Verse. 34 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

الَّذِيْنَ يَنْقُضُوْنَ عَہْدَ اللہِ مِنْۢ بَعْدِ مِيْثَاقِہٖ ۝۰۠ وَيَقْطَعُوْنَ مَاۗ اَمَرَ اللہُ بِہٖۗ اَنْ يُّوْصَلَ وَيُفْسِدُوْنَ فِى الْاَرْضِ۝۰ۭ اُولٰۗىِٕكَ ھُمُ الْخٰسِرُوْنَ۝۲۷
Allatheena yanqudoona AAahda Allahi min baAAdi meethaqihi wayaqtaAAoona ma amara Allahu bihi an yoosala wayufsidoona fee alardi olaika humu alkhasiroona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«الذين» نعت «ينقضون عهد الله» ما عهده إليهم في الكتب من الإيمان بمحمد * «من بعد ميثاقه» توكيده عليهم «ويقطعون ما أمر الله به أن يوُصل» من الإيمان بالنبي والرحم وغير ذلك وأن بدل من ضمير به «ويفسدون في الأرض» بالمعاصي والتعويق عن الإيمان «أولئك» الموصوفون بما ذكر «هم الخاسرون» لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم.

27

Tafseer

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ} «الَّذين» في موضع نصب على النّعت للفاسقين، وإن شئت جعلته في موضع رفع على أنه خبر ٱبتداء محذوف؛ أي هم الذين. وقد تقدّم. الثانية: قوله تعالى: {يَنقُضُونَ} النَّقض: إفساد ما أبرمته من بناء أو حبل أو عهد. والنُّقاضة. ما نُقض من حبل الشَّعر. والمُناقضة في القول: أن تتكلم بما تناقض معناه. والنَّقِيضة في الشِّعر: ما يُنْقَض به. والنِّقْض: المنقوض. واختلف الناس في تعيين هذا العهد؛ فقيل: هو الذي أخذه الله على بني آدم حين ٱستخرجهم من ظهره. وقيل: هو وصية الله تعالى إلى خلقه، وأمْرُه إيّاهم بما أمرهم به من طاعته، ونَهْيُه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسنة رسله؛ ونقضهم ذلك ترك العمل به. وقيل: بل نَصْب الأدلة على وحدانيّته بالسموات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد؛ ونقضهم ترك النظر في ذلك. وقيل: هو ما عهده إلى من أوتي الكتاب أن يبينوا نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يكتموا أمره. فالآية على هذا في أهل الكتاب. قال أبو إسحاق الزجاج: عهده جل وعز ما أخذه على النبّيين ومن ٱتبعهم ألا يكفروا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم. ودليل ذلك: {وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ} إلى قوله تعالى: {أية : وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي} تفسير : [آل عمران: 81] أي عهدي. قلت: وظاهر ما قبلُ وما بعدُ يدّل على أنها في الكفار. فهذه خمسة أقوال؛ والقول الثاني يجمعها. الثالثة: قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} الميثاق: العهد المؤكّد باليمين؛ مِفعال من الوثاقة والمعاهدة، وهي الشدّة في العقد والربط ونحوه. والجمع المواثيق على الأصل؛ لأن أصل مِيثاق مِوْثاق، صارت الواو ياء لانكسار ما قبلها ـ والمياثق والمياثيق أيضاً؛ وأنشد ٱبن الأعرابي:شعر : حِمىً لا يُحَلّ الدهرَ إلا بإذننا ولا نسأل الأقوامَ عَهْدَ المياثِقِ تفسير : والمَوْثق: المِيثاق. والمواثقة: المعاهدة؛ ومنه قوله تعالى: {وَمِيثَاقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ}. الرابعة: قوله تعالى: {وَيَقْطَعُونَ} القطع معروف، والمصدر ـ في الرَّحِم ـ القطيعة؛ يقال: قَطَع رَحِمه قَطِيعة فهو رجل قُطَعٌ وقُطَعَة؛ مثال هُمَزة. وقَطَعت الحبل قطعاً. وقَطَعت النهر قُطُوعا. وَقَطَعتِ الطيرُ قُطوعاً وقُطَاعاً وقِطَاعاً إذا خرجت من بلد إلى بلد. وأصاب الناسَ قُطْعَةٌ: إذا قَلّت مياههم. ورجل به قُطْعٌ: أي ٱنبهار. الخامسة: قوله تعالى: {مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} «ما» في موضع نصب بـ «ـيَقْطَعُون». و «أَنْ» إن شئت كانت بدلاً من «ما» وإن شئت من الهاء في «به» وهو أحسن. ويجوز أن يكون لئلا يوصل؛ أي كراهة أن يوصل. وٱختلف ما الشيء الذي أَمَر بوصله؟ فقيل: صلة الأرحام. وقيل: أمر أن يوصل القول بالعمل؛ فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا. وقيل: أمرأن يوصل التصديق بجيمع أنبيائه، فقطعوه بتصديق بعضهم وتكذيب بعضهم. وقيل: الإشارة إلى دين الله وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه وحفظ حدوده. فهي عامة في كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل. هذا قول الجمهور؛ والرَّحِم جزء من هذا. السادسة: قوله تعالى: {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ} أي يعبدون غير الله تعالى ويجورون في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم؛ وهذا غاية الفساد. {أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} ابتداء وخبر. و «هم» زائدة؛ ويجوز أن تكون «هم» ابتداء ثانٍ، «الخاسرون» خبره، والثاني وخبره خبر الأوّل كما تقدّم. والخاسر: الذي نقص نفسه حَظّها من الفلاح والفَوْز. والخُسْران: النقصان، كان في ميزان أو غيره؛ قال جَرير:شعر : إن سَلِيطاً في الخَسَار إنّهُ أولادُ قَومٍ خُلِقوا أقِنّهْ تفسير : يعني بالخَسَار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم. قال الجوهري: وَخَسرت الشيء (بالفتح) وأخسرته نقصته. والخَسَار والخَسَارة والخَيْسَرَى: الضلال والهلاك. فقيل للهالك: خاسر؛ لأنه خسر نفسه وأهله يوم القيامة ومُنع منزله من الجنة. السابعة: في هذه الآية دليل على أن الوفاء بالعهد والتزامه وكل عهدٍ جائز ألزمه المرء نفسه فلا يحل له نقضه سواء أكان بين مسلم أم غيره؛ لذمّ الله تعالى مَن نقض عهده. وقد قال: {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ} تفسير : [المائدة: 1] وقد قال لنبيّه عليه السلام: {أية : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَٱنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَآءٍ}تفسير : [الأنفال: 58] فنهاه عن الغَدْر، وذلك لا يكون إلا بنقض العهد؛ على ما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.

البيضاوي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ } صفة للفاسقين للذم وتقرير الفسق. والنقض: فسخ التركيب، وأصله في طاقات الحبل، واستعماله في إبطال العهد من حيث إن العهد يستعار له الحبل لما فيه من ربط أحد المتعاهدين بالآخر، فإن أطلق مع لفظ الحبل كان ترشيحاً للمجاز، وإن ذكر مع العهد كان رمزاً إلى ما هو من روادفه وهو أن العهد حبل في شجاعته بحر بالنظر إلى إفادته. والعهد: الموثق ووضعه لما من شأنه أن يراعي ويتعهد كالوصية واليمين، ويقال للدار، من حيث إنها تراعي بالرجوع إليها. والتاريخ لأنه يحفظ، وهذا العهد: إما العهد المأخوذ بالعقل، وهو الحجة القائمة على عباده الدالة على توحيده ووجوب وجوده وصدق رسوله، وعليه أُوِّلَ قوله تعالى: {أية : وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ }تفسير : [الأعراف: 172] أو: المأخوذ بالرسل على الأمم، بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه، ولم يكتموا أمره ولم يخالفوا حكمه، وإليه أشار بقوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [آل عمرآن: 187] ونظائره. وقيل: عهود الله تعالى ثلاثة: عهد أخذه على جميع ذرية آدم بأن يقروا بربوبيته، وعهد أخذه على النبيين بأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، وعهد أخذه على العلماء بأن يبينوا الحق ولا يكتموه. {مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ } الضمير للعهد والميثاق: اسم لما يقع به الوثاقة وهي الاستحكام، والمراد به ما وَثَقَ الله به عهده من الآيات والكتب، أو ما وثقوه به من الالتزام والقبول، ويحتمل أن يكون بمعنى المصدر. و {مِنْ } للابتداء فإن ابتداء النقض بعد الميثاق. {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } يحتمل كل قطيعة لا يرضاها الله تعالى، كقطع الرحم، والإعراض عن موالاة المؤمنين، والتفرقة بين الأنبياء عليهم السلام، والكتب في التصديق، وترك الجماعات المفروضة، وسائر ما فيه رفض خير. أو تعاطي شر فإنه يقطع الوصلة بين الله وبين العبد المقصودة بالذات من كل وصل وفصل، والأمر هو للقول الطالب للفعل، وقيل: مع العلو، وقيل: مع الاستعلاء، وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور تسمية للمفعول به بالمصدر، فإنه مما يؤمر به كما قيل: له شأن وهو الطلب. والقصد يقال: شأنت شأنه، إذا قصدت قصده. و{أَن يُوصَلَ } يحتمل النصب والخفض على أنه بدل من ما، أو ضميره. والثاني أحسن لفظاً ومعنى. {وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلاْرْضِ } بالمنع عن الإيمان والاستهزاء بالحق، وقطع الوصل التي بها نظام العالم وصلاحه. {أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ } الذين خسروا بإهمال العقل عن النظر واقتناص ما يفيدهم الحياة الأبدية، واستبدال الإنكار والطعن في الآيات بالإيمان بها، والنظر في حقائقها والاقتباس من أنوارها، واشتراء النقض بالوفاء، والفساد بالصلاح، والعقاب بالثواب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {ٱلَّذِينَ } نعت {يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ } ما عهده إليهم في الكتب من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم {مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ } توكيده عليهم {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ } من الإيمان بالنبي والرحم وغير ذلك( وأن) بدل من ضمير( به ){وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلأَرْضِ } بالمعاصي والتعويق عن الإيمان {أُوْلَٰئِكَ } الموصوفون بما ذُكِرَ {هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ } لمصيرهم إلى النار المؤبدة عليهم.

