Verse. 32 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَبَشِّرِ الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ اَنَّ لَھُمْ جَنّٰتٍ تَجْرِىْ مِنْ تَحْتِہَا الْاَنْہٰرُ۝۰ۭ كُلَّمَا رُزِقُوْا مِنْہَا مِنْ ثَمَرَۃٍ رِّزْقًا۝۰ۙ قَالُوْا ھٰذَا الَّذِىْ رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ۝۰ۙ وَاُتُوْا بِہٖ مُتَشَابِہًا۝۰ۭ وَلَھُمْ فِيْہَاۗ اَزْوَاجٌ مُّطَہَّرَۃٌ۝۰ۤۙ وَّھُمْ فِيْہَا خٰلِدُوْنَ۝۲۵
Wabashshiri allatheena amanoo waAAamiloo alssalihati anna lahum jannatin tajree min tahtiha alanharu kullama ruziqoo minha min thamaratin rizqan qaloo hatha allathee ruziqna min qablu waotoo bihi mutashabihan walahum feeha azwajun mutahharatun wahum feeha khalidoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وَبَشِّر» أخبر «الذين آمنوا» صَّدقوا بالله «وعملوا الصالحات» من الفروض والنوافل «أن» أي بأن «لهم جناتِ» حدائق ذات أشجار ومساكن «تجري من تحتها» أي تحت أشجارها وقصورها «الأنهار» أي المياه فيها، والنهر الموضع الذي يجري فيه الماء لأن الماء ينهره أي يحفره وإسناد الجري إليه مجاز «كلما رزقوا منها» أطعموا من تلك الجنات. «من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي» أي مثل ما «رزقنا من قبل» أي قبله في الجنة لتشابه ثمارها بقرينة «وأُتوا به» أي جيئوا بالرزق «متشابهاً» يشبه بعضه بعضا لونا ويختلف طعما «ولهم فيها أزواج» من الحور وغيرها «مطهَّرة» من الحيض وكل قذر «وهم فيها خالدون» ماكثون أبداً لا يفنون ولا يخرجون. ونزل رداً لقول اليهود لما ضرب الله المثل بالذباب في قوله: (وإن يسلبهم الذباب شيئاً) والعنكبوت في قوله (كمثل العنكبوت) ما أراد الله بذكر هذه الأشياء؟ الخسيسة فأنزل الله.

25

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في التوحيد والنبوة تكلم بعدهما في المعاد وبين عقاب الكافر وثواب المطيع ومن عادة الله تعالى أنه إذا ذكر آية في الوعيد أن يعقبها بآية في الوعد وههنا مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن مسألة الحشر والنشر من المسائل المعتبرة في صحة الدين والبحث عن هذه المسألة إما أن يقع عن إمكانها أو عن وقوعها، أما الإمكان فيجوز إثباته تارة بالعقل، وبالنقل أخرى، وأما الوقوع فلا سبيل إليه إلا بالنقل، وإن الله ذكر هاتين المسألتين في كتابه وبين الحق فيهما من وجوه: الوجه الأول: أن كثيراً ما حكى عن المنكرين إنكار الحشر والنشر، ثم إنه تعالى حكم بأنه واقع كائن من غير ذكر الدليل فيه، وإنما جاز ذلك لأن كل ما لا يتوقف صحة نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم عليه أمكن إثباته بالدليل النقلي، وهذه المسألة كذلك فجاز إثباتها بالنقل، مثاله ما حكم ههنا بالنار للكفار، والجنة للأَبرار، وما أقام عليه دليلاً بل اكتفى بالدعوى، وأما في إثبات الصانع وإثبات النبوة فلم يكتف فيه بالدعوى بل ذكر فيه الدليل، وسبب الفرق ما ذكرناه وقال في سورة النحل: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وعداً عَلَيْهِ حَقّا وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [النحل: 38] وقال في سورة التغابن: {أية : زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ } تفسير : [التغابن: 7]. الوجه الثاني: أنه تعالى أثبت إمكان الحشر والنشر بناءً على أنه تعالى قادر على أمور تشبه الحشر والنشر، وقد قرر الله تعالى هذه الطريقة على وجوه، فأجمعها ما جاء في سورة الواقعة فإنه تعالى ذكر فيها حكاية عن أصحاب الشمال أنهم كانوا يقولون {أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون أو آباؤنا الأولون}، فأجابهم الله تعالى بقوله: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلأوَّلِينَ وَٱلأخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } تفسير : [الواقعة: 47-50] ثم إنه تعالى احتج على إمكانه بأمور أربعة: أولها: قوله: {أية : أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ } تفسير : [الواقعة: 58-59] وجه الاستدلال بذلك أن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع وهو كالطل المنبث في آفاق أطراف الأعضاء ولهذا تشترك الأعضاء في الالتذاذ بالوقاع بحصول الانحلال عنها كلها، ثم إن الله تعالى سلط قوة الشهوة على البقية حتى أنها تجمع تلك الأجزاء الطلية، فالحاصل أن تلك الأجزاء كانت متفرقة جداً، أولاً في أطراف العالم، ثم أنه تعالى جمعها في بدن ذلك الحيوان، ثم إنها كانت متفرقة في أطراف بدن ذلك الحيوان فجمعها الله سبحانه وتعالى في أوعية المني، ثم إنه تعالى أخرجها ماء دافقاً إلى قرار الرحم فإذا كانت هذه الأجزاء متفرقة فجمعها وكون منها ذلك الشخص، فإذا افترقت بالموت مرة أخرى فكيف يمتنع عليه جمعها مرة أخرى؟ فهذا تقرير هذه الحجة، وإن الله تعالى ذكرها في مواضع من كتابه، منها في سورة الحج: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَـٰكُمْ مّن تُرَابٍ } تفسير : [الحج: 5] إلى قوله: {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً } تفسير : [الحج: 5] ثم قال: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِى ٱلْقُبُورِ } تفسير : [الحج: 6، 7] وقال في سورة قد أفلح المؤمنون بعد ذكر مراتب الخلقة: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ } تفسير : [المؤمنون: 15، 16] وقال في سورة لا أقسم: {أية : أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مَّنِىّ يُمْنَىٰ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ } تفسير : [القيامة: 37، 38] وقال في سورة الطارق: {فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَـٰنُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ يَخْرُجُ } [الطارق 5 - 7] إلى قوله: {أية : إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ } تفسير : [الطارق: 8]. وثانيها: قوله: {أية : أَفَرَءيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أأنتم تَزْرَعُونَهُ } تفسير : [الواقعة: 63 -64] إلى قوله: {أية : بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ } تفسير : [الواقعة: 67] وجه الاستدلال به أن الحب وأقسامه من مطول مشقوق وغير مشقوق، كالأرز والشعير، ومدور ومثلث ومربع، وغير ذلك على اختلاف أشكاله إذا وقع في الأرض الندية واستولى عليه الماء والتراب، فالنظر العقلي يقتضي أن يتعفن ويفسد، لأن أحدهما يكفي في حصول العفونة، ففيهما جميعاً أولى، ثم إنه لا يفسد بل يبقى محفوظاً، ثم إذا ازدادت الرطوبة تنفلق الحبة فلقتين فيخرج منها ورقتان، وأما المطول فيظهر في رأسه ثقب وتظهر الورقة الطويلة كما في الزرع، وأما النوى فما فيه من الصلابة العظيمة التي بسببها يعجز عن فلقه أكثر الناس إذا وقع في الأرض الندية ينفلق بإذن الله، ونواة التمر تنفلق من نقرة على ظهرها ويصير مجموع النواة من نصفين يخرج من أحد النصفين الجزء الصاعد، ومن الثاني الجزء الهابط، أما الصاعد فيصعد، وأما الهابط فيغوص في أعماق الأرض، والحاصل أنه يخرج من النواة الصغيرة شجرتان: إحداهما: خفيف صاعد، والأخرى ثقيل هابط مع اتحاد العنصر واتحاد طبع النواة والماء والهواء والتربة أفلا يدل ذلك على قدرة كاملة وحكمة شاملة فهذا القادر كيف يعجز عن جمع الأجزاء وتركيب الأعضاء. ونظيره قوله تعالى في الحج: {أية : وَتَرَى ٱلأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَاء ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } تفسير : [الحج: 5] وثالثها: قوله تعالى: {أية : أَفَرَءيْتُمُ ٱلْمَاء ٱلَّذِى تَشْرَبُونَ أأنتم أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ؟ } تفسير : [الواقعة: 68، 69] وتقديره أن الماء جسم ثقيل بالطبع، وإصعاد الثقيل أمر على خلاف الطبع، فلا بدّ من قادر قاهر يقهر الطبع ويبطل الخاصية ويصعد ما من شأنه الهبوط والنزول. وثانيها: أن تلك الذرات المائية اجتمعت بعد تفرقها. وثالثها: تسييرها بالرياح ورابعها: إنزالها في مظان الحاجة والأرض الجرز، وكل ذلك يدل على جواز الحشر. أما صعود الثقيل فلأنه قلب الطبيعة، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يظهر الحياة والرطوبة من حساوة التراب والماء؟ والثاني: لما قدر على جمع تلك الذرات المائية بعد تفرقها فلم لا يجوز جمع الأجزاء الترابية بعد تفرقها؟ والثالث: تسيير الرياح فإذا قدر على تحريك الرياح التي تضم بعض تلك الأجزاء المتجانسة إلى بعض فلم لا يجوز ههنا؟ والرابع: أنه تعالى أنشأ السحاب لحاجة الناس إليه فههنا الحاجة إلى إنشاء المكلفين مرة أخرى ليصلوا إلى ما استحقوه من الثواب والعقاب أولى واعلم أن الله تعالى عبر عن هذه الدلالة في موضع آخر من كتابه فقال في الأعراف لما ذكر دلالة التوحيد: {أية : إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِى } تفسير : [الأعراف: 54] إلى قوله: {أية : قَرِيبٌ مّنَ ٱلْمُحْسِنِينَ } تفسير : [الأعراف: 56] ثم ذكر دليل الحشر فقال: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يُرْسِلُ ٱلرّيَاحَ } تفسير : [الأعراف: 57] إلى قوله: {أية : كَذٰلِكَ نُخْرِجُ ٱلْموْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } تفسير : [الأعراف: 57] ورابعها: قوله: {أية : أَفَرَءيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِى تُورُونَ أأنتم أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ } تفسير : [الواقعة: 71، 72] وجه الاستدلال أن النار صاعدة والشجرة هابطة، وأيضاً النار لطيفة، والشجرة كثيفة. وأيضاً النار نورانية والشجرة ظلمانية، والنار حارة يابسة والشجرة باردة رطبة، فإذا أمسك الله تعالى في داخل تلك الشجرة الأجزاء النورانية النارية فقد جمع بقدرته بين هذه الأشياء المتنافرة، فإذا لم يعجز عن ذلك فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات وتأليفها؟ والله تعالى ذكر هذه الدلالة في سورة يۤس فقال: {أية : ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُم مّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأخْضَرِ نَاراً } تفسير : [يۤس: 80]. واعلم أنه تعالى ذكر في هذه السورة أمر الماء والنار وذكر في النمل أمر الهواء بقوله: {أية : أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ } تفسير : [النمل: 63] إلى قوله: {أية : أمن يبدؤ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } تفسير : [النمل: 64] وذكر الأرض في الحج في قوله: {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً } تفسير : [الحج: 5] فكأنه سبحانه وتعالى بين أن العناصر الأربعة على جميع أحوالها شاهدة بإمكان الحشر والنشر. النوع الثاني: من الدلائل الدالة على إمكان الحشر: هو أنه تعالى يقول: لما كنت قادراً على الإيجاد أولاً فلأن أكون قادراً على الإعادة أولى. وهذه الدلالة تقريرها في العقل ظاهر، وأنه تعالى ذكرها في مواضع من كتابه، منها في البقرة: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تفسير : [البقرة: 28] ومنها قوله في سبحان الذي: {أية : وَقَالُواْ أَءذَا كُنَّا عِظَـٰماً وَرُفَـٰتاً أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً } تفسير : [الإسراء: 49، 50] إلى قوله: {أية : قُلِ ٱلَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [الإسراء: 51] ومنها في العنكبوت: {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِىء ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ } تفسير : [العنكبوت: 19] ومنها قوله في الروم: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأعْلَىٰ } تفسير : [الروم: 27] ومنها في يۤس: {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } تفسير : [يۤس: 79]، النوع الثالث: الاستدلال باقتداره على السموات على اقتداره على الحشر. وذلك في آيات منها في سورة سبحان: {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ } تفسير : [الأَسراء: 99] وقال في يۤس: {أية : أَوَ لَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ وَهُوَ ٱلْخَلَّـٰقُ ٱلْعَلِيمُ } تفسير : [يۤس: 81] وقال في الأحقاف: {أية : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْيىَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيىِ ٱلْمَوْتَىٰ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } تفسير : [الأحقاف: 33] ومنها في سورة قۤ: {أية : أَءذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً } تفسير : [قۤ: 3] إلى قوله: {أية : رّزْقاً لّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذٰلِكَ ٱلْخُرُوجُ } تفسير : [قۤ: 11] ثم قال: {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأوَّلِ بَلْ هُمْ فِى لَبْسٍ مّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ } تفسير : [قۤ: 15] النوع الرابع: الاستدلال على وقوع الحشر بأنه لا بدّ من إثابة المحسن وتعذيب العاصي وتمييز أحدهما من الآخر بآيات، منها في يونس {أية : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّا إِنَّهُ يَبْدَأُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ } تفسير : [يونس: 4] ومنها في طٰه: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءاتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ } تفسير : [طه: 15] ومنها في صۤ: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً ذٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ للَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ ٱلنَّارِ. أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلاْرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ } تفسير : [صۤ: 27، 28] النوع الخامس: الاستدلال بإحياء الموتى في الدنيا على صحة الحشر والنشر فمنها خلقه آدم عليه الصلاة والسلام ابتداء ومنها قصة البقرة وهي قوله: {أية : فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذٰلِكَ يُحْيىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [البقرة: 73] ومنها قصة إبراهيم عليه السلام {أية : رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْيىِ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [البقرة: 260] ومنها قوله: {أية : أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } تفسير : [البقرة: 259] ومنها قصة يحيـى وعيسى عليهما السلام فإنه تعالى استدل على إمكانهما بعين ما استدل به على جواز الحشر حيث قال: {أية : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 9] ومنها في قصة أصحاب الكهف ولذلك قال: {أية : لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا } تفسير : [الكهف: 21] ومنها قصة أيوب عليه السلام وهي قوله: {أية : وآتيناه أهله } تفسير : [الأنبياء: 84] يدل على أنه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا ومنها ما أظهر الله تعالى على يد عيسى عليه السلام من إحياء الموتى حيث قال: {أية : ويحيي ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [الحج: 6] وقال: {أية : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِى } تفسير : [المائدة: 110] ومنها قوله: {أية : أَوْ لاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَـٰنُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 67] فهذا هو الإشارة إلى أصول الدلائل التي ذكرها الله تعالى في كتابه على صحة القول بالحشر، وسيأتي الاستقصاء في تفسير كل آية من هذه الآيات عند الوصول إليها إن شاء الله تعالى، ثم إنه تعالى نص في القرآن على أن منكر الحشر والنشر كافر، والدليل عليه قوله: {أية : وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً وَمَا أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبّى لاجِدَنَّ خَيْراً مّنْهَا مُنْقَلَباً قَالَ لَهُ صَـٰحِبُهُ وَهُوَ يُحَـٰوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ } تفسير : [الكهف:35-37] ووجه إلزام الكفر أن دخول هذا الشيء في الوجود ممكن الوجود في نفسه، إذ لو كان ممتنع الوجود لما وجد في المرة الأولى فحيث وجد في المرة الأولى علمنا أنه ممكن الوجود في ذاته، فلو لم يصح ذلك من الله تعالى لدل ذلك إما على عجزه حيث لم يقدر على إيجاد ما هو جائز الوجود في نفسه، أو على جهله حيث تعذر عليه تمييز أجزاء بدن كل واحد من المكلفين عن أجزاء بدن المكلف الآخر، ومع القول بالعجز والجهل لا يصح إثبات النبوة فكان ذلك موجباً للكفر قطعاً والله أعلم. المسألة الثانية: هذه الآيات صريحة في كون الجنة والنار مخلوقتين، أما النار فلأنه تعالى قال في صفتها: {أُعِدَّتْ لِلْكَـٰفِرِينَ } فهذا صريحة في أنها مخلوقة وأما الجنة فلأنه تعالى قال في آية أخرى: {أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ } تفسير : [آل عمران: 133] ولأنه تعالى قال ههنا: {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلانْهَـٰرُ } وهذا إخبار عن وقوع هذا الملك وحصوله وحصول الملك في الحال يقتضي حصول المملوك في الحال فدل على أن الجنة والنار مخلوقتان. المسألة الثالثة: اعلم أن مجامع اللذات إما المسكن أو المطعم أو المنكح فوصف الله تعالى المسكن بقوله: {جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلانْهَـٰرُ } والمطعم بقوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } والمنكح بقوله: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ } ثم إن هذه الأشياء إذا حصلت وقارنها خوف الزوال كان التنعم منغصاً فبين تعالى أن هذا الخوف زائل عنهم فقال: {وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } فصارت الآية دالة على كمال التنعم والسرر. ولنتكلم الآن في ألفاظ الآية. أما قوله تعالى: {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } ففيه سؤالات: الأول: علام عطف هذا الأمر؟ والجواب من وجوه: أحدها: أنه ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي يعطف عليه. إنما المعتمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين فهي معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والضرب، وبشر عمراً بالعفو والإطلاق. وثانيها: أنه معطوف على قوله: {فَٱتَّقُواْ } كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم. وثالثها: قرأ زيد بن علي {وَبَشّرِ } على لفظ المبني للمفعول عطفاً على أعدت. السؤال الثاني: من المأمور بقوله وبشر؟ والجواب يجوز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يكون كل أحد كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة» تفسير : لم يأمر بذلك واحد بعينه، وإنما كل أحد مأمور به، وهذا الوجه أحسن وأجزل، لأنه يؤذن بأن هذا الأمر لعظمته وفخامته حقيق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به. السؤال الثالث: ما البشارة؟ الجواب: أنها الخبر الذي يظهر السرور، ولهذا قال الفقهاء إذا قال لعبيده: أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى عتق أولهم، لأنه هو الذي أفاد خبره السرور ولو قال مكان بشرني أخبرني عتقوا جميعاً لأنهم جميعاً أخبروه، ومنه البشرة لظاهر الجلد، وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه، وأما {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } فمن الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزأ به كما يقول الرجل لعدوه أبشر بقتل ذريتك ونهب مالك. أما قوله: {ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } ففيه مسائل: ـ المسألة الأولى: هذه الآية تدل على أن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان لأنه لما ذكر الإيمان ثم عطف عليه العمل الصالح وجب التغاير وإلا لزم التكرار وهو خلاف الأصل. المسألة الثانية: من الناس من أجرى هذه الآية على ظاهرها فقال: كل من أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فله الجنة. فإذا قيل له ما قولك فيمن أتى بالإيمان والأعمال الصالحة ثم كفر قال إن هذا ممتنع لأن فعل الإيمان والطاعة، يوجب استحقاق الثواب الدائم، وفعل الكفر استحقاق العقاب الدائم، والجمع بينهما محال، والقول أيضاً بالتحابط محال فلم يبق إلا أن يقال هذا الفرض الذي فرضتموه ممتنع، وإنما قلنا إن القول بالتحابط محال لوجوه: أحدها: أن الاستحقاقين إما أن يتضادا أو لا يتضادا فإن تضادا كان طريان الطارىء مشروطاً بزوال الباقي، فلو كان زوال الباقي معللاً بطريان الطارىء لزم الدور وهو محال. وثانيها: أن المنافاة حاصلة من الجانبين فليس زوال الباقي لطريان الطارىء أولى من اندفاع الطارىء بقيام الباقي، فإما أن يوجدا معاً وهو محال أو يتدافعا فحينئذٍ يبطل القول بالمحابطة، وثالثها: أن الاستحقاقين إما أن يتساويا أو كان المقدم أكثر أو أقل، فإن تعادلا مثل أن يقال كان قد حصل استحقاق عشرة أجزاء من الثواب فطرأ استحقاق عشرة أجزاء من العقاب فنقول: استحقاق كل واحد من أجزاء العقاب مستقل بإزالة كل واحد من أجزاء استحقاق الثواب. وإذا كان كذلك لم يكن تأثير هذا الجزء في إزالة هذا الجزء أولى من تأثيره في إزالة ذلك الجزء ومن تأثير جزء آخر في إزالته فأما أن يكون كل واحد من هذه الأجزاء الطارئة مؤثراً في إزالة كل واحد من الأجزاء المتقدمة فيلزم أن يكون لكل واحد من العلل معلولات كثيرة ولكل واحد من المعلولات علل كثيرة مستقلة، وكل ذلك محال، وإما أن يختص كل واحد من الأجزاء الطارئة بواحد من الباقي من غير مخصص فذلك محال لامتناع ترجح أحد طرفي الممكن على الآخر لا لمرجح، وأما إن كان المقدم أكثر فالطارىء لا يزيل إلا بعض أجزاء الباقي، فلم يكن بعض أجزاء الباقي أن يزول به أولى من سائر الأجزاء فأما أن يزول الكل وهو محال، لأن الزائل لا يزول إلا بالناقص. أو يتعين البعض للزوال من غير مخصص، وهو محال، أو لا يزول شيء منها وهو المطلوب، وأيضاً فهذا الطارىء إذا أزال بعض أجزاء الباقي فإما أن يبقى الطارىء، أو يزول. أما القول ببقاء الطارىء فلم يقل به أحد من العقلاء. وأما القول بزواله فباطل، لأنه إما أن يكون تأثير كل واحد منهما في إزالة الآخر معاً أو على الترتيب، والأول باطل لأن المزيل لا بدّ وأن يكون موجوداً حال الإزالة، فلو وجد الزوالان معاً لوجد المزيلان معاً، فيلزم أن يوجدا حال ما عدما وهو محال وإن كان على الترتيب فالمغلوب يستحيل أن ينقلب غالباً، وأما إن كان المتقدم أقل فأما أن يكون المؤثر في زواله بعض أجزاء الطارىء، وذلك محال لأن جميع أجزائه صالح للإزالة، واختصاص البعض بذلك ترجيح من غير مرجح وهو محال، وإما أن يصير الكل مؤثراً في الإزالة فيلزم أن يجتمع على المعلول الواحد علل مستقلة وذلك محال، فقد ثبت بهذه الوجوه العقلية فساد القول بالإحباط، وعند هذا تعين في الجواب قولان: الأول: قول من اعتبر الموافاة، وهو أن شرط حصول الإيمان أن لا يموت على الكفر فلو مات على الكفر علمنا أن ما أتى به أولاً كان كفراً وهذا قول ظاهر السقوط، الثاني: أن العبد لا يستحق على الطاعة ثواباً ولا على المعصية عقاباً استحقاقاً عقلياً واجباً، وهو قول أهل السنّة واختيارنا، وبه يحصل الخلاص من هذه الظلمات. المسألة الثالثة: احتج المعتزلة على أن الطاعة توجب الثواب فإن في حال ما بشرهم بأن لهم جنات لم يحصل ذلك لهم على طريق الوقوع، ولما لم يمكن حمل الآية عليه وجب حملها على استحقاق الوقوع لأنه يجوز التعبير بالوقوع عن استحقاق الوقوع مجازاً. المسألة الرابعة: الجنة: البستان من النخل والشجر المتكاتف المظلل بالتفاف أغصانه والتركيب دائر على معنى الستر وكأنها لتكاثفها وتظليلها سميت بالجنة التي هي المرة من مصدر جنه إذا ستره كأنها سترة واحدة لفرط التفافها وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الجنان، فإن قيل لم نكرت الجنات وعرفت الأنهار؟ الجواب: أما الأول فلأن الجنة اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنات كثيرة مرتبة مراتب على حسب استحقاقات العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنات، وأما تعريف الأنهار فالمراد به الجنس كما يقال لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب يشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب، أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله: {أية : فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ } تفسير : [محمد: 15] وأما قوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ } فهذا لا يخلو إما أن يكون صفة ثانية لجنات. أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة لأنه لما قيل: إن لهم جنات لم يخل قلب السامع أن يقع فيه أن ثمار تلك الجنات أشباه ثمار الدنيا أم لا؟ وههنا سؤالات: السؤال الأول: ما وقع من ثمرة؟ الجواب فيه وجهان: الأول: هو كقولك كلما أكلت من بستانك من الرمان شيئاً حمدتك فموقع من ثمرة موقع قولك من الرمان فمن الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية، لأن الرزق قد ابتدأ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدأ من ثمرة وليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة أو الرمانة الفردة على هذا التفسير، وإنما المراد النوع من أنواع الثمار. الثاني: وهو أن يكون من ثمرة بياناً على منهاج قولك رأيت منك أسداً تريد أنت أسد، وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمرة أو الحبة الواحدة. السؤال الثاني: كيف يصح أن يقولوا هذا الذي رزقنا الآن هو الذي رزقنا من قبل، الجواب: لما اتحد في الماهية وإن تغاير بالعدد صح أن يقال هذا هو ذاك أي بحسب الماهية فإن الوحدة النوعية لا تنافيها الكثرة بالشخص ولذلك إذا اشتدت مشابهة الابن بالأب قالوا إنه الأب. السؤال الثالث: الآية تدل على أنهم شبهوا رزقهم الذي يأتيهم في الجنة برزق آخر جاءهم قبل ذلك، فالمشبه به أهو من أرزاق الدنيا، أم من أرزاق الجنة؟ والجواب فيه وجهان: الأول: أنه من أرزاق الدنيا، ويدل عليه وجهان: الأول: أن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل، فإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه ثم إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد ثم وجده أشرف مما ألفه أولاً عظم ابتهاجه وفرحه به، فأهل الجنة إذ أبصروا الرمانة في الدنيا ثم أبصروها في الآخرة ووجدوا رمانة الجنة أطيب وأشرف من رمانة الدنيا كان فرحهم بها أشد من فرحهم بشيء مما شاهدوه في الدنيا، والدليل الثاني: أن قوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا } يتناول جميع المرات فيتناول المرة الأولى فلهم في المرة الأولى من أرزاق الجنة شيء لا بدّ وأن يقولوا هذا الذي رزقنا من قبل، ولا يكون قبل المرة الأولى شيء من أرزاق الجنة حتى يشبه ذلك به فوجب حمله على أرزاق الدنيا، القول الثاني: أن المشبه به رزق الجنة أيضاً والمراد تشابه أرزاقهم ثم اختلفوا فيما حصلت المشابهة فيه على وجهين: الأول: المراد تساوي ثوابهم في كل الأوقات في القدر والدرجة حتى لا يزيد ولا ينقص. الثاني: المراد تشابهها في المنظر فيكون الثاني كأنه الأول على ما روي عن الحسن ثم هؤلاء مختلفون فمنهم من يقول الاشتباه كما يقع في المنظر يقع في المطعم، فإن الرجل إذا التذ بشيء وأعجب به لا تتعلق به نفسه إلا بمثله، فإذا جاء ما يشبه الأول من كل الوجوه كان ذلك نهاية اللذة ومنهم من يقول إنه وإن حصل الاشتباه في اللون لكنها تكون مختلفة في الطعم، قال الحسن يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بالأخرى فيقول هذا الذي أتينا به من قبل، فيقول الملك كل فاللون واحد والطعم مختلف، وفي الآية قول ثالث على لسان أهل المعرفة، وهو أن كمال السعادة ليس إلا في معرفة ذات الله تعالى: ومعرفة صفاته ومعرفة أفعاله من الملائكة الكروبية والملائكة الروحانية وطبقات لأرواح وعالم السموات وبالجملة يجب أن يصير روح الإنسان كالمرآة المحاذية لعالم القدس ثم إن هذه المعارف تحصل في الدنيا ولا يحصل بها كمال الالتذاذ والابتهاج، لما أن العلائق البدنية تعوق عن ظهور تلك السعادات واللذات، فإذا زال هذا العائق حصلت السعادة العظيمة والغبطة الكبرى، فالحاصل أن كل سعادة روحانية يجدها الإنسان بعد الموت فإنه يقول هذه هي التي كانت حاصلة لي حين كنت في الدنيا وذلك إشارة إلى أن الكمالات النفسانية الحاصلة في الآخرة هي التي كانت حاصلة في الدنيا إلا أنها في الدنيا ما أفادت اللذة والبهجة والسرورة وفي الآخرة أفادت هذه الأشياء لزوال العائق. أما قوله: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً } ففيه سؤالان: السؤال الأول: إلام يرجح الضمير في قوله: {وَأُتُواْ بِهِ }؟ الجواب: إن قلنا المشبه به هو رزق الدنيا فإلى الشيء المرزوق في الدنيا والآخرة يعني أتوا بذلك النوع متشابهاً يشبه الحاصل منه في الآخرة ما كان حاصلاً منه في الدنيا، وإن قلنا المشبه به هو رزق الجنة أيضاً، فإلى الشيء المرزوق في الجنة، يعني أتوا بذلك النوع في الجنة بحيث يشبه بعضه بعضاً. السؤال الثاني: كيف موقع قوله: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً } من نظم الكلام؟ والجاب: أن الله تعالى لما حكى عن أهل الجنة ادعاء تشابه الأرزاق في قوله: {قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } فالله تعالى صدقهم في تلك الدعوة بقوله: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً } أما قوله: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ } فالمراد طهارة أبدانهن من الحيض والاستحاضة وجميع الأقذار وطهارة أزواجهن من جميع الخصال الذميمة، ولا سيما ما يختص بالنساء، وإنما حملنا اللفظ على الكل لاشتراك القسمين في قدر مشترك، قال أهل الإشارة. وهذا يدل على أنه لا بدّ من التنبه لمسائل. أحدها: أن المرأة إذا حاضت فالله تعالى منعك عن مباشرتها قال الله تعالى: {أية : قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنّسَاء فِى ٱلْمَحِيضِ } تفسير : [البقرة: 222] فإذا منعك عن مقاربتها لما عليها من النجاسة التي هي معذورة فيها فإذا كانت الأزواج اللواتي في الجنة مطهرات فلأن يمنعك عنهن حال كونك ملوثاً بنجاسات المعاصي مع أنك غير معذور فيها كان أولى. وثانيها: أن من قضى شهوته من الحلال فإنه يمنع الدخول في المسجد الذي يدخل فيه كل بر وفاجر، فمن قضى شهوته من الحرام كيف يمكن من دخول الجنة التي لا يسكنها إلا المطهرون ولذلك فإن آدم لما أتى بالزلة أخرج منها. وثالثها: من كان على ثوبه ذرة من النجاسة لا تصح صلاته عند الشافعي رضي الله عنه، فمن كان على قلبه من نجاسات المعاصي أعظم من الدنيا كيف تقبل صلاته وههنا سؤالان: الأول: هلا جاءت الصفة مجموعة كالموصوف؟ الجواب: هما لغتان فصيحتان يقال النساء فعلن والنساء فعلت. ومنه بيت الحماسة:شعر : فوإذا العذارى بالدخان تقنعت واستعملت نصب القدور فملت تفسير : والمعنى وجماعة أزواج مطهرة، وقرأ زيد بن علي: مطهرات وقرأ عبيد بن عمير: مطهرة يعني متطهرة. السؤال الثاني: هلا قيل طاهرة؟ الجواب: في المطهرة إشعار بأن مطهراً طهرهن وليس ذلك إلا الله تعالى، وذلك يفيد فخامة أمر أهل الثواب كأنه قيل إن الله تعالى هو الذي زينهن / لأهل الثواب. أما قوله: {وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } فقالت المعتزلة الخلد ههنا هو الثبات اللازم والبقاء الدائم الذي لا ينقطع واحتجوا عليه بالآية والشعر، أما الآية فقوله: {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ أَفَإِيْن مّتَّ فَهُمُ ٱلْخَـٰلِدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 34] فنفي الخلد عن البشر مع أنه تعالى أعطى بعضهم العمر الطويل، والمنفي غير المثبت، فالخلد هو البقاء الدائم وأما الشعر فقول امرىء القيس:شعر : وهل يعمن إلا سعيد مخلد قليل هموم ما يبيت بأوجال تفسير : وقال أصحابنا: الخلد هو الثبات الطويل سواء دام أو لم يدم واحتجوا فيه بالآية والعرف أما الآية فقوله تعالى: {خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } ولو كان التأبيد داخلاً في مفهوم الخلد لكان ذلك تكراراً وأما العرف فيقال حبس فلان فلاناً حبساً مخلداً ولأنه يكتب في صكوك الأوقاف وقف فلان وقفاً مخلداً فهذا هو الكلام في أن هذا اللفظ هل يدل على دوام الثواب أم لا؟ وقال آخرون العقل يدل على دوامه لأنه لو لم يجب دوامه لجوزوا انقطاعه فكان خوف الانقطاع ينغص عليهم تلك النعمة لأن النعمة كلما كانت أعظم كان خوف انقطاعها أعظم وقعاً في القلب وذلك يقتضي أن لا ينفك أهل الثواب البتة من الغم والحسرة والله تعالى أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ} فيه ثلاث مسائل: الأولى: لما ذكر الله عزّ وجلّ جزاء الكافرين ذكر جزاء المؤمنين أيضاً. والتبشير الإخبار بما يَظهر أثره على البَشرة ـ وهي ظاهر الجلد ـ لتغيّرها بأوّل خبر يَرِد عليك؛ ثم الغالب أن يُستعمل في السرور مقيَّداً بالخير المُبَشَّر به، وغير مقيَّدٍ أيضاً. ولا يُستعمل في الغمّ والشّر إلاّ مُقَيَّداً منصوصاً على الشر المبشَّر به؛ قال الله تعالى: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [آل عمران: 21 التوبة: 34 الانشقاق: 24]. ويقال: بشّرته وبَشَرته ـ مخفّف ومشدّد ـ بِشارة (بكسر الباء) فأبشر وٱستبشر. وبَشِر يَبْشَر إذا فَرِح. ووجه بشير إذا كان حَسَناً بيّن البَشارة (بفتح الباء). والبُشْرَى: ما يُعطاه المُبَشِّر. وتباشير الشيء: أوّله. الثانية: أجمع العلماء على أن المكلَّف إذا قال: مَن بَشَّرَني مِن عبيدي بكذا فهو حُرّ؛ فَبّشره واحد من عبيده فأكثر فإن أوّلهم يكون حُرًّا دون الثاني. وٱختلفوا إذا قال: مَن أخبرني من عبيدي بكذا فهو حُرٌّ فهل يكون الثاني مثل الأوّل؛ فقال أصحاب الشافعي: نعم؛ لأن كل واحد منهم مخبر. وقال علماؤنا: لا؛ لأن المكلَّف إنما قصد خبراً يكون بشارة، وذلك يختص بالأوّل، وهذا معلوم عُرْفاً فوجب صرف القول إليه. وفرّق محمد بن الحسن بين قوله: أخبرني، أو حَدّثني؛ فقال: إذا قال الرجل أيّ غلام لي أخبرني بكذا، أو أعلمني بكذا وكذا فهو حُرٌّ ـ ولا نِيّةَ له ـ فأخبره غلام له بذلك بكتاب أو كلام أو رسول فإن الغلام يَعتق؛ لأن هذا خبر. وإن أخبره بعد ذلك غلام له عَتَق؛ لأنه قال: أيّ غلام أخبرني فهو حُرٌّ. ولو أخبروه كلّهم عَتَقوا؛ وإن كان عَنَى ـ حين حلف ـ بالخبر كلام مشافهة لم يَعْتِق واحدٌ منهم إلا أن يخبره بكلام مشافهة بذلك الخبر. قال: وإذا قال أيّ غلام لي حَدّثني؛ فهذا على المشافهة، لا يعتق واحد منهم. الثالثة: قوله تعالى: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} رَدَّ على من يقول: إن الإيمان بمجرّده يقتضي الطاعات؛ لأنه لو كان ذلك ما أعادها؛ فالجنة تُنال بالإيمان والعمل الصالح. وقيل: الجنة تُنال بالإيمان؛ والدّرجات تُستحقّ بالأعمال الصالحات. والله أعلم. {أَنَّ لَهُمْ} في موضع نصب بـ «ـبَشِّر»، والمعنى وبشّر الذين آمنوا بأنّ لهم، أو لأن لهم؛ فلما سقط الخافض عمل الفعل. وقال الكسائي وجماعة من البصريين: «أنّ» في موضع خفض بإضمار الباء. {جَنَّاتٍ} في موضع نصب ٱسم «أنّ»، «وأن» وما عملت فيه في موضع المفعول الثاني. والجنّات: البساتين؛ وإنما سُمِّيت جنات لأنها تُجِنّ مَن فيها أي تستره بشجرها؛ ومنه: المِجَنّ والجَنِين والجنة. {تَجْرِي} في موضع النعت لجنات، وهو مرفوع؛ لأنه فعل مستقبل فحذفت الضمة من الياء لثقلها معها. {مِن تَحْتِهَا} أي من تحت أشجارها، ولم يجر لها ذكر، لأن الجنّات دالة عليها. {ٱلأَنْهَارُ} أي ماء الأنهار؛ فنُسب الجري إلى الأنهار تَوَسُّعاً، وإنما يجري الماء وحده فحذف ٱختصاراً؛ كما قال تعالى: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] أي أهلها. وقال الشاعر:شعر : نُبِّئتُ أن النار بعدك أُوقِدت وٱستبّ بعدك يا كليبُ المجلِسُ تفسير : أراد: أهل المجلس؛ فحذف. والنهر: مأخوذ من أنهرت، أي وسّعت؛ ومنه قول قيس بن الخَطِيم:شعر : مَلَكْتُ بها كَفّي فأنهرت فَتْقَها يرى قائم من دونها ما وراءَها تفسير : أي وسّعتها؛ يصف طَعْنة. ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما أنهر الدّمَ وذُكِر ٱسم الله عليه فَكُلُوه»تفسير : . معناه: ما وَسّع الذبح حتى يجري الدّمُ كالنهر. وجمع النَّهَر: نُهْرٌ وأنهار. وَنَهْرٌ نَهِر: كثير الماء؛ قال أبو ذُؤيب:شعر : أقامت به فٱبتنتْ خَيْمَةً على قَصَبٍ وفُرَاتٍ نَهِرْ تفسير : وروي: أن أنهار الجنة ليست في أخاديد، إنما تجري على سطح الجنة منضبطة بالقدرة حيث شاء أهلها. والوقف على «الأنهار» حَسَن وليس بتام؛ لأن قوله: «كُلّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ» من وصف الجنات. {رِّزْقاً} مصدره؛ وقد تقدّم القول في الرزق. ومعنى {مِن قَبْلُ} يعني في الدنيا؛ وفيه وجهان: أحدهما ـ أنهم قالوا هذا الذي وُعِدنا به في الدنيا. والثاني ـ هذا الذي رُزِقنا في الدنيا؛ لأن لَوْنها يشبه لون ثمار الدنيا؛ فإذا أكلوا وجدوا طعمه غير ذلك. وقيل: «مِن قبلُ» يعني في الجنة لأنهم يُرزقون ثم يُرزقون؛ فإذا أُتُوا بطعام وثمار في أوّل النهار فأكلوا منها، ثم أُتُوا منها في آخر النهار قالوا: هذا الذي رُزقنا مِن قبل؛ يعني أُطْعِمْنا في أوّل النهار؛ لأن لونه يُشبه ذلك؛ فإذا أكلوا منها وَجَدُوا لها طعماً غير طعم الأوّل. {وَأُتُواْ} فُعِلوا من أتيت. وقرأه الجماعة بضم الهمزة والتاء. وقرأ هارون الأعْوَر «وأَتَوْا» بفتح الهمزة والتاء. فالضمير في القراءة الأولى لأهل الجنة، وفي الثانية للخدام. {بِهِ مُتَشَابِهاً} حال من الضمير في «به»؛ أي يشبه بعضه بعضاً في المنظر ويختلف في الطعم. قاله ٱبن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم. وقال عِكْرمة: يُشبه ثمرَ الدنيا ويباينه في جُلّ الصفات. ٱبن عباس: هذا على وجه التعجُّب، وليس في الدنيا شيء مما في الجنة سوى الأسماء؛ فكأنهم تعجّبوا لما رأوه من حسن الثمرة وعظم خلقها. وقال قتادة: خياراً لا رَذْل فيه؛ كقوله تعالى: {أية : كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} تفسير : [الزمر:23] وليس كثمار الدنيا التي لا تتشابه؛ لأن فيها خياراً وغير خيار. {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ} ابتداء وخبر. وأزواج: جمع زَوْج. والمرأة: زَوْج الرجل. والرجل زَوْج المرأة. قال الأصمعيّ: ولا تكاد العرب تقول زوجة. وحكى الفَرّاء أنه يقال: زوجة؛ وأنشد الفَرَزْدَق:شعر : وإن الذي يَسْعَى ليُفِسِد زَوْجتي كساعٍ إلى أُسْد الشَّرَى يسْتَبِيلُها تفسير : وقال عَمّار بن ياسِر في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: واللَّهِ إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ٱبتلاكم. ذكره البخاري، وٱختاره الكسائي. {مُّطَهَّرَةٌ} نعتٌ للأزواج. ومُطَهّرةٌ في اللغة أجمع من طاهرة وأبلغ؛ ومعنى هذه الطهارة من الحَيْض والبُصاق وسائر أقذار الآدمِيّات. ذكر عبد الرزاق قال أخبرني الثَّوْرِيّ عن ٱبن أبي نَجِيح عن مجاهد: «مطهرة» قال: لا يَبُلْنَ ولا يَتَغَوَّطْنَ ولا يَلِدْن ولا يَحِضْنَ ولا يمنين ولا يَبْصُقْنَ. وقد أتينا على هذا كلّه في وصف أهل الجنة وصفة الجنة ونعيمها من كتاب التذكرة. والحمد لله. {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} «هم» مبتدأ. «خالدون» خبره، والظرف مُلْغًى. ويجوز في غير القرآن نصب خالدين على الحال. والخلود: البقاء؛ ومنه جَنّة الخُلْد. وقد تستعمل مجازاً فيما يطول؛ ومنه قولهم في الدعاء: خَلّد الله مُلْكه، أي طوّله. قال زُهَيْر:شعر : ألاَ لا أرى على الحوادث باقيَا ولا خالداً إلا الجبالَ الرواسيَا تفسير : وأما الذي في الآية فهو أبديّ حقيقةً.

البيضاوي

تفسير : {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ } عطف على الجملة السابقة، والمقصود عطف حال من آمن بالقرآن العظيم ووصف ثوابه، على حال من كفر به، وكيفية عقابه على ما جرت به العادة الإلهية من أن يشفع الترغيب بالترهيب، تنشيطاً لاكتساب ما ينجي، وتثبيطاً عن اقتراف ما يردي، لا عطف الفعل نفسه حتى يجب أن يطلب له ما يشاكله من أمر أو نهي فيعطف عليه أو على فاتقوا، لأنهم إذا لم يأتوا بما يعارضه بعد التحدي ظهر إعجازه، وإذا ظهر ذلك فمن كفر به استوجب العقاب، ومن آمن به استحق الثواب، وذلك يستدعي أن يخوف هؤلاء ويبشر هؤلاء، وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، أو عالم كل عصر، أو كل أحد يقدر على البشارة بأن يبشرهم. ولم يخاطبهم بالبشارة كما خاطب الكفرة، تفخيماً لشأنهم وإيذاناً بأنهم أحقاء بأن يبشروا ويهنأوا بما أعد لهم. وقرىء {وَبَشّرِ} على البناء للمفعول عطفاً على أعدت فيكون استئنافاً. والبشارة: الخبر السار فإنه يظهر أثر السرور في البَشْرة، ولذلك قال الفقهاء البشارة: هي الخبر الأول، حتى لو قال الرجل لعبيده: من بشرني بقدوم ولدي فهو حر، فأخبروه فرادى عتق أَوَلُهُم، ولو قال: من أخبرني، عتقوا جميعاً، وأما قوله تعالى: {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } تفسير : [آل عمران: 21] فعلى التهكم أو على طريقة قوله: تحِيَّةُ بَيْنِهمْ ضَرْبٌ وَجيْعُ. و {ٱلصَّـٰلِحَاتِ } جمع صالحة وهي من الصفات الغالبة التي تجري مجرى الأسماء كالحسنة، قال الحطيئة:شعر : كَيْفَ الهِجَاءُ وما تَنْفَكُّ صالحة من آل لامٍ بظُهْرِ الغَيْبِ تَأْتِيني تفسير : وهي من الأعمال ما سوغه الشرع وحسنه، وتأنيثها على تأويل الخصلة، أو الخلة، واللام فيها للجنس، وعطف العمل على الإيمان مرتباً للحكم عليهما إشعاراً بأن السبب في استحقاق هذه البشارة مجموع الأمرين والجمع بين الوصفين، فإن الإيمان الذي هو عبارة عن التحقيق والتصديق أَسٌّ، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا غناءَ بأْسٍ لا بناء عليه، ولذلك قلما ذكرا منفردين. وفيه دليل على أنها خارجة عن مسمى الإيمان، إذ الأصل أن الشيء لا يعطفُ على نفسه ولا على ما هو داخل فيه. {أَنَّ لَهُمْ } منصوب بنزع الخافض وإفضاء الفعل إليه، أو مجرور بإضماره مثل: الله لأفعلن. والجنة: المرة من الجن وهو مصدر جنة إذا ستره، ومدار التركيب على الستر، سمي بها الشجر المظلل لالتفاف أغصانه للمبالغة كأنه يستر ما تحته سترة واحدة قال زهير:شعر : كأنَّ عَيني في غَربي مقتلَة من النواضِحِ تَسْقي جَنَّةً سُحُقا تفسير : أي نخلاً طوالاً، ثم البستان، لما فيه من الأشجار المتكاثفة المظللة، ثم دار الثواب لما فيها من الجنان، وقيل: سميت بذلك لأنه ستر في الدنيا ما أعد فيها للبشر من أفنان النعم كما قال سبحانه وتعالى: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ }تفسير : [السجدة: 17] وجمعها وتنكيرها لأن الجنان على ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما سبع: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعِلِّيُون، وفي كل واحدة منها مراتب ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال. واللام في {لَهُمْ } تدل على استحقاقهم إياها، لأجل ما ترتب عليه من الإيمان والعمل الصالح، لا لذاته فإنه لا يكافىء النعم السابقة، فضلاً عن أن يقتضي ثواباً وجزاء فيما يستقبل بل بجعل الشارع، ومقتضى وعده تعالى لا على الإطلاق، بل بشرط أن يستمر عليه حتى يموت وهو مؤمن لقوله تعالى: {أية : وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَـٰلُهُمْ }تفسير : [البقرة: 217] وقوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ }تفسير : [الزمر: 65] وأشباه ذلك، ولعله سبحانه وتعالى لم يقيد ههنا استغناء بها. {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } أي من تحت أشجارها، كما تراها جارية تحت الأشجار النابتة على شواطئها. وعن مسروق أنهار الجنة تجري في غير أخدود: واللام في {ٱلأَنْهَـٰرَ } للجنس، كما في قولك لفلان: بستان في الماء الجاري، أو للعهد، والمعهود: هي الأنهار المذكورة في قوله تعالى: {أية : فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءَاسِنٍ }تفسير : [محمد: 15] الآية. والنهر بالفتح والسكون: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر، كالنيل والفرات، والتركيب للسعة، والمراد بها ماؤها على الإضمار، أو المجاز، أو المجاري أنفسها. وإسناد الجري إليها مجاز كما في قوله تعالى: {أية : وَأَخْرَجَتِ ٱلأَرْضُ أَثْقَالَهَا } تفسير : [الزلزلة: 2] الآية. {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا } صفة ثانية لجنات، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة. كأنه لما قيل: إن لهم جنات، وقع في خلد السامع أثمارها مثل ثمار الدنيا، أو أجناس أخر فأزيح بذلك، و {كُلَّمَا } نصب على الظرف، و {رِزْقاً } مفعول به، ومن الأولى والثانية للابتداء واقعتان موقع الحال، وأصل الكلام ومعناه: كل حين رزقوا مرزوقاً مبتدأ من الجنات مبتدأ من ثمرة، قيد الرزق بكونه مبتدأ من الجنات، وابتداؤه منها بابتدائه من ثمرة فصاحب الحال الأولى رزقاً وصاحب الحال الثانية ضميره المستكن في الحال، ويحتمل أن يكون من ثمره، بياناً تقدم كما في قولك: رأيت منك أسداً، وهذا إشارة إلى نوع ما رزقوا كقولك مشيراً إلى نهر جار: هذا الماء لا ينقطع، فإنك لا تعني به العين المشاهدة منه، بل النوع المعلوم المستمر بتعاقب جريانه وإن كانت الإشارة إلى عينه، فالمعنى هذا مثل رزقنا ولكن لما استحكم الشبه بينهما جعل ذاته ذاته كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة. {مِن قَبْلُ } أي: من قبل هذا في الدنيا، جعل ثمر الجنة من جنس ثمر الدنيا لتميل النفس إليه أول ما يرى، فإنه الطباع مائلة إلى المألوف متنفرة عن غيره، ويتبين لها مزيته وكنه النعمة فيه، إذ لو كان جنساً لم يعهد ظن أنه لا يكون إلا كذلك، أو في الجنة لأن طعامها متشابه في الصورة، كما حكى ابن كثير عن الحسن رضي الله عنهما: (أن أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول ذلك، فيقول الملك: كل فاللون واحد والطعم مختلف). أو كما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : والذي نفس محمد بيده، إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه، حتى يبدل الله تعالى مكانها مثلها»تفسير : . فلعلهم إذ رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك، والأول أظهر لمحافظته على عموم {كُلَّمَا } فإنه يدل على ترديدهم هذا القول كل مرة رزقوا، والداعي لهم إلى ذلك فرط استغرابهم وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم في اللذة والتشابه البليغ في الصورة. {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً } اعتراض يقرر ذلك، والضمير على الأول راجع إلى ما رزقوا في الدارين فإنه مدلول عليه بقوله عز من قائل {هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } ونظيره قوله عز وجل: {أية : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا }تفسير : [النساء: 135] أي بجنسي الغني والفقير، وعلى الثاني إلى الرزق. فإن قيل: التشابه هو التماثل في الصفة، وهو مفقود بين ثمرات الدنيا والآخرة كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ليس في الجنة من أطعمة إلا الأسماء. قلت: التشابه بينهما حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم دون المقدار والطعم، وهو كاف في إطلاق التشابه. هذا: وإن للآية الكريمة محملاً آخر، وهو أن مستلذات أهل الجنة في مقابلة ما رزقوا في الدنيا من المعارف والطاعات، متفاوتة في اللذة بحسب تفاوتها، فيحتمل أن يكون المراد من {هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا } أنه ثوابه، ومن تشابههما تماثلهما في الشرف والمزية وعلو الطبقة، فيكون هذا في الوعد نظير قوله: {أية : ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ }تفسير : [العنكبوت: 55] في الوعيد. {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ } مما يستقذر من النساء ويذم من أحوالهن، كالحيض والدرن ودنس الطبع وسوء الخلق، فإن التطهير يستعمل في الأجسام والأخلاق والأفعال. وقرىء: «مطهرات» وهما لغتان فصيحتان يقال النساء فعلت وفعلن، وهن فاعلة وفواعل، قال:شعر : وإذَا العَذَارى بالدّخَانِ تَقَنَّعَت واسْتَعَجلتْ نَصْبَ القُدورِ فملَّت تفسير : فالجمع على اللفظ، والإِفراد على تأويل الجماعة، ومطهرة بتشديد الطاء وكسر الهاء بمعنى متطهرة، ومطهرة أبلغ من طاهرة ومطهرة للإشعار بأن مطهراً طهرهن وليس هو إلا الله عز وجل. والزوج يقال للذكر والأنثى، وهو في الأصل لما له قرين من جنسه كزوج الخف، فإن قيل: فائدة المطعوم هو التغذي ودفع ضرر الجوع، وفائدة المنكوح التوالد وحفظ النوع، وهي مستغنى عنها في الجنة. قلت: مطاعم الجنة ومناكحها وسائر أحوالها إنما تشارك نظائرها الدنيوية في بعض الصفات والاعتبارات، وتسمى بأسمائها على سبيل الاستعارة والتمثيل، ولا تشاركها في تمام حقيقتها حتى تستلزم جميع ما يلزمها وتفيد عين فائدها. {وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } دائمون. والخلد والخلود في الأصل الثبات المديد دام أم لم يدم، ولذلك قيل للأثافي والأحجار خوالد، وللجزء الذي يبقى من الإنسان على حاله ما دام حياً خلد، ولو كان وضعه للدوام كان التقييد بالتأبيد في قوله تعالى: {أية : خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً }تفسير : [النساء: 57] لغوا واستعماله حيث لا دوام، كقولهم وقف مخلد، يوجب اشتراكاً، أو مجازاً. والأصل ينفيهما بخلاف ما لو وضع للأعم منه فاستعمل فيه بذلك الاعتبار، كإطلاق الجسم على الإنسان مثل قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ }تفسير : [الأنبياء: 34] لكن المراد به ههنا الدوام عند الجمهور لما يشهد له من الآيات والسنن. فإن قيل: الأبدان مركبة من أجزاء متضادة الكيفية، معرضة للاستحلالات المؤدية إلى الانفكاك والانحلال فكيف يعقل خلودها في الجنان. قلت: إنه تعالى يعيدها بحيث لا يعتورها الاستحالة بأن يجعل أجزاءها مثلاً متقاومة في الكيفية، متساوية في القوة لا يقوي شيء منها على إحالة الآخر، متعانقة متلازمة لا ينفك بعضها عن بعض كما يشاهد في بعض المعادن. هذا وإن قياس ذلك العالم وأحواله على ما نجده ونشاهده من نقص العقل وضعف البصيرة. واعلم أنه لما كان معظم اللذات الحسية مقصوراً على: المساكن والمطاعم، والمناكح، على ما دل عليه الاستقراء كان ملاك ذلك كله الدوام والثبات، فإن كل نعمة جليلة إذا قارنها خوف الزوال كانت منغصة غير صافية من شوائب الألم، بشر المؤمنين بها ومثل ما أعد لهم في الآخرة بأبهى ما يستلذ به منها، وأزال عنهم خوف الفوات بوعد الخلود ليدل على كمالهم في التنعم والسرور.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى ما أعده لأعدائه من الأشقياء الكافرين به وبرسله من العذاب والنكال، عطف بذكر حال أوليائه من السعداء المؤمنين به وبرسله الذين صدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة، وهذا معنى تسمية القرآن مثاني على أصح أقوال العلماء كما سنبسطه في موضعه، وهو أن يذكر الإيمان، ويتبع بذكر الكفر، أو عكسه، أو حال السعداء، ثم الأشقياء، أو عكسه، وحاصله ذكر الشيء ومقابله. وأما ذكر الشيء ونظيره، فذاك التشابه؛ كما سنوضحه إن شاء الله، فلهذا قال تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ} فوصفها بأنها تجري من تحتها الأنهار، أي: من تحت أشجارها وغرفها، وقد جاء في الحديث: أن أنهارها تجري في غير أخدود، وجاء في الكوثر أن حافتيه قباب اللؤلؤ المجوف، ولا منافاة بينهما؛ فطينها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والجوهر، نسأل الله من فضله إنه هو البر الرحيم. وقال ابن أبي حاتم: قرأ عليَّ الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا أبو ثوبان عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أنهار الجنة تفجر تحت تلال، أو من تحت جبال المسك»تفسير : وقال أيضاً: حدثنا أبو سعيد حدثنا وكيع عن الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق، قال: قال عبد الله: أنهار الجنة تفجر من جبل المسك. وقوله تعالى: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل، قال: إنهم أُتُوا بالثمرة في الجنة، فلما نظروا إليها، قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، وهكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ونصره ابن جرير، وقال عكرمة: {قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} قال: معناه: مثل الذي كان بالأمس، وكذا قال الربيع بن أنس. وقال مجاهد: يقولون: ما أشبهه به قال ابن جرير: وقال آخرون: بل تأويل هذا الذي رزقنا من قبل: ثمار الجنة من قبل هذا؛ لشدة مشابهة بعضه بعضاً؛ لقوله تعالى: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً} قال سنيد بن داود: حدثنا شيخ من أهل المصيصة عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: يؤتى أحدهم بالصفحة من الشيء، فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى، فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل، فتقول الملائكة: كُلْ، فاللون واحد، والطعم مختلف. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عامر بن يساف عن يحيى بن أبي كثير، قال: عشب الجنة الزعفران، وكثبانها المسك، ويطوف عليهم الولدان بالفواكه فيأكلونها، ثم يؤتون بمثلها، فيقول لهم أهل الجنة: هذا الذي أتيتمونا آنفاً به، فتقول لهم الوالدان: كلوا، فاللون واحد، والطعم مختلف، وهو قول الله تعالى: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً} وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً} قال: يشبه بعضه بعضاً، ويختلف في الطعم، قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والربيع بن أنس والسدي نحو ذلك. وقال ابن جرير بإسناده عن السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة في قوله تعالى: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً} يعني: في اللون والمرأى، وليس يشتبه في الطعم، وهذا اختيار ابن جرير، وقال عكرمة: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً} قال: يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنة أطيب، وقال سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس: لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء، وفي رواية: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، ورواه ابن جرير من رواية الثوري وابن أبي حاتم من حديث أبي معاوية، كلاهما عن الأعمش به، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تعالى: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً} قال: يعرفون أسماءه كما كانوا في الدنيا، التفاح بالتفاح، والرمان بالرمان، قالوا في الجنة: هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، وأتوا به متشابهاً، يعرفونه، وليس هو مثله في الطعم. وقوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: مطهرة من القذر والأذى، وقال مجاهد: من الحيض والغائط والبول والنخام والبزاق والمني والولد، وقال قتادة: مطهرة من الأذى والمأثم، وفي رواية عنه: لا حيض ولا كلف، وروي عن عطاء والحسن والضحاك وأبي صالح وعطية والسدي نحو ذلك. وقال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى أنبأنا ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قال: المطهرة: التي لا تحيض، قال: وكذلك خلقت حواء عليها السلام، فلما عصت، قال الله تعالى: إني خلقتك مطهرة، وسأدميك كما أدميت هذه الشجرة. وهذا غريب، وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا إبراهيم بن محمد حدثني جعفر بن محمد بن حرب وأحمد بن محمد الجوري قالا: حدثنا محمد بن عبيد الكندي، حدثنا عبد الرزاق بن عمر البزيعي، حدثنا عبد الله بن المبارك عن شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} قال: من الحيض والغائط والنخاعة والبزاق. هذا حديث غريب، وقد رواه الحاكم في مستدركه عن محمد بن يعقوب عن الحسن بن علي ابن عفان عن محمد بن عبيد به، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وهذا الذي ادعاه فيه نظر، فإن عبد الرزاق بن عمر البزيعي هذا قال فيه أبو حاتم بن حبان البستي: لا يجوز الاحتجاج به (قلت): والأظهر أن هذا من كلام قتادة كما تقدم، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} هذا هو تمام السعادة؛ فإنهم مع هذا النعيم، في مقام أمين من الموت والانقطاع، فلا آخر له ولا انقضاء، بل في نعيم سرمدي أبدي على الدوام، والله المسؤول أن يحشرنا في زمرتهم، إنه جواد كريم بر رحيم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَبَشّرِ } أخبر {ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } صدقوا بالله {وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَاتِ } من الفروض والنوافل {ءانٍ } أي بأن {لَهُمْ جَنَّٰتُ } حدائق ذات أشجار ومساكن {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا } أي تحت أشجارها وقصورها {ٱلانْهَٰرَ } أي المياه فيها، والنهر الموضع الذي يجري فيه الماء لأن الماء ينهره أي يحفره، وإسناد الجري إليه مجاز {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا } أطعموا من تلك الجنات {مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِى } أي مثل ما {رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } أي قبله في الجنة لتشابه ثمارها بقرينه {وَأُتُواْ بِهِ } أي جيئوا بالرزق {مُّتَشَٰبِهاً } يشبه بعضه بعضاً لوناً ويختلف طعماً {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ } من الحور وغيرها {مُّطَهَّرَةٍ } من الحيض وكل قذر {وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ } ماكثون أبدا لا يفنون ولا يخرجون، ونزل ردا لقول اليهود لما ضرب الله المثل بالذباب في قوله { أية : وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً } تفسير : [73:22] والعنكبوت في قوله { أية : كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ } تفسير : [41:29] ما أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة فأنزل الله.

