٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه وتعالى لما تكلم في دلائل التوحيد والنبوة والمعاد إلى هذا الموضع فمن هذا الموضع إلى قوله: {أية : يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 40] في شرح النعم التي عمت جميع المكلفين وهي أربعة: أولها: نعمة الإحياء وهي المذكورة في هذه الآية. واعلم أن قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ } وإن كان بصورة الاستخبار فالمراد به التبكيت والتعنيف، لأن عظم النعمة يقتضي عظم معصية المنعم، يبين ذلك أن الوالد كلما عظمت نعمته على الولد بأن رباه وعلمه وخرجه وموله وعرضه للأمور الحسان، كانت معصيته لأبيه أعظم، فبين سبحانه وتعالى بذلك عظم ما أقدموا عليه من الكفر، بأن ذكرهم نعمه العظيمة عليهم ليزجرهم بذلك عما أقدموا عليه من التمسك بالكفر ويبعثهم على اكتساب الإيمان، فذكر تعالى من نعمه ما هو الأصل في النعم وهو الأحياء، فهذا هو المقصود الكلي، فإن قيل لم كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم؟ قلنا لأن الأحياء الأول قد يعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الإحياء والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخياً ظاهراً، وههنا مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على أن الكفر من قبل العباد من وجوه: أحدها: أنه تعالى لو كان هو الخالق للكفر فيهم لما جاز أن يقول: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ } موبخاً لهم، كما لا يجوز أن يقول كيف تسودون وتبيضون وتصحون وتسقمون لما كان ذلك أجمع من خلقه فيهم. وثانيها: إذا كان خلقهم أولاً للشقاء والنار وما أراد بخلقهم إلا الكفر وإرادة الوقوع في النار، فكيف يصح أن يقول موبخاً لهم كيف تكفرون؟. وثالثها: أنه كيف يعقل من الحكيم أن يقول لهم: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ } حال ما يخلق الكفر فيهم ويقول: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ } تفسير : [الإسراء: 94] حال ما منعهم عن الإيمان ويقول:{أية : فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [الانشقاق: 20]، {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ } تفسير : [المدثر: 49] وهو يخلق فيهم الأعراض ويقول: {أَنّى تُؤْفَكُونَ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ } ويخلق فيهم الإفك والصرف ومثل هذا الكلام بأن يعد من السخرية أولى من أن يذكر في باب إلزام الحجة على العباد. ورابعها: أن الله تعالى إذا قال للعبيد: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ } فهل ذكر هذا الكلام توجيهاً للحجة على العبد وطلباً للجواب منه أو ليس كذلك؟ فإن لم يكن لطلب هذا المعنى لم يكن في ذكره فائدة فكان هذا الخطاب عبثاً، وإن ذكره لتوجيه الحجة على العبد، فللعبد أن يقول حصل في حقي أمور كثيرة موجبة للكفر. فالأول: أنك علمت بالكفر مني والعلم بالكفر يوجب الكفر. والثاني: أنك أردت الكفر مني وهذه الإرادة موجبة له. والثالث: أنك خلقت الكفر في وأنا لا أقدر على إزالة فعلك. والرابع: أنك خلقت في قدرة موجبة للكفر. والخامس: أنك خلقت في إرادة موجبة للكفر. والسادس: أنك خلقت في قدرة موجبة للإرادة الموجبة للكفر ثم لما حصلت هذه الأسباب الستة في حصول الكفر والإيمان يوقف على حصول هذه الأسباب الستة في طرف الإيمان وهي بأسرها كانت مفقودة، فقد حصل لعدم الإيمان اثنا عشر سبباً كل واحد منها مستقل بالمنع من الإيمان، ومع قيام هذه الأسباب الكثيرة كيف يعقل أن يقال كيف تكفرون بالله؟ وخامسها: أنه تعالى قال لرسوله قل لهم كيف تكفرون بالله الذي أنعم عليكم بهذه النعمة العظيمة أعني نعمة الحياة وعلى قول أهل الجبر لا نعمة له تعالى على الكافر، وذلك لأن عندهم كل ما فعله الله تعالى بالكافر فإنما فعله ليستدرجه إلى الكفر ويحرقه بالنار، فأي نعمة تكون لله على العبد على هذا التقدير وهل يكون ذلك إلا بمنزلة من قدم إلى غيره صحفة فالوذج مسموم فإن ظاهره وإن كان لذيذاً ويعد نعمة لكن لما كان باطنه مهلكاً فإن أحداً لا يعده نعمة، ومعلوم أن العذاب الدائم أشد ضرراً من ذلك السم فلا يكون لله تعالى نعمة على الكافر، فكيف يأمر رسوله بأن يقول لهم كيف تكفرون بمن أنعم عليكم بهذه النعم العظيمة، والجواب: أن هذه الوجوه عند البحث يرجع حاصلها إلى التمسك بطريقة المدح والذم والأمر والنهي والثواب والعقاب، فنحن أيضاً نقابلها بالكلام المعتمد في هذه الشبهة، وهو أن الله سبحانه وتعالى علم أنه لا يكون، فلو وجد لانقلب علمه جهلاً وهو محال ومستلزم المحال محال، فوقوعه محال مع أنه قال: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ } وأيضاً فالقدرة على الكفر إن كانت صالحة للإيمان امتنع كونها مصدراً للإيمان على التعيين إلا لمرجح، وذلك المرجح إن كان من العبد عاد السؤال، وإن كان من الله فما لم يحصل ذلك المرجح من الله امتنع حصول الكفر، وإذا حصل ذلك المرجح وجب، وعلى هذا كيف لا يعقل قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ } واعلم أن المعتزلي إذا طول كلامه وفرع وجوهه في المدح والذم فعليك بمقابلتها بهذين الوجهين فإنهما يهدمان جميع كلامه ويشوشان كل شبهاته وبالله التوفيق. المسألة االثانية: اتفقوا على أن قوله: {وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا } المراد به وكنتم تراباً ونطفاً، لأن ابتداء خلق آدم من التراب وخلق سائر المكلفين من أولاده إلا عيسى عليه السلام من النطف، لكنهم اختلفوا في أن إطلاق اسم الميت على الجماد حقيقة أو مجاز والأكثرون على أنه مجاز لأنه شبه الموات بالميت وليس أحدهما من الآخر بسبيل لأن الميت ما يحل به الموت ولا بدّ وأن يكون بصفة من يجوز أن يكون حياً في العادة فيكون اللحمية والرطوبة وقال الأولون هو حقيقة فيه وهو مروي عن قتادة، قال كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله تعالى ثم أخرجهم ثم أماتهم الموتة التي لا بدّ منها، ثم أحياهم بعد الموت. فهما حياتان وموتتان واحتجوا بقوله: {أية : خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ } تفسير : [الملك: 2] والموت المقدم على الحياة هو كونه مواتاً فدل على أن إطلاق الميت على الموات ثابت على سبيل الحقيقة والأول هو الأقرب، لأنه يقال في الجماد إنه موات وليس بميت فيشبه أن يكون استعمال أحدهما في الآخر على سبيل التشبيه قال القفال: وهو كقوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ حِينٌ مّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً } تفسير : [الإنسان: 1] فبين سبحانه وتعالى أن الإنسان كان لا شيء يذكر فجعله الله حياً وجعله سميعاً بصيراً ومجازه من قولهم فلان ميت الذكر. وهذا أمر ميت، وهذه سلعة ميتة، إذا لم يكن لها طالب ولا ذاكر قال المخبل السعدي:شعر : وأحييت لي ذكرى وما خاملا ولكن بعض الذكر أنبه من بعض تفسير : فكذا معنى الآية: {وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا } أي خاملين ولا ذكر لكم لأنكم لم تكونوا شيئاً {فَأَحْيَـٰكُمْ } أي فجعلكم خلقاً سميعاً بصيراً. المسألة الثالثة: احتج قوم بهذه الآية على بطلان عذاب القبر، قالوا لأنه تعالى بين أنه يحييهم مرة في الدنيا وأخرى في الآخرة ولم يذكر حياة القبر ويؤكده قوله: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ تُبْعَثُونَ } تفسير : [المؤمنون: 15، 16] ولم يذكر حياة فيما بين هاتين الحالتين، قالوا ولا يجوز الاستدلال بقوله تعالى: {أية : قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ } تفسير : [غافر: 11] لأنه قول الكفار، ولأن كثيراً من الناس أثبتوا حياة الذر في صلب آدم عليه السلام حين استخرجهم وقال: {أية : أَلَسْتُ بِرَبّكُمْ }تفسير : [الأعراف: 172] وعلى هذا التقدير حصل حياتان وموتتان من غير حاجة إلى إثبات حياة في القبر، فالجواب لم يلزم من عدم الذكر في هذه الآية أن لا تكون حاصلة، وأيضاً فلقائل أن يقول: إن الله تعالى ذكر حياة القبر في هذه الآية. لأن قوله في يحييكم ليس هو الحياة الدائمة وإلا لما صح أن يقول: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } لأن كلمة ثم تقتضي التراخي، والرجوع إلى الله تعالى حاصل عقب الحياة الدائمة من غير تراخ فلو جعلنا الآية من هذا الوجه دليلاً على حياة القبر كان قريباً. المسألة الرابعة: قال الحسن رحمه الله قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ } يعني به العامة، وأما بعض الناس فقد أماتهم ثلاث مرات نحو ما حكى في قوله: {أية : أَوْ كَٱلَّذِى مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا } تفسير : [البقرة: 259] إلى قوله: {أية : فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ } تفسير : [البقرة: 259] وكقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَـٰهُمْ } تفسير : [البقرة: 243] وكقوله: {أية : فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ } تفسير : [البقرة: 55, 56] وكقوله: {أية : فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [البقرة: 73] وكقوله: {أية : وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا} تفسير : [الكهف: 21] وكقوله في قصة أيوب عليه السلام: {أية : وآتيناه أهله ومثلهم معهم } تفسير : [الأنبياء: 84] فإن الله تعالى رد عليه أهله بعد ما أماتهم. المسألة الخامسة: تمسك المجسمة بقوله تعالى: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } على أنه تعالى في مكان وهذا ضعيف، والمراد أنهم إلى حكمة يرجعون لأنه تعالى يبعث من في القبور ويجمعهم في المحشر وذلك هو الرجوع إلى الله تعالى وإنما وصف بذلك لأنه رجوع إلى حيث لا يتولى الحكم غيره كقولهم رجع أمره إلى الأمير، أي إلى حيث لا يحكم غيره. المسألة السادسة: هذه الآية دالة على أمور: الأول: أنها دالة على أنه لا يقدر على الإحياء والإماتة إلا الله تعالى فيبطل به قول أهل الطبائع من أن المؤثر في الحياة والموت كذا وكذا من الأفلاك والكواكب والأركان والمزاجات كما حكى عن قوم في قوله: {أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ ٱلدَّهْرُ } تفسير : [الجاثية: 24] الثاني: أنها تدل على صحة الحشر والنشر مع التنبيه على الدليل العقلي الدال عليه، لأنه تعالى بين أنه أحيا هذه الأشياء بعد موتها في المرة الأولى فوجب أن يصح ذلك في المرة الثانية، الثالث: أنها تدل على التكليف والترغيب والترهيب. الرابع: أنها دالة على الجبر والقدر كما تقدم بيانه، الخامس: أنها دالة على وجوب الزهد في الدنيا لأنه قال: {فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } فبين أنه لا بدّ من الموت ثم بين أنه لا يترك على هذا الموت. بل لا بدّ من الرجوع إليه أما أنه لا بدّ من الموت، فقد بين سبحانه وتعالى أنه بعد ما كان نطفة فإن الله أحياه وصوره أحسن صورة وجعله بشراً سوياً وأكمل عقله وصيره بصيراً بأنواع المنافع والمضار وملكه الأموال والأولاد والدور والقصور، ثم إنه تعالى يزيل كل ذلك عنه بأن يميته ويصيره بحيث لا يملك شيئاً ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر ويبقى مدة طويلة في اللحود كما قال تعالى: {أية : وَمِن وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ } تفسير : [المؤمنون: 100] ينادى فلا يجيب ويستنطق فلا يتكلم ثم لا يزوره الأقربون، بل ينساه الأهل والبنون. كما قال يحيـى بن معاذ الرازي:شعر : يمر أقاربي بحذاء قبري كأن أقاربي لم يعرفوني تفسير : وقال أيضاً: إلهي كأني بنفسي وقد أضجعوها في حفرتها، وانصرف المشيعون عن تشييعها، وبكى الغريب عليها لغربتها، وناداها من شفير القبر ذو مودتها، ورحمتها الأعادي عند جزعتها، ولم يخف على الناظرين عجز حيلتها، فما رجائي إلا أن نقول: ما تقول ملائكتي انظروا إلى فريد قد نأى عنه الأقربون، ووحيد قد جفاه المحبون، أصبح مني قريباً وفي اللحد غريباً، وكان لي في الدنيا داعياً ومجيباً، ولإحساني إليه عند وصوله إلى هذا البيت راجياً، فأحسن إلى هناك يا قديم الإحسان، وحقق رجائي فيك يا واسع الغفران. وأما أنه لا بدّ من الرجوع إلى الله فلأن سبحانه يأمر بأن ينفخ في الصور {أية : فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } تفسير : [الزمر: 68] وقال: {أية : يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ } تفسير : [المعارج: 43] ثم يعرضون على الله كما قال: {أية : وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبّكَ صَفَّا } تفسير : [الكهف: 48] فيقومون خاشعين خاضعين كما قال: {أية : وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ } تفسير : [طه: 108] وقال بعضهم: إلهنا إذا قمنا من ثرى الأجداث مغبرة رؤوسنا. ومن شدة الخوف شاحبة وجوهنا، ومن هول القيامة مطرقة رؤوسنا. وجائعة لطول القيامة بطوننا، وبادية لأهل الموقف سوآتنا، وموقرة من ثقل الأوزار ظهورنا، وبقينا متحيرين في أمورنا نادمين على ذنوبنا، فلا تضعف المصائب بإعراضك عنا، ووسع رحمتك وغفرانك لنا، يا عظيم الرحمة يا واسع المغفرة.
القرطبي
تفسير : «كيف» سؤال عن الحال، وهي ٱسم في موضع نصب بـ «ـتَكْفُرُونَ»، وهي مبنيّة على الفتح وكان سبيلها أن تكون ساكنة؛ لأن فيها معنى الاستفهام الذي معناه التعجب فأشبهت الحروف، وٱختير لها الفتح لخفته؛ أي هؤلاء ممن يجب أن يتعجّب منهم حين كفروا وقد ثبتت عليهم الحجة. فإن قيل: كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب وهم لم يكفروا بالله؟ فالجواب ما سبق من أنهم لما لم يثبتوا أمر محمد عليه السلام ولم يصدّقوه فيما جاء به فقد أشركوا؛ لأنهم لم يقرّوا بأن القرآن من عند الله. ومن زعم أن القرآن كلام البشر فقد أشرك بالله وصار ناقضاً للعهد. وقيل: «كيف» لفظه لفظ الاستفهام وليس به، بل هو تقرير وتوبيخ؛ أي كيف تكفرون نعمه عليكم وقدرته هذه! قال الواسطيّ: وبّخهم بهذا غاية التوبيخ؛ لأن المَوَات والجماد لا ينازع صانعه في شيء، وإنما المنازعة من الهياكل الروحانية. قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} هذه الواو واو الحال، وقد مضمرة. قال الزجاج: التقدير وقد كنتم، ثم حذفت قد. وقال الفرّاء: «أمواتاً» خبر «كنتم». {فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} هذا وقف التمام؛ كذا قال أبو حاتم. ثم قال: {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}. وٱختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين، وكم من مَوْتة وحياة للإنسان؟ فقال ٱبن عباس وٱبن مسعود: أي كنتم أمواتاً معدومين قبل أن تُخلقوا فأحياكم ـ أي خلقكم ـ ثم يميتكم عند ٱنقضاء آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة. قال ٱبن عطية: وهذا القول هو المراد بالآية، وهو الذي لا مَحِيد للكفار عنه لإقرارهم بهما؛ وإذا أذعنتْ نفوس الكفار لكونهم أمواتاً معدومين، ثم للإحياء في الدنيا، ثم للإماتة فيها قَوِي عليهم لزوم الإحياء الآخر وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها. قال غيره: والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة الدنيا. وقيل: لم يعتدّ بها كما لم يعتدّ بموت من أماته في الدنيا ثم أحياه في الدنيا. وقيل: كنتم أمواتاً في ظهر آدم، ثم أخرجكم من ظهره كالذرّ، ثم يميتكم موت الدنيا ثم يبعثكم. وقيل {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً}: ـ أي نُطَفاً ـ في أصلاب الرجال وأرحام النساء، ثم نقلكم من الأرحام فأحياكم، ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم في القبر للمسألة، ثم يميتكم في القبر، ثم يحييكم حياة النشر إلى الحشر؛ وهي الحياة التي ليس بعدها موت. قلت: فعلى هذا التأويل هي ثلاث موتات، وثلاث إحياءات. وكونهم موتى في ظهر آدم، وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نُطَفاً في أصلاب الرجال وأرحام النساء؛ فعلى هذا تجيء أربع موتات وأربع إحياءات. وقد قيل: إن الله تعالى أوجدهم قبل خلق آدم عليه السلام كالهباء ثم أماتهم؛ فيكون على هذا خمس موتات، وخمس إحياءات. وموتة سادسة للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إذا دخلوا النار؛ لحديث أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أمّا أهل النار الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يَحيْون ولكنْ ناسٌ أصابتهم النارُ بذنوبهم ـ أو قال بخطاياهم ـ فأماتهم الله إماتةً حتى إذا كانوا فَحْماً أذِن في الشفاعة فجيء بهم ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا على أنهار الجنة ثم قيل يأهل الجنة أفيضوا عليهم فَيَنْبُتُون نباتَ الحِبة تكون في حَمِيل السَّيْل»تفسير : . فقال رجل من القوم: كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان يرعى بالبادية. أخرجه مسلم. قلت: فقوله «فأماتهم الله» حقيقة في الموت؛ لأنه أكّده بالمصدر، وذلك تكريماً لهم. وقيل: يجوز أنْ يكون «أماتهم» عبارة عن تغييبهم عن آلامها بالنوم، ولا يكون ذلك موتاً على الحقيقة؛ والأوّل أصح. وقد أجمع النحويون على أنك إذا أكدت الفعل بالمصدر لم يكن مجازاً، وإنما هو على الحقيقة؛ ومثله: {أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً}تفسير : [النساء: 164] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقيل: المعنى وكنتم أمواتاً بالخمول فأحياكم بأن ذُكِرتم وشُرِّفتم بهذا الدِّين والنبيِّ الذي جاءكم، ثم يميتكم فيموت ذِكْرُكم، ثم يحييكم للبعث. قوله تعالى: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي إلى عذابه مرجعكم لكفركم. وقيل: إلى الحياة وإلى المسألة؛ كما قال تعالى: {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ}تفسير : [الأنبياء: 104] فإعادتهم كابتدائهم؛ فهو رجوع. و «تُرْجَعُونَ» قراءة الجماعة. ويحيى بن يَعْمر وٱبن أبي إسحاق ومجاهد وٱبن مُحَيْصِن وسلام بن يعقوب يفتحون حرف المضارعة ويكسرون الجيم حيث وقعت.
البيضاوي
تفسير : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ } استخبار فيه إنكار، وتَعجيب لكفرهم بإنكار الحال التي يقع عليها على الطريق البرهاني، فإن صدوره لا ينفك عن حال وصفة فإذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها استلزم ذلك إنكار وجوده، فهو أبلغ وأقوى في إنكار الكفر، من (أتكفرون) وأوفق لما بعده من الحال، والخطاب مع الذين كفروا لما وصفهم بالكفر وسوء المقال وخبث الفعال، خاطبهم على طريقة الالتفات، ووبخهم على كفرهم مع علمهم بحالهم المقتضية خلاف ذلك، والمعنى أخبروني على أي حال تكفرون. {وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا } أي أجساماً لا حياة لها، عناصر وأغذية، وأخلاطاً ونطفاً، ومضغاً مخلفة وغير مخلفة. {فَأَحْيَـٰكُمْ } بخلق الأرواح ونفخها فيكم، وإنما عطفه بالفاء لأنه متصل بما عطف عليه غير متراخ عنه بخلاف البواقي. {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عندما تقضي آجالكم. {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } بالنشور يوم ينفخ في الصور أو للسؤال في القبور {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } بعد الحشر فيجازيكم بأعمالكم. أو تنشرون إليه من قبوركم للحساب، فما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه. فإن قيل: إن علموا أنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم يميتهم، لم يعلموا أنه يحييهم ثم إليه يرجعون. قلت: تمكنهم من العلم بهما لما نصب لهم من الدلائل منزل منزلة علمهم في إزاحة العذر،. سيما وفي الآية تنبيه على ما يدل على صحتهما وهو: أنه تعالى لما قدر على إحيائهم أولاً قدر على أن يحييهم ثانياً، فإن بدء الخلق ليس بأهون عليه من إعادته. أو الخطاب مع القبيلين فإنه سبحانه وتعالى لما بين دلائل التوحيد والنبوة، ووعدهم على الإيمان، وأوعدهم على الكفر، أكد ذلك بأن عدد عليهم النعم العامة والخاصة، واستقبح صدور الكفر منهم واستبعده عنهم مع تلك النعم الجليلة، فإن عظم النعم يوجب عظم معصية النعم، فإن قيل: كيف تعد الإماتة من النعم المقتضية للشكر؟ قلت: لما كانت وصلة إلى الحياة الثانية التي هي الحياة الحقيقية كما قال الله تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلاْخِرَةَ لَهِىَ ٱلْحَيَوَانُ }تفسير : [العنكبوت: 64] كانت من النعم العظيمة مع أن المعدود عليهم نعمة هو المعنى المنتزع من القصة بأسرها، كما أن الواقع حالا هو العلم بها لا كل واحدة من الجمل، فإن بعضها ماض وبعضها مستقبل وكلاهما لا يصح أن يقع حالا. أو مع المؤمنين خاصة لتقرير المنة عليهم، وتبعيد الكفر عنهم على معنى، كيف يتصور منكم الكفر وكنتم أمواتاً جهالاً، فأحياكم بما أفادكم من العلم والإيمان، ثم يميتكم الموت المعروف، ثم يحييكم الحياة الحقيقية، ثم إليه ترجعون، فيثيبكم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. والحياة حقيقة في القوة الحساسة، أو ما يقتضيها وبها سمي الحيوان حيواناً مجازاً في القوة النامية، لأنها من طلائعها ومقدماتها، وفيما يخص الإنسان من الفضائل، كالعقل والعلم والإيمان من حيث إنها كمالها وغايتها، والموت بإزائها يقال على ما يقابلها في كل مرتبة قال تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ }تفسير : [الجائية: 26] وقال: {أية : ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِيِ ٱلاْرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا }تفسير : [الحديد: 17] وقال: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ }تفسير : [الأنعام: 122] وإذا وصف به الباري تعالى أريد بها صحة اتصافه بالعلم والقدرة اللازمة لهذه القوة فينا، أو معنى قائم بذاته يقتضي ذلك على الاستعارة. وقرأ يعقوب تَرْجعون بفتح التاء في جميع القرآن.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى محتجاً على وجوده وقدرته، وأنه الخالق المتصرف في عباده: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} أي: كيف تجحدون وجوده، أو تعبدون معه غيره {وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ} أي: وقد كنتم عدماً، فأخرجكم إلى الوجود؛ كما قال تعالى: {أية : أَمْ خُلِقُواْ مِنْ غَيْرِ شَىْءٍ أَمْ هُمُ ٱلْخَـٰلِقُونَ أَمْ خَلَقُواْ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُونَ} تفسير : [الطور: 35 - 36] وقال تعالى:{أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً}تفسير : [الإنسان: 1] والآيات في هذا كثيرة، وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: {أية : قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا}تفسير : [غافر: 11] قال: هي التي في البقرة: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} وقال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس: كنتم أمواتاً فأحياكم: أمواتاً في أصلاب آبائكم، لم تكونوا شيئاً حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم، قال: وهي مثل قوله تعالى: {أية : أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ}تفسير : [غافر: 11] وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: {أية : رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ}تفسير : [غافر: 11] قال كنتم تراباً قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم، فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور، فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة، فهذه حياة أخرى، فهذه ميتتان وحياتان، فهو كقوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} وهكذا روي عن السدي بسنده عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، وعن أبي العالية والحسن ومجاهد وقتادة وأبي صالح والضحاك وعطاء الخراساني نحو ذلك، وقال الثوري عن السدي عن أبي صالح: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} قال: يحييكم في القبر، ثم يميتكم، وقال ابن جرير عن يونس عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: خلقهم في ظهر آدم، ثم أخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة. وذلك كقوله تعالى: {أية : قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا}تفسير : [غافر: 11] وهذا غريب والذي قبله. والصحيح ما تقدم عن ابن مسعود وابن عباس وأولئك الجماعة من التابعين، وهو كقوله تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ}تفسير : [الجاثية: 26] الآية، كما قال تعالى في الأصنام: {أية : أَمْوٰتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}تفسير : [النحل: 21] الآية وقال: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَـٰهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} تفسير : [يس: 33].
المحلي و السيوطي
تفسير : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ } يا أهل مكة {بِٱللَّهِ وَ } قد {كُنتُمْ أَمْوٰتاً } نطفاً في الأصلاب {فَأَحْيَٰكُمْ } في الأرحام والدنيا بنفخ الروح فيكم؟ والاستفهام: للتعجب من كفرهم مع قيام البرهان أو: للتوبيخ {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عند انتهاء آجالكم {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } بالبعث {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تُردَّون بعد البعث فيجازيكم بأعمالكم. وقال دليلاً على البعث لمّا أنكروه.
الشوكاني
تفسير : كيف مبنية على الفتح لخفته، وهي في موضع نصب بـ {تكفرون}، ويسأل بها عن الحال، وهذا الاستفهام هو للإنكار عليهم، والتعجب من حالهم، وهي متضمنة لهمزة الاستفهام، والواو في {وَكُنتُمْ } للحال، و"قد" مقدّرة كما قال الزجاج والفراء، وإنما صح جعل هذا الماضي حالاً؛ لأن الحال ليس هو مجرد قوله {كنتم أمواتاً} بل هو وما بعده إلى قوله {تُرْجَعُونَ} كما جزم به صاحب الكشاف كأنه قال: كيف تكفرون وقصتكم هذه؟ أي: وأنتم عالمون بهذه القصة، وبأوّلها، وآخرها. والأموات جمع ميت، واختلف المفسرون في ترتيب هاتين الموتتين، والحياتين فقيل: إن المراد {كُنتُمْ أَمْوٰتاً } قبل أن تخلقوا، أي: معدومين؛ لأنه يجوز إطلاق اسم الموت على المعدوم لاجتماعهما في عدم الاحساس {فَأَحْيَـٰكُمْ } أي: خلقكم {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عند انقضاء آجالكم {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } يوم القيامة. وقد ذهب إلى هذا جماعة من الصحابة، فمن بعدهم. قال ابن عطية: وهذا القول هو: المراد بالآية، وهو الذي لا محيد للكفار عنه، وإذا أذعنت نفوس الكفار بكونهم كانوا معدومين، ثم أحياء في الدنيا، ثم أمواتاً فيها لزمهم الإقرار بالحياة الأخرى. قال غيره: والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم حياة الدنيا. وقيل: إن المراد كنتم أمواتاً في ظهر آدم ثم أخرجكم من ظهره كالذّر، ثم يميتكم موت الدنيا، ثم يبعثكم. وقيل: {كُنتُمْ * أَمْوٰتاً } أي: نطفاً في أصلاب الرجال {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } حياة الدنيا. {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } بعد هذه الحياة {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } في القبور {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } في القبر {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } الحياة التي ليس بعدها موت. قال القرطبي: فعلى هذا التأويل هي: ثلاث موتات، وثلاث إحياءات، وكونهم موتى في ظهر آدم، وإخراجهم من ظهره، والشهادة عليهم غير كونهم نطفاً في أصلاب الرجال، فعلى هذا يجيء أربع موتات وأربع إحياءات. وقد قيل: إن الله تعالى أوجدهم قبل خلق آدم كالبهائم، وأماتهم، فيكون على هذا خمس موتات، وخمس إحياءات، وموتة سادسة للعصاة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم كما ورد في الحديث: «حديث : ولكن ناساً أصابتهم النار بذنوبهم، فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فحماً أذن في الشفاعة فجيء بهم، تفسير : إلى أن قال: حديث : فينبتون نبات الحبة في حميل السيل» تفسير : وهو في الصحيح من حديث أبي سعيد. وقوله: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } أي: إلى الله سبحانه، فيجازيكم بأعمالكم. وقد قرأ يحيـى بن يعمر، وابن أبي إسحاق، ومجاهد، وسلام، ويعقوب بفتح حرف المضارعة، وقرأ الجماعة بضمه. قال في الكشاف: عطف الأوّل بالفاء، وما بعده بثم، لأن الإحياء الأوّل قد تعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت، فقد تراخى عن الإحياء، والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخياً ظاهراً، وإن أريد به إحياء القبر، فمنه يكتسب العلم بتراخيه، والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخ عن النشور. انتهى. ولا يخفاك أنه إن أراد بقوله أن الإحياء الأوّل قد تعقب الموت أنه وقع على ما هو متصف بالموت، فالموت الآخر وقع على ما هو متصف بالحياة، وإن أراد أنه وقع الإحياء الأوّل عند أوّل اتصافه بالموت بخلاف الثاني، فغير مسلم، فإنه وقع عند آخر أوقات موته، كما وقع الثاني عند آخر أوقات حياته، فتأمل هذا. وقد أخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا } الآية، قال: لم تكونوا شيئاً، فخلقكم {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة نحوه أيضاً. وأخرج ابن جرير عن أبي صالح قال: يميتكم، ثم يحييكم في القبر، ثم يميتكم. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله: {وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا } قال: حين لم تكونوا شيئاً، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة، ثم يرجعون إليه بعد الحياة. وأخرج ابن جرير، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: خلقهم من ظهر آدم، فأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة. والصحيح الأول.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ}. في قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ} قولان: أحدهما: أنه خارج مخرج التوبيخ. والثاني: أنه خارج مخرج التعجب، وتقديره: اعجبوا لهم، كيف يكفرون! وفي قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} ستة تأويلات: أحدها: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} أي لم تكونوا شيئاً، {فَأَحْيَاكُمْ} أي خلقكم، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عند انقضاء آجالكم، {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} يوم القيامة، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود. والثاني: أن قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} يعني في القبور {فَأَحْيَاكُمْ} للمساءلة، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} في قبوركم بعد مساءلتكم، ثم يحييكم عند نفخ الصور للنشور، لأن حقيقة الموت ما كان عن حياةٍ، وهذا قول أبي صالح. والثالث: أن قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} يعني في أصلاب آبائكم، {فَأَحْيَاكُمْ} أي أخرجكم من بطون أمهاتكم، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} الموتة التي لا بد منها، {ثُم يُحْيِيكُمْ} للبعث يوم القيامة، وهذا قول قتادة. والرابع: أن قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْواتاً} يعني: أن الله عز وجل حين أخذ الميثاق على آدم وذريته، أحياهم في صلبه وأكسبهم العقل وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم بعد أخذ الميثاق عليهم، ثم أحياهم وأخرجهم من بطون أمهاتهم، وهو معنى قوله تعالى: {أية : يَخْلُقْكُمْ في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّنْ بَعْدِ خَلْقٍ}، تفسير : [الزمر: 6] فقوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} يعني بعد أخذ الميثاق، {فَأَحْيَاكُمْ} بأن خلقكم في بطون أمهاتكم ثم أخرجكم أحياء، {ثم يُمِيتُكُمْ} بعد أن تنقضي آجالكم في الدنيا، {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} بالنشور للبعث يوم القيامة، [وهذا] قول ابن زيدٍ. والخامس: أن الموتة الأولى مفارقة نطفة الرجل جسده إلى رحم المرأة، فهي مَيِّتَةٌ من حين فراقها من جسده إلى أن ينفخ الروح فيها، ثم يحييها بنفخ الروح فيها، فيجعلها بشراً سويّاً، ثم يميته الموتة الثانية بقبض الروح منه، فهو ميت إلى يوم ينفخ في الصور، فيرُد في جسده روحه، فيعود حياً لبعث القيامة، فذلك موتتان وحياتان. والسادس: أن قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} خاملي الذكر دارسي الأثر، {فَأَحْيَاكُمْ} بالظهور والذكر، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عند انقضاء آجَالكم، {ثُمَّ يُحييكُمْ} للبعث، واستشهد من قال هذا التأويل بقول أبي بُجَيْلَةَ السَّعْدِيِّ: شعر : وَأَحْيَيْتَ مِنْ ذِكْرِي وَمَا كَانَ خامِلاً وَلكِنَّ بَعْضَ الذِّكْرِ أنْبَهُ مِنْ بَعْضِ تفسير : وفي قوله: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تأويلان: أحدهما: إلى الموضع الذي يتولى الله الحكم بينكم. والثاني: إلى المجازاة على الأعمال.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} توبيخ، أو تعجب، عجَّبَ المؤمنين من كفرهم {وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} أمواتاً: عَدَماً، فأحياكم: خلقكم {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عند الأجل {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} في القيامة، أو أمواتاً في القبور، فأحياكم فيها للمساءلة، ثم يميتكم فيها، ثم يحييكم للبعث، لأن حقيقة الموت ما كان عن حياة، أو أمواتاً في الأصلاب، فأحياكم أخرجكم من بطون الأمهات، ثم يميتكم في الأجل، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة، أو كنتم أمواتاً بعد أخذ الميثاق يوم الذر، فأحياكم خلقكم في بطون أمهاتكم، ثم يميتكم عند الأجل، ثم يحييكم يوم القيامة، أو أمواتاً نطفاً. فأحياكم بنفخ الروح، ثم يميتكم في الأجل، ثم يحييكم يوم القيامة، أو كنتم أمواتاً خاملي الذكر، فأحياكم بالظهور والذكر، ثم يميتكم في الأجل، ثم يحييكم يوم القيامة. {تُرْجَعُونَ} إلى مجازاته على أعمالكم، أو إلى الموضع الذي يتولى الله تعالى فيه الحكم بينكم.
