Verse. 38 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَعَلَّمَ اٰدَمَ الْاَسْمَاۗءَ كُلَّہَا ثُمَّ عَرَضَھُمْ عَلَي الْمَلٰۗىِٕكَۃِ۝۰ۙ فَقَالَ اَنْۢبِــُٔـوْنِىْ بِاَسْمَاۗءِ ھٰۗؤُلَاۗءِ اِنْ كُنْتُمْ صٰدِقِيْنَ۝۳۱
WaAAallama adama alasmaa kullaha thumma AAaradahum AAala almalaikati faqala anbioonee biasmai haolai in kuntum sadiqeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وعلَّم آدم الأسماء» أي أسماء المسميات «كلها» بأن ألقى في قلبه علمها «ثم عرضهم» أي المسميات وفيه تغليب العقلاء «على الملائكة فقال» لهم تبكيتاً «أنبئوني» أخبروني «بأسماء هؤلاء» المسميات «إن كنتم صادقين» في أني لا أخلق أعلم منكم أو أنكم أحق بالخلافة، وجواب الشرط دل عليه ما قبله.

31

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريته وإسكانه تعالى إياهم في الأرض وأخبر الله تعالى عن وجه الحكمة في ذلك على سبيل الإجمال بقوله تعالى: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أراد تعالى أن يزيدهم بياناً وأن يفصل لهم ذلك المجمل، فبين تعالى لهم من فضل آدم عليه السلام ما لم يكن من ذلك معلوماً لهم، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كمال فضله وقصورهم عنه في العلم فيتأكد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي وههنا مسائل: المسألة الأولى: قال الأشعري والجبائي والكعبي: اللغات كلها توقيفية. بمعنى أن الله تعالى خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني. واحتجوا عليه بقوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلأَسْمَاء كُلَّهَا } والكلام على التمسك بهذه الآيه سؤالاً وجواباً ذكرناه في أصول الفقه.وقال أبو هاشم:إنه لابد من تقدم لغه إصطلاحيه واحتج على أنه لابدّ وأن يكون الوضع مسبوقاً بالإصطلاح بأمور أحدها:أنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع هذه اللفظه لهذا المعنى لكان ذلك العلم إما أن يحصل للعاقل أو لغير العاقل،لا جائز أن يحصل للعاقل لأنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى لصارت صفه الله تعالى معلومه بالضروره مع أنه ذاته معلومه بلإستدلال وذلك محال ولا جائز أن يحصل لغير العاقل لأنه يبعد في العقول أن يحصل العلم بهذه اللغات مع ما فيها من الحكم العجيبه لغير العاقل،فثبت أن القول بالتوقيف فاسد.وثانيها:أنه تعالى خاطب الملائكه وذلك يوجب تقدم لغه على ذلك التكلم.وثالثها:أن قوله:{وعلم آدم الأسماء كلها} يقتضي إضافة التعليم إلى الأسماء. وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التعليم، وإذا كان كذلك كانت اللغات حاصلة قبل ذلك التعليم. ورابعها: أن آدم عليه السلام لما تحدى الملائكة بعلم الأسماء فلا بدّ وأن تعلم الملائكة كونه صادقاً في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات، وإلا لم يحصل العلم بصدقه، وذلك يقتضي أن يكون وضع تلك الأسماء لتلك المسميات متقدماً على ذلك التعليم. والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال بخلق العلم الضروري بأن واضعاً وضع هذه الأسماء لهذه المسميات من غير تعيين أن ذلك الواضع هو الله تعالى أو الناس؟ وعلى هذا لا يلزم أن تصير الصفة معلومة بالضرورة حال كون الذات معلومة بالدليل. سلمنا أنه تعالى ما خلق هذا العلم في العاقل، فلم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى خلقه في غير العاقل والتعويل على الاستعباد في هذا المقام مستبعد. وعن الثاني: لم لا يجوز أن يقال خاطب الملائكة بطريق آخر بالكتابة وغيرها. وعن الثالث: لا شك إن إرادة الله تعالى وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني سابقة على التعليم فكفى ذلك في إضافة التعليم إلى الأسماء، وعن الرابع: ماسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: من الناس من قال قوله: {وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلاسْمَاء كُلَّهَا } أي علمه صفات الأشياء ونعوتها وخواصها والدليل عليه أن الاسم اشتقاقه إما من السمة أو من السمو، فإن كان من السمة كان الاسم هو العلامة وصفات الأشياء ونعوتها وخواصها دالة على ماهياتها، فصح أن يكون المراد من الأسماء: الصفات، وإن كان من السمو فكذلك لأن دليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول، فكان الدليل أسمى في الحقيقة، فثبت أنه لا امتناع في اللغة أن يكون المراد من الاسم الصفة، بقي أن أهل النحو خصصوا لفظ الاسم بالألفاظ المخصوصة، ولكن ذلك عرف حادث لا اعتبار به، وإذا ثبت أن هذا التفسير ممكن بحسب اللغة وجب أن يكون هو المراد لا غيره، لوجوه: أحدها: أن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في معرفة أسمائها، وحمل الكلام المذكور لإظهار الفضيلة على ما يوجب مزيد الفضيلة، أولى من حمله على ما ليس كذلك، وثانيها: أن التحدي إنما يجوز ويحسن بما يتمكن السامع من مثله في الجملة، فإن من كان عالماً باللغة والفصاحة، يحسن أن يقول له غيره على سبيل التحدي: ائت بكلام مثل كلامي في الفصاحة، أما العربي فلا يحسن منه أن يقول للزنجي في معرض التحدي: تكلم بلغتي، وذلك لأن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات البتة: بل ذلك لا يحصل إلا بالتعليم، فإن حصل التعليم، حصل العلم به وإلا فلا، أما العلم بحقائق الأشياء، فالعقل متمكن من تحصيله فصحَّ وقوع التحدي فيه. القول الثاني: وهو المشهور أن المراد أسماء كل ما خلق الله من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولد آدم اليوم من العربية والفارسية والرومية وغيرها، وكان ولد آدم عليه السلام يتكلمون بهذه اللغات فلما مات آدم وتفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد منهم بلغة معينة من تلك اللغات، فغلب عليه ذلك اللسان، فلما طالت المدة ومات منهم قرن بعد قرن نسوا سائر اللغات، فهذا هو السبب في تغير الألسنة في ولد آدم عليه السلام. قال أهل المعاني: قوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلاسْمَاء } لا بدّ فيه من إضمار، فيحتمل أن يكون المراد وعلم آدم أسماء المسميات، ويحتمل أن يكون المراد وعلم آدم مسميات الأسماء، قالوا لكن الأول أولى لقوله: {أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاء } وقوله تعالى: {فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم } ولم يقل أنبئوني بهؤلاء وأنبأهم بهم، فإن قيل: فلما علمه الله تعالى أنواع جميع المسميات، وكان في المسميات ما لا يكون عاقلاً، فلم قال عرضهم ولم يقل عرضها؟ قلنا لأنه لما كان في جملتها الملائكة والإنس والجن وهم العقلاء، فغلب الأكمل، لأنه جرت عادة العرب بتغليب الكامل على الناقص كلما غلبوا. المسألة الثالثة: من الناس من تمسك بقوله تعالى: {أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاء } على جواز تكليف ما لا يطاق وهو ضعيف، لأنه تعالى إنما استنبأهم مع علمه تعالى بعجزهم على سبيل التبكيت ويدل على ذلك قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }. المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: إن ما ظهر من آدم عليه السلام من علمه بالأسماء معجزة دالة على نبوته عليه السلام في ذلك الوقت، والأقرب أنه كان مبعوثاً إلى حواء ولا يبعد أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى من توجه التحدي إليهم من الملائكة لأن جميعهم وإن كانوا رسلاً فقد يجوز الإرسال إلى الرسول كبعثة إبراهيم عليه السلام إلى لوط عليه السلام واحتجوا عليه بأن حصول ذلك العلم له ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزاً، وإذا ثبت كونه معجزاً ثبت كونه رسولاً في ذلك الوقت، ولقائل أن يقول لا نسلم أن ذلك العلم ناقض للعادة لأن حصول العلم باللغة لمن علمه الله تعالى وعدم حصوله لمن لم يعلمه الله ليس بناقض للعادة. وأيضاً فأما أن يقال: الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو ما علموا ذلك فإن علموا ذلك فقد قدروا على أن يذكروا أسماء تلك المسميات فحينئذٍ تحصل المعارضة ولا تظهر المزية والفضيلة، وإن لم يعلموا ذلك فكيف عرفوا أن آدم عليه السلام أصاب فيما ذكر من كون كل واحد من تلك الألفاظ إسماً لكل واحد من تلك المسميات، واعلم أنه يمكن دفع هذا السؤال من وجهين: الأول: ربما كان لكل صنف من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات. وكان كل صنف جاهلاً بلغة الصنف الآخر ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وأن آدم عليه السلام عد عليهم جميع تلك اللغات بأسرها فعرف كل صنف إصابته في تلك اللغة خاصة فعرفوا بهذا الطريق صدقه إلا أنهم بأسرهم عجزوا عن معرفة تلك اللغات بأسرها فكان ذلك معجزاً. الثاني: لا يمتنع أن يقال إنه تعالى عرفهم قبل أن سمعوا من آدم عليه السلام تلك الأسماء ما استدلوا به على صدق آدم فلما سمعوا منه عليه السلام تلك الأسماء عرفوا صدقه فيها فعرفوا كونه معجزاً، سلمنا أنه ظهر عليه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا جائزان وحينئذٍ يصير الكلام في هذه المسألة فرعاً على الكلام فيهما واحتج من قطع بأنه عليه السلام ما كان نبياً في ذلك الوقت بوجوه: أحدها: أنه لو كان نبياً في ذلك الزمان، لكان قد صدرت المعصية عنه بعد النبوة. وذلك غير جائز، فوجب أن لا يكون نبياً في ذلك الزمان أما الملازمة فلأن صدور الزلة عنه كان بعد هذه الواقعة بالاتفاق وتلك الزلة من باب الكبائر على ما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى والإقدام على الكبيرة يوجب استحقاق الطرد والتحقير واللعن وكل ذلك على الأنبياء غير جائز فيجب أن يقال وقعت تلك الواقعة قبل النبوة. وثانيها: لو كان رسولاً في ذلك الوقت لكان إما أن يكون مبعوثاً إلى أحد أو لا يكون فإن كان مبعوثاً إلى أحد، فإما أن يكون مبعوثاً إلى الملائكة أو الإنس أو الجن والأول باطل لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر ولا يجوز جعل الأدون رسولاً إلى الأشرف لأن الرسول والأمة تبع، وجعل الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل وأيضاً فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ولهذا قال تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً } تفسير : [الأنعام: 9] ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى البشر، لأنه ما كان هناك أحد من البشر إلا حواء، وأن حواء إنماعرفت التكليف لا بواسطة آدم لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ } تفسير : [الأعراف: 19] شافههما بهذا التكليف وما جعل آدم واسطة ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى الجن لأنه ما كان في السماء أحد من الجن ولا جائز أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى أحد لأن المقصود من جعله رسولاً التبليغ فحيث لا مبلغ لم يكن في جعله رسولاً فائدة وهذا الوجه ليس في غاية القوة. وثالثها: قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُ } تفسير : [طه:122] فهذه الآية دل على أنه تعالى إنما اجتباه بعد الزلة فوجب أن يقال إنه قبل الزلة ما كان مجتبى، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبى وجب أن لا يكون رسولاً لأن الرسالة والاجتباء متلازمان لأن الاجتباء لا معنى له إلا التخصيص بأنواع التشريفات وكل من جعله الله رسولاً فقد خصه بذلك لقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } تفسير : [الأنعام: 124]. المسألة الخامسة: ذكروا في قوله: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } وجوهاً: أحدها: معناه أعلموني أسماء هؤلاء إن علمتم أنكم تكونون صادقين في ذلك الاعلام. وثانيها: معناه أخبروني ولا تقولوا إلا حقاً وصدقاً فيكون الغرض منه التوكيد لما نبههم عليه من القصور والعجز، لأنه متى تمكن في أنفسهم العلم بأنهم إن أخبروا لم يكونوا صادقين ولا لهم إليه سبيل علموا أن ذلك متعذر عليهم. وثالثها: إن كنتم صادقين في قولكم أنه لا شيء مما يتعبد به الخلق إلا وأنتم تصلحون وتقومون به وهو قول ابن عباس وابن مسعود. ورابعها: إن كنتم صادقين في قولكم إني لم أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم منه فأخبروني بأسماء هؤلاء. المسألة السادسة: هذه الآية دالة على فضل العلم فإنه سبحانه ما أظهر كمال حكمته في خلقه آدم عليه السلام إلا بأن أظهر علمه فلو كان في الإمكان وجود شيء من العلم أشرف من العلم لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء. لا بالعلم، واعلم أنه يدل على فضيلة العلم الكتاب والسنة والمنقول، أما الكتاب فوجوه: الأول: أن الله تعالى سمى العلم بالحكمة ثم إنه تعالى عظم أمر الحكمة وذلك يدل على عظم شأن العلم، بيان أنه تعالى سمى العلم بالحكمة ما يروى عن مقاتل: أنه قال: تفسر الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مواعظ القرآن قال في البقرة: {أية : وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ} تفسير : [البقرة: 231] يعني مواعظ القرآن وفي النساء: {أية : وَأَنزَلَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ} تفسير : [النساء:113] يعني المواعظ ومثلها في آل عمران. وثانيها: الحكمة بمعنى الفهم والعلم قوله تعالى / {أية : وَاتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً } تفسير : [مريم: 12] وفي لقمان {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ } تفسير : [لقمان: 12] يعني الفهم والعلم وفي الأنعام {أية : أُوْلَـٰئكَ ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحُكْمَ } تفسير : [الأنعام: 89] وثالثها: الحكمة بمعنى النبوة في [ النساء:54] {أية : فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إِبْرٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ }تفسير : يعني النبوة وفي [ ص:20]{أية : وآتيناه الحكمة}تفسير : يعني النبوة وفي [البقرة:251]{أية : وَآتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ }تفسير : ورابعها: القرآن في النحل {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ } تفسير : [النحل: 125] وفي البقرة: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيراً} تفسير : [البقرة: 269] وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم ثم تفكر أن الله تعالى ما أعطى من العلم إلا القليل قال: {أية : وَمَا أُوتِيتُم مّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً } تفسير : [الإسراء: 85] وسمى الدنيا بأسرها قليلاً {أية : قُلْ مَتَـٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ } تفسير : [النساء: 77] فما سماه قليلاً لا يمكننا أن ندرك كميته فما ظنك بما سماه كثيراً. ثم البرهان العقلي على قلة الدنيا وكثرة الحكمة أن الدنيا متناهي القدر متناهي العدد متناهي المدة. والعلم لا نهاية لقدره، وعدده ومدته ولا للسعادات الحاصلة منه، وذلك ينبهك على فضيلة العلم. الثاني: قوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الزمر: 9] وقد فرق بين سبع نفر في كتابه فرق بين الخبيث والطيب فقال: {أية : قُل لاَّ يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيّبُ } تفسير : [المائدة: 100] يعني الحلال والحرام، وفرق بين الأعمى والبصير فقال: {أية : قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلاْعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } تفسير : [الأنعام: 50] وفرق بين النور والظلمة فقال: {أية : أَمْ هَلْ تَسْتَوِى ٱلظُّلُمَـٰتُ وَٱلنُّورُ } تفسير : [الرعد: 16] وفرق بين الجنة والنار وبين الظل والحرور، وإذا تأملت وجدت كل ذلك مأخوذاً من الفرق بين العالم والجاهل. الثالث: قوله: {أية : أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } تفسير : [النساء: 59] والمراد من أولى الأمر العلماء في أصح الأقوال لأن الملوك يجب عليهم طاعة العلماء ولا ينعكس، ثم انظر إلى هذه المرتبة فإنه تعالى ذكر العالم في موضعين من كتابه في المرتبة الثانية قال:{أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ } تفسير : [آل عمران: 18]، وقال: {أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِى ٱلأَمْرِ مِنْكُمْ } ثم إنه سبحانه وتعالى زاد في الإكرام فجعلهم في المرتبة الأولى في آيتين فقال تعالى: {أية : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ ٱللَّهُ وَٱلرٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ } تفسير : [آل عمران: 7] وقال: {أية : قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَـٰبِ } تفسير : [الرعد: 43] الرابع: {أية : يَرْفَعُ الِلَّهِ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ منكم والذين أوتوا العلم درجات } تفسير : [المجادلة: 11] واعلم أنه تعالى ذكر الدرجات لأربعة أصناف. أولها: للمؤمنين من أهل بدر قال: {أية : إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ } تفسير : [الأنفال: 2] إلى قوله: {أية : لَّهُمْ دَرَجَـٰتٌ عِندَ رَبّهِمْ } تفسير : [الأنفال: 4] والثانية: للمجاهدين قال: {أية : وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ } تفسير : [النساء: 95]. والثالثة: للصالحين قال: {أية : وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَـٰتُ ٱلْعُلَىٰ } تفسير : [طه: 75]. الرابعة: للعلماء. قال: {وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ } والله فضل أهل بدر على غيرهم من المؤمنين بدرجات وفضل المجاهدين على القاعدين بدرجات وفضل الصالحين على هؤلاء بدرجات ثم فضل العلماء على جميع الأصناف بدرجات، فوجب أن يكون العلماء أفضل الناس. الخامس: قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } تفسير : [فاطر: 28] فإن الله تعالى وصف العلماء في كتابه بخمس مناقب، أحدها: الإيمان {أية : وَٱلرٰسِخُونَ فِي ٱلْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } تفسير : [آل عمران: 7] وثانيها: التوحيد والشهادة {شَهِدَ ٱللَّهُ } إلى قوله: {أية : وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ }تفسير : [آل عمران: 18] وثالثها: البكاء {أية : وَيَخِرُّونَ لِلاْذْقَانِ يَبْكُونَ } تفسير : [الإسراء: 109]. ورابعها: الخشوع {أية : إن الذين أوتوا العلم من قبله} تفسير : [الإسراء: 107] الآية. وخامسها: الخشية {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } أما الأخبار فوجوه: أحدها: روى ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب عالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنّة وبنى له بكل قدم مدينة في الجنة ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له ويمسي ويصبح مغفوراً له وشهدت الملائكة لهم بأنهم عتقاء الله من النار» تفسير : وثانيها: عن أنس قال: قال عليه السلام: «حديث : من طلب العلم لغير الله لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله ومن طلب العلم لله فهو كالصائم نهاره وكالقائم ليله وإن باباً من العلم يتعلمه الرجل خير من أن يكون له أبو قبيس ذهباً فينفقه في سبيل الله». تفسير : وثالثها: عن الحسن مرفوعاً«حديث : من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيـى به الإسلام كان بينه وبين الأنبياء درجة واحدة في الجنة» تفسير : ورابعها: أبو موسى الأشعري مرفوعاً «حديث : يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول: يا معشر العلماء إني لم أضع نوري فيكم إلا لعلمي بكم ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم انطلقوا فقد غفرت لكم». تفسير : وخامسها: قال عليه السلام: «حديث : معلم الخير إذا مات بكى عليه طير السماء ودواب الأرض وحيتان البحور» تفسير : وسادسها: أبو هريرة مرفوعاً «حديث : من صلى خلف عالم من العلماء فكأنما صلى خلف نبي من الأنبياء». تفسير : وسابعها: ابن عمر مرفوعاً «حديث : فضل العالم على العابد بسبعين درجة بين كل درجة عدو الفرس سبعين عاماً وذلك أن الشيطان يضع البدعة للناس فيبصرها العالم فيزيلها والعابد يقبل على عبادته لا يتوجه ولا يتعرف لها». تفسير : وثامنها: الحسن مرفوعاً قال عليه السلام: «حديث : رحمة الله على خلفائي فقيل من خلفاؤك يا رسول الله؟ قال الذين يحيون سنّتي ويعلمونها عباد الله» تفسير : وتاسعها: قال عليه السلام: «حديث : من خرج يطلب باباً من العلم ليرد به باطلاً إلى حق أو ضلالاً إلى هدى كان عمله كعبادة أربعين عاماً»، تفسير : وعاشرها: قال عليه السلام لعلي حين بعثه إلى اليمن «حديث : لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما تطلع عليه الشمس أو تغرب» تفسير : الحادي عشر: ابن مسعود مرفوعاً «حديث : من طلب العلم ليحدث به الناس ابتغاء وجه الله أعطاه أجر سبعين نبياً». تفسير : الثاني عشر: عامر الجهني مرفوعاً «حديث : يؤتى بمداد طالب العلم ودم الشهيد يوم القيامة لا يفضل أحدهما على الآخر» تفسير : وفي رواية فيرجح مداد العلماء. الثالث عشر: أبو وافد الليثي: أنه عليه السلام بينما هو جالس والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر أما أحدهم فرأى فرجة في الحلقة فجلس إليها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فإنه رجع وفر فلما فرغ عليه السلام من كلامه قال: أخبركم عن النفر الثلاثة. أما الأول: فآوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني: فاستحيا من الله فاستحيا الله منه، وأما الثالث: فأعرض عن الله فأعرض الله عنه» رواه مسلم، وأما الآثار فمن وجوه «ا» العالم أرأف بالتلميذ من الأب والأم لأن الآباء والأمهات يحفظونه من نار الدنيا وآفاتها والعلماء يحفظونه من نار الآخرة وشدائدها «ب» قيل لابن مسعود بم وجدت هذا العلم: قال بلسان سؤول، وقلب عقول «ج» قال بعضهم سل مسألة الحمقى، واحفظ حفظ الأكياس «د» مصعب بن الزبير قال لابنه: يا بني تعلم العلم فإن كان لك مال كان العلم لك جمالاً وإن لم يكن لك مال كان العلم لك مالاً «هـ» قال علي بن أبي طالب: لا خير في الصمت عن العلم كما لا خير في الكلام عن الجهل «و» قال بعض المحققين: العلماء ثلاثة عالم بالله غير عالم بأمر الله، وعالم بأمر الله غير عالم بالله، وعالم بالله وبأمر الله. أما الأول: فهو عبد قد استولت المعرفة الإلهية على قلبه فصار مستغرقاً بمشاهدة نور الجلال وصفحات الكبرياء فلا يتفرغ لتعلم علم الأحكام إلا ما لا بدّ منه. الثاني: هو الذي يكون عالماً بأمر الله وغير عالم بالله وهو الذي عرف الحلال والحرام وحقائق الأحكام لكنه لا يعرف أسرار جلال الله. أما العالم بالله وبأحكام الله فهو جالس على الحد المشترك بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات فهو تارة مع الله بالحب له، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار معهم كواحد منهم كأنه لا يعرف الله وإذا خلا بربه مشتغلاً بذكره وخدمته فكأنه لا يعرف الخلق فهذا سبيل المرسلين والصديقين وهذا هو المراد بقوله عليه السلام: «حديث : سائل العلماء وخالط الحكماء وجالس الكبراء»تفسير : فالمراد من قوله عليه السلام: سائل العلماء أي العلماء بأمر الله غير العالمين بالله فأمر بمساءلتهم عند الحاجة إلى الله استفتاء منهم، وأما الحكماء فهم العالمون بالله الذين لا يعلمون أوامر الله فأمر بمخالطتهم وأما الكبراء فهم العالمون بالله وبأحكام الله فأمر بمجالستهم لأن في تلك المجالسة منافع الدنيا والآخرة، ثم قال شقيق البلخي: لكل واحد من هؤلاء الثلاثة ثلاث علامات أما العالم بأمر الله فله ثلاث علامات أن يكون ذاكراً باللسان دون القلب، وأن يكون خائفاً من الخلق دون الرب، وأن يستحي من الناس في الظاهر ولا يستحي من الله في السر، وأما العالم بالله فإنه يكون ذاكراً خائفاً مستحيياً. أما الذكر فذكر القلب لا ذكر اللسان، وأما الخوف فخوف الرياء لا خوف المعصية، وأما الحياء فحياء ما يخطر على القلب لا حياء الظاهر، وأما العالم بالله وبأمر الله فله ستة أشياء الثلاثة التي ذكرناها للعالم بالله فقط مع ثلاثة أخرى كونه جالساً على الحد المشترك بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وكونه معلماً للقسمين الأولين، وكونه بحيث يحتاج الفريقان الأولان إليه وهو يستغني عنهما، ثم قال: مثل العالم بالله وبأمر الله كمثل الشمس لا يزيد ولا ينقص، ومثل العالم بالله فقط كمثل القمر يكمل تارة وينقص تارة أخرى، ومثل العالم بأمر الله فقط كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء لغيره «ز» قال فتح الموصلي: أليس المريض إذا امتنع عنه الطعام والشراب والدواء يموت؟ فكذا القلب إذا امتنع عنه العلم والفكر والحكمة يموت «ح» قال شقيق البلخي: الناس يقومون من مجلسي على ثلاثة أصناف: كافر محض، ومنافق محض، ومؤمن محض، وذلك لأني أفسر القرآن فأقول عن الله وعن الرسول فمن لا يصدقني فهو كافر محض، ومن ضاق قلبه منه فهو منافق محض، ومن ندم على ما صنع / وعزم على أن لا يذنب كان مؤمناً محضاً. وقال أيضاً: ثلاثة من النوم يبغضها الله تعالى. وثلاثة من الضحك: النوم بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العتمة. والنوم في الصلاة، والنوم عند مجلس الذكر، والضحك خلف الجنازة، والضحك في المقابر، والضحك في مجلس الذكر «ط» قال بعضهم في قوله تعالى: {أية : فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا } تفسير : [الرعد: 17] السيل ههنا العلم، شبهه الله تعالى بالماء لخمس خصال: أحدها: كما أن المطر ينزل من السماء كذلك العلم ينزل من السماء. والثاني: كما أن إصلاح الأرض بالمطر فإصلاح الخلق بالعلم، الثالث: كما أن الزرع والنبات لا يخرج بغير المطر كذلك الأعمال والطاعات لا تخرج بغير العلم. والرابع: كما أن المطر فرع الرعد والبرق كذلك العلم فإنه فرع الوعد والوعيد. الخامس: كما أن المطر نافع وضار، كذلك العلم نافع وضار: نافع لمن عمل به ضار لمن لم يعمل به «ي» كم من مذكر بالله ناس لله، وكم من مخوف بالله، جريء على الله، وكم من مقرب إلى الله بعيد عن الله، وكم من داع إلى الله فار من الله، وكم من تال كتاب الله منسلخ عن آيات الله «يا» الدنيا بستان زينت بخمسة أشياء: علم العلماء وعدل الأمراء وعبادة العباد وأمانة التجار ونصيحة المحترفين. فجاء إبليس بخمسة أعلام فأقامها بجنب هذه الخمس جاء بالحسد فركزه في جنب العلم، وجاء بالجور فركزه بجنب العدل، وجاء بالرياء فركزه بجنب العبادة، وجاء بالخيانة فركزها بجنب الأمانة، وجاء بالغش فركزه بجنب النصيحة «يب» فضل الحسن البصري على التابعين بخمسة أشياء: أولها: لم يأمر أحداً بشيء حتى عمله، والثاني: لم ينه أحداً عن شيء حتى انتهى عنه، والثالث: كل من طلب منه شيئاً مما رزقه الله تعالى لم يبخل به من العلم والمال. والرابع: كان يستغني بعلمه عن الناس، والخامس: كانت سريرته وعلانيته سواء. «يج» إذا أردت أن تعلم أن علمك ينفعك أم لا فاطلب من نفسك خمس خصال: حب الفقر لقلة المؤنة، وحب الطاعة طلباً للثواب، وحب الزهد في الدنيا طلباً للفراغ، وحب الحكمة طلباً لصلاح القلب، وحب الخلوة طلباً لمناجاة الرب «يد» اطلب خمسة في خمسة، الأول: أطلب العز في التواضع لا في المال والعشيرة. والثاني: أطلب الغنى في القناعة لا في الكثرة، والثالث: أطلب الأمن في الجنة لا في الدنيا. والرابع: اطلب الراحة في القلة لا في الكثرة. والخامس: أطلب منفعة العلم في العمل لا في كثرة الرواية «يه» قال ابن المبارك ما جاء فساد هذه الأمة إلا من قبل الخواص وهم خمسة: العلماء، والغزاة، والزهاد: والتجار، والولاة. أما العلماء فهم ورثة الأنبياء، وأما الزهاد فعماد أهل الأرض، وأما الغزاة فجند الله في الأرض، وأما التجار فأمناء الله في أرضه، وأما الولاة فهم الرعاة فإذا كان العالم للدين واضعاً وللمال رافعاً فبمن يقتدي الجاهل، وإذا كان الزاهد في الدنيا راغباً فبمن يقتدي التائب، وإذا كان الغازي طامعاً مرائياً فكيف يظفر بالعدو. وإذا كان التاجر خائنا فكيف تحصل الأمانة، وإذا كان الراعي ذئباً فكيف تحصل الرعاية «يو» قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: العلم أفضل من المال بسبعة أوجه: أولها: العلم ميراث الأنبياء، والمال ميراث الفراعنة. الثاني: العلم لا ينقص بالنفقة والمال ينقص، والثالث: يحتاج المال إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه. والرابع: إذا مات الرجل يبقى ماله والعلم يدخل مع صاحبه قبره. والخامس: المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل إلا للمؤمن، والسادس: جميع الناس يحتاجون إلى صاحب العلم في أمر دينهم ولا يحتاجون إلى صاحب المال. السابع: العلم يقوي الرجل على المرور على الصراط والمال يمنعه «يز» قال الفقيه أبو الليث: إن من يجلس عند العالم ولا يقدر أن يحفظ من ذلك العلم شيئاً فله سبع كرامات: أولها: ينال فضل المتعلمين. والثاني: ما دام جالساً عنده كان محبوساً عن الذنوب. والثالث: إذا خرج من منزله طلباً للعلم نزلت الرحمة عليه. والرابع: إذا جلس في حلقة العلم فإذا نزلت الرحمة عليهم حصل له منها نصيب. والخامس: ما دام يكون في الاستماع، تكتب له طاعة. والسادس: إذا استمع ولم يفهم ضاق قلبه لحرمانه عن إدراك العلم فيصير ذلك الغم وسيلة له إلى حضرة الله تعالى لقوله عزّ وجّل: «حديث : أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي»تفسير : والسابع: يرى إعزاز المسلمين للعالم وإذلالهم للفساق فيرد قلبه عن الفسق ويميل طبعه إلى العلم فلهذا أمر عليه الصلاة والسلام بمجالسة الصالحين «يح» قيل من العلماء من يضن بعلمه ولا يحب أن يوجد عند غيره فذاك في الدرك الأول من النار، ومن العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان فإن رد عليه شيء من حقه غضب، فذاك في الدرك الثاني من النار، ومن العلماء من يجعل حديثه وغرائب علمه لأهل الشرف واليسار ولا يرى الفقراء له أهلاً، فذاك في الدرك الثالث من النار، ومن العلماء من كان معجباً بنفسه إن وعظ عنف وإن وعظ أنف فذاك في الدرك الرابع من النار. ومن العلماء من ينصب نفسه للفتيا فيفتي خطأ فذاك في الدرك الخامس من النار، ومن العلماء من يتعلم كلام المبطلين فيمزجه بالدين فهو في الدرك السادس من النار، ومن العلماء من يطلب العلم لوجوه الناس فذاك في الدرك السابع من النار «يط» قال الفقيه أبو الليث: من جلس مع ثمانية أصناف من الناس زاده الله ثمانية أشياء. من جلس مع الأغنياء زاده الله حب الدنيا والرغبة فيها ومن جلس مع الفقراء جعل الله له الشكر والرضا بقسمة الله، ومن جلس مع السلطان زاده الله القسوة والكبر، ومن جلس مع النساء زاده الله الجهل والشهوة، ومن جلس مع الصبيان ازداد من اللهو والمزاح، ومن جلس مع الفساق ازداد من الجرأة على الذنوب وتسويف التوبة، ومن جلس مع الصالحين ازداد رغبة في الطاعات، ومن جلس مع العلماء ازداد العلم والورع «يي» إن الله علم سبعة نفر سبعة أشياء «ا» علم آدم الأسماء {وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلاسْمَاء كُلَّهَا } «ب» علم الخضر الفراسة {أية : وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } تفسير : [الكهف: 65] «ج» وعلم يوسف علم التعبير {أية : رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلاْحَادِيثِ} تفسير : [يوسف: 101] «د» علم داود صنعة الدرع {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ } تفسير : [الأنبياء: 80] «هـ» علم سليمان منطق الطير {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ } تفسير : [النمل: 16] «و» علم عيسى عليه السلام علم التوراة والإنجيل {أية : وَيُعَلّمُهُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ } تفسير : [آل عمران: 48] «ز» وعلم محمداً صلى الله عليه وسلم الشرع والتوحيد {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } تفسير : [النساء: 113]، {أية : وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ } تفسير : [البقرة: 129]، {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ } تفسير : [الرحمن: 1] فعلم آدم كان سبباً له في حصول السجدة والتحية، وعلم الخضر كان سبباً لأن وجد تلميذاً مثل موسى ويوشع عليهما السلام، وعلم يوسف كان سبباً لوجدان الأهل والمملكة، وعلم داود كان سبباً لوجدان الرياسة والدرجة، وعلم سليمان كان سبباً لوجدان بلقيس والغلبة، وعلم عيسى كان سبباً لزوال التهمة عن أمه وعلم محمد صلى الله عليه وسلم كان سبباً لوجود الشفاعة، ثم نقول من علم أسماء المخلوقات وجد التحية من الملائكة فمن علم ذات الخالق وصفاته أما يجد تحية الملائكة؟ بل يجد تحية الرب {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } تفسير : [يۤس: 58] والخضر وجد بعلم الفراسة صحبة موسى، فيا أمة الحبيب بعلم الحقيقة كيف لا تجدون صحبة محمد صلى الله عليه وسلم {أية : فَأُوْلَـئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مّنَ ٱلنَّبِيّينَ } تفسير : [النساء: 69] ويوسف بتأويل الرؤيا نجا من حبس الدنيا، فمن كان عالماً بتأويل كتاب الله كيف لا ينجو من حبس الشهوات {أية : وَيَهْدِى مَن يَشَاء إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تفسير : [يونس: 25] وأيضاً فإن يوسف عليه السلام ذكر منة الله على نفسه حيث قال: {أية : وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ ٱلاْحَادِيثِ } تفسير : [يوسف: 101]. فأنت يا عالم أما تذكر منة الله على نفسك حيث علمك تفسير كتابه فأي نعمة أجل مما أعطاك الله حيث جعلك مفسراً لكلامه وسمياً لنفسه ووارثاً لنبيه وداعياً لخلقه وواعظاً لعباده وسراجاً لأهل بلاده وقائداً للخلق إلى جنته وثوابه وزاجراً لهم عن ناره وعقابه، كما جاء في الحديث: العلماء سادة والفقهاء قادة ومجالستهم زيادة «كا» المؤمن لا يرغب في طلب العلم حتى يرى ست خصال من نفسه. أحدها: أن يقول إن الله أمرني بأداء الفرائض وأنا لا أقدر على أدائها إلا بالعلم. الثانية: أن يقول نهاني عن المعاصي وأنا لا أقدر على اجتنابها إلا بالعلم. الثالثة: أنه تعالى أوجب على شكر نعمه ولا أقدر عليه إلا بالعلم. والرابعة: أمرني بإنصاف الخلق وأنا لا أقدر أن أنصفهم إلا بالعلم. والخامسة: أن الله أمرني بالصبر على بلائه ولا أقدر عليه إلا بالعلم والسادسة: إن الله أمرني بالعداوة مع الشيطان ولا أقدر عليها إلا بالعلم «كب» طريق الجنة في أيدي أربعة: العالم والزاهد والعابد والمجاهد، فالزاهد إذا كان صادقاً في دعواه يرزقه الله الأمن، والعابد إذا كان صادقاً في دعواه يرزقه الله الخوف، والمجاهد إذا كان صادقاً في دعواه يرزقه الله الثناء والحمد، والعالم إذا كان صادقاً في دعواه يرزقه الله الحكمة «كج» أطلب أربعة من أربعة: من الموضع السلامة، ومن الصاحب الكرامة، ومن المال الفراغة، ومن العلم المنفعة، فإذا لم تجد من الموضع السلامة فالسجن خير منه، وإذا لم تجد من صاحبك الكرامة فالكلب خير منه، وإذا لم تجد من مالك الفراغة فالمدر خير منه، وإذا لم تجد من العلم المنفعة فالموت خير منه «كد» لا تتم أربعة أشياء إلا بأربعة أشياء: لا يتم الدين إلا بالتقوى، ولا يتم القول إلا بالفعل، ولا تتم المروءة إلا بالتواضع، ولا يتم العلم إلا بالعمل، فالدين بلا تقوى على الخطر، والقول بلا فعل كالهدر، والمروءة بلا تواضع كشجر بلا ثمر، والعلم بلا عمل كغيث بلا مطر «كه» قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لجابر بن عبد الله الأنصاري: قوام الدنيا بأربعة بعالم يعمل بعلمه، وجاهل لا يستنكف من تعلمه، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا لم يعمل العالم بعلمه استنكف الجاهل من تعلمه وإذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه فالويل لهم والثبور سبعين مرة «كو» قال الخليل: الرجال أربعة رجل يدري ويدري أنه يدري فهو عالم فاتبعوه، ورجل يدري ولا يدري أنه يدري فهو نائم فأيقظوه، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري فهو مسترشد فأرشدوه، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهو شيطان فاجتنبوه «كز» أربعة لا ينبغي للشريف أن يأنف منها وإن كان أميراً: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته لضيفه، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه، والسؤال عما لا يعلم ممن هو أعلم منه «كح» إذا اشتغل العلماء بجمع الحلال صار العوام آكلين للشبهات، وإذا صار العالم آكلاً للشبهات صار العامي آكلاً للحرام، وإذا صار العالم آكلاً للحرام صار العامي كافراً يعني إذا استحلوا. أما الوجوه العقلية فأمور: أحدها: أن الأمور على أربعة أقسام، قسم يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة. وقسم ترضاه الشهوة ولا يرضاه العقل، وقسم يرضاه العقل والشهوة معاً، وقسم لا يرضاه العقل ولا ترضاه الشهوة. أما الأول: فهو الأمراض والمكاره في الدنيا، وأما الثاني: فهو المعاصي أجمع، وأما الثالث: فهو العلم، وأما الرابع: فهو الجهل فينزل العلم من الجهل منزلة الجنة من النار، فكما أن العقل والشهوة لا يرضيان بالنار فكذلك لا يرضيان بالجهل وكما أنهما يرضيان بالجنة فكذا يرضيان بالعلم فمن رضي بالجهل فقد رضي بنار حاضرة، ومن اشتغل بالعلم فقد خاض في جنة حاضرة، فكل من اختار العلم يقال له تعودت المقام في الجنة فادخل الجنة، ومن اكتفى بالجهل يقال له تعودت النار فادخل النار، والذي يدل على أن العلم جنة والجهل نار أن كمال اللذة في إدراك المحبوب وكمال الألم في البعد عن المحبوب، والجراحة إنما تؤلم لأنها تبعد جزءاً من البدن عن جزء محبوب من تلك الأجزاء وهو الاجتماع فلما اقتضت الجراحة إزالة ذلك الاجتماع فقد اقتضت إزالة المحبوب وبعده، فلا جرم كان ذلك مؤلماً والإحراق بالنار إنما كان أشد إيلاماً من الجرح لأن الجرح لا يفيد إلا تبعيد جزء معين عن جزء معين، أما النار فإنها تغوص في جميع الأجزاء فاقتضت تبعيد جميع الأجزاء بعضها عن بعض، فلما كانت التفريقات في الإحراق أشد كان الألم هناك أصعب، أما اللذة فهي عبارة عن إدراك المحبوب، فلذة الأكل عبارة عن إدراك تلك الطعوم لموافقة للبدن، وكذلك لذة النظر إنما تحصل لأن القوة الباصرة مشتاقة إلى إدراك المرئيات، فلا جرم كان ذلك الإدراك لذة لها فقد ظهر بهذا أن اللذة عبارة عن إدراك المحبوب، والألم عبارة عن إدراك المكروه وإذا عرفت هذا فنقول: كلما كان الإدراك أغوص وأشد والمدرك أشرف وأكمل، والمدرك أنقى وأبقى. وجب أن تكون اللذة أشرف وأكمل. ولا شك أن محل العلم هو الروح وهو أشرف من البدن ولا شك أن الإدراك العقلي أغوص وأشرف على ما سيجيء بيانه في تفسير قوله: {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [النور: 35] وأما المعلوم فلا شك أنه أشرف لأنه هو الله رب العالمين وجميع مخلوقاته من الملائكة والأفلاك والعناصر والجمادات والنبات والحيوانات وجميع أحكامه وأوامره وتكاليفه وأيُّ معلوم أشرف من ذلك فثبت أنه لا كمال ولا لذة فوق كمال العلم ولذاته ولا شقاوة ولا نقصان فوق شقاوة الجهل ونقصانه، ومما يدل على ما قلناه أنه إذا سئل الواحد منا عن مسألة علمية فإن علمها وقدر على الجواب والصواب فيها فرح بذلك وابتهج به، وإن جهلها نكس رأسه حياء من ذلك، وذلك يدل على أن اللذة الحاصلة بالعلم أكمل اللذات، والشقاء الحاصل بالجهل أكمل أنواع الشقاء، واعلم أن ههنا وجوهاً أخر من النصوص تدل على فضيلة العلم نسينا إيرادها قبل ذلك فلا بأس أن نذكرها ههنا. الوجه الأول: أن أول ما نزل قوله تعالى: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلاْكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } تفسير : [العلق: 1 ـ 5] فقيل فيه إنه لا بدّ من رعاية التناسب بين الآيات فأي مناسبة بين قوله: {خَلَقَ ٱلإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ } وبين قوله: {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ } فأجيب عنه بأن وجه المناسبة أنه تعالى ذكر أول حال الإنسان وهو كونه علقة. مع أنها أخس الأشياء وآخر حاله وهي صيرورته عالماً وهو أجل المراتب كأنه تعالى قال كنت أنت في أول حالك في تلك الدرجة التي هي غاية الخساسة فصرت في آخر حالك في هذه الدرجة التي هي الغاية في الشرف. وهذا إنما يتم لو كان العلم أشرف المراتب إذ لو كان غيره أشرف لكان ذكر ذلك الشيء في هذا المقام أولى. الثاني: أنه قال: {ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ } وقد ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة فهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى إنما استحق الوصف بالأكرمية لأنه أعطى العلم فلولا أن العلم أشرف من غيره وإلا لما كانت إفادته أشرف من إفادة غيره: الثالث: قوله سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } وهذه الآية فيها وجوه من الدلائل على فضل العلم. أحدها: دلالتها على أمم من أهل الجنة وذلك لأن العلماء من أهل الخشية؛ ومن كان من أهل الخشية كان من أهل الجنة فالعلماء من أهل الجنة فبيان أن العلماء من أهل الخشية قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } تفسير : [فاطر: 28] وبيان أن أهل الخشية من أهل الجنة قوله تعالى: {أية : جزاءهم عند ربهم جَنَّـٰتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلانْهَـٰرُ } تفسير : [البينة: 8] إلى قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: «حديث : وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين ولا أجمع له أمنين فإذا أمنني في الدنيا أخفته يوم القيامة وإذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة»تفسير : واعلم أنه يمكن إثبات مقدمتي هذه الدلالة بالعقل، أما بيان أن العالم بالله يجب أن يخشاه، فذلك لأن من لم يكن عالماً بالشيء استحال أن يكون خائفاً منه، ثم إن العلم بالذات لا يكفي في الخوف، بل لا بدّ له من العلم بأمور ثلاثة. منها: العلم بالقدرة، لأن الملك عالم باطلاع رعيته على أفعاله القبيحة، لكنه لا يخافهم لعلمه بأنهم لا يقدرون على دفعها. ومنها: العلم بكونه عالماً، لأن السارق من مال السلطان يعلم قدرته، ولكنه يعلم أنه غير عالم بسرقته فلا يخافه. ومنها العلم بكونه حكيماً. فإن المسخر عند السلطان عالم بكون السلطان قادراً على منعه عالماً بقبائح أفعاله، لكنه يعلم أنه قد يرضى بما لا ينبغي فلا يحصل الخوف؛ أما لو علم اطلاع السلطان على قبائح أفعاله وعلم قدرته على منعه وعلم أنه حكيم لا يرضى بسفاهته؛ صارت هذه العلوم الثلاثة موجبة لحصول الخوف في قلبه، فثبت أن خوف العبد من الله لا يحصل إلا إذا علم بكونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، قادراً على كل المقدورات، غير راضٍ بالمنكرات والمحرمات، فثبت أن الخوف من لوازم العلم بالله، وإنما قلنا: أن الخوف سبب الفوز بالجنة، وذلك لأنه إذا سنح للعبد لذة عاجلة وكانت تلك اللذة على خلاف أمر الله، وفعل ذلك الشيء يكون مشتملاً على منفعة ومضرة، فصريح العقل حاكم بترجيح الجانب الراجح على الجانب المرجوح، فإذا علم بنور الإيمان أن اللذة العاجلة حقيرة في مقابلة الألم الآجل، صار ذلك الإيمان سبباً لفراره عن تلك اللذة العاجلة، وذلك هو الخشية، وإذا صار تاركاً للمحظور فاعلاً للواجب كان من أهل الثواب، فقد ثبت بالشواهد النقلية والعقلية أن العالم بالله خائف والخائف من أهل الجنة. وثانيها: أن ظاهر الآية يدل على أنه ليس للجنة أهل إلا العلماء، وذلك لأن كلمة إنما للحصر، فهذا يدل على أن خشية الله لا تحصل إلا للعلماء. والآية الثانية وهي قوله: {أية : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ } تفسير : [البينة:8] دالة على أن الجنة لأهل الخشية وكونها لأهل الخشية ينافي كونها لغيرهم، فدل مجموع الآيتين على أنه ليس للجنة أهل إلا العلماء واعلم أن هذه الآية فيها تخويف شديد، وذلك لأنه ثبت أن الخشية من الله تعالى من لوازم العلم بالله، فعند عدم الخشية يلزم عدم العلم بالله، وهذه الدقيقة تنبهك على أن العلم الذي هو سبب القرب من الله تعالى هو الذي يورث الخشية، وأن أنواع المجادلات وإن دقت وغمضت إذا خلت عن إفادة الخشية كانت من العلم المذموم. وثالثها: قرىء {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءَ } برفعه الأول ونصب الثاني، ومعنى هذه القراءة: أنه تعالى لو جازت الخشية عليه؛ لما خشي العلماء، لأنهم هم الذين يميزون بين ما يجوز وبين ما لا يجوز. وأما الجاهل الذي لا يميز بين هذين البابين فأي مبالاة به وأي التفات إليه، ففي هذه القراءة نهاية المنصب للعلماء والتعظيم. الرابع: قوله تعالى: {أية : وَقُلْ رَبّى زِدْنِى عِلْماً } تفسير : [طه: 114]. وفيه أدل دليل على نفاسة العلم وعلو مرتبته وفرط محبة الله تعالى إياه، حيث أمر نبيه بالازدياد منه خاصة دون غيره. وقال قتادة: لو اكتفى أحد من العلم لاكتفى نبي الله موسى عليه السلام ولم يقل {أية : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلّمَنِ مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً } تفسير : [الكهف: 66]. الخامس: كان لسليمان عليه السلام من ملك الدنيا ما كان حتى أنه: {أية : قال رَبّ اغفر لي وهب لي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِى لاِحَدٍ مّن بَعْدِى } تفسير : [ص: 35] ثم إنه لم يفتخر بالمملكة وافتخر بالعلم حيث قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء } تفسير : [النمل: 16] فافتخر بكونه عالماً بمنطق الطير فإذا حسن من سليمان أن يفتخر بذلك العلم فلأن يحسن بالمؤمن أن يفتخر بمعرفة رب العالمين كان أحسن ولأنه قدم ذلك على قوله: {وَأُوتِينَا مِن كُلّ شَىْء } وأيضاً فإنه تعالى لما ذكر كمال حالهم قدم العلم أولاً وقال: {أية : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى ٱلْحَرْثِ } تفسير : [الأنبياء: 78] إلى قوله: {أية : وَكُلاًّ ءاتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً } تفسير : [الأنبياء: 79] ثم إنه تعالى ذكر بعد ذلك ما يتعلق بأحوال الدنيا فدل على أن العلم أشرف. السادس: قال بعضهم الهدهد مع أنه في نهاية الضعف ومع أنه كان في موقف المعاتبة قال لسليمان {أية : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } تفسير : [النمل:22] فلولا أن العلم أشرف الأشياء وإلا فمن أين للهدهد أن يتكلم في مجلس سليمان بمثل هذا الكلام ولذلك يرى الرجل الساقط إذا تعلم العلم صار نافذ القول عند السلاطين وما ذاك إلا ببركة العلم، السابع: قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة» تفسير : وفي التفضيل وجهان: أحدها: أن التفكر يوصلك إلى الله تعالى والعبادة توصلك إلى ثواب الله تعالى والذي يوصلك إلى الله خير مما يوصلك إلى غير الله. والثاني: أن التفكر عمل القلب والطاعة عمل الجوارح، والقلب أشرف من الجوارح فكان عمل القلب أشرف من عمل الجوارح والذي يؤكد هذا الوجه قوله تعالى: {أية : وأقم الصلاة لذكري } تفسير : [طه: 14] جعل الصلاة وسيلة إلى ذكر القلب والمقصود أشرف من الوسيلة فدل ذلك على أن العلم أشرف من غيره. الثامن: قال تعالى: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً } تفسير : [النساء: 113] فسمى العلم عظيماً وسمي الحكمة خيراً كثيراً فالحكمة هي العلم وقال أيضاً: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ } تفسير : [الرحمن: 1] فجعل هذه النعمة مقدمة على جميع النعم، فدل على أنه أفضل من غيره. التاسع: أن سائر كتب الله ناطقة بفضل العلم. أما التوراة فقال تعالى لموسى عليه السلام «عظم الحكمة فإني لا أجعل الحكمة في قلب عبد إلا وأردت أن أغفر له فتعلمها ثم اعمل بها ثم ابذلها كي تنال بها كرامتي في الدنيا والآخرة» وأما الزبور فقال سبحانه وتعالى: «يا داود قل لأحبار بني إسرائيل ورهبانهم حادثوا من الناس الأتقياء فإن لم تجدوا فيهم تقياً فحادثوا العلماء فإن لم تجدوا عالماً فحادثوا العقلاء فإن التقى والعلم والعقل ثلاث مرات بما جعلت واحدة منهن في أحد من خلقي وأنا أريد إهلاكه» وأقول إنما قدم الله تعالى التقى على العلم لأن التقى لا يوجد بدون العلم كما بينا أن الخشية لا تحصل إلا مع العلم والموصوف بالأمرين أشرف من الموصوف بأمر واحد، وهذا السر أيضاً قدم العالم على العاقل لأن العالم لا بدّ وأن يكون عاقلاً، أما العاقل فقد لا يكون عالماً فالعقل كالبذر والعلم كالشجرة والتقوى كالثمر. وأما الإنجيل قال الله تعالى في السورة السابعة عشرة منه «ويل لمن سمع بالعلم فلم يطلبه كيف يحشر مع الجهال إلى النار اطلبوا العلم وتعلموه فإن العلم إن لم يسعدكم لم يشقكم وإن لم يرفعكم لم يضعكم وإن لم يغنكم لم يفقركم وإن لم ينفعكم لم يضركم ولا تقولوا نخاف أن نعلم فلا نعمل ولكن قولوا نرجوا أن نعلم فنعمل» والعلم شفيع لصاحبه وحق على الله تعالى أن لا يخزيه، إن الله تعالى يقول يوم القيامة: «حديث : يا معاشر العلماء ما ظنكم بربكم؟ يقولون. ظننا أن يرحمنا ويغفر لنا، فيقول: فأني قد فعلت، إني قد استودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم، بل لخير أردته بكم، فادخلوا في صالح عبادي إلى جنتي برحمتي»تفسير : وقال مقاتل بن سليمان وجدت في الإنجيل. أن الله تعالى قال لعيسى بن مريم عليهما السلام: يا عيسى عظم العلماء واعرف فضلهم لأني فضلتهم على جميع خلقي إلا النبيين والمرسلين كفضل الشمس على الكواكب، وكفضل الآخرة على الدنيا، وكفضلي على كل شيء، أما الأخبار: «ا» عن عبد الله بن عمر قال قال عليه الصلاة والسلام يقول الله تعالى للعلماء «حديث : إني لم أضع علمي فيكم وأنا أريد أن أعذبكم ادخلوا الجنة على ما كان منكم»تفسير : «ب» قال أبو هريرة وابن عباس: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة بليغة قبل وفاته وهي آخر خطبة خطبها بالمدينة فقال:«حديث : من تعلم العلم وتواضع في العلم وعلمه عباد الله يريد ما عند الله. لم يكن في الجنة أفضل ثواباً منه ولا أعظم منزلة، ولم يكن في الجنة منزلة ولا درجة رفيعة نفيسة إلا كان له فيها أوفر النصيب وأشرف المنازل»تفسير : . «ج» ابن عمر مرفوعاً إذا كان يوم القيامة صفت منابر من ذهب عليها فباب من فضة منضدة بالدر والياقوت والزمرد جلالها السندس والاستبرق، ثم ينادي منادى الرحمن: أين من حمل إلى أمة محمد علماً يريد به وجه الله: اجلسوا على هذه المنابر فلا خوف عليكم حتى تدخلوا الجنة. «د» عن عيسى ابن مريم عليهما السلام: أن أمة محمد عليه الصلاة والسلام علماء حكماء كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل، ويدخلون الجنة بلا إله إلا الله «هـ» قال عليه السلام «حديث : من اغبرت قدماه في طلب العلم، حرم الله جسد على النار، واستغفر له ملكاه وإن مات في طلبه مات شهيداً، وكان قبره روضة من رياض الجنة، ويوسع له في قبره مد بصره، وينور على جيرانه أربعين قبراً عن يمينه. وأربعين قبراً عن يساره، وأربعين عن خلفه، وأربعين أمامه، ونوم العالم عبادة، ومذاكرته تسبيح، ونفسه صدقة، وكل قطرة نزلت من عينيه تطفىء بحراً من جهنم فمن أهان العالم فقد أهان العلم، ومن أهان العلم فقد أهان النبي، ومن أهان النبي فقد أهان جبريل ومن أهان جبريل أهان الله. ومن أهان الله أهانه الله يوم القيامة» تفسير : «و» قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ألا أخبركم بأجود الأجواد. قالوا: نعم يا رسول الله، قال الله تعالى: «أجود الأجواد وأنا أجود ولد آدم، وأجودهم من بعدي رجل عالم ينشر علمه فيبعث يوم القيامة أمة وحده ورجل جاهد في سبيل الله حتى يقتل». تفسير : «ز» عن أبي هريرة مرفوعاً «حديث : من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا، نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله تعالى في عون العبد، ما دام العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يبتغي به علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة وما اجتمع قوم في مسجد من مساجد الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفت بهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» تفسير : رواه مسلم في الصحيح «ح» قال عليه الصلاة والسلام «حديث : يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء». تفسير : قال الراوي: فأعظم مرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة «ط» معاذ بن جبل قال عليه الصلاة والسلام «حديث : تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه صدقة، وبذله لأهله قربة لأنه معالم الحلال والحرام ومنار سبل الجنة والأنيس من الوحشة والصاحب في الوحدة والمحدث في الخلوة والدليل على السراء والضراء والسلاح على الأعداء، والدين عند الاختلاف يرفع الله به أقواماً فيجعلهم في الخير قادة هداة يهتدى بهم، وأئمة في الخير يقتفى بآثارهم ويقتدى بأفعالهم، وينتهى إلى آرائهم ترغب الملائكة في خلقتهم وبأجنحتها تمسحهم وفي صلاتها تستغفر لهم حتى كل رطب ويابس وحيتان البحر وهوامه وسباع البر وأنعامه والسماء ونجومها. لأن العلم حياة القلوب من العمى ونور الأبصار من الظلمة وقوة الأبدان من الضعف يبلغ بالبعيد منازل الأحرار ومجالس الملوك والدرجات العلى في الدنيا والآخرة والتفكر فيه يعدل بالصيام ومدارسته بالقيام به يطاع الله ويعبد وبه يمجد ويوحد وبه توصل الأرحام وبه يعرف الحلال والحرام» تفسير : «ي» أبو هريرة قال عليه الصلاة والسلام «حديث : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية؛ أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له بالخير» تفسير : «يا» قال عليه الصلاة والسلام «حديث : إذا سألتم الحوائج فاسألوها الناس قيل يا رسول الله ومن الناس؟ قال أهل القرآن قيل ثم من؟ قال أهل العلم قيل ثم من؟ قال الصباح الوجوه» تفسير : قال الراوي والمراد بأهل القرآن من يحفظ معانيه «يب» قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة كتابه وخليفة رسوله والدنيا سم الله القتال لعباده فخذوا منها بقدر السم في الأدوية لعلكم تنجون» تفسير : قال الراوي والعلماء داخلون فيه لأنهم يقولون هذا حرام فاجتنبوه وهذا حلال فخذوه «يج» في الخبر: العالم نبي لم يوح إليه «يد» قال عليه الصلاة والسلام «حديث : كن عالماً، أو متعلماً، أو مستمعاً، أو محباً، ولا تكن الخامس فتهلك» تفسير : قال الراوي: وجه التوفيق بين هذه الرواية وبين الرواية الأخرى وهي قوله عليه الصلاة والسلام «حديث : الناس رجلان عالم ومتعلم وسائر الناس همج لا خير فيهم» تفسير : إن المستمع والمحب بمنزلة المتعلم وما أحسن قول بعض الأعراب لولده: كن سبعاً خالساً أو ذئباً خانساً أو كلباً حارساً، وإياك وأن تكون إنساناً ناقصاً، «يه» قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : من اتكأ على يده عالم كتب الله له بكل خطوة عتق رقبة ومن قبل رأس عالم كتب الله له بكل شعرة حسنة» تفسير : «يو» قال عليه الصلاة والسلام برواية أبي هريرة «حديث : بكت السموات السبع ومن فيهن ومن عليهن والأرضون السبع ومن فيهن ومن عليهن لعزيز ذل وغني افتقر وعالم يلعب به الجهال» تفسير : «يز» وقال عليه السلام: «حديث : حملة القرآن عرفاء أهل الجنة والشهداء قواد أهل الجنة والأنبياء سادة أهل الجنة تفسير : «يح» وقال عليه السلام: «حديث : العلماء مفاتيح الجنة وخلفاء الأنبياء» تفسير : قال الراوي الإنسان لا يكون مفتاحاً إنما المعنى أن عندهم من العلم مفتاح الجنان والدليل عليه أن من رأى في النوم أن بيده مفاتيح الجنة فإنه يؤتى علماً في الدين. «يط» وقال عليه الصلاة والسلام «حديث : إن لله تعالى في كل يوم وليلة ألف رحمة على جميع خلقه الغافلين والبالغين وغير البالغين، فتسعمائة وتسعة وتسعون رحمة للعلماء وطالبي العلم والمسلمين، والرحمة الواحدة لسائر الناس». تفسير : «ك» وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : قلت يا جبريل أي الأعمال أفضل لأمتي؟ قال: العلم، قلت ثم أي؟ قال: النظر إلى العالم، قلت: ثم أي؟ قال: زيارة العالم، ثم قال: ومن كسب العلم لله وأراد به صلاح نفسه وصلاح المسلمين، ولم يرد به عرضاً من الدنيا، فأنا كفيله بالجنة» تفسير : «كا» وقال عليه الصلاة والسلام «حديث : عشرة تستجاب لهم الدعوة العالم والمتعلم وصاحب حسن الخلق والمريض واليتيم والغازي والحاج والناصح للمسلمين والولد المطيع لأبويه والمرأة المطيعة لزوجها» تفسير : «كب» «سئل النبي صلى الله عليه وسلم ما العلم؟ فقال: دليل العمل قيل: فما العقل؟ قال: قائد الخير، قيل: فما الهوى؟ قال: مركب المعاصي؛ قيل: فما المال؟ قال: رداء المتكبرين، قيل: فما الدنيا؟ قال: سوق الآخرة». «كج» أنه عليه الصلاة والسلام كان يحدث إنساناً فأوحى الله إليه أنه لم يبق من عمر هذا الرجل الذي تحدثه إلا ساعة، وكان هذا وقت العصر، فأخبره الرسول بذلك فاضطرب الرجل وقال: يا رسول الله دلني على أوفق عمل لي في هذه الساعة، قال اشتغل بالتعلم فاشتغل بالتعلم، وقبض قبل المغرب، قال الراوي: فلو كان شيء أفضل من العلم، لأمره النبي صلى الله عليه وسلم به في ذلك الوقت. «كد» قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : الناس كلهم موتى إلا العالمون» تفسير : والخبر مشهور «كه» عن أنس قال عليه الصلاة والسلام «حديث : سبعة للعبد تجري بعد موته: من علم علماً أو أجرى نهراً أو حفر بئراً أو بنى مسجداً أو ورث مصحفاً أو ترك ولداً صالحاً يدعو له بالخير أو صدقة تجري له بعد موته» تفسير : فقدم عليه الصلاة والسلام التعليم على جميع الانتفاعات لأنه روحاني والروحاني أبقى من الجسمانيات «كو» قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا تجالسوا العلماء إلا إذا دعوكم من خمس إلى خمس: من الشك إلى اليقين ومن الكبر إلى التواضع ومن العداوة إلى النصيحة ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الرغبة إلى الزهد» تفسير : «كز» أوصى النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال يا علي احفظ التوحيد فإنه رأس مالي والزم العمل فإنه حرفتي، وأقم الصلاة فإنها قرة عيني، واذكر الرب فإنه بصيرة فؤادي، واستعمل العلم فإنه ميراثي «كح» أبو كبشة الأنصاري قال ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الدنيا مثل أربعة رهط رجل آتاه الله علماً وآتاه مالاً فهو يعمل بعلمه في ماله، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فيقول لو أن الله تعالى آتاني مثل ما أوتي فلان لفعلت فيه مثل ما يفعل فلان فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فهو يمنعه من الحق وينفقه في الباطل، ورجل لم يؤته الله علماً ولم يؤته مالاً فيقول: لو أن الله تعالى آتاني مثل ما أوتي فلان لفعلت فيه مثل ما يفعل فلان فهما في الوزر سواء. {الآثار} «ا» كميل بن زياد قال أخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيدي فأخرجني إلى الجبانة فلما أصحر تنفس الصعداء ثم قال يا كميل بن زياد إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها فاحفظ ما أقول لك: الناس ثلاثة عالم رباني ومتعلم على سبيل نجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، يا كميل العلم خير من المال، والعلم يحرسك وأنت تحرس المال والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو بالإنفاق، وصنيع المال يزول بزواله، يا كميل معرفة العلم زين يزان به يكتسب به الإنسان الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، والعلم حاكم، والمال محكوم عليه «ب» عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن الرجل ليخرج من منزله وعليه من الذنوب مثل جبل تهامة فإذا سمع العلم وخاف واسترجع على ذنوبه انصرف إلى منزله وليس عليه ذنب فلا تفارقوا مجالس العلماء فإن الله لم يخلق تربة على وجه الأرض أكرم من مجالس العلماء «ج» عن ابن عباس خير سليمان بين الملك والمال وبين العلم فاختار العلم فأعطي العلم والملك معاً «د» سليمان لم يحتج إلى الهدهد إلا لعلمه لما روي عن نافع بن الأرزق قال لابن عباس كيف اختار سليمان الهدهد لطلب الماء قال ابن عباس لأن الأرض كالزجاجة يرى باطنها من ظاهرها فقال نافع فكيف بأوقات الفخ يغطي له بأصبع من تراب فلا يراه بل يقع فيه فقال ابن عباس إذا جاء القدر عمي البصر (هـ) قال أبو سعيد الخدري تقسم الجنة على عشرة آلاف جزء تسعة آلاف وتسعمائة وتسعة وتسعون منها للذين عقلوا عن الله أمره فكان هذا ثوابهم على قدر ما قسم الله لهم من العقول يقتسمون المنازل فيها وجزء للمؤمنين الضعفاء الفقراء الصالحين «و» قال ابن عباس لولده يا بني عليك بالأدب فإنه دليل على المروءة وأنس في الوحشة وصاحب في الغربة وقرين في الحضر وصدر في المجلس ووسيلة عند انقضاء الوسائل وغنى عند العدم ورفعة للخسيس وكمال للشريف وجلالة للملك «ز» عن الحسن البصري: صرير قلم العلماء تسبيح وكتابة العلم والنظر فيه عبادة وإذا أصاب من ذلك المداد ثوبه فكأنما أصابه دم الشهداء وإذا قطر منها على الأرض تلألأ نوره، وإذا قام من قبره نظر إليه أهل الجمع فيقال هذا عبد من عباد الله أكرمه الله وحشر مع الأنبياء عليهم السلام «ح» في «كتاب كليلة ودمنة»: أحق من لا يستخف بحقوقهم ثلاثة: العالم والسلطان والإخوان فإن من استخف بالعالم أهلك دينه ومن استخف بالسلطان أهلك دنياه ومن استخف بالإخوان أهلك مروءته «ط» قال سقراط من فضيلة العلم أنك لا تقدر على أن يخدمك فيه أحد كما تجد من يخدمك في سائر الأشياء بل تخدمه بنفسك ولا يقدر أحد على سلبه عنك «ي» قيل لبعض الحكماء لا تنظر فأغمض عينيه، فقيل لا تسمع فسد أذنيه، فقيل لا تتكلم فوضع يده على فيه، فقيل له لا تعلم فقال: لا أقدر عليه «يا» إذا كان السارق عالماً لا تقطع يده لأنه يقول كان المال وديعة لي وكذا الشارب يقول حسبته خلا وكذا الزاني يقول تزوجتها فإنه لا يحد «يب» قال بعضهم أحيوا قلوب إخوانكم ببصائر بيانكم كما تحيون الموات بالنبات والنواة، فإن نفساً تبعد من الشهوات والشبهات أفضل من أرض تصلح للنبات. قال الشاعر:شعر : وفي الجهل قبل الموت موت لأهله وأجسامهم قبل القبور قبور وإن امرأ لم يحيـى بالعلم ميت وليس له حتى النشور نشور تفسير : وَأَمَّا النكت فمن وجوه: «ا» المعصية عند الجهل لا يرجى زوالها وعند الشهرة يرجى زوالها، انظر إلى زلة آدم فإنه بعلمه استغفر والشيطان غوى وبقي في غيه أبداً لأن ذلك كان بسبب الجهل «ب» إن يوسف عليه السلام لما صار ملكاً احتاج إلى زيد فسأل ربه عن ذلك فقال له جبريل إن ربك يقول لا تختر إلا فلاناً فرآه يوسف في أسوإ الأحوال فقال لجبريل إنه كيف يصلح لهذا العمل مع سوء حاله فقال جبريل إن ربك عينه لذلك لأنه كان ذب عنك حيث قال: {أية : إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّـٰدِقِينَ } تفسير : [يوسف: 27] والنكتة أن الذي ذب عن يوسف عليه السلام استحق الشركة في مملكته فمن ذب عن الدين القويم بالبرهان المستقيم كيف لا يستحق من الله الإحسان والتحسين «ج» أراد واحد خدمة ملك فقال الملك اذهب وتعلم حتى تصلح لخدمتي فلما شرع في التعلم وذاق لذة العلم بعث الملك إليه وقال اترك التعلم فقد صرت أهلاً لخدمتي فقال كنت أهلاً لخدمتك حين لم ترني أهلاً لخدمتك وحين رأيتني أهلاً لخدمتك رأيت نفسي أهلاً لخدمة الله تعالى وذلك أني كنت أظن أن الباب بابك لجهلي والآن علمت أن الباب باب الرب «د» تحصيل العلم إنما يصعب عليك لفرط حبك للدنيا لأنه تعالى أعطاك سواد العين وسويداء القلب ولا شك أن السواد أكبر من السويداء في اللفظ لأن السويداء تصغير السواد ثم إذا وضعت على سواد عينك جزءاً من الدنيا لا ترى شيئاً فكيف إذا وضعت على السويداء كل الدنيا كيف ترى بقلبك شيئاً «هـ» قال حكيم: القلب ميت وحياته بالعالم والعلم ميت وحياته بالطلب والطلب ضعيف وقوته بالمدارسة فإذا قوي بالمدارسة فهو محتجب وإظهاره بالمناظرة وإذا ظهر بالمناظرة فهو عقيم ونتاجه بالعمل فإذا زوج العلم بالعمل توالد وتناسل ملكاً أبدياً لا آخر له «و» {أية : قَالَتْ نَمْلَةٌ أَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُواْ مَسَـٰكِنَكُمْ } تفسير : [النمل: 18] إلى قوله: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } كانت رياسة تلك النملة على غيرها لم تكن إلا بسبب أنها علمت مسألة واحدة وهي قوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } كأنها قالت إن سليمان معصوم والمعصوم لا يجوز منه إيذاء البريء عن الجرم ولكنه لو حطمكم فإنما يصدر ذلك منه على سبيل السهو لأنه لا يعلم حالكم فقوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } إشارة إلى تنزيه الأنبياء عليهم السلام عن المعصية فتلك النملة لما علمت هذه المسألة الواحدة استحقت الرياسة التامة فمن علم حقائق الأشياء من الموجودات والمعدومات كيف لا يستوجب الرياسة في الدنيا والدين «ز» الكلب إذا تعلم وأرسله المالك على اسم الله تعالى صار صيده النجس طاهراً والنكتة أن العلم هناك انضم إلى الكلب فصار النجس ببركة العلم طاهراً، فههنا النفس والروح طاهرتان في أصل الفطرة إلا أنهما تلوثتا بأقذار المعصية ثم انضم إليهما العلم بالله وبصفاته فنرجو من عميم لطفه أن يقلب النجس طاهراً ههنا والمردود مقبولاً «ح» القلب رئيس الأعضاء ثم تلك الرياسة ليست للقوة فإن العظم أقوى منه ولا للعظم فإن الفخذ أعظم منه ولا للحدة فإن الظفر أحد منه وإنما تلك الرياسة بسبب العلم فدل على أن العلم أشرف الصفات. أما الحكايات: «ا» حكي أن هرون الرشيد كان معه فقهاء وكان فيهم أبو يوسف فأتي برجل فادعى عليه آخر أنه أخذ من بيته مالاً بالليل فأقر الآخذ بذلك في المجلس فاتفق الفقهاء على أنه تقطع يده. فقال أبو يوسف: لا قطع عليه، قالوا لم؟ قال لأنه أقر بالأخذ والأخذ لا يوجب القطع بل لا بدّ من الاعتراف بالسرقة فصدقه الكل في قوله، ثم قالوا للآخذ أسرقتها؟ قال: نعم، فأجمعوا كلهم على أنه وجب القطع لأنه أقر بالسرقة فقال أبو يوسف: لاقطع لأنه وإن أقر بالسرقة لكن بعد ما وجب الضمان عليه بإقراره بالأخذ فإذا أقر بالسرقة بعد ذلك فهو بهذا الإقرار يسقط الضمان عن نفسه فلا يسمع إقراره فتعجب الكل من ذلك «ب» عن الشعبي كنت عند الحجاج فأتي بيحيـى بن يعمر فقيه خراسان مع بلخ مكبلاً بالحديد فقال له الحجاج أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بلى فقال: الحجاج لتأتيني بها واضحة بينة من كتاب الله أو لأقطعنك عضواً عضواً فقال آتيك بها واضحة بينة من كتاب الله يا حجاج قال: فتعجبت من جرأته بقوله يا حجاج فقال له ولا تأتني بهذه الآية {أية : نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ } تفسير : [آل عمران: 61] فقال: آتيك بها واضحة من كتاب الله وهو قوله: {أية : وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرّيَّتِهِ دَاودُ وَسُلَيْمَـٰنَ } تفسير : [الأنعام: 84] إلى قوله: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ } فمن كان أبو عيسى وقد ألحق بذرية نوح؟ قال: فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله حلوا وثاقه وأعطوه من المال كذا «ج» يحكى أن جماعة من أهل المدينة جاءوا إلى أبي حنيفة ليناظروه في القراءة خلف الإمام ويبكتوه ويشنعوا عليه فقال لهم: لا يمكنني مناظرة الجميع ففوضوا أمر المناظرة إلى أعلمكم لأناظره فأشاروا إلى واحد فقال: هذا أعلمكم؟ قالوا: نعم قال: والمناظرة معه كالمناظرة معكم؟ قالوا: نعم قال: والإلزام عليه كالإلزام عليكم؟ قالوا: نعم قال: وإن ناظرته وألزمته الحجة فقد لزمتكم الحجة؟ قالوا: نعم قال: كيف؟ قالوا: لأنا رضينا به إماماً فكان قوله قولاً لنا قال: أبو حنيفة فنحن لما اخترنا الإمام في الصلاة كانت قراءته قراءة لنا وهو ينوب عنا فأقروا له بالإلزام «د» هجا الفرزدق واحداً فقال:شعر : لقد ضاع شعري على بابكم كما ضاع در على خالصة تفسير : وكانت خالصة معشوقة سليمان بن عبد الملك وكانت ظريفة صاحبة أدب وكانت هيبة سليمان بن عبد الملك تفوق هيبة المروانيين فلما بلغها هذا البيت شق عليها فدخلت على سليمان وشكت الفرزدق فأمر سليمان بإشخاص الفرزدق على أفظع الوجوه مكبلاً مقيداً فلما حضر وما كان به من الرمق إلا مقدار ما يقيمه على الرجل من شدة الهيبة فقال له سليمان بن عبد الملك: أنت القائل:شعر : لقد ضاع شعري على بابكم كما ضاع در على خالصة تفسير : فقال ما قلته هكذا وإنما غيره عليَّ من أراد بي مكروهاً وإنما قلت: وخالصة من وراء الستر تسمع:شعر : لقد ضاء شعري على بابكم كما ضاء در على خالصة تفسير : فسرى عن خالصة فلم تملك نفسها أن خرجت من الستر فألقت على الفرزدق ما كان عليها من الحلي وهي زيادة على ألف ألف درهم فأتبعه سليمان بن عبد الملك حاجبه لما خرج من عنده حتى اشترى الحلى من الفرزدق بمئة ألف ورده على خالصة «هـ» دعا المنصور أبا حنيفة يوماً فقال الربيع وهو يعاديه يا أمير المؤمنين هذا يعني أبا حنيفة يخالف جدك حيث يقول: الاستثناء المنفصل جائز وأبو حنيفة ينكره فقال أبو حنيفة هذا الربيع يقول ليس لك بيعة في رقبة الناس فقال كيف؟ قال أنهم يعقدون البيعة لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل بيعتهم فضحك المنصور وقال: إياك يا ربيع وأبا حنيفة فلما خرج فقال الربيع يا أبا حنيفة سعيت في دمي فقال أبو حنيفة كنت البادي وأنا المدافع. ويحكى أن مسلماً قتل ذمياً عمداً فحكم أبو يوسف بقتل المسلم به فبلغ زبيدة ذلك فبعثت إلى أبي يوسف فقالت: إياك وأن تقتل المسلم وكانت في عناية عظيمة بأمر المسلمين فلما حضر أبو يوسف وحضر الفقهاء وجيء بأولياء الذمي والمسلم فقال له الرشيد أحكم بقتله فقال يا أمير المؤمنين هو مذهبي غير أني لست أقتل المسلم به حتى تقوم البينة العادلة أن الذمي يوم قتله المسلم كان ممن يؤدي الجزية فلم يقدروا عليه فبطل دمه «ز» دخل الغضبان على الحجاج بعدما قال لعدوه عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك فقال له ما جواب السلام عليك؟ فقال وعليك السلام ثم فطن الحجاح، وقال: قاتلك الله يا غضبان، أخذت لنفسك أمانا بردي عليك أما والله لولا الوفاء والكرم، لما شربت الماء البارد بعد ساعتك هذه. فانظر إلى فائدة العلم في هذه الصورة فلله در العلم ومن به تردى، وتعسا للجهل ومن في أوديته تردى «ح» بلغ عبد الملك بن مروان قول الشاعر:شعر : ومنا سويد والبطين وقعنب ومنا أمير المؤمنين شبيب تفسير : فأمر به فأدخل عليه، فقال أنت القائل ومنا أمير المؤمنين شبيب؟ فقال: إنما قلت ومنا أمير المؤمنين شبيب، بنصب الراء فناديتك واستغثت بك، فسرى عن عبد الملك وتخلص الرجل من الهلاك بصنعة يسيرة عملها بعلمه، وهو أنه حول الضمة فتحة. «ط» قال أبو مسلم: صاحب الدولة لسليمان بن كثير: بلغني أنك كنت في مجلس وقد جرى بين يديك ذكرى، فقلت: اللهم سود وجهه واقطع عنقه وأسقني من دمه، فقال: نعم قلته، ولكن في كرم كذا لما نظرت إلى الحصرم فاستحسن قوله، وعفا عنه. «ي» قال رجل لأبي حنيفة: إني حلفت لا أكلم امرأتي حتى تكلمني وحلفت بصدقة ما تملك أن لا تكلمني أو أكلمها فتحير الفقهاء فيه فقال سفيان من كلم صاحبه حنث فقال أبو حنيفة: إذهب وكلمها ولا حنث عليكما. فذهب إلى سفيان وأخبره بما قال أبو حنيفة؛ فذهب سفيان إلى أبي حنيفة مغضباً وقال: تبيح الفروج فقال أبو حنيفة: وما ذاك؟ قال سفيان: أعيدوا على أبي حنيفة السؤال، فأعادوا وأعاد أبو حنيفة الفتوى، فقال من أين قلت؟ قال: لما شافهته باليمين بعدما حلف كانت مكلمة فسقطت يمينه، وإن كلمها فلا حنث عليه ولا عليها؛ لأنه قد كلمها بعد اليمين فسقطت اليمين عنهما. قال سفيان: إنه ليكشف لك من العلم عن شيء كلنا عنه غافل. «يا» دخل اللصوص على رجل فأخذوا متاعه واستحلفوه بالطلاق ثلاثاً أن لا يعلم أحداً، فأصبح الرجل وهو يرى اللصوص يبيعون متاعه وليس يقدر أن يتكلم من أجل يمينه، فجاء الرجل يشاور أبا حنيفة فقال: أحضر لي إمام مسجدك وأهل محلتك فأحضرهم إياه، فقال لهم أبو حنيفة. هل تحبون أن يرد الله على هذا متاعه؟ قالوا: نعم، قال: فاجمعوا كلاً منهم وأدخلوهم في دار ثم أخرجوهم واحداً واحداً، وقولوا أهذا لصك؟ فإن كان ليس بلصه قال: لا، وإن كان لصه فليسكت، وإذا سكت فاقبضوا عليه، ففعلوا ما أمرهم به أبو حنيفة، فرد الله عليه جميع ما سرق منه «يب» كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلس أبي حنيفة، فقال يوماً لأبي حنيفة: إني أريد أن أتزوج ابنة فلان وقد خطبتها، إلا أنهم قد طلبوا مني من المهر فوق طاقتي، فقال: احتل واقترض وادخل عليها، فإن الله تعالى يسهل الأمر عليك بعد ذلك، ثم أقرضه أبو حنيفة ذلك القدر؛ ثم قال له: بعد الدخول أظهر أنك تريد الخروج من هذا البلد إلى بلد بعيد، وأنك تسافر بأهلك معك: فأظهر الرجل ذلك. فاشتد ذلك على أهل المرأة وجاؤا إلى أبي حنيفة يشكونه ويستفتونه، فقال لهم أبو حنيفة: له ذلك، فقالوا: وكيف الطريق إلى دفع ذلك؟ فقال أبو حنيفة: الطريق أن ترضوه بأن تردوا عليه ما أخذتموه منه، فأجابوه إليه؛ فذكر أبو حنيفة ذلك للزوج، فقال الزوج: فأنا أريد منهم شيئاً آخر فوق ذلك، فقال أبو حنيفة: أيما أحب إليك أن ترضى بهذا القدر وإلا أقرت لرجل بدين فلا تملك المسافرة بها حتى تقضي ما عليها من الدين فقال الرجل الله الله لا يسمعوا بهذا فلا آخذ منهم شيئاً ورضي بذلك القدر فحصل ببركة علم أبي حنيفة فرج كل واحد من الخصمين «يج» عن الليث بن سعد قال: قال رجل لأبي حنيفة؛ لي ابن ليس بمحمود السيرة أشتري له الجارية بالمال العظيم فيعتقها وأزوجه المرأة بالمال العظيم فيطلقها فقال له أبو حنيفة: إذهب به معك إلى سوق النخاسين فإذا وقعت عينه على جارية فابتعها لنفسك ثم زوجها إياه فإن طلقها عادت إليك مملوكة وإن أعتقها لم يجز عتقه إياها، قال الليث: فوالله ما أعجبني جوابه كما أعجبني سرعة جوابه «يد»سئل أبو حنيفة عن رجل حلف ليقربن امرأته نهاراً في رمضان فلم يعرف أحد وجه الجواب فقال أبو حنيفة: يسافر مع امرأته فيطؤها نهاراً في رمضان «يه» جاء رجل إلى الحجاج فقال: سرقت لي أربعة آلاف درهم فقال الحجاج: من تتهم؟ فقال: لا أتهم أحداً قال: لعلك أتيت من قبل أهلك؟ قال: سبحان الله امرأتي خير من ذلك قال الحجاج لعطاره إعمل لي طيباً ذكياً ليس له نظير فعمل له الطيب ثم دعا الشيخ فقال: ادهن من هذه القارورة ولا تدهن منها غيرك ثم قال الحجاج لحرسه: اقعدوا على أبواب المساجد وأراهم الطيب وقال من وجد منه ريح هذا الطيب فخذوه فإذا رجل له وفرة فأخذوه فقال الحجاج من أين لك هذا الدهن؟ قال: اشتريته قال: أصدقني وإلا قتلتك فصدقه فدعا الشيخ وقال: هذا صاحب الأربعة آلاف عليك بامرأتك فأحسن أدبها، ثم أخذ الأربعة آلاف من الرجل، وردها إلى صاحبها «يو» قال الرشيد يوماً لأبي يوسف: عند جعفر بن عيسى جارية هي أحب الناس إليّ وقد عرف ذلك وقد حلف أن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق، وهو الآن يطلب حل يمينه. فقال: يهب النصف ويبيع النصف ولايحنث «يز» قال محمد بن الحسن: كنت نائماً ذات ليلة، فإذا أنا بالباب يدق ويقرع فقلت: انظروا من ذاك؟ فقالوا: رسول الخليفة يدعوك فخفت على روحي فقمت ومضيت إليه، فلما دخلت عليه قال: دعوتك في مسألة: إن أم محمد يعني زبيدة قلت لها أنا الإمام العدل، والإمام العدل في الجنة، فقالت لي إنك ظالم عاصٍ فقد شهدت لنفسك بالجنة فكفرت بكذبك على الله وحرمت عليك، فقلت له يا أمير المؤمنين إذاوقعت في معصية هل تخاف الله في تلك الحالة أو بعدها: فقال إي والله أخاف خوفاً شديداً، فقلت: أنا أشهد أن لك جنتين، لا جنة واحدة قال تعالى: {أية : وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } تفسير : [الرحمن: 46] فلاطفني وأمرني بالانصراف فلما رجعت إلى داري رأيت البدر متبادرة إلي «يح» يحكى أن أبا يوسف أتاه ذات ليلة رسول الرشيد يستعجله، فخاف أبو يوسف على نفسه، فلبس إزاره ومشى خائفاً إلى دار الخليفة، فلما دخل عليه سلم فرد عليه الجواب وأدناه، فعند ذلك هدأ روعه، قال الرشيد إن حلياً لنا فقد من الدار فاتهمت فيه جارية من جواري الدار الخاصة، فحلفت لتصدقيني أولأقتلنك وقد ندمت فاطلب لي وجهاً؛ فقال أبو يوسف: فأذن لي في الدخول عليها فأذن له فرأى جارية كأنها فلقة قمر؛ فأخلى المجلس ثم قال لها: أمعك الحلى؟ فقالت: لا والله، فقال لها: احفظي ما أقول لك ولا تزيدي عليه ولا تنقصي عنه إذا دعاك الخليفة وقال لك أسرقت الحلى فقولي نعم، فإذا قال لك فهاتها فقولي ما سرقتها، ثم خرج أبو يوسف إلى مجلس الرشيد وأمر بإحضار الجارية فحضرت، فقال للخليفة: سلها عن الحلى، فقال لها الخليفة: أسرقت الحلى؟ قالت: نعم، قال لها: فهاتها، قالت: لم أسرقها والله، قال أبو يوسف: قد صدقت يا أمير المؤمنين في الإقرار أو الإنكار وخرجت من اليمين، فسكن غضب الرشيد وأمر أن يحمل إلى دار أبي يوسف مائة ألف درهم، فقالوا: إن الخزان غيب فلو أخرنا ذلك إلى الغد، فقال: إن القاضي أعتقنا الليلة فلا نؤخر صلته إلى الغد، فأمر حتى حمل عشر بدر مع أبي يوسف إلى منزله. «يط» قال بشر المريسي للشافعي: كيف تدعي انعقاد الإجماع مع أن أهل المشرق والمغرب لا يمكن معرفة وجود إجماعهم على الشيء الواحد وكانت هذه المناظرة عند الرشيد، فقال الشافعي: هل تعرف إجماع الناس على خلافة هذا الجالس؟ فأقر به خوفاً وانقطع؛ «ك» أعرابي قصد الحسين بن علي رضي الله عنهما، فسلم عليه وسأله حاجة وقال: سمعت جدك يقول: إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة: إما عربي شريف، أو مولى كريم، أو حامل القرآن، أو صاحب وجه صبيح فأما العرب فشرفت بجدك، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل، وأما الوجه الصبيح فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا أردتم أن تنظروا إليّ فانظروا إلى الحسن والحسين، فقال الحسين: ما حاجتك؟ فكتبها على الأرض، فقال الحسين سمعت أبي علياً يقول قيمة كل امرىء ما يحسنه. وسمعت جدي يقول: المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل إن أحسنت في جواب واحدة فلك ثلث ما عندي وإن أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي وإن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي وقد حمل إليّ صرة مختومة من العراق فقال: سل ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال: أي الأعمال أفضل قال الأعرابي: الإيمان بالله. قال: فما نجاة العبد من الهلكة قال: الثقة بالله، قال: فما يزين المرء قال: علم معه حلم قال: فإن أخطأه ذلك قال: فمال معه كرم قال: فإن أخطأه ذلك قال: ففقر معه صبر قال: فإن أخطأه ذلك قال: فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه فضحك الحسين ورمى بالصرة إليه. أما الشواهد العقلية في فضيلة العلم فنقول: اعلم أن كون العلم صفة شرف وكمال وكون الجهل صفة نقصان أمر معلوم للعقلاء بالضرورة ولذلك لو قيل للرجل العالم يا جاهل فأنه يتأذى بذلك وإن كان يعلم كذب ذلك ولو قيل للرجل الجاهل يا عالم فإنه يفرح بذلك وإن كان يعلم أنه ليس كذلك وكل ذلك دليل على أن العلم شريف لذاته ومحبوب لذاته والجهل نقصان لذاته وأيضاً فالعلم أينما وجد كان صاحبه محترماً معظماً حتى أن الحيوان إذا رأى الإنسان احتشمه بعض الاحتشام وانزجر به بعض الانزجار وإن كان ذلك الحيوان أقوى بكثير من الإنسان وكذلك جماعة الرعاة إذا رأوا من جنسهم من كان أوفر عقلاً منهم وأغزر فضلاً فيما هم فيه وبصدده انقادوا له طوعاً فالعلماء إذا لم يعاندوا كانوا رؤساء بالطبع على من كان دونهم في العلم ولذلك فإن كثيراً ممن كانوا يعاندون النبي صلى الله عليه وسلم فصدوه ليقتلوه فما كان إلا أن وقع بصرهم عليه فألقى الله في قلوبهم منه روعة وهيبة فهابوه وانقادوا له صلى الله عليه وسلم ولهذا قال الشاعر:شعر : لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بداهتة تنبيك عن خبر تفسير : وأيضاً فلا شك أن الإنسان أفضل من سائر الحيوانات وليست تلك الفضيلة لقوته وصولته فإن كثيراً من الحيوانات يساويه فيها أو يزيد عليه فأذن تلك الفضيلة ليست إلا لاختصاصه بالمزية النورانية واللطيفة الربانية التي لأجلها صار مستعداً لإدراك حقائق الأشياء والاطلاع عليها والاشتغال بعبادة الله على ما قال: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] وأيضاً الجاهل كأنه في ظلمة شديدة لا يرى شيئاً البتة والعالم كأنه يطير في أقطار الملكوت ويسبح في بحار المعقولات فيطالع الموجود والمعدوم والواجب والممكن والمحال ثم يعرف انقسام الممكن إلى الجوهر والعرض والجوهر إلى البسيط والمركب ويبالغ في تقسيم كل منها إلى أنواعها وأنواع أنواعها وأجزائها وأجزاء أجزائها والجزء الذي به يشارك غيره والجزء الذي به يمتاز عن غيره ويعرف أثر كل شيء ومؤثره ومعلوله وعلته ولازمه وملزومه وكليه وجزئيه وواحده وكثيره حتى يصير عقله كالنسخة التي أثبت فيها جميع المعلومات بتفاصيلها وأقسامها فأي سعادة فوق هذه الدرجة ثم إنه بعد صيرورته كذلك تصير النفوس الجاهلة عالمة فتصير تلك النفس كالشمس في عالم الأرواح وسبباً للحياة الأبدية لسائر النفوس فإنها كانت كاملة ثم صارت مكملة وتصير واسطة بين الله وبين عباده ولهذا قال تعالى: {أية : يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ } تفسير : [النحل: 2] والمفسرون فسروا هذا الروح بالعلم والقرآن وكما أن البدن بلا روح ميت فاسد فكذا الروح بلا علم ميت ونظيره قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } تفسير : [الشورى: 52] فالعلم روح الروح ونور النور ولب اللب ومن خواص هذه السعادة أنها تكون باقية آمنة عن الفناء والتغير، فإن التصورات الكلية لا يتطرق إليها الزوال والتغير وإذا كانت هذه السعادة في نهاية الجلالة في ذاتها ثم إنها باقية أبد الآبدين ودهر الداهرين كانت لا محالة أكمل السعادات وأيضاً فالأنبياء صلوات الله عليهم ما بعثوا إلا للدعوة إلى الحق قال تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبّكَ بِٱلْحِكْمَةِ } تفسير : [النحل: 125] إلى آخره، وقال: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِى ٱدْعُواْ إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِى } تفسير : [يوسف: 108] ثم خذ من أول الأمر فإنه سبحانه لما قال: {أية : إِنّى جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } تفسير : [البقرة: 30] قالت الملائكة: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } قال سبحانه: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فأجابهم سبحانه بكونه عالماً فلم يجعل سائر صفات الجلال من القدرة. والإرادة، والسمع، والبصر، والوجود، والقدم، والاستغناء عن المكان والجهة جواباً لهم وموجباً لسكوتهم وإنما جعل صفة العلم جواباً لهم وذلك يدل على أن صفات الجلال والكمال وإن كانت بأسرها في نهاية الشرف إلا أن صفة العلم أشرف من غيرها ثم إنه سبحانه إنما أظهر فضل آدم عليه السلام بالعلم وذلك يدل أيضاً على أن العلم أشرف من غيره ثم إنه سبحانه لما أظهر علمه جعله مسجود الملائكة وخليفة العالم السفلى وذلك يدل على أن تلك المنقبة إنما استحقها آدم عليه السلام بالعلم ثم إن الملائكة افتخرت بالتسبيح والتقديس والافتخار بهما إنما يحصل لو كانا مقرونين بالعلم فإنهما إن حصلا بدون العلم كان ذلك نفاقاً والنفاق أخس المراتب قال تعالى:{أية : إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ } تفسير : [النساء: 145] أو تقليداً والتقليد مذموم فثبت أن تسبيحهم وتقديسهم إنما صار موجباً للافتخار ببركة العلم. ثم إن آدم عليه السلام إنما وقع عليه اسم المعصية لأنه أخطأ في مسألة واحدة اجتهادية على ما سيأتي بيانه ولأجل هذا الخطأ القليل وقع فيما وقع فيه والشيء كلما كان الخطر فيه أكثر كان أشرف فذلك يدل على غاية جلالة العلم. ثم إنه ببركة جلالة العلم لما تاب وأناب وترك الإصرار والاستكبار وجد خلعة الاجتباء، ثم انظر إلى إبراهيم عليه السلام كيف اشتغل في أول أمره بطلب العلم على ما قال تعالى: {أية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً } تفسير : [الأنعام: 76] ثم انتقل من الكواكب إلى القمر ومن القمر إلى الشمس ولم يزل ينتقل بفكره من شيء إلى شيء إلى أن وصل بالدليل الزاهر والبرهان الباهر إلى المقصود وأعرض عن الشرك فقال: {أية : إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأنعام: 79] فلما وصل إلى هذه الدرجة مدحه الله تعالى بأشرف المدائح وعظمه على أتم الوجوه فقال تارة: {أية : وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الأنعام: 75] وقال أخرى: {أية : وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ءاتَيْنَـٰهَا إِبْرٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَـٰتٍ مَّن نَّشَاء } تفسير : [الأنعام: 83] ثم إنه عليه السلام بعد الفراغ من معرفة المبدأ اشتغل بمعرفة المعاد فقال: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرٰهِيمُ رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ } تفسير : [البقرة: 260] ثم لما فرغ من التعلم اشتغل بالتعليم والمحاجة تارة مع أبيه على ما قال: {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ } تفسير : [مريم: 42] وتارة مع قومه فقال: {أية : مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَـٰثِيلُ ٱلَّتِى أَنتُمْ لَهَا عَـٰكِفُونَ } تفسير : [الأنبياء: 52] وأخرى مع ملك زمانه فقال: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِى حَاجَّ إِبْرٰهِيمَ فِى رِبّهِ } تفسير : [البقرة: 258] وانظر إلى صالح وهود وشعيب كيف كان اشتغالهم في أوائل أمورهم وأواخرها بالتعلم والتعليم وإرشاد الخلق إلى النظر والتفكر في الدلائل وكذلك أحوال موسى عليه السلام مع فرعون وجنوده ووجوه دلائله معه، ثم انظر إلى حال سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم كيف من الله عليه بالعلم مرة بعد أخرى فقال: {أية : وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَىٰ وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَىٰ } تفسير : [الضحى: 7 ـ 8] فقدم الامتنان بالعلم على الامتنان بالمال وقال أيضاً: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ } تفسير : [الشورى: 52] وقال: {أية : مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـٰذَا } تفسير : [هود: 49] ثم إنه أول ما أوحى إليه قال: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ } تفسير : [العلق: 1] ثم قال: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ } تفسير : [النساء: 113] وهو عليه الصلاة والسلام كان أبداً يقول: أرنا الأشياء كما هي. فلو لم يظهر للإنسان مما ذكرنا من الدلائل النقلية والعقلية شرف العلم لاستحال أن يظهر له شيء أصلاً وأيضاً فإن الله تعالى سمى العلم في كتابه بالأسماء الشريفة. فمنها: الحياة {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَـٰهُ } تفسير : [الأنعام: 122]. وثانيها: الروح {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا } تفسير : [الشورى: 52]، وثالثها: النور {أية : ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [النور: 35] وأيضاً قال تعالى في صفة طالوت: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ } تفسير : [البقرة: 247] فقدم العلم على الجسم ولا شك أن المقصود من سائر النعم سعادة البدن، فسعادة البدن أشرف من السعادة المالية فإذا كانت السعادة العلمية راجحة على السعادة الجسمانية فأولى أن تكون راجحة على السعادة المالية. وقال يوسف {أية : ٱجْعَلْنِى عَلَىٰ خَزَائِنِ ٱلأَرْضِ إِنّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ } تفسير : [يوسف: 55] ولم يقل إني حسيب نسيب فصيح مليح، وأيضاً فقد جاء في الخبر «المرء بأصغريه قلبه ولسانه» إن تكلم تكلم بلسانه، وإن قاتل قاتل بجنانه، قال الشاعر:شعر : لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم تفسير : وأيضاً فإن الله تعالى قدم عذاب الجهل على عذاب النار فقال: {أية : كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُواْ ٱلْجَحِيمِ } تفسير : [المطففين: 15، 16] وقال بعضهم: العلوم مطالعها من ثلاثة أوجه، قلب متفكر، ولسان معبر، وبيان مصور، قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «عين العلم من العلو، ولامه من اللطف، وميمه من المروءة» وأيضاً قيل العلوم عشرة: علم التوحيد للأديان، وعلم السر لرد الشيطان، وعلم المعاشرة للإخوان، وعلم الشريعة للأركان، وعلم النجوم للأزمان، وعلم المبارزة للفرسان، وعلم السياسة للسلطان، وعلم الرؤيا للبيان، وعلم الفراسة للبرهان، وعلم الطب للأبدان، وعلم الحقيقة للرحمن، وأيضاً قيل ضرب المثل في العلم بالماء قوله تعالى: {أية : أَنزَلَ مِنَ ٱلْسَّمَاء مَآء } تفسير : [البقرة: 22] والمياه أربعة: ماء المطر، وماء السيل، وماء القناة، وماء العين فكذا العلوم أربعة علم التوحيد كماء العين لا يجوز تحريكه لئلا يتكدر، وكذا لا ينبغي طلب معرفة كيفية الله عزّ وجلّ لئلا يحصل الكفر. وعلم الفقه يزداد بالاستنباط كماء القناة يزداد بالحفر، وعلم الزهد كماء المطر ينزل صافياً ويتكدر بغبار الهواء كذلك علم الزهد صاف ويتكدر بالطمع وعلم البدع كماء السيل يميت الأحياء ويهلك الخلق فكذا البدع والله أعلم. المسألة السابعة: في أقوال الناس في حد العلم قال أبو الحسن الأشعري العلم ما يعلم به وربما قال ما يصير الذات به عالماً واعترضوا عليه بأن العالم والمعلوم لا يعرفان إلا بالعلم فتعريف العلم بهما دور وهو غير جائز أجاب عنه بأن علم الإنسان بكونه عالماً بنفسه وبألمه ولذاته علم ضروري والعلم بكونه عالماً بهذه الأشياء علم بأصل العلم لأن الماهية داخلة في الماهية المقيدة فكان علمه بكون العلم علماً علم ضروري فكان الدور ساقطاً وسيأتي مزيد تقريره إذا ذكرنا ما نختاره نحن في هذا الباب إن شاء الله تعالى وقال القاضي أبو بكر العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه وربما قال العلم هو المعرفة والاعتراض على الأول أن قوله معرفة المعلوم تعريف العلم بالمعلوم فيعود الدور أيضاً فالمعرفة لا تكون إلا وفق المعلوم فقوله على ما هو عليه بعد ذكر المعرفة يكون حشواً، أما قوله العلم هو المعرفة ففيه وجوه من الخلل: أحدها: أن العلم هو نفس المعرفة فتعريفه بها تعريف للشيء بنفسه وهو محال. وثانيها: أن المعرفة عبارة عن حصول العلم بعد الالتباس ولهذا يقال ما كنت أعرف فلاناً والآن فقد عرفته. وثالثها: أن الله تعالى يوصف بأنه عالم ولا يوصف بأنه عارف لأن المعرفة تستدعي سبق الجهل وهو على الله محال وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: العلم تبيين المعلوم وربما قال إنه استبانة الحقائق وربما اقتصر على التبيين فقال العلم هو التبيين وهو أيضاً ضعيف أما قول العلم هو التبيين فليس فيه إلا تبديل لفظ بلفظ أخفى منه ولأن التبيين والاستبانة يشعران بظهور الشيء بعد الخفاء وذلك لا يطرد في علم الله، وأما قوله تبيين المعلوم على ما هو به فيتوجه عليه الوجوه المذكورة على كلام القاضي قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: العلم ما يصح من المتصف به إحكام الفعل وإتقانه وهو ضعيف، لأن العلم بوجوب الواجبات وامتناع الممتنعات لا يفيد الأحكام. وقال القفال: العلم إثبات المعلوم على ما هو به وربما قيل العلم تصور المعلوم على ما هو به والوجوه السالفة متوجهة على هذه العبارة. وقال إمام الحرمين: الطريق إلى تصور ماهية العلم وتميزها عن غيرها أن نقول إنا نجد من أنفسنا بالضرورة كوننا معتقدين في بعض الأشياء، فنقول اعتقادنا في الشيء، إما أن يكون جازماً أو لا يكون، فإن كان جازماً فأما أن يكون مطابقاً أو غير مطابق فإن كان مطابقاً فإما أن يكون لموجب هو نفس طرفي الموضوع والمحمول وهو العلم البديهي أو لموجب حصل من تركيب تلك العلوم الضرورية وهو العلم النظري أولاً لموجب وهو اعتقاد المقلد، وأما الجزم الذي لا يكون مطابقاً فهو الجهل والذي لا يكون جازماً فإما أن يكون الطرفان متساويين وهو الشك أو يكون أحدهما أرجح من الآخر فالراجح هو الظن والمرجوح هو الوهم واعلم أن هذا التعريف مختل من وجوه: أحدها: أن هذا التعريف لا يتم إلا إذا ادعينا أن علمنا بماهية الاعتقاد علم بديهي وإذا جاز ذلك فلم لا ندعي أن العلم بماهية العلم بديهي. وثانيها: أن هذا تعريف العلم بانتفاء أضداده وليست معرفة هذه الأضداد أقوى من معرفة العلم حتى يجعل عدم النقيض معرفاً للنقيض فيرجع حاصل الأمر إلى تعريف الشيء بمثله أو بالأخفى. وثالثها: أن العلم قد يكون تصوراً وقد يكون تصديقاً والتصور لا يتطرق إليه الجزم ولا التردد ولا القوة ولا الضعف فإذا كان كذلك كانت العلوم التصورية خارجة عن هذا التعريف قالت المعتزلة العلم هو الاعتقاد المقتضي سكون النفس وربما قالوا العلم ما يقتضي سكون النفس قالوا: ولفظ السكون وإن كان مجازاً ههنا إلا أن المقصود منه لما كان ظاهراً لم يكن ذكره قادحاً في المقصود واعلم أن الأصحاب قالوا: الاعتقاد جنس مخالف للعلم فلا يجوز جعل العلم منه ولهم أن يقولوا لا شك أن بين العلم واعتقاد المقلد قدراً مشتركاً فنحن نعني بالاعتقاد ذلك القدر قال الأصحاب وهذا التعريف يخرج عنه أيضاً علم الله تعالى فإنه لا يجوز أن يقال فيه إنه يقتضي سكون النفس قالت الفلاسفة العلم صورة حاصلة في النفس مطابقة للمعلوم وفي هذا التعريف عيوب: أحدها: إطلاق لفظ الصورة على العلم لا شك أنه من المجازات فلا بدّ في ذلك من تلخيص الحقيقة والذي يقال إنه كما يحصل في المرآة صورة الوجه فكذلك تحصل صورة المعلوم في الذهن وهو ضعيف لأنا إذا عقلنا الجبل والبحر فإن حصلا في الذهن ففي الذهن جبل وبحر وهذا محال وإن لم يحصلا في الذهن ولكن الحاصل في الذهن صورتاهما فقط فحينئذٍ يكون المعلوم هو الصورة فالشيء الذي تلك الصورة صورته وجب أن لا يصير معلوماً وإن قيل حصلت الصورة ومحلها في الذهن فحينئذٍ يعود ما ذكرنا من أنه يحصل الجبل والبحر في الذهن. وثانيها: أن قوله مطابقة للمعلوم يقتضي الدور، وثالثها: أن عندهم المعلومات قد تكون موجودة في الخارج وقد لا تكون وهي التي يسمونها بالأمور الاعتبارية والصور الذهنية والمعقولات الثانية والمطابقة في هذا القسم غير معقول. ورابعها: أنا قد نعقل المعدوم ولا يمكن أن يقال الصورة العقلية مطابقة للمعدوم لأن المطابقة تقتضي كون المتطابقين أمراً ثبوتياً والمعدوم نفي محض يستحيل تحقق المطابقة فيه ولقد حاول الغزالي إيضاح كلام الفلاسفة في تعريف العلم فقال إدراك البصيرة الباطنة نفهمه بالمقايسة بالبصر الظاهر ولا معنى للبصر الظاهر إلا انطباع صورة المرئي في القوة الباصرة كما نتوهم انطباع الصورة في المرآة مثلاً فكما أن البصر يأخذ صورة المبصرات أي ينطبع فيه مثالها المطابق لها لا عينها فإن عين النار لا تنطبع في العين بل مثال مطابق صورتها فكذا العقل على مثال مرآة ينطبع فيها صور المعقولات وأعني بصورة المعقولات حقائقها وماهياتها ففي المرآة أمور ثلاثة: الحديد وصقالته والصورة المنطبعة فيه فكذا جوهر الآدمي كالحديد وعقله كالصقالة والمعلوم كالصورة واعلم أن هذا الكلام ساقط جداً أما قوله لا معنى للبصر الظاهر إلا انطباع صورة المرئي في القوة الباصرة فباطل لوجوه: أحدها: أنه ذكر في تعريف الأبصار المبصر والباصر وهو دور. وثانيها: أنه لو كان الأبصار عبارة عن نفس هذا الانطباع لما أبصرنا إلا بمقدار نقطة الناظر لاستحالة انطباع العظيم في الصغير فإن قيل الصورة الصغيرة المنطبعة شرط لحصول إبصار الشيء العظيم في الخارج قلنا الشرط مغاير للمشروط فالإبصار مغاير للصورة المنطبعة. وثالثها: أنا نرى المرئي حيث هو، ولو كان المرئي هو الصورة المنطبعة لما رأيته في حيزه ومكانه، وأما قوله: فكذا العقل ينطبع فيه صور المعقولات فضعيف لأن الصورة المرتسمة من الحرارة في العقل، إما أن تكون مساوية للحرارة في الماهية أو لا تكون، فإن كان الأول لزم أن يصير العقل حاراً عند تصور الحرارة لأن الحار لا معنى له إلا الموصوف بالحرارة، وإن كان الثاني لم يكن تعقل الماهية إلا عبارة عن حصول شيء في الذهن مخالف للحرارة في الماهية وذلك يبطل قوله، وأما الذي ذكر من انطباع الصور في المرآة فقد اتفق المحققون من الفلاسفة على أن صورة المرئي لا تنطبع في المرآة فثبت أن الذي ذكره في تقرير قولهم لا يوافق قولهم ولا يلائم أصولهم ولما ثبت أن التعريفات التي ذكرها الناس باطلة فاعلم أن العجز عن التعريف قد يكون لخفاء المطلوب جداً وقد يكون لبلوغه في الجلاء إلى حيث لا يوجد شيء أعرف منه ليجعل معرفاً له، والعجز عن تعريف ا لعلم لهذا الباب والحق أن ماهية العلم متصورة تصوراً بديهياً جلياً، فلا حاجة في معرفته إلى معرف، والدليل عليه أن كل أحد يعلم بالضرورة أنه يعلم وجود نفسه وأنه يعلم أنه ليس على السماء ولا في لجة البحر، والعلم الضروري بكونه عالماً بهذه الأشياء علم باتصاف ذاته بهذه العلوم والعالم بانتساب شيء إلى شيء عالم لا محالة بكلا الطرفين، فلما كان العلم الضروري بهذه المنسوبية حاصلاً كان العلم الضروري بماهية العلم حاصلاً وإذا كان كذلك كان تعريفه ممتنعاً فهذا القدر كافٍ ههنا وسائر التدقيقات مذكورة في «الكتب العقلية» والله أعلم. المسألة الثامنة: في البحث عن ألفاظ يظن بها أنها مرادفة للعلم وهي ثلاثون: أحدها: الإدراك وهو اللقاء والوصول يقال أدرك الغلام وأدركت الثمرة قال تعالى: {أية : قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } تفسير : [الشعراء: 61] فالقوة العاقلة إذا وصلت إلى ماهية المعقول وحصلتها كان ذلك إدراكاً من هذه الجهة، وثانيها: الشعور وهو إدراك بغير استثبات وهو أول مراتب وصول المعلوم إلى القوة العاقلة وكأنه إدراك متزلزل ولهذا يقال في الله تعالى إنه يشعر بكذا كما يقال إنه يعلم كذا، وثالثها: التصور إذا حصل وقوف القوة العاقلة على المعنى وأدركه بتمامه فذلك هو التصور، واعلم أن التصور لفظ مشتق من الصورة ولفظ الصورة حيث وضع فإنما وضع للهيئة الجسمانية الحاصلة في الجسم المتشكل إلا أن الناس لما تخيلوا أن حقائق المعلومات تصير حالة في القوة العاقلة كما أن الشكل والهيئة يحلان في المادة الجسمانية أطلقوا لفظ التصور عليه بهذا التأويل. ورابعها: الحفظ فإذا حصلت الصورة في العقل وتأكدت واستحكمت وصارت بحيث لو زالت لتمكنت القوة العاقلة من استرجاعها واستعادتها سميت تلك الحالة حفظاً ولما كان الحفظ مشعراً بالتأكد بعد الضعف لا جرم لا يسمى علم الله حفظاً ولأنه إنما يحتاج إلى الحفظ ما يجوز زواله ولما كان ذلك في علم الله تعالى محالاً لا جرم لا يسمى ذلك حفظاً. وخامسها: التذكر وهو أن الصورة المحفوظة إذا زالت عن القوة العاقلة فإذا حاول الذهن استرجاعها فتلك المحاولة هي التذكر. واعلم أن للتذكر سراً لا يعلمه إلا الله تعالى وهو أن التذكر صار عبارة عن طلب رجوع تلك الصورة الممحية الزائلة فتلك الصورة إن كانت مشعوراً بها فهي حاضرة حاصلة والحاصل لا يمكن تحصيله فلا يمكن حينئذٍ استرجاعها وإن لم تكن مشعوراً بها كان الذهن غافلاً عنها وإذا كان غافلاً عنها استحال أن يكون طالباً لاسترجاعها لأن طلب ما لا يكون متصوراً محال فعلى كلا التقديرين يكون التذكر المفسر بطلب الاسترجاع ممتنعاً مع أنا نجد من أنفسنا أنا قد نطلبها ونسترجعها وهذه الأسرار إذا توغل العاقل فيها وتأملها عرف أنه لا يعرف كنهها مع أنها من أظهر الأشياء عند الناس فكيف القول في الأشياء التي هي أخفى الأمور وأعضلها على العقول والأذهان. وسادسها: الذكر فالصورة الزائلة إذا حاول استرجاعها فإذا عادت وحضرت بعد ذلك الطلب سمي ذلك الوجدان ذكراً فإن لم يكن هذا الإدراك مسبوقاً بالزوال لم يسم ذلك الإدراك ذكراً ولهذا قال الشاعر:شعر : الله يعلم أني لست أذكره وكيف أذكره إذ لست أنساه تفسير : فجعل حصول النسيان شرطاً لحصول الذكر ويوصف القول بأنه ذكر لأنه سبب حصول المعنى في النفس قال تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ } تفسير : [الحجر: 9] وههنا دقيقة تفسيرية وهي أنه سبحانه وتعالى قال: {أية : فَٱذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ } تفسير : [البقرة: 52] فهذا الأمر هل يتوجه على العبد حال حصول النسيان أو بعد زواله فإن كان الأول فهو حال النسيان غافل عن الأمر وكيف يوجه عليه التكليف مع النسيان وإن كان الثاني فهو ذاكر والذكر حاصل وتحصيل الحاصل محال فكيف كلفه به وهو أيضاً متوجه على قوله:{أية : فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلا ٱللَّهِ } تفسير : [محمد: 19] إلا أن الجواب في قوله فاعلم أن المأمور به إنما هو معرفة للتوحيد وهذا من باب التصديقات فلا يقوى فيه ذلك الإشكال وأما الذكر فهو من باب التصورات فيقوى فيه ذلك الإشكال وجوابه على الإطلاق أنا نجد من أنفسنا أنه يمكننا التذكر وإذا كان ذلك ممكناً كان ما ذكرته تشكيكاً في الضروريات فلا يستحق الجواب. بقي أن يقال فكيف يتذكر فنقول لا نعرف كيف يتذكر لكن علمك بتمكنك في علمك بأن في الجملة يكفيك في الاشتغال بالمجاهدة وعجزك عن إدراك تلك الكيفية يكفيك من التذكر ذاك ليس منك بل ههنا سر آخر وهو أنك لما عجزت عن إدراك ماهية التذكر والذكر مع أنه صفتك فأنى يمكنك الوقوف على كنه المذكور مع أنه أبعد الأشياء مناسبة منك فسبحان من جعل أظهر الأشياء أخفاها ليتوصل العبد به إلى كنه عجزه ونهاية قصوره فحينئذٍ يطالع شيئاً من مبادىء مقادير أسرار كونه ظاهراً باطناً. وسابعها: المعرفة وقد اختلفت الأقوال في تفسير هذه اللفظة فمنهم من قال المعرفة إدراك الجزئيات والعلم إدراك الكليات وآخرون قالوا المعرفة التصور والعلم هو التصديق وهؤلاء جعلوا العرفان أعظم درجة من العلم قالوا لأن تصديقنا باستناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود أمر معلوم بالضرورة فأما تصور حقيقته فأمر فوق الطاقة البشرية ولأن الشيء ما لم يعرف وجوده فلا تطلب ماهيته فعلى هذا الطريق كل عارف عالم وليس كل عالم عارفاً ولذلك فإن الرجل لا يسمى بالعارف إلا إذا توغل في ميادين العلم وترقى من مطالعها إلى مقاطعها ومن مباديها إلى غايتها بحسب الطاقة البشرية وفي الحقيقة فإن أحداً من البشر لا يعرف الله تعالى لأن الاطلاع على كنه هويته وسر ألوهيته محال. وآخرون قالوا من أدرك شيئاً وانحفظ أثره في نفسه ثم أدرك ذلك الشيء ثانياً وعرف أن هذا المدرك الذي أدركه ثانياً هو الذي أدركه أولاً فهذا هو المعرفة فيقال: عرفت هذا الرجل وهو فلان الذي كنت رأيته وقت كذا. ثم في الناس من يقول بقدم الأرواح ومنهم من يقول بتقدمها على الأبدان ويقول إنها هي الذر المستخرج من صلب آدم عليه السلام وإنها أقرت بالإلهية واعترفت بالربوبية إلا أنها لظلمة العلاقة البدنية نسيت مولاها فإذا عادت إلى نفسها متخلصة من ظلمة البدن وهاوية الجسم عرفت ربها وعرفت أنها كانت عارفة به فلا جرم سمى هذا الإدراك عرفاناً. وثامنها: الفهم وهو تصور الشيء من لفظ المخاطب والإفهام هو اتصال المعنى باللفظ إلى فهم السامع، وتاسعها: الفقه وهو العلم بغرض المخاطب من خطابه يقال فقهت كلامك أي وقفت على غرضك من هذا الخطاب ثم إن كفار قريش لما كانوا أرباب الشبهات والشهوات فما كانوا يقفون على ما في تكاليف الله تعالى من المنافع العظيمة لا جرم قال تعالى: {أية : لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً } تفسير : [الكهف: 93] أي لا يقفون على المقصود الأصلي والغرض الحقيقي. وعاشرها: العقل وهو العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها فإنك متى علمت ما فيها من المضار والمنافع صار علمك بما في الشيء من النفع داعياً لك إلى الفعل وعلمك بما فيه من الضرر داعياً لك إلى الترك فصار ذلك العلم مانعاً من الفعل مرة ومن الترك أخرى فيجري ذلك العلم مجرى عقال الناقة. ولهذا لما سئل بعض الصالحين عن العقل، قال هو العلم بخير الخيرين وشر الشرين ولما سئل عن العاقل قال العاقل من عقل عن الله أمره ونهيه، فهذا هو القدر اللائق بهذا المكان والاستقصاء فيه يجيء في موضع آخر إن شاء الله تعالى. الحادي عشر: الدراية وهي المعرفة الحاصلة بضرب من الحيل وهو تقديم المقدمات واستعمال الروية وأصله من دريت الصيد والدرية لما يتعلم عليه الطعن والمدرى يقال لما يصلح به الشعر وهذا لا يصح إطلاقه على الله تعالى لامتناع الفكر والحيل عليه تعالى. الثاني عشر: الحكمة: وهي اسم لكل علم حسن، وعمل صالح وهو بالعلم العملي أخص منه بالعلم النظري وفي العمل أكثر استعمالاً منه في العلم، ومنها يقال أحكم العمل إحكاماً إذا أتقنه وحكم بكذا حكماً والحكمة من الله تعالى خلق ما فيه منفعة العباد ومصلحتهم في الحال وفي المآل ومن العباد أيضاً كذلك ثم قد حدت الحكمة بألفاظ مختلفة فقيل هي معرفة الأشياء بحقائقها، وهذا إشارة إلى أن إدراك الجزئيات لا كمال فيه لأنها إدراكات متغيرة. فأما إدراك الماهية، فإنه باقٍ مصون عن التغير والتبدل وقيل هي الإتيان بالفعل الذي عاقبته محمودة وقيل هي الاقتداء بالخالق سبحانه وتعالى في السياسة بقدر الطاقة البشرية وذلك بأن يجتهد بأن ينزه علمه عن الجهل وفعله عن الجور وجوده عن البخل وحلمه عن السفه. الثالث عشر: علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين قالوا إن اليقين لا يحصل إلا إذا اعتقد أن الشيء كذا وأنه يمتنع كون الأمر بخلاف معتقده إذا كان لذلك الاعتقاد موجب هو إما بديهية الفطرة وإما نظر العقل، الرابع عشر: الذهن وهو قوة النفس على اكتساب العلوم التي هي غير حاصلة وتحقيق القول فيه إنه سبحانه وتعالى خلق الروح خالياً عن تحقيق الأشياء وعن العلم بها كما قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا } تفسير : [النحل: 78] لكنه سبحانه وتعالى إنما خلقها للطاعة على ما قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } تفسير : [الذاريات: 56] والطاعة مشروطة بالعلم وقال في موضع آخر {أية : الصلاة لِذِكْرِى } تفسير : [طه: 14] فبين أنه أمر بالطاعة لغرض العلم والعلم لا بدّ منه على كل حال فلا بدّ وأن تكون النفس متمكنة من تحصيل هذه المعارف والعلوم فأعطاه الحق سبحانه من الحواس ما أعان على تحصيل هذا الغرض فقال في السمع: {أية : وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَينِ } تفسير : [البلد: 10] وقال في البصر: {أية : سَنُرِيهِمْ ءايَـٰتِنَا فِى ٱلاْفَاقِ وَفِى أَنفُسِهِمْ } تفسير : [فصلت: 53] وقال في الفكر: {أية : وَفِى أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ } تفسير : [الذاريات: 21] فإذا تطابقت هذه القوى صار الروح الجاهل عالماً وهو معنى قوله تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ } تفسير : [الرحمن: 1] فالحاصل أن استعداد النفس لتحصيل هذه المعارف هو الذهن. الخامس عشر: الفكر وهو انتقال الروح من التصديقات الحاضرة إلى التصديقات المستحضرة قال بعض المحققين إن الفكر يجري مجرى التضرع إلى الله تعالى في استنزال العلوم من عنده. السادس عشر: الحدس ولا / شك أن الفكر لا يتم عمله إلا بوجدان شيء يتوسط بين طرفي المجهول لتصير النسبة المجهولة معلومة فإن النفس حال كونها جاهلة كأنها واقفة في ظلمة ولا بدّ لها من قائد يقودها وسائق يسوقها وذلك هو المتوسط بين الطرفين وله إلى كل واحد منهما نسبة خاصة فيتولد من نسبته إليهما مقدمتان فكل مجهول لا يحصل العلم به إلا بواسطة مقدمتين معلومتين والمقدمتان هما كالشاهدين فكما أنه لا بدّ في الشرع من شاهدين فكذا لا بدّ في العقل من شاهدين وهما المقدمتان اللتان تنتجان المطلوب فاستعداد النفس لوجدان ذلك المتوسط هو الحدس. السابع عشر: الذكاء وهو شدة الحدس وكماله وبلوغه الغاية القصوى وذلك لأن الذكاء هو المضاء في الأمر وسرعة القطع بالحق وأصله من ذكت النار وذكت الريح وشاة مذكاة أي مدرك ذبحها بحدة السكين. الثامن عشر: الفطنة وهي عبارة عن التنبه لشيء قصد تعريضه ولذلك فإنه يستعمل في الأكثر في استنباط الأحاجي والرموز. التاسع عشر: الخاطر وهو حركة النفس نحو تحصيل الدليل وفي الحقيقة ذلك المعلوم هو الخاطر بالبال والحاضر في النفس ولذلك يقال: هذا خطر ببالي إلا أن النفس لما كانت محلاً لذلك المعنى الخاطر جعلت خاطراً إطلاقاً لاسم الحال على المحل. العشرون: الوهم وهو الاعتقاد المرجوح وقد يقال إنه عبارة عن الحكم بأمور جزئية غير محسوسية لأشخاص جزئية جسمانية كحكم السخلة بصداقة الأم وعداوة المؤذي. الحادي والعشرون: الظن وهو الاعتقاد الراجح ولما كان قبول الاعتقاد للقوة والضعف غير مضبوط فكذا مراتب الظن غير مضبوطة فلهذا قيل إنه عبارة عن ترجيح أحد طرفي المعتقد في القلب على الآخر مع تجويز الطرف الآخر ثم إن الظن المتناهي في القوة قد يطلق عليه اسم العلم فلا جرم قد يطلق أيضاً على العلم اسم الظن كما قال بعض المفسرين في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ } تفسير : [البقرة: 46] قالوا: إنما أطلق لفظ الظن على العلم ههنا لوجهين: أحدهما: التنبيه على أن علم أكثر الناس في الدنيا بالإضافة إلى علمه في الآخرة كالظن في جنب العلم. والثاني: أن العلم الحقيقي في الدنيا لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين الذين ذكرهم الله تعالى في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ } تفسير : [الحجرات: 15] واعلم أن الظن إن كان عن أمارة قوية قبل ومدح وعليه مدار أكثر أحوال هذا العلم. وإن كان عن أمارة ضعيفة ذم كقوله تعالى: {أية : إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى عَنْ ٱلْحَقّ شَيْئاً } تفسير : [النجم: 28] وقوله: {أية : إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنّ إِثْمٌ } تفسير : [الحجرات: 12] الثاني والعشرون: الخيال. وهو عبارة من الصورة الباقية عن المحسوس بعد غيبته. ومنه الطيف الوارد من صورة المحبوب خيالاً والخيال قد يقال لتلك الصورة في المنام وفي اليقظة، والطيف لا يقال إلا فيما كان في حال النوم. الثالث والعشرون: البديهة وهي المعرفة الحاصلة ابتداء في النفس لا بسبب الفكر كعلمك بأن الواحد نصف الاثنين. الرابع والعشرون: الأوليات وهي البديهيات بعينها والسبب في هذه التسمية أن الذهن يلحق محمول القضية بموضوعها أولاً لا بتوسط شيء آخر فأما الذي يكون بتوسط شيء آخر. فذاك المتوسط هو المحمول أولاً الخامس والعشرون: الروية، وهي ما كان من المعرفة بعد فكر كثير، وهي من روى، السادس والعشرون: الكياسة. وهي تمكن النفس من استنباط ما هو أنفع. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت»تفسير : . من حيث إنه لا خير يصل إليه الإنسان أفضل مما بعد الموت. السابع والعشرون: الخبرة، وهي معرفة يتوصل إليها بطريق التجربة، يقال خبرته قال أبو الدرداء: وجدت الناس أخبر تقله. وقيل هو من قولهم: ناقة خبرة. أي غزيرة اللبن، فكان الخبر هو غزارة المعرفة. ويجوز أن يكون قولهم ناقة خبرة: هي المخبر عنها بغزارتها. الثامن والعشرون: الرأي، وهو إحاطة الخاطر في المقدمات التي يرجى منها إنتاج المطلوب، وقد يقال للقضية المستنتجة من الرأي رأي، والرأي للفكر كالآلة للصانع، ولهذا قيل: إياك والرأي الفطير، وقيل: دع الرأي تصب. التاسع والعشرون: الفراسة وهي الاستدلال بالحق الظاهر على الخلق الباطن، وقد نبه الله تعالى على صدق هذا الطريق بقوله تعالى: {أية : إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَـٰتٍ لِلْمُتَوَسّمِينَ } تفسير : [الحجر: 75] وقوله تعالى: {أية : تَعْرِفُهُم بِسِيمَـٰهُمْ } تفسير : [البقرة: 273] وقوله تعالى:{أية : وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِى لَحْنِ ٱلْقَوْلِ} تفسير : [محمد: 30] واشتقاقها من قولهم: فرس السبع الشاة، فكأن الفراسة اختلاس المعارف، وذلك ضربان: ضرب يحصل للإنسان عن خاطره ولا يعرف له سبب، وذلك ضرب من الإلهام بل ضرب من الوحي، وإياه عنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «حديث : إن في أمتي لمحدثين وإن عمر لمنهم» تفسير : ويسمى ذلك أيضاً النفث في الروع، والضرب الثاني من الفراسة ما يكون بصناعة متعلمة وهي الاستدلال بالأشكال الظاهرة على الأخلاق الباطنة وقال أهل المعرفة في قوله تعالى: {أية : أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مّنْهُ } تفسير : [هود: 17] إن البينة هو القسم الأول وهو إشارة إلى صفاء جوهر الروح والشاهد هو القسم الثاني وهو الاستدلال بالأشكال على الأحوال. المسألة التاسعة: قوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلاسْمَاء كُلَّهَا } وقوله: {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } وقوله: {ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءانَ } لا يقتضي وصف الله تعالى بأنه معلم لأنه حصل في هذه اللفظة تعارف على وجه لا يجوز إطلاقه عليه وهو من يحترف بالتعليم والتلقين وكما لا يقال للمدرس معلم مطلقاً حتى لو أوصى للمتعلمين لا يدخل فيه المدرس فكذا لا يقال لله إنه معلم إلا مع التقييد ولولا هذا التعارف لحسن إطلاقه عليه بل كان يجب أن لا يستعمل إلا فيه تعالى لأن المعلم هو الذي يحصل العلم في غيره ولا قدرة على ذلك لأحد إلا الله تعالى.

