٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو النعمة الثانية التي عمت المكلفين بأسرهم وما أحسن ما رعى الله سبحانه وتعالى هذا الترتيب فإن الانتفاع بالأرض والسماء إنما يكون بعد حصول الحياة فلهذا ذكر الله أمر الحياة أولاً ثم أتبعه بذكر السماء والأرض، أما قوله: {خُلِقَ } فقد مر تفسيره في قوله: {أية : ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ }تفسير : [البقرة:21] وأما قوله: {لَكُمْ } فهو يدل على أن المذكور بعد قوله خلق لأجل انتفاعنا في الدين والدنيا، أما في الدنيا فليصلح أبداننا ولنتقوى به على الطاعات وأما في الدين فللاستدلال بهذه الأشياء والاعتبار بها وجمع بقوله: {مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } جميع المنافع، فمنها ما يتصل بالحيوان والنبات والمعادن والجبال ومنها ما يتصل بضروب الحرف والأمور التي استنبطها العقلاء وبين تعالى أن كل ذلك إنما خلقها كي ينتفع بها كما قال: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الجاثية: 13 ] فكأنه سبحانه وتعالى قال كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم وكيف تكفرون بالله وقد خلق لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً أو يقال كيف تكفرون بقدرة الله على الإعادة وقد أحياكم بعد موتكم ولأنه خلق لكم ما في الأرض جميعاً فكيف يعجز عن إعادتكم ثم إنه تعالى ذكر تفاصيل هذه المنافع في سورة مختلفة كما قال: {أية : أَنَّا صَبَبْنَا ٱلْمَاء صَبّاً } تفسير : [عبس: 25] وقال في أول سورة أتى أمر الله {أية : وَٱلأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا لَكُمْ } تفسير : [النحل: 5] إلى آخره وههنا مسائل: المسألة الأولى: قال أصحابنا: إنه سبحانه وتعالى لا يفعل فعلاً لغرض لأنه لو كان كذلك كان مستكملاً بذلك الغرض والمستكمل بغيره ناقص بذاته وذلك على الله تعالى محال فإن قيل: فعله تعالى معلل بغرض غير عائد إليه بل إلى غيره، قلنا: عود ذلك الغرض إلى ذلك الغير هل هو أولى لله تعالى من عود ذلك الغرض إليه أو ليس أولى؟ فإن كان أولى فهو تعالى قد انتفع بذلك الفعل فيعود المحذور المذكور وإن كان الثاني لم يكن تحصيل ذلك الغرض المذكور لذلك الغير غرضاً لله تعالى فلا يكون مؤثراً فيه. وثانيها: أن من فعل فعلاً لغرض كان عاجزاً عن تحصيل ذلك الغرض إلا بواسطة ذلك الفعل والعجز على الله تعالى محال. وثالثها: أنه تعالى لو فعل فعلاً لغرض لكان ذلك الغرض إن كان قديماً لزم قدم الفعل وإن كان محدثاً كان فعله لذلك الغرض لغرض آخر ويلزم التسلسل وهو محال. ورابعها: أنه تعالى لو كان يفعل لغرض لكان ذلك الغرض هو رعاية مصلحة المكلفين ولو توقفت فاعليته على ذلك لما فعل ما كان مفسدة في حقهم لكنه قد فعل ذلك حيث كلف من علم أنه لا يؤمن ثم إنهم تكلموا في اللام في قوله تعالى: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } وفي قوله: {أية : إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات:56] فقالوا إنه تعالى لما فعل ما لو فعله غيره لكان فعله لذلك الشيء لأجل الغرض لا جرم أطلق الله عليه لفظ الغرض بسبب هذه المشابهة. المسألة الثانية: احتج أهل الإباحة بقوله تعالى: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } على أنه تعالى خلق الكل للكل فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلاً وهو ضعيف لأنه تعالى قابل الكل بالكل، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد، والتعيين يستفاد من دليل منفصل والفقهاء رحمهم الله استدلوا به على أن الأصل في المنافع الإباحة وقد بيناه في أصول الفقه. المسألة الثالثة: قيل إنها تدل على حرمة أكل الطين لأنه تعالى خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض، ولقائل أن يقول في جملة الأرض ما يطلق عليه أنه في الأرض فيكون جمعاً للموضعين، ولا شك أن المعادن داخلة في ذلك وكذلك عروق الأرض وما يجري مجرى بعض لها ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه. المسألة الرابعة: قوله: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } يقتضي أنه لا تصح الحاجة على الله تعالى وإلا لكان قد فعل هذه الأشياء لنفسه أيضاً لا لغيره، وأما قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء } فيه مسائل: المسألة الأولى: الاستواء في كلام العرب قد يكون بمعنى الانتصاب وضده الإعوجاج ولما كان ذلك من صفات الأجسام، فالله تعالى يجب أن يكون منزهاً عن ذلك ولأن في الآية ما يدل على فساده لأن قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَى } يقتضي التراخي ولو كان المراد من هذا الاستواء العلو بالمكان لكان ذلك العلو حاصلاً أولاً ولو كان حاصلاً أولاً لما كان متأخراً عن خلق ما في الأرض لكن قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَى } يقتضي التراخي، ولما ثبت هذا وجب التأويل وتقريره أن الاستواء هو الاستقامة يقال استوى العود إذا قام واعتدل ثم قيل استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلتفت إلى شيء آخر ومنه استعير قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء } أي خلق بعد الأرض السماء ولم يجعل بينهما زماناً ولم يقصد شيئاً آخر بعد خلقه الأرض. المسألة الثانية: قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء } مفسر بقوله: {أية : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ } تفسير : [فصلت: 9، 10] بمعنى تقدير الأرض في يومين وتقدير الأقوات في يومين آخرين كما يقول القائل من الكوفة إلى المدينة عشرون يوماً، وإلى مكة ثلاثون يوماً يريد أن جميع ذلك هو هذا القدر ثم استوى إلى السماء في يومين آخرين ومجموع ذلك ستة أيام على ما قال: {أية : خُلِقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ} تفسير : [الأعراف: 54]. المسألة الثالثة: قال بعض الملحدة هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء وكذا قوله: {أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ } إلى قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء } تفسير : [فصلت:9-10] وقال في سورة النازعات: {أية : أَءنتُمْ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَاء بَنَـٰهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَـٰهَا وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 27 ـ 30] وهذا يقتضي أن يكون خلق الأرض بعد السماء وذكر العلماء في الجواب عنه وجوهاً: أحدها: يجوز أن يكون خلق الأرض قبل خلق السماء إلا أنه ما دحاها حتى خلق السماء لأن التدحية هي البسط ولقائل أن يقول هذا أمر مشكل من وجهين: الأول: أن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية وإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها أيضاً لا محالة متأخراً عن خلق السماء. الثاني: أن قوله تعالى: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء } يدل على أن خلق الأرض وخلق كل ما فيها متقدم على خلق السماء لكن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن إلا إذا كانت مدحوة فهذه الآية تقتضي تقدم كونها مدحوة قبل خلق السماء وحينئذٍ يتحقق التناقض. والجواب: أن قوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 30] يقتضي تقديم خلق السماء على الأرض ولا يقتضي أن تكون تسوية السماء مقدمة على خلق الأرض، وعلى هذا التقدير يزول التناقض، ولقائل أن يقول: قوله تعالى : {أية : أأنتم أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَاء بَنَـٰهَا رَفَعَ رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا } تفسير : [النازعات: 27, 28] يقتضي أن يكون خلق السماء وتسويتها مقدم على تدحية الأرض ولكن تدحية الأرض ملازمة لخلق ذات الأرض فإن ذات السماء وتسويتها متقدمة على ذات الأرض وحينئذٍ يعود السؤال، وثالثها: وهو الجواب الصحيح أن قوله: «ثم» ليس للترتيب ههنا وإنما هو على جهة تعديد النعم، مثاله قول الرجل لغيره: أليس قد أعطيتك النعم العظيمة ثم رفعت قدرك ثم دفعت الخصوم عنك، ولعل بعض ما أخره في الذكر قد تقدم فكذا ههنا والله أعلم. المسألة الرابعة: الضمير في فسواهن ضمير مبهم، وسبع سموات تفسير له كقوله ربة رجلاً وفائدته أن المبهم إذا تبين كان أفخم وأعظم من أن يبين أولاً لأنه إذا أبهم تشوفت النفوس إلى الاطلاع عليه وفي البيان بعد ذلك شفاء لها بعد التشوف، وقيل الضمير راجع إلى السماء، والسماء في معنى الجنس وقيل جمع سماءة، والوجه العربي هو الأول ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وإخلاؤه من العوج والفطور وإتمام خلقهن. المسألة الخامسة: اعلم أن القرآن ههنا قد دل على وجود سبع سموات، وقال أصحاب الهيئة أقربها إلينا كرة القمر، وفوقها كرة عطارد، ثم كرة الزهرة، ثم كرة الشمس. ثم كرة المريخ، ثم كرة المشتري، ثم كرة زحل، قالوا ولا طريق إلى معرفة هذا الترتيب إلا من وجهين: الأول: الستر وذلك أن الكوكب الأسفل إذا مر بين أبصارنا وبين الكوكب الأعلى فإنهما يصيران ككوكب واحد ويتميز الساتر عن المستور بكونه الغالب كحمرة المريخ وصفرة عطارد، وبياض الزهرة، وزرقة المشتري، وكدورة زحل كما أن القدماء وجدوا القمر يكسف الكواكب الستة. وكوكب عطارد يكسف الزهرة، والزهرة تكسف المريخ، وهذا الترتيب على هذا الطريق يدل على كون الشمس فوق القمر لانكسافها به ولكن لا يدل على كونها تحت سائر الكواكب أو فوقها لأنها لا تنكسف بشيء منها لاضمحلال سائر الكواكب عند طلوعها فعند هذا ذكروا طريقين: أحدهما: ذكر بعضهم أنه رأى الزهرة كشامة في صحيفة الشمس، وهذا ضعيف لأن منهم من زعم أن في وجه الشمس شامة كما أن حصل في وجه القمر المحو، الثاني: اختلاف المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة وغير محسوس للمريخ والمشتري وزحل، وأما في حق الشمس فإنه قليل جداً فوجب أن تكون الشمس متوسطة بين القسمين هذا ما قاله الأكثرون إلا أن أبا الريحان قال في «تلخيصه لفصول الفرغاني»: إن اختلاف المنظر لا يحس إلا في القمر فبطلت هذه الوجوه وبقي موضع الشمس مشكوكاً. واعلم أن أصحاب الأرصاد وأرباب الهيئة زعموا أن الأفلاك تسعة، فالسبعة هي هذه التي ذكرناها والفلك الثامن هو الذي حصلت هذه الكواكب الثابتة فيه، وأما الفلك التاسع فهو الفلك الأعظم وهو يتحرك في كل يوم وليلة دورة واحدة بالتقريب، واحتجوا على إثبات الفلك الثامن بأنا وجدنا لهذه الكواكب الثابتة حركات بطيئة وثبت أن الكواكب لا تتحرك إلا بحركة فلكها والأَفلاك الحاملة لهذه السيارات تتحرك حركات سريعة فلا بدّ من جسم آخر يتحرك حركة بطيئة ويكون هو الحامل لهذه الثوابت، وهذه الدلالة ضعيفة من وجوه: أولها: لم لا يجوز أن يقال الكواكب تتحرك بأنفسها من غير أن تكون مركوزة في جسم آخر وهذا الاحتمال لا يفسد إلا بإفساد المختار ودونه خرط القتاد. وثانيها: سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يقال إن هذه الكواكب مركوزة في ممثلات السيارات والسيارات مركوزة في حواملها، وعند ذلك لا يحتاج إلى إثبات الفلك الثامن. وثالثها: لم لا يجوز أن يكون ذلك الفلك تحت فلك القمر فيكون تحت كرات السيارات لا فوقها فإن قيل إنا نرى هذه السيارات تكسف هذه الثوابت والكاسف تحت المكسوف لا محالة قلنا هذه السيارات إنما تكسف الثوابت القريبة من المنطقة فأما الثوابت القريبة من القطبين فلا، فلم لا يجوز أن يقال هذه الثوابت القريبة من المنطقة مركوزة في الفلك الثامن الذي هو فوق كرة زحل وهذه الثوابت القريبة من القطبين التي لا يمكن انكسافها بالسيارات مركوزة في كرة أخرى تحت كرة القمر وهذا الاحتمال لا دافع له، ثم نقول هب أنكم أثبتم هذه الأفلاك التسعة فما الذي دلكم على نفي الفلك العاشر، أقصى ما في الباب أن الرصد ما دل إلا على هذا القدر إلا أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول، والذي يحقق ذلك أنه قال بعض المحققين منهم: إنه ما تبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة أو كرات منطو بعضها على بعض وأقول هذا الاحتمال واقع، لأن الذي يستدل به على وحدة كرة الثوابت ليس إلا أن يقال إن حركاتها متشابهة ومتى كان الأمر كذلك كانت مركوزة في كرة واحدة وكلتا المقدمتين غير يقينيتين. أما الأولى: فلأن حركاتها وإن كانت في الحس واحدة ولكن لعلها لا تكون في الحقيقة واحدة، لأنا لو قدرنا أن واحداً منها يتمم الدورة في ستة وثلاثين ألف سنة. والآخر يتمم الدورة في مثل هذه المدة بنقصان سنة واحدة فإذا وزعنا ذلك النقصان على هذه السنين كان الذي هو حصة السنة الواحدة ثلاثة عشر جزءاً من ألف ومائتي جزء من واحد، وهذا القدر مما لا يحس به بل العشر سنين والمائة والألف مما لا يحس به ألبتة، وإذا كان ذلك محتملاً سقط القطع ألبتة عن استواء حركات الثوابت. وأما الثانية: فلأن استواء حركات الثوابت في مقادير حركاتها لا يوجب كونها بأسرها مركوزة في كرة واحدة لاحتمال كونها مركوزة في كرات متباينة وإن كانت مشتركة في مقادير حركاتها وهذا كما يقولون في ممثلات أكثر الكواكب فإنها في حركاتها مساوية لفلك الثوابت فكذا ههنا. وأقول إن هذا الاحتمال الذي ذكره هذا القائل غير مختص بفلك الثوابت فلعل الجرم المتحرك بالحركة اليومية ليس جرماً واحداً بل أجراماً كثيرة إما مختلفة الحركات لكن بتفاوت قليل لا تفي بإدراكها أعمارنا وأرصادنا وإما متساوية على الإطلاق ولكن تساويها لا يوجب وحدتها، ومن أصحاب الهيئة من قطع بإثبات أفلاك أخر غير هذه التسعة فإن من الناس من أثبت كرة فوق كرة الثوابت وتحت الفلك الأعظم واستدل عليه من وجوه: الأول: أن الراصدين للميل الأعظم وجدوه مختلف المقدار فكل من كان رصده أقدم وجد مقدار الميل أعظم فإن بطليموس وجده «لح يا» ثم وجد في زمان المأمون «كح له» ثم وجد بعد المأمون قد تناقص بدقيقة وذلك يقتضي أن من شأن المنطقتين أن يقل ميلهما تارة ويكثر أخرى وهذا إنما يمكن إذا كان بين كرة الكل وكرة الثوابت كرة أخرى يدور قطباها حول قطبي كرة الكل وتكون كرة الثوابت يدور قطباها حول قطبي تلك الكرة فيعرض لقطبها تارة أن يصير إلى جانب الشمال منخفضاً وتارة إلى جانب الجنوب مرتفعاً فيلزم من ذلك أن ينطبق معدل النهار على منطقة البروج، وأن ينفصل عنه تارة أخرى إلى الجنوب عندما يرتفع قطب فلك الثوابت إلى الجنوب، وتارة إلى الشمال. كما هو الآن. الثاني: أن أصحاب الأرصاد اضطربوا اضطراباً شديداً في مقدار سير الشمس على ما هو مشروح في «كتب النجوم» حتى أن بطليموس حكى عن أبرخيس أنه كان شاكاً في أن هذه العودة تكون في أزمنة متساوية أو مختلفة وأنه يقول في بعض أقاويله: إنها مختلفة، وفي بعضها: إنها متساوية في أن الناس ذكروا في سبب اختلافه قولين: أحدهما: قول من يجعل أوج الشمس متحركاً فإنه زعم أن الاختلاف الذي يلحق حركة الشمس من هذه الجهة يختلف عند نقطة الاعتدال لاختلاف بعدها عن الأوج فيختلف زمان سير الشمس من أجله. الثاني: قول أهل الهند والصين وبابل وأكثر قدماء الروم ومصر والشام: إن السبب فيه انتقال فلك البروج وارتفاع قطبه وانحطاطه، وحكي عن أبرخيس أنه كان يعتقد هذا الرأي وذكر بارياء الإسكندراني أن أصحاب الطلسمات كانوا يعتقدون ذلك وأن نقطة فلك البروج تتقدم عن موضعها وتتأخر ثمان درجات وقالوا إن ابتداء الحركة من «كب» درجة من الحوت إلى أول الحمل واعلم أن هذا الخبط مما ينبهك على أنه لا سبيل للعقول البشرية إلى إدراك هذه الأشياء وأنه لا يحيط بها إلا علم فاطرها وخالقها فوجب الاقتصار فيه على الدلائل السمعية، فإن قال قائل فهل يدل التنصيص على سبع سموات على نفي العدد الزائد؟ قلنا الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد. المسألة السادسة: قوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } يدل على أنه سبحانه وتعالى لا يمكن أن يكون خالقاً للأرض وما فيها وللسموات وما فيها من العجائب والغرائب إلا إذا كان عالماً بها محيطاً بجزئياتها وكلياتها، وذلك يدل على أمور: أحدها: فساد قول الفلاسفة الذين قالوا إنه لا يعلم الجزئيات وصحة قول المتكلمين، و ذلك لأن المتكلمين استدلوا على علم الله تعالى بالجزئيات بأن قالوا: إن الله تعالى فاعل لهذه الأجسام على سبيل الإحكام والإتقان وكل فاعل على هذا الوجه فإن لا بدّ وأن يكون عالماً بما فعله وهذه الدلالة بعينها ذكرها الله تعالى في هذا الموضع لأنه ذكر خلق السموات والأرض ثم فرع على ذلك كونه عالماً، فثبت بهذا أن قول المتكلمين في هذا المذهب وفي هذا الاستدلال مطابق للقرآن. وثانيها: فساد قول المعتزلة وذلك لأنه سبحانه وتعالى بين أن الخالق للشيء على سبيل التقدير والتحديد لا بدّ وأن يكون عالماً به وبتفاصيله لأن خالقه قد خصه بقدر دون قدر والتخصيص بقدر معين لا بدّ وأن يكون بإرادة وإلا فقد حصل الرجحان من غير مرجح والإرادة مشروطة بالعلم فثبت أن خالق الشيء لا بدّ وأن يكون عالماً به على سبيل التفصيل. فلو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بها وبتفاصيلها في العدد والكمية والكيفية فلما لم يحصل هذا العلم علمنا أنه غير موجد نفسه. وثالثها: قالت المعتزلة: إذا جمعت بين هذه الآية وبين قوله: {أية : وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ } تفسير : [يوسف: 76] ظهر أنه تعالى عالم بذاته، والجواب: قوله تعالى: {أية : وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يوسف:76] عام وقوله: {أية : أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } تفسير : [النساء:166] خاص والخاص مقدم على العام. والله تعالى أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} فيه عشر مسائل: الأولى: {خَلَقَ} معناه ٱخترع وأوْجَد بعد العَدَم. وقد يقال في الإنسان: «خَلَق» عند إنشائه شيئاً؛ ومنه قول الشاعر:شعر : مَن كان يَخْلُق ما يقو ل فحِيلَتي فيه قَلِيلَهْ تفسير : وقد تقدّم هذا المعنى. وقال ٱبن كَيْسان: {خَلَقَ لَكُمْ} أي من أجلكم. وقيل: المعنى أن جميع ما في الأرض مُنْعَم به عليكم فهو لكم. وقيل: إنه دليل على التوحيد والاعتبار. قلت: وهذا هو الصحيح على ما نبيّنه. ويجوز أن يكون عنى به ما هم إليه محتاجون من جميع الأشياء. الثانية: ٱستدل من قال إن أصل الأشياء التي يُنتفع بها الإباحة بهذه الآية وما كان مثلها ـ كقوله: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} تفسير : [الجاثية: 13] الآية ـ حتى يقوم الدليل على الحظر. وعَضَدُوا هذا بأن قالوا: إن المآكل الشهية خُلِقت مع إمكان ألا تُخلق فلم تُخلق عبثاً؛ فلا بُدّ لها من منفعة. وتلك المنفعة لا يصح رجوعها إلى الله تعالى لاستغنائه بذاته، فهي راجعة إلينا. ومنفعتنا إمّا في نيل لذّتها، أو في ٱجتنابها لنُختبَر بذلك، أو في ٱعتبارنا بها. ولا يحصل شيء من تلك الأمور إلا بذوقها؛ فلزم أن تكون مباحة. وهذا فاسد؛ لأنّا لا نسلّم لزوم العبث من خلقها إلا لمنفعة، بل خلقها كذلك لأنه لا يجب عليه أصل المنفعة، بل هو الموجب. ولا نسلّم حصر المنفعة فيما ذكروه، ولا حصول بعض تلك المنافع إلا بالذوق، بل قد يُستدلّ على الطعوم بأمور أُخَر كما هو معروف عند الطبائعيين. ثم هو معارَض بما يخاف أن تكون سموماً مهلكة، ومعارضون بشبهات أصحاب الحظر. وتوقّف آخرون وقالوا: ما مِن فعل لا ندرك منه حُسْناً ولا قُبْحاً إلا ويمكن أن يكون حَسَناً في نفسه؛ ولا مُعيِّن قبل ورود الشرع، فتعيّن الوقف إلى ورود الشرع. وهذه الأقاويل الثلاثة للمعتزلة. وقد أطلق الشيخ أبو الحسن وأصحابُه وأكثرُ المالكية والصَّيرفِيُّ في هذه المسألة القول بالوقف. ومعناه عندهم أن لا حكم فيها في تلك الحال، وأن للشرع إذا جاء أن يحكم بما شاء، وأن العقل لا يحكم بوجوبٍ ولا غيره، وإنما حَظُّه تَعَرُّف الأمور على ما هي عليه. قال ٱبن عطية: وحكى ٱبن فُورَك عن ابن الصائغ أنه قال: لم يَخْلُ العقل قطُّ من السمع، ولا نازلة إلا وفيها سَمْع، أوْلها تعلّق به، أو لها حالٌ تُستصحَب. قال: فينبغي أن يُعتمد على هذا، ويغني عن النظر في حظر وإباحة ووقف. الثالثة: الصحيح في معنى قوله تعالى: {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ} الاعتبار. يدلّ عليه ما قبله وما بعده من نصب العِبَر: الإحياء والإماتة والخلق والاستواء إلى السماء وتسويتها؛ أي الذي قَدَر على إحيائكم وخَلْقِكم وخلقِ السّموات والأرض، لا تبعد منه القدرة على الإعادة. فإن قيل: إن معنى «لكم» الانتفاع؛ أي لتنتفعوا بجميع ذلك؛ قلنا: المراد بالانتفاع الاعتبار لمَا ذكرنا. فإن قيل: وأي ٱعتبار في العقارب والحيّات؛ قلنا: قد يتذكّر الإنسان ببعض ما يرى من المؤذيات ما أعدّ الله للكفار في النار من العقوبات فيكون سبباً للإيمان وترك المعاصي؛ وذلك أعظم الاعتبار. قال ٱبن العربيّ: وليس في الإخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظراً ولا إباحةً ولا وقفاً؛ وإنما جاء ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه ليستدل بها على وحدانيته. وقال أرباب المعاني في قوله: {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} لتتقَوَّوْا به على طاعته، لا لتصرفوه في وجوه معصيته. وقال أبو عثمان: وَهَبَ لك الكلَّ وسخّره لك لتستدلّ به على سَعة جُوده، وتَسْكُن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد، ولا تستكثر كثير بِرّه على قليل عملك؛ فقد ٱبتدأك بعظيم النّعم قبل العمل وهو التوحيد. الرابعة: روى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. "حديث : أن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يُعْطِيَه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما عندي شيء ولكن ٱبتع عليّ فإذا جاء شيء قضينا» فقال له عمر: هذا أعطيت إذا كان عندك فما كلفك الله ما لا تقدر. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر؛ فقال رجل من الأنصار: يا رسول: الله أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعُرف السرور في وجهه لقول الأنصاري. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بذلك أمرت»"تفسير : . قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فخوف الإقلال من سوء الظن بالله؛ لأن الله تعالى خلق الأرض بما فيها لولد آدم؛ وقال في تنزيله: {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}، {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} تفسير : [الجاثية: 13]. فهذه الأشياء كلها مسخّرة للآدمي قَطْعاً لعذره وحجة عليه، ليكون له عبداً كما خلقه عبداً؛ فإذا كان العبد حسن الظن بالله لم يخف الإقلال لأنه يخلف عليه؛ كما قال تعالى: {أية : وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} تفسير : [سبأ: 39] وقال: {أية : فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ}تفسير : [النمل: 40]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قال الله تعالى: «سَبقتْ رحمتي غضبي يٱبن آدم أَنْفِق أُنْفِق عليك يَمينُ الله ملأى سَحًّا لاَ يغيضها شيءٌ الليلَ والنهارَ»»تفسير : . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من يوم يُصبح العبادُ فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللّهُمَّ أَعْطِ مُنْفقاً خَلَفاً ويقول الآخر اللَّهُمَّ أَعْط مُمْسكاً تَلَفاً»تفسير : . وكذا في المساء عند الغروب يناديان أيضاً؛ وهذا كله صحيح رواه الأئمة والحمد لله. فمن ٱستنار صدره، وعلم غنى ربّه وكرمه أنفق ولم يخف الإقلال؛ وكذلك من ماتت شهواته عن الدنيا وٱجتزأ باليسير من القوت المقيم لمهجته، وٱنقطعت مشيئته لنفسه؛ فهذا يعطي من يُسره وعسره ولا يخاف إقلالاً. وإنما يخاف الإقلال من له مشيئة في الأشياء؛ فإذا أعطى اليوم وله غداً مشيئة في شيء خاف ألا يصيب غداً، فيضيّق عليه الأمر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله. روى مسلم "حديث : عن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ٱنْفَحِي أو ٱنْضَحِي أو أنفقي ولا تُحصِي فيُحصِيَ الله عليكِ ولا تُوعِي فيُوعِي الله عليك»»تفسير : . وروى النسائي "حديث : عن عائشة قالت: دخل عليّ سائل مرة وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرت له بشيء ثم دعوت به فنظرت إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما تريدين ألا يدخل بيتك شيء ولا يخرج إلا بعلمك» قلت: نعم؛ قال: «مَهْلاً يا عائشة لا تُحْصي فيُحصي الله عزّ وجلّ عليك»»تفسير : الخامسة: قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ} «ثم» لترتيب الإخبار لا لترتيب الأمر في نفسه. والاستواء في اللغة: الارتفاع والعلوّ على الشيء؛ قال الله تعالى: {أية : فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ} تفسير : [المؤمنون: 28]، وقال {أية : لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ}تفسير : [الزخرف: 13]، وقال الشاعر:شعر : فأوردتهم ماء بفَيْفاء قَفرة وقد حلّق النجم اليمانيّ فٱستوى تفسير : أي ٱرتفع وعلا، وٱستوت الشمس على رأسي وٱستوت الطير على قِمّة رأسي، بمعنى علا. وهذه الآية من المشكلات، والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة أوجه، قال بعضهم: نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها؛ وذهب إليه كثير من الأئمة، وهذا كما روي عن مالك رحمه الله أن رجلاً سأله عن قوله تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ}تفسير : [طه: 5] قال مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وأراك رجل سَوْء! أخرجوه. وقال بعضهم: نقرؤها ونفسّرها على ما يحتمله ظاهر اللغة. وهذا قول المشبّهة. وقال بعضهم: نقرؤها ونتأوّلها ونُحيل حَمْلها على ظاهرها. وقال الفرّاء في قوله عزّ وجلّ: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ} قال: الاستواء في كلام العرب على وجهين، أحدهما: أن يَسْتَوِي الرجل وينتهي شبابه وقوته، أو يستوي عن ٱعوجاج. فهذان وجهان. ووجه ثالث أن تقول: كان فلان مقبلاً على فلان ثم ٱستوى عليّ وإليّ يشاتمني. على معنى أقبل إليّ وعليّ. فهذا معنى قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} والله أعلم. قال وقد قال ٱبن عباس: ثم ٱستوى إلى السماء صعِد. وهذا كقولك: كان قاعداً فٱستوى قائماً، وكان قائماً فاستوى قاعداً؛ وكل ذلك في كلام العرب جائز. وقال البيهقي أبو بكر أحمد بن عليّ بن الحسين: قوله: «ٱستوى» بمعنى أقبل صحيح، لأن الإقبال هو القصد إلى خلق السماء؛ والقصد هو الإرادة، وذلك جائز في صفات الله تعالى. ولفظة «ثم» تتعلق بالخلق لا بالإرادة. وأما ما حكي عن ٱبن عباس فإنما أخذه عن تفسير الكلبيّ، والكلبيّ ضعيف. وقال سفيان بن عُيينة وٱبن كَيسان في قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ}: قصد إليها، أي بخلقه وٱختراعه، فهذا قول. وقيل: على دون تكييف ولا تحديد؛ وٱختاره الطبري. ويُذكر عن أبي العالية الرّياحيّ في هذه الآية أنه يقال: ٱستوى بمعنى أنه ٱرتفع. قال البيهقي: ومراده من ذلك ـ والله أعلم ـ ٱرتفاع أمره، وهو بخار الماء الذي وقع منه خلق السماء. وقيل: إن المستوى الدخان. وقال ٱبن عطية: وهذا يأباه وصف الكلام. وقيل: المعنى ٱستولى؛ كما قال الشاعر:شعر : قد ٱسْتَوَى بِشْرٌ على العِراق مِن غيرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراق تفسير : قال ٱبن عطية: وهذا إنما يجيء في قوله تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ} تفسير : [طه:5]. قلت: قد تقدّم في قول الفرّاء عليّ وإليّ بمعنىً. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في سورة «الأعراف» إن شاء الله تعالى. والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع الحركة والنقلة. السادسة: يظهر من هذه الآية أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء؛ وكذلك في «حم السجدة». وقال في النازعات: {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا} تفسير : [النازعات: 27] فوصف خلقها؛ ثم قال: {وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30]. فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض؛ وقال تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ} تفسير : [الأنعام: 1] وهذا قول قتادة: إن السماء خلقت أوّلاً؛ حكاه عنه الطبريّ. وقال مجاهد وغيره من المفسرين: إنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه، فجعله أرضاً وثار منه دخان فٱرتفع؛ فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل خلق السماء، ثم قصد أمره إلى السماء فسوّاهنّ سبع سموات، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وكانت إذ خلقها غير مَدْحُوّة. قلت: وقول قتادة يخرج على وجه صحيح إن شاء الله تعالى، وهو أن الله تعالى خلق أوّلاً دخان السماء ثم خلق الأرض، ثم ٱستوى إلى السماء وهي دخان فسوّاها، ثم دحا الأرض بعد ذلك. ومما يدل على أن الدخان خلق أوّلاً قبل الأرض ما رواه السُّدِّي عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ٱبن عباس، وعن مُرّة الهَمْدانيّ عن ٱبن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عزّ وجلّ: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} قال: إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئاً قبل الماء؛ فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخاناً فٱرتفع فوق الماء، فسَما عليه، فسمّاه سماء؛ ثم أيبس الماء فجعله أرضاً واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين، في الأحد والاثنين. فجعل الأرض على حُوت ـ والحُوت هو النُّون الذي ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن بقوله: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ} تفسير : [القلم:1] والحوت في الماء و (الماء) على صَفاة، والصفاة على ظهر ملَك، والملَك على الصخرة، والصخرة في الريح ـ وهي الصخرة التي ذكر لقمان: ليست في السماء ولا في الأرض - فتحرّك الحوت فٱضطرب؛ فتزلزلت الأرض؛ فأرسل عليها الجبال فقرّت؛ فالجبال تفخر على الأرض، وذلك قوله تعالى: {أية : وَأَلْقَىٰ فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ}تفسير : [النحل: 15] وخلق الجبال فيها، وأقوات أهلها وشجرها، وما ينبغي لها في يومين، في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول: {أية : قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ}تفسير : [فصلت: 9 ـ 10] يقول: من سأل فهكذا الأمر، {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} تفسير : [فصلت: 12] وكان ذلك الدخان من تنفّس الماء حين تنفّس؛ فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين، في الخميس والجمعة؛ وإنما سُمّي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض، {أية : وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا}تفسير : [فصلت: 12] قال: خلق في كل سماء خَلْقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البَرَد وما لا يُعلم؛ ثم زَيّن السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زِينة وحِفْظاً تحفظ من الشياطين. فلما فرغ من خلق ما أحب ٱستوى على العرش؛ قال فذلك حين يقول: {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}تفسير : [الحديد: 4] ويقول: {أية : كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} تفسير : [الأنبياء: 30] وذكر القصة في خلق آدم عليه السلام؛ على ما يأتي بيانه في هذه السورة إن شاء الله تعالى. وروى وَكِيع عن الأعمش عن أبي ظَبْيان عن ٱبن عباس قال: إن أوّل ما خلق الله عز وجل من شيء «القلم» فقال له ٱكتب. فقال: يا ربّ وما أكتب؟ قال: ٱكتب القَدَر. فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة. قال: ثم خلق النُّونَ فدحا الأرض عليها، فٱرتفع بخار الماء ففتق منه السموات؛ وٱضطرب النُّونُ فمادت الأرض فأُثبت بالجبال؛ فإن الجبال تَفْخَر على الأرض إلى يوم القيامة. ففي هذه الرواية خلق الأرض قبل ٱرتفاع بخار الماء الذي هو الدخان؛ خلاف الرواية الأولى. والرواية الأولى عنه وعن غيره أوْلَى؛ لقوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا} تفسير : [النازعات: 30] والله أعلم بما فعل؛ فقد ٱختلفت فيه الأقاويل، وليس للاجتهاد فيه مدخل. وذكر أبو نعيم عن كعب الأحبار أن إبليس تغلغل إلى الحُوت الذي على ظهره الأرض كلها، فألقى في قلبه، فقال: هل تدري ما على ظهرك يا لوثيا من الأمم والشجر والدواب والناس والجبال! لو نفضتَهم ألقيتَهم عن ظهرك أجمع. قال: فهمّ لوثيا بفعل ذلك؛ فبعث الله دابة فدخلت في منخره؛ فعجّ إلى الله منها فخرجت. قال كعب: والذي نفسي بيده، إنه لينظر إليها بين يديه وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت حيث كانت. السابعة: أصل خلق الأشياء كلّها من الماء لما رواه ٱبن ماجه في سننه، وأبو حاتم البُسْتِيّ في صحيح مسنده "حديث : عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول الله، إذا رأيتك طابت نفسي وقرّت عيني، أنبِئْني عن كل شيء. قال: «كل شيء خُلق من الماء» فقلت: أخبرني عن شيء إذا عملتُ به دخلتُ الجنة. قال: «أطعِم الطعام وأفِش السّلام وصِلِ الأرحام وقُم الليل والناسُ نيام تدخل الجنة بسلام»"تفسير : . قال أبو حاتم قولُ أبي هريرة: «حديث : أنبِئْني عن كل شيء» تفسير : أراد به عن كل شيء خُلق من الماء. والدليل على صحة هذا جواب المصطفى عليه السلام إياه حيث قال: «حديث : كل شيء خلق من الماء» تفسير : وإن لم يكن مخلوقاً. وروى سعيد بن جُبير "حديث : عن ٱبن عباس أنه كان يحدّث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أوّل شيء خلقه الله القَلم وأمره فكتب كلّ شيء يكون»»تفسير : . ويروى ذلك أيضاً عن عُبَادة بن الصّامت مرفوعاً. قال البيهقي: وإنما أراد ـ والله أعلم ـ أوّل شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش «القلم». وذلك بين في حديث عِمران بن حُصين؛ «حديث : ثم خلق السموات والأرض»تفسير : . وذكر عبد الرزاق بن عمر بن حبيب المكي عن حُميد بن قيس الأعرج عن طاوس قال: جاء رجل إلى عبد اللَّه بن عمرو بن العاص فسأله: مِمّ خُلق الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب. قال الرجل: فمِمّ خُلق هؤلاء؟ قال: لا أدري. قال: ثم أتى الرجل عبد اللَّه بن الزبير فسأله؛ فقال مثل قول عبد اللَّه بن عمرو. قال: فأتى الرجلُ عبدَ اللَّه بن عباس فسأله؛ فقال: مِمّ خُلق الخلق؟ قال: من الماء والنور والظلمة والريح والتراب. قال الرجل: فمِمّ خلق هؤلاء؟ فتلا عبد اللَّه ابن عباس: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ}تفسير : [الجاثية: 13] فقال الرجل: ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال البيهقي: أراد أن مصدر الجميع منه، أي من خلقه وإبداعه وٱختراعه. خلق الماء أوّلاً، أو الماء وما شاء من خلقه، لا عن أصل ولا على مثال سبق، ثم جعله أصلاً لما خلق بعدُ؛ فهو المبدع وهو البارىء لا إلٰه غيره ولا خالق سواه، سبحانه جلّ وعزّ. الثامنة: قوله تعالى: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} ذكر تعالى أن السموات سبع. ولم يأت للأرض في التنزيل عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ}تفسير : [الطلاق: 12] وقد ٱختلف فيه؛ فقيل: ومن الأرض مثلهن أي في العدد؛ لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والأخبار؛ فتعيّن العدد. وقيل: {أية : وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 12] أي في غلظهن وما بينهنّ. وقيل: هي سبع إلا أنه لم يفتق بعضها من بعض؛ قاله الدّاوُدِي. والصحيح الأوّل؛ وأنها سبع كالسموات سبع. روى مسلم عن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : من أخذ شبراً من الأرض ظُلْماً طُوِّقه إلى سبع أرضين»تفسير : . وعن عائشة رضي الله عنها مثله، إلا أن فيه «من» بدل «إلى». ومن حديث أبي هريرة: «حديث : لا يأخذ أحدٌ شبراً من الأرض بغير حقّه إلا طَوّقه الله إلى سبع أرضين (يوم القيامة)»تفسير : . وروى النسائي عن أبي سعيد الخُدْرِي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال موسى عليه السلام: يا ربّ علّمني شيئاً أذكرك به وأدعوك به قال يا موسى قل لا إلٰه إلا الله قال موسى يا ربّ كل عبادك يقول هذا قال قل لا إلٰه إلا الله قال لا إلٰه إلا أنت إنما أريد شيئاً تخصّني به قال يا موسى: لو أنَّ السموات السّبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كِفّة ولا إلٰه إلا الله في كِفّة مالت بهنّ لا إلٰه إلا الله»تفسير : . وروى الترمذيّ عن أبي هريرة قال: "حديث : بينما نبيّ الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب؛ فقال نبيّ الله صلى الله عليه وسلم: «هل تدرون ما هذا» فقالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: «هذا العَنان هذه روايا الأرض يسوقه الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدْعونه ـ قال ـ هل تدرون ما فوقكم» قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: «فإنها الرَّقيع سقفٌ محفوظ ومَوْج مكفوف ـ ثم قال ـ هل تدرون كم بينكم وبينها» قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: «بينكم وبينها (مسيرة) خمسمائة عام ـ ثم قال: ـ هل تدرون ما فوق ذلك» قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: «(فإن فوق ذلك) سماءين بُعْدُ ما بينهما (مسيرة) خمسمائة سنة» ثم قال كذلك حتى عدّ سبع سموات ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض. ثم قال: «هل تدرون ما فوق ذلك» قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال «فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بُعْدُ ما بين السماءين ـ ثم قال: ـ هل تدرون ما الذي تحتكم» قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: «فإنها الأرض ـ ثم قال: ـ هل تدرون ما تحت ذلك» قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: «فإن تحتها الأرض الأخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة» حتى عدّ سبع أرضين، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة؛ ثم قال: «والذي نفس محمد بيده لو أنكم دُليتم بحبل إلى الأرض السُّفلى لهبط على الله ـ ثم قرأ ـ {هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلآخِرُ وَٱلظَّاهِرُ وَٱلْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}»»تفسير : . قال أبو عيسى: قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية تدل على أنه أراد: لهبط على عِلْم الله وقدرته وسلطانه، (علم الله وقدرته وسلطانه) في كل مكان وهو على عرشه كما وصف نفسه في كتابه. قال: هذا حديث غريب، والحسن لم يسمع من أبي هريرة. والآثار بأن الأرضين سبع كثيرة؛ وفيما ذكرنا كفاية. وقد روى أبو الضُّحى ـ وٱسمه مسلم ـ عن ٱبن عباس أنه قال: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق:12] قال: سبع أرضين في كل أرض نبيّ كنبيّكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى. قال البيهقي: إسناد هذا عن ٱبن عباس صحيح، وهو شاذّ بمرّة لا أعلم لأبي الضُّحَا عليه دليلا؛ والله أعلم. التاسعة: قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ} ٱبتداء وخبر. «ما» في موضع نصب. {جَمِيعاً} عند سيبويه نصب على الحال. {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ} أهل نَجْد يُميلون ليدّلوا على أنه من ذوات الياء، وأهل الحجاز يفخّمون. {سَبْعَ} منصوب على البدل من الهاء والنون؛ أي فسوّى سبع سموات. ويجوز أن يكون مفعولا على تقدير يسوّي بينهنّ سبع سموات؛ كما قال الله جل وعز: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً} تفسير : [الأعراف:155] أي من قومه؛ قاله النحاس. وقال الأخفش: ٱنتصب على الحال. {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} ٱبتداء وخبر. والأصل في «هو» تحريك الهاء، والإسكان ٱستخفاف. والسماء تكون واحدة مؤنّثة؛ مثل عَنان، وتذكيرها شاذّ؛ وتكون جمعا لسماوة في قول الأخفش، وسماءة في قول الزجاج، وجمع الجمع سماوات وسماءات. فجاء «سوّاهنّ» إما على أن السماء جمع وإمّا على أنها مفرد ٱسم جنس. ومعنى سواهنّ سوّى سطوحهنّ بالإملاس. وقيل: جعلهنّ سواء. العاشرة: قوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي بما خلق، وهو خالق كل شيء؛ فوجب أن يكون عالماً بكل شيء؛ وقد قال: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}تفسير : [الملك: 14] فهو العالم والعليم بجميع المعلومات بعلم قديم أزلي واحد قائم بذاته؛ ووافقنا المعتزلة على العالمية دون العلمية. وقالت الجَهْمِيّة: عالم بلا علم قائم لا في محل، تعالى الله عن قول أهل الزَّيْغ والضلالات؛ والردّ على هؤلاء في كتب الديانات. وقد وصف نفسه سبحانه بالعلم فقال: {أية : أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ يَشْهَدُونَ}تفسير : [النساء: 166]، وقال: {أية : فَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّمَآ أُنزِلِ بِعِلْمِ ٱللَّهِ} تفسير : [هود: 14]، وقال: {أية : فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} تفسير : [الأعراف: 7]، وقال:{أية : وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} تفسير : [فاطر: 11]، وقال: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام: 59] الآية. وسندلّ على ثبوت علمه وسائر صفاته في هذه السورة عند قوله: {أية : يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ}تفسير : [البقرة: 185] إن شاء الله تعالى. وقرأ الكسائي وقالُون عن نافع بإسكان الهاء مِن: هو وهي، إذا كان قبلها فاء أو واو أو لام أو ثُمّ؛ وكذلك فعل أبو عمرو إلا مع ثُمّ. وزاد أبو عَوْن عن الحُلْوانيّ عن قالُون إسكان الهاء من {أَن يُمِلَّ هُوَ}، والباقون بالتحريك.