النسفي
تفسير : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ } معنى الهمزة التي في «كيف» مثله في قولك: أتكفرون بالله ومعكم وما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان وهو الإنكار والتعجب، ونظيره قولك: أتطير بغير جناح وكيف تطير بغير جناح؟ والواو في {وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا } نطفاً في أصلاب آبائكم للحال و «قد» مضمرة. والأموات جمع ميت كالأقوال جمع قيل، ويقال لعادم الحياة أصلاً ميت أيضاً كقوله تعالى: {أية : بلدة مَّيْتاً}تفسير : [الفرقان: 49] {فَأَحْيَـٰكُمْ } في الأرحام {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ } عند انقضاء آجالكم {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ } للبعث {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } تصيرون إلى الجزاء، أو ثم يحييكم في قبوركم ثم إليه ترجعون للنشور. وإنما كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم لأن الإحياء الأول قد تعقب الموت بلا تراخٍ، وأما الموت فقد تراخى عن الحياة والحياة الثانية كذلك تتراخى عن الموت إن أريد النشور، وإن أريد إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه، والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخٍ عن النشور. وإنما أنكر اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها لأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم على الكفر، ولأنها تشتمل على نعمٍ جسام حقها أن تشكر ولا تكفر. {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ } أي لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم. أما الأول فظاهر، وأما الثاني فالنظر فيه وما فيه من العجائب الدالة على صانع قادر حكيم عليم، وما فيه من التذكير بالآخرة لأن ملاذها تذكر ثوابها ومكارهها تذكر عقابها. وقد استدل الكرخي وأبو بكر الرازي والمعتزلة بقوله «خلق لكم» على أن الأشياء التي يصح أن ينتفع بها خلقت مباحة في الأصل. {جَمِيعاً } نصب على الحال من «ما» {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء } الاستواء: الاعتدال والاستقامة. يقال: استوى العود أي قام واعتدل، ثم قيل: استوى إليه كالسهم المرسل أي قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء ومنه قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء }تفسير : [فصلت: 11]، أي أقبل وعمد إلى خلق السموات بعد ما خلق ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر. والمراد بالسماء جـهات العلو كأنه قيل: ثم استوى إلى فوق. والضمير في {فسوّاهنّ} مبهم يفسره {سَبْعَ سَمَـٰوٰتٍ } كقولهم «ربه رجلاً». وقيل: الضمير راجع إلى السماء ولفظها واحد ومعناها الجمع لأنها في معنى الجنس. ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن. «وثم» هنا لبيان فضل خلق السمٰوات على خلق الأرض، ولا يناقض هذا قوله {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا }تفسير : [النازعات: 30] لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء وأما دحوها فمتأخر. وعن الحسن: خلق الله الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منها السمٰوات وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض فذلك قوله تعالى: {أية : كَانَتَا رَتْقاً }تفسير : [الأنبياء: 30]، وهو الالتزاق {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فمن ثم خلقهن خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت من خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم. وهو وأخواته مدني غير ورش، «وَهُوَ» هو وأبو عمرو وعلي، جعلوا الواو كأنها في نفس الكلمة فصار بمنزلة عضد وهم يقولون في عضد عضد بالسكون. ولما خلق الله تعالى الأرض أسكن فيها الجن وأسكن في السماء الملائكة فأفسدت الجن في الأرض فبعث إليهم طائفة من الملائكة فطردتهم إلى جزائر البحار ورؤوس الجبال وأقاموا مكانهم فأمر نبيه عليه السلام أن يذكر قصتهم فقال: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ } «إذ» نصب بإضمار «اذكر». والملائكة جمع ملأك كالشمائل جمع شمأل وإلحاق التاء لتأنيث الجمع. {إِنّي جَاعِلٌ } أي مصير من جعل الذي له مفعولان وهما {فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } وهو من يخلف غيره «فعيلة» بمعنى «فاعلة» وزيدت الهاء للمبالغة والمعنى: خليفة منكم لأنهم كانوا سكان الأرض فخلفهم فيها آدم وذريته. ولم يقل خلائف أو خلفاء لأنه أريد بالخليفة آدم. واستغنى بذكره عن ذكر بنيه كما تستغني بذكر أبي القبيلة في قولك «مضر وهاشم»، أو أريد من يخلفكم أوخلقاً يخلفكم فوحد لذلك، أو خليفة مني لأن آدم كان خليفة الله في أرضه وكذلك كل نبي، قال الله تعالى: {أية : يا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [ص: 26]، وإنما أخبرهم بذلك ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم، أو ليعلِّم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنياً عن المشاورة. {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } تعجب من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية وهو الحكيم الذي لا يجهل، وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى، أو من جهة اللوح أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر. {وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاءَ } أي يصب. والواو في {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ } للحال كما تقول: أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه بالإحسان؟ {بِحَمْدِكَ } في موضع الحال أي نسبح حامدين لك ومتلبسين بحمدك كقوله تعالى: {أية : وَقَدْ دَّخَلُواْ بِٱلْكُفْرِ }تفسير : [المائدة: 61]، أي دخلوا كافرين. {وَنُقَدِّسُ لَكَ } ونطهر أنفسنا لك. وقيل: التسبيح والتقديس تبعيد الله من السوء من سبح في الأرض وقدس فيها إذا ذهب فيها وأبعد. {قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي أعلم من الحكم في ذلك ما هو خفي عليكم يعني يكون فيهم الأنبياء والأولياء والعلماء. و «ما» بمعنى «الذي» وهو مفعول أعلم والعائد محذوف أي ما لا تعلمونه. «إنى» حجازي وأبو عمرو. {وَعَلَّمَ ءَادَمَ } هو اسم أعجمي وأقرب أمره أن يكون على فاعل كآزو واشتقاقهم آدم من أديم الأرض أو من الأدمة كاشتقاقهم يعقوب من العقب وإدريس من الدرس وإبليس من الإبلاس. {ٱلأَسْمَاء كُلَّهَا } أي أسماء المسميات فحذف المضاف إليه لكونه معلوماً مدلولاً عليه بذكر الأسماء إذ الإسم يدل على المسمى وعوض منه اللام كقوله تعالى: {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً }تفسير : [مريم: 4]، ولا يصح أن يقدر وعلم آدم مسميات الأسماء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، لأن التعليم تعلق بالأسماء لا بالمسميات لقوله تعالى: «أنبئوني بأسماء هؤلاء» - و- «أنبئهم بأسمائهم»، ولم يقل «أنبئوني بهؤلاء وأنبئهم بهم». ومعنى تعليمه أسماء المسميات أنه تعالى أراه الأجناس التي خلقها وعلمه أن هذا اسمه فرس وهذا اسمه بعير وهذا اسمه كذا وهذا اسمه كذا. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: علمه اسم كل شيء حتى القصعة والمغرفة. {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰئِكَةِ } أي عرض المسميات، وإنما ذكر لأن في المسميات العقلاء فغلبهم. وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت {فَقَالَ أَنبِئُونِي } أخبروني {بِأَسْمَاءِ هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين سفاكين للدماء، وفيه رد عليهم وبيان أن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا. {قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ } تنزيهاً لك أن يخفى عليك شيء أو عن الاعتراض عليك في تدبيرك. وأفادتنا الآية أن علم الأسماء فوق التخلي للعبادة فكيف بعلم الشريعة؟! وانتصابه على المصدر تقديره سبحت الله تسبيحاً {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } وليس فيه علم الأسماء، و «ما» بمعنى «الذي»، والعلم بمعنى المعلوم أي لا معلوم لنا، إلا الذي علمتنا. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ } غير المعلم {ٱلْحَكِيمُ } فيما قضيت وقدرت. والكاف اسم «إن» و «أنت» مبتدأ وما بعده خبره والجملة خبر «إن»، أو «أنت» فصل والخبر «العليم». و«الحكيم» خبر ثانٍ.
الخازن
تفسير : {كيف تكفرون بالله} يعني بعد نصب الدلائل ووضع البراهين الدالة على وحدانيته ثم ذكر الدلائل فقال تعالى: {وكنتم أمواتاً} يعني نطفاً في أصلاب آبائكم {فأحياكم} يعني في الأرحام والدنيا {ثم يميتكم} أي عند انقضاء آجالكم {ثم يحييكم} يعني بعد الموت للبعث {ثم إليه ترجعون} أي تردون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم. قوله عز وجل: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} يعني من المعادن والنبات والحيوان والجبال والبحار والمعنى كيف تكفرون بالله وقد خلق لكم ما في الأرض جميعاً لتنتفعوا به في مصالح الدين والدنيا أما مصالح الدين فهو الاعتبار والتفكر في عجائب مخلوقات الله تعالى الدالة على وحدانيته وأما مصالح الدنيا فهو الانتفاع بما خلق فيها {ثم استوى إلى السماء} أي قصد وأقبل على خلقها وقيل عمد، وقال ابن عباس: ارتفع وفي رواية عنه صعد. قال الأزهري معناه صعد أمره وكذا ذكره صاحب المحكم وذلك أن الله تعالى خلق الأرض أولاً ثم عمد إلى خلق السماء. فإن قلت كيف الجمع بين هذا وقوله تعالى: {أية : والأرض بعد ذلك دحاها} تفسير : [النازعات: 30] قلت: الدحو البسط فيحتمل أن الله تعالى خلق جرم الأرض ولم يبسطها ثم خلق السماء وبسط جرم الأرض بعد ذلك، فإن قلت هذا مشكل أيضاً لأن قوله تعالى خلق لكم ما في الأرض جميعاً يقتضي أن ذلك لا يكون إلاّ بعد الدحو. قلت: يحتمل أنه ليس هنا ترتيب وإنما هو على سبيل تعداد النعم كقوله الرجل لمن يذكره ما أنعم به عليه: ألم أعطك؟ ألم أرفع قدرك؟ ألم أدفع عنك؟ ولعل بعض هذه النعم متقدمة على بعض والله أعلم {فسواهن سبع سموات} خلقهن سبع سموات مستويات لا صدع فيها ولا فطور وسيأتي ذكر خلق الأرض عند قوله تعالى: {أية : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} تفسير : [فصلت: 9] في سورة حم السجدة إن شاء الله تعالى {وهو بكل شيء عليم} يعني يعلم الجزئيات كما يعلم الكليات.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ...} قال (ابن عطية): هذه الآية دليل على أنّ المراد بما قبلها المخالفة في توحيد الله تعالى والإيمان به إمّا على سبيل الخصوصية أو مع غيره وهو الأصل (وغيره تابع له). الزمخشري: "كَيْفَ" سؤال عن حال ومعناها معنى الهمزة (لكن السؤال بالهمزة) عن الذات، والسؤال بكيف عن صفة الذات فيستلزم السؤال عنها. قال ابن عرفة: فإن قلت: لم وبّخوا بكيف، وهلا وبّخوا بالهمزة؟ وأجاب: بأنه إذا أنكر عليهم الكفر في حال من الأحوال فيلزم إنكار نفس الكفر من باب أحرى، لأن كل موجود لا ينفك عن صفة فنفي الصفة يستلزم نفيه بطريق البرهان. قال ابن عرفة: هذا استدلال بنفي الملزوم على نفي اللازم وهو باطل عندهم ويقال له: الصفة تابعة لموصوفها، ولا يلزم من نفي التابع نفي المتبوع بل العكس (الذي يلزم) قيل لابن عرفة: هذا تابع لازم لا ينفك عنه (المتبوع) فنفيه يستلزم نفيه؟ فقال: قصارى أمره أنه دلّ على نفي المتبوع باللزوم لأن دلالته عليه بواسطة نفي الصفة والهمزة تدل على نفيه بالمطابقة. قيل لابن عرفة: الكفر في ذاته لا ينفك عن (حال) من الأحوال فعموم النفي في حالاته يستلزم (انتفاءه هو معها بخلاف نفيه هو في ذاته؟ فقال: نفيه في ذاته يستلزم انتفاء حالاته، وأيضا فالهمزة تدل على إنكار نفي الكفر بالمطابقة، وكيف بواسطة دلالتها على (إنكار) نفي صفته ودلالة المطابقة أقوى من دلالة الالتزام. (قال): وكان (يظهر) لنا في الجواب عنه تقدير بأن النّفي بالهمزة مطلق في الشيء والنّفي بكيف عام في جميع حالات الشيء. ودلالة العام أقوى من دلالة المطلق لأن الهمزة تدل على إنكار كفرهم في حالة ما، وكيف تدل على إنكار جميع أحوال كفرهم. وتقريبه بالمثال أنّ الميتة والخمر عندنا محرمان، لكن الميتة مباحة للمضطر بخلاف الخمر على المشهور. ونص في كتاب الصلاة الأول (من العتبية) في أول رسم تأخير صلاة العشاء، فتقول للانسان: أتأكل الميتة وهي محرمة؟ ولا تقول له: كيف تأكل الميتة وهي محرمة، ولا تقول له: أتشرب الخمر وهو محرم؟ هذا المختار عندهم. قلت: وبدليل من غص بلقمة ولم يجد ما (يدفعها) به إلا الخمر (وخاف الموت). قال ابن رشد: الظاهر من قول أصبغ أنّ ذلك (لا) يجوز له وأجازه غيره غيره. قال ابن عرفة: ومثله الزمخشري بقولك (أتطير) بغير جناح؟ وكيف تطير بغير جناح؟ قال ابن عرفة: هذا المثال لا يطابق الآية، إنّما (يطابقها) أن يقول: أتطير وأنت مكسور الجناح من غير ضرورة تدعوك لذلك لأن الطيران بلا جناح مستحيل بالبديهة، (وكفر هؤلاء) ليس بمحال. (قلت): والحاصل أن الزمخشري والشّيخ ابن عرفة اتّفقا على أنّ "كَيْفَ" سؤال عن جميع الأحوال (واختلفا) في الهمزة فهي عند الزمخشري سؤال عن حقيقة الشيء، وعند ابن عرفة مطلقة في السؤال عن ذاته وعن أحواله تصدق بصورة من صور ذلك. وقال بعض الشّيوخ: ومن ظنّي أن كلام سيبويه موافق لما قال ابن عرفة. قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ...} قال ابن عرفة: إن قلت ما الفرق بين هذا وبين ما تقدم في قوله تعالى: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : وهل هو تكرار أم لا؟ قلنا: ليس بتكرار وتلك إرشاد للنظر في دليل الوحدانية والإيمان، وبعد (تقرر) (الإيمان) ذلك جاءت هذه توبيخا لمن نظر في الدليل ولم يعمل بمقتضاه. ابن عرفة: وفي قوله: {وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً} دليل على أن الموت أمر عدمي، فإنه أخبر أنهم كانوا متّصفين بالموت حالة كونهم عدما صرفا، والوجود لا يجامع العدم على المشهور، وإنما يجامع وجودا مثله. قال ابن عرفة: وأتى في الدليل بأمرين: أحدهما (مروي) مشاهد، وهو وجودهم بعد عدمهم، وموتهم بعد ذلك ثم عطف عليه أمرا آخر نظريا لا يعلم إلا من جهة الرسل وهو حياتهم بعد ذلك، ورجوعهم إلى الله، والعطف يقتضي التسوية فهو إشارة إلى أن ذلك الأمر النظري اعتقدوه حقا كأنه ضروري (فليكن) (عندهم) مساويا للضرورة. ونظيره العطف في قوله تعالى {أية : وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا}. تفسير : (قالوا: أفاد عطف الكبيرة التسوية في الإحصاء بينها وبين الصغيرة فالمراد أنه لا يدع شيئاً إلا أحصاه). قال الزمخشري: فإن قلت: لم عطف "فَأَحْيَاكُمْ" بالفاء {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} بثم؟ فأجاب بأن الإحياء الأول غير متراخ عن الموت، ولذلك كان الإحياء الثاني متراخ عن الموت ورده ابن عرفة: بأنّه إن أراد أول أزمنة الموت فالإحياء الأول متراخ عنه فهلا عطف بثم؟ (وإن) أراد آخر أزمنة الموت فالإحياء الثاني (عقيبه) من غير تراخ بوجه. قيل له: الإحياء الأول ليس بينه وبين الموت الذي قبله فاصل بوجه، وبينه وبين الموت الذي بعده فواصل، وهي التكاليف التي أمرنا الشرع بها. فلما كانت معتبرة شرعا جعل زمن الحياة (ممتدّا) متراخيا، فعطف عليه الموت بثم. قال ابن عرفة: هذا (يعكر) عليكم في قوله تعالى: {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} لأنه ليس بينه وبين الموت الذي قبله أيضا فاصل. قال: وإن كان (يظهر) لنا الجواب عن ذلك السؤال بأن الموت الأول لسنا نشاهده، ولا (نحن) نعلمه إلا من جهة الخبر والعلم به إن تطاول زمانه يأتينا دفعة واحدة يجعل (كأنه شيء واحد والحياة الدنيا مشاهدة لنا ضرورية وزمانها لا نعلمه دفعة واحدة) وإنما نعلمه شيئا بعد شيء إذ لا يدري أحدنا مقدار عمره ما هو؟ فالإماتة متراخية عنه فاعتبر (فيه) التراخي، والحياة الثانية أيضا إنما نعلمها من جهة الشرع وهو إنما أخبر بها بعد حصول الموت الأول وتقرره في جميع الناس حتى لا يبقى أحدهم منهم إلا مات فحياة أولهم موت متأخر عن موت آخرهم فاعتبروا فيها التراخي لهذا المعنى. قلت: وقرر بعض الشيوخ كلام الزمخشري بأن الموت الأول لا (بداية) له بوجه فهو عدم مستمر غير مسبوق بشيء فروعي فيه آخره وأنه شيء واحد فعطفت عليه (الحياة) (بالفاء) إشارة إلى سرعة التكوين والحياة الأولى (زمنها) متطاول والخطاب (بالآية) إنما هو (للإحياء) فهو مدة حياتهم، وقد بقيت منها بقية ولها مبدأ ومنتهى، فاعتبر فيها التراخي، والموت الثاني عدم مسبوق بوجود قبله ومرتفع بوجود بعده فهو (محصول له) مبدأ ومنتهى فُروعي أيضا فيه التراخي فلذلك عطفت عليه الحياة الثانية بثم والله أعلم. وأورد الزمخشري سؤالا على مذهبه (في اشتراط البنية) فقال: كيف قيل: لهم أموات في حال كونهم جمادا، وإنّما يقال: ميّت فيما تصح فيه الحياة من (البناء). وهذا على مذهبه اشتراط البنية وهي (البلة) والرطوبة المزاجية (ولا يرد السؤال على مذهبنا بوجه).
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {فأحياكم} وبابه بالإمالة: علي. {ترجعون} بفتح التاء وكسر الجيم كل القرآن: يعقوب. وهو وبابه بسكون الهاء: أبو جعفر ونافع غير ورش وعلي وأبو عمرو. الوقوف: {فأحياكم} (ج) للعدول أي ثم هو يميتكم مع اتحاد مقصود الكلام {ترجعون} (ط) {سموات} (ط) {عليم} (ه). التفسير: هذه الآية مسوقة لبيان التعجب من حال الكفرة، وذلك أن الاستفهام من علام الغيوب يمتنع إجراؤه على أصله، فيتولد بمعونة قرائن الأحوال ما ذكرنا. ووجهه هو أن الكفار حين صدور الكفر منهم لا بد من أن يكونوا على أحد الحالين: إما عالمين بالله وإما جاهلين به فلا ثالثة. فإذا قيل لهم: كيف تكفرون بالله؟ ومن المعلوم أن "كيف" للسؤال عن الحال وللكفر مزيد اختصاص من بين سائر أحوال الكافر بالعلم بالصانع أو الجهل به، لأنه لا يمكن تصور كفر الكافر بالصانع مع الذهول عن كونه عالماً بالله أو جاهلاً به، بخلاف سائر أحواله المتقابلة كالقعود والقيام والسكون والحركة، فإنه يمكن تصور كفره مع الذهول عنها وإن كان لا ينفك الكافر في الوجود عنها كما لا ينفك من العلم بالصانع أو الجهل به في الوجود. وتوجه الاستفهام إلى ذلك الذي له مزيد اختصاص فأفاد الاستفهام، أفي حال العلم بالله تكفرون أم في حال الجهل به؟ لكن الجهل بعيد عن العاقل، لأن الحال حال علم بهذه القصة وهي أن كانوا أمواتاً فصاروا أحياء، وسيكون كذا والحال كذا من الإماتة، ثم الإحياء ثم الرجع إليه، فبقي أن يكون الحال حال العلم بالصانع الموجبة للصرف عن الكفر. فصدور الفعل عمن له صورة اختيار في الترك مع الصارف القوي مظنة تعجب وتعجيب وإنكار وتوبيخ فكأنه قيل: ما أعجب كفركم والحال أنكم عالمون بهذه القصة وهي أن كنتم أمواتاً نطفاً في أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء ثم يميتكم بعد هذه الحياة! وهذه مما لا يشك فيها لأنها من المشاهدات، ثم يحييكم حين ينفخ في الصور أو حين تسألون في القبور، ثم إليه أي إلى حكمه ترجعون أي بعد الحشر للثواب والعقاب أو من قبوركم. وهذه القضايا أيضاً مما لا يشك فيها لنصب الأدلة وإزاحة العلة. والأموات جمع ميت كالأقوال جمع قيل، وقد يطلق الميت على الجماد كقوله {أية : بلدة ميتاً}تفسير : [ق: 11] ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس. ويحتمل أن يقال: المراد به خمول الذكر كقوله {أية : هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً}تفسير : [الإنسان: 1] قال أبو نخيلة السعدي: شعر : وأحييت لي ذكري وما كنت خاملاً ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض تفسير : ولا يخفى أن الآية بالنسبة إلى العامة، فأما بعض الناس فقد أماتهم ثلاث مرات {أية : فأماته الله مائة عام ثم بعثه}تفسير : [البقرة: 259] {أية : فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم}تفسير : [البقرة: 242] {أية : ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون}تفسير : [البقرة: 56] {أية : وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم}تفسير : [الكهف: 19] {أية : وآتيناه أهله ومثلهم معهم} تفسير : [الأنبياء: 84] واعلم أن هذه الآية دالة على أمور منها: اشتمالها على وجود ما يدل على الصانع القادر العلم الحي السميع البصير الغني عما سواه. ومنها الدلالة على أنه لا قدرة على الإحياة والإماتة إلا الله، فيبطل قول الدهري {أية : وما يهلكنا إلا الدهر}تفسير : [الجاثية: 24] ومنها الدلالة على صحة الحشر والنشر مع التنبيه على الدليل القطعي الدال عليه، لأن الإعادة أهون من الإبداء. ومنها الدلالة على التكليف والترغيب والترهيب، ومنها الدلالة على وجوب الزهد في الدنيا لأنه قال: {فأحياكم} أي بعقب كونكم نطفاً من غير تخلل حالة أخرى بينهما، ثم يميتكم بعد انقضاء مهلة الحياة، ثم بيّن أنه لا يترك على هذا الموت بل لا بد من حياة ثانية للسؤال أو للحشر، ثم من الرجوع إليه للثواب أو العقاب. فبين سبحانه أنه بعد ما كان نطفة فإنه أحياه وصوّره أحسن صورة وجعله بشراً سوياً وأكمل عقله وبصره بأنواع المضار والمنافع، وملكه الأموال والأولاد والدور والقصور. ثم إنه تعالى يزيل كل ذلك عنه بأن يميته ويصيره بحيث لا يملك شيئاً ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر، ويبقى مدة مديدة في اللحد {أية : ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون}تفسير : [المؤمنون: 100] ينادي فلا يجيب، ويستنطق فلا يتكلم، ثم لا يزوره الأقربون بل ينساه الأهل والبنون. شعر : يمرّ أقاربي بحذاء قبري كأن أقاربي لم يعرفوني تفسير : الهي إذا قمنا من ثرى الأجداث مغبرة رؤوسنا شاحبة وجوهنا جائعة بطوننا مثقلة من حمل الأوزار ظهورنا بادية لأهل القيامة سوآتنا، فلا تضغف مصائبنا بإعراضك عنا، يا واسع المغفرة، ويا باسط اليدين بالرحمة. ولما ذكر الله تعالى في الآية الأولى أصل جميع النعم وهو الإحياء الذي من حقه أن يشكر ولا يكفر، أعقبها بذكر ما هو كالأصل لسائر النعم وهو خلق الأرض بما فيها، وخلق السماء. ومعنى {لكم} لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم وذلك ظاهر، وفي دينكم من النظر في عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم، ومن التذكير بالآخرة وثوابها وعقابها لاشتماله على أسباب الإنس واللذة من فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر الحسنة البهية، وعلى أسباب الوحشة والألم من النيران والصواعق والسباع والأحناش والسموم والغموم والمخاوف. فظاهر الآية لا يدل إلا على خلق ما في الأرض لأجلهم دون الأرض. فإن أريد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما يذكر السماء ويراد به الجهات العلوية جاز أن يراد خلق لكم الأرض وما فيها. و {جميعاً} نصب على الحال من الموصول الثاني وهو "ما" أي مجموعة، والمجموع الذي جمع من ههنا وههنا وإن لم يجعل كالشيء الواحد ويندرج فيها جميع البسائط من الماء والهواء والنار وجميع المواليد من المعادن والنبات والحيوان وجميع الصنائع والحرف. وبعضهم يستدل بهذا على أن الأصل في الأشياء الإباحة عقلاً لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها ويمكن أن يقال بل بهذه الآية وإلا كان تصرفاً في ملك الغير من غير إذنه. ولا يلزم من أنه تعالى خلق ما في الأرض لأجل المكلفين أن يكون فعله معللاً بغرض، وإن كان لا يخلو من فائدة وغاية، وإلا كان عبثاً لأنه لا يلزم من استتباع الفعل الغاية أن تكون تلك الغاية علة لعلية فاعلة، لأن هذا فيما إذا كانت فاعليته ناقصة لتتكمل بتلك الغاية، أما إذا كانت فاعليته تامة فإنه يوجد الشيء ذا الغاية من غير أن تكون تلك الغاية حاملة له على ذلك، وهذا فرق دقيق يتنبه له من يسر عليه قيل: إنه تعالى خلق الكل للكل، فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلاً، قلنا: قابل الكل بالكل فيقتضي مقابلة الفرد للفرد، والتعيين يستفاد من دليل منفصل. والاستواء بمعنى الانتصاب ضد الاعوجاج من صفات الأجسام، وإنه تعالى منزه عن ذلك. وأيضاً "ثم" تقتضي التراخي، فلو كان المراد بهذا الاستواء العلو بالمكان لكان ذلك العلو حاصلاً أزلاً ولم يكن متأخراً عن خلق ما في الأرض، فيجب التأويل. وتقريره أن يقال: استوى العود إذا اعتدل، ثم قيل: استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء ومنه استعير قوله {أية : ثم استوى إلى السماء}تفسير : [فصلت: 11] أي قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر. والمراد بالسماء جهات العلو كأنه قيل: ثم استوى إلى فوق، أو هذا كقولك لآخر "اعمل هذا الثوب" وإنما معه غزل. على أنها كانت دخاناً ثم سواها سبع سموات. و "ثم" ههنا إما للتراخي في الوقت والمراد أنه حين قصد إلى السماء لم يحدث فيما بين ذلك أي في تضاعيف القصد إليها خلقاً آخر كما قلنا، أو للتفاوت بين الخلقين. وفضل خلق السموات على خلق الأرض كقوله {أية : فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر}تفسير : [المؤمنون: 14] وكقوله {أية : ثم كان من الذين آمنوا} تفسير : [البلد: 17] وتفسير هذه الآية في قوله {أية : قل أئِنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين}تفسير : [فصلت: 9 - 10] يعني تقدير الأرض في يومين، وتقدير الأقوات في يومين، كما يقول القائل: من الكوفة إلى المدينة عشرون يوماً، وإلى مكة ثلاثون يوماً، يريد أن جميع ذلك هو هذا القدر. ثم استوى إلى السماء في يومين آخرين، ومجموع ذلك ستة أيام كما قال {أية : خلق السموات والأرض في ستة أيام}تفسير : [يونس: 3] فإن قيل: أما يناقض هذا قوله {أية : والأرض بعد ذلك دحاها} تفسير : [النازعات: 30] قلنا: أجاب في الكشاف لا، لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء، وأما دحوها فمتأخر. وعن الحسن: خلق الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات وأمسك الفهر في موضعه وبسط منه الأرض فذلك قوله {أية : كانتا رتقاً} تفسير : [الأنبياء: 30] وهو الالتزاق، وزيف بأن الأرض جسم عظيم يمتنع انفكاك خلقها عن التدحية. وأيضاً قوله تعالى {خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء} يدل على أن خلق الأرض وخلق ما فيها مقدم على خلق السماء، لأن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن إلا إذا كانت مدحوّة. وقال بعض العلماء في دفع التناقض قوله {أية : والأرض بعد ذلك دحاها} تفسير : [النازعات: 30] يقتضي تقدم خلق السماء على الأرض، ولا يقتضي أن تكون تسوية السماء مقدمة على خلق الأرض، وزيف أيضاً بأن قوله {أية : ءأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها رفع سمكها فسوّاها. وأغطش ليلها وأخرج ضحاها. والأرض بعد ذلك دحاها}تفسير : [النازعات: 27 - 30] يقتضي أن يكون خلق السماء وتسويتها مقدماً على تدحية الأرض، بل على خلقها لأنهما متلازمان. وحينئذ يعود التناقض والمعتمد عند بعضهم في دفعه أن يقال "ثم" ليس للترتيب ههنا، وإنما هو على جهة تعديد النعم. مثاله: أن تقول لغيرك: ألست قد أعطيتك نعماً عظيمة، ثم رفعت قدرك، ثم دفعت عنك الخصوم؟ ولعل بعض ما أخرته في الذكر مقدم في الوقوع. (قلت): وهذا صحيح معقول من حيث ابتداء الوجود من الأشرف فالأشرف والألطف فالألطف إن ساعده النقل وإلا فلا إحالة في أنه تعالى خلق الأرض أولاً في غاية الصغر وجعل فيها أصول الجبال ووضع فيها البركة وقدر الأقوات ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعاً ثم دحا الأرض بأن جعلها أعظم مما كانت عليه كهيئتها الآن والله تعالى أعلم. والضمير في {سوّاهن} ضمير مبهم، و {سبع سموات} تفسيره نحو: ربه رجلاً. وفائدة الإبهام أولاً ثم البيان ثانياً أن الكلام هكذا أوقع في النفس، لأن المحصول بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب. وقيل: الضمير راجع إلى السماء، والسماء في معنى الجنس. وقيل: جمع سماءة والوجه العربي هو الأول. ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن وهو بكل شيء عليم، فمن ثم خلقهن خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت مع خلق ما في الأرض على حسب الحاجات وكفاء المصالح، ومقتضى الحكمة والتدبير. وهذا عام لم يدخله التخصيص قط، وبه يهدم بناء من زعم أنه غير عالم بالجزئيات، لأنه تعالى لو لم يعرف تفاصيلها لم تكن مخلوقاته على غاية الإتقان والإحكام، فسبحانه من خبير يعلم الذرة في الأجواف، والدرة في الأصداف، والقطرة في البحر، والخطرة في النحر، وعلى هذا يدور نظام العالم وبه يحصل قوام مناهج بني آدم. ثم إن العقل قد يدل على وجود سبع سموات، وتخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد، فأثبت أهل الأرصاد تسعة أفلاك على ما استقر عليه رأيهم، أولها من الجانب الأعلى للحركة اليومية، لأن هذه الحركة تشمل جميع الأجرام، فيجب أن يكون فلكها حاوياً للكل. وثانيها للثوابت جميعها تحديداً لأدنى الدرجات لاتحاد الحركات وإن كان كونها على أفلاك شتى جائزاً. والسبعة الباقية للسيارات السبعة جميع ذلك بوجود اختلاف المنظر وعدمه. وعلى ترتيب خسف بعضها بعضاً، أولها مما يلينا للقمر وفوقه لعطارد ثم للزهرة ثم للشمس ثم للمريخ ثم للمشتري ثم لزحل. ونازعهم بعض الناس في زيادة الفلكين الثامن والتاسع فقال: من المحتمل أن تتصل نفس بمجموع السبعة فتحركها حركة الكل، ثم يكون لكل فلك نفس على حدة تحركه حركته الخاصة به، وتكون الثوابت على محدب ممثل زحل مثلاً. وبالجملة فلم يتبين لأحد من الأوائل والأواخر كمية أعداد السموات على ما هي عليه لا عقلاً ولا سمعاً {أية : وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر} تفسير : [المدثر: 31].