القرطبي

تفسير : فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} «عَلّم» معناه عَرّف. وتعليمه هنا إلهام علمه ضرورةً. ويحتمِل أن يكون بواسطة مَلَك وهو جبريل عليه السلام؛ على ما يأتي. «وعُلِّم» غير مسمَّى الفاعل. والأوّل أظهر؛ على ما يأتي. وقرىء: قال علماء الصوفية: عَلِمها بتعليم الحق إيّاه وحَفِظها بحفظه عليه ونسى ما عهد إليه؛ لأن وكَلَه فيه إلى نفسه فقال: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه: 115]. وقال ٱبن عطاء: لو لم يُكشف لآدم علم تلك الأسماء لكان أعجز من الملائكة في الإخبار عنها. وهذا واضح. وآدم عليه السلام يُكْنَى أبا البشر. وقيل: أبا محمد؛ كني بمحمد خاتم الأنبياء صلوات الله عليهم، قاله السُّهَيْلِيّ. وقيل: كُنيته في الجنة أبو محمد، وفي الأرض أبو البشر. وأصله بهمزتين؛ لأنه أفعل إلا أنهم ليّنُوا الثانية، فإذا ٱحتجت إلى تحريكها جعلتها واواً فقلت: أوادِم في الجمع؛ لأنه ليس لها أصل في الياء معروف، فجعلت الغالب عليها الواو؛ عن الأخفش. وٱختلف في ٱشتقاقه؛ فقيل: هو مشتق من أَدَمة الأرض وأديمها وهو وجهها، فسمّي بما خلق منه؛ قاله ٱبن عباس. وقيل. إنه مشتق من الأدْمَة وهي السُّمْرة. وٱختلفوا في الأُدْمَة، فزعم الضحاك أنها السُّمْرة؛ وزعم النَّضْر أنها البياض، وأن آدم عليه السلام كان أبيض؛ مأخوذ من قولهم: ناقة أدْماءُ، إذا كانت بيضاء. وعلى هذا الاشتقاق جمعه أُدْمٌ وأوادم؛ كحُمْر وأحامر، ولا ينصرف بوجه. وعلى أنه مشتق من الأدمة جمع آدمون؛ ويلزم قائلو هذه المقالة صرفه. قلت: الصحيح أنه مشتق من أديم الأرض. قال سعيد بن جُبير: إنما سُمّيَ آدم لأنه خلق من أدِيم الأرض، وإنما سُمِّيَ إنساناً لأنه نَسِي؛ ذكره ٱبن سعد في الطبقات. وروى السُّدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ٱبن عباس وعن مُرّة الهمدانِيّ عن ٱبن مسعود في قصة خلق آدم عليه السلام قال: فبعث الله جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطين منها؛ فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تَشِينني؛ فرجع ولم يأخذ وقال: يا ربّ إنها عاذت بك فأعذتها. فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريل؛ فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره. فأخذ من وجه الأرض وخلط، ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين ـ ولذلك سمي آدم لأنه أخذ من أديم الأرض ـ فصعِد به، فقال الله تعالى له: «أمَا رَحِمت الأرض حين تضرّعت إليك» فقال: رأيت أمرك أوجب من قولها. فقال: «أنت تصلح لقبض أرواح ولده» فبلّ التراب حتى عاد طينًا لازبًا؛ اللاّزب: هو الذي يلتصق بعضه ببعض، ثم تُرك حتى أنتن؛ فذلك حيث يقول: {أية : مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ}تفسير : [الحجر: 26] قال: مُنتِن. ثم قال للملائكة: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ. فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}تفسير : [صۤ: 72]. فخلقه الله بيده لكيلا يتكبّر إبليس عنه. يقول: أتتكبّر عمّا خلقتُ بيدي ولم أتكبّر أنا عنه! فخلقه بشراً فكان جسداً من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرّت به الملائكة ففزِعوا منه لما رأوْه وكان أشدّهم منه فزعاً إبليس فكان يمرّ به فيضربه فيصوّت الجسد كما يصوِّت الفَخّار تكون له صَلْصة؛ فذلك حين يقول: {أية : مِن صَلْصَالٍ كَٱلْفَخَّارِ}تفسير : [الرحمن: 14]. ويقول لأمرٍ مَا خلقت!. ودخل من فمه وخرج من دبره؛ فقال إبليس للملائكة: لا ترهبوا من هذا فإنه أجوف ولئن سُلّطت عليه لأهلكنّه. ويقال: إنه كان إذا مرّ عليه مع الملائكة يقول: أرأيتم هذا الذي لم تروْا من الخلائق يشبهه إن فُضّل عليكم وأمرتم بطاعته ما أنتم فاعلون! قالوا: نطيع أمر ربّنا؛ فأسرّ إبليس في نفسه لئن فُضّل عليّ فلا أطيعه، ولئن فُضّلتُ عليه لأهلكنّه؛ فلما بلغ الحين الذي أريد أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له؛ فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عَطَس؛ فقالت له الملائكة: قل الحمد لله؛ فقال: الحمد لله، فقال الله له: رحمك ربك؛ فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه ٱشتهى الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول: {أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}تفسير : [الأنبياء: 37] {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ}تفسير : [الأعراف:11] وذكر القصة. وروى الترمذيّ عن أبي موسى الأشْعَرِيّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسَّهْل والحَزْن والخبث والطيّب»تفسير : . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. أدِيم: جمع أَدَم؛ قال الشاعر:شعر : الناسُ أخيافٌ وشَتَّى في الشِّيَمْ وكلُّهم يجمعهم وَجه الأَدَمْ تفسير : فآدم مشتق من الأديم والأَدَم لا من الأدْمة؛ والله أعلم. ويحتمل أن يكون منهما جميعاً. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في خلق آدم في «الأنعام» وغيرها إن شاء الله تعالى. و «آدم» لا ينصرف. قال أبو جعفر النحاس: «آدم لا ينصرف في المعرفة بإجماع النحويين؛ لأنه على أفْعَل وهو معرفة، ولا يمتنع شيء من الصرف عند البصريين إلا لعلّتين. فإن نكّرته ولم يكن نعتاً لم يَصرفه الخليل وسيبويه، وصرفه الأخفش سعيد؛ لأنه كان نعتاً وهو على وزن الفعل، فإذا لم يكن نعتاً صَرَفه. قال أبو إسحاق الزجاج: القول قول سيبويه، ولا يفرّق بين النعت وغيره لأنه هو ذاك بعينه». الثانية: قوله تعالى: {ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} «الأسماء» هنا بمعنى العبارات، فإن الاسم قد يطلق ويراد به المسمَّى؛ كقولك: زيد قائم، والأسد شجاع. وقد يراد به التسمية ذاتها؛ كقولك: أسد ثلاثة أحرف؛ ففي الأوّل يقال: الاسم هو المسمَّى بمعنى يراد به المسمى، وفي الثاني لا يراد به المسمَّى؛ وقد يجري ٱسم في اللغة مجرى ذات العبارة وهو الأكثر من استعمالها؛ ومنه قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} على أشهر التأويلات؛ ومنه قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن لله تسعةً وتسعين ٱسماً»تفسير : . ويجرِي مجرى الذات، يقال: ذاتٌ ونفسٌ وعينٌ وٱسمٌ بمعنًى؛ وعلى هذا حمل أكثر أهل العلم قوله تعالى: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1] {أية : تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ}تفسير : [الرحمن: 78] {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ}تفسير : [النجم: 23]. الثالثة: وٱختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علّمها لآدم عليه السلام؛ فقال ٱبن عباس وعِكرمة وقتادة ومجاهد وٱبن جُبير: علّمه أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها. وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحسن بن عليّ قال: كنت جالساً عند ٱبن عباس فذكروا ٱسم الآنِيَة وٱسم السَّوْط؛ قال ٱبن عباس: «وعلّم آدم الأسماء كلها». قلت: وقد روي هذا المعنى مرفوعاً على ما يأتي؛ وهو الذي يقتضيه لفظ «كلها» إذ هو ٱسم موضوع للإحاطة والعموم؛ وفي البخاريّ من حديث أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ويجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو ٱستشفعنا إلى ربّنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كلِّ شيء»تفسير : الحديث. قال ٱبن خُوَيْزِ مَنْدَاد: في هذه الآية دليل على أن اللغة مأخوذة توقيفاً، وأن الله تعالى علّمها آدم عليه السلام جملةً وتفصيلاً. وكذلك قال ٱبن عباس: علّمه أسماء كل شيء حتى الجَفْنة والمِحْلَب. وروى شَيْبان عن قتادة قال: علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لم يعلم الملائكة، وسمَّى كل شيء بٱسمه وأنْحَى منفعة كل شيء إلى جنسه. قال النحاس: وهذا أحسن ما روي في هذا. والمعنى علّمه أسماء الأجناس وعرّفه منافعها، هذا كذا، وهو يصلح لكذا. وقال الطبريّ: علّمه أسماء الملائكة وذرّيته؛ وٱختار هذا ورجّحه بقوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ}. وقال ٱبن زيد: علّمه أسماء ذرّيته كلهم. وقال الربيع بن خُثيم: أسماء الملائكة خاصة. وقال القُتَبيّ: أسماء ما خلق في الأرض. وقيل: أسماء الأجناس والأنواع. قلت: القول الأوّل أصحّ، لما ذكرناه آنفاً ولِمَا نبيّنه إن شاء الله تعالى. الرابعة: وٱختلف المتأوّلون أيضاً هل عرض على الملائكة أسماء الأشخاص أو الأسماء دون الأشخاص؛ فقال ٱبن مسعود وغيره: عرض الأشخاص لقوله تعالى: «عَرَضَهُمْ» وقوله: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ}. وتقول العرب: عَرَضْتُ الشيء فأَعْرَض؛ أي أظهرته فظهر. ومنه: عَرَضْتُ الشيء للبيع. وفي الحديث: «حديث : إنه عَرَضهم أمثال الذر»تفسير : . وقال ٱبن عباس وغيره: عرض الأسماء. وفي حرف ٱبن مسعود: «عرضهنّ»؛ فأعاد على الأسماء دون الأشخاص؛ لأن الهاء والنون أخصّ بالمؤنث. وفي حرف أُبَيّ: «عرضها». مجاهد: أصحاب الأسماء. فمن قال في الأسماء إنها التسميات فٱستقام على قراءة أُبَيّ «عرضها». وتقول في قراءة من قرأ «عرضهم»: إن لفظ الأسماء يدلّ على أشخاص؛ فلذلك ساغ أن يقال للأسماء: «عرضهم». وقال في «هؤلاء» المراد بالإشارة: إلى أشخاص الأسماء، لكن وإن كانت غائبة فقد حضر ما هو منها بسببٍ وذلك أسماؤها. قال ٱبن عطية: والذي يظهر أن الله تعالى علّم آدم الأسماء وعرضهنّ عليه مع تلك الأجناس بأشخاصها، ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها، ثم إن آدم قال لهم: هذا ٱسمه كذا، وهذا ٱسمه كذا. وقال الماوَرْدِيّ: وكان الأصح توجّه العرض إلى المسمّين. ثم في زمن عرضهم قولان: أحدهما أنه عرضهم بعد أن خلقهم. الثاني: أنه صوّرهم لقلوب الملائكة ثم عرضهم. الخامسة: وٱختلف في أوّل من تكلم باللسان العربيّ؛ فرُوِيَ عن كَعب الأحبار: أن أوّلَ مَن وضع الكتاب العربيّ والسُّرْيانيّ والكتبَ كلّها وتكلّم بالألسنة كلّها آدم عليه السلام. وقاله غير كعب الأحبار. فإن قيل: قد روي عن كعب الأحبار من وجه حَسَن قال: أوّل مَن تكلّم بالعربية جبريل عليه السلام وهو الذي ألقاها على لسان نوح عليه السلام وألقاها نوح على لسان ٱبنه سام؛ ورواه ثَور بن زيد عن خالد بن مَعْدان عن كعب. ورُوي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : أول مَن فتق لسانه بالعربية المبيّنة إسماعيل وهو ٱبن عشر سنين»تفسير : . وقد رُوي أيضاً: أن أوّل مَن تكلّم بالعربية يَعْرُب بن قَحْطان، وقد روي غير ذلك. قلنا: الصحيح أن أوّل مَن تكلّم باللغات كلّها من البشر آدمُ عليه السلام، والقرآن يشهد له؛ قال الله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} واللّغات كلّها أسماء فهي داخلة تحته وبهذا جاءت السنة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : وعلّم آدم الأسماء كلّها حتى القَصْعَة والقُصَيعة»تفسير : وما ذكروه يحتمل أن يكون المراد به أوّل من تكلم بالعربيّة من ولد إبراهيم عليه إسماعيلُ عليه السلام. وكذلك إن صح ما سواه فإنه يكون محمولاً على أن المذكور أوّل من تكلّم من قبيلته بالعربية بدليل ما ذكرنا، والله أعلم. وكذلك جبريل أوّل من تكلم بها من الملائكة وألقاها على لسان نوح بعد أن علّمها الله آدم أو جبريل؛ على ما تقدّم، والله أعلم. قوله تعالى: {هَـٰؤُلاۤءِ} لفظ مبنيّ على الكسر. ولغة تَمِيم وبعض قيس وأَسَد فيه القصر؛ قال الأعشى:شعر : هَؤُلاَء ثم هَؤُلاَ كلاًّ أعطيـ ـتَ نِعالاً مَحْذُوّةً بمثالِ تفسير : ومن العرب من يقول: هولاء؛ فيحذف الألف والهمزة. السادسة: قوله تعالى: {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} شرطٌ، والجواب محذوفٌ تقديره: إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبئوني؛ قاله المبرّد. ومعنى «صادقين» عالمين؛ ولذلك لم يسغ للملائكة الاجتهاد وقالوا: «سبحانك»ٰ حكاه النقاش قال: ولو لم يشترط عليهم إلا الصدق في الإنباء لجاز لهم الاجتهاد كما جاز للذي أماته الله مائة عام حين قال له: {كَمْ لَبِثْتَ} فلم يشترط عليه الإصابة، فقال ولم يُصب ولم يُعنَّف؛ وهذا بيّن لا خفاء فيه. وحكى الطبري وأبو عبيد: أن بعض المفسرين قال إن معنى «إن كنتم»: إذ كنتم، وقالا: هذا خطأ. و «أَنْبِئُونِي» معناه أخبروني. والنبأ: الخبر؛ ومنه النبيء بالهمز، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. السابعة: قال بعض العلماء: يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليف ما لا يطاق لأنه علم أنهم لا يعلمون. وقال المحققون من أهل التأويل: ليس هذا على جهة التكليف وإنما هو على جهة التقرير والتوقيف. وسيأتي القول في تكليف ما لا يطاق ـ هل وقع التكليف به أم لا ـ في آخر السورة، إن شاء الله تعالى.

البيضاوي

تفسير : {وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلأَسْمَاء كُلَّهَا} إما بخلق علم ضروري بها فيه، أو إلقاء في روعه، ولا يفتقر إلى سابقة اصطلاح ليتسلسل. والتعليم فعل يترتب عليه العلم غالباً، ولذلك يقال علمته فلم يتعلم. و {ءادَمَ } اسم أعجمي كآزر وشالخ، واشتقاقه من الأُدْمة أو الأَدْمة بالفتح بمعنى الأسوة، أو من أديم الأرض لما روي عنه عليه الصلاة والسلام «حديث : أنه تعالى قبض قبضة من جميع الأرض سهلها وحزنها فخلق منها آدم»تفسير : فلذلك يأتي بنوه أخيافاً، أو من الأدم أو الأدمة بمعنى الألفة، تعسف كاشتقاق إدريس من الدرس، ويعقوب من العقب، وإبليس من الإبلاس. والاسم باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشيء ودليلاً يرفعه إلى الذهن مع الألفاظ والصفات والأفعال، واستعماله عرفاً في اللفظ الموضوع لمعنى سواء كان مركباً أو مفرداً مخبراً عنه أو خبراً أو رابطة بينهما. واصطلاحاً: في المفرد الدال على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة. والمراد في الآية إما الأول أو الثاني وهو يستلزم الأول، لأن العلم بألفاظ من حيث الدلالة متوقف على العلم بالمعاني، والمعنى أنه تعالى خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة، مستعداً لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات، والمتخيلات والموهومات. وألهمه معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأسمائها وأصول العلوم وقوانين الصناعات وكيفية آلاتها. {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰئِكَةِ} الضمير فيه للمسميات المدلول عليها ضمناً إذ التقدير أسماء المسميات، فحذف المضاف إليه لدلالة المضاف عليه وعوض عنه اللام كقوله تعالى: {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً } تفسير : [مريم: 4] لأن العرض للسؤال عن أسماء المعروضات فلا يكون المعروض نفس الأشياء سيما إن أريد به الألفاظ، والمراد به ذوات الأشياء، أو مدلولات الألفاظ، وتذكيره ليغلب ما اشتمل عليه من العقلاء، وقرىء عرضهن وعرضها على معنى عرض مسمياتهن أو مسمياتها. {فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاء} تبكيت لهم وتنبيه على عجزهم عن أمر الخلافة، فإن التصرف والتدبير إقامة المعدلة قبل تحقق المعرفة، والوقوف على مراتب الاستعدادات وقدر الحقوق محال، وليس بتكليف ليكون من باب التكليف بالمحال، والإنباء: إخبار فيه إعلام، ولذلك يجري مجرى كل واحد منهما. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} في زعمكم أَنكُم أَحقاء بالخلافة لعصمتكم، أو أن خلقهم واستخلافهم وهذه صفتهم لا يليق بالحكيم، وهو وإن لم يصرحوا به لكنه لازم مقالهم. والتصديق كما يتطرق إلى الكلام باعتبار منطوقه قد يتطرق إليه بفرض ما يلزم مدلوله من الأخبار، وبهذا الاعتبار يعتري الإنشاءات.

ابن كثير

تفسير : هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة بما اختصه من علم أسماء كل شيء دونهم، وهذا كان بعد سجودهم له،وإنما قدم هذا الفصل على ذلك لمناسبة ما بين المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة حين سألوا عن ذلك، فأخبرهم تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون، ولهذا ذكر الله هذا المقام عقيب هذا؛ ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم، فقال تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} قال السدي عمن حدثه عن ابن عباس: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} قال: علمه أسماء ولده إنساناً إنساناً، والدواب، فقيل: هذا الحمار، هذا الجمل، هذا الفرس، وقال الضحاك عن ابن عباس: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} قال: هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان ودابة وسماء وأرض وسهل وبحر وخيل وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها، وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث عاصم بن كليب عن سعيد بن معبد عن ابن عباس {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} قال: علمه اسم الصحفة والقدر، قال: نعم، حتى الفسوة والفسية، وقال مجاهد: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} قال: علمه اسم كل دابة، وكل طير، وكل شيء، كذلك روي عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من السلف أنه علمه أسماء كل شيء، وقال الربيع في رواية عنه: أسماء الملائكة. وقال حميد الشامي: أسماء النجوم. وقال عبد الرحمن بن زيد: علمه أسماء ذريته كلهم، واختار ابن جرير أنه علمه أسماء الملائكة، وأسماء الذرية؛ لأنه قال: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} وهذا عبارة عما يعقل، وهذا الذي رجح به ليس بلازم، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم، ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب؛ كما قال تعالى {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ أَرْبَعٍ يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ}تفسير : [النور: 45] وقد قرأ عبد الله بن مسعود: ثم عرضهن، وقرأ أبي بن كعب: ثم عرضها، أي: المسميات. والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها؛ ذواتها وصفاتها وأفعالها؛ كما قال ابن عباس، حتى الفسوة والفسية، يعني: أسماء الذوات والأفعال، المكبر والمصغر، ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية في كتاب التفسير من صحيحه: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا هشام عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، وقال لي خليفة: حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم، فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، ويذكر ذنبه، فيستحي، ائتوا نوحاً؛ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحي. فيقول: ائتوا خليل الرحمن، فيأتونه، فيقول: لست هناكم، فيقول: ائتوا موسى؛ عبداً كلمه الله وأعطاه التوراة، فيقول: لست هناكم. ويذكر قتل النفس بغير نفس، فيستحي من ربه، فيقول: ائتوا عيسى؛ عبد الله ورسوله وكلمة الله وروحه، فيأتونه، فيقول: لست هناكم، ائتوا محمداً؛ عبداً غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيأتوني، فأنطلق حتى أستأذن على ربي، فيأذن لي، فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء الله، ثم يقال: ارفع رأسك، وسل تعطه، وقل يسمع، واشفع تشفع، فأرفع رأسي، فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع، فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة، ثم أعود إليه، فإذا رأيت ربي مثله، ثم أشفع، فيحد لي حداً، فأدخلهم الجنة، ثم أعود الثالثة، ثم أعود الرابعة، فأقول: ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود»تفسير : هكذا ساق البخاري هذا الحديث ههنا، وقد رواه مسلم والنسائي من حديث هشام، وهو ابن أبي عبد الله الدستوائي عن قتادة به، وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث سعيد، وهو ابن أبي عروبة، عن قتادة، ووجه إيراده ههنا، والمقصود منه، قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : فيأتون آدم، فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء"تفسير : . فدل هذا على أنه علمه أسماء جميع المخلوقات، ولهذا قال: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰئِكَةِ} يعني: المسميات؛ كما قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، قال: ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة {فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاَۤءِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} وقال السدي في تفسيره عن أبي مالك، وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}، ثم عرض الخلق على الملائكة. وقال ابن جريج عن مجاهد: ثم عرض أصحاب الأسماء على الملائكة. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثني الحجاج عن جرير بن حازم ومبارك بن فضالة عن الحسن وأبي بكر عن الحسن وقتادة قالا: علمه اسم كل شيء، وجعل يسمي كل شيء باسمه، وعرضت عليه أمة أمة. وبهذا الإسناد عن الحسن وقتادة في قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} إني لم أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين. وقال الضحاك عن ابن عباس: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}: إن كنتم تعلمون أني لم أجعل في الأرض خليفة. وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض، ويسفكون الدماء. وقال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك تأويل ابن عباس ومن قال بقوله، ومعنى ذلك: فقال: أنبئوني بأسماء من عرضته عليكم أيها الملائكة القائلون: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، من غيرنا أم منا، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، إن كنتم صادقين في قيلكم: إني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عصاني وذريته، وأفسدوا وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس، فإذا كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضت عليكم، وأنتم تشاهدونهم، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد أحرى أن تكونوا غير عالمين { قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} هذا تقديس وتنزيه من الملائكة لله تعالى أن يحيط أحد بشيء من علمه إلا بما شاء، وأن يعلموا شيئاً إلا ما علمهم الله تعالى، ولهذا قالوا: { سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} أي: العليم بكل شيء، الحكيم في خلقك وأمرك، وفي تعليمك من تشاء، ومنعك من تشاء، لك الحكمة في ذلك والعدل التام. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا حفص بن غياث عن حجاج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس: سبحان الله، قال: تنزيه الله نفسه عن السوء، ثم قال عمر لعلي، وأصحابه عنده: لا إله إلا الله قد عرفناه، فما سبحان الله؟ فقال له علي: كلمة أحبها الله لنفسه، ورضيها، وأحب أن تقال. قال: وحدثنا أبي حدثنا ابن نفيل حدثنا النضر بن عربي قال: سأل رجل ميمون بن مهران عن سبحان الله، قال: اسم يعظم الله به، ويحاشى به من السوء. قوله تعالى: { قَالَ يَـاءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِم قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} قال زيد بن أسلم: قال: أنت جبرائيل، أنت ميكائيل، أنت إسرافيل، حتى عدد الأسماء كلها حتى بلغ الغراب، وقال مجاهد في قول الله {قَالَ يَـاءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ} قال: اسم الحمامة، والغراب، واسم كل شيء. وروي عن سعيد بن جبير والحسن وقتادة نحو ذلك، فلما ظهر فضل آدم عليه السلام على الملائكة عليهم السلام في سرده ما علمه الله تعالى من أسماء الأشياء، قال الله تعالى للملائكة: {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} أي: ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخْفَى}تفسير : [طه: 7] وكما قال إخباراً عن الهدهد أنه قال لسليمان: {أية : أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ ٱلَّذِى يُخْرِجُ ٱلْخَبْءَ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ } تفسير : [النمل: 25 - 26] وقيل في قوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} غير ما ذكرناه، فروى الضحاك عن ابن عباس {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} قال: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار. وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة، قال: قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء الآية، فهذا الذي أبدوا {وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} يعني: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر، وكذلك قال سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري. واختار ذلك ابن جرير. وقال أبو العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة: هو قولهم: لم يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أعلم منه، وأكرم عليه منه. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} فكان الذي أبدوا هو قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ وكان الذي كتموا بينهم هو قولهم: لن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أعلم منه وأكرم، فعرفوا أن الله فضل عليهم آدم في العلم والكرم. وقال ابن جرير: حدثنا يونس حدثنا ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قصة الملائكة وآدم: فقال الله للملائكة: كما لم تعلموا هذه الأسماء، فليس لكم علم، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمته، فكذلك أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يطيعني، قال: وقد سبق من الله: {أية : لأَمْلاََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ}تفسير : [هود: 119] قال: ولم تعلم الملائكة ذلك، ولم يدروه، فقال: فلما رأوا ما أعطى الله آدم من العلم، أقروا له بالفضل. وقال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك قول ابن عباس، وهو أن معنى قوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} وأعلم مع علمي غيب السموات والأرض، وما تظهرونه بألسنتكم ما كنتم تخفون في أنفسكم، فلا يخفى علي أي شيء، سواء عندي سرائركم وعلانيتكم. والذي أظهروه بألسنتهم قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها؟ والذي كانوا يكتمون ما كان عليه منطوياً إبليس من الخلاف على الله في أوامره، والتكبر عن طاعته، قال: وصح ذلك؛ كما تقول العرب: قتل الجيش وهزموا، وإنما قتل الواحد أو البعض، وهزم الواحد أو البعض، فيخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم؛ كما قال تعالى: {أية : إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَٰتِ}تفسير : [الحجرات: 4] ذكر أن الذي نادى إنما كان واحداً من بني تميم، قال: وكذلك قوله: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلاسْمَاءَ } أي: أسماء المسميات {كُلَّهَا } القصعه والقُصَيْعَة والفسوة والفُسيَّة والمِغْرَفَة بأن ألقى في قلبه علمها {ثُمَّ عَرَضَهُمْ } أي المسميات وفيه تغليب العقلاء {عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ فَقَالَ } لهم تبكيتاً {أَنبِئُونِى } أخبروني {بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ } المسميات {إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ } في أني لا أخلق أعلم منكم أو: أنكم أحق بالخلافة وجواب الشرط دل عليه ما قبله.

الشوكاني

تفسير : {آدم} أصله: أأدم بهمزتين، إلا أنهم ليَّنُوا الثانية، وإذا حركت قلبت واو، كما قالوا في الجمع أوادم، قاله الأخفش. واختلف في اشتقاقه؛ فقيل: من أديم الأرض، وهو وجهها. وقيل: من الأدمة، وهي: السمرة. قال في الكشاف: وما آدم إلا اسم عجميّ، وأقرب أمره أن يكون على فاعل كآزر، وعازر، وعابر، وشالخ، وفالغ، وأشباه ذلك. و{ٱلأسْمَاء } هي العبارات، والمراد: أسماء المسميات، قال بذلك أكثر العلماء، وهو المعنى الحقيقي للاسم. والتأكيد بقوله: {كُلَّهَا} يفيد أنه علمه جميع الأسماء، ولم يخرج عن هذا شيء منها كائناً ما كان. وقال ابن جرير: إنها أسماء الملائكة وأسماء ذرية آدم، ثم رجع هذا، وهو غير راجح. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أسماء الذرية. وقال الربيع بن خيثم: أسماء الملائكة. واختلف أهل العلم: هل عرض على الملائكة المسميات، أو الأسماء؟ والظاهر الأوّل؛ لأن عرض نفس الأسماء غير واضح. وعرض الشيء: إظهاره، ومنه عرض الشيء للبيع. وإنما ذكر ضمير المعروضين تغليباً للعقلاء على غيرهم. وقرأ ابن مسعود: «عَرضهنّ» وقرأ أبَي: «عرضها» وإنما رجع ضمير "عرضهم" إلى مسميات مع عدم تقدم ذكرها؛ لأنه قد تقدّم ما يدل عليها، وهو: أسماؤها. قال ابن عطية: والذي يظهر أن الله علَّم آدم الأسماء، وعرض عليه مع ذلك الأجناس أشخاصاً، ثم عرض تلك على الملائكة، وسألهم عن أسماء مسمياتها التي قد تعلمها آدم، فقال لهم آدم: هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا. قال الماوردي: فكان الأصح توجه العرض إلى المسمين. ثم في زمن عرضهم قولان: أحدهما: أنه عرضهم بعد أن خلقهم. الثاني أنه صوّرهم لقلوب الملائكة، ثم عرضهم. وأما أمره سبحانه للملائكة بقوله: {أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } فهذا منه تعالى لقصد التبكيت لهم مع علمه بأنهم يعجزون عن ذلك. والمراد {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبؤني، كذا قال المبرد،. وقال أبو عبيد، وابن جرير: إن بعض المفسرين قال: معنى {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ }إذ كنتم، قالا: وهذا خطأ. ومعنى {أنبئوني} أخبروني. فلما قال لهم ذلك اعترفوا بالعجز، والقصور: {سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا}. وسبحان منصوب على المصدرية عند الخليل وسيبويه، وقال الكسائي: هو منصوب على أنه منادى مضاف، وهذا ضعيف جداً. والعليم للمبالغة والدلالة على كثرة المعلومات. والحكيم: صيغة مبالغة في إثبات الحكمة له. ثم أمر الله سبحانه آدم أن يعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة فعجزوا، واعترفوا بالقصور، ولهذا قال سبحانه {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ } الآية. قال فيما تقدم {أية : أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 30] ثم قال هنا {أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضِ } تدرّجاً من المجمل إلى ما هو مبين بعض بيان، ومبسوط بعض بسط، وفي اختصاصه بعلم غيب السموات، والأرض ردّ لما يتكلفه كثير من العباد من الإطلاع على شيء من علم الغيب كالمنجمين، والكهان، وأهل الرمل، والسحر، والشعوذة. والمراد بما يبدون، وما يكتمون: ما يظهرون، ويسرّون كما يفيده معنى ذلك عند العرب، ومن فسره بشيء خاص فلا يقبل منه ذلك إلا بدليل. وقد أخرج الفريابي، وابن سعد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس، قال: إنما سمي آدم، لأنه خلق من أديم الأرض. وأخرج نحوه عبد بن حميد، وابن جرير، عن سعيد بن جبير. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلاسْمَاء كُلَّهَا } قال: علمه اسم الصحفة، والقدر، وكل شيء. وأخرج ابن جرير، عنه نحوه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عنه في تفسير الآية قال: عرض عليه أسماء ولده إنساناً إنساناً، والدواب، فقيل هذا الجمل، هذا الحمار، هذا الفرس. وأخرج الحاكم في تاريخه، وابن عساكر، والديلمي عن عطية بن بُشر مرفوعاً في قوله: {وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلأسْمَاء كُلَّهَا } قال: علم الله آدم في تلك الأسماء ألف حرفة من الحرف، وقال له: قل لأولادك، ولذريتك إن لم تصبروا عن الدّنيا، فاطلبوها بهذه الحرف، ولا تطلبوها بالدين، فإن الدين لي وحدي خالصاً، ويل لمن طلب الدنيا بالدين ويل له. وأخرج الديلمي عن أبي رافع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مثلت لي أمتي في الماء والطين، وعلمت الأسماء كلها كما علم آدم الأسماء كلها»تفسير : وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في تفسير الآية قال: أسماء ذريته أجمعين {ثُمَّ عَرَضَهُمْ } قال: أخذهم من ظهره. وأخرج عن الربيع بن أنس قال: أسماء الملائكة. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في الآية قال: هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس {ثُمَّ عَرَضَهُمْ } يعني عرض أسماء جميع الأشياء التي علمها آدم من أصناف الخلق. {فَقَالَ أَنبِئُونِى } يقول أخبروني {بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } إن كنتم تعلمون أني لم أجعل في الأرض خليفة {قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ } تنزيها الله من أن يكون يعلم الغيب أحد غيره تبنا إليك {لاَ عِلْمَ لَنَا } تبرؤا منهم من علم الغيب {إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } كما علمت آدم. وأخرج ابن جرير، عن مجاهد قال: عرض أصحاب الأسماء على الملائكة. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ } قال: العليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمه. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود، وناس من الصحابة في قوله: {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أن بني آدم يفسدون في الأرض، ويسفكون الدماء {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } قال: قولهم {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}، {وَمَا كُنْتَم تَكْتُمُونَ} يعني: ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبر. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس قال: {مَا تُبْدُونَ } ما تظهرون {وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } يقول: أعلم السرّ كما أعلم العلانية.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} في تسميته بآدم قولان: أحدهما: أنه سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، وأديمها هو وجهها الظاهر، وهذا قول ابن عباس، وقد رَوَى أبو موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إِنَّ اللهَ تعالى خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ، قَبَضَها مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمُ الأَحْمَرُ، وَالأَسوَدُ، وَالأبْيَضُ، وَالسَهْلُ، وَالخَبِيْثُ، وَالطَّيِّبُ". تفسير : والثاني: أنه مأخوذ من الأدمة، وهي اللون. وفي الأسماء التي علَّمها الله تعالى آدَمَ، ثلاثة أقْوَالٍ: أحدها: أسماء الملائكة. والثاني: أسماء ذريته. والثالث: أسماء جميع الأشياء، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، ومجاهد. ثم فيه وجهان: أحدهما: أن التعليم إنما كان مقصوراً على الاسم دون المعنى. والثاني: أنه علمه الأسماء ومعانيها، إذ لا فائدة في علم الأسماء بلا معاني، فتكون المعاني هي المقصودة، والأسماءُ دلائل عليها. وإذا قيل بالوجه الأول، أن التعليم إنما كان مقصوراً على ألفاظ الأسماء دون معانيها، ففيه وجهان: أحدهما: أنه علمه إياها باللغة، التي كان يتكلم بها. والثاني: أنه علمه بجميع اللغات، وعلمها آدمُ ولده، فلما تفرقوا تكلم كل قوم منهم بلسان استسهلوه منها وأَلِفُوه، ثم نسوا غيره فتطاول الزمن، وزعم قوم أنهم أصبحوا وكل منهم يتكلمون بلغةٍ قد نسوا غيرها في ليلة واحِدةٍ، ومثل هذا في العُرْفِ ممتنع. قوله عز وجلَّ: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ على الْمَلاَئِكَةِ} وفيما عرضه عليهم قولان: أحدهما: أنه عرض عليهم الأسماء دون المسميات. والثاني: أنه عرض عليهم المُسَمَّيْنَ بها. وفي حرف ابن مسعود: {وَعَرَضَهُنَّ} وفي حرف أُبَيٍّ: {وَعَرَضَهَا} فكان الأصح توجه العرض إلى المُسَمًّيْنَ. ثم في زمان عرْضِهِم قولان: أحدهما: أنه عرضهم بعد أن خلقهم. والثاني: أنه صورهم لقلوب الملائكة، ثم عرضهم قبل خلقهم. {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ومعنى أنبئوني خبروني مأخوذ من الإنباء، وفي الإنباء قولان: أَظْهَرُهُمَا: أنه الإخبار، والنبأ الخبر، والنبيء بالهمز مشتق من هذا. والثاني: أن الإنباء الإعلام، وإنما يستعمل في الإخبار مجازاً. وقوله: {بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ} يعني الأسماءَ الَّتي علمها آدم. وفي قوله تعالى: {إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} ستة أقاويل: أحدها: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خَلْقاً إلا كنتم أعلم منه؛ لأنه هجس في نفوسهم أنهم أعلم من غيرهم. والثاني: إن كنتم صادقين فيما زعمتم أن خُلَفَائي يفسدون في الأرض. والثالث: إن كنتم صادقين أني إنِ استخلفتكم فيها سبَّحْتموني وقَدَّسْتُمُوني، فإن استخلفت غيركم فيها عصاني. والرابع: إن كنتم صادقين فيما وقع في نفوسكم، أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أفضل منه. والخامس: معنى قوله: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أي عالمين. والسادس: أن معناه إن كنتم صادقين. قوله عز وجل: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}العليم: هو العالم من غير تعليم، وفي "الحكيم" ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه المُحْكِمُ لأفعاله. والثاني: أنه المانع من الفساد، ومنه سميت حَكَمَةُ اللجام، لأنها تمنع الفرس من الجري الشديد، وقال جرير: شعر : أبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ إِنِّي أخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أغْضَبَا تفسير : أي امنعوهم. والثالث: أنه المُصِيبُ للحقِّ، ومنه سمي القاضي حاكماً، لأنه يصيب الحق في قضائه، وهذا قول أبي العباس المبرد. قوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}: {مَا تُبْدُونَ} هو قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ}، وفي {مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} قولان: أحدهما: ما أسرَّه إبليس من الكبر والعصيان، وهذا قول ابن عباس، وابن مسعود. والثاني: أن الذي كتموه: ما أضمروه في أنفسهم أن الله تعالى لا يخلق خلقاً إلاَّ كانوا أكرمَ عليه منه، وهو قول الحسن البصري.

ابن عبد السلام

تفسير : {ءَادَمَ} سُمي به، لأنه خلق من أديم الأرض: "وهو وجهها الظاهر"، أو أُخذ من الأُدمة. {الأَسْمَآءَ} أسماء الملائكة، أو أسماء ذريته، أو أسماء كل شيء، عُلم الأسماء وحدها، أو الأسماء والمسميات، وعلى الأول علمها بلغته التي كان يتكلم بها، أو علمها بجميع اللغات، وعلمها آدم صلى الله عليه وسلم ولده فلما تفرقوا تكلمت كل طائفة بلسان ألفوه منها، ثم نسوا الباقي بتطاول الزمان، أو أصبحوا وقد تكلمت كل طائفة بلغة، ونسوا غيرها في ليلة واحدة، وهذا خارق. {عَرَضَهُمْ} الأسماء، أو المسمين على الأصح، وعرضهم بعد أن خلقهم، أو صورهم لقلوب الملائكة ثم عرضهم قبل خلقهم. {أَنبِئُونِى} أخبروني، مأخوذة من الإنباء، وهو الإخبار على الأظهر، أو الإعلام. {صَادِقِينَ} أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم منه، لأنه وقع لهم ذلك، أو فيما زعمتم أن الخليفة يفسد في الأرض، أو أني إن استخلفتكم سبحتم، وقدستم، وإن أستخلف غيركم عصى، أو أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أفضل منه، أو صادقين: عالمين.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا...} قال ابن عرفة: فيه دليل على أفضلية العلم، وأنه أشرف الأشياء، لأن الله تعالى جعل السبب في استحقاقه للخلافة كونه عالما مع وجود أن الملائكة شُرفوا بالقوة العملية وهي التسبيح والتقديس، ولكن القوة العملية لا تنفع إلاّ (بالعلم) وآدم أعلم منهم. وقال الله تعالى: {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} تفسير : ((فهو يتناول المخلوقات كلها إذ لا ينبغي الكمال إلا لله فهو المختص بالعلوم، وليس فوقه شيء. وجعل بعضهم عمومها مخصوصا (خوف) التسلسل)). والصواب أنها باقية على عمومها، والفوقية أمر اعتباري. فإذا نسبت بعض الطلبة إلى بعض تجد أحدهم أعلم بالفقه، وآخر أعلم منه بالنحو، وآخر بأصول الدين، فيصدق أن فوق كل ذي علم عليم (بالإطلاق). ولقد اختلف الأصوليون في (واضع) اللّغة على (تسعة) مذاهب: الأول: مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وابن فورك وأتباعهما أن الواضع هو الله تعالى وضعها، (ووقف عباده عليها) بأن علّمها بالوحي إلى بعض الأنبياء، أو خلق الأصوات والحروف في جسم وأسمع ذلك الجسم واحدا أو جماعة، أو خلق الأصوات والحروف في جسم وأسمع ذلك الجسم واحدا أو جماعة، أو خلق علما ضروريا لبعض الناس، (بأن واضعا) وضع تلك الألفاظ بإزاء تلك المعاني ثم الذي حصل له العلم بها علّم غيره كحال الوالدات مع (أولادهن) الثاني: أن الوضع اصطلاحي من الناس وهو مذهب أبي هاشم المعتزلي ومن وافقه. الثالث: قول الأستاذ أبي اسحاق الإسفراييني يعني أن البداية من الله (والتتمة) من الناس، وهو مذهب قوم، ونقل أيضا عنه قول آخر: إن القدر المحتاج إليه من الله وغيره محتمل نقله عنه الشيخ ابن الحاجب في مختصريه الكبير والصغير وشمس الدين الدمشقي والقول الذي قبله نقله عنه ابن الخطيب في المحصول وتاج الدين في (الحاصل) والقرافي. الرابع: أن البداية (من الله) (والتتمة) من الله وهو مذهب قوم. الخامس: مذهب عباد ابن سلمان الصّميري المعتزلي أن (الألفاظ) تدلّ على المعاني بذواتها دلالة طبيعية من غير وضع. قال ابن يونس في العتق الأول في فصل ما يلزم من ألفاظ العتق وما لا يلزم ما نصه: واختلفوا فيمن أراد أن يقول ادخلي الدار فقال: أنت حرة أو أنت طالق فقيل: يلزمه ولا يعذر بالغلط وقيل: لا يلزمه. قال ابن عرفة: القول باللّزوم لا يتم إلا على مذهب عباد (الصميري) الذي يجعل بين اللفظ ومدلوله مناسبة طبيعية. قال القرافي: عزاه (الآمدي) لأرباب علم التكسير وهم أهل علم الرياض في الهندسة والمساحة من فنون الحساب وهذا تفريع على مذهب من يعتقد أن الحروف مشتملة على (الحرارة) والبرودة والرطوبة واليبوسة والخواص الغريبة وأنها صالحة لمداواة الأمراض وأحداثها. السادس: للقاضي أبي بكر الباقلاني والإمام فخر الدين في المحصول الوقف في الجميع إلا في فساد مذهب عباد. قال القرافي في شرح المحصول: قال المازري فائدة الخلاف في هذه المسألة يقع في جواز قلب اللّغة أما ما يتعلق بالأحكام الشرعية فقلبه محرم اتفاقا وما لا تعلق له بالشرع. فإن قلنا: إن اللّغة توقيفية ممتنع تغيرها، وإن قلنا: اصطلاحية جاز تغيرها. وعلى القول بتجويز الأمرين وهو الوقف اختلفوا. فقال بعضهم: يجوز التغير ومنعه عبد الجليل الصابوني لاحتمال (التوقيف) (فإن الله) أوجب على السّامعين أن لا ينطقوا إلا بالموضوع الرّباني. وقال الغزالي في البسيط في كتاب النكاح: إذا أظهروا (الصدق) (البين) وعبروا بها عن ألف (الجمع) فيخرج جواز ذلك على كون اللّغة توقيفية أو اصطلاحية، انتهى. وقال ابن عبد النور في شرح الحاصل: منهم من قال: فائدة الخلاف لو سب أحد واضع اللغة وقال: هذه لغة سوء أو أن واضعها كذا، فإن قلنا أنها توقيفية (قتل) وإلا أدّب. وقال القاضي عبد الحميد بن أبي الدنيا: في شرح عقيدته ليس لهذا الاختلاف إلا فائدة واحدة وهي أنه إذا قال قائل: قتل فلان فلانا. فإن قلنا: إنه توقيف فيكون ذلك مجازا، وإن قلنا: اصطلاحا (فمن) لم يثبت (إلا فعل) الله يقول: أخطأ المصطلحون لأن القتل والإحياء وكل فعل إنما هو بخلق الله وهو القاتل. وأبطل ابن الحاجب وغيره مذهب عباد بأنه لو كان بين الاسم والمسمى ارتباط طبيعي لما صح وضع اللفظ لشيء ونقيضه على سبيل البدل، وقد وجدنا القرء موضوعا للطهر والحيض وهما نقيضان (أو ضدّان) على طرفي النقيض وليس بين الشيء وضدّه أو نقيضه مناسبة طبيعية وقال ابن الحاجب: احتج الأشعرية بدليلين أحدهما قوله تعالى {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} فأسند تعليمها ((إليه وكذلك الأفعال والحروف إذ لا قائل بالفرق ولو أنها كانت اصطلاحية لما أسند (تعليمها) إليه)) واعترض عليه بوجوه: الأول: أن ذلك (إعلام) لا تعليم أعني أنه فعل يصلح لأن ينشأ عنه العلم ولذلك يقال: علَّمته فتعلم (أو) لم يتعلّم. الثاني: أن المراد إيجاد العلم لكن المراد (تعلم) شيء ثبت باصطلاح قوم خلقهم الله قبل آدم فعلمه تلك الاصطلاحات السابقة كما يعلم أحدنا الطّلبة النحو والفقه (والطب). الثالث: لم (لا) يجوز أن يكون مراده الإعلام بحقائق الأشياء ومنافعها، مثل أن يعلّمه أن (حقيقة) الخيل (تصلح) لكذا، أو أنها (تصلح للركوب) (وللكرّ والفرّ) والجمل للحمولة ويعين ذلك قوله {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} ولو (أريد) الأسماء لقلل عرضها وأجاب الشّيخ ابن الحاجب عن الجميع بأن ذلك خلاف (الظاهر، لأن) الأصل (بالتعليم) إيجاد العلم (لا الإلهام) والأصل عدم اصطلاح سابق والمراد بالأسماء الألفاظ لا الحقائق لقوله جل ذكره: {أَنبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ} فأضاف الأسماء إلى هؤلاء، فلو كان المراد الحقائق للزم إضافة الشيء إلى نفسه والضمير في "عَرَضَهُمْ" للمسميات. قال ابن عطية: قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: أي علّمه اسم كل شيء من جميع المخلوقات. قال ابن عرفة: في هذه العبارة نظر. والصواب ان كان يبدل (المخلوقات بالمعلومات) ليدخل تحتها (المعدوم) الممكن والمستحيل فإنه قد علمه اسمه وليس مخلوقا لله. قال ابن عرفة: وهذا بناء على أن المراد بالاسم التسمية لا المسمى. قيل لابن عرفة: كيف فضل آدم عليهم مع أنّ الله علّمه ولم يعلمهم، وما كان تقوم الحجة عليهم إلا لو علّموا فلم يتعلّموا وعلّم آدم فتعلم؟ فقال في جوابه: هذا تفضيل من قبل ذات المعلم والتفضيل هنا وقع بالاختصاص من الله تعالى فقط قوله تعالى: {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. اقتضت الآية أن الثابت في نفس الأمور صدق ذلك وهو عدم صدقهم مع أنهم معصومون من الكذب وغيره. وأجيب بأن الكذب عندنا هو الخبر غير المطابق لما في نفس الأمر سواء كان عمدا أو سهوا. قال ابن عرفة: لا يحتاج إلى هذا (وكانوا يجيبون عن) السؤال بأن الأصل الذي (يعرض) فيه التصديق والتكذيب منتف عنهم فإنهم لا يجيبون بشيء، (فلم يعتقدوا) خبرا (حتى) يقال فيهم: إنّ اعتقادهم مخالف لما في نفس الأمر فيكون الإخبار عنه كذبا، أو موافقا فيكون الإخبار عنه صدقا (بوجه).