الشوكاني

تفسير : لما ذكر تعالى جزاء الكافرين عقبه بجزاء المؤمنين ليجمع بين الترغيب، والترهيب، والوعد، والوعيد كما هي عادته سبحانه في كتابه العزيز، لما في ذلك من تنشيط عباده المؤمنين لطاعاته، وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيه. والتبشير: الإخبار بما يظهر أثره على البشرة، وهي الجلدة الظاهرة، من البشر، والسرور. قال القرطبي: أجمع العلماء على أن المكلف إذا قال: مَن بشرني مِن عبيدي، فهو حرّ، فبشره واحد من عبيده، فأكثر، فإن أوّلهم يكون حرّاً دون الثاني، واختلفوا إذا قال: مَنْ أخبرني مِن عبيدي بكذا، فهو حرّ، فقال أصحاب الشافعي: يعمّ لأن كل واحد منهم مخبر، وقال علماؤنا: لا؛ لأن المكلف إنما قصد خبراً يكون بشارة، وذلك مختص بالأول. انتهى. والحق أنه إن أراد مدلول الخبر عتقوا جميعاً، وإن أراد الخبر المقيد بكونه بشارة عتق الأول، فالخلاف لفظي. والمأمور بالتبشير قيل: هو: النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو: كل أحد كما في قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : بشر المشائين» تفسير : وهذه الجمل، وإن كانت مصدرة بالإنشاء، فلا يقدح ذلك في عطفها على ما قبلها، لأن المراد عطف جملة وصف ثواب المطيعين على جملة، وصف عقاب العاصين من دون نظر إلى ما اشتمل عليه الوصفان من الأفراد المتخالفة خبراً، وأنشاء. وقيل: إن قوله: {وَبَشّرِ} معطوف على قوله: {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ }تفسير : [البقرة: 24]، وليس هذا بجيد. و{ٱلصَّـٰلِحَاتِ } الأعمال المستقيمة. والمراد هنا: الأعمال المطلوبة منهم المفترضة عليهم، وفيه ردّ على من يقول إن الإيمان بمجرده يكفي، فالجنة تنال بالإيمان، والعمل الصالح. والجنات: البساتين، وإنما سميت جنات؛ لأنها تجنّ من فيها: أي: تستره بشجرها، وهو: اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنات كثيرة. والأنهار جمع نهر، وهو: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر، والمراد: الماء الذي يجري فيها، وأسند الجري إليها مجازاً، والجاري حقيقة هو الماء كما في قوله تعالى {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] أي: أهلها وكما قال الشاعر:شعر : ونبئت أن النّارَ بَعْدَكَ أوقِدَتْ واستب بَعدَكَ يا كُليبُ المْجلِسُ تفسير : والضمير في قوله{مِن تَحْتِهَا} عائد إلى الجنات؛ لاشتمالها على الأشجار، أي: من تحت أشجارها. وقوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ } وصف آخر للجنات، أو هو: جملة مستأنفة كأن سائلاً قال: كيف تمارها. و{مِن ثَمَرَةٍ } في معنى من أي ثمرة: أي نوع من أنواع الثمرات؟ والمراد بقوله {هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} أنه شبيهه، ونظيره، لا أنه هو، لأن ذات الحاضر لا تكون عين ذات الغائب لاختلافهما، وذلك أن اللون، يشبه اللون، وإن كان الحجم، والطعم، والرائحة، والماوية مختلفة. والضمير في "به" عائد إلى الرزق، وقيل: المراد أنهم أتوا بما يرزقونه في الجنة متشابهاً، فما يأتيهم في أول النهار يشابه الذي يأتيهم في آخره، فيقولون هذا الذي رزقنا من قبل، فإذا أكلوا وجدوا له طعماً غير طعم الأول. و{مُّتَشَـٰبِهاً } منصوب على الحال. والمراد بتطهير الأزواج أنه لا يصيبهن ما يصيب النساء من قذر الحيض، والنفاس، وسائر الأدناس التي لا يمتنع تعلقها بنساء الدنيا. والخلود: البقاء الدائم الذي لا ينقطع، وقد يستعمل مجازاً فيما يطول، والمراد هنا الأوّل. وقد أخرج ابن ماجه، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، والبزار، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والبيهقي، وابن مردويه، عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ألا هل مشمر للجنة؟ فإن الجنة لا خطر لها، هي: وربّ الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في دار سليمة، وفاكهة خضراء»تفسير : الحديث. والأحاديث في وصف الجنة كثيرة جداً ثابتة في الصحيحين، وغيرهما. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنهار الجنة تفجر من تحت جبال مسك»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو حاتم، وأبو الشيخ، وابن حبان، والبيهقي في البعث وصححه عن ابن مسعود نحوه، موقوفاً. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي مالك في قوله: {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلانْهَـٰرُ } قال: يعني المساكن تجري أسفلها أنهارها. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً } قال: أتوا بالثمرة في الجنة، فنظروا إليها {قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ } في الدنيا {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً } في اللون والمرأى، وليس يشبه الطعم. وأخرج عبد بن حميد، عن علي بن زيد، وقتادة نحوه. وأخرج مسدد في مسنده، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبى حاتم، عن ابن عباس قال: ليس في الدنيا مما في الجنة شيء إلا الأسماء. وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة قال: قولهم {مِن قَبْلُ} معناه: هذا مثل الذي كان بالأمس. وأخرج ابن جرير عن يحـي بن أبي كثير، نحوه. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال {مُّتَشَـٰبِهاً } في اللون مختلفاً في الطعم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن الحسن في قوله {مُّتَشَـٰبِهاً } قال: خيار كله يشبه بعضه بعضاً لا رذل فيه، ألم تروا إلى ثمار الدنيا كيف ترذلون بعضه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة مثله. وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {حديث : وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ }تفسير : قال:حديث : من الحيض، والغائط، والبزاق، والنخامة. تفسير : وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: من القذر، والأذى. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود قال: لا يحضن، ولا يحدثن، ولا يتنخمن. وقد روى نحو هذا عن جماعة من التابعين. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفات أهل الجنة في الصحيحين، وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة أن أهل الجنة لا يبصقون، ولا يتمخطون، ولا يتغوطون. وثبت أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة في الصحيحين، وغيرهما من صفات نساء أهل الجنة مالا يتسع المقام لبسطه، فلينظر في دواوين الإسلام، وغيرها. وأخرج ابن جرير، وابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } أي: خالدون أبداً، يخبرهم أن الثواب بالخير، والشرّ مقيم على أهله أبداً لا انقطاع له. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } يعني لا يموتون. وأخرج البخاري، ومسلم، وغيرهما، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ثم يقوم مؤذن بينهم: يا أهل النار لا موت، ويا أهل الجنة لا موت، كل هو: خالد فيما هو فيه»تفسير : . وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة نحوه. وأخرج الطبراني، والحاكم وصححه من حديث معاذ نحوه. وأخرج الطبراني، وابن مردويه، وأبو نعيم من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو قيل لأهل النار: إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا بها، ولو قيل لأهل الجنة: إنكم ماكثون عدد كل حصاة لحزنوا، ولكن جعل لهم الأبد».

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} بشر من البشارة، أو خبر يرد عليك بما يَسُرُّ، وقيل بما يُسرُّ ويُغِمُّ، وإنما كثر استعماله فيما يَسُرُّ، حتى عُدِلَ به عما يُغِمُّ، وهو مأخوذ من البَشْرَةِ وهي ظاهر الجلد لتغيرها بأول خبر [يرد عليه]. والجنات جمع جنة، وهي البستان ذو الشجر، وسمي جنة لأن ما فيه من الشجر يستره، وقال المفضل: الجنة كل بستان فيه نخل، وإن لم يكن فيه شجر غيره، فإن كان فيه كَرْمٌ فهو فردوس، كان فيه شجر غير الكرم أو لم يكن. {تَجْرِي مِنْ تَحْتَها الأَنْهَارُ} يعني من تحت الشجر، وقيل: إن أنهار الجنة تجري من غير أخدود. قوله عز وجل: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هذا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}، يعني بقوله: {رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرةٍ رِزْقاً} أي من ثمار شجرها. {قَالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} فيه تأويلان: أحدهما: أن معناه: أن هذا الذي رُزِقْنَاهُ من ثمار الجنة، مثلُ الذي رُزِقْنَاهُ من ثمار الدنيا، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة. والثاني: أن ثمار الجنة إذا جنيت من أشجارها، استخلف مكانها مثلها، فإذا رأوا ما استخلف بعد الذي جُنِي، اشتُبِه عليهم، فقالوا: {هذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْل}، وهو قول أبي عبيد ويحيى بن أبي كثير. قوله عز وجل: {وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أن معنى التشابه أن كله خيار يشبه بعضه بعضاً وليس كثمار الدنيا، التي لا تتشابه لأن فيها خياراً وغير خيار، وهذا قول الحسن وقتادة وابن جريج. والثاني: أن التشابه في اللون دون الطعم فكأن ثمار الجنة في ألوان ثمار الدنيا، وإن خالفتها في الطعم، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود والربيع بن أنس. والثالث: أن التشابه في الأسماء دون الألوان والطعوم، فلا تشبه ثمار الجنة شيئاً من ثمار الدنيا في لون ولا طعم، وهذا قول ابن الأشجعي وليس بشيء. قوله عز وجل: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} في الأبدان، والأخلاق، والأفعال، فلا يَحِضْن، ولا يلدْن، ولا يذهَبْن إلى غائطٍ ولا بولٍ، وهذا قول جميع أهل التفسير.

ابن عطية

تفسير : {بشر} مأخوذ من البشرة لأن ما يبشر به الإنسان من خير أو شر يظهر عنه أثر في بشرة الوجه، والأغلب استعمال البشارة في الخير، وقد تستعمل في الشر مقيدة به منصوصاً على الشر المبشر به، كما قال تعالى: {أية : فبشرهم بعذاب أليم} تفسير : [آل عمران: 21، التوبة، 34، الانشقاق:24] ومتى أطلق لفظ البشارة فإنما يحمل على الخير، وفي قوله تعالى: {وعملوا الصالحات} رد على من يقول إن لفظة الإيمان بمجردها تقتضي الطاعات لأنه لو كان ذلك ما أعادها. و {أن} في موضع نصب بـ {بشرِّ} وقيل في موضع خفض على تقدير باء الجر و {جنات} جمع جنة، وهي بستان الشجرة والنخيل، وبستان الكرم يقال له الفردوس، وسميت جنة لأنها تجن من دخلها أي تستره، ومنه المجن والجنن وجن الليل، و {من تحتها} معناه من تحت الأشجار التي يتضمنها ذكر الجنة وقيل قوله {من تحتها} معناه بإزائها كما تقول داري تحت دار فلان وهذا ضعيف، و {الأنهار} المياه في مجاريها المتطاولة الواسعة، لأنها لفظة مأخوذة من أنهرت أي سعت، ومنه قول قيس بن الخطيم: [الطويل]. شعر : ملكت بها كفي فأنْهَرْتَ فَتْقَها يَرَى قَائِمٌ من دونِها ما وراءَها تفسير : ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أنهر الدم وذكرَ اسمُ الله عليه فكلوه" تفسير : معناه ما وسع الذبح حتى جرى الدم كالنهر ونسب الجري إلى النهر وإنما يجري الماء وحده تجوزاً، كما قال {أية : واسأل القربة} تفسير : [يوسف: 82] وكما قال الشاعر: [مهلهل أخو كليب][الكامل] شعر : نُبِّئْتُ أن النارَ بعدَك أوقدتْ واستبّ بعدك يا كليبُ المجلسُ تفسير : وروي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد، إنما تجري على سطح أرض الجنة منضبطة، وقوله: {كلما} ظرف يقتضي الحصر وفي هذه الآية رد على من يقول: إن الرزق من شروطه التملك. قال القاضي أبو محمد: ذكر هذا بعض الأصوليين وليس عندي ببين، وقولهم {هذا} إشارة إلى الجنس أي: هذا من الجنس الذي رزقنا منه من قبل، والكلام يحتمل أن يكون تعجباً وهو قول ابن عباس، ويحتمل أن يكون خبراً من بعضهم لبعض، قاله جماعة من المفسرين. وقال الحسن ومجاهد: "يرزقون الثمرة ثم يرزقون بعدها مثل صورتها والطعم مختلف فهم يتعجبون لذلك ويخبر بعضهم بعضاً". وقال ابن عباس: "ليس في الجنة شيء مما في الدنيا سوى الأسماء، وأما الذوات فمتباينة". وقال بعض المتأولين: "المعنى أنهم يرون الثمر فيميزون أجناسه حين أشبه منظره ما كان في الدنيا، فيقولون: {هذا الذي رزقنا من قبل} في الدنيا". قال القاضي أبو محمد: وقول ابن عباس الذي قبل هذا يرد على هذا القول بعض الرد. وقال بعض المفسرين: "المعنى هذا الذي وعدنا به في الدنيا فكأنهم قد رزقوه في الدنيا إذ وعد الله منتجز". وقال قوم: إن ثمر الجنة إذا قطف منه شيء خرج في الحين في موضعه مثله فهذا إشارة إلى الخارج في موضع المجني. وقرأ جمهور الناس: "وأُتُوا" بضم الهمزة وضم التاء. وقرأ هارون الأعور: "وأَتَوا" بفتح الهمزة والتاء والفاعل على هذه القراءة الولدان والخدام، و "أتوا" على قراءة الجماعة أصله أتيوا نقلت حركة الياء إلى التاء ثم حذفت الياء للالتقاء. وقوله تعالى: {متشابهاً} قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم: "معناه يشبه بعضه بعضاً في المنظر ويختلف في الطعم". وقال عكرمة: "معناه يشبه ثمر الدنيا في المنظر ويباينه في جل الصفات". وقوله تعالى: {متشابهاً} معناه خيار لا رذل فيه، كقوله تعالى: {أية : كتاباً متشابهاً} تفسير : [الزمر: 23]. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: كأنه يريد متناسباً في أن كل صنف هو أعلى جنسه فهذا تشابه ما، وقيل {متشابهاً} أي مع ثمر الدنيا في الأسماء لا في غير ذلك من هيئة وطعم، و {أزواج} جمع زوج والمرأة زوج الرجل والرجل زوج المرأة ويقال في المرأة زوجة ومنه قول الفرزدق: [الطويل] شعر : وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أُسْد الشرى يستبيلُها تفسير : وقال عمار بن ياسر في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: "والله إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم". ذكر البخاري وغيره الحديث بطوله. و {مطهرة} أبلغ من طاهرة، ومعنى هذه الطهارة من الحيض والبزاق وسائر أقذار الآدميات، وقيل من الآثام. والخلود الدوام في الحياة أو الملك ونحوه وخلد بالمكان إذا استمرت إقامته فيه، وقد يستعمل الخلود مجازاً فيما يطول، وأما هذا الذي في الآية فهو أبدي حقيقة.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَبَشِّرِ} البشارة: أول خبر يرد عليك بما يسرّ، أو هي أول خبر يسرّ أو يغم، وإن كثر استعمالها فيما يسرّ، أُخذت من البشرة، وهي ظاهر الجلد، لتغيرها بأول خبر. {جَنَّاتٍ} سمي البستان جنة لأن شجره يستره، المفضل: الجنة: كل بستان فيه نخل وإن لم يكن فيه شجر غيره، فإن كان فيه كَرْم فهو فردوس سواء كان فيه شجر غير الكَرْم، أو لم يكن. {مِن تَحْتِهَا} من تحت الأشجار، قيل تجري أنهارها في غير أخدود. {رُزِقُواْ مِنْهَا} أي من ثمر أشجارها. {هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا} أي الذي رزقنا من ثمار الجنة كالذي رزقنا من ثمار الدنيا، أو إذا استخلف مكان جَنى الجنة مثله فرأوه فاشتبه عليهم بالذي جنوه قبله فقالوا هذا الذي رزقنا من قبل. {مُتَشَابِهاً} يشبه بعضه بعضاً في الجودة لا رديء فيه، أو يشبه ثمار الدنيا في اللون دون الطعم، أو يشبه ثمار الدنيا في اللون والطعم، أو يشبهها في الاسم دون اللون والطعم، وليس بشيء {مُّطَهَّرَةٌ} في الأبدان، والأخلاق، والأفعال، فلا حيض، ولا ولاد، ولا غائط، ولا بول، إجماعاً.

النسفي

تفسير : {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } والمأمور بقوله «وبشر» الرسول عليه السلام أو كل أحد، وهذا أحسن لأنه يؤذن بأن الأمر لعظمه وفخامة شأنه محقوق بأن يبشر به كل من قدر على البشارة به. وهو معطوف على «فاتقوا» كما تقول يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم. أو جملة وصف ثواب المؤمنين معطوفة على جملة وصف عقاب الكافرين كقولك «زيد يعاقب بالقيد والإرهاق وبشر عمراً بالعفو والإطلاق». والبشارة الإخبار بما يظهر سرور المخبر به ومن ثم قال العلماء: إذا قال لعبيده: أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر. فبشروه فرادى عتق أولهم لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره دون الباقين. ولو قال: «أخبرني» مكان «بشرني» عتقوا جميعاً، لأنهم أخبروه، ومنه البشرة لظاهر الجلد، وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه. وأما{أية : فبشرهم بعذاب أليم}تفسير : [آل عمران:21] فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المستهزأ به كما يقول الرجل لعدوه أبشر بقتل ذريتك ونهب مالك. والصالحة نحو الحسنة في جريها مجرى الاسم. والصالحات كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والكتاب والسنة واللام للجنس. والآية حجة على من جعل الأعمال إيماناً لأنه عطف الأعمال الصالحة على الإيمان والمعطوف غير المعطوف عليه. ولا يقال إنكم تقولون يجوز أن يدخل المؤمن الجنة بدون الأعمال الصالحة والله تعالى بشر بالجنة لمن آمن وعمل صالحاً، لأن البشارة المطلقة بالجنة شرطها اقتران الأعمال الصالحة بالإيمان، ولا نجعل لصاحب الكبيرة البشارة المطلقة بل نثبت بشارة مقيدة بمشيئة الله إن شاء غفر له وإن شاء عذبه بقدر ذنوبه ثم يدخله الجنة. {أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ } أي بأن لهم جنات. وموضع «أن» وما عملت فيه النصب بـ «بشِّر» عند سيبويه خلافاً للخليل وهو كثير في التنزيل. والجنة البستان من النخل والشجر المتكاثف، والتركيب دائر على معنى الستر ومنه الجن والجنون والجنين والجنة والجان والجنان، وسميت دار الثواب جنة لما فيها من الجنان. والجنة مخلوقة لقوله تعالى: {أية : ٱسْكُنْ أَنتَ وزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ } تفسير : [البقرة: 35] خلافاً لبعض المعتزلة. ومعنى جمع الجنة وتنكيرها أن الجنة اسم لدار الثواب كلها وهي مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب بحسب أعمال العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان. {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } الجملة في موضع النصب صفة لجنات، والمراد من تحت أشجارها كما ترى الأشجـار النابتة على شواطىء الأنهار الجارية. وأنهار الجنة تجري في غير أخدود. وأنزه البساتين ما كانت أشجارها مظلة والأنهار في خلالها مطردة والجري الأطراد. والنهر المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر يقال للنيل: نهر مصر، واللغة الغالة نهر ومدار التركيب على السعة، وإسناد الجري إلى الأنهار مجازي. وإنما عرف الأنهار لأنه يحتمل أن يراد بها أنهارها فعوض التعريف باللام من تعريف الإضافة كقوله تعالى: {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً }تفسير : [مريم: 4]، أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله تعالى: {أية : فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء غَيْرِ ءَاسِنٍ }تفسير : [محمد: 15]، الآية والماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى ولذا قرن الله تعالى الجنات بذكر الأنهار الجارية وقدمه على سائر نعوتها. {كُلَّمَا رُزِقُواْ } صفة ثانية لـ «جنات» أو جملة مستأنفة لأنه لما قيل إن لهم جنات لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس فقيل: إن ثمارها أشباه ثمار جنات الدنيا أي أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا الله. {مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي } أي «كلما رزقوا» من الجنات، من أي ثمرة كانت من تفاحها أو رمانها أو غير ذلك، «رزقاً» قالوا ذلك. فـ «من» الأولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية لأن الرزق قد ابتدىء من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدىء من ثمرة، ونظيره أن تقول: رزقني فلان فيقال لك: من أين؟ فتقول: من بستانه. فيقال: من أي ثمرة رزقك من بستانه؟ فتقول: من الرمان. وليس المراد من الثمرة التفاحة الواحدة أو الرمانة الفذة وإنما المراد نوع من أنواع الثمار. {رُزِقْنَا } أي رزقناه فحذف العائد {مِن قَبْلُ } أي من قبل هذا، فلما قطع عن الإضافة بنى، والمعنى هذا مثل الذي رزقنا من قبل وشبهه بدليل قوله {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً } وهذا كقولك «أبو يوسف أبو حنيفة» تريد أنه لاستحكام الشبه كأن ذاته ذاته. والضمير في «به» يرجـع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً لأن قوله «هذا الذي رزقنا من قبل» انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين، وإنما كان ثمار الجنة مثل ثمار الدنيا ولم تكن أجناساً أخر، لأن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه وعافته نفسه، ولأنه إذا شاهد ما سلف له به عهد ورأى فيه مزية ظاهرة وتفاوتاً بيناً كان استعجابه به أكثر واستغرابه أوفر. وتكريرهم هذا القول عند كل ثمرة يرزقونها دليل على تناهي الأمر وتمادي الحال في ظهور المزية، وعلى أن ذلك التفاوت العظيم هو الذي يستملي تعجبهم في كل أوان أو إلى الرزق كما أن هذا إشارة إليه، والمعنى أن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانساً في نفسه كما يحكى عن الحسن: يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بالأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل فيقول الملك: كل، فاللون واحد والطعم مختلف. وعنه عليه السلام: «حديث : والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدلها الله مكانها مثلها فإذا أبصروها والهيئة هيئة الأولى قالوا ذلك» تفسير : وقوله: «وأتوا به متشابهاً» جملة معترضة للتقرير كقولك «فلان أحسن بفلان ونعم ما فعل» ورأى من الرأي كذا وكان صواباً، ومنه {أية : وَجَعَلُواْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ }تفسير : [النمل: 34]. {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ } «أزواج» مبتدأ و«لهم» الخبر و«فيها» ظرف للإستقرار. {مُّطَهَّرَةٌ } من مساوي الأخلاق، لا طمحات ولا مرحات، أو مما يختص بالنساء بالحيض والاستحاضة وما لا يختص بهن من البول والغائط وسائر الأقذار والأدناس. ولم تجمع الصفة كالموصوف لأنهما لغتان فصيحتان، ولم يقل طاهرة لأن {مُّطَهَّرَةٌ } أبلغ لأنها تكون للتكثير، وفيها إشعار بأن مطهّراً طهرهن وما ذلك إلا الله عز وجل. {وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } الخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع، وفيه بطلان قول الجهمية فإنهم يقولون بفناء الجنة وأهلها لأنه تعالى وصف بأنه الأول الآخر، وتحقيق وصف الأولية بسبقه على الخلق أجمع فيجب تحقيق وصف الآخرية بالتأخر عن سائر المخلوقات، وذا إنما يتحقق بعد فناء الكل فوجب القول به ضرورة، ولأنه تعالى باقٍ وأوصافه باقية فلو كانت الجنة باقية مع أهلها لوقع التشابه بين الخالق والمخلوق وذا محال. قلنا: الأول في حقه هو الذي لا ابتداء لوجوده، والآخر هو الذي لا انتهاء له، وفي حقنا الأول هو الفرد السابق والآخر هو الفرد اللاحق، واتصافه بهما لبيان صفة الكمال ونفي النقيصة والزوال، وذا في تنزيهه عن احتمال الحدوث والفناء لا فيما قالوه، وأنى يقع التشابه في البقاء وهو تعالى باقٍ لذاته وبقاؤه واجب الوجود وبقاء الخلق به وهو جائز الوجود. لما ذكر الله تعالى الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب به مثلاً ضحكت اليهود وقالوا ما يشبه هذا كلام الله فنزل. {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً } أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحي أن يتمثل بها لحقارتها. وأصل الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به ويذم، ولا يجوز على القديم التغير خوف والذم ولكن الترك لما كان من لوازمه عبر عنه به، ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا: أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت، فجاءت على سبيل المقابلة وإطباق الجواب على السؤال، وهو فن من كلامهم بديع وفيه لغتان: التعدي بنفسه وبالجار. يقال: استحييته واستحييت منه وهما محتملتان هنا، وضرب المثل صنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم. و «ما» هذه إبهامية وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاماً وزادته عموماً كقولك: «أعطني كتاباً ما» تريد أي كتاب كان، أو صلة للتأكيد كالتي في قوله تعالى: {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مّيثَـٰقَهُمْ }تفسير : [النساء: 155]، كأنه قال: لا يستحي أن يضرب مثلاً ألبتة. وبعوضة عطف بيان لـ «مثلاً» أو مفعول لـ «يضرب» و«مثلاً» حال من النكرة مقدمة عليه، أو انتصبا مفعولين على أن «ضرب» بمعنى «جعل» واشتقاقها من البعض وهو القطع كالبضع والعضب. يقال بعضه البعوض ومنه بعض الشيء لأنه قطعة منه، والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت. {فَمَا فَوْقَهَا } فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلاً وهو القلة والحقارة، أو فما زاد عليها في الحجم كأنه أراد بذلك رد ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت لأنهما أكبر من البعوضة. ولا يقال كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر لأن جناح البعوضة أقل منها وأصغر بدرجات وقد ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً للدنيا. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَهُ ٱلحَق} الضمير للمثل أو لأن يضرب والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره يقال حق الأمر إذا ثبت ووجب {مّن رَّبِّهِمْ } في موضع النصب على الحال والعامل معنى الحق وذو الحال الضمير المستتر فيه {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً } ويوقف عليه إذ لو وصل لصار ما بعده صفة له وليس كذلك. وفي قولهم «ماذا أراد الله بهذا مثلاً» استحقار كما قالت عائشة رضي الله عنها في عبد الله ابن عمرو: يا عجباً لابن عمرو هذا محقرة له. و«مثلاً» نصب على التمييز أو على الحال كقوله {أية : هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً }تفسير : [الأعراف: 73] وأما حرف فيه معنى الشرط ولذا يجاب بالفاء، وفائدته في الكلام أن يعطيه فضل توكيد. تقول: زيد ذاهب. فإذا قصدت توكيده وأنه لا محالة ذاهب قلت: أما زيد فذاهب، ولذا قال سيبويه في تفسيره: مهما يكن من شيء فزيد ذاهب، وهذا التفسير يفيد كونه تأكيداً وأنه في معنى الشرط. وفي إيراد الجملتين مصدرتين به وإن لم يقل فالذين آمنوا يعلمون والذين كفروا يقولون، إحماد عظيم لأمر المؤمنين واعتداد بليغ بعلمهم أنه الحق، ونعي على الكافرين إغفالهم حظهم ورميهم بالكلمة الحمقاء. و«ماذا» فيه وجهان: أن يكون «ذا» اسماً موصولاً بمعنى الذي و«ما» استفهاماً فيكون كلمتين، وأن تكون «ذا» مركبة مع «ما» مجعولتين اسماً واحداً للاستفهام فيكون كلمة واحدة، فـ «ما» على الأول رفع بالابتداء وخبره «ذا» مع صلته أي أراد، والعائد محذوف. وعلى الثاني منصوب المحل بـ «أراد» والتقدير: أي شيء أراد الله. والإرادة مصدر أردت الشيء إذا طلبته نفسك ومال إليه قلبك، وهي عند المتكلمين معنى يقتضي تخصيص المفعولات بوجه دون وجه، والله تعالى موصوف بالإرادة على الحقيقة عند أهل السنة. وقال معتزلة بغداد: إنه تعالى لا يوصف بالإرادة على الحقيقة. فإذا قيل أراد الله كذا فإن كان فعله فمعناه أنه فعل وهو غير ساهٍ ولا مكره عليه، وإن كان فعل غيره فمعناه أنه أمر به. {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين بـ «أما»، وأن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة، وأن العلم بكونه حقاً من باب الهدى، وأن الجهل بحسن مورده من باب الضلالة. وأهل الهدى كثير في أنفسهم وإنما يوصفون بالقلة بالقياس إلى أهل الضلال، ولأن القليل من المهتدين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة. شعر : إن الكرام كثير في البلاد وإن قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا تفسير : والإضلال: خلق فعل الضلال في العبد، والهداية خلق فعل الاهتداء، هذا هو الحقيقة عند أهل السنة، وسياق الآية لبيان أن ما استنكره الجهلة من الكفار واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروباً بها المثل ليس بموضع الاستنكار والاستغراب لأن التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى وإدناء المتوهم من المشاهد. فإن كان المتمثل له عظيماً كان المتمثل به كذلك، وإن كان حقيراً كان المتمثل به كذلك، ألا ترى أن الحق لما كان واضحاً جلياً تمثل له بالضياء والنور، وأن الباطل لما كان بضد صفته تمثل له بالظلمة، ولما كانت حال الآلهة التي جعلها الكفار أنداداً لله لا حال أحقر منها وأقل، ولذلك جعل بيت العنكبوت مثلها في الضعف والوهن، وجعلت أقل من الذباب وضربت لها البعوضة؟ فالذي دونها مثلاً لم يستنكر ولم يستبدع ولم يقل للمتمثل استحى من تمثيلها بالبعوضة لأنه مصيب في تمثيله، محق في قوله، سائق للمثل على قضية مضربه، ولبيان أن المؤمنين الذين عادتهم الإنصاف والنظر في الأمور يناظر العقل إذا سمعوا بهذا التمثيل علموا أن الحق، وأن الكفار الذين غلب الجهل على عقولهم إذا سمعوه كابروا وعاندوا وقضوا عليه بالبطلان وقابلوه بالإنكار، وأن ذلك سبب هدى المؤمنين وضلال الفاسقين. والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وخشاش الأرض فقالوا: أجمع من ذرة، وأجرأ من الذباب، وأسمع من قراد، وأضعف من فراشة، وآكل من السوس، وأضعف من البعوضة، وأعز من مخ البعوض، ولكن ديدن المحجوج والمبهوت أن يرضى لفرط الحيرة بدفع الواضح وإنكار اللائح. {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ } هو مفعول «يضل» وليس بمنصوب على الاستثناء لأن «يضل» لم يستوف مفعوله. والفسق: الخروج عن القصد. والفاسق في الشريعة: الخارج عن الأمر بارتكاب الكبيرة وهو النازل بين المنزلتين أي بين منزلة المؤمن والكافر عند المعتزلة وسيمر عليك ما يبطله إن شاء الله. {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ } النقض: الفسخ وفك التركيب. والعهد: الموثق. والمراد بهؤلاء الناقضين لعهد الله أحبار اليهود المتعنتون أو منافقوهم أو الكفار جميعاً. وعهد الله ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد كأنه أمر وصاهم به ووثقه عليهم، أو أخذ الميثاق عليهم بأنهم إذا بعث إليهم رسول يصدقه الله بمعجزاته صدقوه واتبعوه ولم يكتموا ذكره، أو أخذ الله العهد عليهم أن لا يسفكوا دماءهم ولا يبغي بعضهم على بعض ولا يقطعوا أرحامهم. وقيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود: العهد الأول الذي أخذه على جميع ذرية آدم عليه السلام بأن يقروا بربوبيته وهو قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدم} تفسير : [الأعراف: 172] الآية، وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين وهو قوله تعالى: {أية : وَإِذَا أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ }تفسير : [الأحزاب: 7] وعهد خص به العلماء وهو قوله تعالى: {أية : وَإِذَا أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } تفسير : [آل عمران: 187]، {مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ } أصله من الوثاقة وهي إحكام الشيء، والضمير للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم، ويجوز أن يكون بمعنى توثقته كما أن الميعاد بمعنى الوعد أو لله تعالى أي من بعد توثقته عليهم و «من» لابتداء الغاية {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } هو قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين، أو قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاجتماع على الحق في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض. والأمر طلب الفعل بقول مخصوص على سبيل الاستعلاء، و «ما» نكرة موصوفة أو بمعنى الذي و «أن يوصل» في موضع جر بدل من الهاء أي بوصله، أو في موضع رفع أي هو أن يوصل {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ } بقطع السبيل والتعويق عن الإيمان {أُوْلَـٰئِكَ } مبتدأ {هُمْ } فصل والخبر {ٱلْخَـٰسِرُونَ } أي المغبونون حيث استبدلوا النقض بالوفاء والقطع بالوصل والفساد بالصلاح والعقاب بالثواب.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِين ءَامَنُواْ...} قال الزمخشري: معطوف إما على {أية : فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ} تفسير : أو على الجملة (كلها). واعترض أبو حيّان الأول بأن "فَٱتَّقُواْ" جواب الشرط وموضعه جزم وبشر لا يصح أن يكون جوابا لأنَّه أمر بالبشارة مطلقا مطلقا إلا على تقدير أن لم تفعلوا. ورده المختصر بوجهين: الأول نص الفارسي وجماعة في مثل زيد ضربته وعمرو كلمته أنه معطوف على الجملة الصغرى مع أن عمرو كلمته يمتنع أن يكون خبرا (عن) زيد لعدم الرابط فكذا لا يصح أن يعطف على الجواب ما ليس جوابا. قال ابن عرفة: ونظيره رب شاة وسلخها مع أن ربّ لا تدخل إلا على النكرة. وأجاب المختصر عن قوله لأنه أمر بالبشارة مطلقا (بأن) الواقع عدم الفعل جزما (ولهذا قال): "وَلَن تَفْعَلُواْ" فليس ثم تقدير: إن فعلتم فلا (تبشير واقع بل) الأمر بالبشارة واقع مطلقا. وارتضى ابن عرفة الأول، وضعف الثاني بالفرق بين جواب الشرط وغيره، فإن المشاركة في العطف جواب الشرط المعنى يقتضيها [و] بخلاف العطف (على غيره) فإنه قد يكون مراعاة/ لمقتضى اللفظ وأما الشرط فالمعنى فيه يؤكد الارتباط. قلت: ورد غيره الأول بأن (الصغرى عاطفة) على الكبرى لعدم الرّابط إلا أن يقول: وعمرو أكرمته في داره. قال: وقول سيبويه: إنه (معطوف) على الصغرى ليس على ظاهره إن لم يتعرض لإصلاح اللّفظ ولو سئل عنه لقال لا بد من الربط. وقال الفارسي: إنه محمول على الصغرى في النصب ومعطوف على الكبرى ولا يلزم من الحمل على الصغرى أن يكون معطوفا عليها إنّما روعي في المشاركة اللّفظية فقط. (ابن عرفة): نص عليه ابن الصفار وابن عصفور في شرح الإيضاح وشرح الجمل الكبير. قال: وأما رب شاة وسلخها فضمير النكرة عندهم نكرة كما تقول (ربه رجلا). قلت: واحتج ابن عصفور (للفارسي) بأن العرب لاحظوا المناسبة في كثير من كلامهم واختاروا النصب في "ضربت القوم حتى زيدا ضربته" مع أنه غير معطوف لأن حتى لا تعطف الجمل وكذلك اختاروا في زيد ضربته إذا كان جوابا لمن قال: أيهم ضربت، بالرفع أن يرتفع، وبالنّصب أن ينتصب، فقد لاحظوا المناسبة في عدم العطف وهذا كله (نصّ) على أنه ليس معطوفا على الصغرى (بوجه بل محمولا عليها في النصب للمشاركة بين (الجملة) وبين ما يليها خاصة). قال ابن عطية: الأغلب استعمال البشارة في الخير وقد تستعمل في الشر مقيدة به فمتى أطلقت فهي في الخبر. قال الزمخشري: البشارة الإخبار بما يظهر سرور المخبر به أو عنه. قال: و(أما) {أية : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيظ المسْتَهْزَإ به وتألمه. قال ابن عرفة: جعله الزمخشري من قسم المنفرد، وابن عطية من قسم المشترك. نص الأصوليون في التعارض أن الإفراد (أولى). قال الزمخشري: ومن ثم قال العلماء فيمن قال لعبيدِه: "أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر"، فبشروه فرادى فعتق أولهم، ولو قال: أيكم أخبرني (بقدوم فلان فهو حر) م، فأخبروه فرادى عتقوا كلهم. قال ابن عرفة: عوائدهم يقولون: لا فرق بينهما فإن الإخبار الثاني بعد الأول لم يفد شيئا فهو تحصيل الحاصل فليس بإخبار في الحقيقة. قال: لكن يجاب عنه بأن في الإيمان والنذور من المدونة ما نصه: "ومن حلف لرجل إن علِم كذا ليعلّمنّه أو ليخبرنّه" فعلماه جميعا لم يبرّ حتى يعلمه أو يخبره (مع أن) إخباره لم يفد شيئا. قال: فإن كتب إليه وأرسل إليه رسولا برّ ولو أسر إليه رجلٍ (سرا) وأحلفه لتكتمنّه ثم أسره المسرّ (لآخر) فذكره الآخر للحالف فقال الحالف: ما ظننت أنه أسره لغيري حَنَث مع أن الحالف لم يخبره بشيء بل أفهمه بما هو تحصيل الحاصل.. "وفي كتاب العتق الثاني من المدونة". ومن قال لأمته: أول ولد تلدينه حر. فولدت ولدين في بطن واحد عتق أولهما خروجا، فإن خرج الأول ميتا لم يعتق الثاني عند مالك. وقال ابن شهاب: يعتق الثاني إذ لا يقع على الميت عتق. قال الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين لام الجنس الداخلة على المفرد والداخلة على المجموع؟ وأجاب بما حاصله أنّها إذا دخلت على المجموع تفيد العموم في أنواع ملك المجموع لا في أفراده وإذا دخلت على المفرد أفادت العموم في الأشخاص وفي الجمع وهو نوع من جوابه في قوله تعالى {أية : رَبِّ إِنَّي وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّي} تفسير : ولم يقل العظام. وذلك أن الصالحات أصله صالحات فيحتمل أن يكون مخرجي الزكاة فقط لأنهم عملوا الصالحات وبعد دخول الألف واللام صار يتناول مخرجي الزكاة والمصلي والصائم إلى غير ذلك. قال: (وعملوا) الصّالحات يتناول الفعل والقول والإعتقاد لأن العلماء فهموا قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما الأعمال بالنيات" تفسير : على العموم لأن الفخر في المحصول قال: أجمع الناس على أنه مخصوص بالنية والنظر، فلولا أن العمل يصدق على النية لما احتاجوا إلى استثنائها من الحديث فيكون في الآية عطف العام على الخاص. قوله تعالى: {جَنَّاتٍ...} قوله تعالى: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا...} قال ابن عرفة: قدّم ذكر الجنّات وأنهارها على الأكل لوجهين إما لأن منفعة (التنعيم) بالنظر إليها سابقة على منفعة الأكل منها وإما لأن الأنهار مصلحة لثمرها وسبب في تكونه قال: وعموم "كلما" إن أريد به الإطلاق في ثمار الجنة فتكون القبيلة صادقة على ما سوى أول مأكول منها لأنه ليس قبله شيء. (قال): وقولهم في "كُلَّما" إنها في موضع الحال إن أريد به أنهم بحيث (لو رزقوا منها شيئا قالوا ذلك فتكون حالا محصلة، وإن أريد أنهم رزقوا بالفعل فتكون حالا مقدرة لأنهم لم يحصل لهم جميعه في الحال) قال الزمخشري: كلما، وإما، صفة أو استئناف أو خبر مبتدإ. قال ابن عرفة: كونها خبر مبتدأ لا يخرج عن الإعرابين الأولين لأنه حينئذ يصلح أن تكون الجملة صفة أو استئنافا. قال ابن عطية: في الآية رد على من يقول: إن الرزق من شرطه التملك، ذكره بعض الأصوليون، قال ابن عطية: وليس عنده ببيّن. قال ابن عرفة: انظر هل معناه أنّ القول غير بيّن أو أنّ الرد عليه بالآية غير بيّن وليس المراد المسألة التي اختلف فيها أهل السنة والمعتزلة فقالت المعتزلة: الرزق لا يطلق إلا على الحلال وقالت أهل السنة: الرزق يطلق على الحلال وعلى الحرام. قال ابن عرفة: لأن الخلاف هنا أخص من ذلك الخلاف لأنه تحرز (منه رُدَّ بقوله) من شرطه (التملك) فمن رزق شيئا ينتفع به (ولا يملكه كالضيف عند الإنسان إذا قدم له طعاما فإنه يأكل منه ولا يحل/ له أن يتصدق منه بشيء، ولا يعطي منه لقمة لأنه لا يملك) غير الانتفاع به فقط. قال مالك: الانتفاع تارة يكون مؤبّدا كالحبس، وتارة يكون موقتاً كالعارية ونحوها. قوله تعالى: {مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً...} قال الزمخشري: "مِن" الثّانية لابتداء الغاية، أو البيان، كقولك: رأيت منك أسدا تريد أنت أسد. وتعقبه أبو حيان بأن "مِنْ" البيانية لم يثبتها المحققون ولو صحت لامتنعت هنا إذ ليس قبلها ما تكون بيانا له لاَ معْرفة، مثل قوله تعالى: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ} تفسير : ولا نكرة مثل: من تَضْرِب من رجل. (وقدروها) مع المعرفة بالذي هُو، ومع النكرة بضمير عائد عليها أي هو رجل. فإن قال: تكون بيانا للنكرة بعدها (أى كلما رزقوا منها من ثمرة) (خلاف) الأصل بالتقديم والتأخير، وأما رأيت منك أسدا فـ "من" لابتداء الغاية أو للغاية ابتدائها وانتهائها. وأجاب ابن عرفة: بأنه (لا يريد) وأنها لبيان الجنس بل للتبيين وسماه بعضهم التجريد. ونقل بعض الطلبة أن ابن مالك جعل في قوله تعالى: {أية : يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ} تفسير : للبيان. قلت: وقال بعضهم: لم يذكر أحد أنها للتبيين، وما معناها إلا (بيان) الجنس. وذكر البيانيون أنها تكون للتجريد وهو للتبعيض مثل: لي من زيد صديق حميم، كأنك جردت عن صفاته رجلا صديقا وكذا قوله عز وجل: {أية : لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ} تفسير : وقوله {أية : لَهُمْ فِيهَا دَارُ ٱلْخُلْدِ} تفسير : وأنشد عليه ابن عطية في سورة آل عمران في قوله {أية : وَتُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ} تفسير : وقول الشاعر: شعر : أفاءت بنو مروان ظلما دماءنا وفي الله إن لم ينصفوا حكم عدل تفسير : وكأنه جرد من صفات الله تعالى حاكما عدلا. قال الزمخشري: ومعناه هذا مثل الذى رزقناه إذ لا يصح أن يكون (ذات الحاضر عندهم) الذات الذي رزقوه ذات في الدنيا. قال ابن عرفة: ومعناه أن هذا الذي أكلناه هو الذي رزقناه أولا، وهو الذي شاهدناه حين الأكل، على ما ورد أنّ الإنسان إذا أكل شيئا يرجع كما كان أولا). قال ابن عرفة: وعلى القول بإجازة إعادة المعدوم بعينه يصح ذلك وهو مذهبنا. قوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ...} أي مخلصة من الشين والدنس المعنوي والحسي المتصل والمنفصل فليس (لهن) ذنوب ولا نتن رائحة ولا حيض ولا بصاق ولا مخاط بوجه. قال الزمخشري: فإن قلت: هلا جاءت الصفة مجموعة لموصوفها؟ قلت: (هما لغتان) يقال: النساء فعلن، والنساء فاعلات. قال ابن عرفة: يرد عليه أن النساء اسم جمع لفظه مفرد، بخلاف هذا فإنه جمع صريح. وإنما يجاب بما قال المبرد في المقتضب: من أن جمع السلامة لا ينعت إلا بالجمع وجمع التكسير ينعت بالمفرد والجمع. الزمخشري: إنما قال "مطهرة" ولم يقل طاهرة، إشارة إلى أن تطهيرهن من قبل الله تعالى ليس لهن فيه تكسب ولا اختيار بوجه. قال ابن عرفة: وهذا كله تقدم إما على التوزيع أو لكل واحد منهم أزواج وهو الظاهر. قال: والبيانيون منهم من يختار في مثل هذه (المجرورات) والضمائر، (الفصل) ومنهم من يختار (الوصل) وعليه أنشد: شعر : وتسعدني في غمرة بعد غمرة صبوح لها منها عليها شواهد تفسير : وكان يقول على الأول: ولهم أزواج مطهرة (فيها) قال: وأورد الزمخشري سؤالا في قوله تعالى في الأنعام: {أية : وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ} تفسير : قال: النكرة إذا وصفت في الأصل تقدم خبرها المجرور عليها. قلنا: وهذه الآية جاءت على الأصل الذي قال (فلا سؤال فيها).

القمي النيسابوري

تفسير : الوقوف: "الأنهار" (ط) "رزقاً" (لا) لأن "قالوا" جواب "كلما". "متشابهاً" (ط) "مطهرة" (ج) "خالدون" (ه). التفسير: إنه سبحانه لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة وانجر الكلام إلى ذكر عقاب الكافرين، شفع ذلك بذكر ثواب المؤمنين جرياً على سننه المعهود من ذكر الترغيب مع الترهيب، وضم البشارة إلى الإنذار والجمع بين الوعد والوعيد والجنة والنار. وهل هما الآن مخلوقتان أم لا؟ ظاهر الآية من نحو قوله {أعدت للمتقين} {أعدت للكافرين} والأحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث صلاة الخسوف "حديث : إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقوداً ورأيت النار فلم أر كاليوم منظراً قط يدل على وجودهما" تفسير : وكذا سكنى آدم وحواء الجنة، وقد جمع الله في الآية جوامع اللذات من المسكن وهو الجنات، ومن المطعم وهو الثمرات، ومن المنكح وهو الأزواج المطهرات، ثم زال عنهم نقص الزوال بقوله {وهم فيها خالدون} إتماماً للنعمة والحبور وتكميلاً للبهجة والسرور. والبشارة الإخبار بما يظهر سرور المخبر به، ولهذا قال العلماء: إذا قال لعبيده: أيكم بشرني بقدوم فلان فهو حر فبشروه فرادى، عتق أوّلهم لأنه هو الذي أظهر سروره بخبره ولو قال: مكان بشرني أخبرني عتقوا جميعاً لأنهم جميعاً أخبروه. ومنه البشرة لظاهر الجلد، وتباشير الصبح ما ظهر من أوائل ضوئه. فأما قوله {أية : فبشرهم بعذاب أليم}تفسير : [آل عمران: 21] فمن باب التهكم والاستهزاء، فإن قيل: علام عطف هذا الأمر ولم يسبق أمر ولا نهي يصح عطفه عليه؟ قلنا: ليس الذي اعتمد بالعطف هو الأمر حتى يطلب له مشاكل من أمر أو نهي، إنما المتعمد بالعطف هو جملة وصف ثواب المؤمنين على جملة وصف عقاب الكافرين، كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والإرهاق، وبشر عمراً بالعفو والإطلاق، ولك أن تقول معطوف على {فاتقوا} كقولك: يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم. وقال بعض المحققين: إنه معطوف على قل مقدراً قبل {يا أيها الناس} فإن تقدير القول في القرآن مع وجود القرينة غير عزيز كقوله تعالى {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا} أي يقولان: ربنا. ثم المأمور في قوله {وبشر} إما الرسول، وإما كل من له استئهال أن يبشر. والصالحة نحو الحسنة في جريها مجرى الاسم. قال الحطيئة: شعر : كيف الهجاء وما تنفك صالحة من آل لأم بظهر الغيب تأتيني تفسير : واللام للجنس. والمراد بالصالحات جملة الأعمال الصحيحة المستقيمة في الدين على حسب حال المؤمن في مواجب التكليف. واستدل بهذه الآية من قال: إن الأعمال غير داخلة في مسمى الإيمان، وإلا لزم التكرار، ولمن زعم أن الإيمان هو المجموع أن يقول عطف بعض الأجزاء على الكل جائز لغرض من الأغراض كقوله تعالى {أية : وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل} تفسير : [البقرة: 98] ثم ههنا مذاهب: منهم من قال: إن العبد لا يستحق على الطاعة ثواباً ولا على المعصية عقاباً استحقاقاً عقلياً واجباً وهو قول أهل السنة ولا يرد عليه إشكال. ومنهم من زعم أنه يستحق الثواب بالإيمان والعمل الصالح بشرط أن لا يحبطهما المكلف بالكفر والإقدام على الكبائر، وبالندم على ما أوجده من فعل الطاعة وترك المعصية بدليل قوله {أية : لئن أشركت ليحبطن عملك}تفسير : [الزمر: 65]. وإنما طوي ذكر هذا الشرط في الآية للعلم به فإنه قد ركز في العقول أن الإحسان إنما يستحق فاعله عليه المثوبة والثناء إذا لم يتعقبه بما يفسده ويذهب بحسنه، وهذا قول المعتزلة ومن يجري مجراهم. ومنهم من أحال القول بالإحباط، لأن من آمن وعمل صالحاً استحق الثواب الدائم فلو فرض إحباط بكفره لاستحق العقاب الدائم والجميع بينهما محال، ولا يخفى ضعف هذا المذهب، فإن الأمور بخواتيمها قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن العبد ليعمل عمل أهل النار وإنه من أهل الجنة ويعمل عمل أهل الجنة وإنه من أهل النار"تفسير : وإنما الأعمال بالخواتيم. والجنة البستان من النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانه والتركيب دائر على معنى الستر كأنها فعلة من جنة إذا ستره. وسميت دار الثواب كلها جنة فيها من الجنان على حسب استحقاقات العاملين لكل طبقة منهم جنات من تلك الجنان، فلهذا نكرت. والنهر: المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر. يقال لبردى نهر دمشق، وللنيل نهر مصر. واللغة العالية الغالبة النهر بفتح الهاء ومدار التركيب على السعة. وإسناد الجري إلى الأنهار من الإسناد المجازي، لأن الجاري هو الماء وكذا من تحتها أي من تحت أشجارها. وأنزه البساتين وأكرمها منظراً ما كانت أشجارها مظللة والأنهار في خلالها مطردة، ولولاها كانت كتماثيل لا أرواح فيها، وصور لا حياة لها. وإنما عرفت الأنهار لأن المراد بها الجنس كما تقول لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب وألوان الفواكه تشير إلى الأجناس التي في علم المخاطب، أو يراد بها أنهارها فعوض التعريف باللام من تعريف الإضافة مثل {أية : واشتعل الرأس شيباً} تفسير : [مريم: 4] أو يشار باللام إلى الأنهار المذكورة في قوله {أية : فيها أنهار من ماء غير آسن}تفسير : [محمد: 15] الآية. و {كلما رزقوا} إما صفة ثانية لجنات، أو خبر مبتدأ محذوف أي هم كلما رزقوا، أو جملة مستأنفة لأنه لما قيل إن لهم جنات لم يخل خلد السامع أن يقع فيه أثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا أم أجناس أخر لا تشابه هذه الأجناس، فقيل: إن ثمارها أشباه ثمار جنات الدنيا أي أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا الله. و "من" في {منها} وفي {من ثمرة} لابتداء الغاية كما لو قلت: رزقني فلان فيقال: من أين؟ فتقول: من بستانه. فيقال: من أي ثمرة؟ فتقول: من الرمان. فالرزق قد ابتدئ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدئ من ثمرة وليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة والرمانة الفذة على هذا التفسير، وإنما المراد النوع من أنواع الثمار، ووجه اخر وهو أن يكون {من ثمرة} بياناً على منهاج قولك "رأيت منك أسداً" تريد أنت أسد. وعلى هذا يصح أن يراد بالثمرة النوع من الثمار والجناة الواحدة، لأن التفاحة الواحدة مثلاً يصدق عليها أنها رزق، كما أن نوع التفاح يصدق عليه ذلك، بخلاف ابتداء الرزق من الجنات فإن ذلك إنما يكون بنوع التفاح أولاً، وبالذات وبشخصه ثانياً، وبالعرص لأن التشخص أمر زائد على حقيقة الشيء فاعلم. وانتصاب {رزقاً} على أنه مفعول ثانٍ {رزقوا} ومعنى {هذا الذي} أي هذا مثل الذي رزقنا من قبل نحو "أبو يوسف أبو حنيفة" لأن ذات الذي رزقوه في الجنة لا تكون هي ذات الذي رزقوه في الدنيا. والضمير في قوله {وأتوا به} يرجع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعاً، لأن قوله {هذا الذي رزقنا من قبل} انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين. والغرض في تشابه ثمر الدنيا وثمر الآخرة أن الإنسان بالمألوف آنس وإلى المعهود أميل، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد، ورأى فيه مزية ظاهرة أفرط ابتهاجه وطال استعجابه وتبين كنه النعمة فيه. فإذا أبصروا الرمانة والنبقة في الدنيا وحجمها، ثم أبصروا رمانة الجنة تشبع السكن، والنبقة كقلال هجر، كما يرون الشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعه، كان ذلك أبين للفضل وأزيد في التعجب من أن يفاجؤا ذلك الرمان وذلك النبق من غير عهد سابق بجنسهما. وترديدهم هذا القول ونطقهم به عند كل ثمرة يرزقونها، دليل على تناهي الأمر في ظهور المزية وكمال الاستغراب في كل أوان. عن مسروق: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وأنهارها تجري في غير أخدود، والعنقود اثنا عشر ذراعاً. ويجوز أن يرجع الضمير في {أتوا به} إلى الرزق، كما أن هذا إشارة إليه. ويكون المعنى: إن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانساً في نفسه، إما لتساوي ثوابهم في كل الأوقات في القدر والدرجة حتى لا يزيد ولا ينقص، وإما لأن الإنسان إذا التذ بشيء وأعجب به لا تتعلق نفسه إلا بمثله فإذا جاءوه بما يشبه الأول من كل الوجوه كان ذلك نهاية اللذة. وعن الحسن أن الاشتباه في اللون فقط قال: يؤتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بالأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل. فيقول الملك: كل، فاللون واحد والطعم مختلف. وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي بواصلة إلى فيه حتى يبدل الله مكانها مثلها، فإذا أبصروها والهيئة هيئتها الأولى قالوا ذلك"تفسير : ويحتمل أن يقال: إن كمال السعادة ليس إلا في معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله من الملائكة الكروبية والملائكة الروحانية وطبقات الأرواح وعالم السموات، بحيث يصير روح الإنسان كالمرآة المحاذية لعالم القدس، ثم إن هذه المعارف تحصل في الدنيا، ولكن لا يحصل بها كمال الالتذاذ والابتهاج لمكان العلائق البدنية، وإذا زال العائق بعد الموت وشاهد تلك المعارف قال: هذه هي التي كانت حاصلة لي في الدنيا، ووجد كمال اللذة والسرور. وقال أهل التحقيق: الجنة جنة الوصول، وأشجارها هي الملكات الحميدة والأخلاق الفاضلة، والثمرات ثمرات المكاشفات والمشاهدات والأسرار والإشارات والإلهامات وغيرها من المواهب، وإنهم يشاهدون أحوالاً شتى في صورة واحدة من ثمرات مجاهداتهم، فيقول بعض المتوسطين منهم: إن هذا المشهد هو الذي شاهدته قبل هذا، فتكون الصورة تلك الصورة ولكن المعنى حقيقة أخرى، كما أن موسى شاهد نور الهداية في صورة نار فتكون تارة تلك النار نار صفة غضبية كما كان لموسى، إذا اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته ناراً، وتارة تكون نار المحبة تقع في محبوبات النفس فتحرقها، وتارة تكون نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة فتحرق عليهم بيت وجودهم فافهم. وأيضاً، كل شيء له صورة في الدنيا فله في الآخرة معنى آخر غيبي كقوله صلى الله عليه وسلم في دماء الشهداء "حديث : اللون لون الدم والريح ريح المسك"تفسير : فاعلم. وقوله {وأتوا به متشابهاً} جملة معترضة تفيد زيادة التقرير كقولك "فلان أحسن إلى فلان ونعم ما فعل" والمراد بتطهير الأزواج تطهيرهن من الأقذار والأدناس لا سيما التي تختص بالنساء، وكذا من الأخلاق الذميمة وعادات السوء. وهما لغتان فصيحتان "النساء فعلن" و "هن فاعلات" و "النساء فعلت" و "هي فاعلة" والمعنى: ولهم جماعة أزواج مطهرة. وفي {مطهرة} فخامة لصفتهن ليست فيما لو قيل طاهرة وهي الإشعار بأن مطهراً طهرهن وليس ذلك إلا الله عز وجل المريد لعباده أن يخولهم كل مزية فيما أعد لهم. وههنا نكتة وهي، أن المرأة إذا حاضت فالله تعالى يمنع من مباشرتها قال: {أية : فاعتزلوا النساء في المحيض}تفسير : [البقرة: 222] مع أنها معذورة في تنجسها. فإذا كانت اللواتي في الجنة مطهرات فلأن يمنعك عنهن، إذا كانت نجساً بالمعاصي مع أنك غير معذور فيها كان أولى. وأيضاً من قضى شهوته من الحلال فإنه يمنع من الدخول في المسجد الذي يدخل فيه كل بر وفاجر، فمن قضى شهوته من الحرام كيف يمكن من دخول الجنة التي لا يسكنها إلا المطهرون؟ وكفى دليلاً على ذلك بإخراج آدم منها بسبب الزلة الصادرة عنه. وأيضاً من كان على ثوبه ذرة من النجاسة لا تجوز صلاته أو تستكره، فكيف بمن صلى وعلى قلبه جبال من نجاسات الذنوب والمعاصي؟ والخلد عند المعتزلة الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع بدليل قوله تعالى {أية : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد}تفسير : [الأنبياء: 34] نفى الخلد عن البشر مع تعمير بعضهم {أية : ومنكم من يرد إلى أرذل العمر}تفسير : [الحج: 5] وعند الأشاعرة: الخلد هو الثبات الطويل، دام أو لم يدم. ولو كان التأبيد داخلاً في مفهوم الخلد كان قوله {خالدين فيها أبداً} تكراراً. ويقال في العرف: حبسه حبساً مخلداً، أو وقف وقفاً مخلداً. والحق أن خوف الانقطاع ينغص النعمة وذلك لا يليق بأكرم الأكرمين.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ...} الآية. {بَشِّرْ}: مأخوذ من البَشَرَةِ؛ لأن ما يبشر به الإنسان من خير أو شر يظهر عنه أثرٌ في بَشَرة الوجه، والأغلب استعمال البِشَارة في الخير، وقد تستعمل في الشر مقيَّدة به؛ كما قال تعالى: {أية : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}تفسير : [التوبة:34] ومتى أطلق لفظ البِشَارة، فإِنما يحمل على الخير، وفي قوله تعالى: {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} ردٌّ على من يقول: إِن لفظة الإِيمان بمجرَّدها تقتضي الطاعاتِ؛ لأنه لو كان كذلك، ما أعادها، و {جَنَّـٰت} جمع جَنَّة، وهي بستان الشجرِ والنخلِ، وبستانُ الكَرْم، يقال له الفِرْدَوسُ، وروى النسائي عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَنَّ ثِيَابَ الجَنَّةِ تَشَقَّقُ عَنْهَا ثَمَرُ الجَنَّةِ» تفسير : ، وروى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ: »حديث : مَا فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلاَّ وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ»تفسير : ، قال أبو عيسَىٰ: هذا حديث حسن. انتهى من «التَّذْكِرَةِ». * ت *: وفي الباب عن ابن عبَّاس، وجرِيرِ بن عبد اللَّهِ، وغيرهما: وسمِّيتِ الجنةُ جنَّةً؛ لأنها تجنُّ من دخلها؛ أي: تستره، ومنه المِجَنُّ، وَالْجَنَنُ، وجَنَّ اللَّيْلُ. و {مِنْ تَحْتِهَا} معناه من تحت الأشجار التي يتضمَّنها ذِكْر الجنة. * ت *: ومن أعظم البِشَارات أنَّ هذه الأمة هم ثلثا أهْلِ الجنَّة، وقد خرَّج أبو بكر بن أبي شيبة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إِنَّ أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ ثُلُثَا أَهْلِ الجَنَّةِ، إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، وَإِنَّ أُمَّتِي مِنْ ذَلِكَ ثَمَانُونَ صَفًّا»تفسير : ، وخرَّج ابن ماجه والترمذيُّ عن بُرَيْدة بن حُصَيْب قال: قال رسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَهْلُ الجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ؛ ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ»تفسير : ، قال أبو عيسَىٰ: هذا حديث حسن............ انتهى من «التذْكرة» للقرطبيِّ. {والأنهارُ}: المياه في مجاريها المتطاولة الواسعَةِ؛ مأخوذةٌ من أنْهَرْتُ، أي: وسَّعت؛ ومنه قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ ٱسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ»تفسير : .ومعناه: ما وسع الذبح؛ حتى جرى الدم كالنهْرِ، ونسب الجري إِلى النهر، وإِنما يجري الماء تجوُّزاً؛ كما قال سبحانه: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف:82] وروي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد؛ إِنما تجري على سطْح أرض الجنة منضبطةً. وقولهم: {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ}: إِشارة إِلى الجنس، أي: هذا من الجنس الذي رزقْنَا منه من قبل، والكلام يحتمل أن يكون تعجباً منهم، وهو قولُ ابنِ عَبَّاس، ويحتمل أن يكون خَبَراً من بعضهم لبعْضٍ؛ قاله جماعة من المفسِّرين، وقال الحسنُ، ومجاهدٌ: يرزقُونَ الثمرةَ، ثم يرزقُونَ بعْدَها مثْلَ صورتها، والطَّعْم مختلفٌ، فهم يتعجَّبون لذلك، ويخبر بعضهم بعضاً، وقال ابن عبَّاس: ليس في الجنة شيْءٌ ممَّا في الدنيا سوى الأسماءِ، وأما الذوات فمتباينة، وقال بعض المتأوِّلين: المعنى أنهم يرون الثمر، فيميزون أجناسه حين أشبه منظره ما كان في الدنيا، فيقولون: هذا الذي رزقْنَا مِنْ قبل في الدنيا، وقال قومٌ: إن ثمر الجنة إِذا قطف منه شيء، خرج في الحين في موضعه مثله، فهذا إِشارة إِلى الخارج في موضع المجني. وقوله تعالى: {مُّتَشَـٰبِهاً} قال ابن عباس وغيره: معناه يشبه بعضه بعضاً في المنظر، ويختلف في الطعمِ، و {أَزْوَٰجٌ}: جمع زوج، ويقال في المرأة: زوجة، والأول أشهر، و {مُّطَهَّرَةٌ}: أبلغ من طَاهِرَة، أي: مُطَهَّرة من الحَيْض، والبُزَاق، وسائر أقذار الآدميَّات، والخلودُ: الدوامُ، وخرَّج ابن ماجة عن أسامة بن زيد؛ قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ذَاتَ يَوْمٍ لأَِصْحَابِهِ: «حديث : «أَلاَ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الجَنَّةَ لاَ خَطَرَ لَهَا؛ هِيَ، وَرَبِّ الكَعْبَةِ، نُورٌ يَتَلأْلأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ؛ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامِ أَبَدٍ فِي حَبْرةٍ وَنَضْرَةٍ، فِي دَارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ»، قَالُوا: نَحْنُ المُشَمِّرُونَ لَهَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَادَ وَحَضَّ عَلَيْهِ»تفسير : انتهى من «التذْكرَةِ». وقوله: لا خَطَرَ لها؛ بفتح الطاء: قيل: معناه: لا عِوَضَ لها.

