٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
30
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذه الآية دالة على كيفية خلقة آدم عليه السلام وعلى كيفية تعظيم الله تعالى إياه فيكون ذلك إنعاماً عاماً على جميع بني آدم فيكون هذا هو النعمة الثالثة من تلك النعم العامة التي أوردها في هذا الموضع ثم فيه مسائل: المسألة الأولى: في إذ قولان: أحدهما: أنه صلة زائدة إلا أن العرب يعتادون التكلم بها والقرآن نزل بلغة العرب. الثاني: وهو الحق أنه ليس في القرآن ما لا معنى له وهو نصب بإضمار اذكر، والمعنى أذكر لهم قال ربك للملائكة فأضمر هذا لأمرين: أحدهما: أن المعنى معروف. والثاني: أن الله تعالى قد كشف ذلك في كثير من المواضع كقوله: {أية : وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ } تفسير : [الأحقاف: 21] وقال: {أية : وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ } تفسير : [صۤ: 17]، {أية : وَٱضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَـٰبَ ٱلقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا ٱلْمُرْسَلُونَ إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ } تفسير : [يس: 13، 14] والقرآن كله كالكلمة الواحدة ولا يبعد أن تكون هذه المواضع المصرحة نزلت قبل هذه السورة فلا جرم ترك ذلك ههنا اكتفاء بذلك المصرح. قال صاحب «الكشاف»: ويجوز أن ينتصب «إذ» بقالوا. المسألة الثانية: الملك أصله من الرسالة، يقال ألكني إليه أي أرسلني إليه والمألكة والألوكة الرسالة وأصله الهمزة من «ملأكة» حذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها طلباً للخفة لكثرة استعمالها، قال صاحب «الكشاف»: الملائك جمع ملأك على الأصل كالشمائل في جمع شمأل وإلحاق التاء لتأنيث الجمع. المسألة الثالثة: من الناس من قال: الكلام في الملائكة ينبغي أن يكون مقدماً على الكلام في الأنبياء لوجهين: الأول: أن الله تعالى قدم ذكر الإيمان بالملائكة على ذكر الإيمان بالرسل في قوله: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَـئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ } تفسير : [المؤمنون: 285] ولقد قال عليه السلام:«حديث : ابدؤا بما بدأ الله به» تفسير : الثاني: أن الملك واسطة بين الله وبين الرسول في تبليغ الوحي والشريعة فكان مقدماً على الرسول، ومن الناس من قال: الكلام في النبوات مقدم على الكلام في الملائكة لأنه لا طريق لنا إلى معرفة وجود الملائكة بالعقل بل بالسمع، فكان الكلام في النبوات أصلاً للكلام في الملائكة فلا جرم وجب تقديم الكلام في النبوات، والأولى أن يقال الملك قبل النبي بالشرف والعلية وبعده في عقولنا وأذهاننا بحسب وصولنا إليها بأفكارنا. واعلم أنه لا خلاف بين العقلاء في أن شرف الرتبة للعالم العلوي هو وجود الملائكة فيه كما أن شرف الرتبة للعالم السفلى هو وجود الإنسان فيه إلا أن الناس اختلفوا في ماهية الملائكة وحقيقتهم وطريق ضبط المذاهب أن يقال: الملائكة لا بدّ وأن تكون ذوات قائمة بأنفسها ثم إن تلك الذوات إما أن تكون متحيزة أولا تكون، أما الأول: وهو أن تكون الملائكة ذوات متحيزة فهنا أقوال: أحدها: أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السموات، وهذا قول أكثر المسلمين. وثانياً: قول طوائف من عبدة الأوثان وهو أن الملائكة هي الحقيقة في هذه الكواكب الموصوفة بالإسعاد والأنحاس فإنها بزعمهم أحياء ناطقة، وأن المسعدات منها ملائكة الرحمة والمنحسات منها ملائكة العذاب، وثالثها: قول معظم المجوس والثنوية وهو أن هذا العالم مركب من أصلين أزليين وهما النور والظلمة، وهما في الحقيقة جوهران شفافان مختاران قادران متضادا النفس والصورة مختلفا الفعل والتدبير، فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس يسر ولا يضر، وينفع ولا يمنع، ويحيـى ولا يبلى وجوهر الظلمة على ضد ذلك. ثم إن جوهر النور لم يزل يولد الأولياء وهم الملائكة لا على سبيل التناكح بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم والضوء من المضيء. وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء وهم الشياطين على سبيل تولد السفه من السفيه لا على سبيل التناكح فهذه أقوال من جعل الملائكة أشياء متحيزة جسمانية. القول الثاني: أن الملائكة ذوات قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة ولا بأجسام فههنا قولان: أحدهما: قول طوائف من النصارى وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها على نعت الصفاء والخيرية وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافية خالصة فهي الملائكة، وإن كانت خبيثة كدرة فهي الشياطين. وثانيهما: قول الفلاسفة: وهي أنها جواهر قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة ألبتة، وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس الناطقة البشرية وأنها أكمل قوة منها وأكثر علماً منها، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشمس بالنسبة إلى الأضواء، ثم إن هذه الجواهر على قسمين، منها ما هي بالنسبة إلى أجرام الأفلاك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا، ومنها ما هي لا على شيء من تدبير الأفلاك بل هي مستغرقة في معرفة الله ومحبته ومشتغلة بطاعته، وهذا القسم هم الملائكة المقربون ونسبتهم إلى الملائكة الذين يدبرون السموات كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا الناطقة. فهذان القسمان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما، ومنهم من أثبت أنواعاً أخر من الملائكة وهي الملائكة الأرضية المدبرة لأحوال هذا العالم السفلي، ثم إن المدبرات لهذا العالم إن كانت خيرة فهم الملائكة وإن كانت شريرة فهم الشياطين، فهذا تفصيل مذاهب الناس في الملائكة واختلف أهل العلم في أنه هل يمكن الحكم بوجودها من حيث العقل أو لا سبيل إلى إثباتها إلا بالسمع؟ أما الفلاسفة فقد اتفقوا على أن في العقل دلائل تدل على وجود الملائكة، ولنا معهم في تلك الدلائل أبحاث دقيقة عميقة، ومن الناس من ذكر في ذلك وجوهاً عقلية اقناعية ولنشر إليها. أحدها: أن المراد من الملك الحي الناطق الذي لا يكون ميتاً، فنقول القسمة العقلية تقتضي وجود أقسام ثلاثة فإن الحي إما أن يكون ناطقاً وميتاً معاً وهو الإنسان، أو يكون ميتاً ولا يكون ناطقاً وهو البهائم، أو يكون ناطقاً ولا يكون ميتاً وهو الملك، ولا شك أن أخس المراتب هو الميت غير الناطق، وأوسطها الناطق الميت، وأشرفها الناطق الذي ليس بميت، فإذا اقتضت الحكمة الإلهية إيجاد أخس المراتب وأوسطها، فلأن تقتضي إيجاد أشرف المراتب وأعلاها كان ذلك أولى، وثانياً: أن الفطرة تشهد بأن عالم السموات أشرف من هذا العالم السفلي وتشهد بأن الحياة والعقل والنطق أشرف من أضدادها ومقابلتها فيبعد في العقل أن تحصل الحياة والعقل والنطق في هذا العالم الكدر الظلماني، ولا تحصل ألبتة في ذلك العالم الذي هو عالم الضوء والنور والشرف. وثالثها: أن أصحاب المجاهدات أثبتوها من جهة المشاهدة والمكاشفة، وأصحاب الحاجات والضرورات أثبتوها من جهة أخرى وهي ما يشاهد من عجائب آثارها في الهداية إلى المعالجات النادرة الغريبة وتركيب المعجونات واستخراج صنعة الترياقات، ومما يدل على ذلك حال الرؤيا الصادقة، فهذه وجوه إقناعية بالنسبة إلى من سمعها ولم يمارسها، وقطعية بالنسبة إلى من جربها وشاهدها واطلع على أسرارها، وأما الدلائل النقلية فلا نزاع ألبتة بين الأنبياء عليهم السلام في إثبات الملائكة، بل ذلك كالأمر المجمع عليه بينهم والله أعلم. المسألة الرابعة: في شرح كثرتهم: قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع»تفسير : وروي أن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحر، وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين بها، وكل هؤلاء عشر ملائكة سماء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثالثة، وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف، طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السموات والأرضون وما فيها وما بينها فإنها كلها تكون شيئاً يسيراً وقدراً صغيراً، وما من مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ولا يعلم عددهم إلا الله. ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل عليه السلام. والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السلام. وهم كلهم سامعون مطيعون لا يفترون مشتغلون بعبادته سبحانه وتعالى. رطاب الألسن بذكره وتعظيمه يتسابقون في ذلك مذ خلقهم، لا يستكبرون عن عبادته آناء الليل والنهار ولا يسأمون، لا يحصي أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفية عبادتهم إلا الله تعالى، وهذا تحقيق حقيقة ملكوته جل جلاله على ما قال: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ } تفسير : [المدثر: 31]. وأقول رأيت في بعض كتب التذكير أنه عليه الصلاة والسلام حين عرج به رأى ملائكة في موضع بمنزلة سوق بعضهم يمشي تجاه بعض فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيهم إلى أين يذهبون. فقال جبريل عليه السلام. لا أدري إلا أني أراهم مذ خلقت ولا أرى واحداً منهم قد رأيته قبل ذلك ثم سألوا واحداً منهم وقيل له مذ كم خلقت؟ فقال لا أدري غير أن الله تعالى يخلق كوكباً في كل أربعمائة ألف سنة فخلق مثل ذلك الكوكب منذ خلقني أربعمائة ألف مرة، فسبحانه من إله ما أعظم قدرته وما أجل كماله. واعلم أن الله سبحانه وتعالى ذكر في القرآن أصنافهم وأوصافهم، أما الأصناف. فأحدها: حملة العرش وهو قوله: {أية : وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَـٰنِيَةٌ } تفسير : [الحاقة: 17]، وثانيها: الحافون حول العرش على ما قال سبحانه: {أية : وَتَرَى ٱلْمَلَـٰئِكَةَ حَافّينَ مِنْ حَوْلِ ٱلْعَرْشِ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ } تفسير : [الزمر: 75] وثالثها: أكابر الملائكة فمنهم جبريل وميكائيل صلوات الله عليهما لقوله تعالى: {أية : مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلـئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَـٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَـٰفِرِينَ } تفسير : [البقرة: 98] ثم إنه سبحانه وتعالى وصف جبريل عليه السلام بأمور. الأول: أنه صاحب الوحي إلى الأنبياء قال تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193، 194] الثاني: أنه تعالى ذكره قبل سائر الملائكة في القرآن {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ } تفسير : [البقرة: 97] ولأن جبريل صاحب الوحي والعلم، وميكائيل صاحب الأرزاق والأغذية، والعلم الذي هو الغذاء الروحاني أشرف من الغذاء الجسماني فوجب أن يكون جبريل عليه السلام أشرف من ميكائيل الثالث: أنه تعالى جعله ثاني نفسه {أية : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَـٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـٰلِحُ الْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [التحريم:4]. الرابع: سماه روح القدس قال في حق عيسى عليه السلام: {أية : إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ } تفسير : [المائدة: 110] الخامس: ينصر أولياء الله ويقهر أعداءه مع ألف من الملائكة مسومين، السادس: أنه تعالى مدحه بصفات ست في قوله: {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَـٰعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } تفسير : [التكوير: 19 ـ 20] فرسالته أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جميع الأنبياء، فجميع الأنبياء والرسل أمته وكرمه على ربه أنه جعله واسطة بينه وبين أشرف عباده وهم الأنبياء، وقوته أنه رفع مدائن قوم لوط إلى السماء وقلبها، ومكانته عند الله أنه جعله ثاني نفسه في قوله تعالى: {فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَـٰهُ وَجِبْرِيلُ وَصَـٰلِحُ الْمُؤْمِنِينَ } وكونه مطاعاً أنه إمام الملائكة ومقتداهم، وأما كونه أميناً فهو قوله: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنْذِرِينَ } تفسير : [الشعراء: 193] ومن جملة أكابر الملائكة إسرافيل وعزرائيل صلوات الله عليهما وقد ثبت وجودهما بالأخبار وثبت بالخبر أن عزرائيل هو ملك الموت على ما قال تعالى: {أية : قُلْ يَتَوَفَّـٰكُم مَّلَكُ ٱلْمَوْتِ ٱلَّذِى وُكّلَ بِكُمْ } تفسير : [السجدة: 11] وأما قوله: {أية : حَتَّىٰ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا } تفسير : [الأنعام: 61] فذلك يدل على وجود ملائكة موكلين بقبض الأرواح ويجوز أن يكون ملك الموت رئيس جماعة وكلوا على قبض الأرواح قال تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلْمَلَـئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَـٰرَهُمْ } تفسير : [الأنفال: 50]. وأما إسرافيل عليها السلام فقد دلت الأخبار على أنه صاحب الصور على ما قال تعالى {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } تفسير : [الزمر: 68]. ورابعها: ملائكة الجنة قال تعالى: {أية : وَالمَلَـٰئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سَلَـٰمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَىٰ ٱلدَّارِ } تفسير : [الرعد: 23، 24]. وخامسها: ملائكة النار قال تعالى: {أية : عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ } تفسير : [المدثر: 30] وقوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَـئِكَةً } تفسير : [المدثر: 31] ورئيسهم مالك، وهو قوله تعالى: {أية : وَنَادَوْاْ يٰمَـٰلِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ } تفسير : [الزخرف: 77] وأسماء جملتهم الزبانية قال تعالى: {أية : فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ ٱلزَّبَانِيَةَ } تفسير : [العلق: 17، 18] وسادسها: الموكلون ببني آدم لقوله تعالى: {أية : عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } تفسير : [قۤ:17، 18] وقوله تعالى: {أية : لَهُ مُعَقّبَـٰتٌ مّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ } تفسير : [الرعد: 11] وقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً } تفسير : [الأنعام: 61]. وسابعها: كتبة الأعمال وهو قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَـٰفِظِينَ كِرَاماً كَـٰتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ }تفسير : [الانفطار: 10 ـ 12]. وثامنها: الموكلون بأحوال هذا العالم وهم المرادون بقوله تعالى: {أية : وَٱلصَّـٰفَّـٰتِ صَفَّا } تفسير : [الصافات: 1] وبقوله: {أية : وَٱلذارِيَـٰتِ ذَرْواً } تفسير : [الذاريات: 1] إلى قوله: {أية : فَٱلْمُقَسّمَـٰتِ أَمْراً } تفسير : [الذاريات: 4] وبقوله: {أية : وَٱلنَّـٰزِعَـٰتِ غَرْقاً } تفسير : [النازعات: 1]. وعن ابن عباس قال: إن لله ملائكة سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الأشجار، فإذا أصاب أحدكم حرجة بأرض فلاة فليناد: أعينوا عباد الله يرحمكم الله. وأما أوصاف الملائكة فمن وجوه: أحدها: أن الملائكة رسل الله، قال تعالى: {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } تفسير : [فاطر: 1] أما قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } تفسير : [الحج: 75] فهذا يدل على أن بعض الملائكة هم الرسل فقط، وجوابه أن من للتبيين لا للتبعيض. وثانيها: قربهم من الله تعالى، وذلك يمتنع أن يكون بالمكان والجهة فلم يبق إلا أن يكون ذلك القرب هو القرب بالشرف وهو المراد من قوله: {أية : وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } تفسير : [الأنبياء: 19] وقوله: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ } تفسير : [الأنبياء: 26] وقوله: {أية : يُسَبّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } تفسير : [الأنبياء: 20] وثالثها: وصف طاعاتهم وذلك من وجوه: الأول: قوله تعالى حكاية عنهم {وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } وقال في موضع آخر {أية : وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبّحُونَ } تفسير : [الصافات: 166] والله تعالى ما كذبهم في ذلك فثبت بها مواظبتهم على العبادة. الثاني: مبادرتهم إلى امتثال أمر الله تعظيماً له وهو قوله: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } تفسير : [الحجر: 30]. الثالث: أنهم لا يفعلون شيئاً إلا بوحيه وأمره وهو قوله: {أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 27]. ورابعها: وصف قدرتهم وذلك من وجوه: الأول: أن حملة العرش وهم ثمانية يحملون العرش والكرسي ثم إن الكرسي الذي هو أصغر من العرش أعظم من جملة السموات السبع لقوله: {أية : وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [البقرة: 255] فانظر إلى نهاية قدرتهم وقوتهم. الثاني: أن علو العرش شيء لا يحيط به الوهم ويدل عليه قوله: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلَـئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } تفسير : [المعارج: 4] ثم إنهم لشدة قدرتهم ينزلون منه في لحظة واحدة. الثالث: قوله تعالى: {أية : وَنُفِخَ فِى ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } تفسير : [الزمر: 68] فصاحب الصور يبلغ في القوة إلى حيث أن بنفخة واحدة منه يصعق من في السموات والأرض، وبالنفخة الثانية منه يعودون أحياء. فاعرف منه عظم هذه القوة. والرابع: أن جبريل عليه السلام بلغ في قوته إلى أن قلع جبال آل لوط وبلادهم دفعة واحدة. وخامسها: وصف خوفهم ويدل عليه وجوه: الأول: أنهم مع كثرة عباداتهم وعدم إقدامهم على الزلات ألبتة يكونون خائفين وجلين حتى كأن عبادتهم معاصي قال تعالى: {أية : يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } تفسير : [النحل: 50] وقال: {أية : وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } تفسير : [الأنبياء: 28]. الثاني: قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ } تفسير : [سبأ: 23] روي في التفسير أن الله تعالى إذا تكلم بالوحي سمعه أهل السموات مثل صوت السلسلة على الصفوان ففزعوا فإذا انقضى الوحي قال بعضهم لبعض ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير، الثالث: روى البيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عباس قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بناحية ومعه جبريل إذ انشق أفق السماء فأقبل جبريل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض ويدنو من الأرض فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام ويخيرك بين أن تكون نبياً ملكاً وبين أن تكون نبياً عبداً، قال عليه السلام: فأشار إلى جبريل بيده أن تواضع فعرفت أنه لي ناصح فقلت عبداً نبياً فعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل؟ فقال هذا إسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافاً قدميه لا يرفع طرفه وبين الرب وبينه سبعون نوراً ما منها نور يدنو منه إلا احترق وبين يديه اللوح المحفوظ فإذا أذن الله له في شيء من السماء أو من الأرض ارتفع ذلك اللوح بقرب جبينه فينظر فيه فإن كان من عملي أمرني به وإن كان من عمل ميكائيل أمره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به قلت يا جبريل على أي شيء أنت قال على الرياح والجنود قلت على أي شيء ميكائيل قال على النبات. قلت على أي شيء ملك الموت قال على قبض الأنفس وما ظننت أنه هبط إلا لقيام الساعة وما ذاك الذي رأيت مني إلا خوفاً من قيام الساعة. واعلم أنه ليس بعد كلام الله وكلام رسوله كلام في وصف الملائكة أعلى وأجل من كلام أمير المؤمنين علي عليه السلام، قال في بعض خطبه: ثم فتق ما بين السموات العلى فملأهن أطواراً من ملائكة فمنهم سجود لا يركعون وركوع لا ينتصبون وصافون لايتزايلون ومسبحون لا يسأمون لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان ومنهم أمناء على وحيه وألسنة إلى رسله ومختلفون بقضائه وأمره ومنهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم والمارقة من السماء العليا أعناقهم والخارجة من الأقطار أركانهم والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ناكسة دونه أبصارهم متلفعون بأجنحتهم مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر. المسألة الخامسة: اختلفوا في أن المراد من قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } كل الملائكة أو بعضهم فروى الضحاك عن ابن عباس أنه سبحانه وتعالى إنما قال هذا القول للملائكة الذين كانوا محاربين مع إبليس لأن الله تعالى لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضاً بعث الله إبليس في جند من الملائكة فقتلهم إبليس بعسكره حتى أخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائر البحر فقال تعالى لهم: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } وقال الأكثرون من الصحابة والتابعين أنه تعالى قال ذلك لجماعة الملائكة من غير تخصيص لأن لفظ الملائكة يفيد العموم فيكون التخصيص خلاف الأصل. المسألة السادسة: جاعل من جعل الذي له مفعولان دخل على المبتدأ والخبر وهما قوله: {فِى ٱلارْضِ خَلِيفَةً } فكانا مفعولين ومعناه مصير في الأرض خليفة. المسألة السابعة: الظاهر أن الأرض التي في الآية جميع الأرض من المشرق إلى المغرب وروى عبد الرحمن بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: دحيت الأرض من مكة وكانت الملائكة تطوف بالبيت وهم أول من طاف به وهو في الأرض التي قال الله تعالى: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } والأول أقرب إلى الظاهر. المسألة الثامنة: الخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه قال الله تعالى: {أية : ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰئِفَ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [يونس: 14]. {أية : وَٱذكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء } تفسير : [الأعراف: 69] فأما أن المراد بالخليفة من؟ ففيه قولان: أحدهما: أنه آدم عليه السلام. وقوله: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } المراد ذريته لا هو، والثاني: أنه ولد آدم، أما الذين قالوا المراد آدم عليه السلام فقد اختلفوا في أنه تعالى لم سماه خليفة وذكروا فيه وجهين: الأول: بأنه تعالى لما نفى الجن من الأرض وأسكن آدم الأرض كان آدم عليه السلام خليفة لأولئك الجن الذين تقدموه. يروى ذلك عن ابن عباس. الثاني: إنما سماه الله خليفة لأنه يخلف الله في الحكم بين المكلفين من خلقه وهو المروي عن ابن مسعود وابن عباس والسدي وهذا الرأي متأكد بقوله: {أية : إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقّ } تفسير : [صۤ: 26] أما الذين قالوا المراد ولد آدم فقالوا: إنما سماهم خليفة لأنهم يخلف بعضهم بعضاً وهو قول الحسن ويؤكده قوله: {وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلاْرْضِ } والخليفة اسم يصلح للواحد والجمع كما يصلح للذكر والأنثى وقرىء خليقة بالقاف. فإن قيل ما الفائدة في أن قال الله تعالى للملائكة: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } مع أنه منزه عن الحاجة إلى المشورة والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى علم أنهم إذا اطلعوا على ذلك السر أوردوا عليه ذلك السؤال فكانت المصلحة تقتضي إحاطتهم بذلك الجواب فعرفهم هذه الواقعة لكي يوردوا ذلك السؤال ويسمعوا ذلك الجواب. الوجه الثاني: أنه تعالى علم عباده المشاورة. وأما قوله تعالى: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا } إلى آخر الآية، ففيه مسائل: المسألة الأولى: الجمهور الأعظم من علماء الدين اتفقوا على عصمة كل الملائكة عن جميع الذنوب ومن الحشوية من خالف في ذلك ولنا وجوه: الأول: قوله تعالى: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : [التحريم: 6] إلا أن هذه الآية مختصة بملائكة النار فإذا أردنا الدلالة العامة تمسكنا بقوله تعالى: {أية : يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : [النحل: 50] فقوله ويفعلون ما يؤمرون يتناول جميع فعل المأمورات وترك المنهيات لأن المنهي عن الشيء مأمور بتركه. فإن قيل ما الدليل على أن قوله ويفعلون ما يؤمرون يفيد العموم قلنا لأنه لا شيء من المأمورات إلا ويصح الاستثناء منه والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل على ما بيناه في أصول الفقه.والثاني: قوله تعالى: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 26 ـ 27] فهذا صريح في براءتهم عن المعاصي وكونهم متوقفين في كل الأمور إلا بمقتضى الأمر والوحي. والثالث: أنه تعالى حكى عنهم أنهم طعنوا في البشر بالمعصية ولو كانوا من العصاة لما حسن منهم ذلك الطعن الرابع: أنه تعالى حكى عنهم أنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون ومن كان كذلك امتنع صدور المعصية منه واحتج المخالف بوجوه: الأول: أنه تعالى حكىعنهم أنهم قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } وهذا يقتضي صدور الذنب عنهم ويدل على ذلك وجوه: أحدها: أن قولهم: أتجعل فيها. هذا اعتراض على الله تعالى وذلك من أعظم الذنوب. وثانيها: أنهم طعنوا في بني آدم بالفساد والقتل وذلك غيبة والغيبة من كبائر الذنوب. وثالثها: أنهم بعد أن طعنوا في بني آدم مدحوا أنفسهم بقولهم: {وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } وأنهم قالوا: {أية : وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ ٱلْمُسَبّحُونَ } تفسير : [الصافات: 165، 166] وهذا للحصر فكأنهم نفوا كون غيرهم كذلك وهذا يشبه العجب والغيبة وهو من الذنوب المهلكة قال عليه السلام. (حديث : ثلاث مهلكات، وذكر فيها إعجاب المرء بنفسه)تفسير : . وقال تعالى: {أية : فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النجم: 32]. ورابعها: أن قولهم لا علم لنا إلا ما علمتنا يشبه الاعتذار فلولا تقدم الذنب وإلا لما اشتغلوا بالعذر. وخامسها: أن قوله: {أية : أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [البقرة: 31] يدل على أنهم كانوا كاذبين فيما قالوه أولا. وسادسها: أن قوله: {أية : أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } تفسير : [البقرة: 33] يدل على أن الملائكة ما كانوا عالمين بذلك قبل هذه الواقعة وأنهم كانوا شاكين في كون الله تعالى عالماً بكل المعلومات، وسابعها: أن علمهم يفسدون ويسفكون الدماء، إما أن يكون قد حصل بالوحي إليهم في ذلك أو قالوه استنباطاً والأول بعيد لأنه إذا أوحى الله تعالى ذلك إليهم لم يكن لإعادة ذلك الكلام فائدة فثبت أنهم قالوه عن الاستنباط والظن والقدح في الغير على سبيل الظن غير جائز لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } تفسير : [الإسراء: 36] وقال: {أية : إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئًا } تفسير : [يونس: 36] وثامنها: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن الله سبحانه وتعالى قال للملائكة الذين كانوا جند إبليس في محاربة الجن {إِنّى جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } فقالت الملائكة مجيبين له سبحانه: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } ثم علموا غضب الله عليهم: {فَقَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا } وروي عن الجن وقتادة أن الله تعالى لما أخذ في خلق آدم همست الملائكة فيما بينهم وقالوا ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق فلن يخلق خلقاً إلا كنا أعظم منه وأكرم عليه فلما خلق آدم عليه السلام وفضله عليهم {أية : وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } تفسير : [البقرة: 31] في أني لا أخلق خلقاً إلا وأنتم أفضل منه ففزع القوم عند ذلك إلى التوبة و {قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا } وفي بعض الروايات أنهم لما قالوا أتجعل فيها، أرسل الله عليهم ناراً فأحرقتهم. الشبهة الثانية: تمسكوا بقصة هاروت وماروت وزعموا أنهما كانا ملكين من الملائكة وأنهما لما نظرا إلى ما يصنع أهل الأرض من المعاصي أنكرا ذلك وأكبراه ودعوا على أهل الأرض فأوحى الله تعالى إليهما إني لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم من الشهوات لعصيتماني فقالا يا رب لو ابتليتنا لم نفعل فجربنا فأهبطهما إلى الأرض وابتلاهما الله بشهوات بني آدم فمكثا في الأرض وأمر الله الكوكب المسمى بالزهرة والملك الموكل به فهبطا إلى الأرض فجعلت الزهرة في صورة امرأة والملك في صورة رجل ثم إن الزهرة اتخذت منزلاً وزينت نفسها ودعتهما إلى نفسها ونصب الملك نفسه في منزلها في مثال صنم فأقبلا إلى منزلها ودعواها إلى الفاحشة فأبت عليهما إلا أن يشربا خمراً فقالا لا نشرب الخمر ثم غلبت الشهوة عليهما فشربا ثم دعواها إلى ذلك فقالت بقيت خصلة لست أمكنكما من نفسي حتى تفعلاها قالا وما هي؟ قالت: تسجدان لهذا الصنم، فقالا: لا نشرك بالله، ثم غلبت الشهوة عليهما فقالا: نفعل ثم نستغفر فسجدا للصنم فارتفعت الزهرة وملكها إلى موضعهما من السماء فعرفا حينئذٍ أنه إنما أصابهما ذلك بسبب تعيير بني آدم وفي رواية أخرى أن الزهرة كانت فاجرة من أهل الأرض وإنما واقعاها بعد أن شربا الخمر وقتلا النفس وسجدا للصنم وعلماها الاسم الأعظم الذي كانا به يعرجان إلى السماء فتكلمت المرأة بذلك الاسم وعرجت إلى السماء فمسخها الله تعالى وصيرها هذا الكوكب المسمى بالزهرة ثم إن الله تعالى عرفت هاروت وماروت قبيح ما فيه وقعا ثم خيرهما بين عذاب الآخرة آجلاً وبين عذاب الدنيا عاجلاً فاختارا عذاب الدنيا فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى يوم القيامة وهما يعلمان الناس السحر ويدعوان إليه ولا يراهما أحد إلا من ذهب إلى ذلك الموضع لتعلم السحر خاصة وتعلقوا في ذلك بقوله تعالى: {أية : وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ } تفسير : [البقرة: 102] الشبهة الثالثة: أن إبليس كان من الملائكة المقربين ثم إنه عصى الله تعالى وكفر وذلك يدل على صدور المعصية من جنس الملائكة. الشبهة الرابعة: قوله تعالى: {أية : وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَـئِكَةً } تفسير : [المدثر: 31] قالوا: فدل هذا على أن الملائكة يعذبون لأن أصحاب النار لا يكونون إلا ممن يعذب فيها كما قال: {أُولَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } والجواب عن الشبهة الأولى أن نقول: أما الوجه الأول وهو قولهم أنهم اعترضوا على الله تعالى وهذا من أعظم الذنوب فنقول إنه ليس غرضهم من ذلك السؤال تنبيه الله على شيء كان غافلاً عنه، فإن من اعتقد ذلك في الله فهو كافر، ولا الإنكار على الله تعالى في فعل فعله، بل المقصود من ذلك السؤال أمور: أحدها: أن الإنسان إذا كان قاطعاً بحكمة غيره ثم رأى أن ذلك الغير يفعل فعلاً لا يقف على وجه الحكمة فيه فيقول له أتفعل هذاٰ كأنه يتعجب من كمال حكمته وعلمه، ويقول إعطاء هذه النعم لمن يفسد من الأمور التي لا تهتدي العقول فيها إلى وجه الحكمة فإذا كنت تفعلها وأعلم أنك لا تفعلها إلا لوجه دقيق وسر غامض أنت مطلع عليه فما أعظم حكمتك وأجل علمك فالحاصل أن قوله: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } كأنه تعجب من كمال علم الله تعالى وإحاطة حكمته بما خفي على كل العقلاء. وثانيها: أن إيراد الإشكال طلباً للجواب غير محذور فكأنهم قالوا إلهنا أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه ألبتة ونحن نرى في العرف أن تمكين السفيه من السفه سفه فإذا خلقت قوماً يفسدون ويقتلون وأنت مع علمك أن حالهم كذلك خلقتهم ومكنتهم وما منعتهم عن ذلك فهذا يوهم السفه وأنت الحكيم المطلق فكيف يمكن الجمع بين الأمرين فكأن الملائكة أوردوا هذا السؤال طلباً للجواب، وهذا جواب المعتزلة قالوا: وهذا يدل على أن الملائكة لم يجوزوا صدور القبيح من الله تعالى وكانوا على مذهب أهل العدل قالوا والذي يؤكد هذا الجواب وجهان: أحدهما: أنهم أضافوا الفساد وسفك الدماء إلى المخلوقين لا إلى الخالق. والثاني: أنهم قالوا: {وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } لأن التسبيح تنزيه ذاته عن صفة الأجسام والتقديس تنزيه أفعاله عن صفة الذم ونعت السفه، وثالثها: أن الشرور وإن كانت حاصلة في تركيب هذا العالم السفلي إلا أنها من لوازم الخيرات الحاصلة فيه وخيراتها غالبة على شرورها وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فالملائكة ذكروا تلك الشرور، فأجابهم الله تعالى بقوله: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } يعني أن الخيرات الحاصلة من أجل تراكيب العالم السفلي أكثر من الشرور الحاصلة فيها والحكمة تقتضي إيجاد ما هذا شأنه لا تركه وهذا جواب الحكماء. ورابعها: أن سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام الله تعالى فإن العبد المخلص لشدة حبه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه. وخامسها: أن قول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } مسألة منهم أن يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ذلك صلاحاً فكأنهم قالوا: يا إلهنا إجعل الأرض لنا لا لهم كما قال موسى عليه السلام: {أية : أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَاء مِنَّا } تفسير : [الأعراف: 155] والمعنى لا تهلكنا فقال تعالى: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من صلاحكم وصلاح هؤلاء الذين أجعلهم في الأرض فبين ذلك أنه اختار لهم السماء خاصة ولهؤلاء الأرض خاصة لعلمه بصلاح ذلك في أديانهم ليرضى كل فريق بما اختاره الله له. وسادسها: أنهم طلبوا الحكمة التي لأجلها خلقهم مع هذا الفساد والقتل، وسابعها: قال القفال يحتمل أن الله تعالى لما أخبرهم أنه يجعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها، أي ستفعل ذلك فهو إيجاب خرج مخرج الاستفهام قال جرير:شعر : ألستم خير من ركب المطايا وأندى العالمين بطون راح تفسير : أي أنتم كذلك. ولو كان استفهاماً لم يكن مدحاً، ثم قالت الملائكة إنك تفعل ذلك ونحن مع هذا نسبح بحمدك ونقدس لما أنا نعلم أنك لا تفعل إلا الصواب والحكمة فلما قالوا ذلك قال الله تعالى لهم: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } كأنه قال والله أعلم نعم ما فعلتم حيث لم تجعلوا ذلك قادحاً في حكمتي فإني أعلم ما لا تعلمون فأنتم علمتم ظاهرهم وهو الفساد والقتل وما علمتم باطنهم وأنا أعلم ظاهرهم وباطنهم فأعلم من بواطنهم أسراراً خفية وحكماً بالغة تقتضي خلقهم وإيجادهم. أما الوجه الثاني: وهو أنهم ذكروا بني آدم بما لا ينبغي وهو الغيبة، فالجواب أن محل الإشكال في خلق بني آدم إقدامهم على الفساد والقتل، ومن أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الإشكال لا لغيره فلهذا السبب ذكروا من بني آدم هاتين الصفتين وما ذكروا منهم عبادتهم وتوحيدهم لأن ذلك ليس محل الإشكال. أما الوجه الثالث: وهو أنهم مدحوا أنفسهم وذلك يوجب العجب وتزكية النفس. فالجواب: أن مدح النفس غير ممنوع منه مطلقاً لقوله: {أية : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ } تفسير : [الضحى:11] وأيضاً فيحتمل أن يكون قولهم: {وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } ليس المراد مدح النفس، بل المراد بيان أن هذا السؤال ما أوردناه لنقدح به في حكمتك يا رب فإنا نسبح بحمدك ونعترف لك بالإلهية والحكمة فكأن الغرض من ذلك بيان أنهم ما أوردوا السؤال للطعن في الحكمة والإلهية. بل لطلب وجه الحكمة على سبيل التفصيل، أما الوجه الرابع: وهو أن قولهم: {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } يشبه الاعتذار فلا بدّ من سبق الذنب، قلنا نحن نسلم أن الأولى للملائكة أن لا يوردوا ذلك السؤال، فلما تركوا هذا الأولى كان ذلك الاعتذار اعتذاراً من ترك الأولى فإن قيل أليس أنه تعالى قال: {أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ } تفسير : [الأنبياء: 27] فهذا السؤال وجب أن يكون بإذن الله تعالى، وإذا كانوا مأذونين في هذا السؤال فكيف اعتذروا عنه؟ قلنا العام قد يتطرق إليه التخصيص. أما الوجه الخامس: وهو أن إخبار الملائكة عن الفساد وسفك الدماء، إما أن يكون حصل عن الوحي أو قالوه استنباطاً وظناً، قلنا اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: إنهم ذكروا ذلك ظناً ثم ذكروا فيه وجهين: الأول: وهو مروي عن ابن عباس والكلبي أنهم قاسوه على حال الجن الذين كانوا قبل آدم عليه السلام في الأرض. الثاني: أنهم عرفوا خلقته وعرفوا أنه مركب من هذه الأخلاط الأربعة فلا بّد وأن تتركب فيه الشهوة والغضب فيتولد الفساد عن الشهوة وسفك الدماء عن الغضب. ومنهم من قال إنهم قالوا ذلك على اليقين وهو مروي عن ابن مسعود وناس من الصحابة ثم ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أنه تعالى لما قال للملائكة: {إِنّى جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } قالوا ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً، فعند ذلك قالوا: ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء. وثانيها: أنه تعالى كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها وسفكوا الدماء. وثالثها: قال ابن زيد لما خلق الله تعالى النار خافت الملائكة خوفاً شديداً فقالوا: ربنا لمن خلقت هذه النار؟ قال لمن عصاني من خلقي ولم يكن لله يومئذٍ خلق إلا الملائكة ولم يكن في الأرض خلق البتة فلما قال: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } عرفوا أن المعصية تظهر منهم. ورابعها: لما كتب القلم في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك. وخامسها: إذا كان معنى الخليفة من يكون نائباً لله تعالى في الحكم والقضاء، والاحتجاج إلى الحاكم والقاضي إنما يكون عند التنازع والتظالم كان الإخبار عن وجود الخليفة إخباراً عن وقوع الفساد والشر بطريق الالتزام قال أهل التحقيق والقول بأنه كان هذا الأخبار عن مجرد الظن باطل لأنه قدح في الغير بما لا يأمن أن يكون كاذباً فيه، وذلك ينافي العصمة والطهارة. أما الوجه السادس: هو الأخبار التي ذكروها فهي من باب أخبار الآحاد فلا تعارض الدلائل التي ذكرناها. أما الشبهة الثانية: وهي قصة هاروت وماروت، فالجواب عنها أن القصة التي ذكروها باطلة من وجوه: أحدها: أنهم ذكروا في القصة أن الله تعالى قال لهما لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني فقالا لو فعلت ذلك بنا يا رب لما عصيناك، وهذا منهم تكذيب لله تعالى وتجهيل له وذلك من صريح الكفر، والحشوية سلموا أنهما كانا قبل الهبوط إلى الأرض معصومين، وثانيها: في القصة أنهما خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وذلك فاسد بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة وبين العذاب والله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره وبالغ في إيذاء أنبيائه. وثالثها: في القصة أنهما يعلمان السحر حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما معاقبان على المعصية. ورابعها: أن المرأة الفاجرة كيف يعقل أنها لما فجرت صعدت إلى السماء وجعلها الله تعالى كوكباً مضيئاً وعظم قدره بحيث أقسم به حيث قال:{أية : فَلاَ أُقْسِمُ بِٱلْخُنَّسِ ٱلْجَوَارِ ٱلْكُنَّسِ } تفسير : [التكوير: 15] فهذه القصة قصة ركيكة يشهد كل عقل سليم بنهاية ركاكتها، وأما الكلام في تعليم السحر فسيأتي في تفسير تلك الآية في موضعها إن شاء الله تعالى. وأما الشبهة الثالثة: فسنتكلم في بيان أن إبليس ما كان من الملائكة. وأما الشبهة الرابعة: وهي قوله: {أية : وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَـئِكَةً } تفسير : [المدثر: 31] فهذا لا يدل على كونهم معذبين في النار وقوله: {أية : أُولَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [البقرة:39] لا يدل أيضاً على كونهم معذبين بالنار بمجرد هذه الآية بل إنما عرف ذلك بدليل آخر فقوله: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَـٰبَ ٱلنَّارِ إِلاَّ مَلَـئِكَةً } يريد به خزنة النار والمتصرفين فيها والمدبرين لأمرها والله أعلم. المسألة الثانية: اختلفوا في أن الملائكة هل هم قادرون على المعاصي والشرور أم لا؟ فقال جمهور الفلاسفة وكثير من أهل الجبر: إنهم خيرات محض ولا قدرة لهم البتة على الشرور والفساد وقال جمهور المعتزلة وكثير من الفقهاء: إنهم قادرون على الأمرين واحتجوا على ذلك بوجوه: أحدها: أن قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } إما أن يكون معصية أو ترك الأولى وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، وثانيها: قوله تعالى: {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إِلَـٰهٌ مّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 29] وذلك يقتضي كونهم مزجورين ممنوعين وقال أيضاً: {أية : لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ }تفسير : [الأعراف: 206] والمدح بترك الاستكبار إنما يجوز له كان قادراً على فعل الاستكبار. وثالثها: أنهم لو لم يكونوا قادرين على ترك الخيرات لما كانوا ممدوحين بفعلها لأن الملجأ إلى الشيء ومن لا يقدر على ترك الشيء لا يكون ممدوحاً بفعل ذلك الشيء، ولقد استدل بهذا بعض المعتزلة فقلت له أليس أن الثواب والعوض واجبان على الله تعالى، ومعنى كونه واجباً عليه أنه لو تركه للزم من تركه إما الجهل وإما الحاجة وهما محالان والمفضي إلى المحال محال، فيكون ذلك الترك محالاً من الله تعالى، وإذا كان الترك محالاً كان الفعل واجباً فيكون الله تعالى فاعلاً للثواب والعوض واجب وتركه محال مع أنه تعالى ممدوح على فعل ذلك، فثبت أن امتناع الترك لا يقدح في حصول المدح فانقطع وما قدر على الجواب. المسألة الثالثة: الواو في {وَنَحْنُ } للحال كما تقول أتحسن إلى فلان وأنا أحق بالإحسان والتسبيح تبعيد الله تعالى من السوء وكذا التقديس، من سبح في الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد، واعلم أن التبعيد إن أريد به التبعيد عن السوء فهو التسبيح وإن أريد به التبعيد عن الخيرات فهو اللعن، فنقول التبعيد عن السوء يدخل فيه التبعيد عن السوء في الذات والصفات والأفعال، أما في الذات فأن لا تكون محلاً للإمكان فإن منع السوء وإمكانه هو العدم ونفي الإمكان يستلزم نفي الكثرة، ونفيها يستلزم نفي الجسمية والعرضية ونفي الضد والند، وحصول الوحدة المطلقة والوجوب الذاتي وأما في الصفات فأن يكون منزهاً عن الجهل فيكون محيطاً بكل المعلومات وقادراً على كل المقدورات وتكون صفاته منزهة عن التغييرات، وأما في الأفعال فأن لا تكون أفعاله لجلب المنافع ودفع المضار وأن لا يستكمل بشيء منها ولا ينتقص بعدم شيء منها فيكون مستغنياً عن كل الموجودات والمعدومات مستولياً بالإعدام والإيجاد على كل الموجودات والمعدومات، وقال أهل التذكير: التسبيح جاء تارة في القرآن بمعنى التنزيه وأخرى بمعنى التعجب. أما الأول فجاء على وجوه: «ا» أنا المنزه عن النظير والشريك، هو الله الواحد القهار «ب» أنا المدبر للسموات والأرض سبحان رب السموات والأرض «ج» أنا المدبر لكل العالمين سبحان الله رب العالمين «د» أنا المنزه عن قول الظالمين سبحان ربك رب العزة عما يصفون (هـ) أنا المستغني عن الكل سبحانه هو الغني «و» أنا السلطان الذي كل شيء سوائي فهو تحت قهري وتسخيري فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء «ز» أنا العالم بكل شيء، سبحان الله عما يصفون عالم الغيب «ح» أنا المنزه عن الصاحبة والولد سبحانه أنى يكون له ولد «ط» أنا المنزه عن وصفهم وقولهم، سبحانه وتعالى عما يشركون، عما يقولون، عما يصفون، أما التعجب فكذلك «ا» أنا الذي سخرت البهائم القوية للبشر الضعيف، سبحان الذي سخر لنا هذا «ب» أنا الذي خلقت العالم وكنت منزهاً عن التعب والنصب، سبحانه إذا قضى أمراً «ج» أنا الذي أعلم لا بتعليم المعلمين ولا بإرشاد المرشدين، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا «د» أنا الذي أزيل معصية سبعين سنة بتوبة ساعة فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس، ثم يقول إن أردت رضوان الله فسبح، وسبحوه بكرة وأصيلاً. وإن أردت الفرج من البلاء فسبح لا إله أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وإن أردت رضا الحق فسبح، ومن الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى، وإن أردت الخلاص من النار فسبح، سبحانك فقنا عذاب النار، أيها العبد واظب على تسبيحي فسبحان الله فسبح وسبحوه فإن لم تفعل تسبيحي فالضرر عائد إليك، لأن لي من يسبحني، ومنهم حملة العرش {أية : فَإِنِ ٱسْتَكْبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبّكَ يُسَبّحُونَ } تفسير : [فصلت: 38] ومنهم المقربون {أية : قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا } تفسير : [سبأ: 41] ومنهم سائر الملائكة {أية : قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا} تفسير : [الفرقان: 18] ومنهم الأنبياء كما قال ذو النون {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَـٰنَكَ } تفسير : [الأنبياء: 87] وقال موسى: {أية : سُبْحَـٰنَكَ إِنّى تُبْتُ إِلَيْكَ } تفسير : [الأعراف: 143] والصحابة يسبحون في قوله: {أية : سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ } تفسير : [آل عمران: 191] والكل يسبحون ومنهم الحشرات والدواب والذرات {أية : وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } تفسير : [الإسراء: 44] وكذا الحجر والمدر والرمال والجبال والليل والنهار والظلمات والأنوار والجنة والنار والزمان والمكان والعناصر والأركان والأرواح والأجسام على ما قال: {أية : سَبَّحَ للَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } تفسير : [الحديد: 1] ثم يقول أيها العبد: أنا الغني عن تسبيح هذه الأشياء، وهذه الأشياء ليست من الأحياء فلا حاجة بها إلى ثواب هذا التسبيح فقد صار ثواب هذه التسبيحات ضائعاً وذلك لا يليق بي {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَـٰطِلاً } تفسير : [صۤ: 27] لكني أوصل ثواب هذه الأشياء إليك ليعرف كل أحد أن من اجتهد في خدمتي أجعل كل العالم في خدمته. والنكتة الأخرى أذكرني بالعبودية لتنتفع به لا أنا {أية : سُبْحَـٰنَ رَبّكَ رَبّ ٱلْعِزَّةِ } تفسير : [الصافات: 180] فإنك إذا ذكرتني بالتسبيح طهرتك عن المعاصي {أية : وَسَبّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 42] أقرضني {أية : وَأَقْرِضُواُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً } تفسير : [الحديد: 18] وإن كنت أنا الغني حتى أرد الواحد عليك عشرة {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِى يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ } تفسير : [البقرة: 245] كن معيناً لي وإن كنت غنياً عن إعانتك {أية : وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الفتح: 4] وأيضاً فلا حاجة بي إلى العسكر {أية : وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ } تفسير : [محمد: 4] لكنك إذا نصرتني نصرتك {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ } تفسير : [محمد: 7] كن مواظباً على ذكرى {أية : وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِى أَيَّامٍ مَّعْدُودٰتٍ } تفسير : [البقرة: 203] ولا حاجة بي إلى ذكرك لأن الكل يذكروني {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25] لكنك إذا ذكرتني ذكرتك {أية : فَٱذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ } تفسير : [البقرة: 152] اخدمني: {قَدِيرٌ يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ } لا لأني أحتاج إلى خدمتك فإني أنا الملك {أية : وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [آل عمران: 189]. {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الرعد: 15] ولكن انصرف إلى خدمتي هذه الأيام القليلة لتنال الراحات الكثيرة {أية : قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ } تفسير : [الأنعام: 91]. المسألة الرابعة: قوله: {بِحَمْدِكَ } قال صاحب «الكشاف» بحمدك في موضع الحال. أي نسبح لك حامدين لك ومتلبسين بحمدك، وأما المعنى ففيه وجهان: الأول: أنا إذا سبحناك فنحمدك سبحانك يعني ليس تسبيحنا تسبيحاً من غير استحقاق بل تستحق بحمدك وجلالك هذا التسبيح الثاني: أنا نسبحك بحمدك فإنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك كما قال داود عليه السلام: يا رب كيف أقدر أن أشكرك وأنا لا أصل إلى شكر نعمتك إلا بنعمتك إلا بنعمتك، فأوحى الله تعالى إليه: «الآن قد شكرتني حيث عرفت أن كل ذلك مني» واختلف العلماء في المراد من هذا التسبيح فروي أنا أبا ذر دخل بالغداة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو بالعكس، فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي: أي الكلام أحب إلى الله قال ما اصطفاه الله لملائكته: سبحان الله وبحمده رواه مسلم وروى سعيد بن جبير قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فمر رجل من المسلمين على رجل من المنافقين فقال له رسول الله يصلي وأنت جالس لا تصلي فقال له امضِ إلى عملك إن كان لك عمل، فقال ما أظن إلا سيمر بك من ينكر عليك فمر عليه عمر بن الخطاب قال يا فلان إن رسول الله يصلي وأنت جالس، فقال له مثلها فوثب عليه فضربه، وقال هذا من عملي ثم دخل المسجد وصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ رسول الله من صلاته قام إليه عمر فقال يا نبي الله مررت آنفاً على فلان وأنت تصلي وهو جالس فقلت له: نبي الله يصلي وأنت جالس فقال لي مر إلى عملك فقال عليه الصلاة والسلام هلا ضربت عنقه، فقام عمر مسرعاً ليلحقه فيقتله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا عمر إرجع فإن غضبك عز ورضاك حكم إن لله في السموات ملائكة له غنى بصلاتهم عن صلاة فلان، فقال عمر يا رسول الله وما صلاتهم، فلم يرد عليه شيئاً فأتاه جبريل فقال: يا نبي الله سألك عمر عن صلاة أهل السماء قال: نعم قال: أقرئه مني السلام وأخبره بأن أهل سماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأهل السماء الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة ركوع إلى يوم القيامة يقولون، سبحان الحي الذي لا يموت، فهذا هو تسبيح الملائكة». القول الثاني: أن المراد بقوله: {نُسَبّحُ } أي نصلي والتسبيح هو الصلاة، وهو قول ابن عباس وابن مسعود. المسألة الخامسة: التقديس التطهير، ومنه الأرض المقدسة ثم اختلفوا على وجوه: أحدها: نطهرك أي نصفك بما يليق بك من العلو والعزة، وثانيها: قول مجاهد نطهر أنفسنا من ذنوبنا وخطايانا ابتغاء لمرضاتك. وثالثها: قول أبي مسلم نطهر أفعالنا من ذنوبنا حتى تكون خالصة لك. ورابعها: نطهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك حتى تصير مستغرقة في أنوار معرفتك قالت المعتزلة هذه الآية تدل على العدل من وجوه: أحدها: قولهم: {وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } أضافوا هذه الأفعال إلى أنفسهم فلو كانت أفعالاً لله تعالى لما حسن التمدح بذلك ولا فضل لذلك على سفك الدماء إذ كل ذلك من فعل الله تعالى. وثانيها: لو كان الفساد والقتل فعلاً لله تعالى لكان يجب أن يكون الجواب أن يقول إني مالك أفعل ما أشاء. وثالثها: أن قوله: {أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } يقتضي التبري من الفساد والقتل لكن التبري من فعل نفسه محال. ورابعها: إذا كان لا فاحشة ولا قبح ولا جور ولا ظلم ولا فساد إلا بصنعه وخلقه ومشيئته فكيف يصح التنزيه والتقديس؟ وخامسها: أن قوله: {أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } يدل على مذهب العدل لأنه لو كان خالقاً للكفر لكان خلقهم لذلك الكفر فكان ينبغي أن يكون الجواب نعم خلقهم ليفسدوا وليقتلوا. فلما لم يرضى بهذا الجواب سقط هذا المذهب. وسادسها: لو كان الفساد والقتل، من فعل الله تعالى لكان ذلك جارياً مجرى ألوانهم وأجسامهم وكما لا يصح التعجب من هذه الأشياء فكذا من الفساد والقتل والجواب عن هذه الوجوه المعارضة بمسألة الداعي والعلم والله أعلم. المسألة السادسة: إن قيل قوله: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } كيف يصلح أن يكون جواباً عن السؤال الذي ذكروه قلنا قد ذكرنا أن السؤال يحتمل وجوهاً: أحدها: فيكون قوله: {أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } جواباً له من حيث إنه قال تعالى لا تتعجبوا من أن يكون فيهم من يفسد ويقتل فإني أعلم مع هذا بأن فيهم جمعاً من الصالحين والمتقين وأنتم لا تعلمون. وثانيها: أنه للغم فيكون الجواب لا تغتموا بسبب وجود المفسدين فإني أعلم أيضاً أن فيهم جمعاً من المتقين، ومن أقسم علي لأبره. وثالثها: أنه طلب الحكمة فجوابه أن مصلحتكم فيه أن تعرفوا وجه الحكمة فيه على الإجمال دون التفصيل. بل ربما كان ذلك التفصيل مفسدة لكم ورابعها: أنه التماس لأن يتركهم في الأرض وجوابه إني أعلم أن مصلحتكم أن تكونوا في السماء لا في الأرض، وفيه وجه خامس: وهو أنهم لما قالوا: {نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ } قال تعالى: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وهو أن معكم إبليس وأن في قلبه حسداً وكبراً و نفاقاً. ووجه سادس: وهو أني أعلم ما لاتعلمون فإنكم لما وصفتم أنفسكم بهذه المدائح فقد استعظمتم أنفسكم فكأنكم أنتم بهذا الكلام في تسبيح أنفسكم لا في تسبيحي ولكن اصبروا حتى يظهر البشر فيتضرعون إلى الله بقولهم: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } تفسير : [الأعراف: 44] وبقوله: {أية : وَٱلَّذِى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى } تفسير : [الشعراء: 82] وبقوله: {أية : وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ ٱلصَّـٰلِحِينَ } تفسير : [النمل: 19]
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} فيه سبع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ} إذ وإذا حرفَا توقيت؛ فإذ للماضي، وإذا للمستقبل؛ وقد توضع إحداهما موضع الأخرى. وقل المُبَرّد: إذا جاء «إذ» مع مستقبل كان معناه ماضياً؛ نحو قوله:{أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ}تفسير : [الأنفال:30] {أية : وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ}تفسير : [الأحزاب:37] معناه إذْ مكروا، وإذ قلت. وإذا جاء «إذا» مع الماضي كان معناه مستقبلاً؛ كقوله تعالى: {أية : فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ}تفسير : [النازعات: 34] {أية : فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ }تفسير : [عبس: 33] و {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ }تفسير : [النصر: 1] أي يجيء. وقال مَعْمَر بن المُثَنَّى أبو عبيدة: «إذ» زائدة؛ والتقدير: وقال ربك؛ وٱستشهد بقول الأَسْوَد بن يَعْفُر:شعر : فإذ وذلك لا مَهاةَ لذِكرهِ والدهر يُعْقب صالحاً بفسادِ تفسير : وأنكر هذا القول الزجاجُ والنحاس وجميع المفسرين. قال النحاس: وهذا خطأ؛ لأن «إذ» ٱسم وهي ظرف زمان ليس مما تزاد. وقال الزجاج: هذا ٱجترام من أبي عبيدة؛ ذكر الله عز وجل خلق الناس وغيرهم؛ فالتقدير وٱبتدأ خلقكم إذ قال؛ فكان هذا من المحذوف الذي دل عليه الكلام، كما قال:شعر : فإن المنية مَن يخشها فسوف تصادفه أينما تفسير : يريد أينما ذهب. ويحتمل أن تكون متعلقة بفعل مقدّر تقديره وٱذكر إذ قال. وقيل: هو مردود إلى قوله تعالى: {ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ} فالمعنى الذي خلقكم إذ قال ربك للملائكة. وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرّر قديم في الأزل بشرط وجودهم وفهمهم. وهكذا الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته. وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري، وهو الذي ٱرتضاه أبو المعالي. وقد أتينا عليه في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفات الله العلى. والرب: المالك والسيّد والمصلح والجابر؛ وقد تقدّم بيانه. الثانية: قوله تعالى: {لِلْمَلَـٰئِكَةِ} الملائكة واحدها مَلَك. قال ٱبن كَيْسان وغيره: وزن مَلَك فَعَل من الملك. وقال أبو عبيدة؛ هو مفعل من لأَكَ إذا أرسل. والأَلُوكة وَالمَأْلَكة والمَأْلُكة: الرسالة؛ قال لَبِيد:شعر : وغلامٍ أرسلَتْهُ أمُّه بأَلُوكٍ فبذلْنا ما سأَلْ تفسير : وقال آخر:شعر : أبلِغِ النُّعمانَ عنِّي مَأْلُكاً إنني قد طال حبسي وٱنتظارِي تفسير : ويقال: أَلِكْنِي أي أرسلني؛ فأصله هذا مَأْلَك، الهمزة فاء الفعل فإنهم قلبوها إلى عينه فقالوا: مَلأَك، ثم سهّلوه فقالوا مَلَك. وقيل أصله مَلأَك من مَلَك يملِك، نحو شمأل من شَمَل؛ فالهمزة زائدة عن ٱبن كَيْسان أيضاً؛ وقد تأتي في الشعر على الأصل؛ قال الشاعر:شعر : فلستَ لإنْسِيٍّ ولكن لَملأَكٍ تَنزّلَ من جَوّ السماء يَصوبُ تفسير : وقال النّضر بن شُمَيل: لا ٱشتقاق للملك عند العرب. والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع؛ ومثله الصَّلادمة. والصَّلادم: الخيل الشّداد، واحدها صِلْدِم. وقيل: هي للمبالغة، كعلاّمة ونسّابة. وقال أرباب المعاني: خاطب الله الملائكة لا للمشورة ولكن لاستخراج ما فيهم من رؤية الحركات والعبادة والتسبيح والتقديس، ثم ردّهم إلى قيمتهم؛ فقال عز وجل: {أية : ٱسْجُدُواْ لآدَمَ}تفسير : . [البقرة:34] الثالثة: قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} «جاعل» هنا بمعنى خالق؛ ذكره الطبري عن أبي رَوْق، ويقضي بذلك تعدّيها إلى مفعول واحد، وقد تقدّم. والأرض قيل: إنها مكة. روى ٱبن سابط عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : دُحِيَت الأرض من مكة»تفسير : ولذلك سُمِّيت أمّ القرى، «حديث : قال: وقبر نوح وهود وصالح وشعيب بين زمزم والرّكن والمقام»تفسير : ، و «خليفة» يكون بمعنى فاعل؛ أي يخلف من كان قبله من الملائكة في الأرض، أو من كان قبله من غير الملائكة على ما رُويَ. ويجوز أن يكون «خليفة» بمعنى مفعول أي مخلف؛ كما يقال ذبيحة بمعنى مفعولة. والخَلَف (بالتحريك) من الصالحين، وبتسكينها من الطالحين؛ هذا هو المعروف، وسيأتي له مزيد بيان في «الأعراف» إن شاء الله. و «خليفة» بالفاء قراءة الجماعة؛ إلا ما رُوِيَ عن زيد بن عليّ فإنه قرأ «خليقة» بالقاف. والمعنى بالخليفة هنا ـ في قول ٱبن مسعود وٱبن عباس وجميع أهل التأويل ـ آدم عليه السلام، وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره؛ لأنه أوّل رسول إلى الأرض؛ كما في "حديث : حديث أبي ذَرّ، قال: قلت: يا رسول الله أنبيًّا كان مرسَلاً؟ قال: «نعم»"تفسير : الحديث. ويقال: لمن كان رسولاً ولم يكن في الأرض أحد؟ فيقال: كان رسولاً إلى ولده، وكانوا أربعين ولداً في عشرين بطناً في كل بطن ذكر وأنثى، وتوالدوا حتى كثروا؛ كما قال الله تعالى: {أية : خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً} تفسير : [النساء: 1]. وأنزل عليهم تحريم الميتةِ والدّمِ ولحمِ الخنزير. وعاش تسعمائة وثلاثين سنة؛ هكذا ذكر أهل التوراة. ورُوي عن وهب بن مُنَبّه أنه عاش ألف سنة، والله أعلم. الرابعة: هذه الآية أصلٌ في نَصْب إمامٍ وخليفة يُسْمَع له ويطاع؛ لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة. ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما رُوي عن الأصَمّ حيث كان عن الشريعة أصَمَّ، وكذلك كل من قال بقوله وٱتبعه على رأيه ومذهبه، قال: إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك، وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفَيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على مَن وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماماً يتولّى ذلك. ودليلُنا قولُ الله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}، وقوله تعالى: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [صۤ: 26]، وقال: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [النور: 55] أي يجعل منهم خلفاء، إلى غير ذلك من الآي. وأجمعت الصحابة على تقديم الصدّيق بعد ٱختلافٍ وقع بين المهاجرين والأنصار في سَقِيفة بني ساعدة في التعيين، حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير؛ فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك، وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحيّ من قريش، ورووا لهم الخبر في ذلك، فرجعوا وأطاعوا لقريش. فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها، ولقال قائل: إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم، فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب. ثم إن الصدّيق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك؛ فدلّ على وجوبها وأنها ركن من أركان الدِّين الذي به قوام المسلمين، والحمد لله رب العالمين. وقالت الرافضة: يجب نصبه عقلاً، وإن السمع إنما ورد على جهة التأكيد لقضية العقل؛ فأما معرفة الإمام فإن ذلك مدرَك من جهة السمع دون العقل. وهذا فاسد؛ لأن العقل لا يوجب ولا يحظر ولا يُقبِّح ولا يُحسِّن؛ وإذا كان كذلك ثبت أنها واجبة من جهة الشرع لا من جهة العقل، وهذا واضح. فإن قيل وهي: الخامسة: إذا سُلِّم أن طريق وجوب الإمامة السمع، فخبّرونا هل يجب من جهة السمع بالنص على الإمام من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم، أم من جهة ٱختيار أهل الحَلّ والعَقد له، أم بكمال خصال الأئمة فيه، ودعاؤه مع ذلك إلى نفسه كاف فيه؟ فالجواب أن يقال: ٱختلف الناس في هذا الباب، فذهبت الإمامية وغيرها إلى أن الطريق الذي يُعرف به الإمام هو النص من الرسول عليه السلام ولا مدخل للاختيار فيه. وعندنا: النظر طريق إلى معرفة الإمام، وإجماع أهل الاجتهاد طريق أيضاً إليه؛ وهؤلاء الذين قالوا لا طريق إليه إلا النص بَنَوْه على أصلهم أن القياس والرأي والاجتهاد باطل لا يُعرف به شيء أصلاً، وأبطلوا القياس أصلاً وفرعاً. ثم ٱختلفوا على ثلاث فرق: فرقة تدّعي النص على أبي بكر، وفرق تدّعي النص على العباس، وفرقة تدّعي النص على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم. والدليل على فقد النص وعدمه على إمام بعينه هو أنه صلى الله عليه وسلم لو فرض على الأمة طاعةً إمام بعينه بحيث لا يجوز العدول عنه إلى غيره لعلم ذلك؛ لاستحالة تكليف الأمة بأسرها طاعة الله في غير معيّن، ولا سبيل لهم إلى العلم بذلك التكليف؛ وإذا وجب العلم به لم يَخْل ذلك العلم من أن يكون طريقه أدلّة العقول أو الخبر، وليس في العقل ما يدل على ثبوت الإمامة لشخص معيّن، وكذلك ليس في الخبر ما يوجب العلم بثبوت إمام معيّن؛ لأن ذلك الخبر إما أن يكون تواتراً أوجب العلم ضرورةً أو ٱستدلالاً، أو يكون من أخبار الآحاد؛ ولا يجوز أن يكون طريقه التواتر الموجب للعلم ضرورةً أو دلالة، إذ لو كان كذلك لكان كل مكلّف يجد من نفسه العلم بوجوب الطاعة لذلك المعيَّن وأن ذلك من دين الله عليه، كما أن كل مكلّف علم أن من دين الله الواجب عليه خمس صلوات، وصوم رمضان، وحج البيت ونحوها؛ ولا أحد يعلم ذلك من نفسه ضرورة، فبطلت هذه الدعوى، وبطل أن يكون معلوماً بأخبار الآحاد لاستحالة وقوع العلم به. وأيضاً فإنه لو وجب المصير إلى نقل النص على الإمام بأيّ وجه كان، وجب إثبات إمامة أبي بكر والعباس؛ لأن لكل واحد منهما قوماً ينقلون النّص صريحاً في إمامته؛ وإذا بطل إثبات الثلاثة بالنص في وقت واحد ـ على ما يأتي بيانه ـ كذلك الواحد، إذ ليس أحد الفِرق أوْلى بالنص من الآخر. وإذا بطل ثبوت النّص لعدم الطريق الموصل إليه ثبت الاختيار والاجتهاد. فإن تعسّف متعسِّف وٱدّعى التواتر والعلم الضروري بالنصّ فينبغي أن يقابَلوا على الفَور بنقيض دعواهم في النّص على أبي بكر وبأخبار في ذلك كثيرة تقوم أيضاً في جملتها مقام النص؛ ثم لا شك في تصميم مَن عدا الإماميّة على نفي النّص؛ وهم الخلق الكثير والجمّ الكثير والجمّ الغفير. والعلم الضروري لا يجتمع على نفيه من ينحطّ عن معشار أعداد مخالفي الإمامية؛ ولو جاز ردّ الضروري في ذلك لجاز أن ينكر طائفة بَغداد والصين الأقصى وغيرهما. السادسة: في ردّ الأحاديث التي ٱحتجّ بها الإمامية في النّص على عليّ رضي الله عنه، وأن الأمة كفَرت بهذا النّص وٱرتدّت، وخالفت أمر الرسول عناداً؛ منها قوله عليه السلام: «حديث : مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه اللَّهُمّ والِ من والاه وعادِ مَن عاداه»تفسير : . قالوا: والمَوْلى في اللغة بمعنى أوْلَى؛ فلما قال «فعليّ مولاه» بفاء التعقيب عُلم أن المراد بقوله «مولى» أنه أحق وأوْلى. فوجب أن يكون أراد بذلك الإمامة وأنه مفترض الطاعة؛ وقوله عليه السلام لعليّ: «حديث : أنت مِنّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبيّ بعدي»تفسير : . قالوا: ومنزلة هارون معروفة، وهو أنه كان مشاركاً في النبوّة ولم يكن ذلك لعليّ، وكان أخاً له ولم يكن ذلك لعلي، وكان خليفة؛ فعُلِم أن المراد به الخلافة، إلى غير ذلك مما ٱحتجوا به على ما يأتي ذكره في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. والجواب عن الحديث الأوّل: أنه ليس بمتواتر، وقد ٱختلِف في صحته، وقد طعن فيه أبو داود السّجستاني وأبو حاتم الرازيّ، وٱستدلا على بطلانه بأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مُزَيْنَةُ وجُهَيْنَةُ وغِفَارُ وأَسْلَمُ مواليّ دون الناس كلهم ليس لهم مَوْلًى دون الله ورسوله»تفسير : . قالوا: فلو كان قد قال: «حديث : مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه»تفسير : لكان أحد الخبرين كذباً. جواب ثان: وهو أن الخبر وإن كان صحيحاً رواه ثِقةٌ عن ثِقَة فليس فيه ما يدل على إمامته، وإنما على فضيلته، وذلك أن المولى بمعنى الوليّ، فيكون معنى الخبر: مَن كنت وَلِيّه فعليّ وَلِيّه؛ قال الله تعالى: {أية : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاَهُ} تفسير : [التحريم: 4] أي وَلِيّه. وكان المقصود من الخبر أن يعلم الناس أن ظاهر عليّ كباطنه، وذلك فضيلة عظيمة لعليّ. جواب ثالث: وهو أن هذا الخبر ورَد على سبب، وذلك أن أسامة وعليًّا ٱختصما، فقال عليّ لأسامة: أنت مولاي. فقال: لستُ مولاك، بل أنا مَوْلَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم؛ فذكر للنبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال: «حديث : مَن كنُت مولاه فعليّ مولاه»تفسير : جواب رابع: وهو أن علًّيا عليه السلام لما قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم في قصة الإفْك في عائشة رضي الله عنها: النساء سواها كثير. شقّ ذلك عليها، فوجد أهل النفاق مجالاً فطعنوا عليه وأظهروا البراءة منه؛ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا المقال ردّاً لقولهم، وتكذيباً لهم فيما يقدموا عليه من البراءة منه والطعن فيه؛ ولهذا ما روي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ببغضهم لعليّ عليه السلام. وأما الحديث الثاني فلا خلاف أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يُرِد بمنزلة هارون من موسى بالخلافة بعده، ولا خلاف أن هارون مات قبل موسى عليهما السلام ـ على ما يأتي من بيان وفاتيهما في سورة «المائدة» ـ وما كان خليفةً بعده وإنما كان الخليفة يوشع بن نون؛ فلو أراد بقوله: «حديث : أنت مِنّي بمنزلة هارون من موسى»تفسير : الخلافة لقال: أنت مني بمنزلة يوشع من موسى، فلما لم يقل هذا دلّ على أنه لم يُرد هذا، وإنما أراد أني ٱستخلفتك على أهلي في حياتي وغيبوبتي عن أهلي، كما كان هارون خليفةَ موسى على قومه لمّا خرج إلى مناجاة ربّه. وقد قيل: إن هذا الحديث خرج على سبب، وهو "حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غَزْوة تَبُوك ٱستخلف عليًّا عليه السلام في المدينة على أهله وقومه؛ فأرجف به أهل النفاق وقالوا: إنما خلفه بُغْضاً وقِلًى له، فخرج عليّ فلحق بالنبيّ صلى الله عليه وسلم وقال له: إن المنافقين قالوا كذا وكذاٰ فقال: «كذبوا بل خلفتك كما خلف موسى هارون». وقال: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى»"تفسير : . وإذا ثبت أنه أراد الاستخلاف على زعمهم فقد شارك عليًّا في هذه الفضيلة غيره؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم ٱستخلف في كل غَزاةٍ غزاها رجلاً من أصحابه، منهم: ٱبن أمّ مَكْتُوم، ومحمد بن مَسْلَمة وغيرهما من أصحابه، على أن مدار هذا الخبر على سعد بن أبي وَقّاص وهو خبرُ واحدٍ. وروى في مقابلته لأبي بكر وعمر ما هو أولى منه. ورُوي "حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما أنفذ معاذ بن جبل إلى اليمن قيل له: ألا تنفذ أبا بكر وعمر؟ فقال: «إنهما لا غنى بي عنهما إن منزلتهما مني بمنزلة السمع والبصر من الرأس». وقال: «هما وزيراي في أهل الأرض»"تفسير : . ورُوي عنه عليه السلام أنه قال: «حديث : أبو بكر وعمر منِّي بمنزلة هارون من موسى»تفسير : . وهذا الخبر ورد ٱبتداء، وخبر عليّ ورد على سبب، فوجب أن يكون أبو بكر أوْلى منه بالإمامة، والله أعلم. السابعة: وٱختلف فيما يكون به الإمام إمامًا وذلك ثلاث طرق، أحدها: النص، وقد تقدّم الخلاف فيه، وقال فيه أيضاً الحنابلة وجماعة من أصحاب الحديث والحسن البصري وبكر ٱبن أخت عبد الواحد وأصحابه وطائفة من الخوارج. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نصّ على أبي بكر بالإشارة؛ وأبو بكر على عمر. فإذا نص المستخلف على واحد معين كما فعل الصدّيق، أو على جماعة كما فعل عمر، وهو الطريق الثاني؛ ويكون التخيير إليهم في تعيين واحد منهم كما فعل الصحابة رضي الله عنهم (في تعيين عثمان بن عفان رضي الله عنه). الطريق الثالث: إجماع أهل الحلّ والعَقْد؛ وذلك أن الجماعة في مصرٍ من أمصار المسلمين إذا مات إمامهم ولم يكن لهم إمام ولا ٱستخلف فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه إماماً لأنفسهم ٱجتمعوا عليه ورَضُوه فإن كل مَن خلفَهم وأمامَهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام؛ إذا لم يكن الإمام معلناً بالفسق والفساد؛ لأنها دعوة محيطة بهم تجب إجابتها ولا يسع أحد التخلف عنها لما في إقامة إمامين من ٱختلاف الكلمة وفساد ذات البَيْن؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ثلاث لا يِغل عليهنّ قلبُ مؤمنٍ إخلاصُ العمل لله ولزومُ الجماعة ومناصحةُ ولاةِ الأمر فإن دعوة المسلمين من ورائهم محيطة»تفسير : الثامنة: فإنْ عَقَدها واحد من أهل الحَلّ والعَقْد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله، خلافاً لبعض الناس حيث قال: لا تنعقد إلا بجماعة من أهل الحلّ والعقد؛ ودليلنا أن عمر رضي الله عنه عقد البَيعة لأبي بكر ولم يُنكر أحد من الصحابة ذلك؛ ولأنه عَقْد فوجب ألا يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود. قال الإمام أبو المعالي: من ٱنعقدت له الإمامة بعقد واحد فقد لزمت، ولا يجوز خلعه من غير حَدَث وتغيّر أمر؛ قال: وهذا مُجْمعٌ عليه. التاسعة: فإن تغلب مَن له أهليّة الإمامة وأخذها بالقهر والغَلَبة فقد قيل إن ذلك يكون طريقاً رابعاً؛ وقد سُئل سهل بن عبد اللَّه التُّسْتَرِي: ما يجب علينا لمن غلب على بلادنا وهو إمام؟ قال: تجيبه وتؤدّي إليه ما يطالبك من حقه، ولا تنكر فعاله ولا تفرّ منه، وإذا ائتمنك على سِرّ من أمر الدِّين لم تُفْشه. وقال ٱبن خُوَيْزِ مَنْداد: ولو وثب على الأمر من يصلح له من غير مشورة ولا اختيار وبايع له الناس تمّت له البَيْعة، والله أعلم. العاشرة: وٱختلف في الشهادة على عقد الإمامة؛ قال بعض أصحابنا: إنه لا يفتقر إلى الشهود؛ لأن الشهادة لا تثبت إلا بسمع قاطع، وليس ها هنا سمع قاطع يدل على إثبات الشهادة. ومنهم من قال: يفتقر إلى شهود؛ فمن قال بهذا ٱحتج بأن قال: لو لم تعقد فيه الشهادة أدّى إلى أن يدّعي كل مدّع أنه عُقد له سرًّا، ويؤدي إلى الهَرْج والفتنة، فوجب أن تكون الشهادة معتبرة ويكفي فيها شاهدان، خلافاً للجُبّائي حيث قال بٱعتبار أربعة شهود وعاقد ومعقود له؛ لأن عمر حيث جعلها شُورَى في ستة دلّ على ذلك. ودليلنا أنه لا خلاف بيننا وبينه أن شهادة الاثنين معتبرة، وما زاد مختلَف فيه ولم يدل عليه الدليل فيجب ألا يعتبر. الحادية عشرة: في شرائط الإمام؛ وهي أحد عشر: الأوّل: أن يكون من صميم قريش، لقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الأئمة من قريش»تفسير : . وقد ٱختلف في هذا. الثاني: أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضياً من قضاة المسلمين مجتهداً لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث؛ وهذا مُتّفَق عليه. الثالث: أن يكون ذا خبرة ورأي حصِيف بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسدّ الثُّغُور وحماية البيضة ورَدْع الأمة والانتقام من الظالم والأخذ للمظلوم. الرابع: أن يكون ممن لا تلحقه رِقّة في إقامة الحدود ولا فزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأبشار. والدليل على هذا كله إجماع الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه لا خلاف بينهم أنه لا بدّ من أن يكون ذلك كله مجتمعاً فيه؛ ولأنه هو الذي يولي القضاة والحكام، وله أن يباشر الفصل والحكم، ويتفحص أمور خلفائه وقضاته؛ ولن يصلح لذلك كله إلا من كان عالماً بذلك كله قيّماً به. والله أعلم. الخامس: أن يكون حُرًّا؛ ولا خفاء باشتراط حرية الإمام وإسلامه وهو السادس. السابع: أن يكون ذكراً، سليم الأعضاء وهو الثامن. وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إماماً وإن ٱختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه. التاسع والعاشر: أن يكون بالغاً عاقلاً؛ ولا خلاف في ذلك. الحادي عشر: أن يكون عدلاً؛ لأنه لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق؛ ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم؛ لقوله عليه السلام: «حديث : أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون»تفسير : . وفي التنزيل في وصف طالوت: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ} تفسير : [البقرة: 247] فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدلّ على القوّة وسلامة الأعضاء. وقوله: «ٱصطفاه» معناه ٱختاره؛ وهذا يدل على شرط النسب. وليس من شرطه أن يكون معصوماً من الزلل والخطأ، ولا عالماً بالغيب، ولا أفرس الأمة ولا أشجعهم، ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قريش؛ فإن الإجماع قد ٱنعقد على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وليسوا من بني هاشم. الثانية عشرة: يجوز نصب المفضول مع وجود الفاضل خوف الفتنة وألا يستقيم أمر الأمة؛ وذلك أن الإمام إنما نصب لدفع العدوّ وحماية البيضة وسدّ الخلل وٱستخراج الحقوق وإقامة الحدود وجباية الأموال لبيت المال وقسمتها على أهلها. فإذا خِيف بإقامة الأفضل الهرج والفساد وتعطيل الأمور التي لأجلها ينصب الإمام كان ذلك عذراً ظاهراً في العدول عن الفاضل إلى المفضول؛ ويدل على ذلك أيضاً علم عمر وسائر الأمة وقت الشُّورَى بأن الستة فيهم فاضل ومفضول، وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدّى المصلحة إلى ذلك وٱجتمعت كلمتهم عليه من غير إنكار أحد عليهم؛ والله أعلم. الثالثة عشرة: الإمام إذا نُصِب ثم فَسَق بعد ٱنبرام العقد فقال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته ويُخلع بالفسق الظاهر المعلوم؛ لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود وٱستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدّم ذكره؛ وما فيه من الفسق يُقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها. فلو جوّزنا أن يكون فاسقاً أدّى إلى إبطال ما أقيم لأجله ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يُعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له، وكذلك هذا مثله. وقال آخرون: لا ينخلع إلا بالكفر أو بترك إقامة الصلاة أو الترك إلى دعائها أو شيء من الشريعة؛ لقوله عليه السلام في حديث عُبادة: «حديث : وألا نُنازِع الأمر أهله (قال) إلا أن تروْا كُفْراً بَواحاً عندكم من الله فيه برهان»تفسير : . وفي حديث عَوف بن مالك: «حديث : لا ما أقاموا فيكم الصلاة»تفسير : الحديث. أخرجهما مسلم. وعن أم سَلَمة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنه يُستعمَل عليكم أمراءُ فتَعرِفون وتُنكِرون فمن كَره فقد بَرِىء ومَن أنكر فقد سلِم ولكن مَن رَضِيَ وتابع ـ قالوا: يا رسول الله ألاَ نقاتلهم؟ قال: ـ لا ما صَلَّوْا»تفسير : . أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه. أخرجه أيضاً مسلم. الرابعة عشرة: ويجب عليه أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصاً يؤثّر في الإمامة. فأما إذا لم يجد نقصاً فهل له أن يعزل نفسه ويعقد لغيره؟ ٱختلف الناس فيه، فمنهم من قال: ليس له أن يفعل ذلك وإن فعل لم تنخلع إمامته. ومنهم من قال: له أن يفعل ذلك. والدليل على أن الإمام إذا عزل نفسه ٱنعزل قول أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه: أقيلوني أقيلوني. وقول الصحابة: لا نقيلك ولا نستقيلك، قدّمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فمن ذا يؤخرك! رضِيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فلا نرضاك! فلو لم يكن له أن يفعل ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه ولقالت له: ليس لك أن تقول هذا، وليس لك أن تفعله. فلما أقرّته الصحابة على ذلك علم أن للإمام أن يفعل ذلك؛ ولأن الإمام ناظر للغير فيجب أن يكون حكمه حكم الحاكم، والوكيل إذا عزل نفسه. فإن الإمام هو وكيل الأمة ونائب عنها، ولما ٱتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شيء له أن يعزل نفسه، كذلك الإمام يجب أن يكون مثله. والله أعلم. الخامسة عشرة: إذا ٱنعقدت الإمامة بٱتفاق أهل الحَلّ والعَقْد أو بواحد على ما تقدّم وجب على الناس كافّةً مبايعته على السمع والطاعة، وإقامة كتاب الله وسُنّة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن تأبَّى عن البَيعة لعُذْر عُذِر، ومن تأبَّى لغير عذر جُبر وقُهر؛ لئلا تفترق كلمة المسلمين. وإذا بويع لخليفتين فالخليفة الأوّل وقُتل الآخر؛ وٱختلف في قتله هل هو محسوس أو معنًى فيكن عزله قتلَه ومَوْته. والأوّل أظهر؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما»تفسير : . رواه أبو سعيد الخُدْرِيّ أخرجه مسلم. وفي حديث عبد اللَّه بن عمرو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول: «حديث : ومن بايع إماما فأعطاه صفقةَ يدِه وثمرة قلبه فليطعه إن ٱستطاع فإن جاء آخر ينازعه فٱضربوا عنق الآخر»تفسير : . رواه مسلم أيضاً؛ ومن حديث عَرْفجةً: «حديث : فٱضربوه بالسيف كائناً من كان»تفسير : . وهذا أدلّ دليل على منع إقامة إمامين؛ ولأن ذلك يؤدّي إلى النفاق والمخالفة والشقاق وحدوث الفتن وزوال النعم؛ لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك؛ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. السادسة عشرة: لو خرج خارجيّ على إمام معروف العدالة وجب على الناس جهاده؛ فإن كان الإمام فاسقاً والخارجيّ مظهر للعدل لم ينبغ للناس أن يسرعوا إلى نصرة الخارجيّ حتى يتبيّن أمره فيما يظهر من العدل، أو تتفق كلمة الجماعة على خلع الأوّل، وذلك أن من طلب مثل هذا الأمر أظهر من نفسه الصلاح حتى إذا تمكّن رجع إلى عادته من خلاف ما أظهر. السابعة عشرة: فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد فلا يجوز إجماعاً لما ذكرنا. قال الإمام أبو المعالي: ذهب أصحابنا إلى منع عقد الإمامة لشخصين في طرفي العالَم؛ ثم قالوا: لو ٱتفق عقد الإمامة لشخصين نُزِّل ذلك منزلة تزويجِ وَلِيّيْن ٱمرأة واحدة من زوجين من غير أن يشعر أحدهما بعقد الآخر. قال: والذي عندي فيه أن عقد الإمامة لشخصين في صُقع واحد متضايق الخِطط والمخاليف غير جائزٍ وقد حصل الإجماع عليه. فأما إذا بَعُد المَدَى وتخلّل بين الإمامين شُسوع النّوَى فللاحتمال في ذلك مجال وهو خارج عن القواطع. وكان الأستاذ أبو إسحاق يجوّز ذلك في إقليمين متباعدين غاية التباعد لئلا تتعطل حقوق الناس وأحكامهم. وذهبت الكرامية إلى جواز نَصْب إمامين من غير تفصيل؛ ويلزمهم إجازة ذلك في بلد واحد، وصاروا إلى أن عليًّا ومعاوية كانا إمامين. قالوا: وإذا كان ٱثنين في بلَدين أو ناحيتين كان كل واحد منهما أقوم بما في يديه وأضبط لما يليه؛ ولأنه لما جاز بعثة نبيّيْن في عصر واحد ولم يؤدّ ذلك إلى إبطال النبوّة كانت الإمامة أوْلَى، ولا يؤدي ذلك إلى إبطال الإمامة. والجواب أن ذلك جائز لولا منع الشرع منه؛ لقوله: «حديث : فاقتلوا الآخر منهما» تفسير : ولأن الأُمَّة عليه. وأما معاوية فلم يدّع الإمامة لنفسه وإنما ٱدّعى ولاية الشام بتولية مَن قبله من الأئمة. ومما يدلّ على هذا إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما؛ ولا قال أحدهما إني إمام ومخالفي إمام. فإن قالوا: العقل لا يحيل ذلك وليس في السمع ما يمنع منه. أقوى السمْعِ الإجماعُ، وقد وُجد على المنع. قوله تعالى: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} قد علمنا قطعاً أن الملائكة لا تعلم إلا ما أعْلِمت ولا تَسبِق القول، وذلك عام في جميع الملائكة؛ لأن قوله: {لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ} خرج على جهة المدح لهم، فكيف قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}؟ فقيل: المعنى أنهم لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن في بني آدم من يفسد؛ إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد، لكن عمّموا الحكم على الجميع بالمعصية؛ فبيّن الربّ تعالى أن فيهم من يفسد ومن لا يفسد فقال تطييباً لقلوبهم: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ} وحقّق ذلك بأن علّم آدم الأسماء، وكشف لهم عن مكنون علمه. وقيل: إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء. وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورؤوس الجبال، فمن حينئذ دخلته العِزّة. فجاء قولهم: «أتَجْعَلُ فِيهَا» على جهة الاستفهام المحض: هل هذا الخليفة على طريقة من تقدّم من الجن أم لا؟ قاله أحمد بن يحيى ثعلب. وقال ٱبن زيد وغيره: إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذرّيته قوم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء؛ فقالوا لذلك هذه المقالة، إمّا على طريق التعجب من ٱستخلاف الله من يعصيه أو مِن عِصيان الله من يستخلفه في أرضه ويُنعم عليه بذلك، وإمّا على طريق الاستعظام والإكبار للفصلين جميعاً: الاستخلاف والعصيان. وقال قتادة: كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الأرض خلقاً أفسدوا وسفكوا الدماء، فسألوا حين قال تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} أهو الذي أعلمهم أم غيره. وهذا قول حَسَن، رواه عبد الرزاق قال: أخبرنا مَعْمَر عن قتادة في قوله: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} قال: كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فلذلك قالوا: «أتجعل فيها مَن يفسد فيها».وفي الكلام حذف على مذهبه؛ والمعنى إني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا ويفعل كذا، فقالوا: أتجعل فيها الذي أعلمتناه أم غيره؟ والقول الأوّل أيضاً حسن جداً؛ لأن فيه ٱستخراج العلم وٱستنباطه من مقتضى الألفاظ وذلك لا يكون إلا من العلماء؛ وما بين القولين حسن، فتأمّله. وقد قيل: إن سؤاله تعالى للملائكة بقوله: «حديث : كيف تركتم عبادي»تفسير : ـ على ما ثبت في صحيح مسلم وغيره ـ إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال: أتجعل فيها، وإظهار لما سبق في معلومه إذ قال لهم: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. قوله: {مَن يُفْسِدُ فِيهَا} «مَن» في موضع نصب على المفعول بتجعل والمفعول الثاني يقوم مقامه «فيها». «يُفسد» على اللفظ، ويجوز في غير القرآن يفسدون على المعنى. وفي التنزيل: «وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إلَيْكَ» على اللفظ، «وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ» على المعنى. {وَيَسْفِكُ} عطف عليه، ويجوز فيه الوجهان. وروى أسيد عن الأعرج أنه قرأ «ويَسْفِكَ الدّماءَ» بالنصب، يجعله جواب الاستفهام بالواو، كما قال:شعر : ألم أكُ جارَكم وتكونَ بيني وبينكُم المودّةُ والإخاءُ تفسير : والسَّفْكُ: الصّب. سفكت الدم أَسْفِكه سَفْكاً: صببته، وكذلك الدمع؛ حكاه ٱبن فارس والجوهري. والسفّاك: السفاح، وهو القادر على الكلام. قال المهدويّ: ولا يستعمل السفك إلا في الدم، وقد يستعمل في نثر الكلام؛ يقال سفك الكلام إذا نثره. وواحد الدماء دَمٌ، محذوف اللام. وقيل: أصله دَمْيٌ. وقيل: دَمَيٌّ، ولا يكون ٱسم على حرفين إلا وقد حُذف منه، والمحذوف منه ياء وقد نُطق به على الأصل؛ قال الشاعر:شعر : فلو أنّا على حجر ذُبِحنا جَرَى الدّميان بالخبر اليقين تفسير : قوله تعالى: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} أن ننزّهك عمّا لا يليق بصفاتك. والتسبيح في كلامهم التنزيه من السوء على وجه التعظيم؛ ومنه قول أعْشَى بني ثَعْلبة:شعر : أقول لمّا جاءني فَخْرُه سبحانَ من عَلْقَمَةَ الفاخرِ تفسير : أي براءة من عَلْقَمة. "حديث : وروى طلحة بن عبيد اللَّه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله فقال: «هو تنزيه الله عزّ وجلّ عن كل سوء»"تفسير : . وهو مشتق من السّبح وهو الجَرْي والذهاب؛ قال الله تعالى: {أية : إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً} تفسير : [المزمل: 7] فالمسبِّح جارٍ في تنزيه الله تعالى وتبرئته من السّوء. وقد تقدّم الكلام في «نحن»، ولا يجوز إدغام النون لئلا يلتقي ساكنان. مسألة: وٱختلف أهل التأويل في تسبيح الملائكة، فقال ٱبن مسعود وٱبن عباس: تسبيحهم صلاتهم؛ ومنه قول الله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ} تفسير : [الصافات: 143] أي المُصَلّين. وقيل: تسبيحهم رفع الصوت بالذكر، قاله المفضّل؛ وٱستشهد بقول جرير:شعر : قَبَحَ الإلٰهُ وجوهَ تَغْلِبَ كلّما سَبَح الحجيج وكَبّرُوا إهلالاَ تفسير : وقال قتادة: تسبيحهم: سبحان الله؛ على عُرفه في اللغة، وهو الصحيح لما رواه أبو ذَرّ "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أيّ الكلام أفضل؟ قال: «ما ٱصطفى الله لملائكته (أو لعباده) سبحان الله وبحمده»»تفسير : . أخرجه مسلم. وعن عبد الرحمن بن قُرْط: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أُسْرِيَ به سمع تسبيحاً في السموات العلا: سبحان العليّ الأعلى سبحانه وتعالى؛ ذكره البيهقي. قوله تعالى: {بِحَمْدِكَ} أي وبحمدك نخلطِ التسبيح بالحمد ونصله به. والحمد: الثناء، وقد تقدّم. ويحتمل أن يكون قولهم: «بحمدك» ٱعتراضاً بين الكلامين؛ كأنهم قالوا: ونحن نسبح ونقدّس، ثم ٱعترضوا على جهة التسليم؛ أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك. والله أعلم. قوله تعالى: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} أي نعظّمك ونمجدك ونطهّر ذكرك عما لا يليق بك مما نسبك إليه الملحدون؛ قاله مجاهد وأبو صالح وغيرهما. وقال الضحاك وغيره: المعنى نطهّر أنفسنا لك ٱبتغاء مرضاتك. وقال قوم منهم قتادة: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} معناه نصلّي. والتقديس: الصلاة. قال ٱبن عطية: وهذا ضعيف. قلت: بل معناه صحيح؛ فإن الصلاة تشتمل على التعظيم والتقديس والتسبيح، "حديث : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده: «سُبُّوح قُدّوس ربُّ الملائكة والرُّوح»»تفسير : . روته عائشة أخرجه مسلم. وبناء «قدس» كيفما تصرّف فإن معناه التطهير؛ ومنه قوله تعالى: {أية : ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ}تفسير : [المائدة: 21] أي المطهّرة. وقال: {أية : ٱلْمَلِكُ ٱلْقُدُّوسُ} تفسير : [الحشر: 23] يعني الطاهر؛ ومثله: {أية : بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى}تفسير : [طه: 12] وبيت المَقْدِس سُمِّيَ به لأنه المكان الذي يُتقدّس فيه من الذنوب أي يتطهّر؛ ومنه قيل للسَّطْل: قَدَس؛ لأنه يُتوضأ فيه ويُتطهّر؛ ومنه القادوس. وفي الحديث: «حديث : لا قُدّسَتْ أمّةٌ لا يؤخذ لضعيفها مِن قَوِيّها»تفسير : . يريد لا طهّرها الله؛ أخرجه ٱبن ماجه في سُنَنه. فالقُدْس: الطُّهْر من غير خلاف؛ وقال الشاعر:شعر : فأدْرَكْنَه يأخُذْنَ بالسّاق والنَّسَا كما شَبْرَقَ الولدانُ ثَوْبَ المُقَدَّس تفسير : أي المطهّر. فالصلاة طُهرةٌ للعبد من الذُّنوب، والمُصَلِّي يدخلها على أكمل الأحوال لكونها أفضل الأعمال، والله أعلم. قوله تعالى: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} «أعلم» فيه تأويلان؛ قيل: إنه فعل مستقبل. وقيل: إنه ٱسم بمعنى فاعل؛ كما يقال: الله أكبر، بمعنى كبير؛ وكما قال:شعر : لعَمْرُكَ ما أدري وإنّي لأَوْجَلُ على أيّنا تعدُو المنيّة أوّلُ تفسير : فعلى أنه فعل تكون «ما» في موضع نصب بأعلم، ويجوز إدغام الميم في الميم. وإن جعلته ٱسماً بمعنى عالم تكون «ما» في موضع خفض بالإضافة. قال ٱبن عطية: ولا يصح فيه الصرف بإجماع من النحاة، وإنما الخلاف في «أفعل» إذا سُمِّيَ به وكان نكرة، فسيبويه والخليل لا يَصْرِفانه، والأخفش يَصْرِفه. قال المهدَوِيّ: يجوز أن تقدّر التنوين في «أعلم» إذا قدّرته بمعنى عالم، وتنصب «ما» به؛ فيكون مثل حَوَّاجٌّ بيتَ الله. قال الجوهري: ونِسوةٌ حواجُّ بيتِ الله، بالإضافة إذا كنّ قد حَجَجْن، وإن لم يكنّ حججن قلت: حواجُّ بيتَ الله، فتنصب البيت؛ لأنك تريد التنوين في حواجّ. قوله تعالى: {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ٱختلف علماء التأويل في المراد بقوله تعالى: «مَا لاَ تَعْلَمُونَ». فقال ٱبن عباس: كان إبليس ـ لعنه الله ـ قد أعجب ودخله الكبر لما جعله خازن السماء وشرفه، فٱعتقد أن ذلك لمزِيّة له؛ فٱستخف الكفر والمعصية في جانب آدم عليه السلام. وقالت الملائكة: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} وهي لا تعلم أن في نفس إبليس خلاف ذلك؛ فقال الله تعالى لهم: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. وقال قتادة لما قالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} وقد علم الله أن فيمن يستخلق في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة قال لهم «إنِّي أعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ». قلت: ويحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما لا تعلمون مما كان ومما يكون ومما هو كائن؛ فهو عام.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تعداد لنعمة ثالثة تعم الناس كلهم، فإن خلق آدم وإكرامه وتفضيله على ملائكته بأن أمرهم بالسجود له، إنعام يعم ذريته. وإذا: ظرف وضع لزمان نسبة ماضية وقع فيه أخرى، كما وضع إذ الزمان نسبة مستقبلة يقع فيه أخرى، ولذلك يجب إضافتهما إلى الجمل كحيث في المكان، وبنيتا تشبيهاً لهما بالموصولات، واستعملتا للتعليل والمجازاة، ومحلهما النصب أبداً بالظرفية فإنهما من الظروف الغير المتصرفة لما ذكرناه، وأما قوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِٱلأَحْقَافِ } تفسير : [الأحقلف: 21] ونحوه، فعلى تأويل: اذكر الحادث إذا كان كذا، فحذف الحادث وأقيم الظرف مقامه، وعامله في الآية قالوا، أو أذكر على التأويل المذكور لأنه جاء معمولاً له صريحاً في القرآن كثيراً، أو مضمر دل عليه مضمون الآية المتقدمة، مثل وبدأ خلقكم إذ قال، وعلى هذا فالجملة معطوفة على خلق لكم داخلة في حكم الصلة. وعن معمر أنه مزيد. والملائكة جمع ملأك على الأصل كالشمائل جمع شمأل، والتاء لتأنيث الجمع، وهو مقلوب مألك من الألوكة وهي: الرسالة، لأنهم وسائط بين الله تعالى، وبين الناس، فهم رسل الله. أو كالرسل إليهم. واختلف العقلاء في حقيقتهم بعد اتفاقهم على أنها ذوات موجودة قائمة بأنفسها. فذهب أكثر المسلمين إلى أنها أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، مستدلين بأن الرسل كانوا يرونهم كذلك. وقالت طائفة من النصارى: هي النفوس الفاضلة البشرية المفارقة للأبدان. وزعم الحكماء أنهم جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة، منقسمة إلى قسمين: قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق جل جلاله والتنزه عن الاشتغال بغيره، كما وصفهم في محكم تنزيله فقال تعالى: {أية : يُسَبّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } تفسير : [الأنبياء: 20] وهم العليون والملائكة المقربون. وقسم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء وجرى به القلم الإلهي {أية : لاَ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }تفسير : [التحريم: 6] وهم المدبرات أمراً، فمنهم سماوية، ومنهم أرضية، على تفصيل أثبته في كتاب الطوالع. والمقول لهم: الملائكة كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص، وقيل ملائكة الأرض، وقيل إبليس ومن كان معه في محاربة الجن، فإنه تعالى أسكنهم في الأرض أولاً فأفسدوا فيها، فبعث إليهم إبليس في جند من الملائكة فدمرهم وفرقهم في الجزائر والجبال. وجاعل: من جعل الذي له مفعولان وهما في {ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} أعمل فيهما، لأنه بمعنى المستقبل ومعتمد على مسند إليه. ويجوز أن يكون بمعنى خالق. والخليفة من يخلف غيره وينوب منابه، والهاء فيه للمبالغة، والمراد به آدم عليه الصلاة والسلام لأنه كان خليفة الله في أرضه، وكذلك كل نبي استخلفهم الله في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم، لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه، بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه، وتلقي أمره بغير وسط، ولذلك لم يستنبىء ملكاً كما قال الله تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً } تفسير : [الأنعام: 9] ألا ترى أن الأنبياء لما فاقت قوتهم، واشتعلت قريحتهم بحيث يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، أرسل إليهم الملائكة ومن كان منهم أعلى رتبة كلمه بلا واسطة، كما كلم موسى عليه السلام في الميقات، ومحمداً صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، ونظير ذلك في الطبيعة أن العظم لما عجز عن قبول الغذاء من اللحم لما بينهما من التباعد، جعل الباري تعالى بحكمته بينهما الغضروف المناسب لهما ليأخذ من هذا ويعطي ذلك. أو خليفة من سكن الأرض قبله، أو هو وذريته لأنهم يخلفون من قبلهم، أو يخلف بعضهم بعضاً. وإفراد اللفظ: إما للاستغناء بذكره عن ذكر بنيه كما استغني بذكر أبي القبيلة في قولهم: مضر وهاشم. أو على تأويل من يخلفكم، أو خلفاً يخلفكم. وفائدة قوله تعالى هذا للملائكة، تعليم المشاورة، وتعظيم شأن المجعول، بأن بَشَّرَ عز وجل بوجود سكان ملكوته، ولقبه بالخليفة قبل خلقه، وإظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم، وجوابه وبيان أن الحكمة تقتضي إيجاد ما يغلب خيره، فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير إلى غير ذلك. {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاءَ} تَعَجُبٌ من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها، أو يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية، واستكشاف عما خفي عليهم من الحكمة التي بهرت تلك المفاسد وألغتها، واستخبار عما يرشدهم ويزيح شبهتهم كسؤال المتعلم معلمه عما يختلج في صدره، وليس باعتراض على الله تعالى جلت قدرته، ولا طعن في بني آدم على وجه الغيبة، فإنهم أعلى من أن يظن بهم ذلك لقوله تعالى: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 26-27] وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى، أو تلق من اللوح، أو استنباط عما ركز في عقولهم أن العصمة من خواصهم، أو قياس لأحد الثقلين على الآخر. والسُفْكُ والسَّبْكُ والسَّفْحُ والشَّنُّ أنواع من الصب، فالسفك يقال في الدم والدمع، والسبك في الجواهر المذابة، والسفح في الصب من أعلى، والشن في الصب من فم القربة ونحوها، وكذلك السن، وقرىء {يُسْفِكُ} على البناء للمفعول، فيكون الراجع إلى {مَنْ}، سواء جعل موصولاً أو موصوفًا محذوفاً، أي: يسفك الدماء فيهم. {وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ} حال مقررة لجهة الإشكال كقولك: أتحسن إلى أعدائك وأنا الصديق المحتاج القديم. والمعنى: أتستخلف عصاة ونحن معصومون أحقاء بذلك، والمقصود منه، الاستفسار عما رجحهم ـ مع ما هو متوقع منهم ـ على الملائكة المعصومين في الاستخلاف، لا العجب والتفاخر. وكأنهم علموا أن المجعول خليفة ذو ثلاث قوى عليها مدار أمره: شهوية وغضبية تؤديان به إلى الفساد وسفك الدماء، وعقلية تدعوه إلى المعرفة والطاعة. ونظروا إليها مفردة وقالوا: ما الحكمة في استخلافه، وهو باعتبار تينك القوتين لا تقتضي الحكمة إيجاده فضلاً عن استخلافه، وأما باعتبار القوة العقلية فنحن نقيم ما يتوقع منها سليماً عن معارضة تلك المفاسد. وغفلوا عن فضيلة كل واحدة من القوتين إذا صارت مهذبة مطواعة للعقل، متمرنة على الخير كالعفة والشجاعة ومجاهدة الهوى والإنصاف. ولم يعلموا أن التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد، كالإحاطة بالجزئيات واستنباط الصناعات واستخراج منافع الكائنات من القوة إلى الفعل الذي هو المقصود من الاستخلاف، وإليه أشار تعالى إجمالاً بقوله {قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} والتسبيح تبعيد الله تعالى عن السوء وكذلك التقديس، من سَبَح في الأرض والماء، وقدس في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد، ويقال قَدُسَ إذا طهر لأن مطهر الشيء مبعد له عن الأقذار. و {بِحَمْدِكَ} في موضع الحال، أي: متلبسين بحمدك على ما ألهمتنا معرفتك ووفقتنا لتسبيحك، تداركوا به ما أوهم إسناد التسبيح إلى أنفسهم، ونقدس لك نطهر نفوسنا عن الذنوب لأجلك، كأنهم قابلوا الفساد المفسر بالشرك عند قوم بالتسبيح، وسفك الدماء الذي هو أعظم الأفعال الذميمة بتطهير النفوس عن الآثام وقيل: نقدسك واللام مزيدة.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى بامتنانه على بني آدم بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم، فقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ} أي: واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة، واقصص على قومك ذلك، وحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية، وهو أبو عبيدة، أنه زعم أن {إِذْ} ههنا زائدة، وأن تقدير الكلام: وقال ربك، وردّه ابن جرير، قال القرطبي: وكذا رده جميع المفسرين حتى قال الزجاج: هذا اجتراء من أبي عبيدة {إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} أي: قوماً يخلف بعضهم بعضاً، قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل؛ كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِى جَعَلَكُمْ خَلَـٰئِفَ ٱلأَرْضِ}تفسير : [الأنعام: 165] وقال:{أية : وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَآءَ الأَرْضِ}تفسير : [النمل: 62] وقال: {أية : وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلَـٰئِكَةً فِى ٱلأَرْضِ يَخْلُفُونَ }تفسير : [الزخرف: 60] وقال: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ}تفسير : [الأعراف: 169] وقرىء في الشاذ: {إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيقةً} حكاها الزمخشري وغيره، ونقله القرطبي عن زيد بن علي. وليس المراد ههنا بالخليفة آدم عليه السلام فقط كما يقوله طائفة من المفسرين، وعزاه القرطبي إلى ابن عباس وابن مسعود وجميع أهل التأويل. وفي ذلك نظر، بل الخلاف في ذلك كثير، حكاه الرازي في تفسيره وغيره، والظاهر أنه لم يرد آدم عيناً؛ إذ لو كان ذلك لما حسن قول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} فإنهم أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية، فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صلصال من حمإ مسنون، أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم، ويردعهم عن المحارم والمآثم، قاله القرطبي، أو أنهم قاسوهم على من سبق، كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك، وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم؛ كما قد يتوهمه بعض المفسرين، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول، أي: لا يسألونه شيئاً لم يأذن لهم فيه، وههنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقاً، قال قتادة: وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها، فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} الآية، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء، مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء؟ فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبح بحمدك، ونقدس لك، أي: نصلي لك، كما سيأتي. أي: ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهلا وقع الاقتصار علينا؟ قال الله تعالى مجيباً لهم عن هذا السؤال: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها مالا تعلمون أنتم، فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون، والعباد والزهاد، والأولياء والأبرار والمقربون، والعلماء والعاملون، والخاشعون والمحبون له تبارك وتعالى، المتبعون رسله صلوات الله وسلامه عليهم، وقد ثبت في الصحيح أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده يسألهم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون، وذلك لأنهم يتعاقبون فينا، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة العصر، فيمكث هؤلاء، ويصعد أولئك بالأعمال؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل» تفسير : فقولهم: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم هم يصلون، من تفسير قوله لهم: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، وقيل: معنى قوله تعالى جواباً لهم: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} إنَّ لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها، وقيل إنه جواب {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} فقال: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي من وجود إبليس بينكم، وليس هو كما وصفتم أنفسكم به. وقيل: بل تضمن قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} طلباً منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم، فقال الله تعالى لهم: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم. ذكرها الرازي مع غيرها من الأجوبة، والله أعلم. ذكر أقوال المفسرين ببسط ما ذكرناه قال ابن جرير: حدثني القاسم بن الحسن قال: حدثنا الحسين قال: حدثني الحجاج عن جرير بن حازم ومبارك عن الحسن وأبي بكر عن الحسن وقتادة، قالوا: قال الله للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، قال لهم: إني فاعل، وهذا معناه أنه أخبرهم بذلك، وقال السدي: استشار الملائكة في خلق آدم، رواه ابن أبي حاتم، قال: وروي عن قتادة نحوه، وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار، ففيها تساهل، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن. والله أعلم {فِى ٱلأَرْضِ}. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد حدثنا عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن سابط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : دحيت الأرض من مكة وأول من طاف بالبيت الملائكة. فقال الله: إني جاعل في الأرض خليفة يعني مكة»تفسير : وهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مدرج، وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم، فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك {خَلِيفَةً} قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة أن الله تعالى قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: ربنا وما يكون ذاك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضاً. قال ابن جرير: فكان تأويل الآية على هذا: إني جاعل في الأرض خليفة مني، يخلفني في الحكم بالعدل بين خلقي، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه، وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها، فمن غير خلفائه. قال ابن جرير: وإنما معنى الخلافة التي ذكرها الله، إنما هي خلافة قرن منهم قرناً، قال: والخليفة: الفعيلة، من قولك: خلف فلان فلاناً في هذا الأمر، إذا قام مقامه فيه بعده؛ كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ جَعَلْنَـٰكُمْ خَلَـٰئِفَ فِى ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ}تفسير : [يونس: 14]، ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة؛ لأنه خلف الذي كان قبله، فقام بالأمر، فكان منه خلفاً، قال: وكان محمد بن إسحاق يقول في قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}، يقول: ساكناً وعامراً، يعمرها ويسكنها خلقاً ليس منكم. قال ابن جرير: وحدثنا أبو كريب حدثنا عثمان بن سعيد حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس قال: إن أول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضاً، قال: فبعث الله إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، ثم خلق آدم فأسكنه إياها، فلذلك قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}. وقال سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن ابن سابط: {إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوۤاْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} قال: يعنون به بني آدم، وقال عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم: قال الله للملائكة: إني أريد أن أخلق في الأرض خلقاً، وأجعل فيها خليفة، وليس لله عز وجل خلق إلا الملائكة والأرض، وليس فيها خلق، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها؟ وقد تقدم ما رواه السدي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة: أن الله أعلم الملائكة بما تفعله ذرية آدم، فقالت الملائكة ذلك، وتقدم آنفاً ما رواه الضحاك عن ابن عباس أن الجن أفسدوا في الأرض قبل بني آدم، فقالت الملائكة ذلك، فقاسوا هؤلاء بأولئك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن بكير بن الأخنس عن مجاهد عن عبد الله بن عمرو، قال: كان الجن بنو الجان في الأرض قبل أن يخلق آدم بألفي سنة، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فبعث الله جنداً من الملائكة، فضربوهم حتى ألحقوا بجزائر البحور، فقال الله للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} إلى قوله{ أية : مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}تفسير : [البقرة: 33] قال: خلق الله الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض، فتقاتلهم ببغيهم، وكان الفساد في الأرض، فمن ثم قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها كما أفسدت الجن، ويسفك الدماء كما سفكوا، قال ابن أبي حاتم: وحدثنا الحسن ابن محمد بن الصباح حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا مبارك بن فضالة أخبرنا الحسن قال: قال الله للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، قال لهم: إني فاعل، فآمنوا بربهم فعلمهم علماً، وطوى عنهم علماً علمه ولم يعلموه، فقالوا بالعلم الذي علمهم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون. قال الحسن: إن الجن كانوا في الأرض يفسدون ويسفكون الدماء، ولكن جعل الله في قلوبهم أن ذلك سيكون، فقالوا بالقول الذي علمهم. وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق، أفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، فذلك حين قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها؟ وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا هشام الرازي حدثنا ابن المبارك عن معروف - يعني ابن خربوذ المكي - عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول: السجل: ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له في كل يوم ثلاث لمحات في أم الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له، فأبصر فيها خلق آدم وما كان فيه من الأمور، فأسر إلى هاروت وماروت، وكانا من أعوانه، فلما قال تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوۤاْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}. قالا ذلك استطالة على الملائكة. وهذا أثر غريب، وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين الباقر، فهو نقله عن أهل الكتاب، وفيه نكارة توجب رده، والله أعلم، ومقتضاه أن الذين قالوا ذلك إنما كانوا اثنين فقط، وهو خلاف السياق، وأغرب منه ما رواه ابن أبي حاتم أيضاً حيث قال: حدثنا أبي حدثنا هشام بن أبي عبيد الله حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير قال: سمعت أبي يقول: إن الملائكة الذين قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} كانوا عشرة آلاف، فخرجت نار من عند الله فأحرقتهم، وهذا أيضاً إسرائيلي منكر كالذي قبله، والله أعلم. قال ابن جريج: وإنما تكلموا بما أعلمهم الله أنه كائن من خلق آدم، فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ وقال ابن جرير: وقال بعضهم: إنما قالت الملائكة ما قالت: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؛ لأن الله أذن لهم في السؤال عن ذلك بعد ما أخبرهم أن ذلك كائن من بني آدم، فسألته الملائكة، فقالت على التعجب منها: وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم؟ فأجابهم ربهم: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} يعني: أن ذلك كائن منهم، وإن لم تعلموه أنتم، ومن بعض ما ترونه لي طائعاً. قال: وقال بعضهم: ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموه من ذلك، فكأنهم قالوا: يا رب خبرنا - مسألة استخبار منهم، لا على وجه الإنكار - واختاره ابن جرير، وقال سعيد عن قتادة: قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} قال: استشار الملائكة في خلق آدم، فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ - وقد علمت الملائكة أنه لا شيء أكره عند الله من سفك الدماء والفساد في الأرض - ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال: إني أعلم ما لا تعلمون، فكان في علم الله أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة، قال: وذكر لنا عن ابن عباس أنه كان يقول: إن الله لما أخذ في خلق آدم عليه السلام، قالت الملائكة: ما الله خالق خلقاً أكرم عليه منا، ولا أعلم منا، فابتلوا بخلق آدم، وكل خلق مبتلى كما ابتليت السموات والأرض بالطاعة، فقال الله تعالى: {أية : ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ}تفسير : [فصلت: 11] وقوله تعالى: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، قال: التسبيح: التسبيح، والتقديس: الصلاة. وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال: يقولون: نصلي لك. وقال مجاهد: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال: نعظمك ونكبرك. وقال الضحاك: التقديس: التطهير. وقال محمد بن إسحاق: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال: لا نعصي ولا نأتي شيئاً تكرهه. وقال ابن جرير: التقديس هو التعظيم والتطهير. ومنه قولهم: سبوح قدوس، يعني بقولهم: سبوح، تنزيه له، وبقولهم: قدوس، طهارة وتعظيم له، وكذلك قيل للأرض: أرض مقدسة، يعني بذلك: المطهرة، فمعنى قول الملائكة إذاً: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهل الشرك بك {وَنُقَدِّسُ لَكَ} ننسبك إلى ما هو من صفاتك من الطهارة من الأدناس، وما أضاف إليك أهل الكفر بك. وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: «حديث : ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده»تفسير : وروى البيهقي عن عبد الرحمن بن قُرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحاً في السموات العُلَى: «سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى». {قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} قال قتادة: فكان في علم الله أنه سيكون في تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة. وسيأتي عن ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من الصحابة والتابعين أقوال في حكمة قوله تعالى: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة؛ ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والإمامة تنال بالنص؛ كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر، أو بالإيماء إليه؛ كما يقول آخرون منهم، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده؛ كما فعل الصديق بعمر بن الخطاب، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك؛ كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته أو بمبايعة واحد منهم له، فيجب التزامها عند الجمهور، وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع، والله أعلم. أو بقهر واحد الناس على طاعته، فتجب؛ لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف. وقد نص عليه الشافعي. وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ فيه خلاف، فمنهم من قال: لا يشترط، وقيل: بلى، ويكفي شاهدان، وقال الجبائي: يجب أربعة، وعاقد، ومعقود له، كما ترك عمر رضي الله عنه الأمر شورى بين ستة، فوقع الأمر على عاقد، وهو عبد الرحمن بن عوف، ومعقود له، وهو عثمان، واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين، وفي هذا نظر، والله أعلم. ويجب أن يكون ذكراً حراً بالغاً عاقلاً مسلماً عدلاً مجتهداً بصيراً خبيراً، سليم الأعضاء، خبيراً بالحروب والآراء، قرشياً على الصحيح، ولا يشترط الهاشمي، ولا المعصوم من الخطأ؛ خلافاً للغلاة الروافض. ولو فسق الإمام، هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينعزل؛ لقوله عليه الصلاة السلام: «حديث : إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان»تفسير : وهل له أن يعزل نفسه؟ فيه خلاف، وقد عزل الحسن بن علي رضي الله عنه نفسه، وسلم الأمر إلى معاوية، لكن هذا لعذر، وقد مدح على ذلك، فأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر، فلا يجوز؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم، فاقتلوه، كائناً من كان»تفسير : وهذا قول الجمهور، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، منهم إمام الحرمين، وقالت الكرامية: يجوز اثنان فأكثر كما كان علي ومعاوية إمامين واجبي الطاعة، قالوا: وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر، جاز ذلك في الإمام؛ لأن النبوة أعلى رتبة بلا خلاف، وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار، واتسعت الأقاليم بينهما، وتردد إمام الحرمين في ذلك، قلت: وهذا يشبه حال الخلفاء: بني العباس بالعراق، والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب، ولنقرر هذا كله في موضع آخر من كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر يا محمد {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنّى جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } يخلفني في تنفيذ أحكامي فيها وهو آدم {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } بالمعاصي {وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء } يريقها بالقتل كما فعل بنو الجان وكانوا فيها فلما أفسدوا أرسل الله عليهم الملائكة فطردوهم إلى الجزائر والجبال {وَنَحْنُ نُسَبّحُ } متلبسين {بِحَمْدِكَ } أي: نقول سبحان الله وبحمده {ونقدس لك} ننزهك عما لايليق بك فاللام زائدة والجملة: حال أي: فنحن أحق بالاستخلاف. {قَالَ } تعالى {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من المصلحة في استخلاف آدم وأن ذريته فيهم المطيع والعاصي فيظهر العدل بينهم فقالوا: لن يخلق ربنا خلقاً أكرم عليه منا ولا أعلم لسبقنا له ورؤيتنا ما لم يره فخلق الله تعالى آدم من أديم الأرض أي: وجهها بأن قبض منها قبضة من جميع ألوانها وعجنت بالمياه المختلفة وسوَّاهُ ونفخ فيه الروح فصار حيواناً حساساً بعد أن كان جماداً.
