكن البهيّ والمشرب الرويّ والمطعم الشهيّ والمنكح الوضيّ ذكرها تعالى فيما بشر به المؤمنين وبدأ بالمسكن لأن به الاستقرار، ثم بالمشرب والمطعم لأن بهما قوام الجسم، ثم بالأزواج لأن لها تمام اللذة والأنس. فقال: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} والأولى أن تكون جملة مستأنفة كما اخترنا في كلما لأن في جعلها استئنافا اعتناء بالجملة إذ سيقت كلاماً تاماً لا يحتاج إلى ارتباط صناعي. وأزواج مبتدأ ورفعه يدل على الاستئناف إذ لم يشرك مع جنات في العامل. والمراد بالأزواج القرناء من النساء اللاتي تختص بالرجل لا يشركه فيها غيره. ففي الحديث الصحيح ما يدل على كثرة الأزواج للرجل الواحد. وجاء أزواج جمع قلة لأن استعماله هو الكثير وهو المقيس في فعل المعتل العين وقد جمع زوج على زوجة جمع الكثرة لكن استعماله قليل وليس بالقياس. ومطهرة: صفة للأزواج مبنية على طهرت كالواحدة المؤنثة. وقرىء مطهرات على طهرن وبناؤه للمفعول أفخم إذاً فهم إن لها مطهراً وليس إلا الله تعالى وتطهيرهن من الأوصاف القبيحة في الخلق والخلق: وقرىء مطهرة وأصله متطهرة فادغم ولما ذكر مجامع اللذة أعقب بما يزيل تنغيص العيش بذكر الخلود. وظاهر اللغة ان الخلود هو البقاء الدائم الذي لا ينقطع. قال زهير: شعر : فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت ولكن حمد الناس ليس بمخلد. تفسير : والحياء تغير في الوجه يعتري من خوف لوم أو ذم، وضدّه الوقحة.. قيل لما ضرب تعالى المثل بالعنكبوت والذباب وغيرهما وسبق في هذه السورة ضرب المثل بالمستوقد والصيب أنكر بعض الكفار أن يكون الله تعالى يضرب الأمثال بهذه فنزلت: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} واستحيا موافق للمجرد وهي حي بمعنى استحيا واستحا يستحي لغة تميمية واستحيا لغة حجازية. وأكثر نصوص أئمة النحو أن المحذوف في استحا في لغة تميم عين الكلمة فوزنه استغل. ومعنى لا يستحي: لا يترك، لأن الاستحياء محال حقيقة على الله تعالى والترك من ثمرة الحيا لأن من استحيا من شيء تركه وضرب الشيء مثلاً تصييره وقد عد بعض النحاة في باب ظننت ضرب مع المثل وغيره. قال المعنى وضع وبين. و"البعوضة": حيوان معروف. والمشهور نصب بعوضة وقرىء بالرفع فالنصب على أن يكون صفة لما وصفت باسم الجنس وما بدل من مثلاً ومثلاً مفعول بيضرب أو عطف بيان من مثل أو بدلاً منه أو مفعولاً بيضرب ومثلاً حال من نكرة تقدمت عليها أو مفعولاً ثانياً ليضرب أو أول ليضرب ومثلاً ثانياً أو منصوباً على إسقاط الجار التقدير ما بين بعوضة فما فوقها. والذي نختاره أن مثلاً: مفعول يضرب، وما: صفة لمثلاً زادت النكرة شياعاً وبعوضة بدل واما الرفع أي رفع بعوضة فخبر مبتدأ على أن ما موصولة بمعنى الذي وهو بدل من مثلاً أو على أن يكون ما استفهاماً وبعوضة خبر ما أو خبر هو محذوفة، وما: زائدة أو صفة وهو بعوضة كالتفسير لما انطوى عليه الكلام السابق. {فَمَا فَوْقَهَا} أي في العظم كالذباب والعنكبوت المضروب بهما المثل. وقيل: فما فوقها في الصغر أي يزيد عليها في قلة الحجم ولو أريد هذا المعنى لكان التركيب فما دونها. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} جاءت الجملة باما لا بقوله: فالذين، لأن ما في حيز اما من الخبر كان واقعاً لا محالة ومفيدة أنه مترتب على ما تضمنته اما من الشرط والضمير في أنه عائد على المصدر المفهوم من يضرب أو على المصدر المفهوم من انتفاء الاستحياء أو على المثل وهو الظاهر. لقوله: {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} وأخبر تعالى عن المؤمنين بالعلم وهو الجزم المطابق بدليل، وعن الكافرين بالنطق اللساني، المتضمن لاستغراب الاستهزاء. وماذا اما استفهام كله ركب ذا مع ما فيكون منصوباً بأراد أيْ أيّ شيء أراد الله بهذا أو ما استفهام وهو مبتدأ، وذا موصول بمعنى الذي خبر عن ما والعائد محذوف وجعل ابن عطية هذين القولين مسألة اختلاف بين النحويين وليست