ابن عطية

تفسير : النقض رد ما أبرم على أوله غير مبرم، والعهد في هذه الآية التقدم في الشيء والوصاة به. واختلف في تفسير هذا العهد: فقال بعض المتأولين: هو الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهر أبيهم آدم كالذر. وقال آخرون: بل نصب الأدلة على وحدانية الله بالسماوات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد. وقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله على عباده بواسطة رسله أن يوحدوه وان لا يعبدوا غيره. وقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله تعالى على أتباع الرسل والكتب المنزلة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأن لا يكتموا أمره. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فالآية على هذا في أهل الكتاب، وظاهر ما قبل وبعد أنه في جميع الكفار. وقال قتادة: "هذه الآية هي فيمن كان آمن بالنبي عليه السلام ثم كفر به فنقض العهد". قال القاضي أبو محمد رحمه الله: لم ينسب الطبري شيئاً من هذه الأقوال، وكل عهد جائز بين المسلمين فنقضه لا يحل بهذه الآية، والضمير في {ميثاقه} يحتمل العودة على العهد أو على اسم الله تعالى، وميثاق مفعال من الوثاقة، وهي الشد في العقد والربط ونحوه، وهو في هذه الآية اسم في موضع المصدر كما قال عمرو بن شييم: [الوافر]. شعر : أكفراً بعد ردِّ الموتِ عنّي وبَعْدَ عَطَائك المائَةَ الرّتاعا؟ تفسير : أراد بعد إعطائك. وقوله تعالى: {ما أمر الله به أن يوصل}، {ما} في موضع نصب بـ {يقطعون} واختلف الشيء الذي أمره بوصله؟ فقال قتادة: "الأرحام عامة في الناس" وقال غيره: "خاصة فيمن آمن بمحمد، كان الكفار يقطعون أرحامهم". وقال جمهور أهل العلم: الإشارة في هذه الآية إلى دين الله وعبادته في الأرض، وإقامة شرائعه، وحفظ حدوده. قال القاضي أبو محمد: وهذا هو الحق، والرحم جزء من هذا، و {أن} في موضع نصب بدل من {ما}، أو مفعول من أجله. وقيل {أن} في موضع خفض بدل من الضمير في {به}، وهذا متجه. {ويفسدون في الأرض} يعبدون غير الله ويجورون في الأفعال، إذ هي بحسب شهواتهم، والخاسر الذي نقص نفسه حظها من الفلاح والفوز، والخسران النقص كان في ميزان أو غيره. وقوله تعالى: {كيف تكفرون} لفظه الاستفهام وليس به، بل هو تقرير وتوبيخ، أي كيف تكفرون بالله ونعمه عليكم وقدرته هذه؟ و {كيف} في موضع نصب على الحال والعامل فيها {تكفرون}، وتقديرها أجاحدين تكفرون أمنكرين تكفرون؟ و {كيف} مبنية، وخصت بالفتح لخفته، ومن قال إن {كيف} تقرير وتعجب فمعناه إن هذا الأمر إن عن فحقه أن يتعجب منه لغرابته وبعده عن المألوف من شكر المنعم، والواو في قوله {وكنتم} واو الحال، واختلف في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين: فقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد. "فالمعنى كنتم أمواتاً معدومين قبل أن تخلقوا دارسين، كما يقال للشيء الدارس ميت، ثم خلقتم وأخرجتم إلى الدنيا فأحياكم ثم أماتكم الموت المعهود، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة". وقال آخرون: "كنتم أمواتاً بكون آدم من طين ميتاً قبل أن يُحيى ثم نفخ فيه الروح فأحياكم بحياة آدم ثم يميتكم ثم يحييكم على ما تقدم". وقال قتادة: "كنتم أمواتاً في أصلاب آبائكم فأخرجتم إلى الدنيا فأحياكم ثم كما تقدم". وقال غيره: "كنتم أمواتاً في الأرحام قبل نفخ الروح ثم أحياكم بالإخراج إلى الدنيا ثم كما تقدم". وقال ابن زيد: "إن الله تعالى أخرج نسم بني آدم أمثال الذر ثم أماتهم بعد ذلك فهو قوله وكنتم أمواتاً، ثم أحياهم بالإخراج إلى الدنيا ثم كما تقدم". وقال ابن عباس وأبو صالح: "كنتم أمواتاً بالموت المعهود ثم أحياكم للسؤال في القبور، ثم أماتكم فيها، ثم أحياكم للبعث". وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: "وكنتم أمواتاً بالخمول فأحياكم بأن ذكرتم وشرفتم بهذا الدين والنبي الذي جاءكم". قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والقول الأول هو أولى هذه الأقوال، لأنه الذي لا محيد للكفار عن الإقرار به في أول ترتيبه، ثم إن قوله أولاً {كنتم أمواتاً} وإسناده آخراً الإماتة إليه تبارك وتعالى مما يقوي ذلك القول، وإذا أذعنت نفوس الكفار لكونهم أمواتاً معدومين ثم للإحياء في الدنيا ثم للإماتة فيها قوي عليهم لزوم الإحياء الآخر، وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها، والضمير في {إليه} عائد على الله تعالى أي إلى ثوابه أو عقابه، وقيل هو عائد على الاحياء، والأول أظهر. وقرأ جمهور الناس "تُرجَعون" بضم التاء وفتح الجيم. وقرأ ابن أبي إسحاق وابن محيصن وابن يعمر وسلام والفياض بن غزوان ويعقوب الحضرمي: "يَرجع ويَرجعون وتَرجعون" بفتح الياء والتاء حيث وقع. و {خلق} معناه اخترع وأوجد بعد العدم، وقد يقال في الإنسان خلق بعد إنشائه شيئاً، ومنه قول الشاعر: [زهير بن أبي سلمى] [الكامل] شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري تفسير : ومنه قول الآخر: [مجزوء الكامل] شعر : من كان يخلق ما يقو ل فحيلتي فيه قليله تفسير : و {لكم}: معناه للاعتبار، ويدل على ذلك ما قبله وما بعده من نصب العبر: الإحياء، والإماتة، والخلق، والاستواء إلى السماء وتسويتها. وقال قوم: بل معنى {لكم} إباحة الأشياء وتمليكها، وهذا قول من يقول إن الأشياء قبل ورود السمع على الإباحة بينته هذه الآية، وخالفهم في هذا التأويل القائلون بالحظر، والقائلون بالوقف، وأكثر القائلين بالحظر استثنوا أشياء اقتضت حالها مع وجود الإنسان الإباحة كالتنفس، والحركة ويرد على القائلين بالحظر كل حظر في القرآن وعلى القائلين بالإباحة كل تحليل في القرآن وإباحة، ويترجح الوقوف إذا قدرنا نازلة لا يوجد فيه سمع ولا تتعلق به. ومعنى الوقف أنه استنفاد جهد الناظر فيما يحزب من النوازل. وحكى ابن فورك عن ابن الصائغ أنه قال: "لم يخل العقل قط من السمع ولا نازلة إلا وفيها سمع أولها به تعلق أولها حال تستصحب". قال: "فينبغي أن يعتمد على هذا، ويغني عن النظر في حظر وإباحة ووقف"، و {جميعاً} نصب عل الحال. وقوله تعالى: {ثم استوى}، {ثم} هنا هي لترتيب الأخبار لا لترتيب الأمر في نفسه، و {استوى}: قال قوم: "معناه علا دون تكييف ولا تحديد"، هذا اختيار الطبري، والتقدير علا أمره وقدرته وسلطانه. وقال ابن كيسان: "معناه قصد إلى السماء". قال القاضي أبو محمد: أي بخلقه واختراعه. وقيل معناه كمل صنعه فيها كما تقول استوى الأمر. قال القاضي أبو محمد: وهذا قلق. وحكى الطبري عن قوم: أن المعنى أقبل، وضعفه. وحكي عن قوم "المستوي" هو الدخان. وهذا أيضاً يأباه رصف الكلام، وقيل المعنى استولى كما قال الشاعر الأخطل: [الرجز] شعر : قد استوى بشر على العراقِ من غير سيف ودم مهراقِ تفسير : وهذا إنما يجيء في قوله تعالى: {أية : على العرش استوى} تفسير : [طه: 5] والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع النقلة وحلول الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان. {فسواهن} قيل المعنى جعلهن سواء، وقيل سوى سطوحها بالإملاس، و {سبع} نصب على البدل من الضمير، أو على المفعول: بـ "سوّى"، بتقدير حذف الجار من الضمير، كأنه قال فسوّى منهن سبع، وقيل نصب على الحال، وقال سواهن إما على أن السماء جمع، وإما على أنه مفرد على أنه مفرد اسم جنس، فهو دال على الجمع. وقوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم} معناه بالموجودات وتحقق علمه بالمعدومات من آيات أخر، وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خلق قبل السماء، وذلك صحيح، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات: هذه والتي في سورة المؤمن وفي النازعات.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ} النقض: ضد الإبرام، والميثاق: ما وقع التوثق به، والعهد: الوصية، أو الموثق، فعهده: ما أنزله في الكتب من الأمر والنهي، ونقض ذلك، مخالفته، أو العهد: ذكر صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب، ونقضه: جحودهم له بعد إعطائهم ميثاقهم {أية : لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} تفسير : [آل عمران: 187]، أو العهد: ما جعل في العقول من حجج التوحيد، وتصديق الرسل ـ صلوات الله تعالى عليهم وسلامه ـ بالمعجزات، أو العهد: الذي أُخذ عليهم يوم الذر إذ أخرجوا من صلب آدم ـ عليه الصلاة والسلام ـ، والضمير في ميثاقه عائد على اسم الله تعالى، أو على العهد. عُني بهؤلاء المنافقين، أو أهل الكتاب، أو جميع الكفار. {مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} هو الرسول، قطعوه بالتكذيب والعصيان، أو الرحم والقرابة، أو هو عام في كل ما أمر بوصله. {وَيُفْسِدُونَ فِى الأَرْضِ} بإخافة السبيل، وقطع الطريق، أو بدعائهم إلى الكفر. {الْخَاسِرُونَ} الخسار: النقصان، نقصوا حظوظهم وشرفهم، أو الخسار: الهلاك، أو كل ما نسب إلى غير المسلم من الخسار فالمراد به الكفر، وما نسب إلى المسلم فالمراد به الذنب.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ...} حكى ابن عطية في هذه الجملة خلافا هل هي استئأنفا أو من تمام ما قبلها؟ قال ابن عرفة: إن راعينا مقام التخويف وترتّب الذّم على كل وصف من هذه الأوصاف جعلناه كلاما آخر مستأنفا، وإن راعينا مناسبة اللَّفظ فترد لما قبلها. واختلفوا في العهد ما هو؟ ابن عرفة: والظاهر أن نقض العهد راجع إلى الإقرار بوحدانية الله تعالى. وقطع ما أمر الله به أن يوصل راجع إلى الإقرار بالرسالة. وأشار إليه ابن عطية فهم مكلفون بشهادة أن لا إله إلا الله وأن (يصلوها) بشهادة أن محمدا رسول الله فخالفوا في الأمرين فعهد الله هو الدليل الدال على وحدانيته ونقضه هو المخالفة فيه. ابن عطية: وقال بعض المتأوّلين إنّ العهد هو ما أخذه الله تعالى على (بني آدم حين أخرجهم من ظهر آدم كالذرّ {أية : وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : وضعفه الفخر بأنهم حينّذ ليسوا مكلفين فلا يعاقبون على نقض ذلك العهد). وأجاب ابن عرفة بأن قال: لا مانع من أنهم كلفوا (حينئذ) بالإيمان فآمنوا والتزموا العهد ونسوه، ثم ذكروا بذلك في الدنيا بهذه الآية وأنظارها، فمنهم من تذكر وآمن، ومنهم من بقي فيعاقب لأجل ذلك (ونظيره) عندنا أن القاضي إذا حكم بحكم ونسيه فذكره فيه شاهد واحد فإنه ينفذه بشهادته ويرجع إليه وكذلك هذا. قوله تعالى: {مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ...} أي من بعد توثقه وإبرامه. ابن عطية قيل: إنّها لأهل الكتاب، وقيل: لجميع الكفار، وقيل: لمن آمن (ثم) كفر. ابن عرفة: الظاهر تناولها لكل من صلح صدق هذا اللفظ عليه، قيل: لتدل على مبادرتهم بالنقص في أول (أزمنته البعيدة). أبو البقاء: "من" لابتداء الغاية في الزمان عند من أجازه وزائدة عند من منعه وهو ضعيف (لا متناع) زيادتها في الواجب. قال الصفاقسي: هذا ليس بشيء لأن القبلية والبعدية من صفات الزمان، فكأن "من" (تدخل) على الزمان فلا يحتاج إلى زيادتها قال ابن عرفة: لا يليق به على علمه فإن ابن عصفور وغيره قد تأولوها في مثل هذا على حذف مضاف تقديره مصدرا، وأعربوا "قبل" و "بعد" إذا انتصبا ظرفي زمان صريحين وقالوا: ظرف الزمان هو اسم الزمان أو عدده أو ما قام مقامه نحو: أتيتك طلوع الشمس أو ما أضيف إليه إذا كان هو أو بعضه. قوله تعالى: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ...} قال ابن عرفة: فيه عندي حجة لمن يقول إن لفظ أمر إنما يطلق على الواجب فقط، وأما المندوب فغير مأمور به إن زعم أنه لإجماعنا على المراد به هنا (الوجوب) لترينه الذمّ (فمن) يقول: إن المندوب مأمور به إن زعم أنّه حقيقة لزمه الاشتراك. وإن جعله مجازا لزمه المجاز، وهما معا على خلاف الأصل. ابن عرفة: والصحيح عندي في الأمر اشتراط الاستعلاء فقط (لاَ) العلو خلافا للمعتزلة وبعض أهل السنة. قوله تعالى: {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ...} إن أراد بالفساد الأمر الأعم من القول والفعل والاعتقاد فيكون ذلك من عطف العام على الخاص (وإن أريد به) الفعل فقط فتكون من عطف الشيء على ما هو مغاير له. قوله تعالى: {أُوْلَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} عبر بالخسران لأنهم بالعهد والميثاق حصل لهم الفوز والنجاة، فلما نقضوه (شبّهوا) بمن اشترى سلعة للتجارة وكان بحيث إن بادر بيعها لربح فيها ربحا كثيرا فتركها حتى كسد سوقها وباعها بالبخس والخسران. قيل لابن عرفة: هذه الآية تدل على أنّ مرتكب الكبيرة غير مخلد في النار لاقتضائها حصر الخسران في هؤلاء لأن البناء على المضمر يفيد الحصر؟ فقال: يقول الزمخشري: إنه لمطلق الربط لا للحصر كما قال في{أية : وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ}

ابو السعود

تفسير : [من صفات الفاسقين] {الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ} صفةٌ للفاسقين للذم وتقريرِ ما هم عليه من الفسق، والنقضُ فسخُ التركيب من المركبات الحسية كالحبْل والغزل ونحوهما، واستعمالُه في إبطال العهد من حيث استعارةُ الحبل له لما فيه من ارتباط أحدِ كلامي المتعاقدَيْن بالآخر، فإن شُفِعَ بالحبل وأريد به العهدُ كان ترشيحاً للمجاز، وإن قُرن بالعهد كان رمزاً إلى ما هو من روادفه وتنبـيهاً على مكانه، وأن المذكور قد استُعير له كما يقال: شجاعٌ يفترس أقرانَه، وعالمٌ يغترف منه الناسُ تنبـيهاً على أنه أسدٌ في شجاعته وبحرٌ في إفاضته، والعهدُ: المَوْثِقُ، يقال: عهِد إليه كذا إذا وصّاه به ووثّقه عليه والمرادُ ها هنا إما العهدُ المأخوذُ بالفعل وهو الحجة القائمةُ على عباده الدالةُ على وجوده (تعالى) ووَحدتِه وصدقِ رسولِه عليه السلام، وبه أُوّل قولُه تعالى: {أية : وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ }تفسير : [الأعراف، الآية 172]، أو المعنى الظاهرُ منه أو المأخوذُ من جهة الرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسولٌ مصدِّقٌ بالمعجزات صدّقوه واتبعوه ولم يكتُموا أمرَه وذِكرُه في الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حُكمه كما ينبىء عنه قوله عز وجل: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} تفسير : [آل عمران، الآية 187] ونظائرُه، وقيل: عهودُ الله تعالى ثلاثة، الأولُ ما أخذه على جميع ذريةِ آدمَ عليه السلام بأن يُقرّوا به وبربوبـيته، والثاني ما أخذه على الأنبـياء عليهم السلام بأن يُقيموا الدينَ ولا يتفرقوا فيه، والثالث ما أخذه على العلماء بأن يُبـينوا الحقَّ ولا يكتموه. {مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ} الميثاقُ إما اسمٌ لما يقع به الوَثاقة والإحكام، وإما مصدرٌ بمعنى التوثقة كالميعاد بمعنى الوعد، فعلى الأول إن رجَع الضمير إلى العهد كان المرادُ بالميثاق ما وثّقوه به من القَبول والالتزام، وإن رجع إلى لفظ الجلالة يُراد به آياتُه وكتبُه وإنذارُ رسلِه عليهم السلام، والمضافُ محذوفٌ على الوجهين، أي من بعد تحقّق ميثاقِه، وعلى الثاني إن رجَع الضميرُ إلى العهد، والميثاقُ مصدرٌ من المبني للفاعل فالمعنى من بعد أن وثّقوه بالقبول والالتزام، أو من بعد أن وثقه الله عز وجل بإنزال الكتب وإنذارِ الرسل، وإن كان مصدراً من المبني للمفعول فالمعنى من بعد كونه مُوَثقاً إما بتوثيقهم إياه بالقَبول وإما بتوثيقه تعالى إياه بإنزال الكتب وإنذارِ الرسل. {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} يحتمل كلَّ قطيعة لا يرضى بها الله سبحانه وتعالى كقطع الرحِمِ وعدمِ موالاة المؤمنين والتفرقةِ بـين الأنبـياء عليهم السلام والكتب في التصديق، وتركِ الجماعات المفروضةِ وسائرِ ما فيه رفضُ خيرٍ أو تعاطي شر، فإنه يقطع ما بـين الله تعالى وبـين العبد، من الوصلة التي هي المقصودةُ بالذات من كل وصلٍ وفصل، والأمر هو القولُ الطالبُ للفعل مع العلو، وقيل: بالاستعلاء، وبه سمِّي الأمرُ الذي هو واحدُ الأمور تسميةً للمفعول بالمصدر، فإنه مما يؤمَر به كما يقال: له شأنٌ وهو القصدُ والطلب لما أنه أثَرٌ للشأن، وكذا يقال له شيء وهو مصدرُ شاء لما أنه أثرٌ للمشيئة، ومحلُّ (أن يوصل) إما النصبُ على أنه بدلٌ من الموصول أو من ضميره والثاني أولى لفظاً ومعنى. {وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلأرْضِ} بالمنع عن الإيمان والاستهزاءِ بالحق وقطعِ الوصل التي عليها يدور فلكُ نظام العالم وصلاحُه {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الفاسقين باعتبار اتصافِهم بما فُصل من الصفات القبـيحة، وفيه إيذانٌ بأنهم متميزون بها أكملَ تميز ومنتظمون بسبب ذلك في سلك الأمور المحسوسة، وما فيه من معنى البعد للدلالة على بعد منزلتهم في الفساد {هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} الذين خسروا بإهمال العقلِ عن النظر واقتناصِ ما يفيدهم الحياةَ الأبدية واستبدالِ الإنكار والطعنِ في الآيات بالإيمان بها والتأملِ في حقائقها والاقتباسِ من أنوارها واشتراءِ النقض بالوفاءِ والفسادِ بالصلاح والقطيعةِ بالصلة والعقاب بالثواب.