الشوكاني
تفسير : {إِذْ} من الظروف الموضوعة للتوقيت، وهي للمستقبل، وإذا للماضي، وقد توضع إحداهما موضع الأخرى. وقال المبرّد: هي مع المستقبل للمضيّ، ومع الماضي للاستقبال. وقال أبو عبيدة: إنها هنا زائدة. وحكاه الزَّجَّاج وابن النحاس وقالا: هي ظرف زمان ليست مما يزاد، وهي هنا في موضع نصب بتقدير اذكر، أو بقالوا. وقيل: هو متعلق بـ {خلق لكم} [البقرة: 29]، وليس بظاهر، والملائكة: جمع ملَكَ بوزن فَعَل، قاله ابن كيسان. وقيل: جمع مَلأك بوزن مَفْعَل، قاله أبو عبيدة، من لأك: إذا أرسل، والألوكة: الرسالة. قال لبيد:شعر : وغُلامٍ أرسَلتْهُ أمهُ بَألوكَ فَبَذلنَا مَا سَأل تفسير : وقال عدي بن زيد:شعر : أبلغِ النُّعمانَ عَنِي مألكاً أنَّه قَدْ طَال حَبْسِي وَانتِظَاري تفسير : ويقال ألكني: أي: أرسلني. وقال النضر بن شميل: لا اشتقاق لملك عند العرب، والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع، ومثله الصلادمة، والصلادم: الخيل الشداد واحدها صلدم. وقيل: هي للمبالغة، كعلامة ونسَّابة و{جَاعِلٌ} هنا من جعل المتعدي إلى مفعولين. وذكر المطرزي أنه بمعنى خالق، وذلك يقتضي أنه متعدّ إلى مفعول واحد، والأرض هنا: هي هذه الغبراء، ولا يختص ذلك بمكان دون مكان، وقيل: إنها مكة. والخليفة هنا معناه: الخالف لمن كان قبله من الملائكة، ويجوز أن يكون بمعنى المخلوف، أي: يخلفه غيره قيل: هو آدم. وقيل: كل من له خلافة في الأرض، ويقوى الأوّل قوله: {خليفة} دون خلائف، واستغنى بآدم عن ذكر من بعده. قيل: خاطب الله الملائكة بهذا الخطاب؛ لا للمشورة، ولكن لاستخراج ما عندهم. وقيل: خاطبهم بذلك لأجل أن يصدر منهم ذلك السؤال، فيجابون بذلك الجواب، وقيل لأجل تعليم عباده مشروعية المشاورة لهم. وأما قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} فظاهره أنهم استنكروا استخلاف بني آدم في الأرض، لكونهم مظنة للإفساد في الأرض، وإنما قالوا هذه المقالة قبل أن يتقدم لهم معرفة ببني آدم، بل قبل وجود آدم، فضلاً عن ذريته، لعلم قد علموه من الله سبحانه بوجه من الوجوه، لأنهم لا يعلمون الغيب؛ قال بهذا جماعة من المفسرين. وقال بعض المفسرين: إن في الكلام حذفاً، والتقدير: إني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا وكذا، فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ويسفك الدماء} وقوله: {يُفْسِدُ } قائم مقام المفعول الثاني. والفساد ضدّ الصلاح. وسفك الدم: صبه، قاله ابن فارس، والجوهري، ولا يستعمل السفك إلا في الدم. وواحد الدماء: دم، وأصله دمى حذف لامه، وجملة: {ونحن نسبح بحمدك} حالية. والتسبيح في كلام العرب: التنزيه، والتبعيد من السوء على وجه التعظيم. قال الأعشى:شعر : أقُولُ َلمَّا جَاءني فَخْرُه سُبْحَان مَن عَلْقَمة الفَاخِرِ تفسير : و{بِحَمْدِكَ} في موضع الحال، أي: حامدين لك، وقد تقدم معنى الحمد. والتقديس: التطهير، أي: ونطهرك عما لا يليق بك مما نسبه إليك الملحدون، وافتراه الجاحدون. وذكر في الكشاف: "أن معنى التسبيح، والتقديس واحد، وهو: تبعيد الله من السوء، وأنهما من سبح في الأرض والماء، وقدّس في الأرض إذا ذهب فيها، وأبعد. وفي القاموس، وغيره من كتب اللغة ما يرشد إلى ما ذكرناه، والتأسيس خير من التأكيد خصوصاً في كلام الله سبحانه. ولما كان سؤالهم واقعاً على صفة تستلزم إثبات شيء من العلم لأنفسهم، أجاب الله سبحانه عليهم بقوله: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وفي هذا الإجمال ما يغني عن التفصيل؛ لأن من علم ما لا يعلم المخاطب له كان حقيقاً بأن يسلم له ما يصدر عنه، وعلى من لا يعلم أن يعترف لمن يعلم، بأن أفعاله صادرة على ما يوجبه العلم، وتقتضيه المصلحة الراجحة، والحكمة البالغة. ولم يذكر متعلق قوله: {تَعْلَمُونَ } ليفيد التعميم، ويذهب السامع عند ذلك كل مذهب، ويعترف بالعجز ويقر بالقصور. وقد أخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن ابن عباس، قال: إن الله أخرج آدم من الجنة قبل أن يخلقه، ثم قرأ: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِ خَلِيفَةً } وأخرج الحاكم وصححه عنه أيضاً نحوه وزاد. وقد كان فيها قبل أن يخلق بألفي عام الجن بنو الجان، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فلما أفسدوا في الأرض بعث الله عليهم جنوداً من الملائكة، فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فلما قال الله: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء } كما فعل أولئك الجان، فقال الله: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عمر مثله. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس أطول منه. وأخرج ابن جرير، وابن عساكر، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة قال: لما فرغ الله من خلق ما أحبّ استوى على العرش، فجعل إبليس على ملك سماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم: الجن، وإنما سموا الجنّ؛ لأنهم خزان الجنة وكان إبليس مع ملكه خازناً، فوقع في صدره كبر، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي. فاطلع الله على ذلك منه، فقال للملائكة {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأرْضِ خَلِيفَةً } قالوا: ربنا، وما يكون ذلك الخليفة؟ قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضاً، قالوا: ربنا {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء} قَالَ: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في الآية قال: قد علمت الملائكة، وعلم الله، أنه لا شيء أكره عند الله من سفك الدماء، والفساد في الأرض. وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس قال: إياكم والرأي، فإنَّ الله ردَّ الرأي على الملائكة، وذلك أن الله قال: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأرْضِ خَلِيفَةً } قالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } قال: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن عساكر، عن أبي سابط؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : دحيت الأرض من مكة وكانت الملائكة تطوف بالبيت فهي أول من طاف به، وهي الأرض التي قال الله: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلارْضِ خَلِيفَةً }»تفسير : قال ابن كثير: وهذا مرسل في سنده ضعف، وفيه مدرج، وهو: أن المراد بالأرض مكة، والظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك. انتهى. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة قال: التسبيح، والتقديس المذكور في الآية هو: الصلاة. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أوّل من لبى الملائكة تفسير : قال الله تعالى: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء } قال: فرادُّوه، فأعرض عنهم، فطافوا بالعرش ست سنين يقولون: لبيك لبيك اعتذاراً إليك، لبيك لبيك نستغفرك، ونتوب إليك". وثبت في الصحيح من حديث أبي ذرّ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أحبّ الكلام إلى الله ما اصطفاه لملائكته سبحان ربي، وبحمده»تفسير : . وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود، وناس من الصحابة في قوله {وَنُقَدّسُ لَكَ } قال: نصلي لك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: التقديس: التطهير. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله: {وَنُقَدّسُ لَكَ } قال: نعظمك ونكبرك. وأخرجا عن أبي صالح قال: نعظمك ونمجدك. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد في قوله: {أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } قال: علم من إبليس المعصية، وخلقه لها. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في تفسيرها قال: كان في علم الله أنه سيكون من الخليقة أنبياء، ورسل، وقوم صالحون، وساكنوا الجنة. وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمر: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن آدم لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أي ربّ {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء} الآية، قالوا ربنا نحن أطوع لك من بني آدم قال الله لملائكته: هلموا ملكين من الملائكة حتى يهبطا إلى الأرض فننظر كيف يعملان؟ فقالوا: ربنا هاروت وماروت، قال: فاهبطا إلى الأرض، فتمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر" تفسير : وذكر القصة. وقد ثبت في كتب الحديث المعتبرة أحاديث من طريق جماعة من الصحابة في صفة خلقه سبحانه لآدم وهي موجودة فلا نطوّل بذكرها.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً}، في قوله: {وَإِذْ} وجهان: أحدهما: أنه صلة زائدة، وتقدير الكلام: وقال ربك للملائكة، وهذا قول أبي عبيدة، واستشهد بقول الأسود بن يعفر: شعر : فَإِذَا وَذلِكَ لاَ مَهَاةَ لذِكْرِهِ وَالدَّهْرُ يَعْقُبُ صَالِحاً بِفَسَادِ تفسير : والوجه الثاني: أن "إذ" كلمة مقصورة، وليست بصلة زائدة، وفيها لأهل التأويل قولان: أحدهما: أن الله تعالى لما ذكَّر خلقه نِعَمَهُ عليهم بما خلقه لهم في الأرض، ذكّرهم نِعَمَهُ على أبيهم آدَمَ {إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}، وهذا قول المفضَّل. والثاني: أن الله تعالى ذكر ابتداء الخلق فكأنه قال: وابتدأ خلقكم {إذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}، وهذا من المحذوف الذي دَلَّ عليه الكلام، كما قال النمر بن تَوْلَبَ: شعر : فَإِنَّ الْمَنَّيةَ مَنْ يَخْشَهَا فَسَوفَ تُصَادِفُهُ أَيْنَمَا تفسير : يريد: أينما ذهب. فأما الملائكة فجمع مَلَكٍ، وهو مأخوذ من الرسالة، يقال: ألِكِني إليها أي أرسلني إليها، قال الهذلي: شعر : ألِكْنِي وَخَيْرُ الرَّسُو لِ أَعْلَمُهُمْ بنواحِي الخَبَرْ تفسير : والألوك الرِّسالة، قال لبيد بن ربيعة: شعر : وَغُلاَمٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ بأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَألْ تفسير : وإنما سميت الرسالة ألوكاً لأنها تُؤْلك في الفم، والفرس يألك اللجام ويعلكه، بمعنى يمضغ الحديد بفمه. والملائكة أفضل الحيوان وأعقل الخلق، إلا أنهم لا يأكلون، ولا يشربون، ولا ينكحون، ولا يتناسلون، وهم رسل الله، لا يعصونه في صغير ولا كبير، ولهم أجسام لطيفة لا يُرَوْنَ إلا إذا قوَّى الله أبصارنا على رؤيتهم. وقوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً} اختلف في معنى {جاعل} على وجهين: أحدهما: أنه بمعنى خالق. والثاني: بمعنى جاعل، لأن حقيقة الجَعْل فِعْلُ الشيء على صفةٍ، وحقيقة الإحداث إيجاد الشيء بعد العدم. و{الأرض} قيل: إنها مكة، وروى ابن سابط، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : دُحِيَت الأرضُ من مكةَ" تفسير : ولذلك سميت أم القرى، قال: وقبر نوح، وهود، وصالح، وشعيب بن زمزم، والركن، والمقام. وأما "الخليفة" فهو القائم مقام غيره، من قولهم: خَلَفَ فلانٌ فلاناً، والخَلَفُ بتحريك اللام من الصالحين، والخَلْفُ بتسكينها من الطالحين، وفي التنزيل: {أية : فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ} تفسير : [مريم: 59]، وفي الحديث: "حديث : ينقل هذا العِلْمَ من كل خَلَفٍ عُدُولُهُ". تفسير : وفي خلافة آدم وذريته ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه كان في الأرض الجِنُّ، فأفسدوا فيها، سفكوا الدماء، فأُهْلِكوا، فَجُعِل آدم وذريته بدلهم، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه أراد قوماً يَخْلُفُ بعضهم بعضاً من ولد آدم، الذين يخلفون أباهم آدم في إقامة الحق وعمارة الأرض، وهذا قول الحسن البصري. والثالث: أنه أراد: جاعل في الأرض خليفةً يخْلُفُني في الحكم بين خلقي، وهو آدم، ومن قام مقامه من ولده، وهذا قول ابن مسعود. قوله عز وجل: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مِنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}، وهذا جواب من الملائكة حين أخبرهم، أنه جاعل في الأرض خليفةً، واختلفوا في جوابهم هذا، هل هو على طريق الاستفهام أو على طريق الإيجاب؟ على وجهين: أحدهما: أنهم قالوه استفهماً واستخباراً حين قال لهم: إني جاعلٌ في الأرض خليفة، فقالوا: يا ربنا أَعْلِمْنَا، أجاعل أنت في الأرض من يُفْسِدُ فيها ويسفك الدماء؟ فأجابهم: إني أعلم ما لا تعلمون، ولم يخبرهم. والثاني: أنه إيجاب، وإن خرجت الألف مَخْرج الاستفهام، كما قال جرير: شعر : أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايا وَأَنْدَى الْعَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ تفسير : وعلى هذا الوجه في جوابهم بذلك قولان: أحدهما: أنهم قالوه ظناً وتوهُّماً، لأنهم رأوا الجن من قبلهم، قد أفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فتصوروا أنه إن استخلف استخلف في الأرض مَنْ يُفْسِدُ فيها ويَسْفِكُ الدماء. وفي جوابهم بهذا وجهان: أحدهما: أنهم قالوه استعظاماً لفعلهم، أي كيف يفسدون فيها، ويسفكون الدماء، وقد أنعمت عليهم واستخلفتهم فيها فقال: إني أعلم ما لا تعلمون. والثاني: أنهم قالوه تعجباً من استخلافه لهم أي كيف تستخلفهم في الأرض وقد علمت أنهم يفسدون فيها ويسفكون الدماء فقال: {إني أعلم ما لا تعلمون}. وقوله: {وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} السفك صب الدم خاصةً دون غَيْرِهِ من الماء والمائع، والسفح مثله، إلا أنه مستعمل في كل مائع على وجه التضييع، ولذلك قالوا في الزنى: إنه سفاح لتضييع مائه فيه. قوله عز وجل: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}. والتسبيح في كلامهم التنزيه من السوء على جهة التعظيم، ومنه قول أعشى بني ثعلبة: شعر : أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاجِرِ تفسير : أي براءةً من علقمة. ولا يجوز أن يسبَّحَ عَيْرُ اللهِ، وإن كان منزهاً، لأنه صار علَماً في الدين على أعلى مراتب التعظيم الَّتي لا يستحقها إلا اللهُ تعالى. وفي المراد بقولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} أربعة أقاويل: أحدها: معناه نصلي لك، وفي التنزيل: {أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ} تفسير : [الصافات: 143]، أي من المصلين، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود. والثاني: معناه نعظِّمك، وهذا قول مجاهد. والثالث: أنه التسبيح المعروف، وهذا قول المفضل، واستشهد بقول جرير: شعر : قَبَّحَ الإلهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّمَا سَبَّحَ الْحَجِيجُ وَكَبَّرُوا إهْلاَلاَ تفسير : وأما قوله: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} فأصل التقديس التطهير، ومنه قوله تعالى: {الأرْضَ الْمُقَدَّسَةَ} أي المطهَّرة، وقال الشاعر: شعر : فَأَدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بالسَّاقِ وَالنَّسَا كَمَا شَبْرَقَ الْوِلْدَانُ ثَوْبَ الْمُقَدَّسِ تفسير : أي المطهَّر. وفي المراد بقولهم: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} ثلاثةُ أقاويلَ: أحدها: أنه الصلاة. والثاني: تطهيره من الأدناس. والثالث: التقديس المعروف. وفي قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لاَ تَعْلَمُونَ} ثلاثةُ أقاويل: أحدها: أراد ما أضمره إبليس من الاستكبار والمعصية فيما أُمِرُوا به من السجود لآدم، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود. والثاني: مَنْ في ذرية آدم في الأنبياء والرُّسُلِ الذين يُصْلِحُونَ في الأرض ولا يفسدون، وهذا قول قتادة. والثالث: ما اختص بعلمه من تدبير المصالح.
ابن عطية
تفسير : قال معمر بن المثنى: "إذ زائدة، والتقدير وقال ربك". قال أبو إسحاق الزجاج: "هذا اجتراء من أبي عبيدة". قال القاضي أبو محمد: وكذلك رد عليه جميع المفسرين. وقال الجمهور: ليست بزائدة وإنما هي معلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال، وأيضاً فقوله: {خلق لكم ما في الأرض جميعاً} الآية، يقتضي أن يكون التقدير وابتداء خلقكم إذ قال ربك للملائكة، وإضافة رب إلى محمد صلى الله عليه وسلم ومخاطبته بالكاف تشريف منه له، وإظهار لاختصاصه به، والملائكة واحدها ملك أصله ملاك على وزن مفعل من لاك إذا أرسل، وجمعه ملائكة على وزن مفاعلة. وقال قوم: أصل ملك مألك، من ألك إذا أرسل، ومنه قول عدي بن زيد: [الرمل] شعر : أبلغ النعمان عني مألكاً أنه قد طال حبسي وانتظاري تفسير : واللغتان مسموعتان لأك وألك، قلبت فيه الهمزة بعد اللام فجاء وزنه معفل، وجمعه ملائكة، وزنه معافلة. وقال ابن كيسان: "هو من ملك يملك، والهمزة فيه زائدة كما زيدت في شمأل من شمل، فوزنه فعأل، ووزن جمعه فعائلة" وقد يأتي في الشعر على أصله كما قال: [الطويل] شعر : فلستِ لأنسيٍّ ولكنْ لمَلأكٍ تَنَزَّلَ مَن جَوِّ السماءِ يصُوبُ تفسير : وأما في الكلام فسهلت الهمزة وألقيت حركتها على اللام أو على العين في قول ابن كيسان فقيل ملك، والهاء في ملائكة لتأنيث الجموع غير حقيقي، وقيل هي للمبالغة كعلامة ونسابة، والأول أبين. وقال أبو عبيدة: "الهمزة في ملائكة مجتلبة لأن واحدها ملك". قال القاضي أبو محمد بن عبد الحق رضي الله عنه: فهذا الذي نحا إليه ابن كيسان. و {جاعل} في هذه الآية بمعنى خالق، ذكره الطبري عن أبي روق، ويقضي بذلك تعديها إلى مفعول واحد. وقال الحسن وقتادة: "جاعل بمعنى فاعل". وقال ابن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن الأرض هنا يعني بها مكة لأن الأرض دحيت من تحتها، ولأنها مقرٌّ من هلك قومه من الأنبياء، وإن قبر نوح وصالح بين المقام والركن ". تفسير : و {خليفة} معناه من يخلف. قال ابن عباس: "كانت الجن قبل بني آدم في الأرض فأفسدوا وسفكوا الدماء فبعث الله إليهم قبيلاً من الملائكة قتلهم وألحق فلَّهم بجزائر البحار ورؤوس الجبال، وجعل آدم وذريته خليفة". وقال الحسن: "إنما سمى الله بني آدم خليفة لأن كل قرن منهم يخلف الذي قبله، الجيل بعد الجيل". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: ففي هذا القول، يحتمل أن تكون بمعنى خالفة وبمعنى مخلوفة. وقال ابن مسعود: "إنما معناه خليفة مني في الحكم بين عبادي بالحق وبأوامري" يعني ذلك آدم عليه السلام ومن قام مقامه بعده من ذريته. وقرأ زيد بن علي "خليقة" بالقاف. وقوله تعالى: {قالوا أتجعل فيها} الآية، وقد علمنا قطعاً أن الملائكة لا تعلم الغيب ولا تسبق بالقول، وذلك عام في جميع الملائكة، لأن قوله: "لا يسبقونه بالقول" خرج على جهة المدح لهم. قال القاضي أبو بكر بن الطيب: "فهذه العموم، فلا يصح مع هذين الشرطين إلا أن يكون عندهم من إفساد الخليفة في الأرض نبأ ومقدمة". قال ابن زيد وغيره: إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون ويسفكون الدماء، فقالوا لذلك هذه المقالة. قال القاضي أبو محمد: فهذا إما على طريق التعجب من استخلاف الله من يعصيه، أو من عصيان من يستخلفه الله في أرضه وينعم عليه بذلك، وإما على طريق الاستعظام والإكبار للفصلين جميعاً، الاستخلاف، والعصيان. وقال أحمد بن يحيى ثعلب وغيره: إنما كانت الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء في الأرض فجاء قولهم {أتجعل فيها} الأية، على جهة الاستفهام المحض، هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا؟ وقال آخرون: كان الله تعالى قد أعلم الملائكة أنه يخلق في الأرض خلقاً يفسدون ويسفكون الدماء، فلما قال لهم بعد ذلك: {إني جاعل} {قالوا أتجعل فيها} الآية، على جهة الاسترشاد والاستعلام هل هذا الخليفة هو الذي كان أعلمهم به قبل أو غيره؟ والسفك صب الدم، هذا عرفه،، وقد يقال سفك كلامه في كذا إذا سرده. وقرأءة الجمهور بكسر الفاء. وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة: "ويسفكُ" بضم الفاء. وقرأ ابن هرمز "ويسفك" بالنصب بواو الصرف كأنه قال: من يجمع أن يفسد وأن يفسك. وقال المهدوي: هو نصب في جواب الاستفهام. قال القاضي أبو محمد والأول أحسن. وقولهم: {ونحن نسبح بحمدك} قال بعض المتأولين: هو على جهة الاستفهام، كأنهم أرادوا {ونحن نسبح بحمدك} الآية، أن نتغير عن هذه الحال. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحض في قولهم: {أتجعل}؟. وقال آخرون: معناه التمدح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم كما قال يوسف عليه السلام: {أية : إني حفيظ عليم} تفسير : [يوسف: 55]. قال القاضي أبو محمد: وهذا يحسن مع التعجب الاستعظام لأن يستخلف الله من يعصيه في قولهم {أتجعل} وعلى هذا أدبهم بقوله تعالى: {إني أعلم ما لا تعلمون}. وقال قوم: معنى الآية ونحن لو جعلتنا في الأرض واستخلفتنا نسبح بحمدك. وهذا أيضاً حسن مع التعجب والاستعظام في قولهم: {أتجعل}. ومعنى {نسبح بحمدك} ننزهك عما لا يليق بك وبصفاتك. وقال ابن عباس وابن مسعود: "تسبيح الملائكة صلاتهم لله". وقال قتادة: "تسبيح الملائكة قولهم سبحان الله على عرفه في اللغة". و {بحمدك} معناه: نخلط التسبيح بالحمد ونصله به، ويحتمل أن يكون قوله {بحمدك} اعتراضاً بين الكلامين، كأنهم قالوا ونحن نسبح ونقدس، ثم اعترضوا على جهة التسليم، أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك. {ونقدس لك} قال الضحاك وغيره: معناه نطهر أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك، والتقديس التطهير بلا خلاف، ومنه الأرض المقدسة أي المطهرة، ومنه بيت المقدس، ومنه القدس الذي يتطهر به. وقال آخرون: {ونقدس لك} معناه ونقدسك أي نعظمك ونطهر ذكرك عما لا يليق به. قاله مجاهد وأبو صالح وغيرهما. وقال قوم: نقدس لك معناه نصلي لك. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف. وقوله تعالى: {إني أعلم ما لا تعلمون} الأظهر أن {أعلم} فعل مستقبل، و {ما} في موضع نصب به، وقيل {أعلم} اسم، و {ما} في موضع خفض بالإضافة، ولا يصح الصرف فيه بإجماع من النحاة، وإنما الخلاف في أفعل إذا سمي به وكان نكرة، فسيبويه والخليل لا يصرفانه، والأخفش يصرفه. واختلف أهل التأويل في المراد بقوله تعالى: {ما لا تعلمون} فقال ابن عباس: "كان إبليس- لعنه الله- قد أعجب ودخله الكبر لما جعله الله خازن السماء الدنيا وشرفه". وقيل: بل لما بعثه الله إلى قتل الجن الذين كانوا أفسدوا في الأرض فهزمهم وقتلهم بجنده، قاله ابن عباس أيضاً، واعتقد أن ذلك لمزية له واستحقب الكفر والمعصية في جانب آدم عليه السلام. قال: فلما قالت الملائكة {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} وهي لا تعلم أن في نفس إبليس خلاف ذلك. قال الله لهم {إني أعلم ما لا تعلمون} يعني ما في نفس إبليس. وقال قتادة: لما قالت الملائكة {أتجعل فيها من يفسد فيها} وقد علم الله تعالى أن فيمن يستخلف في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة، قال لهم {إني أعلم ما لا تعلمون} يعني أفعال الفضلاء من بني آدم. وقوله تعالى: {وعلم} معناه عرف وتعليم آدم هنا عند قوم إلهام علمه ضرورة. وقال قوم: بل تعليم بقول، فإما بواسطة ملك، أو بتكليم قبل هبوطه الأرض، فلا يشارك موسى- عليه السلام- في خاصته. وقرأ اليماني: "وعُلِّم" بضم العين على بناء الفعل للمفعول، "آدمُ" مرفوعاً. قال أبو الفتح: "وهي قراءة يزيد البربري" و {آدم} أفعل مشتق من الأدمة وهي حمرة تميل إلى السواد، وجمعه أدم وأوادم كحمر وأحامر، ولا ينصرف بوجه، وقيل {آدم} وزنه فاعل مشتق من أديم الأرض، كأن الملك آدمها وجمعه آدمون وأوادم، ويلزم قائل المقالة صرفه. وقال الطبري: "آدم فعل رباعي سمي به"، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خلق الله آدم من أديم الأرض كلها فخرجت ذريته على نحو ذلك منهم الأبيض والأسود والأسمر والسهل والحزن والطيب والخبيث ". تفسير : واختلف المتأولون في قوله: {الأسماء} فقال جمهور الأمة: "علمه التسميات" وقال قوم: "عرض عليه الأشخاص". قال القاضي أبو محمد والأول أبين، ولفظة -علمه- تعطي ذلك. ثم اختلف الجمهور في أي الأسماء علمه؟ فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد: "علمه اسم كل شيء من جميع المخلوقات دقيقها وجليلها". وقال حميد الشامي: "علمه أسماء النجوم فقط". وقال الربيع بن خثيم: "علمه أسماء الملائكة فقط". وقال عبد الرحمن بن زيد: "علمه أسماء ذريته فقط". وقال الطبري: "علمه أسماء ذريته والملائكة"، واختار هذا ورجحه بقوله تعالى: {ثم عرضهم على الملائكة}. وحكى النقاش عن ابن عباس أنه تعالى علمه كلمة واحدة عرف منها جميع الأسماء. وقال آخرون: "علمه أسماء الأجناس، كالجبال والخيل والأودية ونحو ذلك، دون أن يعين ما سمته ذريته منها". وقال ابن قتيبة: "علمه أسماء ما خلق في الأرض". وقال قوم: علمه الأسماء بلغة واحدة، ثم وقع الاصطلاح من ذريته فيما سواها. وقال بعضهم: "بل علمه الأسماء بكل لغة تكلمت بها ذريته" وقد غلا قوم في هذا المعنى حتى حكى ابن جني عن أبي علي الفارسي أنه قال: "علم الله تعالى آدم كل شيء، حتى إنه كان يحسن من النحو مثل ما أحسن سيبويه"، ونحو هذا من القول الذي هو بين الخطأ من جهات. وقال أكثر العلماء: "علمه تعالى منافع كل شيء ولما يصلح". وقال قوم: "عرض عليه الأشخاص عند التعليم". وقال قوم: "بل وصفها له دون عرض أشخاص". قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذه كلها احتمالات، قال الناس بها. وقرا أبي بن كعب: "ثم عرضها". وقرأ ابن مسعود: "ثم عرضهن" واختلف المتأولون هل عرض على الملائكة أشخاص الأسماء أو الأسماء دون الأشخاص؟ فقال ابن مسعود وغيره: عرض الأشخاص. وقال ابن عباس وغيره: عرض الأسماء، فمن قال في الأسماء بعموم كل شيء قال عرضهم أمة أمة ونوعاً نوعاً، ومن قال في الأسماء إنها التسميات استقام على قراء ة أبيّ: "عرضها"، ونقول في قراءة من قرأ "عرضهم": إن لفظ الأسماء يدل على الأشخاص، فلذلك ساغ أن يقول للأسماء عرضهم. و {أنبئوني} معناه: أخبروني، والنبأ الخبر، ومنه النبيء. وقال قوم: يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليف ما لا يطاق، ويتقرر جوازه، لأنه تعالى علم أنهم لا يعملون. وقال المحققون من أهل التأويل: ليس هذا على جهة التكليف وإنما على جهة التقرير والتوقيف. وقوله تعالى: {هؤلاء} ظاهره حضور أشخاص، وذلك عند العرض على الملائكة. وليس في هذه الآية ما يوجب أن الاسم أريد به المسمى كما ذهب إليه مكي والمهدوي، فمن قال إنه تعالى عرض على الملائكة أشخاصاً استقام له مع لفظ {هؤلاء}، ومن قال إنه إنما عرض أسماء فقط جعل الإشارة بـ {هؤلاء} إلى أشخاص الأسماء وهي غائبة، إذ قد حضر ما هو منها بسبب، وذلك أسماؤها، وكأنه قال لهم في كل اسم لأي شخص هذا. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والذي يظهر أن الله تعالى علم آدم الأسماء وعرض مع ذلك عليه الأجناس أشخاصاً، ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها آدم، ثم إن آدم قال لهم هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، و {هؤلاء} لفظ مبني على الكسر والقصر فيه لغة تميم وبعض قيس وأسد، قال الأعشى: [الخفيف]. شعر : هؤلا ثم هؤلا كلا أعطيــ ــتَ نعالاً محذوة بنعال تفسير : و {كنتم} في موضع الجزم بالشرط، والجواب عند سيبويه فيما قبله، وعند المبرد محذوف، والتقدير: إن كنتم صادقين فأنبئوني. وقال ابن مسعود وابن عباس وناس من أصحاب النبي صلى عليه السلام، معنى الآية: {إن كنتم صادقين} في أن الخليفة يفسد ويسفك. وقال آخرون: {صادقين} في إني إن استخلفتكم سبحتم بحمدي وقدستم لي. وقال الحسن وقتادة: روي أن الملائكة قالت حين خلق الله آدم: ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقاً أعلم منا ولا أكرم عليه، فأراد الله تعالى أن يريهم من علم آدم وكرامته خلاف ما ظنوا فالمعنى إن كنتم صادقين في دعواكم العلم. وقال قوم: معنى الآية {إن كنتم صادقين} في جواب السؤال عالمين بالأسماء. {قالوا}: ولذلك لم يسغ للملائكة الاجتهاد وقالوا: {سبحانك} حكاه النقاش. قال: ولو لم يشترط عليهم الصدق في الإنباء لجاز لهم الاجتهاد كما جاز للذي أماته الله مائة عام حين قال له "كم لبثت؟" ولم يشترط عليه الإصابة. فقال، ولم يصب فلم يعنف. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا كله محتمل. وحكى الطبري أن بعض المفسرين قال: معنى {إن كنتم} "إذ كنتم". قال الطبري: وهذا خطأ. وإن قال قائل ما الحكمة في قول الله تعالى للملائكة {إني جاعل} الآية، قيل: هذا منه امتحان لهم واختبار ليقع منهم ما وقع ويؤدبهم تعالى من تعليم آدم وتكريمه بما أدب. و {سبحانك} معناه: تنزيهاً لك وتبرئة أن يعلم أحد من علمك إلا ما علمته، و {سبحانك} نصب على المصدر. وقال الكسائي: "نصبه على أنه منادى مضاف". قال الزهراوي: موضع {ما} من قولهم {ما علمتنا} نصب بـ {علمتنا}، وخبر التبرئة في {لنا}، ويحتمل أن يكون موضع {ما} رفعاً على أنه بدل من خبر التبرئة، كما تقول لا إله إلا الله أي لا إله في الوجود إلا الله، و {أنت} في موضع نصب تأكيد للضمير في {إنك}، أو في موضع رفع على الابتداء. و {العليم} خبره، والجملة خبر "إن"، أو فاصلة لا موضع لها من الإعراب. و {العليم} معناه: العالم، ويزيد عليه معنى من المبالغة والتكثير من المعلومات في حق الله عز وجل. و {الحكيم} معناه الحاكم، وبينهما مزية المبالغة، وقيل: معناه المحكم كما قال عمرو بن معديكرب: [الوافر]. شعر : أمن ريحانة الداعي السميع تفسير : أي المسمع، ويجيء {الحكيم} على هذا من صفات الفعل. وقال قوم: {الحكيم} المانع من الفساد، ومنه حكمة الفرس مانعته، ومنه قول جرير: [الكامل]. شعر : أبني حنيفةَ أحكمُوا سفهاءكُمْ إني أخافُ عليكمُ أن أغضبا
ابن عبد السلام
تفسير : {وَإِذْ قَالَ} "إذ" صلة، أو أصلية مقصودة، لما ذكر نعمه لخلقه بما خلق لهم في الأرض ذكَّرهم نعمه على أبيهم آدم صلى الله عليه وسلم أو أنه ذكر ابتداء الخلق كأنه قال وابتدأ خلقكم إذ قال ربك. {لِلْملآئِكَةِ} الملك مأخوذ من ألك يألك إذا أرسل [والألوك: الرسالة] سميت بذلك، لأنها تولك في الفم، يقال: الفرس يألك اللجام ويعلكه، ألكنى إليها: أرسلني إليها، والملك: أفضل الحيوان، وأعقل الخلق، لا يأكل، ولا يشرب ولا ينكح، ولا ينسل، وهو رسول لا يعصي الله ـ تعالى ـ في قليل ولا كثير، له جسم لطيف لا يرى إلا إذا قوّى الله ـ تعالى ـ أبصارنا. {جَاعِلٌ} خالق، أو فاعل. {فِى الأَرْضِ} قيل إنها مكة. {خَلِيفَةً} الخليفة من قام مقام غيره، خليفة: يخلفني في الحكم بين الخلق، هو آدم صلى الله عليه وسلم ومن قام مقامه من ذريته، أو بنو آدم يخلفون آدم، ويخلف بعضهم بعضاً في العمل بالحق، وعمارة الأرض، أو آدم وذريته خلفاء من الذين كانوا فيها فأفسدوا، وسفكوا الدماء. {أَتَجْعَلُ} استفهام لم يجبهم عنه، أو إيجاب قالوه ظناً لما رأوا الجن قد أفسدوا في الأرض ألحقوا الإنس بهم في ذلك، أو قالوه عن إخبار الله تعالى لهم بذلك، فذكروا ذلك استعظاماً لفعلهم مع أنعامه عليهم، أو قالوه تعجباً من استخلافه لهم مع إفسادهم. {وَيَسْفِكُ} السفك: صب الدم خاصة، والسفح: مثله إلا أنه يستعمل في كل مائع على وجه التضييع ولذلك قيل للزنا سفاح. {نُسَبِّحُ} التسبيح: التنزيه من السوء على وجه التعظيم، فلا يُسبَّح غير الله ـ تعالى ـ، لأنه قد صار مستعملاً في أعلى مراتب التعظيم التي لا يستحقها سواه، نسبح لك نصلي لك، أو نعظمك، أو التسبيح المعروف، أو هو رفع الصوت بالذكر. {وَنُقَدِّسُ لَكَ} التقديس: التطهير، الأرض المقدسة: المطهرة. نقدس: نصلي لك، أو نطهرك من الأدناس، أو التقديس المعروف. {مَا لا تَعْلَمُونَ} ما أضمره إبليس من المعصية، أو من ذرية آدم صلى الله عليه وسلم من الأنبياء المصلحين، أو ما اختص بعلمه من تدبير المصالح.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وإذ قال ربك} أي واذكر يا محمد إذ قال ربك وكل ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله، وقيل إذ زائدة والأول أوجه {للملائكة} جمع ملك وأصله مألك من المألكة والألوكة وهي لفظ البغوي وهي الرسالة وأراد بالملائكة الذين كانوا في الأرض وذلك أن الله تعالى خلق الأرض والسماء وخلق الملائكة والجن فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن الأرض، فعبدوا دهراً طويلاً، ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فأفسدوا وقتلوا، فبعث الله إليهم جناً من الملائكة يقال لهم الجان ورأسهم إبليس وهم خزان الجنان فهبطوا إلى الأرض وطردوا الجن إلى جزائر البحور وشعوب الجبال وسكنوا هم الأرض وخفف الله عنهم العبادة وأعطى الله إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة، وكان رئيسهم ومرشدهم وأكثرهم علماً فكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب وقال في نفسه: ما أعطاني الله هذا الملك إلاّ لأني أكرم الملائكة عليه فقال له ولجنده {إني جاعل في الأرض خليفة} أي إني خالق خليفة يعني بدلاً منكم ورافعكم إليّ فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة والمراد بالخليفة هنا آدم عليه الصلاة والسلام لأنه خلف الجن وجاء بعدهم. وقيل لأنه يخلفه غيره والصحيح إنه إنما سمي خليفة لأنه خليفة الله في أرضه لإقامة حدوده وتنفيذ قضاياه {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} أي بالمعاصي {ويسفك الدماء} أي بغير حق كما فعل الجن. فإن قلت من أين عرفوا ذلك حتى قالوا هذا القول؟ قلت يحتمل أن يكونوا عرفوا ذلك بإخبار الله إياهم أو قاسوا الشاهد على الغائب، وقيل إنهم لما رأوا أن آدم خلق من أخلاط مركبة علموا أنه يكون فيه الحقد والغضب ومنهما يتولد الفساد وسفك الدماء فلهذا قالوا ذلك. وقيل لما خلق الله تعالى النار خافت الملائكة، وقالوا لمن خلقت هذه النار؟ قال لمن عصاني فلما قال إني جاعل في الأرض خليفة قالوا هو ذلك. فإن قلت الملائكة معصومون فكيف وقع منهم هذا الاعتراض. قلت ذهب بعضهم إلى أنهم غير معصومين واستدل على ذلك بوجوه منها قوله {أتجعل فيها من يفسد فيها} ومن ذهب إلى عصمتهم أجاب عنه بأن هذا السؤال إنما وقع على سبيل التعجب لا على سبيل الإنكار والاعتراض فإنهم تعجبوا من كمال حكم الله تعالى وإحاطة علمه بما خفي عليهم، ولهذا أجابهم بقوله {إني أعلم ما لا تعلمون} وقيل: إن العبد المخلص في حب سيده يكره أن يكون له عبد آخر يعصيه فكان سؤالهم على وجه المبالغة في إعظام الله عز وجل: {ونحن نسبح بحمدك} أي نقول: سبحان الله وبحمده وهي صلاة الخلق وعليها يرزقون (م) عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الكلام أفضل قال "حديث : ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده"تفسير : قال ابن عباس رضي الله عنهما كل ما جاء في القرآن من التسبيح فالمراد منه الصلاة فيكون المعنى ونحن نصلي لك. وقيل أصل التسبيح تنزيه الله عما لا يليق بجلاله فيكون المعنى، ونحن ننزهك عن كل سوء ونقيصة. ومعنى بحمدك حامدين لك أو ملتبسين بحمدك، فإنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك {ونقدس لك} أصل التقديس التطهير أن نطهرك عن النقائص وكل سوء ونصفك بما يليق بعزك وجلالك من العلو والعظمة واللام صلة وقيل معناه نطهر أنفسنا لطاعتك وعبادتك {قال إني أعلم ما لا تعلمون} قيل إنه جواب لقول الملائكة {أتجعل فيها} فقال تعالى: {أعلم} من وجوه المصلحة والحكمة ما لا تعلمون. وقيل أعلم أن فيهم من يعبدني ويطيعني وهم الأنبياء والأولياء والصالحون، ومن يعصيني منكم وهو إبليس، وقيل أعلم أنهم يذنبون ويستغفرون فاغفر لهم. فصل: في ماهية الملائكة وقصة خلق آدم عليه السلام قيل إن الملائكة أجسام لطيفة هوائية خلقت من النور تقدر أن تتشكل بأشكال مختلفة، مسكنهم السموات عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلاّ وملك واضع جبهته لله ساجداً" تفسير : أخرجه الترمذي بزيادة، وقال حديث حسن غريب. وأما صفة خلق آدم عليه السلام فقال وهب بن منبه: لما أراد الله تعالى أن يخلق آدم أوحى ألى الأرض أني خالق منك خليقة منهم من يطيعني ومنهم من يعصيني فمن أطاعني أدخلته الجنة، ومن عصاني أدخلته النار. قالت الأرض أتخلق مني خلقاً يكون للنار قال نعم. فبكت الأرض فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة، فبعث الله إليها جبريل ليأتيه بقبضة منها من أحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، فلما أتاها ليقبض منها قالت: أعوذ بعزة الله الذي أرسلك إليّ أن لا تأخذ مني شيئاً فرجع جبريل إلى مكانه وقال: يا رب استعاذت بك مني فكرهت أن أقدم عليها فقال الله تعالى لميكائيل: انطلق فأتني منها فلما أتاها ليقبض منها قالت له ما قالت لجبريل، فرجع إلى ربه فقال ما قالت له، فقال لعزرائيل انطلق فأتني بقبضة من الأرض فلما أتاها قالت له الأرض، أعوذ بعزة الله الذي أرسلك أن لا تأخذ مني شيئاً، فقال: وأنا أعوذ بعزته أن أعصي له أمراً. وقبض منها قبضة من جميع بقاعها من عذبها ومالحها وحلوها ومرها وطيبها وخبيثها، وصعد بها إلى السماء فسأله ربه عز وجل وهو أعلم بما صنع فاخبره بما قالت له الأرض وبما رد عليها فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي لأخلقن مما جئت به خلقاً ولأسلطنك على قبض أرواحهم لقلة رحمتك. ثم جعل الله تلك القبضة نصفها في الجنة ونصفها في النار ثم تركها ما شاء الله ثم أخرجها فعجنها طيناً لازباً مدة ثم حمأ مسنوناً مدة ثم صلصالاً ثم جعلها جسداً وألقاه على باب الجنة فكانت الملائكة يعجبون من صفة صورته لأنهم لم يكونوا رأوا مثله، وكان إبليس يمر عليه ويقول لأمر ما خلق هذا ونظر إليه فإذا هو أجوف فقال هذا خلق لا يتمالك، وقال يوماً للملائكة إن فضل هذا عليكم ما تصنعون؟ فقالوا نطيع ربنا ولا نعصيه فقال إبليس في نفسه لئن فضل علي لأعصينه ولئن فضلت عليه لأهلكنه فلما أراد الله تعالى أن ينفخ فيه الروح أمرها أن تدخل في جسد آدم فنظرت فرأت مدخلاً ضيقاً فقالت يا رب كيف أدخل هذا الجسد؟ قال الله عز وجل لها ادخليه كرهاً وستخرجين منه كرهاً فدخلت في يافوخه فوصلت إلى عينيه فجعل ينظر إلى سائر جسده طيناً فصارت إلى أن وصلت منخزيه فعطس فلما بلغت لسانه قال: الحمد لله رب العالمين وهي أول كلمة قالها فناداه الله تعالى رحمك ربك يا أبا محمد ولهذا خلقتك. ولما بلغت الروح إلى الركبتين همّ ليقوم فلم يقدر، قال الله تعالى: {أية : خلق الإنسان من عجل} تفسير : [الأنبياء: 37] فلما بلغت إلى الساقين والقدمين استوى قائماً بشراً سوياً لحماً ودماً وعظاماً وعروقاً وعصباً وأحشاء وكسي لباساً من ظفر يزداد جسده جمالاً وحسناً كل يوم، وجعل في جسده تسعة أبواب سبعة في رأسه وهي الأذنان يسمع بهما والعينان يبصر بهما والمنخران يشم بهما والفم فيه اللسان يتكلم به والأسنان يطحن بها ما يأكله ويجد لذة المطعومات بها وبابين في أسفل جسده وهما القبل والدبر يخرج منهما ثفل طعامه وشرابه وجعل عقله في دماغه وفكره وصرامته في قلبه وشرهه في كليته وغضبه في كبده ورغبته في رئته وضحكه في طحاله وفرجه وحزنه في وجهه فسبحان من جعله يسمع بعظم ويبصر بشحم وينطق بلحم ويعرف بدم وركب فيه الشهوة وحجزه بالحياء (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خلق الله تعالى آدم عليه السلام وطوله ستون ذراعاً ثم قال اذهب فسلم على أولئك نفر من الملائكة فاستمع ما يحيونك به فإنها تحيتك وتحية ذريتك فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزاده ورحمة فكل من يدخل الجنة على صورة آدم. قال: فلم يزل الخلق ينقص حتى الأن (م) عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لما صور الله آدم تركه ما شاء الله أن يتركه، فجعل إبليس يطوف به ينظر ما هو فلما رآه أجوف عرف أنه لا يتمالكتفسير : . عن أبي موسى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الله تبارك تعالى خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب"تفسير : . أخرجه الترمذي وأبو داود. قوله عز وجل: {وعلم آدم الأسماء كلها} سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض. وقيل لأنه كان آدم اللون وكنيته أبو محمد، وقيل: أبو البشر ولما خلق الله آدم وتم خلقه علمه أسماء الأشياء كلها، وذلك أن الملائكة قالوا ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقاً أكرم علم منا وإن كان فنحن أعلم منه لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره، فأظهر الله فضل آدم عليهم بالعلم. وفيه دليل لمذهب أهل السنة أن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلاً، قال ابن عباس: علمه آدم اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة، وقيل: خلق الله كل شيء من الحيوان والجماد وغير ذلك، وعلم آدم اسماءها كلها فقال يا آدم هذا بعير وهذا فرس وهذه شاة حتى أتى على آخرها. وقل علم آدم أسماء الملائكة وقيل أسماء ذريته وقيل علمه اللغات كلها {ثم عرضهم} يعني تلك الأشخاص، وإنما قال عرضهم ولم يقل عرضها لأن المسميات إذا جمعت من يعقل ومن لا يعقل عبر عنه بلفظ من يعقل لتغليب العقلاء عليهم كما يعبر عن الذكور والإناث بلفظ الذكور {على الملائكة فقال} يعني تعجيزاً لهم {أنبئوني} أي أخبروني {بأسماء هؤلاء} يعني تلك الأشخاص {إن كنتم صادقين} أي إني لم أخلق خلقاً إلاّ كنتم أفضل منه وأعلم {قالوا} يعني الملائكة {سبحانك} تنزيهاً لك وذلك لما ظهر عجزهم {لا علم لنا إلاّ ما علمتنا} أي إنك أجل من نحيط بشيء من علمك إلاّ ما علمتنا {إنك أنت العليم} أي بخلقك وهو من أسماء الصفات التامة وهو المحيط بكل المعلومات {الحكيم} أي في أمرك، وله معنيان أحدهما أنه القاضي العدل والثاني المحكم للأمر كيلا يتطرق إليه الفساد.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ...} قال ابن عرفة: ({وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ} هذه لنا فيها وجه مناسبة لما قبلها) هو أنه لما قدم الامتنان عليهم بخلقهم وجعل الأرض لهم فراشا عقبه ببيان السبب فيهم وفي خلق أهلهم وهو آدم (صلى الله عليه وسلم). وقرر الطيبي وجه المناسبة بأمرين إما أنه ترّق فمن عليهم بأمرين خلقهم ثم خلق أباهم آدم عليه السلام. ورده ابن عرفة بأنّه داخل في عموم قوله {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : قال: فما المناسبة إلا ما (قلناه). قال أبو حيان: والظرفية لازمة لإِذْ، إن يضاف إليها زمان نحو يَوْمَئِذٍ،و {أية : بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } تفسير : قال ابن عرفة: بل هو ظرف مطلقا إذ لا يمتنع إضافة الزمان وتكون من إضافة الأعم إلى الأخص أو الأخص إلى الأعم أو يكون بينهما عموم وخصوص من وجه دون وجه كقولك: جئتك في أول ساعة من يوم الجمعة فأول أخص من ساعة. وذكر أبو حيّان في إعراب "إِذْ" ثمانية أقوال، رابعها أنه ظرف في موضع خبر المبتدأ (تقديره) ابتدأ خلقكم إِذْ قَالَ رَبُّكَ. (ورده) ابن عرفة بأن زمن الابتداء ليس هو زمن هذه المقالة بل بعدها قال: فيكون الصواب أنّ تقديره (سبب) ابتداء خلقكم. قال: والأصح أن العامل فيها {قَالُواْ أَتَجْعَلُ}. قال ابن عرفة: يرد عليه أن قولهم ذلك إنما كان جوابا عن قوله تعالى {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} فليس مقارنا له بل هو بعده بلا شك إلا أن يقال: إن ما قارب الشيء (له) حكمه وهذا مع قطع النظر عن الكلام القديم الأزلي لأنه يستحيل عليه الزمان ويستحيل نسبة (التقدم) والتأخر إليه. قال ابن عطية: قال ابن عباس رضي الله عنهما: كانت الجن قبل بني آدم (في الأرض) فأفسدوا، وسفكوا الدّماء، فبعث الله إليهم قبيلا من الملائكة، فقتلت بعضهم وهربت باقيهم، وحصروهم إلى البحار، ورؤوس الجبال، وجعل آدم وذريته خليفة. قال ابن عرفة: هذا يدل على أن الجنّ أجسام كبني آدم لأجل القتل والمبالغة فيه. قيل لابن عرفة: كيف يفهم هذا مع قوله تعالى {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : إنّ اللاّم في "لَكُم" تقتضي اختصاصه بنا؟ فقال: لعل اللاّم هنا ليست للاختصاص ولو سلمنا أنها للاختصاص يكون ما في الأرض لهم، (ويلزم منه) كونه قاصرا عليهم فهو خلق لهم ولا ينافي أن يكون (خلقا) لغيرهم. قال ابن عرفة: وظاهره أنه (قيل) لهم ذلك مباشرة (ونص المحدثون) على أن الراوي إذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه من قبيل المسند لكنه عندهم يحتمل السّماع مباشرة أو بواسطة (لكن الصحابي) إنما يروى عن صحابي فلذلك عدوّه من المسند، وفي هذه زيادة اللام (في) للمقول له كقولك: قال لي فلان: كذا. فهو أصرح في الدلالة على المباشرة من (الأول). قوله تعالى: {خَلِيفَةً...} قال الحسن: سماه خليفة لأن كل قرن وجيل يخلفه الجيل الذي قبله والأول مخلوف وما بعده خالف. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: معناه خليفة في الحكم بين عبادي بالحق (وبأوامري) يعنى آدم ومن قام مقامه من ذريته. قال ابن عرفة: إنما يتناول هذا الأنبياء فقط لأنهم هم الَّذين (يتلقون) الذكر مع الملائكة وغيرهم لا يرى الملائكة بوجه. قوله تعالى: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا...} فسره ابن عطية بوجوه. قال ابن عرفة: أظهرها أن الملائكة طلبوا أن يكون الخليفة منهم، فأثنوا على أنفسهم وذموا غيرهم. قوله تعالى: {وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ...} هذا (العطف) كما هو في قوله تعالى {أية : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ} تفسير : فجعله بعض الأصوليين من عطف الخاص على العام/، وجعله بعض المتأخرين من عطف (المقيد على المطلق)، وهو المعبر عنه بعطف الأخص على الأعم. قال: لأن "فاكهة" نكرة في سياق الثبوت فلا تعم، وكذلك الفعل هنا موجب فهو مطلق. قيل لابن عرفة: أخذ بعضهم من هذه الآية أنه يجوز للإنسان أن يتحدث بما هو يفعل من أفعال الخير والطاعة، كما قال يوسف عليه السلام {أية : ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ }؟ تفسير : فقال ابن عرفة: ليس في هذه الآية دليل لأن الله تعالى عالم بكل شيء، فما أخبروه إلا بما هو عالم به، أو تقول إنما معنى الآية أتجعل فيها من يفسد فيها ونحن إذ ذاك (نسبح) بحمدك ونقدس لك، ولا يمنعنا إفساده من ذلك لأن الملائكة معصومون فيكون استفهاما (عن) بقاء تسبيحهم (معه). واختلفوا في كيفية عصمة الملائكة فقيل: إنهم لا يستطيعون فعل الشر بوجه، وهو قول من فضّلهم على جميع بني آدم. وقيل: إنهم متمكنون من فعل الشر، وعصموا منه وهو الصحيح. قيل لابن عرفة: الجواب {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} غير مطابق (للسؤال) لهذا التفسير. قال: (سألوا عن جزأين): وهما هل يكون الخليفة مفسدا؟ وهل يكونون إذ ذاك هم يسبحون؟ فأجيبوا عن الجزء الأول فقط.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {خليفة} وأشباهها بالإمالة عند الوقف: أبو عمرو وحمزة وعلي والأعشى والبرجمي إلا أن يكون قبلها من الحروف الموانع السبع وهي: الصاد والضاد والطاء والظاء والغين والخاء والقاف نحو: خاصة، وفريضة، وحطة، وغلظة، وصبغة، وصاخة، وشقة. وأما العين والحاء والراء فعلى الاختلاف عند أهل المدينة، فأشدهم إمالة حمزة وعلي، فأما أبو عمرو والأعشى والبرجمي فإنهم يميلون بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب {إني أعلم} بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو. الوقوف: {خليفة} (ط) بناء على أن عامل "إذ" محذوف أي اذكر. ومن جعل {قالوا} عامل "إذ" وصل. {الدماء} (ج) لأن انتهاء الاستفهام على قوله {ويسفك الدماء} يقتضي الفصل، واحتمال الواو لمعنى الحال في قوله {ونحن نسبح بحمدك} يقتضي الوصل {ونقدس لك} (ط) {ما لا تعلمون} (ه). التفسير: هذا ابتداء الإخبار عن كيفية خلق آدم عليه السلام وعن كيفية تعظيمه إياه، فينخرط في سلك ما تقدمه من النعم، فإن النعمة على الآباء نعمة على الأبناء، وإذ ههنا مجرد لمعنى الظرفية أي أذكر وقت قول ربك كقوله {أية : واذكر أخا عاد إذ أنذر}تفسير : [الأحقاف: 21] أي وقت إنذاره على أنه بدل من أخا عاد لأن الذكر في ذلك الوقت ممتنع. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل واحد من بني آدم، ويجوز أن ينتصب بـ {قالوا} فيكون للمجازاة. والملائكة جمع ملأك وأصله مألك بتقديم الهمزة من الألوكة هي الرسالة، ثم قلبت وقدمت اللام فقيل: ملأك، وجمع على فعائل مثل شمأل وشمائل، ثم تركت همزة المفرد لكثرة الاستعمال وألقيت حركتها على اللام. وإلحاق التاء لتأنيث الجمع نحو حجارة وقد لا تلحق. واعلم أن الملك قبل النبي صلى الله عليه وسلم بالشرف والعلية وإن كان بعده في عقولنا وأذهاننا، وقد جعله الله واسطة بينه وبين رسله في تبليغ الوحي والشريعة. وقدم ذكر الإيمان بالملائكة على ذكر الإيمان بالأنبياء {أية : والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} تفسير : [البقرة: 285] ولا خلاف بين العقلاء في أن شرف العالم العلوي بالملائكة كما أن شرف العالم السفلي بوجود الأنبياء فيه. وللناس في حقيقة الملائكة مذاهب: منهم من زعم أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السموات وهو قول أكثر المسلمين، ومنهم عبدة الأوثان القائلون إن الملائكة هي هذه الكواكب الموصوفة بالإسعاد والإنحاس وأنها أحياء ناطقة، فالمسعدات ملائكة الرحمة والمنحسات ملائكة العذاب. ومنهم معظم المجوس والثنوية القائلون بالنور والظلمة وإنهما عندهم جوهران حساسان مختاران قادران، متضادا النفس والصورة، مختلفا الفعل والتدبير. فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس يسر ولا يضر وينفع ولا يمنع ويحيى ولا يبلى، وجوهر الظلمة ضد ذلك، فالنور يولد الأولياء وهم الملائكة لا على سبيل التناكح بل كتولد الحكمة من الحكيم والضوء من المضيء، وجوهر الظلمة يولد الأعداء وهم الشياطين كتولد السفه من السفيه. ومنهم القائلون بأنها جواهر غير متحيزة، ثم اختلفوا فقال بعضهم وهم طوائف من النصارى - إنها هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها، فإن كانت صافية خيرة فالملائكة، وإن كانت خبيثة كثيفة فالشياطين. وقال آخرون - وهم الفلاسفة - إنها مخالفة لنوع النفوس الناطقة البشرية، وإنها أكمل قوة وأكثر علماً، ونسبتها إلى النفوس البشرية كنسبة الشمس إلى الأضواء، فمنها نفوس ناطقة فلكية، ومنها عقول مجردة ومنهم من أثبت أنواعاً أخر من الملائكة وهي الأرضية المدبرة لأحوال العالم السفلي، خيرها الملائكة وشريرها الشياطين ولكل من الفرق دلائل على ما ذهب إليه يطول ذكرها ههنا. وقد يستدل عليها أصحاب المجاهدات من جهة المكاشفة وأصحاب الحاجات والضرورات من جهة مشاهدة الآثار العجيبة والهداية إلى المعالجات النادرة الغريبة وتركيب المعجونات واستخراج صنعة الترياقات، كما يحكى أنه كان لجالينوس وجع في الكبد فرأى في المنام كأن امرأ يأمره أن يفصد الشريان الذي على ظهر كفه اليمنى بين السبابة والإبهام ففعل فعوفي، ومما يدل على ذلك حال الرؤيا الصادقة. ولا نزاع ألبتة بين الأنبياء عليهم السلام في إثبات الملائكة وذلك كالأمر المجمع عليه بينهم، وأما شرح كثرتهم فقد قال صلى الله عليه وسلم "حديث : أطّت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع" تفسير : وروي "إن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء عشر حيوانات البحر وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية، وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة، ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السموات والأرض وما فيها، فإنها كلها تكون شيئاً يسيراً وقدراً قليلاً، وما مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ولا يعرف عددهم إلا الله، ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل صلى الله عليه وسلم والملائكة الذين هم جنود جبريل وهم كلهم سامعون مطيعون لا يستكبرون عن عبادته ولا يسأمون" وأما أصنافهم فمنهم حملة العرش {أية : ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية} تفسير : [الحاقة: 17] ومنهم أكابر الملائكة جبرائيل صاحب الوحي والعلم، وميكائيل صاحب الرزق والغذاء، وإسرافيل صاحب الصور، وعزرائيل ملك الموت، ومنهم ملائكة الجنة {أية : والملائكة يدخلون عليهم من كل باب}تفسير : [الرعد: 23] ومنهم ملائكة النار {أية : عليها تسعة عشر} تفسير : [المدثر: 30] ومنهم لموكلون ببني آدم عن اليمين وعن الشمال قعيد. ومنهم الموكلون بأحوال هذا العالم {أية : والصافات صفا}تفسير : [الصافات: 1] وأما أوصافهم فكما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان، ومنهم أمناء على وحيه وألسنة إلى رسله ومختلفون بقضائه وأمره. منهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه، ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار ركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونه أبصارهم، متلفعون بأجنحتهم، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة، لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر. ثم إنه روى الضحاك عن ابن عباس أنه سبحانه إنما قال هذا القول للملائكة الذين كانوا محاربين مع إبليس، لأن الله تعالى لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضاً، بعث الله إبليس في جند من الملائكة فأخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائر البحر، فقال تعالى لهم {إني جاعل في الأرض خليفة} وقال الأكثرون من الصحابة والتابعين: إنه تعالى قال ذلك لجماعة الملائكة من غير تخصيص، لأن لفظ الملائكة يفيد العموم والتخصيص خلاف الأصل. و {جاعل} من جعل الذي له مفعولان، معناه مصير في الأرض خليفة، وإنما لم يقل إني خالق كما قال {إني خالق بشراً من طين} لأنه باعتبار الخلافة من عالم الأمر لا من عالم الخلق. والظاهر أن الأرض يراد بها ما بين الخافقين، وقد يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأرض ههنا أرض مكة التي دحيت الأرض من تحتها. والخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه، والخليفة اسم يصلح للواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وجمعه خلائف مثل: كريمة وكرائم. وجاء خلفاء لأنهم جمعوه على إسقاط الهاء مثل: ظريف وظرفاء. والمراد به آدم صلى الله عليه وسلم إما لأنه صار خليفة لأولئك الجن الذين تقدموه، ويروى ذلك عن ابن عباس، وإما لأنه يخلف الله في الحكم بين خلقه كقوله {أية : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق}تفسير : [ص: 26] وهو المروي عن ابن مسعود والسدي. وعن الحسن، أن المراد بالخليفة أبناء آدم لأنه يخلف بعضهم بعضاً ويؤيده قوله {أية : هو الذي جعلكم خلائف في الأرض}تفسير : [فاطر: 39] وإنما وحد بتأويل من يخلف أو خلفاً يخلف، وبالحقيقة الإنسان يخلف جميع المكونات من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والأرضيات، ولا يخلفه شيء منها إذ لم يجتمع في شيء منها ما اجتمع فيه. وليس للعالم مصباح يضيء بنار نور الله فيظهر أنوار صفاته خلافة عنه إلا مصباح الإنسان، لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب، والزجاجة في مشكاة الجسد، وفي زجاجة القلب زيت الروح {أية : يكاد زيتها يضيء}تفسير : [النور: 35] من صفاء العقل ولو لم تمسسه نار النور، وفي مصباح السر فتيلة الخفاء، فإذا استنار مصباحه بنار نور الله كان خليفة الله في أرضه، فيظهر أنوار صفاته في هذا العالم بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة واللطف والقهر، ولا تظهر هذه الصفات لا على الحيوان ولا على الملك فاعلم. والفائدة في إخبار الملائكة بذلك، إما تعليم العباد المشاورة في أمورهم وإن كان هو بحكمته البالغة غنياً عن ذلك، وإما ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا. واعلم أن الجمهور من علماء الدين على أن الملائكة كلهم معصومون عن جميع الذنوب لقوله تعالى {أية : يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} تفسير : [النحل: 50] فلا شيء من المأمورات بل ومن المنهيات - لأن المنهي مأمور بتركه - إلا ويدخل فيه بدليل صحة الاستثناء وأيضاً لقوله {أية : بل عباد مكرمون. لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون} تفسير : [الأنبياء: 26 - 27] {أية : يسبحون الليل والنهار لا يفترون}تفسير : [الأنبياء: 20] إلى غير ذلك من الآيات. وطعن فيهم بعض الحشوية بأنهم قالوا أتجعل، والاعتراض على الله من أعظم الذنوب. وأيضاً نسبوا بني آدم إلى القتل والفساد وهذا غيبة وهي من أعظم الكبائر. وأيضاً مدحوا أنفسهم بقولهم {ونحن نسبح بحمدك} وهو عجب. وأيضاً قولهم {لا علم لنا إلا ما علمتنا} اعتذار والعذر دليل الذنب. وأيضاً قوله تعالى {إن كنتم صادقين} دل على أنهم كانوا كاذبين فيما قالوه. وأيضاً قوله {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض} يدل على أنهم كانوا مرتابين في أنه تعالى عالم بكل المعلومات. وأيضاً علمهم بالإفساد وسفك الدماء إما بالوحي وهو بعيد وإلا لم يكن لإعادة الكلام فائدة، وإما بالاستنباط والظن وهو منهي {أية : ولا تقْفُ ما ليس لك به علم}تفسير : [الإسراء: 36] وأيضاً قصة هاروت وماروت وأن إبليس كان من الملائكة المقربين ثم عصى الله وكفر. والجواب عن اعتراضهم على الله أن غرضهم من ذلك السؤال لم يكن هو الإنكار ولا تنبيه الله على شيء لا يعلمه فإن هذا الاعتقاد كفر، وإنما المقصود من ذلك أمور منها: أن الإنسان إذا كان قاطعاً بحكمة غيره ثم رآه يفعل فعلاً لا يهتدي ذلك الإنسان إلى وجه الحكمة فيه، استفهم عن ذلك متعجباً. فكأنهم قالوا إعطاء هذه النعم العظام من يفسد ويسفك لا تفعله إلا لوجه دقيق وسر غامض فما أبلغ حكمتك، ومنها أن إبداء الإشكال طلباً للجواب غير محذور، فكأنه قيل: إلهنا أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه ألبتة، وتمكين السفيه من السفه قبيح من الحكيم، فكيف يمكن الجمع بين الأمرين؟ وهذا جواب المعتزلة، واستدلوا به على أن الملائكة لم يجوزوا صدور القبيح من الله تعالى فكانوا على مذهب أهل العدل قالوا: ومما يؤكد ذلك أنهم أضافوا الفساد وسفك الدماء إلى المخلوقين لا إلى الخالق. وأيضاً قالوا {ونحن نسبح بحمدك} والتسبيح تنزيه ذاته عن صفة الأجسام {ونقدس لك} والتقديس تنزيه أفعاله عن صفة الذم ونعت السفه، ومنها أن الخيرات في هذا العالم غالبة على شرورها، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير. فالملائكة نظروا إلى الشرور فأجابهم الله تعالى بقوله {إني أعلم ما لا تعلمون} أي من الخيرات الكثيرة التي لا يتركها الحكيم لأجل الشر القليل وهذا جواب الحكيم. ومنها أن سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام الله تعالى، فإن العبد المخلص لشدة حبه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه. ومنها أن قولهم {أتجعل} مسألة منهم أن يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ذلك صلاحاً نحو قول موسى {أية : أتهلكنا بما فعل السفهاء منا}تفسير : [الأعراف: 155] أي لا تهلك، فقال تعالى {إني أعلم ما لا تعلمون} من صلاحكم وصلاح هؤلاء فبين أن الاختيار لهم السماء ولهؤلاء الأرض، ليرضى كل فريق بما أختار الله له. ومنها أن هذا الاستفهام خارج مخرج الإيجاب كقول جرير: ألستم خير من ركب المطايا؟ أي أنتم كذلك وإلا لم يكن مدحاً، فكأنهم قالوا: إنك تفعل ذلك ونحن مع هذا نسبح بحمدك لأنا نعلم في الجملة أنك لا تفعل إلا الصواب والحكمة فقال تعالى {إني أعلم ما لا تعلمون} فأنتم علمتم ظاهرهم وهو الفساد والقتل، وأنا أعلم ظاهرهم وما في باطنهم من الأسرار الخفية التي تقتضي إيجادهم. وفيه أن استحقاق تلك الخلافة ليس بكثرة الطاعة ولكنه بسابق العناية، وأنه تعالى غني عن طاعة المطيعين كما أنه لا تضره معصية المذنبين. والجواب عن الغيبة أن من أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الإشكال، فلذلك ذكروا الفساد والسفك لا للغيبة. وعن العجب أن مدح النفس غير ممنوع منه مطلقاً {أية : وأما بنعمة ربك فحدث}تفسير : [الضحى: 11] فكأنهم قالوا ما سألناك للقدح في حكمتك يا رب فإنا نعترف لك بالإلهية والحكمة، بل لطلب وجه الحكمة. وعن الاعتذار، إنه لم يكن للذنب بل لأن ترك السؤال كان أولى. وروي عن الحسن وقتادة أن الله تعالى لما أخذ في خلق آدم همست الملائكة فيما بينهم وقالوا: ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق، فلن يخلق خلقاً إلا كنا خلقاً أعظم منه وأكرم عليه، فلما خلق آدم عليه السلام وفضله عليهم وعلمه الأسماء كلها قال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين في أنه لا يخلق خلقاً إلا وأنتم أفضل منه، ففزعوا إلى التوبة وقالوا {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا} ثم إن العلماء ذكروا في إخبار الملائكة عن الفساد والسفك وجوهاً منها: أنهم قالوا ذلك ظناً إما لأنهم قاسوهم على حال الجن الذين كانوا قبل آدم عليه السلام في الأرض وهو مروي عن ابن عباس والكلبي، وإما لأنهم عرفوا خلقته وعلموا أنه مركب من الأركان المتخالفة والأخلاط المتنافية الموجبة للشهوة التي منها الفساد وللغضب الذي منه سفك الدماء. ومنها أنهم قالوا ذلك عن اليقين، ويروى عن ابن مسعود وناس من الصحابة، وذلك أنه تعالى لما قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: ربنا وما يكون الخليفة؟ قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً. فعند ذلك قالوا: ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ أو أنه تعالى كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، أو لأنه لما كتب القلم في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك، أو لأن معنى الخليفة إذا كان النائب لله في الحكم والقضاء والاحتياج إلى الحاكم إنما يكون عند التنازع والتظالم، كان الإخبار عن وجود الخليفة إخباراً عن وقوع الفساد والشر بطريق الالتزام وقيل: لما خلق الله النار خافت الملائكة خوفاً شديداً فقالوا: لم خلقت هذه النار؟ قال: لمن عصاني من خلقي. ولم يكن يومئذ لله خلق إلا الملائكة، ولم يكن في الأرض خلق ألبتة. فلما قال: إني جاعل في الأرض خليفة، عرفوا أن المعصية منهم تظهر. وأما قصة إبليس وهاروت وماروت فسيجيء الكلام فيها. واختلف الناس في أن الملائكة لهم قدرة على المعاصي والشرور أم لا. فالفلاسفة وكثير من أهل الجبر قالوا: إنهم خير محض ولا قدرة لهم على الشر. والمعتزلة أثبتوا لهم قدرة على الأمرين، لأن قولهم {أتجعل} إما معصية أو ترك الأولى، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، وأيضاً قال تعالى {أية : ومن يقل منهم إني إلّه من دونه فذلك نجزيه جهنم} تفسير : [الأنبياء: 29] وهذا يقتضي كونهم مزجورين. وقال {أية : لا يستكبرون عن عبادته} تفسير : [الأنبياء: 19] والمدح بترك الاستكبار إنما يحسن لو كان قدراً على الاستكبار. ويمكن إلزامهم بأن الثواب عندهم واجب على الله فيمتنع عليه تركه مع أنه يستحق المدح على الثواب. والواو في {ونحن نسبح} للحال كقولك "أتحسن إلى فلان وأنا أحق بالإحسان" والتسبيح تبعيد الله من السوء وكذا التقديس، من سبح في الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها أو أبعد. والتبعيد عن السوء إما في الذات ويحصل بنفي الإمكان المستلزم لنفي الكثرة المستلزمة لنفي الجسمية والعرضية والضد والند، وإما في الصفات بأن يكون مبرءاً عن العجز والجهل والتغيرات محيطاً بكل المعلومات قادراً على كل المقدورات، وإما في الأفعال بأن لا تكون أفعاله لجلب المنافع ودفع المضار، يقول الله تعالى: أنا المنزه عن النظير والشريك سبحانه هو الواحد القهار، أنا المدبر للسموات والأرض سبحان رب السموات والأرض، أنا المدبر لكل العالمين، سبحان الله رب العالمين أنا المنزه عن قول الظالمين سبحان ربك رب العزة عما يصفون، أنا الغني عن الكل سبحانه هو الغني، أنا السلطان الذي كل شيء سواي فهو تحت قهري وتسخيري فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، أنا المنزه عن الصاحبة والولد سبحانه أنى يكون له ولد، أنا الذي أخلق الولد من غير أب سبحانه {أية : إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون}تفسير : [آل عمران: 47]، أنا الذي سخرت الأنعام القوية للبشر الضعيف {أية : سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين} تفسير : [الزخرف: 13] أنا الذي أعلم لا بعلم المعلمين ولا بإرشاد المرشدين {أية : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}تفسير : [البقرة: 32] أنا الذي أغفر معصية سبعين سنة بتوبة ساعة {أية : فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس}تفسير : [طه: 130] فإن أردت رضوان الله فسبح {أية : ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى}تفسير : [طه: 130] وإن أردت الخلاص من النار فسبح {أية : سبحانك فقنا عذاب النار}تفسير : [آل عمران: 191] وإن أردت الفرج من البلاء فسبح {أية : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} تفسير : [الأنبياء: 87] أيها العبد، واظب على تسبيحي {أية : وسبحوه بكرة وأصيلاً} تفسير : [الأحزاب: 42] وإلا فالضرر يعود إليك {أية : فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون} تفسير : [فصلت: 38] يسبح لي الحجر والمدر والرمال والجبال والشجر والدواب والليل والنهار والظلمات والأنوار والجنة والنار والزمان والمكان والعناصر والأركان والأرواح والأجسام {أية : سبح لله ما في السموات والأرض} تفسير : [الحديد: 1] {أية : وإن من شيء إلا يسبح بحمده} تفسير : [الإسراء: 44] أيها العبد، أنا الغني عن تسبيح هذه الأشياء، وهذه الأشياء ليست من الأحياء فلا حاجة بها إلى ثواب هذا التسبيح، ولا أضيع ثواب هذه التسبيحات، فإن ذلك لا يليق بي {أية : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً}تفسير : [ص: 27] لكني أوصل ثواب هذه الأشياء إليك لتعرف أن من اجتهد في خدمتي أجعل كل العالم في خدمته "حديث : وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء"تفسير : أيها العبد أذكرني بالعبودية لتنتفع به لا أنا {أية : سبحان ربك رب العزة عما يصفون}تفسير : [الصافات: 180] فإنك إذا ذكرتني في الخلوات ذكرتك في الفلوات {أية : والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً}تفسير : [الأحزاب: 35] أقرضني وإن كنت أنا الغني حتى أرد الواحد عليك عشرة {أية : إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم}تفسير : [التغابن: 17] لا حاجة لي إلى العسكر {أية : ولو يشاء الله لانتصر منهم}تفسير : [محمد: 4] ولكن إذا نصرتني نصرتك {أية : إن تنصروا الله ينصركم} تفسير : [محمد: 7] اخدمني {أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم}تفسير : [البقرة: 21] لا لأني أحتاج إلى خدمتك فإني أنا الملك {أية : ولله ملك السموات والأرض}تفسير : [آل عمران: 189] ولكن أصرف في خدمتي عمراً قصيراً لتنال ملكاً كبيراً وخيراً كثيراً {أية : وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم} تفسير : [التوبة: 72]. قوله {بحمدك} في موضع الحال أي نسبحك ملتبسين بحمدك، فإنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك. وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكلام أفضل؟ فقال: ما اصطفاه الله لملائكته: سبحان الله وبحمده. ويروى أن أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأهل السماء الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة ركوع إلى يوم القيامة يقولون: سبحان الحي الذي لا ينام ولا يموت. وعن ابن عباس وابن مسعود: نسبح أي نصلي، والتسبيح الصلاة. وعن مجاهد: نقدس لك نطهر أنفسنا من ذنوبنا وخطايانا ابتغاء لمرضاتك. وقيل: ظهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك حتى تصير مستغرقة في أنوار معرفتك {إني أعلم ما لا تعلمون} معناه لا تعجبوا ولا تغتموا بأن فيهم من يفسد ويسفك فإني أعلم أن فيهم من لو أقسم على الله لأبرَّه، وأعلم أن معكم إبليس وفي قلبه من الحسد والكبر والنفاق ما فيه، أو أنكم لما وصفتم أنفسكم بهذه المدائح فأنتم في تسبيح أنفسكم لا في تسبيحي. اصبروا حتى أخلق البشر فيكون فيهم من يعبدونني ثم يخشونني، يودون حق العبادات ثم لا يتكلمون على تلك الطاعات {أية : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}تفسير : [الأنفال: 2] {أية : والذين هم من خشية ربهم مشفقون}تفسير : [المؤمنون: 57] {أية : والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين}تفسير : [الشعراء: 82] {أية : وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين}تفسير : [النمل: 19] أو أعلم من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم، ولكم في هذا الإجمال ما يغنيكم عن التفصيل، فإن أفعالي كلها حكمة ومصلحة، وإن خفي عليكم وجه كل واحد على أنه قد بين لهم بعض ذلك في قوله: {وعلم ءادم الأسماء.........}
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالَىٰ: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}: «إِذْ» ليست بزائدةٍ عند الجمهور، وإِنما هي معلَّقة بفعل مقدَّر، تقديره: واذكر إِذ قال، وإِضافةُ «رَبٍّ» إِلى محَّمدٍ صلى الله عليه وسلم، ومخاطبتُهُ بالكاف تشريفٌ منه سبحانه لنبيِّه، وإِظهار لاِختصاصه به، و «الملائكةُ»: واحدها ملَكٌ، والهاء في «ملائكة» لتأنيث الجُموعِ غير حقيقيٍّ، وقيل: هي للمبالغة؛ كَعَلاَّمَةٍ وَنسَّابَةٍ، والأول أبين. و {جَاعِلٌ}؛ في هذه الآية بمعنى خَالِقٍ، وقال الحسن وقتادة: جاعلٌ بمعنى فاعل، وقال ابن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إِنَّ الأَرْضَ هُنَا هِيَ مَكَّةُ؛ لأَنَّ الأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا؛ وَلأنَّهَا مَقَرُّ مَنْ هَلَكَ قَوْمُهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ قَبْرَ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ بَيْنَ المَقَامِ وَالرُّكْنِ»تفسير : . و {خَلِيفَةً}: معناه: من يخلف. قال ابن عبَّاس: كانت الجن قبل بني آدم في الأرض، فأفسدوا، وسَفَكُوا الدماء، فبعث اللَّه إِليهم قبيلاً من الملائكة قتلهم، وألْحَقَ فَلَّهُمْ بجزائرِ البحار، ورؤوسِ الجبالِ، وجعل آدم وذريته خليفةً، وقال ابن مسعود: إنما معناه: خليفةٌ مني في الحُكْمِ. وقوله تعالَىٰ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} الآيةَ: قد علمنا قطعًا أن الملائكة لا تعلم الغيْبَ، ولا تسبق القول، وذلك عَامٌّ في جميع الملائكة، لأن قوله تعالى: {أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ }تفسير : [الأنبياء:27] خرج على جهة المدح لهم، قال القاضي ابن الطَّيِّب: فهذه قرينة العموم، فلا يصح مع هذين الشرطَيْن إِلا أن يكون عندهم من إفساد الخليفة نبأٌ ومقدِّمة. قال ابن زيد وغيره: إن اللَّه تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكونُ من ذريته قومٌ يفسدونَ، ويسفكون الدماء؛ فقالوا لذلك هذه المقالةَ: إِما على طريق التعجُّب من ٱستخلافِ اللَّه من يعصيه، أو من عصيان من يستخلفُهُ اللَّهُ في أرضه وينعم علَيْه بذلك، وإِما على طريق الاِستعظامِ والإِكبار للفصلَيْن جميعاً؛ الاستخلاف، والعصيان. وقال أحمد بن يَحْيَـــى ثَعْلَبٌ وغيره: إنما كانت الملائكة قد رأَتْ، وعلمت ما كان من إفساد الجِنِّ، وسفكهم الدماء في الأرض؛ فجاء قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا...} الآية؛ على جهة الاستفهام المحض، هل هذا الخليفة يا ربَّنَا على طريقة من تقدَّم من الجِنِّ أم لا؟ وقال آخرون: كان اللَّه تعالى قد أعلم الملائكة؛ أنه يخلق في الأرضِ خلْقاً يفسدون، ويسفكون الدماء، فلما قال لهم سبحانه بعد ذلك: {إِنِّي جَاعِلٌ} قالوا: رَبَّنَا {أَتَجْعَلُ فِيهَا...} الآيةَ؛ على جهة الاسترشاد والاستعلام، هل هذا الخليفةُ هو الذي كان أعلمهم به سبحانه قبل، أو غيره؟ ونحو هذا في «مختصر الطبريِّ»، قال: وقولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} ليس بإنكار لفعله عز وجلَّ وحكمه، بل استخبارٌ، هل يكون الأمر هكذا، وقد وجَّهه بعضهم بأنهم استعظموا الإِفسادَ وسفْكَ الدماء؛ فكأنهم سألوا عن وجه الحكمة في ذلك؛ إِذ علموا أنه عز وجل لا يفعل إِلا حكمة. انتهى. * ت *: والعقيدة أن الملائكة معصومون، فلا يقع منهم ما يوجب نقصانًا من رتبتهم، وشريف منزلتهم ـ صلوات اللَّه وسلامُهُ على جميعهم ـ والسفك صبُّ الدَّمِ، هذا عُرْفُه، وقولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}. قال بعض المتأوّلين: هو على جهة الاستفهام؛ كأنهم أرادوا: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} الآيةَ، أم نتغير عن هذه الحال؟ قال: * ع *: وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحْضِ في قولهم: {أَتَجْعَلُ}. وقال آخرون: معناه: التمدُّح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم؛ كما قال يوسُفُ: {أية : إِنّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ }تفسير : [يوسف:55]، وهذا يحسن مع التعجُّب والاستعظام؛ لأَِنْ يستخلف اللَّه من يعصيه في قولهم: {أَتَجْعَلُ}، وعلى هذا أدَّبهم بقوله تعالَىٰ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، ومعنى: {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}: ننزِّهك عما لا يليق بصفاتك، وقال ابن عبَّاس وابن مسعود: تسبيحُ الملائكةِ صلاتهم للَّه سبحانه، وقال قتادةُ: تسبيحهم قولهم: «سبحانَ اللَّهِ»؛ على عرفه في اللغة، و {بِحَمْدِكَ}: معناه نَصِلُ التسبيح بالحمدِ، ويحتمل أن يكون قولهم: {بِحَمْدِكَ} ٱعتراضاً بين الكلامين؛ كأنهم قالوا: ونحن نسبِّح ونقدِّس، وأنت المحمود في الهداية إِلى ذلك، وخرَّج مسلم في صحيحه عن أبي ذَرٍّ؛ قال: قال لِي رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَلاَ أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَىٰ؟ إِنَّ أَحَبَّ الكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَىٰ: «سُبْحَـٰنَ ٱللَّهِ وَبِحَمْدِهِ»»تفسير : ، وفي رواية: «حديث : سُئِلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وسلَّم، أَيُّ الكَلاَمِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: مَا ٱصْطَفَى اللَّهُ لِمَلاَئِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» تفسير : وفي صحيحَي البخاريِّ ومسلم عن أبي هُرَيْرَة؛ قال: قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ العَظِيمِ»تفسير : وهذا الحديثُ به ختم البخاريُّ رحمه اللَّه. انتهى. {وَنُقَدِّسُ لَكَ}: قال الضَّحَّاك وغيره: معناه: نُطَهِّرُ أنفسنا لك؛ ابتغاء مرضاتك، والتقديسُ: التطهير بلا خلافٍ، ومنه الأرض المقدَّسة، أي: المطهَّرة، وقال آخرون: {وَنُقَدِّسُ لَكَ}: معناه: نقدِّسك، أي: نعظِّمك ونطهِّر ذكرك ممَّا لا يليقُ به، قاله مجاهد وغيره. وقوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. قال ابن عبَّاس: كان إِبليس ـ لعنه اللَّه ـ قد أُعْجِبَ بنفسه، ودخله الكِبْرُ لما جعله اللَّه خَازِنَ السماء الدنيا، واعتقد أن ذلك لمزيَّة له، فلما قالت الملائكة: ونحن نسبِّح بحمدك ونقدِّس لك، وهي لا تعلم أنَّ في نفْسِ إِبليسَ خلافَ ذلك، قال اللَّه سبحانه: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} يعني ما في نفس إِبْلِيسَ. وقال قتادة: لما قالتِ الملائكةُ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}، وقد علم اللَّه أنَّ في مَنْ يستخلفُ في الأرض أنبياءَ وفضلاءَ وأهلَ طاعةٍ، قال لهم: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، يعني: أفعالَ الفضلاءِ. وقوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَاءَ كُلَّهَا}: معناه: عرَّف، وتعليم آدم هنا عند قومٍ إِلهامُ علمه ضرورةً، وقال قوم: بل تعليمٌ بقولٍ؛ إما بواسطة مَلَكٍ، أو بتكليمٍ قبل هبوطه الأرضَ، فلا يشارك موسَىٰ ـ عليه السلام ـ في خَاصَّته. * ت *: قال الشيخ العارفُ باللَّه عبد اللَّه بن أبي جَمْرَةَ: تعليمه سبحانه لآِدم الأسماء كلَّها، إِنما كان بالعلْم اللدنيِّ بلا واسطة. انتهى من كتابه الذي شرح فيه بعض أحاديث البخاريِّ، وكل ما أنقله عنه، فمنه، واختلف المتأوِّلون في قوله: {ٱلأَسْمَاءَ}: فقال جمهور الأُمَّة: علَّمه التسميات، وقال قومٌ: عرض عليه الأشخاص، والأول أبين؛ ولفظة عَلَّمَ تعطي ذلك. ثم ٱختلف الجمهورُ في أيِّ الأسماء علَّمه، فقال ابن عبَّاسٍ، وقتادة، ومجاهدٌ: علَّمه اسم كلِّ شيء من جميع المخلوقات؛ دقيقها، وجليلها، وقال الطبريُّ: علَّمه أسماء ذريته، والملائكة؛ ورجَّحه بقوله تعالَىٰ: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} وقال أكثر العلماء: عَلَّمه تعالَىٰ منافعَ كلِّ شيء، ولما يصلَح. وقيل غير هذا. واختلف المتأوِّلون، هل عرض على الملائكة أشخاص الأسماء أو الأسماء دون الأشخاص؟. {وأَنْبِئُونِي}: معناه: أخبروني، والنبأ: الخبر، وقال قوم: يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليفُ ما لا يطاقُ، ويتقرَّر جوازه؛ لأنه سبحانه عَلِمَ أنهم لا يعلمون. وقال المحقِّقون من أهل التأويل: ليس هذا على جهة التكليفِ، إِنما هو على جهة التقرير والتوقيف. وقوله تعالَىٰ: {هَـؤُلاَءِ} ظاهره حضورُ أشخاصٍ، وذلك عند العرض على الملائكة، وليس في هذه الآية ما يدلُّ أن الاسم هو المسمَّىٰ؛ كما ذهب إِليه مَكِّيٌّ والمَهْدَوِيُّ. والذي يظهر أن اللَّه تعالى علَّم آدم الأسماء، وعرض مع ذلك عليه الأجناس أشخاصاً، ثم عرض تلك على الملائكة، وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلَّمها آدم، ثم إِن آدم قال لهم: هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا. {وهَـؤُلاَءِ}: مبنيٌّ على الكسر، {وَكُنْتُمْ} في موضع الجزمِ بالشرْطِ، والجواب عند سيبويه: فيما قبله، وعند المبرِّد: محذوفٌ؛ تقديره: إِن كنتمْ صادِقِينَ، فَأَنْبِئوني، وقال ابن عبَّاس وابن مسعود وناسٌ من أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم: معنى الآية: إِنْ كنتم صادِقِينَ في أنَّ الخليفةَ يُفْسِدُ ويسفك. * ت *: وفي النفس من هذا القول شيءٌ، والملائكة منزَّهون معصومون؛ كما تقدَّم، والصواب ما تقدَّم من التفسير عند قوله تعالَىٰ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا...} الآية. وقال آخرون: إِن كنتم صادِقِينَ في أنِّي إِن ٱستخلفتُكُمْ، سبَّحتم بحَمْدِي، وقدَّستم لي. وقال قوم: معناه: إن كنتم صادقين في جوابِ السؤالِ، عالمين بالأسماء. و {سُبْحَـٰنَكَ}: معناه تنزيهاً لك وتبرئةً أنْ يعلم أحدٌ من علمك إِلا ما علمته، والعَلِيمُ: معناه: العَالِمُ، ويزيد عليه معنى من المبالغةِ والتكثيرِ في المعلوماتِ، والحكيمُ: معناه: الحاكِمُ وبينهما مزية المبالغةِ، وقيل: معناه: المُحْكِمُ، وقال قوم: الحَكِيمُ المانعُ من الفساد، ومنه حَكَمَةُ الفرسِ مانعته.