ابن عادل
تفسير : اعلم أنه - تعالى - لما تكلَّم في دلائل التوحيد، والنبوة، والمعاد شَرَعَ في شَرْحِ النعم التي عمت جميع المكلفين. فالمراد بهذا الاستخبار التَّبْكيت والتعنيف. قوله: "كيف" استفهام يسأل به عن الأحوال، وبني لتضمنه معنى الهمزة، وبني على أخف الحركات، وكان سبيلها أنْ تكون ساكنةً؛ لأن فيها معنى الاستفهام الذي معناه التعجب. وشذّ دخول حرف الجر عليها، قالوا: "على كيف تبيعُ الأَحْمَرَينِ". وكونها شرطاً قليل، ولا يجزم بها خلافاً للكوفيين، وإذا أبدل منها اسم، أو وقع جواباً، فهو منصوبٌ إن كان بعدها فعل متسلّط عليها نحو كيف قمت. أصحيحاً أم سقيماً؟ وكيف سرت؟ فتقول: رَاشِداً، وإلا فمرفوعان نحو: كيد زيد؟ أصحيح أم سقيم؟ وإن وقع بعدها اسم مسؤول عنه بها، فهو مبتدأ، وهي خبر مقدم، نحو: كيف زيد؟ وقد يحذف الفعل بعدها، قال تعالى: {أية : كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا} تفسير : [التوبة: 8] أي: كيف تُوَالُونَهُمْ؟. وكيف في هذه الآية منصوبة على التشبيه بالظرف عند سيبويه، أي: في أي حالة تكفرون؟ وعلى الحال عند الأخفش. أي: على أي حال تكفرون؟ والعامل فيها على القولين "تكفرون"، وصاحب الحال الضمير في "تكفرون". ولم يذكر أبو البقاء غير مذهب الأخفش، ثم قال: والتقدير: معاندين تكفرون؟ وفي هذا التقدير نظر؛ إذ يذهب معه معنى الاستفهام المقصُود به التعجّب، أو التوبيخ، أو الإنكار. قال الزمخشري بعد أن جعل الاستفهام للإنكار: وتحريره أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها، وقد علم أن كلّ موجود لاَ بُدَّ له من حالٍ، ومُحَالٌ أن يوجد بغير صفة من الصفات كان إنكاراً لوجوده على الطريق البرهاني. وفي الكلام التفات من الغيبة في قوله "وأَما الَّذين كَفَروا" إلى آخره إلى الخطاب في قوله: "تَكْفُرُونَ" و "كُنْتُم". وفائدته: أن الإنكار إذا توجّه إلى المخاطب كان أبلغ. وجاء "تَكْفُرُون" مضارعاً لا ماضياً؛ لأن المنكر الدّوام على الكفر، والمُضَارع هو المشعر بذلك، ولئلا يكون ذلك توبيخاً لمن آمن بعد كفر. و "كَفَر" يتعدّى بحرف الجر نحو: "تَكْفُرُونَ باللهِ" {أية : تَكْفُرُونَ بِئآيَٰتِ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران: 70] {أية : كَفَرُواْ بِٱلذِّكْرِ} تفسير : [فصلت: 41] وقد يتعدّى بنفسه في قوله تعالى: {أية : أَلاَ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمْ} تفسير : [هود: 68] وذلك لما ضمن معنى جحدوا. فإن قيل: كيف يجوز أن يكون هذا الخطاب لأهل الكتاب، وهم لم يكفروا بالله؟ فالجواب أنهم [لما] لم يسمعوا أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - ولم يصدقوه فيما جاء به، فقد أشركوا؛ لأنهم لم يقروا بأن القرآن من عند الله، ومن يزعم أن القرآن من كلام البشر، فقد أشرك بالله، وصار ناقضاً للعَهْدِ. فصل في الرد على المعتزلة قال المعتزلة: هذه الآية تدلّ على أن الكفر من قبل العباد من وجوه: أحدها: أنه - تعالى - لو كان هو الخالق للكفر فيهم لما جاز أن يقول: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} موبخاً لهم، كما لا يجوز أن يقول: كيف تَسْوَدُّونَ وتبيضون وتصحون وتسقمون لما كان ذلك كله من خلقه فيهم. وثانيها: إذا كان خلقهم أولاً للشقاء والنار، وما أراد بخلقهم إلاّ الكفر وإرادة الوقوع في النَّار، فكيف يصح أن يقول موبخاً لهم: "كيف تكفرون"؟. وثالثها: أنه - تعالى - إذا قال للعبيد كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ، فهذا الكلام إما أن يكون موجهاً للحجّة على العبد، وطلباً للجواب منه، أو ليس كذلك، فإن لم يكن لطلب هذا المعنى لم يكن في ذكره فائدة، فيكون هذا الخطاب عبثاً، وإن ذكره لتوجيه الحجّة على العبد، فللعبد أن يقول: حصل في حقي أمور كثيرة موجبة للكفر. فالأول: أنك علمت بالكفر منّي، والعلم بالكفر يوجب الكفر. والثاني: أنك أردت الكفر مني، وهذه الإرادة موجبة له. والرابع: أنك خلقت فيّ قدرة موجبة للكفر. والخامس: أنك خلقت فيَّ إرادة موجبة للكفر. والسادس: أنك خلقت فيَّ قدرة موجبة للإرادة الموجبة للكفر. ثم لما حصلت هذه الأسباب السّتة في حصول الكفر، فالإيمان متوقّف على حُصُول هذه الأسباب السّتة في طرف الإيمان، وهي بأسْرِهَا كانت مفقودةً، فقد حصل لعدم الإيمان اثنا عشر سبباً واحد منها مستقل [بالمنع من الإيمان] ومع قيام هذه الأَسْبَاب الكثيرة كيف يعقل أن يقال: كيف تكفرون بالله؟ وآيات أخر تأتي في مواضعها إن شاء الله تعالى. والجواب عن هذا أنّ الله - سبحانه - علم أن لا يكون، فلو وجد [لانقلب عليه] جهلاً، وهو محال، ووقوعه محال، وأيضاً فالقدرة على الكفر إن كانت صالحةً للإيمان امتنع كونها مصدراً للإيمان على التعيين إلاّ لمرجح، وذلك المرجّح إن كان من العبد عاد السؤال، وإن كان من الله، فما لم يحصل ذلك المرجح من الله امتنع حصول الكفر، وإذا حصل ذلك المرجح وجب، وعلى هذا يعقل قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} قاله ابن الخطيب. قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} "الواو": "واو" الحال، وعلامتها أن يصلح موضعها "إذ". [والجملة في] موضع نَصْبٍ على الحال، ولا بد من إضمار "قد" ليصح وقوع الماضي حالاً. وقال الزمخشري: فإن قلت: كيف صح أن يكون حالاً، وهو ماض؟ قلت: لم تدخل "الواو" على "كُنتُمْ أَمْوَاتاً" وحده، ولكن على جملة قوله: "كُنتُمْ أَمْوَاتاً" إلى "تُرْجَعُونَ" كأنه قيل: كيف تكفرون بالله، وقصتكم هذه، وحالكم أنكم كنتم أمواتاً في أصلاب آبائكم، فجعلكم أحياء، ثم يميتكم بعد هذه الحَيَاة ثم يحييكم بعد الموت، ثم يُحَاسبكم؟. ثم قال: فإن قلت: بعض القصّة ماض، وبعضها مستقبل، والماضي والمستقبل كلاهما لا يصح أن يقع حالاً حتى يكون فعلاً حاضراً وقت وجود ما هو حال عنه، فما الحاضر الذي وقع حالاً؟ قلت: هو العلم بالقصّة كأنه قيل: كيف تكفرون، وأنتم عالمون بهذه القصة بأولها وآخرها؟. قال أبو حيان ما معناه: هذا تكلّف، يعني تأويله هذه الجملة بالجملة الاسمية. قال: والذي حمله على ذاك اعتقاده أن الجمل مندرجةٌ في حكم الجملة الأولى، قال: ولا يتعيّن، بل يكون قوله تعالى: "ثُمَّ يُمِيتُكُمْ" وما بعده جملاً مستأنفة أخبر بها - تعالى - لا داخلة تحت الحال، ولذلك غاير بينها وبين ما قبلها من الجمل بحرف العطف، وصيغة الفعل السَّابقين لها في قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ}. و "الفاء" في قوله "فأحياكم" على بابها من التَّعْقيب، و "ثُمَّ" على بابها من التَّرَاخي؛ لأن المراد بالموت الأول العدم السابق، وبالحَيَاة الأولى الخَلْق، وبالموت الثاني المَوْت المعهود، وبالحياة الثانية الحياة للبعث، فجاءت الفاء، و "ثم" على بابهما من "التَّعقيب" والتراخي على هذا التفسير، وهو أحسن الأقوال. ويعزى لابن عباس وابن مسعود ومجاهد، والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخٍ عن البعث. قال ابن عطية: وهذا القول هو المُرَاد بالآية، وهو الذي لا مَحِيْدَ للكفار عنه لإقرارهم بهما، وإذا أذعنت نفوس الكُفّار لكونهم أمواتاً معدومين، ثم الإحياء في الدنيا، ثم الإماتة فيها قوي عليهم لزوم الإِحْيَاءِ الآخر، وجاء جحدهم له دعوى لا حُجّة عليها، والحياة التي تكون في القبر على هذا التأويل في حكم الدنيا. وقيل: لم يعتدّ بها كما لم يعتد بموت من أَمَاتَهُ في الدنيا، ثم أحياهُ في الدنيا. وقيل: كنتم أمَواتاً في ظهر آدم، ثم أخرجكم من ظهره كالذَّرِّ، ثم يميتكم موت الدنيا، ثم يبعثكم. وقيل: كنتم أمواتاً - أي نُطَفاً - في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، ثم نقلكم من الأرحام فأحياكم، ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم في القبر للمسألة، ثم يميتكم في القبر، ثم يحييكم حَيَاةَ النشر إلى الحَشْرِ وهي الحياة التي ليس بعدها موت. قال القرطبي: فعلى هذا التأويل هي ثلاث مَوْتَات، وثلاث إحْيَاءَات، وكونهم موتى في ظهر ابن آدم، وإخراجهم من ظهره والشهادة عليهم غير كونهم نطفاً في أصلاب الرجال، وأرحام النساء، فعلى هذا تجيء أربع موتات وأربع إحياءات. وقد قيل: إن الله - تعالى - أوجدهم قبل خلق آدم - عليه الصَّلاة والسّلام - كالهَبَاءُ، ثم أماتهم، فيكون هذا على خمس موتات، وخمس إحياءات، وموتة سادسة للعُصَاة من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - إذا دخلوا النَّار، لحديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أما أَهْلُ النَّارِ الَّذِين هم أهلها فَإِنَّهُمْ لا يَمُوتُونَ فيها ولا يَحْيَوْن، ولكن ناس أصابَتْهُمُ النَّارُ بذنوبهم - أو قال بِخَطَايَاهم - فأماتهم الله إماتَةً حتى إذا كانوا فَحْماً أذن في الشَّفاعة، فجيء بهم ضَبَائر ضَبَائر، فَبُثُّوا على أنهار الجَنَّة ثم قيل: يا أهل الجَنّة أفيضوا عليهم فينبتون نَبَات الحِبَّة تكون في حَمِيْل السّيل" تفسير : الحديث. قال: فقوله: "فأماتهم الله" حقيقة في الموت، لأنه أكّده بالمصدر، وذلك تكريماً لهم. وقيل: يجوز أن يكون "أماتهم" عبارة عن تغييبهم عن آلامها بالنوم، ولا يكون ذلك موتاً على الحقيقة، والأول أصح، وقد أجمع النحويون على أن الفعل إذا أكّد بالمصدر لم يكن مجازاً، وإنما هو على الحقيقة، كقوله: {أية : وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيماً} تفسير : [النساء: 164]، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقيل: المعنى: وكنتم أمواتاً بالخمول، فأحياكم بأن ذكرتم، وشرفتم بهذا الدين، والنبي الذي جاءكم، ثم يميتكم فيموت ذكركم، ثم يحييكم للبعث. فصل في أوجه ورود لفظ الموت قال أبو العَبَّاس المقرىء: ورد لفظ "الموت" على خمسة أوجه: الأول: بمعنى "النُّطْفة" كهذه الآية. الثاني: بمعنى "الكفر" قال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} تفسير : [الأنعام: 122] ومثله: {أية : وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ} تفسير : [فاطر: 22]. الثالث: بمعنى "الأرض التي لا نَبَات لها"، قال تعالى: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} تفسير : [يس: 33]. الرابع: بمعنى "الضّم" قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ} تفسير : [النحل: 20، 21]. الخامس: بمعنى "مفارقة الروح الجسد". فصل في أوجه ورود لفظ الحياة الأول: بمعنى دخول الرُّوح في الجَسَدِ كهذه الآية. الثاني: بمعنى "الإسلام" قال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} تفسير : [الأنعام: 122] أي: هديناه إلى الإسلام. الثالث: بمعنى "صفاء القلب" قال تعالى: {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} تفسير : [الحديد: 17] أي يصفي القلوب بعد سَوَاداها. الرابع: بمعنى "الإنبات" قال تعالى: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلأَرْضُ ٱلْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا} تفسير : [يس: 33] أي: أنبتناها. الخامس: بمعنى "حياة الأنفس" قال تعالى: {أية : يَٰلَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي } تفسير : [الفجر: 24]. السادس: بمعنى "العيش" قال تعالى: {أية : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَٰوةً طَيِّبَةً} تفسير : [النحل: 97] أي: لنرزقنّه عيشاً طيباً. فصل في إثبات عذاب القبر قال ابن الخطيب: احتج قوم بهذه الآية على بطلان عذاب القَبْرِ، قالوا: لأنه - تعالى - بين أنه يحييهم مَرَّةً في الدنيا، وأخرى في الآخرة، ولم يذكر حياة القبر، ويؤيده قوله: {أية : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} تفسير : [المؤمنون: 15، 16] ولم يذكر حياةً فيما بين هاتين الحالتين، قالوا: ولا يجوز الاستدلال بقوله تعالى: {أية : قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} تفسير : [غافر: 11]؛ لأنه قول الكفار، ولأنّ كثيراً من الناس أثبتوا حياة الذَّر في صُلب آدم حين استخرجهم وقال لهم: {أية : أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ} تفسير : [الأعراف: 172] وعلى هذا التقدير حصل حَيَاتان وموتتان من غير حَاجَةٍ إلى إثبات حَيَاةٍ في القبر، فالجواب لم يلزم من عدم الفِكْرِ في هذه الآية ألا تكون حاصلة، وأيضاً فلقائل أن يقول: إن الله - تعالى - ذكر حَيَاة القبر في هذا الآية؛ لأن قوله: "ثُمَّ يُحْيِيكُمْ" ليس هو الحياة الدائمة، وإلا لما صح أن يقول: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون}؛ لأن كلمة "ثُمَّ" تقتضي التَّراخِي، والرجوع إلى الله - تعالى - حاصل عقب الحَيَاةِ الدَّائمة من غير تَرَاخٍ، فلو جعلنا الآية من هذا الوجه دليلاً على حياة القبر كان قريباً. قوله: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون} الضمير في "إليه" لله تعالى، وهذا ظاهر؛ لأنه كالضمائر قبله، وثَمَّ مضاف محذوف أي: إلى ثوابه وعقابه. وقيل: على الجزاء على الأعمال. وقيل: على المكان الذي يتولّى الله فيه الحكم بينكم. وقيل: على الإحياء المدلول عليه بـ "أحياكم"، يعني: أنكم ترجعون إلى الحال الأولى التي كنتم عليها في ابتداء الحياة الأولى من كونكم لا تملكون لأنفسكم شيئاً. والجمهور على قراءة "تُرْجَعُون" مبنياً للمفعول. وقرأ يحيى بن يعمر: وابن أبي إسحاق، ومُجَاهد، وابن مُحَيصن، وسلام، ويعقوب مبنياً للفاعل حيث جاء. ووجه القراءتين أن "رجع" يكون قاصراً ومتعدياً فقراءة الجُمْهور من المتعدّي، وهو أرجح؛ لأن أصلها "ثُمَّ إِلَيْهِ مرجعكم" لأن الإسناد في الأفعال السَّابقة لله تَعَالَى، فناسب أن يكون هذا كذا، ولكنه بني للمفعول لأجل الفواصل والمقاطع. و "أموات" جمع "مَيِّت" وقياسه على فعائل كسيّد وسيائد، والأولى أن يكون "أموات" جمع "مَيْت" مخففاً كـ "أقوال" في جمع "قول"، وقد تقدمت هذه المادّة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله {وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم} قال: لم تكونوا شيئاً فخلقكم {ثم يميتكم، ثم يحييكم} يوم القيامة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وكنتم أمواتاً} في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئاً حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حياة الحق حين يبعثكم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم فأحياهم الله فأخرجهم، ثم أماتهم الموتة التي لا بد منها، ثم أحياهم للبعث يوم القيامة. فهما حياتان وموتتان. وأخرج وكيع وابن جرير عن أبي صالح في الآية قال {يميتكم ثم يحييكم} في القبر ثم يميتكم. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الآية قال: لم تكونوا شيئاً حتى خلقكم ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم وقوله {ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} مثلها. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في الآية يقول: لم يكونوا شيئاً، ثم أماتهم، ثم أحياهم، ثم يوم القيامة يرجعون إليه بعد الحياة.
ابو السعود
تفسير : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} التفات إلى خطاب المذكورين مبنيٌّ على إيراد ما عُد من قبائحهم السابقة لتزايد السَخَط الموجب للمشافهة بالتوبـيخ والتقريع، والاستفهامُ إنكاري لا بمعنى إنكار الوقوع كما في قوله تعالى: {أية : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ } تفسير : [التوبة، الآية 7] الخ، بل المعنى إنكارُ الواقعِ واستبعادُه والتعجيبُ منه، وفيه من المبالغة ما ليس في توجيه الإنكارِ إلى نفس الكفرِ بأن يقال: أتكفرون، لأن كل موجودٍ يجب أن يكون وجودُه على حال من الأحوال قطعاً فإذا انتفى جميعُ أحوال وجودِه فقد انتفى وجودُه على الطريق البُرهاني، وقوله عز وجل: {وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا} إلى آخر الآية، حالٌ من ضمير الخطاب في تكفرون مؤكدةٌ للإنكار والاستبعادِ بما عُدِّد فيها من الشؤون العظيمة الداعيةِ إلى الإيمان الرادعةِ من الكفر من حيث كونُها نعمةً عامة ومن حيث دلالتُها على قدرة تامةٍ كقوله تعالى: {أية : وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} تفسير : [نوح، الآية 14] وكيف منصوبةٌ على التشبـيه بالظرف عند سيبويه، وبالحال عند الأخفش، أي في أيِّ حال أو على أي حالٍ تكفُرون به تعالى، والحالُ أنكم كنتم أمواتاً أيْ أجساماً لا حياة لها، عناصرَ وأغذيةً ونُطفاً ومُضَغاً مخلّقةٍ وغيرَ مخلّقةٍ، والأمواتُ جمع ميت كأقوال جمع قيل، وإطلاقُها على تلك الأجسام باعتبار عدمِ الحياةِ مطلقاً كما في قوله تعالى: {أية : بَلْدَةً مَّيْتاً} تفسير : [الفرقان، الآية 49] وقوله تعالى: {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلأرْضُ ٱلْمَيْتَةُ}، تفسير : [يس، الآية 33] {فَأَحْيَـٰكُمْ} بنفْخِ الأرواحِ فيكم، والفاء للدلالة على التعقيب فإنّ الإحياءَ حاصلٌ إثرَ كونِهم أمواتاً وإنْ توارد عليهم في تلك الحالة أطوارٌ مترتبةٌ بعضُها متراخٍ عن بعض كما أشير إليه آنفاً {ثُمَّ يُحِييكُمْ} أي عند انقضاءِ آجالِكم، وكونُ الإماتة من دلائل القدرةِ ظاهر، وأما كونُها من النعم فلكونها وسيلةً إلى الحياة الثانية التي هي الحيَوان والنعمةُ العظمىٰ، والتراخي المستفادُ من كلمة (ثم) بالنسبة إلى زمان الإحياءِ دون زمان الحياة، فإن زمانَ الإماتةِ غيرُ متراخٍ عنه {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} بالنشور يوم يُنفَخُ في الصور أو للسؤال في القبور، وأياً ما كان فهو متراخٍ من زمان الإماتة، وإن كان إثرَ زمانِ الموتِ المستمر {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} بعد الحشرِ لا إلى غيره فيجازيكم بأعمالكم إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشر، أو إليه تُنْشرون من قبوركم للحساب، وهذه الأفعالُ وإن كان بعضُها ماضياً وبعضُها مستقبلاً لا يتسنى مقارنةُ شيءٍ منها لما هو حالٌ منه في الزمان، لكن الحالَ في الحقيقة هو العلم المتعلّقُ بها كأنه قيل: كيف تكفرون بالله وأنتم عالمون بهذه الأحوال المانعةِ منه، ومآلُه التعجيبُ من وقوعه مع تحقق ما ينفيه، وإنما نُظم ما ينكرونه من الإحياء الأخيرِ والرَّجْعِ في سِلك ما يعترفون به من الإحياء الأولِ والإماتةِ تنزيلاً لتمكّنهم من العلم لما عاينوه من الدلائل القاطعةِ منزلةَ العلمِ بذلك بالفعل في إزاحة العللِ والأعذار. والحياةُ حقيقةٌ في القوة الحساسة أو ما يقتضيها، وبها سُمي الحيوان حيواناً، مجازٌ في القوة النامية لكونها من طلائعها وكذا فيما يخصُّ الإنسانَ من العقل والعلم والإيمان من حيث إنه كمالُها وغايتُها، والموتُ بإزائها يطلق على ما يقابل كلَّ مرتبة من تلك المراتب قال تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} تفسير : [الجاثية، الآية 26] وقال تعالى: {أية : ٱعْلَمُواْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْىِ ٱلأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } تفسير : [ الحديد، الآية 17] وقال تعالى: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِى ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأنعام، الآية 122] وعند وصفِه تعالى بها يُراد صِحةَ اتصافِه تعالى بالعلم والقدرة اللازمة لهذه القوة فينا، أو معنى قائمٌ بذاته تعالى مقتضٍ لذلك، وقرىء تَرجِعون بفتح التاء والأول هو الأليقُ بالمقام.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ}. قيل فيه كنتم أمواتًا بالشرك وأحياكم بالتوحيد. وقال بعضهم: كنتم أمواتًا بالجهل فأحياكم بالعلم. وقيل فيه: كنتم أمواتًا بالخلاف فأحياكم بالائتلاف. قال بعض البغداديين: كنتم أمواتاً بحياة نفوسكم فأحياكم بإماتة نفوسكم وإحياء قلوبكم. وقال الشبلى: كنتم أمواتًا عنه فأحياكم به. وقال ابن عطاء: كنتم أمواتًا بالظواهر فأحياكم بمكاشفة السرائر. وقال فارس: كنتم أمواتًا بشواهدكم فأحياكم بشاهده ثم يميتكم عن شواهدكم ثم يحييكم بقيام الحق عنه. ثم إليه ترجعون عن جميع ما لكم وكنتم له. قال الواسطى: ويختم بها غاية التوبيخ لأن الموات والجماد لا ينازع ما نور فى شىء، إنما المنازعة من الهياكل الروحانية.
القشيري
تفسير : هذه كلمة تعجيب وتعظيم لما فيه العبد، أي لا ينبغي مع ظهور الآيات أن يجنح إلى الكفر قلبُه. ويقال تعرَّف إلى الخلق بلوائح دلالاته، ولوامع آياته. فقال: {وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً} يعني نطفة، أجزاؤها متساوية، {فَأَحْيَٰكُمْ}: بَشَراً اختصَّ بعض أجزاء النطفة بكونه عظماً، وبعضها بكونه لحماً، وبعضها بكونه شَعْراً، وبعضها بكونه جِلداً.. إلى غير ذلك. {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} بأن يجعلكم عظاماً ورفاتاً، {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} بأن يحشركم بعدما صرتم أمواتاً، {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي إلى ما سبق به حكم من السعادة والشقاوة. ويقال: {وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً} بجهلكم عنّا، ثم {فَأَحْيَٰكُمْ} بمعرفتكم بنا، "ثم يميتكم" عن - شواهدكم، "ثم يحييكم" به بأن يأخذكم عنكم، {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي بحفظ أحكام الشرع بإجراء الحق. ويقال {وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً} لبقاء نفوسكم فأحياكم بفناء نفوسكم ثم يميتكم عنكم عن شهود ذلك لئلا تلاحظوه فيفسد عليكم، ثم يحييكم بأن يأخذكم عنكم ثم إليه ترجعون بتقلبكم في قبضته سبحانه وتعالى. ويقال يحبس عليهم الأحوال؛ فلا حياة بالدوام ولا فناء بالكلية، كلّما قالوا هذه حياة - وبيناهم كذلك - إذ أدال عليهم فأفناهم، فإذا صاروا إلى الفناء أثبتهم وأبقاهم، فهم أبداً بين نفي وإثبات، وبين بقاء وفناءَ، وبين صحو ومحو.. كذلك جرت سنته سبحانه معهم.
البقلي
تفسير : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} اي كنتم اموات في قبور العدم فاحياكم بانوار القدم وايضا كنتم امواتا في غطاء الغفلة فاَحياكم بروح المعرفة وقال الشبلىُّ وكنتم امواتا عنه فاحياكم به وقال ابن عطا كننتم امواتا بالظاهر فاحياكم بمكاشفة الاسرار ثم يميتكم عن اوصاف العبودية ثم يحييكم باوصاف الربوبيّة ثم اليه ترجعون عند تحيركم عن ادراكه صرف الذّات والصفات عن شواهد المعرفة في طلب الحقيقة قال فارس كنتم امواتاً بشواهد كما فاحياكم بشواهده ثم يميتكم عن مشاهدكم يحييكم بقيام الحق عنه ثم اليه ترجعون عن جميع مالكم وكنتم له وقال الواسطىُّ ونجهم بهذا غاية التوبيخ لان الموت والجماد لا ينازع صانعه في شيء فانما النّزاعُ من الهياكل الرُّوحانية.
اسماعيل حقي
تفسير : {كيف تكفرون} كيف نصب حالا من الضمير فى تكفرون اى معاندين تكفرون وتجحدون{بالله} اى بوحدانيته ومعكم ما يصرفكم عن الكفر الى الايمان من الدلائل الانفسية والآفاقية والاستفهام انكارى لا بمعنى انكار الوقوع بل بمعنى انكار الواقع واستبعاده والتعجيب منه لان التعجب من الله يكون على وجه التعجيب هو ان يدعو الى التعجب وكانه يقول ألا تتعجبون انهم يكفرون بالله كما فى تفسير ابى الليث. وقال القاضى هو استخبار والمعنى اخبرونى على أى حال تكفرون {وكنتم امواتا} جمع ميت كاقوال جمع قيل اى والحال انكم كنتم امواتا اى اجساما لا حياة لها عناصر واغذية ونطفا ومضغا مخلقة وغير مخلقة. قال فى الكشاف فان قلت كيف قيل لهم اموات حال كونهم جمادا وانما يقال ميت فيما نصح منه الحياة من البنى قلت بل يقال ذلك لعادم الحياة لقوله تعالى {أية : بلدة ميتا}تفسير : [الفرقان: 49]. {فاحياكم} بخلق الارواح ونفخها فيكم فى ارحام امهاتكم ثم فى دنياكم وهذا الزام لهم بالبعث والفاء للدلالة على التعقيب فان الاحياء حاصل اثر كونهم امواتا وان توارد عليهم فى تلك الحالة اطوار مترتبة بعضها متراخ عن بعض كما اشير اليه آنفا ثم لما كان المقام فى الدنيا قد يطول جاء بثم حرف التراخى فقال {ثم يميتكم}عند انقضاء آجالكم وكون الامانة من دلائل القدرة ظاهر واما كونها من النعم فلكونها وسيلة الى الحياة الثانية التى هى الحيوان الابدى والنعمة العظمى {ثم يحييكم} للسؤال فى القبور فيحيى حتى يسمع خفق نعالهم اذا ولوا مدبرين ويقال من ربك ومن نبيك وما دينك ودل ثم التى للتعقيب على سبيل التراخى على انه لم يرد به حياة البعث فان الحياة يومئذ يقارنها الرجوع الى الله بالحساب والجزاء وتتصل به من غير تراخ فلا يناسب ثم اليه ترجعون ودلت الآية على اثبات عذاب القبر وراحة القبر كما فى التيسير {ثم اليه ترجعون} بعد الحشر لا الى غيره فيجازيكم باعمالكم ان خيرا فخير وان شرا فشر واليه تنشرون من قبوركم للحساب فما اعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه. فان قيل ان علموا انهم كانوا امواتا فاحياهم ثم يميتهم لم يعلموا انه يحييهم ثم اليه يرجعون. قلت تمكنهم من العلم بهما لما نصب لهم من الدلائل منزل منزلة علمهم فى ازاحة العذر سيما وفى الآية تنبيه على ما يدل به على صحتها وهو أنه تعالى لما قدر أن أحياهم اولا قد أن يحييهم ثانياً فان بدأ الخلق ليس باهون عليه من إعادته {هو الذى خلق لكم} هذا بيان نعمة اخرى اى قدر خلقها لاجلكم ولا نتفاعكم بها فى دنياكم ودينكم لان الاشياء كلها لم تخلق فى ذلك الوقت {ما فى الارض} اى الذى فيها من الاشياء {جميعا} نصب حالا من الموصول الثانى وقد يستدل بهذا على ان الاصل فى الاشياء الاباحة كما فى الكواشى. وقال فى التيسير اهل الاباحة من المتصوفة الجهلة حملوا اللام فى لكم فى قوله تعالى {هو الذي خلق لكم} على الاطلاق والاباحة على الاطلاق وقالوا لا حظر ولا نهى ولا امر فاذا تحققت المعرفة وتأكدت المحبة سقطت الخدمة وزالت الحرمة فالحبيب لا يكلف حبيبه ما يتعبه ولا يمنعه ما يريده ويطلبه وهذا منهم كفر صريح وقد نهى الله تعالى وامر وأباح وحظر ووعد واوعد وبشر وهدد والنصوص ظاهرة والدلائل متظاهرة فمن حمل هذه الآية على الاباحة المطلقة فقد انسلخ من الدين بالكلية انتهى كلام التيسير {ثم استوى الى السماء} قصد اليها اى الى خلقها بارادته ومشيئته قصدا سويا بلا صارف يلويه ولا عاطف يثنيه من ارادة شئ آخر فى تضاعيف خلقها او غير ذلك ولا تناقض بين هذا وبين قوله {أية : والأرض بعد ذلك دحاها}تفسير : [النازعات: 30] لان الدحو البسط. وعن الحسن خلق الله الارض فى موضع بيت المقدس كهيئة الفهر اى الحجر ملئ الكف عليها دخان يلتزق بها ثم اصعد الدخان وخلق منه السموات وامسك الفهر فى موضعه ثم بسط منه الارض كذا فى الكواشى. وقال ابن عباس رضى الله عنهما اول ما خلق الله جوهرة طولها وعرضها مسيرة الف سنة فى مسيرة عشرة آلاف سنة فنظر اليها بالهيبة فذابت واضطربت ثم ثار منها دخان فارتفع واجتمع زبد فقام فوق الماء فجعل الزبد ارضا والدخان سماء قالوا فالسماء من دخان خلقت وبريح ارتفعت وباشارة تفرقت وبلا عماد قامت وبنفخة تكسرت {فسواهن} اى اتمهن وقومهن وخلقهن ابتداء مصونات عن العوج والفطور لانه سواهن بعد ان لم يكن كذلك والضمير فيه مبهم فسر بقوله تعالى {سبع سموات} فهو نصب على انه تمييز نحو ربه رجلا. قال سلمان هى سبع اسم الاولى رقيع وهى من زمردة خضراء واسم الثانية ارفلون وهى من فضة بيضاء والثالثة قيدوم وهى من ياقوته حمراء والرابعة ماعون وهى من درة بيضاء والخامسة دبقاء وهى من ذهب احمر والسادسة وفناء وهى من ياقوته صفراء والسابعة عروباء وهى من نور يتلألأ {وهو بكل شئ عليم} فيه تعليل كانه قال ولكونه عالما بكنه الاشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الا كمل والوجه الا نفع واستدلال بان من كان فعله على هذا النسق العجيب والترتيب الانيق كان علميا فان اتقان الافعال واحكامها وتخصيصها بالوجه الاحسن الانفع لا يتصور الا من عالم حكيم رحيم وازاحة لما يختلج فى صدورهم من ان الابدان بعد ما تفتت وتكسرت وتبددت اجزاؤها واتصلت بما يشا كلها كيف يجمع اجزاء كل بدن مرة ثانية بحيث لا يشذ شئ منها ولا ينضم اليها ما لم يكن معها فيعاد منها كما كان. وفى هذه الآية اشارة الى مراتب الروحانيات فالاول عالم الملكوت الارضية والقوى النفسانية والثانى عالم النفس والثالث عالم القلب والرابع عالم العقل والخامس عالم السر والسادس عالم الروح والسابع عالم الخفاء الذى هو السر الروحى والى هذا اشار امير المؤمنين على رضى الله عنه بقوله سلونى عن طرق السماء فانى اعلم بها من طرق الارض وطرقها الاحوال والمقامات كالزهد والتقوى والتوكل والرضى وامثالها. واعلم ان المراتب اثنتا عشرة على عدد السموات والعروش الخمسة. وكان الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره يقول للتوحيد اثناء عشر بابا فالجلوتية يقطعونها بالتوحيد لان سرهم فى اليقين والخلوتية يقطعونها بالاسماء لان سرهم فى البرزخ وهم يقولون جنة الافعال وجنة الصفات وجنة الذات وذلك لان الجنات على ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما سبع فاذا كان اربع منها لاهل اليقين اعنى الجلوتية فالثلاث لاهل البرزخ اعنى الخلوتية وهى الافعال والصفات والذات. وفى التأويلات النجمية {كيف تكفرون بالله} اما خطاب توحيد للمؤمنين اى أتكفرون بالله وبانبيائه لانكم {كنتم امواتا} ذرات فى صلب آدم {فاحياكم} باخراجكم من صلبه وأسمعكم لذيد خطاب ألست بربكم وأذاقكم لذات الخطاب ووفقكم للجواب بالصواب حتى قلتم بلى رغبة لا رهبة {ثم يميتكم} بالرجعة الى اصلاب آبائكم والى عالم الطبيعة الانسانية {ثم يحييكم} ببعثة الانبياء وقبول دعوتهم {ثم اليه ترجعون} بدلالة الانبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة الى درجات الجنات واما خطاب تشريف للانبياء والاولياء اى أتكفرون وكنتم امواتا فى كتم العدم فاحياكم بالتكوين فى عالم الارواح ورشاش النور فخمر طينة ارواحكم بماء نور العناية وتخمير يد المحبة باربعى صباح الوصال ثم يميتكم بالمفارقة عن شهود الجمال الى مقبرة الحس والخيال ثم يحييكم اما الانبياء فبنور نور الوحى واما الاولياء فبروح روح نور الايمان ثم اليه ترجعون اما الانبياء فبالعروج واما الاولياء فبالرجوع بجذبات الحق كما قال تعالى {أية : ارجعى الى ربك}تفسير : [الفجر: 28]. فلما اثبت ان الرجوع اليه امر ضرورى اما بالاختيار كقراءة يعقوب ترجعون بفتح التاء وكسر الجيم واما بالاضطرار كقراءة الباقين اشار الى ان الذى ترجعون اليه {هو الذى خلق لكم ما فى الارض جميعا} اى ما خلقكم لشئ وخلق كل شئ لكم بل خلقكم لنفسه كما قال تعالى {أية : واصطنعتك لنفسى}تفسير : [طه: 41]. معناه لا تكن لشئ غيرى فانى لست لشئ غيرك فبقدر ما تكون لى اكون لك كما قال عليه السلام "حديث : من كان لله كان الله له"تفسير : وليس لشئ من الموجودات هذا الاستعداد اى ان يكون هو لله على التحقيق وان يكون الله له وفى هذا سر عظيم وافشاء سر الربوبية كفر فلا تشتغل بمالك عمن انت له فتبقى بلا هو {ثم استوى الى السماء فسواهن سبع سموات} فيه اشارة الى ان وجود السموات والارض كان تبعا لوجود الانسان {وهو بكل شئ عليم} اى عالم بخلق كل شئ خلقه ولاى شئ خلقه فكل ذرة من مخلوقاته تسبح بحمد ذاته وصفاته وتشهد على احديته وصمديته وتقول ربنا ما خلت هذا باطلا سبحانك: قال المولى الجامى قدس سره شعر : دوجهان جلوكاه وحدت تو شهد الله كواه وحدت تو
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {كيف} حال؛ لأنها وقعت قبل كلام تام. يقول الحقّ جلّ جلاله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِالله} وتجحدون نعمه المتوالية، {و} الحالة أنكم {كُنتُمْ أَمْوَاتاً} نطفاً في الأرحام {فَأَحْيَاكُمْ} بنفخ الروح في أجسادكم، {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عند انقضاء آجالكم، {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} عند البعث لحسابكم، ثم يسكنكم دار القرار، إما إلى الجنة وإما إلى النار. فهذه الآثار دالّة على باهر قدرته وتمام حكمته، فقد وضح الحق وظهر،{أية : فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ}تفسير : [الكهف: 29]. الإشارة: كيف تنكرون ظهور نور الحق في الأكوان، وتبعدون عن حضرة الشهود والعيان، وقد كنتم أمواتاً بالغفلة وغم الحجاب، فأحياكم باليقظة والإياب، ثم يميتكم بالفناء عن شهود ما سواه، ثم يحييكم بالرجوع إلى شهود أثره بالله، ثم إليه ترجعون في كل شيء لشهود نوره في كل شيء، وقبل كل شيء، وبعد كل شيء، وعند كل شيء "كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان".