القشيري

تفسير : الإشارة فيه إلى حال من سلك طريق الإرادة، ثم رجع إلى ما هو عليه أهل العادة، قال بتَرْكِ نفسه ثم لم يَصْدُق حين عزم الأمر، ونزل من إشارة الحقيقة إلى رخص الشريعة، وكما أنَّ من سلك الطريق بنفسه - ما دام يبقى درهم في كيسه - فغيرُ محمودٍ رجوعُه فكذلك من قصد بقلبه - ما دام يبقى نَفَسٌ من روحه - فغير مَرْضيِّ رجوعهُ: شعر : إن الأُلى ماتوا على دين الهدى وجدوا المنية منهلاً معلولا تفسير : ويقطعون ما أمر الله به أن يُوصَل: وصل أسباب الحق بقطع أسباب الخَلْق، ولا يتم وصل مَا لَهُ إلا بقطع ما لَكَ، فإذا كان الأمر بالعكس كان الحال بالضد. ومما أُمِرَ العبد بوصله: حفظه دِمام أهل هذه الطريقة، والإنفاق على تحصيل ذلك بصدق الهمم لا يبذل النِّعَم، فهممهم على اتصال أسباب هذه الطريقة وانتظام أحوالها موقوفة، وقلوبهم إلى توقع الحراسة من الله تعالى لأهلها مصروفة. وفساد هذه الطريقة في الأرض: أما مَنْ لهم حواشي أحوالهم، وإطراق أمورهم فيتشاغلون عن إرشادِ مريدٍ بكلامهم، وإشحاذِ قاصدٍ بهممهم؛ وذلك مما لا يرضى به الحق سبحانه منهم. ومِنْ نَقْضِ العهد أيضاً أن يحيد سِرُّك لحظةً عن شهوده، ومِنْ قَطْع ما أُمِرْتَ بِوَصْلِه أن يتخلل أوقاتك نَفَسٌ لحظِّك دون القيام بحقه، ومِنْ فسادِكَ في الأرض ساعة تجري عليك ولم تَرَهُ فيها. أَلاَ إن ذلك هو الخسران المبين، والمحنة العظمة، والرزية الكبرى.

البقلي

تفسير : { ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ } الاشارةُ فيه الى حال اهل الفترة الذين سَلكوا طريق اهل القصد ثم رَجَعوا الى ما عليه عادة العَوَام من الرُّخص والتاويل فمن هذا شانه فقد زاغ محجّة المشاهدة وتَحيَّر في اودية الغفلة وتَهَتَّم في سراب الفقدان محجوباً عن مشاهَدة الرحمن.

اسماعيل حقي

تفسير : {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} اى الذين ينقضون عهد الله الذى عاهدوه يوم الميثاق على التوحيد والعبودية بالاخلاص من بعد ميثاقه {ويقطعون ما امر الله به ان يوصل} من اسباب السلوك الموصل الى الحق واسباب التبتل والانقطاع عن الخلق كما قال تعالى {أية : وتبتل إليه تبتيلا}تفسير : [المزمل: 8] اى انقطع اليه انقطاعا كليا عن غيره. {ويفسدون فى الارض} اى يفسدون بذر التوحيد الفطرى فى ارض طينتهم بالشرك والاعراض عن قبول دعوة الانبياء وسقى بذر التوحيد بالايمان والعمل الصالح {اولئك هم الخاسرون} خسروا استعداد كمالية الانسان المودعة فيهم كما تخسر النواة فى الارض استعداد النخلية المودعة فيها عند عدم الماء لقوله تعالى {أية : والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات}تفسير : [العصر: 1-3].