البيضاوي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} بيان نعمة أخرى مرتبة على الأولى، فإنها خلقهم أحياء قادرين مرة بعد أخرى، وهذه خلق ما يتوقف عليه بقاؤهم وتم به معاشهم. ومعنى {لَكُمْ } لأجلكم وانتفاعكم في دنياكم باستنفاعكم بها في مصالح أبدانكم بوسط أو بغير وسط، ودينكم بالاستدلال والاعتبار والتعرف لما يلائمها من لذات الآخرة وآلامها، لا على وجه الغرض، فإن الفاعل لغرض مستكمل به، بل على أنه كالغرض من حيث إنه عاقبة الفعل ومؤداه وهو يقتضي إباحة الأشياء النافعة، ولا يمنع اختصاص بعضها ببعض لأسباب عارضة، فإنه يدل على أن الكل للكل لا أن كل واحد لكل واحد. وما يعم كل ما في الأرض، إلا إذا أريد بها جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو. وجميعاً: حال من الموصول الثاني. {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاءِ} قصد إليها بإرادته، من قولهم استوى إليه كالسهم المرسل، إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء. وأصل الاستواء طلب السواء، وإطلاقه على الاعتدال لما فيه من تسوية وضع الأجزاء، ولا يمكن حمله عليه لأنه من خواص الأجسام وقيل استوى أي: استولى ومَلَكَ، قال:شعر : قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ على العِرَاق مِنْ غَير سَيْفٍ ودَمٍ مُهْرَاقِ تفسير : والأول أوفق للأصل والصلة المعدى بها والتسوية المترتبة عليه بالفاء، والمراد بالسماء هذه الأجرام العلوية، أو جهات العلو، و {ثُمَّ } لعله لتفاوت ما بين الخلقين وفضل خلق السماء على خلق الأرض كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ}تفسير : [البلد: 17] لا للتراخي في الوقت، فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا }تفسير : [النازعات: 30] فإنه يدل على تأخر دحو الأرض المتقدم على خلق ما فيها عن خلق السماء وتسويتها، إلا أن تستأنف بدحاها مقدراً لنصب الأرض فعلاً آخر دل عليه {أية : أَاَنتم أَشَدُّ خَلْقاً} تفسير : [النازعات: 27] مثل تعرف الأرض وتدبر أمرها بعد ذلك لكنه خلاف الظاهر. {فَسَوَّاهُنَّ} عدلهن وخلقهن مصونة من العوج والفطور. و{هُنَّ } ضمير السماء إن فسرت بالأجرام لأنه جمع. أو هو في معنى الجمع، وإلا فمبهم يفسره ما بعده كقولهم: ربه رجلاً. {سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } بدل أو تفسير. فإن قيل: أليس إن أصحاب الأرصاد أثبتوا تسعة أفلاك؟ قلت: فيما ذكروه شكوك، وإن صح فليس في الآية نفي الزائد مع أنه إن ضم إليها العرش والكرسي لم يبق خلاف. {وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } فيه تعليل كأنه قال: ولكونه عالماً بكنه الأشياء كلها، خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع، واستدلال بأن من كان فعله على هذا النسق العجيب، والترتيب الأنيق كان عليماً، فإن إتقان الأفعال وإحكامها وتخصيصها بالوجه الأحسن الأنفع، لا يتصور إلا من عالم حكيم رحيم، وإزاحة لما يختلج في صدورهم من أن الأبدان بعدما تبددت، وتفتتت أجزاؤها، واتصلت بما يشاكلها، كيف تجمع أجزاء كل بدن مرة ثانية بحيث لا يشذ شيء منها، ولا ينضم إليها ما لم يكن معها فيعاد منها كما كان، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ }تفسير : [يس: 79] وعلم أن صحة الحشر مبنية على ثلاث مقدمات، وقد برهن عليها في هاتين الآيتين: أما الأولى فهي: أن مواد الأبدان قابلة للجمع والحياة وأشار إلى البرهان عليها بقوله: {أية : وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ }تفسير : [البقرة: 28] فإن تعاقب الافتراق والاجتماع والموت والحياة عليها يدل على أنها قابلة لها بذاتها، وما بالذات يأبى أن يزول ويتغير. وأما الثانية والثالثة: فإنه عز وجل عالم بها وبمواقعها، قادر على جمعها وإحيائها، وأشار إلى وجه إثباتهما بأنه تعالى قادر على إبدائها وإبداء ما هو أعظم خلقاً وأعجب صنعاً فكان أقدر على إعادتهم وإحيائهم، وأنه تعالى خلق ما خلق خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت واختلال مراعٍ فيه مصالحهم وسد حاجاتهم. وذلك دليل على تناهي علمه وكمال حكمته جلت قدرته ودقت حكمته. وقد سَكَّنَ نافع وأبو عمرو والكسائي: الهاء من نحو فهو وهو تشبيهاً له بعضد.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى دلالة من خلقهم وما يشاهدونه من أنفسهم، ذكر دليلاً آخر مما يشاهدونه من خلق السموات والأرض، فقال: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ} أي: قصد إلى السماء. والاستواء ههنا مضمن معنى القصد والإقبال، لأنه عدّي بإلى، فسواهن، أي: فخلق السماء سبعاً، والسماء ههنا اسم جنس، فلهذا قال: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أي: وعلمه محيط بجميع ما خلق، كما قال: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ } تفسير : [الملك: 14] وتفصيل هذه الآية في سورة حم السجدة، وهو قوله تعالى: {أية : قُلْ أَءِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}تفسير : [فصلت: 9 - 12] ففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولاً، ثم خلق السموات سبعاً، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله، ثم أعاليه بعد ذلك، وقد صرح المفسرون بذلك كما سنذكره بعد هذا إن شاء الله. فأما قوله تعالى: {أية : أَءَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَـٰهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَـٰهَا وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَـٰهَا وَٱلْجِبَالَ أَرْسَـٰهَا مَتَـٰعاً لَّكُمْ وَلأَنْعَـٰمِكُمْ } تفسير : [النازعات: 27 - 33] فقد قيل: إن {ثُمَّ} ههنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر، لا لعطف الفعل على الفعل، كما قال الشاعر:شعر : قُلْ لِمَنْ سادَ ثُمَّ سادَ أبوه ثُمَّ قَدْ سادَ قَبْلَ ذلك جَدُّهُ تفسير : وقيل: إنّ الدحي كان بعد خلق السموات، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ} قال: إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئاً غير ما خلق قبل الماء، فلما أراد أن يخلق، أخرج من الماء دخاناً، فارتفع فوق الماء، فسما عليه، فسماه سماء، ثم أيبس الماء، فجعله أرضاً واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين: في الأحد والاثنين، فخلق الأرض على حوت، والحوت هو الذي ذكره الله في القرآن:{أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ}تفسير : [القلم: 1] والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان: ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت، فاضطرب، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال، فقرت، فالجبال تفخر على الأرض، فذلك قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا فِى ٱلأَرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ}تفسير : [الأنبياء: 31] وخلق الجبال فيها، وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين: في الثلاثاء والأربعاء، وذلك حين يقول: {أية : قُلْ أَءِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا} تفسير : [فصلت: 9 - 10] يقول: أنبت شجرها{أية : وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا}تفسير : [فصلت: 10] لأهلها {أية : فِىۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ}تفسير : [فصلت: 10] يقول: من سأل، فهكذا الأمر {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ} تفسير : [فصلت: 11] وذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبع سموات في يومين: في الخميس والجمعة، إنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض، {وأوحى في كل سماء أمرها، قال: خلق الله في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد ومما لا يُعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينة وحفظاً تحفظ من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش، فذلك حيث يقول: {أية : خَلَقَ ٱلسَمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ} تفسير : [الأعراف: 54] ويقول:{أية : كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَـٰهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ}تفسير : [الأنبياء: 30] وقال ابن جرير: حدثني المثنى حدثنا عبد الله بن صالح حدثني أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد عن عبد الله بن سلام أنه قال: إن الله بدأ الخلق يوم الأحد، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السموات في الخميس والجمعة، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة، فخلق فيها آدم على عجل، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة. وقال مجاهد في قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} قال: خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان، فذلك حين يقول: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ} تفسير : [فصلت: 11] {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ} قال: بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين، يعني: بعضها تحت بعض، وهذه الآية دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء؛ كما قال في سورة السجدة: {أية : قُلْ أَءِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلِّ سَمَآءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْعَلِيمِ}تفسير : [فصلت: 9 - 12] فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعاً بين العلماء، إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره؛ لقوله تعالى:{أية : أَءَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَـٰهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَـٰهَا وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَـٰهَا وَٱلْجِبَالَ أَرْسَـٰهَا }تفسير : [النازعات: 27 - 32] قالوا: فذكر خلق السماء قبل الأرض. وفي صحيح البخاري أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه، فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء، وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديماً وحديثاً، وقد حررنا ذلك في سورة النازعات، وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله تعالى: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَـٰهَا وَٱلْجِبَالَ أَرْسَـٰهَا } تفسير : [النازعات: 31 - 32] ففسر الدحي بإخراج ما كان مودعاً فيها بالقوة إلى الفعل، لما أكملت صورة المخلوقات الأرضية ثم السماوية، دحى بعد ذلك الأرض، فأخرجت ما كان مودعاً فيها من المياه، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها، وكذلك جرت هذه الأفلاك، فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة، والله سبحانه وتعالى أعلم. وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه في تفسير هذه الآية الحديث الذي رواه مسلم والنسائي في التفيسر أيضاً من رواية ابن جريج، قال: أخبرني إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال: «حديث : خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة، من آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل»تفسير : وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم، وقد تكلم عليه علي بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ، وجعلوه من كلام كعب، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار، وإنما اشتبه على بعض الرواة، فجعلوه مرفوعاً، وقد حرر ذلك البيهقي.
المحلي و السيوطي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ } أي: الأرض وما فيها {جَمِيعاً } لتنتفعوا به وتعتبروا {ثُمَّ ٱسْتَوَى } بعد خلق الأرض: أي قصد {إِلَى ٱلسَّمَاء فَسَوَّٰهُنَّ } الضمير يرجع إلى( السماء ) لأنها في معنى الجملة الآيلة إليه أي صيرها كما في آية أخرى { أية : فقضاهن } تفسير : [12:41]{سَبْعَ سَمَٰوَاتٍ وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } مجملاً ومفصلاً أفلا تعتبرون أنّ القادر على خلق ذلك ابتداء وهو أعظم منكم قادر على إعادتكم.
الشوكاني
تفسير : قال ابن كيسان: {خَلَقَ لَكُمْ } أي: من أجلكم، وفيه دليل على أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة، حتى يقوم دليل يدل على النقل عن هذا الأصل، ولا فرق بين الحيوانات، وغيرها مما ينتفع به من غير ضرر، وفي التأكيد بقوله {جَمِيعاً} أقوى دلالة على هذا. وقد استدلَّ بهذه الآية على تحريم أكل الطين، لأنه تعالى خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض. وقال الرازي في تفسيره: إن لقائل أن يقول: إن في جملة الأرض ما يطلق عليه أنه في الأرض، فيكون جامعاً للوصفين، ولا شك أن المعادن داخلة في ذلك، وكذلك عروق الأرض، وما يجري مجرى البعض لها؛ ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه. انتهى. وقد ذكر صاحب الكشاف ما هو أوضح من هذا فقال: فإن قلت: هل لقول من زعم أن المعنى خلق لكم الأرض، وما فيها وجه صحة؟ قلت: إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما تذكر السماء، ويراد الجهات العلوية جاز ذلك، فإن الغبراء، وما فيها واقعة في الجهات السفلية. انتهى. وأما التراب، فقد ورد في السنة تحريمه، وهو أيضاً ضارّ، فليس مما ينتفع به أكلاً، ولكنه ينتفع به في منافع أخرى، وليس المراد منفعة خاصة كنفعة الأكل، بل كل ما يصدق عليه أنه ينتفع به بوجه من الوجوه، و{جميعاً} منصوب على الحال. والاستواء في اللغة: الاعتدال، والاستقامة، قاله في الكشاف، ويطلق على الارتفاع، والعلوّ على الشيء، قال تعالى {أية : فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ } تفسير : [المؤمنون: 28] وقال {أية : لِتَسْتَوُواْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ } تفسير : [الزخرف: 13] وهذا المعنى هو المناسب لهذه الآية. وقد قيل: إن هذه الآية من المشكلات. وقد ذهب كثير من الأئمة إلى الإيمان بها، وترك التعرّض لتفسيرها، وخالفهم آخرون. والضمير في قوله: {فَسَوَّاهُنَّ } مبهم يفسره ما بعده كقولهم: زيد رجلاً، وقيل: إنه راجع إلى السماء؛ لأنها في معنى الجنس، والمعنى: أنه عدل خلقهنّ، فلا اعوجاج فيه. وقد استدل بقوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَى } على أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء. وكذلك الآية التي في "حمۤ السجدة". وقال في النازعات {أية : أأنتم أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَاء بَنَـٰهَا}تفسير : [النازعات: 28] فوصف خلقها، ثم قال {أية : وَٱلأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا }تفسير : [النازعات: 30] فكأنّ السماء على هذا خلقت قبل الأرض، وكذلك قوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ }تفسير : [الأنعام: 1] وقد قيل: إن خلق جرم الأرض متقدم على السماء، ودحوها متأخر. وقد ذكر نحو هذا جماعة من أهل العلم، وهذا جمع جيد لا بدّ من المصير إليه، ولكن خلق ما في الأرض لا يكون إلا بعد الدحو، والآية المذكورة هنا دلت على أنه خلق ما في الأرض قبل خلق السماء، وهذا يقتضي بقاء الإشكال، وعدم التخلص عنه بمثل هذا الجمع. وقوله {سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } فيه التصريح بأن السموات سبع، وأما الأرض، فلم يأت في ذكر عددها إلا قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلاْرْضِ مِثْلَهُنَّ } تفسير : [الطلاق: 12] فقيل: أي: في العدد، وقيل: أي: في غلظهنّ، وما بينهنّ. وقال الداودي: إن الأرض سبع، ولكن لم يفتق بعضها من بعض. والصحيح أنها سبع كالسموات. وقد ثبت في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أخذ شبراً من الأرض ظلماً طوّقه الله من سبع أرضين» تفسير : وهو ثابت من حديث عائشة، وسعيد بن زيد. ومعنى قوله تعالى: {سوَّاهنّ} سوّى سُطوحَهُن بالإملاس، وقيل: جعلهنّ سواء. قال الرازي في تفسيره: فإن قيل: فهل يدل التنصيص على سبع سموات: أي: فقط؟ قلنا: الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد، والله أعلم. انتهى. وفي هذا إشارة إلى ما ذكره الحكماء من الزيادة على السبع. ونحن نقول: إنه لم يأتنا عن الله، ولا عن رسوله إلا السبع، فنقتصر على ذلك، ولا نعمل بالزيادة إلا إذا جاءت من طريق الشرع، ولم يأت شيء من ذلك، وإنما أثبت لنفسه سبحانه أنه بكل شيء عليم، لأنه يجب أن يكون عالماً بجميع ما ثبت أنه خالفه. وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأرْضِ جَمِيعاً } قال: سخر لكم ما في الأرض جميعاً كرامة من الله، ونعمة لابن آدم، وبلغة، ومنفعة إلى أجل. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد في قوله: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأرْضِ جَمِيعاً } قال: سخر لكم ما في الأرض جميعاً {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء } قال: خلق الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان فذلك قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ } يقول: خلق سبع سموات بعضهنّ فوق بعض، وسبع أرضين بعضهنّ فوق بعض. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء، والصفات عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة في قوله: {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأرْضِ} الآية، قالوا: إن الله كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئاً قبل الماء، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخاناً، فارتفع فوق الماء، فسما عليه فسماه سماء، ثم انبسَّ الماء، فجعله أرضاً واحدة، ثم فتقها سبع أرضين في يومين الأحد، والاثنين، فخلق الأرض على حوت، وهو: الذي ذكره في قوله: {أية : ن وَٱلْقَلَمِ }تفسير : [القلم: 1] والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي: الصخرة التي ذكر لقمان ليست في السماء، ولا في الأرض، فتحرّك الحوت، فاضطرب، فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال فقرّت، فذلك قوله تعالى: {أية : وَأَلْقَىٰ فِى ٱلأرْضِ رَوَاسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ } تفسير : [لقمان: 10] وخلق الجبال فيها، وأقوات أهلها، وسخرها، وما ينبغي لها في يومين في الثلاثاء، والأربعاء، وذلك قوله: {أية : أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلاْرْضَ }تفسير : [فصلت: 9] إلى قوله: {أية : وَبَـٰرَكَ فِيهَا } تفسير : [فصلت: 10] يقول: أنبت شجرها {أية : وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا }تفسير : [فصلت: 10] يقول: أقوات أهلها {أية : فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ } تفسير : [فصلت: 10] يقول: من سأل، فهكذا الأمر، {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَاء وَهِىَ دُخَانٌ }تفسير : [فصلت: 11] وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين في الخميس والجمعة؛ وإنما سمي يوم الجمعة؛ لأنه جمع فيه خلق السموات، والأرض {أية : وَأَوْحَىٰ فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا }تفسير : [فصلت: 12] قال: خلق في كل أسماء خلقها، من الملائكة، والخلق الذي فيها، من البحار وجبال البرد، وما لا يعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينة، وحفظاً من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحبّ استوى على العرش. وأخرج البيهقي في الأسماء، والصفات، عن عباس في قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء } يعني صعد أمره إلى السماء، فسواهنّ: يعني خلق سبع سموات، قال: أجرى النار على الماء، فبخر البحر، فصعد في الهواء، فجعل السموات منه. وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة في الصحيح قال: «أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي، فقال:حديث : خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الأثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة بعد العصر»تفسير : . وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق عند أهل السنن، وغيرهم، عن جماعة من الصحابة أحاديث في وصف السموات، وأن غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى سماء خمسمائة عام، وأنها سبع سموات، وأن الأرض سبع أرضين، وكذلك ثبت في وصف السماء آثار عن جماعة من الصحابة، وقد ذكر السيوطي في الدرّ المنثور بعض ذلك في تفسير هذه الآية، وإنما تركنا ذكره ها هنا لكونه غير متعلق بهذه الآية على الخصوص، بل هو متعلق بما هو أعمّ منها.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {ثُمَّ اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ} فيه ستة أقاويل: أحدها: أن معنى قوله: {اسْتَوَى إلى السَّمَاءِ} أي أقبل عليها، وهذا قول الفراء. والثاني: معناه: عمد إليها، وقصد إلى خلقها. والثالث: أنّ فِعْل الله تحوَّل إلى السماء، وهو قول المفضل. والرابع: معناه: ثم استوى أمره وصنعه الذي صَنَعَ به الأشياء إلى السماء، وهذا قول الحسن البصري. والخامس: معناه ثم استوت به السماء. السادس: أن الاستواء والارتفاع والعلوَّ، وممن قال بذلك: الربيع بن أنس، ثم اختلف قائلو هذا التأويل في الذي استوى إلى السماء فعلا عليها على قولين: أحدهما: أنه خالقها ومنشئها. والثاني: أنه الدخان، الذي جعله الله للأرض سماءً.