الطوسي
تفسير : {كيف} موضوعة للاستفهام عن الحال. والمعنى ها هنا التوبيخ. وقال الزجاج: هو التعجب للخلق وللمؤمنين. أي اعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون. وقد ثبتت حجة الله عليهم. ومعنى {وكنتم} أي وقد كنتم. الواو واو الحال. واضمار قد جائز اذا كان في الكلام ما يدل عليها. كما قال: {حصرت صدورهم} أي قد حصرت صدورهم وكما قال: {إن كان قميصة قد من دبر} أي قد قُدّ من دبر. ومن قال هو توبيخ قال هو مثل قوله: {فأين تذهبون}. وقال قتادة: وكنتم امواتاً فأحياكم كما كانوا امواتاً في اصلاب آبائهم يعني نطفاً، فاحياهم الله بأن أخرجهم ثم اماتهم الله الموتة التي لا بد منها، ثم احياهم بعد الموت. وهما حياتان وموتان وعن ابن عباس وابن مسعود أن معناه لم تكونوا شيئاً فخلقكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم يوم القيامة. وروى ابو الأحوص عن عبد الله في قوله: {أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} قال: هي كالتي في (البقرة): {كنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} وهو قول مجاهد وجماعة من المفسرين. وروي عن أبي صالح أنه قال: كنتم امواتاً في القبور فأحياكم فيها،، ثم يميتكم، ثم يحييكم يوم القيامة وقال قوم: كنتم امواتاً يعني خاملي الذكر، دارسي الاثر، فاحياكم بالطهور والذكر ثم يميتكم عند تقضي آجالكم ثم يحييكم للبعث قال ابو نخيلة السعدي: شعر : فاحييت من ذكري وما كان خاملا ولكن بعض الذكر انبه من بعض تفسير : وهذا وجه مليح غير أن الاليق بما تقدم قول ابن عباس وقتادة وقال قوم: معناه أن الله تعالى احياهم حين أخذ الميثاق منهم وهم في صلب آدم وكساهم العقل ثم اماتهم ثم احياهم واخرجهم من بطون امهاتهم. وقد بينا أن هذا الوجه ضعيف في نظائره، لأن الخبر الوارد بذلك ضعيف والاقوى في معنى الآية أن يكون المراد بذلك تعنيف الكفار واقامة الحجة عليهم بكفره وجحودهم ما انعم الله تعالى عليهم وانهم كانوا أمواتاً قبل ان يخلقوا في بطون امهاتهم واصلاب آبائهم يعني نطفاً والنطفة موات، ثم احياهم فاخرجهم إلى دار الدنيا احياء، ثم يحييهم في القبر للمساءلة، ثم يبعثهم يوم القيامة للحشر والحساب وهو قوله تعالى: {ثم إليه ترجعون} معناه ترجعون للمجازاة على الاعمال كقول القائل: طريقك عليّ ومرجعك الي. يريد اني مجازيك ومقتدر عليك وسمى الحشر رجوعاً إلى الله، لأنه رجوع إلى حيث لا يتولى الحكم فيه غير الله فيجازيكم على اعمالكم كما يقول القائل: امر القوم إلى الأمير أو القاضي ولا يراد به الرجوع من مكان إلى مكان وانما يراد به ان النظر صار له خاصة دون غيره فان قال قائل: لم يذكر الله احياء في القبر فكيف تثبتون عذاب القبر قلنا: قد بينا أن قوله: {ثم يحييكم} المراد به احياؤهم في القبر للمساءلة وقوله: {ثم إليه ترجعون} معناه احياؤهم يوم القيامة وحذف ثم يميتكم بعد ذلك لدلالة الكلام عليه على ان قوله: {ثم يحييكم} لو كان المراد به يوم القيامة، لم يمنع ذلك من احياء في القبر، واماتة بعده كما قال تعالى: {أية : ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم} تفسير : ولم يذكر حياة الذين احيوا في الدنيا بعد ان ماتوا. وقال في قوم موسى {أية : فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} تفسير : ولم يذكر حياتهم في الدنيا ولم يدل ذلك على أنهم لم يحييوا في الدنيا بعد الموت وكذلك ايضاً لا تدل هذه الآية على ان المكلفين لا يحيون في قبورهم للثواب والعقاب على ما أخبر به الرسول (عليه السلام) وقول من قال: لم يكونوا شيئاً. ذهب إلى قول العرب للشيء الدارس الخامل: إنه ميت يربد خموله ودرسه وفي ضد ذلك يقال: هذا أمر حي يراد به، كانه متعالم في الناس ومن اراد الاماتة التي هي خروج الروح من الجسد، فانه اراد بقوله: {وكنتم أمواتاً} انه خطاب لأهل القبور بعد احيائهم فيها وهذا بعيد لأن التوبيخ هنالك انما هو توبيخ على ما سلف، وفرط من اجرامهم لا استعتاب واسترداع وقوله: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً} توبيخ مستعتب، وتأنيب مسترجع من خلقه من المعاصي إلى الطاعة، ومن الضلالة إلى الانابة ولا انابة في القبر ولا توبة فيها بعد الوفاة واحسن الوجوه مما قدمنا ما ذكر ابن عباس وبعده قول قتادة.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : لما ذكَر الله سبحانه دلائل التوحيد والنبوّة والمعاد، أراد أن يشير إلى أن الفاعل والغاية معاً في وجود الإنسان هو ذاته تعالى، فقوله: {كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} إشارة إلى بداية أحوال الإنسان، {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} إشارة إلى نهاية حاله وعاقبة أمره. و "كَيْفَ" في الأصل، سؤال عن الكيفيّة والحال، كما يتّضح ذلك في الجواب، فإنّك إذا سألت أحداً: "كيف رأيت زيداً؟" فيقول: مسروراً، أو مهموماً، وما أشبههما من الأحوال، فـ "كَيفَ" سؤال عن الحال، فيجاب عنه بكل ما يليق من الأحوال، كما أن "كَمْ" سؤال عن المقدار والعدد، و "مَا" سؤال عن تمام الماهيّة، و "أيٍّ" عن المميّز الذاتي أو العرضي، و "مَنْ" عن حقيقة الشخصيّة إن كان من العقلاء، و "أيْنَ" و "مَتىٰ" عن نسبة زمانه ومكانه - وهذه الاستفهاميّات -. "كَيْفَ" قد يجيء للتوبيخ والإنكار، فكيف هٰهنا مثل "الهَمزة" في قوله: "أَتكْفُرُونَ بِاللهِ"، والفرق بينهما بأن الهمزة إنكار لأصل الفعل، وكيف؛ إنكار للحال التي يقع عليها الفعل، لكن حال الشيء تابعة لأصله وذاته، فإذا امتنعت امتنع، واذا جاز جازت، فيكون إنكار حال الكفر التابع لأصله الرديف لذاته على سبيل الكناية أبلغ وأقوى، لأنّه بيان للشيء ببرهانه. فإنّك إذا نفيت كلّ صفة يوجد عليها "زيد"، فقد نفيت وجود زيدٍ بوجه برهانيّ، فيكون آكد وأقوى من انكار وجوده لا بيِّنة، وذلك لأن وجود الشيء بلا صفة من الصفات، وحال من الحالات، ممتنع. فثَبت ممّا ذكر أن: "كيفَ تكفُرون" أبلغ في إنكار الكفر من: "أتكفُرون"، وأوفق بما بعده، وتقديره "أمتعلّقين بحجّة وملابسين ببرهان تكفرون بالله؟" فيكون {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} وما بعده منصوب الموضع على الحال، والعامل فيه "تكفُرون" أي: تكفرون عالِمين بهذا البرهان، فيكون من قبيل وضع الحدّ موضع المحدود، ووضع الشيء مكان عنوانه واسمه. وبهذا يندفع ما أورد عليه، من أن الحال يجب أن يكون وجوده مع وجود ما يقيّد به، وهٰهنا ليس كذلك، فإنّ الكفر حاضرٌ لهم، وكونهم أمواتاً ماضٍ ولا يجدي نفعاً. الجواب عنه: بأنّ الواو الحاليّة لم تدخل على "كُنتُم أمواتاً" فقط، بل على جملة الكلام إلى قوله: "تُرجَعُون"، أي: كيف تكفرون وقصّتكم وحالكم هذه أنكم [كنتم] كذا وستصيرون كذا. لأن بعض القصّة والحال ماضٍ، وبعضها مستقبل، وكلاهما لا يصحّ وقوعهما حالاً، إذ المركّب من الفائت المنقضي والغائب المنتظر، لا يكون موجوداً حاضراً، نعَم، العلْم بهذه القصّة موجود حاضر، فكأنّه قيل: كيفَ تكفرون وأنتم عالِمون بتمام هذه القصّة من بدوّها إلى غايتها. فقد رجع إلى التوجيه الذي سبق ذكره، من أنّكم كيف تكفرون ملابسين بما يبرهن به على إثبات المبدء والمعاد. أي: ما أعجب كفركم في جميع أحوالكم مع علمكم بحالكم ومآلكم. لا يقال: علمهم بما سبق من كونهم أمواتاً فأحياهم ثم أماتهم، لم يتّصل بما لحقهم من الإحياء الثاني والرجوع؟ لأنّا نقول: ضَرْب من العلم بهما حاصلٌ بكلِّ أحدٍ وإن عاندوا وجحَدوا، ومع قطع النظر عن ذلك، تمكّنهم من العلْم بهما بحسب ما نصَب الله لهم من الدلائل الموصلة إليه، وكثرة شهادات المخبرين من الأنبياء والأولياء عليهم السلام عنهما، يجري مجرى علْمهم في إزاحة العذر، سيّما وفي الآية تنبيهٌ على ما يدلّ على صحّتهما وهما أمران: أحدهما: إن الله لمّا قدِر أن أحياهم أولاً، قدِر أن يحييهم ثانياً، فإنّ إبداء الخلْق ليس بأهون من إعادته ثانياً. وثانيهما: إنه لو لم يكن للإنسان بقاءٌ أخرويٌ، لكان وجود العقل فيه، والقدرة على استخراج العلوم الحقيقية بالأنظار، والتمكّن من كسب المعاني العقلية المتعقلة بمعرفة الله وذاته وصفاته بالأفكار، عبثاً وهباءً، والحكيم لا يفعل العبَث، وغاية المعرفة والعلم يمتنع أن يكون في هذا العالَم، لأنّ كلّما يوجد في هذا العالَم، يكون من قبيل المحسوسات، والمحسوس - بما هو محسوسٌ - لا يكون غايةً للمعقول، لأنّ الغاية أبداً تكون أشرف من ذي الغاية. فصل [تحقيق في الموت والحياة] قيل: إنّ الخطاب كان إمّا مع الذين كفروا، لمّا وصفهم الله بالكفر وسوء المقال وخبْث الفعال، خاطبهم على طريقة الالتفات، ووبّخهم على كفرهم مع علمهم بحالهم المقتضية خلاف ذلك. وإمّا مع الطائفتين جميعاً، فإنّه لما بيَّن دلائل التوحيد والنبوّة، ووعدهم على الايمان وأوعد على الكفر، أكّد ذلك بأن عدّد عليهم النعم العامّة والخاصّة، واستقبح صدور الكفر منهم، واستبعد عنهم مع تلك النعم العظيمة، فإنّ جلالة النعمة تقتضي زيادة الشكر، وبازائها عظم العقوبة على عصيان المنعِم، فمن هذا الموضع إلى قوله: {أية : يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة:40] في شرح النعم التي عمّت جميع المكلّفين، وفي ضمنها ما يختصّ بالخواصّ. لا يقال: كيف يعدّ الإماتة من النعم المقتضية للشكر؟ لأنّا نقول: لمّا كانت وصلة إلى الحياة الأبديّة كانت نعمة عظيمة. وأمّا مع المؤمنين خاصّة لتقرير المنّة عليهم، وتبعيد الكفر عنهم على معنى: كيف يتصوّر منكم الكفر وكنتم جهّالاً فأحياكم الله بما أفادكم من نور الإيمان واليقين؟ على طباق قوله: {أية : أَوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً} تفسير : [الأنعام:122]. ثمّ يميتكم الموت المعروف، ثمّ يحييكم الحياة الحقيقيّة، ثمّ إليه ترجعون [فيثيبكم] بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطرَ على قلب بشر. واعلم أنّهم ذكروا وجوهاً في الموت والحياة المذكورتين في هذه الآية مرّتين. فعَن قتادة: إنّهم كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم - يعني: نُطَفاً - ثم أحياهم الله في الدنيا، ثم أماتهم الموتة التي لا بدَّ منها، ثمّ أحياهم بعد الموت في الآخرة. وعن ابن عباس وابن مسعود: إنّ معناه لم تكونوا شيئاً فخلَقكم، ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم يوم القيامة. وقيل: معناه {كُنْتُمْ أَمْوَاتاً} يعني خاملي الذكر {فَأَحْيَاكُمْ} بالظهور {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عند تقضّي آجالكم {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} للبعث. والعرب تسمي كل أمر خاملٍ "ميّتاً" وكلّ مشهور "حيّاً". قال: شعر : فأحييت من ذكري وما كان خاملاً ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض تفسير : والوجه الرابع: إنّ معناه: كنتم نطَفاً في أصلاب آبائكم وبطون أمّهاتكم - والنطفة موات - فأخرجكم إلى دار الدنيا {فَأَحْيَاكُمْ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} [في الدنيا {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} في القبر للمسائلة {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أي يبعثكم يوم الحشر للحساب والمجازاة على الأعمال. وسمّي رجوعاً إليه، لأنّه رجوع إلى حيث لا يتولّى الحكم فيه أحد غير الله، كما يقال: "رجَع القوم إلى الأمير" أي أَمْرُ القوم إلى حكمه. فهذه هي الوجوه التي ذكرها علماء التفسير، وسيأتيك كشف بعض ما فيها. والوجه في كون العطف الأول بـ "الفاء" والثواني بـ "ثمّ"، لأنّ الأول متّصل بما عطف عليه غير متراخٍ عنه بخلاف الأعقاب. وتقديم نعمة الحياة في الذكر على سائر النعَم المذكورة، لتقدّمها طبعاً، ولكونها ما يتمكّن به الإنسان من الانتفاع والالتذاذ بغيرها. ثمّ إنّ الإتّفاق، مع أنّه قد وقع على أنّ المراد من قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} إمّا التراب - كما في خلق آدم أبي البشر -، وإمّا النُطَف - كما في خلْق أولاده ما خَلا عيسى عليه السلام - ولكن اختلفوا في أن اطلاق اسم الميِّت على الجماد حقيقةٌ أو مجازٌ؟ والأكثرون على أنّه مجاز، لأنّه شبّه الموات بالميّت، لأن الموت عدم الحياة عمّا من شأنه أن يقبل الحياة بما فيه من اللحمية والرطوبة، والحمل على الحقيقة أولىٰ، كما دلّ عليه ظاهر هذه الآية وغيرها، إذ لا داعي للعدول عن الحقيقة، وأمّا القوة المأخوذة في أعدام المَلَكات، فهي قد تكون بحسب الجنس، كما في عمى العقرب، فجنس الجماد والنبات - وهو الجسم الطبيعي - فيه قوّة قبول الحياة. واعلم إن الحياة في المشهور عند الجمهور، حقيقة في القوّة الحساسة أو ما يقتضيها، وبها سمّي الحيوان "حيواناً"، وتطلق على القوّة النامية مجازاً، لأنّها من طلائعها ومقدّماتها، وعلى ما يختصّ بالإنسان من الفضائل كالعقل والعلم والايمان من حيث إنه غايتها وكمالها. والموت بإزائها يطلق على ما يقابلها في كلّ مرتبة؛ قال تعالى: {أية : قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} تفسير : [الجاثية:26]. وقال: {أية : ٱعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحْيِـي ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}تفسير : [الحديد:17]. وقال: {أية : أَوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ}تفسير : [الأنعام:122]. وإذا وُصف بها الباري سبحانه، أريد بها صحّة اتّصافه بالعلم والقدرة اللازمة لهذه القوّة فينا، أو معنى قائم بذاته يقتضي ذلك. هذا ما ذُكر - والحق أن الحياة ليست مما تخصّ حقيقتها للقوّة الحسّاسة التي في هذه الحيوانات أو مبدئها فقط - كما توهّم -، بل لكلّ شيء حياة تخصّه بها يسبّح الله ويمجّده، وبإزائها موت، هو عدم تلك الحياة عنه كما قال تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء:44]. وذلك لأنّ لكلّ شيء وجوداً يخصّه، به ينفعل عمّا فوقه ويفعل فيما دونه، وهذا الانفعال والفعل في هذه الحيوانات، هو الإحساس والتحريك، وفي الإنسان هما التعقّل والرويّة، وفي النباتات، هما التغذّي والتوليد؛ وهكذا القياس فيما علا وما سفل، حتى يرجع في إحدى الحاشيتين الفِعْلُ إلى الانفعال كما في الهيولى، وفي الأخرى بالعكس، لأنّه محْض الوجود والفعليّة. وأصل جميع الموجودات كلها هو الله، من اسمه "النور"، فهو نورٌ ما علا - وهو السماء - وما سفل - وهو الأرض -، فتأمّل في إضافة النور اليهما في قوله: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [النور:35]. وجميع الأجسام عند أهل اكلشف شفّافة نوريّة، حتّى الأرض مع كثافتها، فإنّها مثل الزجاج الصافي، إذا خلصتْ وصَفَتْ من كدورة رمْلها تعود شفّافة، ومن هذا الباب، أكوان الجلي من الأحجار والنيران الكامنة فيها وفي الأشجار. وهٰهنا دقيقة، وهي أن أجزاء الأرض تتحرك وتستحيل إلى النبات، والنبات في استكمالاته يتوجّه إلى غاية هي وجود اللبوب، وما من لُبٍّ إلاّ وله دُهنٌ فيه نور بالقوّة ولولا النورية التي في الأجسام الكثيفة، ما صحّ للمكاشف أن يكشف ما خلْف الجدران، ولا كان قيام الميّت في قبره، والتراب عليه لا يمنعه من كشف أحواله، وإن كان الله قد أخذ بأبصارنا عنه ويكشفه المكاشِفُ مِنّا. وقد ورد في ذلك أخبار كثيرة، ومن خواصّ الهدهد المذكور في قصّة سليمان - على نبيّنا وآله وعليه السلام -، أنّ الأرض شفّافة في نظره، فيرى مواضع العيون تحتها. أوَما سمعت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يدرِك ما خلْف حجاب ظهره، كما كان يدرك أمامه، ولم يحجبه كافّة عظم الرأس وما يحويه من العروق والعصَب والمخّ وما عليها. والسرّ في سريان نور الحياة فيها وفي سائر الأجسام، أن أول موجود أوجده الله هو القعل، وهو نور إبداعي إلهي، وأوجد عنه النفس - وهي دون العقل في النوريّة - ومنه الطبيعة، ومنها الجسم؛ وهذه بسائط أجناس العالَم، وما زالت الأشياء تكشف حتى انتهت إلى الأركان والمواليد، ولمّا كان لكل موجود وجهٌ خاصّ إلى موجده - وهو الله -، كان سرَيان نور الحاية فيه، ولمّا كان له وجهٌ إلى سببه، كان فيه من الظلمة والكثافة والعدم والموت. فتأمل إن كنت عاقلاً، فلهذا كان الأمر كلّما نزل أظلم وأكثف، فأين منزلة الأرض من منزلة العقل. ثم لا يخفى على المحقق، أنه قد ثبت في مقامه أنّ لكلّ نوع جسماني صورة مفارقة منه موجودة في عالم الملكوت الأعلى الربّاني، وفي علم الله، وهو اسم من أسمائه وهو مدبّر لهذا النوع ذو عناية [به]، وهو بالحقيقة لسانه عند الله بالتسبيح والتقديس، وهو سمعه وبصره، وبه حياته، فكلّ جسم حيّ عند التحقيق. إشارةٌ وتنبيهٌ: قال بعض المحقّقين من أهل الكشف في هذه الآية: "إنّه لمّا كان الموت سبباً لتفريق المجموع، فمعناها كنتم متفرّقين في كلّ جزء من عالَم الطبيعة فجمَعكم وأحياكم، ثم يُميتكم، أي يردّكم متفرقين، أرواحكم مفارقة لصور أجسادكم، ثمّ يحييكم الحياة الدنيا، ثمّ إليه ترجعون بعد مفارقة الدنيا، وإن الله سيذكّر عباده يوم القيامة بما شهدوا به على أنفسهم في أخذ الميثاق، فيقولون: {أية : رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ فَٱعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَىٰ خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ} تفسير : [غافر:11]. فطَلبوا من الله أن يمنّ عليهم بالرجوع إلى الدنيا ليعملوا ما يورثهم دار النعيم. وحين قالوا هذا، لم يكن الأمد المقدّر لعذابهم قد انقضى، ولما قدّر أن يكونوا أهلاً للنار، وأنّه ليس لهم في علم الله دارٌ يعمرونها سوى النار، قال [تعالى]: {أية : وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ} تفسير : [الأنعام:28]. حتى يدخلوا النار باستحقاق المخالفة، إلى أن يظهر سبق الرحمة الغضب، فيمكثون في النار مخلّدين لا يخرجون منها أبداً على الحالة التي قد شاء الله أن يقيمهم عليها، وفيها يردّ الله الذريّة إلى أصلاب الآباء، إلى أن يخرجهم الله إلى الحياة الدنيا على تلك الفطرة، فكانت الأصلاب قبورهم إلى يوم يُبعثون من بطون أمّهاتهم، ومن ضلع آبائهم في الحياة الدنيا، ثمَّ يموت منهم من شاء أن يموت، ثمّ يبعث يوم القيامة كما وعد" - انتهى ما ذكره. أقول: إنّ في كلامه أموراً تُخالف الظاهر ينبغي التنبيه عليها: منها: أن كون أفراد البشر في صورة الذرّ عند عهْد الميثاق، عبارة عنده عن الأجزاء الصغيرة المتفرّقة في أطراف العالم، الحاضرة في علم الله أنّها ستصير أحياء بواسطة اقتران الأرواح الإنسانيّة بها. ومنها: أن الحياة الثانية تكون في الدنيا أيضاً كما دلّ عليه قوله: {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}، وهذا ممّا يدل بظاهره على تناسخ الأرواح، إلاّ أن تُحمَل الحياة الأولى المشار إليها بقوله: "فَجمَعكُم وأحْيَاكُم" على الحياة الحيوانيّة التي تكون للجنين قبل تعلّق النفس الناطقة بالبدن، والموت الذي بإزائها، انتقال البدن من الحيوانيّة إلى الإنسانيّة، وهذا ليس بتناسخٍ مستحيل. ومنها: أنّ الصوفيّة وإن كانوا قائلين ببطلان التناسخ، لكنّهم جوّزوا بروز بعض الأرواح في بعض الأشباح، بواسطة اتّصال روحه بذلك الروح، فعليه يحمل ما يشعر بالتناسخ في هذا الكلام، لئلاّ يقع من أحد سوء ظنٍّ بهذا الشيخ العظيم. ومنها: إنّ ضلْع الآباء وبطون الأمّهات في كلامه، إشارة إلى جهتي الفاعليّة والقابليّة، بأنّ الضلْع الأيسر من الفاعل، إشارة إلى الجنبة السافلة التي بها يفعل فيما تحته، كما أنّ الضلْع الأيمن منه، هو الجنبة العالية التي بها ينفعل عما فوقه، وبطن الأمّ عبارة عن القوّة الاستعداديّة التي للقابل، لأنّ القوّة أمرٌ عدميٌّ منشأه صفة وجوديّة، فكأن القابل أمر ذو تجويف كبطن الأمّ، فضلْع الأب وبطن الأمّ استعارتان لطيفتان لذينك المعنيين. تذكرةٌ فيها تبصرةٌ [خلْق الأعمال] ذكَر صاحب التفسير الكبير من المعتزلة وجوهاً دالّة على أنّ الكفر من قبَل العباد، ولم يقدر على حلّها لصعوبتها، بل أجاب عنها بوجهين جدليّين. أما الوجوه فأحدها: إنّه تعالى لو كان هو الخالق للكفر، لما جاز قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} موبِّخاً لهم، كما لا يجوز أن يقول: "كَيف تسودّون وتبيضّون وتسقمون وتصحّون؟" لأنّ الجميع من خلْقه. وثانيها: إذا كان خلَقهم أولاً للشقاء والنار، وما أراد منهم إلاّ الكفر، فكيف يوبّخهم عليه؟ وثالثها: كيف يليق بالحكيم ايجاد الكفر فيمن يقول لهم: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} توبيخاً، ومنع الايمان عمن يقول في حقّهم: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ} تفسير : [الإسراء:94]. {أية : فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [الإنشقاق:20]. وأنّى يصحّ أن يقول: {أية : فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} تفسير : [المدّثر:49]. {أية : فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} تفسير : [يونس:34]. و {أية : فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ}تفسير : [يونس:32]. وهو يخلق فيهم الإعراض والإفْك والصرْف، لأنّه ممّا يشبه السخريّة دون الحكمة أو الإلزام. ورابعها: إن الله إذا قال للعبيد: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} احتجاجاً عليهم، فلهم أن يقولوا: حصلت في حقّنا أسباب كثيرة موجبة للكفر، أوّلها قضاؤك النافذ الحتْم. وثانيها: قدَرك اللازم. وثالثها: إرادتك. ورابعها: خلْقك الكفر فينا، وخامسها: خلَقتَ فينا قدرة عليه. وسادسها: إرادة موجبة له. وسابعها: حركة متوجّهة إليه والايمان أيضاً يتوقف على نظائر هذه الأسباب السبعة - وهي كلّها مفقودة -، فقد حصَل لعدم الايمان أربعة عشر سبباً، كلّ منها مستقل بالمنع عن الايمان، فمع قيام هذه الأسباب الكثيرة، كيف يعقل أن يقال: كَيفَ تكفُرون؟ وخامسها: إنّه تعالى قال: كيفَ تكفُرون بالله الذي أنعَم عليكم هذه النِعم العظيمة مثل الحياة وما قبلها وما بعدها؟ وعلى قول الجبريّة لا نعمة له عليهم، لأن كلّ ما فعَله بهم، كان لاستدراجهم وسَوْقهم إلى النار جبراً وقهراً. وهذا كمن قدّم إلى رجل صحفة فالوذج مسموم، فإنّ ظاهره وإن كان لذيذاً ويعدّ نعمة، لكن عند التحقيق، لا يعدّ نعمة لكونه مهلكاً، ومعلوم أن العذاب الدائم أشدّ ضرراً من ذلك السمّ، فلا يكون لله نعمة على الكافر، فكيف يقول لهم: كيفَ تكفرون بمن أنعم عليكم هذه النِعم العظيمة. وأما الجوابين اللذين ذكرهما: أحدهما: إن هذه الوجوه يرجع إلى التمسّك بالحسن والقبح، والثواب والعقاب، فنحن أيضاً نُقابلها بأن الله علم أنّه لا يكون، فلو وُجد لانقلَب علمُه جهلاً - وهو محالٌ، ومستلزم المحالِ محال الوقوع - مع أنّه قال: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ}. وثانيهما: إن القدرة على الكفْر، إن كانت صالحة للإيمان، امتنع كونها مصدراً له إلاّ لمرجّح، وذلك المرجّح، إن كان من العبد، عاد السؤال، وإن كان من الله، امتنع حصول الكفر؛ وإذا حصل ذلك المرجّح وجب؛ وعلى هذا كيف يعقل قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُون}؟ قال: "واعلم أن المعتزلي إذا طوّل في الكلام، وفرّع وجوهه على المدح والذمّ، فعليك بمقابلتها بهذين الوجهين، فإنّهما يهدما جميع كلماته، ويشوّشان كلّ شبهاته". أقول: قد ظهر وتبيّن مراراً حالُ هذه المسئلة، وهي في غاية الوضوح والتنقيح والإنارة عند من جعله الله أهلاً لها، وجعل له نوراً يمشي به في الظلمات، وشرح صدره بنور الإسلام: {أية : فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الأنعام:125]. وهذا الفاضل متحيّر شاكّ في هذه المسئلة، ولم يتنقّح له بعدُ وجه صحتها، ولذلك قال في موضع: "إنّ القول باثبات الصانع الإله يلجيء إلى القول بالجبر، لأنّ الفاعليّة لو لم تتوقّف على الداعية، لزم وقوع الممكن من غير مرجّح - وهو نفي الصانع - [ولو توقّفت لزم الجبر]، واثبات الرسول يُلجيء إلى القول بالقدَر، لأنّه لو لم يقدر العبد على الفعل، فأيُّ فائدة في بعث الرسل وإنزال الكتُب؟ أو نقول: لمّا رجعنا إلى الفطرة السليمة، وجدنا أن ما استوى الوجود والعدم بالنسبة إليه لا يترجّح أحدهما على الآخر إلاّ لمرجّح - وهذا يقتضي الجبْر -، ونجد تفرقة ضرورية بين حركات الإنسان وسكَناته، وبين حركات الجمادات والحركات الاضطراريات، وهذا يقتضي مذهب الإعتزال، فلذلك بقيَت هذه المسئلة في حيِّز الأشكال" - انتهى. ومَن كان هذا حاله في مثل هذه المسئلة التي هي إحدى قواعد الايمان، وعليها مبنى كثير من المقاصد التي يضرّ الجهل بها للإنسان، فمعلوم من حاله أنّه متحيّر في جلّ المقامات اليقينيّة - بل كلّها -، فما الفائدة له في تكثير التصانيف وتطويل المباحث والأقاويل، ونحن نعلم يقيناً أن الله لم يجعل طلب العلوم والمعارف مركوزاً في جِبِلّة الخلق إلاّ لغاية يترتّب عليها؛ هي تنوير القلوب بأنوار المعارف، وتنجية النفوس عن ظلمات الجهالات، وسياقها إلى دار القدس والكرامة، ولأجلها بعث الله الرسل وأنزل الكتب. وفي الحديث: "حديث : مَنْ أخلَصَ للهِ أربعينَ صباحاً ظهرتْ من قلبِه على لسانِه ينابيعُ الحكمة"تفسير : . وقد سمّى الله نبيّه (صلى الله عليه وآله) نوراً وهادياً، وجعَل كتابه نوراً وهُدى في قوله: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}تفسير : [المائدة:15 - 16]. وقال: {أية : ذٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} تفسير : [المائدة:88]. فمن حاول العلم مدّة مديدة وصرف عمره في تحصيله، ثمّ لم يكن على بصيرة، ولم يأت بحاصل، ولم يرجع إلى طائل، فضلّ سعيُه في الحياة الدنيا وماله في العلم واليقين نصيب. فذلك لأنّه لم يكن مخلِصاً لله في كسبه وتحصيله، طالباً لمرضاته في طلبه وسعيِه، بل كان سعيه لهوى النفس وحبّ الدنيا، وتحصيله لطلب الترفّع على الأقران، وبسط الاشتهار والصيت في البلدان، وكونه مشاراً إليه بالأنامل، معدوداً من الأكابر والأماثل. هذه غاية قصودهم، وفيه صرف مجهودهم، ولذا وصَلوا إليها في الأكثر، وحرموا من جدوى العلْم، محجوبين يومئذ عن النعيم الأنور، محرومين من أشعّة أنوار الله يوم العرض الأكبر. وأما اندفاع الشُبَه التي ذكرها من طريقة أهل الاعتزال، ففي غاية السهولة عند اللبيب المتفطّن بما مضى من المقال، أو العارف الواقف بأسرار الحقيقة بنور الأحوال، فإنّ تلك الشبه مقتضاها نسبة الكفر والمعاصي إلى إرادة العبد واختياره، وهي حقٌّ وصدق. كيف - ولو لم يكن للعبد إرادة وقدرة، لم يمكن توجيه الأمر والنهي والوعد والوعيد، ولا طلَب الخير والتحرّز عن الشر، ولا فائدة في الدعاء والعبادة والرياضة، وكسف العلوم والآداب، لكن كل ذلك عند التحقيق لا ينافي الجبر، بل الإنسان في عين اختياره مجبور، كما ورد في حديث الصادق (ع): "لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين أمرين". وليس معناه - كما زعمه أكثر من نظر في هذا الحديث - أن للعبد حالة بين الجبر والتفويض خارجاً عن حقيقتهما، كما أنّ الفلك لا حارّ ولا بارد؛ ولا أن له حالة ممتزجة عنهما متوسّطة بين كمال كل من طرفي الجبر والتفويض، كالماء الفاتر الممترج من مائين منكسِري السَوْرَتَين، يقال له: "لا حارّ ولا بارد"، إذ ليس شيء منهما هو المقصود من هذا الحديث - لا ذاك ولا ذا - بل إن اختيار الإنسان عين اضطراره، وجبره عين تفويضه؛ فهو مضطرٌّ في عين الاختيار، ومختارٌ في عين الجبر، لأن لكلّ شيء صفة لازمة هي كماله الثاني، وهو صورة كماله الأ,ل الذي به قوام ذاته - كالحرارة للنار، والبرودة للماء واليبوسة للأرض، والرطوبة للهواء - وصفة الإنسان في هذا العالم - وما يجري مجراه من الحيوان، هو الاختيار لمالَه أن يفعل بهذا الاختيار بالنسبة إلى الإنسان. فعلى هذا - فالجواب عمّا ذكروه أولاً بالمنع عن قولهم: "لِمَ تكفُرون؟" بمنزلة: "لِمَ تسودّون؟" وذلك لأنّ الكافر الأسود، ليس في اسوداده مختاراً في عين الإجبار كما في كفره، فإنّ كفره وقع باختياره، بخلاف سواده. وعما ذكروه ثانياً: إنّ الله لم يرد من عباده أولاً وبالذات الكفر - بل ثانياً وبالعرض - كما قال: {أية : وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} تفسير : [الزمر:7]. وقوله: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ} تفسير : [البقرة:185]. فقد ثبَت بالحكمة إن الخير برضاه وقضاه جملةً وتفصيلاً، والشرّ بقضائه جملة وبقدره تفصيلاً، فالإرادة الأوليَّة الرضائيّة تؤدي إلى الخير الكلّي والنظام الأعلى بالقياس إلى العوالِم كلّها بحسب الأنواع، والإرادة الثانويّة القدريّة الجزئيّة تؤدّي إلى الخير والسعادة لطائفة بالقياس إلى عالَم، وإلى الشرّ لطائفة أُخرى بالقياس إلى عالَم آخر، كما في الحديث الإلهي: "حديث : هؤلاء للجنّةِ ولا أُبالي، وهؤلاءِ للنارِ ولا أُبالي" تفسير : وقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ} تفسير : [هود:118 - 119]. وأمّا التوبيخ والتخويف والزجْر والايعاد وما يقابلها - من التحسين والنصيحة والتعظيم والبشارة والوعد وغير ذلك - فهي من جملة الأسباب القدريّة ومن المهيّجات للدواعي والأشواق، والبواعث على الأغراض والحركات كسائر الأمور القدريّة الواقعة تحت الأسباب القريبة التي للاختيار فيها مدخل - كما مرّ مراراً. وأمّا عما ذكروه ثالثاً: فبأنّ هذه الأفعال - كالكفر والإفك والصَرْف والإعراض - لها وجهان: وجهٌ إلى الأسباب والدواعي الكلّية العالية، ووجهٌ إلى الدواعي والأسباب القريبة، كإرادة العبد وقدرته وشوقه وداعيته، سيّما قدرته التي يتساوى بالنسبة إليها الطرفان. فالسؤال بكَيفَ، ولِمَ وأيْنَ وأنَّى، وبسائر الكلمات الإستفهامية عمَّن لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في السماء والأرض، ولا يخرج عن قدرته وسلطانه شيء من عالَمي المُلك والملَكوت، إنّما