ابن عادل

تفسير : اعلَمْ: أنَّه - سبحانه وتعالى - لمَّا تكلَّم في التوحيد والنُّبوَّة، تكلَّم بعدهما في ذكر المَعَاد، وبيَّن عقاب الكافر، وثواب المُطيعِ، ومن عادة الله - تعالَى - أنه إذا ذَكَرَ الوَعِيدَ، أَنْ يعقبَهُ بذكْرِ الوَعْد. وها هنا فُصُولٌ: الأوَّلُ: هذه الآياتُ صريحةٌ في أنَّ الجنَّة والنَّار مخلوقَتَانِ، لأنه - تعالى - [قال] في صفَة النَّار: {أية : أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 24] وقال في صفَة الجَنَّة في آية أخْرَى: {أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} تفسير : [آل عمران: 133]، وقال هاهنا: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} وهذا إخبار عن وُقُوع هذا المُلْك وحُصُوله، وحُصُول المُلْك في الحالِ يقْتَضي حصُولَ المَمْلُوك في الحالِ؛ فَدَلَّ على أنَّ الجنَّة والنَّار مخْلُوقَتَانِ. الثاني: مَجَامِعُ اللَّذَّاتِ: إما المَسْكن، أو المَطْعم، أو المَنْكَح. فوَصَفَ تعالى المَسْكَن بقولِهِ: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} والمَطْعَمَ بقوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً} والمَنْكَح بقوله: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ}. ثم هذه الأشياءُ إنُ حصَلَتْ، وقارنَهَا خوْفُ الزوالِ، كان النَّعِيمُ مُنَغَّصاً، فبيَّن - تعالى - زوالَ هذا الخَوْف بقوله: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}؛ فدَلَّت الآيةُ على كَمَال النَّعيم والسُّرور. الثالثُ: قولُهُ: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ} هذه الجملةُ معْطُوفة على ما قَبْلها، عَطَف جُمْلَةَ ثوابِ المُؤْمنين، على جملة ثَوَاب الكافرين، وجاز ذلك؛ لأنَّ مذْهب سِيبَويهِ - وهو الصَّحيحُ -: أنَّه لا يشترطُ في عَطْفِ الجُمَلِ التَّوافُقُ معْنًى، بل تُعْطَف الطلبيَّة على الخَبَرية؛ وبالعكس؛ [بدليل] قوله: [الطويل] شعر : 306- تُنَاغِي غَزَالاً عِنْدَ بَابِ ابْنِ عَامِرٍ وَكَحِّلْ أَمَاقِيكَ الحِسَانَ بِإِثْمِدِ تفسير : وقولِ امْرِىء القَيْسِ: [الطويل] شعر : 307- وإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهْرَاقَةٌ وَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ تفسير : وقال ابنُ الخَطِيبِ: ليس الَّذي اعتمد بالعَطْف هو الأَمْر، حتى يطلب له مشاكل من أمر ونهي يعطف عليه، إنما المعتمد بالعطف هو جملة ثواب المؤمنين؛ فهي معطوفة على جملة وَصْف عقاب الكافرين كما تقول: زيد يعاقب بالقيد والضرب وَبَشِّرْ عمرو بالعفو والإطلاق. وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن يكون عطفاً على "فاتَّقوا" ليعطف أمراً على أمر، وهذا قد رده أبو حيان بأن "فاتقوا" جواب الشرط، فالمعطوف يكون جواباً؛ لأن حكمَه حكمُه، ولكن لا يصح؛ لأن تبشيره للمؤمنين لا يترتب على قوله: "فإن لم تفعلوا". وقرىء: "وبُشَِّرَ" [ماضياً] مبنيًّا للمفعول. وقال الزمخشري: "وهو عَطْف على أعدت". قيل: وهذا لا يتأتى على إعراب "أعدت" حالاً؛ لأنها لا تصلح للحالية. وقيل: عطفها على "أعدت" فاسد؛ لأن "أعدت" صلة "التي"، والمعطوف على الصلة صلة، ولا يصلح أن يقال: "الباء" التي بشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنَّ لهم جنَّاتٍ، إلاَّ أن يعتقد أن قوله: "أُعِدَّتْ" مستأنفٌ، والظاهِرُ أنَّهُ من تمام الصلة، وأنَّهُ حالٌ من الضمير في "وقودها"، والمأمور بالبشارة يجوز أن يكون الرسولُ عليه السَّلامُ، وأن يكون كُلُّ سَامِعٍ، كما قال عليه السلام: "حديث : بَشِّر المَشَّائِينَ إلَى المَسَاجِدِ في الظُّلَمِ بِالنُّورِ التَّامِّ يوم القِيَامَةِ"تفسير : ، لم يأمر بذلك أحداً بعينه، وإنَّما كل أحدٍ مأمور به. و "البِشارةُ": أوّل خبرٍ من خيرٍ أو شَرٍّ؛ قالوا: لأنَّ أثرها يظهرُ في البَشَرَةِ، وهي ظاهرُ جِلْدِ الإنْسَانِ؛ وأنْشَدُوا: [الوافر] شعر : 308- يُبَشِّرُنِي الغُرَابُ بِبَيْنِ أَهْلِي فَقُلْتُ لَهُ: ثَكِلْتُكَ مِنْ بَشِيرِ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 309- وَبَشَّرْتَنِي يَا سَعْدُ أَنَّ أَحِبَّتِي جَفَوْني وأَنَّ الوُدَّ مَوْعِدُهُ الحَشْرُ تفسير : وهذا رأى سيبويه، إلاَّ أنَّ الأكثر استعمالُهَا في الخير، وإن اسْتُعْمِلَتْ في الشَّرِّ فَبِقَيْدٍ؛ كقوله تعالى: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ} تفسير : [آل عمران: 21]، وإن أُطْلِقَتْ، كان للخَيْر. وقال البغويُّ: "البِشَارَةُ كل خبر صدقٍ". وقال ابن الخطيب: إنَّها الخبرُ الذي يُظهِرُ السرور، ولهذا قال الفقهاءُ: إذا قال لعبيده: أيُّكم يُبَشِّرُنِي بقدوم فلان فهو حُرٌّ، فَبَشَّروه فُرَادَى، عَتقَ أولهم؛ لأنَّهُ هو الذي أفاد خبره السرور. ولو قال مكان "بَشَّرَني": أَخْبَرَنِي عَتَقُوا جميعاً؟ لأنَّهم جميعاً أخبروه، وظاهِرُ كلام الزمخشري أنَّها تختص بالخير؛ لأنَّهُ تَأَوَّلَ "فبشِّرهم بعذابٍ" على العكس في الكلامِ الذي يقصد به الزيادة في غيظ المُسْتَهْزَأ بَهِ وتَأَلُّمِهِ، كما يقول الرَّجُلُ لِعَدوِّه: أَبْشِرْ بقتل ذريتك ونَهْبِ مالك. والفِعْلُ منها بَشَرَ وبَشَّرَ مخففاً ومثقلاً، فالتثقيل للتكثير بالنسبة إلى البشيرة. وقد قُرِىء المضارعُ مخففاً ومشدّداً. وأمَّا الماضي فلم يقرأ به إلاَّ مثقلاً نحو {أية : فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ} تفسير : [هود: 71] وفيه لغةٌ أخرى: أَبْشَرَ مِثل أَكْرَمَ. وأنكر أبو حَاتِمٍ التخفيف، وليس بصواب لمجيء مضارعه. وبمعنى البِشارة: البُشُور والتَّبْشِير والإِبْشَار، وإن اختلفت أفعالُها، والبِشَارةُ أيضاً: الجَمَالُ، والبشيرُ: الجميلُ، وتَبَاشيرُ الفَجْرِ أَوائِلُهُ. وكون صلة "الَّذين" فعلاً ماضياً دون كونه اسم فاعل، دليلٌ على أنه يستحقُّ التبشير بفضل الله ممن وقع منه الإيمانُ، وتحقَّقَ به وبالأعمال الصالحة. و "الصَّالِحَاتُ": جمع "صالحة"، وهي من الصفات التي جَرَتْ مجرى الأسماءِ في إيلائها العوامل؛ قال: [البسيط] شعر : 310- كَيْفَ الهِجَاءُ وَمَا تَنْفَكُّ صَالِحَةٌ مِنْ آلِ لأْمٍ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِيني تفسير : وعلامةُ نصبه الكَسْرةُ؛ لأنَّهُ من باب جمع المؤنث السالم نيابة عن الفتحةِ، التي هي أصلُ النَّصْبِ. قال معاذ: "العملُ الصالِحُ الذي فيه أربعة أشياء: العِلْمُ والنِّيَّهُ والصَّبْرُ والإخْلاصُ". وقال عثمان بن عَفَّان: "أخلصوا الأعمال". فَصْلٌ قال ابن الخطيب: هذه الآية تدلّ على أنَّ الأعمالَ غير داخلةٍ في الإيمان؛ [لأنَّهُ لمَّا ذكر الإيمان]، ثمَّ عطف عليه العمل الصالح، فوجب التغير وإلا لزم التكرار، وهو خلاف الأصل. قوله: {أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ}. "جنَّاتٍ": اسم: "أنَّ". و "لهم" خَبَرٌ مُقَدَّمٌ. ولا يجوز تقديم خبر أنَّ وأخواتها إلاَّ ظرفاً أو حرف جرٍّ، و "أنَّ" وما في حيِّزها في محل جرٍّ عند الخليل والكسائي، ونصب عند سيبويه والفرَّاء؛ لأنَّ الأصل: وبَشِّرِ الذين آمنوا بأنَّ لهم، فحذف حرف الجرِّ مع "أنَّ"، وهو حذفٌ مُطَّرِدٌ معها، ومع "أنَّ" الناصبة للمضارع، بشرط أَمْنِ اللَّبْسِ، بسبب طولهما بالصلةِ، فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجرَِّ، جرى الخلافُ المذكورُ، فالخليلُ والكسائيُّ يقولان: "كأنَّ الحرف موجود، فالجرُّ بَاقٍ". واستدلَّ الأخفشُ لهما بقول الشَّاعر: [الطويل] شعر : 311- وَمَا زُرْتُ لَيْلَى أَنْ تَكُونَ حَبِيبَةً إِلَيَّ وَلاَ دَيْنٍ بِهَا أَنَا طَالِبُهْ تفسير : فَعَطْفُ "دَيْنٍ" بالجرِّ على محلِّ "أنْ تَكُونَ" يُبِّينُ كونَها مجرورةً. قيل: "ويحتملُ أن يكون من باب عطفِ التَّوَهُّمِ، فلا دليلَ فيه". والفرَّاءُ وسيبويه يقُولاَن: وجَدْنَاهُمْ إذا حذفوا حرفَ الجرِّ، نَصَبُوا؛ كقولِهِ: [الوافر] شعر : 312- تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تَعُوجُوا كَلاَمُكُمْ عَلَيَّ إِذَنْ حَرَامُ تفسير : أي: بالدِّيار، ولا يجوزُ الجَرُّ إلاَّ في نادرِ شِعرٍ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 313- إِذَا قِيلَ: أيُّ النَّاسِ شَرُّ قَبِيلَةٍ؟ أَشَارَتْ كُلَيْبٍ بِالأَكُفِّ الأَصَابِعُ تفسير : أي: إلى كُلَيْبٍ؛ وقول الآخر: [الكامل] شعر : 314-............................ حَتَّى تَبَذَّخَ فَارْتَقَى الأَعْلاَمِ تفسير : أي: إلى الأَعْلاَم. و "الجَنَّةُ": البُسْتَانُ. وقيل: الأرضُ ذات الشَّجرِ، سُمّيت بذلك لسترها من فيها، ومنه "الجَنِينُ" لاستتاره، و "المِجَنُّ": التُّرْس، وكذلك "الجُنَّة" لأنَّه يسترُ صَاحِبَهُ، و "الجِنَّةُ" لاستتارهم عن أَعْيُنِ النَّاسِ. قال الفرَّاءُ: "الجنَّةُ" ما فيه النخيل، و "الفردوس": ما فيه الكرم. فإن قيل: لم نُكِّرت "الجنَّاتُ" وعُرِّفت "الأنهار"؟ فالجواب: أنَّ "الجنَّة" اسم لدار الثَّواب كلها، وهي مشتملةٌ على جنّات كثيرة مُرَتبةٌ مراتبَ على استحقاقات العاملين، لكل طبقةٍ منهم جنةٌ من تلك الجنَّات. وأمَّا تعريف "الأنهار"، فالمرادُ به الجنس، كما يقال: لفلان بستانٌ فيه الماء الجاري والتين والعنب، يشيرُ إلى الأجناس التي في علم المخاطب، أو يشار باللام إلى أنهارٍ مذكورةٍ في قوله: {أية : فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ ءَاسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} تفسير : [محمد: 15]. قوله: {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} هذه الجملة في محلّ نصبٍ، لأنَّها صفةٌ لـ "جنَّات". و "تَجْري" مرفوع لتجرُّدِه من الناصب والجازم، وعلامةُ رفعه ضمّةٌ مقدرةٌ في "الياء" استثقالاً، وكذلك تقدَّرُ في كُلِّ فَعْلٍ مُعْتَلٍّ نحو: "يَدْعو"، و "يَخْشَى"، إلاَّ أنَّها تُقَدَّرُ في "الأَلِفِ" تعذُّراً. "من تحتها" أي: من تحت أَشْجَارها ومساكنها. وقيل: من تحتها أي: بأمرهم. كقول فرعون: {أية : تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ} تفسير : [الزخرف: 51] أي: بأمري. و "الأنهارُ" جمعُ نَهَرٍ بالفتح، وهي اللّغةُ العالية، وفيه تسكين "الهاء" ولكن "أفعال" لا ينقاس في "فَعْل" السَّاكن العين، بل يحفظ نحو: "أَفْراخ"، و "أَزْنَاد"، و "أفراد". و "النَّهرُ": دونَ البحرِ، وفوق الجدول، وهل هو مجرى الماءِ، أو الماء الجاري نفسُه؟ والأوَّلُ أظهرُ؛ لأنَّه مشتقٌّ من "نَهَرْتَُ" أي: وَسَّعْتُ. قال قَيْسُ بن الخطِيمِ يصفُ طَعْنَةً: [الطويل] شعر : 315- مَلَكْتُ بِهَا كَفَِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا ............................. تفسير : أي: وَسَّعْتُ. ومنه: "النَّهارُ" لاتِّساع ضوئِهِ، وإنَّما أُطْلِقَ على الماء مجازاً إطلاقاً للمحلِّ على الحالِّ. ومنه قوله عليه السَّلامُ: "حديث : ما أَنْهَرَ الدَّمَ" تفسير : معناه: ما وَسَّعَ الذَّبْحَ؛ حَتَّى يجري الدَّم كالنَّهْرِ، وجمعُ النَّهْرِ: نَهَرٌ وأَنْهَارٌ، وَنَهْرٌ نَهِرٌ: كثير الماء. قال أبو ذُؤَيب: [المتقارب] شعر : 316- أَقَامَتْ بِهِ وَابْتَنَتْ خَيْمَةً عَلَى قَصَبٍ وَفُرَاتٍ نَهِرْ تفسير : ورُوِيَ أنَّ أنهار الجنة ليست في أخاديد، إنَّمَا تجري على سطح الجنَّةِ منبسطة بالقدرة، والوقفُ على "الأنهار" حَسَنٌ وليس بتامٍّ و "من تَحْتِهَا" متعلقٌ بـ "تجري"، و "تحت" مكانٌ لا يتصرَّفُ، وهو نقيض "فوق"، إذا أُضِيفَا أُعْرِبَا، وإذا قَطِعَا بنيا على الضَّمِّ. و "مِنْ" لابتداء الغاية. وقيل: زائدةٌ. وقيل: بمعنى "في"، وهما ضعيفان. واعلم أنَّهُ إذا قيل بأنَّ الجَنَّة هي الأرضُ ذاتُ الشَِّجرِ، فلا بُدَّ من حَذْفِ مضاف، أي: من تحت عَذْقِها أو أَشْجَارها. وإن قيل: بأنَّها الشَّجَرُ نفسه، فلا حَاجَةَ إلى ذلك. وإذا قيل: بأنَّ الأنهار اسمٌ للماء الجاري فَنِسْبَةُ الجَرْي إليه حقيقة، [وإن قيل بأنَّهُ اسمٌ للأُخْدُودِ الذي يَجْرِي فيه، فنسبةُ الجَري إليه] مجازٌ، كقول مهلهل: [الكامل] شعر : 317- نُبِّئْتُ أَنَّ النَّارَ بَعْدَكَ أُوقِدَتْ وَاسْتَبَّ بَعْدَكَ يَا كُلَيْبُ المَجْلِسُ تفسير : قال أبو حيَّان: وقد ناقض ابن عطية كلامه هنا، فإنَّهُ قال: "والأنهارُ: المياهُ في مجاريها المتطاولةِ الواسعةِ" ثمَّ قال: نُسِبَ الجريُ إلى النَّهْرِ، وإنَّمَا يجري الماءُ وحدَه توسُّعاً وتجوُّزاً، كما قال: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] وكما قال: [الكامل] شعر : 318 أ - نُبِّئْتُ أنَّ النَّارَ................. .............................. تفسير : والألف واللاَّمُ في "الأنهار" للجنس. وقيل: للعَهْدِ لذكرها في سورةِ القتالِ. وقال الزمخشري: يجوز أن تكون عوضاً من الضَّمير كقوله: {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} تفسير : [مريم: 4] أي: "أَنْهَارُهَا" يعني أنَّ الأصلَ: واشتعل رأسي، فَعَوَّض "أل" عن ياء المتكلم، وهذا ليس مذهب البَصْريين، بل قال به بعضُ الكوفيِّين؛ وهو مردود بأنَّهُ لو كانت "أَلْ" عوضاً من الضمير، لَمَا جُمِعَ بينهما، وقد جُمِعَ بينهما؛ قال النَّابغةُ: [الطويل] شعر : 318 ب - رَحِيبٌ قِطَابُ الجَيْبِ مِنْهَا رَقِيقَةٌ بجَسِّ النَّدَامَى بَضَّةُ المُتَجَرَّدِ تفسير : فقال: الجيب منها، وأمَّا ما ورد، وظاهره ذلك، فيأتي تأويله في موضعه. قوله تعالى: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ} تقدَّم القولُ في "كُلَّمَا" وهذا لا يخلو إمَّا أن يكون صفة ثانية لـ "جنَّاتٍ تجري"، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة؛ لأنَّه لَمَّا قيل: "أَنَّ لهم جَنَّاتٍ" لم يَخْلُ قَلْبُ السَّامِع أنْ يقع فيه أنَّ ثمار تلك الجنَّات تُشبهُ ثِمَارَ الدُّنْيَا أم لا؟ والعامِلُ في "كُلَّما" هاهنا "قالوا". و "مِنْهَا" متعلِّقٌ بـ "رُزِقُوا"، و "مِن" لابتداء الغاية، وكذلك "من ثَمَرَةٍ"، لأنَّها بدلٌ من قوله: "منها" بدلُ اشتمالٍ بإعادة العاملِ. وإنَّما قلنا: إنه بدل اشتمال؛ لأنَّهُ لا يتعلّق حرفان بمعنى واحدٍ بعاملٍ واحد، إلاَّ على سبيل البدلية، أو العطف. وأجاز الزَّمخشري أنَّ "مِنْ" للبيان كقولك: "رأيتُ منك أسداً"؛ وفيه نظرٌ؛ لأنَّ من شرط ذلك أن يَحِلَّ مَحَلَّهَا موصولٌ، وأن يكون ما قبلها مُحَلًّى بـ "أل" الجنسية، وأيضاً فليس قبلها شيء يَتَبَيَّنُ بها، وكونُها بياناً لما بعدها بعيدٌ جِداً، وهو غير المصطلح. "رِزْقاً" مفعولٌ ثانٍ لـ "رُزِقُوا"، وهو بمعنى "مَرْزُوقٍ"، وكونُهُ مصدراً بعيدٌ؛ لقوله: {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً}، والمصدر لا يؤتى به متشابهاً، وإنما يؤتى بالمرزوق كذلك. قوله: {قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ}. "قالوا": هو العاملُ في "كلما" كما تقدَّم، و "هَذَا الَّذِي رزِقْنَا" مبتدأ وخبر في محل نصب بالقول، وعائِدُ الموصول محذوفٌ؛ لاستكماله الشُّروط، أي: رُزِقْناه. و "مِنْ قبلُ" متعلِّقٌ به. و "مِنْ" لابتداءِ الغايةِ، ولَمَّا قطعت "قَبْلُ" بُنِيَتْ [وإنما بنيت] على الضَّمَّةِ؛ لأنها حركة لم تكنْ لها حالَ إعرابها. واختلف في هذه الجملةِ، فقيل: لا محلَّ لها من الإعراب؟ لأنّها استئنافيةٌ، فإنَّهُ قيل: لَما وصفت الجنَّاتُ ما حالها؟ فقيل: كُلَّما رُزِقُوا قالوا. وقيل: لَهَا محلٌّ، ثُمَّ اختلف فيه، فقيل: رَفْعٌ على أنَّه خبر مبتدأ محذوف، واختلف في ذلك المبتدأ، فقيل: ضمير "الجنَّات"، أي: هي كُلَّما وقيل ضمير "الَّذين آمنوا" أي: هم كُلَّما رُزِقوا قالوا ذلك. وقيل: مَحَلُّها نَصْبٌ على الحالِ، وصاحبُها: إمَّا "الذين آمنوا"، وإمَّا "جنات"، وجاز ذلك، وإن كانت نكرة؛ لأنها تخصصت بالصفةِ، وعلى هذين تكون حالاً مُقَدَّرة؛ لأنَّ وقت البشارة بالجنَّاتِ لم يكونوا مرزوقين ذلك. وقيل: مَحَلُّهَا نَصبٌ على أنَّها صفة لـ "جنات" أيضاً. فَصْلٌ في المشبه به في الآية الآية تَدُلُّ على أنَّهُمْ شَبَّهُوا رزقهم الذي يأتيهم في الجنَّة بِرِزْقهم قبل ذلك، فالمُشَبَّهُ بِهِ أهو من أرزاق الدنيا، أم من أرزاق الآخرة؟ ففيه وجهان: أحدهما: أنَّه من أَرْزَاق الدنيا، وفيه وجهان: أحدهما: هذا الذي وَعَدنَا به في الدُّنيا. والثَّاني: هذا الذي رُزِقنا في الدنيا، لأنَّ لونه يشبهُ لون ثمار الدُّنيا، فإذا أكلوا وجدوا طَعْمَهُ غير ذلك. الوجه الثاني: أنَّ المُشَبَّهُ به ثمار الآخرة، واختلفوا فيما حصلت المشابهة فيه على وجهين: الأول: المراد تساوي ثوابهم في كُلِّ الأوقات في القدر والدرجة؛ حَتَّى لا يزيدَ ولا ينقص. الثاني: المراد المُشَابهة في المنظر، فيكون الثاني كأنَّهُ الأوَّل على ما رُوِيَ عن الحسن، ثُمَّ هؤلاء اختلفوا، فمنهم من يقول: الاشتباهُ كما يقع في المنظرِ يقع في الطَّعمِ. ومنهم من يقول: وإن حصل الاشتباه في اللَّون، لكِنَّها تكون مختلفةً في الطَّعْم. قال الحَسَنُ: يؤتى أَحَدُهُمْ بالصّحفة فيأكل منها، ثُمَّ يُؤْتَى بالأخرى فيقول: هذا الذي أُتِينَا به من قَبْلُ: فيقول الملك: "كُل فاللَّونُ واحدٌ، والطعمُ مختلفٌ". فإن قيل: قوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا} مع قوله: "قالُوا: هذا الذي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ" - هذا صيغةُ عموم، فيشمل كُلَّ الأوقاتِ التي رُزِقوا فيها، فيدخل فيه أوّل مَرّة رُزِقوا في الجنَّة، فلا بُدَّ وأن يقولوا: "هذا الذي رُزِقْنَا من قَبْلُ" فما الجواب على قولنا بَأَنَّ المشبَّه به ثِمَارُ الآخِرة؟ والجواب أنَّ عمل ذلك على ما وعدوا به في الدُّنْيَا، أو يكون تقدير الكلام: هذا الَّذِي رُزِقْنَا في الأَزَلِ. قوله: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} الظاهِرُ أنَّها جملةٌ مستأنفة. وقال الزمخشريُّ فيها: هو كقولك: "فلانُ أَحْسِنْ بِفُلانٍ" ونِعْمَ ما فعل، ورأى من الرَّأي كذا، وكان صواباً. ومنه: {أية : وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ} تفسير : [النمل: 34]. وما أشْبَه ذلك من الجُمَلِ التي تُُسَاقُ في الكلام معترضةً للتقرير، يعني بكونها معترضة، أي من أحوال أَهْل الجنَّةِ، فإنَّ بَعْدَهَا: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ}، وإذا كانت معترضةً فلا محلَّ لها. وقيل: هي عَطْفٌ على "قالوا". وقيل: مَحَلُّها النَّصبُ على الحالِ، وصاحبُها فاعل "قالوا" أي: قالوا هذا الكلام في هذا الحالِ، ولا بُدَّ من تقدير "قد" قبل الفعل، أي: "وَقَدْ أُتُوا"، وأَصْلُ أُتُوا: أُتِيُوا مِثْل: ضُرِبوا، فأُعِلَّ كَنَظَائِرِهِ. [وقرأ هارون] الأعور: "وأَتوا" مبنيّاً للفاعل، والضَّمير للولدان والخدم للتصريح بهم في غير موضع، والضميرُ في "به" يعود على المرزوق الذي هو الثمرات، كما أن هذا إشارة إليه. وقال الزمخشري: "يعود إلى المرزوق في الدُّنْيَا والآخرة؛ لأنَّ قوله: {ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} انطوى تحته ذكر ما رُزِقُوه في الدَّارَيْنِ. ونظيرُ ذلك قوله تعالى: {أية : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً، فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا} تفسير : [النساء: 135]". أي: بجنسي الغنيِّ والفقير المدلول عليهما بقوله: {أية : غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً} تفسير : [النساء: 135] ويعني بقوله: "انطوى تحته ذِكْرُ ما رُزُقوه في الدَّارَيْنِ" أنَّهُ لَمَّا كان التقديرُ: مِثْلَ الَّذي رُزِقْناه كان قد انطوى على المرزوقين معاً، كما أنَّ قَوْلَكَ: "زَيْدٌ مثلُ حاتمٍ" مُنْطَوٍ على زيدٍ وحاتمٍ. قال أبو حيَّان: "وما قاله غيرُ ظاهر؛ لأنَّ الظاهِرَ عَوْدُه على المرزوقِ في الآخرة فقط؛ لأنَّهُ هو المُحَدّثُ عنه، والمشبَّهُ بِالَّذِي رُزقوه من قبلُ، لا سيما إذا فسِّرت القبلية بما في الجنَّةِ، فَإِنَّهُ يتعيّنُ عَوْدُه على المرزوق في الجنَّةِ فقط، وكذلك إذا أعربت الجملة حالاً؛ إذ يصير التقديرُ: قالوا: هذا الذي رُزِقْنَا من قَبْلُ وقد أتوا به؛ لأنه الحامل لهم على هذا القول، كأنَّه أُتُوا به مُتَشَابِهاً وعلى تقدير أن يكون معطوفاً على قالوا، لا يَصِحُّ عوده على المرزوق في الدَّارين؛ لأن الإتيان إذ ذاك يستحيل أن يكون ماضياً معنىً؛ لأنَّ العامل في "كُلَّما" أو ما في حيزها يحتمل هُنا أن يكون مستقبل المَعْنَى؛ لأنها لا تخلو من معنى الشرط، وعلى تقدير كونها مستأنفة لا يظهر ذلك أيضاًً، لأنَّ هذه محدَّث بها عن الجَنَّةِ وأحوالها". قوله: {مُتَشَابِهاً} حالٌ من الضَّمير في "به"، أي: يشبه بعضه في المنظر، ويختلف في الطعمِ، قاله ابن عبّاس ومجاهد، والحسن وغيرهم رضي الله - تعالى - عنهم. وقال عكرمة: "يُشْبِهُ ثَمَرَ الدُّنيا، ويباينه في جل الصِّفات". قال ابن عبَّاس: "هذا على وَجْه التَّعَجُّبِ، وليس في الدُّنْيَا شيءٌ مما في الجَنَّةِ سِوَى الأسماء، فكأنَّهم تَعَجَّبُوا لِمَا رأوه من حُسْنِ الثَّمَرَةِ، وعِظم خالقها". وقال قتادةُ: "خياراً لا رَذلَ فيه، كقوله تعالى: {أية : كِتَٰباً مُّتَشَابِهاً} تفسير : [الزمر: 23] وليس كثمار الدنيا التي لا تتشابه؛ لأنَّ فيها خياراً وغير خِيَار". قوله: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} "لهم" خبر مُقَدَّم، وأزواج مبتدأ، و "فيها" متعلّق بالاستقرار الذي تعلّق به الخبر. قال أبو البقاء: "لا يكون فيها الخبر، لأنَّ الفائدة تقل؛ إذ الفائدة في جَعْلِ الأَزواج لهم". وقوله: "مُطَهَّرةٌ" صفة، وأتى بها مفردة على حدِّ: النساءِ طَهُرَتْ ومنه بيت الحماسة: [الكامل] شعر : 319- وَإِذَا العَذَارَى بَالدُّخَانِ تَلَفَّعَتْ وَاسْتَعْجَلَتْ نَصْبَ القُدُورِ فَمَلَّتِ تفسير : وقرأ زيد بن عليّ: "مُطَهَّراتٌ" على حَدِّ: النساءُ طَهُرْنَ. وقرأ عبيد بن عمير: "مُطَهَّرة" يعني: متطَهِّرة. والزوج ما يكون معه آخر، ويقالُ زوج للرَّجُل والمرأة، وأمَّا "زَوْجَةٌ" فقليلٌ. قال الأَصْمَعِيُّ: لا تكاد العربُ تقول: زوجة، ونَقَلَ الفرّاءُ أنّها لغة "تميم"، وأنشد للفرزدق: [الطويل] شعر : 320- وَإِنَّ الَّذِي يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِي كَسَاعٍ إلَى أُسْدِ الشَّرَى يَسْتَبِيلُهَا تفسير : وفي الحديث حديث : عن عمَّار بن ياسرِ في حقِّ عائشة رضي الله تعالى عنهما: "إنِّي لاَعْلَمْ أنَّها زَوْجَتُهُ في الدُّنيا والآخرة" تفسير : ذكره البُخَاريُّ رضي الله عنه، واختاره الكسائيُّ. والزَّوجُ أيضاً: الصِّنْفُ، والتثنية: زوجان. والطّهَارة: النظافة، والفِعْلُ منها طَهَرَ بالفتح، ويَقِلُّ الضَّمُ، واسم الفاعل منها "طاهر" فهو مقيسٌ على الأوَّلِ، شاذّ على الثَّاني، كـ "خاثر" و "حامِض" من خَثُرَ اللبنُ وحَمُضَ بضمِّ العين. فإن قيل: هلاَّ قيل: طاهرة، الجوابُ: في المُطَهَّرةِ إشعارٌ بأنَّ مُطَهِّراً طَهَّرَهُنَّ، وليس ذلك إلاَّ الله تعالى، وذلك يفيد فخامة أمر أهل الثواب، كأنَّهُ قيل: إنَّ الله - تعالى - هو الَّذي زَيَّنَهُنَّ. قال مُجَاهد: "لا يَبُلْنَ ولا يَتَغَوَّطْنَ وَلاَ يلِدْنَ وَلاَ يَحِضْنَ، وَلاَ يَمْنِينَ وَلاَ يُبْغَضْنَ". وقال بعضهم: "مُطَهَّرةٌ في اللغة أجمع من طاهرة وأَبْلَغ". قوله: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} هم مبتدأ، وخالدون خبره، وفيها متعلّقٌ به. وقال القرطبيُّ: "والظرفُ مَلْغِيٌّ، وقُدِّم ليوافق رؤوس الآي" وأجازوا أن يكون "فيها" خبراً أول، و "خالدون" خبر ثانٍ، وليس هذا بِسَدِيدٍ، وهذه الجملة والتي قبلها عطفٌ على الجملةِ قبلهما حسب ما تقدَّم. وقال أبو البقاء: "وهاتان الجملتان مستأنفتان، ويجوز أن تكون الثانية حالاً من الهاء والميم في "لهم"، والعامِلُ فيها معنى الاستقرار". قال القرطبي: "ويجوز في غير القرآن نصب "خالدين" على الحال". و "الخلود": المكث الطويل، وهل يُطْلَقُ على ما لا نهاية له بطريق الحقيقة أو المجاز؟ قولان. قالت المعتزلة: "الخلد": هو الثباتُ اللاَّزم، والبقاء الدائمُ الذي لا يقطع، واحْتَجُّوا بالآية، وبقوله: {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 34] فنفى الخلد عن البَشَرِ مع أنَّه - تعالى - أعطى بعضهم العمر الطويل، والمنفيّ غير المثبت، فالخلدُ هو البقاءُ الدَّائمُ؛ وبقول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 321- وَهَلْ يَنْعَمَنْ إلاَّ سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ قَلِيلُ الهُمُومِ ما يَبيتُ بأَوْجَالِ تفسير : قال ابن الخطيب: وقال أصحابنا: الخلدُ هو الثّباتُ الطويل، سواء دام أو لم يَدُم؛ واستدلُّوا بقوله تعالى: {أية : خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} تفسير : [التوبة: 100] ولو كان التأبيد داخلاً في مفهوم الخلد، لكان ذلك تكرُّراً، واستدلّوا أيضاً بالعرفِ؛ يقال: حَبَسَ فلانٌ فُلاَناً حَبْساً مُخَلَّداً، ويكتبُ في الأوقاف: وقَفَ فلانٌ وَقْفاً مُخَلَّداً. وقال الآخرون: "العقلُ يَدُلُّ على دوامه؛ لأنه لو لم يجب الدوام، لجوّزوا انقطاعه، فكان خوف الانقطاع ينغص عليهم تلك النعمة، لأنَّ النِّعْمَةَ كُلَّمَا كانت أعظم كان خوف انقطاعها أعظم وقعاً في القَلْبِ، وهذا يقتضي ألا ينفك أهل الثواب [ألبتة] من الغم والحسرةِ، وقد يجابُ عنه بأنَّهم عرفوا ذلك بقرينة قوله: "أبداً".

السيوطي

تفسير : أخرج ابن ماجة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والبزار وابن أبي حاتم وابن حبان وابن أبي داود والبيهقي كلاهما في البعث وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن اسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا هل مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ، وريحانة تزهر، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة، ومقام في أبد في فاكهة دار سليمة، وفاكهة خضرة وخيرة ونعمة، في محلة عالية بهية قالوا: نعم يا رسول الله قال: قولوا إن شاء الله قال القوم: إن شاء الله... ". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده والترمذي وابن حبان في صحيحه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال "حديث : لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وحصاؤها اللؤلؤ والياقوت، وملاطها المسك، وترابها الزعفران، من يدخلها ينعم لا ييأس، ويخلد لا يموت. لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا والطبراني وابن مردويه عن ابن عمر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجنة كيف هي؟ قال "حديث : من يدخل الجنة يحيا لا يموت، وينعم لا ييأس. لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه. قيل يا رسول الله كيف بناؤها؟ قال: لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها مسك أذفر، وحصاؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران ". تفسير : وأخرج البزار والبيهقي في البعث عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن حائط الجنة لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، ومجامرهم الالوّة، وأمشاطهم الذهب، ترابها زعفران، وطيبها مسك ". تفسير : وأخرج ابن المبارك في الزهد وابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن أبي هريرة قال: حائط الجنة لبنة ذهب، ولبنة فضة، ودرمها اللؤلؤ والياقوت، ورضاضها اللؤلؤ، وترابها الزعفران. وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : أرض الجنة بيضاء، عرصتها صخور الكافور وقد أحاط به المسك مثل كثبان الرمل، فيها أنهار مطردة. فيجتمع أهل الجنة أولهم وآخرهم، يتعارفون فيبعث الله عليهم ريح الرحمة، فتهيج عليهم المسك، فيرجع الرجل إلى زوجه وقد ازداد حسناً وطيباً فتقول: لقد خرجت من عندي وأنا بك معجبة، وأنا بك الآن أشد إعجاباً ". تفسير : وأخرج أبو نعيم عن سعيد بن جبير قال: أرض الجنة فضة. وأخرج البزار والطبراني وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله أحاط حائط الجنة لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، ثم شقق فيها الأنهار، وغرس فيها الأشجار، فلما نظرت الملائكة إلى حسنها وزهرتها قالت: طوباك منازل الملوك ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم عن أبي سعيد. أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله ابن صائد عن تربة الجنة فقال: "حديث : درمكة بيضاء مسك خالص ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة وأبو الشيخ في العظمة عن أبي زميل. أنه سأل ابن عباس ما أرض الجنة؟ قال: مرمرة بيضاء من فضة كأنها مرآة قال: ما نورها؟ قال: ما رأيت الساعة التي يكون فيها طلوع الشمس فذلك نورها، إلا أنه ليس فيها شمس، ولا زمهرير قال: فما أنهارها أفي أخدود؟ قال: لا ولكنها تفيض على وجه الأرض، لا تفيض ههنا ولا ههنا قال: فما حللها؟ قال: فيها الشّجر فيها الثمر كأنه الرمان، فإذا أراد ولي الله منها كسوة انحدرت إليه من أغصانها فانفلقت له من سبعين حلة، ألواناً بعد ألوان ثم لتطبق فترجع كما كانت. وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : خلق الله جنة عدن بيده وذلل فيها ثمارها وشق فيها أنهارها ثم نظر إليها فقال لها تكلمي فقالت {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون: 1] فقال وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل ". تفسير : وأخرج البزار عن ابن عباس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله خلق جنة عدن بيضاء ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن ماجة عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لقاب قوس أحدكم في الجنة خير مما طلعت عليه الشمس أو تغرب ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وهناد بن السري في الزهد وابن ماجة عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : الشبر في الجنة خير من الدنيا وما فيها ". تفسير : وأخرج الترمذي وابن أبي الدنيا عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لو أن ما يقل ظفر مما في الجنة بدا لتزخرفت له ما بين خوافق السموات والأرض، ولو أن رجلاً من أهل الجنة اطلع فبدا أساوره لطمس ضوء الشمس كما تطمس الشمس ضوء النجوم ". تفسير : وأخرج البخاري عن أنس قال: أصيب حارثة يوم بدر فجاءت أمه فقالت: يا رسول الله قد علمت منزلة حارثة مني، فإن يكن في الجنة صبرت، وإن يكن غير ذلك ترى ما أصنع؟ فقال "حديث : إنها ليست بجنة واحدة، إنها جنان كثيرة، وإنه في الفردوس الأعلى ". تفسير : وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من خاف ادلج، ومن أدلج بلغ المنزل ألا إن سلعة الله غالية ". تفسير : وأخرج الحاكم عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة، جاءت الراجفة، تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: والذي أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم إن أهل الجنة ليزدادون حسناً وجمالاً كما يزدادون في الدنيا قباحة وهرماً. أما قوله تعالى: {تجري من تحتها الأنهار} . أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله {تجري من تحتها} أي يعني المساكن، تجري أسفلها أنهارها. أخرج ابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والحاكم وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنهار الجنة تفجر من تجت جبال مسك ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ابن حبان في التفسير والبيهقي في البعث وصححه عن ابن مسعود قال: إن أنهار الجنة تفجر من جبل مسك. وأخرج أحمد ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : سيحان، وجيحان، والفرات، والنيل، كل من أنهار الجنة ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن ابن عباس قال: إن في الجنة نهراً يقال له البيدخ، عليه قباب من ياقوت، تحته جوار نابتات يقول: أهل الجنة انطلقوا بنا إلى البيدخ، فيجيئون فيتصفحون تلك الجواري، فإذا أعجب رجل منهم بجارية مس معصمها، فتبعته وتنبت مكانها آخرى". وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده والنسائي وأبو يعلى والبيهقي في الدلائل والضياء المقدسي في صفة الجنة وصححه عن أنس قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه الرؤيا الحسنة، فجاءت امرأة فقالت: يا رسول الله رأيت في المنام كأني أخرجت فأدخلت الجنة، فسمعت وجبة التجّت لها الجنة، فإذا أنا بفلان وفلان حتى عدت اثني عشر رجلاً، وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قبل ذلك، فجيء بهم عليهم ثياب طلس تشخب أوداجهم فقيل: اذهبوا بهم إلى نهر البيدخ، فغمسوا فيه، فخرجوا وجوههم كالقمر ليلة البدر، وأتوا بكراسي من ذهب فقعدوا عليها، وجيء بصحفة من ذهب فيها بسرة، فأكلوا من بسره ما شاؤوا، فما يقلبونها لوجهة إلا أكلوا من فاكهة ما شاؤوا، فجاء البشير فقال: يا رسول الله كان كذا وكذا... وأصيب فلان وفلان، حتى عدَّ اثني عشر رجلاً فقال: عليّ بالمرأة فجاءت فقال: قصي رؤياك على هذا فقال الرجل: هو كما قالت أصيب فلان وفلان". وأخرج البيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: إن في الجنة نهراً طول الجنة، حافتاه العذارى قيام متقابلات يغنين بأحسن أصوات، يسمعها الخلائق حتى ما يرون أن في الجنة لذة مثلها. قلنا يا أبا هريرة وما ذاك الغناء؟ قال: إن شاء الله التسبيح، والتحميد، والتقديس، وثناء على الرب. وأخرج أحمد بن حنبل في الزهد والدارقطني في المديح عن المعتمر بن سليمان قال: إن في الجنة نهراً ينبت الحواري الابكار. وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن أنس مرفوعاً "في الجنة نهر يقال له الريان، عليه مدينة من مرجان، لها سبعون ألف باب من ذهب وفضة، لحامل القرآن". وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وهناد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في البعث عن مسروق قال: أنهار الجنة تجري في غير أخدود، ونخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها. وثمرها أمثال القلال كلّما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، والعنقود اثنا عشر ذراعاً. وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم والضياء المقدسي كلاهما في صفة الجنة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض لا... والله أنها لسائحة على وجه الأرض، حافتاها خيام اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر. قلت: يا رسول الله ما الأذفر؟ قال: الذي لا خلط معه ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا وابن مردويه والضياء عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن أنهار الجنة تشخب من جنة عدن في حوبة ثم تصدع بعد أنهاراً ". تفسير : وأما قوله تعالى: {كلما رزقوا منها} الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً} قال: أتوا بالثمرة في الجنة فينظروا إليها فقالوا {هذا الذي رزقنا من قبل} في الدنيا، وأتوا به متشابهاً اللون، والمرأى وليس يشبه الطعم. وأخرج عبد بن حميد عن علي بن زيد {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل} يعني به ما رزقوا به من فاكهة الدنيا قبل الجنة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن الأنباري في كتاب الأضداد عن قتادة في قوله {هذا الذي رزقنا من قبل} أي في الدنيا {وأتوا به متشابهاً} قال: يشبه ثمار الدنيا غير أن ثمر الجنة أطيب. وأخرج مسدد وهناد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال: ليس في الدنيا مما في الجنة شيء إلا الأسماء. وأخرج الديلمي عن عمر "حديث : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: في طعام العرس مثقال من ريح الجنة ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {هذا الذي رزقنا من قبل} قال: يقولون ما أشبهه به. يقول من كل صنف مثل. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله {هذا الذي رزقنا من قبل} قال: قولهم من قبل معناه. مثل الذي كان بالأمس. وأخرج ابن جرير عن يحيى بن كثير قال: يؤتى أحدهم بالصفحة فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل فيقول الملك: كل اللون واحد والطعم مختلف. وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {وأتوا به متشابهاً} قال: متشابهاً في اللون مختلفاً في الطعم. مثل الخيار من القثاء. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {وأتوا به متشابهاً} قال: خياراً كله لا رذل فيه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله {وأتوا به متشابهاً} قال: خيار كله يشبه بعضه بعضاً لا رذل فيه. ألم تر إلى ثمار الدنيا كيف ترذلون بعضه. وأخرج البزار والطبراني عن ثوبان. أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : لا ينزع رجل من أهل الجنة من ثمرة إلا أعيد في مكانها مثلاها ". تفسير : وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق ابن حيوة عن خالد بن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان قال: بينا أسير في أرض الجزيرة إذ مررت برهبان، وقسيسين، واساقفة، فسلمت فردوا السلام فقلت: أين تريدون؟ فقالوا: نريد راهباً في هذا الدير، نأتيه في كل عام، فيخبرنا بما يكون في ذلك العام لمثله من قابل فقلت: لآتين هذا الراهب فلأنظرن ما عنده ـ وكنت معنياً بالكتب ـ فأتيته وهو على باب ديره، فسلمت فرد السلام ثم قال: ممن أنت؟ فقلت: من المسلمين قال: أمن أمة محمد؟ فقلت: نعم. فقال: من علمائهم أنت أم من جهالهم؟ قلت: ما أنا من علمائهم، ولا أنا من جهالهم قال: فانكم تزعمون أنكم تدخلون الجنة فتأكلون من طعامها، وتشربون من شرابها، ولا تبولون ولا تتغوطون قلت: نحن نقول ذلك وهو كذلك قال: فإن له مثلاً في الدنيا فأخبرني ما هو؟ قلت: مثله كمثل الجنين في بطن أمه أنه يأتيه رزق الله في بطنها ولا يبول، ولا يتغوّط. قال: فتربد وجهه ثم قال لي: أما أخبرتني أنك لست من علمائهم! قلت: ما كذبتك قال: فإنكم تزعمون أنكم تدخلون الجنة فتأكلون من طعامها، وتشربون من شرابها، ولا ينقص ذلك منها شيئاً قلت: نحن نقول ذلك وهو كذلك قال: فإن له مثلاً في الدنيا فاخبرني ما هو؟ قلت: مثله في الدنيا كمثل الحكمة، لو تعلم منها الخلق أجمعون لم ينقص ذلك منها شيئاً، فتربد وجهه ثم قال: أما أخبرتني أنك لست من علمائهم! قلت: ما كذبتك ما أنا من علمائهم، ولا من جهالهم. وأخرج الحاكم وابن مردويه وصححه عن أبي سعيد الخدري "حديث : عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {ولهم فيها أزواج مطهرة} قال: من الحيض، والغائط، والنخامة، والبزاق ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {ولهم فيها أزواج مطهرة} قال من القذر، والأذى. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود في قوله {ولهم فيها أزواج مطهرة} قال: لا يحضن، ولا يحدثن، ولا يتنخمن. وأخرج وكيع وعبد الرزاق وهناد في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {ولهم فيها أزواج مطهرة} قال: من الحيض، والغائط، والبول، والمخاط، والنخامة، والبزاق، والمني، والولد. وأخرج وكيع وهناد عن عطاء في قوله {ولهم فيها أزواج مطهرة} قال: لا يحضن، ولا يمنين، ولا يلدن، ولا يتغوّطن، ولا يبلن، ولا يبزقن. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {ولهم فيها أزواج مطهرة} قال: طهرهن الله من كل بول، وغائط، وقذر، ومآثم. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وابن ماجة والبيهقي في البعث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حديث : أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر، لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوّطون، آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة، ومجامرهم من الألوّة، ورضخهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان، يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم، ولا تباغض، قلوبهم على قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا" تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والترمذي وصححه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أول زمرة تدخل الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر. والزمرة الثانية أحسن كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان، على كل زوجة سبعون حلة، يرى مخ ساقهن من وراء الحلل ". تفسير : وأخرج أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم، وإثنتان وسبعون زوجة، ومنصب له قبة من لؤلؤ وياقوت وزبرجد، كما بين الجابية وصنعاء ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والبيهقي في النعت عن أبي هريرة أنهم تذاكروا الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما في الجنة أحد إلا له زوجتان. إنه ليرى مخ ساقهما من وراء سبعين حلة، ما فيها عزب ". تفسير : وأخرج الترمذي وصححه والبزار عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يزوّج العبد في الجنة سبعين زوجة فقيل: يا رسول الله يطيقها قال: يعطى قوّة مائة ". تفسير : وأخرج ابن السكن في المعرفة وابن عساكر في تاريخه عن حاطب بن أبي بلتعة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : يزوّج المؤمن في الجنة اثنتين وسبعين زوجة سبعين من نساء الآخرة، واثنتين من نساء الدنيا ". تفسير : وأخرج ابن ماجة وابن عدي في الكامل والبيهقي في البعث عن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من أحد يدخله الله الجنة إلا زوّجه اثنتين وسبعين زوجة. اثنتين من الحور العين، وسبعين من ميراثه من أهل الجنة، ما منهن واحدة إلا ولها قبل شهي، وله ذكر لا يثني ". تفسير : وأخرج أحمد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن أدنى أهل الجنة منزلة من له سبع درجات وهو على السادسة، وفوقه السابعة، وإن له لثلثمائة خادم، ويغدى عليه كل يوم ويراح بثلثمائة صفحة من ذهب، في كل صفحة لون ليس في الأخرة، وأنه ليلذ أوّله كما يلذ آخره، وانه ليقول: يا رب لو أذنت لي لأطعمت أهل الجنة وسقيتهم لم ينقص مما عندي شيء، وأن له من الحور العين لإِثنتين وسبعين زوجة، وأن الواحدة منهن لتأخذ مقعدتها قدر ميل من الأرض ". تفسير : وأخرج البيهقي في البعث عن أبي عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يزوّج كل رجل من أهل الجنة بأربعة آلاف بكر، وثمانية آلاف أيم، ومائة حوراء. فيجتمعن في كل سبعة أيام فيقلن بأصوات حسان لم يسمع الخلائق بمثلهن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، ونحن المقيمات فلا نظعن، طوبى لمن كان لنا وكنا له ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري عن أنس. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها، ولقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ولو أن امرأة من نساء أهل الجنة اطلعت إلى الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأت ما بينهما ريحاً، ولنصيفها على رأسها ـ يعني الخمار ـ خير من الدنيا وما فيها ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن ابن عباس. لو أن امرأة من نساء أهل الجنة بصقت في سبعة أبحر كانت تلك الأبحر أحلى من العسل. وأخرج أحمد في الزهد عن عمر بن الخطاب. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى الأرض لملأت الأرض ريح مسك ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وهناد بن السري عن كعب قال: لو أن امرأة من أهل الجنة أطلعت كفها لأضاء ما بين السماء والأرض. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وهناد بن السري في الزهد والنسائي وعبد بن حميد في مسنده وابن المنذر وابن أبي حاتم قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون؟ فقال: والذي نفسي بيده إن الرجل منهم ليؤتى قوّة مائة رجل منكم، في الأكل، والشرب والجماع، والشهوة، قال: فإن الذي يأكل ويشرب يكون له الحاجة، والجنة طاهرة ليس فيها قذر ولا أذى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حاجتهم عرق يفيض مثل ريح مسك، فإذا كان ذلك ضمر له بطنه ". تفسير : وأخرج أبو يعلى والطبراني وابن عدي في الكامل والبيهقي في البعث عن أبي أمامة "حديث : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تتناكح أهل الجنة؟ فقال: دحاماً دحاماً... لا مني ولا منية ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني والخطيب والبغدادي في تاريخه عن أبي هريرة قال "حديث : قيل يا رسول الله هل نصل إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: إن الرجل ليصل في اليوم إلى مائة عذراء ". تفسير : وأخرج أبو يعلى والبيهقي في البعث عن ابن عباس قال "حديث : قيل يا رسول الله أنفضي إلى نسائنا في الجنة كما نفضي إليهن في الدنيا؟ قال: والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن أبي أمامة قال "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم تتناكح أهل الجنة؟ فقال: نعم. بفرج لا يمل وذكر لاينثني، وشهوة لا تنقطع، دحماً دحماً ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا والبزار عن أبي هريرة قال "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تمس أهل الجنة أزواجهم؟ قال: نعم بذكر لا يمل، وفرج لا يحفى، وشهوة لا تنقطع ". تفسير : وأخرج الحرث بن أبي أسامة وابن أبي حاتم عن سليم بن عامر والهيثم الطائي "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البضع في الجنة؟ قال: نعم بقبل شهي، وذكر لا يمل، وأن الرجل ليتكىء فيها المتكأ مقدار أربعين سنة، لا يتحوّل عنه، ولا يمله، يأتيه فيه ما اشتهته نفسه، ولذت عينه ". تفسير : وأخرج البيهقي في البعث وابن عساكر في تاريخه عن خارجه العذري قال: سمعت رجلاً بتبوك قال "حديث : يا رسول الله أيباضع أهل الجنة؟ قال: يعطي الرجل منهم من القوّة في اليوم الواحد أفضل من سبعين منكم ". تفسير : وأخرج الطبراني عن زيد بن أرقم. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن البول والجنابة عرق يسيل من تحت ذوائبهم إلى أقدامهم مسك ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد والأصبهاني في الترغيب عن أبي الدرداء قال: ليس في الجنة مني ولا منية، إنما يدحمونهن دحماً. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن طاووس قال: أهل الجنة ينكحون النساء ولا يلدن، ليس فيها مني ولا منية. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عطاء الخراساني. مثله. وأخرج وكيع وعبد الرزاق وهناد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن إبراهيم النخعي قال: في الجنة جماع ما شئت، ولا ولد قال: فيلتفت فينظر النظرة فتنشأ له الشهوة، ثم ينظر النظرة فتنشأ له شهوة أخرى. وأخرج الضياء المقدسي في صفة الجنة عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أنه سئل انطأ في الجنة؟ قال: نعم. والذي نفسي بيده دحماً دحماً...فإذا قام عنها رجعت مطهرة بكراً ". تفسير : وأخرج البزار والطبراني في الصغير وأبو الشيخ في العظمة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عادوا ابكاراً ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وأحمد بن حنبل في زوائد الزهد وابن المنذر عن عبد الله بن عمرو قال: إن المؤمن كلما أراد زوجتة وجدها بكراً. وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال: طول الرجل من أهل الجنة تسعون ميلاً. وطول المرأة ثلاثون ميلاً. ومقعدتها جريب، وأن شهوته لتجري في جسدها سبعين عاماً تجد اللذة. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن أبي داود في البعث عن معاذ بن حنبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين: قاتلك الله فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا ". تفسير : أما قوله تعالى: {وهم فيها خالدون}. أخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وهم فيها خالدون} أي خالدون أبداً. يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله لا انقطاع له. وأخرج أحمد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {وهم فيها خالدون} يعني لا يموتون. وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل وهم فيها خالدون؟ قال: ماكثون لا يخرجون منها أبداً قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول عدي بن زيد: شعر : فهل من خالد إما هلكنا وهل بالموت يا للناس عار تفسير : وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم وابن مردويه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : يدخل أهل الجنة، الجنة وأهل النار النار. ثم يقوم مؤذن بينهم: يا أهل النار لا موت، ويا أهل الجنة لا موت، كل خالد فيما هو فيه ". تفسير : وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : يقال لأهل الجنة خلود ولا موت، ولأهل النار خلود ولا موت ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن ماجة والحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يؤتى بالموت في هيئة كبش أملح، فيوقف على الصراط فيقال: يا أهل الجنة. فيطلعون خائفين وجلين مخافة أن يخرجوا مما هم فيه. فيقال: تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت فيقال: يا أهل النار. فيطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا مما هم فيه. فيقال: أتعرفون هذا؟ فيقولون : نعم. هذا الموت. فيؤمر به، فيذبح على الصرط، فيقال للفريقين: خلود فيما تجدون، لا موت فيها أبداً ". تفسير : وأخرج الطبراني والحاكم وصححه عن معاذ بن جبل "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن فلما قدم عليهم قال: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم إن المردّ إلى الله، إلى جنة أو نار، خلود بلا موت، وإقامة بلا ظعن، في أجساد لا تموت ". تفسير : وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا بها، ولو قيل لأهل الجنة إنكم ماكثون عدد كل حصاة لحزنوا. ولكن جعل لهم الأبد ".