الطوسي

تفسير : العهد: العقد، والأصر مثله، والعهد: الموثق. والعهد: الالتقاء، يقال: ما لفلان عهد بكذا، وهو قريب العهد بكذا، والعهد له معان كثيرة. وسمي المعاهد ـ وهو الذمي ـ بذلك لأنه بايع على ما هو عليه من إعطاء الجزية، والكف عنه. والعهدة كتاب الشراء، وجمعه عهد. وإذا أقسم بالعهد تعلق به عندنا كفارة الظهار، وقال قوم: كفارة يمين، وقال آخرون: لا كفارة عليه. و {عهد الله} قال قوم: هو ما عهد إلى جميع خلقه في توحيده وعدله، وتصديق رسوله بما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته، وعهد إليهم في أمره ونهيه، وما احتج به لرسله بالمعجزات التي لا يقدر على الاتيان بمثلها الشاهدة لهم على صدقه. ونقضهم ذلك: تركهم الاقرار بما قد ثبت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب. وقال قوم وصية الله إلى خلقه، وأمره على لسان رسله إياهم فيما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه. ونقضهم: تركهم العمل به. وقال قوم: هذه الآية نزلت في كفار أهل الكتاب، والمنافقين منهم، وإياهم عنى الله عز وجل بقوله {إن الذين كفروا سواء عليهم..} الآية. وقوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله} وكل ما في هذه الآية من اللوم والتوبيخ متوجه إليهم. وعهد الله الذي نقضوه بعد ميثاقه هو ما أخذه عليهم في التوراة من العمل بما فيها، واتباع محمد (صلى الله عليه وسلم) إذا بعث، والتصديق بما جاء به من عند ربهم، ونقضهم ذلك جحودهم به بعد معرفتهم بحقيته وانكارهم ذلك، وكتمانهم ذلك عند الناس بعد إعطائهم إياه تعالى من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، وإيمانهم أنهم متى جاءهم نذير آمنوا به، فلما جاءهم النذير ازدادوا نفوراً، ونبذوا ذلك وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلا. وهذا الوجه اختاره الطبري. ويقوي هذا قوله: {أية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين من كتابٍ وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا: أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين} تفسير : والأمر العهد أيضاً وقال: في موضع آخر: {أية : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها}تفسير : وقال: {أية : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا} تفسير : وقال قوم: انما عنى بذلك العهد الذي أخذه الله حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصفه في قوله: {أية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم..}تفسير : إلى آخر الآية وهذا الوجه عندي ضعيف لأن الله تعالى لا يجوز ان يحتج على عباده بعهد لا يذكرونه ولا يعرفونه. وما ذكروه غير معلوم اصلا. والآية سنبين القول فيها اذا انتهينا اليها إن شاء الله. والقطع هو الفصل بين الشيئين احدهما من الآخر. والأصل أن يكون في الأجسام ويستعمل في الأعراض تشبيهاً به. يقال قطع الحبل والكلام. والأمر هو قول القائل لمن دونه: افعل وهو ضد النهي. والوصل هو الجمع بين الشيئين من غير حاجز وقال قوم الميثاق هو التوثيق. كما قال: {أنبتكم من الأرض نباتا} كقولهم اعطيتهم عطاء يريد اعطاء. الاعراب: وقوله: {أن يوصل} بدل من الهاء التي في به تقديره: ما أمر الله بأن يوصل، وهو في موضع خفض. {والذين} موضعه نصب، لأنه صفة للفاسقين. {أولئك} رفع بالابتداء. {والخاسرون} خبره. {وهم} فصل عند البصريين وعماد عند الكوفيين. ويجوز أن يكون هم ابتداء ثانياً. والخاسرون خبره. والجملة في موضع خبر اولئك والنقض ضد الابرام. والميثاق والميعاد والميقات متقاربة المعنى. يقال وثق يثق ثقة واوثق ايثاقا. وتوثق توثقاً. ويقال فلان ثقة للذكر والانثى، والواحد والجمع بلفظ واحد. فاذا جمع قيل ثقات في الرجال والنساء. ومن لابتدء الغاية في الآية. وقيل: إنها زائدة. والهاء في قوله ميثاقه يحتمل ان تكون راجعة إلى اسم الله تعالى. وقال قتادة قوله: {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} وقطيعة الرحم والقرابة. وقال غيره معناه الأمر بأن يوصل كل من أمر الله بصلة من اوليائه. والقطع: البراءة من اعدائه وهذا أقوى، لأنه أعم من الأول. ويدخل فيه الأول. وقال قوم: اراد صلة رسوله وتصديقه، فقطعوه بالتكذيب وهو قول الحسن. وقال قوم أراد أن يوصل القول بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا. وما قلناه اولا أولى لأنا إذا حملناه على عمومه دخل ذلك فيه. وقوله: {ويفسدون في الأرض}. قال قوم: استدعاؤهم إلى الكفر. وقال قوم: إخافتهم السبيل وقطعهم الطريق. وقال قوم اراد كل معصية تعدى ضررها إلى غير فاعلها. والخسران هو النقصان قال جرير: شعر : إن سليطا في الخسار إنه أولاد قوم خلقوا أقنه تفسير : يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم وقال قوم: الخسار ها هنا: الهلاك يعني هم الهالكون. وقال قوم: كلما نسبه الله من الخسار إلى غير المسلمين فانما عنى به الكفر وما نسب به إلى المسلمين انما عنى به الدنيا؛ روي ذلك عن ابن عباس.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : أراد أن يذكر صفة الفاسقين كشفاً عن حالهم، وايضاحاً لسبب ضلالهم، وتقريراً لرسوخهم فيما هم عليه، ليدلّ على نكالهم في مآلهم من الخسران العظيم والعذاب الأليم. و"النَقْضُ" في اللغة: فسْخ التركيب وفكّة. وإنما ساغ وشاع استعماله في إبطال العهد، تشبيهاً له بالحبْل على سبيل الاستعارة، لما فيه من ربط أحد المتعاهدين بالآخر؛ ثمّ إنّ ذكر المشبّه به - وهو الحبل - كان ترشيحاً للمجاز، وإن أطلق مع المشبّه - وهو العهد - كان رمزاً إلى ما هو من روادفه، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر المستعار، ويرمزوا بذكر شيء من روادفه، فينبّهوا على مكانه، كقولك: "شجاعٌ يفترسُ أقرانَه" تنبيهاً على أنه أسدٌ في شجاعته. و: "عالمٌ يُغْتَرَف منه" تنبيهاً على أنّه بحْرٌ في علمه وإفادته. ومن قبيل الأول قول ابن التيهان في بيعة العقبة: "يا رسول الله، إنّ بيننا وبينَ القومِ حِبالاً ونحن قاطعوها، فنخشى إن اللهُ [عز وجل] أعزّك وأظهرك [على قومك] أنْ ترجع إلى قومك". و "العَهْد": المَوْثق، وجاز استعماله في كلّ ما من شأنه أن يتعاهد ويتحفّظ به، كالوصايا والايمان والنذور والأوقاف؛ ويقال للدار من حيث إنها يراعى بالرجوع إليها، وللتأريخ لأنّه يحفظ. [ما هو "عَهدُ الله"؟] ثمّ اختلفوا في المقصود من هذا العهد على أقوال: الأول: ما ركز في العقول من قوّة الإستعداد لإدراك الحجج القائمة الدالّة للعباد على صحّة توحيده وصدق رسوله. وهذا معنى قوله: {أية : وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ}تفسير : [الأعراف:172]. وعليه يحمل قوله: {أية : أَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}تفسير : [البقرة:40]؟ الثاني: أن يُعنى به ميثاقاً أخذه من الناس وهم على صورة الذرّ، وأخرجهم من صلب آدم عليه السلام كذلك، وهو معنى قوله: {أية : وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [الأعراف:172] الآية. أقول: وهذا عند التحقيق راجع إلى الوجه الأول. والثالث: أن يُعنى به ما دلّ عليه بقوله: {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَىٰ مِنْ إِحْدَى ٱلأُمَمِ فَلَمَّا جَآءَهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً} تفسير : [فاطر:42]. فلما لم يفعلوا ما حلفوا عليه، ولم يهتدوا، فقد نقضوا عهدهم وميثاقهم. وهذا مرجوحٌ، لاختصاصه بطائفة مخصوصة يرد عليهم الذم فيما التزموا باختيارهم من أنفسهم، بخلاف الأول، فإنّه عامٌّ في كل من ضلَّ وكفر، ويلزمهم الذمّ لأنّهم نقضوا عهداً أبرمه الله تعالى، وأحكمه بما أنزله من دلائل الآفاق والأنفس، وشواهد الكتب والرسل بالحجج البيِّنة، مع ما أودع في العقول. قال المتكلِّمون في إنكار الوجه الثاني وإسقاطه: كيف يحتجّ الله تعالى على عباده بعهدٍ وميثاق لا يشعرون به، كما لا يؤاخذهم بما أذهب علمه عن قلوبهم بالسهو والنسيان، فكيف يجوز أن يعييهم بذلك ويذمّهم. أقول: إنّ الكلام في تحقيق إخراج الذرّية من صلب آدم على صورة الذرّ، عميق خارج عن طور أهل البحث خروجاً شديداً؛ وبعُدت أذهانهم عن دركه بُعداً بعيداً، وقد وقعت الإشارة إليه، حيث ذكرنا أنّ للإنسان أنحاء من البعث والحشر. واعلم أنّ طوائف العلماء ذكروا في توجيه الخطاب الإلهي والكلام الربّاني إلى المعدوم في حال عدمه وجوهاً: أحدها: ما ذكره القائلون بثبوت المعدومات، وشيئيّة الماهيّات قبل وجوداتها، كالمعتزلة القائلين بثبوت المعدوم ثبوتاً خارجيّاً، وكبعض المتصوّفة القائلين بثبوته ثبوتاً علميّاً في الأزل، وهو أن الخطاب مع أفراد البشر حين ثبوتها في الخارج أو في علم الله، وقد أُقيمت البراهين على [بطلان] شيئيّة المعدوم في الكتب العقليّة، وزيّف القول بها بما لا مزيد عليه. وثانيها: ما يبتني إمّا على قول بعض الحكماء القائلين بِقدَم الأرواح الإنسانيّة، أو على القول بتقدّمها على الأبدان بألفي عام، كما ورد في الحديث النبوي - على قائله وآله السلام - وفي رواية "حديث : خلَق اللهُ الأرواحَ قبلَ الأجسامِ بأربعةِ آلاف سنة" تفسير : وأنّ الخطاب والعهد وقعا على الأرواح الإنسانية قبل تعلّقها بالأبدان العنصريّة. وهذا أيضاً مقدوح - لدلالة البراهين القائمة على بطلان تقدّم النفوس بأنحاء وجوداتها المختصّة على الأبدان -، فضلاً عن قِدمها. وقد ذكر معلم الفلاسفة وجوهاً من البراهين على أنّ حدوثها بحدوث الأبدان، وذلك لأنّ المفارقات عن الأجسام وعلائقها لا تغيّر ولا تجدّد لها، ولا تسنح لها حالة غريبة الجأتها عن مفارقة عالم القدس والطهارة، واقليم الخير والسعادة الى هذا المهوى الذي هو منبع الشرور والآلام، ومعرض الأمراض والهموم والأعدام. وحمل بعضهم الأرواح والأجسام المذكورتين في الحديث المذكور، على الأرواح الكليّة والأجرام الكليّة، ونحن قد علمنا في شرح هذا الحديث، وتعيين المذكور فيه على كلتا الروايتين رسالة على حدة. وثالثها: قول المحقّقين من أهل التوحيد، وهو أنّ الخطاب بقوله تعالى: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف:172] في أخذ الميثاق، كان لحقيقة الإنسان الموجودة في العالم الإلهي والصقْع الربوبي، فإنّ لكل نوع طبيعيّ حقيقة عقليّة، وصورة مفارقة، ومثالاً نوريّاً في عالَم الحقائق العقليّة والمُثل الإلهيّة، هي صور ما في علم الله عند الحكماء الربّانييّن والعرفاء الأقدمين، وهم كانوا يسمّونها بأرباب الأنواع، زعماً منهم أنّ كلاً منها مَلَك موكّل بإذن الله، يحفظ باقي أشخاص ذلك النوع الذي هو صورتها عند الله في عالَم الصور المفارقة، والمُثل النوريّة العقليّة، ونسبته إليها نسبة الأصل إلى الفروع، ونسبة النور إلى الأظلال. والفرق بين الحقيقة الإنسانيّة وسائر الحقائق، بأن كلاّ منها مربوب اسم واحد من الأسماء الإلهيّة، وهذه الحقيقة مظهر الاسم "الله"، المتضمّن لسائر الأسماء ومربوبه، وبأنْ ليس لأفراد غيرها التنزّل عن المرتبة التي هي عليها، ولا الترقّي من مقام إلى مقام، حتى تنتهي إلى الحضرة الإلهيّة، بخلاف هذه الحقيقة الإنسانيّة المستعدّة بصورتها الكونيّة للخلافة الربّانية، وبصورتها العقليّة للوفاء بالميثاق في النهاية، كما للقبول لأخذه وعقده في البداية. وهذا مما هو محقّق عند القائلين بأنّ للإنسان صعوداً وهبوطاً بحسب تطوّره في الأطوار؛ ففي الهبوط نزل من عالَم القدس والجنّة بأمره تعالى، وقوله: {أية : ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [البقرة:36]. وفي الصعود يرتقي إلى جوار الله ومقام قاب قوسين ومقام المكالمة الحقيقية، وإلى حيث يقول: "حديث : منْ رآني فقَدر رَأى الحقَّ"تفسير : . ويقول: "لي معَ الله وقتٌ لا يَسعني فيه ملكٌ مقربٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ". ثم لا يخفى على أولى النهى، أنّا لا نجد ولا ندري انّ الله تعالى ذكر أنّه كلّم أحداً وهو بعدُ لم يجئ إلى عالم الكون، إلاّ بني آدم، فإنّه كلّمهم وهم بعدُ غير موجودين في العالم، وأجابوه وهم لم يتولدوا ولم يحدثوا بعدُ، فجرىٰ لهم بالجود الربّاني ما جرىٰ - لا بالوجود الإنساني - وإلى ذلك المقام سينتهي المنتهى بأن يكون سمعه وبصره ولسانه، كما قال في الحديث القدسي: "حديث : كنتُ له سمعاً وبصراً ولساناً، فبي يسمعُ وبي يبصرُ وبي ينطقُ"تفسير : ، وإلى هذا أشار الجُنيد حين سئل: "ما النهاية؟" فقال: "الرجوعُ إلى البداية". وأما معنى قطع هذا الميثاق ونقض العهد الواقع في البداية، فهو أنّ تلك الحقيقة الإنسانيّة الموجودة قبل هذه الأكوان الترابيّة في عالَم الحضرة الربوبيّة، كانت ذات جهات وحيثيّات عقليّة، تضاعفَت عليها من تضاعيف الإشراقات النورية الواجبيّة، وتضاعيف النقائص الإمكانيّة، وكثرة الإزدواجات الحاصلة بين جهات النور والظلْمة، والوجوب والإمكان والكمال والنقصان. فهذه الجهات العقليّة، هي أسباب كثرة الأكوان لأفراد الإنسان، وهي المعبَّر عنها بالذرّات المستخرجة بحسب الفطْرة، فإنّه استخرج الله من ظهْر آدم ذرّات بَنيه، واستخرج أيضاً من ظهورهم ذريّات ذريّاتهم المودعة فيها إلى يوم القيامة. إذا تصورت هذا، فاعلم أنّ المستمعين منهم للخطاب، كانوا على ثلاث طبقات: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال؛ وجعل الله لكلّ منهم سمْعاً وبصَراً وفؤاداً - على حسب حاله ومقامه -. ثمّ نظر إلى السابقين بنظر المحبة، وجعلهم قابلين لنور المحبّة، كما في قوله: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة:54]. ونوّر سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم بأنوار اللطف والكرامة". فلما قال لهم: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف:172] فسمعوا الخطاب بالسمع المنوَّر، وشاهَدوا الجمال بالأبصار المنَّورة، وأحبّوا لقائه بالقلوب المنوّرة، فأجابوه بلسان المحبّة يقيناً حقّاً، وايماناً وتسليماً، وتعبّداً ورقّاً. وأمّا أصحاب اليمين، فسمعوا الخطاب بسمع القابليّة، وأبصروا الشواهد بالأبصار الخالية عن الغشاوة، وفهموا تعريف الوحدانيّة بالقلوب الصافية، فأجابوه بلسان الايمان تعبّداً ورِقّاً، وقالوا: {بَلَىٰ} أنتَ ربُّنا ومعبودنا. وأما أصحاب الشمال، فامتحنوا بإظهار العزّة والعلى، واحتجبوا برداء الغيرة والكبرياء، فسمعوا الخطاب من وراء الحجاب، وعلى السمْع وقْر البُعْد، وعلى الأبصار غشاوة الحجُب الظلمانيّة، وفي القلوب ختم الظُلمة لأنها في أكنّة العزّة، فلم يسمعوه بسمع القبول والطاعة، فأجابوا بلسان الإقرار جبراً واضطراراً، ودهشة وافتقاراً. فقد انكشف لك أنّ لأفراد البشر قبل ورودهم إلى الدنيا هويّات عقليّة مستخرجة من ظهر أبيهم العقلي، فتجلّى الله عليهم قبل وجودهم، وربَّاهم، وشاهدوه بَلاهم، وسمعوا خطابه، وأجابوه اقراراً بوحدانيّته وربوبيّته في نشأة سابقة على هذه النشأة لهم. فصل واعلم أن لله تعالى عهداً عامّاً أخذه على جميع الموجودات، وهو أن يطيعوه ويعبدوه ويسبّحوه ويعظّموه، لأنّ الكلّ حيٌّ قائم ناطقٌ بحياة سارية في الأشياء من الحيّ القيّوم، ونور يفيض عليها من نور الله الفائض على السموات والأرض. وعهوداً مخصوصة وهي ثلاثة أجناس: عهد أخذه على جميع ذرية آدم، بأن يقرّوا بربوبيّته لساناً واعترافاً، كما أقرّوا به فطرة وحقيقة وشهوداً عقليّاً، كما أخبر عنه تعالى بقوله: {أية : قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَا}تفسير : [الأعراف:172]. وعهد خصَّ به النبيّين أن يقيموا الدين، ولا يتفرّقوا، ويبلّغوا الرسالة إلى الخلْق أجمعين، كما في قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ مِيثَاقَهُمْ} تفسير : [الأحزاب:7]. وعهد خصّ به العلماء بأن ينصّوا الحق ولا يكتموه، وهو قوله: {أية : وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} تفسير : [آل عمران:187]. فصل [تأويل قوله تعالى: {مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}] الضمير في قوله: {مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} راجعٌ إلى العهد. و"الميثاق" صيغة مصدر أُريد بها ما تقع به الوثاقة، أي الإحكام، والمراد به: أمّا من قِبل الله فبما وثّق الله به عهده من إنزال الآيات والكتب، وأما من قِبلهم فبما وثّقوه من القبول والالتزام والاستعداد، ويحتمل أن يراد بها المعنى المصدري. وكلمة "مِنْ" ابتدائية، لأنّ إبتداء النقض كان بعد الميثاق، إذ لو كان قبله لم يستحقّوا الذمّ هذا المبلغ، وفيه إشارة إلى أنّ أولئك الضالّين، بعد أن حصّلوا مقدمات علم التوحيد، ووصلوا إلى مرتبة يستعدّوا بها لإدراك المعرفة واليقين، رجعوا إلى مقام الجحود والإنكار طلباً للرياسة والجاه، وترفُّعاً عن قبول التعلّم، وإعراضاً عن سماع الآيات، وانهماكاً في طلب اللذات، حتى صاروا قواطع طريق الحقّ. فقوله: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} معناه: إنّهم كانوا يقطعون على من هو بصدد السلوك على طريق الحقّ، والمشي على صراط التوحيد سبيلَهم، بإفساد عقائدهم بالشُبه المضلّة، وانكار المعجزات النبويّة، والقدح في حقّية العلوم الإلهية والآيات، والحال أنّهم أمروا أن يوصلوا طريق الحق والتوحيد، ويصلوا رحم القرابة الإيمانية والرابطة الإلهيّة، فإن للوجود الحقيقي رباطاً وحدانيّاً، وللقرابة المعنويّة الإيمانيّة صلة منشأوها الرحمة الرحمانية، كما أن للوجود الصوري اتّصالاً، وللقرابة الصوريّة صلة منشأوها الرحم الرحمن الانعطافي. بيان ذلك: أن الإنسان حيث هبَط بأمر الله عن عالَم الوحدة الإلهيّة إلى جنّة أبيه آدم عليه السلام، ثم نزَل بأمر {أية : ٱهْبِطُواْ} تفسير : [الأعراف:24] إلى أرض البشرية، وانقطَع عن عالَمه الأصلي إلى دار الفرقة والتشتّت. ثمّ هو مأمور بحسب الأمر التكويني والأمر التشريعي، بأن يرتقي عن هذا العالم، ويتجرّد عن قشور الخلقية، ويتخلّص عن علائق الطبيعة، ويستبق الخيرات، ويسابق إلى الجنّة، إلى أن يصل إلى عالَم الرحمة والمعرفة، وهو قوله: {أية : فَٱسْتَبِقُواْ ٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [البقرة:148]. وقوله: {أية : سَابِقُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الحديد:21]. وقوله: {أية : وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ} تفسير : [الزمر:54]. وقوله: {أية : ٱرْجِعُوۤاْ إِلَىٰ أَبِيكُمْ} تفسير : [يوسف:81]. فعند وصول الروح الإنساني إلى درجة أبيه المقدّس، يتّصل آخر دائرة الوجود بأوّلها، ويزول عنه الفرقة الكونيّة باللحمة المعنويّة الوجوديّة. وكما أن في البداية كان عقلاً، ثمّ نفساً، ثمّ صورة، ثمّ جسما؛ ففي العَوْد إلى النهاية صار بدَناً، ثمّ صورة بشريّة، ثم قلباً معنوياً، ثمّ روحاً منفوخاً إسرافيلياً قائماً بذاته، ناظراً إلى ملكوت الأشياء لقوله: {أية : ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} تفسير : [الزمر:68]. ثم روحاً إلهياً أمريّاً لقوله: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}تفسير : [الحجر:29]، وقوله: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}تفسير : [الإسراء:85]. فهذا تأويل قوله: {مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}، فما أمرَ الله بوصله، هو عين الروح الأمري الذي أمرنا الله في ايجاده ايّانا أمراً تكوينياً، بأن يصل إلى مقام الروح بالعلم والتقوى، والمعرفة والهدى. وقيل: يحتمل كل قطيعة لا يرضاها الله تعالى كقطيعة الرحم، والإعراض عن موالاة المؤمنين والعلماء، والتفرقة بين الأنبياء والكتب في التصديق، وترك الجماعات المفروضة، وسائر ما فيه ترك خير أو تعاطي شرّ، فإنّه يقطع الوصلة بين الله وبين العبد، المقصودة بالذات من كلّ وصل وفصل. وهذا عند التحقيق راجع إلى ما ذكر أولاً. و "الأمر": هو القول الطالب للفعل. وقيل: "مع العلوّ والاستعلاء". واطلاقه على الأمر الذي هو واحد الأمور، تسمية للمفعول به بالمصدر، فإنّه ممّا يؤمر به، كما قيل له: "شأن" وهو الطلب والقصد، يقال: "شأنت شأنه" أي: قصدت قصده. ثمّ الأمور كلّها في هذا العالَم - عالَم الخلْق - حاصلة بأمره تعالى وقوله، وهو عالم الأمر كلّه، لأن أمره وقوله وكلمته ليس من جنس الأصوات والحروف والحركات؛ بل أمره التكويني جوهر الروح، كما قال: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} تفسير : [الإسراء:85]. {أية : وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ} تفسير : [النساء:171]. وما يحصل منه بواسطة أمره التكويني، هو عالم الخلق، وإذا قطع النظر عن ترتيب الوسائط والأسباب، ونسب الكلّ إليه ابتداء، كان كل شيء أمره الايجادي، لعدم المغايرة بين أمره تعالى والمأمور بأمره تعالى في الأمر الايجادي، بخلاف الأمر التشريعي منه، أو الأمر الصادر من غيره، فإنّ الآمر والمأمور به فيهما متغايران، كما وقعت إليه الإشارة سابقاً. فصل {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ} فسادهم إمّا متعدّ أو لازم: فالأول: كمنعهم عن طاعة الرسول، واتّباع شريعته (صلى الله عليه وآله)، لأنّ تمام صلاح أهل الأرض بطاعة الله والتزام شرائعه، إذ بهذا الإلتزام يندفع الجور والظلْم، ويبقى الحرْث والنسل، وتُحفّظ الأنواع فيها، ويظهر العدل الذي به قامت السموات. والثاني: هو عزل القوى عما خلِقت لأجله، وعدم استعمالها فيه، فيجب تمكين الدواعي النفسانيّة، واستيلاء الشهوة والغضب، وغلبة الوهم على العقل، فيفسد في أرض البدن التي خلقت هي وقواها لأن يعبدوا الله فيها وأنابوا إليه. وقوله: {أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ}: يعني: مَن فعَل ذلك فهو الخاسر، وذلك إمّا لأنهم باعوا اللّذات العُلىٰ والسعادات القصوى الباقية بهذه اللّذات الخسيسة البدنية الفانية، أو لأنّ لكل أحد في الجنّة أهلاً ومنزلاً، فإن أطاع الله وجدَه، وإن عصاه ورثه المؤمنون، فذلك قوله: {أية : إِنَّ ٱلْخَاسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوۤاْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ}تفسير : [الزمر:15]. أو لأنّهم خسروا حسناتهم التي عملوها، والآية في اليهود - وكانت لهم أعمال بحسب شريعتهم -، وفي المنافقين - ولهم أعمال ظاهرة عملوها رياء واتّقاء للناس، فحبط ما صنَعوا وباطلٌ ما كانوا يعملون -. قال القفّال: الخاسر: إسم عامٌّ يقع على من عَمِل عمَلاً لا يجزى عليه، كالرجل إذا عنّى نفسه، وصرف وقته في أمر فلم يأت بنفع قيل: "خائبٌ خاسرٌ"، لأنّه كمن أعطى شيئاً ولم يأخذ بإزائه ما يقوم مقامه، فسمّي الكفار الذين يسعون في الحياة الدنيا بالمعاصي خاسرين، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [العصر:2 - 3]. وقال: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [الكهف:103 - 104]. أقول: اعلم أنّ أعظم الخسران خسران النفس، لأنّ وجدان كلّ شيء بعد وجدان الذات وبسببه، فإذا هلكت هلك عنها كل شيء، كما في قوله:{أية : هَّلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ} تفسير : [الحاقة:29]. وتحقيق ذلك: أنّ الأفراد الإنسانيّة مشتركة في أنّ لكلّ منها نفس مدركة للجزئيات بالوهم والخيال، وهذه النفوس نفوس بالفعل، عقولٌ بالقوة، فإذا خرجت من القوّة إلى الفعل، صارت عقولاً بالفعل بالروح الإضافي المنفوخ فيها من الله، وإنّما تخرج من القوة النفسانية إلى الفعل الروحي الأمري، بمزاولة أعمال دينيّة، وتحصيل علوم حقيقيّة، وللإنسان بإزاء هاتين المنزلتين حياتان أُخرويّتان: إحداهما: حياة الذين يرزقون عند الله من الأرزاق المعنويّة العلميّة، فرِحين بما آتاهم الله من فضله من الأنوار العقليّة الأبديّة. وثانيتهما: حياة حيوانية، يدرك بها إمّا نعيم السعداء ممّا تشتهيه الأنفس، أو جحيم الأشقياء مما تتعذّب به النفوس الشقيّة، كما في قوله: {أية : فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا ٱلَّذِينَ} تفسير : [هود:105 - 106] الآية. إذا ثبت هذا فنقول: إنّ الإنسان إذا صرَف قواه في هذه الحياة الدنيا - التي هي حركة مّا جبليّة إلى النشأة الآخرة - إلى غير ما خُلقت لأجله وهو تحصيل الروح الأمري الذي هو باقٍ عند الله -، ثم ضاعت عنه القوة الاستعدادية التي كانت له بمنزلة رأس المال، وانقلبت صورة ذاته إلى أن صار الإنسان أضلّ من الأنعام، وأنزل درجة من الحشرات والديدان، فقد خسر ذاتَه ونفسَه، فهذا هو الخسران المبين.