ابن عادل
تفسير : هذه الآية دالّة على كيفية تنظيم الله - تعالى - لآدم عليه الصَّلاة والسلام، فيكون ذلك إنعاماً عامًّا على جميع بني آدم، فيكون هذا هو النعمة الثالثة من تلك النعم العامّة التي أوردها. "إذ" ظرفُ زمانٍ ماض، يخلص المضارع للمضي، وبني لشبهه بالحَرْفِ في الوضع والافتقار، وتليه الجُمَل مطلقاً. قال المبرد: إذا جاء "إذ" مع المستقبل كان معناه ماضياً كقوله: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ} تفسير : [الأنفال: 30] يريد: إذ مكروا، وإذا جاء مع الماضي كان معناه مستقبلاً كقوله: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 116] وقد يبقى على مُضِيِّهِ كهذه الآية. وإذا كانت الجملة فعلية قبح تقديم الاسم، وتأخير الفعل نحو: "إذ زيد قام"، ولا يتصرّف إلا بإضافة الزمن إليه، نحو: "يومئذ" و "حينئذ"، ولا يكون مفعولاً به، وإن قال به أكثر المعربين، فإنهم يقدرون "ذكر وقت كذا"، ولا ظرف مكان، ولا زائداً، ولا حرفاً للتعليل، ولا للمفاجأة خلافاً لمن زعم ذلك. وقد تحذف الجملة المضاف هو إليها للعلم، ويعوض منها تنوين كقوله: {أية : وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ} تفسير : [الواقعة: 84] وليس كَسْرته - والحالةُ هذه - كسرة إعراب، ولا تنوينه تنوينَ صرفٍ خلافاً للأخفش، بل الكسر لالتقاء السَّاكنين، والتنوين للعوض بدليل وجود الكسر، ولا إضافة؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 350- نَهَيْتُكَ عَنْ طِلاَبِكَ أُمَّ عَمْرٍو بِعَاقِبَةٍ وَأَنْتَ إِذٍ صَحِيحُ تفسير : وللأخفش أن يقول: أصله: "وأنت حينئذ" فلما حذف المضاف بقي المُضَاف إليه على حاله، ولم يقم مقامه نحو: {أية : وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلآخِرَةَ} تفسير : [الأنفال: 67] بالجر، إلا أنه ضعيف. و "قَالَ رَبُّكَ": جملة فعلية في محلّ خفض بإضافة الظرف إليها، واعلم أنّ "إذ" فيه تسعة أوجه، أحسنها أنه منصوب بـ {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا} أي: قالوا ذلك القول وَقْتَ قول الله عز وجل إني جاعل في الأرض خليفة، وهذا أسهل الأوجه. الثاني: أنه منصوب بـ "اذكر" مقدراً، وقد تقدم أنه لا يتصرّف، فلا يقع مفعولاً. الثالث: أنه منصوب بـ "خلقكم" المتقدّم في قوله: {أية : ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ} تفسير : [البقرة: 21] والواو زائدة. وهذا ليس بشيء لطول الفصل. الرابع: أنه منصوب بـ "قال" بعده، وهذا فاسد؛ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف. الخامس: أنه زائد، ويُعْزَى لأبي عبيدة. السادس: أنه بمعنى "قد". السابع: أنه خبر لمبتدأ مَحْذُوف تقديره: ابتداء خلقكم وَقْتَ قول ربك. الثامن: أنه منصوب بفعل لائقٍ تقديره: ابتدأ خلقكم وَقْتَ قوله ذلك. وهذان ضعيفان، لأن وقت ابتداء الخَلْقِ ليس وقت القول، وأيضاً فإنه لا يتصرف. التاسع: أنه منصوب بـ "أحياكم" مقدراً، وهذا مردودٌ باختلاف الوقتين أيضاً. و "للملائكة" متعلّق بـ "قال" واللاَّم للتبليغ. و "ملائكة" جمع "مَلَك"، واختلف في "ملك" على ستة أقوال، وذلك أنهم اختلفوا في ميمه، هل هي أصلية أو زائدة؟ والقائلون بأصالتها اختلفوا. فقال بعضهم: "ملك" وزنه "فَعَلٌ" من المِلْك، وشذّ جمعه على "فَعَائلة"، فالشذوذ في جمعه فقط. وقال بعضهم: بل أصله "مَلأْك"، والهمزة فيه زائدة كـ "شَمْأَل"، ثم نقلت حركة الهمزة إلى "اللام"، وحذفت الهمزة تخفيفاً، والجمع جاء على أصل الزيادة، فهذان قولان عند هؤلاء. والقائلون بزيادتها اختلفوا أيضاً: فمنهم من قال: هو مشتقٌّ من "أَلَكَ" أي: أرسل، ففاؤه همزة، وعينه لام؛ ويدلّ عليه قوله: [المنسرح] شعر : 351- أَبْلِغْ أَبا دَخْتَنُوسَ مَألُكَةً عَنِ الَّذِي قَدْ يُقَالُ مِلْكَذِب تفسير : وقال الآخر: [الرمل] شعر : 352- وَغُلاَمٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ تفسير : وقال آخر: [الرمل] شعر : 353- أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَألُكاً أَنَّه قَدْ طَالَ حَبْسِي وَانْتِظَارِي تفسير : فأصل ملك: مألك، ثم قلبت العين إلى موضع "الفاء"، و "الفاء" إلى موضع "العين" على وزن "مَعْفَل" ثم نقلت حركة "الهمزة" إلى "اللام"، وحذفت "الهمزة" تخفيفاً، فيكون وزن ملك: "مَعَلاً" بحذف الفاء. ومنهم من قال: هو مشتقّ من "لأك" أي: أرسل أيضاً، ففاؤه لام، وعينه همزة، ثم نقلت حركة الهمزة، وحذفت كما تقدّم، ويدلّ على ذلك أنه قد نطق بهذا الأصل قال: [الطويل] شعر : 354- فَلَسْتَ لإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لمَلأَكٍ تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ تفسير : ثم جاء الجمع على الأصل، فردّت الهمزة على كلا القولين، فوزن "ملائكة" على هذا القول "مَفَاعلة"، وعلى القول الذي قبله "مَعَافِلَة" بالقَلْب. وقيل: هو مشتقٌّ من: "لاَكَهُ - يَلُوكُه" إذا "أداره - يديره"؛ لأن الملك يدير الرسالة في فِيْهِ، فأصل مَلْك: مَلْوَك، فنقلت حركة "الواو" إلى "اللام" الساكنة قبلها، فتحرك حرف العلّة، وانفتح ما قبله فقلب "ألفاً"، فصار: ملاكاً مثل: "مقام"، ثم حذفت الألف تخفيفاً، فوزنه: "مفل" بحذف العين، وأصل "ملائكة": "ملاوكة"، فقلبت "الواو همزة"، ولكن شرط قلب الواو والياء همزة بعد ألف مفاعل أن تكون زائدة نحو: "عَجَائز" و "رَسَائل"، على أنه قد جاء ذلك في الأصل قليلاً قالوا: "مَصَائب" و "مَنَائِر"، وقرىء شاذًّا: {أية : مَعَايِشَ} تفسير : [الأعراف: 10] بالهمز، فهذه خمسة أقوال. السّادس: قال النضر بن شُمَيْلٍ: لا اشتقاق لـ "الملك" عند العرب "والهاء" في "ملائكة" لتأنيث الجمع، نحو: "صَلاَدمة". وقيل: للمُبَالغة كـ "عَلاّمة" و "نسَّابة"، وليس بشيء، وقد تحذف هذه الهَاء شذوذاً؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 355- أَبَا خَالِدٍ صَلَّتْ عَلَيْكَ المَلاَئِكُ تفسير : فصل في ماهية الملائكة اختلفوا في ماهيّة الملائكة، وحقيقتهم، والضابط فيه أن يقال: إن المَلاَئكة ذوات قائمة بأنفسها، وهي إما متحيّزة، أو ليست بمتحيّزة، فإن كانت متحيّزة فهاهنا أقوال: أحدها: أنها أجسام لطيفة هَوَائية تقدر على التشكُّل بأشكال مختلفةٍ مسكنها السموات، وهذا قول أكثر المسلمين. الثاني: قول طوائف من عَبَدَةِ الأوثان: أن الملائكة هي هذه الكواكب الموصوفة بالإسْعَادِ، والإِنْحَاسِ، فَالْمُسْعِدَات منها ملائكة الرَّحمة، والمنحسات منها مَلاَئكة العذاب. الثالث: قول معظم المَجُوس، والثنوية: وهو أن هذا العَالمَ مركّب من أصلين أزليين، وهما النور والظّلمة، وهُمَا في الحقيقة جَوْهَرَان شَفَّافان مُخْتَاران قادران، متضادا النّفس والصورة، مختلفا الفعل والتدبير، فجوهر النُّور فاضل خيّر، نقيّ طيّب الريح، كريم النفس يسر ولا يضر، وينفع ولا يمنع، ويَحْيَا ولا يبلى، وجوهر الظلمة على ضدّ ذلك. ثم إنَّ جوهر النور لم يزل يولد الأولياء، وهم الملائكة لا على سبيل التَّنَاكح، بل على سبيل تولّد الحكمة من الحكيم، والضوء من المضيء، وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء، وهم الشياطين على سبيل تولّد السَّفهِ من السفيه لا على سبيل التناكح. القول الثاني: وهو أنها ذوات قائمة بأنفسها، وليست بمتحيّزة، ولا بأجسام. فهاهنا قولان: الأول: قول طوائف من النَّصَارى، وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس النَّاطقة المفارقة لأبدانها على نَعْتِ الصفاء والخيرية، وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافيةً خالصة فهي الملائكة، وإن كانت خبيثةً كَدِرَةً فهي الشياطين. والثاني: قول الفَلاَسفة وهي أنها جَوَاهر قائمة بأنفسها وليست بمتحيّزة ألبتة، وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس النَّاطقة البشرية، وأنها أكملُ قوةً منها، وأكثر علماً منها، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشَّمس بالنسبة إلى الأضواء، ثم إنَّ هذه الجَوَاهر على قسمين: منها ما هي بالنسبة إلى أجْرَام الأَفْلاَك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا، ومنها ما هي لا عَلَى شَيْءٍ من تدبير الأفلاك، بل هي مستغرقة في معرفة الله، ومحبته ومشتغلة بطاعته، وهذا القسم هُمُ الملائكة المُقَرَّبُون، ونسبتهم إلى الملائكة الَّذِين يدبرون السَّمَاوات، كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا النَّاطقة، فهذان القِسْمَان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما، ومنهم من أثبت أنواعاً أُخَرَ من الملائكة، وهي الملائكة الأرضية المدبِّرة لأحوال هذا العالم السفليّ، ثم إن المدبرات لهذا العَالَم إن كانت خيرةً فهم الملائكة، وإن كانت شريرةً فهم الشياطين. فصل في شرح كثرتهم قال عليه الصلاة والسلام: "حديث : أطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أن تَئِطَّ ما فيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلا وفيه مَلَكٌ ساجدٌ، أو راكع ". تفسير : [وروي أن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البَرّ، وهؤلاء كلهم عُشْر الطيور، وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البَحْرِ، وهؤلاء كلّهم عشر ملائكة الأرض الموكّلين بها، وكلّ هؤلاء عشر ملائكة سَمَاء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السَّماءِ الثانية وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السَّماء السَّابعة، ثم الكل في مقابلة ملائكة الكُرسي نَزْر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السّرادق الواحد من سُرَادقات العرش التي عددها ستمائة ألف، طول كلّ سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السَّمَاوات والأرضون وما فيها وما بينها، فإنها كلها تكون شيئاً يسيراً وقدراً صغيراً، وما من مقدار موضع قدم إلا وفيه مَلَكٌ ساجد، أو راكع] وقائم، لهم زَجَلٌ بالتسبيح والتَّقديس، ثم كلّ هؤلاء في مُقَابلة الملائكة الذين يَحُومُونَ حول العرش كالقَطْرَةِ في البحر، ولا يعلم عَدَدَهُمْ إلا اللهُ تعالى، ثم مع هؤلاء ملائكة اللَّوْحِ الذين هم أشياع إسرافيل عليه السّلام، والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السَّلام، ولا يحصى أجناسهم ولا مدة أعمارهم ولا كيفية عبادتهم إلا الله تعالى، على ما قال: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [المدثر: 31]. وروي في بعض كتب التَّذكيرحديث : أنه - عليه الصلاة والسلام - حين عرج به رأى ملائكة في مَوْضِعٍ بمنزلة سوق بعضهم يمشي تُجَاهَ بعض، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلَى أيْنَ يَذْهَبُونَ؟ فقال جبريل عليه السَّلام: لا أَدْرِي إِلاّ أنِّي أراهُمْ مذ خلقت ولا أرى واحداً منهم قد رأيته قبل ذلك، ثم سأل واحداً منهم وقيل له: مذ كم خلقت؟ فقال: لا أدري غير أن الله - تعالى - يخلق كوكباً في كلّ أربعمائة ألف سنةٍ، فخلق مثل ذلك الكوكب منذ خَلَقَنِي أربعمائة ألف مرة فسبحانه من إله ما أعظم قدرته وما أجلّ كماله . تفسير : فصل فيمن قيل له من الملائكة: "إني جاعل" اختلفوا في المَلاَئكة الَّذِين قال لهم: "إنِّي جاعلٌ لهم" كُلّ الملائكة، أو بعضهم؟ فروى الضَّحَّاك عن ابن عباس أنه سبحانه إنما قال هذا القول للملائكة الذين [كانوا مُحَاربين] مع "إبليس"؛ لأن الله - تعالى - لما أسكن الجنّ الأرض، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدِّماء، وقتل بعضهم بعضاً، بعث الله "إبليس" في جُنْدٍ من الملائكة، فقتلهم "إبليس" بعسكره حتى أخرجوهم من الأرض؛ وألْحَقُوهُمْ بِجَزَائِرِ البَحْر، وشعوب الجِبَالِ، وسَكَنُوا الأرض، وخفّف الله عنهم العبادة، وأعطى "إبليس" ملك الأرض، وملك سماء الدنيا، وخزانة الجنّة، فكان يعبد الله تارة في الأرض، وتارة في السماء، وتارة في السماء، وتارة في الجنة، فأخذه العجب وقال في نفسه: ما أعطاني الله هذا المُلْكَ إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال تعالى لهم: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}. وقال أكثر الصحابة والتابعين إنه قال ذلك لجماعة الملائكة من غير تخصيص، لأن لفظ الملائكة يفيد العُمُوم. فإن قيل: ما الفائدة في أن الله قال للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} مع أنه مُنَزّه عن الحاجة إلى المَشُورة؟. فالجواب من وجهين: الأوّل: أنه - تعالى - علم أنهم إذا اطَّلَعُوا على ذلك السّر أوردوا عليه ذلك السُّؤال، فكانت المَصْلَحَة تقتضي إحاطتهم بذلك الجَوَاب، فعرّفهم هذه الواقعة لكي يوردوا ذلك السُّؤال، ويسمعوا ذلك الجواب. والثاني: أنه - تعالى - علم عباده المَشُورة. قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} هذه الجملة معمولُ القول، فهي في محل نصب به، وكسرت "إِنَّ" هنا، لوقوعها بعد القول المجرَّد من معنى الظَّنِّ محكية به، فإن كان بمعنى الظَّن جرى فيها وجهان: الفَتْح والكَسْر؛ وأنشدوا: [الطويل] شعر : 356- إِذَا قُلْتَ إِنِّي آيبٌ أَهْلَ بَلْدَةٍ نَزَعْتُ بِهَا عَنْهُ الْوَلِيَّةَ بِالهَجْرِ تفسير : وكان ينبغي أن يفتح ليس إلاَّ؛ نظراً لمعنى الظن، لكن قد يقال جاز الكسر مُرَاعاةً لصورة القول. و "إن" على ثلاثة أقسام: قسم يجب فيه كسرها، وقسم يجب فيه فتحها، وقسم يجوز فيه الوجهان. والضابط الكُليّ في ذلك: أن كلَّ موضع سَدَّ مسدَّها المصدرُ، وجب فيه فتحها؛ نحو: "بلغني أنك قائمٌ"، وكلَّ موضعٍ لم يَسُدَّ مسدَّهَا، وجب فيه كَسْرُها؛ كوقوعها بعد القول ومبتدأةً وصلةً وحالاً، وكل موضع جاز أن يسدّ مسدّها، جاز الوجهان؛ كوقوعها بعد فاء الجزاء، و "إذا" الفجائية. و "جاعل" فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى "خالق" فيكون "خليفة" مفعولاً به و "فِي الأَرضِ" فيه حينئذ قولان: أحدهما: وهو الواضح - أنه متعلّق بـ "جاعل" والثاني: أنه متعلّق بمحذوف؛ لأنه حال من النكرة بعده. القول الثاني: أنه بمعنى "مُصَيِّر" ذكره الزَّمَخْشَرِي، فيكون "خليفة" هو المفعول الأول، و "في الأرض" هو الثَّاني قدم عليه، ويتعلّق بمحذوف على ما تقرر. والأرض قيل: إنها "مكة"، روى ابن سابط عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : دُحِيَتِ الأَرْضُ من مَكَّةَ" تفسير : ولذلك سميت "أم القرى"، قال: وقبر نوح، وهود، وصالح، وشعيب بين "زمزم" والمَقَام. والظاهر أنّ الأرض في الآية جميع الأرض من المشرق والمغرب. و "خليفة" يجوز أن يكون بمعنى "فاعل" أي: يخلفكم أو يخلف من كان قبله من الجنّ، وهذا أصح، لدخول تاء التأنيث عليه. وقيل: بمعنى "مفعول" أي: يخلف كل جيل من تقدمه، وليس دخول "التَّاء" حينئذ قياساً، إلاَّ أن يقال: إن "خليفة" جرى مجرى الجَوَامِدِ كـ "النَّطيحة" و "الذَّبيحة". وإنما وحّد "خليفة" وإن كان المراد الجمع؛ لأنه أريد به آدم وذرّيته، ولكن استغني بذكره كما يستغنى بذكر أبي القَبِيْلَةِ نحو: "مُضَر" و "رَبِيْعَة" وقيل: المعنى على الجنس. وقال "ابن الخطيب": الخليفة: اسم يصلح للواحد والجمع كما يصلح للذكر والأنثى. و "الخَلَفُ" - بالتحريك - من الصَّالحين، وبتسكينها من الطَّالحين. واختلفوا في أنه لِمَ سمّاه - أي: خليفة - على وجهين: فروي عن "ابن عباس" أنه - تعالى - لما نفى الجنّ من الأرض، وأسكنها آدم كان آدم - عليه الصلاة والسَّلام - خليفة لأولئك الجنّ الذين تقدّموه، لأنه خلفهم. والثاني: إنما سمَّاه الله خليفةً، لأنه يخلف الله في الحكم بين خلقه، ويروى عن ابن مسعود، وابن عباس، والسّدي وهذا الرأي متأكّد بقوله تعالى: {أية : إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [ص: 26]. [ حديث : روى أبو ذر قال: قلت: يا رسول الله أنبياً كان آدم مرسلاً؟ قال: نعم.. تفسير : الحديث]. فإن قيل: لمن كان رسولاً،ولم يكن في الأرض أحد؟. فيقال: كان رسولاً إلى ولده، وكانوا أربعين ولداً في عشرين بطناً في كل بَطْنٍ ذكر وأنثى، وتوالدوا حتى كثروا، وأنزل عليه تحريم الميتة والدَّم ولحم الخِنْزِير، وعاش تسعمائة وثلاثين سنةً. ذكره أهل التوراة والله أعلم. [وروي عن وهب بن منبه أنه عاش ألف سنة]. وقرىء: "خلِيقةً" بالقاف، و "خليفة" منصوب بـ "جاعل" كما تقدّم؛ لأنه اسم فاعل، وأسم الفاعل يعمل عمل فعله مطلقاً إن كان فيه الألف واللام، ويشترط الحال أو الاستقبال والاعتماد إذا لم يكونا فيه، ويجوز إضافته لمعموله تخفيفاً ما لم يفصل بينهما كهذه الآية. فصل في وجوب نصب خليفة للناس هذه الآية دليلٌ على وجوب نصب إمام وخليفة يسمع له وَيُطَاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بَيْنَ الأئمة إلاّ ما روي عن الأصَمّ، وأتباعه أنها غير واجبةٍ في الدين - وأن الأمة متى أقاموا حججهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحقّ من أنفسهم، وقسموا الغَنَائم والفَيْء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحُدُود على من وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماماً يتولّى ذلك، وشروط الإمامة مذكورة في كتب الفِقْه. قوله: {قَالُواْ: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} قد تقدم أن "قالوا" عامل في {إِذْ قَالَ رَبُّكَ}، وأنه المختار، والهمزة في "أتجعل" للاستفهام على بابها، وقال الزمخشري: "للتعجب"، وقيل: للتقرير؛ كقوله: [الوافر] شعر : 357- أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا وَأَنْدَى الْعَالِمينَ بُطُونَ رَاحِ تفسير : وقال "أبو البَقَاءِ" للاسترشاد، أي: أتجعل فيها من يفسد كمن كان قبل. و "فيها" الأولى متعلّقة بـ "تجعل" إن قيل: إنها بمعنى "الخَلْق"، و "من يفسد" مفعول به. وإن قيل: إنها بمعنى "التصيير"، فيكون "فيها" مفعولاً ثانياً قدّم على الأول، وهو "من يفسد"، و "من" تحتمل أن تكون كموصولةً، أو نكرة موصوفة، فعلى الأول لا محلّ للجملة بعدها من الإعراب، وعلى الثَّاني محلها النصب، و "فيها" الثانية متعلّقة بـ "يفسد". و "يفسك" عطف على "يفسد" بالاعتبارين. والجمهور على رَفْعِهِ، وقرىء منصوباً على جواب الاستفهام بعد "الواو" التي تقتضي الجمع بإضمار "أن" كقوله: [الكامل] شعر : 358- أَتَبِيتُ رَيَّانَ الْجُفُونِ مِنَ الكَرَى وَأَبِيتَ مِنْكَ بِلَيْلَةِ الْمَلْسُوعِ تفسير : وقال: "ابن عطية": "منصوب بواو الصرف" وهذه عبارةُ الكوفيين، ومعنى "واو الصرف" أن الفعل كان يقتضي إعراباً، فصرفته "الواو" عنه إلى النصب. والمشهور "يَسْفِكُُ" بكسر الفاء، وقرىء بضمها وقرىء أيضاً بضم حرف المُضَارعة من "أُسْفِكُ". وقرىء أيضاً مشدداً للتكثير. و "السَّفْك": هو الصَّب، ولا يستعمل إلاّ في الدم. وقال ابن فارس والجوهري: "يستعمل أيضاً في الدمع". وقال "المَهْدَوِيّ": ولا يستعمل السَّفك إلاّ في الدم، وقد يستعمل في نَثْرِ الكلام، يقال: سفك الكلام، أي: نثره. و "السَّفاك": السفاح، وهو القادر على الكلام. و "الدِّمَاء" جمع "دَمٍ" ولا يكون اسمٌ معربٌ على حرفين، فلا بُدَّ له من ثالث محذوف هو لامه، ويجوز أن تكون "واواً" وأن تكون "ياء"؛ لقولهم في التثنية "دَمَوَان" و "دَمَيَان"؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 359- فَلَوْ أَنَّا عَلَى حَجَرٍ ذُبِحْنَا جَرَى الدَّمَيَانِ بِالخَبَرِ الْيَقِينِ تفسير : وهل وزن دم: "فَعْل" بسكون العين، أو "فَعَل" بفتحها؟ قولان؛ وقد يُرَدُّ مَحْذُوفُهُ، فيستعمل مقصوراً كـ "عَصَا"؛ وعليه قول الشاعر: شعر : 360- كَأَطُومٍ فَقَدَتْ بُرْغُزَهَا أَعْقَبَتْهَا الْغُبْسُ مِنْهُ عَدَمَا غَفَلَتْ ثُمَّ أَتَتْ تَرْقُبُهُ فَإِذَا هِيْ بِعِظَامٍ وَدَمَا تفسير : "الأَطُوم": الناقة، "وبرغزها": ولدها، و "الغُبْسُ": الضباع. وقد تشدّد ميمه؛ قال الشاعر: [البسيط] شعر : 461- أَهانَ دَمَّكَ فَرْغاً بَعْدَ عِزَّتِهِ يَا عَمْرُو بَغْيُكَ إِصْرَاراً عَلَى الْحَسَدِ تفسير : وأصل الدِّمَاء: "الدِّمَاو" أو "الدِّمَاي" فقلب حرف العلّة همزة لوقوعه طرفاً بعد ألف زائدةٍ، نحو: "كِسَاء" و "رِدَاء". فإن قيل: الملائكة لا يعملون إلا بما علموا، ولا يسبقونه بالقول، فكيف قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا}. فالجواب: اختلف العلماء فيه، فمنهم من قال: إنهم ذكروا ذلك عن ظَنّ قياساً على حالِ الجِنّ الذين كانوا في الأرض قبل آدم عليه الصَّلاة والسّلام، قاله ابن عباس، والكلبي وأحمد بن يحيى. الثَّاني: أنهم عرفوا خلقة آدم، وعرفوا أنه مركّب من الأخلاط الأربعة فلا بد وأن يتولد منه المشهور بالغَضَبِ، فيتولّد الفساد من الشَّهْوَةِ، وسَفْك الدماء من الغضب. ومنهم من قال: إنهم قالوا ذلك على يَقِيْنٍ، وهو مروي عن "ابن مسعود" وناس من الصحابة، وذكروا وجوهاً: أحدها: أنه - تعالى - لما قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة. قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضاً، فعند ذلك قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}؟ إما على طريق التعجُّب من استخلاف الله من يعصيه، أو من عصيان الله من يستخلفه في أرضه، وينعم عليه بذلك، وإما على طريق الاستعظام والاستكبار للفعلين جميعاً الاستخلاف والعصيان. وثانيها: أنه - تعالى - كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلقٌ عظيم أفسدوا فيها، وسفكوا الدماء. وثالثها: قال ابن زَيْدٍ: لما خلق الله النَّارَ خافت الملائكة خوفاً شديداً، فقالوا: ربنا لمن خلقت هذه النار؟ قال: لمن عَصَانِي من خلقي، ولم يَكُنْ لله يومئذ خلقٌ سوى الملائكة، ولم يكن في الأرض خلق ألبتة، فلما قال: {إني جاعِلٌ في الأرض خليفةً} عرفوا أن المعصية تظهر منهم. ورابعها: لما كتب القلم في اللوح [المحفوظ] ما هو كائن إلى يوم القيامة، فلعلّهم طالعوا اللّوح، فعرفوا ذلك. وخامسها: إذا كان مَعْنَى الخليفة من يكون نائباً لله في الحكم والقضاء، والاحتياج إلى الحاكم والقاضي إنما يكون عند التنازع، والتَّظَالم، فكان الإخبار عن وُجودِ الخليفة إخباراً عن وقوع الفساد والشَّرِّ بطريق الالتزام. وسادسها: قال قتادة: كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الأرض خليفةً يفعل كذا وكذا، قالوا: أتجعل فيها الَّذي علمناه أم غيره. قوله: {ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} الواو: للحال، و "نحن نسبح": جملة من مبتدأ وخبر في محلِّ النصب على الحال. و" بحمدك": متعلّق بمحذوف؛ لأنه حالٌ أيضاً، و "الباء" فيه للمصاحبة أي: نسبّح ملتبسين بحمدك، نحو: جاء زيدٌ بثيابه. فهما حَالاَنِ مُتَدَاخلان، أي حال في حال. وقيل: "الباء" للسببية فتتعلّق بالتسبيح، قل "ابن عطية": ويحتمل أن يكون قولهم: "بحمدك" اعتراضاً بين الكلامين، كأنهم قلوا: ونحن نسبح ونقدس، ثم اعترضا على جهة التسليم، أي: وأنت المَحْمُودُ في الهداية إلى ذلك وكأنه يحاول أنه تكون "الباء" للسببية، ولكن يكون ما تعلّقت به "الباء" فعلاً محذوفاً لائقاً بالمعنى تقديره: حصل لنا التسبيح والتقديس بسبب حمدك. و" الحمد" هنا: مصدر مُضَاف لمفعوله، وفاعله محذوف تقديره بحمدنا إيّاك، وزعم بعضهم أنّ الفاعل مضمر فيه، وهو غلط؛ لأنَّ المصدر اسم جامد لا يضمر فيه على أنه قد حكي الخِلاَف في المصدر الواقع موقع الفِعْل، نحو: "ضرباً زيداً" هل يتحمّل ضميراً أو لا وقد تقدم. و "نُقَدِّسُ" عطف على "نُسَبِّحُ" فهو خبر أيضاً عن "نحن"، ومفعوله محذوف أي: نقدس أنفسنا وأفعالنا لك. و "لك" متعلّق به، أو بـ "نسبح" ومعناها العلّة. وقيل: زائدة، فإنَّ ما قبلها متعدٍّ بنفسه، وهو ضعيف، إذ لا تُزَاد "اللام" إلا مع تقديم المعمول، أو يكون العامل فرعاً. وقيل: هي مُعَدِّيَةٌ: نحو: "سجدت لله". وقيل: للبيان كهي في قولك: "سُقْياً لك" فعلى هذا تتعلّق بمحذوف، ويكون خبر مبتدأ مضمر أي: تقديساً لك. وهذا التقدير أحسن من تقدير قولهم: أعني؛ لأنه أليق بالموضع. وأبعد من زعم أن جملة "ونحن نسبح" داخلة في حيز استفهام مقدر تقديره: وأنحن نسبح أم نتغير؟ واستحسنه ابن عطية مع القول بالاستفهام المحض في قولهم: "أتجعل" وهذا يأباه الجمهور، أعني: حذف همزة الاستفهام من غير ذكر "أم" المعادلة وهو رأي "الأخفش" وجعل من ذلك قوله تعالى: {أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ} تفسير : [الشعراء: 22] أي: وأتلك نعمة. وقول الآخر: [الطويل] شعر : 362- طَرِبْتُ وَمَا شَوْقَاً إِلَى البِيضِ أَطْرَبُ وَلاَ لَعِباً مِنِّي وذُو الشَّيْبِ يَلْعَبُ تفسير : أي: وأذو الشيب؟ وقول الآخر: [المنسرح] شعر : 363- أَفْرَحَ أَنْ أُزْرَأَ الكِرَامَ وَأَنْ أُورَثَ ذَوْداً شَصَائِصاً نَبَلا تفسير : أي: أأفرح؟. فأما مع "أم" جائز لدلالتها عليه؛ كقوله: [الطويل] شعر : 364- لَعَمْرُكَ ما أدْرِي وَإِنْ كُنْتُ دَارِياً بِسَبْعٍ رَمَيْنَ الْجَمْرَ أَمْ بِثَمَانِ تفسير : أي: أبسبع؟ و" التسبيح": التنزيه والبَرَاءة، وأصله من السَّبح وهو البعد، ومنه السَّابح في الماء، فمعنى "سبحان الله" أي: تنزيهاً له وبراءةً عما لا يليق بجلاله ومنه: [السريع] شعر : 365- أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الْفَاخِرِ تفسير : أي: تنزيهاً، وهو مختص بالباري تَعَالى. قال "الراغب" في قوله: سبحان من عَلْقَمَةَ الفاخر إن أصله: سُبْحَانَ علقمة، على سبيل التهكُّم فزاد فيه "من". وقيل: تقديره: سبحان الله من أجل عَلْقَمَة، فظاهر قوله أنه يجوز أن يقال لغير البَارِي على سبيل التهكُّم، وفيه نظر. و "التقديس": التَّطهير، ومنه الأرض المقدَّسَة، وبيت المَقْدِس، ورُوح القُدُس؛ وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 366- فَأَدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بِالسَّاقِ وَالنَّسَا كَمَا شَبْرَقَ الْوِلْدَانُ ثَوْبَ الْمُقَدِّسِ تفسير : أي: المُطَهِّر لهم. وقال: "الزمخشري": هو من قدس في الأرض: إذا ذهب فيها وأبعد، فمعناه قريب من معنى "نسبّح". ثم اختلفوا على وجوه: أحدها: نطهرك أي: نَصِفُكَ بما يليق بك من العلو والعزّة. وثانيها: قول مجاهد: نطهر أنفسنا من ذنوبنا ابتغاءً لمرضاتك. وثالثها: قول أبي مسلم: نطهر أفعالنا من ذنوبنا حتى تكون خالصةً لك. ورابعها: نطهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك حتى تصير مستغرقةً في أنوار معرفتك. قالت المعتزلة: هذه الآية تدلّ على مذهبنا من وجوه: أحدها: قولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} أضافوا هذه الأفعال إلى أنفسهم، فلو كانت أفعالاً لله - تعالى - لما حسن التمدُّح بذلك، ولا فضل لذلك على سفك الدماء؛ إذ كل ذلك من فعل الله تعالى. وثانيها: إذا كان لا فاحشة، ولا ظُلْم، ولا وجود إلاّ بصنعه وخلقه ومشيئته، فكيف يصح التنزيه والتقديس؟ وثالثها: أن قوله: {أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} يدلّ على مذهب العَدْلِ، لأنه لو كان خالقاً للكفر لكان خلقهم لذلك الكفر، فكان ينبغي أن يكون الجواب نعم خلقهم ليفسدوا وليقتلوا، فلما لم يَرْضَ بهذا الجواب سقط هذا المذهب. ورابعها: لو كان الفساد والقَتْلُ من فعل الله - تعالى - لكان ذلك جارياً مجرى أجسامهم، وألوانهم، وكما لا يصح التعجُّب من هذه الأشياء، فكذا من الفساد والقتل. والجواب: المُعَارضة بمسألة الداعي والعلم، والله أعلم. قوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. أصل "إِنِّي": فاجتمع ثلاثة أمثال، فحذفنا أحدها، وهل هو "نون" الوقاية، أو "النون" الوسطى؟ قولان: الصحيح الثاني، وهذا شبيه بما تقدم في {أية : إِنَّا مَعَكُمْ} تفسير : [البقرة: 14] وبابه، والجملة في محل نَصْب بالقول. و "أعلم" يجوز فيه أن يكون فعلاً مضارعاً، وهو الظاهر، و "ما" مفعول به، وهي: إما نكرة موصوفة أو موصولة، وعلى كل تقدير، فالعائد محذوف لاستكماله الشروط: أي: تعلمونه. وقال" المهدي، ومكّيّ" وتبعهما "أبو البقاء": إن "أعلم" اسم بمعنى "عالم"؛ كقوله: [الطويل] شعر : 367- لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وإِنِّي لأَوْجَلُ عَلَى أَيِّنَا تَعْدُو المَنِيَّةُ أَوَّلُ تفسير : فـ "ما" يجوز فيها أن تكون في محلّ جر بالإضافة، أو نصب بـ "أعلم"، ولم ينون "أعلم" لعدم انصرافه بإجماع النحاة. واختلفوا في أفعل إذا سمي به وكان نكرة، فسيبويه والخليل لا يصرفانه، والأخفش يصرفه نحو: "هؤلاء حَوَاجّ بيت الله". وهذا مبني على أصلين ضعيفين: أحدهما: جعل "أفعل" بمعنى "فاعل" من غير تفضيل. والثاني: أن "أفعل" إذا كانت بمعنى اسم الفاعل عملت عمله، والجمهور لا يثبتونها. وقيل: "أعلم" على بابها من كونها للتفضيل، والمفضل عليه محذوف، أي: أعلم منكم، و "ما" منصوبة بفعل محذوف دلّ عليه "أفعل" أي: علمت ما لا تعلمون، ولا جائز أن ينصب بـ "أفعل" التفضيل؛ لأنه أضعف من الصفة المشبّهة التي هي أضعف من اسم الفاعل الذي هو أضعف من الفِعْلِ في العمل، وهذا يكون نظير ما أوّلوه من قول الشاعر: [الطويل] شعر : 368- فَلَمْ أَرَ مِثْلَ الحَيِّ حَيًّا مُصَبَّحاً وَلاَ مِثْلَنَا يَوْمَ الْتَقَيْنَا فَوَارِسَا أَكَرَّ وأَحْمَى لِلْحَقِيقَةِ مِنْهُمُ وَأَضْرَبَ مِنَّا بالسُّيُوفِ القَوَانِسَا تفسير : فـ "القَوَانِس" منصوب بفعل مقدر أي: بـ "ضرب" لا بـ "أضرب"، وفي ادعاء مثل ذلك في الآية الكريمة بعد الحَذْف يتبيّن المفضل عليه، والناصب لـ "ما". فصل في بيان علام الجواب في الآية اختلف علماء التأويل في هذا الجواب وهو قوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فقيل: إنه جواب لتعجّبهم، كأنه قال: لا تتعجّبوا من أن فيهم من يفسد، ويقتل، فإني أعلم مع هذا أن فيهم صالحين، ومتّقين، وأنتم لا تعلمون. وقيل: إنه جواب لغمّهم كأنه قال: لا تغتمّوا بسبب وجود المفسدين، فإني أعلم أيضاً أن فيهم جمعاً من المتّقين، ومن لو أقسم على لأبرّه. وقيل: إنه طلب الحكمة كأنه قال: إن مصلحتكم أن تعرفوا وَجْهَ الحكمة فيه على الإجمال دون التفصيل. بل ربما كان ذلك التفصيل مفسدةً لكم. وقال "ابن عباس": كان "إبليس" - لعنه الله - قد أعجب ودخله الكِبَرُ لما جعله خازن السّماء، وشرفه، فاعتقد أن ذلك لمزيّةٍ له، فاستحب الكفر والمعصية في جانب آدم - عليه الصلاة والسلام - وقالت الملائكة: {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}، وهي لا تعلم أن في نفس إبليس خلاف ذلك، فقال الله لهم: {إني أعلم ما لا تَعْلَمُونَ}، وقيل: المعنى عام، أي: أعلم ما لا تعلمون مما كان، وما يكون، وما هو كائن.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: ما كان في القرآن {إذ} فقد كان. وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله {إني جاعل} قال: فاعل. وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: كل شيء في القرآن (جُعِلَ) فهو خُلِقَ. وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس قال: إن الله أخرج آدم من الجنة قبل أن يخلقه ثم قرأ {إني جاعل في الأرض خليفة} . وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: لقد أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يدخلها قال الله {إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} وقد كان فيها قبل أن يخلق بألفي عام الجن بنو الجان، ففسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فلما أفسدوا في الأرض بعث عليهم جنوداً من الملائكة، فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فلما قال الله {إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} كما فعل أولئك الجان فقال الله {إني أعلم ما لا تعلمون} . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر. مثله. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، فكان خازناً من خزان الجنة، وخلقت الملائكة كلهم من نور غير ذلك الحي، وخلقت الجن من مارج من نار. وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت، فأول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء وقتلوا بعضهم بعضاً، فبعث الله اليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم حتى ألحقهم بجزائر البحور واطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغتر بنفسه وقال: قد صنعت شيئاً لم يصنعه أحد، فاطلع الله على ذلك من قلبه ولم تطلع عليه الملائكة. فقال الله للملائكة {إني جاعل في الأرض خليفة} فقالت الملائكة {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} كما أفسدت الجن قال {إني أعلم ما لا تعلمون} يقول: إني قد أطلعت من قلب ابليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره. ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم عليه السلام من طين {لازب} واللازب اللزج الطيب من {حمإ مسنون} منتن، وإنما كان حمأ مسنوناً بعد التراب، فخلق منه آدم بيده، فمكث أربعين ليلة جسداً ملقى، فكان ابليس يأتيه يضربه برجله، فيصلصل فيصوت ثم يدخل من فيه ويخرج من دبره، ويدخل من دبره ويخرج من فمه، ثم يقول: لست شيئاً، ولشيء ما خلقت! ولئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت علي لأعصينك. فلما نفخ الله فيه من روحه أتت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحماً ودماً، فلما انتهت النفخة إلى سرَّته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده، فذهب لينهض فلم يقدر. فهو قول الله {خلق الإِنسان من عجل} . فلما تممت النفخة في جسده عطس فقال {الحمد لله رب العالمين} بإلهام من الله فقال الله له "يرحمك الله يا آدم"، ثم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات:{اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر} لما حدث في نفسه من الكبر فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه، وأكبر سناً، وأقوى خلقاً، فأبلسه الله وآيسه من الخير كله، وجعله شيطاناً رجيماً. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن أبي العالية قال: إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، فكفر قوم من الجن. فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء، وكان الفساد في الأرض. فمن ثم قالوا {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: لما خلق الله النار ذعرت منها الملائكة ذعراً شديداً وقالوا: ربنا لم خلقت هذه؟ قال: لمن عصاني من خلقي ـ ولم يكن لله خلق يومئذ إلا الملائكة ـ قالوا: يا رب ويأتي علينا دهر نعصيك فيه؟ قال: لا. إني أريد أن أخلق في الأرض خلقاً، وأجعل فيها خليفة يسفكون الدماء، ويفسدون في الأرض قالوا {أتجعل فيها من يفسد فيها} فاجعلنا نحن فيها {فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} . وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن ابن مسعود وناس من الصحابة. لما فرغ الله من خلق ما أحب، استوى على العرش فجعل إبليس على ملك سماء الدنيا. وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزائن الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازناً، فوقع في صدره كبر وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيد أو لمزية لي، فاطلع الله على ذلك منه فقال للملائكة {إني جاعل في الأرض خليفة} قالوا ربنا {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء... قال إني أعلم ما لا تعلمون}. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وإذ قال ربك للملائكة....} الآية. قال: إن الله قال للملائكة: إني خالق بشراً، وإنهم متحاسدون فيقتل بعضهم بعضاً ويفسدون في الأرض. فلذلك قالوا {أتجعل فيها من يفسد فيها} قال: وكان إبليس أميراً على ملائكة سماء الدنيا، فاستكبروهمَّ بالمعصية وطغى، فعلم الله ذلك منه. فذلك قوله {إني أعلم ما لا تعلمون} وإن في نفس إبليس بغياً. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} قال: قد علمت الملائكة وعلم الله أنه لا شيء أكره عند الله من سفك الدماء والفساد في الأرض. وأخرج ابن المنذر وابن بطة في أماليه عن ابن عباس قال: إياكم والرأي فإن الله تعالى رد الرأي على الملائكة، وذلك أن الله تعالى قال {إني جاعل في الأرض خليفة} قالت الملائكة {أتجعل فيها من يفسد فيها... قال إني أعلم ما لا تعلمون} . وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة عن أنس قال "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حديث : إن أول من لبى الملائكة قال الله {إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} قال: فزادوه فأعرض عنهم، فطافوا بالعرش ست سنين يقولون: لبيك لبيك اعتذاراً إليك، لبيك لبيك نستغفرك ونتوب إليك ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن سابط "إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : دحيت الأرض من مكة، وكانت الملائكة تطوف بالبيت فهي أوّل من طاف به، وهي الأرض التي قال الله {إني جاعل في الأرض خليفة} وكان النبي إذا هلك قومه ونجا هو والصالحون أتاها هو ومن معه، فيعبدون الله بها حتى يموتوا فيها، وأن قبر نوح، وهود، وشعيب، وصالح، بين زمزم وبين الركن والمقام ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} قال (التسبيح) التسبيح و (التقديس) الصلاة. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : أحب الكلام إلى الله ما اصطفاه الله لملائكته. سبحان ربي وبحمده ـ وفي لفظ ـ سبحان الله وبحمده ". تفسير : وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير "أن عمر بن الخطاب سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الملائكة، فلم يرد عليه شيئاً. فأتاه جبريل فقال: إن أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان الحي الذي لا يموت". وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله {ونقدس لك} قال: نصلي لك . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال {التقديس} التطهير. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {ونقدس لك} قال: نعظمك ونكبرك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي صالح في قوله {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} قال: نعظمك ونمجدك. تفسير : وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير في قوله {إني أعلم ما لا تعلمون} قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله {إني أعلم ما لا تعلمون} قال: كان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء، ورسل، وقوم صالحون وساكنو الجنة. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في الأمل عن الحسن قال: لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: ربنا إن الأرض لم تسعهم قال: إني جاعل موتاً قالوا: إذاً لا يهنأ لهم العيش قال: إني جاعل أملاً. وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات وابن حبان في صحيحه والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن آدم لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم قال الله للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض فننظر كيف يعملان؟ فقالوا: ربنا هاروت وماروت... قال فاهبطا إلى الأرض، فتمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك قالا: والله لا نشرك بالله أبداً. فذهب عنهما ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي قالا: لا والله لا نقتله أبداً. فذهبت ثم رجعت بقدح من خمر، فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها، وقتلا الصبي. فلما افاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئاً ابيتماه علي إلا قد فعلتماه حين سكرتما. فخيرا عند ذلك بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا ". تفسير : وأخرج ابن سعد في طبقاته وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه والحكيم في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض. جاء منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك والسهل، والحزن، والخبيث، والطيب ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: خلقت الكعبة قبل الأرض بألفي سنة قالوا كيف خلقت قبل وهي من الأرض؟ قال: كانت حشفة على الماء عليها ملكان يسبحان الليل والنهار ألفي سنة، فلما أراد الله أن يخلق الأرض دحاها منها فجعلها في وسط الأرض ، فلما أراد الله أن يخلق آدم بعث ملكاً من حملة العرش يأتي بتراب من الأرض، فلما هوى ليأخذ قالت الأرض: أسألك بالذي أرسلك أن لا تأخذ مني اليوم شيئاً يكون منه للنار نصيب غداً، فتركها فلما رجع إلى ربه قال: ما منعك أن تأتي بما أمرتك؟ قال: سألتني بك فعظمت أن أرد شيئاً سألني بك، فأرسل ملكاً آخر فقال مثل ذلك حتى أرسلهم كلهم، فأرسل ملك الموت فقالت له مثل ذلك قال: إن الذي أرسلني أحق بالطاعة منك. فأخذ من وجه الأرض كلها. من طيبها، وخبيثها، حتى كانت قبضة عند موضع الكعبة، فجاء به إلى ربه فصب عليه من ماء الجنة، فجاء حمأ مسنوناً، فخلق منه آدم بيده، ثم مسح على ظهره فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فتركه أربعين ليلة لا ينفخ فيه الروح، ثم نفخ فيه الروح، فجرى فيه الروح من رأسه إلى صدره، فأراد أن يثب، فتلا أبو هريرة {خلق الإِنسان من عجل}. على ظهره فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فتركه أربعين ليلة لا ينفخ فيه الروح، ثم نفخ فيه الروح، فجرى فيه الروح من رأسه إلى صدره، فأراد أن يثب، فتلا أبو هريرة {خلق الإِنسان من عجل}. فلما جرى فيه الروح قعد جالساً فعطس، فقال الله: قل الحمد لله. فقال: الحمد لله فقال: رحمك ربك، ثم قال: انطلق إلى هؤلاء الملائكة فسلم عليهم فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فقال: هذه تحيتك وتحية ذريتك. يا آدم. أي مكان أحب إليك أن أريك ذريتك فيه؟ فقال: بيمين ربي وكلتا يدي ربي يمين. فبسط يمينه فأراه فيها ذريته كلهم وما هو خالق إلى يوم القيامة. الصحيح على هيئته، والمبتلى على هيئته، والأنبياء كلهم على هيئتهم. فقال: أي رب ألا عافيتهم كلهم؟ فقال: إني أحببت أن أشكر فرأى فيها رجلاً ساطعاً نوره فقال: أي رب من هذا؟ فقال: هذا ابنك داود فقال: كم عمره؟ قال: ستون سنة قال: كم عمري؟ قال: ألف سنة قال: انقص من عمري أربعين سنة فزدها في عمره، ثم رأى آخر ساطعاً نوره ليس مع أحد من الأنبياء مثل ما معه فقال: أي رب من هذا؟ قال: هذا ابنك محمد، وهو أوّل من يدخل الجنة فقال آدم: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من يسبقني إلى الجنة ولا أحسده. فلما مضى لآدم ألف سنة إلا أربعين جاءته الملائكة تتوفاه عياناً قال: ما تريدون؟ قالوا أردنا أن نتوفاك قال: بقي من أجلي أربعون! قالوا: أليس قد أعطيتها ابنك داود؟ قال: ما أعطيت أحداً شيئاً. قال أبو هريرة: جحد آدم، وجحدت ذريته، ونسي، ونسيت ذريته. وأخرج ابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: بعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص مني، فرجع ولم يأخذ شيئاً وقال: يا رب إنها أعاذت بك فأعذتها. فبعث الله ميكائيل كذلك. فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلط ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء، وبيضاء، وسوداء ـ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين ـ فصعد به، فبل التراب حتى صار طيناً {لازباً} واللازب: هو الذي يلزق بعضه ببعض ثم قال للملائكة: إني خالق بشراً من طين، فخلقه الله بيده لئلا يتكبر عليه إبليس، فخلقه بشراً سوياً، فكان جسداً من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة، ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم منه فزعاً إبليس، فكان يمر به فيضربه، فيصوّت الجسد كما يصوّت الفخار يكون له صلصلة فيقول: لأمر ما خلقت! ويدخل من فيه ويخرج من دبره ويقول للملائكة: لا ترهبوا منه فإن ربكم صمد وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأهلكنه. فلما بلغ الحين الذي يريد الله أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل في رأسه عطس فقالت الملائكة: الحمد لله فقال: الحمد لله فقال الله له: يرحمك ربك. فلما دخلت الروح في عنقه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت إلى جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ إلى رجليه عجلاً إلى ثمار الجنة. وذلك قوله تعالى {خلق الإِنسان من عجل}. وأخرج ابن سعد في طبقاته وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس قال: بعث رب العزة إبليس، فأخذ من أديم الأرض: من عذبها، ومالحها، فخلق منها آدم. فكل شيء خلقه من عذبها فهو صائر إلى السعادة وإن كان ابن كافرين، وكل شيء خلقه من مالحها فهو صائر إلى الشقاء وإن كان ابن نبيين. قال: ومن ثم قال إبليس: {أأسجد لمن خلقت طيناً}؟ إن هذه الطينة أنا جئت بها. ومن ثم سمي آدم لأنه أخذ من أديم الأرض. وأخرج ابن جرير عن علي قال: إن آدم خلق من أديم الأرض. فيه الطيب، والصالح، والرديء، فكل ذلك أنت راء في ولده. وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن أبي ذر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن آدم خلق من ثلاث تربات: سوداء، وبيضاء، وحمراء ". تفسير : وأخرج ابن سعد في الطبقات وعبد بن حميد وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات وابن عساكر عن سعيد بن جبير قال: خلق الله آدم من أرض يقال لها دحناء. وأخرج الديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً "حديث : الهوى، والبلاء، والشهوة، معجونة بطينة آدم عليه السلام ". تفسير : وأخرج الطيالسي وابن سعد وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو يعلي وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لما صوّر الله تعالى آدم في الجنة تركه ما شاء أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف علم أنه خلق لا يتمالك"تفسير : . ولفظ أبي الشيخ قال: "حديث : خلق لا يتمالك ظفرت به ". تفسير : وأخرج ابن حبان عن أنسأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لما نفخ الله في آدم الروح فبلغ الروح رأسه عطس فقال {الحمد لله رب العالمين} فقال له تبارك وتعالى: يرحمك الله ". تفسير : وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما خلق الله آدم عطس، فألهمه الله ربه أن قال: الحمد لله قال له ربه: يرحمك الله. فلذلك سبقت رحمته غضبه ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: لما فرغ الله من خلق آدم وجرى فيه الروح عطس فقال: الحمد لله فقال له ربه: يرحمك ربك. وأخرج ابن سعد وأبو يعلي وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق آدم من تراب، ثم جعله طيناً، ثم تركه حتى إذا كان حمأ مسنوناً خلقه وصوّره، ثم تركه حتى إذا كان صلصالاً كالفخار، وجعل إبليس يمر به فيقول: لقد خلقت لأمر عظيم، ثم نفخ الله فيه من روحه، فكان أوّل شيء جرى فيه الروح بصره وخياشيمه، فعطس فلقنه الله حمد ربه فقال الرب: يرحمك ربك. ثم قال: يا آدم اذهب إلى أولئك النفر فقل لهم وانظر ماذا يقولون؟ فجاء فسلم عليهم فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله، فجاء إلى ربه فقال: ماذا قالوا لك وهو أعلم بما قالوا له؟ قال: يا رب سلمت عليهم فقالوا وعليك السلام ورحمة الله قال: يا آدم هذه تحيتك وتحية ذريتك، قال: يا رب وما ذريتي؟! قال: اختر يدي، قال: أختار يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين. فبسط الله كفه فإذا كل ما هو كائن من ذريته في كف الرحمن عز وجل ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"حديث : خلق الله آدم وطوله ستون ذراعاً قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة فاسمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك. فذهب فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله. فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعاً، فلم تزل الخلق تنقص حتى الآن ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والطبراني في الكبير عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً بيضاً، جعاداً مكحلين، ابناء ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم طوله ستون ذراعاً في عرض سبعة أذرع ". تفسير : وأخرج مسلم وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة. فيه خلق الله آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه مات، وفيه تيب عليه، وفيه تقوم الساعة ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي نضرة قال: لما خلق الله آدم ألقى جسده في السماء لا روح فيه، فلما رأته الملائكة راعهم ما رأوه من خلقه، فأتاه إبليس فلما رأى خلقه منتصباً راعه، فدنا منه فنكته برجله، فصل آدم فقال: هذا أجوف لا شيء عنده. وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج قال: خلق الله آدم في سماء الدنيا، وإنما أسجد له ملائكة سماء الدنيا ولم يسجد له ملائكة السموات. وأخرج أبو الشيخ بسند صحيح عن ابن زيد يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله لما أراد أن يخلق آدم بعث ملكاً والأرض يومئذ وافرة فقال: اقبض لي منها قبضة آتني بها أخلق منها خلقاً قالت: فإني أعوذ بأسماء الله إن تقبض اليوم مني قبضة يخلق خلقاً يكون لجهنم منه نصيب، فعرج الملك ولم يقبض منها شيئاً فقال له: مالك...؟ قال: عاذت باسمائك أن أقبض منها خلقاً يكون لجهنم منه نصيب فلم أجد عليها مجازاً، فبعث ملكاً آخر، فلما أتاها قالت له مثل ما قالت للأوّل، ثم بعث الثالث فقالت له مثل ما قالت لهما، فعرج ولم يقبض منها شيئاً، فقال له الرب تعالى مثل ما قال للذين قبله. ثم دعا إبليس ـ واسمه يومئذ في الملائكة حباب ـ فقال له: اذهب فاقبض لي من الأرض قبضة، فذهب حتى أتاها، فقالت له مثل ما قالت للذين من قبله من الملائكة، فقبض منها قبضة، ولم يسمع لحرجها، فلما أتاها قال الله تعالى: ما أعاذت بأسمائي منك؟ قال: بلى. قال: فما كان من أسمائي ما يعيذها منك؟ قال: بلى. ولكن أمرتني فأطعتك فقال الله: لأخلقن منها خلقاً يسوء وجهك، فألقى الله تلك القبضة في نهر من أنهار الجنة حتى صارت طيناً، فكان أول طين، ثم تركها حتى صارت حمأ مسنوناً منتن الريح، ثم خلق منها آدم، ثم تركه في الجنة أربعين سنة حتى صار صلصالاً كالفخار. يبس حتى كان كالفخار. ثم نفخ فيه الروح بعد ذلك، وأوحى الله الى ملائكته: إذا نفخت فيه من الروح فقعوا له ساجدين، وكان آدم مستلقياً في الجنة فجلس حين وجد مس الروح فعطس فقال الله له: أحمد ربك فقال: يرحمك ربك. فمن هنالك يقال: سبقت رحمته غضبه. وسجدت الملائكة إلا هو قام فقال {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين} [الأعراف: 12] فاخبر الله أنه لا يستطيع أن يعلن على الله ما له يكيد على صاحبه فقال {أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، قال: فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها} إلى قوله {ولا تجد أكثرهم شاكرين} [ الأعراف: 17] وقال الله {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} [سبأ: 20] وإنما كان ظنه أن لا يجد أكثرهم شاكرين ".
ابو السعود
تفسير : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} بـيان لأمرٍ آخرَ من جنس الأمورِ المتقدمةِ المؤكدةِ للإنكار والاستبعادِ، فإن خلقَ آدمَ عليه السلام وما خصّه به من الكرامات السنية المحْكية من أجل النعم الداعيةِ لذريته إلى الشكر والإيمان الناهيةِ عن الكفرِ والعصيان، وتقريرٌ لمضمون ما قبلَه من قوله تعالى: {أية : خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأرْضِ جَمِيعاً } تفسير : [البقرة، الآية 29] وتوضيحٌ لكيفية التصرفِ والانتفاعِ بما فيها، وتلوينُ الخطاب بتوجيهه إلى النبـي صلى الله عليه وسلم خاصةً للإيذان بأن فحوى الكلامِ ليس مما يُهتدىٰ إليه بأدلة العقلِ كالأمور المشاهدة التي نبه عليها الكفَرَةَ بطريق الخطاب، بل إنما طريقُه الوحيُ الخاصُّ به عليه السلام، وفي التعرض لعنوان الربوبـية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام من الإنباء عن تشريفه عليه السلام ما لا يخفىٰ، وإذْ ظرفٌ موضوعٌ لزمانِ نسبةٍ ماضيةٍ وقعَ فيه نسبةٌ أخرى مثلها، كما أن إذا موضوعٌ لزمانِ نسبةٍ مستقبلةٍ يقع فيه أخرى مثلُها، ولذلك يجب إضافتُهما إلى الجمل، وانتصابُه بمضمر صرح في قوله عز وجل: {أية : وَٱذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ } تفسير : [الأعراف، الآية 86] وقوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ } تفسير : [الأعراف، الآية 74] وتوجيهُ الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرِها، لما أن إيجابَ ذكر الوقتِ إيجابٌ لذكر ما وقع فيه بالطريق البرهاني، ولأن الوقتَ مشتمِلٌ عليها، فإذا استُحضِر كانت حاضرةً بتفاصيلها، كأنها مشاهَدةٌ عِياناً، وقيل: ليس انتصابُه على المفعولية، بل على تأويل اذكُرِ الحادث فيه بحذف المظروفِ وإقامةِ الظرفِ مُقامَه. وأياً ما كان فهو معطوفٌ على مضمر آخرَ ينسحب عليه الكلام كأنه قيل له عليه السلام غِبَّ ما أوحيَ إليه ما خوطب به الكفرةُ من الوحي الناطقِ بتفاصيل الأمورِ السابقةِ الزاجرة عن الكفر به تعالى: ذكِّرهم بذلك واذكُرْ لهم هذه النعمةَ ليتنبهوا بذلك لبُطلان ما هم عليه وينتهوا عنه، وأما ما قيل من أن المقدَّرَ هو اشكُر النعمةَ في خلق السمواتِ والأرض أو تدبَّرْ ذلك فغيرُ سديدٍ ضرورةَ أن مقتضىٰ الكلام تذكيرُ المخاطبـين بمواجب الشكرِ وتنبـيهُهم على ما يقتضيه، وأين ذاك من مَقامه الجليلِ صلى الله عليه وسلم؟ وقيل: انتصابُه بقوله تعالى: قالوا، ويأباه أنه يقتضي أن يكون هو المقصودَ بالذات دون سائرِ القصة، وقيل: بما سبق من قوله تعالى: {أية : وَبَشّرِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }تفسير : [البقرة، الآية 25. وسورة يونس، الآية 2]، ولا يخفى بُعدُه، وقيل: بمضمرٍ دل عليه مضمونُ الآية المتقدمة مثل وبدأ خلقَكم إذ قال الخ... ولا ريب في أنه لا فائدةَ في تقيـيد بدءِ الخلقِ بذلك الوقت، وقيل: بخلقكم أو بأحياكم مضمراً، وفيه ما فيه، وقيل: إذْ زائدة، ويْعزى ذلك إلى أبـي عبـيد ومَعْمَر، وقيل: إنه بمعنى قد، واللامُ في قوله عز قائلاً: {لِلْمَلَـٰئِكَةِ} للتبليغ، وتقديمُ الجارِّ والمجرور في هذا الباب مطَّرِدٌ لما في المقول من الطول غالباً مع ما فيه من الاهتمام بما قُدِّم والتشويقِ إلى ما أُخِّر كما مر مراراً، والملائكةُ جمعُ ملك باعتبار أصلِه الذي هو مَلأك على أن الهمزة مزيدة كالشمائل في جمع شمأل، والتاء لتأكيد تأنيثِ الجماعة، واشتقاقُه من مَلَك لما فيه من معنى الشدة والقوة، وقيل: على أنه مقلوبٌ من مأْلَكٍ، من الألوكة وهي الرسالة أي موضعَ الرسالة أو مرسلٌ على أنه مصدرٌ بمعنى المفعول، فإنهم وسائطُ بـين الله تعالى وبـين الناسِ فهم رسلُه عز وجل، أو بمنزلة رسلِه عليهم السلام، واختلفت العقلاءُ في حقيقتهم بعد اتفاقِهم على أنها ذواتٌ موجودةٌ قائمةٌ بأنفسها. فذهب أكثرُ المتكلمين إلى أنها أجسامٌ لطيفةٌ قادرةٌ على التشكل بأشكال مختلفة، مستدلين بأن الرسلَ كانوا يرَوُنهم كذلك عليهم السلام، وذهب الحكماءُ إلى أنها جواهرٌ مجردةٌ مخالفةٌ للنفوس الناطقةِ في الحقيقية، وأنها أكملُ منها قوة وأكثرُ علماً يجري منها مَجرى الشمس من الأضواء منقسمةٌ إلى قسمين: قِسمٌ شأنُهم الاستغراقُ في معرفة الحقِّ والتنزُّهِ عن الاشتغال بغيره كما نعتَهم الله عز وجل بقوله: {أية : يُسَبّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ } تفسير : [الأنبياء، الآية 20] وهم العِلِّيُّون المقرَّبون، وقسمٌ يدبِّرُ الأمرَ من السماء إلى الأرض حسبما جرى عليه قلمُ القضاء والقدرِ، وهم المدبِّراتُ أمراً، فمنهم سماويةٌ ومنهم أرضية، وقالت طائفة من النصارى: هي النفوسُ الفاضلةُ البشرية المفارِقةُ للأبدان، ونُقل في شرح كَثرتِهم أنه عليه السلام قال: «حديث : أَطَّتِ السَّمَاءُ وحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ ما فيها مَوضِعُ قدم إلا وفيه مَلَكٌ ساجدٌ أو راكع» تفسير : وروي أن بني آدمَ عشرُ الجن، وهما عشرُ حيوانات البَرّ، والكلُّ عشرُ الطيور، والكلُّ عشرُ حيوانات البحار، وهؤلاءِ كلُّهم عشرُ ملائكةِ السماءِ الدنيا، وكلُّ هؤلاءِ عشرُ ملائكةِ السماء الثانية، وهكذا إلى السماء السابعة، ثم كلُّ أولئك في مقابلة ملائكةِ الكُرسيِّ نَزْرٌ قليل، ثم جميعُ هؤلاءِ عشرُ ملائكةِ سُرادقٍ واحدٍ من سُرادقاتِ العرش التي عددُها ستمائة ألفٍ، طولُ كلِّ سُرادقٍ وعَرضُه وسَمكُه إذا قوبلت به السمواتُ والأرضُ وما فيهما وما بـينهما لا يكونُ لها عنده قَدْرٌ محسوسٌ، وما منه من مقدارِ شبرٍ إلا وفيه ملكٌ ساجد أو راكعٌ أو قائم، لهم زجَلٌ بالتسبـيح والتقديس. ثم كلُّ هؤلاءِ في مقابلة الملائكةِ الذين يحومون حولَ العرش كالقَطْرةِ في البحر، ثم ملائكةُ اللوحِ الذين هم أشياعُ إسرافيلَ عليه السلام والملائكةُ الذين هم جنودُ جبريلَ عليه السلام لا يُحصي أجناسَهم ولا مُدةُ أعمارِهم ولا كيفياتُ عباداتهم إلا بارِئهُم العليمُ الخبـير على ما قال تعالى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبّكَ إِلاَّ هُوَ}تفسير : [المدثر، الآية 31]. وروي أنه عليه السلام حين عُرج به إلى السماء رأى ملائكةً في موضعٍ بمنزلةِ شرفٍ يمشي بعضُهم تُجاهَ بعض، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريلَ عليه السلام إلى أين يذهبون؟ فقال جبريلُ: لا أدري إلا أني أراهم منذ خلقتُ ولا أرى واحداً منهم قد رأيته قبل ذلك، ثم سألا واحداً منهم منذ كم خلقتَ؟ فقال: لا أدري غير أن الله عز وجل يخلُق في كل أربعمائة ألفِ سنةٍ كوكباً، وقد خلق منذ خلقني أربعَمائة ألفِ كوكب فسبحانه مِنْ إلهٍ ما أعظمَ قدرَه وما أوسعَ ملكوتَه. واختُلف في الملائكة الذين قيل لهم ما قيل، فقيل: هم ملائكةُ الأرضِ، وروىٰ الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنهم المختارون مع إبليسَ حين بعثه الله عز وجل لمحاربة الجنِّ، حيث كانوا سكانَ الأرض فأفسدوا فيها وسفَكوا الدماءَ فقتلوهم إلا قليلاً، قد أخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائرِ البحار وقُلل الجبالِ وسكنوا الأرض، وخفف الله تعالى عنهم العبادة، وأعطى إبليسَ مُلك الأرض ومُلك السماءِ الدنيا وخِزانةَ الجنة، فكان يعبُد الله تعالى تارةً في الأرض وتارةً في السماء، وأخرى في الجنة، فأخذه العُجب، فكان من أمره ما كان، وقال أكثر الصحابة والتابعين رضوانُ الله تعالى عليهم أنهم كلُّ الملائكة لعموم اللفظ وعدمِ المُخصِّص. وقولُه تعالى: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأرْضِ خَلِيفَةً} في حيِّز النصب على أنه مقولُ قال، وصيغةُ الفاعل بمعنى المستقبل، ولذلك عمِلت عملَه. وفيهــا ما ليس في صيغة المضارعِ من الـــدلالة على أنه فاعلٌ ذلك لا محالةَ وهي من الجَعْل بمعنى التصيـير المتعدِّي إلى مفعولين، فقيل: أولُهما خليفةٌ وثانيهما الظرفُ المتقدم على ما هو مقتضىٰ الصِّناعة، فإن مفعولي التصيـير في الحقيقة اسمُ صارَ وخبرُه، أولُهما الأول، وثانيهما الثاني، وهما مبتدأٌ وخبرٌ، والأصل في الأرض خليفةٌ ثم قيل: صارَ في الأرض خليفةٌ ثم مصيرٌ في الأرض خليفةٌ فمعناه بعد اللتيا والتي: إني جاعل خليفةً من الخلائف أو خليفةً بعينه كائناً في الأرض، فإن خبرَ صار في الحقيقة هو الكونُ المقدَّر العامل في الظرف، ولا ريب في أن ذلك ليس مما يقتضيه المقامُ أصلاً، وإنما الذي يقتضيه هو الإخبارُ بجعل آدمَ (عليه السلام) خليفةً فيها كما يعرب عنه جوابُ الملائكة عليهم السلام، فإذن قولُه تعالى خليفةً مفعولٌ ثانٍ، والظرفُ متعلقٌ بجاعل، قدم على المفعول الصريح لما مر من التشويق إلى ما أُخِّر، أو بمحذوفٍ وقع حالاً مما بعده لكونه نكرة، وأما المفعولُ الأولُ فمحذوفٌ تعويلاً على القرينة الدالة عليه كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَاء أَمْوٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَـٰماً } تفسير : [النساء، الآية 5] حُذف فيه المفعولُ الأول وهو ضميرُ الأموالِ لدلالة الحالِ عليه وكذا في قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا ءاتَـٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ } تفسير : [آل عمران، الآية 180] حيث حُذف فيه المفعولُ الأول لدلالة يبخلون عليه. أي لا يحسبنَّ البخلاءُ بخلَهم هو خيراً لهم، ولا ريب في تحقّق القرينةِ ههنا، أما إنْ حُمل على الحذف عند وقوعِ المحكيِّ فهي واضحةٌ لوقوعه في أثناء ذِكْرِه عليه السلام على ما سنفصله، كأنه قيل: إني خالق بشراً من طين وجاعلٌ في الأرض خليفة، وإما إنْ حُمل على أنه لم يُحذفْ هناك بل قيل مثَلاً وجاعلٌ إياه خليفةً في الأرض لكنه حُذفَ عند الحكاية فالقرينةُ ما ذُكِرَ من جوابِ الملائكة عليهم السلام. قال العلامة الزمخشري في تفسير قوله تعالى: {أية : إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّى خَـٰلِقٌ بَشَراً مّن طِينٍ} تفسير : [ص، الآية 71] إن قلت: كيف صح أن يقول لهم بشراً وما عرَفوا ما البشرُ ولا عهِدوا به؟ قلت: وجهُه أن يكون قد قال لهم: إني خالقٌ خلقاً من صفته كيتَ وكيتَ ولكنه حين حكاه اقتصَر على الاسم انتهى. فحيث جاز الاكتفاءُ عند الحكاية عن ذلك التفصيلِ بمجرد الاسمِ من غير قرينةٍ تدل عليه فما ظنُك بما نحن فيه ومعه قرينةٌ ظاهرةٌ، ويجوز أن يكون من الجعل بمعنى الخَلْق المتعدي إلى مفعولٍ واحد هو (خليفةً)، وحالُ الظرفِ في التعلق والتقديم كما مر، فحينئذ لا يكون ما سيأتي من كلام الملائكةِ مترتباً عليه بالذات بل بالواسطة، فإنه رُوي أنه تعالى لما قال لهم: {إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأرْضِ خَلِيفَةً} قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال تعالى: يكون له ذريةٌ يفسدون في الأرض ويتحاسَدون ويقتُلُ بعضُهم بعضاً، فعند ذلك قالوا ما قالوا والله تعالى أعلم. والخليفةُ من يخلُفُ غيرَه وينوب مَنابَه، فعيل بمعنى الفاعل والتاء للمبالغة، والمراد به إما آدمُ عليه السلام وبنوه، وإنما اقتُصر عليه استغناءً بذكره عن ذكرهم كما يستغنىٰ عن ذكر القبـيلةِ بذكر أبـيها كمُضَرَ وهاشمٍ، ومنه «الخلافةُ في قريش» وإما مَنْ يخلُف أو خلف يخلُف فيعمُّه عليه السلام وغيرَه من خلفاءِ ذريتِه، والمرادُ بالخلافة إما الخلافةُ من جهته سبحانه في إجراء أحكامِه وتنفيذِ أوامره بـين الناس وسياسةِ الخلقِ لكن لا لحاجةٍ به تعالى إلى ذلك بل لقصور استعدادِ المستخلَف عليهم، وعدمِ لياقتِهم لقبول الفيضِ بالذات فتختصُّ بالخواصِّ من بنيه، وإما الخلافةُ ممن كان في الأرض قبل ذلك فتعمُّ حينئذ الجميع. {قَالُواْ} استئنافٌ وقعَ جواباً عما تنساقُ إليه الأذهانُ كأنه قيل: فماذا قالت الملائكة حينئذ، فقيل: قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}؟ وهو أيضاً من الجعل المتعدي إلى اثنين، فقيل فيهما ما قيل في الأول، والظاهرُ أن الأولَ كلمةُ مَنْ، والثاني محذوفٌ ثقةً بما ذكر في الكلام السابق، كما حُذف الأولُ ثَمةَ تعويلاً على ما ذكر هنا قال قائلهم: [الخفيف] شعر : لا تَخَلْنا على عزائك إنا طالما قد وشَى بنا الأعداءُ تفسير : بحذف المفعول الثاني أي لا تخَلْنا جازعين على عزائك: والمعنى أتجعل فيها من يفسد فيها خليفةً؟ والظرفُ الأولُ متعلقٌ بتجعلُ وتقديمُه لما مر مراراً والثاني بـيُفسِدُ، وفائدتُه تأكيدُ الاستبعادِ لما أن في استخلاف المفسِدِ في محل إفساده من البعد ما ليس في استخلافه في غيره، هذا وقد جُوِّز كونُه من الجعل بمعنى الخلق المتعدي إلى مفعول واحدٍ هو كلمةُ مَنْ، وأنت خبـير بأن مدارَ تعجُّبِهم ليس خلقَ من يُفسد في الأرض، كيف لا وإن ما يعقُبه من الجملة الحالية الناطقة بدعوى أحقِّيتِهم منه يقضي ببُطلانه حتماً إذ لا صِحَّة لدعوىٰ الأحقية منه بالخلق وهم مخلوقون، بل مدارُه أن يُستخلف لعمارة الأرض وإصلاحِها بإجراء أحكامِ الله تعالى وأوامرِه أو يُستخلفَ مكان المطبوعين على الطاعة مَنْ مِنْ شأنِ بني نوعِه الإفسادُ وسفكُ الدماء. وهو عليه السلامُ وإن كان منزهاً عن ذلك إلا أن استخلافَه مستتبِعٌ لاستخلاف ذرّيتِه التي لا تخلو عنه غالباً، وإنما أظهروا تعجُّبَهم استكشافاً عما خفِيَ عليهم من الحِكَم التي بدت على تلك المفاسد وألغَتْها، واستخباراً عما يُزيح شبهتَهم ويرشدهم إلى معرفة ما فيه عليه السلام من الفضائل التي جعلتْه أهلاً لذلك، كسؤال المتعلم عما ينقدِحُ في ذهنه لا اعتراضاً على فعل الله سبحانه ولا شكاً في اشتماله على الحِكمة والمصلحة إجمالاً، ولا طعناً فيه عليه السلام ولا في ذريته على وجه الغَيْبة، فإن منصِبَهم أجلُّ من أن يُظَنَّ بهم أمثالُ ذلك، قال تعالى: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنبياء، الآية 26، 27] وإنما عَرفوا ما قالوا إما بإخبارٍ من الله تعالى حسبما نُقل من قبلُ، أو بتلقٍ من اللوح، أو باستنباطٍ عما ارتكز في عقولهم من اختصاص العِصْمةِ بهم، أو بقياسٍ لأحد الثقلين على الآخر. {وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاءَ} السفكُ والسفحُ والسبكُ والسكْبُ أنواع من الصَّب، والأولان مختصانِ بالدم، بل لا يستعمل أولُهما إلا في الدم المحرّم، أي يقتل النفوسَ المحرمة بغير حق، والتعبـيرُ عنه بسفك الدماء لما أنه أقبحُ أنواعِ القتل وأفظعُه وقرىء يُسفِك بضم الفاء، ويُسفِك ويَسْفِك من أسفك وسَفَك، وقرىء يُسفَكُ على البناء للمفعول وحُذف الراجع إلى (مَنْ) موصولةً أو موصوفة أي يسفك الدماء فيهم. {وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ} جملة حاليةٌ مقررة للتعجب السابق ومؤكدةٌ له على طريقة قول من يجِدُّ في خدمة مولاه وهو يأمرُ بها غيرَه أتستخدمُ العُصاةَ وأنا مجتهدٌ فيها! كأنه قيل: أتستخلفُ من شأنُ ذريته الفسادُ مع وجود مَنْ ليس من شأنه ذلك أصلاً؟ والمقصودُ عرضُ أحقيتِهم منهم بالخلافة واستفسارٌ عما رجَّحهم عليهم مع ما هو متوقَّعٌ منهم من الموانع لا العُجبُ والتفاخرُ، فكأنهم شعَروا بما فيهم من القوة الشهوية التي رذيلتُها الإفراطيةُ الفسادُ في الأرض والقوةِ الغضبـيةِ التي رذيلتُها الإفراطية سفكُ الدماء فقالوا ما قالوا وذَهِلوا عما إذا سخَّرَتْهما القوةُ العقلية ومرَّنتْهما على الخير [فإنه] يحصُل بذلك من علو الدرجةِ ما يقصُر عن بلوغ رُتبةِ القُوةِ العقلية عند انفرادِها في أفاعيلها، كالإحاطة بتفاصيل أحوالِ الجزئيات واستنباطِ الصناعات، واستخراج منافعِ الكائنات من القوة إلى الفعل وغير ذلك مما نيط به أمر الخلافة. والتسبـيح تنزيهُ الله تعالى وتبعيدُه اعتقاداً وقولاً وعملاً عما لا يليق بجنابه سبحانه، من سبَح في الأرض والماءِ إذا أبعدَ فيهما وأمعن، ومنه فرسٌ سَبُوحٌ أي واسع الجرْي وكذلك تقديسُه تعالى من قدَّسَ في الأرض إذا ذهَب فيها وأبعدَ، ويقال: قدَّسه أي طهَّره، فإن مُطَهِّر الشيءِ مُبعِدُه عن الأقذار، والباء في (بحمدك) متعلقةٌ بمحذوفٍ وقع حالاً من الضمير، أي ننزِّهُك عن كل ما لا يليقُ بشأنك متلبّسين بحمدك على ما أنعمت به علينا من فنون النعم التي من جملتها توفيقُنا لهذه العبادة، فالتسبـيحُ لإظهار صفاتِ الجلالِ، والحمدُ لتذكير صفاتِ الإنعام، واللامُ في لك إما مزيدة والمعنى نقدّسك، وإما صلةٌ للفعل كما في سجدت لله، وإما للبـيان كما في سُقياً لك، فتكون متعلقةً بمحذوف، أي نقدّس تقديساً لك أي نصِفُك بما يليق بك من العلوّ والعزةِ وننزِّهُك عما لا يليق بك، وقيل: المعنى نطهِّر نفوسَنا عن الذنوب لأجلك، كأنهم قابلوا الفسادَ الذي أعظمُه الإشراكُ بالتسبـيح وسفكِ الدماء الذي هو تلويثُ النفس بأقبح الجرائمِ بتطهير النفسِ عن الآثام لا تمدُّحاً بذلك ولا إظهاراً للمِنة بل بـياناً للواقع. {قَالَ} استئنافٌ كما سبق {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ليس المرادُ به بـيانَ أنه تعالى يعلم ما لا يعلمون من الأشياء كائناً ما كان، فإن ذلك مما لا شُبهة لهم فيه حتى يفتقِروا إلى التنبـيه عليه لا سيما بطريق التوكيد، بل بـيانَ أن فيه عليه الصلاة والسلام معانيَ مستدعيةً لاستخلافه، إذ هو الذي خفيَ عليهم وبنَوا عليه ما بنَوْا من التعجّب والاستبعاد، فما موصولةً كانت أم موصوفةً عبارةٌ عن تلك المعاني، والمعنى: إني أعلم ما لا تعلمونه من دواعي الخلافة فيه، وإنما لم يقتصِرْ على بـيان تحققِها فيه عليه السلام بأن قيل مثلاً: إن فيه ما يقتضيه من غير تعرّضٍ لإحاطته تعالى وغفلتِهم عنه تفخيماً لشأنه وإيذاناً بابتناء أمرِه تعالى على العلم الرصينِ والحكمةِ المتقنة وصدورِ قولِهم عن الغفلة، وقيل: معناه إني أعلمُ من المصالحِ في استخلافه ما هو خفيٌّ عليكم، وأنَّ هذا إرشادٌ للملائكة إلى العلم بأن أفعالَه تعالى كلَّها حسنةٌ وحِكمةٌ وإن خفي عليهم وجهُ الحسْنِ والحِكمة. وأنت خبـيرٌ بأنه مُشعِرٌ بكونهم غيرَ عالمين بذلك من قبلُ ويكون تعجبُهم مبنياً على تردّدهم في اشتمال هذا الفعلِ لحكمةٍ ما، وذلك مما لا يليق بشأنهم فإنهم عالمون بأن ذلك متضمِّنٌ لحكمةٍ ما، ولكنهم متردّدون في أنها ماذا؟ هل هو أمرٌ راجعٌ إلى محض حُكم الله عز وجل، أو إلى فضيلةٍ من جهة المستخلَف؟ فبـيّن سبحانه وتعالى لهم أولاً على وجه الإجمالِ والإبهامِ أن فيه فضائلَ غائبةً عنهم ليستشرفوا إليها، ثم أبرَزَ لهم طرفاً منها ليعاينوه جَهرةً ويظهَرَ لهم بديعُ صنعِه وحكمتِه وينزاحَ شبهتُهم بالكلية.