ابو السعود

تفسير : {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} أي بأنه منزلٌ من عند الله عز وجل، وهو معطوف على الجملة السابقة لكن لا على أن المقصودَ عطفُ نفس الأمرِ حتى يُطلبَ له مَشاكِلٌ يصِحُّ عطفَه عليه، بل على أنه عطفُ قصةِ المؤمنين بالقرآن، ووصفِ ثوابهم، على قصة الكافرين به وكيفيةِ عقابهم، جرياً على السُنة الإلهية من شفْع الترغيب بالترهيب، والوعدِ بالوعيد، وكان تغيـيرُ السبك لتخيـيل كمالِ التباين بـين حالي الفريقين، وقرىء وبُشرِّ على صيغة الفعل مبنياً للمفعول عطفاً على أعِدَّت، فيكونُ استئنافاً، وتعليقُ التبشير بالموصول للإشعار بأنه معلل بما في حيز الصلة من الإيمان والعمل الصالح، لكن لا لذاتهما، فإنهما لا يكافِئان النعمَ السابقة فضلاً من أن يقتضِيا ثواباً فيما يستقبل، بل بجعل الشارعِ، ومقتضىٰ وعدِه وجعل صلتِه فعلاً مفيداً للحدوث بعد إيرادِ الكفارِ بصيغة الفاعل لحثِّ المخاطبـين بالاتقاء على إحداث الإيمان، وتحذيرِهم من الاستمرار على الكفر، والخطابُ للنبـي صلى الله عليه وسلم، وقيل: لكل من يتأتَّى منه التبشير، كما في قوله عليه السلام: «حديث : بشر المشّائين إلى المساجد في ظلم الليالي بالنور التام يوم القيامة» تفسير : فإنه عليه السلام لم يأمُر بذلك واحداً بعينه بل كلَّ أحد ممن يتأتى منه ذلك، وفيه رمزٌ إلى أن الأمر لعِظَمه وفخامة شأنه حقيقٌ بأن يَتولىٰ التبشيرَ به كلُّ من يقدر عليه، والبِشارة الخبرُ السار الذي يظهر به أثر السرور في البشرة، وتباشيرُ الصبح أوائلُ ضوئه {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ} الصالحة كالحسنة في الجريان مَجرى الاسم، وهي كلُّ ما استقام من الأعمال بدليل العقلِ والنقلِ، واللام للجنس، والجمعُ لإفادة أن المرادَ بها جملةٌ من الأعمال الصالحة التي أشير إلى أمهاتها في مطلع السورةِ الكريمة، وطائفةٌ منها متفاوتةٌ حسبَ تفاوتِ حال المكلفين في مواجب التكليف، وفي عطف العملِ على الإيمان دلالةٌ على تغايرهما وإشعارٌ بأن مدار استحقاقِ البشارةِ مجموعُ الأمرين، فإن الإيمان أساسٌ والعملُ الصالح كالبناء عليه ولا غَناءَ بأساس لا بناءَ به. {أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ} منصوبٌ بنزع الخافض وإفضاءِ الفعل إليه، أو مجرور بإضماره مثل: «الله لأفعلنّ» والجنةُ هي المرة من مصدر جَنَّه إذا ستره، تُطلق على النخل والشجر المتكاثف المظلل بالتفاف أغصانِه، قال زهير: [البسيط] شعر : كأنّ عينَيَّ في غَرْبـيِّ مقتلةٍ من النواضِحِ تسقي جنةً سَحَقا تفسير : أي نخلاً طوالاً كأنها لفرطِ تكاثفِها والتفافِها وتغطيتها لما تحتها بالمرة نفسُ السُترة وعلى الأرض ذاتُ الشجر، قال الفراء: الجنة ما فيه النخيل، والفِردوسُ ما فيه الكَرْم، فحقُ المصدر حينئذ أن يكونَ مأخوذاً من الفعل المبني للمفعول وإنما سميت دارَ الثواب بها مع أن فيها ما لا يوصف من الغُرفات والقصور لما أنها مناطُ نعيمها، ومعظمُ ملاذها، وجمعها مع التنكير لأنها سبعٌ على ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما: جنةُ الفردوس، وجنة عدْن، وجنة النعيم، ودارُ الخلد، وجنةُ المأوى، ودارُ السلام، وعِلِّيُّون. وفي كل واحدة منها مراتبُ ودرجاتٌ متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال وأصحابها. {تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأنْهَـٰرُ} في حيز النصب على أنه صفةُ جنات. فإن أريد بها الأشجارُ فجريانُ الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرضُ المشتملة عليها فلا بد من تقدير مضافٍ أي من تحت أشجارِها وإن أريد بها مجموعُ الأرض والأشجار فاعتبارُ التحتية بالنظر إلى الجزء الظاهِرِ المصحِّح لإطلاق اسم الجنة على الكل. عن مسروق: أن أنهارَ الجنة تجري في غير أخدود، واللامُ في الأنهار للجنس، كما في قولك: لفلان بستانٌ فيه الماءُ الجاري والتينُ والعنب، أو عِوَضٌ عن المضاف إليه كما في قوله تعالى: {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} تفسير : أو للعهد، والإشارة إلى ما ذكر في قوله عز وعلا: {أية : أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ} تفسير : [محمد، الآية 15] الآية. والنهَرُ بفتح الهاء وسكونها المجرَى الواسعُ فوق الجَدْول ودون البحر كالنيل والفرات، والتركيبُ للسَّعة، والمرادُ بها ماؤها على الإضمار أو على المجاز اللغوي، أو المجاري أنفسُها، وقد أسند إليها الجريانُ مجازاً عقلياً كما في سال الميزاب. {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا} صفة أخرى لجنات، أخِّرت عن الأولى لأن جريان الأنهار من تحتها وصفٌ لها باعتبار ذاتها، وهذا وصفٌ لها باعتبار أهلِها المتنعِّمين بها، أو خبرُ مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة، كأنه حين وُصفت الجناتُ بما ذكر من الصفة وقع في ذهن السامع أثمارها كثمار جناتِ الدنيا أولاً، فبـيّن حالُها، و(كلما) نصبٌ على الظرفية، ورزقاً مفعول به، ومن الأولى والثانية للابتداء واقعتان موقعَ الحال، كأنه قيل: كلَّ وقت رزقوا، مرزوقاً مبتدأ، من الجنات مبتدأً من ثمرة على أن الرزق مقيدٌ بكونه مبتدأ من الجنات، وابتداؤه منها مقيدٌ بكونه مبتدأً من ثمرة، فصاحبُ الحال الأولى رزقاً، وصاحبُ الثانية ضميرُه المستكنّ في الحال، ويجوز كونُ (من ثمرة) بـياناً قُدّم على المبـين كما في قولك: رأيت منك أسداً، وهذا إشارةٌ إلى ما رزقوا، وإن وقعت على فرد معين منه كقولك مشيراً إلى نهر جارٍ: هذا الماءُ لا ينقطع، فإنك (إنما) أشرتَ إلى ما تعايِنهُ بحسب الظاهر لكنك إنما تعني بذلك النوعَ المعلومَ المستمر، فالمعنى هذا مثلُ الذي رزقناه {مِن قَبْلُ}، أي من قبل هذا في الدنيا، ولكن لما استحكم الشبَهُ بـينهما جُعل ذاتُه ذاتَه، وإنما جُعل ثمرُ الجنة كثمار الدنيا لتميل النفسُ إليه حين تراه، فإن الطباعَ مائلة إلى المألوف متنفِّرة عن غير المعروف، وليتبـين لها مزّيته وكُنهُ النعمة فيه إذ لو كان جنساً غيرَ معهود لظُن أنه لا يكون إلا كذلك أو مثلُ الذي رُزقناه من قبل في الجنة لأن طعامَها متشابهُ الصور كما يحكىٰ عن الحسن رضي الله عنه أن أحدَهم يؤتىٰ الصَّحْفة فيأكلُ منها ثم يؤتىٰ بأخرى فيراها مثلَ الأولى فيقول ذلك: فيقول الملكُ: كلْ فاللونُ واحدٌ والطعمُ مختلف، أو كما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : والذي نفسي بـيده إن الرجلَ من أهل الجنة ليتناول الثمرةَ ليأكُلَها فما هي واصلةٌ إلى فيه حتى يُبدِّلَ الله تعالى مكانها مثلَها» تفسير : والأول أنسبُ لمحافظة عمومِ كلما، فإنه يدل على ترديدهم هذه المقالةَ كلَّ مرة رزقوا لا فيما عدا المرةَ الأولى يُظهرون بذلك التبجحَ، وفرطَ الاستغراب لما بـينهما من التفاوت العظيم من حيث اللذةُ مع اتحادهما في الشكل واللون، كأنهم قالوا: هذا عينُ ما رُزقناه في الدنيا فمن أين له هذه الرتبةُ من اللذة والطيب. ولا يقدُح فيه ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنه ليس في الجنة من أطعمة في الدنيا إلا الاسمُ، فإن ذلك لبـيان كمالِ التفاوتِ بـينهما من حيث اللذةُ والحُسنُ والهيئة لا لبـيانِ ألا تشابُهَ بـينهما أصلاً، كيف لا وإطلاقُ الأسماء منوطٌ بالاتحاد النوعيّ قطعاً، هذا وقد فُسّرت الآيةُ الكريمة بأن مستلذاتِ أهلِ الجنة بمقابلة ما رزقوه في الدنيا من المعارف والطاعات متفاوتةُ الحال، فيجوز أن يريدوا هذا ثوابُ الذي رزقناه في الدنيا من الطاعات، ولا يساعده تخصيصُ ذلك بالثمرات، فإن الجنة وما فيها من فنون الكرامات من قبـيل الثواب. {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً} اعتراضٌ مقرِّرٌ لما قبله والضميرُ المجرورُ على الأول راجعٌ إلى ما دل عليه فحوى الكلام مما رزقوا في الدارين كما في قوله تعالى: {أية : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا } تفسير : [النساء، الآية 135] أي بجنسي الغني والفقير، وعلى الثاني إلى الرزق {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي مما في نساء الدنيا من الأحوال المستقذرة كالحيْض والدَرن ودنَس الطبع وسوءِ الخلق، فإن التطهرَ يستعمل في الأجسام والأخلاق والأفعال، وقرىء مطهَّراتٌ، وهما لغتان فصيحتان، يقال: النساءُ فعلت وفعلن وهن فاعلةٌ وفواعل، وقال: [الكامل] شعر : وإذا العذارىٰ بالدُّخان تقنَّعت واستعجلت نصبَ القدور فمَلَّتِ تفسير : فالجمع على اللفظ، والإفراد على تأويل الجماعة، وقرىء (مطَّهِرة) بتشديد الطاء وكسر الهاء بمعنى متطهرة ومطَّهِرة أبلغُ من طاهرة ومتطهرة، للإشعار بأن مُطَهِّراً طهرهن، وما هو إلا الله سبحانه وتعالى. وأما التطهر فيحتمل أن يكون من قبل أنفسهن كما عند اغتسالهن، والزوجُ يطلق على الذكر والأنثى، وهو في الأصل اسم لما له قرينٌ من جنسه، وليس في مفهومه اعتبارُ التوالد الذي هو مدارُ بقاءِ النوعِ حتى لا يصِحَّ إطلاقُه على أزواج أهلِ الجنة لخلودهم فيها، واستغنائهم عن الأولاد، كما أن المداريةَ لبقاء الفردِ ليست بمعتبرة في مفهومِ اسمِ الرزق حتى يُخِلَّ ذلك بإطلاقه على ثمار الجنة. {وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} أي دائمون، والخلودُ في الأصل الثباتُ المديد دامَ أو لم يدُمْ، ولذلك قيل: للأثافي والأحجارِ الخوالدُ وللجُزءِ الذي يبقى من الإنسان على حاله خالد، ولو كان وضعه للدوام لما قُيِّد بالتأبـيد في قوله عز وعلا: {أية : خَـٰلِدِينَ فِيهَا أَبَداً } تفسير : [النساء، الآية 57 و122 و169 وغيرها من السور] ولَما استُعمل حيث لا دوام فيه لكن المرادَ ههنا الدوامُ قطعاً لما يُفضي به من الآيات والسنن، وما قيل من أن الأبدانَ مؤلفةٌ من الأجزاءِ المتضادة في الكيفية معرَّضة للاستحالات المؤديةِ إلى الانحلال والانفكاكِ مدارُه قياسُ ذلك العالمِ الكاملِ بما يشاهَد في عالم الكوْن والفساد، على أنه يجوز أن يُعيدَها الخالق تعالى بحيث لا يعتوِرُها الاستحالة، ولا يعتريها الانحلالُ قطعاً، بأن تُجعلَ أجزاؤها متفاوتةً في الكيفيات متعادلةً في القوى، بحيث لا يقْوَى شيءٌ منها عند التفاعُل على إحالةِ الآخر، متعانقةً متلازمةً لا ينفك بعضُها عن بعض، وتبقى هذه النسبةُ متحفظةً فيما بـينها أبداً لا يعتريها التغيرُ بالأكل والشرب والحركات وغيرِ ذلك. واعلم أن معظمَ اللذاتِ الحسية لما كان مقصوراً على المساكن والمطاعم والمناكِح حسبما يقضي به الاستقراءُ، وكان مَلاكُ جميع ذلك الدوامَ والثباتَ إذ كلُّ نعمة وإن جلت حيث كانت في شرف الزوال ومعرِضِ الاضمحلال فإنها منغِّصةٌ غيرُ صافيةٍ من شوائب الألم بَشَّر المؤمنين بها وبدوامها تكميلاً للبهجة والسرور، اللهم وفقنا لمراضيك، وثبتنا على ما يؤدي إليها من العقْد والعمل.

التستري

تفسير : وسئل عن قوله: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ}[25] فقال: ليس في الجنة شيء من فرش ولا آنية ولا لباس ولا طيب ولا طير، ولا شيء من النبات، ولا شيء من الفواكه كلها، فما في الدنيا يشبه ذلك إلاَّ اتفاق الأسماء فقط، وذلك أن رمان الجنة لا يشبه رمان الدنيا قط إلاَّ باتفاق الأسماء فقط، وكذلك التمر والعناب وأشباه ذلك، وإنما أراد بقوله: "متشابهاً" أي في اللون، مختلفاً في الطعم، وذلك أن الملائكة تأتي الأولياء في الجنة بالتفاح في الغداء، ثم يأتون به في العشاء، فيقول الأولياء: هذا ذلك. فيقال لهم: ذوقوه. فإذا ذاقوه أصابوا له غير طعم الأول، فلا يجوز أن تدفع قدرة الله تعالى أن يؤدي طعم التفاح طعم الرمان واللوز والسفرجل قال سهل: وإني لأعرف رجلاً من الأولياء رأى في الدنيا رمانة كبيرة كأكبر ما كان بين يدي رجل على شاطئ البحر، فقال له الولي: ما هذا بين يديك؟ فقال: رمانة رأيتها في الجنة فاشتهيتها، فأتاني الله بها، فلما وضعتها بين يدي ندمت على استعجالي ذلك في الدنيا. قال له ذلك الرجل: أفآكل منها؟ قال له الرجل: إن قدرت أن تأكل منها فكل، فضرب بيده إليها فأكل أكثرها، فلما رآه يأكل منها أعظمه ذلك، فقال: أبشر بالجنة، فإني لم أعرف منزلتك قبل أكلك منها، وذلك أنه لا يأكل من طعام الجنة في الدنيا إلاَّ من هو من أهل الجنة. قال أبو بكر: فقلت لسهل: هل أخبرك الآكل من تلك الرمانة ما كان طعمها؟ قال: نعم، فيها طعم يجمع طعوم الفواكه، ويزيد على ذلك في طعمه لين وبرد ليس هو في شيء من طعوم الدنيا. قال أبو بكر: فلم أشك ولا مَنْ سمع هذه الحكاية من سهل إلاَّ أنه هو صاحب الرمانة والآكل منها.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَٰرُ}. هذه البشارة بالجنان تتضمن تعريفاً بِنعِم مؤجلة لعموم المؤمِنين على الوصف الذي يُشْرَح بلسان التفسير. ويشير إلى البشارة للخواص بنعم مُعَجَّلة مضافة إلى تلك النعم يتيحـ (ـها) الله لهم على التخصيص، فتلك المؤجلة جنان المثوبة وهذه جنان القُربَة، وتلك رياض النزهة وهذه رياض الزُّلفة، بل تلك حدائق الأفضال وهذه حقائق الوِصال، وتلك رفع الدرجات وهذه رَوْح المناجاة، وتلك قضية جوده، هذه الاشتعال بوجوده، وتلك راحة الأبشار وهذه نزهة الأسرار، وتلك لطف العَطاء للظواهر وهذه كشف الغِطاء عن السرائر، وتلك لطف نواله وأفضاله وهذه كشف جماله وجلاله. قوله جلّ ذكره: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ}. كما أن أهل الجنة تتجدد عليهم النعم في كل وقت، فالثاني عندهم - على ما يظنون - كالأول، فإِذا ذاقوه وجدوه فوق ما تقدّم - فكذلك أهل الحقائق: أحوالهم في السرائر أبداً في الترقي، فإِذا رُقيِّ أحدهم عن محلِّه توهَّم أن الذي سيلقاه في هذا النَّفَس مثل ما تقدم فإِذا ذاقه وجده فوق ذلك بأضعاف، كما قال قائلهم: شعر : ما زلت أنزل من ودادك منزلاً تتحيَّرُ الألباب دون نزوله

البقلي

تفسير : {وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} ان لاهل المعرفة جنان حنّة العبودية وجنّة البربوبيّة وجنة المعرفة وجنة المحبة وجنّة المقربة وجنة المشاهدة وجنة المداناة وجنّة الوصلة وجنّة التوحيد وجنة البقاء وجنّة البسط وجنّة الرجاء وجنّة الانبساط وجنّة السّكر وجنّة الصَحو وجنّة المكلوت وجنّة المكاشفة وجنّة الحقيقة وجنّة العلم ولك جنّة منا نهر تجرى من تحتها فجنة العبودية الكرامات ونهرها حقائق الحكمة وجنة الربوبية مشاهدة صرف القدرة ونهرها روية تجلى الحق في مراة الايات وجنة المعرفة ادراك نوادر الالوهية ونهره ونهرها صفاء الاخلاص وجنة المحبة مشاهدة الالاء نهرها الرّضا بمراد المحبوب وجنّة القربة مباشرة انوار الصفة ونهرها خاصية المحبّة وجنّة المشاهدة الدهشة في جمال الحق ونهرها الطائف الاشارة وجنة المداناة الاستيناس بروية الوصال والتبرى من الحَدَثان ونهرها كشف غرائب تجلى الصفات وجنة لاوصلة اللذة في العشق ونهرها المحقبة وجنة التوحيد التلب بلباس الرّبَاني ونهرها الانسلاخ عن لباس الانسانى وجنة البقاء والتمكين ونهرها السّكينة وجنة البسط الفرج بالمشاهدة ونهرها الطّمانية وجنة الرجاء الشوق ونهرها الانس وجنة الانبساط الاتحاد ونهرها الفريدة والحكمة في الحضرة وجنة السكر حلاوة الفناء ونهرها صفاء عيش الرُّوح في المشاهدة وجنّة الصّحو المعجزات وتقلب الاعَيْان ونهرها العملُ اللَّدنى وجنة الملكوت رؤية تصاوير اشخاص الارواح ونهرها مزيدة اليقين وجنة المكاشفة المراقبة بنعت وجان صفاء المعرفة ونهرها اسرار الفراسات وجنة الحقيقة وجدان الروح في مقام الجمع والتفرقة ونهرها تلتوين والتمكينُ وجنة المجهول الراحة في الشطحّيات ونهرا غوص الروح في بحر الحقيقة {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} اَهْلُ جنان الوُصلةِ اذا كشف لهم اَسْرار الغيب رأوا مشاهداتٍ انوار الصفات في مقامامت الارواح جميعها يدل بعضهم بعضاً يحصل لهم من نور الكبرياء ما يحصل لهم من نور العظمة ومن نور القدم ما يحصل من نور البقاء هذكا جميع الصفات وايضاً اذا تمكن اهل المشاهدة في الجنة غذاء ورأوا ربّهم تعالى وجدوه على صفة التي اظهر نفسه جل وعَزّ لاهل المكاشفة في دار الدّنيا يقولون هذا الذي رزقنا من قبلُ اي ما نحن كنّا فيه من مشاهدته في الاجل يجدها بتلك الصفات في الاجل لانّ وجوده تعالى لا يتغَيّر بتغير الزمان في المكان اوله في الربويّة اخره في الالوهيّة واخره في الصمدية اوّله في الازلية وقال السر في قوله وبشّر الذين أمنوا وعملوا الصالحات خلِصَ سرّه وعبادته لى ان هلم جنّات تجرى اي نورا في اسرارهم وقلوبهم في الدنيا يستريحون اليه للتوكل والاتلقاء ونوراً في الاخرة بدخولهم الجنان ومجاروتهم الرّحمن.

اسماعيل حقي

تفسير : {وبشر الذين آمنوا} البشارة الخبر السار الذى يظهر به اثر السرور فى البشرة اى فرح يا محمد قلوب الذين آمنوا بان القرآن منزل من عند الله تعالى فالخطاب للنبى عليه وقيل لكل من يتأتى منه التبشير كما فى قوله عليه الصلاة والسلام "حديث : بشر المشائين الى المساجد فى ظلم الليالى بالنور التام يوم القيامة ". تفسير : فانه عليه السلام لم يأمر بذلك واحدا بعينه بل كل احد مما يتأتى منه ذلك {وعملوا الصالحات} اى فعلوا الفعلات الصالحات وهى كل ما كان لله تعالى وفى عطف العمل على الايمان دلالة على تغايرهما واشعار بان مدار استحقاق البشارة مجموع الامرين فان الايمان اساس والعمل الصالح كالبناء عليه ولا غناء باساس لابناء عليه وطلب الجنة بلا عمل حال السفهاء لان الله تعالى جعل العمل سببا لدخول الجنة والعبد وان كان يدخله الله الجنة بمجرد الايمان لكن العمل يزيد نور الايمان وبه يتنور قلب المؤمن وكم من عقبة كؤود تستقبل العبد الى ان يصل الى الجنة واول تلك العقابات عقبة الايمان انه هل يسلم من السلب ام لا فلزم العمل لتسهيل العقبات {ان لهم} اى بان لهم {جنات} بساتين فيها اشجار مثمرة. والجنة ما فيه النخيل والفردوس ما فيه الكرم كذا قال الفراء ولفط التفاف اغصان اشجارها وتسترها بالاشجار سميت جنة كانها سترة واحدة لان الجنة بناء مرة وانما سميت دار الثواب بها مع ان فيها ما لا يوصف من الغرفات والقصور لما انها مناط نعيمها ومعظم ملاذها. فان قلت ما معنى جمع الجنة وتنكيرها. قلت الجنة اسم لدار الثواب كلها وهى مشتملة على جنان كثيرة مرتبة مراتب على استحقاقات العاملين لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان. ثم الجنان ثمان دار الجلال كلها من نور مدائنها وقصورها وبيوتها واونيها وشرفها وابوابها ودرجها وغرفها واعاليها واسافلها وخيامها وحليها وكل ما فيها ودار القرار كلها من المرجان ودار السلام كلها من الياقوت الاحمر وجنة عدن من الزبرجد كلها وهى قصبة الجنة وهى مشرفة على الجنان كلها وباب جنة عدن مصراعان من زمرد وياقوت ما بين المصراعين كما بين المشرق والمغرب وجنة المأوى من الذهب الاحمر كلها وجنة الخلد من الفضلة كلها وجنة الفردوس من اللؤلؤ كلها وحيطانها لبنة من ذهب ولبنة من فضة ولبنة من ياقوت ولبنة من زبرجد وملاطها وما يجعل بين اللبنتين مكان الطين المسك وقصورها الياقوت وغرفها اللؤلؤ ومصاريعها الذهب وارضها الفضة وحصباؤها المرجان وترابها المسك ونباتها الزغفران والعنبر وجنة النعيم من الزمرد كلها وفى الخبر (ان المؤمن اذا دخل الجنة رأى سبعين الف حديقة فى كل حديقة سبعون الف شجرة على كل شجرة سبعون الف ورقة وعلى كل ورقة لا اله الا الله محمد رسول الله امة مذنبة ورب غفور كل ورقة عرضها من مشرق الشمس الى مغربها){تجرى من تحتها الانهار} الجملة صفة لجنات والانهار جمع نهر بفتح الهاء وسكونها وهو المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر كالنيل نهر مصر والمراد بها ماؤها. فان قلت كيف جرى الانهار من تحتها. قلت كما ترى الاشجار النابتة على شواطئ الانهار الجارية وعن مسروق ان انهار الجنة تجرى فى غير اخدود وهو الشق من الارض بالاستطالة وأنزه البساتين واكرمها منظرا ما كانت اشجاره مظللة والانهار فى خلالها مطردة ولولا ان الماء الجارى من النعمة العظمى وان الرياض وان كانت احسن شئ لا تجلب النشاط حتى يجرى فيها الماء والا كان السرور الاوفر مفقودا وكانت كتماثيل لا ارواح لها وصور لا حياة لها لما جاء الله يذكر الجنات البتة مشفوعا بذكر الانهار الجارية من تحتها والانهار هى الخمر واللبن والعسل والماء فاذا شربوا من نهر الماء يجدون حياة ثم انهم لا يموتون واذا شربوا من اللبن يحصل فى ابدانهم تربية ثم انهم لا ينقصون واذا شربوا من نهر العسل يجدون شفاء وصحة ثم انهم لا يسقمون واذا شربوا من نهر الخمر يجدون طربا وفرحا ثم انهم لا يحزنون: قال فى المثنوى شعر : آب صبرت جوى آب خلد شد جوى شير خلد مهر تست وود ذوق طاعت كشت جوى انكبين متسى وشوقى توجوى خمر بين اين سببها جون بفرمان تو بود جار جوهم مرترا فرمان نمود تفسير : وروى انه كتب عرضا بسم الله الرحمن الرحيم على ساق العرش فعين الماء تنبع من ميم بسم وعين اللبن تنبع من هاء الله وعين الخمر تنبيع من ميم الرحمن وعين العسل تنبع من ميم الرحيم هذا منبعها واما مصبها فكلها تنصب فى الكوثر وهو حوض النبى عليه السلام وهو فى الجنة اليوم وينتقل يوم القيامة الى العرصات لسقى المؤمنين ثم ينقل الى الجنة ويسقى اهل الجنة ايضا من عين الكافور وعين الزنجبيل وعين السلسبيل وعين الرحيق ومزاجه من تسنيم بواسطة الملائكة ويسقيهم الله الشراب الطهور بلا واسطة كما قال تعالى{أية : وسقاهم ربهم شرابا طهورا}تفسير : [الإِنسان: 21]. {كلما} متى {رزقوا منها} اى اطعموا من الجنة {من ثمرة} ليس المراد بالثمرة التفاحة الواحدة او الرمانة الفذة وانما المراد نوع من انواع الثمار ومن الاولى والثانية كلتاهما لابتداء الغاية لان الرزق قد ابتدئ من الجنات والرزق من الجنات قد ابتدئ من ثمرة {رزقا} مفعول رزقوا وهو ما ينتفع به الحيوان طعاما {قالوا هذا الذى رزقنا من قبل} اى هذا مثل الذى رزقنا من قبل هذا فى الدنيا ولكن لما استحكم الشبه بينهما جعل ذاته ذاته وانما جعل ثمر الجنة كثمر الدنيا لتميل النفس اليه حين تراه فان الطباع مائلة الى المألوف متنفرة عن غير المعروف وليتبين لها مزية إذ لو كان جنسا غر معهود لظن انه لا يكون الا كذلك وان كان فائقا فحين ابصروا الرمانة من رمان الدنيا ومبلغها فى الحجم وان الكبرى لا تفضل عن حدا البطيخة الصغيرة ثم يبصرون رمانة الجنة وهى تشبع السكن اى اهل الدار كان ذلك ابين للفضل واجلب للسرور وازيد فى التعجب من ان يفاجئوا ذلك الرمان من غير عهد سابق بجنسه وعموم كلما يدل على ترديهم هذه المقالة كل مرة رزقوا فيما عدا المرة الاولى يظهرون بذلك التبجح وفرط الاستغراب لما بينهما من التفاوت العظيم من حيث اللذه مع اتحادهما فى الشكل واللون كانهم قالوا هذا عين ما رزقناه فى الدنيا فمن اين له هذه الرتبة من اللذة والطيب ولا يقدح فيه ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما انه ليس فى الجنة من اطعمة الدنيا الا الاسم فان ذلك لبيان كمال التفاوت بينهما من حيث اللذة والحسن والهيئة لا لبيان ان لا تشابه بينهما اصلا كيف لا واطلاق الاسماء منوط بالاتحاد النوعى قطعا{واتوا به} اى جيئوا بذلك الرزق او المرزوق فى الدنيا والآخرة جميعا فالضمير الى ما دل عليه فحوى الكلام مما رزقوا فى الدارين ونظيره قوله تعالى {أية : إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما}تفسير : [ النساء: 135]. اى بجنيس الغنى والفقير {متشابها} فى اللون والجودة فاذا اكلوا وجدوا طعمه غير ذلك اجود وألذ يعنى لا يكون فيها رديئ. وعن مسروق نخل الجنة نضيد من اصلها الى فرعها اى منضود بعضها على بعض اى متراكب ومجتمع ليس كاشجار الدنيا متفرقة اغصانها وثمرتها امثال القلال كلما نزعت ثمرة عادت مكانها اخرى والعنقود اثنا عشر ذراعا ولو اجتمع الخلائق على عنقود لاشبعهم حديث : وجاء رجل من اهل الكتاب الى النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا ابا القاسم تزعم ان اهل الجنة يأكلون ويشربون فقال "نعم والذى نفس محمد بيده ان احدهم ليعطى قوة مائة رجل فى الاكل والشرب والجماع" قال فان الذى يأكل له حاجة والجنة طيبة ليس فيها اذى قال عليه السلام "حاجة احدهم عرق كريح المسك"تفسير : {ولهم فيها} اى فى الجنة {ازواج} اى نساء وحور {مطهرة} مهذبة من الاحوال المستقذرة كالحيض والنفاس والبول والغائط والمنى والمخاط والبلغم والورم والدرن والصداع وسائر الاوجاع والولادة ودنس الطبع وسوء الخلق وميل الطبع الى غير الازواج وغير ذلك. ومطهرة ابلغ من طاهرة ومتطهرة للاشعار بان مطهرا طهرن وما هو الا الله سبحانه وتعالى * قال الحسن هن عجائزكم العمص العمش طهرن من قاذورات الدنيا وعن ابن عباس رضى الله عنهما خلق الحور العين من اصابع رجليها الى ركبتيها من الزعفران ومن ركبتيها الى ثدييها من المسك الاذفر ومن ثدييها الى عنقها من العنبر الاشهب اى الابيض ومن عنقها الى رأسها من الكافور اذا اقلبت يتلألأ نور وجهها كما يتلألأ نور الشمس لاهل الدنيا {وهم فيها خالدون} اى دائمون احياء لا يموتون ولا يخرجون منها. قال عكرمة اهل الجنة ولد ثلاث وثلاثين سنة رجالهم ونساؤهم وقامتهم ستون ذراعا على قامة ابيهم آدم شباب جرد مرد مكحلون عليهم سبعون حلة تتلون كل حلة فى كل ساعة سبعين لونا لا يبزقون ولا يمتخطون وما كان فوق ذلك من الاذى فهو ابعد يزدادون كل يوم جمالا وحسنا كما يزداد اهل الدنيا هرما وضعفا لا يفنى شبابهم ولا تبلى ثيابهم. واعلم ان معظم اللذات الحسية لما كان مقصورا على المساكن والمطاعم والمناكح حسبما يقضى به الاستقراء وكان ملاك جميع ذلك الدوام والثبات اذ كل نعمة وان جلت حيث كانت فى شرف الزوال ومعرض الاضمحلال فانها منغصة غير صافية من شوائب الالم بشر المؤمنون بها وبدوامها تكميلا للبهجة والسرور وفى التأويلات النجمية {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات تجرى من تحتها الانهار} [البقرة: 25]. اى يحصل لهم جنات القربة معجلة من بذر الايمان الحقيقى واعمالهم القلبية الصالحة والروحية والسرية بالتوحيد والتجريد والتفريد من اشجار التوكل واليقين والزهد والورع والتقوى والصدق والاخلاص والهدى والقناعة والعفة والمروءة والفتوة والمجاهدة والمكابدة والشوق والذوق والرغبة والرهبة والخوف والخشية والرجاء والصفاء والوفاء والطلب والارادة والمحبة والحياء والكرم والسخاوة والشجاعة والعلم والمعرفة والعزة والرفعة والقدرة والحلم والعفو والرحمة والهمة العالية وغيرها من المقامات والاخلاق تجرى من تحتها مياه العناية والتوفيق والرأفة والعطفة والفضل {كلما رزقوا منها} [البقرة: 25]. من هذه الاشجار {من ثمرة} من ثمرات المشاهدات والمكاشفات والمعاينات {رزقا} اى عطفا وصحة وعطية {قالوا هذا الذى رزقنا من قبل} [البقرة: 25]. وذلك لان اصحاب المشاهدات يشاهدون احوالا شتى فى صورة واحدة من ثمرات مجاهداتهم فيظن بعضهم من المتوسطين ان هذا المشاهد هو الذى يشاهده قبل هذا فتكون الصورة تلك الصورة ولكن المعنى هو حقيقة اخرى مثاله يشاهد السالك نورا فى صورة نار كما شاهد موسى عليه السلام نور الهداية فى صورة نار كما قال انى آنست نارا فتكون تارة تلك النار صفة غضب كما كان لموسى عليه السلام اذا اشتد غضبه اشتعلت قلنسوته نارا وتارة يشاهد النار وهى صفة الشيطنة وتارة تكون نار المحبة تقع فى محبوبات النفس فتحرقها وتارة تكون نار الله الموقدة التى تطلع على الافئدة فتحرق عليهم بيت وجودهم فالصورة لانارية المشاهدة متشابه بعضها ببعض كما قال تعالى {وأُتوا به متشابها} [البقرة: 25]. ولكن السالك الواصل يجد من كل نار منها ذوقا وصفة اخرى {ولهم فيها ازواج} اى لارباب الشهود فى جنات القربات ازواج من ابكار الغيب {مطهرة} من ملابسة الاغيار {وهم فيها} فى افتضاضها {خالدون} كما قال عليه السلام "حديث : ان من العلوم كهيئة المكنون لا يعلمها الا العلماء بالله فاذا نطقوا بها لا ينكرها الا اهل الغرة بالله ". تفسير : . واعلم ان كل شئ يشاهد فى الشهادة كما ان له صورة فى الدنيا له معنى حقيقى فى الغيب ولهذا كان النبى عليه السلام يسأل الله تعالى بقوله "حديث : اللهم ارنا الاشياء كما هى . تفسير : فيكون فى الآخرة صورة الاشياء وحقائقها حاصلة ولكن الحقائق والمعانى على الصور غالبة فيرى فى الآخرة صورة شئ يعينه فيعرفه فيقول هذا الذى رزقنا من قبل فيكون الاسم والصورة كما كانت ولكنها فى ذوق آخر غير ما كنت تعرفه ولهذا قال ابن عباس رضى الله عنهما ليس شئ فى الجنة مما فى الدنيا غير الاسماء وهذا كما قال رسول الله عليه السلام "حديث : كل كلمة يكلمها المسلم فى سبيل الله تكون يوم القيامة كهيئتها يوم طعنت انفجرت دما اللون لون الدم والعرف عرف المسك"تفسير : فالآن لون ذلك الدم حاصل فى الشهادة ولكن عرفه فى الغيب لا يشاهد ههنا ففى الآخرة يشاهد الصورة الدنيوية والمعانى الغيبية فافهم جدا واغتنم.

الطوسي

تفسير : اللغة: البشارة: هو الاخبار بما يسر المخبر به إذا كان سابقاً لكل خبر سواه، لأن الثاني لا يسمى بشارة وقد قيل: إن الاخبار بما يغم ايضاً يسمى بشارة. كما قال تعالى: {أية : فبشرهم بعذاب أليم} تفسير : والاولى أن يكون ذلك مجازاً. وهي مأخوذة من البشرة: وهي ظاهر الجلد لتغييرها بأول الخبر. ومنه تباشير الصبح: أوله، وكذلك تباشير كل شيء. المبشرات: الرياح التي تجيء لسحاب. والبشر: الانسان والبشرة: أعلى جلدة الجسد، والوجه من الانسان. والمباشرة: ملاصقة البشرة. والبشر: قشر الجلد. والجنان: جمع جنة، والجنة: البستان. والمراد بذكر الجنة ما في الجنة من اشجارها واثمارها، وغروسها دون أرضها، فلذلك قال: {تجري من تحتها الأنهار} لأنه معلوم انه اراد الخبر عن ماء انهارها انه جار تحت الاشجار والغروس والثمار لا انه جار تحت ارضها، لأن الماء اذا كان تحت الارض جاريا، فلا حظ فيه للعيون إلا بكشف الساتر بينه وبينها، على ان الذي يوصف به انهار الجنة انها جارية في غير اخاديد. روي ذلك عن مسروق، رواه عنه ابو عبيدة وغيره. الاعراب: و {جنات}: منصوب بان. وكسرت التاء لأنها تاء التأنيث في جمع السلامة وهي مكسورة في حال النصب بالخفض. وموضع {أن} نصب بقوله: {وبشر الذين} وقال الخليل والكسائي: موضعة الجر بالباء كأنه قال: وبشرهم بأن لهم. المعنى: وقال الفضل: الجنة: كل بستان فيه نخل، وإن لم يكن شجر غيره. وإن كان فيه كرم: فهو فردوس، كان فيه شجر غير الكرم ام لم يكن {من ثمرة}: من زائدة والمعنى: كلما رزقو ثمرة. {ومنها}: يعني من الجنات والمعنى: أشجارها وتقديرها: كلما رزقوا من اشجار البساتين التي اعدها الله للمؤمنين وقال الرماني: هي بمعنى التبعيض، لأنهم يرزقون بعض الثمرات في كل وقت ويجوز ان تكون بمعنى تبيين الصفة وهو ان يبين الرزق من اي جنس هو وقوله: {هذا الذي رزقنا من قبل} روي عن ابن عباس، وابن مسعود وجماعة من الصحابة انه الذي رزقنا في الدنيا وقال مجاهد: معناه اشبهه به. وقال بعضهم: إن ثمار الجنة أذا جنيت من اشجارها، عاد مكانها فاذا رأوا ما عاد بعد الذي جني، اشتبه عليهم. فقالوا: هذا الذي رزقنا من قبل. وهذا قول أبي عبيدة، ويحيى بن أبي كثير. وقال قوم: هذا الذي رزقنا، وعدنا به في الدنيا وقد بينا فيما تقدم، أن الرزق عبارة عما يصح الانتفاع به على وجه لا يكون لأحد المنع منه. وقال المفضل ذلك يخص الاقوات. وقال قوم: هذا الذي رزقنا من قبل لمشابهته في اللون وإن خالفه في الطعم. واقوى الأقوال قول ابن عباس وأن معناه هذا الذي رزقنا في الدنيا، لأنه قال: {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل} فعم ولم يخص. فاول ما اتوا به لا يتقدر هذا القول فيه إلا بأن يكون اشارة إلى ما تقدم رزقه في الدنيا، لأنا فرضناه أولا وليس في الآية تخصيص ويكون التقدير هذا الذي رزقنا في الدنيا لأن ما رزقوه أولا قد عدم واقام المضاف اليه مقام المضاف كما أن القائل اذا قال لغيره: أعددت لك طعاماً، ووصفه له، يحسن أن يقول: هذا طعام كل وقت يريد مثله ومن جنسه ونوعه وقوله: {وأتوا به متشابها} قال الضحاك: إذا رأوه، قالوا: هو الأول في النظر واللون، واذا طعموا وجدوا له طعماً غير طعم الاول وقوله: {وأتوا به} معناه جيئوا به، وليس معناه أعطوه. وقال قوم: {وأتوا به متشابهاً} أي يشبه بعضه بعضاً إلا في المنظر والطعم أي كل واحد منه له من الفضل في نحوه مثل الذي للاخر في نحوه. ذكره الأخفش. وهذا كقول القائل: وقد جيىء بأثواب أو أشياء رآها فاضلة فاشتبهت عليه في الفضل، فقال: ما أدري ما أختار منها كلها عندي فاضل. قال الشاعر شعر : من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم مثل النجوم التي يسري بها الساري تفسير : يعني أنهم تساووا في الفضل والسؤدد. وروي هذا عن الحسن وابن جريح وقال قتادة معناه يشبه ثمار الدنيا غير انها أطيب. وقال ابن زيد والاشجعي: إن التشابه في الاسماء دون الالوان والطعوم، فلا يشبه ثمار الجنة شيء من ثمار الدنيا في لون ولا طعم. واولى هذه الاقوال أن يكون المراد به متشابهاً في اللون والمنظر على ان الطعم مختلف لما قدمناه من أن هذا يقولونه في أول الحال أيضاً، وما تقدر عليه غرة. وبعد هذا قول من قال: معناه أن كلها جياد لا رذال فيه. وقال بعض المتأخرين في قوله {هذا الذي رزقنا من قبل} معناه هذا الذي اعطينا بعبادتنا من قبل وقال ابو علي معناه ذلك ما يؤتون به في كل وقت من الثواب مثل الذي يؤتى في الوقت الذي قبله من غير زيادة ولا نقصان، لأنه لا بد أن تتساوى مقادير الاستحقاق في ذلك، وقال أيضاً يجب أن يسوي بينهم في الاوقات في مقدار ما يتفضل به عليهم في وقت، ويزدادون في وقت آخر قال: لأن ذلك يؤدي إلى أن التفضل أعظم من الثواب. وهذا الذي ذكره غير صحيح، لأن العقل لا يدل على مقادير الثواب في الاقات ولا يعلم ذلك غير الله، بل عندنا لا يدل العقل على دوام الثواب وانما علم ذلك بالسمع والاجماع واما التفضل فلا شك أنه يجوز أن يزيد في وقت على ما يفضله في وقت آخر ولا يؤدي ذلك إلى مساواته للثواب، لأن الثواب يتميز من التفضل لمقارنة التعظيم له والتبجيل ولأجل ذلك يتميز كل جزء من الثواب من كل جزء من التفضل ولا زيادة هناك وقوله {ولهم فيها أزواج مطهرة} قيل في الأبدان والأخلاق والافعال ولا يحضن، ولا يلدن، ولا يذهبن إلى غائط. وهو قول جماعة المفسرين وقوله {وهم فيها خالدون} أي دائمون يبقون ببقاء الله لا انقطاع لذلك ولا نفاد