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {أنبؤني} وكذلك {خاطئون} و {خاسئين} و {فمالئون} و {نحن المنشئون} و {ليطفؤا} و {ليواطؤا} و {متكئين} و {قل استهزؤا} و {متكئاً} و {يستنبؤك} وبابه {بريأ} و {بريؤن} وبابه، وكهيئة وأشباه ذلك، ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو. {هؤلاء} ها بغير المد، أولاء بالمد: يزيد ويعقوب وأوقية ومصعب عن قالون. قال أبو إسحق: هما كلمتان لا بمدها ويمد أولاء. {هؤلاءان} بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر. وقرأ أبو عمرو والبزي من طريق الهاشمي بترك الهمزة الأولى وإثبات الثانية، وكذلك في المفتوحتين والمضمومتين. وقرأ يزيد وورش والقواص وسهل ويعقوب بإثبات الهمزة الأولى وتليين الثانية. وعن نافع: تليين الأولى وإثبات الثانية، وكذلك في المضمومتين. وأما في المفتوحتين فكأبي عمرو. {أنبئهم} عن ابن عامر روايتان: مهموزة مكسورة الهاء، وغير مهموزة مكسورة الهاء. الوقوف: {صادقين} (ه) {علمتنا} (ط) {الحكيم} (ه) {أنبئهم} (ج) {بأسمائهم} (ج) لمكان فاء التعقيب. {بأسمائهم} (لا) لأن "قال" جواب "فلما" {تكتمون}. التفسير: وفيه أبحاث: الأول: الأشعري والجبائي والكعبي على أن اللغات كلها توقيفية بمعنى أن الله تعالى خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني بدليل قوله تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها} {لا علم لنا إلا ما علمتنا} وهذا يدل على أن الملائكة وآدم لا يعلمون إلا بتعليم الله تعالى إياهم. وخالفهم أصحاب أبي هاشم الذاهبون إلى أن اللغات اصطلاحية وضعها البشر واحد أو جماعة. وحصل التعريف للباقين بالإشارة والقرائن كالأطفال فقالوا: المراد ألهمه وبعث داعيته على الوضع مثل {أية : وعلمناه صنعة لبوس لكم}تفسير : [الأنبياء: 80]. أي ألهمناه، أو المراد علمه ما سبق من اصطلاحات قوم كانوا قبل آدم. وأجيب بأن الأصل عدم العدول عن الظاهر: قالوا {ثم عرضهم} يدل على أن المراد بالأسماء المسميات، فإن عرض الأسماء غير معقول. فإذن المراد أسماء المسميات فعوض الألف واللام عن المضاف إليه كما في قوله {أية : واشتعل الرأس شيباً}تفسير : [مريم: 4] أي علمه أسماء كل ما خلق من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولده اليوم من العربية والفارسية والرومية وغيرها، وكان ولد آدم يتكلمون بهذه اللغات، فلما مات وتفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد بلغة واحدة معينة من تلك اللغات، فلما مات و تفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد بلغة واحدة معينة من تلك اللغات، فلما طالت المدة ومضت القرون نسوا سائر اللغات. ثم لا يبعد بل ينبغي أن يكون الله تعالى قد علمه مع ذلك صفات الأشياء ونعوتها وخواصها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية، لأن اشتقاق الاسم إما من السمة أو من السمو. فإن كان من السمة فالاسم هو العلامة وصفات الأشياء وخواصها دالة على ماهياتها وعلامة عليها، وإن كان من السمو فدليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء، فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول. وإنما قلنا ينبغي ذلك لأن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في معرفة أسمائها. ثم من الحقائق ما يتوقف إدراكها على آلة تدرك بها كالمبصرات والمسموعات وغيرها، فإذا كان لآدم تلك الآلات وقد عرفها بها، ولم يكن للملائكة ذلك لزم عجزهم. وأيضاً العربي لا يحسن منه أن يقول لغيره تكلم بلغتي، لأن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات، بل إن حصل التعليم حصل العلم بها وإلا فلا. أما العلم بحقائق الأشياء، فالعقل يتمكن من تحصيله فصح وقوع التحدي به. وإنما قيل {ثم عرضهم} بلفظ الذكور، لأن في جملة المسميات الملائكة والثقلين وهم العقلاء، فغلب الكامل على الناقص، والتذكير على التأنيث. ومن الناس من تمسك بقوله {أنبؤني بأسماء هؤلاء} على جواز تكليف ما لا يطاق وهو ضعيف، لأنه إنما استنبأهم مع علمه بعجزهم تبكيتاً لهم بدليل قوله {إن كنتم صادقين} أي في أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم منهم. وقيل: أي في قولكم إنه لا شيء مما يتعبد به الخلق إلا وأنتم تصلحون له وتقومون به وهو قول ابن عباس وابن مسعود. وقيل: أعلموني بأسماء هؤلاء إن علمتم أنكم تكونون صادقين في ذلك الإعلام. وقيل: أخبروني ولا تقولوا إلا حقاً وصدقاً، فيكون الغرض منه التوكيد لما نبههم عليه من القصور لأنه متى تمكن في أنفسهم العلم بأنهم إن أخبروا لم يكونوا صادقين ولا لهم إليه سبيل، لم يجترءوا على الجواب. ثم إن الذين اعتقدوا معصية الملائكة في قولهم {أتجعل} قالوا: إنهم لما عرفوا خطأهم تابوا واعتذروا بقولهم {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا} والذين أنكروا معصيتهم قالوا: إنهم قالوا ذلك على وجه الاعتراف بالعجز التسليم كأنهم قالوا: لا نعلم إلا ما علمتنا، فإذا لم تعلمنا ذلك فكيف نعلمه؟ أو أنهم إنما قالوا {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : [البقرة: 30] لأن الله تعالى أعلمهم ذلك. فكأنهم قالوا: إنك علمتنا أنهم يفسدون في الأرض فقلنا لك: أتجعل. وأما هذه الأسماء فإنك ما علمتنا فكيف نعلمها؟ ومعنى سبحانك نسبحك تسبيحاً أي ننزهك تنزيهاً وهو مصدر غير متصرف أي لا يستعمل إلا محذوف الفعل منصوباً على المصدرية، فإذا استعمل غير مضاف كان "سبحان" علماً للتسبيح، فإن العلمية كما تجري في الأعيان تجري في المعاني. قالت المعتزلة ههنا: المراد أنه لا علم لنا إلا من جهتك إما بالتعليم وإما بنصب الأدلة. وقالت الأشاعرة: بل الجميع بالتعليم لأن المؤثر في وجود العلم ليس هو ذات الدليل بل النظر في الدليل، وأنه يستند إلى توفيق الله تعالى وتسهيله. ثم احتج أهل الإسلام بالآية، أنه لا سبيل إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله، وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم النجوم والكهانة. وللمنجم أن يقول للمعتزلي: إذا فسرت التعليم بوضع الدليل فعندي حركات النجوم دلائل خلقها الله تعالى على أحوال هذا العالم، فيكون من جملة ما علمه الله تعالى أنك أنت العليم بكل المعلومات، فأمكنك تعليم آدم الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه. وعن ابن عباس: أن مراد الملائكة من الحكيم أنه هو الذي حكم بجعل آدم خليفة في الأرض. وقوله {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض} استحضار لقوله تعالى لهم {إني أعلم ما لا تعلمون} إلا أنه تعالى جاء به على وجه أبسط وأشرح، فيندرج فيه علمه بأحوال آدم قبل أن خلقه. وفيه دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها، فيبطل مذهب هشام ابن الحكم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وقوعها. وقد روى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود أنه يريد بقوله {ما تبدون} قولهم {أتجعل فيها من يفسد فيها} وبقوله {وما كنتم تكتمون} ما أسر إبليس في نفسه من الكفر والكبر وأن لا يسجد. وقيل: لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً فقالوا: ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه، فهذا هو الذي كتموه. ويجوز أن يكون هذا القول منهم سراً أسروه بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان. والظاهر أنه عام كقوله {أية : إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون}تفسير : [الأنبياء: 11] {أية : إنه يعلم الجهر وما يخفى}تفسير : [الأعلى: 7]. البحث الثاني: قالت المعتزلة: ما ظهر من آدم معجز دل على نبوته في ذلك الوقت فكان مبعوثاً إلى حواء أو إلى من توجه التحدي إليهم، لأنهم كانوا رسلاً فقد يجوز الإرسال إلى الرسل كبعثة إبراهيم إلى لوط صلى الله عليه وسلم واحتجوا بأن حصول ذلك العلم له ناقض العادة ومنع بأن حصول العلم بالأسماء لمن علمه الله، وعدم حصوله لمن لم يعلمه ليس بناقض للعادة. وأيضاً أهم علموا أن تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو لا؟ فإن علموا فقد قدروا على المعارضة وإلا فكيف عرفوا أن آدم أصاب فيما ذكر، اللهم إلا أن يقال: إن لكل صنف منهم لغة من تلك اللغات، ثم إن جميع الأصناف حضروا وإن آدم عرض عليهم جميع تلك اللغات فكان معجزاً، أو يقال: إنه تعالى عرفهم قبل أن يسمعوا من آدم تلك الأسماء فاستدلوا به على صدق آدم. والظاهر أنهم قد عرفوا صدقه بتصديق الله تعالى إياه، ولئن سلم أنه ظهر منه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا جائزان؟ القاطعون بأنه عليه السلام ما كان نبياً في ذلك الوقت قالوا: صدرت الكبيرة منه بعد ذلك، والإقدام عليها يوجب الطرد والتحقير، فوجب أن تكون النبوة متأخرة عنها، كيف وقد قال عز من قائل {أية : ثم اجتباه ربه}تفسير : [طه: 122] والرسالة هي الاجتباء، فيكون بعد الزلة. وأيضاً لو كان رسولاً، فإن لم يكن مبعوثاً إلى أحد فلا فائدة، وإن كان مبعوثاً فإما إلى الملائكة - وهم أفضل من البشر عند المعتزلة - ولا يجوز جعل الأدون رسولاً إلى الأشرف، وإن المرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن {أية : ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً}تفسير : [الأنعام: 9] وإما إلى الأنس، ولا إنسان إلا حواء، وإنها عرفت التكليف لا بواسطة آدم بدليل {أية : ولا تقربا هذه الشجرة} تفسير : [البقرة: 35] وإما إلى الجن، وما كان في السماء أحد من الجن. البحث الثالث: في فضل العلم: لو كان في الإمكان شيء أشرف من العلم لأظهر الله تعالى فضل آدم بذلك الشيء، ومما يدل على فضيلته الكتاب والسنة والمعقول. أما الكتاب فمن ذلك ما يروى عن مقاتل، أن الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها مواعظ القرآن {أية : وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به}تفسير : [البقرة: 231] وثانيها الحكمة بمعنى الفهم والعلم {أية : وآتيناه الحكم صبيا} تفسير : [مريم: 12] {أية : ولقد آتينا لقمان الحكمة} تفسير : [لقمان: 12] وثالثها الحكمة بمعنى النبوة {أية : فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة}تفسير : [النساء: 54] ورابعها القرآن {أية : يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثير} تفسير : [البقرة: 269] وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم. ومن ذلك أنه تعالى فرق بين سبعة نفر في كتابه {أية : قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}تفسير : [الزمر: 9] {أية : قل لا يستوي الخبيث والطيب} تفسير : [المائدة: 100] {أية : لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة}تفسير : [الحشر: 20] {أية : وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات} تفسير : [فاطر: 19 - 22] فإذا تأملت وجدت كل ذلك مأخوذاً من الفرق بين العالم والجاهل. ومن ذلك قوله {أية : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} تفسير : [النساء: 59] أي العلماء في أصح الأقوال، لأن الملوك يجب عليهم طاعة العلماء. ولا ينعكس {أية : شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم} تفسير : [آل عمران: 18] جعلهم في الآيتين في المرتبة الثالثة، ثم زاد في الإكرام فجعلهم في المرتبة الثانية {أية : وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم} تفسير : [آل عمران: 7] {أية : قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} تفسير : [الرعد: 43] ومن ذلك قوله تعالى {أية : يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} تفسير : [المجادلة: 11] ومن ذلك وصفهم بالإيمان {أية : والراسخون في العلم يقولون آمنا به} تفسير : [آل عمران: 7] وبشهادة التوحيد {أية : شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم} تفسير : [آل عمران: 18] وبالبكاء والسجود والخشوع {أية : إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرّون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً} تفسير : [الإسراء: 107 - 109] وبالخشية {أية : إنما يخشى الله من عباده العلماء}تفسير : [فاطر: 28]. وأما الأخبار فمنها ما رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين، فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب العالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنة، وبنى له بكل قدم مدينة في الجنة، ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له، ويمسي ويصبح مغفوراً له، وشهدت الملائكة لهم بأنهم عتقاء الله من النار"تفسير : وعن أنس أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال"حديث : من طلب العلم لغير الله لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله، ومن طلب العلم لله فهو كالصائم نهاره والقائم ليله، وإن باباً من العلم يتعلمه الرجل خير له من أن يكون له أبو قبيس ذهباً فينفقه في سبيل الله" تفسير : وعن الحسن مرفوعاً "من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام كان بينه وبين الأنبياء درجة في الجنة" وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : رحمة الله على خلفائي فقيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله"تفسير : وعن أبي موسى الأشعري مرفوعاً "يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول: يا معشر العلماء إني لم أضع نوري فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم، انطلقوا فقد غفرت لكم" وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : معلم الخير إذا مات بكى عليه طير السماء ودواب الأرض وحيتان البحر" تفسير : وعن أبي هريرة مرفوعاً "من صلى خلف عالم من العلماء فكأنما صلى خلف نبي من الأنبياء" وعن ابن عمر مرفوعاً "فضل العالم على العابد بسبعين درجة بين كل درجة حضر الفرس سبعين عاماً" وذلك أن الشيطان يضع البدعة للناس فيبصرها العالم ويزيلها والعابد يقبل على عبادته لا يتوجه إليها ولا يتعرف لها. وقال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: "حديث : لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما تطلع عليه الشمس أو تغرب"تفسير : وعن ابن مسعود مرفوعاً "من طلب العلم ليحدث به الناس ابتغاء وجه الله أعطاه الله أجر سبعين نبياً" وعن عامر الجهني مرفوعاً "يؤتى بمداد العلماء ودم الشهداء يوم القيامة لا يفضل أحدهما على الآخر" وفي رواية "فيرجح مداد العلماء" وعن أبي واقد الليثي حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر. فأما أحدهم فرأى فرجة في الحلقة فجلس إليها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فإنه رجع وفر. فلما فرغ صلى الله عليه وسلم من كلامه قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ فأما الأول فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه.تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء"تفسير : قال الراوي: فأعظم بمرتبة هي الواسطة بين النبوة والشهادة. وعن أبي هريرة مرفوعاً "حديث : إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له بالخير"تفسير : وعن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إذا سألتم الحوائج فاسألوها الناس. قيل: يا رسول الله ومن الناس؟ قال صلى الله عليه وسلم: أهل القرآن. قيل: ثم من؟ قال: أهل العلم. قيل: ثم من؟ قال صلى الله عليه وسلم: صباح الوجوه"تفسير : قال الراوي: والمراد بأهل القرآن من يحفظ معانيه. وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك"تفسير : قال الراوي: وجه التوفيق بين هذه الرواية وبين الرواية الأخرى "الناس رجلان عالم ومتعلم وسائر الناس همج لا خير فيه" أن المستمع والمحب بمنزلة المتعلم، وما أحسن قول بعض الأعراب لولده: كن سبعاً خالساً، أو ذئباً خانساً، أو كلباً حارساً، وإياك أن تكون إنساناً ناقصاً. "حديث : وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يحدث إنساناً فأوحى الله تعالى إليه أنه لم يبق من عمر هذا الرجل الذي تحدثه إلا ساعة - وكان هذا وقت العصر - فأخبره الرسول بذلك فاضطرب الرجل وقال: يا رسول الله دلني على أوفق عمل لي في هذه الساعة. قال صلى الله عليه وسلم اشتغل بالتعلم. فاشتغل بالتعلم وقبض قبل المغرب"تفسير : قال الراوي: فلو كان شيء أفضل من العلم لأمره النبي صلى الله عليه وسلم به في ذلك الوقت. وأما الآثار، فإن مصعب بن الزبير قال لابنه: تعلم العلم فإنه إن يك لك مال كان لك جمالاً، وإن لم يكن لك مال كان العلم لك مالاً. وقال علي بن أبي طالب: لا خير في الصمت عن العلم كما لا خير في الكلام عن الجهل. وقيل: مثل العالم بالله كمثل الشمس لا يزيد ولا ينقص. وهو الجالس على الحد المشترك بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات، فهو تارة مع الله بالحب له، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار كواحد منهم كأنه لم يعرف الله، وإذا خلا بربه مشتغلاً بذكره وخدمته فكأنه لا يعرف الخلق، فهذا سبيل المرسلين والصديقين. ومثل العالم بالله فقط كمثل القمر يكمل تارة وينقص أخرى، وهو المستغرق في المعارف الالهية غير متفرغ لتعلم علم الأحكام إلا ما لا بد منه، ومثل العالم بأمر الله فقط وهو العارف بالحلال والحرام دون أسرار جلال الله، كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء لغيره. وقال شقيق البلخي: الناس يقومون من مجلسي على ثلاثة أصناف، وذلك أني أفسر القرآن فأقول عن الله وعن الرسول، فمن لا يصدقني فهو كافر محض، ومن ضاق قلبه منه فهو منافق محض، ومن ندم على ما صنع وعزم على أن لا يذنب كان مؤمناً محضاً. وقال أيضاً: ثلاثة من النوم يبغضها الله، وثلاثة من الضحك: النوم بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العتمة، والنوم في الصلاة، والنوم عند مجلس الذكر. والضحك خلف الجنازة، والضحك في المقابر، والضحك في مجلس الذكر. وقيل: العالم أرأف بالتلميذ من الأب والأم، لأن الآباء والأمهات يحفظونهم من نار الدنيا وآفاتها، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة وشدائدها. وقيل لابن مسعود: بم وجدت هذا العلم؟ قال: بلسان سؤل وقلب عقول. وقال بعضهم: سل مسألة الحمقى و احفظ حفظ الأكياس. وقيل: الدنيا بستان تزينت بخمسة أشياء: علم العلماء، وعدل الأمراء، وعبادة العباد، وأمانة التجار، ونصيحة المحترفين. فجاء إبليس بخمسة أعلام وأقامها بجنب هذه الخمس. فجاء بالحسد فركزه في جنب العلم، وجاء بالجور فركزه بجنب العدل، وجاء بالرياء فركزه بجنب العبادة، وجاء بالخيانة فركزها بجنب الأمانة، وجاء بالغش فركزه بجنب النصيحة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: العلم أفضل من المال لسبعة أوجه: العلم ميراث الأنبياء والمال ميراث الفراعنة، العلم لا ينقص بالنفقة والمال ينقص، المال يحتاج إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه، إذا مات الرجل خلف ماله والعلم يدخل معه قبره، المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل إلا للمؤمن، جميع الناس محتاجون إلى العالم في أمر دينهم ولا يحتاجون إلى صاحب المال، العلم يقوي الرجل عند المرور على الصراط والمال يمنعه منه. قال الفقيه أبو الليث: من جلس عند العالم ولا يقدر أن يحفظ من ذلك العلم شيئاً فله سبع كرامات: ينال فضل المتعلمين، وكان محبوساً من الذنوب ما دام جالساً عنده، وإذا خرج من منزله طلباً للعلم نزلت الرحمة عليه، وإذا جلس في حلقة العلم فنزلت الرحمة عليهم حصل له منها نصيب، وما دام يكون في الاستماع تكتب له طاعة، إذا استمع ولم يفهم ضاق قلبه وانكسر فيكون في زمرة "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي"، إذا رأى إعزاز المسلمين للعالم وإذلالهم للفساق نفر عن الفسق ومال إلى طلب العلم. وقيل: ثلاثة لا ينبغي للشريف أن يأنف منها وإن كان أميراً: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه، والسؤال عما لا يعلم ممن هو أعلم منه. (واعلم) أن الله تعالى علم سبعة نفر سبعة أشياء: علم آدم الأسماء كلها، وعلم الخضر علم الفراسة {أية : وعلمناه من لدنا علماً} تفسير : [الكهف: 65] وعلم يوسف علم التعبير {أية : وعلمتني من تأويل الأحاديث}تفسير : [يوسف: 101] وعلم داود صنعة الدرع {وعلمناه صنعة لبوس لكم} وعلم سليمان منطق الطير {أية : علمنا منطق الطير}تفسير : [النمل: 16] وعلم عيسى عليه السلام علم التوراة والإنجيل {أية : ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل} تفسير : [آل عمران: 48] وعلم محمداً صلى الله عليه وسلم الشرع والتوحيد {أية : وعلمك ما لم تكن تعلم} تفسير : [النساء: 113] فعلم آدم كان سبباً لحصول السجدة والتحية، وعلم الخضر كان سبباً لوجود تلميذ مثل موسى ويوشع، وعلم يوسف لوجود الأهل والمملكة، وعلم سليمان لوجدان بلقيس والغلبة، وعلم داود للرياسة والملك، وعلم عيسى لزوال التهمة عن أمه، وعلم محمد صلى الله عليه وسلم لوجدان الشفاعة. ثم نقول: من علم أسماء المخلوقات وجد تحية الملائكة، فمن علم ذات الخالق وصفاته أما يجد تحية الملائكة بل تحية ربه {أية : سلام قولاً من رب رحيم} تفسير : [يس: 58] والخضر وجد بعلم الفراسة صحبة موسى، فأمة محمد بعلم الحقيقة يجدون صحبة محمد صلى الله عليه وسلم {أية : فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين} تفسير : [النساء: 69] ويوسف بتأويل الرؤيا نجا من حبس الدنيا، فمن كان عالماً بتأويل كتاب الله كيف لا ينجو من حبس الشبهات {أية : ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}تفسير : [يونس: 25] وأيضاً فإن يوسف عليه السلام ذكر منة الله على نفسه حيث قال {أية : وعلمتني من تأويل الأحاديث} تفسير : [يوسف: 101] فأنت يا عالم، أما تذكر نعمة الله على نفسك حيث جعلك مفسراً لكلامه، وسمياً لنفسه ووارثاً لنبيه وداعياً لخلقه وواعظاً لعباده وسراجاً لأهل بلاده وقائداً للخلق إلى جنته وثوابه، وزاجراً لهم عن ناره وعقابه، كما جاء في الحديث "حديث : العلماء سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة" تفسير : وإن سليمان لم يحتج إلى الهدهد إلا لعلمه بالماء. (وروي) عن نافع بن الأزرق أنه قال لابن عباس: كيف اختار سليمان الهدهد لطلب الماء؟ قال: لأن الأرض له كالزجاجة يرى باطنها من ظاهرها. فقال نافع: الفخ يغطى له بأصبع من التراب فلا يراه فيقع فيه! فقال ابن عباس: إذا جاء القضاء عمي البصر. وقال لولده: يا بني عليك بالأدب، فإنه دليل على المروءة، وأنس في الوحشة، وصاحب في الغربة، وقرين في الحضر، وصدر في المجلس، ووسيلة عند انقضاء الوسائل، وغني عند العدم، ورفعه للخسيس، وكمال للشريف، وجلال للملك. (وقال) سقراط: من فضيلة العلم أنك لا تقدر على أن يخدمك فيه أحد كما تجد من يخدمك في سائر الأشياء بل تخدمه بنفسك، ولا يقدر أحد على سلبه عنك. وقيل لبعض الحكماء: لا تنظر فغمض عينيه وقيل له: لا تسمع فسد أذنيه، وقيل له: لا تتكلم فوضع يده على فيه، وقيل له: لا تعلم فقال: لا أقدر عليه. وعن بعض الحكماء: عظم العلم في ذاتك، وصغر الدنيا في عينك، وكن ضعيفاً عند الهزل، قوياً عند الجد، ولا تلم أحداً على فعل يمكن أن يعتذر منه، ولا ترفع شكايتك إلا إلى من ترى نفعه عندك حتى تكون حكيماً فاضلاً. ولبعضهم: آفة الزعماء ضعف السياسة، وآفة العلماء حب الرياسة. (وأما النكت) فالمعصية عند الجهل لا يرجى زوالها، وعند السهو يرجى زوالها انظر إلى زلة آدم فإنه بعلمه استغفر، والشيطان عصى وبقي في الغي أبداً، لأن ذلك كان بسبب الجهل، وإن يوسف عليه السلام لما صار ملكاً احتاج إلى وزير فسأل جبريل عن ذلك فقال: إن ربك يقول لا تختر إلا فلاناً، فرآه في أسوأ الأحوال. فقال لجبريل: كيف يصلح لهذا العمل مع سوء حاله؟ فقال له جبريل: إن ربه عينه لذلك لأنه ذب عنك بعلمه حين قال {أية : وإن كان قميصه قُدَّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين} تفسير : [يوسف: 27] والنكتة أن من ذب عن يوسف استحق الشركة في مملكته، فمن ذب عن الدين القويم بالبرهان المستقيم فكيف لا يستحق من الله الخير والإحسان؟ وقيل: أراد واحد خدمة ملك فقال الملك: اذهب وتعلم حتى تصلح لخدمتي فلما شرع في التعلم وذاق لذة العلم، بعث الملك إليه وقال: اترك التعلم فقد صرت أهلاً لخدمتي. فقال كنت أهلاً لخدمتك حين لم ترني أهلاً لخدمتك، وحين رأيتني أهلاً لخدمتك رأيت نفسي أهلاً لخدمة الله، وذلك لأني كنت أظن أن الباب بابك لجهلي والآن علمت أن الباب باب الرب. (وقال الحكيم:) القلب ميت وحياته بالعلم، والعلم ميت وحياته بالطلب، والطلب ضعيف وقوته بالمدارسة، فإذا قوي بالمدارسة فهو محتجب، وإظهاره بالمناظر وإذا ظهر بالمناظرة فهو عقيم، ونتاجه بالعمل فإذا زوج العلم بالعمل توالد وتناسل ملكاً أبدياً لا آخر له. وإن نملة واحدة نالت الرياسة بمسألة واحدة علمتها وذلك قولها {أية : وهم لا يشعرون}تفسير : [النمل: 18] كأنها إشارة إلى تنزيه الأنبياء عن المعصية وإيذاء البريء من غير جرم فقالت: لو حطمكم فإنما يصدر ذلك على سبيل السهو. فمن علم حقائق الأشياء من الموجودات والمعدومات، كيف لا يستحق الرياسة في الدين والدنيا؟ وإن الكلب المعلم يكون صيده ماهراً ببركة العلم مع أنه نجس في الأصل، فالنفس الطاهرة في الفطرة إذا تلوثت بأوزار المعصية، كيف لا تطهر ببركة العلم بالله وبصفاته؟ وإذا كان السارق عالماً لا تقطع يده لأنه يقول: كان المال وديعة لي، وكذا الشارب يقول: حسبته حلالاً، وكذا الزاني يقول: تزوجتها فإنه لا يحد. وأما الحكايات، (يحكى) أن هارون الرشيد كان بحضرته فقهاء فيهم أبو يوسف فأتي برجل فادعى عليه آخر أنه أخذ من بيتي مالاً بالليل، ثم أقر الآخذ بذلك في المجلس، فاتفق العلماء على أنه تقطع يده، فقال أبو يوسف: لا قطع عليه لأنه أقر بالأخذ، وإنه لا يوجب القطع بل لا بد من الاعتراف بالسرقة فصدقه الكل في ذلك ثم قالوا للآخذ: أسرقتها؟ فقال: نعم. فأجمعوا على القطع لأنه أقر بالسرقة. فقال أبو يوسف: لا قطع عليه لأنه وإن أقر بالسرقة، لكن بعدما أوجب الضمان عليه بإقراره بالأخذ، وإذا أقر بالسرقة بعد ذلك فهو بهذا الإقرار يسقط الضمان عن نفسه فلا يسمع إقراره فتعجب الكل. (وعن الشعبي) كنت عند الحجاج فأتي بيحيى بن يعمر - فقيه خراسان - من بلخ مكبلاً في الحديد. فقال الحجاج: أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية الرسول؟ فقال: بلى. فقال الحجاج: لتأتيني ببينة واضحة من كتاب الله أو لأقطعنك عضواً عضواً. فقال: آتيك ببينة واضحة من كتاب الله يا حجاج؟ قال: فتعجب من جرأته بقوله يا حجاج فقال له: ولا تأتيني بهذه الآية {أية : ندع أبناءنا وأبناءكم} تفسير : [آل عمران: 61] فقال: آتيك بها واضحة من كتاب الله. قال تعالى: {أية : ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان} تفسير : [الأنعام: 84] إلى قوله {أية : وزكريا ويحيى وعيسى} تفسير : [الأنعام: 85] فمن أبو عيسى فقد ألحق تعالى عيسى بذرية نوح قال: فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله، حلوا وثاقه وأعطوه من المال كذا. (ويحكى) أن جماعة من أهل المدينة جاءوا إلى أبي حنيفة ليناظروه في القراءة خلف الإمام ويبكتوه ويسفهوا عليه، فقال لهم: لا يمكنني مناظرة الجميع ففوضوا أمر المناظرة إلى أعلمكم لأناظره، فأشاروا إلى واحد فقال: هذا أعلمكم؟ قالوا: نعم قال: والمناظرة معه كالمناظرة معكم؟ قالوا: نعم. قال: والإلزام عليه كالإلزام عليكم؟ قالوا: نعم. قال: وإن ناظرته وألزمته الحجة فقد ألزمتكم الحجة؟ قالوا: نعم. قال: وكيف قالوا لأنا رضينا به إماماً فكان قوله قولاً لنا، قال أبو حنيفة فنحن لما اخترنا الإمام في الصلاة فقراءته قراءة لنا وهو ينوب عنا فأقروا له بالعلم. ويحكى أن المنصور دعا أبا حنيفة يوماً فقال الربيع وهو يعاديه: يا أمير المؤمنين، هذا يخالف جدك حيث يقول الاستثناء المنفصل جائز وأبو حنيفة ينكره، فقال أبو حنيفة: هذا الربيع يقول ليس لك بيعة في رقبة الناس. فقال: كيف قال إنهم يعقدون البيعة لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل بيعتهم؟ فضحك المنصور وقال: إياك يا ربيع وأبا حنيفة، فلما خرج الربيع قال: سعيت في دمي قال: كنت البادي. ويحكى أنه دخل اللصوص على رجل وأخذوا متاعه واستحلفوه بالطلاق ثلاثاً أن لا يعلم أحداً. فأصبح الرجل وهو يرى اللصوص يبيعون متاعه وليس يقدر أن يتكلم من أجل يمينه، فجاء الرجل يشاور أبا حنيفة، فقال: أحضر لي إمام مسجدك وأهل محلتك فأدخلهم جميعاً في دار واحدة وأخرج واحداً واحداً. فقال للرجل: إن لم يكن لصك فقل: لا، وإن كان فاسكت. فلما سكت قبض على اللص ورد الله تعالى عليه جميع ما سرق منه. ويحكى أنه كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلس أبي حنيفة، فقال يوماً له: إني أريد التزوج من آل فلان وقد خطبتها إليهم فطلبوا مني من المهر فوق طاقتي. قال: استقرض وادخل عليها فإن الله تعالى يسهل الأمر عليك بعد ذلك. فأقرضه أبو حنيفة ذلك القدر ثم قال له بعد الدخول: أظهر أنك تريد الخروج من هذا البلد إلى بلد بعيد، وأنك تسافر بأهلك معك. فأظهر الرجل ذلك فاشتد على أهل المرأة وجاءوا إلى أبي حنيفة يشكونه ويستفتونه فقال لهم: له ذلك، والطريق أن ترضوه بأن تردوا عليه ما أخذتموه فأجابوا إليه، فقال الزوج: إني أريد شيئاً آخر فوق ذلك. فقال له أبو حنيفة: ترضى بهذا وإلا أقرت لرجل بدين فلا يمكن المسافرة بها حتى تقضي ما عليها، فقال الرجل: الله الله، لا يسمعوا بهذا، فرضي بذلك وحصل ببركة علم أبي حنيفة فرج كل واحد من الخصمين. وسئل أبو حنيفة عن رجل حلف ليقربن امرأته في نهار رمضان فلم يعرف أحد وجه الجواب. فقال: يسافر بامرأته فيطؤها نهاراً في رمضان. وقال بشر المريسي للشافعي: كيف تدعي انعقاد الإجماع مع أهل المشرق والمغرب على شيء واحد - وكانت هذه المناظرة عند الرشيد - فقال الشافعي: هل تعرف إجماع الناس على خلاف هذا الجالس؟ فأقر به خوفاً وانقطع. ويحكى أن أعرابياً سأل الحسين بن علي رضي الله عنه حاجة وقال: "سمعت جدك يقول: إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة: إما عربياً شريفاً، أو مولى كريماً، أو حامل القرآن، أو صاحب الوجه الصبيح" فأما العرب فشرفت بجدك، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل، وأما الوجه الصبيح فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إذا أردتم أن تنظروا إليّ فانظروا إلى الحسن والحسين" تفسير : رضي الله عنهما. فقال الحسين رضي الله عنه: ما حاجتك؟ فكتبها على الأرض. فقال الحسين رضي الله عنه: سمعت أبي علياً رضي الله عنه يقول: قيمة كل امرئ ما يحسنه. وسمعت جدي يقول: المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل، إن أحسنت في جواب واحدة فلك ثلث ما عندي، وإن أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي، وإن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي. وقد حمل إلى الحسين صرة مختومة من العراق فقال: سل ولا قوة إلا بالله. فقال رضي الله عنه: أي الأعمال أفضل؟ قال الأعرابي: الإيمان بالله. قال: فما نجاة العبد من الهلكة؟ قال: الثقة بالله، قال: فما يزين المرء؟ قال: علم معه حلم. قال رضي الله عنه: فإن أخطأ ذلك؟ قال: فمال معه كرم. قال رضي الله عنه: فإن أخطأ ذلك؟ قال: ففقر معه صبر. قال رضي الله عنه: فإن أخطأ ذلك؟ قال: فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه. فضحك الحسين رضي الله عنه ورمى بالصرة إليه. وأما الوجوه العقلية فمنها أن الأمور أربعة أقسام: قسم يرضاه العقل دون الشهوة كمكاره الدنيا، وقسم عكس ذلك كالمعاصي، وقسم ترضاه الشهوة والعقل وهو العلم والجنة، وقسم لا ترضاه الشهوة والعقل وهو الجهل والنار. فمن رضي بالجهل فقد رضي بنار حاضرة، ومن اشتغل بالعلم فقد خاض في جنة حاضرة، وكما يعيش يموت وكما يموت يبعث. ومنها أن اللذة إدراك المحبوب، وكلما كان المدرك أكمل وأشرف كانت اللذة أكمل وأتم. ومدرك العقل هو الله تعالى وجميع مخلوقاته من الملائكة والأفلاك والعناصر والمواليد وجميع أحكامه وأوامره وأي معلوم أشرف من ذلك؟ فلا كمال ولا لذة فوق كمال العلم ولذته، ولا ألم ولا نقصان مثل ألم الجهل ونقصانه، ولهذا قال عز من قائل {أية : اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. إقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم}تفسير : [العلق: 1 - 5] كأنه قال: كنت في أول حالك علقة هي الغاية في الخساسة، ثم صرت في آخر حالك في غاية الشرف. وأيضاً ترتب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، وهذا يدل على أنه إنما يستحق الأكرمية لأنه أعطى العلم، فالعلم أشرف عطية وأعظم موهبة. ومنها أنه تعالى قال {أية : إنما يخشى الله من عباده العلماء} تفسير : [فاطر: 28] فالعلماء من أهل الخشية، وأهل الخشية أهل الجنة لقوله تعالى {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن} إلى قوله {أية : ذلك لمن خشي ربه} تفسير : [البينة: 8] فالعلماء من أهل الجنة بل ليس أهل الجنة إلا العلماء وذلك لكلمة إنما المفيدة للحصر ولا جل لام الاختصاص في قوله {لمن خشي} والسبب في أن العلماء هم أهل الخشية، أن من لم يكن عالماً بالشيء استحال أن يكون خائفاً منه. ثم إن العلم بالذات لا يكفي في الخوف بل لا بد معه من العلم بأمور ثلاثة: أحدها العلم بالقدرة لأن الملك عالم باطلاع رعيته على أفعاله القبيحة لكنه لا يخافهم لعلمه بأنهم لا يقدرون على دفعه، وثانيها العلم بكونه عالماً لأن السارق من مال السلطان يعلم قدرته لكنه يعلم أنه غير عالم بسرقته فلا يخافه، وثالثها العلم بكونه حكيماً فإن المسخرة عند السلطان عالم بكون السلطان قادراً على منعه عالماً بقبائح أفعاله لكنه يعلم أنه قد يرضى بما لا ينبغي فلا يحصل الخوف فثبت أن خوف العبد من الله لا يحصل إلا إذا علم كونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، قادراً على كل المقدورات، غير راضٍ بالمنكرات والمحرمات، فإذن الخوف من لوازم العلم بالله، وبهذا يعرف نباهة قدر العلم. ومن هنا أمر حبيبه صلى الله عليه وسلم بالازدياد منه حيث قال {أية : وقل رب زدني علماً}تفسير : [طه: 114]. ولم يكتف نبي الله موسى عليه السلام بما علم بل قال للخضر {أية : هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً} تفسير : [الكهف: 66] ولم يفتخر سليمان بالمملكة العظيمة بل افتخر بالعلم {أية : علمنا منطق الطير} تفسير : [النمل: 16] ولولا شرف العلم لم يكن للهدهد مع ضعفه أن يتكلم بحضرة سليمان بقوله {أية : أحطت بما لم تحط به} تفسير : [النمل: 22] وهكذا الرجل الساقط إذا تعلم العلم صار نافذ القول على السلاطين، وما ذاك إلا ببركة العلم. ومنها أنه صلى الله عليه وسلم قال "حديث : تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة" تفسير : وذلك أن التفكر يوصلك إلى الله، والعبادة توصلك إلى ثواب الله. وأيضاً التفكر عمل القلب والعبادة عمل الجوارح. ومنها أن سائر كتب الله ناطقة بفضل العلم، أما التوراة فقال لموسى: عظم الحكمة فإني لا أجعل الحكمة في قلب عبد إلا وأردت أن أغفر له. فتعلمها ثم اعمل بها ثم ابذلها كي تنال بذلك كرامتي في الدنيا والآخرة. وأما الزبور فقال سبحانه لداود: قل لأحبار بني إسرائيل ورهبانهم حادثوا من الناس الأتقياء، فإن لم تجدوا فيهم تقياً فحادثوا العلماء، فإن لم تجدوا عالماً فحادثوا العقلاء، فإن التقي والعلم والعقل ثلاث مراتب، ما جعلت واحدة منهن في أحد من خلقي وأنا أريد هلاكه، وإنما قدم سبحانه التقى على العلم، لأن التقى لا يوجد بدون العلم كما بينا من أن الخشية لا تحصل إلا مع العلم، والموصوف بالأمرين أشرف من الموصوف بأمر واحد، ولهذا السر أيضاً قدم العالم على العاقل لأن العالم لا بد وأن يكون عاقلاً، وأما العاقل فقد لا يكون عالماً، فالعقل كالبذر والعلم كالشجر والتقوى كالثمر. وأما الإنجيل فقد قال عز من قائل في السورة السابعة عشرة منه: ويل لمن سمع العلم فلم يطلبه كيف يحشر مع الجهال إلى النار؟ اطلبوا العلم وتعلموه فإن العلم إن لم يسعدكم لم يشقكم، وإن لم يرفعكم لم يضعكم، وإن لم يغنكم لم يفقركم، وإن لم ينفعكم لم يضركم. ولا تقولوا نخاف أن تعلم فلا نعمل ولكن قولوا نرجو أن نعلم فنعمل، إذ العلم شفيع لصاحبه، وحق على الله أن لا يخزيه، وإن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا معشر العلماء، ما ظنكم بربكم؟ فيقولون: ظننا أن ترحمنا وتغفر لنا فيقول: وإني قد فعلت، إني استودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم بل لخير أردته بكم، فادخلوا في صالحي عبادي إلى جنتي برحمتي. وبالجملة، فكون العلم صفة شرف وكمال، وكون الجهل صفة نقصان، أمر معلوم للعقلاء بالضرورة، ولذلك لو قيل للرجل العالم يا جاهل تأذى بذلك وإن كان يعلم أنه كاذب، ولو قيل للرجل الجاهل يا عالم فرح بذلك وإن كان يعلم أنه ليس كذلك، والعلم أينما وجد كان صاحبه محترماً معظماً حتى إن غير الإنسان من الحيوان إذا رأى الإنسان احتشمه بعض الاحتشام وانزجر به بعض الانزجار وإن كان ذلك الحيوان أقوى بكثير من الإنسان. والعلماء إذا لم يعاندوا كانوا رؤساء بالطبع على من دونهم في العلم، وأن كثيراً ممن كانوا يعاندون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويريدون قتله كانوا إذا وقع بصرهم عليه ألقى الله في قلوبهم الرعب منه فهابوه وانقادوا له. شعر : لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بداهته تغنيك عن خبر تفسير : وما فضل الإنسان على سائر الحيوان إلا لاختصاصه بالمزية النورانية واللطيفة الربانية التي لأجلها صار مستعداً لإدراك حقائق الأشياء والاشتغال بعبادة الله تعالى، والجاهل كأنه في ظلمة شديدة إذا أخرج يده لم يكد يراها، والعالم كأنه يطير في أقطار الملكوت ويسبح في بحار المعقولات، فيطالع الموجودات والمعدوم والواجب والممكن والمحال، ثم يعرف انقسام الممكن إلى الجوهر والعرض، والجوهر إلى البسيط والمركب، ويبالغ في تقسيم كل منها إلى أنواعها وأنواع أنواعها وأجزائها وأجزاء أجزائها والجزء الذي به يشارك غيره، والجزء الذي به يمتاز عن غيره، ويعرف أثر كل شيء ومؤثره ومعلوله وعلته ولازمه وملزومه وكليته وجزئيته، فيصير كالنسخة التي أثبت فيها جميع المعلومات بتفاصيلها وأقسامها، وأنه في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام كاملاً ومكملاً، واسطة بين الله وعباده، ولأمر ما لم يجعل الله سبحانه سائر صفات الجلال من القدرة والإرادة والسمع والبصر والوجوب والقدم والاستغناء عن المكان والحيز جواباً للملائكة وموجباً لسكوتهم، وإنما جعل تعالى صفة العلم جواباً لهم ثم قال {أية : إني أعلم ما لا تعلمون}تفسير : [البقرة: 30] وهكذا أظهر فضيلة آدم بالعلم بعد افتخارهم بالتسبيح والتقديس. وإن إبراهيم اشتغل في أول أمره بطلب العلم متنقلاً بفكره من الكوكب إلى القمر، ومن القمر إلى الشمس، إلى أن وصل إلى الدليل الباهر والبرهان الظاهر إلى المقصود وهو الملة الحنيفية. وإن الله تعالى سمى العلم تارة بالحياة {أية : أوَ من كان ميتاً فأحييناه}تفسير : [الأنعام: 122] وتارة بالروح {أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا}تفسير : [الشورى: 52] وتارة بالنور {أية : يهدي الله لنوره من يشاء} تفسير : [النور: 35] وضرب المثل العلم بالماء {أية : أنزل من السماء ماء} تفسير : [الرعد: 17] فعلم التوحيد كماء العين لا يجوز تحريكه لئلا يتكدر، كذلك لا ينبغي طلب كيفية الله كيلا يفضي إلى الكفر، وعلم الفقه كماء القناة يزداد بالاستنباط والحفر، وعلم الزهد كماء المطر ينزل صافياً ويتكدر بغبار الهواء، وكذلك علم الزهد صافٍ ويتكدر بالطبع، وعلم البدع كماء السيل يهلك الأحياء ويميت الخلق. وأما الأخبار والآثار الدالة على وعيد من لم يعمل بعلمه أو طلب العلم لغير ذات الله فمنها: أنه صلى الله عليه وسلم قال:" حديث : لا تجالسوا العلماء إلا إن دعوكم من خمس إلى خمس: من الشك إلى اليقين، ومن الكبر إلى التواضع، ومن العداوة إلى النصيحة، ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الرغبة إلى الزهد"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : الناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم"تفسير : عن عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى الجنة حتى إذا دنو منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها، فيرجعون عنها بحسرة ما رجع أحد بمثلها ويقولون: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا فتودوا ذاك أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بي بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين، تراؤون الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم. هبتم الناس ولم تهابوني، أجللتم الناس ولم تجلوني، تركتم المعاصي ولم تتركوها لي، أكنت أهون الناظرين عليكم؟ فاليوم أذيقكم أليم عذابي مع ما حرمتكم من النعيم"تفسير : وقيل: أطلب أربعة في أربعة: من الموضع السلامة، ومن الصاحب الكرامة، ومن المال الفراغة، ومن العلم المنفعة، فإذا لم تجد من الموضع السلامة فالسجن خير منه، وإذا لم تجد من الصاحب الكرامة فالكلب خير منه، وإذا لم تجد من مالك الفراغة فالمدر خير منه، وإذا لم تجد من العلم المنفعة فالموت خير منه، وقيل: لا تتم أربعة أشياء إلا بأربعة أشياء: لا يتم الدين إلا بالتقوى، ولا يتم القول إلا بالفعل، ولا تتم المروءة إلا بالتواضع، ولا يتم العلم إلا بالعمل، فالدين بلا تقوى على الخطر، والقول بلا فعل كالهذر، والمروءة بلا تواضع كالشجر بلا ثمر، والعلم بلا عمل كالغيم بلا مطر، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لجابر بن عبد الله الأنصاري: قوام الدنيا بأربعة: بعالم يعمل بعلمه، وجاهل لا يستنكف عن تعلمه، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه. فإذا لم يعمل العالم بعلمه استنكف الجاهل من تعلمه، وإذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه، فالويل لهم والثبور سبعين مرة. وقيل: إذا وضعت على سواد عينك جزءاً من الدنيا لا ترى شيئاً، فإذا وضعت على سويداء قلبك كل الدنيا كيف ترى بقلبك شيئاً؟. البحث الرابع: في حد العلم الأشعري: العلم ما يعلم به. وربما قال: ما يصير الذات به عالماً. القاضي: العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه. القفال: إثبات المعلوم على ما هو به والكل دائر. المعتزلة: هو الاعتقاد المقتضي لسكون النفس. الفلاسفة: صورة حاصلة في النفس مطابقة للمعلوم، ولا يخفى خروج علم الله تعالى عنهما فإنه لا يطلق هناك النفس، وفيه مفاسد أخر يطول ذكرها ههنا، وعند كثير من المحققين: هو بديهي. وقيل: أصح الحدود، صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض. والحق في هذا المقام هو أن نسبة البصيرة إلى مدركاتها كنسبة البصر إلى مدركاته، فكما أن للبصر نوراً كل ما يقع في ذلك النور فهو مدركه، فكذا للبصيرة نور كل ما يقع فيه فهو مدركها. ولا يدرك حقيقة هذا النور، إلا من له نور {أية : ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور}تفسير : [النور: 40] وهكذا إدراكات جميع الأنوار حتى نور الأنوار، وكلما ازدادت النفس نورية وشروقاً ازداد انبساطها فيقع فيها المعلومات أكثر، وهكذا يكون الحال في كل مستكمل. أما إذا كان العالم بحيت تكون كمالاته الممكنة له موجودة معه بالفعل، فلا تزداد نوريته، ولا يتجاوز مرتبته في العلم {أية : وما منا إلا له مقام معلوم} تفسير : [الصافات: 164] ثم إن كان التكمال والنور بحيث لا يمكن أكمل منه ولا أنور، كان جميع الأشياء واقعة في نوره، بل يكون نوره نافذاً في الكل متصرفاً فيها محيطاً بها أزلاً وأبداً {أية : لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض }تفسير : [سبأ: 3] وههنا أسرار أخر لا يجوز التعبير عنها لعزتها يتفطن لبعضها من وفق لها من أهلها. البحث الخامس في ألفاظ تقرب من العلم. الأول: الإدراك، وهو الوصول لأن القوة العاقلة تصل إلى حقيقة المعقول. الثاني: وهو إدراك بغير استثبات وهو أول مراتب وصول المعقول إلى القوة العاقلة ولهذا لا يوصف به الله تعالى. الثالث: التصور مشتق من الصورة، فكأن حقيقة المعقول حلت في العاقلة حلول الشكل في المادة. الرابع: الحفظ وذلك إذا استحكمت الصورة في العاقلة بحيث لو زالت لتمكنت من استرجاعها. الخامس: التذكر وهو محاولة استرجاع الصورة المحفوظة، وإنه بالحقيقة التفات النفس إلى عالمها. السادس: الذكر وهو وجدان الصورة بعد محاولة استرجاعها، ولا محالة يكون مسبوقاً بالزوال: قال الشاعر: شعر : الله يعلم أني لست أذكره وكيف أذكره إذ لست أنساه تفسير : ويوصف القول بأنه ذكر لأنه سبب حضور المعنى في النفس قال عز من قائل {أية : إنا نحن نزلنا الذكر} تفسير : [الحجر: 9]. السابع: المعرفة وقد اختلفوا في تفسيرها. فمن قائل إنها إدراك الجزئيات، والعلم إدراك الكليات. ومن قائل إنها التصور والعلم هو التصديق، وجعل العرفان أشرف من العلم لأن تصديقنا باستناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود أمر معلوم بالضرورة، وأما تصور حقيقته فأمر وراء الطاقة البشرية، وقال بعضهم: من أدرك شيئاً وانحفظ أثره في نفسه، ثم أدرك ذلك الشيء ثانياً وعرف أن هذا المدرك الذي أدركه ثانياً هو الذي كان قد أدركه أولاً، فهذا هو المعرفة. والنفس قبل البدن كانت معترفة بالربوبية إلا أنها في ظلمة العلاقة البدنية قد نسيت مولاها، فإذا تخلصت من قيد العلاقة عرفت ربها وعرفت أنها كانت عارفة. الثامن: الفهم وهو تصور الشيء من لفظ المخاطب، والإفهام هو إيصال المعنى باللفظ إلى فهم السامع. التاسع: الفقه وهو العلم بغرض المخاطب من خطابه قال تعالى {أية : لا يكادون يفقهون حديثاً} تفسير : [النساء: 78] أي لا يقفون على المقصود الأصلي من التكاليف. العاشر: العقل وهو العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها ونفعها وضرها حتى يصير مانعاً من الفعل مرة، ومن الترك أخرى، فيجري ذلك مجرى عقال الناقة. ومن هنا قيل: هو العلم بخير الخيرين وشر الشرين، والعاقل من عقل عن الله أمره ونهيه. الحادي عشر: الدراية وهي المعرفة الحاصلة بضرب من الحيلة، وهي ترتيب المقدمات فلا يصح إطلاقها عليه تعالى. الثاني عشر: الحكمة وهي اسم لكل علم حسن وعمل صالح، وهو بالعلم العملي أخص منه بالعلم النظري، وفي العمل أكثر استعمالاً منه في العلم، وقيل: هي الاقتداء بالخالق سبحانه بقدر القوة البشرية، وذلك أن يجتهد أن ينزه علمه عن الجهل، وعدله عن الجور، وجوده عن البخل وحلمه عن السفه. الثالث عشر: علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين. فعلم اليقين ما كان من طريق النظر والاستدلال، وعين اليقين ما كان من طريق الكشوف والنوال، وحق اليقين ما كان متحقق الانفصال عن لوث الصلصال بوروده رائد الوصال. الرابع عشر: الذهن وهو قوة النفس على اكتساب الحدود والآراء. الخامس عشر: الفكر وهو انتقال النفس من التصديقات الحاضرة إلى التصديقات المستحضرة. وقيل: إنه يجري مجرى التضرع إلى الله تعالى في استنزال العلم من عنده. السادس عشر: الحدس وهو قوة للنفس بها يهتدي بسرعة إلى الحد الأوسط في كل قياس. السابع عشر: الذكاء وهو شدة هذا الحدس وبلوغه الغاية القصوى، من ذكت النار اشتعلت. الثامن عشر: الفطنة وهي التنبه لشيء قصد تعريضه كالأحاجي والرموز. التاسع عشر: الخاطر وهو حركة النفس نحو تحصيل حق أو حظ. العشرون: الوهم وهو الاعتقاد المرجوح وقد يقال: إنه الحكم بأمور جزئية غير محسوسة لأشخاص جزئية كحكم السخلة بصداقة الأم وعداوة الذئب. الحادي والعشرون: الظن وهو الاعتقاد الراجح فإن كان عن أمارة قوية قبل ومدح وعليه مدار أكثر أحوال العالم، وإن كان عن أمارة ضعيفة ذم {أية : إن بعض الظن إثم} تفسير : [الحجرات: 12]. الثاني والعشرون: الخيال وهو عبارة عن الصورة الباقية عن المحسوس بعد غيبته، وما كان من ذلك في النوم قد يخص باسم الطيف. الثالث والعشرون: البديهة وهي المعرفة الحاصلة للنفس ابتداء لا بتوسط الفكر مثل: الكل أعظم من الجزء، وقد يقال لها الأوليات، الرابع والعشرون: الروية وهي ما كان من المعارف بعد فكر كثير. الخامس والعشرون: الكياسة وهي تمكن النفس من استنباط ما هو أنفع ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت"تفسير : السادس والعشرون: الخبر وهو معرفة تحصل بطريق التجربة وجدت الناس اخبر تقله. السابع والعشرون: الرأي وهو إجالة الخاطر في المقدمات التي يرجى منها إنتاج المطلوب، وقد يقال للقضية المستنتجة من الرأي رأي، والرأي للفكرة كالآلة للصانع، ولهذا قيل: إياك والرأي الفطير. الثامن والعشرون: الفراسة وهي اختلاس المعارف من فرس السبع الشاة. فضرب منها يحصل للإنسان من باطنه، ولا يعرف له سبب الإصغاء جوهر الروح وهو شبه الإلهام، وإياه عنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله "حديث : إن في أمتي لمحدثين وإن عمر منهم"تفسير : وقد يسمى النفث في الروع، وضرب يحصل بالاستدلال من الأشكال الظاهرة على الأخلاق الباطنة. وقيل: {أية : أفمن كان على بينة من ربه} تفسير : [هود: 17] إشارة إلى الأول {أية : ويتلوه شاهد منه} تفسير : [هود: 17] إلى الثاني والله أعلم. التأويل: عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله خلق آدم فتجلى فيه" تفسير : فبالتجلي علمه التخلق بأخلاقه والاتصاف بصفاته وهذا هو سر الخلافة بالحقيقة، لأن المرأة تكون خليفة المتجلي فيها {أنبئوني بأسماء هؤلاء} أي بأسماء هؤلاء المخلوقات دون أسماء الله وصفاته {إن كنتم صادقين} في دعوى الفضيلة، فإن الفضيلة ليست بمجرد الطاعة، فإن ذرات الموجودات مسبحات بحمدي، وإنما الأفضلية بالعلم لأن الطاعة من صفات الخلق، والعلم من صفات الخالق، والفضل لمن له صفة الحق والخلق جميعاً فيخلف عن الحق بصفاته وعن الخلق بصفاتهم. وإنما قال {أنبئهم} ولم يقل علمهم كقوله تعالى {وعلم آدم} لأن الملائكة ليس لهم الترقي في الدرجات والملكوتيات، لهم شهادة كالجسمانيات لنا، ولا يتجاوزون ما فوق سدرة المنتهى كما قال جبريل: لو دنوت أنملة لاحترقت. والجسمانيات مرتبة دون مرتبتهم فيمكن إنباؤهم بها لأن الجسمانيات لهم كالحيوانيات بالنسبة إلينا. وأما الالهيات فليس لهم استعداد الترقي إليها، فلهذا لم يقل أنبئهم بأسمائهم كلها كما قال {وعلم آدم الأسماء كلها} لئلا يكون تكليفاً بما لا يطاق، وإنما كان آدم مخصوصاً بعلم الأسماء واحتاجت الملائكة إليه في إنباء أسمائهم وأسماء غيرهم، لأنه كان خلاصة العالم، ولهذا خلق شخصه بعد تمام العالم بما فيه كخلق الثمرة بعد تمام الشجرة. فكما أن الثمرة تعبر على أجزاء الشجرة كلها حتى تظهر على أعلى الشجرة، كذلك آدم عبر على أجزاء شجرة الوجود وكان في كل جزء من أجزائها له منفعة ومضرة ومصلحة ومفسدة، فحصل له من كل من ذلك اسم يلائمه حتى إن أسماء الله تعالى جاءت على وفقه فضلاً عن أسماء غيره، وذلك أنه لما كان مخلوقاً كان الله خالقاً، ولما كان مرزوقاً كان الله رازقاً، ولما كان عبداً كان الله معبوداً، ولما كان معيوباً كان ستاراً، ولما كان مذنباً كان غفاراً، ولما كان تائباً كان تواباً، ولما كان منتفعاً ومتضرراً كان نافعاً وضاراً، ولما كان ظالماً كان عادلاً، ولما كان عليه السلام مظلوماً كان منتقماً وعلى هذا فقس.