التستري
تفسير : وسئل عن قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}[30] قال: إن الله تعالى قبل أن يخلق آدم عليه السلام قال للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} وخلق آدم عليه السلام من طين العزة من نور محمد صلى الله عليه وسلم، وأعلمه أن نفسه الأمّارة بالسوء أعدى عدو له، وأنه خلقها ليسارها عليه بمعلومه فيها خواطر وهمماً، يأمرها بإدامة الافتقار واللجأ إليه، إن أبدى عليها طاعة قالت: أعني، وإن حركت إلى معصية قالت: اعصمني، وإن حركت إلى نعمة قالت: أوزعني، وإن قال لها: اصبري على البلاء، قالت: صبرني، ولا يساكن قلبه أدنى وسوسة لها دون الرجوع عنها إلى ربه، وجعل طبعها في الأمر ساكناً، وفي النهي متحركاً، وأمره بأن يسكن عن المتحرك، ويتحرك عن الساكن بلا حول ولا قوة إلاَّ بالله، أي لا حول له عن معصيته إلاَّ بعصمته، ولا قوة له على طاعته إلاَّ بمعونته، ثم أمره بدخول الجنة والأكل منها رغداً حيث شاء. ونص عليه النهي عن الأكل من الشجرة، فلما دخل الجنة ورأى ما رأى قال: لو خلدنا، وإنما لنا أجل مضروب إلى غاية معلومة. فأتاه إبليس من قبل مساكنة قلبه بوسوسة نفسه في ذلك، فقال: هل أدلك على شجرة الخلد التي تتمناها في هذه الدار، وهي سبب البقاء والخلود: {أية : وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ}تفسير : [الأعراف:20] فكانت دلالته هذه غروراً. وألحق الله عزَّ وجلَّ به وسوسة العدو لسابق علمه فيه، وبلوغ تقديره وحكمه العادل عليه. وأول نسيان وقع في الجنة نسيان آدم عليه السلام، وهو نسيان عمد لا نسيان خطأ، يعني تركُ العهد. قال سهل: بلغني عن بعض التابعين أنه قال: النسيان في كتاب الله عزَّ وجلَّ على وجهين: الترك، كما قال في سورة البقرة: {أية : أَوْ نُنسِهَا}تفسير : [البقرة:106] أي نتركها فلا ننسخها، ومثله قوله: {أية : وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ}تفسير : [البقرة:237] أي لا تتركوا الفضل بينكم، كذلك في طه: {أية : فَنَسِيَ}تفسير : [طه:88] يعني ترك العهد، ومثله في تنزيل السجدة: {أية : فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ}تفسير : [السجدة:14] أي تركناكم في العذاب كما تركناكم من العصمة عند الإقامة على الإصر. قال: والوجه الآخر النسيان هو الذي لا يحفظ فيذهب من ذكره، كما قال في الكهف: {أية : فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ}تفسير : [الكهف:63] أي لم أحفظ ذكره، وذلك أن الله تعالى جعل للشيطان شركة مع نفس الجبلة فيما هو من حظوظها الذي هو شيء غير الله تعالى، وقول موسى للخضر: {أية : لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ}تفسير : [الكهف:73] أي ذهب مني ذكره، وقال في سبح: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ}تفسير : [الأعلى:6] أي سنحفظك فلا تنسى، وهذا لإطراقه إلى تدبير نفسه. ولم تكن فكرته اعتباراً، فكانت تكون عبادة، وإنما كانت فكرة بطبع نفس الجبلة، وهذا حكم الله تعالى به قبل خلق السماوات والأرض أنه لا يرى بقلبه عنده شيئاً، وهو غيره مساكناً إياه، إلاَّ سلط عليه إبليس يوسوس في صدره إلى نفسه بالهوى في معنى دعته إليه، أو يرجع باللجأ إلى ربه والاعتصام به، فستر الله بذكره في أوطانه عند الإقامة على النهي، حتى تم سابق علم الله إليه فيما نهاه عنه أن سيكون ذلك منه، وصار فعله علم سنّة في ذريته إلى يوم القيامة. ولم يرد الله معاني الأكل في الحقيقة، وإنما أراد معاني مساكنة الهمة مع شيء هو غيره، أي لا يهتم بشيء هو غيري. فآدم صلوات الله عليه لم يعتصم من الهمة والفعل في الجنة، فلحقه ما لحقه من أجل ذلك. وكذلك من ادعى ما ليس له، وساكنه قلبه ناظراً إلى هوى نفسه فيه، لحقه الترك من الله عزَّ وجلَّ مع ما حل عليه نفسه إلاَّ إن رحمه، فيعصمه من تدبيره وينصره على عدوه وعليها، يعني إبليس، فأهل الجنة معصومون فيها من التدبير الذي كانوا به في دار الدنيا، فآدم صلوات الله عليه لم يعصم من مساكنة قلبه تدبير نفسه بالخلود لما أدخل الجنة، ألا ترى أن البلاء دخل عليه من أجل سكون القلب إلى ما وسوست به نفسه، فغلب الهوى والشهوة على العلم والعقل والبيان ونور القلب لسابق القدر من الله تعالى، حتى انتهى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الهوى والشهوة يغلبان العلم والعقل ". تفسير : وسئل عن قوله: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}[30] فقال: أي نطهر أنفسنا بقولنا ما ألهمتنا تفضلاً منك علينا، تباركت ربنا.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}. قال ابن عطاء: إن الملائكة جعلوا دعاءهم وسيلة إلى الله، فأمر الله النار فأحرقت منهم ساعة واحدة ألوفًا فأقروا بالعجز وقالوا {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ} [الآية: 32]. قال جعفر: لما باهَوا بأعمالهم وتسبيحهم وتقديسهم ضربهم كلهم بالجهل حتى قالوا: لا علم لنا. وقال بعضهم: عجزهم عن درك المكتوبات عرفهم بذلك قصورهم عن حقائق الحق. وقال بعضهم: من استكبر بعمله واستكثر بطاعته كان الجهل وطنه، ألا تراهم لما قالوا للحق نسبح بحمدك ألجأهم إلى أن قالوا: لا علم لنا. قال الواسطى: من قال أنا فقد نازع القدرة، قالت الملائكة: نحن نسبح بحمدك وذلك ليغذيهم من المعارف وهم أرباب للافتخار والاعتراض عن الربوبية بقولهم أتجعل فيها من يفسد فيها. قال الواسطى فى قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} خلقه بعلمه السابق ودبره بالتركيب وألبسه شواهد النعت حتى يعرفه، ثم كانت أنفاسه مدخرة عند الحق حتى أبداها. وقال بعض العراقيين: شروط الخلافة رؤيته بذاته الأشياء فصلاً ووصلاً، إذ الفصل والوصل لم ينفصل منه قط، وأى وصل للحدث بالقِدم. وقال بعضهم: أعلمهم أن العلم بالله أتم من المجاهدات. وقال بعضهم: عَيَّروا آدم واستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع فيه فأمروا بالسجود له. وقال بعض البغداديين: حلاه بخصائص الخلع وأظهر عليه صفات القدم، فصار الخضوع له قربة إلى الحق والاستكبار عليه بعدًا من الحق. وقال بعضهم: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} خاطب الملائكة لا للمشورة ولكن لاستخراج ما فيهم من رؤية الحركات والعبادات والتسبيح والتقديس ردهم إلى قمتهم فقال اسجدوا لآدم. وقال الواسطى فى قوله {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} أظهر عليهم ما أضمروه فى شواهدهم لكم دونه فأظهر حرف كرمه؛ لأن حرف الكرم أن ترى أن شروط الجناية لا تهدم العناية ولو أكرمهم على ما كان منهم لم تظهر حقائق الكرم، ولما قالوا {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} علَّم آدم الأسماء كلها فرجعوا إلى رؤية التقصير فى تسبيحهم وتقديسهم فقالوا: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ} [الآية: 32] إن التسبيح والتقديس لا يقربان منك إنما يقرب منك سبق عناية الأزل وهو لا تقدح فيه الجنايات والعصيان. قال أبو عثمان المغربى: ما بلاء الخلق إلا الدعاوى، ألا ترى أن الملائكة قالوا: نحن نسبح بحمدك ونقدس لك حتى ركنوا إلى الجهل فقالوا: لا علم لنا.
القشيري
تفسير : هذا ابتداء إظهار سِرِّه في آدم وذريته. أَمَرَ حتى سلَّ من كل بقعة طينة ثم أمر بأن يخمر طينه أربعين صباحاً، وكل واحد من الملائكة يفضي العَجَبَ: ما حكم هذه الطينة؟ فلمَّا ركب صورته لم يكونوا رأوا مثلها في بديع الصنعة وعجيب الحكمة، فحين قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ} تَرَجَّمَتْ الظنون، وتقسَّمت القلوب، وتجنَّت الأقاويل، وكان كما قيل: شعر : وكم أبصرتُ من حسن ولكن عليك من الورى وقع اختياري تفسير : ويقال إن الله سبحانه وتعالى خلق ما خلق من الأشياء ولم يَقُلْ في شأن شيء منه ما قال في حديث آدم حيث قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}، فظاهر هذا الخطاب يشبه المشاورة لو كان من المخلوقين. والحق سبحانه وتعالى خلق الجنان بما فيها، والعرش بما هو عليه من انتظام الأجزاء وكمال الصورة، ولم يقل إني خالق عرشاً أو جنة أو مَلَكاً، وإنما قال تشريفاً وتخصيصاً لآدم إني جاعل في الأرض خليفة. فصل: ولم يكن قول الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} على وجه الاعتراض على التقدير ولكن على جهة الاستفهام، فإن حَمْلَ الخطاب على ما يُوجِب تنزيه الملائكة أَوْلى لأنهم معصومون.. قال تعالى: {أية : لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ}تفسير : [التحريم: 6]. ويقال استخرج الحق سبحانه منهم ما استكنَّ في قلوبهم من استعظام طاعاتهم والملاحظة إلى أفعالهم بهذا الخطاب؛ فأفصحوا عن خفايا أسرارهم بقولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}. ثم إن الحق سبحانه عرَّفهم أن الفضيلة بالعلم أتمُّ من الفضيلة بالفعل، فهم كانوا أكثر فعلاً وأقدمه، وآدم كان أكثر علماً وأوفره، فظهرت فضيلته ومرتبته. ويقال لم يقل الحق سبحانه أنتم لا تفسدون فيها ولا تسفكون الدماء بل قال: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، مِنْ غفراني لهم. ويقال: في تسبيحهم إظهارُ فعلهم واشتهار خصائصهم وفضلهم، ومن غفرانه لمعاصي بني آدم إظهار كرمه سبحانه ورحمته، والحق سبحانه غني عن طاعات كل مطيع، فلئن ظهر بتسبيحهم استحقاق تمدحهم ثبت بالغفران استحقاق تمدح الخالق سبحانه. ويقال إني أعلم ما لا تعلمون من صفاء عقائد المؤمنين منهم في محبتنا، وذكاء سرائرهم في حفظ عهودنا وإن تدنَّس بالعصيان ظاهرهم، كما قيل: شعر : وإذا الحبيب أتى بذنب واحدٍ جاءت محاسنُه بأَلْفِ شفيع تفسير : ويقال إني أعلم ما لا تعلمون من محبتي لهم، وأنتم تظهرون أحوالكم، وأنا أخفي عليهم أسراري فيهم، وفي معناه أنشدوا:شعر : ما حطَّك الواشون عن رتبة عندي ولا ضرك مغتاب كأنهم أثْنَوْا - ولم يعلموا - عليك عندي بالذي عابوا تفسير : ويقال إني أعلم ما لا تعلمون من انكسار قلوبهم وإن ارتكبوا قبيح أفعالهم، وصولةَ قلوبكم عند إظهار تسبيحكم وتقديسكم، فأنتم في رتبة وفاقكم وفي عصمة أفعالكم، وفي تجميل تسبيحكم، وهم مُنْكَرون عن شواهدهم، متذللون بقلوبهم، وإن لانكسار قلوب العباد عندنا لذماماً قوياً. ويقال أي خطر لتسبيحكم لولا فضلي، وأي ضرر من ذنوبهم إذا كان عفوي؟ ويقال لبَّسْتُكم طاعتكم ولبستهم رحمتي، فأنتم في صدار طاعتكم وفي حُلَّةِ تقديسكم وتسبيحكم، وهم في تغمد عفوي وفي ستر رحمتي ألبستهم ثوب كَرَمي، وجللتهم رداء عفوي. ويقال إن أسعدتكم عصمتي فلقد أدركتهم رحمتي. وإيصال عصمتي بكم عنده وجودكم وتعلُّق رحمتي بهم في أزلي. ويقال: لئن كان مُحسِنْكم عتيق العصمة فإن مجرمَهُم غريق الرحمة. ويقال: اتكالهم عليَّ زكّى أحوالهم فألجأهم إلى الاعتراف بالجهالة حتى يتبرأوا عن المعارف إلا بمقدار ما منّ به الحق عليهم فقالوا: {سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ}.
البقلي
تفسير : {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} لمَّا لم يعرفوا الله تعالى بحق المعرفة وعَجَزوا عن ادراك الحقيقة وانصرَفوُا عن باب الربوبيّة من هجوم الجلال سَطَوات العّزة عليهم فاحالهم الحق جلّ وعزّ الى ادم باقتباس العلم والادب في الخدمة حتى يوصلهم بعلم الصفات الى ما لم ينالُوا بالعبادات لانّهم عبدوا الله بجهل ولم يعرفوه حَقّ معرفته وهو عرف الله بحقيقة العلم الذي علمه من العلوم اللدنية لا جرم انّه استاذهم في علم المعرفة وان سَبقوا منه بالعبادة وايضاً يَرَ في الكون محبّاً صافياً كما يريد فجعل أدم لاجل المحبّة لانه خلق الملائكة لاجل العبداة فعرّفهم عند الشورة مع الملائكة خلوهم من المحبّة بشغلهم عنه بالعبادة وايضا اراد الملائكة ان يروا الله تعرفهم الحق ضعفهم عن النظر اليه فجعل أدم لهم حتى يَرَونه لان الله تعالى خلقه بيَدِه وصوره بصوره ووضع فيه مرأة روحه ذا نظر فيها تجل لهم الحق تعالى وايضاً ليس في العالم شاهد جميل -----الحق فخلف بيده والبَسَه من صفاته واحبه بصفاته وايضاً اراد الحق ان يظهر لهم نفسه في حقائق الصنع فانصرفوا من الحق الى الخلق وقيل عصوا الله تعالى باعتبارض الحق في مذمه أدم ومَدَح انفسهم لما قالوا انجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك لان الله تعالى سَمّى أدم خليفةً في بدو الخطاب والخليفة لا يخيف ولا يجور فمهلوا مَنْ وصفه الله تعالى بخلافته وعله بخصائص محبته ومَدَحه بالخلافة وهم غَيَّرواه بالفسق والجهالة من سؤ الظن وقلة الادب فكشف الله تعالى القدس عن وجه أدم وانوار جماله العالم فخجلوا من دعواهم واعتَرفوا بجهلهم فقالوا سبحانك لا علم نا الاّ ما علمتنا وقولهم نحن نسبح بحمدك تحركوا من حيث الاعمال وشان أدم من حيث الاحوال بروية الفعل عن مشاهدة الاصطفائية التي سبقت بنعت الحسن لادم وايضاً تعرضها بنعت المعبودية عند سرادِق العظمة منه على الربوبية فاسقطهم الله عن مقام حقيقة المعرفة واحوجهم باقتباس علمِ احالهم عن أدم قال بعضهم لما شاهَدُوا افعالَهم وافتخروا بها رد الله تعالى وجوهَهُم عنه الى أدم ومارهم بالسجود له اعلاماً انّ العبادة لا تَزن عنده شيئاً وقال بعضهم مَن استكبر بععلمه واستكبر بطاعته كان الجهل ولمنه الاثر اَهم لمّا قالوا نحن نسبح بحمد ونقدس لك الجاهم الى ان قالوا لا علم لنا وقال الواسطى من قال اَنَا فقد نازع القدرة قالت الملئكة نحن نسّبح بحمدك ونقدس لك وذلك لبعدهم من المعَارف وهم ارباب الافتخار والاعتراض على الربوبية بقوله اتجعل فيها من يفسد فيها وقال ابن عطا ان الملئكة جعلوا دعاويهم وسيلةً الى الله فاطر الله النارَ فاحرَق منهم في ساعةٍ واحدةً الوفاً فافروا بالعجز وقالوا سبحانك لا علم لنا وقال جعفر لما باهوا باعمالهم وتسبيحهم وتقديسهم ضربهم كلّهم بالجهل حتى قالوا سبحانك لا علم لنا قال بعض العراقيين شروط الخلافة روية بداية الاشياء فصلاً ووصلاً اذ لا فضل ولا وصلَ لم ينفصل منه شيء واي وصل للحدث والقدم وقال بعضهم عَيَّروا أدم واستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصُنع به واظهر عليه صفات القدم فصار الخضوع له قربة الى الحقّ والاستكبارُ عليه بعد امن الحق وقال ابو عثمن المغربىّ ما بلاء الخلق الاّ بالدّعاوى الا ترى ان الملائكة لما قالوا نحن نسبح بحمد ونقدس لك كيف رُدوا الى الجهل حتى قالوا علمنا.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذا} مفعول اذكر مقدرة اى اذكر لهم واخبر وقت {قال ربك} وتوجيه الامر بالذكر الى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع انها المقصودة بالذات للمباغلة فى اجاب ذكرها لما ان ايجاب ذكر الوقت ايجاب الذكر ما وقع فيه بالطريق البرهانى ولان الوقت مشتمل عليها فاذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها كانها مشاهدة عيانا {للملائكة} اللام للتبليغ وتقديم الجار والمجرور فى هذا الباب مطرد لما فى المقول من الطول غالبا مع ما فيه من الاهتمام بما قدم والتشويق الى ما اخر. والملائكة جمع ملك والتاء لتأكيد تأنيث الجماعة وسموا بها فانهم وسائط بين الله وبين الناس فهم رسله لان اصل ملك ملأك مقلوب مألك من الألوكة وهى الرسالة. والملائكة عند اكثر المسلمين اجسام لطيفة قادرة على التشكل باشكال مختلفة والدليل ان الرسل كانوا يرونهم كذلك. وروى فى شرح كثرتهم ان بنى آدم عشر الجن وهما عشر حيوانات البر والكل عشر الطيور والكل عشر حيوانات البحار وهؤلاء كلهم عشر ملائكة السماء الدنيا وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية وهكذا الى السماء السابعة ثم كل اولئك فى مقابلة الكرسى نزر قليل ثم جمع هؤلاء عشر ملائكة سرادق واحد من سرادقات العرش التى عدددها ستمائة الف طول كل سرادق وعرضه وسمكه اذا قوبلت به السموات والارض وما فيهما وما بينهما لا يكون لها عنده قدر محسوس وما منه من مقدار شبر الا وفيه ملك ساجد او راكع او قائم لهم زجل بالتسبيح والتقديس ثم كل هؤلاء فى مقابلة الذين يحومون حول العرش كالقطرة فى البحر ثم ملائكة اللوح الذين هم اشياع اسرافيل عليه السلام والملائكة الذين هم جنود جبريل عليه السلام لا يحصى اجناسهم ولا مدة اعمارهم ولا كيفيات عباداتهم الا باريهم العليم الخبير على ما قال تعالى {أية : وما يعلم جنود ربك إلا هو}تفسير : [المدثر: 31] وروى انه صلى الله عليه وسلم حين عرج به الى السماء رأى ملائكة فى موضع بمنزلة شرف يمشى بعضهم تجاه بعض فسأل رسول الله جبريل عليهما السلام الى اين يذهبون فقال جبريل عليه السلام لا ادرى الا انى اراهم منذ خلقت ولا ارى واحدا منهم قد رأيته قبل ذلك ثم سألا واحدا منهم منذ كم خلقت فقال لا ادرى غير ان الله تعالى يخلق فى كل اربعة آلاف سنة كوكبا وقد خلق منذ ما خلقنى اربعمائة الف كوكب فسبحانه من اله ما اعظم قدره وما اوسع ملكوته واراد بهم الملائكة الذين كانوا فى الارض وذلك ان الله خلق السماء والارض وخلق الملائكة والجن فاسكن الملائكة السماء واسكن الجن الارض والجن هم بنوا الجان والجان ابو الجن كآدم ابو البشر وخلق الله الجان من لهب من نار لا دخان لها بين السماء والارض والصواعق تنزل منها ثم لما سكنوا فيها كثر نسلهم وذلك قبل آدم بستين الف سنة فعمروا دهرا طويلا فى الارض مقدار سبعة آلاف سنة ثم ظهر فيهم الحسد والبغى فافسدوا وقتلوا فبعث الله اليهم ملائكة سماء الدنيا وامر عليهم ابليس وكان اسمه عزازيل وكان اكثرهم علما فهبطوا الى الارض حتى هزموا الجن واخرجوهم من الارض الى جزائر البحور وشعوب الجبال وسكنوا الارض وصار امر العبادة عليهم اخف لان كل صنف من الملائكة يكون ارفع فى السموات يكون خوفهم اشد وملائكة السماء الدنيا يكون امرهم ايسر من الذين فوقهم واعطى الله ابليس ملك الارض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان له جناحان من زمرد أخضر وكان يعبد الله تارة فى الارض وتارة فى السماء وتارة فى الجنة فدخله العجب فقال فى نفسه ما اعطانى الله هذا الملك الا لانى اكرم الملائكة عليه وايضا كل من اطمأن الى الدنيا امر بالتحول عنها فقال الله تعالى له ولجنوده {انى جاعل} اى مصير {فى الارض} دون السماء لان التباغى والتظالم كان فى الارض {خليفة} وهو آدم عليه السلام لانه خلف الجن وجاء بعدهم ولانه خليفة الله فى ارضه اى أريد أن أخلق فى الارض بدلاً منكم ورافعكم الى فكرهوا ذلك لأنهم كانوا اهون الملائكة عبادة. واعلم ان الله تعالى يحفظ العالم بالخليفة كما يحفظ الخزائن بالختم وهو القطب الذى لا يكون فى كل عصر الا واحدا فالبدء كان بآدم عليه السلام والختام يكون بعيسى عليه السلام والحكمة فى الاستخلاف قصور المستخلف عليه عن قبول فيضه وتلقى امره بغير واسطة لان المفيض تعالى فى غاية التنزه والتقدس والمستفيض منغمس غالبا فى العلائق الدنيئة كالاكل والشرب وغيرهما والعوائق الطبيعية كالاوصاف الذميمة فالاستفاضة منه انما تحصل بواسطة ذى جهتين اى ذى جهة التجرد وجهة التعلق وهو الخليفة ايا كان ولذا يستنبئ الله ملكا فان البشر لا يقدر على الاستفادة منه لكونه خلاف جنسه ألا يرى ان العظم لما عجز عنه اخذ الغذاء من اللحم لما بينهما من التباعد جعل الله تعالى بحكمته بينهما الغضروف المناسب لهما ليأخذ من اللحم ويعطى العظم وجعل السلطان الوزير بينه وبين رعيته اذ هم اقرب الى قبولهم منه وجعل المستوقد الحطب اليابس بين النار وبين الحطب الرطب. وفائدة قوله تعالى {للملائكة انى جاعل فى الارض خليفة} اربعة امور. الاول تعليم المشاورة فى امورهم قبل ان يقدموا عليها وعرضها على ثقاتهم ونصحائهم وان كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة: قال في المثنوى شعر : مشورت ادراك وهشيارى دهد عقلها مر عقل را يارى دهد كفت بيغمبر بكن اى رأى زن مشورت كه المستشار مؤتمن تفسير : ويقال اعقل الرجال لا يستغنى عن مشاورة اولى الالباب وأفره الدواب لا يستغنى عن السوط واورع النساء لا تستغنى عن الزوج. والثانى تعظيم شأن المجعول بان بشر بوجوده سكان ملكوته ولقبه بالخليفة قبل خلقه. والثالث اظهار فضله الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم وهو قوله {أتجعل} الخ وجوابه وهو قوله {انى اعلم ما لا تعلمون} الخ. والرابع بيان ان الحكمة تقتضى ما يغلب خيره فان ترك الخير الكثير لاجل الشر القليل شر كثير كقطع العضو الذي فيه آكلة شر قليل وسلامة جميع البدن خير كثير فلو لم يقطع ذلك العضو سرت تلك الآفه الى جميع البدن وأدت الى الهلاك الذى هو شر كثير {قَالوا} استئناف كانه قيل فماذا قالت الملائكة حينئذ فقيل قالوا {اتجعل فيها} اى الارض {من يفسد فيها} كما افسدت الجن وفائدة تكرار الظرف تأكيد الاستبعاد {ويسفك الدماء} اى يصبها ظلما كما يسفك بنو الجان والتعبير عن القتل بسفك الدماء لما انه اقبح انواع القتل. قال بعض العارفين الملائكة الذين نازعوا فى آدم ليسوا من اهل الجبروت ولا من اهل الملكوت السماوية فانهم لغلبة النورية عليهم واحاطتهم بالمراتب يعرفون شرف الانسان الكامل ورتبته عند الله وان لم يعرفوا حقيقته كما هى بل نازعت ملائكة الارض والجن والشياطين الذين غلبت عليهم الظلمة والنشأة الموجبة للحجاب وفى قوله تعالى {انى جاعل فى الارض خليفة} بتخصيص الارض بالذكر وان كان خليفة فى العالم كله فى الحقيقة هو ايماء ايضا بان ملائكة الارض هم الطاعنون اذا الظن لا يصدر الا ممن هو فى معرض ذلك المنصب واهل السموات مدبرات للعالم العلوى فما قالت الملائكة الارضية الا بمقضتى نشأتهم التى هم عليها من غبطة منصب الخلافة فى الارض والغيرة على منصب ملكهم وتعبدهم بما هم عليه من التسبيح والتقديس فكل اناء يترشح بما فيه واما الاعتراض على فعل الحكيم والنزاع فى صنعه عند حضرته فمعفو عنه لكمال حكمته واتقان صنعته: قال فى المثنوى شعر : زانكه اين دمها اكر نالا يقست رحمت من بر غضب هم سابقست ازبى اظهار اين سبق اى ملك درتو بنهم داعيه اشكال وشك تا بكويى ونكيرم بر تومن منكر حلمم نيارد دم زدن صد بدر صد مادر اندر حلم ما هر نفس زايد درافتد درفنا حلم ايشان كف بحر حلم ماست كف رود آيد ولى دريا بجاست تفسير : وفى الفتوحات ان هاروت وماروت من الملائكة الذين نازعوا آدم ولاجل هذا ابتلاهما الله تعالى باظهار الفساد وسفك الدماء فافهم سر قوله عليه السلام "حديث : دع الشماتة عن اخيك فيعافيه الله تعالى ويبتليك ". تفسير : وايضا من تلك الملائكة الطاعنين بسفك الدماء الملائكة التى ارسلها الله تعالى نصرة للمجاهدين وسفك الدماء غيرة على دين الله وشرعه كذا فى حل الرموز وكشف الكنوز {ونحن} اى والحال انا {نسبح} اى ننزهك عن كل ما لا يليق بشأنك ملتبسين {بحمدك} على ما انعمت علينا من فنون النعم التى من جملتها توفيقنا لهذه العبادة فالتسبيح لاظهار صفات الجلال والحمد لتذكير صفات الانعام {ونقدس} تقديسا {لك} اى نصفك بما يليق بك من العلو والعزة وننزهك عما لا يليق بك فاللام للبيان كما فى سقيا لك متعلقة بمصدر محذوف ويجوز ان تكون مزيدة اى نقدسك. قال فى التيسير التسبيح نفى ما لا يليق به والتقديس اثبات ما يليق به. وقال الشيخ داود القيصرى قدس سره التسبيح اعم من التقديس لانه تنزيه الحق عن نقائص الامكان والحدوث والتقديس تنزيهه عنها وعن الكمالات اللازمة للاكوان لانها من حيث اضافتها الى الاكوان تخرج عن اطلاقها وتقع فى نقائص التقييد انتهى وكانه قيل أتستخلف من شأن ذريته الفساد مع وجود من ليس من شانه ذلك اصلا والمقصود عرض احقيتهم منهم بالخلافة والاستفسار عما رجح بنى آدم عليهم ما هو متوقع منهم من الفساد وكأنه قيل فماذا قال الله تعالى حينئذ فقيل {قال} الله {انى اعلم ما لا تعلمون} من الحكمة والمصلحة باستخلاف آدم عليه السلام وان من ذريته الطائع والعاصى فيظهر الفضل والعدل فلا تعترضوا على حكمى وتقديرى ولا تستكشفوا عن غيبة تدبيرى فليس كل مخلوق يطلع على غيب الخالق ولا كل احد من الرعية يقف على سر الملك * وفى الآية تنبيه للسالك بان يتأدب بين يدى الحق تعالى وخلفائه والمشايخ والعلماء لئلا يظهر بالانانية واظهار العلم عندهم لانه سالك لطريق الفناء والفانى لا يكون كطاووس تعشق بنفسه واعجب بذاته بل لا يرى وجوده اصلا فقد وعظنا الله تعالى بزجر للملائكة بقوله {إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}: قال السعدى شعر : نرود مرغ سوى دانه فراز جون دكرمرغ بيند اندربند بند كير ازمصائب ديكران تانكيرند ديكران زتوبند تفسير : وفى التأويلات النجمية {واذ قال ربك للملائكة انى جاعل فى الارض خليفة} انما قال جاعل وما قال خالق لمعنيين. احدهما ان الجاعلية اعم من الخالقية فان الجاعلية هى الخالقية وشئ آخر وهو ان يخلقه موصوفا بصفة الخلافة اذ ليس لكل احد هذا الاختصاص كما قال تعالى {أية : يا داوود إنا جعلناك خليفة فى الأرض}تفسير : [ص: 26] اى خلقناك مستعدا للخلافة فاعطيناكها. والثانى ان للجعلية اختصاصا بعالم الامور وهو للملكوت وهو ضد عالم الخلق لانه هو عالم الاجسام والمحسوسات كما قال تعالى {ألاله الخلق والامر} اى الملك والملكوت فانه تعالى حيث ذكر ما هو مخصوص بعالم الامر ذكره بالجعلية لامتياز الامر عن الخلق كما قال تعالى {أية : الحمد لله الذى خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور}تفسير : [الأنعام: 1]. فالسموات والارض لما كانتا من الاجسام المحسوسات ذكرهما بالخلقية والنور من الملكوتيات لقوله تعالى {الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الى النور} فيفيد انها من الملكوتيات لا من المحسوسات واما الظلمات والنور التى من المحسوسات فانها داخلة فى السموات والارض فافهم جدا فكذلك لما اخبر الله تعالى عن آدم بما يتعلق بجسمانيته ذكره بالخلقية كما قال {أية : إنى خالق بشرا من طين}تفسير : [ص: 71]. ولما اخبر عما يتعلق بروحانيته ذكره بالجعلية وقال {انى جاعل فى الارض خليفة} وفى انى جاعل اشارة اخرى وهو اظهار عزة آدم عليه السلام على الملائكة لينظروا اليه بنظر التعظيم ولا ينكروا عليه بما يظهر منه ومن اولاده من اوصاف البشرية فانه تعالى يقول ولذلك خلقهم وسماه خليفة وما شرف شيأ من الموجودات بهذه الخلقة والكرامة وانما سمى خليفة لمعنيين. احدهما انه يخلف عن جميع المخلوقات ولا يخلفه المكونات باسرها وذلك لان الله جمع فيه ما فى العوالم كلها من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والارضيات والدنيويات والاخرويات والجماديات والنباتيات والحيوانيات والملكوتيات فهو بالحقيقة خليفة كل واكرمه باختصاص كرامة ونخفت فيه من روحى وما اكرم بها احدا من العالمين واشار الى هذا المعنى بقوله تعالى {أية : ولقد كرمنا بنى آدم}تفسير : [الإِسراء: 70] فلهذا الاختصاص ما صلح الموجودات كلها ان تكون خليفة لآدم ولا للحق تعالى. الثانى انه يخلف وينوب عن الله صورة ومعنى اما صورة فوجوده فى الظاهر يخلف عن وجود الحق فى الحقيقة لان وجود الانسان يدل على وجود موجده كالبناء يدل على وجود البانى ويخلف وحدانية الانسان عن وحدانية الحق وذاته عن ذاته وصفاته عن صفاته فيخلف حياته عن حياته وقدرته عن قدرته وارادته وسمعه عن سمعه وبصره عن بصره وكلامه عن كلامه وعلمه عن علمه ولا مكانية روحه عن لا مكانيته ولا جهتيه عن لا جهتيه فافهم ان شاء الله تعالى وليس لنوع من الملخوقات ان يخلف عنه كما يخلف آدم وان كان فيهم بعض هذه لانه لا يجتمع صفات الحق فى احد كما يجتمع فى الانسان ولا يتجلى صفة من صفاته لشئ كما يتجلى لمرآة قلب الانسان صفاته واما الحيوانات فانها وان كان لها بعض هذه الصفات ولكن ليس لها علم بوجود موجدها واما الملائكة فانهم وان كانوا عالمين بوجود موجدهم ولكن لا يبلغ حد علمهم الى ان يعرفوا انفسهم بجميع صفاتها ولا الحق بجميع صفاته ولذا قالوا {أية : سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا}تفسير : [البقرة: 32]. وكان الانسان مخصوصا بمعرفة نفسه بالخلافة وبمعرفة جميع اسماء الله تعالى واما معنى فليس فى العالم مصباح يستضئ بنار نور الله فيظهر انوار صفاته فى الارض خلافة عنه الامصباح الانسان فانه مستعد لقبول فيض نور الله لانه اعطى مصباح السر فى زجاجة القلب والزجاجة فى مشكاة الجسد وفى زجاجة القلب زيت الروح يكاد زيتها يضئ من صفات العقل ولو لم تمسسه نار النور وفى مصباح السر فتيلة الخفاء فاذا اراد الله ان يجعل فى الارض خليفة يتجلى بنور جماله لمصباح السر الانسانى فيهدى لنوره فتيلة خفا من يشاء فيستتر مصباحه بنار نور الله فهو على نور من ربه فيكون خليفة الله فى ارضه فيظهر انوار صفاته فى هذا العالم بالعدل والاحسان والرأفة والرحمة لمستحقيها وبالعزة والقهر والغضب والانتقام لمستحقيها كما قال تعالى {أية : يا داود إنا جعلناك خليفة فى الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله}تفسير : [ ص: 26]. وقال لحبيبه عليه السلام {أية : بالمؤمنين رؤوف رحيم} تفسير : [التوبة: 128] وقال فى حقه وحق المؤمنين {أية : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}تفسير : [الفتح: 29]. ولم يظهر هذه الصفات لا على الحيوان ولا على الملك وناهيك بحال هاروت وماروت لما انكرا على ذرية آدم من اتباع الهوى القتل والظلم والفساد وقالا لو كنا بدلا منهم خلفاء الارض ما كنا نفعل مثل ما يفعلون فالله تعالى انزلهما الى الارض والبسهما لباس البشرية وامرهما ان يحكما بين الناس بالحق ونهاهما عن الشرك والقتل بغير حق والزنى وشر الخمر. قال قتادة فما مر عليهما شهر حتى افتتنا فشربا الخمر وسفكا الدم وزنيا وقتلا وسجدا للصنم فثبت ان الانسان مخصوص بالخلافة وقبول فيضان نور الله فلو كان للملائكة هذه الخصوصية لما افتتنا بهذه الاوصاف المذمومة الحيوانية والسبعية كما كان الانبياء عليهم السلام معصومين من مثل هذه الآفات والاخلاق وان كانت لازمة لصفاتهم البشرية ولكن بنور التجلى تنور مصباح قلوبهم واستتار بنور قلوبهم جميع مشكاة جسدهم ظاهرا وباطنا واشرقت الارض بنور ربها فلم يبق لظلمات هذه الصفات مجال الظهور مع استعلاء النور فالملائكة من بدو الامر لما نظروا الى جسد آدم شاهدوا ظلمات البشرية والحيوانية والسبعية فى ملكوت الجسد بالنظر الملكوتى الملكى ولم تكن تلك الصفات غائبة عن نظرهم {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} فقولهم هذا يدل على معان مختلفة. منها ان الله انطقهم بهذا القول ليتحقق لنا ان هذه الصفات الذميمة فى طينتنا مودعة وجبلتنا مركبة فلا نأمن من مكر أنفسنا الأمارة بالسوء ولا تعتمد عليها ولا نبرئها كما قال تعالى حكاية عن قول يوسف عليه السلام {أية : وما أبرئ نفى إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربى}تفسير : [يوسف: 53]. ومنها لنعلم ان كل عمل صالح نعمله هو بتوفيق الله ايانا وفضله ورحمته وكل فساد وظلم نعمله هو من شؤم طبيعتنا وخاصية طينتنا كما قال تعالى {أية : فما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك}تفسير : [النساء: 79]. وكل فساد وظلم لا يجرى علينا ولا يصدر منا فذلك من حفظ الحق وعصمة الرب لقوله {أية : إلا ما رحم ربى}تفسير : [يوسف: 53]. ومنها لنعلم ان الله تعالى من كمال فضله وكرمه قد قبلنا بالعبودية والخلافة وقال من حسن عنايته فى حقنا للملائكة المقربين {انى اعلم ما لا تعلمون} لكيلا نقنط من رحمته وننقطع عن خدمته. ومنها لنعلم ان فساد الاستعداد امر عظيم وبناء جسيم ومبنى الخلافة على الاستعداد والقابلية وليس للملائكة هذا الاستعداد والقابلية فلا نتغافل عن هذه السعادة ونسعى فى طلبها حق السعاية. ومنها ان الملائكة انما قالوا {أتجعل فيها} الخ لانهم نظروا الى جسد آدم قبل نفخ الروح فشاهدوا بالنظر الملكى فى ملكوت جسده المخلوق من العناصر الاربعة المتضادة صفات البشرية والبهيمية والسبعية التى تتولد فى تركيب اضداد العناصر كما شاهدوها فى اجساد الحيوانات والسباع الضاريات بل عاينوها فانها خلقت قبل آدم فقاسوا عليها احواله بعد ان شاهدوها وحققوها وهذا لا يكون غيبا فى حقهم وانما يكون غيبا لنا لانا ننظر بالحس والملكوت يكون لاهل الحس غيبا ومنا من ينظر بالنظر الملكوتى فيشاهد الملائكة والملكوتيات بالنظر الروحانى كما قال تعالى {أية : وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض}تفسير : {الأنعام: 75] وقال {أية : أو لم ينظروا فى ملكوت السموات والأرض}تفسير : [الأعراف: 185]. فحينئذ لا يكون غيبا فالغيب ما غاب عنك وما شاهدته فهو شهادة فالملكوت للملائكة شهادة والحضرة الالهية لهم غيب وليس لهم الترقى الى تلك الحضرة وان فى الانسان صورة من عالم الشهادة المحسوسة وروحا من عالم الغيب الملكوتى غير المحسوس وسرا مستعدا لقبول فيض الانوار الالهية فبالتربية يترقى من عالم الشهادة الى عالم الغيب وهو الملكوت وبسر المتابعة وخصوصيتها يترقى من عالم الملكوت الى عالم الجبروت والعظموت وهو غيب الغيب ويشاهد بنور الله المستفاد من سر المتابعة انوار الجمال والجلال فيكون فى خلافة الحق عالما للغيب والشهادة كما ان الله تعالى {أية : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه}تفسير : [الجن: 26] اى الغيب المخصوص به وهو غيب الغيب {أية : أحدا}تفسير : [الجن: 26]. يعنى من الملائكة {الا من ارتضى من رسول} يعنى من الانسان فهذا هو السر المكنون المركوز فى استعداد الانسان الذى كان الله يعلم منه والملائكة لا يعلمونه كما قال تعالى {انى اعلم ما لا تعلمون} * ومنها ان الملائكة لما نظروا الى كثرة طاعتهم واستعداد عصمتهم ونظروا الى نتائج الصفات النفسانية استعظموا انفسهم واستصغروا آدم وذريته فقالوا {أتجعل فيها} يعنى فى الارض {خليفة} مع انه {يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} يعنى نحن لهذه الاوصاف احق بالخلافة منه كما قال بنو اسرائيل حين بعث الله لهم {طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن احق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال} فاجابهم الله تعالى بان استحقاق الملك ليس بالمال انما هو بالاصطفاء والبسطة فى العلم والجسم فقال {أية : إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة فى العلم والجسم والله يؤتى ملكه من يشاء}تفسير : [البقرة: 247] فكذلك هنا اجابهم الله تعالى بقوله {انى اعلم ما لا تعلمون} اجمالا ثم فصله بقوله {ان الله اصطفى آدم} وبقوله ى{وعلم آدم الاسماء كلها} وبقوله {أية : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى}تفسير : [ص: 75] ليعلموا ان استعداد ملك الخلافة واستحقاقها ليس بكثرة الطاعات ولكنه مالك الملك يؤتى الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء فلما تفاخر الملائكة بطاعتهم على آدم من الله تعالى على آدم بعلم الاسماء ليعلموا انهم ولو كانوا اهل الطاعة والخدمة فانه اهل العقل والمنة واين اهل الخدمة من اهل المنة فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له ليعلموا ان الحق تعالى مستغن عن طاعتهم وبمنته على آدم صار مسجودا لهم ليعلموا ان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وفى قوله {انى اعلم ما لا تعلمون} اشارة اخرى الى انه كما يدل عى ان لآدم فضائل لا يعلمها الملائكة فكذلك له رذائل واوصاف مذمومة لا يعلمها الملائكة لانهم لا يعلمون منه اوصافا مذمومة هى من نتائج قالبه مشتركة مع الحيوانات مودعة فى ملكوته غير اوصاف مذمومة تكون من نتائج النفس الامارة عند تتتابع نظر الروح الى النفس حالة عدم استعمال الشرع من العجب والرياء والسمعة والحسد واشتراء الحياة الدنيا بالآخرة والابتداع والزيغوغة واعتقاد السوء وغير ذلك مما لا يشاركه الحيوانات فيه انتهى ما فى التأويلات {وعلم آدم الاسماء كلها} قال وهب بن منبه لما اراد الله ان يخلق آدم اوحى الى الارض اى افهمها وألهمها انى جاعل منك خليفة فمنهم من يطيعنى فادخله الجنة ومنهم من يعصينى فادخله النار فقالت الارض منى تخلق خلقا يكون للنار قال نعم فبكت فانفجرت منها العيون الى يوم القيامة وبعث اليها جبريل عليه السلام ليأتيه بقبضة من زواياها الاربع من اسودها وابيضها واحمرها واطيبها واخبثها وسهلها وصعبها وجبلها فلما اتاها جبريل ليقبض منها قالت الارض بالله الذى ارسلك لا تأخذ منى شيأ فان منافع التقرب الى السلطان كثيرة ولكن فيه خطر عظيم كما قيل شعر : بدريا در منافع بيشمارست اكرخواهى سلامت دركنارست تفسير : فرجع جبريل عليه السلام الى مكانه ولم يأخذ منها شيأ فقال يا رب حلفتنى الارض باسمك العظيم فكرهت ان اقدم عليها فارسل الله ميكائيل عليه السلام فلما انتهى اليها قالت الارض له كما قالت لجبريل فرجع ميكائيل فقال كما قال جبريل فارسل الله اسرافيل عليه السلام وجاء ولم يأخذ منها شيأ وقال مثل ما قال جبريل وميكائيل فارسل الله ملك الموت فلما انتهى قالت الارض اعوذ بعزة الله الذى ارسلك ان تقبض منى اليوم قبضة يكون للنار فيها نصيب غدا فقال ملك الموت وانا اعوذ بعزته ان اعصى له امرا فقبض قبضة من وجه الارض مقدار اربعين ذراعا من زواياها الاربع فلذلك يأتى بنوه اخيافا اى مختلفين على حسب اختلاف ألوان الارض واوصافها فمنهم الابيض والاسود والاحمر واللين والغليظ فصار كل ذرة من تلك القبضة اصل بدن للانسان فاذا مات يدفن فى الموضع الذى اخذت منه ثم صعد الى السماء فقال الله له أما رحمت الارض حين تضرعت اليك فقال رأيت امرك اوجب من قولها فقال انت تصلح لقبض ارواح ولده. قال فى روضة العلماء فشكت الارض الى الله تعالى وقالت يا رب نقص منى قال الله على ان ارد اليك احسن واطيب مما كان فمن ثمه يحنط الميت بالمسك والغالية انتهى. فامر الله تعالى عزرائيل فوضع ما اخذ من الارض فى وادى نعمان بين مكة والطائف بعدما جعل نصف تلك القبضة فى النار ونصفها فى الجنة فتركها الى ما شاء الله ثم اخرجها ثم امطر عليها من سحاب الكرم فجعلها طينا لازبا وصور منه جسد آدم. واختلفوا فى خلقة آدم عليه السلام فقيل خلق فى سماء الدنيا وقيل فى جنة من جنات الارض بغر بيتها كالجنة التى يخرج منها النيل وغيره من الانهار واكثر المفسرين انه خلق فى جنة عدن ومنها اخرج كما فى كشف الكنوز وفى الحديث القدسى "حديث : خمرت طينة آدم بيدى اربعين صباحا ". تفسير : يعنى اربعين يوما كل يوم منه الف عام من اعوام الدنيا فتركه اربعين سنة حتى يبس وصار صلصالا وهو الطين المصوت من غاية يبسه كالفخار فامطرعليه مطر الحزن تسعا وثلاثين سنة ثم امطر عليه مطر السرور سنة واحدة فلذلك كثرت الهموم فى بنى آدم ولكن يصير عاقبتها الى الفرح كما قيل ان لكل بداية نهاية وان مع العسر يسرا شعر : ان مع العسر جو يسرش قفاست شاد برانم كه كلام خداست تفسير : وكانت الملائكة يمرون عليه ويتعجبون من حسن صورته وطول قامته لان طوله كان خمسمائة ذراع الله اعلم بأى ذراع وكان رأسه يمس السماء ولم كونوا رأوا قبل ذلك صورة تشابهها فمر به ابليس فرآه ثم قال لامر ما خلقت ثم ضربه بيده فاذا هو اجوف فدخل فيه وخرج من دبره وقال لاصحابه الذي معه من الملائكة هذا خلق اجوف لا يثبت ولا يتماسك ثم قال لهم ارأيتم ان فضل هذا عليكم ما انتهم فاعلون قالوا نطيع ربنا فقال ابليس فى نفسه والله لا اطيعه ان فضل على ولئن فضلت عليه لأهلكنه شعر : عاقبت كرك زاده كرك شنود تفسير : وجمع بزاقه فى فمه وألقاه عليه فوقع بزاق الِلعين على موضع سرة آدم عليه السلام فامر الله جبريل فقور بزاق اللعين من بطن آدم فخفرة السرة من ثقوير جبريل وخلق الله من تلك القوارة كلبا وللكلب ثلاث خصال فانسه بآدم لكونه من طينه وطول سهره فى الليالى من أثر مس جبريل عليه السلام وعضه الانسان وغيره وأذاه من غير خيانة من اثر بزاق اللعين وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة وسمى بآدم لكونه من أديم الارض لانه مؤلف من أنواع ترابها ولما أراد الله ان ينفخ فيه الروح امره ان يدخل فيه فقال الروح موضع بعيد القعر مظلم المدخل فقال له ثانيا ادخل فقال كذلك فقال له ثالثا فقال كذلك فقال أدخُل كرها اى بلا رضى واخرج كرها ولذا لا يخرج الروح من البدن الا كرها فلما نفخه فيه مار فى رأس آدم وجبينه واذنيه ولسانه ثم مار فى جسده كله حتى بلغ قدميه فلم يجد منفذا فرجع منخريه فعطس فقال له ربه قل الحمد لله رب العالمين فقالها آدم فقال يرحمك الله ولذا خلقتك يا آدم فلما انتهى الى ركبيته اراد الوثوب فلم يقدر فلما بلغ قدميه وثبت فقال تعالى وخلق الانسان عجولا فصار بشر لحما ودما وعظاما وعصبا واحشاء ثم كساه لباسا من ظفر يزداد جسده فى كل يوم وهو فى ذلك منتطق متوج وجعل فى جسده تسعة ابواب سبعة فى رأسه اذنين يسمع بهما وعينين يبصر بهما ومنخرين يجد بهما كل رائحة وفما فيه لسان يتكلم به وحنك يجد به طعم كل شئ وبابين فى جسده وهما قبله ودبره يخرج منهما ثقل طعامه وشرابه وجعل عقله فى دماغه وشرهه فى كليتيه وغضبه فى كبده وشجاعته فى قلبه ورغبته فى رئته وضحكه فى طحاله وفرحه وحزنه فى وجهه فسبحان من جعله يسمع بعظم ويبصر بشحم وينطق بلحم ويعرف بدم فلما سواه ونفخ فيه من روحه علمه اسماء الاشياء كلها اى ألهمه فوقع فى قلبه فجرى على لسانه فما فى قلبه بتسمية الاشياء من عنده فعلمه جميع اسماء المسميات بكل اللغات بان اراد الاجناس التى خلقها وعلمه ان هذه اسمه فرس وهذا اسمه بعير وهذا اسمه كذا وعلمه احوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية وعلمه اسماء الملائكة واسماء ذريته كلهم واسماء الحيوانات والجمادات وصنعة كل شئ وأسماء المدن والقرى واسماء الطير والشجر وما يكون وكل نسمة يخلقها الى يوم القيامة واسماء المطعومات والمشروبات وكل نعيم فى الجنة واسماء كل شئ حتى القصعة والقصيعة وحتى الجنة والمحلب. قال فى كشف الكنوز اتفق جم غفير من اهل العلم على ان الاسماء كلها توقيفية من الله تعالى بمعنى ان الله تعالى خلق لآدم علما ضروريا بمعرفة الالفاظ والمعانى وان هذه الاللاظ موضوعة لتلك المعانى. وفى الخبر لما خلق الله آدم بث فيه اسرار الأحرف ولم يبث فى احد من الملائكة فخرجت الاحرف على لسان آدم بفنون اللغات فجعلها الله صورا له ومثلت له بانواع الاشكال. وفى الخبرعلمه سبعمائة الف لغة فلما وقع فى اكل الشجرة سلب اللغات الا العربية فلما اصطفاه بالنبوة رد الله عليه جميع اللغات فكان من معجزاته تكلمه بجميع اللغات المختلفة التى يتكلم بها اولاده الى يوم القيامة من العربية والفارسية والرومية والسريانية واليونانية والعبرانية والزنجية وغيرها. قال بعض المفسرين علم الله آدم آألف حرفة من المكاسب ثم قال قل لاولادك ان اردتم الدنيا فاطلبوها بهذه الحرف ولا تطلبوها بالدين واحكام الشرائع وكان آدم حراثاً اى زراعاً ونوح نجارا وادريس خياطا وصالح تاجرا وداود زرادا وسليمان كان يعمل الزنبيل فى سلطنته ويأكل من ثمنه ولا يأكل من بيت المال وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة وكان اكثر عمله صلى الله تعالى عليه وسلم فى البيت الخياطة. وفى الحديث "حديث : عمل الابرار من الرجال الخياطة وعمل الابرار من النساء الغزل"تفسير : كذا فى روضة الاخيار. وقال العلماء الاسماء فى قوله تعالى {وعلم آدم الاسماء} تقتضى الاستغراق واقتران قوله كلها يوجب الشمول فكما علمه اسماء المخلوقات علمه اسماء الحق تعالى فاذا كان تخصيصه بمعرفة اسماء المخلوقات يقتضى ان يصح سجود الملائكة له فما الظن بتخصيصه بمعرفة اسماء الحق وما الذى يوجب له {أية : ثم عرضهم على الملائكة}تفسير : [البقرة: 31] اى عرضها اى المسميات وانما ذكر الضمير لان فى المسميات العقلاء فغلبهم والعرض اظهار الشئ للغير ليعرف العارض منه حاله. وفى الحديث "حديث : انه عرضهم امثال الذر"تفسير : ولعله عز وجل عرض عليهم من افراد كل نوع ما يصلح ان يكون انموذجا يتعرف منه احوال البقية واحكامها والحكمة فى التعليم والعرض تشريف آدم واصطفاؤه واظهاره الاسرار والعلوم المكنونة فى غيب علمه تعالى على لسان من يشاء من عباده وهو المعلم المكرم آدم الصفى كيلا يحتج الملك وغيره بعلمه ومعرفته وذلك رحمة الله التى وسعت كل شئ {فقال} الله عز وجل تبكيتا وتعجيزا للملائكة وخطاب التعجيز جائز وهو الامر باتيان الشئ ولم يكن اتيانه مرادا ليظهر عجز المخاطب وان كان ذلك محالا كالامر باحياء الصورة التى يفعلها المصورون يوم القيامة ليظهر عجزهم ويحصل لهم الندم ولا ينفعهم الندم {انبئونى} اى اخبرونى {باسماء هؤلاء} الموجودات {ان كنتم صادقين} فى زعمكم انكم احقاء بالخلافة ممن استخلفته كما ينبئ عنه مقالكم. ويقال هذه الآية دليل عى ان اولى الاشياء بعد علم التوحيد تعلم علم اللغة لانه تعالى أراهم فضل آدم بعلم اللغه. ودلت ايضا ان المدعى يطالب بالحجة فان الملائكة ادعوا الفضل فطولبوا بالبرهان وبحثوا عن الغيب فقرعوا بالعيان اى لا تعلمون اسماء ما تعاينون فكيف تتكلمون فى فساد من لا تعاينون فيا ارباب الدعاوى اين المعانى ويا ارباب المعرفة اين المحبة ويا ارباب المحبة اين الطاعة. قال ابو بكر الواسطى من المحال ان يعرفه العبد ثم لا يحبه ومن المحال ان يحبه ثم لا يذكره ومن المحال ان يذكره ثم لا يجد حلاوة ذكره ومن المحال ان يجد حلاوة ذكره ثم يشتغل بغيره.
ابن عجيبة
تفسير : لمّا أراد الله تعالى عمارة الأرض، بعد أن عمَّر السماوات بالملائكة، أخبر الملائكة بما هو صانع من ذلك؛ تنويهاً بآدم وتشريفاً لذريته، وتعيماً لعباده أمر المشاورة، فقال لهم: {إنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} يخلفني في أرضي وتنفيذ أحكامي، {قَالُوا} على وجه الاستفهام، أو من الإدلال، إن كان من المقربين، بعد أن رأوا الجن قد أفسدوا وسفكوا الدماء: {أَتَجْعَلُ مَن يُفْسِدُ فِيهَا} ، وشأن الخليفة الإصلاح، {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}، أي: نسبح ملتبسين بحمدك، {ونُقَدِّسُ لَكَ}، أي: نطهر أنفسنا لأجلك، أو ننزهك عما لا يليق بجلال قدسك، فنحن أحق بالخلافة منهم. قال الحقّ جلّ وعلا: {إنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ}؛ فإني أعلم أنه يكون منهم رسل وأنبياء وأولياء، ومن يكون مثلكم أو أعظم منكم، ولما ألقى الخليل في النار ضجت الملائكة وقال: "يا رب هذا خليلك يحرق بالنار". فقال لهم: "إن استغاث بكم فأغيثوه". فلما رفع همَّتَه عنهم قال الحقّ تعالى: {ألم أقل لكم إني أعلم ما لا تعلمون}. ثم وَجَّهَ الحق تعالى استحقاقه للخلافة؛ وهو تشريفه بالعلم، فقال: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا}، أي مسميات الأسماء؛ بأن ألقى في رُوعه ما تحتاج إليه ذريته من اللغات والحروف، وخواص الأشياء ومنافعها، ثم عرض تلك المسميات على الملائكة، إظهاراً لعجزهم، وتشريفاً لآدم بالعلم. {فقال}: أخبروني {بأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ} المسيمات {إن كنتم صادقين} في ادعائكم استحقاق الخلافة، فلما عجزوا عن معرفة تلك الأسماء {قَالُوا سُبْحَانَكَ} أي: تنزيهاً لك عن العبث، {لا عِلْمَ لَنَا إلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ} بكل شيء، {الْحَكيمُ} لإتقانك كل شيء، وهذا اعتراف منهم بالقصود والعجز، وإشعار بأن سؤالهم كان استفهاماً وطلباً لتفسير ما أشكر عليهم، ولم يكن اعتراضاً. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِم}، وعيِّن لهم اسم كل مسمى، فلما أخبرهم بذلك بحيث قال مثلاً: هذا فرس وهذا جمل، وعين ذلك لهم، وظهرت ميزته عليهم بالعلم حتى استحق الخلافة، قال الحقّ تعالى: {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ} أي: ما غاب، وأعلم ما تظهرونه من قولكم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا...} الخ، وما تكتمونه من استحقاقكم الخلافة، وقولكم: لن يخلق الله تعالى أحداً أعلم منا لتقدمنا، والفضل لمن صدق لا لمن سبق. قال البيضاوي: اعلم أن هذه الآيات تدل على شرف الإنسان، ومزية العلم وفضله على العبادة، وأنه شرط في الخلافة، بل العمدة فيها، وأن التعليم يصح إطلاقه عليه تعالى، وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه؛ لاختصاصه بمن يحترف به، وأن اللغات توقيفية - عملها الله بالوحي -، وأن آدم عليه السلام أفضل من هؤلاء الملائكة؛ لأنه أعلم منهم، والأعلم أفضل لقوله تعالى:{أية : هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الزُّمَر: 9]، وأن الله يعلم الأشياء قبل حدوثها. هـ. باختصار. وقال في تفسير الملائكة: إنهم أجسام لطيفة قادرة على التشكل، وهي منقسمة على قسمين: قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره، - وهم العليِّون، والملائكة المقربون - وقسم يدبرون الأمر من السماء إلى الأرض على ما ثبت به القضاء وجرى به القلم الإلهي، وهم المدبرات أمراً، فمنهم سماوية، ومنه أرضية. هـ. مختصراً. الإشارة: اعلم أن الروح القائمة بهذا الآدمي هي قطعة من الروح الأعظم التي هي المعاني القائمة بالأواني، وهي آدم الأكبر والأب الأدم، وفي ذلك يقول ابن الفارض: شعر : وإنِّي وإنْ كنتُ ابن آدمَ صُورةً فلِي فِيه مَعْنىً شاهدٌ بأُبوَّتِي تفسير : فلمّا أراد الحق تعالى أن يستخلف هذا الروح في هذه البشرية لتدبرها وتصرفها فيما أريد منها، قالت الملائكة بلسان حالها: كيف تجعل فيها من يفسد فيها بالميل إلى الحظوظ والشهوات، ويسفك الدماء بالغضب والحميات، ونحن نسبحك وننزهك عما لا يليق بك؟ رأت الملائكة ما يصدر من بعض الأرواح من الميل إلى الحضيض الأسفل، ولم تر ما يصدر في بعضها من التصفية والترقية، فقال لهم الحق تعالى: {إني أعلم ما لا تعلمون}؛ فإن منها من تعرج إلى عرش الحضرة، وتعبدني بالفكرة والنظرة، وتستولي على الوجود بأسره، وتنكشف لها عند ذلك أسرار الذات وأنوار الصفات وأسماء المسميات. فيقول الحق تعالى للملائكة: هل فيكم من كشف له عن هذا السر المكنون، والاسم المصون، فقالوا: {سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} من علم الصفات دون أسرار الذات {إنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} يقول الحق تعالى لروح العارف التي نفذت إلى بحر وحدة الذات وتيار الصفات: أنبئهم بما غاب عنهم من أسرار الجبروت، وأسماء الملكوت، فلما أعلمهم بما كوشف له من الأسرار، وانفق له من الأنوار، أقروا بشرف الآدمي، وسجدوا لطلعة آدم عليه السلام فقال الحق لهم: {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ}؟ أي: ما غاب في سماء الأرواح من الأسرار وفي أرض النفوس من الأنوار، وأعلم ما تظهرونه من الانقياد، وما تكتمونه من الاعتقاد، والله تعالى أعلم. ولما تبينّ شرف آدم عليه السلام وبان فضله أمرهم بالسجود له.