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : اعلم - هداك الله إلى حقائق الإيمان - أنّ أصول الدين وأركان اليقين، هي العلم بأحوال المبدء - من توحيده وعدله - وأسرار المعاد - من الرجوع إليه والجزاء - وسرّ النبوة وما يتعلّق بها؛ والله سبحانه لمَّا تكلَّم في التوحيد والنبوّة، تكلَّم بعدهما في المعاد، من عقاب الكفّار وثواب الأبرار، وإنَّما أخَّره عن إثبات النبوَّة، لتأخُّر وقوعه، ولأنّ العلم به لا يحصُل إلاّ من جهة اتّباع الوحي والنبوّة، لقصور العقول البشريَّة عن إدراك أحواله. ومن عادة الله تعالى، أنّه ذكر آية في الوعيد، عقَّبها بآية في الوعد، وإذا أخبر بالإنذار والترهيب، شفعه بالبشارة والترغيب، فلمَّا ذكر الكفَّار وأعمالهم، وأوعدهم بالعقاب، شفعه ببشارة عباده الذين جمعوا بين العلم والعمل، والتصديق والطاعة. واعلم أنَّ أحوال المعاد نوعان: روحاني وجسماني: والأول: يمكن إثبات وقوعه بالعقل على وجه ضعيف ناقص، وبالشرع على وجه قويّ تامّ. والثاني: يمكن إثبات إمكانه بالعقل جملة، بتصديق الرسالة، وخبر النبوَّة. وأما إثبات وقوعه تفصيلاً فلا يمكن بالعقل، لكن الإعتقاد به تسليماً وايماناً يحصل لكل مسلم منقاد لأحكام النبوّة. وأمّا العلم بثبوت أحوالهما عرفاناً وكشفاً فيحتاج إلى إحكام طريق المتابعة وتأكيد الإخلاص في اقتباس أنوار النبوّة من مشكاة القرآن والحديث، بالعبوديّة التامّة، والتدبّر في آيات السموات والأرض وغاياتها، وعواقب المكوّنات ونهاياتها، والإطّلاع على أحوال النفس الإنسانيّة وتطوّراتها في الحالات، وتقلّباتها في النشئآت. ثمَّ إنّه تعالى ذكر مسئلة المعاد في آيات لا تحصى، لصعوبة فهمها على الأفهام، وكثرة الشُبه والشكوك الواردة فيها من الأوهام، وذكر إثباتها على وجوه مختلفة: فتارةً ذكرها بعد حكاية إنكار المنكرين للحشر والنشر، وحكم بأنّه واقع كائن من غير ذكْر الدليل، لجواز إثبات ما [لا] يتوقَّف اثبات النبوّة عليه بالدليل النقلي، والاعتقاد بهذه المسئلة على وجه تكلّف به جمهور الخلْق، ويكفي لصحّة العمل من هذا القبيل، فجاز إثباتها بالنقل. مثاله، ما حكم هٰهنا بإثبات النار للكفّار والجنّة للأبرار، وما أقام عليه دليلاً، بل اكتفى بالدعوى، وإن كانت فيه إشارة لأهل الإستبصار إلى أنوار الهداية لأسباب وجود الجنّة والنار، وكيفيّة نشؤهما في الآخرة من الأعمال والنيّات، فإنّ "تعليق الحكم بالوصف مشعرٌ بالسببيّة". فالبصير المحدِق، والعارف المحقِّق، يبصر ويعرف بنور بصيرته عين عرفانه، أنّ جحود الجاحدين للحقَّ بعد وضوحه، وريب المنكرين للقرآن عند سطوع نوره وإشراقه، وايقادهم نار الفتنة والعداوة بحرقة في صدورهم، وقساوة في قلوبهم، يذهب بهم طريق الأشرار، ويسلك بهم عن سبيل الأبرار. ويعذّبهم في الآخرة بعذاب الكفّار، ويجعلهم بقلوبهم وجلودهم وقود النار، التي كمنت فيهم أولاً في حياتهم الدنيا، ثمَّ قويت شيئاً فشيئاً بإذابة كبريت الشهوات، وإضافة قوّة نار الحسد وضرام العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، فتبرز غاية البروز، وتشتعل بهم غاية الاشتعال، فتبتدي من بواطنهم وقلوبهم، ثم تتعلّق بظواهرهم وجلودهم، وكلّما نضجت جلودُهم بدّلهم الله جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، وهكذا يفعل الله بهم إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وكذا القياس في سببيَّة الإيمان والعمل الصالح من نفوس المؤمنين للارتقاء بها إلى عالم الأنوار، وجنَّة الأبرار، كما في قوله: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} تفسير : [فاطر:10] فقلوبهم في مقاعد الصدق واليقين ساكنة، وأبدانهم في بساتين دار الحيوان سائرة، وهكذا يفعل الله بقلوبهم وبأبدانهم فعل صاحب المنزل بالضيف ودابّته، حيث يقعده بقربه، ويسرّح دابّته في بستانه. وطريقة أخرى: ذكرها مشفوعة بالقَسَم، لقصور افهام الأكثرين عن فهم الدليل، فقال في سورة النحل: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً وَلـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلْنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [النحل:38]. وقال في [سورة] التغابن: {أية : زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} تفسير : [التغابن:7]. وطريقة أخرى: أثبتَ امكان الحشر والنشر، بناءً على كونه تعالى قادراً على أمور تشبه الحشر والنشر، وقد فرّق الله تعالى هذه الطريقة على وجوه، أشملها وأجمعها ما جاء في سورة الواقعة، فإنّ المذكور فيها عدّة من آيات المعاد، بعضها لدفع الشبه في استحالة وقوعه، كقوله حكاية عن الكفّار وأصحاب الشمال: {أية : وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} تفسير : [الواقعة:47] فهذه شبهة واحدة، وقوله: {أية : أَوَ آبَآؤُنَا ٱلأَوَّلُونَ} تفسير : [الواقعة:48]. شبهة أخرى، فأجابهم الله تعالى عن هاتين الشبهتين جميعاً، تعليماً لنبيِّه (صلى الله عليه وآله) بقوله: {أية : قُلْ إِنَّ ٱلأَوَّلِينَ وَٱلآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الواقعة: 49 - 50]. وقد بيَّنا تقرير الشبهتين، وفسَّرنا الجواب مطابقاً لكلّ منهما على وجه لم تبقَ معه ظلمة شكّ ولا رَيْن، فلْيُطْلَب من هناك. وبعضها لإمكان جمع المتفرقات من أجزاء بدن الإنسان، كقوله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ * أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ}تفسير : [الواقعة:58 - 59]. وجه الاستدلال به - كما في التفسير الكبير للإمام الرازي - أن المني إنّما يحصل من فَضْلة الهضم الرابع، وهو كالطلِّ المنبثّ في آفاق أطراف الأعضاء، ولهذا تشترك الأعضاء في الالتذاذ بالوقاع، ويجب غسلها كلّها عن الجنابة لحصول الانحلال عنها كلّها، ثم إن الله قد سلَّط قوَّة الشهوة على البنية، حتَّى انها تجمع تلك الأجزاء الطلّية المتفرّقة في أوعية المني. فالحاصل، أن تلك الأجزاء كانت متفرّقة جدّاً أوّلاً في أطراف العالَم، ثمّ إنّه تعالى جمَعها في بدن ذلك الحيوان، منبثَّةٌ في أطراف بدنه، ثم جمَعها بقوّة المولّدة في أوعية المني، ثمّ أخرجها ماءً دافقاً إلى قرار الرحم؛ فإذا كانت هذه الأجزاء متفرّقة فجمعها، وكوّن منها ذلك الشخص، فإذا تفرّقت بالموت مرّة أخرى، فكيف يمتنع عليه جمعها مرّة أخرى؟! فهذا تقرير هذه الحجّة في هذا المنهج، وأن الله ذكر هذا المنهج في مواضع من كتابه الكريم، منها في سورة الحج:{أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ} تفسير : [الحج:5] إلى قوله: {أية : وَتَرَى ٱلأَرْضَ هَامِدَةً} تفسير : [الحج:5]. وقال: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ وَأَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي ٱلْقُبُورِ}تفسير : [الحج:6 - 7]. وقال في لا أقسم: {أية : أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ} تفسير : [القيامة:37 - 38]. وقال في قد أفلح بعد ذكر مراتب الخِلْقة: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} تفسير : [المؤمنون:15 - 16]. وقال في الطارق: {أية : فَلْيَنظُرِ ٱلإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ} تفسير : [الطارق:5 - 6] إلى قوله: {أية : إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ}تفسير : [الطارق:8]. أقول: ونحن بتأييد الله ونور توفيقه وإحسانه، قرّرنا آيات هذا المنهج على وجه أسدّ وأحكم، وأنور وأقوم، وأدلّ على سرّ المعاد وحشر الأجساد، كما سيأتي بيانه من ذي قبل، حيث يحين حينه إن شاء الله تعالى. وبعضها للدلالة على قدرة الحكيم المريد، القدير على ما يشاء ويريد، كقوله: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ}تفسير : [الواقعة:3 - 64]. وقوله: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلْمَآءَ ٱلَّذِي تَشْرَبُونَ * ءأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ ٱلْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنزِلُونَ} تفسير : [الواقعة:68 - 69]. وقوله: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ ٱلْمُنشِئُونَ} تفسير : [الواقعة:71 - 72] ولكلّ منها وجوه من البيان ليس هٰهنا موضع ذكرها. ووجّه الإمام الرازي الإستدلال بالأوّل على هذا المطلب؛ بأنّ الحَبّ وأقسامه - على اختلاف طبائعه وأشكاله - إذا وقع في الأرض النديّة واستولى عليه الماء والتراب، فالنظر العقلي يقتضي أن يتعفّن ويفسد، ثمّ إنّه لا يفسد، بل يبقى محفوظاً وينمو ويزداد، يغوص بأصوله وعروقه في أعماق الأرض ويصعد بأفنانه وأوراقه إلى جهات السماء، ثم يخرج ثماره وينتج أمثاله. ووجّه الإستدلال بالثاني؛ بأن الماء جسم ثقيل بالطبع، وإصعاد الثقيل أمر على خلاف الطبع، فلا بد من قادر قاهر يقهر الطبع، ويبطل الخاصيّة، ويصعد ما من شأنه الهبوط والنزول، وكذا الحكم في اجتماعها بعد تفرّقها، وتسييرها بالرياح الهابّة، وإنزالها في مظانّ الحاجة، والأرض الجُرُز - وكلّ ذلك يدل على جواز الحشر -. ووجّه الإستدلال بالثالث؛ بأنّ النار صاعدةٌ بالطبع والشجرة هابطةٌ؛ وأيضاً النار لطيفة نورانيةٌ والشجرة كثيفة ظلمانيةٌ؛ وهي حارّة يابسةٌ، وهذه باردة رطبةٌ؛ فإذا أمسك الله تعالى في داخل الشجرة تلك الأجزاء النورانيّة الناريّة، فقد جمَع بقدرته هذه الأشياء المتنافرة، فإذا لم يعجز عن ذلك، فكيف يعجز عن تركيب الحيوانات وتأليفها. وإنّه تعالى ذكر هذه الدلالة في سورة يس فقال: {أية : ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلأَخْضَرِ نَاراً} تفسير : [يس:80]. - انتهى كلامه -. ولا يعجبني شيء من هذه الوجوه التي ذكرها في بيان الاستدلال بتلك الآيات على المعاد، لأنّ مبناها على إثبات القدرة بإبطال الحِكْمة، والاستدلال على صحّة موارد النقل بهدم قواعد العقل، وتبديل سنّة الله في جريان الأشياء، وليس ذلك ممّا يليق بأهل البصيرة والتحقيق، بل الحكْمة تقتضي البعث، والطبيعة تجري إلى غايات وتنتهي ببعض الأشياء - كالإنسان - إلى نشئآت، والحكماء الراسخون قد أثبتوا للطبائع غايات، وللأعمال مجازاة، وعليها مكافأة. ولكل من الآيات المذكورة وجهٌ وجيه حسن سنتكلّم فيه إن شاء الله [تعالى]. والطريقة الرابعة: قد هدى الناس فيها إلى حقيَّة المعاد، بذكره مرتّباً على ذكر المبدء، وهذا باب واسع لأهل الاستبصار في تحقيق أحوال المعاد من أحوال المبدء، لما حقّق في مقامه، أنّ سلسلة ترتيب الأشياء بداية، كسلسلة ترتيبها نهاية، فبازاء كلّ مرتبة من مراتب إحداها، مرتبة نظيرته من الأخرى - على التكافؤ التعاكسي -، إذ الوجود كلّه كدائرة ينعطف على نفسه ويدور على أصله، فمِن إحدى النشأتين تعرف النشأة الأخرى، وبأحد العينين يُنظر إلى ما في الثانية بما في الأولىٰ. فلا تنظر - أيُّها الناظر في الأشياء - بالعين العوراء، كي تتجلى لك جليَّة الحال في أسرار المبدء والمآل، وتهتدي بنور الفطرة والهداية إلى تحقيق الأحوال، لا بنقل الأقوال في طيّ مراحل الجدال إلى ظلمات اسكندر الخيال. وقد ذكر الله تعالى هذا النوع من الدلالة في مواضع من كتابه الكريم: منها في البقرة: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [البقرة:28]. ومنها قوله في الإسراء: {أية : وَقَالُوۤاْ ءَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً ءَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً * قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً} تفسير : [الإسراء:49 - 50] إلى قوله: {أية : قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الإسراء:51]. ومنها في العنكبوت: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ كَيْفَ يُبْدِئُ ٱللَّهُ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} تفسير : [العنكبوت:19]. ومنها في الروم قوله [تعالى]: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ}تفسير : [الروم:27]. ومنها في يس: {أية : قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [يس:79]. والطريقة الخامسة: الاستدلال باقتداره على خلْق السموات على اقتداره على حشْر الأجساد وايجادها في النشأة الثانية. ووجه الاستدلال بها؛ إن أقوى الشُبَه للمنكرين لاعادة الأجسام وبعثها يوم القيامة بعد فسادها ودثورها، أنّهم يقولون: لا بدّ لكل كائن من مادّة وحركة استعدادية، وسبق أسباب ماديّة، والله تعالى أزال هذا الوهم، بأنّ حدوث الأجسام قد يكون على سبيل التكوين من جسم آخر، ولا بدّ فيها من استحالة وحركة وقابل يتحرّك في الكيفيات الاستعداديّة، إلى أن يتلبّس بالكامنة، وتنخلع عن الكائنة - كما قرّروه -، وقد يكون على ضرب آخر لا من حركات الموادّ وتبدّل الصور عليها بالإعداد والاستعداد، بل بمجرّد جهات فاعليّة؛ من تصوّر المبادي الفعّالة وغير ذلك؛ أَلا ترى أن تخيلك للحموضة يفعل صورة مائيّة في الفَم، وتوهُّمك للوقاع يحدث في البدن مادة المني، وصدور الأجرام السماويّة بموادها وصورها من عالَم القدرة الإلهيّة بمجرد علمه تعالى وإرادته من هذا القبيل؛ وبذلك يرتفع الإشكال الوارد على حشر الأجساد في عالَم آخر. فإذا أراد الله ايجاد الآخرة، وإنشاء النشأة الآخرة، يأمر ملائكة الأجسام وأتباع إسرافيل بخلقها مرة أخرى عند القيام، بمجرد النفخ في الصور، فيحضرها يوم النشور بنفخة واحدة، من غير تجدّد وتراخ بينها في الحضور، كما قال تعالى: {أية : إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} تفسير : [يس:53]. وهذه الطريقة مما ذكرها الله تعالى في مواضع عديدة في كتابه؛ منها في سورة الإسراء ومنها في يس. ومنها في الأحقاف: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِـيَ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [الأحقاف:33]. وفيه تنبيهٌ على أن "الإعياء" إنّما يحدث للفاعل، إذا كان فعله بالحركة، وبمعاونة جهات التغيّر والانفعال، وبمشاركة المادّة، وعند تصادم جهتي الإرادة والطبيعة، وتعارض قوّتي القابل والفاعل؛ وليس من هذا الباب فعل القويّ القدير على ما يشاء، الذي يفعل الأشياء ويخلق الأرض والسماء بالإرادة المحضة، من غير أن يتحرّك بمعاونة الآلة والمادة حتى يلزمه الإعياء. واعلم أن الفاعل باصطلاح الطبيعيّين، ما هو يفعل بالحركة، وباصطلاح الإلهيّين، ما يفعل على سنّة الإنشاء والإبداع؛ وفاعل الطبيعيّين عند هؤلاء يسمّى بالمُعِدّ، ثم إن الله ينشئ النشأة الآخرة على طريقة الإبداع. ومنها قوله: {أية : أَفَعَيِينَا بِٱلْخَلْقِ ٱلأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} تفسير : [ق:15]. الطريقة السادسة: الاستدلال على البعث والحشر من جهة وجوب المجازاة، وإثابة المحسن وتعذيب العاصي، وتمييز أحدهما عن الآخر، ليتمّ عدل الله وحكمته في باب العباد، ولولا الحساب والعقاب، والجزاء والثواب، للزم الجور، وبطل العدل، وضاعت الحقوق عن أربابها، واستقرّت الظلامات على أصحابها، ولم يبق فرق بين إحسان المحسن وإساءة المسيء؛ بل لكان النفع ضرّاً والضرّ نفعاً، فإن الخير والإحسان في أكثر الأمر يوجب المشقّة والمضرّة، ونقصان القوّة، وفوات المال واللذة بحسب الدنيا؛ والشرّ والإساءة على خلاف ذلك بحسبها؛ فلا بدّ من نشأة أخرى تقع فيها المجازاة على أعمال الناس، وانتقام المظلوم من الظالم، وايصال ذوي الحقوق إلى حقوقهم. منها في يونس: {أية : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ ٱللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [يونس:4]. ومنها في طه: {أية : إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ}تفسير : [طه:15]. ومنها قوله: {أية : لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ ٱلَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِٱلْحُسْنَى}تفسير : [النجم:31]. ومنها قوله تعالى في سورة ص: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ}تفسير : [ص:27 - 28]. وهذه الطريقة عند التحقيق، ترجع إلى طريقة إثبات الغايات للموجودات، فإنّ للأشياء الطبيعية غايات تتوجّه إليها في حركاتها وانقلاباتها، وهي نهاياتها الذاتيّة، وتلك النهايات أيضاً موجودات طبيعيّة تتوجّه إلى غايات ذاتيّة أخرى، وهكذا لكلّ غايةٍ غايةٌ أخرى، حتّى يحصل الانتقال من دار الزوال إلى دار القرار، ومن الطبايع إلى الحقائق - كلٌّ يرجع إلى أصله -، ومن الحركة إلى السكون، يومئد لا يتساءلون: {أية : وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً} تفسير : [طه:108]. ومن الخلْق إلى الحقّ: {أية : أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} تفسير : [الشورى:53]. ومن الظلم إلى العدل: {أية : لاَ ظُلْمَ ٱلْيَوْمَ} تفسير : [غافر:17]. ومن الاشتباه والتشابك إلى الامتياز والتفرّق: {أية : يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ} تفسير : [الروم:14]. وأما اليوم فيتشابه فيه النقيضان، ويتشابك المختاصمان. الطريقة السابعة: الاستدلال بإحياء الموتى في الدنيا على صحّة الحشر والنشر في الأخرى، فمنها خِلْقة آدم ابتداء من غير مادة لأب وأمّ. ومنها قصّة البقرة في هذه السورة، وهي قوله: {أية : فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [البقرة:73]. ومنها قصة الخليل عليه السلام: {أية : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [البقرة:260]. ومنها قوله تعالى: {أية : أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ} تفسير : [البقرة:259]. ومنها قصّة يحيى وعيسى عليهما السلام، فإنّه استدلّ على إمكان وجودهما بعين ما استدلّ على جواز الحشر حيث قال: {أية : وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً}تفسير : [مريم:9]. ومنها قصّة أصحاب الكهف حيث قال: {أية : لِيَعْلَمُوۤاْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا} تفسير : [الكهف:21]. ومنها قصّة أيّوب وهي قوله: {أية : وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} تفسير : [الأنبياء:84]. يدلّ على أنّه تعالى أحياهم بعد أن ماتوا. ومنها ما أظهر الله على يد عيسى عليه السلام من إحيا الموتى حيث قال: {أية : وَأُحْيِ ٱلْمَوْتَىٰ}تفسير : [آل عمران:49]. وقال: {أية : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي} تفسير : [المائدة:110]. ومنها قوله تعالى: {أية : أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً} تفسير : [مريم:67]. وهذه الطريقة أيضاً، ترجع إلى أنّه تعالى في اختراعه لما يريد، لا يفتقر إلى جهات المادّة والاستعداد، والتحريك والإعداد، وليست فاعليّته في وجود الآخرة كفاعليّة الفواعل الناقصة، التي لا تؤثّر إلا في حركات المواد والآلات بعد انتقال - يطرأ لذواتها الطبيعيّة والنفسانيّة - من ما تحتها من المتجدّدات. فهذه أصول طرق الدلائل على حقيَّة المعاد، وبعْث العباد، وحشْر الأجساد، وسيأتي الاستقصاء في كلّ طريقٍ طريقٍ عند ذكر آيات الحشر والإعادة. ولا يخفى أن منكِر البعث وإحياء الأموات وقيام الساعة، كافرٌ عقلاً ونقلاً، أمّا من جهة العقل، فلإنكاره قدرة الله [تعالى] في معظَم الأمور، وأشرف العالمين وإبقاء الكونين، وإنكاره النبوّة والكتاب. وأما من جهة النقل، فلقوله تعالى: {أية : وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِ أَبَداً} تفسير : [الكهف:35] إلى قوله: {أية : أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} تفسير : [الكهف:37]. فصل قد وقع الاختلاف في أنّ الجنّة والنار مخلوقتان، أم لا؟ وهذه الآية صريحة في كونهما مخلوقتين؛ أمّا النار فلأنه تعالى قال في صفتها: {أية : أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة:24] وهذا صريح في وجودها. وأمّا الجنة، فقال في آية أخرى: {أية : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين} تفسير : [آل عمران:133]، وأيضاً قوله هٰهنا {وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ} دالّ على وجودها، لأنه إخبار عن وقوع هذا الملك، وحصول الملك في الحال يقتضي وجود المملوك في الحال، فدلّ على أن الجنّة والنار مخلوقتان. وكذلك قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [العنكبوت:54]. يدلّ على وجود النار، ووجود النار دالّ على وجود الجنّة، لعدم القول بالفصل. قال الشيخ محيي الدين في الباب الحادي والستّين من الفتوحات المكية في معرفة جهنّم وأعظم المخلوقات عذاباً فيها: "اعلم عصمنا الله وإيّاك - أن جهنّم من أعظم المخلوقات، وهي سجن الله في الآخرة... وسمّيت جهنم لبُعد قعرها، يقال: "[بئرٌ] جَهَنَّام" إذا كانت بعيدة القعر، وهي تحوي على حَرور وزَمهَرير، ففيها البرْد على أقصى درجاته، والحرور على أقصى درجاته، وبين أعلاها وقعرها خمس وسبعون ومائة من السنين. واختلف الناس في خلقها "هل خِلقت بعدُ أم لم تُخلَق؟" والخلاف مشهور فيها. وكذلك اختلفوا في الجنّة، وأمّا عندنا وعند أصحابنا أهل الكشف والتعريف، فهما مخلوقتان، غيرُ مخلوقتين. فأما قولنا: "مخلوقَة"، فَكَرَجُل أراد أن يبني داراً، فأقام حيطانها كلّها الحاوية عليها خاصّة، فيقال: "قد بنى داراً" فإذا دَخَلَهَا لم يرد إلاّ سوراً دائراً على فضاء وساحة، ثمّ بعد ذلك ينشئ بيوتها على أغراض الساكنين فيها، من بيوت وغرَف وسراديب ومهالك ومخازن، وما ينبغي أن يكون فيها مما يريد الساكن أن يجعل فيها من الآلات التي تستعمل في عذاب الداخل فيها. وهي دار حرورها هواء محترق لا جمر لها سوى بني آدم والأحجار المتَّخَذة آلهة، والجنّ لهبها، قال تعالى، {أية : وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ} تفسير : [البقرة:24]. وقال: {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء:98]. وقال تعالى: {أية : فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} تفسير : [الشعراء:94 - 95]. وتحدث فيها الآلات بحدوث أعمال الجنّ والإنس الذين يدخلونها. وأوجدها الله بطالع الثور، ولذلك كان خلقَها في صورة الجاموس، هذا الذي يعوّل عليه عندنا، وبهذه الصورة رآها أبو الحكم بن برّجان في كشفه، وقد تُمَثّل لبعض أهل الكشف في صورة حيَّة... ولمَّا خلقها الله كان زُحَل في الثور، وكانت الشمس والأحمر في القوس، وكان سائر الدراري في الجدي؛ وخلقها الله من تجلّي قوله في حديث عنه: "جِعتُ فلمْ تُطعمني - الحديث"... ولا تكون الآلام فيها إلاَّ عند دخول أهلها فيها، وإلاَّ فلا ألم فيها في نفسها، ولا في نفس ملائكتها. ومن فيها من زبانيتها في رحمة الله منغمسون ملتذُّون، يسبِّحون لا يفترون. فصل "وبشِّر" عطفٌ إمَّا على الجملة السابقة، وليس انعطافه من جهة صورته وكونه أمراً حتى يطلب له مُشاكل في الصورة من أمر أو نهي يعطف عليه، إنّما المقصود عَطْفُ حال من آمن بالقرآن وعمِل بمقتضاه، وكيفيّة ثوابه، على حال من كفَر به وأنكَر لما فيه، وكيفيّة عقابه، كما تقول: "زيد يعاقَب بالقيد والضرب، وبشِّر عمراً بالعفو والاطلاق". وإمّا على قوله: "فاتَّقوا"، كما تقول: "يا بني تميم احذروا عقوبة ما جنيتم، وبشِّر يا فلان بني أسد بإحساني إليهم"، وذلك لأنَّهم إذا لم يأتوا بما يعارضه بعد التحدّي، ظهر اعجازه، وإذا ظهر ذلك، فمن كفرَ به استوجب العقاب، ومن آمن استحقّ الثواب، وذلك يستدعي أن يخوّف هؤلاء بالنار، ويبشّر هؤلاء بالجنّة. وقرء زيد بن علي عليه السلام: "وبُشِّر" - على صيغة المبني للمفعول - فيكون كلاماً مستأنفاً معطوفاً على: "أُعِدَّت". والمأمور بفعل هذه البشارة هو الرسول (صلى الله عليه وآله)، أو عالِم كلّ عصرٍ، أو كل مَن يقدر على البشارة، كما في قوله (صلى الله عليه وآله) "حديث : وبشِّر المشّائين إلى المساجد في الظُلَم بالنور التامّ يوم القيامة"تفسير : ، ولم يخاطبهم بالبشارة كما خاطَب الكفَرة، تفخيماً وتكريماً لشأنهم، وايذاناً بأن الأمر لعظمته وفخامة شأنه، حقيقٌ بأن يبشِّر به كل من قدر على البشارة. وهو الخبر الذي يقتضي السرور ويظهر أثره في البشَرَة، ولذلك أفتى الفقهاء بعتق المخبِر الأول من عبيد من قال لهم: "أيّكم يبشرني بقدوم فلان فهو حر" فبشروه فرادى عتق أولهم، (لأنه هو الذي أفاد خبره السرور) ولو قال: "أيّكم يخبرني" عُتقوا جميعاً. ومنه "البَشَرَة" لظاهر الجلد، وتباشير الصبح: ما ظهر من أوائل ضوئه. وأما قوله: {أية : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [آل عمران:21]، فعلى التهكّم والاستهزاء الزائد للمغتاظ، كما يقول الرجل لعدوّه: "ابشر بقتل ذريّتِك ونهب مالِك"، أو على طريقة قوله: "تحيّة بينهم ضرب وجيع". ولأهل الإشارة فيه كلام، لا يجوز التصريح به لقصور الأفهام وشنعة اللئام. فصل قوله: {ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} اللام فيها للجنس، وهي جمع "صالحة"، وهي كالحسنة من الصفات الغالبة التي تجري مجرى الأسماء، وهي من الأعمال ما سوّغه الشرع وحسّنه؛ وتأنيثها على تأويل الخصلة، أو الخلّة. وعطف "العمل" على "الإيمان"، دالّ على خروجه عن الإيمان، لثبوت التغائر بين المعطوف والمعطوف عليه، وإلاّ لزم التكرار كلاًّ أو جزءاً، وهو خلاف الأصل، والجمع بينهما مرتباً للحكم عليهما، إشعار بسببية مجموع الأمرين والشفع بين الخلّتين لاستحقاق هذه البشارة، كسببية مجموع الوالدين والازدواج بينهما لحصول النتيجة، فإن الإيمان - الذي هو عبارة عن التحقيق والتصديق -، أسٌّ، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا غناء بأسّ لا بناء عليه، ولذلك قلَّما ذُكرا مفردين. واعلم أنّ قوام الروح الإنساني وإن كان بأصل الإيمان، لأنّ صورة ذاته إنّما تتحقّق بالعلم، وبه يصير خارجاً من القوّة إلى الفعل، لكن العمل الصالح يخلصه من العوائق، ويمحضه عن عذاب التعلّقات، فلا بدّ للسعادة المطلقة من حصولهما جميعاً. ومن الناس من أجرى هذه الآية على ظاهرها فقال: "كلّ من أتى بالإيمان والأعمال الصالحة فله الجنّة". فإذا قيل له: "فما قولك فيمن كفَر بعد ذلك؟". قال: "هذا ممتنع - لأنّ فعل الإيمان والطاعة يوجب استحقاق الثواب الدائم، وفعْل الكفر يوجب استحقاق العقاب الدائم، والجمع بينهما محال". وذكر في بيان الاستحالة وجوهاً ثلاثة عقليّة ذكرها الإمام الرازي في تفسيره الكبير، ثم فرّع ذلك على فساد القول بالإحباط، ثم أجاب الإمام الرازي فيه عن قوله بقولين: "أحدهما: قول من اعتبر الموافاة، وهو أنّ شرط حصول الايمان أن لا يموت على الكفر، فلو مات على الكفر علِمنا أن ما أتى به أولاً كان كفراً. قال: "إن هذا قول ظاهر السقوط". وثانيهما: إن العبد لا يستحقّ على الطاعة ثواباً، ولا على المعصية عقاباً - استحقاقاً عقليّاً واجباً - وهو قول أهل السنَّة والجماعة، واختيارنا، وبه يحصل الخلاص عن هذه الظلمات". أقول: أنظروا معاشر المسلمين، هل يفعل الصديق الجاهل بصديقه ما يفعله هو وأهل سنّته وجماعته بالكتاب والشريعة! ولَيتَه هو وأصحابه سكتوا عما سكت عنه الصحابة والتابعون، ولم يخوضوا في أعماق هذه المسائل الدينيّة، واكتفوا بالتقليد حتى يسلموا عن هذه المضائق التي لا جولان لأمثالهم فيها، ولا نجاة لأحد منها إلاّ بالعقل المستقيم أو القلب السليم، كما قال تعالى: {أية : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [المُلك:10]. فالبصير السيّار، يسلك سبيل النجاة بنور عينيه، وقوّة قدميه، فيفوز بالغبطة الكبرى، والأعمى الزَّمِن الذي له قائدٌ وحاملٌ، فهو على سبيل النجاة وطريق الخلاص، وهو أدنى إلى الخلاص وأقرب إلى النجاة من الأعمى الراجل، الذي لا قائد له، أو من البصير المُقعَد الذي لا حامل له، وهما جميعاً أقربان إلى السعادة من الأعمى السيّار الذي لا قائد له. فالأول؛ مثال العالِم العامِل بعلمه، والثاني؛ مثال الجاهل المقلِّد المقتدي بغيره في العلم والعمل، والثالث؛ الجاهل الناقص في العمل، والرابع؛ العالِم المقصِّر في العمل، والخامس؛ الجاهل الناسك بمقتضى جهله هذا، إذا كان الجهل بسيطاً والسير حركة في الظاهر. وأما إذا كان الجهل مركّباً والسير حركة باطنيّة، فهو قسم سادس، هو أسوء الجميع، وهما جميعاً ما شكى عنهما النبي (صلى الله عليه وآله) في قوله: "حديث : قَصمَ ظهْري رَجلان عالِمٌ متهتِّك وجاهلٌ متنسّك"تفسير : كما مرَّ ذكره. واعلم أن القول ببطلان الاستحقاق العقلي، وعدم الارتباط الذاتي بين الأشياء، وتمكين الإرادة الجزافيّة في الاعتقاد، كما زعمته الأشاعرة، واختاره هذا الفاضل المفسِّر في كتبه التي رأيناها، ممّا يؤدّي إلى خلل عظيم في أركان الدين، وتزلزل في أكثر قوانين اليقين - بل كلّها -. لأنّ مبنى جميع البراهين في اثبات الأصول الإيمانيّة، والقواعد اليقينيّة، على إثبات العلة والمعلول، ولا أدري العاقل كيف يرضى عن نفسه القول بما ينهدم به أصل جميع أحكام العقل! ولعلّ مشايخ السلف، إنّما ارتكبوا هذا المذهب حسْماً لمادّة البحث مع الجهّال، وغلقاً لباب المقال مع من لا يزيده التعمّق في وجوه الاستدلال على هذه المسائل إلا الغيّ والضلال. وأما نحن، فبفضل الله وتوفيقه، وقد ورثنا من علمائنا وسادتنا وأئمتنا أهل بيت النبوة والولاية - سلام الله عليهم أجمعين -، من أنوار الهداية واليقين، ما يفي لانقشاع سحب هذه الظلمات عن شمس الحقيقة، وانجلاء حجب هذه الأوهام عن وجه البصيرة. واعلم أنّ القول: "بأنّ الآتي بالايمان والعمل الصالح [فله الجنة]" ممّا له وجهٌ وجيهٌ - لو علم قائله بمعنى هذا القول -، وذلك لأن الإيمان الحقيقي عبارة [عن] اعتقاد يقيني حاصل بالبرهان، وكلّ اعتقاد يقينيّ حاصل بالبرهان، فهو غير قابل للزوال - كما تحقَّق في العلوم الحقيقيَّة، من أن مقتضى البرهان الدائم، المؤلّف من المقدمات الضروريَّة الدائميَّة، لا يزول ولا يتغيَّر دنياً وآخره -، فالإيمان بالأركان نورٌ عقلي يوجب أن تخرج به النفس الإنسانيّة من الظلمات إلى النور، ومن حدّ القوّة إلى الفعل، ويدخل من دار الغرور وضنك القبور إلى دار النعيم والسرور. فعلى هذا يمكن تأويل ما ذكره ذلك القائل - في جواب الاعتراض عليه في باب من أتى بالإيمان والطاعة ثم كفَر -، من قوله: "هذا ممتنع، لأن فعل الإيمان والطاعة يوجب استحقاق الثواب الدائم، وفعْل الكفر يوجب استحقاق العقاب الدائم، والجمع بينهما محال" إلى الذي ذكرناه وبينّاه. ولكن الذي يظهر من الوجوه الثلاثة الذي ذكرها في بيان استحالة الاجتماع بينهما، يدلّ على أنّه محجوبٌ عن حقيقة هذا الأمر بمراحل، لكونه سالكاً مسلك أهل الجدال وأرباب القيل والقال. وأما الوجه الأول منها، فهو أن الاستحقاقين إمّا أن يتضادّا، أو لا يتضادّا؛ فإن تضادّاً، كان طرَيان مشروطاً بزوال الباقي، وكان زوال الباقي معلّلاً بطريان الطاري، فلزم الدور - وهو محال -، وإن لم يتضادّا، فلا يضرّ طرَيان أحدهما لبقاء الآخر. والجواب عنه بوجهين: أحدهما: النقض بجميع أقسام المتضادّين - كالسواد والبياض، والحرارة والبرودة وغيرهما - لجريان هذا الوجه فيهما. وثانيهما: بالحلّ، وهو أن كلّ واحد من الإيمان والكفر قابلٌ للشدّة والضعف، لأنّ الإيمان نورٌ في القلب يشتدّ ويضعف، وغاية ضعفه هو الاعتقاد الحاصل بالتقليد من غير برهان ولا بصيرة كشفيّة، وغاية قوّته ما يصير حقّ اليقين بعد أن يكون علم اليقين وعين اليقين. والكفر أيضاً ظلمة قابلة للاشتداد والتضعّف؛ هذا إن أريد به الاعتقاد المخالف للحق، كالاعتقاد بالشرك، وبمعبودية الأصنام والأوثان، وإن أريد به مجرّد عدم الإيمان، فهو كسائر الأعدام غير قابلة للكمال، والنقص، وتقابله مع الإيمان يكون تقابل العدم والملكة. فإذا تقرّر هذا، فقوله: "والجمع بينهما محال"، إن أراد به الجمع بينهما في آن واحد، فهو ممّا لا خلاف لأحد فيه، ولا تحتاج دعوى الاستحالة إلى ما ذكره من الوجوه الثلاثة، لأنَّهما إمّا متضادّان، أو متقابلان تقابل المَلَكة والعدم. وإن أراد به الجمع بينهما في ذات واحدة - وإن لم يكن في آن واحد -، فما ذكره لا يدلّ على استحالة التعاقب بينهما، فإنّ أحدهما إذا ضعف شيئاً فشيئاً حتى انمحى أو بطل دفعةً - إمّا بزوال أسباب الحصول تدريجاً أو دفعة -، أمكن طريان الآخر - سواء كان الآخر عدميّاً كالجهل البسيط من ضربَي الكفر، أو وجودياً كالجهل المشفوع بالعناد والاعتقاد المخالف للحقّ منهما، سيما إذا قوي الآخر أيضاً تدريجاً أو دفعة بحصول سببه القوي، أو تراكم أسبابه الضعيفة وعلله الناقصة حتى صارت تامة كاملة -، وهكذا الحال في تعاقب كل متضادّين أو متقابلين تقابل المَلَكة والعدم في موضوع واحد. وأما الوجه الثاني: فهو أن المنافاة حاصلةٌ من الجانبين، فليس زوال الباقي بطريان الطاري أَوْلىٰ من اندفاع الطاري بقيام الباقي؛ فإما أن يوجدا معاً - وهو محال -، أو يتدافعا، فحينئذ يبطل القول بالمحافظة. والجواب، باستبانة ما مرَّ من احتمال الشدّة والضعف فيهما، فالأشدّ يقهر الأضعف ويدفعه، فالقول بعدم الأولويّة لأحدهما في دفع الآخر عن الآخر في دفعه، ممنوعٌ، فلا يلزم وجودهما معاً، ولا تدافعهما معاً. وأما الوجه الثالث: فهو يجري مجرى الأولين اشكالاً وانحلالاً - فلا نطوّل الكلام بذكرهما -. فصل قوله: "أنَّ لَهُمْ" منصوب بنزع الخافض وافضاء الفعل إليه، أو مجرور باضماره مثل قولك: "الله لأفعلن". و "الجَنَّة": البستان، وأصله المرّة من "الجَنّ"، وهو مصدر "جَنَّة" إذا ستره، والتركيب دائر على معنى الستر كالجِنّ، والجَنان، والأجِنّة، والجُنّة؛ فإن كلّها غير منفكة عن الاستتار والاحتجاب. سُمّي بها البستان من النخل والشجر، والمتكاثف المظلّل لالتفاف أغصانه، ودار الثواب، لما فيها من الجنان، ولاستتارها وما أعدّ الله فيها للبشر في الدنيا عن الأبصار والحواسّ، كما قال تعالى: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}تفسير : [السجدة:17]. فإن سألت: لِم نكِّرت وجُمعت "الجنات" وعرّفت "الأنهار"؟ نُجيبك: أمّا عن الأول، فبأنّها اسم لدار الثواب، وهي مشتملة على جنَّات كثيرة مترتبة على استحقاقات العاملين، لكلّ طبقة منهم جنّة منها. وهي كما ذكره ابن عباس سبع: جنّة الفردوس، وجنّة عدن، وجنّة النعيم، ودار الخلد، وجنّة المأوى، ودار السلام، وعلّيّيون. وفي كلّ واحدة منها أيضاً مراتب ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمّال. وأما عن الثاني: فبأنّ المراد من الأنهار جنسها، كما يقال: "لفلان بستان فيه الماء الجاري والتين والعنب"، والمراد منها الأجناس التي في علم المخاطب. أو يشار باللاّم إلى الأنهار المذكورة في قوله: {أية : أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ} تفسير : [محمد:15] - الآية - وهي التي قيل إن أمثلتها في الدنيا النِيل والفرات والسيحون والجيحون، كما وقعت الإشارة إليه في الحديث. "مِن تَحْتِهَا": أي من تحت أشجارها، كما تراها جارية تحت الأشجار النابتة على شواطئها، فإنّ أعيان أمور الدنيا أمثال وأشباح لما في الآخرة من الأعيان، وكذا القياس في النسب والأوضاع كما يقتضيه التطابق بين العالَمين. وأنزه البساتين منظراً ما كانت أشجاره مظلَّلة، والأنهار في خلالها مطَردة، بل لا تبهج الأنفس تمام البَهجة، ولا تسرّها أوفر السرور، حتى يجري فيها الماء، وإلاّ كانت أشجارها كتماثيل لا أرواح فيها، وأعيانها كصور لا حياة فيها، ولذلك ما جاء الله بذكر الجنّات إلاّ مشفوعاً بذكر الأنهار الجارية من تحتها، كأنّهما متصاحبين في الوجود، متقارنين في التصور. وعن مسروق: "إن أنهار الجنة تجري في غير أُخدود"، هذا هو الحقّ المكشوف، لأنّ الحاجة إلى الأخاديد منشأها الثقل الطبيعي والمَيعان لهذا الماء، والثقل منتفٍ عن مياه الجنّة. و "النَهْر" - بفتح النون وسكون الهاء أو فتحها وهو الغالب -، المَجرى الواسع، فوق الجدوَل ودون البحر، والتركيب للسعة، والمراد بها ماؤها على طريقة الاضمار أو المجاز، أو نفسها؛ فيكون التجوّز في إسناد الجري إليها كما في: "سال الوادي". إشارة: ولأهل الإشارة أن يحملوا الأنهار الجارية، على القوى الحيوانيّة الموجودة في الأجسام الحيّة المستمرة الحياة ما شاء الله - كالأفلاك والكواكب -، فإنّ قواها الحيوانيّة لمّا كانت سارية في أجسامها، متجدّدة الوجود، متعاقبة الكون حسب تجدّد أزمنتها وأوقاتها، فهي شبيهة بالمياه الجارية لتجدّدها ومنشئيّتها للحياة، فيكون الغرض من ذلك، أن لهم جنّات هو فوق سماء هذا العالَم وكواكبها وقواها التي هي منشأ حياة الكائنات. فصل قوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ} إمّا صفة ثانية لجنّات، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة؛ والغرض فيه رفع الاشتباه عن قلب السامع في جنّة، بعد ما قرع سمعه وصفها الأول المشابه لجنّات الدنيا وأشجارها التي تجري تحتها الأنهار، فكأنّه لما ذكر الوصف الأول، اختلج بباله ووقع في خلده أن ثمار تلك الجنّات أشباه ثمار الدنيا، فأزيح بذلك. والمعنى: كلّ حين رزقوا مرزوقاً مبتدءً من الجنان، مبتدء من ثمرة قالوا: هذا. و "كلَّما" منصوب على الظرفيَّة، و "رِزْقاً" مفعول به، و "مِنْ" الأولى وكذا الثانية واقعة موقع الحال؛ قيد "الرِزْق" بأولوهما وأولاهما بثانيتهما، فصاحب الحال الأولى "رِزْقاً"، وصاحب الحال الثانية ضميره المستكنّ في الأولى. وليس المراد بـ "الثَّمَرة" التفّاحة الواحدة أو الرمّانة الفذّة، وإنّما المراد النوع من أنواع الثمار، ويحتمل أن تكون الثانية بياناً لها كما في قولك: "رأيت منك أسداً تريد "أنت أسد"، فيراد بالثمرة النوع من الثمار، والجنّات الواحدة. وقوله تعالى: {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا} في صحَّته ثلاثة وجوه: أحدها: إنَّ "هذَا" إشارة إلى نوع ما رُزقوا، كقولك مشيراً إلى نهر جار: "هذا الماء لا ينقطع"، لا تريد به العين المشاهدة منه، بل النوع المعلوم المستمرّ بتعاقب الجزئيات والأمثال، وإن كانت الإشارة إلى عينه، لكن يراد بها نوعه، ووحدته النوعيّة واستمرارها، لا ينافي كثرته العدديّة وتجدّدها. وثانيها: إنّه لمّا اتّحدا في الماهيّة - وإن تغايرا بالعدد - صحّ أن يقال: "هذا هو ذاك" فإنّ الكثرة العدديّة للأشخاص، لا تنافي اتّحادها معنى وحقيقة. وثالثها: إنّه لمّا اشتدّت المشابهة بين ما رزقوا منها وبين ما رزقوا من قبل، صحّ لهم هذا القول، كما تقول فيمن تشتدّ مشابهته لأبيه: "إنّه الأب". ثم اختلفوا في أنّ المتّحد به أو المشبّه به الذي كان: "رزقهم قبل ذلك" هل هو من أرزاق الدنيا أم من أرزاق الجنّة؟ والقول الأول هو عن ابن عباس وابن مسعود، والثاني عن الحسن وواصل وأبي عبيدة ويحيى بن كثير. إلا أنّ الحسن وواصل وجّها الآية بأنّ معناها: هذا الذي رزقناه من قبل في الجنّة كالذي رزقنا؛ وهم يعلمون أنه غيره، ولكنهم شبّهوه به في طعمه ولونه وطيبه وجودته. وإن الثانيين وجّهاها؛ بأنّ ثمار الجنَّة إذا جنيت من أشجارها عاد مكانها مثلها، فيشتبه الأمر عليهم فيقولون: هذا الذي رزقنا من قبل، كما روى أنّه - عليه وآله السلام - قال "حديث : والذي نفس محمد بيده، إن الرجل من أهل الجنّة ليتناول الثمرة ليأكلها، فما هي واصلة إلى فيه حتّى يبدّل الله مكانها مثلها ". تفسير : وأسدّ القولين قول ابن عباس وابن مسعود - وهو أنّ المرزوق السابق من أرزاق الدنيا - بوجهين: أحدهما: ما نقل عن شيخ الطائفة الإماميّة أبي جعفر - رحمه الله - أنّه قال طباقاً لغيره من علماء التفسير، إن قوله: "كلَّما رزقوا منه" عامٌّ يتناول جميع المرّات، فيتناول المرّة الأولى، فهم في المرّة الأولى من أرزاق الجنّة لا بدّ وأن يقولوا: {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ}، ولا يتأتّى لهم هذا القول في أول ما أوتوا به، إلا أن يكون إشارة إلى ما تقدّم رزقه في الدنيا. وثانيهما: إن الإنسان بالمألوف آنَس، وإلى المعهود أميل، فإذا رأى ما لم يألفه نفَر عن طبعه، ثمّ إذا ظفر بشيء من نوع معهوده ومألوفه على وجه أشرف وأبهى مما ألفه، عظم ابتهاجه وسروره، فأهل الجنة إذا أبصروا ما ألفوه في الدنيا ثم وجدوه أشرف وأبهى، كان فرحهم به أشدّ وأعظم. ثم القائلون: بالقول الثاني اختلفوا، فمنهم من يقول: الاشتباه يقع في المنظَر والمطعَم وغيرهما، ومنهم من يقول: الاشتباه وإن حصل في اللون لكنّها تكون مختلفة في الطعم، كما حكي عن الحسن: إن أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل منها، ثمّ يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى، فيقول الملك "كُلْ - فاللون واحدٌ والطعم مختلف". هدايةٌ: واعلم إن في تحقيق الآية طريقين آخرين، أحدهما مسكل الحكماء ذوي الإعتبار، والثاني مسلك أهل الكشف والاستبصار. فمعناها على لسان الحكمة، أنّ السعادة القصوى ليس إلاّ في معرفة ذات الله عزّ وجلّ، ومعرفة صفاته، ومعرفة أفعاله من الملائكة الكرّوبيّة والروحانيّة، وطبقات الأرواح وعالَم ملكوت السموات والأرض؛ وبالجملة، بحيث يصير روح العارف كمرآة مجلوّة يحاذي بها لعالم القدس. ثمّ إنّ هذه المعارف تحصل في الدنيا، ولا يحصل بها كمال الالتذاذ والابتهاج، لكون العلائق البدنيّة عائقة عن ظهور تلك السعادة واللذّة، فإذا زالت هذه العوائق، حصلت السعادة الكبرى والغبطة العظمى، لأنّ المعرفة انقلبت مشاهدة، والعلم صار عياناً. فحينئذٍ نقول: كلّ سعادة روحانيّة يجدها الإنسان بعد الموت، فيقول هذه هي التي كانت حاصلة لي في الدنيا، لكن اشتدّت لذّتها في الآخرة لمّا اشتدّ وجودها ظهوراً لزوال العائق. ومعناها على لسان أهل الكشف: أن جميع ما في الدنيا من الثمار وغيرها، هي قشور وقوالب وأمثلة لما في الآخرة، وما في الآخرة لبوب وحقائق لما في الدنيا، لتطابق العوالم بعضها لبعض، وتحاذيها حذو النعل بالنعل. ولمّا كان وجود الصور المحسوسة التي في الدنيا هي بعينها مبادي حضور الصور التي يدركها الإنسان في باطنه وخياله - لما تقرّر أنّ فاقد الحس لشيء فاقد التصوّر له -، والإنسان إذا أدرك واختبر لذّات هذا العالم ثم زهد فيها - أو تناولها بقدر الحاجة ولم يسرف -، حصلت في نفسه بواسطة التقوى قوّة عظيمة، يكاد بها أن يحضرها عند نفسه متى شاء، لكن القوّة غير شديدة ما دام كونه في هذا العالم وشواغله، فإذا خرج عن هذا العالم، وزال العائق، يجد في الآخرة ما تشتهي نفسه وتلذّ عينه لقوّة الشهوة وشدّة الرغبة، وكون الافاضة والرحمة من الله مبذولة والعوائق مرتفعة؛ فكلّ ما اشتهاه في الدنيا، يجده مرزوقاً عنده في الآخرة فيقول: {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ}. فهذا المسلك لإثبات الجنّة الجسمانيّة، والأول لإثبات الروحانيّة؛ والأولى جنّة العلوم، والثانية جنّة الأعمال؛ والأولى للروح العقلي، والثانية للنفس العمليّة. قوله تعالى: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} موقعه موقع الجمل التي تساق في الكلام معترضة للتقرير، كقولك: "نعم ما فعلَ زيد ورأى وكان صواباً" تصديقاً لرأيه. والضمير على الأول راجع إلى ما رزقوا في الدنيا والآخرة، والمرجع نوع المدلول عليه بقوله: {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ}، أو شخصه من حيث الماهية، ونظيره قوله تعالى: {أية : إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا}تفسير : [النساء:135]. أي بنوعي الغني والفقير؛ وعلى الثاني إلى الرزق. ولقائل أن يقول: التشابه هو التماثل في الكيفيّة والصفة، وهو مفقود بين ثمرات الدنيا وثمرات الآخرة، كما قال ابن عباس: "ليس في الجنَّة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء". فنقول: الاشتراك حاصل بينهما في الماهيّة المشتركة مع التفاوت العظيم في الشرف والخسَّة، والقوَّة والضعف، فإنّ ما في الدنيا خسيسة الوجود ضعيفتها، لاقترانها بالمادة، وتلوّثها بأرجاسها وأخباثها، وما في الآخرة شريفة الوجود قائمة بفاعلها - لا بمادّتها -، مطهّرة عن ألواث الأرجاس وأدناس الأخباث، والاشتراك في الماهيّة مناط الإسم، وهو كاف في اطلاق التشابه. وبالجملة، الحقيقة الوجوديّة مختلفة بينهما كما قال ابن عبّاس، والماهيّة مشتركة بينهما، وهو كاف لإطلاق الإسم وثبوت التشابه. وقيل: "التشابه بينهما حاصل في الهيئة التي هي مناط الإسم - دون المقدار والطعم"، وفيه ما فيه! فإن الأسامي للمعاني والماهيّات - لا للأشكال والهيئات -. وهٰهنا وجهان: الأول عقلي والآخر كشفي: أما الأول: فهو أن السعادة عند الحكماء على ضربين: الحقيقيّة المحكمة، والظنيّة المتشابهة. فالسعادة الحقيقية، عبارة عن الاتصال بالعقليّات الدائمة، ومجاورة الحقّ الأول، والخير المحض، وملائكته المقرّبين النازلين في مقاعد الصدق ومنازل القدس، والسعادة الظنيّة، هي التلذُّذ بالشهوات، والتنعُّم بنعم الجنّات؛ وتلك اللذّات الحيوانيّة الموجودة في دار الحيوان، وجنّة النفوس من الإنسان، هي أشباه اللذات الحقيقية الموجودة في عيون الحياة ومنابع الخيرات وينابيع السعادات؛ والأولىٰ للمقربين، والثانية لأصحاب اليمين. فالمذكور هٰهنا ما لأصحاب اليمين من مواريث أعمالهم الصالحة، وهي أشباه ما حصلت للمقرّبين؛ ولهذا قال: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} أي بما في عالَم القدس. وأما الثاني: وهو أن مستلذات أهل الجنّة، في مقابلة ما رُزقوا في الدنيا من الثمرات المتفاوتة في الطعم واللذّة، من جهة تفاوتها في النضج وعدمه، وفي الصحّة والفساد، والسلامة والآفة، ومن جهة تفاوت حال الأكل، وتغيّر مزاجه وأحواله وشهوته ونفرته وغير ذلك - وهذه كلّها منتفية في الجنّة عن الآكل والمأكول -، فيكون المراد من تشابهها: تماثلها في الشرف والمزيّة، وعلو الطبيعة وشهوة الأكل وقوّته. ويحتمل أيضاً أن يكون المراد من: {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} ما رُزقوا في الدنيا من المعارف والطاعات، والمراد ثوابه - على حذف المضاف -، ويكون تشابهها، تماثلها في الشرف وعلو الطبقة، فيكون هذا في الوعد نظير قوله: {أية : ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [العنكبوت:55]، في الوعيد. وستجيء آيات وأنوار مشرقة، ينكشف بأنوارها وإشراقاتها أنّ جميع ما يتنعّم به الإنسان في الجنان، أو يتعذّب به في النيران، هي نتائج الأعمال وغاياتها، وثمرة الأخلاق والمَلَكات ونهاياتها. فصل قوله [تعالى]: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي مما تتلوّث به النساء وتتدنّس من أحوالهن وأقذارهن - كالحيض، والنفاس، وكثافة الطبع، وسوء الخُلْق والرذالة -، فإنّ التطهّر، كما يستعمل في الأجسام عن الأخباث والأقذار، يستعمل أيضاً في النفوس عن الخبائث والسيّئات والأنجاس الإعتقادية - كالكفر وأمثاله -، وحمل اللفظ على المعنى الشامل للقسمين أوْلىٰ. قال أهل الإشارة: الآية دالّة على وجوب التوبة لوجوه: أحدها: إن المرأة إذا حاضت، نهاك الله عن مباشرتها بقوله: {أية : قُلْ هُوَ أَذًى فَٱعْتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلْمَحِيضِ}تفسير : [البقرة:222]. فإذا منعك عن مباشرتها لنجاستها التي هي معذورة فيها، فإذا كانت الأزواج اللاتي في الجنة [مطهّرات] فلأن يمنعك عنهن حال كونك متلوّثاً بنجاساتك المعاصي مع أنك غير معذور فيها، كان أَوْلىٰ. وثانيها: إن مَن قضى شهوته من الحلال، فإنّه ممنوع من الدخول في المسجد الذي يدخل فيه كل برٍّ وفاجرٍ، فمن قضى شهوته من الحرام، كيف يمكَّن من دخول الجنّة التي لا يسكنها إلاّ المطهّرون، ولذلك لمّا أتى آدم عليه السلام ما أتى أُخرج منها. وثالثها: إنّ من كان على ثوبه [ذرّة] من النجاسة لا تصح صلاته، فمَن كان على قلبه من نجاسات المعاصي، كيف تقبل صلاته ويصحّ ذكر الله منه. حكايةٌ: عن مالك بن دينار، أنّه كان رأى في أزقّة البصرة جارية من جواري الملوك ومعها الخدم، قال: "أيبيعكِ مولاكِ"؟ فضحكت، وأمرتْ به أن يحمل إلى دار مولاها؛ فأخبرته. فضحك، وأمر أن تدخل به إليه، فلما دخل، ألقيت له الهيبة في قلب السيّد، فقال: "ما حاجتك؟" قال: "بعني جاريتك". قال: أوتطيق إذاً ثمنها؟ قال: قيمتها عندى نواتان مسوستان. فضحكوا وقالوا: كيف؟ قال: "لكثرة عيوبها، فإنّها إن لم تتعطَّر زفرت، وإن لم تستك بخرت، وإن لم تتمشَّط وتدّهن قملت وشعثت، ذات حيضٍ وبولٍ وأقذارٍ، وحزنٍ وغمٍ وأكدارٍ، ولعلّها لا تودّك إلا لنفسها، ولا تحبّك إلا لتنعّمها؛ لا تفي بعهدك، ولا تصدق في ودّك، وأنا أجد بدون ذلك الثمن جارية خلقت من سُلالة الكافور، ومن المسك والجوهر والنور، لو مزج بريقها أجاج لطابَ، ولو دعي بكلامها ميّت لأجاب، ولو بدا مِعصمها للشمس لأظلمت دونه وكُسفت، ولو بدا وجهها في الظلمات لأنارت به وأشرقت، ولو واجَهت الآفاق بُحلّيها وحُللها لتعطّرت بها وتزخرفت، لا تخلف عهدها، ولا تبدّل ودّها؛ فأيّهما أحقُّ برفع الثمن؟". قال السيّد: "التي وصفت، فما ثمنها؟". قال: "اليسير المبذول لنيل الخطير المأمول، ركعتان تخلصهما لربّك والليل داجٍ، وترفع همّك عن دار الغرور". فقال الرجل: "يا جارية - أنتِ حرّة لله، وضيعة كذا وكذا صدقة عليك، وسائر الضياع والخدم وجميع مالي صدقة في سبيل الله"؛ ولبس خشناً ساتراً. فقالت الجارية: "لا عَيْشَ بعدك"؛ لبست خشناً وخرجت معه، فودّعهما ابن دينار ودعا لهما، وأخذ طريقاً وأخذا، فتعبّدا جميعاً حتى جاءهما الموت راجعين إلى الله تعالى. إشارة أخرى على لسان أهل المعرفة: وهو أن نسبة النفوس إلى الأرواح العلويّة، نسبة الزوجات إلى الأزواج، وكنسبة حوّا إلى آدم عليهما السلام، فقوله تعالى: {أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي للأرواح المقدسة الكاملة في العلم والعمل، المتحلّية بفضيلة الإيمان والإصلاح، والنفوس المطمئنّة الساكنة في مقعد القدس، نفوس مطهّرة عن كثائف الأبدان، ونقائص الحدثان، سائحة في جنّات الأعمال، سائر في رياض الرضوان. و "الزوج": يقال للذَكر والأنثى، وهو في الأصل لما له قرينٌ من جنسه، كزوج الخفّ، واطلاقه على أحدهما كما في قوله تعالى: {أية : فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} تفسير : [الرحمن:52]، من جهة أن لكلّ منهما مدخلاً في الزوجيّة، وكان له حصّة منها، وكذا المتمّمان في كلّ من أفلاك السيّارات، إذ لكلّ منهما دخلٌ في التتميم. وقرئ: "مطهّرات"، بدل "مطهّرة"، وكلتاهما فصيحتان، يقال: "النساء فَعَلَتْ" و "فعلْن" و "هي فاعلة" و "فواعل"، فالجمع على اللفظ، والإفراد على تأويل الجماعة. وقرئ: "مطهرة"، بمعنى "متطهّرة"، والأولىٰ أبلغ منها ومن "الطاهرة"، للإشعار بأنّها مطهَّرات بتطهير الله عز وجل على وفاق قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُـمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً} تفسير : [الأحزاب:33]. فصل في قوله [تعالى]: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} واعلم أنّ الذين يريدون أن يقتنصوا حقائق المعاني من الألفاظ والمباني، اختلفوا في معنى الخلود، "هلْ هو بمعنى الزمان الممتد مطلقاً، أو بمعنى الدوام المؤبّد". فالمعتزلة على أنه بمعنى الثبات اللازم، والبقاء الدائم الذي لا ينقطع، مستدلين بقوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ} تفسير : [الأنبياء:34]. فنفى الخلد عن البشر مع تحقّق العمر الطويل لبعضهم، فالمنفيّ غير المثبَت. والأشاعرة على أنّه بمعنى الثبات المديد - دام، أم لم يدُم - واحتجّوا بقوله [تعالى]: {أية : خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} تفسير : [النساء:57]. ولو كان التأبيد داخلاً في معنى الخلود، لكان ذلك تكراراً؛ ولذلك قيل للأثافي والأحجار "خَوالِد"، وللجزء الذي يبقى من الإنسان على حاله ما دام حيّاً "خلْد"، ويستعمل أيضاً فيما لا دوام له، كقولهم: "وقفٌ مخلَّد"، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل، ولا يلزم شيء منهما إذا كان موضوعاً للأعمّ فاستعمل في الأخصّ، من جهة اندراجه تحت الأعمّ، كاطلاق الجسم على الإنسان. والمراد به هٰهنا المعنى الأخصّ، لدلالة الآيات والأخبار وشهادة العقل على أنه بمعنى الدوام الذي لا ينقطع، وإلاّ لكان خوف الانقطاع ينغّص عليهم تلك النعمة، وكلّما كانت النعمة أعظم كان خوف انقطاعه أشدّ، فيلزم أن لا ينفكّ أهل الثواب البتّة عن الغمّ والحسرة؛ والجهل بسوء العاقبة أو عدمها غير جائز عليهم، لأن الدار دار اليقين لا دار الشك والتخمين - فضلاً عن اعتقاد خلاف الحقّ -. واعترض هٰهنا: بأنّ الأبدان مركّبة من أجزاء متضادّة الكيفية، معرضة للاستحالات والانقلابات المؤدّية إلى الانفكاك والانحلال، فكيف يعقل خلودها في الجنان؟ وأجاب بعضهم عنه: بأنّه تعالى يعيدها بحيث لا تعتريها الاستحالة، ولا يعتورها الانفساد، بأن يجعل أجزاءَها متقاومة في الكيفية متساوية في القوّة، لا يقوى شيء منها على إحالة الآخر، متعانقة لا ينفكّ بعضها عن بعض، كما يشاهد في بعض المعادن. وهذا الجواب في غاية الضعف، فإنّ تجويز كون الأجزاء العنصريّة غير قابلة للاستحالة والانقلاب، خروجٌ بها عن طبائعها الأصلية، واستحكامها في المزاج - كبعض المعدنيّات - لا يفيد التأبيد، والتساوي في الكيفية والقوّة بحسب الاعتدال الحقيقي - على تقدير إمكانه وحدوثه -، ممّا يستحيل بقاؤها أبداً لتناهي الأفاعيل والانفعالات القوى الجسماينة - كما برهن في مقامه -، لا سيما وقد حقّقنا في موضعه أن الجواهر الطبيعيّة المادّية كلّها لازمة السيلان والتجدّد، غير منفكّة عن الانتقال والحدثان في كل آن بحسب جوهرها وطبيعتها، كما في قوله [تعالى]: {أية : وَتَرَى ٱلْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِ} تفسير : [النمل:88]. نعَم؛ يمكن دوامها من جهة الإمداد العلوي والايجاد الفاعلي، إمداداً بعد إمداد، وايجاداً بعد ايجاد. والحقّ أنّ الحافظ للمزاج - أيضاً -، والمديم لأجزاء المركّب عن التبدّد والافتراق، ليس صور تلك الأجزاء، كلاّ، لأنها متداعية إلى الانفكاك، مقتضية للحركة إلى أحيازها الطبيعيّة، وإنّما هي مجبورة بقَسر قاسِرٍ، وجبْرِ جابِر سلَّطه الله عليها، يجبرها على الالتيام، ويمنعها عن الافتراق والانهزام، وهي صورة، أو نفس، أو ملك جسمانيّ متعلق بها، حافِظ لها ومبقٍ إيّاها - لا بالعدد، بل بالنوع -، ونوعيّتها وتجدّدها العددي، لا ينافي شخصيّة المركّب وبقائه بالصورة، لأنّ مناط الشخصيّة بالصورة لا بالمادّة. فالحيوان - مثلاً -، بدنه في التحلّل والذوبان، لعكوف الحرارة الغريزية والغريبية، ونار الطبيعة على تحليلها وإذابتها ما دامت حياته، ومع ذلك شخصيّته باقية تلك المدّة بالصورة الحيوانيّة، وهي نفسه أو أمر آخر؛ لكن الفاعل المديم، إن كان أمراً قائماً بالجسم في وجوده أو في فاعليّته، فلا يمكن دوامه بالشخص - وإلاّ فيمكن -، ولهذا يجب الحشر فيما يحتمل البقاء من النفوس. فالصواب أن يقال في كيفيّة بقاء الأبدان الأخرويّة، وصيرورة هذه تلك مع انحفاظ الشخصيّة بالعدد: إنّ العبرة في ذلك بالنفس - لا بالبدن -، فالنفس باقية، حافظة للبدن. أمّا في الدنيا فبإيراد البدل عليه، لانضياف الأجسام الغذائية إليه. وأمّا في الآخرة، فبإنشاء النشأة الآخرة بمجرّد التصورات والجهات الفاعلية، فإنّ إنشاء الجسم وتصويره - لا عن مادّة وحركة بل بمجرّد التصوّر -، من ديدن القوى المجرّدة، فإنّ وجود الأفلاك عن مباديها من الملائكة الفعّالة بإذن الله، من هذا القبيل، وكذا الحكم في ما تحضره نفس الإنسان في عالَم باطنه وغيبه من الأجسام العظيمة، والأشكال العجيبة التي لم تعهد من هذه الأجساد، والبساتين النزهة التي لم يخلَق مثلُها في البلاد، فإن جميعها حصلت من جانب الفاعل بلا مشاركة القابل. وسينكشف لك إنشاء الله، سرّ المعاد وحشر الأجساد على وجه لم يبق لأحد فيه مجال الشكّ والارتياب، ويزول به التشوّش في الكلام والاضطراب. والحق، أن قياس أمور الآخرة وأحوالها، على ما يجده الإنسان ويشاهده من هذا العالم، من نقص العقل، وقصور الحكمة، وضعف البصيرة - والله أعلم -. تتمة: لمّا كان معظم اللذّات الحسّية المساكنُ والمطاعمُ والمناكحُ، وكان مِلاك السرور بها كلّها الدوام وعدم الإنصرام - وإلاّ لكانت منغّصة غير صافية عن شوائب الآلام بالتّمام -، بشّر الله المؤمنين بالجنان، وبما رُزقوا فيها من المطاعم والمناكح، وآمنهم من خوف الفوات بوعد الخلود زيادة في البشارة، وتكميلاً لبيان السعادة.

الجنابذي

تفسير : {وَبَشِّرِ} عطف على الجملة السّابقة باعتبار المعنى كأنّه قيل أنذر الّذين أنكروا القرآن بعد وضوح حجيّته بالنّار وبشّر {ٱلَّذِين آمَنُواْ} اى أقرّوا بالقرآن وأذعنوا به او آمنوا بالله بالايمان العامّ او بالايمان الخاصّ المستلزم كلّ واحدٍ منهما الاقرار بحقّيّة القرآن او عطف على قوله: {اتّقوا النّار}؛ فانّ وضوح حقّيّته كما يستلزم تهديد منكره يستلزم تبشير مقرّه كأنّه قال فان لم تفعلوا فاتّقوا النّار {وبشّر الّذين آمنوا}، والخطاب خاصّ بمحمدٍ (ص) او عامّ لكلّ من يتأتّى منه الخطاب {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} ان كان المراد بالايمان الايمان العامّ فالمقصود من العمل الصّالح الايمان الخاصّ الّذى يحصل بالبيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة، وان كان المراد بالايمان الايمان الخاصّ فالمراد بالعمل الصّالح الاتيان بما أخذ عليه فى ميثاقه والوفاء بعهده {أَنَّ لَهُمْ} بأنّ لهم {جَنَّاتٍ} جمع الجنّة وهى البستان {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} من تحت أشجارها، او من تحت عماراتها، او من تحت قطعها، والانهار جمع النّهر والنّهر فوق الجدول ودون البحر {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً} الجملة صفة بعد صفة او حال عن الضّمير المجرور باللاّم او عن الجنّات او مستأنفة لبيان حالهم وحال ما فى الجنّات، والرّزق اسم مصدر بمعنى المرزوق وهو أعمّ ممّا يستكمل به البدن من الرّزق النّباتىّ الّذى يدخل من طريق الفم الى المعدة، ومنها الى الكبد، ومنه الى الاوردة، ومنها الى الاعضاء، والرّزق النّباتىّ الحقيقىّ هو الّذى يدخل فى خلل الاعضاء بدلاً عمّا يتحلّل منها وباقى المراتب السّابقة قوالب لهذا الرّزق كما انّ البساتين محالّ للاثمار، ومن الرّزق الحيوانىّ الّذى يدخل من طريق المدارك الحيوانيّة الى القلب او من طريق المحرّكة اليه فانّ اعضاء السّبعية والحيوانية مقتضياتها تؤثّر فى القلب اعنى الخيال، وكلّما يؤثّر فى القلب من الملذّات والمؤلمات كما يؤثّر فى الرّوح يؤثّر فى البدن، وممّا يستكمل به الرّوح من الرّزق الحيوانىّ ومن الرّزق الانسانىّ الّذى هو العلم الباعث على العمل، والعمل المورث للعلم، وقوله تعالى: {منها}؛ ظرف لغو متعلّق برزقوا، ولفظ من ابتدائيّة فانّ فى رزقوا معنى الاخذ وهو يقتضى الوصول الى المفعول بمن، ومن ثمرة بدل منه بدل الاشتمال وهذا اولى ممّا قاله الزمخشرىّ والبيضاوىّ فى اعرابهما من جعلهما حالين متداخلين من رزقاً، ولفظ ثمرة لكونه بعد كلّما يقتضى العموم البدلىّ، ورزق الجنّة ليس كالرّزق النّباتىّ لعدم الحاجة هناك الى بدل ما يتحلّل ولعدم اشتماله على الثفل المحتاج الى الدفع {قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} اى فى الدّنيا. اعلم انّ كل ما فى الدّنيا من السّماويّات والارضيّات صور وأظلال لما فى الآخرة، وما فى الآخرة حقائق لما فى الدّنيا فالعناصر ومواليدها والافلاك وكواكبها حقائقها فى الجنّة وليس فى الجنّة شيئٌ الاّ وظلّها فى هذا العالم، ولمّا كان شيئيّة الشيئ وشخصيّة الشّخص بحقيقته لا بصورته وظلّه فكلّما رأى المؤمنون فى الجنّة علموا أنّه الّذى رأوه فى الدّنيا لكنّه فى الدّنيا مشوب بنقائص الموادّ وأعدامها وظلماتها وفى الآخرة مصفّىً عن ذلك فكلّما رأوه من الاثمار قالوا: هذا الّذى رزقنا من قبل فى الدّنيا، ويحتمل ان يكون الكلام على الاستفهام الانكارىّ التعجّبىّ يعنى بعد ما رأوا الرّمّانة الاخرويّة مثلاً، متفاوتة مع الرّمّانة الدّنيويّة تفاوتاً عظيماً فى الشّكل واللّون والطّعم ورأوا أنّها هى الرّمّانة الّتى رأوها فى الدّنيا تعجّبوا واستغربوا ذلك التّفاوت العظيم وأظهروا كونها من جنس الرّمّانة الّتى كانت فى الدّنيا فى معرض الانكار، ويحتمل ان يكون المراد من قبل هذه المرّة فى الجنّة فانّ ثمار الجنّة متشابهة فى الصّفاء عن الكدورات والاثفال وفى غاية اللّطافة واللّذّة وطيب الرائحة وعدم ثقل الجسد بأكلها ومتوافقة غير مختلفة فى كون بعضها نيّاً وبعضها نضيجاً وبعضها متجاوزاً حدّ النضج وبعضها معيباً كما انّ ثمار الدّنيا كذلك وبهذا التّشابه والتّوافق يصحّ حمل: الّذى رزقنا من قبل؛ على هذا بحمل هو هو مثل زيدٌ أسدٌ {وَأُتُواْ بِهِ} بجنس الرّزق او بجنس ثمر الجنّة {مُتَشَابِهاً} بعض افراده مع بعضٍ وقد مضى وجه التّشابه {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ} جمع الزّوج يستوى فيه الذّكر والانثى والجمعيّة بالنّسبة الى المجموع او بالنّسبة الى كلّ فردٍ {مُّطَهَّرَةٌ} من المادّة ونقائصها ممّا يستقذر من النّساء من الاخبثين والدّماء وممّا يذمّمن عليه من الرّذائل {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ذكر تعالى من النّعم أصولها فى الانظار الحسّيّة وهى المساكن والمطاعم والمناكح وكمالها وهو دوامها فان النّعمة وان كانت جليلة لكنّها مع خوف الزّوال منغّصة.