الجنابذي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ} تابع للفاسقين صفة او بدل او عطف بيان او مبتدأ خبره اولئك هم الخاسرون، ونقض الحبل فسخ فتل طاقاته، واستعماله فى العهد لتشبيه العهد بالحبل وكلّما ذكر عقد او عهد فى الكتاب مطلقاً كان او مقيّداً عامّاً او خاصّاً فالمراد به اوّلاً وبالذّات هو الّذى يكون فى البيعة العامّة او الخاصّة وثانياً وبالتّبع كلّ عهدٍ وعقدٍ والمراد بهم الّذين ينقضون عهد الله المأخوذ عليهم بالبيعة مع محمّد (ص) {مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ} وهم الّذين نكثوا بعد محمّد (ص) ولذا أتى بالفعل مستقبلاً او المراد هم الّذين نقضوا عهد الله المأخوذ عليهم من بعد ميثاقه والبيعة مع محمّدٍ (ص) وخلفائه واوصيائه (ع) والميثاق امّا اسم آلة بمعنى ما به الوثوق والاحكام، او مصدر بمعنى الاحكام والحاصل انّ المراد بالّذين ينقضون منافقوا الامّة الّذين بايعوا مع محمّدٍ (ص) ثمّ نقضوا عهدهم الّذى عاهدوه باطاعته فى جميع اوامره ونواهيه. بيان قطع ما امر الله به ان يوصل {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} بدل من ما، او من الضمير المجرور، والقطع امّا بمعنى التّرك والمهاجرة فانّ قوله (ع) حديث : صل من قطعك تفسير : بمعنى من هاجرك وتركك والمعنى يتركون ما أمر الله بوصله واصل ما أمر الله بوصله الولاية التكليفيّة الّتى هى ظهور الولاية التكوينيّة وسائر الاعمال الشرعيّة القالبيّة والاعمال القلبيّة والقرابات الروحانيّة والجسمانيّة من شعبها واصل الكلّ علىّ (ع) او القطع بمعنى قطع الحبل اى فصل كلّ من طرفيه عن الآخر وجعله حبلين والمعنى يقطعون حبلاً بينهم وبين الله او بينهم وبين الاقرباء من امر الله بوصله من الولاية وشعبها ومن القرارات الرّوحانيّة والقرارات الجسمانيّة، ويجوز ان يراد انّهم يقطعون الاعمال البدنيّة عن الارواح الّتى هى الاذكار القلبيّة والافكار الصدريّة والنيّات الالهيّة وقد امر الله بوصل الاعمال سواء كانت عباداتٍ او مرّمات للمعاش الى الاذكار والافكار. تحقيق الافساد فى الارض {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ} من قبيل عطف المسبّب على السّبب فانّ الافساد فى الارض عبارة عن افناء مواليدها او افناء كمالاتها او منعها عن البلوغ الى كمالاتها المترقية لها او تحريف كلماتها التكوينيّة او التّدوينيّة عن مواضعها والقاطع عن الولاية مفنٍ لاستعدادات قواه العّلامة والعمّالة للسّلوك الى الآخرة ومهلك لما تولّد بالعناية الالهيّة من بذر الآخرة وزرعها ونسلها فى ارض عالمه الصّغير وكذا فى ارض العالم الكبير اذ الفاسد يفسد ما يجاوره على انّ الافساد فى ارض العالم الصغير افساد فى العالم الكبير، وكذا فى أراضى الكتب السّماويّة والشرائع الالهيّة لانّه كما يحرّف كلمات عالمه الصغير وكذا كلمات العالم الكبير عن مواضعها يحرّف كلمات الكتب السّماويّة والشّرائع الالهيّة. {أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} الّذين أهلكوا بضاعتهم الّتى هى لطيفتهم السيّارة الانسانيّة واستعدادها للعروج الى عالمها، والاتيان باسم الاشارة البعيدة وضمير الفصل وتعريف المسند للاهانة واستحضارهم بالصّفات المذكورة والتّأكيد والحصر كأنّه لا خسران الاّ فى قطع الولاية.