الطوسي
تفسير : المعنى: قال أبو عبيدة: {إذا} زائدة. والتقدير {قال ربك للملائكة}. وهي تحذف في مواضع. قال الاسود بن يعمر: شعر : واذا وذلك لا مهاه لذكره والدهر يعقب صالحاً بفساد تفسير : معناه وذلك لا مهاه لذكره. قال عبد مناة بن مربع وقيل: ابن ربع الهذلي شعر : حتى اذا أسلكوهم في قتائدةٍ شلاً كما تطرد الجمالة الشردا تفسير : ومعناه حتى اسلكوهم. والقتائد: الموضع الذي فيه قتاد كثير. والشل الطرد. والجمالة: الجمالون. والشرد الابل التي تشرد عن مواضعها، وتقصد غيرها وتطرد عنها. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لأن إذا: حرف يأتي بمعنى الجزاء ويدل على مجهول من الوقت. ولا يجوز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام إلا لضرورة. وليس المعنى في البيتين على ما ظن، بل لو حمل (إذا) في البيتين على البطلان بطل معنى الكلام الذي أراد الشاعر، لأن الأسود أراد بقوله: (واذا) الذي نحن فيه وما مضى من عيشنا. واراد بقوله (ذلك) الاشارة إلى ما تقدم وصفه من عيشه الذي كان فيه لا مهاه لذكره. يعني لا طعم له، ولا فضل لأعقاب الدهر ذلك بفساد. ومعنى قول عبد مناة بن مربع: حتى اذا اسلكوهم في قتائدة. إن قوله: اسلكوهم مثلا يدل على معنى محذوف، واستغنى عن ذكره بدلالة (اذا) عليه فحذف كما قال نمر بن تولب: شعر : فان المنية من يخشها فسوف تصادفه اينما تفسير : يريد اينما ذهب. وكما يقول القائل: من قبل، ومن بعد. يريد من قبل ذلك، ومن بعد ذلك، ويقول القائل: اذا اكرمك أخوك فاكرمه واذا لا فلا يريد واذا لم يكرمك فلا تكرمه. ومن ذلك قول الشاعر: شعر : فاذا وذلك لا يضرك ضرة في يوم اسأل نائلا او انكد تفسير : وكذلك لو حذف (إذا) في الآية لاستحالت عن معناها الذي تقيده {إذ}، لأن تقديره: ابتدأ خلقكم اذ قال ربك للملائكة. قال الزجاج والرماني أخطأ أبو عبيدة، لأن كلام الله لا يجوز أن يحمل على اللغو مع امكان حمله على زيادة فائدة قال: ومعنى إذ: الوقت وهي اسم كيف يكون لغواً؟ قال والتقدير الوقت والحجة في {إذ} أن الله عز وجل ذكر خلق الناس وغيرهم، فكأنه قال: ابتدأ خلقك اذ قال ربك للملائكة. وقال الفضل: لما امتن الله بخلق السماوات والأرض، ثم قال: وإذ قلنا للملائكة ما قلناه فهو نعمة عليكم وتعظيم لأبيكم. واختار ذلك الحسن بن علي المغربي. وقال الرماني والزهري: اذكر اذ قال ربك. والملائكة جمع غير أن واحدهم بغير همز أكثر فيحذفون الهمزة ويحركون اللام التي كانت ساكنة لو همّز الاسم إلى اللام. فاذا اجمعوا، ردوه إلى الأصل وهمزوا. كما يقولون: رأى، ثم يقولون يرى بلا همز. وذلك كثير. وقد جاء مهموزا في واحده قال الشاعر: شعر : فلست بأنسي ولكن ملأكا تنزل من جو السماء يصوب تفسير : وقد يقال في واحدهم مألك: مثل قولهم: جبذ وجذب فيقلبونه، وشأمل وشمأل. ومن قال: مألك يجمعه ملائك بلا هاء مثل اشعث واشاعث. قال أمية ابن ابي الصلت: شعر : وفيها من عباد الله قوم ملائك ذللوا وهم صعاب تفسير : واصل الملأك الرسالة. قال عدي بن زيد العبادي: شعر : ابلغ النعمان عني ملأكاً أنه قد طال حبسي وانتظاري تفسير : وقد ينشد ملأكا ومألكا على اللغة الأخرى. فمن قال: ملأكا فهو مفعل من لاك اليه يليك إذا أرسل اليه رسالة: ومن قال مألكا فهو مفعل من ألكت اليه إلاكة اذا ارسلت اليه مألكة والوكا وكما قال لبيد بن ربيعة: شعر : وغلام ارسلته امه بالوك فبذلنا ما سأل تفسير : وهذا من الكت ويقال: لاك يلأك والك يألك اذا أرسل قال عبد بني الحسحاس: شعر : ألكني اليها عمرك الله يا فتى بآية ما جاءت الينا تهاديا تفسير : يعني أبلغها رسالتي. فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة، لأنها رسل الله بينه وبين انبيائه، ومن أرسل من عباده. هذا عند من يقول: إن جميع الملائكة رسل فاما ما يذهب اليه اصحابنا أن فيهم رسلا وفيهم من ليس برسل، فلا يكون الاسم مشتقاً، بل يكون علماً او اسم جنس. وانما قالوا: إن جميعهم ليسوا رسل الله لقوله تعالى: {أية : يصطفي من الملائكة رسلا} تفسير : فلو كانوا جميعاً رسلا، لكانوا جميعاً مصطفين، لأن الرسول لا يكون إلا مختاراً مصطفى. وكما قال: {أية : ولقد اخترناهم على علم على العالمين}. تفسير : وقوله: {إني جاعل} أي فاعل وخالق. وهما يتقاربان. قال الرماني: حقيقة الجعل: تصيير الشيء على صفة. والاحداث حقيقة: إيجاد الشيء بعد أن لم يكن موجوداً. والخليقة: الفعيلة من قولهم: خلف فلان فلاناً في هذا الأمر: اذا قام مقامه فيه بعده، لقوله تعالى: {أية : ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون}تفسير : يعني بذلك: أبدلكم في الأرض منهم، فجعلكم خلفاً في الأرض من بعدهم. وسمي الخليفة خليفة من ذلك، لأنه خلف من كان قيله، فقام مقامه. الخلف ـ بتحريك اللام ـ يقال: فيمن كان صالحاً ـ وبتسكين اللام ـ اذا كان طالحاً. قال الله تعالى {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة} وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: ينقل هذا العلم من كل خلف عدوله وقال قوم: سمى الله تعالى آدم خليفة، لأنه جعل آدم وذريته خلفاء الملائكة، لأن الملائكة كانوا سكان الأرض. وقال ابن عباس: انه كان في الأرض الجن، فافسدوا فيها، وسفكوا الدماء، فاهلكوا، فجعل الله آدم وذريته بدلهم. وقال الحسن البصري: إنما أراد بذلك قوماً يخلف بعضهم بعضاً من ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم في إقامة الحق وعمارة الأرض. وقال ابن مسعود: أراد أني جاعل في الأرض خليفة يخلفني في الحكم بين الخلق، وهو آدم، ومن قام مقامه من ولده. وقيل انه يخلفني في انبات الزرع واخراج الثمار، وشق الانهار وقيل ان الأرض أراد بها مكة، روي ذلك عن ابن سارط، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: دحيت الأرض من مكة ولذلك سميت ام القرى. قال: دفن نوح وهود وصالح وشعيب بين زمزم والمقام. وقال قوم: انها الأرض المعروفة. وهو الظاهر. وقوله: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} وروي ان خلقاً يقال لهم الجان كانوا في الأرض فافسدوا وسفكوا الدماء فبعث الله تعالى ملائكة اجلتهم من الأرض. وقيل: ان هؤلاء الملائكة كانوا سكان الارض بعد الجان فقالوا: يا ربنا اتجعل في الارض يفسد فيها ويسفك الدماء. على وجه الاستخبار منهم والاستعلام عن وجه المصلحة، والحكمة لا على وجه الانكار. كأنهم قالوا ان كان هذا كما ظننا فعرفنا وجه الحكمة فيه. وقال قوم: المعنى فيه ان الله أعلم الملائكة انه جاعل في الارض خليفة وان الخليفة فرقة تسفك الدماء وهي فرقة من بني آدم فأذن الله للملائكة ان يسألوه عن ذلك وكان اعلامه أياهم هذا زيادة على التثبيت في نفوسهم انه يعلم الغيب فكأنهم قالوا: أتخلق فيها قوماً يسفك الدماء، ويعصونك وانما ينبغي انهم اذا عرفوا انك خلقتهم ان يسبحوا بحمدك كما نسبح ويقدسوا كما نقدس؟، ولم يقولوا: هذا إلا وقد اذن لهم، لأنهم لا يجوز ان يسألوا ما لا يؤذن لهم ما فيه، ويؤمرون به، لقوله: {أية : ويفعلون ما يؤمرون} تفسير : فان قيل من اين لكم أنهم كانوا علموا ذلك؟ قيل ذلك محذوف لدلالة الكلام عليه، لأنا علمنا أنهم لا يعلمون الغيب وليس اذا فسد الجن في الارض، وجب أن يفسد الانس وقوة السؤال تدل على أنهم كانوا عالمين وجرى ذلك مجرى قول الشاعر: شعر : فلا تدفنوني إن دفني محرم عليكم ولكن خامري أم عامر تفسير : فحذف قوله: دعوني للتي يقال لها إذا أريد صيدها خامري أم عامر فكأنه قال: إني جاعل في الأرض خليفة يكون من ولده افساد في الأرض وسفك الدماء وقال ابوعبيدة والزجاج: أنهم قالوا ذلك على وجه الايجاب وإن خرج مخرج الاستفهام كما قال جرير: شعر : ألستم خير من ركب المطايا واندى العالمين بطون راح؟ تفسير : فعلى هذا الوجه قال قوم: إنما أخبروا بذلك عن ظنهم وتوهمهم، لأنهم رأوا الجن من قبلهم قد افسدوا في الأرض وسفكوا الدماء فتصوروا أنه إن استخلف غيرهم، كانوا مثلهم، فقال تعالى منكراً لذلك: {إني أعلم ما لا تعلمون} وهذا قول قتادة وابن عباس وابن مسعود. وقال آخرون: إنهم قالوه يقينا لأن الله كان أخبرهم انه يستخلف في الارض من يفسد فيها ويسفك الدماء. فاجابوه بعد علمهم بذلك بأن قالوا: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} وانما قالوه استعظاماً لفعلهم أي كيف يفسدون فيها ويسفكون الدماء، وقد انعمت عليهم واستخلفتهم فيها فقال: {إني أعلم ما لا تعلمون} وقال قوم: إنهم قالوا ذلك متعجبين من استخلافه لهم أي كيف يستخلفهم وقد علم انهم {يفسدون فيها ويسفكون الدماء}؟ فقال: {إني أعلم ما لا تعلمون}. والسفك: صب الدماء خاصة دون غيره من الماء، وجميع المايعات. والسفح مثله لأنه مستعمل في جميع المايعات على وجه التضييع، ولذلك قالوا في الزنا انه سفاح لتضييع مائه فيه. والملائكة المذكورون في الآية. قال قوم: هم جميع الملائكة. وقال آخرون - وهو المروي عن ابن عباس والضحاك ـ إنه خطاب لمن اسكنه من الملائكة الأرض بعد الجان، وقبل خلق آدم، وهم الذين أجلوا الجان عن الارض. وقال قتادة في قوله: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء} وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء عند الله أكبر من سفك الدماء والافساد في الارض قال الله تعالى: {إني أعلم ما لا تعلمون} من أنه سيكون من الخليفة رسل وانبياء، وقوم صالحون وساكنون الجنة. واقوى هذه الوجوه قول من قال: إن الملائكة إنما قالت: {أتجعل فيها من يفسد فيها} على وجه التعجب من هذا التدبير، لا إنكاراً له ولكن على وجه التألم والتوجع والاغتمام والاستعلام لوجه التدبير فيه، فقال: {إني أعلم ما لا تعلمون} من وجه المصلحة في خلقهم، وما يكون منهم من الخير والرشد والعلم، وحسن التدبير والحفظ، والطاعة ما لا تعلمون. فان قيل: الملائكة بم عرفت ذلك، اذ لم يمكنها أن تستدرك ذلك بالنظر والفكر. قلنا: قد يجوز أن لا يكون خَطَر ببالها ذلك إلا عند ما أعلمهم الله، فلما علموا ذلك، فزعوا إلى المسألة عنه، لأن المسألة لمن يتوقع سرعة جوابه أو يوثق بعلمه وخبره يقوم مقام النظر والفكر. وقوله: {أتجعل فيها من يفسد فيها} يريدون من ولد آدم الذين ليسوا أنبياء، ولا أئمة معصومين. فكأنه قال تعالى: إني جاعل في الأرض خليفة يكون له ولد ونسل يفعلون كيت وكيت. فقالوا: {أتجعل فيها من يفسد فيها} يريدون الولد. وقد بينا أن الخليفة من يخلف من تقدمه، جماعة كانوا أو واحداً فلما أخبر الله تعالى الملائكة أنه يخلق في الأرض عباداً هم آدم وولده ويكون خليفة لمن تقدمهم من الجن أو غيرهم، قالوا ما قالوا. ويحتمل أن يكون قوله: {من يفسد فيها} يريدون البعض لا الكل. كما يقال: بنو شيبان يقطعون الطريق. ويراد بعضهم دون جميعهم. وقوله: {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} والتسبيح هو التنزيه من السوء على وجه التعظيم وكل من عمل خيراً قصد به الله فقد سبح. يقال: فرغت من سبحتي أي من صلاتي. وقال سيبوية: معنى سبحان الله: براءة الله وتنزيه الله من السوء. قال اعشى بني تغلب: شعر : اقول ـ لما جاءني فخره ـ: سبحان من علقمة الفاخر تفسير : أي براءة من علقمة الفاخر. وهو مشتق من السبح الذي هو الذهاب. قال الله تعالى: {أية : إن لك في النهار سبحاً طويلا}تفسير : ولا يجوز أن يسبح غير الله وان كان منزها، لأنه صار علماً في الدين على أعلى مراتب التعظيم التي لا يستحقها سواه. كما أن العبادة غاية في الشكر لا يستحقها سواه. وقال ابن عباس وابن مسعود: {ونحن نسبح بحمدك} بمعنى نصلي لك كما قال: {أية : فلولا أنه كان من المسبحين} تفسير : أي من المصلين. وقال مجاهد: معناه نعظمك بالحمد والشكر على نعمك. وقال قتادة: هو التسبيح المعروف. وقال المفضل: هو رفع الصوت بذكر الله قال جرير: شعر : قبح الاله وجوه تغلب كلما سبح الحجيج وهللوا إهلالا تفسير : واصل التقديس: التطهير. ومنه قوله: الأرض المقدسة أي المطهرة. قال الشاعر: شعر : فادركنه يأخذن بالساق والنسا كما شبرق الولدان ثوب المقدس تفسير : أي المطهر. وقال قوم: معنى نقدس لك: نصلي لك. وقال آخرون: نقدس انفسنا من الخطايا والمعاصي وقال قوم: نطهرك من الادناس أي لا نضيف اليك القبائح. والقَدَسَ: السطل الذي يتطهر منه أي يقدس. ويوصف تعالى بأنه قدوس سبوح أي سبحانه أن يكون شريكا لغيره طاهر من كل عيب. وقوله: {إني أعلم ما لا تعلمون}. قال قوم: أراد ما أظهره إبليس من الكبر والعجب والمعصية لما أمر الله تعالى لآدم. ذهب اليه ابن مسعود، وابن عباس. وقال قتادة: أراد من في ذرية آدم من الانبياء والصالحين. وقال قوم: أراد به ما اختص بعلمه من تدبير المصالح. فان قيل: لو كان آدم قادراً على أن لا يأكل من الشجرة، لكان قادراً على نقض ما دبره الله فيه، لأنه لو لم يأكل منها للبث في الجنة. والله تعالى إنما خلقه ليجعله خليفة في الأرض فهذا يدل على أنه لم يكن بد من المخالفة. قلنا عن هذا جوابان: أحدهما ـ ان الجنة التي خلق الله تعالى فيها آدم، لم تكن جنة الخلد، وانما كانت في الأرض حيث شاء الله، وانه حيث كان في الارض، كان خليفة في الارض وفي هذا سقط السؤال. والثاني ـ ان الله تعالى علم أن آدم سيخالف، وانه يهبط إلى الأرض فيستخلفه فيها فأخبر الله تعالى بما علم. وقولهم: إنه لو كان قادراً على أن لا يخالف، لكان قادراً على نقض تدبيره ـ جهل، لأن الله تعالى قد أمره بأن لا يقرب الشجرة. فهل يجب بأن يكون أمره بأن ينقض تدبيره؟ فاذا قالوا: لا. قيل: وكذلك الله قد اقدره على ألا يخالف فيلبث في الجنة. ولا يجب بذلك أن يكون أقدره على نقض تدبيره. وقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن الملائكة سألت الله أن يجعل الخليفة منهم. وقالوا: نحن نقدسك ونطيعك ولا نعصيك كغيرنا. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فلما أجيبوا بما ذكر الله في القرآن، علموا أنهم قد تجاوزوا ما ليس لهم فلاذوا بالعرش استغفاراً، فأمر الله آدم بعد هبوطه أن يبني لهم في الأرض بيتاً يلوذ به المخطئون كما لاذ بالعرش الملائكة المقربون. فقال الله تعالى: إني اعرف بالمصلحة منكم. وهو معنى قوله: {إني أعلم ما لا تعلمون}.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : اعلم أنّ هذه الآية، إشارة إلى معرفة النفس الإنسانية، وشرح ماهيّتها وإنيّتها، وكيفيّة نشؤها من الأرض وسرّ خلافتها، وذلك لأن معرفة النفس أمّ الفضائل، وأصل المعارف - كما جاء في الوحي الإلهي: "اعرف نفسك يا إنسان تعرف ربّك" وفي كلام النبي (صلى الله عليه وآله): "حديث : أعَرَّفَكُم بنفسه أَعْرفُكُم بربّه"تفسير : . وفي كلام بعض الأوائل: "مَن عرف ذاته تألّه". وذلك لأنّها إذا عرفتْ، كانت مفتاح خزائن المعرفة، وباب حكمة ربّ العالَمين، وصراط الحقّ واليقين، وميزان يوم الحساب، ونور المارّين إلى الجنة؛ وإذا جهلت، كانت ظلمة القبور وضيقها، ووحشة الصدور وضنكها؛ وعرضة الهلاك والعمى والدثور، وعذاب الآخرة يوم النشور. فقوله: {وَإِذْ} وضع - كما قيل - لزمان نسبة ماضية وقعت فيه أخرى، كما أن "إذا" وُضع لزمان نسبة مستقبلة تقع فيه أُخرى، ومحلّهما النصب أبداً بالظرفية لفعل مضمر كـ "اذكر" ونحوه، أو مذكور كـ "قالوا" في هذه الآية، وإنّما أضمر "اذكر" فيما أضمر، لأنّه جاء عاملاً له صريحاً في كثير من مواضع القرآن. وعن معمّر: إنّه مزيد. اعلم أنّ قول الله [تعالى] فعليٌّ عند المحقّقين كما مرّ، وهو عبارة عن إنشاء أمر يستفاد منه مشيئة الله تعالى في خلقه، فقوله للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} إعلامه إيّاهم ذلك بأحد وجهين؛ إمّا بافاضة صور الحقائق التي هي من مبادئ النشأة الإنسانيّة عليهم؛ أو باطّلاعهم على شيء من عالم أمره تعالى، المشتمل على جميع الأقوال المتعلّقة بالأكوان الخلقيّة. و"الجعل" على ضربين: ابداع نفس حقيقة الشيء، وتأييسه أو تصييره شيئاً آخر. والأول أعلى في باب الجاعليّة من الثاني، فـ {جَاعِلٌ} إن كان بالمعنى الأول، كان بمعنى مبدع أو خالق، فلا يستدعي مجعولاً إليه، وإن كان بالمعنى الثاني، كان له مجعولٌ ومجعولٌ إليه - وهما المفعول الأول والمفعول الثاني باصطلاح النحاة -، وهما "فِي الأرْضِ" و "خَليفَةً"؛ وإنّما عمل فيهما، لأنّه بمعنى الاستقبال، ومعتمد على مسند إليه. و"الخَلِيفَةُ" من يخلف غيره وينوب عنه لأجل مناسبة تامّة يستحقّ بها للخلافة لا توجد في غيره، وإلاّ لكان وضعاً للشيء في غير موضعه، و"الهاء" فيه للمبالغة. وقد تحيّرت العقول في أنّ استحقاقية آدم للخلافة الإلهية بماذا؟ فقيل: لتحمّله التكليف. وقيل: لطاعته مع وجود الصوارف البدنيّة كالشهوة والغضب عنها. وقيل: لجامعيته بين صفات الملائكة وصفات البهائم. وأسدّ الأقوال كونه جامعاً لجميع المظاهر الأسمائية. واعلم أنّ لله خلفاء في كلّ عالم ونشأة، ولخلفائه أيضاً خلفاء، وبهذا جرت سنّته، لا لحاجة له إلى من ينوبه في فعله، لتعاليه عن القصور في فعله، لكونه تمام كلّ حقيقة، وكمال كلّ وجود؛ بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه وتلقّي أمره من لدنه بغير واسطة، ولذلك لم يستنبئ مَلَكاً من الملائكة العالين في الأرض كما قال: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام:9]. ألا ترى أن الأنبياء - سلام الله عليهم -، لمّا قويت قواهم، وفاقَت عقولهم وخمدت نار هواهم تحت نور هداهم، واشتعلت قريحتهم الوقّادة بنور الهداية بحيث يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، أرسل إليهم الملائكة، ثمّ من كان منهم أعلى رتبة، كلّمه ربّه بلا واسطة، كما كلّم موسى عليه السلام في الميقات، ومحمّداً (صلى الله عليه وآله) ليلة المعراج. وممّا يؤيّد ما ذكرنا، ما أخبر (صلى الله عليه وآله) في تفاوت درجات أخذه عن الله العلوم بحسب أحواله المتفاوتة، وترقّياته في مراتب العقول المفارقة، بعد تجاوز المقامات الفلكيّة ونفوسها العليّة، فكان يخبر أحياناً أنّه يأخذ عن جبرئيل عليه السلام، وأنّ جبرئيل يأخذ عن ميكائيل، وهو عن إسرافيل، وإسرافيل يأخذ عن الله. ويخبر أحياناً أنّه يأخذ عن ميكائيل دون واسطة جبرئيل. وأخبر أنه كان يلقي إليه أحياناً إسرافيل، فيأخذ دون واسطة المَلَكين عليهما السلام، وأخذ أحياناً عن الله من غير واسطة أحد من الملائكة، وليس وراء الله مرمى. ونظير ذلك في الطبيعة: أن النفس متوسّطة بين العقل والطبيعة، وهي متوسّطة بينها وبين الروح البخاري، المتوسّط بين القوى الطبيعيّة وبين الأعصاب والغضاريف، وهي بينها وبين الأعضاء والأمشاج. والمراد هٰهنا آدم عليه السلام، لأنّه خليفة الله في أرضه، أو خليفة من سكن الأرض قبله، أو هو وذريّته، لأنّهم يخلفون من قبلهم؛ وإفراد اللفظ؛ إمّا للإستغناء بذكره عن ذكر بنيه - كما استغني عن ذكر أبي القبيلة عن ذكرهم في قولهم: " مضرٌ وهاشمٌ" - أو على تأويل مَنْ يخلف، أو خلفاً يخلف. وأما خليفته في العالم كلّه، فهو محمّد (صلى الله عليه وآله)، عند بلوغه إلى المقام المحمود. إشراق كمالي [لزوم وجود الخليفة] اعلم أنّه لمّا اقتضى حكم السلطنة الواجبة للذّات الأزلية والصفات العليّة بسط مملكة الألوهيّة، ونشر لواء الربوبيّة، بإظهار الخلائق وتحقيق الحقائق، وتسخير الأشياء وإمضاء الأمور، وتدبير الممالك وإمداد الدهور، وحفظ مراتب الوجود ورفع مناصب الشهود؛ وكانت مباشرة هذا الأمر من الذات القديمة بغير واسطة بعيداً جداً، - لبُعد المناسبة بين عزّة القِدم وذلَّة الحدوث -، حكم الحكيم سبحانه بتخليف نائب ينوب عنه في التصرّف والولاية، والحفظ والرعاية. وله وجه إلى القِدم يستمدّ به من الحقّ سبحانه، ووجْه إلى الحدوث يمدّ به الخلْق، فجعل على صورة خليفة يخلف عنه في التصرّف، وخلع عليه جميع أسمائه وصفاته. ومكّنه في مسند الخلافة بإلقاء مقادير الأمور إليه، وإحالة حكم الجمهور عليه، وتنفيذ تصرفاته في خزائن ملكه وملكوته، وتسخير الخلائق لحكمه وجبروته، وسماه انساناً، لإمكان وقوع الانس بينه وبين الخلق برابطة الجنسيّة، وواسطة الأنسيّة، وجعل له بحكم اسمه: "الظاهر والباطن" حقيقة باطنة، وصورة ظاهرة، ليتمكن بهما من التصرف في الملك والملكوت. فحقيقته الباطنة هي الروح الأعظم، وهو الأمر الذي يستحق به الإنسان الخلافة، والنفس الكلّية وزيره وترجمانه، والطبيعة الكلّية عامله ورئيسه، والعَمَلَةُ - من القوى الطبيعيّة وكذلك إلى آخر الروحانيات - جنوده وخدمه. وأمّا صورته الظاهرة: فصورة العالَم من العرش إلى الفرش، وما بينهما من البسائط والمركّبات. فهذا هو الإنسان الكبير المشير إليه قول المحققين: "إنّ العالم إنسان كبير". وأما قولهم: "الإنسان عالم كبير"، أرادوا به أنواع البشر، وهو خليفة الله في أرضه، كما أُشير إليه في هذه الآية. وأمّا خليفة الله في السماء والأرض، وهو الإنسان الكبير، والإنسان البشري نسخة منتخبة من الإنسان الكبير الإلهي، ونسبته إليه نسبة الولد الصغير من الوالد الكبير، فله أيضاً حقيقة باطنيّة وصورة ظاهرة. أما حقيقته الباطنة: فالروح الجزئي المنفوخ فيه من الروح الأعظم، والعقل الجزئي، والنفس والطبيعة الجزئيّتان. وأما صورته الظاهرة: فنسخة منتخبة من صورة العالَم، فيها من كل جزء من أجزاء العالَم لطيفها وكثيفها قسطٌ ونصيبٌ، فسبحانه من صانعٍ جمع الكلّ في واحد كما قيل: شعر : ليس من الله بمستنكرٍ أن يجمع العالَم في واحدٍ تفسير : وصورة كلّ شخص إنساني نتيجة صورة آدم وحوّاء عليهما السلام، ومعناه نتيجة الروح الأعظم والنفس الكلّية، اللذين هما أيضاً آدم كلّي وحوّاء كلّية. ومن هذا يصحّ أن يقال لبعضٍ مِن كُمَّلِ أولادهما حقيقة: شعر : وإنّي وإن كنت ابن آدم صورة فلي فيه معنى شاهد بأبوّتي تفسير : فصل [الملائكة والأقوال فيها] الملائكة جمع مَلأك - على الأصل - كالشمائل في جمع شمأل، والتاء لتأنيث الجمع. وهو مقلوب "مألَك" من الألوكة وهي الرسالة، لأنّهم وسائط بين الله وبين الناس، فهم رسُل الله أو كالرسل إليهم، ولهذا لا يسمّى "مَلَكاً" من لا رسالة له، يسمى "روحاً" أو شيئاً آخر: واختلفت العقلاء في حقيقتهم، بعد اتّفاقهم على أنّها ذوات موجودة وجوداً جوهرياً صورياً لا كوجود الأعراض، فذهب أكثر أهل الإسلام إلى أنّها أجسام لطيفة قادرة على التشكّل بأشكال مختلفة، مستدلّين بأنّ الرسل عليهم السلام كانوا يرونها كذلك. وقالت طائفة من النصارى: "هي النفوس الفاضلة البشريّة المفارقة للأبدان، كما أنّ الجنّ أيضاً عندهم هي النفوس الخبيثة الشريرة المفارقة". وزعم الحكماء أن ضرباً منها جواهر مجرّدة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة، وضرباً آخر متعلقة بالأجرام الكلّية والجزئيّة بأنحاء من التدبير والتصريف، فهي عندهم منقسمة إلى قسمين: قسْم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق، والتنزّه عن الاشتغال بغير ملاحظة جماله وجلاله، وهم العِلّيون، والملائكة المقرّبون، كما وصَفهم الله في محكم تنزيله بقوله: {أية : يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} تفسير : [الأنبياء:20]. وقسم يدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبَق به القضاء، وجرى به القلَم الإلهي: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم:6]. وهم المدبّرات أمراً؛ فمنهم سماويّة، ومنهم أرضيّة - على تفصيل ذكره في المفاتيح الغيبية -. واعلم أنّهم اختلفوا في أنّ المقول لهم كلّ الملائكة، أم ملائكة الأرض، والحقّ إن المراد من الخليفة إن كان آدم عليه السلام أو الإنسان الصغير، فالمقول له هم الملائكة الأرضيّة، وإن كان الإنسان الكبير المحمدي عليه وآله السلام، فالمخاطب كلّ الملائكة أجمعين. وقيل: هم إبليس ومن كان معه في محاربة الجنّ، فإنّه تعالى أسكنهم في الأرض أولاً فأفسدوا فيها، فبعَث إليهم إبليس في جُند من الملائكة، فدمّرهم وفرّقهم في الجبال والجزائر. مثال ذلك قُوى مملكة الإنسان في أرض بدنه، فإنّ مادّة بدنه كانت أولاً قبل تعلّق النفس الوهميّة بيد قوى الحيوانيّة الشهويّة والغضبيّة الساكنة في أوسط مواضعه وأعدل بقاعه - كتجويف القلب وما يحويه -، وكانت عاصية ظالمة فاعلة للأمور بمقتضى الطبيعة - لا بحكم قوّة إدراكيّة باطنيّة -، ثمّ إذا فاضت عليها النفس الوهمانيّة بأمر الله، قهرتها وسخّرتها، وأبعدتها عن مقرّ الدماغ والقلب إلى أطراف البدن وأكنافه، بحكم مَدّ أَدِيم البدن ودحوة أرضه بالقوّة النامية، فجعَل مواضع الحواسّ الظاهرة أطراف البدن، ومواضع القوى: الشهوة والغضب، المعدة والكبد والأنثيين والمرارة ونحوها. ثمَّ جعل الله القوّة الناطقة المطيعة لأمر الله، السميعة لأحكامه، المسلّمة له ولرسله وملائكته، خليفة في أرض البدن، وأمر جميع القوى المدركة بانقيادها وطاعتها وتسليمها، والسجود لها، والايتمار بأمرها، والانتهاء بنهيها، فأصبحت كلّها ساجدةً مطيعةً لأمر الله خاضعة له، إلاّ إبليس، القوّة الوهميّة، لغلبة ناريّة النفس على طبيعتها، وقلّة نوريّة الإدراك العقلي على فطرتها. فصارت لشدّة أنانيّتها الناريّة، وقلّة نوريّتها العقليّة، وعدم بصيرتها بحال الجوهر الإنساني المخمّر طينته عن التراب المشتعل نور فطرته في وادي القدس عن نور ربّ الأرباب، عاصية متمرّدة عن الطاعة، زاعمة أن حقيقة الإنسان ليس إلاّ هذا الجسد الأرضيّ الفاسد، الذي إن أصابه حرٌّ ذاب، وإن أصابه برد جمد، وإن أنتبه لا يشعر، وإن حُرِّكَ لا يحسُّ بذاته، وإن لم يطعم ذبل، وإن أطعم امتلأ من الدم والنجاسات، كأنّه مذبح مجصّص ظاهره، مملوٌّ باطنه من القاذورات. أو كقبر متحرّك في جوفه أنواع من المؤذيات والهوامّ كالحيّات والعقارب والديدان. فصل [الأسرار في خلْق الإنسان] إنّ قولهم هذا يدلّ على معان مختلفة: منها: أن الله أنطقهم بهذا القول، ليتحقّق لنا أن هذه الصفات الذميمة في طينتنا مودعة، وفي جبلّتنا مركوزة، فلا نأمن عن مكر أنفسنا الأمّارة بالسوء، ولا نعتمد عليها وما نبرئها كما قال تعالى عن قول يوسف عليه السلام: {أية : وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ} تفسير : [يوسف:53]. ومنها: لنعلم أن كلّ عمل صالح نعمله، ذلك بتوفيق الله تعالى إيّانا وفضله ورحمته، وكلّ فساد وظلم نعمله، هو من شؤم طينتنا وخاصيّة طبيعتنا، كما قال تعالى: {أية : مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} تفسير : [النساء:79]. وكلّ فساد لا يجري علينا ولا يصدر منّا، فذلك من حفظ الحقّ وعصمته ورحمته، لقوله تعالى: {أية : إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ} تفسير : [يوسف:53]. ومنها: لنعلم أن استعداد أمر عظيم فينا، وفينا شأو جسيم ليس للملائكة به علْم، وهو سرّ الخلافة، فلا نتغافل عن هذه السعادة، ولا نتقاعد عن هذه السيادة، ونسعى في طلبها حقّ السعاية. ومنها: لنعلم أن الله تعالى - من فضله وكرَمه - قد قبلنا بالعبوديّة والخلافة، وقال من حسن عنايته في حقّنا مع الملائكة المقرَّبين: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، لكيلا نقنط من رحمته، وننقطع من خدمته. ومنها: أنّ الملائكة {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}، لأنّهم نظَروا إلى جسد آدم قبل نفخ الروح فيه، فشاهدوا بالنظر الملكي في ملكوت جسده المخلوق، من العناصر الأربعة المضادّة، صفات بشريّته البهيميّة والسبعيّة التي تتولّد من تركيب أضداد العناصر، كما شاهدوها في أجساد الحيوانات والسباع الضاريات، بل عايَنوها - فإنها خُلقتْ قبل آدم -، فقاسوا عليها أحواله بعد أن شاهدوها وحقّقوها. وهذا لا يكون غيباً في حقّهم، وإنّما يكون غيباً لنا، لأنّنا ننظر بالحسّ، والملكوت يكون لأهل الحسّ غيباً، ومنّا من ينظر بالنظر الملكوتي، فيشاهد الملائكة والملكوتيّات بالنظر الروحاني، كما قال تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام:75]. وقال: {أية : أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [الأعراف:185]. وحينئذ لا يكون غيباً. فالغيب ما غاب، وما شاهد فيه فهو شهادة؛ فالملكوت للملائكة شهادة، والحضرة الإلهيّة لهم غيب؛ وليس لهم الترقّي إلى تلك الحضرة؛ وإنّ للإنسان صورة من عالَم الشهادة المحسوسة، وروحاً من عالَم الغيب الملكوتي، وسرّاً مستعدّاً لقبول فيض النور الإلهي بلا واسطة؛ فبالتربية يترقّى من عالم الشهادة إلى عالم الغيب - وهو الملكوت -، وبسرّ المتابعة وخصوصيّتها يترقّى من عالَم الملكوت إلى عالَم الجبروت والعظموت - وهو غيب الغيوب -، فيشاهد بنور الله المستفاد من سرّ المتابعة أنوار الجمال والجلال، فيكون في خلافة الحقّ عالم الغيب والشهادة، كما أن الله عالِم الغيب والشهادة: {أية : فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً} تفسير : [الجن:26] أي الغيب المخصوص - وهو غيب الغيب - أحداً - يعني من الملائكة {أية : إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} تفسير : [الجن:27]، يعني من الإنسان. فهذا هو السرّ المكنون، المركوز في استعداد الإنسان، الذي كان الله يعلمه منه، والملائكة لا يعلمون كما قال: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. ومنها: أنّ الملائكة لما نظَروا إلى كثرة طاعتهم، واستعداد عصمتهم، ونظروا إلى نتائج الصفات النفسانية، استعظموا أنفسهم واستصغروا آدم وذرّيته، فقالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} - أي: في الأرض - خليفة مع أنه {يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}، فنحن مع هذه الصفات، أحقٌّ بالخلافة منه، كما قال بنو إسرائيل حين بعث الله لهم طالوت ملكاً: {أية : قَالُوۤاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِٱلْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ ٱلْمَالِ} تفسير : [البقرة:247] فأجابهم الله تعالى بأنّ استحقاق الملك إنّما هو بالاصطفاء والبسطة في العلم والجسم وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ وَٱللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ}تفسير : [البقرة:247]. فكذلك هٰهنا أجابهم الله بقوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} إجمالاً، ثمّ فصّله بقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً} تفسير : [آل عمران:33]. وبقوله: {أية : وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} تفسير : [البقرة:31]. وبقوله {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}تفسير : [ص:75]. ليعلموا أنّ استحقاق تلك الخلافة ليس بكثرة الطاعة، ولكن مالك الملك يؤتي الملك من يشاء. ولمّا تفاخر الملائكة بطاعتهم على آدم، منّ الله تعالى على آدم بعلم الأسماء، ليعلموا أنّهم أهل الطاعة والخدمة، وأنّه أهل الفضل والمنَّة؛ وأين أهل الخدمة من أهل المنَّة؟! فبتفاخرهم على آدم صاروا ساجدين له، ليعلموا أنّه مستغن عن طاعتهم، وبمنّته على آدم صار مسجوداً له، ليعلموا أنّ الفضل بيد الله يؤتيه مَنْ يشاء. فصلٌ آخر [كان الملائكة سائلين، لا معترضين] قوله: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}؛ استكشاف عمّا خفي عليهم وجه حكمته، كأنهم قالوا: "إلهنا - أنت الحكيم الذي لا يفعل السفَه، فما وجه الحكمة في جعل جوهر أرضي خليفة فيها وهو مصحوب لقوّة شهوية شأنها الشر والإفساد، ولقوة غضبية شأنها الإهلاك وسفك الدماء، فان النفس اذا انقادت لاحداهما سلكت بها مسلك الفساد والجور والظلم؟ أو تعجّب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها مع وجود من هو بريء من الشرور والمفاسد بالكلية، كطبقة الملائكة المعصومين عن المعاصي، المسبّحين بحمده والمقدّسين له. وليس هذا باعتراض على الله في فعله، أو طعن في بني آدم على وجه الغيبة، أو تزكية لأنفسهم على وجه الافتخار والازراء بغيراهم، - حاشا ملائكة الله عن ذلك - وقد وصفهم الله بأنهم {أية : عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنبياء:26 - 27]. وأمّا علمهم بما ذكروه، وحكمهم بذلك على بني آدم، فليس مما استنبطوه بالقياس -، كما توهّم من أنهم قاسوا أحد الثقلين على الآخر، حيث أُسْكِنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل سُكنى الملائكة، لتعاليهم عن الظنّ رجماً بالغيب، بل إنّما عرفوا ذلك بوحي الله، أو باطّلاعهم على ما في اللوح المحفوظ، أو بما ارتكز في عقولهم من أن العصمة من المعاصي والشرور كلّها من خواصّهم، فأجابهم الله عمّا استخبروه بقوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. حكمةٌ مشرقيةٌ [سرّ خلافة الإنسان لله تعالى] واعلم إنّ سرّ خلافة الإنسان لله، من غوامض العلوم التي لم يمكن الإطّلاع عليها إلا بتوقيف الله عباده عليها بالوحي أو ما ينتمي إليه. ويمكن تقرير شبهة الملائكة، واستخبارهم على وجه آخر، وهو أنّ الإنسان قد اختُصّ بتشريف الخلافة ومسجوديّة الملائكة من بين سائر الموجودات من الأملاك والأفلاك، وجميع مَن في طبقات السموات والأرض والجبال، وهو مع ذلك مخلوق من التراب، وفي أول خلقته، كان أنزل رتبة من الجواهر السماويّة والأرضيّة، وما في المعادن والجبال، إذ كان أضعف وجوداً وأخسّ جوهراً من كلّ جوهر عقلي أو نفساني أو طبيعي، فكيف فاقَ على الأقران، وجاوَز رتبة النبات والحيوان، ومرّ على طبقات السموات بنفوسها وعقولها حتى صار خليفة الرحمن، واسطة بين الله وبين ما سواه - بعد أن كان في عداد الحشرات والديدان، ممنوّاً بآفة الشهوة والغضب كالأسد والأرنب -؟! وكيف اختصّ هو بذلك الشرف والقرب - دون غيره -، وما من غير إلاّ وقد كان مثله وقتاً؟ أمّا المعادن، فقد كان الإنسان مثلها وقتاً؛ وأمّا النباتات، فقد نزل قبل الحيوانيّة في درجتها؛ وأمّا الحيوانات، فهو بما هو حيوان من أصنافها، وإنّما فاز بالنفس الناطقة بعد التجاوز عمّا في مرتبتها؛ وأمّا السماويّات، فما من طبقة من طبقاتها إلاّ وقد مكث فيها الإنسان الكامل قليلاً أو كثيراً، ثمّ جاوزها حتّى بلغ منتهاها، ووصل إلى غاية مثواها ومبتغاها، فما سبب تجاوزه عن كلّ مرتبة ذكرناها إلى فوقها دون صاحب تلك المرتبة؟ مثلاً، إذا نزل في عالم النفوس الفلكيّة، فبأيّ سبب أمكنه التجاوز عن رتبة تلك النفوس كلّها، حتى صار عقلاً محضاً مفارقاً عن الكلّ في مقام القرب الإلهي، ولم يمكن لواحدة منها ذلك في مدد متمادية إلى أن يشاء الله؟ فهذا تقرير هذا الإشكال على هذا المنوال، وجوابه بأنّ شأن من خُلِق للنهاية أن لا يمكث في حدود الطريق إليها. وبعبارة أخرى؛ إنّ المتحرِّك - بما هو متحرّك - يجب أن يكون حاله ما بين صرافه الفعل ومحوضة القوَّة. وبعبارة أخرى؛ إنّ الموت عن كلّ نشأة يوجب الحياة في نشأة ثانية فوقها. وبعبارة أخرى؛ لكلّ صورة من الصور، وطبقة من الطبقات، ومَلَك من الملائكة مقام معلوم لا يتعدّاه لقوّة وجودها وشدّة فعليّتها، والذي خلق للنهاية لضعف وجوده الإبتدائي، لا مقام له كما في قوله تعالى: {أية : يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ} تفسير : [الأحزاب:13]. وتفصيل ذلك؛ إن الموجود إمّا بالفعْل من جميع الوجوه، أو بالفعل من بعض الوجوه وبالقوّة من بعضها، ولا يمكن أن يكون بالقوّة من كل الوجوه، وإلاّ لم يكن موجوداً - وقد فرض موجوداً -. أمّا القسم الأول، فهو الباري - جلّ اسمه -، وضَرْبٌ من الملائكة المقرّبين، والفرق بأنّ الباري موجود بوجوده باق ببقاء نفسه، والمقرّبون موجودون بوجود الله باقون ببقاء الله - لا ببقاء أنفسهم -، وغير المقرّبين باق بابقاء الله ايّاه؛ وفرقٌ بين بقاء الشيء بنفسه كما في الواجب الوجود لذاته، وبين الباقي ببقاء غيره، كما في صوَر ما عند الله، وبين الباقي بابقاء غيره، كما في سائر الممكنات الموجودة الباقية. وأما القسم الثاني؛ فهو ما يكون مزدوج الحقيقة من أمر يكون به بالفعل - كالصورة وما في حكمها -، ومن أمر يكون به بالقوّة - كالمادّة وما في حكمها -. ثم هذا القسم أيضاً، ينقسم إلى قسمين: قسمٌ لا يجوز له الانتقال من صورة إلى صورة، وقسمٌ يجوز له ذلك، فالأول؛ كالأجرام السماويّة في جواهرها وفي أعراضها القارة، كالكمّ والكيف والشكل - لا في نِسَبها العارضة -، والثاني؛ كغيرها مثل الأجسام العنصريّة. ثمّ الجائز له الانتقال في التجوهر والصورة؛ إما أن يتأتّى له ذلك على سبيل الصعوبة والعُسر، أو على سبيل السُهولة واليُسر؛ فالأول؛ كالجبال والمعادن مثل الذهب والفضّة واليواقيت وغيرها، والثاني؛ كالإنسان والحيوان والنبات. وهو أيضاً؛ إما أن يقف بحركته وانتقاله عند حد لا يتعدّاه إلى الغاية القصوى ألبتّة، أو لا يقف عنده، بل يجوز له البلوغ إلى النهاية التي لا غاية وراءها، فالأول كالإنسان، والثاني كالنبات والحيوان. ثمّ الإنسان الذي في حقيقة هذا البلوغ، إمّا أن يبلغ بالفعل الى النهاية، أو يمنعه مانع، الأول، هو خليفة الله في العالَم، والثاني، إمّا من أهل السلامة - إن لم يكن الغالب فيه صورة هذه النشأة بحسب كسبه -، أو من أهل الشقاوة، إن كان الغالب عليه صورتها. فإذا تقرّر هذا فنقول: أما انتقال صورة الإنسان من حدود الجماديّة إلى مرتبة النبات والحيوان، فلوَهْن صورته النطفي، وقوّة استعداده للنموّ، وقبول الحيوانية، وأمّا تجاوزه عن حدودهما، فلضعف النباتيّة والحيوانيّة فيه مع اعتدال المزاج، كما قال تعالى: {أية : وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً} تفسير : [النساء:28]. وأما تجاوزه عن حدود الأفلاك والأملاك، فلأن كُلاً منهما كانت مبدَعة في أول نشأتها على غاية كمالها النوعي، الذي لا أتمّ منه بحسب النوع، فكلّ واحد من أشخاص كلّ من القبيلين، لا يمكنه - لتماميّة ذاته، وتماميّة صورته، وفعليّة جوهره، وعدم ورود ضدّ عليه أصلاً - المزايلة عن نشأته وحاله إلى نشأة ثانية له، إذ ليس حصول كلّ واحد منها بحسب الجهات الإنفعاليّة القابليّة، بل الكلّ منها فائضة عن الحقّ بواسطة جهات وجوبيّة فاعليّة، ولهذا انحصر نوع كلّ منها في شخصه، لكون التشخّص فيه لازماً للنوع، وإنّما الحاجة في أحد القسمين - أي الأفلاك - إلى المادّة، لأجل بعض أعراضها الخارجة عن التجوهُر، البعيد عن ذات الشخص، كالنِسب الوضعيّة، وهي أسهل عَرَض وأيسر غَرض، فمن كن وجوده على هذا النمَط من الإحكام والوثاقة أو أرفع منه، فلا يمكنه الفناء والموت عن نشأته إلى نشأة إلاّ عند القيامة الكبرى، ونفخ الصور المستوعب لفناء الكلّ، وذوبان الجميع عند ظهور سلطان الأحديّة التامّة، وكبرياء قهر الواحد القهار. وأمّا الإنسان المخلوق للبلوغ إلى النهاية، فهو لا يزال في الضعف والانكسار، والعجز والافتقار، مع حفظ الله ايّاه عن البطلان، وتبليغه ايّاه من دار إلى دار، فما دام الشيء في مقام الحاجة والعجز، ترد عليه الواردات الإلهيّة والخُلَع النورانيّة، وما دام في مقام الأنانيّة والافتخار، يمنعه عن المزيد ويُقيمه على العَتيد، أو يفسد عليه حاله إلى أدون ما كان عليه. فبهذا العجز والضعف، استعدّ هو من بين الأجسام الصلبة - كالأرض والجبال -، والجواهر القويّة - كالسَبْعِ الشداد -، لتحمّل الأمانة المشار إليها في قوله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب:72]. وتلك الأمانة، هي النور الإلهي المشار إليه في قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : إن الله خلَق الخلْق في ظلْمة، ثم رشِّ عليهم من نوره"تفسير : ، فما أصابه ذلك النور فقد اهتدى، فكان عرض ذلك النور المسمّى بالأمانة من صفات الحق، فلا يتملّكه أحد عاماً على المخلوقات، وإصابته مختصّة بالإنسان الكامل المتحمّل للأمانة الإلهيّة، فبذلك النور صحّت له الخلافة الإلهيّة المختصّة به من بين المخلوقات ذوات الأرواح. فهذا هو الجواب الربّاني عن شبهة الملائكة المستفاد من قوله تعالى: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، إشارة إلى ذلك النور المشار إليه، ومن قوله: {أية : وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}تفسير : [البقرة:31]، إشارة إلى مروره على كلِّ العوالِم واتّصافه بمظاهر الأسماء، ومن قوله: {أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب:72] إشارة إلى صفتَي الغضب والشهوة، الموجبتين لعجزه وقصوره، المستدعيتين عند وقاية شرّهما لعبوره، وهما اللذان جعلهما الملائكةُ من أسباب حرمانه عن التكريم والخلافة في قوله: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}، أي مَن مِن شأنه هذين الأمرين بمقتضى تينك الصفتين - وقد جعلهما الله من أسباب الإنابة إليه والرجوع إلى دار الكرامة -. واعلم أن شبهة الملائكة عليهم السلام في باب خلافة الإنسان حيث قالوا: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} قريب المأخذ من شبهة الشيطان اللعين في باب مسجوديّته حيث قال: {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}تفسير : [الأعراف:12]. إلاّ أنّهم ذكروها استكشافاً واستعلاماً، وذكرها اللعين استكباراً وافتخاراً، واستبداداً بالرأي والقياس في مقابلة النصّ. وبالجملة، فضيلة الإنسان على الملائكة والجّان، ليس من جهة الصورة كما تصوّره الملائكة، ولا من جهة المادّة كما توهّمه الشيطان؛ بل من جهة الغاية والعاقبة كما أُشير إليه بقوله: {أية : يٰأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ * ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً فَٱدْخُلِي فِي عِبَادِي وَٱدْخُلِي جَنَّتِي} تفسير : [الفجر:27 - 30]. وقُرئ ويسفُك - بضم الفاء - ويُسْفِكُ ويُسَفِّكُ - من باب الإفعال والتفعيل. وفي البيضاوي: "السفْك والسْبك والسفْح والشنّ أنواع من الصبّ، فالسَفْك يقال في الدم والدمع. والسَبْك في الجواهر المذابة. والصفْح في الصبّ من أعلى. والشنّ في الصبّ عن فم القِربة ونحوها، وكذلك السنّ. وقرئ يُسْفَك - على البناء للمفعول -، فيكون الراجع إلى "مَنْ" - سواء جُعل موصولاً أو محذوفاً - أي: يسفك الدماء فيهم". فصل قوله تعالى: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} قال صاحب الكشّاف: "التسبيح تبعيد الله عن السوء، وكذلك تقديسه. من سَبَح في الأرض والماء، وقَدَسَ في الأرض إذا ذهب فيها وأبعد. و {بِحَمْدِكَ} في موضع الحال، أي: نسبّح حامدين لك ومتلبّسين بحمدك، لأنّه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكّن من عبادتك" - انتهى. وقيل: تداركوا به - أي: بحمدك - ما أوهم إسناد التسبيح إلى أنفسهم. و {نُقَدِّسُ لَكَ}، أي نطهّر نفوسنا لأجلك، كأنّهم قابلوا الفساد المفسّر بالشرك عند قوم بالتسبيح، وسفك الدماء - الذي هو أعظم الأفعال الذميمة - بتطهير النفس عن الآثام. وقيل: اللام زائدة، أي نقدّسك. وقال بعضهم: إن هذه الجملة حال مقرّرة لمضمون وجه الإشكال، والمعنى: أتستخلف مَن شأنُهُ صدور دواعي الشهوة والغضب منه، ونحن معصومون من هذه الآفة أحقّاء بذلك، كقولك: "أتحسن إلى أَبَا عِدِكَ وأنا من أقربائك"؟!. وقد مرّ أن مقصودهم الاستخبار والاستعلام، فإنّهم لمّا علموا أن المجعول خليفة ذو ثلاث قوى، عليها مدار أمره ودوام عمره: الشهوية والغضبية: - وهما يدعوانه ويؤديان به إلى الفساد وسفْك الدماء -، والعقليّة: - وهي تدعوه إلى المعرفة والطاعة، ونظَروا إلى أحوال هذه القوى مفردة مفصّلة - لا على النظم الوحداني -، قالوا: "ما الحكمة في استخلاف مَن يصحب تينك القوّتين، وهما ممّا لا يقتضي الحكمة ايجاد من يصحبهما، فكيف استخلافه؟ وأمّا باعتبار القوّة العقليّة، فنحن نقيم ما يتوقّع منه سليماً عن معارضة تلك المَفاسد" وغفلوا عن فضيلة كلّ واحدة من القوّتين إذا صارت مهذّبة مطواعة للعقل، متمرّنة على الخير، كالعفّة والشجاعة، ومجاهدة الهوى ورعاية الانصاف، ولم يعلموا أن التركيب يفيد ما يقصر عنه الآحاد، كالإحاطة بالجزئيّات، واستنباط الصناعات، واستخراج منافع الكائنات من القوّة إلى الفعل، الذي هو المقصود من الاستخلاف، وإليه أشار تعالى إجمالاً بقوله: {قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. أقول: منشأ خلافة الإنسان، إمّا من جهة القرب والشرف، أو من جهة الكمال والمناسبة، وإن كان مرجع هٰذين إلى أمر واحد، فإنّ الأقرب إلى الله وجوداً، يكون أكثر كمالاً وأشدّ مناسبة له من غيره، إلاّ أن المشهور أنّهما متغائران حيثيّة واعتباراً. فنقول: إن كان منشأها القُرْب، فالوجه في تقرير الإشكال وتقرير الجواب كما سبق، وذلك يناسب آراء الحكماء وأصولهم. وإن كان منشأها المناسبة والطاعة وعدم المعصية، فالوجه كما ذكره هذا القائل إشكالاً وجواباً، وهذا يناسب أطوار الصوفيّة وأغراضهم، فإنّ مناط الخلافة الإلهيّة عند هؤلاء، باستجماع الكمالات والاتصاف بجميع أصناف صفات الملائكة والجانّ والحيوان، وعند الحكماء بالبراءة عن الشرور والنقائص من جهة العلم والعرفان. وهذا، لأنّ الحقيقة الواجبيّة عند الحكماء، منزّهة عن صفات التشبيه، كالسمع والبصر والكلام وغيرها، وعند هؤلاء متّصفة بها أيضاً على وجه يليق بذاته، فكذلك حكم من ينوب عنه ويتوسّط بينه وبين الخلائق؛ فالملائكة يعرفون الحقّ الأول بما يغلب عليهم من صفات التسبيح والتقديس، فتسبيحهم في مقام العبودية: "سبّوح قدّوس ربُّ الملائكة والروح"؛ والأنبياء - صلوات الله عليهم - يعرفون الحق بما يظهر لهم من صفات التمجيد والتشبيه جميعاً، فَذِكْرُهُم: {أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [سورة يونس:10]. ومعرفة الحكماء بحسب مقام العقل لله، تشبه معرفة الملائكة المجرّدتين؛ ومعرفة أكابر الصوفيّة له تعالى في مقام المتابعة والاقتباس من نور النبوّة، تشبه معرفة الأنبياء الكاملين - سلام الله عليهم أجمعين -، كلٌّ بحسب ما هو نصيبهم من شهود التجلّي الإلهي والفيض الوجودي. قال الشيخ العربي: "إذا تجلّى الحقّ تعالى في صورة مثاليّة أو حسّية، ترده العقول المحجوبة بواسطة أنها دائمة منزّهة للحقّ ببراهين عقليّة يواظب عليها، إذ المواظبة والمثابرة على الشيء، توجب انكار ما وراه، والعقل وإن كان ينزّه الحقّ عن التشبيه، فهو يشبّهه في عين التنزيه بالمجرّدات وهو لا يشعر، والحق تعالى منزّه عن التشبيه والتنزيه جميعاً بحسب ذاته، وهو موصوف بهما في مراتب أسمائه وصفاته". وقال أيضاً: "واعلم أنّ الردّ والإنكار إنّما يقع في التجلّيات الإلهيّة، لأنّ الحقّ تارة يتجلّى بالصفات السلبيّة فتقبله العقول، لأنّها منزّهة مسبّحة عما فيه شائبة التشبيه والنقصان، وينكره كل من هو غير مجرد كالوهم والنفس المنطبعة وقواها، لأن من شأنهم إدراك الحقّ في مقام التشبيه والصور الحسّية، وتارة يتجلّى بالصفات الثبوتية فتقبله القلوب والنفوس المجرّدة، لأنّها مشبّهة من حيث تعلّقها بالأجسام، ومنزّهة باعتبار تجرّدها، وتنكره العقول المجرّدة لعدم إعطاء شأنها إيّاها، بل تنكر تلك الصفات أيضاً بالأصالة. وفي هذا التجلّي، قد يتجلّى بصور كماليّة كالسمع والبصر والإدراك وغيرها، وقد يتجلى بصورة ناقصة من صور الأكوان، كالمرض والاحتياج والفقر، كما أخبر الحقّ عن نفسه بقوله: "حديث : مَرضتُ فلم تعدني، واستطعمتُ فلم تطعمني" تفسير : وقوله: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ} تفسير : [البقرة:245]. - وأمثال ذلك -، فيقبله العارفون مظاهِر الحقّ، وينكره المؤمنون المحجوبون، لاعتقادهم بأنّ الحقّ ما يتنزل عن مقامه الكمالي؛ فيقبل كلّ منهم ما يليق بحاله ويناسبه من التجلّيات الإلهيّة، وأنكر ما لم يكن يعطيه شأنه، والإنسان الكامل هو الذي يقبل الحقّ في جميع تجلّياته ويعبده فيها. ولمّا كانت العقول الضعيفة عاجزة عن إدراك التجلّيات الإلهيّة في كلّ موطن ومقام، والنفوس الأبيّة طاغية غير معظّمة لشعائر الله، أوجبت إسناد الصور الكمالية إليه تعالى، وردّ ما يوجب النقصان عنه؛ مع أنّه هو المتجلّي في كلّ شيء، والمتخلّي عن كلّ شيء" - انتهى. فقد ظهر أن كلّ واحد من الممكنات يعرف معبوده بما غلب على نشأته، فالملائكة لكونهم مجرّدين عن صفات الأجسام، يصفون الحقّ بصفات التسبيح والتقديس، ولهذا ذكر مجاهد في تفسير قوله: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} "أي: نطهّر أنفسنا من ذنوبنا وخطايانا ابتغاء مرضاتك". وبعض الناس - كالظاهريين - يصفونه تعالى بصفات التشبيه، كالاستواء والمجيء والنزول والغضب وغيرها، وكذا القياس في غيرهم، كلّ يصفه بما هو مقامه في الشهود، فأهل الحواسّ بالمحسوسيّة، وأهل الخيال بالموهومية، وأهل العقل بالمعقولية، والكل مصيب من وجهٍ ومخطئ من وجه، والله تعالى - وهو أعرف بذاته ممّا سواه -، وقد وصفه بالصفات المتضادّة والأسماء المتقابلة. فقد علم أن الكلّ عاجزون عن دَرْك جمال صفاته، قاصرون عن معرفة كمال ذاته - إلاّ من علّمه ربّه بتعليم الأسماء، وهداه إلى معرفته بقَصْر نظره إليه في مقام الفناء عمّا عداه -.
الجنابذي
تفسير : تحقيق مادّة الملك واقسام الملائكة واذكر {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} حتّى تعلم انّ الكلّ خلق للانسان او ذكّرهم بذلك حتّى يعلموا فانّ فى قصّة خلقة آدم وسجود الملائكة له دليلاً على أنّ خلقة الكلّ لاجله {لِلْمَلاَئِكَةِ} جمع الملك باعتبار اصله فانّ اصله مألك من الالوكة بمعنى الرّسالة فقلب فصار معفلٌ بتقديم العين ثمّ حذف الهمزة فصار معل، وقيل: اصله مفعل من لاك يلوك بمعنى ارسل فقلب الواو الفاً بعد نقل حركته ثمّ حذف وقيل اصله فعال من ملك يملك فحذف الالف، والملك على أنواع منها ملائكة ارضيّون متعلّقون بالمادّيات سواء كانوا متعلّقين بالاجرام السّماويّة او بالاجرام الارضيّة؛ ولهم ترقّيات وتنزّلات والملائكة السّجّد والرّكّع منهم، وما ورد من سقوط ملك عن مقامه وتنزّله عن مرتبته وشفاعة شفيعٍ له هو فى هذا النّوع لا فى سائر الانواع فانّ الملائكة الغير المتعلّقة بالمادّيات كلّ واحد منهم له مقامٌ معلوم. وليعلم انّ العوالم بوجهٍ ثلاثة؛ اوّلها عالم الجنّة والشّياطين وفيه الجحيم ونيرانها وهو محلّ الاشقياء والمعذّبين من بنى آدم وهو تحت عالم المادّيات وان كان ذلك العالم مجرّداً عن المادّة، وثانيها عالم المادّيات من السّماوات والسّماويّات والارض والارضيّات وهذا العالم أضعف العوالم، وثالثها عالم المجرّدات العلويّة وهو عالم الملائكة بمراتبها من السّجّد والرّكّع وذوى الاجنحة مثنى وثلاث ورباع، والمدبّرات أمراً، والصّافات صفّاً، والقيام المهيمنين الّذين لا ينظرون، ولاهل عالم الجنّة من أنواع الجنّة والشّياطين قدرة باقدار الله على أنواع الخوارق والتصرّف فى عالم المادّيات مثل اهل عالم الملائكة من دون فرقٍ، والجنّة والشّياطين على نوعين، نوع منهم فى غاية البعد والخباثة غير قابلين للهداية، ونوع منهم لهم قرب من عالم المادّيات، وبسبب هذا القرب كانوا مستعدّين للهداية والايمان ولهم ترقّيات وتنزّلات، وكذلك الملائكة على نوعين؛ نوع منهم فى غاية البعد عن المادّيات وهم المجرّدات عن المادّيات وعن التعلّق بها والتّدبير لها وهم العقول والارواح، ونوع منهم لهم التعلّق والتّدبير للمادّيات وهم الملائكة الموكّلة على الارضيّات من الاجرام العلويّة والسّفليّة والمأمور بسجدة آدم من حيث فعليّة آدميّته هو هذا النّوع كما فى الاخبار أنّ المأمورين بسجدة آدم هم ملائكة الارض واعتراض الملائكة المستفاد من الآية والأخبار أيضاً من هذا النّوع ولمجانسة هذا القسم للجنّة كان ابليس مشابهاً لهم ومشتبهاً عليهم وعابداً فيهم بل نقل انّه كان اماماً ومعلّماً وحاكماً لهم ولقومه، وكانوا محاربين للابالسة والجنّة طاردين لهم عن وجه الارض سارقين للشّيطان رافعين له الى سمائهم، والمأمور بسجدة آدم من حيث مقام الآدميّة وان كان هذا النّوع من الملائكة لكنّ المأمور بسجدته من حيث سائر مقاماته بل من حيث مقام علويّته المكونة جميع أنواع الملائكة بل جميع الموجودات الامكانيّة لأنّ جميع الموجودات واقعة تحت تصرّف ارباب أنواعها ومسخّرة لها، وجميع أرباب الانواع واقعة تحت تصرّف ربّ النوع الانسانىّ ومسخّرة له، وقد أشير فى الاخبار الى ذلك وانّ آدم صار مسجوداً لكون علىّ (ع) والائمّة فى صلبه. تحقيق كيفيّة قول الله وأمره للملائكة {إِنِّي جَاعِلٌ} اى خالق فقوله {فِي ٱلأَرْضِ} ظرف للجعل او هو من جعل بمعنى صيّر المعدّى الى المفعولين فقوله فى الارض مفعول ثانٍ {خَلِيفَةً} منّى يأمر بأمرى وينهى بنهيى ويعدل بعدلى، او خليفةً منكم فى الارض لاصلاح الارض بعد رفعكم الى السّماء، او خليفةً من الشّياطين والجنّة بعد ان طردتموهم عن وجه الارض وقوله تعالى للملائكة ليس بنداءٍ يسمع ولا بصوتٍ يقرع بل نقول: انّ العوالم مترتّبة بعضها فوق بعضٍ والعالى محيطٌ بالدّانى ومصدر له ومظهر للاعلى، وكلّما يريد العالى ايجاده من فعل او وصف او ذات فى العالم الدّانى يظهر تلك الارادة وذلك المراد بصورته وتمام اوصافه ولوازمه بل بحقيقته الّتى هى أحقّ به من حقيقته الّتى هو بها هو فى العالم المتوسّط بين العالى وذلك الدّانى، وذلك الظّهور هو قول العالى بالنّسبة الى ما ظهر فيه فاذا أراد الله خلق آدم البشرىّ فى عالم الطّبع يظهر لا محالة تلك الارادة وهذا المراد فى عالم الواحديّة وهو عالم المشيئة بوجهٍ وعالم الاسماء والصّفات بوجهٍ وعالم الّلاهوت بوجهٍ وعالم علويّة علىٍّ (ع) بوجهٍ وتلك الصّورة بل الحقيقة الظّاهرة انسان لاهوتىّ ثمّ يظهر فى عالم الملائكة المهيمنين ثمّ فى عالم الصّافّات صفّاً ثمّ فى عالم المدبّرات امراً ثمّ فى عالم ذوى الاجنحة ثمّ فى عالم الرّكّع والسّجّد ثمّ فى عالم الطّبع، ثمّ فى الملكوت السّفلىّ وهى عالم الجنّة والشّياطين، وظهور آدم (ع) على مراتب الملائكة بتمام لوازمه واوصافه ومن جملتها خلافته من الله فى الارض قوله تعالى لهم {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}، والمقرّبون من الملائكة لاحاطتهم وسعة ادراكهم ادركوا من آدم (ع) لوازمه وصفاته الظّاهرة والباطنة وماله بالفعل وما فيه بالقوّة فعلموا أنّه مركّب من الاضداد ومحلّ للرّذائل موصوف بالشّهوات المستدعية لهيجان الغضب والتباغض مع من منعه عن مشتهاه والغضب يقتضى القتل والاسر والنّهب والافساد، وعلموا ايضاً انّه محلّ ووعاء للانسانيّة الّتى من شأنها تسخير الاضداد واطاعة المتضادّات وأنّه بكلّ من اوصافه مناسبٌ لموجود من الموجودات ولا يمكن ان يكون الخليفة بين المتضادّات غير آدم الّذى هو مجمع الاضداد فلم يستعجبوا من استخلاف آدم ولم يستنكروه، وامّا ملائكة الارض فلمّا كان لكلٍّ شأن واحد ولشأنه حدّ محدود لا يتجاوزه نظيرهم القوى والمدارك الانسانيّة فانّ لكلّ شأناً ولشأن كلٍّ حدّاً مثل قوّة السّمع شأنه مقصور على ادراك الاصوات، وادراكه للاصوات محدود بحدٍّ معيّن من الصّوت والمسافة لم يدركوا من آدم سوى ما عليه ظاهره من كونه مجمعاً للاضداد مقتضياً للقتل والنّهب والفساد، ولم يدركوا باطنه من الانسانيّة المسخّرة للكلّ واستعجبوا من استخلافه واستنكروه وأطلقوا لسانهم الّلائق بحالهم {قَالُواْ} بصورة الانكار {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} كما كان هذا فعل الشّياطين والجنّ ولا تجعل منّا خليفة يعدل فى الارض ويرفع الفساد ويحفظ الدّماء وتجعلنا مطيعين لمثل هذا محكومين له. تحقيق معنى التّسبيح والتّقديس والفرق بينهما {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} فنحن أحقّ بالخلافة لعدم الاوصاف المتضادّة فينا. والتّسبيح والتّقديس فى العرف بمعنًى واحدٍ وهو التّطهير والتّنزيه لكنّهما اذا أضيفا الى الله تعالى يراد بالتّسبيح التّطهير من القبائح والنقائص لا بشرط عدم الاوصاف والاضافات بل مع بقاء الاوصاف والاضافات والكثرات وبالتّقديس التّطهير من النّسب والاضافات ورفع الكثرات، او يراد معنىً بالتّقديس أعمّ من التّنزيه من القبائح والنّسب وثبوت الكثرات وبعبارةٍ أخرى ملاحظة حقّ الاوّل باسمه الواحد يعنى بجملة صفاته الثّبوتيّة والسّلبيّة وجملة اضافاته تسبيحه وملاحظته باسمه الاحد من غير ملاحظة اسمٍ وصفةٍ وكثرةٍ وتعيّنٍ واعتبارٍ بل مع ملاحظة عدمها تقديسه، وقد يستعمل كلّ فى معنى الآخر فهما كالفقراء والمساكين اذا اجتمعا افترقا واذا افترقا اجتمعا ومعنى سبحان الله تنزّه الله من النّقائص تنزّهاً، ومعنى قدّس الله تنزّه الله من الاضافات والاعتبارات تنزّهاً، وقول الصّادق (ع) وهل هناك شيئ، فى جواب من قال: الله اكبر من اىّ شيئٍ، اشارة الى مقام قدسه لا الى مقام تسبيحه فالفرق بين تسبيحه تعالى وتقديسه كالفرق بين المأخوذ لا بشرطٍ والمأخوذ بشرط لا بالنّسبة الى الاوصاف والكثرات، او كالفرق بين المأخوذ بشرط شيئٍ والمأخوذ بشرط لا ولهذا قلّما ذكر تسبيح بدون ذكر الحمد الدّالّ على اتّصافه بالاوصاف الحميدة، ولابتلاء عامّة الخلق بالكثرات لم يذكر التّقديس الدّالّ على نفى الكثرات الاّ قليلاً وتقدير قوله تعالى {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} نسبّحك ونطهّرك عن النقائص او نسبّح اسمك او نسبّح نفوسنا بسبب حمدك او متلبّسين بحمدك، {وَنُقَدِّسُ لَكَ}، نقدّسك بزيادة الّلام او نقدّس نفوسنا لك او نقدّس اسمك لك {قَالَ} الله فى جواب استغرابهم {إِنِّيۤ أَعْلَمُ} من آدم ومن المكمون فيه من الانسانيّة السّيّارة المسخّرة لجميع الاضداد المناسبة بسعتها وجامعيّتها لجملة ما فى العوالم وجملة الشؤن ومن الكفر المكمون الملتبس عليكم فى بعض وهو ابليس وانّه لا يظهر ذلك الاّ بخلقه آدم {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ولذا تستغربون وتستنكرون استخلافه بملاحظة ما تدركون منه من شؤنه الظّاهرة المتضادّة المقتضية للافساد. روى عن الباقر (ع) عن آبائه عن أمير المؤمنين (ع) انّ الله لمّا اراد ان يخلق خلقاً بيده وذلك بعد ما مضى على الجنّ والنّسناس فى الارض سبعة آلاف سنةٍ فرفع سبحانه حجاب السّماوات وأمر الملائكة ان انظروا الى اهل الارض من الجنّ والنّسناس فلمّا رأوا ما يعملون فيها من المعاصى وسفك الدّماء والفساد فى الارض بغير الحقّ عظم ذلك عليهم وغضبوا لله تعالى وتأسّفوا على الارض ولم يملكوا غضبهم وقالوا: ربّنا انت العزيز القادر العظيم الشأن وهذا خلقك الذّليل الحقير المتقلّب فى نعمتك المتمتّع بعافيتك المرتهن فى قبضتك وهم يعصونك بمثل هذه الذّنوب ويفسدون فى الارض ولا تغضب ولا تنتقم لنفسك وانت تسمع وترى وقد عظم ذلك علينا وأكبرناه لك، فقال تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تكون حجّة لى فى أرضى على خلقى، قالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} كما أفسد هؤلاء، {وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} كما فعل هؤلاء، ويتحاسدون ويتباغضون فاجعل ذلك الخليفة منّا فانّا لا نتحاسد ولا نتباغض ولا نسفك الدّماء، {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}، قال تبارك وتعالى: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ ما لا تعلمون}، انّى أريد ان أخلق خلقاً بيدى وأجعل فى ذرّيّته الانبياء والمرسلين وعباد الله الصّالحين وائمّة مهديّين وأجعلهم خلفائى على خلقى فى أرضهم يهدونهم الى طاعتى وينهونهم عن معصيتى وأجعلهم حجّة لى عليهم عذراً ونذراً، وأبين النّسناس عن ارضى وأطهّرها منهم وأنقل الجنّ المردة العصاة عن بريّتى وخيرتى من خلقى وأسكنهم فى الهواء وفى قفار الارض فلا يجاورون خلقى، وأجعل بين الجنّ وبين نسل خلقى حجاباً ومن عصانى من نسل خلقى الّذين اصطفيتهم اسكنتهم مسكن العصاة وأوردتهم مواردهم، فقالت الملائكة، {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} قال فباعدهم الله عزّ وجلّ من العرش مسيرة خمسمائة عام فلاذوا بالعرش وأشاروا بالاصابع فنظر الرّبّ جلّ جلاله اليهم ونزل الرّحمة فوضع لهم البيت المعمور فقال: طوفوا به ودعوا العرش فانّه لى رضاً فطافوا به وهو البيت الّذى يدخله كلّ يوم سبعون الف ملك لا يعودون اليه ابداً، ووضع الله البيت المعمور توبة لاهل السّماء، والكعبة توبة لاهل الرض، فقال الله تعالى: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ} تفسير : [الحجر: 28] قال وكان ذلك من الله تعالى تقدمة فى آدم (ع) قبل ان يخلقه واحتجاجاً منه عليهم قال فاغترف جلّ جلاله من الماء العذب الفرات غرفة بيمينه وكلتا يديه يمينٌ فصلصلها فجمدت وقال الله جلّ جلاله:حديث : منك أخلق النبيّين والمرسلين وعبادى الصّالحين والائمّة المهديّين الدّعاة الى الجنّة واتباعهم الى يوم القيامة ولا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون، ثمّ اغترف من الماء المالح الاجاج غرفة فصلصلها فجمدت فقال تعالى: ومنك أخلق الفراعنة والجبابرة واخوان الشّياطين والعتاة والدّعاة الى النّار وأشياعهم الى يوم القيامة ولا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون قال وشرط فى ذلك البداء فيهم ولم يشرط فى أصحاب اليمين ثمّ خلط المائين جميعاً فى كفّه فصلصلهما ثمّ كفأهما قدّام عرشه وهما سلالة من طين، ثمّ أمر ملائكة الجهات الشّمال والجنوب والصّبا والدّبوران يجولوا على هذه السّلالة من طين فابرؤها وانشاؤها ثمّ جزّؤها وفصّلوها وأجروا فيها الطّبائع الاربع المرّتين والدّم والبلغم فجالت الملائكة عليها وأجروا فيها الطّبائع الاربع فالدم من ناحية الصّبا، والبلغم من ناحية الشّمال، والمرّة الصّفراء من ناحية الجنوب، والمرّة السّوداء من ناحية الدبور، واستقلّت النّسمة وكمل البدن تفسير : وقد أسقطنا آخر الحديث؛ وبهذا المضمون أخبار كثيرة. ولمّا كان قصّة آدم (ع) وخلقته وأمر الملائكة بسجدته واباء ابليس عن السّجود وهبوطه عن الجنّة وبكاؤه فى فراق الجنّة وفراق حوّاء وخلقة حوّاء من ضلع الجنب الايسر منه وغروره بقول الشّيطان وحوّاء وكثرة نسله وحمل حوّاء فى كلّ بطنٍ ذكراً وأنثى وتزويج أنثى كلّ بطنٍ لذكر البطن الآخر من مرموزات الاوائل؛ وقد كثر ذكره فى كتب السّلف خصوصاً كتب اليهود وتواريخهم وورد اخبارنا مختلفة فى هذا الباب اختلافاً كثيراً مرموزاً بها الى ما رمزوه ومن اراد ان يحملها على ظاهرها تحيّر فيها، ومن رام ان يدرك المقصود بقوّته البشريّة والمدارك الشّيطانيّة منها طرد عنها ولم يدرك منها الاّ خلاف مدلولها.
فرات الكوفي
تفسير : {وإذْ قال ربُّكَ لِلْمَلائِكَةِ: إنّي جاعِلُ في الأرْضِ خَليفَة قالوا: أتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها ويَسْفِكُ الدِماء 30 } فرات قال: حدثنا علي بن حمدون قال: حدثنا عيسى بن مهران قال: حدثنا فرج بن فروة قال: حدثنا مسعدة: عن صالح بن ميثم عن أبيه قال: بينا أنا في السوق إذا أتاني الاصبغ بن نباتة فقال لي: ويحك يا ميثم لقد سمعت من أمير المؤمنين عليه السلام آنفاً حديثاً صعباً شديداً فان يكون كما ذكر! قلت: وما هو؟ قال: سمعته [ر: سمعت] يقول: إنّ حديثنا أهل البيت صعبٌ مستصعب لا يحتمله إلاّ ملكٌ مقرّب، أو نبىٌّ مرسل، أو مؤمنٌ قد امتحن الله قلبه للإيمان. قال: فقمت من فوري فأتيت أمير المؤمنين فقلت: يا أمير المؤمنين جعلت فداك حديثٌ أخبرني به الاصبغ عنك قد ضقت به ذرعاً، قال: فما هو؟ فأخبرته به [فتبسّم ثم. أ، ب] قال لي: اجلس يا ميثم أوَ كلّ علم العلماء يحتمل؟ قال الله لملائكته: {إني جاعل... الدماء} إلى آخر الآية فهل رأيت الملائكة احتملوا العلم؟ قال: قلت: هذه والله أعظم من تلك. قال: والأخرى من موسى عليه الصلاة والسلام أنزل الله عليه التوراة فظنّ أن لا أحدْ في الأرض أعلم منه فأخبره الله تعالى إنّ في خلقي من هو أعلم منك وذاك إذ خاف على نبيّه العجب، قال: فدعا ربّه أن يرشده إلى [ذلك. أ] العالم قال: فجمع الله بينه وبين الخضر عليهما السلام فخرق السفينة فلم يحتمل ذلك موسى وقتل الغلام فلم يحتمله وأقام الجدار فلم يحتمل ذلك. وأما المؤمن فانّ نبينا [أ. ر: قال فنبينا] محمد [رسول الله. ر] صلى الله عليه وآله وسلم أخذ بيديّ يوم غدير خم فقال: اللهم من كنت مولاه فعليٌّ مولاه، فهل رأيت المؤمنون احتملوا ذلك إلاّ من عصمهم الله منهم. ألا فأبشروا ثم أبشروا فإنّ الله قد خصّكم بما لم يخصّ به الملائكة والنبيين والمؤمنين بما احتملتم من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
الأعقم
تفسير : {وإذ قال ربك للملائكة} قيل: هو خطاب لجميع الملائكة، وقيل: هو عام لمن كانوا سكان الأرض من الملائكة. {إني جاعل في الأرض} قيل: هي الأرض التي عليها مستقر الخلق، وقيل: هي مكة. {خليفةً} اي قوما يخلف بعضهم بعضاً اذا مات واحد خلفه الآخر، وقيل: خليفة عليكم، وقيل: خليفة عني يأمر وينهي ويحكم، ويجري الانهار، ويغرس الاشجار. {قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها} أي من يفسد ذريته لأن آدم (عليه السلام) لم يكن بهذه الصفة، ولا رسل الله وأنبياؤه (عليهم السلام) والمؤمنون، وفي معرفتهم بذلك أقوال: قيل: رأوا ذلك في اللوح المحفوظ، وقيل: قاسوا وكانت الجن على هذه الصفة واول من قاس الملائكة، وقيل: عرفوا ذلك من لفظ الخليفة فان الخليفة من يقوم مقام الاول. {ونحن نسبح بحمدك} قال الحسن: "يقولون سبحان الله وبحمده" ويدل عليه الخبر المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حديث : انه سئِل أيّ الكلام أفضل؟ فقال: "ما اصطفاه الله تعالى للملائكة سبحان الله وبحمده"تفسير : . {ونقدس لك} اي ننزهك فقال الله تعالى: {إني أعلم ما لا تعلمون} اي اعلم من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم. قال جار الله: فإن قلتَ: فهلا يتولهم تلك المصالح؟ قلتُ: كفى العباد أن يعلموا أن افعال الله كلها حسنَةٌ وحكمةٌ وان خفي عليهم وجه الحسن، والحكمة على انه تعالى قد بين لهم بعض ذلك بما اتبعه بقوله: {وعلم آدم الأسماء كلها} في تسميته بآدم أقوال: أحدها لأنه خلق من أديم الارض، وقيل: من الآدمة في اللون، وقيل: لاجتماعة بحوّاء، {الأسماء} أي اسماء المسميات، أراد الأجناس التي خلقها الله تعالى وعلمه ان هذا اسم فرس، وهذا اسم بعير، وهذا اسم كذا، وهذا اسم كذا، وقيل: علمه أسماء الملائكة وذريته وكان آدم (عليه السلام) يتكلم بسبع مائة الف لغة أفضلها العربية. {ثم عرضهم على الملائكة} أي المسمين بالاسماء، لأن العرض على الاسماء لا يصح. {فقال أنبئوُني} قال جار الله: وانما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الانباء على سبيل السكت. {إن كنتم صادقين} يعني في زعمكم اني استخلف في الارض مفسدين سافكين للدماء أراد الرد عليهم وانه اعلم منهم بذلك. {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} السجود لله على سبيل العبادة، ولغيره على وجه التكرمة كما سجدت الملائكة لآدم (عليه السلام) وابَوا يوسف واخوته له، وقيل: كان انحناء يدل على التواضع. {إلا إبليس} استثناء متصل وكان من قبيل من الملائكة يقال لهم الجن وكان اسمه عزرايل، وكان من ذوي الأجنحة الأربعة، وقيل: استثناء منقطع فان الله تعالى لما خلق الارض أسكن الجن فيها فعصوا وسفكوا الدماء، وأفسدوا فيها، فبعث الله عليهم جنداً من الملائكة فقتلوهم، وأسروا عدو الله ابليس، نعوذ بالله منه، وأقام يعبد الله تعالى معهم تارةً في الارض وتارةً في السماء، قيل: خمسة آلاف عام، وقيل: ثلاثة آلاف عام، وكان أشد الملائكة عبادةً واجتهاداً، وهو معنى قوله: {أية : كان من الجن} تفسير : [الكهف: 50] ومعنى قوله: {وكان من الكافرين}. {اسكن انت وزوجك الجنةَ} هي حواء خلقت من باقي الطين الذي خلق منه آدم (عليه السلام) وقيل: من ضلع آدم وهي القصيرة، {الجنة} قيل: كانت جنة في السماء غير جنة الخلد، وقيل: كانت جنة في الأرض. {ولا تقربا هذه الشجرة} قيل: هي الحنطة، وقيل: العِشبُ، وقيل: التين، وقيل: النخلة. {وقلنا اهبطوا} خطاب لآدم وحواء وابليس. {فتلقى آدم من ربه كلمات} قيل: تلقن، وقيل: قَبِل، واختلفوا في هذه الكلمات على أقوال: فالذي ذكره الفقيه احمد بن مفضل رحمه الله ورواه ايضاً في الثعلبي وهو ايضاً رواية اهل البيت (عليهم السلام): "ان آدم لما خرج من الجنة رأى عن يمين العرش أشباحاً خمسة، فقال آدم: يا رب ما هؤلاء؟ قال: صفوة من نوري فأنا الله المحمود وهذا محمد، وأنا المتعالي وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة، وأنا المحسن وهذا الحسن، ولي الاسماء الحسنى وهذا الحسين، قال آدم (عليه السلام): فبحقهم اغفر لي". وقيل: هو قوله تعالى: {أية : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}تفسير : [الأعراف: 23] وقيل: ثلاثة أشياء الحياء والدعاء والبكاء. ذكر الثعلبي: أن آدم (عليه السلام) لمَّا هبط الى الارض مكث في الارض ثلاثمائة سنة لا يرفع له رأساً حياء من الله. قال ابن عباس: بكى آدم وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائة سنة، ولم يقرب آدم حواء مائة سنة. {فتاب عليه} وتجاوز عنه. {إنه هو التواب الرحيم} يقبل توبة عباده، رحيمٌ بخلقه، وانما جرى على آدم ما جرى تعظيماً لخطيئته، ولطفاً لذريته في اجتناب الخطايا، وان آدم خرج من الجنة بذنب واحد فكيف يدخلها من له خطايا جمة ولله القائل: شعر : يا ناظراً يريق بعيني راقد وشاهداً للأمر غير شاهد تصل الذنوب الى الذنوب وترتجي درك الجنان بها وفوز الخالد أنسيت ان الله اخرج آدماً منها الى الدنيا بذنب واحد
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}. في تفسير الحسن أن الله أخبر الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة، وأن من ولده من يسفك الدماء فيها، فقالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [أي: نصلي لك في تفسير بعضهم] {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. وفي تفسير بعض أهل العلم أن الملائكة قد علمت من علم الله أنه ليس شيء أكره إليه من سفك الدماء والفساد في الأرض والمعاصي، {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. قال علم الله أنه سيكون من تلك الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون يسكنون الجنة. وقال مجاهد: علم من إبليس المعصية وخلقه لها. وفي تفسير الكلبي قال: خلق الله كل شيء قبل ءادم عليه السلام؛ فجعل الملائكة هم عمارَ السماوات. وفي كل سماء ملائكة. ولكل أهل سماء دعاء وتسبيح وصلاة. وكل أهل سماء فوق سماء أشدُّ عبادة وأكثر دعاء وتسبيحاً وصلاة من الذين تحتهم. فكان إبليس في جند من الملائكة في السماء الدنيا. وفي تفسير بعضهم: كان إبليس مع الخزنة في السماء الدنيا: قال: وكانوا أهونَ أهل السماوات عملاً. وكان الجنّ بنو الجانّ الذي خلقه الله من مارج من نار عُمَّارَ الأرض؛ وهو عند الحسن إبليس. وقال الكلبي: فلما وقع بينهم التحاسد والفتن اقتتلوا. فبعث الله جنداً من السماء الدنيا فيهم إبليس، وهو رأسهم. فأمروا أن يهبطوا إلى الأرض فيُجلوا منها الجن بني الجان. فهبطوا فأجلوهم عن وجه الأرض، فألحقوهم بجزائر البحور. وسكن إبليس والجند الذين كانوا معه الأرض، فهان عليهم العمل فيها، وأحبّوا المكث فيها. ثم أحب الله تبارك وتعالى أن يخلق ءادم عليه السلام وذريته، فيكونوا هم عمّارَ الأرض، فقال للملائكة الذين كانوا في الأرض، يعني إبليس وأصحابه، إني جاعلٌ في الأرض خليفة ورافعُكم منها. فوَجَدوا من ذلك وقالوا: أتجعل فيها من يُفسد فيها كما أفسدت الجن، ويسفك الدماء كما سفكوا، ونحن نسبّح بحمدك ونقدس لك؟ قال: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. وقد علم أنه سيكون من بني آدم من يسبح بحمده ويقدّس له ويطيع أمره. فخلق آدمَ وصوّره جسداً ينظرون إليه ويعجبون منه، ولم يكونوا رأوا فيما خلق الله شيئاً يُشبِهُه. ذكروا أن إبليس جعل يطوف بآدم قبل أن يُنفخ فيه الروح، فلما رآه أجوف عرف أنه لا يتمالك. ذكر بعضهم أنه جعل يطوف به ويقول: إن كنت أجوف فلي إليك سبيل، وإن لم تكن أجوف فمالي إليك سبيل. ذكر بعضهم قال: أوّل ما خلق الله في الأرض طير وحوت؛ فجعل الطير يخبر الحوتَ خبرَ السماء،وجعل الحوت يخبر الطيرَ خبرَ الأرض. فلما خلق الله آدم جاء الطير إلى الحوت فقال: لقد خلق الله اليوم خلقاً كذا وكذا. فقال الحوت للطير: فإن كنت صادقاً ليستَنْزِلنَّكَ من السَّماء وليستخرجَنِّي من الماء. قال الكلبي: فأشفق إبليس عدوُّ الله منه وقال: إني لأرى صورة مخلوق سيكون له نبأ. فقال لأصحابه: أرأيتم هذا الذي لم تروا على خلقه شيئاً من الخلق إن فضِّل عليكم ما تفعلون؟ قالوا: نطيع ربَّنا ونفعل ما يأمرنا به. قال إبليس في نفسه: إن فُضِّل عليَّ لا أطيعه، وإن فضِّلت عليه لأُهلكَنَّه. فلما نفخ الله الروح في آدم جلس فعطس فقال: الحمد لله رب العالمين. فكان أول شيء تكلَّم به. فردّ الله عليه عند ذلك: يرحمك الله، لهذا خلقتك؛ لكي تسبّح باسمي وتقدّس لي. ذكر بعضهم قال: لما نفخ في آدم الروح فعطس فحمد ربه قال الله له: يرحمك ربك، فكانت هي الرحمة التي سبقت لآدم عليه السلام.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ}: إذ ظرف زمان متعلق بقالوا أى قال الملائكة: أتجعل فى الأرض من يسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك إذ قال ربك لهم: {إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً} ولما قدمه وما يتصل به أظهره فيما بعد، وأضمر فيما بعد. قال الثانى: أو متعلق بمعطوف على خلق المحذوف، أى وبدأ خلقهم إذ قال ربك للملائكة، أو متعلق بمفعول محذوف لا ذكر محذوفاً أى واذكر الحادث إذ قال ربك للملائكة. حذف الحادث، وأقام الظرف مقامه، وبهذا أول قوله تعالى:{أية : واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه}تفسير : فليست بدلا من أخا، بل الأصل: اذكر أخا عاد، اذكر الحادث إذ، ومن قال إن إذ، تنصرف، أجاز أن تكون بدلا من المفعول وهو أخا ومفعولا اذكر إذ اذكر بلا مفعول نحو،{أية : واذكروا إذا كنتم قليلا}، {أية : واذكروا إذا أنتم قليل}، {أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح}، {أية : واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد}تفسير : ومفعولا لاذكر مقدرا إذ لم يذكر، أى واذكر وقت قول ربك للملائكة، ووقت كونكم قليلا. وهو صحيح عندى، ألا ترى أنه يصرف إلى الإضافة نحو حيئنذ ويومئذ؟ فكيف لا يصرف إلى المفعول؟ وهو اسم وضع لنسبة ماضية هى النسبة فى الجملة التى أضيف إليها وقعت فيه أخرى هى نسبة ناصبة كما أن إذا وضعت لزمان نسبة مستقبلة، وقعت فيه نسبة أخرى، وبنيا لشبه الحرف فى الافتقار لا لشبه الموصول، نعم هما شبيهان به فى لزوم الجملة بعده، وفى إذ سبب آخر هو الوضع على حرف، وفى إذا سبب آخر هو شبه أن الشرطية فى المعنى وقد استعمل إذ فى الاستقبال، أو فى التعليل، أو فى الجواب والجزاء، نحو: أكرمك إذ أكرمتنى، وكذا إذا استعمل لثلاث نحو: إذا أكرمتنى أكرمتك. والتى ينصب المضارع بعدها هى إذا، وإذا حذف ألفها للساكن. وقال معمر بن المثنى وأبو عبيدة: إذ زائدة للتأكيد فى جميع القرآن. وليس بصحيح لأن الأصل عدم الزيادة ولا سيما فى الأسماء. وأضاف رب إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وخاطبه بالكاف تشرف من الله - جل جلاله - لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - إظهار اختصاصه به، والملائكة جمع ملك: مفتوحة، فلام ساكنة، فهمزة مفتوحة. فكاف. نقلت فتحة الهمزة للام قبلها، فحذفت الهمزة تخفيفاً. وردت فى الجمع فهو كشمائل جمع شمال. والأصل مالك بميم مفتوحة، فهمزة مفتوحة، فلام ساكنة. ثم أخرت الهمزة عن اللام، ونقل فتحها إليه وحذفت، وذلك أنه من الألوكة وهى الرسالة، لأنهم وسائط بين الله وبين الناس، فهم رسل الله. وأو كرسل بنى آدم من الله تعالى إليهم. ولو جمعا على هذا الأصل، لقيل مآلكة: بميم فهمزة مفتوحتين، فالألف، فلام مكسورة والتاء لتأنيث الجمع. قاله الزمخشرى قال السعد: أى لتأكيد تنيث الجمع. وقيل للمبالغة، كتاء علامة ونسابة وراوية. والأول هو الصحيح. والميم زائدة كما علمت. وقيل الميم أصل من الملك، بكسر الميم أو فتحها، وهو القوة. فالهمزة فى الجمع على خلاف القياس، زائدة فيه. ليس فى لفظ المفرد ولا فى تقديره. وزيادة الميم هو قول الجمهور. فقدر الهمزة فى المفرد. والملائكة أجسام لطيفة من نور، وقيل من غيره، لكنها تضىء كالنور، وليست لحما ولا دما ولا عظما، قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، وهكذا تراهم الرسل، وقالت طائفة من النصارى: إن الملائكة هى أرواح الفضلاء الطيبين، من بنى آدم، الذين ماتوا ومن اعتقد هذا حكمنا بإشراكه لقيام الأدلة القاطعة على أن الملائكة ليسوا بذلك، من الأحاديث الدالة على أن بعضا خلق من النور، وبعضاً من الذكر ومن اعتقد غير ذلك فهو مخالف للإجماع والواجب أن تعلم أن كل جملة غير الأخرى: الملائكة جملة، والجن جملة، وبنو آدم جملة. فإذا قلنا: إن الملائكة أرواح الموتى الفضلاء: لزم أن يكونوا من بنى آدم. وأيضاً قامت الأدلة أن الملائكة تبعث على حدة، فيلزم من أن يكون بنو آدم مبعوثين بلا روح آخر، او غير مبعوثين، أو مبعوثين بأرواح غير ما كانت فيهم فى الحياة الدنيا. وذلك كله شرك، لأنه إنكار للبعث، الموصوف شرعاً بأنه بأرواح وحياة، وأنه لا يترك منهم شىء غير مبعوث مما كان فيهم فى الدنيا، فكيف يبعثون بدون الروح التى كانت فيهم؟ وإنما ينادى الملك: أيتها الأرواح ارجعى إلى أجسادك. وزعم الحكماء أنها جواهر مجردة، مخالفة للنفوس الناطقة فى الحقيقة، فهى أرواح لم تكن فى أجساد. والملائكة قسمان: قسم للعبادة وهم العليون والمقربون والكربيون قال الله جل وعلا:{أية : يسبحون الليل والنهار لا يفترون}تفسير : وقسم لخدمة ما أمر الله به من وحى وسحاب ورجم وغير ذلك. فمنهم المدبرات أمراً أوهم كلهم المدبرات أمرا. أعنى القسم الثانى: بعضهم سماوى وبعضهم أرضى، قال الله تعالى: {أية : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}تفسير : وإن قلت فمن المراد بالملائكة فى قوله: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ} قلت الذى يظهر لى من السياق: أنهم الملائكة الذين فى الأرض، يومئذ سكنوها واختصوا بها، كما توصف اليوم بسكانها. ووصفت ملائكة السماوات بسكونهن. ألا ترى إلى لفظة الخليفة مع قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا..} إلخ، وقولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ} ثم وجدت قولا بذلك لمن تقدمنى. وقيل المراد بهم الملائكة وإبليس المحاربون للجن. ودخل إبليس فى خطاب الملائكة وفى ذكرهم، لأنه فيهم، ومتعبد بعبادتهم، وقيل جميع الملائكة لعدم المخصص. وإن قلت لأى فائدة قال الله جل وجلاله للملائكة ما قال لهم؟. قلت: قاله لفائدة إقامة الحجة، فيذعن من يذعن وهم الملائكة ويعصى من يعصى ويكابر، وهو إبليس. وليقولوا ما يقولون، فيظهر لهم الحكمة فى جعل الخليفة، وليزدادوا خضوعاً إذا رأوا أن مخلوقا بشهوات وموانع عظيمة عن العبادة داعيات إلى المعاصى، اجتهد وخرقها، وأطاع الله، فيظهر لهم أن عبادته أفضل من عبادتهم، وللتبشير به بشر به الملائكة، فجوابهم له تعجب، كيف يكون هذا من جنس من يفسد ويسفك الدماء مبشراً به، لعدم علمهم بالسبب الحقيق، ولتعظيمه بتسميته خليفة، قبل خلقه ولإظهار فضلة الراجح على ما فيه من المفاسد بسؤالهم: أتجعل فيها؟: وجوابه: {إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ولبيان أن المعتبر الغالب فى آدم - عليه السلام - الطاعة، فلا يترك الله - عز وجل - خيراً كثيرا لشر قليل، ولتعليم المشاورة فيشاور العظيم، ومن هو دونه من أهل الثقة والنصح، وإن كان غنيا بعلمه وحكمته، قبل إقدامه على أمر، وليصونهم عن اعتراض الشبهة، بعد جعل الخليفة، فإن الاعتراض بعد الفعل أعظم منه قبله، لأن فيه إبطالا للفعل والرأى وإزراء بالفاعل وهذا فى غير الملائكة. وأما هم فمنزهون. {إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً}: أى مصير فيها خليفة. فجاعل من الجعل التصييرى متعد لاثنين، الأول خليفة والثانى فى الأرض. أو خالق فيها خليفة، فهو من الجعل بمعنى الخلق، متعد لواحد وهو خليفة، وفى الأرض متعلق على هذا بجاعل. وإنما نصب جاعل مفعولين أو المفعول لأنه للاستقبال، ومعتمد على مسند إليه وهو الياء. والمراد بالأرض الأرض مطلقاً، لعموم اللفظ. وقال ابن سابط عن النبى صلى الله عليه وسلم: إن الأرض هنا هى مكة، لأن الأرض دحيت من تحتها، ولأنها مقر من هلك قومه من الأنبياء. وإن قبر نوح وهود وصالح بين المقام والركن. والخليفة من يخلف غيره وينوب منابه. وقرئ خليقة بالقاف أى نفسا مخلوقة، أو نفوسا مخلوقة. والجمهور يقرءون خليفة بالفاء، والتاء فيه تاء النقل من الوصفية إلى الاسمية، إذ أصله وصف وقيل للمبالغة، والمراد بالخليفة آدم - عليه السلام - لأنه خليفة الله فى أرضه، بمعنى أنه يعمل فيها بأمره وشرعه، وكل من يعمل فى موضع بأمر غيره فهو خليفته فيه. فمن يعمل بالمعصية فهو خليفة إبليس - أعاذنا الله من ذلك - وكل نبى خليفة الله - سبحانه وتعالى - فى عمارة الأرض بالعدل، وسياسة الناس، وتكميل النفوس، وليس ذلك لحاجة به تعالى عنها، ولكن خلق الناس غير مطيقين لسماع كلام يخلقه الله بلا واسطة، ولا لسماع كلام الملائكة وخلق الأنبياء مطيقين على سماع كلام الملائكة، فكانوا وسائط إلى الناس، وأطاق الملائكة على سماع كلام يخلقه الله جل وعلا وأطلق عليه بعض الأنبياء: كموسى عند إرادة اقتباس النار، وعند المناجاة. وسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج، إذا قيل إنه سرى بجسده، ولا نقول إنه رأى الله. فالنبى بين الملك والناس، كالغضروف بين اللحم والعظم، لعجز العظم عن أخذ الغذاء من اللحم، لتباعد ما بينهما إلا بالغضروف. وإن قلت لم ذكر الله - جل وعلا - آدم وحده دون ذريته؟ قلت: لأنه وحده الخليفة، ولما مات كان ولده الصالح خليفة عنه، فولده خليفة الخليفة. وهكذا كل متأخر خليفة عن متقدم. ولك أن تقول أشار بآدم إلى آدم وبنيه، كما يقال مضر ويراد القبيلة وأبوها المسى مضر. ويطلق اسم أبو القبيلة عليها فقط أيضا. ويجوز أن يكون المراد بالخليفة: جنس من يكون خليفة، فيشمل آدم وذريته. وقول ابن مسعود رضى الله عنه: خليفة منى فى الحكم يحتمل آدم وحده، ويحتمل آدم وذريته، لكنه نص فى أن الخلافة عن الله - عز وجل - قال ابن عباس - رضى الله عنه - كانت الجن قبل بنى آدم فى الأرض، فأفسدوا وسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم قبيلا من الملائكة فقاتلوهم. ولحقوا أكثرهم بجزائر البحار ورءوس الجبال. وخلق آدم وذريته وجعلهم خليفة. فهذا يتبادر منه أن المراد فى الآية الخلافة عن الجن وقيل أرسل إليهم قبيلا من الملائكة، وجعل رئيسهم إبليس فقاتلوهم ودمروهم وألحقوهم بالجبال والجزائر. وقيل الخليفة آدم وأنه سمى خليفة لأنه تخلفه أولاده. وذكر الكلبى أن الله - تعالى - جعل الملائكة عمار السماوات، ولكل أهل سماء دعاء وتسبيح وصلاة، وكل أهل سماء أشد عبادة وأكثر ممن تحتها. وكان إبليس فى جند من الملائكة فى السماء الدنيا، وكان الجن الذين خلق أبوهم من النار عمار الأرض. ولما وقع فيهم التحاسد والعتو اقتتلوا. فبعث الله جندا من الملائكة من السماء الدنيا فيهم إبليس وهو رأسهم ليجلوهم عن الأرض فألحقوهم بجزائر البحار. وسكن إبليس وجند الملائكة، فهان عليهم العمل فيها، وأحبوا المكث فيها، ثم أذن الله أن يخلق آدم وذريته فيكونوا هم عمار الأرض، فقال للملائكة الذين فى الأرض وإبليس: {إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً} ورافعكم منها، فوجدوا من ذلك فقالوا: ما ذكر الله - عز وجل - عنهم بقوله: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا}: بالمعاصى، وقيل بالشرك. {وَيُسْفِكُ الدِّمآء}: الاستفهام لمجرد التعجب. إذ لم يعلموا ما السبب فى استخلاف من يفسد ويسفك، عمن لا يعصى طرفة عين، وليس اعتراضا على الله، لأن الاعتراض عليه كبيرة، وهم معصومون من الصغيرة والكبيرة، عندنا وعند جمهور قومنا، وزعم بعض قومنا أنهم غير معصومين، لاعتراضهم على الله - جل وعلا - وقد علمت أى ذلك تعجب لا اعتراض ولقصة هاروت وماروت، وسيأتى الجواب عنها، إن شاء الله، قال الله - عز وجل: {أية : وهم بأمره يعملون}. تفسير : وقال قبله:{أية : لا يسبقونه بالقول}تفسير : ومن اعترض على أحد فقد سبقه بالقول، بمعنى صدر عن مراده، وكذلك ليس قولهم ذلك طعنا فى بنى آدم، على العموم، لأن ذلك بهتان. ولا فى من يعصى ويفسد ويتوب، لأن ذلك غيبة. بل إما طعن فيمن لا يتوب، وبغض له فى ذات الله لا انتصار لهم، وإما غير طعن بل مجرد تعجب وطلب لعلم السبب، لتزول شبهتهم، كما يسأل المتعلم والجاهل عما يعترض فى قلبه مما لا يجوز اعتقاده، ولم يشكا فى الدين، ولكن يجيبهما العالم. فكذلك هم تكلموا بتعجب ليخبر الله - جل وعلا - بالحكمة التى تلاشت فيها المفاسد والسفك، حتى اقتضت خلق من يفسد ويسفك، بدل من لا يعصى طرفة عين. وإن قلت من أين علموا أن بنى آدم يفسدون ويسفكون؟.. قلت: قالوا ذلك قياساً على الجن لأنهم رأوهم فى الأرض قد أفسدوا وسفكوا، وعلموا ذلك منهم حتى قتلوهم بأمر الله - جل وعلا - كما مر. فقاسوا عليهم بنى آدم لأن الله - جل وعلا - أخبرهم أنه يسكنهم الأرض كما أسكن الجن فيها، وليسو مخلوقين فى غير الأرض. ثم أسكنوا الأرض كالملائكة، أو لأن الله أخبرهم أنه يخلقه من أشياء متضادة، كالماء الحار والبارد، والملح والعذب، والتراب الخشن واللين، فعلموا أن هذه الأشياء تتدافع وتتنافر فتحصل منها المفاسد والسفك، أو علموا أنه لا قوة واحدة تدعو للعبادة، وهى القوة العقلية، وقوتين شهوية وعصبية مؤديتين للمعصية، والواحد لا يقوى على اثنين. فتعجبوا ما الحكمة فى استخلافه مع أن الحكمة لا تقتضى خلقه فضلا عن استخلافه، لما فيه من القوتين الشهوية والعصبية، وأخبرهم الله بأنهم يكون منهم الإفساد والسفك، أو تلقوا ذلك من اللوح المحفوظ. أو ركز فى عقولهم أن المعصية من خواصهم، أو أعلمهم الله أنها من خواصهم، أو تلقوها من اللوح، أو قال الله لهم جل وعلا: {إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرضِ خَلِيفَةً} بعدما خلقه من أشياء متضادة، وعلموا أنه مخلوق منها. وذلك قبل نفخ الروح أو بعده، فقالوا ذلك لعلمهم أن الأخلاط تؤدى للتنافر، فيحصل بها الحقد والغضب كما علمت، أو لما روى أن الله - تعالى - خلق النار، فخافت الملائكة وقالوا لمن خلقت هذه النار؟ قال لمن عصانى فلما قال: {إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرضِ خَلِيفَةً} قالوا هذا الخليفة يكون منه من خلقت لهم النار. فهذه أوجه محتملة. قال ابن زيد وغيره: إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون ويسفكون، فقالوا ذلك تعجباً من استخلاف الله من يعصيه، أو تعجب الملائكة إلى آخر تعديد نعمة تعم الناس كلهم، لأن خلق آدم وإِكرامه وتفضيله على الملائكة بأن أمرهم بالسجود له إنعام يعم ذريته، أو تعجباً من عصيان من يستخلفه الله، وينعم عليه بالاستخلاف ومن استخلاف من يعصيه. وقال أحمد بن يحيى تغلب: رأت الملائكة وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم من الدماء فى الأرض، فجاء قولهم: {أَتْجْعَلُ فِيهَا..} الآية. على جهة الاستفهام المحض،هل هذا الخليفة يا ربنا على طريقة من تقدم من الجن أم لا؟. وقال قوم: كان الله تعالى قد أعلم الملائكة أنه يخلق فى الأرض خلقاً يفسدون ويسفكون الدماء. فلما قال لهم سبحانه بعد: {إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً} قالوا ربنا أتجعل فيها؟ على جهة الاسترشاد. هل هذا الخليفة هو الذى كان أعلمهم به سبحانه قبل أو غيره. والاستفهام على القولين حقيقى لا تعجبى. وأما قول ابن جرير الطبرى: قولهم أتجعل فيها ليس بإنكار لفعله - عز وجل - بل الاستخبار هل يكون الأمر هكذا؟ فليس جاريا على الاستفهام الحقيقى كم قد يتوهم، بل تعجبى لأنهم علمو أن الأمر يكون هكذا. فقالوا هل يكون الأمر هكذا؟ وقيل إن العبد المخلص فى حب سيده يكره أن يكون له عبد آخر يعصيه فكان سؤالهم على وجه المبالغة فى إعظام الله - جل وعز - وهذا أيضاً غير خارج عن التعجب كما قد يتوهم، ويجوز أن يكون الاستفهام حقيقيا بطريق آخر غير ما تقدم، وهو أن يتسلط على القيد الذى هو الحال المقرونة بالواو فى قوله: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}: ولا نشرك كما يشرك جنس الخليفة. {وَنُقَدِّسُ لَكَ}: كأنهم قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ ونحن باقون على التسبيح والتقديس؟ أم نتغير عن هذا الحال؟ وقولهم: نحن نسبح بحمدك.. إلخ على هذا الوجه استخبار على بقاء التسبيح والتقديس. وأما على أوجه التعجب والاستفهام غير هذا الوجه، فهو تمدح ووصف لحالهم، كقول يوسف: إنى حفيظ عليم. وهو أيضاً حال. وماضى سفك يسفك، بفتح الفاء، وقرئ يسفك. بضم الفاء، وماضيه، مفتوح الفاء، كذلك. وقرئ يسفك، بضم الياء وإسكان السين وكسر الفاء، مضارع أسفك بالهمزة بمعنى المجرد منها وقرئ يسفك بضم الياء وفتح السين وكسر الفاء مشددة، وهذا عندى للمبالغة لا لموافقة المجرد. وقرئ يسفك بالبناء للمفعول وإسكان السين، ورفع الدماء. وعلى هذه يكون الرابط محذوفاً، أى من يسفك فيهم الدماء. والسفك صب الدم أو الدمع فى اللغة. والمراد هنا الأول. كما صرح به لفظ الدماء. والسبك فى الجواهر المذابة كالفضة، يقال سبكت الفضة بمعنى أذبتها وأفرغتها فى قالب من القوالب.. والسبك الصب من أعلى والشن بالشين والسين، فى الصب من فم القربة ونحوها، وسننت التراب صببته، بالسين، وسننت الماء على وجهى متفرقا، بالسين، صببته. وإن صببته فى الأرض مثلا متفرقا فبالشين. والتسبيح عن الشىء الإبعاد عنه، أى نبعدك عما لا يليق بك من الصفات، يقال سبح فى الأرض والماء: إذا ذهب فيهما إلى مكان بعيد إلى أمام أو تحت. والأصل نسبحك فحذفت الكاف. أو نسبح لك، على أن اللام تأكيد، أو على تضمين نسبح معنى تخضع، والتسبيح حقيقة فى الذهاب فى الماء فقط، مستعار فى غيره. وبحمدك متعلق بمحذوف جوازا حال من الضمير فى نسبح، أى ملتبسين بحمدك، والباء للإلصاق المجازى، إذ بمعنى مع أى ثابتين مع حمدك، ومعنى الالتباس والاصطحاب المقارنة بلا فصل يفتتحون الحمد عقب ختم التسبيح، قال قتادة: تسبيحهم قولهم سبحانه على عرفه فى اللغة، وبحمدك معناه نصل التسبيح بحمدك، فتراه صرح بالوصل به بعده، ولم يتكلف اتحاد الوقت. وروى البخارى ومسلم عن أبى ذر: حديث : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل أى الكلام أفضل؟ فقال: "ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحانه الله وبحمده""تفسير : فتراه أشار إلى تسبيحهم بحمده هو قولهم: سبحانه الله وبحمده، فترى الحمد بعد التسبيح متصلا به. وأما أن يجعل أحدهما بالقلب والآخر باللسان ليتحد الوقت فتكلف، ويأتى كلام فى ذلك. وقال ابن عباس وابن مسعود: تسبيح الملائكة صلاتهم. ولك تعليق بحمدك نسبح أى ننزهك بالثناء عليك. فإن التلفظ بلفظ الثناء تنزيه له - تعالى - والتقديس أيضاً الإبعاد. قدست الله أبعدته عن النقص، وقدس عمرو فى الأرض أبعد فيها. والتقديس بمعنى التطهير مجاز مفرع على معنى الإبعاد، واللام للتأكيد، والأصل ونقدسك. ويجوز أن يكون قولهم يحمدك تبرأ عن الحول والقوة إلى الله، كأنهم قالوا نسبحك بإذنك وتوفيقك إيانا إلى المعرفة والتسبيح، ويناسبه تكبير التسبيح بالتنزيه، وتفسيره بالصلاة، قال أبو ذر: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ألا أخبرك بأحب الكلام إلى الله تعالى: سبحانه الله وبحمده" تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم"تفسير : ويجوز أن تكون لام لك للتعليل، ومفعول نقدس محذوف، أى نبعد أنفسنا أو نطهرها من الذنوب لأجلك، ولا نعصى كما يعصى من يستخلفك بسفك الدماء، الذى هو من أعظم الأفعال الذميمة، وقال الضحاك: معنى نقدس لك: نظهر أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك، فهلى لام شبه التمليك. وقال آخرون: نعظمك ونظهر ذكرك مما لا يليق به. وكذا قال مجاهد. والله أعلم. قال بعض الأندلسيين: حكى جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن على: أن سبب وضع البيت فى الأرض والطواف به أن الله - تعالى - قال للملائكة: {إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتْجَعْلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لك}؟ قال خلف بن ياسين: بلغنى أن الله - تبارك وتعالى - أعرض عنهم ثلاثمائة سنة قبل أن يجيبهم، فخافوا أن يكونوا قد سخط عليهم الله فى إعراضه إذ لم يوح عليهم، فطافوا حول العرش ثلاث مائة سنة، وطافوا حوله ثلاث طوفات يدعون ربهم ويسترضونه، واستغفارهم:{أية : غفرانك ربنا وإليك المصير}تفسير : فرضى عنهم وأجابهم بما ذكر الله عز وجل بقوله: {قَالَ إِنِّى}: بفتح الياء عن نافع وابن كثير وأبى عمرو، وإسكانها عند الباقين. وكذا فى قوله:{أية : ألم أقل لكم إنى أعلم}: تفسير : {أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}: وقال لهم ابنوا لى بيتا فى الأرض، يعوذ به من سخطت عليه من بنى آدم، ويطوف حوله كما فعلتم بعرضى فأرضى عنكم. فبنوا له الكعبة، ومعنى {إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أنى أعلم من وجوه المصلحة والحكمة فى جعل الخليفة فى الأرض. وقيل: أعلم أنهم يذنبون ويستغفرون فأغفر لهم. وقيل: أعلم من يطيعنى وهم الأنبياء والأولياء والصالحون، ومن يعصينى وهو إبليس. قال قتادة: لما قالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا...} إلخ وقد علم الله أن فيمن يستخلف فى الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعته قال: {إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} يعنى أفعال الفضلاء. قال ابن عباس: أعجب إبليس بنفسه ودخله الكبر لما جعله الله خازن السماء الدنيا، واعتقد أن ذلك لمزية، فلما قالت الملائكة: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَك} وهم لا يعلمون أن فى نفس إبليس خلاف ذلك، قال الله سبحانه وتعالى: {إِنِّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} يعنى ما فى نفس إبليس. ويجوز أن يكون المعنى إنى أعلم ما لا تعلمون من غلبة القوة العقلية، على القوة الشهوية والغضبية، فإنهما تضمحلان فى القوة العقلية اضمحلال الظلمة عند النور، ومن أنه إذا زادت غلبة العقلية عليهما استعملهما حيث يريد، وصارتا مطواعين له، فيستعمل الغضبية فى جهاد المشركين والمنافقين، وفى قهر النفس والشيطان، فيغضب عليهما فيجتهد فيما يغضبهما، وفى الأمر والنهى غضبا لله من قلبه، مع غضب بدنه ولسانه، إذا كان الصالح غضبهما، ويستعمل الشهوية فيما يشتهيه من أمر الآخرة والدين وإعزازه وإقامته، فإن الملائكة لما علموا بالقوى الثلاث: القوة الشهوية والغضبية والعقلية ترجح عندهم أو تعين أن الواحدة لا تغلب اثنتين وغفلواعما ذكرت. وعن المخلوق يحصل ما لا يحصله غير المركب من نوعين فصاعداً، ألا ترى الأدوية المركبة، كيف تنفع نفعا لا تفيده الأجزاء التى تركب منها، كذلك الإنسان لما تركب من أجزاء مختلفة، وقوى متباينة، صار مستعدا لإدراك أنواع المدركات: من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات، مستنبطاً للصناعات ومحيطا بالجزئيات ومستخرجا لمنافع الكائنات من القوة إلى الفعل، من عبادة وصناعة، وآراء سديدة، وسياسات مما به صلاح الدين والدنيا. والله أعلم. وذلك مقصود بالاستخلاف لكون فوائد استخلافه لا يحصيها إلا خالقها، أجابهم بجواب مبهم تفخيما له إذ قال: {إِنَّى أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} ولم يقل إنى أخلقه لكذا. قال فى عرائس القرآن: قالت الحكماء خلق الله تعالى الخلق ليظهر وجوده، فلو لم يخلق الخلق لما عرف أنه موجود، وليظهر كمال عقله وقدرته، بظهور أفعاله المتقنة، لأنها لا تتأتى إلا من قادر حكيم. وليعبد فإنه تجب له عبادة العابدين، ويثيبهم عليهم على قدر أفعاله لا أفعالهم، وإنه غنى عن عبادة خلقه لا تزيد فى ملكه طاعة المطيعين، ولا تنقص من ملكه معصية العاصين، قال الله تعالى: {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : وليظهر إحسانه أنه محسن، وأوجدهم ليحسن إليهم وليتفضل عليهم بفضله، لأنه يقضى بالعدل وخلق المؤمنين خاصة للرحمة. كما قال الله عز وجل:{أية : وكان بالمؤمنين رحيما}تفسير : وقال: {أية : ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} تفسير : وقال جعفر بن محمد الصادق والضحاك: أى للرحمة خلقهم وليحمدوه، فإنه يجب له الحمد. ويروى أن آدم عليه السلام لما خلقه الله تعالى، عرض عليه ذريته، ووجد فيهم الصحيح والسقيم، والحسن والقبيح، والأسود والأبيض. قال: يا رب هلا سويت بينهم، فقال الله تعالى: إنى أحب أن أشكر. قال أبو الحسن: خلق الله تعالى الملائكة للقدرة، وخلق الأشياء للعزة، وخلق بنى آدم للمحبة. قال الله تعالى:{أية : الله الذى خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم}تفسير : قالت العلماء: خلقكم لإظهار القدرة، ثم رزقكم لإظهار الكرم، ثم يميتكم لإظهار القهر، ثم يحييكم لإظهار الفضل والعدل والثواب والعقاب. ومنهم من قال: خلق الخلق جميعاً لأجل محمد - صلى الله عليه وسلم - وعن ابن عباس رضى الله عنه: أوحى الله تعالى إلى عيسى - عليه السلام - أن آمن بمحمد وأمر أمتك يؤمنوا به. ولولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن. قيل خلقهم لأمر عظيم غيب عنهم، لا يظهره حتى يحل بهم ما خلقهم له. قال الله تعالى:{أية : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون}؟تفسير : قال على بن أبى طالب: يا أيها الناس اتقوا ربكم، فما خلق امرؤ عبثا فيهملكم. قال الأوزاعى: بلغنى أن فى السماء ملكا ينادى كل يوم: ألا ليت الخلق لم يخلقوا، ويا ليتهم إذا خلقوا عرفوا لماذا خلقوا، وجلسوا فذكروا ما عملوا. وكان ابن عبد الرحمن الزاهد يقول فى مناجاته: اللهم غيبت عنى أجلى، وأحصيت على عملى، ولا أدرى إلى أى الدارين تصيرنى، لقد أوقفتنى وقفة المحزونين ما أبقيتنى. وقال أبو الهيثم الحكيم إن الله تعالى جعل ابن آدم بين البلوى والبلى فما دام الروح فى جسده لا يخلو من البلوى، فاذا فارق الروح صار إل البلى، فأنى له السرور وهو بين البلوى والبلى؟ وكان بعض الحكماء يقول: يا ابن آدم انظر إلى خطر مقامك فى الدنيا، إن ربك حلف لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين. وإن إبليس حلف فقال: فبعزتك لأغوينهم أجمعين. فأنت المسكين بين الله وبين إبليس، مطروح لاه ساه، ولما أراد الله خلق آدم عليه السلام، أوحى الله إلى الأرض إنى خالق منك خلقاً منهم من يطيعنى ومن يعصينى، فمن أطاعنى أدخله الجنة ومن عصانى أدخلته النار. ثم بعث إليها جبريل عليه السلام ليأتيه بقبضة من تراب الأرض، فما أتاها ليقبض منها القبضة قالت الأرض: إنى أعوذ بعزة الله الذى أرسلك أن تأخذ منى اليوم شيئاً يكون فيه للنار نصيب، فرجع جبريل عليه السلام إلى ربه، ولم يأخذ منها شيئاً. فقال: يا رب استعاذت بك فكرهت أن أقدم عليها، فأمر الله ميكائيل فأتى الأرض فاستعاذت بالله أن يأخذ منها شيئاً، فقال: يا رب استعاذت بك فكرهت أن أقدم عليها. فبعث الله ملك الموت فأتاها فاستعاذت بالله أن يأخذ منها شيئاً فقال: وأنا أعوذ بالله أن أعصى له أمرا، فقبض من أعلاها من سبختها وطيبها وأبيضها وأحمرها وأسودها، فكذلك فى بنى آدم الطيب والخبيث، والصالح والطالح واختلفت صورهم وألوانهم. قال الله عز وجل:{أية : ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم}تفسير : قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله تعالى قبض قبضة من جميع الأرض، سهلها وحزنها، فخلق منها آدم، فلذلك يأتى بنوه أخيافا" تفسير : رواه الحاكم وصححه والبيهقى. والحزن: ما غلظ من الأرض. والأخياف: مختلفون فى اللون والخلق والهيئة. وقال أبو موسى الأشعرى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : خلق الله آدم من طينة من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأبيض والأحمر والأسود، والسهل والحزن، والحسن والقبيح، والخبيث والطيب"تفسير : . وعن ابن عباس: خلق الله آدم من طينة بيضاء وحمراء وسوداء ثم صعد بها ملك الموت إلى الله تعالى فأمر أن يجعلها طينا بالماء المر والعذب ولمالح فعجنها ثم جعلها طينا فخمرها، فلذلك اختلفت أخلاقهم، ثم أمر جبريل أن يأتى بالتربة البيضاء التى هى قلب الأرض وبهاؤها ونورها، ليخلق منها محمداً صلى الله عليه وسلم، فهبط جبريل فى ملائكة الفردوس المقربين والكروبيين والملائكة الأعلى، فقبض قبضة من موضع قبر النبى صلى الله عليه وسلم، وهى بيضاء نقية، فعجنت بماء التسنيم وصارت كالدرة البيضاء، ثم غمست فى أنهار الجنة، وطيف بها فى السماء والأرض، فعرفته الملائكة قبل أن تعرف آدم عليهما الصلاة والسلام، ثم عجنها بطينة آدم عليه السلام، ثم تركها أربعين سنة، وصارت طيناً لازبا، ثم أربعين سنة وصارت صلصالا كالفخار، وهو الطين اليابس، الذى إذا ضربته صلصل أى صوت، ليعلم أن أمره بالصنع والقوة لا بالطبع والحيلة، فإن الطين اليابس لا ينقاد ولا يتأتى تصويره، ثم جعله جسدا وألقاه على طريق الملائكة، التى تهبط وتصعد فيه أربعين سنة. فذلك قوله تعالى:{أية : هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا}تفسير : قال ابن عباس - رضى الله عنهما - الإنسان دم والحين أربعون سنة كان آدم حينئذ ملقى على باب الجنة. وفى صحيح الترمذى بالإسناد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى تفسيره سورة البقرة:"حديث : إن الله تعالى خلق آدم بيده أى بقدرته، من قبضة قبضت من جميع الأرض: السهل والوعر والجبل، والأسود والأبيض والأحمر. فجاءت أولاده على ألوان الأرض"تفسير : وسأل عبد الله بن سلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف خلق الله آدم؟ قال: خلق وجهه من أرض الحجاز، وصدره وظهره من بيت المقدس، وفخذيه من أرض اليمن، وساقيه من أرض مصر، وقدميه من أرض الحجاز أيضاً، ويده اليمنى من أرض المشرق، واليسرى من أرض المغرب، ثم ألقاه على باب الجنة فكلما مر به ملك من الملائكة عجب من حسن صورته وطول قامته ولم تكن الملائكة قبل ذلك رأت شيئاً يشبهه فى الصور. فمر به إبليس فرآه ثم قال: لأمر ما خلقت ثم ضربه بيده، فإذا هو أجوف، فدخل من فيه وخرج من دبره. وقال لأصحابه الذين معه من الملائكة هذا خلق أجوف لا يثبت ولا يتماسك، أى لا يثبت فى الهواء كالطير والملك والجن. وروى لا يتمالك أى لا يصير ملكاً ثم قال: أرأيتم أن فضل هذا عليكم ما أنتم صانعون؟ قالوا: نطيع ربنا، فقال إبليس فى نفسه: والله لا أطيعه، ولئن فضل على لأهلكنه، فذلك قوله تعالى للملائكة:{أية : وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}تفسير : يعنى ما أظهرت الملائكة من الطاعة وما أسر إبليس فيهم وهو من المعصية فقال: {أية : إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين}تفسير : وفى الخبر أن جسد آدم بقى ملقى أربعين سنة يمطر عليه الحزن، ثم أمطر عليه السرور سنة واحدة، فلذلك كثرت عليهم الهموم فى أولاده، وتصير عاقبتهم إلى الفرح والراحة. وأنشد ابن عوانة الأهرجانى: شعر : يقولون إن الدهر يومان كله فيوم مخالفات ويوم مكاره وما صدقوا فالدهر يوم مخافة وأيام مكروه كثير إذاؤه تفسير : وأنشد ابن الأعرابى: شعر : محن الزمان كثيرة لا تتقى وسروره يأتيك فى الفلتات تفسير : وأنشد أبو بكر الموصلى لابن المعتز: شعر : أى شىء تراه أعجب من ذا لو تفكرت فى صروف الزمان حادثات السورة توزن وزنا والبلايا تكتال فى المكيال تفسير : ولما أراد الله - تعالى - نفخ الروح فى آدم - عليه السلام - أمرها أن تدخل فيه، فقالت الروح: كيف أدخل بعيد القعر مظلم المدخل؟ فقال الله لها ذلك ثانية، فقالت كذلك، وقال ثالثة فقالت ذلك، فقال فى الرابعة: ادخلى كرهاً وستخرجين كرهاً، فدخلت فى دماغه، وبقيت فيه مائتى سنة، ثم نزلت فى عينه، والحكمة فى ذلك أن ينظر آدم إلى بدء خلقه، ويرى باقى جسده طيناً يابسا، لئلا يزهو ويعجب بنفسه، إذا تتابعت عليه الكرامات. ثم نزلت إلى خياشيمه وفمه، فعطس بعد فراغه، فلقنه الله تعالى، فقال: الحمد لله رب العالمين. فكان ذلك أول من جرى على لسانه، فأجابه الله عز وجل: يرحمك الله يا آدم، للرحمة خلقتك. وقال تعالى: ورحمتى سبقت غضى. ثم نزلت إلى صدره، فأخذ يعالج القيام فلم يمكنه. وذلك قوله:{أية : وكان الإنسان عجولا}.تفسير : ولما وصلت الروح إلى جوفه اشتهى الطعام، فهو أول حرص دخل على آدم فى جسده. وفى بعض الأخبار أن آدم - عليه السلام - لما قال له ربه عز وجل: يرحمك الله، مد آدم يده ووضعها على أم رأسه، وقال أواه، فقال الله تعالى: ما لك يا آدم؟ فقال: إنى أذنبت ذنبا، فقال له: ومن أين علمت ذلك؟ فقال: إن الرحمة للمذنبين. فصار ذلك سنة فى أولاده، إذا أصابت أحدهم مصيبة أو محنة، وضع يده على رأسه وتأوه. ثم انتشرت الروح فى جسده كله، فصار لحماً ودماً وعظما وعروقا وعصبا، ثم كساه الله - تعالى - لباسا من ظفر يزداد كل يوم حسنا فلما قارف الذنب بدل بهذا الجلد، وأبقيت منه بقية فى أنامله ليتذكر به أول حاله. قال عبد الله بن الحارث: كانت الدواب تتكلم قبل خلق آدم - عليه السلام - وكان النسر يأتى الحوت فى البحر فيخبره بما فى البر، ويخبره الحوت بما فى البحر. فلما خلق الله آدم جاء النسر إلى الحوت وقال: لقد خلق اليوم خلق ليزيلنى من وكرى، وليخرجنك من البحر. وفى رواية له قبض وبسط ولما نفخ الروح فيه قرطه الله وشنفه، وصوره وختمه ومنطقه، ألبسه من لباس الجنة، وزينه بأنواع الزينة، يخرج من ثناياه نور كشعاع الشمس، ونور محمد - صلى الله عليه وسلم - يلمع من جبينه، كالقمر ليلة البدر. ثم رفعه الملائكة فوق سرير على أكتافهم بأمر الله - عز وجل - وقال لهم: طوفوا به فى سماواتى ليرى عجائبها وما فيها وليزداد يقينا. وقالت الملائكة: لبيك ربنا سمعنا وأطعنا، فحملته الملائكة على أعناقها، فطافت به الملائكة السماوات مقدار مائة عام، حتى وقفوا به على كل شىء من آياتها وعجائبها. ثم خلق الله فرساً من المسك الأذفر، يقال له: الميمون له جناحان من الدر والمرجان، فركبه آدم - عليه السلام - وجبريل أخذ بلجامه، وميكائيل عن يمينه، وإسرافيل عن يساره، وآدم عليه السلام يقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال الله - عز وجل - يا آدم هذه تحيتك وتحية المؤمنين من ذريتك فيما بينهم إلى يوم القيامة. وروى أن الله - جل وعلا - قال للأرض: إنى أخلق منك خلقاً: منهم من يطيعنى، ومن يعصينى، فمن أطاعنى أدخلته الجنة، ومن عصانى أدخلته النار. فبكت الأرض فانفجرت منها العيون إلى يوم القيامة. وروى أنه لما أخذ منها عزرائيل قبضة وصعد منها إلى السماء، سأله ربه - عز وجل - وهو أعلم عما صنع، فأخبره بما قالت الأرض وبما رد عليها، فقال الله عز وجل: وعزتى وجلالى لأخلقن مما جعلت به خلقاً، ولأسلطنك على قبض أرواحهم، لقلة رحمتك. وإن عدو الله إبليس رآه أجوف فقال: هذا خلق لا يتمالك، أى لا يكون ملكا، أو لا يستقل من الطعام والشراب، بل يحتاج إليهما. وإنه لما وصلت الروح منخريه عطس، ولما بلغت لسانه قال: الحمد لله رب العالمين، وهى أول كلمة قالها، فناداه الله تعالى: رحمك الله يا أبا محمد، ولهذا خلقتك. وجعل فى رأسه سبعة أبواب: وهن الأذنان يسمع بهما، والعينان يبصر بهما والمنخران يشم بهمان والفم وفيه اللسان يتكلم به، والأسنان يطحن بهما، وبتاتين فى أسفل جسده وهما القبل والدبر، يخرج منهما ثفل طعامه وشرابه. وجعل عقله فى دماغه، وفكرته فى قلبه، وشرهه فى كلوتيه، وغضبه فى كبده، ورعبه فى رئته، وضحكه فى طحاله، وفرحه فى وجهه. فسبحان من جعله يسمع بعظم، ويبصر بشحم وينطق بلحم. قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : خلق الله آدم عليه السلام وطوله ستين ذراعاً، ثم قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة، فاستمع ما يجيبونك فإنه تحيتك وتحية ذريتك. فقال: السلام عليكم، فقال السلام عليك ورحمة الله. وكل من يدخل الجنة على صورة آدم"تفسير : . رواه البخارى ومسلم عن أبى هريرة. قال فلم يزل الخلق ينقص إلى الآن. قال ابن عباس رضى الله عنهما: كان جسد آدم ملقى بين مكة والطائف لا روح فيه، فمر عليه إبليس فقال: لأمر خلق هذا. ولما أسكنه الله سبحانه وتعالى الجنة، لم يكن فيها من يجالسه ويؤانسه، فألقى الله تعالى عليه النوم فنام فأخذ الله ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر، يقال له القصير فخلق منه حواء من غير أن أحس آدم بذلك، ولا وجد له ألما. ولو ألم آدم من ذلك لما عطف رجل على امرأة أبداً، ثم ألبسها من لباس الجنة، وزينها بأنواع الزينة، وأجلسها عند رأسه. فلما انتبه من نومه رآها قاعدة عند رأسه، فقالت الملائكة لآدم يمتحنون علمه: ما هذه يا آدم؟.. قال: امرأة، قالوا: وما اسمها؟.. قال: اسمها حواء، قالوا: ولم سميت بذلك؟ قال: لأنها خلقت من شىء حى. قالوا: ولماذا خلقها الله؟ قال: لتسكن إلى وأسكن إليها. فذلك قوله تعالى:{أية : وجعل منها زوجها ليسكن إليها}تفسير : قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : خلقت المرأة من ضلع أعوج، فإن تقومها تكسرها، وإن تركتها تنتفع بها على عوجها"تفسير : . ويقال الحكمة فى الرجال، يزدادون على ممر الأيام والليالى حسناً وجمالا، والنساء يزددن على مر الأيام قبحاً، إنهن خلقن من اللحم، واللحم على مر الأيام يفسد. وفى بعض الأقاصيص أن آدم - عليه السلام - لما رأى حواء مد يده إليها، قالت الملائكة: مه يا آدم. قال: ولم وقد خلقها الله لى؟ قالت الملائكة: حتى تؤدى مهرها، قال: وما مهرها؟ قالوا: أن تصلى على محمد ثلاث مرات، قال: ومن محمد؟ قالوا: آخر الأنبياء من ولدك، لولا محمد ما خلقت. وروى سعيد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إذا أراد الله أن يخلق جارية، بعث إليها ملكين أصفرين بالدر والياقوت، فيضع أحدهما يده على رأسها، ويضع أحدهما يده على رجليها، ويقولان: بسم الله ربنا وربك الله، ضعيفة خلقت من ضعيف، ينفق عليها إلى يوم القيامة"تفسير : وقيل لما انتبه آدم من نومه، رآها جالسة عند رأسه، كأحسن ما خلق الله تعالى. فقال لها: من أنت؟.. قالت: زوجتك، خلقنى الله لك تسكن إلى وأسكن إليك. وذكر بعضهم أن إبليس كان يطوف بآدم قبل أن ينفخ فيه الروح ويقول: إن كنت أجوف فلى إليك سبيل، وإن لم تكن أجوف فليس لى إليك سبيل. وذكر بعضهم أن أول ما خلق الله فى الأرض: طير وحوت، فجعل الطير يخبر الحوت بخبر السماء، وجعلت الحوت يخبر الطير بخبر الأرض، فلما خلق الله آدم جاء الطير إلى الحوت فقال: لقد خلق اليوم خلق كذا وكذا، فقال الحوت للطير: لئن كنت صادقاً لينزلنك من السماء. وليخرجنى من الماء. قال الكلبى: أشفق إبليس عدو الله منه وقال: إنى لأرى صور مخلوق سيكون له بناء.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ قَالَ} واذكر إذ قال، وقيل: ظرف لقالوا {رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ} كلهم، وقيل لطائفة خزان الجنان، يسمون الجان، أرسلهم إلى الأرض ليطردوا الجن منها إلى البحار، والجزائر، والجبال، ولا يصح هذا، ولا يصح أن إبليس ملك منهم، وأقرب من هذا أنه ولد من الجن قبله، وليسوا ملائكة، قاتلهم الملائكة وأسروه فتعبد مع الملائكة، والمشهور أنه أول الجن، وقيل ملائكة الأرض، لأن الكلام فى خلافة الأرض، والمجرد ملئك بهمزة مفتوحة بعد الللام، وهو مقلوب مالك بهمزة ساكنة فهل اللام، من الألوكة، وهى الرسالة، وهم رسل الله إلى الأنبياء، وإلى ما شاء الله، وأخطأ من قال، إن ملائكة الأرض يعصون كبنى آدم، والملائكة أجسام نورانية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة، وعلى الظهور {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} ينفذ الأحكام عنى، وهو آدم، إذ لا يقدر أهل الأرض على تلقى الأحكام عن الله ولا عن الملائكة {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا} بالذنوب الكبار والصغار والمكروهات كالعجب، والكبر والبغى، والحسد {وَيَسْفِكُ الدِّمَاءُ} يريقها، كناية عن القتل، ولو بلا إراقة دم، علموا ذلك من فعل الجن الذين سكنوا الأرض قبل آدم، فى القول به، وقاسوا عليه آدم وأولاده، أو علموا ذلك من اللوح، أو بإخبار الله لهم، كما روى أنهم قالوا يا ربنا، ما تفعل ذرية هذا الخليفة، فقال: يفسدون فيها، ويسفكون الدماء أو بإلهام، أو لفهمهم أن من خالف الخلقة الملكية لا يخلو عن ذلك، وقولهم ذلك تعجب وطلب للعلم بمكة اقتضت جعل الخيلقة مع أنه يحصل الفساد والسفك، ولعلهم بالغوا فى التعجب والطلب، فعاقبهم بقطع الوحى عنهم، إلى أن أوحى إليهم، أنى أعلم ما لا تعلمون. وقيل: استفهام حقيقى، أى أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء أم من يصلح {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} نسبحك مصاحبين بحمدك، تقول سبحان الله والحمد لله، أو سبحان الله وبحمده، أى وبحمده نسبح. سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أى الكلام أفضل؟ قال: "حديث : ما اصطفى الله تعالى لملائكته، سبحان الله وبحمده"تفسير : ، ويقال، تسبيح الملائكة سبحان ذى الملك والملكوت، سبحان ذى العظمة والجبروت، سبحان الحى الذى لا يموت، أو نسبحك مثنين عليك وشاكرين لك على توفيقك لنا للحمد، أو كقولك، كان كذا بحمد الله، أى بفضله وإذنه {وَنُقَدِّسُ لَكَ} نطهرك عن صفات النقص، أى نعتقد خلوك عنها، وجاز هذا لأن التسبيح المذكور مراد به لفظ سبحان، وإذا كان ذلك حالنا فنحن أحق بالاستخلاف، لأنا أحفظ لعهدك، ولا ندرى، ما الحكمة فى العدول عنا إلى من ذلك صفته، وذلك عجيب عندنا، متعجبون نحن منه، فأخبرنا بها، يقال قدس الله، وقدس لله، وشكر الله، وشكر لله، وسبح لله، وسبح لله، ونصح الله، ونصح الله، أو نذكر ألفاظ التقديس لأجلك، أو التسبيح التنزيه عما لا يليق به، فالتقديس تنزيه ذاته عما لا يراه لاثقابه، أو نقدس لك نطهر أنفسنا عما لا يجوز من الأدناس والمعاصى، فلا نماثلهم {قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا} تبدون وما تكتمون وأعلم ما {مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من غيوب السماوات والأرض، ومن إرادتى إظهار حكمى وقدرتى، وأن المطيع الواحد منهم أفضل من الملائكة، وأنهم أشد عبادة وأشق، لأنى أخلق لهم موانع كالنفوس والهوى والشياطين منهم ومن الجن، والشهوات، ولهم جهاد وقراءة ليسألكم، وصلاتهم تشمل عبادتكم. وعبادات لهم ليست لكم كالصوم والصدقة، وأظهر العدل فيهم ولا أبالى، وأدخل العاص منهم النار عدلا ولا أبالى، ويحيون من الدين ما لا تحيون بالتعلم والتعليم والأمر والنهى، علم الله ذلك ولم يعلمه الملائكة، وقالوا، سرا فيما بينهم، لن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم، لتقدمنا ورؤيتنا بعض ما فى اللوح، وأن آدم يطيع، وإبليس يعصى، وأن منهم أنبياء ورسلا، وأعلم مضارع لا اسم تفضيل، لأنه لا يضاف للمفعول.