الحبري

تفسير : حَدَّثَنَا عليُّ بنُ محمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي الحِبَرِيُّ، قالَ: حَدَّثَنِي حَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ بنُ عليٍّ العَنزِيُّ، عن الكَلْبِيّ، عن أَبي صَالِحٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قالَ فِيما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ في خَاصَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عليهِ [وآلِهِ] وَسَلَّمَ، وعليٍّ، وأَهْلِ بَيْتِهِ دُونَ النَّاسِ: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ}. إنَّهَا نَزَلَتْ في: عليٍّ وَحَمْزَةَ وجَعْفَر وَعُبَيْدَة بن الحَارثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلبِ.

فرات الكوفي

تفسير : {وَبَشِّرِ الَّذِينَ أَمَنُوا وَعَمِلوا الصالحاتِ 25} قال: حدثنا فرات بن إبراهيم الكوفي قال: حدثنا الحسين بن الحكم قال: حدثنا الحسن بن الحسين الأنصاري قال: حدثنا حبان بن علي العنزي عن الكلبي عن أبي صالح: عن ابن عباس [رضي الله عنه. ن] قال: فيما نزل من القرآن خاصة في رسول الله صلى الله عليه [وآله وسلّم. ن] وعليّ وأهل بيته عليهم السلام دون الناس من سورة البقرة {وبشر...} الآية نزلت في علي وحمزة وجعفر وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب [رضي الله عنهم أجمعين. ن]. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري قال: حدثنا القاسم بن الربيع قال: حدثنا محمد بن سنان عن عمار بن مروان عن منخل بن جميل عن جابر: عن أبي جعفر عليه السلام في قوله {وبشر...الصالحات} قال: الذين [فالذين. ر] امنوا وعملوا الصالحات علي[بن أبي طالب. ر] والأوصياء من بعده وشيعتهم قال الله [تعالى. ر] فيهم {أنّ لهم جنّات تجري من تحتها الأنهار كلّما رزقوا من ثمرة رزقاً} إلى آخر الآية.

اطفيش

تفسير : {وَبَشِّرِ}: خبر وأصل البشارة إظهار السرور فى بشرة الوجه وهى جلدته، فإن النفس إذا فرحت انتشر الدم كما ينتشر الماء فى الشجرة. فاستعملت فى الخبر الذى يسر من سمعه، كأنه قيل أظهر أثر الفرح فى وجوه المؤمنين بإخبارك إياهم أن لهم جنات. وإنما يظهر كمال ظهور بالخبر الأول. فمن قال لعبيده من بشرنى بقدوم ولدى فهو حر، فأخبروه فرادى، أعتق أولهم. وقد قيل: إن البشارة هو الخبر الأول وإن قال من أخبرنى، فأخبروه واحداً بعد واحد عتقوا جميعاً. إلا أن نوى غير ذلك فله نيته. واستعمال البشارة فى الخبر حقيقة، وفى الشر مجاز على طريق التهكم بالاستعارة التبعية لعلاقة التضاد، أو على طريقة قوله: تحية بينهم ضرب وجيع، من حيث إنه خبر غير سار وإن لم يكن فيه تهكم والخطاب للنبى - صلى الله عليه وسلم - أو لعالم كل عصر من زمانه - صلى الله عليه وسلم - إلى آخر الدهر، فشمل النبى - صلى الله عليه وسلم - وخلائقه، وهم العلماء، أو لكل من يتأهل أن يبشر المؤمنين ويقدر عليه، والمتبادر هو الوجه الأول. والثالث أوكد وأبلغ. لأنه يشعر بأنه ثبوت الجنات لهم حقيق بأن يبشرهم به كل من قدر على التبشير به، لعظم شأنه لكن الوجه الأول مع مبادرته قد تضمن هذا، لأن الحكم الذى خوطب به النبى صلى الله عليه وسلم حكم لأمته تبعاً له شرعاً، فقد أشعر شرعاً أن الأمة حقيق لهم أن يبشر به بعضهم بعضاً. والثانى أظهر فى المراد، غير أن العلماء أيضاً يتبعهم غيرهم فى التبشير، كما اتبعوا هم النبى - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل أبشروا يا أيها الذين آمنوا إن لكم جنات تفخيما لشأنهم، وإشعاراً بأنهم احقاء أن يبشروا أو يهنئوا بما أعد الله لهم، والحملة مستأنفة، متصلة فى المعنى، بقوله: {فَإن لَمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفعْلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ} لأن كلا منهما وصف لحال فريق وجزاؤه. فالأولى وصف لحال من كفر بالقرآن وكيفية عاقبته. والثانية وصف لحال من أمن به وكيفية ثوابه، وزادت الجملتان اتصالا إذا كان الإيمان والكفر جميعاً بشىء واحد، وهو القرآن. وقد جرت سنة الله فى كتابه: أن يعقب الترهيب بالترغيب. والترغيب بالترهيب. زجراً عما يردى عن الله وإعزاء بما ينجى أو مستأنفة متصلة فى المعنى بقوله: {فَاتَّقُوا النَّارَ} للمشاكلة بالتضاد بالإنذار والتبشير، لأنهم إذا لم يأتوا بمثل سورة منه بعد التحدى ظهر إعجازه، وإذا ظهر فمن كفر استوجب العقاب بالنار، ومن آمن استوجب الجزاء بالجنة، وذلك يستدعى أن يخوف هؤلاء ويبشر هؤلاء وقرأ زيد بن على: وبشر - بالبناء للمفعول - على أن الجملة مستأنفة متصلة فى المعنى بأعدت. ويجوز عطفها على أعدت إذا جعلنا أعدت مستأنفة. والمعنى: أن النار أعدت للكافرين، والجنات للمؤمنين. لا إذا جعلناها حالا أو صلة بعد صلة، لأن المعطوف على الحال أو الصلة حال أو صلة، فيحتاج لرابط ولا رابط فى بشر. {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمَلُوا الصَّالِحَاتِ}: ترى الإنسان يقيد كلامه مرة واحدة بقيد، فيحمل سائر كلامه المطلق على هذا القيد، فكيف يسوغ لقومنا أن يلغوا تقييد الله عز وجل الإيمان بالعمل الصالح مع أنه لا يكاد يذكر الفعل من الإيمان إلا مقروناً بالعمل الصالح، بل الإيمان نفسه مفروض لعبادة من يجب الإيمان به، وهو الله تعالى، إذ لا يخدم الإنسان مثل سلطاناً لا يعتقد بوجوده وبثبوت سلطنته، فالعمل الصالح كالبناء النافع المظلل، المانع للحر والبرد والمضرات، والإيمان أس فلا ينفع الأس بلا بناء عليه، ولو بنى الإنسان ألوفاً من الأسوس ولم يبن عليها، لهلك باللصوص والحر والبرد، وغير ذلك. فإذا ذكر الإيمان مفردا قيد بالعمل الصالح، وإذا ذكر العمل الصالح فما هو إلا فرع الإيمان، إذ لا تعمل لمن لا تقر بوجوده، وفى عطف الأعمال الصالحات على الإيمان دليل على أن كلا منهما غير الآخر، لأن الأصل فى العطف المغايرة بين المتعاطفين. ففى عطف الأعمال الصالحات على الإيمان إيذان بأن البشارة بالجنات، إنما يستحقها من جمع بين الأعمال الصالحات والإيمان، لكن الأعمال الصالحات تشمل الفرض والنفل. والمشروط الفرض وأما النفى فزيادة خير، قلت العمل الصالح ما أمر به الشرع استحباباً أو إيجابا، وقال بعضهم: العمل الصالح ما كان فيه أربعة أشياء: العلم والنية والصبر والإخلاص. وقال عثمان بن عفان: وعملوا الصالحات أخلصوا الأعمال عن الرياء وغيره مما يفسدها، لأن العمل الذى لم يخلص غير صالح، والصالحات جمع صالحة، اسم فاعل فى الأصل، تغلبت عليه الاسمية. ولا مانع من بقائه على الأصل. والتقدير الفعلة الصالحة - بفتح الفاء وإسكان العين - أو العملة الصالحة - بفتح العين وإسكان الميم - أو الخصلة الصالحة أو الخلة الصالحة، ومما يحتمل تغلب الاسمية والبقاء على الأصل قول الحطيئة: شعر : كيف الهجاء وما تنفك صالحة من آل لام بظهر الغيب تأتينى تفسير : قال زكرياء: دعا النعمان بحلة من حلل الملوك، وقال للوفود وفيهم أوس بن حارثة بن لام الطائى: احضروا غداً فإنى ملبس هذه الحلة أكرمكم، فلما كان الغد حضروا إلا أوساً، فقيل له فى ذلك قال: إن كان المراد غيرى فأجمل الأشياء بى ألا أحضر وإن كنت المراد فسأطلب. فلما جلس النعمان فلم ير أوساً طلب وقيل احضر آمناً مما خفت، فحضر وألبس الحلة، فحسده قوم من أهله وقالوا للحطيئة: اهجه ولك ثلاث مائة بعير. وروى مائة بعير، فقل كيف الهجاء وما تنفك صالحة البيت وتنفك: تزال، ويظهر الغيب حال. أى ملتبساً بالغيب أى غائباً. والظهر مقحم للتأكيد. معنى الغيب. وتأتينى خبر تنفك. وأل فى الصالحات للاستغراق. على أن المراد به الفروض وإن قلنا الفرض والنقل فللحقيقة الصادقة بالفرض، ولا بد وبالنفل غير مشروط لا للاستغراق إذ لا يكاد مؤمن يأتى بجميع الأعمال الصالحات فرضها ونفلها. {أَنَّ لَهُمْ}: أى بأن لهم. {جَنَّاتٍ}: الجنة الأشجار المظلة سميت لأنها تستر ما تحتها بالتفاف أغصانها مبالغة أو تحقيقاً. قال زهير بن أبى سلمى: شعر : كأن عينى فى غربى مقتلة من النواضح تسقى جنة سحقا تفسير : فسمى النخل جنة لأنها تستر ما تحتها إذا كانت صغيرة أو تستره عما يعلوها من طائر أو سماء أو غيرهما، والسحق: الطوال، والغرب: الدلو العظيمة الممتلئة ماء، وهو فى البيت مثنى. والمقتلة: الناقة المذللة للسقى، والنواضح: جمع ناضح وهو البعير الذى يسقى عليه. وخص المقتلة لأنها تخرج الدلو مليئاً بخلاف الناقة الصعبة فإنها تنفر فيسيل الماء من الدلو. وخص النخل لأنه أحوج الشجر إلى الماء وخص النخل الطوال لأنها أحوج النخل. وجعل عينيه فى الغربين ولم يجعلهما غربين. كناية لطيفة، كأنما ينصب من الغربين ينصب من العينين. وتسمى الأرض التى فيها الأشجار جنة أيضاً، لأن ما فيها الأشجار ليستر ما تحته لالتفافه. وسمى الله دار ثوابه: جنة، لأن فيها أجنة ملتفة ساترة. قال ابن عباس وجرير بن عبد الله وغيرهما: سميت الجنة جنة لأنها تجن من دخلها أى تستره، وكل جنان جنة، وجمعها جنت. كما فى الآية. وأصل ذلك كله من جنه أى ستره. ومن ذلك سمى القلب جناناً، وما فى بطن الحامل جنيناً، وسترة القتال جنة وضد الإنس جنا وجنة، وقيل سمى دار ثوابه الجنة، لأنه ستر فى الدنيا ما أعد فيها للبشر من أنواع النعم. كما قال الله تعالى:{أية : فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين}تفسير : وقيل الجنات الحدائق ذات أشجار ومساكن. واعلم أن الجنة مشتملة على سبع أنواع كما ذكره ابن عباس: جنة الفردوس، وجنة عدن، وجنة النعيم، ودار الخلد، وجنة المأوى، ودار السلام، وعليين، وكل واحدة من هذه الأنواع السبعة مشتملة على جنات كثيرة متفاوتة، بحسب قوة الأعمال وكثرتها والمبالغة فى الإخلاص وغير ذلك. ولذلك جمعت فى الآية ونكرت، قيل الجنة ما فيه شجرة ونخل. والفردوس ما فيه عنب. واللام فى قوله: لهم، لام استحقاق. والمراد أن المؤمنين استحقوا الجنات لأجل الإيمان والعمل الصالح، من حيث ترتب عليهما الاستحقاق، لا لذاتهما، فإنهما لا يكافئان النعم السابقة، ولا يعاد لان الذنوب الصادرة، بل لا لنعمة واحدة ولا ذنباً واحداً، فضلا عن أن يقتضيا ثوابا. ولا سيما ثواب هو الجنة، كيف وهما نعمتان يجب عليهما الشكر، وكل شكر صدر استحق شكراً آخر عليه، لأنه نعمة، ولا يوهمك خلاف ذلك ما ورد فى الآثار: أن ثواب العمل كذا وثواب العمل الآخر كذا، لأن معناه أن الله - تبارك وتعالى - جعل من فضله ورحمته أن عمل كذا له كذا من الخير، وليس المراد أن ذلك ثواب يوجبه العمل، ويكون عديلا له مستوياً معه استواء ربع الربا له مع خياطة الجبة، وسقى القربة مع مد شعير، ويدل لذلك أنه - تعالى - غنى على الإطلاق، لا تنفعه الطاعة، ولا تضره المعصية، وأن كل عمل صالح عمله الإنسان أو غيره، فهو نعمة من الله عليه، ثم إن المؤمنين يستحقون الجنات إن ماتوا على الإيمان غير مرتدين ولا مصرين لقوله تعالى:{أية : ومن يرتدد منكم عن دينه}،تفسير : وقوله:{أية : لئن أشركت}..تفسير : الآيتين. وهذا قيد معتبر حين لم يذكر استغناء بذكره حين ذكر كما مر لك فى اشتراط العمل الصالح، حيث لم يذكر مع الإيمان. وعنه - صلى الله عليه وسلم - "حديث : أن ثياب الجنة تتشقق عنها تمر الجنة"تفسير : رواه النسبى عن أبى هريرة. وقال - صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما فى الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب"تفسير : رواه الترمذى عن أبى هريرة، وقال حديث حسن. وأخرج أبو بكر بن شيبة عن النبى صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن أمتى يوم القيامة ثلثا أهل الجنة إن أهل الجنة يوم القيامة عشرون ومائة صف وإن امتى ثمانون صفاً"تفسير : . وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أهل الجنة عشرون ومائة صف ثمانون من هذه الأمة وأربعون من سائر الأمم"تفسير : .. رواه الترمذى عن يزيد بن حصيب وقال: حديث حسن. {تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَار}: الضمير عائد إلى الجنات بتقدير مضاف، أى من تحت أشجارها، وخصت الأشجار بالتقدير لأنها المحتاجة إلى الماء فى الجملة، ولدلالة الجنات عليها، ولك أن تقدر: من تحت أشجارها وقصورها، إشعاراً بأن قصورها أكمل وأهلها أنعم، إذ كانت الأنهار تجرى من تحتها. وكيفية تقدير القصور أن يقال: إن الآية حذف فيها المضاف وهو أشجار، والمضاف والمضاف إليه، وهما قولك وقصورها، وحذفها من باب حذف العاطف والمعطوف وما يلتحق به. ولك أن تقول لما حذف المضاف الأول، استغنى بالمضاف عن المضاف الذى قبله والذى بعده، من حيث الاشتمال والمعنى، لا الإعراب. ولك تقدير مضاف غير منون ومضاف معطوفاً. أى من تحت أشجارها وقصورها، كقولك بين ذراعى وجبهة الأسد، ولك أن ترجع المضمر إلى الأشجار أو إلى الأشجار والقصور بدلالة الجنات، وهى على الأشجار أدل بحسب اللغة. وأما بحسب عرف الناس فى جنة الآخرة فهى على القصور أدل. والأنهار جمع نهر، بفتح النون والهاء، جمع قياس. وأما النهر، بفتح النون وإسكان الهاء، فقياس، جمعه أنهر، بضم الهاء، استغنى عن جمعه بجمع النهر، بفتحتين، هو اللغة الفصحاء، ومعناهما المجرى الواسع فوق الجدول ودون البحر، فهو كالفرات والنيل فان مادة - ن هـ ر - للوسع فنسمى النهر نهر لاتساعه، ولأن الماء يجفره للجوانب أو الأسفل، وذلك تطويل وتوسيع، يقال أنهرت الشىء: وسعته. قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكلوه وما وسع الذبح حتى جرى الدم"تفسير : . وذكر بعض فى معناه أنه ما وسع الذبح حتى جرى الدم كالنهر. واستنهر الشىء: اتسع، والنهار ضد الليل، وواسع ممتد ويسمى الضور نهاراً لامتداده من أول النهار لآخره، والإنهار، بكسر الهمزة، الإسالة بسعة وكثرة، وأنهر الطعن وسعه، ونهر أحداً، غلظ صوته عليه، والتغليظ فيه توسيع. والنهر: فضاء يكون بين أفنية القوم يلقون فيها كناستهم، وأل للجنس أو للعهد من قوله تعالى:{أية : وأنهار من ماء غير آسن}..تفسير : الآية. لتقدم نزول سورة القتال على نزول سورة البقرة، وذكر فيها لفظة أنهار أربع مرات منكرة، فهن المراد هنا إذا عرفت، فالمراد هنا أنهار الماء، وأنهار اللبن، وأنهار الخمر، وأنهار العسل المصفى. كما ذكرت فى سورة القتال وهن جميعاً تحت قصور أولياء الله، وحيث شاء الله، وزاد الماء بالجرى تحت الأشجار وكذا يشمل الأنهار ذلك كله إذا جعلت فيه أل للجنس. واعلم أن البحر والنهر والجدول ونحو ذلك: أسماء للأرض التى فيها ذلك الماء ونحوه لا للماء نفسه أو نحوه، فإسناد الجرى للأنهار مجاز عقلى، من إسناد ما للحال للمحل فإن الجارى حقيقة هو نحو الماء لا الأرض. ولك أن تقول: المراد بالأنهار الماء ونحوه تسمية للحال باسم المحل فيكون مجازاً لغوياً مرسلا، ولك أن تقول: الأنهار الأرض، ويقدر مضاف أى ماء الأنهار ونحوه، فيكون الأنهار على هذا الوجه مجازاً بالحذف، فعلى الوجه الأول تجرى حقيقة وأنهار حقيقة، والتجوز إنما هو فى الإسناد، وعلى الثانى والثالث يجرى حقيقة، والأنهار مجاز، وداعى ذلك كله هو أن الجارى هو الماء ونحوه. قال أنس خادم النبى صلى الله عليه وسلم: أنهار الجنة تجرى فى أخدود الماء واللبن والخمر والعسل، وهو أبيض كله فطينة النهر مسك أذفر ورضراضه الدر والياقوت، حافتاه قباب اللؤلؤ. رواه عنه مسروق. والأخدود: الشق والماء الجارى من النعمة العظمى واللذة الكبرى، والحنة ولو كانت مخضرة متزينة إنما يتم أبتهاج النفس بها إذا كان فيها ماء جار، وإلا كانت كصورة لا روح لها، ولذلك ما ذكر الله - سبحانه - الجنات إلا مقرونة بذكر الأنهار. {كُلَّمَا رُزِقُواْ}: كل ظرف زمان متعلق بقالوا، وما مصدرية، وإنما سوغ ظرفية كل المصدر من الفعل بعد ما لإضافة كل إليه، وقد علم أن المصدر ينوب عن الزمان. فهذا مصدر نائب عنه فاكتسب ما أضيف إليه الظرفية منه، وجملة قالوا: مستأنفة مع ما يتعلق بها وتوابعه أو نعت لجنات أو حال منها، ولا حاجة إلى تقدير مبتدأ يخبر عنه بكل تقديره: هم أو هى، لأن المعنى تم بدون ذلك، ولأن الزمان لا يخبر به عن جنة، وإن قدر المبتدأ مصدراً فتكلف. وعلى الاستئناف فهو بيانى كأنه لما قيل: إن لهم جنات، قال قائل: أثمارها مثل أثمار الدنيا أم أجناس أخرى؟ ووقع فى قلبه ذلك، فأجيب بقوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ}.... ألخ. وفى كونها نعتاً أو حالا أيضاً كشفا لهذا الذى قد سأل عنه سائل. ومعنى رزقوا: رزقهم الله أو رزقهم الملائكة، أى أتوهم بما يأكلون من الثمار. ويؤيد الأول قوله: رزقنا من قبل أن جعل على رزق الدنيا. {مِنْهَا}: من الجنات. ومن للابتداء، أو بمعنى فى. {مِنْ ثَمَرَةٍ}: من هذه: للابتداء أما إذا جعلنا الأولى فى: بمعنى، فلا إشكال. وأما إذا جعلناها للابتداء فإما يصح أن تكون الثانية للابتداء، مع امتناع تعدد الحرف لمعنى واحد، بلا واسطة التبعية، إذا كان عاملها واحداً، لأن الأولى متعلقة برزقوا، والثانية بمحذوف حال من {رِزْقاً} أى رزقا ثابتا من جنس الثمرة، أو مبتدأ منه، أو قوله {مِنْ ثَمَرَةٍ} بدل بعض. من قوله منها، على حذف الرابط، أى من ثمرتها، أو من ثمرة فيها، ولا إشكال على هذا لأنه بالتبعية، وسواء فى الحكم تعدده لفظاً ومعنى أو معنى أو تعلق الأولى بمحذوف حال من رزقا، الثانية بمحذوف حال من ضمير الاستقرار المستتر فى قوله منها، أى آتياً من الجنات أو ممتداً من الجنات، آتياً من ثمرة، أو مبتدأ منها، فقيد الرزق بكونه مبتدأ من الجنة آتياً منها بكونه مبتدأ من ثمرة آتياً منها، ويجوز كون الثانية للبيان، متعلقة بمحذوف حال من رزقا أى رزقا هو ثمرة، ويجوز أن تكون للابتداء على طريق التجريد البديعى، أى رزقا متولداً من ثمرة، أو رزقوا من الثمرة رزقاً أكد الرزق وعظمة، حتى كأنه ينتج ثمرة، أو أكد الثمرة وعظمها، حتى كأنها ينتج منها رزق آخر غيرها، لكمال الثمرة فى الانتفاع، والرزق ما ينتفع به، أو لكمال الرزق. وقد قال القزوينى والطيبى: التجريد أن ينتزع من ذى صفة آخر مثله فى إيهاماً لكمالها فيه. واللفظ للطيبى. وسيأتى لفظ القزوينى - إن شاء الله - وإنما قال إيهاماً باعتبار مبالغات الناس، وأما مثل الآية فلا إيهام فيه، ولم يذكر القزوينى لفظ إيهام، وتعليق يرزقوا. والأولى ظرفية أو تجل بدلا من الأولى مع مدخوليهما، أو بمحذوف حال من {رِزْقاً} كما رأيت. كما أنك إذا بالغت فى شجاعة زيد قلت: رأيت من زيد أسداً، وفى كرمه قلت: رأيت منه بحراً. {رِزْقاً}: مفعول ثان لرزقوا، والأول هو الواو ونائب عن الفاعل. {قَالُوا هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ}: فى الدنيا، والإشارة إما إلى نوع ما رزقوا حقيقة، لا إلى نفس الشىء الذى رزقوه، وحضر عندهم، وإنما ساغ ذلك لأن النوع فى ضمن فرده فبحضور الفرد تحضر الحقيقة وتشخص فى الذهن. تقول حين حضور الأسد: هذا أجرأ السباع، ولست تريد خصوص هذا الأسد الحاضر، بل جنس الأسد، أما إلى نفس الشىء الذى رزقوه وحضر عندهم على التشبيه البليغ بحذف أداة التشبيه. والأصل هذا كالذى رزقنا من قبل، أو مثل الذى رزقنا من قبل، كقولك: زيد أسد فالكلام على الأول حقيقة لا مجاز ولا حذف، لان المراد النوع، وعلى الثانى مجاز بالاستعارة، ومبالغة، إذ لا يكون فرد عين فرد آخر سواء من نوع أو نوعين: واعلم أن الله - جلا وعلا - جعل ثمر الحنة من جنس ثمر الدنيا لتميل النفس اليه إذا رأته، لأن الطبع مائل إلى المألوف، نافر عن غير المألوف، وليتبين مزية ثمر الجنة على مثله من ثمر الدنيا، وهى مزية عظيمة لا يعلم غايتها إلا الله - تبارك وتعالى - ولو كان ثمر الجنة جنساً آخر غير معهود فى الدنيا، لظنوا أن ثمر الجنة لا يكون إلا كما ألفوه فى الدنيا، فلا يظهر التفاوت، فلا تتم اللذة تمامها فى اتحاد الجنس وتفاوت الطعم، فإنه إذا اتحد استحضر طعم الدنيا وطعم الآخرة، فيظهر التفاوت العظيم ويدوم الاستعظام والاستغراب {كُلَّمَا رُزِقُواْ} لأنه كلما رأوا ثمرة الجنة حضر فى قلوبهم ثمرة الدنيا، لتشابه اللون فيسبق إلى النفس اتحاد الطعم، فيوجد متفاوتا بالغاية وكذا فى عظم اللون والجثة، كلما رأوا ثمرة الجنة فى أعظم لون وأصفاه. وأكبر جثة حضر فى قلوبهم نقص ثمرة الدنيا عن ذلك، ويجوز أن يكون المراد بقوله من قبل فى الجنة، إذا رزقوا المرة الثانية فى الجنة، قالوا هذا الذى رزقنا فى المرة الأولى فيها، وكذا الثالث والرابعة، إلى ما لا ينقطع كله على شبه المرة الأولى، وهكذا طعام الجنة متشابه الصور، كما حكى عن الحسن أن أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول: هذا الذى رزقنا من قبل، فيقول الملك: كل فاللون واحد والطعم مختلف، وإنما قال الواحد رزقنا لأنه يأكل هو وأزواجه الدنيوية وأزواجه الحور. وعنه صلى الله عيله وسلم:"حديث : والذى نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هى بواصلة إلى فيه حتى يبدل الله مكانها مثلها"تفسير : . قال جار الله: فإذا أبصروها والهيئة هيئة الأولى قالوا: هذا الذى رزقنا من قبل. والتفسير الأول أحسن وهو تفسير القبلية فى الدنيا، لأنه إنما يعظم للتعجب والاستغراب، بعظم تفاوت ثمرة الجنة بثمرة الدنيا غاية التفاوت: صفاء ولوناً ولذة وطعماً وكبراً، مع التشابه البليغ فى الصورة، وبذلك أيضاً يعظم فرحهم واغتباطهم بما وجدوا، فيذكرون ذلك القول كلما رزقوا، أو لأن التفسير الثانى غير مشتمل على الأعراض الموجودة فى الأول، من كون النفس تميل إلى الثمرة إذا رأتها كثمرة الدنيا أول ما ترى، بخلاف ما لو كانت مخالفة لها فإنها لا تميل إليها حتى تذوق، وكون الطباع مائلة إلى المألوف وكونها غير نافرة من غيره، وكون المزية تتبين بالتفاوت فى نحو الطعم مع التشابه فى الصورة ولأن التفسر الأول استلزم الثانى بلا عكس. وعن ابن عباس: ليس فى الآخرة شىء مما فى الدنيا سوى الأسماء، وأما الذوات فمختلفة، وهذا يرجح التفسير الثانى. والذى عندى أن قولهم: هذا الذى رزقنا من قبلن مجاز مركب، لأنه خرج عما وضع له، موضوع للإخبار ولم يستعمل فيه، بل فى التعجب، فظهر لك أن المجاز لمركب لا يختص بالاستعارة، وكذا قال ابن عباس إنه تعجب وقال جماعة أن ذلك إخبار من بعض لبعض، وأقول ليس قول الجماعة هذا على ظاهره، كما قيل، بل مرادهم أن ذلك إخبار من بعض لبعض، على جهة التعجب، كما قال الحسن ومجاهد: يرزقون الثمرة ثم يرزقون بعدها مثل صورتها والطعم مختلف فهم يتعجبون بذلك، ويخبر بعضهم بعضاً. {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً}: أى أتاهم الله أو الملائكة بالرزق الذى فى الجنة والذى فى الدنيا متشابهين. أما الذى فى الجنة فأتاهم به الملائكة بإذن الله، وأما الذى فى الدنيا فأتاهم الله به فى الدنيا، بمعنى خلقه وجعله آتياً إليهم، فالهاء للرزق الشامل للرزقين، لأنه ولو لم يتقدم إلا ذكر رزق واحد. لكن قوله: {هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْل} يدل على اثنين لأن فيه إشارة إلى الحقيقة بحضور فرد تقدم فرد نظيره، ولو كان واحداً باعتبار الحقيقة والماهية، أو لأن فيه مشبها أو مشبها به، ويسمى مثل ذلك الضمير الكناية الإيمائية، لأن مرجعه لم يصرح به كل التصريح، لأن المشبه به صريح، على طريق أنه المشبه مبالغة ومن ذلك قوله تعالى: {أية : إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما}تفسير : أى بمطلق الغنى ومطلق الفقير المدلول عليهما، يذكر الغنى والفقر فى الإنسان الواحد على طريق البدلية لا الشمول. وهذا أدق نظراً من أن نقول القبلية فى الجنة. وتقول الهاء عائدة إلى رزق الجنة فقط، المذكورة فى قوله جل وعلا: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً} وقال أبو حيان: الهاء عائدة إلى رزق الجنة فقط على أن القبلية فى الجنة لأن رزق الجنة هو المحدث عنه، والمشبه بالذى رزقوه من قبل، فهو العمدة فى الكلام، فليرجع إليه الضمير، ولأن الجملة جاءت محدثاً بها على الجنة وأحوالها، ولأن الأصل فى الضمير أن يرجع إلى ما صرح به على أنه هو لا على أنه غيره، ولأن الأصل فى الضمير الذى على صيغة المفرد أن يرجع إلى المفرد لا إلى اثنين، ولكلام ابن عباس، ولكلام الحسن المذكورين: فإن الأصل فى التشابه أن يكون فى الطعم والتلذذ واللون والرائحة ونحو ذلك. وقد مر عن ابن عباس أنه ليس فى الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء، فيضعف التشابه بين طعامهما، وإنما يقوى بين طعامى الجنة لأنهما باللون والتلذذ والطعم وغيرهن حتى لا يميز بينهما، والتشابه بين طعام الجنة طعام الدنيا فى الصورة فقط، على ما فسر به القاضى كلام ابن عباس، وهو ولو كان كافياً فى إطلاق التشابه لكنه ضعيف، وفى التسمية فقط على ما فسره به غيره، وتفسير القاضى أحسن فكبرى رمانات الدنيا لا تفضل عن حد البطيخة الصغيرة، ورمانة الجنة تشبع العيال العظيم كما فى الحديث، وكبرى نبق الدنيا لا تجاوز فلكة المغزل، ونبق الجنة كقلل هجر كما فى الحديث، وظل شجرة الدنيا ما ترى وظل شجرة الجنة أكثر من مسيرة الراكب المجد مائة عام كما فى الحديث. وعن مسروق: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فروعها، وثمرها أمثال القلال، كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى، وأنهارها تجرى فى غير أخدود، والعنقود اثنا عشر ذراعا، قيل متشابه فى اللون والطعم والرائحة، وقيل فى كونه خياراً كله لا ردىء فيه. وقال الكلبى. متشابه فى المنظر مختلف فى الطعم، وكذا قال ابن عباس، فالكلبى رواه عنه. ويجوز عن القاضى أن يكون المراد بقوله: {هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْل} أن هذا رزقناه فى الجنة هو الذى رزقنا الله فى الدنيا من المعارف والطاعات، أى جزاؤها، فهو يتفاوت بتفاوتها فى اللذة، ووجه الشبه والشرف والمزية وعلو الطبقة، فذلك كقوله جل وعلا:{أية : ذوقوا ما كنتم تعملون}تفسير : لكن هذا فى الوعيد. وآية البقرة فى الوعد وتفسيرها بهذا قريب من تفاسير الصوفية وبمقدار قربها منها يضعف لأن تفاسيرهم لم يأذن الشرع بها، وبها خرجوا عنه إذ اعتقدوا أنها معان نزل القرآن على إرادتها، أعاذنا الله - جل وعلا - والله أعلم. والواو واو الحال، والجملة حال من رزقا، ولو كان نكرة. لأن المراد رزقاً عظيما، وتنكيره للتعظيم. فهو مخصوص، وقد خص أيضاً بالحال الأولى المتقدمة عليه، التى أصلها أنه نعت له، أو الواو للاستئناف. والجملة مستأنفة معترضة عند الزمخشرى، بناء على جواز الاعتراض آخر الكلام. والأكثرون يسمونه تذييلا، وهو أن يعقب الكلام بما يشتمل على معناه توكيدا لا محل له من الإعراب كما ذكره زكريا، والتذييل تعقيب الجملة بجملة تشتمل على معنى الجملة الأولى، لتوكيد المنطوق به، جار مجرى المثل فى أن يقصد بالجملة الثانية فيه حكم كلى منفصل عما قبله، جار مجرى المثل فى الاستقلال بنفسه وكثرة الاستعمال، نحو:{أية : إن الباطل كان زهوقا}تفسير : ونحو:{أية : وهل نجازى إلا الكفور}؟تفسير : إذا قلنا إن المعنى هل يعاقب إلا الكفور؟ أو غير جار مجراه نحو:{أية : وهل نجازى إلا الكفور}؟تفسير : إذا قلنا إن المعنى هل يجازى ذلك الجزاء المذكور ليتصل بما قبله، أو لتوكيد المفهوم كقوله: شعر : ولست بمستبق أخلا لا تلمه على شعث أى الرجال المهذب تفسير : فإن قوله: أى الرجال المهذب تأكيداً لما يفهم مما قبله من أنه لا كامل فى الرجال، والاعتراض أن يؤتى فى أثناء الكلام أو بين كلامين متصلين معنى بجملة أو أكثر، لا محل لها من الإعراب لنكتة، سوى دفع الإيهام، كالتنزيه فى قوله تعالى:{أية : ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون}تفسير : والدعاء فى قوله: شعر : إن الثمانين وبلغتها قد أحوجت سمعى إلى ترجمان تفسير : والتشبيه فى قوله: شعر : واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتى كلما قدرا تفسير : ومن الاعتراض بأكثر قوله تعالى:{أية : فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين نساؤكم حرث لكم}تفسير : فإن عرض الإتيان من حيث أمر الله هو طلب النسل، وقوله:{أية : نساؤكم حرث لكم}تفسير : بيان لهذا الغرض. وأجاز بعض من قال: إن النكتة قد تكون غير ما ذكر، كدفع إيهام خلاف المقصود، أن يكون الاعتراض آخر جملة، لا تليها جملة متصلة بها معنى، بل تم بها الكلام. أو تلته جملة غير متصلة بها معنى، وهو اصطلاح مذكور فى مواضع من الكشاف، فيشمل التذييل مطلقاً، والذى عندى أن قوله: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهَاً} معترض بين كلامين متصلين معنى، فإن قوله: {أنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} إلخ متصل بقوله. {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرةٌ} مبرءات مما يختص بالنساء من الأقذار، كالحيض والنفاس، وما لا يختص بهن كالبول والغائط وسائر الأقذار والنتن، وما يغلب فيهن كدنس الطبع وسوء الخلق فى القول والفعل والقذر والخيانة عن الحسن عن رسول الله - صلى الله عله وسلم - أنه قال فى نساء الجنة:"حديث : يدخلنها عربا أترابا لا يحضن ولا يلدن ولا يتمخطن ولا يقضين حاجة الإنسان"تفسير : . وليس فى الجنة قذر. وقيل مطهرة من الإثم والأذى ومساوئ الأخلاق. والمراد فى الآية: نساء الدنيا فى الجنة والحور العين، وقال بعضهم: هن نساء الدنيا طهرن من أقذار الدنيا، وقيل نساء الدنيا طهرن من مساوئ الأخلاق. ولا ولادة فى الجنة إلا إن اشتهاها السعيد فتلد له فى الوقت بلا وجع ولا قذر. وروى ابن ماجه عن أسامة بن زيد حديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ذات ذا يوم لأصحابه: "ألا مشمر للجنة فإن الجنة لا خطر لها، أى لا عوض لها ورب الكعبة، نور يتلألأ، وريحانه تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وفاكهة كثيرة نضيجة، وزوجة حسناء جميلة، وحلل كثيرة فى مقام أبداً فى حبرة ونضرة، فى دار عالية سليمة بهية"، قالوا: نحن المشمرون لها يا رسول الله، قال: قولوا: إن شاء الله، ثم ذكر الجهاد وحض عليهتفسير : ، ذكره القرطبى. قال جابر بن عبد الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : أهل الجنة يأكلون ويشربون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يتمخطون ولا يبزقون، يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس طعامهم جشاء رشحهم كرشح المسك"تفسير : رواه مسلم. وفى رواية: ورشحهم المسك وقوله:"حديث : يلهمون الحمد والتسبيح كما يلهمون النفس"تفسير : معناه: أنه يجرى الحمد والتسبيح على ألسنتهم كما يجرى النفس فلا يشغلانهم عن شىء كما لا يشغل النفس. ومعنى طعامهم جشاء فضول طعامهم جشاء، والجشاء: تنفيس المعدة. والرشح العرق. قال أبو هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب درى في السماء إضاءة، لا يبصقون ولا يتمخطون ولا يتغوطون ولا يبولون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك ومجامرهم اللؤلؤ والبخور عود الطيب، وأزواجهم الحور العين على خلق واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً فى السماء"تفسير : رواه البخارى ومسلم، وفى رواية:"حديث : ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب رجل واحد، يسبحون الله بكرة وعشيا"تفسير : ورويا أيضاً عن أبى موسى الأشعرى، أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال:"حديث : إن للمؤمن فى الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة، طولها فى السماء ستون ميلا، للمؤمن فيها أهلون يطوف عليهم فلا يرى بعضهم بعضا"تفسير : . وروى الترمذى عن أبى هريرة وقال إسناده حسن، ليس إسناده بذلك القوى، حديث : أنه قال قلت يا رسول الله مم خلق الله الخلق؟. قال: "من الماء" قلت: الجنة ما بناؤها؟.. قال: "لبنة من ذهب ولبنة من فضله وبلاطها المسك الأذفر وحصاؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزعفران، ومن يدخلها ينعم لا ييأس، ويخلد ولا يموت، ولا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم""تفسير : وروى الترمذى عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن فى الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة، ومنها تفجر أنهار الجنة الأربعة، من فوقها يكون العرش، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس"تفسير : وروى البخارى ومسلم عن أنس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"حديث : إن فى الجنة لسوقا يأتونها يوم الجمعة، فتهب ريح الشمال فتحثو فى وجوههم وثيابهم، فيزدادوا حسناً وجمالا، فيرجعون إلى أهليهم وقد ازدادوا حسناً وجمالا، فيقول لهم أهلوهم: والله لقد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا، فيقولون وأنتم والله قد ازددتم بعدنا حسنا وجمالا"تفسير : وروى الترمذى عن على بن أبى طالب، وقال: حديث غريب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن فى الجنة لمجتمعا للحور العين يرفعون بأصوات لم يستمع الخلائق مثلها يقلن: نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نيأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنا له، والله سبحانه وتعالى أرحم الراحمين، والأزواج جمع زوج يقال زوج بلا تاء فى المرأة والرجل. قال الله تعالى:{أية : اسكن أنت وزوجك الجنة}،تفسير : والزوجة بالتاء لغة ضعيفة أو لفظ نادر لا يحسن لقول الشاعر: شعر : وإن الذى يسعى ليفسد زوجتى كساع إلى أسد الشرى يستميلها تفسير : وقول الشاعر: شعر : إذا زوجة بالمصر أم ذوى خصومة تفسير : وإن قلت فلعل الذى فى الآية جمع زوجة بالتاء، قلت: لا يحمل عليه لضعفه وندوره ولذكره بلا تاء حيث ذكر مفرداً أو لأن أفعالا لم يعهد جمعاً لفعلة بالتاء، فأزواج جمع زوج كثوب وأثواب، وبيت وأبيات، وسيف وأسياف. ويطلق الزوج على كل فرد مقرون بآخر من جنسه كأحد شقى وإحدى النعلين، ومطلق الذكر المقابل بمطلق الأنثى، والكبش بالنعجة، والثور بالبقرة الأنثى، والجمل بالناقة، وأصل التمييز بين المذكر والمؤنث بالتاء إنما هو فى الصفات، وإنما قال مطهرة بالإفراد للتأويل بالجماعة، كما فى قوله تبارك وتعالى: بـ {أن لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها} إلى قوله: {ولهم فيها} ولم يقل من تحتهن ومنهن وفيهن. وقوله عز وجل:{أية : وإذا الرسل أقتت}تفسير : ولم يقل أقتتلوا. وقرأ زيد بن على بن أبى طالب: مطهرات بالجمع على لفظ الوصف. وأنا أقول: الوجهان لغة لكل العرب، وقال الزمخشرى والقاضى: لغتان ومن الإفراد قول أسلم بن أبى ربيعة من بنى ضبة: شعر : وإذا العذارى بالدخان تلفعت واستعجلت بن القدور فملت دارت بأرزاق العفاة مغالق بيدى من قمع العشار الحلب تفسير : إذ قال: تلفعت ولم يقل تلفعن، مع عود الضمير للجمع وهو العذارى، بكسر الراء بعدها ياء، أو بفتحها بعدها ألف بصورة ياء، جمع عذراء، وهى البكر. ومعنى تلفعت بالدخان: أحاط بها وصار لها كغطاء الرأس. وقال: ملت ولم يقل مللن، والمعنى شوت اللحم فى الملة، وهى الرماد الحار أو الحفرة نفسها، لشدة الجوع، وقلة الصبر إلى ما فى القدر. وخص العذارى لجمالهن وحيائهن عن الطلب، والأخذ جهرة. وقلة صبرهن. وقال استعجل ولم يقل استعجلن. وفاء فملت: عاطفة، ودارت جواب إذا، والعفاة جمع عاف، أى طالب المعروف، كقاض وقضاة، والمغالق جمع مغلق بالغين المعجمة، وهوالقدح فى الميسر، والقمع: اسم جمع وهى رأس السنام، والعشار النوق الحوامل التى أتى لها عشرة أشهر، والجلة بالكسر السمان من الإبل. وقرأ عبيد بن عمير: مطهرة بتشديد الطاء وكسر الهاء مشددة والأصل متطهرة أبدلت التاء طاء فأدغمت فى الطاء بعدها. قال بعض العرب: ما أحوجنى إلى بيت الله فأطهر به تطهرة، وفى هذا الكلام دليل على جواز لحوق التاء للمصدر الذى على وزن التفعل ولو كان صحيح اللام إذا أريدت الوحدة مثل تعلم تعلمة. وإن قلت لم لم يقل طاهرة أو متطهرة؟ قلت: لأن مطهرة أبلغ، لأن معناه أن غيرهن قد طهرهن، وما هو إلا الله - عز وجل - وأما طاهرة ومتطهرة فمعناهما طاهرات، لا إن مطهراً طهرهن، ومتطهرة: أبلغ من طاهرة، لأن التفعل للكسب والعلاج، فكأنهن قصدن الطهارة، وبالغن فيها، وكذلك قرأ به عبيد لكن أدغم. وليس طعام الجنة وشرابها لدفع الجوع والعطش وألمهما، ولا لحفظ البتة عن الفساد والموت، ولا الجماع فى الجنة لتناسل وإبقاء النوع الإنسانى، للاستغناء فى الجنة عن ذلك، بل ذلك كله للتلذذ والتنعم، وإظهار قدرة الله ونعمته ووعده أكمل إظهار. {وهم فيها خالدون}: دائمون أبدا لا تفنى ولا يفنون، ولا يخرجون منها للآيات والأحاديث الدالة على ذلك، وإلا فالخلود الثبوت الدائم والثبوت الطويل، دون دوام، فهو الثبوت الطويل دام أو لم يدم. ويجوز تفسيره بمطلق الثبوت الطويل، دون تعرض لدوام وغيره، ويستفاد الدوام من الأحاديث وسائر الآيات. والجمهور يفسرون الخلود فى الآية بالدوام، ولولا لفظة أبدا فى قوله:{أية : خالدين فيها أبدا}تفسير : لم تكن الآية نصاً فى خلود العصاة الفسقة من الموحدين، ومن استعمال الخلود بمعنى الثبوت الطويل تسمية القلب خلدا، بفتح الخاء واللام، وقوله تعالى:{أية : أخلد إلى الأرض}،تفسير : وقول الشاعر: شعر : لن تزالوا كذلكم ثم لا زلـ ــت لكم خالدا خلود الجبال تفسير : وقولهم للأثافى، وهى الحجارة التى تنصب عليها القدور خوالد، وللأحجار التى تبقى بعدد رءوس الأطلال. ولو كان موضوعاً للدوام لكان لفظ أبدا تأكيداً للخلود إذا ذكر معه والأصل عدمه، فلا يحمل على خلاف الأصل بلا دليل، بل قام الديل على أنه لمطلق الثبوت الطويل، وكذا لو جعل الخلود موضوعاً للثبوت الدائم، وموضوعاً للثبوت غير الدائم، على طريق الاشتراك، كوضع القرء للحيض ووضعه للطهر، لكان اشتراكاً والأصل عدمه، فلا يحمل عليه بلا دليل، ولو جعلناه مجازا فالثبوت غير الدائم لكان ذلك أيضاً خلاف الأصل بلا دليل، فلم يبق إلا أن يقال موضوع لمطلق الثبوت الطويل من يعتبره فى وضعه الدوام ولا عدمه، كما وضع الجسم لنقيض العرض لا باعتبار كونه حياة أو مواتا. وأعلم أن معظم اللاذت المطعم والمنكح والمسكن، فأعطاهن الله الرحمن الرحيم أهل الجنة، وأتمها بالخلود الدائم، لأن النعمة الجليلة إذا كانت تزول فهى غير تامة وهى منفضة، وإن قلت: كيف يكون جسم الإنسان والحور والجن وأشجار الجنة وبناؤها دائماً، مع أنه مركب والتركيب داعى الانحلال، ولا سيما الإنسان، فإن اجزاءه متضادة الكيفية فتستحيل؟ قلت: إنما كان التركيب داعى الانحلال والأجزاء مضادة الكيفية يجعل الله سبحانه إياها كذلك، فاذا أراد جعل التركيب غير داع للانحلال، وجعل تضاد الكيفية غير داع للاستحالة، بل يجعلهما داعيين للانعقاد والدوام، أو يبعث الإنسان غير مضاد الكيفية وبيعته ومتقادمها ومتساويها متعانقها لا يغلب بعض بعضاً، ولا ينافر بعض بعضا، لكن كلامنا فى هذا هجوم على الغيب بمجرد ما ألفته عقولنا القصيرة. ومن كانت أشجاره قليلة الإثمار فليصم الخميس ويفطر فى المغرب على هندبا، ويصلى المغرب، ثم يكتب هذه الآية: {وبشر الذين آمنوا} إلى {خالدون} فى قرطاس، ولا يتكلم ويمضى إلى شجرة تكون فى وسط البستان ويعلقها عليها، فإن كان فيها ثمر فليأكل منها واحدة، وإن لم يكن لها ثمر فليأكل ورقة من ورقها، وإن لم يكن لها ورقة فليأكل من ثمر مثلها، ويشرب عليها ثلاث جرعات من ماء، وينصرف، فإنه يرى ما يسره من حسن الثمرة والبركة إن شاء الله.

اطفيش

تفسير : {وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُوا} بالله، وبأن القرآن منه، عز وجل، أخبرهم إخبارا يظهر الفرح بها على أبشارهم، أى جلودهم، والتبشير أخص من الإخبار، لأنه أولا بالخير، والإخبار أولا وغير أول، وبالخير وغيره {وَعَمِلُوا الصَّٰلِحَٰتِ} من الفرائض ولا بد، أو مع النقل إن كان، ومن العمل الصالح ترك المعاصى، لأن تركها جبذ النفس عنها، وهو عمل إن قارن جبذها عمل الجارحة، وذلك الترك تقوى، ومن التقوى أداء الفرض، وأل فى الصالحات للجنس فتصدق بعملين، وبعمل واحد فى شأن من لم يدرك من حين كلف إلا ذلك، كمن بلغ ومات عن قريب، أو أسلم كذلك، أو مات قبل نزول سائر الفرائض، ومن عمل قليلاً فجنّ، ولا يخفى أنه من مات قبل أن يعمل شيئاً ما من الأعمال لسرعة موته أو نحوه يدخل الجنة {أَنَّ لَهُمْ} أى بأن لهم، أو ضمن بشر معنى الإِعلام {جَنَّٰتٍ} حدائق، فيها كل صنف من الثمار حت ما لا يؤكل، كالحنظل يحلوفيها، وفيها مساكن وقصور {تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا} تحت أشجارها ومساكنها، والجنة الأرض كما رأيت، بتقدير مضاف، وإن شئت فلا تقدر، بل اردد الضمير إلى الأرض، والمراد به الأشجار استخداما، وإن أريد الأرض والشجر فالضمير عائد إليها باعتبار جزئها، أو تحتها جانبها {الأَنْهَٰرُ} تنبع من تحتها، ولم تجىء من محل آخر، أو جاءت من بحر غائرة فى الأرض حتى إذا وصلت الجنات نبعث ظاهرة، وجرت على وجه الأرض فى غير أخدود، وحصباؤها درّ وياقوت، أو بعض تجرى من بعيد تحتها، وبعض تنبع تحتها، والنهر والبحر أرض، وذلك لأن الماء ينهره، أى يوسعه، والجرى للماء، وأسند لمحله، والنهر مجمع الماء الذى يجرى الماء منه إلى غيره، وإن قلنا النهر الماء الجارى فى متسع فلا مجاز، وأل للحقيقة، أو للعهد فى قوله، فيها أنهار، أو نابت عن الضمير {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا} من الجنات {مِنْ ثَمَرَةٍ} حال من قوله {رِّزْقاً} أى شيئاً مرزوقاً، ورزقاً مفعول ثان، ومن للبيان، أى رزقا هو ثمرة لا بدل بعض، لأدائه، إلى حذف الرابط ولإفرادها، ولا يرزق من الثمرة، ولأدائه إلى استعمال النكرة فى الإثبات للعموم الشمولى مع وجود التخلص من ذلك، ولا بدل اشتمال، لأن الثمرة بعض الجنة، لا شىء غيرها ملابس لها، ولأدائه إلى استعمال النكرة فى الإثبات للشمول، ولو قيل به فى علمت نفس، والثمرة الإفراد أو الأنواع، وما مصدرية، وكل ظرف لإضافته للمصدر النائب عن الزمان، أى كل رزق منها، بفتح الراء على المعنى المصدرى، متعلق بقوله {قَالُوا} أى يقولون كل وقت رزق منها {هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} فى الدنيا أوفى الآخرة، ولا يزالون يقوولون هذا الذى.. إلخ، أى مثل الذى رزقناه من قبله، فى ظنهم بحسب اللون والصورة، وإذا أكلوه وجدوا طعمه غير طعم الأول وأحلى، وكل طعام أفضل مما قبله أبدا، فإذا رزقوا الرزق الأول فى الجنة قالوا، هذا الذى رزقنا به فى الدنيا، وإذا رزقوا ثانيا قالوا، هذا الذى رزقناه فى الجنة قبل، وهكذا إلى ما لا نهاية له، وقيل، ذلك كله فى الآخرة لم يدخل فيه ما فى الدنيا، ولا دليل على أن المراد بالذى رزقنا من قبل هو الأعمال الصالحة فى الدنيا، تسمية للسبب باسم المسبب {وَأُتُوْا بِهِ} أى أتاهم الملائكة به، أو الولدان كقوله تعالى {أية : يَطُوفُ عَلَيهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُون...} تفسير : [الواقعة: 17] إلخ أو تارة الملائكة، وتارة الولدان {مُتَشَٰبِهاً} يشبه بعضه بعضا لونا، ويختلف طعما، أخبرنا الله يتشابه اللون تلذيذا لنا بغرابة تشابه اللون واختلاف الطعم، وذلك مدح للجنة، أو متشابها لونا وطعما، إلا أن الطعم متفاوت، فضلا، قال الحسن: إن أحدهم يؤتى بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول، هذا الذى رزقنا من قبل، فتقول الملائكة، اللون واحد والطعم مختلف، وعنه صلى الله عليه وسلم، "حديث : والذى نفس محمد بيده، إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمر ليأكلها، فما هى واصلة إلى فيه حتى يبدل الله مكانها مثلها"تفسير : ، فيجوز أن يحمل التشابه، وهذا الذى رزقنا من قبل على هذا {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ} حور عين وآدميات أفضل منهن، وللجن جنيات وحور، والجمع للقلة، والمراد الكثرة، وقيل لغة تميم، وكثير من قيس، قال الفرزدق: شعر : وَإِنَّ الَّذِى يَسْعَى لِيُفْسِدَ زَوْجَتِى كَسَاعٍ إِلَى أُسْدٍ الشَّرَى يَسْتَمِيلُهَا تفسير : {مُّطَهَّرَةٌ} منزهلة عن أن يكون فيهن الحيض أو شعر الإبط، أو شعر العانة أو نتن أو بلل مستقذر، أو بول، أو غائط، أو سوء خلق، كما هم طهروا كذلك والمطهر لهن الله تعالى، وليس ذلك جمعا بين الحقيقة والمجاز، إذ كان التطهير فى الآدميات والجنيات إذهاب نحو الحيض منهن بعد إذ كان، أو تأهلهن له ولم يكن، وفى الحور من أول الأمر، لأن المراد تحصيلهن طواهر هكذا، وليس فى ذكر الزوجات ما يدل على الولادة فى الجنة، فقيل: لا ولادة فيها، وهو المشهور، وقيل بها {وَهُمْ فيها خَٰلِدُونَ} لا يخرجون ولا يموتون، ولا نزول بعض حواسهم وأجسادهم، ولا بعض قواهم، ولا تصيبهم آفة، ولا تفنى الجنة والنار وأهلهما، كما زعمت الجهمية، قبحهم الله عز وجل، لأنه ليس فى دوامهما اشتراك مع الله فيه، لأن دوامه غير دوامهم، فإنه بالذات، ودوامهم بإدامته، وأنفاس أهلهما مع دوامهما معلومة له، بل قيل، يقال، إن معلوماته محصورة عنده مع أنها لا تنقضى، وذلك من كمال قدرته ومخالفته للخلق، فلا يلزم الجهل له تعالى بدوام أنفاس أهلها، والنصوص دلت على ذلك، ولو كان لأهل الجنة فناء لاغتمّوا ولم تتخلص لذاتهم، ولفرح أهل النار، وليس لهم فرح. روى عن ابن عباس وابن مسعود. أن رجلين من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين، فأصابهما هذا المطر الذى ذكر الله فيه رعد وبرق وصواعق، فجعلا كلما أصابتهما الصواعق جعلا أصابعهما فى أذانهما من الفرَق أن تدخل الصواعق فى مسامعهما، فتقتلهما، وإذا لمع البرق مشيا إلى ضوئه، وإذا لم يلمع لم يبصرا ولزما مكانهما، فجعلا يقولان، ليتنا قد أصبحنا فنأتى محمداً فنضع أيدينا فى يده، فأتياه مكانهما، فجعلا يقولان، ليتنا قد أصبحنا فنأتى محمداً فنضع أيدينا فى يده، فأتياه فأسلما، ووضعا أيديهما فى يده، وحسن إسلامهما، فضرب الله شأن الرجلين مثلا للمنافقين الذين بالمدينة. وكان المنافقون إذا حضروا مجلس النبى صلى الله عليه وسلم جعلوا أصابعهم فى أذانهم فرَقا من كلام النبى صلى الله عليه وسلم، أن ينزل فيهم شىء، أو يذكروا بشىء فيقتلوا، كما يجعل الرجلان أيديهما فى أذانهما، وإذا أضاء لهم مشوا فيه، إذا كثرت أموالهم، وأصابوا غنيمة وفتحا مشوا فيه، وقالوا، إن دين محمد صدق، واستقاموا، كما يمشى الرجلان فى البرق، وإذا أظلم عليهم قاموا، إذا هلكت أموالهم وأولادهم وأصابهم البلاء قالوا: هذا لدين محمد وكفروا، كما يمسك الرجلان من المشى إذا زال البرق، قيل: لما مثل الله حال المنافقين بالذى استوقد نارا، وبالصيب من السماء المنافقون، الله أجل وأعلى من أن يضر هذه الأمثال، فأنزل الله عز وجل: {إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاَ مَّا بَعُوضَةً} ما نعت لمثلا ولو كان جامداً، لأن معناه حقير أو كائن ما كان، وهو مشهور، بذلك مستعمل فيه كثيراً بخلاف بعوضة فلا يكون نعتاً لأنه جامد، ولو قصد به الوصف، لأنه لم يشهر، أو لم يرد، لا يقال، جاء رجل بعوضة، بل بعوضة مفعول أول ليضرب، ومثلاً مفعول ثان له، لأنه بمعنى صيّر، وإن عدّى لواحد، فمثلا مفعول وبعوضة بدل أو مفعول، ومثلا حال {فَمَا فَوْقَهَا} إلى قوله هم الخاسرون للدنيا وأهلها، فإن البعوضة تحيا ما جاعت، وإذا امتلأت ماتت، ومن امتلأ من الدنيا هلك أو لأعمال العباد يجازى على القليل منها، والصحيح ما ذكر عن ابن عباس، رضى الله عنهما، أنه ذكر الله سبحانه أصنام المشركين، فقال { أية : وَإِن يَسلبهم الذباب شيئاً} تفسير : [الحج: 73] وذكر كيدها، وجعله كبيت العنكبوت، فقالوا، كيف ينزل الله ذكر الذباب والعنكبوت فنزلت الآية {إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحِى} وعن الحسن، لما نزلت { أية : يَٰأَيها الناس ضرب مثل} تفسير : [الحج: 73] قال المشركون: ما هذا من الأمثال، فنزل، إن الله لا يستحيى وفيه أن ذكر المشركون لا يلائم كون الآية مدنية، ويجاب، بأنهم منافقون فى المدينة، يقولون ذلك فيما بينهم، وهم مشركون فى قلوبهم، وعن ابن عباس، لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت قيل، ومستوقد النار، قال اليهود: ما أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة فنزل، إن الله لا يستحيى... إلخ، أى لا يترك، لقول اليهود والمشركين تصير البعوضة فما فوقها فى الصغر كجناحها مثلا، أو فى الكبر كائناً من كان، ويصير المثل شيئاً ما بعوضة فما فوقها، وإذا ضرب ما زاد على البعوضة فى الصغر فأولى أن يضربه بما فوقها فى الكبر كالذباب والعنكبوت، والحياء إنكسار وانقباض عن عيب، والله منزه عن ذلك، فيحمل فى حقه على لازم ذلك، وهو الترك فالاستحياء من الله التركن تعبير باللازم، لأن حقيقته ينزه الله عنها، وهى انكسار يعترى لإنسان لخوفه من أن يعاب بما فعل، أو أراد فعله، وهو مشتق من معنى الحياة، لأنه يؤثر فى القوة، ولا يحسن أن يبقى على ظاهره، ويوكل أمره إلى الله عز وجل، وقد ألهمنا تأويلا صحيحاً بلا تكلف، ولا أن يقال، هو بظاهره بلا كيف، لأنه كفر، والخجل حيرة النفس لشدة الحياء وقيل قبل الفعل، والخجل بعده {فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ} أى المثل هذا أولى، لأنه أقرب. أو الضرب لأنه مصدر لفعل مقرون بأن، وليس من باب اعدلوا هو أقرب، ويبعد عوده لترك الاستحياء، وأبعد منه عوده للقرآن {الْحَقُّ} الثابت أو خلاف الباطل حال كونه {مِنْ رَّبِّهِمْ} أو الحق الصادر من ربهم {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} يهود وغيرهم {فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً} من حيث التمثيل إنكاراً أو تعجباً من صحته مثلاً وهذا برهان على أنهم لا يعلمون، إذ لا يقوله من يعلم فهو أبلغ من قولك وأما الذين كفروا فلا يعلمونه حقّاً، وأجابهم الله عز وجل، ونصب مثلا على التمييز كما رأيت من اسم الإشارة، لجواز تمييزه وتمييز الضمير إذا كانا مبهمين، أو حال منه {يُضِلُّ بِهِ} بالمثل {كَثِيراً} من الناس، يصيرهم ضالين لكفرهم به {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} لتصديقهم، فإن التصديق هداية من الله عز وجل {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَٰسِقِينَ} من سبق القضاء عليه بأنه يموت على فسقه، الذى هو شرك، ومن لم يؤمن به وسيؤمن فإن إنكاره فسق يتوب منه، والسعيد فى حال فسقه فاسق عند الله عز وجل بما فعل لكنه فى ولاية الله عز وجل بما علم أنه يتوب، فهو فاسق فى الحال يفعله، ومسلم فى الأزل وما بعده لسعادته، وليس المراد أنه مسلم كافر عند الله باعتبار واحد، ولا أنه اجتمع فيه إيمان وكفر فى حال واحد، ولا تقدر أن تقول هو فى حال فعله للكبيرة أن فعله هذا مباح، ولا أنه طاعة، ولا غير ذنب ولا غير فسق، ولا غير كفر، وكل خروج عن الشىء فهو فسق إلا أنه لا يطلق حيث يوهم، والهداية والإضلال يتجددان ويزدادان، فإن شئت فقل: يزيد به هدى وإضلالا، وقدمه، لأن الكلام فى الرد على الضالين، وقولهم، ماذا أراد الله ناشىء عن الضلال، وما فى القرآن سبب له، ولذلك أكده بقوله، وما يضل به إلا الفاسقين، فيكون بدأ به وختم به.

