Verse. 33 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

اِنَّ اللہَ لَا يَسْتَحْىٖۗ اَنْ يَّضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوْضَۃً فَـمَا فَوْقَہَا۝۰ۭ فَاَمَّا الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا فَيَعْلَمُوْنَ اَنَّہُ الْحَقُّ مِنْ رَّبِّہِمْ۝۰ۚ وَاَمَّا الَّذِيْنَ كَفَرُوْا فَيَقُوْلُوْنَ مَاذَاۗ اَرَادَ اللہُ بِہٰذَا مَثَلًا۝۰ۘ يُضِلُّ بِہٖ كَثِيْرًا۝۰ۙ وَّيَہْدِىْ بِہٖ كَثِيْرًا۝۰ۭ وَمَا يُضِلُّ بِہٖۗ اِلَّا الْفٰسِقِيْنَ۝۲۶ۙ
Inna Allaha la yastahyee an yadriba mathalan ma baAAoodatan fama fawqaha faamma allatheena amanoo fayaAAlamoona annahu alhaqqu min rabbihim waamma allatheena kafaroo fayaqooloona matha arada Allahu bihatha mathalan yudillu bihi katheeran wayahdee bihi katheeran wama yudillu bihi illa alfasiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الله لا يستحيي أن يضرب» يجعل «مثلا» مفعول أول «ما» نكرة موصوفة بما بعدها مفعول ثان أيَّ مثل كان أو زائدة لتأكيد الخسة فما بعدها المفعول الثاني «بعوضة» مفرد البعوض وهو صغار البق «فما فوقها» أي أكبر منها أي لا يترك بيانه لما فيه من الحكم «فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه» أي المثل «الحق» الثابت الواقع موقعه «من ربِّهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً» تمييز أي بهذا المثل، وما استفهام إنكار مبتدأ، وذا بمعنى الذي بصلته خبره أي: أيّ فائدة فيه قال الله تعالى في جوابهم «يضل به» أي بهذا المثل «كثيراً» عن الحق لكفرهم به «ويهدي به كثيراً» من المؤمنين لتصديقهم به «وما يضل به إلا الفاسقين» الخارجين عن طاعته.

26

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه بين بالدليل كون القرآن معجزاً أورد ههنا شبهة أوردها الكفار قدحاً في ذلك وأجاب عنها وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلاً عن كونه معجزاً، فأجاب الله تعالى عنه بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملاً على حكم بالغة، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها ثم في هذه الآية مسائل: المسألة الأولى: عن ابن عباس أنه لما نزل: {أية : يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ } تفسير : [الحج: 73] فطعن في أصنامهم ثم شبه عبادتها ببيت العنكبوت قالت اليهود أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله المثل بهما فنزلت هذه الآية. والقول الثاني: أن المنافقين طعنوا في ضرب الأمثال بالنار والظلمات والرعد والبرق في قوله: {أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً } تفسير : [البقرة:17] والقول الثالث: أن هذا الطعن كان من المشركين قال القفال: الكل محتمل ههنا، أما اليهود فلأنه قيل في آخر الآية: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ } وهذا صفة اليهود، لأن الخطاب بالوفاء وبالعهد فيما بعد إنما هو لبني إسرائيل وأما الكفار والمنافقون فقد ذكروا في سورة المدثر {أية : وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَـٰفِرُونَ مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } تفسير : [المدثر:31] الآية فأما الذين في قلوبهم مرض هم المنافقون، والذين كفروا يحتمل المشركين لأن السورة مكية فقد جمع الفريقان ههنا. إذا ثبت هذا فنقول. احتمال الكل ههنا قائم لأن الكافرين والمنافقين واليهود كانوا متوافقين في إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد مضى من أول السورة إلى هذا الموضع ذكر اليهود، وذكر المنافقين، وذكر المشركين. وكلهم من الذين كفروا ثم قال القفال: وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداءً من غير سبب لأن معناه في نفسه مفيد. المسألة الثانية: اعلم أن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم واشتقاقه من الحياة يقال حيـي الرجل كما يقول نسي وخشي وشظي الفرس إذا اعتلت هذه الأعضاء. جعل الحيـي لما يعتريه الانكسار والتغير منكسر القوة منغص الحياة، كما قالوا فلان هلك حياء من كذا، ومات حياء، ورأيت الهلاك في وجهه من شدة الحياء، وذاب حياء، وإذا ثبت هذا استحال الحياء على الله تعالى لأنه تغير يلحق البدن، وذلك لا يعقل إلا في حق الجسم، ولكنه وارد في الأحاديث. روى سلمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن الله تعالى حيـي كريم يستحيـي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً» تفسير : وإذا كان كذلك وجب تأويله وفيه وجهان: الأول: وهو القانون في أمثال هذه الأشياء؛ أن كل صفة ثبتت للعبد مما يختص بالأجسام فإذا وصف الله تعالى بذلك فذلك محمول على نهايات الأعراض لا على بدايات الأعراض مثاله أن الحياء حالة تحصل للإنسان لكن لها مبدأ ومنتهى، أما المبدأ فهو التغير الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إلى القبيح، وأما النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياء في حق الله تعالى فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل ترك الفعل الذي هو منتهاه وغايته، وكذلك الغضب له، علامة ومقدمة وهي غليان دم القلب، وشهوة الانتقام وله غاية وهو إنزال العقاب بالمغضوب عليه، فإذا وصفنا الله تعالى بالغضب فليس المراد ذلك المبدأ أعني شهوة الانتقام وغليان دم القلب، بل المراد تلك النهاية وهو أنزل العقاب، فهذا هو القانون الكلي في هذا الباب. الثاني: يجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت، فجاء هذا الكلام على سبيل إطباق الجواب على السؤال، وهذا فن بديع من الكلام، ثم قال القاضي ما لا يجوز على الله من هذا الجنس إثباتاً فيجب أن لا يطلق على طريق النفي أيضاً عليه، وإنما يقال إنه لا يوصف به فأما أن يقال لا يستحي ويطلق عليه ذلك فمحال، لأنه يوهم نفي ما يجوز عليه وما ذكره الله تعالى من كتابه في قوله: {أية : لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ} تفسير : [البقرة:255] وقوله: {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ } تفسير : [الإخلاص:3] فهو بصورة النفي وليس بنفي على الحقيقة وكذلك قوله: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ } تفسير : [المؤمنون: 91] وكذلك قولك: {أية : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ } تفسير : [الأنعام:14] وليس كل ما ورد في القرآن إطلاقه جائزاً أن يطلق في المخاطبة فلا يجوز أن يطلق ذلك إلا مع بيان أن ذلك محال، ولقائل أن يقول: لا شك في أن هذه الصفات منفية عن الله سبحانه فكان الإخبار عن انتفائها صدقاً فوجب أن يجوز. بقي أن يقال إن الإخبار عن انتفائها يدل على صحتها عليه فنقول: هذه الدلالة ممنوعة وذلك لأن تخصيص هذا النفي بالذكر لا يدل على ثبوت غيره بل لو قرن باللفظ ما يدل على انتفاء الصحة أيضاً كان ذلك أحسن من حيث أنه يكون مبالغة في البيان وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحاً. المسألة الثالثة: اعلم أن ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقول ويدل عليه وجوه: أحدها: إطباق العرب والعجم على ذلك أما العرب فذلك مشهور عندهم وقد تمثلوا بأحقر الأشياء، فقالوا في التمثيل بالذرة: أجمع من ذرة، وأضبط من ذرة، وأخفى من الذرة وفي التمثيل بالذباب: أجرأ من الذباب، وأخطأ من الذباب، وأطيش من الذباب، وأشبه من الذباب بالذباب، وألح من الذباب. وفي التمثيل بالقراد، أسمع من قراد، وأصغر من قراد. وأعلق من قراد. وأغم من قراد، وأدب من قراد، وقالوا في الجراد: أطير من جرادة، وأحطم من جرادة، وأفسد من جرادة. وأصفى من لعاب الجراد، وفي الفراشة: أضعف من فراشة، وأطيش من فراشة، وأجهل من فراشة، وفي البعوضة. أضعف من بعوضة، وأعز من مخ البعوضة، وكلفني مخ البعوضة، في مثل تكليف ما لا يطاق: وأما العجم فيدل عليه «كتاب كليلة ودمنة» وأمثاله، وفي بعضها: قالت البعوضة، وقد وقعت على نخلة عالية وأرادت أن تطير عنها؛ يا هذه استمسكي فإني أريد أن أطير، فقالت النخلة: والله ما شعرت بوقوعك فكيف أشعر بطيرانك، وثانيها: أنه ضرب الأمثال في إنجيل عيسى عليه السلام بالأشياء المستحقرة، قال: مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة نقية، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان بين الحنطة، فلما نبت الزرع وأثمر العشب غلب عليه الزوان، فقال عبيد الزراع؛ يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية زرعت في قريتك؟ قال: بلى، قالوا: فمن أين هذا الزوان؟ قال: لعلكم إن ذهبتم أن تقلعوا الزوان فتقلعوا معه الحنطة فدعوهما يتربيان جميعاً حتى الحصاد فأمر الحصادين أن يلتقطوا الزوان من الحنطة وأن يربطوه حزماً ثم يحرقوه بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الخزائن. وأفسر لكم ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيدة هو أبو البشر، والقرية هي العالم، والحنطة الجيدة النقية هو نحن أبناء الملكوت الذي يعملون بطاعة الله تعالى، والعدو الذي زرع الزوان هو إبليس، والزوان هو المعاصي التي يزرعها إبليس وأصحابه، والحصادون هم الملائكة يتركون الناس حتى تدنوا آجالهم فيحصدون أهل الخير إلى ملكوت الله، وأهل الشر إلى الهاوية وكما أن الزوان يلتقط ويحرق بالنار كذلك رسل الله وملائكته يلتقطون من ملكوته المتكاسلين، وجميع عمّال الأثم فيلقونهم في أتون الهاوية فيكون هنا لك البكاء، وصريف الأسنان، ويكون الأبرار هنالك في ملكوت ربهم، من كانت له أذن تسمع فليسمع، وأضرب لكم مثلاً آخر يشبه ملكوت السماء: لو أن رجلاً أخذ حبة من خردل وهي أصغر الحبوب وزرعها في قريته، فلما نبتت عظمت حتى صارت كأعظم شجرة من البقول وجاء طير من السماء فعشش في فروعها فكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف الله أجره وعظمه ورفع ذكره، ونجى من اقتدى به، وقال: لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة، وكذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم، وقال: قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا تنسفها الرياح، وقال لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسدها، ولا في البرية حيث السموم واللصوص فتحرقها السموم وتسرقها اللصوص ولكن ادخروا ذخائركم عند الله وقال: نحفر فنجد دواب عليها لباسها وهناك رزقها وهن لا يزرعن ولا يحصدن ومنهن من هو في جوف الحجر الأصم أو في جوف العود، من يأتيهن بلباسهن وأرزاقهن إلا الله؟ أفلا تعقلون، وقال: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم ولا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم، فظهر أن الله تعالى ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة وأما العقل فلأن من طبع الخيال المحاكاة والتشبه فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال، وإذا ذكر معه الشبه أدركه العقل مع معاونة الخيال، ولا شك أن الثاني يكون أكمل وأيضاً فنحن نرى أن الإنسان يذكر معنى ولا يلوح له كما ينبغي فإذا ذكر المثال اتضح وصار مبيناً مكشوفاً، وإن كان التمثيل يفيد زيادة البيان والوضوح، وجب ذكره في الكتاب الذي لا يراد منه إلا الإيضاح والبيان، أما قولهم: ضرب الأمثال بهذه الأشياء الحقيرة لا يليق بالله تعالى، قلنا هذا جهل، لأنه تعالى هو الذي خلق الصغير والكبير وحكمه في كل ما خلق وبرأ عام لأنه قد أحكم جميعه، وليس الصغير أخف عليه من الكبير والعظيم أصعب من الصغير، وإذا كان الكل بمنزلة واحدة لم يكن الكبير أولى أن يضربه مثلاً لعباده من الصغير بل المعتبر فيه ما يليق بالقصة، فإذا كان الأليق بها الذباب والعنكبوت يضرب المثل بهما لا بالفيل والجمل، فإذا أراد تعالى أن يقبح عبادتهم الأصنام وعدولهم عن عبادة الرحمن صلح أن يضرب المثل بالذباب، ليبين أن قدر مضرتها لا يندفع بهذه الأصنام، ويضرب المثل لبيت العنكبوت ليبين أن عبادتها أوهن وأضعف من ذلك وفي مثل ذلك كل ما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأوضح. المسألة الرابعة: قال الأصم: «ما» في قوله مثلاً ماصلة زائدة كقوله: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 159] وقال أبو مسلم معاذ الله أن يكون في القرآن زيادة ولغو والأصح قول أبي مسلم لأن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى وبياناً وكونه لغواً ينافي ذلك، وفي بعوضة قراءتان: إحداهما: النصب وفي لفظة ما على هذه القراءة وجهان: الأول: أنها مبنية وهي التي إذا قرنت باسم نكرة أبهمته إبهاماً وزادته شيوعاً وبعداً عن الخصوصية. بيانه أن الرجل إذا قال لصاحبه أعطني كتاباً أنظر فيه فأعطاه بعض الكتب صح له أن يقول أردت كتاباً آخر ولم أرد هذا ولو قاله مع ما لم يصح له ذلك لأن تقدير الكلام أعطني كتاباً أي كتاب كان. الثاني: أنها نكرة قام تفسيرها باسم الجنس مقام الصفة، أما على قراءة الرفع ففيها وجهان: الأول: أنها موصولة صلتها الجملة لأن التقدير هو بعوضة فحذف المبتدأ كما حذف في {أية : تماماً على الذي أحسن}. تفسير : [الأنعام:154]. الثاني: أن تكون استفهامية فإنه لما قال: {إِنَّ للَّهِ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً } كأنه قال بعده ما بعوضة فما فوقها حتى يضرب المثل به، بل له أن يمثل بما هو أقل من ذلك كثيراً كما يقال فلان لا يبالي بما وهب، ما دينار وديناران، أي يهب ما هو أكثر من ذلك بكثير. المسألة الخامسة: قال صاحب «الكشاف»: ضرب المثل اعتماده وتكوينه من ضرب اللبن وضرب الخاتم. المسألة السادسة: انتصب بعوضة بأنه عطف بيان لمثلاً أو مفعول ليضرب ومثلاً حال من النكرة مقدم عليه أو ثاني مفعولين ليضرب مضمناً معنى يجعل، وهذا إذا كانت ما صلة أو إبهامية، فإن كانت مفسرة ببعوضة فهي تابعة لما هي تفسير له، والمفسر والمفسر معاً لمجموعهما عطف بيان أو مفعول، ومثلاً حال مقدمة، وأما رفعها فبكونها خبر مبتدأ، أما إذا كانت ما موصولة أو موصوفة أو استفهامية فأمرها ظاهر، فإذا كانت إبهامية فهي على الجواب كأن قائلاً قال ما هو فقيل بعوضة. المسألة السابعة: قال صاحب «الكشاف»: اشتقاق البعوض من البعض وهو القطع كالبضع والعضب يقال بعضه البعوض ومنه بعض الشيء لأنه قطعة منه والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت اسميته، وعن بعضهم اشتقاقه من بعض الشيء سمي به لقلة جرمه وصغره ولأن بعض الشيء قليل بالقياس إلى كله، والوجه القوي هو الأول، قال وهو من عجائب خلق الله تعالى فإنه صغير جداً وخرطومه في غاية الصغر ثم إنه مع ذلك مجوف ثم ذلك الخرطوم مع فرط صغره وكونه جوفاً يغوص في جلد الفيل والجاموس على ثخانته كما يضرب الرجل إصبعه في الخبيص، وذلك لما ركب الله في رأس خرطومه من السم. المسألة الثامنة: في قوله: {فَمَا فَوْقَهَا } وجهان: أحدهما: أن يكون المراد فما هو أعظم منها في الجثة كالذباب والعنكبوت والحمار والكلب، فإن القوم أنكروا تمثيل الله تعالى بكل هذه الأشياء. والثاني: أراد بما فوقها في الصغر أي بما هو أصغر منها والمحققون مالوا إلى هذا القول لوجوه: أحدها: أن المقصد من هذا التمثيل تحقير الأوثان، وكلما كان المشبه به أشد حقارة كان المقصود في هذا الباب أكمل حصولاً. وثانيها: أن الغرض ههنا بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير، وفي مثل هذا الموضع يجب أن يكون المذكور ثانياً أشد حقارة من الأول يقال إن فلاناً يتحمل الذل في اكتساب الدينار، وفي اكتساب ما فوقه، يعني في القلة لأن تحمل الذل في اكتساب أقل من الدينار أشد من تحمله في اكتساب الدينار. وثالثها: أن الشيء كلما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب، فإذا كان في نهاية الصغر لم يحط به إلا علم الله تعالى، فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من التمثيل بالشيء الكبير، واحتج الأولون بوجهين: الأول: بأن لفظ «فوق» يدل على العلو، فإذا قيل هذا فوق ذاك، فإنما معناه أنه أكبر منه ويروى أن رجلاً مدح علياً رضي الله عنه والرجل متهم فيه، فقال علي: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك، أراد بهذا أعلى مما في نفسك. الثاني: كيف يضرب المثل بما دون البعوضة وهي النهاية في الصغر؟ والجواب عن الأول: أن كل شيء كان ثبوت صفة فيه أقوى من ثبوتها في شيء آخر كان ذلك الأقوى فوق الأضعف في تلك الصفة يقال إن فلاناً فوق فلان في اللؤم والدناءة. أي هو أكثر لؤماً ودناءة منه، وكذا إذا قيل هذا فوق ذلك في الصغر وجب أن يكون أكثر صغراً منه، والجواب عن الثاني أن جناح البعوضة أقل منها وقد ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً للدنيا. المسألة التاسعة: «أما» حرف فيه معنى الشرط، ولذلك يجاب بالفاء وهذا يفيد التأكيد تقول زيد ذاهب فإذا قصدت توكيد ذلك وأنه لا محالة ذاهب قلت أما زيد فذاهب، إذا ثبت هذا فنقول: إيراد الجملتين مصدرتين به إحماد عظيم لأمر المؤمنين واعتداد بعلمهم أنه الحق وذم عظيم للكافرين على ما قالوه وذكروه. المسألة العاشرة: «الحق» الثابت الذي لا يسوغ إنكاره يقال حق الأمر إذا ثبت ووجب وحقت كلمة ربك، وثوب محقق محكم النسج. المسألة الحادية عشرة: «ماذا» فيه وجهان أن يكون ذا اسماً موصولاً بمعنى الذي فيكون كلمتين وأن يكون ذا مركبة مع ما مجعولين اسماً واحداً فيكون كلمة واحدة فهو على الوجهين: الأول: مرفوع المحل على الابتداء وخبره ذا مع صلته، وعلى الثاني: منصوب المحل في حكم ما وحده كما لو قلت ما أراد الله. المسألة الثانية عشرة: الإرادة ماهية يجدها العاقل من نفسه ويدرك التفرقة البديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذته. وإذا كان الأمر كذلك لم يكن تصور ماهيتها محتاجاً إلى التعريف، وقال المتكلمون إنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر لا في الوقوع بل في الإيقاع، واحترزنا بهذا القيد الأخير عن القدرة، واختلفوا في كونه تعالى مريداً مع اتفاق المسلمين على إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى فقال النجارية إنه معنى سلبي ومعناه أنه غير مغلوب ولا مستكره، ومنهم من قال إنه أمر ثبوتي وهؤلاء اختلفوا فقال الجاحظ والكعبي وأبو الحسن البصري: معناه علمه تعالى باشتماله الفعل على المصلحة أو المفسدة، ويسمون هذا العلم بالداعي أو الصارف، وقال أصحابنا وأبو علي وأبو هاشم وأتباعهما إنه صفة زائدة على العلم ثم القسمة في تلك الصفة إما أن تكون ذاتية وهو القول الثاني للنجارية، وإما أن تكون معنوية، وذلك المعنى إما أن يكون قديماً وهو قول الأشعرية أو محدثاً وذلك المحدث إما أن يكون قائماً بالله تعالى، وهو قول الكرامية، أو قائماً بجسم آخر وهذا القول لم يقل به أحد، أو يكون موجوداً لا في محل، وهو قول أبي علي وأبي هاشم وأتباعهما. المسألة الثالثة عشرة: الضمير في «أنه الحق» للمثل أو لأن يضرب، وفي قولهم ماذا أراد الله بهذا استحقار كما قالت عائشة رضي الله عنها في عبد الله بن عمرو بن العاص: يا عجبا لابن عمرو هذا. المسألة الرابعة عشرة: «مثلاً» نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب غث ماذا أردت بهذا جواباً؟ ولمن حمل سلاحاً رديئاً كيف تنتفع بهذا سلاحاً؟ أو على الحال كقوله: {أية : هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءايَةً } تفسير : [الأعراف:73]. المسألة الخامسة عشرة: اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما حكي عنهم كفرهم واستحقارهم كلام الله بقوله: {مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً } أجاب عنه بقوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } ونريد أن نتكلم ههنا في الهداية والإضلال ليكون هذا الموضع كالأصل الذي يرجع إليه في كل ما يجيء في هذا المعنى من الآيات فنتكلم أولاً في الإضلال فنقول: إن الهمزة تارة تجيء لنقل الفعل من غير المتعدي إلى التعدي كقولك خرج فإنه غير متعدٍ، فإذا قلت أخرج فقد جعلته معتدياً وقد تجيء لنقل الفعل من المتعدي إلى غير المتعدي كقولك كببته فأكب، وقد تجيء لمجرد الوجدان. حكي عن عمرو بن معد يكرب أنه قال لبني سليم: قاتلناكم فما أجبناكم، وهاجيناكم فما أفحمناكم، وسألناكم فما أبخلناكم. أي فما وجدناكم جبناء ولا مفحمين ولا بخلاء. ويقال أتيت أرض فلان فأعمرتها أي وجدتها عامرة قال المخبل:شعر : فتمنى حصين أن يسود خزاعة فأمسى حصين قد أذل وأقهرا تفسير : أي وجد ذليلاً مقهوراً، ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يقال الهمزة لا تفيد إلا نقل الفعل من غير المتعدي إلى المتعدي فأما قوله: كببته فأكب، فلعل المراد كببته فأكب نفسه على وجهه فيكون قد ذكر الفعل مع حذف المفعولين وهذا ليس بعزيز. وأما قوله. قاتلناكم فما أجبناكم، فالمراد ما أثر قتالنا في صيرورتكم جبناء. وما أثر هجاؤنا لكم في صيرورتكم مفحمين، وكذا القول في البواقي، وهذا القول الذي قلناه أولى دفعاً للاشتراك. إذا ثبت هذا فنقول قولنا: أضله الله لا يمكن حمله إلا على وجهين: أحدهما: أنه صيره ضالاً، والثاني: أنه وحده ضالاً أما التقدير الأول وهو أنه صيره ضالاً فليس في اللفظ دلالة على أنه تعالى صيره ضالاً عما ذا وفيه وجهان: أحدهما: أنه صيره ضالاً عن الدين. والثاني: أنه صيره ضالاً عن الجنة، أما الأول وهو أنه تعالى صيره ضالاً عن الدين فاعلم أن معنى الإضلال عن الدين في اللغة هو الدعاء إلى ترك الدين وتقبيحه في عينه وهذا هو الإضلال الذي أضافه الله تعالى إلى إبليس فقال: {أية : إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ } تفسير : [القصص: 15] وقال: {أية : ولأُضِلَّنَّهُمْ ولأُمَنّيَنَّهُمْ } تفسير : [النساء: 119] و {أية : قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَا أَرِنَا ٱلَّذِينَ أَضَلَّـٰنَا مِنَ ٱلْجِنّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا } تفسير : [فصلت: 29] وقال: {أية : فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَـِّنُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ } تفسير : [النمل: 24 العنكبوت: 38]، وقال الشيطان إلى قوله: {أية : وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى } تفسير : [إبراهيم: 22] وأيضاً أضاف الله تعالى هذا الإضلال إلى فرعون فقال: {أية : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ }تفسير : واعلم أن الأمة مجمعة على أن الإضلال بهذا المعنى لا يجوز على الله تعالى لأنه تعالى ما دعا إلى الكفر وما رغب فيه بل نهى عنه وزجر وتوعد بالعقاب عليه، وإذا كان المعنى الأصلي للإضلال في اللغة ليس إلا هذا وهذا المعنى منفي بالإجماع ثبت انعقاد الإجماع على أنه لا يجوز إجراء هذا اللفظ على ظاهره. وعند هذا افتقر أهل الجبر والقدر إلى التأويل أما أهل الجبر فقد حملوه على أنه تعالى خلق الضلال والكفر فيهم وصدهم عن الإيمان وحال بينهم وبينه، وربما قالوا هذا هو حقيقة اللفظ في أصل اللغة، لأن الإضلال عبارة عن جعل الشيء ضالاً كما أن الإخراج والإدخال عبارة عن جعل الشيء خارجاً وداخلاً، وقالت المعتزلة هذا التأويل غير جائز لا بحسب الأوضاع اللغوية ولا بحسب الدلائل العقلية، أما الأوضاع اللغوية فبيانه من وجوه: أحدها: أنه لا يصح من طريق اللغة أن يقال لمن منع غيره من سلوك الطريق كرهاً وجبراً أنه أضله بل يقال منعه منه وصرفه عنه وإنما يقولون إنه أضله عن الطريق إذا لبس عليه وأورد من الشبهة ما يلبس عليه الطريق فلا يهتدي له، وثانيها: أنه تعالى وصف إبليس وفرعون بكونهما مضللين، مع أن فرعون وإبليس ما كان خالقين للضلال في قلوب المستجيبين لهما بالاتفاق، وأما عند الجبرية فلأن العبد لا يقدر على الإيجاد، وأما عند القدرية فلأن العبد لا يقدر على هذا النوع من الإيجاد، فلما حصل اسم المضل حقيقة مع نفي الخالقية بالاتفاق، علمنا أن اسم المضل غير موضوع في اللغة لخالق الضلال: وثالثها: أن الإضلال في مقابلة الهداية فكما صح أن يقال هديته فما اهتدى وجب صحة أن يقال أضللته فما ضل، وإذا كان كذلك استحال حمل الإضلال على خلق الضلال، وأما بحسب الدلائل العقلية فمن وجوه: أحدها: أنه تعالى لو خلق الضلال في العبد ثم كلفه بالإيمان لكان قد كلفه بالجمع بين الضدين وهو سفه وظلم، وقال تعالى: {أية : وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّـٰمٍ لّلْعَبِيدِ } تفسير : [فصلت: 46] وقال: {أية : لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } تفسير : [البقرة: 286] وقال: {أية : وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى ٱلدّينِ مِنْ حَرَجٍ } تفسير : [االحج: 78] وثانيها: لو كان تعالى خالقاً للجهل وملبساً على المكلفين لما كان مبيناً لما كلف العبد به، وقد أجمعت الأمة على كونه تعالى مبيناً، وثالثها: أنه تعالى لو خلق فيهم الضلال وصدهم عن الإيمان لم يكن لإنزال الكتب عليهم وبعثة الرسل إليهم فائدة لأن الشيء الذي لا يكون ممكن الحصول كان السعي في تحصيله عبثاً وسفهاً. ورابعها: أنه على مضادة كبيرة من الآيات نحو قوله: {أية : فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الانشقاق: 20] {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } تفسير : [المدثر: 49]، {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرًا رَّسُولاً } تفسير : [الإسراء: 94] فبين أنه لا مانع لهم من الإيمان ألبتة. وإنما امتنعوا لأجل إنكارهم بعثة الرسل من البشر وقال: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ ٱلْهُدَىٰ وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ } تفسير : [الكهف: 55] وقال: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ } تفسير : [لبقرة: 28] وقال: {أنّى تُصْرَفُونَ } وقال: {أنّى تُؤْفَكُونَ } فلو كان الله تعالى قد أضلهم عن الدين وصرفهم عن الإيمان لكانت هذه الآيات باطلة. وخامسها: أنه تعالى ذم إبليس وحزبه ومن سلك سبيله في إضلال الناس عن الدين وصرفهم عن الحق وأمر عباده ورسوله بالاستعاذة منهم بقوله تعالى: {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلنَّاسِ } تفسير : [الناس: 1] إلى قوله: {أية : مِن شَرّ ٱلْوَسْوَاسِ } تفسير : [الناس: 4] و {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ ٱلْفَلَقِ } تفسير : [الفلق: 1]، {أية : وَقُلْ رَّبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ } تفسير : [المؤمنين: 97]، {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْءانَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيْطَـٰنِ ٱلرَّجِيمِ } تفسير : [النحل: 98] فلو كان الله تعالى يضل عباده عن الدين كما تضل الشياطين لاستحق من المذمة مثل ما استحقوه ولوجب الاستعاذة منه كما وجب منهم، ولوجب أن يتخذوه عدواً من حيث أضل أكثر خلقه كما وجب اتخاذ إبليس عدواً لأجل ذلك، قالوا بل خصيصية الله تعالى في ذلك أكثر إذ تضليل إبليس سواء وجوده وعدمه فيما يرجع إلى حصول الضلال بخلاف تضليل الله فإنه هو المؤثر في الضلال فيلزم من هذا تنزيه إبليس عن جميع القبائح وإحالتها كلها على الله تعالى فيكون الذم منقطعاً بالكلية عن إبليس وعائداً إلى الله سبحانه وتعالى عن قول الظالمين. وسادسها: أنه تعالى أضاف الإضلال عن الدين إلى غيره وذمهم لأجل ذلك، فقال: {أية : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ } تفسير : [طه: 79]، {أية : وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِىُّ } تفسير : [طه: 85]، {أية : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ } تفسير : [الأنعام: 116]، {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ } تفسير : [صۤ: 26] وقوله تعالى حاكياً عن إبليس: {أية : وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنّيَنَّهُمْ وَلاَمُرَنَّهُمْ } تفسير : [النساء: 119] فهؤلاء إما أن يكونوا قد أضلوا غيرهم عن الدين في الحقيقة أو يكون الله هو الذي أضلهم أو حصل الإضلال بالله وبهم على سبيل الشركة فإن كان الله تعالى قد أضلهم عن الدين دون هؤلاء فهو سبحانه وتعالى قد تقول عليهم إذ قد رماهم بدأبه وعابهم بما فيه وذمهم بما لم يفعلوه، والله متعالٍ عن ذلك وإن كان الله تعالى مشاركاً لهم في ذلك فكيف يجوز أن يذمهم على فعل هو شريك فيه ومساوٍ لهم فيه وإذا فسد الوجهان صح أن لا يضاف خلق الضلال إلى الله تعالى. وسابعها: أنه تعالى ذكر أكثر الآيات التي فيها ذكر الضلال منسوباً إلى العصاة على ما قال: {أية : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ } تفسير : [البقرة: 26]. {أية : وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [إبراهيم: 27]، {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [المائدة: 67]، {أية : كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ } تفسير : [غافر: 34]، {أية : كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ } تفسير : [غافر: 28] فلو كان المراد بالضلال المضاف إليه تعالى هو ما هم فيه كان كذلك إثباتاً للثابت وهذا محال. وثامنها: أنه تعالى نفى إلهية الأشياء التي كانوا يعبدونها من حيث أنهم لا يهدون إلى الحق قال: {أية : أَفَمَن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن مَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ } تفسير : [يونس: 35] فنفى ربوبية تلك الأشياء من حيث إنها لا تهدي وأوجب ربوبية نفسه من حيث إنه سبحانه وتعالى يهدي فلو كان سبحانه وتعالى يضل عن الحق لكان قد ساواهم في الضلال وفيما لأجله نهى عن اتباعهم، بل كان قد أربى عليهم، لأن الأوثان كما أنها لا تهدي فهي لا تضل، وهو سبحانه وتعالى مع أنه إله يهدي فهو يضل. وتاسعها: أنه تعالى يذكر هذا الضلال جزاء لهم على سوء صنيعهم وعقوبة عليه، فلو كان المراد ما هم عليه من الضلال كان ذلك عقوبة وتهديداً بأمرهم له ملابسون، وعليه مقبولون، وبه ملتذون ومغتبطون، ولو جاز ذلك لجازت العقوبة بالزنا على الزنا وبشرب الخمر على شرب الخمر، وهذا لا يجوز. وعاشرها: أن قوله تعالى: {أية : وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ } تفسير : [البقرة: 26، 27] صريح في أنه تعالى إنما يفعل به هذا الإضلال بعد أن صار هو من الفاسقين الناقضين لعهد الله باختيار نفسه، فدل ذلك على أن هذا الإضلال الذي يحصل بعد صيرورته فاسقاً وناقضاً للعهد مغاير لفسقه ونقضه، وحادي عاشرها: أنه تعالى فسر الإضلال المنسوب إليه في كتابه، إما بكونه ابتلاءً وامتحاناً، أو بكونه عقوبة ونكالاً، فقال في الابتلاء: {أية : وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَـئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ } تفسير : [المدثر: 31] أي امتحاناً إلى أن قال: {أية : كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } تفسير : [المدثر: 31] فبين أن إضلاله للعبد يكون على هذا الوجه من إنزاله آية متشابهة أو فعلاً متشابهاً لا يعرف حقيقة الغرض فيه؛ والضال به هو الذي لا يقف على المقصود ولا يتفكر في وجه الحكمة فيه بل يتمسك بالشبهات في تقرير المجمل الباطل كما قال تعالى: {أية : فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنْهُ ٱبْتِغَاء ٱلْفِتْنَةِ وَٱبْتِغَاء تَأْوِيلِهِ } تفسير : [آل عمران: 7] وأما العقوبة والنكال فكقوله: {أية : إِذِ ٱلأغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ وٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ } تفسير : [غافر: 71] إلى أن قال: {أية : كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [غافر: 74] فبين أن إضلاله لا يعدو أحد هذين الوجهين وإذا كان الإضلال مفسراً بأحد هذين الوجهين وجب أن لا يكون مفسراً بغيرهما دفعاً للاشتراك، فثبت أنه لا يجوز حمل الإضلال على خلق الكفر والضلال وإذا ثبت ذلك فنقول بينا أن الإضلال في أصل اللغة الدعاء إلى الباطل والترغيب فيه والسعي في إخفاء مقابحه وذلك لا يجوز على الله تعالى فوجب المصير إلى التأويل، والتأويل الذي ذهبت الجبرية إليه قد أبطلناه فوجب المصير إلى وجوه أخر من التأويلات. أحدها: أن الرجل إذا ضل باختياره عند حصول شيء من غير أن يكون ذلك الشيء أثر في إضلاله فيقال لذلك الشيء إنه أضله قال تعالى في حق الأصنام {أية : رَبّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [إبراهيم: 36] أي ضلوا بهن، وقال: {أية : وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً } تفسير : [نوح: 23، 24] أي ضل كثير من الناس بهم وقال: {أية : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ طُغْيَـٰناً وَكُفْراً } تفسير : [المائدة: 64] وقال: {أية : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً } تفسير : [نوح: 6] أي لم يزدادوا بدعائي لهم إلا فراراً وقال: {أية : فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِى } تفسير : [المؤمنون: 110] وهم لم ينسوهم في الحقيقة بل كانوا يذكرونهم الله ويدعونهم إليه ولكن لما كان اشتغالهم بالسخرية منهم سبباً لنسيانهم أضيف الإنساء إليهم وقال في براءة: {أية : وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَـٰناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَـٰناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم } تفسير : [التوبة: 124، 125] فأخبر سبحانه أن نزول السورة المشتملة على الشرائع يعرف أحوالهم فمنهم من يصلح عليها فيزداد بها إيماناً، ومنهم من يفسد عليها فيزداد بها كفراً، فإذن أضيفت الزيادة في الإيمان والزيادة في الكفر إلى السورة، إذ كانوا إنما صلحوا عند نزولها وفسدوا كذلك أيضاً، فكذا أضيف الهدى والإضلال إلى الله تعالى إذا كان إحداثهما عند ضربه تعالى الأمثال لهم وقال في سورة المدثر: {أية : وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيماناً } تفسير : [المدثر: 31] فأخبر تعالى أن ذكره لعدة خزنة النار امتحان منه لعباده ليتميز المخلص من المرتاب فآلت العاقبة إلى أن صلح عليها المؤمنون وفسد الكافرون وأضاف زيادة الإيمان وضدها إلى الممتحنين فقال ليزداد وليقول ثم قال بعد قوله: {أية : مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } تفسير : [المدثر: 31] فأضاف إلى نفسه إضلالهم وهداهم بعد أن أضاف إليهم الأمرين معاً، فبين تعالى أن الإضلال مفسر بهذا الامتحان ويقال في العرف أيضاً. أمرضني الحب أي مرضت به: ويقال قد أفسدت فلانة فلاناً وهي لم تعلم به، وقال الشاعر:شعر : دع عنك لومي فإن اللوم إغراء تفسير : أي يغري الملوم باللوم، والإضلال على هذا المعنى يجوز أن يضاف إلى الله تعالى على معنى أن الكافرين ضلوا بسبب الآيات المشتملة على الامتحانات ففي هذه الآية الكفار لما قالوا: ما الحاجة إلى الأمثال وما الفائدة فيها واشتد عليهم هذا الامتحان حسنت هذه الإضافة. وثانيها: أن الإضلال هو التسمية بالضلال فيقال أضله أي سماه ضالاً وحكم عليه به وأكفر فلان فلاناً إذا سماه كافراً وأنشدوا بيت الكميت:شعر : وطائفة قد أكفروني بحبكم وطائفة قالوا مسيء ومذنب تفسير : وقال طرفة:شعر : وما زال شربي الراح حتى أضلني صديقي وحتى ساءني بعض ذلكا تفسير : أراد سماني ضالاً وهذا الوجه مما ذهب إليه قطرب وكثير من المعتزلة، ومن أهل اللغة من أنكره وقال إنما يقال ضللته تضليلاً إذا سميته ضالاً، وكذلك فسقته وفجرته إذا سميته فاجراً فاسقاً، وأجيب عنه بأنه متى صيره في نفسه ضالاً لزمه أن يصير محكوماً عليه بالضلال فهذا الحكم من لوازم ذلك التصيير، وإطلاق اسم الملزوم على اللازم مجاز مشهور وأنه مستعمل أيضاً لأن الرجل إذا قال لآخر: فلان ضال جاز أن يقال له لم جعلته ضالاً ويكون المعنى لم سميته بذلك ولم حكمت به عليه فعلى هذا الوجه حملوا الإضلال على الحكم والتسمية. وثالثها: أن يكون الإضلال هو التخلية وترك المنع بالقهر والجبر، فيقال أضله إذا خلاه وضلاله قالوا ومن مجازه قولهم: أفسد فلان ابنه وأهلكه ودمر عليه إذا لم يتعهده بالتأديب، ومثله قول العرجي:شعر : أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر تفسير : ويقال لمن ترك سيفه في الأرض الندية حتى فسد وصدىء: أفسدت سيفك وأصدأته. ورابعها: الضلال والإضلال هو العذاب والتعذيب بدليل قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ } تفسير : [القمر: 47، 48] فوصفهم الله تعالى بأنهم يوم القيامة في ضلال وذلك لا يكون إلا عذابهم وقال تعالى: {أية : إِذِ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ وٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ فِى ٱلْحَمِيمِ ثُمَّ فِى ٱلنَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَـالُواْ ضَـلُّواْ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [غافر: 71 ـ 74] فسر ذلك الضلال بالعذاب. وخامسها: أن يحمل الإضلال على الإهلاك والإبطال كقوله: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ } تفسير : [محمد: 1] قيل أبطلها وأهلكها ومن مجازه قولهم: ضل الماء في اللبن إذا صار مستهلكاً فيه ويقال أضللته أنا إذا فعلت ذلك به فأهلكته وصيرته كالمعدوم ومنه يقال أضل القوم ميتهم إذا واروه في قبره فأخفوه حتى صار لا يرى، قال النابغة:شعر : وآب مضلوه بعين جلية وغودر بالجولان حزم ونائل تفسير : وقال تعالى: {أية : وَقَالُواْ أءِذا ضَلَلْنَا في الأَرْض أَءِنَّا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } تفسير : [السجدة: 10] أي أئذا اندفنا فيها فخفيت أشخاصنا فيحتمل على هذا المعنى يضل الله إنساناً أي يهلكه ويعدمه فتجوز إضافة الإضلال إليه تعالى على هذا الوجه، فهذه الوجوه الخمسة إذا حملنا الإضلال على الإضلال عن الدين. وسادسها: أن يحمل الإضلال على الإضلال عن الجنة، قالت المعتزلة: وهذا في الحقيقة ليس تأويلاً بل حملاً للفظ على ظاهره فإن الآية تدل على أنه تعالى يضلهم وليس فيها دلالة على أنه عما ذا يضلهم، فنحن نحملها على أنه تعالى يضلهم عن طريق الجنة ثم حملوا كل ما في القرآن من هذا الجنس على هذا المحمل وهو اختيار الجبائي قال تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } تفسير : [الحج: 4] أي يضله عن الجنة وثوابها. هذا كله إذا حملنا الهمزة في الإضلال على التعدية. وسابعها: أن نحمل الهمزة لا على التعدية بل على الوجدان على ما تقدم في أول هذه المسألة بيانه فيقال أضل فلان بعيره أي ضل عنه فمعنى إضلال الله تعالى لهم أنه تعالى وجدهم ضالين. وثامنها: أن يكون قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } من تمام قول الكفار فإنهم قالوا ماذا أراد الله بهذا المثل الذي لا يظهر وجه الفائدة فيه ثم قالوا: يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وذكروه على سبيل التهكم فهذا من قول الكفار ثم قال تعالى جواباً لهم: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ } أي ما أضل به إلا الفاسق. هذا مجموع كلام المعتزلة، وقالت الجبرية لقد سمعنا كلامكم واعترفنا لكم بجودة الإيراد وحسن الترتيب وقوة الكلام ولكن ماذا نعمل ولكم أعداء ثلاثة يشوشون عليكم هذه الوجوه الحسنة؟ والدلائل اللطيفة: أحدها: مسألة الداعي وهي أن القادر على العلم والجهل والإهداء والإضلال لم فعل أحدهما دون الآخر؟ وثانيها: مسألة العلم على ما سبق تقريرها في قوله تعالى: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } تفسير : [البقرة: 7] وما رأينا لكم في دفع هذين الكلامين كلاماً محيلاً قوياً ونحن لا شك نعلم أنه لا يخفى عليكم مع ما معكم من الذكاء الضعف عن تلك الأجوبة التي تكلموا بها فكما أنصفنا واعترفنا لكم بحسن الكلام الذي ذكرتموه فأنصفوا أيضاً واعترفوا بأنه لا وجه لكم عن هذين الوجهين فإن التعامي والتغافل لا يليق بالعقلاء. وثالثها: أن فعل العبد لو كان بإيجاده لما حصل إلا الذي قصد إيجاده لكن أحداً لا يريد إلا تحصيل العلم والاهتداء، ويحترز كل الاحتراز عن الجهل والضلال فكيف يحصل الجهل والإضلال للعبد مع أنه ما قصد إلا تحصيل العلم والاهتداء؟ فإن قيل إنه اشتبه عليه الكفر بالإيمان والعلم بالجهل فظن في الجهل أنه علم فقصد إيقاعه فلذلك حصل له الجهل قلنا ظنه في الجهل أنه علم ظن خطأ فإن كان اختاره أولاً فقد اختار الجهل والخطأ لنفسه وذلك غير ممكن وإن قلنا إنه اشتبه عليه ذلك بسبب ظن آخر متقدم عليه لزم أن يكون قبل كل ظن ظن لا إلى نهاية وهو محال. ورابعها: أن التصورات غير كسبية والتصديقات البديهية غير كسبية والتصديقات بأسرها غير كسبية فهذه مقدمات ثلاثة. المقدمة الأولى: في بيان أن التصورات غير كسبية، وذلك لأن من يحاول اكتسابها فإما أن يكون متصوراً لها أو لا يكون متصوراً لها فإن كان متصوراً لها استحال أن يطلب تحصيل تصورها لأن تحصيل الحاصل محال، وإن لم يكن متصوراً لها كان ذهنه غافلاً عنها والغافل عن الشيء يستحيل أن يكون طالبه. المقدمة الثانية: في بيان أن التصديقات البديهية غير كسبية لأن حصول طرفي التصديق إما أن يكون كافياً في جزم الذهن بذلك التصديق أولاً يكون كافياً فإن كان الأول كان ذلك التصديق دائراً مع ذينك التصورين على سبيل الوجوب نفياً وإثباتاً وما كان كذلك لم يكن مقدوراً، وإن كان الثاني لم يكن التصديق بديهياً بل متوقفاً فيه. المقدمة الثالثة: في بيان أن التصديقات بأسرها غير كسبية وذلك لأن هذه النظريات إن كانت واجبة اللزوم عن تلك البديهيات التي هي غير مقدورة كانت تلك النظريات أيضاً غير مقدورة. وإن لم تكن واجبة اللزوم عن تلك البديهيات لم يمكن الاستدلال بتلك البديهيات على تلك النظريات، فلم تكن تلك الاعتقادات الحاصلة في تلك النظريات علوماً، بل لا تكون إلا اعتقاداً حاصلاً للمقلد وليس كلامنا فيه، فثبت أن كلامكم في عدم إسناد الاهتداء والضلال إلى الله تعالى معارض بهذه الوجوه العقلية القاطعة التي لا جواب عنها. ولنتكلم الآن فيما ذكروه من التأويلات أما التأويل الأول فساقط لأن إنزال هذه المتشابهات هل لها أثر في تحريك الدواعي أو ليس لها أثر في ذلك؟ فإن كان الأول وجب على قولكم أن يقبح لوجهين، الأول: أنا قد دللنا في تفسير قوله: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ } تفسير : [البقرة:7] على أنه متى حصل الرجحان فلا بدّ وأن يحصل الوجوب وأنه ليس بين الاستواء وبين الوجوب المانع من النقيض واسطة، فإذا أثر إنزال هذه المتشابهات في الترجيح وثبت أنه متى حصل الترجيح فقد حصل الوجوب فحينئذٍ جاء الجبر وبطل ما قلتموه. الثاني: هب أنه لا ينتهي إلى حد الوجوب إلا أن المكلف ينبغي أن يكون مزاح العذر والعلة وإنزال هذه المتشابهات عليه مع أن لها أثراً في ترجيح جانب الضلال على جانب الاهتداء كالعذر للمكلف في عدم الإقدام على الطاعة فوجب أن يقبح ذلك من الله تعالى، وأما إن لم يكن لذلك أثر في إقدامهم على ترجيح جانب الضلال على جانب بالاهتداء كانت نسبة هذه المتشابهات إلى ضلالهم كصرير الباب ونعيق الغراب فكما أن ضلالهم لا ينسب إلى هذه الأمور الأجنبية كذلك وجب أن لا ينسب إلى هذه المتشابهات بوجه ما، وحينئذٍ يبطل تأويلهم، أما التأويل الثاني وهو التسمية والحكم فهو وإن كان في غاية البعد لكن الإشكال معه باقٍ لأنه إذا سماه الله بذلك وحكم به عليه فلو لم يأتِ المكلف به لانقلب خبر الله الصدق كذباً وعلمه جهلاً، وكل ذلك محال والمفضي إلى المحال محال، فكان عدم إتيان المكلف به محالاً وإتيانه به واجباً وهذا عين الجبر الذي تفرون منه وأنه ملاقيكم لا محالة، وههنا ينتهي البحث إلى الجوابين المشهورين لهما في هذا المقام وكل عاقل يعلم ببديهة عقله سقوط ذلك، وأما التأويل الثالث وهو التخلية وترك المنع فهذا إنما يسمى إضلالاً إذا كان الأولى والأحسن بالوالد أن يمنعه عن ذلك فأما إذا كان الولد بحيث لو منعه والده عن ذلك لوقع في مفسدة أعظم من تلك المفسدة الأولى لم يقل أحد أنه أفسد ولده وأضله، وههنا الأمر بخلاف ذلك لأنه تعالى لو منع المكلف جبراً عن هذه المفسدة لزمت مفسدة أخرى أعظم من الأولى، فكيف يقال إنه تعالى أفسد المكلف وأضله بمعنى أنه ما منعه عن الضلال مع أنه لو منعه لكانت تلك المفسدة أعظم وأما التأويل الرابع فقد اعتراض القفال عليه فقال: لا نسلم بأن الضلال جاء بمعنى العذاب أما قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِى ضَلَـٰلٍ وَسُعُرٍ } تفسير : [القمر: 47] فيمكن أن يكون المراد في ضلال عن الحق في الدنيا وفي سعر: أي في عذاب جهنم في الآخرة ويكون قوله: {يَوْمَ يُسْحَبُونَ } من صلة سعر وأما قوله تعالى: {إِذَ ٱلأَغْلَـٰلُ فِى أَعْنَـٰقِهِمْ } إلى قوله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَـٰفِرِينَ } فمعنى قوله ضلوا عنا أي بطلوا فلم ينتفع بهم في هذا اليوم الذي كنا نرجو شفاعتهم فيه ثم قوله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَـٰفِرِينَ } قد يكون على معنى كذلك يضل الله أعمالهم أي يحبطها يوم القيامة، ويحتمل كذلك يخذلهم الله تعالى في الدنيا فلا يوفقهم لقبول الحق إذ ألفوا الباطل وأعرضوا عن التدبر، فإذا خذلهم الله تعالى وأتوا يوم القيامة فقد بطلت أعمالهم التي كانوا يرجون الانتفاع بها في الدنيا، وأما التأويل الخامس: وهو الإهلاك فغير لائق بهذا الموضع لأن قوله تعالى: {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } يمنع من حمل الإضلال على الإهلاك. وأما التأويل السادس: وهو أنه يضله عن طريق الجنة فضعيف لأنه تعالى قال: {يُضِلُّ بِهِ } أي يضل بسبب استماع هذه الآيات والإضلال عن طريق الجنة ليس بسبب استماع هذه الآيات بل بسبب إقدامه على القبائح فكيف يجوز حمله عليه. وأما التأويل السابع: وهو أن قوله: {يُضِلُّهُ } أي يجده ضالاً قد بينا أن إثبات هذه اللغة لا دليل عليه وأيضاً فلأنه عدى الإضلال بحرف الباء فقال: {يُضِلُّ بِهِ } والإضلال بمعنى الوجدان لا يكون معدى بحرف الباء. وأما التأويل الثامن: فهو في هذه الآية يوجب تفكيك النظم لأنه إلى قوله {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً } من كلام الكفار ثم قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ } كلام الله تعالى من غير فصل بينهما بل مع حرف العطف وهو الواو، ثم هب أنه ههنا كذلك لكنه في سورة المدثر وهو قوله: {كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } لا شك أنه قول الله تعالى فهذا هو الكلام في الإضلال. أما الهدى فقد جاء على وجوه: أحدها: الدلالة والبيان قال تعالى: {أية : أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا } تفسير : [السجدة: 26] وقال: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ } تفسير : [البقرة: 38] وهذا إنما يصح لو كان الهدى عبارة عن البيان وقال: {أية : إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ ٱلظَّنَّ وَمَا تَهْوَى ٱلأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مّن رَّبّهِمُ ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [النجم: 23] وقال: {أية : إِنَّا هَدَيْنَـٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً } تفسير : [الإنسان: 3] أي سواء شكر أو كفر فالهداية قد جاءته في الحالتين وقال: {أية : وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَـٰهُمْ فَٱسْتَحَبُّواْ ٱلْعَمَىٰ عَلَى ٱلْهُدَىٰ } تفسير : [فصلت: 17] وقال: {أية : ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاء رَبّهِمْ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الأنعام: 154] وهذا لا يقال للمؤمن وقال تعالى حكاية عن خصوم داود عليه السلام: {أية : وَلاَ تُشْطِطْ وَٱهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاء ٱلصّرٰطِ } تفسير : [صۤ: 22] أي أرشدنا وقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرْتَدُّواْ عَلَىٰ أَدْبَـٰرِهِمْ مّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْهُدَى ٱلشَّيْطَـٰنُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ } تفسير : [محمد: 25] وقال: {أية : أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ ٱللَّهِ } تفسير : [الزمر: 56] إلى قوله: {أية : أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِى لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ } تفسير : [الزمر: 57] إلى قوله: {أية : بَلَىٰ قَدْ جَاءتْكَ ءايَـٰتِى فَكَذَّبْتَ بِهَا وَٱسْتَكْبَرْتَ } تفسير : [الزمر: 59] أخبر أنه قد هدى الكافر مما جاءه من الآيات وقال: {أية : أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْكِتَـٰبُ لَكُنَّا أَهْدَىٰ مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُمْ بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ وَهُدًى } تفسير : [الأنعام: 157] وهذه مخاطبة للكافرين. وثانيها: قالوا في قوله: {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [الشورى: 52] أي لتدعو وقوله: {أية : وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ } تفسير : [الرعد: 7] أي داع يدعوهم إلى ضلال أو هدى. وثالثها: التوفيق من الله بالألطاف المشروطة بالإيمان يؤتيها المؤمنين جزاء على إيمانهم ومعونة عليه وعلى الازدياد من طاعته، فهذا ثواب لهم وبإزائه ضده للكافرين وهو أن يسلبهم ذلك فيكون مع أنه تعالى ما هداهم يكون قد أضلهم، والدليل على هذا الوجه قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى } تفسير : [محمد: 17]، {أية : وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى } تفسير : [مريم: 76]، {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [آل عمران: 86]، {أية : يُثَبّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلاْخِرَةِ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [إبراهيم: 27]، {أية : كَيْفَ يَهْدِى ٱللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَـٰنِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ ٱلْبَيّنَـٰتُ وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [آل عمران: 86] فأخبر أنه لا يهديهم وأنهم قد جاءهم البينات، فهذا الهدى غير البيان لا محالة، وقال تعالى: {أية : وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ } تفسير : [التغابن: 11] {أية : {أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه } تفسير : [المجادلة:22]. ورابعها: الهدى إلى طريق الجنة قال تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِى رَحْمَةٍ مَّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرٰطاً مُّسْتَقِيماً } تفسير : [النساء: 175] وقال: {أية : قَدْ جَاءكُمْ مّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَـٰبٌ مُّبِينٌ يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلَـٰمِ وَيُخْرِجُهُمْ مّنِ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [المائدة: 15، 16] وقال: {أية : وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَـٰلَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ ٱلْجَنَّةَ } تفسير : [محمد: 4 ـ 6] والهداية بعد القتل لا تكون إلا إلى الجنة، وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلأَنْهَـٰرُ } تفسير : [يونس: 90] وهذا تأويل الجبائي، وخامسها: الهدى بمعنى التقديم يقال هدى فلان فلاناً أي قدمه أمامه، وأصل هدى من هداية الطريق؛ لأن الدليل يتقدم المدلول، وتقول العرب أقبلت هوادي الخيل. أي متقدماتها ويقال للعنق هادي وهوادي الخيل أعناقها لأنها تتقدمها، وسادسها: يهدي أي يحكم بأن المؤمن مهتد وتسميته بذلك لأن حقيقة قول القائل هداه جعله مهتدياً، وهذا اللفظ قد يطلق على الحكم والتسمية قال تعالى: {أية : مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ } تفسير : [المائدة: 103] أي ما حكم ولا شرع، وقال: {أية : إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ } تفسير : [آل عمران: 73] معناه أن الهدى ما حكم الله بأنه هدى وقال : {أية : ومَن يَهْدِ ٱللَّهُ فهو المهتد} تفسير : [الإسراء:97] أي من حكم الله عليه بالهدى فهو المستحق لأن يسمى مهتدياً فهذه هي الوجوه التي ذكرها المعتزلة: وقد تكلمنا عليها فيما تقدم في باب الإضلال. قالت الجبرية: وههنا وجه آخر وهو أن يكون الهدى بمعنى خلق الهداية والعلم، قال الله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ ٱلسَّلاَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَاء إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [يونس: 25] قالت القدرية هذا غير جائز لوجوه: أحدها: أنه لا يصح في اللغة أن يقال لمن حمل غيره على سلوك الطريق كرهاً وجبراً أنه هداه إليه وإنما يقال رده إلى الطريق المستقيم وحمله عليه وجره إليه فأما أن يقال إنه هداه إليه فلا، وثانيها: لو حصل ذلك بخلق الله تعالى لبطل الأمر والنهي والمدح والذم والثواب والعقاب، فإن قيل هب أنه خلق الله تعالى إلا أنه كسب العبد قلنا هذا الكسب مدفوع من وجهين: الأول: أن وقوع هذه الحركة إما أن يكون بتخليق الله تعالى أو لا يكون بتخليقه، فإن كان بتخليقه، فمتى خلقه الله تعالى استحال من العبد أن يمتنع منه، ومتى لم يخلقه استحال من العبد الإتيان به، فحينئذٍ تتوجه الإشكالات المذكورة وإن لم يكن بتخليق الله تعالى بل من العبد فهذا هو القول بالاعتزال، الثاني: أنه لو كان خلقاً لله تعالى وكسباً للعبد لم يخل من أحد وجوه ثلاثة، إما أن يكون الله يخلقه أولاً ثم يكتسبه العبد أو يكتسبه العبد أولاً ثم يخلقه الله تعالى. أو يقع الأمران معاً، فإن خلقه الله تعالى كان العبد مجبوراً على اكتسابه فيعود الإلزام وإن اكتسبه العبد أولاً فالله مجبور على خلقه، وإن وقعا معاً وجب أن لا يحصل هذا الأمر إلا بعد اتفاقهما لكن هذا الاتفاق غير معلوم لنا فوجب أن لا يحصل هذا الاتفاق، وأيضاً فهذا الاتفاق وجب أن لا يحصل إلا باتفاق آخر، لأنه من كسبه وفعله، وذلك يؤدي إلى ما لا نهاية له من الاتفاق وهو محال هذا مجموع كلام المعتزلة قالت الجبرية: إنا قد دللنا بالدلائل العقلية التي لا تقبل الاحتمال، والتأويل على أن خالق هذه الأفعال هو الله تعالى، إما بواسطة أو بغير واسطة، والوجوه التي تمسكتم بها وجوه نقلية قابلة للاحتمال والقاطع لا يعارضة المحتمل فوجب المصير إلى ما قلناه وبالله التوفيق. المسألة السادسة عشرة: لقائل أن يقول لم وصف المهديون بالكثرة والقلة صفتهم لقوله: {أية : وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ } تفسير : [سبأ: 13]، {أية : وقليل ما هم} تفسير : [ص:24] ولحديث «حديث : الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة»تفسير : وحديث «حديث : الناس أخبر قلة»تفسير : ، والجواب: أهل الهدى كثير في أنفسهم وحيث يوصفون بالقلة إنما يوصفون بها بالقياس إلى أهل الضلال، وأيضاً فإن القليل من المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة فسموا بالكثير ذهاباً إلى الحقيقة. المسألة السابعة عشرة: قال الفراء: الفاسق أصله من قولهم فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت، فكأن الفاسق هو الخارج عن الطاعة، وتسمى الفأرة فويسقة لخروجها لأجل المضرة، واختلف أهل القبلة في أنه هل هو مؤمن أو كافر، فعند أصحابنا أنه مؤمن، وعند الخوارج أنه كافر، وعند المعتزلة أنه لا مؤمن ولا كافر، واحتج المخالف بقوله تعالى: {أية : بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإِيمَانِ } تفسير : [الحجرات: 11] وقال: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ الْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [التوبة: 17] وقال: {أية : حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ } تفسير : [الحجرات: 7] وهذه المسألة طويلة مذكورة في علم الكلام. المسألة الثامنة عشرة: اختلفوا في المراد، من قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ } وذكروا وجوهاً: أحدها: أن المراد بهذا الميثاق حججه القائمة على عباده الدالة لهم على صحة توحيده وصدق رسله، فكان ذلك ميثاقاً وعهداً على التمسك بالتوحيد إذا كان يلزم بهذه الحجج ما ذكرنا من التمسك بالتوحيد وغيره، ولذلك صح قوله: {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } تفسير : [البقرة: 40]، وثانيها: يحتمل أن يعني به ما دل عليه بقوله: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } تفسير : [فاطر: 42] فلما لم يفعلوا ما حلفوا عليه وصفهم بنقض عهده وميثاقه، والتأويل الأول يمكن فيه العموم في كل من ضل وكفر، والثاني: لا يمكن إلا فيمن اختص بهذا القسم، إذا ثبت هذا ظهر رجحان التأويل الأول على الثاني من وجهين: الأول: أن على التقدير الأول يمكن إجراء الآية على عمومها، وعلى الثاني يلزم التخصيص، الثاني: أن على التقدير الأول يلزمهم الذم لأنهم نقضوا عهداً أبرمه الله وأحكمه بما أنزل من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وأوضحها وأزال التلبيس عنها، ولما أودع في العقول من دلائلها وبعث الأنبياء وأنزل الكتب مؤكداً لها: وأما على التقدير الثاني فإنه يلزمهم الذم لأجل أنهم تركوا شيئاً هم بأنفسهم التزموه ومعلوم أن ترتيب الذم على الوجه الأول أولى، وثالثها: قال القفال: يحتمل أن يكون المقصود بالآية قوماً من أهل الكتاب قد أخذ عليهم العهد والميثاق في الكتب المنزلة على أنبيائهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم وبين لهم أمره وأمر أمته فنقضوا ذلك وأعرضوا عنه وجحدوا نبوته. ورابعاً: قال بعضهم، إنه عنى به ميثاقاً أخذه من الناس وهم على صورة الذر وأخرجهم من صلب آدم كذلك، وهو معنى قوله تعالى: {أية : وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ } تفسير : [الأعراف: 172] قال المتكلمون هذا ساقط لأنه تعالى لا يحتج على العباد بعهد وميثاق لا يشعرون به كما لا يؤاخذهم بما ذهب علمه عن قلبهم بالسهو والنسيان فكيف يجوز أن يعيبهم بذلك؟ وخامسها: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود. العهد الأول: الذي أخذه على جميع ذرية آدم وهو الإقرار بربوبيته وهو قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ } تفسير : [الأعراف:172] وعهد خص به النبيين أن يبلغوا الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه وهو قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ }تفسير : [الأحزاب:7] وعهد خص به العلماء، وهو قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ } تفسير : [آل عمران: 187] قال صاحب «الكشاف»: الضمير في ميثاقه للعهد وهو ما وثقوا به عهد الله من قبوله ويجوز أن يكون بمعنى توثيقه كما أن الميعاد والميلاد بمعنى الوعد والولادة، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله تعالى من بعد ما وثق به عهده من آياته وكتبه ورسله. المسألة التاسعة عشرة: اختلفوا في المراد من قوله تعالى: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } فذكروا وجوهاً: أحدها: أراد به قطيعة الرحم وحقوق القرابات التي أمر الله بوصلها وهو كقوله تعالى: {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ } تفسير : [محمد:22] وفيه إشارة إلى أنهم قطعوا ما بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم من القرابة، وعلى هذا التأويل تكون الآية خاصة. وثانيها: أن الله تعالى أمرهم أن يصلوا حبلهم بحبل المؤمنين فهم انقطعوا عن المؤمنين واتصلوا بالكفار فذاك هو المراد من قوله: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ }. وثالثها: أنهم نهوا عن التنازع وإثارة الفتن وهم كانوا مشتغلين بذلك. المسألة العشرون: أما قوله تعالى: {وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ } فالأظهر أن يراد به الفساد الذي يتعدى دون ما يقف عليهم. والأظهر أن المراد منه الصد عن طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام لأن تمام الصلاح في الأرض بالطاعة لأن بالتزام الشرائع يلتزم الإنسان كل ما لزمه، ويترك التعدي إلى الغير، ومنه زوال التظالم وفي زواله العدل الذي قامت به السموات والأرض، قال تعالى فيما حكى عن فرعون أنه قال: {أية : إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُـمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى ٱلأَرْضِ ٱلْفَسَادَ } تفسير : [غافر: 26] ثم إنه سبحانه وتعالى أخبر أن من فعل هذه الأفاعيل خاسر فقال: {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } وفي هذا الخسران وجوه: أحدها: أنهم خسروا نعيم الجنة لأنه لا أحد إلا وله في الجنة أهل ومنزل، فإن أطاع الله وجده، وإن عصاه ورثه المؤمنون، فذلك قوله تعالى: {أية : أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْوٰرِثُونَ ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [المؤمنون: 10 ـ 11] وقال: {أية : إِنَّ ٱلْخَـٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ } تفسير : [الشورى:45] وثانيها: أنهم خسروا حسناتهم التي عملوها لأنهم أحبطوها بكفرهم فلم يصل لهم منها خير ولا ثواب، والآية في اليهود ولهم أعمال في شريعتهم، وفي المنافقين وهم يعملون في الظاهر ما يعمله المخلصون فحبط ذلك كله، وثالثها: أنهم إنما أصروا على الكفر خوفاً من أن تفوتهم اللذات العاجلة، ثم إنها تفوتهم إما عند ما يصير الرسول صلى الله عليه وسلم مأذوناً في الجهاد أو عند موتهم، وقال القفال رحمه الله تعالى: وبالجملة أن الخاسر اسم عام يقع على كل من عمل عملاً لا يجزي عليه فيقال له خاسر، كالرجل الذي إذا تعنى وتصرف في أمر فلم يحصل منه على نفع قيل له خاب وخسر لأنه كمن أعطى شيئاً ولم يأخذ بإزائه ما يقوم مقامه، فسمى الكفار الذين يعملون بمعاصي الله خاسرين قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإنسَـٰنَ لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ } تفسير : [العصر: 2، 3] وقال: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا } تفسير : [الكهف: 103، 104] والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} قال ٱبن عباس في رواية أبي صالح: لمّا ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين: يعني «مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً» وقوله: «أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ» قالوا: الله أجلّ وأعْلَى من أن يضرب الأمثال؛ فأنزل الله هذه الآية. وفي رواية عطاء عن ٱبن عباس قال: لما ذكر الله آلهة المشركين فقال: {أية : وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} تفسير : [الحج: 73] وذكر كَيْدَ الآلهَة فجعله كَبَيْت العنكبوت، قالوا: أرأيتَ حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد، أيّ شيء يصنع؟ فأنزل الله الآية. وقال الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضربَ للمشركين به المَثل، ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله؛ فأنزل الله الآية. و {يَسْتَحْىِ} أصله يَسْتَحْيُ، عينه ولامه حَرْفا علة؛ أُعِلت اللام منه بأن ٱستثقلت الضمة على الياء فسكنت. وٱسم الفاعل على هذا: مستحيٍ، والجمع مُسْتَحْيُون ومُسْتَحْيِين. وقرأ ٱبن مُحَيْصِن «يستحِى» بكسر الحاء وياء واحدة ساكنة؛ ورُوي عن ٱبن كَثِير، وهي لغة تميم وبكر ٱبن وائل؛ نُقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت، ثم ٱستثقلت الضمة على الثانية فسكنت، فحذفت إحداهما للالتقاء؛ وٱسم الفاعل مُسْتَحٍ، والجمع مستحون ومستحين. قاله الجوهري. وٱختلف المتأوّلون في معنى «يستحي» في هذه الآية؛ فقيل: لا يخشى؛ ورجّحه الطبري؛ وفي التنزيل: {أية : وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ}تفسير : [الأحزاب: 37] بمعنى تستحي. وقال غيره: لا يترك. وقيل: لا يمتنع. وأصل الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفاً من مواقعة القبيح؛ وهذا مُحال على الله تعالى. وفي صحيح مسلم عن أمْ سَلَمة رضي الله عنها قالت: جاءت أمّ سُليم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق. المعنى لا يأمر بالحياء فيه، ولا يمتنع من ذكره. قوله تعالى: {أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا} «يضرب» معناه يبيّن، و «أن» مع الفعل في موضع نصب بتقدير حذف مِن. «مَثَلاً» منصوب بيضرب. «بَعُوضةً» في نصبها أربعة أوجه: الأول: تكون «ما» زائدة، و «بعوضةً» بدلاً من: «مَثَلاً». الثاني: تكون «ما» نكرة في موضع نصب على البدل من قوله: «مَثَلاً» و «بعوضةً» نعت لما؛ فوصفت «ما» بالجنس المنكّر لإبهامها لأنها بمعنى قليل؛ قاله الفَرّاء والزجاج وثَعْلب. الثالث: نصبت على تقدير إسقاط الجارّ، المعنى أن يضرب مثلاً ما بين بعوضة؛ فحذفت «بين» وأعربت بعوضة بإعرابها؛ والفاء بمعنى إلى، أي إلى ما فوقها. وهذا قول الكسائي والفرّاء أيضاً؛ وأنشد أبو العباس:شعر : يا أحْسَنَ الناسِ ما قَرْناً إلى قَدَمٍ ولا حِبالَ مُحِبٍّ واصلٍ تَصِلُ تفسير : أراد ما بين قَرْن، فلما أسقط «بين» نصب. الرابع: أن يكون «يضرب» بمعنى يجعل، فتكون «بعوضةً» المفعول الثاني. وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عَبْلَة ورُؤبة بن العَجّاج «بعوضةٌ» بالرفع، وهي لغة تميم. قال أبو الفتح: ووجه ذلك أن «ما» ٱسم بمنزلة الذي، و «بعوضةٌ» رفع على إضمار المبتدأ، التقدير: لا يستحي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلاً؛ فحذف العائد على الموصول وهو مبتدأ. ومثله قراءة بعضهم: «تَمَاماً عَلَى الّذِي أَحْسَنُ» أي على الذي هو أحسن. وحكى سيبويه: ما أنا بالذي قائل لك شيئاً؛ أي هو قائل. قال النحاس: والحذف في «ما» أقبح منه في «الذي»؛ لأن «الذي» إنما له وجه واحد والاسم معه أطول. ويقال: إن معنى ضربت له مثلاً، مَثلت له مَثَلاً. وهذه الأبنية على ضربٍ واحد، وعلى مثال واحد ونوع واحد؛ والضَّرْبُ النَّوْع. والبَعُوضة: فَعُولة من بَعَض إذا قطع اللحم؛ يقال: بَضَع وبَعضَ بمعنىً، وقد بعّضته تبعيضاً، أي جَزّأته فتبعّض. والبَعُوض: البَقُّ، الواحدة بعوضة؛ سُمِّيت بذلك لصغرها. قاله الجوهري وغيره. قوله تعالى: {فَمَا فَوْقَهَا} قد تقدّم أن الفاء بمعنى إلى، ومن جعل «ما» الأولى صلة زائدة فـ «ما» الثانية عطف عليها. وقال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما: معنى «فما فوقها» ـ والله أعلم ـ ما دونها؛ أي إنها فوقها في الصغر. قال الكسائي: وهذا كقولك في الكلام: أتراه قصيراً؟ فيقول القائل: أو فوق ذلك؛ أي هو أقصر مما ترى. وقال قتادة وٱبن جُريج: المعنى في الكِبَر. والضمير في «أنّه» عائد على المَثَل؛ أي إن المَثَل حق. والحق خلاف الباطل. والحق: واحد الحقوق. والحَقّة (بفتح الحاء) أخص منه؛ يقال: هذه حَقّتي، أي حَقّي. قوله تعالى: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} لغة بني تميم وبني عامر في «أمّا» أَيْمَا، يبدلون من إحدى الميمين ياء كراهية التضعيف؛ وعلى هذا يُنْشد بيتُ عمر بن أبي ربيعة:شعر : رأت رجلاً أيْما إذا الشمس عارضتْ فيَضْحَى وأيْما بالعشِيّ فَيخْصَرُ تفسير : قوله تعالى: {فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} ٱختلف النحويون في «ماذا»، فقيل: هي بمنزلة ٱسم واحد بمعنى أي شيء أراد الله؛ فيكون في موضع نصب بـ «أراد». قال ٱبن كَيْسان: وهو الجيّد. وقيل: «ما» ٱسم تام في موضع رفع بالابتداء؛ و «ذا» بمعنى الذي وهو خبر الابتداء، ويكون التقدير: ما الذي أراده الله بهذا مثلاً. ومعنى كلامهم هذا: الإنكار بلفظ الاستفهام. و «مَثَلاً» منصوب على القطع؛ التقدير: أراد مثلاً؛ قاله ثَعْلَب. وقال ٱبن كَيْسان: هو منصوب على التمييز الذي وقع موقع الحال. قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} قيل: هو من قول الكافرين؛ أي ما مراد الله بهذا المَثل الذي يفرّق به الناس إلى ضلالة وإلى هُدًى. وقيل: بل هو خبر من الله عز وجل، وهو أشبه؛ لأنهم يقرّون بالهُدَى أنه من عنده؛ فالمعنى: قل يضل الله به كثيراً ويهدي به كثيراً؛ أي يوفّق ويَخْذِل؛ وعليه فيكون فيه ردّ على من تقدّم ذكرهم من المعتزلة وغيرهم في قولهم: إن الله لا يخلق الضلال ولا الهدى. قالوا: ومعنى «يُضِلّ بِهِ كَثِيراً» التسمية هنا، أي يسميه ضالاً؛ كما يقال: فسّقت فلاناً، يعني سَمّيته فاسقاً؛ لأن الله تعالى لا يُضل أحداً. هذا طريقهم في الإضلال، وهو خلاف أقاويل المفسرين، وهو غير محتمل في اللغة؛ لأنه يقال: ضَلَّله إذا سمّاه ضالاًّ؛ ولا يقال: أضله إذا سماه ضالاً؛ ولكن معناه ما ذكره المفسرون أهلُ التأويل من الحق أنه يخذل به كثيراً من الناس مجازاة لكفرهم. ولا خلاف أن قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ } أنه من قول الله تعالى. و «الفاسقين» نصب بوقوع الفعل عليهم، والتقدير: وما يُضل به أحداً إلا الفاسقين الذين سبق في علمه أنه لا يهديهم. لا يجوز أن تنصبهم على الاستثناء لأن الاستثناء لا يكون إلا بعد تمام الكلام. وقال نَوْف البِكالِيّ: قال عزير فيما يناجي ربّه عز وجلّ: إلهي تخلق خلقاً فتُضل من تشاء وتهدي من تشاء. قال فقيل: يا عزير أعرض عن هذاٰ لتُعْرِضنّ عن هذا أو لأمْحُونك من النبوّة، إني لا أُسأل عما أفعل وهم يُسألون. والضلال أصله الهلاك؛ يقال منه: ضلّ الماءُ في اللبن إذا ٱستهلك؛ ومنه قوله تعالى: {أية : أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [السجدة: 10] وقد تقدّم في الفاتحة. والفِسْق أصله في كلام العرب الخروج عن الشيء؛ يقال فَسَقتِ الرُّطَبة إذا خرجت عن قشرها؛ والفأرة من جُحْرها. والفُوَيْسِقة: الفأرة؛ وفي الحديث: «حديث : خمسٌ فواسِقُ يُقْتَلْنَ في الحِلّ والحَرَم الحيّة والغراب الأبقعُ والفأرة والكلب العَقُور والحُدَيّا»تفسير : . روته عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، أخرجه مسلم. وفي رواية «العقرب» مكان «الحية». فأطلق صلى الله عليه وسلم عليهاٱسم الفسق لأذّيتها؛ على ما يأتي بيانه في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. وفَسَق الرجل يَفْسِقُ أيضاً ـ عن الأخفش ـ فسْقاً وفُسوقاً؛ أي فَجَر. فأمّا قوله تعالى: {أية : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}تفسير : [الكهف: 50] فمعناه خرج. وزعم ٱبن الأعرابي أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية ولا في شعرهم فاسق. قال: وهذا عجب، وهو كلام عربيّ حكاه عنه ٱبن فارس والجوهري. قلت: وقد ذكر أبو بكر الأنباري في كتاب «الزاهر» له لما تكلم على معنى الفسق قول الشاعر:شعر : يَذْهَبْنَ في نَجْدٍ وغَوْراً غائراً فواسقاً عن قَصْدها جَوائرا تفسير : والفِسّيق: الدائم الفسق. ويقال في النداء: يا فُسَقُ ويا خُبَثُ، يريد: يأيها الفاسق، ويأيها الخبيث. والفِسْق في عُرْف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله عز وجل، فقد يقع على من خرج بكُفْر وعلى من خرج بعصيان.