الخليلي
تفسير : في هذه الآية وما بعدها يحكي الله سبحانه وتعالى لنا قصة خلق الإِنسان ليتحمل أمانة الله على عاتقه. وتبدأ هذه القصة بإعلان منزلة هذا الكائن من مخلوقات الله في الملأ الأعلى، والقرآن ليس كتابا تاريخيا يُعني بسرد أحداث التاريخ وقضاياه، كما أنه ليس كتاب هندسة، ولا كتاب طب وما إلى ذلك، وإنما هو كتاب رسالة إلهية موجهة إلى الفطرة الإِنسانية، وفي إطار هذه الرسالة تلتقي الدعوة إلى الله مع التعليم والتشريع، والأمر والنهي، والوعظ والإِرشاد، والترغيب والترهيب، ولذلك فإنه عندما يتعرض للتاريخ أو لأي ناحية أخرى يكون تعرضه بقدر ما يعزز جانب هذه الرسالة ويُجليِّ بُرهانها كما تجد ذلك واضحا فيما يقصه من أنباء النبوات وأحوال الأمم، وأحداث الزمن، ولم تأت فيه قصة لقصد التسلية أو الفكاهة، فهو أرفع شأنا من ذلك، وأجل قدرا، وقد أخبر الله جلَّ شأنه نبيه صلى الله عليه وسلم أن قصص القرآن هو أحسن القصص كما أن حديثه هو أصدق الحديث في قوله: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ} تفسير : [يوسف: 3]. وقد يتبادر لقارئ القرآن أول مرة عندما يجد القصة الواحدة مذكورة في العديد من السور أن ذلك تكرار، ولكن إذا عاد إلى السور ومحتوياتها، ومقاصدها، والمعروض من القصة فيها، وأسلوب العرض، أدرك أن ذلك بعيد عن التكرار. فإن السورة لا تعرض القصص بطريق السرد كما هو شأن القصاصين، وإنما تأتي منها بقدر ما يخدم الموضوع الذي ذُكرت خلاله القصة، وبحسب ما يتلاءم مع هذا الجو، فقصة موسى عليه السلام مثلا عُرضت في سور شتى ولكن هذا العرض لم يأت على وتيرة واحدة، فتجدها تارة مطولة، وتارة مختصرة، وفي كل مرة يتميز العرض بفوائد شتى من جوانب القصة نفسها، ومن جانب العبر والعظات التي تمليها، وإذا علمت أن القرآن نزل في ثلاث وعشرين سنة واجه فيها تحديات المشركين العرب ومكر أهل الكتاب، ودسائس المنافقين، ومؤامرات الشعوب المختلفة أدركت السر في تعدد المقامات التي تستوجب ذكر القصة الواحدة إما للتذكير وإمَّا لتفنيد المزاعم أو لغير ذلك من الأغراض. وجميع القصص القرآنية تحكي أحداثا واقعة، وأحوالا متقدمة، وليست مسوقة لغرض التمثيل فحسب - كما يجنح إلى ذلك بعض المتأخرين - فإن باب التمثيل معروف، وعندما يأتي في القرآن يأتي مقرونا بالقرائن اللفظية الدالة على قصده لتعميق المفاهيم في النفس، وترسيخ المعاني في الأذهان، فإن النفس - كما سبق - هي للمحسوس أَألف وبماهيته أعلم. ولا توجد وثيقة تاريخية بشرية تحكي قصة بداية خلق الإِنسان، وتمكينه في الأرض، ولذلك كان الذين يعتمدون على أنفسهم في استلهام ذلك مُتخبطين في متاهات حائرة سالكين طرائق قددا، لم تقم على مزاعمهم حجة، ولم تعززها قرينة، بل كثيرا ما يكشف الواقع العلمي عكس ما يقولون، وإنما المستند في ذلك إلى خبر الله تعالى الذي خلق الإِنسان فسواه، ومنّ عليه فأعطاه، وهو العليم بكل شيء. مظاهر تكريم الله للإِنسان وطبيعة هذا الكائن وفطرته مغايرتان لطبائع وفطر جميع المخلوقات الأرضية وغيرها، فقد اختصه الله بمزايا متنوعة وفواضل مختلفة، ويشير إليها قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} تفسير : [الإسراء: 70]. ومن مظاهر هذا التكريم وأنواع هذه المزايا اختصاص الإِنسان بقدرات متنوعة وملكات مختلفة هيأته للسيادة في الأرض ومكنته مما فيها من أنواع مخلوقات الله تعالى، ومن المعلوم أن من الحيوانات الأرضية ما هو أطول عمرا من الإِنسان، وأقوى جسما، وأعظم حجما، وأكثر إقداما، غير أنها لم تستطع أن تسخره كما سخرها، وأن تنال منه ما نال منها، فقد سخر هو الفيل وغيره من الحيوانات الضخمة الجريئة، واستخدمها في مصالحه، وانتفاع أي حيوان بالأرض وما فيها انتفاع نسبي محدود بينما انتفاع الإِنسان مطلق لا حدود له فهو ينتفع بالحيوانات البرية والبحرية، والنباتات المختلفة، والجمادات المتنوعة، والمعادن التي لا تُحصى انتفاعا متنوعا، بحيث يستخدم الشيء الواحد في مصالح شتى. ومن مظاهر هذا التكريم أيضا سنة التطور التي اختص الله بها الجنس البشري دون غيره، فسائر المخلوقات - وإن تعاقبت عليها القرون وتوالت عليها الأحقاب - لا تتبدل أحوالها ولا تتغير أوضاعها، بخلاف الناس الذين أودع الله سبحانه وتعالى في طبائعهم ملكات التطور حتى صاروا ينتقلون من وضع إلى غيره ويرتقون من حال إلى أخرى كما هو ظاهر في حياة الناس الفكرية، والإِدارية، والصناعية، وغيرها... فقد كان الناس يستخدمون في أسفارهم الدواب وأرماث البحر إذا أرادوا أن يريحوا أقدامهم من جهد السير، وكواهلهم من عناء الحمل، ويكلفهم ذلك جهدا جسميا، كما ينتهب منهم جانبا من أعمارهم، ثم أخذوا ينتقلون من طور إلى آخر حتى بلغوا الآن في طي المسافات واختصار مراحل الأسفار إلى الاستغناء ببضع ساعات فيما كان يكلفهم شهورا وأعواما حتى ليظن الظان أنهم طويت لهم الأرض وزُوى لهم الفضاء، وقس على بقية مطالب الحياة، وقُل مثل ذلك في الانتفاع بما أودع الله تعالى هذه الأرض من مصالح لناس لم تكتشفها إلا الأجيال المتأخرة بفضل ما آتاهم الله تعالى من علم، فكم من معدن يُعد في وقتنا هذا من أكبر الثروات وأنفس المنتوجات لم يكن يزن شيئا في عهود الآباء والأجداد، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الله سبحانه هيأ هذا الإِنسان لمنصب كبير لا يرقى إليه غيره، وهو الخلافة في الأرض كما تقص علينا هذه الآية الكريمة. وبجانب هذا التكريم الإِلهي لهذا الكائن البشري فإن الله ابتلاه بنقص ذاتي لئلا يذهب به الغرور إلى أنه أوتي ما أوتي باستحقاقه، وأنه مستغنٍ بذاته عن غيره، ومن مظاهر هذا النقص الضعف الجسمي، فإن كل ما يصيبه يؤلمه أكثر من إيلام غيره من المخلوقات الحية، وجسده أضعف من أجساد الحيوانات في احتمال حرارة الصيف وبرودة الشتاء. ومن مظاهر نقصه ضرورته إلى النظافة والزينة، فهو دائم بحاجة إلى الماء للاستنجاء والاستحمام، وإلى السواك وإزالة التفث عنه، فلو لم يستنج ويستحم لنتن، ولو لم يستك لبخر، ولو لم يلق التفث عنه لتشوه، كما أنه بحاجة إلى ما يستر سوأته من اللباس، وبدون ذلك يكون أقبح منظرا وأسوأ حالة من أي حيوان، وهو أيضا بحاجة إلى ما يدفع به عن نفسه الشر من السلاح، بينما بقية الحيوانات جعل الله لها في نفسها وسائل للدفاع تقاوم بها عدوها. والمولود البشري يمر بمراحل متطاولة حتى تكتمل قواه بخلاف المولود من الحيوانات فإنه سرعان ما يصل إلى غايته من القوة، ولذلك كان المولود البشري بحاجة زائدة إلى عناية بالغة ممن يقوم بتربيته، وثم كثير من النواقص المختلفة يكتشفها الإِنسان في نفسه إذا أمعن النظر فيها، وحسبنا أن الله سبحانه قال فيه: {أية : وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً}تفسير : [النساء: 28]. ومن الظواهر الغريبة في الجنس البشري التفاوت الذي لا يُحد بمقياس بين أفراده وهي ظاهرة إن وجُدت في غيره فهي نسبية، فبينما ترى إنسانا لا ترتفع همته فوق موطئ قدميه شبرا واحدا إذا بآخر تعلو هممه حتى تسبح مع النجوم في أفلاكها، وبينما تشاهد جماعات من الناس هم أشبه ما يكونون بالحشرات المؤذية والزواحف السامة، إذا بك ترى آخرين كأنما هم طائفة من ملائكة الرحمة، وبينما تجد أحدا من الناس لا يعلو تفكيره شهوته البهيمية، وغريزته السبعية إذا بك تجد غيره يمشي على الأرض، وهو يعيش بفكره، وبصيرته مع الملأ الأعلى، وكم تجد إنسانا أضيق صدرا من سم الخياط، وآخر أوسع صدرا من رحاب الفضاء، وهذه الظاهرة إن دلت على شيء فإنما تدل على اختصاص الله سبحانه هذا الجنس من مخلوقاته بما لا يُكتنه من مواهبه، وعلى أن تكوينه يتميز بطابع الاستعداد للترقي في مدارج الكمال، وإنما انحطاط الذين سفلوا يكون غالبا بسبب إيثار الدنيا والإِخلاد إليها من قبل أنفسهم، وهذا الاختصاص الرباني لهذ النوع الإِنساني بهذه المزِية العظمى ما هو إلا مظهر من مظاهر ترشيحه لمنصب الخلافة الذي تحدثت عنه هذه الآية. الإِنسان خليفة الله في الأرض وارتباط الكلام هنا بما سبقه واضح، ذلك لأن فيما تقدم تذكيرا للإِنسان بمختلف نعم الله الجُلىّ التي أفاضها على النوع الإِنساني، ومنها خلق جميع ما في الأرض له، ثم الاستواء إلى السماء وتسويتهن سبع سماوات، وفي ذلك أيضا نعم لا تُحصى لأن الأرض مرتبطة بالأجرام السماوية برباط الجاذبية كما تقدم، وبهذه التسوية أمكن للإِنسان أن يستقر على الأرض، وأن يستمتع بمنافعها التي على ظهرها والتي في أعماق بطنها، وهذا التكريم الإِلهي يترتب عليه ما ذُكر هنا من تبوئة الإِنسان لهذا المنصب الجليل، منصب الخلافة في الأرض الذي تحدثت عنه هذه الآية، وبعد هذه التوطئة الإِجمالية لتفسيرها نأتي إلى تفصيل ألفاظها ومعانيها:- (إذ) ظرف زماني دال على وقوع نسبة في الزمن الماضي مع وقوع نسبة أخرى ماضية أيضا، وذهب ابن قتيبة وأبو عبيدة معمر بن المثنى إلى أنها في هذا الموضع وما يشبهه زائدة، وهي مجازفة من القول يجب أن لا يُصغى إليها في تفسير كتاب الله تعالى المنزه عن كل حشوٍ، فإن الزيادة لا تكون إلا في كلام الذين يعييهم ترتيب الألفاظ بحسب ترتيب المعاني، فيأتون بالدخيل من القول لقصد تنميق الكلام وتزويقه، وهذا ما لا ينطبق أبدا على كلام الله تعالى الذي هو أبلغ الكلام وأصدقه، وأحسن الحديث وأصحه، وقد أجاد إمام المفسرين ابن جرير الطبري في رد هذا الزعم وتفنيد جميع شُبهه، وقد حذا حذوه معظم المفسرين حتى أن القرطبي حكى اتفاقهم عليه، كما أن جماعة من أئمة العربية قاموا بدورهم في الرد على هذه الدعوى، منهم الزّجاج والنّحاس غير أن مما يثير الاستغراب أن ينبري أحد أئمة التفسير في العصر الحديث يُعدُّ في مقدمة مفسري هذا العصر معرفة بعلوم القرآن وأساليب البيان - وهو الإِمام ابن عاشور في تفسير التحرير والتنوير - فيؤيد هذه الفكرة الواهية واقفا مع القائلين بزيادة "إذ"، وهو أمر يدعو حقا إلى الحيرة والاستغراب، فإن عَدَّ أي كلمة مما في القرآن زائدة يعني فراعها من المعنى، وهو ينافي الإِحكام الذي وصف الله به كتابه المبين، وإذا كانت زيادة الألفاظ لغير أي معنى يترفع عنها كلام بلغاء البشر فما بالكم بكلام خالق البشر الذي وهبهم ملكات البيان، والذي يبدو أن القول بزيادة "إذ" هنا ناشئ عن الحيرة، واضطراب الأفهام فيما ترتبط به صناعة ومعنى، ومثل هذا القول في الغرابة والبعد عن الصواب قول من زعم أنها بمعنى "قد". والقائلون بعدم زيادتها اختلفوا في إعرابها، فمنهم من جعلها على بابها - وهو الظرفية الزمانية - وجعلها متعلقة بقالوا، جوز ذلك الزمخشري، واختاره أكثر أهل التفسير حتى أن منهم - كأبي حيان - من عدّه الوجه الوجيه الذي لا يُعدل عنه، وردّه كل من أبي السعود وابن عاشور من حيث أنه يؤدي إلى أن يكون قول الملائكة المحكى هو المقصود الأساسي من القصة وذلك مستبعد لأن العبرة المستفادة منها كامنة في إعلام الله لهم أنه جاعل في الأرض خليفة، وما أجابوا به إنما هو مترتب على هذا الخطاب، وأضاف ابن عاشور إلى ذلك بأن هذا الإِعراب لا يتأتى في كل موضع كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُواْ} تفسير : [البقرة: 34] فإن فاء التعقيب مانعة من جعل الظرف متعلقا بمدخولها، وأن الأظهر أن قوله: {قَالُواْ} حكاية للمراجعة والمحاورة، على طريقة أمثاله كما سيأتي بيانه. وذهب بعضهم إلى أنها متعلقة بمحذوف تقديره ابتداء خلقكم إذ قال ربك، أو ابتدأ خلقكم إذ قال ربك، فعلى الأولى هي في موضع رفع على الخبرية، وعلى الثاني فهي في موضع نصب، وثم أقوال أخرى موغلة في الضعف، وأضعفها القول بأنها متعلقة ببشر من قوله تعالى: {أية : وَبَشِّرِ ٱلَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [البقرة: 25]. وضعف هذا القول باد للعيان فإن المعنى والصناعة يرفضانه، وأما المعنى فلأن التبشير لم يحصل عندما قال الله ذلك للملائكة، وأما الصناعة فلأنه لا يُعقل أن يحصل في كلام البلغاء، ارتباط كملة بأخرى بينهما مسافات من الكلام الخارج عن إطار الموضوع القاضي بالارتباط، فكيف يحصل ذلك في القرآن؟ أما قول من زعم أنها متعلقة بخلقكم من قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} تفسير : [البقرة: 21] فهو أوهن من أن يُكترث به فيرد عليه وكفى بمجيء حرف العطف قبل إذ شاهدا على بطلان هذا القول والذي قبله فإن الظرف لا يتخلل بينه وبين متعلقة عاطف. وذهب آخرون إلى أنها وإن كانت ظرفا بحسب وضعها فهي في إعرابها هنا خارجة عن الظرفية إلى المفعولية، والعامل فيها محذوف تقديره اذكر، وهذا كما يتصرف في كثير من الظروف فتنصب نصب المفاعيل نحو: اذكر يوم قلت كذا، وهذا القول هو الذي صدّر به الزمخشري، واختاره ابن هشام وصححه قطب الأئمة - رحمه الله - في الهيميان مستدلا له بصرف "إذ" إلى الإِضافة في نحو يومئذ، وحينئذ، وساعتئذ، وإذا جاز صرفها إلى الإِضافة فلم لا يجوز أن تُصرف إلى المفعول، وهذا الرأي هو الذي أختاره لبعده عن الكلفة، وإن رده من رده من المفسرين وغيرهم زاعمين أن فيه إخراج "إذ" عما وضعت له وهو الظرفية من غير مُسَوِّغ، وإني لأعجب من هؤلاء كيف يأبون ذلك مع قيام الشواهد على صحته من الكتاب نحو قوله تعالى: {أية : وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ} تفسير : [الأعراف: 86]. وقوله: {أية : وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} تفسير : [الأعراف: 69]، وقوله: {أية : وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ} تفسير : [الأعراف: 74]، فإن مفعوليتها في جميع ذلك واضحة، إذ من المستبعد أن تكون ظرفا للذكر المطلوب مع سبق ما أضيفت إليه على طلب الذكر، والمطلوب لا يأتي إلا بعد الطلب، والمراد بذكر الزمان، ذكر ما يحتويه من الأحداث لأن العرب اعتادت أن تسند الأحداث إلى أزمنتها، ودلالة الزمان المذكور على أحداثه إنما تكون بالطريق البرهاني وذلك أبلغ. والعطف هنا من باب عطف القصة على القصة كما تقدم، والمعطوف عليه قصة خلق منافع الأرض للإِنسان، وما تبع ذلك من ذكر تسوية السماوات، وبناء على ما ختاره ابن عاشور من كون "إذ" مزيدة ذهب إلى أن هذا العطف من باب عطف الجملة على الجملة، فجملة {قَالَ رَبُّكَ} معطوفة على جملة {خَلَقَ لَكُمْ} وقد علمت ما في القول بزيادة "إذ" من الضعف، على أن ابن عاشور نفسه ذكر في بداية تفسير الآية أن العطف هو من باب عطف القصة على القصة، وعضد ذلك فيما بعد بكون إذ تبتدأ بها القصص العجيبة الدالة على قدرة الله تعالى، كما في قوله: {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ} تفسير : [البقرة: 34]. هذا وجعل "إذ" مفعولا لمحذوف تقديره "اذكر"، مع كونها دالة على زمن مضى وقعت فيه نسبة - يقتضي أن المراد ذكر تلك النسبة الواقعة فيه، وقد اعتاد الناس إسناد الحوادث إلى الأزمان كما تقدم. وصدور هذا القول من الله إلى الملائكة كان بحسب ما جعل الله لهم من طريقة لفهم مراده ويقول في هذا ابن عاشور: "وكلام الله تعالى للملائكة أطلق على ما يفهمون منه إرادته وهو المعبر عنه بالكلام النفسي فيحتمل أنه كلام سمعوه فإطلاق القول عليه حقيقة وإسناده إلى الله لأنه خلق ذلك القول بدون وسيلة معتادة، ويحتمل أنه دال آخر على الإِرادة، فإطلاق القول عليه مجاز، لأنه دلالة للعقلاء، والمجاز فيه أقوى من المجاز الذي في نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : اشتكت النار إلى ربها"تفسير : وقوله تعالى: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} وقول أبي النجد: "إذ قالت الآطال للبطن الحق.. ولا طائل في البحث عن تعين أحد الاحتمالين". والملائكة جمع ملك، ومن شأن الجموع أن تراعي فيها أصول المفردات وقد اتضح من هذا الجمع أن أصل مَلأْك، حذفت همزته تخفيفا وألقيت حركتها على اللام قبلها، وقد جاء على أصله في بعض الأشعار كقوله: شعر : فلست لإِنسىٍّ ولكن لملأك تنزل في جو السماء يصوب تفسير : وقول الآخر: شعر : ................. من نبي وملأك ورسول تفسير : وهو من لأك بمعنى أرسل، وهي لغة محكية، وقيل هو من ألك فقدمت عينه وأخرت لامه، وهو من الألوكة بمعنى الرسالة، ومنه قول الشاعر: شعر : وغلام أرسلته أمه بألوك فبذلنا ما سأل تفسير : والظاهر أن أَلَكَ ولأك يتعاقبان كتعاقب الجذب والجبذ، ولا داعي إلى القول بالتقديم والتأخير، وقيل هو من الْمَلْك بمعنى القوة، وعليه فإن الهمزة زائدة فيه، وهو غير واضح. صفات الملائكة والملائكة هم صنف من مخلوقات الله سبحانه خلقهم الله لطاعته وتنفيذ أمره في ملكوته، وسخرهم لذلك، فلا يخرجون عن طاعته في جميع الأحوال، كما وصفهم بقوله: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6] وبقوله: {أية : عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنيباء: 26 -27] وقد آتاهم الله قوة على التشكل عندما يظهرون لبعض البشر حسب إرادته تعالى، وهم من عالم الغيب الذي يجب علينا أن نؤمن به كما أخبرنا تعالى، وهم من الكثرة بحيث يملأون ملكوت الله عز وجل كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك راكع أو ساجد"تفسير : وللعلماء فيهم أقوال بحسب ما فهمه كل منهم من صفاتهم، وسيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله. والجعل يصح أن يكون بمعنى الخلق فيتعدى لمفعول واحد، وبمعنى التصيير فيتعدى لمفعولين، وعلى الثاني فالمفعول الأول خليفة وهو مؤخر، والمفعول الثاني ما يتعلق به قوله {فِي ٱلأَرْضِ}، وقد قُدم على الأول، وعلى الأول فالمفعول خليفة و{فِي ٱلأَرْضِ} متعلق بجاعل، وانتصر بعض المفسرين له بأنه أبعد عن التكليف في تأويل ما حكاه الله عن الملائكة وهو قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} [البقرة: 30]، فإن تأويله بالتصيير يقتضي تقدير مفعول ثانٍ محذوف وهو خليفة، والأصل عدم الحذف. خلافة آدم والخليفة يكون بمعنى الفاعل أي الذي يخلف غيره، وبمعنى المفعول أي الذي يخلفه غيره، ومن هنا اختلف المفسرون في المراد بالخليفة هنا، هل هو الخالف أو المخلوف؟ كما اختلفوا فيه، هل هو آدم وحده أو هو الجنس البشري كله؟ ذهب فريق من المفسرين إلى أن المراد بخلافة آدم كونه خلف مخلوقات عمرت الأرض من قبله ثم أبادها الله بسبب إفسادها، واستند هؤلاء إلى جواب الملائكة لله تعالى حيث قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} [البقرة: 30] وذلك أنهم - حسب زعم هؤلاء القائلين - قاسوا آدم وذريته على تلك المخلوقات التي سفك بعضها دم بعض، وأشاعت الفساد في الأرض فكان هذا الجواب منهم، وقد قيل إن هذا القول سرى إلى المسلمين من أساطير الفرس، وليس ذلك ببعيد فإن الفرس كانوا يزعمون أن الجنس البشري مسبوق في عمارة الأرض بخلائق كانت تمسى الطّم والرّم، ولهذين الاسمين وجود في بعض المؤلفات القصصية في الإِسلام، وهو دليل هذا السريان، ولا يبعد أن يكون ساريا إليهم من خرافات اليونان الذين كانوا يزعمون وجود خلائق في الأرض قبل البشر تدعى التيتان. وقالت طائفة أُريد بخلافته أنه يخلف الملائكة الذين كانوا في الأرض بعد أن حاربوا الجن فيها وألجأوهم إلى جزائر البحر وقلل الجبال، وذلك أنهم زعموا أن الأرض كانت معمورة بالجن فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فأرسل الله إليهم إبليس مع مجموعة من الملائكة يُدعون الجن أيضا فقاتلوهم حتى ألجأوهم ألى جزائر البحر وأطراف الجبال، وسكنت هذه المجموعة من الملائكة الأرض إلى آخر ما جاء في القصة، وقد نُسب هذا التفسير إلى جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم كما أورده ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما، ويظهر لي ان هذه القصة مما تلقاه المفسرون عن أهل الكتاب من أساطير التي اختلطت بخرافات اليونان، وقد راقت لبعضهم فعزاها إلى من عزاها إليه من الصحابة. وقيل هي خلافة آدم لمن كان قبله من الجن في الأرض، وقيل هي خلافته عن الله سبحانه من حيث القيام بتدبير شئون الحياة على هذه الأرض وسيأتي إن شاء الله مزيد إيضاح لهذا المعنى. وقيل إن هذا الخلافة ليست لآدم وحده بل له ولذريته، وهو الذي يقتضيه قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 165] وقوله: {أية : وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [النمل: 62] وقوله لداود: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [ص: 26] وعليه فهل المراد بهذه الخلافة ما تقدم ذكره من خلافة الجنس البشري عن الجن، أو الملائكة فيها، أو خلافتهم عن الله سبحانه بتدبير شئون الحياة الأرضية، أو كونهم يخلف بعضهم بعضا، فكل قرن خالف لما قبله؟ وعلى هذا الأخير يتوجه في الخليفة أن يكون بمعنى الخالف وبمعنى المخلوف، فإن كل جيل يعمر الأرض خالف لمن قبله، ومخلوف بمن بعده، والذين قالوا إنها خلافة الله في أرضه اختلفوا في خصوص هذه الخلافة بالصالحين من البشر أو عمومها للبر والفاجر منهم، واستأنس القائلون بأنها خاصة بالصالحين بقوله تعالى: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [النور: 55] وما يماثلها من الآيات. وأظهر هذه الأقوال ان الخلافة ليست لأدم وحده بل هو ذريته مشتركون فيها، وليس المراد بالخليفة الفرد بل أُريد به الجنس، وقتدل على ذلك الآيات التي أسلفنا ذكرها في الخلفاء وتشمل هذه الخلافة البر والفاجر من ذريته لأن الجميع مؤتمنون من قبل الله سبحانه في الأرض ومسؤولون عن القيام بالواجب فيها، وما هذه الخلافة إلا ابتلاء واختبار منه تعالى، كما يدل على قوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [الأنعام: 165] فإن ذكر الابتلاء فيه وقرنه بالوعد والوعيد دليل على أن هذه الخلافة هي مسؤولية وأمانة يتحمل الإِنسان ثقلها ويبوء بوزرها أو أجرها، ومما هو صريح في شمولها للبر والفاجر قوله سبحانه: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ أَإِلَـٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} تفسير : [النمل: 62] فإنه جاء في سياق إقامة الحجة على المشركين بوحدانية الله تعالى مع اتخاذهم آلهة أخرى، وقوله تعالى حاكيا نداء هود لعاد: {أية : وَٱذكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} تفسير : [الأعراف: 69] ومثله في حكاية خطاب صالح لثمود: {أية : وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ}تفسير : [الأعراف: 74] وقوله عز وجل بعد أن ذكر إهلاك القرون من قبل بظلمهم وتكذيبهم رسلهم: {أية : ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} تفسير : [يونس: 14]. وقد أشكل على كثير من الناس جعل جميع الجنس البشري خلفاء في الأرض عن الله سبحانه مع كثرة الكفار والفجار فيهم، وندرة الصالحين الأبرار بينهم، وهذا الإِشكال ناتج عن عدم فهم المراد بالخلافة، فالخلافة ليست جزاء على عمل يعمله الإِنسان فحسب كما يُجازى المؤمنون بالتمكين في الأرض، بل كثيرا ما تكون ابتلاء من الله سبحانه لينظر ما يقوم به هذا المستخلف، ولا فارق بين الخلافة والأمانة، فإن أمانة الله في رقاب جميع عباده برهم وفاجرهم. كما يقتضيه قوله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}تفسير : [الأحزاب: 72] وبهذا يتضح أن مسؤولية هذه الخلافة هي في أعناق جميع المكلفين، وإنما اختلافها في الخفة والثقل بحسب ما يكون للإِنسان من تمكين، فمن كان أكثر تمكينا كان أثقل حملا وأفظع مسؤولية. مظاهر الاستخلاف ومن مظاهر هذا الاستخلاف ما أوتيه الناس في هذه الدنيا من قوة التسخير لما في الأرض حسب منافعهم، وتطورهم في ابتكار الصناعات العجيبة، واستخدام الآلات الغريبة فيما يعود عليهم بالمنفعة ويزيد الأرض عمارة، وليس ذلك محصورا في المؤمنين وحدهم، بل نجد في عصرنا غيرهم أكثر براعة فيه وأرسخ قدما وأقوى يدا بسبب تخلف المسلمين عن اتباع مراشد دينهم، وتنفيذ أوامر ربهم، وهل من الممكن أن يقال مع ما نراه من التمكين لغير المسلمين إن الخلافة محصورة في المتقين الأبرار وحدهم؟ ومما يزيد ما قلته وضوحا أن هذا الرأي هو الذي يقتضي التناسب بين هذه الآية وما مر قبلها من تذكير الناس بأن الله خلق لهم ما في الأرض جميعا، والخطاب فيما مر لم يكن للمؤمنين وحدهم، بل هو موجه بالأصالة إلى الكفار الذين نعى الله عليهم كفرهم مع وفرة آلائه عليهم وظهور آياته لهم. ولا يستلزم الاستخلاف حلول الخليفة مكان من استخلفه بعد فناد المستخلف أو انتقاله حتى شكل أن يكون آدم وذريته خلفاء الله في أرضه مع تَعالي الله عن الزمان والمكان، وعن مشابهة خلقه في أي صفة من صفاتهم، بل يكفي في تحقق الاستخلاف تمكين المستخلف لخليفته من أمر لم يكن بإمكانه أن يتمكن منه بدونه، وإباحة التصرف له فيه تصرفا يستمد شرعيته من هذا التمكين. وشعور الإِنسان بأنه خليفة الله في أرضه يجعله يحس أولا بمكانته عند الله وعظم منته تعالى عليه، وثانيا بثقل حِمْلِه وعِظَمِ مسؤوليته، وهذا الشعور يستلزم تحري مرضاة الله تعالى في كل أمر واستلهام منهج الحياة منه سبحانه في الفعل والترك، والأخذ والرد، والعطاء والمنع، فإن من شأن الاستخلاف أن لا يتجاوز الخليفة الحدود التي رسمها له مَن استخلفه، وأن لا يخرج عن إِطار وظيفته، ولا ريب أن الأرض أرض الله، وما فيها هو مِلكُه، والناس المستخلفون ما هم إلا وكلاء وأمناء من قبله تعالى، لا يحق لهم أن يتصرفوا مطلق التصرف فيما وُكلوا فيه وائتمنوا عليه بل يلزمهم أن يرجعوا كل شيء إلى حكم مالك الأمر الذي حمّلهم هذه الأمانة وشرفهم باختيارهم لها، وهذا الذي يوحيه قوله تعالى في المال: {أية : وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} تفسير : [الحديد: 7] وقوله: {أية : وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ} تفسير : [النور: 33]. ولئن قيل ما هي الفائدة من إعلام الله الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة مع أنه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولا تبديل لكلماته، وهو غني بواسع علمه عن آراء خلقه؟ فالجواب عن هذا السؤال انه سبحانه أراد أولا تعريفهم بقيمة هذا النوع من الخلق، وفضله على من عداه بما اختصه الله تعالى به، ورفع ما عسى أن يحدث في صدورهم من الحيرة والاستغراب بسبب تكريم الله لهذا النوع بتبوئته هذا المقام، فإنهم لو فوجئوا بوجود الإِنسان على عرش الخلافة مع ما يعلمونه في طبعه من النقص لكان ذلك داعيا إلى تراكم الاستغراب في صدورهم، واستيلاء الحيرة على عُقولهم، فكان هذا الإِعلام طريقا إلى دركهم حقيقة الأمر بعدما يحدث بينهم وبينه تعالى من سؤال وجواب، وأراد ثانيا تكريم ملائكته بعرض هذا الخبر عليهم في صورة الاستشارة منه لهم، فهو تعليم في إطار التكريم، وفي هذا الإِنباء سنًّ للاستشارة بين الخلق، فإن الله جل شأنه - وهو العليم بطوايا الخفايا، والغني بكماله عن كل شيء - وجّه هذا الخطاب إلى ملائكته كالمستشير لهم، فما بالكم بالمخلوقين، وكل أحد منهم متلبس بصفات النقص، لا يعرف من الأمور إلا ظواهرها، كيف يستغنى بعضهم عن استشارة بعض؟ ولعله لا يُستبعد أن يكون الأمر كما قال ابن عاشور، وإليكم نص كلامه: "وعندي أن هذه الاستشارة جُعلت لتكون حقيقة مقارنة في الوجود لخلق أول البشر حتى تكون ناموسا أُشربته نفوس ذريته، لأن مقارنة شيء من الأحوال والمعاني لتكوين شيء ما تؤثر تآلفا بين ذلك الكائن وبين المقارن، ولعل هذا الاقتران يقوم في المعاني التي لا توجد إلا تبعا لذوات مقام أمر التكوين في الذوات، فكما أن أمره إذا أراد شيئا أي إنشاء ذات أن يقول له كن فيكون، كذلك أمره إذا أراد اقتران معنى بذات أو جنس أن يقدر حصول مبدأ ذلك المعنى عند تكوين أصل ذلك الجنس، أو عند تكوين الذات، ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يكون قبول العلم من خصائص الإِنسان علم آدم الأسماء عندما خلقه. وهذا هو وجه مشروعية تسمية الله تعالى عند الشروع في الأفعال ليكون اقتران ابتدائها بلفظ اسمه تعالى مفيضا للبركة على جميع أجزاء ذلك الفعل، ولهذا طلبت منا الشريعة تخير أكمل الحالات وأفضل الأوقات للشروع في فضائل الأعمال ومهمات المطالب". وإيراد هذه القصة ينطوي على فوائد أخرى، ذكر منها الإِمام محمد عبده أربع فوائد: الأولى: أن الله تعالى في عظمته وجلاله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه وما يخفى عليهم من أسرار خلقه، ولا سيما عند الحيرة، والسؤال يكون بالمقال ويكون بالحال، والتوجه إلى الله تعالى في استفاضة العلم بالمطلوب من ينابيعه التي جرت سنته تعالى بأن يفيض منها (كالبحث العملي والاستدلال العقلي، والإِلهام الإِلهي)، وربما كان للملائكة طريق آخر لاستفاضة العلم غير معروف لأحد من البشر، فيمكننا أن نحمل سؤال الملائكة على ذلك. الثانية: إذا كان من أسرار الله تعالى وحكمه ما يخفى على الملائكة، فنحن أولى بأن يخفى علينا، فلا مطمع للإِنسان في معرفة جميع أسرار الخليقة وحكمها، لأنه لم يؤت من العلم إلا قليلا. الثالثة: أن الله هدى الملائكة في حيرتهم وأجابهم عن سؤالهم لإِقامة الدليل بعد الإِرشاد إلى الخضوع والتسليم، وذلك أنه بعد أن أخبرهم بأنه يعلم ما لا يعلمون علم آدم الأسماء ثم عرضهم على الملائكة كما سيأتي بيانه. الرابعة: تسلية النبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب الناس ومحاجتهم في النبوة بغير برهان على إنكار ما أنكروا، وبطلان ما جحدوا، فإذا كان الملأ الأعلى قد مُثلوا على أنهم يختصمون ويطلبون البيان والبرهان في ما لا يعلمون، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين، وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين، أي فعليك أيها الرسول أن تصبر على هؤلاء المكذبين، وترشد المسترشدين، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين. وهذا الوجه هو الذي يبين اتصال هذه الآيات بما قبلها، وكون الكلام لا يزال في موضع الكتاب وكونه لا ريب فيه، وفي الرسول وكونه يبلغ وحي الله تعالى ويهدي به عباده، وفي اختلاف الناس فيهما. وقد سبق ذكر وجه ارتباط هذه القصة بما سبقها من الآيات، وهو أن تكريم الانسان بمنصب الخلافة في الأرض ينسجم ذكره مع ما سلف من تذكير الإِنسان بآلاء الله الواسعة التي من بينها خلق جميع ما في الأرض له، وتسوية السماوات السبع بما أودع الله فيها من نظام يربط بها الأرض، وهذا الوجه في نظري أجدر بأن يُعتد به في مراعاة التناسب بين الآيات مما ذكره الإِمام لوضوحه، وهو لا ينافي ما ذكره من كون الكلام لا يزال يدور حول رسالة الرسول وصدق الكتاب الذي أُنزل عليه. وبعدما حكى الله قوله للملائكة حكى جوابهم له، ومن المعلوم أن قولهم مترتب على قوله لهم غير أنه لم يوصل به بالفاء الترتيبية، وهذا الفصل - عند أكثر علماء التفسير - لأجل ملاحظة تساؤلٍ من السامع، فعندما يسمع أحد حكاية هذا الإِعلان الإِلهي الموجه إلى عباده المكرمين فإن من شأنه أن يتطلع إلى ما يكون من جوابهم، فلسان حاله يقول كيف أجابوا ربهم، فيقال له: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} [البقرة: 30] وخالفهم في ذلك ابن عاشور حيث قال: "فُصل الجواب ولم يعطف بالفاء أو الواو جريا على طريقة متبعة في القرآن في حكاية المحاورات، وهي طريقة عربية، قال زهير: شعر : قيل لهم ألا اركبوا ألاتا قالوا جميعا كلهم ألافا تفسير : أي فاركبوا، ولم يقل فقالوا، وقال رؤبة بن العجاج: شعر : قالت بنات العم يا سلمى وإن كان فقيراً معدما قالت وإن تفسير : وإنما حذفوا العاطف في أمثاله كراهية تكرير العطف بتكرير أفعال القول، فإن المحاورة تقتضي الإِعادة في الغالب، فطردوا الباب، فحذفوا العاطف في الجميع، وهو كثير في التنزيل، وربما عطفوا ذلك بالفاء لنكته تقتضي مخالفة الاستعمال، وإن كان العطف بالفاء هو الظاهر، والأصل وهذا مما لم أسبق إلى كشفه من أساليب الاستعمال العربي. وما ذكره ابن عاشور واضح لمن تدبر الأسلوب القرآني في حكاية المحاروات، ألا ترى الى العطف بالفاء في قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُواْ} تفسير : [البقرة: 34] مع عدم الفارق إلا من حيث إن في قوله تعالى: {فَسَجَدُواْ} إخبارا عن فعل، وفي قوله: {قَالُواْ} حكاية قول، غير أنه لا يسلم لابن عاشور أن هذا مما لم يُسبق إلى كشفه من أساليب الاستعمال العربي، فهناك من سبقوه إلى ذكر ذلك منهم الإِمام أبو حيان في البحر المحيط، وإليكم نص كلامه: "والجملة المفتتحة بالقول إذا كانت مرتبا بعضها على بعض في المعنى فالأصح في لسان العرب أنها لا يؤتى فيها بحرف ترتيب اكتفاء بالترتيب المعنوي، نحو قوله تعالى: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا} أتى بعده {قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ} ونحو {قَالُواْ سُبْحَانَكَ} {قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ}، ونحو {أية : قَالَ لأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ} تفسير : [المائدة: 27]، {أية : قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ}تفسير : [البقرة: 259] {أية : قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ} تفسير : [البقرة: 259] {أية : قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ} تفسير : [البقرة: 260] وقد جاء في سورة الشعراء من ذلك عشرون موضعا في قصة موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام في إرساله إلى فرعون ومحاورته معه، ومحاورة السحرة إلى آخر القصة دون ثلاثة جاء منها اثنان جوابا وواحد كالجواب، ونحو هذا في القرآن كثير". واختلف في هذا الاستفهام في قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} الآية، قيل هو تعجبي محض، وذلك أنهم عجبوا من جعل الله في الأرض خليفة يمكن فيها وهو يفسد فيها ويسفك الدماء مع ما هم عليه من ملازمة عبادته تعالى بالتسبيح بحمده والتقديس له، وذلك أنهم عليهم السلام تبادر لهم أن الحكمة تقتضي استخلاف من طبع بطبعهم لا النوع الذي رُكز في طبعة من الأسباب ما يدعوه إلى الفساد وأعطى من القوة في خلقه ما يمكنه منه، وقيل إن الاستفهام على حقيقته، وأنهم أرادوا به استجلاء ما خفي عليهم من حكمة الله سبحانه في هذا الأمر، واستبعاد الشبهة التي خطرت لهم، وذلك أنهم علموا أن أفعال الله كلها لا تخلو من الحكم، فتطلعوا إلى حكمته في هذا الخبر الذي ألقاه إليهم، ويبعد هذا القول قولهم من بعد {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}، وقيل هو على بابه غير أنه أُشرب معنى التعجب والاستبعاد من أن تتعلق حكمة الله بذلك، وعليه فقد كنوا بالاستفهام عما هم متلبسون به من الدهشة والاستغراب طالبين بذلك إزالتهما بما لا يدع لبسا في نفوسهم، وقيل: إن الاستفهام على بابه والمراد به اكتِناهُ حقيقة المجعول في الأرض خليفة هل هو من جنس الذين يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، أو من جنس المصلحين، وعليه فالمعادل محذوف تقديره أم من يصلح فيها، ويرد هذا القول أيضا ما حكاه الله عنهم من بعد من قولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [البقرة: 30] وقيل: إن الاستفهام واقع على قولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} أي هل نحن نبقى على هذا التسبيح والتقديس مع وجود خليفة في الأرض يفسد فيها ويسفك الدماء، أو ننتقل عن حالتنا هذه إلى حالة أخرى، والتكلف فيه ظاهر، ودخول الاستفهام على الجعل دليل على أنه هو المستفهم عنه دون غيره، وأعدل هذه الأقوال أن الاستفهام على بابه وإنما أُشرب معنى التعجب، ومثله وارد في كلام العرب وهو لا ينافي عصمة الملائكة من الزلل، فإنما كان هذا الاستفهام منهم بعد خطاب الله لهم الذي آذنهم فيه بأنه جاعل في الأرض خليفة ولا ريب أنهم كانوا مدركين لما سوف يصدر من هذا الجنس المستخلف من أنواع الفساد في الأرض وهم قد فُطروا على صفاء السرائر وسلامة النفوس. وصدق الحديث، وقد فهموا من توجيه هذا الخطاب إليهم أنهم مطالبون بأن يبدوا ما في طوايا نفوسهم تجاه هذا الخبر وهم قد خامرهم منه العَجَبُ فلا غرو أن أجابوا بما أجابوا به مما ينم عن استغرابهم لهذا الأمر وطلب كشف الحكمة لهم من ورائه. واختُلف في سبب معرفتهم أن من شأن هذا الجنس المستخلف الإِفساد في الأرض وسفك الدماء فيها؛ قيل: إنهم علموا ذلك بإعلام الله لهم، وهو مروى عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما، فقد أخرج ابن جرير عنهما وعن ناس من الصحابة أن الله تعالى قال للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] قالوا ربنا وما يكون ذلك الخليفة، قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا، وقيل: إنهم عرفوا ذلك بعد أن قرأوه مكتوبا في اللوح المحفوظ، وقيل: عرفوه بقياس الجنس البشري على الأجناس التي كانت تعمر الأرض من قبل فأفسدت فيها وسفكت الدماء، وقيل إنهم فهموا ذلك بنظرهم إلى أحوال الإِنسان الفطرية، فهو ذو إرادة واسعة واختيار واسع، وعلمه لا يحيط بجميع وجوه المصالح والمنافع فإذا ما عنت له أعمال متعارضة واحتاج إلى الترجيح بينهما ربما انساق في ترجيحه إلى غير الصالح النافع لقصور علمه. ولم يأت في الباب شيء مرفوع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وغالب ما قيل مبني على التخمين، والأولى أن يوكل الأمر في ذلك إلى الله سبحانه مع احتمال كبير لأن يكونوا فهموا ذلك من طبيعة فطرة الإِنسان، فهو كما قيل ذو إرادة تمكنُه من الخروج عن الجبلة إلى الاكتساب، وفي نفسه قوى متعارضة أهمها العقل والشهوة والغضب، وقد تدعو الشهوة - كما هو شأنها - إلى الانسياق وراء الفساد وعدم المبالاة بما يترتب على هذا الإِنسياق من مضار بالغة بالنفس أو الغير، كما يدفع الغضب إلى الانتقام من الغير انتقاما لا حدود له، والعقل وإن كان له سلطان على صاحبه فإن سرعان ما يضعف ويتزلزل أمام عواصف الشهوة والغضب فهما قوتان مؤثرتان على النفس المجبولة على الرغبة فيما تتطلبانه، وماذا عسى أن يصنع العقل وإذا عشيته غواشيهما من كل جانب فصار كنور الذبالة بين الزوابع الهوجاء، ولا غرو في معرفة الملائكة بذلك، فإنهم ذوو نفوس زكية، وأرواح قدسية لا يستغرب معها أن يعرفوا طبيعة الشيء باطلاعهم على طريقة تكوينه غير أنهم مع ما جبلوا عليه من الصفاء النفسي لا يحيطون بشيء من علم الله إلا بما شاء، فقد فاتهم أن الله عز وجل سيستصفى من هذا الجنس المستخلف عبادا متقين أخيارا يعملون بأمره، ويقفون عند حكمه، ويسخرون ما آتاهم الله تعالى من قوى جسمية وروحية في طاعته التي يقتضيها خلقهم واستخلافهم في الأرض، وأن مواهبهم العقلية ستقوى - بهداية الله - فتسخر قواهم الغضبية والشهوانية فيما تتطلبه هذه الخلافة. وقد سبق معنى الإِفساد وهو هنا شامل لجميع المعاصي فإنها إما مضرة بالنفس أو بالغير، وذلك مناف لما تتطلبه الخلافة من التعمير الحسي والمعنوي للأرض، وعطف سفك الدماء عليها من باب عطف الخصوص على العموم لبيان جدارته بالاهتمام والعناية، كما في قوله تعالى: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ} تفسير : [البقرة: 238] وهذا أولى من تفسير بعضهم الإِفساد بالشرك، وجعل سفك الدماء رمزا إلى المعاصي العملية لأنه أفحشها، والسفك الصّب والإِراقة كالسفح، وإنما يستعمل السفك في إراقة الدم دائما، والسفح يكون غالبا في الدم، وقد يكون في غيره، ولا يدل قولهم هذا على عدم عصمتهم من الذنوب، فإنهم كما علمت ما أرادوا إلا الإِطلاع على حكمة الله من وراء هذا الأمر، وقد فهموا أنهم مطالبون بأن يفصحوا عما في قرارة نفوسهم والمستشار مؤتمن فلم يجدوا مناصا عن القول الذي قالوه. والواو في قولهم {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} للحال، وقد صدرت هذه الجملة من كل الملائكة الذين قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} [البقرة: 30] خلافا لما حكاه أبو حيان في البحر عن صفي الدين أبي عبد الله الحسين ابن الوزير علي بن أبي منصور الخزرجي أنه قال في كتاب فك الأزرار "ظاهر كلام الملائكة يشعر بنوع من الاعتراض وهم منزهون عن ذلك، والبيان أن الملائكة كانوا حين ورود الخطاب عليهم مجملين، وكان إبليس مندرجا في جملتهم، فورد منهم الجواب مجملا، فلما انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه وظهور إبليسيته واستكباره انفصل الجواب إلى نوعين، فنوع الاعتراض منه كان عن إبليس، وأنواع الطاعة والتسبيح والتقديس كان عن الملائكة، فانقسم الجواب إلى قسمين كانقسام الجنس إلى جنسين، وناسب كل جواب من ظهر عنه". وقد اعجب هذا الكلام أبا حيان فقال فيه: "وهو تأويل حسن، وشبهه بقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ} تفسير : [البقرة: 135] لأن الجملة كلها مقولة والقائل نوعان، فرُد كل قول لمن ناسبه". وقد حكاه أيضا الألوسي في تفسيره ولم يتعقبه إلا بقوله: "وهو تأويل لا تفسير" بعدما نسبه إلى الغرابة. وما أجدر هذا الكلام بالاستغراب! فإن الجملة الحالية مرتبطة بما قبلها بحيث لا يصح استقلالها دونها لفظا ولا معنى، فلا يتأتى أن تكون وحدها جوابا ممن صدرت عنه لقوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}، وقد حكاها الله مع ما قبلها عازيا ذلك كله إلى الملائكة فكيف يصح لنا أن نعزو بعضه إلى طائفة وبعضه إلى طائفة أخرى؟ وانفصال طائفة عن طائفة بعدما كانت مندرجة فيها لا يسوغ فصل الكلام الصادر منهما معا قبل الانفصال، ولا يصح أن يناظر ما هنا بما في قوله تعالى: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ} لجواز استقلال كل واحد من طائفتي اليهود والنصارى بالدعوة إلى ملتها وذلك هو الواقع والمراد من هذا الحكي عنهم، ولم يكونوا مندمجين من قبل حال صدورهم هذا القول عنهم ثم استقل بعضهم عن بعض فأُعطي كل فريق من الحكاية ما يلائمه. وقولهم هذا ينطوي على تعريض بأنهم أجدر بالاستخلاف، فإن الدائب على التسبيح بحمد الله والتقديس له أنزه وأطهر ممن يتلوث بالفساد وتصدر منه المعاصي وانتهاك الحرمات، ومن المعلوم أن الحكمة من الاستخلاف عمارة الأرض وما ذكر من الافساد فيها وسفك الدماء أمر ظاهره منافٍ لهذه الحكمة واستظهر الفقهاء من هذا القول جواز ترشيح الإِنسان نفسه لوظيفة يرى أنه أقدر على حمل أعبائها من غيره، واستدلوا لذلك أيضا بما حكاه الله عن يوسف الصديق عليه السلام من قوله لملك مصر: {أية : ٱجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} تفسير : [يوسف: 55]. وذكر الإِمام ابن عاشور وجها آخر لقولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} وهو أن يكونوا أرادوا به تفويض الأمر إلى الله واتهام علمهم فيما أشاروا به كما يفعل المستشار مع من يعلم أنه أسدُّ منه رأيا وأرجح عقلا فليشير ثم يفوض، كما قال أهل مشورة بلقيس إذ قالت: {أية : أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ} تفسير : [النمل: 32] فأجابوها بقولهم: {أية : نَحْنُ أُوْلُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ} تفسير : [النمل: 33]، أي الرأي أن نحاربه ونصده عما يريد من قوله: {وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} ثم ردوا الأمر إليها في قولهم: {أية : وَٱلأَمْرُ إِلَيْكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ} تفسير : [النمل: 33]. وكما يفعل التلميذ مع الأستاذ في بحثه معه ثم يصرح بأن ذلك مبلغ علمه وأن القول الفصل للأستاذ أو أنهم أرادوا به إعلان التنزيه للخالق عن أن يخفى عليه ما بدا لهم من مانع استخلاف آدم. وبراءة نفوسهم من شائبة الاعتراض والله تعالى العليم ببراءتهم من ذلك غير أن كلامهم جرى على طريقة التعبير عما في الضمير من غير قصد إعلام الغير، أو لأن في هذا التصريح تبركا وعبادة، أو أرادوا به إعلان ذلك في الملأ الأعلى. والظاهر أن ابن عاشور أميل إلى هذا الوجه بدليل أنه صدّر به قبل ما سلف، وهو وجه وجيه وحمل قول الملائكة عليه أنسب بما عُرف من نزاهتهم وعصمتهم ولكن ردُّ الله تعالى عليهم بقوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} الذي فصله من بعد قوله عز وجل: {أية : أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} تفسير : [البقرة: 33]. يقتضي خلافه. والتسبيح والتقديس مأخوذان - في رأي الزمخشري - من سبح في الأرض أو الماء، وقدس في الأرض، إذا ذهب فيهما وأبعد، وعليه فالتضعيف للتعدية، ويراد بهما تبعيد الله عن السوء أي تنزيهه عن كل الصفات غير اللائقة بجلاله وعلو شأنه سواء كان بالقول أو الاعتقاد أو العمل، واختار ابن عاشور كون التسبيح مأخوذا من كلمة "سبحان" بدليل أنه لم يستعمل إلا مضعّفا، واختُلف في مرادهم بالتسبيح هنا، فقيل هو الصلاة وعليه ابن عباس وابن معسود رضي الله عنهما، كما أخرجه عنهما ابن جرير وغيره، وقد شاع استعمال التسبيح بمعنى الصلاة ومنه قول عائشة رضي الله تعالى عنها: "ما سبح رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحة الضحى وإني لأسبحها"، وحُمل عليه قوله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ} تفسير : [الصافات: 143] وقيل هو التنزيه، وعليه قتادة، وقيل: الخضوع والتذلل، وبه قال ابن الأنباري، وقال المفضل هو رفع الصوت بذكر الله تعالى، وعن مجاهد أنه التعظيم، وقيل هو تسبيح خاص، وهو سبحان ذي الملك والملكوت، سبحان ذي العظمة والجبروت، سبحان الحي الذي لا يموت، ويُعرف بتسبيح الملائكة. وأنت إذا دريت أن معنى التسبيح هو التنزيه لم يشكل عليك هذا الخلاف، فإِنه خلاف لفظي، وكلمة العبادة كلمة عامة تنتظم جميع ما قيل، فأولى ما يُقال في تفسير التسبيح أنه عبادة الله سبحانه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. وتسبيحهم بحمده تعالى يعني تلبسهم في حال تنزيهه عز وجل بالثناء عليه الثناء اللائق بعظمة شأنه وسعة احسانه، فالباء هنا للمصاحبة، وقيل: هو على غرار قولهم فعلت هذا بحمد الله، أي بتوفيقه الذي يستوجب به الحمد، فالباء للسببية. وقد علمت تقارب معنى التسبيح والتقديس، وإنما يفرق بينهما من حيث أن التسبيح مختص به تعالى فلا يُقال في شخص أو بلد أو أي مخلوق إنه مُسبَّح بخلاف التقديس كما في قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام: {أية : ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [المائدة: 21]، وفي الحديث "حديث : لا قُدِّست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها"تفسير : وقد استعمله العرب في جاهليتهم فيمن كان منزها عند أبناء ملته نحو قول امرئ القيس: شعر : فأدركنه يأخذ بالساق والنَّسا كما شبرق الولدان ثوب المقدس تفسير : وأصله بمعنى التطهير ولذلك سمى السَّطل قَدَساً لأنه يتوضأ به ويُتطهر. واحتيج لدفع التكرار الذي يوهمه اقتران التسبيح بالتقديس - مع ما علمته من التقارب بينهما - إلى التفرقة بين معنييها، فقيل: إن أحدهما باعتبار الاعتقادات، والثاني: باعتبار الطاعات البدنية، وقيل: التسبيح تنزيهه تعالى عما لا يليق به، والتقديس تنزيهه في ذاته عما لا يراه لائقا بنفسه فهو أبلغ، ويشهد له أنه حيث جمع بينهما أُخِّر نحو سُبُّوح قُدوس. وفعل قدَّس يتعدى بنفسه وإنما اللام هنا لتأكيد وقوع النسبة كما في قولهم شكرت لك ونصحت لك، وقيل: إن التقديس بمعنى التطهير، ومرادهم به تطهيرهم لأنفسهم من معاصي الله لأجله تعالى، فكأنهم قابلوا الإِفساد في الأرض المتوقع صدوره من البشر، والذي أفحشُهُ الإِشراك بالله سبحانه بتسبيحه تعالى الذي هو من مقتضيات توحيده، وقابلوا سفك الدماء الذي هو من أشنع المعاصي العملية بتقديس أنفسهم - أي تطهيرها من أكدار المعاصي - من أجله تعالى، فاللام على هذا أصلية مفيدة للتبيين ولا تخلو من التعليل، وعليه فلا إيهام للتكرار، ومجيء هذه الجملة إسمية لأجل إفادة الدوام والثبوت فهم - عليهم السلام - من شأنهم الاستمرار على هذه الحالة التي وصفوا بها أنفسهم بحيث لا ينفكون عنها. واختلف في المراد بقوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، فقيل: أراد به تعالى ما يعلمه من وجوه المصلحة في استخلاف هذا الجنس من خلقه في الأرض، وقيل: أراد علمه بذنبهم واستغفارهم، وقيل أراد به أنه عليم بمن يطيعه وهم الأنبياء والأولياء والصالحون، وبمن يعصيه وهو إبليس وحزبه، وقيل: أراد به الرد على قولهم: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} فقد كان من بينهم إبليس وهو منطوٍ على ما ظهر من بعد من الكفر والشقاق وهم لايعلمون ذلك، والله به عليم، وجوز القطب - رحمه الله - أن يكون المراد به أنه تعالى عليم بما لا يعلمونه من غلبة القوة العقلية على القوة الشهوية والغضبية بحيث تضمحلان فيها اضمحلال الظلمة عند النور حتى تكونان مسخرتين لها فيقوى الإِنسان على استعمال الغضبية في جهاد المشركين والمنافقين وفي قهر النفس والشيطان، وفي الأمر والنهي غضبا لله تعالى وعلى استعمال الشهوية فيما يشتهيه من أمر الآخرة والدين وإعزازه وإقامته. وأرى أن جميع هذه الأقوال غير وافية بالمقصود من المعنى فإن ما لا يعلمونه غير منحصر فيما ذُكر، و(ما) من أدوات العموم، والأصل فيها وفيما أشبهها إبقاؤها على عمومها حتى يقوم دليل التخصيص ولا مخصص هنا، وقد أوضح المراد قوله تعالى فيما بعد: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} وجميع ما ذُكر مندرج في هذا المفهوم العام، والقرآن أولى بتفسير بعضه بعضا. وهذا وقد استظهر القرطبي من هذه الآية الكريمة وجوب وجود خليفة للمسلمين يرجعون إليه فيما يعنيهم من أمور الدين والدنيا، وذكر في تفسيرها جانبا من أحكام الإِمامة وتابعه على ذلك الإِمام ابن كثير في تفسيره كما تابعه الإِمام العلامة محمد الأمين الشنقيطي صاحب كتاب أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، وأسهب في بيان الأحكام المتعلقة بالموضوع، وأرى أن غير هذا الموضع من التفسير أنسب بما ذكروه هنا. الملائكة عباد معصومون والمحكي عن الملائكة لا ينافي عصمتهم لما سبق من أنهم لم يقولوه على سبيل الاعتراض، ومما يستغرب ما نقله الألوسي عن الشعراني أنه نقل عن شيخه الخواص أن العصمة خاصة بملائكة السماء، وعلله بأنهم عقول مجردة بلا منازع ولا شهوة بخلاف ملائكة الأرض فهم عنده غير معصومين، ولذلك وقع إبليس فيما وقع فيه، وهذا القول إنما هو صادر من ملائكة الأرض، وهذه دعوى واهية، إما أولا فإن الله عز وجل أثنى على ملائكته جميعا بقوله: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 26-27]، وقوله: {أية : يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 20]، فدعوى خروج طائفة منهم عما يقتضيه هذا الوصف من العصمة ليس عليها شاهد ولا دليل، وما هي إلا تحكم لعدم المخصص؛ وإما ثانيا فإن الذي يقتضيه سياق قصة آدم أن الخطاب ليس مقصورا على بعض الملائكة دون بعض فإن الله سبحانه ذكرهم بلفظ التعريف الدال على قصد الجنس وهو يوحي بالشمول، ويتأكد ذلك بقوله سبحانه من بعد: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}تفسير : [الحجر: 30] حيث أكد الشمول الذي يفيده الجنس بمؤكدين وهما "كل وأجمعون"، ومن الظاهر جدا أن الملائكة المأمورين بالسجود لآدم هم المخاطبون أولا بنبأ الاستخلاف لأن السجود هو تكريم من الله له بعد أن أثبت سبحانه تفوق قدره على الملائكة بمعرفته الأسماء التي لم يعرفوها، والأمر به مترتب على ما سبق من مقاولة في شأنه، والقول بأن الملائكة الذي آذنهم الله بخبر الاستخلاف هم جميع أفراد الجنس الملكي هو قول أكثر المفسرين، وقد خالفهم في ذلك جماعة منهم قطب الأئمة - رحمه الله - في الهيميان، فقالوا إنهم ملائكة الأرض وحدهم، وذكر الألوسي عن الصوفية أنهم خصوا هذا الخطاب بمن عدا العالين منهم، وهم الذين استودعوا أسماء الله وصفاته فهاموا بها وحدها ولم يشعروا بما سواها، وحملوا على ذلك قوله تعالى لإِبليس: {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} تفسير : [ص: 75] وذلك لأن العالين عندهم غير داخلين في هذا الخطاب ولا مكلفين بالسجود وهو تأويل بعيد عن الصواب لا يصح أن يحمل عليه كلام الله تعالى الذي أنزله بلسان عربي مبين، وقول الجمهور هو الصحيح لأنه المفهوم من صيغة الكلام. ويستفاد من رد الله على الملائكة بقوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وجوب الانقياد التام لجميع أوامر الله من غير أن تعرض على العقول المخلوقة، فإن علم الله محيط بكل شيء وحكمته تسمو على أفكار الخلق، والعقل لا يمكن له أن يحيط بدقائق الأمور، فإن مثله مثل البصر الذي تحول الحوائل بينه وبين إبصار ما وراءها، وإذا كانت الحواجز الحسية تمنع العين عن إدراك المبصرات فإن الحواجز المعنوية الكثيفة هي أيضا مانعة للعقل عن الوصول إلى فهم كثير من الحقائق، وكل طاقة في المخلوق محدودة بقدره بما في ذلك الطاقة العقلية على أن العقل كثيرا ما يتأثر بالمؤثرات النفسية والاجتماعية فتكدر صفوه وتحجب شعاعه، فمن المؤثرات النفسية ما جبلت عليه النفس من الغضب والشهوة، فكم من عاقل تأجج في نفسه الغضب فدفعه إلى ارتكاب ما يجعله يعض من بعد على بنان الندم طول حياته، وكم من عقل كبل بأسر شهوات النفس فلم يستطع الفكاك منها، ومن أهم المؤثرات الاجتماعية البيئة فإنها ذات أثر كبير على من ينشأ فيها ويتربى في محيطها، ولذلك تختلف أفكار الناس استحسانا واستهجاناً بحسب اختلاف بيئاتهم، بحيث تجد أمرا يُعد عند أهل بيئة من أحسن الأمور، بينما يعد عند غيرهم من أقبحها، والكل معدودون في العقلاء، ولذلك كان الواجب الاحتكام إلى الشرع المنزل من السماء لا إلى عقول الناس المتغيرة الأطوار المختلفة الأحوال. والمؤمن عندما يسمع خطاب الله الموجه إليه بأمر أو نهي لا يملك إلا أن يسلم تسليما ويتهم عقله إن وجده رافضا لهذا الخطاب أو لشيء منه: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُّبِيناً} تفسير : [الأحزاب: 36]. أما الذين يتطاولون على أحكام الله بالنقد فهم ليسوا من الإِيمان في شيء بل هم ليسوا من العقل في شيء لأن العقل السليم هو الذي يدرك أن المصلحة فيما أمر الله به، وأن المفسدة فيما نهى عنه، ويدرك قصُوره عن استيعاب حكم الله في أحكامه كما يدرك عجزه عن احتواء اسرار الله في خلقه، ولذلك ذكر الله عن أصحاب النار أنهم يقولون بعدما يصلونها: {أية : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 10] وفقنا الله للهدى وجنبنا مسالك الردى إنه ولي التوفيق...