ابن عادل

تفسير : اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة، فأجابهم على سبيل الإجمال بقوله: {أية : إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة:30]. أراد الله تعالى أن يزيدهم بياناً، وأن يفصّل لهم ذاك المُجْمَل، فبين تعالى لهم من فضل آدم - عليه الصلاة والسلام - ما لم يكن معلوماً لهم، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كَمَال فَضْله، وقُصُورهم عنه في العلم، فيتأكّد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي. فصل في إعراب الآية قوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ} هذه الجملة يجوز ألاَّ يكون لها مَحَلّ من الإعراب، لاستئنافها، وأن يكون محلها الجر، لعطفها على "قَالَ رَبُّكَ". و "علم" متعدّية إلى اثنين، وكانت قبل التضعيف متعديةً لواحد؛ لأنها عرفانية، فتعدّت بالتضعيف لآخر، وفرقوا بين "علم" العِرْفانية واليَقِينيّة في التعدية، فإذا أرادوا أن يعدوا اليقينية عدوها بالهمزة ذكر ذلك "أبو علي الشّلوبين". وفاعل "علم" يعود على الباري تَعَالى، و "آدم" مفعوله. وآدم - عليه الصلاة والسلام - كُنيته أبو البَشَر، وقيل: أبو محمد ذكره السُّهيلي، وقيل: كنيته في الأرض أبو البشر، وكنيته في الجنة أبو محمد. وأصله بهمزتين، لأنه "أفعل" إلا أنهم لَيَّنُوا الثانية، فإذا احتجت إلى تحريكها جعلتها "واواً" فقلت: "أوادم" في الجمع؛ لأنه ليس لها أصل في الياء معروف، فجعلت الغالب عليها الواو، عن "الأخفش". وفي "آدم" ستة أقوال: أرجحها أنه اسم أعجمي لا اشتقاق فيه، ووزنه "فَاعَل" كَنَظَائره نحو: "آزر" و"شالخ"، وإنّما مُنعَ من الصَّرف للعلمية والعُجْمة الشخصية. والثاني: أنه مشتقٌّ من "الأُدْمَةِ"، وهي حُمْرَةٌ تميل إلى السَّوَاد، واختلفوا في الأُدْمَةِ، فزعم "الضَّحاك" أنها السُّمرة، وزعم "النَّضْر" أنها البياض، وأن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان أبيض، مأخوذ من قولهم: ناقة أَدْمَاء، إذا كانت بيضاء، وعلى هذا الاشتقاق جمعه "أَدْمٌ" و "أَوَادِمُ" كـ "حُمَرٍ" و "أَحَامِرَ"، ولا ينصرف بوجه. الثالث: أنه مشتقٌ من أديم الأرض، وهو وجهها. ومنع من الصَّرف على هَذَيْنِ القولين للوزن والعلميّة. الرابع: أنه مشتقٌّ من أَدِيم أيضاً على هذا الوزن أعني وزن فاعل، وهذا خطأ، لأنه كان يبنغي أن ينصرف، لأن كونه مشتقٌّ من الأُدْمَة، وهو أديم الأرض جمعه "آدَمُون" فيلزم قائلو هذه المقالة صرفه. الخامس: أنه عِبْرِيّ من الإدام، وهو التراب. السّادس: قال "الطبري": إنه في الأصل فعل رباعي مثل: "أكرم"، وسمي به لغرض إظهار الشيء حتى تعرف جِهَته. والحاصل أن ادِّعاء الاشتقاق فيه بعيد؛ لأن الأسماء الأعجمية لا يَدْخُلُهَا اشتقاق ولا تصريف. و "آدم" وإن كان مفعولاً لفظاً فهو فاعل معنى، و"الأسماء" مفعول ثانٍ، والمسألة من باب "أعطى وكَسَا"، وله أحكام تأتي إن شاء الله تعالى. وقرىء: "عُلَّمَ" مبنياً للمفعول و "آدمُ" رفع لقيامه مقام الفاعل. و "كُلَّهَا" تأكيد للأسماء تابع أبداً، وقد يلي العوامل كما تقدّم. وقوله: {الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} الظاهر أنه لا يحتاج إلى ادِّعَاء حذف؛ لأن المعنى: وعلم آدم الأسماء، ولم يبين لنا أسماء مخصوصة، بل دلّ قوله: "كلها" على الشُّمول، والحكمة حاصلة بتعلُّم الأسماء، وإن لم يعلم مسمياتها، أو يكون أطلق الأسماء، وأراد المسميات، فَعَلَى هذين الوجهين لا حَذْفَ. وقيل: لا بُدّ من حذف، واختلفوا فيه، فقيل: تقديره: أسماء المسميات، فحذف المُضَاف إليه للعلم. قال الزمخشري: وعوض منه "اللام"، كقوله تعالى: {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} تفسير : [مريم: 4] ورجّح هذا القول بقوله: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ}، {فَلَمَّا أَنْبَأَهَمْ بَأَسْمَائِهِمْ} ولم يقل: "أَنْبِئُونِي بِهَؤُلاَءِ"، "فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بهِمْ" ولكن في قوله "وعوض منه اللام" نظر؛ لأن الألف واللام لا تقوم مَقَامَ الإضافة عند البصريين. وقيل: تقديره: مسميات الأسماء، فحذف المُضَاف، وأقيم المُضَاف إليه مقامه، ورجح هذا القول بقوله: "ثُمَّ عَرَضَهُمْ" لأن الأسماء لا تجمع كذلك، فدلّ عوده على المسميات، ونحو هذه الآية قوله تعالى: {أية : أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ} تفسير : [النور: 40]. تقديره: أو كَذِي ظُلُمَاتٍ، فالهاء في "يغشاه" على "ذي" المحذوف. فصل في المراد بالأسماء في الآية اختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علّمها لآدم - عليه الصلاة والسلام - فقال ابن عباس، وعكرمه، وقتادة، ومجاهد، وابن جبير: علمه أسماء جميع الأشياء كلّها جليلها وحقيرها. وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحَسَنِ بن علي قال: "كنت جالساً عند ابن عباس، فذكروا اسْمَ الآنِيَةِ وَاسْمَ السّوط، قال ابن عباس: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا". وروي عن ابن عَبَّاس، ومجاهد، وقتادة: "علمه أسماء كلّ شيء حتى القصْعَة والقصيعة وحتى الجَفنة والمِحْلب" وعن قتادة قال: علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لم تعلم المَلائكة، وسمى كل شيء باسمه، وأنحى منفعة كل شيء إلى جنسه. قال النَّحَّاس: "وهذا أحسن ما روي". وقال الطبري "علمه أسماء الملائكة وذريّته" واختار هذا، ورجّحه بقوله: "ثم عرضهم". وقال القتيبي "أسماء ما خلق في الأرض". وقيل: أسماء الأجناس والأنواع. وقال الربيع بن أنس: "أسماء الملائكة". وقيل: أسماء ذريّته. وقيل: أسماء ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. وقيل: صنعة كلّ شيء. وقال أصحاب التأويل: إن الله - عزّ وَجَلّ - علم آدم جميع اللُّغات، ثم تكلم كل واحد من أولاده بلغة فتفرقوا في البلاد، واختص كل فرقة منهم بِلُغةٍ. فصل في بيان أن اللغات توقيفية أو اصطلاحية؟ قال "الأشعري" و "الجبائي" و "الكعبي": اللُّغات كلها توفيقيةٌ، بمعنى أن الله تعالى خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ، وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعةٌ لتلك المعاني: لقوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}. وقال "أبو هاشم": إنه لا بد من تقدم لغة اصطلاحية، وأن الوضع لا بد وأن يكون مسبوقاً على الاصطلاح، واحتج بأمور: أحدها: أنه لو حصل العلم الضروري بأنه - تعالى - وضع ذلك اللَّفظ لذلك المَعْنَى لصارت صفةُ الله معلومةً بالضرورة، مع أن ذاته معلومة بالاستدلال، وذلك مُحَال، ولا جائز أن يحصل لغير العاقل، لأنه يبعد في العقول أن يحصل العلم بهذه اللُّغَات مع ما فيها من الحكم العجيبة لغير العاقل، فالقول بالتوقيف فاسد. وثانيها: أنه - تعالى - خاطب الملائكة، وذلك يوجب تقدُّم لغة على ذلك التكلم. وثالثها: أن قوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} يقتضي إضافة التعليم إلى الأسماء، وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التَّعليم، وإذا كان كذلك كانت اللُّغات حاصلةً قبل ذلك التعليم. ورابعها: أن آدم - عليه الصَّلاة والسلام - لما تَحَدَّى الملائكة بعلم الأسماء، فلا بد وأن تعلم الملائكة كونه صادقاً في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات على ذلك التعليم. فصل في بيان هل كان آدم نبياً قبل المعصية؟ قالت المعتزلة: إن علم آدم الأسماء معجزة دالّة على نبوّته - عليه الصلاة والسلام - والأقرب أنه كان مبعوثاً إلى حَوّاء، ولا يبعد أيضاً أن يكون إلى من توجّه التحدي إليهم من الملائكة؛ لأن جميعهم وإن كانوا رسلاً فقد يجوز الإرْسَال إلى الرسول، كبعثة إبراهيم - عليه الصلاة والسّلام - إلى لُوطٍ - عليه الصلاة والسّلام - واحتجوا بأن حصول ذلك العلم له ناقصٌ للعادة، فوجب أن يكون معجزاً، وإذا ثبت كونه معجزاً ثبت كونه رسولاً في ذلك الوقت. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن ذلك العلم ناقص للعادة؛ لأن حصول العلم باللُّغة لمن علمه الله، وعدم حصوله لمن لم يعلمه ليس بناقصٍ للعادة. وأيضاً فإما أن يقال: الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعةً لتلك المسميات، فحينئذ تحصل المُعَارضة، ولا تظهر المزية، وإن لم يعلموا ذلك، فكيف عرفوا أن آدم أصاب فيما ذكر من كون كلّ واحد من تلك الألفاظ اسماً لكل واحد من تلك المعاني؟ واعلم أنه يمكن دفع هذا السُّؤال من وجهين: الأول: ربّما كان لكل صِنْفٍ من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات، وكان كل صنف جاهلاً بلغة الصنف الآخر، ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وإن آدم - عليه الصَّلاة والسلام - لما عَدّ عليهم جميع تلك اللُّغات بأسرها عرف كل صنف إصابته في تلك اللُّغة خاصّة، فعرفوا بهذه الطريق صدقة إلاّ أنهم بأسرهم عجزوا عن معرفة تلك اللغات بأسرها، فكان ذلك معجزاً. الثَّاني: لا يمتنع أن يقال: إنه - تعالى - عرفهم قبل ذلك أنهم إذا سمعوا من آدم - عليه الصلاة والسَّلام - أظهر فعلاً خارقاً للعادة، فَلِمَ لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص؟ وهما عندنا جائزان. واحتج من قطع بأنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - ما كان نبياً في ذلك الوَقْتِ بوجوه: أحدها: أنه لو كان نبياً في ذلك الزمان لكان قد صدرت منه المعصية بعد النبوة، وذلك غير جائز. وثانيها: لو كان رسولاً في ذلك الوقت لكان إما أن يكون مبعوثاً إلى أحد، أو لا يكون مبعوثاً إلى أحد، وإما أن يكون مبعوثاً إلى الملائكة والإنس والجن، والأَوّل باطل، لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر، ولا يجوز جعل الأدون رسولاً إلى الأشرف؛ لأن الرسول متبوع، والأمّة تبع، وجعل الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل، وأيضا فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن، ولهذا قال الله تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} تفسير : [الأنعام: 9] ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى البشر، لأنه ما كان هناك أحد من البشر إلا حَوّاء، وحواء ما عرفت التكليف إلا بواسطة آدم لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} تفسير : [البقرة: 35] شافههما بهذا التكليف، وما جعل آدم واسطة، ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى الجن؛ لأنه ما كان في السماء أحد من الجنّ، ولا جائز أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى أحد، لأن المقصود من جعله رسولاً التبليغ، فحيث لا مبلغ لم يكن في جعله رسولاً فائدة. وثالثها: قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ} تفسير : [طه: 122] دليل على أنه إنما اجتباه ربه بعد الزّلة، فوجب أن يكون قبل الزَّلة غير مجتبي، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبي وجب ألا يكون رسولاً؛ لأن الاجتباء والرسالة مُتَلاَزمان، لأن الاجتباء لا مَعْنَى له إلاّ التخصيص بأنواع التشريفات، وكل من جعله الله رسولاً، فقد خصّه بذلك لقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124]. قوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ}. "ثم": حرف للتَّرَاخي كما تقدّم، والضَّمير في "عَرَضَهُمْ" للمسميات المقدّرة، أو لإطلاق الأسماء وإرادة المسميات، كما تقدم. وقيل: يعود على الأسماء. ونقل عن ابن عباس، ويؤيده قراءة أُبيّ "عَرَضَهَا"، وقراءة ابن مسعود: "عَرَضَهُنَّ" إلا أن في هذا القول جعل ضمير غير العقلاء كضمير العقلاء أو نقول: إنما قال ابن عباس ذلك بناء منه أنه أطلق الأسماء، وأراد المسميات كما تقدم وهو واضح. و "عَلَى المَلاَئِكَةِ" متعلّق بـ "عَرَضَهُمْ". قال ابن مسعود وغيره: عرض الأشخاص، لقوله تعالى: "عَرَضَهُمْ" وقوله: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ}. وفي الحديث: "إنَّه عَرَضَهُمْ أَمْثَالَ الذَّرِّ". وقال ابن عباس وغيره: عرض الأسماء. فصل في بيان أول من تكلم بالعربية اختلف في أوّل من تكلم بالعربية. روى كعب الأحبار: أن أول من وضع الكتاب العربي والسّرياني والكتب كلها، وتكلم بالألسنة كلها آدم عليه الصلاة والسلام. فإن قيل: روى ثور بن يزيد عن خَالِدِ بن مَعْدَان عن كعب قال: أوّل من تكلّم بالعربية جبريل - عليه الصلاة والسلام - وهو الذي أَلْقَاهَا على لسان نُوحٍ عليه الصلاة والسلام، وألقاها نوح على لسان ابنه سَام. وقد روي أيضاً: أن أوّل من تكلّم بالعربية يعرب بن قَحْطَان، وروي غير ذلك، والجواب الصحيح أن أول من تكلّم بالغات كلها من البشر آدم عليه الصلاة والسلام - والقرآن يشهد له. الآية. وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : وَعَلمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا حَتَّى القَصْعَة وَالقُصَيْعَة" تفسير : وما ذكروه يحتمل أن يكون المراد به أول من تكلّم بالعربية من ولد إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - إسماعيل عليه الصلاة والسَّلام، وكذلك إن صَحّ ما سواه فإنه يكون محمولاً على أن المذكور أول من تكلّم من قبيلته بالعربية. وكذلك جبريل أول من تكلم بها من الملائكة، وألقاها على لسان نوح بعد أن علمها الله آدم أو جبريل، على ما تقدم. قوله: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ}. "الإِنْبَاء" الإخبار، وأصل أنبأ أن يتعدّى لاثنين ثانيهما بحرف الجر كهذه الآية، وقد يحذف حرف الجر، قال تعالى: {أية : مَنْ أَنبَأَكَ هَـٰذَا} تفسير : [التحريم: 3] أي: بهذا، وقد يتضمّن معنى أعلم اليقينية، فيتعدّى تعديتها إلى ثلاثة مَفَاعيل، ومثل أنبأ: نبّأ وأخبر، وخبر وحدث. و "هؤلاء" في محل خفض بالإضافة، وهو اسم إشارة، ورتبته دُنْيَا، ويُمَدُّ وَيُقْصَرُ؛ كقوله: [الخفيف] شعر : 369- هؤُلَى ثُمَّ هؤُلَى كُلاًّ اعْطَيْـ ـتَ نِعَالاً مَحْذُوَّةً بِمِثَالِ تفسير : والمشهور بناؤه على الكَسْرِ، وقد يضم، وقد ينوَّن مكسوراً، وقد تبدل همزته هاء، فيقال: هؤُلاَه، وقد يقال: هَوْلاَءِ؛ كقوله: [الوافر] شعر : 370- تَجَلَّدْ لاَ يَقُلْ هَوْلاَءِ: هَذَا بَكَى لَمَّا بَكَى أَسَفاً عَلَيِْكَا تفسير : ولامه عند الفارسي همزة فتكون فاؤه ولامه من مادّة واحدة، وعند المبرد أصلها ياء، وإنما قلبت همزةً لتطرفها بعد الألف الزَّائدة. قوله: {إنْ كُنْتُمْ صَادِقِيْنَ} تقدّم نظيره وجوابه محذوف أي: إنْ كنتم صادقين، فأنبئوني. والكوفيون والمبرد يرون أن الجواب هو المتقدم، وهو مردود بقولهم: "أنت ظالم إن فعلت" لأنه لو كان جواباً لوجبت الفاء معه كما تجب معه متأخراً. وقال ابن عطية: إن كون الجواب مَحْذوفاً هو رأي المبرد، وكونه متقدماً هو رأي سيبويه، وهو وهم؛ لأن المنقول عن المبرد أن التقدير: إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبئوني. وهذه الآية دالة على فضيلة العلم.