اطفيش

تفسير : {الَّذِين يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ}: الذين نعت الفاسقين نعت ذم. ذمهم وشنع عليه بترك العهد الذى استوثق الله - عز وجل - عليهم به، وهو العهد المأخوذ بالعقل، وهو ما ركز فى عقولهم من الحجة على التوحيد، لما خلق الله فى عقولهم ما يدركون به التوحيد، لو استعملوا عقولهم صار بمنزلة ما أدركوه، واستوثق الله عليهم ألا يتركوه، وأعنى بالتوحيد: التوحيد الكامل، وهو التصديق بالله ورسوله وما جاء به من القرآن والوحى، وقد فسر بعضهم قوله تعالى:{أية : وأشهدهم على أنفسهم}تفسير : بركز الحجة على الحجة على التوحيد فى عقولهم، أو المراد بالعهد ما عهد إليهم فى التوارة والإنجيل، ومن إيجاب التصديق بالرسل للمعجزات المقرونين بها، وعدم كتمانهم. ففى التوراة: وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم. وفى الإنجيل: سأنزل كتاباً فيه أبناء بنى إسرائيل وما أريته إياهم من الآيات، وما أنعمت عليهم، وما نقضوا من ميثاقهم الذى أوثقوا به، وما ضيعوا من عهده إليهم، وحسن صنعى بالذين قاموا بميثاق الله، وأوفوا بهداى ونصرى إياهم، وكيف أنزل بأسى ونقمتى بالذين غدروا ونقضوا. وحرف اليهود اسم النبى محمد صلى الله عليه وسلم، كما فعلوا باسم عيسى عليه السلام، فذلك الذى ألزمهم الإيمان هو العهد إذا نعموا بقلوبهم وألسنتهم. بل اتضاح الحجة كانها عهد أقروا به إذ لم تبق شبهة تمنعهم من التصديق، أو المراد عهد الله إليهم ألا يتظالموا ولا يتقاطعوا... وقيل العهود ثلاثة: عهد على ذرية آدم جميعاً. قال الله تعالى:{أية : وإذا أخذ ربك..}تفسير : إلخ وعهد خص به النبيين أن يقيموا الرسال والدين ولا يتفرقوا فيه، قال الله تعالى:{أية : وإذا أخذنا من النبيين ميثاقهم}تفسير : وعهد خص به العلماء قال الله تعالى:{أية : وإذ أخذنا من النبيين}، {أية : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتو الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه}تفسير : وقد فسر بعضهم العهد فى الآية بقوله تعالى:{أية : ألست بربكم قالوا بلى}تفسير : وفسره بعض: بالعهد الذى ألزم الله اليهود فى التوراة أن يؤمنوا بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ويبينوا نعته وصفته. وبعض: بإبطال الكفار والمنافقين ما أبرم الله تعالى فى القرآن من الأحكام الشرعية. والعهد: التقدم فى الشىء والوصاية به، والآية فى الكفار. قال عياض: كل عهد جائز بين المسلمين، فنقضه لا يحل بهذه الآية. واعلم أن الله - عز وجل - شبه ترك العهد بنقض الحبل، وهو فك طاقاته، تشبيهاً غير مصرح بأداته، وإنما علمناه من إضافة العهد إلى الله، فاشتق من النقض المستعار من نقض طاقات الحبل، لترك العهد ينقض، بمعنى يترك. فالاستعارة فى ينقضون تبعية تصريحية تحقيقة والعهد قرينة، وإن شئت فقل: شبه العهد بالحبل تشبيهاً غير مصرح به ولا بأداته، وإنما نعلمه بإثباته للعهد ما هو حقيق بالحبل ومناسب له، وهو النقض. فهذا التشبيه استعارة بالكناية وقرينته النقض. وقيل الاستعارة بالكناية لفظ المشبه به المضمر، وقيل لفظ المشبه المستعمل فى لفظ المشبه به المجازى، وقد أطلت بيان هذه المذاهب فى شرحى على شرح عصام الدين، وإذا جرى على سمعك أن فى تشبيه العهد بالحبل استعارة بالكناية وأن ينقض قرينته، علمت أنه لا يجب فى قرينة الاستعارة بالكناية أن تكون استعارة تخييلية، فإن استعارة لفظ ينقض لمعنى يترك استعارة تحقيقية، ولو لم يكن فى لغة العرب الكريمة إلا بلاغة الاستعارة بالكناية لفاقت لغات العجم كلها، فإن ما فيهن من ذلك مأخوذ منها، وذلك أن يسكت العرب عن ذكر الشىء المستعار، ثم يرمزوا إليه بذكر ما يناسبه، وذلك من أسرار البلاغة ولطائفها، فلو قلت فى إنسان كثير الأكل إنه يأكل من مخلاة، لقلنا إنك قد شبهته بنحو الفرس فى الأكل. فكذلك لما أثبت النقض العهد، علمنا أنه شبهه بالحبل، ووجه الشبه أن الاتصال بين الشيئين كما يكون بين الحبل وما يربط به، كذلك يكون بين المتعاهدين. فإن العهد وصلة بين شيئين كالحبل. إلا أن وصلة الحبل حسية، ووصلة العهد معقولة، كعهد الوصية وعهد اليمين وعهد الدار لأنها يرجع إليها وعهد التزويج لأنه يحفظ والميثاق مصدر بوزن مفعال كالميعاد بمعنى الوعد، ومجىء المصدر بوزن مفعال قليل، يحفظ ولا يقاس عليه، أى يتركون عهد الله بعد وثقه، أى بعد إحكامه وإبرامه. وقيل اسم مصدر، والمصدر إيثاق، فالأصل من بعد إيثاقه، على أنه من أوثق فوضع الميثاق موضع الإيثاق، كوضع العطاء موضع الإعطاء، ولا حاجة إليه لأن وثق يجىء متعدياً كما يجىء لازماً، وهو بلفظ الثلاثى وهو من اللازم، لكن الإضافة تجوز لأدنى ملابسة، فيجوز أن تكون الهاء للعهد، وهو المفعول الذى يتوصل إليه اللازم بالجار، والإضافة تصح لأدنى ملابسة، فلا مانع أن تكون هاء الفاعل، وهو الله - سبحانه وتعالى - أى من بعد وثوق الله به، وأيضاً أن مفعالا من الأسماء المأخوذة من الثلاثى لا من الرباعى، فكونه من الوثوق أولى من كونه من الإيثاق، فيجوز كونه اسم آلة من الوثوق، أى من بعدما وثق الله به عهده من الآيات والكتب، وما وثقوه به من الالتزام والقبول. ولا يجوز أن يجعل اسم آلة من أوثق لأن مفعالا اسم آلة من الثلاثى، ومن على تلك الأوجه للابتداء، لأن ابتداء النقض يتصور بعد حين حصول العهد، وقال ابن مالك: بجواز كون من زائدة، مع قبل وبعد، والهاء على الأوجه كلها أيضاً عائدة إلى العهد، أو إلى الله سبحانه وتعالى. {وَيقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}: قال ابن عباس: يقطعون ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق، فآمنوا ببعض وكفروا ببعض، وهم اليهود وقريش، فإن قريشاً أنكروا رسالة سيدنا محمد، وقيل يقطعون ما أمر الله به من صلة الرحم، وقيل المراد أنهم يقطعون ما أمر الله به من صلة الرحم والمؤمنين. والذى عندى أن المعنى أنهم يتركون ما أمر الله به ألا يترك، فيدخل فيه الإيمان بالأنبياء كلهم والكتب، وصلة الرحم، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان. وحج البيت، وقراءة القرآن ونحو ذلك من أحكام الدين. ووصل كل شىء من ذلك فهو فعله، وقطعه هو تركه. وأما فعل المحرمات فداخل فى قوله بعد ذلك: {وَيُفسِّدُونَ فِى الأَرْضِ} وإن شئت فقل يدخل فى قوله: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} فالوصلة بين المكلف والنهى عن المحرمات أن يتبع النهى فيترك المحرمات، فإذا طرح النهى وراء ظهره واقتحم المحرمات، فقد قطعه. والأمر فى لغة العرب إنما يطلقونه على الكلام الطالب للفعل فيسمون طلب الأدنى من الأعلى أمراً، وطلب المساوى كما يسمونه طلب الأعلى من الأدنى، وقيل يطلقونه على طلب الأعلى من الأدنى، وأما المساوى فالتماس، وأما الأدنى من الأعلى فدعاء، وقيل يطلقونه على طلب الأعلى من الأدنى، وعلى طلب مدعى العلو على من دونه فى ادعائه، ولو لم يكن كما ادعى، وأما المساوى: فالتماس، والأدنى: دعاء، والأمر الذى هو واحد الأمور مسمى باسم الأمر الذى هو واحد الأوامر، الذى هو الطلب المذكور، تسمية للمفعول بالمصدر. فإن الأمر الذى هو أحد الأمور مما يؤمر به فى الجملة، فالورقة مثلا أمر من الأمور، سميت لأنه يؤمر بها فتسوى أو تسطر أو تكتب أو تجلد وإن شئت فقل: يشبه الداعى إلى الشىء بأمر يأمر به. ويدل لذلك أنه يقال للأمر الذى هو واحد الأمور: شأن والشأن مصدر فى الأصل بمعنى الطلب، والقصد يقال: شانت شانه أى قصدت قصده، وشانت شانا أى قصدت قصدا، فالشان الذى هو بمعنى واحد الأمور بمعنى مشون فى الأصل قيل تغلب الاسمية على المعنى المفعولى وأن يوصل فى تأويل مصدر مجرور بدل اشتمال من الهاء فى به، وهو أولى لقربه وصراحته فى المراد، ويجوز كونه بدلا من ما، بدل اشتمال من منصوبا. {وَيُفْسِدُونَ فِى الأَرْضِ}: بفعل ما نهوا عنه، كالظلم والزنى والغضب والسرقة وصدر الناس عن الإيمان والاستهزاء بالحق. أو بقطع ما أمر الله به أن يوصل، وكالإشراك بالله تعالى. {أُولَئِكَ الخَاسِرُونَ}: أى الذين كان لهم النقص فى معاملتهم بأن أخذوا الردىء فى الحسن إذ تركوا الجنة وأخذوا النار بتسببهم لها بأعمالهم أو عملوا السوء من الشرك والمعاصى الموصلة إلى النار، وتركوا الإيمان والطاعة الموصلة إلى الجنة، فإن العمل الصالح كالوفاء والوصل شىء حسن فى نفسه. وأيضاً يوصل إلى أحسن، وهو رضى الله - جل وعلا - وإلى حسن وهو الحنة، وعمل السوء خبيث فى نفسه، موصل إلى أمر عظيم جداً، وهو غضبه تعالى، وإلى عقاب غليظ وهو جهنم.

اطفيش

تفسير : {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ} يبطلون إبطالا شبها بفك طاقات الحبل، العهد الشبيه بالحبل فى التوصل به إلى المراد، من نجاة من مكروه، وفوز بما يحب، وهو ما أنزل الله عز وجل فى كتبه، القرآن وما قبله، من الإيمان به صلى الله عليه وسلم، فإن ذلك كالمعلوم ولو لم يعلم لقوة حججه كأنه معلوم، ولو لمن لم يعلمه، وزاد أهل الكتاب بما فى كبتهم من أخذ الميثاق عليهم وعلى أنبيائهم، أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقد أخذ الله العهد بالإيمان على بنى آدم يوم قال: {ألست بربكم}، وأخذ الله العهد على الأنبياء، أن يقيموا الدين ويؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأخذ العهد على أنفسهم، أن يؤمنوا به، وأخذا العهد على العلماء، وعلى من علم أن يبينوا الحق، والآية فى الكفار عموماً، شبه العهد، وهو ما عهد الله عز وجل إلى الخلق من الدين بالحبل بجامع التوصل إلى المقصود والارتباط، ولم يذكره، ودلّ له بذكر مناسبه، وهو النقض، فالحبل استعارة بالكناية، وقرينتها تصريحية تبعية، وهى ينقض، فهنا استعارة مكية، قرينتها استعارة تحقيقية لا تخييلية، شبه إبطال العهد بقطع الحبل أو فك طاقاته، فسمى الإبطال نقضا، واشتق منه ينقض {مِنْ بَعْدِ مِيثَٰقِهِ} تأكيد الله وإبراامه للعهد بالأدلة الفعلية والنقلية، كالكتب من الله، فالهاء للمضاف إليه، وهو الله، ولا إشكال فيه، إذا كانت الإضافة لفظية، كالإضافة إلى الفاعل كما رأيت، أو المفعول كما ستراه، إن شاء الله، فإنها فى منزلة عدم الإضافة أو من بعد ميثاق العهد، أى إبرامه كذلك أو تأكده وتقويه من الله، أو منهم بالقبول والالتزام، فالهاء للعهد، والميثاق التوثق أو التوثيق، أو آلة. أى ما وثق الله تعالى به عبده من الآيات {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} أى بأن يوصل، وهو الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء، وعدم التفرقة بين رسول الله وآخر، وكتاب آخر، والرحم، والمؤمنين، والجهاد وسائر الدين، وما ذكر من العموم أولى فى تفسير ما أمر الله به، بمحمد صلى الله عليه وسلم، وإطلاق ما عليه، ومن تفسيره بالقرآن أو الرحم، ومن تفسيره بوصل القول بالعمل، ومن تفسيره بالأنبياء وأن يوصل بدل اشتمال من الهاء كما رأيت، والأمر طلب الفعل جزما ولو ندبا، أو بشرط العلو ولو ادعاء، أو بشرط تحقق العلو {وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ} بالمعاصى مطلقا، أو بالمنع عن الإسلام، وقطع الطريق عن من يهاجر، وهو أولى {أُولَٰئِكَ} البعداء عن مقام الخير بصفاتهم الخبيثة {هُمُ الْخَٰسِرُونَ} المبطلون لمصالح أنفسهم، إذا صاروا للنار، إذ لم ينتفعوا للآخرة بعقولهم، وأموالهم، وأبدانهم، وأولادهم، جاههم، وأبطلوا نساءهم فى الجنة ومنازلهم فيها، فلا رأس مال ولا ربح.