ابن عبد السلام
تفسير : {اسْتَوَى إِلىَ السَّمَآءِ} أقبل عليها، أو قصد إلى خلقها، أو تحول فعله إليها، أو استوى أمره وصنعه الذي صنع به الأشياء إليها، أو استوت به السماء، أو علا عليها وارتفع، أو استوى الدخان الذي خلقت منه السماء وارتفع.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم...} أتت هذه غير (مفصولة) وحقها أن تكون مفصولة بحرف العطف لمغايرتها لما قبلها. لكن يجاب: بأنّها أتت تفسيرا ودليلا على الجزء الأخير من الجملة (المتقدمة) وهي قوله {أية : ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : أي الدليل على (إعادتهم ورجوعهم) إليه أنه خلق جميع ما في الأرض ومن (قدر) على خلق الجميع اولا لا يستحيل عليه إعادتهم ثانيا. قيل لابن عرفة: أو يقال: الأول دليل على الخلق، وهذه دليل على العلم والأصوليون ما استدلوا على ثبوت العلم إلا بالخلق والقدرة؟ قال ابن عرفة: (والضمائر) منهم من قال: إنها كلية، وقيل: إنها (جزئية) والصحيح أنها بالإطلاق الأعم كلية (وأما بالاستعمال) الأخص فضمير المتكلم والمخاطب جزئيان وضمير (الغائب) إن عاد على كلي فهو كلي مثل الإنسان هو حيوان ناطق. وإن عاد على جزئي فهو جزئي مثل: زيد هو قائم. وقوله تعالى: "لَكُمْ" قال الزمخشري: اللاّم للتعليل، وهو اعتزال. وقدره بعض المتأخرين على مذهب أهل السنة بأنه مجاز والمراد بأن ذلك بحيث لو (صدر) من غيره لكان لأجل مصلحتكم (وانتفاعكم) وراعى في هذا الأمر المناسب الملائم للإنسان. قال ابن عرفة: وهذا هو تعليل أفعال الله، وفيه خلاف، وأما أحكامه فمعللة. قال ابن عطية: واحتج بها من يقول: إن الأشياء على الإباحة و(فيه) ثلاثة أقوال: ثالثها الوقف. وقال الطيبي: لا حجة في ذلك إذْ لعله خطاب المجموع بالمجموع وردّه ابن عرفة بوجهين: - الأول: أنه إحداث قول لم يقل به أحد، وهو أن بعض الأشياء على الحظر أي المنع، وبعضها على الإباحة. - الثاني: أن (المضمرات) كلّية لا كلّ (فالخطاب) بالمجموع لكل واحدة لا للمجموع. قال ابن عطية: ويرد على القائلين بالإباحة بكل حظر في القرآن وعلى القائلين بالحظر بكل إباحة في القرآن. قال ابن عرفة: هذا (يلزمهم) ولهم أن يقولوا: إن الأشياء على الحظر ما لم يرد النّص على الإباحة. ويقول: الآخرون على الإباحة ما لم (يقع) النص على الحظر. قال ابن عرفة: والقول بالوقف هو مذهب المعتزلة وهو المختار عند أهل السنة لكن دليلنا نحن يعارض الدّلائل السّمعية. ودليل المعتزلة (شبهة) تعارض الدلائل العقلية. (قال ابن عرفة): وهذا إن كان مجرد الإنعام والامتنان بالأمر الدنيوي فالمخاطبون (بـ "لَكُمْ") غير داخلين في عموم ما في الأرض، وإن أريد به الاعتبار (الدّيني) فهم داخلون قال تعالى: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ}. تفسير : قوله تعالى: {مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً...} قيل لابن عرفة: هذا معارض لقوله تعالى: {أية : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ} تفسير : قال ابن عرفة: خلق بعضها مجتمعا وبعضها (متفرقا) ووقع التنكير في هذه الآية (فما) خلق منها مجتمعا فهو أبلغ وأدل على كمال القدرة، لأن من قدر على أحداث أشياء مجتمعة في حالة واحدة (هو قادر على إحداثها متفرقة شيئا بعد شيء من باب أحرى. قلت: ووجه السؤال المتقدم أن ظاهر هذه الآية أن الأرض وما فيها خلقت مجتمعة في حالة واحدة، (وظاهر هذا) أنها خلقت مفرقة وجميعا هنا، فيقتضي الاجتماع في حالة واحدة، فوقع النصّ على ما خلق منها (مجتمعا)، (فقد قال أبو حيان: "جميعا" حال من الموصول، وهو ما أتى مجتمعا) وترادف كلا في العموم ولا تفيد الاجتماع في الزمان بخلاف جميعا. وعدها ابن مالك في ألفاظ التأكيد قال: ونبّه سيبويه على أنها بمنزلة كُلّ معنى واستعمالا واستشهد له أبو حيان بقول: امرأة ترقص ولدها. شعر : فداك حي خولان جميعهم وهمذان وكذلك آل قحطان والأكرمون عدنان تفسير : (قال المختصر): فعلى رأيه تعرب جميعا هنا توكيدا للمفعول ونظيره قوله تعالى: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}. تفسير : قال ابن عصفور: وفيها أن التأكيد بكل يقتضي الإحاطة، والتأكيد بأجمع يقتضي الاجتماع في حالة واحدة. قال ابن عرفة: وتقدم لنا الرد عليه أنه لو اقتضى الجمعية في الزمان للزم انتصابه على الحال. وكذا قال الزمخشري في قوله تعالى في سورة يس {أية : وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ} تفسير : (الزمخشري) إن قلت: هذه الآية تقتضي تقدم خلق الأرض على خلق السماء، وقوله في سورة النازعات: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَآ} تفسير : يقتضي تأخر (خلق) الأرض على (خلق) السّماء، (والآيتان متعارضتان)؟ فالجواب: بأن (خلق الأرض متقدم على خلق السماء) ودحوها وتسويتها متأخر عن خلق السماء. ورده القاضي العماد بأن هذه الآية تقتضي تقدم (خلق) جميع ما في الأرض على خلق السماء، وخلق ما في الأرض متأخر عن (دَحوِها) وتسويتها بلا شك، فيكون دحوُها متقدما على خلق السماوات فما زال السؤال واردا. وكذلك قوله في فصلت: {أية : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} تفسير : ثم قال: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} تفسير : ولا جواب عنه إلا أن يكون ثم للمهلة المعنوية، وهي بعد ما بين المنزلتين. قيل لابن عرفة: أو يجاب بعكس ما قال الزمخشري، وهو أنه خُلِقت السماوات والأرض ملتصقة، ثم خلقت الأرض ودحيت، ثم فصلت السماوات وصيرت سبعا والله أعلم؟ فقال: هذا يمكن لكن (الأثر) الذي أورده هنا أنّ الأرض خلقت كالفهر وعلاها الدخان فخلقت منه السماوات يرده ما ذكره الشيخ الزمخشري ونقله عن الحسن وللفخر في الأربعين في ذلك كلام طويل وليس فيه خبر صحيح. قوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}
ابن عادل
تفسير : هذا هو النعمة الثانية التي عَمّت المكلفين بأسرهم. "هو" مبتدأ، وهو ضمير مرفوع منفصل للغائب المذكر، والمشهور تخفيفُ واوه وفتحها، وقد تشدد؛ كقوله: [الطويل] شعر : 343- وَإِنَّ لِسَانِي شُهْدَةٌ يُشْتَفَى بِهَا وَهُوَ عَلَى مَنْ صَبَّهُ اللهُ عَلْقَمُ تفسير : وقد تسكن، وقد تحذف كقوله: [الطويل] شعر : 344- فَبَيْنَاهُ يَشْرِي رَحْلَهُ.... ............................... تفسير : والموصول بعده خبر عنه. و "لكم" متعلّق بـ "خلق"، ومعناها السَّببية، أي: لأجلكم، وقيل: للملك والإباحة، فيكون تمليكاً خاصاً بما ينتفع به. وقيل: للاختصاص، و "ما" موصولة، و "في الأرض" صلتها، وهي في محلّ نصب مفعول به، و "جميعاً" حال من المفعول بمعنى "كلّ"، ولا دلالة لها على الاجتماع في الزَّمَان، وهذا هو الفَارِقُ بين قولك: جَاءُوا جميعاً و "جاءوا معاً" فإنّ "مع" تقتضى المُصَاحبة في الزمان، بخلاف "جميع" قيل: وهي - هُنَا - حال مؤكدة، لأن قوله: {مَّا فِي ٱلأَرْضِ} عام. فصل في بيان أن الأصل في المنافع الإباحة استدلّ الفُقَهَاء بهذه الآيةِ على أنّ الأصل في المَنَافع الإباحة. وقيل: إنها تدلُّ على حرمة أكل الطِّين، لأنه خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض، وفيه نظر؛ لأن تخصيص الشيء بالذِّكر لا يدلّ على نفي الحكم عما عَدَاه، وأيضاً فالمعادن داخلة في ذلك، وكذلك عروق الأرض، وما يجري مجرى البعض لها. وقد تقدّم تفسير الخلق، وتقدير الآية كأنه - سُبْحانه وتعالى - قال: كيف تكفرون بالله، وكنتم أمواتاً فأحياكم؟ وكيف تكفرون بالله، وقد خلق لكم ما في الأرض جميعاً؟ أو يقال: كيف تكفرون بقدرة الله على الإعادة، وقد أحياكم بعد موتكم، وقد خلق لكم كل ما في الأرض، فكيف يعجز عن إعادتكم؟. قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}. أصل "ثم" أن تقتضي تراخياً زمانياً، ولا زمان هنا، فقيل: إشارة إلى التراخي بين رُتْبَتَيْ خلق الأرض والسماء. وقيل: لما كان بين خلق الأرض والسماء أعمال أُخَر من جعل الجِبَال والبَرَكة، وتقدير الأقوات، كما أشار إليه في الآية الأخرى عطف بـ "ثم"؛ إذ بين خلق الأرض والاستواء إلى السماء تراخ. و "استوى": معناه لغة: استقام واعتدل، من استوى العُودُ. وقيل: علا وارتفع؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 345- فَأوْرَدْتُهُمْ مَاءً بِفَيْفَاءَ قَفْرَةٍ وَقَدْ حَلَّقَ النَّجْمُ الْيَمَانِيُّ فَاسْتَوَى تفسير : وقال تعالى: {أية : فَإِذَا ٱسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلْفُلْكِ} تفسير : [المؤمنون: 28]. ومعناه هنا: قصد وعمل. وفاعل "اسْتَوَى" ضمير يعود على الله. وقيل: يعود على الدُّخَان نقله ابن عطية. وهو غلط لوجهين: أحدهما: عدم ما يدلّ عليه. والثاني: أنه يرده قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ} تفسير : [فصلت: 11]. و "إلى" حرف انتهاء على بَابها. وقيل: هي بمعنى "عَلَى"؛ فتكون في المَعْنَى كقول الشاعر: [الرجز] شعر : 346- قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ مَنْ غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْرَاقِ تفسير : ومثله قوله الآخر: [الطويل] شعر : 347- فَلَمَّا عَلَوْنَا وَاسْتَوَيْنَا عَلَيْهِمُ تَرَكْنَاهُمُ صَرْعَى لِنَسْرٍ وَكَاسِرِ تفسير : وقيل: ثَمَّ مضاف محذوفٌ ضميره هو الفاعل، أي: استوى أمره، و "إلَى السَّمَاءِ" متعلّق بـ "اسْتَوَى"، والضمير في "فَسَوَّاهُنّ" يعود على السَّمَاء، إما لأنها جمع "سماوة" كما تقدم، وإما لأنها اسم جنس يطلق على الجمع. وقال الزمخشري: "هُنَّ" ضمير مبهم، و "سَبْعَ سَمَاوَاتٍ" تفسيره، كقولهم: "رُبَّهُ رَجُلاً"، وقد رد عليه بأنه ليس من [المواضع التي يفسر فيها الضمير بما بعده؛ لأن النحويين حصروا ذلك في سبع مواضع]: ضمير الشأن، والمجرور بـ "رب"، والمرفوع بـ "نعم وبئس"، وما جرى مجراهما، وبأول المتنازعين، والمفسر بخبره، وبالمُبْدَل منه. ثم قال هذا المعترض: إلا أن يتخيل فيه أن يكون "سَبْعَ سَمَاواتٍ" بدلاً، وهو الذي يقتضيه تشبيهه بـ "رُبُّهُ رَجَلاً" فإنه ضمير مبهم ليس عائداً على شيء قبله، لكن هذا يضعف بكون التقدير يجعله غير مرتبطٍ بما قبله ارتباطاً كلياً، فيكون أخبرنا بإخبارين: أحدهما: أنه استوى إلى السماء. والثاني: أنه سوى سبع سماوات. وظاهر الكلام أن الذي استوى إليه هو المستوي بعينه. ومعنى تسويتهنّ: تعديل خلقهن، وإخلاؤه من العِوَجِ، والفُطُور وإتمام خَلْقهن. قوله: "سَبْعَ سَمَواتٍ" في نصبه خمسة أوجه: أحسنها: أنه بدلٌ من الضمير في "فَسَوَّاهُنَّ" العائد على "السَّمَاءِ" كقولك، أخوك مررت به زيد. الثاني: أنه بدل من الضمير أيضاً، ولكن هذا الضمير يفسره ما بعده، وهذا يضعف بما ضعف به قول الزمخشري المتقدّم. الثالث: أنه مفعول به، والأصل، فسوَّى منهن سَبْعَ سموات، وشبهوه بقوله تعالى: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} تفسير : [الأعراف: 155] أي: من قومه قاله أبو البقاء وغيره، وهذا ضعيف لوجهين: أحدهما: بالنسبة إلى اللفظ. والثاني: بالنسبة إلى المعنى. أما الأول فلأنه ليس من الأفعال المتعدية لاثنين. أحدهما: بإسقاط الخافض؛ لأنها محصورة في "أمر" و "اختار" وأخواتها. الثاني: أنه يقتضي أن يكون ثَمَّ سماوات كثيرة، سوى من جملتها سبعاً، وليس كذلك. الرابع: أن "سوى" بمعنى "صَيَّر" فيتعدّى لاثنين، فيكون "سَبْعَ" مفعولاً ثانياً، وهذا لم يثبت أيضاً، أعني جعل "سَوَّى" مثل "صَيَّر". فصل في هيئة السماوات السبع اعلم أن القرآن - هاهنا - قد دلّ على سبع سماوات. وقال أصحاب الهيئة: أقربها إلينا كرة القمر، وفوقها كرة عطارد، ثم كرة الزّهرة، ثم كرة الشَّمس، ثم كرة المرّيخ، ثم كرة المشتري، ثم كرة زُحَل، قالوا: لأن الكوكب الأسفل إذا مَرَّ بين أبصارنا، وبين الكوكب الأعلى، فإنهما يصيران ككوكب واحدٍ، ويتميز السَّاتر عن المَسْتُور بلونه الغَالب كَحُمْرَةِ المريخ، وصُفْرَة عطارد، وبَيَاض الزهرة، وزُرْقَة المُشْتري، وكدرة زُحَل، وكلّ كوكب فإنه يكسف الكوكب الذي فوقه. فصل في الاستدلال على سبق خلق السماوات على الأرض قال [بعض المَلاَحدة]: هذه الآية تدلّ على أن خلق الأرض قبل خلق السَّماء، وكذا قوله: {أية : أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} تفسير : [فصلت: 9] إلى قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [فصلت:11] وقال في سورة "النازعات": {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا}تفسير : [النازعات:27] إلى أن قال: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَٰهَا} تفسير : [النازعات: 30] وهذا يقتضي أن يكون خلق الأرض بعد السماء، وذكروا في الجواب وجوهاً: أحدها: يجوز أن يكون خلق الأرض قبل السماء إلاّ أنه دَحَاهَا حتى خلق السماء؛ لأن التدحية هي البَسْط. ولقائل أن يقول: هذا مُشْكل من وجهين: الأول: أن الأرض جسم عظيم، فامتنع انفكاك خلقها عن التَّدْحية، وإذا كانت التَّدْحية متأخّرة عن خلق السماء كان خلقها لا مَحَالَةَ متأخراً عن خلق السماء. الثاني: أن قوله: {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} يدلّ على أن خلق الأرض، وخلق كل ما فيها متقدم على خلق السماء، وخلق هذه الأشياء في الأرض لا يمكن إِلاَّ إذا كانت مدحوةً، فهذه الآية تدلُّ على كونها مدحوة قبل خلق السّماء، فيعود التَّنَاقض. والجواب الثاني: أن قوله: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَٰهَا} تفسير : [النازعات: 30] يقتضي تقديم خلق السماء على الأرض، ولا يقتضي أن تكون تسوية السماء مقدّمة على خَلْقِ الأرض، وعلى هذا التَّقْدِير يزول التناقض. ولقائل أن يقول: قوله: {أية : أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا} تفسير : [النازعات: 27- 28] يقتضي أن يكون خلق السماء، وتسويتها مقدماً على تدحية الأرض، ولكن تَدْحِيَةَ الأرض ملازمة لخلق ذات الأرض، وحينئذ يعود السؤال. والجواب الثالث وهو الصحيح أن قوله: "ثُمّ" ليس للترتيب هاهنا، وإنما هو على جِهَةِ تعديد النعم، على مثل قول الرَّجل لغيره: أليس قد أعطيتك النعم العظيمة، ثم وقعت الخُصُوم عنك، ولعلّ بعض ما أخره في الذكر قد تقدّم فكذا هاهنا، والله أعلم. فإن قيل: هل يَدُلّ التنصيص على سَبْعِ سموات على نَفْي العدد الزائد؟ قال ابن الخطيب: الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يَدُلّ على نفي الزائد. فصل في إثبات سبع أَرْضين ورد في التنزيل أن السموات سبع، ولم يأت في التنزيل أن الأرضين سبع إلاَّ قوله {أية : وَمِنَ ٱلأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} تفسير : [الطلاق: 12] وهو محتمل للتأويل، لكنه وردت في أحاديث كثيرة صحيحة تدلّ على أن الأرضين سبع كما روي في "الصحيحين" عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : من ظَلَمَ قِيْد شِبْرٍ مِنَ الأَرض طُوِّقَهُ من سبع أرضين" تفسير : إلى غير ذلك. وروى أبو الضحى - واسمه مسلم - عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "حديث : الله الذي خَلَقَ سبع سَمَاواتٍ ومن الأرضِ مِثْلَهُنّ قال: سبع أرضين في كل أرض نَبِيّ كنبيكم، وآدم كآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم وعِيْسَى كعيسى" تفسير : قال البيهقي: إسناد هذا عن ابن عَبَّاسٍ صحيح وهو شاذّ لا أعلم لأبي الضّحى عليه دليلاً. و "السماء" تكون جمعاً لـ "سماوة" في قول الأخفش، و "سماءة" في قول الزّجاج، وجمع الجمع "سَمَاوات" و "سماءات"، فجاء "سِوَاهن" إما على أن "السّماء" جمع، وإما على أنها مفرد اسم جنس، وقد تقدّم الكلام على "السَّماء" في قوله: {أية : أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [البقرة: 19]. قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} هو: مبتدأ، و "عليم" خبره، والجار قبله يتعلّق به. واعلم انه يجوز تسكين هاء "هُو" و "هي" بَعْدَ "الواو" و "الفاء" و "لام" الابتداء و "ثُمّ"؛ نحو: {أية : فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ} تفسير : [البقرة: 74] {أية : ثُمَّ هُوَ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ} تفسير : [القصص: 61] {أية : لَهُوَ ٱلْغَنِيُّ} تفسير : [الحج: 64] {أية : لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ} تفسير : [العنكبوت: 64] وقرأ بها الكسائي وقالون عن نافع، تشبيهاً لـ "هُو" بـ "عَضُد" ولـ "هِي" بـ "كَتِف"، فكما يجوز تسكين عين "عَضُد" و "كَتِف" يجوز تسكين هاء "هُو"، و "هِي" بعد الأحرف المذكورة؛ إجراءً للمنفصل مجرى المتّصل، لكثرة دورها معها، وقد تسكن بعد كاف الجر؛ كقوله: [الطويل] شعر : 348- فَقُلْتُ لَهُمْ: مَا هُنَّ كَهْيَ فَكَيْفَ لِي سُلُوٌّ وَلاَ أَنْفَكُّ صَبًّا مُتَيَّمَا تفسير : وبعد همزة الاستفهام؛ كقوله: [البسيط] شعر : 349- فَقُمْتُ للطَّيْفِ مُرْتَاعاً فَأَرَّقَنِي فَقُلْتُ: أَهْيَ سَرَتْ أَمْ عَادَنِي حُلُمُ تفسير : وبعد "لكن" في قراءة ابن حَمْدُون: {أية : لكنَّ هْوَ ٱللَّه} تفسير : [الكهف: 38] وكذا في قوله: {أية : يُمِلَّ هُوَ} تفسير : [البقرة: 282]. فإن قيل عليم "فعيل" من "علم"، و "علم" متعدّ بنفسه، فكيف تعدّى بـ "الباء"، وكان من حقه إذا تقدم مفعوله أن يتعدّى إليه بنفسه أو بـ "اللام" المقوية، وإذا تأخر أن يتعدى إليه بنفسه فقط؟ فالجواب: أن أمثله المُبالغة خالفت أفعالها، وأسماء فاعليها لمعنى وهو شبهها بـ "أفعل" التفضيل بجامع ما فيها من مَعْنَى المبالغة، و "أفعل" التفضيل له حكم في التعدّي، فأعطيت أمثلة المُبَالغة ذلك الحكم، وهو أنها لا تَخْلُو من أن تكون من فعل متعدٍّ بنفسه أو لا. فإن كان الأول فإما أن يفهم علماً أو جهلاً أو لا. فإن كان الأول تعدت بالباء نحو: {أية : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ} تفسير : [النجم: 32] {أية : وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تفسير : [الحديد: 6] و "زيد جهول بك" و "أنت أجهل به" وإن كان الثَّاني تعدّت بـ "اللام" نحو: "أنا أضرب لزيد منك" و "أنا ضراب له"، ومنه: {أية : فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} تفسير : [هود: 107]، وإن كانت من متعدٍّ بحرف جَرّ تعدّت هي بذلك الحرف نحو: "أنا أصبر على كذا" و "أنا صبور عليه"، و "أزهد فيه منك"، و "زهيد فيه". فصل في إثبات العلم لله سبحانه بخلقه هذه الآية تدلّ على أنه لا يمكن أن يكون خالقاً للأرض وما فيها، وللسماوات وما فيها من العَجَائب والغرائب إلا إذا كان عالماً بها محيطاً بجزئياتها وكلّياتها، وذلك يدلّ على أمور: أحدها: أن يفسد قول الفَلاَسفة الذَّين قالوا: إنه لا يعلم الجُزئيات، ويدلّ على صحّة قول المتكلمين فإنهم قالوا: إنه - تعالى - فاعل لهذه الأجسام على سبيل الإِحْكام والإِتْقَان، وكل فاعل على هذا الوجه، فإنه لا بد وأن يكون عالماً بما فعله كما ذكر في هذه الآية. وثانيها: يدل على فساد قول المعتزلة، وذلك لأنه - سبحانه وتعالى - بين أن الخالق للشَّيء على سبيل التقدير والتحديد، لا بد أن يكون عالماً به وبتفاصيله، لأن خالقه قد خصّه بقدر دون قدر، والتخصيص بقدر معين لا بُدّ وأن يكون بإرادة، وإلا فقد حصل الرُّجْحَان من غير مرجّح، والإرادة مشروطة بالعلم، فثبت أن خالق الشَّيء لا بد وأن يكون عالماً به على سبيل التفصيل. فلو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بها، وبتفاصيلها في العَدَدِ والكميّة والكيفية، فلمَّا لم يحصل هذا العلم علمنا أنه غير موجدٍ لأفعال نفسه. وثالثها: قالت المعتزلة: إذا جمع بين هذه الآية وبين قوله: {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يوسف: 76] ظهر أنه - تعالى - عالم بذاته. والجَوَاب: قوله تعالى: {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يوسف:76] عام، وقوله: {أية : أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ} تفسير : [النساء: 166] خاصّ والخاص مقدّم على العام.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} قال: سخر لكم ما في الأرض جميعاً كرامة من الله، ونعمة لابن آدم. متاعاً وبلغة، ومنفعة إلى أجل. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد في قوله {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} قال: سخر لكم ما في الأرض جميعاً {ثم استوى إلى السماء} قال: خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان، فذلك قوله {ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات} يقول: خلق سبع سموات بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن تحت بعض . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسوّاهن سبع سماوات} قال: إن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئاً قبل الماء، فلما أراد أن يخلق أخرج من الماء دخاناً، فارتفع فوق الماء، فسما سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضاً فتقها واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين. في الأحد والإِثنين، فخلق الأرض على حوت وهو الذي ذكره في قوله (ن، والقلم) والحوت من الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكرها لقمان؛ ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال، فالجبال تفخر على الأرض. فذلك قوله {أية : وَأَلْقَىٰ في ٱلأَرض رواسي أن تميد بكم } تفسير : [النحل: 15]. وخلق الجبال فيها، وأقوات أهلها، وشجرها، وما ينبغي لها في يومين: في الثلاثاء، والأربعاء، وذلك قوله {أية : أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض} تفسير : [فصلت: 9] إلى قوله {أية : وبارك فيها}تفسير : [فصلت: 10] يقول: أنبت شجرها، وقدر فيها أقواتها، يقول لأهلها {أية : في أربعة أيام سواء للسائلين} تفسير : [فصلت: 10] يقول: من سأل فهكذا الأمر {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، ثم جعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين: في الخميس، والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض {أية : وأوحى في كل سماء أمرها}تفسير : [فصلت: 12] قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة، والخلق الذي فيها، من البحار، وجبال، البرد، وما لا يعلم. ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينة وحفظاً من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش. وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله {ثم استوى إلى السماء} يعني خلق سبع سموات قال: أجرى النار على الماء، فبخر البحر، فصعد في الهواء، فجعل السموات منه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي العالية في قوله {ثم استوى إلى السماء} قال: ارتفع. وفي قوله {فسوّاهن} قال: سوى خلقهن. وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الله بن عمرو قال: لما أراد الله أن يخلق الأشياء إذ كان عرشه على الماء، وإذ لا أرض ولا سماء. خلق الريح فسلطها على الماء حتى اضطربت أمواجه، وأثار ركامه، فأخرج من الماء دخاناً وطيناً وزبداً، فأمر الدخان فعلا وسما ونما، فخلق منه السموات، وخلق من الطين الأرضين، وخلق من الزبد الجبال. وأخرج أحمد والبخاري في التاريخ ومسلم والنسائي وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال"حديث : أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإِثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، بعد العصر ". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية وابن أبي الدنيا في كتاب المطر وابن أبي عاصم في السنة وأبو يعلى وابن خزيمة في التوحيد وابن أبي حاتم وأبو أحمد والحاكم في الكنى والطبراني في الكبير وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه واللالكائي في السنة والبيهقي في الأسماء والصفات عن العباس بن عبد المطلب قال "حديث : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم! قال: بينهما مسيرة خمسمائة عام، ومن مسيرة سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام، وكثف كل سماء خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر. بين أعلاه واسفله كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين وركهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله سبحانه وتعالى علمه فوق ذلك، وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء ". تفسير : وأخرج إسحق بن راهويه في مسنده والبزار وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر قال "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، كذلك إلى السماء السابعة. والأرضون مثل ذلك، وما بين السماء السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك، ولو حفرتم لصاحبكم ثم دليتموه لوجد الله ثمة يعني علمه ". تفسير : وأخرج الترمذي وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال "حديث : كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت سحابة فقال: أتدرون ما هذه؟ قالوا: الله ورسوله أعلم فقال: هذه الغبابة، هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى بلد لا يعبدونه ولا يشكرونه. هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: فإن فوق ذلك سماء. هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: فإن فوق ذلك موجاً مكفوفاً وسقفاً محفوظاً. هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: فإن فوق ذلك سماء. هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: فإن فوق ذلك سماء أخرى. هل تدرون كم ما بينهما؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: فإن بينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع سموات بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: فإن فوق ذلك العرش. فهل تدرون كم بينهما؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: فإن بيق ذلك كما بين السماءين، ثم قال: هل تدرون ما هذه؟ هذه أرض. هل تدرون ما تحتها؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: أرض أخرى وبينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام ". تفسير : وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه واللالكائي والبيهقي عن ابن مسعود قال: بين السماء والأرض خمسمائة عام، وما بين كل سماءين خمسمائة عام، ومصير كل سماء ـ يعني غلظ ذلك ـ مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين ذلك الكرسي والماء مسيرة خمسمائة عام. والعرش على الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه. وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه نظر إلى السماء فقال: تبارك الله ما أشد بياضها، والثانية أشد بياضاً منها، ثم كذلك حتى بلغ سبع سموات. وخلق فوق السابعة الماء، وجعل فوق الماء العرش، وجعل فوق السماء الدنيا الشمس، والقمر، والنجوم، والرجوم. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال "حديث : قال رجل: يا رسول الله ما هذه السماء؟ قال: هذه موج مكفوف عنكم ". تفسير : وأخرج إسحق بن راهويه في مسنده وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية مرمرة بيضاء، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة حمراء، وما فوق ذلك صحارى من نور، ولا يعلم ما فوق ذلك إلا الله، وملك موكل بالحجب يقال له ميطـاطروش. وأخرج أبو الشيخ عن سلمان الفارسي قال: السماء الدنيا من زمردة خضراء واسمها رقيعاء، والثانية من فضة بيضاء واسمها أزقلون، والثالثة من ياقوتة حمراء واسمها قيدوم، والرابعة من درة بيضاء واسمها ماعونا، والخامسة من ذهبة حمراء واسمها ريقا، والسادسة من ياقوتة صفراء واسمها دقناء، والسابعة من نور واسمها عريبا. وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: اسم السماء الدنيا رقيع، واسم السابعة الصراخ. وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على الجهمية وابن المنذر عن ابن عباس قال: سيد السموات السماء التي فيها العرش، وسيد الأرضين الأرض التي أنتم عليها. وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن السماء من أي شيء هي؟ فكتب إليه: إن السماء من موج مكفوف. وأخرج ابن أبي حاتم عن حبة العوفي قال: سمعت علياً ذات يوم يحلف، والذي خلق السماء من دخان وماء. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعب قال: السماء أشد بياضاً من اللبن. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن سفيان الثوري قال: تحت الأرضين صخرة، بلغنا أن تلك الصخرة منها خضرة السماء. وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله، فإن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة ألآف نور. وهو فوق ذلك. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله {فسواهن سبع سماوات} قال: بعضهن فوق بعض، بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام. أما قوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم} . أخرج ابن الضريس عن ابن مسعود قال: إن أعدل آية في القرآن آخرها اسم من أسماء الله تعالى.
ابو السعود
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأرْضِ جَمِيعاً} تقريرٌ للإنكار و تأكيدٌ له من الحيثيتين المذكورتين غُيِّر سبكُه عن سبك ما قبله مع اتحادهما في المقصود إبانةً لما بـينهما من التفاوت، فإن ما يتعلق بذواتهم من الإحياءِ والإماتةِ والحشرِ أدخلُ في الحث على الإيمان والكفِّ عن الكفر مما يتعلق بمعايشهم، وما يجري مَجراها، وفي جعل الضمير مبتدأً والموصولِ خبراً من الدلالة على الجلالة ما لا يخفىٰ، وتقديمُ الظرفِ على المفعول الصريحِ لتعجيل المسَرَّة ببـيان كونِه نافعاً للمخاطبـين وللتشويق إليه كما سلف، أي خلق لأجلكم جميعَ ما في الأرض من الموجودات لتنتفعوا بها في أمور دنياكم بالذات أو بالواسطة وأمورِ دينكم بالاستدلال بها على شؤون الصانعِ تعالى شأنُه، والاستشهادِ بكل واحدٍ منها على ما يلائمُه من لذّات الآخرة وآلامِها وما يعمُّ جميعَ ما في الأرض لا نَفْسَها إلا أن يُرادَ بها جهةُ السفل كما يراد بالسماء جهةُ العلو، نعم يعمُّ كل جزءٍ من أجزائها، فإنه من جملة ما فيها ضرورةُ وجودِ الجزءِ في الكل و(جميعاً) حال من الموصول الثاني مؤكدةٌ لما فيه من العموم، فإن كلَّ فردٍ من أفرادِ ما في الأرض بل كلُّ جزءٍ من أجزاء العالم له مدخَلٌ في استمراره على ما هو عليه من النظام اللائق الذي عليه يدور انتظامُ مصالحِ الناس. أما من جهة المعاشِ فظاهرٌ، وأما من جهة الدينِ فلما أنه ليس في العالم شيءٌ مما يتعلق به النظرُ وما لا يتعلق به إلا وهو دليلٌ على القادر الحكيم جل جلاله كما مر في تفسير قوله تعالى: {أية : رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [الفاتحة، الآية 2] وإن لم يستدِلَّ به أحد بالفعل. {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء} أي قصَدَ إليها بإرادته ومشيئته قصداً سوياً بلا صارف يَلويه ولا عاطفٍ يَثنيه من إرادة خلقِ شيءٍ آخَرَ في تضاعيف خلقِها أو غير ذلك، مأخوذ من قولهم: استوى إليه كالسهم المُرْسل، وتخصيصُه بالذكر ههنا إما لعدم تحققِه في خلق السُفليات، لما رُوي مِنْ تخلّل خلقِ السموات بـين خلقِ الأرضِ ودَحْوِها. عن الحسن رضي الله عنه: خلق الله تعالى الأرضَ في موضع بـيتِ المقدس كهيئة الفِهْرِ عليها دخان يلتزقُ بها، ثم أصعدَ الدخانَ وخلق منه السمواتِ، وأمسك الفِهْرَ في موضعها، وبسَط منها الأرَضين. وذلك قوله تعالى: {أية : كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَـٰهُمَا } تفسير : [الأنبياء، الآية 30] وإما لإظهار كمالِ العنايةِ بإبداع العُلويات، وقيل: استوى: استولى وملك، والأولُ هو الظاهر، وكلمةُ (ثم) للإيذان بما فيه من المزِية والفضل على خلق السفليات لا للتراخي الزماني، فإن تقدّمَه على خلق ما في الأرض المتأخرِ عن دَحْوها مما لا مِريةَ فيه لقوله تعالى:{أية : وَٱلأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا } تفسير : [النازعات، الآية 30] ولما رُوي عن الحسن، والمرادُ بالسماء إما الأجرامُ العلوية فإن القصدَ إليها بالإرادة لا يستدعي سابقةَ الوجود وإما جهاتُ العلو. {فَسَوَّاهُنَّ} أي أتمهنّ وقوَّمهن وخلقهنّ ابتداءً مصونةً عن العِوَج والفُطورِ، لا أنه تعالى سواهن بعد أن لم يكن كذلك ولا يخفى ما في مقارنة التسوية والاستواءِ من حُسن الموقع، وفيه إشارة إلى ألا تغيُّرَ فيهن بالنمو والذُّبول كما في السُفليات، والضميرُ على الوجه الأولِ للسماء لأنها في معنى الجنس، وقيل هي جمعُ سماءةٍ أو سماوة، وعلى الوجه الثاني مُبهمٌ يفسّره قولُه تعالى: {سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ} كما في قولهم: رُبَّه رجلاً، وهو على الوجه الأول بدلٌ من الضمير، وتأخيرُ ذكرِ هذا الصُنع البديعِ عن ذكر خلقِ ما في الأرض مع كونه أقوى منه في الدلالة على كمال القدرةِ القاهرةِ كما نُبه عليه لما أن المنافعَ المنوطةَ بما في الأرض أكثرُ، وتعلقَ مصالحِ الناسِ بذلك أظهر، وإن كان في إبداع العلوياتِ أيضاً من المنافع الدينيةِ والدنيويةِ ما لا يُحصى. هذا ما قالوا، وسيأتي في حم السجدة مزيدُ تحقيقٍ وتفصيلٍ بإذن الله تعالى. {وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ} اعتراضٌ تذيـيليٌّ مقرِّرٌ لما قبله من خلق السمواتِ والأرضِ وما فيهما، على هذا النمط البديعِ المنطوي على الحِكَم الفائقةِ والمصالحِ اللائقة، فإن علمه عز وجل بجميع الأشياءِ ظاهرِها وباطنِها بارزِها وكامنِها وما يليق بكل واحد منها يستدعي أن يخلُق كلَّ ما يخلُقه على الوجه الرائق، وقرىء وهْو بسكون الهاء تشبـيهاً له بعَضْد.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}. قال: تستعينوا لتقووا به على طاعته لا لتصرفوه فى وجوه معصيته. وقيل: خلق لكم ما فى الأرض ليَعُدَّ نعمه عليكم فيقتضى الشكر من نفسك لطلب المزيد منه. قال أبو عثمان: وهب لك الكل وسخره لك؛ لتستدل به على سعة جوده وتسكن إلى ما ضمنه لك من جزيل العطاء فى المعاد ولا تستقل كثير بره على قليل عملك، فقد ابتداك تعظيم النعم قبل العمل وهو التوحيد. وقال ابن عطاء: {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} ليكون الكون كله لك وتكون لله كلاً تشتغل عمن أنت له. وقال بعض البغداديين فى قوله: {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} أنعم بها عليك، فإن الخلق عبدة النعم باستيلاء النعمة عليهم فمن طهر للحضرة أسقط عنه فالمنعم رؤية النعم. وقال أبو الحسن النورى: على مقامات أهل الحقائق انقطاعهم عن العلائق.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}. سخر لهم جميع المخلوقات على معنى حصول انتفاعهم بكل شيء منها، فعلى الأرض يستقرون وتحت السماء يسكنون، وبالنجم يهتدون، وبكل مخلوق بوجه آخر ينتفعون، لا بل ما من عين وأثر فكروا فيه إلا وكمال قدرته وظهور ربوبيته به يعرفون. ويقال مَهَّدَ لهم سبيل العرفان، ونبَّهَهُم إلى ما خصَّهم به من الإحسان، ثم علمهم علوَّ الهمة حيث استخلص لنفسه أعمالهم وأحوالهم فقال: {أية : لاَ تَسْجُدُوا للشَّمْسِ وَلاَ لِلقَمَرِ} تفسير : [فصلت: 37]. قوله جلّ ذكره: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. فالأكوان بقدرته استوت، لا أن الحق سبحانه بذاته - على مخلوق - استوى، وأَنَّى بذلك! والأحدية والصمدية حقه وما توهموه من جواز التخصيص بمكان فمحال ما توهموه، إذ المكان به استوى، لا الحق سبحانه على مكانٍ بذاته استوى.
البقلي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} لاعتباركم وامتحانكم حتّى يُميَّز بين الصّادق بتركها الوصوله الى خالقها وبين المدعى بسكونه اليها عن مدبرها وايضا خَلَقَ لكم ما في الارض جميعا لتطلبوا في الاشياء خالق الاشياء لانه اظهر نفسه في مرأة الكون للعارفين والمحبّين قال ابن عطاء ليكوُن الكون كلها لك وتكون للِه فلا يشتغل بمالك عَمَّن انت له وقال بعض البغدادييّن في قوله {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ} انعم عليك بها فان ----- عَبَدَهُ انعّم لاستيلاء النعمة عليهم فمَن ظهر للحضرة اسقط عنه بالمنعم روية النعم وقال ابو الحسين النّورىُّ العلى مقامات اهل الحقائق الانقطاعُ عن العلائق وقال ابن عطاء احكم التدبير فيهنّ {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} اي كما زين ملكوتَ الارض بانوار القدرة للمؤمنين فقصد الى تزين ملكوت السّماء بساء العزة للعارفين.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {جميعاً} حال مؤكدة من {ما}، و {ثم} للترتيب الذكري لا الخارجي؛ لأن دحو الأرض مؤخر عن خلق السماء، إلا أن يكون العطف على معنى الجملة، والتقدير: هو الذي خلق لكم الأرض مشتملة على جميع منافعكم، ثم استوى إلى السماء فخلقهن سبعاً، ثم دحا الأرض وبسطها. والتسوية: خلق الأشياء سالمة من العوج والخلل، و {سبع}: بدل من الضمير، أو بيان له، وجملة {وهو بكل شيء عليم} تعليل لما قبله. أي: ولكونه عالماً بكنه الأشياء كلها خلق ما خلق على هذا النمط الأكمل والوجه الأنفع. يقول الحقّ جلّ جلاله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ} لأجلكم {ما} استقر {فِي الأرْضِ جَمِيعاً} تنتفعون به في الظاهر قوتاً لأشباحكم، ودواء لأبدانكم، ومتعة لنفوسكم، وتنتفعون به في الباطن بالتفكر والاعتبار، وزيادة في إيمانكم وقوة لإيقانكم، ثم قصد {إلَى السَّمَاءِ} قصد إرادة، فخلقهن {سَبْعَ سَمَوَاتِ} مستوية تامة، ليس فيها تفاوت ولا خلل، تظلكم بِجِرْمِها، وتضي عليكم بشمسها وقمرها وكواكبها، وقد أحاط علمه بالأشياء كلها، فلذلك خلقها على هذا النمط الغريب والإتقان العجيب. الإشارة: يا عبادي خلقتُ الأشياء كُلَّها من أجلكم، الأرض تُقلكم، والسماء تُظلكم، والجهات تَكْتَنِفُكُمْ والحيوانات تخدُمكم، والنباتات تنفعكم، وخلقتكم من أجلي، فكيف تميلون إلى غيري، وتنسَوْن إحساني وبرِّي؟!!! الأشياء كلها عبيدكم وأنتم عبيد الحضرة، "أنت مع الأكوان ما لم تشهد المُكَوِّنَ، فإذا شهدتَ المكوِّنَ كانت الأكوانُ معك". وفي بعض الكتب المنزلة يقول الله تعالى: "حديث : يا عبدي؛ إنما منحتك صفاتي لتعرفني بها، فإن ادعيتها لنفسك سلبتُك الولاية، ولم أسلبك صفاتي، يا عبدي: أنت صفتي وأنا صفتك، فارجع إليَّ أرجع إليك، يا عبدي: فيك للعلوم باب مفاتحه أنا، وفيك للجهل باب مفاتحه أنت، فاقصد أيّ البابين شئت، يا عبدي: قربي منك بقدر بعدك عن نفسك؛ وبعدي عنك بقدر قربك من نفسك، فقد عرفتك الطريق، فاترك نفسك تصل إليَّ في خطرة واحدة، يا عبدي: كل ما جمعك علي فهو مني، وكل ما فرقك عني فهو منك، فجاهد نفسك تصل إليّ، وإني لغني عن العالمين، يا عبدي: إن منحتني نفسك رددتها إليك راضية مرضية، وإن تركتها عندك فهي أعظم بلية، فهي أعدى الأعادي إليك فجاهدها تَعُدْ بالفوائد إليك ". تفسير : وفي بعض الآثار المروية عن الله تعالى: "حديث : يا عبدي: أنا بُدُّك اللازم فالزم بُدَّك ". تفسير : ويمكن أن يشار بالأرض إلى أرض العبودية، وبالسماء إلى سماء الحقيقة، وبالسبع سماوات إلى سبع مقامات؛ وهي الصبر والشكر والتوكل والرضى والتسليم والمحبة والمعرفة. والله تعالى أعلم. ولما ذكر الخلق العالم العلوي والسفلي، ذكر كيفية ابتداء من عمَّر العالم السفليَّ من جنس الآدمي.