البيضاوي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً} لما كانت الآيات السابقة متضمنة لأنواع من التمثيل، عقب ذلك ببيان حسنه، وما هو الحق له والشرط فيه، وهو أن يكون على وفق الممثل له من الجهة التي تعلق بها التمثيل في العظم والصغر والخسة والشرف دون الممثل، فإن التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعنى الممثل له ورفع الحجاب عنه وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس، ليساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه فإن المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة من الوهم، لأن من طبعه الميل إلى الحس وحب المحاكاة، ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية وفشت في عبارات البلغاء، وإشارات الحكماء، فيمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم بالعظيم، وإن كان المثل أعظم من كل عظيم، كما مثل في الإنجيل غل الصدور، بالنخالة. والقلوب القاسية، بالحصاة. ومخاطبة السفهاء، بإثارة الزنابير. وجاء في كلام العرب: أسمع من قراد وأطيش من فراشه، وأعز من مخ البعوض. لا ما قالت الجهلة من الكفار: لِمَا مثل الله حال المنافقين بحال المستوقدين؟ وأصحاب الصيب وعبادة الأصنام في الوهن والضعف ببيت العنكبوت؟ وجعلها أقل من الذباب وأخس قدراً منه؟ الله سبحانه وتعالى أعلى وأجل من أن يضرب الأمثال ويذكر الذباب والعنكبوت. وأيضاً، لِمَا أرشدهم إلى ما يدل على أن المتحدي به وحي منزل؟ ورتب عليه وعيد من كفر به ووعد من آمن به بعد ظهور أمره؟ شَرَعَ في جواب ما طعنوا به فيه فقال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ * يَسْتَحْىِ } أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها. والحياء: انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم، وهو الوسط بين الوقاحة: التي هي الجراءة على القبائح وعدم المبالاة بها، والخجل: الذي هو انحصار النفس عن الفعل مطلقاً. واشتقاقه من الحياة فإنه انكسار يعتري القوة الحيوانية فيردها عن أفعالها فقيل: حيي الرجل كما يقال نسي وحشي، إذا اعتلت نساه وحشاه. وإذا وصف به الباري تعالى كما جاء في الحديث «حديث : إن الله يستحيي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه». «حديث : إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراًً»تفسير : فالمراد به الترك اللازم للانقباض، كما أن المراد من رحمته وغضبه إصابة المعروف والمكروه اللازمين لمعنييهما، ونظيره قول من يصف إيلاً:شعر : إذا ما اسْتَحينَ الماءَ يعْرضُ نَفْسَه كَرَعْنَ بسَبْتٍ في إناءٍ من الوَرْدِ تفسير : وإنما عدل به عن الترك، لما فيه من التمثيل والمبالغة، وتحتمل الآية خاصة أن يكون مجيئه على المقابلة لما وقع في كلام الكفرة. وضرب المثل اعتماله من ضرب الخاتم، وأصله وقع شيء على آخر، وأَنْ بصلتها مخفوض المحل عند الخليل بإضمار من، منصوب بإفضاء الفعل إليه بعد حذفها عند سيبويه. وما إبهامية تزيد النكرة إبهاماً وشياعاً وتسد عنها طرق التقييد، كقولك أعطني كتاباً ما، أي: أي كتاب كان. أو مزيدة للتأكيد كالتي في قوله تعالى: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ }تفسير : [آل عمران: 159] ولا نعني بالمزيد اللغو الضائع، فإن القرآن كله هدى وبيان، بل ما لم يوضع لمعنى يراد منه، وإنما وضعت لأن تذكر مع غيرها فتفيد له وثاقةً وقوةً وهو زيادة في الهدى غير قادح فيه. وبعوضة عطف بيان لمثلاً. أو مفعول ليضرب، ومثلاً حال تقدمت عليه لأنه نكرة. أو هما مفعولاه لتضمنه معنى الجعل. وقرئت بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وعلى هذا يحتمل {مَا } وجوهاً أخر: أن تكون موصولة حذف صدر صلتها، كما حذف في قوله: {أية : تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِى أَحْسَنَ }تفسير : [الأنعام: 154] وموصوفة بصفة كذلك، ومحلها النصب بالبدلية على الوجهين. واستفهامية هي المبتدأ، كأنه لما رد استبعادهم ضرب الله الأمثال، قال بعده: ما البعوضة فما فوقها حتى لا يضرب به المثل، بل له أن يمثل بما هو أحقر من ذلك. ونظيره فلان لا يبالي مما يهب ما دينار وديناران. والبعوض: فعول من البعض، وهو القطع كالبضع والعضب، غلب على هذا النوع كالخموش. {فَمَا فَوْقَهَا } عطف على بعوضة، أو ما إن جعل اسماً، ومعناه ما زاد عليها في الجثة كالذباب والعنكبوت، كأنه قصد به رد ما استنكروه. والمعنى: أنه لا يستحيي ضرب المثل بالبعوض فضلاً عما هو أكبر منه، أو في المعنى الذي جعلت فيه مثلاً، وهو الصغر والحقارة كجناحها فإنه عليه الصلاة والسلام ضربه مثلاً للدنيا، ونظيره في الاحتمالين ما روي أن رجلاً بمنى خَرَّ على طنب فسطاط فقالت عائشة رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها، إلا كتبت له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة»تفسير : فإنه يحتمل ما تجاوز الشوكة في الألم كالخرور وما زاد عليها في القلة كنخبة النملة، لقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة»تفسير : {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ نظشتظء رَبِّهِم} أما حرف تفصيل يفصل ما أجمل ويؤكد ما به صدر ويتضمن معنى الشرط، ولذلك يجاب بالفاء. قال سيبويه: أما زيد فذاهب معناه، مهما يكن من شيء فزيد ذاهب، أي هو ذاهب لا محالة وأنه منه عزيمة، وكان الأصل دخول الفاء على الجملة لأنها الجزاء، لكن كرهوا إيلاءها حرف الشرط فأدخلوها على الخبر، وعوضوا المبتدأ عن الشرط لفظاً، وفي تصديره الجملتين به إخماد لأمر المؤمنين واعتداد بعلمهم، وذم بليغ للكافرين على قولهم، والضمير في {أَنَّهُ } للمثل، أو لأن يضرب. و {ٱلْحَقّ } الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، يعم الأعيان الثابتة والأفعال الصائبة والأقوال الصادقة، من قولهم حق الأمر، إذا ثبت ومنه: ثوب محقق أي: محكم النسج. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ } كان من حقه: وأما الذين كفروا فلا يعلمون، ليطابق قرينه ويقابل قسيمه، لكن لما كان قولهم هذا دليلاً واضحاً على كمال جهلهم عدل إليه على سبيل الكناية ليكون كالبرهان عليه. {مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً } يحتمل وجهين: أن تكون «ما» استفهامية و «ذا» بمعنى الذي وما بعده صلته، والمجموع خبر ما. وأن تكون «ما» مع «ذا» اسماً واحداً بمعنى: أي شيء، منصوب المحل على المفعولية مثل ما أراد الله، والأحسن في جوابه الرفع على الأول، والنصب على الثاني، ليطَابق الجواب السؤال. والإرادة: نزوع النفس وميلها إلى الفعل بحيث يحملها عليه، وتقال للقوة التي هي مبدأ النزوع، والأول مع الفعل والثاني قبله، وكلا المعنيين غير متصور اتصاف الباري تعالى به، ولذلك اختلف في معنى إرادته فقيل: إرادته لأفعاله أنه غير ساه ولا مكره، ولأفعال غيره أمره بها. فعلى هذا لم تكن المعاصي بإرادته، وقيل: علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح فإنه يدعو القادر إلى تحصيله، والحق: أنه ترجيح أحد مقدوريه على الآخر وتخصيصه بوجه دون وجه، أو معنى يوجب هذا الترجيح، وهي أعم من الاختيار فإنه ميل مع تفضيل وفي هذا استحقار واسترذال. و {مَثَلاً } نصب على التمييز، أو الحال كقوله تعالى: {أية : هَـٰذِهِ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءايَةً }تفسير : [الأعراف: 73] {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} جواب ماذا، أي: إضلال كثير وإهداء كثير، وضع الفعل موضع المصدر للإشعار بالحدوث والتجدد، أو بيان للجملتين المصدرتين بإما، وتسجيل بأن العلم بكونه حقاً هدى وبيان، وأن الجهل ـ بوجه إيراده والإنكار لحسن مورده ـ ضلال وفسوق، وكثرة كل واحد من القبيلتين بالنظر إلى أنفسهم لا بالقياس إلى مقابليهم، فإن المهديين قليلون بالإضافة إلى أهل الضلال كما قال تعالى: {أية : وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ }تفسير : [ص: 24]، {أية : وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ }تفسير : [سبأ: 13] ويحتمل أن يكون كثرة الضالين من حيث العدد، وكثرة المهديين باعتبار الفضل والشرف كما قال:شعر : قَليلُ إذا عُدُّوا كَثيرٌ إِذا شَدُّوا تفسير : وقال:شعر : إنَّ الكِرامَ كثيرٌ في البلادِ وإِن قَلُّوا كما غيرَهُم قلٌّ وإنْ كَثُرُوا تفسير : {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ } أي الخارجين عن حد الإيمان، كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ الْفَـٰسِقُونَ }تفسير : [التوبة: 67] من قولهم: فسقت الرُطَبة عن قشرها إذا خرجت. وأصل الفسق: الخروج عن القصد قال رؤبة:شعر : فواسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوائراً تفسير : والفاسق في الشرع: الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة، وله درجات ثلاث: الأولى: التغابي وهو أن يرتكبها أحياناً مستقبحاً إياها. الثانية: الانهماك وهو أن يعتاد ارتكابها غير مبال بها. الثالثة: الجحود وهو أن يرتكبها مستصوباً إياها، فإذا شارف هذا المقام وتخطى خططه خلع ربقة الإيمان من عنقه، ولابس الكفر. وما دام هو في درجة التغابي أو الانهماك فلا يسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي هو مسمى الإيمان، ولقوله تعالى: {أية : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ }تفسير : [الحجرات: 9] والمعتزلة لما قالوا: الإيمان: عبارة عن مجموع التصديق والإقرار والعمل، والكفر تكذيب الحق وجحوده. جعلوه قسماً ثالثاً نازلاً بين منزلتي المؤمن والكافر لمشاركته كل واحد منهما في بعض الأحكام، وتخصيص الإضلال بهم مرتباً على صفة الفسق يدل على أنه الذي أعدهم للإضلال، وأدى بهم إلى الضلال. وذلك لأن كفرهم وعدولهم عن الحق وإصرارهم بالباطل صرفت وجوه أفكارهم عن حكمة المثل إلى حقارة الممثل به، حتى رسخت به جهالتهم وازدادت ضلالتهم فأنكروه واستهزؤوا به. وقرىء (يضل) بالبناء للمفعول و «الفاسقون» بالرفع.

ابن كثير

تفسير : قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين، يعني قوله تعالى: {أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً}تفسير : [البقرة: 17] وقوله: {أية : أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [البقرة: 19] الآيات الثلاث، قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله هذه الآية إلى قوله تعالى: {هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: لما ذكر الله تعالى العنكبوت والذباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} وقال سعيد عن قتادة: أي إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكر شيئاً مما قل أو كثر، وإن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذكر هذا؟ فأنزل الله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} (قلت) العبارة الأولى عن قتادة فيها إشعار أن هذه الآية مكية، وليس كذلك، وعبارة رواية سعيد عن قتادة أقرب، والله أعلم. وروى ابن جريج عن مجاهد نحو هذا الثاني عن قتادة. وقال ابن أبي حاتم: روي عن الحسن وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي وقتادة. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في هذه الآية، قال: هذا مثل ضربه الله للدنيا؛ أن البعوضة تحيا ما جاعت، فإذا سمنت ماتت، وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب لهم هذا المثل في القرآن، إذا امتلؤوا من الدنيا رياً، أخذهم الله عند ذلك، ثم تلا: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَىْءٍ}تفسير : [الأنعام: 44] هكذا رواه ابن جرير، ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية بنحوه، فالله أعلم. فهذا اختلافهم في سبب النزول. وقد اختار ابن جرير ما حكاه السدي؛ لأنه أمس بالسورة، وهو مناسب، ومعنى الآية: أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي، أي: لا يستنكف، وقيل: لا يخشى أن يضرب مثلاً ما، أي: أيَّ مثل كان، بأي شيء كان، صغيراً كان أو كبيراً، و {ما} ههنا للتقليل، وتكون بعوضة منصوبة على البدل؛ كما تقول: لأضربن ضرباً ما، فيصدق بأدنى شيء. أو تكون {ما} نكرة موصوفة ببعوضة، واختار ابن جرير أن ما موصولة، وبعوضة معربة بإعرابها، قال: وذلك سائغ في كلام العرب أنهم يعربون صلة مَا ومَنْ بإعرابهما؛ لأنهما يكونان معرفة تارة، ونكرة أخرى؛ كما قال حسان بن ثابت:شعر : يَكْفِي بِنا فَضْلاً على مَنْ غَيْرِنا حُبُّ النَّبِي مُحَمَّدٍ إِيّانا تفسير : قال: ويجوز أن تكون بعوضة منصوبة بحذف الجار، وتقدير الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بين بعوضة إلى ما فوقها، وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء. وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة بعوضة بالرفع، قال ابن جني: وتكون صلة لما، وحذف العائد؛ كما في قوله:{أية : تماماً على الذي أَحْسَنُ}تفسير : [الأنعام: 154] أي: على الذي هو أحسن، وحكى سيبوبه: ما أنا بالذي قائلٌ لك شيئاً، أي: بالذي هو قائل لك شيئاً. وقوله تعالى: {فَمَا فَوْقَهَا} فيه قولان: أحدهما: فما دونها في الصغر والحقارة؛ كما إذا وصف رجل باللؤم والشح، فيقول السامع: نعم، وهو فوق ذلك - يعني فيما وصفت - وهذا قول الكسائي وأبي عبيد، قاله الرازي وأكثر المحققين. وفي الحديث: «حديث : لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، لما سقى كافراً منها شربة ماء»تفسير : والثاني: فما فوقها: لما هو أكبر منها؛ لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة، وهذا قول قتادة ابن دعامة، واختيار ابن جرير، فإنه يؤيده ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها، إلا كتب له بها درجة، ومحيت عنه بها خطيئة» تفسير : فأخبر أنه لا يستصغر شيئاً يضرب به مثلاً، ولو كان في الحقارة والصغر، كالبعوضة، كما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف من ضرب المثل بها، كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلْمَطْلُوبُ}تفسير : [الحج: 73] وقال:{أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ ٱلْبُيُوتِ لَبَيْتُ ٱلْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }تفسير : [العنكبوت: 41] وقال تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِى ٱلسَّمَآءِ تُؤْتِىۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ ٱلأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلآخِرَةِ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ } تفسير : [إبراهيم: 24 - 27] وقال تعالى:{أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ}تفسير : [النحل: 75] الآية، ثم قال: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَآ أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ}تفسير : [النحل: 76] الآية، كما قال: {أية : ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ مِّن شُرَكَآءَ فِى مَا رَزَقْنَـٰكُمْ} تفسير : [الروم: 28] الآية. وقال: {أية : ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَـٰكِسُونَ} تفسير : [الزمر: 29] الآية. وقال: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ } تفسير : [العنكبوت: 43] وفي القرآن أمثال كثيرة، قال بعض السلف: إذا سمعت المثل في القرآن، فلم أفهمه، بكيت على نفسي؛ لأن الله قال:{أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَـٰلِمُونَ } تفسير : [العنكبوت: 43] وقال مجاهد في قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} الأمثال صغيرها وكبيرها يؤمن بها المؤمنون، ويعلمون أنها الحق من ربهم، ويهديهم الله بها. وقال قتادة: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} أي: يعلمون أنه كلام الرحمن، وأنه من عند الله، وروي عن مجاهد والحسن والربيع بن أنس نحو ذلك. وقال أبو العالية: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} يعني: هذا المثل {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} كما قال في سورة المدثر: {أية : وَمَا جَعَلْنَآ أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسْتَيْقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَيَزْدَادَ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِيمَاناً وَلاَ يَرْتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [المدثر: 31] وكذلك قال ههنا: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ} قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: يضل به كثيراً يعني به: المنافقين، ويهدي به: المؤمنين، فيزيد هؤلاء ضلالة إلى ضلالتهم؛ لتكذيبهم بما قد علموه حقاً يقيناً من المثل الذي ضربه الله بما ضرب لهم، وأنه لما ضرب له موافق، فذلك إضلال الله إياهم به، ويهدي به، يعني: المثل، كثيراً من أهل الإيمان والتصديق، فيزيدهم هدى إلى هداهم، وإيماناً إلى إيمانهم؛ لتصديقهم بما قد علموه حقاً يقيناً أنه موافق لما ضربه الله له مثلاً، وإقرارهم به، وذلك هداية من الله لهم به {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ} قال: هم المنافقون، وقال أبو العالية: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ} قال: هم أهل النفاق، وكذا قال الربيع ابن أنس، وقال ابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ} قال: يقول: يعرفه الكافرون، فيكفرون به. وقال قتادة: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ} فسقوا، فأضلهم الله على فسقهم، وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي عن إسحاق بن سليمان عن أبي سنان عن عمرو بن مرة عن مصعب بن سعد عن سعد {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا} يعني: الخوارج. وقال شعبة عن عمرو بن مرة عن مصعب بن سعد قال: سألت أبي، فقلت: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ} إلى آخر الآية: فقال: هم الحرورية، وهذا الإسناد، وإن صح عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فهو تفسير على المعنى، لا أن الآية أريد منها التنصيص على الخوارج الذين خرجوا على عليّ بالنهروان، فإن أولئك لم يكونوا حال نزول الآية، وإنما هم داخلون بوصفهم فيها مع من دخل؛ لأنهم سموا خوارج لخروجهم عن طاعة الإمام والقيام بشرائع الإسلام، والفاسق في اللغة هو الخارج عن الطاعة أيضاً، وتقول العرب: فسقت الرطبة، إذا خرجت من قشرتها، ولهذا يقال للفأرة: فويسقة؛ لخروجها عن جحرها للفساد، وثبت في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور»تفسير : فالفاسق يشمل الكافر والعاصي، ولكن فسق الكافر أشد وأفحش، والمراد به من الآية الفاسق الكافر، والله أعلم، بدليل أنه وصفهم بقوله تعالى: { ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ أُولَـٰۤئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين؛ كما قال تعالى في سورة الرعد: {أية : أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَـٰبِ ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ ٱلْمِيثَـٰقَ وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ}تفسير : [الرعد: 19 - 21] الآيات، إلى أن قال: {أية : وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ}تفسير : [الرعد: 25] وقد اختلف أهل التفسير في معنى العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه، فقال بعضهم: هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته، في كتبه، وعلى لسان رسله، ونقضهم ذلك هو تركهم العمل به. وقال آخرون: بل هي في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وعهد الله الذي نقضوه هو ما أخذ الله عليهم في التوراة، من العمل بما فيها، واتباع محمد صلى الله عليه وسلم إذا بعث، والتصديق به، وبما جاء به من عند ربهم، ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك عن الناس بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، فأخبر تعالى أنهم نبذوه وراء ظهورهم، واشتروا به ثمناً قليلاً. وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله، وهو قول مقاتل بن حيان. وقال آخرون: بل عنى بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق، وعهده إلى جميعهم في توحيده ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته، وعهد إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثله، الشاهدة لهم على صدقهم، قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب، مع علمهم أن ما أتوا به حق. وروي عن مقاتل ابن حيان أيضاً نحو هذا، وهو حسن، وإليه مال الزمخشري؛ فإنه قال: فإن قلت: فما المراد بعهد الله؟ قلت: ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد، كأنه أمرٌ وصّاهم به، ووثقه عليهم، وهو معنى قوله تعالى: {أية : وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172] إذ أخذ الميثاق عليهم من الكتب المنزلة عليهم كقوله: {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}تفسير : [البقرة: 40] وقال آخرون: العهد الذي ذكره تعالى هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصف في قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِىۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ}تفسير : [الأعراف: 172] الآيتين، ونقضهم ذلك تركهم الوفاء به، وهكذا روي عن مقاتل بن حيان أيضاً، حكى هذه الأقوال ابن جرير في تفسيره. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ} - إلى قوله - {أُولَـٰۤئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} قال: هي ست خصال من المنافقين، إذا كانت فيهم الظهرة على الناس، أظهروا هذه الخصال: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وأفسدوا في الأرض، وإذا كانت الظهرة عليهم، أظهروا الخصال الثلاث: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا. وكذا قال الربيع بن أنس أيضاً، وقال السدي في تفسيره بإسناده: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ} قال: هو ما عهد إليهم في القرآن، فأقروا به، ثم كفروا فنقضوه. وقوله: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} قيل: المراد به صلة الأرحام والقرابات؛ كما فسره قتادة؛ كقوله تعالى: { أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ } تفسير : [محمد: 22] ورجحه ابن جرير، وقيل: المراد أعم من ذلك، فكل ما أمر الله بوصله وفعله، فقطعوه وتركوه. وقال مقاتل بن حيان في قوله تعالى: {أُولَـٰۤئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} قال: في الآخرة، وهذا كما قال تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} تفسير : [الرعد: 25] وقال الضحاك عن ابن عباس: كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام من اسم مثل خاسر فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الاسلام، فإنما يعني به الذنب. وقال ابن جرير في قوله تعالى: {أُولَـٰۤئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} الخاسرون: جمع خاسر، وهم الناقصون أنفسهم حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته؛ كما يخسر الرجل في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، وكذلك المنافق والكافر، خسر بحرمان الله إياه رحمته التي خلقها لعباده في القيامة أحوج ما كانوا إلى رحمته، يقال منه: خسر الرجل يخسر الرجل يخسر خسراً وخسراناً وخساراً؛ كما قال جرير بن عطية:شعر : إِنَّ سَليطاً في الخَسارِ إنّهْ أولادُ قومٍ خُلِقُوا أَقِنَّهْ

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ } يجعل {مَثَلاً } مفعول أوّل {مَا } نكرة موصوفة بما بعدها مفعول ثان أيَّ:مثل كان أو زائدة لتأكيد الخسة فما بعدها المفعول الثاني {بَعُوضَةً } مفرد( البعوض) وهو صغار البق {فَمَا فَوْقَهَا } أي أكبر منها أي لا يترك بيانه لما فيه من الحكم { فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فَيَعْلمُونَ أَنَّهُ} أي المثل {ٱلْحَقُّ } الثابت الواقع موقعه {مِن رَّبّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلاً } تمييز: أي بهذا المثل و(ما) استفهام إنكار مبتدأ، وذا بمعنى: الذي بصلته خبره أي: أيَّ فائدة فيه؟ قالالله تعالى في جوابهم {يُضِلُّ بِهِ } أي:بهذا المثل {كَثِيراً } عن الحق لكفرهم به {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } من المؤمنين لتصديقهم به {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ } الخارجين عن طاعته.

الشوكاني

تفسير : أنزل الله هذه الآية ردّاً على الكفار لما أنكروا ما ضربه سبحانه من الأمثال كقوله: {أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً } تفسير : [البقرة: 17] وقوله: {أية : أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ ٱلسَّمَاء }تفسير : [البقرة: 19] فقالوا الله أجلّ، وأعلا من أن يضرب الأمثال. وقال الرازي: إنه تعالى لما بيَّن بالدليل كون القرآن معجزاً أورد ها هنا شبهة أوردها الكفار قدحاً في ذلك، وأجاب عنها، وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل، والعنكبوت، والنمل، وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلاً عن كونه معجزاً. وأجاب الله عنها بأن صغر هذه الأشياء لا تقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملاً على حكمة بالغة. انتهى. ولا يخفاك أن تقرير هذه الشبهة على هذا الوجه، وإرجاع الإنكار إلى مجرد الفصاحة لا مستند له، ولا دليل عليه، وقد تقدّمه إلى شيء من هذا صاحب الكشاف، والظاهر ما ذكرناه أوّلا لكون هذه الآية جاءت بعقب المثلين اللذين هما مذكوران قبلها، ولا يستلزم استنكارهم لضرب الأمثال بالأشياء المح؛ كذا في الكشاف، وتبعه الرازي في مفاتيح الغيب. وقال القرطبي: أصل الاستحياء الانقباض عن الشيء، والامتناع منه؛ خوفاً من مواقعة القبيح، وهذا محال على الله. انتهى. وقد اختلفوا في تأويل ما في هذه الآية من ذكر الحياء فقيل: ساغ ذلك لكونه، واقعاً في الكلام المحكي عن الكفار، وقيل: هو: من باب المشاكلة كما تقدم، وقيل هو: جارٍ على سبيل التمثيل. قال في الكشاف: مثَّل تركه تخييب العبد، وأنه لا يردّ يديه صفراً من عطائه لكرمه بترك من يترك ردّ المحتاج إليه حياءً منه. انتهى. وقد قرأ ابن محيصن، وابن كثير في رواية عنه «يستحي» بياء واحدة، وهي لغة تميم، وبكر بن وائل، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى الحاء، فسكنت، ثم استثقلت الضمة على الثانية فسكنت، فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين. وضرب المثل: اعتماده وصنعه. و«ما» في قوله: {مَّا بَعُوضَةً } إبهامية أي: موجبة لإبهام ما دخلت عليه حتى يصير أعمّ مما كان عليه، وأكثر شيوعاً في أفراده، وهي في موضع نصب على البدل من قوله: {مَثَلاً } و{بَعُوضَةً} نعت لها لإبهامها، قاله الفراء، والزجاج، وثعلب، وقيل: إنها زائدة، وبعوضة بدل من مثل. ونصب بعوضة في هذين الوجهين ظاهر، وقيل: إنها منصوبة بنزع الخافض، والتقدير: أن يضرب مثلاً ما بين بعوضة، فحذف لفظ بين. وقد روي هذا عن الكسائي، وقيل: إن يضرب بمعنى يجعل، فتكون بعوضة المفعول الثاني. وقرأ الضحاك، وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤية بن العجاج «بعوضةٌ» بالرفع، وهي لغة تميم. قال أبو الفتح: وجه ذلك أن «ما» اسم بمنزلة الذي، وبعوضة رفع على إضمار المبتدأ، ويحتمل أن تكون «ما» استفهامية كأنه قال تعالى: {مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } حتى لا يضرب المثل به، بل له أن يمثل بما هو أقلّ من ذلك بكثير، والبعوضة فعولة من بعض: إذا قطع، يقال: بعض وبضع بمعنى، والبعوض: البق، الواحدة بعوضة، سميت بذلك لصغرها، قاله الجوهري، وغيره. وقوله: {فَمَا فَوْقَهَا } قال الكسائي، وأبو عبيدة، وغيرهما: فما فوقها والله أعلم: ما دونها: أي: أنها فوقها في الصغر كجناحها. قال الكسائي، وهذا كقولك في الكلام أتراه قصيراً، فيقول القائل، أو فوق ذلك أي: أقصر مما ترى. ويمكن أن يراد، فما زاد عليها في الكبر. وقد قال بذلك جماعة. قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } "أما" حرف فيه معنى الشرط، وقدّره سيبويه بمهما يكن من شيء، فكذا. وذكر صاحب الكشاف أن فائدته في الكلام أنه يعطيه فضل توكيد، وجعل تقدير سيبويه دليلاً على ذلك. والضمير في {أَنَّهُ } راجع إلى المثل. و {ٱلْحَقّ } الثابت، وهو المقابل للباطل، والحق، واحد الحقوق، والمراد هنا الأوّل. وقد اختلف النحاة في {ماذا} فقيل: هي بمنزلة اسم واحد بمعنى: أي شيء أراد الله، فتكون في موضع نصب بأراد. قال ابن كيسان: وهو: الجيد. وقيل «ما» اسم تام في موضع رفع بالابتداء، و «ذا» بمعنى الذي، وهو: خبر المبتدأ مع صلته، وجوابه يكون على الأوّل منصوباً وعلى الثاني مرفوعاً. والإرادة نقيض الكراهة، وقد اتفق المسلمون على أنه يجوز إطلاق هذا اللفظ على الله سبحانه. و{مَثَلاً } قال ثعلب: منصوب على القطع، والتقدير: أراد مثلا. وقال ابن كيسان: هو: منصوب على التمييز الذي وقع موقع الحال، وهذا أقوى من الأوّل. وقوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } هو: كالتفسير للجملتين السابقتين المصدّرتين بأما، فهو خبر من الله سبحانه. وقيل: هو: حكاية لقول الكافرين كأنهم قالوا: ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرّق به الناس إلى ضلالة، وإلى هدى؟ وليس هذا بصحيح، فإن الكافرين لا يقرّون بأن في القرآن شيئاً من الهداية، ولا يعترفون على أنفسهم بشيء من الضلالة. قال القرطبي: ولا خلاف أن قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ } من كلام الله سبحانه. وقد أطال المتكلمون الخصام في تفسير الضلال المذكور هنا، وفي نسبته إلى الله سبحانه. وقد نقح البحث الرازيُّ في تفسيره مفاتيح الغيب في هذا الموضع تنقيحاً نفيساً، وجوّده وطوّله، وأوضح فروعه، وأصوله، فليرجع إليه فإنه مفيد جداً. وأما صاحب الكشاف، فقد اعتمد ها هنا على عصاه التي يتوكأ عليها في تفسيره، فجعل إسناد الإضلال إلى الله سبحانه بكونه سبباً، فهو من الإسناد المجازي إلى ملابس للفاعل الحقيقي،.وحكى القرطبي عن أهل الحق من المفسرين أن المراد بقوله {يُضِلَّ } يخذل. والفسق: الخروج عن الشيء، يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت عن قشرها. والفأرة من جحرها ذكر معنى هذا الفراء. وقد استشهد أبو بكر بن الأَنباري في كتاب الزاهر له على معنى الفسق بقول رؤبة بن العجاج:شعر : يهوين في نجد وغوراً غائراً فواسقاً عن قصدها جوائر تفسير : قد زعم ابن الأعرابي أنه لم يسمع قط في كلام الجاهلية، ولا في شعرهم فاسق، وهذا مردود عليه، فقد حكى ذلك عن العرب، وأنه من كلامهم جماعة من أئمة اللغة كابن فارس، والجوهري، وابن الأنباري، وغيرهم. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : خمس فواسق» تفسير : الحديث. وقال في الكشاف: الفسق الخروج عن القصد، ثم ذكر عجز بيت رؤبة المذكور، ثم قال: والفاسق في الشريعة: الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة. انتهى. وقال القرطبي: والفسق في عرف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله عز وجل، فقد يقع على من خرج بكفر، وعلى من خرج بعصيان. انتهى. وهذا هو: أنسب بالمعنى اللغوي، ولا وجه لقصره على بعض الخارجين دون بعض. قال الرازي في تفسيره: واختلف أهل القبلة هل هو مؤمن، أو كافر؟ فعند أصحابنا أنه مؤمن، وعند الخوارج أنه كافر، وعند المعتزلة لا مؤمن، ولا كافر، واحتج المخالف بقوله تعالى: {أية : بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإيمَانِ }تفسير : [الحجرات: 11] وقوله: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ هُمُ الْفَـٰسِقُونَ } تفسير : [التوبة: 67] وقوله: {أية : حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإيمَـٰنَ وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ } تفسير : [الحجرات: 7] وهذه المسألة طويلة مذكورة في علم الكلام. انتهى. وقوله {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ } في محل نصب وصفاً للفاسقين. والنقض: إفساد ما أبرم من بناء، أو حبل، أو عهد، والنقاضة: ما نقض من حبل الشعر. والعهد: قيل: هو: الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهره، وقيل: هو: وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسن رسله، ونقضهم ذلك: ترك العمل به، وقيل: بل نصب الأدلة على، وحدانيته بالسموات، والأرض، وسائر مخلوقاته، ونقضه: ترك النظر فيه، وقيل: هو ما عهده إلى الذين أوتوا الكتاب ليبيننه للناس. والميثاق: العهد المؤكد باليمين مفعال من الوثاقة وهي الشدّة في العقد، والربط، والجمع المواثيق، والمياثيق، وأنشد ابن الأعرابي:شعر : حِمىّ لا يُحَلُّ الدَّهْرَ إلا بِإذنِنا وَلا نَسْألُ الأقوامُ عَهْدَ المياثِق تفسير : واستعمال النقض في إبطال العهد على سبيل الاستعارة، والقطع معروف، والمصدر في الرحم القطيعة، وقطعت الحبل قطعاً، وقطعت النهر قطعاً. و«ما» في قوله: {مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ } في موضع نصب بـ {يقطعون}، و {أَن يُوصَلَ} في محل نصب بأمر. ويحتمل أن يكون بدلاً من "ما"، أو من الهاء في "به". واختلفوا ما هو: الشيء الذي أمر الله بوصله، فقيل: الأرحام، وقيل: أمر أن يوصل القول بالعمل، وقيل: أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه، فقطعوه بتصديق بعضهم، وتكذيب البعض الآخر، وقيل: المراد به حفظ شرائعه، وحدوده التي أمر في كتبه المنزلة، وعلى ألسن رسله بالمحافظة عليها، فهي عامة، وبه قال الجمهور، وهو: الحق. والمراد بالفساد في الأرض الأفعال، والأقوال المخالفة لما أمر الله به، كعبادة غيره، والإضرار بعباده، وتغيير ما أمر بحفظه، وبالجملة، فكل ما خالف الصلاح شرعاً أو عقلاً، فهو فساد. والخسران: النقصان، والخاسر، هو: الذي نقص نفسه من الفلاح، والفوز، وهؤلاء لما استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، كان عملهم، فساداً لما نقصوا أنفسهم من الفلاح، والربح. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن مسعود، وناس من الصحابة قال: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين قوله: {أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَاراً }تفسير : [البقرة: 17] وقوله: {أية : أَوْ كَصَيّبٍ مّنَ ٱلسَّمَاء }تفسير : [البقرة: 19] قال المنافقون: الله أعلا وأجلّ من أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ * يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً } الآية. وأخرج الواحدي في تفسيره عن ابن عباس قال: إن الله ذكر آلهة المشركين، فقال: {أية : وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً }تفسير : [الحج: 73] وذكر كيد الآلهة، فجعله كبيت العنكبوت، فقالوا: أرأيت حيث ذكر الله الذباب، والعنكبوت، فيما أنزل من القرآن على محمد أيّ شيء كان يصنع بهذا؟ فأنزل الله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يستحي} وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة نحو قول ابن عباس. وأخرج ابن أبي حاتم، عن الحسن قال: لما نزلت: {أية : &#1649 يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ }تفسير : [الحج: 73] قال المشركون: ما هذا من الأمثال، فيضرب؟ فأنزل الله هذه الآية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ } قال: يؤمن به المؤمن، ويعلمون أنه الحق من ربهم، ويهديهم الله به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة في قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا } يعني المنافقين {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } يعني المؤمنين {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ } قال هم المنافقون. وفي قوله: {يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ } قال: هو ما عهد إليهم في القرآن، فأقرّوا به، ثم كفروا، فنقضوه. وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ } يقول: يعرفه الكافرون، فيكفرون به. وأخرج ابن جرير، عن قتادة قال: فسقوا، فأضلهم الله بفسقهم. وأخرج البخاري، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن سعد بن أبي وقاص قال: الحرورية هم: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان يسميهم الفاسقين. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة قال: ما نعلم الله أوعد في ذنب ما أوعد في نقض هذا الميثاق، فمن أعطى عهد الله، وميثاقه من ثمرة قلبه، فليُوفّ به الله. وقد ثبت عن رسول الله في أحاديث ثابتة في الصحيح وغيره من طريق جماعة من الصحابة النهي عن نقض العهد، والوعيد الشديد عليه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } قال: الرحم والقرابة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلأرْضِ } قال: يعملون فيها بالمعصية. وأخرج ابن المنذر عن مقاتل في قوله: {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } يقول: هم أهل النار. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإسلام مثل خاسر، ومسرف، وظالم، ومجرم، وفاسق، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى الإسلام، فإنما يعني به الذم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَة فما فوقها}. في قوله: {لاَ يَسْتَحْيِي} ثلاثةُ تأويلاتٍ: أحدها: معناه لا يترك. والثاني: [يريد] لا يخشى. والثالث: لا يمتنع، وهذا قول المفضل. وأصل الاستحياء الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفاً من موَاقَعَةِ القبح. والبعوضة: من صفار البقِّ سُميت بعوضة، لأنها كبعض البقَّة لصِغَرِها. وفي قوله: {مَا بَعُوضَةً} ثلاثةُ أوجُهٍ: أحدها: أن "ما" بمعنى الذي، وتقديره: الذي هو بعوضة. والثاني: أن معناه: ما بين بعوضة إلى ما فَوْقها. والثالث: أن "ما" صلةٌ زائدةٌ، كما قال النابغة: شعر : قَالَتْ أَلاَ لَيْتُمَا هذَا الْحَمَامُ لَنَا إِلَى حَمَامَتِنَا وَنِصْفُهُ فَقَدِ تفسير : {فَمَا فَوْقَهَا} فيه تأويلان: أحدهما: فما فوقها في الكبر، وهذا قول قتادة وابنِ جُريجٍ. والثاني: فما فوقها في الصغر، لأن الغرض المقصود هو الصغر. وفي المثل ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه وارد في المنافقين، حيث ضَرَبَ لهم المَثَلَيْنِ المتقدِّمين: مثَلَهُمْ كمثل الذي استوقد ناراً، وقوله: أو كصيِّب من السماء، فقال المنافقون: إن الله أعلى مِنْ أن يضرب هذه الأمثال، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس. والثاني: أن هذا مثلٌ مبتدأ ضَرَبَهُ الله تعالى مثلاً للدنيا وأهلها، وهو أن البعوضة تحيا ما جاعت، وإذا شبعت ماتت، كذلك مثل أهل الدنيا، إذا امتلأوا من الدنيا، أخذهم الله تعالى عند ذلك، وهذا قول الربيع بن أنس. والثالث: أن الله عز وجل حين ذكر في كتابه العنكبوت والذباب وضربهما مثلاً، قال أهل الضلالة: ما بال العنكبوت والذباب يذكران، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا قول قتادةَ، وتأويل الربيع أحسن، والأولُ أشبَهُ. قوله عز وجل: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} فيه ثلاثةُ تأويلات: أحدها: معناه بالتكذيب بأمثاله، التي ضربها لهم كثيراً، ويهدي بالتصديق بها كثيراً. والثاني: أنه امتحنهم بأمثاله، فَضَلَّ قوم فجعل ذلك إضلالاً لهم، واهتدى قوم فجعله هدايةً لهم. والثالث: أنه إخبار عمَّنْ ضلَّ ومن اهتدى. قوله عز وجل: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ}. أما النقض، فهو ضد الإبرام، وفي العهد قولان: أحدهما: الوصيَّة. والثاني: الموثق. والميثاق ما وَقَعَ التوثق به. وفيما تضمنه عهده وميثاقه أربعة أقاويل: أحدها: أن العهد وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعة، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصية في كتبه، وعلى لسان رسله، ونقضهم ذلك بترك العمل به. والثاني: أن عهده ما خلقه في عقولهم من الحجة على توحيده وصدق رسله بالمعجزات الدالة على صدقهم. والثالث: أن عهده ما أنزله على أهل الكتاب [من]، على صفة النبي صلى الله عليه وسلم، والوصية المؤكدة باتباعه، فذلك العهد الذي نقضوه بجحودهم له بعد إعطائهم الله تعالى الميثاق من أنفسهم، ليبينه للناس ولا يكتمونه، فأخبر سبحانه، أنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً. والرابع: أن العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم، الذي وصفه في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنا} تفسير : [الأعراف: 172]. وفي هذه الكتابة التي في ميثاقه قولان: أحدهما: أنها كناية ترجع إلى اسم الله وتقديره من بعد ميثاق الله. والثاني: أنها كناية ترجع إلى العهد وتقديره من بعد ميثاق العهد. وفيمن عَنَاهُ الله تعالى بهذا الخطاب، ثلاثة أقاويل: أحدها: المنافقون. والثاني: أهل الكتاب. والثالث: جميع الكفار. قوله عز وجل: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن الذي أمر الله تعالى به أن يوصل، هو رسوله، فقطعوه بالتكذيب والعصيان، وهو قول الحسن البصري. والثاني: أنَّه الرحمُ والقرابةُ، وهو قول قتادة. والثالث: أنه على العموم في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل. قوله عز وجلَّ: {وَيُفْسِدُونَ في الأَرْضِ} وفي إفسادهم في الأرض قولان: أحدهما: هو استدعاؤهم إلى الكفر. والثاني: أنه إخافتهم السُّبُلَ وقطعهم الطريق. وفي قوله: {أُولئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} قولان: أحدهما: أن الخسران هو النقصان، ومنه قول جرير: شعر : إِنَّ سليطاً في الْخَسَارِ إِنَّهُ أَوْلاَدُ قَوْمٍ حلفوا افنه تفسير : يعني بالخَسَار، ما ينقُصُ حظوظهم وشرفهم. والثاني: أن الخسران ها هنا الهلاك، ومعناه: أولئك هم الهالكون. ومنهم من قال: كل ما نسبه الله تعالى من الخسران إلى غير المسلمين فإنما يعني الكفر، وما نسبه إلى المسلمين، فإنما يعني به الذنب.

ابن عطية

تفسير : ذكر المفسرون أنه لما ضرب الله تعالى المثلين المتقدمين في السورة قال الكفار: ما هذه الأمثال؟ الله عز وجل أجل من أن يضرب هذه أمثالاً، فنزلت الآية. وقال ابن قتيبة: "إنما نزلت لأن الكفار أنكروا ضرب المثل في غير هذه السورة بالذباب والعنكبوت". وقال قوم: "هذه الآية مثل للدنيا". قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف يأباه رصف الكلام واتساق المعنى. و {يستحيي} أصله يستحيي، عينه ولامه حرفا علة، أعلت اللام منه بأن استثقلت الضمة على الياء فسكنت. وقرأ ابن كثير في بعض الطرق عنه، وابن محيصن وغيرهما "يستحي" بكسر الحاء، وهي لغة لتميم، نقلت حركة الياء الأولى إلى الحاء فسكنت ثم استثقلت الضمة على الياء الثانية فسكنت، فحذفت إحداهما للالتقاء. واختلف المتأولون في معنى: {يستحيي} في هذه الآية. فرجح الطبري أن معناه يخشى. وقال غيره. معناه يترك وهذا هو الأولى. ومن قال يمتنع أو يمنعه الحياء فهو يترك أو قريب منه. ولما كان الجليل القدر في الشاهد لا يمنعه من الخوض في نازل القول إلا الحياء من ذلك، رد الله بقوله: {إن الله لا يستحيي} على القائلين كيف يضرب الله مثلاً بالذباب ونحوه، أي إن هذه الأشياء ليست من نازل القول، إذ هي من الفصيح في المعنى المبلغ أغراض المتكلم إلى نفس السامع، فليست مما يستحيى منه. وحكى المهدوي أن الاستحياء في هذه الآية راجع إلى الناس، وهذا غير مرضي. وقوله تعالى: {أن يضرب}، {أن} مع الفعل في موضع نصب، كأنها مصدر في موضع المفعول، ومعنى {يضرب مثلاً} يبين ضرباً من الأمثال أي نوعاً، كما تقول: هذا من ضرب هذا، والضريب المثيل. ويحتمل أن يكون مثل ضرب البعث، وضرب الذلة، فيجيء المعنى أن يلزم الحجة بمثل، و {مثلاً} مفعول، فقيل هو الأول، وقيل هو الثاني، قدم وهو في نية التأخير، لأن "ضرب" في هذا المعنى يتعدى إلى مفعولين. واختلفوا في قوله: {ما بعوضة} فقال قوم: {ما} صلة زائدة لا تفيد إلا شيئاً من تأكيد، وقيل ما نكرة في موضع نصب على البدل من قوله {مثلاً}، و {بعوضة} نعت لـ {ما}، فوصفت ما بالجنس المنكر لإبهامها. حكى المهدوي هذا القول عن الفراء والزجاج وثعلب. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وقيل غير هذا مما هو تخليط دعا إليه الظن {أن يضرب} إنما يتعدى إلى مفعول واحد. وقال بعض الكوفيين: نصب {بعوضة} على تقدير إسقاط حرف الجر، والمعنى أن يضرب مثلاً ما من بعوضة. وحكي عن العرب: "له عشرون ما ناقة فجملاً"، وأنكر أبو العباس هذا الوجه. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: والذي يترجح أن {ما} صلة مخصصة كما تقول جئتك في أمر ما فتفيد النكرة تخصيصاً وتقريباً، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: [الخفيف] شعر : سلع ما ومثله عشر ما عائل ما وعالت البيقورا تفسير : وبعوضة على هذا مفعول ثان. وقال قوم: {ما} نكرة، كانه قال شيئاً. والآية في هذا يشبهها قول حسان بن ثابت: [الكامل]. شعر : فكفى بنا فضلاً على من غيرنا حبُّ النبيِّ محمدٍ إيّانا تفسير : قال القاضي أبو محمد: وقد تقدم نظير هذا القول، والشبه بالبيت غير صحيح عندي، والبعوضة فعولة من بعض إذا قطع اللحم، يقال بضع وبعض بمعنى، وعلى هذا حملوا قول الشاعر: [الوافر]. شعر : لنعمَ البيتُ بيتُ أبي دثارٍ إذا ما خاف بعضُ القومِ بَعْضا تفسير : وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج: " بعوضةٌ " بالرفع. قال أبو الفتح: وجه ذلك أن "ما" اسم بمنزلة "الذي"، أي لا يستحيي أن يضرب الذي هو بعوضة مثلاً، فحذف العائد على الموصول، وهو مبتدأ، ومثله قراءة بعضهم: " تماماً على الذي أحسن" أي على الذي هو أحسن. وحكى سيبويه ما أنا بالذي قائل لك شيئاً، أي هو قائل. وقوله تعالى: {فما فوقها} من جعل {ما} الأولى صلة زائدة، فـ "ما" الثانية عطف على بعوضة، ومن جعل {ما} اسماً فــ"ما" الثانية عطف عليها. وقال الكسائي وأبو عبيدة وغيرهما: " المعنى فما فوقها في الصغر". وقال قتادة وابن جريج وغيرهما: "المعنى في الكبر". قال القاضي أبو محمد: والكل محتمل، والضمير في {أنه}، عائد على المثل. واختلف النحويون في {ماذا}: فقيل هي بمنزلة اسم واحد، بمعنى أي شيء أراد الله، وقيل "ما" اسم "وذا" اسم آخر بمعنى الذي، فـ "ما" في موضع رفع بالابتداء، و"ذا" خبره، ومعنى كلامهم هذا الإنكار بلفظ الاستفهام. وقوله: {مثلاً} نصب على التمييز، وقيل على الحال من "ذا" في {بهذا}، والعامل فيه الإشارة والتنبيه. واختلف المتأولون في قوله تعالى: {يضل به كثير ويهدي به كثيراً} فقيل هو من قول الكافرين، أي ما مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى؟ وقيل بل هو خبر من الله تعالى أنه يضل بالمثل الكفار الذين يعمون به، ويهدي به المؤمنين الذين يعلمون أنه الحق. وفي هذا رد على المعتزلة في قولهم: "إن الله لا يخلق الضلال" ولا خلاف أن قوله تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين} من قوله الله تعالى. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون قوله تعالى: {ويهدي به كثيراً} إلى آخر الآية رداً من الله تعالى على قول الكفار {يضل به كثيراً} والفسق الخروج عن الشيء. يقال فسقت الفارة إذا خرجت من جحرها، والرطبة إذا خرجت من قشرها، والفسق في عرف الاستعمال الشرعي الخروج من طاعة الله عز وجل، فقد يقع على من خرج بكفر وعلى من خرج بعصيان، وقراءة جمهور الأمة في هذه الآية: "يُضل" بضم الياء فيهما. وروي عن إبراهيم بن أبي عبلة أنه قرأ " يَضل" بفتح الياء "كثيرٌ" بالرفع "ويهدي به كثير. وما يضل به إلا الفاسقون" بالرفع. قال أبو عمرو الداني: "هذه قراءة القدرية وابن أبي عبله من ثقات الشاميين ومن أهل السنة، ولا تصح هذه القرءة عنه، مع أنها مخالفة خط المصحف". وروي عن ابن مسعود أنه قرأ في الأولى: "يُضل" بضم الياء وفي الثانية "وما يَضل" بفتح الياء "به إلا الفاسقون". قال القاضي أبو محمد: وهذه قراءة متجهة لولا مخالفتها خط المصحف المجمع عليه.

ابن عبد السلام

تفسير : {لا يَسْتَحْىِ} لا يترك، أو لا يخشى، أو لا يمنع، أصل الاستحياء: الانقباض عن الشيء والامتناع منه خوفاً من مواقعة القبيح. {بَعُوضَةً} صغار البق لأنها كبعض بقة كبيرة {فَمَا فَوْقَهَا} ما: صلة، أو بمعنى الذي، أو ما بين بعوضة إلى ما فوقها {فَوْقَهَا} في الكبر، أو في الصغر. نزلت في المنافقين لما ضرب لهم المثل بالمُستوقد والصيب قالوا: الله أعلى أن يضرب هذه الأمثال، أو ضربت مثلاً للدنيا وأهلها فإن البقة تحيا ما جاعت فإذا شبعت ماتت، فكذا أهل الدنيا إذا امتلئوا منها أُخذوا. أو نزلت في أهل الضلالة لما ذكر الله تعالى العنكبوت والذباب قالوا ما بالهما يذكران فنزلت. {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} بالمثل كثيراً {وَيَهْدِى بِهِ كَثِيراً} أو يضل بالتكذيب بالأمثال المضروبة كثيراً، ويهدي بالتصديق بها كثيراً، أو حكاه عمن ضل منهم، ومن اهتدى.

الخازن

تفسير : قوله تعالى: {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها} سبب نزول هذه الآية أن الله تعالى لما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت وذكر النحل والنمل قالت اليهود. ما أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة. وقيل قال المشركون إنا لا نعبد إلهاً يذكر هذه الأشياء وذلك لأن الكفار كانوا متفقين على إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ذلك، فأنزل الله تعالى {إن الله لا يستحي} الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم عليه. وقيل هو انقباض النفس عن القبائح هذا أصله في وصف الإنسان، والله تعالى منزه عن ذلك كله فإذا وصف الله تعالى به يكون معناه الترك، وذلك لأن لكل فعل بداية ونهاية، فبداية الحياء هو التغير الذي يلحق الإنسان من خوف أن يكون معناه الترك، وذلك لأن لكل فعل بداية ونهاية، فبداية الحياء هو التغير الذي يلحق الإنسان من خوف أن ينسب إليه ذلك الفعل القبيح، ونهايته ترك ذلك الفعل القبيح، فإذا ورد وصف الحياء في حق الله تعالى فليس المراد منه بدايته وهو التغير والخوف، بل المراد منه ترك الفعل الذي هو نهاية الحياء وغايته فيكون معنى أن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً أي لا يترك المثل لقول الكفار واليهود "ما" قيل ما صلة فيكون المعنى أن يضرب مثلاً بعوضة، وقيل ليس هي بصلة بل هي للإبهام والنكرة، والبعوض صغار البق وهو من عجيب خلق الله تعالى فإنه في غاية الصغر وله خرطوم مجوف وهو مع صغره يغوص خرطومه في جلد الفيل والجاموس والجمل فيبلغ منه الغاية حتى أن الجمل يموت من قرصه فما فوقها يعني الذباب والعنكبوت وما هو أعظم منهما في الجثة. وقيل معناه فما دونها وأصغر منها، وهذا القول أشبه بالآية لأن الغرض بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الصغير الحقير وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً للدنيا بجناح بعوضة وهو أصغر منها، وقد ضربت العرب المثل بالمحقرات، فقيل: هو أحقر من ذرة وأجمع من نملة وأطيش من ذبابة وألح من ذبابة {فأما الذين آمنوا} يعني بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن {فيعلمون أنه} يعني ضرب المثل {الحق} يعني الصدق {من ربهم} الثابت الذي لا يجوز إنكاره لأن ضرب المثل من الأمور المستحسنة في العقل وعند العرب {وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً} أي بهذا المثل {يضل به كثيراً} أي من الكفار وذلك أنهم يكذبونه فيزدادون به ضلالاً {ويهدي به كثيراً} يعني المؤمنين يصدقونه ويعلمون أنه حق {وما يضل به إلاّ الفاسقين} يعني الكافرين وقيل المنافقين. وقيل اليهود، والفسق الخروج عن طاعة الله وطاعة رسوله ثم وصفهم فقال تعالى: {الذين ينقضون} أي يخالفون ويتركون وأصل النقض الفسخ وفك المركب {عهد الله} أي أمر الله وأصل العهد حفظ الشيء ومراعاته حالاً بعد حال {من بعد ميثاقه} أي من بعد عقده وتوكيده وفي معنى هذا العهد أقوال أحدها أنه الذي أخذه عليهم يوم الميثاق وهو قوله تعالى: {أية : ألستُ بربكم قالوا بلى} تفسير : [الأعراف: 172] الثاني المراد به الذي أخذه على إجبار اليهود في التوراة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويبينوا نعته وصفته الثالث المراد به الكفار والمنافقون الذين نقضوا عهداً أبرمه الله تعالى وأحكمه بما أنزل في كتابه من الآيات الدالة على توحيده {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} يعني الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وجميع الرسل فآمنوا ببعض وكفروا ببعض وهم اليهود. وقيل أراد به قطع الأرحام التي أمر الله بوصلها {ويفسدون في الأرض} يعني بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن {أولئك هم الخاسرون} أي المغبونون. وأصل الخسار النقص ثم قال تعالى لمشركي العرب على وجه التعجب لكن فيه تبكيت وتعنيف لهم.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا...} قال ابن عرفة: الحياء هو (استقباح) فعل الشيء بحالة ما دون نقص فيه، والاستحياء (استقباح) فعله لنقص فيه. قال الزمخشري: فإن قلت: كيف وصف به القديم ولا يجوز عليه التغير والخوف؟ وفي حديث سلمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّ الله كريم حي يستحي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا "؟ تفسير : أجاب أنه على سبيل التمثيل مثل تركه كتغييب العبد من العطاء بترك من يمتنع من رد المحتاج حياء منه. والمعنى هنا لا يترك ضرب المثل بالبعوض ترك من يستحي أن يتمثل بها. قال ابن عرفة: فجعله من باب العدم و(الهلكة)، مثل زيد لا (يبصر) لا من السلب والإيجاب مِثل الحائط لا يبصر. وقال صاحب المثل السائر في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا لم تستح فاصنع ما شئت"تفسير : : إنه يفهم على وجهين: إما إذا لم تفعل فعلا تستحي منه فاصنع ما شئت على سبيل التخبير والإباحة، وإما إذا لم تتصف بالحياء لأجل جرمك وتعديك الحدود الشرعية ولم تبال ما أنت فاعل فاصنع ما شئت على سبيل التهديد والوعيد والإنذار. قال: وفسر "يَضْرِبَ" (في الآية) بوجهين: إما بمعنى يذكر مثلا، وإمّا بمعنى يصوغ كضرب الصائغ الدراهم بمعنى صاغها. قال: وحكمة ضرب المثل بهذا أن لفظ القرآن صحيح فصيح فضرب الله المثل فيه ابتلاء لعباده، فالمحق يأخذ بالقبول، والمبطل يعانده فيه. وهذا جرى على (السّنن) المألوف عند (العرب) الفصحاء في صحيح الأمثال فحق المنصف منهم (أن يقبل المثل) (وعلى) هذا فردهم لذلك فيه ومعاندتهم فيه محض مباهتة، وهي طريقة المغلوب إذا لم يجد ملجأ. قوله تعالى: {فَمَا فَوْقَهَا...} قيل: أي، ما دونها، وقيل: ما هو أعظم منها. وانتقد ابن الصائغ على ابن عصفور حدّه (التنازع) (أن يتقدم اسم ويتأخر عنه عاملان) فصاعدا، وقال: إنّه غير جامع، لا يتناول الأسئلة تكون فيها ثلاثة عوامل، لأن (الفاء) تقتضي الجمع. ومنهم من جعلها بمعنى "أَوْ" فعلى ما قال ابن الصائغ لا يفسّر إلا بمعنى الأول، وهو أن المراد ما دون (البعوضة) فيتم المثل وعلى أنّ (الفاء) بمعنى (أو) (ويصحّ) تفسير الفوقية بالأمرين. قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ...} وقال الزمخشري: "أما" حرف فيه معنى (الشرط) ولذلك/ يجاب بالفاء وفائدته أنه يزيد الكلام تأكيدا. قال: وفي (قولك): أما زيد فذاهب. معناه عند سيبويه مهما يكن من شيء فزيد ذاهب وتفسيره يفيد أمرين: التأكيد والشرطية. (قال ابن عرفة: أراد أنه يفيد ملزومية الشرط للجزاء أي زيد ملازم للذهاب، فكأنه لم يزل ذاهبا) وفائدة دخول الفاء على "أمّا" أنّه لما تقدم (الإخبار) بأن الله تعالى لا يستحي أن يضرب مثلا وكان الإخبار بذلك لا يقتضي وقوع ضرب المثل بل جوازه في حقّه، وأنّه لا يمتنع منه عقّبه ببيان أن ذلك واقع منه لقوله تعالى {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ}. وعبر عن المؤمنين بالفعل تنبيها على أن من اتّصف بمطلق الإيمان يعلم ذلك فأحرى من حصل له الإيمان القوي الكامل ويستفاد من عمومه في المؤمنين أن الاعتقاد الحاصل للمقلد عِلْمٌ (لاَ ظنّ) وهو الصحيح عندهم. قوله تعالى: {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ...} قال ابن عرفة: الحق في القرآن كثيرا كقوله تعالى: {أية : مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تفسير : فمن يفهمه على ظاهره يعتزل لأن مذهب المعتزلة مراعاة الأصلح على قاعدة التحسين والتقبيح، فالصواب أن يقال في تفسير "الحق" هو الأمر الثابت في نفس الأمر الذي دل الدليل الشرعي على ثبوته، أو يقال: (إنما هو) الثابت بدليل شرعي، أو مدلول الكلام القديم الأزلي. قال ابن العربي في شرح الأسماء الحسنى: الحق في اللغة هو الموجودُ ويعم الاعتقاد والقول والعمل ثم قال: والمختار أن الحق ما له فائدة مقصودة، والباطل (ضده) سواء كان (موجودا) أو معدوما قال تعالى: {أية : مَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تفسير : أي لفائدة مقصودة وهي الثواب والعقاب لقوله تعالى: {أية : رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً} تفسير : وقوله تعالى: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً} تفسير : وانظر ما قيدته في الزمر والأحقاف والتغابن وعم. قال أبو حيان: والفاء الداخلة على جواب "أما" فحقها التقديم فيقال: أما زيد فذاهب، لأنه هو الجواب لكنها لو قدمت للزم عليه وجود المعطوف دون المعطوف عليه. وكذا قال الفارسي وأبو البقاء وابن هشام: "أَمَّا" فيها معنى الشرط، والفاء كذلك فكرهوا اجتماع (حرفي) شرط، كما كرهوا اجتماع حرفي تأكيد. قال ابن عرفة: إِنَّمَا امتنع عندي لما فيه من إيهام الإتيان بالجزاء دون الشرط. قوله تعالى: {مِن رَّبِّهِمْ...} لم يقل من الله تنبيها على أنه رحمة منه ونعمة لهم، (لكونه) نصب لهم عليه الأدلة والطرق إلى العلم به. قوله تعالى: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً...} الآية (فيها) حذف التقابل أي فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحَقّ مِنْ رَبِّهِمْ ويقولون ذلك بألسنتهم، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَـذَا (مَثَلا. ويعتقدون ذلك بقلوبهم ولذلك لم يقل في الكافرين: بماذا أراد ربنا بهذا مثلا) ويمكن أن تكون هذه الجملة في موضع الحال من الأولى، وهو أصوب مو كونها استئنافا، لأن (المؤمنين) إذا (اعتقدوا) أنه الحق حالة وجود المخالف والمعاند (لهم) فيه فأحرى أن يعتقدوا صحته مع عدم المخالف. قال ابن عرفة: وسلكوا في هذه العبارة طريق الجدل (عند الجدليين) لأنهم لو قالوا ذلك (أمرنا بالرد) عليهم، فالضرب في رجوعهم بالمباهتة والتبكيت. (وأتوا) في الجواب بلفظ ظاهره الاستفهام ومعناه الإنكار كما يأتي المجادل المغلوب بلفظ (يموه به ويحيد به) عن الجواب. وقوله: {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} قال الزمخشري: فيه وجهان: إما أن (ذا) اسم موصول بمعنى الذي مرفوع على الابتداء أو خبره مع صلته، وإما أن (ماذا) كلمة واحدة كلها وهي في موضع نصب بأن إذا. قال ابن عرفة: وكان ابن الحباب يحكي عن (بعضهم) أنه كان يقول في قوله تعالى {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ أَسَاطِيرُ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : (بالرفع: {أية : وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوْاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً} تفسير : قال: النصب في جهة المؤمنين أرجح، والرفع للكافرين أرجح كما هو في الآية. ووجهه أنه حيده منهم عن الجواب لأن الكافرين لو نصبوا أساطير الأولين لكان المعنى أنزل) أساطير الأولين فيكونوا مقرين بالإنزال (وإذا) رفعوه فيكون المعنى هو أساطير الأولين، وحادوا عن الجواب على مقتضى السؤال والمؤمنون أجابوا على مقتضى السؤال فقالوا: أنزل خيرا فأقروا بالإنزال، وأنه خير في نفسه، فحصلوا المطلوب وزيادة. وكذلك (يجيء الرفع في هذه الآية أرجح في جهة الكافرين)، ويحتمل أن يكون "ماذا أراد الله" في موضع الحال، ويحتمل أن يوقف على "ماذا". قال ابن عرفة: وَ"مَثَلا" إما تمييز أو حال، وإما منصوب على المخالفة كما قال ابن منصور في شرح مقربه لما (عدّ) المنصوبات. قال ابن عطية: ومعنى كلامهم هذا الإنكار بلفظ الاستفهام. وقال الزمخشري في قولهم "مَاذَا" استرذال واستحقار. وقال ابن عرفة: (عادة) ابن المنير ينتقد عليه ذلك لأنه إساءة أدب لا ينبغي أن يفسر القرآن به ولا (يحكي) عن (الكافرين) في الكلام القبيح إلا ما هو نص كلامهم مثل {أية : وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ}. تفسير : قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً...} قال ابن عرفة: هذا لف ونشر لأنه لما تقدم ذكر المثل وذكر (بعده) الفريقين عقبه ببيان أنَّه يضل به قوما، ويهدي به آخرين. واللَّف والنشر قسمان: موافق كقوله تعالى: {أية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ} تفسير : ومخالف كقوله تعالى {أية : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ}. تفسير : قال: وحكمة ذلك في (الجمع) الاهتمام بمقام التخويف والإنذار، فلذلك بدأ بأهل الشقاوة في الآيتين. وقال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: هذه الآية إذا (بنينا) على (القول) الصحيح فإن ارتباط الدليل بالمدلول عادي وهو مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، وقد نصوا على أن الحق لا يستلزم الباطل بوجه، وإنما يستلزم حقا مثله. وجاءت هذه الآية بعد ذكر ضرب المثل الذي جعله الله دليلا للمكلفين على صحة الرسالة، ثم عقبه ببيان أنه دليل (حق ثم قال: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً}، فجعل الدليل الحق مستلزما للضلال فإذا بنينا على أن ارتباط الدليل بالمدلول عادي يكون/ الحق بهذه الآية قد يستلزم الضلال كما قالوا إنه) يستلزم الحق. وغاية ما فيه أن يقال: الغالب (عليه) استلزم الحق وقد يستلزم الباطل. قال ابن عرفة واقتضت الآية أنّ المثل الذي هدى الله به المؤمنين أضل بقية الكافرين، وهو سبب في الشيء ونقيضه، وهذا هو عين مذهب أهل (السنة)، لأن جميع الأشياء كائنة بإرادة الله وقدرته. وأورد الزمخشري سؤالا قال: إن قلت: لم قال: {يضل به كثيرا} وهم قليلون قال تعالى {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} تفسير : وقال: {أية : ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ}؟ تفسير : قال ابن عرفة: السؤال غير وارد لأن الشكور أخص من الشاكر، والشاكر مهدي فلا يلزم من كون الشاكر قليلا أن يكون المهدي قليلا. قال: والآية الأخرى تقتضي نسبة العلة لمن آمن وعمل الصالحات وهو أخص ممن اتصف بمطلق الإيمان ومطلق الاهتداء فلو قدر السؤال بقوله تعالى: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : لكان صحيحا متوجها. قيل لابن عرفة: إنما السؤال غير وارد على مذهبنا، وأما عند الزمخشري وسائر المعتزلة فهو وارد لأن المؤمن عندهم هو الذي عمل الصالحات والعاصي عندهم كافر؟ قال: بل هو غير وارد عندهم لأن من آمن الإيمان الحقيقي الكامل (واخترمته المنية) إثر ذلك ولم يمض عليه زمن عمل (فيه) الصّالحات هو مؤمن باتفاق منا ومنهم. زاد الزمخشري في تمثيل القليل قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة"تفسير : . قال كذلك (قوله) حديث : وجدت الناس أخبر تقله تفسير : أي أخبر أحدهم ببعضه. قال ابن عرفة: وهو تسليم للسؤال. فأجابه عنه الزمخشري: بأنهم كثيرون في أنفسهم. لا سيما فيما قالوا في جمع الكثرة: إنه يتناول مع العشرة فما دون ذلك والقلة (هي) فما دونها قال: أو يراد الكثرة باعتبار الشرف وقد تقرر (عندي) في الترجيح في العدالة إنه إذا تعارضت بينتان وكانت إحداهما أكثر والأخرى أعدل إنّه ترجح التي هي أعدل لشرفها. وإسناد فعل الإضلال إلى الله تعالى حقيقة. وجعله الزمخشري مجازا على قاعدة التحسين والتقبيح عندهم ثم استدل لذلك بحكاية عن مالك بن دينار أنّه دخل على محبوس مقيد بين يديه (دجاج) (وأخبصة) فقال له: هذه وضعت القيود على رجلك. ابن عرفة: وهذا من أنواع الدليل (المسمّى) في علم المنطق بالخطإ، لأنه جعل (استحالة) نسبة الإضلال إلى الله تعالى كاستحالة نسبة وضع القيد في رجل المحبوس إلى الدجاج (وللأخبصة) قال: فكما أطلقه هناك مجازا فكذلك هنا (استحقاقا) لمذهبه (وجريا) على عادته الفاسدة. قوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} تقدم للزمخشري في قوله تعالى: {أية : هُدىً لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : سؤال، قال: المتقي مهتد فكونها هدى له (تحصيل) الحاصل، وأجاب بأن المراد الصائرين (للتقوى) وهو هُدى باعتبار الزيادة في الهداية. وكذا السؤال هنا وجوابه قوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً}.

القمي النيسابوري

تفسير : الوقوف: {فما فوقها} (ط) {من ربهم} (ج) لأن الجملتين وإن اتفقتا فكلمة "أما للتفصيل بين الجمل {مثلاً} (م) لأنه لو وصل صار ما بعده صفة له وليس بصفة إنما هو ابتداء إخبار من الله عز وجل جواباً لهم. {ويهدي به كثيراً} (ط) {الفاسقين} (لا) لأن {الذين} صفتهم {ميثاقه} (ص) لعطف المتفقتين {في الأرض} (ص) {الخاسرون} (ه). التفسير: لما بين كون القرآن معجزاً أورد شبهة أوردها الكفار قدحاً في ذلك وأجاب عنها. عن ابن عباس: لما ضرب الله سبحانه هذين المثلين للمنافقين - يعني قوله {أية : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} تفسير : [البقرة: 17] وقوله {أية : أو كصيب}تفسير : [البقرة: 19] قالوا: الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال، فأنزل الله هذه الآية. وعن الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب للمشركين به المثل، ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله فنزلت. والعجب منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور وأحناش الأرض؟ وهذه أمثال العرب بين أيديهم مسيرة في حواضرهم وبواديهم قد تمثلوا فيها بأحقر الأشياء فقالوا: "أجرأ من الذباب" و "أضعف من بعوضة" و "كلفتني مخ البعوض". ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة كالزوان حب يخالط البر، وكحبة خردل، والمنخل والحصاة والأرضة والدود والزنابير. قال: مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع في قريته حنطة جيدة نقية، فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان بين الحنطة، فلما نبت الزرع واشتد غلب عليه الزوان. فقال عبيد الزارع: يا سيدنا أليس حنطة جيدة نقية زرعت في قريتك؟ فقال: بلى قالوا: فمن أين هذا الزوان؟ قال: لعلكم إن ذهبتم أن تقلعوا الزوان تقلعوا معه حنطة، دعوهما يتربيان جميعاً حتى الحصاد. فأمر الحصادين أن يلتقطوا الزوان من الحنطة وأن يربطوه حزماً ثم يحرق بالنار ويجمعوا الحنطة إلى الجرين، وأفسر لكم، ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيدة وهو أبو البشر، والقرية هي العالم، والحنطة الجيدة النقية هي أبناء الملكوت الذين يعملون بطاعة الله، والعدو الذي زرع الزوان هو إبليس، والزوان المعاصي التي يزرعها إبليس وأصحابه، والحصادون هم الملائكة يتركون الناس حتى تدنو آجالهم فيحصدون أهل الخير إلى ملكوت الله، وأهل الشر إلى الهاوية، وكما أن الزوان يلتقط ويحرق بالنار فكذلك رسل الله وملائكته يلتقطون من ملكوته المتكاسلين وجميع عمال الإثم فيلقونهم في أتون الهاوية فيكون هنالك البكاء وصريف الأسنان، ويكون الأبرار هنالك في ملكوت ربهم، من كانت له أذن تسمع فليسمع. وأضرب لكم مثلاً آخر يشبه ملكوت السماء، رجل آخر أخذ حبة الخردل وهي أصغر الحبوب فزرعها في قرية، فلما نبتت عظمت حتى صارت كأعظم شجرة من البقول، وجاء طير السماء فعشش في فروعها، فكذلك الهدى من دعا إليه ضاعف الله تعالى أجره وعظمه ورفع ذكره ونجا به من اهتدى. وقال: لا تكونوا كالمنخل يخرج منه الطيب ويمسك النخالة، كذلك أنتم تخرج الحكمة من أفواهكم وتبقون الغل في صدوركم، وقال: قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار ولا يلينها الماء ولا ينسفها الرياح. وقال: لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسد، ولا في البرية حيث السموم واللصوص فتحرقها السموم وتسرقها اللصوص، ولكن ادخروا ذخائركم عند الله. وقال: نحفر فنجد دواب عليها لباسها وهناك رزقها وهن لا يغزلن ولا يشخصن، ومنهن ما هو في جوف الحجر الأصم وفي جوف العود، من يأتيهن بلباسهن وأرزاقهن إلا الله أفلا تعقلون؟! وقال: لا تثيروا الزنابير فتلدغكم، كذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم. هذا ونحن نرى أن الإنسان يذكر معنى فلا يلوح كما ينبغي، فإذا ذكر المثال اتضح وانكشف. وذلك أن من طبع الخيال حب المحاكاة، فإذا ذكر المعنى وحده أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال، وإذا ذكر التشبيه معه أدركه العقل مع معاونة الخيال، ولا شك أن الثاني يكون أكمل، وإذا كان التمثيل يفيد زيادة البيان والوضوح وجب ذكره في الكتاب الذي أنزل تبياناً لكل شيء. ثم إن الله تعالى هو الذي خلق الكبير والصغير، وحكمته في كل ما خلق وبرأ عامة بالغة، وليس الصغير أخف عليه من الكبير، ولا الكبير أصعب عليه من الصغير. فالمعتبر إذن ما يليق بالقصة، فإذا كان اللائق بها الذباب والعنكبوت لخسة مضرب المثل ووهنه، فكيف يضرب بالفيل وبشيء مستحكم النسج والصفاقة؟ وهذا مما لا يخفى على من به أدنى مسكة، ولكن ديدن المحجوج المبهوت دفع الواضح وإنكار المستقيم، شعر : وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم تفسير : والحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب به، ويذم واشتقاقه من الحياة، يقال: حيي الرجل كما يقال نسي وحشي إذا اشتكى النسا والحشا، وكأن الحيي صار منتقص القوة منتكس الحياة وقد عرفت في الأسماء الحسنى، أن أمثال هذه الصفات إنما يجوز أن تطلق على الله تعالى بعد الإذن الشرعي باعتبار النهايات لا باعتبار المبادئ. فحديث سلمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع إليه العبد يديه أن يردهما صفراً حتى يضع فيهما خيراً"تفسير : إنما جاء على سبيل التمثيل لأنه مثل تركه تخييب العبد بترك من يترك رد المحتاج إليه حياء منه. ومعنى قوله {إن الله لا يستحيي} أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يمثل بها لحقارتها. ويجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة فقالوا: أما يستحيي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت؟ فجاءت على سبيل المقابلة والطباق، وهو فن بديع قال أبو تمام: شعر : من مبلغ أفناء يعرب كلها أني بنيت الجار قبل المنزل تفسير : فلولا بناء الدار لم يصح بناء الجار، وقد استعير الحياء فيما لا يصح فيه: شعر : إذا ما استحين الماء يعرض نفسه كرعن بسبت في إناء من الورد تفسير : فيصف كثرة مياه الأمطار في طريقه، وأنه أينما ذهب رأى الماء وكأنه يعرض نفسه على النوق فتستحيي فتكرع فيه مشافر كأنها السبت وهو الجلد المدبوغ بالقرظ، وشبه الأرض وفيها الماء وحواليه الأزهار بإناء من الورد. وفيه لغتان: استحييت منه واستحييته وهما محتملتان ههنا. وضرب المثل اعتماده وصنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم، وفي الحديث: ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتماً من ذهب. و "ما" هذه إبهامية، إذا اقترنت باسم نكرة زادته شياعاً وعموماً كقولك "أعطني كتاباً ما" تريد أي كتاب كان، أو صلة للتأكيد كالتي في قوله {أية : فبما نقضهم}تفسير : [النساء: 155] أي مثلاً حقاً أو ألبتة. وانتصب {بعوضة} بأنها عطف بيان و {مثلاً} وذلك أن ما يضرب به المثل قد يسمى مثلاً كما يقال: حاتم مثل في الجود. أو مفعول لـ {يضرب} و {مثلاً} حال عن النكرة مقدمة عليها، أو انتصبا مفعولين فجرى "ضرب" مجرى "جعل". والبعوض في أصله صفة على فعول من البعض القطع فغلبت، ومنه بعض الشيء لأنه قطعة منه وفي معناه البضع والعضب. ومن غرائب خلقه أنه مع صغره أعطي كل ما أعطي الفيل مع كبره، ففيه إشارة إلى أن خلق أحدهما ليس أصعب من خلق الآخر، وإشارة إلى حالة الإنسان وكمال استعداده كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق آدم على صورته"تفسير : أي على صفته فأعطاه على ضعفه من كل صفة من صفات جماله وجلاله أنموذجاً ليشاهد في مرآة نفسه جمال صفات ربه. ومن العجائب أن خرطومه في غاية الصغر، ومع ذلك مجوف. ومع فرط صغره وكونه مجوفاً يغوص في جلد الجاموس والفيل على ثخانته كما يضرب الرجل أصبعه في الخبيص، وذلك لما ركب الله تعالى في رأس خرطومه من السم. وقوله {فما فوقها} أي فالذي هو أعظم منها في الجثة كالذباب والعنكبوت والحمار والكلب، فإن القوم أنكروا تمثيل الله بكل هذه الأشياء، أو أراد فما فوقها في الصغر كجناح البعوضة حيث ضربه صلى الله عليه وسلم مثلاً للدنيا، وهذا أولى لأن الآية نزلت في بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير، فيجب أن يكون المذكور ثانياً أحقر من الأول. والفاء ههنا تفيد الترتيب في الذكر لأنه يذكر في هذا المقام الأخس فالأخس كقوله: شعر : "يا دار مية بالعلياء فالسند" تفسير : لأنه يذكر في تعريف الأمكنة الأخص بعد الأعم، فكأن العلياء موضع وسيع يشتمل على مواضيع منها السند. {وأما} حرف فيه معنى الشرط ولذلك يجاب بالفاء، وفائدته التوكيد. تقول: زيد ذاهب. فإذا قصدت التوكيد وأن الذهاب منه عزيمة قلت: أما زيد فذاهب ولذلك قال سيبويه في تفسيره. "مهما يكن من شيء فزيد ذاهب" وليس مراده من هذا التفسير أن "أما" بمعنى "مهما" "كيف" - وهذه حرف ومهما اسم - بل قصده إلى المعنى البحث أي أن يكن في الدنيا شيء يوجد ذهاب زيد فهذا، جزم بوقوع ذهابه لأنك جعلت حصول ذهابه لازماً لحصول أي شيء في الدنيا، وما دامت الدنيا باقية فلا بد من حصول شيء فيها. ففي إيراد الجملتين مصدرتين به وإن لم يقل فالذين آمنوا يعلمون والذين كفروا يقولون إحماد عظيم لأمر المؤمنين واعتداد بعلمهم أنه الحق، ونعي على الكافرين ورميهم بالكلمة الحمقاء. والحق الثابت الذي لا يسوغ إنكاره وحق الأمر ثبت ووجب. والضمير في {أنه الحق} للمثل، أو لـ {أن يضرب} و {ماذا} فيه وجهان: أن يكون "ذا" اسماً موصولاً بمعنى الذي، فيكون كلمتين: "ما" مبتدأ وخبره "ذا" مع صلته، وأن تكون "ذا" مركبة مع "ما" مجعولتين اسماً واحداً، فيكون منصوب المحل في حكم "ما" وحده لو قلت: ما أراد الله، وجوابه على الأول مرفوع وعلى الثاني منصوب. وقد يجيء على العكس كما تقول في جواب من قال: ما رأيت خير "أي المرئي خير". وفي جواب: ما الذي رأيت خيراً "أي رأيت خيراً". والإرادة نقيض الكراهة، قال الإمام الرازي: الإرادة ماهية يجدها العاقل من نفسه ويدرك التفرقة البديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذته. والمتكلمون أنها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر، لا في الوقوع بل في الإيقاع. واحترز بهذا القيد الأخير عن القدرة. واختلفوا في كونه تعالى مريداً مع اتفاق المسلمين على إطلاق هذا اللفظ على الله تعالى. فزعم النجار أنه معنى سلبي ومعناه أنه غير ساهٍ ولا مكره. ومنهم من قال: إنه أمر ثبوتي. ثم اختلفوا فالجاحظ والكعبي وأبو الحسين البصري: معناه علمه تعالى باشتمال الفعل على المصلحة أو المفسدة، ويسمون هذا العلم بالداعي أو الصارف. والأشاعرة وأبو علي وأبو هاشم وأتباعهم: أنه صفة زائدة على العلم. ثم القسمة في تلك الصفة أنها إما أن تكون ذاتية وهو القول الآخر للنجار، وإما أن تكون معنوية، وذلك المعنى إما أن يكون قديماً وهو قول الأشعري، أو محدثاً وذلك المحدث إما أن يكون قائماً بالله تعالى وهو قول الكرّامية، أو قائماً بجسمٍ آخر ولم يقل به أحد، أو موجوداً لا في محل وهو قول أبي علي وأبي هاشم وأتباعهما. وفي قوله {ماذا أراد الله بهذا مثلاً} استرذال واستحقار كما قالت عائشة في عبد الله بن عمرو بن العاص حين أفتى بنقض ذوائب النساء في الاغتسال "يا عجباً لابن عمرو هذا" محقرة له. و {مثلاً} نصب على التمييز كقولك لمن أجاب بجواب غث "ماذا أردت بهذا جواباً" ولمن حمل سلاحاً رديئاً "كيف تنتفع بهذا سلاحاً" أو على الحال نحو {أية : هذه ناقة الله لكم آية} تفسير : [هود: 64] وقوله {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} جارٍ مجرى التفسير والبيان للجملتين المصدرتين بـ {أما} وأهل الهدى كثير في أنفسهم وحيث يوصفون بالقلة {أية : وقليل من عبادي الشكور} تفسير : [سبأ: 13] {أية : وقليل ما هم} تفسير : [ص: 64] إنما يوصفون به بالقياس إلى أهل الضلال. وأيضاً فإن المهديين كثير في الحقيقة وإن قلوا في الصورة. شعر : إن الكرام كثير في البلاد وإن قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا تفسير : وإسناد الإضلال إلى الله تعالى إسناد الفعل إلى السبب البعيد، لأنه لما ضرب المثل ازداد به المؤمنون نوراً إلى نورهم فتسبب لهديهم، وازدادت الكفرة رجساً إلى رجسهم فتسبب لضلالهم عن الحق. والفسق الخروج عن القصد قال رؤبة: شعر : فواسقاً عن قصدها جوائر يذهبن في نجد وغوراً غائراً تفسير : والفاسق في الشريعة الخارج عن أمر الله بارتكاب الكبيرة، وهو عند أهل السنة من أهل الإيمان إلا أنه عاصٍ، وعند الخوارج كافر، وعند المعتزلة نازل بين المنزلتين، لأن حكمه حكم المؤمن في أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين، وهو كالكافر في الذم واللعن والبراءة منه واعتقاد عداوته وأن لا تقبل له شهادة. ومذهب مالك بن أنس والزيدية أن الصلاة لا تجزئ خلفه. ويقال للخلفاء المردة من الكفار الفسقة، وقد جاء الاستعمالان في كتاب الله تعالى {أية : بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} تفسير : [الحجرات: 11] يعني اللمز والتنابز {أية : إن المنافقين هم الفاسقون}تفسير : [التوبة: 67] والنقض: الفسخ وفك التركيب. وإنما ساغ استعمال النقض في إبطال العهد من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين، وهذا كقولك "عالم يغترف منه الناس" فتنبه بالاغتراف من العالم بأنه بحر، وتسكت عن المستعار لأنك رمزت إليه بذكر شيء من لوازمه. والعهد: الموثق. عهد إليه في كذا إذا أوصاه به ووثقه عليه. والمراد بالناقضين إما كل من ضل وكفر لأنهم نقضوا عهداً أبرمه الله بإراءة آياته في الآفاق وفي أنفسهم وبما ركز في عقولهم من إقامة البينة على الصانع وعلى توحيده وعلى حقية شريعته بعد إزاحة العلات وإزالة الشبهات، وإما قوم من أهل الكتاب وقد أخذ عليهم العهد والميثاق في الكتب المنزلة على أنبيائهم بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم وبيّن لهم أمره وأمر أمته فنقضوا ذلك وأعرضوا عنه وجحدوا نبوته. وقيل: عهد الله إلى خلقه ثلاثة عهود: العهد الذي أخذه على جميع ذرية آدم {أية : وإذ أخذ ربك}تفسير : [الأعراف: 172] الآية. وعهد خص به النبيين أن يبلغو الرسالة ويقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه {أية : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم}تفسير : [الأحزاب: 7] وعهد خص به العلماء {أية : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} تفسير : [آل عمران: 187] والضمير في {ميثاقه} للعهد. والميثاق إما مصدر بمعنى التوثقة كالميعاد والميلاد بمعنى الوعد والولادة، أو اسم لما وثقوا به عهد الله من قبوله وإلزامه أنفسهم، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله اي من بعد توثقته عليهم، أو من بعد ما وثق الله تعالى به عهده من آياته وكتبه ورسله. ومعنى قطعهم ما أمر الله به أن يوصل، إما قطعهم ما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرابة والرحم، أو قطعهم موالاة المؤمنين إلى موالاة الكافرين، أو قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض. والأمر طلب الفعل ممن هو دونك وبعثه عليه وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور، لأن الداعي الذي يدعو إليه من يتولاه شبه بآمر يأمره به، فقيل له: أمر تسمية للمفعول به بالمصدر كأنه مأمور به. وللأمر حرف واحد وهو اللام الجازم نحو "ليفعل" وصيغ مخصوصة للمخاطب نحو "انزل" و "نزال" و "صه". وقد يستعمل في الدعاء والالتماس بمعونة القرينة وظاهره للوجوب، وغيره من الندب أو الإباحة يتوقف على القرينة. وقوله {أن يوصل} بدل الاشتمال من الضمير المجرور، والجار الذي ينبغي أن يعاد مقدر تقديره بأن يوصل أي بوصله. والإفساد في الأرض إما إظهار المعاصي، وإما التنازع وإثارة الفتن. {أولئك هم الخاسرون} لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والإفساد بالإصلاح، وعقاب هذه الأمور بثوابها {أية : إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات} تفسير : [العصر: 2 - 3] الآية.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالَىٰ: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}: لما كان الجليلُ القدْرِ في الشاهد لا يمنعه من الخَوْضِ في نازل القوْلِ إِلا الحَيَاء من ذلكَ، رَدَّ اللَّه بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا}؛ على القائلين كيف يضرب اللَّه مثلاً بالذُّبَابِ ونحوه. واختلف في قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا}، هل هو من قول الكافرين أو خبرٌ من اللَّه تعالَىٰ؟ ولا خلاف أن قوله تعالَىٰ: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ} من قول اللَّه تعالَىٰ، والفسْقُ: الخروجُ عن الشيء، يقال: فَسَقَتِ الفَأْرَةُ، إِذا خرجَتْ من جحرها، والرُّطَبَةُ، إِذا خرجَتْ من قِشْرها، والفِسْقُ في عرف استعمال الشرْعِ: الخروجُ من طاعة اللَّه عزَّ وجلَّ بكُفْر أو عصيان. قوله تعالَىٰ: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ}: النَّقْضُ: ردُّ ما أبرم على أوله غير مبرمٍ، والعهدُ: في هذه الآية: التقدُّم في الشيء، والوَصَاةُ به، وظاهرٌ مما قبل وبعد أنه في جميع الكُفَّار. * ع *: وكل عهد جائزٌ بيْنَ المسلمين، فنقضه لا يحلُّ بهذه الآية، والخاسر الذي نَقَصَ نفسه حظَّها من الفلاحِ والفوزِ، والخسرانُ النقْصُ، كان في ميزانٍ أو غيره. قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ}: هو تقريرٌ وتوبيخٌ، أي: كيف تَكْفُرون، ونعمه عليكم وقدرته هذه، والواو في قوله: {وَكُنتُمْ} واو الحال. واختلف في قوله تعالَىٰ: {وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا...} الآية. فقال ابن عبَّاس، وابن مسعود، ومجاهد: المعنى: كنتم أمواتاً معدومِينَ قبل أن تخلقوا دارسين؛ كما يقال للشيء الدَّارِسِ: ميِّت، ثم خلقكم وأخرجكم إِلى الدنيا، فأحياكم، ثم يميتكم الموتَ المعهُودَ، ثم (يحييكم) للبَعْثِ يوم القيامة، وهذا التأويل هو أولَىٰ ما قيل؛ لأنه هو الذي لا محيد للكفار عن الإِقرار به، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائد على اللَّه تعالى، أي: إلى ثوابه أو عقابه، و {خَلَقَ}: معناه: اخترع، وأوجد بعد العدمِ، و {لَكُمْ}: معناه: لِلاِعتبار؛ ويَدُلُّ عليه ما قبله وما بعده من نَصْب العِبَرِ: الإِحياء والإِماتة والاستواء إلى السماء وتسويتِها. وقوله تعالَىٰ: {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاءِ}: «ثُمَّ» هنا: لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر في نفسه، و {ٱسْتَوَىٰ}: قال قومٌ: معناه: علا دون كَيْفٍ، ولا تحديدٍ، هذا اختيار الطبريِّ، والتقديرُ: علا أمره وقدرته وسلطانه، وقال ابن كَيْسَان: معناه: قصد إلى السماء. * ع*: أي: بخلقه، واختراعه، والقاعدةُ في هذه الآية ونحوها منع النّقْلَة وحلولِ الحوادثِ، ويبقى استواءُ القدرةِ والسلطان. و {سَوَّاهُنَّ}: قيل: جعلهن سواءً، وقيل: سوَّىٰ سطوحَهُنَّ بالإملاس، وقال الثعلبيُّ: {فَسَوَّاهُنَّ}، أي: خلقهن. انتهى. وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خُلِقَ قبل السماء، وذلك صحيحٌ، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات هذه والتي في سورة «المُؤْمِنِ»، وفي «النازعات».