يكون بالقياس إلى الأسباب القريبة المكتنفة بفعل العبْد، وبالنظر إلى العلوم الحادثة الزمانيّة المتجدّدة حسب تجدّد، الأحوال والآجال، والأمكنة والأوضاع؛ وأما بالقياس إلى ذات الله القيّوم، وعلمه المحيط بالكلّ، فلا كيْفَ ولا أيْنَ ولا متىٰ ولا وضْعَ ولا لِمَّية، لأنّ هناك اضمحلّت الكثرات، وطاحت الأيون والإشارات، وهلكت الأوضاع والكيفيّات، فيصير الكلّ كَلا شيء، والأمكنة تتضاءل من قهره كنقطة واحدة، والازمنة تنزوي بعضها إلى بعض من سطوته وهيبته، فتصير كآن واحد. وأما عن الرابع: فبمثل ما وقع الجواب عن شُبه إبليس المذكورة عنه، المنسوبة إليه في شرح الأناجيل الأربعة، فإنّه قد ذكر هناك: "قد أوحى اللهُ إلى ملائكته عليهم السلام قولوا له: إنّك غير صادق فيما تقول: ولا مخلِص، إذ لو صدقت أنّي إله العالمين، ما تحكمت علي بلِمَ". فهٰهنا أيضاً نقول: لو علِم - هذا المفروض كافراً - أن علْم الله وإرادته وقدرته ومشيئته وقضاءه وقدَره وخلقه، هي جاريةُ في هذا العالَم، حاكمة على كلّ شيء، وأن الله تعالى لا رادّ لحكمه، ولا مهرَب من قضائه وحكومته، ولا مُنجي من سطوته ولا ملجأ من سلطانه، فلم يكن هذا المفروض كافراً كافراً، بل مؤمناً حقّاً، فإن من علِم كيفيّة جريان إرادة الله وقضائه في عالَمنا هذا بوجْه عقليّ برهانيّ، فلم يكن ممَّن ينسب الكفر والمعاصي والشرور - من حيث هي شرورٌ وأعدام ونقائص وقوى وملكات - إلاّ إلى الأسباب القريبة الجسمانيّة، والاستعدادات الرديئة الظلمانيّة. لأنّ من أساء علمه، أو أخطأ في اعتقاده، فإنّما ظلَم نفسَه بظُلمة جوهره وسوء استعداده، وكان أهلاً للشقاوة في معاده - كما سبق -، لكن يعلم بقوّة ايمانه أن سلسلة الأسباب لا بدّ وأن تعود إلى الأمور الإلهيّة القضائية، كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ}تفسير : [يس:7]. وقوله: {أية : وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ} تفسير : [هود:119]. فالكفر والمعاصي منسوبة إلى العبد، لا بمعنى خلْق الأفعال، وهي منسوبة إليه تعالى، لا بمعنى الالجاء والقسر - بل كما عرفت مراراً -. وأما عن الخامس: فإنّ الوارد من الله على الخلْق كلّهم، أمر واحد وفيض [فارد]، والإختلاف إنَّما يكون بحسب القوابل والمستعدّات، وإن النازل كلّه نورٌ ورحمةٌ، ولكن ينقلب في حقّ بعضهم ظلْمة وآفَة ومحْنة، مثل قوله: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} تفسير : [الرعد:17]. وقوله: {أية : يُسْقَىٰ بِمَآءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} تفسير : [الرعد:4]. وكلّ ما فعَله الله أولاً بأهل الايمان، فعلَه بأهل الكفر، من نعْمة الخلْق والإحياء والعقل والتكليف والهداية والدعوة بالآيات، وإرادة طريقي الخير والشر، والنفع والضرّ وغير ذلك، فصار الكلّ سبباً لقُرب هؤلاء، ومنشأ لبُعد هؤلاء - ولا يزالون مختلفين - فما صنَعه تعالى بهما لقُرب هؤلاء، ومنشأً لبُعد هؤلاء - ولا يزالون مختلفين - فما صنَعه تعالى بهما جميعاً في الدنيا، هو معدودٌ من نعَم الله التي أعطاها لعباده - وإن انقلب بعضها في حقّ البعض ناراً محرقة وسموماً مهلكة -، لحرقة في قلوبهم -، وتغيّظاً وزفيراً في صدورهم، ولهذا صحّ قوله تعالى فيهم: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ}، وتعذّبون بالنار وقد أنعَم الله عليكم بمثل هذه النعَم العظيمة التي أنعَمها على المتّقين، وقد صارت وقايةً لهم من عذاب الجحيم وألم الحميم. وأما الجوابان اللذان ذكرهما من قِبَل الأشاعرة، فإنّهما وإن حصل بهما الإلزام للمعتزلة، لكن لا يفي بدفع الإشكال، وحلّ عقدة الإعضال عنهم أنفسهم، لأنّ الذي ذكره أولاً، من أن علمه تعالى اقتضى وجود المعلوم على وجهه، أو أنّ خلاف مقتضاه محال، هو خلاف مذهب الأشاعرة، إذ لا ايجاب ولا عِلّية عندهم، بل يجوز منه تعالى على أصولهم ويصحّ أن يفعل خلاف ما كان قرّره وعَلِمه أولاً. وكذا الذي ذكره ثانياً، فإنّ القدرة والإرادة - سواء كانتا من الله أو من العبد - غير متوقّفتين عندهم على علّة موجبة وداعية مقتضية لأحد طرفي المقدور، بحيث يمتنع مقابلها ويستحيل خلافها. فالوجوه الخمسة المذكورة كلّها واردٌ عليهم، والجواب بإنكار الحسْن والقبْح العقليّين - مع ما فيه ممّا يستلزم سدّ جميع أبواب البراهين، وما يبتنى عليه من أصول العقائد الحقّة -، وكذا الجواب بقوله تعالى: {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} تفسير : [الأنبياء:23]. غير منجحٍ لهم، لأنّ معناه لو كان المراد منه نفي اللِميَّة عن أفعاله كما فهموه، وإن كانت واقعة منه تعالى في هذا العالَم، بعد مراتب كثيرة ووسائط عديدة، وأسباب جعلها الله مبادى مرتبطة بها، وذلك لأنّه لو كان المراد ما ذكروه، لم يصحّ منه تعالى أن يقول: {أية : لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران:70] {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف:2]. {أية : فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة:91]. وغير ذلك ممّا فيه سؤال بـ "لِمَ" عمّا هو عندهم من أفعال الله، والتالي باطلٌ، فكذا المقدَّم. فقد عُلم أنّ الذي لا تجري فيه اللميَّة، ولا يجوز عنه السؤال، هو الفعل المطلق له تعالى، أو الفعل الواقع منه تعالى بغير توسّط، أو الأفعال المتأخّرة لكن من وجهها الخاصّ الذي يكون به إليه تعالى، فإن لكلّ ممكن وجهاً خاصّاً إليه تعالى، به يكون قابلاً لفيض أصل الوجود ولوازمه. فصل إن ذكر الإماتتين والإحيائين في هذه الآية، وعدم ذكر غيرهما، لا يدلّ على نفي ما سواهما، فانفسخ ما احتجّ به قوم على نفي عذاب القبر وسؤاله. وأيضاً - لأحد أن يحمل قوله: {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}، على الحياة التي تكون في القبر، لأنها ليست بدائمة، وقوله: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} على الحياة الدائمة الأخرويّة، فتكون الآية دليلاً على إثبات الحياة في القبر. وقال الحسن: المراد من الآية حال العامّة، وأمّا بعض الناس فقد أماتهم ثلاث مرّات وأحياهم كذلك، كما في قوله: {أية : فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} تفسير : [البقرة:259]. وكقوله: {أية : فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ}تفسير : [البقرة:243]. وكقوله في قصّة بني إسرائيل: {أية : ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ}تفسير : [البقرة:56] وكقوله: {أية : فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [البقرة:73].......................................... وكقوله في قصّة أيّوب عليه السلام: {أية : وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ} تفسير : [الأنبياء:84]. فصل تمسّكت المجسّمة بقوله تعالى: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} على المكانيّة؛ وَرُدَّ بأن المراد رجوعهم إلى حُكمه. والردّ كالمردود ضعيفٌ، والحقّ أنّ أشخاص الإنسان يرجعون إلى الله رجوعاً جبليّاً بحركة ذاتية إنيّة، لا رجوعاً مكانيّاً عرَضيّة أينيّة، وهذا ما حقّقه المحقّقون القائلون بأنّ للانسان من مبدء نشوءه إلى غاية كماله انقلابات في ذاته، وتطورات في جوهره، فكان تراباً، ثمَّ نطفة، ثمَّ صورة لحميّة وعظميّة، ثمَّ صورة حيوانيَّة، ثمَّ صورة إنسانيّة، ثمّ صورة ملكيّة، ثم صورة مفارقة، ثمَّ ما شاء الله. فصل إعلم أنّ في هذه الآية إشارات وتنبيهات إلى أسرار عقليّة: أحدها: إن في إسناد الإماتات والإحياءات إلى الله، إشارة لطيفة إلى أنّ هذه التحوّلات والانتقالات، أمورٌ طبيعية صادرة بتسخير الله تعالى جوهراً شأنُهُ هذه التقليبات والتحريكات؛ لا أنّها أمور اتّفاقيّة صادرة بأسباب اتّفاقيّة، أو أن المؤثّر في الحياة والموت طبائع الأفلاك والكواكب أو الأمزجة والأركان، - كما هو قول أهل الطباع والدهريّة - على ما حَكى الله عنهم بقوله: {أية : مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ} تفسير : [الجاثية:24]. وَلا أنّ الإنسان من بدْو ولادته إلى أوان موته، على جوهر واحد وهويَّة واحدة، من غير تحوّل وارتحال - كما زعمَه الناس -. وثانيها: إن الآية دالة على أن الموت طبيعي لكل أحد، وان معناه ومنشأه ليس كما فهمه الأطباء والطبيعيون، من أنه أمر يعرض أولاً للبدن من جهة نفوذ قوته الطبيعية، وزوال حرارته الغريزية، ثم بواسطته ينقطع تعلق النفس عنه، وما ذكروه ليس بمعتمد عليه ولا هو بحق. بل الحقّ أن الموت الطبيعي عبارة عن تمام توجّه النفس من هذه النشأة إلى عالَم الآخرة بالذات، وإعراضها عن البدن، فيطرأ عليه الهلاك لأجل ذلك الإعراض بالعرَض، فزوال الحرارة، وبطلان قوّة الحسّ والحركة عن البدن، مسبّب عن توجّه النفس حركة جِبِلّية إلى ما عند الله، لا أن الأمر بالعكس - كما هو المشهور -. قال بعض المحقّقين من أهل الكشف والعرفان: اعلم أنّ القوى التي في الإنسان وفي كلّ حيوان من قوى الحسّ والحركة وغيرها - كالخيال والحفظ والمصوّرة كلها المنسوبة إلى سائر الأجسام علواً وسفلاً - إنّما هي للروح، تكون بوجوده وإعطائه الحياة لذلك الجسم، وينعدم فيه ما ينعدم بتولّيه عن ذلك الجسم من ذلك الوجه الذي يكون عنه تلك القوة الخاصّة - فافهم. فإذا أعرَض الروح عن الجسم بالكلّية، زال بزواله جميع القوى والحياة، وهو المعبّر عنه بالموت، كظلام الليل بمغيب الشمس. وأمّا النوم، فليس بإعراض كلّي، وإنّما هو حجب أبخرة تحول بين القوى وبين مدركاته الحسيّة مع وجود الحياة في النائم، كالشمس إذا حالَت السحُب بينها وبين موضع خاصّ من الأرض، يكون الضوء موجوداً كالحياة، وإن لم يقع إدراك الشمس لذلك الموضع، فكما أن الشمس إذا فارقت هذا الموضع من الأرض وجاء الليل بَدلاً منه ظهَر في موضع آخر بنوره أضاء به ذلك الموضع، كذلك الروح إذا أعرض عن هذا الجسم الذي كان حياته به تجلّى على صورة من الصور الذي هو البرزخ، وهو بالصاد جمع "صُورَة"، فحييت به تلك الصورة في البرزخ، كما قال النبي (صلى الله عليه وآله) في نسْمة المؤمن: "حديث : إنّه طير أخضرٌ" تفسير : فذلك الطير كالجسم هيهنا حُييت بهذا الروح الذي كان يحيى به هذا الجسم، وكما تطلع الشمس في اليوم الثاني علينا فتستنير الموجودات بنورها، كذلك الروح تطلع في اليوم الآخر على هذه الأجسام الميتة فتحيى بها، فذلك هو البعث والنشر. وثالثها: إنّها دالّة على صحّة البعث، مع التنبيه العقلي على صحّته ووجوبه جميعاً. أما الصحّة والإمكان، فإنّ من قدِر على الإحياء أولاً قدِر عليه ثانياً. وأمّا الوجوب والحقيّة، فإنّ من الناس من حمل المَوتة الأولى على مادّة البدن، كالعناصر والأغذية والأخلاط والنطَف والمضغَة - مخلَّقة وغير مخلَّقة -. وحمَل الحياة الأولى على الأرواح الحيوانيّة التي بها السمْع والبصَر، كما في قوله: {أية : فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً}تفسير : [الإنسان:2]. ويقع فيها الاشتراك بين الإنسان وسائر الحيوان. وحمَل الموتة الثانية على حامل القوّة الحيوانيّة الذي يعرض له الموت لا محالة عند تقضّي الآجال، لكونه دائم الاستحالة والدُثور في الأحوال. وحمَل الحياة الثانية على الروح الإنساني القابل للبقاء الأُخروي، المشار إليه بقوله: {أية : ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ} تفسير : [المؤمنون:14]. فعلى هذا، قد انكشف أنّ للإنسان استحالات من حالة إلى أُخرى، وأنّ في ذاته جوهراً سالكاً بحسب الفطرة التي فطره الله عليها، منتقلاً من صورة إلى صورة، ولكلّ صورة تصوّر بها غاية حقيقية انتقل إليها من تلك الصورة. وقد ثبَت في العلوم الإلهيّة، أن للأشياء الجوهريّة الفطريّة غايات يُتوجّه إليها، وتلك الغايات يجب أن تكون من جنس ذويها وأشرف منها. فلا بدّ أن تكون للروح الإنساني غاية يُتوجّه إليها بحسب ما أودع الله في جِبِلّتها، ويجب أن تكون غايتها من جنسها وأشرف منها كما مرّ. وهي لا تتحقّق إلا في نشأة أُخرى. وذلك لأنّ النفس الإنسانيّة آخر درجات هذا العالَم الشهادي الحسّي، وأول درجات العالَم الغيبي الأُخروي، فكأنّها برزخ جامع بين العالَمين، حجابٌ حاجزٌ بين الدارين، وبابٌ في سور مضروب به بين النشأتين، فتمامها وغايتها لا بدّ وأن تحصل لها من الارتحال من هذه النشأة إلى أخرى، فلها انسياق جِبِلّيٌّ من الدنيا إلى العقبى. وإلى هذا الانسياق أشار بقوله: {أية : وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ} تفسير : [ق:21]. أي سائق يسوقها إلى محشرها، وشاهدٌ يشهد عليها بعملها، وفي الآخرة درجات متفاضلات، ومنازل متفاوتات لمن هو أهلها. ورابعها: إنّها دالة على وجوب الزهد في الدنيا لأنّه قال: {فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} فبيَّن أنّه لا بدّ من الموت، ثمّ أنّه لا يترك على هذا الموت بل لا بدّ من الرجوع إليه. أما إنّه لا بد من الموت، فقد أشار إليها في كثير من الآيات التي ذكر فيها بدايات خلْقة الإنسان. وفي كلام أمير المؤمنين وإمام الموحّدين - عليه السلام منّا ومن الملائكة أجمعين -: "أوصيكم بالرفض لهذه الدنيا التاركة لكم، والمبلية لأجسادِكم، وإنّما مثَلكُم ومثَلها كسَفْرٍ سلَكوا سبيلاً، فكأنّهم قد قطعوه، وأمّوا عَلَماً فكأنّهم قد بلغوه، وما عسى أن يكون بقاء من له يومٌ لا يعدوه، وطالب حثيث من الموت يحدوه ومزعج في الدنيا حتى يفارقها رغماً، فلا تنافسوا فإنّ عزّها إلى انقطاع، ونعيمها إلى زوال، وبؤسها إلى نفاد، وكلّ مدة فيها إلى انتهاء، وكل حيٍّ فيها إلى فناء". وأما أنّه لا بدّ من الرجوع إلى الله تعالى، فلأنّه يأمر بأن ينفخ في الصور: {أية : فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الزمر:68]، ثمّ ينفخ {أية : فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ} تفسير : [الزمر:68]. {أية : يَخْرُجُونَ مِنَ ٱلأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ} تفسير : [المعارج:43]. ثمّ يعرضون على الله كما قال: {أية : وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً} تفسير : [الكهف:48]. فيقومون خاشعين كما قال: {أية : وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [طه:108]. فقد ظهر وتبيَّن أنّ للإنسان بعد أطوار الدنيا ومقاماتها مقامين أُخرويين، أحدهما عند الموت، والآخر عند الرجوع. أمّا المقام الأول، فحال الإنسان فيه كما قال يحيى بن معاذ الرازي: "يمر أقاربي بحذاء قبري كأن أقاربي لا يعرفوني. وكأنّي بنفسي وقد أضجعوها في حفرتها، وانصرف المشيِّعون عن تشييعها، وبكى الغريب عليها لغربتها، وناداها من شفير القبر ذو مودّتها، ورحِمَتها الأعادي عند جزعتها، ولم يخفَ على الناظرين عجز حيلتها، فما حيلتي ولا رجائي - إلهي - إلاّ أن تقول: ملائكتي انظروا إلى فريد قد نأى عنه الأقربون، ووحيد قد جفاه المحبّون، أصبح مني قريباً وفي اللحد غريباً، وكان لي في الدنيا داعياً ومجيباً، ولإحساني إليه عند وصوله إلى هذا البيت راجياً، فاحسِن إليَّ يا قديم الإحسان، وحقِّق رجائي فيك يا واسع الغفران. وأما المقام الآخر، فكما قال بعضهم: "إلهنا - إذا قمنا من ثرى الأجداث مغبرّةً رؤوسنا من شدّة الخوف شاحبة وجوهنا، من هول القيامة، مطرقة رؤوسنا، وجائعة لطول القيامة بطوننا، وبادية لأهل الموقف سؤآتنا، وموقرة من ثقل الأوزار ظهورنا، وبقينا متحيّرين في أمورنا، نادمين على ذنوبنا، فلا تُضَعِّف المصائب علينا بإعراضك عنّا، ووسِّع رحمتك ورضوانك وغفرانك [لنا] - يا عظيم الرحمة، ويا واسع المغفرة.
الجنابذي
تفسير : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} بعد ما ذكر حال المنافقين وأنّهم كفروا بنقضهم العهد ثمّ قطعوا وأفسدوا التفت اليهم فقال على سبيل التعجّب والانكار: على أىّ حالٍ تكفرون يعنى لا ينبغى لكم الكفر بحالٍ من الاحوال فلا ينبغى لكم الكفر اصلاً بالله بنقض عهده المأخوذ عليكم من بعد ميثاقه وهذا أوفق بما قبله، ويحتمل ان يكون الخطاب لمطلق الكفّار والمؤمنين، ويحتمل ان يكون الخطاب للمؤمنين خاصّةً {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} حال عن الفاعل او المجرور امّا بتقدير قد لتصحيح وقوع الماضى حالاً، او لأنّ الحال فى الحقيقة علمهم بمضمون تلك الجمل المتعاقبة لانّ انكار الكفر والتعجّب منه معلّلٌ بعلمهم بذلك كأنّه قال وأنتم عالمون بتلك الاحوال، والموت عدم الحياة عمّا من شأنه ان يكون حيّاً، وللحياة بالاضافة الى كلّ شيئ معنىً بحسبه؛ فانّ حياة الأرض باخراج نباته والنّبات باخراج اوراقه وحبوبه واثماره، والحيوان بنفخ الرّوح الّتى بها الاحساس والحركة، وحياة الانسان بنفخ الرّوح الّتى بها انعقاد عيسى القلب فى رحم مريم النّفس، وبدون هذا النّفخ لا يصدق العلم على الانسان ولا الحياة، وقد نسب الى امير المؤمنين (ع): النّاس موتى وأهل العلم أحياء، والمراد بالموت ان كان الخطاب للمؤمنين معنى يشمل الاحوال الّتى قبل الحياة الانسانيّة من كون الانسان عنصراً وغذاءً ونطفةً وعلقةً ومضغةً وجنيناً وانساناً صوريّاً، وان كان الخطاب للكفّار فالمراد بالموت الاحوال الّتى قبل الحياة الحيوانيّة وحمل الاموات على المخاطبين مع انّ الموت صفة المادّة بالذّات للاتّحاد بين المادّة والصورة فانّهما اذا أخذتا لا بشرطٍ كانتا جنساً وفصلاً محمولين على انّ الصّورة الانسانيّة فى مقامها العالى غير المادّة، وامّا فى مقامها الدّانى فهى متّحدة معها بحيث ظنّوا انّ الانسان هو البدن وانّ الرّوح جسم سار فى البدن كسريان الماء فى الورد، وقد رأيت فى مؤلّفات بعض: انّ من قال بتجرّد النّفس النّاطقة فهو فاسقٌ. تحقيق تكرار الاحياء والاماتة للانسان {فَأَحْيَاكُمْ} بالحياة الحيوانيّة او الانسانيّة {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عن الحياة الحيوانيّة الدّنيويّة او الانسانيّة الدّنيويّة فانّ الانسان بنفخة الاماتة يموت عن كلّ ما له من المدارك والقوى ما لم يقم عليه القيامة الكبرى {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} بالحياة الأخرويّة الملكيّة بنفخة الاحياء فى البرازخ الى الاعراف {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} على الطّريق الّذى هو عن يمين الاعراف او على الطّريق الّذى هو عن يسارها والرّجوع اليه تعالى امّا الى مظاهره النّوريّة ودار نعيمه واسمه اللّطيف، او الى مظاهره الظلمانيّة ودار جحيمه واسمه القهّار. اعلم انّ الانسان من أوّل خلقة مادّته الّتى هى النّطفة الّتى استقرّت فى الرّحم الى آخر استكمال بدنه فى خلع ولبس فى مادّته، وكذا من اوّل تعلّق نفسه ببدنه فى خلع ولبس فى نفسه الى بلوغه حدّ الرّجال، وكلّ خلع منه موت وكلّ لبس حياة، وهذان الاستكمالان مشهودان للكلّ، وله بعد ذلك استكمالٌ واستعلاءٌ على مدارج السّعادة واستكمالٌ واستنزالٌ فى مهابط الشّقاوة، وهذان خلع ولبسٌ بحسب نفسه وموت وحياة فى برازخ الآخرة، وهما وان كانا غير مشهودين للكلّ لكنّ العالم يعلم بالمقايسة انّ حالاته بعد البلوغ مثل حالاته قبل البلوغ كما قال تعالى شأنه: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلنَّشْأَةَ ٱلأُولَىٰ فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الواقعة: 62]؛ وكلّ من خلعاته ولبساته موت وحياة وهذا الخلع واللبس مستمرٌّ الى الاعراف سواءٌ مات الانسان بالموت الاختيارىّ او الاضطرارىّ وبعد الاعراف له ترقّياتٌ وتنزّلاتٌ ايضاً لكن ترقّياته حياةٌ على الحياة وتنزّلاته موتٌ على الموت، وقد قال المولوى قدّس سرّه مستنبطاً من الآية الشريفة مشيراً الى امّهات أنواع الموت والحياة فانّ افراده غير متناهية كما حقّق فى محلّه من انّ الحركة القطعيّة قابلة للقسمة الى غير النّهاية. شعر : از جمادى مردم و نامى شدم وز نما مرجم بحيوان سر زدم مردم از حيوانى و آدم شدم بس جه ترسم كى زمردن كم شدم حمله ديكَر بميرم از بشر تا برآ رم از ملايك بال وبر وزملك هم بايدم جسنن زجو كلّ شيئٍ هالك الاّ وجهه بار ديكَر از ملك برّان شوم آنجه اندر وهم نايد آن شوم تفسير : فقوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} اشارة الى تمام الحالات الّتى قبل الحيوانيّة او قبل الانسانيّة ولذا عطف عليه قوله {فَأَحْيَاكُمْ} بالفاء وهو اشارة الى حدوث الحياة الحيوانيّة او الانسانيّة ولذا عطف عليه قوله {ثمّ يميتكم} بثمّ، وقوله {ثمّ يميتكم} اشارة الى حدوث الموت الحيوانىّ او البشرىّ ولذا عطف عليه قوله {ثمّ يحييكم} بثمّ وهو اشارة الى حدوث الحياة البرزخيّة ولذا عطف عليه قوله {ثُمَّ إِلَيْهِ} ترجعون بثمّ، وهو اشارة الى ما بعد البرزخ والاعراف ولم يقل ثمّ يميتكم ثمّ يحييكم لما ذكر انّه فى اهل الخير حياة على الحياة.
اطفيش
تفسير : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ}؟ استفهام إنكارى، أنكر الله جل وعلا جواز كفرهم شرعاً، وجوازه عقلا. أو استفهام تعجبى دعاهم إلى التعجب بكفر أنفسهم. وفيه دعاء غيرهم أيضاً إلى التعجب، لأن العرب تخاطب الحاضر بصيغة التعجب، وتريد تعجبه وتعجب السامعين. ويجوز أن يكون الاستفهام فى الآية على طريق الاستفهام الإنكارى الظاهر، وهو نفى الوقوع بصيغة الاستفهام، كأنه قيل: إن الكفر بالله مع ما ذكر من الإمامة والإحياء والموت غير واقع، تنزيلا له منزلة لم يقع إشعارا ببعده، لقوة الصارف عنه والداعى إلى الإيمان، حتى كأنه مستحيل، فعبر عنه بصورة المستحيل كقولك: أتعيش بغير طعام وشراب؟ وقولك: أتطير بغير جناح؟ والإنكار بكيف ولو كان إنكارا الحال الكفر التى يكون عليها، لكنها إنكار لنفس الكفر بطريقة الكناية، وهى أبلغ من التصريح، لأنها كلام متضمن للدليل والبرهان. وبيان ذلك أن المخلوق يوصف بالأحوال ولا يتصور بدونها، فاذا نفيت الحال أصلا كان نفيك له نفياً لممكن الوجود والاتصاف لها إذا وجد لكانت له حال ولا بد، فلما نفى حال الكفر كان نافياً للكفر من أصله لعدم تصوره بلا حال. وقد علمت أن نفيه على طريق تصويره بصورة المحال، وكأنه قيل لو كان هو موجودا لكانت له حال، لكنه لا حال فليس موجود، فهذا برهان ودليل، ولا تنكر قولى أن المخلوق لا بد له من حال بنحو الجبل الثابت فإن عرضه حال وطوله حال، وغلظه حال، وخشونته حال، وملاسته حال، وإتيان الليل عليه حال، وظلمته حال، وإتيان النهار عليه حال، وتنوره حال، ولونه حال، وتركيبه حال، وحلوله على الأرض حال، وحلول ما حل فى الهواء أيضاً حال وهكذا. فتبين لك أن الإنكار بكيف لأن مدلولها حال الشىء أبلغ من الإنكار بالهمزة لأنها للسئوال عن الشىء نفسه، وأنسب لما بعده من الحال. وهو قوله جل وعلا: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً}، وتتضمن كل من الإنكار والتعجب توبيخاً. والخطاب لكفار العرب، وصفهم أولا بسوء الاعتقاد والقول والفعل على طريق الغيبة، ثم خاطبهم على طريق الالتفات ووبخهم على كفرهم المصاحب لعلمهم بالموت والإحياء والإماتة، والإحياء المقتضى أن يكونوا مؤمنين، أى أخبرونى على أى حال تكفرون بالله. {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتا}: أشياء لا حياة فيها، وهى مأكول ومشروب، ثم ما يتولد منها غذاء للبدن، ثم أخلاط ونطف وعلق ومضغ. والجملة من واو تكفرون بدون تقدير قد أو بتقديرها. فمذهب البصريين - إلا الأخفش - لزوم قد مع الماضى المثبت مطلقا، ظاهرة أو مقدرة، وقال الأخفش والكوفيون: تلزم مع المقرون بالواو، وتجوز فى المقرون بالضمير والواو، أو بالضمير وحده. والأصل: عدم التقدير ولا سيما مع الكثرة والأكثر فى الماضوية المثبتة الحالية قرنها بالواو وقد والضمير، ثم بقد والضمير، ثم بالواو والضمير ثم بالضمير، ذاكره ابن مالك، وجعل ابنه الرابعة أكثر من الثالث. وأيضاً الآية بمنزلة قولك: كيف تكفرون بالله، وقصتكم أنكم كنتم أمواتاً فجعلكم أحياء، ثم يميتكم بعد هذا الإحياء، ثم يحييكم بعد هذه الإماتة ثم يحاسبكم؟... وقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: معنى قوله وكنتم أمواتاً: وكنتم معدومين قبل أن تخلقوا. كما يقال للشىء المندرس ميت، فإن الأموات جمع ميت (بإسكان الياء) يقال: لما تصح فيه الحياة وما لا تصح كقوله تعالى:{أية : بلدة ميتاً} {أية : وآية لهم الأرض الميتة}،تفسير : ولكن ذلك عندى على طريق التشبيه والاستعارة التصريحية، ووجه الشبه عدم الروح وعدم الإحساس أو ترك النماء بعد أن كانت، فإنها فى حال وجود النبات وإنمائه كالحيوان الحى. وفى حال زوال النبات كالميت فإن الحياة حقيقة فى وجود الروح مجاز فى نمو ما ينموا، ولأنها من مقدمات النمو، وفى الفضائل كالعقل والعلم والإيمان لأنها كمال وجود الروح وثمرتها، والموت فى ضد ذلك، والمراد بالحياة فى حق الله لازمها من علم وقدرة. {فَأَحْيَاكُمْ}: فى الأرحام وبعد الخروج من الأرحام بنفخ الروح وخلقها فيكم. قال الكلبى: أمواتاً نطفاً وعلقا ومضغا وعظاما. ثم أحياهم فأخرجهم إلى الدنيا، وعطفه بالفاء لاتصال هذا الإحياء بذلك الموت، بخلاف الإماتة والإحياء الثانى والرجوع. فإنهن متراخيان بعض عن بعض، فكان العطف بثم. أما التراخى بين هذا الإحياء الأول والإماتة فظاهر. وأما التراخى بين الإماتة والإحياء الثانى فإن جعلنا الإحياء الثانى هو الإحياء من القبر فظاهر أيضاً. وإن جعلناه هو الإحياء فى القبر فظاهر أيضاً، لأن بين الإماتة وتسوية التراب عليه فى القبر مدة، وأما الرجوع إلى الجزاء فمتراخ عن الإحياء فى القبر، ومتراخ عن الإحياء منه، فإنا إذا فسرنا الرجوع إلى الجزاء بدخول الجنة أو النار كان التراخى ظاهرا، وإذا فسرناه بالحصول فى الموقف أو بالشروع فى الحساب فقد حصلت مدة أيضاً بين الإحياء منه، وبين ذلك، وكذلك إذا فسر بالإحياء من القبر فإن بينه وبين الإحياء فيه مدة البرزخ هم فيها موتى. {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ}: لآجالكم، وذلك أن مواد الأبدان قابلة للجمع والحياة وتعاقب الافتراق والاجتماع والموت، والحياة عليها يدل على أنها قابلة لها بالذات، وما بالذات يأبى أن يزول. {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}: فى قبوركم للسؤال عن الإيمان بالله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم وبالبعث. ولك أن تقول: المراد بهذا الإحياء الشامل لهما، أو هما مرتبطان متصلان فى الانقطاع عن الدنيا، فلا يرى، والسؤال بأنه ترك ذكر أحد الإحياءين وهم ثلاثة، فلم قال فأحييتنا اثنتين. كما قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: المراد إحياء البعث. وكذا قال الكلبى. وهو المختار والمتبادر. {ثُمَّ إِلَيْهِ}: لا إلى غيره. {تُرْجَعُونَ}: للجزاء بأعمالكم. وهو من رجع الثلاثى المتعدى، أو من اللازم المدخل عليه همزة التعدية، وقرأ يعقوب فى جمع القرآن: ترجعون، بفتح التاء وكسر الجيم، وما ذكره الله فى الآية هو أمر العامة، المذكور فى قوله جل وعلا:{أية : ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين}تفسير : وأما خواص من الناس فقد أميتوا ثم أحيوا ثم أميتوا، وسيبعثون كالسبعين الذين مع موسى عليه السلام فى قول. وكعزير، وكالذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، وصاحب بقرة بنى إسرائيل، ومن يحيى عيسى بإذن الله - عز وعلا - وإن قلت المعطوف على الحال حال، والمتعاطف فى حكم المعطوف عليه {فَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} حال بلا واسطة، والجمل بعده أحوال بوسائط العواطف، وبعض ذلك ماض، وبعضه مستقبل، والحال حاضر. قلت تكون الحال ماضية باعتبار زمان عاملها، وحاضرة مقارنة له ومستقبلة. والآية من الأول والثالث، أى كيف تكفرون بالله الآن؟ وقد كنتم فيما مضى أمواتاً فأحدث فيكم الحياة؟ ثم يميتكم فى المستقبل ويحييكم وترجعون إليه؟ ولك أن تقول: هى من الثانى على التأويل بالعلم، أى كيف تكفرون بالله وأنتم عالمون بأنكم كنتم أمواتاً؟ وأنه أحياكم وأنه سيميتكم وأنه سيحييكم وأنكم سترجعون إليه؟ أى ما أعجب كفركم، مع علمكم بذلك، بل لو قيل الحال أبدا حاضرة لصح على التقدير بالعلم، أما من المتكلم أون من صاحب الحال أو من غيرهما سواء ماضية أو مستقبلة أو على التقدير بنحو قولك: ناويا أو مقدرا أو منويا أو مقدرا أو نحو ذلك، إذا كانت مستقبلة وصحت الحاضرة بلا تأويل. وإن قلت لم يعلموا أنه سيحييهم ويرجعون إليه لإنكارهم البعث. قلت: نعم لكن لما أوضح لهم الدلائل على البعث نقلية وعقلية، حتى كأنهم عالمون، بل قد علم كثير وعاند، ولا سيما أن فى الآية نفسها ذكر الحجة، وهو أنه أحياهم الإحياء الأول وليس بأشد من الثانى، بل الثانى أهون بالنظر إلى العادة وبادئ الرأى، ولو كان سواء عند الله. فكأنه قيل: كيف وقعتم فى الكفر، مع هذه الدلائل المانعة منه؟ أو كأنه قيل: كيف كفرتم مع هذه النعم العظام التى من شأنها أن تشكر ولا تكفر؟ وهى الإحياء الأول والثانى والإماتة بينهما؟.. فبقدر عظم النعمة يشتد قبح المعصية أو كأنه قيل: كيف تكفرون مع هذه النعم التى هى دلائل؟ وإنما عد الإماتة والإحياء الثانى من النعم المقتضية للشكر لأنهما وصلة إلى البقاء الدائم النافع لمن عمل له. وهو البقاء فى الجنة. كقوله:{أية : وإن الدار الآخرة لهى الحيوان}تفسير : مع أن يجوز كون المعدود من النعم هو المجموع لا الجميع، فلا إشكال فى أن النعمة الإحياء الأول. ويجوز كونه هو العلم بهذه الدلائل، فالخطاب للكفار كما مر، أو لهم وللمؤمنين. أى كيف تكفرون يا هؤلاء الكفرة وترجعون إلى الكفر يا هؤلاء المؤمنين مع هذه النعم والدلائل الصارفة عنه؟ أو للمؤمنين أى كيف يصدر منكم الكفر معها، أو كيف يصدر منكم وكنتم أمواتا، أى جهالا فأحياكم بما أفادكم من العلم والإيمان، ثم يزيل عنكم الروح ثم يردها إليكم بالبعث، فيثيبكم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، بل ما اطلعتم عليه.