الطوسي
تفسير : المعنى: {هو} كناية عن الله عز وجل في قوله: {تكفرون بالله} واراد به تأكيد الحجة فقال: {كيف تكفرون بالله} الذي احياكم بعد موتكم {ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون الذي خلق لكم ما في الأرض} يعني الذي في الارض. و {ما} في موضع نصب، لأن الأرض وجميع ما فيها نعمة من الله لخلقه: اما دينية فيستدلون بها على معرفته، وإما دنيوية فينتفعون بها لضروب النفع عاجلا وقوله: {ثم استوى إلى السماء} فيه وجوه: احدها ـ ما قاله الفراء: من ان معناه اقبل عليها. كما يقول القائل: كان فلان مقبلا على فلان يشتمه، ثم استوى الي يشتمني، واستوى عليّ يشاتمني قال الشاعر: شعر : اقول وقد قطعن بنا شروري ثواني واستوين من الضجوع تفسير : أي أقبلن وخرجن من الضجوع وقال قوم: ليس معنى البيت ما قاله وانما معناه استوين على الطريق من الضجوع خارجات بمعنى استقمن عليه. وقال قوم: معنى استوى: قصدها لتسويتها كقول القائل: قام الخليفة يدبر أمر بني تميم، ثم استوى وتحول إلى بني ربيعة، فأعطاهم وقسم لهم اي قصد اليه. ويقال مر فلان مستوياً إلى موضع كذا ولم يعدل اى قصد اليها. وقال قوم: معنى استوى اى استولى على السماء بالقهر كما قال: {أية : لتستووا على ظهوره} تفسير : أى تقهروه ومنه قوله تعالى: {أية : ولما بلغ أشده واستوى} تفسير : أى تمكن من أمره وقهر هواه بعقله فقال: {ثم استوى إلى السماء} في تفرده بملكها، ولم يجعلها كالارض ملكا لخلقه ومنه قول الشاعر: شعر : فلما علونا واستوينا عليهم تركناهم صرعى لنسر وكاسر تفسير : وقال آخر: شعر : ثم استوى بشر على العراق من سيف ودم مهراق تفسير : وقال الحسن: ثم استوى امره وصنعه إلى السماء، لأن أوامره وقضاياه تنزل من السماء إلى الأرض وقال بعضهم استوى بمعنى استوت به السماء كما قال الشاعر: شعر : اقول له لما استوى في تراثه على أي دين قتل الناس مصعب تفسير : وأحسن هذه الوجوه أن يحمل على أنه علا عليها فقهرها، وارتفع فدبرها بقدرته، وخلقهن سبع سماوات، فكان علوه عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال، وبعد ذلك قول من قال: قصد اليها فخلقها، ولا يقدح في الأول علوه تعالى على الاشياء فيما لم يزل، لأنه وان كان كذلك لم يكن قاهراً لها بحلقها، لأن ذلك متجدد، وانما قال: إلى السماء ولا سماء هناك كما يقول القائل: اعمل هذا الثوب وانما معه غزل، وقال قوم: انما سواهن سبع سماوات بعد ان كانت دخانا والاول أملح، وقال الرماني السموات غير الافلاك لأن الأفلاك تتحرك وتدور واما السماوات لا تتحرك ولا تدور لقوله تعالى: {أية : إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا}تفسير : وهذا ليس بصحيح، لأنه لا يمتنع ان تكون السماوات هي الأفلاك وان كانت متحركة، لأن قوله تعالى: {يمسك السماوات والأرض أن تزولا} معناه لا تزول عن مراكزها التي تدور عليها. ولولا امساكه لهوت بما فيها من الاعمالات سفلا. ومعنى (سواهن) أي هيأهن وخلقهن وقومهن ودبرهن والتسوية: التقويم والاصلاح. يقال سوى فلان لفلان هذا الأمر أي قومه واصلحه. وقال الفراء: السماء واحدة تدل على الجمع فلذلك قال: {ثم استوى إلى السماء} فذكرها بلفظ الواحد. ثم اخبر عنها بلفظ الجمع في قوله: {فسواهن} وقال الأخفش: السماء اسم جنس يدل على القليل والكثير كقولهم اهلك الناس الدينار والدرهم. وقال بعضهم: السماء جمع واحده سماوة: مثل بقرة وبقر، ونخلة ونخل، وثمرة وثمر ولذلك أنثت فقيل هذه سماء، وذكرت أخرى فقيل: {أية : السماء منفطر به}تفسير : كما يفعل ذلك بالجمع الذى لا فرق بينه وبين واحده غير دخول الهاء وخروجها فيقال: هذا نخل، وهذه نخل وهذا بقر وهذه بقر. ومن قال بالاول قال: إذا ذكرت فانما هو على مذهب من يذكر المؤنث كقول الشاعر: شعر : فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض ابقل ابقالها تفسير : وقال اعشى بني ثعلبة: شعر : فلما ترى لمتي بدّلت فان الحوادث أزرى بها تفسير : وقال قوم: إن السماوات، وان كانت سماء فوق سماء. وارضاً فوق أرض فهي في التأويل واحدة، وتكون الواحدة جماعا كما يقال: ثوب أخلاق وأسمال؛ ورمة اعشار، للمتكسرة، وبرمه اكسار واجبار واخلاق، أي نواحية أخلاق ويقال ارض اعقال وارض اخصاب. والمعنى أن كل ناحية منها كذلك، فجمع على هذا. ولا ينافي ذلك قول من قال: إن السماء كانت دخاناً قبل أن يسويها سبع سماوات، ثم سبعاً بغير استوائه عليها. وذلك أنه يقول: كن سبعاً غير مستويات، فسواها الله تعالى فان قيل: قوله {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء} ظاهره يوجب أنه خلق الأرض قبل السماء، لأن {ثم} للتعقيب، وللتراخي. وقال في موضع آخر: {أنتم أشد خلقاً أم السماء بناها رفع سمكها فسواها} ثم قال: {والأرض بعد ذلك دحاها} هذا ظاهر التناقض. قلنا: المعنى في ذلك خلق الأرض قبل السماء غير أنه لم يدحها. فلما خلق السماء دحاها بعد ذلك ودحوها: بسطها، ومدها ومنه ادحية لنعام، سميت بذلك، لأنها تبسطها لتبيض فيها. ويجوز أن لا يكون معنى {ثم} و {بعد} في هذه الآيات الترتب في الاوقات والتقدم والتأخر فيها، انما هو على جهة تعداد النعم والاذكار لها. كما يقول القائل لصاحبه: أليس قد اعطيتك، ثم حملتك، ثم رفعت في منزلتك، ثم بعد ذلك كله خلطتك بنفسي وفعلت بك وفعلت. وربما يكون بعض الذى ذكره في اللفظ متقدما، كان متأخرا، لأن المراد لم يكن الاخبار عن اوقات الفعل، وانما المراد الذكر والتنبيه عليها. فان قيل أي نسبة بين قوله: {ثم استوى إلى السماء} وبين قوله: {وهو بكل شيء عليم} وكان يجب ان يقول: {وهو على كل شيء قدير} قيل انما جاز ذلك، لأن الله لما وصف نفسه بما يدل على القدرة والاستيلاء وصل ذلك بما يدل على العلم، إذ بهما يصح وقوع الفعل على وجه الاحكام، والاتقان. وايضاً اراد أن يبين انه عالم بما يؤول اليه حاله، وحال المنعم به عليه، فيستحق بذلك النعمة. وتلخيص معنى الآية ان الله تعالى هو الذى خلق لكم الأرض وما فيها من الجبال والمياه والاشجار، وما قدر فيها من الأقوات، ثم قضى خلق السماء بعد خلقه الأرض. ومعنى استوى أي عمد لها وقصد إلى خلقها، وسواها سبع سماوات فبناهن وركبهن كذلك ونظير ذلك قوله: {أية : أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام} تفسير : يعني يومين بعد اليومين الأولين حتى صار بذلك اربعة ايام ثم استوى إلى السماء. فمعنى قوله: {خلق لكم ما في الأرض جميعاً} هو الذي بينه بقوله: {وجعل فيها رواسي من فوقها..} الآية وجعل ذكره لذلك في الآية الأولى تأكيد الحجة على عباده لئلا يكفروا به، ولأن يؤمنوا به ويشكروه. وقوله: {كيف تكفرون} يدل انه تعالى ما اراد الكفر منهم، لأنه لو اراده منهم وخلقه فيهم لما قال ذلك. كما لا يحسن أن يقول: لم كنتم سواداً وبيضاً وطوالا وقصاراً. وقوله: وهي دخان فالذي روي في الاخبار أن الله تعالى لما خلق الأرض، خلقها بعد الماء فصعد منه بخار وهو الدخان، فخلق الله منه السماوات وذلك جائز لا يمنع منه مانع. وقوله: {وهو بكل شيء عليم} معناه عالم وفيه مبالغة. وانما أراد اعلامهم أنه لا يخفى عليه شيء من افعالهم الظاهرة والباطنة، والسر والعلانية.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : هذه الآية من أعظم الدلائل على شرَف الإنسان، ومن أقوى الوسائل إلى معرفة الرحمن. أما دلالتها على شرفه فبوجهين: أحدهما: ما وجّهه المفسّرون؛ وهو أنّها بيان لنعمة أُخرى بعد النعْمة الأُولى مرتّبة عليها، فإنّ الأولى كانت خلْقهم أحياءَ قادرين مرّة بعد أُخرى، وهذه خلْق ما يتوقّف عليه بقاؤهم النوعي بعد الشخصي، ويتمّ به معاشهم المبتني عليه معادهم. وما أحسنَ رعاية هذا الترتيب منه تعالى، فإن الإنتفاع بالأرض والسماء وما في كلّ منهما، إنّما يكون بعد حصول الحياة، فلهذا ذكَر الله أمر الحياة أولاً، ثمّ أردَفه بذكر الأرض والسماء. وقوله: {لَكُمْ}، يدلّ على أنّ المذكور بعد قوله: {خَلَقَ}، لأجل انتفاعنا في الدين والدنيا، أمّا في الدنيا، فلمصالح أبداننا، ولنتقوّى على الطاعات، وأمّا في الدين، فللتفكّر فيها، والتدبّر في آيات الأرض والسماء، وعجائب فطرة الله فيهما، فهذا دالّ على فضيلة الإنسان حيث خلَق الله لأجل انتفاعه وجميع ما في الأرض والسماء، كما قال: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الجاثية:13]. واستشكل هٰهنا بأن الله لا يفعل فعْلاً لأجل غرض، لأنّه لو كان كذلك لكان تعالى مستكمِلاً بذلك الغرَض، والمستكمِل بغيره ناقصٌ بذاته؛ وذلك على الله [تعالى] محالٌ، لأنّه منبع كلّ خيرٍ وكمال. وهذا أصل مستحكَم الأساس عند الحكَماء الأوائل، فإنَّهم أشدّ الناس إثباتاً لهذا الأصل، فقالوا: "إنّ العالي لا يلتفِت إلى السافل"، لكنْ حَجَبَ هذا الأصل طائفة من الناس عن كثير من الحقائق الدينيّة والقوانين الشرعيّة مثل مسئلتنا هذه. لا يقال: إنّ فعله تعالى معلّل بغرَض لا يعود إليه - بل إلى غيره -. لأنّا نقول: عود ذلك الغرَض إلى ذلك الغير، هل هو أولى به [تعالى] من عدمه، أوليس بأَوْلىٰ؟ فإن كان أَوْلىٰ به تعالى، فيعود المحذور المذكور. وإن لم يكن تحصيله غرضاً مؤثّراً أصلاً - والمفروض إنّه غرضٌ معللٌ به فعله تعالى. وأيضاً، كلّ من فعل فعلاً لغرَض، كان قاصراً عاجزاً عن تحصيل ذلك الغرض إلا بواسطة ذلك الفعل، والقصور والعجز محالان على الله تعالى. فهذه وغيرها هي وجوه دالّة على خلاف ما يستفاد من هذه الآية، وكثير من الآيات، ويبتنى عليه القوانين الدينيّة، وبه ترتبط المسائل المعاديّة من الحشر والجزاء والثواب والعذاب، والجنّة والنار، وما أشبهها، ولم أرَ أحداً ذكَر شيئاً مفيداً لحلِّ هذا الإعضال وفكّ هذا الإشكال. والذي يخطر بالبال في هذا المقام لدفع هذه العقدة من الأوهام: إن فعل الله ليس فعلاً واحداً، بل أفعال كثيرة حسب كثرة الموجودات الممكنة، والذي قامت البراهين على أنّه لا يكون معلّلاً بغيره، ولا ذا غاية سواه، هو فعله الخاصّ الذي صدر عنه أولاً وبالذات، أو فعله المطلق، فإنّ ما هو أحد هذين، فالفاعل والغاية فيه ذاته الأحديّة الصمديّة، وأمّا فعله الذي صدَر بعد ذلك، فهو معلّل بغرض، وهكذا لكلّ فعل ذي غرض غرض، حتى تنتهي الدواعي والأغراض والغايات إلى غاية لا غاية لها، وداع لا داعي له، وهو ذاته الذي هو غاية الغايات، ومنتهى الدواعي والرغبات. فالتراب - مثلاً -، فعْلٌ من أفاعيله الصادر عنه باستخدام فاعل طبيعيّ يسمّى الطبيعة الأرضيّة، وهي مَلَك من ملائكة التسخير، يتسخدمه فاعل فوقه يسمّى مَلَك الأرض، وهو مَلَك من ملائكة التدبير، وفوقه ملك آخر من ملائكة الإفاضة والتنوير اسمه قابض الأرواح، وهو تحت اسمه تعالى "القابض"، ولكلّ منها في فعله غاية فوقه، حتّى ينتهي إلى الله تعالى. وهذه الغايات والأغراض، هي التي فوق الأكوان. وأمّا التي تكون تحت الأكوان، فغاية التراب، والغرَض من خلقه أولاً هو المركّبات الأرضيّة كالمعدنيّة، ثم البذور وقواها النباتيّة، ثم النطَف والأغذية، ثمّ الأخلاط الدمويّة، ثمّ الأمشاج والأعضاء اللحميّة، ثم الأرواح البخاريّة، ثمّ النفوس الحيوانيّة، ثم الغرض منها الأرواح الأنسيّة الصاعدة إلى الدرجات السماويّة، والغرض منها معرفة الله، والانقطاع عن العوالِم بالكلّية، والإتّصال إلى الحضرة الأحديّة. فبهذا المعنى صحّ أن يقال: إن لأفعاله تعالى أغراضاً عائدة إليه، بشرط أن يدرك تحقيقه على وجه لا يؤدّي إلى إنثلام قاعدة التوحيد والتنزيه، بل تتحفّظ قاعدة: "إنّ العالي لا ينفعل عن منفعَلِه، ولا يستكمل الفاعل من فعْله". ومن لم يهتد إلى هذا التصوير، ولم يتنوّر باطنه بهذا التنوير، تكلّم في هذا "اللاّم" والتي في قوله: {أية : جَعَلَ لَكُمْ}تفسير : [البقرة:22]. والتي في قوله: {أية : لِتَهْتَدُوا} تفسير : [الأنعام:97] وفي قوله: {أية : لِيَعْبُدُونَ} تفسير : [الذاريات:56]. ونظائرها الكثيرة في القرآن، فقالوا: "إنّه تعالى لمَّا فعَل، ما لو فعله غيره لكان فعْله لذلك الشيء لأجل الغرَض، لا جرَم أطلق الله تعالى لفظ الغرَض بسبب هذه المشابهة". هذا غاية أفكارهم في هذا المقام - والله وليّ الهداية والإنعام -. والآية تقتضي أنّ الأصل إباحة الانتفاع بكلّ ما في الأرض للإنسان، إلاّ ما خرج بدليل، ولا يمنع تخصيص بعضها ببعض، ولا تحريم بعضها على بعض، لأنّها دلّت على أن الكلّ للكلّ، لا أن كلّ واحد لكلّ واحد. وقوله: {مَّا فِي ٱلأَرْضِ} يعمّ كلّ ما فيها، ولا يشملها، إلاّ إذا أريد من الأرض الجهات السفلية - لا الغبراء -، كما يراد بالسماء الجهات العلوية - لا الخضراء -، فيصدق على الأرض وما فيها جميعاً أنّها واقعة في السفل. وقوله: {جَمِيعاً} نصب على الحال من الموصول الثاني. فصل قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} من الآيات التي اختصّ بمعرفتها أهل القرآن خاصّة، وليس لغيرهم نصيب إلاّ مثل نصيب الأكْمَه لخبر النور، أو لحرارته. أما يتعلق بظاهر اللفظ: فـ "الإسْتِوَاء" أصله طلب السواء، واطلاقه على الاعتدال والاستقامة لما فيهما من تسوية وضع الأجزاء، فيقال. استوى العود - إذا قام واعتدل، ثم نقل فقيل: "استوى إليه" كالسهم المرسل إذا قصد [ه] قصداً مستوياً من غير أن يلوى على شيء آخر، وأما ما وجدوه من معناه فهو قولهم: "أي قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلْق ما في الأرض، من غير أن يريد فيما بين ذلك خلْق شيء آخر". والمراد بالسماء جهات العلو، كأنه قيل: "ثمّ استوى إلى فوق". وقيل: استَوىٰ بمعنى: استولى ومَلَكَ، كما قال: شعر : قد استوىٰ بشرٌ على العراق من غير سيفٍ ودمٍ مهراق تفسير : ومعنى: سوّاهن"، عدّلهن وخلقهن مصونة عن العوج والفطور، إلاّ عند قيام الساعة {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتْ}تفسير : [الإنفطار:1]. والضمير في {فَسَوَّاهُنَّ}، ضمير مبهم يفسّره {سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} كقولهم: "رُبّه رَجلاً". وقيل: راجع إلى السماء، لأنّها في معنى الجنس. وقيل: إن "السماء" جمع ومفردها "السماءة". والأول هو الأوجه في العربية، والمراد بالسماء هذه الأجرام العلوية. ثمّ وقع هٰهنا لهم إشكال من جهتين: آحداهما: إن كلمة "ثمّ" تعطي معنى التراخي والمهلة، فيناقض ما فسّر به معنى الاستواء كما سبق. وثانيتهما: إنّ المستفاد هٰهنا تناقض قوله: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَٰهَا}تفسير : [النازعات:30]. وأجيب عن الأول بأن "ثمّ" كما يكون للتراخي بين الشيئين بحسب الزمان، فقد يكون للتفاوت بينهما في الشرف والفضيلة، و "ثمّ" هٰهنا لفضيلة خلق السموات على خلْق الأرض - لا للتراخي في الوقت -، كقوله: {أية : ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [البلد:17]. وكقول الرجل: "أليس أعطيتك النعْمة العظيمة، ثمّ رفعت قدرك؟" ولعلّ ما أخّره في الذكر متقدّم في الوجود. على أن التراخي أيضاً لا يناقض ذلك، لأنّ معناه أنّه حين قصدَ إلى السماء بعد فراغه عن خلق ما في الأرض، لم يخلق خلْقاً آخر فيما بين ذلك. وعن الثاني: بأن جرم الأرض، وإن تقدم خلْقُه خلْقَ السماء، لكن دَحْوَها متأخّر عنه، لأنّ التدحية هي البسط. ولقائل أن يقول: هذا مشكل من وجهين: الأول: إنّ الأرض جسم عظيم، فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية، وما مع المتأخّر متأخّر، فإذا كانت التدحية متأخّرة، فلزم منها كون خلْقها أيضاً متأخّراً عن خلق السماء. والثاني: أن قوله: {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} يدلّ على أنّ خلق الأرض وخلق كل ما فيها متقدّم على خلق السماء، لكن خلق الأشياءِ في الأرض لا يمكن، إلاّ إذا كانت مدحوّة، فكونها مدحوّة تكون قبل السماء، وحينئذ يثبت التناقض. وذكر بعضهم للتفصّي عن هذا الإشكال بأن قوله: {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَٰهَا} تفسير : [النازعات:30] يقتضي تقدّم خلق السماء على الأرض، ولا يقتضي أن تكون تسويتها متقدّمة على خلق الأرض، فإذن لا تناقض. وأنت تعلم أن قوله: {أية : ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا}تفسير : [النازعات:27 - 28]. يقتضي أن يكون خلْقها وتسويتها جميعاً متقدّمين على تدحية الأرض، لكن تدحيتها - كما مرّ - لخلْق ذاتها، فحينئذ ذات السماء وتسويتها متقدّمان على ذات الأرض، فيعود المحذور. هذا تمام ما ذكروه في هذا المقام، ولم يتنقّح حال هذه المسئلة بقوّة افهام أولئك الأقوام، بل لا بدّ لدركها من الاهتداء بأنوار الكلام، والاعتصام بقوّة من بيده إفاضة العلم والحكمة والإنعام. قاعدة مشرقيّة [تقدم الغاية على الفاعل وتأخّره عنها] كلّ ماله كمال منتظَر، وقد تقدّم على شيء في الوجود بحسب الفاعليّة والمبدئيّة، فهو متأخّر عنه في كمال الوجود والتماميّة، وهذا مما أُقيم عليه البرهان، وطابَقه الكشف والوجدان، ويؤكّده الاستقصاء في الاستقراء، والاستيفاء في التتبّع من أهل البصيرة والايقان. فالنبات مثلاً، أوّله لبٌّ وبذر، وآخره بذر ولبٌّ، والحيوان - بما هو ذو نموّ واغتذاء - أوّله نطفة حاصلة عن غذاء، وآخره نطفة حاصلة عن أواخر هضوم الغذاء. وبما هو ذو حسّ وتخيُّل، كلما يحسّ به أو يتخيّله أولاً، يصل إليه أخيراً، فإنّ من أراد الأكْل، احضرت في حسّه بسبب وجود الجوع صورة المأكول، وفي خياله صورة الشبع، فحاول أن يستكمل صورة المأكول التي في حسّه بالأكل، وصورة الشبع التي في خياله بإدخاله من حدّ التخيل إلى حدّ العين، فالشبعان تخيّلاً هو الذي يأكل ليصير شبعان وجوداً، فالشبعان تخيّلاً هو العلّة الفاعليّة، والشبعان وجوداً هو العلّة الغائيّة. وكذلك الباني بيتاً للسكنى، يحضر في خياله أولاً صورة البناء على وضع يصلح لسكناه، فيسكن فيه أولاً، ثمّ يتحرّك في ضرب اللبنات وصنع الآلات، ويأخذ في صنعه شيئاً فشيئاً إلى أن يتم، فإذا تم وكمل يسكن فيه، فكان أول البغية آخر الدرك، وآخر البغية أول الدرك. فهكذا الحال في كلّ ماله فاعل وغاية في الأمور الزمانيّة والمكانيّة. حكمة عرشيّة [الإنسان في دائرة النزول والصعود] إذا قرع سمعك ما قرأناه بتوفيق الله، واهتديت بما اهتدينا به، فأحسن إعمال رويّتك فيه، وقسْ على ذلك نظائرها الباقية، وتدبَّر في هذه الآية من آيات ربّك، وانْظُر فيها بنظر الإمعان والاعتبار، وحدّق بصر بصيرتك في ملاحظة ما أُنزل معها من أنوار عالَم الأسرار، فقد ذكر الله فيها إن الله {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}، وقال في موضع آخر تأكيداً وتنويراً لهذا: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الجاثية:13]. وقوله: مخاطِباً للملائكة الأرضيّة والسماويّة: {أية : ٱسْجُدُواْ لآدَمَ}تفسير : [البقرة:34]. فسجَد الملائكة كلّهم أجمعون وقوله: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ} تفسير : [فصّلت:53]. فظهَر وتبيَّن من هذه الآيات والحجج البيّنات، أنّ الإنسان غاية جميع الأكوان، وثمرة وجود الأفلاك والأركان، وظاهر أن ابتداء هبوطه من العالم الأعلى والجنّة التي فيها آدم وزوجته، فهبَط منها مارّاً لى جميع الطبقات، لقوله: {أية : ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً} تفسير : [البقرة:38]. فإذا نزل بساحته منسلِخاً عن الفطرة كثيراً، وقيل لهم: {أية : ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [الأعراف:24]. ومعلومٌ عند أرباب الحكمة والعرفان، أن آخر منازل كل متحرّك سلك بحسب الجِبِلّة، هو أول مواطنه، فالإنسان حيث نزَل من عالَم الجنّة الإلهيّة، فلا بدّ في عروجه بحسب المنزلة الحقيقيّة النوعيّة أن يصعد إليها، والصعود إلى أعلى المراتب يمتنع، إلاّ بعد المرور على كلّ درجة يكون بينها وبين ابتداء الرجوع. فصعود الإنسان بحسب كماله النوعي أو الشخصي إلى طبقات ملكوت السموات، ممّا لا بدّ من وقوعه في السير الرجوعي إلى ربّه، كما قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ} تفسير : [الأنعام:75]. ورُبّ شخص إنساني وصَل إلى بعض الطبقات، ووقَف هنالك إلى أن يشاء الله، قال تعالى: {أية : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} تفسير : [الأنعام:132]. قاعدة أخرى مشرقيّة [خلق السماء مقدَّم على الأرض من وجه ومؤخَّر من وجه] ثمّ اعلم أن الإنسان بحسب سيره الباطني، كلّما وصَل إلى درجة من درجات الكون، اتّحد بها واتّصف بصفاتها وأحكامها، وصدَر منه أفعالها وآثارها المختصّة، أوَ لا ترى أنّه منذ أخذ في السلوك من أول تكوّنه من التراب، - وهو أنزل مراتب الأكوان -، ومن النطفة، - وهي أوهن الصور الجماديّة الحاصلة من امتزاج الأركان -، فكلّ مرتبة وصَل إليها من النبات والحيوان، تحقّق بحقيقتها واتّحد بماهيتها، حتّى وصل إلى الألطف فالألطف من الأكثَف فالأكثَف. فوصَل في جسميّته إلى جرم دخاني هو أشبه الأجرام بالسماء، وفي روحانيّته إلى عقْل يدرك به كلّيات الأشياء، فلا يزال يتصّفى ويترّقى روحاً وبدناً، إلى أن يتّحد بعقْله العقل الفعّال، وبجسمه صورة السماء المبرّأة عن تفاسد الأضداد والأمثال، وهكذا يترّقى - إذا ساعدته الهداية - من سماء إلى سماء [عليا]، ومن عقْل أدون إلى عقل أعلى، حتّى يصل إلى سدرة المنتهى، عندها جنّة المأوى، كما قال تعالى: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} تفسير : [فاطر:10]. وبما ذكر من هذه المقدمات، يتذكّر اللبيب البصير، ويتمكّن من أن يذعن، بأن الله بَنى ملك السموات وملكوتها تارةً أخرى، وعمّرها بأعمال بني آدم، وزيَّن بيوتها وبروجها وسقوفها وحيطانها بمصابيح أنوار عقولهم، واسْم السماء إنّما أُطلق عليها بعد سموّ قدْرها بارتقاء أرواحهم إليها، واتّصالهم بها، وتعمير الله إيّاها بزينة أعمالهم ومحاسن نيّاتهم، وكان اسمها فلكاً ومجرى للكواكب والدراري. وبناء هذه المقاصد أيضاً، على أن الطبائع متجدّدة سيّالة، متوجّهة من أنقص المراتب إلى أعلاها، وأنّ الكل بحسب ما ارتكز في جبلاّتهم وغرائزهم - إن لم يعقها عائق - متوجّهون نحو الحضرة الإلهية، فولّى الله وجوههم شطره، وقلوبهم نحوه، - إن لم يعدلوا عن طريق الحقّ، ولم ينسلخوا عن الفطرة بإغواء الشياطين الطاغية، واضلال النفوس المرَدة المردودة إلى أسفل سافلين -. فقد انكشف وتبيّن من تضاعيف هذه الأسرار اللطيفة، أن السموات كانت مقدّمة على الأرض وما فيها من وجْه، وهي أيضاً متأخّرة من وجه آخر. وهذان الوجهان، كما يجريان فيها بحسب مراتب الإنسان وبداياته ونهاياته، كذلك يجريان فيها بحسب أنفسها، فإنّ لكل فلك صورة نفسانيّة، ينبعث منها جوهر مادّتها، وتبتدئ منها حركة جِرمها بحسب استكمالاتها وتصوّراتها وتشوّقاتها، فلكل منها صورة نفسانيّة مشتاقة إلى جوهر كامل عقلي، لا بدّ أن يصل إلى كمالها وغايتها، وإلاّ لكان ما أودع الله فيها من التشوّق إليه، والتوسّل به إلى تقرب الباري للكلّ جلَّ شأنه هباءً وعبثاً - والله منزّه عن فعل العبث والجزاف -. فعلم من هذا سرّ كلامه: {أية : أَنَّ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا} تفسير : [الأنبياء:30]. فارتتاق كلّ منهما؛ كان ابهامه وعمومه، وقصور حاله، وعدم امتيازه عن غيره في خاصّ أفعاله، وانفتاقه، تحصّل ذاته، وتقوّمه بنفسه، وقيامه بخاصّ أفعاله، وبلوغه إلى كماله اللائق بحاله. تأييد استبصاري [الإنسان في دائرة النزول والصعود] إنّ في كلام سيّد الأولياء وخليفة الأنبياء، أمير المؤمنين وأخي خاتم النبيين - سلام الله عليهم وعليه وأخيه وأولاده أجمعين - ما يؤكد ما قررناه، وينوّر ما صوّرناه، حيث قال عليه السلام في بعض خطبه، مشيراً إلى الأكوان المتجددة في سلسلة العَوْد، الراجعة إلى مبدءها الأ'لى من المنزلة السفلى: "ثم أنشأ سبحانه فتق الأجواء وشقّ الأرجاء وسكائك الهواء، فأجرى ماء متلاطماً تيّاره، متراكماً زخّاره، حملَه على متن الريح العاصفة، والزعزع القاصفة، فأمَرها بردِّه، وسلَّطها على شدّه، وقرنها إلى حدّه، الهواء من تحتها فتيق، والماء من فوقها دفيق". "ثم أنشأ سبحانه ريحاً اعتقم مهبّها وأدام مُرَبُّها، وأَعْصَفَ مجراها، وأبعد منشأها، فأمرها بتصفيق الماء الزخّار، وإثارة موج البحار، فمخضته مخض السقاء، وعصفَت به عصفها بالفضاء، تردّ أوله على آخره، وساجِيَه على مائره، حتى عبَّ عبابه، ورمى بالزبد ركامه، فرفعه في هواء منفتِق وجوٍّ منفهق، فسوّى منه سبع سمٰوات، جعل سُفلاهنَّ موجاً مكفوفاً، وعلياهنَّ سقفاً محفوظاً، وسمكاً مرفوعاً، بغير عمدٍ يدعمها ولا دِسارٍ ينظمها". "ثم زيّنها بزينة الكواكب وضياء الثواقب، وأجرى فيها سراجاً مستطيراً، وقمراً منيراً، في فلك دائر، وسقف سائر، ورقيم مائر". "ثم فتَق ما بين السموات العُلى، فملأهنَّ أطواراً من ملائكته، منهم سجودٌ لا يركعون، وركوع لا ينتصبون". وجعل عليه السلام يصِف أطوار الملائكة وقبائلهم بفنون نشأتهم وأفاعيلهم ورسالاتهم بين الله وبين عباده، إلى آخر كلامه في هذا الباب، ففي ما ذكره - على أخيه وعليه وآلهما الصلاة والسلام - نص صريح بأن خلق السموات بعد خلق الأرضين، مع أن الدلائل العقلية والنقلية قائمة على خلاف ذلك أيضاً، فالوجه كما مرت الإشارة إليه. وقال العارف المتحقّق في الباب الواحد والسبعين وثلاثمأة [في الفتوحات]: "ولمّا خلَق الأرض سبع طباق، وجعل كلّ أرض أصغر من الأُخرى ليكون على كلّ أرض قبّة سماء، ولما خلق الأرض وقدّر فيها أقواتها، وكسى الهواء صورة النحاس الذي هو الدخان، فمن ذلك الدخان خلَق سبع سموات طباقاً أجساماً شفّافة، وجعلها على الأرض كالقباب، على كلّ أرض سماء أطرافها عليها نصف كرة، والأرض لها كالبساط، فهي مدحيّة دحاها من أجل السماء أن تكون فمادت فعادت بالجبال عليها فثقلت، فسكنت بها، وجعل في كل سماء منها كوكباً - وهي الجواري...". "... فلما سبحت الكواكب كلها، ونزلت بالخزائن التي في البروج، ووهبتها ملائكة البروج من تلك الخزائن ما وهبتها، أثرت في الأركان ما توارى فيها من جماد ونبات وحيوان، وآخر مولود الإنسان خليفة الإنسان الكامل، وهو الصورة الظاهرة التي جمع حقائق العالَم، وهو الذي أضاف إلى جمعيّة حقائق العالَم حقائق الحقّ الإلهي، التي بها صحّت له الخلافة الإلهية" - انتهى قوله. وقال تلميذه المحقّق صدر الدين القونوي قدّس سرّهما: إنّ أول الإنسان ومبدءه هو حال تعلّق الإرادة الإلهية باظهار تخصّصه الثابت أزلاً في علم الحق، ثمّ اتّصال حكم القدرة لإبرازه في تطوّرات الوجود، وامراره على المراتب الإلهية والكونية، وله في كل حضرة وعالم يمرّ عليه صورة تناسبه وحال يخصّه ووديعة يأخذها، يتفاوت ذلك بحسب استعداده حال التصوير. فكم بين من باشَر الحقّ تسويته وتعديله، وجمع له بين يديه المقدّستين، ثمّ نفخ فيه من روحه نفخاً استلزم معرفة الأسماء، وسجود الملائكة أجمعين، وبين من خلَقه بيده الواحدة، أو بواسطة ما شاء، وكون الملك هو الذي ينفخ فيه الروح بالاذن. كما ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "حديث : يجمع الله أحدكم في بطن أمّه أربعين يوماً نطفة، ثمّ أربعين يوماً علقة، ثمّ أربعين يوماً مضغة، ثمّ يؤمر الملك فينفخ فيه الروح فيقول: يا رب أَذَكَرٌ أم أنثى؟ أشقيّ أم سعيد؟ وما رزقه؟ وما أجله؟ ما عمله؟ فالحقّ يملي والمَلَك يكتب ". تفسير : فأين هذا من قوله: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [الحجر:29]. شتّان بينهما!". "فلا يزال الإنسان الكامل، الذي خُلِق للنهاية، مباشراً في سائر مراتب الاستيداع من لدن إقرار الإرادة في مقام القلم الأعلى، ثمّ في مقام اللوح النفسي، ثمّ في مرتبة الطبيعة، ثمّ في العرش المحدّد للجهات مستوى الاسم "الرَّحمٰن"، ثمّ في الكرسي مستوى الاسم "الرّحيم"، ثمّ في أجرام السموات السبع، ثمّ في العناصر والمولّدات إلى حين استقراره بصفة صورة الجمع بعد استيفاء أحكام مراتب الاستيداع". قال: "فكما هو الأمر أولاً، كذلك هو الأمر آخراً، بل الخاتمة عين السابقة فافهم" - انتهى ما ذكره. وظهر منه أن الإنسان الكامل بكلّ مرتبة مرّ عليها عند نزوله من عالم الوحدة، لا بدّ وأن يتلبّس بها، ويتصوّر بصورة تلك المرتبة عند صعوده إلى ذلك العالَم، ثمّ يخلع عنه لباسها، فيرد الودائع، ويؤدّي الأمانات إلى أهلها إن كان هو من أهل النهاية والكمال الأتمّ. حقيقة مثاليّة [الإنسان الكامل فيه صورة السمٰوات والأرض] إنّ الإنسان الكامل، مظهر جمعيّة الكلّ، وجوده بحسب الكون الزماني كصورة آدمي مستلقي، رِجْلُه إلى جانب الماضي منذ أوان خلق آدم عليه السلام، ورأسه إلى جانب المستقبل في أوان بعث الخاتم عليه وآله السلام؛ فكان الإنسان منذ خلَق الله أول آدمي إلى خلق محمد (صلى الله عليه وآله)، كان متدرّجاً في الاستكمال وتصفية الأحوال، حتّى بلَغ إلى غاية الفطرة، ومخّ رأس الآدميّة، وأمّ دماغ الإنسانيّة، بوجود محمد (صلى الله عليه وآله) - هذا بحسب الزمان وهو سبعة آلاف سنة -. وأمّا بحسب المكان؛ فالإنسان الكامل، كشخص قائم عند الله، ثابت في الأرض قدماه، خارجٍ عن أكناف السماوات عنقه، بالغَ إلى حد العرش العظيم عِظام رأسه، كما وصَف أمير المؤمنين، سيّد الموحّدين عليه السلام قبيلة من الملائكة بقوله: "ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونه تعالى أبصارهم متلفّعون تحته بأجنحتهم، لا يتوهّمون ربّهم بالتصوير، ولا يجرون عليه تعالى صفات المصنوعين، ولا يُحدّونه بالأماكن، ولا يشيرون إليه بالنظائر" - انتهى كلامه عليه السلام. وهٰهنا وجه آخر؛ وهو أن قوله: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}، إشارة إلى تسويته تعالى باطن الإنسان وسماء عقله سبع درجات باطنيّة معروفة عند أهل الحقيقة، وهي: النفس والقلب، والعقل، والروح، والسرّ، والخفي، والأخفىٰ. وتوجيه ذلك، بأنه تعالى لما ذكر في الآية السابقة: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [البقرة:28]، مشيراً إلى أنه تعالى أخرج خلق الإنسان من أدنى المراتب، وصوّره صورة بعد صورة، وأحياه حياة بعد كلّ ممات، وكمالاً بعد كل نقص، حتى رجع إليه تعالى، وعاد إلى ما بدأ منه، كما قال تعالى: {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ} تفسير : [الأنبياء:104]. أراد إلى كيفية هذا الرجوع وبيان هذه الإعادة على ضرب من التفصيل بعدما أجمَل فيه، فقال: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً}، إشارة إلى طيّه في السلوك إلى الله تعالى جميع الدرجات الأرضية - من الجماديّة والنباتيّة والحيوانيّة -، {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} أي قصد بإرادته إلى سماء عقله {فَسَوَّاهُنَّ} سبعة أطوار {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} إذ قد جمع علْم الأسماء كلها في هذا النائب الربّاني، والخليفة السبحاني تأييداً وتنويراً لقوله: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الجاثية:13]. وقوله: {أية : وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} تفسير : [لقمان:20]. وقوله: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} تفسير : [الإسراء:70]. ثم يأتي بعد هذه الآية شرح ماهيّة الإنسان، وبيان خلافته لله تعالى، وسرّ مسجوديّته للملائكة أجمعين، لارتباطه بهذا المقصود، من كون الإنسان سالكاً بقَدَمَي العلْم والعمل إلى خدمة المولى المعبود. فصل [السماوات السبع] إنّ ما ذكر في القرآن من عدد السموات لا يزيد على السبع، وأما أهل الهيئة وأصحاب التعاليم الرصديّة، فزعموا أنّ الأفلاك الكليّة تسعة: سبعة للسيّارات - كلٌّ في فلك - وثامنها للكواكب الثابتة في أوضاعها، البطيئة في حركتها الخاصّة بها. وأما الفلك التاسع فهو الفلك المحيط بالكلّ، المحرّك للكلّ حركة سريعة يخالف في الجهة لحركات البواقي. وذلك لأنّهم وجدوا كلّ كوكب متحركاً بحركة سريعة شرقيّة مشتركة، وبحركة بطيئة غريبة مختصّة به، وهم قد ذكروا في كتبهم وجه انحصارها وترتيبها المشهور. أما وجه انحصار الأفلاك الكليّة في تسعة - ومعنى الفلك الكلّي عندهم ما تنتظم به إحدى الحركات المحسوسة المعلومة بالنظر الجليل بحسب الرصد - فهو أنّهم في بادئ نظرهم رأوا تسع حركات مختلفة، فأثبتوا تسعة أجرام متحرّكات فلكيّة. وهذا الوجه ضعيف، إذ يمكن أن تستند إحدى هذه الحركات - إمّا الشرقيّة السريعة أو البطيئة الشاملة - لحركات الأوجات والجوزهرات، لا إلى جرم مختص، بأن تتعلق بمجموع الأفلاك الثمانية نفس تحركها إحدى تينك الحركتين، بل لا حاجة إلى الثامن - كما ذكره صاحب التحفة من المتأخّرين -، وقد استفاده من بعض من تقدّم عهده، لإمكان أن يتعلّق نفس بمجموع السبعة يحرّكه بإحدى الحركتين، وأخرى بالسابع يحرّكه بالأخرى. هذا في جانب القلّة؛ وأما في جانب الكثرة، فتجويز الزيادة مما لا مانع عنه، بل يجوز أن تكون حركات الكواكب الغير السيّارة متفاوتة المقدار كلّها، تفاوتاً قليلاً لا يدركه الحسّ، فيكون على أصولهم كلّ منها في فلك آخر. بل هذا الاحتمال جارٍ في هذه الحركة الشرقيّة السريعة الشاملة للكلّ، إذ يجوز أن يكون لكلّ من الأفلاك من هذه السريعة، حركة غير ما للأخرى بتفاوت يسير، لا يبلغ في ألوف من السنين إلى قدر يدركه الإنسان بحسب الأرصاد السابقة واللاحقة، على أن تساوي الحركات، لا يوجب وحدة الجرم المتحرك بها. ثمّ إنّهم اضطروا إلى اثبات أفلاك أخرى من جهات: منها: حديث الإقبال والإدبار في الفلك، الذي وجده بعض أرباب الطلسمات وغيرهم، زاعمين أن غاية كلّ منهما ثمانية درجات، يتمّ كل من الغايتين في ستمائة وأربعين سنة. ومنها وجدان الميل الأعظم بين المنطقتين متناقضاً عمّا وجده أصحاب الأرصاد القديمة، فإنّ أهل الهند منهم وجدوه أربعة وعشرين جزءاً، وكان هذا في القدماء رأياً شائعاً، وقالوا: "بسبب ذلك استخرج إقليدس في كتابه شكلاً ذا خمسة عشر ضلعاً في الدائرة، بسبب أن كل ضلع منه وتر هذه الحصّة من الدور، ثم وجد بعد بطلميوس بالحلقتين الموصوفتين في أول المجسطي، أقلّ من ذلك مطابقاً لما وجده أبرخس وهو "كحناك"، ثمّ وجد بعد ذلك بإرصاد المأمون أقلّ منه، ووافَقه رصَد بني موسى بدار السلام، ثمّ وجده جماعة كأبي الوفاء وأبي حامد الصغاني أقلّ ممّا وجده المأمون، ثمّ رصد الخجندي في أيام فخر الدولة بآلة لم يستعملها أحدٌ إلى هذه الغاية سماها "السُدس الفخري" فوجده ثلاثة وعشرين ونصف جزء، بزيادة دقائق ثلاثة تقريباً. ومنها اختلافات أُخرى عديدة، توجب عليهم إثبات أفلاك أُخر غير ما اشتهر - كعدم تشابه حركات المتحيّرة حول مراكز أفلاكها الخارجة، وكتشابه حركة خارج المركز للقمر حول مركز العالَم، وكميول ذرى تداوير المتحيّرة وحضيضاتها عن صفحة ما فيها مراكزها، وكانحراف القطر المارّ بالبُعدين الأوسطين للزهرة وعطارد -. وأما الترتيب فيها على الوجه المقرّر عندهم، فذكروا في بيانه أن المحرّك للكلّ يجب أن يكون محيطاً به على ما تشهد به الفطرة السليمة، وإن بعض الثوابت ينكسف بزحل، المنكسف بالمشتري، المنكسف بالمريخ، المنكسف بالزهرة، المنكسفة بعطارد، المنكسف بالقمر، الكاسف للشمس؛ ولا شكّ أن فلك المنكسف فوق فلك الكاسف. لكنه بقي الأمر في كون فلك الشمس تحت فلك المرّيخ، وفوق فلك الزهرة، فما تيقّنوا في ذلك، إذ طريقة الكسف لا تتمشّى بين الشمس وغير القمر من الكواكب، لاضمحلالها تحت الشعاع عند مقارنتها اياها. فعلم الأول بطريقة أخرى هي اختلاف المنظر، فإن المرّيخ ليس [له] اختلاف منظر أصلاً بخلاف الشمس، فيكون فوقها، وبقي الثاني، بل كونها فوق عطارد أيضاً مشكوك فيه إلى الآن، فإنّ الآلة التي بها استعملوا اختلاف المنظر إذا استعملوها وهي ذات الشعبتين تنصب في سطح نصف النهار، وهما عند وصولهما إليها غير مرئيّتين في معظم المعمورة، لأن كلاً منهما لا يبعد عن الشمس بمقدار يمكن ظهورهما في نصف النهار عند اختفاء الشمس. فاضطرّوا في توسّطهما بين المريخ والزهرة إلى طريقة الاستحسان، من كونها بين السبعة كشمسة القلادة، وتأكّد ذلك الرأي بما حكي عن جماعة منهم الشيخ أبو علي أنهم رأوا الزهرة كشامة على وجه الشمس، أو اياها مع عطارد كشامتين على وجهها. وهذا أيضاً ضعيف، لأن منهم من زعم أن في وجه الشمس شامة، كما إنّه حصل في وجه القمر المحو. ثمّ إن أباريحان البيروني قال في تلخيصه لفصول الفرغاني: "إنّ اختلاف المنظر لا يحسّ إلاّ في القمر"، فبطل ما عوّلوا عليه، وبقي موضع الشمس مشكوكاً فيه. وظنّ بعض المتأخّرين كمؤيّد الدين العرضي وقطب الدين الشيرازي بدليل لاحَ لهم في الأبعاد، أن فلك الشمس بين فلكي زهرة وعطارد. هذا خلاصة ما ذكروه في الترتيب، فعلم أنّ طريقة الرصد والحسّ على ما هو مسلك التعلميّين ناقصة في إدراك الأمور السماويّة، بل لا يحيط به إلاّ مُبدعها ومُنشئها، فوجب الاقتصار فيها على طريقة السمع، فإنها تدلّ على تحقّق سبع سموات، وتحقّق جسمين عظيمين غيرهما: أحدهما العرش، والآخر الكرسي - إنْ لم يكن المراد بهما العقل الكلّي والنفس الكلّية، أو اللوح والقلم، أو القضاء والقدر -. فصل [علْم الله تعالى] قوله: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}، يدل [على] أن ذاته تعالى لما كان سبباً لجميع ما في الأرض والسماء، وذاته عالمة بذاته - لكونه غير محتجب عن ذاته بسبب أغشية ولواحق غريبة، بها يغيب الشيء عن نفسه، لتجرده عنها، وتقدمه على سائر الأشياء -، فهو غير مكتنف بأمر غريب عن صورة ذاته الإلهية، فيكون عالماً بذاته، والعلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول، فيكون عالماً بكل شيء. لكن علمه بذاته لمّا كان عين ذاته، فعلْمه التفصيلي بما سواه، يجب أن يكون نفس ذوات ما سواه، لأن ذاته سبب لِما سواه، وعلمه بذاته سبب لعلمه بما سواه، والعلّتان - وهما ذاته وعلمه بذاته - واحدة بالذات، فيجب أن يكون المعلولان - وهما ما سواه وعلمه بما سواه - واحداً بالذات، فيكون علمه بكل شيء عين وجود ذلك الشيء، فعلمه بكل شيء على وجه جزئي، خلافاً لما اشتهر من شرذمة من المتفلسفة - خذلهم الله - أنّه لا يعلم الجزئيّات الماديّة. واعلم [أنّ] علمه تعالى بالأشياء علمان: واجب وممكنٌ. فالأول: علم كماليّ فِعليّ هو عين ذاته المقدّسة، فإن ذاته حقيقة ينشأ منها جميع الحقائق، كما أنّ العقول البسيطة عندنا علة يصدر منها مفصل المعقولات. والثاني: علم تفصيلي، هو صورة كل واحدة واحدة من الحقائق الامكانية، سواء كانت مقارنة لذاته - كما ذهب إليه الحكماء المشّاؤون وأتباعهم كأبي نصر وأبي علي -، أو مبائنة عنه تعالى - كما عليه الإشراقيون وغيرهم -، أو غير زائدة على أسمائه وصفاته - كما رآه آخرون من العُرَفاء. قال بعض الحكماء من أتباع أرسطو مشيراً إلى هذين العلمين: "واجب الوجود مبدء كل فيض، وهو ظاهر، فله الكلّ من حيث لا كثرة فيه، فهو من حيث هو ظاهر [فهو] ينال الكلّ من ذاته، فعلمه بالكلّ بعد ذاته، وعلمه بذاته نفس ذاته، فيكثر علمه بالكلّ كثرة بعد ذاته، ويتّحد الكل بالنسبة إلى ذاته، فهو الكلّ في وحدة" - انتهى. واعلم أن تحقيق القول في علمه تعالى، يحتاج إلى خوض عظيم في بحر علوم المكاشفة، ولا يكفي في ذلك مقروعات الأسماع من غير بصيرة قلبيّة بعين اليقين. قال صاحب التفسير الكبير "هذه الآية تدل على فساد قول الفلاسفة القائلين بعدم علمه بالجزئيات، وصحة قول المتكلّمين في اثبات علمه بها، واستدلوا على ذلك بأنّه تعالى فاعل لهذه الأجسام على نهج الإتقان والإحكام، وكلّ ما هو كذلك يكون عالِماً بما فعله. وهذه الدلالة بعينها ذكرها الله تعالى في هذا الموضع، لأنّه ذكر خلق السموات والأرض، ثمّ فرّع على ذلك كونه عالِماً. فثبَت أن قول المتكلّمين مطابق للقرآن مذهباً واستدلالاً. ويدل أيضاً على فساد قول المعتزلة، لدلالته على أن موجد كل فعل لا بد وأن يكون عالماً به على سبيل التفصيل، فلمّا لم يكن الإنسان عالماً بكنه ما يصدر منه، علمنا انه غير موجد له". أقول: أما الفلاسفة فلم ينفوا علمه تعالى بالجزئيّات بحسب شخصيّاتها، إلاّ أنهم قالوا: "ليس نحو علمه تعالى بها من الإحساس والتخيّل"، ومناط الجزئيّة والامتناع عن الصدق على كثيرين عندهم أحد هذين الأمرين - سواء كانوا مصيبين في ذلك أو مخطئين -. ولَعَمري، إنّ خطأ الحكماء وجهلهم في باب المعرفة، أولى من إصابة المتكلّم من غير بصيرة. ويؤيد ما ذكره، قول معلّمهم ومقدّمهم أرسطاطاليس حيث قال في كتابه المعروف بالمعرفة الربوبيّة بمثل هذه العبارة "إنّ العقل يجهل ما فوقه - وهي العلّة الأولى - [ولا يعرفها] معرفة تامّة، وإلاّ لكان هو فوقها، ومحال أن يكون الشيء فوق علّته وعلّة لعلّته، وهذا قبيح جداً، والعقل يجهل ما تحته أيضاً، لأنّه لا يحتاج إلى معرفتها، لأنّها فيه وهو علّتها، وجهل العقل ليس عدم المعرفة، بل [هو] المعرفة القصوى، وذلك أنّه يعرف الأشياء لا كمعرفة الأشياء نفسها، بل فوق ذلك وأفضل وأعلى، لأنّه علّتها، فمعرفة الأشياء بأنفسها عند العقل جهل، لأنّها ليست معرفة صحيحة ولا تامّة، فلذلك قلنا إن العقل يجهل الأشياء التي تحته، نعني بذلك أنّه يعرف [الأشياء التي] تحته معرفة تامّة، لا كمعرفتها بأنفسها، ولا حاجة له إلى معرفتها، وكذلك النفس تجهل معلولاتها بالنوع الذي ذكرناه آنفاً، ولا تحتاج إلى معرفة [شيء من الأشياء] إلاّ إلى معرفة العقل والعلّة الأولى لأنّهما فوقها". وأما المعتزلة، فهم لا يقولون بأنّ العبد خالقٌ لحقائق ما صدرت عنه، بل هو بإرادته مبدأ لحركات وسكنات كالأكل والشرب، والقيام والقعود وغيرها، وله من العلم بها ما يكفي لرجحان أحد جانبي الحركة أو السكون على الآخر، وهما الوقوع واللاّوقوع. وحاشا مَن له أدنى مسكة من العقل، أن لا يعقل أن الصبّاغ - مثلاً - منّا ليس موجداً لحقيقة الصبغ، ولا لحقيقة الكرباس، ولا لصيروة الكرباس قابلاً للصبغ، ولا لكونه مصبوغاً بالفعل - أي منفعلاً عن تأثير الصبغ فيه - فإنّ مَن اشتَبه عليه ذلك، فهو خارج عن حدود أهليّة البحث والنظر، بل الخلاف في أن حركات الصبّاغ كالجمع بين الكرباس والصبغ، وكتفريق الصبغ عليه مِن فِعْل العبد أوْلاً، وكذلك في سائر الأبواب كالبِناء، والتوليد، والكتابة، والزراعة وغيرها. ثمّ قال: قالت المعتزلة: "إذا وقع الجمع بين هذه الآية وبين قوله: {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يوسف:76]. ظهَر أنّه تعالى عالِمٌ بذاته". والجواب إنّ قوله تعالى: {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يوسف:76] عامٌّ؛ وقوله: {أية : أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ}تفسير : [النساء:166]. خاصٌّ، والخاصّ مقدّمٌ على العامّ. أقول: الأول مبيَّن، لدلالته على أنّ في الوجود عليماً يفوق على سائر العلماء، ويكون علمه عين ذاته، إذ لو كان ذا علم - أي عالماً بعلم زائد -، لكان فوقه عليمٌ آخر فيلزم التسلسل. والثاني مُجْمَلٌ، لاحتماله أنّه أنزله بعلمه الذي هو نفس ذاته، أو بعلمه الذي هو زائدٌ عليه؛ والمبيَّن مقدّم على المُجْمَل. تذييل تقديسي [شمول علمه تعالى الجزئيّات] اعلم أنّ علمه تعالى كسائر صفاته مجرد - أي غير عارض لماهيّة -، لأنّه تعالى منزّه عن الماهيّة، صَمَدٌ حقٌّ؛ وكلّ فرد مجرّد، لأنّه يجب أن يكون قد خرج فيه إلى الفعل جميع كمالاته الحقيقيّة، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها. لأنّه لا جهة له سواها. ونحن قد حقّقنا في مقامه "أنّ كل بسيط الحقيقة يجب أن يكون كلّ الموجودات"، وأقمنا عليه البرهان. وما كله الشيء، فهو الشيء كله، وإلاّ كان الشيء قاصراً عن ذاته - وهو محال -، وما هذا شأنه، يستحيل فيه التعدّد، فإنّ كلّ الشيء لا يتعدّد. فالعلم هناك واحد، ومع وحدته يجب أن يكون علماً بكل شيء، إذ لو بقي شيء ما لا يكون ذلك العلم علماً به، ولا شك أن العلم به من جملة مطلق العلم، فلم يخرج جميع العلميّة في ذلك إلى الفعل، لكنّا بينّا أنّ ذلك واجب. والكلام في سائر الصفات على هذا القياس، ومن أشكل عليه أن يكون علم الحقّ عزّ وجلّ مع وحدته عِلْماً بكل شيء، فذلك لأنّه ظنَّه واحداً وحدة عدديّة، وليس كما ظنّ، إذ كما أنّ وحدته ليست كسائر الوحدات، ولا كالآحاد، فكذلك وحدة صفاته، وهذا من غوامض الإلهيّة. واعلم أنّ نحو العلم هنالك، على عكس نحو العلم عندنا، لأنّ المعلوم هنالك من العلم يجري مجرى الظلّ من الأصل، فما عند الله هو الحقائق المتأصّلة التي تنزل الأشياء منها منزلة الصور والأشباح. قال بعض المحقّقين: إنّ ما من الأشياء عند الله أحقّ بها مما عند أنفسها. والعلم هناك في شيئيّة المعلوم وتحقّقه، أقوى من المعلوم في شيئيّة نفسه وتحقّقها، فإنّه محقِّق الحقيقة ومُشَيِّء الشيء؛ والشيء مع نفسه بالإمكان، ومع مُشَيِّئِه ومحقِّقه بالوجوب، وتأكّد الشيء فوق الشيء، وكمال الوجود فوق الوجود. وهذا ممّا يحتاج دركه إلى تلطّف شديد، وصفاء أكيد، والله على ما أقول شهيد، وخاب كلّ جبّار عنيد.
الجنابذي
تفسير : تحقيق خلق جميع الاشياء حتى السّموم وذوات السّموم لنفع الانسان {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ} الجملة حال عن سابقتها او مستأنفة ولم يأت باداة الوصل للاشعار بكثرة النّعم وانّها ينبغى ان تعدّ كالمعدودات الكثيرة فى معرض التّعداد {لَكُمْ} اى لايجادكم وخلقكم فانّ كلّما فى الارض تقدمة لخلق الانسان بل كلّ ما سوى الله مقدّمة لخلق الانسان فانّه كما حقّق فى محلّه آخر الانواع وآخر الفعل أشرف لانّه غايته فهو غاية الغايات ونهاية النّهايات بل نقول: لمّا كان الغرض الزائد على ذات الحقّ تعالى منفيّاً عن فعله للزوم استكماله وهو محال كما قرّر فى موضعه فجعل الانسان غاية وغرضاً دليل على انّه ينتهى الى ذات الحقّ وما انتهى الى ذاته فهو أشرف من كلّ شريف بعده تعالى، او المعنى لانتفاعكم فى بقائكم فانّ الانسان فى بقائه محتاج الى اصل العناصر ومواليدها، او المعنى لخلقكم وانتفاعكم فى بقائكم جميعاً وما يتراءى من عدم توقّف خلقة الانسان او بقائه على اكثر المعادن والنّباتات والحيوانات بل التّضرّر ببعضها كالسّموم وذوات السّموم خطاء من عدم الاطّلاع على كّفيّة الارتباط بين المعلولات فانّ بعضها أصل ومقصود بالذّات، وبعضها علّة لخلقة ما هو المقصود او لكماله، وبعضها شرطٌ وبعضها لازم كما هو مشهود فى موجودات ارض العالم الصّغير فانّه لا اختصاص لقوله تعالى شأنه {مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} بارض العالم الكبير بل نقول كلّما ذكر ارض وسماء فالنّظر اوّلاً الى العالم الصّغير وما لم يعرف فى العالم الصّغير لا يعرف فى العالم الكبير لانّه نسخة موجزة عن الكبير بمطالعته يمكن مطالعة ما فى الكبير وما فى ارض العالم الصّغير امّا علّة او شرط لحدوث الانسان الحقيقىّ الّذى هو آدم أبو البشر او لبقائه، او علّة او شرط لكماله وتجمّله، او لازم لحدوثه وبقائه او علّةٌ بوجهٍ ولازمٌ بوجهٍ فانّ الاعضاء الرّئيسة يتوقّف عليها حدوث الانسان وبعض الاعضاء الآخر شرط لحدوث الاعضاء الرّئيسة او لحفظها، وبعضها شرط لبقاء الانسان، وبعضها لتجمّله، وبعضها لازم لخلقته، وبعضها شرط بوجهٍ، ولازم بوجهٍ، فانّ الطّحال والمرارة كذوات السّموم والمرارة كالسّموم وفيها منافع ذكرت فى مقامها، والشّعر والظُفر مع أنّهما اخسّ الاجزاء ولا حياة لهما لازمان لخلقته وبقائه، ويتوقّف عليهما تجمّله، واذا اريد بالارض والسّماء الارض والسّماء اللّتان فى العالم الصّغير لم يبق اشكالٌ فى عطف قوله تعالى {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} بثمّ فانّ خلقة سماوات العالم الصّغير من حيث اضافتها الى ارضه بعد تمام ارضه وتمام ما فيها وامّا فى العالم الكبير فان اريد بالسّماء الاجرام العلويّة فخلقتها مع خلقة ارضه، وان اريد بالسّماء الارواح لعلويّة فخلقتها قبل ارضه، وكلّما ذكر فى الاخبار ممّا يدل على تأخّر خلق السّماء عن الارض فهو منزّل على العالم الصّغير وعلى تنزيل الآية على العالم الكبير فالعطف بثمّ لتفاوت الاخبارين والخلقتين والاستواء هاهنا القصد اى قصد خلق السّماء {فَسَوَّاهُنَّ} اى خلقهنّ تامّة مصونة عن العوج والفطور وجمع الضمير لكون السّماء جنساً فى معنى الجمع او لرعاية الخبر {سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} تحقيق عدد السّماوات والارضين ومراتب العالم سيجيئ من بعد ان شاء الله {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} عطف على قوله هو الّذى خلق، او حال عن فاعل خلق، او عطف على كنتم امواتاً، او حالٌ عن فاعل احدى الجمل السّابقة على قوله هو الّذى خلق، وعلى اىّ تقدير فالمقصود التّهديد عن الكفر وتعليل انكاره بأنّه عالم بكفركم فيؤاخذكم عليه، وعلمه بالاشياء عين وجود الاشياء فهو علم حضورىّ كعلمنا بالصّور الحاضرة فى نفوسنا فانّ وجودها علم لنا ومعلوم، وهذا علمه الّذى هو مع الاشياء وامّا علمه بالاشياء الّذى هو قبلها فله مراتب، مرتبة منها عين ذاته، ومرتبة عين فعله، ومرتبة عين القلم، ومرتبة عين اللّوح المحفوظ، ومرتبة عين لوح المحو والاثبات، وتحقيق علمه فى الحكمة النّظريّة وليس هاهنا محلّ تحقيقه وتفصيله.
الهواري
تفسير : قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم} أي سخَّر لكم {مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}. في تفسير بعض أهل العلم أن الله خلق السماوات قبل الأرض، ثم خلق الأرض ثم استوى إلى السماء. وفي تفسير الحسن أنه كان بدءُ خلقِ اللهِ الأرضَ قبل أن يبسطها؛ كانت في موضع واحد، موضع بيت المقدس، ثم خلق السماوات، ثم بسط الأرض فقال لها: انبسطي أنت كذا، وانبسطي أنت كذا. ذكروا عن عطاء أنه قال: بلغني أن الأرض دحيت دحياً من تحت الكعبة. وقال بعضهم: من مكة دحيت الأرض. ذكروا عن مجاهد قال: كان البيت قبل الأرض بألفي عام، ومدّت الأرض من تحته. ذكروا عن ابن عباس في قوله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} [البقرة:29] وعن قوله: (أية : ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا)تفسير : [النازعات:27-30] قال: إنه خلق الأرض ثم خلق السماوات، ثم عاد فدحا الأرض وخلق فيها جبالها وأنهارها وأشجارها ومرعاها، ثم استوى إلى السماء. وقوله هنا: ثم استوى إلى السماء صلة: يقول: خلق الأرض ثم خلق السماء. وذكروا عن الحسن أنه قال: لما خلق الله الأرض جعلت تميد فلما رأت ذلك ملائكة الله قالوا: ربَّنا هذه الأرض لا يقرُّ لك على ظهرها خلق؛ فأصبح وقد وَتَدها بالجبال. فلما رأت ملائكة الله ما أرسيت به الأرض قالوا: ربنا هل خلقت خلقاً أشد من الجبال؟ قال: نعم، الحديد. قالوا: ربنا هل خلقت خلقاً أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار. قالوا: ربنا هل خلقت خلقاً هو أشد من النار؟ قال: نعم، الماء. قالوا: ربنا هل خلقت خلقاً أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح. قالوا: ربنا هل خلقت خلقاً هو أشد من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم.