ابن عادل

تفسير : اعلم أنَّه - تعالى - لَمَّا بَيَّنَ كون القرآن مُعْجزاً، أورد الكُفَّار هنا شبهةً قدحاً في ذلك، وهي أنَّهُ جاء في القرآن ذِكْرُ النَّحلِ، والعنكبوت، والنَّملِ، وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفُصَحَاء، فاشتمالُ القرآن عليها يقدحُ في فصاحته، فَضْلاً عن كونه مُعْجزاً، وأجاب الله - تعالى - عنه بأنَّ صِغَر هذه الأَشْيَاء لا يقدح في فصاحةٍ، إذا كان ذكرها مشتملاً على حكم بالغة، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تَعَلُّق هذه الآية بما قبلها. روي عن ابن عبّاس - رضي اللهُ تعالى عنه - أنَّه لما قال: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} تفسير : [الحج: 73] فطعن في أصنامهم، ثُمَّ شَبَّه عبادتها ببيت العَنْكَبُوت. قالت اليهود: أي قدر للذُّبَاب والعنكبوت حتَّى يَضْربَ اللهُ المَثَلَ بهما؟! فنزلت هذه الآية. وقيل: إنَّ المُنَافقين طَعَنوا في ضرب الأمثالِ بالنَّار، والظلمات، والرَّعد، والبَرْق في قوله: {أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} تفسير : [البقرة: 17] وقوله: {أية : أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [البقرة: 19] قالوا: اللهُ أَجَلُّ وأعلى من أن يضرِبَ الأمثالَ، فأنزل اللهُ هذه الآية، وهذه رواية أبي صالح عن ابن عبّاس. وروى عطاء عن ابن عبّاس أيضاً أنَّ هذا الطعن كان من المشركين. فقال القَفَّالُ رحمه الله: الكُلُّ محتملٌ هاهنا. أمَّا اليهود، فلأنه قيل في آخر الآية: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} وهذا صفة اليهود؛ لأنَّ الخطاب بالوفاءِ بالعهدِ إنَّمَا هو لبني إسرائيل، وأمَّّا الكفَّارُ والمنافقون فقد ذكروا في سورة "المدثر": {أية : وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً } تفسير : [المدثر: 31]، فالذين في قلوبهم مرض هم الكافرون المُنَافقون، والذين كفروا يحتمل المشركين، لأنَّ السورة مَكِّيَةٌ، فقد جُمِعَ الفريقان هاهنا. إذا ثبت هذا، فنقول: احتمال الكُلِّ هاهنا قائمٌ؛ لأنَّ الكافرين والمُنافقين واليهود كانوا مُتَوَافقين في إيذاء الرَّسول، وقد مضى من أوّلِ السُّورةِ إلى هذا الموضع ذكر المنافقين، واليهود، والمشركين، وكُلُّهم من الَّذين كفروا. ثُمَّ قال القَفَّالُ: "وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداءً من غير سبب؛ لأنَّ معناه مفيدٌ في نفسه". فَصْلٌ في معنى الحياء واشتقاقه الحياء: تَغَيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسانَ من خوفِ ما يُعَابُ بِهِ ويُذَم، واشتقاقه من الحياة، ومعناه على ما قال الزمخشري: نقصت حياته، واعتلت مجازاً، كما يُقَالُ: نَسِيَ وخَشِيَ، وشظي القوسُ: إذَا اعتلت هذه الأعضاء، جُعِلَ الحييُّ لما يعتريه من الانكسار، والتَّغَيُّرِ منتكس القوة منتقص الحياة كما قالوا: فلان هلك من كذا حياءً، ومات حياءً، وذاب حياءً، يعني بقوله: "نَسِيَ وخَشِيَ وشظي" أي: أصيبَ نَسَاهُ، وهو "عرق" وحَشَاه، وهو ما احتوى عليه البَطْنُ، وشظاهُ وهو عَظْم في الوَرِك، واستعماله هُنَا في حَقِّ الله - تعالى - مَجَازٌ عن التَّرْكِ. وقيل: مجاز عن الخِشْيَةِ؛ لأنَّها أيْضاً من ثمراته، وَرَجَّحَهُ الطَّبريُّ، وجعله الزمخشريُّ من باب المُقَابلةِ، يعني أنَّ الكُفَّارَ لَمَّا قالوا: أَمَا يَسْتَحي رَبُّ محمد أن يضرب المثَلَ بالمُحَقّرات، "قُوبِلَ" قولهم ذلك بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً}؛ [ونظيره قول] أبي تمَّام: [الكامل] شعر : 322- مَنْ مُبْلِغٌ أَفْنَاءَ يَعْرُبَ كُلَّهَا أَنِّي بَنَيْتُ الجَارَ قَبْلَ المَنْزِلِ تفسير : لو لم يذكر بناء الدَّارِ لم يصحّ بناء الجار. وقيل: معنى لا يستحيي، لا يمتنع، وأصْلُ الاستحياء الانقباضُ عن الشَّيء، والامتناعُ منه؛ خوفاً من مُوَاقعة القبيح، وهذا محالٌ على الله تعالى، وفي "صحيح مسلم" عن أم سلمة قالت: "جاءت أم سليم إلى النِّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسولَ الله إنَّ اللهَ لا يَسْتَحي من الحَقِّ" المعنى لا يأمر بالحَيَاءِ فيه، ولا يمتنع من ذكره. قال ابن الخطيب: "القانون في أمثال هذه الأشياء، أنَّ كُلَّ صفةٍ ثبتت للعبدِ مما يختص بالأجسام، فإذا وصف الله بذلك، فذلك محمولٌ على نهايات الأعراض، لا على بدايات الأعراض، مثاله: أن الحياء حالةٌ تَحْصُلُ للإنسان، ولكن لها مبدأ ومنتهى، أمَّا المبدأ فهو التغيُّر الجسماني الذي يلحق الإنسان من خوف أن يُنْسبَ إليه القبيح، وأمَّا النهاية فهو أن يترك الإنسان ذلك الفعل، فإذا ورد الحياءُ في حقِّ الله تعالى، فليس المراد منه ذلك الخوف الذي هو مبدأ الحياء ومقدمته، بل تركُ الفعلِ الذي هو منتهاه وغايته، وكذلك الغضبُ [له مقدّمةٌ] وهو غليان دم القَلْبِ وشهوة الانتقام وله غاية، وهي إنزال العقاب بالمغضوب عليه، فإذا وصفنا الله - تعالى - بالغَضَبِ، فليس المراد ذلك المبدأ، يعني شهوة الانتقام، وغليان دم القَلْبِ، بل المرادُ تلك النّهاية، وهي إنزال العقاب، فهذا هو القانون الكُلِّ في هذا الباب". فَصْلٌ في تنزيه الخالق سبحانه قال القاضي: ما لا يجوز على الله - تعالى - من هذا الجنس إثباتاً، فيجب أَلاَّ يطلق على طريقة النفي عليه، وإنَّما يقال: إنَّهُ - تعالى - من هذا الجنس إثباتاً، فيجب أَلاَّ يطلق على طريقة النفي عليه، وإنَّما يقال: إنَّهُ - تعالى - لا يوصفُ به، فأمَّا أن يقال: "لا يستحي" ويطلقُ عليه فمحالٌ؛ لأنَّهُ يوهم نفي ما يجوز عليه، وما ذكره الله - تعالى - في كتابه من قوله: {أية : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ } تفسير : [البقرة: 255]، {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} تفسير : [الإخلاص: 3] فهو بصورة النفي، وليس بنفي على الحقيقة، وكذلك قوله تعالى: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ} تفسير : [المؤمنون: 91]، وكذلك قوله تعالى: {أية : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} تفسير : [الأنعام: 14] وليس كل ما ورد في القرآن إطلاقه جائز أن يُطْلقَ في المخاطبة، فلا يجوز أن يطلق ذلك إلاَّ مع بيان أنَّ ذلك مُحَالٌ. ولقائلٍ أن يقولَ: لاَ شَكَّ أنَّ هذه الصِّفَات منتفيةٌ عن الله تعالى، فكان الإخبار عن انتفائها يدلُّ على صحّتها عليه. فنقول: هذه الدلالة ممنوعة، وذلك أن تخصيص هذا النفي بالذكر، لا يَدُلُّ على ثبوته لغيره، لو قرنَ اللَّفظ بما يَدُلُّ على انتفاء الصِّحّة كان ذلك أحسن، من حيث إنه يكون مبالغة في البيان، وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون ذلك قبيحاً. فَصْلٌ في إعراب الآية قوله: "لا يستَحْيي" جملة في محلِّ الرفع خبراً لـ "أن"، واستفعل هنا للإغناء عن الثُّلاثي المجرّد. وقال الزمخشري: "إنَّهُ مُوَافق له أي: قد ورد "حَيي"، و "استَحْيى" بمعنى واحد، والمشهور: اسْتَحْيَى يَسْتَحْيي فهو مستحيٍ ومُسْتَحْيًى منه من غير حَذْف". قال القرطبي: "ويستحيي" أصله يَسْتَحْييُ عينه ولامه حرفا علة أعلّت "اللام" منه بأن استثقلت الضمةُ على "الياء" فسكنت، والجمعُ مستحيون ومستحيين، وقد جاء استحى يستحي فهو مستح مثل: اسْتَقَى يَسْتَقِي. وقرأ به ابن محيصن. ويروى عن ابن كثير، وهي لغة "تميم" و "بكر بن وائل"، نقلت فيها حركة الياء الأولى إلى "الحاء" فسكنت، ثم استثقلت الضَّمة على الثانية، فسكنت، فحذف إحداهما للالتقاء، والجمعُ مستحون ومستحين، قاله الجوهري. ونقل بعضهم أن المحذوف هنا مختلفٌ فيه؛ فقيل: عينُ الكلمة، فوزنُه يَسْتَفِل. وقيل: لامُه، فوزنه يَسْتَفِع، ثُمَّ نُقِلت حركةُ اللاَّم على القول الأوّل، وحركةُ العَيْن على القول الثاني إلى الفاء، وهي الحاء؛ ومن الحذف قولُه: [الطويل] شعر : 323- ألا تَسْتَحِي مِنَّا المُلُوكُ وَتَتَّقِي مَحَارِمَنا لاَ يَبُؤِ الدَّمُ بِالدَّمِ تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 324- إذا ما اسْتَحَيْنَ المَاءَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ كَرَعْنَ بِسبْتٍ في إِنَاءٍ مِنَ الوَرْدِ تفسير : و "استحيي" يتعدَّى تارة بنفسه، وتارة بحرف جرٍّ تقول: استحييتُه وعليه: إذا ما استحين الماء.. واستحييت منه؛ وعليه: أَلاّ تستحي مِنَّا الملوك.. فيحتمل أن يكون قد تعدَّى في هذه الآية إلى أن يضرب بنفسه، فيكون في محل نصب قولاً واحداً، ويحتمل أن يكون تَعَدَّى إليه بحرف الجر المحذوف، وحينئذٍ يجري الخلافُ المتقدّم في قوله: "أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ". و "يَضْرِب" معناه: يُبَيِّن فيتعدَّى لواحدٍ. وقيل: معناه التصييرُ، فيتعدَّى لاثنين نحو: "ضَرَبْتُ الطِّينَ لَبِناً". وقال بعضهم: "لا يتعدَّى لاثنين إلاَّ مع المثل خاصة"، فعلى القول الأوّلِ يكونُ "مَثَلاً" مفعولاً و "ما" زائدة. وقال أبو مسلم الأصفهاني: "معاذ الله أنْ يكون في القرآن زيادة". وقال ابن الخطيب: والأصح قول أبي مُسْلِمٍ؛ لأن الله - تعالى - وصف القرآن بكونه: هدى وبَيَاناً، وكونه لَغْواً ينافي ذلك، فعلى هذا يكون "ما" صفة للنكرة قبلها، لتزداد النكرة اتساعاً. ونظيره قولهم: "لأَمْرٍ مَّا جَدَعَ قَصيرٌ أَنْفَهُ" وقولُ امرىء القيس: [المديد] شعر : 325- وَحَدِيثُ الرَّكبِ يَوْمَ هُنَا وَحَدِيثٌ مَّا عَلَى قِصَرِهْ تفسير : وقال أبو البَقَاءِ: وقيل: "ما" نَكِرَةٌ موصوفةٌ، ولم يجعل بعوضة صفتها، بل جعلها بدلاً منها، وفيه نظرٌ؛ إذ يحتاج أن يُقدِّر صفةً محذوفة ولا ضرورة إلى ذلك، فكان الأولى أن يجعل بعوضةً صفتها بمعنى أنَّهُ وصفها بالجنس المُنكَّرِ لإبهامِه، فهي في معنى "قليل"، وإليه ذهب الفرّاء والزَّجَّاجُ وثَعْلَبٌ، وتكون "ما" وصفتها حينئذٍ بدلاً من "مَثَلاً" و "بعوضة" بدلاً من "ما"، أو عطف بيان لها، إن قيل: "ما" صفة لـ "مثلاً"، أو نعتٌ لـ "ما" إن قيل: إنَّها بدلٌ من "مثلاً" كما تقدَّم في قول الفَرَّاء، وبدلٌ من "مثلاً" أو عطف بيان له إن قيل: إن "ما" زائدة. وقيل: "بعوضة" هو المفعول، و "مثلاً" نُصِبَ على الحالِ قُدِّمَ على النكرةِ. وقيل: نُصِبَ على إسقاط الخافض، التقدير: ما بين بعوضةٍ، فلمَّا حُذِفَتْ "بين" أعربت "بعوضة" بإعرابها، وتكون الفاء في قوله: "فما فوقها" بمعنى إلى، أي: إلى ما فوقها، ويعزى هذا للكسائي والفرّاء وغيرهم من الكوفيين؛ وأنشدوا: [البسيط] شعر : 326- يَا أَحْسَنَ النَّاسِ مَا قَرْناً إلَى قَدَمٍ وَلاَ حِبَالَ مُحِبٍّ وَاصِلٍ تَصِلُ تفسير : أي: ما بين قَرْنٍ. وحَكَوْا: "له عشرون ما ناقةً فَجَمَلاً"، وعلى القول الثَّاني يكونُ "مثلاً" مفعولاً أوَّلَ، و "ما" تحتمل الوجهين المتقدمين، و "بعوضةً" مفعولٌ ثانٍ. وقيل: بعوضةً هي المفعولُ الأولُ، و "مَثَلاً" هو الثَّاني، ولَكِنَّهُ قُدِّم. وتلخَّص مما تقدَّم أنَّ في "ما" ثلاثة أوجه: زائدة، صفة لما قبلَها، نكِرةٌ موصوفةٌ، وأنَّ في "مثلاً" ثلاثة أيضاً: مفعول أوّل، أو مفعول ثان، أو حالٌ مقدّمة، وأنَّ في "بعوضة" تسعة أوجه، والصوابُ من ذلك كُلِّه أن يكون "ضَرَبَ" متعدِّياً لواحدٍ بمعنى بَيَّنَ، و "مثلاً" مفعولٌ به، بدليل قوله: "ضُرِبَ مَثَلٌ"، و "ما" صفةٌ للنَّكِرة، و "بعوضةً" بدلٌ لا عطف بيان، لأن عطف البيان ممنوع عند جمهور البصريين في النكرات. وقرأ إبراهيم بن أبي عَبْلَةَ والضَّحَّاكُ ورؤبة بن العجاج برفع "بعوضةٌ" واتفقوا على أنَّها خبرٌ لمبتدأ، ولكنهم اختلفوا في ذلك المبتدأ، فقيل: هو "ما" على أنَّها استفهاميةٌ أي: أيُّ شيء بعوضةٌ، وإليه ذهب الزمخشري ورَجَّحَهُ. وقيل: المبتدأ مضمرٌ تقديرُه: هو بعوضةٌ، وفي ذلك وجهان: أحدهما: أن تُجْعَلَ هذه الجملة صلة لـ "ما" لكونها بمعنى الذي، ولكنَّهُ حذف العائد، وإن لم تَطُل الصِّلةُ، وهذا لا يجوز عند البصريين إلاَّ في "أيّ" خاصّة لطولها بالإضافة، وأمَّا غيرُها فشاذٌّ، أو ضرورة كقراءة: {تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنُ} [الأنعام: 154] وقوله: [البسيط] شعر : 327- مَنْ يُعَنْ يِالحَقِّ لاَ يَنْطِقْ بِمَا سَفَهٌ وَلاَ يَحِدْ عَنْ سَبِيلِ الحَمْدِ وَالكَرَمِ تفسير : أي: الذي هو أحسنُ، وبما هو سَفَهٌ، وتكونُ "ما" على هذا بدلاً من "مثلاً" كأنَّهُ قيل: مثلاً الذي هو بعوضةٌ. قال النَّحَّاسُ: "والحذفُ في "ما" أقبحُ منه في "الذي" لأن "الذي" إنّما له وجه واحد، والاسم معه أطول". والثاني: أن تُجْعَلَ "ما" زائدة، أو صفةً، وتكون "هو بعوضةٌ" جملة كالمفسِّرة لما انطوى عليه الكلامُ. ويقال: إنَّ معنى: "ضربتُ له مثلاً" مَثَّلْتُ له مَثَلاً، وهذه الأبنية على ضربٍ واحدٍ، وعلى مثال [واحد] ونوعٍ واحد. والضربُ: النوعُ، والبعوضةُُ: واحِدةُ البعوض، وهو معروف، وهو في الأَصْلِ وَصْفٌ على فَعُول كالقَطُوع، مأخوذ من البَعْض، وهو القَطْع، وكذلك البَضْع والعَضْب؛ قال: [الوافر] شعر : 328- لَنِعْمَ البَيْتُ بَيْتُ أَبِي دِثَارٍ إِذَا مَا خَافَ بَعْضُ القَوْمِ بَعْضَا تفسير : وقال الجوهري: البعوض: البَقُّ، الواحدة بعوضة، سُميت بذلك لصغرها. فَصْلٌ في استحسان ضرب الأمثال اعلم أنّ ضرب الأمثال من الأمور المستحسنة في العقول، وقد اشتهر العربُ في التمثيل بأحقر الأشياء، فقالوا في التمثيل بالذَّرَّةِ: "أجمع من ذَرَّةٍ"، و "أضبط من ذرَّة"، "وأخفى من ذَرَّةٍ"، وفي التمثيل بالذُّباب: "أجرأ من الذُّبَاب"، "وأخطأ من الذُّبَاب"، "وأطيش من الذباب"، و"أشبه من الذبابِ بالذباب"، "وألخّ من الذُّبَاب". وفي التمثيل بالقراد: "أسمع من قراد"، وأضعف من قرادة، وأعلق من قرادة، وأغم من قرادة، وأدبّ من قرادة. وقالوا في الجراد: أَطْيَرُ من جَرَادة، وأحْطَم من جَرَادة، وأَفْسد من جرادة، وأصفى من لعاب الجرادة. وفي الفراشة: "أضعف من فراشة"، "وأجمل من فراشة"، و "أطيش من فراشة". وفي البعوضةِ: "كلفني مخّ البعوضة"، مثلٌ في تكليف ما لا يُطَاق. فقولهم: ضرب الأمثال لهذه الأشياء الحقيرة لا يليق بالله تعالى. قلنا: هذا جَهْلٌ، لأنَّهُ - تعالى - هو الذي خلق الكبير والصغير، وحكمه في كُلِّ ما خلق وبرأ عام؛ لأنَّه قد أحكم جميعه، وليس الصغير أخفّ عليه من العظيم، ولا العظيم أصعب عليه من الصَّغير، وإذا كان الكُلُّ بمنزلةٍ واحدةٍ لم يكن الكبير أَوْلَى من أن يضربه مثلاً لعباده من الصغير، بل المعتبر فيه ما يليقُ بالقضيَّةِ، وإذا كان الأليق بها الذُّباب والعنكبوت، ضرب المثل بهما، لا بالفيل والجمل، فإذا أراد أن يُقَبِّحَ عبادتهم للأصنام، ويُقَبِّحَ عدولهم عن عبادة الرحمن، صَلحَ أن يضرب المثل بالذُّبَاب، لِيُبَيِّنَ أن قدر مَضَرَّتها لا تندفع بهذه الأصنام، ويضرب المثل ببيت العَنْكَبُوت؛ لِيُبَيِّنَ أنَّ عبادتها أَوْهَى وأضعف من ذلك كُلَّما كان المضروب به المثل أضعف كان المثل أقوى وأوضح، وضرب المَثَلِ بالبعوضة؛ لأَنَّهُ من عجائب خلق الله تعالى؛ فإنه صغير جِدًّا، وخرطومه في غاية الصغر، ثُمَّ إنَّهُ من ذلك مجوّف، ثمَّ ذلك الخرطوم مع فرط صغره، وكونه مجوّفاً يغوص في جلد الفِيل والجَامُوس على ثَخَانَتِهِ، كما يضرب الرجل أصابعه في الخبيص، وذلك لما رَكَّبَ الله في رأس خرطومه من السم. قوله: {فَمَا فَوْقَهَا} قد تقدَّم أنَّ "الفاء" بمعنى "إلى"، وهو قولٌ مرجوحٌ جَدًّا، و "ما" في "فَمَا فَوْقَهَا" إن نصبنا "بعوضة" كانت معطوفةً عليها موصولةً بمعنى "الذي"، وصلتُهَا الظَّرفُ، أو موصوفةً وصفتها الظرفُ أيضاً، وإن رفعنا "بعوضةٌ"، وجَعَلْنَا "ما" الأولى موصولة أو استفهامية، فالثانية معطوفة عليها، لكن في جَعْلِنَا "ما" موصولةً يكون ذلك من عَطْفِ المفردات، وفي جعلنا إيَّاها استفهامية يكون من عَطْفِ الجمل، وإن جعلنا "ما" زائدة، أو صفة لنكرةٍ، و "بعوضةٌ" خبراً لـ "هو" مضمراً كانت "ما" معطوفة على بعوضة. فَصْلٌ في معنى قوله: "فما فوقها" قال الكسَائِيّ وأبو عُبَيْدَةَ، وغيرهما: معنى "فما فوقها" والله اعلمُ: ما دونها في الصِّغَرِ، والمحقّقون مالوا إلى هذا القول؛ لأنَّ المقصود من هذا التمثيل تحقير الأوثان، وكُلَّمَا كان المشبَّهُ به أشدَّ حقارةً كان المقصود أكمل حصولاً في هذا الباب. وقال قتادة، وابن جريج: "المعنى في الكبر كالذُّباب، والعنكبوت، والكلبِ، والحمار؛ لأنَّ القوم أنكروا تمثيل اللهِ بتلك الأشياء". قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. "أمَّا" حرفٌ ضُمِّن معنى اسم شرط وفعله، كذا قَدَّره سيبويه قال: "أمَّا" بمنزلةِ مَهْمَا يَكُ مِنْ شَيءٍ. وقال الزَّمَخْشَرِيّ: وفائدته في الكلام أن يعطيه فَضْلَ توكيد، تقولُ: زيدٌ ذاهبٌ، فإذا قصدت توكيد ذلك، وأنَّهُ لا محالة ذاهبٌ، قلت: أمَّا زيدٌ فذاهبٌ. وقال بعضهم: "أمَّا" حرف تفصيل لما أجمله المتكلم، أو ادَّعَاه المخاطبُ، ولا يليها إلاَّ المبتدأ، وتلزم الفاءُ في جوابها، ولا تُحْذَفُ إلاَّ مع قولٍ ظاهرٍ ومقدَّرٍ كقوله: {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} تفسير : [آل عمران: 106] أي: فيقال لهم: أكَفَرْتُمْ، وقد تحذفُ حيث لا قَوْلَ؛ كقوله: [الطويل] شعر : 329- فَأَمَّا القِتَالُ لاَ قِتَالَ لَدَيْكُمُ وَلَكِنَّ سَيْراً في عِرَاضِ المَوَاكِبِ تفسير : أي: فلا قتالَ. ولا يجوز أن تليها "الفاء" مباشرة، ولا أن تتأخّر عنها بِجُزْأَي جملةٍ، لو قلت: "أَمَّا زَيدٌ منطلقٌ ففي الدَّارِ" لم يجز، ويجوز أنْ يَتَقَدَّمَ معمولُ ما بعد "الفاءِ" عليها متليٌّ أمَّا كقوله: {أية : فَأَمَّا ٱلْيَتِيمَ فَلاَ تَقْهَرْ} تفسير : [الضحى: 9] ولا يجوز الفصلُ بَيْن أَمَّا والفاءِ بمعمول خبر "إنَّ" خلافاً للمبرد، ولا بمعمول خبر "ليت" و "لَعَلَّ" خلافاً للفرّاء، وإن وقع بعدها مصدرٌ نحو: "أمَّا عِلْماً فعالمٌ" فإن كان نكرةً جاز نصبه عند التميميين برُجْحَان، وضَعُفَ رَفْعُهُ، وإن كان معرفةً التزموا فيه الرَّفْع، وأجاز الحجازيون فيه الرفع والنصب نحو: "أَمَّا العِلْمُ فَعَالِمٌ"، ونصب المنكَّر عند سيبويه على الحال، والمعرَّف مفعول له. وأمَّا الأخفشُ فنصبهما عنده على المفعول المطلق، والنصب بفعلِ الشرط المقدَّر، أو بما بعد الفاء، ما لم يمنع مانعٌ، فيتعَيَّن فِعلُ الشرط نحو: أمَّا عِلْماً فلا عِلْمَ له أو: فإنَّ زيداً عالمٌ؛ لأن "لا" و "إنَّ" لا يعْمَلُ ما بعدهما فيما قبلهما. وأمَّا الرفعُ فالظاهِرُ أنه بفعل الشرط المقدَّرِ، أي: مهما يُذْكَرْ عِلْمٌ، أو: العلم فزيدٌ عالمٌ، ويجوز أن يكون مبتدأ، وعالمٌ خبر مبتدأ محذوف، والجملةُ خبرهُ، والتقديرُ: أمَّا علمٌ - أو العلمُ - فزيدٌ عالمٌ به، وجاز الابتداء بالنكرة، لأنَّهُ موضعُ تفصيل، وفيها كلام طويل. و "الَّذِينَ ءَامَنُوا" في مَحَلِّ رفع بالابتداء، و "فيعلمون" خبره. قوله: {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ}. الفاءُ جواب "أَمَّا" لما تضمنته من معنى الشَّرط، و "أَنَّهُ الْحَقُّ" سَادٌّ مَسَدَّ المفعولين عند الجمهور، [وساد] مسدّ المفعول الأوّل فقط، والثاني محذوف، عند الأخفش، أي: فيعلمون حَقِيْقَتَهُ ثَابِتَةً. وقال الجمهور: لا حَاجَةَ إلى ذلك؛ لأنَّ وجود النسبة فيها بعد "أَنَّ" كافٍ في تَعَلُّق العلمِ، أو الظَّنِّ به، والضمير في "أَنَّهُ" عائدٌ على المَثَل. وقيل: على ضرب المثل المفهوم من الفِعْل. وقيل: على ترك الاستحياء. و "الحقُّ": هو الثابت، ومنه حَقَّ الأمْرُ أي: ثبت، ويقابله الباطل. و "الحق" واحدُ الحقوق، و"الحَقَّة" بفتح الحاء أخص منه، يقال: هذه حَقَّتِي، أي:حَقِّي. و "من رَبِّهِم" في محل نصب على الحالِ من الحقِّ أي: كائناً وصادِراً من رَبِّهِمْ، و "مِنْ" لابتداء الغاية المَجَازية. وقال أَبُو البَقَاءِ: والعامل فيه معنى الحقِّ وصاحِبُ الحالِ الضمير المستترُ فيه أي من الحقِّ؛ لأنَّهُ مشتقٌّ، فيتحمَّلُ ضميراً. قوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} لغة "بني تميم"، و "بني عامر" في "أَمَّا" "أَيْمَا" يبدلون من أحد الميمَيْن ياءً؛ كراهيةً للتضعيف؛ وأنشد عمرُ بنُ أبي رَبِيعَةَ: [الطويل] شعر : 330- رَأَتْ رَجُلاً أَيْمَا إِذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ فَيَضْحَى وَأَيْمَا بِالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ تفسير : قوله:{فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ}. اعلم أَنَّ "ما" له في كلام العرب ستة استعمالات: أحدها: أن تكون "ما" اسم استفهام في محل رفع بالابتداء، و"ذا" اسمُ إشارةٍ خبرهُ. والثاني: أن تكون "ما" استفهاميةً و "ذا" بمعنى الَّذِي، والجملةُ بعدها صلةٌ، وعائدها محذوفٌ، والأجودُ حينئذٍ أن يرفع ما أجيبَ به أو أُبْدِلَ منه؛ كقوله: [الطويل] شعر : 331- لاَ تَسْأَلاَنِ المَرْءَ مَاذَا يُحَاوِلُ أَنَحْبٌ فَيُقْضَى أَمْ ضَلاَلٌ وَبَاطِلُ تفسير : فـ "ذا" هنا بمعنى الذي؛ لأنه أُبْدِلَ منه مرفوعٌ، وهو "أَنحْبٌ"، وكذا {مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوُ} [البقرة: 219] في قراءة أبي عمرو. والثالث: أن يُغَلَّبَ حكم "ما" على "ذا" فَيُتْرَكَا، ويصيرا بمنزلة اسمٍ واحدٍ، فيكون في محلِّ نصبٍ بالفِعْلِ بَعْدَهُ، والأجودُ حينئذٍ أن يُنْصبَ جوابُه والمبدلُ منه كقوله: {مَاذَا يُنْفِقُونَ قلِ: الْعَفْوَ} في قراءة غير أبي عمرو، و {أية : مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْراً} تفسير : [النحل: 30] عند الجميع. ومنه قوله: [البسيط] شعر : 332- يَا خُزْرَ تَغْلِبَ مَاذَا بَالُ نِسْوَتِكُمْ لاَ يَسْتَفِقْنَ إِلَى الدَّيِْدَيْنِ تَحْنَانَا تفسير : فـ "ماذا" مبتدأ، و"بالُ نسوتكم" خبرهُ. الرابع: أن يُجْعَلَ "ماذا" بمنزلةِ الموصول تغليباً لـ "ذا" على "ما" عكس الصورة التي قبله، وهو قليلٌ جدًّا؛ ومنه قوله: [الوافر] شعر : 333- دَعِي مَاذَا عَلِمْتِ سَأَتَّقِيهِ وَلَكِنْ بِالْمُغَيَّبِ حَدِّثِينِي تفسير : فـ "ماذا" بمعنى الذي؛ لأنَّ ما قبله لا تعلّق له بهِ. الخامس: زعم الفَارِسِيُّ أَنَّ "ماذا" كله تكون نكرة موصوفة، وأنشدَ: "دَعِي مَاذَا عَلِمْتِ" أي: دَعِي شيئاً معلوماً، وقد تقدَّم تأويله. السَّادس: وهو أضعفها أَنْ تكون "ما" استفهاماً، و "ذا" زائدة، وجميع ما تقدَّم يُصْلُحُ أن يكون مثالاً له، ولكنَّ زيادة الأسماء ممنوعة أو قليلة جِداً. إذا عُرِفَ ذلك فقوله {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ} يجوز فيه وجهان دون الأربعة الباقية: أحدهما: أن تكون "ما" استفهامية في محلِّ دفعٍ بالابتداء، و "ذا" بمعنى "الذي"، و "أراد اللهُ" صِلَة، والعائِدُ محذوف لاستكمال شروطه، تقديره: "أراده اللهُ" والموصول خَبَرُ "ما" الاستفهامية. والثاني: أن تكون "مَاذَا" بمنزلةِ اسم واحدٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ بالفعلِ بعده، تقديره: أيَّ شيء أراد اللهُ. قال ابن كَيْسَان: وهو الجيد ومحل هذه الجملة النصب بالقول، و "مثلاً" نصب على التمييز، قيل: وجاء على معنى التوكيد؛ لأنه من حيث أشُير إليه بهذا عُلِمَ أَنَّهُ مَثَلٌ، فجاء التمييز بعده مؤكّداً للاسم الذي أُشيرَ إليه. وقيل: نصب على الحالِ، واختلف في صاحبها، فقيل: اسم الإشارة، والعاملُ فيها معنى الإشارة. وقيل: اسم اللهِ - تعالى - أي: مُتَمَثِّلاً بذلك. وقيل: على القطعِ وهو رأي الكوفيين، ومَعْنَاه عندهم: أنَّهُ كان أصله أن يتبع ما قبله، والأصلُ: بهذا المثلِ، فلمَّا قُطِعَ عن التَّبعيَّةِ انتصب؛ وعلى ذلك قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 334- سَوَامِقُ جَبَّارٍ أَثِيثٍ فُرُوعُهُ وَعَالَيْنَ قِنْوَاناً مِنَ الْبُسْرِ أَحْمَرَا تفسير : أصله: من البُسْرِ الأَحْمَرِ. فَصْلٌ في معنى الإرادة واشتقاقها و "الإرادةُ" لغةٌ طلبُ الشيءً مع المَيْلِ إليه، وقد تتجرّد للطلب، وهي التي تنسبُ إلى اللهِ - تعالى - وعَيْنُها واوٌ من رادَ يرودُ، طَلَب، فأصلُ "أراد" "أَرْوَدَ" مثل: أقام، والمصدرُ الإرادةُ مثلُ الإقامةِ، وأصلُها: إرْوَاد فأُعِلَّتْ وعُوِّضَ من محذوفِها تاءُ التأنيث. فَصْلٌ في ماهية الإرادة و "الإرادةُ" ماهية يجدها العاقل من نفسه، ويُدْركُ بالتفرقةِ البديهية بينها وبين علمه وقدرته وألمه ولذّته، وإذا كان كذلك لم يكن تصور ماهيتها محتاجاً إلى التعريف. وقال المتكلمون: إنها صفة تقتضي رُجْحَانَ أحد طرفي الجائز على الآخر، لا في الوقوع، بل في الإيقاع، واحترزنا بهذا القَيْدِ الأخير عن القدرةِ. قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} الياء فيه للسَّببيَّة، وكذلك في "يهدي به"، وهاتان الجملتان لا محلَّ لهما؛ لأنَّهما كالبيان للجملتين المُصَدَّرَتِيْنِ بـ "أَمَّا"، وهما من كلام الله تعالى. وقيل: في محلِّ نَصْبٍ؛ لأنهما صفتان لـ "مَثَلاً" أي: مَثَلاً يُفَرِّقُ النَّاس به إلى ضُلاَّلٍ ومُهْتَدِين، وهما على هذا من كلام الكفَّار. وأجاز أبو البقاء أن تكون حالاً من اسم اللهِ، أي: مُضِلاًّ به كثيراً، وهادياً به [كثيراً]. وجَوَّزَ ابن عطية أن يكون جملة قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} من كلام الكُفَّارِ، وجملةُ قوله: "وَيَهْدِي بِهِ كَثيراً" من كلام الباري تعالى. وهذا ليس بظاهرٍ لأنَّهُ إلباسٌ في التركيب. والضميرُ في "به" عائدٌ على "ضَرْب" المضاف تقديراً إلى المَثَل، أي يضرب المثل، وقيل: الضميرُ الأوّل للتكذيب، والثاني للتصديق، ودَلَّ على ذلك قوة الكلام. [وقُرِىء: {يُضَلُّ به كثيرٌ، ويُهْدَى به كثيرٌ، وما يُضَلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقُونَ} بالبناء للمفعول]. وقُرِىءَ أيضاً: {يَضِلُّ كَثِيرٌ ويَهْدِي به كثيرٌ، وما يَضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقون} بالبناء للفاعل. قال بعضهم: "وهي قراءة القَدَرِيَّة، وقد نَقَلَ ابن عطية عن أبي عمرو الدَّاني أنَّهَا قراءة المعتزلة". ثم قال: "وابن أبي عبلةَ من ثِقَات الشاميين" يعني قارئها، وفي الجملةِ فهي مخالفة لسواد المصحفِ. فإنْ قيل: كيف وصف المهتدين هنا بالكثرة وهم قليلون؛ لقوله: {أية : وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} تفسير : [ص: 24]، و {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} تفسير : [سبأ: 13] فالجوابُ أَنّهم، وإن كانوا قليلينَ في الصُّورة، فهم كثيرون في الحقيقةِ؛ كقوله: [البسيط] شعر : 335- إِنَّ الكِرَامَ كَثِيرٌ فِي الْبِلاَدِ وَإِنْ قَلُّوا كَمَا غَيْرُهُمْ قَلَّ وَإِنْ كَثُرُوا تفسير : فصار ذلك باعتبارين. فَصْلٌ في استعمالات الهمزة قال ابن الخطيب: "الهمزةُ تجيءُ تارةً لتنقل الفِعْلَ من غير التعدِّي إلى التعدّي كقولك: "خَرَجَ" فَإِنَّهُ غير متعدٍّ، فإذّا قلت "أَخْرج" فقد جعلته متعدّياً، وقد تجيء لتنقل الفعل من التعدِّي إلى غير التعدِّي كقوله "كَبَبْتُهُ فأكب" وقد تجيء لمجرّد الوجدان". حُكِيَ عن عمرو بن معديكرب أَنَّهُ قال لبني سليم: "قَاتَلْنَاكُمْ فَمَا أَجْبَنّاكُم، وَهَاجَيْنَاكم فما أفْحَمْنَاكم، وسألناكم فما أبخلناكم"، أي: ما وجدناكم جبناء ولا مفحمين، ولا بخلاء. ويقال: أتيت أرضَ فُلاَن فأعمرتها، أي: وجدتها عامرةً. ولقائل أن يقولَ: لم لا يجوز أن يقال: الهمزة لا تفيد إلاَّ نقل الفعل من غير التعدّي إلى التعدِّي، وأمَّا قوله: كَبَبْتُهُ فَأَكَبَّ، فلعلَّ المراد كببته فأكبَّ نفسه على نفسه فيكون قد ذكر الفعل مع حذف المفعولين، وهذا ليس بعرف؟! وأما قوله: "قاتلناكم فما أجبناكم" فالمراد ما أثّر قتالنا في صيرورتكم جبناء، وكذا القول في البواقي وهذا الذي قلناه أولى دفعاً للاشتراك. إذا ثبت هذا فنقول قولنا: "أَضَلَّهُ الله" لا يمكن حمله إلاّ على وجهين: أحدهما: أنه صَيَّرَهُ ضَالاًّ عن الدِّين. والثاني: وجده ضالاًّ. فَصْلٌ في معنى الإضلال واعلم أن معنى الإضلالِ عن الدين في اللُّغة: هو الدعاء إلى ترك الدِّيْنِ، وتقبيحه في عَيْنِهِ، وهذا هو الإضلال الذي أضافه اللهُ - تعالى - إلى "إبليس" فقال: {أية : إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [القصص: 15] وقال: {أية : وَلأُضِلَّنَّهُمْ} تفسير : [النساء: 119]. وقوله: {أية : رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا} تفسير : [فصلت: 29]، وأيضاً أضاف هذا الإضلال إلى فرعون، فقال: {أية : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ} تفسير : [طه: 79]. واعلم أنَّ الأُمَّةَ مجمعة على أن الإضلال بهذا المَعنى لا يجوز على اللهِ تعالى؛ فإنَّه ما دعا إلى الكفر، وما رَغَّبَ فيه، بل نهى عنه، وزَجَرَ وتَوَعَّدَ بالعقاب عليه، وإذا كان المعنى الأصلي في الإضلال في اللُّغَةِ هذا، وهذا المعنى منفي بالإجماع، ثبت انعقاد الإجماع على أنه لا يجوز إجراء هذا اللَّفظ على ظاهره، وعند هذا افتقر أهل الْجَبْرِ والقدر إلى التأويل. أمَّا أهل الجَبْرِ فقد حملوه على أَنَّهُ - تعالى - خالق الضلال والكفر فيهم وصدّهم عن الإيمان، وحال بينهم وبينهُ، ورُبَّمَا قالوا: هذا هو حقيقةُ اللفظ في أصل اللغةِ؛ لأنَّ الإضلال عبارة عن جَعْلِ الشَّيء ضالاًّ كما أنَّ الإخراج والإدخال عبارةٌ عن جَعْلِ الشيء خارجاً وداخلاً. وأما المعتزلة فقالوا: التأويل من وجوه: أحدها: قالوا: إِنَّ الرَّجُلَ إذا ضَلَّ باختياره عن حضور شيء من غير أن يكون لذلك الشَّيء أثر في ضلالة فيقال لذلك الشيء: إِنَّهُ أَضَلَّهُ قال تعالى في حق الأصنام: {أية : إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً} تفسير : [إبراهيم: 36] أي: ضَلُّوا بِهِنَّ وقال: {أية : وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً} تفسير : [نوح: 23- 24] أي: ضَلَّ كثيرٌ من النَّاسِ بهم. وقال: {أية : وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِّنْهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَاناً وَكُفْراً} تفسير : [المائدة: 64]. وقوله: {أية : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً} تفسير : [نوح: 6] أي: لم يزدهم الدُّعاءُ إِلاَّ فِراراً. وقال: {أية : فَٱتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي} تفسير : [المؤمنون: 110] وهم لم ينسوهم في الحقيقة، وكانوا يُذَكِّرونهم الله. وقال: {أية : وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـٰذِهِ إِيمَٰناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَٰناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} تفسير : [التوبة: 124- 125]. فأخبر تعالى أَنَّ نزول السورة المشتملة على الشَّرَائعِ يُعَرِّفُ أحوالهم. فمنهم من يصلح عليها؛ فيزداد بها إيماناً؛ ومنهم من يفسد عليها فيزداد بها كُفْراً، فأضيفت الزيادةُ في الإيمان، والزيادة في الكُفْرِ إلى السُّورة؛ إذ كانوا إنَّمَا صلحوا عند نزولها وفسدوا، فهكذا أُضِيفَ الضَّلالُ والهُدَى إلى الله تعالى؛ إذ كان حدوثهما عند ضربه - تعالى - الأمثال لهم. وثانيها: أنَّ الإضلال هو التسمية بالضلالة، فيقال: أَضَلَّهُ إذا سماه ضالاً، وأكفر فلان فلاناً إذا سمَّاه كافراً، وذهب إليه قطرب، وكثير من المعتزلةِ. ومن أهل اللغةِ من أنكره، وقال: إِنَّمَا يقال: ضللته تضليلاً، إذا سمَّيْتُهُ ضالاًّ، وكذلك فَسّقته وفَجَّرته، أي: سَمَّيْتُه: فاسقاً وفاجراً. وأجيب عنه بأنَّه حتى صَيَّرَهُ في نَفْسِهِ ضالاَّ لَزِمه أي يُصَيِّره محكوماً عليه بالضَّلال فهذا الحكم من لوازم ذلك التصيير وإطلاق اسم الملزوم على اللازمِ مجاز مشهورٌ. وثالثها: أن يكون الإضلال هو التَّخلية، وترك المنع بالقهر، والجبر، فيقال: أَضَلَّهُ أي: خَلاَّه وضلاله. قالوا: ومجازه من قولهم: "أَفْسَدَ فُلانٌ ابْنَهُ، وأهلكه" إذا لم يتعهدّه بالتأديب؛ ومنه قوله: [الوافر]. شعر : 336- أَضَاعُونَي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا ...................................... تفسير : ويقال لمن ترك سيفه في الأرضِ النَّدِيَّةِ حَتَّى فَسَدَ وصدىء: أفسدت سيفك وأصدأته. ورابعها: الضلال، والإضلال هو العذاب والتعذيب لقوله {أية : إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} تفسير : [القمر: 47] {أية : يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ} تفسير : [القمر: 48]، فوصفهم بأنَّهُمْ يوم القيامةِ في ضلال، وذلك هو عذابه. وخامسها: أن تحمل الإضلال على الإهلاك والإبطال، كقوله: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [محمد: 1] قيل: أهلكها، وأبطلها، ومجازه من قولهم: "ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ" إذا صار مستهلكاً فيه. ويقال: أضَلَّ القَوْمُ مَيِّتَهُمْ، أي: واروه في قبره فأخفوه حتى صار لا يُرَى. وقالوا: {أية : أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [السجدة: 10] فيتحمل أن يضل الله إنساناً أي: يهلكه ويعدمه. وسادسها: أن يحمل الإضلال على الإضلال عن الجنَّةِ. قالت المعتزلة: وهذا في الحقيقة ليْسَ تأويلاً، بل حَمْلٌ للَّفظ على ظاهره فإن الآية تَدُلُّ على أَنَّهُ يضلّهم، وليس فيها دلالة على أنه عن ماذا يُضلهم؟ فنحن نحملها على أنَّهُ - تعالى - يُضِلُّهم عن طريق الْجَنَّةِ، ثُمَّ حملوا كُلَّ ما في القرآنِ من هذا الجنس على هذا المحمل، وهو اختيار الجُبَّائي. قال تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الحج: 4] أي: يُضِلُّه عن الجنَّةِ وثوابها هذا كله إذا حملنا الهمزة في الإضلال على التعدية. وسابعها: أن تحمل الهمزة لا على التعدية، بل على الوجدان على ما تقدَّم، فيقال: أَضَلَّ فلانٌ بَعِيرَهُ أي: ضَلَّ عنه، فمعنى إضلال الله - تعالى - لهم أَنَّهُ وجدهم ضَالِّين. وثامنها: أن يكون قوله: {يُضِلُّ به كَثِيراً، ويَهْدِي بِهِ كَثِيراً} من تمام قول الكُفَّار كأَنَّهم قالوا: ماذا أراد اللهُ بهذا المثل الذي لا يظهر وجه الفائدة فيه؟ ثُمَّ قالوا: يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً، ذكروه على سبيل التَّهَكُّم، فهذا من قول الكُفَّارِ، ثُمَّ قال تعالى جواباً لهم: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} أي ما أضَلَّ إِلاَّ الفاسقين. هذا مجموع كلام المعتزلة. قالت الجبرية: وهذا معارضٌ بمسألة الدّاعي، وهي أن القادِرَ على العلم والْجَهْلِ والإهداء والضلالِ لم فعل أحدهما دون الآخر؟ ومعارضٌ أيضاً بمسألة العلم على ما سبق تقريرها في قوله تعالى: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} تفسير : [البقرة: 7]. والجَوَابُ عن الآيات يأتي في مواضعه. قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} "الفاسقين" مفعول لـ "يضل" وهو استثناء مُفَرّغ، وقد تقدَّم معناه، ويجوز عند القرّاء أن يكون منصوباً على الاستثناء والمستثنى منه محذوف تقديره: "وما يُضِلُّ به أحداً إِلاَّ الفاسقين"؛ كقوله: [الطويل] شعر : 337- نَجَا سَالِمٌ والنَّفْسُ مِنْهُ بِشِدْقِهِ وَلَمْ يَنْجُ إِلاَّ جَفْنَ سَيْفٍ ومئزَرَا تفسير : أي: لم ينجُ بشيء، ومنع أبو البقاء نصبه على الاستثناء، كأنَّهُ اعتبر مذهب جمهور البَصْريين. و "الفِسْقُ" لغةً: الخروجُ، يقالُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ عن قِشْرهَا، أي: خَرَجَتْ، والفأرة من جُحْرِها. و "الفاسقُ": خارج عن طاعةِ الله، يقال: فَسَقَ يَفْسُقُ ويَفْسِقُ بالضم والكسر في المضارح فِسْقاً وفُسُوقاً، عن الأخفش فهو فَاسِقٌ. وزعم ابن الأعرابي، أنَّه لم يسمع في كلام الجاهلية، ولا في شعرهم "فاسق"، وهذا عجيبٌ، وهو كلامٌ عربيٌّ حكاه عنه ابن فارس والجَوْهَرِيُّ، وقد ذكر ابنُ الأَنْبَارِيِّ في كتاب "الزّاهِر" لمّا تَكَلَّمَ على معنى "الفِسْقِ" قَوْلَ رُؤْبَة: [الرجز] شعر : 338- يَهْوِينَ فِي نَجْدٍ وَغَوْراً غَائِراً فَوَاسِقاً عَنْ قَصْدِهَا جَوَائِرَا تفسير : و "الفسيق": الدائم الفسق، ويقال في النداء: يا فَاسِق ويا خبيث، يريد يا أيُّها الفاسق ويا أيها الخبيث. والفسقُ في عرف الاستعمال الشرعي الخروج من طاعةِ اللهِ عز وجل، فقد يقع على من خرج بعصيان. واختلف أهل القبلة في أنَّهُ مؤمنٌ أو كافر. فعند بعضهم أنَّهُ مؤمن، وعند الخوارج: أَنَّه كافرٌ، وعند المعتزلة: أنَّه لا مؤمن ولا كافر. واحْتَجَّ الخَوَارجُ بقوله تعالى: {أية : بِئْسَ ٱلاِسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ} تفسير : [الحجرات: 11]. وقال: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} تفسير : [التوبة: 67]. وقال: {أية : حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ} تفسير : [الحجرات: 7] وهذه مسألة طويلة مذكورة في علم الكلام. قوله: "الَّذِينَ يَنْقُضُونَ" فيه أربعة وجوه: أحدها: أَنُ يكون نعتاً لـ "الفاسقين". والثاني: أَنَّهُ منصوبٌ على الذَّمِّ. والثالث: أَنَّهُ مرفوعٌ بالابتداء، وخبره الجملة من قوله {أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}. والرابع: أَنَّهُ خبر لمبتدأ محذوف أي: هم الفاسقون. والعهدُ في كلامهم على معانٍ: منها الوصيَّةُ والضَّمان، والاكتفاء، والأمر. و "مِنْ بَعْدِ" متعلِّق بـ "ينقضون"، و "من" لابتداء الغاية، وقيل: زائدة، وليس بشيء. والضميرُ في ميثاقه يجوز أن يعود على العهد، وأن يعود على اسم الله تعالى، فهو على الأوّل مصدرٌ مضاف إلى المفعول، وعلى الثَّاني مضافٌ للفاعل. و "الميثاقُ" العَهْدُ المؤكَّدُ باليمين مِفْعَال الوثاقةِ والمعاهدةِ، والجمع: المواثيق على الأصل؛ لأن أصل مِيِثَاق: مِوْثَاق، صارت "الواو" ياء؛ لانكسار ما قبلها وهو مصدرٌ كـ "الميلاد" و "المِيعَاد" بمعنى الولادة، والوعد؛ وقال ابن عطية: هو اسْمٌ في وضع المصدر؛ كقوله: [الوافر] شعر : 339- أَكُفْراً بَعْدَ رَدِّ المَوتِ عَنِّي وَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمِائَةَ الرِّتَاعَا تفسير : أي: إِعْطَائِكَ، ولا حاجة تدعو إلى ذلك، والمادة تَدُلُّ على الشَّدِّ والرَبْطِ، وجمعه مَوَاثِيق، ومَيَاثِق، أيضاً، ومَيَاثيق؛ وأنشد ابن الأعرابيِّ: [الطويل] شعر : 340- حِمًى لاَ يَحُلُّ الدَّهْرُ إلاَّ بإِذْنِنَا وَلاَ نَسْأَلُ الأَقْوَامَ عَهْدَ الْمَيَاثِقِ تفسير : والمَوْثِق: المِيثَاق والمُواثَقَة والمُعَاهَدَة؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ} تفسير : [المائدة: 7]. فَصْلٌ في النقض النقضُ إفسادُ ما أبرمته من بناءٍ أو حبل أو عهد، والرجوع به إلى الحالة الأولى. والنقاضة: ما نُقِضَ من حبل الشعر، والمُنَاقضةُ في القولِ: أَنْ يتكَلَّمَ بما يناقض معناه، والنَّقيضةُ في الشّعر ما ينقضُ به. والنِّقض: المَنْقُوض، واختلف النَّاسُ في هذا العَهْدِ، فقيل: هو أذلي أخذه اللهُ على بني آدم - عليه السَّلام - حين استخرجهم من ظهره. قال المتكلمون: "هذا ساقطٌ"؛ لأنَّه - تعالى - لا يحتج على العبادِ بعهد وميثاق لا يشعرون به، كما لا يؤاخذهم بالسَّهْوِ والنسيان وقيل: هو وصيَّةُ اللهِ - تعالى - إلى خلقه، وأمره إياهم بها أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم من معصيته في كتبه على ألسنة رسله، ونقضهم ذلك ترك العمل به، وقيل: بل نَصبَ الأدلّة على وحدانيته بالسموات، والأرضِ، وسائر الصنعة، وهو بمنزلة العَهْدِ، ونقضهم ترك النَّظَر في ذلك. وقيل: هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب أن يبينوا نبوَّة محمد عليه السَّلام، ولا يكتموا أمره، فالآية على هذا في أَهْل الكتاب. وقال أبو إسحاق الزَّجَّاج: عهده جَلَّ وعَزَّ ما أخذه على النَّبيين ومَنْ تبعهم، ألاَّ يَكْفُرُوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ودليلُ ذلك: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} تفسير : [آل عمران: 81] إلى قوله: {أية : وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذَٰلِكُمْ إِصْرِي} تفسير : [آل عمران: 81] أي: عهدي. قوله: {وَيَقْطَعُونَ} عطف على {يَنْقُضُونَ} فهي صلة أيضاً، و "ما" موصولة، و {أَمَرَ اللهُ به} صلتها وعائدها. وأجاز أبو البقاء أن تكون نكرةً موصوفةً، ولا يجوز أن تكون مصدرية لعود الضمير عليها إلاَّ عند أبي الحَسَن وابن السراج وهي مفعولة بـ "يَقْطَعُونَ" والقطع معروف، والمصدر - في الرّحم - القطيعة، يقال: قطع رحمه قطيعة فهو رجل قُطَعٌ وَقُطَعَةٌ، مثل "هُمَزَة"، وقَطَعْتُ الحبل قَطْعاً، وقطعت النهر قُطُوعاً، وقَطَعَت الطير قُطُوعاً، وقُطَاعاً، وقِطَاعاً إذا خرجت من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ. وأصاب الناسَ قُطْعَةٌ: إذا قلت مياههم، ورجل به قُطْعٌ أي انبهار. قوله: {مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} "ما" في موضع نصب بـ "يقطعون" و "أَنْ يُوصلَ" فيه ثلاثة أوجه: أحدها: الجر على البدل من الضمير في "بِهِ" أي ما أمر الله بِوَصْلِهِ؛ كقول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 341- أَمِنْ ذِكْرِ سَلْمَى أَنْ نَأَتْكَ تَنُوصُ فَتَقْصُرُ عَنْهَا خُطْوَةٌ أَوْ تَبُوصُ تفسير : أي: أمِنْ نَأْيِهَا. والنصب وفيه وجهان: أحدهما: أنه بدل من "مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ" بدل اشتمال. والثاني: أنه مفعول من أجله، فقدره المَهْدوِيّ: كراهية أن يوصل، وقدره غيره: ألا يوصل. والرفع على أنه خبر مبتدأ [مضمر] أي: هو أن يوصل، وهذا بعيداً جداً، وإن كان أبو البقاء ذكره. واختلف في الشيء الذي أمر بوصله فقيل: صلة الأَرْحام، وحقوق القرابات التي أمر الله بوصلها، وهو كقوله تعالى: {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} تفسير : [محمد: 22] وفيه إشارة إلى أنهم قطعوا ما بينهم وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - من القرابة، وعلى هذا فالآية خاصة. وقيل: أمر أن يوصل القول بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا، ولم يعملوا. وقيل: أمر أن يوصل التصديق بجميع أنبيائه، فقطعوه بتصديق بعضهم، وتكذيب بعضهم. وقيل: الإشارة إلى دين الله، وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه، وحفظ حدوده، فهي عامة في كل ما أمر الله - تعالى - به أن يوصل، هذا قول الجمهور. وقيل: إن الله - تعالى - أمرهم أن يصلوا حَبْلَهُمْ بِحَبْلِ المؤمنين، فانقطعوا عن المؤمنين، واتصلوا بالكفار. وقيل: إنهم نهوا عن التنازع وإثارة الفتن، وهم كانوا مشتغلين بذلك. و "يُفْسِدُونَ" عطف على الصّلة أيضاً، و "في الأَرْضِ" متعلق به. والأظهر أن يراد به الفساد في الأرض الذي يتعدى دون ما يقف عليهم. وقيل: يعبدون غير الله، ويجورون في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم، ثم إنه - تعالى - أخبر أن من فعل هذه الأَفَاعيل خسر فقال: "أُولِئَكَ هُمُ الخَاسِرُونَ" كقوله: {أية : وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [البقرة: 5]، وقد تقدم أنه يجوز أن تكون هذه الجملة خبر "الذِينَ يَنْقُضُونَ" إذا جعل مبتدأ. وإن لم يجعل مبتدأ، فهي مستأنفة، فلا مَحلّ لها حينئذ، و "هم" زائدة، ويجوز أن يكون "هم" مبتدأ ثان، و "الخَاسِرُونَ" خبره، والثاني وخبره خبر الأول. والخاسر: الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز. والخسران: النقصان، كان في ميزان أو غيره؛ قال جرير: [الرجز] شعر : 342- إِنَّ سَلِيطاً فِي الخَسَارِ إِنَّهْ أَوْلادُ قَوْمٍ خُلِقُوا أَقِنَّهْ تفسير : يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم. قال الجوهري: وخسرت الشيء بالفتح - وأخسرته نقصته. والخَسَار والخَسَارَة والْخَيْسَرَى: الضَّلال والهلاك. فقيل للهالك: خاسر؛ لأنه خسر نفسه، وأهله يوم القيامة، ومنع منزله من الجَنّة. فصل قال القرطبي: في هذه الآية دليلٌ على أنَّ الوفاء بالعهد والتزامه، وكل عهد جائز ألزمه المرء نفسه، فلا يحل له نقضه، سواء أكان بين مسلم أم غيره، لذم الله - تعالى - من نقض عهده. وقد قال: {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المائدة: 1] وقد قال لنبيه عليه الصلاة والسلام: {أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ} تفسير : [الأنفال: 58] فنهاه عن الغَدْرِ، وذلك لا يكون إلاَّ بنقض العهد، على ما يأتي إن شاء الله تعالى.