اطفيش
تفسير : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ} وبخهم الله على ما مضى من الكفر واستمراره، أو أنكر علهيم لياقته بحال صحة ومرض، وسير وعسر، وعز وذل وغير ذلك من الأحوال، أو ذلك تعجيب، وذلك لقيام البرهان، ولخطاب لأهل مكة، ونزلت الآيتان فيها، وجعلتا هنا على ترتيب اللوح، أو حطاب لهم من المدينة بعد غيبرة، وتأكيداً عليهم، كما يغتاب ثم يخاطب مخافة ألا يصل الكلام، حاشا لله عز وجل، أو خطب لكل من كفر، كيف يكفر كافر، والحل أنه كان غير موجود ثم، وجد، كما قال {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} المراد بالموت فى الحياة، بقطع النظر عن أن تكون قد تقدمت، لا نفيها بعد أن كانت، لأن الإنسان لم يكن حيّاً ثم مات أو أراد أنهم كانوا نطفا، والنطفة كانت حية فى الإنسان وماتت بالانفصال، وحييت فى الرحم، أو كنتم كأموات، وعلى كل حال لا يشكل أنهم فى الجماد لا يوصفون بموت ولا حياة {فَأَحْيَاكُمْ} فى الأرحام {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} لآجالكم {ثُمَّ يُحْيِيْكُمْ} فى قبوركم ويخرجكم {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} للجزاء.
الخليلي
تفسير : الآيتان مرتبطتان بما قبلهما ارتباطا وثيقا، وإنما جاء الكلام فيهما على أسلوب الإِلتفات من الغيبة إلى الخطاب، لما في مواجهة الذين كفروا - بعد تعداد مثالبهم وتقرير كفرهم - بالتوبيخ والتقريع على ما صدر منهم من الكفر مع توفر دواعي الايمان من أثر على نفوسهم، فإن للخطاب تأثيرا في نفس المخاطب أعمق وأبلغ من تأثير حديث الغيبة على الغائب، فلعل هذه النفوس المخاطبة تنزجر عن قبائحها وترتفع عن غيها، هذا بجانب الحكمة العامة في الإِلتفات وهي تجديد النشاط بتطرية الكلام، ونقله من أسلوب إلى آخر. وذهب ابن عاشور إلى أن الخطاب هنا للناس الذين خوطبوا من قبل بقوله: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}، وعد الجمل من قوله: {وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ ..} إلى قوله: {.. الخاسرون} معترضات بين هذا الخطاب، وأنكر أن يكون تناسب بين قوله هنا: {كيف تكفرون} وقوله من قبل: {إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى ..} إلى آخره، وبنى عليه إنكار تخريج هذا الخطاب على أسلوب الإِلتفات وإنما رأى الرابط بين الخطابين مناسبة اتحاد الغرض بعد استيفاء ما تخلل واعترض، وذكر من بديع المناسبة وفائق التفنن في ضروب الانتقالات في المخاطبات اتحاد العلل التي قرن الله بها الأمر بعبادته في قوله: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ..} إلى آخره، وقرن بها إنكار ضد العبادة وهو الكفر في قوله هنا: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} حيث قال هناك: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً ..} (الآية)، وقال هنا: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ..} (الآية). وبالغ في إنكار أن يكون اليهود هم المخاطبين هنا نظرا إلى أنهم لم يكفروا بالله ولم ينكروا الإِحياء الثاني، ولذلك رأى تعين أن يكون الخطاب للناس وهم قريش. ولم يتضح لي وجه قوله، فإن عود الخطاب في قوله: {كيف تكفرون} إلى الناس المخاطبين في قوله: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} بعد العديد من الآيات التي خرجت عن الموضوع لا يتلاءم مع ما عُهد من انسجام عبارات القرآن، وترتب كلماته وتناسب آياته، وما الداعي للمصير إليه مع إمكان خلافه، فإن التقريع موجه إلى الكفار في الآية بعد ما ذكر عنهم من إنكار ضرب المثل، والتسجيل عليهم بالفسوق، ووصفهم بنقض عهد الله من بعد ميثاقه، وقطع الصلات التي أمر بها، والإِفساد في الأرض، وكل من ذلك ناشئ عن كفرهم بالله واليوم الآخر، فكيف يستغرب إذا وبخوا بعد تعداد هذه المثالب على الكفر، أوَليسوا هم المكذبين بما أنزل الله، والمناوئين لمن أرسل، والناكثين لعهده؟ وقد سجل عليهم بالكفر بصريح العبارة في قوله {.. وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} ولا معنى لما يقوله ابن عاشور من أن اليهود لا يكفرون بالله ولا بالمعاد، وإني لأعجب كيف ينفي عنهم الكفر بالله مع وصفهم له سبحانه بما لا يليق بعظمة الربوبية وجلالها، وأي كفر أعظم من قولهم: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} تفسير : [آل عمران: 181]، وقولهم: {أية : يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةٌ} تفسير : [المائدة: 64]، وقولهم: {أية : نَحْنُ أَبْنَاءُ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 18]، وهم وإن آمنوا باليوم الآخر فإنهم يعتقدونه حسب تصوراتهم الخاطئة التي لا تتفق مع ما وصفه الله به، وقد قال الله فيهم: {أية : قَدْ يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ} تفسير : [الممتحنة: 13]. وقد علمتم مما سبق أن الخطاب في {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ..} موجه إلى عموم الطوائف الثلاث المذكورة من قبل، وهي المؤمنون والكفار والمنافقون، وهذا هو الذي درج عليه ابن عاشور نفسه، كما علمتم أن الصحيح أن المنكرين للمثل هم كل الذين كفروا بما أنزل الله، ولم يكن ذلك محصورا في اليهود كما ذهب إليه ابن عاشور، مستدلا بوصفهم أنهم ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه إلى آخره. لأن هذا الوصف ينطبق على جميع الكفار، فقد وصف الله به قريشا في سورة الرعد حيث قال: {أية : وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ} تفسير : [الرعد: 25]. أما مناسبة اتحاد العلل التي اقترن بها الأمر بالعبادة في قوله: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} وإنكار ضدها وهو الكفر في قوله هنا {كيف تكفرون} فهي لا تدل على ترابط الخطابين لأن هذه العلل صالحة لأن يقرن بها كل كلام يدعو إلى العبادة والإِيمان، أو يحذر من الكفر والعصيان. و{كيف} موضوعة للإِستفهام وهو طلب الفهم غير أنه هنا متعذر لأن العليم بخفيات الأمور ليس من شأنه الإِستفهام، وإنما هي بمعنى الإِنكار والتوبيخ والتعجيب، وذلك أن المنكر عندما يطلب الجواب من المنكر عليه في أمر بيّن فساده إنما يريد بذلك قطع عذره، وكثير من المفسرين تسامحوا فقالوا إنها هنا بمعنى التعجب، وحقيقة التعجب مستحيلة على الله تعالى لأنه لا ينشأ إلا عن الجهل، واللائق بالتأدب مع الله أن يقال إنها للتعجيب؛ أي لحمل السامعين على التعجب، اللهم إلا إن قصدوا بالتعجب التعجيب لما يكون أحيانا من التعاقب بين التفعل والتفعيل لما بينهما من رباط السببية. والأصل في الإِستفهام بكيف أن يكون عن الحال، وكذا إن استعملت في الإِنكار ونحوه إلا أن إنكار الحال يقتضي إنكار ما تلبس بها بطريق البرهان، فالمنكَرُ هنا نفس الكفر لأنه لا بد أن يكون على حال من الأحوال، وهو منكَر على أي حال، لأن الدواعي متضافرة على خلافه، وقد سبق الحديث عنه وعن نقيضه - الإِيمان - فلا داعي إلى التكرار. نعم الله توجب شكره: وقد أثير الاستغراب من كفر هؤلاء بالله تعالى مع تضافر الأدلة على وحدانيته، وتوفر الدواعي إلى شكره، وأبرز ذلك إخراج الإِنسان من العدم إلى الوجود، ونقله من الموت إلى الحياة، فقد كان ميتا لأن عناصره كانت منبثة في طبقات الأرض الجامدة والسائلة والغازية، ثم أخذت تتدرج في الأطوار، وتتنقل إلى أن كوّن الله منها الغذاء الذي تكون منه الدم فحول الله منه ما يشاء إلى مني دافق يتدرج هو أيضا بعد استقراره في الرحم من طور إلى آخر حتى يخرج منه هذا الكائن الذي نفخ الله فيه من روحه، وأفاض عليه من نعمه، وأكمل حواسه ومشاعره، وبوّأه - بما اختصه به من مزية العقل والعلم - مكان الخلافة في الأرض والسيادة في الكون، فإن تفكيره في أمره داع إلى الإِيمان والشكر، فجدير بالإِستغراب منه إخلاده إلى الكفر واتباعه مسالك الضلال، وهو معنى ما رواه ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس وآخرين من الصحابة - رضوان الله عليهم - أنهم قالوا في تفسير الآية: {كنتم أمواتا} أي ترابا قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم، فهذه حياة، ثم يميتكم فترجعون إلى القبور، فهذه ميتة أخرى، ثم يبعثكم يوم القيامة، فهذه حياة أخرى. وقالوا مثل ذلك في قوله تعالى: {رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ} وهو مروي عن أبي العالية والحسن ومجاهد وقتادة وأبي صالح والضحاك وعطاء الخراساني. وإطلاق الموت على ما لم تسبق له الحياة قيل هو حقيقة، وقيل مجاز، وفرق آخرون بين ما كان من شأنه الحياة كالحيوان والنبات، وما كان بخلاف ذلك كالجماد، وعلى هذا الإِختلاف يتخرج الاختلاف هنا. وللحكماء في تفسير الموت نظريات عول عليها بعض المفسرين، ولا أرى التعويل عليها لأن الله هو الذي خلق الموت والحياة، وهما من أسرار غيبه التي لم يُعرِّفنا بها، ولم يكن قول الحكماء صادرا عن قواعد ثابتة، وإنما عولوا على مجرد أنظار تخطئ وتصيب. واختلف في ترتيب هاتين الموتتين، وهاتين الحياتين، وقد علمت ما قاله المفسران الصحابيان الجليلان وتابعهما عليه جماعة من مفسري التابعين فمَن بَعدَهم، وروى ابن جرير عن زيد بن أسلم أن المراد بالإِحياء الأول إخراجهم من ظهر آدم كأمثال الذر حين أخْذِه الميثاق منهم، ثم أماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة - وهو كما قال ابن جرير - يلزمه تكرر كل من الإِحياء والإِماتة ثلاث مرات مع أن المنصوص عليه مرتان، وروي عن ابن عباس: كنتم أمواتا فأحياكم؛ أمواتا في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم، وذهب بعضهم إلى أن الموتة الأولى هي عبارة عن انفصال النطفة من أجسام الآباء لأن ما انفصل من حي فهو ميت، وذهب جماعة إلى أن الموت هنا عبارة عن الغفلة، والحياة هي النباهة بعدها، أي كنتم غافلين فنبهكم، وهو مردود لأمرين: أولهما أن المخاطبين لم ينفكوا عن غفلتهم ما داموا لم يبرحوا كفرهم. ثانيهما: أنهم وعدوا بالإِماتة والإِحياء كرة أخرى، وهو شاهد على أن الحياة والموت المذكورين حسيان وليسا بعقليين، وقيل: إن الحياة الثانية هي حياة القبر عندما يُحيَى الميت لسؤال الملكين. والصحيح من هذه الأقوال أولها، وهو الذي صححه كل من ابن جرير وابن كثير، وجنح إليه جم غفير من المفسرين، وهو لا ينافي سؤال الملكين في القبر، فإن تلك حياة تختلف عن التي سبقتها في الدنيا والتي تليها في الآخرة، كما لا ينافي ذلك تكرار الإِحياء والإِماتة في بعض الناس أكثر من ذلك كالسبعين الذين اصطحبهم موسى إلى الميقات، والذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها فأماته الله مائة عام ثم بعثه، والذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف، فإن الخطاب للعامة ولهؤلاء حكم خاص، ومن ناحية أخرى فإن هؤلاء كانوا قبل نزول الآية، والمخاطبون فيها هم المعاصرون لنزولها، والذين يأتون من بعدهم. والعطف بالفاء في قوله {فأحياكم} لعدم الفاصل بين كونهم أمواتا وإحيائهم، أما العطف بثم بعد ذلك فللمهلة بين الإِحياء والإِماتة بعده، وبين الإِماتة والإِحياء الثاني. والمراد بالرجوع إما الاجتماع في الموقف، أو الاستقرار في إحدى الدارين، لأن في كلا الأمرين رجوعاً إلى الله تعالى، وكل ما ذكر هنا شاهد على عظمة الخالق وقدرته، وإحاطته بكل شيء، فهو حقيق بأن يُعْبَد ولا يكفر، وأن يطاع ولا يُعصى. ولا يقال إن مشركي العرب كانوا ينكرون البعث، فكيف يحتج عليهم بما ينكرون لأن توفر الدلائل وقيام الشواهد - من خلق الناس أنفسهم وخلق الكون - على إمكان النشأة الثانية - إذ ليست أعجب من النشأة الأولى - كاف في دحض الشبه التي يتشبثون بها في إنكار البعث. وجملة {كنتم أمواتا} حال من تكفرون، وقدر بعضهم "قد" قبلها لتسويغ حاليتها، ولم ير ذلك الزمخشري، لأن الواو لم تدخل على {كنتم أمواتا} وحده، وإنما دخلت عليه وعلى ما بعده إلى قوله: {.. ترجعون} كأنه قيل: كيف تكفرون بالله وهذه قصتكم، ثم بحث في كون بعض القصة ماضيا وهو كونهم أمواتا وإحياؤهم، وبعضها مستقبلا، وهو إماتتهم وما بعده، والماضي والمستقبل منافيان للحالية، وأجاب بأن الإِنكار عليهم إنما كان مع علمهم بهذه القصة، والعلم حالي ليس ماضيا ولا مستقبلا، ويكفي في كونهم عالمين وجود الدلائل على ما يتجاهلونه من ذلك بحيث تمكنهم أن لو أرادوا من الوصول إلى العلم. ولا أرى داعيا إلى تقدير العلم، فإن كون هذه هي قصتهم أمر لا ينفكون عنه مع قطع النظر عن تقدم بعض القصة وتأخر بعضها. الإِنسان سيد الأكوان وخليفة في الأرض: وبعد تقرير مبدأ الإِنسان ومصيره، ينتقل السياق إلى بيان منزلته وإعلان قيمته في موازين الله تعالى، فهو بمقتضاها ليس عبدا للمادة، بل هو سيد لها، لأنها خلقت له وسُخرت لمصالحه، ومن هنا تختلف قيمته في الإِسلام عن قيمته بحسب معايير العالم المادي؛ شرقِيِّه وغربِيِّه، وبموجب نظاميه الرأسمالي والإِشتراكي، إذ قيمته بحسب النظرة المادية قيمة هابطة ليس له فيها أدنى تكريم، كيف وعجلة تطوره مربوطة بالتطور المادي، فلا يقاس تقدمه أو تأخره، ولا رقيه أو انحطاطه إلا بالمقاييس الترابية المضطربة، فهو بموجب ذلك لا يختلف عن الآلات الصماء التي إذا استهلكت ألقيت مع الحطام والنفايات. والإِسلام في نظرته إلى الإِنسان لا يختلف مع النظرة المادية إليه من هذه الناحية فحسب، بل يرفع قدره فوق ذلك كله؛ باعتباره خليفة في الأرض وسيدا في الكون، ولذلك خُصّ بأن خلق الله له ما في الأرض وسخر له ما في الوجود، وذكر هذه النعم عليه في هاتين الآيتين هو توطئة لما تأتي به الآيات من بعدها من قصة هذا الاستخلاف. وفصل هذه الآية عن التي قبلها إما لأنها أُريد بها تأكيد ما تقدم، والتوكيد لا يعطف على المؤكد، وذلك باعتبار أن خلق ما في الأرض لهم هو إكمال لإِيجادهم المعبر عنه بـ {أحياكم} لضرورتهم إلى ما يكون مددا لهذه الحياة، وإما أن يكون امتنانا عليهم بالنعم لدمج التسجيل عليهم بكفر النعمة مع سرد الأدلة الداحضة لكفرهم بالله تعالى. وقد سبق معنى الخلق وحمله بعض المفسرين هنا على التسخير، وهو الذي أخرجه عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة، وأخرجاه مع عبدالرزاق وابن أبي حاتم عن مجاهد. وخلق جميع ما في الأرض للناس، أي لينتفعوا به إما منفعة عاجلة وإما منفعة آجلة، ولله تعالى أسرار في تكوين الأشياء حتى التي تتبادر إلى الأذهان مضرتها؛ فإنها قد تنطوي على منافع تتكشف للناس ولو بعد حين، ولو لم تكن منها منفعة عاجلة فبحسبها منفعة ما يترتب على الاعتبار بها من تذكر عذاب الآخرة المؤدي إلى الإِزدجار عن معاصي الله، والمسابقة إلى طاعته، وفي كل شيء عبرة لمن اعتبر، وموعظة لمن ادَّكر. هذا وقد أخذت أسرار هذا البيان الإِلهي تتجلى للناس حينا بعد آخر، إذ أخذت تتكشف لهم - مع التطورات العلمية - منافع جمة في مخلوقات شتى لم يكونوا يتصورون إلا مضرتها، فهذه الجراثيم أصبحت في عداد المنافع بعد أن كان الناس لا يتصورون منها نفعا، فقد استعين بها في كثير من ضرورات الحياة المعاصرة كاستخدامها وقودا للآلات، وإصلاحا للأغذية وهي - لا ريب - منافع هامة داخلة في عموم ما في الأرض، وقبل بضع سنين ألقيت في أحد المساجد درسا حول الجراثيم ومنافعها، واعتبرت هذه المنافع المكتشفة فيها من دلائل الإِعجاز العلمي في القرآن بدخولها في مدلول هذه الآية الكريمة. واستدل بهذه الآية على حكم مسألة مهمة شغلت بال الأصوليين والفقهاء، وهي الأصل في الانتفاع بالأشياء حسب ما يلائم طبيعتها، هل هو معدود قبل ورود الشرع في حكم المباح أو غيره؟ فالقائلون بالإِباحة استندوا - فيما استندوا إليه - إلى هذه الآية الكريمة لأن الله لم يكن ليخلق الأشياء للناس ثم يعاقبهم على استعمالها فيما يتلاءم مع طبيعتها، وهذا هو الذي ذهب إليه جل أئمة المذهب، ونص عليه قطب الأئمة - رحمه الله - في تفسيريه الهيميان والتيسير، وبه قال الزمخشري والرازي والبيضاوي، ونُسب إلى الشافعي وجماعة من الشافعية والحنفية، كما نُسب إلى المعتزلة، وذهب آخرون إلى أن الأصل فيها الحظر حتى يرد الشرع بإباحتها، وعليه عوّل قطب الأئمة - حسب حفظي - في شرحه على شرح البدر الشماخي على مختصر العدل، ونُسب إلى بعض أهل الحديث وبعض المعتزلة، وذهب آخرون إلى الوقف، وهو المحكي عن أبي الحسن الأشعري وعن المالكية وجمهور الحنفية والمعتزلة حسب نقل ابن عرفة، وهو الذي يقتضيه كلام ابن العربي في أحكامه، والقرطبي في تفسيره. وأصحاب القولين الأخيرين يرون أن الآية الكريمة لم ترد لتشريع حكم، وإنما نزلت للإِمتنان وبيان تكريم الله تعالى للإِنسان، وأنت تدري أن الإِمتنان بما تعود مغبته بالمضرة على الممتن عليه لا يكون من الحكيم تعالى، لأن عقوبة الحرام لا يوازيها الإِنتفاع به. واستدل فريق من العلماء بالآية على تحريم أكل الطين لأن الله لم يقل أنه خلق لنا الأرض، بل قال: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ} وهو استدلال في منتهى السفسطة، فإن الخلق ليس هو لأجل الانتفاع بالأكل فقط، وإنما هو لأجل المنافع المتنوعة، فمن المخلوقات ما يكون صالحا للأكل، ومنها ما يكون صالحا للبس، ومنها ما يكون صالحا للتداوي، ومنها ما يكون صالحا للركوب، ومنها ما يصلح للبناء به، إلى غير ذلك من المنافع المتنوعة التي لا يكاد الإِنسان يحصيها، ولو كانت المنافع محصورة في الأكل لما كانت نعمة في اللباس، ولا في الافتراش ولا في غيرهما، وهل يبني الناس مساكنهم، ويغرسون بساتينهم، ويحرثون زروعهم إلا على ظهر الأرض؟ أوَليس في ذلك كله نعمة بها على الإِنسان؟ وأعظم منه تهيئة الأرض لأن تكون قرارا للناس. والعجب من هؤلاء كيف يتصاممون ويتعامون عن قوله تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً}؟ وقد يكون الشيء نافعا في أمر ضارا في غيره؛ فتحل منفعته وتحرم مضرته، ويكفي من منفعة الطين كونه مادة البناء غالبا في كل العصور، أما تحريم أكله فهو بدلائل أخرى، وقد رويت فيه أحاديث، ومضرته كافية في التحريم. وجوّز الزمخشري أن يكون المراد بالأرض الجهة السفلية كما تطلق السماء على الجهة العلوية، فتدخل الكرة الأرضية نفسها فيما خلق للناس، ووافقه على ذلك جماعة، منهم أبو السعود، والألوسي، وقطب الأئمة، وصاحب المنار، واستبعده ابن عاشور من وجهين: أحدهما: أن الأرض لم تطلق قط على غير الكرة الأرضية إلا مجازا كما قال الشاعر: شعر : الناس أرض بكل أرض وأنت من فوقهم سماء تفسير : أما السماء فقد أطلقت على كل ما علا فأظل، والفرق بينهما أن الأرض شيء مشاهَد، والسماء لا يُتعقل إلا بكونه شيئا مرتفعا. ثانيهما: لو سلم هذا القياس فإن السماء لم تطلق على الجهة العليا نفسها حتى يصح إطلاق الأرض على الجهة السفلى، وإنما تطلق السماء على شيء عال. والذي دعاهم إلى هذا التأويل حرصهم على اعتبار الأرض مما خلق للناس، وأنتم تدرون أن ما فيها كله إذا كان مخلوقا لهم فأحرى أن تكون الأرض كذلك لأن المظروف لا يستقل عن ظرفه، وفي هذا غِنىً عن قول من قال إن كل جزء من الأرض هو معدود مما فيها، فتكون ذات الأرض داخلة في عموم "ما"، وقول آخرين: "إن الامتنان بخلق الأرض سابق في قوله تعالى: {ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً}، والامتنان هنا إنما هو بخلق محتوياتها من منافع الناس فيها. والتعبير بما في الأرض يصدق على ما كان فوقها من الأشجار والتراب والأحجار والبحار والأنهار، وعلى ما كان داخل بطنها سواء كان من الجوامد كأنواع المعادن، أو من السوائل كالنفط، كما تدخل في ذلك أنواع الغاز، فهي جميعها مخلوقة لمنافع البشر، ومهيأة للانتفاع بها. ولم يقف تكريم الله لهذا الإِنسان عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى تسخير منافع الكون لأجله، كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} تفسير : [الجاثية: 13]، وإذا كان كتاب ربنا الذي بأيدي المسلمين ينادي بهذا التكريم، ويعلن هذا الإِمتنان، فإن المسلمين - وهم أبناء هذا القرآن - أحق الناس بتقبل هذا التكريم، وذلك باستغلال هذه المنافع واستخدامها في طاعة الله مستشعرين نعمة الله عليهم، وهذا لا يتم إلا بوسائل العلم، لذلك كانت دراسة العلوم المؤدية إلى استغلال ثروات الطبيعة فرضا كفائيا على المسلمين، لما يترتب عليها من قوام شأن الأمة الإِسلامية، واستغنائها عن الآخرين، واستغلالها في أمورها المعاشية، وإنما انحراف الأمة عن طريق القرآن واستهانتهم بهذا الواجب هو الذي أدى بهم إلى التفريط وما تبعه من الذل والهوان، ولو أنهم أخذوا بتعاليم دينهم ومراشد كتابهم لكانوا أسبق الأمم في ميادين العلم والعمل. ودخول ما ذكرته من منافع الأرض في مدلول الآية حاصل من لفظة "ما" لأنها من أدوات العموم كما تقرر في الأصول. وأصل الإِستواء الاستقامة، وهو مطاوع للتسوية، يقال سوّاه فاستوى، وأطلق على القصد إلى الشيء بسرعة كأنه يسير إليه من غير أن ينحرف أو يلوي على أمر، وهو إطلاق مجازي، واستواء الله إلى السماء تعلق إرادته التنجيزي بإيجادها وتسويتها، و"إلى" قرينة التجوز. وقد عرضت هنا مشكلة لعلماء التفسير؛ وهي ما يدل عليه ظاهر هذه الآية وظاهر قوله تعالى في سورة فصلت: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً..} تفسير : [فصلت: 9] إلى قوله: {أية : .. ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} تفسير : [فصلت: 11]، من أن خلق الأرض سابق على خلق السماء، بينما يدل ظاهر قوله في النازعات: {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ..} تفسير : [النازعات: 27] إلى قوله: {أية : .. وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} تفسير : [النازعات: 30]، على سبق خلق السماء على خلق الأرض، فلذا احتاجوا إلى الجمع بين هذين الظاهرين، وقد اختلفوا في طريقة الجمع، فذهب فريق إلى أن الأرض مخلوقة قبل السماء، وسويت السماوات من بعدها، غير أن دَحْي الأرض متأخر على خلق السماوات، وذلك أنها عندما خلقت قبل السماوات لم تكن مدحوة صالحة للإِستقرار عليها حتى تم ذلك بعد تسوية السماوات السبع، وذهب فريق آخر إلى عدم القَبْلِيَّة والبَعْدِيّة على تقدم الزمان أو تأخره، وإنما هما حسب التفاوت المعنوي المشبه بالبعد المكاني أو الزماني، ومنه قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ هَمَّازٍ مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} تفسير : [القلم: 10 - 13]، فإن كونه عتلا وزنيما أسبق وجودا مما تقدمهما من الصفات، وقد ذكر إثر كلمة بعد لأجل لفت الانتباه إلى معناهما، ونحوه قوله سبحانه: {أية : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} تفسير : [التحريم: 4]، وهذا يأتي فيما يستدعي استحضاره ودرك أبعاده استجماع الفكر، فكأن الفكر يقطع مسافة من المعنى السابق إليه لما بينهما من التفاوت كما علمت، ونحوه في العطف بثم، فإنها في الأصل موضوعة للمهلة الزمنية غير أنها تستخدم في المهلة المعنوية للتفاوت الرتبي بين المعطوف بها والمعطوف عليه، فكأن العقل يتمهل في الانتقال من المعنى السابق إلى المعنى اللاحق، ولا يراعى في ذلك الترتيب الزمني، فقد يكون المعطوف أسبق زمنا من المعطوف عليه، ومنه قوله تعالى: {فَلاَ ٱقتَحَمَ ٱلْعَقَبَةَ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا ٱلْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ..} إلى قوله: {.. ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} (الآية)، وهو يقتضي أن المعطوف آكد وأهم مما تقدمه، وهذا شائع في كلام العرب، ومنه قول طرفة بن العبد: شعر : جنوح رفاق عندل ثم أفرعت لها كتفاها في معالى مصعد تفسير : وقول الآخر: شعر : لا يكشف الغماء إلا ابن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها تفسير : ويسمى هذا بالترتيب الرتبي وبترتب الإِخبار، ولأجل شيوعه صار كالحقيقة حتى قال من قال بأنه هو الأصل في عطف الجمل بثم، ومن الذين اعتمدوا على هذه القاعدة في الجمع بين ظواهر هذه الآيات المذكورة الإِمام ابن عاشور، وقد أطال في تحريرها وإيضاح مبهمها، وتفصيل مجملها بما لم يُسبق إليه، ومن يرد إحراز هذه الفوائد فليرجع إلى تفسيره. وبالجملة فإن العطف بثم في هذه الآية إما لأن المعطوف عليه أجدر بعناية السامع، فإن تسوية السماوات على عظمها أعظم من خلق الأرض، فإنها لو قيست بسعة الفضاء الفسيح وما يسبح في خضمه من الأجرام الهائلة لما كانت إلا كالذرة المهينة العائمة في عباب الهواء، وإما للانتقال من التذكير بنعمة معلومة بدهيا، وآية شاهدة للعيان، وهي خلق الأرض لنا إلى نعمة وآية يحتاج العقل إلى التدبر فيها حتى يدرك قبح الكفر بالخالق العظيم، فإن الإِنسان يدرك بدون أي تفكير حاجته إلى الأرض واضطراره إلى ما أوجد فيها من المنافع لقوام حياته وسد ضروراته، أما ضرورته إلى ما في الكون الأعلى من مخلوقات الله فتتوقف معرفته بها على الإِمعان والنظر حتى يتوصل إلى إدراك الإِرتباط بين الأجرام الفضائية وبين الأرض التي هي قراره بسنة الجاذبية التي جعلها الله تعالى سببا للاستقرار على هذه الأرض وإمكان الحياة فيها. ومما يؤكد أن "ثُم" هنا لا تدل على المهلة الزمنية - حتى يستدل بالآية على أن الأرض مخلوقة قبل السماء - عدم عطف خلق السماوات على خلق الأرض، وإنما عطفت خلق السماوات على خلق ما في الأرض، ومن المعلوم أن خلق المنافع الأرضية يتجدد دائما ولا يتوقف في وقت من الأوقات، فمن الضرورة أن يكون خلقها مسبوقا بخلق السماوات، وإن قيل بتقدم خلق الأرض قبل خلق السماوات. والذي أختاره عدم الجزم بشيء في ذلك أو ترجيح رأي على آخر لعدم توفر دليل سمعي على صحة أي رأي - كما علمت - أما النظريات الحديثة فلا وجه للإِستناد عليها في مثل هذه الأمور لما يعتريها من الاضطراب، ويدخل عليها من التناسخ حتى لم تعد منها نظرية مستقرة، وإنما بإمكاننا أن نقول إن الأرض والأجرام السماوية كانت متصلا بعضها ببعض حتى تم الانفصال بينها؛ كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَنَّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} تفسير : [الأنبياء: 30]، ولا أستطيع أن أقول إن الأرض انفصلت عن الشمس ذاتها أو عن المجموعة الشمسية ثم تقلبت في مدرجات الأطوار حتى وصلت إلى وضعها الحالي، لأن هذه النظرية معارَضَة بغيرها، وهي أن هذه الأجرام كانت كلها سديما ثم انفصلت وتطورت حتى استقرت على ما هي عليه، ولعل هذه النظرية أقرب إلى مدلول قول الله تعالى {وهي دخان}. وقد أجاد الأستاذ الشهيد سيد قطب في قوله: "ويكثر المفسرون والمتكلمون هنا من الكلام عن خلق الأرض والسماء، يتحدثون عن القبلية والبعدية، ويتحدثون عن الاستواء والتسوية، وينسون أن قبل وبعد اصطلاحان بشريان لا مدلول لهما بالقياس إلى الله تعالى، وينسون أن الإِستواء والتسوية اصطلاحان لغويان يقربان إلى التصور البشري المحدود صورة غير المحدود ولا يزيدان، وما كان الجدل الكلامي الذي ثار بين علماء المسلمين حول هذه التعبيرات القرآنية إلا آفة من آفات الفلسفة الإِغريقية والمباحث اللاهوتية عند اليهود والنصارى، عند مخالطتها للعقلية العربية الصافية، وللعقلية الإِسلامية الناصعة، وما كان لنا نحن اليوم أن نقع في هذه الآفة فنفسد جمال العقيدة وجمال القرآن بقضايا علم الكلام". والسماء مأخوذ من السمو بمعنى الإِرتفاع، ولذا يطلق على كل مرتفع، وقد مر ذلك، وإذا أريد به الجنس فهو السماوات السبع، ولذا جاز عود الضمير إليه مجموعا عند بعض المفسرين في قوله: {فسواهن}، وقال بعضهم هو اسم جنس جمعي واحِدُه سماءة، وذهب الزمخشري إلى أن المراد بالسماء هنا جهة العلو، وأن الضمير مبهم فسره من بعد سبع سماوات، كما يقال ربه رجلا، وتعقبه أبو حيان بأن ذلك ليس من المواضع التي يجوز فيها عود الضمير على المتأخر، وقال فريق بأن سبع حال من الضمير، وذهب آخرون إلى أنه تمييز. والذي يتجه لي أن {سبع سماوات} مفعول ثان لسوى، والضمير راجع إلى السماء، وإنما جُمع لرعاية ما تبعه من الجمع المخبر به عن مرجع الضمير، كما في قول امرئ القيس: شعر : وبُدِّلت قرحا داميا بعد صحة فيالك من نعمى تحولن أبؤسا تفسير : والقول بانتصاب سبع على الحالية هو أضعف الأقوال؛ لأن الحال لا تكون إلا مشتقة أو مؤوّلة بمشتق. وقد أخبر الله في هذه الآية - وفي كثير من الآي - أن السماوات سبع، ولا محيص لنا عن التسليم لما أخبر به العليم الخبير، غير أن من شأن الإِنسان حب الإِطلاع، واكتناه ما لم يصل إليه علمه، فلذا أطلق المفسرون لأفكارهم العنان في البحث عن المراد بالسماوات السبع، وقد هاموا في ذلك، وكثير منهم عول على أكاذيب أهل الكتاب فجاءت كتب التفسير مشحونة بما يجب أن ينزه كلام الله عن تبيانه به، خصوصا بعد اتضاح الدلائل وقيام الشواهد على كذب تلك الروايات التي عوّلوا عليها، والمرتبطون منهم بعلم الفلك - في القديم والحديث - فسروا السماوات السبع بما وصلوا إليه من علم الهيئة الكونية، وياللأسف فإنهم ضيّعوا مدلولها بما لا يتفق مع مراد الله سبحانه من بيان آياته للناس في عظائم مخلوقاته، فنجد المتقدمين منهم زعموا أن المراد بالسماء الأولى القمر، وبالثانية عطارد، وبالثالثة الزهرة، وبالرابعة الشمس، وبالخامسة المريخ، وبالسادسة المشترى، وبالسابعة زحل، ويفهم من ذلك أنهم يعنون أن السماوات هي المجموعة الشمسية، ومن حيث إن بعض هذه المجموعة لم يكن منكشفا لهم، وما عرفوه منها لم يصل إلى هذا العدد ضموا إليها القمر - وهو تابع للأرض - وضموا إليها الشمس نفسها لتكون سبعا، وممن نحا هذا المنحى الفخر الرازي، وقد أطال في الاستدلال لهذا القول بما كان معروفا عند علماء الهيأة في عصره. ونجد المتأخرين يوافقون أسلافهم في تفسير السماوات بالمجموعة الشمسية السيارة غير أنهم يخالفونهم في عد الشمس والقمر منها، أما القمر فمن حيث كونه تابعا للأرض وليس مستقلا، وأما الشمس فلأجل كونها المركز الذي تدور حوله المجموعة، وعوّضوا عنهما السيارين المكتشفين من بعد؛ وهما أورانوس ونبتون، وعدوا اكتشافهما بعد اثني عشر قرنا من نزول القرآن من معالم إعجازه حيث عد السماوات سبعا، ولاحظ بعضهم وصف السماء الدنيا في القرآن بأنها مزينة بمصابيح، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} تفسير : [الملك: 5]، ومثله قوله: {أية : إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ} تفسير : [الصافات: 6]، فحمل ذلك على المجموعة التابعة لأقرب سيار من الأرض - وهو عطارد - وهذا يعني أن السماوات هي هذه السيارات مع مجاميعها التابعة لها، والمتقدمون والمتأخرون متفقون على إخراج الأرض من هذا العدد، وذلك لأن المخاطبين مستقرون عليها، ومنها ينظرون إلى بقية السيارات. وذهب بعضهم إلى أن المراد بالسماوات السبع السبعة الأفلاك، ورُد بأنها خطوط فرضية تجري فيها السيارات، وليست لها حقيقة قائمة. وأرى هذه الأقوال كلها ليست في شيء من الصواب، وإنما أجنح إلى التعويل في معرفة السماوات على مدلول لفظها اللغوي، وما تحقق اكتشافه بالوسائل العلمية، فالسماء لغة كل عال، وقد ثبت علميا أن المجموعة الشمسية ليست إلا واحدة من المجاميع التي لا تُحصى في هذه المجرة التي تنتسب إليها هذه المجموعة، ويقدر قطر هذه المجرة بمائة ألف سنة ضوئية، وهي واحدة من سبع عشرة مجرة متآخية يقدر قطرها بمليوني سنة ضوئية، وهي تشتمل على ما لا يحصى عددا من الأجرام الفلكية، وإنما يُقدر بالتعادل النسبي مع ما في كل المجرات مائة مليار نجم في كل مجرة، وجميع المجرات المكتشفة إلى الآن خمسمائة مليون مجرة مضروبة في خمسين ألف مليار من الملايين - وقد سبق ذلك في الإِعجاز العلمي - فيبعد جدا أن ينوه القرآن دائما بالمجموعة الشمسية وحدها دون سائر ما في هذا الكون الفسيح لا سيما وأن مجموعتنا الشمسية - بما فيها الأرض - مرتبطة ارتباطا وثيقا بسائر الأجرام الفلكية في جميع المجرات برباط الجاذبية التي تتوقف على الدقة المحكمة في مقاييس هذه الأجرام بحسب أحجامها وحركاتها وطبائعها، وفي كل ذلك نعم جُلى من الله أسبغها على هذا الإِنسان المستخلف في الأرض. ومن المعلوم أن خطاب القرآن ليس قاصرا على جيل معين، بل هو موجه إلى جميع الأجيال المتعاقبة على عمارة الأرض منذ نزوله مع اختلاف أطوارها العلمية، وقد علم الله أنه سيكشف لعباده هذه الأسرار الكونية، بل وعدهم بذلك في كتابه وجعله من دلائل كونه الحق، وذلك في قوله: {أية : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصلت: 52 - 53]، كما أشار إلى انطواء القرآن على أسرار الكون في قوله: {أية : قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الفرقان: 6]، فليس من المعقول مع ذلك كله أن يسكت القرآن عما عدا المجموعة الشمسية من هنا يتضح أن السماء كل ما كان أعلانا من الفضاء المشتمل على هذه المجرات الهائلة التي تعوم فيها هذه الأجرام، وعلينا أن نؤمن بأنها سبع طباق كما أخبرنا تعالى، ولا يلزم أن نكون محيطين بكيفية انقسامها إلى سبع، فإن ذلك مما لم يجعله الله تعالى في حيطة علم الناس، اللهم إلا أن يخص به أحدا من رسله المصطفين الأخيار، على أني لا أستبعد أن تكون هذه المجرات المذكورة - مع كل ما فيها من أجرام - هي في طبقة السماء الدنيا، وأن تكون نجومها هي المرادة بالمصابيح في قوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ}، وبالكواكب في قوله: {إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِزِينَةٍ ٱلْكَوَاكِبِ}. فإن قيل ما للأرض وذكرها بجانب السماوات إن كانت السماوات كما وصفت من العظم؟ فإن الأرض لا تعد بجانبها إلا شيئا تافها. كيف وقد قيل إن الشمس أكبر منها بنحو مليون ضعف، وفي النجوم ما هو أكبر من الشمس بأضعاف مضاعفة؟ فالجواب أن الأرض ليست شيئا تافها لأنها مركز استقرار الإِنسان الذي كرمه الله وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا، وفوق ذلك فهي مقر النبوات، ومهبط الرسالات، فلا غرو إن حصلت لها هذه العناية في كلام الله، ومن ناحية أخرى فإن القرآن إنما يخاطب البشر، فلا ينبغي أن يخلو من تذكيرهم بنعمة الله تعالى عليهم بها وبما فيها، وفتح أبصارهم على آياته العظام التي تتجلى في كل شيء منها أو عليها، كيف وهي أول ما يفتحون عليه أبصارهم من آياته تعالى. وذهب بعض المفسرين إلى أنه لا مفهوم للعدد وأن المقصود بالسبع المبالغة، وهو تفسير مرفوض تأباه شواهد القرآن في وصف السماوات. بدائع الكون دليل القدرة والعلم: وبما أن هذا الخلق البديع وترتيبه المحكم دليل قاطع على الصانع الخبير الذي نظم دقائقه بما يتلاءم مع الحكمة البالغة، ذيلت هذه الآية بقوله سبحانه: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، ولفظة شيء هي أعم العمومات لإِطلاقها على كل ما يُخبر عنه كما قال سيبويه وغيره، وما أدل هذا الكون الفسيح، ونظامه الرتيب، وجماله الباهر على علم موجده بكل شيء، وقدرته على ما يشاء، وما على الإِنسان - وهو جزء من هذا الكون - إلا أن يقرأ في صفحات هذا الوجود آيات الله الناطقة بإحاطة علمه وسعة قدرته، وعظم شأنه، وجلال سلطانه، لا إله إلا هو خالق كل شيء، وبيده ملكوت كل شيء، منه المبدأ وإليه الرجعى وله الحمد في الآخرة والأولى، سبحانه عما يقول الظالمون، وتعالى عن ذلك علوا كبيرا.