البقاعي

تفسير : ولما أعلم سبحانه الملائكة أن الأمر على خلاف ما ظنوا شرع في إقامة الدليل عليه فقال عاطفاً على قوله: "قال": {وعلم} أي لإقامة الدليل على ذلك، والتعليم تكرار العلم ليثبت لما في جبلة المعلَّم من النسيان، {آدم} من الأدم من الأديم وهو جلدة الأرض التي منها جسمه، وحظ ما فيه من أديم الأرض هو اسمه الذي أنبأ عنه لفظ آدم، {الأسماء} أي التي للأشياء {كلها} وهو جمع اسم وهو ما يجمع اشتقاقين من السمة والسمو؛ فهو بالنظر إلى اللفظ وسم وبالنظر إلى الحظ من ذات الشيء سمو، وذلك السمو هو مدلول الاسم الذي هو الوسم الذي ترادفه التسمية - قاله الحرالي، وقال في كتاب له في أصول الفقه: الاسم يقال على لفظ التسمية ويقال على حظ ونصيب من ذوات الأشياء، وتلك هي المعروضة على الملائكة، واسم التسمية يحاذي به المسمى معلومه من الشيء المسمى الذي هو الاسم المعروض، وهو عند آدم علم وعند الملائكة ومن لا يعلم حقيقة الاسم المعروض توقيف ونبأ - انتهى. ولما كان العرض على الملائكة بالغاً في المراد أشار إلى تعظيمه بحرف التراخي فقال: ثم {عرضهم} أي الأشياء. قال الحرالي: أظهرهم عن جانب وهو العرض والناحية {على الملائكة} القائلين لذلك. وقال الحرالي: لما ذكر تعالى مراجعة الملائكة في خلق هذا الخليفة ذكر إبداءه لهم وجه حكمة علية بما أعلى هذا الخليفة من تعليمه إياه حقائق جميع الذوات المشهودة لهم على إحاطتهم بملكوت الله و ملكه شهوداً فأراهم إحاطة علم آدم بما شهدوا صورة ولم يشهدوا حقيقة مدلول تسميتها، وعلمه حكمة ما بين تلك الأسماء التي هي حظ من الذوات وبين تسمياتها من النطق ليجتمع في علمه خلق كل شيء صورة وأمره كلمة فيكمل علمه في قبله على سبيل سمعه وبصره، واستخلفه في علم ما له من الخلق والأمر، وذلك في بدء كونه فكيف يحكم حكمة الله فيما يتناهى إليه كمال خلقه إلى خاتمة أمره فيما انتهى إليه أمر محمد صلى الله عليه وسلم مما هو مبهم في قوله تعالى: {أية : وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً} تفسير : [النساء: 113] فأبدى الله عز وجل لهم بذلك وجه خلافة علمية وعملية في التسمية إعلاء له عندهم، وقد جعلهم الله عز وجل مذعنين مطيعين فانقادوا للوقت بفضل آدم على جميع الخلق وبدا لهم علم أن الله يعلي من يشاء بما يشاء من خلافة أمره وخلقه، وتلك الأسماء التي هي حظوظ من صور الموجودات هي المعروضة التي شملها اسم الضمير في قوله تعالى {ثم عرضهم} وأشار إليه "هؤلاء" عند كمال عرضهم، وأجرى على الجميع ضمير "هم" لاشتمال تلك الكائنات على العاقلين وغيرهم؛ وبالتحقيق فكل خلق ناطق حين يستنطقه الحق، كما قال تعالى {أية : اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم} تفسير : [يس: 65] وإنما العجمة والجمادية بالإضافة إلى ما بين بعض الخلق وبعضهم - انتهى. وقال أبو حاتم أحمد بن حمدان الرازي في كتاب الزينة: ويقال إن الاسم مأخوذ من السمو وهو العلو والرفعة، وإنما جعل الاسم تنويهاً بالدلالة على معنى الاسم لأن المعنى تحت الاسم - هذا قول النحويين؛ والسمة تدل على صاحبها، لأنهما حرفان سين وميم، فالسين من السناء والميم من المجد وهو لب الشيء، فكأنه سمى اسماً لأنه يضيء لك عن لب الشيء ويترجم عن مكنونه، وليس شيء إلا وقد وسمه الله بسمة تدل على ما فيه من الجوهر؛ فاحتوت الأسماء على جميع العلم بالأشياء، فعلمها الله آدم وأبرز فضيلته على الملائكة عليهم السلام - انتهى. {فقال} معجزاً لهم {أنبئوني} أي أخبروني إخباراً عظيماً قاطعاً {بأسماء هؤلاء} أي الموجودات بتفرسكم فيها {إن كنتم صادقين} أي فيما تفرستموه في الخليفة وفي أنساله. قال الحرالي: هذه الأسماء المواطئة للتسمية من السمة والأسماء الأول هي الحظوظ من الذوات التي المتسم بها هو المسمى، ومع ذلك فبين التسمية والاسم مناسبة مجعول الحكمة بينهما بمقتضى أمر العليم الحكيم - انتهى. {قالوا} متبرئين من العلم {سبحانك} أي ننزهك تنزيهاً يجل عن الوصف عن أن ننسب إليك نقصاً في علم أو صنع، ونتبرأ إليك مما يلزم قولنا من ادعاء العلم لسواك. قال الحرالي: وفي هذا المعنى إظهار لفضلهم وانقيادهم وإذعانهم توطئة لما يتصل به من إباء أبليس - انتهى. والحاصل أنه تصريح بتنزيه الله تعالى عن النقص وتلويح بنسبته إليهم اعتذاراً منهم عما وقعوا فيه، ولذا قالوا: {لا علم لنا} أي أصلاً {إلا ما علمتنا} فهو دليل على أنه لا سبيل إلى علم شيء من الأشياء إلا بتعليم الله. قال الحرالي: رداً لبدء الأمر لمن له البدء، ولذلك ورد في أثارة من علم: من لم يختم علمه بالجهل لم يعلم، وذلك الجهل هو البراءة من العلم إلا ما علم الله - انتهى. ثم خصوه بما نفوه عن أنفسهم فقالوا: {إنك أنت} أي وحدك {العليم} أي العالم بكل المعلومات {الحكيم} أي فلا يتطرق إلى صنعك فساد بوجه فلا اعتراض أصلاً. قال الحرالي: توكيد وتخليص وإخلاص للعلم والحكمة لله وحده، وذلك من أرفع الإسلام، لأنه إسلام القلوب ما حلاها الحق سبحانه به! فإن العلم والحكمة نور القلوب الذي تحيا به كما أن الماء رزق الأبدان الذي تحيا به! فإن العلم والحكمة نور القلوب الذي تحيا به كما أن الماء رزق الأبدان الذي تحيا به؛ والحكمة جعل تسبيب بين أمرين يبدو بينهما تقاض من السابق واستناد من اللاحق - انتهى. وأصلها في اللغة المنع من الفساد ولا يكون ذلك إلا عن تمام العلم. فلما قالوا ذلك وأراد إشهادهم فضل آدم عليه السلام استأنف في جواب من كأنه قال: ما قال لهم عند ذلك؟ قوله: {قال} مظهراً لفضيلة العلم الموجبة لشرف العالم {يا آدم أنبئهم} أي ليزدادوا بصيرة في أن العالم من علّمته والسعيد من أسعدته في أي صورة ركبته {بأسمائهم} فأنبأهم بها. قال الحرالي: ولم يقل: علمهم، فكان آدم عليماً بالأسماء وكانوا هم مخبرين بها لا معلميها، لأنه لا يتعلمها من آدم إلا من خلقه محيط كخلق آدم، ليكون من كل شيء ومنه كل شيء، فإذا عرض عليه شيء مما منه آنس علمه عنده؛ فلذلك اختصوا بالإنباء دون التعليم، فلكل شيء عند آدم عليه السلام بما علمه الله وأظهر له علاماته في استبصاره والشيء اسمان جامعان: اسم بيصّره من موجود الشيء واسم يذكره لإبداء معنى ذلك الشيء إلى غاية حقيقته، ولكل اسم جامع عنده وجوه متعددة يحاذي كلَّ وجه منها بتسمية تخصه، وبحسب تلك الوجوه تكثرت عنده الألسنة وتكثرت الألسن الأعجمية، فأفصحها وأعربها الاسم الجامع وذلك الاسم هو العربي الذي به أنزل خاتم الكتب على خاتم المرسلين وأبقى دائماً في مخاطبة أهل الجنة لمطابقة الخاتمة إحاطة البادئة {أية : حم * والكتاب المبين * إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون * وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} تفسير : [الزخرف: 1، 4] وطابق الختم البدء إحاطة لإحاطة - انتهى. وهذا كما كان ولده محمد خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم يكلم كل إنسان بلغته من قبائل العرب ومن العجم بل ومن البهائم العجم لكان علمه لبعض اللغات من غير مخالطة لأهلها ولا إلمام بلسانهم دليلاً على علم سائر اللغات، لأنه لا معلم له إلا العالم بكل شيء. {فلما أنبأهم} أي أخبرهم إخباراً عظيماً يأخذ بالألباب، و {لما} كلمة تفهم وجوب أمر لأمر في حين فتجمع معنى الشرط والظرف - قاله الحرالي {بأسمائهم} عل ما هي عليه. قال الحرالي في التفسير وكتاب له في أصول الفقه: هذه التسميات ليس الأسماء التي هي موجودة من الذوات، لأن تلك لا ينالها إلا العلم وشهود البصيرة وقد جرى ذلك في وراثة في ولد آدم حتى كان رؤبة وأبوه العجاج يرتجلان اللغة ارتجالاً ويتعلمها منهم من سواهم من العرب، لأن التسمية التي ينالها الإنباء للاسم الذي يناله العلم كالمثل له المبدي لصورة معناه للأذن لمناسبة ومواصلة بين خصوص التسمية واسمها من الذات، فيعلم ما يحاذي الشيء المفرد من منتظم الحروف كما يعلم الواصف ما يحاذي الشيء ويحاكيه من منتظم الكلم، فيحاذيه ويحاكيه الواصف بكلام، ويحاذيه ويسميه المسمى له بكلمة واحدة، وكما أنه ليس لكل أحد مُنّة أن يصف فكذلك ليس لكل أحد منة أن يسمى، ومنه ما يجري من ألسنة العامة من النبز والألقاب وقد كان يجب الاكتفاء بما في هذه الآية من العلم ببدء أمر المسميات عما وقع فيها من الاختلاف بين التوقيف والاصطلاح، فقد تبين أنها عن علم علمه الله آدم لا عن توقيف كما هو عند الملائكة من آدم ولا عن اصطلاح كما قيل - انتهى. {قال} أي الله تعالى مثبتاً مدخول النفي كما هو شأن همزة التقرير {ألم أقل لكم} يا ملائكتي! ولما كان هذا خبراً جسيماً نبه على بلوغه النهاية في العظمة وأنه مما يستغربه بعض الخلق بالتأكيد فقال: {إني أعلم} علماً مستمراً لا انقضاء له {غيب السماوات والأرض} فمن أردت تعليمه شيئاً من ذلك كان عالماً به، وأما غيري فلا طريق له إلى معرفة المستقبل إلا الفراسة وقد تحظى. قال الحرالي: قررهم حتى لا يكون لهم ثانية وأعلم بذلك عباده من ولد آدم حتى يستنوا بحكم التسليم لله في ما يبديه من غير تعرض ولا اعتراض، فمنهم من آمن ومنهم من كفر - انتهى. {وأعلم ما تبدون} في كل حين {وما كنتم تكتمون} فيما مضى وفيما يأتي. قال الحرالي: وفي صيغة تكتمون من الدلالة على تمادي ذلك في كيانهم ما في صيغة تبدون من تمادي بادى ذلك منهم - انتهى. ولما أخبرنا سبحانه بهذه النعمة على أبينا ضم إليها الإنعام بإسجاد الملائكة له ونحن في ظهره فقال عاطفاً على "إذ" الأولى وعدل عن الغيبة إلى التكلم ثم إلى كونه في مظهر العظمة إعلاماً بأنه أمر فصل لا فسحة في المراجعة فيه. وقال الحرالي: لما أنبأ تعالى بأمر مفاوضة الملائكة وما كان من ادعائهم وتسليمهم الأمر لله ولمن علمه الله وهو آدم عليه السلام نظم بذلك نبأ انقيادهم لآدم فعلاً كما انقادوا له علماً تماماً لكمال حالهم في التسليم علماً وعملاً فقال تعالى - انتهى. {وإذ قلنا} أي على عظمتنا {للملائكة} أي الذين أكرمناهم بقربنا {اسجدوا لآدم} عبدنا اعترافاً بفضله لتفضيلنا له. قال الحرالي: فجعله باباً إليه وكعبة يجلّونه بجلاله تعالى ومحراباً وقبلة، يكون سجودهم له سجوداً لله تجاه آدم كسجود آدم تجاه الكعبة، وظهر بذلك سوء إباء إبليس عن السجود حين خالفهم في طينة الكيان، لأن الملائكة خلقت من نور والنور طوع لا يحوزه أين ولا يختصه جهة، ولأن الجان خلقت من نار وهي مما يحوزه أين وتختصه جهة لا يرجع عنها إلا بقهر وقسر، فلم ينزل عن رتبة قيامه في جبلته لمخلوق الطين حيث لم يشعر بإحاطة خلق آدم كما تلقته الملائكة - انتهى. فبادروا الامتثال {فسجدوا} أي كلهم له كما امرهم الله تعالى {إلا إبليس} قال الحرالي: من الإبلاس وهو انقطاع سبب الرجاء الذي يكون عنه اليأس من حيث قطع ذلك السبب - انتهى. فكأنه قيل: ما فعل؟ فقيل: {أبى}، من الإباء وهو امتناع عما حقه الإجابة فيه - قاله الحرالي. {واستكبر} عن السجود له، من الاستكبار وهو استجلاب الكبر، والكبر بطر الحق وغمض الناس وغمطهم، وموجب ذلك استحقار الغير من وجه واستكمال النفس من ذلك الوجه - قاله الحرالي. {وكان} أي في أصل جبلته بما أفهمه الاستكبار من نسبتنا إلى ترك الحكمة إما جهلاً أو جوراً في أمرنا بسجوده لآدم وهو على زعمه خير منه {من} وهي كلمة تفهم اقتباس الشيء مما جعل منه - قاله الحرالي. {الكافرين} أي الذين سبق علمنا بشقاوتهم لم يتجدد لنا بذلك علم ما لم نكن نعلمه. وفي الآيات الثلاث {يا أيها الناس اعبدوا ربكم} و {كيف تكفرون بالله} و {إذ قال ربك للملائكة} أيضاً إشارة إلى اختلاف الحال في الخطاب بوصف الربوبية مع الخُلّص ومع من دونهم وفي الخطاب بأوصاف الذات، وذلك أنه تعالى لما بين أن الضالين في حسن أمثاله هم الخاسرون عجب ممن يكفر به إشارة إلى شدة ظهوره وانتشار نوره في أمثاله وجميع أقواله وأفعاله وأن شهوده في كل اعتبار أوضح من ضياء النهار، لأنه ما ثمَّ إلا ذاته وأفعاله وصفاته: شعر : وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد تفسير : متجلياً عليهم باسم الإلهية في أفعاله التي هم لها ناظرون وبها عارفون، فقال: {كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم} إلى أن قال: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} الآية، وأدرج في ذلك أمر البعث بقوله {ثم إليه ترجعون} تنبيهاً على مشاركته لبقية ما في الآية من الظهور، لما قدم من الاستدلال عليه بإخراج الثمرات حين تعرف إليهم بوصف الربوبية الناظر إلى العطف والامتنان والتربية والإحسان في مثل ما هنا من أفعاله الظاهرة وآثاره الباهرة فقال: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم} إلى آخرها؛ وختم هذه الآية بوصف العلم الشامل لما قام عليه من الدليل ضمن هذا التعجيب إشارة إلى الاستدلال على كمال الأمثال وتحديداً لمن يستمر على الكفران بعد هذا البيان بأنه بمرأى منه ومسمع في كل حال، فلما فرغ من خطابهم بالأمور الظاهرة على قدر فهومهم ومبلغ علومهم رقي الخطاب إلى رتبة نبيه عليه الصلاة والسلام لترقية البيان إلى غيب مقاولته لملائكته فقال: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل} الآية فلكل مقام مقال، ولكل مخاطب حد في الفهم وحال. قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في المفتاح الباب السَابع في إضافة الربوبية ونعت الإلهية في القرآن: اعلم أن الربوبية إقامة المربوب بما خلق له وأريد له، فرب كل شيء مقيمه بحسب ما أبداه وجوده، فرب المؤمن ربه ورباه للإيمان، ورب الكافر ربه ورباه للكفران، ورب محمد ربه ورباه للحمد - "أدبني ربي فأحسن تأديبي"، ورب العالمين ربى كل عالم لما خلق له {أية : أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}تفسير : [طه: 50]؛ فللربوبية بيان في كل رتبة بحسب ما أظهرته آية مربوبه - من عرف نفسه عرف ربه {أية : سبح اسم ربك الأعلى} تفسير : [الأعلى: 1] {أية : فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك} تفسير : [الكهف: 18] {اعبدوا ربكم الذي خلقكم} {أية : لهم أجرهم عند ربهم} تفسير : [البقرة: 262]. وقال في الباب الذي بعده: فخطاب الإقبال على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم إفهام في القرآن {أية : ألم تر إلى ربك كيف مد الظل} تفسير : [الفرقان: 4] الآية {أية : وهو الذي جعل لكم الليل لباساً} تفسير : [الفرقان: 47] الآية، تفاوت الخطابين بحسب تفاوت المخاطبين وكما يتضح لأهل التعرف رتب البيان بحسب إضافة اسم الرب فكذلك يتحقق لأهل الفهم وجوه إحاطات البيان بحسب النعوت والتبيان في اسم الله غيباً في متجلى الآيات للمؤمن، وعيناً للكامل الموقن، وجمعاً وإحاطة عن بادىء الدوام للمحقق الواحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد {أية : وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} تفسير : [آل عمران: 101] {أية : قل هو الله أحد} تفسير : [الإخلاص: 1]؛ والتفطن في رتب البيان في موارد هذا النحو من الخطاب في القرآن من مفاتيح الفهم وبوادىء مزيد العلم - انتهى. وقد أوقع سبحانه ذكر ابتداء الخلق على ترتيب إيجاده له فقد روى مسلم في صحيحه والنسائي في التفسير من سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: "حديث : خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة في آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل" تفسير : . وقال المزي في الأطراف قال البخاري في التاريخ: وقال بعضهم: أبو هريرة عن كعب وهو أصح - انتهى. وما يقال من أنه كان قبل آدم عليه السلام في الأرض خلق يعصون قاس عليهم الملائكة عليهم السلام حال آدم عليه السلام، كلام لا أصل له، والذي يدل عليه حديث مسلم هذا كما ترى أنه أول ساكني الأرض؛ والذي يلوح من اسمه في بدئه بالهمزة التي هي أول الحروف وختمه بالميم التي هي آخرها وختامها أنه أول ساكنيها بنفسه، كما أنه خاتمهم بأولاده، عليهم تقوم الساعة. ورأيت في ترجمة للتوراة وهو أولها: خلق الله ذات السماء وذات الأرض وكانت الظلمة فقال الله: ليكن النور، فكان النور، فأراد أن يفرق بين النور والحِندِس فسمى النور نهاراً والحندس مساءً؛ ثم قال: ليكن جَلَد وسط الماء ويميز بين الماء الأعلى والماء الأسفل. وفي نسخة: ليكن سقف بين المياه ليفصل بين الماء والماء، فكان كذلك فخلق الله سقفاً وفصل به بين الماء الذي تحت الجلد والماء الذي فوق الجلد وسمى الله الجلد سماء؛ وقال الله: لتجتمع المياه التي تحت السماء إلى مكان واحد ولتظهر اليابسة، فكان كذلك فسمى الله اليابسة أرضاً وسمى مجامع المياه بحوراً؛ وقال: لتخرج الأرض نبت عشب يزرع منه زرع لجنسه وشجر ذات ثمار تثمر لجنسها يغرس منه غرس على الأرض، فأينعت الأرض نبتاً عشباً يزرع منه زرع لجوهره وشجر ذات ثمار لجوهرها؛ فقال الله: ليكن نجمان في جلد السماء ليضيئا على الأرض وليميزا بين النهار والليل وليكونا للآيات والأزمان والعدد والأيام والسنين، فخلق الله نورين عظيمين: المصباح الأكبر لسلطان النهار والمصباح الأصغر لسلطان الليل وخلق النجوم، وكان المساء والصباح من اليوم الرابع؛ فقال الله: ليحت الماء حيتاناً ذات أنفس حية، وليطر الطير فوق الأرض في جو السماء، فكان كذلك؛ وخلق تنانين عظيمة وكل نفس حية تدب في الماء لأجناسها وكل طيور ذات أجنحة لأصنافها وباركها وقال: انموا واكثروا واملؤوا مياه البحور وليكثر الطير على وجه الأرض؛ وقال الله: لتخرج الأرض أنفساً حية لجنسها دواب وسباع الأرض لأجناسها، فكان كذلك؛ وخلق الله سباع الأرض لأجناسها والدواب لأصنافها وجميع هوام الأرض لجواهرها. فأراد الله أن يخلق خلقاً يتسلط على حيتان البحر وطير السماء وعلى الدواب وجميع السباع وعلى الحشرة التي تدب على الأرض فخلق آدم بصورته ذكراً وأنثى وبارك عليهما وقال لهما: انميا وأكثرا وتسلطا على حيتان البحر وطير السماء والدواب وجميع السباع؛ وقال: ها أنا ذا قد أعطيتكما جميع العشب الذي يزرع على وجه الأرض كلها وكل شجر ذات ثمار تغرس فيها ليكون لكما مأكلاً ولجميع سباع البر وطيور السماء ولكل ما يدب على الأرض فيه نفس حية، فكان كذلك؛ وكملت السماء والأرض وجميع ما فيهما في اليوم السادس، ولم يكن ظهر على الأرض شيء من عشب الأرض، لأن الله لم يكن أهبط المطر على وجه الأرض بعد، وذلك لأن آدم لم يكن خلق بعد ليعمل في الأرض، وكان ينبوع يظهر في قعر عدن فيسقي جميع وجه الأرض. فجبل الله الرب آدم من تربة الأرض ونفخ في وجهه نسمة الحياة فصار آدم ذا نفس حية وغرس الله الرب فردوساً بعدن من قبل وأسكنه آدم، وأنبت الله كل شجرة حسنة المنظر شهية المأكل وشجرة الحياة وسط الفردوس وشجرة علم الخير والشر، وكان نهر يخرج من عدن فيسقي الفردوس وكان ينفصل من هناك وينفرق على أربعة أطراف: اسم أحدها سيحون الذي يحيط بجميع أرض الهند وتلك البلاد الكثيرة، وذَهَب تلك الأرض جيد جداً، هنالك المها وحجر البلور، واسم النهر الثاني جيحون الذي يحيط بجميع أرض الحبشة، واسم النهر الثالث دجلة الذي يخرج قبالة الموصل، والنهر الرابع الفرات؛ فتقدم الرب إلى آدم وقال له: كل من جميع أشجار الفردوس، فأما شجرة علم الخير والشر فلا تأكل منها، لأنك في اليوم الذي تأكل منها تموت موتاً. وقال الله: لا يحسن أن يكون آدم وحده فلنخلق له عوناً مثله، فجمع الرب من الأرض جميع سباع البر وطير السماء وأقبل بها إلى آدم ليرى ما يسميها وكل نفس حية سماها آدم فذلك اسمها فسمى الجميع، فألقى الله على آدم سباتاً فرقد، فنزع ضلعاً من أضلاعه وأخلف له بدله لحماً، فخلق الله من الضلع الذي أخذ من آدم امرأة، فأقبل بها إلى آدم فقال: هذه الآن التي قرنت إليّ! وفي هذه عظم من عظامي ولحم من لحمي! فلتدع امرأة لأنها أخذت من الرجل، ولذلك يدع الرجل أباه وأمه ويلحق بامرأته ويكونان كلاهما جسداً واحداً؛ وكانا كلاهما عريانين آدم وامرأته ولا يستحييان. وكانت الحية أعز دواب البر كلها فقالت الحية للمرأة: أحق أن الله قال لكما: لا تأكلا من جميع شجر الجنة؟ فقالت المرأة: إنا لنأكل من كل ثمر الجنة، فأما من ثمرة الشجرة التي في وسط الجنة فإن الله قال لنا: لا تأكلا منها ولا تقرباها لكيلا تموتا؛ قالت الحية: لستما تموتان، ولكن الله علم أنكما إن تأكلا منها تنفتح أعينكما وتكونا كالإله تعلمان الخير والشر. فرأت المرأة الشجرة طيبة المأكل شهية في العين فأخذت من ثمرتها فأكلت وأعطت بعلها فأكل، فانفتحت أبصارهما وعلما أنهما عريانان، فوصلا من ورق التين وصنعا مآزر. ثم ذكر أن الله تعالى سأله عن ذلك فقال آدم: المرأة التي قرنتها معي هي أطعمتني من الشجرة فأكلت، فقال الله الرب للمرأة: ما هذا الذي فعلت؟ فقالت المرأة: إن الحية أعطتني فأكلت، فقال للحية: ملعونة تكونين من جميع الدواب ومن كل ماشية البر، وعلى بطنك تمشين، والتراب تأكلين كل أيام حياتك، وأغرى العداوة بينك وبين المرأة وبين ولدها، وولدها يطأ رأسك وأنت تلدغينهم بأعقابهم! وقال للمرأة: أكثر أوجاعك وإحبالك وبالوجع تلدين البنين، وإلى بعلك تردين وهو مسلط عليك! وقال لآدم: من أجل طاعتك امرأتَك وأكلك الشجرة التي نهيتك عنها ملعونة الأرض من أجلك بالشقاء تأكل منها كل أيام حياتك أجاجاً وشوكاً تنبت لك، وتأكل عشب الأرض، وبرشح جبينك تأكل طعامك حتى تعود في الأرض التي منها أخذت من أجل أنك تراب وإلى التراب تعود. فدعا آدم اسم امرأته حواء من أجل أنها كانت أم كل حي، وصنع الله الرب لآدم وامرأته سرابيل من الجلود وألبسها، فأرسله من جنة عدن ليحرث الأرض التي منها أخذ، فأخرجه الله ربنا وأحاط من مشرق عدن ملكاً من الكروبيين بيده حربة يطوف بها ليحرس طريق شجرة الحياة. ثم قال بعد ذلك: فكان جميع حياة آدم تسعمائة وثلاثين سنة ثم توفي عليه السلام - هذا نص التوراة. والكروب بوزن زبور بلغة العبرانيين الشخص الصغير، فكان الكروبيون الملائكة المنسوبين إلى مخالطة الناس بالوحي أخذاً من الكروبَين تثنية كروب وهما شخصان في قبة الزمان كان يسمع كلام الله من بينهما، كما يأتي قريباً. فإن أنكر منكر الاستشهاد بالتوراة أو بالإنجيل وعمي عن أن الأحسن في باب النظر أن يرد على الإنسان بما يعتقد تلوت عليه قول الله تعالى استشهاداً على كذب اليهود: {أية : قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين} تفسير : [آل عمران: 93] وقوله تعالى: {أية : وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه} تفسير : [المائدة: 48] - في آيات من أمثال ذلك كثيرة؛ وذكرته باستشهاد النبي صلى الله عليه وسلم التوراة في قصة الزاني كما سيأتي إن شاء الله تعالى في سورة المائدة مستوفى. وروى الشيخان عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تكون الأرض يوم القيامة خبزة نزلاً لأهل الجنة، فأتى رجل من اليهود فقال: بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم! ألا أخبرك بنُزُل أهل الجنة يوم القيامة؟ قال: بلى. قال: تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه" تفسير : وقريب من ذلك حديث الجساسة في أشباهه. هذا فيما يصدقه كتابنا. وأما ما لا يصدقه ولا يكذبه فقد روى البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" تفسير : ورواه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد رضي الله عنه، وهو معنى ما في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: {آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم}" تفسير : الآية، فإن دلالة هذا على سُنِّية ذكر مثل ذلك أقرب من الدلالة على غيرها، ولذا أخذ كثير من الصحابة رضي الله عنهم عن أهل الكتاب. فإن فهم أحد من الشافعية منع أئمتهم من قراءة شيء من الكتب القديمة مستنداً إلى قول الإمام أبي القاسم الرافعي في شرحه: وكتب التوراة والإنجيل مما لا يحل الانتفاع به، لأنهم بدلوا وغيروا، وكذا قال غيره من الأصحاب؛ قيل له: هذا مخصوص بما علم تبديله، بدليل أن كل من قال ذلك علل بالتبديل فدار الحكم معه، ونص الشافعي ظاهر في ذلك، قال المزني في مختصره في باب جامع السير: وما كان من كتبهم أي الكفار فيه طب وما لا مكروه فيه بِيعَ وما كان فيه شرك أبطل وانتفع بأوعيته. وقال في الأم في سير الواقدي في باب ترجمته كتب الأعاجم قال الشافعي: وما وجد من كتبهم فهو مغنم كله، وينبغي للإمام أن يدعو من يترجمه، فإن كان علماً من طب أو غيره لا مكروه فيه باعه كما يبيع ما سواه من المغانم، وإن كان كتاب شرك شقوا الكتاب فانتفعوا بأوعيته وأداته فباعها، ولا وجه لتحريقه ولا دفنه قبل أن يعلم ما هو - انتهى. فقوله في الأم: كتاب شرك، مفهم لأنه كله شرك، ولهذا عبر المزني عن ذلك بقوله: وما كان فيه شرك، أي في أبواب الكتاب وفصوله، وأدل من ذلك قولهم في باب الأحداث: إن حكمها في مس المحدث حكم ما نُسِخَتْ تلاوته من القرآن في أصح الوجهين، والتعبير بالأصح على ما اصطلحوا عليه يدل على أن الوجه القائل بحرمة مس المحدث وحمله لها قوى، وأدل من ذلك ما ذكره محرر المذهب الشيخ محيي الدين النواوي رحمه الله في مسائل ألحقها في آخر باب الأحداث من شرح المهذب وأقرّه أن المتولي قال: فإن ظن أن فيها شيئاً غير مبدل كُرِه مسه - انتهى. فكراهة المس للاحترام، والاحترام فرع جواز الإبقاء والانتفاع بالقراءة، وأصرح من ذلك كله قول الشافعي رحمه الله: إن ما لا مكروه فيه يباع، وكذا قول البغوي في تهذيبه في آخر باب الوضوء: وكذلك لو تكلم - أي الجنب - بكلمة توافق نظم القرآن أو قرأ آية نسخت قراءتها أو قرأ التوراة والإنجيل أو ذكر الله سبحانه أو صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فجائز، قالت عائشة رضي الله عنها: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه" فإنه لا يتخيل أنه يجوز للجنب ما لا يجوز للمحدث، بل كل ما جاز للجنب قراءته من غير أمر ملجىء جاز للمحدث ولا عكس، وتعليله لذلك بحديث عائشة رضي الله عنها دال على أن ذلك ذكر الله تعالى، ولا يجوز الحمل على العموم لا سيما إذا لوحظ قول القاضي الحسين: إنه يجوز الاستنجاء بهما، لأنه مبني على الوجه القائل بأن الكل مبدل؛ وهو ضعيف أو محمول على المبدل منهما، لأنه لا يخفى على أحد أن مسلماً فضلاً عن عالم لا يقول: إنه يستنجي بنحو قوله في العشر الكلمات التي صدرت بها الألواح قال الله جميع هذه الآيات كلها: أنا الرب إلهك الذي أصعدتك من أرض مصر من العبودية والرق، لا تكونن لك آلهة غيري، لا تعملن شيئاً من الأصنام والتماثيل التي مما في السماء فوق وفي الأرض من تحت ومما في الماء أسفل الأرض، لا تسجدن لها ولا تعبدنها، لأني أنا الرب إلهك إله غيور، لا تقسم بالرب إلهك كذباً، لأن الرب لا يزكي من حلف باسمه كذباً، أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيكها الرب إلهك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على صاحبك شهادة زور. وقد أشبع الكلام في المسألة شيخنا حافظ عصره أبو الفضل بن حجر في آخر شرحه للبخاري، وآخر ما حط عليه التفرقة بين من رسخ قدمه في العلوم الشرعية - فيجوز له النظر في ذلك فإنه يستخرج منه ما ينتفع به المهتدون - وبين غيره فلا يجوز له ذلك، وأيده بنظر الأئمة فيهما قديماً وحديثاً والرد على أهل الكتابين بما يستخرجونه منهما؛ فلولا جواز ذلك ما أقدموا عليه - والله الموفق وقد حررت المسألة في فن المرفوع من حاشيتي على شرح ألفية الشيخ زين الدين العراقي فراجعه إن شئت - والله الهادي؛ ثم صنفت في ذلك تصنيفاً حسناً سميته "الأقوال القويمة في حكم النقل من الكتب القديمة". تنبيه: اعلم أن التوراة ثلاث نسخ مختلفة اللفظ متقاربة المعنى إلا يسيراً: إحداها تسمى توراة السبعين، وهي التي اتفق عليها اثنان وسبعون حبراً من أحبارهم؛ وذلك أن بعض اليونان من ملوك مصر سأل بعض ملوك اليهود ببيت المقدس أن يرسل إليه عدداً من حفاظ التوراة، فأرسل إليه اثنين وسبعين حبراً، فأخلى كل اثنين منهم في بيت ووكل بهم كتّاباً وتراجمة، فكتبوا التوراة بلسان اليونان، ثم قابل بين نسخهم الستة والثلاثين فكانت مختلفة اللفظ متحدة المعنى، فعلم أنهم صدقوا ونصحوا، وهذه النسخة ترجمت بعد بالسرياني ثم بالعربي وهي في أيدي النصارى؛ والنسخة الثانية نسخة اليهود من الربانيين والقرائين، والنسخة الثالثة نسخة السامرة؛ وقد نبه على مثل ذلك الإمام السمرقندي في الصحائف واستشهد بكثير من نصوص التوراة على كثير من مسائل أصول الدين، وكذا الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح المقاصد والقاضي عياض في كتاب الشفاء وغيرهم. ثم اعلم أن أكثر ما ذكرته في كتابي هذا من نسخة وقعت لي لم أدر اسم مترجمها. على حواشي فصولها الأوقات التي تقرأ فيها، فالظاهر أنها نسخة اليهود وهي قديمة جداً، فكان في الورقة الأولى منها محو في أطراف الأسطر فكملته من نسخة السبعين، ثم قابلت نسختي كلها مع بعض اليهود الربانيين على ترجمة سعيد الفيومي وهي عندهم أحسن التراجم لو كان هو القارىء، فوجدت نسختي أقرب إلى حقائق لفظ العبراني ومترجمها أقعد من سعيد في لغة العرب، هذا وظاهر القرآن في قوله تعالى: {أية : فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} تفسير : [الحجر: 29] أن الأمر بالسجود له كان قبل إتمام خلقه وأن السجود كان عقب النفخ، وبه صرح البغوي في تفسيره، وأجاب عن قوله تعالى في سورة الأعراف {أية : ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم}تفسير : [الأعراف: 11] بأجوبة، منها أن الخلق والتصوير لآدم وحده، وذكره بضمير الجمع لأنه أبو البشر فخلقه خلقهم وتصويره تصويرهم؛ ومنها أن (ثم) بمعنى الواو ليست للترتيب - انتهى. والتصوير شق السمع والبصر والأصابع - قاله يمان، والتسوية تعديل الخلق وإتمامه وتهيئته لنفخ الروح، ويمكن أن يكون {خلقناكم} وما بعده بمعنى قدرنا ذلك تقديراً قريباً من الإخراج من العدم؛ وبذلك يتضح قوله في التوراة: فخلق آدم بصورته ذكراً وأنثى، ثم قال بعد ذلك: لأن آدم لم يكن خلق بعد، ثم حكى خلقه وخلق زوجه منه؛ فهذا خلق بمعنى الإيجاد، وذلك بمعنى التقدير القريب منه - والتهيئة لقبول الغايات - والله أعلم. ومشى البيضاوي على أن الأمر بالسجود كان بعد الإنباء بالأسماء ولم يذكر دليلاً يصرف عن هذا الظاهر على أن المشي عليه أولى من جهة المعنى، لأن سجود الملائكة عليهم السلام قبل يكون إيماناً بالغيب على قاعدة التكاليف، وأما بعد إظهار فضيلة العلم فقد كُشِف الغطاء وصار وجه الفضل من باب عين اليقين؛ وأما الترتيب في الذكر هنا على هذا الوجه وهو جعل السجود بعد الإنباء فهو لنكتة بديعة وهي أنه تعالى لما كان في بيان النعم التي أوجبت شكره باختصاصه بالعبادة لكونه منعماً فبين أولاً نعمته على كل نفس في خاصتها بخلقها وإفاضة الرزق عليها. ثم ذكر الكل بنعمة تشملهم وهي محاجّته لأقرب خلقه إذ ذاك إليه عن أبينا آدم قبل إيجاده اقتضى الأسلوب الحكيم أن يوضح لهم الحجة في فضيلة هذا الخليفة فذكر ما آتاه من العلم، فلما فرغ من محاجتهم بما أوجب إذعانهم ذكر بنيه بنعمة السجود له، فما كان تقديم إظهار فضيلة العلم إلا محافظة على حسن السياق في ترتيب الدليل على أقوم منهاج وأوضح سبيل. ولما فرغ من نعمة التفضيل في الصفات الذاتية بين النعمة بشرف المسكن مع تسخير زوج من الجنس لكمال الأنس وما يتبع ذلك فقال تعالى. وقال الحرالي: لما أظهر الله سبحانه فضيلة آدم فيما أشاد به عند الملائكة من علمه وخلافته والإسجاد له وإباء إبليس عنه أظهر تعالى إثر ذلك ما يقابل من أحوال آدم حال ما ظهر للملائكة بما فيه من حظ مخالفة يشارك بها إفراط ما في الشيطان من الإباء لإحاطة خلق آدم بالكون كله علواً وسفلاً، وليظهر فضل آدم في حال مخالفته على إبليس في حال إبائه مما يبدو على آدم من الرجوع بالتوبة كحال رجوع الملائكة بالتسليم، فيظهر فيه الجمع بين الطرفين والفضل في الحالين: حال علمه وحال توبته في مخالفته، فجعل تعالى إسكان الجنة توطئة لإظهار ذلك من أمره فقال تعالى: { {وقلنا يا آدم اسكن}، من السكن وهو الهدوء في الشيء الذي في طيه إقلاق، أن في قوله: {أنت} اسم باطن الذات علماً هي المشتركة في أنا وأنتَ وأنتِ وأن تفعل كذا، والألف في أنا إشارة ذات المتكلم، وفي مقابلتها التاء إشارة لذات المخاطب ذكراً أو أنثى {وزوجك الجنة} فأجنت لآدم ما فيها من خبء استخراج أمر معصيته ليكون ذلك توطئة لكمال باطنه بإطلاعه على سر من أسرار ربه في علم التقدير إيماناً والكمال ظاهره يكون ذلك توطئة لفضيلة توبته إسلاماً ليس لبنيه التوبة إثر المعصية مخالفة لإصرار إبليس بعد إبائه وشهادة عليه بجهله في ادعائه، وجعل له ذلك فيما هو متنزل عن رتبة علمه فلم تلحقه فيه فتنة حفيظة على خلافته وأنزلت معصيته إلى محل مطعمه الذي هو خصوص حال المرء من جهة أجوفية خلقه ليبدو نقص الأجوف ويبدي ذلك إكبار الصمد الذي يُطْعِم ولا يُطعَم، فكان ذلك من فعله تسبيحاً بحمد ربه؛ لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيراً له انتهى. ولما كان السياق هنا لمجرد بيان النعم استعطافاً إلى المؤالفة كان عطف الأكل بالواو في قوله: {وكلا منها} كافياً في ذلك، وكان التصريح بالرغد الذي هو من أجل النعم عظيم الموقع فقال تعالى: {رغداً} أي واسعاً رافهاً طيباً هنيئاً {حيث} أي أيّ مكان {شئتما} بخلاف سياق الأعراف فإنه أريد منه مع التذكير بالنعم التعريف بزيادة التمكين وأنها لم تمنع من الإخراج تحذيراً للمتمكنين في الأرض المتوسعين في المعايش من إحلال السطوات وإنزال المثلاث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم المقصود من حكاية القصص في القرآن إنما هو المعاني فلا يضر اختلاف اللفظ إذا أدى جميع المعنى أو بعضه ولم يكن هناك مناقضة فإن القصة كانت حين وقوعها بأوفى المعاني الواردة ثم إن الله تعالى يعبر لنا في كل سورة تذكر القصة فيها بما يناسب ذلك المقام في الألفاظ عما يليق من المعاني ويترك ما لا يقتضيه ذلك المقام، وسأبين ما يطلعني الله عليه من ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. ولما أباح لهما سبحانه ذلك كله أتبعه بالنهي عن شجرة واحدة. قال الحرالي: وأطلق له الرغد إطلاقاً وجعل النهي عطفاً ولم يجعله استثناء ليكون آدم أعذر في النسيان لأن الاستثناء أهم في الخطاب من التخصيص وقال: {ولا تقربا} ولم يقل: ولا تأكلا، نهياً عن حماها ليكون ذلك أشد في النهي - انتهى. {هذه} ولما كان اسم الإشارة لا دلالة له على حقيقة الذات افتقر إلى بيان ذات المشار إليه فقال: {الشجرة} أي فإنكما إن قربتماها تأكلا منها {فتكونا} أي بذلك {من الظالمين} أي الواضعين الشيء في غير موضعه كمن يمشي في الظلام؛ وفي هذا النهي دليل على أن هذه السكنى لا تدوم، لأن المخلد لا يناسب أن يعرض للحظر بأن يحظر عليه شيء ولا أن يؤمر ولا ينهى، ولذلك دخل عليه الشيطان من جهة الخلد، ولا داعي لبيان نوع الشجرة لأن السياق لبيان شؤم المخالفة وبركة التوبة لا لتعيين المنهي عنه فليس بيانه حينئذ من الحكمة.

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وابن سعد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، الحمرة. والبياض، والسواد، وكذلك ألوان الناس مختلفة فيها الأحمر، والأبيض، والأسود، والطيب، والخبيث. وأخرج عبد بن حميد عن أبن عباس قال: خلق الله آدم من أديم الأرض. من طينة حمراء، وبيضاء، وسوداء. وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: أتدرون لم سمي آدم؟ لأنه خلق من أديم الأرض. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وعلم آدم الأسماء كلها} قال: علمه اسم الصفحة، والقدر، وكل شيء، حتى الفسوة والفسية. وأخرج وكيع وابن جرير عن ابن عباس في قوله {وعلم آدم الأسماء كلها} قال: علمه اسم كل شيء. حتى علمه القصعة والقصيعة، والفسوة والفسية. وأخرج وكيع وابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله {وعلم آدم الأسماء كلها} قال: علمه اسم كل شيء، حتى البعير، والبقرة والشاة. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وعلم آدم الأسماء كلها} قال: ما خلق الله. وأخرج الديلمي عن أبي رافع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : مثلت لي أمتي في الماء والطين، وعلمت الأسماء كما علم آدم الأسماء كلها ". تفسير : وأخرج وكيع في تاريخه وابن عساكر والديلمي عن عطية بن يسر مرفوعاً. "حديث : في قوله {وعلم آدم الأسماء كلها} قال "علم الله في تلك الأسماء ألف حرفة من الحرف وقال له: قل لولديك وذريتك يا آدم إن لم تصبروا عن الدنيا فاطلبوا الدنيا بهذه الحرف، ولا تطلبوها بالدين فإن الدين لي وحدي خالصاً. ويل لمن طلب الدنيا بالدين ويل له ". تفسير : وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {وعلم آدم الأسماء كلها} قال: أسماء ذريته أجمعين {ثم عرضهم} قال: أخذهم من ظهره. وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله {وعلم آدم الأسماء} قال: أسماء الملائكة. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {وعلم آدم الأسماء كلها} قال: علم آدم من الأسماء أسماء خلقه، ثم قال ما لم تعلم الملائكة فسمى كل شيء باسمه، وألجأ كل شيء إلى جنسه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {وعلم آدم الأسماء} قال: علم الله آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس. انسان، ودابة، وأرض وبحر، وسهل، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها {ثم عرضهم على الملائكة} يعني عرض أسماء جميع الأشياء التي علمها آدم من أصناف الخلق {فقال أنبئوني} يقول: أخبروني {بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} إن كنتم تعلمون أني لم أجعل في الأرض خليفة {قالوا سبحانك} تنزيهاً لله من أن يكون يعلم الغيب أحد غيره تبنا إليك {لا علم لنا} تبرياً منهم من علم الغيب {إلا ما علمتنا} كما علمت آدم. وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله {ثم عرضهم} قال: عرض أصحاب الأسماء على الملائكة. وأخرج ابن جرير عن مجاهد عن ابن عباس قال: إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله خالق خلقاً أكرم عليه منا، ولا أعلم منا. فابتلوا بخلق آدم. وأخرج ابن جرير عن قتادة والحسن قالا: لما أخذ الله في خلق آدم همست الملائكة فيما بينهما فقالوا: لن يخلق الله خلقاً إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه. فلما خلقه أمرهم أن يسجدوا له لما قالوا.. ففضله عليهم، فعلموا أنهم ليسوا بخير منه فقالوا: إن لم نكن خيراً منه فنحن أعلم منه لأنا كنا قبله {فعلم آدم الأسماء كلها} فعلم اسم كل شيء. جعل يسمي كل شيء باسمه، وعرضوا عليه أمة {ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} ففزعوا إلى التوبة فقالوا {سبحانك لا علم لنا....} الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {إنك أنت العليم الحكيم} قال: العلم الذي قد كمل في علمه {والحكيم} الذي قد كمل في حكمه. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله {إن كنتم صادقين} قال: إن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. وفي قوله {وأعلم ما تبدون} قال: قولهم {أتجعل فيها من يفسد فيها...،.... وما كنتم تكتمون} يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} قال: ما أسر إبليس من الكفر في السجود. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {وأعلم ما تبدون} قال: ما تظهرون {وما كنتم تكتمون} يقول: اعلم السر كما أعلم العلانية. وأخرج ابن جرير عن قتادة والحسن في قوله {ما تبدون} يعني قولهم {أتجعل فيها من يفسد فيها} {وما كنتم تكتمون} يعني قول بعضهم لبعض: نحن خير منه وأعلم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مهدي بن ميمون قال: سمعت الحسن. وسأله الحسن بن دينار فقال: يا أبا سعيد أرأيت قول الله للملائكة {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} ما الذي كتمت الملائكة؟ قال: إن الله لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجباً فكأنهم دخلهم من ذلك شيء قال: ثم أقبل بعضهم على بعض فأسروا ذلك بينهم فقال بعضهم لبعض: ما الذي يهمكم من هذا الخلق؟ إن الله لا يخلق خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه. فذلك الذي كتمت.

ابو السعود

تفسير : {وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلأسْمَاء كُلَّهَا} شروعٌ في تفصيل ما جَرى بعد الجواب الإجماليِّ تحقيقاً لمضمونه وتفسيراً لإبهامه، وهو عطفٌ على (قال)، والابتداءُ بحكاية التعليم يدل بظاهره على أن ما مرَّ من المقاولة المحكيةِ إنما جرت بعد خلقِه عليه السلام بمحضَرٍ منه، وهو الأنسبُ بوقوف الملائكة على أحواله عليه السلام، بأن قيل إثْرَ نفخِ الروحِ فيه: إني جاعلٌ إياه خليفةً فقيل ما قيل كما أشير إليه، وإيرادُه عليه السلام باسمه العِلْميِّ لزيادة تعيـين المرادِ بالخليفة، ولأن ذكرَه بعنوان الخلافة لا يلائم مقامَ تمهيدِ مباديها، وهو اسمٌ أعجميٌّ والأقربُ أن وزنه فاعلٌ كشالَخ وعاذَرَ وعابَرَ وفالغَ لا أفعل، والتصدي لاشتقاقه من الأُدْمة أو الأَدَمة بالفتح بمعنى الأسوة، أو من أديم الأرض بناء على ما روي عنه صلى الله عليه وسلم: من أنه تعالى قبض قبضةً من جميع الأرض سهلِها وحَزْنها فخلق منها آدم، ولذلك اختلفت ألوانُ ذريته أو من الأَدْم والأدمة بمعنى الألفة تعسفٌ كاشتقاق إدريسَ من الدَّرْس، ويعقوبَ من العقِب، وإبليس من الإبلاس، والاسمُ باعتبار الاشتقاقِ ما يكون علامةً للشيء ودليلاً يرفعُه إلى الذهن من الألفاظ والصفات والأفعال، واستعمالُه عرفاً في اللفظ الموضوع لمعنى مفرداً كان أو مركباً مُخبَراً عنه أو خبراً أو رابطةً بـينهما، واصطلاحاً في المفرد الدال على معنى في نفسه غيرَ مقترنٍ بالزمان، والمراد ههنا إما الأولُ أو الثاني، وهو مستلزمٌ للأول، إذ العلمُ بالألفاظ من حيث الدلالةُ على المعاني مسبوقٌ بالعلم بها والتعليمُ حقيقةً عبارةٌ عن فعلٍ يترتب عليه العلمُ بلا تخلف عنه ولا يحصُل ذلك بمجرد إفاضةِ المعلم، بل يتوقف على استعداد المتعلم لقبول الفيضِ وتلقّيه من جهته كما مر في تفسير الهدى، وهو السرُّ في إيثاره على الإعلام والإنباء، فإنهما إنما يتوقفان على سماع الخبر الذي يشترك فيه البشرُ والمَلك، وبه يظهر أحقيتُه بالخلافة منهم عليهم السلام لما أن جِبلّتَهم غيرُ مستعدةٍ للإحاطة بتفاصيلِ أحوالِ الجزئيات الجُسمانية خُبْراً، فمعنى تعليمِه تعالى إياه أن يخلُقَ فيه إذ ذاك بموجب استعداده علماً ضرورياً تفصيلياً بأسماء جميعِ المسميات وأحوالِها وخواصِّها اللائقةِ بكلِّ منها، أو يُلقيَ في رُوعه تفصيلاً أن هذا فرس، وشأنُه كيت وكيت، وذاك بعيرٌ وحالُه ذَيْت وذَيْت إلى غير ذلك من أحوال الموجودات، فيتلقاها عليه السلام حسبما يقتضيه استعدادُه ويستدعيه قابليتُه المتفرعةُ على فطرته المنطويةِ على طبائعَ متباينة وقوى متخالفةٍ وعناصرَ متغايرة. قال ابنُ عباس وعكرمةُ وقتادةُ ومجاهدٌ وابنُ جُبـيرٍ رضي الله تعالى عنهم: علّمه أسماءَ جميعِ الأشياءِ حتى القصعةَ والقصيعةَ وحتى الجفنةَ والمِحْلَب وأنحى منفعةَ كلِّ شيءٍ إلى جنسِه. وقيل: أسماءَ ما كان وما سيكونُ إلى يوم القيامة، وقيل: معنى قولَه تعالى وعلم آدمَ الأسماءَ خلقه من أجزاءَ مختلفةٍ وقوىً متباينةٍ مستعداً لإدراكِ أنواع المُدرَكات من المعقولات والمحسوسات والمتخيَّلات والموهومات، وألهمه معرفةَ ذواتِ الأشياءِ وأسمائها وخواصِها ومعارفِها وأصولَ العلم وقوانينَ الصناعاتِ وتفاصيلَ آلاتِها وكيفياتِ استعمالاتها، فيكونُ ما مرَّ من المقاولةِ قبل خلقه عليه السلام. وقيل: التعليمُ على ظاهره ولكنَّ هناك جملاً مطويةً عطف عليها المذكور أي فخلقه فسواه ونفخ فيه الروح وعلمه الخ {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰئِكَةِ} الضمير للمسميات المدلول عليها بالأسماء كما في قوله تعالى: {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً } تفسير : [مريم، الآية 4] والتذكيرُ لتغليبِ العقلاءِ على غيرهم وقُرىءَ عرَضَهن وعرضَها أي عرضَ مسمَّياتِهن أو مسمياتها، في الحديث: أنه تعالى عرضهم أمثالَ الذر، ولعلّه عز وجل عرضَ عليهم من أفراد كلِّ نوعٍ ما يصلحُ أنْ يكونَ أنموذجاً يُتعرفُ منه أحوالَ البقيةِ وأحكامها. {فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاءِ} تبكيتاً لهم وإظهاراً لعجزهم عن إقامة ما علقوا به رجاءَهم من أمرِ الخلافةِ، فإن التصرفَ والتدبـيرَ وإقامةَ المعدلةِ بغير وقوفِ على مراتبِ الاستعداداتِ ومقاديرِ الحقوق مما لا يكاد يمكنُ والإنباءُ إخبارُ فيه إعلامُ، ولذلك يجري مجرى كل منهما والمرادُ ههنا ما خلا عنه، وإيثاره على الإخبار للإيذان برفعة شأنِ الأسماء وعظمِ خطرها، فإن النبأَ إنَّما يطلق على الخبرِ الخطيرِ والأمرِ العظيم {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي في زعمكم أنكم أحقاءُ بالخلافة ممن استخلفته كما ينبىء عنه مقالُكم، والتصديق كما يتطرق إلى الكلام باعتبار منطوقه قد يتطرق إليه باعتبارِ ما يلزمُه من الإخبارِ، فإن أدنى مراتبِ الاستحقاق هو الوقوفُ على أسماءِ ما في الأرض، وأما ما قيل من أن المعنى في زعمكم أني أستخلفُ في الأرض مفسدين سفاكين للدماء فليس مما يقتضيه المقامُ، وإن أُوِّلَ بأنْ يقالَ في زعمِكم أنِّي أستخلفُ مَنْ غالبُ أمرِه الإفسادُ وسفكُ الدماءِ منْ غيرِ أنْ يكونَ له مزيةٌ من جهةٍ أخرى، إذ لا تعلق له بأمرهم بالإنباءِ. وجوابُ الشرط محذوفٌ لدلالةِ المذكورِ عليه.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}. قال الجريرى: علمه اسمًا من أسمائه المخزونة فعلم به جميع الأسامى. فقال بعضهم علم آدم الأسماء كلها قال: علمها بتعليم الحق إياه وحفظها بحفظه عليه ونسى ما عهد عليه، لأنه وَكَّله فيه إلى نبيه فقال: {أية : عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ} تفسير : [طه: 115]. وقال ابن عطاء: لو لم يكشف لآدم عليه السلام علم تلك الأسامى لكان لعجز من الملائكة فى الإخبار عنها، وقوله غلب علمه على علم الملائكة؛ لقوة مشاهدة الخطاب من غير واسطة فى قوله {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}. وقيل لبعضهم: أليس علم آدم على قدره؟ فقال: بل علمه أكثر من قدرة وجملة تعلمه إذ فيه تدابير الخلق.