الخليلي

تفسير : مضت سنة الله في خطابه لعباده أن يشفع الترهيب بالترغيب، ويجمع بين الوعد والوعيد لتربية النفس الإِنسانية وإيقاظ أحاسيسها بالتشويق تارة، وبالتخويف تارة أخرى، لأن كلا الأمرين حافز إلى فعل الخير، وواق من ارتكاب ضِدِّه، والناس متباينون في طبائعهم، فمنهم من هو أسرع تأثرا بالتشويق، ومنهم من يتأثر بالتخويف، ومنهم من يدفعه التشويق إلى المسارعة إلى الخيرات، ويمنعه التخويف من ارتكاب الموبقات، وإصلاح النفس الإِنسانية هو المقصد الأساسي للقرآن، فلذلك جاء خطابه بما يتسع لأحوال الناس جميعا. هذا وذكر إمام المعاني جار الله الزمخشري أن هذا العطف هو عطف جملة ثواب المؤمنين على جملة عقاب الكافرين، والتبس كلامه على أبي حيان الأندلسي فحمله في تفسيره "البحر المحيط" على أن مراده به عطف الجملة على الجملة، وهذا الذي دعا أبا حيان إلى تبرير التعاطف بين الجملتين مع كون المعطوفة إنشائية، والمعطوف عليها خبرية، وبناه على رأي من لا يشترط اتحاد الجملتين في الإِنشاء أو الخبر لجواز عطف إحداهما على الأخرى، وأورد شواهده القاضية بصحته، والزمخشري لم يقصد ما فهمه أبو حيان، ولم يرد بالجملة الجملة الإِصطلاحية عند علماء العربية، وإنما أراد بها مجموعة من الكلام مشتملة على جُمَل، وقصده واضح، وقد فصل كلامه تفصيلا السيد الجرجاني بحيث لم يترك أي لبس حوله، فالمعطوف هنا جملة الكلام الخاصة بثواب المؤمنين، والمعطوف عليه جملة الكلام الخاصة بعقاب الكافرين مع غض النظر عما اشتمل عليه كل من المعطوف والمعطوف عليه مما يسمى جملة في الإِصطلاح، والتناسب بين المتعاطفين ما بينهما من التقابل، وسمى السيد هذا العطف عطف قصة على قصة، وسبق الحديث عنه في قوله عز وجل: {وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِٱللَّهِ..} "الآية". واختُلف من أين تبدأ القصة المعطوف عليها، فذهب السيد الجرجاني إلى أن بدايتها قوله: {وإن كنتم ..} وذكر الألوسي عن بعضهم أنه أقضى لحق البلاغة، وأدعى لتلاؤم النظم لأن بداية الكلام وهي: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ} شاملة لفريقي المؤمنين وغيرهم، ثم خوطب غير المؤمنين بقوله {وإن كنتم} وهو خطاب يتضمن الإِنذار وعُطف عليه خطاب المؤمنين بقوله: {وبشر ..} ومعناه البشارة المقابلة لما في خطاب الطائفة الأولى من الإِنذار، ومعنى ذلك أن الله سبحانه أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس جميعا إلى عبادة الله، ثم أمره أن ينذر المعاندين ويبشِّر المؤمنين، وذهب السعد التفتازاني إلى أن بدايتها من قوله: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} لأن السياق لوصف حال الكفار وبيان منقلبهم، وهذا هو الذي يتلاءم مع ما اخترته من قبل وهو أن الخطاب في قوله: {وإن كنتم} يتوجه إلى جميع الفئات المخاطبة بقوله: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ}، وجوز الزمخشري أن يكون العطف على: {اتقوا} واعترض من وجهين: أولهما: أن العطف يقتضي جواز حلول كل من المعطوف والمعطوف عليه محل الآخر، ولا يجوز حلول بَشِّر مكان اتقوا. ثانيهما: أن الأمر لا يعطف على أمر آخر مع عدم اتحاد المأمور إلا مصحوبا بالنداء كما نص عليه النحويون. ويدفع الأول أن المتعاطفين لا يشترط جواز تعاقبهما بحيث يحل المعطوف مكان المعطوف عليه، والدليل عليه قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}، حيث عطف الاسم البارز - وهو الموصول - على الضمير المتصل، ولا يصح تقديم الموصول وعطف الضمير عليه بالإِجماع، وقد ورد نحوه كثيرا في القرآن، وكذا في الكلام العربي الفصيح منثوره ومنظومه، كما يدل عليه قولهم: "رب رجل وأخيه لقيتُهما" مع عدم جواز تقديم أخيه على رجل بالإِجماع في هذا المثال، لما يترتب عليه من عدم وجود معاد للضمير، ودخول رب على المعرفة وهي لا تدخل إلا على النكرات، وهذا الذي ذكرته يغني عما أجاب به بعضهم من أن كلا من {اتقوا} و{بشر} مترتبان على أمر واحد وهو ظهور معجزة القرآن، وتكذيب المعاندين بها، وتصديق المؤمنين، والتكذيب هو الذي ترتب عليه الوعيد، كما أن التصديق هو الذي ترتب عليه الوعد. وأجيب عن الثاني بأن جواز عطف أمر على أمر مع اختلاف المأمورين حال النداء؛ لظهور المراد بكلا الأمرين بقرينة النداء، دليل على جواز ذلك عند وضوح المراد بأية قرينة أخرى، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ} تفسير : [يوسف: 29]، فإن القرينة هنا ما دخل على الأمر الثاني من علامة التأنيث، ومثله التفاوت بين الأمرين هنا، فأولهما جاء بصيغة الجمع، وثانيهما بصيغة الإِفراد، وذلك كاف في الدلالة على ما يراد بكل منهما. ومن التكلف الظاهر تجويز السكاكي في المفتاح كون {بشر} معطوفا على قل مقدر قبل {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ}، ومثله قول القزويني في الإِيضاح أنه معطوف على أنذر مقدر بعد {أعدت للكافرين} أي فأنذر الذين كفروا، وبشر الذين آمنوا، ولست أدري ما الداعي إلى حمل القرآن على هذه المسالك الملتوية مع وضوح الوجه الأول الذي قاله الزمخشري، وعدم تعذر الوجه الثاني وإن ذهب السيد الجرجاني إلى أن مذهب القزويني أصح المذاهب بعد الوجه الأول مما في الكشاف. والتبشير الإِخبار عن المحبوب، فهو مضاد للإِنذار، واشترط بعضهم عدم علم المبشَّر بالنبأ السار الذي يبشر به، وهو الذي اعتمده الزمخشري، وعليه فمن حدث أحدا حديثا يَسُرُّه، والمحدَّث عارف به فهو إخبار وليس بتبشير، والصحيح أنه تبشير على كلا الحالين، لأن الله سبحانه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم هنا أن يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالجنات ونعيمها، مع أنه تقدم في القرآن المكي تبشيرهم بذلك، فهم ليسوا على جهل بما به يبشَّرون، وإنما يزدادون بتجديد التبشير نشاطا في السعي إلى الخير، وتوقيا من الوقوع في المهلكات. وقد سبق الكلام في الإِيمان وبيان أن ماهيته الشرعية تشمل الأعمال الصالحة التي يقتضيها توحيد الله تعالى، وهو الذي حكى العلامة ابن تيمية - كغيره - إجماع السلف عليه، وروى أبو القاسم اللالكائي عن البخاري أنه اجتمع بنحو ألف من أئمة السلف فلم يكونوا يختلفون في ذلك، ومع هذا فإن جل المفسرين استدلوا بعطف العمل الصالح على الإِيمان على تغايرهما، لعدم جواز عطف الشيء على نفسه، وأرى أن الأقرب إلى ما تقتضيه الأدلة القرآنية والحديثية ما أفاده الإِمام ابن تيمية، وهو أن الإِيمان إذا أطلق فمدلوله العقيدة والعمل معا، وإذا عُطف عليه العمل كما في هذه الآية فيحتمل أن يكون من باب عطف الخاص على العام، وأن يكون المراد به العقيدة وحدها، كما أن المسكين والفقير إذا أفرد أحدهما كانا صنفا واحدا، وإذا عُطف أحدهما على الآخر كانا صنفين، ومثله يقال في الألفاظ التي تتحد مدلولاتها كالبر والتقوى والمعروف، وكالإِثم والعدوان والمنكر، وهذا لا ينافي أن يكون مقر الإِيمان القلب لأن صلاح الجسد متوقف على صلاح القلب، كما في حديث النعمان بن بشير الذي أخرجه البخاري: "حديث : ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ". تفسير : والأمر بتبشير المؤمنين يجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن يكون لكل من يصلح للتبشير، وهذا إذا لم يُقصد بالخطاب معين، نحو قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: "حديث : بشر المشائين في الظلم الى المساجد بالنور التام يوم القيامة"تفسير : ، والوجهان جائزان في كل ما كان مثله في القرآن، كقوله تعالى: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الحجر: 49]، وقوله: {وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ} وقوله: {وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} وقوله: {وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ}. والأعمال جمع عمل وهو ما يزاوله العامل، واختلف في شموله للترك، وبناء على الشمول يكون اجتناب المعاصي داخلا في الأعمال الصالحة، وعلى عدمه فاجتنابها يفهم قصده بذكر الأعمال الصالحة بحسب ما تقتضيه القرائن، والصحيح عدم الشمول، لأن تفسير العمل بالمزاولة ينافي أن يراد به الترك، هذا من حيث مدلول لفظ العمل اللغوي، وأما من الناحية الشرعية فالقرائن هي التي تدل عند إطلاق العمل الصالح على قصد فعل الحسنات واجتناب السيئات معا لأن تقبل الأعمال موقوف شرعا على اجتناب محبطاتها من الكبائر، بدليل قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [المائدة: 27]، وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} تفسير : [الحجرات: 2]، وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِٱلْمَنِّ وَٱلأَذَىٰ} تفسير : [البقرة: 264]. شمولية الصالحات لعمل الخير: والصالحات جمع صالحة، والأصل أنها صفة لموصوف؛ ولكن أجريت مجرى الأسماء، فلذلك أطلقت من غير تقدير محذوف قبلها، ولعل التاء فيها لنقلها من الوصفية إلى الإِسمية، ومثلها الحسنة والسيئة، فإن كلا منهما تطلق على ذات العمل من غير تقدير موصوف وقد ورد في الكلام العربي إطلاق الصالحة على حقيقة العمل، ومنه قول الحُطَيْئَة: شعر : كيف الهجاء وما تنفك صالحة من آل لام بظهر الغيب تأتيني تفسير : وتصدق الصالحات على كل ما يُطلب فعله سواء كان طلبه جازما - وهو الواجب - أو غير جازم - وهو المندوب - وكذلك اجتناب المنهيات - إذا عد من عمل الصالحات - يدخل فيه ما كان النهي عنه جازما - وهو المحرّم - أو غير جازم - وهو المكروه - ودخول المندوبات والمكروهات في ذلك بطريق التبعية. والتعريف في الصالحات للجنس لعدم قصد صالحات معينة، اللهم إلا أن يراد بها ما سبق التنويه به من صفات المؤمنين فيما أنزل قبل من السور، كقوله تعالى في سورة المؤمنون: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ..} إلى {.. أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْوَارِثُونَ}، وقوله في سورة المعارج {إلا المصلين ..} إلى {.. أُوْلَـٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ}، وقوله في سورة الفرقان {وعباد الرحمن ..} إلى {.. أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ}، وبناء على أنه للجنس فالمراد بها ماهية الأعمال الصالحة، وتصدق على الواحد فصاعدا إن كان اللفظ الدال عليها مفردا، وعلى الثلاثة فأكثر إن كان جمعا كما في هذه الآية، وليس من المعقول أن يستوعب الإِنسان الواحد صالحات الأعمال على اختلافها؛ لعجز الطاقة البشرية عن استيعابها، كما أنه ليس من المعقول أن يكتفي منها بثلاثة أعمال فحسب، وإنما تختلف الواجبات باختلاف أحوال المكلفين، فمن البدهي أن تراعى الفوارق بين حالات الغنى والفقر، والسعة والضيق، والسفر والحضر كما تراعى فوارق الذكورة والأنوثة، فالتكاليف تختلف باختلاف هذه الأحوال جميعها، فالغني ينوء بما لا ينوء به الفقير منها، وكل من الرجل والمرأة مخصوص بتكاليف معينة بحسب نوعهما، فوق التكاليف العامة التي يشتركان فيها، وهكذا يقال في الحاضر والمسافر، وهلم جَرَّا، وإنما مصدر بيان هذا كله الشريعة الغراء التي نزل بها الكتاب العزيز، ووردت بها السُّنَّة المطهرة، ولا يحكم على العمل بالصلاح أو غيره إلا بمقاييسها، وهي بحمد الله جامعة لحكم كل شيء إما تفصيلا وإما إجمالا، والجزئيات غير المنصوص عليها تستفاد أحكامها بالرجوع إلى القواعد العامة، ولا دخل للعقول والعادات والأعراف في شيء من ذلك. الشريعة ميزان الأعمال: ولا ريب أن الفطرة السليمة تهدي إلى الخير وتدعو إلى الصالحات غير أنها لا تكفي لأن تكون مصدر الأحكام، وموئل الاحتكام، لأنها كثيرا ما تتأثر بالمؤثرات المختلفة، ومن هنا كان اتصال الإِنسان بخالقه تعالى لا يكون إلا بطريق ما شرعه من الأحكام بوحيه المنزل، ولذا لم يوكل الناس إلى عقولهم في تمييز الخير من الشر، والنفع من الضر، فقد يستحسن عقل ما يستهجنه آخر، وتستسيغ فطرة ما تأباه فطرة أخرى، وهذا لتأثير العوامل التربوية والاجتماعية والشخصية على نفوس الناس، وكثيرا ما تكون البيئة عاملا مهما من هذه العوامل، ومن ثم تختلف أحوال مجتمعات الناس في استحسان الأمور واستقباحها، ولأجل ذلك كان ميزان الأعمال الذي يفرز الصالح من غيره هو كتاب الله وسنة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام. ورُوِيَتْ عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ومَن بعدهم من مفسري التابعين أقوال في المراد بالصالحات، منهم من قال إنها الإِخلاص، ومنهم من ذهب إلى أنها الجمع بين العلم والنية، والصبر والإِخلاص، وذهب بعضهم إلى أنها الصلوات الخمس، وقال آخرون هي الأمانة، وذهبت طائفة إلى أنها التوبة، ولا تعد هذه آراء مختلفة، وإنما ذلك كله من أمثلة الأعمال الصالحة، وقد تكرر في هذا التفسير عدم اعتبار مثل هذا خلافا، وإنما كانت تختلف إجابات الصحابة وغيرهم باختلاف أحوال السائلين أو السامعين، فتارة يكون اللائق بالمقام الحض على الصلوات الخمس لتهاون السائل أو المستمع بها، وتارة يكون الأجدر الحث على الأمانة للتقصير فيها، وتارة تدعو الحال إلى التذكير بالإِخلاص أو بالتوبة، وتفسيرنا للصالحات بأنها ما وافق الكتاب والسُّنَّة يجمع جميع ما قالوه. وهذا التبشير إنما هو للمؤمنين حقا الذين انعكس إيمانهم على أعمالهم، فلا يأتون شيئا ولا يذرونه إلا بحسب تعاليم الحق التي نزل بها الكتاب المبين، وفصلها الرسول الأمين صلوات الله وسلامه عليه، وبيان استحقاقهم هذا الثواب لم يكن إلا من طريق الوحي، إذ لا دخل للعقول في مثل ذلك خلافا للمعتزلة القائلين بأن الوحي لا يكون إلا مؤكدا لما يدل عليه العقل، وأن مثوبة الله لعباده واجبة عليه لهم إن قاموا بما فرضه عليهم من الأعمال، والحق أن المثوبة ليست إلا محض فضل من الله، وأن طاعة العبد لربه واجبة على أي حال، ولو لم تكن تترتب عليها مثوبة، وليست موجبة على الله تعالى شيئا، فالله يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، وبحسب الإِنسان هذه الآلاء التي يسبح في خضمها منذ بداية نشأته وإلى انتقاله إلى الدار الآخرة، داعيا ملحا إلى استنفاد الجهد واستفراغ الطاقة في طاعته تعالى، ولو أن نعمة من أبسط هذه النعم قوبلت بأعمال الناسك الأواب الذي وقف حياته كلها على عبادة ربه، ولم يترك شيئا مما في وسعه من الطاعات إلا فعله، ولا شيئا من المنهيات إلا جانَبَهُ لذهبت تلك النعمة بهذه الأعمال كلها، فما بالك بهذا البحر الواسع من النعم، مع أن التوفيق لصالحات الأعمال هو نفسه من أجل الآلاء وأوسع المنن بحيث لا يمكن لإِنسان أن يفي بشكره على أي حال. والجنات جمع جنة وهي الحديقة ذات الشجر الملتف بعضه على بعض مأخوذة من جن بمعنى ستر، لأن شجرها ساتر لأرضها ولمن كان داخله، واشتقاقات هذه الكلمة كلها دالة على الستر كالجنون والجنين والجن والجنان، فالجنون ساتر للعقل، وسائرها مستورة، وتطلق الجنة على الشجر نفسه، كقول زهير: شعر : كأن عيني في غربي مقتلة من النواضح تسقي جنة سحقا تفسير : فإن مراده بالجنة النخل، ومن العلماء من ذهب إلى أن اسم الجنة لنفس الشجر لا للأرض ذات الشجر. وفي تشويق الله سبحانه وتعالى إلى الدار التي أعدها للأبرار يوم القيامة، وتسميتها جنات تنويه بقيمة النباتات وعظم نفعها، ففي تلك الدار قصور شامخة لا يتصور العقل علوها، غير أن الله سبحانه لم يسمها المدينة أو نحوه من الأسماء الدالة على المباني، وإنما سماها جنة، وهذا لأن كل شيء يألف ما كان إلى جنسه أقرب، ويشتاق ما كان إلى وصفه أدنى، والإِنسان والنبات مشتركان في الحياة وإن اختلف نوع الحياتين، بعكس المباني فإنها وإن راقت للعين بزخرفها وأبهجت النفس بتشكيلها لا تجامعهما في صفة الحياة، وبجانب ذلك فإن تنوع النباتات واختلاف صنوف الشجر مما يزيد النفس سرورا والعين قرارا، فلذلك خصت دار الثواب بهذا الاسم، وهي ذات مراتب متفاوتة تفاوت أصحابها في الأعمال. والجريان سرعة سيلان الماء ويطلق على العَدْو السريع من الإِنسان وغيره، ورأي العلامة ابن عاشور أنه موضوع للعَدْو السريع، وأن إطلاقه على سيلان الماء مجاز، والشائع خلاف ما قال. والأنهار جمع نَهَر - بالتحريك - وهي اللغة الفصحى، وقد تُسَكَّن الهاء، ويدل على فصاحة التحريك، قوله تعالى: {أية : فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} تفسير : [القمر: 54]، ويلائمه الجمع على أنهار، لأن أفعالا جمع لكل اسم ثلاثي إلا ما كان مفتوح الفاء ساكن العين، فيجمع على أفعل كأنهر، ولم تأت هذه الصيغة في القرآن، وكفى بذلك دليلا على رجحان التحريك. وأصل النهر السعة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أنهر الدم" تفسير : أي وسع الجرح حتى أسال الدم، وسمي به المجرى الواسع للماء، وهو فوق الجدول ودون البحر، ومنهم من يرى أنه الماء الجاري نفسه، وعلى الأول فإسناد الجريان إليه من باب المجاز العقلي للملابسة بين الماء ومجراه، ويجوز أن يكون من باب المجاز اللغوي والعلاقة إطلاق اسم المحل على الحال، وعلى الثاني فالإِسناد حقيقي. وقد تردد ابن عطية بين هذين القولين، فبينما هو يقول: "والأنهار المياه في مجاريها المتطاولة الواسعة"، إذا به يقول بعد بضعة أسطر "ونسب الجري إلى النهر وإنما يجري الماء وحده تجُّوزا" كما قال: {واسأل القرية ..} فتراه بنى كلامه الأول على رأي والأخير على آخر، وقد تعجّب أبو حيان من هذا التعارض بين عبارتيه، وهو حري بأن يُتعجب منه. وجريان الماء بين المروج الخضراء مما يضاعف بهجة النفس وقرة العين، وسرور الخاطر، فما بالك إذا كانت المروج - من حسن الشكل وبديع المنظر - بحيث لم تر مثل حسنها عين، ولا يتصور جمالها خيال، وكانت المياه تنساب على تراب المسك والكافور، وتتدفق على أحجار الدر والياقوت، فإنها دار الخلود التي يصف الله تعالى ما فيها بقوله: { فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، وفي الحديث القدسي: "حديث : أعددت لعبادي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"تفسير : ، وذكر أن أنهار الجنة تجري مطردة في غير أخاديد، وذلك مما يضاعف بهجة النفوس بها، وسرور الخاطر برونقها. ومما يستغرب منه توقف الإِمام محمد عبده عن تفسير حقيقتي الجنة والنار؛ هل هما بمعناهما المفهوم عند الناس، أو أن لهما حقيقة غير ما يتصور، وبنى عليه جواز أن يكون ذكر الأنهار ترشيحا للجنات التي أريد بها التشبيه، وحاصل كلامه أنه من المحتمل أن يكون المراد بالأنهار غير المعنى المتبادر، وأن لا تكون هناك جنات ولا أنهار بحسب معناها المفهوم عندنا، وأن يكون ما هناك حقيقة أخرى شبهت بالجنات والأنهار، وتعقبه السيد رشيد رضا بأنه لو لم يرد في هذا المقام إلا ذكر الجنة أو الجنات لوجب التفويض وامتنع الترجيح، أما وقد ذكر في آيات أخرى أنواع من الشجر المثمر والثمرات فقد تعين ترجيح الشق الثاني وإلا كنا هربنا فيما يتعلق بعالم الغيب من معاني الألفاظ إلى تأويلات الباطنية المعطلين للحقائق الظاهرة التي تدل عليها الألفاظ. ومن فضل الله على عباده أن جعل مثوبتهم في الدار الآخرة من جنس ما ألفوه في الدنيا من صنوف النعم وأنواع الملذات، فإن النفس البشرية إلى مألوفها أميل، وفي معروفها أرغب، والإِنسان بمروره بالدنيا يكتسب معارف جمة تتعلق بشئون الحياة، فإذا شوق إلى ما عهده فيها مما يميل إليه طبعه، وترغب فيه نفسه كان ذلك أسرع في التأثير عليه مما لو كان تشويقه إلى ما لم يعهد له مثيلا. هذا مع التفاوت الكبير والبون الشاسع بين نعيم الدنيا وملذاتها، وما أعده الله سبحانه في الدار الآخرة للمتقين من جنس هذا النعيم وصنوف تلك الملذات، فما في الدنيا لا يعد شيئا بجانب ما في الآخرة {وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}. وجريان الأنهار من تحتها هو انسيابها تحت تلك الأشجار الباسقة الزاهية، وتدفقها تحت قصورها البهية العالية. والظاهر أن "أل" في الأنهار للجنس، وقيل إنها للعهد، والمعهود ما سبق من وصفها في سورة القتال، وذلك قوله تعالى: {أية : فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} تفسير : [القتال: 15]، وهو مبني على أن آية القتال نزلت بمكة، ولست أدري ما هو دليلهم على ذلك، فإن جل أئمة التفسير يقولون إن سورة القتال نزلت بالمدينة، وذلك واضح من نفس السورة، على أن أكثر الآيات المكية الواصفة للجنة وأنهارها ذكرت فيها الأنهار مُعَرَّفَة، وجوّز الزمخشري أن تكون "أل" سادّة مسد الإِضافة، فيراد بها أنهارها، وأورد عليه بأنه مذهب كوفي، وتعقب ابن عاشور هذا الإِيراد بأن الزمخشري لم يرد أن "أل" عوض عن المضاف إليه، فإنه بنفسه قد أباه في تفسير قوله تعالى: {أية : فَإِنَّ ٱلْجَحِيمَ هِيَ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النازعات: 39]، وإنما أراد أن الإِضافة واللام متعاقبتان هنا، وليس ذلك صالحا في كل موضع، ورأى ابن عاشور أن مذهب الكوفيين مقبول، وأنهم لم يريدوا إلا بيان حاصل المعنى من ذلك التعريف، فإن تقدير المضاف إليه هو الذي جعل المضاف المذكور كالمعهود، فأدخلت عليه لام التعريف العهدي، غير أنه اختار كون الداعي إلى تعريف الأنهار التفنن لسبق تنكير جنات. وجملة {تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} وصف لجنات، و{كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً} وصف ثان، ويجوز أن يكون استئنافا بيانيا لبيان حالهم في هذه الجنات، لأن ذكر الجنات مشعر بالثمار، فيمكن للسامعين أن يتساءلوا كيف طريقة انتفاعهم بثمارها؟ فيجابوا بذلك، وجوَّز الزمخشري وعدد كبير من المفسرين أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف تقديره هم كلما رزقوا منها .. الخ، أو هي، وضعَّف قطب الأئمة رحمه الله في الهيميان تقدير المبتدأ لتمام المعنى بدونه، ولأن الزمان لا يخبر به عن اسم العين، فلا يقال محمد يوم الجمعة، بخلاف اسم المعنى نحو الصوم يوم الجمعة مثلا، ومن الواضح أن لـ {كلما} حكم ظرف الزمان لأن إضافة "كل" الدالة على العموم إلى "ما" المصدرية الظرفية يقتضي استغراق الأزمان المقيدة بصلة "ما"، وذلك لا ينافي شرطية كلما، ككثير من الظروف التي تستمد الشرطية بإضافتها إلى "ما" نحو "حيثما"، وأجاز القطب أن تكون هذه الجملة حالا من جنات، وهو ضعيف جدا لما تقرر عند علماء الإِعراب من أن الجمل بعد النكرات صفات، وإنما تكون أحْوالا بعد المعارف. وللقائلين بتقدير المبتدأ أن يقولوا إن الظرف ليس وحده هو الخبر وإنما الخبر هو الجملة بتمامها، وفيها ما يصلح وحده - لو أفرد - أن يكون خبرا وهو {قالوا}. و"من" في الموضعين لابتداء الغاية وجوّز أن تكون للبيان فيهما، وجوّز الزمخشري أن تكون في قوله {من ثمرة} واردة على طريق قولهم رأيت منك أسدا، وهو من باب التجريد. والظاهر أن {من ثمرة} بدل من قوله {منها} لجواز قول القائل: أكلت من حديقة فلان من تفاحها أو من رمانها، وهو بدل بعض من كل، ويجوز أن يكون بدل اشتمال و{رزقا} مفعول ثان لرزقوا وليس مفعولا مطلقا كما قال بعض المفسرين. و{قالوا} جواب للشرط المفهوم من {كلما} ومعنى ذلك أنهم إذا جيئوا بشيء من فاكهتها ظنوه هو عين ما رُزِقُوه من قبل؛ لما بين شكليهما من التشابه، ومرادهم ما رزقوه من قبل في الحياة الدنيا، حسبما روى ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس وآخرين من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ورواه عبد بن حميد عن علي بن زيد وقتادة ورجحه ابن جرير والزمخشري ويعني ذلك أن ثمار الجنة شبيهة بثمار الدنيا من حيث الأشكال وإن تباينت في لذاتها. وعلل الزمخشري هذا التشابه بأن الإِنسان آنس بمألوفه وأميل إلى معهوده، فإذا رأى ما لم يألف ربما نفر عنه طبعه وعافته نفسه، ولأنه ربما إذا رزق شيئا من جنس ما كان له به عهد، ورأى فيه مَزِيَّة ظاهرة بالتفاوت بينه وبين ما سبق له به العهد، ضاعف ذلك ابتهاجه واستثار استغرابه واستعجابه، وأدرك حقيقة النعمة فيه، وتحقق مقدار النعمة به، بخلاف ما إذا كان جنسا غير معهود له فإنه ربما يحسبه أن ذلك الجنس لا يكون إلا بذلك المقدار، فلا يدرك عظم النعمة به تمام الإِدراك، فإذا رأى أحدا رُمَّانة في الجنة تشبع السكن وقد عهد جنسها في الدنيا لا يتجاوز أكبره حد البطيخة الصغيرة، ورأى النبق في دار الجزاء كقِلاَل هَجَر، وقد عهد جنسه في الدنيا لا يتجاوز حجمه الفلكة، ونحو ذلك إذا ما رأى الشجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام وهو لا يقطعه مع ما عهده من مقادير أشجار الدنيا، كان ذلك أعمق لسروره وأبلغ في استغرابه مما لو لم يتقدم له بجنس ذلك عهد. واستدل ابن جرير لصحة هذا المذهب بما يدل عليه قوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا} من تكرار هذا القول منهم بتكرر رزقهم، وصدقه على أول مرة يؤتون فيها بهذا الرزق، إذ لو كان المراد بقولهم {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} ما تقدم لهم من رزقهم بثمار الجنة لم يصدق ذلك على المرة الأولى، فإنهم فيها غير عاهدين شيئا من ثمارها، وإنما عهدهم بثمار الدنيا، وعليه فالمضاف إليه الذي قطعت عنه {قبل} هو دخول الجنة، وأما تكرر هذا القول منهم بعد المرة الأولى من دخولها؛ فقد حمله الزمخشري على فرط استغرابهم مما يرون. وذهب فريق إلى أن المراد بقولهم {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} قبل تلك المدة منذ دخولهم الجنة، وهو يعني تشابه ثمار الجنة، وقد أخرج ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي كثير وعضد بقوله تعالى: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} وقد روى معنى ذلك ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة، إذ فسروه أنه متشابه في اللون والمرأى مع اختلافه في الطعم، وأيِّدَ بأن السعيد الذي يرزق من ثمار الجنة لا يلزم - بل لا يمكن عادة - أن يكون على علم في الدنيا بجميع صنوف فواكهها، مع أن الله تعالى يقول في وصْفِ الجنتين: {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ}. ووجه ابن عاشور هذا الاتحاد في أشكال فواكه الجنة مع اختلافها في الدنيا؛ بأن الاختلاف في هذه الدار ناشئ من اختلاف الأمزجة والتراكيب بخلاف موجودات الآخرة فإنها عناصر الأشياء فلا يعتورها الشكل وإنما يجيء في شكل واحد وهو الشكل العنصري ويحتمل أن ذلك لتعجيبهم والشيء العجيب لذيذ الوقع عند النفوس ولذلك يرغب الناس في مشاهدة العجائب والنوادر ثم قال: "وهذا الاحتمال هو الأظهر من السياق". وأصحاب هذا القول يضعفون القول الأول لبعد أن يقصدوا بقولهم {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} ثمار الدنيا كلما تكرر رزقهم وأن لا يعتادوا هذا النعيم الأخروي بحيث ينظرونه بما تقدم في الدنيا ويحملون هذا التكرار على ما بعد المرة الأولى من دخولهم الجنة، وتخصيص تلك المرة مفهوم من القرائن. تنوع نعيم الجنة: والظاهر أن ثمار الجنة متنوعة كما تفيده الأحاديث وهو الذي يقتضيه قوله تعالى: {فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ} وإنما كل جنس من الفاكهة يختلف طعمه بين مرة وأخرى، فإن اختلاف طعوم الفاكهة الواحدة أدعى إلى الاستغراب وأكثر متعة من اتحاد جميع الفواكه في الشكل مع اختلافها في المذاق، وبهذا يتبين المراد من قولهم: هذا الذي رزقنا من قبل فإنهم كلما أتوا بفاكهة وجدوها من حيث الشكل قريبة مما رزقوه من نوعها من قبل فإذا أكلوها وجدوا لها طعما آخر أما أن يرددوا في كل مرة تشبيه ما يؤتونه بما رزقوه في الدنيا فبعيد، لما تقدم من عدم إحاطة أحد بجميع فواكه الدنيا، لأن الله لم يجعل كل جزء من أرضها صالحا لنبت كل الفواكه، وإنما جعل أجزاءها مختلفة النباتات بحسب اختلاف المناخ ولأنهم إذا حسبوا - أول مرة يرزقون فيها من فاكهة الجنة - أنها مثل فاكهة الدنيا ثم أدركوا ما بينهما من تفاوت فليس من المعقول أن يعودوا فيما بعدها إلى ترداد هذا القول، فإذا أعيدت إليهم تلك الفاكهة نفسها علموا التفاوت بتجربتهم السابقة وان أوتوا غيرها علموه بالقياس على ما سبق من تجربة. وقيل: مرادهم بقولهم {هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} هذا الذي وعدنا في دار الدنيا بأن نرزقه في الآخرة، وهو بعيد، وقيل: مرادهم به ما وفقوا له من الأعمال الصالحة في الدنيا فكانت سببا لهذا الجزاء في الجنة، ولا يخفى ما فيه من التعسُّف، وقد عده قطب الأئمة رحمه الله من غلو المتصوفة الذين يُحَمِّلون ألفاظ القرآن ما لا تتحمله من المعاني. وفسر الحسن وقتادة التشابه بكونه خيار لا رذل فيه، رواه عنهما ابن جرير وعبد بن حميد، ومعنى ذلك أن ما يكون في فواكه الدنيا من التفاوت بين جيدها ورديئها لا يكون مثله في فواكه الجنة، فهي كلها جيدة لا رديء فيها، وهو ظاهر، وقيل: يراد بالتشابه تشابه أسماء فواكه الجنة وفواكه الدنيا دون مسمياتها، لما رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما: "ليس في الدنيا مما في الجنة شيء إلا الأسماء" ويبعده أن الظاهر من التشابه في الآية تشابه الذوات لا الأسماء، وذهب الزمخشري إلى أن المراد به تشابه المرزوق في الدارين، وبه قال الفخر الرازي، وأبو السعود، والألوسي، وقطب الأئمة، واستشكل ذلك أبو حيان لأن الحديث عن رزق الجنة، ولأن الضمير في قوله "به" مفرد فلا يصح أن يكون عائدا إلى المرزوقَيْن، وأجاب عن ذلك الألوسي في روح المعاني، وقطب الأئمة في الهيميان بأنه من باب الكناية الإِيمائية، ويعنيان بذلك أن الحديث وإن كان خاصا برزق الجنة إلا أن اقترانه بعروض الإِشارة إلى رزق الدنيا هو الذي سوغ رجوع الضمير إليهما معا، وقولهم هذا مبني على ما تقدم، من أن المراد بما رزقوه من قبل ما أوتوه في الدنيا، وقد علمت ما فيه من الضعف، ولو سُلم أن ذلك صحيح فيستبعد جدا - كما قال أبو حيان - أن يعود الضمير إلى رزقي الدنيا والآخرة مع أن الحديث عن رزق الآخرة. ولسائر المفسرين أقوال أخرى في هذا التشابه، منهم من قال هو في اللون فقط، ومنهم من قال هو في الشكل، ومنهم من قال في أحدهما وفي الطعم، ومنهم من قال هو فيهما معا، وهي أقوال ليس عليها من دليل، وقد علمت ما هو الراجح. والظاهر أن جملة {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} حال من {قالوا} مفيدة لسبب هذا القول، واعتبارها حالية يستلزم إضمار قد، ونحوه كثير في القرآن، نحو {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} تفسير : [البقرة: 28] أي وقد كنتم، وقوله: {أية : ٱلَّذِينَ قَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ} تفسير : [آل عمران: 168]، أي وقد قعدوا، وقيل: هي للتذييل الذي يراد به التقرير والتأكيد، كما في قوله عز وجل: {أية : وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ} تفسير : [النمل: 34] بعد أن حكى عن بلقيس قولها: {أية : إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً} تفسير : [النمل: 34]، وقيل هي صفة ثالثة لجنات، ويضعفه عدم وجود الرابط بين الصفة والموصوف. ومن حيث إن الطبيعة الإِنسانية لذتها في المسكن البهي، والمطعم الشهي، والمنكح الوضي، وقد ذكر الأول في قوله: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} والثاني في قوله: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} جيء بعدهما بوصف الثالث في قوله: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ}، ويراد به أنهن منزهات من جميع الأدناس الحسية والمعنوية مما يكون في الدنيا خاصا بالنساء أو مشتركا بينهن وبين الرجال، فجميع الأقذار التي تفرزها الطبيعة في نساء الدنيا، أو فيهن وفي رجالها نزهت منها نساء الآخرة، وكذلك ما يكون من لؤم الطباع مما تعد قذارته معنوية كالغل والكيد والحسد، نزه الله تعالى منه نساء الآخرة، سواء كن من الصالحات في الدنيا كما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في تفسير الأزواج هنا، أو كن من الحور العين كما قال غيره، والظاهر أن المراد بالأزواج هنا ما يعم النوعين لكمال أنس المؤمنين بهما معا، ولتبرئة الله سبحانه الصالحات من نساء الدنيا في الجنة من كل العيوب الجسدية والنفسية، وذلك تطهير لهن مما كن متلوثات به في الدنيا. وأما اللاتي ينشأن هناك فتنشئتهن من أول الأمر مطبوعة طبع السلامة من هذه العيوب، وجاءت أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان أحوال نساء الجنة منها الصحيح ومنها الحسن، ومنها دون ذلك، وهي صريحة في أن الاتصال بين الزوجين يتم يوم القيامة على نحو ما يكون في الدنيا، وإن كان أكمل في اللذة وأبعد من الأذى. وتوقف الإِمام محمد عبده - كعادته في الأمور الغيبية - عن تفسير الحكمة المطلوبة من الحياة الزوجية في الآخرة، نظرا إلى أن الحكمة المطلوبة من الزواج في الدنيا هي التناسل وإنماء النوع؛ مع عدم ورود أن في الآخرة تناسلا، وبناء على ذلك يرى أن لذة المصاحبة الزوجية هناك أعلى، وحكمتها أسمى يؤمن بها ولا يبحث عن حقيقتها. والحق أن الحكمة في ذلك معروفة، وهي لذة الاتصال بين الجنسين كما صرحت به الأحاديث النبوية، وأومت إليه الآيات القرآنية، والإِنسان يوم القيامة لا يتحول عن إنسانيته، وقد وفر الله لعباده المؤمنين في دار كرامته جميع ما تتوق إليه أنفسهم في الدنيا من متع الحياة ونعيمها، فما يؤتونه في الدنيا إنما هو بقدر هذه الحياة المحدودة، وبقدر طبيعتها المقيدة التي تختلف تمام الاختلاف عن طبيعة الحياة الأخروية المطلقة، فالفارق بين لذات الدارين كالفارق بين البقاء فيهما. الخلود أبدي في الحياة الأخروية: وبما أن النعمة وإن كملت، واللذة وإن تناهت - إن لم يأمن صاحبهما زوالهما كان ذلك من أشد المنغصات عليه - جيء هنا بما يستأصل هذا الخوف وهو إثبات خلودهم في الجنة ونعيمها، فالحياة الأخروية لا انقطاع لها، ولا يكدر أمنها خوف، ولا يهدد شبابها هرم، ولا صحتها سقم، ولا غناها فقر، ولا نعيمها بؤس، والخلد يطلق على المكث الدائم الذي لا ينقطع، وهو معنى قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 34]، وهو المراد في هذه الآية ونظائرها من آيات الوعد والوعيد، روى ابن جرير وابن اسحاق، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي خالدون أبدا، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يعني لا يموتون، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم يا أهل النار لا موت، ويا أهل الجنة لا موت، كل هو خالد فيما هو فيه"تفسير : ، ومثله عن أبي هريرة عند البخاري، وعن معا ذ عند الطبراني والحاكم وصححه، وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا بها، ولو قيل لأهل الجنة إنكم ماكثون عدد كل حصاة لحزنوا، ولكن جعل لهم الأبد ". تفسير : ويطلق الخلد على المكث الطويل من غير دوام، وهو وارد في كلام العرب نثره وشعره، واختلف فيم هو الأصل؟ فذهب الزمخشري، وابن عطية، والقرطبي، والشوكاني إلى أن الخلد موضوع للدوام الأبدي، واستعماله في غيره مجاز، وذهب الفخر الرازي وأبو حيان، وأبو السعود، وقطب الأئمة إلى أنه موضوع للمكث الطويل مع غض النظر عن دوامه أو انقطاعه، وعليه فهو من باب المشترك الذي يتعين ما يراد به بالقرينة الدالة عليه، وجعل هؤلاء دوام الثواب والعقاب بالدلائل الأخرى من الكتاب والسنة غير لفظة الخلود، نحو قوله تعالى في الذين آمنوا وعملوا الصالحات: {أية : جَزَآؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِنْ تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} تفسير : [البينة: 8]، وقوله: {أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} تفسير : [الجن: 23] حيث قرن الخلود بالتأبيد في الموضعين، ومثل ذلك ما يستفاد من الأحاديث الصحيحة الصريحة في خلود أهل الدارين فيهما، ومهما يكن الأصل في معنى الخلد فإن خلود الأبرار في الجنة والفجار في النار خلود أبدي للإِجماع على بقاء الدارين، والأدلة القاضية على أن حياة سكانهما حياة أبدية، وخالفت في هذا طائفتان: أولاهما الجهمية، مستندين في ذلك إلى شبهتين: الأولى أن دوام المخلوقين مناف لاتصاف الله بالآخرية، فإن من أسماء الله الأول والآخر، ومعنى أوليته سبقه على كل موجود، وهكذا يلزم أن يكون معنى آخريته بقاؤه بعد كل موجود. الثانية: أن أنفاس أهل الدارين إما أن تكون معلومة له تعالى وذلك يعني أنها محصورة، وحصرها لا يتفق مع دوامهم، وإما أن تكون غير معلومة وهو لا يتفق مع وصفه أنه بكل شيء عليم. وأجيب عن الأولى بأن دوام حياة المخلوقين في الدار الآخرة لا ينافي آخريته تعالى، لاختلاف دوامهم عن دوامه، فإن دوامه ذاتي، ودوامهم بإدامته إياهم، فلذلك كان حقيقا بصفة الآخرية دونهم؛ وعن الثانية أن استمرار أنفاسهم لا ينافي إحاطة علمه سبحانه بها، فإن علمه علم ذاتي ليس كعلم المخلوقين ولا يصح أن يقاس عليه. ثانيتهما: أصحاب النظرة المادية القائلون بتعذر بقاء الأجسام، لأنها مؤلفة من الأجزاء المتضادة في الكيفية، فهي معرضة للاستحالات المؤدية إلى الإِنحلال. وأجيب: بأن كونه تعالى قديرا على كل شيء ينفي هذا الإِشكال من أصله، إذ ليس ببعيد أن يعيد الأبدان بطبيعة أخرى لا تتحلل معها، أو أن يجعلها كلما تحلل منها شيء عُوِّضَت عنه ببديل عنه. ومن أيقن أن الله قدير على كل شيء تضاءلت هذه الشبهة أمام ناظريه حتى تتلاشى، فإن الله الذي ركب الأجسام في هذه الدنيا من الأجزاء المتضادة قادر على تركيبها يوم القيامة غير متضادة، ولا يقاس ما في عالم الغيب على ما في عالم الشهود، ولا البقاء المطلق على البقاء المحدود، فإن الله يطبع كل شيء بما يتلاءم مع ما أراده له، وللدار الآخرة طبائع تكوينية تختلف تمام الاختلاف عن الطبائع المشاهدة المألوفة وما يدرينا لعل المتضاد في الدنيا يكون غير متضاد يوم القيامة.