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} لما امتن سبحانه على من تقدم بما تقدم أتبع ذلك بنعمة عامة وكرامة تامة والإحسان إلى الأصل إحسان إلى الفرع والولد سر أبيه و (إذ) ظرف زمان للماضي مبني لشبهه بالحرف وضعا وافتقاراً ويكون ما بعدها جملة فعلية أو إسمية، ويستفاد الزمان منها بأن يكون ثاني جزأيها فعلاً أو يكون مضمونها مشهوراً بالوقوع في الزمان المعين، وإذا دخلت على المضارع قلبته إلى الماضي، وهي ملازمة للظرفية إلا أن يضاف إليها زمان، وفي وقوعها مفعولاً به أو حرف تعليل أو مفاجاة أو ظرف مكان أو زائدة خلاف، وفي «البحر» إنها لا تقع، وإذا استفيد شيء من ذلك فمن المقام، واختلف المعربون فيها هنا فقيل: زائدة وبمعنى قد، وفي موضع رفع أي ابتداء خلقكم إذ وفي موضع نصب بمقدر ـ أي ابتدأ خلقكم أو أحياكم إذ ـ ويعتبر وقتاً ممتداً لا حين القول، ويقال: بعدها ومعمول ـ لخلقكم ـ المتقدم والواو زائدة والفصل بما يكاد أن يكون سورة، ومتعلق ـ باذكر ـ ويكفي في صحة الظرفية ظرفية المفعول ـ كرميت الصيد في الحرم ـ وهذه عدة أقوال بعضها غير صحيح والبعض فيه تكلف، فاللائق أن تجعل منصوبة ـ بقالوا ـ الآتي وبينهما تناسب ظاهر والجملة بما فيها عطف على ما قبلها عطف القصة على القصة كذا قيل، وأنت تعلم أن المشهور القول الأخير ولعله الأولى فتدبر، ولا يخفي لطف الرب هنا مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم بطريق الخطاب وكان في تنويعه والخروج من عامه إلى خاصه رمزاً إلى أن المقبل عليه بالخطاب له الحظ الأعظم والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها فهو صلى الله عليه وسلم على الحقيقة الخليفة الأعظم في الخليقة والإمام المقدم في الأرض والسمٰوات العلى، ولولاه ما خلق آدم بل ولا ولا ولله تعالى در سيدي ابن الفارض حيث يقول عن لسان الحقيقة المحمدية:شعر : وإني وإن كنت ابن آدم صورة فلي فيه معنى شاهد بأبوتي تفسير : واللام الجارة للتبليغ، و الملائكة جمع ملأك على وزن شمائل وشمأل وهو مقلوب مالك صفة مشبهة عند الكسائي، وهو مختار الجمهور من الألوكة وهي الرسالة، فهم رسل إلى الناس وكالرسل إليهم، وقيل: لا قلب فابن كيسان إلى أنه فعال من الملك بزيادة الهمزة لأنه مالك ما جعله الله تعالى إليه أو لقوته فإن (م ل ك) يدور مع القوة والشدة يقال: ملكت العجين شددت عجنه، وهو اشتقاق بعيد، وفعال قليل، وأبو عبيدة إلى أنه مفعل من لاك إذا أرسل مصدر ميمي بمعنى المفعول؛ أو اسم مكان على المبالغة، وهو اشتقاق بعيد أيضاً، ولم يشتهر لاك، وكثر في الاستعمال الكني إليه ـ أي كن لي رسولا ـ ولم يجىء سوى هذه الصيغة فاعتبره مهموز العين، وإن أصله ألاكني، وبعض جعله أجوف من لاك يلوك، والتاء لتأنيث الجمع، وقيل: للمبالغة ولم يجعل لتأنيث اللفظ كالظلمة لاعتبارهم التأنيث المعنوي في كل جمع حيث قالوا: كل جمع مؤنث بتأويل الجماعة وقد ورد بغير تاء في قوله:شعر : أبا خالد صلت عليك الملائك تفسير : واختلف الناس في حقيقتها بعد اتفاقهم على أنها موجودة سمعاً أو عقلاً، فذهب أكثر المسلمين إلى أنها أجسام نورانية، وقيل: هوائية قادرة على التشكل والظهور بأشكال مختلفة بإذن الله تعالى، وقالت النصارى: إنها الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها الصافية الخيرة، والخبيثة عندهم شياطين، وقال عبدة الأوثان: إنها هذه الكواكب السعد منها ملائكة الرحمة، والنحس ملائكة العذاب. والفلاسفة يقولون: إنها جواهر مجردة مخالفة للنفوس/ الناطقة في الحقيقة، وصرح بعضهم بأنها العقول العشرة والنفوس الفلكية التي تحرك الأفلاك، وهي عندنا منقسمة إلى قسمين. قسم شأنهم الاستغراق في معرفة الحق والتنزه عن الاشتغال بغيره {أية : يُسَبّحُونَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ }تفسير : [الأنبياء: 20]، وهم العليون والملائكة المقربون. وقسم يدبر الأمر من السماء إلى الأرض على ما سبق به القضاء وجرى به القلم {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }تفسير : [التحريم: 6] وهم {أية : فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} تفسير : [النازعات: 5] فمنهم سماوية ومنهم أرضية، ولا يعلم عددهم إلى الله. وفي الخبر «أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع» وهم مختلفون في الهيآت متفاوتون في العظم، لا يراهم على ما هم عليه إلا أرباب النفوس القدسية. وقد يظهرون بأبدان يشترك في رؤيتها الخاص والعام وهم على ما هم عليه، حتى قيل: إن جبريل عليه السلام في وقت ظهوره في صورة دحية الكلبـي بين يدي المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يفارق سدرة المنتهى، ومثله يقع للكمل من الأولياء، وهذا ما وراء طور العقل ـ وأنا به من المؤمنين ـ وقد ذكر أهل الله قدس الله تعالى أسرارهم أن أول مظهر للحق جل شأنه العما، ولما انصبغ بالنور فتح فيه صور الملائكة المهيمين الذين هم فوق عالم الأجساد الطبيعية ولا عرش ولا مخلوق تقدمهم. فلما أوجدهم تجلى لهم باسمه الجميل فهاموا في جلال جماله، فهم لا يفيقون، فلما شاء أن يخلق عالم التدوين والتسطير عين واحداً من هؤلاء ـ وهو أول ملك ظهر عن ملائكة ذلك النور ـ سماه العقل والقلم، وتجلى في مجلى التعليم الوهبـي بما يريد إيجاده من خلقه لا إلى غاية، فقبل بذاته علم ما يكون، وما للحق من الأسماء الإلهية الطالبة صدور هذا العالم الخلقي، فاشتق من هذا العقل ما سماه اللوح، وأمر القلم أن يتدلى إليه ويودع فيه ما يكون إلى يوم القيامة لا غير. فجعل لهذا العلم ثلثمائة وستين سناً من كونه قلما، ومن كونه عقلاً ثلثمائة وستين تجلياً أو رقيقة كل سن أو رقيقة تفترق من ثلثمائة وستين صنفاً من العلوم الإجمالية فيفصلها في اللوح، وأول علم حصل فيه علم الطبيعة فكانت دون النفس، وهذا كله في عالم النور الخالص، ثم أوجد سبحانه الظلمة المحضة التي هي في مقابلة هذا النور بمنزلة العدم المطلق المقابل للوجود المطلق فأفاض عليها النور إفاضة ذاتية بمساعدة الطبيعة، فلأم شعثها ذلك النور فظهر العرش، فاستوى عليه اسم الرحمن بالاسم الظاهر فهو أول ما ظهر من عالم الخلق، وخلق من ذلك النور الممتزج الملائكة الحافين، وليس لهم شغل إلا كونهم ـ حافين من حول العرش يسبحون بحمده ـ ثم أوجد الكرسي في جوف هذا العرش، وجعل فيه ملائكة من جنس طبيعته، فكل فلك أصل لما خلق فيه من عماره، كالعناصر فيما خلق فيها من عمارها، وقسم في هذا الكرسي الكلمة إلى خبر وحكم، وهما القدمان اللتان تدلتا له من العرش كما ورد في الخبر. ثم خلق في جوف الكرسي الأفلاك فلكا في جوف فلك، وخلق في كل فلك عالماً منه يعمرونه، وزينها بالكواكب {أية : وَأَوْحَىٰ فِى كُلّ سَمَاء أَمْرَهَا }تفسير : [فصلت: 12] إلى أن خلق صور المولدات، وتجلى لكل صنف منها بحسب ما هي عليه، فتكون من ذلك أرواح الصور وأمرها بتدبيرها وجعلها غير منقسمة بل ذاتاً واحدة، وميز بعضها عن بعض فتميزت وكان تمييزها بحسب قبول الصور من ذلك التجلي، وهذه الصور في الحقيقة كالمظاهر لتلك الأرواح، ثم أحدث سبحانه الصور الجسدية الخيالية بتجل آخر، وجعل لكل من الأرواح والصور غذاء يناسبه، ولا يزال الحق سبحانه يخلق من أنفاس العالم ملائكة ما داموا متنفسين، وسبحان من يقول للشيء كن فيكون. إذا علمت ذلك فاعلم أنهم اختلفوا في الملائكة المقول لهم، فقيل: كلهم لعموم اللفظ وعدم المخصص، فشمل المهيمين وغيرهم، وقيل: ملائكة الأرض بقرينة أن الكلام في خلافة الأرض، وقيل: إبليس ومن كان معه في محاربة الجن/ الذين أسكنوا الأرض دهراً طويلاً ففسدوا فبعث الله تعالى عليهم جنداً من الملائكة يقال لهم الجن أيضاً وهم خزان الجنة ـ اشتق لهم اسم منها ـ فطردوهم إلى شعوب الجبال والجزائر. والذي عليه السادة الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم، أنهم ما عدا العالمين ممن كان مودعا شيئاً من أسماء الله تعالى وصفاته، وأن العالمين غير داخلين في الخطاب ولا مأمورين بالسجود لاستغراقهم وعدم شعورهم بسوى الذات، وقوله تعالى: {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَـٰلِينَ } تفسير : [صۤ: 57] يشير إلى ذلك عندهم، وجعلوا من أولئك الملك المسمى بالروح وبالقلم الأعلى وبالعقل الأول وهو المرآة لذاته تعالى، فلا يظهر بذاته إلا في هذا الملك، وظهوره في جميع المخلوقات إنما هو بصفاته فهو قطب العالم الدنيوي والأخروي وقطب أهل الجنة والنار وأهل الكثيب والأعراف، وما من شيء إلا ولهذا الملك فيه وجه يدور ذلك المخلوق على وجهه فهو قطبه، وهو قد كان عالماً بخلق آدم ورتبته، فإنه الذي سطر في اللوح ما كان وما يكون، واللوح قد علم علم ذوق ما خطه القلم فيه، وقد ظهر هذا الملك بكماله في الحقيقة المحمدية كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا }تفسير : [الشورى: 52] ولهذا كان صلى الله عليه وسلم أفضل خلق الله تعالى على الإطلاق، بل هو الخليفة على الحقيقة في السبع الطباق، وليس هذا بالبعيد فليفهم. و (جاعل) اسم فاعل من الجعل بمعنى التصيير فيتعدى لاثنين، والأول: هنا خليفة، والثاني: {فِى ٱلأَرْضِ} أو بمعنى الخلق فيتعدى لواحد، فـ {فِى ٱلأَرْضِ} متعلق بخليفة، وقدم للتشويق وعمل الوصف لأنه بمعنى الاستقبال ومعتمد على مسند إليه، ورجح في «البحر» كونه بمعنى الخلق لما في المقابل، ويلزم ـ على كونه بمعنى التصيير ـ ذكر خليفة أو تقديره فيه. والمراد من الأرض إما كلها وهو الظاهر، وبه قال الجمهور، أو أرض مكة، وروي هذا مرفوعاً والظاهر أنه لم يصح، وإلا لم يعدل عنه، وخص سبحانه الأرض لأنها من عالم التغيير والاستحالات، فيظهر بحكم الخلافة فيها حكم جميع الأسماء الإلهية التي طلب الحق ظهوره بها بخلاف العالم الأعلى. و- والخليفة - من يخلف غيره وينوب عنه، والهاء للمبالغة، ولهذا يطلق على المذكر، والمشهور أن المراد به آدم عليه السلام وهو الموافق للرواية ولإفراد اللفط ولما في السياق، ونسبة سفك الدم والفساد إليه حينئذٍ بطريق التسبب أو المراد ـ بمن يفسد ـ الخ من فيه قوة ذلك، ومعنى كونه خليفة أنه خليفة الله تعالى في أرضه، وكذا كل نبـي استخلفهم في عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أمره فيهم لا لحاجة به تعالى، ولكن لقصور المستخلف عليه لما أنه في غاية الكدورة والظلمة الجسمانية، وذاته تعالى في غاية التقدس، والمناسبة شرط في قبول الفيض على ما جرت به العادة الإلهية فلا بد من متوسط ذي جهتي تجرد وتعلق ليستفيض من جهة ويفيض بأخرى. وقيل: هو وذريته عليه السلام، ويؤيده ظاهر قول الملائكة، فإلزامهم حينئذٍ بإظهار فضل آدم عليهم لكونه الأصل المستتبع من عداه، وهذا كما يستغني بذكر أبـي القبيلة عنهم، إلا أن ذكر الأب بالعلم وما هنا بالوصف، ومعنى كونهم خلفاء أنهم يخلفون من قبلهم من الجن بني الجان أو من إبليس ومن معه من الملائكة المبعوثين لحرب أولئك على ما نطقت به الآثار، أو أنه يخلف بعضهم بعضاً، وعند أهل الله تعالى المراد بالخليفة آدم وهو عليه السلام خليفة الله تعالى وأبو الخلفاء والمجلي له سبحانه وتعالى، والجامع لصفتي جماله وجلاله، ولهذا جمعت له اليدان وكلتاهما يمين، وليس في الموجودات من وسع الحق سواه، ومن هنا قال الخليفة الأعظم صلى الله عليه وسلم:«حديث : إن الله تعالى خلق آدم على صورته أو ـ على ـ صورة الرحمن»تفسير : وبه جمعت الأضداد وكملت النشأة وظهر الحق، ولم تزل تلك الخلافة في الإنسان الكامل إلى قيام الساعة وساعة القيام، بل متى فارق هذا/ الإنسان العالم مات العالم لأنه الروح الذي به قوامه، فهو العماد المعنوي للسماء، والدار الدنيا جارحة من جوارح جسد العالم الذي الإنسان روحه. ولما كان هذا الاسم الجامع قابل الحضرتين بذاته صحت له الخلافة وتدبير العالم والله سبحانه الفعال لما يريد، ولا فاعل على الحقيقة سواه وفي المقام ضيق، والمنكرون كثيرون ولا مستعان إلا بالله عز وجل. وفائدة قوله تعالى هذا للملائكة تعليم المشاورة لأن هذه المعاملة تشبهها أو تعظيم شأن المجعول وإظهار فضله ويحتمل أنه سبحانه أراد بذلك تعريف آدم عليه السلام لهم ليعرفوا قدره لأنه باطن عن الصورة الكونية بما عنده من الصورة الإلهية وما يعرفه لبطونه من الملأ الأعلى إلا اللوح والقلم، وكان هذا القول على ما ذكره الشيخ الأكبر قدس سره في دولة السنبلة بعد مضي سبعة عشر ألف سنة من عمر الدنيا ومن عمر الآخرة التي لا نهاية له في الدوام ثمانية آلاف سنة، ومن عمر العالم الطبيعي المقيد بالزمان المحصور بالمكان إحدى وسبعون ألف سنة من السنين المعروفة الحاصلة أيامها من دورة الفلك الأول وهو يوم وخمسا يوم من أيام ذي المعارج ولله تعالى الأمر من قبل ومن بعد، وقرأ زيد بن علي - (خليقة) - بالقاف والمعنى واضح. {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء} استكشاف عن الحكمة الخفية وعما يزيل الشبهة وليس استفهاماً عن نفس الجعل والاستخلاف لأنهم قد علموه قبل، فالمسؤول عنه هو الجعل ولكن لا باعتبار ذاته بل باعتبار حكمته ومزيل شبهته، أو تعجب من أن يستخلف لعمارة الأرض وإصلاحها من يفسد فيها، أو يستخلف مكان أهل الفساد مثلهم أو مكان أهل الطاعة أهل المعصية، وقيل استفهام محض حذف فيه المعادل ـ أي: أتجعل فيها من يفسد أم تجعل من لا يفسد ـ وجعله بعضهم من الجملة الحالية ـ أي: أتجعل فيها ـ كذا ـ ونحن نسبح بحمدك أم نتغير ـ واختار ذلك شيخنا علاء الدين الموصلي روح الله تعالى روحه، والأدب يسكتني عنه، وعلى كل تقدير ليست الهمزة للإنكار كما زعمته الحشوية مستدلين بالآية على عدم عصمة الملائكة لاعتراضهم على الله تعالى وطعنهم في بني آدم، ومن العجيب أن مولانا الشعراني ـ وهو من أكابر أهل السنة بل من مشايخ أهل الله تعالى ـ نقل عن شيخه الخواص أنه خص العصمة بملائكة السماء معللاً له بأنهم عقول مجردة بلا منازع ولا شهوة، وقال: إن الملائكة الأرضية غير معصومين ولذلك وقع إبليس فيما وقع إذ كان من ملائكة الأرض الساكنين بجبل الياقوت بالمشرق عند خط الاستواء فعليه لا يبعد الاعتراض ممن كان في الأرض والعياذ بالله تعالى، ويستأنس له بما ورد في بعض الأخبار أن القائلين كانوا عشرة آلاف نزلت عليهم نار فأحرقتهم، وعندي أن ذلك غير صحيح، وقيل: إن القائل إبليس وقد كان إذ ذاك معدوداً في عداد الملائكة ويكون نسبة القول إليهم على حد ـ بنو فلان قتلوا فلاناً ـ والقاتل واحد منهم، والوجه ما قررنا وتكرار الظرف للدلالة على الإفراط في الفساد ولم يكرره بعد للاكتفاء مع ما في التكرار مما لا يخفى. والسفك الصب والإراقة ولا يستعمل إلا في الدم أو فيه وفي الدمع والعطف من عطف الخاص على العام للإشارة إلى عظم هذه المعصية لأنه بها تتلاشى الهياكل الجسمانية، والدماء جمع دم لامه ياء أو واو وقصره وتضعيفه مسموعان، وأصله فعل أو فعل، والمراد بها المحرمة بقرينة المقام، وقيل: الاستغراق فيتضمن جميع أنواعها من المحظور وغيره والمقصود عدم تمييزه بينها. وقرأ ابن أبـي عبلة - (يسفك) - بضم الفاء، ويسفك من أسفك وبالتضعيف من سفك، وقرأ ابن هرمز بنصب الكاف وخرج على النصب في جواب الاستفهام، وقرىء على البناء للمجهول، والراجع إلى من حينئذٍ سواء جعل موصولاً أو موصوفاً/ محذوف ـ أي فيهم ـ وحكم الملائكة بالإفساد والسفك على الإنسان بناءً على بعض هاتيك الوجوه ليس من ادعاء علم الغيب أو الحكم بالظن والتخمين ولكن بإخبار من الله تعالى ولم يقص علينا فيما حكي عنهم اكتفاءً بدلالة الجواب عليه للإيجاز كما هو عادة القرآن، ويؤيد ذلك ما روي في بعض الآثار أنه لما قال الله تعالى ذلك قالوا: وما يكون من ذلك الخليفة؟ قال: تكون له ذرية يفسدون في الأرض ويقتل بعضهم بعضاً فعند ذلك قالوا: ربنا {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء} وقيل: عرفوا ذلك من اللوح ويبعده عدم علم الجواب، ويحتاج الجواب إلى تكلف، وقيل: عرفوه استنباطاً عما ركز في عقولهم من عدم عصمة غيرهم المفضي إلى العلم بصدور المعصية عمن عداهم المفضي إلى التنازع والتشاجر إذ من لا يرحم نفسه لا يرحم غيره، وذلك يفضي إلى الفساد وسفك الدماء، وقيل: قياساً لأحد الثقلين على الآخر بجامع اشتراكهما في عدم العصمة ولا يخفى ما في القولين، ويحتمل أنهم علموا ذلك من تسميته خليفة لأن الخلافة تقتضي الإصلاح وقهر المستخلف عليه وهو يستلزم أن يصدر منه فساد إما في ذاته بمقتضى الشهوة أو في غيره من السفك أو لأنها مجلى الجلال كما أنها مجلى الجمال، ولكل آثار، - والإفساد والسفك - من آثار الجلال وسكتوا عن آثار الجمال إذ لا غرابة فيها وهم على كل تقدير ما قدروا الله تعالى حق قدره ولا يخل ذلك بهم ففوق كل ذي علم عليم. {وَنَحْنُ نُسَبّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدّسُ لَكَ} حال من ضمير الفاعل في {أَتَجْعَلُ} وفيها تقرير لجهة الإشكال، والمعنى تستخلف من ذكر ونحن المعصومون وليس المقصود إلا الاستفسار عن المرجح لا العجب والتفاخر حتى يضر بعصمتهم كما زعمت الحشوية، ولزوم الضمير، وترك الواو في الجملة الاسمية إذا وقعت حالاً مؤكدة غير مسلم كما في «شرح التسهيل» وصيغة المضارع للاستمرار، وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي للاختصاص. ومن الغريب جعل الجملة استفهامية حذف منها الأداة، وكذا المعادل والتسبيح في الأصل مطلق التبعيد، والمراد به تبعيد الله تعالى عن السوء وهو متعد بنفسه ويعدى باللام إشعاراً بأن إيقاع الفعل لأجل الله تعالى وخالصاً لوجهه سبحانه فالمفعول المقدر هٰهنا يمكن أن يكون باللام على وفق قرينه، وأن يكون بدونه كما هو أصله. و {بِحَمْدِكَ} في موضع الحال والباء لاستدامة الصحبة والمعية، وإضافة الحمد إما إلى الفاعل والمراد لازمه مجازاً من التوفيق والهداية، أو إلى المفعول أي متلبسين بحمدنا لك على ما وفقتنا لتسبيحك، وفي ذلك نفي ما يوهمه الإسناد من العجب، وقيل: المراد به تسبيح خاص وهو ـ سبحان ذي الملك والملكوت سبحانه ذي العظمة والجبروت سبحان الحي الذي لا يموت ـ ويعرف هذا بتسبيح الملائكة، أو ـ سبحان الله وبحمده ـ وفي حديث عن عبادة بن الصامت عن أبـي ذر: «حديث : أن النبـي صلى الله عليه وسلم سئل أي الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله تعالى لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده»تفسير : أي وبحمده نسبح. و- التقديس - في المشهور كالتسبيح معنى، واحتاجوا لدفع التكرار إلى أن أحدهما باعتبار الطاعات والآخر باعتبار الاعتقادات، وقيل: التسبيح تنزيهه تعالى عما لا يليق به، والتقديس تنزيهه في ذاته عما لا يراه لائقاً بنفسه فهو أبلغ ويشهد له أنه حيث جمع بينهما آخر نحو ـ سبوح قدوس ـ ويحتمل أن يكون بمعنى التطهير، والمراد نسبحك ونطهر أنفسنا من الأدناس أو أفعالنا من المعاصي فلا نفعل فعلهم من الإفساد والسفك أو نطهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك، ولام {لَكَ} إما للعلة متعلق ـ بنقدس ـ والحمل على التنازع مما فيه تنازع أو معدية للفعل كما في ـ سجدت لله تعالى ـ أو للبيان كما في ـ سفهاً لك ـ فمتعلقها حينئذٍ خبر مبتدأ محذوف أو زائدة والمفعول هو المجرور. ثم الظاهر أن قائل هذه الجملة هو قائل الجملة الأولى، وأغرب الشيخ/ صفي الدين الخزرجي في كتابه «فك الأزرار» فجعل القائل مختلفاً، وبين ذلك بأن الملائكة كانوا حين ورود الخطاب عليهم مجملين وكان إبليس مندرجاً في جملتهم فورد الجواب منهم مجملاً، فلما انفصل إبليس عن جملتهم بإبائه انفصل الجواب إلى نوعين، فنوع الاعتراض منه، ونوع التسبيح والتقديس ممن عداه، فانقسم الجواب إلى قسمين كانقسام الجنس إلى جنسين، وناسب كل جواب من ظهر عنه، فالكلام شبيه بقوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَـٰرَىٰ تَهْتَدُواْ } تفسير : [البقرة: 135] وهو تأويل لا تفسير. {قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي أعلم من الحكم في ذلك ما أنتم بمعزل عنه، وقيل: أراد بذلك علمه بمعصية إبليس وطاعة آدم، وقيل: بأنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء وصالحون، وقيل: الأحسن أن يفسر هذا المبهم بما أخبر به تعالى عنه بقوله سبحانه: {أية : إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [البقرة: 33] ويفهم من كلام القوم قدس الله تعالى أسرارهم، أن المراد من الآية بيان الحكمة في الخلافة على أدق وجه وأكمله، فكأنه قال جل شأنه ـ أريد الظهور بأسمائي وصفاتي ولم يكمل ذلك بخلقكم ـ فإني أعلم ما لا تعلمونه لقصور استعدادكم ونقصان قابليتكم، فلا تصلحون لظهور جميع الأسماء والصفات فيكم، فلا تتم بكم معرفتي ولا يظهر عليكم كنزي، فلا بد من إظهار من تم استعداده، وكملت قابليته ليكون مجلي لي ومرآة لأسمائي وصفاتي ومظهراً للمتقابلات فيّ، ومظهراً لما خفي عندي، وبـي يسمع وبـي يبصر وبـي وبـي، وبعد ذاك يرق الزجاج والخمر، وإلى الله عز شأنه يرجع الأمر. و {أَعْلَمُ} فعل مضارع، واحتمال أنه أفعل تفضيل مما لا ينبغي أن يخرج عليه كتاب الله سبحانه كما لا يخفى.
سيد قطب
تفسير : يرد القصص في القرآن في مواضع ومناسبات. وهذه المناسبات التي يساق القصص من أجلها هي التي تحدد مساق القصة، والحلقة التي تعرض منها، والصورة التي تأتي عليها، والطريقة التي تؤدى بها. تنسيقا للجو الروحي والفكري والفني الذي تعرض فيه. وبذلك تؤدي دورها الموضوعي، وتحقق غايتها النفسية، وتلقي إيقاعها المطلوب. ويحسب أناس أن هنالك تكراراً في القصص القرآني، لأن القصة الواحدة قد يتكرر عرضها في سور شتى. ولكن النظرة الفاحصة تؤكد أنه ما من قصة، أو حلقة من قصة قد تكررت في صورة واحدة، من ناحية القدر الذي يساق، وطريقة الأداء في السياق. وأنه حيثما تكررت حلقة كان هنالك جديد تؤديه، ينفي حقيقة التكرار. ويزيغ أناس فيزعمون أن هنالك خلقاً للحوادث أو تصرفاً فيها، يقصد به إلى مجرد الفن - بمعنى التزويق الذي لا يتقيد بواقع - ولكن الحق الذي يلمسه كل من ينظر في هذا القرآن، وهو مستقيم الفطرة، مفتوح البصيرة، هو أن المناسبة الموضوعية هي التي تحدد القدر الذي يعرض من القصة في كل موضع، كما تحدد طريقة العرض وخصائص الأداء. والقرآن كتاب دعوة، ودستور نظام، ومنهج حياة، لا كتاب رواية ولا تسلية ولا تاريخ. وفي سياق الدعوة يجيء القصص المختار، بالقدر وبالطريقة التي تناسب الجو والسياق، وتحقق الجمال الفني الصادق، الذي لا يعتمد على الخلق والتزويق، ولكن يعتمد على إبداع العرض، وقوة الحق، وجمال الأداء. وقصص الأنبياء في القرآن يمثل موكب الإيمان في طريقه الممتد الواصل الطويل. ويعرض قصة الدعوة إلى الله واستجابة البشرية لها جيلاً بعد جيل؛ كما يعرض طبيعة الإيمان في نفوس هذه النخبة المختارة من البشر، وطبيعة تصورهم للعلاقة بينهم وبين ربهم الذي خصهم بهذا الفضل العظيم.. وتتبع هذا الموكب الكريم في طريقه اللاحب يفيض على القلب رضى ونوراً وشفافية؛ ويشعره بنفاسة هذا العنصر العزيز - عنصر الإيمان - وأصالته في الوجود. كذلك يكشف عن حقيقة التصور الإيماني ويميزه في الحس من سائر التصورات الدخيلة.. ومن ثم كان القصص شطراً كبيراً من كتاب الدعوة الكريم. فلننظر الآن في قصة آدم - كما جاءت هنا - في ضوء هذه الإيضاحات.. إن السياق - فيما سبق - يستعرض موكب الحياة، بل موكب الوجود كله. ثم يتحدث عن الأرض - في معرض آلاء الله على الناس - فيقرر أن الله خلق كل ما فيها لهم.. فهنا في هذا الجو تجيء قصة استخلاف آدم في الأرض، ومنحه مقاليدها، على عهد من الله وشرط، وإعطائه المعرفة التي يعالج بها هذه الخلافة. كما أنها تمهد للحديث عن استخلاف بني إسرائيل في الأرض بعهد من الله؛ ثم عزلهم عن هذه الخلافة وتسليم مقاليدها للأمة المسلمة الوافية بعهد الله (كما سيجيء) فتتسق القصة مع الجو الذي تساق فيه كل الاتساق. فلنعش لحظات مع قصة البشرية الأولى وما وراءها من إيحاءات أصيلة: ها نحن أولاء - بعين البصيرة في ومضات الاستشراف - في ساحة الملأ الأعلى؛ وها نحن أولاء نسمع ونرى قصة البشرية الأولى: {وإذ قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة}.. وإذن فهي المشيئة العليا تريد أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود، زمام هذه الأرض، وتطلق فيها يده، وتكل إليه إبراز مشيئة الخالق في الإبداع والتكوين، والتحليل والتركيب، والتحوير والتبديل؛ وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات، وتسخير هذا كله - بإذن الله - في المهمة الضخمة التي وكلها الله إليه. وإذن فقد وهب هذا الكائن الجديد من الطاقات الكامنة، والاستعدادات المذخورة كفاء ما في هذه الأرض من قوى وطاقات، وكنوز وخامات؛ ووهب من القوى الخفية ما يحقق المشيئة الإلهية. وإذن فهنالك وحدة أو تناسق بين النواميس التي تحكم الأرض - وتحكم الكون كله - والنواميس التي تحكم هذا المخلوق وقواه وطاقاته، كي لا يقع التصادم بين هذه النواميس وتلك؛ وكي لا تتحطم طاقة الإنسان على صخرة الكون الضخمة! وإذن فهي منزلة عظيمة، منزلة هذا الإنسان، في نظام الوجود على هذه الأرض الفسيحة. وهو التكريم الذي شاءه له خالقه الكريم. هذا كله بعض إيحاء التعبير العلوي الجليل: {إني جاعل في الأرض خليفة}.. حين نتملاه اليوم بالحس اليقظ والبصيرة المفتوحة، ورؤية ما تم في الأرض على يد هذا الكائن المستخلف في هذا الملك العريض! {قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟}.. ويوحي قول الملائكة هذا بأنه كان لديهم من شواهد الحال، أو من تجارب سابقة في الأرض، أو من إلهام البصيرة، ما يكشف لهم عن شيء من فطرة هذا المخلوق، أو من مقتضيات حياته على الأرض؛ وما يجعلهم يعرفون أو يتوقعون أنه سيفسد في الأرض، وأنه سيسفك الدماء.. ثم هم - بفطرة الملائكة البريئة التي لا تتصور إلا الخير المطلق، وإلا السلام الشامل - يرون التسبيح بحمد الله والتقديس له، هو وحده الغاية المطلقة للوجود، وهو وحده العلة الأولى للخلق.. وهو متحقق بوجودهم هم، يسبحون بحمد الله ويقدسون له، ويعبدونه ولا يفترون عن عبادته! لقد خفيت عليهم حكمة المشيئة العليا، في بناء هذه الأرض وعمارتها، وفي تنمية الحياة وتنويعها، وفي تحقيق إرادة الخالق وناموس الوجود في تطويرها وترقيتها وتعديلها، على يد خليفة الله في أرضه. هذا الذي قد يفسد أحياناً، وقد يسفك الدماء أحيانا، ليتم من وراء هذا الشر الجزئي الظاهر خير أكبر وأشمل. خير النمو الدائم، والرقي الدائم. خير الحركة الهادمة البانية. خير المحاولة التي لا تكف، والتطلع الذي لا يقف، والتغيير والتطوير في هذا الملك الكبير. عندئذ جاءهم القرار من العليم بكل شيء، والخبير بمصائر الأمور: {قال: إني أعلم ما لا تعلمون}.. {وعلم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا. إنك أنت العليم الحكيم. قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم. فلما أنبأهم بأسمائهم، قال: ألم أقل لكم: إني أعلم غيب السماوات والأرض، وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}.. ها نحن أولاء - بعين البصيرة في ومضات الاستشراف - نشهد ما شهده الملائكة في الملأ الأعلى.. ها نحن أولاء نشهد طرفاً من ذلك السر الإلهي العظيم الذي أودعه الله هذا الكائن البشري، وهو يسلمه مقاليد الخلافة. سر القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات. سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها - وهي ألفاظ منطوقة - رموزاً لتلك الأشخاص والأشياء المحسوسة. وهي قدرة ذات قيمة كبرى في حياة الإنسان على الأرض. ندرك قيمتها حين نتصور الصعوبة الكبرى، لو لم يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات، والمشقة في التفاهم والتعامل، حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه.. الشأن شأن نخلة فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا باستحضار جسم النخلة! الشأن شأن جبل. فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بالذهاب إلى الجبل! الشأن شأن فرد من الناس فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بتحضير هذا الفرد من الناس... إنها مشقة هائلة لا تتصور معها حياة! وإن الحياة ما كانت لتمضي في طريقها لو لم يودع الله هذا الكائن القدرة على الرمز بالأسماء للمسميات. فأما الملائكة فلا حاجة لهم بهذه الخاصية، لأنها لا ضرورة لها في وظيفتهم. ومن ثم لم توهب لهم. فلما علم الله آدم هذا السر، وعرض عليهم ما عرض لم يعرفوا الأسماء. لم يعرفوا كيف يضعون الرموز اللفظية للأشياء والشخوص.. وجهروا أمام هذا العجز بتسبيح ربهم، والاعتراف بعجزهم، والإقرار بحدود علمهم، وهو ما علمهم.. وعرف آدم.. ثم كان هذا التعقيب الذي يردهم إلى إدراك حكمة العليم الحكيم: {قال: ألم أقل لكم: إني أعلم غيب السماوات والأرض، وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون؟}.. {وإذ قلنا للملائكة: اسجدوا لآدم. فسجدوا}.. إنه التكريم في أعلى صوره، لهذا المخلوق الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء، ولكنه وهب من الأسرار ما يرفعه على الملائكة. لقد وهب سر المعرفة، كما وهب سر الإرادة المستقلة التي تختار الطريق.. إن ازدواج طبيعته، وقدرته على تحكيم إرادته في شق طريقه، واضطلاعه بأمانة الهداية إلى الله بمحاولته الخاصة.. إن هذا كله بعض أسرار تكريمه. ولقد سجد الملائكة امتثالاً للأمر العلوي الجليل.. {إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين}.. وهنا تتبدى خليقة الشر مجسمة: عصيان الجليل سبحانه! والاستكبار عن معرفة الفضل لأهله. والعزة بالإثم. والاستغلاق عن الفهم. ويوحي السياق أن ابليس لم يكن من جنس الملائكة، إنما كان معهم. فلو كان منهم ما عصى. وصفتهم الأولى أنهم {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}.. والاستثناء هنا لا يدل على أنه من جنسهم، فكونه معهم يجيز هذا الاستثناء، كما تقول:جاء بنو فلان إلا أحمد. وليس منهم إنما هو عشيرهم وإبليس من الجن بنص القرآن، والله خلق الجان من مارج من نار. وهذا يقطع بأنه ليس من الملائكة. والآن. لقد انكشف ميدان المعركة الخالدة. المعركة بين خليقة الشر في إبليس، وخليفة الله في الأرض. المعركة الخالدة في ضمير الإنسان. المعركة التي ينتصر فيها الخير بمقدار ما يستعصم الإنسان بإرادته وعهده مع ربه، وينتصر فيها الشر بمقدار ما يستسلم الإنسان لشهوته. ويبعد عن ربه: {وقلنا: يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وكلا منها رغدا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة، فتكونا من الظالمين}. لقد أبيحت لهما كل ثمار الجنة.. إلا شجرة.. شجرة واحدة، ربما كانت ترمز للمحظور الذي لا بد منه في حياة الأرض. فبغير محظور لا تنبت الإرادة، ولا يتميز الإنسان المريد من الحيوان المسوق، ولا يمتحن صبر الإنسان على الوفاء بالعهد والتقيد بالشرط. فالإرادة هي مفرق الطريق. والذين يستمتعون بلا إرادة هم من عالم البهيمة، ولو بدوا في شكل الآدميين! {فأزلهما الشيطان عنها، فأخرجهما مما كانا فيه}.. ويا للتعبير المصور: {أزلهما}.. إنه لفظ يرسم صورة الحركة التي يعبر عنها. وإنك لتكاد تلمح الشيطان وهو يزحزحهما عن الجنة، ويدفع بأقدامهما فتزل وتهوي! عندئذ تمت التجربة: نسي آدم عهده، وضعف أمام الغواية. وعندئذ حقت كلمة الله، وصرح قضاؤه: {وقلنا: اهبطوا.. بعضكم لبعض عدو، ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين}.. وكان هذا إيذاناً بانطلاق المعركة في مجالها المقدر لها. بين الشيطان والإنسان. إلى آخر الزمان. ونهض آدم من عثرته، بما ركب في فطرته، وأدركته رحمة ربه التي تدركه دائما عندما يثوب إليها ويلوذ بها. {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، إنه هو التواب الرحيم}.. وتمت كلمة الله الأخيرة، وعهده الدائم مع آدم وذريته. عهد الاستخلاف في هذه الأرض، وشرط الفلاح فيها أو البوار. {قلنا: اهبطوا منها جميعاً. فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.. وانتقلت المعركة الخالدة إلى ميدانها الأصيل، وانطلقت من عقالها ما تهدأ لحظة وما تفتر. وعرف الإنسان في فجر البشرية كيف ينتصر إذا شاء الانتصار، وكيف ينكسر إذا اختار لنفسه الخسار... وبعد فلا بد من عودة إلى مطالع القصة. قصة البشرية الأولى. لقد قال الله تعالى للملائكة: {إني جاعل في الأرض خليفة}.. وإذن فآدم مخلوق لهذه الأرض منذ اللحظة الأولى. ففيم إذن كانت تلك الشجرة المحرمة؟ وفيم إذن كان بلاء آدم؟ وفيم إذن كان الهبوط إلى الأرض، وهو مخلوق لهذه الأرض منذ اللحظة الأولى؟ لعلني المح أن هذه التجربة كانت تربية لهذا الخليفة وإعداداً. كانت إيقاظا للقوى المذخورة في كيانه. كانت تدريباً له على تلقي الغواية، وتذوق العاقبة، وتجرع الندامة، ومعرفة العدو، والالتجاء بعد ذلك إلى الملاذ الأمين. إن قصة الشجرة المحرمة، ووسوسة الشيطان باللذة، ونسيان العهد بالمعصية، والصحوة من بعد السكرة، والندم وطلب المغفرة.. إنها هي هي تجربة البشرية المتجددة المكرورة! لقد اقتضت رحمة الله بهذا المخلوق أن يهبط إلى مقر خلافته، مزوداً بهذه التجربة التي سيتعرض لمثلها طويلاً، استعداداً للمعركة الدائبة وموعظة وتحذيراً.. وبعد.. مرة أخرى.. فأين كان هذا الذي كان؟ وما الجنة التي عاش فيها آدم وزوجه حينا من الزمان؟ ومن هم الملائكة؟ ومن هو إبليس؟.. كيف قال الله تعالى لهم؟ وكيف أجابوه؟... هذا وأمثاله في القرآن الكريم غيب من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه؛ وعلم بحكمته أن لا جدوى للبشر في معرفة كنهه وطبيعته، فلم يهب لهم القدرة على إدراكه والإحاطة به، بالأداة التي وهبهم إياها لخلافة الأرض، وليس من مستلزمات الخلافة أن نطلع على هذا الغيب. وبقدر ما سخر الله للإنسان من النواميس الكونية وعرّفه بأسرارها، بقدر ما حجب عنه أسرار الغيب، فيما لا جدوى له في معرفته. وما يزال الإنسان مثلاً على الرغم من كل ما فتح له من الأسرار الكونية يجهل ما وراء اللحظة الحاضرة جهلاً مطلقاً، ولا يملك بأي أداة من أدوات المعرفة المتاحة له أن يعرف ماذا سيحدث له بعد لحظة، وهل النفس الذي خرج من فمه عائد أم هو آخر أنفاسه؟ وهذا مثل من الغيب المحجوب عن البشر، لأنه لا يدخل في مقتضيات الخلافة، بل ربما كان معوِّقا لها لو كشف للإنسان عنه! وهنالك الوان من مثل هذه الأسرار المحجوبة عن الإنسان، في طي الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. ومن ثم لم يعد للعقل البشري أن يخوض فيه، لأنه لا يملك الوسيلة للوصول إلى شيء من أمره. وكل جهد يبذل في هذه المحاولة هو جهد ضائع، ذاهب سدى، بلا ثمرة ولا جدوى. وإذا كان العقل البشري لم يوهب الوسيلة للاطلاع على هذا الغيب المحجوب؛ فليس سبيله إذن أن يتبجح فينكر.. فالإنكار حكم يحتاج إلى المعرفة. والمعرفة هنا ليست من طبيعة العقل، وليست في طوق وسائله، ولا هي ضرورية له في وظيفته! إن الاستسلام للوهم والخرافة شديد الضرر بالغ الخطورة. ولكن أضر منه وأخطر، التنكر للمجهول كله وإنكاره، واستبعاد الغيب لمجرد عدم القدرة على الإحاطة به.. إنها تكون نكسة إلى عالم الحيوان الذي يعيش في المحسوس وحده، ولا ينفذ من أسواره إلى الوجود الطليق. فلندع هذا الغيب إذن لصاحبه، وحسبنا ما يقص لنا عنه، بالقدر الذي يصلح لنا في حياتنا، ويصلح سرائرنا ومعاشنا. ولنأخذ من القصة ما تشير إليه من حقائق كونية وإنسانية، ومن تصور للوجود وارتباطاته، ومن إيحاء بطبيعة الإنسان وقيمه وموازينه.. فذلك وحده أنفع للبشرية وأهدى. وفي اختصار يناسب ظلال القرآن سنحاول أن نمر بهذه الإيحاءات والتصورات والحقائق مروراً مجملا سريعاً. إن أبرز إيحاءات قصة آدم - كما وردت في هذا الموضع - هو القيمة الكبرى التي يعطيها التصور الإسلامي للإنسان ولدوره في الأرض، ولمكانه في نظام الوجود، وللقيم التي يوزن بها. ثم لحقيقة ارتباطه بعهد الله، وحقيقة هذا العهد الذي قامت خلافته على أساسه.. وتتبدى تلك القيمة الكبرى التي يعطيها التصور الإسلامي للإنسان في الإعلان العلوي الجليل في الملأ الأعلى الكريم، أنه مخلوق ليكون خليفة في الأرض؛ كما تتبدى في أمر الملائكة بالسجود له. وفي طرد إبليس الذي استكبر وأبى، وفي رعاية الله له أولاً وأخيراً.. ومن هذه النظرة للإنسان تنبثق جملة اعتبارات ذات قيمة كبيرة في عالم التصور وفي عالم الواقع على السواء. وأول اعتبار من هذه الاعتبارات هو أن الإنسان سيد هذه الأرض، ومن أجله خلق كل شيء فيها - كما تقدم ذلك نصاً - فهو إذن أعز وأكرم وأغلى من كل شيء مادي، ومن كل قيمة مادية في هذه الأرض جميعاً. ولا يجوز إذن أن يستعبد أو يستذل لقاء توفير قيمة مادية أو شيء مادي.. لا يجوز أن يعتدي على أي مقوم من مقومات إنسانيته الكريمة، ولا أن تهدر أية قيمة من قيمه لقاء تحقيق أي كسب مادي، أو إنتاج أي شيء مادي، أو تكثير أي عنصر مادي.. فهذه الماديات كلها مخلوقة - أو مصنوعة - من أجله. من أجل تحقيق إنسانيته. من أجل تقريروجوده الإنساني. فلا يجوز إذن أن يكون ثمنها هو سلب قيمة من قيمه الإنسانية، أو نقص مقوم من مقومات كرامته. والاعتبار الثاني هو أن دور الإنسان في الأرض هو الدور الأول. فهو الذي يغير ويبدل في أشكالها وفي ارتباطاتها؛ وهو الذي يقود اتجاهاتها ورحلاتها. وليست وسائل الإنتاج ولا توزيع الإنتاج، هي التي تقود الإنسان وراءها ذليلاً سلبياً كما تصوره المذاهب المادية التي تحقر من دور الإنسان وتصغر، بقدر ما تعظم في دور الآلة وتكبر! إن النظرة القرآنية تجعل هذا الإنسان بخلافته في الأرض، عاملاً مهما في نظام الكون، ملحوظا في هذا النظام. فخلافته في الأرض تتعلق بارتباطات شتى مع السماوات ومع الرياح ومع الأمطار، ومع الشموس والكواكب.. وكلها ملحوظ في تصميمها وهندستها إمكان قيام الحياة على الأرض، وإمكان قيام هذا الإنسان بالخلافة.. فأين هذا المكان الملحوظ من ذلك الدور الذليل الصغير الذي تخصصه له المذاهب المادية، ولا تسمح له أن يتعداه؟! وما من شك أن كلا من نظرة الإسلام هذه ونظرة المادية للإنسان تؤثر في طبيعة النظام الذي تقيمه هذه وتلك للإنسان؛ وطبيعة احترام المقومات الإنسانية أو إهدارها؛ وطبيعة تكريم هذا الإنسان أو تحقيره.. وليس ما نراه في العالم المادي من إهدار كل حريات الإنسان وحرماته ومقوماته في سبيل توفير الإنتاج المادي وتكثيره، إلا أثراً من آثار تلك النظرة إلى حقيقة الإنسان، وحقيقة دوره في هذه الأرض! كذلك ينشأ عن نظرة الإسلام الرفيعة إلى حقيقة الإنسان ووظيفته إعلاء القيم الأدبية في وزنه وتقديره، وإعلاء قيمة الفضائل الخلقية، وتكبير قيم الإيمان والصلاح والإخلاص في حياته. فهذه هي القيم التي يقوم عليها عهد استخلافه: {فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون...} وهذه القيم أعلى وأكرم من جميع القيم المادية - هذا مع أن من مفهوم الخلافة تحقيق هذه القيم المادية، ولكن بحيث لا تصبح هي الأصل ولا تطغى على تلك القيم العليا - ولهذا وزنه في توجيه القلب البشري إلى الطهارة والارتفاع والنظافة في حياته. بخلاف ما توحيه المذاهب المادية من استهزاء بكل القيم الروحية، وإهدار لكل القيم الأدبية، في سبيل الاهتمام المجرد بالإنتاج والسلع ومطالب البطون كالحيوان! وفي التصور الإسلامي إعلاء من شأن الإرادة في الإنسان فهي مناط العهد مع الله، وهي مناط التكليف والجزاء.. إنه يملك الارتفاع على مقام الملائكة بحفظ عهده مع ربه عن طريق تحكيم إرادته، وعدم الخضوع لشهواته، والاستعلاء على الغواية التي توجه إليه. بينما يملك أن يشقي نفسه ويهبط من عليائه، بتغليب الشهوة على الإرادة، والغواية على الهداية، ونسيان العهد الذي يرفعه إلى مولاه. وفي هذا مظهر من مظاهر التكريم لا شك فيه، يضاف إلى عناصر التكريم الأخرى. كما أن فيه تذكيراً دائماً بمفرق الطريق بين السعادة والشقاوة، والرفعة والهبوط، ومقام الإنسان المريد ودرك الحيوان المسوق! وفي أحداث المعركة التي تصورها القصة بين الإنسان والشيطان مذكر دائم بطبيعة المعركة. إنها بين عهد الله وغواية الشيطان بين الإيمان والكفر. بين الحق والباطل. بين الهدى والضلال.. والإنسان هو نفسه ميدان المعركة. وهو نفسه الكاسب أو الخاسر فيها. وفي هذا إيحاء دائم له باليقظة؛ وتوجيه دائم له بأنه جندي في ميدان؛ وأنه هو صاحب الغنيمة أو السلب في هذا الميدان! وأخيراً تجيء فكرة الإسلام عن الخطيئة والتوبة.. إن الخطيئة فردية والتوبة فردية. في تصور واضح بسيط لا تعقيد فيه ولا غموض.. ليست هنالك خطيئة مفروضة على الإنسان قبل مولده - كما تقول نظرية الكنيسة - وليس هنالك تكفير لاهوتي، كالذي تقول الكنيسة إن عيسى - عليه السلام - (ابن الله بزعمهم) قام به بصلبه، تخليصا لبني آدم من خطيئة آدم!.. كلا! خطيئة آدم كانت خطيئته الشخصية، والخلاص منها كان بالتوبة المباشرة في يسر وبساطة. وخطيئة كل ولد من أولاده خطيئة كذلك شخصية، والطريق مفتوح للتوبة في يسر وبساطة.. تصور مريح صريح. يحمل كل إنسان وزره، ويوحي إلى كل إنسان بالجهد والمحاولة وعدم اليأس والقنوط.. {أية : إن الله تواب رحيم }.. تفسير : هذا طرف من إيحاءات قصة آدم - في هذا الموضع - نكتفي به في ظلال القرآن. وهو وحده ثروة من الحقائق والتصورات القويمة؛ وثروة من الإيحاءات والتوجيهات الكريمة؛ وثروة من الأسس التي يقوم عليها تصور اجتماعي وأوضاع اجتماعية، يحكمها الخلق والخير والفضيلة. ومن هذا الطرف نستطيع أن ندرك أهمية القصص القرآني في تركيز قواعد التصور الإسلامي؛ وإيضاح القيم التي يرتكز عليها. وهي القيم التي تليق بعالم صادر عن الله، متجه إلى الله، صائر إلى الله في نهاية المطاف.. عقد الاستخلاف فيه قائم على تلقي الهدى من الله، والتقيد بمنهجه في الحياة. ومفرق الطريق فيه أن يسمع الإنسان ويطيع لما يتلقاه من الله، أو أن يسمع الإنسان ويطيع لما يمليه عليه الشيطان. وليس هناك طريق ثالث.. إما الله وإما الشيطان. إما الهدى وإما الضلال. إما الحق وإما الباطل. إما الفلاح وإما الخسران.. وهذه الحقيقة هي التي يعبر عنها القرآن كله، بوصفها الحقيقة الأولى، التي تقوم عليها سائر التصورات، وسائر الأوضاع في عالم الإنسان..
ابن عاشور
تفسير : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}. عَطَفَتْ الواو قصة خلق أول البشر على قصة خلق السماوات والأرض انتقالاً بهم في الاستدلال على أن الله واحد وعلى بطلان شركهم وتخلصاً من ذكر خلق السماوات والأرض إلى خلق النوع الذي هو سلطان الأرض والمتصرف في أحوالها، ليُجمع بين تعدد الأدلة وبين مختلف حوادث تكوين العوالم وأصلها ليعلم المسلمون ما عَلِمَه أهل الكتاب من العلم الذي كانوا يُباهون به العربَ وهو ما في سفر التكوين من التوراة. واعلم أن موقع الدليل بخلق آدم على الوحدانية هو أن خلق أصل النوع أمر مدرك بالضرورة لأن كل إنسان إذا لَفَتَ ذهنه إلى وجوده علم أنه وجود مسبوق بوجود أصل له بما يشاهد من نشأة الأبناء عن الآباء فيوقن أن لهذا النوع أصلاً أولَ ينتهي إليه نشوءه، وإذ قد كانت العبرة بخلق ما في الأرض جميعاً أُدْمِجت فيها منة وهي قوله: {أية : لكم}تفسير : [البقرة: 29] المقتضية أن خلق ما في الأرض لأجلهم تَهَيَّأتْ أنفسهم لسماع قصة إيجاد منشأ الناس الذين خُلقت الأرض لأجلهم ليُحاط بما في ذلك من دلائل القدرة مع عظيم المنة وهي منة الخلق التي نشأت عنها فضائل جمة ومِنَّة التفضيل ومنة خلافة الله في الأرض، فكان خَلق أصلنا هو أبدع مظاهر إحيائنا الذي هو الأصل في خلق ما في الأرض لنا، فكانت المناسبة في الانتقال إلى التذكير به واضحة مع حسن التخلص إلى ذكر خبره العجيب، فإيراد واو العطف هنا لأجل إظهار استقلال هذه القصة في حد ذاتها في عظم شأنها. و(إذ) من أسماء الزمان المبهمَة تدل على زمان نسبة ماضية وقعتْ فيه نسبةٌ أخرى ماضية قارنتها، فـ(إذْ) تحتاج إلى جملتين جملة أصلية وهي الدالة على المظروف وتلك هي التي تكون مع جميع الظروف، وجملة تبين الظرف ما هو، لأن (إذ) لما كانت مبهمة احتاجت لما يبين زمانها عن بقية الأزمنة، فلذلك لزمت إضافتها إلى الجمل أبداً، والأكثر في الكلام أن تكون إذ في محل ظرف لزَمن الفعل فتكون في محل نصب على المفعول فيه، وقد تخرج (إذ) عن النصب على الظرفية إلى المفعولية كأسماء الزمان المتصرفة على ما ذهب إليه صاحب «الكشاف» وهو مختار ابن هشام خلافاً لظاهركلام الجمهور، فهي تصير ظرفاً مبهماً متصرفاً، وقد يضاف إليها اسم زمان نحو يومئذٍ وساعتئذٍ فتجر بإضافة صورية ليكون ذكرها وسيلة إلى حذف الجملة المضافةِ هي إليها، وذلك أن (إذ) ملازمة للإضافة فإذا حذفت جملتها عَلِم السامع أن هنالك حذفاً، فإذا أرادوا أن يحذفوا جملة مع اسم زمان غير (إذ) خافوا أن لا يهتدي السامع لشيء محذوف حتى يتطلب دليله فجعلوا إذْ قرينة على إضافةٍ وحذفوا الجملة لينبهوا السامع فيتطلب دليل المحذوف. وهي في هذه الآية يجوز أن تكون ظرفاً وكذلك أعربها الجمهور وجعلوها متعلقة بقوله: {قالوا} وهو يفضي إلى أن يكون المقصود من القصة قولَ الملائكة وذلك بعيد لأن المقصود من العبرة هو خطاب الله لهم وهو مبدأ العبرة وما تضمنته من تشريف آدم وتعليمه بعد الامتنان بإيجاد أصل نوع الناس الذي هو مناط العبرة من قوله: {أية : كيف تكفرون}تفسير : [البقرة: 28] الآيات، ولأنه لا يتأتى في نظيرها وهو قوله الآتي: {أية : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا}تفسير : [البقرة: 34] إذ وجود فاء التعقيب يمنع من جعل الظرف متعلقاً بمدخولها، ولأن الأظهر أن قوله: {قالوا} حكاية للمراجعة والمحاورة على طريقة أمثاله كما سنحققه. فالذي ينساق إليه أسلوب النظم فيه أن يكون العطف على جملة: {أية : خلق لكم ما في الأرض جميعاً}تفسير : [البقرة: 29] أي خلق لكم ما في الأرض وقال للملائكة إني خالق أصل الإنسان لِما قدمناه من أن ذكر خلق ما في الأرض وكونِه لأجلنا يهيىء السامع لترقب ذكر شأننا بعد ذكر شأن ما خُلق لأجلنا من سماء وأرض، وتكون (إذ) على هذا مزيدة للتأكيد قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى وأنشد قول الأسود بن يعفر:شعر : فإذْ وذلك لامهاهَ لذكره والدهرُ يُعقِب صالحاً بفساد تفسير : (هكذا رواه فإذْ على أن يكون في البيت زحاف الطي، وفي رواية فإذا فلا زحاف، والمهاه بهاءين الحُسْن ولا يشكل عليه أن شأن الزيادة أن تكون في الحروف لأن إذ وإذا ونحوهما عوملت معاملة الحروف)، أو أن يكون عطف القصة على القصة ويؤيده أنها تبتدأ بها القصص العجيبة الدالة على قدرة الله تعالى، ألا ترى أنها ذكرت أيضاً في قوله تعالى: {وإذْ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ولم تذكر فيما بينهما وتكون (إذْ) اسم زمان مفعولاً به بتقدير اذكر، ونظيره كثير في القرآن، والمقصود من تعليق الذكر والقصة بالزمان إنما هو ما حصل في ذلك الزمان من الأحوال. وتخصيص اسم الزمان دون اسم المكان لأن الناس تعارفوا إسناد الحوادث التاريخية والقصص إلى أزمان وقوعها. وكلام الله تعالى للملائكة أطلق على ما يفهمون منه إرادته وهو المعبر عنه بالكلام النفسي فيحتمل أنه كلام سمعوه فإطلاق القول عليه حقيقة وإسناده إلى الله لأنه خلق ذلك القول بدون وسيلة معتادة، ويحتمل أنه دال آخر على الإرادة، فإطلاق القول عليه مجاز لأنه دلالة للعقلاء والمجاز فيه أقوى من المجاز الذي في نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : اشتكت النار إلى ربها»تفسير : وقوله تعالى: {أية : فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين}تفسير : [فصلت: 11] وقول أبي النجم: «إذ قالت الآطال للبطن الحق»، ولا طائل في البحث عن تعين أحد الاحتمالين. والملائكة جمع ملك وأصل صيغة الجمع ملائكة والتاء لتأكيد الجمعية لما في التاء من الإيذان بمعنى الجماعة، والظاهر أن تأنيث ملائكة سرى إلى لغة العرب من كلام المتنصرين منهم إذ كانوا يعتقدون أن الأملاك بنات الله واعتقده العرب أيضاً قال تعالى: {أية : ويجعلون لله البنات سبحانه}تفسير : [النحل: 57] فملائك جمع ملأك كشمائل وشمأل، ومما يدل عليه أيضاً قول بعض شعراء عبد القيس أو غيره:شعر : ولَسْت لإِنْسِيَ ولكِنْ لِمَلأَكٍ تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يُصَوِّب تفسير : ثم قالوا ملك تخفيفاً. وقد اختلفوا في اشتقاقه فقال أبو عبيدة هو مفعل من لأك بمعنى أرسل ومنه قولهم في الأمر بتبليغ رسالة ألكني إليه أي كن رسولي إليه وأصل ألكني ألإكني وإن لم يعرف له فعل. وإنما اشتق اسم الملك من الإرسال لأن الملائكة رسل الله إما بتبليغ أو تكوين كما في الحديث: «ثم يرسل إليه (أي للجنين في بطن أمه) الملك فينفخ فيه الروح»، فعلى هذا القول هو مصدر ميمي بمعنى اسم المفعول، وقال الكسائي هو مقلوب ووزنه الآن معفل وأصله مأْلك من الألوك والأَلوكة وهي الرسالة ويقال مأْلَكُ ومأْلَـُكة (بفتح اللام وضمها) فقلبوا فيه قلباً مكانياً فقالوا ملأَك فهو صفة مشبهة. وقال ابن كيسان هو مشتق من الملك (بفتح الميم وسكون اللام) والملك بمعنى القوة قال تعالى: {أية : عليها ملائكة غلاظ شداد}تفسير : [التحريم: 6] والهمزة مزيدة فوزنه فعْأَل بسكون العين وفتح الهمزة كشَمْأَل، ورد بأن دعوى زيادة حرف بلا فائدة دعوى بعيدة، ورد مذهب الكسائي بأن القلب خلاف الأصل، فرجح مذهب أبي عبيدة، ونقل القرطبي عن النضر بن شميل أنه قال لا اشتقاق للمَلَك عند العرب يريد أنهم عَرَّبوه من اللغة العبرانية ويؤيده أن التوراة سمت المَلَك مَلاَكاً بالتخفيف، وليس وجود كلمة متقاربة اللفظ والمعنى في لغتين بدال على أنها منقولة من إحداهما إلى الأخرى إلا بأدلة أخرى. والملائكة مخلوقات نورانية سماوية مجبولة على الخير قادرة على التشكل في خرق العادة لأن النور قابل للتشكل في كيفيات ولأن أجزاءه لا تتزاحم ونورها لا شعاع له فلذلك لا تضىء إذا اتصلت بالعالم الأرضي وإنما تتشكل إذا أراد الله أن يظهر بعضُهم لبعض رسله وأنبيائه على وجه خرق العادة. وقد جعل الله تعالى لها قوة التوجه إلى الأشياء التي يريد الله تكوينها فتتولى التدبير لها ولهذه التوجهات الملكية حيثيات ومراتب كثيرة تتعذر الإحاطة بها وهي مضادة لتوجهات الشياطين، فالخواطر الخيرية من توجهات الملائكة وعلاقتها بالنفوس البشرية وبعكسها خواطر الشر. والخليفة في الأصل الذي يخلف غيره أو يكون بدلاً عنه في عمل يعمله، فهو فعيل بمعنى فاعل والتاء فيه للمبالغة في الوصف كالعَلاَّمة. والمراد من الخليفة هنا إما المعنى المجازي وهو الذي يتولى عملاً يريده المستخلِف مثل الوكيل والوصي، أي جاعل في الأرض مدبراً يعمل ما نريده في الأرض فهو استعارة أو مجاز مرسل وليس بحقيقة لأن الله تعالى لم يكن حَالاً في الأرض ولا عاملاً فيها العمل الذي أودعه في الإنسان وهو السلطنة على موجودات الأرض، ولأن الله تعالى لم يترك عملاً كان يعمله فوكله إلى الإنسان بل التدبير الأعظم لم يزل لله تعالى فالإنسان هو الموجود الوحيد الذي استطاع بما أودع الله في خلقته أن يتصرف في مخلوقات الأرض بوجوه عظيمة لا تنتهي خلافَ غيره من الحيوان، وإما أن يراد من الخليفة معناه الحقيقي إذا صح أن الأرض كانت معمورة من قبلُ بطائفة من المخلوقات يسمَّون الحِن والبِن ـــ بحاء مهملة مكسورة ونون في الأول، وبموحدة مكسورة ونون في الثاني ـــ وقيل اسمهم الطَّم والرَّم ـــ بفتح أولهما ـــ، وأحسبه من المزاعم، وأن وضع هذين الاسمين من باب قول الناس: هيَّان بن بَيَّان إشارة إلى غير موجود أو غير معروف. ولعل هذا أنجز لأهل القصص من خرافات الفرس أو اليونان فإن الفرس زعموا أنه كان قبل الإنسان في الأرض جنس اسمه الطَّم والرَّم كان اليونان يعتقدون أن الأرض كانت معمورة بمخلوقات تدعى (التِيتَان) وأن (زفس) و (هو المشتري) كبير الأرباب في اعتقادهم جلاهم من الأرض لفسادهم. وكل هذا ينافيه سياق الآية فإن تعقيب ذكر خلق الأرض ثم السماوات بذكر إرادته تعالى جَعْلَ الخليفة دليل على أن جعْل الخليفة كان أول الأحوال على الأرض بعد خلقها فالخليفة هنا الذي يخلف صاحب الشيء في التصرف في مملوكاته ولا يلزم أن يكون المخلوف مستقِراً في المكان من قبل، فالخليفة آدم وخَلَفِيَّتُه قيامُه بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض بالإلهام أو بالوحي وتلقينُ ذريته مراد الله تعالى من هذا العالم الأرضي، ومما يشمله هذا التصرف تصرف آدم بسَن النظام لأهله وأهاليهم على حسب وفرة عددهم واتساع تصرفاتهم، فكانت الآية من هذا الوجه إيماءً إلى حاجة البشر إلى إقامة خليفة لتنفيذ الفصل بين الناس في منازعاتهم إذ لا يستقيم نظام يجمع البشر بدون ذلك، وقد بعث الله الرسل وبين الشرائع فربما اجتمعت الرسالة والخلافة وربما انفصلتا بحسب ما أراد الله من شرائعه إلى أن جاء الإسلام فجمع الرسالة والخلافة لأن دين الإسلام غاية مراد الله تعالى من الشرائع وهو الشريعة الخاتمة ولأن امتزاج الدين والمُلْك هو أكمل مظاهر الخطتين قال تعالى: {أية : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}تفسير : [النساء: 64] ولهذا أجمع أصحاب رسول الله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على إقامة الخليفة لحفظ نظام الأمة وتنفيذ الشريعة ولم ينازع في ذلك أحد من الخاصة ولا من العامة إلا الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، من جُفاة الأعراب ودُعاة الفتنة فالمناظرة مع أمثالهم سُدًى. وللخليفة شروط محل بيانها كتب الفقه والكلام، وستجيء مناسبتها في آيات آتية. والظاهر أن خطابه تعالى هذا للملائكة كان عند إتمام خلق آدم عند نفخ الروح فيه أو قبل النفخ والأول أظهر، فيكون المراد بالمخبَر عن جعله خليفة هو ذلك المخلوق كما يقول الذي كتب كتاباً بحضرة جليس إني مرسل كتاباً إلى فلان فإن السامع يعلم أن المراد أن ذلك الذي هو بصدد كتابته كتاب لفلان، ويجوز أن يكون خطابهم بذلك قبل خلق آدم، وعلى الوجوه كلها يكون اسم الفاعل في قوله: {جاعل} للزمن المستقبل لأن وصف الخليفة لم يكن ثابتاً لآدم ساعتئذٍ. وقول الله هذا موجه إلى الملائكة على وجه الإخبار ليسوقهم إلى معرفة فضل الجنس الإنساني على وجه يزيل ما عَلِم الله أنه في نفوسهم من سوء الظن بهذا الجنس، وليكون كالاستشارة لهم تكريماً لهم فيكونُ تعليماً في قالب تكريم مثل إلقاء المعلم فائدة للتلميذ في صورة سؤال وجواب وليَسُنَّ الاستشارة في الأمور، ولتنبيه الملائكة على ما دقَّ وخفي من حكمة خلق آدم كذا ذكر المفسرون. وعندي أن هاته الاستشارة جعلت لتكونَ حقيقةً مقارنةً في الوجود لخلق أول البشر حتى تكون ناموساً أُشْرِبَتْه نفوس ذريته لأن مقارنة شيء من الأحوال والمعاني لتكوين شيء مَّا، تؤثر تآلُفاً بين ذلك الكائن وبين المقارن. ولعل هذا الاقتران يقوم في المعاني التي لا توجد إلا تبعاً لذوات مَقامَ أمر التكوين في الذوات فكما أن أمره إذا أراد شيئاً أي إنشاءَ ذاتٍ أن يقول له كن فيكون، كذلك أمره إذا أراد اقتران معنى بذات أو جنس أن يقدر حصول مبدأ ذلك المعنى عند تكوين أصل ذلك الجنس أو عند تكوين الذات، ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يكون قَبول العلم من خصائص الإنسان علَّم آدم الأسماء عندما خلقه. وهذا هو وجه مشروعية تسمية الله تعالى عند الشروع في الأفعال ليكون اقتران ابتدائها بلفظ اسمه تعالى مفيضاً للبركة على جميع أجزاء ذلك الفعل، ولهذا أيضاً طَلبت منا الشريعة تخيُّر أكمل الحالات وأفضلِ الأوقات للشروع في فضائل الأعمال ومهمات المطالب، وتقدم هذا في الكلام على البسملة، وسنذكر ما يتعلق بالشورى عند قوله تعالى: {أية : وشاورهم في الأمر} تفسير : في سورة آل عمران (159). وأسندت حكاية هذا القول إلى الله سبحانه بعنوان الرب لأنه قول منبىء عن تدبير عظيم في جعل الخليفة في الأرض،ففي ذلك الجعل نعمة تدبير مشوب بلطف وصلاح وذلك من معاني الربوبية كما تقدم في قوله: {أية : الحمد لله رب العالمين}تفسير : [الفاتحة: 2]، ولما كانت هذه النعمة شاملة لجميع النوع أضيف وصف الرب إلى ضمير أشرف أفراد النوع وهو النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع تكريمه بشرف حضور المخاطَبة. {قَالُوۤاْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}. هذا جواب الملائكة عن قول الله لهم: {إني جاعل في الأرض خليفة} فالتقدير فقالوا على وزان قوله: {أية : وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا}تفسير : [البقرة: 34] وفُصل الجواب ولم يعطف بالفاء أو الواو جرياً به على طريقة متبعة في القرآن في حكاية المحاورات وهي طريقة عربية قال زهير:شعر : قيل لهم ألا اركبوا ألاتا قالوا جميعاً كلهم آلافا تفسير : أي فاركبوا ولم يقل فقالوا. وقال رؤية بن العجاج:شعر : قالت بنات العم يا سلمى وإن كان فقيراً مُعدماً قالت وإن تفسير : وإنما حذفوا العاطف في أمثاله كراهية تكرير العاطف بتكرير أفعال القول فإن المحاورة تقتضي الإعادة في الغالب فطردوا الباب فحذفوا العاطف في الجميع وهو كثير في التنزيل وربما عطفوا ذلك بالفاء لنكتة تقتضي مخالفة الاستعمال وإن كان العطف بالفاء هو الظاهر والأصل، وهذا مما لم أسبق إلى كشفه من أساليب الاستعمال العربي. ومما عطف بالفاء قوله تعالى: {أية : فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلٰه غيره أفلا تتقون فقال الملأ } تفسير : في سورة المؤمنين [23، 24] وقد يعطف بالواو أيضاً كما في قوله: {أية : فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إلٰه غيره أفلا تتقون وقال الملأ من قومه} تفسير : الخ في سورة المؤمنون [32، 33] وذلك إذا لم يكن المقصود حكاية التحاور بل قصد الإخبار عن أقوال جرت أو كانت الأقوال المحكية ممّا جرى في أوقات متفرّقة أو أمكنة متفرّقة. ويظهر ذلك لك في قوله تعالى: {أية : قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه}تفسير : [غافر: 25] إلى قوله: {أية : وقال فرعون ذروني أقتل موسى} تفسير : (26) ثم قال تعالى: {أية : وقال موسى إني عذت بربي وربكم} تفسير : (27) ثم قال: {أية : وقال رجل مؤمن من آل فرعون} تفسير : (28) الآية في سورة غافر، وليس قوله: {قالوا أتجعل} جواباً لإذ عاملاً فيها لما قدمناه آنفاً من أنه يفضي إلى أن يكون قولهم: {أتجعل فيها} هو المقصود من القصة وأن تصير جملة (إذ) تابعة له إذ الظرف تابع للمظروف. والاستفهام المحكي عن كلام الملائكة محمول على حقيقته مضمن معنى التعجب والاستبعاد من أن تتعلق الحكمة بذلك فدلالة الاستفهام على ذلك هنا بطريق الكناية مع تطلب ما يزيل إنكارهم واستبعادهم فلذلك تعين بقاء الاستفهام على حقيقته خلافاً لمن توهم الاستفهام هنا لمجرد التعجب، والذي أقدم الملائكة على هذا السؤال أنهم علموا أن الله لما أخبرهم أراد منهم إظهار علمهم تجاه هذا الخبر لأنهم مفطورون على الصدق والنزاهة من كل مؤاربة فلما نشأ ذلك في نفوسهم أفصحت عنه دلالة تدل عليه يعلمها الله تعالى من أحوالهم لا سيما إذا كان من تمام الاستشارة أن يبدي المستشار ما يراه نصحاً وفي الحديث: «حديث : المستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم» تفسير : يعني إذا تكلم فعليه أداء أمانة النصحية. وعبر بالموصول وصلته للإيماء إلى وجه بناء الكلام وهو الاستفهام والتعجب لأن من كان من شأنه الفساد والسفك لا يصلح للتعمير لأنه إذا عمر نقض ما عمره. وعُطف سفك الدماء على الإفساد للاهتمام به. وتكرير ضمير (الأرض) للاهتمام بها والتذكير بشأن عمرانها وحفظ نظامها ليكون ذلك أدخل في التعجب من استخلاف آدم وفي صرف إرادة الله تعالى عن ذلك إن كان في الاستشارة ائتمار. والإفساد تقدم في قوله تعالى: {أية : ألا إنهم هم المفسدون}تفسير : [البقرة: 12]. والسفك الإراقة وقد غلب في كلامهم تعديته إلى الدماء وأما إراقة غير الدم فهي سفح بالحاء. وفي المجيء بالصلة جملة فعلية دلالة على توقع أن يتكرر الإفساد والسفك من هذا المخلوق وإنما ظنوا هذا الظن بهذا المخلوق من جهة ما استشعروه من صفات هذا المخلوق المستخلف بإدراكهم النوراني لهيئة تكوينه الجسدية والعقلية والنطقية إما بوصف الله لهم هذا الخليفة أو برؤيتهم صورة تركيبه قبل نفخ الروح فيه وبعده، والأظهر أنهم رأوه بعد نفخ الروح فيه فعلموا أنه تركيب يستطيع صاحبه أن يخرج عن الجبلة إلى الاكتساب وعن الامتثال إلى العصيان فإن العقل يشتمل على شاهية وغاضبة وعاقلة ومن مجموعها ومجموع بعضها تحصل تراكيب من التفكير نافعة وضارة، ثم إن القدرة التي في الجوارح تستطيع تنفيذ كل ما يخطر للعقل وقواه أن يفعله ثم إن النطق يستطيع إظهار خلاف الواقع وترويج الباطل، فيكون من أحوال ذلك فساد كبير ومن أحواله أيضاً صلاح عظيم وإن طبيعة استخدام ذي القوة لقواه قاضية بأنه سيأتي بكل ما تصلح له هذه القوى خيرها وشرها فيحصل فعل مختلط من صالح وسيء، ومجرد مشاهدة الملائكة لهذا المخلوق العجيب المراد جعله خليفة في الأرض كاف في إحاطتهم بما يشتمل عليه من عجائب الصفات على نحو ما سيظهر منها في الخارج لأن مداركهم غاية في السمو لسلامتها من كدرات المادة، وإذا كان أفراد البشر يتفاوتون في الشعور بالخفيات، وفي توجه نورانية النفوس إلى المعلومات، وفي التوسم والتفرس في الذوات بمقدار تفاوتهم في صفات النفس جبلية واكتسابية ولدنية التي أعلاها النبوة، فما ظنك بالنفوس الملكية البحتة؟ وفي هذا ما يغنيك عما تكلف له بعض المفسرين من وجه اطلاع الملائكة على صفات الإنسان قبل بدوها منه من توقيف واطلاع على ما في اللوح أي علم الله، أو قياس على أمة تقدمت وانقرضت، أو قياس على الوحوش المفترسة إذ كانت قد وجدت على الأرض قبل خلق آدم كما في سفر التكوين من التوراة. وبه أيضاً تعلم أن حكم الملائكة هذا على ما يتوقع هذا الخلق من البشر لم يلاحظ فيه واحد دون آخر، لأنه حكم عليهم قبل صدور الأفعال منهم وإنما هو حكم بما يصلحون له بالقوة، فلا يدل ذلك على أن حكمهم هذا على بني آدم دون آدم حيث لم يفسد، لأن في هذا القول غفلة عما ذكرناه من البيان. وأوثر التعبير بالفعل المضارع في قوله: {من يفسد} {ويسفك} لأن المضارع يدل على التجدد والحدوث دون الدوام أي من يحصل منه الفساد تارة وسفك الدماء تارة لأن الفساد والسفك ليسا بمستمرين من البشر. وقولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها} دليل على أنهم علموا أن مراد الله من خلق الأرض هو صلاحها وانتظام أمرها وإلا لما كان للاستفهام المشوب بالتعجب موقع وهم علموا مراد الله ذلك من تلقيهم عنه سبحانه أو من مقتضى حقيقة الخلافة أو من قرائن أحوال الاعتناء بخلق الأرض وما عليها على نظم تقتضي إرادة بقائها إلى أمد، وقد دلت آيات كثيرة على أن إصلاح العالم مقصد للشارع قال تعالى: {أية : فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله}تفسير : [محمد: 22، 23] وقال: {أية : وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنَّسْل واللَّهُ لا يحب الفساد}تفسير : [البقرة: 205]. ولا يَرد هنا أن هذا القول غيبة وهم منزهون عنها لأن ذلك العالم ليس عالم تكليف ولأنه لا غيبة في مَشُورة ونحوها كالخِطبة والتجريح لتوقف المصلحة على ذكر ما في المستشارِ في شأنه من النقائص، ورجحانِ تلك المصلحة على مفسدة ذكر أحدٍ بما يَكْره، ولأن الموصوف بذلك غيرُ معين إذ الحكم على النوع، فانتفى جميع ما يترتب على الغيبة من المفاسد في واقعة الحال فلذلك لم يحجم عنها الملائكة. {ونحن نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}. الواو متعينة للحالية إذ لا موقع للعطف هنا وإن كان ما بعد الواو من مقولهم ومحكياً عنهم لكن الواو من المَحْكِي وليست من الحكاية لأن قولهم {ونحن نسبح بحمدك} يحتْمل معنيين أحدهما أن يكون الغرض منه تفويض الأمر إلى الله تعالى واتهامَ عِلمهم فيما أشاروا به كما يفعل المستشار مع من يعلم أنه أسَدُّ منه رأياً وأرجح عقلاً فيشير ثم يفوّض كما قال أهل مشورة بِلْقِيس إذ قالت: {أَفْتُوني في أمري ما كنتُ قاطعة أمراً حتى تشهدون قالوا نحن أُولُوا قوة وأُولُوا بأسٍ شديد (أي الرأي أن نحاربه ونصده عما يريد من قوله {أية : وأُتُوني مسلمين}تفسير : ) [النمل: 31] ـــ والأمرُ إليك {أية : فانظري ماذا تَأْمُرين} تفسير : [النمل: 32، 33]، وكما يفعل التلميذ مع الأستاذ في بحثه معه ثم يصرح بأنه مَبْلغ علمه، وأن القول الفصل للأستاذ، أو هو إعلان بالتنزيه للخالق عن أن يخفى عليه ما بدا لهم من مانع استخلاف آدم، وبراءةٌ من شائبة الاعتراض، والله تعالى وإن كان يعلم براءَتهم من ذلك إلا أن كلامهم جرى على طريقة التعبير عما في الضمير من غير قصد إعلام الغير، أو لأنَّ في نفس هذا التصريح تبركاً وعبادة، أو إعْلاَن لأهل الملإ الأعلى بذلك. فإذا كان كذلك كان العطف غير جائز لأن الجملة المحكية بالقول إذا عطفت عليها جملة أخرى من القول فالشأن أن لا يقصد العطف على تقدير عامل القول إلا إذا كان القولان في وقتين كما في قوله تعالى: {أية : وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}تفسير : [آل عمران: 173] على أحد الوجوه في عطف جملة {نعم الوَكيل} عند من لا يَرَوْن صحة عطف الإنشاء على الخبر وإن كان الحق صحة عطف الإنشاء على الخبر وعكسه وأنه لا ينافي حُسن الكلام، فلذلك لم يكن حظ للعطف، ألا ترى أنهم إذا حَكَوا حادثاً مُلِمًّا أو مُصاباً جَمًّا أعقبوه بنحو حسبنا الله ونعم الوكيل أو إنا لله وإنا إليه راجعون أو نحو ذلك ولا يعطفون مثل ذلك فكانت الواو واو الحال للإشارة إلى أن هذا أمر مستحضر لهم في حال قولهم: {أتجعل فيها من يفسد} وليس شيئاً خطر لهم بعد أن توغلوا في الاستبعاد والاستغراب. الاحتمال الثاني: أن يكون الغرض من قولهم {ونحن نسبح بحمدك} التعريض بأنهم أولى بالاستخلاف لأن الجملة الاسمية دلت على الدوام وجملة {من يفسد فيها} دلت على توقع الفساد والسفك فكان المراد أن استخلافه يقع منه صلاح وفساد والذين لا يصدر منهم عصيان مراد الله هم أولى بالاستخلاف ممن يتوقع منه الفساد فتكون حالاً مقررة لمدلول جملة {أتجعل فيها من يفسد} تكملة للاستغراب، وعاملها هو {تجعل} وهذا الذي أشار إليه تمثيل «الكشاف». والعامل في الحال هو الاستفهام لأنه مما تضمن معنى الفعل لا سيما إذا كان المقصود منه التعجب أيضاً إذ تقدير {أتجعل فيها} الخ نتعجب من جعله خليفة. والتسبيح قول أو مجموع قول مع عمل يدل على تعظيم الله تعالى وتنزيهه ولذلك سمى ذكر الله تسبيحاً، والصلاة سبحة ويطلق التسبيح على قول سبحان الله لأن ذلك القول من التنزيه وقد ذكروا أن التسبيح مشتق من السبح وهو الذهاب السريع في الماء إذ قد توسع في معناه إذ أطلق مجازاً على مر النجوم في السماء قال تعالى: {أية : وكل في فلك يسبحون}تفسير : [يس: 40] وعلى جري الفرس قالوا فلعل التسبيح لوحظ فيه معنى سرعة المرور في عبادة الله تعالى، وأظهر منه أن يكون سبح بمعنى نَسب للسبح أي البعد وأريد البعد الاعتباري وهو الرفعة أي التنزيه عن أحوال النقائص وقيل سمع سبح مخففاً غير مضاعف بمعنى نزه، ذكره في «القاموس». وعندي أن كون التسبيح مأخوذاً من السبح على وجه المجاز بعيد والوجه أنه مأخوذ من كلمة سبحان ولهذا التزموا في هذا أن يكون بوزن فعّل المضاعف فلم يسمع مخففاً. وإذا كان التسبيح كما قلنا هو قول أو قول وعمل يدل على التعظيم فتعلق قوله {بحمدك} به هنا وفي أكثر المواضع في القرآن ظاهر لأن القول يشتمل على حمد الله تعالى وتمجيده والثناء عليه فالباء للملابسة أي نسبح تسبيحاً مصحوباً بالحمد لك وبذلك تنمحي جميع التكلفات التي فسروا بها هنا. والتقديس التنزيه والتطهير وهو إما بالفعل كما أطلق المقدس على الراهب في قول امرىء القيس يصف تعلق الكلاب بالثور الوحشي:شعر : فأدركنه يأخذن بالساق والنسا كما شبرق الولدان ثوب المقدس تفسير : وإما بالاعتقاد كما في الحديث: «حديث : لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها»تفسير : أي لا نزهها الله تعالى وطهرها من الأرجاس الشيطانية. وفعل قدس يتعدى بنفسه فالإتيان باللام مع مفعوله في الآية لإفادة تأكيد حصول الفعل نحو شكرت لك ونصحت لك وفي الحديث عند ذكر الذي وجد كلباً يلهث من العطش «حديث : فأخذ خفه فأدلاه في الركية فسقاه فشكر الله له»تفسير : أي شكره مبالغة في الشكر لئلا يتوهم ضعف ذلك الشكر من أنه عن عمل حسنة مع دابة فدفع هذا الإيهام بالتأكيد باللام وهذا من أفصح الكلام، فلا تذهب مع الذين جعلوا قوله: {لك} متعلقاً بمحذوف تقديره حامدين أو هو متعلق بنسبح واللام بمعنى لأجلك على معنى حذف مفعول {نسبح} أي نسبح أنفسنا أي ننزهها عن النقائص لأجلك أي لطاعتك فذلك عدول عن فصيح الكلام، ولك أن تجعل اللام لام التبيين التي سنتعرض لها عند قوله تعالى: {أية : واشكروا لي ولا تكفرون}تفسير : [البقرة: 152]. فمعنى {ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} نحن نعظمك وننزهك والأول بالقول والعمل والثاني باعتقاد صفات الكمال المناسبة للذات العلية، فلا يتوهم التكرار بين (نسبح) و(نقدس). وأوثرت الجملة الاسمية في قوله: {ونحن نسبح} لإفادة الدلالة على الدوام والثبات أي هو وصفهم الملازم لجبلتهم، وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي دون حرف النفي يحتمل أن يكون للتخصيص بحاصل ما دلت عليه الجملة الاسمية من الدوام أي نحن الدائمون على التسبيح والتقديس دون هذا المخلوق والأظهر أن التقديم لمجرد التقوى نحو هو يعطي الجزيل. {قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. جواب لكلامهم فهو جار على أسلوب المقاولة في المحاورات كما تقدم، أي أعلم ما في البشر من صفات الصلاح ومن صفات الفساد. واعلم أن صلاحه يحصل منه المقصد من تعمير الأرض وأن فساده لا يأتي على المقصد بالإبطال وأن في ذلك كله مصالح عظيمة ومظاهر لتفاوت البشر في المراتب واطلاعاً على نموذج من غايات علم الله تعالى وإرادته وقدرته بما يظهره البشر من مبالغ نتائج العقول والعلوم والصنائع والفضائل والشرائع وغير ذلك. كيف ومن أبدع ذلك أن تركب الصفتين الذميمتين يأتي بصفات الفضائل كحدوث الشجاعة من بين طرفي التهور والجبن. وهذا إجمال في التذكير بأن علم الله تعالى أوسع مما علموه فهم يوقنون إجمالاً أن لذلك حكمة ومن المعلوم أن لا حاجة هنا لتقدير وما تعلمون بعد {ما لا تعلمون} لأنه معروف لكل سامع ولأن الغرض لم يتعلق بذكره وإنما تعلق بذكر علمه تعالى بما شذ عنهم. وقد كان قول الله تعالى هذا تنهية للمحاورة وإجمالاً للحجة على الملائكة بأن سعة علم الله تحيط بما لم يحط به علمهم وأنه حين أراد أن يجعل آدم خليفة كانت إرادته عن علم بأنه أهل للخلافة، وتأكيد الجملة بأن لتنزيل الملائكة في مراجعتهم وغفلتهم عن الحكمة منزلة المترددين.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} الآية. في قوله: {خَلِيفَةً} وجهان من التفسير للعلماء: أحدهما: أن المراد بالخليفة أبونا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. لأنه خليفة الله في أرضه في تنفيذ أوامره. وقيل: لأنه صار خلفاً من الجن الذين كانوا يسكنون الأرض قبله. وعليه فالخليفة: فعيلة بمعنى فاعل. وقيل: لأنه إذا مات يخلفه من بعده، وعليه فهو من فعيلة بمعنى مفعول. وكون الخليفة هو آدم هو الظاهر المتبادر من سياق الآية. الثاني: أن قوله خليفة مفرد أريد به الجمع، أي خلائف، وهو اختيار ابن كثير. والمفرد إن كان اسم جنس يكثر في كلام العرب إطلاقه مراداً به الجمع كقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ} تفسير : [القمر: 54] يعني وأنهار، بدليل قوله: {أية : فِيهَآ أَنْهَارٌ مِّن مَّآءٍ غَيْرِ آسِنٍ} تفسير : [محمد: 15] الآية، وقوله: {أية : وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} تفسير : [الفرقان: 74]، وقوله: {أية : فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً} تفسير : [النساء: 4]. ونظيره من كلام العرب قول عقيل بن عُلَّفَة المري: شعر : وكان بنو فزارة شر عمٍّ وكنت لهم كشر بني الأخينا تفسير : وقول العباس بن مرداس السلمي: شعر : فقلنا اسلموا إنا أخوكم وقد سلمت من الإحن الصدور تفسير : وأنشد له سيبويه قول علقمة بن عبدة التميمي: شعر : بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب تفسير : وقول الآخر: شعر : كلوا في بعض بطنكم تعفو فإن زمانكم زمن خميص تفسير : وإذا كانت هذه الآية الكريمة تحتمل الوجهين المذكورين. فاعلم أنه قد دلت آيات أخر على الوجه الثاني، وهو أن المراد بالخليفة: الخلائف من آدم وبنيه لا آدم نفسه وحده، كقوله تعالى: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} الآية. ومعلوم أن آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس ممن يفسد فيها ولا ممن يسفك الدماء، وكقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [فاطر: 39] الآية، وقوله: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنعام: 165] الآية، وقوله: {أية : وَيَجْعَلُكُمْ حُلَفَآءَ} تفسير : [النمل: 62] الآية. ونحو ذلك من الآيات. ويمكن الجواب عن هذا بأن المراد بالخليفة آدم، وأن الله أعلم الملائكة أنه يكون من ذريته من يفعل ذلك الفساد وسفك الدماء، فقالوا ما قالوا. وأن المراد بخلافة آدم الخلافة الشرعية، وبخلافة ذريته أعم من ذلك، وهو أنهم يذهب منهم قرن ويخلفه قرن آخر. تنبيه: قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة. يسمع له ويطاع. لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة، ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصمّ حيث كان عن الشريعة أصم إلى أن قال: ودليلنا قول الله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}، وقوله تعالى: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [ص: 26]، وقال: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [النور: 55]، أي يجعل منهم خلفاء إلى غير ذلك من الآي. وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بنى ساعدة في التعيين، حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك. وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش. فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها. ولقال قائل: إنها غير واجبة لا في قريش ولا في غيرهم. فما لتنازعكم وجه، ولا فائدة في أمر ليس بواجب، ثم إن الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد: هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك. فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين والحمد لله رب العالمين. انتهى من القرطبي. قال مقيده [عفا الله عنه]: من الواضح المعلوم من ضرورة الدين أن المسلمين يجب عليهم نصب إمام تجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الله في أرضه. ولم يخالف في هذا إلا من لا يعتد به كأبى بكر الأصم المعتزلي، الذي تقدم في كلام القرطبي، وكضرار، وهشام القوطي ونحوهم. وأكثر العلماء على أن وجوب الإمامة الكبرى بطريق الشرع كما دلت عليه الآية المتقدمة وأشباهها وإجماع الصحابة رضي الله عنهم. ولأن الله تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن، كما قال تعالى: {أية : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} تفسير : [الحديد: 25] لأن قوله: {وَأَنزْلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} فيه إشارة إلى إعمال السيف عند الإباء بعد إقامة الحجة. وقالت الإمامية: إن الإمامة واجبة بالعقل لا بالشرع. وعن الحسن البصري والجاحظ والبلخي: أنها تجب بالعقل والشرع معاً. واعلم أن ما تتقوله الإمامية من المفتريات على أبي بكر وعمر وأمثالهم من الصحابة، وما تتقوله في الاثني عشر إماماً، وفي الإمام المنتظر المعصوم، ونحو ذلك من خرافاتهم وأكاذيبهم الباطلة كله باطل لا أصل له. وإذا أردت الوقوف على تحقيق ذلك: فعليك بكتاب "منهاج السنة النبوية، في نقض كلام الشيعة والقدرية"، للعلامة الوحيد الشيخ تقي الدين أبي العباس بن تيمية - تغمده الله برحمته - فإنه جاء فيه بما لا مزيد عليه من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة على إبطال جميع تلك الخرافات المختلقة. فإذا حققت وجوب نصب الإمام الأعظم على المسلمين، فاعلم أن الإمامة تنعقد له بأحد أمور. الأول: ما لو نص صلى الله عليه وسلم على أن فلاناً هو الإمام. فإنها تنعقد له بذلك. وقال بعض العلماء: إن إمامة أبي بكر رضي الله عنه من هذا القبيل: لأن تقديم النَّبي صلى الله عليه وسلم له في إمامة الصلاة وهي أهم شيء، فيه الإشارة إلى التقديم للإمامة الكبرى وهو ظاهر. الثاني: هو اتفاق أهل الحل والعقد على بيعته. وقال بعض العلماء: إن إمامة أبي بكر منه: لإجماع أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار عليها بعد الخلاف. ولا عبرة بعدم رضى بعضهم، كما وقع من سعد بن عبادة رضي الله عنه من عدم قبوله بيعة أبي بكر رضي الله عنه. الثالث: أن يعهد إليه الخليفة الذي قبله، كما وقع من أبي بكر لعمر رضي الله عنهما. ومن هذا القبيل: جعل عمر رضي الله عنه الخلافة شورى بين ستة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وهو عنهم راض. الرابع: أن يتغلب على الناس بسيفه وينزع الخلافة بالقوة حتى يستتب له الأمر وتدين له الناس لما في الخروج عليه حينئذ من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم. قال بعض العلماء: ومن هذا القبيل قيام عبد الملك بن مروان على عبد الله بن الزبير وقتله إياه في مكة على يد الحجاج بن يوسف فاستتب الأمر له، كما قاله ابن قدامة في المغني. ومن العلماء من يقول: تنعقد له الإمامة ببيعة واحد، وجعلوا منه مبايعة عمر لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة، ومال إليه القرطبي، وحكى عليه إمام الحرمين الإجماع وقيل: ببيعة أربعة. وقيل غير ذلك. هذا ملخص كلام العلماء فيما تنعقد به الإمامة الكبرى. ومقتضى كلام الشيخ تقي الدين أبي العباس ابن تيمية - رحمه الله - في "المنهاج" أنها إنما تنعقد بمبايعة من تقوى به شوكته، ويقدر به على تنفيذ أحكام الإمامة. لأن من لا قدرة له على ذلك كآحاد الناس ليس بإمام. واعلم أن الإمام الأعظم تشترط فيه شروط: الأول: أن يكون قرشياً وقريش أولاد فهر بن مالك. وقيل: أولاد النضر بن كنانة. فالفهري قرشي بلا نزاع. ومن كان من أولاد مالك بن النضر أو أولاد النضر بن كنانة فيه خلاف. هل هو قرشي أو لا؟ وما كان من أولاد كنانة من غير النضر فليس بقرشي بلا نزاع. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة في ذكر شرائط الإمام: الأول: أن يكون من صميم قريش لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الأَئمة من قريش"تفسير : . وقد اختلف في هذا. قال مقيده [عفا الله عنه]: الاختلاف الذي ذكره القرطبي في اشتراط كون الإمام الأعظم قرشياً ضعيف. وقد دلت الأحاديث الصحيحة على تقديم قريش في الإمامة على غيرهم. وأطبق عليه جماهير العلماء من المسلمين. وحكى غير واحد عليه الإجماع، ودعوى الإجماع تحتاج إلى تأويل، ما أخرجه الإمام أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال: "إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته". فذكر الحديث وفيه: "فإن أدركني أجلي وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل". ومعلوم أن معاذاً غير قرشي وتأويله بدعوى انعقاد الإجماع بعد عمر أو تغيير رأيه إلى موافقة الجمهور. فاشتراط كونه قرشياً هو الحق، ولكن النصوص الشرعية دلت على أن ذلك التقديم الواجب لهم في الإمامة مشروط بإقامتهم الدين وإطاعتهم لله ورسوله. فإن خالفوا أمر الله فغيرهم ممن يطيع الله تعالى وينفذ أوامره أولى منهم. فمن الأدلة الدالة على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن معاوية رضي الله عنه حيث قال: "باب الأمراء من قريش": حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش: أن عبد الله بن عمرو يحدث أنه سيكون ملك قحطان، فغضب، فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثُمّ قال: أَما بعد: فإنه قد بلغني أَن رجالاً منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأُولئك جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها. فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أَحد إِلا كبه الله على وجهه ما أَقاموا الدين"تفسير : . انتهى من صحيح البخارى بلفظه. ومحلّ الشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أَقاموا الدين"تفسير : لأن لفظة "ما" فيه مصدرية ظرفية مقيدة لقوله: إن هذا الأَمر في قريش، وتقرير المعنى: إن هذا الأمر في قريش مدة أقامتهم الدين، ومفهومه: أنهم إن لم يقيموه لم يكن فيهم. وهذا هو التحقيق الذي لا شك فيه في معنى الحديث. وقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على حديث معاوية هذا ما نصه: وقد ورد في حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه نظير ما وقع في حديث معاوية، ذكره محمد بن إسحاق في الكتاب الكبير. فذكر قصة سقيفة بني ساعدة، وبيعة أبي بكر وفيها. فقال أبو بكر: وإن هذا الأمر في قريش ما أطاعوا الله واستقاموا على أمره. وقد جاءت الأحاديث التي أشرت إليها على ثلاثة أنحاء: الأول: وعيدهم باللعن إذا لم يحافظوا على المأمور به. كما في الأحاديث التي ذكرتها في الباب الذي قبله حيث قال: "حديث : الأمراء من قريش ما فعلوا ثلاثاً: ما حكموا فعدلوا" تفسير : - الحديث. وفيه: "حديث : فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله " تفسير : وليس في هذا ما يقتضى خروج الأمر عنهم. الثاني: وعيدهم بأن يسلط عليهم من يبالغ في أذيتهم. فعند أحمد وأبي يعلى من حديث ابن مسعود رفعه: "حديث : إنكم أهل هذا الأمر ما لم تحدثوا، فإذا غيرتم، بعث الله عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب"تفسير : . ورجاله ثقات إلا أنه من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عم أبيه عبد الله بن مسعود ولم يدركه، هذه رواية صالح بن كيسان عن عبيد الله، وخالفه حبيب بن أبي ثابت فرواه عن القاسم بن محمد بن عبد الرحمن عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي مسعود الأنصاري ولفظه "حديث : لا يزال هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته"تفسير : الحديث. وفي سماع عبيد الله من أبي مسعود نظر مبني على الخلاف في سنة وفاته، وله شاهد من مرسل عطاء بن يسار. أخرجه الشافعي والبيهقي من طريقه بسند صحيح إلى عطاء: ولفظه: قال لقريش: "حديث : أَنتم أولى بهذا الأمر ما كنتم على الحق إلا أن تعدلوا عنه، فتلحون كما تلحى هذه الجريدة"تفسير : ، وليس في هذا تصريح بخروج الأمر عنهم، وإن كان فيه إشعار به. الثالث: الإذن في القيام عليهم وقتالهم، والإيذان بخروج الأمر عنهم كما أخرجه الطيالسي والطبراني من حديث ثوبان رفعه: "حديث : استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا فكونوا زراعين أشقياء"تفسير : ، ورجاله ثقاة، إلا أن فيه انقطاعاً. لأن رواية سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان، وله شاهد في الطبراني من حديث النعمان بن بشير بمعناه. وأخرج أحمد من حديث ذى مخبر [بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحدة بعدهما راء] وهو ابن أخي النجاشي عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كان هذا الأمر في حمير فنزعه الله منهم وصيره في قريش وسيعود لهم" تفسير : وسنده جيد، وهو شاهد قوي لحديث القحطاني، فإن حمير يرجع نسبها إلى قحطان، وبه يقوى أن مفهوم حديث معاوية "ما أَقاموا الدين" أنهم إذا لم يقيموا الدين خرج الأمر عنهم. انتهى. واعلم أن قول عبد الله بن عمرو بن العاص - الذي أنكره عليه معاوية في الحديث المذكور - إنه سيكون ملك من قحطان إذا كان عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما يعني به القحطاني الذي صحت الرواية بملكه، فلا وجه لإنكاره لثبوت أمره في الصحيح، من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه"تفسير : . أخرجه البخاري في "كتاب الفتن" في "باب تغير الزمان حتى يعبدوا الأوثان"، وفي "كتاب المناقب" في "باب ذكر قحطان". وأخرجه مسلم في "كتاب الفتن وأشراط الساعة" في "باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء" وهذا القحطاني لم يعرف اسمه عند الأكثرين. وقال بعض العلماء: اسمه جهجاه. وقال بعضهم: اسمه شعيب بن صالح. وقال ابن حجر في الكلام على حديث القحطاني هذا ما نصه: "وقد تقدم في الحج أن البيت يحج بعد خروج يأجوج ومأجوج". وتقدم الجمع بينه وبين حديث: "حديث : لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت. وأن الكعبة يخربها ذو السوقتين من الحبشة"تفسير : ، فينتظم من ذلك أن الحبشة إذا خربت البيت خرج عليهم القحطاني فأهلكهم، وأن المؤمنين قبل ذلك يحجون في زمن عيسى بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم، وأن الريح التي تقبض أرواح المؤمنين تبدأ بمن بقي بعد عيسى ويتأخر أهل اليمن بعدها. ويمكن أن يكون هذا مما يفسر به قوله: "الإيمان يمان" أي: يتأخر الإيمان بها بعد فقده من جميع الأرض. وقد أخرج مسلم حديث القحطاني عقب حديث تخريب الكعبة ذو السويقتين فلعله رمز إلى هذا. انتهى منه بلفظه والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم. الثاني: من شروط الإمام الأعظم: كونه ذكراً ولا خلاف في ذلك بين العلماء، ويدل له ما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن فارساً ملكوا ابنة كسرى قال: "حديث : لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " تفسير : الثالث: من شروط الإمام الأعظم كونه حراً. فلا يجوز أن يكون عبداً، ولا خلاف في هذا بين العلماء. فإن قيل: ورد في الصحيح ما يدل على جواز إمامة العبد. فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اسمعوا وأطيعوا، وإِن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة " تفسير : ولمسلم من حديث أم الحصين: "اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله". ولمسلم أيضاً: من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: "أَوصاني خليلي أَن أُطيع وأَسمع، وَإِن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف" فالجواب من أوجه: الأول: أنه قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود. فإطلاق العبد الحبشي لأجل المبالغة في الأمر بالطاعة، وإن كان لا يتصور شرعاً أن يلي ذلك. ذكر ابن حجر هذا الجواب عن الخطابي. ويشبه هذا الوجه قوله تعالى: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} تفسير : [الزخرف: 81] على أحد التفسيرات. الوجه الثاني: أن المراد باستعمال العبد الحبشي أن يكون مؤمراً من جهة الإمام الأعظم على بعض البلاد وهو أظهرها. فليس هو الإمام الأعظم. الوجه الثالث: أن يكون أطلق عليه اسم العبد. نظراً لاتصافه بذلك سابقاً مع أنه وقت التولية حر، ونظيره إطلاق اليتيم على البالغ باعتبار اتصافه به سابقاً في قوله تعالى: {أية : وَآتُواْ ٱلْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ} تفسير : [النساء: 2] الآية - وهذا كله فيما يكون بطريق الاختيار. أما لو تغلب عبد حقيقة بالقوة فإن طاعته تجب، إخماداً للفتنة وصوناً للدماء، ما لم يأمر بمعصية، كما تقدمت الإشارة إليه. والمراد بالزبيبة في هذا الحديث، واحدة الزبيب المأكور المعروف، الكائن من العنب إذا جف، والمقصود من التشبيه: التحقير وتقبيح الصورة. لأن السمع والطاعة إذا وجبا لمن كان كذلك دل ذلك على الوجوب على كل حال إلا في المعصية كما يأتى. ويشبه قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كأنه زبيبة"تفسير : ، قول الشاعر يهجو شخصاً أسود: شعر : دنس الثياب كأن فروة رأسه غُرست فأنبت جانباها فلفلا تفسير : الرابع: من شروطه أن يكون بالغاً، فلا تجوز إمامة الصبي إجماعاً لعدم قدرته على القيام بأعباء الخلافة. الخامس: أن يكون عاقلاً، فلا تجوز إمامة المجنون ولا المعتوه، وهذا لا نزاع فيه. السادس: أن يكون عدلاً فلا تجوز إمامة فاسق، واستدل عليه بعض العلماء بقوله تعالى: {أية : قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة: 124]، ويدخل في اشتراط العدالة اشتراط الإسلام، لأن العدل لا يكون غير مسلم. السابع: أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضياً من قضاة المسلمين، مجتهداً يمكنه الاستغناء عن استفتاء غيره في الحوادث. الثامن: أن يكون سليم الأعضاء غير زمن ولا أعمى ونحو ذلك، ويدل لهذين الشرطين الأخيرين، أعني: العلم وسلامة الجسم، قوله تعالى في طالوت: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ} تفسير : [البقرة: 247]. التاسع: أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب، وتدبير الجيوش، وسد الثغور، وحماية بيضة المسلمين، وردع الأمة، والانتقام من الظالم، والأخذ للمظلوم، كما قال لقيط الإيادي: شعر : وقلدوا أمركم لله دركم رحب الذراع بأمر الحرب مطلعا تفسير : العاشر: أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود، ولا فزع من ضرب الرقاب، ولا قطع الأعضاء، ويدل لذلك: إجماع الصحابة رضي الله عنهم على أن الإمام لا بد أن يكون كذلك، قاله القرطبي. مسائل الأولى: إذا طرأ على الإمام الأعظم فسق أو دعوة إلى بدعة، هل يكون ذلك سبباً لعزله والقيام عليه أو لا؟ قال بعض العلماء: إذا صار فاسقاً أو داعياً إلى بدعة جاز القيام عليه لخلعه، والتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا يجوز القيام عليه لخلعه إلا إذا ارتكب كفراً بواحاً عليه من الله برهان. فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما حديث : عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله. قال: "إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان" . تفسير : وفي صحيح مسلم من حديث حديث : عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خيار أئمتكم الذين يحبونكم وتحبونهم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم" قال: قلنا يا رسول الله: أفلا تنابذهم عند ذلك؟ قال: "لا ما أقاموا فيكم الصلاة. إلا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله تعالى، ولا ينزعن يداً من طاعة" . تفسير : وفي صحيح مسلم أيضاً: من حديث أم سلمة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ستكون أُمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع"، قالوا: يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا ما صلوا ". تفسير : وأخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من رأى من أميره شيئاً فكرهه فليصبر. فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتةً جاهليةً ". تفسير : وأخرج مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من خلع يداً مِن طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتةً جاهليةً ". تفسير : والأحاديث في هذا كثيرة. فهذه النصوص تدل على منع القيام عليه، ولو كان مرتكباً لما لا يجوز، إلا إذا ارتكب الكفر الصريح الذي قام البرهان الشرعي من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أنه كفر بواح، أي: ظاهر بادٍ لا لبس فيه. وقد دعا المأمون والمعتصم والواثق إلى بدعة القول بخلق القرآن، وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتل والضرب والحبس وأنواع الإهانة، ولم يقل أحد بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك. ودام الأمر بضع عشرة سنة حتى ولي المتوكل الخلافة. فأبطل المحنة، وأمر بإظهار السنة. واعلم أنه أجمع جميع المسلمين على أنه لا طاعة لإمام ولا غيره في معصية الله تعالى. وقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا لبس فيها ولا مطعن، كحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة"تفسير : ، أخرجه الشيخان وأبو داود. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أَنه قال في السَّرية الذين أَمرَهم أَميرهم أَن يدخلوا في النار: "حديث : لو دخلوها ما خرجوا منها أبداً. إِنما الطاعة في المعروف"تفسير : . وفي الكتاب العزيز: {أية : وَلاَ يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} تفسير : [الممتحنة: 12]. المسألة الثانية: هل يجوز نصب خليفتين كلاهما مستقل دون الآخر؟ في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: قول الكرامية بجواز ذلك مطلقاً محتجين بأن علياً ومعاوية كانا إمامين واجبي الطاعة كلاهما على من معه. وبأن ذلك يؤدي إلى كون كل واحد منهما أقوم بما لديه وأضبط لما يليه. وبأنه لما جاز بعث نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة أولى. القول الثاني: قول جماهير العلماء من المسلمين: إنه لا يجوز تعدد الإمام الأعظم، بل يجب كونه واحداً، وأن لا يتولى على قطر من الأقطار إلا أمراؤه المولون من قبله، محتجين بما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ". تفسير : ولمسلم أيضاً من حديث عرفجة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من أتاكم وأمركم جميعٌ على رجلٍ واحد يريد أن يشق عصاكم أَو يفرق جماعتكم فاقتلوه ". تفسير : وفي رواية: "حديث : فاضربوه بالسيف كائناً من كان ". تفسير : ولمسلم أيضاً من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: "حديث : ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع. فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر"تفسير : ، ثم قال: سمعته أُذناي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعاه قلبي. وأبطلوا احتجاج الكرامية بأن معاوية أيام نزاعه مع علي لم يدعِ الإمامة لنفسه، وإنما ادعى ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة. ويدل لذلك: إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما فقط لا كل منهما. وأن الاستدلال بكون كل منهما أقوم بما لديه وأضبط لما يليه، وبجواز بعث نبيين في وقت واحد، يرده قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : فاقتلوا الآخر منهما" تفسير : ولأن نصب خليفتين يؤدي إلى الشقاق وحدوث الفتن. القول الثالث: التفصيل في منع نصب إمامين في البلد الواحد والبلاد المتقاربة، ويجوز في الأقطار المتنائية كالأندلس وخراسان. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان، جاز ذلك على ما يأتى بيانه إن شاء الله تعالى. انتهى منه بلفظه. والمشار إليه في كلامه: نصب خليفتين. وممن قال بجواز ذلك: الأستاذ أبو إسحق كما نقله عنه إمام الحرمين، ونقله عنه ابن كثير والقرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة. وقال ابن كثير: قلت: وهذا يشبه حال الخلفاء بني العباس بالعراق، والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب. المسألة الثالثة: هل للإمام أن يعزل نفسه؟ قال بعض العلماء: له ذلك. قال القرطبي: والدليل على أن له عزل نفسه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أقيلوني أقيلوني، وقول الصحابة رضي الله عنهم: لا نقيلك ولا نستقيلك. قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فمن ذا يؤخرك؟ رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك؟ وقال: فلو لم يكن له ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه. ولقالت له ليس لك أن تقول هذا. وقال بعض العلماء: ليس له عزل نفسه. لأنه تقلد حقوق المسلمين فليس له التخلي عنها. قال مقيده - عفا الله عنه - إن كان عزله لنفسه لموجب يقتضي ذلك كإخماد فتنة كانت ستشتعل لو لم يعزل نفسه، أو لعلمه من نفسه العجز عن القيام بأعباء الخلافة، فلا نزاع في جواز عزله نفسه. ولذا أجمع جميع المسلمين على الثناء على سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، الحسن بن علي رضي الله عنهما، بعزله نفسه وتسليمه الأمر إلى معاوية، بعد أن بايعه أهل العراق. حقناً لدماء المسلمين وأثنى عليه بذلك قبل وقوعه، جده رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "حديث : إن ابني هذا سيد. ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين"تفسير : . أخرجه البخاري وغيره من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. المسألة الرابعة: هل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ قال بعض العلماء: لا يجب. لأن إيجاب الإشهاد يحتاج إلى دليل من النقل. وهذا لا دليل عليه منه. وقال بعض العلماء: يجب الإشهاد عليه. لئلا يدعي مدعٍ أن الإمامة عقدت له سراً، فيؤدي ذلك إلى الشقاق والفتنة. والذين قالوا بوجوب الإشهاد على عقد الإمامة. قالوا: يكفي شاهدان، خلافاً للجبائي في اشتراطه أربعة شهود وعاقداً ومعقوداً له، مستنبطاً ذلك من ترك عمر الأمر شورى بين ستة فوقع الأمر على عاقد، وهو عبد الرحمن بن عوف ومعقود له، وهو عثمان، وبقي الأربعة الآخرون شهوداً، ولا يخفى ضعف هذا الاستنباط كما نبه عليه القرطبي وابن كثير، والعلم عند الله تعالى.