البقاعي

تفسير : ولما ثبت بعجزهم عن المعارضة أن هذا الكلام كلامه سبحانه ثبت أن ما فيه من الأمثال أقواله فهددهم في هذه السورة المدنية على العناد وتلاه بالآية التي أخبر فيها بأن ثمار الدنيا وأزواجها وإن شابهت ما في الجنة بالاسم وبعض الشكل فقد باينته بالطعوم والطهارة وما لا يعلمه حق علمه إلا الله تعالى فاضمحلت نسبتها إليها، وكان في ختم الآية بخالدون إشارة إلى أن الأمثال التي هي أحسن كلام الناس وإن شابهت أمثاله سبحانه في الاسم ودوام الذكر فلا نسبة لها إليها لجهات لا تخفى على المنصف فلم يبق إلا طعنهم بأنها لكونها بالأشياء الحقيرة لا تليق بكبريائه فبين حسنها ووجوب الاعتداد بها وإنعام النظر فيها بالإشارة بعدم الاستحياء من ضربها لكونها حقاً إلى أن الأشياء كلها وإن عظمت حقيرة بالنسبة إلى جلاله وعظمته وكماله، فلو ترك التمثيل بها لذلك لانسد ذلك الباب الذي هو من أعجب العجاب فقال تعالى على طريق الاستنتاج من المقدمات المسلَّمات وأكد سبحانه دفعاً لظن أنه يترك لما لبّسوا به الأمثال التي هي أكشف شيء للأشكال وأجلى في جميع الأحوال. وقال الحرالي: لما كانت الدعوة تحوج مع المتوقف فيها والآبي لها إلى تقريب للفهم بضرب الأمثال وكانت هذه الدعوة جامعة الدعوات وصل بها هذه الآية الجامعة لإقامة الحجة في ضرب الأمثال وأن ذلك من الحق سبحانه {أية : والله لا يستحيي من الحق} تفسير : [الأحزاب: 53] وليختم ذكر ما تضمنه صدر السورة من الحروف التي أنزل عليها القرآن بسابعها الذي هو حرف المثل، وبين تعالى أن مقدار الحكمة الشاهد للممثل في البعوضة وفيما هو أظهر للحس وآخذ في العلم. وإنما يجب الالتفات للقدر لا للمقدار ولوقع المثل على ممثله قل أو جل دنا أو علا فتنزه تعالى عما يجده الخلق عندما ينشأ من بواطنهم وهمهم أن يظهروا أمراً فيتوهمون فيه نقصاً فيرجعهم ذلك عن إظهاره قولاً أو فعلاً - انتهى. فقال تعالى: {إن الله} أي المحيط بكل شيء جلالاً وعظمة وكمالا {لا يستحيي} أي لا يفعل ما يفعله المستحي من ترك ما يستحي منه. والحياء قال الحرالي انقباض النفس عن عادة انبساطها في ظاهر البدن لمواجهة ما تراه نقصاً حيث يتعذر عليها الفرار بالبدن {أن} كلمة مدلولها ممن أجريت عليه حقيقة باطن من ذاته وعلمه يتصل بها ما يظهرها، وسيبويه رحمه الله يراها اسماً، وعامة النحاة لانعجام معناها عليهم يرونها حرفاً {يضرب} من ضرب المثل وهو وقع المثل على الممثل، لأن أصل الضرب وقع شيء على شيء، والمعنى أن يوجد الضرب متجدداً مستمراً وهذا لا يساويه أن يقال من ضربه مثلاً، فإنه يصدق لمثل واحد سابق أو لاحق، وتحقيقه أن المصدر لا يقع إلا على كمال الحقيقة من غير نظر إلى زمان ولا غيره وأما بفعل فإنه يفهم إيقاع الحقيقة من غير نظر أيضاً إلى زمان، وبفهمها مع النظر إلى الزمان مع التجدد والاستمرار ومع كمال الحقيقة وقبل كمالها عند الشروع فيها وإلى هذا القيد الأخير ينظر قول الحرالي: إن الحياء من أن يضرب المثل استحياء من وقعه في الباطن، والحياء من ضربه المثل استحياء من إظهاره بالقول، فنفى الأصل الأبلغ الذي بنفيه يكون نفي الضرب أحق، فليراجع هذا المعنى مع تكرار كلمة "إن" فإنها كثيرة الدور في القرآن جليلة قدر المعنى في مواقعها، وإنما يجري على ترك الالتفات إلى موقع معناها ما يقوله النحاة في معنى التقريب إنّ أنّ والفعل في معنى المصدر، والواجب في الإعراب والبيان الإفصاح عن ترتب معانيهما، وعند هذا يجب أن تكون أن اسماً والفعل صلتها نحو من وما {مثلاً ما} مثل أمر ظاهر للحس ونحوه، يعتبر به أمر خفي يطابقه فينفهم معناه باعتباره و "ما" في نحو هذا الموقع لمعنى الاستغراق، فهي هنا لشمول الأدنى والأعلى من الأمثال - انتهى. ثم بين ذلك بقوله: {بعوضة}. وقال الحرالي: ولما كان ضرب المثل متعلقاً بمثل وممثل كان الضرب واقعاً عليهما، فكان لذلك متعدياً إلى مفعولين: مثلاً ما وبعوضة، والبعوض جنس معروف من أدنى الحيوان الطائر مقداراً وفيه استقلال وتمام خلقة، يشعر به معنى البعض الذي منه لفظه، لأن البعض يوجد فيه جميع أجزاء الكل فهو بذلك كل، {فما فوقها} أي من معنى يكون أظهر منها، والفاء تدل على ارتباط ما إما تعقيب واتصال أو تسبيب، ففيه هنا إعلام بأقرب ما يليه على الاتصال والتدريج إلى أنهى ما يكون - انتهى. والمعنى أن ذلك إن اعتبر بالنسبة إليه سبحانه كان هو وأنتم وغيركم بمنزلة واحدة في الحقارة، وإن اعتبر بالنسبة إليكم كان الفريقان بمنزلة واحدة في أنه خلق حقير ضعيف صغير من تراب، وأما شرف بعضه على بعض فإنما كان بتشريف الله له ولو شاء لعكس الحال. ثم ذكر شأن قسمي المؤمنين والكافرين بقسمي كل منهم في قبول أمثاله فقال مؤكداً بالتقسيم لأن حال كل من القسمين حال المنكر لما وقع للآخر: {فأما}، قال الحرالي: كأنها مركبة من "إن" دالة على باطن ذات و "ما" دالة على ظاهر مبهم، يؤتى به للتقسيم - انتهى. {الذين آمنوا} أي بما ذكرنا أول السورة، ولما تضمن أما معنى الشرط كما فسره سيبويه بمهما يكن من شيء أجيب بالفاء في قوله: {فيعلمون أنه} أي ضرب المثل {الحق} كائناً {من ربهم} أي المحسن إليهم بجميع أنواع الإحسان، وأنه ما أراد بهم إلا تربيتهم بالإحسان بضربه على عوائد فضله، وأما أمثال غيره فإن لم يكن فيها نوع من الباطل فلا بد فيها من ضرب من التسمُّح تكون به غير جديرة باسم الحق ولا عريقة فيه. قال الحرالي: لما كان الذين آمنوا ممن بادر فأجاب وكان ضرب المثل تأكيد دعوة وموعظة لمن حصل منه توقف حصل للذين آمنوا استبصار بنور الإيمان في ضرب المثل، فصاروا عالمين بموقع الحق فيه، وكما استبصر فيه الذين آمنوا استغلق معناه على الذين كفروا وجهلوه فاستفهموا عنه استفهام إنكار لموقعه - انتهى. فلذا قال {وأما الذين كفروا} أي المجاهرون منهم والمساترون {فيقولون} أي قولاً مستمراً {ماذا} أي الذي {أراد الله} الذي هو أجل جليل {بهذا} الحقير أي بضربه له {مثلاً} أي على جهة المثلية استهزاء وجهلاً وعناداً وجفاءً؛ ثم وصل بذلك ذكر ثمرته عند الفريقين جواباً لسؤال من سأل منهم فقال: {يضل به كثيراً} أي منهم بأن لا يفهمهم المراد منه فيظنون بذلك الظنون. وقال الحرالي: وكان إضلالاً لهم، لأن في ضرب المثل بما يسبق لهم استزراؤه بنحو الذباب والعنكبوت الذي استزروا ضرب المثل به تطريق لهم إلى الجهالة فكان ذلك إضلالاً، وقدم الجواب بالإضلال لأنه مستحق المستفهم، والإضلال التطريق للخروج عن الطريق الجادة المنجية - انتهى. {ويهدي به كثيراً} أي ببركة اعتقادهم الخير وتسليمهم له الأمر يهديهم ربهم بإيمانهم فيفهمهم المراد منه ويشرح صدورهم لما فيه من المعارف فيزيدهم به إيماناً وطمأنينة وإيقاناً، والمهديون كثير في الواقع قليل بالنسبة إلى الضالين. ولما كان المقام للترهيب كما مضى في قوله: {فاتقوا النار} اكتفى في المهتدين بما سبق من بشارتهم وقال في ذم القسم الآخر وتحذيره: {وما يضل به إلا}، قال الحرالي: كأنها مركبة من "إن" و "لا" مدلولها نفي حقيقة ذات عن حكم ما قبلها - انتهى. {الفاسقين} أي الخارجين عن العدل والخير. وقال الحرالي: الذين خرجوا عن إحاطة الاستبصار وجهات تلقي الفطرة والعهد الموثق وحسن الرعاية، لأن الفسق خروج عن محيط كالكمام للثمرة والجحر للفأرة - انتهى. ثم بينهم بقوله: {الذين ينقضون} من النقض وهو حل أجزاء الشيء بعضها عن بعض {عهد الله} أي الذي أخذه عليهم على ما له من العظمة بما ركز فيهم من العقول ونصب لهم من الدلائل والعهد التقدم في الأمر - قاله الحرالي. ولما كان المراد عهداً خاصاً وهو إرسال الرسل عليهم السلام أثبت الخبر فقال: {من بعد ميثاقه} أي بدلالة الكتب على ألسنة الرسل مع تقريبه من الفطر وتسهيله للنظر، والوثاق شدة الربط وقوة ما به يربط - قاله الحرالي {ويقطعون ما أمر الله} أي الملك الأعظم، ولما كان البيان بعد الإجمال أروع للنفس قال: {به} ثم فسره بقوله: {أن يوصل} أي من الخيرات، قال الحرالي: والقطع الإبانة في الشيء الواحد والوصل مصيراً لتكملة مع المكمل شيئاً واحداً كالذي يشاهد في إيصال الماء ونحوه وهو إعلام بأنهم يقطعون متصل الفطرة ونحوها فيسقطون عن مستواها وقد أمر الله أن يوصل بمزيد علم يتصل بها حتى يصل نشؤها إلى أتم ما تنتهي إليه، وكذلك حالهم في كل أمر يجب أن يوصل فيأتون فيما يطلب فيه الأمر الأكمل بضده الأنقص - انتهى. {ويفسدون} ولما قصر الفعل ليكون أعم قال: {في الأرض} أي بالنكوب عن طريق الحق. قال الحرالي: ولما كانت الأرض موضوعة للنشىء منها وفيها وموضع ظهور عامة الصور الرابية اللازمة الجسمية ومحل تنشؤ صورة النفس بالأعمال والأخلاق وكان الإفساد نقض الصور كما قال تعالى: {أية : وإذا تولّى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد} تفسير : [البقرة: 205] كان فعلهم فيها من نحو فعلهم في وضع الضد السيء موضع ضده الأكمل والتقصير بما شأنه التكملة فكان إفساداً لذلك - انتهى. ولما كان كأنه قيل: إن فعل هؤلاء لقبيح جداً فما حالهم؟ قال: {أولئك} أي الأباعد من الصواب {هم الخاسرون} أي الذين قصروا الخسران عليهم، والخسارة النقص فيما شأنه النماء - قاله الحرالي، ومن المعلوم أن هذا نتيجة ما مضى من أوصافهم. قال الحرالي: ولما كان الخاسر من كان عنده رأس مال مهيأ للنماء والزيادة فنقصه عن سوء تدبير، وكان أمرهم في الأحوال الثلاث المنسوقة حال من نقص ما شأنه النماء كانوا بذلك خاسرين فلذلك انختمت الآية بهذا؛ وأشير إليهم بأداة البعد لوضعهم في أبعد المواضع عن محل الخير - انتهى. ولما دعا سبحانه إلى التوحيد ودل عليه وأنذر من أعرض وبشر من أقبل وذكر حال الفريقين في قبول الأدلة التي زبدتها الأمثال وإبائها التفت إلى تبكيت المدبر لعله يستبصر، واستمر سبحانه في دلائل التوحيد حتى قامت قيام الأعلام ونفذت نفوذ السهام حتى تخللت صميم العظام لقد ظهرت فلا تخفى على أحد إلا على أكمه لا يبصر القمر في أسلوب مشيراً إلى البعث منبه على التخلص من الخسارة، وما أبدع افتتاح ذلك عقب "الخاسرين" بقوله على طريق التفات المغضب المستعطف المعجب! {كيف} وقال الحرالي: لما تقدمت الدعوة للناس فأجاب مبادر وتوقف متوقف فضربت الأمثال فاستدرك وآمن وتمادى متماد على كفره صرف وجه الخطاب عن المواجهة من الحق تعالى وأجري على لسان لؤم وإنكار، فجاء هذا الاستفهام لإيضاح انقطاع العذر في التمادي على الكفر، وجاء بلفظ كيف لقصور نظرهم على الكيفيات المحسوسة فإن كيف كلمة مدلولها استفهام عن عموم الأحوال التي شأنها أن تدرك بالحواس، فكأنه يقال لهم بمدرك: أي حاسة تماديتم على الكفر بالله؟ على ما تقتضيه صيغة الفعل الدائم في {تكفرون} انتهى. وقال: {بالله} أي مع ظهور عظمته وعلوه، والإنكار الموجب لنفي المنكر، كما في قولك: أتطير بغير جناح، يفيد أنه كان ينبغي أن يكون الكفر في حيز الممتنع لما على بطلانه وصحة التوحيد من الأدلة التي تفوت الحصر، وإنكار حاله إنكار لوجوده على طريق البرهان، لأنه إذا امتنع أن يوجد في حال من الأحوال امتنع وجوده مطلقاً. قال الحرالي: وأعلى هذا الخطاب فأبعدوا عن تيسيره بذكر اسم "الله" لما لم يكونوا من أهل قبول التنزل بدعوى اسم الربوبية حيث لم يكونوا ممن أجاب مبادراً ولا تالياً حسبما تشعر به آية تحقيق ضرب الأمثال. ولما جرى هذا الخطاب بذكر اسم الله أعقب بذكر الأفعال الإلهية التي هي غايات من الموت والإحياء المعروف اللذين لا ينكر الكفار أمرهما - انتهى. {وكنتم} أي والحال أنكم تعلمون أنكم كنتم {أمواتاً} بل مواتاً تراباً ثم نطفاً. قال الحرالي: من الموت وهو حال خفاء وغيب يضاف إلى ظاهر عالم يتأخر عنه أو يتقدمه تفقد فيه خواص ذلك الظهور الظاهرة - انتهى. وإطلاق الموت على ما لم تحله حياة مجاز، وسرّ التعبير به التنبيه على أنه أكثر ما تكون الإعادة التي ينكرونها مثل الابتداء، فلا وجه أصلاً لإنكارها مع الاعتراف بالابتداء. فكيف والإعادة دونه {فأحياكم} فصرتم ذوي حس وبطش وعقل. قال الحرالي: وجاء بالفاء المشعرة بالتعقيب لما لم يكن لهم معرفة بمهل الموت الذي قبل حياة الولادة، والحياء تكامل في ذات ما أدناه حياة النبات بالنمو والاهتزاز مع انغراسه إلى حياة ما يدب بحركته وحسه إلى غاية حياة الإنسان في تصرفه وتصريفه إلى ما وراء ذلك من التكامل - انتهى. {ثم يميتكم} بعد مد الأعمار والتقليب في الأطوار فإذا أنتم أجساد كالفخار كأنه لم تحل بها حياة ساعة قط، وبدلتم بعد الأنس بكم الوحشة، وإثر محبة القرب منكم النفرة؛ وتمثيل الموت بما نعهده أن طلب الملك كما أنه يحصل به من الروع ما يكاد يتلف وربما أتلف كان طلب ملك الملوك موجباً للموت. قال الحرالي: وهذه الأحوال الثلاثة أي الموت المعبر به عن العدم ثم الحياة ثم الموت معروفة لهم لا يمكنهم إنكارها، وإذا صح منهم الإقرار بحياة موت لزمهم الإقرار بحياة موت آخر لوجوب الحكم بصحة وجود ما قد سبق مثله، كما قال تعالى: {أية : أو ليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم}تفسير : [يس: 81] ولَدُن ذلك من العلم أن الموت والحياة مزدوجان متضايفان، وإذا استوفى الموت الأول إحياؤه فلا بد من استيفاء الموت الثاني إحياؤه أيضاً، لأنه لولا استقبال الحياة لما كان موتاً بل بُطلاً وفقداً واضمحلالاً، لأن حقيقة الموت حال غيب بين يديه ظهور، والحياة نهاية ثابتة، والموت مبدأ غيب زائل، فجنس الموت كله متقض ونهاية، والحياة ثابتة دائمة؛ ولذلك ورد ما صح عنه عليه الصلاة والسلام في أن الموت يُذبح، إعلام بانقضاء جنسه وثبات الحياة، ولذلك قدم في الذكر وأعقب بالحياة حيث استغرقتهما كلمة "أل" في قوله: {أية : خلق الموت والحياة} تفسير : [الملك: 2] وثبت الخطاب على إقرار الحياة والكمال، كما ورد عنه صلى الله عليه وسلم في قوله: "حديث : نعيم الجنة لا آخر له" تفسير : فوجب بظاهر ما أحسه الكفار وباطن ما اقتضاه هذا النحو من العلم دونه انتشار حياة ثانية بعد ميتة الدنيا - انتهى. ولما كان على البعث والحشر من الأدلة ما جعلهما كالمحسوسين عدهما في حيز المعلوم لهم كالإحياء الأول والموت فقال: {ثم يحييكم} فينشركم بعد طيكم ويبعثكم بعد حبسكم في البرزخ، فتكونون كما كنتم أول مرة ذوي قدرة على الانتشار بتلك القدرة التي ابتدأكم بها وأماتكم، وهذا لا ينفي أن يكون لهم في البرزخ إحساس بدون هذه الهيئة الكاملة، {ثم إليه ترجعون} فيحشركم بعد طول الوقوف للجزاء من الثواب والعقاب؛ وفي هذا كما قال الحرالي: إعلام بأنهم إن لم يرجعوا إلى الله سبحانه بداعي العلم في الدنيا فبعد مهل من الإحياء الثاني يرجعون إليه قهراً حيث يشاهدون انقطاع أسبابهم ممن تعلقوا به ويتبرأ منهم ما عبدوه من دون الله، وإنما جاء هذا المهل بعد البعث لما يبقى لهم من الطمع في شركائهم حيث يدعونهم فلم يستجيبوا لهم، فحينئذ يضطرهم انقطاع أسبابهم إلى الرجوع إلى الله فيرجعون قسراً وسوقاً فحينئذ يجزيهم بما كسبوا في دنياهم، كما قال تعالى في خطاب يعم كافة أهل الجزاء {أية : واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون}تفسير : [البقرة: 281] وهذا آخر خطاب الإقبال عليهم من دعوة الله لهم ولسان النكير عليهم، ولذلك كانت آية: {أية : واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله} تفسير : [البقرة: 281] آخر آية أنزلت في القرآن، لأنها نهاية ليس وراءه قول يعم أهل الجزاء؛ والرجع عود الشيء عند انتهاء غايته إلى مبدئها - انتهى. ولما أجمل سبحانه في أول هذه الآية أول أمرهم وأوسطه وآخره على الوجه الذي تقدم أنه منبه على أن الكفر ينبغي أن يكون من قبيل الممتنع لما عليه من باهر الأدلة شرع يفصله على وجه داع لهم إلى جنابه بالامتنان بأنواع الإحسان بأمر أعلى في إفادة المقصود مما قبله على عادة القرآن في الترقي من العالي إلى الأعلى فساق سبحانه ابتداء الخلق الذي هو من أعظم الأدلة على وحدانيته مساق الإنعام على عباده بما فيه من منافعهم ليكون داعياً إلى توحيده من وجهين: كونه دالاً على عظمة مؤثرة وكمال قدرته، وكونه إحساناً إلى عباده ولطفاً بهم، وقد جبلت القلوب على حب من أحسن إليها فقال: {هو}، قال الحرالي: وهي كلمة مدلولها العلي غيب الإلهية القائم بكل شيء الذي لا يظهر لشيء، فذاته أبداً غيب، وظاهره الأسماء المظهرة من علو إحاطة اسم الله إلى تنزل اسم الملك، فما بينهما من الأسماء المظهرة، ثم قال: لما انتهى الخطاب بذكر إرجاعهم إلى الله وكان هذا خطاباً خاصاً مع المتمادي على كفره اتبع عند إعراضه وإدباره بهذا الحتم تهديداً رمى به بين أكتافهم وتسبيباً نيط بهم ومُدّ لهم كالمرخى له في السبب الذي يراد أن يجذب به، إما بأن يتداركه لطف فيرجع عليه طوعاً، أو يراد به قسراً عند انتهاء مدى إدباره، وانتظم به ختم آية الدعوة بنحو من ابتدائها، إلا أن هذه على نهاية الاقتطاع بين طرفيها وتلك على أظهر الاتساق؛ فأبعدوا في هذه كل البعد بإسناد الأمر إلى اسم هو الذي هو غيب اسم الله وأسند إليه خلق ما خلق لهم في الأرض الذي هو أظهر شيء للحس - انتهى. {الذي خلق لكم} ديناً ودنيا لطفاً بكم {ما في الأرض} أي بعد أن سواهن سبعاً، قال الحرالي: وقوله: {جميعاً} إعلام بأن حاجة الإنسان لا تقوم بشيء دون شيء وإنما تقوم بكلية ما في الأرض حتى لو بطل منها شيء تداعى سائرها - انتهى. والآية دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة، فلا يمنع شيء إلا بدليل. ولما كانت السماء أشرف من جهة العلو الذي لا يرام، والجوهر البالغ في الأحكام، والزينة البديعة النظام، المبنية على المصالح الجسام، وكثرة المنافع والأعلام، عبر في أمرها بثم فقال: {ثم استوى إلى السماء} أي وشرف على ذلك جهة العلو بنفس الجهة والحسن والطهارة وكثرة المنافع، ثم علق إرادته ومشيئته بتسويتها من غير أدنى عدول ونظر إلى غيرها، وفخم أمرها بالإبهام ثم التفسير، والإفراد الصالح لجهة العلو تنبيهاً على الشرف، وللجنس الصالح للكثرة، ولذلك أعاد الضمير جمعاً، فكان خلق الأرض وتهيئتها لما يراد منها قبل خلق السماء، ودحوها بعد خلق السماء؛ على أن ثم للتعظيم لا للترتيب فلا إشكال، وتقديم الأرض هنا لأنها أدل لشدة الملابسة والمباشرة. وقال الحرالي: أعلى الخطاب بذكر الاستواء إلى السماء الذي هو موضع التخوف لهم لنزول المخوفات منه عليهم فقيل لهم: هذا المحل الذي تخافون منه هو استوى إليه، ومجرى لفظ الاستواء في الرتبة والمكانة أحق بمعناه من موقعه في المكان والشهادة؛ وبالجملة فالأحق بمجرى الكلِم وقوعها نبأ عن الأول الحق، ثم وقوعها نبأ عما في أمره وملكوته، ثم وقوعها نبأ عما في ملكه وإشهاده؛ فلذلك حقيقة اللفظ لا تصلح أن تختص بالمحسوسات البادية في الملك دون الحقائق التي من ورائها من عالم الملكوت، وما به ظهر الملك والملكوت من نبأ الله عن نفسه من الاستواء ونحوه في نبأ الله عن نفسه أحق حقيقة، ثم النبأ به عن الروح مثلاً واستوائها على الجسم ثم على الرأس مثلاً واستوائه على الجثة فليس تستحق الظواهر حقائق الألفاظ على بواطنها بل كانت البواطن أحق باستحقاق الألفاظ؛ وبذلك يندفع كثير من لبس الخطاب على المقتصرين بحقائق الألفاظ على محسوساتهم {فسوَّاهُنَّ} التسوية إعطاء أجزاء الشيء حظه لكمال صورة ذلك الشيء {سبع سماوات} أعطى لكل واحدة منهن حظها {أية : وأوحى في كل سماء أمرها}تفسير : [فصلت: 12] انتهى. وخلق جميع ما فيها لكم، فالآية من الاحتباك؛ حذف أولاً كون الأراضي سبعاً لدلالة الثاني عليه، وثانياً كون ما في السماء لنا لدلالة الأول عليه؛ وهو فن عزيز نفيس وقد جمعت فيه كتاباً حسناً ذكرت فيه تعريفه ومأخذه من اللغة وما حضرني من أمثلته من الكتاب العزيز وكلام الفقهاء وسميته "الإدراك لفن الاحتباك". ولما كان الخلق على هذه الكيفية دالاً بالبديهة على أتم قدرة لصانعه وكان العلم بأن مبنى ذلك على العلم محتاجاً إلى تأمل اغتنى في مقطع الآية بقوله: {وهو بكل شيء عليم} أي فهو على كل شيء قدير. ولما ذكر الحياة والموت المشاهدين تنبيهاً على القدرة على ما اتبعهما به من البعث ثم دل على ذلك أيضاً بخلق هذا الكون كله على هذا النظام البديع وختم ذلك بصفة العلم ذكر ابتداء خلق هذا النوع البشري المودع من صفة العلم ما ظهر به فضله بقوله تعالى عطفاً على قوله: {اعبدوا ربكم} وبياناً لقوله: {أية : رب العالمين} تفسير : [الفاتحة: 2] إذ من البدءة تعلم العودة لمن تدبر، أو يكن عطفاً على ما تقديره: اذكر هذا لهم، وذلك أنه سبحانه لما خاطبهم بهذا الاستفهام الذي من معانيه الإنكار ذاكراً الاسم الأعظم الذي هو أعلى الأسماء وأبطنها غيباً والضمير الذي "هو" أبطن منه، وأتبعه بعض ما هم له منكرون أو به جاهلون، وأشار بقوله: "لكم" مثبتة فيما هو ظاهر عندهم ومحذوفة مما هو خفي عنهم، كما نبه عليه في الاحتباك إلى أنه لم يخلق هذا النوع البشري للفناء بل للبقاء بما أبان عن أنه إنما خلق جميع ما في هذه الأكوان لأجلهم، فالبعض رزق لهم والبعض أسباب له، والبعض أسجدهم لأبيهم وهم في صلبه ووكلهم بهم في حفظ أعمالهم وقسم أرزاقهم ونفخ أرواحهم وغير ذلك من تربيتهم وإصلاحهم؛ لم يكونوا أهلاً لفهم هذا الخطاب حق فهمه تلقياً عن الله لعلوه سبحانه وعلو هذا الخطاب بالأسماء الباطنة وما نظم بها من المعاني اللائقة بها علواً وغيباً فأعلم سبحانه بعطف "إذ" على غير ظاهر أنه معطوف على نحو: اذكر لهم أيها الرسول هذا، لأنه لا يفهمه حق فهمه عنا سواك، وهم إلى الفهم عنك أقرب "وإذ" أي واذكر ما اتفق إذ، وحذف هذا المعطوف عليه لاحتمال المأمور بذكره الإنكار والسياق لإيراد الرفق والبشارة على لسانه صلى الله عليه وسلم استعطافاً لهم إليه وتحبيباً فيه وفي حذفه أيضاً والدلالة عليها بالعاطف حث على تدبر ما قبله تنبيهاً على جلالة مقداره ودقة أسراره، ولما علمت الإشارة لكن لأهل البصارة أتبعها قصة آدم عليه السلام دليلاً ظاهراً ومثالاً بيناً لخلاصة ما أريد بهذه الجمل مما نبه عليه بالعاطف من أن النوع الآدمي هو المقصود بالذات من هذا الوجود، وأنه لا يجوز في الحكمة أن يترك بعد موته من غير إحياء يرد به إلى دار لا يكون في شيء من أمورها من أحد نوع من الخلل وتكون الحكمة فيها ظاهرة جداً لا خفاء بها أصلاً. فيظهر الحمد أتم ظهور؛ ولذلك ذكر تفضيل آدم عليه السلام بالعلم، ثم بإسجاد الملائكة له، ثم بإسكانه الجنة، ثم بتلقي أسباب التوبة عند صدور الهفوة؛ وقد روى البيهقي في أواخر الدلائل والحارث بن أبي أسامة والحاكم في المستدرك عن بشر بن شغاف عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: "إن أكرم خليقة الله على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، قلت: رحمك الله! فأين الملائكة؟ فنظر أليّ وضحك فقال: يا ابن أخي! وهل تدري ما الملائكة؟ إنما الملائكة خلق كخلق الأرض وخلق السماء وخلق السحاب وخلق الجبال وخلق الرياح وسائر الخلائق التي لا تعصي الله شيئاً، وإن أكرم الخلائق على الله أبو القاسم صلى الله عليه وسلم" وقال البيهقي: إنه ليس بموقوف بل حكمه الرفع. وقال الحرالي: لما جعل الله تعالى نور العقل هادياً لآيات ما ظهر في الكون وكان من الخلق مهتد به ومعرض عنه بعث الله النبيين مبشرين لمن اهتدى بنور العقل بمقتضى الآيات المحسوسة وتلك هي الحنيفية والملة الإبراهيمية، ومنذرين لمن أعرض عن ذلك وشغلته شهوات دنياه، فترتب لذلك خطاب الكتاب بين ما يخاطب به الأعلين المهتدين وبين ما يخاطب به الأدنين المعرضين، وكذلك تفاوت الخطاب بين ما يخاطب به الأئمة المهتدين والمؤتّمون بهم، فكان أعلى الخطاب ما يقبل على إمام الأئمة وسيد السادات وأحظى خلق الله عند الله محمد صلى الله عليه وسلم. فكان أول الخطاب بـ الم ذلك الكتاب إقبالاً عليه وإيتاء له من الذكر الأول كما قال عليه السلام: "حديث : أوتيت البقرة وآل عمران من الذكر الأول" تفسير : وهو أول مكتوب حين كان الله ولا شيء معه، وكتب في الذكر الأول كل شيء، فخاطبه الله عز وجل بما في الذكر الأول وأنزله قرآناً ليكون آخر المنزل الخاتم هو أول الذكر السابق ليكون الآخر الأول في كتابه كما هو في ذاته، فمن حيث كان الخطاب الأول من أعلى خطاب الله لمحمد صلى الله عليه وسلم انتظم به ما هو أدنى خطاب من آيات الدعوة تنبيهاً لمن أعرض عن الاستضاءة بنور العقل لما بين الطرفين من تناسب التقابل؛ ثم عاد وجه الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم بما هو إعلام بغائب الماضي عن كائن الوقت من أمر ابتداء مفاوضة الحق ملائكته في خلق آدم ليكون ذلك ترغيباً للمبشرين في علو الرتب إلى التكامل كما كانت آية الدعوة تنبيهاً للمعرضين ليعودوا إلى الإقبال، وخصوص الإنزال إنما هو في الإنباء بغيب الكون من ملكوته وغائب أيام الله الماضية ومنتظر أيام الله الآتية، فذلك الذي يخص المهتدين بنور العقل ليترقوا من حد الإيمان إلى رتبة اليقين، وإنما يرد التنبيه والتنزيل بما في نور العقل هدايته من أجل المعرضين؛ فكان ما شمله التنزيل بذلك أربعة أمور: أحدها التنبيه على الآيات بمقتضى أسماء الله من اسمه الملك إلى اسمه الرحمن الرحيم إلى اسمه رب العالمين إلى اسمه العظيم الذي هو الله، والثاني التنبيه على غائب المنتظر الذي الخلق صائرون إليه ترغيباً وترهيباً، والثالث الإعلام بماضي أمر الله جمعاً للهمم للجد والانكماش في عبادة الله، والرابع التبصير ببواطن كائن الوقت الذي في ظاهره إعلامه؛ فكان أول التنزيل في هذه السورة أمر أول يوم من ذكر الله وهو كتب مقتضى العلم والقدرة في قسمه تعالى عباده بين مؤمن وكافر ومنافق، ثم أنزل الخطاب إلى آية الدعوة من وراء حجاب الستر بسابق التقدير فعم به الناس ونبههم على آيات ربوبيته وحياً أوحاه الله منه إليه، ثم عطف على ذلك إعلاماً لابتداء المفاوضة في خلق آدم عطفاً على ذلك الذي يعطيه إفهام هذا الإفصاح، فلذلك قال تعالى {وإذ} فإن الواو حرف يجمع ما بعده مع شيء قبله إفصاحاً في اللفظ أو إفهاماً في المعنى، وإنما يقع ذلك لمن يعلو خطابه ولا يرتاب في إبلاغه. وإذ اسم مبهم لما مضى من الأمر والوقت، {قال} من القول وهو إبداء صور الكلم نظماً بمنزلة ائتلاف الصور المحسوسة جمعاً، فالقول مشهود القلب بواسطة الأذن، كما أن المحسوس مشهود القلب بواسطة العين وغيره. ثم قال: لما أنبأ الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بما في الذكر من التقدير الذي هو خبء الشرعة ونظم به ما أنزل من دعوة الخلق إلى حكمه فانتظم ذلك رتبتي أمر نظم تعالى بذلك إنزال ذكر خلق معطوفاً على ذكر خلق أعلى رتبة منه، نسبته منه كنسبة الدعوة من خبئها، فذكر خلق آدم ظاهر خبء ما عطف عليه وهو والله أعلم ذكر خلق محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو خبء خلق آدم، فكأنه تعالى أعلم نبيه صلى الله عليه وسلم بأمر خلقه له بدء وحي سر ثم أعلن بما عطف عليه من ذكر خلق آدم وحي علن ليكون أمر خلق محمد صلى الله عليه وسلم عند الخاصة فهماً كما كان أمر خلق آدم عند العامة إفصاحاً؛ وكان المفهوم: اذكر يا محمد إذ كان في خلقك كذا وإذ قال: {ربك} أي المحسن إليك برحمة العباد بك الذي خبأك في إظهار خلق آدم {للملائكة} ما أنزل، وتأويل الملائكة عند أهل العربية أنه جمع ملاك مقلوب من مألك من الألك وهي الرسالة، فتكون الميم زائدة ويكون وزنه معافلة، ويكون الملك من الملك وهو إحكام ما منه التصوير، من ملكت العجين، وجمعه أملاك، تكون فيه الميم أصلية، فليكن اسم ملائكة جامعاً للمعنيين منحوتاً من الأصلين، فكثيراً ما يوجد ذلك في أسماء الذوات الجامعة كلفظ إنسان بما ظهر فيه من أنه من الأنس والنسيان معاً، وهو وضع للكلم على مقصد أفصح وأعلى مما يخص به اللفظ معنى واحداً، فللكلام رتبتان: رتبة عامة ورتبة خاصة أفصح وأعلى كَلِماً وكلاماً. قال: وفيه أي هذا الخطاب مع ذلك استخلاص لبواطن أهل الفطانة من أن تعلق بواطنهم بأحد من دونه حين أبدى لهم انفراده بإظهارهم خلقاً دون ملائكته الأكرمين، حتى لا تعلق قلوبهم بغيره من أهل الاصطفاء فكيف بمن يكون في محل البعد والإقصاء! توطئة لقبيح ما يقع من بعضهم من اتباع خطوات الشيطان؛ وذلك لأن في كل آية معنى تنتظم به بما قبلها ومعنى تتهيأ به للانتظام بما بعدها؛ وبذلك كان انتظام الآي داخلاً في معنى الإعجاز الذي لا يأتي الخلق بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. {إني} إن حرف يفهم توكيداً من ذات نفس المؤكد وعلمه. والياء اسم عليّ يخص المضيف إلى نفسه الذي يضيف الأشياء إليه، {جاعل في الأرض} ولما كانت خلافة آدم عليه السلام كاملة في جميع الأرض بنفسه وبذريته وحّد لذلك مع أنه يصح أن يراد به الجنس فقال: {خليفة} الخليفة ذات قائم بما يقوم به المستخلف على حسب رتبة ذلك الخليفة منه، فهو خليقة الله في كونه مُلكه وملكوته، وهم أيضاً بعضهم خلفاء بعض؛ فهو خليفة بالمعنيين - انتهى. وجعل سبحانه هذا التذكير في سياق داع إلى عبادته وقائد إلى محبته حيث متّ إلى هذا النوع الآدمي بنعمه عليهم وإحسانه إليهم قبل إيجادهم، فذكر لهم ما حاجّ به ملائكته عنهم، وما شرف به أباهم آدم من العلم وأمر الملائكة المقربين بالسجود له، ثم ما وقع لإبليس معه وهما عبدان من عبيده فتاب عليه ولم يتب على إبليس مع سبقه له بالعبادة بل أوجب طرده وأبّد بعده فقال تعالى حكاية عن الملائكة جواباً لسؤال من كأنه قال ما قالوا حين أخبرهم سبحانه بذلك: {قالوا} طالبين الإيقان على الحكمة في إيجاد من يقع منه شر {أتجعل فيها} أي في الأرض {من يفسد فيها} أي بأنواع المعاصي بالقوة الشهوانية، {ويسفك} من السفك، قال الحرالي: وهو سكب بسطوة {الدماء} أي بغير حقها بالقوة الغضبية، لعدم عصمتهم، وخلقهم جوفاً لا يتمالكون، وأصحاب شهوات عليها يتهالكون؛ وكأنهم لما رأوا صورة آدم تفرسوا فيها ذلك لو سألوا عن منافع أعضائه وما أودع فيها من القوى والمعاني أخبرهم تعالى بما تفرسوا منه ذلك والدم. قال الحرالي: رزق البدن الأقرب إليه المحوط فيه {ونحن} أي والحال إنا نحن، وهذا الضمير كما قال الحرالي: اسم القائل المستتبع لمن هو في طوع أمره لا يخالفه {نسبح} أي نوقع التسبيح أي التنزيه لك والإبعاد عما لا يليق بك ملتبسين في التسبيح {بحمدك} والحاصل إنا نبرئك عن صفات النقص حال إثباتنا لك صفات الكمال، وحذف المفعول للتعميم؛ وقال الحرالي: التسبيح تنزيه الحق تعالى عن بادية نقص في خلق أو رتبة، وحمد الله استواء أمره علواً وسفلاً ومحو الذم عنه والنقص منه، وذلك تسبيح أيضاً في علو أمر الله، فما سبح بالحمد إلا أهل الحمد من آدم ومحمد صلى الله عليه وسلم، فغاية المسبح الحمد، والحمد تسبيح لمن غايته وراء ذلك الاستواء - انتهى. {ونقدس} أي نطهر كل شيء نقدر عليه من نفوسنا وغيرها، {لك} أي لا لغيرك لعصمتنا بك، أو المعنى نوقع التقديس أي التطهير لك بمعنى أنك في الغاية من الطهارة والعلو في كل صفة. قال الحرالي: القدس طهارة دائمة لا يلحقها نجس ظاهر ولا رجس باطن، واللام تعلة للشيء لأجله كان ما أضيف به - انتهى. ولما تضمن تفرسهم هذا نسبتهم أنفسهم إلى العلم المثمر للإحسان، ونسبة الخليفة إلى الجهل المنتج للإساءة أعلمنا سبحانه لنشكره أنه حاجَّ ملائكته عنا، فبين لهم أن الأمر على خلاف ما ظنوا بقوله استئنافاً: {قال إني أعلم} أي من ذلك وغيره {ما لا تعلمون}. وقال الحرالي: وأعلم تعالى بما أجرى عليه خلقه من القضاء بما ظهر والحكم على الآتي بما مضى حيث أنبأ عن ملائكته بأنهم قضوا على الخليفة في الأرض بحال من تقدمهم في الأرض من الجبلة الأولين من الجن الذين أبقى منهم عزازيل وغيرهم ليتحقق أن أمر الله جديد وأنه كل يوم هو في شأن لا يقضي على آتي وقت بحكم ما فيه ولا بما مضى قبله - انتهى. والأظهر ما ذكرته أنهم إنما قالوا ذلك تفرساً بحكم ما ظهر لهم من صورته ونحو ذلك من إعلامهم بأنه يجمع فيه بين الشهوة والعقل، ومن المعلوم أن الشهوة حاملة على الفساد؛ وعلم سبحانه ما خفي عنه من أنه يوفق من أراد منهم للعمل بمقتضى العقل مع قيام منازع الشهوة والهوى، فيأتي غاية الكمال التي هي فوق درجة العامل بمقتضى العقل من غير منازع له فيظهر تمام القدرة والله أعلم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين قوله {كمثل الذي استوقد ناراً} وقوله {أو كصيب من السماء} قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال. فأنزل الله {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً} إلى قوله أولئك {هم الخاسرون} . وأخرج عبد الغني الثقفي في تفسيره والواحدي عن ابن عباس قال: إن الله ذكر آلهة المشركين فقال {وإن يسلبهم الذباب شيئاً} وذكر كيد الآلهة فجعله كبيت العنكبوت فقالوا: أرأيت حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد. أي شيء كان يصنع بهذا؟ فأنزل الله {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً} الآية. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: لما ذكر الله العنكبوت والذباب قال المشركون : ما بال العنكبوت والذباب يذكران؟ فأنزل الله {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها} . وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: لما أنزلت {يا أيها الناس ضرب مثل} قال المشركون: ما هذا من الأمثال فيضرب، أو ما يشبه هذا الأمثال. فأنزل الله {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها} لم يرد البعوضة إنما أراد المثل. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: {البعوضة} أضعف ما خلق الله. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يا أيها الناس لا تغتروا بالله، فإن الله لو كان مغفلاً شيئاً لأغفل البعوضة، والذرة، والخردلة ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق} أي أن هذا المثل الحق {من ربهم} وأنه كلام الله ومن عنده. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة. مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله تعالى {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق} قال: يؤمن به المؤمنون، ويعلمون أنه الحق من ربهم، ويهديهم الله به، ويعرفه الفاسقون فيكفرون به. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله {يضل به كثيراً} يعني المنافقين {ويهدي به كثيراً} يعني المؤمنين {وما يضل به إلا الفاسقين} قال: هم المنافقون. وفي قوله {الذين ينقضون عهد الله} فأقروا به، ثم كفروا فنقضوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وما يضل به إلا الفاسقين} يقول: يعرفه الكافرون فيكفرون به. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {وما يضل به إلا الفاسقين} قال: فسقوا فأضلهم الله بفسقهم. وأخرج البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعد بن أبي وقاص قال: الحرورية هم {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} قال: إياكم ونقض هذا الميثاق. وكان يسميهم الفاسقين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة في قوله {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} قال: إياكم ونقض هذا الميثاق، فإن الله قد كره نقضه، وأوعد فيه، وقدم فيه في آي من القرآن تقدمة، ونصيحة، وموعظة، وحجة. ما نعلم الله أوعد في ذنب ما أوعد في نقض هذا الميثاق. فمن أعطى عهد الله وميثاقه من ثمرة قلبه فليوف به. وأخرج أحمد والبزار وابن حبان والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : ألا لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له ". تفسير : وأخرج الطبراني في الكبير من حديث عبادة بن الصامت وأبي أمامة. مثله. وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر. مثله. وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : حسن العهد من الإِيمان ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} قال: الرحم والقرابة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {ويفسدون في الأرض} قال: يعملون فيها بالمعصية . وأخرج ابن المنذر عن مقاتل في قوله تعالى {أولئك هم الخاسرون} يقول هم أهل النار. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كل شيء نسبه الله إلى غير أهل الإِسلام من اسم . مثل خاسر، ومسرف، وظالم، وفاسق، فإنما يعني به الكفر، وما نسبه إلى أهل الإِسلام فإنما يعني به الذنب.

ابو السعود

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً} شروع في تنزيه ساحةِ التنزيل عن تعلق ريبٍ خاصٍّ اعتراهم من جهة ما وقع فيه من ضرب الأمثال وبـيانٌ لحكمته، وتحقيقٌ للحق إثرَ تنزيهها عما اعتراهم من مطلق الريب بالتحدِّي، وإلقامِ الحجر، وإفحامِ كافة البلغاء من أهل المدَر والوبَر. روى أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن المنافقين طعَنوا في ضرب الأمثال بالنارِ والظلماتِ والرعدِ والبرق، وقالوا: الله أجلُّ وأعلى من ضرب الأمثال. وروى عطاءٌ رضي الله عنه: أن هٰذا الطعنَ هذا كان من المشركين. ورُوي عنه أيضاً أنه لما نزل قوله تعالى: {أية : يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ } تفسير : [الحج، الآية 73] الآية، وقوله تعالى: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَاء } تفسير : [العنكبوت، الآية 41] الآية، قالت اليهود: أيُّ قدْرٍ للذباب والعنكبوت حتى يضرِب الله تعالى بهما وجعلوا ذلك ذريعة إلى إنكار كونِه من عند الله تعالى، مع أنه لا يخفى على أحد ممن له تميـيزٌ أنه ليس مما يتصور فيه الترددُ فضلاً عن النكير، بل هو من أوضح أدلةِ كونِه خارجاً عن طَوْق البشر، نازلاً من عند خلاق القُوى والقدَر، كيف لا وإن التمثيل كما مر ليس إلا إبرازاً للمعنى المقصودِ في معرض الأمرِ المشهود، وتحلية المعقولِ بحِلْية المحسوس، وتصويرُ أوابد المعاني بهيئة المأنوس، لاستمالة الوهم واستنزالِه عن معارضتِه للعقل، واستعصائه عليه في إدراك الحقائق الخفية، وفهمِ الدقائق الأبـية، كي يتابعَه فيما يقتضيه ويشايعُه إلى ما يرتضيه، ولذلك شاعت الأمثالُ في الكتب الإلهية والكلمات النبويةِ وذاعت في عبارات البلغاء وإشارات الحكماء، ومن قضية وجوبِ التماثل بـين الممثَّل والممثَّل به في مناط التمثيل تمثيلُ العظيم بالعظيم، والحقير بالحقير، وقد مُثل في الإنجيل غلُّ الصدر بالنُخالة، ومعارضةُ السفهاء بإثارة الزنابـير، وجاء في عبارات البلغاء: أجمعُ مِنْ ذرةٍ، وأجرأ من الذباب، وأسمع من قُراد، وأضعفُ من بعوضة، إلى غير ذلك مما لا يكاد يحصر. والحياء تغيُر النفس وانقباضُها عما يُعاب به أو يُذم عليه، يقال: حيـي الرجل وهو حَيِـيٌّ، واشتقاقه من الحياة اشتقاقَ شظِي وحشِي ونسِيَ من الشظي والنسْي والحشي، يقال: شظِي الفرس ونسي وحشي إذا اعتلت منه تلك الأعضاء كأن من يعتريه الحياء تعتل قوتُه الحيوانية وتنتقص، واشتكىٰ بمعناه خلا أنه يتعدى بنفسه وبحرف الجر، يقال: استحيـيتُه واستحيـيتُ منه، والأول لا يتعدى إلا بحرف الجر، وقد يحذف منه إحدى الياءين، ومنه قوله: [الطويل] شعر : ألا يستحي منا الملوك ويتقي محارمَنا لا يبوء الدمُ بالدم تفسير : وقـولُــه: [الطويل] شعر : إذا ما استحَيْنَ الماءَ يعرِضُ نفسه كَرَعن بسبْتٍ في إناءٍ من الورد تفسير : فكما أنه إذا أسند إليه سبحانه بطريق الإيجاب في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يستحْيـي من ذي الشيبة المسلم أن يعذبه» تفسير : ، وقوله عليه السلام: «حديث : إن الله حِـيـيّ كريمٌ يستحيـي إذا رفع إليه العبدُ يديه أن يُردَّهما صِفراً حتى يضع فيهما خيراً» تفسير : ، يراد به الترك الخاصُّ على طريقة التمثيل حيث مُثل في الحديثين الكريمين تركهُ تعذيبَ ذي الشيبة، وتخيـيبُ العبد من عطائه بترك مَنْ يتركهما حياءً، كذلك إذا نُفي عنه تعالى في المواد الخاصة كما في هذه الآية الشريفة، وفي قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَسْتَحْىِ مِنَ ٱلْحَقِّ } تفسير : [الأحزاب، الآية 53] يراد به سلبُ ذلك التركِ الخاصِّ المضاهي لترك المستحي عنه، لا سلبُ وصفِ الحياء عنه تعالى رأساً، كما في قولك: إن الله لا يوصف بالحياء، لأن تخصيصَ السلب ببعض الموادِّ يوهم كونَ الإيجاب من شأنه تعالى في الجملة، فالمراد ههنا عدمُ ترك ضربِ المثل المماثل لترك من يستحي مِنْ ضَرْبه، وفيه رمز إلى تعاضُد الدواعي إلى ضربه وتآخُذ البواعث إليه، إذ الاستحياءُ إنما يُتصور في الأفعال المقبولة للنفس، المرضية عندها، ويجوز أن يكون ورودُه على طريقة المشاكلة، فإنهم كانوا يقولون: أما يستحي ربُّ محمدٍ أن يضرِب مثلاً بالأشياء المُحَقّرة، كما في قول من قال: شعر : مَنْ مبلغٌ أفناءَ يعرُبَ كلَّها أني بنيتُ الجارَ قبل المنزل تفسير : وضرب المثل استعمالُه في مضرِبه وتطبـيقُه به لا صنعُه وإنشاؤه في نفسه، وإلا لكان إنشاء الأمثال السائرةِ في مواردها ضرباً لها دون استعمالها بعد ذلك في مضاربها، لفقدان الإنشاء هناك. والأمثالُ الواردة في التنزيل وإن كان استعمالُها في مضاربها عينَ إنشائها في أنفسها، لكن التعبـيرَ عنه بالضرب ليس بهذا الاعتبار، بل بالاعتبار الأولِ قطعاً، وهو مأخوذ إما من ضرب الخاتم بجامع التطبـيق، فكما أن ضربَه تطبـيقُه بقالبه، كذلك استعمالُ الأمثال في مضاربها تطبـيقُها بها، كأن المضاربَ قوالبُ تُضرب الأمثالُ على شاكلتها، لكن لا بمعنى أنها تنشأ بحسَبها بعد أن لم تكنْ كذلك، بل بمعنى أنها تورَدُ منطبقة عليها سواءٌ كان إنشاؤها حينئذ كعامة الأمثالِ التنزيلية، فإن مضاربها قوالبُها، أو قبل ذلك كسائر الأمثال السائرة، فإنها وإن كانت مصنوعةً من قبلُ إلا أن تطبـيقها أي إيرادَها منطبقةً على مضاربها إنما يحصُل عند الضرب، وإما من ضرب الطين على الجدار ليلتزق به بجامع الإلصاق، كأنه من يستعملها يُلصِقها بمضاربها ويجعلها ضربةَ لازب لا تنفك عنها لشدة تعلّقها بها. ومحلُّ (أن يضرب) على تقدير تعدية يستحي بنفسه النصبُ على المفعولية، وأما على تقدير تعديته بالجار فعند الخليل الخفضُ بإضمار مِن، وعند سيبويه النصبُ بإفضاء الفعل إليه بعد حذفها، و(مثلاً) مفعول ليضرب، وما اسمية إبهامية تزيد ما تقارنه من الاسم المنكر إبهاماً وشياعاً، كما في قولك: أعطني كتاباً ما، كأنه قيل مثلاً ما من الأمثال، أيَّ مثلٍ كان. فهي صفة لما قبلها، أو حرفية مزيدة لتقوية النسبةِ وتوكيدها كما في قوله تعالى: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران، الآية 159] وبعوضةً بدل من مثلاً أو عطف بـيان عند من يجوِّزه في النكرات، أو مفعول ليضرب ومثلاً حال تقدمت عليها لكونها نكرة، أو هما مفعولاه لتضمنه معنى الجعل والتصيـير، وقرىء بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي هو بعوضة. والجملة على تقدير كون ما موصولةً صلة لها محذوفة الصدر كما في قوله تعالى: {أية : تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِى أَحْسَنَ} تفسير : [الأنعام، الآية 154]على قراءة الرفع، وعلى تقدير كونها موصوفة لها كذلك، ومحل ما، على الوجهين النصبُ على أنه بدل من مثلاً، أو على أنه مفعول ليضرب، وعلى تقدير كونِها إبهاميةً صفةٌ لمثَلاً كذلك، وأما على تقدير كونِها استفهاميةً فهي خبرٌ لها، كأنه لما رُدّ استبعادُهم ضربَ المثل قيل: ما بعوضة، وأيُّ مانع فيها حتى لا يُضرب بها المثل، بل له تعالى أن يمثل بما هو أصغر منها وأحقر كجناحها على ما وقع في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لو كانت الدنيا تزن عند الله جناحَ بعوضةٍ ما سقى الكافرَ منها شربة ماء» تفسير : والبعُوض فعُول من البعض وهو القطع كالبَضْع والعَضْب غلب على هذا النوع كالخُموش في لغة هذيل من الخمش وهو الخَدْش. {فَمَا فَوْقَهَا} عطف على بعوضة على تقدير نصبها على الوجوه المذكورة وما موصولة أو موصوفة صلتَها أو صفتُها الظرفُ، وأما على تقدير رفعها فهو عطفٌ على ما الأولى على تقدير كونِها موصولةً أو موصوفة، وأما على تقدير كونِها استفهاميةً فهو عطفٌ على خبرها أعني بعوضة لا على نفسها كما قيل، والمعنى ما بعوضة فالذي فوقها أو فشيءٌ فوقها، حتى لا يُضْرَب بها المثل، وكذا على تقدير كونِها صفةً للنكرة أو زائدة، وبعوضة خبرٌ للمضمر، وذكرُ البعوضة فما فوقها من بـين أفراد المَثَل إنما هو بطريق التمثيل دون التعيـين والتخصيص، فلا يُخل بالشيوع بل يقرّره ويؤكده بطريق الأولوية، والمراد بالفوقية إما الزيادةُ في المعنى الذي أريد بالتمثيل أعني الصِّغَر والحقارة، وإما الزيادةُ في الحجم والجُثة لكن لا بالغاً ما بلغ، بل في الجملة كالذباب والعنكبوت. وعلى التقدير الأول يجوز أن تكون ما الثانية خاصة استفهاميةً إنكارية والمعنى: إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضةً فأيَّ شيء فوقها في الصغر والحقارة، فإذن له تعالى أن يمثّل بكل ما يريد، ونظيرُه في احتمال الأمرين ما رُوي أن رجلاً بمِنىً خرَّ على طُنُب فُسطاط فقالت عائشة رضي الله عنها حين ذكر لها ذلك: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ما من مسلم يُشاك شوْكةً فما فوقها إلا كُتبت له بها درجة ومُحِيَتْ عنه بها خطيئة» تفسير : فإنه يحتمل ما يجاوز الشوكة في القِلة كنَخْبة النملة بقوله عليه السلام: «حديث : ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارةٌ لخطاياه حتى نَخبةُ النملة» تفسير : وما تجاوزها من الألم كأمثال ما حكي من الحَرور. {أية : فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : شروع في تفصيل ما يترتب على ضرب المثل من الحُكم إثرَ تحقيق حقية صدوره عنه تعالى. والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما يدل عليه ما قبلها، كأنه قيل: فيضرِبه فأما الذين الخ، وتقديمُ بـيانِ حال المؤمنين على ما حكي من الكفرة مما لا يفتقر إلى بـيان السبب، وفي تصدير الجُملتين بأما من إحْماد أمرِ المؤمنين وذمِّ الكفرة ما لا يخفى، وهو حرف متضمنٌ لمعنى الشرط، وفعلُه بمنزلة مهما يكن من شيء، ولذلك يُجاب بالفاء، وفائدتُه توكيد ما صُدِّر به وتفصيلُ ما في نفس المتكلم من الأقسام، فقد تُذكر جميعاً وقد يُقتصر على واحد منها، كما في قوله عز من قائل: {أية : فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } تفسير : [آل عمران، الآية 7] الخ، قال سيبويه: (أما) زِيد معناه مهما يكن من شيء فهو ذاهب لا محالة، وأنه منه عزيمة، وكان الأصلُ دخولَ الفاء على الجملة لأنها الجزاءُ لكن كرِهوا إيلاءَها حرفَ الشرط، فأدخلوها الخبرَ وعُوِّض المبتدأ عن الشرط لفظاً، والمراد بالموصول فريقُ المؤمنين المعهودين كما أن المرادَ بالموصول الآتي فريقُ الكفرة لا مَنْ يؤمِنُ بضرب المثل، ومَنْ يكفرُ به، لاختلال المعنى أيْ فأما المؤمنين فيعلمون... {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّهِمْ} كسائر ما ورد منه تعالى، والحقُّ هو الثابت الذي يحِق ثبوتُه لا محالة، بحيث لا سبـيل للعقل إلى إنكاره لا الثابتُ مطلقاً، واللامُ للدلالة على أنه مشهود له بالحقية، وأن له حِكَماً ومصالحَ، ومن لابتداء الغايةِ المجازية، وعاملُها محذوفٌ وقع حالاً من الضمير المستكنِّ في الحق، أو من الضمير العائد إلى المثَل، أو إلى ضَرْبه، أي كائناً وصادراً من ربهم، والتعرضُ لعنوان الربوبـية مع الإضافة إلى ضميرهم لتشريفهم، وللإيذان بأن ضرْبَ المَثَل تربـيةٌ لهم، وإرشادٌ إلى ما يوصلهم إلى كمالهم اللائق بهم، والجملةُ سادّةٌ مسدَّ مفعوليْ (يعلمون) عند الجمهور، ومسدُّ مفعولِه الأول والثاني محذوفٌ عند الأخفش، أي فيعلمون حقيتَه ثابتةً، ولعل الاكتفاءَ بحكاية علمهم المذكورِ عن حكاية اعترافِهم بموجبه كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلرسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } تفسير : [آل عمران، الآية 7] للإشعار بقوة ما بـينهما من التلازم وظهورِه المُغني عن الذكر. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ممن حُكيت أقوالُهم وأحوالُهم {فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} أُوثر يقولون على لا يعلمون حسبما يقتضيه ظاهرُ قرينِه دلالةً على كمال غلوِّهم في الكفر، وترامي أمرِهم في العتو، فإن مجردَ عدمِ العلم بحقيته ليس بمثابة إنكارِها، والاستهزاءُ به صريحاً وتمهيداً لتعداد ما نُعيَ عليهم في تضاعيف الجواب من الضلال والفِسقِ ونقضِ العهد وغيرِ ذلك من شنائعهم المترتبةِ على قولهم المذكور. على أن عدمَ العلم بحقيّته لا يعمُّ جميعَهم، فإن منهم من يعلم بها، وإنما يقول ما يقول مكابرةً وعناداً، وحملُه على عدم الإذعان والقبولِ الشاملِ للجهل والعنادِ تعسفٌ ظاهر. هذا وقد قيل كان من حقه وأما الذين كفروا فلا يعلمون، ليطابقَ قرينَه ويقابلَ قسيمَه، لكن لما كان قولُهم هذا دليلاً واضحاً على جهلهم عُدل إليه على سبـيل الكنايةِ ليكون كالبرهان عليه، فتأمل وكن على الحق المبـين. و(ماذا) إما مؤلفةٌ من كلمة استفهامٍ وقعتْ مبتدأ خبرُه ذا بمعنى الذي، وصلتُه ما بعده، والعائدُ محذوف، فالأحسنُ أن يجيء جوابُه مرفوعاً، وإما مُنَزَّلةٌ منزلةَ اسمٍ واحد بمعنى أيُّ شيء، فالأحسنُ في جوابه النصبُ، والإرادةُ نزوعُ النفسِ وميلُها إلى الفعل بحيث يحمِلها إليه أو القوةُ التي هي مبدؤه، والأول مع الفعل، والثاني قبله، وكلاهما مما لا يتصور في حقه تعالى، ولذلك اختلفوا في إرادته عز وجل، فقيل إرادتُه تعالى لأفعاله كونُه غيرَ ساه فيها ولا مُكْرهٍ، ولأفعال غيرِه أمرُه بها، فلا تكون المعاصي بإرادته تعالى، وقيل هي علمُه باشتمال الأمر على النظام الأكمل، والوجه الأصلح، فإنه يدعو القادرَ إلى تحصيله، والحقُّ عبارةٌ عن ترجيح أحد طرفي المقدورِ على الآخر وتخصيصُه بوجه دون وجه أو معنى يوجبه، وهي أعمُّ من الاختيار، فإنه ترجيحٌ مع تفضيل، وفي كلمة (هذا) تحقيرٌ للمشار إليه واسترذال له ومثَلاً نُصب على التميـيز أو على الحال كما في قوله تعالى: {أية : نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمْ ءايَةً } تفسير : [الأعراف، الآية 37 وسورة هود، الآية 64] وليس مرادُهم بهذه العظيمة استفهامَ الحكمةِ في ضرب المثل ولا القدْحَ في اشتماله على الفائدة مع اعترافهم بصدوره عنه جل وعلا، بل غرضُهم التنبـيهُ بادعاء أنه من الدناءة والحقارةِ بحيث لا يليق بأن يتعلقَ به أمرٌ من الأمور الداخلةِ تحت إرادته تعالى، على استحالة أن يكون ضربُ المثل به من عنده سبحانه، فقوله عز من قائل: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} جوابٌ عن تلك المقالة الباطلة، وردٌّ لها ببـيان أنه مشتملٌ على حكمةٍ جليلة وغايةٍ جميلة هي كونُه ذريعةً إلى هداية المستعدِّين للهداية، وإضلالِ المنهمكين في الغَواية، فوُضِعَ الفعلان موضعَ الفعل الواقع في الاستفهام مبالغةٌ في الدلالة على تحققهما، فإن إرادتَهما دون وقوعِهما بالفعل وتجافياً عن نظم الإضلال مع الهداية في سلك الإرادة لإيهامه تساويهما في تعلقهما، وليس كذلك، فإن المرادَ بالذات من ضرب المثل هو التذكرُ والاهتداءُ كما ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلأمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } تفسير : [الحشر، الآية 21] ونظائرُه. وأماالإضلالُ فهو أمر عارضٌ مترتب على سوء اختيارهم، وأوثر صيغةُ الاستقبال إيذاناً بالتجدّد والاستمرار، وقيل: وُضع الفعلان موضعَ مصدرٍ، كأنه قيل: أراد إضلالَ كثيرٍ وهدايةَ كثير، وقُدِّم الإضلالُ على الهداية مع تقدم حال المهتدين على حال الضالين فيما قبله ليكون أولُ ما يقرَعُ أسماعَهم من الجواب أمراً فظيعاً يسوءُهم ويفُتَّ في أعضادهم، وهو السرُّ في تخصيص هذه الفائدة بالذكر وقيل: هو بـيانٌ للجملتين المصدّرتين بأما، وتسجيلٌ بأن العلم بكونه حقاً هدى، وأن الجهلَ بوجهِ إيرادِه والإنكارِ لحُسن موردِه ضلالٌ وفسوقٌ، وكثرةُ كل فريقٍ إنما هي بالنظر إلى أنفسها لا بالقياس إلى مقابليهم فلا يقدح في ذلك أقلية أهل الهدى بالنسبة إلى أهل الضلالِ حسبما نطَق به قولُه تعالى: {أية : وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ}تفسير : ، [سبأ، الآية 13] ونحو ذلك. واعتبار كثرتهم الذاتية دون قلتهم الإضافية لتكميل فائدة ضربِ المثل وتكثيرِها، ويجوز أن يراد في الأولين الكثرةُ من حيث العددُ وفي الآخَرين من حيث الفضلُ والشرفُ كما في قول من قال: شعر : إن الكرامَ كثيرٌ في البلاد وإن قَلُّوا كما غيرهم قُلٌّ وإن كثروا تفسير : وإسنادُ الإضلال أي خلق الضلال إليه سبحانه مبنيٌّ على أن جميع الأشياء مخلوقةٌ له تعالى، وإن كانت أفعالُ العباد من حيث الكسبُ مستندةً إليهم، وجعلُه من قبـيل إسناد الفعل إلى سببه يأباه التصريحُ بالسبب، وقرىء (يُضَلُّ به كثيرٌ ويُهدىٰ به كثير) على البناء للمفعول، وتكرير به مع جواز الاكتفاء بالأول لزيادة تقريرِ السببـية وتأكيدِها {وَمَا يُضِلُّ بِهِ} أي بالمثل أو بضربه {إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ} عطف على ما قبله وتكملةٌ للجواب والردِّ وزيادةُ تعيـينٍ لمن أريد إضلالُهم ببـيان صفاتهم القبـيحةِ المستتبعةِ له، وإشارةٌ إلى أن ذلك ليس إضلالاً ابتدائياً بل هو تثبـيتٌ على ما كانوا عليه من فنون الضلال وزيادةٌ فيه، وقرىء وما يُضَل به إلا الفاسقون على البناء للمفعول، والفِسق في اللغة الخروج، يقال: فسَقت الرُّطْبة عن قشرها والفأرةُ من جُحرها أي خرجت، قال رؤبة:[الرجز] شعر : يذهبْن في نجدٍ وغَوْرا غائرا فواسقاً عن قصدها جوائرا تفسير : وفي الشريعة الخروجُ عن طاعة الله عز وجل بارتكاب الكبـيرة التي من جملتها الإصرارُ على الصغيرة وله طبقاتٌ ثلاثٌ: الأولى التغابـي وهو ارتكابُها أحياناً مستقبِحاً لها، والثانية الانهماكُ في تعاطيها، والثالثةُ المثابرة عليها مع جحود قُبحها، وهذه الطبقةُ من مراتب الكفر فما لم يبلُغْها الفاسقُ لا يُسلب عنه اسمُ المؤمن لاتصافه بالتصديق الذي عليه يدور الإيمان ولقوله تعالى: {أية : وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ } تفسير : [الحجرات، الآية 9] والمعتزلةُ لما ذهبوا إلى أن الإيمانَ عبارةٌ عن مجموع التصديقِ والإقرارِ والعملِ، والكفرَ عن تكذيب الحق وجحوده، ولم يتسنَّ لهم إدخالُ الفاسقِ في أحدهما فجعلوه قسماً بـين قسمي المؤمن والكافر لمشاركته كلَّ واحد منهما في بعض أحكامه. والمرادُ بالفاسقين ههنا العاتون الماردون في الكفر، الخارجون عن حدوده ممن حُكي عنهم ما حُكي من إنكار كلامِ الله تعالى والاستهزاءِ به، وتخصيصُ الإضلالِ بهم مترتباً على صفة الفسق وما أجريَ عليهم من القبائح للإيذان بأن ذلك هو الذي أعدَّهم للإضلال وأدىٰ بهم إلى الضلال فإن كفرَهم وعدولَهم عن الحق وإصرارَهم على الباطل صرَف وجوهَ أنظارِهم عن التدبر في حكمة المثَل إلى حقارة الممثَّل به حتى رسَخت به جهالتُهم وازدادت ضلالتُهم فأنكروه وقالوا فيه ما قالوا.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}. الاستحياء من الله تعالى بمعنى التَرْك، فإِذا وصف نفسه بأنه يستحي من شيء فمعناه أنه لا يفعل ذلك وإذا قيل لا يستحي فمعناه لا يبالي بفعل ذلك. والخَلْقُ في التحقيق - بالإضافة إلى وجود الحق - أقلُّ من ذرةٍ من الهباء في الهواء، لأن هذا استهلاك محدود في محدود، فسِيَّان - في قدرته - العرش والبعوضة، فلا خَلْقٌ العرش أشق وأعسر، ولا خَلْق البعوضة أخف عليه وأيسر، فإِنه سبحانه مُتَقَدِّسٌ عن لحوق العُسْر واليُسْر. فإذا كان الأمر بذلك الوصف، فلا يستحي أن يضرب بالبعوضة مثلاً كما لا يستحي أن يضرب بالعرش - فما دونه - مثلاً. وقيل إن جهة ضرب المثل بالبعوضة أنها إذا جاعت فَرَّتْ وطارت، وإذا شبعت تشققت فَتَلِفَتْ - كذلك {أية : إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّءاهُ اسْتَغْنَى}تفسير : [العلق: 6]. وقيل ما فوقها يعني الذباب، وجهة الإشارة فيه إلى وقاحته، حتى أنه ليعود عند البلاغ في الذب، ولو كان ذلك في الأسد لم ينجُ منه أحد من الخَلْق، ولكنه لمَّا خَلَق القوة في الأسد خلق فيه تنافراً من الناس، ولما خلق الوقاحة في الذباب خلق فيه الضعف، تنبيهاً منه سبحانه على كمال حكمته، ونفاذ قدرته. قوله جلّ ذكره: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً}. فأمّا من فتحت أبصار سرائره فلا ينظر إلى الأغيار والآثار إلا بنظر الاعتبار، ولا يزداد إلا نفاذ الاستبصار، وأمَّا الذين سكرت أبصارهم بحكم الغفلة فلا يزيدهم ضربُ الأمثال إلا زيادة الجهل والإشكال والأنكال. قوله جلّ ذكره: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ}. هذا الكتاب لقومٍ شفاءٌ ورحمة، ولآخرين شقاء وفتنة. فمن تعرَّف إليه يوم الميثاق بأنوار العناية حين سمعوا قوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172] تذكَّروا عند ورود الواسطة - صلوات الله عليه وعلى آله - قديم عهده، وسابقَ وُدِّه فازدادوا بصيرة على بصيرة، ومَنْ رَسَمَهُ بِذُلِّ القطيعة، وأنطقه ذلك اليوم عن الحسبان والرهبة ما ازدادوا عند حصول الدعوة النبوية إلا جُحداً على جُحد، وما خفي عليهم اليوم صادق الدلالة، إلا لِمَا تقدم لهم سابقُ الضلالة. لذلك قال الله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ}.

البقلي

تفسير : {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} امّا الذين شاهدوا بنعت الاصطفاء في مشاهد الازل وأوا جمال مشاهدة الحق وسَمِعوا كلامه فيعلمون ان القرأن حقّ من ربّهم لانهم صادقوا حقيقة مقام التصديق بنعت الارواح قبل كونِ صورتهم وبعد كونها قابلوا الاخر بالاوّل والاول بالاخر وجدوا صرفا صدقا فاستقاموا في الصدق والاخلاص حين سَمِعُوا خطاب الحق {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الَّذين لم يبلغوا مقام المشاهدة وَقَفوا في بحر الاشكال ولم يهتدوا بضرب الامثال قوله تعالى {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} القرأن بحر عجائب الربوبية واخبار غرائب اَسرار صفة القدسية فمن كمله الله بكمل نور الحقيقة يرَىَ بعين السّر عرائس مشاهدات الصفات ويَعشق بها ويَبْقى في طلب مزيد حقيقة علمها ويندرج بهجته تحت احكامها برسم العبوديّة ومتابعة المخاطبة ومن اعمى الله قبله عن مشاهدة تجلى كتابه طريق النكرة ويغرق في بحر الضلالة وقبل بين العبد وبين الله بحران الهلاك وبحر النجاة وقد يهلك في بحر النجاة خلق كثير كما قال يضل بهي كثيرا ويهدى به كثير.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الله لا يستحى ان يضرب مثلا ما بعوضة} عن الحسن وقتادة لما ذكر الله الذباب والعنكبوت فى كتابه وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا ما يشبه هذا كلام الله فانزل الله هذه الآية. والحياء تغير وانكسار يعترى الانسان من تخوف ما ياب به ويذم وهو جار على سبيل التمثيل لا يترك ضرب المئل بالبعوضة ترك من يستحيى ان يمثل بها لحقارتها فمحل ان يضرب اى يذكر النصب على المفعولية وما اسمية ابهامية تزيد ما تقارنه من الاسم المنكر ابهاما وشياعا كانه قيل مثلا ما من الامثال اى مثل كان فهى صفة لما قبلها وبعوضة بدل من مثلا والبعوضة صغار البق سميت بعوضة لانها كانها بعض البق {فما فوقها} اى فيذكر الذى هو ازيد منها كالذباب والعنكبوت او فما دونها فى الصغر قيل انه من الاضداد ويطلق على الاعلى والادنى وهو دابة يسترها السكون ويظهرها التحرك يعنى لا تلوح للبصر الحاد الا بتحركها. فان قلت مثل الله آلهتهم ببيت العنكبوت وبالذباب فاين تمثيلها بالبعوضة فما دونها. قلت فى هذه الآية كأنه قال ان الله لا يستحيى ان يضرب مثل آلهتكم بالبعوضة فما دونها فما ظنكم بالعنكبوت والذباب. قال الربيع بن انس ضرب المثل بالبعوضة عبرة لاهل الدنيا فان البعوضة تحيى ما جاعت وتموت اذا شبعت فكذا صاحب الدنيا اذا استغنى طغى واحاط به الردى. وقال الامام ابو منصور الاعجوبة فى الدلالة على وحدانية الله تعالى فى الخلق الصغير الجثة والجسم اكثر منها فى الكبار العظام لان الخلائق لو اجتمعوا على تصوير صورة من نحو البعوض والذباب وتركيب ما يحتاج من الفم والانف والعين والرجل واليدو المدخل والمخرج ما قدروا عليه ولعلهم يقدرون على تصوير العظام من الاجسام الكبار منها فالبعوضة اعطيت على قدر حجمها الحقير كل آلة وعضو أعطيه الفيل الكبير القوى. وفيه اشارة الى حال الانسان وكمال استعداده كما قال عليه السلام "حديث : ان الله خلق آم على صورته ". تفسير : اى على صفته فعلى قدر ضعف الانسان اعطاه الله تعالى من كل صفة من صفات جماله وجلاله نموذجا ليشاهد فى مرآة صفات نفسه كمال صفات ربه كما قال "حديث : من عرف نفسه فقد عرف ربه"تفسير : وليس لشئ من المخلوقات هذه الكرامة المختصة بالانسان كما قال تعالى {أية : ولقد كرمنا بنى آدم}تفسير : [الإسراء: 70]. قال فى المثنوى شعر : آدم خاكى زحق آموخت علم تابهفتم آسمان افروخت علم نام وناموس ملك را در شكست كورئ آنكس كه باحق درشكست قطره دلر يكى كوهر فتاد ان بكردونها ودرباها نداد جند صورت آخر اى صورت برست جان بى معنيت از صورت نرست كر بصورت آدمى انسان بدى احمد وبوجهل خود يكسان بدى تفسير : قال بعضهم ان الله تعالى قوى قلوب ضعفاء الناس بذكر ضعفاء الاجناس وعرف الخلق قدرته فى خلق الضعفاء على هيآت الاقوياء فان البعوض على صغره بهيئة الفيل على كبره وفى البعوض زيادة جناحين فلا يستبعد من كرمه ان يعطى على قليل العمل ما يعطى على كثير العمل من الخلق كما اعطى صغير الجثة مع اعطى كبير الجثة من الخلقة ومن العجيب ان هذا الصغير يؤذى هذا الكبير فلا يمتنع منه ومن لطف الله تعالى انه خلق الاسد بغاية القوة والبعوض والذباب بغاية الضعف ثم اعطى البعوض والذباب جراءة اظهرها فى طيرانهما فى وجوه الناس وتماديهما فى ذلك مع مبالغة الناس فى ذبهما بالمذبة وركب الجبن فى الاسد واظهر ذلك بتباعده عن مساكن الناس وطرقهم ولو تجاسر الاسد تجاسر الذباب والبعوض لهلك الناس فمن الله تعالى وجل فى الضعيف التجاسر وفى القوى الجبن ومن العجب عجزك عن هذا الضعيف وقدرتك على ذلك الكبير – وحكى – انه خطب المأمون فوقع ذباب على عينه فطرده فعاد مرارا حتى قطع عليه الخطبة فلما صلى احضر ابا هذيل شيخ البصريين فى الاعتزال فقال له لم خلق الله الذباب قال ليذل به الجبابرة قال صدقت واجازه بمال كذا فى روضة الاخيار ففى خلق مثل الذباب حكم ومصالح. قال وكيع لولا الريح والذباب لأنتنت الدنيا ومن الاعاجيب ان هذا الضعيف اذا طار فى وجهك ضاق به قلبك ونغص به عيشك وفسد عليك بستانك وكرمك واعجب منه جراءتك مع ضعفك على ما يورثك العار ويوردك النار فاذا كان جزعك هذا من البعوض فى الدنيا فكيف حالك اذا تسلطت عليك الحيات والعقارب فى لظى. قال القشيرى رحمه الله الخلق فى التحقيق بالاضافة الى قدرة الخالق اقل من ذرة من الهباء فى الهواء وسيان فى قدرته العشر والبعوضة فلا خلق العرش عليه اعسر ولا خلق البعوضة عليه ايسر سبحانه وتقدس عن لحوق العسر واليسر. واعلم انه يمثل الحقير بالحقير كما يمثل العظيم بالعظيم وان كان الممثل اعظم من كل عظيم كما مثل فى الانجيل غل الصدر بالنخالة قال لا تكونوا كمنخل يخرج منه الدقيق الطيب ويمسك النخالة كذلك انتم تخرج الحكمة من افواهكم وتبقون الغل فى صدوركم ومثل مخاطبة السفهاء باثارة الزنابير قال لا تثيروا الزنابير فتلدغكم فكذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم وقال فيه ايضا لا تدخروا ذخائركم حيث السوس والارضة فتفسدها ولا فى البرية حيث اللصوص والسموم فيسرقها اللصوص ويحرقها السموم ولكن ذخائركم عند الله تعالى. وجاء فى الانجيل ايضا مثل ملكوت السماء كمثل رجل زرع فى قريته حنطة جيدة نقية فلما نام الناس جاء عدوه فزرع الزوان وهو بفتح الزاى وضمها حب مر يخالط البر فقال عبيد الزراع يا سيدنا أليس حنطة جيدة زرعت فى قريتك قال بلى قالوا فمن اين هذا الزوان قال لعلكم ان ذهبتم لتلقطوا الزوان تقلعوا معه حنطة دعوهما يتربيان جميعا حتى الحصاد فامر الحصادين ان يلقطوا الزوان من الحنطة وان يربطوه حزما ثم يحرق بالنار ويجمعوا الحنطة الى الجرين. والتفسير الزراع ابو البشر والقرية العالم والحطنة الطاعة وزراع الزوان ابليس والزوان المعاصى والحصادون الملائكة يتوفون بنى آدم. وللعرب امثال مثل قولهم هو اجمع من ذرة يزعمون انها تدخر قوت سبع سنين واجرأ من الذباب لانه يقع على أنف الملك وجفن الاسد فاذا ذب اى منع آب اى رجع واسمع من قراد تزعم العرب ان القراد يسمع الهمس الخفى من مناسم الابل اى اخفافها على مسيرة سبع ليال او سبعة اميال وفلان اعمر من القراد وذلك انها تعيش سبعمائة سنة وقيل اعمر من حية لانها لا تموت الاقتلا ويقال اعمر من النسر لانه يعيش ثلاثمائة سنة وفلان أصرد من جرادة اى ابرد لانها لا تظهر فى الشتاء ابدا لقلة صبرها على البرد وأطيش من فراشة اى اخف منها وهى بالفارسية "بروانه" وأعز من مخ البعوض يقال لما لا يجود ويقال كلفتنى مخ البعوض فى تكليف ما لا يطاق وأضعف من بعوضة وآكل من السوس وهو القمل الذى يأكل الحنطة والشعير والدويبة التى تقع على الصوف والجوخ وغيرهما فتأكلها. وبالجملة ان الله تعالى يضرب الامثال للناس ولا يستحيى من الحق وله فى امثاله مطلقا حكم ومصالح وما يتذكر اولوا الالباب: قال المولى جلال الدين قدس سره شعر : بيت من بيت نيست اقليمست هزل من هزل نيست تعليمست تفسير : {فاما الذين آمنوا} بالقرآن محمد صلىالله عليه وسلم والفاء للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما يدل عليه ما قبلها كأنه قيل فيضربه فاما الذين آمنوا {فيعلمون انه} اى المثل بالبعوضة والذباب {الحق} اى الثابت الذى لا يسوغ انكاره {من ربهم} حال من الضمير المستكن فى الحق او من الضمير العائد الى المثل اى كائنا منه تعالى فيتفكرون فى هذا المثل الحق ويوقنون ان الله هو خالق الكبير والصغير وكل ذلك فى قدرته سواء فيؤمنون به {واما الذين كفروا} وهم اليهود والمشركون {فيقولون ماذا} اى ما الذى او أى شئ {اراد الله بهذا} اى بالمثل الخسيس وفى كلمة هذا تحقير للمشار اليه واسترذال له {مثلا} اى بهذا المثل فلما حذف الالف واللام نصب على الحال أى ممثلا او على التمييز فاجابهم الله تعالى بقوله {يضل به} اى يخذل بهذا المثل والاضلال هو الصرف عن الحق الى الباطل واسناد الاضلال اى خلق الضلال اليه سبحانه مبنى على ان جميع الاشياء مخلوقة له تعالى وان كانت افعال العباد من حيث الكسب مستندة اليهم {كثيرا} من الكفار وذلك انهم يكذبونه فيزدادون ضلالة {ويهدى به} اى يوفق بهذا المثل{كثير} من المؤمنين لتصديقهم به فيزدادون هداية يعنى يضل به من علم منهم انه يختار الضلالة ويهدى به من علم انه يختار الهدى. فان قلت لم وصف المهديون بالكثرة والقلة صفتهم. قلت اهل الهدى كثر فى انفسهم وحين يوصفون بالقلة انما يوصفون بها بالقياس الى اهل الضلال وايضا فان القليل من المهديين كثير فى الحقيقة وان قلوا فى الصورة لان هؤلاء على الحق وهم على الباطل. وعن ابن مسعود رضى الله عنه السواد الاعظم هو الواحد على الحق {وما يضل به} اى لا يخذل بالمثل وتكذيبه. {الا الفاسقين} اى الكافرين بالله الخارجين عن امره. والفسق فى اللغة الخروج وفى الشريعة الخروج عن طاعة الله بارتكاب الكبيرة التى من جملتها الاصرار على الصغير وله طبقات ثلاث الاولى التغابى وهو ارتكابها احيانا مستقبحا لها والثانية الانهماك فى تعاطيها والثالثة المثابرة عليها مع جحود قبحها وهذه الطبقة من مراتب الكفر فما لم يبلغها الفاسق لا يسلب عنه اسم المؤمن لاتصافه بالتصديق الذى عليه يدور الايمان. {الذين ينقضون عهد الله} اى يخالفون ويتركون امر الله تعالى. والنقض الفسخ وفك التركيب فان قلت من اين ساغ استعمال النقض فى ابطال العهد. قلت من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين قيل عهد الله ثلاثة الاول ما اخذه على ذرية آدم عليه السلام بان يقروا بربوبيته تعالى والثانى ما أخذه على الانبياء عليهم السلام بأن أقيموا الدين ولا تتفوقوا فيه والثالث ما أخذه على العلماء بان يبينوا الحق ولا يتكموه {من بعد ميثاقهم} اى بعد توثيق ذلك العهد وتوكيده بالقبول فالضمير للعهدا وبعد توثيق الله ذلك بانزال الكتب وارسال الرسل فالضمير الى الله فالمراد بالميثاق هنا نفس المصدر لا نفس العهد – يحكى – عن مالك بن دينار رحمه الله انه كان له ابن عم عامل سلطان فى زمانهم وكان ظالما جائرا فمرض ذلك الرجل ونذر وعهد على نفسه وقال لو عافانى الله تعالى مما انا فيه لا ادخل فى عمل السلطان ابدا قال فأبرأه الله من ذلك المرض فدخل فى عمل السلطان ثانيا فظلم الناس اكثر مما ظلمهم فى المرة الاولى فمرض ثانيا فنذر ثانيا ان لا يرجع الى عمل السلطان فبرئ ونقض العهد ودخل فيه وظلم اكثر مما ظلم فى المرتين فظهرت به علة شديدة فاخبر بذلك مالك بن دينار فاره وقال يا بنى اوجب على نفسك شيأ وعاهد مع الله عهدا لعلك تنجو من هذه العلة فقال المريض عاهدت الله ان لو قمت من فراشى ان لا اعود الى عمل السلطان ابدا فهتف هاتف يا مالك انا قد جربناه مرار فوجدناه كذوبا فلا ينفعه نذره اى جربناه بنفسه فاكذب نفسه فمات الفتى على هذه الحالة كذا فى روضة العلماء: قال فى المثنوى شعر : نقض ميثاق وشكست توبها موجب لعنت شود درانتها تفسير : {ويقطعون ما امر به الله ان يوصل} محل ان يوصل النصب على أنه بدل من ضمير الموصول اى ما امر الله به ان يوصل وهو يحتمل كل قطيعة لا يرضى بها الله سبحانه كقطع الرحم وموالاة المؤمنين والتفرقة بين الانبياء عليهم السلام والكتب فى التصديق وترك الجماعات المفروضة وسائر ما فيه رفض خير او تعاطى شر فانه يقطع ما بين الله تعالى وبين العبد من الوصلة التى هى المقصودة بالذات من كل وصل وفصل وفى الحديث "حديث : اذا اظهر الناس العلم وضيعوا العمل به وتحابوا بالالسن وتباغضوا بالقلوب وتقاطعوا الارحام لعنهم الله عند ذلك فاصمهم واعمى ابصارهم"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : ثلاثة فى ظل عرش الله يوم القيامة امرأة مات عنها زوجها وترك عليها يتامى صغارا فخطبت فلم تتزوج وقالت اقوم على ايتامى حتى يغنيهم الله او يميت "يعنى اليتيم او "هى ورجل له مال صنع طعاما فاطاب صنعته واحسن ثفقته فدعا عليه اليتيم والمسكين ورجل وصل الرحم يوسع له فى رزقه ويمد له فى اجله ويكون تحت ظل عرش ربه ". تفسير : {ويفسدون فى الارض} بالمنع عن الايمان والاستهزاء بالحق وقطع الوصل التى عليها يدور فلك نظام العالم وصلاحه {اولئك هم الخاسرون} اى المغبونون بالعقوبة فى الآخرة مكان المثوبة فى الجنة لانهم استبدلوا النقض بالوفاء والقطع بالوصل والفساد بالصلاح وعقابها بثوابها. قيل ليس من مؤمن ولا كافر الا وله منزل واهل وخدم فى الجنة فان اطاعه تعالى اتى اهله وخدمه ومنزله فى الجنة وان عصاه ورثه الله المؤمن فقد غبن عن اهله وخدمه ومنزله وفى التأويلات النجمية {ان الله لا يستحى ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فاما الذين آمنوا} بنور الايمان يشاهدون الحقائق والمعانى فى صورة الامثلة {فيعلمون انه الحق من ربهم واما الذين كفروا فيقولون} حيث انكروا الحق فجعل ظلمة انكارهم غشاوة فى ابصارهم فما شاهدوا الحقائق فى كسوة الامثلة كما ان العجم لا يشاهدون المعانى فى كسوة اللغة العربية فكذلك الكفار والجهال عند تحيرهم فىادراك حقائق الامثال قالوا {ما اذا اراد الله بهذا مثلا} فبجهلهم زادوا انكارا على انكار فتاهوا فى اودية الضلالة بقدم الجهالة {يضل به كثيرا} ممن اخطأه رشاش النور فى بدء الخلق كما قال عليه السلام "حديث : ان الله خلق الخلق فى ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن اصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن اخطأه فقد ضل"تفسير : فمن اخطأه ذلك النور فى عالم الارواح فقد اخطأه نور الايمان ههنا ومن اخطأه نور الايمان فقد اخطأه نور القرآن فلا يهتدى ومن اصابه ذلك هنالك اصابه ههنا نور الايمان ومن اصابه نور الايمان فقد اصابه نور القرآن ومن اصابه نور القرآن فهو ممن قال {ويهدى به كثيرا} وكان القرآن لقوم شفاء ورحمة ولقوم شقاء ونقمة لانه كلامه وصفته شاملة اللطف والقهر فبلطفه هدى الصادقين وبقهره اضل الفاسقين لقوله {وما يضل به الا الفاسقين} الخارجين من اصابه رشاش النور فى بدء الخلقة ثم اخبر عن نتائج ذكر الخروج ونقض العهود كما قال الله تعالى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: الحياء: خُلُق كريم يمنع صاحبه من ارتكاب ما يعاب به، وفي الحديث:"حديث : إنَّ الله حَيِيٌ كَريم"تفسير : ، و {مثلاً} مفعول، و {ما} نكرة، صفته، و {بعوضة} بدل، والبعوضة: الذباب. وفي الحديث:"حديث : لوْ كَانَتِ الدُّنيَا تُسَاوِي عندَ الله جَنَاحَ بعُوضَةٍ مَا سَقَى الكافرَ منها جَرْعَة ماءٍ"تفسير : ، وقيل: صِغَار البَقِّ، أي: إن الله لا يترك أن يضرب مثلاً - أيّ مثل كان - بعوضة فما فوقها. أو {بعوضة} مفعول أول، و {مثلاً} مفعول ثانٍ، من باب جعل، و {ماذا} إما مبتدأ وخبرِ، على أن {ذا} موصولة، أو مفعولة بأراد على أنها مركبة، و {مثلاً} حال أو تمييز. والفسق: الخروج، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها. يقوله الحقّ جلّ جلاله: {إنَّ اللَّهَ} لا يترك ترك المستحيي {أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} بالخسيس والكبير كالذباب والعنكبوت وغير ذلك. فأما المؤمنون فيتيقَّنُون {أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ}، وحكمته: إبراز المعاني اللطيفة في قوالب المحسوسات ليسهل الفهم، وأما الكفار فيعترضون ويقولون: {مَاذَا أَرَادَ الله} بهذه الأمثال؟ فإن الله منزه عن ضرب الأمثال بهذه الأشياء الخسيسة، قال الله تعالى في الرد عليهم: أراد بهذا إضلال قوم بسبب إنكارها، وهداية آخرين بسبب الإيمان بها، {وَمَا يُضِلُّ} بذلك المثل إلا الخارجين عن طاعته، {الذين} نقضوا العهد الذي أُخذ عليهم في عالم الذَّرِّ، أو مطلق العهد، {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} من الأنبياء والرسل والأرحام وغيرها، {وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ} بالمعاصي والتعويق عن الإيمان، {أَوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} الكاملون في الخسران، نعوذ بالله من الخذلان. الإشارة: إن الله لا يترك أن يظهر مثلاً من أنوار قدسه بارزاً بقدرته، مرتدياً برداء حكمته، ملتبساً بأسرار ذاته، مَكسُوّاً بأنوار صفاته من الذرة إلى ما لا نهاية له، فالمتجلِّي في النملة هو المتجلي في الفيلة، فأما الذين صَدَّقُوا بتجلي الذات في أنوار الصفات، فيقولون: إنه الحق فائضٌ من نور الربوبية، محتجباً برداء الكبرياء وسبحات الألوهية. وأما الجاحدون لظهور نور ذات الربوبية فينكرونه في حال ظهوره، ويقولون: ماذا أراد الله بهذه العوالم الظاهرة؟ فيقول الحق تعالى: أردت ظهور قدرتي وعجائب حكمتي، ليظهر سر ربوبيتي في مظاهر عبوديتي. قال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه: "العبودية جوهرة أظهر بها الربوبية" وقيل لأبي الحسن النُّورِي: ما هذه الأماكن والمخلوقات الظاهرة؟ فقال: عز ظاهر وملك قاهر، ومخلوقات ظاهرة به، وصادرة عنه، لا هي متصلة به ولا منفصلة عنه، فرغ من الأشياء ولم تفرغ منه، لأنها تحتاج إليه وهو لا يحتاج إليها. هـ. فأراد الله بظهور هذا الكون أن يضل به قوماً فيقفون مع ظاهر غرَّتِه، ويهدي به قوماً فينفذون إلى باطن عبرته. وما يضل به إلا الفاسقين الخارجين عن دائرة الشهود، المنكرين لتجليات الملك المعبود، الذين ينقضون عهد الله، وهو معرفة الروح التي حصلت لها وهي في عالم الذر، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل من الشيوخ العارفين، الذين أَهَّلَهُمَ الله للتربية والترقية، وهم لا ينقطعون ما دامت المِلَّةُ المحمدية، ويفسدون في الأرض بالإنكار والتعويق عن طريق الخصوص، بتضييعهم الأصولَ، وهي صحبة العارفين، والتأدب لهم، والتعظيم لحرمتهم. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.