الالوسي
تفسير : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ} التفات إلى خطاب أولئك بعد أن عدد قبائحهم المستدعية لمزيد سخطه تعالى عليهم والإنكار إذا وجه إلى المخاطب كان أبلغ من توجيهه إلى الغائب وأردع له لجواز أن لا يصله. و {كَيْفَ} اسم إما - ظرف وعزي إلى سيبويه - فمحلها نصب دائماً، أو غير ظرف ـ وعزي إلى الأخفش ـ فمحلها رفع مع المبتدأ، ونصب مع غيره، وادعى ابن مالك أن أحداً لم يقل بظرفيتها إذ ليست زماناً ولا مكاناً لكن لكونها تفسر بقولك على أي حال أطلق اسم الظرف عليها مجازاً، واستحسنه ابن هشام ودخول الجر عليها شاذ. وأكثر ما تستعمل استفهاماً والشرط بها قليل والجزم غير مسموع، وأجازه قياساً ـ الكوفيون وقطرب، والبدل منها أو الجواب إذا كانت مع فعل مستغن منصوب ومع ما لا يستغني مرفوع إن كان مبتدأ ومنصوب إن كان ناسخاً. وزعم ابن موهب أنها تأتي عاطفة وليس بشيء، وهي هنا للاستخبار منضماً إليه الإنكار والتعجيب لكفرهم بإنكار الحال الذي له مزيد اختصاص بها وهي العلم بالصانع والجهل به، ألا يرى أنه ينقسم باعتبارهما فيقال: كافر معاند وكافر جاهل؟ فالمعنى أفي حال العلم تكفرون أم في حال الجهل وأنتم عالمون بهذه القصة؟ وهو يستلزم العلم/ بصانع موصوف بصفات الكمال منزه عن النقصان، وهو صارف قوي عن الكفر، وصدور الفعل عن القادر مع الصارف القوي مظنة تعجيب وتوبيخ، وفيه إيذان بأن كفرهم عن عناد وهو أبلغ في الذم. وفيه من المبالغة أيضاً ما ليس في (أتكفرون) لأن الإنكار الذي هو نفي قد توجه للحال التي لا تنفك، ويلزم من نفيها نفي صاحبها بطريق البرهان، وإن شئت عممت الحال. وإنكار أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها مع أن كل موجود يجب أن يكون وجوده على حال من الأحوال يستدعي إنكار وجود الكفر بذلك الطريق، ولا يرد أن الاستخبار محال على - اللطيف الخبير عز شأنه - لأنه إما أن يكون بمعنى طلب الخبر فلا نسلم المحالية إذ قد يكون لتنبيه المخاطب وتوبيخه ولا يقتضي جهل المستخبر ولا يلزم من ضم الإنكار والتعجيب إليه وهما من المعاني المجازية للاستفهام الجمع بين الحقيقة والمجاز إن كان الاستخبار حقيقة للصيغة، وبين معنيين مجازيين إن كان مجازاً لأن الانفهام بطريق الاستتباع واللزوم لا من حاق الوسط، أو أنه تجوّز على تجوّز لشهرة الاستفهام في معنى الاستخبار حتى كأنه حقيقة فيه، وإما أن يكون بمعنى الاستفهام فنقول: لا قدح في صدوره ممن يعلم المستفهم عنه لأنه - كما في «الإتقان» - طلب الفهم. أما فهم المستفهم - وهو محال عليه تعالى - أو وقوع فهمه ممن لا يفهم كائناً من كان ولا استحالة فيه منه تعالى، وكذا لا استحالة في وقوع التعجيب منه تعالى بل قالوا: إذا ورد التعجب من الله جل وعلا لم يلزم محذور إذ يصرف إلى المخاطب أو يراد غايته أو يرجع إلى مذهب السلف، وأتى سبحانه - بتكفرون -ولم يأت بالماضي وإن كان الكفر قد وقع منهم لأن الذي أنكر الدوام والمضارع هو المشعر به ولئلا يكون في الكلام توبيخ لمن وقع منه الكفر ممن آمن كأكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم. {وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} ما قبل {ثُمَّ} حال من ضمير {تَكْفُرُونِ} بتقدير قد لا محالة خلافاً لمن وهم فيه. والمعنى: كيف تكفرون وقد خلقكم، فعبر عن الخلق بذلك، ولما كان - مركوزاً في الطباع ومخلوقاً في العقول - أن لا خالق إلى الله كانت حالا تقتضي أن لا تجامع الكفر، والجمل بعد مستأنفة لا تعلق لها بالحال ولذا غايرت ما قبلها بالحرف والصيغة، ولك أن تجعل جميع الجمل مندرجة في الحال وهو في الحقيقة العلم بالقصة كأنه قيل: كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة وبأولها وآخرها، فلا يضر اشتمالها على ماض ومستقبل، وكلاهما لا يصح أن يقع حالا، ورجح هذا جمع محققون. والحياة قوة تتبع الاعتدال النوعي ويفيض منها سائر القوى، وقيل: القوة الحساسة والعضو المفلوج حي وإلا لتسارع إليه الفساد، وعدم الإحساس بالفعل لا يدل على عدم القوة لجواز فقدان الأثر لمانع. وكأنهم أرادوا من ذلك قوة اللمس لأن مغايرة الحياة لما عداه من الحواس ظاهرة فإنها مختصة بعضو دون عضو، وأنها مفقودة في بعض أنواع الحيوانات، وأنه يلزم تعدد الحياة بالنوع في شخص واحد إن قيل بكون الحياة كل واحد منها. وتركبها في الخارج إن أريد مجموعها، وتطلق مجازاً على القوة النامية لأنها من طلائعها ومقدماتها، وعلى ما يخص الإنسان من الفضائل كالعقل والعلم والإيمان من حيث إنها كمالها وغايتها، و - الموت - مقابل لها في كل مرتبة والكل في كتاب الله تعالى وحياته سبحانه وتعالى صحة اتصافه جل شأنه بالعلم والقدرة أو معنى قائم بذاته تعالى يقتضي ذلك، وأين التراب من رب الأرباب. ثم إن للناس في المراد بما في الآية الكريمة أقوالاً شتى، والمروى عن ابن عباس، وابن مسعود،/ ومجاهد رضي الله تعالى عنهم أن المراد بالموت الأول العدم السابق، والإحياء الأول الخلق والموت الثاني المعهود في الدار الدنيا، والحياة الثانية البعث للقيامة، واختاره بعض المحققين وادعى أن قوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا} وإسناده آخر الاماتة إليه تعالى مما يقويه، واختار آخرون أن كونهم أمواتاً هو من وقت استقرارهم نطفاً في الأرحام إلى تمام الأطوار بعدها، وأن الحياة الأولى نفخ الروح بعد تلك الأطوار، والإماتة - هي المعهودة - والإحياء بعدها - هو البعث - يوم ينفخ في الصور ولعله أقرب من الأول، وإطلاق الأموات على تلك الأجسام مجاز إن فسر - الموت - بعدم الحياة عمن اتصف به، وحقيقة إن فسر بعدم الحياة عما من شأنه، قاله السيالكوتي، ويفهم كلام بعضهم: أنه على معنى كالأموات على التفسير الثاني وإن فسر بعدم الحياة مطلقاً كان حقيقة وهو المشهور وأبعد الأقوال عندي حمل الموت الأول على المعهود بعد انقضاء الأجل، والإحياء الأول على ما يكون للمسألة في القبر فيكون قد وضع الماضي موضع المستقبل لتحقق الوقوع، ثم لا دليل في الآية على المختار لنفي عذاب القبر إذ نهاية ما فيها عدم ذكر الإحياء المصحح له، ونحن لا نستدل لها بذلك الوجه عليه ولنا - والحمد لله تعالى - في ذلك المطلب أدلة شتى، وكذا لا دليل للمجسمة القائلين بأنه تعالى في مكان في {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} لأن المراد بالرجوع إليه الجمع في المحشر حيث لا يتولى الحكم سواه والأمر يومئذ لله، ووراء هذا من المقال مالا يخفى على العارفين. وفي قوله تعالى: {تُرْجَعُونَ} على البناء للمفعول دون - يرجعكم - المناسب للسياق مراعاة لتناسب رؤوس الآي مع وجود التناسب المعنوي للسباق، ولهذا قيل إن قراءة الجمهور أفصح من قراءة يعقوب ومجاهد، وجماعة {تُرْجَعُونَ} مبنياً للفاعل، ولا يرد أن الآية إذا كانت خطاباً للكفار ـ ومعنى العلم ملاحظ فيها ـ امتنع خطابهم بما بعد ـ ثم وثم ـ من الفعلين لأنهم لا يعلمون ذلك لأن تمكنهم من العلم لوضوح الأدلة آفاقية وأنفسية ـ وسطوع أنوارها عقلية ونقلية ـ منزل منزل العلم في إزاحة العذر، وبهذا يندفع أيضاً ما قيل: هم شاكون في نسبة ما تقدم إليه تعالى فكيف يتأتى ذلك الخطاب به، ويحتمل كما قيل: أن يكون الخطاب في الآية للمؤمن والكافر فإنه سبحانه لما بين دلائل التوحيد أيضاً من قوله سبحانه: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ}تفسير : إلى {أية : فَلاَ تَجْعَلُواْ } تفسير : [البقرة: 21-22] ودلائل النبوة من {أية : وَإِن كُنتُمْ}تفسير : إلى {أية : إِن كُنتُمْ }تفسير : [البقرة: 23] وأوعد بـ {أية : فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ } تفسير : [البقرة: 24] الآية، ووعد بـ {أية : وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [البقرة: 25] الخ أكد ذلك بأن عدد عليهم النعم العامة من قوله: {أية : وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا }تفسير : إلى {أية : هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [البقرة: 28ـ39] والخاصة من {أية : يَابَنِي إِسْرَائِيلَ}تفسير : إلى {أية : مَا نَنسَخْ } تفسير : [البقرة: 40ـ106] واستقبح صدور الكفر - مع تلك النعم منهم - توبيخاً للكافر وتقريراً للمؤمن وعد الإماتة نعمة لأنها وصلة إلى الحياة الأبدية واجتماع المحب بالحبيب، وقد يقال: إن المعدود عليهم كذلك هو المعنى المنتزع من القصة بأسرها. ومن الاشارة قول ابن عطاء {وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا} بالظاهر {فَأَحْيَـٰكُمْ} بمكاشفة الأسرار {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عن أوصاف العبودية {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} بأوصاف الربوبية، وقال فارس: {وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا} بشواهدكم {فَأَحْيَـٰكُمْ} بشواهده {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عن شاهدكم {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} بقيام الحق {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} عن جميع ما لكم فتكونون له.
ابن عاشور
تفسير : ثُني عنان الخطاب إلى الناس الذين خوطبوا بقوله آنفاً: {أية : يأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم}تفسير : [البقرة: 21]، بعد أن عقب بأفانين من الجمل المعترضة من قوله: {أية : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري}تفسير : [البقرة: 25] إلى قوله: {أية : الخاسرون}تفسير : [البقرة: 27]. وليس في قوله: {كيف تكفرون بالله} تناسب مع قوله: {أية : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما}تفسير : [البقرة: 26] وما بعده مما حكى عن الذين كفروا في قولهم: {أية : ماذا أراد الله بهذا مثلاً}تفسير : [البقرة: 26] حتى يكون الأنتقالُ إلى الخطاب في قوله: {تكفرون} التفاتاً، فالمناسبة بين موقع هاته الآية بعد ما قبلها هي مناسبة اتحاد الغرض، بعد استيفاء ما تخلل واعترض. ومن بديع المناسبة وفائق التفنن في ضروب الانتقالات في المخاطبات أن كانت العلل التي قرن بها الأمر بعبادة الله تعالى في قوله: {أية : يأيها الناس اعبدوا ربكم}تفسير : [البقرة: 21] الخ هي العلل التي قرن بها إنكار ضد العبادة وهو الكفر به تعالى في قوله هنا: {كيف تكفرون بالله} فقال فيما تقدم: {أية : الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون}تفسير : [البقرة: 21] {أية : الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء}تفسير : [البقرة: 22] الآية وقال هنا: {أية : وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء}تفسير : [البقرة: 29] وكان ذلك مبدأ التخلص إلى ما سيرد من بيان ابتداء إنشاء نوع الإنسان وتكوينه وأطواره. فالخطاب في قوله: {تكفرون} متعين رجوعه إلى (الناس) وهم المشركون لأن اليهود لم يكفروا بالله ولا أنكروا الإحياء الثاني. و(كيف) اسم لا يعرف اشتقاقه يدل على حالة خاصة وهي التي يقال لها الكيفية نسبة إلى كيف ويتضمن معنى السؤال في أكثر موارد استعماله فلدلالته على الحالة كان في عداد الأسماء لأنه أفاد معنى في نفسه إلا أن المعنى الاسمي الذي دل عليه لما كان معنى مبهماً شابه معنى الحرف فلما أشربوه معنى الاستفهام قوي شبهه بالحروف لكنه لا يخرج عن خصائص الأسماء فلذلك لا بد له من محلِّ إعراب، وأكثر استعماله اسمُ استفهام فيعرب إعراب الحال. ويستفهم بكيف عن الحال العامة. والاستفهام هنا مستعمل في التعجيب والإنكار بقرينة قوله: {وكنتم أمواتاً} الخ أي أن كفركم مع تلك الحالة شأنه أن يكون منتفياً لا تركن إليه النفس الرشيدة لوجود ما يصرف عنه وهو الأحوال المذكورة بعْدُ فكان من شأنه أن يُنكر فالإنكار متولد من معنى الاستفهام ولذلك فاستعماله فيهما من إرادة لازم اللفظ، وكأن المنكر يريد أن يقطع معذرة المخاطب فيظهر له أنه يتطلب منه الجواب بما يُظهر السبب فيُبطل الإنكار والعجَب حتى إذا لم يبد ذلك كان حقيقاً باللوم والوعيد. والكفر بضم الكاف مصدر سماعي لكَفَر الثلاثي القاصر وأصله جَحْد المنعَم عليه نعمةَ المنْعِم، اشتق من مادة الكَفر بفتح الكاف وهو الحَجب والتغطية لأن جاحد النعمة قد أخفى الاعتراف بها كما أن شاكرها أعلنها. وضده الشكر ولذلك صيغ له مصدر على وزان الشُّكر وقالوا أيضاً كفران على وزن شُكران، ثم أطلق الكفر في القرآن على الإشراك بالله في العبادة بناء على أنه أشد صور كفر النعمة إذ الذي يترك عبادة من أنعم عليه في وقت من الأوقات قد كفر نعمته في تلك الساعة إذ توجَّهَ بالشكر لغير المنعِم وتركَ المنعِم حين عزمه على التوجه بالشكر ولأن عزم نفسه على مداومة ذلك استمرار في عقد القلب على كفر النعمة وإن لم يتفطن لذلك، فكان أكثرُ إطلاق الكفر بصيغة المصدر في القرآن على الإشراك بالله ولم يَرد الكفر بصيغة المصدر في القرآن لغير معنى الإشراك بالله. وقل ورود فعل الكفر أو وصف الكافر في القرآن لجحد رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وذلك حيث تكون قرينة على إرادة ذلك كقوله: {أية : ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين}تفسير : [البقرة: 105] وقولِه: {أية : ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}تفسير : [المائدة: 44] يريد اليهود. وأما إطلاقه في السنة وفي كلام أئمة المسلمين فهو الاعتقاد الذي يخرج معتقده عن الإسلام وما يدل على ذلك الاعتقاد من قول أو فعل دلالة لا تحتمل غير ذلك. وقد ورد إطلاق الكفر في كلام الرسول عليه السلام وكلام بعض السلف على ارتكاب جريمة عظيمة في الإسلام إطلاقاً على وجه التغليظ بالتشبيه المفيد لتشنيع ارتكاب ما هو من الأفعال المباحة عند أهل الكفر ولكن بعض فرق المسلمين يتشبثون بظاهر ذلك الإطلاق فيقضون بالكفر على مرتكب الكبائر ولا يلتفتون إلى ما يعارض ذلك في إطلاقات كلام الله ورسوله. وفرق المسلمين يختلفون في أن ارتكاب بعض الأعمال المنهي عنها يدخل في ماهية الكفر وفي أن إثبات بعض الصفات لله تعالى أو نفي بعض الصفات عنه تعالى داخل في ماهية الكفر على مذاهب شتى. ومذهب أهل الحق من السلف والخلف أنه لا يكفر أحد من المسلمين بذنب أو ذنوب من الكبائر فقد ارتكبت الذنوب الكبائر في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء فلم يعاملوا المجرمين معاملة المرتدين عن الدين، والقول بتكفير العصاة خطر على الدين لأنه يؤول إلى انحلال جامعة الإسلام ويهون على المذنب الانسلاخ من الإسلام منشداً «أنا الغريق فما خوفي من البلل». ولا يكفر أحد بإثبات صفة لله لا تنافي كماله ولا نفي صفة عنه ليس في نفيها نقصان لجلاله فإن كثيراً من الفرق نفوا صفات ما قصدوا بنفيها إلا إجلالاً لله تعالى وربما أفرطوا في ذلك كما نفى المعتزلة صفات المعاني وجواز رؤية الله تعالى، وكثير من الفرق أثبتوا صفات ما قصدوا من إثباتها إلا احترام ظواهر كلامه تعالى كما أثبت بعض السلف اليد والإصبع مع جزمهم بأن الله لا يشبه الحوادث. والإيمان ذكر معناه عند قوله تعالى: {أية : الذين يؤمنون بالغيب}تفسير : [البقرة: 3]. وقوله: {وكنتم أمواتاً فأحياكم} جملة حالية وهي تخلص إلى بيان ما دلت عليه (كيف) بطريق الإجمال وبيان أولى الدلائل على وجوده وقدرته وهي ما يشعر به كل أحد من أنه وجد بعد عدم. ولقد دل قوله تعالى: {وكنتم أمواتاً فأحياكم} أن هذا الإيجاد على حال بديع وهو أن الإنسان كان مركب أشياء موصوفاً بالموت أي لا حياة فيه إذ كان قد أخذ من العناصر المتفرقة في الهواء والأرض فجمعت في الغذاء وهو موجود ثانٍ ميت ثم استخلصت منه الأمزجة من الدم وغيره وهي ميتة، ثم استخلص منه النطفتان للذكر والأنثى، ثم امتزج فصار علقة ثم مضغة كل هذه أطوار أولية لوجود الإنسان وهي موجودات ميتة ثم بثت فيه الحياة بنفخ الروح فأخذ في الحياة إلى وقت الوضع فما بعده، وكان من حقهم أن يكتفوا به دليلاً على انفراده تعالى بالإلٰهية. وإطلاق الأموات هنا مجاز شائع بناء على أن الموت هو عدم اتصاف الجسم بالحياة سواء كان متصفاً بها من قبل كما هو الإطلاق المشهور في العرف أم لم يكن متصفاً بها إذا كان من شأنه أن يتصف بها فعلى هذا يقال للحيوان في أول تكوينه نطفة وعلقة ومضغة ميت لأنه من شأنه أن يتصف بالحياة فيكون إطلاق الأموات في هذه الآية عليهم حين كانوا غير متصفين بالحياة إطلاقاً شائعاً والمقصود به التمهيد لقوله: {فأحياكم} ثم التمهيد والتقريب لقوله: {ثم يميتكم ثم يحييكم}. وقال كثير من أئمة اللغة الموت انعدام الحياة بعد وجودها وهو مختار الزمخشري والسكاكي وهو الظاهر، وعليه فإطلاق الأموات عليهم في الحالة السابقة على حلول الحياة استعارة. واتفق الجميع على أنه إطلاق شائع في القرآن فإن لم يكن حقيقة فهو مجاز مشهور قد ساوى الحقيقة وزال الاختلاف. والحياة ضد الموت، وهي في نظر الشرع نفخ الروح في الجسم. وقد تعسر تعريف الحياة أو تعريف دوامها على الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين تعريفاً حقيقياً بالحد، وأوضح تعاريفها بالرسم أنها قوة ينشأ عنها الحس والحركة وأنها مشروطة باعتدال المزاج والأعضاء الرئيسية التي بها تدوم الدورة الدموية، والمراد بالمزاج التركيب الخاص المناسب مناسبة تليق بنوع ما من المركبات العنصرية وذلك التركيب يحصل من تعادل قوى وأجزاء بحسب ما اقتضته حالة الشيء المركب مع انبثاث الروح الحيواني، فباعتدال ذلك التركيب يكون النوع معتدلاً ولكل صنف من ذلك النوع مزاج يخصه بزيادة تركيب، ولكل شخص من الصنف مزاج يخصه ويتكون ذلك المزاج على النظام الخاص تنبعث الحياة في ذي المزاج في إبان نفخ الروح فيه وهي المعبر عنها بالروح النفساني. وقد أشار إلى هذا التكوين حديث الترمذي عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه المَلك فينفخ فيه الروح»تفسير : فأشار إلى حالات التكوين التي بها صار المزاج مزاجاً مناسباً حتى انبعثت فيه الحياة، ثم بدوام انتظام ذلك المزاج تدوم الحياة وباختلاله تزول الحياة، وذلك الاختلال هو المعبر عنه بالفساد، ومن أعظم الاختلال فيه اختلال الروح الحيواني وهو الدم إذا اختلت دورته فعرض له فساد، وبعروض حالة توقف عمل المزاج وتعطل آثاره يصير الحي شبيهاً بالميت كحالة المغمى عليه وحالة العضو المفلوج، فإذا انقطع عمل المزاج فذلك الموت. فالموت عدم والحياة ملكة وكلاهما موجود مخلوق قال تعالى: {أية : الذي خلق الموت والحياة} تفسير : في سورة الملك (2). وليس المقصود من قوله: {وكنتم أمواتاً فأحياكم} الامتنان بل هو استدلال محض ذكر شيئاً يعده الناس نعمة وشيئاً لا يعدونه نعمة وهو الموتتان فلا يشكل وقوع قوله: {أمواتاً} وقوله: {ثم يميتكم} في سياق الآية. وأما قوله: {ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} فذلك تفريع عن الاستدلال وليس هو بدليل إذ المشركون ينكرون الحياة الآخرة فهو إدماج وتعليم وليس باستدلال، أو يكون ما قام من الدلائل على أن هناك حياة ثانية قد قام مقام العلم بها وإن لم يحصل العلم فإن كل من علم وجود الخالق العدل الحكيم ورأى الناس لا يجْرُون على مقتضى أوامره ونواهيه فيرى المفسد في الأرض في نعمة والصالح في عناء علم أن عدل الله وحكمته ما كان ليُضيع عمل عامل وأن هنالك حياة أحكم وأعدل من هذه الحياة تكون أحوال الناس فيها على قدر استحقاقهم وسمو حقائقهم. وقوله: {ثم إليه ترجعون} أي يكون رجوعكم إليه، شُبِّه الحضور للحساب برجوع السائر إلى منزله باعتبار أن الله خلق الخلق فكأنهم صَدروا من حضرته فإذا أحياهم بعد الموت فكأنهم أرجعَهم إليه وهذا إثبات للحشر والجزاء. وتقديم المتعلِّق على عامله مفيد القصر وهو قصر حقيقي سيق للمخاطَبين لإفادتهم ذلك إذ كانوا منكرين ذلك وفيه تأييس لهم من نفع أصنامهم إياهم إذ كان المشركون يحاجون المسلمين بأنه إن كان بعث وحشر فسيجدون الآلهة ينصرونهم. و{تُرجَعون}بضم التاء وفتح الجيم في قراءة الجمهور، وقرأهُ يعقوب بفتح التاء وكسر الجيم والقراءة الأولى على اعتبار أن الله أرجعهم وإن كانوا كارهين لأنهم أنكروا البعث والقراءة الثانية باعتبار وقوع الرجوع منهم بقطع النظر عن الاختيار أو الجبر.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 28- إن حالكم تثير العجب! كيف تكفرون ولا توجد شبهة تعتمدون عليها فى كفركم؟ ونظرة إلى حالكم تأبى هذا الكفر ولا تدع لكم عذراً فيه، فقد كنتم أمواتاً فخلقكم الله ووهبكم الحياة وحسن التقويم، ثم هو الذى يعيدكم أمواتاً عند انتهاء أجلكم، ثم يبعثكم أحياء مرة أخرى للحساب والعقاب ثم إليه - لا إلى غيره - تعودون فيحاسبكم ويجازيكم على أعمالكم. 29- وإن الله الذى تجب عبادته وإطاعته هو الذى تفضل عليكم فخلق لمنفعتكم وفائدتكم كل النعم الموجودة فى الأرض، ثم قد توجهت إرادته مع خلقه الأرض بمنافعها إلى السماء فجعل منها سبع سموات منتظمات فيها ما ترون وما لا ترون، والله محيط بكل شئ عالم به. 30- بيَّن - سبحانه - أنه هو الذى أحيا الإنسان ومكَّن له فى الأرض، ثم بيَّن بعد ذلك أصل تكوين الإنسان وما أودع فيه من علم الأشياء وذكره به، فاذكر يا محمد نعمة أخرى من نعم ربك على الإنسان، وهى أنه قال لملائكته: إنى جاعل فى الأرض من أُمكِّنه منها وأجعله صاحبَ سلطان فيها وهو آدم وذريته، استخلفهم الله فى عمارة الأرض. واذكر قول الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها بالمعاصى، ومن يسفك الدماء بالعدوان والقتل لما فى طبيعته من شهوات، بينما نحن ننزهك عما لا يليق بعظمتك، ونظهر ذكرك ونمجِّدك؟ فأجابهم ربهم: إنى أعلم ما لم تعلموا من المصلحة فى ذلك. 31- وبعد أن خلق الله آدم وعلَّمه أسماء الأشياء وخواصَّها ليتمكن فى الأرض وينتفع بها، عرض الله هذه الأشياء على الملائكة وقال لهم: أخبرونى بأسماء هذه الأشياء وخواصها إن كنتم صدقتم فى ظنكم أنكم أحق بخلافة الأرض ولا يوجد أفضل منكم بسبب طاعتكم وعبادتكم. 32- وقد ظهر للملائكة عجزهم فقالوا: إننا ننزهك يا ربَّنا التنزيه اللائق بك، ونقر بعجزنا وعدم اعتراضنا، فلا علم عندنا إلا ما وهبتنا إياه، وأنت العالم بكل شئ، الحكيم فى كل أمر تفعله.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: كيف تكفرون بالله: الإستفهام هنا للتعجب مع التقريع والتوبيخ. لعدم وجود مقتض للكفر. وكنتم أمواتاً فأحياكم: هذا برهان على بطلان كفرهم، إذ كيف يكفر العبد ربه وهو الذي خلقه بعد أن لم يك شيئا. ثم يميتكم ثم يحييكم: إن إماتة الحي وإحياء الميت كلاهما دال على وجود الرب تعالى وقدرته. ثم إليه ترجعون: يريد بعد الحياة الثانية وهو البعث الآخر. خلق لكم ما في الأرض جميعا: أي أوجد ما أوجده من خيرات الأرض كل ذلك لأجلكم كي تنتفعوا به في حياتكم. ثم استوى إلى السماء: علا وارتفع قهرا لها فكونها سبع سماوات. فسواهن: أتمّ خلقهن سبع سماوات تامات. وهو بكل شيء عليم: إخبار بإحاطة علمه تعالى بكل شيء، وتدليل على قدرته وعلمه ووجوب عبادته. معنى الآيتين: ما زال الخطاب مع الكافرين الذين سبق وصفهم بأخس الصفات وأسوأ الأحوال حيث قال لهم على طريقة الالتفات موبخاً مقرعاً، {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ} الآية. وذكر من أدلة وُجوده وكرمه. ما يصبح الكفر به من أقبح الأمور وصاحبه من أحط الخلائق وأسوأهم حالا ومآلا. فمن أدلة وجوده الإحياء بعد الموت والإِماتة بعد الإِحياء ومن أدلة كرمه وقدرته أن خلق الناس في الأرض جميعا لتوقف حياتهم عليه وخلق السماوات السبع، وهو مع ذلك كله علمه محيط بكل شيء سبحانه لا إله إلا هو ولا رب سواه. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- إنكار الكفر بالله تعالى. 2- إقامة البرهان على وجود الله وقدرته ورحمته. 3- حلّية كل ما في الأرض من مطاعم ومشارب وملابس ومراكب إلا ما حرمه الدليل الخاص من الكتاب أو السنة لقوله: {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}.