الالوسي

تفسير : {ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ} يحتمل النصب والرفع، والأول إما على الاتباع أو القطع أي أذمّ والثاني إما على الثاني من احتمالي الأول أو على الابتداء، والخبر جملة {أية : أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} تفسير : [النمل: 5] وعلى هذا تكون الجملة كأنها كلام مستأنف لا تعلق لها إلا على بعد. و - النقض - فسخ التركيب، وأصله يكون في الحبل ونقيضه الإبرام وفي الحائط ونحوه، ونقيضه البناء. وشاع استعمال النقض في إبطال العهد - كما قال الزمخشري - من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة لما فيه من ثبات الوصلة بين المتعاهدين، وهذا من أسرار البلاغة ولطائفها أن يسكتوا عن ذكر الشيء المستعار ثم يرمزوا بذكر شيء من روادفه فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه نحو قولك: عالم يغترف منه الناس، وشجاع يفترس أقرانه. والحاصل أن في الآية استعارة بالكناية، والنقض استعارة تحقيقية تصريحية حيث شبه إبطال العهد بإبطال/ تأليف الجسم، وأطلق اسم المشبه به على المشبه لكنها إنما جازت وحسنت بعد اعتبار تشبيه العهد بالحبل، فبهذا الاعتبار صارت قرينة على استعارة الحبل للعهد، ومن هنا يظهر أن الاستعارة المكنية قد توجد بدون التخييلية وأن قرينتها قد تكون تحقيقية، وتحقيق البحث يطلب من محله. والعهد الموثق، وعهد إليه في كذا إذا أوصاه ووثقه عليه، واستعهد منه إذا اشترط عليه، واستوثق منه. والمراد بالعهد هٰهنا إما العهد المأخوذ بالعقل وهو الحجة القائمة على عباده تعالى الدالة على وجوده ووحدته وصدق رسله صلَّى الله تعالى عليهم وسلم، وفي نقضها لهم ما لا يخفى من الذمّ لأنهم نقضوا ما أبرمه الله تعالى من الأدلة التي كررها عليهم في الأنفس والآفاق وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب مؤكداً لها، والناقضون على هذا جميع الكفار. وأما المأخوذ من جهة الرسل على الأمم بأنهم إذا بعث إليهم رسول مصدق بالمعجزات صدقوه واتبعوه ولم يكتموا أمره. وذكره في الكتب المتقدمة ولم يخالفوا حكمه. والناقضون حينئذٍ أهل الكتاب والمنافقون منهم حيث نبذوا كل ذلك وراء ظهورهم وبدلوا تبديلاً، والنقض على هذا عند بعضهم أشنع منه على الأول، وعكس بعض - ولكل وجهة - وقيل: الأمانة التي حملها الإنسان بعد إباء السمٰوات والأرض عن أن يحملنها، وقيل: هو ما أخذ على بني إسرائيل من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، إلى غير ذلك من الأقوال وهي مبنية على الاختلاف في سبب النزول والظاهر العموم. و {مِنْ} للابتداء وكون المجرور بها موضعاً انفصل عنه الشيء وخرج، وتدل على أن النقض حصل عقيب توثق العهد من غير فصل، وفيه إرشاد إلى عدم اكتراثهم بالعهد - فأثر ما استوثق الله تعالى منهم نقضوه - وقيل: صلة وهو بعيد. والميثاق مفعال وهو في الصفات كثير - كمنحار - ويكون مصدراً عند أبـي البقاء والزمخشري - كميعاد - بمعنى الوعد، وأنكره جماعة وقالوا: هو اسم في موضع المصدر كما في قوله:شعر : أكفراً بعد رد الموت عني وبعد (عطائك) المائة الرتاعا تفسير : ويكون اسم آلة كمحراث ولم يشع هذا وليس بالبعيد، والمراد به ما وثق الله تعالى به عهده من الآيات والكتب، أو ما وثقوه به من القبول والالتزام، والضمير للعهد لأنه المحدث عنه. ويجوز عوده إلى الله تعالى ولم يجوزه السيالكوتي لأن المعنى لا يتم بدون اعتبار العهد فهو أهم من ذكر الفاعل، ولأن الرجوع إلى المضاف خلاف الأصل، وأفهم كلام أبـي البقاء أن الميثاق هنا مصدر بمعنى التوثقة، وفي الضمير الاحتمالان فإن عاد إلى اسم الله تعالى كان المصدر مضافاً إلى الفاعل، وإن إلى العهد كان مضافاً إلى المفعول. وحديث الرجوع إلى المضاف خصه بعض المحققين في غير الإضافة اللفظية، وأما فيها فمطرد كثير، وما نحن فيه كذلك لأنه مصدر أو مؤل بمشتق فيكون كقولك أعجبني ضرب زيد وهو قائم، والوجه أنها في نية الانفصال. {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ} {مَا} المقطوعة موصولة، أو نكرة موصوفة عند أبـي البقاء، وفي المراد بها أقوال: الأول: رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعوه بالتكذيب والعصيان - قاله الحسن - وفيه استعمال (ما) لمن يعقل بل سيد العقلاء بل العقل والثاني: القول فإنه تعالى أمر - أن يوصل - بالعمل فلم يصلوه ولم يعملوا، وظاهر أنها نزلت في المنافقين الثالث: التصديق بالأنبياء أمروا بوصله فقطعوه بتكذيب بعض وتصديق بعض الرابع: الرحم والقرابة قاله قتادة، وظاهره أنه أراد كفار قريش وأشباههم الخامس: الأمر الشامل لما ذكر مما يوجب قطعه قطع الوصلة - بين الله تعالى - وبين العبد المقصودة بالذات من كل وصل وفصل، ولعل هذا هو الأوجه لأن فيه حمل اللفظ على مدلوله/ من العموم ولا دليل واضح على الخصوص. ورجح بعضهم ما قبله بأن الظاهر أن هذا توصيف للفاسقين بأنهم يضيعون حق الخلق بعد وصفهم بتضييع حق الحق سبحانه، وتضييع حقه بنقض عهده وحق خلقه بتقطيع أرحامهم - وليس بالقوي. والأمر القول الطالب للفعل مع علو عند المعتزلة أو استعلاء عند أبـي الحسين، ويفسدهما ظاهر قوله تعالى حكاية عن فرعون: {أية : فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } تفسير : [الأعراف: 110] ويطلق على التكلم بالصيغة وعلى نفسها، وفي موجبها خلاف، وهذا هو الأمر الطلبـي. وقد نقل إلى الأمر الذي يصدر عن الشخص لأنه يصدر عن داعية تشبه الأمر فكأنه مأمور به أو لأنه من شأنه أن يؤمر به كما سمي الخطب والحال العظيمة شأناً. وهو مصدر في الأصل بمعنى القصد وسمي به ذلك لأن من شأنه أن يقصد. وذهب الفقهاء إلى أن الأمر مشترك بين القول والفعل لأنه يطلق عليه مثل {أية : وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } تفسير : [هود: 97]. و {أَن يُوصَلَ} يحتمل النصب والخفض على أنه بدل من {مَا} أو من ضميره، والثاني: أولى للقرب ولأن قطع ما أمر الله تعالى بوصله - أبلغ من قطع وصل ما أمر الله تعالى به نفسه، واحتمال الرفع بتقدير هو - أو النصب بالبدلية من محل المجرور أو بنزع الخافض أو أنه مفعول لأجله أي لأن - أو كراهية - أن ليس بشيء كما لا يخفى. {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ أُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ} إفسادهم باستدعائهم إلى الكفر والترغيب فيه وحمل الناس عليه أو بإخافتهم السبل وقطعهم الطرق على من يريد الهجرة إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أو بأنهم يرتكبون كل معصية يتعدى ضررها ويطير في الآفاق شررها ولعل هذا أولى. وذكر في (الأرض) إشارة إلى أن المراد فساد يتعدى دون ما يقف عليهم. و {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى {أية : ٱلْفَـٰسِقِينَ }تفسير : [البقرة: 26] باعتبار ما فصل من صفاتهم القبيحة، وفيه رمز إلى أنهم في المرتبة البعيدة من الذم وحصر - الخاسرين - عليهم باعتبار كمالهم في الخسران حيث أهملوا العقل عن النظر ولم يقتنصوا المعرفة المفيدة للحياة الأبدية والمسرة السرمدية، واشتروا النقض بالوفاء، والفساد بالصلاح، والقطيعة بالصلة، والثواب بالعقاب فضاع منهم الطلبتان - رأس المال والربح - وحصل لهم الضرر الجسيم وهذا هو الخسران العظيم. وفي الآية ترشيح للاستعارة المقدرة التي تتضمنها الآيات السابقة فافهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ}. لم يبين هنا هذا الذي أمر به أن يوصل، وقد أشار إلى أن من الأرحام بقوله: {أية : فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَتُقَطِّعُوۤاْ أَرْحَامَكُمْ} تفسير : [محمد: 22]. وأشار في موضع آخر إلى أن منه الإيمان بجميع الرسل، فلا يجوز قطع بعضهم عن بعض في ذلك بأن يؤمن ببعضهم دون بعضهم الآخر، وذلك في قوله: {أية : وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلاً أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْكَافِرُونَ حَقّاً}تفسير : [النساء: 150-151].