الطوسي

تفسير : سبب النزول: اختلف اهل التأويل في سبب نزول هذه الآية فروي عن ابن مسعود وابن عباس أن الله تعالى، لما ضرب هذين المثلين للمنافقين وهو قوله {كمثل الذي استوقد ناراً} وقوله {أو كصيب من السماء} قال المنافقون الله أجل من {أن يضرب مثلا} إلى آخر الآية، وقال الربيع بن أنس هذا مثل ضربه الله للدنيا، لأن البعوضة تحيا ما جاعت، فاذا سمنت ماتت فشبه الله تعالى هؤلاء بانهم اذا امتلؤوا أخذهم الله؛ كما قال تعالى {أية : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء}تفسير : إلى آخر الآية - إلى ان قال ـ {أية : حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون}، تفسير : وقال قتادة معناه أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها أي لا يستحيي من الحق أن يذكر منه شيئاً ما قل أو كثر. إن الله تعالى حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال اهل الضلالة ماذا اراد الله من ذكر هذا؟ فانزل الله تعالى {أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها: الآية} وكل هذه الوجوه حسنة. واحسنها قول ابن عباس، لأنه يليق بما تقدم. وبعده ما قال قتادة. وليس لأحد ان يقول: هذا المثل لا يليق بما تقدم. من حيث لم يتقدم للبعوضة ذكر. وقد جرى ذكر الذباب والعنكبوت في موضع آخر. في تشبيه آلهتهم بها وان يكون المراد بذلك اولى، وذلك ان قوله: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها}. انما هو خبر منه تعالى انه لا يستحيي تعالى أن يضرب مثلا في الحق من الأمثال: صغيرها وكبيرها، لأن صغير الأشياء عنده وكبيرها بمنزلة واحدة من حيث لا يتسهل الصغير، ولا يصعب الكبير. وإن في الصغير من الاحكام والاتقان ما في الكبير. فلما تساوى الكل في قدرته، جاز أن يضرب المثل بما شاء من ذلك، فيقر بذلك المؤمنون، ويسلمون ـ وان ضل به الفاسقون بسوء اختيارهم ـ وهذا المعنى مروي عن مجاهد. وروي عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) انه قال: إنما ضرب الله بالبعوضة، لأن البعوضة على صغر خلق فيها جميع ما في الفيل على كبره وزيادة عضوين آخرين. فاراد الله ان ينبه بذلك المؤمنين على لطف خلقه وعجيب عظم صنعه. المعنى: و {يستحيي} لغة اهل الحجاز وعامة العرب بيائين. وبنو تميم يقولون: بياء واحدة اخصر. كما قالوا: الم يك، ولا ادر ومعنى {يستحيي}: قال بعضهم: إنه لا يخشى ان يضرب مثلا كما قال: {أية : وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} تفسير : معناه: تستحيى الناس والله احق ان تستحييه، فيكون الاستحياء بمعنى الخشية بمعنى الاستحياء. وقال الفضل بن سلمة: معناه لا يمتنع وقال قوم: لا يترك وهو قريب من الثاني واصل الاستحياء: الانقباض عن الشيء، والامتناع منه خوفاً من مواقعة القبيح والاستحياء، والانخزال والانقماع، والارتداع متقاربة المعنى وضد الحياء القحة ومعنى (الاستحياء) في الآية: انه ليس في ضرب المثل بالحقير عيب يستحيى وكأنه قال: لا يحل ضرب المثل بالبعوضة محل ما يستحيى منه فوضع قوله: ـ {إن الله لا يستحيى} الآية ـ إختاره الرماني وقوله: {أن يضرب مثلا} فهو ان يصف ويمثل ويبين كما قال تعالى {أية : ضرب لكم مثلا من أنفسكم} تفسير : معناه وصف لكم كما قال الكميت: شعر : وذلك ضرب أخماس أريدت لأسداس عسى أن لا تكونا تفسير : والمعنى وصف أخماس. وضرب المثل بمثله. يقال: أي ضرب هذا؟ أي من أي جنس ولون. والضروب: الأمثال والمثل: الشبه. ويقال: مِثل ومَثَل. كما قالوا: شِبه وشَبه. كقول كعب بن زهير: شعر : كانت مواعيد عرقوب لنا مثلا وما مواعيده إلا الأباطيل تفسير : يعني شبهاً. فمعنى الآية: إن الله لا يستحيي أن يصف شبهاً لما شبه به. الاعراب: وإما إعراب {بعوضة}: فنصب من وجهين ـ على قول الزجاج - احدهما ـ ان تكون {ما} زائدة. كأنه قال: إن الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة مثلا أو مثلا بعوضة وتكون {ما} زائدة. نحو قوله: {أية : فبما رحمة من الله}. تفسير : والثاني ـ أن تكون {ما} نكرة. ويكون المعنى: أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا شيء بعوضة. فكان بعوضة في موضع نصب شيء، لأنه قال: يستحيي ان ضرب مثلا شيء من الاشياء بعوضة فما فوقها. قال الفراء يجوز أن يكون معنى {ما} بين بعوضة إلى ما فوقها كما يقول القائل: مطرنا ما زبالة فالثعلبية. وله عشرون ما ناقة وجملا. وهي أحسن الناس ما قرنا فقدما. يعنون ما بين في جميع ذلك. وقال بعضهم: {ما} بمعنى الذي. ويكون التقدير الذي هو بعوضة لأنها من صلة الذي، فأعربها باعرابه. كما قال حسان بن ثابت: شعر : فكفى بنا فخراً على من غيرنا حب النبي محمد ايانا تفسير : فأعرب (غيرنا) باعراب (من) ويجوز ذلك في من وما، لأنهما يكونان تارة معرفة وتارة نكرة. والبعوضة: من صغار البق. وقوله: {فما فوقها} في الصغر والقلة. كما يقول القائل: إن هذا الأمر لصغير، فيقول المجيب: وفوق ذلك أي هو أصغر مما قلت. وكلاهما جائز فمن قال بالأول، قال: لأن البعوضة غاية في الصغر ومن قال بالثاني، قال: يجوز أن يكون ما هو أصغر منها وحكي عن رؤبة ابن العجاج: انه رفع بعوضة وانشد بيت النابغة: شعر : قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد تفسير : بالرفع فأعمل ما ولم يعمل ليت قال: وهي لغة تميم يعملون آخر الأداتين وقال الزّجاج: الرفع كان يجوز وما قرىء به اذا كانت "ما" بمعنى الذي، ويقدر بعدها هو ويكون تقديره مثلا الذي هو بعوضة كمن قرأ تماماً على الذي هو أحسن وقد قرىء به وهو ضعيف عند سيبويه وفي الذي اقوى، لأنه أطول، ولأنها لا تستعمل ألا في الاسماء وقوله: {فأما الذين} لغة العرب جميعاً بالتشديد. وكثير من بني عامر وتميم يقولون أيما فلان ففعل الله به وانشد بعضهم: شعر : مبتلة هيفاء أيما وشاحها فيجري وايما الحجل منها فلا يجري تفسير : {آمنوا فيعلمون أنه الحق} الفاء جواب (أما) وفيها معنى الشرط والجزاء والمعنى: ان المؤمنين بالله على الحقيقة يعلمون أن هذا المثل حق من عند الله وأنه من كلامه. {وأما الذين كفروا} يعني الجاحدين، {فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا} على ما بيناه. وانتصب {مثلا} عند تغلب بانه قطع. وعند غيره انه تفسير. وقال قوم: إنه نصب على الحال. وذا مع ما بمعنى أي شيء الذي أراد الله بهذا مثلا. فعلى هذا يكون الجواب رفعاً، كقولك: البيان لحال الذي ضرب له المثل. ويحتمل أن يكون وقعا ذا وما بمنزلة اسم واحد فيكون الجواب نصباً كقولك: البيان لحال الممثل به. ورد القرآن بهما جميعاً قال تعالى: {ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا} وفي موضع آخر: {ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} ذكرهما سيبويه، والأخفش وهذا إشارة إلى المثل. ومثلا ما؛ نون التنوين تدغم في الميم عند جميع القراء. ويكره الوقف فيها على قوله: {لا يستحيي} ثم يقول: {أن يضرب مثلا} وكذلك على قوله: {والله لا يستحيي} ثم يقول: {من الحق}. وقوله: {يضل به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين}. إن قيل: أليس تقولون: إن الله لا يضل أحداً، ولا يهدي خلقاً، وإن العباد هم يضلون انفسهم ويهدونها، وهم يضلون من شاءوا ويهدون من شاءوا. وقد قال الله تعالى: في غير موضع من كتابه نحو قوله: {يضل من يشاء ويهدي من يشاء}، ولا يمكنكم ان تقولوا: إن المراد بالاضلال العقوبة والتسمية، لأنه لو قال: يضل كثيراً ويهدي كثيراً، كان ذلك ممكناً، لكنه قال: {يضل به} و {يهدي به} والهاء راجعة إلى القرآن، والمثل الذي ضربه فيه. ولا يجوز أن يعاقب بالمثل، ولا أن يسمى بالمثل. فعلم بذلك أنه أراد أنه ليس عليهم وجعله حيرة لهم قلنا اول ما في ذلك انا لا نطلق أن الله لا يضل احداً ولا يهدي احداً. ومن اطلق ذلك، فقد اخطأ. ولا نقول ايضاً إن العباد يضلون انفسهم ويهدونها مطلقاً او يضلون غيرهم ويهدونه. فان إطلاق جميع ذلك خطأ، بل نقول: إن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء. ونقول: إن من اضله الله فهو الضال ومن هداه فهو المهتدي، ولكن لا نريد بذلك ما يريده المخالف مما يؤدي الى التظليم والتجوير لله في حكمه والمخالف يقول: إن الله يضل كثيراً من خلقه بمعنى انه يصدهم عن طاعته، ويحول بينهم وبين معرفته، ويلبس عليهم الأمور ويحيرهم ويغالطهم، ويشككهم ويوقفهم في الضلالة، ويجبرهم عليها. ومنهم من يقول: يخلقها فيهم، ويخلق فيهم قدرة موجبة له، ويمنعهم الأمر الذي به يخرجون منها، فيصفون الله تعالى باقبح الصفات وأخسها. وقالوا فيه بشرّ الأقوال. وقلنا نحن: إن الله قد هدى قوماً واضل آخرين، وأنه يضل من يشاء. غير أن لفضله وكرمه، وعدله ورحمته لا يشاء أن يضل إلا من ضل وكفر وترك طريق الهدى وإنه لا يشاء ان يضل المهتدين والمتمسكين بطاعته، بل شاء أن يهديهم ويزيدهم هدى، فانه يهدي المؤمنين بان يخرجهم من الظلمات إلى النور. كما قال تعالى: {أية : والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} تفسير : وقال: {أية : ومن يؤمن بالله يهد قلبه} تفسير : وقال: {أية : الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} تفسير : وقال: {أية : يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين. الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون} تفسير : وقال: {أية : ويضل الله الظالمين} تفسير : والاضلال على وجوه كثيرة منها: ــ ما نسبه الله تعالى إلى الشيطان: وهو الصد عن الخير والرشد والدعاء إلى الفساد والضلال، وتزيين ذلك، والحث عليه. وهذا ينزه الله تعالى عنه. ــ ومنها التشديد الامتحان والاختبار اللذين يكون عندهما الضلال ويعقبهما ونظير ذلك في اللغة أن يسأل الرجل غيره شيئاً نفيساً خطيراً يثقل على طباعه بذله فاذا بخل به، قيل له نشهد لقد بخل به فلان. وليس يريدون بذلك عيب السائل وانما يريدون عيب الباخل المسؤول، لكن لما كان بخل المسؤول ظهر عند مسألة السائل جاز أن يقال في اللغة: انه بخلك. ويقولون للرجل اذا أدخل الفضة النار ليعلم فسادها من صلاحها، وظهر فسادها: أفسدت فضتك، ولا يرون أنه فعل فيها فساداً، وإنما يريدون ان فسادها ظهر عند محنته. ويقرب من ذلك قولهم: فلان أضل ناقته، ولا يريدون انه أراد أن يضل، بل يكون قد بالغ في الاستتار منها وانما يريدون ضلت منه لا من غيره. ويقولون افسدت فلانة فلانا، واذهبت عقله وهي لا تعرفه، لكنه لما فسد وذهب عقله من أجلها، وعند رؤيته إياها قيل: قد افسدت، واذهبت عقله. ــ ومنها التخلية على جهة العقوبة وترك المنع بالقهر والاجبار، ومنع الالطاف التي يؤتيها المؤمنين جزاء على ايمانهم. كما يقول القائل لغيره افسدت سيفك، اذا ترك أن يصلحه. لا يريد أنه أراد أن يفسد أو أراد سبب فساده، أولم يحب صلاحه، لكنه تركه فلم يحدث فيه الاصلاح ـ في وقت ـ بالصقل والاحداد. وكذلك قولهم: جعلت اظافيرك سلاحاً. وانما يريدون تركت تقليمها. ــ ومنها التسمية بالاضلال والحكم به كافراً. يقال: أضله اذا سماه ضالا. كما يقولون: أكفره اذا سماه كافراً، ونسبه اليه. قال الكميت: شعر : وطائفة قد أكفروني بحبكم وطائفة قالوا: مسيء ومذنب تفسير : ــ ومنها الاهلاك والتدمير. قال الله تعالى: {أإذا ضللنا في الأرض} أي هلكنا. فيجوز أن يكون أراد بالآية: حكم الله على الكافرين، وبراءته منهم ولعنه إياهم إهلاكا لهم، ويكون اضلاله إضلالا كما كان الضلال هلاكا. واذا كان الضلال ينصرف على هذه الوجوه، فلا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى اقبحها وهو ما أضافه إلى الشيطان، بل ينبغي أن ينسب اليه أحسنها وأجلها. واذا ثبتت هذه الجملة، رجعنا إلى تأويل الآية، وهو قوله: {يضل به كثيراً} معناه أن الكافرين لما ضرب الله لهم الامثال قالوا: ما الحاجة اليها؟ قال الله تعالى: فيها اعظم الفائدة: لأنها محنة واختبار. وبهما يستحق الثواب، ويوصل إلى النعيم. فسمى المحنة اضلالا وهداية، لأن المحنة إذا اشتدت على الممتحن وثقلت فضل عندها، جاز أن تسمى اضلالا، فاذا سهلت فاهتدى عندها، سميت هداية، كما أن الرجل يقول لصاحبه: ما يفعل فلان؟ فيقول هو ذا. يسخي قوماً ويبخل قوماً آخرين أي يسأل قوماً فيشتد عليهم للعطاء فيبخلون، ويسأل آخرين، فيسهل عليهم فيعطون ويجودون، فسمي سؤاله باسم ما يقع عنده ويعقبه. فمعنى قوله: {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} أي يمتحن به عباده، فيضل به قوم كثير، ويهتدي به قوم كثير. ولا يجب على ذلك أن يكون أراد إضلالهم. كما لا يجب ذلك في السائل الذي لا يريد بخل المسئول، بل يريد إعطاءه فان قيل: أليس الله تعالى امتحن بهذه الأمثال المؤمنين كما امتحن بها الكافرين، فيجب أن يكون مضلا لهم؟ قلنا: إنما سمى المحنة الشديدة إضلالا إذا وقع عندها الضلال كما أن السؤال يسمى تبخيلا إذا وقع عنده البخل. وقال قوم: معنى قوله: {يضل به كثيراً} يعني يضل بالتكذيب بهذه الأمثال كثيراً ويهدي بالايمان كثيراً، لأنه لو كان سبباً للضلال لما وصفه الله بأنه هدى وبيان وشفاء لما في الصدور. وحذف التكذيب والاقرار اختصاراً، لأن في الكلام ما يدل عليه. كما يقول القائل: نزل السلطان فسعد به قوم وشقي به آخرون. وانما يراد به سعد باحسانه قوم وشقي باساءته آخرون. لا بنزول جيشه، لأنه نفسه لا يقع به سعادة ولا شقاء. وكما قال: {وأشربوا في قلوبهم العجل} وانما أراد حب العجل. وذلك كثير. وقد بينا أن الاضلال والهداية يعبر بهما عن العذاب والثواب، فعلى هذا يكون تقدير الآية: يضل أي يعذب بتكذيب القرآن، والأمثال كثيراً، ويهدي أي يثيب بالاقرار به كثيراً. والدليل على ما قلناه قوله: {وما يضل به إلا الفاسقين} فلا يخلو أن يكون أراد ما قلناه من العقوبة على التكذيب، أو أراد به الحيرة والتشكيك، وقد ذكرنا انه لا يفعل الحيرة المتقدمة التي بها صاروا ضلالا فساقاً، لم يفعلها الله إلا بحيرة قبلها، وهذا يوجب ما لا نهاية له من حيرة قبل حيرة، لا إلى أول، أو اثبات إضلال لا إضلال قبله، فان كان الله قد فعل هذا الضلال الذي لم يقع قبله ضلال فقد أضل من لم يكن فاسقاً، وهذا خلاف قوله: {وما يضل به إلا الفاسقين} فثبت أنه أراد أنه لا يعاقب إلا الفاسقين، كما قال: {أية : ويضل الله الظالمين ويفعل ما يشاء} تفسير : وحكى الفراء وجهاً آخواً مليحاً، قال: قوله {ماذا أراد الله بهذا مثلا، يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} حكاية عمن قال ذلك، كأنهم قالوا: ماذا أراد بهذا مثلا يضل به كثيراً، أي يضل به قوم ويهدي به قوم، ثم قال الله: {وما يضل به إلا الفاسقين} فبين عز وجل الاضلال، وأنه لا يضل إلا ضالا فاسقاً، واقتصر على الاخبار عنهم وبيان ما بين الاضلال دون ما أراد بالمثل، وهذا وجه حسن تزول معه الشبهة. وأصل الفسق في اللغة الخروج عن الشيء، يقال منه: فسقت الرطبة إذا اخرجت من قشرها، ومن ذلك سميت الفارة فويسقة، لخروجها من حجرها، ولذك سمي المنافق والكافر فاسقين لخروجهما عن طاعة الله، ولذلك قال الله تعالى في صفة إبليس: {أية : إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه} تفسير : يعني خرج من طاعته واتباع أمره.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : لمّا أثبت الله حقيَّة القرآن وإعجازه بالدليل، ووقع الايعاد للمنكرين له، والوعد للمؤمنين به على أتمّ وجه وأبلغه، أراد أن يشير إلى ردّ شبه الكافرين والمنافقين في ذلك "وهي أن ذكر الأشياء الحقيرة الخسيسة لا يليق بكلام الفصحاء، فالقرآن لاشتماله عليها - كالنحْل والذباب والعنكبوت والنمل -، لا يكون فصيحاً - فضلاً عن كونه معجزاً -. فأجاب: بأنّ الحقارة لا تنافي التمثيل بها، إذ الشرط في المثال أن يكون على وفق الممثّل له من الجهة التي يستدعي التمثيل به كالعِظم والحقارة، والشرف والخساسة، لا على وفق من يوقع التمثيل ويضرب المثال، لأن الغرض الأصلي منه ايضاح المعنى المعقول، وإزالة الخفاء عنه، وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس ليساعد فيه الوهم العقل ولا يزاحمه، فإنّ العقل الإنساني ما دام تعلّقه بهذه القوى الحسيّة، لا يمكنه إدراك روح المعنى مجرّداً عن مزاحمة الوهم ومحاكاته، لأنّ من طبعه كالشياطين الدعابة في التخييل وعدم الثبات على صورة. ولذلك شاعَت الأمثال في الكتب الإلهيّة، وفشَت في عبارات الفصحاء من العرب وغيرهم، وكثرت في إشارات الحكماء ومرموزاتهم، وصحف الأوائل ومسفوراتهم - سيّما في العلوم الهندسية -، تتميماً للتخيّل بالحسّ، فهناك يضاعَف في التمثيل، حيث يمثَّل أولاً المعقول بالمتخيل، ثم يمثل المتخيل بالمرسوم المحسوس المهندس المشكَّل. ونحن نرى الإنسان، إذا ذكر معنى وحده، أدركه العقل ولكن مع منازعة الخيال، فإذا ذكر التشبيه معه، أدركه العقل مع معاونة الخيال، ولا شكّ أن الثاني يكون أكمل، وذلك لأن من طبع الخيال المحاكاة، فلا يلوح معنى كما ينبغي إلاّ إذا ذكر مع المثال الصحيح. وهذا ممّا لا تخفى استقامته ولا تغبى صحّته على من به أدنى مسكة، لكن ديدن المحجوج المبهوت، والمحجوب المقطوع عن عالم الملكوت، لفرط الحيرة والعجز، يعوّل على المكابرة حيثما ينضغط في مضائق المغالطة لدى المناظرة أن يدفع الواضح المستقيم، لسوء فهمه، وآفة طبعه السقيم. شعر : وكمْ من عائبٍ قولاً صحيحاً وآفته من الطبع السقيم تفسير : فليس بمستنكر من الله سبحانه أن يمثّل الحقير بالحقير، كما يمثّل الخطير بالخطير، وإن كان الممثّل بالمحاكي أعظم من كل عظيم، بل لغاية عظمته يحيط بالصغير كما يحيط بالعظيم، ولا يعزب عن عمله ذرّة واحدة ممّا في الأرض والسماء، ودقيقة من دقائقها، كما لا تعزب عنه عظائم الأشياء وجلالها؛ لأنه مع كل شيء لا بمزاولة، وغير كل شيء لا بمزائله، وهو أعلى من كلّ عالٍ في علوّه، وأدنى من كلّ دان في دنوّه، فلا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها في الحقارة والقلّة. فمن زعم أن التمثيل بهذه الأشياء الحقيرة، لا يليق بالله، فذلك لجهله بالأحكام الإلهيّة، والأوصاف الربوبيّة، ورحمته الواسعة، لأنه تعالى هو الذي خلق بحكمته الكبير والصغير، ورحمته في كل ما خلق وبرء عامّ لأنه أحكم جميعه، وليس الصغير أخفى وأخفّ عليه من العظيم، ولا العظيم أجلى له وأصعب عليه من الصغير، بل الكلّ بمنزلة واحدة. فليس الكبير أولى بأن يضرب به مثلاً - كالفيل والبعير - إذا كان الأليق بحال الممثّل له تمثيله بالحقير - كالذباب والعنكبوت -. فإن كان المراد تقبيح عبادة الكفرة للأصنام، وعدولهم عن عبادة الرحمن، صلح أن يضرب لها المثَل بالذباب في عدم اقتدارهم على دفع المضرّة عنهم، وببيت العنكبوت في وهن عقائدهم الباطلة، وضعف أصولهم الفاسدة؛ وفي هذا المقام، كلّما كان المضروب به المثَل أضعف، كان المثل أقوى وأحكم. وقد ضرب الله الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقَّرة، فمثَّل غلّ الصدور بالنخالة، والقلوب القاسية بالحصاة، ومخاطبة السفهاء بإثارة الزنابير، ومثّل بالزوان - وهو حب يخالط البر -، وبالخردل والمنخل والأرضة والدود. قال تعالى: "مثَل ملكوت السماء، كمثَل رجل زرع في قريته حنطةً جيّدة نقيّة، فلمّا نام الناس، جاء عدوّه فزرع الزوان، [فلما نبت الزرع وأثمر العشب غلب عليه الزوان] فقال عبيد الزارع: يا سيّدنا، أليس حنطة جيّدة نقيّة زرعت في قريتك؟. قال: بلى. قالوا: فمن أين هذا الزوان؟ [قال لهم: هذا فعل العدوّ. قالوا: أتريد أن نذهب ونقلع الزوان؟] قال: لعلّكم إن ذهبتم أن تقلعوا الزوان تقلعوا معه الحنطة، دعوهما يتربّيان جميعاً [حتّى الحصاد] فأمر الحصّادين أن يلتقطوا الزوان من الحنطة، وأن يربطوه حزماً، ثمّ يحرق بالنار، ويجمعوا الحنطة إلى الخزائن. وأفسِّر لكم ذلك الرجل الذي زرع الحنطة الجيدة، وهو أبو البشر، والقرية هي العالم، والحنطة الجيدة النقية هو نحن أبناء الملكوت الذين يعملون بطاعة الله، والعدوّ الذي زرع الزون هو إبليس، والزوان: المعاصي التي زرعها إبليس وأصحابه، والحصّادون هم الملائكة، يتركون الناس حتى تدنوا آجالهم فيحصدون أهل الخير إلى ملكوت الله، وأهل الشرّ إلى الهاوية. وكما أن الزوان يلتقط ويحرق بالنار، كذلك رسل الله وملكوته، يلتقطون من ملكوته المتكاسلين وجميع عمّال الإثم، فيُلْقونهم في أُتون الهاوية، فيكون هنالك البكاء وصريف الأسنان، ويكون الأبرار هنالك في ملكوت ربّهم، مَن كان له أُذُن تسمع فليسمع". قال: "وأضرب لكم مثلاً آخر يشبه ملكوت السماء: إنّ رجلاً أخذ حبّة خردل - وهي أصغر الحبوب -، فزرعها في قرية، فلمّا نبتت حتّى صارت كأعظم شجرة من البقول، وجاء طير من السماء فعشّش في فروعها، فكذلك الهدى، مَن دعا إليه ضاعَف الله أجره وعظّمه ورفع ذكره، ونجا به من اهتدى". وقال: "لا تكونوا المنخل، يخرج منه الدقيق الطيّب ويمسك النخالة، كذلك أنتم، تخرج الحكمة من أفواهكم وتُبْقون الغلّ في صدوركم". قال: "قلوبكم كالحصاة التي لا تنضجها النار، ولا يلينها الماء، ولا تنسفها الرياح". وقال: "لا تدّخروا ذخائركم حيث السوس والأرضة فتفسدها. ولا في البريّة حيث اللصوص والسموم، فتسرقها اللصوص، وتحرقها السموم. ولكن ادّخروا ذخائركم عند الله". وقال: "تحفر، فتجد دوابّاً عليها لباسها، وهناك رِزقها وهنَّ لا تغزلن ولا تحصدن، ومنهنَّ ما في جوف الحجر الأصمّ، أو جوف العود، ومن يأتيهنّ بلباسهنّ وأرزاقهنّ إلا الله - أفلا تعقلون". وقال: "لا تثيروا الزنابير فتلدغكم، كذلك لا تخاطبوا السفهاء فيشتموكم". فصل وأمّا العرب فقد اشتهر منهم التمثيل بالمحقّرات وبأحقر الأشياء، فقالوا: فلان أسمَع من قراد، وأطيَش من فراشة، وأعزّ من مخّ البعوضة، وأطير من جرادة، وأفسَد منها، وأجرء من الذباب، وألجّ منه، وأشبه به منه، وأجمَع من الذّرة، وأضبَط منها. ومثَّلوا أيضاً بما لا شيء أصغر منه كالجزء الذي لا يتجزّى، وبما لا يدرك لتناهيه في الصغر إلا اللطيف الخبير، أو بالمعدوم - وهو أخسّ من كلّ شيء، لأنه لا شيء محض -، فقالوا: "هذا أصغَر مقداراً من الجزء الذي لا يتجزّى" و "هذا أقلّ من اللاشيء في العدد". وأمّا العجم، فكتاب كليلة ودمنة وأشباهه شاهدة على ذلك، وفي بعضها: "قالت البعوضة - وقد وقعت على نخلة عظيمة عالية وأرادت أن تطير عنها -: يا هذه، استمسكي، فإنّي أريد أن أطير. فقالت النخلة: والله ما شعرت بوقوعك، فكيف أشعر بطيرانك"؟! والعجب أن الجاهل المحجوج، والغافل المبهوت، لا يتعجّب من دقائق لطْف الله وعنايته وإحسانه في خلْق البعوضة والعنكبوت، وجعل يتعجّب في التمثيل بها في الحقارة لشيء! أَوَلا يرى عجائب البقَّة أو النملة أو النحل أو العنكبوت في اهتدائها إلى بناء مسكنها، وفي حذقها في هندسة بيتها، وفي جمعها الغذاء، وادّخارها لنفسها، وفي إلفها لزوجها، وحزمها واحتياطها في خصائص أمورها وحاجاتها. فترى العنكبوت تبني بيتها على طرف، فتطلب أولاً موضعين متقاربين، بينهما فُرجة بمقدار ذراع فما دونه، حتى يمكنه أن يصل بالخيط بين طرفيه، ثم يبتدي فيلقي اللعاب الذي هو خيطه إلى جانب فيلتصق به، فتعدو إلى الجانب الآخر، فيحكم الطرف الآخر من الخيط، ثم تحكم كذلك ثانياً وثالثاً، وتجعل بينهما تناسباً هندسياً، حتى إذا أحكم معاقِد القمط ورتّبَ الخيوط كاللُحمة، اشتغل بالتسدية، فيضيف السدى إلى اللُحمة، ويحكم العقد على موضع التقاء السدى باللحمة، ويراعي في جميع ذلك تناسب الهندسة، ويجعل ذلك شبكة يقع فيها البقّ والذباب، ويقعد في زاوية مترصداً لوقوع الصيد في الشبكة فإذا وقع بادر إلى أخذه وأكله. فإن عجز عن الصيد كذلك، طَلَبَ لنفسه زاوية من حائط، ووَصَلَ بين طرفيها بخيط، ثم علّق نفسه منها بخيط آخر، وبقي متمسّكاً في الهواء ينتظر ذبابة تطير، فإذا طار ذباب رمى نفسه إليه فأخذه، ولفَّ خيطه على رِجله، وأحكمه، ثم أكله. أفترى أن العنكبوت يعلم هذه الصنعة من نفسه وحدسه، أو علَّمه آدمي، أو لا هادي له ولا معلّم؟! أفيشكّ ذو بصيرة أنّه مسكين عاجز عن الفكر؟! وكذا النحل وعجائب الحكمة في بناء بيوته أكثر، وما من حيوان صغير إلاّ وفيه من هذه العجائب ممّا لا يحصى. وذكر في الكتب العتيقة دويبة لا يكاد يجليها للبصر الحاد إلا تحركها، فإذا سكنت فالسكون يواريها، ثم إذا لوّحت لها بيدك حادت عنها وتجنّبت مضرّتها؛ أفلا يشهد هذا الحيوان الضعيف بهويّته وشكله وصورته وهدايته وعجائب صنعه، لعناية الباري، وتعلّق رحمته وإحسانه به؟! فصل اختلفوا في سبب نزول هذه الآية على أقوال: الأول: ما روي عن ابن عباس وابن مسعود: إن الله لمّا ضرب المثلين قبل هذه الآية للمنافقين - يعني قوله: {أية : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ نَاراً} تفسير : [البقرة:17] وقوله: {أية : أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [البقرة:19]، قال المنافقون: "الله أعلى وأجلّ من أن يضرب الأمثال" فأنزل هذه الآية. أقول: ويحتمل أن المنافقين الذين كانوا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) - لقصور حالهم واتّباعهم لقضايا عقولهم الناقصة، أو لتشبّثهم بأذيال المتفلسفة النافين لعلمه بالجزئيات المتغيّرة -، زعموا أن التمثيل بهذه الأشياء الجزئيّة لا يجوز ولا يمكن إلا بآلات ومشاعر جزئيّة، فكيف يتصوّر أن يقع الوحي بها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) عند عروجه بروحه إلى المقام الأعلى من عالم الحسّ والتخيُّل، وتلقّيه للمعارف، فوقعت الإشارة إلى دفع ما زعموه بأن التمثيل بها - وبما هو أقل قدراً وأنزل مرتبة منها -، واقعٌ من الله، ولكن العلم بحقيَّة ذلك، وبكيفيَّة الوحي والإنزال، لا يمكن إلاَّ لمن آمن بالله وآياته، وعرف بكيفيّة تلقّي النبي (صلى الله عليه وآله) القرآن من لَدُنْهُ، فيهتدي بذلك؛ وأمّا الجاهل المغرور بعقله، فيقع لأجله في الضلالة. الثاني: عن قتادة والحسَن: لما ضرَب الله المثَل بالذباب والعنكوبت، تكلّم فيه قومٌ من المشركين، وعابوا ذِكره، فأنزلت. الثالث: عن ابن عبّاس أن هذا الطعن وقع من اليهود، فإنّه لما نزل {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ} تفسير : [الحج:73]. فطَعَن في أصنامهم بأنّها كالذباب، وشبَّهت عبادتها ببيت العنكبوت، قالت اليهود: "أيّ قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله بهما المثَل"؟ فنزلت. قال القفّال: "الكلّ محتمل، أمّا اليهود فلما في آخر هذه الآية: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ * ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ}، وهذه صفتهم كما دلّت عليه قصّتهم؛ وأمّا الكفّار والمنافقون فقد ذكر في المدثّر: {أية : وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْكَافِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} تفسير : [المدّثر:31] الآية. وهما المشار إليهما لأنّ السورة مكيَّة، فقد جُمع الفريقان، فإذا ثبت هذا، فالكلّ محتمل في هذه الآية، لأن الثلاثة كانوا متوافقين في ايذاء رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد مضى في هذه السورة إلى هٰهنا ذكر الثلاثة جميعاً". ثم قال القفّال: "وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداء من غير سبب، لأن معناه مفيد في نفسه". فصل [الحياء وكيفيّة نسبته إلى الله تعالى] "الحياء": صفة انفعاليّة تعتري الإنسان، تنقبض معها النفس عن ظهور ما يشبه القبيح عند طائفة مخافة أن يعاب به ويُذمّ - وإن لم يكن قبيحاً في نفسه -، وهو من الصفات المحمودة في الإنسان، لتوسّطه بين طرفين مذمومين - وهما الوقاحة التي هي الجرأة على القبائح، والخَجل الذي هو قصور النفس وانحصارها عن الفعل الحسن -. واشتقاقه من "الحياة"، لأنّه انكسار للقوّة الحيوانيّة، فيمنعها عن أفعالها، فيقال "حيى الرجل" أي: انكسرت نفسه، كما يقال: "حشي الحيوان ونَسِي" إذا اعتلّت حَشاه ونَساه. واعلم أنّ كلّ صفة تتّصف بها نفس الآدميّين بمشاركة البدن، فهي مذمومة في الحقيقة، كالشهوة والغضب، والإحساس والتحريك، والأكل والشُرب، والضحك والبكاء، والخجل والوجل والحياء، لأن جميعها مما يعتريها النقص والفساد لأجل التضاد، إلا أن المتوسّطة منها بين أطراف هذه الأوصاف والحالات - كالعفّة والشجاعة والحياء -، لمّا كانت بمنزلة الخالي عنها - كالماء الفاتر بين الحارّ والبارد يقال له: لا حارّ ولا بارد. وهو بعدُ غير خارج عن جنس الأضداد، بل له حصّة من كلّ منهما -، عُدّت محمودة لأنّها شبيهة بالقوّة، غير مقتضية لاشتغال النفس بها وانكبابها عليها، فإنّ النفس كلّما لم تنفعل عن موجبات القوى ودواعيها، فهي أقهر على قمعها باكتساب الهيئة الاستعلائيّة عليها، بها يسهل لها الانقطاع عن هذا العالم، والاتصال بأجنحة الكروبيّين. فقد عُلِم أنّ الحياء وما يجري مجراه من الصفات، ليس من الكمالات الحقيقيّة للنفس - فضلاً عمَّا فوقها - وإله الكلّ أحقّ بأن ينزّه عمّا يوجب الانفعال والانقهار، وهو الواحد القهّار. ولكنّه قد ورد في الأحاديث عن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - عن النبي (صلى الله عليه وآله): "حديث : إنّ الله حييٌّ كريمٌ، يستحيي إذا رفعَ العبد إليه يديهِ أن يردّهما صفراً حتّى يضعَ فيهما خَيراً"تفسير : . وقد جاء في الحديث أيضاً: "حديث : إن الله يستحيي من ذي الشيبةِ المسلمِ أنْ يعذّبه"تفسير : ، فلا بدَ فيه من تأويل؛ وقيل فيه وجهان: أحدهما - وهو القانون في أمثال ذلك -، وهو أن يراد بها نفي المقابلات لتلك الصفات ومَباديها، أو إثبات الغايات لها بدون تلك المبادي، فإنّ كلّ صفة محمودة تثبت للنفس الإنسانيّة بمشاركة الجسم، فلها مبدء انفعالي وغاية فعليّة وأضداد قبيحة. فالحياء - مثلاً -، حالة وصفة عارضة للإنسان، ولكن لها مبدء ومنتهى وضدّ، أمّا المبدء، فهو التغيّر النفساني، والانفعال الجسماني الذي يعتريه من خوف أن ينسب إلى القبيح؛ وأما النهاية: فهي أن يترك الفعل المنوط به؛ وأما الضدّ: فهو الوقاحة أو الخجل. فإذا ورد الحياء في حق الله، فليس المراد ذلك الخوف الذي هو مبدء الحياء ومقدّمته ومُعِدّه، بل إمّا نفي ضده الذي هو الوقاحة، أو ثبوت غايته الذي هو ترك الفعل المنوط به، فقوله: {لاَ يَسْتَحْيي} أي: لا يدع ولا يمتنع، لا كأحدنا إذا استحيى من شيء تركه وامتنع من فعله. وكذلك الغضَب، له مبدء هو شهوة الانتقام في النفس، وغَلَيان دم القلب في البدن، وله غاية هي إنزال العقاب بالمغضوب عليه، وله ضدّ هو الخوف والرضاء، فإذا وصفنا الله تعالى بالغضب، فليس المراد ذلك المبدء - أعني شهوة الانتقام وغَلَيان الدم -، بل إمّا عدم الخوف، كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا} تفسير : [الشمس:15] أو عدم الرضاء، كما في قوله: {أية : وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ}تفسير : [الزمر:7]. أو إنزال العقوبة. وثانيهما: أن لله تعالى وسائط منبعثة من ذاته إلى العباد - كالملائكة والرسل -، وهم مستغرقون في شهود جلاله، مستضيئون بنور وجهه وجماله، لا التفات لهم إلى ذواتهم - فضلاً عن غيرهم -، فهم خلفاء الله إلى عباده، ونوّابه في سمائه وأرضه وبلاده، من حيث أن وجودهم له، وفعلهم فعله، من أطاعهم فقد أطاع الله، ومن أبغضهم فقد أبغض الله، كما في قوله سبحانه: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [آل عمران:31]. وكما في قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : مَنْ أطاعني فقَد أطاعَ اللهَ، ومن أبغضَني فقَد أبغضَ الله" تفسير : وكما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أيضاً أنّه قال: "حديث : مَن رآني فقد رأى الحقَّ ". تفسير : وهذا باب شريف يُنْتَفَعُ به في معرفة كثير من الآيات القرآنية، وبه يصحّح كثير من المسائل الدينيّة - كاثبات الغضب والانتقام. والحياء والرحمة، وكمسئلة البداء، وإثبات الإرادة المتجدّدة، وسنوح المشيئات المتغيرة في قضاء الحاجات، وإجابة الدعوات، وتنجية الغَرقى وإغاثة الملهوفين، وإنزال الزلازل والعقوبات الإلهيّة من القحط والسَنَة وغيرها على الأعداء، ومحاربة الكفَرة والفراعنة، إلى غير ذلك من الحوادث المتجددة بالإرادات المتغيّرة. فعلى هذا يكون معنى: غَضب الله عليهم "أنّه غَضب ملائكةُ الله عليهم، ومعنى: "فَيَنتقِم اللهُ منهم" أنّه تنتقم ملائكة العذاب وسدنة الجحيم منهم، وهكذا قياس غيرهما. وهٰهنا وجه ثالث أدقّ من الوجهين الأولين، وهو أنّ لكل موجود في هذا العالم من الجواهر والأعراض، عوالم متعددة فوق هذا العالم، نسبة الأسفل إلى الأعلى، نسبة الشهادة إلى الغيب، ونسبة البدن إلى الروح، ونسبة الظلِّ إلى الشخص. مثاله: صورة المحسوس في الخارج: كثيفٌ، مادي، قابل للإنقسام؛ فإذا ارتسم في القوّة الباصرة زال عنه كثير من النقائص، وبقي الكثير - كأصل المقداريّة واللون، والحاجة إلى المحلّ المركّب من الأضداد، وشرائط المقابلة والوضع إلى ما أخذ منه أو ما في حكمه -، وإذا ارتفع إلى عالم الخيال، خلص عن بعض النقائص والعيوب، وبقي البعض. ثم إذا جاء إلى عالم العقل، تجرّد وتطهّر عن النقائص والعيوب كلّها إلا الإمكان والحدوث، فإذا رجع إلى ما في علم الله، وعالَم الأسماء الإلهيّة، وصورة الأعيان الثابتة التي هي غير مجعولة، تقدّس عن جهات الكثرة والإمكان كلّها، فإن صورة علم الله - من حيث هي صورة علمه -، واجبةٌ بوجوبه. وكذا الحال في جميع الذوات والصفات، لأن العوالم المترتّبة في الشرف والدناءة، كلها صور ما في علم الله، ومنازل صفاته وآياته، وهذه النقائص والشرور إنّما لحقتها في هذا العالم، وفي المراتب النازلة، لبُعدها عن منابع الخيرات. فصورة الغضَب إذا وُجدت في عالَم الأبدان، عبارة عن ثَوَرَان دم القلب، وانتشار العروق وارتفاعها بها إلى أعالي البدن، كما ترتفع النار الذي يغلي في القدر، فيحمرّ الوجه والعين، والبشرة تحكي ما وراءها من حُمرة الدم، كما تحكي الزجاجة لون الشراب الذي فيها. وإذا وُجدت في عالم النفس، فهي عبارة عن حالة نفسانيّة توجب اشتعال نار الطبيعة، وإحراق موادّ البدن ورطوباته، وتفعل بها ما تفعل النار المحسوسة بالحطَب اليابِس، ويتصاعد عند شدّة ناره دخان مظلم إلى معدن الفكر، فتستولي ظلْمته على نور العقل، وينطفي وينمحي في الحال بدخان الغضَب. وربما يتعدّى الإظلام إلى معادن الحسّ، فتظلم عين الرجل حتّى لا يرى بعينه، وتسودّ عليه الدنيا بأسرها، ويكون دماغه ككهف، كأُتون أُضرِمت فيه نارٌ فاسودَّ جَوَّه وحمي مستقرّه، وامتلأت بالدخان جوانبه، ولا يسكن عن ذلك بالموعظة وغيرها، بل يفعل ذلك إلى أن يحترق جميع ما يقبل الاحتراق. وربما يشتد بحيث يفني الرطوبة التي بها حياة البدن، فيموت صاحبه غيضاً، كما تقوى النار في الكهف فيشقق فتنهّد أعاليه على أسافله، وذلك لإبطال النار ما في جوانبه من القوة الممسكة الجامعة لأجزائه. فهذا حال الغضب الناشئ من النفس، ولا ينفكّ عن انفعالات وكدورات وآلام يعود إليها، حيث إنّه يسري حكم الغضب أولاً في البدن والمملكة وجنودها وقواها، وبواسطتها يسري إلى عدوها. وأما إذا وجدت صورة الغضب في عالَم العقل، فحقيقتها هي القهر على ما دون عالَمه، قهراً يوجب خضوع النفوس التي هو فوقها، وطاعة الطبائع والأجرام التي هي تحته من غير تغيّر ولا شوب انفعال، لبراءَة عالَم العقل عن سنوح التغيّرات والانفعالات. وأما الغضب الإلهي، فإنّما هو صفة قهّاريّته على الكلّ، وغلبة نور أحديّته وفردانيّته، التي لا مجال لوجود الكثرة والإمكان عنده، ولا لظهور يتشارك في صفة الوجود لديه، فيهلك كل شيء يوم القيامة لدى غضب الله الواحد القهّار، ويضمحلّ كلّ ظلّ وفيء عند غلبة ظهور نور الأنوار، وقد ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله): "حديث : إن الله يغضب اليوم غضباً لم يغضب مثله ". تفسير : واعلم أن النار - سيما نار الآخرة - صورة من صور غضب الله الساري في العوالِم، وشررٌ من شرارة ناره، ومظهَر من مظاهر قهره، وكذا شرّ إبليس وشرور جنوده وأولاده مظهرٌ آخر فوقها، والهاويةٌ مظهر دونها؛ كما أنّ الماء - سيّما ماء الحياة والكوثر - صورة رحمته، والعرش الذي على الماء محلّ استواء الرحمن صورة فوق ذلك. والمادّة الأولى دونَه، والنبيّ الخاتم - صلوات الله وسلامه عليه وآله - لكونه رحمةً للعالمين، هو المظهَر الجامع لشؤون الرحمة الإلهية، كما أن في مقابله إبليس هو الجامع لجميع الشرور، الحاوي هو وأولاده وجنود إبليس أجمعين لمظاهر الغضب وشؤونه إلى يوم الدين. وبالجملة، ما من شيءٍ في هذا العالم، إلاّ وينتهي أصله وسرّه إلى حقيقة إلهية وسرّ سبحاني، وأصل ربّاني، ومطلع أسمائي، ومشرق قيّومي، ويكون نحو وجوده في عالم الوحدة الجمعيّة الإلهية معرّى عن كل كثرة وشوب، مبرّأ عن كل نقص وعيب. وهكذا في جميع ما ينسب إليه تعالى من الصفات التشبيهية - كالحياء والغضب والانتقام والرحمة، والرضا، والصبر، والشكر، والقبض والبسط، والسمع والبصر، والشوق، واللطف -، وما أشبهها. وكذلك اليد، واليمين، والقبضة، والقلم، واللوح، والكتابة، والذهاب، والمجيء، والجنب، والقدم، والوجه، والعين، والأعين - وما يجري مجراها -، فمن عرف ما ذكرناه، فتح على قلبه باب عظيم من علوم المكاشفات. فصل في تتمة القول في معنى قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْيي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} قيل: يجوز أن تقع هذه العبارة في كلام الكفرة، فقالوا: "أما يستحيي ربُّ محمّد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت؟!" فجاء هذا الكلام على سبيل إطباق الجواب على السؤال - وهذا فنٌّ بديع من الكلام. واعلم أنّ ما لا يجوز عليه تعالى من المثالب والنقائص، فيجب أن يسلب عنه تعالى، ولا يجوز إطلاق ذلك السلب عليه على طريق الايجاب العُدُولي، ولا على ايجاب سلب المحمول، مثلاً، لا يجوز عليه الجسميّة، فيجب أن تسلب هي عنه ويقال: "ليس هو بجسم" ولا يقال: "هو لا جسم" أو "هو ليس بجسم". لأن اثبات المعنى العدولي له، وكذا ايجاب المفهوم السلبي عليه، يستدعي اتّحاده به، وذلك يستلزم أن يكون ذلك المعنى إمّا عين ذاته - إن كان ذاته بذاته مصداق ذلك المعنى ومطابَق حمله عليها -، وهو محالٌ، لكون ذاته تعالى حقيقة الوجود المجهولة التصوّر؛ وإما عارضة لذاته إن لم يكن كذلك، فيلزم التكثّر في صفاته، وهو أيضاً مستحيل، كما بيِّن في مقامه. ثم إنّه قال القاضي: ما لا يجوز على الله من هذا الجنس إثباتاً، فيجب أن لا يطلق على طريق النفي أيضاً عليه، وإنما يقال إنه لا يوصف به، فأمّا أن يقال: "لا يَستحيي" ويطلق ذلك عليه فمحالٌ، لأنه يوهم نفي ما يجوز عليه، وما ذكره تعالى في كتابه من قوله: {أية : لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ}تفسير : [البقرة:255]. {أية : لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ} تفسير : [الاخلاص:3]. فهو بصورة النفي، وليس بنفي على الحقيقة، وكذلك قوله: {أية : مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٍ} تفسير : [المؤمنون:91]. وقوله: {أية : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ} تفسير : [الأنعام:14]. وليس كلّ ما ورد في القرآن اطلاقه جائزٌ أن يطلق في المخاطبة، فلا يجوز أن يطلق ذلك إلاّ مع بيان أنّ ذلك محال. فإن قيل: أليس هذه الصفات منتفية عن الله تعالى، فكان الإخبار عن انتفائها دالاًّ على صحتها عليه؟ فنقول: هذه الدلالة ممنوعة، وذلك لأن تخصيص هذا النفي بالذكر، لا يدلّ على ثبوت غيره، بل لو قُرن اللفظ بما يدلّ على انتفاء الصحّة أيضاً، لكان أحسن من حيث المبالغة في البيان، وليس إذا كان غيره أحسن أن يكون قبيحاً. و: "أنْ يَضْرِبَ" مجرور المحلّ عند الخليل بإضمار الجارة كـ "من"، ومنصوب عند سيبويه بإفضاء الفعل إليه بعد حذفها. وقيل: فيه لغتان "استحيَيتُه" و "استحيَيتُ منه" وهما محتملان. وفي الكشّاف: ضرْب المثَل: اعتماده وتكوينه؛ من "ضرْب اللبن" و "ضرْب الخاتم". وفي مجمع البيان: "إنّ الضرب يقع على جميع الأعمال إلاّ قليلاً، يقال: "ضرَب في التجارة"، و "ضرَب في الأرض"، و "ضرب في سبيل الله"، و "ضرَب بيده إلى كذا"، و "ضرب فلان على يد فلان"، إذا أفسد عليه أمراً أخذ فيه؛ وضرب الأمثال إنّما هو جعلها لتسير في البلاد، فيقال: "ضربتُ القول مثلاً"، و "أرسلته مثالاً"، وما أشبه ذلك". فصل قوله تعالى: {مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً} قيل: "ما" إبهاميّة تزاد للابهام، والشيوع والعموم، وانسداد طرُق التقييد، كقولك: "أطعِمني طعاماً مّا" أي: أيِّ طعام شئت، أو مزيدة للتأكيد، كالتي في قوله تعالى: {أية : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران:159]. ولا نعني بالمزيد، اللّغوَ الضائع - حاشا الكتاب الإلهي عن ذلك، بل كلّه هدى وتبيان لقوله تعالى: {أية : هُدًى لِّلنَّاسِ} تفسير : [البقرة:185]. وقوله: {أية : تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النحل:89]. وإنما يعنى به ما لم يوضع لمعنى مراد منه، وإنّما وضعت لأن يذكر مع غيره فيفيد له وثاقة وقوّة، فهو زيادة في الهدى غير قادح فيه. و "بَعُوضَة": عطف بيان لـ "مَثَلاً"، أو مفعول لـ "يَضْربَ"، و "مثَلاً" حال تقدّمت عليه لأنها نكرة. أوْهُما مفعولاه لتضمّنه معنى الجعل. وقرِئت بالرفع على أنه خبر مبتدء محذوف؛ وعلى هذا يحتمل في "ما" وجوه أُخر: أن تكون موصولة حُذف صدر صلتها، كما حذِف في قوله ("تَماماً" على الذي أحسَن). وموصوفة بصفة كذلك - ومحلّها النصب بالبدليّة على الوجهين. واستفهاميّة هي المبتدأ، كأنّه لما ردّ استبعادهم ضرْبَ الله الأمثال قال بعده: "مَا البعوضةُ فما فوقَها حتّى لا يُضرب بها المثَل، بل له أن يمثّل بما هو أحقَر من ذلك"، ونظيره: "فلانٌ لا يبالي بما يهب، ما دينار وديناران؟". والبَعوض: أصله صفة على فَعول من "البَعْض"، وهو القَطْع كالبضْع والعَضْب، غلب استعماله على هذا النوع من الحيوان. وقوله: {فَمَا فَوْقَهَا}، عطف 'لى "بعوضَة" أو "مَا" - إن جعل اسماً -. واختلفوا في ملاك هذه الفوقية: أهو الحقارة. أو الجثّة؟ فقال بعضهم: المراد ما فوقها في الصِغر والقلّة، كقولك لمن يقول: "فلان أسفل الناس وأنزلهم": هو فوق ذلك. تعني به أبلَغ وأعرَق فيما وصف به من السفالة والخساسة. والمحقّقون على هذا، لأن المقصد تحقير الأوثان، فكلّما كان المشبّه به أحقر، كان المقصود أكمل، ولأنّه تعالى في بيان أنّه لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير، فما هو أشدّ حقارة كان أوْلىٰ بالبيان؛ ولأنّ الشيء كلّما كان أصغر، كان الاطلاع على أسراره المودعة فيه من الله أدلّ على لطفه وعنايته، فالتمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من الدلالة بالشيء الكبير. أَوَلاَ ترى أن البعوضة من عجائب خلق الله، فإنّها صغيرة جدّاً، وخرطومها في غاية الصِغر، ثمّ إنّه مع ذلك مجوّف، ثم الخرطوم مع فرط صغره وكونه مجوَّفاً، يغوص في جلد الفيل والجاموس - على ثخانته -، كما يضرب الرجل إصبعه في الخبيص، وذلك لما ركب الله تعالى في خرطومه السمّ. قال الربيع بن أنس: إن البعوضة تحيا ما جاعت فإذا سمنتْ ماتتْ، فكذلك القوم الذين ضرب الله لهم هذا المثل، إذا امتلأوا من الدنيا ريّاً أخذهم الله عند ذلك، ثم تلا: {أية : حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً} تفسير : [الأنعام:44]. وروي عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنّه قال: "إنّما ضرب الله المثل بالبعوضة، لأن البعوضة على صِغَر حجمِها، خلَق الله فيها جميع ما خلَق في الفيلِ - مع كِبَره -، وزيادة عضوين آخرين، فأراد الله سبحانه أن ينبّه بذلك المؤمنين على لطف خلقه وعجيب صنعه". وربما قيل: كيف يضرب الله المثل بما دون البعوضة وهي نهاية في القلّة؟ فيقال: "جناحه أصغر منها بكثير"، وقد ضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) مثلاً للدنيا في قوله: "حديث : لو كانت الدنيا تزِنُ عند الله جناحَ بعوضةٍ لما سقى منها الكافر شربة ماء"تفسير : ، وفي خلق الله حيوانات كثيرة أصغر منها - كما مر. وقال الآخرون: المراد فما هو أعظم منها في الجثّة - كالذباب والعنكبوت والحمار والكلب، فإن القوم أنكروا تمثيل الله بكل هذه الأشياء، واحتجّوا بأن لفظ "فوق" يدل على العلو. فإذا قيل: "هذا فوق ذلك" فمعناه، أنّه أكبر منه. ويروى أنّ رجلاً مدح أمير المؤمنين علياً عليه السلام - والرجل مُتّهم فيه -، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: "أنا دونَ ما تقولُ، وفوقَ ما في نفسك". ثم إنّ ما يجري فيه الاحتمالان هو ما روي أيضاً حديث : أنّ رجلاً بمِنى خرَّ على طنب فسطاط، ودخل رهط من قريش على عايشة وهم يضحكون، قالت [عائشة]: "ما يضحككم؟". قالوا: "فلان خرَّ على طنب فسطاط فكادت عينه أو عنقه أن تذهب". فقالت: "لا تضحكوا - إنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها، إلاّ كُتبت له بها درجة، ومُحيت عنه بها خيطئة" . تفسير : فما عدا الشوكة وتجاوزها في الألم، كالخرور على طنب الفسطاط، وما زاد عليها في القلّة، نحو نخبة النملة - وهي عضّتها - لقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كَفّارة لخطاياه حتى نخبة النملة"تفسير : ، فقوله (صلى الله عليه وآله): "فما فوقها" يحتمل المعنيين. فصل قوله تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ} "أمّا": كلمة تجيء في شيئين أو أشياء، يفصل القول بينهما، ويؤكّد ما يصدّر بهما، كقولك: "أمّا زيدٌ فمحسن، وأمّا عمرو فمسيء"، فـ "زيد" مبتدأ، و "محسن" خبره، وفيها معنى الشرط والجزاء، ولذلك يجاب بالفاء. وتقديره عند سيبويه: "مهما يكن من شيء فزيدٌ محسن" أي: هو محسن ألبتة، وأنّ الإحسان منه عزيمة، ثم أقيم: "إمّا" مقام الشرط، فصار "أمّا فزيدٌ محسن"، ثم أخّر الفاء إلى الخبر لكراهة وقوع ما شأنه التعقيب في أول الكلام. فقوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مبتدأ و {يَعْلَمُونَ} خبره، وكذلك قرينه، وفي تصدير الجملتين بها تعظيم لأهل الإيمان واعتداد بشأنهم وعلمهم، وذمٌّ بليغ وإهانة للكافرين على ما قالوا، وإسقاط لقولهم عن درجة الإعتبار، والضمير في "إنّه" للمثل، او لـ "أن يضرب". و"الحَقُّ": القول الصادق الذي لا يسوغ إنكاره، أو الفعل الصائب الذي لا يجوز تخطئته، أو العين الثابت الذي لا يحتمل زواله، من قولهم: "حقَّ الأمر" إذا ثبت ووجب، و {أية : حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} تفسير : [يونس:33]، ومنه "ثَوبٌ محقَّق" أي: محكم النسج. يعني أن العرفاء بالله وتوحيده وملكوته، وكيفيَّة إنزال الوحي منه على رسله، يعلمون حقيَّة الوحي والإنزال، وأنّ أكثره من باب ضرب الأمثال للناس، وتصوير المعاني الكليّة في قوالب الأمثلة الجزئية لكي يهتدي به الخلائق إلى طريق معرفة الحقائق، كما في قوله: {أية : وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ}تفسير : [سبأ:6]. وكقوله: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ} تفسير : [العنكبوت:43]. وقوله: "ماذا" إمّا كلمة واحدة منصوبة المحلّ على أنّها مفعول قدِّم على فعله، كقولك: "ماذا قال زيد؟" وهو حينئذ بمعنى "ما" وحده. أو كلمتان مجعولتان إسماً واحداً، أُولاهما مرفوعة المحل على الإبتداء؛ وثانيتهما لكونها اسماً موصولاً، بمعنى الذي يكون مع صلته خبراً لهما. فصل [تحقيق في إرادته تعالى] قد مرّ تحقيق الإرادة، وأنّها في الحيوان كيفيّة نفسانيّة من جنس المحبّة والكراهة وسائر الأمور النفسانيّة، ودرجتها في الوجود بعد العلْم وقبل القدْرة، واختلفوا في أنها عين الشوق أو غيره. أقول: الحقّ أن الشوق في الحيوان الحسّي، صورة الإرادة في الحيوان النطقي، كما أنّ الشهوة والغضب في النفس الحسّاسة، صورتان للمحبّة والكراهة في النفس العاقلة، وصورتهما في المادة الحيوانية الجذب للملائم والدفع للمنافر، وقد أشرنا إلى أنّ لكلّ صورة نفسانيّة مواطن كثيرة فوقها وتحتها، وكلّما كانت أشدّ نزولاً، صارت إلى الكثرة والتفرقة أقرب، وكلّما كانت أعلى رتبة بحسب الوجود، صارت إلى جهة الوحدة أميَل، وعن عالَم الكثرة والتفرقة أبعَد. فالإرادة في الواجب تعالى، عين علمه وقدرته وحياته وسمعه وبصره، والجميع عين ذاته بذاته. وقال الإمام الرازي في تفسيره الكبير: الإرادة ماهيّة يجدها العالم من نفسه، ويدرك التفرقة البديهيّة بينها وبين علمه وألمه ولذته، وإذا كان الأمر كذلك، لم يكن تصور ماهيّتها محتاجاً إلى التعريف. وقال المتكلِّمون: إنّها صفة تقتضي رجحان أحد طرفي الجائز على الآخر - لا في الوقوع، بل في الإيقاع - واحترزوا بالقيد الأخير عن القدرة. واختلفوا في كونه تعالى مريداً، مع اتفاق المسلمين على اطلاق هذا اللفظ على الله تعالى. فقال النجّار: إنّه معنى سلبي، معناه أنه غير مغلوب ولا مستكره. ومنهم من قال: إنّه أمرٌ ثبوتي، وهؤلاء اختلفوا؛ فقال الجاحِظ والكعبي وأبو الحسين البصري: معناه علْم الله باشتمال الفعل على المصلحة أو المفسدة، ويسمّون هذا العلم بالداعي أو الصارف. وقال أبو الحسن الأشعري وأتباعه وأبو علي وأبو هاشم وأتباعهما: إنه صفة زائدة على العلم. ثم القسمة في تلك الصفة أنها إما أن تكون ذاتية، وهو القول الثاني للنجار، وإما أن تكون معنوية؛ وذلك المعنى إما أن يكون قديماً، وهو قول الأشعرية، أو مُحْدَثاً؛ وذلك المحدَث اما أن يكون قائماً بالله تعالى، وهو قول الكرامية؛ أو قائماً بجسم آخر، وهذا القول لم يقل به أحد؛ أو يكون موجوداً لا في محل، وهو قول أبي علي وأبي هاشم وأتباعهما" - انتهى ما ذكره. وفي كتاب الأربعين ذكر تقسيم المذاهب في ارادته تعالى هكذا: إما أن يكون نفس ذاته وهو قول ضرار، وأما أمراً سلبياً - أي كونه غير مغلوب ولا مكره - وهو أحد قولي النجّار، وإما أمراً ثبوتياً - إما معللاً بذاته وهو القول الآخر له، وإما بمعنى قديم، وهو مذهب أصحابنا، وإما بمعنى حادث، إما قائم بذاته تعالى وهو قول الكرامية، أو موجود لا في محل وهو قول الجبائية وعبد الجبار من المعتزلة، أو قائم بذات غير الله ولم نر أحداً ذهب إليه. ثم أبطل القول الأول؛ بأنّا نعلمه ونشكّ في كونه مريداً، والثاني، بلزوم كون الجماد مريداً، والخامس والسادس؛ بلزوم التسلسل في الإرادات، والخامس - خاصَّة -؛ بأنّه لا يقوم الحادث بذاته، والسادس؛ بأنّه يلزم عرَض لا في محلّ، وبأنّ نسبة ما لا محلّ له إلى جيمع الذوات سواءً، وكون ذاته تعالى لا يوجب اختصاصه به. أقول في كلّ ما ذكره في بطلان هذه الأقوال نظر: أمّا ما ذكره أولاً، فغير منافٍ لعينيّة الإرادة لذاته، لأن مراده من العلم به تعالى، إن كان بالكُنه فغير واقع، وإن كان بوجهٍ، فلا ينافي العلْم بوجه الشيء الشكّ في ثبوت ما هو عينه في الواقع له. وأما ما ذكره في ابطال الثاني، فمدفوعٌ؛ بالفرق بين السلب والسلبي، إذ معنى كون الإرادة سلبيّة، أنها عبارة عن سلب العجز مطلقاً أو المغلوبيّة، أو كونه مكرهاً كذلك كما ذكره أولاً، فعلى هذا لا يصدق على الجماد. وأمّا ما ذكره في إبطال الخامس والسادس؛ فلهم أن يرتكبوا التسلسل في الإرادات، لأنّها مُعِدّات بعضها لبعض، والفاعل لها جميعاً هو الله، ولا يسدّ بذلك دليل اثبات الصانع، للفرق بين الفاعل والمُعِدّ، فالحاجة إلى المرجّح والمخصّص المُعِدّ، لا يدفع الحاجة إلى الصانع المريد المفيد، كما أن الفلاسفة - مع كونهم ذهبوا إلى مثل هذا التسلسل في الحوادث المُعِدّة - أبطلوا القول بالتسلسل في العلل الموجبة، وأثبتوا به الصانع، لكن لزم عليهم ما لا يلزم على هؤلاء المتكلّمين، وهو اثبات محلّ قديم لتلك الحوادث المتسلسلة غير الباري تعالى. والذي يلزم على هؤلاء شيءٌ آخر، وهو لزوم كونه تعالى محلّ الحوادث التي هي الإرادات المتجدّدة، واستحالة ذلك غير مقطوعة عندهم، بل ممّا له وجهٌ وجيهٌ، يمكن بيانه بحيث لا تنثلم به قاعدة التوحيد الإلهي، وتنضبط أحديّته عن وصْمة التغيّر والتجدّد والتكثّر في ذاته - تعالى عنها علوّاً كبيراً -، وليس هٰهنا موعد بيانه. وذكر الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني في باب المشيئة والإرادة من كتاب التوحيد من كتب الكافي عن أبي الحسن عليه السلام: "إنّ لله إرادتين ومشيئَتين: إرادةُ حتمٍ، وإرادةُ عزمٍ. يَنهي وهو يشاءُ، ويأمرُ وهو لا يشاءُ. أوَما رأيتَ أنّه نَهى آدمَ وزوجتَه أنْ يأكلا منَ الشجرةِ وشاءَ ذلك، ولو لم يشأ أن يأكُلا لما غلبت مشيئتُهما مشيئةَ اللهِ تعالى، وأمر إبراهيمَ أن يذبحَ إسحق - ولم يشأ أن يذبحه -، ولو شاءَ لمَ غلبت مشيئة ابراهيمَ مشيئةَ اللهِ تعالى". وبذلك خرج الجواب عما ذكره في ابطال الخامس خاصة. وأمّا ما ذكره في ابطال السادس خاصّة فنقول في دفعه: إنّ الإرادة كالعلم والقدرة وغيرهما من الصفات، ليس المراد بها المعنى المصدري، بل كما أن العلم عبارة عمّا به ينكشف المعلوم لدى العالِم، فكذا الإرادة، ما به يترجّح أحد طرفي الشيء المقدور عند القادر، أو أحد المقدورين المتساويين عنده في المقدوريّة، وكما ان لعلمه تعالى مراتب ومنازل، وأخيرة مراتبه وجود الموجودات الزمانيّة المكانيّة، بمعنى أنّ وجودها بعينه نحو معلوميّتها، ونحو علمه تعالى بها هذا العلم الزماني، فكذلك لإرادته - جلّ ذكره - مراتب ومنازل، وأخيرة مراتب الإرادة، هي بعينها ذوات الموجودات الحادثة، بمعنى أن كَلاً منها بهويّته مراد الله، وبه يريد الله غيره، لأنّ به يتخصّص وجود ذلك الغير ويترجّح على عدمه، فكلّ منها ارادة ومراد باعتبارين، كما أنّه عِلْم ومَعلومٌ باعتبارين. فمراتب إرادته تعالى مضاهيةٌ لمراتب علومه، بل هي هي عند التحقيق، وإدراك هذا المقام يحتاج إلى تصفية الذهن، وتجريده عن أنظار المعطِّلين وأقاويل المبتدِعين. ولعلّ ما ذكرناه في توجيه كلامهم، ممّا غفلوا عنه غفلة تامَّة، وذهلوا عنه ذهولاً عريضاً، إلاّ أن غرضنا في ذلك كشف الحق ودفع الباطل بأي وجه كان. ولا يبعد أن كان لهؤلاء القوم أشياخٌ متقدّمون، وكانت لهم علوم صحيحة غامضة عن أفهام هؤلاء الآخرين، ولهم كلمات متوافقة المعاني والرموز، متخالفة الظواهر لاختلاف عاداتهم في طريق التعليم وبيان الرمز، والمتأخّرون حيث لم يبلغوا شأوَهم ولم يصلوا إلى مقامهم، حرّفوا الكلم عن مواضعه، وذهبوا إلى ما ذهبوا، وسلكوا طريق الجدال، وشحنوا كتبهم بمثل هذه الأقوال، زعماً منهم أن في ذلك نصرة الدين، إلاّ أنّهم حرّكوا سلسلة الشياطين، وخذلوا وأذلُّوا أولياء اليقين، وأضاعوا سيرة السالكين في مناهج الآخرة، ومسالك الدين. واعلم أن الكلام في صفاته تعالى طويل، وتحقيق عينيَّتها لذاته تعالى، أو غيريَّتها له تعالى، غامض دقيق، قد مرّت إليه إشارة في المفاتيح الغيبية، وسيقع الرجوع إلى تحقيقها مرّة بعد أخرى زيادة في التوضيح وإبلاغاً في التذكير والتنقيح. قوله جلّ اسمه: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً}، يحتمل أن يكون جواباً لـ "مَاذَا" على أنهما مصْدران، أي: إضلال كثيرٌ وهداية كثيرةٌ؛ وإنّما وُضع الفعل موضع المصدر، للإشعار بالحدوث والتجدّد، فإنّه لمّا حكى الله عنهم استحقارهم لكلام الله بقوله: {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} أجاب عن ذلك بهذا القول. ويحتمل أن يكون بياناً للجملتين المصدّرتين بـ "أمّا"، وتسجيلاً بأن العلم بكونه حقّاً هدى وبيان، والجهل به والإنكار لحسن مورده ضلالٌ وإضلالٌ، وكثرة كلّ من الفريقين في أنفسهم لا تنافي وصف المهتدين بالقلّة بالقياس إلى أهل الضلال، كما قال تعالى: {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} تفسير : [سبأ:13]. وربما قيل: "القَليل من المهتدين عدداً كثيرٌ في الشرف والفضيلة"، فسمّوا بها ذهاباً إلى الحقيقة؛ وكثرة الضالّين من حيث العدد قلّة لهم في الحقيقة. عن ابن مسعود: "السواد الأعظم هو الواحد على الحقّ"، فالمهتدون أكثر حقيقة لأنّهم على الحقّ، والضالّون على الباطل، فهم أقلّ حقيقة، وإن كانوا أكثر عدداً كما قيل: شعر : قليلٌ إذا عُدّوا، كثيرٌ إذا شدُّوا تفسير : وقيل أيضاً: شعر : إنّ الكِرامَ كثيرٌ في البلادِ وإن قَلُّوا، كما غيرهم قُلٌّ وإن كثروا تفسير : واعلم أنّ هذا كلام محقَّق ومعنى مبرهَن عليه، إذ قد حقِّق في مقامه بالبرهان، وذهب إليه جمع من أهل الحكمة والعرفان، أن العقل الواحد بالفعل كلّ الموجودات التي دونه، وأن الحقيقة النوعيّة الموجودة في عالَم العقل مع وحدتها العقليّة، تحيط بجميع الأعداد والجزئيّات التي دونها، وأن النفس الناطقة على وحدتها وتجرّدها، هي عين جميع قواها المدرِكة والمحرّكة على كثرتها وتَخالفها وتفاوت مراتبها ونشآتها. فصل (في الهداية والاضلال) اعلم إن مسألة الإضلال وما يجري مجراه إلى الله في هذه الآية وفي غيرها، صارت معارك للآراء ومصارع للأهواء، غرقت في بحارها أفهام الأكثرين، ولم ينج من مهاوي أنظارها إلاّ أقلّ الأقلّين، فلنتكلّم هٰهنا في تحقيق الإضلال كلاماً مشبعاً يكشف نقاب الارتياب والامتراء، ويتجلّى به وجه المطلوب عن مكمن الاحتجاب والاختفاء، ليكون تحقيقه دستوراً لغيره من الصفات الجارية مجراه، وأصلاً مرجوعاً إليه فيما يجيء من معاني الآيات النازلة من هذا الباب. ولنذكر أولاً ما ذكره أرباب الأفكار وأصحاب الأنظار من البحث والإلزام والردّ والإبرام، ثم نضيف اليها ما هو طريقة أهل الحكمة والتحقيق، ثم نذيّل ذلك بايراد لمعة من بوارق نور التجريد، وقطرة من بحار عالم التأييد. فنقول: قد ذكر أهل اللغة أن همزة الإفعال، قد تجيء لتعدية غير المتعدّي، كما في "خرَج" و "أخرَج". وقد تجيء لعكس ذلك فينقل المتعدي إلى غير المتعدي كما في "كَببتُه فأكبَّ"، وقد يجيء لمجرد الوجدان، تقول: "أتيتُ أرض فلان فأعمرتها" أي: وجدتها عامرة. إذا ثبت هذا، فقولنا، "أضلَّه الله"، لا يمكن حمله إلاَّ على وجهين: أحدهما: صيَّره ضالاًّ. والثاني: أنّه وجده ضالاًّ. فعلى الأول، إما أن يراد به "صيَّره ضالاًّ عن الدين"، أو "صيَّره ضالاًّ عن الجنّة". ثمّ إن معنى الإضلال عن الدين في عرف اللغة، عبارة عن الدعاء إلى ترك الدين وتقبيحه في عينه، أو ايقاع الوسوسة في قلبه، وهذا هو الإضلال الذي أضافه الله تعالى إلى الشيطان فقال: {أية : إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ} تفسير : [القصص:15]. وقال حكاية عنه: {أية : لأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} تفسير : [النساء:119]. وقال: {أية : وَقَال الَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا}تفسير : [فصّلت:29]. إلى غير ذلك من الآيات التي أضاف الله فيها الإضلال إلى إبليس؛ وأضاف الإضلال إلى فرعون وغيره أيضاً كما في قوله: {أية : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ} تفسير : [طه:79]. وقوله: {أية : وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} تفسير : [طه:85]. ثمّ إنّ الإجماع متحقَق من هذه الأمَّة - بل من الأمم كلّها -، على أن الإضلال بهذا المعنى لا يجوز على الله، لأنّه ما دعى أحداً إلى الكفر، بل نهى عنه وزجر وتوعَّد بالعقاب عليه، كما أنّه رغَّب في الهداية وأمَر بالهدى ووعد بالثواب، وعند هذا افتقر أهل الجبر والقدر إلى التأويل، وفتحوا باب التصرّف في الأقاويل. أما أهل الجبر وأصحاب أبي الحسن الأشعري، فلعدم التزامهم قاعدة التحسين والتقبيح العقليّين، ولا محافظتهم على القوانين العقلية، حملوا الإضلال المنسوب إليه تعالى على كونه خالق الضلال والكفر فيهم، فصدّهم عن الايمان وحالَ بينهم وبينه؛ وربما قالوا: "هذا هو حقيقةُ اللفظ بحسب اللغة، لأنّ الإضلال عبارة عن جعل الشيء ضالاًّ، كما أن الإخراج والإدخال عبارتان عن جعل الشيء خارجاً وداخلاً". وقالت المعتزلة: هذا التأويل غير جائز لغةً وعقلاً؛ أمّا اللغة فلوجوه: أحدها: أنه لا يقال لمَن منع غيره عن سلوك الطريق جبراً: "أنه أضلَّه"، بل يقال "صرَفه ومنَعه"، وإنما يقال: "أضلَّه"، إذا أغواه ولبَّس عليه. وثانيها: أنه وصف ابليس وفرعون وغيرهما بالإضلال، وهم ما كانوا خالقين للضلال في قلب أحد بالاتّفاق، مع إنّ إطلاق لفظ "المضلّ" عليهم، على سبيل الحقيقة اللغويّة دون المجاز وثالثها: أن الإضلال في مقابلة الهداية، فكما صحّ أن يقال: "هديته فما اهتدى"، وجب صحَّة أن يقال: "أضللته فما ضلَّ" وإذا كان كذلك، استحال حمل الإضلال على خَلْق الضلال. أقول: وهذه الوجوه الثلاثة في غاية السقوط والاندفاع عند من أحاط بمذاهب الفريقين وأغراضهما: أما اندفاع الأول: فلأنّ غرضهم منْ خَلق الضلال فيهم، ومنعهم وصدّهم عن السبيل، هو إنشاء الوسوسة في قلوبهم، كما في قوله تعالى: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} تفسير : [الشمس:7 - 8]. فعندهم هو الموسوِس بالحقيقة. وأما إندفاع الثاني: فلأنّ نسبة كل فعل عندهم إليه تعالى بالخَلْق، وإلى غيره بالكَسْب؛ ولا اختصاص لذلك بهذا اللفظ، فالحال في: "أضلّ الله"، و: "أضلَّ فرعون"، وغيره، كالحال في: "هَدى الله"، و: "هَدى رسولُه وأولياؤه"، وفي غيرهما من الأفعال المنسوبة إليه تعالى تارةً وإلى غيره أخرى. وأما إندفاع الثالث: فبأن "هديته فما اهتدى" و "أضللته فما ضلّ"، إنّما يصحّان فيما إذا كان الهادي والمضلّ من الممكنات، وأمّا إذا كان الفاعل هو الله، بلا مدخليّة أحد، فالتخلّف عمّا أوجبه محال. وأما أدلّتهم العقليّة: فأوّلها: إنّه تعالى لو خلَق الضلال في العبْد، ثم كلَّفه بالإيمان، لكان قد كلّفه بالجمع بين الضدّين، وذلك سَفَهٌ وظلم، وهما محالان عليه تعالى. وثانيها: لو كان تعالى خالقاً للجهل، وملبّساً على المكلّفين، لما كان مبينّاً لما كلّف به العبد، والإجماع متحقق على كونه تعالى مبينّاً. وثالثها: إنّه لو كان كذلك، لم يكن لانزال الكتب وبعثة الرسل إليه فائدة، بل كان عبثاً وسفهاً. ورابعها: إنّه على مضادّة كثيرة من الآيات، نحو قوله تعالى: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} تفسير : [المدّثر:49] و: {أية : مَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ} تفسير : [الكهف:55]. وقال: {أية : فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ} تفسير : [يونس:32]. و {أية : فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} تفسير : [الأنعام:95]. وخامسها: إنّه تعالى ذمَّ إبليس وحزبه ومن سلك سبيله في الإضلال والإغواء، وأمر بالاستعاذة منهم بقوله: {أية : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ... مِن شَرِّ ٱلْوَسْوَاسِ} تفسير : [الناس:1 - 4] {أية : وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ}تفسير : [المؤمنون:97]. {أية : فَإِذَا قَرَأْتَ ٱلْقُرْآنَ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ} تفسير : [النحل:98]. فلو كان الله فاعل الضلال، لوجبت الاستعاذة منه كما وجبت منهم، ولاستحقّ المذمّة كما استحقّوا، وأن يتخذوه عدوّاً كما وجب اتّخاذ إبليس عدوّاً - بل حصّته تعالى في جميع ذلك أكثر، فإنّه المؤثّر في الضلال، بل يلزم تنزيه إبليس عن هذه القبائح كلّها واحالتها على الله، فيكون الذنب منقطعاً عنه بالكليّة وعائداً إلى الله تعالى - سبحانه عما يقوله الظالمون علوّاً كبيراً. وسادسها: إنّه تعالى أضاف الإضلال عن الدين إلى غيره، وذمّهم لأجله، فقال: {أية : وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ}تفسير : [طه:79]. {أية : وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ} تفسير : [طه:85]. {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ}تفسير : [ص:26]. وهكذا في كثير من الآيات، فإن كان المضلّ الحقيقي أو المشارك القويّ في الإضلال هو الله، فكيف ذمّهم عليه؟! وسابعها: إنّه تعالى يذكر هذا الضلال جزاء لهم على سوء صنيعهم، وعقوبة عليهم، فلو كان المراد به ما هم عليه من الضلال، لكان ذلك عقوبةً وتهديداً بشيء هم عليه مقبلون، وبه ملتذّون ومغتبطون، ولو جاز ذلك، لجاز العقوبة بالزنا على الزنا، وبشُرب الخمر على شُرب الخمر - وهذا غير جائز -. وثامنها: إنّ قوله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ * ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} [البقرة:26-27]، صريحٌ في أن هذا الإضلال فُعِل بهم بعد فسقهم ونقضهم عهد الله باختيار أنفسهم، فيكون مغائراً لفسقهم وكفرهم. وتاسعها: إنّه تعالى ذكر أكثر الآيات التي فيها ذكر الضلال منسوباً إلى العصاة الضلال على ما قال {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} و {أية : يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ}تفسير : [غافر:34]. فلو كان المراد بالضلال المضاف، هو ما هم فيه، كان ذلك إثباتاً للثابت، - وإنّه محال -. فهذه هي الوجوه التي ذكرها صاحب التفسير الكبير عنهم، ولم يُجب عنها مع كونه أشعريّ المذهب، بعيداً عن الإعتزال. وأقول في الجواب عنها: أمّا مجملاً، فهو أنّها مكرّرة لا خصوصيّة لها بهذا المقام، بل تجري في جميع الأفعال الجارية مجرى الإضلال، كالختم والطبع والإعماء والإصمام وغيرها - المنسوبة تارةً إلى الله وتارةً إلى العبد -، وما منْ فعْل يحدث في هذا العالم - وهو عالم الظلمات والشرور، وعالَم الجهل والغرور -، إلاّ ويعتريه نقصٌ وآفةٌ وقصورٌ، ويصحبه شرٌ وفتنةٌ وفتورٌ، والعالَم الذي كلّه خيرٌ ونورٌ، عالَم آخَر فيه دار السرور. وأمّا تفصيلاً، فلكلّ من هذه الوجوه وجه دفع - إمّا بالنقص، وإمّا بالمعارضة، وإمّا بالحلّ -. أمّا الجواب عمّا ذكروه. أولاً: فبأنّ التكليف للكلّ بالإيمان ظاهراً على لسان الرسول والكتاب، لا ينافي الشقاوة الأزليّة الثابتة للبعض بالقول الحتم، والقضاء الحاكم بإبعاد من هو أهل للطرد والرجم، بحسب الفطرة النازلة والقلب القاسي، والجوهر المظلم الرديّ. وأما عن الثاني: فبأنّ نور التبيين والهداية من قِبَله تعالى، عامٌّ لجميع صحائف القلوب، كنور الشمس الذي من قِبَلها عامٌّ شامل لجميع صفحات القابليات، لكن الجهل والالتباس، كالظلمة والكدورة، ناشيان من تراكم الحُجُب والقساوة والكثافة والظُلمة. وأما عن الثالث: فبأنّ فائدتهما بالذات، راجعةٌ إلى أهل الإيمان، بتنوير قلوبهم نوراً فوق نور، وإصعادهم بالحبل المتين، والعروة الوثقى، عن هاوية الجهل والغرور، وظلمات مضائق هذه القبور؛ وفائدتهما بالقياس إلى المطرودين بالعَرَض، إعراضهم عن الذكر الحكيم، زيادة في بُعدهم وطردهم ومعاداتهم لأهل اللطف والكرامة، ليفرحوا بما هم عليه من عمارة هذه الدار، والسعي في تحصيل الأرزاق والأقوات، وصرف العمر في المعاملات والزراعات، خدمة لأهل الحقّ من حيث لا يشعرون. وأما عن الرابع: فبأنّ الآيات الواردة على موافقته، ليست بأقلّ من الآيات الواردة على مضادّته بحسب الظاهر، فالاعتضاد والتأييد بها، ليس بأقلّ من القدح والجرح بما يقابلها في ظاهر الأمر، وتلك مثل قوله [تعالى]: {أية : وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً}تفسير : [الجاثية:23]. وقوله: {أية : فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الروم:29]. قوله: {أية : وَمَآ أَنتَ بِهَادِي ٱلْعُمْيِ عَن ضَلالَتِهِمْ} تفسير : [النمل:81]. {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} تفسير : [يس:7]. {أية : وَمَا تُغْنِي ٱلآيَاتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يونس:101]. {أية : وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} تفسير : [فاطر:22]. إلى غير ذلك من آيات كثيرة في هذا الباب. وأما عن الخامس: فبأنّ المعنى الواحد كما تختلف أحواله بحسب اختلاف المحالّ والقوابل، كذلك تختلف بحسب اختلاف المبادي والفواعل، بل هذا أشدّ في الاختلاف - كما تقرّر في مقامه -، فالشيء الواحد، ربما يذمّ ويمدح بالنظر إلى قابِلَيْن، وكذا يقبح ويحسن بالقياس إلى فاعلين. أوَلا ترى أن إهلاك قوم مؤمنين وإيلامهم مدّة في الدنيا، قبيحٌ من الإنسان، حسَنٌ من الله واقعٌ منه، فلا منافاة بين كون الإضلال مذموماً فعله من غيره تعالى، وممدوحاً منه، لأنّ ذاته بريء من الأغراض الفاسدة، والأوصاف الرديئة، فكلّ ما يفعله هو محض الخير والصلاح، ورعاية حال الأنام، وملاحظة حسن النظام. فمن قال: "القبيح ليس منه بقبيح"، كأنّه أراد ما ذكرناه، لأنّ كلّ ما يفعله ففيه مصلحة الكلّ، وحكمة الإيجاد، وخير العباد والبلاد، وسياقة الخلْق إلى منزل الرشاد وطريق المعاد. وأما عن السادس: فبِمثل ما ذكرناه من أن الذمّ راجع إلى العباد، لأن فعل القبيح يؤثر فيهم بالتغيير والتصريف لِما هم عليه من ضعف الوجود وقوّة القابليّة، فيغيّرون خلق الله، ويتغيّرون عن الفطرة التي كانوا عليها، ويعدلون عن الصراط المستقيم إلى طريق الهاوية والجحيم. وأما عن السابع: فبأنّ سبق الأعمال القبيحة، والمعاصي المظلمة والإعراض عن الحق، والخوض في الباطل، يؤدّي بالشخص إلى أن يَسْوَدّ باطنه ويقسو قلبه بالكليّة، فينتهي حال من هو كذلك، إلى أن لا تؤثر فيهم الهداية والإرشاد، ولا تنجع لهم الآيات والنذُر، فيقعون في الضلال البعيد في الدنيا، ويحترقون بنار الوعيد في الآخرة جزاءً لما كانوا عليه، وذلك بما كسبت قلوبهم. وأما عن الثامن: فبأنّ الفسق ونقض العهد، وإن كانا من جملة ما استحقّوا به ظلمةً في القلب، وضلالاً عن الطريق، لكن الدوام عليهما، وعدم التوبة عنهما، أوجب عليهم تسبّبهما لظلمة زائدة وضلال بعيد، وهذا التسبّب ليس بمعنى الفاعليّة والايجاد، بل بمعنى الوسيلة والإعداد، فالفاعل الحقيقي عندهم هو الله، والأفعال السابقة مقرّبات ومُعدّات، أو علامات ومناسبات. وأما عن التاسع: فبأنّ الضلال للفاسقين والمسرفين حاصل بنفس الإضلال المنسوب إليه تعالى، وإثبات الثابت ليس بمستحيل إذا كان بنفس ذلك الإثبات، لا بإثبات مجدّد، وقد تقرّر في العلوم العقليّة، أن تحصيل الحاصل بنفس التحصيل الأول غير مستحيل. فهذه هي التي سنحت في جواب أدلّة المعتزلة واعتراضاتهم على بطلان تأويل الجبريّة، وسيأتي تمام الاستبصار، وما يهتدي به أهل الاعتبار. ثمّ لمّا ذكروا تلك الاعتراضات على بطلان تأويلهم قالوا: فوجب المصير إلى وجوه أخرى من التأويل، وذكروا تلك الوجوه: الأول: إنّ الرجل إذا ضلّ باختياره عند حصول شيء، من غير أن يكون لذلك الشيء أثرٌ في إضلاله، فيقال لذلك الشيء: "إنه أضلّه"، قال تعالى في الأصنام: {أية : رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [إبراهيم:36]. أي ضلّوا بهنّ؛ وقال: {أية : وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً * وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيراً}تفسير : [نوح:23 - 24]. أي ضلّ بهم كثيرٌ من الناس؛ وكذلك قوله: {أية : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً} تفسير : [نوح:6]. وقوله: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَىٰ رِجْسِهِمْ} تفسير : [التوبة:125]. فالإضلال على هذا المعنى، يجوز أن يُنسب إلى الله تعالى على معنى أنّ الكافرين ضلّوا بسبب الآيات المشتملة على الامتحانات. والثاني: إنّ الإضلال هو التسمية بالضلال، فيقال: "أضلَّه" أي: سمَّاه ضالاًّ، وحكَم عليه به، و "أكفَر فلاناً" إذا سماه كافراً. قال الكميت: شعر : وطائفةٌ قد أكفَروني بحبِّكم وطائفةٌ قالوا: مسيءٌ ومذنبٌ تفسير : وقال طرفة: شعر : ومَا زال شُربي الرّاحَ حتى أضلَّني صديقي وحتى ساءَني بعضُ ذالِكا تفسير : أراد: سمّاني ضالاًّ، وهذا الوجه ما ذهب إليه قطرب وكثير من المعتزلة، ومن أهل اللغة من أنكره. ويجاب عن هذا التأويل؛ بأنّه مع كونه في غاية البُعد، لا يفي بدفع الإشكال، فإنّ من سمّاه بذلك وحكَم به عليه، فلو لم يأت بالضلال، لانقلَب علُمه جهلاً، وخَبَرُه كِذباً، وذلك محالٌ، فالمفضي إلى المحال - وهو عدم إتيان المكلف به -، يكون محالاً، فإتيانه بالضلال يكون واجباً؛ وهذا عين الجبر الذي تفرّون منه فإنّه ملاقيكم لا محالة، وبه يخرج الجواب عن الوجه الأول لهم كما يعرف بالتأمّل..................................، مع أن كلّ عاقل يعلم ببديهةِ عقلِهِ سقوطَ الوجهين. والثالث: أن يكون الإضلال هو التخلية، وترك المنع بالقهر والجبر. فيقال: "أضلّه" أي: خلاّه وضَلاَلَهُ، كما يقال: "أفسد فلانٌ ابنه" إذا لم يتعهّده بالتأديب. وأُجيب عنه: إنّ التخلية وترك المنع من الولد، إنّما يسمى إضلالاً، إذا كان الأحسن به أن يمنعه عن ذلك، وهٰهنا الأمر بخلاف ذلك، لأنّه تعالى لو فعلَ بالمكلف خلاف ما فَعله - بأنْ منعه جبراً عن هذه المفسدة -، لأدّى إلى مفسدة أخرى أعظم من الأولى، سيّما على قاعدة أن الأصلح واجب عليه تعالى - كما ذهبوا إليه - فكيف يقال: إنّه تعالى أفسد المكلّف وأضلّه بالمعنى المذكور؟! والرابع: إن الضلال والإضلال هو العقاب والتعذيب، بدليل قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ}تفسير : [القمر:47-48]. فوصفهم الله بالضلال يوم القيامة، وذلك لا يكون إلاَّ عذابهم، وقال تعالى: {أية : إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي ٱلْحَمِيمِ}تفسير : [غافر:71-72] {أية : كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [غافر:74]. فسّر ذلك العذاب بالضلال. والجواب عنه: إنّا لا نسلّم مجيء الضلال بمعنى العذاب، أمّا قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُجْرِمِينَ فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ} تفسير : [القمر:47]، أي في ضلالٍ عن الحق في الدنيا، وفي سُعُرٍ في الآخرة، وهكذا القياس في غيره كما ذكره القفّال وغيره. والخامس: أن يحمل الإضلال على الإهلاك والإبطال، كقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} تفسير : [محمد:1]. قيل: أهلكها وأبطلها من قولهم: "ضلَّ الماءُ في اللبن" إذا صار مستهلكاً فيه، وقوله تعالى: {أية : وَقَالُوۤاْ أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}تفسير : [السجدة:10]. والجواب: بأنّ هذا التأويل غير لائق بهذا الموضع، لأن مقابلة قوله: {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} يمنع عنه. قالوا: فهذه الوجوه الخمسة إنما ذكرت إذا حمل الإضلال على الإضلال عن الدين. والسادس: أن يحمل الإضلال على الإضلال عن الجنّة، قالوا: هذا في الحقيقة ليس تأويلاً، بل هو حمل على الظاهر، فإنّ الآية تدلّ على أنّه تعالى يُضلّهم، وليس فيها دلالة على أن الإضلال عمّا ذا يكون، فنحن نحمله على أنّه عن طريق الجنّة، وهو اختيار الجبائي. أقول: لا يخفى على من له بصيرةٌ دينية، أنّ طريق الجنة هو بعينه طريق المعرفة واليقين، والضلال عنه بعينه ضلال عن الدين، وكذا المشي على صراط الجنّة هناك، هو نفس السلوك لسبيل الحقّ هٰهنا، والتفاوت بينهما ليس إلاّ في الكون والبروز، والخفاء والكشف. السابع: أن تحمل الهمزة لا على التعدية، بل على الوجدان كما مرّ إبتداء. وأجيب: بالمنع، وبأنّ إثبات هذه اللغة ممّا لا دليل عليه، سيّما وقد عديّ بالباء، والإضلال بمعنى الوجدان لا يتعدّى به. الثامن: أن يكون هذا القول في تمام قول الكفّار، كأنهم قالوا: مَاذَا أرَادَ اللهُ بهذا التمثيل الَّذي لا تظهر فيه فائدة؟- ثم قالوا: - يُضلّ به كثيراً ويَهدي به كَثيراً، ذكروه تهكّماً، ثم قال تعالى جواباً لهم: وَمَا يُضلّ به إلاّ الفاسِقين. أي ما أضلّ إلاّ الفاسق. وأجيب عنه بوجهين: أحدهما: إنّه يوجب تعليل النظم، لأنّ قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} كلام الله من غير فصْل بينهما، بل مع واو العطف، على أن الفاعل فيه ضمير مستتر عائدٌ إليه تعالى، و "الفاسقين" مفعوله، وضمير "به" راجع إلى "أنْ يَضربَ مثَلاً" أو إلى المثَل نفسهن فالإشكال باقٍ. وثانيهما: هبْ أنّه هٰهنا كذلك، لكن ما يصنعون بقوله في المدثر: {أية : كَذَلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [المدّثر:31]. إذ لا شكّ إنّه قول الله تعالى؟ قالت الجبريّة في هذا المقام - مداراة مع أهل الاعتزال -: لقد سمعنا كلامكم، واعترفنا بجَودة الإيراد وحُسْن الترتيب وقوّة الكلام، ولكن ماذا نعملُ ولكن أعداءٌ ثلاثة يشوّشون عليكم هذه الوجوه الحسنة؟ أحدها: مسألة الداعي، وهي أن القادر على العلم والجهل والاهتداء والضلال لِمَ فعَل أحدهما ولم يفعل الآخر؟ وثانيها: مسألة العلم، وهو أنّ خلاف ما علِمه الله في الأزل محال؛ فكما اعترفنا لكم بقوّة الذكاء وحسن الكلام، فأنصفوا أيضاً، واعترفوا بأنّه لا وجه لكم عن هذين الوجهين، فإنّ التعامي والتغافل لا يليق بالعقلاء. وثالثها: إنّ فعْل العبد لو كان باختياره، لَما فعَل إلاّ الذي أحبّه وأراده، لكن أحد لا يريد إلاّ تحصيل العلم والاهتداء، ويحترز كل الاحتراز عن الجهل والضلال، ثم حصل عنه خلاف ما قرّره. فإن قيل: اشتبه عليه الكفر بالايمان، والعلم بالجهل، فلذلك فعَل ما فعَل. قلنا: ظنّه في الجهل أنه علم، إن كان باختياره أولاً، فقد اختار الجهل والخطأ لنفسه، وذلك غير ممكن، وإن اشتبه عليه ذلك بسبب ظنّ آخر متقدم عليه، لزم أن يكون قبل كلّ ظنّ ظنّ - إلى لا نهاية - وهو محال. إشراق نور قرآني طلع من أفق عالم رحماني [كلام أهل التحقيق في القَدَر وأفعال العباد] اعلم يا حبيبي - أيّدك الله بنور تأييده، وسدّدك بقوّة تسديده - أنّ الكلام من أهل الكلام قد بلغ إلى هذا المقام، ولم يبق لأحد من الجانبين لهم من السهام إلاّ ورماه إلى الآخر طلباً للإفحام، فتلاطمَ حينئذ أمواج بحري الجبر والقدَر، وانكسرت سفائن البحث والنظر، وغرقت فيها أكثر العقول والأفهام، وضاعت دون الفلاح بضاعة أفكار الأقوام، ولم ينجح ولم يتنقح هذا المبحث لأحد من المناظرين، ولم ينفتح هذا الباب المغلق بمفاتيح أنظار أولئك المتفكرين. وذلك لأنّهم سلكوا في طلب المقاصد لأعَلَى مسالكها، ودخلوا بيوتاً علميّة لم يأتوا من أبوابها؛ فمسلك العلم واليقين، ليس كمسالك الظنّ والتخمين، وباب حقائق الإيمان ومعارف القرآن، ليس باب تحصيل البراعة في التكلّم والبيان، ولا يفي بذلك الإحاطة بالمشهورات والمتداولات، وحفظ ما يستحسنه جمهور الناس من المنقولات، بل بالتجرّد والإخلاص، وطول المهاجرة عن الخلق، واليأس عمّا في أيديهم، والخلوة مع الله بالذكر القلبي، والفكر اللطيف، ودوام الصحبة مع أنوار القرآن، وكثرة التشوّق إلى عالَم الملكوت، والتماس الاطلاع على غرائب أسرار الإيمان. فإذا بقي الإنسان على مثل هذه الحالات، فيوشك أن تأتيه أنوارٌ متتاليةٌ عقليةٌ أشرَقت على قلبه من سَماء الملكوت، ولوامعُ متواردة طلع ت عليه من أفق الجبروت، فتنكشف له بها جملة من خبايا حقائق أنوار الإيمان - كثُرت أو قلَّت -، واطَّلع على طائفة من خفايا أسرار العلم والعرفان - نقصت أو كملت -. واعلم أن كلام أهل الحقيقة في هذا المقام بلَغ منتهاه، وأقدام أرباب البصيرة والكشف رسخت في مستقرّه ومرتقاه، وكان نصيبهم فيه من الكأس الأوفى والقدح المعلّى، فشربوا من بَرد عين اليقين، وأفاضوا جرعه للعطاش السالكين. فقالوا - كما وقعت الإشارة إليه -: إن الله تعالى متجلٍّ للخلق بجميع صفات كماله وأسمائه، ومفيض على عباده وعوالِمه بكل نعوت جماله وجلاله، فأول ما تجلّى تجلّى في ذاته لذاته، فظهر من تجلّيه عالم أسمائه وصفاته، فهي أول حجب الأحديّة؛ ثم تجلّى بها على عالم الجبروت، فحصلت من تجلّيه أنوار عقليّة وملائكة مهيميّة قدسيّة، وهي سرادقات جبروته؛ ثمّ تجلّى من خلف حجب تلك الأنوار على عالم الملكوت الأعلى والأسفل، ثمّ على أشباحها الغيبيّة والمثاليّة، ثمّ على عالم الطبيعية السماويّة والأرضيّة. ولكل من هذه العوالِم والحضَرات منازلٌ وطبقاتٌ متفاوتةٌ، وكلّما وقع النزول أكثر، قلَّت الأنوار الأحديّة بكثرة هذه الحُجب الإمكانية أكثر، وتراكمت النقائص والشرور بمصادمات الاعدام والقصورات أشدّ وأوفر. أوَلا ترى أن كلاًّ من الصفات السبعة الإلهيّة - الّتي هي أئمّة سائر الصفات وأصول الكمالات -، تكون في الذات الأحديّة بريئةً من النقيصة والإمكان والكثرة والحدْثان، ثمّ إذا وقعت ظلالها في هذا العالم الأدنى، صحِبتْها الآفات والشرور، ولَزمتها الأعدام والنقائص والقصور والدثور، وإذا ارتفعت هذه الصفات بارتفاع موصوفاتها وذواتها عن عالَم الأجسام إلى عوالم النفوس والعقول، زالت عنها الشوائب والنقائص بقدر ارتفاعها، وعلى حسب درجات وجوداتها تخليصاً وتطهيراً، وإذا رجعَت إلى عالَم الأسماء، وجاوزت بكلماتها الطيّبات وصحائفها العاليات الى الحضرة الإلهية، تطهّرت عن الشوائب كلّها، وبلغت حدّ الكمال، وخلصت عن الكثرة والانحلال، وعادت إلى إقليم الوحدة والوصال، والانخراط في صفّ أنوار الجمال والجلال، والاضمحلال في سطوة قهر المهيمن المتعال. إذا تقرَّر هذا، فلنرجع إلى تحقيق الجبر والقدر فأقول: إنّ نسبة أفعال العباد كلّها إلى الله، إن وقَع من العارف المحقّق، فهو حقٌّ وصوابٌ، وإن وقع من الجاهل المتكلّم، فهو باطلٌ وخطأ، وكذا تنزيه الله عنها جميعاً، إن وقع من السابقين الأولين والحكماء الشامخين، والعرفاء الراسخين فهو أدبٌ وتجريدٌ، وإن وقع من الحكيم الباحث، أو المتكلّم القوّال من أهل الاعتزال، فهو سوء أدب وتعطيل، وفتْح باب التأويل في أكثر الآيات، وسدّ عظيم لطريق الاهتداءِ بأنوار التنزيل. أما نسبة البعض كالخيرات إليه تعالى، والبعض الآخر كالشرور إلى غيره، فمّما له وجهٌ عند الطائفتين الأوليين، كلٌ بحسب حاله ومقامه، وأما لو وقع من غيرهما من أصحاب الفكر أو الرواية، فيوشك أن يكون فيه قرْع باب الثنوية في الاعتقاد، ولا يأمن قائله من أن يحجب عن نور الحقّ يوم المعاد. وأما المقلِّد العامي المسلِم السليم، فهو أدنى إلى النجاة في معاده من جهة اعتقاده، وأقرب إلى السلامة لاقتصاده، بل هو مسلمٌ معذورٌ، وليس بمفتونٍ ممكورٍ. فالأشاعرة، حيث نسبوا الأفعال إلى الله تعالى، فقد أساؤوا الأدب وتجاسروا في حقّ الحقِّ، وما عرفوا حكمة الايجاد وترتيب النظام وجهلوا علْم التكليف، فكيف أجابوا عمّن سئلهم من المكلّف الذي قيل له: "افعَلْ" أو "لا تَفْعَل"؟ وبمن تعلَّق الأمر والنهي؟ وإلى من توجَّهت الشريعة النبوية؟ فكانت الشريعة كلّها هباء وعبثاً، وغاية السعي والطاعة ضائعاً وهذراً. وليس متعلَّق التكليف ما يسمّونه بالكَسْب، إذ لا تأثير له عند من يقول به، بل الذي يتعلّق به التكليف، وتناط به الشريعة، اقتدارٌ لطيف من العبْد مندرج في الاقتدار الإلهي، كاندراج نور الكواكب والسراج في نور الشمس، فيعلم بالدليل أن للكوكب نوراً منبسطاً على وجه الأرض، لكن ما ندركه لسلطان نور الشمس، كما يعطي الحسّ في أفعال العباد أنّ الفعل لهم حسّاً وشرعاً، وأن الاقتدار الإلهي مندرجٌ فيه يدركه العقل بالبرهان، ولا يدركه الحسّ، كاندراج نور الشمس في نور الكوكب - وهو عين نور الشمس والكوكب لها مَجلى -. فالنور كلّه للشمس، والحسّ يجعل النور للكوكب، وعلى الحقيقة لا نورَ إلاَّ نور الشمس، فاندرج نوره في نفسه، إذ لم يكن ثمة نور غيره، والمَرائي - وإن كان لها أثر - فليس ذلك من كونها نوراً، فالنور له أثر من كونه نوراً بلا واسطة، ويكون له أثر آخر في مرآة تجلّيه يحكم بخلاف حكمه من غير واسطة؛ فنور الشمس إذا تجلّى في البدر، يعطى من الحكم ما لا يعطيه منه بغير الواسطة، ولا شكّ في ذلك. وكذلك الاقتدار الإلهي إذا تجلّى في العبيد، فظهرت الأفعال على الخْلق، وهو وإن كان بالاقتدار الإلهي، ولكن يختلف الحكم، لأنّه بواسطة هذا المجلّى الذي كان مثل المرآة بتجليه. وكما ينسب النور الشمسي إلى البدر في الحسّ - والفعل لنور البدْر وهو للشمس -، فكذلك ينسب الفعْل إلى الخلْق في الحسّ، والفعْل انما هو لله في نفس الأمر، ولاختلاف الأثر تغيّر الحكم النوري في الأشياء، كذلك يختلف الحاكم في أفعال العباد. ومن هٰهنا يُعرف التكليف إلى من توجّه وبمن تعلّق، وإذا كان الأمر بين الشمس والبدْر بهذه المثابة من الخفاء، وأنه لا يَعْلَم ذلك كل أحد، فما ظنّك بالأمر الإلهي في هذه المسألة مع الخلق من الخفاء. فمَن وقَف على هذا العالم، فهو من أعلى علامات السعادة، ومن فقَد مثْل هذا فهو من علامات الشقاوة، وأريد بهذا سعادة الأرواح وشقاوتها المعنوية، وأما السعادة الحسيّة والشقاوة الحسيّة، فعلاماتها الأعمال المشروعة بشرطها - وهو الاخلاص -، قال الله تعالى: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ} تفسير : [البينة:5]. وقال: {أية : أَلاَ لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ} تفسير : [الزمر:3]................................. والأعمال التي بخلافها. فمن عرف نسبة العقل - الذي هو أمير المشاعر والحواسّ - إليها، عرف نسبة الاقتدار الإلهي إلى إقتدار الناس، وسرّ {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الإنسان:30]. وروى الشيخ الجليل محمد بن يعقوب الكليني - رحمه الله - في كتاب التوحيد من كتب الكافي عن أبي الحسن الرضا عليه السلام "حديث : قال الله: يابنَ آدم - بمشيئتي كنتَ أنتَ الذي تشاءُ لنفسكَ ما تشاءُ، وبقوّتي أدّيت [إليّ] فرائضي، وبنعمتي قويتَ على معصيتي، جعلتكَ سميعاً بصيراً قويّاً، ما أصابك من حسنةٍ فمن اللهِ، ومَا أصابكَ من مصيبة فمن نفسكَ، وذلكَ إنّي أولى بحسناتِكَ منكَ، وأنتَ أولى بسيّئاتِكَ منّي، وذلك انّي لا أسئَل عمَّا أفعَل وهُم يُسئلون ". تفسير : ولعلّك إن كنت ذا بصيرة، تستفيد من هذا الحديث القدسي حقّية ما ذكرنا لك سابقاً، أن النقائص والقصورات اللازمة في هذا العالَم لبعض الصفات المنسوبة إلى الحقّ تارةً، وإلى الخلْق أخرى، إنّما نشأت ولزمت من خصوصيّة هذا الموطن، فعادت إلينا لا إلى الصفة الإلهية، وهو معنى قوله تعالى: "أنْتَ أولى بسيّئاتك منّي". ومعنى قوله: "لا أسئَل عما أفعل" إن الأفعال الصادرة منه بلا واسطة، وكذا الصفات الإلهيّة الثابتة له في مقام التوحيد قبل عالَم الكثرة، ليست فيه شائبة النقص والقُبح حتى يرد فيها السؤال، لأنّ عالم الإلهيّة كلّه نور وكمال، وليس معناه - كما توهّمه قوم - أن صدور القبيح منه حسَن، وأن السؤال عن قبحه حرام وبدعة، لأن العالم ملكه، وملكه، له أن يفعل في ملكه كلّما يريد - وإن كان قبيحاً -. هذا ما زعمته الأشاعرة، وهو عندنا أكثف الاعتقادات وأفحشها - تعالى وتقدّس كبرياؤه عمّا يقوله الظالمون المتجاسرون في حقّه علوّاً كبيراً -. تمثيلٌ: ذكره بعض أصحاب القلوب تقريباً للطبائع والأفهام، وتسهيلاً لفهم التوحيد الأفعالي على العقول فيما يضاف إلى الجمادات والأعجام، فإنّ الحجاب عن إدراك هذا التحقيق أمران: أحدهما: إختيار الإنسان والحيوان. وثانيهما: ما ينسب إلى الجمادات وسائر الأجرام. أما الأول: أن نسبة ارادة الإنسان إلى مشيئة الله، كنسبة إدراك الحواسّ إلى إدراك العقل، كما في قوله: {أية : وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الإنسان:30]. ونسبة مصادر أفاعيلها من الأبدان والأعضاء، كنسبة الجوارح إلى القلب الذي هو أمير الجوارح، كما دلّ عليه قوله [تعالى]: {أية : يَدُ ٱللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [الفتح:10]. وقوله: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}تفسير : [التوبة:14]. وقوله: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ} تفسير : [الأنفال:17]. وأما الثاني: فقد انكشف لدى البصائر المستنيرة، أنّ الشمس والقمر، والغيم والمطر، والأرض وكلّ حيوان وجماد، مسخَّرات بأمره، ومقبوضات بقبضة قدرته، كالقلم الذي هو مسخر للكاتب، وعلمه وارادته وقدرته وقوته التي في عصبه وأصبعه، كما أن علمه ومشيئته وارِدَتان عليه من خزائن غيب الملكوت وكتابة قلَم اللاهوت - على ترتيب ونظام، وتقدّم وتأخّر، من الأعلى فالأعلى، إلى ا[لا] دنى فالأدنى، حتّى انتهى أثر القدرة من احدى حاشيتي الوجود إلى الأخرى، ومن القلم الأعلى إلى القصب الأدنى. وهذا مما يشاهده من انشرح صدره بنور الله، ويسمع بسمعه المنور من يدرك ويفهم تسبيح الجمادات وتقديسها، وشهادتها على أنفسها بالعجز والمسخريّة بلسان ذَلق أنطقها الله به، الذي أنطق كلّ شيء بلا حرف وصوت، ما لا يسمعه الذين هم عن السمع لمعزولون. فقال بعض الناظرين من هذا المشكاة للكاغد - وقد رآه أسودّ - لِمَ تَسَوّد وجهَك، وتشوّش بياضك بهذا السواد؟ فقال بلسان الحال: سلوا هذا المداد الذي ورد عليَّ وغيَّر هيئتي وجِبِلّتي. فقال للمداد: لِمَ فعلتَ ذلك؟ فقال: كنت مستقراً في قعر الدواة، لا صعود لي بنفسي عن ذلك المقعر، فوردت عليَّ قصبة تسمى "القلَم"، فرقّاني من مقعري، ولولا نزوله ما كان لي صعود. فقال للقلم: لِمَ فعلتَ ذلك؟ فقال: كنت قصَباً نابتاً في بعض البقاع، لا حركة منّي ولا سعي، فورد عليّ قهرمان سكّين بيد قاطع، فقطعني عن أصلي، ومزّق عليَّ ثيابي وشقّ رأسي، ثمّ غمسني في سواد الحبر ومرارته. فقال للسكين: لِمَ فعلت؟ فأشار إلى اليد. فاعترض عليها فقال: ما أنا إلاّ لحم ودم وعظم، حرّكني فارس يقال له القدرة، فاسألها. فلما سألها عن ظلمها وتعدّيها على اليد فأشارت إلى الإرادة. فقال لها: ما الذي قوّاك على هذه القدرة الساكنة المطمئنّة؟ فقالت: لا تعجل لعلّ لنا عذراً وأنت تلوم، فإنّي ما انبعثت ولا انتهضت بنفسي، ولكن بعثني حُكم حاكم وأمر جازم من حضرة القلب، وهو رسول العلم على لسان العقل بالإشخاص للقدرة، والإلزام لها في الفعل، فإنّي مسكين مسخّر تحت قهر العلم والعقل، فلا أدري بأيّ جرم سخّرت لهما، والزمت لهما الطاعة، لكنّي أدري أن تسخيري إيّاها بأمر هذا الحاكم العادل أو الظالم. فأقبَلَ على العلْم والعقْل والقلْب، مُطالباً لهم ومُعاتِباً ايّاهم على سبب استنهاض الإرادة وإنهاضها للقدرة. فقال العقل: أمّا أنا فسراج ما اشتعلتُ بنفسي، ولكنّي أُشعلت. وقال القلب: أمّا أنا فلوح ما انبسطت، ولكنّي بُسطت، وما انتشرت ولكنّي نشرني من بيده نشر الصحائف. وأمّا العلم فقال: إنّما أنا نَقْش في منقوش، وصورة صوّرت في بياض لوح القلب لما أشرق العقل، وما انخططت بنفسي، فكمْ كان هذا اللوح قبلي خالياً فَسَلِ القلم عني، واسأله عن هذا. فرجع إلى القلم تارةً أخرى بعد قطع هذه المنازل والبوادي، وسير هذه المراحل والمقامات، فوقع في الحيرة حيث لم يعلم قلماً إلا من القصب، ولا لوحاً إلاّ من العظم والخشب، ولا خطّاً إلاّ بالحبر، ولا سراجاً إلاّ من النار، وكان يسمع في هذا المنزل هذه الأسامي ولا يشاهد شيئاً من مسمّاها. فقال له العلْم: زادك قليل وبضاعتك مزجاة، ومرْكبك ضعيف، فالصواب لك أن تؤمن بهذه المسمّيات ايماناً بالغيب، وتنصرف وتدع ما أنت فيه. فلمّا سمع السالك ذلك، استشعر قصور نفسه، فاشتعل قلبه ناراً من حدّة غضبه على نفسه لمّا رآها بعين النقص، ولقد كان زيته في مشكاة قلبه يكاد يضيء، ولو لم تمسسه نار لقوّة استعداده وكبريتيّة في مادته، فلمّا نفخ فيه العلم بحدّته اشتعل زيته، فأصبح نوراً على نور، فقال له العلم؛ اغتنم الفرصة وافتح بصرك، فلعلّك تجد على هذه النار هدى. ففتح بصره، فرأى القلم الإلهي كما سمع نعته من العلم إنه ليس من قصب ولا خشب ولا له رأس وذَنب، وهو يكتب على الدوام في صحائف قلوب الأنام أصناف العلوم والحقائق، وكان له في كل قلب رأس، ولا رأس له، فقضى منه العجب، فودّع عند هذا العلم وشكره، وقال: لقد طال مقامي عندك، إنّي عازم على السفر إلى حضرة القلم. فلمّا جاءه وقصّ عليه القصص وسأله: "ما بالك تخطّ على الدوام في القلوب من العلوم ما تبعث به الإرادات إلى أشخاص القدرة، وصرفها إلى المقدورات؟" فقال: لقد نسيت ما رأيت في عالَم الملك، وسمعته من جواب القلم عن سؤالك؟ قال: لَم أنْس. فقال: جوابي مثل جوابه، لتطابق عالَمي الملك والملكت، إنّما سمعت: "إن الله خلَق آدم على صورته"، فاسأل عن شأن الملقب بـ "يمين الملك"، فإنّي مقهور في قبضته مسخَّر، فلا فرق بين قلم الآدمي والقلم الإلهي في معنى التسخير، إنّما الفرق في ظاهر الصورة والتصوير. قال: ومَنْ يمين الملك؟ قال القلم: أما سمعت قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}تفسير : [الزمر:67]. هو الذي يردّدها، فاسأل اليمين عن شأنه وتحريكه للقلم. [فسافَر السالك من عنده إلى اليمين، حتى شاهده ورأى من عجائبه ما يزيد على عجائب القلم.. فسأل اليمين عن شأنه وتحريكه للقلم] فقال: جوابي ما سمعتَ من اليمين الذي في عالَم الشهادة، وهو الحوالة على القدرة. فلمّا سار إلى عالَم القدرة، فرأى فيه من العجائب ما استحقر عندها ما قبْل ذلك، فسألها عن تحريك اليمين. فقالت: أنا صفة، فاسأل "القادر" إذ العهدة على الموصوفات لا على الصفات. وعند هذا كاد أن يزيغ ويتنطق بالجرأة على السؤال، فثُبَّت بالقول الثابت، ونودي من سرادقات الحضرة: {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} تفسير : [الأنبياء:23]؛ فغشيته الحضرة، فخرّ صِعقاً، فلما أفاق قال: سُبحانَكَ ما أعظمَ شأنكَ، تبتُ إليك وتوكّلت عليكَ، آمنتُ بأنّك الملك الجبّار الواحد القهّار، فلا أخاف غيرك ولا أرجو سواك، ولا أعوذ إلاّ بعفوك من عقابك، وبرضاكَ من سخطك وبكَ منكَ، فأقول: اشرحْ لي صدري لأَعرِفَك، واحللْ عقدة الصمت من لساني لأُِثني عليك. فعند هذا رجع السالك، واعتذر عن أسئلته ومعاتبته، فقال لليمين والقلم والعلم والإرادة والقدرة وما بعدها: اقبلوا عذري، فإنّي كنت غريباً في بلادكم، ولكلّ داخل دهشة، فما كان إنكاري عليكم إلاّ عن قصوري وجهلي، والآن قد صح عندي عذركم، وانكشف لي أنّ المتفرد بالملك والملكوت، والعزّة والجبروت، هو الواحد القهّار، والكلّ تحت تسخيره، وهو الأول والآخر، والظاهر الباطن. فهذا هو الكلام في تفسير الإضلال. فصل قوله: {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} قد مرّ الكلام في معنى الهداية، وقد جاء الهُدى على وجوه: أحدها: الدلالة والبيان: قوله [تعالى]: {أية : إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} تفسير : [الإنسان:3]. وتانيها: الدعوة إلى الحقّ. {أية : وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [الشورى:52]. أي: لتدعوا. {أية : وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}تفسير : [الرعد:7]. أي: داع يدعوهم إلى ضلال أو هدى. وثالثها: التوفيق بالألطاف المشروعة للمؤمنين بسبب ايمانهم، في مقابلة الإضلال بمعنى الخذلان للكافرين بكفرهم، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى}تفسير : [محمد:17]. وقوله: {أية : وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى} تفسير : [مريم:76]. {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة:285]. وقوله: {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [ابراهيم:27]. ورابعها: الهدى إلى طريق الجنَّة. قوله: {أية : يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [المائدة:16]. وخامسها: التقديم. يقال: "هَدى فلانٌ [فلاناً]" إذا قدّمه أمامه. وهوادي الخيل: أعناقها، لأنّها تتقدّمها. وسادسها: هَداه، أي: سمّاه مهتدياً وحكم عليه. قوله: {أية : إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران:73]. وقوله: {أية : مَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِي}تفسير : [الأعراف:178]. أي: من حكم الله عليه بالهدى فهو المستحقّ بأن يسمى مهتدياً. فهذه هي الوجوه التي ذكرها المعتزلة، وقد انكشف عليك حالها فيما تقدّم في باب الاضلال. وعند الجبرية للهداية وجهٌ آخر، وهو كون الهدى بمعنى خلْق الهداية والعلم، في مقابلة الإضلال، بمعنى [خلْق] الضلالة والجهل، كما أنّ الله هو المحيي والمميت، بمعنى خالق الحياة والموت. قالت المعتزلة: إن هذا غير جائز لغةً، إذ لا يقال لمَن حمل غيره على سلوك الطريق جبراً وكرهاً: "إنّه هداه إليه"، وإنّما يقال: "ردّه إلى الطريق المستقيم". وذكروا وجوهاً أخرى مكرّرة الايراد والاندفاع لا نطوّل الكلام بذكرها تفصيلاً. ويكفي للجميع جوابٌ واحد، وهو أنّا نعلم يقيناً بالقواطع البرهانية، أن خالق الأشياء كلها هو الله - إما بلا واسطة، أو بواسطة -، والتي تمسّكتم بها وجوهٌ لغويّة أو نقليّة قابلة للاحتمال، والمحتمل لا يعارض القاطع، فوجب المصير إلى ما يقضي به العقل المنير؛ أو ما يسمع بالقلب السليم ممن عنده علم من الذكر الحكيم، كما قال تعالى: {أية : فَٱسْأَلُواْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل:43]. قوله جلّ اسمه: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} الْفِسق، أصله الخروج، من قولهم: "فَسَقَتْ الرطبة من قشْرتها" أي: خرجت، فكأنّ الفاسق هو الخارج عن الطاعة، وتسمى الفأرة "فُويسِقة" لخروجها لأجل المضرّة. وعند الخوارج أنّه كافر، وعند المعتزلة أنّه لا مؤمن ولا كافر، لأن الإيمان عندهم عبارة عن مجموع التصديق والإقرار والعمل، والكفر تكذيب الحقّ وجحوده، فجعلوه قسماً ثالثاً نازلاً بين منزلَتي المؤمن والكافر، لمشاركته كلاًّ منهما في بعض الأحكام. واحتجّ المخالف بقوله تعالى: {أية : بِئْسَ ٱلاسْمُ ٱلْفُسُوقُ بَعْدَ ٱلإَيمَانِ} تفسير : [الحجرات:11]. وقال: {أية : حَبَّبَ إِلَيْكُمُ ٱلأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ ٱلْكُفْرَ وَٱلْفُسُوقَ وَٱلْعِصْيَانَ} تفسير : [الحجرات:7] وصاحب الكشاف - لاعتزاله - فسّر الفاسقين بالخارجين عن حدّ الايمان، معتضداً بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}تفسير : [التوبة:67]. وتبَعه البيضاوي جرْياً على عادته في الاتباع. وهذه المسئلة طويلة مذكورة في الكلام. ومرتكب الكبيرة فاسقٌ خارج عن أمر الله بالاتفاق، وله درجات: الأول: الذي لا يميّز بين الحقّ والباطل، والجميل والقبيح، ساذجاً عن العقائد الرديئة، غير مستمرّ الشهوة؛ وهو سريع القبول للعلاج، قريب المبادرة إلى التوبة. الثاني: أن يكون قد عرف ذلك، لكنّه يتعاطاه انقياداً لشهوته، وإعراضاً عن صواب رأيه، لاستيلاء الداعية الشهويّة عليه، بل زيّن له سوء عمله، لكن علم تقصيره فأمره أصعب، ورجوعه أبعد. الثالث: أن يعتقد في قبائح الأعمال ورذائل الأخلاق أنّها مستحنسةٌ، وأن ما يعتقده ويفعله حقٌّ وجميلٌ، وتعوّدَ ارتكابها والإنهماك فيها من غير مبالاة بها، فهذا يكاد يمتنع اصلاحه، ولن ترجى توبته إلا على الندور، وذلك لتضاعف أسباب الضلال. والرابع: أن يكون مع إدامته على الفسوق ورسوخه في العصيان، يرى الفضيلة فيما يفعله من كثرة الشر واستهلاك النفوس، ويعتقد أن ذلك موافق للشريعة، ويباهي به، ويظن أن ذلك يرفع في قدره. وهذا أصعب المراتب وأشدّها غوراً وتعمّقاً في الباطل. فقيل للأول من هؤلاء: "ضَالٌّ" فقط. وللثاني: "ضَالٌّ وفاسِقٌ". وللثالث: "ضَالٌّ وفَاسِقٌ وظَالِمٌ". وللرابع: "ضَالٌّ وفاسقٌ وظالمٌ وشرّيرٌ" أي: شيطان مَريد. والثلاثة الأُول ممَّن لا يُسلب عنهم اسم الايمان، لأتّصافهم بالتصديق الذي هو مسمّى الإيمان، وربما جازت التسمية به للرابع عند طائفة تمسّكاً بظاهر قوله تعالى: {أية : وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ٱقْتَتَلُواْ}تفسير : [الحجرات:9]. وتخصيص الإضلال بالفسَّاق، يدلّ على تعليقه بالوصف، وترتُّبه على فسقهم وخروجهم عن دائرة أهل الايمان والصلاح، فأدّى بهم العدول عن منهج الحق والصواب، إلى الإصرار على الباطل والخطأ، وصرفهم إلى الضلال البعيد والإضلال. وقرئ: "يُضَّلُّ" على البناء للمفعول، و "الفاسِقُون" بالرفع.