القطان
تفسير : يقوم الاسلام على أصول ثلاثة هي: توحيد الله بالعبادة، والإقرار برسالة سيدنا محمد، والايمان بالبعث والنشور. هذه هي أصول الدين عند الله، بعث بها كلَّ نبي، وطلبها في كل كتاب، وأرسل محمداً عليه الصلاة والسلام يجدّدها في القلوب ويحييها في النفوس. والعبادة الكاملة هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. على هذا درج القرآن يوقظ العقول، وينبّه الناس الى هذه الأصول، فهو يُوجّه الأنظار على الدوام الى الأدلة الكونية الدالة على حقيقة الدعوة، واستبعاد ان يكفر انسان ذو عقل بها بعد ثبوتها في الأنفس والآفاق: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ..} إن حالكم تثير العجب! كيف تكفرون أيها المشركون والجاحدون ولا توجد شبهة تعتمدون عليها في كفركم؟ إنكم لو نظرتم في أنفسكم، وعرفتم كيف كنتم والى إين سترجعون، لأفقتم من غفلتكم هذه. لقد كنتم أمواتا في حالة العدم، فخلقكم الله ووهبكم هذه الحياة جاعلاً إياكم في أحسن تقويم. ثم انه تعالى يعيدكم أمواتا، ثم يعيدكم أحياء للحساب والجزاء يوم القيامة، إنّكم إليه لا الى غيره تعودون. ثم بيّن الله في الآية للناس نعمة أخرى مترتبةً على خلْقهم وايجادهم، وهي أنه هو الذي تفضل على الخَلق فخلَق لمنفعتهم كل هذه النعم الموجودة في الارض، توجهت ارادته الى السماء فجعل منها سبع سماوات منتظمات، فيها ما ترون أيها الناس وما لا ترون، والله محيط بكل شيء. ولكلمة "استوى" عدة معانٍ، فيقال: استوى الشيء أي اعتدل، وسوّيت الشيءَ فاستوى عدلته فاعتدل، واستوى الطعام نضح، والعود استقام، والرجل انتهى شبابه وبلغ أشُدَّه واستقام أمره. واستوى على دابّته استقر، وعلى سرير الملك جلس واستولى عليه، واستوى الى الشيء قصد. يصح أن يراد بِـ"سَبْع سماواتٍ" الطبقات المختلفة لما يحيط بالارضِ. وذلك ان الله تعالى بعد ان أكمل تكوين الأرض ودبّت الحياة على سطحها ـ كيَّف سبحانه جَوَّ الارض المحيط بها بما يلائم هذه الحياة ويحفظها من أهوال الفضاء. وهكذا كانت طبقات الجو المختلفة، ودوائر التأمين في الفراغ الكوني الذي يحدثنا العلم عن بعضها. والحق ان هذه الطبقات لم تُعرف الا من جديد، ولا يزال علم الفلك حتى الآن في طفولته، فأنى لمحمد ان يعلم هذه الأمور إلا من الله العليّ الحكيم! لقد بعثه بالحق وأنزل عليه الوحي وعلّمه بالقرآن ما لم يكن يعلم.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَمْوَاتاً} {فَأَحْيَاكُمْ} (28) - يُنْكِرُ اللُه تَعَالَى عَلَى النَّاسِ كُفْرَهُمْ بِهِ وَبِقُدْرَتِهِ، كَمَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ إِنْكَارَهُمْ عَلَيهِ أَنْ يَبْعَثَ مِنْهُمْ رَسُولاً يَدْعُوهُمْ إِلى عِبَادَتِهِ تَعَالى، مَعَ أَنَّ نَظْرَةً وَاحِدَةً إِلى أَنْفُسِهِمْ، وَإِلَى مَا حَوْلَهُمْ فِي الكَوْنِ، تَكْفِي لِحَمْلِهِمْ عَلَى الإِقْلاَعِ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الكُفْرِ، فَقَدْ كَانُوا أَمْواتاً فِي أَصْلابِ آبَائِهِمْ فَأَحْيَاهُمُ اللهُ، وَأَخْرَجَهُمْ إِلى الحَيَاةِ وَالوُجُودِ فِي أَحْسَنِ خَلْقٍ وَتَكْوِينٍ، ثُمَّ يُمِيتُهُمْ مَوْتَةَ الحَقِّ التِي فَرَضَها عَلى جَميعِ خَلْقِهِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَبْعَثُهُمْ وَيُحْيِيهِمْ مَرَّةً أُخْرى يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يُرْجَعُونَ إِليهِ لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كلمة "كيف" في اللغة للسؤال عن الحال، والحق سبحانه وتعالى أوردها في هذه الآية الكريمة ليس بغرض الاستفهام، ولكن لطلب تفسير أمر عجيب ما كان يجب أن يحدث. وبعد كل ما رواه الحق سبحانه وتعالى في آيات سابقة من أدلة دامغة عن خلق السماوات والأرض وخلق الناس .. أدلة لا يستطيع أحد أن ينكرها أو يخطئها .. فكيف بعد هذه الأدلة الواضحة تكفرون بالله؟ .. كفركم لا حجة لكم فيه ولا منطق .. والسؤال يكون مرة للتوبيخ .. كأن تقول لرجل: كيف تسبُّ أباك؟ أو للتعجب من شيء قد فعله وما كان يجب أن يفعله، وكلاهما متلاقيان، سواء أكان القصد التوبيخ أو التعجب، فالقصد واحد. فهذا ما كان يجب أن يحدث منك. ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى بأدلة أخرى لا يستطيع أحد أن ينكرها أو يكذِّب بها، فيقول جل جلاله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ..} [البقرة: 28]. وهكذا ينتقل الكلام إلى أصل الحياة والموت، فبعد أن بَيَّنَ الحق سبحانه وتعالى ماذا يفعل الكافرون والفاسقون والمنافقون من إفساد في الأرض .. وقَطْع لما أمر الله سبحانه وتعالى به أن يوصل .. صعد الجدل إلى حديث عن الحياة والموت. وقوله تعالى "كنتم أمواتاً فأحياكم" قضية لا تحتمل الجدل .. ربما استطاعوا المجادلة في مسألة عدم اتباع المنهج، أو قطع ما أمر الله به أن يوصل. ولكن قضية الحياة والموت لا يمكن لأحد أن يجادل فيها، فالله سبحانه وتعالى خلقنا من عدم، ولم يدع أحد قط أنه خلق الناس أو خلق نفسه، وعندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للناس إن الذي خلقكم هو الله .. لم يستطع أحد أن يكذِّبه ولن يستطيع .. ذلك أننا كنا فعلاً غير موجودين في الدنيا، والله سبحانه وتعالى هو الذي أوجدنا وأعطانا الحياة. وقوله تعالى: "ثم يميتكم" .. فإن أحداً لا يشك في أنه سيموت .. الموت مُقَّدر على الناس جميعاً، والخلق من العدم واقع بالدليل، والموت واقع بالحس والمشاهدة. إن قضية الموت هي سبيلنا لمواجهة أي ملحد، فإن قالوا إن العقل كافٍ لإدارة الحياة، وأنه لا يوجد شيء اسمه غيب .. نقول: الذي يتحكم في الخلق إيجاداً، هو الذي يتحكم فيه موتاً .. والحياة الدنيا هي مرحلة بين قوسين: القوس الأول هو أن الله يخلقنا ويوجدنا .. وتمضي رحلة الحياة إلى القوس الثاني .. الذي تخمد فيه بشريتنا وتتوقف حياتنا، وهو الموت. أي: أننا في رحلة الحياة من الله وإليه. إذن: فحركة الحياة الدنيا هي بداية من الله بالخلق، ونهاية بالموت. إنهم عندما تحدثوا عن أطفال الأنابيب، وهي عملية لعلاج العقم أكثر من أي شيء آخر، ولكنهم صوروها تصويراً جاهلياً، وكل ما يحدث أنهم يأخذون بويضة من رحم الأم التي يكون المهبل عندها مسدوداً، أو لا يسمح بالتلقيح الطبيعي .. يأخذون هذه البويضة من رحم الأم، ويُخصِّبونها بالحيوانات المنوية للزوج، ثم يزرعونها في رحم الأم. إنهم أخذوا من خلق الله وهي بويضة الأم والحيوان المنوي من الرجل، وكل ما يفعلونه هو عملية التلقيح، ومع ذلك يسمونه أطفال الأنابيب .. كأن الأنبوبة يمكن أن تخلق طفلاً!! والحقيقة غير ذلك، فبويضة الأم، والحيوان المنوي للرجل هما من خلق الله، وهم لم يخلقوا شيئاً .. إننا نقول لهم: إذا كنتم تملكون الموت والحياة فامنعوا إنساناً واحداً أن يموت بدلاً من إنفاق ألوف الجنيهات في معالجة عقم قد ينجح أو لا ينجح .. ابقوا واحداً على قيد الحياة .. ولن يستطيعوا. إن الموت أمر حسي مشاهد، ولذلك فمن رحمة الله بالعقل البشري بالنسبة للأحداث الغيبية أن الله سبحانه وتعالى قرَّبها لنا بشيء مشاهد .. كيف؟ عندما ينظر الإنسان إلى نفسه وهو حي .. لا يعرف كيف أحياه الله وكيف خلقه .. الله سبحانه وتعالى ذكر لنا غيب الخلق في القرآن الكريم، فقال جل جلاله إنه خلق الإنسان من تراب ومن طين، ومن حمأ مسنون، ثم نفخ فيه من روحه.. واقرأ قول الحق سبحانه: {أية : إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ ٱلْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ..} تفسير : [الحج: 5]. وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ} تفسير : [المؤمنون: 12]. وقوله تعالى: {أية : إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ} تفسير : [الصافات: 11]. وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} تفسير : [الحجر: 26]. وقوله تعالى: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [ص: 72]. فالحق تبارك وتعالى أخبرنا عن مرحلة في الخلق لم نشهدها، ولكن الموت شيء مشهود لنا جميعاً .. وما دام مشهوداً لنا، يأتي الحق سبحانه وتعالى به كدليل على مراحل الخلق التي لم نشهدها .. فالموت نَقْصٌ للحياة، والحياة أخبرنا الله تبارك وتعالى بأطوارها، ولكنها غيب لم نشهده. ولكن الذي خلق قال: أنا خلقتك من تراب .. من طين. من حمأ مسنون. من صلصال كالفخار .. فالماء وضع على تراب فأصبح طيناً .. والطين تركناه فتغير لونه وأصبح صلصالا .. الصلصال .. جف فأصبح حمأ مسنونا، ثم نحته في صورة إنسان ونفخ الحق سبحانه وتعالى فيه الروح فأصبح بشراً .. ثم يأتي الموت وهو نقض للحياة، ونقض كل شيء يأتي على عكس بنائه. بناء العمارة يبدأ من أسفل إلى أعلى، وهدمها يبدأ من أعلى إلى أسفل .. ولذلك فإن آخر مرحلة من رحلة ما .. هي أول خطوة في طريق العودة، فإذا كنت مسافراً إلى الإسكندرية .. فأول مكان في طريق العودة هو آخر مكان وصلت إليه. أول شيء يخرج من الجسد هو الروح وهو آخر ما دخل فيه .. ثم بعد ذلك يتصلب الجسد ويصبح كالحمأ المسنون، ثم يتعفن فيصبح كالصلصال، ثم يتبخر الماء الذي فيه فيعود تراباً .. وهكذا يكون الموت نقض صورة الحياة .. متفقاً مع المراحل التي بينها لنا الحق سبحانه وتعالى. وقوله تعالى: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] .. أي: أن الله تبارك وتعالى يبعثكم ليحاسبكم .. لقد حاول الكفار والملحدون وأصحاب الفلسفة المادية أن ينكروا قضية البعث .. وهم في هذا لم يأتوا بجديد، بل جاءوا بالكلام نفسه الذي قاله أصحاب الجاهلية الأولى .. واقرأ قوله تعالى عما يقوله أصحاب الجاهلية الأولى: {أية : وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا ٱلدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلاَّ ٱلدَّهْرُ ..} تفسير : [الجاثية: 24]. وأمنية الكافر والمسرف على نفسه ألا يكون هناك بعث أو حساب، والذين يتعجبون من ذلك نقول لهم: أن الله سبحانه وتعالى الذي أوجدكم من عدم يستطيع أن يعيدكم وقد كنتم موجودين .. يقول جل جلاله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَبْدَؤُاْ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ ٱلْمَثَلُ ٱلأَعْلَىٰ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [الروم: 27]. فإيجاد ما كان موجوداً أسهل من الإيجاد من عدم على غير مثال موجود، والله سبحانه وتعالى يرد على الكفار فيقول سبحانه: {أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا ٱلَّذِيۤ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يس: 78-79]. وهكذا، فإن البعث أهون على الله من بداية الخلق، وكل شيء مكتوب عند الله سبحانه وتعالى في كتاب مبين .. وما أخذته الأرض من جسد الإنسان ترده يوم القيامة ليعود من جديد. وخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الإنسان .. واقرأ قوله تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [غافر: 57]. وقول الله سبحانه وتعالى: {ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 28] .. هو اطمئنان لمَنْ آمن .. وما دمنا إليه نرجع ومنه بدأنا. فالحياة بدايتها من الله ونهايتها إلى الله، فلنجعلها هي نفسها لله .. ولابد أن نلتفت إلى أن الله تبارك وتعالى أخفى عنا الموت زماناً ومكاناً وسبباً وعمراً .. لم يخفه ليحجبه، وإنما أخفاه حتى نتوقعه في كل لحظة .. وهذا إعلام واسع بالموت حتى يسرع الناس إلى العمل الصالح، وإلى المثوبة. لأنه لا يوجد عمر متيقن في الدنيا .. فلا الصغير آمن على عمره، ولا الشاب آمن على عمره، ولا الكهل آمن على عمره .. ولذلك يجب أن يسارع كل منا في الخيرات حتى لا يفاجئه الموت، فيموت وهو عاصٍ.. ونلاحظ أن قصة الحياة جاء الله بها في آية واحدة. والرجوع إلى الله - وهو يقين بالنسبة للمؤمنين - يلزمهم بالمنهج، فيعيشون من حلال. والتزامهم هذا هو الذي يقودهم إلى طريق الجنة. ويطمئنهم على أولادهم بعد أن يرحل الآباء من الدنيا. فعمل الرجل الصالح ينعكس على أولاده من بعده. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: أية : وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً} تفسير : [النساء: 9]. إذن: فصاحب الالتزام بالمنهج، يطمئن إلى لقاء ربه ويطمئن إلى جزائه، والذي لا يؤمن بالآخرة أخذ من الله الحياة فأفناها فيما لا ينفع. ثم بعد ذلك لا يجد شيئاً إلا الحساب والنار .. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ} تفسير : [النور: 39]. أي أن الكافر سيفاجأ في الآخرة بالله الذي لم يكن في باله أنه سيحاسبه على ما فعل .. وقوله تعالى "إليه ترجعون" تُقْرأُ قراءتين. بضمِّ على التاء. ومرة بفتحها. الأولى معناها. أننا نُجْبَرُ على الرجوع، فلا يكون الرجوع إلى الله تعالى بإرادتنا، وهذا ينطبق على الكفار الذين يتمنون عدم الرجوع إلى الله، أما الثانية "ترجعون" فهذه فيها إرادة. وهي تنطبق على المؤمنين لأنهم يتمنون الرجوع إلى الله.
الأندلسي
تفسير : {كَيْفَ} استفهام عن حال وهو استفهام توبيخ وتعجب وإنكار حال وقع فيها الفعل إنكار للفعل نفسه. تقول: كيف تؤذي زيداً وقد أحسن إليك. فالمعنى على إنكار اذايته في هذه الحال. و{تَكْفُرُونَ} التفات إذ هو خطاب بعد غيبة وناسب الانكار لأن الانكار على المخاطب أبلغ من الانكار على الغائب ولعل الانكار لا يصل إليه. {وَكُنْتُمْ} جملة حالية ومجيىء الماضي حالاً بالواو دون قد في القرآن وكلام العرب كثير. وقال الزمخشري: فإِن قلت: كيف صح أن يكون حالاً وهو ماضٍ ولا يقال جئت وقام القوم ولكن جئت وقد قام القوم إلا أن تضمر قد؟ قلت: لم تدخل الواو على كنتم أمواتاً وحده ولكن على جملة. قوله: كنتم أمواتاً إلى ترجعون، كأنه قيل: كيف تكفرون بالله وقصتكم هذه وحالكم أنك كنتم أمواتاً نطفاً في أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء. {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} بعد هذه الحياة. {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} بعد الموت ثم يحاسبكم. "انتهى". وهذا الذي قدره حالاً من تصديره بجملة اسمية وإضمار أنكم خبراً لمبتدأ تلك الجملة تركيب غير محتاج إليه فقد ذكرنا وقوع الماضي حالاً بالواو دون قد وأنه كثير وإنما أحوجه إلى تقدير الحال جملة إسمية اعتقادان جميع الجمل مندرجة في الحال ولذلك قال البعض: القصة ماض وبعضها مستقبل والماضي والمستقبل كلاهما لا يصح أن يكون حالاً حتى يكون فعلاً حاضراً وقت وجود ما هو حال عنه فما الحاضر الذي وقع حالاً. قلت: هو العلم بالقصة كأنه قيل: كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة وبأولها وآخرها. "انتهى". ولا يتعين أن تكون جميع الجمل مندرجة في الحال ولا سيما قوله: {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فإِنهم منكرون. البعث، والحساب وهو عندهم في حيّز المستحيل عقلاً أو عادة والتصريح بذلك موجود عندهم في غير آية من القرآن بل الحال قوله: {وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ} ويكون المعنى: كيف تكفرون بالله وقد خلقكم. فعبر عن الخلق بذلك كقوله عليه السلام: حديث : ان تجعل لله نداً وقد خلقكتفسير : . أي أن من أوجدك بعد العدم الصرف حر أن لا تكفر به ولما كان مركوزاً في الطباع وفي العقول ان لا خالق إلا الله كانت حاله تقتضي أن لا يجامع الكفر فلا يحتاج إلى تكلف ان الحال هو العلم بهذه الجملة وعلى هذا الذي شرحناه يكون قوله تعالى: {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} إلى آخره جملاً أخبر الله تعالى بها مستأنفة لا داخلة تحت الحال ولذلك غاير فيها بحرف العطف وبصيغة الفعل ما قبلها من الحرف والصيغة والتعبير عن العدم الصرف بالموت مجاز وللمفسرين هنا والمنسوبين إلى علم الحقائق أقوال اخترنا منها هذا القول وهو اختيار ابن عطية. واختار الزمخشري أن الموت الأول كونهم نطفاً في أصلاب آبائهم ثم إليه أي إلى جزائه. وقرىء ترجعون مبنياً للفاعل ومبنياً للمفعول لازماً ومتعدياً. ولما ذكر تعالى هذه الأطوار التي جعلها لهم ذكر امتنانه عليهم. فقال: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ} أي لأجلكم. {مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} عام فمنه للاعتبار ومنه للإنتفاع الدنيوي. ثم ذكر تعالى عظيم قدرته في العالم العلوي وأنه والعالم السفلي بالنسبة إلى قدرته على السواء وإن علمه محيط بكل شيء. وثم تقتضي التراخي في الزمان ولا زمان ولما كان بين خلق الأرض والسماء أعمال من جعل الرواسيْ والسَمْكِ وتقدير الأقوات عطف بثم إذ بين خلق الأرض وما فيها وبين الاستواء تراخ وإن لم يقع ذلك في زمان. والاستواء مجاز عن تعلق قدرته بما يفعل بالسماء وضمّن معنى عَمَدَ فلذلك عدي بإِلى والسماء جمع سماوة أو اسم جنس والتسوية جعلهن سواء بالنسبة إلى سطوحها واملاسها. والضمير في "سوّاهن" عائد على السماء وانتصب سبع سموات على الحال أو على البدل من الضمير وقال الزمخشري: والضمير في سوّاهن ضمير مبهم وسبع سموات تفسيره كقولهم ربّه رجلاً. "انتهى". مفهوم كلامه أن هذا الضمير يعود على ما بعده وهو مفسّر به فهو عائد على غير متقدم الذكر والمواضع التي يفسر فيها الضمير بما بعده ليس هذا منها وكونه يعود على ما بعده يكون الكلام مفلتاً مما قبله ويصير أخباراً بجملتين إحداهما أنه استوى إلى السماء والأخرى سوّى سبع سموات. وتقدم الربط بين الجملتين والظاهر أن الذي استوى إليه هو المسوّى سبع سموات وجعل سوي بمعنى صير فينتصب سبع على أنه مفعول ثان غير معروف في اللغة وإعراب سبع على أنه مفعول سوي والتقدير فسوى منها غير مستقيم لا لفظاً ولا معنى وناسب مقطع هذه "الآية" بالوصف بمبالغة العلم لما تقدم من الأفعال التي فعلها الله تعالى في العالم السفلي والعالم العلوي ثم ذكر تعالى فبدأ عالم الانسان وحاله. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ} والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والناصب لإِذ قالوا أتجعل أي وقت قول الله للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا} كما تقول إذ جئتني أكرمتك أي وقت مجيئك أكرمتك وللمفسرين والمعربين في العامل في إذ ثمانية أقوال تنزه القرآن عنها والملك ميمه أصلية وجمعه على ملائكة أو ملائك شاذ واشتقاقه من الملك وهو القوة وكأنهم توهموا أنه فعّال. وقيل: الميم زائدة من لاك إذا أرسل قالوا ملاك فخفف بحذف الهمزة ونقل حركتها إلى اللام وقيل من الالوكة وهي الرسالة فاصلة مالك ثم قلب فصار ملاك ثم نقل وحذفت الهمزة فوزنه فعل وقيل من لاك الشيء إدارة في فيه وهو مفعل كمعاد ثم قذفت العين فوزنه مفكْ وهمزها في ملائكة شاذ كهمز مصائب والتاء في الملائكة لتأنيث الجمع وإسناد القول إلى ربك في غاية من المناسبة وفيه خروج من الخطاب العام في قوله: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ} إلى الخطاب الخاص في قوله: {رَبُّكَ} وفي الخطاب هو لاستماع ما يذكر بعده من غريب افتتاح هذا العالم الإِنساني وشيء من أحواله ومآله وإشارة إلى الخطاب الأعظم من الجملة المخبر بها إذ هو عليه السلام أعظم خلفائه والخليفة فعيلة بمعنى الفاعل والهاء للمبالغة وقيل بمعنى المفعول كالنطيحة والهاء للمبالغة واللام في الملائكة للتبليغ. والجعل الظاهر أنه الخلق وقيل التصيير ويقال سفك وسفّك مضعفاً وأسفك ومضارع سفك يسفك ويسفك بكسر الفاء وضمها والسفك الصب. والدماء جمع دم محذوف اللام ووزنه فعيل وقيل فعل وقصره وتضعيفه مسموع. والتقديس التطهير والتسبيح التنزيه والبراءة من السوء. وقرىء خليقة بالقاف والظاهر عموم الملائكة وقيل الذين كانوا يسكنون الأرض وعموم الأرض وقيل أرض مكة وذكروا في قول الله للملائكة ما قال اموراً لا تقطع بصحتها ولله سبحانه وتعالى أن يخاطب من شاء بما شاء وإن خفيت الحكمة. ولما كانت الملائكة لا تعلم الغيب ولا تسبق بالقول لم يكن قولهم أتجعل فيها "الآية" إلا عن نبأ سابق ومقدمة لم تذكر في القرآن فنعّلمها قيل وهو استفهام على معنى التعجب من استخلاف الله من يعصيه وقيل على طريق الاكبار للاستخلاف والعصيان ولما كان قول الملائكة مع عصمتهم ظاهرة الاعتراض تأول العلماء جوابهم على وجوه أحسنها عندي أنهم كانوا حين القول لهم فجملين وإبليس مندرج في جملتهم فورد منهم الجواب مجملاً فلما انفصل إبليس عن جملتهم بآبائه واستكباره انفصل الجواب إلى نوعين فنوع الاعتراض كان عن إبليس وأنواع التقديس والتسبيح كان عن الملائكة فانقسم الجواب إلى قسمين كانقسام الجنس إلى نوعين وناسب كل جواب من ظهر عنه وقرىء ويسفك بضم الياء ويسفك بشد الفاء وقرىء ويسفك بنصب الكاف على جواب الاستفهام. وقال ابن عطية: النصب بواو الصرف. "انتهى". وليس ذلك من مذاهب البصريين ولما كانت صلة من يفسد وهو مضارع مثبت فلا يدل على التعميم في الفساد نصوا على أعظم الفساد وهو سفك الدماء إذ هو إفساد للهياكل الجسمانية التي خلقها الله وتكرر فيها تنبيهاً على أن ما كان محلاً للعبادة لا يكون محلاً للفساد والباء في {بِحَمْدِكَ} للحال أي ملتبسين بحمدك. {وَنُقَدِّسُ لَكَ} قيل: أي نطهر أنفسنا لك من الادناس. وقيل: اللام زائدة. وقيل: مقوية للفعل. وأعلم مضارع وما موصولة وكون ما نكرة موصوفة وكون أعلم أفعل التفضيل أي أعلم منكم وما منصوب بفعل محذوف أو اعلم بمعنى عالم وما مجرور بالاضافة أو منصوب باعلم وهو لا يتصرف أقوال لا يناسب أن {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} إبهام تعرض المفسرون لتعيينه بأقوال مضطربة والأحسن أن يفسر بما أخبر به تعالى في قوله تعالى: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} "الآية". {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} قيل هنا جملة محذوفة يتم بها المعنى ويصحح لعطف وتقديرها فجعل في الأرض خليفة وسماه آدم ولما كان محذوفاً مع الجملة أبرزه في قوله: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ}، ونص عليه منوعاً باسمه ومبيّناً من فضله ما لم يكن معلوماً عند الملائكة. وعلم منقول من علم التي تتعدى إلى واحد بالتضعيف فتعدت إلى اثنين والمنقولة بالهمزة من علم التي تتعدى إلى اثنين فتعدت إلى ثلاثة فرقوا بينهما قال الأستاذ أبو علي: وآدم فاعل ان كنا نزن الأعجمية كآزر وعابر منع الصرف للعلمية والعجمة ودعوى الاشتقاق في ألفاظ العجم من ألفاظ العرب غير صواب والظاهر أن الله تعالى علمه لا بواسطة ملك ولا إلهام. وقرىء وعلم مبنياً للمفعول والتأكيد بكلها يدل على العموم في الأسماء ولا يدل على التعليم بجميع اللغات ولا على عرض المسميات عليه وقدروا أسماء المسميات فحذفت المسميات. (قال) الزمخشري: وعوض منه اللام كقوله: واشتعل الرأس شيباً. "انتهى". وتقدم أن اللام عوض من الاضافة ليس مذهب البصريين وعلى تقدير ذلك لا يصح هنا لأن اللام عند من جعلها عوضاً انما يكون المعوض عنه المضاف إليه ضمير وهنا لم يقدروه إلا إسماً ظاهراً فلا يجوز لا على رأس بصري ولا كوفي وقدروا أيضاً مسميات الأسماء ولا يظهر لقوله تعالى: {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ}. {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} الضمير عائد على غير مصرح بذكره بل دل عليه ما قبله إذ معلوم أن الأسماء لها مسميات ودلت ثم على تراخ بين التعليم والعرض ليتقرر التعليم في قلبه ويتحقق ثم يستخبره عما تحقق، كما قال تعالى: {أية : لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} تفسير : [القيامة: 16]. فقال أنبئوني أعقب العرض بهذا القول للملائكة ولما لم يتقدمهم تعليم لم يخبروا ولما تقدم. لآدم أخبر أظهاراً لعنايته السابقة له منه تعالى وهم في عرضهم تدل على العقلاء أو يكون فيهم غير العقلاء فغلب العقلاء وقرىء فعرضها وفعرضهن والجيد أن يكون ضمير المسميات فتتفق القراءات وظاهر {عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ} العموم وقيل: الملائكة الذين كانوا في الأرض مع إبليس بأسماء هؤلاء يدل على حضور أشخاص حالة العرض على الملائكة و{أَنْبِئُونِي} أمر تعجيز لا تكليف وقرىء أنبؤني بضم الباء بلا همز. {إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} أَي مصيبين. عبر عن الاصابة بالصدق كما يعبر عن الخطأ بالكذب، ومتعلق الاصابة كونهم قالوا: أتجعل "الآية". وفيها ظهور شفوق على من جعله خليفة فأراهم مما أودع في خليفته شيئاً لم يودعه فيهم وهو العلم وجواب الشرط محذوف تقديره فأنبؤني دل عليه انبؤني وهذا مذهب جمهور البصريين ووهم المهدوي وتبعه ابن عطية فنسبا إلى المبرد أن جواب الشرط محذوف كما قلنا والنقل المحقق عن المبرد ان جواب الشرط في مثل هذا هو انبؤني السابق. وكذلك وهم ابن عطية وغيره فزعما أن مذهب سيبويه جواز تقديم الجواب على الشرط وان قوله: انبؤني المتقدم هو، الجواب وعن القراء في نحو هؤلاء ان مما التقت فيه الهمزتان مكسورتين تحقيقهما وتليين الأولى وتحقيق الثانية وتحقيق الأولى وإبدال الثانية ياء وإسقاط الأولى وتحقيق الثانية وانتصب. {سُبْحَٰنَكَ} على معنى المصدر والعامل فيه واجب الحذف وكونه مبنياً ومنادى مضافاً قولان مرغوب عنهما، والكاف في سبحانك مفعول أضيف إليه سبحانك أي تنزيهك وقيل فاعل أي تنزهت، وقدموا بين يدي الجواب تنزيه الله تعالى اعتذاراً وأدباً منهم في الجواب وإشعاراً بأن ما صدر منهم قبل يمحوه هذا التنزيه لله تعالى، ثم أجابوا بنفي العلم بلفظ لا والنكرة التي تستغرق كل فرد فرد من أنواع العلوم ثم استثنوا من ذلك مما علمهم هو تعالى وهذا غاية في ترك الدعوى والاستسلام التام للمعلم الأول الله تعالى وانظر إلى حسن هذا الجواب قدموا بين يديه تنزيه الله سبحانه وتعالى ثم اعترفوا بالجهل ثم نسبوا العلم لله تعالى واردفوا صفة العلم بصفة الحكمة إذ بان لهم وصف الحكمة في قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} وقدم وصف العلم لأن الذي ظهرت به المزية لآدم هو العلم ولأن الحكمة من آثار العلم. {قَالَ يَآءَادَمُ} ناداه باسمه العلم وكذا نادى أنبياءه يا نوح يا موسى يا داود ونادى محمداً صلى الله عليه وسلم يا أيها الرسول يا أيها النبي فانظر تفاوت ما بين النداءين، وحين خاطب الملائكة قال: أنبؤني، وقال: يا آدم أنبئهم، فجعل من اعترضوا به معلماً لهم ومنبئهم بما تقاصرت عنه علومهم ليظهر بذلك شفوقه عليهم. {فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} بين هذه الجملة والتي قبلها جملة محذوفة والتقدير فأنباهم وقرىء أنبئهم بالهمزة وضم الهاء وبالهمز وكسر الهاء. وأنبهم بإِسقاط الهمزة. وغيب السماوات والأرض هو ما تقاصرت عنه علوم الخلق والهمزة من "الم" للقرير. {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} أي من الطاعات. واعلم مضارع، وما: مفعول فالخلاف فيه كالخلاف في واعلم ما لا تعلمون. {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} من شفوفهم على من يجعله خليفة وفي قوله: وما كنتم تكتمون، دلالة على أن الكتم وقع فيما مضى، وليس المعنى كتمه عن الله لأنهم أعرف بالله واعلم، فلا يكتمون الله شيئاً، وإنما المعنى أنهم هجس في أنفسهم شيء كتمه بعضهم عن بعض والابداء والكتم طباق من علم البديع.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا استفهام بمعنى التعجب والتوبيخ والإنكار، أي: كيف يحصل منكم الكفر بالله; الذي خلقكم من العدم; وأنعم عليكم بأصناف النعم; ثم يميتكم عند استكمال آجالكم; ويجازيكم في القبور; ثم يحييكم بعد البعث والنشور; ثم إليه ترجعون; فيجازيكم الجزاء الأوفى، فإذا كنتم في تصرفه; وتدبيره; وبره; وتحت أوامره الدينية; ومن بعد ذلك تحت دينه الجزائي; أفيليق بكم أن تكفروا به; وهل هذا إلا جهل عظيم وسفه وحماقة؟ بل الذي يليق بكم أن تؤمنوا به وتتقوه وتشكروه وتخافوا عذابه; وترجوا ثوابه.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 9 : 72 - سفين عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله جل وعز {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} قال، هي مثل الآية التي في أول المؤمن {أية : رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا ٱثْنَتَيْنِ}تفسير : [غافر: 11]. [الآية 28].
همام الصنعاني
تفسير : 28- عبدالرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن محمد بن الكلبي، في قوله تعالى: {وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}: [الآية: 28]، قال: كانوا أمواتاً في أصلاب آبائهم، ثم أحياهم، ثم يميتهم، ثم يحييهم حين يبعثهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):