كذلك بل كل من شذا شيئاً من علم العربية أجاز هذين الوجهين وعلى تجويزهما المعربون والمفسرون وانتصب مثلاً على التمييز المؤكد قيل أو الحال من اسم الاشارة أي ممثلاً به أو عن الفاعل أي ممثلاً وعن الكوفيين نصبه على القطع. {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} جملتان مستأنفتان جاريتان مجرى البيان والتفسير للجملتين السابقتين وجعل ذلك صفة لمثلاً بعيد جداً إذ يكون من كلام الكفار وإسناد الإِضلال إلى الله حقيقة. والزمخشري في مثل هذا على مذهب الاعتزال. وتجوز ابن عطية أن يكون يضل به كثيراً من كلام الكفار ويهدي به كثيراً من كلام الله تفكيك للكلام وهو غير ظاهر. وقرىء يضل به كثير ويهدي به كثير وما يضل به إلا الفاسقون مبنياً للمفعول وقرىء مبنياً للفاعل وياء المضارعة مفتوح ورفع الثلاثة وقرىء يضل بضم الياء وما يضل بفتح الياء ورفع الفاسقين. والضمير في به: عائد على المثل أي يضربه والفاسق الخارج عن طاعة الله تعالى. {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ} صفة للفاسقين صفة ذم لازمة أو نصب على الذم أو رفع على هم الذين، وإعرابها مبتدأ، والخبر جملة أولئك. {هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ} استئناف لا تعلق له بما قبله والظاهر تعلقه بما قبله. وكل فاسق ناقص لعهد الله قاطع ما أمره بوصله ثم لما وصفه بهذا أخبر بخسرانه. وعهد الله تعالى هو ما ضمنه تعالى في كتبه المنزلة وعلى ألسنة أنبيائه من أمره بطاعته ونهيه عن معصيته وإقراره بالعباد والميثاق وفعال من الوثاقة والأصل في مفعال أن يكون صفة كمعطار أو آلة كمحراث. وظاهر كلام الزمخشري وابن عطية: أنه اسم بمعنى المصدر أو أنه مصدر. قال الزمخشري: بمعنى التوثقة كما أن الميعاد بمعنى الوعد، والميلاد بمعنى الولادة. وقال ابن عطية: اسم في معنى المصدر كما قال: اكفرا بعد رد الموت عني وبعد عطائك أي إعطائك ولا نعلم مفعالاً جاء مصدراً ولا عدوه في أبنيته والضمير في ميثاقه عائد على العهد وقيل على الله. وقال أبو البقاء: إن أعدته إلى الله كان المصدر مضافاً إلى الفاعل، وإن كان أعدته إلى العهد كان مضافاً إلى المفعول، وما بمعنى الذي عامة في كل ما أمر الله بوصله. وأمر حذف مفعوله الذي يتعدى إليه بنفسه أي ما أمرهم. وبه: عائد على ما وأن يوصل بدل منه أي بوصله وإعرابه بدلاً من ما أو مفعولاً من أجله تقديره كراهية أن يوصل أو تقديره لئلا يوصل أو خبر مبتدأ تقديره هو أن يوصل أعاريب ضعيفة وإن كانت منسوبة لمشهورين. والفساد في الأرض ناشىء عما تقدم من الأوصاف الذميمة وبدا في ترتيب هذه الصلات. أولاً بنقض العهد وهو أخص، ثم يقطع ما أمر الله بوصله وهو أعم. من نقض العهد ثم بالافساد في الأرض وهو أعم من القطع، وكلها ثمرات الفسق. وجاء بالفسق في صلة أل مشعراً بالثبوت وهذه الصلات بالمضارع مشعرة بالتجدد ثم أشار إلى من جمع هذه الأوصاف وأخبر عنه بالخسران بفوات المثوبة ولزوم العقوبة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 6 : 113 - سفين في قول الله جل وعز {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} قال، حجارة من كبريت. وقال إبن مسعود، كبريت أحمر. [الآية 24].
همام الصنعاني
تفسير : 20- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، في قوله تعالى: {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ}: [الآية: 24]، قال: قال معاذ بن جبل: لو أن صخرة بزنة سبع خلفات بشحومهنّ ولحومهنَّ أولادهنّ، يرمى بها في شفير جهنم، لَهَوَت ما بين شفيرها وقعرها سبعين خريفاً حتى تبلغ قعرها. 21- عبد الرزّاق: قال: أنبأنا أبن عُيَيْنَة، عن مسعر، عن عبد الملك الزرَّاد، عن عمرو بن ميمون، عن أبن مسعود، في قوله تعالى: {وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ}: الآية: 24]، قال: حجارة من الكبريت، جعلها الله كما شاء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):