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْيى} الحياء قوّة رادعة عن اظهار القبيح ومخجلة حين ظهوره وقد يطلق على اثرها الظّاهر منها على الاعضاء كسائر السّجايا، والاستحياء للمبالغة لا للطلب او للطلب باعتبار انّ المستحيى كأنّه يطلب الحياء من نفسه، ونسبة الحياء والاستحياء الى الله تعالى ليس بمعنى نسبته الى الخلق كسائر ما يقتضى انفعالاً وتغييراً حين نسبتها الى الخلق وطرفا تفريطه وافراطه الخجل عن ظهور الفعل وعدم الاقتدار على الفعل حين اطّلاع الخلق عليه مطلقاً حسناً كان الفعل او قبيحاً وعدم المبالاة بظهور الفعل حسناً كان او قبيحاً {أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا} ان يقرع الاسماع بمثل والمثل امر ظاهر يشبهه امر خفىّ يذكر لبيان حال ذلك الامر الخفىّ، وضربه عبارة عن اجرائه وذكره، ولفظة {ما} وصفيّة ابهاميّة {بَعُوضَةً} وقرئ بعوضةٌ بالرّفع وعليها فلفظة ما يحتمل كونها موصولة وموصوفة بحذف صدر الصّلة وصدر الصّفة واستفهامية {فَمَا فَوْقَهَا} فى الحقارة او فى الجثّة والكُبر وهذا ردّ لانكارهم عليه تعالى التّمثيل بالذّباب والعنكبوت وغير ذلك لانّ الجّهال يستنكفون من التّوجّه الى امثال تلك الحقار والله لا يستنكف من التّمثيل بها فانّ الحقير من هذه حقير فى أنظار الجهّال لا فى أنظار العقلاء فانّ ذوات النّفوس الحيوانيّة وان كانت اصغر ما يكون خصوصاً ما تمّ له المدارك الحيوانيّة، فيها من دقائق الحكم ولطائف الصّنع ما لا يحصيها الاّ الله فانّ البعوضة من أدرك من دقائق الحكم ولطائف الصنع الّتى اودعها الله فيها عشراً من أعشارها لا يستنكف من التّمثيل بها ولا يستغرب تمثيل الفيل بها، وعن الصّادق (ع) انّما ضرب الله المثل بالبعوضة لانّها على صغر حجمها خلق الله فيها جميع ما خلق الله فى الفيل مع كبره وزيادة عضوين آخرين فأراد الله ان ينبّه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه وعجيب صنعه، واشار (ع) بقوله: وزيادة عضوين آخرين؛ الى جناحيها ورجليها الزائدتين على الفيل فانّ للفيّل اربع أرجلٍ ولها ستّ أرجل، ولمّا جعلوا انكارهم التّمثيل بالامثال المذكورة فى الكتاب مشعراً بانكار كونها من الله ودليلاً عليه قال تعالى: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالايمان العامّ او الخاصّ وأقرّوا برسالة الرّسول ونزول الوحى وتنزيل الكتاب {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ} اى المثل المضروب {ٱلْحَقُّ} يعنى يعلمون انّ المثل حقّ لا باطل يعنى منزّل من الله لا مختلق من النّفس ولذا أتى بقوله {مِن رَّبِّهِمْ} للبيان خبراً بعد خبر او حالاً او ظرفاً لغواً متعلّقاً بالحقّ {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ} الاستفهام ونسبة الارادة الى الله تعالى للاستهزاء والتّهكّم وكان المناسب للقرين السّابق ان يقول وامّا الّذين كفروا فلا يعلمون انّه الحقّ لكنّه عدل الى هذا لافادة هذا المعنى مع شيئ زائد وهو التّهكّم والاستهزاء {بِهَـٰذَا مَثَلاً} تميز من هذا او حال منه او حال من محذوف اى نذكر هذا حال كونه مثلاً والاّ فالمقصود ماذا اراد بجملة الامثال وجملة القرآن {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} جمعاً كثيراً او اضلالاً كثيراً جواب من الله لاستفهامهم تعليماً لنبيّه (ص) ان يجيبهم بمثله او مقول قولهم حالاً او مستأنفاً وحينئذٍ فقوله تعالى {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} امّا من قولهم او من قول الله كأنّهم قالوا: ماذا أراد الله بهذا حال كونه يضلّ به كثيراً من النّاس وان كان يهدى به كثيراً، او قال الله عطفاً على قولهم للرّدّ عليهم ويهدى به كثيراً {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} يعنى فيه هداية اناسّى كثيرين وليس اضلاله الاّ لمن لا رجاء خير فيه فخيره كثير وضرّه لا يعبأ به.

فرات الكوفي

تفسير : {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً ويَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلاّ الفاسِقِين26} [وبالسند المتقدم عن الباقر عليه السلام] وأما قوله: {يضلّ به... الفاسقين} قال: فهو علي (ع) يضلّ الله به من عاداه ويهدي من والاه، قال: {وما يضلّ به} بعني علياً {إلاّ الفاسقين} [أ، ر: يعني من خرج من ولايته فهو فاسق].

الأعقم

تفسير : {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً} الآية، قيلَ: نزلت في اليهود وذلك ان الله تعالى لما ذكر في كتابه الكريم الذباب والعنكبوت ضحكوا وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله تعالى، قال جار الله: والحياء تغيّر وانكسار يعتري الانسان من خوف ما يعاب به او يذم، واشتقاقه من الحياة، قال: فإن قلتَ: كيف جاز وصف القديم سبحانه به ولا يجوز عليه التغير والذم؟ قلتُ: مجاز. وفي حديث: "حديث : ان العبد اذا رفع يده الى الله تعالى يطلبُ داعياً اليه، استحيى الله ان يرد يده صِفراً حتى يهب فيهما خيراً" تفسير : وهو مجاز على سبيل المثل، وكذلك معنى قوله: {إنّ الله لا يستحي} أن يترك ضرب المثل بالبعوضة، او هو جواب للكفرة، وفي خلقه ما هو أصغر منها فـ {أية : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون} تفسير : [يس: 36] والبعوضة النهاية في الصغر وهي النامس وانشد لبعضهم: شعر : يا من يرى مد البعوض جناحَها في ظلمة الليل البهيم الأليلِ ويرى عروق نياطها في نحرها والمخ في تلك العظام النحِل اغفر لعبد تاب من فرطاته ما كان منه في الزمان الأولِ تفسير : {الذين ينقضون عهد الله} العهد ما ركبه في عقولهم من الحجة على توحيده واتباع نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ويجوز ان تكون الآية في اليهود. {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} قيل: هو عام في كل ما أمر الله ان يوصله. {أولئك هم الخاسرون} الخاسر ضد الرابح، وأصل الخسران النقص، ومنه خسر الصبي سنه اذا قلعها. {كيف تكفرون بالله} استفهام معناه التوبيخ. {وكنتم أمواتا} يعني نطفاً. {فأحياكم} في الدنيا. {ثم يميتكم} عند انقضاء آجالكم. {ثم يُحييكم} في القبور والنشور، وقيل: يحييكم في القبور. {ثم إليه ترجعون} بالبعث والنشور. {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} يعني لأجلكم وانتفاعكم به في دينكم ودنياكم، فالانتفاع الدنيوي ظاهر بأنواع المشتهيات والمستلذات وما يتبَعُها، والديْني من وجهين: أحدهما النظر في المخلوقات من عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر العالم، وثانيهما مما يرى من العقارب والحنشان ونحوها مما يقع بمشاهدته بذكر أهوال الآخرة وما فيها من هذه الأنواع، فكان المنة بهذه أبلغ وأوضح، انه خلق بعضه للانتفاع، وبعضه للاعتبار لا كما يزعم من استدل بها على إباحة كل الحيوانات، لأن الاجماع على خلافه. {ثم استوى الى السماء} اي قصد اليها بإرادته ومشيئته بعد خلق الارض من غير ان يريد خلق شيء آخر، والمرادُ بالسماءِ جهات العلو. {وهو بكل شيء عليم} فمن ثم خلقهن خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوتٍ مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}. وما هاهنا كلمة عربية ليس لها معنى؛ زيادة في الكلام. وهو في كلام العرب سواء: بعوضة فما فوقها وما بعوضة فما فوقها. وذلك أن الله لما ذكر في كتابه العنكبوت والنملة والذباب قال المشركون: ماذا أراد الله بذكر هذا في كتابه، وليس يقرون أن الله أنزله، ولكن يقولون للنبي عليه السلام: إن كنت صادقاً فماذا أراد الله بهذا مثلاً. فأنزل الله: {إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}. {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً} قال الله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} أي: إلا المشركين. وهذا فسق الشرك، وهو فسق فوق فسق، وفسق دون فسق. والمعاصي كلها فسق. ثم قال: {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} وهو الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم. وتفسيره في سورة الأعراف. قال: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} قال ابن عباس: ما أمر الله به من الإِيمان بالأنبياء كلهم، لا نفرق بين أحد منهم. وقال بعضهم: ما أمر الله به من صلة القرابة. قال: {وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ} والفساد فيها العمل بمعاصي الله، وأعظم المعاصي الشرك. {أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}؛ أي: خسروا أنفسهم أن يغنموها فيصيروا في الجنة فصاروا في النار، وخسروا أنفسهم من الحور العين. وتفسيره في سورة الزمر. ثم قال: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يعني كنتم أمواتاً في أصلاب آبائكم، نطفاً في تفسير بعضهم، وفي تفسير الكلبي: نطفاً وعلقاً ومضغاً وعظاماً، ثم أحياهم فأخرجهم إلى الدنيا، ثم أماتهم، ثم يحييهم يوم القيامة. وهو قوله: (أية : رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ)تفسير : [غافر: 11]. وعلى هذا أمر العامة. فأما خواصّ من الناس فقد أُمِيتوا عقوبة؛ صُعِق بهم، ثم بُعِثوا حتى استوفوا بقية آجالهم، وليس ببعث النشور. منهم السبعون الذين كانوا مع موسى، وتفسيره في سورة الأعراف، وعزير، و (أية : الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ)تفسير : [البقرة:243]، وتفسير ذلك في غير هذا الموضع بعد هذا. وقد أحيى الله أقواماً عبرة للناس وليس بحياة النشور؛ منهم أصحاب الكهف، وصاحب بقرة بني إسرائيل، ومن كان يحيي عيسى عليه السلام بإذن الله، ثم أماتهم الله مكانهم، فلم يعيشوا ولم يأكلوا ولم يشربوا.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحِى}: لما نزلت تشبيه حال المنافقين المستوقدين، وأصحاب الصيب، وتشبيه عبادة الأصنام فى الوهن والضعف ببيت العنكبوت، وجعلها أقل من الذباب وأخس قدراً منه. قالت اليهود والمنافقون من نحا نحوهم من كفار قريش: الله أعلى وأجل من أن يضرب الأمثال، ويذكر الذباب والعنكبوت، فنزلت الآية. ومن علم من اليهود أن ضرب المثل بذلك ونحوه حق، وأنه أظهر فى الأفهام، وأن مثله فى التوراة، فإنما قيل ذلك عنادا. روى أن اليهود قالت: ما أراد الله بذكر هذه الأشياء الخسيسة؟ وعن الحسن وقتادة: لما ذكر الله الذباب والعنكبوت فى كتابه، وضرب للمشركين به المثل، ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، فنزلت الآية. وقيل: قال المشركون إنا إنا لا نعبد إلهاً يذكر هذه الأشياء. وكل من ذلك يصدق عليه قوله تعالى: {ماذا أراد الله بهذا مثلا}؟ لأن هذا استفهام إنكار، أنكروا: أن يريد الله تمثيلا بذلك، وليسوا منكرين أن الله موجود، ولا مقرين أن الله نزله، ولكن كنوا بذلك عن تكذيبه - صلى الله عليه وسلم - فى قوله إن ذلك من الله عز وعلا كأنهم قالوا لو كان ما تتلوا علينا من الله، لما كان فيه ذكر تلك الأشياء. وكذلك أنكروا أن يذكر الله النحلة والنملة. والاستحياء استفعال من الحياء، والحياء فى شأن المخلوق انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم، وهو بين الوقاحة التى هى الجراءة على القبائح وعدم المبالاة، وبين الخجل الذى هو انحصار النفس عن الفعل مطلقاً، وهو مأخوذ من الحياة، فإن الإنسان إذا كان فيه حياء شبيه بمن ضعفت حياته، لأن الحياء انكسار يعترى القوة الحيوانية، فيردها عن أفعالها، كما قيل نسى: أى اعتل عرق النساء فيه، وحشى أى اعتل بطنه. فكذلك يقال: حيى، أى ضعفت قوة حياته، والسين والتاء والهمزة، مبالغة وهى راجعة إلى النفى أى انتفا انتفاء بليغاً عن الله أن يوصف بالحياء عن ضرب المثل بنحو البعوضة، والحياء فى حل الله هو ترك الشىء إطلاقاً للملزوم على اللازم، فإنه يلزم من حياء المخلوق من فعل الشىء أن يتركه، وقد استعمل كذلك إطلاقاً على لازمه فى قول المتنبى أبى الطيب من قصيدة بمدح بها أبا الفضل محمد بن الحسين بن العميد يصف نوقا: شعر : إذا ما استحين الماء يعرض نفسه كرعن بسبت فى إناء من الورد تفسير : والنون فى استحين للنوق يقال استحيت بياء واستحييت بياءين، وقد قرأ ابن كثير فى رواية شبل: يستحى بياء واحدة ساكنة سكوناً ميتاً بعد الحاء المكسورة، والاسم مستح كمهتد بحذف الياء. ومن قال يستحيى بياءين قال فى الاسم مستحى كمهتدى أيضاً بحذف الثانية، والمعنى: إذا ما تركن ورد الماء، ويعرض نفسه حال من الماء، وكرعن جواب إذا، والكرع الشرب بالفم من محل الماء، أو يعرض جواب إذا وكرعن، بدل يعرض، أى كرعن فيه، وهو بدل اشتمال، فإن إعراضه نفسه متضمن لأن يكرعن فيه، والسبت جلد البقر المدبوغ بالقرظ، وإناء الورد موضع ماء المطر المحفوف بالأزهار، شبه بإناء الورد، كما شبه مشافر الإبل بالجلد المذكور، فإطلاق لفظ الملزوم على اللازم مجاز مرسل. ويجوز أن يكون يستحين مجازا بالاستعارة، بأن يكون شبه حالهن التى خيل فيها بعض النفور، ويحال من يستحيى فيترك، وإن قلت: الاستحياء منفى عن الله فى الآية، فلا مانع من تفسيره بحياء المخلوق، لأنه فى الآية منفى، كما تنفى عنه صفات المخلوق، فلا حاجة لتأويله بالترك؟ قلت: قد قيل ذلك لكنه لا يصح، لأنه لم ينف فى الآية نفياً مطلقا بل نفياً منصبا على القيد، وهو كون المثل نحو بعوضة، فلو فسر بحياء المخلوق ونفى لتوهم أنه يستحيى حياء الملخوق فى غير ذلك المثل، أو توهم مكان حياء المخلوق فيه، كما لو قيل لا يأخذ الله نوم فى هذه الليلة لتوهم أن النوم جائز عليه فى الجملة، وأنه نائم فى غير هذه الليلة، تعالى عن ذلك وعن كل نقص. وقد وصف الله تعالى بالحياء على التأويل المذكور فى قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله حى كريم يستحى إذا رفع العبد يديه إليه إن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيراً"تفسير : رواه أبو داود والترمذى وحسنه، وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله يستحى من ذى الشيبة المسلم أن يعذبه"تفسير : رواه البيهقى وغيره. واعلم أن الحياء فى المخلوق يزداد بحياة القلب، فكلما كان القلب حيا كان الحياء أتم، وتعريفه السابق تعريف لغوى. وإن شئت فقل هو تغيير، وانكسار يعترى الإنسان من خوف ما يعاب به، وأما تعريفه الشرعى فهو أن يقال: خلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع عن التقصير فى حق ذى الحق. قال ذو النون: الحياء وجود الهيبة فى القلب، مع وحشة ما يسبق منك إلى ربك، والحب ينطق، والحياء يسكت، والخوف يقلق. قال يحيى بن معاذ رحمه الله: من استحيى من الله مطيعاً استحى الله منه وهو مذنب، أى من غلب عليه خلق الحياء من الله، حتى فى حال طاعته، فقلبه مطرق بين يديه إطراق مستح خجل، فإنه إذا وقع منه ذنب استحى الله من نظره إليه فى تلك الحال بكرامته عليه، فيستحى أن يرى من وليه ما يشينه عنده، فإن الرجل إذا اطلع على أحب الناس إليه وأخصهم به، كولد فى خيانته إياه، فإنه يلحقه من ذلك الاطلاع حياء عجيب. حتى كأنه هو الجانى، وهذا غاية الكرم. ومن أقسام الحياء: حياء الكرم كحيائه - صلى الله عليه وسلم - من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، وطولوا عنده المقام، واستحى أن يقول لهم: انصرفوا. وحياء المحب من محبوبه، حتى إذا خطر قلبه فى حال غيبته هاج الحياء من قلبه، وأحس به فى وجهه، فلا يدرى ما سببه، وحياء المعبودية وهو حياء يمتزج بين محبة وخوف، ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لعبوده وإن قدره أعلى وأجل منها، فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة، حياء المرء من نفسه وهو حياء النفوس الشريفة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص وقد قنعها بالدون فيجد نفسه مستحيياً من نفسه، حتى كان له نفسين وهو أكمل ما يكون من الحياء، فإن من استحى من نفسه أحذر من أن يستحى من غيره، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : الحياء لا يأتى إلا بخير"تفسير : رواه البخارى. وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : الحياء من الإيمان"تفسير : رواه أيضاً. قال عياض وغيره: إنما جعل الحياء من الإيمان وإن كان غريزة لأن الاستعمال له على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم. قال القرطبى: الحياء المكتسب هو الذى جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلف به دون الغريزى، غير أن من كان فيه غريزة منه فإنها تعينه على المكتسب حتى تكاد تكون غريزة، قال وجمع للنبى - صلى الله عليه وسلم - النوعان، فكان فى الغريزة أشد حياء من العذارء فى خدرها. قال عياض: كان من حيائه - صلى الله عليه وسلم - أنه لا يثبت بصره فى وجه أحد، واعلم أنه خص الخدر لأنه مضنة وقوع الفعل بها، فهو مقيد بما إذا توقعت دخول الزوج عليها لذلك او كان معها، وإن قلت: إذا كان المراد بالاستحياء الترك، فهلا كانت العبارة بالترك؟ قلت: عبر بالاستحياء تمثيلا ومبالغة، بقوله لا يستحى استعارة تمثيلية مركبة، وهى تبعية أصلها فى المصدر. فقد تكون التمثيلية فى المفرد أى لا يترك ضرب المثل بالبعوضة، ترك من يستحى أن يتمثل بها لحقارتها ويجوز أن يكون [فى هذا الموضع سقط بالأصل نحو صفحتين. فلزم التنبيه] فيجيبه باستفهام مثل أن يقول: زيد يغلب الأسود فتول: كيف يغلب عمرا أو لا تقول لا يغلب عمرا فيقول ما عمر؟ وقرأ رؤبة برفع بعوضة وذلك عند البصريين والكوفيين على حذف العائد مع عدم طول الصلة، وهو شاذ عند البصريين قياس عند الكوفيين. وأخبار الزمخشرى كون ما استفهامية مبتدأ وبعوضة خبرها، والمعنى أى شىء البعوضة فما فوقها فى الحقارة، انتهى، كلام ابن هشام، والبعوضة واحد البعوض، وهو البق الصغار، فيما ذكره الجوهرى وليس كذلك. بل هو الحيوان الذى يطير وينتشر فى الأجنة صيفاً سمى من البعض بمعنى القطع، يقال بعضه وبضعه وعضبه أى قطعه على الشاعر: شعر : لنعم البيت بيت بنى دثار إذا ما خاف بعض القوم بعضا تفسير : أى قطعاً. ومن ذلك بعض الشىء لأنه قطعة منه، وبعض القوم قطعه منهم، والبعوض يقطع الجلد ويخمشه وقد سمى الخدوش فى لغة هذيل والختوش لكثرة خدشه، وأصله وصف على فعول، فتغلبت عليه الاسمية فصار اسماً للحيوان المذكور بعد أن كان وصفاً متحملا للضيمر صالحاً لكل ما كثر قطعه من بق أو غيره، والبعوض على خلقه الفيل لكنه أكثر أعضاء من الفيل فإن الفيل أربع أرجل وخرطوماً وذنباً وللبعوض مع هذه الأعضاء رجلان زائدتان وأربعة أجنحة وخرطومه أجوف، وخرطوم الفيل مصمت، والبعوض يبلع الدم من خرطومه ويوصله جوفه أنه نافد إليه، وبه يطعن فى الجسد، وألهمه الله أنه إذا جلس على عضوه قصد العرق حتى يجده لأنه أرق، فيضع خرطومه فيه، وهو مذكور فى الآية على طريق الاستخفاف. وفى ذلك قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء"تفسير : رواه الترمذى وقال حسن صحيح والحاكم وقال صحيح عن سهل بن سعد. وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن العبد لينشر له من الثناء ما بين المشرق والمغرب ولا يزن عند الله جناح بعوضة"تفسير : ذكره الغزالى فى الباب السادس من أبواب العلم. وروى البخارى عن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: حديث : سيأتى الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة اقرءوا إن شئتم: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا}تفسير : . ومما قيل فى الاستخفاف بالبعوض قوله: شعر : إذا كان شىء لا يساوى جميعه جناح بعوض عند من كنت عبده واشغل جزء منه كلك ما الذى يكون على ذا الحال قدرك عنده تفسير : يعنى الدنيا، وقوله: شعر : لا تستخفن الفتى بعداوة أبداً وإن كان العدو ضئيلا إن القذى يؤذى العيون قليله ولربما جرح البعوض الفيلا تفسير : وقوله: شعر : لا تحقرن صغيرا فى عداوته إن البعوضة تدمى مقلة الأسد تفسير : وقوله: شعر : لا تعجبوا من صيد صقر بازيا إن الأسود تصاد بالجرذان قد أغرقت أملاك حمير فأرة وبعوضة قتلت بنى كنعان تفسير : قال جعفر الصادق بن محمد الباقر عن أبيه: نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ملك الموت عليه السلام عند رأس رجل من الأنصار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ارفق بصاحبى فإنه مؤمن"تفسير : قال إنى بكل مؤمن رفيق. وما من أهل بيت إلا أتصفحهم فى كل يوم خمس مرات، ولو أنى أردت قبض روح بعوضة ما قدرت، حتى يكون من الله تعالى الأمر بقبضها. قال جعفر بن محمد: بلغنى أنه يتصفحهم عند مواقيت الصلاة. قال الزمخشرى: شعر : يا من يرى مد البعوض جناحها فى ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى نياط عروقها فى نحرها والمخ فى تلك العظام النحل ويرى خرير الدم فى أوداجها متنقلا من مفصل فى مفصل ويرى وصول غذا الجنين ببطنها فى ظلمة الأحشا بغير تمقل ويرى مكان الوطء من أقدامها فى سيرها وحثيثها المستعجل ويرى ويسمع حس ما هو دونها فى قاع بحر مظلم متهول امنن على بتوبة تمحو بها ما كان منى فى الزمان الأول تفسير : ويروى: شعر : اغفر لعبد تاب من فرطاته ما كان منه فى الزمان الأول تفسير : قال ابن خلكان عن بعض الفضلاء: إن الزمخشرى أوصى أن تكتب هذه الأبيات على قبره. {فَمَا فَوْقَهَا} عطف على بعوضة أو على ما، إن جعلت اسماً. والمعنى ما زاد على بعوضة فى صغر الجثة كجناحها، كما ضرب به المثل فى الحديث، وهكذا كنت أفسر الفوقية بالغلبة فى الصغر والزيادة فيه. ورأيت بعد ذلك زكريا قال: إنه مذهب المحققين لمطابقته البلاغة، ولما سيق له الكلام، وفيه ترقية معنوية وهى الترقى من الأدنى إلى الأعلى فى الحقارة، والحمد الله، وذلك أن الغرض: بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشىء الحقير الصغير، وقيل: معنى ما فوقها ما زاد عليها فى الكبر كالذباب والعنكبوت، أى لا يستحى أن يضرب مثلا بالبعوضة، فضلا عما فوقها، ويحتمل الوجهين ما روى مسلم عن إبراهيم عن الأسود، أنه دخل شاب من قريش على عائشة وهى بمنى، وهم يضحكون، فقالت: ما يضحككم؟ فقالوا: فلان خر على طنب فسطاط فكادت عنقه أو عينه تذهب. فقالت: لا تضحكوا، إنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة"تفسير : فإنه يحتمل أن يكون المراد ما جاوز الشوكة فى القلة كنخبة النمل أى عضتها فى قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة"تفسير : ويحتمل ما هو أشد من الشوكة وأوجع كالخرور على طنب الفسطاط. {فَأمَّا الَّذِينَ آمَنُوا}: بالله ورسوله وما جاء به. {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ}: أى المثل أو ضرب المثل. {الحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ}: الثابت من ربهم الواقع موقعه، يقال: حق الشىء يحق أى ثبت، ولم يسغ سواء كان ذاتا أو فعلا أو قولا. وحقق الثوب أى أحكم نسجه، فالحق اسم للثابت، ويجوز كونه وصفاً أصله حاق، حذفت ألفه للتخفيف، كألف بار، ووصفاً كصعب وسهل، على أنه نقل فعله من فعل بفتح العين، إلى فعل بضمها، مبالغة، فيجتمع توكيدات أحدها بأما فإنها قائمة فى مقام مهما يكن من شىء. وإذا ذكر أما فى حكم فقد علق ذلك الحكم بواجب الوقوع، فإن الدنيا لا يخلو من وقوع شىء، ولا بد أن يليها اسم، لأن مما قامت فى مقامه مهما. ومهما اسم وأن يكون بعده ألفاً، لأن مهما اسم شرط يقرن جوابها بالفاء إذا لم يصل شرطاً، ولزمت بعد أما ولو صلح شرطاً لضعفها بالنيابة. فتقوى الدلالة بها على ما حذف ونابت عنه، أما، والأصل أن تكون الفاء ألفاً قبل ذلك الاسم، لأنه من جملة الجواب، ولكن كرهوا أن تلى حرف الشرط، لأنه فى صورة ربط شىء بلا وجود مربوط إليه. وهذا التوكيد موجود أيضا فى حكاية قول الكفار، فدلت أما على كون أمر المؤمنين حميداً وكون علمهم معتدا به، ودلت أما الأخرى على ذم الكفار، لقولهم وعدم الاعتداد بقولهم الثانية إن والثالثة كون الصفة على فعل، بفتح فسكون، فذلك إرشاد ودعاء إلى ما عليه المؤمنون من اعتقاد أن ضرب المثل حق، لأنه يصار إليه لكشف المعنى الممثل له، وإظهاره فى صورة الذات المحسوسة المشاهدة، وليدركه الوهم كما أدركه العقل، فإن شأن الوهم إدراك المحسوس فقط، وأما كون التمثيل بالأشياء الحقيرة، فلكون الكفرة وأفعالهم وأقوالهم واعتقادهم أحقر الأشياء، فلا يحسن التمثيل لهم إلا بالأشياء الحقيرة. وإنما يكتال لكل شىء بما يناسبه، وقد وقع التمثيل فى التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله، وفى كلام العرب وسائر الناس، وقد يقع بعظيم لمناسبة، كما مثل فى التوراة الجبابرة ببقر تتناطح، وذلك ليظهر عظم وقع مضرة فتنتهم، ويأتى مثال منها فى سورة الإسراء - إن شاء الله - ومثل فى الإنجيل: غلو الصدر بالنخالة والقلوب القاسية بالحصاة، ومخاطبة السفهاء بإثارة الزنابير ووقع التميل فيه بالزوان وحبة الخردل والأردة والدودة، وجاء فى كلام العرب: أسمع من قراد، وأطيش من فراشة، وأضعف من فراشة، وأحقر من ذرة، وأجمع من نملة، وألح من ذبابة، وأعز من مخ البعوض، وأضعف من بعوضة، وكلفتنى مخ البعوض، وأصرد من جرادة، وآكل من السوس. وإذا قلت له زن طأطأ رأسه وحزن، وأجع كلبك يتبعك، كلب ببابه نباح، والكلام أنثى والجواب ذكر، كلب جوال خير من أسد رابض، ولقد ذل من بالت عليه الثعالب، ولكل ساقطة لاقطة، ولا يضر السحاب نباح الكلاب، ويكسوا الناس وإسته عارية، ويدرك منك وإن كانت شلاء. {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ}: لم يقل فلا يعلمون أنه الحق من ربهم، كما قال المؤمنين الذين قوبلوا بهم، فيعلمون أنه الحق من ربهم، لأن قولهم الذى حكى الله عنهم بقوله: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلاً}: دليل واضح على كمال جهلهم وبرهان على فساد اعتقادهم، فقد أفاد ذلك وأفاد أيضاً ما يفيده قولك، فلا يعلمون أنه الحق من ربهم، وما للاستفهام الإنكارى مبتدأ، وذا اسم موصول خبره و {أَرَادَ اللَّهُ} صلته أو ماذا: اسم واحد مركب للاستفهام الإنكارى مفعول مقدم لأراد. أو ما: اسم استفهام إنكارى مفعول مقدم لأراد وذا زائدة. أجازه ابن مالك وجماعة. قال ابن هشام: التحقيق أن الأسماء لا تزاد. ومعنى {أَرَادَ اللَّهُ}: شاء، أنه فعله أو يفعله بلا سهو ولا إكراه ولا فعال غيره أمره بها، ومعصية العاصى واقعة بإرادته، لأنه جل وعلا هو الذى خلقها منه فقد أراد الله خلقها، والخلق فعل، فبطل ما يغرى إلى هذا التعريف من أن المعصية لم تكن بإرادته وإن شئت فقل: إرادته قضاؤه فلا أول لها فهى كالعلم صفة ذات، وتطلق أيضاً على تقديره مثل أن تقول: لما أراد الله خلق السماوات والأرض فعل كذا، وهى الإرادة المقارنة للفعل. وقال بعض المعتزلة: إرادته علمه باشتمال الأمر على النظام الأكمل والوجه الأصلح. فإن علم ذلك يدعو القادر إلى تحصيله، فالإرادة لأفعاله من صفاته السلبية، والأفعال غيره من صفاته الثبوتية، وقالت الأشعرية معنى إرادته وترجيح أحد مقدوراته على الآخر وتخصيصه بوجه دون وجه. فهى صفة ذات قديمة زائدة على العلم، وهو معنى قريب من تفسيرها بالقضاء، وخرج بقولهم: وتخصيصه بوجه دون وجه من القدرة لإنها لا تخصص الفعل ببعض الوجوه، بل هى للفعل مطلقاً، وإن شئت فقل على مذهبهم إرادته تعالى معنى يوجب ترجيح أحد مقدوراته على الآخر، وتخصيصه بوجه دون وجه والإرادة كالمشيئة أعم من الاختيار والحب، فإن فى الاختيار والحب تفصيلا، إلا الاختيار المراد به نفى القهر والضرورة فليستا بأعم منه، وذكر أبو عمار عبد الكافى - رحمه الله - أن الإرادة إنما هى نفى الاستكراه، وأن أهل الإثبات قالوا: إن إرادة الله - عز وجل - صفة ذات، ينفى بها عن الله - عز وجل - أن يستكره على فعل من الأفعال، وإن عين الإرادة ما به يتكون المراد على ما أراده المريد، غير مستكره على شىء من الأفعال، وإن قوما من المعتزلة قالوا إنها فعل الله، وليست صفة ذات، واختلفوا فى ذلك الفعل، فقيل: إنه أمر منه بطاعته، وقيل إن الإرادة عرض فى غير محل، حكى عن ابن الإسكندرانى، وقيل إنها عرض حال فى المراد، وقالت الجهمية إرادة الله هى المراد. وقال شعيب من الإباضية: إرادة الله - عز وجل - للأشياء محبته لأن تكون. ويرد قول الجهمية أنه لو كانت الإرادة هى المراد لكان العلم هو المعلوم والقدرة هى المقدورة عليه وهكذا، وأراد بالإباضية: الإباضية غير الوهبية أو مطلق الإباضية، ولكن شعيب المذكور من النكار والإرادة والمشيئة معنى واحد، وهو صفة أزلية غير العلم، والقدرة متعلقة فى الأزل لتخصيص الحوادث بأوقات حدوثها، ونسبة الضدين يمكن أن يقع بها الضد الآخر، ونسبة كل منهما إلى الأوقات سواء، إذ كما يمكن أن يقع فى وقته الذى وقع فيه، يمكن أن يقع قبله وبعده، فلا بد لتخصيصها بالوقوع دون غيره من مخصص يقتضى ذلك لذاته حتى لا يحتاج إلى مخصص آخر غيره ولا يتسلسل وهو الإرادة. ووقوع الشىء تابع لتعلق الإرادة، وتعلق القدرة تابع لتعلق الإرادة، وتعلق الإرادة لذاتها لا ينافى اختيار الفاعل، والحادث تابع للعلم المتعلق فى الأزل بتخصيص الإرادة، بمعنى أن حدوث الحادث على حسب ما تعلق به العلم القديم وإن كان متبوعاً للعلم، بمعنى أن العلم بحدوث الحادث فى وقته المعين تابع، بحيث يقع فيه فلا منافاة بين ما يقال من أن العلم تابع للوقوع، وما يقال من الوقوع تابع للعلم، وهذا المخصص هو الإرادة وهى قديمة، ولو كانت حادثة للزوم كونه تعالى محلا للحوادث، ولا احتاجت إلى إرادة أخرى وتسلسل. وهى شاملة لجميع الكائنات، لأنه تعالى موجود لكل ما يوجد من الممكنات إذ قدرته شاملة، وهو فاعل بالاختيار فيكون مريداً لها، ولأن الإيجاد بالاختيار يستلزم إرادة الفاعل، ومن جملة الكائنات الشر والكفر والمعصية، فيكون مريداً لها، خلافاً للمعتزلة. واستدلو بأوجه: الأول: أن المعصية غير مأمور بها فلا تكون مرادة إذ الإرادة مدلول الأمر ولازمه، فيجاب عن هذا بأن الأمر قد ينفك عن الإرادة كأمر المختبر لأحد هل يمتثل. الثانى: لو كانت مرادة لوجب الرضى بها، لأن الرضى بما يريد الله تعالى واجب، والرضى بالكفر كفر، فيجاب بأنه يجب الرضى بقضاء الله تعالى به، وإيجاده عدم سخط القضاء لا بنفس الكفر المقضى لذاته، وبتناول العاصى إياه وبصدوره منه. ووجب الرضى عندى بموت الأنبياء من حيث أنه قضاء الله تبارك وتعالى، وحرم سخطه، ولا توقف فى صحة الرضى بفعل الله تعالى. الثالث: لو كانت مرادة لكان الكافر مطيعاً بكفره، لأن الطاعة تحصيل مراد المطيع، فيجاب بأن الكافر إذا رضى بقضاء الله تعالى عليه بالكفر، مطيعاً برضاه طاعة لا تنفعه لحصول الكفر، والطاعة هى تحصيل ما أمر الله لا ما أراده، فالواجب عليه شيئان فى حال كفره: الرضى بالقضاء عليه بالكفر، والانقلاع عن كفره، وبهذا يجاب اليهودى التلمسانى القائل:> شعر : أيا علماء الدين ذمى دينكم تحير دلونى بأوضح حجة تفسير : ثم قال: شعر : قضى بضلالى ثم قال ارض بالقضا فها أنا راض بالذى فيه شقوتى تفسير : وقد أجيب بأشعار وذلك فى دولة الإسلام فى هذه العدوة وعدوة الأندلس. الرابع: قوله تعالى:{أية : ولا يرضى لعباده الكفر}تفسير : فيجاب بأن الرضى بقضاء الكفر غير كفر. والله أعلم. ويدل على ترادف الإرادة والمشيئة قوله تعالى: {أية : يفعل ما يريد}، تفسير : و{أية : يفعل ما يشاء}تفسير : وإرادة المخلوق ومشيئته نزوع النفس وميلها إلى الفعل بحيث تحملها عليه وهذا مع الفعل، ويطلقان على القوة التى هى مبدأ النزوع، وهذا قبل الفعل. والله أعلم. واسم الإشارة فى الآية لاستحقار الكفار ما مثل به كأنهم قالوا: ما هذا الدانى القريب التناول، كما قالت عائشة فى عبد الله بن عمرو بن العاص: يا عجباً لابن عمرو هذا.. و{مَثَلاً} حال أو تمييز وناصبه أراد سواه جعل حالا، أى ماذا أراد به، حال كونه مثلا، لو كان من الله كما قال محمد، وصاحب الحال اسم الإشارة أو تمييزاً قبل التمييز عن نسبة التعجب والإنكار إلى المشار إليه نسبة إيقاعية، ولا حاجة إلى جعل العامل فى الحال اسم الإشارة، وصاحب الحال الهاء، فى قولك: أشير إليه وأجاب قولهم: {مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلاً} بقوله تعالى: {يَضِّلُ بِهِ}: أى يضرب المثل أو بالمثل. {كَثِيراً وَيَهْدِى بِهِ كَثِيراً}: فإنه مستأنف من كلامه - تبارك وتعالى - كأنه قيل: الذى أراده الله تعالى بضرب المثل هو: إضلال كثير من الناس به، وهدى كثير منهم به. وهذا على جعل ما: مبتدأ، وذا: خبرا، أو بالعكس وأما على جعل ماذا: مفعولا أو ما: مفعولا، وذا: صلة، فكأنه قيل: أراد بضرب المثل إضلال كثير به، وهدى كثير به. وفى الجواب بالفعل ما يرجح هذا، وقال مكى: إن جملة يضل صفة مثلا، أو مستأنفة. قال ابن هشام: والصواب: الثانى، لقوله تعالى فى سورة المدثر:{أية : ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء}تفسير : وإنما قال يضل ويهدى بالفعل، ولم يقل إضلال كثير وهدى كثير بالاسم، للإشعار بالحدوث والتجدد، وبيان لقولهم: {فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِم} وقوله: {يَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلاً} لاشتمال كل منهما على الكثرة، واشتمال الأول على الهدى، والثانى على الضلال، وإشعار بأن العلم يكون ضرب المثل حقاً هو الهدى والإيمان، وأن الجهل بوجه أراد المثل والإنكار لحسن مورده هو ضلال وفسوق. وإن قلت كيف اشتمل الأول على الكثرة، مع أن المؤمنين قليل؟ والكثير هم الكفار؟ كما قال تعالى:{أية : وقليل من عبادى الشكور}تفسير : وقال:{أية : وقليل ما هم}.تفسير : فقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة"تفسير : قلت: المؤمنون كثير فى حد ذاتهم، وإنما يكونون قليلا بالنسبة إلى الكفرة، فالمعتبر كثرتهم فى ذاتهم. ويحتمل أن يكون كثرتهم باعتبار الفضل والشرف، وكثرة الكفار باعتبار العدد كقول أبى الطيب المتنبى فى مدح على بن يسار: شعر : سأطلب حقى بالقنا ومشايخ كأنهم من طول ما التثموا مرد ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا كثير إذا شدوا قليل إذا عدو تفسير : وكقوله: شعر : إن الكرام كثير فى البلاد وإن قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا تفسير : ومعنى قوله كثير أنهم كثير كرماً، ومعنى قوله قلوا: قلوا عدداً، وقوله قل، بضم القاف واللام المنونة، معناه القليل، ويجوز أن يكون، بفتح القاف واللام، على أنه فعل اعتبر فيه لفظ غير. واعتبر معناه فى قوله كثروا. وقيل أن قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِى بِهِ كَثِيراً} من كلام الكفار كالكلام قبله، فهو من المحكى بيقولون واتفقوا على أن قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ الْفَاسِقِينَ}.. إلخ من كلام الله عز وجل، والفسق لغة مطلق الخروج عن الشىء، تقول فسق عمرو عن الدار ومن الدار أى خرج، قال رؤبة يصف نوقاً يمشين فى المفازة على غير طريق: شعر : يذهبن فى نجد وغور غائرا فواسقا عن قصدها جوائرا تفسير : وغورا ظرف مكان أو منصوب على نزع فى أو معطوف على محل مجرور فى. ولو كان محله لا يظهر فى الفصيح من النثر، وذلك للضرورة. وبعض لا يشترطه. ومعنى فواسقا: خوارج، وجوائرا بمعنى مائلات، ويقال: فسقت الرطبة عن قشرها أى خرجت. وفسقت الفارة خرجت عن جحرها. والفسق شرعاً: الخروج عن طاعة الله، والمراد فى الآية المشركون والمنافقون الذين آسروا الشرك، لخروجهم عن الإيمان والطاعة، ودخل اليهود فيهم. والمعصية كلها فسق، إلا أنه عندنا إنما تقول فاسق لفاعل الكبيرة دون فاعل الصغيرة، وقيل المراد المشركون، وعليه اقتصر الشيخ هود وقيل المنافقون وقيل اليهود. وللفاسق ثلاث درجات، الأولى: التغابى وهو التغافل، وأصله من الغباوة هو أن يترك الكبيرة أحياناً مستقبحاً إياها. والثانية الانهماك وهو أن يعتاد ارتكابها غير ميال بها، وهو فى الحالتين عندنا منافق يسمى ذا إيمان وموحدا ولا يسمى عندنا مسلما ولا مؤمنا بمعنى كامل الإسلام والإيمان، ولا مشركاً وأظن ذلك قول قدماء المعتزلة، ولكن لا يسمونه منافقاً بل فاسقاً، وربما سماه بعض أصحابنا مسلماً ومؤمنا، بمعنى موحداً. فإن الإيمان الكامل: التصديق والإقرار والعمل. وكذا قال متأخروا المعتزلة، وكذا قال الأشعرية ويسمونه فى الحالتين مؤمناً إيمانا غير كامل، ويسمونه كافر للنعمة. الثالث: الجحود وهو أن يرتكبها مستصوباً لها مستحلا مواجهة وهو مشرك، وإن قلت كيف تفعل فى قوله تعالى:{أية : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا}تفسير : قلت: سماهم مؤمنين باعتبار حالهم الظاهر لنا قبل البغى، أو معناه: وإن طائفتان من الموحدين: كما سمى البلغ اليتامى باعتبار حالهم قبل البلوغ، وقد مات آباؤهم. ويطلق اسم الفاسق على الثالث، كما يطلق على الأول والثانى. ونزل واصل ابن عطاء - ويكنى أبا حذيفة - الأول والثانى منزلة بين المؤمن والكافر فينبغى أن يحمل على أن المعنى بين كامل الإيمان بالعمل والكافر المشرك لإذعان كل عاقل، إلى أن الفاسق غير شاكر، ومن لم يشكر فقد كفر، فهذا الفاسق كافر كفراً غير شرك. قال واصل بن عطاء كما قلنا إن حكمهما حكم المؤمن، فى أنه يناكح ويوارث ويغسل ويصلى عليه، ويدفن فى مقابر المسلمين، وهو كالمشرك فى الذم واللعن والبراءة منه، واعتقاد عداوته وألا تقبل له شهادة. ومذهب مالك والزيدية أن الصلاة لا تجزى خلفه. والله أعلم. وإذا جعلنا الباء فى به، من باب باء الآله، فإسناد الإضلال إلى الله تعالى حقيق، وكذا إذا جعلناها من باب السببية، ولا يظهر لى خلاف ذلك، لأن إضلاله تركه التوفيق. وزعم الزمخشرى: أنه إسناد إلى السبب، لأنه ضرب المثل، فضل به قوم واهتدى قوم، فكان ذلك سبباً لضلالهم وهداهم. وعن مالك بن دينار - رحمه الله - أنه دخل على محبوس قد أخذ بمال عليه، وقيد فقال يا أبا يحيى أما ترى ما نحن فيه من القيود؟ فرفع مالك رأسه فرأى سلة، فقال: لمن هذه السلة؟ فقال: لى، فأمر بها تنزل. وإذا دجاج وأخبصة، فقال مالك: هذه وضعت القيود على رجلك. فأسند وضع القيود على رجله إلى السلة، لما كانت السبب بعد التسبب بشراء المستلذات، والتسبب بوضعها فيها فكانت حرزاً لما يستلذ فيعتاده، وكلام مالك من الإسناد للسبب بخلاف الآية، ونسبة الإضلال إلى الفاسقين نسبة إيقاعية. والفاسق مشتق. والنسبة إلى المشتق تؤذن بعلية المشتق، له ففسقهم علة لإضلال الله إياهم بالمثل لأن فسقهم فى سائر اعتقادهم وأقوالهم وأفعالهم، صرف أفكارهم عن حكمة التمثيل إلى حقارة الممثل به، حتى رسخت به جهالتهم، وازدادوا ضلالا فأنكروه واستهزءوا به. وقرأ زيد بن على: يضل به كثير ويهدى به كثير وما يضل به إلا الفاسقون ببناء يضل الأول والثانى ويهدى مفعول، ورفع كثير الأول والثانى، ورفع الفاسقين.