اطفيش
تفسير : {هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأَرْضِ جَمِيعاً}: هذا بيان للنعمة الأخرى مرتبة على قوله: {فأحياكم} أى خلق لهم منافع الأرض ينتفعون بها، ويعتبرون بها. حياتهم الدنيا، واللام: للتعليل أى خلق لأجلكم ما فى الأرض جميعاً تنتفعون به فى الدنيا والآخرة. ولم يخلق فيها شيئاً لغير ذلك. فبعض ما فى الأرض ينتفعون به نفسه لا بد أنكم ودنياكم بلا واسطة، كالثمرة والبطيخ والدلاع والعسل والسكر ونحو ذلك، مما يؤكل أو يتداوى مستقلا وبعض ما فيها تنتفعون به بواسطة غيره كالدباء وأنواع القرع، فإن ذلك ينتفع به بواسطة الطبخ، وكالأدوية المركبة كالجلجلان المسحوق المخلوط بدهن ورد، فإنه نافع للصداع الحاصل من حر الشمس، وكالبحر ينتفع به على السفينة فى تقريب المسافة البعيدة، ووصول أرض لا توصل بالبحر، كجزيرة الأندلس وجربة، وكل ما ينتفع به للدنيا ينتفع به للدين، استدلالا به على وجود الصانع سبحانه وتعالى، وكمال قدرته ويكتسب معرفة لذات الآخرة كما يميل بنعيم الآخرة بنعم الدنيا وينتفع بالدين بكل مخلوق يستدل به على ذلك الجبال والبحار وذات الإنسان وغيره، ويكتسب معرفة عذاب الآخرة من الدنيا، وجمع ما سوى الله مخلوق للتوصل به إلى الله - جل وعلا - لا لذاته، وإن قلت: الآية تناولت ما فى الأرض دون الأرض نفسها، قلت: نعم فى الظاهر، لكن منافع الأرض فى الحقيقة متناولة فى الآية لأن منافعها الدنيوية والأخروية من جملة ما فيها، فهى متضمنة لها مشتملة عليها، وأيضاً تفهم الأرض فى الآية من باب أولى لظهورها وعظمها جرما ونفعا، ولك وجه ثالث هو أن يراد بالأرض الجهة المستفلة بالنسبة للسماء، لا خصوص هذا لجسم السفلى، كما يراد بالسماء تارة الجهة العلوية لا خصوص ذلك الجسم العلوى، فتشتمل الآية باللفظ على هذه الأرض وما فيها، كأنه قيل خلق لكم ما تحت السماء من هذه الغبراء وما فيها. وتفيدنا الآية أن الأرض وما فيها كله مباحان للإنسان وحلال لنا أكلا وشربا ولبسا وركوبا ومداواة وغير ذلك، إلا ما قام عليه دليل، ولا يخفى أن المراد مجموع ما فى الأرض مخلوق مجموع بنى آدم وبعض ما فيها اشتركوا فيه، وبعض اختص به بعض، كالحرير والذهب للمرأة. وجميعاً حال من ما مؤكدة له. كما قال ابن هشام: لا توكيد لما محذوف الرابط أى جميعه، كما تقول كله، خلافاً لابن مالك وابن عقيل. {ثُمَّ اسْتَوَى إلىَ السَّمآءِ}: بعد خلق ما فى الأرض. ومعنى استوائه تعالى إلى السماء قصده إليها وتوجيه الإرادة إليها بأن يخلقها. يقال استوى زيد إلى كذا كالسهم المرسل إذا قصده من غير أن يميل إلى غيره. فكذا خلق ما فى الأرض وخلق بعده السماوات بلا خلق شىء بين خلقهن، وخلق ما فى الأرض. ووزن استوى: افتعل بمعنى تكلف السواء وهو أصل معناه. وأطلق فى اللغة على الاعتدال: تسوية وضع الأجزاء، تقول: استوى زيد على الأرض أى جلس عليها جلوسا مستوية إليه أعضاؤه التى جلس بها معتدلا. ولا يصح حمل الآية على ذلك، لأنه من خواص الجسم والله - جل وعلا - ليس جسما ولا عرضا. ولو كانت الآية على هذا المعنى لقال: ثم استوى فى السماء أو على السماء، لا استوى إلى السماء، لكن الله - جل وعلا - لا يوصف بهذا المعنى. ولو قال فى السماء أو على السماء لكان ما ولا بالقهر والغلبة. ويجوز تأويل الآية بهما، لكن تأويلها بالقصد والإرادة أولى، لأنه أقرب إلى أصل الاستواء وهو تكلف السواء، ولتعديته بإلى وللتسوية المرتبة عيه بالفاء. وعن ابن عباس: استوى إلى السماء ارتفع إليها، وفى رواية صعد. والمراد: ارتفاع أمره أو صعد أمره أو ارتفع إليها، وصعد بقصد وإرادة. قال الطبرى: على أمره وقدرته وسلطانه. وقال ابن كيسان: قصد إلى السماء أى بخلقه واختراعه، وذلك لأنه تعالى منزه عن الانتفال والحلول. والمراد بالسماء الجهة العليا التى فيها السماوات، لأنه ليس فيها حين الاستواء إليها سماء ولا سماوات، فمعنى قوله: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}: خلق حينئذ سبع السماوات التى تعلمون الآن فتسويتهن خلقهن مستويات الكيف والجهة، والملاسة والغلظ والقوة، وعدم الفطور وكون كل فى سمة الأخرى، ولو تفاوتن كبراً وجسما، بعض أكبر من بعض، بعض من فضة وبعض من ذهب، وغير ذلك، فالهاء للسماوات التى هن هؤلاء الهياكل العلوية، المدلول عليهن بلفظ السماء، بمعنى الجهة العليا، وذلك شبيه بالاستخدام البديعى. ويجوز أن يراد بالسماء الجهات العلوية، فيكون من الاستخدام، ويجوز أن يراد بالسماء حقيقة ذلك الهيكل العلوى المشرف، فتصدق على السبع من غير أن تكون موجودة حال الاستواء إليها، بل المعنى استوى إلى حقيقة السماء بإرادة خلقها، فخلقها سبعاً، فرجع الهاء فى سواهن إلى ما دلت عليه الحقيقة من إفراد. أو أراد بالسماء: جنس السماوات، فهى بمنزلة الجمع. كأنه قيل: ثم استوى بالقصد إلى السماوات بإرادة خلقهن فخلقهن سبعاً، والجمعية فى السماء على هذه الأوجه المذكورة فيها معنى الجمعية للسماء، إنما هى من أل، ولا يمنع من ذلك المذكور من عود ضمير الجماعة عدم وجود السماء حينئذ، لأن الكلام استخدام أو شبيه به، ولو ضعف السعد ذلك بتلويح، وليس كما قال لأن لهذا وجها يدعو إليه أن الأصل فى الضمير أن يعود إلى متقدم، وقيل إن السماء جمع سماءة أو سماوة وليس كذلك عندى. ولك أن تقول: الهاء عائدة إلى مبهم مفسر بقوله سبع. كقولك نعم رجلا زيد أو قولك ربه فتى، وقول أبى بكر من النظر: شعر : * هــو الـدهـــر يـأســو * تفسير : إذا جعلنا الدهر بدلا من هو أو بيانا، ولم نجعل هو ضمير شان، والدهر مبتدأ وقول القائل: شعر : * هـى الـدنيــا تقــول بمــلء فيهــا * تفسير : على حد ما قلت: وفى عود الهاء إلى مبهم مفسراً بما بعدها، تفخيم وتشويق وتمكين فى نفس السامع، حاصلات من الإبهام المعقب بتفسير. فهذا الوجه أولى لهؤلاء الحاصلات، ولا يرد على وجه الجنسية فى السماء، وعود ضمير الجماعة كما أورده السعد، لأنا لا نسلم أنها لا تكفى. وقول العرب: الدينار الصفر، والدرهم البيض. فنعتوا المفرد بالجمع لأنه جنسه. ولقوله تعالى:{أية : والعصر إن الإنسان لفى خسر إلا الذين آمنوا}تفسير : فاستثنى الجماعة من المفرد لأنه جنس. وسبع: حال من الهاء على الأوجه السابقة غير عود الهاء إلى مبهم أو بدل بيان على عودها إلى مبهم بناء على جواز كون المعطوف عليه عطف بيان ضميراً، أو جواز بيان النكرة بالنكرة، والمعرفة بالنكرة، والنكرة بالمعرفة، كالمعرفة بالمعرفة، والأفلاك على ما يذكره أهل الأرصاد تسعة، فإن زعموا أن السماوات هى الأفلاك كذبهم القرآن. لأن السماوات سبع وإن زعموا أن الأفلاك غير السماوات فلا دليل صحيح لهم، وإن زعموا أن السماوات أفلاك سبع، والعرش ثامن، والكرسى تاسع، ما صدقوا ولم يثبت فى القرآن ولا فى السنة ولا فى الإجماع دليل على خلاف هذا.. والله أعلم. والآية دليل على أن الأرض وما فيها مخلوقان قبل السماء أما على أن المراد بالأرض فى الآية جهتها فواضح كما مر، وأما على أن المراد بها هذا الجسم، فلأن خلق ما فيها قبل السماء مشعر بخلقها قبل السماء، لأن المتبادر أنه خلق ما فى الأرض، وجعل الأرض مستقرة، لا أنه مخلوق فى الهواء ثم جعل له الأرض مستقرا، وإنما استفدنا الأرض من لفظة ثم، لأنها للترتيب والانفصال ولا يشكل على ذلك قوله تعالى:{أية : والأرض بعد ذلك دحاها}تفسير : أى بعد خلق السماوات، لأن المتأخر عن خلق السماوات إنما هو دحوها، أى يبسطها، فالله - جل وعلا - خلق الأرض مكورة، ثم خلق سبع سماوات، ثم بسط الأرض، وإن قلت لا يلائم بحسب العادة وما يظهر لنا أن يخلق لنا ما فى الأرض وهى كرة. قلت هو منكر ممكن لعظمها فكوريتها لا تمنع من تمكن الأشياء عليها، ويمكن عود الإشارة فى قوله: {بعد ذلك} على وصف السماء، وهو تسويتها سبع سماوات، فجرم الأرض مقدم على جرم السماء، ووصف السماء وهو تسويتها سبعاً، مقدم على وصف الأرض وهو بسطها، وهذا يناسبه أن تجعل السماء فى قوله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى إلىَ السَّمآءِ} فى فضله جسما علويا. موجودا بعد خلق الأرض فى غلظة سبع سماوات، دحا الأرض بعد فتقه سبعاً. وهذا ما ظهر لى بعد استفراغ الوسع من الأبحاث، وممن ذكر تقدم خلق الأرض على خلق السماوات: السبكى. وعن الحسن: أنه كان بدء خلق الأرض قبل أن يبسطها، كانت فى موضع واحد، موضع بيت المقدس، ثم خلق السماوات، ثم بسط الأرض فقال لها: انبسطى أنت كذا، وانبسطى أنت كذا. والمشهور أن الدحو من تحت الكعبة. قال عطاء: بلغنى أن الأرض دحيت من تحت الكعبة، ولا يغايره قول بعض من مكة دحيت الأرض لأن الكعبة فى مكة. وعن مجاهد: كان البيت قبل الأرض بألفى سنة، ومدت الأرض من تحته. وعن ابن عباس: فى قوله تعالى: {وهو الذى خلق لكم ما فى الأرض جميعاً..} إلخ. وقوله عز وجل:{أية : ءأنتم أشد خلقاً أم السماء..}تفسير : إلخ. أنه خلق الأرض، ثم خلق السماوات، ثم عاد فدحى الأرض، وخلق جبالها وأنهارها وأشجارها ومرعاها. ثم استوى إلى السماء أى قصدها بالفتق سماوات سبعاً، وذكر السعد: أن الأرض خلقت وبسطت وخلق ما فيها، ثم خلق السماء. وروى مقاتل: أن السماء مخلوقة قبل الأرض، وعلى روايته نجعل ثم بمعنى الواو وللترتيب الذكرى بلا تراخ أو للترتيب والتراخى فى العظم والفضل، لا فى الإيجاد. وإن قلت: كيف صح للسعد أن يخبر ببسط الأرض قبل خلق السماء مع قوله تعالى:{أية : والأرض بعد ذلك دحاها}.تفسير : قلت: كأنه جعل البعدية بعدية إخبار. وذكرك ثم، فإنه يقال: أعجبنى ما فعلت اليوم، ثم ما فعلت أمس أشد إعجابا لى. كقولك فى غير أداة ترتيب ألم أعطك؟ ألم أرفع قدرك؟ ألم أدفع عنك؟ تقول: هذا ولو كان ما أخرت ذكره فى هذا الكلام مقدماً فى الوجود، أو كأنه جعل قوله: {دحاها} مستأنفاً متصلا بقوله: {أخرج} غير عامل فى بعد. ويقدر لبعد عاملا يدل عليه، أنتم أشد خلقا، أى تدبروا أمر الأرض واكتسبوا معرفة حالها تنظروا: هل أنتم أشد أم هى أيضاً؟ وفى هذا تكلف. والتحقيق ماذكرته لك أولا من أن الأرض قبل السماء، وبسط الأرض بعد تسوية السماء جميعاً بين الآيات. وبذلك قال الحسن كما مرت روايته، ذكرها الشيخ هود، وذكر الزمخشرى عنه: أن الله - جل وعلا - خلق الأرض فى موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق ثم أصعد الدخان وخلق منه السماوات وأمسك الفهر فى موضعه وبسط منه الأرض فذلك قوله:{أية : كانتا رتقا}تفسير : وهو الالتزاق والله أعلم. وسئل السبكى هل كانت الخيل قبل آدم أم خلقت بعده؟.. وهل خلق الذكور قبل الإناث أو الإناث، قبل الذكور؟ وهل العربيات قبل البراذين أو البراذين قبل العربيات؟ وهل ورد فى الحديث أو الأثر أو السير أو الأخبار ما يدل على ذلك؟ فأجاب بأن تختار أن خلق الخيل كان قبل آدم عليه السلام بيومين أو نحوهما، وأن خلق الذكور قبل الإناث، وأن العربيات قبل البراذين. أما قولنا أن خلقها كان قبل آدم فالآيات فى القرآن سنذكرها آية آية، ونذكر وجه الاستدلال. والمعنى فيه وهو أن الرجل الكبير يهيأ له ما يحتاج إليه قبل قدومه. وقال تعالى: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأَرْضِ جَمِيعاًً} فالأرض وكل ما فيها مخلوق لآدم وذريته إكراماً لهم. ومن كمال إكرامهم وجودها قبلهم فجميع ذلك مقدم على خلقه. ثم كان خلق آدم بعد ذلك آخر الخلق، لأنه وذريته أشرف الخلق، ألا ترى أن النبى - صلى الله عليه وسلم أشرف من الجميع؟ ولذلك كان آخر الأنبياء - صلى الله عليه وسلم - وتمام كمال الوجود، وما سوى آدم مما هيئ له حيوان وجماد. والحيوان أشرف من الجماد، والخيل من أشرف الحيوان غير الآدمى فكيف يؤخر خلقها عنه؟ فهذه الحكمة تقتضى تقديم خلقها مع غيرها من المنافع، وإنما قلنا بيومين أو نحوهما، لحديث ورد فيه، يتضمن أن بث الدواب يوم الخميس، والحديث فى الصحيح لكن فيه كلام. ولا شك أن خلق آدم عليه السلام كان يوم الجمعة. والحديث المذكور يتضمن أنه بعد العصر، فلذلك قلنا: إنه بيومين أو نحوهما على التقريب، وأما التقدم فلا يتردد فيه. والمعنى فيه قد ذكرناه، وأما الآيات التى تدل له فمنها قوله تعالى: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} ووجه الاستدلال أن الآية الكريمة اقتضت خلق ما فى الأرض جميعاً، قبل تسوية الرحمن السماء، ومن جملة ما فى الأرض الخيل، فالخيل مخلوقة قبل تسوية السماء عملا بالآية ودلالة على الترتيب، وتسوية السماء قبل خلق آدم عليه السلام، لأن تسوية السماء كانت فى جملة الأيام الستة لقوله تعالى:{أية : رفع سمكها فسواها}تفسير : إلى قوله جل وعلا:{أية : والأرض بعد ذلك دحاها}تفسير : ودلالة الحديث الصحيح المجمع عليه أن خلق آدم عليه السلام يوم الجمعة قبل كمال المخلوقات. أما آخر الأيام الستة إن قلنا إن ابتداء الخلق يوم الأحد كما يقول المؤرخون وأهل الكتاب وهو المشهور عند أكثر الناس، وأما فى اليوم السابع، فهو خارج عن الأيام الستة، كما يقتضيه الحديث الذى أشرنا إليه فيما سبق، الذى فى صحيح مسلم صدره:"حديث : إن الله تعالى خلق التربة يوم السبت"تفسير : ، وإن كان فيه كلام. وأما تأخر خلق آدم عليه السلام فلا كلام فيه. فثبت بهذا أن خلق الخلق قبل خلق آدم عليه السلام، وهو من جملة المخلوقات فى الأيام الستة. قلت: قال الشيخ هود رحمه الله: خلق الله آدم آخر ساعات النهار من يوم الجمعة، بعد ما خلق الخلق كلهم. انتهى. ويأتى كلام فى تفسير قوله تعالى:{أية : إن ربكم الله الذى خلق السماوات والأرض فى ستة أيام}تفسير : ومن الآيات قوله تعالى:{أية : وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العلم الحكيم. قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إنى أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}؟تفسير : وجه الاستدلال بهذه الآية أن الأسماء كلها إما أن يراد بها نفس الأسماء أو صفات المسميات ومنافعها، وعلى كلا التقديرين المسميات موجودة فى ذلك الوقت، للإشارة إليها فى قوله: {هؤلاء} ومن جملة المسميات: الخيل فلتكن موجودة حينئذ، والأسماء عام بالألف واللام مؤكدة بقوله تعالى: {كلها} فتقوى العموم والمسميات لا بد من إرادتها بقوله تعالى: {ثم عرضهم} وقوله تعالى:{أية : بأسمائهم}تفسير : فهذا دليل قاطع فى ذلك والعموم شامل للخيل. فمن رأى دلالة العلوم قطعية يقطع بدخولها، ومن لا يرى ذلك يستدل به فيه، كما يستدل بسائر الأدلة الشرعية. ومن الآيات قوله تعالى فى سورة:{أية : آلم تنزيل}، {أية : الله الذى خلق السماوات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش}تفسير : وجه الاستدلال اقتضى بها خلق ما بينهما فى الستة أيام وقد قلنا إن خلق آدم عليه السلام خارج عن الأيام الستة بعدها أو حاصل فى آخرها بعد خلق غيره كما سبق. ومن الآيات قوله تعالى فى سورة ق:{أية : ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما فى ستة أيام وما مسنا من لغوب}تفسير : وجه الاستدلال بها ما قدمناه فيما قبلها. فهذه أربع آيات تدل على ذلك فيها كفاية. وأما قولنا: إن خلق الذكور قبل الإناث فلأمرين: أحدهما شرف الذكور على الإناث، والثانى حرارته، وإن كانت الإناث من جنس واحد من مزاج واحد فأحدهما أكثر حرارة من الآخر. فقد جرت عادة القدرة الإلهية بتكوين أقواهما حرارة قبل الآخر. والذكر أقوى حرارة من الأنثى، فناسب أن يكون وجوده أسبق، ولتحصل المنة به أكثر، ولذلك كان خلق آدم عليه السلام قبل خلق حواء، ولأن أعظم ما يقصده له الخيل الجهاد، والذكر فى الجهاد خير من الأنثى، لأن الذكر أجرى أعنى أشد جرياً وأقوى جراءة، ويقاتل مع راكبه، والأنثى بخلاف ذلك، وقد تقطع بصاحبها وهو أحوج ما يكون إليها إذا كانت وديقا ورأت فحلا. ولا يرد على ذلك ركوب جبريل عليه السلام أنثى، لما جاز البحر بموسى عليه السلام، لأن ذلك لركوب فرعون فحلا، فقصد طلبه للأنثى، وعجز فرعون عن إمساك رأسه، وأما قولنا: إن العربيات قبل البراذين فلما روى من حديث إسماعيل - عليه السلام - أن الخيل كانت وحوشا، وأن الله تعالى ذللها لإسماعيل. رواه ابن عباس، فهى مخلوقة قبل آدم متوحشة، إلى أن ذللها الله - عز وجل - لإسماعيل، أو ركبت ثم توحشت إلى أن ذللت له، روى الترمذى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - لما أذن الله - تبارك وتعالى - لإبراهيم وإسماعيل - عليهما الصلاة والسلام - لرفع القواعد، فقال الله تبارك وتعالى: "حديث : إنى معطيكما كنزاً ادخرته لكما" تفسير : ثم أوحى الله تعالى إلى إسماعيل: "ان اخرج إلى أجياد فادع يأتيك الكنز" فخرج إلى إجياد ولا يدرى ما الدعاء ولا الكنز، فأفهمه الله - تعالى - الدعاء، فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا جاءته وأمكنته من نصايتها، وذللها الله تعالى. ولأن العربيات أشرف وآصل، والبرذون إنما يكون بعارض أوعلة، إما فيه أو في أبيه أو فى أمه. ولم تكن البراذين تذكر، فيما خلا من الزمان، ألا ترى إلى قصة إسماعيل وقصة سليمان عليهما السلام؟ وإنما البراذين ما انتخس من الخيل. حتى اختلف العلماء هل يسهم له كما يسهم للفرس العربى أو لا؟ وفى حديث مراسيل مكحول فى بعض ألفاظه: للفرس سهمان وللهجين سهم. فهذه الرواية تقتضى أن الهجين من لا يسمى فرساً، والهجين هو البرذون. وبالجملة البراذين حثالة الخيل، وما كان الله تعالى ليخلق من الجنس حثالة فى الأول. والله أعلم. قال الشيخ هود - رحمه الله - عن الكلبى: خلق الله كل شىء قبل آدم، وأشار بخلقه السماوات وما فى الأرض إلى أنه قادر على جمع مواد الإنسان بعد تلاشيها، وعلى إحيائها، وأشار إلى أنه عالم بها وبمواقعها بقوله: {وَهُو بِكُلِّ شَىءٍ عَلِيمٌ}: الجزئيات والكليات، والمفصلات والمجملات أفلا تعتبرون أن من قدر على خلق السماوات والأرض، وما فيها وهْن، أعظم قادر على بعثكم؟ فإن إتقان هذا الفعل العظيم، لا يتصور إلا من عالم حكيم، لا يعجزه ما تلاشى بلا نقص منه ولا زيادة إليه، فهذا رد على إنكار البعث، وإثبات لكونه تعالى رحيما وحكيما، إذ خلق ما خلق نفعا للخلق، كأنه قيل: هو عليم بمصالحهم فخلق ما خلق على وجه الحكمة، وذلك أيضاً تعليل جملى مستأنف معنوى، كأنه قيل: خلق ذلك لأنه بكل شىء عليم، وليس التعليل مستفادا من الواو كما زعم بعضهم. قال ابن هشام قال الخازنجى تكون الواو للتعليل، وحمل عليه الواوات الداخلة على الأفعال المنصوبة فى قوله تعالى:{أية : أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ويعلم الذين يجادلون}، {أية : أم حسبتم أن تدخلو الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين}؟ {أية : يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين}.تفسير : انتهى. وها هو وهى متحركة عند نافع، وروى عنه قالون إسكانها، وكذا أسكنها أبو عمرو والكسائى، ووجه تسكينها تشبيههما مع ما دخل عليهما من واو أو فاء أو لام بفعل، بفتح الفاء وضم العين، فعل ككرم أو أسماء كعضد وما كان من الثلاثيات مضموم الوسط ومكسورها فيجوز تخفيفه بالإسكان. وسكنها قالون والكسائى أيضاً مع ثم، فى قوله تعالى:{أية : ثم هو يوم القيامة}تفسير : والباقون يحركون هاءهما.
اطفيش
تفسير : {هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُمْ} أى أجلكم، أو ملك لكم {مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} حتى العقارب والحيات والسباع، فإنكم تنتفعون بها اعتباراً، أو انزجاراً عن عقاب الله، كما تنتفعون بالثمار، والمعادن، والماء، والحيوان، وما فى السم نفع لقتل المؤذيات ولا ينتفع بسم الميتة ولا يباع ولا يشترى، بل سم غيرها، وسم المعدن، أو أراد بالأرض ما في جهته السفل، فيشمل الأرض نفعها، وما فيها، استدل المعتزلة والفخر بالآية على أن الأشياء قبل ورود الشرع على الحل إن كانت نافعة، وعليه كثير من الشافعية والحنفية، ولا تحتمل الآية أن اللام للضرر، مثل {وإن أسأتم فلها} ولا دليل على أن المراد بالآية الإباحة، على شرط نزول الوحى بها، وقيل، إنها قبل الشرع على الحظر، وقيل بالوقف، والأول أولى {ثُمَّ اسْتَوَى} بعض خلق الأرض، المدلول عليه بخلق ما فى الأرض، واستواؤه هنا توجه إرادته، واختار الجهل عن العلم من وكل أمره إلى الله، وقد وجد له تأويلا، وهلك من قال، إنه على ظاهره، لكن بلا كيف، ويتم هنا تفسير استوى بملك، لقوله إلى وقوله ثم إلا بتكلف أن إلى بمعنى على، وقد ملكها قبل، ولا باستولى لتكلف توجيه الغلبة على الجماد، وثم لتراخى الوقت، وإن قلنا للرتبة فلا نقض بها، والصحيح أن السماء أفضل من الأرض، من حيث إنها محل الطاعة التى لا معصية معها، والأرض أفضل من حيث إنها للأنبياء، والرسل والمؤمن أفضل من الملائكة، والأرض أسبق خلقا على الصحيح {إلَى السَّمَاءِ} أى إلى إيجادها كما أوجد الأرض، وخلق ما فى الأرض متأخر عن خلق السماء تشخيصاً، لكنه متقدم ضمنا، فخلق ما يخلق منه الحيوانات مثلا خلق لها، فإن الله عز وجل خلق الأرض بلا بسط فى يومين، وخلق السماوات وبسطها فى يومين، وبسط الأرض وخلق ما فيا فى يومين {فَسَوَّاهُنَّ} أى صير السماء، وأتى بضمير الجماعة لإرادة الجنس، ولتعدد ما بعده فى قوله {سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} كقوله تعالى { أية : فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً} تفسير : [النساء: 11] فمقتضى الظاهر، وإن كانت، أى الأولاد، ولكن قال: كن، لقوله: نساء، وقدم هنا وفى السجدة ما أخر فى النازعات، لأن المقام فيهما للامتنان على المخاطبين، وفى النازعات للقدرة، ومعنى تسويتهن سبعاً خلقهن من أول مستويات، كقولك، وسع الدار، أى بانها واسعة، وسبع بدل من الهاء، عائدة إلى السماء، أو إلى، بهم مفسر به، أو مفعول ثان يتضمن معنى صبر، وهو ضعيف، أو حال مقدرة {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} إجمالاً وتفصيلا، وذواتا وأحوالا، فمن قدرته وعلمه ذلك كيف يجحد، أو كيف ينسب إليه العجز عن إعادة الخلق، مع أنه خلق السماوات والأرض، وخلق الدخان من الماء قبل الأرض، ولما خلق الأرض استوى إلى السماء وهى دخان، وسواها سبعاً، ثم بسط الأرض وفتقها سبعا، وكان بسطها وفتقها فى الأحد ولاثنتين، وهن بعض فوق بعض كالسماوات، وقيل: بعض يجنب بعض، يفصل بينهن البحار وتظل السماء عليهن.
الالوسي
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} معطوف على قوله تعالى: {أية : وَكُنتُمْ }تفسير : [البقرة: 28] وترك الحرف إما لكونه كالنتيجة له أو للتنبيه على الاستقلال في إفادة ما أفاده، وذكر أنه بيان نعمة أخرى مترتبة على الأولى، وأريد بترتبها أن الانتفاع بها يتوقف عليها فإن النعمة إنما تسمى نعمة من حيث الانتفاع بها، و {هُوَ} لغير المتكلم والمخاطب،/ وفيه لغات: تخفيف الواو مفتوحة؛ وحذفها في الشعر، وتشديدها لهمدان، وتسكينها لأسد وقيس، و {هُوَ} عند أهل الله تعالى اسم من أسمائه تعالى ينبىء عن كنه حقيقته المخصوصة المبرأة عن جميع جهات الكثرة، و {هُوَ} اسم مركب من حرفين الهاء والواو، و -الهاء - أصل، و - الواو - زائدة بدليل سقوطها في التثنية والجمع فليس في الحقيقة إلا حرف واحد دال على الواحد الفرد الذي لا موجود سواه و {أية : كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}تفسير : [القصص: 88]، ولمزيد ما فيه من الأسرار اتخذه الأجلة مداراً لذكرهم وسراجاً لسرهم، وهو جار مع الأنفاس، ومسماه غائب عن الحدس والقياس، وفي {جَعَلَ} الضمير مبتدأ والموصول خبراً من الدلالة على الجلالة ما لا يخفى، وتقديم الظرف على المفعول الصريح لتعجيل المسرة. واللام للتعليل والانتفاع - أي: خلق لأجلكم جميع ما في الأرض لتنتفعوا به في أمور دنياكم بالذات أو بالواسطة وفي أمور دينكم بالاستدلال والاعتبار. واستدل كثير من أهل النسة - الحنفية والشافعية - بالآية على إباحة الأشياء النافعة قبل ورود الشرع، وعليه أكثر المعتزلة، واختاره الإمام في «المحصول»، والبيضاوي في «المنهاج». واعترض بأن اللام تجيء لغير النفع كـ {أية : إنٍ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } تفسير : [الإسراء: 7] وأجيب بأنها مجاز لاتفاق أئمة اللغة على أنها للملك ومعناه الاختصاص النافع، وبأن المراد النفع بالاستدلال، وأجيب بأن التخصيص خلاف الظاهر مع أن ذلك حاصل لكل مكلف من نفسه فيحمل على غيره، وذهب قوم إلى أن الأصل في الأشياء قبل الحظر، وقال قوم بالوقف لتعارض الأدلة عندهم، واستدلت الإباحية بالآية على مدعاهم قائلين إنها تدل على أن ما في الأرض جميعاً خلق للكل فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلا، ويرده أنها تدل على أن الكل للكل، ولا ينافي اختصاص البعض بالبعض لموجب، فهناك شبه التوزيع، والتعيين يستفاد من دليل منفصل، ولا يلزم اختصاص كل شخص بشيء واحد كما ظنه السيالكوتي. و {مَا} تعم جميع ما في الأرض لا نفسها إذ لا يكون الشيء ظرفاً لنفسه إلا أن يراد بها جهة السفل كما يراد بالسماء جهة العلو ويكفي في التحدر العرش المحيط، أو تجعل الجهة اعتبارية، نعم قيل: تعم كل جزء من أجزاء الأرض ـ فإنه من جملة ضروراتها ـ ما فيها ضرورة وجود الجزء في الكل والمغايرة اعتبارية والقول: بأن الكلام على تقدير معطوف ـ أي: خلق ما في الأرض والأرض ـ لا أرضى به، وبعضهم لم يتكلف شيئاً من ذلك، واستغنى بتقدم الامتنان بالأرض في قوله تعالى: {أية : جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً } تفسير : [البقرة: 22] و {جَمِيعاً} حال مؤكدة من كلمة {مَا} ولا دلالة لها كما ذكره البعض على الاجتماع الزماني وهذا بخلاف معاً، وجعله حالاً من ضمير {لَكُمْ} يضعفه السياق لأنه لتعداد النعم دون المنعم عليه مع أن مقام الامتنان يناسبه المبالغة في كثرة النعم، ولاعتبار المبالغة لم يجعلوه حالاً من الأرض أيضاً. {ثُمَّ ٱسْتَوَى إِلَى ٱلسَّمَاء} أي علا إليها وارتفع من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحديد - قاله الربيع - أو قصد إليها بإرادته قصداً سوياً بلا صارف يلويه ولا عاطف يثنيه من قولهم: استوى إليه - كالسهم المرسل - إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء قاله الفراء وقيل: استولى وملك كما في قوله:شعر : فلما (علونا واستوينا عليهم) تركناهم صرعى لنسر وكاسر تفسير : وهو خلاف الظاهر لاقتضائه كون {إِلَىٰ} بمعنى على، وأيضاً الاستيلاء مؤخر عن وجود المستولي عليه فيحتاج إلى القول بأن المراد استولى على إيجاد السماء فلا يقتضي تقدم الوجود، ولا يخفى ما فيه. والمراد بالسماء الأجرام العلوية أو جهة العلو. وثم قيل: للتراخي في الوقت، وقيل: لتفاوت ما بين الخلقين، وفضل خلق السماء على خلق الأرض، والناس مختلفون في خلق السماء وما فيها، والأرض وما فيها باعتبار التقدم والتأخر لتعارض الظواهر في ذلك، فذهب بعض إلى تقدم خلق السمٰوات لقوله تعالى: {أية : أَمِ ٱلسَّمَاء بَنَـٰهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَـٰهَا * وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَـٰهَا * وَٱلْجِبَالَ أَرْسَـٰهَا }تفسير : [النازعات: 27ـ32] وذهب آخرون إلى تقدم خلق الأرض لقوله تعالى: {أية : أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ } تفسير : إلى قوله سبحانه: {أية : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَـٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوٰتَهَا فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لّلسَّائِلِينَ * ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَاء وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا } تفسير : [فصلت: 9ـ12] وجمع بعضهم فقال: إن {أية : أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا }تفسير : [النازعات: 31] بدل أو عطف بيان لدحاها أي بسطها مبين للمراد منه فيكون تأخرها ليس بمعنى تأخر ذاتها بل بمعنى تأخر خلق ما فيها وتكميله وترتيبه بل خلق التمتع والانتفاع به فإن البعدية كما تكون باعتبار نفس الشيء تكون باعتبار جزئه الأخير. وقيده المذكور كما لو قلت: بعثت إليك رسولاً ثم كنت بعثت فلاناً لينظر ما يبلغه فبعث الثاني، وإن تقدم لكن ما بعث لأجله متأخر فجعل نفسه متأخراً. وما رواه الحاكم والبيهقي - بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في التوفيق بين الآيتين - يشير إلى هذا، ولا يعارضه ما رواه ابن جرير وغيره وصححوه عنه أيضاً ـ «إن اليهود أتت النبـي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السمٰوات والأرض فقال: حديث : خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد والإثنين، وخلق الجبال وما فيهن من المنافع يوم الثلاثاء، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة فقال تعالى: {أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ} إلى {سَوَاء لّلسَّائِلِينَ} [فصلت: 9ـ10] وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة» تفسير : ـ لجواز أن يحمل على أنه خلق مادة ذلك وأصوله إذ لا يتصور المدائن والعمران والخراب قبل، فعطفه عليه قرينة لذلك، واستشكال الإمام الرازي تأخر التدحية عن خلق السماء بأن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية فإذا كانت التدحية متأخرة كان خلقها أيضاً متأخراً مبني كما قيل: على الغفلة لأن من يقول بتأخر دحوها عن خلقها لا يقول بعظمها ابتداء بل يقول: إنها في أول الخلق كانت كهيئة الفهر ثم دحيت، فيتحقق الانفكاك ويصح تأخر دحوها عن خلقها، وقوله قدس سره: إن خلق الأشياء في الأرض ـ لا يمكن إلا إذا كانت مدحوة ـ لا يخفى دفعه بناء على أن المراد بذلك خلق المواد والأصول لا خلق الأشياء فيها كما هو اليوم. وقال بعض المحققين: اختلف المفسرون في أن خلق السماء مقدم على خلق الأرض أو مؤخر؟ نقل الإمام الواحدي عن مقاتل الأول ـ واختاره المحققون ـ ولم يختلفوا في أن جميع ما في الأرض مما ترى مؤخر عن خلق السمٰوات السبع بل اتفقوا عليه، فحينئذ يجعل - الخلق - في الآية الكريمة بمعنى التقدير لا الإيجاد أو بمعناه ويقدر الإرادة ـ ويكون المعنى أراد خلق ما في الأرض جميعاً ـ لكم على حد {أية : إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلاةِ}تفسير : [المائدة: 6] و {أية : إِذَا وَإِذَا قَرَأْتَ }تفسير : [الإسراء: 45] ولا يخالفه {أية : وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَـٰهَا }تفسير : [النازعات: 30] فإن المتقدم على خلق السماء إنما هو تقدير الأرض وجميع ما فيها، أو إرادة إيجادها والمتأخر عن خلق السماء إيجاد الأرض وجميع ما فيها فلا إشكال، وأما قوله سبحانه وتعالى: {أية : خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ }تفسير : [فصلت: 9] فعلى تقدير الإرادة، والمعنى أراد خلق الأرض، وكذا {أية : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ }تفسير : [فصلت: 10] ينبغي أن يكون بمعنى أراد أن يجعل، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {أية : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } تفسير : [فصلت: 11] فإن الظاهر أن المراد ائتيا في الوجود، ولو كانت الأرض موجودة سابقة لما صح هذا فكأنه سبحانه قال: أئنكم لتكفرون بالذي أراد إيجاد الأرض وما فيها من الرواسي والأقوات في أربعة أيام ثم قصد إلى السماء فتعلقت إرادته بإيجاد السماء والأرض فأطاعا بأمر التكوين فأوجد سبع سمٰوات في يومين وأوجد الأرض وما فيها في أربعة أيام. بقي هٰهنا: بيان النكتة في تغيير الأسلوب حيث قدم في الظاهر هٰهنا وفي {حـم} السجدة خلق الأرض وما فيها/ على خلق السمٰوات وعكس في النازعات ولعل ذلك لأن المقام في الأولين مقام الامتنان فمقتضاه تقديم ما هو نعمة نظراً إلى المخاطبين فكأنه قال سبحانه وتعالى: هو الذي دبر أمركم قبل خلق السماء ثم خلق السماء، والمقام في الثالثة مقام بيان كمال القدرة فمقتضاه تقديم ما هو أدل على كمالها. هذا والذي يفهم من بعض عبارات القوم قدس الله تعالى أسرارهم أن المحدد ـ ويقال له سماء أيضاً ـ مخلوق قبل الأرض وما فيها، وأن الأرض نفسها خلقت بعد، ثم بعد خلقها خلقت السمٰوات السبع، ثم بعد السبع خلق ما في الأرض من معادن ونبات، ثم ظهر عالم الحيوان، ثم عالم الإنسان، فمعنى {خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ} حينئذ قدره أو أراد إيجاده أو أوجد مواده، ومعنى {أية : وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ }تفسير : [فصلت: 10] الخ في الآية الأخرى على نحو هذا، وخلق الأرض فيها على ظاهره ولا يأباه قوله سبحانه: {أية : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا }تفسير : [فصلت: 11] الخ لجواز حمله على معنى ائتيا بما خلقت فيكما من التأثير والتأثر وإبراز ما أودعتكما من الأوضاع المختلفة والكائنات المتنوعة، أو إتيان السماء حدوثها وإتيان الأرض أن تصير مدحوة أو ليأت كل منكما الأخرى في حدوث ما أريد توليده منكما، وبعد هذا كله لا يخلو البحث من صعوبة، ولا زال الناس يستصعبونه من عهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلى الآن، ولنا فيه إن شاء الله تعالى عودة بعد عودة، ونسأل الله تعالى التوفيق. {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} الضمير للسماء إن فسرت بالأجرام، وجاز أن يرجع إليها بناء على أنها جمع أو مؤلة به، وإلا فمبهم يفسره ما بعده على حد ـ نعم رجلا ـ وفيه من التفخيم والتشويق والتمكين في النفس ما لا يخفى، وفي نصب {سَبْعَ} خمسة أوجه: البدل من المبهم، أو العائد إلى السماء، أو مفعول به أي سوى منهن، أو حال مقدرة، أو تمييز، أو مفعول ثان لسوى بناء على أنها بمعنى صير ـ ولم يثبت ـ والبدلية أرجح لعدم الاشتقاق وبعدها الحالية ـ كما في «البحر» ـ وأريد بسواهن أتمهن وقومهن وخلقهن ابتداء مصونات عن العوج والفطور لا أنه سبحانه وتعالى سواهن بعد أن لم يكن كذلك فهو على حد قولهم: ضيق فم البئر ووسع الدار، وفي مقارنة التسوية والاستواء حسن لا يخفى لا يقال إن أرباب الأرصاد أثبتوا تسعة أفلاك، وهل هي إلا سمٰوات؟ لأنا نقول هم شاكون إلى الآن في النقصان والزيادة فإن ما وجدوه من الحركات يمكن ضبطها بثمانية وسبعة بل بواحد، وبعضهم أثبتوا بين فلك الثوابت والأطلس كرة لضبط الميل الكلي، وقال بعض محققيهم: لم يتبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة أو كرات منطوية بعضها على بعض، وأطال الإمام الرازي الكلام في ذلك وأجاد، على أنه إن صح ما شاع فليس في الآية ما يدل على نفي الزوائد بناء على ما اختاره الإمام من أن مفهوم العدد ليس بحجة، وكلام البيضاوي في «تفسيره» يشير إليه خلافاً لما في «منهاجه» الموافق لما عليه الإمام الشافعي ونقله عنه الغزالي في «المنخول»، وذكر السيالكوتي أن الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد ـ والخلاف في ذلك مشهور ـ وإذا قلنا بكروية العرش والكرسي لم يبق كلام. {وَهُوَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ} تذييل مقرر لما قبله من خلق السمٰوات والأرض وما فيها على هذا النمط العجيب والأسلوب الغريب {أية : مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ فَٱرْجِعِ ٱلْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ * ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ }تفسير : [الملك: 3ـ4] وفي {عَلِيمٌ} من المبالغة ما ليس في عالم وليس ذلك راجعاً إلى نفس الصفة لأن علمه تعالى واحد لا تكثر فيه لكن لما تعلق بالكلي والجزئي والموجود والمعدوم والمتناهي وغير المتناهي وصف نفسه سبحانه بما دل على المبالغة ـ والشيء ـ هنا عام باق على عمومه لا تخصيص فيه بوجه خلافاً لمن ضل عن سواء السبيل، والجار والمجرور متعلق بعليم وإنما تعدى بالباء مع أنه من علم وهو متعد بنفسه، والتقوية تكون باللام لأن أمثلة المبالغة/ كما قالوا: خالفت أفعالها لأنها أشبهت أفعل التفضيل لما فيها من الدلالة على الزيادة فأعطيت حكمه في التعدية وهو أنه إن كان فعله متعدياً فإن أفهم علماً أو جهلاً تعدى بالباء كأعلم به وأجهل به، وعليم به وجهول به ـ وأعلم من يضل على التأويل وإلا تعدى باللام ـ كاضرب لزيد و {أية : فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ }تفسير : [هود: 107] وإلا تعدى بما يتعدى به فعله ـ كاصبر على النار، وصبور على كذا ـ ولعل ذلك أغلبي إذ يقال رحيم به فافهم.