الواحدي
تفسير : {وإذ قال ربك} واذكر لهم يا محمَّدُ إذ قال ربُّك {للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة} يعني: آدم، جعله خليفةً عن الملائكة الذين كانوا سكَّان الأرض بعد الجنِّ، والمراد بذكر هذه القصَّة ذكرُ بدءِ خلق النَّاس. {قالوا أتجعل فيها مَنْ يفسد فيها} كما فعل بنو الجانِّ، قاسوا [الشَّاهد] على الغائب {ونحن نسبح بحمدك} نُبرِّئُك من كلِّ سوءٍ، ونقول: سبحان الله وبحمده، {ونقدِّسُ لك} ونُنزِّهك عمَّا لا يليق بك {قال إني أعلم ما لا تعلمون} من إضمار إبليس العزم على المعصية، فلمَّا قال الله تعالى هذا للملائكة قالوا فيما بينهم: لن يخلق ربُّنا خلقاً هو أعلمُ منَّا، ففضَّل الله تعالى عليهم آدم بالعلم، وعلَّمه اسم كلِّ شيء حتى القصعة [والقصيعة ] والمِغْرفة، وذلك قوله تعالى: {وعلَّم آدم الأسماءَ كلَّها} أَيْ: خلق في قلبه علماً بالأسماء على سبيل الابتداء {ثمَّ عرَضهم} أَيْ: عرض المسمَّيات بالأسماء من الحيوان والجماد وغير ذلك {على الملائكة فقال أنبئوني} أخبروني {بأسماء هٰؤلاء} وهذا أمرُ تعجيزٍ، أراد الله تعالى أن يُبيِّن عجزهم عن علم ما يرون ويُعاينون {إن كنتم صادقين} أنِّي لا أخلق خلقاً أعلمَ منكم، فقالت الملائكة إقراراً بالعجز واعتذاراً: {سبحانك} تنزيهاً لك عن الاعتراض عليك في حكمك {لا علم لنا إلاَّ ما علمتنا} اعترفوا بالعجز عن علم ما لم يُعلَّموه {إنَّك أنت العليم} العالم {الحكيم} الحاكم تحكم بالحقِّ وتقتضي به، فلمَّا ظهر عجز الملائكة قال الله تعالى لآدم: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم}.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الملائكة: جمع مَلأك ويخفف فيقال مَلَك وهم خلق من عالم الغيب أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى خلقهم من نور. الخليفة: من يخلف غيره، والمراد به هنا آدم عليه السلام. يفسد فيها: الإفساد في الأرض يكون بالكفر وإرتكاب المعاصي. يسفك: يسيل الدماء بالقَتْلِ وَالجَرْحِ. نسبح بحمدك: نقول سبحان الله وبحمده. والتسبيح: التنزيه عما لا يليق بالله تعالى. ونقدس لك: فننزهك عما لا يليق بك. والتقديس: التطهير والبعد عما لا ينبغي. واللام فى لك زائدة لتقوية المعنى إذ فعل قدس يتعدى بنفسه يقال قدّسَه. معنى الآية يأمر تعالى رسوله أن يذكر قوله للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة يخلفه في إجراء أحكامه في الأرض، وأن الملائكة تساءلت متخوفة من أن يكون هذا الخليفة ممن يسفك الدماء ويفسد في الأرض بالكفر والمعاصي قياساً على خلق من الجن حصل منهم ما تخوفوه. فأعلمهم ربهم أنه يعلم من الْحِكم والمصالح مالا يعلمون. والمراد من هذا التذكير: المزيد من ذكر الأدلة الدالة على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته الموجبة للايمان به تعالى ولعبادته دون غيره. هداية الآية من هداية الآية: 1- سؤال من لا يعلم غيره ممن يعلم. 2- عدم انتهار السائل وإجابته أو صرفه بلطف. 3- معرفة بدء الخلق. 4- شرف آدم وفضله.
القطان
تفسير : ان أمر الخليقة، وكيفية تكوين هذا الكون على هذه الصورة. وخلق الحياة فيه. لهي من الشئون الإلَهية التي حيّرت العقول. والتي يعزّ الوقوف عليها كما هي. وقد قص الله علينا في هذه الآيات خبر النشأة الانسانية بطريقة لطيفة. ومثّل لنا المعاني في صور محسوسة وأبرز لنا الحِكم والأسرار بأسلوب المناظرة والحوار. ويعتبر بعض العلماء هذا النوع من القصص في القرآن ـ من المتشابه الذي لا يمكن حمله على ظاهره. ذلك أن هذه الآيات بحسب قانون التخاطب إما ان تكون استشارة. وذلك محال على الله تعالى. واما ان تكون إخباراً منه سبحانه وتعالى للملائكة واعتراضاً منهم ومحاجّة وجدالا، وذلك لا يليق بجلال الله ولا بملائكته الذين {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [التحريم:6]. وللعلماء في هذا النوع من المتشابه طريقتان: الاولى: طريقة السلَف وهي التنزيه كقوله تعالى: {أية : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}تفسير : [الشورى:11] وقوله تعالى: {أية : سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ}تفسير : [الصافات:180] وتفويض الأمر الى الله تعالى في فهم حقيقة ذلك، مع العلم بأن الله يعلّمنا بمضمون كلامه ما نستفيد به من أعمالنا وأحوالنا، ويأتينا في ذلك بما يقرّب المعاني من عقولنا ويصورها لمخيّلاتنا. والثانية: طريقة الخلَف وهي التأويل، يقولون: ان قواعد الدين الاسلامي وُضعت على أساس العقل. فمن ثمَ لا يخرج شيء منها عن العقول، فإذا ورد في القرآن أو الحديث شيء يخالف العقل حسُن تأويله حتى يقرب الى الأذهان. وعلى هذا قالوا: ان قصة الخلق انما وردت مورد التمثيل لتقريبها من أذهان الناس، ولفْهم حالة خَلق الانسان وحال النشأة الاولى. لذا بيّن الله سبحانه انه هو الذي أحيا الانسان ومكّن له في الارض، ثم بين بعد ذلك أصل تكوين الانسان وما أودع فيه من عِلم الأشياء وذكّره به.. فاذكر يا محمد نعمةً أخرى من ربك على الانسان، وهي أنه قال للملائكة: إني جاعل في الأرض من أمكّنه فيها وأجعله صاحب سلطان، وهو آدم وذريته. وإنها لمنزلة عظيمة وتكريم كبير لهذا الانسان! فاستفهم الملائكة عن سر ذلك قائلين: أتجعل في الأرض من يُفسد فيها بالمعاصي وسفك الدماء بالعدوان، لما في طبيعته من شهوات، بينما نحن ننزهك عما لا يليق بعظمتك ونطهّر ذكرك ونمجّدك؟ فأجابهم الله بقوله: إني أعلم ما لا تعلمون، من المصلحة في ذلك. لقد أودعتُ فيه من السر ما لم أودعه فيكم. وفي هذا ارشاد للملائكة وللناس ان يعلموا أنّ أفعاله تعالى كلّها بالغةٌ غايةَ الحكمة والكمال، وإن لم يفهموا ذلك من أول وهلة. وقال فريق من المفسرين: ان قول الملائكة: "أتجعل فيها من يُفسد في الأرض ويسفك الدماء" يُشعر بأنه كان في الأرض صنفٌ أو أكثر من نوع الحيوان الناطق، وانه كان قد انقرض يوم خلْق الانسان، وقدّر الملائكةُ ان الصنف المستخلَف الجديد، أي آدم وذريته، لن يسلك الا مثل ما سلك سابقوه، وقاسوا فعله اللاحق على فعل السلف السابق، من إفساد وسفك دماء.. من ثم استنبطوا سؤالهم وكأنه اعتراض، مع انه تقرير مبني على قياس. واذا صحّ هذا فليس آدم أول الصنف العاقل من الحيوان على هذه الأرض، وانما كان أول طائفة جديدة من الحيوان الناطق تماثل الطائفة البائدة منه في الذات والمادة، كيما يصح القياس. وهذه الآية تجلّي حجة الرسول ودعوته من حيث أنه: اذا كان الملائكة محتاجين الى العلم ويستفيدونه بالتعلم من الله تعالى بالطريقة التي تناسب حالهم، فإن البشر أولى منهم في إنكار ما لم يعرفوه حتى يعلموا؛ وأن الافساد في الارض وجحود الحق ومناصبة الداعي اليه العداءَ ـ ليس بدعاً من قريش، وانما هو طبيعة البشر. والملائكة والملائك جمع مَلك نؤمن بوجودهم ولا نعرف عنهم الا ما ورد في الكتاب. إنهم أرواح علوية مطهّرة، يعبدون الله، لا يعصون الله ما أمَرَهُم ويفعلون ما يُؤمرون. ولفظة ملَك في اللغة مَعناها الرسالة. ويقول الطبري: سُميت الملائكة ملائكةً بالرسالة لأنه رُسل الله الى أنبيائه. نسبّح بحمدك: نصلّي لك، وننزهك ونبرّئك مما يضيفه اليك أهل الشرك. ونقدس لك: نعظّمك ونمجّدك. وكل ذلك اقراراً بالفضل وشكرانا لله على خلقهم. {وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا..} الآية آدم أبو البشر، وجمعُه أوادم، يجوز أن يكون لفظه عربيا. واشتقاقه من الأُدمة، وهي السُّمرة الشديدة، أو من أديم الارض اي قشرتها لأنه خُلق من تراب: "ان الله خلق آدم من قبضة قَبَضَها من جميع الارض فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض وبين ذلك، والسهلُ والحزن، والخبيث والطيب". وقال السهيلي في "الروض الأُنُف": قيل؛ ان آدم عربي، أو عبراني، أو سرياني (وهذا ظنّ مردود، والحقيقة لا يعلمها الا الله). وعلّمه اسماء جميع الأشياء وخواصها، وأودع في نفسه علم جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين (ونحن نصرف ذلك الى انه أودع فيه القدرة على الإدراك والتمييز، لا علّمه لفظاتٍ معينة في لغة بعينها). وبعد أن علّمه أسماء الأشياء وخواصها ليتمكن في الأرض ـ عرض هذه الأشياء على الملائكة وقال لهم: أخبروني بأسماء هذه الأشياء وخواصها ان كنتم صادقين في ظنّكم أنكم أحقُّ بخلافة الأرض من هذا المخلوق الجديد، انطلاقا من واقع طاعتكم لي وعبادتكم إياي. فقالوا: سبحانك ربنا، إننا ننزهك التنزيه اللائق بك، ونقر ونعترف بعجزنا، فلا علم عندنا الا ما وهبتنا إياه، انك أنت العالم بكل شيء، والحكيم في كل أمر تفعله. فلما اعترفوا بعجزهم قال الله تعالى لآدم: أخبرهم يا آدم بهذه الأشياء. فأجاب آدم وأظهر فضله عليهم. فقال الله تعالى مذكّراً لهم بإحاطة علمه: ألم أقل لكم إني أعلم كل ما غاب في السماوات والارض، وأعلم ما تُظهرون في قولكم، وما تخفون في نفوسكم!! وفي هذه الآية دليل على شرف الانسان على غيره من سائر المخلوقات حتى الملائكة، وانه أفضلهم. وفيها دليل على فضل العلم على العبادة، وان العلم أساسٌ مهم في الخلافة في هذه الارض، فالأعلم هو الأفضل، يؤيد ذلك قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الزمر:9]. ولقد قام الدين الإسلامي على العلم، فلمّا تأخر المسلمون عنه تقدّمهم غيرُهم. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ...} الآية اذكرُ يا محمد حين قلنا للملائكة اسجُدوا سجود خضوع وتحيّة لآدم (لا سجود عبادة، فالمعبود هو الله وحده) فصدعوا للأمر الرباني وسجدوا. وقد جاء السجودُ في القرآن بمعنى غير العبادة كما هو هنا، وفي سورة يوسف: {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً}تفسير : [يوسف:100] أي تحيةً، كما هي العادة التي كان الناس يتبعونها في تحية الملوك والعظماء. ولقد سجد الملائكة كلهم أجمعون الا أبليس أبى وامتنع. لقد استكبر، فلم يطع أمر الحق، ترفعاً عنه، وزعماً بأنه خيرٌ من آدم، كما ورد في سورة الأعراف {أية : قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}تفسير : [الاعراف:12]. وكان من الكافرين بِنِعم الله وحكمته وعلمه. وقد التبسَ على بعض الغربيّين أمرُ السجود، وذلك ديدنُهُم في النقد كلّما وجدوا له فرصة في قصص القرآن. قال:"بابيني" الايطالي صاحب كتاب "الشيطان": "انه يستغرب ان يؤْمر إبليس بالسجود لآدم مع غلوّ القرآن في تحريم الشِرك وتنزيه الوحدانية الإلَهية." فهو إما أنه لا يعرف ان السجود قد يكون للتحية والتكريم. أو انه من اولئك المتعصّبين الذين لا يريدون ان يفهموا. وهؤلاء لا حيلة لنا معهم، وهم في الغرب كثيرون. وإبليس: أشهر اسم للشيطان الأكبر، ومن أشهر أسمائه في اللغات: "لوسيفر" و"بعلزبول" و"مغستوفليس" و"عزازيل". وقد تقدم أن الشيطانَ كل عاتٍ ومتمرد من الجن والإنس والدواب وكل شيء، وهذه الأسماء تمثل قوةَ الشر الكبرى في العالم في موقفها أمام عوامل الخير والكمال. والشيطان كلمةٌ عربية أصيلة، لأن اللغة اشتملت على كل أصل يمكن ان يتفرع منه لفظ الشيطان، ففيها مادة شط وشاط وشطَنَ وشَوَط، وكل هذه الألفاظ تدل على البُعد والضلال والتلهُّب الاحتراق. وهي تستوعب أصول المعاني التي تُفهم من كلمة شيطان. وقد كان العرب يسمّون الثعبان الكبير شيطاناً، وبذلك فسّر بعض المفسّرين قوله تعالى: {أية : طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ}تفسير : [الصافات:65] أي الأفاعي، وورد كثيرا في الشعر العربي. ويرى بعضهم ان "إبليس" مأخوذ من الإبلاس، ومعناه النَّدم والحُزن واليأس من الخير، فيما يقول بعضهم إنه أعجمي.. لكنه على كل حال يدل على الفتنة والفساد. وإبليس من الجن، لما ورد بصراحة في القرآن {أية : وَإِذَ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}تفسير : [الكهف:50]. قال الزمخشري: "جنّيُّ الملائكةِ والجن واحد، لكن من خَبُثَ من الجن وتمرد شيطان، ومن تطهّر ملَك". وقال الراغب: "الجن يقال على وجهين احدُهما للروحانيين والمستترين عن الحواس كلها بإزاء الإنس، فعلى هذا تدخل فيه الملائكة كلها". ويقول في تفسير المنار: "وليس عندنا دليل على ان بين الملائكة والجن فصلاً جوهرياً يميز أحدهما عن الآخر وانما هو اختلاف أصنافٍ عندما تختلف أوصاف، كما ترشد اليه الآيات. وعلى كل حال فانّ جميع هذه المسمّيات بهذه الأسماء من عالم الغيب لا نعلم حقائقها ولا نبحث عنها" فعلينا ان نؤمن بها كما وردت. ولا يهمنا ان كان ابليس من الملائكة أو من الجن، فهذا جدلٌ لا طائل تحته، والمهم انه عصى ربه وأصبح عنواناً على الشر والطغيان.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِلْمَلاَئِكَةِ} (30) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدٌ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ قَوْماً يَخْلُفُ بَعْضُهُم بَعْضاً، قَرْناً بَعْدَ قَرْنٍ، وَجِيلاً بَعْدَ جِيلٍ، أُمَكِّنُ لَهُمْ فِيها، وَأَجْعَلُهُمْ أَصْحَابَ سُلْطَانٍ عَلَيها، فَقَالَتِ المَلائِكَةُ مُسْتَعْلِمِينَ مِنَ الرَّبِّ الكِرِيمِ عَنِ الحِكْمَةِ مِنْ خَلْقِ هذا الخَلَفِ الذِي سَيُوجَدُ مِنْهُ مَنْ يُفْسِدُ وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ. فَإِنْ كَانَ المَقْصُودُ مِنْ خَلْقِهِمْ عِبَادَةَ اللهِ، فَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، وَنُصَلِّي لَكَ (نُقَدِّسُ لَكَ)، وَلا يَصْدُرُ مِنّا شَيءٌ مِنْ ذلِكَ الفَسَادِ. فَقَالَ اللهُ تَعَالى: إِنِّي أَعْلَمُ مِنْ مُبَرِّراتِ خَلْقِهِمْ مَا لاَ تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ، فَأَجْعَلُ فِيهِمُ الأَنبياءَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءَ وَالصَّالِحِينَ وَالخَاشِعِينَ. وَالكَافِرُونَ الفَاسِقُونَ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ بإِثَارَةِ الفِتَنِ والقَلاقِلِ وَشَنِّ الحُرُوبِ، وَتَخْرِيبِ العُمْرَانِ وَقَطْعِ الأَرْحَامِ، والإِسَاءَةِ إِلى مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ النَّاسَ مِنْ تَوَادٍّ وَتَرَاحُمٍ فِيمَا بَيْنَهُم. وَهُؤلاَءِ هُمُ الخَاسِرُونَ لأَِنَّهُمْ يُحْرَمُونَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ. وَيَصِيرُونَ إِلى عَذَابٍ عَظِيمٍ يَوْمَ القِيَامَةِ.
الثعلبي
تفسير : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} يعني: وقد قال، وقيل معناه: واذكر إذ قال ربّك، وكل ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله. و(إذ) و(إذا) حرفا توقيت، إلاّ أنّ (إذ) للماضي و(إذا) للمستقبل، وقد يوضع أحدهما موضع الآخر. قال المبرّد: إذا جاء (إذ) مع المستقبل كان معناه ماضياً نحو قوله: {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ} تفسير : [الأنفال: 30] وإذ يقول، يريد وإذ مكر وإذ قال، وإذا وإذ جاء مع الماضي كان معناه مستقبلا كقوله: {أية : فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [النازعات: 34] {أية : فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ} تفسير : [عبس: 33] {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ}تفسير : [النصر: 1] أي يجيء، وقال الشاعر: شعر : ثمّ جزاه الله عنا إذ جزا جنّات عدن والعلا إلى العلا تفسير : أي يجزيه. {لِلْمَلاَئِكَةِ} الذين كانوا في الأرض، والملائكة: الرسل، واحدها ملك، وأصله: مالك، وجمعه: ملائكة، وهي من الملكة والمالكة والألوك الرسالة ويقال: ألكني الى فلان، أي كن رسولي إليه فقلبت، فقيل: ملاك. قال الشاعر: شعر : فلست لأنسيّ لكن لملاك تنزّل من جوّ السماء يصوب تفسير : ثمّ حذف الهمزة للخفّة وكثير استعماله فقيل: ملك. قال النضر بن شميل في الملك: إن العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه، وهو مما فات علمه. {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} أي بدلا منكم ورافعكم إليّ، سُمّي (خليفة) لأنه يخلف الذاهب ويجيء بعده، فالخليفة مَن يتولى إمضاء الأمر عن الآمر، وقرأ [زيد بن علي]: (خليفة) بالقاف. قال المفسرون: وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجن، فأسكن الملائكة السماء، وأسكن الجنّ الأرض، فعبدوا دهراً طويلا في الأرض ثم ظهر فيهم الحسد والبغي، فاقتتلوا وأفسدوا، فبعث الله إليهم جنداً من الملائكة يُقال لهم: الجن، رأسهم عدو الله إبليس وهم خُزّان الجنان اشتق لهم اسم من الجنّة فهبطوا إلى الأرض، وطردوا الجنّ عن وجهها فالحقوهم بشعوب الجبال، وجزائر البحر، وسكنوا الأرض وخفف الله عنهم العبادة، وأحبّوا البقاء في الأرض لذلك، وأعطى الله إبليس مُلك الأرض ومُلك سماء الدنيا وخزانة الجنان، فكان يعبد الله تارةً في الأرض، وتارةً في السماء، وتارة في الجنة. فلما رأى ذلك دخله الكبر والعُجُب، وقال في نفسه: أعطاني الله هذا الملك إلاّ لأني أكرم الملائكة عليه، وأعظمهم منزلةً لديه؛ فلما ظهر الكبر جاء العزل، فقال الله له ولجنده: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} فلما قال لهم ذلك كرهوا؛ لأنّهم كانوا أهون في الملائكة عبادة، ولأنّ العزل شديد. {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} بالمعاصي. {وَيَسْفِكُ} يصبّ {ٱلدِّمَآءَ} بغير حق. فإن قيل: كيف علموا ذلك وهو غيب؟ والجواب عنه ما قال السّدي: لما قال الله لهم ذلك، قالوا: وما يكون من ذلك الخليفة؟ قال: تكون له ذرية، يفسدون في الأرض [ويتحاسدون] ويقتل بعضهم بعضاً. قالوا عند ذلك: {أَتَجْعَلُ فِيهَا} ومعناه: فقالوا، فحذف فاء التنسيق. كقول الشاعر: شعر : لما رأيت نبطا أنصارا شمرّتُ عن ركبتي الأزارا كنتُ لهم من النّصاري جارا تفسير : أي فكنتُ لهم. وقال أكثر المفسرين: أرادوا كما فعل بنو الجانّ قاسوا بالشاهد على الغائب، وقال بعض أهل المعاني: فيه إضمار واختصار معناه: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ أم تجعل فيها من لا يفسد ولا يُسفك الدماء؟ لقوله تعالى: {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ ٱللَّيْلِ} تفسير : [الزمر: 9] يعني كمن هو غير قانت، وهو اختيار الحسن بن الفضل. {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ}. قال الحسن: يقولون: سبحان الله وبحمده، وهو صلاة الخلق وتسبيحهم وعليها يُرزقون. يدل عليه الحديث المروي عن أبي ذر حديث : إنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي الكلام أفضل؟ قال: "ما أصطفاه الله تعالى لملائكته: سبحان الله وبحمده ". تفسير : وقيل: معناه: ونحن نصلي لك بأمرك، والتسبيح يكون بمعنى التنزيه ويكون بمعنى الصلاة، ومنه قيل: للصلاة سُبحة، وقيل: معناه: نصلي، ونقرأ فيها فاتحة الكتاب. {وَنُقَدِّسُ لَكَ} وننزهك واللام صلة، وقيل: هي لام الأجل، أي ونطهّر لأجلك قلوبنا من الشرك بك [وأبداننا] من معصيتك. وقال بعض العلماء: في الآية تقديم وتأخير مجازها: ونحن نسبّح ونُقدّس لك بحمدك؛ لأنّه إذا حُملت الآية على التأويل الأول تنافي قول الملائكة المتزكية بالإدلال بالعمل، وإذا حُملت على هذا التأويل ضاهى قولهم التحدّث بنعمة الله واضافة [.....] إلى الله فكأنّهم قالوا: وأن سبّحنا وقدّسنا وأطعنا وعبدنا فذلك كلهُ بحمدك لا بأنفسنا، قال الله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من استخلافي في الأرص ووجه المصلحة فيه، فلا تعترضوا عليّ في حكمي وتدبيري، وقيل: أراد أني أعلمُ أنّ في من استخلفه في الأرض: أنبياء وأولياء وعلماء وصلحاء، وقيل: أني أعلم إنّهم يذنبون وأغفر لهم. قال بعض الحكماء: إنّ الله تعالى أخرج [أدم] من الجنّة قبل أنْ يدخله فيها. لقوله {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} ثم كان خروجه من الجنّة بذنبه يدل أنه كان بقضاء الله وقدره. ابن نجيح عن مجاهد في قوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها. ابن شهاب عن حميد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : احتج آدم وموسى. فقال له موسى: أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنّة. فقال له آدم: أنت موسى اصطفاك الله لرسالته وكلامه، ثم تلومني على أمر قُدّر قبل أن أُخلق. فحج آدم موسى ". تفسير : فصل في معنى الخليفة قيل: سأل أمير المؤمنين الخطاب، طلحة والزبير وكعباً وسلمان: ما الخليفة من الملك؟ فقال طلحة والزبير: ما ندري. فقال سلمان: الخليفة الذي يعدل في الرّعية ويقسم بينهم بالسّويّة ويشفق عليهم شفقة الرّجل على أهله ويقضي بكتاب الله، فقال كعب: ما كنتُ أحسب أن في المجلس أحداً يعرف الخليفة من الملك غيري، ولكنّ الله عزّ وجلّ ملأ سلمان حكماً وعلماً وعدلا. وروى زاذان عن سلمان: إنّ عمر قال له: أملك أنا أم خليفة؟ فقال سلمان: إنْ أنت جبيت من أرض المسلمين درهماً أو أقل أو أكثر ووضعته في غير حقّه فأنت ملك. قال: فاستعبر عمر رضي الله عنه. وعن يونس: إنّ معاوية كان يقول إذا جلس على المنبر: أيّها الناس إنّ الخلافة ليست لجمع المال ولا تفريقه، ولكنّ الخلافة بالحقّ والحكم بالعدل وأخذ الناس بأمر الله عزّ وجل. {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ} وذلك إنّ الله تعالى لمّا قال للملائكة: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} قالوا فيما بينهم: ليخلق ربّنا ما شاء فلن يخلق خلقاً أفضل ولا أكرم عليه منّا، وإن كان خيراً منّا فنحن أعلم منه لأنّا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره، فلما أُعجبوا بعلمهم وعبادتهم، فضّل الله تعالى عليهم آدم عليه السلام بالعلم فعلّمه الأسماء كلّها وهذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة. واختلف العلماء في هذه الأسماء، فقال الربيع وابن أنس: أسماء الملائكة، وقال عبد الرحمن بن زيد: أسماء الذّرّية. وقال ابن عبّاس ومجاهد وقتادة والضّحّاك: علّمه الله اسم كلّ شيء حتى القصعة والقُصَيعة. قال مقاتل: خلق الله كلّ شيء الحيوان والجماد وغيرها ثمّ علّم آدم أسماءها كلها. فقال له: يا آدم هذا فرس، وهذا بغل، وهذا حمار حتى أتى على آخرها ثم عرض تلك الأشياء كما عرض الموجودات على الملائكة. فكذلك قال: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} ولم يقل: عرضها، وردّه الى الشخوص والمسمّيات لأنّ الأعراض لا تُعرض. وقيل: علّم الله آدم عليه السلام صنعة كل شيء. جويبر عن الضحّاك عن ابن عباس قال: علّم الله آدم أسماء الخلق والقرى والمدن والجبال والسباع وأسماء الطير والشجر وأسماء ما كان وما يكون وكل نسمة اللهُ عزّ وجلّ بارئها إلى يوم القيامة، وعرض تلك الأسماء على الملائكة. {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} إنّ الخليفة الذي أجعله في الأرض يُفسد فيها ويسفك الدماء. أراد الله تعالى بذلك: كيف تدّعون علم ما لم يكن بعدُ، وأنتم لا تعلمون ما ترون وتعاينون. وقال الحسن وقتادة: {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} إني لا أخلق خلقاً إلاّ كنتم أعلم وأفضل منه، قالت الملائكة: إقراراً بالعجز واعتذاراً. {قَالُواْ سُبْحَانَكَ}: تنزيهاً لك عن الاعتراض لعلمك في حكمك وتدبيرك، وهو نصب على المصدر، أي نسبح سبحاناً في قول الخليل. وقال الكسائي: خارج عن الوصف، وقيل: على النداء المضاف أي: يا سبحانك. {لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ} بخلقك {ٱلْحَكِيمُ} في أمرك. وللحكيم معنيان: أحدهما: المحكم للفعل، كقوله: {عذاب أليم}، وحز وجيع. قال الشاعر: شعر : أمن ريحانة الداعي السّميع يؤرّقني وأصحابي هموع تفسير : أي المؤلم والموجع، والمسمع فعيل بمعنى: مُفعل وعلى هذا التأويل هو صفة فعل. والآخر: بمعنى (الحاكم العالم) وحينئذ يكون صفة ذات، وأصل الحكمة في كلام العرب: المنع. يُقال: أحكمت اليتيم عن الفساد وحكمته، أي منعته. قال جرير: شعر : أبني حنيفة احْكِموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا تفسير : ويقال للحديدة المعترضة في فم الدابة: حكمة؛ لأنها تمنع الدآبة من الأعوجاج، والحكمة تمنع من الباطل، ومالا يجمل فلا يحلّ في المحكم من الأمر بمنعه من الخلل، وفي هذه الآية دليل على جواز تكليف ما لا يُطاق حيث أمر الله تعالى الملائكة بإنباء مالم يعلموا، وهو عالم بعجزهم عنه. فلما ظهر عجزهم، قال الله تعالى: {يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} فسمّى كل شيء باسمه، وألحق كل شيء بجنسه. {فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ} أخبرهم. {بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ} يا ملائكتي. {إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} ما كان فيها وما يكون. {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} من الخضوع والطاعة لآدم. {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} تخفون في أنفسكم من العداوة له. وقيل: ما تبدون من الإقرار بالعجز والاعتذار، وما كنتم تكتمون من الكراهية في استخلاف آدم. قال ابن عباس: هو أنّ إبليس مرّ على جسد آدم وهو ملقىً بين مكة والطائف لا روح فيه، فقال: لأمر ما خلق هذا، ثمَّ دخل من فيه وخرج من دبره، وقال: إنّه لا يتماسك إلاّ بالجوف، ثمَّ قال للملائكة الذين معه: أرأيتم أن فضّل هذا عليكم، وأمرتم بطاعته ماذا تصنعون؟ قالوا: نطيع أمر ربّنا. فقال ابليس في نفسه: والله لئن سُلطت عليه لأهلكته، ولئن سُلّط عليّ لأعصينّه. فقال الله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} يعني الملائكة من الطاعة {وما تكتمون} يعني إبليس من المعصية. قال الحسن وقتادة: {مَا تُبْدُونَ} يعني قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها {وما تكتمون} يعني قولهم لن يخلق خلقاً أفضل ولا أعلم ولا أكرم عليه منّا. القول في حدّ الاسم وأقسامه فقال أصحابنا: الاسم: كل لفظة دلت على معنى ما وشيء ما، وهو مشتق من السِّمة، وهي العلامة التي يُعرف بها الشيء، وأقسامه ثمانية منها: اسم علم مثل زيد، وعمرو، وفاطمة، وعائشة، ودار، وفرس. ومنها: اسم لازم كقولك: رجل، وامرأة، وشمس، وقمر، وحجر، ومدر ونحوها؛ سُمّي لازماً لأنّه لا ينقلب ولا يُفارق، فلا يُقال للشمس قمر ولا للقمر حجر. ومنها: اسم مفارق مثل: صغير، وكبير، وطفل، وكهل، وقليل، وكثير، وقيل له مفارق لأنّه كان ولم يكن له هذا الاسم ويزول عنه المعنى المسمّى به. ومنها: اسم مشتق: ككاتب، وخياط، وصائغ، وصبّاغ؛ فالاسم مشتق من فعله. ومنها: اسم مضاف مثل: غلام جعفر، وركوب عمرو، ودار زيد. ومنها: اسم مشبهة كقولك: فلان أسد وحمار وشعلة نار. ومنها: اسم منسوب يثبتُ بنفسه ويُثبت غيره، كقولك: أب، وأمّ، وأخ، وأخت، وابن، وبنت، وزوج، وزوجة، فإذا قلت أب فقد أثبته وأثبت له الولد، وإذا قلت: أخ أثبته وأثبت له الأخت. ومنها: اسم الجنس: وهو إسم واحد ويدل على أشياء كثيرة، كقولك: حيوان، وناس ونحوهما. {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} سجدة تعظيم وتحية لا سجود صلاة وعبادة، نظيره قوله في قصة يوسف: {أية : وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} تفسير : [يوسف: 100] وكان ذلك تحيّة الناس، ويُعظم بعضهم بعضاً، ولم يكن وضع الوجه على الأرض [وإنما] كان الإنحناء والتكبير والتقبيل. فلما جاء الإسلام بطّل ذلك بالسّلام. وفي الحديث حديث : إنّ معاذ بن جبل رجع من اليمن فسجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتغيّر وجه رسول الله فقال: ما هذا؟ قال: رأيت اليهود يسجدون لأحبارهم والنصارى يسجدون لقسّيسيهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "مه يا معاذ كذب اليهود والنصارى إنّما السجود لله تعالى ". تفسير : وقال بعضهم: كان سجوداً على الحقيقة جُعل آدم قبلة لهم والسجود لله، كما جُعلت الكعبة قبلة لصلاة المؤمنين والصلاة لله تعالى. قال ابن مسعود: أمرهم الله تعالى أنْ يأتوا بآدم فسجدت الملائكة وآدم لله ربّ العالمين. وقال أُبيّ بن كعب: معناه: أقروا لآدم إنّه خير وأكرم عليّ منكم فأقروا بذلك، والسجود على قول عبدالله وأُبيّ بمعنى الخضوع والطاعة والتذلل، كقول الشاعر: شعر : ترى الأكم فيه سجّداً للحوافر تفسير : وآدم على وزن افعل. فلذلك لم يصرقه. السّدي عمّن حدّثه عن ابن عباس قال: إنّما سمّي آدم لأنّه خلق من أديم الأرض، ومنهم من قال: سُمّي بذلك لأنه خلق من التراب، والتراب بلسان العبرانية آدم، وبعضهم من قال: سُمّي بذلك لأدمته لأنه كان آدم اللون وكنيته أبو محمد وأبو البشر. سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ليس في الجنة أحد يُكنّى إلاّ آدم فإنّه يُكنى أبا محمد. وقرأ العامة: {لِلْمَلاَئِكَةِ} بخفض التاء، وقرأ أبو جعفر بضم التاء تشبهاً لتاء التأنيث بألف الوصل في قوله: {ٱسْجُدُواْ} لأنّ ألف الوصل يذهب في الوصل ولأنّها زائدة غير أصلية، وكذلك تاء التأنيث زائدة غير أصلية، ولا ثابت جواب ألف اسجدوا. وقيل: كره ضمّة الجيم بعد كسرة التاء؛ لأنّ العرب تكره الضمة بعد الكسرة لثقلها، وهي قراءة ضعيفة جداً وأجمع النحاة على تغليطه فيها. {فَسَجَدُواْ} يعني الملائكة. {إِلاَّ إِبْلِيسَ} وكان اسمه عزازيل، فلمّا عصى غيّرت صورته وغيّر اسمه فقيل إبليس؛ لأنّه أُبلس من رحمة الله، كما يقال: يا خبيث ويا فاسق، وهو منصوب على الاستثناء، ولا يصرف لاجتماع العجمة والمعرفة. {أَبَىٰ} أي امتنع ولم يسجد. {وَٱسْتَكْبَرَ} أي تكبّر وتعظّم عن السجود {وَكَانَ} أي فصار {مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} {أية : وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ}تفسير : [هود: 43]. وقال أكثر المفسّرين: معناه فكان في علمه السابق من الكافرين الذين وجبت لهم الشقاوة. الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان عنه يبكي فيقول: يا ويلتي أُمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنّة، وأُمرت بالسجود فأبيت فلي النّار ". تفسير : زياد بن الحصين عن أبي العالية قال: لمّا ركب نوح السفينة إذا هو بابليس على كوثلها فقال له: ويحك قد شقّ أناس من أجلك، قال: فما تأمرني؟ قال: تب، قال: سل ربّك هل لي من توبة؟ قال: فقيل له أنّ توبته أن يسجد لقبر آدم، قال: تركته حيّاً واسجد له ميّتاً. {وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} وذلك أن آدم عليه السلام كان في الجنّة وحِشاً ولم يكن له من يُجالسه ويؤانسه، فنام نومة فخلق الله تعالى زوجته من قصيراه من شقّه الأيسر من غير أن يحسّ آدم بذلك ولا وجد له ألماً ولو ألم من ذلك لما عطف رجلٌ على امرأة، فلمّا هبّ آدم من نومه إذا هو بحواء جالسة عند رأسه كأحسن ما خلق الله تعالى، فقال لها: من أنت؟ قالت أنا زوجتك خلقني الله لك لتسكن إليّ وأسكن إليك. فقالت الملائكة عند ذلك امتحاناً لعلم آدم: يا آدم ما هذه؟ قال: امرأة، قالوا: ما اسمها؟ قال: حوّاء، قالوا: لمَ سمّيت حوّاء؟ قال: لأنها خلقت من حيّ، قالوا: تحبّها يا آدم؟ قال: نعم، فقالوا لحوّاء: أتحبّينه؟ قالت: لا، وفي قلبها أضعاف ما في قلبه من حُبّه، قالوا: فلو صدقت امرأة في حبّها لزوجها لصدقت حوّاء. مسألة: قالت القدرّية: إنّ الجنّة التي أسكنها الله آدم وحوّاء لم تكن جنّة الخلد وإنما كان بستاناً من بساتين الدنيا، واحتجّوا بأن الجنة لا يكون فيها إبتلاء وتكليف. والجواب: إنّا قد أجمعنا على أنّ أهل الجنّة مأمورون فيها بالمعرفة ومكلّفون بذلك. وجواب آخر: إنّ الله تعالى قادر على الجمع بين الأضداد، فأرى آدم المحنة في الجنّة وأرى إبراهيم النعمة في النار لئلاّ يأمن العبد ربّه ولا يقنط من رحمته وليعلم أنّ له أن يفعل ما يشاء. واحتجّوا أيضاً بأنَّ من دخل الجنة يستحيل الخروج منها، قال الله تعالى: {أية : وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} تفسير : [الحجر: 48]. والجواب عنه: إنّ من دخلها للثواب لا يخرج منها أبداً، وآدم لم يدخلها للثواب، ألا ترى أنّ رضوان خازن الجنة يدخلها ثم يخرج منها، وإبليس أيضاً كان داخل الجنّة وأُخرج منها. {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} واسعاً كثيراً. {حَيْثُ شِئْتُمَا}: كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما. {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} قال بعض العلماء: وقع النهي على جنس من الشجر. وقال آخرون: بل وقع على شجرة مخصوصة واختلفوا فيها، فقال علي بن أبي طالب (كرم الله وجهه): هي شجرة الكافور. وقال قتادة: شجرة العلم وفيها من كلّ شيء. ومحمد بن كعب ومقاتل: هي السنبلة. وقيل: هي الحَبْلَة وهي الأصلة من أصول الكرم. أبو روق عن الضحّاك: أنها شجرة التين. {فَتَكُونَا} فتصيرا {مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ } لأنفسكما بالمعصية، وأصل الظلم: وضع الشيء في غير موضعه. {فَأَزَلَّهُمَا} يعني [استمال] آدم وحوّاء فأخرجهما ونحّاهما. وقرأ حمزة: (فأزالهما الشيطان) وهو إبليس، وهو فيعال من شطن أي بعد. وقيل: إنه من شاط والنون فيه غير أصلية [ونودي] شيطان سمّي بذلك لتمرّده وبعده عن الخير وعن رحمة الله تعالى. {عَنْهَا} عن الجنة وقيل عن الطاعة. {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} من النعيم، وذلك إن إبليس أراد أن يدخل الجنّة ويوسوس لآدم ولحواء فمنعته الخزنة، فأتى الحيّة وكانت من أحسن الدّواب لها أربع قوائم كقوائم البعير وكان من خزّان الجنّة وكان لأبليس صديقاً، فسألها أن تدخله في فمها فأدخلته في فمها ومرّت به على الخزنة وهم لا يعلمون فأدخلته الجنة، وكان آدم لما دخل الجنة ورأى ما فيها من النعيم والكرامة قال: لو أن خلداً، فأغتنم الشيطان ذلك منه وأتاه من قبل الخلد، ولما دخل الجنة وقف بين يدي آدم وحوّاء لا يعلمان إنه إبليس، فناح عليهما نياحةً أحزنهما وبكى وهو أوّل من ناح فقالا لِمَ تبكي قال: أبكي عليكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعيم والكرامة، فوقع ذلك في أنفسهما وإغتمّا، ومضى ثم أتاهما بعد ذلك وقال: {أية : وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ}تفسير : [طه: 120]، فأبى أن يقبل منه فقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين، فأغترّا وما كانا يظنّان أنّ أحداً يحلف بالله كاذباً، فبادرت حوّاء الى أكل الشجرة ثم ناولت آدم حتى أكلها. وروى محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبدالله بن قسط قال: سمعت سعيد بن المسيّب يحلف بالله ما يستثني: ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل ولكن حوّاء سقته الخمر حتى إذا سكر قادته اليها فأكل، فلمّا أكلا تهافتت عنهما ثيابهما وبدت سوءاتهما وأخرجا من الجنة، وذلك قوله تعالى: {وَقُلْنَا} يعني لآدم وحوّاء وابليس والحية {ٱهْبِطُواْ} أي أنزلوا الى الأرض {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل يقال له نودة، وقيل: واشم، وحوّاء بجدّة، وإبليس بالأبلّة وقيل بميسان، والحيّة بأصفهان. {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ} بلغة ومستمتع. {إِلَىٰ حِينٍ } الى حين اقتضاء أجالكم ومنتهى أعماركم. وعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت إبراهيم بن أدهم: أورثتنا تلك الأكلة حزناً طويلا. {فَتَلَقَّىٰ} فلُقّن. {ءَادَمُ} حفّظ حين لقّن، وأُفهم حين ألْهِمَ. وقرأ العامّة: آدمُ برفع الميم، كلمات بخفض التّاء. وقرأ ابن كثير: بنصب الميم، بمعنى جاءت الكلمات لآدم عليه السلام. {مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} كانت سبب قبول توبته، واختلفوا في تلك الكلمات: قال ابن عباس: هي أنّ آدم قال: يا ربّ ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى، قال: ألم تسبق رحمتك بي غضبك؟ قال: بلى، قال: ألم تسكنّي جنتك؟ قال: بلى، قال: فلِمَ أخرجتني منها؟ قال: بشؤم معصيتك، قال: أي ربّ أرأيت لو تبت [وأصلحت] أراجعي أنت الى الجنة؟ قال: بلى. قال: فهو الكلمات. قال عبيد بن عمير: هو أنّ آدم قال: يا ربّ أرأيت ما أتيت، أشيء ابتدعته على نفسي أم شيء قدّرته عليَّ قبل أن تخلقني؟ قال: بل شيٌ قدّرته عليك قبل أن أخلقك، قال: يا ربّ كما قدّرته عليَّ فأغفر لي. همام بن منبّه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تحاجّ آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنّة الى الأرض؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي أعطاك الله علم كلّ شيء واصطفاك على الناس برسالته؟ قال: نعم. قال: أتلومني على أمر كان قد كتب عليّ أن أفعله من قبل أن أخلق. قال: فحجّ آدم موسى ". تفسير : وقال محمد بن كعب القرظي: هي قوله: لا اله الاّ أنت سبحانك وبحمدك قد عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليّ إنّك أنت التواب الرحيم، لا اله الاّ أنت سبحانك وبحمدك قد عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنّك أنت الغفور الرحيم، لا اله الاّ أنت سبحانك وبحمدك ربّ عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني انّك أنت أرحم الراحمين. عكرمة عن سعيد بن جبير في قوله: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} قالا: قوله: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 23]، وكذلك قاله الحسن ومجاهد. وقال بعضهم: نظر آدم عليه السلام الى العرش فرأى على ساقه مكتوباً لا اله الاّ الله محمد رسول الله أبو بكر الصدّيق عمر الفاروق فقال: يا ربّ أسألك بحقّ محمد أنْ تغفر لي فغفر له. وقيل: هذا التأويل ما روى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : عرّج بيّ الى السماء رأيت على ساق العرش مكتوباً لا إله إلاّ الله محمد رسول الله أبو بكر الصدّيق عمر الفاروق . تفسير : وقيل: هي ثلاثة أشياء: الخوف، الرجاء، البكاء. أبو بكر الهذلي عن شهر بن حوشب قال: بلغني أنّ آدم لما أهبط الى الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياءاً من الله تعالى. وقال ابن عباس: بكاء آدم وحوّاء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوماً، ولم يقرب آدم [حواء] مائة سنة. {فَتَابَ عَلَيْهِ} فتجاوز عنه {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ} يقبل توبة عباده {ٱلرَّحِيمُ} بخلقه. {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا} يعني آدم وحواء، وقيل: آدم وحوّاء وابليس والحيّة {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم} يا ذرّية آدم {مِّنِّي هُدًى} كتاب ورسول. {فَمَن تَبِعَ} هداي. {هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}: فيما يستقبلهم {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}: على ما خلّفوا. {وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ} جحدوا. {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} يعني القرآن. {أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لا يخرجون منها ولا يموتون فيها.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن أخبرنا الحق سبحانه وتعالى أنه خلق جميع ما في الكون، أراد أن يخبرنا عمن خلقه لعمارة هذا الكون، فكأن القصة التي بدأ الله سبحانه وتعالى بها قصص القرآن كانت هي قصة آدم أول الخلق، ولقد وردت هذه القصة في القرآن الكريم كثيراً لتدلنا لماذا أخبرنا الحق سبحانه وتعالى بهذه القصة؟ وجاءت لتدلنا أيضاً على صدق البلاغ عن الله. واقرأ قوله تعالى: {أية : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقِّ ..} تفسير : [الكهف: 13]. كلمة الحق التي جاءت هنا لتدلنا على أن هناك قصصاً، ولكن بغير حق، والله سبحانه وتعالى أراد أن يخرج قصصه عن دائرة القصص التي يتداولها الناس أو قصص التاريخ لإمكان مخالفتها الواقع وتأتي بغير حق، وهناك قصص تروى في الدنيا ولا واقع لها، بل هي من قبيل الخيال. وكلمة: "قصة" مأخوذة من قَصّ الأثر، بمعنى: أن يتبع قصاص الأثر في الصحراء الآثار التي يشاهدها على الرمال حتى يصل إلى مراده عندما يصل إلى نهاية الأثر .. وما دمنا قد عرفنا أن الله يقص الحق، فلا بد - إذن - أن قصص القرآن الكريم كلها أحداث وقعت فعلا. ولكل قصة في القرآن عبرة. أو شيء مهم يريد الحق سبحانه وتعالى أن يلفتنا إليه. فمرة تكون القصة لتثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت المؤمنين: واقرأ قوله تعالى: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ..} تفسير : [هود: 120]. فكل قصة تُثَبتُ فؤاد الرسول والمؤمنين في المواقف التي تزلزلهم فيها الأحداث. وقصص القرآن ليست لقتل الوقت، ولكن الهدف الأسمى للقصة هو تثبيت ونفع حركة الحياة الإيمانية، ولو نظرنا إلى قصص القرآن الكريم نجد أنها تتحدث عن أشياء مضت وأصبحت تاريخاً، والتاريخ يربط الأحداث بأزمانها، وقد يكون التاريخ لشخص لا لحدث، ولكن الشخص حدث من أحداث الدنيا. ولو قرأت تاريخ كل حدث لوجدت أنه يعبر عن وجهة نظر راويه، فكل قصص التاريخ كتبت من وجهات نظر مَنْ رَوَوْها؛ ولذلك، فالقصة الواحدة تختلف باختلاف الراوي. ولكن قصص القرآن الكريم هو القصص الحق .. والعبرة في قصص القرآن الكريم أنها تنقل لنا أحداثا في التاريخ تتكرر على مر الزمن. ففرعون مثلاً هو كل حاكم يريد أن يُعْبَدَ في الأرض، وأهل الكهف مثلاً هي قصة كل فئة مؤمنة هربت من طغيان الكفر وانعزلت لتعبد الله، وقصة يوسف عليه السلام هي قصة كل إخوة نزغ الشيطان بينهم فجعلهم يحقدون على بعضهم، وقصة ذي القرنين هي قصة كل حاكم مصلح أعطاه الله سبحانه الأسباب في الدنيا ومكَّنه في الأرض، فعمل بمنهج الله وبما يرضي الله، وقصة صالح هي قصة كل قوم طلبوا معجزة من الله، فحققها لهم فكفروا بها، وقصة شعيب عليه السلام هي قصة كل قوم سرقوا في الميزان والمكيال. وهكذا كل قصص القرآن، قصص تتكرر في كل زمان حتى في الوقت الذي نعيش فيه تجد فيه أكثر من فرعون، وأكثر من أهل كهف يَفرُّون بدينهم، وأكثر من قارون يعبد المال والذهب، ويحسب أنه استغنى عن الله. ولذلك جاءت شخصيات قصص القرآن مُجَهَّلة إلا قصة واحدة هي قصة عيسى بن مريم ومريم ابنة عمران، لماذا؟ لأنها معجزة لن تتكرر،. ولذلك عرَّفها الله لنا فقال "مريم ابنة عمران" وقال "عيسى بن مريم" حتى لا يلتبس الأمر، وتدَّعي أي امرأة أنها حملت بدون رجل .. مثل مريم. نقول: لا، معجزة مريم لن تتكرر. ولذلك حددها الله تعالى بالاسم. فقال: عيسى بن مريم، ومريم ابنة عمران .. أما باقي قصص القرآن الكريم فقد جاءت مُجَهَّلة. فلم يقل لنا الله تعالى: مَنْ هو فرعون موسى، ولا مَنْ هم أهل الكهف ولا مَنْ هو ذو القرنين ولا مَنْ هو صاحب الجنتين .. إلى آخر ما جاء في القرآن الكريم. لأنه ليس المقصود بهذه القصص شخصاً بعينه. لا تتكرر القصة مع غيره، وبعض الناس يشغلون أنفسهم بمَنْ هو فرعون موسى؟ ومَنْ هو ذو القرنين؟ .. إلخ. نقول لهم لن تصلوا إلى شيء لأن الله سبحانه وتعالى قد روى لنا القصة دون توضيح للأشخاص لنعرف أنه ليس المقصود شخصاً بعينه، ولكن المقصود هو الحكمة من القصة. والقصص في القرآن لا ترد مكررة، وقد يأتي بعض منها في آيات، وبعض منها في آيات أخرى، ولكن اللقطة مختلفة، تعطينا في كل آية معلومة جديدة بحيث إنك إذا جمعت كل الآيات التي ذكرت في القرآن الكريم تجد أمامك قصة كاملة متكاملة كل آية تضيف شيئاً جديداً. وأكبر القصص في القرآن الكريم قصة موسى عليه السلام. ويذكِّرنا القرآن الكريم بها دائماً لأن أحداثها تعالج قصة أسوأ البشر في التاريخ، وفي كل مناسبة يذكرنا الله بلقطة من حياة هؤلاء. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ وَلاَ تَخَافِي وَلاَ تَحْزَنِيۤ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [القصص: 7]. وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ..} تفسير : [طه: 38-39]. والفهم السطحي يظن أن هذا تكرار ونقول لا. فقوله تعالى: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي ٱليَمِّ ..} تفسير : [القصص: 7]. هذه اللقطة تدل على أن الله سبحانه وتعالى يُعِدُّ أم موسى إعداداً إيمانياً للحدث، ولكن عند وقوع الحدث تتغير القصة على نمط سريع {أية : أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ ..} تفسير : [طه: 39]. كلام يناسب لحظة وقوع الحدث .. فالآية الأولى .. بينت لنا أن أم موسى أرضعته قبل أن تضعه في التابوت، وأنها ستلقيه في اليم عندما يحدث خطر وتخاف عليه من القتل، وفيه تطمين لها. ألاَّ تخاف ولا تحزن. لأن الله منجيه، وفيها بشارتان: أن الله سيرده لأمه، وأن الله قد اختاره رسولاً. نأتي إلى الآية الثانية التي تكمل لنا هذه اللقطة، فتقول {أية : أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ ..} تفسير : [طه: 39]. هنا نعرف أن أم موسى ستلقيه في تابوت، وهو ما لم يذكر في الآية السابقة، ثم بعد ذلك نعلم أن الله سبحانه وتعالى أصدر أمره إلى الماء أن يلقى التابوت إلى الساحل، وهذا ما لم يرد في الآية السابقة، ونعرف أيضاً أن الذي سيأخذه وهو فرعون، ستكون بينهما عداوة متبادلة .. وهكذا نرى أن آيتي القصة يكمل بعضهما بعضاً، وليس هناك تكرار. والله سبحانه وتعالى في الآية الثانية يريد أن يثبت أنه ستكون هناك عداوة متبادلة بين موسى وفرعون .. كما أثبتت عداوة فرعون لله جل جلاله ولموسى، فقال: {أية : عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ..} تفسير : [طه: 39]. ولكن العداوة لا تستقر إلا إذا كانت متبادلة. فتأتي آية ثالثة لتكمل الصورة .. في قوله تعالى: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ..} تفسير : [القصص: 8]. وهكذا بينت لنا الآية الكريمة كيف أن العداوة بين فرعون وموسى ستسقر حتى يقضى على فرعون. لأنه إذا كان إنسان عدواً لك، وأنت تقابل العداوة بالإحسان، تخمد العداوة بعد قليل. إذن: هذه الآيات ليست تكراراً ولكنها آيات تكمل القصة، وتعطينا الصورة الكاملة المتكاملة. ولكن لماذا لم تأت قصة موسى متكاملة كقصة يوسف؟ لأن الله سبحانه وتعالى يريد أن يُثبِّتَ بها نبينا عليه الصلاة والسلام والمؤمنين، فتأتي هنا لقطة وهنا لقطة لتؤدي ما هو مطلوب من التثبيت بما لا يُخِلُّ .. لأن الآيات تعطينا القصة متكاملة. وهكذا قصة آدم، جاءت لنا في آيات متعددة، لتعطينا في مجموعها قصة كاملة. وفي الوقت نفسه كل آية لها حكمة يحتاجها التوقيت الذي نزلت فيه، فالله سبحانه وتعالى يروي لنا بداية الخلق، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : كلكم بنو آدم وآدم خلق من تراب ". تفسير : والحق سبحانه وتعالى يريد أن يُعرِّفنا كيف بدأ الخلق، وقصة عداوة إبليس لآدم وذريته .. فتكلم الله سبحانه وتعالى عن أول البشر. عرَّفنا اسمه، وهو آدم عليه السلام. وتكلم عن المادة التي خلق منها. وتكلم عن المنهج الذي وضعه لآدم، وحدَّثنا عن النقاش الذي دار مع الملائكة. كما أخبرنا بأن آدم سيكون خليفة في الأرض، وأنه علَّمه الأسماء كلها ليقود حركة حياته، وعلَّمنا منطق علم الأشياء، وعلم مسمياتها، وحدثنا عن الحوار الذي حدث بين إبليس أمام ربه حينما أبى السجود، وبين لنا حجة إبليس في الامتناع عن السجود، وخطة إبليس ومدخله إلى قلوب المؤمنين بالإغواء والوسوسة وغير ذلك. إذن: فهناك أشياء كثيرة تتعرض لها قصة آدم، ولو أن بشراً يريد أن يؤرخ لآدم ما استطاع أن يأتي بكل هذه اللقطات، ولكن الحق سبحانه وتعالى جعل كل لقطة تأتي للتثبيت. والآية الكريمة التي نحن بصددها لم تأت في "سورة الأعراف" ولا في "الحجر" ولا في "الإسراء" ولا في "الكهف" ولا في "طه". وبهذا نعرف أنه ليس هناك تكرار .. فالله سبحانه وتعالى أخبر ملائكته بأنه جاعل في الأرض خليفة. هنا لابد لنا من وقفة. أخلق آدم كفرد أم خلقه الله وكل ذريته مطمورة فيه إلى يوم القيامة، إذا قرأنا القرآن الكريم نجد أن الله سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} تفسير : [الأعراف: 11]. الخطاب هنا للجميع لآدم وذريته، فكأنه سبحانه وتعالى يشير إلى أن الأصل الأول للخلق آدم، وهو مطمور فيه صفات المخلوقين من ذريته إلى أن تقوم الساعة وراثة، أي: أنه ساعة خلق آدم .. كان فيه الذرات التي سيأخذ منها الخلق كله. هذا عن هذا .. حتى قيام الساعة. ولقد قلتُ: إن كل واحد منا فيه ذرة أو جزئ من آدم، فأولاد آدم أخذوا منه والجيل الذي بعدهم أخذ من الميكروب الحي الذي أودعه آدم في أولاده، والذين بعدهم أخذوا أيضاً من الجزيء الحي الذي خُلِق في الأصل مع آدم، وكذلك الذين بعدهم والذين بعدهم. والحياة لابد أن تكون حلقة متصلة، كل منا يأخذ من الذي قبله ويعطي الذي بعده. ولو كان هناك حلقة مفقودة لتوقفت الحياة، كأن يموت الرجل قبل أن يتزوج، فلا تكون له ذرية من بعده. وتتوقف حلقة الحياة. فكون حلقة الحياة مستمرة دليل أنها حياة متصلة لم تتوقف. وما دامت الحياة من عهد آدم إلى يومنا هذا متصلة، فلابد أن يكون في كل منا ذرة من آدم الذي هو بداية الحياة وأصلها. وانتقلت بعده الحياة في حلقات متصلة إلى يومنا هذا وستظل إلى يوم القيامة. فأنا الآن حي؛ لأنني نشأت من ميكروب حي من أبي، وأبي أخذ حياته من ميكروب حي من أبيه، وهكذا حتى تصل إلى آدم، إذن: فأنت مخلوق من جزيء حي فيه الحياة لم تتوقف منذ آدم إلى يومنا هذا، ولو توقفت لما كان لك وجود. إذن: فحياة الذين يعيشون الآن موصولة بآدم .. لم يطرأ عليها موت والذين سيعيشون وقت قيام الساعة حياتهم أيضاً موصولة بآدم أول الخلق. والحق سبحانه وتعالى حين أمر الملائكة بالسجود لآدم فإنهم سجدوا لآدم ولذريته إلى أن تقوم الساعة، وذرية آدم كانت مطمورة في ظهره، وشهدت الخلق الأول. إذن: فقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ..} تفسير : [الأعراف: 11]. فيه جزئية جديدة لقصة الخلق. وقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]. أي أن الله سبحانه وتعالى يطلب من سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام أن يقول أنه عِنْد خَلْقِ آدم خَلَقَه خليفة في الأرض، والكلام هنا لا يعني أن الله سبحانه وتعالى يستشير أحداً في الخلق، بدليل أنه قال "إني جاعل" إذن: فهو أمر مفروغ منه، ولكنه إعلام للملائكة .. والله سبحانه وتعالى، عندما يحدث الملائكة عن ذلك فلأن لهم مع آدم مهمة، فهناك المدبرات أمراً، والحفظة الكرام، وغيرهم من الملائكة الذين سيكلفهم الحق سبحانه وتعالى بمهام متعددة تتصل بحياة هذا المخلوق الجديد. فكان الإعلام. لأن للملائكة عملاً مع هذا الخليفة. قد يقول بعض الناس: إن حياة الإنسان على الأرض تخضع لقوانين ونواميس. نقول: ما يدريك أن وراء كل ناموس مَلَكاً؟ ولكن هذا الخليفة سَيَخْلُفُ مَنْ؟ قد يخلف بعضه بعضاً. في هذه الحالة يكون هنا إعلام من الله بأن كل إنسان سيموت ويخلفه غيره، فلو كانوا جميعاً سيعيشون ما خلف بعضهم بعضاً، وقد يكون الإنسان خليفة لجنس آخر، ولكن الله سبحانه وتعالى نفى أن يخلف الإنسان جنساً آخر. واقرأ قوله جل جلاله: {أية : ... إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ} تفسير : [إبراهيم: 19-20]. والخلق الجديد هو من نوع الخلق نفسه الذي أهلكه الله. والله سبحانه وتعالى يخبرنا بأن البشر سيخلفون بعضهم إلى يوم القيامة .. فيقول جل جلاله: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقُونَ غَيّاً} تفسير : [مريم: 59]. ولكن هذا يطلق عليه خَلْفٌ. ولا يطلق عليه خليفة. والشاعر يقول: شعر : ذَهَبَ الذِينَ يُعَاشُ في أكْـنافِهِمْ وبَقـيتُ في خَلْفٍ كَجلْدٍ الأَجْرَبِ تفسير : ولكن الله جعل الملائكة يسجدون لآدم ساعة الخلق، وجعل الكون مسخراً له فكأنه خليفة الله في أرضه، أمده بعطاء الأسباب، فخضع الكون له بإرادة الله، وليس بإرادة الإنسان، والله سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: "حديث : يا ابن آدم تفرَّغ لعبادتي أملأ صدرك غِنًى وأسُدُّ فقرك .. وإلاّ تفعل ملأت يدك شغلاً ولم أسُدّ فقرك " تفسير : إذن: كلمة خليفة تأخذ عدة معان. ماذا قالت الملائكة: {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ..}. كيف عرف الملائكة ذلك؟ لابد أن هناك حالة قبلها قاسوا عليها، أو أنهم ظنوا أن آدم سيطغى في الأرض، ولكن كلمة "سفك" وكلمة "دم" كيف عرفتهما الملائكة وهي لم تحدث بعد؟ لابد أنهم عرفوها من حياة سابقة. والله سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} تفسير : [الحجر: 27]. فكأن الجن قد خلق قبل الإنسان. وقوله تعالى: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30]. معنى ذلك أن علمك أيها المخلوق مناسب لمخلوقيتك، أما علم الله سبحانه وتعالى .. فهو أزلي لا نهائي. ولكن هل قال الملائكة حين أخبرهم الله بخلق آدم ذلك علنا أم أسروه في أنفسهم؟ سواء قالوه أم أسروه، فقد عَلِمَه الله لأنه يعلم ما يُسِرُّون وما يعلنون. وأنه يعلم السر وأخفى. فما هو السر. وما هو الأخفى من السر؟ السر هو ما أسررته إلى غيرك. فما أَسِرُّ به إلى غيري، فهو السر. وما أخفيه في صدري ولا يطلع عليه أحد هو أخفى من السر. فلا يقال: أسررت إلا إذا بُحْتُ به لغيري. أما ما أخفيه في صدري، فلا يعلمه أحد إلا الله فهذا هو الأخفى من السر. وعندما يقول الحق سبحانه وتعالى: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] أراد أن يعطي القضية بُعْدَها الحقيقي. وقد حكى القرآن الكريم قول الملائكة: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ..} [البقرة: 30]. والتسبيح هو التنزيه عمّا لا يليق بذات المُنَزَّه. والتقديس هو التطهير مأخوذ من الْقَدَس وهو الدلو الذي كانوا يتطهرون به. ولذلك نحن نقول سُبّوح قُدُّوس. سُبّوح أي مُنزَّه عن كل ما لا يليق بجلاله. وقدوس. أي مُطَهَّرْ .. التسبيح يحتاج إلى مُسبِّح. وإلى ما نسبحه. والملائكة قالوا: {أية : سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ ..} تفسير : [البقرة: 32]. وهذا تسبيح وتنزيه لله سبحانه وتعالى .. والتسبيح والتنزيه لا يكونان إلا للكمال المطلق الذي لا تشوبه أية شائبة، والكمال المطلق هو لله سبحانه وتعالى وحده. لذلك صرف الله ألسنة خلقه عن أن يقولوا كلمة سبحانك لغير الله تعالى. فلا تسمع في حياتك أن إنساناً قال لبشر سبحانك. وهكذا صرفت ألسنة الخلق عن أن تسبح لغير الله سبحانه وتعالى. وقول الملائكة: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ..} [البقرة: 30] كأن نقول سبحان الله وبحمده. ومعناها تنزيه لله سبحانه وتعالى في ذاته .. فلا تشبَّه بذات، وفي صفاته. فلا تُشَبَّه بصفات وفي أفعاله، فلا تُشَبَّه بأفعال .. ولكن ما معنى كلمة وبحمده؟ معناها أننا نُنَزِّهك ونحمدك. أي يا رب تنزيهي لك نعمة. ولذلك فإني أحمدك على أنك أعطيتني القدرة لأنزهك، والتقديس هو تطهير الله سبحانه وتعالى من كل الأغيار. ولأنك يا ربي قُدُّوس طاهر. لا يليق أن يرفع إليك إلا طاهر. ولا يليق أن يصدر عمن خلقته بيديك إلا طاهر. إنه عرّفنا معنى {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ..} [البقرة: 30]. ثم أراد الله بحكمته أن يرد على الملائكة فقال: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 30] ولم يطلقها هكذا. ولكنه سبحانه أتى بالقضية التي تؤكد صدق الواقع.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما امتنَّ تعالى على العباد بنعمة الخلق والإِيجاد وأنه سخر لهم ما في الأرض جميعاً، وأخرجهم من العدم إِلى الوجود، أتبع ذلك ببدء خلقهم، وامتنَّ عليهم بتشريف أبيهم وتكريمه، بجعله خليفة، وإِسكانه دار الكرامة، وإِسجاد الملائكة تعظيماً لشأنه، ولا شك أن الإِحسان إِلى الأصل إِحسان إِلى الفرع، والنعمة على الآباء نعمة على الأبناء، ولهذا ناسب أن يذكّرهم بذلك، لأنه من وجوه النعم التي أنعم بها عليهم. اللغَة: {إِذْ} ظرف زمان منصوب بفعل محذوف تقديره: اذكر حين أو اذكر وقت، وقد يصرح بالمحذوف كقوله تعالى {أية : وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} تفسير : [الأنفال: 26] قال المبرد: إذا جاء "إِذْ" مع مستقبل كان معناه ماضياً نحو قوله {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ} تفسير : [الأنفال: 30] معناه إِذْ مكروا، وإِذا جاء "إِذا" مع الماضي كان معناه مستقبلاً كقوله {أية : فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ} تفسير : [النازعات: 34] و {أية : إِذَا جَآءَ نَصْرُ ٱللَّهِ} تفسير : [النصر: 1] أي يجيء. {خَلِيفَةً} الخليفة: من يخلف غيره وينوب منابه، فعيل بمعنى فاعل والتاء للمبالغة، سمي خليفة لأنه مستخلف عن الله عز وجل في إِجراء الأحكام وتنفيذ الأوامر الربانية قال تعالى {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [ص: 26] الآية {يَسْفِكُ} السفك: الصب والإِراقة ولا يستعمل إِلا في الدم قال في المصباح: وسفك الدم: أراقه وبابه ضرب {نُسَبِّحُ} التسبيح: تنزيه الله وتبرئته عن السوء، وأصله من السَّبْح وهو الجري والذهاب قال تعالى {أية : إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبْحَاً طَوِيلاً} تفسير : [المزمل: 7] فَالمسَبِّح جارٍ في تنزيه الله تعالى {وَنُقَدِّسُ} التقديس: التطهير ومنه الأرض المقدسة، وروح القدس، وضده التنجيس، وتقديس الله معناه: تمجيده وتعظيمه وتطهير ذكره عما لا يليق به وفي صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده (حديث : سبُّوحٌ قدُّوس ربُّ الملائكةِ والرُّوح) تفسير : {أَنْبِئُونِي} أخبروني والنبأ: الخبر الهام ذو الفائدة العظيمة قال تعالى {أية : قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ} تفسير : [ص: 67] و{تُبْدُونَ} تظهرون {تَكْتُمُونَ} تخفون ومنه كتم العلم أي اخفاؤه. التفسِيْر: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ} أي اذكر يا محمد حين قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} أي خالق في الأرض ومتخذ فيها خليفة يخلفني في تنفيذ أحكامي فيها وهو آدم أو قوماً يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن، وجيلاً بعد جيل {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} أي قالوا على سبيل التعجب والاستعلام: كيف تستخلف هؤلاء، وفيهم من يفسد في الأرض بالمعاصي {وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} أي يريق الدماء بالبغي والاعتداء!! {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} أي ننزهك عما لا يليق بك متلبسين بحمدك {وَنُقَدِّسُ لَكَ} أي نعظّم أمرك ونطهّر ذكرك مما نسبه إِليك الملحدون {قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي أعلم من المصالح ما هو خفيٌ عليكم، ولي حكمة في خلق الخليقة لا تعلمونها {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} أي أسماء المسمّيات كلها قال ابن عباس: علّمه اسم كل شيء حتى القصعة والمغرفة {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ} أي عرض المسميات على الملائكة وسألهم على سبيل التبكيت {فَقَالَ أَنْبِئُونِي} أي أخبروني {بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ} أي بأسماء هذه المخلوقات التي ترونها {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي في زعمكم أنكم أحق بالخلافة ممن استخلفته، والحاصل أن الله تعالى أظهر فضل آدم للملائكة بتعليمه ما لم تعلمه الملائكة، وخصّه بالمعرفة التامة دونهم، من معرفة الأسماء والأشياء، والأجناس، واللغات، ولهذا اعترفوا بالعجز والقصور {قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} أي ننزهك يا ألله عن النقص ونحن لا علم لنا إلا ما علمتنا إِياه {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ} أي الذي لا تخفى عليه خافية {ٱلْحَكِيمُ} الذي لا يفعل إِلا ما تقتضيه الحكمة {قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} أي أعلمهم بالأسماء التي عجزوا عن علمها، واعترفوا بتقاصر هممهم عن بلوغ مرتبتها {فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} أي أخبرهم بكل الأشياء، وسمَّى كل شيء باسمه، وذكر حكمته التي خلق لها {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي قال تعالى للملائكة: ألم أنبئكم بأني أعلم ما غاب في السماوات والأرض عنكم {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} أي ما تظهرون {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} أي تسرون من دعواكم أن الله لا يخلق خلقاً أفضل منكم. روي أنه تعالى لما خلق آدم عليه السلام رأت الملائكة فطرته العجيبة، وقالوا: ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إِلا كنا أكرم عليه منه. البَلاَغَة: 1- التعرض بعنوان الربوبية {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} مع الإِضافة إِلى الرسول عليه السلام للتشريف والتكريم لمقامه العظيم وتقديم الجار والمجرور {لِلْمَلاَئِكَةِ} للاهتمام بما قُدّم، والتشويق إِلى ما أُخّر. 2- الأمر في قوله تعالى {أَنْبِئُونِي} خرج عن حقيقته إِلى التعجيز والتبكيت. 3- {فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ } فيه مجاز بالحذف والتقدير: فأنبأهم بها فلما أنبأهم حذف لفهم المعنى. 4- {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} هو من باب التغليب لأن الميم علامة الجمع للعقلاء الذكور، ولو لم يغلّب لقال {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} أو عرضهن. 5- إِبراز الفعل في قوله {إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} ثم قال {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} للإِهتمام بالخبر والتنبيه على إِحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، ويسمى هذا بالإِطناب. 6- تضمنت آخر هذه الآية من علم البديع ما يسمى بـ "الطباق" وذلك في كلمتي {تُبْدُونَ} و {تَكْتُمُونَ}. الفوَائِد: الأولى: قال بعض العلماء: في إِخبار الله تعالى للملائكة عن خلق آدم واستخلافه في الأرض، تعليمٌ لعباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها. الثانية: الحكمة من جعل آدم عليه السلام خليفة هي الرحمة بالعباد - لا لافتقار الله - وذلك أن العباد لا طاقة لهم على تلقي الأوامر والنواهي من الله بلا واسطة، ولا بواسطة مَلَك، فمن رحمته ولطفه وإِحسانه إِرسال الرسل من البشر. الثالثة: قال الحافظ ابن كثير: وقول الملائكة {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} الآية ليس هذا على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، وإِنما هو سؤال استعلام واستكشاف عين الحكمة في ذلك، يقولون: ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض؟ وقال في التسهيل: وإِنما علمت الملائكة أن بني آدم يفسدون بإِعلام الله إِياهم بذلك، وقيل: كان في الأرض جنٌ فأفسدوا، فبعث الله إِليهم ملائكة فقتلتهم، فقاس الملائكة بني آدم عليهم. الرابعة: سئل الشعبي: هل لإِبليس زوجة؟ قال: ذلك عرسٌ لم أشهده؟ قال: ثم قرأتُ قوله تعالى: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي} تفسير : [الكهف: 50] فعلمت أنه لا يكون له ذرية إِلا من زوجة، فقلت: نعم.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَنُقَدِّسُ لَكَ} والتَّقْدِيسُ: التَّطْهِيرُ. ويقالُ: التَّقْدِيسُ: الصَّلاةُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ} معناه نُصلي لَكَ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا شروع في ذكر فضل آدم عليه السلام أبي البشر أن الله حين أراد خلقه أخبر الملائكة بذلك، وأن الله مستخلفه في الأرض. فقالت الملائكة عليهم السلام: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } بالمعاصي { وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } [و]هذا تخصيص بعد تعميم، لبيان [شدة] مفسدة القتل، وهذا بحسب ظنهم أن الخليفة المجعول في الأرض سيحدث منه ذلك، فنزهوا الباري عن ذلك، وعظموه، وأخبروا أنهم قائمون بعبادة الله على وجه خال من المفسدة فقالوا: { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ } أي: ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك، { وَنُقَدِّسُ لَكَ } يحتمل أن معناها: ونقدسك، فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص، ويحتمل أن يكون: ونقدس لك أنفسنا، أي: نطهرها بالأخلاق الجميلة، كمحبة الله وخشيته وتعظيمه، ونطهرها من الأخلاق الرذيلة. قال الله تعالى للملائكة: { إِنِّي أَعْلَمُ } من هذا الخليفة { مَا لا تَعْلَمُونَ } ؛ لأن كلامكم بحسب ما ظننتم، وأنا عالم بالظواهر والسرائر، وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة، أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر فلو لم يكن في ذلك، إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين، ولتظهر آياته للخلق، ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة، كالجهاد وغيره، وليظهر ما كمن في غرائز بني آدم من الخير والشر بالامتحان، وليتبين عدوه من وليه، وحزبه من حربه، وليظهر ما كمن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه، واتصف به، فهذه حكم عظيمة، يكفي بعضها في ذلك. ثم لما كان قول الملائكة عليهم السلام، فيه إشارة إلى فضلهم على الخليفة الذي يجعله الله في الأرض، أراد الله تعالى، أن يبين لهم من فضل آدم، ما يعرفون به فضله، وكمال حكمة الله وعلمه فـ { عَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا } أي: أسماء الأشياء، وما هو مسمى بها، فعلمه الاسم والمسمى، أي: الألفاظ والمعاني، حتى المكبر من الأسماء كالقصعة، والمصغر كالقصيعة. { ثُمَّ عَرَضَهُمْ } أي: عرض المسميات { عَلَى الْمَلائِكَةِ } امتحانا لهم، هل يعرفونها أم لا؟. { فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } في قولكم وظنكم، أنكم أفضل من هذا الخليفة. { قَالُوا سُبْحَانَكَ } أي: ننزهك من الاعتراض منا عليك، ومخالفة أمرك. { لا عِلْمَ لَنَا } بوجه من الوجوه { إِلا مَا عَلَّمْتَنَا } إياه، فضلا منك وجودا، { إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ } العليم الذي أحاط علما بكل شيء، فلا يغيب عنه ولا يعزب مثقال ذرة في السماوات والأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. الحكيم: من له الحكمة التامة التي لا يخرج عنها مخلوق، ولا يشذ عنها مأمور، فما خلق شيئا إلا لحكمة: ولا أمر بشيء إلا لحكمة، والحكمة: وضع الشيء في موضعه اللائق به، فأقروا، واعترفوا بعلم الله وحكمته، وقصورهم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم; وتعليمه إياهم ما لا يعلمون. فحينئذ قال الله: { يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } أي: أسماء المسميات التي عرضها الله على الملائكة; فعجزوا عنها، { فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } تبين للملائكة فضل آدم عليهم; وحكمة الباري وعلمه في استخلاف هذا الخليفة، { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } وهو ما غاب عنا; فلم نشاهده، فإذا كان عالما بالغيب; فالشهادة من باب أولى، { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } أي: تظهرون { وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ } . ثم أمرهم تعالى بالسجود لآدم; إكراما له وتعظيما; وعبودية لله تعالى، فامتثلوا أمر الله; وبادروا كلهم بالسجود، { إِلا إِبْلِيسَ أَبَى } امتنع عن السجود; واستكبر عن أمر الله وعلى آدم، قال: {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } تفسير : وهذا الإباء منه والاستكبار; نتيجة الكفر الذي هو منطو عليه; فتبينت حينئذ عداوته لله ولآدم وكفره واستكباره. وفي هذه الآيات من العبر والآيات; إثبات الكلام لله تعالى; وأنه لم يزل متكلما; يقول ما شاء; ويتكلم بما شاء; وأنه عليم حكيم، وفيه أن العبد إذا خفيت عليه حكمة الله في بعض المخلوقات والمأمورات فالوجب عليه; التسليم; واتهام عقله; والإقرار لله بالحكمة، وفيه اعتناء الله بشأن الملائكة; وإحسانه بهم; بتعليمهم ما جهلوا; وتنبيههم على ما لم يعلموه. وفيه فضيلة العلم من وجوه: منها: أن الله تعرف لملائكته; بعلمه وحكمته ، ومنها: أن الله عرفهم فضل آدم بالعلم; وأنه أفضل صفة تكون في العبد، ومنها: أن الله أمرهم بالسجود لآدم; إكراما له; لما بان فضل علمه، ومنها: أن الامتحان للغير; إذا عجزوا عما امتحنوا به; ثم عرفه صاحب الفضيلة; فهو أكمل مما عرفه ابتداء، ومنها: الاعتبار بحال أبوي الإنس والجن; وبيان فضل آدم; وأفضال الله عليه; وعداوة إبليس له; إلى غير ذلك من العبر.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 10 : 20 - سفين عن سالم بن أبي حفصة عن رجل عن بن عباس قال، إن الله جل وعز أخرج آدم من الجنة من قبل أن يخلقه. ثم قرأ {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}. [الآية 30]. 11 : 114 - سفين في قول الله جل وعز: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} قال، نمجدك ونعظمك. [الآية 30].
همام الصنعاني
تفسير : 33- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}: [الآية: 30]، قال: كان الله أعلمهم إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها، وسَفَكوا الدماءَ، فذلك قوله: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}: [الآية: 30]. 34- عبد الرزّاق، عن أبي نجيح، [...]، وقال الكلبي: كان في الأرض خلق قبل آدم [...] فلذلك قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}: [الآية: 30]، لِمَا رأوا فيها من الفساد. 35- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا الثوري، عن سالم بن أبي حفصة، عن رجل، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}: [الآية: 30]، قال: إن الله أخرج آدم من الجنة قبل أن يخلقه، ثم قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}. 36- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن أبن طاوس، عن أبيه، والثوري، عن علي بن بذيمة، عن مجاهد، في قوله تعالى: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}: [الآية: 30]، قال: علم من إبليس المعصية، وخلقه لها. 37- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} [الآية: 30]، قال: التسبيح: التسبيح، والتقديس الصلاة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):