الخليلي

تفسير : كان المشركون واليهود والمنافقون لا يفتأون عن إثارة الشُّبَه حول القرآن الكريم؛ بغية أن يحولوا بين هدايته وبين الناس، وكان الله تعالى ينزل فيه من الآيات ما يبدد الشُّبَه التي ينسجونها، ويفنّد المزاعم التي يفترونها، ومن ذلك استنكارهم ضرب الأمثال، فقد جعلوا منه تكأة لزعمهم أن القرآن ليس هو من عند الله، مع إدراكهم أنه نزل بلسانهم يخاطبهم بما كانوا به يتخاطبون. الأمثال تزيد المعاني رسوخا: وضرب الأمثال مما اشتهر عند العرب، سواء فيما صغر أو كبر، ومن ذلك قولهم "أجمع من ذرة" و"أضعف من فراشة"، و"آكل من السوس" و"أسمع من قراد"، واختُلف في السبب الذي نزلت من أجله الآية. روى الواحدي في أسباب النزول عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله تعالى لما أنزل قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ...} تفسير : [الحج: 73]، وقوله: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ...} تفسير : [العنكبوت: 41]، قال المشركون أي شيء يصنع بهذا فأنزل الله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}. وروى ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس وآخرين من الصحابة أن الآية وما بعدها نزلتا ردا على المنافقين الذين استنكروا ضرب المثلين السابقين في السورة، فقالوا: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، وهذا الذي رجحه ابن جرير لأنه أمس بالسورة وأنسب مع السياق. وروى عبدالرزاق عن قتادة نحو ما رواه الواحدي عن ابن عباس وروى عنه وعن الحسن أنه لما ذكر الذباب والعنكبوت في القرآن ضحك اليهود، وقالوا ما يشبه أن يكون هذا كلام الله، فأنزل الله تعالى الآية ردا عليهم. واستغرب ابن كثير ما أخرجه عبدالرزاق عن قتادة لأنه يقتضي أن تكون الآية مكية وهي بخلاف ذلك، ويمكن الجمع ما بين هذه الروايات جميعا، فاستنكار المشركين بمكة كان عند سماعهم في سورة العنكبوت ذكرها وذكر الذباب في سورة الحج، على أن الصحيح أن سورة الحج مدنية وإن قيل بمكيتها - وأن اليهود استنكروا ذلك عندما تليت عليهم السورتان بالمدينة بعد نزولهما بزمن، بناء على أن السورتين جميعا مكيتان، وأن المنافقين استنكروا ضرب المثلين السابقين في هذه السورة، فجاء الرد مبكتا لهذه الطوائف الثلاث في هذا الموضع، بعد ذكر جانب مما استنكروه من الأمثال. ومن المعلوم أن اليهود والمنافقين كانوا يشكلون بالمدينة جبهة واحدة، بل جل المنافقين هم من العنصر اليهودي، فلعل الطائفتين جميعا شرقتا عندما أنزل الله المثلين في المنافقين، فأخذوا يتلمسون ما يتصورونه عيبا لا يليق بكلام الله في القرآن، وقد كانت الطائفتان على اتصال بمشركي قريش وغيرهم من المناوئين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمحاربين لدعوته، وقوله تعالى في وصف الذين يضلون بالأمثال: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} يرجح أن استنكار المثل كان من اليهود لأنهم هم المعروفون بهذه الأوصاف، وأضاف إلى ذلك ابن عاشور أنهم كانوا لا حظ لهم في البلاغة، وكانوا من شأنهم التشاؤم من مدلولات الألفاظ. وفيما أضافه نظر، فإن اليهود بسكناهم بين العرب تعربوا، فأخذوا حظا من البلاغة العربية، كما تدل على ذلك أشعارهم المنقولة، وضرب الأمثال ليس محصورا في العرب بل هو مشترك بينهم وبين غيرهم كما بينه الفخر الرازي. وبناء على أن الآية رد على استنكار المشركين ما ضرب من الأمثال في السور المكية، فإن المجيء بالرد بعد ضرب تلك الأمثال بفترة من الزمن إنما هو لأجل رعاية المناسبة، وذكر ابن عاشور أن ذلك كما يمنع الكريم عدوه من عطاء فيلمزه الممنوع بلمز البخل، أو يتأخر الكمي عن ساحة القتال مكيدة منه فيظنها ناس جبنا، فيُسِرُّها الأول في نفسه حتى يأتيه القاصد فيعطيه عطاء جزلا، والثاني حتى يكر كرة تكون القاضية على قرنه، فكذلك لما أتى القرآن بأعظم الأمثال وأروعها، وهي قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسْتَوْقَدَ... أو كصيب ..}، (الآيات)، وقوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ...} أتى إثر ذلك بالرد عليهم ثم قال: "فهذا يبين لك مناسبة نزول هذه الآية عقب التي بعدها وقد غفل عن بيانه المفسرون ..". وما عزاه إلى المفسرين من الغفلة عن ذكر مناسبة الآية غير صحيح، فالفخر الرازي ذكر مناسبة أخرى هي أقوى في الدلالة على ارتباط ما في هذه الآية بما في التي قبلها مباشرة، وهي أن الله تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزا، أورد بعده شبهة أوردها الكفار قدحا في ذلك، وأجاب عنها، وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل، وذكر هذه الأشياء لا يليق بكلام الفصحاء، فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلا عن كونه معجزا، فأجاب الله تعالى عنه بأنه صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة، إذا كان ذكرها مشتملا على حِكَمٍ بالغة، ثم قال: "فهذا هو الإِشارة إلى تعلق هذه الآية بما قبلها .."، وقد أتى ابن عاشور نفسه بمعنى ما قاله الفخر. وبالجملة فإن الآية رادة على استنكارهم ضرب الأمثال في القرآن سواء كان استنكارهم لمطلق الأمثال، أم للتمثيل بالمحقرات، فإن القرآن جار على سنن الكلام العربي، وضرب الأمثال شائع عند العرب، وهو مما يزيد المعاني رسوخا في الأذهان وانكشافا حتى تتجسد كالصور الماثلة للعيان، ومثل كل شيء بحسب حاله، فالعظائم تمثل بالعظائم، والمحقرات بالمحقرات وذلك لا يشين الكلام، ولا يحط من قدره، وإنما استنكر أمثال القرآن من استنكرها من الحاقدين لأن شأن المبهوت الحائر الذي انقطعت به الأسباب واستعْصَتْ عليه الحيل أن يتشبث بأي شيء، شأن الغريق في البحر الذي يمد يده لا إلى شيء غير الأمواج التي تُرْديه، وأولئك أغرقهم القرآن في خضم بيانه، وأصماهم ببوارق حججه، فلم يجدوا إلا أن يستعوجوا المستقيم، كمن ينكر ضياء الشمس في رابعة النهار، ويحاول أن يلبسها بوهمه رداءً أسود ليخفي نورها عن الأبصار: شعر : وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل تفسير : ومن المفسرين من يقول: إن الآية مرتبطة بقوله: {فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً} وعليه فمعني {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} لهذه الأنداد بما كان من المحقرات، وسأذكر لكم إن شاء الله رأي صاحب المنار في المثل وارتباط الآية بما قبلها حسب رأيه. والحياء عارض نفسي يحدث للإِنسان لصدور ما يعاب منه أو وقوعه عليه، ويظهر أثره على الوجه، وفعله حَيِيَ أو حَيَّ "بالإِدغام" والأصل فيه إصابة الحياة، كما يقال حشى إذا أصيب حشاه، ونسى إذا أصيب نساه، وشظى الفرس إذا أصيب شظاه، وهذا لأن القوة الحيوانية تتضاءل في الإِنسان إذا وقع منه أو عليه ما يستلزم الحياء. والعوارض مستحيلة على الله سبحانه؛ فلذلك لزم تفسيره هنا بلازمه وهو الترك، فإن من شأن المستحيي أن يترك ما يُسْتَحْيَى منه، وفسّره ابن جرير بالخشية، وعزا إلى بعض من سبقوه أن الحياء والخشية يتعاقبان بدليل قوله تعالى: {أية : وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} تفسير : [الأحزاب: 37]، أي وتستحيي الناس والله أحق أن تستحييه، وتفسيره بالامتناع أولى. وذهبت طائفة إلى أنه لا داعي إلى تأويله هنا، نظرا إلى أنه منفي عن الله وليس مثبتا له، ورد بأن المنفي هو استحياء مقيد بضرب البعوضة فما فوقها مثلا، وليس الإِستحياء المطلق، على أن هذا التقييد قد يوهم إذا فسر الإِستحياء بحقيقة معناه؛ أن الله يستحيي مما عداه، فلذلك دعت الضرورة إلى تأويله، ويؤيده ما جاءت به الأحاديث من وصف الله بالحياء بمعنى الامتناع، ومنه ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي بإسناد حسن عن يعلىَ بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا"تفسير : ، وأخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم من حديث سلمان رضي الله تعالى عنه، ومعنى الإِستحياء في الحديث الإِمتناع من تخييب العبد الداعي. ومما يستغرب أن ممن قال بعدم الداعي إلى تأويل الإِستحياء في الآية لكونه منفيا من قال في موضع آخر من تفسيره: إن القاعدة أن ينظر إلى إثبات الفعل لمن أسند إليه هل يُحمل على الحقيقة أو المجاز؟ فإن كان إثباته من باب المجاز فكذلك نفيه. وضرب المثل هو صَوْغه مأخوذ من ضرب الخاتم ونحوه، وقيل هو تطبيقه مأخوذ من ضرب الطين في الجدار، ومنه قولهم ضربة لازب، ولم يكن ضرب الأمثال خاصا بالقرآن من بين الكتب السماوية، فالتوراة والإِنجيل والزبور وردت فيها أمثال مختلفة منها بأشياء مهينة كالنخالة والقملة، كما بينه الواقفون عليها. ولفظة "ما" كثيرا ما تلي الاسم النكرة لتأكيد تنكيره وإشاعة إبهامه وهي مزيدة عند ابن هشام لهذا الغرض، وعزاه الزجاج إلى البصريين، ووصفها بالزيادة اصطلاحي، وإلا فالمزيد ما أمكن الإِستغناء عنه من غير خلل في المعنى، وهي هنا تفيد فائدة ظاهرة لا يمكن حصولها بدونها، إذ التنكير وحده لا يسدُّ مَسدها، وذهب آخرون إلى أنها صفة للنكرة لإِفادتها مفاد المشتق، وقيل: هي بدل من النكرة وهو {مثلا} هنا، وقيل: هي عطف بيان بناء على القول بجوازه بعد النكرة، وذهب ابن جرير وآخرون إلى أنها اسم موصول، واستشكل بأن صلتها منصوبة، وأجاب عنه ابن جرير بأنها كمن في قول حسان: شعر : كفى بنا فخرا على من غيرنا حب النبي محمد إيانا تفسير : فإن الرواية بجر غير مع أنها صلة للموصول - حسب رأيه - وسوغ ذلك كون "من" و"ما" مبنيتين وهو رأي ضعيف، فإن زيادة "من" في بيت حسان ظاهرة لحصول الفائدة دونها وإنما ألجأه إليها إضطراره إلى محافظته على الوزن، وقد صرح بزيادتها غير واحد من علماء الإِعراب، ولا يصح أن يحمل عليه كلام الله تعالى المنزه عن الضرورات التي تعتور كلام البشر. والراجح من هذه الأقوال الأول؛ لأن إسميتها مفتقرة إلى دليل ولا دليل، إذ لا تلابس شيئا من علامات الاسم ولا ينطبق عليها حده بل انطباق حد الحرف عليها هو الظاهر فيها، فإنها دالة على مزيد الشيوع والإِبهام في غيرها. وفسر بعضهم ضرب هنا بجعل على طريق التضمين فعدَّاها إلى مفعولين، وهما مثلا وبعوضة وجعلها آخرون بمعنى بيَّن، وعليه فمفعولها واحد وهو بعوضة، و{مثلا} حال منها، وإنما سوغ مجيء الحال من النكرة تقدمه عليها كقوله: شعر : لمية موحشا طلل تفسير : وللنحويين في جملة {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى ..} الخ أعاريب مختلفة ليس من غرضنا ذكرها، ومن شاء الإِطلاع عليها فليرجع إلى هيميان الزاد لقطب الأئمة رحمه الله. وهذا كله على القراءة المشهورة وهي نصب بعوضة، وقرأ الضحاك وإبراهيم بن أبي عبلة ورؤبة بن العجاج بعوضة بالرفع؛ وحملت قراءتهم على موصولية "ما" وحذف العائد كما قرأ بعضهم "تماما على الذي أحسن" برفع أحسن، وجوز الزمخشري أن تكون استفهامية؛ وذلك أنهم لما استنكروا ضرب الله الأمثال لأصنامهم بالمحقرات قيل لهم: إن الله لا يستحيي أن يمثلها بما شاء من الأشياء المهينة، دعوا البعوضة فما فوقها، كما يقال: إن فلانا يهب المئين والألوف ما دينار وديناران، والبعوضة واحدة البعوض وهو معروف عند أهل عُمان باسمه العربي فلا يحتاج إلى تفسير، وذكر ابن عاشور أنه يعرف في لغة هذيل بالخموش، وأن أهل تونس يسمونه الناموس واحدته ناموسة، وهذه التسمية معروفة الآن في كثير من البلاد العربية، وهو مأخوذ من بعض اللحم بمعنى قطعه، وأنشد: شعر : لنعم البيت بيت أبي دثار إذا ما خاف بعض الناس بعضا تفسير : ويحتمل قوله {فما فوقها} وجهين: أولهما: الفوقية في الوصف الذي ضرب به المثل؛ وهو الحقارة والمهانة، وذلك كما لو وصف أحد غيره ممن يعرف بسقوط القدر وخمول الهمة ورداءة الطبع بالصفات الدالة على المهانة، فقال له آخر ممن خبر أحوال الموصوف وأحاط بدناياه هو فوق ذلك، أي هو أبلغ مما وصفت في الضعة والإِنحدار، وبناء عليه فالمعنى أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا بالبعوضة فما هو أحقر منها؛ كجناحها الذي أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أن الدنيا لا تسواه عند الله فجعله مثلا لها، وكالميكروبات التي لا تتسلط عليها العين إلا إن استعانت بأشعة المجهر، وهذا الوجه هو الذي اعتمده الفخر في مفاتيح الغيب والقطب في الهيميان ونسباه إلى المحققين. ثانيهما: أن يكون المراد به ما هو أكبر منها حجما وأعظم منها قوة؛ كالحشرات التي تفوقها في ذلك، وهذا هو الذي عول عليه ابن جرير في تفسيره وبالغ في تضعيف الوجه الأول. ومثل الآية في جواز الوجهين حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم: "حديث : ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت بها عنه خطيئة" تفسير : فيجوز أن يراد بالفوق فيه مجاوزتها في القلة كنخبة النملة أو في الكثرة كالسقوط من السقف ولدغة الأفعى. ومن غريب التفسير قول الربيع بن أنس الذي رواه عنه ابن جرير؛ وهو أن الله ضرب البعوضة مثلا للدنيا فإنها تحيا إذا ما جاعت فإذا سمنت ماتت، وهكذا شأن الذين يغترون بالدنيا فيركنون إليها إذا ما امتلأوا أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، ثم تلا: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُّبْلِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 44]، وهو أقرب إلى الوعظ والتذكير منه إلى تفهيم معاني التنزيل. الأمثال يعقلها العالمون: هذا وإذا كانت سنة الله في كلامه أن يضرب الأمثال لعباده؛ فإن الناس يختلفون في تلقي هذه الأمثال باختلاف استعدادهم الذهني وصفائهم الفطري، فالذين اتقدت أذهانهم بوقود الإِيمان، وصفت فطرهم بعامل اليقين، يتلقون هذه الأمثلة بالوعي التام والإِدراك الشامل، فهم العالمون بحقائقها، المدركون لغاياتها، كما قال تعالى: {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ}، بخلاف أولئك الذين أظلمت أفكارهم وتلوثت فطرهم وانسدت أذهانهم، فإنهم لا أثر لهذه الأمثال على نفوسهم، بل يزدادون بها كفرا وضلالا، إذ لا يواجهونها إلا بالعتو والاستكبار، والسخرية والاستخفاف، وقد بين ذلك تعالى في قوله: {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} فهو تصوير لحال الطائفتين، وموقفهما من ضرب الله المثل. والفاء هنا تفيد الترتيب الذكري لا الوقوعي، لأنها عاطفة للتفصيل على الإِجمال، ومن شأن المفصل أن يذكر بعد المجمل، وهذا التفصيل بعدما تقدم، لأن الناس بعد سماعهم أن الله لا يستحيي من ضرب الأمثال بأي شيء كان، تستشرف نفوسهم على ما يترتب على ضربها من قبل المخاطبين بها، فكان هذا التفصيل بمثابة الإِجابة على تساؤلهم. ويستفاد ما ذكرته من التفصيل من أداته الموضوعة له وهي "أما" كما يستفاد منها التأكيد فإنها مقترنة به دائما مع التفصيل وعدمه، فقد يفارقها التفصيل ولكن لا يفارقها التأكيد، كما إذا أردت أن تؤكد اتصاف محمد بالعلم فقلت أما محمد فعالم؛ فهي هنا خالصة للتأكيد. والحق من حق يحق إذا ثبت، ومنه قوله تعالى: {أية : كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} تفسير : [يونس: 33]، وأصله المطابقة والموافقة، وهو شرعا ما طابق حكم الله من قول أو فعل أو اعتقاد، فهو أعم من الصدق، لأن الصدق ينحصر في القول وحده، ويطلق على ذات الله سبحانه، كما في قوله: {أية : وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ} تفسير : [النور: 25]، لأن معرفة الحق لا تكون إلا به، وحقيقته لا تصدر إلا عنه، ولأنه لا تصدر أفعاله إلا عن حكمة سواء علمها الناس أو جهلوها. وعِلْم الذين آمنوا أن هذه الأمثال حق من عند ربهم يعني معرفتهم بأنها مطابقة للواقع والحكمة، وأنها صادرة عن الله سبحانه، فهي تزيد إيمانهم قوة، ويقينهم رسوخا، وفي هذا تنويه بهم أنهم أصحاب البصائر وأولو العلم، وتيئيس للذين يحاولون غرس بذور الشك في نفوسهم، ومن ناحية أخرى فإن في ذلك تنبيها على أن عقيدتهم قائمة على العلم، وليست تقليدية كعقائد الكفار التي ليس لها أساس من المعرفة، ولا تنبني إلا على التقليد الأعمى. وفي قوله: {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} تسجيل عليهم بالغباوة والعناد، فقد غلب على عقولهم الهوى، واستولى على نفوسهم العناد، فمعرفتهم بالحق كعدمها من حيث إنهم لا يستفيدون منها شيئا، ولا يزدادون بها إلا عُتُوَّا واستكبارا، ولم يقل سبحانه فيهم وأما الذين كفروا فيجهلون أنه الحق من ربهم، فيُقابل وصفهم بالجهل وصف المؤمنين بالعلم، لأنهم وإن كانوا لا ينتفعون بشيء من العلم، فهم ليسوا من الجهل بحيث تخفى عليهم حقيقة الأمر، بل هم مدركون أنه لا مطعن لطاعن في هذه الأمثال، فإنهم إن كانوا من كفار قريش فهم أعلى العرب كعبا في البلاغة، وأوسعهم ميدانا في الفصاحة، ولذلك كانت العرب في جاهليتها تحتكم إليهم في مساجلات بيانها شعرا ونثرا، وتُقِرُّ لهم بإحرازهم القدح المعلَّى، وإن كانوا من اليهود فهم باحتكاكهم بالعرب - بحكم الجوار - استمدوا من فصاحتهم، ومرنت على العربية ألسنتهم، فصاروا كالعرب في التفريق بين جيد الكلام ورديئه، وإن كانوا من المنافقين فهم أيضا إما أن يكونوا منحدرين من سلالات عربية ذات عراقة في الفصاحة والبيان، وإما أن يكونوا منحدرين من السلالات اليهودية التي تعربت بجوارها للعرب. وللمفسرين في الذين كفروا اختلاف بحسب هذه الأوجه التي ذكرتها، والكفر ينتظم هذه الطوائف الثلاث، فلا غموض في كفر مشركي العرب الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى، وكذلك كفر اليهود الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، ونسوا حظا مما ذكروا به، وقتلوا النبيين بغير حق، وكذبوا خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه، وحاولوا قتله، وبذلوا جهدهم في وقف دعوته وتشويه دينه، وأما المنافقون فهم وإن جرت عليهم أحكام الإِسلام الظاهرية لتحليهم بمظاهر الإِسلام فإن طواياهم طوايا الكفر، ولهم عند الله حكم الكافرين، فقد قال تعالى فيهم: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُواّ ثُمَّ كَفَرُوا}. وفي {ماذا} وجهان: أولهما: أن تكون كلمة واحدة يراد بها الاستفهام، وعليه فهي مفعولة لأراد. ثانيهما: أن تكون "ما" اسما دالا على الاستفهام، و"ذا" اسما موصولا؛ لما عهد أنها تكون موصولة بعد من وما الاستفهاميتين إذا كانت صلتها معلومة، وعليه فما مبتدأ والموصول خبره، و"أراد" وما بعدها صلة للموصول، ولا خلاف بين أئمة العربية - حسبما أعلم - في جواز هذين الوجهين في مثل هذا الموضع، وهذا الذي درج عليه المفسرون، ووهم ابن عطية فزعم أنهما قولان، وتابعه القرطبي والشوكاني في تفسيريهما، ونصوص أئمة العربية ترد عليهم، وفي {ماذا} أوجه أخرى لا داعي إلى ذكرها لضعفها. وإرادة الشيء ضد كراهته، وهي مأخوذة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء، وجعلوها اسما لنزوع النفس إلى الشيء مع الحكم بأنه ينبغي فعله أو عدم فعله، وذكروا أنها في الأصل قوة مركبة من شهوة وخاطر وأمل، وهي بحسب ما ذكروه مستحيلة على الله تعالى، ومن هنا احتيج إلى تعريف آخر للإِرادة الربانية، وقد سلك علماء الكلام في ذلك طرائق قددا، والأسلم أن يقال "إن إرادته تعالى هي صفة ذاتية له تنتفي بها صفة الإِكراه كما ينتفي بالحياة الموت، وبالقدرة العجز، وبالعلم الجهل، وتنشأ عنها أفعاله تعالى في الوجود"، ولا يرد عليه كون أفعال غيره مرادة له سبحانه لأنها مخلوقة له تعالى، والخلق فعل له فهي ناشئة عن أفعاله الناشئة عن إرادته. والإِشارة هنا تفيد التحقير على حد قولهم فيما حكى الله عنهم: {أية : أَهَـٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً} تفسير : [الفرقان: 41]، ومثلا تمييز من هذا لأنه مبهم فيحق له التمييز، وجوز أن يكون حالا من اسم الجلالة أو من هذا على تأويله باسم الفاعل على الأول، وباسم المفعول على الثاني، أي ممثلا أو ممثلا به. واختلف في قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} هل هو من مقول الله تعالى، أو من مقول الذين كفروا؟ والأول هو الأرجح نظرا إلى قوله من بعد {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} إذ ليس من المعقول أن يقول ذلك الكفار، وعليه فهاتان الجملتان مبنيتان على الجملتين المصدرتين بأما، لتفسير ما فيهما على طريقة النشر المعكوس، فإن الذين آمنوا هم المهديون، وقد تقدم ذكرهم هناك، وتأخر هنا، والعكس في الذين كفروا، وقيل: هما جواب للاستفهام في قولهم: {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} فكأنهم أجيبوا أن الله سبحانه أراد به ازدياد هداية المؤمنين فيغنموا، وضلال الكافرين فيخسروا، وإنما ذكر المراد - وهو الهداية والإِضلال - بدلا من الإِرادة لأنه الغاية منها، ولم ير ابن عاشور جعله جوابا للاستفهام، لأنه ليس استفهاما حقيقيا بل هو إنكاري، ولا جواب لاستفهام الإِنكار اللهم إلا أن يخرج الكلام على الأسلوب الحكيم بأن يحمل الاستفهام على ظاهره، تنبيها على أن اللائق بهم أن يسألوا عن الحكمة في ذلك فيكون قوله: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} جوابا عنه. ووصف الله المهديين وغيرهم بالكثرة - مع أن الصالحين أقل من غيرهم في جميع العصور - وهو الذي تقتضيه المشاهدة، ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} تفسير : [سبأ: 13]، وقوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} تفسير : [ص: 24]، لأن كثرتهم معنوية وليست عددية، ولذلك أمر الله بادئ الأمر أن يثبت الواحد منهم للعشرة من أعدائهم، ثم خفف عنهم فأمرهم أن يثبتوا لضعف عددهم أو لأنهم كثيرون في حقيقتهم وإن كانوا قلة بالنسبة لأعدائهم، ومن أمثلة الوجه الأول قول الشاعر: شعر : إن الكرام كثير في البلاد وإن قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا تفسير : وقول الآخر: شعر : تُعيرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليل تفسير : وبناء على رأي من يقول إن هاتين الجملتين من قول الكفار فهما داخلتان في ضمن ما استنكروه، ومعنى ذلك أنهم استنكروا ما في المثل من تفريق الناس إلى طائفتين ونسبة الهداية إلى طائفة والضلالة إلى أخرى. وقد أبعد ابن عطية النجعة حيث أجاز أن يكون {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} من قول الذين كفروا، و{وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} من قول الله ردا عليهم، واستبعد ذلك غيره من المفسرين، وما أحراه بالاستبعاد. والباء في الموضعين للسببية، ومعنى كون المثل سببا للهداية والضلال أن أصحاب النفوس الصافية والفطرة السليمة لا يرون فيه ما يعاب ويستنكر فيتلقونه بالقبول ويدركون أبعاده، فإن كانوا على إيمان من قبل ازدادوا فيه رسوخا، وإن لم يكونوا على هدى فإنهم بتأملهم في الغاية المرادة من المثل ينجذبون إلى الهدى فيكونون في عداد المؤمنين، فهو على كلا الحالين سبب للهدى بالنظر إلى هذه الطائفة، وأما الذين في قلوبهم مرض فلا يكاد يقرع مسامعهم حتى تستنكره قلوبهم المأفونة، وترفضه عقولهم المريضة، فيزدادون به غيا إلى غيهم، ولذا كان سببا لضلالهم. وتفسير المثل الذي ذكرته هو الذي عول عليه جمهور أهل التفسير، ولم أجد خلافا في ذلك عن أحد منهم إلا ما ذكره صاحب المنار عن بعضهم - ولم يسمِّه - وهو أن المثل في الآية ليس مثلا يقال بل هو مثل يُحتذى، أي القدوة الذي يؤتم به ويهتدى بهديه، وعليه فالمراد بقولهم {بهذا} رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أنهم استنكروا أن يرسله الله من بينهم إليهم وإلى الناس، لعدم تميزه عنهم بكونه من جنس آخر غير جنس البشر، كما يُسْتَفَادُ من قولهم فيما حكى الله عنهم: {أية : أَأُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} تفسير : [ص: 8]، وقولهم: {أية : لَوْلاۤ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 7]، وقد أيد صاحب المنار هذا التفسير للمثل بوروده بهذا المعنى في القرآن، في قوله تعالى: {أية : فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ} تفسير : [الزخرف: 56]، وقوله: {أية : وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ} تفسير : [الزخرف: 57]، وقوله: {أية : إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [الزخرف: 59]، فمن هذه الآيات انتزع الشاهد بصحة تفسير المثل بالذي ذهب إليه، وحمل هذه الآية على دحض شبهة الذين أنكروا نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وصلاحيته لأن يكون مثلا يقتدى به، وهي أنه بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق - وهم مشركو العرب - والذين أنكروا أن يكون نبيا مع كونه عربيا - وهم اليهود -. وقد أقام الله عليهم الحجة بقوله: {وَإِن كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا}، وأتبعه بوعيد من أعرض عن الإِيمان بعد قيام البرهان - وهم الكافرون - وبشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات - وهم المؤمنون - وبعد أن قرر عليهم حجته - وهي تحديهم بسورة من مثله - كر على شبهتهم بالنقض وهي استبعاد أن يكون بشرا رسولا من عنده. ومحصل ذلك - على هذا التفسير - أن الله تعالى خالق كل شيء فله أن يجعل ما شاء من الفوائد والمنافع والعبر فيما يشاء من خلقه ومن يشاء، ويضربه مثلا للناس يهتدون به، وليس هذا نقصا في جانب الألوهية، فيستحيى منه، بل من الكمال والفضل أن يجعل في المخلوقات الضعيفة والمحتقرة في العُرف كالبعوض فوائد ومنافع، فكيف يستنكر أن يجعل من الإِنسان الكامل - الذي خلقه في أحسن تقويم ورفع قدره بما اختصه به من المزايا والتكريم - مثلا لأمته به يهتدون، وإماما لهم بهديه يقتدون؟ وبناء على هذا التوجيه في المثل فيراعى توجيه بقية معاني الألفاظ بما يتفق مع هذا المعنى؛ وهو أن الذين آمنوا يعلمون أن هذا الإِمام أرادته عناية الله بأن يتبوأ هذه المنزلة مهما كان ضعيفا في نفسه، فإن الله هو الذي يعضدُه ببرهانه، ويمده بتوفيقه، وأما الكافرون فيستنكرون ذلك لأن غيره - في رأيهم - أجدر بهذه المنزلة. وقفّى صاحب المنار ما ذكره في تسويغ هذا الرأي وترجيحه بذكر أن أصحاب البصائر لا يفوتون الاستفادة الحاصلة من الإِقتداء بالحيوانات في أعمالها، ومن ذلك أن أحد كبار الصوفية قال: "تعلمت المراقبة من القط"، وأن بعض حكماء المسلمين قرأ كتابا نحوا من ثلاثين مرة فلم يفهمه فيئس منه، ثم رأى خنفسة تتسلق جدارا وتقع فعد عليها الوقوع فزاد على ثلاثين مرة ولم يصبها اليأس حتى تمكنت من مرادها، فقال: لن أرضى أن تكون هذه الخنفساء أثبت مني وأقوى عزيمة، فرجع إلى الكتاب فقرأه حتى فهمه، وذكر عن تيمور لنك أنه كان طموحا إلى الملك من أول نشأته مع ما كان عليه من الفقر والمهانة، وكان لصا، فسرق مرة غنما وفطن له الراعي فرماه بسهمين أصابا كتفه ورجله فعطلاهما، فآوى إلى خربة وأخذ يفكر في مهانته ويوبخ نفسه على طمعها في الملك، ولكنه رأى نملة تحمل تبنة وتصعد إلى السقف وعندما تبلغه تقع ثم تعود، وظلت على ذلك عامّة الليل حتى نجحت في الصباح، فقال في نفسه: والله لا أرضى بأن أكون أضعف عزيمة وأقل ثباتا من هذه النملة، وأصر على عزمه حتى صار ملكا، وكان من أمره ما كان. هذا معنى كلامه، وهو تفسير ذو رونق براق ولكن ما ثبت عن سلف هذه الأمة من سبب نزول الآية يخالفه، وقد روي ذلك في أسباب النزول عن جماعة من الصحابة؛ منهم إماما التفسير ابن مسعود وابن عباس، وتعاقب المفسرون على حمل المثل على ما تقتضيه الروايات، ولو كان المراد بالمثل ما ذهب إليه صاحب المنار لما كان للسلف جميعا أن يعدلوا عنه حتى لا يكون له وجود فيما أُثر عنهم، ومع ذلك فليس احتماله ببعيد. وأصل الفسق الخروج، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، وفسقت الفأرة إذا خرجت من جحرها، ولذا سميت فويسقة، وأطلق في الشرع على الخروج عن أمر الله بارتكاب ما حظر أو ترك ما فرض، سواء كان خروجا يؤدي إلى الانسلاخ من الملة أم لا، وهذا الذي تدل عليه الآيات القرآنية نحو قوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} تفسير : [السجدة: 20]، فإن تكذيبهم بعذاب الله المدلول عليه بالنصوص القاطعة مخرج لهم عن ملة الإِسلام، ومثله ما في هذه الآية بدليل أنها سيقت لوصف الذين يكفرون بما يضر به الله من الأمثال، وقد واطأ الفسق النفاق في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} تفسير : [التوبة: 67] وجاء مقابلا للإِيمان في قوله سبحانه: {أية : أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً} تفسير : [السجدة: 18]، وقوله {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} تفسير : [المجادلة: 22]. وخصته المعتزلة بما دون الشرك من الكبائر، وهو اصطلاح خاص بهم كالمنزلة بين المنزلتين وهي منزلة الفسق بين الإِيمان والكفر، لأنهم لا يقولون بكفر النعمة، وأول من حدَّ له هذا الحد منهم إمامهم وَاصِل بن عطاء حسبما ذكر الزمخشري، ولا مُشَاحَّة في الاصطلاح غير أنه لا ينبغي أن يقصر مفهوم لفظ عما أطلقه فيه القرآن. وإسناد الهدى والضلال إلى الله إسناد حقيقي، لأنه تعالى الخالق للضلال والهدى، خلافا للمعتزلة، ولذلك اضطروا إلى التأويل فعدوه من باب المجاز العقلي، فمن حيث إن الله تعالى هو ضارب المثل الذي ضل به قوم واهتدى به آخرون كان السبب لضلالهم وهداهم، فصح إسناد الفعلين إليه. والنقض حل ما أُبرم بطريقة معاكسة للإِبرام، وأصله في المحسوس كنقض الحبل لفسخ فتله، ونقض الجدار لهدم بنائه، واستعمل في الأمور المعقولة كنقض العهود للجامع بين المحسوس والمعقول كالحبل والعهد فإن كلا منهما موصل بين طرفين، وفي استعارة النقض لترك العهد وعدم الاكتراث بميثاقه كما في هذه الآية الكريمة إيماء إلى أن الحبل يستعار للعهد، كما في قول مالك بن التيهان رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم في بيعة العقبة الثانية: "إن بيننا وبين القوم حبالا وإنا لقاطعوها" فإن مراده بالحبال ما كان بينهم وبين غيرهم من العهود السابقة في الجاهلية، وبهذا تدرك أن الاستعارة هنا مرموز بها إلى استعارة مطوية لم تذكر في الكلام؛ ولكن يقتضيها المعنى. والعهد يطلق على الإِدراك، كعهدت فلانا بمعنى أدركته، ويطلق على الوصية كعهد إليه بكذا بمعنى وصاه، ويطلق على معان فيها ملاحظة التوثيق والربط، واختلف في المراد بعهد الله في هذه الآية قيل هو عهد فطري، وهو ما أودعه الله في فطرة كل إنسان من معرفة أن لهذا الكون مكونا، وقاهرا يدبره، وأن الإِنسان مفتقر إلى الصلة بهذا الكون من طريق العبادة والطاعة والإِذعان، فإذا ما عكس هذه الفطرة فهو ناقض لعهده تعالى، وقيل: هو ما أخذه الله على الأمم من طريق أنبيائهم من عهد الإِيمان بالنبي الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام، وذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّىٰ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ} تفسير : [آل عمران: 81 - 82]. وقيل: هو العهد المأخوذ على أهل الكتاب بأن يبينوا الحق ولا يكتموه؛ وهو المراد بقوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} تفسير : [آل عمران: 187]، وعلى ذلك فالمقصودون اليهود الذين كانوا يشككون الناس في القرآن وفي نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم بما كانوا يلقونه من الشبه ويلفقونه من الأكاذيب، وقيل: العهود ثلاثة؛ عهد خاص بالنبيين، وعهد خاص بالعلماء، وعهد لجميع الناس، فالأول هو المراد بقوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِّيثَاقاً غَلِيظاً} تفسير : [الأحزاب: 7]، والثاني هو المعنى بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ}، والثالث ما دل عليه قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172]، وقيل: المراد في الآية هو هذا العهد البشري العام الذي أخذه الله على جميع بني آدم. ولصاحب المنار في معنى العهد كلام خلاصته أن العهد هنا مجمل لم يسبقه ولم يتله ما يبينه، لأن الواقع هو الذي يكشف عن المراد به، وفي ذلك غنى عن التفصيل القولي، ويرشد إلى فهم العهد الإِلهي هنا معنى الفسوق المتقدم بيانه، فإن الفاسقين هم الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وقد سبق أن الفسوق - على رأي صاحب المنار - هو الخروج عن سنن الله تعالى في خلقه التي هداهم إليها بالعقل والمشاعر، وعن هداية الدين بالنسبة إلى الذين أوتوه خاصة، فعهد الله تعالى هو ما أخذهم به بمنحهم ما يفهمون به هذه السنن المعهودة للناس للنظر والاعتبار، والتجربة والاختبار، أو العقل والحواس المرشدة إليها وهي عامة والحجة بها قائمة، على كل من وهب نعمة العقل، وبلغ سن الرشد سليم الحواس، ونقضه عبارة عن عدم استعمال تلك المواهب استعمالا صحيحا، حتى كأنهم فقدوها وخرجوا من حكمها، كما قال تعالى: {أية : لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْغَافِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 179]، وكما قال فيهم أيضا: {أية : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 171]، هذا هو القسم الأول من العهد الإِلهي وهو العام الشامل، والأساس للقسم الثاني الذي هو الدين، فالعهد فطري خلقي وديني شرعي، فالمشركون نقضوا الأول وأهل الكتاب الذين لم يقوموا بحقه نقضوا الأول والثاني جميعا، ومن هذا النقض إنكارهم ضرب المثل. هذا رأيه في العهد ونقضه وهو صادر عن فرط تقديره لمواهب الإِنسان كالعقل والوجدان، ومأخذه قوي غير أني لا أجد داعيا إلى التفرقة بين العهد الفطري والعهد الديني، فالدين ما هو إلا توجيه إلهي لهذه الفطرة، ولذلك يأتلف معها ولا يختلف، وصدق الله {أية : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللَّهِ ذَلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ} تفسير : [الروم: 30]، ومهما يكن فإن الدين هو الصلة بين الخلق وربهم، والعقل البشري لا يُصْدَر عنه في الأحكام التعبدية وإن جاز استلهام بعض الحقائق منه فإن مصدر الأحكام وحي الله تعالى، لذلك أجنح إلى رأي من رأى أن المراد بالعهد دين الله سبحانه، وأن نقضه كل مخالفة له، وفي هذا ما يدل على عموم الذين كفروا، وشموله أهل الكتاب وغيرهم ممن كَذَّب برسالة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وخرج عن دعوته، ولا داعي إلى التفريق بين أهل الكتاب والمشركين باعتبار الأولين ناقضين لعهدين والآخرين لعهد واحد، فإن حجة الله بما أبدع وما شرع قائمة على كلا الفريقين، ومع ذلك فإن أهل الكتاب أولى بالحفاظ على هذا العهد لتأكده عليهم بتكراره على ألسنة رسلهم، وقد حكى الله ذلك في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ..} (الآية)، وقوله بعدها: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ..} (الآية)، وقوله: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}، وقوله: {أية : وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً} تفسير : [المائدة: 12]، وغيرها من الآيات الدالة على أن بني إسرائيل كانوا أثقل حملا وأعظم مسئولية لتكرر النبوات فيهم، وتعدد المواثيق عليهم. والميثاق إما مصدر كالميعاد والميلاد، وإما اسم مصدر بمعنى الوثق أو الإِيثاق أو التوثيق، والمؤدَّى واحد، ويراد به توثيق عهد الله الذي جاءهم على ألسنة رسله بما أيد به الرسل من المعجزات، ويصح أن يكون ما بثه الله تعالى في هذا الكون من آياته الباهرة داخلا في هذا التوثيق لدلالته على وحدانية الله، وقدرته وإحسانه. والأمر هنا واحد الأوامر لا الأمور، وهو طلب فعل من غيره تعالى، واشترط بعضهم علو الطالب، وآخرون استعلاءه ولم يشترط ذلك آخرون، ويخرج بقيد كون الطلب من غير الله الدعاء فإنه وإن اتفق مع الأمر في صيغة الطلب فلا يجوز أن يسمى أمرا لتعذر أن يكون المخلوق آمرا للخالق تعالى، ويطلق الأمر على واحد الأمور لأنها لا تكون إلا لداعٍ وهو شبيه بالآمر، فلذا أطلق عليه المصدر من هذا اللفظ، وهو من باب إطلاق المصدر على المفعول فإنه مأمور به، ومثله الشأن لأنه مأخوذ من شأنت شأنه بمعنى قصدت قصده. واختلف في المراد بقوله {مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} قيل: هو الأرحام التي قطعوها، ورجحه ابن جرير ورواه عن قتادة، وقال به جماعة من العلماء، واستدلوا له بقوله تعالى: {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} تفسير : [القتال: 22]، وعليه فالمراد قطعهم صلة رحمهم بالنبي صلى الله عليه وسلم بإيذائه وإلجائه إلى الهجرة، وهو مبني على أن المعنيين هم كفار قريش الذين لم يرعوا قرابته صلى الله عليه وسلم، أو قطع اليهود لأرحامهم كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ..} تفسير : [البقرة: 83] إلى قوله: {أية : .. ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنْكُمْ مِّن دِيَارِهِمْ} تفسير : [البقرة: 85]، أو قطع المنافقين لأولي القربى منهم من المؤمنين إذ لم يبالوا بالدس عليهم والمكر بهم، أو أن المراد ما يشمل كل ذلك. وقيل هو التصديق بالأنبياء أمروا بوصله فقطعوه إذ آمنوا ببعض وكفروا ببعض، واستدل له بقوله تعالى فيهم: {أية : وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً} تفسير : [النساء: 150]، وعليه فهو خاص باليهود، وقيل: هو القول والعمل أمروا بوصلهما فقالوا ولم يعملوا، وعليه فهو خاص بالمنافقين. وذهب السيد محمد رشيد رضا إلى أن الأمر هنا شامل لأمر التكوين وهو ما عليه الخلق من النظام والسنن المحكمة، لأن الله سمى التكوين أمرا حيث عبّر عنه بـ "كن" في قوله: {أية : إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} تفسير : [يس: 82]، وأمر التشريع وهو ما أوحاه إلى أنبيائه وأمر الناس بالأخذ به، ومن النوع الأول ترتيب النتائج على المقدمات، ووصل الأدلة بالمدلولات، وإفضاء الأسباب إلى المسببات ومعرفة المنافع والمضار بالغايات، فمن أنكر نبوة النبي بعد ما قام الدليل على صدقه أو أنكر سلطان الله على عباده بعد ما شهدت له به آثاره في خلقه، فقد قطع ما أمر الله به أن يوصل بمقتضى التكوين الفطري، وكذلك من أنكر شيئا مما علم أنه جاء به الرسول لأنه إن كان من الأصول الاعتقادية ففيه القطع بين الدليل والمدلول، وإن كان من الأحكام العملية ففيه القطع بين المبادئ والغايات، لأن ما أمر به الدين قطعا فهو نافع، ومنفعته تثبتها التجربة والدليل، وكل ما نهى عنه حتما فلا بد أن تكون المضرة عاقبته، فالذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه هم الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل بغايته، أما بالنسبة إلى الإِيمان بالله تعالى وبالنبوة فيقطعون ما أمر الله به في كتبه أمر تشريع وتكليف، وصلة الأرحام تدخل في كلا القسمين. وذهب قطب الأئمة - رحمه الله تعالى - في التيسير إلى أن المقصود به هو الإِيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء وعدم التفرقة بين رسول وآخر، وكتاب وآخر، وأداء حق الرحم والمؤمنين، والجهاد وسائر الدين. قال: "وما ذكر من العموم أولى من تفسير {مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ} بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإطلاق (ما) عليه، ومن تفسيره بالقرآن أو الرحم ومن تفسيره بوصل القول بالعمل، ومن تفسيره بالأنبياء". وقال في الهيميان بعد حكايته الخلاف "والذي عندي أن المعنى أنهم يتركون ما أمر الله به أن لا يترك فيدخل فيه الإِيمان بالأنبياء كلهم، والكتب، وصلة الرحم، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، وقراءة القرآن، ونحو ذلك من أحكام الدين، ووصل كل شيء من ذلك هو فعله، وقطعه هو تركه، وأما فعل المحرمات فداخل في قوله بعد ذلك {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ}، وإن شئت فقل يدخل في قوله: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}، فالوصلة بين المكلف والنهي عن المحرمات أن يتبع النهي فيترك المحرمات، فإذا طرح النهي وراء ظهره واقتحم المحرمات فقد قطعه". والتماس الترجيح في ذلك إنما يكون بالرجوع إلى طبيعة الإِنسان والتأمل في علاقاته مع بني جنسه وغيرهم، فحياته حياة اجتماعية بحيث لا يمكن لأي فرد من أفراد نوعه أن يستقل في حياته بمنافعه ومصالحه، وبهذا يتضح أن ما أمر الله به أن يوصل يراد به كل علاقة بين شخص وآخر، أو بين فرد ومجموعة، فالعلاقات البشرية يجب أن تكون قائمة على أسس تعاليم الله عز وجل، ومراعاة هذه التعاليم هو وصل لها، والإِنحراف عنها هو قطْع لها، فتدخل في ذلك العلاقات بين الأصول والفروع، وهي صلات الآباء والأمهات من جهة بالأبناء والبنات من جهة أخرى، وما لكل من الجهتين من حقوق على غيرها، والعلاقات التي تكون بين شركاء الحياة وهم الأزواج والزوجات، وعلاقات الفروع الباسقة من دوحة واحدة، وهم الإِخوة والأخوات، وعلاقات الجنس البشري، وعلاقة الإِنسان بسائر الكائنات، فهي جميعا يجب وصلها حسب تعاليم الله سبحانه التي أنزلها في كتبه أو لقنها رسله فتلقيت عنهم، ويدل على شمول ذلك كله التعبير بـ "ما" التي هي من صيغ العموم. المعاصي تسبب الفساد العام: واختلف في المراد بالإِفساد في الأرض، ذهب فريق إلى أنه قطعهم الطرق على المهاجرين إلى الله ورسوله، وذهب آخرون إلى أنه مطلق ارتكاب المعاصي لأنها أعظم أسباب الفساد في الأرض، وأمحق لخيراتها، وأسحق لبركاتها: {أية : ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي ٱلنَّاسِ} تفسير : [الروم: 41]، فالمعصية لا تلبث أن تحول المنافع إلى مضار والمصالح إلى مفاسد خصوصا عندما تتفشى في أوساط الناس ولا تجد لها مقاوما، فلا تقف آثارها عند الراكبين لها بل تشمل الساكتين عنها، فيعم الجميع سخط الله المؤدي إلى هوان الدنيا وعذاب الآخرة والعياذ بالله، أَوَلَمْ تسمعوا إلى قوله تعالى: {أية : لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ٱبْنِ مَرْيَمَ ذٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المائدة: 78 - 79]. وإن من أخطر المعاصي على الناس، وأعمها ضررا، وأشدها بلاء هجران الأمة لكتاب ربها الذي ينير لها البصائر، ويوضح لها المسالك، ويقف بها على أسباب الخير، ويبين لها أسباب الشر، فإن هذا الإِعراض عنه واستبدال تعاليم الطاغوت بتعاليمه، وأحكامه بأحكامه هو أقطع المدى لأوصال الأمة، وأخطر الأسباب المؤدية بها إلى المهانة والذلة، وهذا الذي وقع فيه المسلمون عندما هجروا القرآن وصدقت عليهم شكوى الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام: {أية : يٰرَبِّ إِنَّ قَوْمِي ٱتَّخَذُواْ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ مَهْجُوراً} تفسير : [الفرقان: 30]، فما أحراهم بالخسران إلا إذا ارعووا عن غيهم وثابوا إلى رشدهم، وأنابوا إلى ربهم، وحطموا أغلال الجاهلية وقيودها، فصاروا بدينهم أحرارا أعزة. أسأل الله أن يكون ذلك قريبا. وقوله {أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} بيان لعاقبة فسقهم ونقضهم العهد وقطعهم ما أمر الله بوصله وإفسادهم في الأرض، فإن مآل أمرهم خسران الدنيا والآخرة: {ذٰلِكَ هُوَ ٱلْخُسْرَانُ ٱلْمُبِينُ}، أما خسران الآخرة فبيِّن، كيف وهم المحرومون من رضوان الله سبحانه ورحمته في جنة عرضها السماوات والأرض، وليس لهم في الآخرة إلا النار؟ وما أعظم خسارة من لم تسعه جنة عرضها السماوات والأرض وكان قراره في عذاب لا ينتهى في نار حامية ليست لأحد طاقة بعذابها، وأما في الدنيا فإنهم لا يبارحهم فيها القلق ولا يفارقهم الاضطراب، فلا يذوقون فيها طعم الطمأنينة ولا يعرفون راحة الإِستقرار بخلاف المؤمنين المتقين المطمئنة قلوبهم بذكر الله: {أية : أَلاَ بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ} تفسير : [الرعد: 28].

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً} قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره: نزلت في اليهود لما ضرب الله تعالى الأمثال في كتابه بالعنكبوت والذباب وغير ذلك مما يستحقر قالوا: إن الله تعالى أعز وأعظم من أن يضرب الأمثال بمثل هذه المحقرات فرد الله تعالى عليهم بهذه الآية. ووجه ربطها بما تقدم على هذا وكان المناسب عليه أن توضع في سورة العنكبوت مثلاً أنها جواب عن شبهة تورد على إقامة الحجة على حقية القرآن بأنه معجز فهي من الريب الذي هو في غاية الاضمحلال فكان ذكرها هنا أنسب، وقال مجاهد وغيره: نزلت في المنافقين قالوا ـ لما ضرب الله سبحانه المثل بالمستوقد والصيب ـ الله تعالى أعلى وأعظم من أن يضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء التي لا بال لها فرد الله تعالى عليهم ووجه الربط عليه ظاهر فإنها للذب عن التمثيلات السابقة على أحسن وجه وأبلغه، وقيل: إنها متصلة بقوله تعالى: {أية : فَلاَ تَجْعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً } تفسير : [البقرة: 22] أي: لا يستحي أن يضرب مثلاً لهذه الأنداد، وقيل: هذا مثل ضرب للدنيا وأهلها فإن البعوضة تحيا ما جاعت وإذا شبعت ماتت، كذلك أهل الدنيا إذا امتلؤا منها هلكوا، أو مثل لأعمال العباد وأنه لا يمتنع أن يذكر منها ما قل أو كثر ليجازى عليه ثواباً وعقاباً، وعلى هذين القولين لا ارتباط للآية بما قبلها بل هي ابتداء كلام، وهذا وإن جاز لا أقول به إذ المناسب بكل آية أن ترتبط بما قبلها وفي الآية إشارة إلى حسن التمثيل كيف والله سبحانه مع عظمته وبالغ حكمته لم يتركه ولم يستح منه:شعر : وما انفكت الأمثال في الناس سائرة تفسير : ((والحياء كما قال الراغب انقباض النفس عن القبائح))، وهو مركب من جبن وعفة، وليس هو الخجل بل ذاك حيرة النفس لفرط الحياء فهما متغايران وإن تلازما، وقال بعضهم: الخجل لا يكون إلا بعد صدور أمر زائد لا يريده القائم به بخلاف الحياء فإنه قد يكون مما لم يقع فيترك لأجله، وما في «القاموس» خجل استحيا تسامح، وهو مشتق من الحياة لأنه يؤثر في القوة المختصة بالحيوان وهي قوة الحس والحركة، والآية تشعر بصحة نسبة الحياء إليه تعالى لأنه في العرف لا يسلب الحياء إلا عمن هو شأنه، على أن النفي داخل على كلام فيه قيد فيرجع إلى القيد فيفيد ثبوت أصل الفعل أو إمكانه لا أقل، وأما في الأحاديث فقد صرح بالنسبة ـ وللناس في ذلك مذهبان ـ فبعض يقول بالتأويل إذ الانقباض النفساني مما لا يحوم حول حظائر قدسه سبحانه، فالمراد بالحياء عنده الترك اللازم للانقباض، وجوّز جعل ما هنا بخصوصه من باب المقابلة لما وقع في كلام الكفرة بناءً على ما روي أنهم قالوا: ما يستحي رب محمد أن يضرب الأمثال بالذباب والعنكبوت، وبعض ـ وأنا والحمد لله منهم ـ لا يقول بالتأويل بل يمر هذا وأمثاله مما جاء عنه سبحانه في الآيات والأحاديث على ما جاءت ويكل علمها بعد التنزيه عما في الشاهد إلى عالم الغيب والشهادة. وقرأ الجمهور (يستحيي) بياءين والماضي استحيا، وجاء استفعل هنا للإغناء عن الثلاثي المجرد كاستأثر، وقرأ ابن كثير في رواية وقليلون بياء واحدة وهي لغة بني تميم، وهل المحذوف اللام فالوزن يستفع، أو العين فالوزن يستفل؟ قولان: أشهرهما الثاني، وهذا الفعل مما يكون متعدياً بنفسه وبالحرف فيقال: استحييته واستحيت منه، والآية تحتملهما. والضرب إيقاع شيء على شيء، وضرب المثل من ضرب الدراهم وهو ذكر شيء يظهر أثره في غيره، فمعنى يضرب هنا يذكر، وقيل: يبين، وقيل: يضع من {أية : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذّلَّةُ }تفسير : [البقرة: 61] و (ما) اسم بمعنى شيء يوصف به النكرة لمزيد الإبهام ويسد طرق التقييد، وقد يفيد التحقير أيضاً ـ كأعطه شيئاً ما ـ والتعظيم ـ كلأمر ما جدع قصير أنفسه ـ والتنويع ـ كاضربه ضرباً ما ـ وقد تجعل سيف خطيب، والقرآن أجل من أن يلغى فيه شيء، وبعوضة إما صفة ـ لما ـ أو بدل منها أو عطف بيان إن قيل بجوازه في النكرات أو بدل من {مَثَلاً } أو عطف بيان له إن قيل ما زائدة، أو مفعول/ و {مَثَلاً } حال وهي المقصودة، أو منصوب على نزع الخافض أي: ما من بعوضة فما فوقها كما نقل عن الفراء. والفاء بمعنى إلى، أو مفعول ثان؛ أو أول بناء على تضمن الضرب معنى الجعل، ولا يرد على إرادة العموم أن مثال المعنى على المشهور أن الله لا يترك أي مثل كان فيقتضي أن جميع الأمثال مضروبة في كلامه فأين هي لأن المنفي ليس مطلق الترك بل الترك لأجل الاستحياء؟ فالمعنى لا يترك مثلاً ما استحياء وإن تركه لأمر آخر أراده. وقرأ ابن أبـي عبلة وجماعة: (بعوضة) بالرفع والشائع على أنه خبر، واختلفوا فيما يكون عنه خبراً؛ فقيل: مبتدأ محذوف أي هي أو هو بعوضة، والجملة صلة (ما) على جعلها موصولة، وهو تخريج كوفي لحذف صدر الصلة من غير طول، وقيل: (ما) بناءً على أنها استفهامية مبتدأ، واختار في «البحر» أن تكون (ما) صلة أو صفة وهي (بعوضة) جملة كالتفسير لما انطوى عليه الكلام، وقيل: {بَعُوضَةً} مبتدأ، و {مَا} نافية والخبر محذوف أي متروكة لدلالة {لاَ يَسْتَحْىِ} عليه. والبعوضة واحد البعوض، وهو طائر معروف، وفيه من دقيق الصنع وعجيب الإبداع ما يعجز الإنسان أن يحيط بوصفه ولا ينكر ذلك إلا نمرود. وهو في الأصل صفة على فعول كالقطوع، ولذا سمي في لغة هذيل خموش فغلبت، واشتقاقه من البعض بمعنى القطع. {فَمَا فَوْقَهَا} الفاء عاطفة ترتيبية، و {مَا} عطف على {بَعُوضَةً} أو {مَا} إن جعل اسماً والتفصيل وما فيه غير خفي. والمراد بالفوقية إما الزيادة في حجم الممثل به فهو ترق من الصغير للكبير وبه قال ابن عباس أو الزيادة في المعنى الذي وقع التمثيل فيه وهو الصغر والحقارة فهو تنزل من الحقير للأحقر، وهذان الوجهان على القراءة المشهورة وأما على قراءة الرفع فقد قالوا: إن جعلت {مَا} موصولة ففيه الوجهان، وإن جعلت استفهامية تعين الأول لأن العظم مبتدأ من البعوضة إذ ذاك، وقيل: أراد: ما فوقها وما دونها فاكتفى بأحد الشيئين عن الآخر على حد {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ } تفسير : [النحل: 81] فافهم. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّهِمْ } تفصيل لما أشار إليه قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ} الخ من أنه وقع فيه ارتياب بين التحقيق والارتياب، أو لما يترتب على ضرب المثل من الحكم إثر تحقيق حقية صدوره عنه سبحانه، والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما يشير إليه ما قبلها، وكأنه قيل كما قيل فيضربه {مُّبِيناً فَأَمَّا ٱلَّذِينَ} الخ، وتقديم بيان حال المؤمنين لشرفه، وأما على ما عليه المحققون حرف متضمنة لمعنى الشرط ولذا لزمتها الفاء غالباً، وتفيد مع هذا تأكيد ما دخلت عليه من الحكم؛ وتكون لتفصيل مجمل تقدمها صريحاً، أو دلالة، أو لم يتقدم لكنه حاضر في الذهن ولو تقديراً، ولما كان هذا خلاف الظاهر في كثير من موارد استعمالها جعله الرضى والمرتضى من المحققين أغلبياً، وفسر سيبويه ـ أما زيد فذاهب ـ بمهما يكن من شيء فزيد ذاهب وليس المراد به أنها مرادفة لذلك الاسم، والفعل إذ لا نظير له، بل المراد أنها لما أفادت التأكيد وتحتم الوقوع في المستقبل كان مآل المعنى ذلك، ولما أشعرت بالشرطية قدر شرط يدل على تحتم الوقوع وهو وجود شيء ما في الدنيا إذ لا تخلو عنه فما علق عليه محقق، وحيث كان المعنى ما ذكر سيبويه. ومهما مبتدأ والاسمية لازمة له، ويكن فعل شرط والفاء لازمة تليه غالباً، وقامت ـ أما ذلك المقام ـ لزمها الفاء ولصوق الاسم إقامة للازم مقام الملزوم وإبقاء لأثره في الجملة وكان الأصل دخول الفاء على الجملة فيما ذكر لأنها الجزاء لكن كرهوا إيلاءها حرف الشرط فأدخلوا الخبر وعوضوا المبتدأ عن الشرط لفظاً، وقد يقدم على الفاء ـ كما في الرضى ـ من أجزاء الجزاء المفعول به والظرف والحال إلى غير ذلك مما عدوه على ما فيه، وفي تصدير الجملتين بها من الإحماد والذمّ ما لا يخفى. والمراد بالموصول فريق المؤمنين المعهودين كما أن المراد بالموصول الآتي فريق الكفرة الطاغين لا من يؤمن بضرب المثل ومن يكفر به لاختلال المعنى، والضمير في {أَنَّهُ} للمثل وهو أقرب،/ أو لضربه المفهوم من أن يضرب، وقيل: لترك الاستحياء المنقدح مما مر، وقيل: للقرآن. والحق خلاف الباطل، وهو في الأصل مصدر حق يحق من بابـي ضرب وقتل إذا وجب أو ثبت، وقال الراغب: أصله المطابقة والموافقة، ويكون بمعنى الموجد بحسب الحكمة والموجد على وفقها والاعتقاد المطابق للواقع، وقيل: إنه الحكم المطابق، ويطلق على الأقوال والعقائد والأديان والمذاهب باعتبار اشتماله على ذلك، ولم يفرق في المشهور بينه وبين الصدق إلا أنه شاع في العقد المطابق، والصدق في القول كذلك، وقد يفرق بينهما بأن المطابقة تعتبر في الحق من جانب الواقع وفي الصدق من جانب الحكم، وتعريفه هنا إما للقصر الادعائي كما يقال ـ هذا هو الحق ـ أو لدعوى الاتحاد ويكون المحكوم عليه مسلم الاتصاف، و {مّن رَّبّهِمُ} إما خبر بعد خبر أو حال من ضمير الحق، و {مِنْ} لابتداء الغاية المجازية، والتعرض لعنوان الربوبية للإشارة إلى أنهم يعترفون بحقية القرآن وبما أنعم الله تعالى به عليهم من النعم التي من أجلها نزول هذا الكتاب وهو المناسب لقوله سبحانه:{أية : نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا }تفسير : [البقرة: 23] وأما الكفرة المنكرون لجلاله المتخذون غيره من الأرباب فالله عز اسمه هو المناسب لحالهم {أية : وَيُحَذّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ }تفسير : [آل عمران: 28] وقيل: في ذلك ـ مع الإضافة إلى الضمير ـ تشريف وإيذان بأن ضرب المثل تربية لهم وإرشاد إلى ما يوصلهم إلى كمالهم اللائق بهم، والجملة سادّة مسدّ مفعولي ـ يعلمون ـ عند الجمهور، ومسد الأول والثاني محذوف عند الأخفش أي {فَيَعْلَمُونَ } حقيته ثابتة. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً} لم يقل سبحانه - وأما الذين كفروا فلا يعلمون - ليقابل سابقه لما في هذا من المبالغة في ذمهم والتنبيه بأحسن وجه على كمال جهلهم لأن الاستفهام إما لعدم العلم أو للإنكار وكل منهما يدل على الجهل دلالة واضحة.شعر : ومن قال للمسك أين الشذا يكذبه ريحه الطيب تفسير : قيل: ولم يقل سبحانه هناك ـ وأما الذين آمنوا فيقولون ـ الخ إشارة إلى أن المؤمنين اكتفوا بالخضوع والطاعة من غير حاجة إلى التكلم والكافرون لخبثهم وعنادهم لا يطيقون الأسرار لأنه كإخفاء الجمر في الحلفاء، وقيل: إن ـ يقولون ـ لا يدل صريحاً على العلم وهو المقصود والكافرون منهم الجاهل والمعاند {فَيَقُولُونَ} الخ أشمل وأجمع، و {مَاذَا} لها ستة أوجه في استعمالهم. الأول: أن تكون (ما) استفهامية في موضع رفع بالابتداء، و (ذا) بمعنى الذي خبره، وأخبر عن المعرفة بالنكرة هنا بناءً على مذهب سيبويه في جوازه في أسماء الاستفهام وغيره يجعل النكرة خبراً عن الموصول. الثاني: أن تكون (ماذا) كلها استفهاماً مفعولاً لأراد وهذان الوجهان فصيحان اعتبرهما سائر المفسرين والمعربين في الآية، والاستفهام يحتمل الاستغراب والاستبعاد والاستهزاء {أية : ظُلُمَـٰتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} تفسير : [النور: 40]، الثالث: أن يجعل (ما) استفهامية، و (ذا) صلة لا إشارة ولا موصولة، الرابع: أن يجعلا معاً موصولاً كقوله: شعر : دعى (ماذا) علمت سأتقيه تفسير : الخامس: أن يجعلا نكرة موصوفة، وقد جوز في المثال، السادس: أن تكون (ما) استفهامية، و (ذا) اسم إشارة خبر له. ((والإرادة كما قاله الراغب: منقولة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء وهي في الأصل قوة مركبة من شهوة وخاطر وأمل، وجعل اسماً لنزوغ النفس إلى الشيء مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو لا يفعل، ثم يستعمل مرة في المبدأ وهو نزوغ النفس إلى الشيء وتارة في المنتهى وهو الحكم فيه بأنه ينبغي)) الخ، وإرادة المعنى من اللفظ مجرد القصد وهو استعمال آخر ولسنا بصدده، وبين الإرادة والشهوة عموم من وجه لأنها قد تتعلق بنفسها بخلاف الشهوة فإنها إنما تتعلق باللذات، والإنسان قد يريد الدواء البشع ولا يشتهيه ويشتهي اللذيذ ولا يريده إذا علم فيه هلاكه وقد يشتهي ويريد. وللمتكلمين أهل الحق وغيرهم في تفسيرها مذاهب، فالكلبـي والنجار وغيرهما على/ أن إرادته سبحانه لأفعاله أنه يفعلها عالماً بها وبما فيها من المصلحة، ولأفعال غيره أنه أمر بها وطلبها، فالمعاصي إذاً ليست بإرادته جل شأنه، ونحو ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وارد عليهم؛ والجاحظ وبعض المعتزلة والحكماء على أن إرادته تعالى شأنه علمه بجميع الموجودات من الأزل إلى الأبد وبأنه كيف ينبغي أن يكون نظام الوجود حتى يكون على الوجه الأكمل، ويكفيه صدوره عنه حتى يكون الموجود على وفق المعلوم على أحسن النظام من غير قصد وطلب شوقي، ويسمون هذا العلم عناية؛ وذهب الكرامية وأبو علي وأبو هاشم إلى أنها صفة زائدة على العلم إلا أنها حادثة قائمة بذاته عز شأنه عند الكرامية، وموجودة لا في محل عند الأبوين، والمذهب الحق أنها ذاتية قديمة وجودية زائدة على العلم ومغايرة له وللقدرة، مخصصة لأحد طرفي المقدور بالوقوع، وكونها نفس الترجيح الذي هو من صفات الأفعال كما قال البيضاوي عفا الله تعالى عنه لم يذهب إليه أحد. وفي كلمة (هذا) استحقار للمشار إليه مثلها في: {أية : أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً }تفسير : [الفرقان: 41] وقد تكون للتعظيم بحسب اقتضاء المقام، و {مَثَلاً } نصب على التمييز عن نسبة الاستغراب ونحوه إلى المشار إليه. وقد ذكر الرضى - والعهدة عليه - أن الضمير واسم الإشارة إذا كانا مبهمين يجىء التمييز عنهما والعامل هما لتماميهما بنفسهما حيث يمتنع إضافتهما، وإذا كانا معلومين فالتمييز عن النسبة، ويحتمل أن يكون حالاً من اسم الله تعالى أو من (هذا) أي ممثلاً أو ممثلاً به أو بضربه. {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} جملتان جاريتان مجرى البيان، والتفسير للجملتين المصدرتين - بأما - إذ يشتملان على أن كلا الفريقين موصوف بالكثرة وعلى أن العلم بكونه حقاً من الهدى الذي يزداد به المؤمنون نوراً إلى نورهم، والجهل بموقعه من الضلالة التي يزداد بها الجهال خبطاً في ظلمتهم، وهاتان يزيدان ما تضمنتاه وضوحاً أو أنهما جواب لدفع ما يزعمونه من عدم الفائدة في ضرب الأمثال بالمحقرات ببيان أنه مشتمل على حكمة جليلة وغاية جميلة هي كونه وسيلة إلى هداية المستعدين للهداية وإضلال المنهمكين في الغواية، وصرح بعضهم بأنهما جواب - لماذا - ووضع الفعلان موضع المصدر للإشعار بالاستمرار التجددي والمضارع يستعمل له كثيراً، ففي التعبير به هنا إشارة إلى أن الإضلال والهداية لا يزالان يتجددان ما تجدد الزمان، قيل: ووضعهما موضع الفعل الواقع في الاستفهام مبالغة في الدلالة على تحققهما فإن إرادتهما دون وقوعهما بالفعل وتجافياً عن نظم الإضلال مع الهداية في سلك الإرادة لإيهامه تساويهما في التعلق وليس كذلك، فإن المراد بالذات من ضرب المثل هو التذكير والاهتداء كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَـٰلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }تفسير : [الحشر: 21] وأما الإضلال فعارض مترتب على سوء الاختيار، وقدم في النظم الإضلال على الهداية مع سبق الرحمة على الغضب، وتقدمها بالرتبة والشرف لأن قولهم ناشىء من الضلال مع أن كون ما في القرآن سبباً له أحوج للبيان لأن سببيته للهدى في غاية الظهور، فالاهتمام ببيانه أولى، ووصف كل من القبيلتين بالكثرة بالنظر إلى أنفسهم وإلا فالمهتدون قليلون بالنسبة إلى أهل الضلال وبعيد حمل كثرة المهتدين على الكثرة المعنوية بجعل كثرة الخصائص اللطيفة بمنزلة كثرة الذوات الشريفة كما قيل:شعر : ولم أر أمثال الرجال تفاوتت لدى المجد حتى عد ألف بواحد تفسير : لا سيما وقد ذكر معها الكثرة الحقيقية، هذا وجوّز بعضهم أن يكون قوله تعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا} الخ في موضع الصفة - لمثل - فهو من كلام الكفار، ولعله من باب المماشاة مع المؤمنين إذ هم ليسوا بمعترفين بأن هذا المثل - يضل الله به كثيراً ويهدي به كثيراً - وأغرب من هذا تجويز ابن عطية أن يكون {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا} من كلام/ الكفار وما بعده من كلام الله تعالى وهو إلباس في التركيب وعدول عن الظاهر من غير دليل، وإسناد الإضلال إليه تعالى حقيقي وقد تقدم وجهه فلا التفات إلى ما في «الكشاف» لأنه نزغة اعتزالية، والضمير في {بِهِ} للمثل أو لضربه في الموضعين، وقيل: في الأول للتكذيب، وفي الثاني للتصديق ودل على ذلك قوة الكلام، ولا يخفى ضعفه، وقرأ زيد بن علي: {يُضِلَّ} هنا وفيما يأتي و {يَهْدِى} بالبناء للمفعول وابن أبـي عبلة في الثلاثة بالبناء للفاعل، ورفعا الفاسقين ـ خفضهم الله تعالى ـ. {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ} تذييل أو اعتراض في آخر الكلام بناءً على قول من جوّزه، وقيل: حال، ومنع السيالكوتي عطفه على ما قبله قائلاً لأنه لا يصح كونه جواباً وبياناً، وأجازه بعضهم تكملة للجواب وزيادة تعيين لمن أريد إضلالهم ببيان صفاتهم القبيحة المستتبعة له وإشارة إلى أن ذلك ليس إضلالاً ابتدائياً بل هو تثبيت على ما كانوا عليه من فنون الضلال وزيادة فيه، و (الفاسقين) جمع فاسق من الفسق، وهو شرعاً خروج العقلاء عن الطاعة فيشمل الكفر ودونه من الكبيرة والصغيرة. واختص في العرف والاستعمال بارتكاب الكبيرة فلا يطلق على ارتكاب الآخرين إلا نادراً بقرينة، وهو من قولهم: فسق الرطب إذا خرج من قشره، قال ابن الأعرابـي: ولم يسمع الفسق وصفاً للإنسان في كلام العرب، ولعله أراد في كلام الجاهلية كما صرح به ابن الأنباري، وإلا فقد قال رؤبة، وهو شاعر إسلامي يستدل بكلامه:شعر : يذهبن في نجد وغوراً غائرا (فواسقا) عن قصدها جوائرا تفسير : على أنه يمكن أن يقال: لم يخرج الفسق في البيت عن الوضع لأنه وضعا خروج الأجرام وبروز الأجسام من غير العقلاء وما فيه خروج الإبل وهي لا تعقل. والمراد بالفاسقين هنا الخارجون عن حدود الإيمان وتخصيص الإضلال بهم مرتباً على صفة الفسق وما أجرى عليهم من القبائح للإيذان بأن ذلك هو الذي أعدهم للإضلال وأدى بهم إلى الضلال فإن كفرهم وعدولهم عن الحق وإصرارهم على الباطل صرفت وجوه أنظارهم عن التدبر والتأمل حتى رسخت جهالتهم وازدادت ضلالتهم فأنكروا وقالوا ما قالوا، ونصب {ٱلْفَـٰسِقِينَ} على أنه مفعول {يُضِلَّ} أو على الاستثناء والمفعول محذوف أي أحداً، ولا تفريغ كما في قوله:شعر : نجا سالم والنفس منه بشدة ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا تفسير : ومنع ذلك أبو البقاء ولعله محجوج بالبيت.