ابن عاشور
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلاَْرْضِ جَمِيعاً}. هذا، إما استدلال ثانٍ على شناعة كفرهم بالله تعالى وعلى أنه مما يقضي منه العجب فإن دلائل ربوبية الله ووحدانيته ظاهرة في خلق الإنسان وفي خلق جميع ما في الأرض فهو ارتقاء في الاستدلال بكثرة المخلوقات، وفصْل الجملةِ السابقة يجوز أن يكون لمراعاة كمال الاتصال بين الجملتين لأن هذه كالنتيجة للدليل الأول لأن في خلق الأرض وجميع ما فيها وفي كون ذلك لمنفعة البشر إكمالاً لإيجادهم المشار إليه بقوله: {أية : وكنتم أمواتاً فأحياكم}تفسير : [البقرة: 28] لأن فائدة الإيجاد لا تكمل إلا بإمداد الموجود بما فيه سلامته من آلام الحاجة إلى مقومات وجوده. ويجوز أن يكون ترك العطف لدفع أن يوهم العطف أن الدليل هو مجموع الأمرين فبترك العطف يعلم أن الدليل الأول مستقل بنفسه وفي الأول بُعد وفي الثاني مخالفة الأصل لأن أصل الفصل أن لا يكون قطعاً على أنه توهم لا يضير. وإما أن يكون قوله: {هو الذي خلق} امتناناً عليهم بالنعم لتسجيل أن إشراكهم كفران بالنعمة أدمج فيه الاستدلال على أنه خالق لما في الأرض من حيوان ونبات ومعادن استدلالاً بما هو نعمة مشاهدة كما أشار إليه قوله: {لكم} فيكون الفصل بين الجملتين كما قرر آنفاً، ولم يلتفت إلى ما في هذه الجملة من مغايرة للجملة الأولى بالامتنان لأن ما أدمج فيها من الاستدلال رجح اعتبار الفصل. والخلق تقدم تفسيره عند قوله تعالى: {أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم}تفسير : [البقرة: 21]. والأرض اسم للعالم الكروي المشتمل على البر والبحر الذي يعمره الإنسان والحيوان والنبات والمعادن وهي المواليد الثلاثة وهذه الأرض هي موجود كائن هو ظرف لما فيه من أصناف المخلوقات، وحيث إن العبرة كائنة في مشاهدة الموجودات من المواليد الثلاثة، علق الخلق هنا بما في الأرض مما يحتويه ظرفها من ظاهره وباطنه ولم يعلق بذات الأرض لغفلة جل الناس عن الاعتبار ببديع خلقها إلا أن خالق المظروف جدير بخلق الظرف إذ الظرف إنما يقصد لأجل المظروف فلو كان الظرف من غير صنع خالق المظروف للزم إما تأخر الظرف عن مظروفه وفي ذلك إتلاف المظروف، والمشاهدةُ تنفي ذلك، وإما تقدم الظرف وذلك عبث. فاستفادة أنه خلق الأرض مأخوذة بطريق الفحوى فمن البعيد أن يجَوِّز صاحب «الكشاف» أن يراد بالأرض الجهة السفلية كما يراد بالسماء الجهة العلوية، وبعده من وجهين أحدهما أن الأرض لم تطلق قط على غير الكرة الأرضية إلا مجازاً كما في قول شاعر أنشده صاحب «المفتاح» في بحث التعريف باللام ولم ينسبه هو ولا شارحوه:شعر : الناس أرض بكل أرض وأنت من فوقهم سماء تفسير : بخلاف السماء فقد أطلقت على كل ما علا فأظل، والفرق بينهما أن الأرض شيء مشاهد والسماء لا يتعقل إلا بكونه شيئاً مرتفعاً. الثاني على تسليم القياس فإن السماء لم تطلق على الجهة العليا حتى يصح إطلاق الأرض على الجهة السفلى بل إنما تطلق السماء على شيء عال لا على نفس الجهة. وجملة: {هو الذي خلق لكم} صيغة قصر وهو قصر حقيقي سيق للمخاطبين من المشركين الذين لا شك عندهم في أن الله خالق ما في الأرض ولكنهم نُزلوا منزلةَ الجاهل بذلك فسيق لهم الخبر المحصور لأنهم في كفرهم وانصرافهم عن شكره والنظر في دعوته وعبادته كحال من يجهل أن الله خالق جميع الموجودات. ونظير هذا قوله: {أية : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون}تفسير : [النحل: 17] {أية : إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له}تفسير : [الحج: 73] فإن المشركين ما كانوا يثبتون لأصنامهم قدرة على الخلق وإنما جعلوها شفعاء ووسائط وعبدوها وأعرضوا عن عبادة الله حق عبادته ونسوا الخلق الملتصق بهم وبما حولهم من الأحياء والمقصود من الكلام فيما أراه موافقاً للبلاغة التذكير بأن الله هو خالق الأرض وما عليها وما في داخلها وأن ذلك كله خلقه بقدر انتفاعنا بها وبما فيها في مختلف الأزمان والأحوال فأُوجز الكلامُ إيجازاً بديعاً بإقحام قوله: {لكم} فأَغْنَى عن جملة كاملة فالكلام مسوق مساق إظهار عظيم القدرة وإظهار عظيم المنة على البشر وإظهار عظيم منزلة الإنسان عند الله تعالى، وكل أولئك يقتضي اقتلاع الكفر من نفوسهم. وفي هذه الآية فائدتان: الأولى: أن لام التعليل دلت على أن خلق ما في الأرض كان لأجل الناس وفي هذا تعليل للخلق وبيان لثمرته وفائدتهِ فتثار عنه مسألةُ تعليل أفعال الله تعالى وتعلقها بالأغراض والمسألة مختلف فيها بين المتكلمين اختلافاً يشبه أن يكون لفظياً فإن جميع المسلمين اتفقوا على أن أفعال الله تعالى ناشئة عن إرادة واختيار وعلى وفق علمه وأن جميعها مشتمل على حِكَم ومصالح وأن تلك الحكم هي ثمرات لأفعاله تعالى ناشئة عن حصول الفعل فهي لأجل حصولها عند الفعل تثمر غايات، هذا كله لا خلاف فيه وإنما الخلاف في أنها أتوصف بكونها أغراضاً وعللاً غائية أم لا؟ فأثبت ذلك جماعة استدلالاً بما ورد من نحو قوله تعالى: {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : [الذاريات: 56]، ومنع من ذلك أصحاب الأشعري فيما عزاه إليهم الفخر في «التفسير» مستدلين بأن الذي يفعل لغرض يلزم أن يكون مستفيداً من غرضه ذلك ضرورة أن وجود ذلك الغرض أَوْلَى بالقياس إليه من عدمه، فيكون مستفيداً من تلك الأولوية ويلزم من كون ذلك الغرض سبباً في فعله أن يكون هو ناقصاً في فاعليته محتاجاً إلى حصول السبب. وقد أجيب بأن لزوم الاستفادة والاستكمال إذا كانت المنفعة راجعة إلى الفاعل، وأما إذا كانت راجعة للغير كالإحسان فَلا، فردَّه الفخر بأنه إذا كان الإحسان أرجح من غيره وأولى لزمت الاستفادة. وهذا الرد باطل لأن الأرجحية لا تستلزم الاستفادة أبداً بل إنما تستلزم تعلق الإرادة، وإنما تلزم الاستفادةُ لو ادعينا التعين والوجوب. والحاصل أن الدليل الذي استدلوا به يشتمل على مقدمتين سفسطائيتين أولاهما قولهم إنه لو كان الفعل لغرض للزم أن يكون الفاعل مستكملاً به وهذا سفسطة شُبِّه فيها الغرض النافع للفاعل بالغرض بمعنى الداعي إلى الفعل والراجع إلى ما يناسبه من الكمال لا توقف كماله عليه. الثانية قولهم إذا كان الفعل لغرض كان الغرض سبباً يقتضي عجز الفاعل وهذا شُبه فيه السبب الذي هو بمعنى الباعث بالسبب الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم وكلاهما يطلق عليه سبب. ومن العجائب أنهم يسلمون أن أفعال الله تعالى لا تخلو عن الثمرة والحكمة ويمنعون أن تكون تلك الحكم عللاً وأغراضاً مع أن ثمرة فعل الفاعل العالم بكل شيء لا تخلو من أن تكون غرضاً لأنها تكون داعياً للفعل ضرورة تحقق علم الفاعل وإرادته. ولم أدر أي حرج نظروا إليه حين منعوا تعليل أفعال الله تعالى وأغراضها. ويترجح عندي أن هاته المسألة اقتضاها طرد الأصول في المناظرة، فإن الأشاعرة لما أنكروا وجوب فعل الصلاح والأصلح أَورد عليهم المعتزلة أو قدَّرُوا هُم في أنفسهم أن يُورَد عليهم أن الله تعالى لا يفعل شيئاً إلا لغرض وحكمة ولا تكون الأغراض إلا المصالح فالتزموا أن أفعال الله تعالى لا تناط بالأغراض ولا يعبر عنها بالعلل وينبىء عن هذا أنهم لما ذكروا هذه المسألة ذكروا في أدلتهم الإحسان للغير ورعي المصلحة. وهنالك سبب آخر لفرض المسألة وهو التنزه عن وصف أفعال الله تعالى بما يوهم المنفعة له أو لغيره وكلاهما باطل لأنه لا ينتفع بأفعاله ولأن الغير قد لا يكون فعلُ الله بالنسبة إليه منفعةً. هذا وقد نقل أبو إسحاق الشاطبي في «الموافقات» عن جمهور الفقهاء والمتكلمين أن أحكام الله تعالى معللة بالمصالح ودرء المفاسد، وقد جمع الأقوال الشيخ ابن عرفة في «تفسيره» فقال: «هذا هو تعليل أفعال الله تعالى وفيه خلاف وأما أحكامه فمعللة». الفائدة الثانية: أخذوا من قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} أن أصل استعمال الأشياء فيما يراد له من أنواع الاستعمال هو الإباحة حتى يدل دليل على عدمها لأنه جعل ما في الأرض مخلوقاً لأجلنا وامتن بذلك علينا وبذلك قال الإمام الرازي والبيضاوي وصاحب «الكشاف» ونسب إلى المعتزلة وجماعة من الشافعية والحنفية منهم الكرخي ونسب إلى الشافعي. وذهب المالكية وجمهور الحنفية والمعتزلة في نقل ابن عرفة إلى أن الأصل في الأشياء الوقف ولم يروا الآية دليلاً قال ابن العربي في «أحكامه»: «إنما ذكر الله تعالى هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه على طريق العلم والقدرة وتصريف المخلوقات بمقتضى التقدير والإتقان بالعلم» الخ. والحق أن الآية مجملة قصد منها التنبيه على قدرة الخالق بخلق ما في الأرض وأنه خلق لأجلنا إلا أن خلقه لأجلنا لا يستلزم إباحة استعماله في كل ما يقصد منه بل خلق لنا في الجملة، على أن الامتنان يصدق إذا كان لكل من الناس بعض مما في العالم بمعنى أن الآية ذكرت أن المجموع للمجموع لا كل واحد لكل واحد كما أشار إليه البيضاوي لا سيما وقد خاطب الله بها قوماً كافرين منكراً عليهم كفرهم فكيف يعلمون إباحة أو منعاً، وإنما محل الموعظة هو ما خلقه الله من الأشياء التي لم يزل الناس ينتفعون بها من وجوه متعددة. وذهب جماعة إلى أن أصل الأشياء الحظر ونقل عن بعض أهل الحديث وبعض المعتزلة فللمعتزلة الأقوال الثلاثة كما قال القرطبي. قال الحموي في «شرح كتاب الأشباه» لابن نجيم نقلاً عن الإمام الرازي وإنما تظهر ثمرة المسألة في حكم الأشياء أيام الفترة قبل النبوة أي فيما ارتكبه الناس من تناول الشهوات ونحوها ولذلك كان الأصح أن الأمر موقوف وأنه لا وصف للأشياء يترتب من أجله عليها الثواب والعقاب. وعندي أن هذا لا يحتاج العلماء إلى فرضه لأن أهل الفترة لا شرع لهم وليس لأفعالهم أحكام إلا في وجوب التوحيد عند قوم، وأما بعد ورود الشرع فقد أغنى الشرع عن ذلك فإن وجد فعل لم يدل عليه دليل من نص أو قياس أو استدلال صحيح فالصحيح أن أصل المضار التحريم والمنافع الحل وهذا الذي اختاره الإمام في «المحصول» فتصير للمسألة ثمرة باعتبار هذا النوع من الحوادث في الإسلام. {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ}. انتقال من الاستدلال بخلق الأرض وما فيها وهو مما علمه ضروري للناس، إلى الاستدلال بخلق ما هو أعظم من خلق الأرض وهو أيضاً قد يُغفل عن النظر في الاستدلال به على وجود الله، وذلك خلق السماوات، ويشبه أن يكون هذا الانتقال استطراداً لإكمال تنبيه الناس إلى عظيم القدرة. وعَطَفَتْ (ثُمَّ) جملةَ (استوى) على جملة {خَلَقَ لكم}. ولدلالة (ثُمَّ) على الترتيب والمهلة في عطف المفرد على المفرد كانت في عطف الجملة على الجملة للمهلة في الرتبة وهي مهلة تخييلية في الأصل تشير إلى أن المعطوف بثُم أعرق في المعنى الذي تتضمنه الجملة المعطوف عليها حتى كأنَّ العَقْل يتمهل في الوصول إليه بعد الكلام الأول فينتبه السامع لذلك كي لا يغفل عنه بما سمع من الكلام السابق، وشاع هذا الاستعمال حتى صار كالحقيقة، ويسمى ذلك بالترتيب الرتبي وبترتب الإخبار (بكسر الهمزة) كقوله تعالى: {أية : فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فَكُّ رقبةٍ}تفسير : [البلد: 11 ـــ 13] إلى أن قال: {أية : ثم كان من الذين آمنوا}تفسير : [البلد: 17] فإن قوله: {فَكُّ رقبة} خبرُ مبتدأ محذوف ولما كان ذكر هاته الأمور التي يعز إيفاؤها حقها مما يُغفل السامع عن أمر آخر عظيم نُبه عليه بالعطف بثم للإشارة إلى أنه آكد وأهم، ومنه قول طرفة بن العبد يصف راحلته:شعر : جَنُوح دِفاق عَنْدَلٌ ثم أُفرِعَت لَهَا كَتِفَاها في مُعَالىً مُصَعَّد تفسير : فإنه لما ذكر من محاسنها جملة نبه على وصف آخر أهم في صفات عنقها وهو طول قامتها قال المرزوقي في «شرح الحماسة» في شرح قول جَعفر بن عُلبة الحارثي:شعر : لا يَكْشِفُ الغَمَّاءَ إلاَّ ابنُ حُرَّة يَرَى غَمَرَاتِ المَوْتِ ثم يزورها تفسير : "إن (ثم) وإن كان في عطفه المفرد على المفرد يدل على التراخي فإنه في عطفه الجملة على الجملة ليس كذلك وذكر قوله تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا} ا هـ". وإفادة التراخي الرتبي هو المعتبر في عطف ثم للجمل سواء وافقت الترتيب الوجودي مع ذلك أو كان معطوفها متقدماً في الوجود وقد جاء في الكلام الفصيح ما يدل على معنى البعدية مراداً منه البعدية في الرتبة وإن كان عكس الترتيب الوجودي فتكون البعدية مجازية مبنية على تشبيه البَوْن المعنوي بالبعد المكاني أو الزماني ومنه قوله تعالى: {أية : همَّاز مَشَّاءٍ بنَميم منَّاعٍ للخير مُعْتَد أثيم عُتُلّ بعدَ ذلك زنيم}تفسير : [القلم: 11 ـــ 13] فإن كونه عُتُلا وزنيماً أسبق في الوجود من كونه همَّازاً مشَّاء بنميم لأنهما صفتان ذاتيتان بخلاف هماز مشاء بنميم، وكذلك قوله تعالى: {أية : فإن الله هو مولاه وجبريل وصالحُ المؤمنين والملائكةُ بعد ذلك ظهير}تفسير : [التحريم: 4]. فإذا تمحضت ثم للتراخي الرتبي حملت عليه وإن احتملته مع التراخي الزمني فظاهر قول المرزوقي: «فإنه في عطف الجملة ليس كذلك» إنه لا يَحتمل حينئذٍ التراخي الزمني. ولكن يظهر جَواز الاحتمالين وذلك حيث يكون المعطوف بها متأخراً في الحصول على ما قبلها وهو مع ذلك أهم كما في بيت جعفر بن عُلبة. قلت وهو إما مجاز مرسل أو كناية، فإن أطلقت (ثم) وأريد منها لازم التراخي وهو البعد التعظيمي كما أريد التعظيم من اسم الإشارة الموضوع للبعيد، والعلاقة وإن كانت بعيدة إلا أنها لشهرتها في كلامهم واستعمالهم ومع القرائن لم يكن هذا الاستعمال مردوداً. واعلم أني تتبعت هذا الاستعمال في مواضعه فرأيته أكثر ما يرد فيما إذا كانت الجمل إخباراً عن مخبر عنه واحد بخلاف ما إذا اختلف المخبر عنه فإن (ثم) تتعين للمهلة الزمنية كقوله تعالى: {أية : وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم} تفسير : - إلى قوله -: {أية : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم}تفسير : [البقرة: 84، 85] أي بعد أن أخذنا الميثاق بأزمان صرتم تقتلون أنفسكم ونحو قولك: مرت كتيبة الأنصار ثم مرت كتيبة المهاجرين. فأما هذه الآية فإنه إذا كانت السماوات متأخراً خلقها عن خلق الأرض فثُم للتراخي الرتبي لا محالة مع التراخي الزمني وإن كان خلق السماوات سابقاً فثُم للترتيب الرتبي لا غير. والظاهر هو الثاني. وقد جرى اختلاف بين علماء السلف في مقتضى الأخبار الواردة في خلق السماوات والأرض فقال الجمهور منهم مجاهد والحسن ونسب إلى ابن عباس إن خلق الأرض متقدم على خلق السماء لقوله تعالى هنا: {ثم استوى إلى السماء} وقوله في سورة حم السجدة (9 ـــ 11): {أية : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} تفسير : إلى أن قال: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان}. وقال قتادة والسدي ومقاتل إن خلق السماء متقدم واحتجوا بقوله تعالى: {أية : بناها رَفع سمكها فسواها} تفسير : إلى قوله: {أية : والأرضَ بعد ذلك دحاها}تفسير : [النازعات: 27 ـــ 30]. وقد أجيب بأن الأرض خلقت أولاً ثم خلقت السماء ثم دُحيت الأرض فالمتأخر عن خلق السماء هو دحْو الأرض، على ما ذهب إليه علماء طبقات الأرض من أن الأرض كانت في غاية الحرارة ثم أخذت تبرد حتى جمدت وتكونت منها قشرة جامدة ثم تشققت وتفجرت وهبطت منها أقسام وعلت أقسام بالضغط إلا أن علماء طبقات الأرض يقدرون لحصول ذلك أزمنة متناهية الطول وقدرة الله صالحة لإحداث ما يحصل به ذلك التقلب في أمد قليل بمقارنة حوادث تعجل انقلاب المخلوقات عما هي عليه. وأرجح القولين هو أن السماء خلقت قبل الأرض لأن لفظ {بعد ذلك} أظهر في إفادة التأخر من قوله: {ثم استوى إلى السماء} ولأن أنظار علماء الهيئة ترى أن الأرض كرة انفصلت عن الشمس كبقية الكواكب السيارة من النظام الشمسي. وظاهر سفر التكوين يقتضي أن خلق السماوات متقدم على الأرض. وأحسب أن سلوك القرآن في هذه الآيات أسلوب الإجمال في هذا الغرض لقطع الخصومة بين أصحاب النظريتين. والسماء إن أريد بها الجو المحيط بالكرة الأرضية فهو تابع لها متأخر عن خلقها، وإن أريد بها الكواكب العلوية وذلك هو المناسب لقوله: {فسواهن سبع سمٰوات} فالكواكب أعظم من الأرض فتكون أسبق خلقاً وقد يكون كل من الاحتمالين ملاحظاً في مواضع من القرآن غير الملاحظ فيها الاحتمال الآخر. والاستواء أصله الاستقامة وعدم الاعوجاج يقال صراط مستو، واستوى فلان وفلان واستوى الشيء مطاوع سواه، ويطلق مجازاً على القصد إلى الشيء بعزم وسرعة كأنه يسير إليه مستوياً لا يلوي على شيء فيعدى بإلى فتكون (إلى) قرينة المجاز وهو تمثيل، فمعنى استواء الله تعالى إلى السماء تعلق إرادته التنجيزي بإيجادها تعلقاً يشبه الاستواء في التهيىء للعمل العظيم المتقن. ووزن استوى افتعل لأن السين فيه حرف أصلي وهو افتعال مجازي وفيه إشارة إلى أنه لما ابتدأ خلق المخلوقات خلق السماوات ومن فيها ليكون توطئة لخلق الأرض ثم خلق الإنسان وهو الذي سيقت القصة لأجله. و(سواهن) أي خلقهن في استقامة، واستقامة الخلق هي انتظامه على وجه لا خلل فيه ولا ثلم. وبين استوى وسواهن الجناس المحرف. والسماء مشتقة من السمو وهو العلو واسم السماء يطلق على الواحد وعلى الجنس من العوالم العليا التي هي فوق العالم الأرضي والمراد به هنا الجنس بقرينة قوله: {فسواهن سبع سماوات} إذ جعلها سبعاً، والضمير في قوله: {فسواهن} عائد إلى (السماء) باعتبار إرادة الجنس لأنه في معنى الجمع وجوز صاحب «الكشاف» أن يكون المراد من السماء هنا جهة العلو، - وهو وإن صح - لكنه لا داعي إليه كما قاله التفتزاني. وقد عد الله تعالى في هذه الآية وغيرها السماوات سبعاً وهو أعلم بها وبالمراد منها إلا أن الظاهر الذي دلت عليه القواعد العلمية أن المراد من السماوات الأجرام العلوية العظيمة وهي الكواكب السيارة المنتظمة مع الأرض في النظام الشمسي ويدل لذلك أمور: أحدها: أن السماوات ذكرت في غالب مواضع القرآن مع ذكر الأرض وذكر خلقها هنا مع ذكر خلق الأرض فدل على أنها عوالم كالعالم الأرضي وهذا ثابت للسيارات. ثانيها: أنها ذكرت مع الأرض من حيث إنها أدلة على بديع صنع الله تعالى فناسب أن يكون تفسيرها تلك الأجرام المشاهدة للناس المعروفة للأمم الدال نظام سيرها وباهر نورها على عظمة خالقها. ثالثها: أنها وصفت بالسبع وقد كان علماء الهيئة يعرفون السيارات السبع من عهد الكلدان وتعاقب علماء الهيئة من ذلك العهد إلى العهد الذي نزل فيه القرآن فما اختلفوا في أنها سبع. رابعها: أن هاته السيارات هي الكواكب المنضبط سيرها بنظام مرتبط مع نظام سير الشمس والأرض، ولذلك يعبر عنها علماء الهيئة المتأخرون بالنظام الشمسي فناسب أن تكون هي التي قرن خلقها بخلق الأرض. وبعضهم يفسر السماوات بالأفلاك وهو تفسير لا يصح لأن الأفلاك هي الطرق التي تسلكها الكواكب السيارة في الفضاء، وهي خطوط فرضية لا ذوات لها في الخارج. هذا وقد ذكر الله تعالى السماوات سبعاً هنا وفي غير آية، وقد ذكر العرش والكرسي بما يدل على أنهما محيطان بالسماوات وجعل السماوات كلها في مقابلة الأرض وذلك يؤيد ما ذهب إليه علماء الهيئة من عد الكواكب السيارة تسعة وهذه أسماؤها على الترتيب في بعدها من الأرض: نِبْتون، أُورَانوس، زُحَل، المشتري، المريخ، الشمس، الزهرة، عطارد، بلكان. والأرض في اصطلاحهم كوكب سيار، وفي اصطلاح القرآن لم تعد معها لأنها التي منها تنظر الكواكب وعُد عوضاً عنها القمر وهو من توابع الأرض فعده معها عوض عن عد الأرض تقريباً لأفهام السامعين. وأما الثوابت فهي عند علماء الهيئة شموس سابحة في شاسع الأبعاد عن الأرض وفي ذلك شكوك. ولعل الله لم يجعلها سماوات ذات نظام كنظام السيارات السبع فلم يعدها في السماوات أو أن الله إنما عد لنا السماوات التي هي مرتبطة بنظام أرضنا. وقوله: {وهو بكل شيء عليم} نتيجة لما ذكره من دلائل القدرة التي لا تصدر إلا من عليم فلذلك قال المتكلمون، إن القدرة يجري تعلقها على وفق الإرادة، والإرادةَ على وفق العلم. وفيه تعريض بالإنكار على كفرهم والتعجيب منه فإن العليم بكل شيء يقبح الكفر به. وهذه الآية دليل على عموم العلم وقد قال بذلك جميع الملِّيِّين كما نقله المحقق السلكوتي في «الرسالة الخَاقَانِيَّة» وأنكر الفلاسفة علمه بالجزئيات وزعموا أن تعلق العلم بالجزئيات لا يليق بالعلم الإلٰهي وهو توهم لا داعي إليه. وقرأ الجمهور هاء «وهو» بالضم على الأصل، وقرأها قالون وأبو عمرو والكسائي وأبو جعفر بالسكون للتخفيف عند دخول حرف العطف عليه، والسكون أكثر من الضم في كلامهم وذلك مع الواو والفاء ولامِ الابتداء ووجهه أن الحروف التي هي على حرف واحد إذا دخلت على الكلمة تنزلت منزلة الجزء منها فصارت الكلمة ثقيلة بدخول ذلك الحرف فيها فخففت بالسكون كما فعلوا ذلك في حركة لام الأمر مع الواو والفاء، ومما يدل على أن أفصح لغات العرب إسكان الهاء مِن (هو) إذا دخل عليه حرف، أنك تجده في الشعر فلا يتزن البيت إلا بقراءة الهاء ساكنة ولا تكاد تجد غير ذلك بحيث لا يمكن دَعوى أنه ضرورة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ}. ظاهره أن ما في الأرض جميعاً خلق بالفعل قبل السماء، ولكنه بين في موضع آخر أن المراد بخلقه قبل السماء، تقديره. والعرب تسمي التقدير خلقاً كقول زهير: شعر : ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري تفسير : وذلك في قوله: {أية : وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا} تفسير : [فصلت: 10]، ثم قال: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} الآية.
د. أسعد حومد
تفسير : {سَوَّاهُنَّ} {سَمَاوَاتٍ} (29) - وَيَسُوقُ اللهُ تَعَالى لِلنَّاسِ دَلِيلاً آخَرَ عَلَى أَنَّهُ الخَالِقُ الذِي لاَ تَجِبُ العِبَادَةُ إِلاَّ لَهُ، فَهُوَ الذِي خَلَقَ جَمِيعَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ نِعَمٍ وَخَيْرَاتٍ لِيَسْتَفِيدُوا مِنْها، وَلِيَنْتَفِعُوا بِهَا، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ إِرَادَتُهُ تَعَالى إِلى السَّمَاءِ فَخَلَقَها وَجَعَلَهَا سَبْعَ سَمَاوَات مُنْتَظِمَاتٍ تَامَّاتِ الخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ، وَإِنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيءٍ فِي الوُجُودِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يذكِّرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أنه هو الذي خلق ما في الأرض جميعاً، وقد جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى: {أية : فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [البقرة: 28] لتلفتنا إلى أن ما في الأرض كله ملك لله جل جلاله، وأننا لا نملك شيئاً إلا ملكية مؤقتة. وأن ما لنا في الدنيا سيصير لغيرنا. وهكذا. والحق سبحانه وتعالى حين خلق الحياة وقال {أية : وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 28] كأن الحياة تحتاج إلى إمداد من الخالق للمخلوق حتى يمكن أن تستمر، فلابد لكي تستمر الحياة أن يستمر الإمداد بالنعم، ولكن النعم تظل طوال فترة الحياة، وعند الموت تنتهي علاقة الإنسان بنعم الدنيا، ولذلك لابد أن يتنبه الإنسان إلى أن الأشياء مُسخَّرة له في الدنيا لتخدمه. وأن هذا التسخير ليس بقدرات أحد، ولكن بقدرة الله سبحانه وتعالى. والإنسان لا يدري كيف تم الخلق، ولا ما هي مراحله إلا أن يخبرنا الله سبحانه وتعالى بها. فهو جل جلاله يقول: {أية : مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. وما داموا لم يشهدوا خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم، فلا بد أن نأخذ ذلك عن الله ما ينبئنا به الله عن خلق السماوات والأرض وعن خلقنا هو الحقيقة، وما يأتينا عن غير الله سبحانه وتعالى فهو ضلال وزيف، ونحن الآن نجد بحوثاً كثيرة عن كيفية السماوات والأرض وخلق الإنسان، وكلها لن تصل إلى حقيقة، بل ستظل نظريات بلا دليل. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: {أية : وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً} تفسير : [الكهف: 51]. أي: أن هناك مَنْ سيأتي ويضل، ويقول: هكذا تم خلق السماوات والأرض، وهكذا خلق الإنسان، هؤلاء المضلون الذين جاءوا بأشياء هي من علم الله وحده، جاءوا تثبيتاً لمنهج الإيمان، فلو لم يأت هؤلاء المضلون، ولو لم يقولوا: خُلِقت الأرض بطريقة كذا، والسماء بطريقة كذا، لقلنا: إن الله تعالى قد أخبرنا في كتابه العزيز أن هناك مَنْ سيأتي ويُضِلّ في خلق الكون وخلق الإنسان، ولكن كونهم أتوا فهذا دليل على صدق القرآن الذي أنبأنا بمجيئهم قبل أن يأتوا بقرون. والاستفادة من الشيء لا تقتضي معرفة أسراره .. فنحن مثلاً نستخدم الكهرباء مع أننا لا نعرف ما هي؟ وكذلك نعيش على الأرض ونستفيد بكل ظواهرها وكل ما سخره الله لنا. وعدم علمنا بسر الخلق والإيجاد لا يحرمنا هذه الفائدة، فهو علم لا ينفع وجهل لا يضر. والكون مسخر لخدمة الإنسان، والتسخير معناه التذليل، ولا تتمرد ظواهر الكون على الإنسان. وإذا كانت هناك ظواهر في الكون تتمرد بقَدَر الله، مثل الفيضانات والبراكين والكوارث الطبيعية، نقول: إن ذلك يحدث ليلفتنا الحق سبحانه وتعالى إلى أن كل ما في الكون لا يخدمنا بذاتنا، ولا بسيطرتنا عليه، وإنما يخدمنا بأمر الله له، وإلا لو كانت المخلوقات تخدمك بذاتك. فاقدر عليها حينما تتمرد على خدمتك، فكل ما في الكون خاضع لطلاقة قدرة الله، حتى الأسباب والمسببات خاضعة أيضاً لطلاقة القدرة الإلهية، فالأسباب والمسببات في الكون لا تخرج عن إرادة الله. لذلك إذا تمرد الماء بالطوفان، وتمردت الرياح بالعاصفة، وتمردت الأرض بالزلازل والبراكين. فما ذلك إلا ليعرف الإنسان أنه ليس بقدرته أن يسيطر على الكون الذي يعيش فيه. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} تفسير : [يس: 71-72]. والإنسان عاجز عن أن يُخْضع حيواناً إلا بتذليل الله له، ومن العجيب أنك ترى الحيوانات تدرك ما لا يدركه الإنسان في الكون، فهي تحس بالزلزال قبل أن يقع، وتخرج من مكان الزلزال هاربة. بينما الإنسان لا يستطيع بعقله أن يفهم ما سيحدث. والحق سبحانه وتعالى في قوله: {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ..} [البقرة: 29]. يستوعب كل أجناس الأرض، ولذلك فإن الإنسان لا يستطيع أن يوجد شيئاً إلا من موجود. أي أن الإنسان لم يستحدث شيئاً في الكون، فأنت إذا أخذت حبة القمح، من أين جئنا بها؟ من محصول العام الماضي، ومحصول العالم الماضي من أين جاء؟ من محصول العام الذي قبله. وهكذا يظل تسلسل الأشياء حتى تصل إلى حبة القمح الأولى. من أين جاءت؟ جاءت بالخلق المباشر من الله. وكذلك كل ثمار الأرض إذا أعدتها للثمرة الأولى فهي بالخلق المباشر من الله سبحانه وتعالى، فإذا حاولت أن تصل إلى أصل وجود الإنسان، ستجد بالمنطق والعقل .. أن بداية الخلق هي من ذكر وأنثى، خُلقا بالخلق المباشر من الله، لأنك أنت من أبيك، وأبوك من جدك، وجدك من أبيه، وهكذا تمضي حتى تصل إلى خلق الإنسان الأول. فنجد أنه لا بد أن يكون خلقاً مباشراً من الله سبحانه وتعالى، وما ينطبق على الإنسان ينطبق على الحيوان وعلى النبات وعلى الجماد، فكل شيء إذا رددته لأصله تجد أنه لابد أن يبدأ بخلق مباشر من الله سبحانه وتعالى. بعض الناس يتساءل عن الرقي والحضارة وهذه الاختراعات الجديدة. أليس للإنسان فيها خلق؟ .. نقول فيها خلق من موجود. والله سبحانه وتعالى كشف من علمه للبشر ما يستطيعون باستخدام المواد التي خلقها الله في الأرض أن يرتقوا ويصنعوا أشياء جديدة. ولكننا لم نجد ولم نسمع عن إنسان خلق مادة من عدم. الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق كل ما في هذا الكون من عدم. ثم بعد ذلك تكاثرت المخلوقات بقوانين سخرها الله سبحانه وتعالى لها. ولكن كل هذا التطور راجع إلى أن الله خلق المخلوقات وأعطاها خاصية التناسل والتزاوج لتستمر الحياة جيلاً بعد جيل، وكل خلق الله الذي تراه في الكون الآن قد وضع الله سبحانه وتعالى فيه من قوانين الأسباب ما يعطيه استمرارية الحياة من جيل إلى جيل حتى ينتهي الكون. فإذا قال لك إنسان: أنا أزرع بذكائي وعلمي. فقل له: أنت تأتي بالبذرة التي خلقها الله، وتضعها في الأرض المخلوقة لله، ويُنْزِلُ الله سبحانه وتعالى الماء عليها من السماء، وتنبت بقدرة الله الذي وضع فيها غذاءها وطريقة إنباتها. إذن: فكل ما يحدث أنك تحرث الأرض، وترمي البذرة. يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} تفسير : [الواقعة: 63-64]. صحيح أن الإنسان يقوم بحرث الأرض ورمي البذرة، وربما تعهد الزرع بالعناية والري، ولكن ليس في كل ما يفعله مهمة خلق، بل إن الله سبحانه وتعالى هو خالق كل شيء، ولو كنت تزرع بقدرتك فأت ببذرة من غير خلق الله، وأرض لم يخلقها الله، وماء لم ينزله الله من السماء. وطبعاً لن تستطيع، ولكن ما هو مصدر الأشياء التي استحدثت؟ نقول: إن هناك فرقاً بين وجود الشيء بالقوة ووجوده بالفعل .. فالنخلة مثلاً حين كانت موجودة بالقوة، كانت نواة، ثم زرعت فأصبحت موجودة بالفعل. وأنت لا عمل لك في الحالتين فلا أنت بقوتك خلقت النواة - التي هي البذرة - ولا أنت بفعلك جعلت النواة تكبر لتصير نخلة بالفعل. على أن هناك أشياء مطمورة في الكون خلقها الله سبحانه وتعالى مع بداية الخلق، ثم تركها مطمورة في الكون حتى كشفها الله لمَنْ يبحث عن أسراره في كونه. وكل كشف له ميلاد. إذا أخذنا مثلاً ما تحت الثرى، أو الكنوز الموجودة تحت سطح الأرض. لقد ظلت مطمورة حتى هدى الله الإنسان إليها، وعلَّمَه كيف يستخرجها. فالإنسان لم يخترع مثلاً أو يوجد البترول أو المعادن. ولكنها كلها كانت مطمورة في الكون حتى جاء الوقت الذي يجب أن تؤدي فيه دورها في الحياة. فدَلَّنا الحق عليها، فليس معنى أن الشيء كان غائباً عنا أنه لم يكن موجوداً، أو أنه وُجِد لحظة اكتشافنا له. فالشيء الحادث الآن، والشيء الذي سيحدث بعد سنوات .. خلق الله سبحانه وتعالى كل عناصره، وأودعها في الأرض لحظة الخلق. والإنسان بما يكشف الله له من علم يستطيع تركيب هذه العناصر، ولكنه لا يستطيع خلقها أو إيجادها. والحق سبحانه وتعالى يقول: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ..} [البقرة: 29]. حينما يقول الله جل جلاله: "استوى" .. يجب أن نفهم كل شيء متعلق بذات الله على أنه سبحانه ليس كمثله شيء. فالله استوى، والملوك تستوي على عروشها، وأنت تستوي على كرسيك. ولكن لأننا محكومون بقضية {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ..} تفسير : [الشورى: 11]. لابد أن نعرف أن استواء الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء، والله حي، وأنت حي، هل حياتك كحياته؟ والله سبحانه وتعالى يعلم وأنت لا تعلم. هل علمك كعلمه؟ والله سبحانه وتعالى يقدر. وأنت تقدر. هل قدرتك كقدرته، طبعا لا. فعندما تأتي إلى "استوى" فلا تحاول أن تفهمها أبداً بالمفهوم البشري .. فالله سبحانه وتعالى يعلم ما في الأرض وما في السماء. وهو سبحانه يعلم المكان بكل ذراته، والموجودين في هذا المكان أو المكين بكل ذراته. وأنت تعرف ظاهر الأمر .. والله سبحانه وتعالى يعلم غيب السماوات والأرض حتى يوم القيامة، وبعد يوم القيامة. إذن: فهو جل جلاله ليس كمثله شيء. ولا يمكن أن تحيط أنت بعقلك بفعل يتعلق بذات الله سبحانه وتعالى. فعقلك قاصر عن أن يدرك ذلك. لذلك قل: سبحان الله. ليس كمثله شيء في كل فعل يتصل بذات الله: "استوى إلى السماء" هذا الكلام هو كلام الله. فالمتحدث هو الله عز وجل. بعض الناس يقولون: تلقينا القرآن وحفظناه. نقول لهم: إن الذي حفظ القرآن هو الله سبحانه وتعالى. وما دام قد حفظ كلامه فهو جل جلاله يعلم أن الوجود كله لن يتعارض مع القرآن الكريم .. والله سبحانه وتعالى حفظ القرآن ليكون حجة له على الناس. وما دام الله جل جلاله هو الخالق، وهو القائل، فلا توجد حقيقة في الكون كله تتصادم مع القرآن الكريم .. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} تفسير : [الحجر: 9]. وهذا من عظمة الله أن حفظ كلامه ليكون حجة على الناس، والله سبحانه وتعالى وُجِدت صفاته قبل أن توجد متعلقات هذه الصفات، فهو جل جلاله خَلَقَ لأنه خالق. كأن صفة الخلق وجدت أولاً وإلا كيف خلق أول خلقه، إن لم يكن سبحانه وتعالى خالقا؟ والله سبحانه وتعالى رزَّاق قبل أن يوجد مَنْ يرزقه. وإلا فبأي قدرة رزق الله أول خلقه؟ والله سبحانه وتعالى خلق هذا الكون بكمال صفاته. وشهد أنه لا إله إلا هو قبل أن يشهد أي من خلق الله أنه لا إله إلا الله. واقرأ قوله تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ ..} تفسير : [آل عمران: 18]. فالله سبحانه وتعالى شهد أنه لا إله إلا هو قبل أن يوجد أحد من خلقه يشهد بوحدانية ألوهيته، شهد أنه لا إله إلا هو قبل أن يخلق الملائكة ليشهدوا شهادة مشهد بأنه لا إله إلا الله، وأولو العلم شهادة علم. فكأن شهادة الذات للذات في قوله تعالى "شهد الله أنه لا إله إلا هو" هي التي يُعْتدُّ بها، وهي أقوى الشهادات؛ فالله ليس محتاجاً مِن خلقه إلى امتداد الشهادة. الله سبحانه وتعالى بعد أن خلق الأرض وخلق السماء واستتب له الأمر. قال "وهو بكل شيء عليم" أي: لا تغيب ذرة من مُلْكه عن علمه. فهو عليم بكل ذرات الأرض وكل ذرات الناس، وكل ذرات الكون، والكون كله لا يفعل إِلا بإذنه ومراده. واقرأ قوله تعالى: {أية : يٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ أَوْ فِي ٱلأَرْضِ يَأْتِ بِهَا ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} تفسير : [لقمان: 16].