الالوسي

تفسير : {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ} لما ذكر سبحانه وتعالى فيما تقدم الكفار - وما يؤول إليه حالهم في الآخرة وكان في ذلك أبلغ التخويف والإنذار - عقب بالمؤمنين وما لهم جرياً على السنة الإلهية من شفع الترغيب بالترهيب والوعد بالوعيد لأن من الناس من لا يجديه التخويف ولا يجديه وينفعه اللطف، ومنهم عكس ذلك فكأن هذا وما بعده معطوف على سابقه عطف القصة على القصة، والتناسب بينهما باعتبار أنه بيان لحال الفريقين المتباينين وكشف عن الوصفين المتقابلين، وهل هو معطوف على {أية : وَإِن كُنتُمْ } تفسير : [البقرة: 23] إلى {أية : أُعِدَّتْ }تفسير : [البقرة: 24] أو على {أية : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } تفسير : [البقرة: 24] الآية قولان؟ اختار السيد أولهما، وادعى بعضهم أنه أقضى لحق البلاغة، وادعى لتلائم النظم لأن {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ }تفسير : [البقرة: 21] خطاب عام يشمل الفريقين {أية : وَإِن كُنتُمْ }تفسير : [البقرة: 23] الخ مختص بالمخالف ومضمونه الإنذار {وَبَشّرِ } الخ مختص بالموافق ومضمونه البشارة كأنه تعالى أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس إلى عبادته، ثم أمر أن ينذر من عاند ويبشر من صدق، والسعد اختار ثانيهما لأن السوق لبيان حال الكفار ووصف عقابهم. وقيل عطف على {أية : فَٱتَّقُواْ } تفسير : [البقرة: 24] وتغاير المخاطبين لا يضر كـ {أية : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا وَٱسْتَغْفِرِى }تفسير : [يوسف: 29] وترتبه على الشرط بحكم العطف باعتبار أن ـ اتقوا ـ إنذار وتخويف للكفار {وَبَشّرِ} تبشيراً للمؤمنين، وكل منهما مترتب على عدم المعارضة بعدم التحدي لأن عدم المعارضة يستلزم ظهور إعجازه وهو يستلزم استيجاب منكره العقاب، ومصدقه الثواب لأن الحجة تمت والدعوة كملت، واستيجابهما إياهما يقتضي الإنذار والتبشير، فترتب الجملة الثانية على الشرط ترتب الأولى عليه بلا فرق، وقد يقال إن الجزاء (فآمنوا) محذوفاً والمذكور قائم مقامه؛ فالمعنى إن لم تأتوا بكذا فآمنوا {وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ} أي فليوجد إيمان منهم وبشارة منك ووضع الظاهر موضع الضمير، وفيه حث لهم على الإيمان، ولعله أقل مؤنة. واختار صاحب «الإيضاح» عطفه على ـ أنذر ـ مقدراً بعد جملة {أية : أُعِدَّتْ} تفسير : [البقرة: 24] وقيل: عطف على ـ قل ـ قبل {وَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ} وتقديره قبل {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} تفسير : [البقرة: 21] يحوج إلى إجراء {أية : مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا }تفسير : [البقرة: 23] على طريقة كلام العظماء، أو تقدير قال الله بعد قل. والبشارة ـ بالكسر والضم ـ اسم من بشر بشراً وبشوراً ـ وتفتح الباء ـ فتكون بمعنى الجمال، وفي الفعل لغتان، التشديد وهي العليا، والتخفيف وهي لغة أهل تهامة، وقرىء بهما في المضارع في مواضع والتكثير في المشدد بالنسبة إلى المفعول، فإن واحداً كان فعل فيه مغنياً عن فعل، وفسروها في المشهور، وصحح بالخبر السار الذي ليس عند المخبر علم به، واشترط بعضهم أن يكون صدقاً، وعن سيبويه إنها خبر يؤثر في البشرة حزناً أو سروراً وكثر استعماله في الخير، وصححه في «البحر» {أية : فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }تفسير : [آل عمران: 21] ظاهر عليه، ومن باب التهكم/ على الأول والمأمور بالتبشير البشير النذير صلى الله عليه وسلم، وقيل: كل من يتأتى منه ذلك كما في قوله صلى الله عليه وسلم «بشر المشائين إلى المساجد» الحديث ففيه رمز إلى أن الأمر لعظمته حقيق بأن يتولى التبشير به كل من يقدر عليه ويكون هناك مجاز إن كان الضمير موضوعاً لجزئي بوضع كلي وإلا ففي الحقيقة والمجاز كلام في محله، ولم يخاطب المؤمنون كما خوطب الكفرة تفخيماً لشأنهم وإيذاناً تاماً بأنهم أحقاء بأن يبشروا ويهنئوا بما أعد لهم، وقيل: تغيير للأسلوب لتخييل كمال التباين بين حال الفريقين، وعندي أنه سبحانه لما كسى رسوله صلى الله عليه وسلم حلة عبوديته في قوله: {أية : مّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا } تفسير : [البقرة: 23] ناسب أن يطرزها بطراز التكليف بما يزيد حب أحبابه له فيزدادوا إيمانا إلى إيمانهم، وفي ذلك من اللطف به صلى الله عليه وسلم وبهم ما لا يخفى. وقرأ زيد بن علي (وبشر) مبنياً للمفعول وهو معطوف على {أية : أُعِدَّتْ }تفسير : [البقرة: 24] كما اشتهر، وقيل: إنه خبر معنى الأمر فتوافق القراءتان معنى وعطفاً، وتعليق التبشير بالموصول للإشعار بأنه معلل بما في حيز الصلة من الإيمان والعمل الصالح لكن لا لذاتهما بل بجعل الشارع ومقتضى وعده، وجعل صلته فعلاً مفيداً للحدوث بعد إيراد الكفار بصيغة الفاعل لحث المخاطبين بالاتقاء على إحداث الإيمان وتحذيرهم من الاستمرار على الكفر، ثم لا يخفى أن كون مناط البشارة مجموع الأمرين لا يقتضي انتفاء البشارة عند انتفائه فلا يلزم من ذلك أن لا يدخل بالإيمان المجرد الجنة كما هو رأي المعتزلة على أن مفهوم المخالفة ظني لا يعارض النصوص الدالة على أن الجنة جزاء مجرد الإيمان، ومتعلق {ءامَنُواْ } مما لا يخفى، وقدره بعضهم هنا بأنه منزل من عند الله عز وجل. و (الصالحات) جمع صالحة وهي في الأصل مؤنث الصالح اسم فاعل من صلح صلوحاً وصلاحاً خلاف فسدت، ثم غلبت على ما سوغه الشرع وحسنه، وأجريت مجرى الأسماء الجامدة في عدم جريها على الموصوف وغيره، وتأنيثها على تقدير الخلة وللغلبة ترك، ولم تجعل التاء للنقل لعدم صيرورتها اسماً و ـ أل ـ فيها للجنس لكن لا من حيث تحققه في الأفراد إذ ليس ذلك في وسع المكلف ولو أريد التوزيع يلزم كفاية عمل واحد بل في البعض الذي يبقى مع إرادته معناه الأصلي الجنسية مع الجمعية وهو الثلاثة أو الاثنان، والمخصص حال المؤمن فما يستطيع من الأعمال الصالحة بعد حصول شرائطه هو المراد، فالمؤمن الذي لم يعمل أصلاً أو عمل عملاً واحداً غير داخل في الآية، ومعرفة كونه مبشراً من مواقع أخر، وبعضهم جعل فيها شائبة التوزيع بأن يعمل كل ما يجب من الصالحات إن وجب قليلاً كان أو كثيراً، وأدخل من أسلم ومات قبل أن يجب عليه شيء أو وجب شيء واحد، وليس هذا توزيعاً في المشهور ـ كركب القوم دوابهم ـ إذ قد يطلق أيضاً على مقابلة أشياء بأشياء أخذ كل منها ما يخصه سواء الواحد الواحد كالمثال أو الجمع الواحد كدخل الرجال مساجد محلاتهم أو العكس كلبس القوم ثيابهم ومنه {أية : فٱغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ }تفسير : [المائدة: 6] والسيد يسمي هذا شائبة التوزيع. {أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلانْهَـٰرُ} أراد سبحانه: بِـ {أَنَّ لَهُمُ} الخ لتعدي البشارة بالباء فحذف لاطراد حذف الجار مع ـ أنّ، وأن ـ بغير عوض لطولهما بالصلة، ومع غيرهما فيه خلاف مشهور، وفي المحل بعد الحذف قولان، النصب بنزع الخافض كما هو المعروف في أمثاله، والجر لأن الجار بعد الحذف قد يبقى أثره ولام الجر للاستحقاق وكيفيته مستفادة من خارج ولا استحقاق بالذات فهو بمقتضى وعد الشارع الذي لا يخلفه فضلاً وكرماً لكن بشرط الموت على الإيمان، والجنة في الأصل المرة من الجن بالفتح مصدر جنه إذا ستره، ومدار التركيب على الستر ثم سمي بها البستان الذي سترت أشجاره أرضه أو كل أرض فيها شجر ونخل/ فإن كرم ففردوس، وأطلقت على الأشجار نفسها ووردت في شعر الأعشى بمعنى النخل خاصة ثم نقلت وصارت حقيقة شرعية في دار الثواب إذ فيها من النعيم «مالا، ولا» مما هو مغيب الآن عنا، وجمعت جمع قلة في المشهور لقلتها عدداً كقلة أنواع العبادات ولكن في كل واحدة منها مراتب شتى ودرجات متفاوتة على حسب تفاوت الأعمال والعمال، وما نقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها سبع لم يقف على ثبوته الحفاظ، وتنوينها إما للتنويع أو للتعظيم، وتقديم الخبر لقرب مرجع الضمير وهو أسر للسامع، والشائع التقديم إذا كان الاسم نكرة كـ {أية : إِنَّ لَنَا لاجْرًا } تفسير : [الأعراف: 113] وتحت ظرف مكان لا يتصرف فيه بغير (من) كما نص عليه أبو الحسن، والضمير للجنات فإن أريد الأشجار فذاك مع ما فيه قريب في الجملة وإن أريد الأرض قيل ـ من تحت أشجارها ـ أو عاد عليها باعتبار الأشجار استخداماً ونحوه، وقيل: إن تحت بمعنى جانب كداري تحت دار فلان وضعف كالقول ـ من تحت أوامر أهلها ـ وقيل: منازلها، وإن أريد مجموع الأرض والأشجار فاعتبار التحتية ـ كما قيل ـ بالنظر إلى الجزء الظاهر المصحح لإطلاق الجنة على الكل والوارد في الأثر الصحيح عن مسروق أن أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وهذا في أرض حصباؤها الدر والياقوت أبلغ في النزهة وأحلى في المنظر وأبهج للنفس:شعر : وتحدث الماء الزلال مع الحصى فجرى النسيم عليه يسمع ما جرى تفسير : والأنهار جمع نهر ـ بفتح الهاء وسكونها ـ والفتح أفصح، وأصله الشق، والتركيب للسعة ولو معنوية ـ كنهر السائل ـ بناءً على أنه الزجر البليغ فأطلق على ما دون البحر وفوق الجدول، وهل هو نفس مجرى الماء أو الماء في المجرى المتسع؟ قولان: أشهرهما الأول، وعليه فالمراد مياهها أو ماؤها، وتأنيث {تَجْرِى} رعاية للمضاف إليه أو للفظ الجمع، وفي الكلام مجاز في النقص أو في الطرف (أولا، ولا) والإسناد مجازي، و ـ أل ـ للعهد الذهني قيل: أو الخارجي لتقدم ذكر الأنهار في قوله تعالى: {أية : فِيهَا أَنْهَارٌ مّن مَّاء }تفسير : [محمد: 15] الآية فإنها مكية على الأصح، وذي مدنية نزلت بعدها، واستبعده السيد والسعد، وقيل: عوض عن المضاف إليه ـ أي أنهارها ـ وهو مذهب كوفي، وحملها على الاستغراق على معنى يجري تحت الأشجار جميع أنهار الجنة فهو وصف لدار الثواب بأن أشجارها على شواطىء الأنهار وأنهارها تحت ظلال الأشجار أبرد من الثلج، ولا يخفى الكلام على جمع القلة. {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} صفة ثانية لجنات أخرت عن الأولى لأن جريان الأنهار - من تحتها - وصف لها باعتبار ذاتها، وهذا باعتبار سكانها أو خبر مبتدأ محذوف - أي هم - والقرينة ذكره في السابقة واللاحقة، وكون الكلام مسوقاً لبيان أحوال المؤمنين، وفائدة حذف هذا المبتدأ تحقق التناسب بين الجمل الثلاثة صورة لإسميتها، ومعنى لكونها جواب سؤال كأنه قيل: ما حالهم في تلك الجنات؟ ـ فأجيب بأن لهم فيها ثماراً لذيذة عجيبة وأزواجاً نظيفة {وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} وتقدير المبتدأ هو أو هي ـ للشأن أو القصة ـ ليس بشيء بناءً على أنه لا يجوز حذف هذا الضمير، وإذا لم تدخله النواسخ لا بد أن يكون مفسره جملة إسمية، نعم جاز تقدير هي للجنات والجملة خبر إلا أن التناسب أنسب أو جملة مستأنفة ـ كأنه لما وصف الجنات بما ذكر وقع في الذهن أن ثمارها كثمار جنات الدنيا أولاً فبين حالها {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ} زيادة في الجواب ولو قدر السؤال نحو ألهم في الجنات لذات كما في هذه الدار أم أتم وأزيد؟ ـ كان أصح وأوضح،/ وأجاز أبو البقاء كونها حالاً من {ٱلَّذِينَ} أو من {جَنَّـٰتُ} لوصفها وهي حينئذٍ حال مقدرة والأصل في الحال المصاحبة، والقول بأنها صفة مقطوعة دعوى موصولة بالجهل بشرط القطع وهو علم السامع باتصاف المنعوت بذلك النعت وإلا لاحتاج إليه ولا قطع مع الحاجة. و {كُلَّمَا} نصب على الظرفية بـ {قَالُواْ}، و {رِزْقاً} مفعول ثان لرزقوا كرزقه مالاً أي أعطاه، وليس مفعولاً مطلقاً مؤكداً لعامله لأنه بمعنى المرزوق أعرف، والتأسيس خير من التأكيد مع اقتضاء ظاهر ما بعده له، وتنكيره للتنويع أو للتعظيم أي نوعاً لذيذاً غير ما تعرفونه، و (من) الأولى والثانية للابتداء قصد بهما مجرد كون المجرور بهما موضعاً انفصل عنه الشيء، ولذا لا يحسن في مقابلتها نحو ـ إلى وهما ـ ظرفان مستقران واقعان حالاً على التداخل، وصاحب الأولى: {رِزْقاً} والثانية: ضميره المستكن في الحال، والمعنى كل حين رزقوا ـ مرزوقاً ـ مبتدأ من الجنات مبتدأ من ثمرة، والشائع كونهما لغواً، والرزق قد ابتدأ من الجنات، والرزق من الجنات قد ابتدأ من ثمرة وجعل بمنزلة أن تقول: أعطاني فلان، فيقال: من أين؟ فتقول: من بستانه، فيقول: من أي ثمرة؟ فتقول: من الرمان، وتحريره أن {رُزِقُواْ} جعل مطلقاً مبتدأ من الجنات ثم جعل مقيداً بالابتداء من ذلك مبتدأ من ثمرة، وعلى القولين لا يرد أنهم منعوا تعلق حرفي جر متحدي اللفظ والمعنى بعامل واحد والآية تخالفه، أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأن ذاك إذا تعلقا به من جهة واحدة ابتداءً من غير تبعية. وما نحن فيه ليس كذلك للإطلاق والتقييد والمراد من الثمرة على هذا النوع ـ كالتفاح والرمان ـ لا الفرد لأن ابتداء الرزق من البستان من فرد يقتضي أن يكون المرزوق قطعة منه لا جميعه وهو ركيك جداً، ويحتمل أن تكون الثانية مبينة للمرزوق والظرف الأول لغو والثاني مستقر خلافاً لمن وهم فيه وقع حالاً من النكرة لتقدمه عليها ولتقدمها تقديراً جاز تقديم المبين على المبهم، والثمرة يجوز حملها على النوع وعلى الجنأة الواحدة ولم يلتفت المحققون إلى جعل الثانية تبعيضية في موقع المفعول، و {رِزْقاً} مصدر مؤكد أو في موقع الحال من {رِزْقاً} لبعده مع أن الأصل التبيين والابتداء فلا يعدل عنهما إلا لداع على أن مدلول التبعيضية أن يكون ما قبلها أو ما بعدها جزأ لمجرورها لا جزئياً فتأتي الركاكة هٰهنا، وجمع سبحانه بين {مِنْهَا} و {مِن ثَمَرَةٍ} ولم يقل ـ من ثمرها ـ بدل ذلك لأن تعلق {مِنْهَا} يفيد أن سكانها لا تحتاج لغيرها لأن فيها كل ما تشتهي الأنفس، وتعلق {مِن ثَمَرَةٍ} يفيد أن المراد بيان المأكول على وجه يشمل جميع الثمرات دون بقية اللذات المعلومة من السابق واللاحق، وهذا إشارة إلى نوع ما رزقوا ويكفي إحساس أفراده وهذا كقولك مشيراً إلى نهر جار هذا الماء لا ينقطع أو إلى شخصه، والإخبار عنه بـ (الذي) الخ على جعله عينه مبالغة أو تقدير مثل الذي رزقناه من قبل أي في الدنيا، والحكمة في التشابه أن النفس تميل إلى ما يستطاب وتطلب زيادته.شعر : أعد ذكر نعمان لنا إن ذكره هو المسك ما كررته يتضوع تفسير : وهذا مختلف بحسب الأحوال والمقامات، أو لتبيين المزية وكنه النعمة فيما رزقوه هناك إذ لو كان جنساً لم يعهد ظن أنه لا يكون إلا كذلك أو في الجنة، والتشابه في الصورة إما مع الاختلاف في الطعم ـ كما روي عن الحسن: «إن أحدهم يؤتي بالصحفة فيأكل منها ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول ذلك؟ فيقول الملك: كل فاللون واحد والطعم مختلف» أو مع التشابه في الطعم أيضاً كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : والذي نفس محمد بيده إن الرجل من أهل الجنة ليتناول الثمرة ليأكلها فما هي واصلة إلى فيه حتى يبدل الله تعالى مكانها مثلها» تفسير : فلعلهم إذا رأوها على الهيئة الأولى قالوا ذلك، والداعي لهم لهذا القول فرط استغرابهم وتبجحهم بما وجدوا من التفاوت العظيم. / والمشهور أن كون المراد بالقبلية في الدنيا أولى مما يقدم في الآخرة لأن (كلما) تفيد العموم ولا يتصور قولهم ذلك في أول ما قدم إليهم، وقيل: كون المراد بها في الآخرة أولى لئلا يلزم انحصار ثمار الجنة في الأنواع الموجودة في الدنيا مع أن فيها ما علمت وما لم تعلم، على أن فيه توفية بمعنى حديث تشابه ثمار الجنة وموافقته - لمتشابهاً - بعد فإنه في رزق الجنة أظهر، وإعادة الضمير إلى المرزوق في الدارين تكلف وستسمعه بمنه تعالى. وفي الآية محمل آخر يميل إليه القلب بأن يكون ما رزقوه قبل هو الطاعات والمعارف التي يستلذها أصحاب الفطرة والعقول السليمة، وهذا جزاء مشابه لها فيما ذكر من اللذة كالجزاء الذي في ضده في قوله تعالى: {أية : ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } تفسير : [العنكبوت: 55] أي جزاءه فالذي رزقناه مجاز مرسل عن جزائه بإطلاق اسم المسبب على السبب ولا يضر في ذلك أن الجنة وما فيها من فنون الكرامات من الجزاء كما لا يخفى أو هو استعارة بتشبيه الثمار والفواكه بالطاعات والمعارف فيما ذكر، وقيل: أرض الجنة قيعان يظهر فيها أعمال الدنيا كما يشير إليه بعض الآثار فثمرة النعيم ما غرسوه في الدنيا فتدبر. {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً} تذييل للكلام السابق وتأكيد له بما يشتمل على معناه لا محل له من الإعراب، ويحتمل الاستئناف والحالية بتقدير (قد) وهو شائع، وحذف الفاعل للعلم به وهو ظاهرا الخدم والولدان كما يشير إليه قراءة هارون والعتكي (وأتوا) على الفاعل وفيها إضمار لدلالة المعنى عليه، وقد أظهر ذلك في قوله تعالى: {أية : يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدٰنٌ مُّخَلَّدُونَ }تفسير : إلى قوله سبحانه: {أية : وَفَـٰكِهَةٍ مّمَّا يَتَخَيَّرُونَ } تفسير : [الواقعة: 17ـ 20] والضمير المجرور إما على تقدير أن يراد ـ من قبل ـ في الدنيا فراجع إلى المفهوم الواحد الذي تضمنه اللفظان: {هَـٰذَا} ـ و ـ {ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ} وهو المرزوق في الدارين ـ أي أوتوا بمرزوق الدارين متشابهاً بعضه بالبعض ـ ويسمى هذا الطريق بالكناية الإيمائية ولو رجع إلى الملفوظ لقيل بهما، وعبر عما بعضه ماض وبعضه مستقبل بالماضي لتحقق وقوعه، وفي «الكشف» أن المراد من المرزوق في الدنيا والآخرة الجنس الصالح التناول لكل منهما لا المقيد بهما، وإما على تقدير أن يراد في الجنة فراجع إلى الرزق أي أوتوا بالمرزوق في الجنة متشابه الأفراد. قال أبو حيان: والظاهر هذا لأن مرزوقهم في الآخرة هو المحدث عنه والمشبه - بالذي رزقوه من قبل - ولأن هذه الجملة إنما جاءت محدثاً بها عن الجنة وأحوالها وكونه يخبر عن المرزوق في الدنيا والآخرة أنه - متشابه ليس من حديث الجنة - إلا بتكلف، ولا يعكر على دعوى متشابه ما في الدارين ما أخرجه البيهقي وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: «ليس في الجنة من أطعمة الدنيا إلا الأسماء» لأنه لا يشترط فيه أن يكون من جميع الوجوه وهو حاصل في الصورة التي هي مناط الاسم وإن لم يكن في المقدار والطعم، وتحريره أن إطلاق الأسماء عليها لكونها على الاستعارة يقتضي الاشتراك فيما هو مناطها وهو الصورة، وبذلك يتحقق التشابه بينهما فالمستثنى في الأثر الأسماء وما هو مناطها بدلالة العقل. {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} صفة ثالثة ورابعة للجنات وأوردت الأوليتان بالجملة الفعلية لإفادة التجدد، وهاتان بالإسمية لإفادة الدوام، وترك العاطف في البعض - مع إيراده في البعض - قيل: للتنبيه على جواز الأمرين في الصفات، واختص كل بما اختص به لمناسبة لا تخفى، وذهب أبو البقاء إلى أن هاتين الجملتين مستأنفتان، وجوز أن تكون الثانية حالاً من ضمير الجمع في (لهم) والعامل فيها معنى الاستقرار - والأزواج - جمع قلة وجمع الكثرة زوجة كعود وعودة ولم يكثر استعماله في الكلام، قيل: ولهذا استغنى عنه بجمع القلة توسعاً، وقد ورد في الآثار ما يدل على كثرة الأزواج في الجنة من الحور وغيرهن، ويقال: الزوج للذكر والأنثى، ويكون لأحد المزدوجين ولهما معاً، ويقال: للأنثى زوجة في لغة تميم وكثير من قيس، والمراد هنا بالأزواج النساء اللاتي تختص بالرجل لا يشركه فيها غيره، وليس في المفهوم اعتبار التوالد الذي هو مدار بقاء/ النوع حتى لا يصح إطلاقه على أزواج الجنة لخلودهم فيها واستغنائهم عن الأولاد، على أن بعضهم صحح التوالد فيها وروى آثاراً في ذلك لكن على وجه يليق بذلك المقام، وذكر بعضهم أن الأولاد روحانيون والله قادر على ما يشاء. ومعنى كونها مطهرة أن الله سبحانه نزههن عن كل ما يشينهن، فإن كن من الحور - كما روي عن عبد الله - فمعنى التطهر خلقهن على الطهارة لم يعلق بهن دنس ذاتي ولا خارجي، وإن كن من بني آدم - كما روي عن الحسن -: «من عجائزكم الرمص الغمص يصرن شواب» فالمراد إذهاب كل شين عنهن من العيوب الذاتية وغيرها. والتطهير كما قال الراغب يقال في الأجسام والأخلاق والأفعال جميعاً، فيكون عاماً هنا بقرينة مقام المدح لا مطلقاً منصرفاً إلى الكامل، وكمال التطهير إنما يحصل بالقسمين كما قيل، فإن المعهود من إرادة الكامل إرادة أعلى أفراده لا الجميع. وقرأ زيد بن علي - (مطهرات) - بناءً على طهرن لا طهرت - كما في الأولى - ولعلها أولى استعمالاً، وإن كان الكل فصيحاً لأنهم قالوا: جمع ما لا يعقل إما أن يكون جمع قلة أو كثرة، فإن كان جمع كثرة فمجىء الضمير على حد ضمير الواحدة أولى من مجيئه على حد ضمير الغائبات، وإن كان جمع قلة فالعكس، وكذلك إذا كان ضميراً عائداً على جمع العاقلات الأولى فيه النون دون التاء كـ {أية : بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ }تفسير : [البقرة: 234] و {أية : يُرْضِعْنَ أَوْلَـٰدَهُنَّ } تفسير : [البقرة: 233] ولم يفرقوا في هذا بين جمع القلة والكثرة، ومجىء هذه الصفة مبينة للمفعول، ولم تأت طاهرة - وصف من طهر - بالفتح على الأفصح، أو طهر بالضم، وعلى الأول قياس، وعلى الثاني شاذ للتفخيم لأنه أفهم أن لها مطهراً وليس سوى الله تعالى، وكيف يصف الواصفون من طهره الرب سبحانه؟! وقرأ عبيد بن عمير: {مُّطَهَّرَةٍ} وأصله متطهرة فأدغم، ولما ذكر سبحانه وتعالى مسكن المؤمنين ومطعمهم ومنكحهم؛ وكانت هذه الملاذ لا تبلغ درجة الكمال مع خوف الزوال ولذلك قيل:شعر : أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالاً تفسير : أعقب ذلك بما يزيل ما ينغص إنعامه من ذكر الخلود في دار الكرامة، والخلود عند المعتزلة البقاء الدائم الذي لا ينقطع، وعندنا البقاء الطويل انقطع أو لم ينقطع، واستعماله في المكث الدائم من حيث إنه مكث طويل لا من حيث خصوصه حقيقة وهو المراد هنا، وقد شهدت له الآيات والسنن، والجهمية يزعمون أن الجنة وأهلها يفنيان وكذا النار وأصحابها، والذي دعاهم إلى هذا أنه تعالى وصف نفسه بأنه الأول والآخر، والأولية تقدمه على جميع المخلوقات، والآخرية تأخره ولا يكون إلا بفناء السوي، ولو بقيت الجنة وأهلها كان فيه تشبيه لمن لا شبيه له سبحانه وهو محال، ولأنه إن لم يعلم أنفاس أهل الجنة كان جاهلاً تعالى عن ذلك، وإن علم لزم الانتهاء وهو بعد الفناء، ولنا النصوص الدالة على التأبيد والعقل معها لأنها دار سلام وقدس لا خوف ولا حزن. والمرء لا يهنأ بعيش يخاف زواله بل قيل: البؤس خير من نعيم زائل، والكفر جريمة خالصة فجزاؤها عقوبة خالصة لا يشوبها نقص، ومعنى: (الأول والآخر) ليس كما في الشاهد بل بمعنى لا ابتداء ولا انتهاء له في ذاته من غير استناد لغيره فهو الواجب القدم المستحيل العدم، والخلق ليسوا كذلك، فأين الشبه والعلم لا يتناهى فيتعلق بما لا يتناهى، وما أنفاس أهل الجنة إلا كمراتب الأعداد؟! أفيقال: إن الله سبحانه لا يعلمها أو يقال إنها متناهية، تباً للجهمية ما أجهلهم، وأجهل منهم من قال إن الأبدان مؤلفة من الأجزاء المتضادة في الكيفية معرضة للاستحالات المؤدية إلى الانحلال والانفكاك فكيف يمكن التأبيد، وذلك لأن مدار هذا على قياس هاتيك النشأة على هذه النشأة، وهيهات هيهات كيف يقاس ذلك العالم الكامل على عالم الكون والفساد؟! على أنه إذا ثبت كونه تعالى قادراً مختاراً ولا فاعل في الوجود إلا هو فلمَ لا يجوز أن يعيد الأبدان بحيث لا تتحلل، أو إن تحللت فلمَ لا يجوز أن يخلق بدل/ ما تحلل دائماً أبداً؟ وسبحان القادر الحكيم الذي لا يعجزه شيء.

ابن عاشور

تفسير : {وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ}. في «الكشاف» من عادته عز وجل في كتابه أن يذكر الترغيب مع الترهيب ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط لاكتساب ما يزلف والتثبيط عن اقتراف ما يتلف فلما ذكر الكفار وأعمالهم وأوعدهم بالعقاب قفاه ببشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة ا هـ. وجعل جملة: {وبشر} معطوفة على مجموع الجمل المسوقة لبيان وصف عقاب الكافرين يعني جميع الذي فصل في قوله تعالى: {أية : وإن كنتم في ريب}تفسير : [البقرة: 23] إلى قوله: {أية : أُعدت للكافرين}تفسير : [البقرة: 24] فعَطف مجموع أخبار عن ثواب المؤمنين على مجموع أخبار عن عقاب الكافرين والمناسبة واضحة مسوغة لعطف المجموع على المجموع، وليس هو عطفاً لجملة معينة على جملة معينة الذي يطلب معه التناسب بين الجملتين في الخبرية والإنشائية، ونظّره بقولك: زيد يعاقب بالقيد والإرهاق وبشر عمراً بالعفو والإطلاق. وجعل السيد الجرجاني لهذا النوع من العطف لقَبَ عطف القصة على القصة لأن المعطوف ليس جملة على جملة بل طائفة من الجمل على طائفة أخرى، ونظيره في المفردات ما قيل إن الواو الأولى والواو الثالثة في قوله تعالى: {أية : هو الأول والآخر والظاهر والباطن}تفسير : [الحديد: 3] ليستا مثل الواو الثانية لأن كل واحدة منهما لإفادة الجمع بين الصفتين المتقابلتين وأما الثانية فلعطف مجموع الصفتين المتقابلتين اللتين بعدها على مجموع الصفتين المتقابلتين اللتين قبلها ولو اعتبر عطف الظاهر وحده على إحدى السابقتين لم يكن هناك تناسب، هذا حاصله، وهو يريد أن الواو عاطفة جملة ذات مبتدأ محذوف وخبرين على جملة ذات مبتدأ ملفوظ به وخبرين، فالتقدير وهو الظاهر والباطن وليس المراد أن المبتدأ فيها مقدر لإغناء حرف العطف عنه بل هو محذوف للقرينة أو المناسبة في عطف جملة (الظاهر والباطن) على جملة (الأول والآخر). إنهما صفتان متقابلتان ثبتتا لموصوف واحد هو الذي ثبتت له صفتان متقابلتان أخريان. قال السيد ولم يذكر صاحب «المفتاح» عطف القصة على القصة فتحير الجامدون على كلامه في هذا المقام وتوهموا أن مراد صاحب «الكشاف» هنا عطف الجملة على الجملة وأن الخبر المتقدم مضمن معنى الطلب أو بالعكس لتتناسب الجملتان مع أن عبارة «الكشاف» صريحة في غير ذلك وقصد السيد من ذلك إبطال فهم فهمه سعد الدين من كلام «الكشاف» وأودعه في شرحه «المطول» على «التلخيص». وجوز صاحب «الكشاف» أن يكون قوله: {وبشر} معطوفاً على قوله: {أية : فاتقوا}تفسير : [البقرة: 24] الذي هو جواب الشرط فيكون له حكم الجواب أيضاً وذلك لأن الشرط وهو {أية : فإن لم تفعلوا}تفسير : [البقرة: 24] سبب لهما لأنهم إذا عجزوا عن المعارضة فقد ظهر صدق النبي فحق اتقاء النار وهو الإنذار لمن دام على كفره وحقت البشارة للذين آمنوا. وإنما كان المعطوف على الجواب مخالفاً له لأن الآية سيقت مساق خطاب للكافرين على لسان النبي فلما أريد ترتب الإنذار لهم والبشارة للمؤمنين جعل الجواب خطاباً لهم مباشرة لأنهم المبتدأ بخطابهم وخطاباً للنبي ليخاطب المؤمنين إذ ليس للمؤمنين ذكر في هذا الخطاب فلم يكن طريق لخطابهم إلا الإرسال إليهم. وقد استضعف هذا الوجه بأن علماء النحو قرروا امتناع عطف أمر مخاطب على أمر مخاطب إلا إذا اقترن بالنداء نحو قم يا زيدُ واكتب يا عمرو، وهذا لا نداء فيه. وجوز صاحب «المفتاح» أن {بشر} معطوف على قُلْ مقدَّراً قبل {أية : يأيها الناس اعبدوا}تفسير : [البقرة: 21] وقال القزويني في «الإيضاح» إنه معطوف على مقدر بعد قوله: {أية : أُعدت للكافرين}تفسير : [البقرة: 24] أي فأنذر الذين كفروا وكل ذلك تكلف لا داعي إليه إلا الوقوف عند ظاهر كلام النحاة مع أن صاحب «الكشاف» لم يعبأ به قال عبد الحكيم لأن منع النحاة إذا انتفت قرينة تدل على تغاير المخاطبين والنداء ضرب من القرينة نحو: {أية : يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك}تفسير : [يوسف: 29] ا هـ. يريد أن كل ما يدل على المراد بالخطاب فهو كاف وإنما خص النحاة النداء لأنه أظهر قرينة واختلاف الأمرين هنا بعلامة الجمع والإفراد دال على المراد، وأيًّا ما كان فقد روعي في الجمل المعطوفة ما يقابل ما في الجمل المعطوف عليها فقوبل الإنذار الذي في قوله: {أية : فاتقوا النار}تفسير : [البقرة: 24] بالتبشير وقوبل {أية : الناس}تفسير : [البقرة: 21] المراد به المشركون بالذين آمنوا وقوبل (النار) بالجنة فحصل ثلاثة طباقات. والتبشير الإخبار بالأمر المحبوب فهو أخص من الخبر. وقيد بعض العلماء معنى التبشير بأن يكون المخبر (بالفتح) غير عالم بذلك الخبر والحق أنه يكفي عدم تحقق المخبر (بالكسر) عِلْم المخبر (بالفتح) فإن المخبر (بالكسر) لا يلزمه البحث عن علم المخاطب فإذا تحقق المخبر علم المخاطب لم يصح الإخبار إلا إذا استعمل الخبر في لازم الفائدة أو في توبيخ ونحوه. والصالحات جمع صالحة وهي الفعلة الحسنة فأصلها صفة جرت مجرى الأسماء لأنهم يقولون صالحة وحسنة ولا يقدرون موصوفاً محذوفاً قال الحطيئة:شعر : كيفَ الهجاءُ وما تنفَكُّ صَالحةٌ من آل لأْمٍ بظهر الغيبِ تأتينا تفسير : وكأنَّ ذلك هو وجه تأنيثها للنقل من الوصفية للاسمية. والتعريف هنا للاستغراق وهو استغراق عرفي يحدد مقداره بالتكليف والاستطاعة والأدلة الشرعية مثل كون اجتناب الكبائر يغفر الصغائر فيجعلها كالعدم. فإن قلت: لماذا لم يقل وعملوا الصالحة بالإفراد فقد قالوا إن استغراق المفرد أشْمَلُ من استغراق المجموع، قلت تلك عبارة سرت إليهم من كلام صاحب «الكشاف» في هذا الموضع من تفسيره إذ قال: «إذا دخلت لام الجنس على المفرد كان صالحاً لأن يراد به الجنس إلى أن يحاط به وأن يراد به بعضه إلى الواحد منه وإذا دخلت على المجموع صلح أن يراد به جميع الجنس وأن يراد به بعضه لا إلى الواحد منه ا هـ". فاعتمدها صاحب «المفتاح» وتناقلها العلماء ولم يفصِّلوا بيانها. ولعل سائلاً يسأل عن وجه إتيان العرب بالجموع بعد أل الاستغراقية إذا كان المفرد مغنياً غناءها فأقول: إن أل المُعَرِّفة تأتي للعهد وتأتي للجنس مراداً به الماهية وللجنس مراداً به جميع أفراده التي لا قرار له في غيرها فإذا أرادوا منها الاستغراق نظروا فإن وجدوا قرينة الاستغراق ظاهرة من لفظ أو سياق نحو: {أية : إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا}تفسير : [العصر: 2، 3] {أية : وتؤمنون بالكتاب كله}تفسير : [آل عمران: 119] {أية : والمَلَكُ على أرجائها}تفسير : [الحاقة: 17] اقتنعوا بصيغة المفرد لأنه الأصل الأخَفُّ وإن رأوا قرينة الاستغراق خفية أو مفقودة عدلوا إلى صيغة الجمع لدلالة الصيغة على عدة أفراد لا على فرد واحد. ولما كان تعريف العهد لا يتوجه إلى عدد من الأفراد غالباً تعين أن تعريفها للاستغراق نحو: {أية : واللَّهُ يحب المحسنين}تفسير : [آل عمران: 134] لئلا يتوهم أن الحديث على مُحسن خاص نحو قولها: {أية : وأن الله لا يهدي كيد الخائنين}تفسير : [يوسف: 52] لئلا يتوهم أن الحديث عن خائن معين تعني نفسها فيصير الجمع في هذه المواطن قرينة على قصد الاستغراق. وانتصب الصالحات على المفعول به لعملوا على المعروف من كلام أئمة العربية وزعم ابن هشام في الباب السادس من «مغني اللبيب» أن مفعول الفعل إذا كان لا يوجد إلا بوجود فعله كان مفعولاً مطلقاً لا مفعولاً به فنحو: {عملوا الصالحات} مفعول مطلق ونحو: {أية : خلق الله السماوات}تفسير : [العنكبوت: 44] كذلك، واعتضد لذلك بأنّ ابن الحاجب في «شرح المفصل» زعم أن المفعول المطلق يكون جملة نحو قال زيد عمرو منطلق وكلام ابن هشام خطأ وكلام ابن الحاجب مثله، وقد رده ابن هشام نفسه. والصواب أن المفعول المطلق هو مصدر فعله أو ما يجري مجراه. والجنات جمع جنة، والجنة في الأصل فعلة من جنه إذا ستره نقلوه للمكان الذي تكاثرت أشجاره والتف بعضها ببعض حتى كثر ظلها وذلك من وسائل التنعم والترفه عند البشر قاطبة لا سيما في بلد تغلب عليه الحرارة كبلاد العرب قال تعالى: {أية : وجنات ألفافاً}تفسير : [النبأ: 16]. والجري حقيقته سرعة شديدة في المشي، ويطلق مجازاً على سَيْل الماء سَيْلاً متكرراً متعاقباً وأحسن الماء ما كان جارياً غير قار لأنه يكون بذلك جديداً كلما اغترف منه شارب أو اغتسل مغتسل. والأنهار جمع نهر بفتح الهاء وسكونها والفتح أفصح والنهر الأُخدود الجاري فيه الماء على الأرض وهو مشتق من مادة نَهَر الدالة على الانشقاق والاتساع ويكون كبيراً وصغيراً. وأكمل محاسن الجنات جريان المياه في خلالها وذلك شيء اجتمع البشر كلهم على أنه من أنفس المناظر لأن في الماء طبيعة الحياة ولأن الناظر يرى منظراً بديعاً وشيئاً لذيذاً. وأودع في النفوس حب ذلك فإما لأن الله تعالى أعد نعيم الصالحين في الجنة على نحو ما ألفته أرواحهم في هذا العالم فإن للإلف تمكناً من النفوس والأرواح بمرورها على هذا العالم عالم المادة اكتسبت معارف ومألوفات لم تزل تحن إليها وتعدها غاية المنى ولذا أعد الله لها النعيم الدائم في تلك الصور، وإما لأن الله تعالى حبب إلى الأرواح هاته الأشياء في الدنيا لأنها على نحو ما ألفته في العوالم العليا قبل نزولها للأبدان لإلفها بذلك في عالم المثال، وسبب نفرتها من أشكال منحرفة وذوات بشعة عدم إلفها بأمثالها في عوالمها. والوجه الأول الذي ظهر لي أراه أقوى في تعليل مجيء لذات الجنة على صور اللذات المعروفة في الدنيا وسينفعنا ذلك عند قوله تعالى: {وأتوا به متشابهاً}. ومعنى {من تحتها} من أسفلها والضمير عائد إلى الجنات باعتبار مجموعها المشتمل على الأشجار والأرض النابتة فيها ويجوز عود الضمير إلى الجنات باعتبار الأشجار لأنها أهم ما في الجنات، وهذا القيد لمجرد الكشف فإن الأنهار لا تكون إلا كذلك ويفيد هذا القيد تصوير حال الأنهار لزيادة تحسين وصف الجنات كقول كعب بن زهير:شعر : شُجَّت بذِي شبَمٍ من ماء مَحنية صافٍ بأبطحَ أضحى وهو مشمولُ تفسير : البيتين. وقد أورد صاحب «الكشاف» توجيهاً لتعريف الأنهار ومخالفتها لتنكير (جنات) إما بأن يراد تعريف الجنس فيكون كالنكرة وإما بأن يراد من التعريف العهد إلا أنه عهد تقديري لأن الجنات لما ذكرت استحضر لذهن السامع لوازمها ومقارناتها فساغ للمتكلم أن يشير إلى ذلك المعهود فجيء باللام، وهذا معنى قوله أو يراد أنهارها فعوض التعريف باللام من تعريف الإضافة، يريد أن المتكلم في مثل هذا المقام في حيرة بين أن يأتي بالأنهار معرفة بالإضافة للجنات وبين أن يعرفها بأل العهدية عهداً تقديرياً واختير الثاني تفادياً من كلفة الإضافة وتنبيهاً على أن الأنهار نعمة مستقلة جديرة بأن لا يكون التنعم بها تبعاً للتنعم بالجنات وليس مراده أن أل عوض عن المضاف إليه على طريقة نحاة الكوفة لأنه قد أباه في تفسير قوله تعالى: {أية : فإن الجحيم هي المأوى}تفسير : [النازعات: 39] وإنما أراد أن الإضافة واللام متعاقبتان هنا وليس ذلك صالحاً في كل موضع على أني أرى مذهب الكوفيين مقبولاً وأنهم ما أرادوا إلا بيان حاصل المعنى من ذلك التعريف فإن تقدير المضاف إليه هو الذي جعل المضاف المذكور كالمعهود فأدخلت عليه لام التعريف العهدي. وعندي أن الداعي إلى التعريف هو التفنن لئلا يعاد التنكير مرة ثانية فخولف بينهما في اللفظ اقتناعاً بسورة التعريف. وقوله: {من تحتها} يظهر أنه قيد كاشف قصد منه زيادة إحضار حالة جري الأنهار إذ الأنهار لا تكون في بعض الأحوال تجري من فوق فهذا الوصف جيء به لتصوير الحالة للسامع لقصد الترغيب وهذا من مقاصد البلغاء إذ ليس البليغ يقتصر على مجرد الإفهام، وقريب من هذا قول النابغة يصف فرس الصائد وكلابه:شعر : من حس أطلس تسعى تحته شرع كأن أحناكها السفلى مآشير تفسير : والتحت اسم لجهة المكان الأسفل وهو ضد الأعلى، ولكل مكان علوٌّ وسفلٌ ولا يقتضي ذلك ارتفاعَ ما أضيف إليه التحت على التحت بل غاية مدلوله أنه بجهة سفله قال تعالى حكاية عن فرعون: {أية : وهذه الأنهار تجري من تحتي}تفسير : [الزحرف: 51] فلا حاجة إلى تأويل الجنة هنا بالأشجار لتصحيح التحت ولا إلى غيره من التكلفات. {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَـٰبِهاً وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ}. جملة: {كلما رزقوا} يجوز أن تكون صفة ثانية لجنات، ويجوز أن تكون خبراً عن مبتدأ محذوف وهو ضمير {الذين آمنوا} فتكون جملة ابتدائية الغرض منها بيان شأن آخر من شؤون الذين آمنوا، ولكمال الاتصال بينها وبين جملة {أن لهم جنات} فصلت عنها كما تفصل الأخبار المتعددة. و(كلما) ظرف زمان لأن كلا أضيفت إلى ما الظرفية المصدرية فصارت لاستغراق الأزمان المقيدة بصلة ما المصدرية وقد أشربت معنى الشرط لذلك فإن الشرط ليس إلا تعليقاً على الأزمان المقيدة بمدلول فعل الشرط ولذلك خرجت كثير من كلمات العموم إلى معنى الشرط عند اقترانها بما الظرفية نحو كيفما وحيثما وأنما وأينما ومتى وما ومهما. والناصب لكلما الجواب لأن الشرطية طارئة عليها طرياناً غير مطرد بخلاف مهما وأخواتها. وإذ كانت كلما نصاً في عموم الأزمان تعين أن قوله {من قبل} المبني على الضم هو على تقدير مضاف ظاهر التقدير أي من قبل هذه المرة فيقتضي أن ذلك ديدن صفات ثمراتهم أن تأتيهم في صور ما قدم إليهم في المرة السابقة. وهذا إما أن يكون حكاية لصفة ثمار الجنة وليس فيه قصد امتنان خاص فيكون المعنى أن ثمار الجنة متحدة الصورة مختلفة الطعوم. ووجه ذلك والله أعلم أن اختلاف الأشكال في الدنيا نشأ من اختلاف الأمزجة والتراكيب فأما موجودات الآخرة فإنها عناصر الأشياء فلا يعتورها الشكل وإنما يجيء في شكل واحد وهو الشكل العنصري. ويحتمل أن في ذلك تعجيباً لهم والشيء العجيب لذيذ الوقع عند النفوس ولذلك يرغب الناس في مشاهدة العجائب والنوادر. وهذا الاحتمال هو الأظهر من السياق. ويحتمل أن كلما لعموم غير الزمن الأول فهو عام مراد به الخصوص بالقرينة، ومعنى (من قبل) في المرة الأولى من دخول الجنة. ومن المفسرين من حمل قوله {من قبل} على تقدير من قبل دخول الجنة أي هذا الذي رزقناه في الدنيا، ووجهه في «الكشاف»: «بأن الإنسان بالمألوف آنس» وهو بعيد لاقتضائه أن يكون عموم كلما مراداً به خصوص الإتيان به في المرة الأولى في الجنة ولأنه يقتضي اختلاف الطعم واختلاف الأشكال وهذا أضعف في التعجيب، ولأن من أهل الجنة من لا يعرف جميع أصناف الثمار فيقتضي تحديد الأصناف بالنسبة إليه. وقوله: {وأتوا به متشابهاً} ظاهر في أن التشابه بين المأتي به لا بينه وبين ثمار الدنيا. ثم مَنّ الله عليهم بنعمة التأنس بالأزواج ونزه النساء عن عوارض نساء الدنيا مما تشمئز منه النفس لولا النسيان فجمع لهم سبحانه اللذات على نحو ما ألفوه فكانت نعمة على نعمة. والأزواج جمع زوج يقال للذكر والأنثى لأنه جعل الآخر بعد أن كان منفرداً زوجاً وقد يقال للأنثى زوجة بالتاء وورد ذلك في حديث عمار بن ياسر في البخاري: «إني لأعلم أنها زوجته في الدنيا والآخرة» يعني عائشة وقال الفرزدق:شعر : وإنّ الذي يَسعى ليفسد زَوجتي كساعٍ إلى أُسد الشَّرى يستمليها تفسير : وقوله: {وهم فيها خالدون} احتراس مِن تَوَهُّم الانقطاع بما تعودوا من انقطاع اللذات في الدنيا لأن جميع اللذات في الدنيا معرضة للزوال وذلك ينغصها عند المنعم عليه كما قال أبو الطيب:شعر : أشدُّ الغم عندي في سرور تحقَّقَ عنه صاحبُه انتقالا تفسير : وقوله: {مطهرة} هو بزنة الإفراد وكان الظاهر أن يقال مطهرات كما قرىء بذلك ولكن العرب تعدل عن الجمع مع التأنيث كثيراً لثقلهما لأن التأنيث خلاف المألوف والجمع كذلك، فإذا اجتمعا تفادوا عن الجمع بالإفراد وهو كثير شائع في كلامهم لا يحتاج للاستشهاد.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}. لم يبين هنا أنواع هذه الأنهار، ولكنه بين ذلك في قوله: {أية : فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى} تفسير : [محمد: 15]. قوله تعالى: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ}. لم يبين هنا صفات تلك الأزواج، ولكنه بين صفاتهن الجميلة في آيات أخر كقوله: {أية : وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ ٱلطَّرْفِ عِينٌ}تفسير : [الصافات: 48]، وقوله: {أية : كَأَنَّهُنَّ ٱلْيَاقُوتُ وَٱلْمَرْجَانُ}تفسير : [الرحمن: 58]، وقوله:{أية : وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ ٱللُّؤْلُؤِ ٱلْمَكْنُونِ}تفسير : [الواقعة: 22-23] وقوله: {أية : وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً}تفسير : [النبأ: 33] إلى غير ذلك من الآيات المبينة لجميل صفاتهن. والأزواج: جمع زوج بلا هاء في اللغة الفصحى، والزوجة [بالهاء] لغة لا لحن، كما زعمه البعض. وفي حديث أنس عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنها زوجتي"تفسير : ، أخرجه مسلم. ومن شواهده قول الفرزدق: شعر : وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي كساعٍ إلى أسد الشرى يستبيلها تفسير : وقول الآخر: شعر : فبكى بناتي شجوهن وزوجتي والظاعنون إلي ثم تصدعوا

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 25- وإذا كان هذا عقاب الفجار الجاحدين، فالجنة مثوى المؤمنين، فأخبر الذين صدَّقوا بالله ورسوله وكتابه، وأذعنوا للحق دون شك أو ارتياب، وعملوا الأعمال الصالحة الطيبة - أخبرهم بخبر يسرهم ويشرح صدورهم، وهو أن الله أعد لهم عنده جنات مثمرة تتخللها الأنهار الجارية تحت أشجارها وقصورها، كلما رزقهم الله وهم فى هذه الجنات - رزقاً من بعض ثمارها قالوا: إن هذا يشبه ما رزقنا من قبل، لأن هذه الثمرات التى ينالونها تشابه أفرادها فى الصورة والجنس ولكنها تتمايز فى الطعم واللذة، ولهم فيها أيضاً زوجات كاملات الطهارة ليس فيهن ما يعاب. وسيبقون فى هذه الجنة فى حياة أبدية لا يخرجون منها. 26- يضرب الله الأمثال للناس لبيان الحقائق العالية، ويضرب بصغائر الأحياء، وكبار الأشياء، وقد عاب من لا يؤمنون ضرب المثل بصغائر الأحياء كالذباب والعنكبوت، فبين الله سبحانه أنه لا يعتريه ما يعترى الناس من الاستحياء، فلا يمنع أن يصور لعباده ما يشاء من أمور بأى مثل مهما كان صغيراً، فيصح أن يجعل المثل بعوضة أو ما فوقها، والذين آمنوا يعلمون وجه التمثيل وأن هذا حق من الله، والذين كفروا يتلقونه بالاستنكار ويقولون: ما الذى أراده الله بهذا المثل؟ وأن هذا المثل يكون سبباً لإضلال الذين لا يطلبون الحق ولا يريدونه، ويكون سبباً لهداية المؤمنين بالحق الذى يطلبونه، فلا يُضَلُّ به إلا المنحرفين المتمردين. 27- الذين ينقضون عهد الله - وهم الذين لم يلتزموا عهد الله القوى الذى أنشأه فى نفوسهم بمقتضى الفطرة موثقاً بالعقل المدرك ومؤيداً بالرسالة - ويقطعون ما أمر الله به أن يكون موصولاً كوصل ذوى الأرحام، والتواد والتعارف والتراحم بين بنى الإنسان، ويفسدون فى الأرض بسوء المعاملات وبإثارة الفتن وإيقاد الحروب وإفساد العمران، أولئك هم الذين يخسرون بإفسادهم فطرتهم وقطعهم ما بينهم وبين الناس ما يجب أن يكون من تواد وتعاطف وتراحم، ويكون مع ذلك لهم الخزى فى الدنيا والعذاب فى الآخرة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: بشر: التبشير: الإِخبار السَّار وذلك يكون بالمحبوب للنفس. تجري من تحتها: تجري الأنهار من خلال أشجارها وقصورها والأنهار هي أنهار الماء وأنهار اللبن وأنهار الخمر وأنهار العسل. وأتوا به متشابهاً: أعطوا الثمار وقدم لهم يشبه بعضه بعضاً في اللون مختلف في الطعم. مطهّرة: من دم الحيض والنفاس وسائر المعائب والنقائص. خالدون: باقون فيها لا يخرجون منها أبداً. المناسبة والمعنى: لما ذكر تعالى النار وأهلها ناسب أن يذكر الجنة وأهلها ليتم الترهيب والترغيب وهما أداة الهداية والإصلاح. في هذه الآية الكريمة أمر الله تعالى رسوله أن يبشر المؤمنين المستقيمين بما رزقهم من جنات تجري من تحتها الأنهار لهم فيها أزواج مطهرات نقيات من كل أذى وقذر وهم فيها خالدون. كما أخبر عنهم بأنهم إذا قدم لهم أنواع الثمار المختلفة قالوا هذا الذي رزقنا مثله في الدنيا. كما أخبر تعالى أنهم أوتوه متشابها في اللون غير متشابه في الطعم زيادة في حسنه وكماله. وعظيم الالتذاذ به. هداية الآية: من هداية الآية: 1- فضل الإيمان والعمل الصالح إذ بهما كان النعيم المذكور في الآية لأصحابهما. 2- تشويق المؤمنين إلى دار السلام، وما فيها من نعيم مقيم ليزدادوا رغبة فيهما وعملا لها. بفعل الخيرات وترك المنكرات.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} {جَنَّاتٍ} {ٱلأَنْهَارُ} {مُتَشَابِهاً} {أَزْوَاجٌ} {خَالِدُونَ} (25) - ويُبَشِّرُ اللهُ تَعَالى الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، أَنَّ لَهُمْ عِنْدَهُ في الآخِرَةِ جَنَّاتٍ تَجْرِي الأَنْهَارُ في جَنَبَاتِهَا، وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرةٌ مِنَ الدَّنَسِ وَالأَذى وَالآثامِ ومسَاوِئِ الأَخْلاَقِ، كَالََكَيْدِ والمَكْرِ والخَدِيعَةِ .. وَتَأْتِيهِمُ الثِّمَارُ في الجَنَّةِ فَيَظُنُّونَ أَنَّهَا مِنَ الثِّمَارِ التِي عَرَفُوهَا في الدُّنيا (أَوْ أَنَّهَا مِنَ الثِّمَارِ التِي أَتَتْهُمْ قَبْلَ ذلِكَ فِي الجَنَّةِ، وَتَخْتَلِفُ عَنْهَا طَعْماً مَعَ أَنَّهَا تُشْبِهُهَا فِي شَكْلِها وَمَنْظَرِهَا). وَكُلَّمَا رُزِقُوا مِنْها ثَمَرَةً قَالُوا: هذا مَا وُعِدْنا بِهِ في الدُّنيا جَزَاءً عَلَى الإِيمَان وَالعَمَلِ الصَّالِحِ. والذِينَ آمَنُوا إِيمَاناً صَادِقاً، وَعَملُوا عَمَلاً صَالِحاً يَبْقَوْنَ في الجَنَّةِ خَالِدينَ أبداً، لاَ يَمُوتُونَ فِيها، وَلا يَحُولُونَ عَنْها. (وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالى الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، مِنْهَا أَوَّلُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ المُؤمِنُونَ). مُتَشَابِهاً - فِي اللَّوْنِ وَالمَنْظَرِ لاَ فِي الطَّعْمِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : وبعد أن بيَّن الله سبحانه وتعالى لنا مصير الكافرين الذين يشككون في القرآن ليتخذوا من ذلك عذراً لعدم الإيمان، قال: إذا كنتم قد اخترتم عدم الإيمان، بما أعطيتكم من اختيار في الدنيا، فإنكم في الآخرة لن تستطيعوا أن تتقوا النار، ولن تكون لكم إرادة. ثم يأتي الحق تبارك وتعالى بالصورة المقابلة. والقرآن الكريم إذا ذكرت الجنة يأتي الله بعدها بالصورة المقابلة وهي العذاب بالنار. وإذا ذكرت النار بعذابها ولهيبها ذكرت بعدها الجنة. وهذه الصورة المتقابلة لها تأثير على دفع الإيمان في النفوس، فإذا قرأ الإنسان وصفاً للعذاب، ثم جاء بعد ذلك النعيم فإنه يعرف أنه قد فاز مرتين، فالذي يُزَحزَح عن النار ولا يدخلها يكون ذلك فوزاً ونعمة، فإذا دخل الجنة تكون نعمة أخرى، ولذلك فإن الله تعالى يقول: {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ..} تفسير : [آل عمران: 185]. ولم يقل سبحانه: ومَنْ أدخل الجنة فقد فاز؛ لأن مجرد أن تزحزح عن النار فوز عظيم .. وفي الآخرة. وبعد الحساب يُضْرَب الصراط فوق جهنم، ويعبر من فوقه المؤمنون والكافرون. فالمؤمنون يجتازون الصراط المستقيم كل حسب عمله منهم مَنْ يمر بسرعة البرق، ومنهم مَنْ يمر أكثر بُطأً .. وهكذا، والكافرون يسقطون في النار. ولكن لماذا يمر المؤمنون فوق الصراط. والله سبحانه وتعالى قال: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً * ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} تفسير : [مريم: 71-72]. لأن مجرد رؤية المؤمنين لجهنم نعمة كبرى، فحين يرون العذاب الرهيب الذي أنجاهم الإيمان منه يحس كل منهم بنعمة الله عليه. أنه أنجاه من هذا العذاب، وأهل النار وأهل الجنة يرى بعضهم بعضاً، فأهل الجنة حينما يرون أهل النار يحسون بعظيم نعمة الله عليهم إذ أنجاهم منها، وأهل النار حين يرون أهل الجنة يحسون بعظيم غضب الله عليهم أن حرمهم من نعيمه، فكأن هذه الرؤية نعيم لأهل الجنة وزيادة في العذاب لأهل النار .. والله سبحانه وتعالى يقول: {وَبَشِّرِ ..} [البقرة: 25] والبشارة هي الإخبار بشيء سار قادم لم يأت وقته بعد. فأنت إذا بشرت إنساناً بشيء أعلنته بشيء سار قادم. والبشارة هنا جاءت بعد الوعيد للكافرين. والإنذار هو إخبار بأمر مخيف. لم يأت وقته بعد. ولكن البشارة تأتي أحياناً في القرآن الكريم ويقصد بها الكفار. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَيْلٌ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ ٱللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} تفسير : [الجاثية: 7-8]. البشارة هنا تهكمية من الله سبحانه وتعالى، فالحق تبارك وتعالى يريد أن يزيد عذاب الكفار، فعندما يسمعون كلمة "فبشرهم" يعتقدون أنهم سيسمعون خبراً ساراً، فيأتي بعدها العذاب الأليم؛ ليزيدهم غماً على غم. يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..} [البقرة: 25]. البشرى هنا إعلام بخير قادم للمؤمنين، والإيمان هو الرصيد القلبي للسلوك؛ لأن مَنْ يؤمن بقضية يعمل من أجلها، التلميذ يذاكر لأنه مؤمن أنه سينجح، وكل عمل سلوكي لابد أن يوجد من ينبوع عقيدي. والإيمان أن تنسجم حركة الحياة مع ما في القلب وفق مراد الله سبحانه وتعالى، ونظام الحياة لا يقوم إلا على إيمان .. فكأن العمل الصالح ينبوعه الإيمان. ولذلك يقول القرآن الكريم: {أية : وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ..} تفسير : [العصر: 1-3]. وفي آية أخرى: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [فصلت: 33]. ولكن هل يكفي الإعلان عن كوني من المسلمين؟ لا .. بل لابد أن يقترن هذا الإعلان بالعمل بمرادات الله سبحانه وتعالى. الحق سبحانه وتعالى يُريدُ أن يلفتنا إلى أن قولنا: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" لابد أن يصاحبه عمل بمنهج الإسلام .. ذلك أن نطقنا بالشهادة لا يزيد في ملك الله شيئاً .. فالله تبارك وتعالى شهد بوحدانية ألوهيته لنفسه، وهذه شهادة الذات للذات .. ثم شهد الملائكة شهادة مشهد لأنهم يرونه سبحانه وتعالى، ثم شهد أولو العلم شهادة دليل بما فتح عليهم الله جل جلاله من علم .. وفي ذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [آل عمران: 18]. ولكن الحق سبحانه وتعالى يريد من المؤمنين أن يعملوا بالمنهج .. لماذا؟ حتى لا تتعاند حركة الحياة بل تتساند .. وما دامت حركة الحياة مستقيمة، فإنها تصبح حياة متساندة وقوية، وعندما انتشر الإسلام في بقاع الأرض لم يكن الهدف أن يؤمن الناس فقط لمجرد الإيمان، ولكن لابد أن تنسجم حركة الحياة مع منهج الإسلام .. فإذا ابتعدت حركة الحياة عن المنهج حينئذ لا يخدم قضية الدين أن يؤمن الناس أو لا يؤمنوا .. ولذلك لابد أن ينص على الإيمان والعمل الصالح .. {وٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [البقرة: 25] .. والصالحات هي جمع صالحة والصالحة هي الأمر المستقيم مع المنهج، وضدها الفساد .. وحين يستقبل الإنسان الوجود، فإن أقل الصالحات هو أن يترك الصالح على صلاحه أو يزيده صلاحاً. الحق تبارك وتعالى يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بجنات تجري من تحتها الأنهار .. والجنات جمع جنة، وهي جمع لأنها كثيرة ومتنوعة، وهناك درجات في كل جنة أكثر من الدنيا .. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً} تفسير : [الإسراء: 21]. الجنات نفسها متنوعة .. فهناك جنات الفردوس، وجنات عَدْن، وجنات نعيم، وهناك دار الخلد، ودار السلام، وجنة المأوى .. وهناك عِلِّيُون الذي هو أعلى وأفضل الجنات، وأعلى ما فيها التمتع برؤية الحق تبارك وتعالى .. وهو نعيم يعلو كثيراً عن أي نعيم في الطعام والشراب في الدنيا. والطعام والشراب بالنسبة لأهل الجنة لا يكون عن جوع أو ظمأ، وإنما عن مجرد الرغبة والتمتع. والله جل جلاله في هذه الآية يَعِدُ بأمرٍ غيبي، ولذلك فإنه لكي يُقَرِّبَ المعنى إلى ذهن البشر لابد من استخدام ألفاظ مشهودة وموجودة أي: عن واقع نشهده. واقرأ، قوله تبارك وتعالى: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [السجدة: 17]. إذن: ما هو موجود في الجنة لا تعلمه نفس في الدنيا .. ولا يوجد لفظ في اللغة يُعَبِّرُ عنه، ولا ملكة من ملكات المعرفة كالسمع والنظر قد رأته، ولذلك استخدم الحق تبارك وتعالى الألفاظ التي تتناسب مع عقولنا وإدراكنا .. فقال تعالى: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [البقرة: 25]. على أن هناك آيات أخرى تقول: {أية : تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} تفسير : [التوبة: 100] ما الفرق بين الاثنين؟ قوله تعالى: {أية : تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} تفسير : [التوبة: 100] أي: أن نبع الماء من مكان بعيد وهو يمر من تحتها .. أما قوله تعالى: {مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ ..} [البقرة: 25] فكأن الأنهار تنبع تحتها .. حتى لا يخاف إنسان من أن الماء الذي يأتي من بعيد يقطع عنه أو يجف .. وهذه زيادة لاطمئنان المؤمنين أن نعيم الجنة باق وخالد. وما دام هناك ماء، فهناك خضرة ومنظر جميل ولابُدّ أَنْ يكون هناك ثمر .. وفي قوله تعالى: {كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَـٰذَا ٱلَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً ..} [البقرة: 25]. حديث عن ثمر الجنة .. وثمر الجنة يختلف عن ثمر الدنيا .. إنك في الدنيا لابد أن تذهب إلى الثمرة وتأتي بها أو يأتيك غيرك بها .. ولكن في الجنة الثمر هو الذي يأتي إليك، بمجرد أن تشتهيه تجده في يدك .. وتعتقد أن هناك تشابهاً بين ثمر الدنيا وثمر الجنة.. ولكن الثمر في الجنة ليس كثمر الدنيا، لا في طعمه ولا في رائحته .. وإنما يرى أهل الجنة ثمرها، ويتحدثون ويقولون ربما تكون هذه الثمرة هي ثمرة المانجو أو التين الذي أكلناه في الدنيا، ولكنها في الحقيقة تختلف تماماً .. قد يكون الشكل متشابهاً ولكن الطعم وكل شيء مختلف. في الدنيا كل طعام له فضلات يخرجها الإنسان .. ولكن في الآخرة لا يوجد لطعام فضلات، بل إن الإنسان يأكل كما يشاء دون أن يحتاج إلى إخراج فضلات، وذلك لاختلاف ثمار الدنيا عن الآخرة في التكوين. إذن، ففي الجنة الأنهار مختلفة والثمار مختلفة، والجنة يكون الرزق فيها من الله سبحانه وتعالى الذي يقول " للشيء كن فيكون" .. ولا أحد يقوم بعمل. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25]. الزوجة هي متعة الإنسان في الدنيا إن كانت صالحة، والمنغصة عليه إن كانت غير صالحة، وهناك منغصات تستطيع أن تضعها المرأة في حياة زوجها تجعله شقياً في حياته .. كأن تكون سليطة اللسان أو دائمة الشجار .. أو لا تعطي اهتماماً لزوجها أو تحاول إثارته بأن تجعله يشك فيها .. أما في الآخرة كل هذه المنغصات تزول بأمر الله. فالزوجة في الآخرة مُطَهَّرَةٌ من كل ما يكرهه الزوج فيها، وما لم يحبه في الدنيا يختفي. فالمؤمنون في الآخرة مُطَهَّرُون من كل نقائص الدنيا ومتاعبها وأولها الغل والحقد .. واقرأ قوله جل جلاله: {أية : وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ} تفسير : [الحجر: 47]. فمقاييس الدنيا ستختفي، وكل شيء تكرهه في الدنيا لن تجده في الآخرة، فإذا كان أي شيء قد نَغَّصَ حياتك في الدنيا فإنه سيختفي في الآخرة، والحق تبارك وتعالى ضرب المثل بالزوجات، لأن الزوجة هي متعة زوجها في الدنيا، وهي التي تستطيع أن تحيل حياته إلى نعيم أو جحيم. وقوله تعالى: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 25] .. أي لا موت في الآخرة، ولن يكون في الآخرة وجود للموت أبداً، وإنما فيها الخلود الدائم إما في الجنة وإما في النار.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {مُتَشَابِهاً} أي يشبهُ بعضهُ بعضاً في اللونِ، والطَّعمِ. ويقال: مُتشابهاً فِي اللونِ، ومُخْتَلِفاً فِي الطَّعمِ. تفسير : وقولهُ تعالى: {لَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ} أي لاَ يَحِضنَ، ولا يَنفَسنَ ولا يَعْرَقنَ، ولا يَمتخطْنَ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر جزاء الكافرين، ذكر جزاء المؤمنين، أهل الأعمال الصالحات، على طريقته تعالى في القرآن يجمع بين الترغيب والترهيب، ليكون العبد راغبا راهبا، خائفا راجيا فقال: { وَبَشِّرِ } أي: [يا أيها الرسول ومن قام مقامه] { الَّذِينَ آمَنُوا } بقلوبهم { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } بجوارحهم، فصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة. ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته الدنيوية والأخروية، ويزول بها عنه فساد الأحوال، فيكون بذلك من الصالحين، الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته. فبشرهم { أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ } أي: بساتين جامعة من الأشجار العجيبة، والثمار الأنيقة، والظل المديد، [والأغصان والأفنان وبذلك] صارت جنة يجتن بها داخلها، وينعم فيها ساكنها. { تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ } أي: أنهار الماء، واللبن، والعسل، والخمر، يفجرونها كيف شاءوا، ويصرفونها أين أرادوا، وتشرب منها تلك الأشجار فتنبت أصناف الثمار. { كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ } أي: هذا من جنسه، وعلى وصفه، كلها متشابهة في الحسن واللذة، ليس فيها ثمرة خاصة، وليس لهم وقت خال من اللذة، فهم دائما متلذذون بأكلها. وقوله: { وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا } قيل: متشابها في الاسم، مختلف الطعوم وقيل: متشابها في اللون، مختلفا في الاسم، وقيل: يشبه بعضه بعضا، في الحسن، واللذة، والفكاهة، ولعل هذا الصحيح. ثم لما ذكر مسكنهم، وأقواتهم من الطعام والشراب وفواكههم، ذكر أزواجهم، فوصفهن بأكمل وصف وأوجزه، وأوضحه فقال: { وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ } فلم يقل "مطهرة من العيب الفلاني "ليشمل جميع أنواع التطهير، فهن مطهرات الأخلاق، مطهرات الخلق، مطهرات اللسان، مطهرات الأبصار، فأخلاقهن، أنهن عرب متحببات إلى أزواجهن بالخلق الحسن، وحسن التبعل، والأدب القولي والفعلي، ومطهر خلقهن من الحيض والنفاس والمني، والبول والغائط، والمخاط والبصاق، والرائحة الكريهة، ومطهرات الخلق أيضا، بكمال الجمال، فليس فيهن عيب، ولا دمامة خلق، بل هن خيرات حسان، مطهرات اللسان والطرف، قاصرات طرفهن على أزواجهن، وقاصرات ألسنتهن عن كل كلام قبيح. ففي هذه الآية الكريمة، ذكر المبشِّر والمبشَّر، والمبشَّرُ به، والسبب الموصل لهذه البشارة، فالمبشِّر: هو الرسول صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من أمته، والمبشَّر: هم المؤمنون العاملون الصالحات، والمبشَّر به: هي الجنات الموصوفات بتلك الصفات، والسبب الموصل لذلك، هو الإيمان والعمل الصالح، فلا سبيل إلى الوصول إلى هذه البشارة، إلا بهما، وهذا أعظم بشارة حاصلة، على يد أفضل الخلق، بأفضل الأسباب. وفيه استحباب بشارة المؤمنين، وتنشيطهم على الأعمال بذكر جزائها [وثمراتها]، فإنها بذلك تخف وتسهل، وأعظم بشرى حاصلة للإنسان، توفيقه للإيمان والعمل الصالح، فذلك أول البشارة وأصلها، ومن بعده البشرى عند الموت، ومن بعده الوصول إلى هذا النعيم المقيم، نسأل الله أن يجعلنا منهم.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 7 : 111 - سفين في قوله: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً} قال، {مُتَشَٰبِهاً} لونه واحد، مختلف طعمه. [الآية 25]. 8 : 112 - قال سفين في قول الله جل وعز: {وَلَهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} قال، لا يمنين ولا يتغوطن ولا يمتخطن ولا يتطهرن. [الآية 25]

همام الصنعاني

تفسير : 22- عبد الرزّاق، قال: حدّثثنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَٰبِهاً}: [الآية: 25]، قال: يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنة أطيب. 23- عبد الرزّاق، قال معمر، وقال الحسن: يشبه بعضها ليس فيها رذل. 24- عبد الرزّاق، قال: حدّثنا الثوري، عن ابن نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: {مُتَشَٰبِهاً}: [الآية: 25]، قال: مشتبهاً في اللون، مختلفاً في الطعم. 25- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ} [الآية: 25]، قال: طهَّرهنَّ الله من كل بَوْلٍ، وغائطٍ، وقَذَرٍ، ومن كل مَأْثمٍ. 26- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، {أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ}: [الآية: 25]، قال: "لا يَبُلْن، ولا يتغوَّطْنَ، ولا يَلِدْنَ، ولا يَحِضْنَ، ولا يْمنِين، ولا يَبْزُقْنَ".