ابن عاشور

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْىِ أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}. قد يبدو في بادىء النظر عدم التناسب بين مساق الآيات السالفة ومساق هاته الآية، فبينما كانت الآية السابقة ثناء على هذا الكتاب المبين، ووصف حالي المهتدين بهديه والناكبين عن صراطه وبيان إعجازه والتحدي به مع ما تخلل وأعقب ذلك من المواعظ والزواجر النافعة والبيانات البالغة والتمثيلات الرائعة، إذا بالكلام قد جاء يخبر بأن الله تعالى لا يعبأ أن يضرب مثلاً بشيء حقير أو غير حقير، فحقيق بالناظر عند التأمل أن تظهر له المناسبة لهذا الانتقال، ذلك أن الآيات السابقة اشتملت على تحدي البلغاء بأن يأتوا بسورة مثل القرآن، فلما عجزوا عن معارضة النظم سلكوا في المعارضة طريقة الطعن في المعاني فلبسوا على الناس بأن في القرآن من سخيف المعنى ما ينزه عنه كلام الله ليصلوا بذلك إلى إبطال أن يكون القرآن من عند الله بإلقاء الشك في نفوس المؤمنين وبذر الخصيب في تنفير المشركين والمنافقين. روى الواحدي في «أسباب النزول» عن ابن عباس أن الله تعالى لما أنزل قوله: {أية : إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه}تفسير : [الحج: 73] وقوله: {أية : مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً}تفسير : [العنكبوت: 41] قال المشركون أرأيتم أي شيء يصنع بهذا فأنزل الله: {إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها} وروي عن الحسن وقتادة أن الله لما ذكر الذباب والعنكبوت في كتابه وضرب بها المثل ضحك اليهود وقالوا ما يشبه أن يكون هذا كلام الله فأنزل الله: {إن الله لا يستحي} الآية. والوجه أن نجمع بين الروايتين ونبين ما انطوتا عليه بأن المشركين كانوا يفزعون إلى يهود يثرب في التشاور في شأن نبوءة محمد صلى الله عليه وسلم وخاصة بعد أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فيتلقون منهم صوراً من الكيد والتشغيب فيكون قد تظاهر الفريقان على الطعن في بلاغة ضرب المثل بالعنكبوت والذباب فلما أنزل الله تعالى تمثيل المنافقين بالذي استوقد ناراً وكان معظمهم من اليهود هاجت أحناقهم وضاف خناقهم فاختلقوا هذه المطاعن فقال كل فريق ما نسب إليه في إحدى الروايتين ونزلت الآية للرد على الفريقين ووضح الصبح لذي عينين. فيحتمل أن ذلك قاله علماء اليهود الذين لا حظ لهم في البلاغة، أو قد قالوه مع علمهم بفنون ضرب الأمثال مكابرة وتجاهلاً. وكون القائلين هم اليهود هو الموافق لكون السورة نزلت بالمدينة، وكان أشد المعاندين فيها هم اليهود، ولأنه الأوفق بقوله تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله} وهذه صفة اليهود، ولأن اليهود قد شاع بينهم التشاؤم والغلو في الحذر من مدلولات الألفاظ حتى اشتهروا باستعمال الكلام الموجه بالشتم والذم كقولهم {أية : رَاعنا}تفسير : [البقرة: 104]، قال تعالى: {أية : فبدل الذين ظلموا منهم قولاً غير الذي قيل لهم}تفسير : [البقرة: 59] كما ورد تفسيره في «الصحيح» ولم يكن ذلك من شأن العرب. وإما أن يكون قائله المشركون من أهل مكة مع علمهم بوقوع مثلِه في كلام بلغائهم كقولهم أَجرأُ من ذُبابة، وأسْمَع من قُرادٍ، وأطْيَشُ من فَراشة، وأضعف من بَعُوضَة. وهذا الاحتمال أدَلُّ، على أنهم ما قالوا ما هذا التمثيل إلا مكابرة ومعاندة فإنهم لما غُلبوا بالتحدي وعجزوا عن الإتيان بسورة من مثله تعلقوا في معاذيرهم بهاته السفاسف، والمكابرُ يقول ما لا يعتقد، والمحجوج المبهوت يستعوج المستقيم ويخفي الواضح، وإلى هذا الثاني ينزع كلام صاحب «الكشاف» وهو أوفق بالسياق. والسورة وإن كانت مدنية فإن المشركين لم يزالوا يُلقون الشبه في صحة الرسالة ويشيعون ذلك بعد الهجرة بواسطة المنافقين. وقد دل على هذا المعنى قوله بعده: {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا} إلى قوله: {ويهدي به كثيراً}. فإن قيل: لم يكن الرد عقب نزول الآيات الواقع فيها التمثيل الذي أنكروه فإن البدار بالرد على من في مقاله شبهة رائجة يكون أقطع لشبهته من تأخيره زماناً. قلنا: الوجه في تأخير نزولها أن يقع الرد بعد الإتيان بأمثال معجبة اقتضاها مقام تشبيه الهيآت، فذلك كما يمنع الكريم عدوه من عطاء فيلمزه الممنوع بلمز البخل، أو يتأخر الكمي عن ساحة القتال مكيدة فيظنه ناس جبناً فيسرها الأول في نفسه حتى يأتيه القاصد فيعطيه عطاء جزلا، والثاني حتى يكر كرة تكون القاضية على قرنه. فكذلك لما أتى القرآن بأعظم الأمثال وأروعها وهي قوله: {أية : مثلهم كمثل الذي استوقد}تفسير : [البقرة: 17] {أية : أو كصيب}تفسير : [البقرة: 19] الآيات وقوله: {أية : صم بكم عمي}تفسير : [البقرة: 18] أتى إثر ذلك بالرد عليهم فهذا يبين لك مناسبة نزول هذه الآية عقب التي قبلها وقد غفل عن بيانه المفسرون. والمراد بالمثل هنا الشبه مطلقاً لا خصوص المركب من الهيئة، بخلاف قوله فيما سبق {مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً} لأن المعنىَّ هنا ما طعنوا به في تشابيه القرآن مثل قوله: {أية : لن يخلقوا ذباباً}تفسير : [الحج: 73] وقوله: {أية : كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً}تفسير : [العنكبوت: 41]. وموقع (إنّ) هنا بيِّن. وأما الإتيان بالمسند إليه علماً دون غيره من الصفات فلأن هذا العلم جامع لجميع صفات الكمال فذكره أوقع في الإقناع بأن كلامه هو أعلى كلام في مراعاة ما هو حقيق بالمراعاة وفي ذلك أيضاً إبطال لتمويههم بأن اشتمال القرآن على مثل هذا المثل دليل على أنه ليس من عند الله فليس من معنى الآية أن غير الله ينبغي له أن يستحي أن يضرب مثلاً من هذا القبيل. ولهذا أيضاً اختير أن يكون المسند خصوص فعل الاستحياء زيادة في الرد عليهم لأنهم أنكروا التمثيل بهاته الأشياء لمراعاة كراهة الناس ومثل هذا ضرب من الاستحياء كما سنبينه فنبهوا على أن الخالق لا يستحي من ذلك إذ ليس مما يستحي منه، ولأن المخلوقات متساوية في الضعف بالنسبة إلى خالقها والمتصرف فيها، وقد يكون ذكر الاستحياء هنا محاكاة لقولهم أما يستحي رب محمد أن يضرب مثلاً بالذباب والعنكبوت. فإن قلت: إذا كان استعمال هذه الألفاظ الدالة على معان حقيرة غير مخل بالبلاغة فما بالُنا نرى كثيراً من أهل النقد قد نقدوا من كلام البلغاء ما اشتمل على مثل هذا كقول الفرزدق:شعر : من عِزّهم حجرَتْ كليبٌ بيتها زَرباً كأنهمُ لديهِ القُمَّل تفسير : وقول أبي الطيب:شعر : أماتكمُ من قبل موتِكم الجهلُ وجركمُ من خفة بكمُ النمل تفسير : وقول الطرمّاح:شعر : ولو أن بُرغوثاً على ظهر قملة يكرُّ على ضَبْعَيْ تميم لولَّت تفسير : قلت أصول الانتقاد الأدبي تؤول إلى بيان ما لا يحسن أن يشتمل عليه كلام الأديب من جانب صناعة الكلام، ومن جانب صور المعاني، ومن جانب المستحسن منها والمكروه وهذا النوع الثالث يختلف باختلاف العوائد ومدارك العقول وأصالة الأفهام بحسب الغالب من أحوال أهل صناعة الأدب، ألا ترى أنه قد يكون اللفظ مقبولاً عند قوم غير مقبول عند آخرين، ومقبولاً في عصر مرفوضاً في غيره، ألا ترى إلى قول النابغة يخاطب الملك النعمان:شعر : فإنكَ كالليل الذي هو مُدْركي وإن خِلْتُ أن المُنْتَأَى عنك واسع تفسير : فإن تشبيه الملك بالليل لو وقع في زمان المولدين لعُدَّ من الجفاء أو العجرفة، وكذلك تشبيههم بالحية في الإقدام وإهلاك العدو في قول ذي الإصبع:شعر : عَذير الحي من عَدوَا نَ كانُوا حَيَّةَ الأرض تفسير : وقول النابغة في رثاء الحارث الغسّاني:شعر : ماذا رُزِئْنا به من حيَّةٍ ذَكَرٍ نَضْنَاضَةٍ بالرزايا صِلّ أَصلاَلِ تفسير : وقد زعم بعض أهل الأدب أن عليًّا بن الجهم مدح الخليفة المتوكل بقوله:شعر : أنت كالكلب في وفائك بالعهـ ـد وكالتيْس في قراع الخطوب تفسير : وأنه لما سكن بغداد وعلقت نضارة الناس بخياله قال في أول ما قاله:شعر : عيون المها بين الرصافة والجسر جلبن الهوى من حيث أَدري ولا أدري تفسير : وقد انتقد بشارٌ على كُثيِّر قوله:شعر : ألا إنما ليلى عصا خيزُرانة إذا لمسوها بالأكُف تلينُ تفسير : فقال لو جعلها عصا مخ أو عصا زبد لما تجاوز من أن تكون عصا، على أن بشاراً هو القائل:شعر : إذا قامت لجارتها تثنت كأن عظامها من خيزران تفسير : وشبَّه بشار عبدة بالحيَّة في قوله:شعر : وكأنها لما مشت أَيْمٌ تأود في كثيبْ تفسير : والاستحياء والحياء واحد، فالسين والتاء فيه للمبالغة مثل استقدم واستأخر واستجاب، وهو انقباض النفس من صدور فعل أو تلقيه لاستشعار أنه لا يليق أو لا يحسن في متعارف أمثاله، فهو هيئة تعرض للنفس هي من قبيل الانفعال يظهر أثرها على الوجه وفي الإمساك عن ما من شأنه أن يُفعل. والاستحياء هنا منفي عن أن يكون وصفاً لله تعالى فلا يحتاج إلى تأويل في صحة إسناده إلى الله، والتعللُ لذلك بأن نفي الوصف يستلزم صحة الاتصاف تعللٌ غير مسلم. والضرب في قوله: {أن يضرب مثلاً} مستعمل مجازاً في الوضع والجعل من قولهم ضربَ خيمة وضرب بيتاً قال عبدة بن الطبيب:شعر : إنَّ التي ضربتْ بيتاً مُهاجِرَةً بكوفةِ الجُندِ غالت ودَّها غُولُ تفسير : وقول الفرزدق:شعر : ضربت عليك العنكبوت بنسجها وقضى عليك به الكتابُ المُنْزَلُ تفسير : أي جعل شيئاً مثلاً أي شبهاً، قال تعالى: {أية : فلا تضربوا لله الأمثال}تفسير : [النحل: 74] أي لا تجعلوا له مماثلاً من خلقه فانتصاب {مثلاً} على المفعول به. وجوز بعض أئمة اللغة أن يكون فعل ضرب مشتقاً من الضرب بمعنى المماثل فانتصاب {مثلاً} على المفعولية المطلقة للتوكيد لأن مثلاً مرادف مصدر فعله على هذا التقدير، والمعنى لا يستحي أن يشبِّه بشيء ما. والمثل المثيل والمشابه وغلب على مماثلة هيئة بهيئة وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً}تفسير : [البقرة: 17] وتقدم هناك معنى ضرب المثل بالمعنى الآخر وتنكير {مثلاً} للتنويع بقرينة بيانه بقوله {بعوضة فما فوقها}. وما إبهامية تتصل بالنكرة فتؤكد معناها من تنويع أو تفخيم أو تحقير، نحو لأمر ما وأعطاه شيئاً ما. والأظهر أنها مزيدة لتكون دلالتها على التأكيد أشد. وقيل اسم بمعنى النكرة المبهمة. و{بعوضة} بدل أو بيان من قوله: {مثلاً}. والبعوضة واحدة البعوض وهي حشرة صغيرة طائرة ذات خرطوم دقيق تحوم على الإنسان لتمتص بخرطومها من دمه غذاء لها، وتعرف في لغة هذيل بالخموش، وأهل تونس يسمونه الناموس واحدته الناموسة وقد جعلت هنا مثلاً لشدة الضعف والحقارة. وقوله: {فما فوقها} عطف على {بعوضة}، وأصل فوق اسم للمكان المعتلي على غيره فهو اسم مبهم فلذلك كان ملازماً للإضافة لأنه تتميز جهته بالاسم الذي يضاف هو إليه فهو من أسماء الجهات الملازمة للإضافة لفظاً أو تقديراً ويستعمل مجازاً في المتجاوز غيره في صفة تجاوزاً ظاهراً تشبيهاً بظهور الشيء المعتلي على غيره على ما هو معتل عليه، ففوق في مثله يستعمل في معنى التغلب والزيادة في صفة سواء كانت من المحامد أو من المذام يقال: فلان خسيس وفوق الخسيس وفلان شجاع وفوق الشجاع، وتقول: أعطى فلان فوق حقه أي زائداً على حقه. وهو في هذه الآية صالح للمعنيين أي ما هو أشد من البعوضة في الحقارة وما هو أكبر حجماً. ونظيره قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة» تفسير : رواه مسلم، يحتمل أقل من الشوكة في الأذى مثل نَخْبة النملة كما جاءَ في حديث آخر، أو ما هو أشد من الشوكة مثل الوخز بسكين وهذا من تصاريف لفظ فوق في الكلام ولذلك كان لاختياره في هذه الآية دون لفظ أقل ودون لفظ أقوى مثلاً موقع من بليغ الإيجاز. والفاء عاطفة (ما فوقها) على (بعوضة) أفادت تشريكهما في ضرب المثل بهما، وحقها أن تفيد الترتيب والتعقيب ولكنها هنا لا تفيد التعقيب وإنما استعملت في معنى التدرج في الرتب بين مفاعيل {أن يضرب} ولا تفيد أن ضرب المثل يكون بالبعوضة ويعقبه ضربه بما فوقها بل المراد بيان المثل بأنه البعوضة وما يتدرج في مراتب القوة زائداً عليها درجة تلي درجة فالفاء في مثل هذا مجاز مرسل علاقته الإطلاق عن القيد لأن الفاء موضوعة للتعقيب الذي هو اتصال خاص، فاستعملت في مطلق الاتصال، أو هي مستعارة للتدرج لأنه شبيه بالتعقيب في التأخر في التعقل كما أن التعقيب تأخر في الحصول ومنه: «رحم الله المحلقين فالمقصرين». والمعنى أن يضرب البعوضة مثلاً فيضرب ما فوقها أي ما هو درجة أخرى أي أحقر من البعوضة مثل الذرة وأعظم منها مثل العنكبوت والحمار. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً}. الفاء للتعقيب الذكري دون الحصولي أي لتعقيب الكلام المفصل على الكلام المجمل عطفت المقدر في قوله: {لا يستحي} لأن تقديره لا يستحي من الناس كما تقدم، ولما كان في الناس مؤمنون وكافرون وكلا الفريقين تلقى ذلك المثل واختلفت حالهم في الانتفاع به، نشأ في الكلام إجمال مقدر اقتضى تفصيل حالهم. وإنما عطف بالفاء لأن التفصيل حاصل عقب الإجمال. و(أما) حرف موضوع لتفصيل مجمل ملفوظ أو مقدر. ولما كان الإجمال يقتضي استشراف السامع لتفصيله كان التصدي لتفصيله بمنزلة سؤال مفروض كأن المتكلم يقول إن شئت تفصيله فتفصيله كيت وكيت، فلذلك كانت أما متضمنة معنى الشرط ولذلك لزمتها الفاء في الجملة التي بعدها لأنها كجواب شرط، وقد تخلو عن معنى التفصيل في خصوص قول العرب أما بعد فتتمحض للشرط وذلك في التحقيق لخفاء معنى التفصيل لأنه مبني على ترقب السامع كلاماً بعد كلامه الأول. وقدرها سيبويه بمعنى مهما يكن من شيء، وتلقفه أهل العربية بعده وهو عندي تقدير معنى لتصحيح دخول الفاء في جوابها وفي النفس منه شيء لأن دعوى قصد عموم الشرط غير بينة، فإذا جيء بأداة التفصيل المتضمنة معنى الشرط دل ذلك على مزيد اهتمام المتكلم بذلك التفصيل فأفاد تقوية الكلام التي سماها الزمخشري توكيداً وما هو إلا دلالة الاهتمام بالكلام، على أن مضمونه محقق ولولا ذلك لما اهتم به وبهذا يظهر فضل قوله: {فأما الذين آمنوا فيعلمون} الخ على أن يقال فالذين آمنوا يعلمون بدون أما والفاء. وجعل تفصيل الناس في هذه الآية قسمين لأن الناس بالنسبة إلى التشريع والتنزيل قسمان ابتداء مؤمن وكافر، والمقصود من ذكر المؤمنين هنا الثناء عليهم بثبات إيمانهم وتأييس الذين أرادوا إلقاء الشك عليهم فيعلمون أن قلوبهم لا مدخل فيها لذلك الشك. والمراد بالذين كفروا هنا إما خصوص المشركين كما هو مصطلح القرآن غالباً، وإما ما يشملهم ويشمل اليهود بناء على ما سلف في سبب نزول الآية. وإنما عبر في جانب المؤمنين بيعلمون تعريضاً بأن الكافرين إنما قالوا ما قالوا عناداً ومكابرة وأنهم يعلمون أن ذلك تمثيل أصاب المحز، كيف وهم أهل اللسان وفرسان البيان، ولكن شأن المعاند المكابر أن يقول ما لا يعتقد حسداً وعناداً. وضمير (أنه) عائد إلى المثل. و(الحق) ترجع معانيه إلى موافقة الشيء لما يحق أن يقع وهو هنا الموافق لإصابة الكلام وبلاغته. و(من ربهم) حال من (الحق) و(من) ابتدائية أي وارد من الله لا كما زعم الذين كفروا أنه مخالف للصواب فهو مؤذن بأنه من كلام من يقع منه الخطأ. وأصل (ماذا) كلمة مركبة من ما الاستفهامية وذا اسمِ الإشارة ولذلك كان أصلها أن يسأل بها عن شيء مشار إليه كقول القائل ماذا مشيراً إلى شيء حاضر بمنزلة قوله ما هذا. غير أن العرب توسعوا فيه فاستعملوه اسم استفهام مركباً من كلمتين وذلك حيث يكون المشار إليه معبراً عنه بلفظ آخر غير الإشارة حتى تصير الإشارة إليه مع التعبير عنه بلفظ آخر لمجرد التأكيد، نحو ماذا التواني، أو حيث لا يكون للإشارة موقع نحو: {أية : وماذا عليهم لو آمنوا بالله}تفسير : [النساء: 39] ولذلك يقول النحاة إن ذا ملغاة في مثل هذا التركيب. وقد يتوسعون فيها توسعاً أقوى فيجعلون ذا اسم موصول وذلك حين يكون المسؤول عنه معروفاً للمخاطب بشيء من أحواله فلذلك يُجرون عليه جملة أو نحوَها هي صلة ويجعلون ذا موصولاً نحو: {أية : ماذا أنزل ربكم}تفسير : [النحل: 24] وعلى هذين الاحتمالين الآخرين يصح إعرابه مبتدأ ويصح إعرابه مفعولاً مقدماً إذا وقع بعده فِعل. والاستفهام هنا إنكاري أي جعل الكلام في صورة الاستفهام كناية به عن الإنكار لأن الشيء المنكر يستفهم عن حصوله فاستعمال الاستفهام في الإنكار من قبيل الكناية، ومثله لا يجاب بشيء غالباً لأنه غير مقصود به الاستعلام. وقد يلاحظ فيه معناه الأصلي فيجاب بجواب لأن الاستعمال الكنائي لا يمنع من إرادة المعنى الأصلي كقوله تعالى: {أية : عم يتساءلون عن النبأ العظيم}تفسير : [النبأ: 1، 2]. والإشارة بقوله: {بهذا} مفيدة للتحقير بقرينة المقام كقوله: {أية : أَهذا الذي يذكر آلهتكم}تفسير : [الأنبياء: 36]. وانتصب قوله: {مثلاً} على التمييز من (هذا) لأنه مبهم فحقَّ له التمييز وهو نظير التمييز للضمير في قولهم «رُبَّهُ رَجُلاً». {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَـٰسِقِينَ * ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلاَْرْضِ أُولَـٰۤئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ}. بيان وتفسير للجملتين المصدرتين بأَما على طريقة النشر المعكوس لأن معنى هاتين الجملتين قد اشتمل عليهما معنى الجملتين السالفتين إجمالاً فإنَّ علم المؤمنين أنه الحق من ربهم هُدى، وقولَ الكافرين {ماذا أراد الله} الخ ضلال، والأظهر أن لا يكون قوله: {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} جواباً للاستفهام في قول الذين كفروا {ماذا أراد الله بهذا مثلاً} لأن ذلك ليس استفهاماً حقيقياً كما تقدم. ويجوز أن يجعل جواباً عن استفهامهم تخريجاً للكلام على الأسلوب الحكيم بحمل استفهامهم على ظاهره تنبيهاً على أن اللائق بهم أن يسألوا عن حكمة ما أراد الله بتلك الأمثال فيكون قوله: {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} جواباً لهم وردا عليهم وبياناً لحال المؤمنين، وهذا لا ينافي كون الاستفهام الذي قبله مكنى به عن الإنكار كما علمته آنفاً من عدم المانع من جمع المعنيين الكنائي والأصلي. وكونُ كلا الفريقين من المضلَّل والمهدى كثيراً في نفسه، لا ينافي نحو قوله: {أية : وقليل من عبادي الشكور}تفسير : [سبأ: 13] لأن قوة الشكر التي اقتضاها صيغة المبالغة، أخصُّ في الاهتداء. والفاسق لفظ من منقولات الشريعة أصله اسم فاعل من الفِسق بكسر الفاء، وحقيقة الفسق خروج الثمرة من قشرها وهو عاهة أو رداءة في الثمر فهو خروج مذموم يعد من الأدواء مثل ما قال النابغة:شعر : صِغار النوى مكنوزة ليس قِشْرُها إذا طار قِشْر التمر عنها بطائر تفسير : قالوا ولم يسمع في كلامهم في غير هذا المعنى حتى نقله القرآن للخروج عن أمر الله تعالى الجازم بارتكاب المعاصي الكبائر، فوقع بعد ذلك في كلام المسلمين، قال رؤبة يصف إبلاً:شعر : فواسَقاً عن قَصْدهَا جوائراً يَهوين في نجد وغورٍ غائراً تفسير : والفسق مراتب كثيرة تبلغ بعضها إلى الكفر. وقد أطلق الفسق في الكتاب والسنة على جميعها لكن الذي يستخلص من الجمع بين الأدلة هو ما اصطلح عليه أهل السنة من المتكلمين والفقهاء وهو أن الفسق غيرُ الكفر وأن المعاصي وإن كثرت لا تزيل الإيمان وهو الحق، وقد لقب الله اليهود في مواضع كثيرة من القرآن بالفاسقين وأحسب أنه المراد هنا وعزاه ابن كثير لجمهور من المفسرين. وإسناد الإضلال إلى الله تعالى مراعى فيه أنه الذي مكن الضالين من الكسب والاختيار بما خلق لهم من العقول وما فصل لهم من أسباب الخير وضده. وفي اختيار إسناده إلى الله تعالى مع صحة إسناده لفعل الضال إشارة إلى أنه ضلال متمكن من نفوسهم حتى صار كالجِبلة فيهم فهم مأيوس من اهتدائهم كما قال تعالى: {أية : ختم الله على قلوبهم}تفسير : [البقرة: 7]. فإسناد الإضلال إلى الله تعالى منظور فيه إلى خَلق أسبابه القريبة والبعيدةِ وإلا فإنَّ الله أمَر الناس كلهم بالهدى وهي مسألة مفروغ منها في علم الكلام. وقوله: {وما يضل به إلا الفاسقين} إما مسوق لبيان أن للفسق تأثيراً في زيادة الضلال لأن الفسق يرين على القلوب ويكسب النفوس ظلمة فتتساقط في الضلال المرة بعد الأخرى على التعاقب، حتى يصير لها دربة. وهذا الذي يؤذن به التعليق على الوصف المشتق إن كان المراد به هنا المعنى الاشتقاقي، فكأنه قيل هؤلاء فاسقون وما من فاسق إلا وهو ضال فما ثبت الضلال إلا بثبوت الفسق على نحو طريقة القياس الاقتراني، وإما مسوق لبيان أن الضلال والفسق أخوان فحيثما تحقق أحدهما أنبأ بتحقق الآخر على نحو قياس المساواة إذا أريد من الفاسقين المعنى اللقبي المشهور فلا يكون له إيذان بتعليل، وإما لبيان أن الإضلال المتكيف في إنكار الأمثال إضلال مع غباوة فلا يصدر إلا من اليهود وقد عرفوا بهذا الوصف. والقول في مذاهب علماء الإسلام في الفسق وتأثيره في الإيمان ليس هذا مقام بيانه إذ ليس هو المقصود من الآية. فإن كان محمل الفاسقين على ما يشمل المشركين واليهود الذين طعنوا في ضرب المثل كان القصر في قوله: {وما يضل به} الخ بالإضافة إلى المؤمنين ليحصل تمييز المراد من المضلل والمهتدى، وإن كان محمل الفاسقين على اليهود كان القصر حقيقياً ادعائياً أي يضل به كثيراً وهم الطاعنون فيه وأشدهم ضلالاً هم الفاسقون، ووجه ذلك أن المشركين أبعد عن الاهتداء بالكتاب لأنهم في شركهم، وأما اليهود فهم أهل كتاب وشأنهم أن يعلموا أفانين الكتب السماوية وضرب الأمثال فإنكارهم إياها غاية الضلال فكأنه لا ضلال سواه. وجملة {الذين ينقضون} إلى آخره صفة للفاسقين لتقرير اتصافهم بالفسق لأن هاته الخلال من أكبر أنواع الفسوق بمعنى الخروج عن أمر الله تعالى. وجوز أن تكون مقطوعة مستأنفة على أن (الذين) مبتدأ وقوله: {أولئك هم الخاسرون} خبر وهي مع ذلك لا تخرج عن معنى توصيف الفاسقين بتلك الخلال إذ الاستئناف لما ورد إثر حكاية حال عن الفاسقين تعين في حكم البلاغة أن تكون هاته الصلة من صفاتهم وأحوالهم للزوم الاتحاد في الجامع الخيالي وإلا لصار الكلام مقطعاً منتوفاً فليس بين الاعتبارين إلا اختلاف الإعراب وأما المعنى فواحد فلذلك كان إعرابه صفة أرجح أو متعيناً إذ لا داعي إلى اعتبار القطع. ومجيء الموصول هنا للتعريف بالمراد من الفاسقين أي الفاسقين الذين عرفوا بهذه الخلال الثلاث فالأظهر أن المراد من الفاسقين اليهود وقد أطلق عليهم هذا الوصف في مواضع من القرآن وهم قد عرفوا بما دلت عليه صلة الموصول كما سنبينه هنا بل هم قد شهدت عليهم كتب أنبيائهم بأنهم نقضوا عهد الله غير مرة وهم قد اعترفوا على أنفسهم بذلك فناسب أن يجعل النقض صلة لاشتهارهم بها، ووجه تخصيصهم بذلك أن الطعن في هذا المثل جرهم إلى زيادة الطعن في الإسلام فازدادوا بذلك ضلالاً على ضلالهم السابق في تغيير دينهم وفي كفرهم بعيسى، فأما المشركون فضلالهم لا يقبل الزيادة، على أن سورة البقرة نزلت بالمدينة وأكثر الرد في الآيات المدنية متوجه إلى أهل الكتاب. والنقض في اللغة حقيقة في فسخ وحل ما ركب ووصل، بفعل يعاكس الفعل الذي كان به التركيب، وإنما زدت قولي بفعل الخ ليخرج القطع والحرق فيقال نقض الحبل إذا حل ما كان أبرمه، ونقض الغزل ونقض البناء. وقد استعمل النقض هنا مجازاً في إبطال العهد بقرينة إضافته إلى (عهد الله) وهي استعارة من مخترعات القرآن بنيت على ما شاع في كلام العرب في تشبيه العهد وكل ما فيه وصل بالحبل وهو تشبيه شائع في كلامهم، ومنه قول مالك بن التيهان الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم يوم بيعة العقبة: «يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالاً ونحن قاطعوها فنخشى إن أعزك الله وأظهرك أن ترجع إلى قومك» (يريد العهود التي كانت في الجاهلية بين قريش وبين الأوس والخزرج). وكان الشائع في الكلام إطلاق لفظ القطع والصرم وما في معناهما على إبطال العهد أيضاً في كلامهم. قال امرؤ القيس:شعر : وإن كنتِ قد أزمعتِ صرمي فأجملي تفسير : وقال لبيد:شعر : أوَ لم تكن تدري نوارِ بأنَّني وَصَّالُ عَقد حبائل جَذّامها تفسير : وقال:شعر : بل ما تَذكّر من نَوار وقد نَأَتْ وتقطَّعَتْ أَسبابُها ورِمَامُها تفسير : وقال:شعر : فاقْطع لُبانة من تعرَّض وصلُه فلَشَرُّ واصِل خُلَّةٍ صَرَّامُها تفسير : ووجه اختيار استعارة النقض الذي هو حل طَيَّات الحبل إلى إبطال العهد أنها تمثيل لإبطال العهد رويداً رويداً وفي أزمنة متكررة ومعالجة. والنقض أبلغ في الدلالة على الإبطال من القطع والصرم ونحوهما لأن في النقض إفساداً لهيأة الحبل وزوال رجاء عودها وأما القطع فهو تجزئة. وفي النقض رمز إلى استعارة مكنية لأن النقض من روادف الحبل فاجتمع هنا استعارتان مكنية وتصريحية وهذه الأخيرة تمثيلية وقد تقرر في علم البيان أن ما يرمز به للمشبه به المطروح في المكنية قد يكون مستعملاً في معنى حقيقي على طريقة التخييل وذلك حيث لا يكون للمشبه المذكور في صورة المكنية رديف يمكن تشبيهه برديف المشبه به المطروح مثل إثباتِ الأظفار للمنية في قولهم أظفارُ المنية وإثباتِ المخالبِ والناب للكُماة في قول أبي فِراس الحمداني:شعر : فلما اشتدت الهيجاءُ كنَّا أَشَدَّ مخالِباً وأَحَدَّ نابا تفسير : وإثباتِ اليد للشمال في قول لَبيد:شعر : وغداة ريحٍ قد كشفتُ وقِرَّةٍ إذْ أصبحت بِيَد الشَّمال زِمامُها تفسير : وقد يكون مستعملاً في معنى مجازي إذا كان للمشبه في المكنية رديف يمكن تشبيهه برديف المشبه به المضمر نحو {ينقضون عهد الله}، وقد زدنا أنها تمثيلية أيضاً والبليغ لا يفلت هاته الاستعارة مهما تأت له ولا يتكلف لها مهما عسرت فليس الجواز المذكور في قرينة المكنية إلا جوازاً في الجملة أي بالنظر إلى اختلاف الأحوال. وهذا الذي هو من روادف المشبه به في صورة المكنية وغيرها قد يقطع عن الربط بالمكنية فيكون استعارة مستقلة (وذلك حيث لا تذكر معه لفظاً يراد تشبيهه بمشبه به مضمر) نحو أن تقول فلان ينقض ما أبرم. وقد يربط بالمكنية وذلك حيث يذكر معه شيء أريد تشبيهه بمشبه به مضمر كما في الآية حيث ذكر النقض مع العهد. وقد يربط بمصرحة وذلك حيث يذكر مع لفظ المشبه به الذي الرادف من توابعه نحو قوله: «إن بيننا وبين القوم حبالاً نحن قاطعوها» وحينئذٍ يكون ترشيحاً للمجاز وهذه الاعتبارات متداخلة لامتضادة إذ قد يصح في الموضع اعتباران منها أو جميعها وإنما التقسيم بالنظر إلى ما ينظر إليه البليغ أول النظر. واعلم أن رديف المشبه به في المكنية إذا اعتبر استعارة في ذاته قد يتوهم أن اعتباره ذلك ينافي كونه رمزاً للمشبه به المضمر كالنقض فإنه لما أريد به إبطال العهد لم يكن من روادف الحبل، لكن لما كان إيذانه بالحبل سابقاً عند سماع لفظه لسبق المعنى الحقيقي إلى ذهن السامع حتى يتأمل في القرينة كفى ذلك السبق دليلاً ورمزاً على المشبه به المضمر فإذا حصل ذلك الرمز لم يضر فهمَ الاستعارة في ذلك اللفظ، وأجاب عبد الحكيم بأن كونه رادفاً بعد كونه استعارة بناء على أنه لما شبه به الرادف وسمي به صار رادفاً ادعائياً وفيه تكلف. و(عهد الله) هو ما عهد به أي ما أوصى برعيه وحفاظه، ومعاني العهد في كلام العرب كثيرة وتصريفه عرفي. قال الزجاج: «قال بعضهم ما أدري ما العهد» ومرجع معانيه إلى المعاودة والمحافظة والمراجعة والافتقاد ولا أدري أي معانيه أصل لبقيتها وغالب ظني أنها متفرع بعضها عن بعض والأقرب أن أصلها هو العهد مصدر عهده عهداً إذا تذكره وراجع إليه نفسه يقولون عهدتك كذا أي أتذكر فيك كذا وعهدي بك كذا، وفي حديث أم زرع «ولا يسأل عما عهد أي عما عهد وترك في البيت ومنه قولهم في عهد فلان أي زمانه لأنه يقال للزمان الذي فيه خير وشر لا ينساه الناس، وتعهد المكان أو فلاناً وتعاهده إذا افتقده وأحدث الرجوع إليه بعد ترك العهد والوصية ومنه ولي العهد. والعهد اليمين والعهد الالتزام بشيء، يقال عهد إليه وتعهد إليه لأنها أمور لا يزال صاحبها يتذكرها ويراعيها في مواقع الاحتراز عن خفرها. وسمي الموضع الذي يتراجعه الناس بعد البعد عنه معهداً. والعهد في الآية الذي أخذه الله على بني آدم أن لا يعبدوا غيره: {أية : ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان}تفسير : [يس: 60] الآية، فنقضه يشمل الشرك وقد وصف الله المشركين بنقض العهد في قوله: {أية : والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} تفسير : الآية في سورة الرعد. (25) وفسر بالعهد الذي أخذه الله على الأمم على ألسنة رسلهم أنهم إذا بعث بعدهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به: {أية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه}تفسير : [آل عمران: 81] الآيات لأن المقصود من ذلك أخذ العهد على أممهم. وفسر بالعهد الذي أخذه الله على أهل الكتاب ليبننه للناس: {أية : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس}تفسير : [آل عمران: 187] الآية في تفاسير أخرى بعيدة. والصحيح عندي أن المراد بالعهد هو العهد الذي أخذه الله على بني إسرائيل غير مرة من إقامة الدين وتأييد الرسل وأن لا يسفك بعضهم دماء بعض وأن يؤمنوا بالدين كله، وقد ذكرهم القرآن بعهود الله تعالى ونقضهم إياها في غير ما آية من ذلك قوله تعالى: {أية : وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم}تفسير : [البقرة: 40]. {أية : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً}تفسير : إلى قوله: {أية : فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم}تفسير : [المائدة: 12 ـــ 13] الى وقوله: {أية : لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلاً}تفسير : [المائدة: 70] إلى قوله: {أية : فعموا وصموا}تفسير : [المائدة: 70، 71]. {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم إلى قوله: {أية : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم}تفسير : [البقرة: 80 ـــ 84] إلى قوله: {أية : وتكفرون ببعض}تفسير : [البقرة: 85] بل إن كتبهم قد صرحت بعهود الله تعالى لهم وأنحت عليهم نقضهم لها وجعلت ذلك إنذاراً بما يحل بهم من المصائب كما في كتاب أرميا ومراثي أرميا وغير ذلك، بل قد صار لفظ العهد عندهم لقباً للشريعة التي جاء بها موسى. ولما كان قوله: {الذين ينقضون عهد الله} الآية وصفاً للفاسقين وكان المراد من الفاسقين اليهود كما علمت كان ذكر العهد إيماء إلى أن الفاسقين هنا هم، وتسجيلاً على اليهود بأنهم قد حق عليهم هذا الوصف من قبل اليوم بشهادة كتبهم وعلى ألسنة أنبيائهم فكان لاختيار لفظ العهد هنا وقع عظيم يتنزل منزلة المفتاح الذي يوضع في حل اللغز ليشير للمقصود فهو العهد الذي سيأتي ذكره في قوله تعالى: {أية : وأوفوا بعهدي}تفسير : [البقرة: 40]. والميثاق مفعال وهو يكون للآلة كثيراً كمرقاة ومرآة ومحراث، قال الخفاجي كأنه إشباع للمِفْعَل، وللمصدر أيضاً نحو الميلاد والميعاد وهو الأظهر هنا. والضمير للعهد أي من بعد توكيد العهد وتوثيقه. ولما كان المراد بالعهد عهداً غير معيّنٍ، بل كل ما عاهدوا عليه كان توكيد كل ما يفرضه المخاطب بما تقدمه من العهود وما تأخر عنه فهو على حد: {أية : ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها}تفسير : [النحل: 91] فالميثاق إذن عهد آخر اعتبر مؤكداً لعهد سبقه أو لحقه. وقوله: {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} قيل ما أمر الله به أن يوصل هو قرابة الأرحام يعني وحيث ترجح أن المراد به بعض عمل اليهود فذلك إذ تقاتلوا وأخرجوا كثيراً منهم من ديارهم ولم تزل التوراة توصي بني إسرائيل بحسن معاملة بعضهم لبعض. وقيل الإعراض عن قطع ما أمر الله به أن يوصل هو موالاة المؤمنين. وقيل اقتران القول بالعمل. وقيل التفرقة بين الأنبياء في الإيمان ببعض والكفر ببعض. وقال البغوي يعني بما أمر الله به أن يوصل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبجميع الرسل. وأقول تكميلاً لهذا إن مراد الله تعالى مما شرع للناس منذ النشأة إلى ختم الرسالة واحد وهو إبلاغ البشر إلى الغاية التي خلقوا لها وحفظ نظام عالمهم وضبط تصرفاتهم فيه على وجه لا يعتوره خلل، وإنما اختلفت الشرائع على حسب مبلغ تهييء البشر لتلقي مراد الله تعالى ولذلك قلما اختلفت الأصول الأساسية للشرائع الإلٰهية قال تعالى: {أية : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين}تفسير : [الشورى: 13] الآية. وإنما اختلفت الشرائع في تفاريع أصولها اختلافاً مراعى فيه مبلغ طاقة البشر لطفاً من الله تعالى بالناس ورحمة منه بهم حتى في حملهم على مصالحهم ليكون تلقيهم لذلك أسهلَ، وعملُهم به أدوم، إلى أن جاءت الشريعة الإسلامية في وقت راهَقَ فيه البشرُ مَبلغَ غاية الكمال العقلي وجاءهم دين تناسب أحكامه وأصوله استعدادهم الفكري وإن تخالفت الأعصار وتباعدت الأقطار فكان ديناً عاماً لجميع البشر، فلا جرم أن كانت الشرائع السابقة تمهيداً له لتهييء البشر لقبول تعاليمه وتفاريعها التي هي غاية مراد الله تعالى من الناس ولذا قال تعالى: {أية : إن الدين عند الله الإسلام}تفسير : [آل عمران: 19]. فما من شريعة سلفت إلا وهي حلقة من سلسلة جعلت وِصلة للعُروة الوثقى التي لا انفصام لها وهي عروة الإسلام فمتى بلغها الناس فقد فَصموا ما قبلها من الحلق وبلغوا المراد، ومتى انقطعوا في أثناء بعض الحلق فقد قطعوا ما أراد الله وصله، فاليهود لما زعموا أنهم لا يحل لهم العدول عن شريعة التوارة قد قطعوا ما أمر الله به أن يوصل ففرقوا مجتمعه. والفساد في الأرض تقدم الكلام عليه عند قوله تعالى: {أية : ألا إنهم هم المفسدون}تفسير : [البقرة: 12] ومن الفساد في الأرض عكوف قوم على دين قد اضمحل وقت العمل به وأصبح غير صالح لما أراد الله من البشر فإن الله ما جعل شريعة من الشرائع خاصة وقابلة للنسخ إلا وقد أراد منها إصلاح طائفة من البشر معينة في مدة معينة في علمه، وما نسخ ديناً إلا لتمام وقت صلوحيته للعمل به فالتصميم على عدم تلقي الناسخ وعلى ملازمة المنسوخ هو عمل بما لم يبق فيه صلاح للبشر فيصير ذلك فساداً في الأرض لأنه كمداواة المريض بدواء كان وصف له في حالة تبدلت من أحوال مرضه حتى أتى دين الإسلام عاماً دائماً لأنه صالح للكل. وقوله: {أولئك هم الخاسرون} قصر قلب لأنهم ظنوا أنفسهم رابحين وهو استعارة مكنية تمثيلية تقدمت في قوله تعالى: {أية : فما ربحت تجارتهم}تفسير : [البقرة: 16]. وذكر الخسران تخييل مراد منه الاستعارة في ذاته على نحو ما قرر في {ينقضون عهد الله} فهذه الآية ظاهرة في أنها موجهة إلى اليهود لما علمت عند قوله: {وما يضل به إلا الفاسقين} ولما علمت من كثرة إطلاق وصف الفاسقين على اليهود، وإن كان الذين طعنوا في أمثال القرآن فريقين: المشركين واليهود، كما تقدم، وكان القرآن قد وصف المشركين في سورة الرعد (25) وهي مكية بهذه الصفات الثلاث في قوله: {أية : والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار}تفسير : فالمراد بهم المشركون لا محالة فذلك كله لا يُناكد جعل آية سورة البقرة موجهة إلى اليهود إذ ليس يلزم المفسر حمله آي القرآن على معنى واحد كما يوهمه صنيع كثير من المفسرين حتى كان آي القرآن عندهم قوالب تفرغ فيها معان متحدة. واعلم أن الله قد وصف المؤمنين بضد هذه الصفات في قوله تعالى: {أية : إنما يتذكر أولوا الألباب الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل}تفسير : الآية في سورة الرعد (25). واعلم أن نزول هذه الآيات ونحوها في بعض أهل الكتاب أو المشركين هو وعيد وتوبيخ للمشركين وأهل الكتاب وهو أيضاً موعظة وذكرى للمؤمنين ليعلم سامعوه أن كل من شارك هؤلاء المذمومين فيما أوجب ذمهم وسبب وعيدهم هو آخذ بحظ مما نالهم من ذلك على حسب مقدار المشاركة في الموجب.

الواحدي

تفسير : {إنَّ الله لا يَسْتَحْيى...} الآية. لمَّا ضرب الله سبحانه المَثل للمشركين بالذُّباب والعنكبوت في كتابه ضحكت اليهود، وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله سبحانه، فأنزل الله تعالى: {إنَّ الله لا يَسْتَحْى} لا يترك ولا يخشى {أن يضرب مثلاً} أَنْ يُبيِّنَ شبهاً {ما بعوضةً} "ما" زايدةٌ مؤكِّدة، والبعوض: صغار البق، الواحدة: بعوضة. {فما فوقها} يعني: فما هو أكبر منها، والمعنى: إنَّ الله تعالى لا يترك ضرب المثل ببعوضةٍ فما فوقها إذا علم أنَّ فيه عبرةُ لمن اعتبر، وحجَّةً على مَنْ جحد [واستكبر] {فأمَّا الذين آمنوا فيعلمون} أنَّ المثل وقع في حقِّه، {وأَمَّا الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً} أَيْ: أَيُّ شيءٍ أراد الله بهذا من الأمثال؟ والمعنى أنَّهم يقولون: أَيُّ فائدةٍ في ضرب الله المثل بهذا؟ فأجابهم الله سبحانه فقال: {يضلُّ به كثيراًً} أَيْ: أراد الله بهذا المثل أن يضلَّ به كثيراً من الكافرين، وذلك أنَّهم يُنكرونه ويُكذِّبونه {ويهدي به كثيراً} من المؤمنين، لأنَّهم يعرفونه ويصدِّقونه {وما يضلُّ به إلاَّ الفاسقين} الكافرين الخارجين عن طاعته. {الذين ينقضون} يهدمون ويفسدون {عهدَ الله} : وصيته وأمره في الكتب المتقدِّمة بالإِيمان بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم {من بعد ميثاقه} من بعد توكيده عليهم بإيجابه ذلك {ويقطعون ما أمرَ الله به أَنْ يوصل} يعني: الرَّحم، وذلك أنَّ قريشاً قطعوا رحم النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمعاداة معه {ويفسدون في الأرض} بالمعاصي وتعويق النَّاس عن الإيمان بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم {أولئك هم الخاسرون} [مغبونون] بفوت المثوبة، والمصيرِ إلى العقوبة. {كيف تكفرون بالله} معنى "كيف" ها هنا استفهامٌ في معنى التَّعجُّب للخلقِ، أَي: اعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون بالله وحالُهم أنَّهم كانوا تراباً فأحياهم، بأَنْ خلق فيهم الحياة، فالخطاب للكفَّار، والتَّعجب للمؤمنين، وقوله تعالى: {ثم يميتكم} أَيْ: في الدُّنيا {ثمَّ يُحييكم} [في الآخرة] للبعث {ثمَّ إليه ترجعون} تردُّون فيفعل بكم ما يشاء، فاستعظم المشركون أمر البعث والإعادة، فاحتجَّ الله سبحانه عليهم بخلق السَّموات والأرض، فقال: {هو الذي خلق لكم} لأجلكم {ما في الأرض جميعاً} بعضها للانتفاع، وبعضها للاعتبار، {ثمَّ استوى إلى السَّماء} : أقبل على خلقها، وقصد إليها {فسوَّاهنَّ سبع سموات} فجعلهنَّ سبع سمواتٍ مُستوياتٍ لا شقوق فيها ولا فطور ولا تفاوت {وهو بكلِّ شيءٍ عليم} إذ بالعلم يصحُّ الفعل المحكم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لا يستحيي: لا يمنعه الحياء من ضرب الأمثال وإن صغرت كالبعوضة أو أصغر منها كجناحها. أن يضرب مثلاً: أن يجعل شيئاً مثلا لآخر يكشف عن صفته وحاله في القبح أو الحسن. ما بعوضة: ما نكرة بمعنى شيء أيّ شيء كان يجعله مثلاً، أو زائدة. وبعوضة المفعول الثاني. والبعوضة واحدة البعوض وهو صغار البق. الحق: الواجب الثبوت الذي يحيل العقل عدم وجوده. الفاسقون: الفسق الخروج عن الطاعة، والفاسقون: هم التاركون لأمر الله تعالى بالإيمان والعمل الصالح، وبترك الشرك والمعاصي. ينقضون: النقض الحلّ بعد الإبرام. عهد الله: ما عهد به إلى الناس من الإيمان والطاعة له ولرسوله صلى الله عليه وسلم. من بعد ميثاقه: من بعد إبرامه وتوثيقه بالحلف أو الإِشهاد عليه. يقطعون ما أمر الله به أن يوصل: من إدامة الإِيمان والتوحيد والطاعة وصلة الأرحام. يفسدون في الأرض: الإفساد في الأرض يكون بالكفر وارتكاب المعاصي. الخاسرون: الكاملون في الخسران بحث يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. سبب النزول والمعاني لما ضرب الله تعالى المثلين السابقين الناري والمائي قال المنافقون: الله أعلى وأجل أن يضرب هذا المثل فأنزل الله تعالى رداً عليهم قوله {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى} الآية. فأخبر تعالى أن لا يمنعه الاستحياء أن يجعل مثلا بعوضة فما دونها فضلا عما هو أكبر. وأن الناس حيال ما يضرب الله من أمثال قسمان مؤمنون فيعلمون أنه الحق من ربهم. وكافرون: فينكرونها ويقولون كالمعترضين: ماذا أراد الله بهذا مثلا!؟. كما أخبر تعالى أن ما يضرب من مثل يهدي به كثيراً من الناس ويضل به كثيرا، وإنه لا يضل به إلا الفاسقين الذين وصفهم بقوله: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ}. وحكم عليهم بالخسران التام يوم القيامة فقال: {أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ} هداية الآية من هداية الآيتين ما يلي: 1- أن الحياء لا ينبغي أن يمنع من فعل المعروف وقوله والأمر به. 2- يستحسن ضرب الأمثال لتقريب المعاني إلى الأذهان. 3- اذا أنزل الله خيراً من هدى وغيره ويزداد به المؤمنون هدى وخيراً، ويزداد به الكافرون ضلالاً وشرا، وذلك لاستعداد الفريقين النفسي المختلف. 4- التحذير من الفسق وما يستتبعه من نقض العهد، وقطع الخير، ومنع المعروف.

القطان

تفسير : المفردات: ضربُ المثل أيرادهُ ليُتمثل به ويُتصوّر ما اراد المتكلم بيانه. يقال: ضرب الشيءَ مثلاُ، وضرب به مثلاً، وتمثّله، وتمثّل به. وقد وردت عبارة ضرب المثل في القرآن في عدة آيات: {أية : وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً}تفسير : [الكهف:32] {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَٱسْتَمِعُواْ لَهُ}تفسير : [الحج:73].. {أية : وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ ٱلقَرْيَةِ}تفسير : [يس:13]. وهذه الآية جاءت رداً على الكفرة المعاندين حيث قالوا: أما يستحي ربُّ محمد ان يضرب مثَلاً بالذباب والعنكبوت! فبّين الله تعالى انه لا يعتريه ما يعتري الناسَ من استحياء، فلا مانع من ان يصوّر لعباده ما يشاء من أمورٍ بأي مثل مهما كان صغيرا، بعوضة فما فوقها. فالذين آمنوا يعلمون ان هذا حق من الله، أما الذين كفروا فيتلقّونه بالاستنكار. وفي ذلك يكون المثل سبباً في ضلال الذين يجانبون الحق وسبباً في هداية المؤمنين به. وقد وصفهم تعالى بقوله: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} اي الّذين تركوا العملَ بعهد الله، وهو وصيّتُه لهم وأمرُه إياهم بلزوم طاعته وتحاشي معصيته. وعهدُ الله هو العهد الذي أنشأه في نفوسهم بمقتضى الفطرة، تدركه العقول السليمة، وتؤيده الرسل والأنبياء. أما نقضُهم له فهو انهم يقطعون ما أمر الله به ان يكون موصولا، كوصل الأقارب وذوي الأرحام، والتوادّ والتراحم بين بني الإنسان، وسائر ما فيه عمل خير. وعلاوة على ذلك تجدُهم يفسدون في الارض بسوء المعاملة، وإثارة الفتن وأيقاد الحروب وافساد العمران. وجزاء هؤلاء أنهم هم الخاسرون، لكل توادٍّ وتعاطف وتراحم بينهم وبين الناس في الدنيا ولهم الخزي والعذاب في الآخرة.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلْفَاسِقِينَ} (26) - لمَّا ضَرَبَ اللهُ تَعَالى الأَمْثَالَ السَّابِقَةَ للنَّاسِ قَالَ اليَهُودُ وَالمُشْرِكُونَ: (اللهُ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَضْرِبَ هذِهِ الأَمْثَالَ). فَأَنْزَلَ اللهُ الآيَتَيْنِ 26 و 27 تَكْذِيباً لهُمْ، فَقَالَ تَعَالى: إِنَّهُ لاَ يَسْتَنْكِفُ، وَلاَ يَرَى مِنَ النَّقْصِ (لاَ يَسْتَحيِي)، أَنْ يَذْكُرَ شَيْئاً مِمَّا قَلَّ أَوْ كَثُرَ فِي قِيمَتِهِ: البَعُوضَةَ وَمَا هُوَ أَدْنَى مِنْهَا، وَمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهَا لأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ جَلِيلاً كَانَ أَوْ حَقِيراً، فَالذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ يَعْلَمُونَ أَنَّ هذا قَوْلُ اللهِ، وَيُؤْمِنُونَ بِهِ. أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا فَيَسْتَغْرِبُونَ ذلِكَ وَيُنْكِرُونَهُ، فَيُضِلُّ اللهُ بِهذا المَثَلِ كَثيراً مِنَ النَّاسِ مِنَ الكُفَّارِ وَالمُنَافِقِينَ، وَيَهْدِي بِهِ كَثيراً مِنَ النَّاسِ المُؤْمِنِينَ، وَاللهُ لا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفَاسِقِينَ الخاَرِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ، الذِينَ لا يَطْلُبُونَ الحَقَّ، وَلا يُرِيدُونَهُ.

الثعلبي

تفسير : {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} هذه الآية نزلت في اليهود، وذلك أنّ الله تعالى ذكر في كتابه العنكبوت والذباب فقال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً} تفسير : [الحج: 73] الآية. وقال: {أية : ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ} تفسير : [العنكبوت: 41] الآية، ضحكت اليهود وقالوا: ما هذا الكلام وماذا أراد الله بذكر هذه الأشياء الخبيثة في كتابه وما يشبه هذا كلام الله، فأنزل الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} أي لا يترك ولا يمنعه الحياء أن يضرب مثلا أن تصف للحق شبهاً. {مَّا بَعُوضَةً}. (ما) صلة، وبعوضة نصب يدلّ على المثل. {فَمَا فَوْقَهَا}: ابن عباس يعني الذباب والعنكبوت. وقال أبو عبيدة: يعني فما دونها. {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بمحمد والقرآن {فَيَعْلَمُونَ} يعني أنّ هذا المثل هو {أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} الصدق الصحيح. {مِن رَّبِّهِمْ}. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. {فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً}: أي بهذا المثل. فلمّا حذف الألف واللام نصب على الحال والقطع والتمام، كقوله: {أية : وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِباً} تفسير : [النحل: 52]. فأجابهم الله تعالى فقال: أراد الله بهذا المثل {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً} من الكافرين ذلك أنهم ينكرونه ويكذّبونه {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} من المؤمنين يعرفونه ويصدّقون. {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} الكافرين، وأصل الفسق: الخروج، قال الله تعالى: {أية : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}تفسير : [الكهف: 50] أي خرج. تقول العرب: فسقت الرّطبة عن القشر، أي خرجت. ثمّ وصفهم فقال: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ} أي يتركون ويخالفون، وأصل النقض: الكسر. {عَهْدَ ٱللَّهِ} أمره الذي عَهِد إليهم يوم الميثاق بقوله تعالى: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172] وما عهد إليهم في التوراة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم [وضمّنه] نعته وصفته. {مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} توكيده وتشديده، وهو مفعال من الوثيقة. {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} يعني الأرحام، وقيل: هو الإيمان بجميع الرّسل والكتب، وهو نوع من الصّلة؛ لأنهم قالوا: {أية : نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ}تفسير : [النساء: 150] فقطعوا، وقال المؤمنون:{لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ} [البقرة: 285] فوصلوا. {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ} بالمعاصي وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. {أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}: أي المغبونون بالعقوبة وفوت المثوبة، ثمّ قال: لمشركي مكة على التعجّب: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ} واو الحال {أَمْوَاتاً} نطفاً في أصلاب آبائكم {فَأَحْيَاكُمْ} في الأرحام في الدنيا {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عند انقضاء آجالكم. {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} للبعث. {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تأتون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم. وقرأ يعقوب: ترجعون، وبيانه بفتح الأول وكسر الجيم جعل الفعل لهم. {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ} لأجلكم. {مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} أي قصد وعمد الى خلق السماء. {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} أي خلق سبع سماوات مستويات بلا فطور ولا شطور ولا عمد تحتها ولا علامة فوقها. {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}: عالم.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن تحدث الحق تبارك وتعالى عن الجنة، وأعطانا مثلاً يُقَرِّبُ لنا صور النعيم الهائلة التي سينعم بها الإنسان في الجنة .. أراد أن يوضح لنا المنهج الإيماني الذي يجب أن يسلكه كل مؤمن .. ذلك أن الله سبحانه وتعالى لا يكلف كافراً بعبادته .. ولكن الإنسان الذي ارتضى دخول الإيمان بالله جل جلاله قد دخل في عقد إيماني مع الله تبارك وتعالى .. وما دام قد دخل العقد الإيماني فإنه يتلقى عن الله منهجه في "افعل، ولا تفعل" .. وهذا المنهج عليه أن يطبقه دون أن يتساءل عن الحكمة في كل شيء .. ذلك أن الإيمان هو إيمان بالغيب .. فإذا كان الشيء نفسه غائباً عنا فكيف نريد أن نعرف حكمته. إن حكمة أي تكليف إيماني هي: أنه صادر من الله سبحانه وتعالى، وما دام صادراً من الله فهو لم يصدر من مُساوٍ لك كي تناقشه، ولكنه صادر من إله وجبت عليك له الطاعة؛ لأنه إله وأنت له عابد .. فيكفي أن الله سبحانه وتعالى قال افعل حتى نفعل، ويكفي أنه قال لا تفعل حتى لا نفعل. الحكمة غائبة عنك، ولكن صدور الأمر من الله هو الحكمة، وهو الموجب للطاعة. فأنا أصلي لأن الله فرض الصلاة، ولا أصلي كنوع من الرياضة، وأنا أتوضأ لأن الله تبارك وتعالى أمرنا بالوضوء قبل الصلاة، ولكنني لا أتوضأ كنوع من النظافة، وأنا أصوم لأن الله أمرني بالصوم، ولا أصوم حتى أشعر بجوع الفقير .. لأنه لو كانت الصلاة رياضة لاستبدلناها بالرياضة في الملاعب .. ولو أن الوضوء كان نظافة لقمنا بالاستحمام قبل كل صلاة، ولو أن الصوم كان لنشعر بالجوع ما وجب على الفقير أن يصوم لأنه يعرف معنى الجوع. إذن فكل تكاليف من الله نفعلها لأن الله شرعها ولا نفعلها لأي شيء آخر، وكل ما يأتينا من الله من قرآن نستقبله على أنه كلام الله، ولا نستقبله بأي صيغة أخرى .. ذلك هو الإيمان الذي يريد الله منا أن نتمسك به، وأن يكون هو سلوك حياتنا. تلك مقدمة كان لابد منها إذا أردنا أن نعرف معنى الآية الكريمة: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ..} [البقرة: 26] وعندما ضرب الله مثلاً بالبعوضة .. استقبله الكفار بالمعنى الدنيوي دون أن يفطنوا للمعنى الحقيقي .. قالوا: كيف يضرب الله مثلا بالبعوضة، ذلك المخلوق الضعيف الذي يكفي أن تضربه بأي شيء أو بكفك فيموت؟. لماذا لم يضرب الله تبارك وتعالى مثلاً بالفيل الذي هو ضخم الجثة شديدة القوة .. أو بالأسد الذي هو أقوى من الإنسان. وضرب لنا مثلا بالبعوضة فقالوا: {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ..} [البقرة: 26] .. ولم يفطنوا إلى أن هذه البعوضة دقيقة الحجم خلقها معجزة .. لأن في هذا الحجم الدقيق وضع الله سبحانه وتعالى كل الأجهزة اللازمة لها في حياتها .. فلها عينان ولها خرطوم دقيق جداً ولكنه يستطيع أن يخرق جلد الإنسان، ويخرق الأوعية الدموية التي تحت الجلد ليمتص دم الإنسان. والبعوضة لها أرجل، ولها أجنحة، ولها دورة تناسلية، ولها كل ما يلزم لحياتها .. كل هذا في هذا الحجم الدقيق .. كلما دَقَّ الشيء احتاج إلى دقة خلق أكبر. ونحن نشاهد في حياتنا البشرية أنه مثلاً عندما اخترع الإنسان الساعة .. كان حجمها ضخماً جداً لدرجة أنها تحتاج إلى مكان كبير، وكلما تقدمت الحضارة وارتقى الإنسان في صناعته وحضارته وتقدمه، أصبح الحجم دقيقاً وصغيراً، وهكذا أخذت صناعة الساعات تَدِقُّ .. حتى أصبح من الممكن صنع ساعة في حجم الخاتم أو أقل، وعندما بدأ اختراع المذياع (الراديو) كان حجمه كبيراً، والآن أصبح في غاية الدقة لدرجة أنك تستطيع أن تضعه في جيبك أو أقل من ذلك، وفي كل الصناعات عندما ترتقي .. يصغر حجمها لأن ذلك محتاج إلى صناعة ماهرة وإلى تقدم علمي. وهكذا حين ضرب الله مثلاً بالبعوضة وما فوقها .. أي: بما هو أقل منها حجماً، فإنه تبارك وتعالى أراد أن يلفتنا إلى دقة الخلق، فكلما لَطُفَ الشيء وصَغُر حجمه احتاج إلى دقة الخلق، ولكن الكفار لم يأخذوا المعنى على هذا النحو، وإنما أخذوه بالمعنى الدنيوي البسيط الذي لا يمثل الحقيقة. فالله سبحانه وتعالى حينما ضرب هذا المثل .. استقبله المؤمنون بأنه كلام الله، واستقبلوه بمنطق الإيمان بالله، فصدقوا به سواء فهموه أم لم يفهموه .. لأن المؤمن يصدق كل ما يجيء من عند الله سواء عَلِمَ الحكمة أو لم يعلمها، واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} تفسير : [الأعراف: 52-53]. إن كل مصدق بالقرآن لا يطلب تأويله أو الحكمة في آياته، ولذلك قال الكافرون: {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ..} [البقرة: 26] ويأتي رد الحق تبارك وتعالى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِين} [البقرة: 26]. ومَنْ هم الفاسقون؟ .. هم الذين ينقضون عهد الله .. أول شيء في الفسق أن ينقض الفاسق عهده، ويقال فسقت الرطبة أي: بعدت القشرة عن التمرة .. فعندما تكون التمرة أو البلحة حمراء تكون القشرة ملتصقة بالتمرة بحيث لا تستطيع أن تنزعها منها، فإذا أصبحت التمرة أو البلحة رُطَبة تسود قشرتها وتبتعد عن الثمرة بحيث تستطيع أن تنزعها عنها بسهولة .. هذا هو الفاسق المبتعد عن منهج الله، ينسلخ عنه بسهولة ويُسْر، لأنه غير ملتصق به، وعندما تبتعد عن منهج الله فإنك لا ترتبط بأوامره ونواهيه .. فلا تؤدي الصلاة مثلاً وتفعل ما نهى الله عنه؛ لأنك فسقت عن دينه. والذي أوجد الفسق هو أن الإنسان خُلِقَ مختاراً، قادراً على أن يفعل أو لا يفعل، وبهذا الاختيار أفسد الإنسان نظام الكون .. فكل شيء ليس للإنسان اختيار فيه تراه يؤدي مهمته بدقة عالية كالشمس والقمر والنجوم والأرض .. كلها تتبع نظاماً دقيقاً لا يختل لأنها مقهورة، ولو أن الإنسان لم يُخْلَقْ مختاراً .. لكان من المستحيل أن يفسق، وأن يبتعد عن منهج الله ويفسد في الأرض، ولكن هذا الاختيار هو أساس الفساد كله.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لمّا بيّن تعالى بالدليل الساطع، والبرهان القاطع، أن القرآن كلام الله لا يتطرأ إِليه شك، وإِنه كتاب معجز أنزله على خاتم المرسلين، وتحداهم أن يأتوا بمثل سورةٍ من أقصر سوره، ذكر هنا شبهة أوردها الكفار للقدح فيه وهي أنه جاء في القرآن ذكر (النحل، والذباب، والعنكبوت، والنمل) الخ وهذه الأمور لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء فضلاً عن كلام ربّ الأرباب، فأجاب الله تعالى عن هذه الشبهة، وردَّ عليهم بأنَّ صغر هذه الأشياء لا يقدح في فصاحة القرآن وإِعجازه، إِذا كان ذكر المثل مشتملاً على حِكَمٍ بالغة. اللغَة: {لاَ يَسْتَحْى} الحياء: تغير وانكسار يعتري الإِنسان من خوف ما يعاب به ويذم، والمراد به هنا لازمه وهو الترك، قال الزمخشري: أي لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي من ذكرها لحقارتها {فَمَا فَوْقَهَا} فما دونها في الصغر {ٱلْفَاسِقِينَ} أصل الفسق في كلام العرب: الخروج عن الشيء، والمنافق فاسق لخروجه عن طاعة ربه، قال الفراء: الفاسق مأخوذ من قولهم فسقت الرطبة من قشرها أي خرجت، ويسمى الفاسق فاسقاً لخروجه عن طاعة الله، وتسمى الفأرة فويسقة لخروجها لأجل المضرة. {يَنقُضُونَ} النقض: فسخ التركيب وإِفساد ما أبرمته من بناءٍ، أو حبلٍ، أو عهد قال تعالى {أية : وَلاَ تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا} تفسير : [النحل: 92] وقال {أية : فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ} تفسير : [النساء: 155] أي فبنقضهم الميثاق {عَهْدَ} العهد: المَوْثق الذي يعطيه الإِنسان لغيره ويقال عهد إِليه أي أوصاه {أية : ٱلْمِيثَاقَ} تفسير : [الرعد: 20] العهد المؤكد باليمين وهو أبلغ من العهد. {ٱسْتَوَىٰ} الاستواء في الأصل: الاعتدال والاستقامة يقال: استوى العود إِذا قام واعتدل، واستوى إِليه كالسهم إِذا قصده قصداً مستوياً، وقال ثعلب: الاستواء: الإِقبال على الشيء. {فَسَوَّاهُنَّ} خلقهن وأتقنهن وقيل معناه: صيّرهن. سَبَبُ النّزول: لما ذكر الله تعالى الذباب والعنكبوت في كتابه، وضرب للمشركين به المثل ضحكت اليهود وقالوا: ما يشبه هذا كلام الله، وما أراد بذكر هذه الأشياء الخسيسة؟ فأنزل الله الآية. التفسِير: يقول تعالى في الرد على مزاعم اليهود والمنافقين {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا} أي إِن الله لا يستنكف ولا يمتنع عن أن يضرب أيَّ مثلٍ كان، بأي شيءٍ كان، صغيراً كان أو كبيراً {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} أي سواء كان هذا المثل بالبعوضة أو بما هو دونها في الحقارة والصغر، فكما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ} أما المؤمنون فيعلمون أن الله حق، لا يقول غير الحق، وأن هذا المثل من عند الله {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً}؟ وأما الذين كفروا فيتعجبون ويقولون: ماذا أراد الله من ضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء الحقيرة؟ قال تعالى في الرد عليهم {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} أي يضل بهذا المثل كثيراً من الكافرين لكفرهم به، ويهدي به كثيراً من المؤمنين لتصديقهم به، فيزيد أولئك ضلالة، وهؤلاء هدىً {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَاسِقِينَ} أي ما يضل بهذا المثل أو بهذا القرآن إِلا الخارجين عن طاعة الله، الجاحدين بآياته، ثم عدّد تعالى أوصاف هؤلاء الفاسقين فقال {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} أي ينقضون ما عهده إِليهم في الكتب السماوية، من الإِيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من بعد توكيده عليهم، أو ينقضون كل عهد وميثاق من الإِيمان بالله، والتصديق بالرسل، والعمل بالشرائع {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} من صلة الأرحام والقرابات، واللفظ عام في كل قطيعة لا يرضاها الله كقطع الصلة بين الأنبياء، وقطع الأرحام، وترك موالاة المؤمنين {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ} بالمعاصي، والفتن، والمنع عن الإِيمان، وإِثارة الشبهات حول القرآن {أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} أي أولئك المذكورون، الموصوفون بتلك الأوصاف القبيحة هم الخاسرون لأنهم استبدلوا الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، فصاروا إِلى النار المؤبدة {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} استفهام للتوبيخ والإِنكار والمعنى كيف تجحدون الخالق، وتنكرون الصانع {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} أي وقد كنتم في العدم نُطفاً في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات {فَأَحْيَاكُمْ} أي أخرجكم إِلى الدنيا {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عند انقضاء الآجال {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} بالبعث من القبور {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} للحساب والجزاء يوم النشور. ثم ذكر تعالى برهاناً على البعث فقال {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} أي خلق لكم الأرض وما فيها لتنتفعوا بكل ما فيها، وتعتبروا بأن الله هو الخالق الرازق {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} أي ثم وجّه إرادته إلى السماء {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} أي صيّرهن وقضاهن سبع سماوات محكمة البناء وذلك دليل القدرة الباهرة {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي وهو عالم بكل ما خلق وذرأ، أفلا تعتبرون بأن القادر على خلق ذلك - وهي أعظم منكم - قادر على إعادتكم؟! بلى إنه على كل شيء قدير. البَلاَغَة: 1 - قوله {لاَ يَسْتَحْى} مجاز من باب إِطلاق الملزوم وإِرادة اللازم، المعنى: لا يترك فعبّر بالحياء عن الترك، لأن الترك من ثمرات الحياء، ومن استحيا من فعل شيء تركه. 2 - قوله {يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ} فيه (استعارة مكنية) حيث شبه العهد بالحبل، وحذف المشبه به ورمز له بشيء من لوازمه وهو النقض على سبيل الاستعارة المكنية. 3 - قوله {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} هو من باب (الالتفات) للتوبيخ والتقريع، فقد كان الكلام بصيغة الغيبة ثم التفت فخاطبهم بصيغة الحضور، وهو ضرب من ضروب البديع. 4 - قوله {عَلِيمٌ} من صيغ المبالغة، ومعناه الواسع العلم الذي أحاط علمه بجميع الأشياء، قال أبو حيان: وصف تعالى نفسه بـ (عالم وعليم وعلام) وهذان للمبالغة، وقد أدخلت العرب الهاء لتأكيد المبالغة في (علاّمة) ولا يجوز وصفه به تعالى. الفوَائِد: الأولى: قال الزمخشري: التمثيل إِنما يصار إِليه لما فيه من كشف المعنى، ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إِلا أمراً تستدعيه حال المتمثَّل له، ألا ترى إِلى الحق لما كان أبلج واضحاً جلياً، كيف تمثَّل له بالضياء والنور؟ وإِلى الباطل لما كان بضد صفته كيف تمثّل له بالظلمة؟ ولما كان حال الآلهة التي جعلها الكفار أنداداً لله تعالى ليس أحقر منها وأقل، لذلك ضرب لها المثل ببيت العنكبوت في الضعف والوهن {أية : كَمَثَلِ ٱلْعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتْ بَيْتاً} تفسير : [العنكبوت: 41] وجعلت أقل من الذباب وأخسَّ قدراً {أية : لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ ٱجْتَمَعُواْ لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ} تفسير : [الحج: 73] والعجبُ منهم كيف أنكروا ذلك وما زال الناس يضربون الأمثال بالبهائم والطيور، والحشرات والهوام، وهذه أمثال العرب بين أيديهم سائرة في حواضرهم وبواديهم. الثانية: قدّم الإِضلال على الهداية {يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} ليكون أول ما يقرع أسماعهم من الجواب أمراً فظيعاً يسوءهم ويفتُّ في أعضادهم، وأوثرت صيغة الاستقبال إِيذاناً بالتجدد والاستمرار، أفاده العلامة أبو السعود. الثالثة: قال ابن جزي في التسهيل: وهذه الآية {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} تقتضي أنه خلق السماء بعد الأرض، وقوله تعالى {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} تفسير : [النازعات: 30] ظاهره خلاف ذلك، والجواب من وجهين: أحدهما أن الأرض خلقت قبل السماء، ودحيت بعد ذلك فلا تعارض، والآخر تكون {ثُمَّ} لترتيب الأخبار.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} أي فما دُونها فِي الصِّغرِ. وهذا من الأَضدادِ. يقالُ ما هو أَكبرُ، لِما هو أصغرُ.

الجيلاني

تفسير : ثم لما طعن الكفار في غاية استكبارهم وعتوهم ونهاية استعظامهم نفوسهم، واعتقادهم الأصالة في الوجود، والاستقلال بالآثار المترتبة عليه الصادرة منهم ظاهراً على الكتاب، والرسول المنزل عليه قائلين بأن ما جئت به وسميته وحياً نازلاً إليك من عند الله الحكيم لا يدل على كلام من يعتد به ويعتمد عليه، فضلاً عن أن يدل على أنه كلام الحكيم المتصف بجميع أوصاف الكمال المستحق للعبادة؛ لأن ما مثل به فيه هي الأشياء الخسيسة الخبيثة والضعيفة الحقيرة، مثل الكلب والحمار والذباب والنمل والنحل والعنكبوت وغيرها، والكلام المشتمل على أمثال هذه الأمثار لا يصدر من الكبير المتعال؟! رد الله عليهم وروج أمر نبيه - صلوات الله عليه - فقال: {إِنَّ ٱللَّهَ } المستجمع لجميع الأوصاف والأسماء، المقتضية لظواهر الكائنات، المرتبة لمراتب الموجودات الظاهر على جميع المظاهر بلا تفاوت، كظهور الشمس وإشراقها على جميع الآفاق، وسريان الروح في جميع الأعضاء {لاَ يَسْتَحْى} استحياء من في فعله ضعف وعافية وضيعة، بل الله سبحانة {أَن يَضْرِبَ مَثَلاً} بمظهر {مَّا} من المظاهر غير المتفاوتة في المظهرية؛ إذ له بذاته من جميع أوصافه وأسمائه ظهور في كل ذرة من ذرائر العالم بلا إضافة، فلا تفاوت في المظاهر عنده، وما ترى في خلق الرحمن من تفاوت، وسواء كانت {بَعُوضَةً} مستحقرة عندكم أو أحقر منها {فَمَا فَوْقَهَا} في الحقارة والخساسة كالبق والنمل، فلا يبالي الله في تمثيلها؛ إذ عند الكل على السواء {فَأَمَّا ٱلَّذِينَ} صدقوا النبي الأمي صلى الله عليه وسلم و{آمَنُواْ} بما جاء به من عند ربه {فَيَعْلَمُونَ} علماً يقيناً أن التمثيل بهذه الأمثال {أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} الثابت الصادر {مِن رَّبِّهِمْ} الذي رباهم بكشف الأمور على ما هي عليه. {وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أعرضوا عن تصديق الله ورسوله {فَيَقُولُونَ} مستهزئين متهكمين على سبيل الاستفهام {مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ} المقدس عن جميع الرذائل المتصف بالأوصاف الحميدة {بِهَـٰذَا} الحقير الخسيس بأن يضرب {مَثَلاً} بهذا تعريض على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبلغ وجه؛ يعني: ما جئت به من عندك كلمات مفتريات بعضها فوق بعض، أسندته إلى الله لتروجها على أولي الأحلام الضعيفة، ومن غاية استكبارهم ونهاية جهلهم المقتضي لعمى القلب لم يروا الحكمة في تمثيله، ولم يعلموا أنه {يُضِلُّ} الله باسمه المنتقم {بِهِ} بسبب إنكار هذا المثال {كَثِيراً} من المستكبرين المستحقرين بعض المظاهر {وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} من الموحدين الموقنين الذين لا يرون في المظاهر إلا الله، ففي هذا المشهد لا يسع الإضافات المستلزمة للاستعظام والاستحقار، بل سقط هناك جميع الاعتبار، ثم بيَّن سبب إضلاله له فقال: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ} [البقرة: 26]. {ٱلَّذِينَ} يخرجون عن طريق التوحيد باستحقار بعض المظاهر {يَنقُضُونَ} يفصمون {عَهْدَ ٱللَّهِ} الذي هو حبله الممدود من أزل الذات إلى أبد الأسماء والصفات سيما {مِن بَعْدِ} توكيده بذكر {مِيثَٰقِهِ} الموثق بقوله: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، وقولهم: {أية : بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف: 172] وبعدما نقضوا العهد الوثيق الذي من شأنه ألاَّ ينقضِ لم يفزعوا ولم يتوجهوا إلى جبره ووصله، بل {وَيَقْطَعُونَ} التوجه عن امتثال {مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ} في كتابه المنزل {أَن يُوصَلَ} به ما نقض من عهده، ومع ذلك لا يقنعون بنقض العهد وقطع الوصل المختصين بهم، بل {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ} بأنواع الفسادات السارية من إفسادٍ واعتقاد الضعفاء، والبغض مع العرفاء الأنساء - وفي نسخة أخرى: ا لأمناء - والمخالفة مع الأنبياء والأولياء {أُولَـۤئِكَ} البعداء عن طريق التوحيد {هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ} [البقرة: 27] المقصورون على الخسران الكلي الذي لا خسران فوقه، أعاذنا الله من ذلك. ثم استفهم سبحانه مخاطباً لهم، مستبعداً عما صدر عنهم من الكفر والطغيان على سبيل الكناية تحريكاً لحمية الفطرة التي فطر الناس عليها، وتذكيراً لهم بالعهود التي عهدوا مع الله في استعدادتهم الأصلية بقوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} وتشركون {بِٱللَّهِ} الذي قدر وجودكم في علمه السابق أراد إيجادكم {وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ} أظهركم من العدم بمد ظله عليكم، وبعدما أظهركم أنعم عليكم ورباكم في النشأة الأولى بأنواع النعم؛ لتعرفوا المنعم وتشكروا له في مقابلتها {ثُمَّ} بعد تربيتكم في النعم {يُمِيتُكُمْ} يخرجكم من النشأة الأولى إظهاراً لقدرته وقهره {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} أيضاً في النشأة الأخرى لتجزى كل نفس بما كسبت في النشأة الأولى {ثُمَّ} بعدما قطعتم المنازل وطويتم المراتب والمراحل {إِلَيْهِ} لا إلى غيره من الأظلال {تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] إذ لا وجود للغير ليرجع إليه، فلا مرجع إلا هو ولا مآب بسواه، لا إله إلا هو، كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى { إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا } أي: أيَّ مثل كان { بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا } لاشتمال الأمثال على الحكمة، وإيضاح الحق، والله لا يستحيي من الحق، وكأن في هذا، جوابا لمن أنكر ضرب الأمثال في الأشياء الحقيرة، واعترض على الله في ذلك. فليس في ذلك محل اعتراض. بل هو من تعليم الله لعباده ورحمته بهم. فيجب أن تتلقى بالقبول والشكر. ولهذا قال: { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ } فيتفهمونها، ويتفكرون فيها. فإن علموا ما اشتملت عليه على وجه التفصيل، ازداد بذلك علمهم وإيمانهم، وإلا علموا أنها حق، وما اشتملت عليه حق، وإن خفي عليهم وجه الحق فيها لعلمهم بأن الله لم يضربها عبثا، بل لحكمة بالغة، ونعمة سابغة. { وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلا } فيعترضون ويتحيرون، فيزدادون كفرا إلى كفرهم، كما ازداد المؤمنون إيمانا على إيمانهم، ولهذا قال: { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا } فهذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية. قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ } تفسير : فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة [وضلالة] وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة [ورحمة] وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال. ثم ذكر حكمته في إضلال من يضلهم وأن ذلك عدل منه تعالى فقال: { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلا الْفَاسِقِينَ } أي: الخارجين عن طاعة الله; المعاندين لرسل الله; الذين صار الفسق وصفهم; فلا يبغون به بدلا فاقتضت حكمته تعالى إضلالهم لعدم صلاحيتهم للهدى، كما اقتضت حكمته وفضله هداية من اتصف بالإيمان وتحلى بالأعمال الصالحة. والفسق نوعان: نوع مخرج من الدين، وهو الفسق المقتضي للخروج من الإيمان; كالمذكور في هذه الآية ونحوها، ونوع غير مخرج من الإيمان كما في قوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } تفسير : [الآية]. ثم وصف الفاسقين فقال: { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ } وهذا يعم العهد الذي بينهم وبينه والذي بينهم وبين عباده الذي أكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات، فلا يبالون بتلك المواثيق; بل ينقضونها ويتركون أوامره ويرتكبون نواهيه; وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق. { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ } وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة، فإن الله أمرنا أن نصل ما بيننا وبينه بالإيمان به والقيام بعبوديته، وما بيننا وبين رسوله بالإيمان به ومحبته وتعزيره والقيام بحقوقه، وما بيننا وبين الوالدين والأقارب والأصحاب; وسائر الخلق بالقيام بتلك الحقوق التي أمر الله أن نصلها. فأما المؤمنون فوصلوا ما أمر الله به أن يوصل من هذه الحقوق، وقاموا بها أتم القيام، وأما الفاسقون، فقطعوها، ونبذوها وراء ظهورهم; معتاضين عنها بالفسق والقطيعة; والعمل بالمعاصي; وهو: الإفساد في الأرض. فـ { فَأُولَئِكَ } أي: من هذه صفته { هُمُ الْخَاسِرُونَ } في الدنيا والآخرة، فحصر الخسارة فيهم; لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم; ليس لهم نوع من الربح؛ لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان; فمن لا إيمان له لا عمل له; وهذا الخسار هو خسار الكفر، وأما الخسار الذي قد يكون كفرا; وقد يكون معصية; وقد يكون تفريطا في ترك مستحب، المذكور في قوله تعالى: { إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } فهذا عام لكل مخلوق; إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح; والتواصي بالحق; والتواصي بالصبر; وحقيقة فوات الخير; الذي [كان] العبد بصدد تحصيله وهو تحت إمكانه.

همام الصنعاني

تفسير : 27- عبد الرزّاق، قال: حدّثنا مَعْمَر، عن قتادة، قال: لما ذَكَرَ اللهُ العَنْكبوتَ، والذباب، قال المشركون: ما بال العنكبوت والذباب يُذْكران؟ فَأنْزَل الله: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}: [الآية: 26].