الجيلاني
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي} جعلكم خلائف في الأرض وصوركم على صورته، وصيركم مظاهر جميع أوصافه وأسمائه و{خَلَقَ لَكُمْ} أي: قدر ودبر لكم {مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} ما في العالم السفلي من آثار الأسماء والصفات تتميماً لجسمانيتكم؛ لتتصرفوا فيها وتتنعموا بها متى شئتم {ثُمَّ} لما تم تقدير ما في العالم السفلي ترقى عنها و{ٱسْتَوَىٰ} توجه {إِلَى ٱلسَّمَآءِ} إلى تقدير جميع ما في العالم العلوي {فَسَوَّٰهُنَّ} فهيأهن {سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} مطبقات مشتملات على ملائكةٍ ذوي علومٍ ومعاملاتٍ، وعلى كواكب ذوي آثارٍ كثيرةٍ كلها من مقتضيات أسمائه وصفاته {وَ} لا يخفى عليه شيء مما في العالمين؛ إذ {هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} البقرة: 29] لا يعزب عن عمله مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. ثم لما قدر لنوع الإنسان جميع ما في العالم العلوي والسفلي أشار إلى اصطفاء شخصٍ من هذا النوع وانتخابه من بين الأشخاص؛ ليكون مظهراً جامعاً لائقاً لأمر الخلافة والنيات، فقال مخاطباً لنبيه، مذكراً له، مستحضراً إياه بقوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} أي: استحضر أنت يا أكمل الرسل فذكر ممن تبعك وقت قول ربك {لِلْمَلَٰئِكَةِ} الذين هم مظاهر لطفه ومجالي جماله، لا يظهر عليهم أثر من آثار الجلال والقهر {إِنِّي} أريد أن أطالع ذاتي وألاحظ أسمائي وأوصافي على التفصيل، فأنا {جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ} أي: العالم السفلي {خَلِيفَةً} مرآة مجلوة عن صداء الإمكان ورين التعلق؛ لأتجلى منها بجميع أوصافي وأسمائي حتى تعتدل خليفتي بأسمائي أخلاق من عليها وتصلح أحوالهم، وإذا شاور معهم قالوا في الجواب على مقتضى علمهم {قَالُواْ} في الجواب على مقتضى علمهم من العالم السفلي الذي هو عالم الكون والفساد ومنزل الجدال والعناد: ما نرى في العالم السفلي إلا اللدد والعناد والمخاصمة المستمرة بين العباد والخروج من حدودك من سفك الدماء ونهب الأموال وسبي الذراري {أَ} ن سلم ونجوز لك أن {تَجْعَلُ} بعزتك وكبريائك مع أنا ننزهك عن جميع الرذائل خليفة لك نائباً عنك {فِيهَا} في الأرض {مَن يُفْسِدُ فِيهَا} بأنواع الفسادات {وَ} خصوصاً {يَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} المحرمة، وليس في وسعنا هذا التسليم، ولا نرى هذا الأمر لائقاً بجلالك وعصمتك، وإن شئت بفضلك وجودك أن تصلح بينهم {وَ} تدبر أمرهم {نَحْنُ} أولى بإصلاحهم وتدبيرهم وحفظ حدودك الموضوعة فيهم؛ إذ {نُسَبِّحُ} نشتغل دائماً {بِحَمْدِكَ} وثنائك على آلائك ونعمائك {وَنُقَدِّسُ} به {لَكَ} أي: ننزه ذاتك عن جميع ما يشعر بالعلل والأعراض فنحن أولى بأمر الخلافة والنيابة منه {قَالَ} تعالى بلسان الجمع في جوابهم؛ إرشاداً لهم وامتناناً لآدم: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ} من آدم الذي هو مظهر ذاتي وجميع أسمائي {مَا} أي: شيء من الجامعية {لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] أنتم لعدم جميعتكم. ثم لما ادعى سبحانه استحقاقه للنيابة ولياقته للخلافة، وأجاب عن شبههم التي أوردوها إجمالاً وأشار إلى تفصيل ما أجمل عليهم إرشاداً لهم على مرتبة الجمع، وتنبيهاً على جلالة قدر المظهر الجامع فقال: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ} سبحانه؛ أي: ذكره {ٱلأَسْمَآءَ} التي أودعها في ذاته وأوجد بها ما في العالم من الآثار البديعة {كُلَّهَا} بحيث لا يبقى من الأوصاف المتقابلة والأسماء المتخالفة المتضادة شيء إلا ما استأثر به في غيبه {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} الأسماء المودعة باعتبار مسمياتها وآثارها الظاهرة في الآفاق {عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ} الذين يدعون الأولوية في أمر الخلافة {فَقَالَ} تعالى لهم مخاطباً على سبيل الإسكات والتبكيت: {أَنْبِئُونِي} عن روية وبصيرة {بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ} المسميات، وبأسباب هؤلاء الآثار والمسببات {إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} [البقرة: 31] في دعوى الأولوية والأحقية للنيابة، محقين في الاعتراض على آدم لا عن علم بحاله. {قَالُواْ} مستوحشين من هذه الكلمات، معتذرين متذليين خائفين من عتابه تعالى، متذكرين عن سوء الأدب مع الله، مستحيين عن سؤالهم من فعله الذي لا يسأل عنه قائلين: {سُبْحَٰنَكَ} ننزهك من أن يعترض عليك ويسأل عن فعلك، ذلك الحكم في ملكوتك والتصرف في مقتضيات أسمائك، وإنما بسطنا معك الكلام لا لانبساطك بنا؛ إذ {لاَ عِلْمَ لَنَآ} منها {إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} بقدر استعداداتنا وقابلياتنا {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ} بجميع الاستعدادات والقابليات {ٱلْحَكِيمُ} [البقرة: 32] بإقامته ما ينبغي لمن ينبغي بلا عللٍ واعتراضٍ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29] أي: ما خلقكم لشيء وخلق كل شيء لكم؛ بل خلقكم لنفسه كما قال تعالى: {أية : وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي}تفسير : [طه: 41] معناه: لا تكن لشيء غيري فإني لست لشيء غيرك فبقدر ما تكون لي أكون لكن كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من كان لله كان الله له"تفسير : وليس لشيء من الموجودات هذا الاستعداد أي: أن يكون هو لله على التحقيق وأن يكون الله له، وفي هذا سر عظيم وإفشاء سر الربوبية كفر، فلا تشتغل بم الك عمن أنت له فتبقى بلا هو بلا هو. قوله تعالى: {ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ} [البقرة: 29]، أي: شرع في تسويتها {فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} [البقرة: 29]، مستويات على مصالح الأرض ومنافع الخلق فيه، إشارة إلى أن وجود السماوات والأرض تبعاً لوجود الإنسان؛ لأنه قال: {خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29]، أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما فيهن وسواهن على وفق مصالحك وانتفاعك من وسلوكك وتربيتك فيهن، كذلك {أية : ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِيۤ أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ}تفسير : [الانفطار: 7-8] بنفخ روحه فيك. كما قال تعالى: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}تفسير : [الحجر: 29]، ثم سواك بالوحي والإلهام بقبول فيض تجلي صفاته تعالى فيك لك كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق آدم فتجلى فيه"، تفسير : قال تعالى: {أية : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي ٱلآفَاقِ وَفِيۤ أَنفُسِهِمْ}تفسير : [فصلت: 53]. قوله تعالى: {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 29]، أي : عالم في خلق كل شيء كيف خلقه ولأي شيء خلقه، وكل ذرة من مخلوقاته وكل شيء من موجوداته يسبح ذاته وصفاته ويشهد بأحديته وصمديته ويقول: {أية : رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ}تفسير : [آل عمران: 191]، فلما ذكر أن السماوات والأرض خلقت للإنسان أخبر أن الإنسان لماذا خلق بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، والإشارة في تحقيق الآية: أن الله تعالى إنما قال {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، ولم يقل: إني خالق معنيين: أحدهما: إن الجاعلية أعم من الخالقية فإن الجاعلية هي الخالقية وشيء آخر وهو أن يخلقه موصوفاً بصفة الخلافة إذ ليس لكل مخلوق هذا الاختصاص كما قال تعالى: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [ص: 26] أي: خلقتك مستعداً للخلافة فأعطيناكها، والثاني: إن للجعلية اختصاصاً بعالم الأمر وهو الملكوت وهو ضد عالم الخلق لأنه هو عالم الأجسام والمحسوسات، كما قال تعالى: {أية : أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ}تفسير : [الأعراف: 54]، أي: الملك والملكوت؛ فإنه تعالى حين ذكر ما هو مخصوص بعالم الأمر جعله بالجعلية لامتياز الأمر عن الخلق كما قال تعالى: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ}تفسير : [الأنعام: 1]، فالسماوات والأرض لما كانت من الأجسام والمحسوسات ذكرها بالخلقية، والظلمات والنور لما كانت من غير المحسوسات ذكرها بالجعلية، وإنما قلنا إن الظلمات والنور من الملكوتيات لقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ}تفسير : [البقرة: 257]، فإنما هي من الملكوتيات لا من المحسوسات، والظلمات والنور التي من المحسوسات فإنها داخلة في السماوات والأرض فافهم جداً. فكذلك ما أخبر الله تعالى عن آدم مما يتعلق بجسمانيته ذكره بالخلقية، كما قال تعالى: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ}تفسير : [ص: 71]، وما أخبر عما يتعلق بروحانية ذكره بالجعلية فقال تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، وفي: {إِنِّي جَاعِلٌ} إشارة أخرى وهو إظهار عزة آدم على الملائكة لينظروا إليه ينظر التعظيم ولا ينظروا إليه بما يظهر منه ومن أولاده من أوصاف البشرية فإنه تعالى يقول: {أية : وَلِذٰلِكَ خَلَقَهُمْ}تفسير : [هود: 119] وسماه خليفته، ما شرف شيئاً من الموجودات بهذه الخلقة والكرامة وإنما، سمي خليفة لمعنيين: أحدهما: أنه يخلق عن جميع المخلوقات ولا يخلفه المكونات بأسرها، وذلك لأن الله تعالى جمع فيه ما في العالم كله من الروحانيات والجسمانيات والسماوات والأرضيات والدنياويات والأخرويات والجماديات والنباتان والحيوانيات والمكونيات، فهو بالحقيقة خليفة كل العوالم، وأكرمه باختصاص كرامة: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي}تفسير : [ص: 72] وما أكرم بها أحداً من العالمين، وأشار إلى هذا المعنى بقوله: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ}تفسير : [الإسراء: 70] فلهذا الاختصاص ما صلحت الموجودات كلها أن تكون خليفة لآدم عليه السلام وللحق تعالى. والثاني: أنه يخلف عن وجود الحق في الحقيقة؛ لأن وجود الإنسان يدل على وجود موجده كالبناء يدل على وجود الباني، وتخلف وحدانية الإنسان عن وحداينة الحق ذاته، وصفاته عن صفاته فتخلف حياته عن حياته، وقدرته، وإرداته عن إرادته، وسمعه عن سمعه، وبصره عن بصره وكلامه عن كلامه وعلمه عن علمه ولإمكانية روحه عن الإمكانية ولجهته تفهم إنشاء الله، وليس لنوع من المخلوقات أن يخلف عنه كما يخلف آدم عليه السلام وإن كان فيهم بعض هذه الصفات؛ لأنه لا تجتمع صفات الحق في أحدكم وتجتمع في الإنسان ولا تتجلى صفة من صفاته لشيء كما يتجلى لمرآة قلب الإنسان وصفاته. فأما الحيوانات وإن كان لها بعض هذه الصفات ولكن ليس لها علم بوجودها وموجدها، وأما الملائكة فإنهم وإن كانوا عالمين بوجود موجدهم؛ ولكن لا يبلغ علمهم إلى أن يعرفوا أنفسهم بجميع صفاتها ولا الحق بجميع صفاته، ولهذا قولوا: { ُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} [البقرة: 32]. وأما الإنسان فله الخلافة صورة ومعنى؛ أما صورة فلأن له علماً بوجود موجده ويبلغ علمه إلى أن يعرف نفسه بجميع صفاته والحق سبحانه بجميع صفاته ولهذا كان مخصوصاً بمعرفة نفسه بالخلافة وبمعرفة جميع أسماء الله تعالى. وأما معنى؛ فليس في العالم مصباح يستضيء بنار نور الله فيظهر أنوا صفاته في الأرض خلافة عنه إلا مصباح الإنسان، فإنه مستعد لقبول فيض نور الله تعالى لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب والزجاجة في مشكاة الجسد، وفي زجاجة القلب زيت الروح يكاد زيتها يضيء من صفات الله تعالى العقل، ولو لم تمسسه نار النور في مصباح السر فتلية الخفلي. فإذا أراد الله تعالى أن يجعل في الأرض خليفة يتجلى بنور جماله لمصباح السر الإنساني فيهدي لنوره فتيله حتى من يشاء، فيستنير مصباحه بنار نور الله تعالى فهو على نور من ربه، فيظهر خليفة الله في أرضه فتظهر أنوار صفاته فيه هذا العالم فيأتي بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة لمستحقها وبالعزة والقهر والغضب والانتقام لمستحقها كما قال تعالى: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [ص: 26]. وقال لحبيبه صلى الله عليه وسلم: {أية : بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}تفسير : [التوبة: 128]، وقال في حقه وحق المؤمنين: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ}تفسير : [الفتح: 29]، ولا تظهر هذه الصفات على الحيوان ولا على الملك، وناهيك عن هذا حالة هاروت وماروت ولما أنكروا على ذرية آدم عليه السلام اتباع الهوى والقتل والظلم والفساد، قالوا: لو كنا بدلاً منهم خلفاء الأرض ما كنا نفعل مثل ما يفعلون، فالله تعالى أنزلها الأرض وألبس عليهما لباس البشرية، وأمرهما أن يحكما بين الناس بالحق ونهاهما عن الشرك والقتل بغير الحق، والزنا وشرب الخمر. قال قتادة: ما مر عليهما شهر حتى افتتنا فشربا الخمر، وسفكا الدم، وزنيا، وقتلا، وسجدا للصنم. فثبت أن الإنسان مخصوص بالخلافة وقبول فيض نور الله تعالى، فلو كان للملائكة هذه الخصوصية لم تفتتن بهذه الأوصاف المذمومة الحيوانية والسبعية، كما كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومين عن مثل هذه الأوصاف والأخلاق وكانت لازمة لصفاتهم البشرية؛ لكن بنور التجلي تنور مصباح قلوبهم واستنارت بنور قلوبهم جميع مشكات جسدهم ظاهراً وباطناً، وأشرقت الأرض بنور ربها فلم تبق لظلمات هذه الصفات مجالاً للظهور مع استعلاء النور. فالملائكة من بدء الأمر لما نظروا إلى جسد آدم عليه السلام شاهدوا ظلمات البشرية والحيوانية والسبعية في ملكوت الجسد بالنظر الملكوتي الملكي ولم تكن تلك الصفات غائبة عن نظرهم. {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} [البقرة: 30]، فقولهم هذا يدل على معان مختلفة؛ أن الله تعالى أنطقهم بهذا القول ليتحقق لنا أن هذه الصفات الذميمة في طينتنا مودعة في جبلتنا مركبة فلا نأمن عن مكر أنفسنا الأمارة بالسوء ولا نعتمد عليها وما نبرؤها، كما قال تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السلام: {أية : وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ}تفسير : [يوسف: 53]. ومنها: لنعلم أن كل عمل صالح نعمله ذلك بتوفيق الله تعالى إيانا وفضله ورحمته وكل فساد وظلم نعمله هو من شؤم طبيعتنا وخاصة طينتا، كما قال الله تعالى: {أية : مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ}تفسير : [النساء: 79]، وكل فساد وظلم لا يجري علينا، ولا يصدر منا فذلك من حفظ الحق وعصمة ربه لقوله: {أية : إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ}تفسير : [يوسف: 53]. ومنها: لنعلم أن الله تعالى من كمال فضله وكرمه قد قبلنا بالعبودية والخلافة وقال من حسن عنايته في حقنا مع الملائكة المقربين: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]، من رحمته والتقطع عن خدمته. ومنها: لنعلم أن فينا استعداد أمر عظيم وبناء جسيم ليس للملائكة به علم وهو سر الخلافة فلا نتغافل عن هذه السعادة ونتقاعد عن هذه السيادة ونسعى في طلبها حق السعي. ومنها: أن الملائكة إنما {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} [البقرة: 30]، لأنهم نظروا إلى جسد آدم قبل نفخ الروح، فشاهدوا بالنظر الملكي في ملكوت جسده المخلوق من العناصر الأربعة المتضادة صفات البشرية والبهيمية والسبعية التي تتولد من تركيب أضداد العناصر كما شاهدوها في أجساد الحيوانات والسباع الضاريات؛ بل عاينوها فإنها خلقت قبل آدم عليه السلام، فقاسوا عليها أحواله بعد أن شاهدوها وحققوها، وهذا لا يكون غيباً في حقهم، وإنما يكون غيباً لنا لأننا ننظر بالحس، والملكوت يكون لأهل الحس غيباً، ومنا من ينظر بالنظر الملكوتي فيشاهد الملائكة والملكوتيات بالنظر الروحاني كما قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الأنعام: 75]، وقال تعالى: {أية : أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [الأعراف: 185]، فحينئذ لا يكون غيباً، فالغيب ما غاب عنك وما شاهدته فهو شهادة، فالملكوت للملائكة شهادة والحضرة الإلهية لهم غيب، وليس لهم الترقي إلى تلك الحضرة، وإن في الإنسان صورة من عالم الشهادة المحسوسة، وروحاً من عالم الغيب الملكوتي المنزه عن المحسوس، وسراً مستعداً لقبول فيض النور الإلهي، بالترقية يترقى من عالم الشهادات إلى عالم الغيب وهو الملكوت، وبسر المتابعة ومخصوصيتها يترقى من عالم الملكوت إلى عالم الجبروت والعظمة وهو غيب الغيب، ويشاهد بنور الله تعالى المستفاد من سر المتابعة أنوار الجمال والجلال في خلافة الحق عالم الغيب، كما أن الله تعالى هو عالم الغيب الشهادة {أية : فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً}تفسير : [الجن: 26] أي: الغيب المخصوص وهو غيب الغيب {أَحَداً} يعني من الملائكة إلا من ارتضى من رسول يعني من الإنسان، فهذا هو السر المكنون والمدفون في استعداد الإنسان الذي كان الله يعلمه منه والملائكة لا يعلمونه. كما قال تعالى: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]، ومنها أن الملائكة لما نظروا إلى كثرة طاعتهم واستعداد عصمتهم، ونظروا إلى نتائج الصفات النفسانية استعظموا أنفسهم واستصغروا آدم وذريته، فقالوا: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا} [البقرة: 30]، يعني في الأرض {خَلِيفَةً} [البقرة: 30] مع أنه {يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30]، يعني نحن من هذه الأوصاف أحق بالخلافة منه، كما قال بنو إسرائيل حين بعث لهم طالوت ملكاً قالوا: {أية : أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ}تفسير : [البقرة: 247]، فأجابهم الله تعالى بأن استحقاق الملك ليس بالمال إنما هو بالاصطفاء والبسطة في العلم والجسم، وقال {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ}تفسير : [البقرة: 247]. فكذلك هاهنا أجابهم الله تعالى بقوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] لأنه فضله بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ} [آل عمران: 33]، وبقوله: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]، وبقوله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}تفسير : [ص: 75] ليعلم أن استعداد تلك الخلافة واستحقاقها ليس بكثرة الطاعة، ولكنه مالك الملك والملكوت يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء، فلما تفاخرت الملائكة بطاعتهم على آدم عليه السلام من الله تعالى على آدم بعلم الأسماء ليعلموا أنهم أهل الطاعة والخدمة، فإنه أهل الفضل والمنة، وأين أهل الخدمة من أهل المنة، فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له ليعلموا أن الله تعالى مستغن عن طاعتهم وبمنته على آدم صار مسجداً لهم ليعلموا {أية : وَأَنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ}تفسير : [الحديد: 29] وفي قوله تعالى: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]، إشارة أخرى إلى أنه كما يدل على أن لآدم عليه السلام فضائل لا يعلمها الملائكة فكذلك رذائل أوصاف مذمومة لا يعلمها الملائكة؛ لأنهم لا يعلمون منه أوصافاً مذمومة يعني من نتائج النفس الأمارة عند نتائج نظر الروح إلى النفس حاله استعمال الشرع من العجب والرياء والسمعة والخسران واشتراء الحياة الدنيا بالآخرة والابتداع والزيغوغة واعتقاد السوء وغير ذلك مما لا يشاركه الحيوانات. ثم أخبر عن فضله مع آدم عليه السلام بقوله: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]، إلى قوله: {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33]، والإشارة في تحقيق الآية أن الله تعالى فضل آدم على الملائكة بفضائل جمة؛ منها: اختصاصه بتعليم الأسماء كلها ذكر الأسماء بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس فيقتضي أن لا يكون شيء إلا وآدم يعلم اسمه وقوله: {كُلَّهَا} أي: بكليتها، وهي حقائق بالمسميات ومعناها. وعلم آدم الأسماء والمسميات في حقائقها؛ مثاله أن الله تعالى علمك اسم الغنم فما اقتصر منه على جزء هذا الاسم؛ بل علمك أسماءه كلها؛ بأن علمك ببصرك اسم لون أبيض أم أسود، وعلمك اسم صوته بسمعك، واسم ريحه بشمك، واسم طعمه بذوقك، واسم لينه وخشونته بلمستك، وكذلك جميع أسماء صفاته وأخلاقه، وخواص منافعه ومضاره، علمك بقولك وفعلك، وعملك بإيمانك اسم خلقه، فلكل جزء من أجزائه اسم ولون وطعم ورائحة وصفة وخاصة وماهية وحقيقة أخرى لا يعلمها إلا الإنسان؛ لأنه خلق في أحسن تقويم لإدراك صورة الأشياء ومعانيها وحقائقها، وإن له بحسب كل شيء عن الجملة المذكورة آلة مدركة لذلك الشيء كما هي، وليس للملائكة هذه المدركات كلها إلا ما يتعلق بالقوة المدركة العقلية الملكية؛ فلهذا لما قال: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} [البقرة: 31] أي: إن كان لك على آدم فضيلة بالتسبيح والتقديس {قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ} [البقرة: 32]، أقروا له بالفخر والاعتذار عن الاعتراض وتنزيهاً لله أن يفرض في حكم من أحكامه {لاَ عِلْمَ لَنَآ} [البقرة: 32]، بالأسماء وحقائقها {إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} [البقرة: 32]، مما أعطيتنا من النظر الملكوتي {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ} [البقرة: 32]، الذي أحاط بكل شيء علماً {أية : وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ}تفسير : [البقرة: 255]، {ٱلْحَكِيمُ} [البقرة: 32]، فيما حكمت وقدرت ودبرت الخلافة لآدم لا راد لحكمك ولا مفر من قضائك. فظهرت فضيلة آدم عليهم بفنون هذه العلوم وبعجزهم عن الإتيان بمثلها، فكما أن القرآن كان دليلاً على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وفضيلته على الكافرين بإعجازهم عن إتيالان مثله كذلك علم الأسماء، كان دليلاً على خلافة آدم عليه السلام وفضيلته على الملائكة بإعجازهم عن إتيان مثله، وهذه الفضيلة كانت لآدم عليه السلام بعد تعلمه لأسماء المخلوقات، فلم يكن مستحقاً لسجودهم بهذا المقدار، فما أقام استحقاقه للسجود كان بتعلم أسماء الله تعالى وصفاته بتعليم الله إياه بأن يجعل ذاته وصفاته مرآة قابلة لتجلي صفات جماله وجلاله تبارك وتعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق آدم فتجلى فيه"، تفسير : فالتجلي فيه التخلق بأخلاقه والاتصاف بصفاته، وهذا هو سر الخلافة على الحقيقة؛ لأن المرآة تكون خليفة المتجلي فيه وقوله تعالى: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ} [البقرة: 31] أي: أسماء المخلوقات دون أسماء الله وصفاته {إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} [البقرة: 31]، في دعواكم بالفضيلة على أدم لتسبيحكم وتقديسكم؛ أي: لأن الفضيلة ليست بمجرد هذا فإن ذرات الموجودات مسبحات بحمدي كما قال تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}تفسير : [الإسراء: 44]، وإنما الفضيلة في العلم لأن الطاعة من صفات الخلق، والعلم من صفات الحق، فالفضيلة لمن له صفة الحق والخلق جميعاً أولى منها بمن له صفة الخلق فحسب، وهذا أحد أسرار الخلافة بأن يخلف عن الخلق بصفاتهم ويخلف عن الحق بصفاته. وقوله تعالى: {قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} [البقرة: 33]، معان مختلفة: منها: إن من دلائل فضيلة آدم واستحقاقه لخلافة الحق احتياج الملائكة إليه بإنبائه الأسماء، وكان آدم عليه السلام أول الأنبياء وأول ما بدأ بإنباء الملائكة بأمر الحق، وهذا من جملة ما كان الله يعلمه من آدم ولا يعلمون الملائكة منه، فقالوا: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} [البقرة: 30]، وكان الإنباء بأسمائهم من إصلاح حالهم لا من الإفساد. ومنها: أنه تعالى قال: {أَنْبَأَهُمْ} ما قال: علمهم لأنه ما كان لهم من استعداد للتعلم؛ لأن التعلم موجب الترقي في العلم، كما قال تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}تفسير : [المجادلة: 11]، فكلما ازداد علماً ازداد درجة وليس للملائكة الترقي في الدرجات لقوله: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ}تفسير : [الصفات: 164]، ولما كان آدم مستعد للترقي فقال في حقه: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} [البقرة: 31]. ومنها: أنه تعالى قال: {أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} [البقرة: 33]، وما قال بأسماء كلها، كما قال تعالى في حق آدم عليه السلام وإلا لكان هذا الأمر تكليفاً بما لا يطاق، وليس هذا من سنة الله تعالى؛ لقوله: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا}تفسير : [البقرة: 286]، على أنا نقول لو كلف يجوز ولا يكون منه ظلماً، ولكنه لا يكلف فإنه ليس من سنته {أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً}تفسير : [الأحزاب: 62] وإنما قلنا أنه كان في حق آدم التكليف بما لا يطاق لأن الملائكة غير مستعدين لإنباء الأسماء كلها؛ لأن الأسماء على ثلاثة أقسام: منها أسماء الروحانيات والملكوتيات وهي مقام الملائكة ومرتبتهم، فلهم علم بعضها واستعداد أيضاً لإنباء بما لا علم لهم بها، فإن الروحانيات والملكوتيات لهم شهادة كالجسمانيات لنا، والقسم الثاني: منها أسماء الجسمانيات وهي مرتبة دون مرتبتهم فيمكن إنباءهم؛ لأن الجسمانيات لهم كالحيوانات بالنسبة إلينا فإنها مرتبة دون مرتبة الإنسان فيمكن للإنسان الإنباء بأحوالها، والقسم الثالث: منها أسماء الإلهيات وهي مرتبة فوق مرتبة الملائكة، كما قال تعالى: {أية : يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ}تفسير : [النحل: 50]، فلا يمكن للإنسان أن ينبئهم بها، ولا يمكن لهم الإنباء بما فوق ما علمهم الله منها؛ لأنها غيبهم وليس لهم الترقي إلى الغيب، ولهم مقام معلوم لا يتجاوزون عنه، وكذلك يمكن لهم النزول إلى هذا العالم، وذلك أيضاً بالأمر لقوله تعالى: {أية : وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ}تفسير : [مريم: 64]، ولا يمكن لهم الترقي من سدرة المنتهى إلى عالم الجبروت؛ لأنهم أهل الملكوت كما قال جبريل عليه السلام عند سدرة المنتهى ليلة المعراج "حديث : لو دونت أنملة لأحترقت ". تفسير : {فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} [البقرة: 33] أي: بأسماء معرضهم على الملائكة وبأنفسهم، وإنما كان آدم عليه السلام مخصوصاً بعلم الأسماء دون الملائكة، وهم محتاجون إليه بإنباء أسمائهم وأسماء غيرهم؛ لأن آدم عليه السلام كان بالحقيقة أفضل العالم وخلاصته، وكان روحه بذر شجرة العالم، وشخصه ثمرة شجرة العالم، ولهذا خلق شخصه بعد تمامه بما فيه كخلق الثمرة بعد تمام الشجرة، وكما أن الثمرة تعبر عن أجزاء الشجرة كلها حتى تظهر على أعلى الشجرة، كذلك آدم عبر على أجزاء الشجرة الموجودات علوها وسفلها، وكان في جزء من أجزائها له منفعة ومضرة ومصلحة ومفسدة، فسمي كل شيء منها باسم يلائم تلك المنفعة المضرة والمصلحة والمفسدة بعلم علمه الله تعالى واختص به من الملائكة، وغيرهم هذا من جملة ما كان الله يعلم من آدم عليه السلام والملائكة لا يعلمونه. وكان من كمال حال آدم عليه السلام أن أسماء الله تعالى جاءت على منفعته ومضرته ومصلحته ومفسدته فضلاً عن أسماء غيره، وذلك أنه لما كان مخلوقاً كان الله خالقاً، ولما كان مرزوقاً كان الله رازقاً، ولما كان عبداً كان الله معبوداً، ولما كان معيوباً كان الله ستاراً، ولما كان مذنباً كان الله غفاراً، ولما كان تائباً كان الله تواباً، ولما كان منتفعاً كان الله نافعاً، ولما كان متضرراً كان الله ضاراً، ولما كان ظالماً كان الله عدلاً، ولما كان مظلوماً كان الله منتقماً له، فعلى هذا قس الباقي، فلما أظهر من آدم ما كان خفياً ومغيباً فيه من إنباء الأسماء، قال الله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ} [البقرة: 33]، حين قلتهم: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30]، {إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [البقرة: 33]، أي غيب أهل السماوات وهم الملائكة وغيبهم ما غاب عنهم من احتياجهم لآدم في إنباء الأسماء {وَٱلأَرْضِ} [البقرة: 33]، أي غيب أهل الأرض هو آدم وغيبه ما كان مغيباً مخفياً فيه من إنباء الملائكة بالأسماء {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} [البقرة: 33]، من الطعن في آدم واستحقاقه الخلافة، وإظهار طاعتكم بالتسبيح والتقديس تفاخراً به على آدم عليه السلام: {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33]، من غيرتكم على آدم، وحسبان استحقاقكم الخلافة. لما أظهر عليهم من أمر آدم خلاف ما تصوروا فيه ومن أمرهم غير ما توهموه، أمرهم بالسجود لآدم إظهاراً لاستغنائه عن طاعات المخلوقين وعصيانهم وشركهم وكفرانهم؛ لأنه ليس كفران ومعصية أكبر من السجود لغيره، واستغفاراً لله باعتراضهم عليه وقالوا: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا} [البقرة: 30]، واعتذاراً من آدم عليه السلام عن قولهم {مَن يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30]، وانكساراً لأنفسهم بإظهار {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَنَ} [البقرة: 30].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا } أي: خلق لكم، برا بكم ورحمة، جميع ما على الأرض، للانتفاع والاستمتاع والاعتبار. وفي هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة، لأنها سيقت في معرض الامتنان، يخرج بذلك الخبائث، فإن [تحريمها أيضا] يؤخذ من فحوى الآية، ومعرفة المقصود منها، وأنه خلقها لنفعنا، فما فيه ضرر، فهو خارج من ذلك، ومن تمام نعمته، منعنا من الخبائث، تنزيها لنا. وقوله: { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }. { اسْتَوَى } ترد في القرآن على ثلاثة معاني: فتارة لا تعدى بالحرف، فيكون معناها، الكمال والتمام، كما في قوله عن موسى: {أية : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى } تفسير : وتارة تكون بمعنى "علا "و "ارتفع "وذلك إذا عديت بـ "على "كما في قوله تعالى: {أية : ثم استوى على العرش } {أية : لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ } تفسير : وتارة تكون بمعنى "قصد "كما إذا عديت بـ "إلى "كما في هذه الآية، أي: لما خلق تعالى الأرض، قصد إلى خلق السماوات { فسواهن سبع سماوات } فخلقها وأحكمها، وأتقنها، { وهو بكل شيء عليم } فـ {أية : يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها } تفسير : و {أية : يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } تفسير : يعلم السر وأخفى. وكثيرا ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات علمه كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى: {أية : أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } تفسير : لأن خلقه للمخلوقات، أدل دليل على علمه، وحكمته، وقدرته.
همام الصنعاني
تفسير : 29- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تَعالى: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ}: [الآية: 29]، قال: خَلَقَ الله الأرضَ قَبْلَ السماء، فلما خلق الله الأرض ثار منها دخان، فذلك حين قال: {فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ}: [الآية: 29]، يقول: خلق الله سبع سماوات بعضهُن فوق بعض، وسبعَ أرضين، بعضُهُنَّ فوق بعض. 30- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن محمد بن الكلبي: فتق الله السماء عن الماء، والأرض عن النبات. 31- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: {أية : كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا}تفسير : [الأنبياء: 30]، فتق سبع سماوات بعضهَّن فوق بعض، وسبع أرضين بعضهنَّ تحت بعض. 32- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ} [الآية: 29]، قال: بعضُهنَّ فوق بعض، بين كل سماءين مسيرة خمسمائة سنة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):