د. أسعد حومد

تفسير : {مِيثَاقِهِ} {أُولَـۤئِكَ} {ٱلْخَاسِرُونَ} (27) - اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ حَوْلَ مَعْنَى العَهْدِ الذِي وُصِفَ هؤُلاَءِ الفَاسِقُونَ بِنَقْضِهِ: - فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّهُ وَصِيَّةُ اللهِ إِلَى الخَلْقِ بِأَنْ يَعْمَلُوا بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ وَبِأَنْ يَنْتَهُوا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ فِي كُتُبِهِ وَعَلَى لِسَانِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ الكِرَامِ فَتَرْكُهُمُ العَمَلَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَالانْتِهَاءُ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ هُوَ نَقْضٌ لِلعَهْدِ. -وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّ الأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِأَهْلِ الكِتَابِ وَالمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ، وَقَدْ أَخَذَ اللهُ عَلَيْهِم العَهْدَ، فِي التَّوراةِ بِأَنْ يَعْمَلُوا بِها، وَبِأَنْ يَتَّبِعُوا مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم حِينَ يَبْعَثُهُ اللهُ تَعَالى، وَبِأَنْ يُصَدِّقُوا بِرِسَالَتِهِ وَكِتَابِهِ، وَقَدْ تَرَكُوا العَمَلَ بِمَا جَاءَ فِي التَّورَاةِ، وَجَحَدُوا رِسَالَةَ مُحَمَّدٍ وَنُبُوَّتَهُ، بَعْدَ مَا عَرَفُوهُ مِنْ حَقِيقَتِها، وَأَنْكَرُوهَا وَكَتَمُوا عَنِ النَّاسِ ذلِكَ لِكَيْلا يَتَّبِعُوهُ، فَكَانَ ذلِكَ مِنْهُمْ نَقْضاً لِلْعَهْدِ. - وَقَال آخَرُونَ إِنَّ الآيةَ تَعْنِي جَمِيعَ أَهْلِ الكُفْرِ والشِّرْكِ والنِّفَاقِ وَقَدْ نَصَبَ اللهُ تَعَالَى لَهُمُ الأَدِلَّةَ في الأَنْفُسِ وَالآفَاقِ عَلَى وُجُودِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ وَربُوبِيَّتِهِ فَكَفَرُوا بِاللهِ، وَكَذَّبُوا رُسُلَهُ وَكُتُبَهُ فَكَانَ ذلِكَ مِنْهُمْ نَقْضاً لِلْعَهْدِ. وَقَالَ آخَرُونَ إنَّ اللهَ تَعَالَى عَهِدَ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ عَهْدَ فِطْرَةٍ بِأَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ وَبِوُجُودِهِ، وَقَدْ وَثَّقَ عَهْدَ الفِطْرَةِ بِأَنْ جَعَلَ العُقُولَ قَابِلَةً لإِدْرَاكِ السُّنَنِ الإِلهِيَّةِ، ثُمَّ أَقَامَ لَهُمُ الأَدِلَّةَ والبَرَاهِينَ عَلَى وُجُودِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن بَيَّنَ الله لنا مفهوم الإيمان في أننا نتلقى عن الله وننفذ الحُكْم ولو لم نعرف الحكمة. فكل ما يأتي من الله نأخذه بمنطق الإيمان، وهو أن الله الذي قال، وليس بمنطق الكفر والتشكك. فكل شيء عن الله، حكمته أنه صادر عن الحق سبحانه وتعالى. وأخبرنا الحق تبارك وتعالى أن الفاسقين هم المبتعدون عن منهج الله، وأراد الحق أن يبين لنا صفات الفاسقين، فحددها في ثلاث صفات: أولاً: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. ثانياً: الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل. ثالثاً: الذين يفسدون في الأرض. ثم حدد لنا الحق تبارك وتعالى حكمهم فقال: {أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27]. والخسران الذي وصلوا إليه هو من عملهم، لأنهم تركوا المنهج وبدأوا يُشَرِّعون لأنفسهم بهوى النفس؛ ولذلك يقول الحق جل جلاله عنهم: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} تفسير : [البقرة: 16]. إذن: هم الذين اختاروا، وهم الذين اشتروا الضلالة ودفعوا ثمنها من هدى الله، فكأنهم عقدوا صفقة خاسرة؛ لأن هدى الله هو الذي يقودنا إلى الحياة الخالدة والنعيم الذي لا يزول. والحق سبحانه وتعالى يعطينا الصورة في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ وَٱلْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ} تفسير : [التوبة: 111]. إذن: فالمؤمنون باعوا لله سبحانه وتعالى أموالهم وأنفسهم، وكانوا صادقين في عهدهم، أما الكفار والمنافقون فقد باعوا هدى الله، واشتروا به ضلال الدنيا. فالحق سبحانه وتعالى ذكر لنا أول صفات الفاسقين أنهم لا عهد لهم. ليس بينهم وبين الناس فقط، ولكن لا عهد لهم مع الله أيضاً، وكلما عاهدوا الله عهداً نقضوه، والله يحب الوفاء بالعهد. ولذلك يقول جل جلاله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ ٱلْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً} تفسير : [الإسراء: 34]. ويقول تعالى: {أية : وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} تفسير : [الأعراف: 102]. ما هو العهد المُوَثَّقُ الذي أخذه الله على عباده فنقضوه؟ إنه الإيمان الأول. الإيمان الفطري الموجود في كل منا. فالله سبحانه وتعالى أخذ من البشر جميعاً عهداً، فوفَّى به بعضهم ونقضه بعضهم. والله سبحانه وتعالى ذكر لنا في القرآن الكريم أن هناك عهدا مُوَثَّقاً بينه وبين ذرية آدم. فقال جل جلاله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ} تفسير : [الأعراف: 172]. وهكذا أخذ الله عهداً على ذرية آدم بأن يؤمنوا به، وأشهدهم أنه ربهم. وجاءت الغفلة إلى القلوب بمرور الوقت، فنقضوا العهد واتخذوا آلهة من دون الله .. إذن: أول صفات الفاسقين أنهم نقضوا عهد الله، والذي ينقض عهداً مع بشر، فسلوكه هذا لا يقبله الحق سبحانه وتعالى حتى مع الكفار وغير المؤمنين. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوۤاْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [التوبة: 4]. وهكذا نرى أن الحق تبارك وتعالى حين أعلن براءته وبراءة رسوله صلى الله عليه وسلم وبراءة المؤمنين من كل كافر مشرك في قضية إيمانية كبرى، حَرَّمَ الله فيها على الكفار والمنافقين أن يقتربوا من بيته الحرام في مكة، احترم جل جلاله العهد، حتى مع المشركين، وطلب من المؤمنين أن يوفوا به. فإذا كان هذا هو المسلك الإيماني مع كل كافر ومشرك إن كنت قد عاهدته عهداً فأَوْفِ به إلى مُدَّته. فكيف بالمشركين وقد عاهدوا الخالق الأعظم، ثم ينقضون عهده الموثق، إنهم قد خانوا منهج الله وعهده، وإذا لم يكن لهم عهد مع الله سبحانه وتعالى، فهل يكون لهم عهد مع خلق الله؟! إذن: فالفاسقون أول صفاتهم أنه لا عهد لهم مع خالقهم، ولا عهد لهم مع الناس، ولذلك لا نأمن لهم أبداً. ثم تأتي بعد ذلك الصفة الثانية للفاسقين في قوله تعالى: {وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ..} [البقرة: 27] وما أمر الله به أن يوصل هو صلة الرحم. فقد أمرنا الله تعالى بأن نصل أرحامنا، فنحن كلنا أولاد آدم. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع "حديث : كلكم لآدم وآدم من تراب ". تفسير : وهكذا نرى أن هناك روابط إنسانية يلفتنا الله سبحانه وتعالى إليها. وهذه الروابط تبدأ بالأسرة ثم تتسع لتشمل القرية أو الحي، ثم تتسع لتشمل الدولة والمجتمع، ثم تتسع لتشمل المؤمنين جميعاً، ثم تتسع لتشمل العالم كله. هذه هي الإخوة الإنسانية التي يريد الحق تبارك وتعالى أن يلفتنا إليها. ولكن اللفتة هنا لا تقتصر على الناحية الإنسانية، بل تسجل أن ما فعلوا معصية، ومخالفة لأمر الله تعالى. فالله أمر بأن نصل الرحم، وجاء هؤلاء وخالفوا وعصوا ما أمر الله به، وقطعوا هذه الصلة. إذن: فالمسألة فيها مخالفة لمنهج، وعصيان لأمر من أوامر الله سبحانه وتعالى. فصلة الرحم توجد نوعاً من التكافل الاجتماعي بين البشر. فإذا حدث لشخص مصيبة .. أسرع أقاربه يقفون معه في محنته، ويحاول كل منهم أن يخفف عنه. هذا التلاحم بين الأسرة يجعلها قوية في مواجهة الأحداث، ولا يحس واحد منها بالضياع في هذا الكون، لأنه متماسك مع أسرته، متماسك مع حَيِّه أو قريته، وهكذا يختفي الحقد من المجتمع، ويختفي التفكك الأسري. ولعلنا إذا نظرنا إلي المجتمعات الغربية التي يعتريها تفكك الأسرة، نجد أن كل واحد منهم قد ضل طريقه وانحرف لأنه أحس بالضياع، فانحرف إلى المخدرات أو إلى الخمر أو إلى الزنا وغير ذلك من الرذائل التي نراها. جيل ضائع. مَنْ الذي أضاعه؟ عدم صلة الرحم. وإذا تحدثنا عن الانحرافات التي نراها بين الشباب اليوم فلا نلوم الشباب، ولكن نلوم الآباء والأمهات الذين تركوا أولادهم وبناتهم وأهدروا صلة الرحم. فشب جيل يعاني من عقد نفسية لا حدود لها، إن الابن الذي يفقد جو الأسرة، يفقد ميزان حياته. والله سبحانه وتعالى يريد المؤمنين متضامنين متحابين خالين من كل العقد التي تحطم الحياة. إذن فعدم صلة الرحم تضيع أجيالاً بأكملها. ونأتي بعد ذلك إلي الصفة الثالثة من صفات الفاسقين بقوله تعالى: {وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ ..} [البقرة: 27]. نقول: كل ما في الكون مخلوق على نظام دقيق: {أية : وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} تفسير : [الأعلى: 3] أي: كل شيء له هدى لابد أن يتبعه. ولكن الإنسان جاء في مجال الاختيار وأفسد قضية الصلاح في الكون. ومن رحمة الله أنه جعل في كونه خلقاً يعمل مقهوراً، ليضبط حركة الكون الأعلى. فالشمس والنجوم والأرض وكل الكون ما عدا الإنس والجن، يسير وفق نظام دقيق. لماذا؟ لأنه يسير بلا اختيار له. والحق جل جلاله أخبرنا بأنه لكي يعتدل ميزان حياتنا، فلنحكم أنفسنا بمنهج الله. كما أن الكون المقهور محكوم بمنهج الله. فليس معنى الاختيار الإنساني أن نبتعد عن منهج الله. لأن الله له صفة القهر. فهو يستطيع أن يخلقنا مقهورين، ولكنه أعطانا الاختيار حتى نأتيه عن حب. وليس عن قهر. فأنت تحب الشهوات ولكنك تحب الله أكثر .. فتقيد نفسك بمنهج الله. إذن: فالاختيار لم يُعْطَ لنا لِنُفْسِدَ في الأرض. ولكنه أُعْطي لنا، لنأتي الله سبحانه وتعالى طائعين ولسنا مقهورين. ولذلك فكل منا مختار في أن يؤمن أو لا يؤمن، وهذا الاختيار يثبت محبوبية الله سبحانه وتعالى في قلوبنا، ولكن الإنسان بدلاً من أن يأخذ الاختيار ليأتي الله عن حب، فينال الجزاء الأعظم، أخذه ليفسد في الأرض. والفساد أن تنقل مجال "افعل، ولا تفعل". فتضع هذه مكان هذه، فينقلب الميزان أي: أنك - فيما قال الله فيه "افعل". لا تفعل، وفيما قال: "لا تفعل"، تفعل. فتكون قد جعلت ميزان حياتك معكوساً، لماذا؟ لأننا غير محكومين بقاعدة كلية تنظم حياة الناس. فكل واحد سيضع قاعدة له، وكل واحد لن يفعل، ما عليه، فيحدث تصادم في الحياة، وكل فساد يشكل قُبْحاً في الوجود، فهب أنك تسير في الطريق، وترى عمارة مبنية حديثاً قد تسربت المياه من مواسيرها. عندما ترى ذلك تتأذى؛ لأن هناك قبحاً في الوجود، في عدم أمانة إنسان في عمله. إذن: فحين يفسد عامل واحد، بعدم الإخلاص في عمله، يفقد الكون نعمة يحبها الله في أن ترى الشيء الجميل. فتقول: الله. فكل إنسان غير أمين في عمله يفسد في الكون، وكل إنسان غير أمين في خلقه يفسد في الكون، ويعتدي على حرمات الآخرين وأموالهم، وهذا يجعل الكون قبيحاً، فلا يوجد إنسان يأمن على عرضه وماله. لقد أراد المعتدي أن يحقق ما ينفع به نفسه عاجلاً، ولكنه أحدث فساداً في الكون، كذلك عندما يغش التاجر الناس، وعندما يكتسب الإنسان المال بالنهب والسرقة، فيفتح الله عليه أسوأ مصارف المال في الوجود، فهو أخذ الحسرة بالفساد في الأرض. والفساد في الأرض أن تخرج الشيء عن حد اعتداله، فَتُسْرف في شهواتك وتسرف في أطماعك، وتسرف في عقابك للناس، وتسرف باعتدائك على حقوق الغير. والفساد في الأرض، أن يوجد منهج مطبق غير منهج الله. إن غياب منهج الله معناه أن يصبح كل منا عبد أهوائه، وإذا صارت الأمور حسب أهواء الناس جاءت لهم حركة الحياة بالشقاء والشر بدلاً من السعادة والأمن. إن ما نراه اليوم من شكوى الناس علامة على الفساد. لأن معناها: أن الناس تعاني ولا أحد يتحرك ليرفع أسباب هذه الشكوى. ولن يستقيم أمر هذا الوجود، ويتخلص من الفساد إلا إذا حَكَمَنَا مَنْهجٌ لا هوى له، والذي لا هوى له هو خالق البشر واضع ميزان الكون. وأول مظاهر الفساد أن يُوكل الأمر إلى غير أهله. لأنه إذا أعطي الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة. كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة ". تفسير : لماذا؟ لأن المجتمع - حينئذ - يكون مبنياًَ على النفاق واختلال الأمور، لا على الإتقان والإخلاص. فالذي يجيد النفاق هو الذي يصل إلى الدرجات العلا، والذي يتقن عمله لا يصل إلى شيء، وتكون النتيجة أن مجموعة من المنافقين الجهلة هم الذين يُسَيِّرون الأمور بدون علم. والفساد في الأرض هو أن يضيع الحق، وتضيع القيم، ويصبح المجتمع غابة، كل إنسان يريد أن يحقق هواه بصرف النظر عن حقوق الآخرين، ويحس مَنْ يعمل ولا يصل إلى حقه أنه لا فائدة من العمل، فيتحول المجتمع كله إلى مجموعة من غير المنتجين. والفساد في الأرض هو أن نجعل عقولنا هي الحاكمة، فلا نتأمل في ميزان الكون الذي خلقه الله، وإنما نمضي بعقولنا نخطط، فنقطع الأشجار ونرمي مخلفات المصانع في الأنهار فنفسدها، ونأتي بالكيماويات السامة نرشُّ بها الزرع أو مجاري المياه والأنهار؛ فنملؤه سُماً ثم نأكله ثم نجد التلوث قد ملأ الكون. وطبقة الأوزون قد أصابها ضرر واضح يعرِّضُ حياة البشر على الأرض لأخطار كبيرة، وتفسد مياه الأنهار. ولا تصبح صالحة للشرب ولا للري. ويضيع الخير من الدنيا بالتدريج، والفساد في الأرض هو أن ينتشر الظلم، وتصبح الحياة سلسلة لا تنتهي من الشقاء. والفساد في الأرض هو أن تضيع الأمانة. فتفسد المعاملات بين الناس، وتضيع الحقوق. هذه هي بعض أوجه الفساد في الأرض. والله سبحانه وتعالى قد وضع قانوناً كليا، هو منهجه ليتعامل به الناس، ولكن الناس تركوه، ومشوا يتخبطون في ظلام الجهل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَنْ استعمل رجلاً من عصابة، وفي تلك العصابة مَنْ هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين " تفسير : وهكذا يكون مدى حرص الإسلام على استقامة أمور الناس. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَاسِرُونَ} [البقرة: 27]. خسروا ماذا؟ خسروا دنياهم وآخرتهم وخسروا أنفسهم؛ لأن الإنسان له حياتان .. حياة قصيرة في الدنيا مليئة بالمتاعب، وحياة طويلة خالدة في الآخرة. والذي يبيع الحياة الأبدية ونعيمها وخلودها بحياة الدنيا التي لا يضمن فيها شيئاً، يكون من الخاسرين .. فعمر الإنسان قد يكون يوماً أو شهراً أو عاماً، والحياة الدنيا مهما طالت فهي قصيرة، ومهما أعطت فهو قليل، فالذي يبيع آخرته بهذه الدنيا، أيكون رابحاً أم خاسراً؟ طبعاً يكون خاسراً؛ لأنه اشترى مالا يساوي بنعيم الله كله.. وإذا كان الإنسان قد نسي الله سبحانه وتعالى وهو لاقيه حتماً، ثم يبعث يوم القيامة ليجده أمامه. فيوفيه حسابه، أيكون قد كسب أم خسر؟! .. طبعاً يكون خاسراً؛ لأنه أوجب على نفسه عذاب الله، وأوجب على نفسه عقاب الله. إن قوله تعالى: "الخاسرون" تدل على أن الصفقة انتهت وضاع كل شيء لأن نتيجتها كانت الخسران، وليس الخسران موقوتاً، ولا هو خسران يمكن أن يُعَوَّضُ في الصفقة القادمة، بل هو خسران أبدي، والندم عليها سيكون شديداً. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : إِنَّآ أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ ٱلْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلْكَافِرُ يٰلَيْتَنِي كُنتُ تُرَاباً} تفسير : [النبأ: 40]. لماذا يتمنى الكافر أن يكون تراباً؟ لهول العذاب الذي يراه أمامه، وهول الخسران الذي تعرَّض له، وهذا دليل على شدة الندم، يوم لا ينفع الندم، على أنه سبحانه وتعالى تحدث في هذه الآية عن الخاسرين، ولكنه جل جلاله، تحدث في آية أخرى عن الأخسرين، فقال تعالى: {أية : قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَزْناً} تفسير : [الكهف: 103-105]. إذن: فهناك خاسر، وهناك مَنْ هو أخسر منه، والأخسر هو الذي كفر بالله جل جلاله، وبيوم القيامة، واعتقد أن حياته في الدنيا فقط، ولم يكن الله في باله وهو يعمل أي عمل، بل كانت الدنيا هي التي تشغله، ثم فوجئ بالحق سبحانه وتعالى يوم القيامة، ولم يحتسب له أية حسنة، لأنه كان يقصد بحسناته الحياة الدنيا، فلا يوجد له رصيد في الآخرة. والعجيب أنك ترى بعض الناس يُعِدُّون للحياة الدنيا إعداداً قوياً، فيرسلون أولادهم إلى مدارس لغات، ويتحملون في ذلك ما لا يطيقون، ثم يدفعونهم إلى الجامعات، أو إلى الدراسة في الخارج. هم في ذلك يعدونهم لمستقبل مظنون، وليس يقيناً لأن الإنسان يمكن أن يموت وهو شاب؛ فيضيع كل ما أنفقوه من أجله، ويمكن أن ينحرف في آخر مراحل دراسته، فلا يحصل على شيء، ويمكن أن يتم هذا الإعداد كله، ثم بعد ذلك يرتكب جريمة يقضي فيها بقية عمره في السجن؛ فيضيع عمره. ولكن اليقين الذي لا شك فيه هو أننا جميعاً سنلاقي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، وسيحاسبنا على أعمالنا، ومع أن هذا يقين، فإن كثيراً من الناس لا يلتفتون إليه، يسعون للمستقبل المظنون، ولا يحس واحد منهم بيقين الآخرة، فتجد قليلاً من الآباء هم الذين يبذلون جهداً لحمل أبنائهم على الصلاة وعبادة الله والأمانة وكل ما يقربهم إلى الله .. إنهم ينسون النعيم الحقيقي، ويجرون وراء الزائل، فتكون النتيجة عليهم وبالا في الآخرة.