القشيري

تفسير : عموم قوله الأسماء يقتضي الاستغراق، واقتران قوله سبحانه بكُلها يوجب الشمول والتحقيق، وكما علّمه أسماء المخلوقات كلها - على ما نطق به تفسير ابن عباس وغيره - علَّمه أسماء الحق سبحانه، ولكن إنما أظهر لهم محل تخصصه في علمه أسماء المخلوقات وبذلك المقدار بأن رجحانه عليهم، فأما انفراده بمعرفة أسمائه - سبحانه - فذلك سِرٌّ لم يَطَّلِع عليه مَلَكٌ مُقَرَّب. ومن ليس له رتبة مساواة آدم في معرفة أسماء المخلوقات فأي طمعٍ في مداناته في أسماء الحق، ووقوفه على أسرار الغيب؟ وإذا كان التخصيص بمعرفة أسماء المخلوقات يتقضى أن يصحَّ (به سجود) الملائكة فما الظن بالتخصيص بمعرفة أسماء الحق سبحانه؟ ما الذي يُوجَبُ لِمَنْ أُكْرِمَ به؟ ويقال خصوصية الملائكة بالتسبيح والتقديس وهذه طاعات تليق بالمخلوقين؛ فإنَّ الطاعةَ سِمَةُ العبيد ولا تتعداهم، والعلم في الجملة صفة مدح يجب في نعت الحق سبحانه واجباً لا يصحُّ لغيره، فالذي يُكْرِمهُ بما يتصف هو سبحانه (بيانه وإن كان للمساواة أتم من الكرام بما يكون مخلوقاً على جنس المخلوقات). ويقال أكرمه في السر بما علَّمه ثم بيَّن تخصيصه يوم الجهر وقدَّمه. ويقال قوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} ثم: حرف تراخٍ ومهلة.. إمّا على آدم؛ فإنه أمهله من الوقت ما تقرر ذلك في قلبه، وتحقق المعلوم له بحقه ثم حينئذٍ استخبره عما تحقَّق به واستيقنه. وإمّا على الملائكة؛ فقال لهم على وجه الوهلة: "أنبئوني" فلمَّا لم يتقدم لهم تعريف تحيَّروا، ولمَّا تقدم لآدم التعليم أجاب وأخبر، ونطق وأفلح، إظهاراً لعنايته السابقة - سبحانه - بشأنه. وقوله: {إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} فيه إشارة إلى أنهم تَعَرَّضوا لدعوى الخصوصية، والفضيلة والمزية على آدم، فعرَّفهم أن الفضل ليس بتقديم تسبيحهم لكنه في قديم تخصيصه. ولمَّا عَلِمَ الحقُّ سبحانه تَقَاصُرَ علومهم عن معرفة أسماء المخلوقات ثم كلَّفهم الإِنباء عنها صار فيه أوضح دلالة على أنَّ الأمر أمرهُ، والحكمَ حُكمُه، فَلَهُ تكليف المستطيع، ردَّاً على من تَوَهَّمَ أن أحكام الحق سبحانه مُعَلَّلَة باستحسان أرباب الغفلة بما يدعونه من قضايا العقول، لا بل له أن يلزم ما يشاء لمن يشاء، الحَسَنُ ما حكم بتحسينه والقبيح ما حكم بتقبيحه.

البقلي

تفسير : {وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} عَلّمه اسماءَ الصفاتِ الخاصة الّتي عَرفَ بها حقائق جميع الصفات واهتدى بانوارها طرائقَ معارف الذات وايضاً عَلَمه اسماء المقامات التى هي مدارج الحالات وقال الجريرىُّ علمه اسماً من اسمائه المخزونة فعلم به جميع الاسامى وقال ابن عطا لو لم يكشف لادم علم تلك الاسامى لكان عَجزَ من الملائكة في الاخبار عنا وقيل غلب علمه على علم الملائكة لقوة مشاهدة الخطاب من غير واسطةٍ فى قوله وعلم ادم الاسماء كلّها.

الطوسي

تفسير : روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: حديث : خلق الله آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، ـ وقيل قبضها ملك الموت ـ فجاء بنو آدم على قدر ذلك: منهم الاسود والأحمر، والابيض، والسهل، والحزن، والخبيث، والطيب . تفسير : اللغة: وقال ابو العباس: في اشتقاق آدم قولان: أحدهما ـ انه مأخوذ من أديم الارض. قال: فاذا سميت به في هذا الوجه ثم نكرته؛ صرفته. والثاني ـ انه مأخوذ من الادمة على معنى اللون والصفة، فاذا سميت به في هذا الوجه، ثم نكرته، لم تصرفه. والأدمة والسمرة، والدكنة والورقة متقاربة المعنى في اللغة. وقال صاحب العين الأدمة في الناس: شربة من سواد. وفي الابل والظباء: بياض. وادمة الارض: وجهها. والمؤدم من الجلد خلاف المبشر وأدما أنثى. وآدم ذكر وهي الأدم في الجماعة. وآدم أبو البشر. والأدم: ما يؤتدم به وهو الادام. والأدم: جماعة الأديم. وأديم كل شيء: وجهه. و (كل) لفظة عموم على وجه الاستيعاب. وقال الرماني: حدّه الاحاطة بالابعاض، يقال: أبعض القوم جاءك أم كلهم؟ وتكون تأكيداً مثل أجمعين. غير أنه يبتدأ في الكلام بكل، كقوله تعالى: {أية : فسجد الملائكة كلهم أجمعون} تفسير : لأن كلا قد يلي العوامل ويبتدأ واجمعون لا تكون إلا تابعة. ويقال عرض عرضاً. قال صاحب العين: عرض علينا فلان المتاع يعرض عرضاً للشراء او الهبه وقال الزجاج: العرض أصله في اللغة: الناحية من نواحي الشيء فمن ذلك العرض خلاف الطول. وعِرض الرجل. قال بعضهم: ما يمدح به أو يذم وقيل عِرضه: خليقته المحمودة. وقيل عِرضه: حسبه. وقال الرماني: هي ناحيته التي يصونها عن المكروه وحقيقة العرض: الاظهار للشيء ليتصفح والانباء والاعلام والاخبار واحد. قال صاحب العين: النبأ ـ مهموز ـ هو الخبر المنبىء والمخبر ولفلان نبأ أي خبر ويقال: نبأته وأنبأته واستنبأته والجمع الانباء. والنبوة اذا أخذت من الانباء فهي مهموزة لكن روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: لا تنبز باسمي، لرجل قال له: يا نبيء الله. والنبيء ـ بالهمز ـ: الطريق الواضح، يأخذ بك إلى حيث تريد. والنبأة: صوت الكلاب تنبأ به نبأ. وحقيقة الانباء: الاظهار للخبر. قال الشاعر: شعر : أدان وانبأه الأولون بأن المدان ملي وفي تفسير : والفرق بين الاخبار والاعلام أن الاعلام قد يكون بخلق العلم الضروري في القلب كما خلق الله من كمال العقل والعلم بالمشاهدات. وقد يكون بنصب الادلة للشيء. والاخبار هو إظهار الخبر، علم به أو لم يعلم. ولا يكون مخبراً بما يحدثه من العلم في القلب. كما يكون معلماً بذلك. وقوله: {ثم عرضهم على الملائكة} إنما لم يقل: ثم عرضها، اذ كانت الاسماء لا تعقل، لأنه أراد أصحاب الاسماء وفيهم ما لا يعقل. كما تغلب المذكر اذا اجتمع مع المؤنث، لأنهم يقولون: إن أصحابك وإماءك جاءوني. وروي عن ابن عباس أنه قال: عرض الخلق. وقال مجاهد: عرض أصحاب الاسماء. وقوله: {وعلم آدم الاسماء كلها} معناه أنه علمه معاني الاسماء، من قبل أن الاسماء بلا معان لا فائدة فيها، ولا وجه لايثاره الفضيلة بها. وقد نبه الله الملائكة على ما فيه من لطيف الحكمة، فاقروا عند ما سئلوا عن ذكرها والاخبار عنها أنهم لا علم لهم بها. فقال: {يا آدم أنبئهم باسمائهم}. وقول قتادة، وظاهر العموم يقتضى أنه علمه الاسماء. وبه قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة. وأكثر المتأخرين: كالبلخي والجبائي وابن الاخشيد والرماني وقال الطبري بما يحكي عن الربيع وابن زيد: انهما قالا: علمه الله اسماء ذريته واسماء الملائكة وقال هو الاختيار دون قول ابن عباس. وقال: إن قولهم: {عرضهم} إنما يكون لمن يعقل في الاظهر من كلام العرب وهذا غلط لما بيناه من التغليب وحسنه. كما قال تعالى: {أية : والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع} تفسير : وهذا يبطل ما قاله، ويبقى اللفظ على عموم وظاهر الآية وعمومها يدل على انه علمه جميع اللغات وبه قال الجبائي والرماني فأخذ عنه ولده اللغات فلما تفرقوا، تكلم كل قوم منهم بلسان ألفوه واعتادوه وتطاول الزمان على ما خالف ذلك فنسوه ويجوز أن يكونوا عالمين بجميع تلك اللغات إلى زمن نوح فلما أهلك جميع الخلائق إلا نوحاً ومن معه، كانوا هم العارفين بتلك اللغات فلما كثروا وتفرقوا اختار كل قوم منهم لغة تكلموا بها، وتركوا ما سواها، وانقرض ونسوه. والخبر الذي يروي أن الناس امسوا ولغتهم واحدة ثم اصبحوا وقد تغيرت السنتهم وكان لا يعرف كل فريق منهم إلا كلام من كان على لغتهم ـ خبر ضعيف وأيضاً فلا يجوز أن ينسى العاقل ما كان في امسه من جلائل الامور مع سلامة عقله. قالوا: واللغات جميعاً إنما سمعت من آدم، وعنه أخذت وقال ابن الاخشيد: إن الله فتق لسان اسماعيل بالعربية ولذلك صار اصلا للعرب من ولده، لأنه تكلم بها على خلاف النشوء والعادة، بل على أنه ابتدأه بها وألهمه إياها. فان قيل: ما معنى قوله: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} ما الذي ادعي حتى قيل هذا؟ قيل عن ذلك اجوبة كثيرة للعلماء. احدها ـ ان الملائكة لما أخبرهم الله عز وجل أنه جاعل في الأرض خليفة هجس في نفوسها أنه لو كان الخليفة منهم بدلا من آدم وذريته، لم يكن فساد ولا سفك دماء. كما يكون من ولد آدم، وان ذلك أصلح لهم وان كان الله عز وجل لا يفعل إلا ما هو اصلح في التدبير، والأصوب في الحكمة. فقال الله تعالى: {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} فيما ظننتم في هذا المعنى ليدلهم على أنهم إذا لم يعلموا باطن ما شاهدوا، كانوا من أن يعلموا باطن ما غاب عنهم أبعد والثاني ـ أنه وقع في نفوسهم أنه لم يخلق الله خلقاً إلا كانوا أفضل منهم في سائر ابواب العلم. فقيل: إن كنتم صادقين في هذا الظن فاخبروا بهذه الاسماء. والثالث ـ قال ابن عباس: إن كنتم تعلمون لم أجعل في الارض خليفة فـ {أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} لأن كل واحد من الأمرين من علم الغيب. فكما لا تعلمون ذا لا تعلمون الآخر. والرابع ـ ما ذكره الأخفش والجبائي وابن الأخشيد: إن كنتم صادقين فيما تخبرون به من اسمائهم. كقول القائل للرجل: أخبرني بما في يدي إن كنت صادقاً أي إن كنت تعلم فاخبر به، لأنه لا يمكن أن يصدق في مثل ذلك إلا اذا أخبر عن علم منه، ولا يصح أن يكلف ذلك إلا مع العلم به، ولا بد إذا استدعوا إلى الاخبار عما لا يعلمون من أن يشرط بهذا الشرط، ووجه ذلك التنبيه كما يقول العالم للمتعلم: ما تقول في كذا، ويعلم أنه لا يحسن الجواب لينبهه عليه، وبحثه على طلبه، والبحث عنه، فلو قال له: اخبر بذلك إن كنت تعلم، او قال له: ان كنت صادقاً، لكان حسناً. فاذا نبهه على أنه لا يمكنه الجواب أجابه، حينئذ فيكون جوابه بهذا التدريج أثبت في قلبه، وأوقع في نفسه. وقوله: {أنبئوني} قال قوم: هو امر مشروط. كأنه قيل: إن امكنكم أن تخبروا بالصدق فيه، فافعلوا. وقيل: إن لفظه لفظ الامر ومعناه التنبيه على ما بيناه في سؤال العالم للمتعلم ولا يجوز أن يكون ذلك تكليفاً، لأنه لو كان تكليفاً، لم يكن تنبيهاً لهم على أن آدم يعرف من اسماء هذه الاشياء بتعريف الله اياه ذلك ما لا يعرفون. فلما أراد تعريفهم ما خص به آدم، من ذلك علمنا أنه ليس بتكليف. ومعنى قوله: {إن كنتم صادقين} شرط. كأنه قيل: إن كنتم صادقين في الاخبار بذلك وليس {إن} بمعنى {إذ} على ما حكاه الكسائي عن بعض المفسرين، لأنها لو كانت كذلك، لكانت {ان} ـ بفتح الهمزة ـ وتقديره: ان كنتم محققين ايمانكم، فافعلوا كذا وكذا، لأن {إذ} إذا تقدمها فعل مستقبل صارت علة للفعل وسبباً له. كقولك: إذ قمت أي من أجل ان قمت. فلو كانت إن في الآية بمعنى إذ، كان التقدير: انبئوني بأسماء هؤلاء من أجل انكم صادقين واذا وضعت إن مكان ذلك، وجب أن تفتح الالف وذلك خلاف ما عليه القراء. والانباء. قال قوم: اصله الاعلام. كقولهم: انبأت عمراً زيداً أخاك بمعنى أعلمت ولا يصلح ها هنا أخبرت إلا أنه يتناول انبئوني ها هنا بمعنى اخبروني على وجه المجاز والتوسع لتقارب المعنى في الاخبار والانباء، لأن الله تعالى عالم بالاشياء فيما لم يزل. فلا يجوز أن يقول: علموني لما هو عالم به ومن قال: أصله الاخبار، تعلق بظاهر القرآن وفي كيفية عرضهم قولان: احدهما ـ انه عرضهم بعد أن خلقهم والثاني ـ أنه عرضهم بأن صورهم لقلوب الملائكة وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من حيث أن الله تعالى لما أراد تشريف آدم اختصه بعلم أبانه به من غيره، وجعل له الفضيلة فيه، وفي كيفية تعليم الله آدم الاسماء، قال البلخي: ويجوز ان يكون اخبره بذلك فوعاه في وقت قصير بما اعطاه الله من الفهم والحفظ او بأن دله ومكنه، ورسم به رسماً فابتدع هو لكل شيء اسما يشاكله. ولا بد ان يكون اعلامه له بلغة قد تقدمت المواضعة عليها حتى يفهم بالخطاب المراد به. وقال المواضعة لا بد ان تستند إلى سمع عند قوم وعند ابي هاشم واصحابه لا يصح ذلك فأما الذي عرض على الملائكة قال قوم عرضت الاسماء دون المسميات وقال قوم آخرون: عرضت المسميات بها. وهو الأقوى لقوله: {ثم عرضهم} وفي قراءة ابن مسعود: ثم عرضهن. وفي قراءة أبي: عرضها. وقال قوم: إنه عرضهم بعد أن خلق المسميات واحضرها لقوله: اسماء هؤلاء. وذلك إشارة إلى الحاضر. وقال آخرون: إنه صورهم لقلوب الملائكة ثم عرضهم قبل خلقهم وقيل: إن قوله اشارة إلى الاسماء التي علمها آدم {وأنبئوني} اكثر القراء بهمز. وروي عن الأعمش ترك الهمز فيه، وهي لغة قريش. {هؤلاء}. لغة قريش ومن جاورهم باثبات الف بين الهاء والواو، ومد الألف الأخيرة. وتميم وبكر وعامة بني اسد يقصرون الألف الأخيرة وبعض العرب يسقط الألف الأولى التي بين الهاء والواو ويمد الاخيرة وانشد: شعر : تجلد لا يقل هؤلاء هذا بكى لما بكى اسفاً وعيبا تفسير : وحقق الهمزة ابن عامر واهل الكوفة اذا اتفقا من كلمتين. وقرأ أبو عمرو واحمد بن صالح عن قالون بتحقيق الأولى فحذف الثانية. وقرأ ورش وقنبل وابو جعفر واويس بتحقيق الاولى وتليين الثانية، وقرأ ابن كثير إلا قنبلا ونافع إلا ورشا واحمد بن صالح بسكون الاولى، وتحقيق الثانية في المكسورتين والمضمومتين وفي المفتوحتين بتحقيق الاولى وحذف الثانية

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : وقرئ: "وَعُلِّمَ آدَمُ" - على البناء للمفعول. اعلم أنّ الملائكة لمّا سألوا الله عن وجه الحكمة في جعل الإنسان خليفة في الأرض دونهم، وأجاب بوجه اجمالي؛ أراد أن يزيدهم بياناً وكشفاً، أخبر عن وجه الحكمة في ذلك تفصيلاً لِمّياً؛ فبيّن لهم جهة فضيلة الإنسان عليهم، وذلك بأن علمهم معرفة الأسماء - إما بخلق علم ضروريّ أو إلقاء في رُوعه، ولا يفتقر إلى سابقه اصطلاح - وإلا لتسلسَل. هذا إذا كان المراد من الإسم ما غلب عليه العرف العام الطارئ من اللفظ الموضوع لمعنى - سواء كان مركّباً أو مفرداً، وسواء كان المركّب خبراً أو انشاء؛ والمفرد مخبراً عنه أو به أو رابطة بينهما، أو الاصطلاح النحوي من المفرد الدالّ على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة -، وأما إذا كان المراد منه باعتبار اشتقاقه من "السِمة" - ما يكون علامة للشيء ودليلاً يرفعه إلى الذهن، سواء كانت ألفاظاً، أو صفات أو أفعالاً، كما هو عند العرفاء -، فليس منحصراً فيما للوضع فيه مدخل، بل يشمله وغيره. والظاهر أنّ المراد من تعليم الأسماء، ليس مجرّد تعليم الألفاظ الموضوعة بحسب دلالتها على المعاني كما في التعريفات اللفظية، بل إفادة العلم بحقائق الأشياء وماهيّاتها، وإن كان الأول أيضاً مستلزماً للعلم بمدلولاتها بوجه من الوجوه؛ وذلك لأنّ معرفتها من جهة اللغات ليست كمالاً يعتدّ به، إنّما الكمال الأتمّ في الحكمة والمعرفة. فالمعنى: أنّه تعالى خلَق آدم عليه السلام من أجزاء مختلفة، وقوى متبائنة، مستعداً لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيّلات، لاشتماله على جميع النشئات الدنيويّة والمثاليّة والأُخرويّة، وألهمه معرفة ذوات الأشياء وحقائقها الكليّة والجزئيّة، وخواصّها وأسماءها، وأصول العلوم وقوانين الصناعات، وكيفيّة اتّخاذ الآلات، حتى صار في نفسه عالَماً تامّاً منفرداً منفصلاً عن العوالم كلّها، ذا هيئة جمعيّة ونظام وحداني مضاهياً للعوالم الثلاثة. وآدم عليه السلام - على وزن أفْعَل - اسمٌ أعجميٌ كـ "آذَر" و "شالَخ"، واشتقاقه من "الأدمة" بمعنى السُمْرة. أو من الأدَمة - بالفتح - بمعنى الأُسوة. أو من أديم الأرض، لما روي عنه (صلى الله عليه وآله): "حديث : إنّه تعالى قبضَ قبضةً من جميع الأرض - سهلها وحزنها - فخلق منها [آدم]، فلذلك يأتي بنوه أخيافاً"تفسير : . ولو كان وزنه فاعلاً لانصرف. وليس مشتقّاً من الأدم والأدمة بمعنى الالفة، كاشتقاق إدريس من الدرس، ويعقوب من العقب، وإبليس من الإبلاس. إشارةٌ عرفانيّةٌ [معنى الإسم والمقصود من تعليم الأسماء] قد مرّ في المفاتيح الغيبيّة إنّ ذاته تعالى باعتبار صفة من الصفات أو تجلّ من التجلّيات سمّي بـ "الاسم" عند العرفاء، وهذه الأسماء الملفوظة هي أسماء الأسماء، وهي معان معقولة في غيب الوجود الحقّ، تتعيّن بها شؤونه وتجلّياته. وليست بموجودات عينيّة. وقد تطلق الأسماء عندهم على الموجودات العينيّة، باعتبار كونها مظاهر لتلك الأسماء التي هي معان غيبيّة، وذلك لاتّحادهما في المفهوم - وإن اختلفا في الوجوب والإمكان -، مثلاً: للعلم حقيقة ذاتيّة هي كونه عين هويّة الحقّ الأول، وحقيقة أسمائيّة هي معنى عقليّ انتزاعيّ من شؤون الحقّ وتجلياته، وحقيقة إمكانيّة هي ذوات العقلاء؛ فكلّ واحد من العقول المجرّدة عندهم إسم عليمٌ من مراتب اسم الله "العليم"، وهكذا في جميع الأسماء. فعلى هذا؛ حقائق العالم كلّها من أسماء الله تعالى، فتعليمه تعالى أسماء الأشياء لآدم، إراءته الأجناس التي خلَقها، وإلهامه إيّاه معرفة أحوالها وما يتعلّق بها من اللوازم والآثار. فصل قوله [تعالى] {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ} وقرء عبدالله: "عَرضَهُنّ" وقرء أُبيّ: "ثُمَّ عَرَضَهَا". وفي الكشّاف "أي: عرض المسمّيات. وإنّما ذَكَّر لأن في المسمّيات العقلاء فغلّبهم" - انتهى. وقيل: الضمير للمسمّيات المدلول عليها ضِمناً، إذ التقدير أسماء المسمّيات، فحذف المضاف إليه لدلالة المضاف عليه، وعوّض عنه اللام، كقوله [تعالى]: {أية : وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْباً} تفسير : [مريم:4]. لأنّ الغرض السؤال عن أسماءِ المعروضات، فلا يكون المعروض نفس الأسماءِ؛ سيّما إن أريد به الألفاظ. والمراد به ذوات الأشياء أو مدلولات الألفاظ، وتذكيره لتغليب ما اشتمل عليه من العقلاء. [المثل النوريّة والأسماء الإلهيّة] أقول: قد علمت بما سبق من مسلك العرفاءِ، الاستغناء عن مثل هذه التكلّفات في معنى الاسم، فلا حاجة إلى ما ذكروه. وأما تذكير الجمع، فليس من باب التغليب والمجاز، بل على الحقيقة. بيان ذلك: أن لكل حقيقة نوعيّة - كالإنسان والفرس والغنم والبقر والرطب الحنطة والشعير والياقوت واللَّعْل والفيروزج والأرض والماء والهواء - جوهراً عقليّاً نوريّاً عاقلاً لذاته، ومعقولاً لذاته، موجوداً في العالَم الأعلى الإلهي، حاضراً في علم الله والحضرة الإلهية. فهذه العقول المفارقة والصور المجرّدة العلميّة، هي بالحقيقة أسماء الله أو أسماء أسمائه، وهي موجودة أزلاً وأبداً، لأن ما عند الله باقٍ لا يزول؛ وليست من جملة العالَم لتتّصف بالحدوث والتجدّد، والزال والدثور. والبرهان على وجودها مذكور في كتبنا العقليّة. وتقريره: أنّ الباري - جلّ ذكره - كما أنّه فاعل كلّ شيء - إمّا بوسط أو بغير وسط -، فهو غاية كلّ شيء، بوسط أو بغير وسط، لأنّه خيرٌ محض لا شرّية فيه أصلاً، وكلّ ما هو خير محض، يطلبه كل شيء طبعاً وإرادة، وهذا مركوز في جميع الجِبِلاّت والغرائز، فكلّ موجود سافل إذا تصوّر الوجود العالي، فلا محالة يطلبه ويشتاقه طبعاً جِبِلّياً أو اختيارياً اضطرارياً، وهذا الطلب والشوق، لو لم يكن له غاية حقيقية، لكان ارتكازه في الجِبِلّية عبثاً معطّلاً - ولا معطّل في الوجود، والله بريء عن فعل العبث -. فلكلّ سافل إمكان الوصول إلى العالي، وهذا الإمكان إما ذاتي أو استعدادي، ففي الإبداعيّات، إذا وجد الإمكان الذاتي، حصل المقصود لعدم المانع والقاسر، وفي المكوّنات، إذا حصل الاستعداد وزال المانع فكذلك. ثمّ المانع الغير الزائل، لا يكون إلاّ بحسب الأمر الأقلّي النادر، لأنّ الخارج عن الطبيعة النوعيّة للشيء، أو عن لوازمها الذاتية، يكون أمراً عارضاً إتفاقياً، والأسباب الإتفاقية لا تدوم - كما ثبَت في موضعه -، وكلامنا فيما تقتضيه طبيعة كل نوع بحسب ذاته، وقد ثبت أنّ ذلك إمّا لازم الوقوع، أو أكثري الوقوع؛ فالطبائع الكلّية كلّها من حيث ذواتها واصِلة إلى كمالاتها، وكذا كلّ طبيعة جزئيّة في حركاتها وتشوّقاتها إلى ما هو أعلى منها. ثمّ الغاية في طبيعة جزئيّة أن كانت طبيعية جزئية أخرى، فلا بدّ بالآخرة أن تصل إلى طبيعة عقليّة - وإلاّ لتسلسل الأمر إلى غير نهاية -، والغاية في طبيعة عقليّة طبيعة عقليَّة فوقها، ولا بدّ في الكلّ أن تكون موصلة إلى غاية الغايات ومنتهى الخيرات، - وهو الباري جلّت أسمائه - دفعاً للدور والتسلسل. فإذا تقرّر هذا فنقول: إنّ لكل طبيعة حسّية - سواء كانت فلكيّة أو عنصريّة - طبيعة أُخرى عقليّة في العالم الإلهي هي كمالها وغايتها وتأكّد وجودها، وهي الصور المفارقة الإلهيّة منها، لأنّها صور ما في علم الله، وحقائق ما عند الله الباقية ببقاء الله؛ وكأنّها هي التي سمّاها أفلاطون وشيعته بالمُثُل الإلٰهيّة. وهي حقائق متأصّلة، نسبتها إلى هذه الصور الحسّيات الداثرات نسبة الأصل إلى المثال، والشخص إلى الظلّ؛ وإنّما هي أصول هذه الأشباح الكائنة المتجدّدة، لأنّها حقيقتها وفاعلها وغايتها وصورتها العقليّة المعقولة بالفعل لبارئها دائماً؛ وأمّا هذه فهي ناقصة غير خالية عن القوّة والإمكان، سائلة زائلة بحسب وجودها الكوني، لكنّها في وجودها الكوني التجدّدي، سالكة مشتاقة إليها، عائدة محشورة إلى ذلك العالَم. وأمّا تلك الصور العقليّات، والمُثل النوريّات، والعلوم الإلهيات، فهي أبداً ملحقة بفاعلها وغايتها، ملاحِظة لجمال بارئها ومبدِعها، لم ترجع إلى ذواتها طرفة عين، إذ لا ذات لها منفكّة عن ذات مبدِعها، إذ الامكان هناك لا يفارق الفعليّة، والقصور لا يباين التمام، فهي أبداً مستهلكة الذوات في ذات حبيبها الأول، لا فرق بينها وبين حبيبها كما ورد في الخبر القدسي، ولا مجال لها في الأنانيّة والغيريّة. وأما إبليس وجنوده، فليسوا منها ولا من حزبها، وإلاّ لما وقَع من هؤلاء الإباء والأنانيّة. فإذا انكشف هذا، فقد وضح وتبيّن سرّ قوله تعالى: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ} - بضمير جمع ذوي العقول -، فإنّ هذه الصور المفارقة - كما ثبَت - أسماء إلهيّة وعقلاءٌ ربّانيّة، وجودهم فوق وجود الملائكة السماويّة، وللإنسان الكامل الذي هو مظهر الأسماءِ كلّها، أن يتّصل بعد سلوكه إلى الله بقدم العبوديّة - لا الأنانيّة - وعبوره على المراتب والمنازل الأرضيّة والسماويّة، وأن يطّلع على تلك الحقائق، ويتخلّق بأخلاق خلاّق الخلائق - وذلك هو الفوز العظيم والمنّ الجسيم -. وأما غير الإنسان الكامل - سواء كان مَلَكاً أو إنساناً أو حيواناً أو شيطاناً - فليس له إلاّ مقام واحد، ولا عبوديّة له إلاّ لاسم واحد هو مربوبه خاصّة لا يتعدّاه، لأنّه أبداً تحت تربية ذلك الاسم الواحد. فصل قوله: {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ} أي: فنبّههم على قصورهم عن معرفة أسماء الموجودات، أي حقائقها، لأنّ حقيقة الشيءِ هي علامته ووجهه عند أهل الحقيقة. أو أسماء الحقّ أي: مظاهرها ومربوباتها، وإنّما قال ذلك، تبكيتاً لهم، واظهاراً لعجزهم عن أمر الخلافة والنيابة الإلهيّة، وليس أمراً تكوينيّاً، وإلاّ لكان مؤثّراً في صيرورتهم كذلك، ولا أمراً تكليفيّاً، وإلاّ لكان من التكليف بالمحال. "الإنباء": إخبار فيه إعلام، ولذلك يجري مجرى كل واحد منهما، والمراد هٰهنا: كونوا بحيث توجد فيكم حقائق الإنباء وملكوت الأشياء، كما في الإنسان الكامل بحسب تطوّره في الأطوار، ومروره على كلّ العوالِم والنشئات، ومظهريّته لجميع الأسماء، إن كنتم صادقين في زعْمكم أنكم أحقّاءٌ بالخلافة، وأنّ استخلاف الإنسان لا يليق بالحكمة، وهو مصحوب لهاتين الصفتين: إفساد القوّة الشهويّة، وسفْك القوّة الغضبيّة. وهذا الزعم، وإن لم يصرّحوا به، لكنّه لازم من مقالهم، والتصديق، كما يتطرّق إلى الكلام باعبتار منطوقه، [كذلك] قد يتطرّق إليه بعرض ما يلزم مدلوله من الأخبار، وبهذا الاعتبار يعتري الانشائيات. إشارة نوريّة قد ظهَر لك فيما مرّ ذكره مراراً، أن أسماء الله تعالى أصل حقائق الممكنات، وأن عالَم الأسماء الإلهيّة أصل هذا العالَم بجميع ما فيه من الصور الكونيّة السماويّة أو الأرضيّة، وأنّ هذه الصور الكونيّة، كعكوس وأظلال لحقائق تلك، حتى أن العرفاء الشامخين، والأولياء الكاملين، يشاهدون بأنوار بواطنهم عالَم الأسماء وترتيبها، وتقدّم بعضها على بعض وتسلّطه عليه، وتأخّر بعضها عن بعض وانقهاره له، ترتيباً سببيّاً ومسببيّاً، وكثرة جمعيّة لا تقدح في وحدة الذات. فإن أردت كشفاً وايضاحاً لما قد سبق ذكره، فاسمَع أُنموذجاً من علم الأسماء واجعل بالك له، ولا تتوهّم الكثرة في ذات الله تعالى، ولا تعدّد القدماءِ، ولا الإجتماع الوجودي في عالم النسب المعقولة، فإنّ الذات الواجبيّة واحدة بالحقيقة، كثيرة بالأسماء. قال لسان التحقيق في كشف هذا المقصد العميق: "إنّ الممكنات في حال عدمها الإمكاني سألت الأسماء الإلهيّة سؤال ذلّة وافتقار، وقالت لها: إنّ العدم قد أعمانا عن إدراك بعضنا بعضاً، وعن معرفة ما يجب لكم من الحقّ علينا، فلو أنّكم أظهرتم أعياننا وكسوتمونا حلّة الوجود، أنعمتم علينا بذلك، وقمنا بما ينبغي لكم من الإجلال والتعظيم، وأنتم أيضاً كانت السلطنة تصحّ لكم بظهورنا بالفعل، وأنتم [اليوم] علينا سلاطين بالقوّة والصلاحيّة؛ فهذا اليوم نطلبه هو في حقّكم أكثر ممّا في حقّنا. فقالت الأسماء: إنّ هذا الذي ذكرته الممكنات صحيح، فاتّفقت بحضرة المسمّى ونظرت في حقائقها ومعانيها، فطلبتْ ظهور أحكامها حتّى تتميّز أعيانها بآثارها، فإنّ الخلاّق والمقدِّر والعالِم، والمصوِّر والمدبِّر، والمفصِّل والبارئ، والرّزاق والمحيي والمميت، وجميع الأسماء الإلهيّة نظَروا في ذواتهم، ولم يروا مخلوقاً ولا مقدوراً ولا معلوماً ولا مصوَّراً ولا مدبَّراً ولا مفصَّلاً ولا مرزوقاً. فقالوا: كيف العمل حتى تظهر هذه الأعيان التي تظهر أحكامنا فيها فيظهر سلطاننا؟ فجاءت الأسماء الإلهيّة التي تطلبها بعض حقائق العالَم بعد ظهور عينه إلى الإسم البارئ، فقالوا: عسى [أن] توجد أعيان هذه الأحكام لتظهر أحكامنا، إذ الحضرة التي نحن فيها لا تقبل تأثيرنا. فقال الباري: ذلك راجعٌ إلى الإسم القادر، فإنّي تحت حيطته. فلمّا لجأوا إلى القادر قال: أنا تحت حيطة المُريد، فلا أوجد عيناً منكم إلاّ باختصاص، ولا يمكّنني الممكن من نفسه إلاّ أن يأتيه أمرُ الآمر من ربِّه، فإذا أمره بالتكوين وقال له: "كُنْ"، يمكّنني من نفسه، وتعلّقت بايجاده، فكوّنته من حينه، فالجأوا إلى الإسم المريد، عسى أنّه يرجّح ويخصّص جانب الوجود على جانب العدم، فحينئذ نجتمع أنا والآمر والمتكلّم ونوجدكم. فالتجأوا إلى الإسم المُريد فقالوا له: إنّ الإسم القادر سألناه في ايجاد أعياننا، فأوقف أمر ذلك عليك، فما ترسم؟ فقال المريد. صدق القادر، ولكن ما عندي خبر ما حكم الإسم العالم فيكم - هل سبق علمه بايجادكم فاخصّص، أولم يسبق؟ - فأنا تحت حيطة الإسم العالِم، فسيروا إليه واذكروا [له] قضيّتكم. فساروا إلى الإسم العالِم، وذكروا له ذلك، فقال العالم، قد سبَق علمي بايجادكم، ولكن الأدب أولى، فإن لنا حضرة مهيمنة علينا وهي الإسم الله، فلا بدّ من حضورنا عنده، فإنّها حضرة الجمع. فاجتمعت الأسماء كلّها في حضرة الإسم الله، فقال: ما بالكم؟ فذكروا له الخبر، فقال: أنا إسم جامع لحقائقكم، وإنّي دليلٌ على مسمّى، وهو ذات مقدّسة له نعوت الكمال والتنزيه، فقِفُوا حتى ادخل على مدلولي. [فدخل على مدلوله] فقال له ما قالته الممكنات وما تحاوَرت فيه الأسماء. فقال: اخرج وقلْ لكلّ واحد من الأسماء يتعلّق بما تقتضيه حقيقته في الممكنات، فإنّي الواحد الأحد لنفسي، والممكنات إنّما تطلب مرتبتي وتطلبها مرتبتي، والأسماء الإلهيّة كلّها للمرتبة - لا لي -، إلاّ الواحد خاصّة. وهو اسم خصيص [بي] لا يشاركني في حقيقته من كلّ وجه أحدٌ، لا من الأسماء، ولا من المراتب، ولا من الممكنات. فخرج الإسم "الله" ومعه الإسم "المتكلّم"، يترجم عنه للممكنات والأسماء فذكر لهم ما ذكره المسمّى، فتعلّق العالِم والمُريد والقادرُ، فظهر الممكن الأول من الممكنات بتخصيص المريد وحكم العالِم، فلمّا ظهرت الأعيان والآثار في الأكوان، وتسلّط بعضها على بعض، وقهر بعضها بعضاً، بحسب ما يستند إليه من الأسماء، فأدّى إلى منازعة وخصام، فقالوا: إنّا نخاف علينا أن يفسد علينا نظامنا، ونلحق بالعدم الذي كنّا أولاً فيه، فنبّهت الممكنات الأسماء بما ألقى إليها الإسم العليم والمدبِّر، وقالوا أنتم - أيُّها الأسماء -، لو كان حكمكم على ميزان معلوم وحدّ مرسوم بإمام ترجعون إليه يحفظ علينا وجودنا، ونحفظ عليكم تأثيراتكم فينا، لكان أصلح لنا ولكم، فالجأوا إلى الله عسى أن يقدّم من يحدّد لكم حدّاً تقفون عنده، وإلاّ هلكنا وتعطّلتم. فقالوا: إن الإسم "المدبِّر" ينهي أمركم، فانتهوا إلى المدبِّر ما قالته الممكنات، فقال: أنا لها، فدخل وخرج بأمر الحقّ إلى الإسم "الربّ" وقال له: افعَل ما تقتضيه المصلحة في بقاء أعيان هذه الممكنات. فاتّخذ وزيرين يعينانه على ما أمره به الوزير الواحد الإسم المدبِّر، والآخر الإسم المفصِّل - قال [تعالى]: {أية : يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ يُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ}تفسير : [الرعد:2]. الذي هو الإمام، فانظر ما أحكم كلام الله تعالى حيث جاء بلفظ مطابق للحال الذي ينبغي أن يكن الأمر عليه. فجاء إسم الرب فرتّب لهم الحدود، ووضع لهم المراسم لإصلاح المملكة، وليبلوَهم أيُّهم أحسَن عملاً، وجعل الله ذلك قسمين: قسْم يسمّى سياسة حكميّة ألقاها في فطَر نفوس الأكابر من الناس، بحسب ما تدركه عقولهم وآراؤهم، فحدّوا حدوداً، ووضعوا نواميس رسميّة بحسب ما يقتضيه صلاح كلّ إقليم وكلّ زمان، وانحفظت بذلك أموال الناس ودماؤهم وأهلوهم وأرحامهم وأنسابهم، وسمّوها نواميس. وقسْمٌ يسمّى شريعة إلهيّة، يجيء بها الوحي الإلهي إلى مَن اصطفاه الله وارْتضاه من خلقه، ولم يكن قبل هذا الوحي يعلم أحدٌ بأنّ الله فرَض على عباده أُموراً مقرّبة إلى الله، تورِث جنَّة وحريراً، وأُخرى مبعّدة منه، تورِث ناراً وزمهريراً، ولا علموا قبلهم أن ثمَّة آخرةً وبعثاً محسوساً بعد الموت في أجساد طبيعيّة، وداراً فيها أكْلٌ وشُربٌ ولباسٌ ونكاحٌ، وداراً فيها عذابٌ وآلامٌ. ثمّ بعث الله رسولاً بعد رسول، ولم يخل الأرض عن خليفة هو مظهر الإسم الله، إذ به تنتظم أُمور الخلق بماله من الجمعية الإلهيّة والعدالة الحقيقيّة، التي يرجع بها إليه كلّ الخلائق في حوائجهم وانتظام أُمورهم ومعايشهم، كما في الإسم "الله" من المقام الجمعي الإلهي، الذي ترجع إليه الأسماء كلّها، فهذا سرّ الخلافة وتعليم الأسماء في الإنسان الكامل، وعدم استحقاق غيره لهما. مثال ذلك في العالم الصغير الإنساني: أَوَلاَ ترى أنّ كل قوّة من القوى، إذا تفرّدت بخاصّ فعلها، فهي محجوبة بنفسها عن غيرها، لا ترى أفضل من ذاتها - كالملائكة التي نازَعت في آدم -، كالعقل والوهم والخيال والحسّ، فإنّ كلاً منها يدّعي السلطنة على هذا العالَم الصغير الإنساني، ولا يذعن ولا ينقاد لغيره. إذ العقل يدّعي أنّه محيط بالكلّيات، مدرك لجميع الحقائق والماهيّات على ما هي عليه بحسب القوّة النظريّة. وليس كذلك؛ ولهذا احتجب أرباب العقول عن الحقّ وصفاته، وسرّ المعاد، وحشر الأجساد، لتقليدهم عقولهم، وغاية عرفانهم، العلم الإجمالي بأنّ لهم موجِداً ربّاً منزّهاً عن الصفات الكونيّة، ولا يعلمون من الحقائق إلاّ لوازمها وخواصّها. وأرباب التحقيق وأهل الطريق، علموا ذلك مجملاً، وشاهَدوا تجلّياته وظهوراته مفصّلاً، فاهتدوا بنوره، وسروا في الحقائق سريان تجلّيه فيها: وكشفوا عنها وخواصّها ولوازمها كشفاً لا تمازجه شبهة، وعلموا الحقائق علماً لا تطرء عليه ريبة، فهم عباد الرحمن الذين يمشون في أرض الحقائق هوناً، وأرباب النظر عبّاد عقولهم لا يقبلون إلاّ ما أعطته عقولهم. وكذا الوهْم، يدّعي السلطنة ويكذب العقل في كلّ ما هو خارج عن طور إدراكه للمعاني الجزئيّة دون الكلّية، وكذا غيرهما من المدارك الجزئيّة، وكذا القوى التحريكيّة - كالشهوة والغضب عند هيجانهما وتغاليبهما -. وأمّا القلب المنوّر بنور المحبّة والعشق، فهو الذي يدرك بحقيقته كلّ شيء بأمر ربّها لا يرى فيها عوجاً ولا أمتاً، وذلك لكون حقيقته متّصفة بجميع الكمالات، جامعة لحقائقها الموجودة قبل وجوده، حتّى كان يمرّ عند تنزّلاته عليها، فيتّصف بمعانيها طوراً بعد طور من أطوار الروحانيّات والسماويّات والعنصريّات. إلى أن يظهر في صورته النوعيّة الحسّية النازلة عليه من الحضرات الأسمائيّة، ما لا بدّ أن يمرّ على هذه الوسائط أيضاً، إلى أن يصل إليه ويكمله. وذلك المرور لتهيئته استعداده بأطوار الملكات للكمالات اللائقة، ولاجتماع ما فصل من المقام الجمعيّ الإلهي من الحقائق والخصائص التفصيليّة الواقعة في مقام التفرقة الكونيّة، وللاشهاد والاطّلاع على ما أريد أن يكون خليفة عليه، ولهذا لا يجعل خليفة إلاّ عند انتهاء السفر الثالث، ولولا هذا المرور لما أمكن العروج للكمّل، إذ الخاتمة مضاهية للسابقة وبه تتمّ الحركة المعنويّة. وما يقال: "إن علم الأولياء والأنبياء عليه السلام تَذَكُّري لا تَفَكُّري". وقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : الحكمة ضالّة المؤمن"تفسير : ، إشارة إلى هذا المعنى، لا إلى أنّه وجد في النشأة العنصريّة مرّة أخرى، ثمّ عرَض له النسيان بواسطة التعلّق بنطفة أخرى، ومرور الزمان عليه إلى أوان تذكّره - كما على رأي التناسخيّة - فهو مفسوخ الصحّة بالبرهان العرشي. فصل [لا شيء أفضل من العلم] وهذه الآية من أدلّ الدلائل على فضيلة العلم، وعِظم شأن حامله، فإنّه تعالى ما أظهر كمال حكمته في خلقة آدم، وجعله خليفة في الأرض أولاً، ومسجوداً للملائكة في السماءِ، إلاّ بأن أظهر علمه بالأسماء، فلو كان شيء أشرف من العلم، لكان من الواجب اظهار فضله بذلك الشيء - لا بالعلم -. فاعلم أنّه يدلّ على فضيلة العلم دلائل من العقل والكتاب والسنّة. أمّا العقل: فاعلم أنّ العلم عبارة عن صورة الشيء المجرّدة عن مادّته، وكلّ صورة مجرّدة عن الموادّ فهي موجودة بوجود عقلي، وكلّ موجود عقلي، فهو إمّا معقول لذاته - فيكون عاقلاً وعقلاً لذاته -، فلا يصحبه شرٌّ وآفة وعدمٌ وزوال؛ لأنّ الشرور والآفات والأعدام، من لوازم الموادّ والأجسام والجسمانيات، فيكون كمالاً لذاته، وسعادة لنفسه، لا توجد مثل تلك السعادة فيما لم تكن صورته مجرّدة عن المادّة وعلائقها. وإمّا أن يكون معقولاً لغيره، بأن يكون وجوده العقلي حاصلاً لذلك الغير، فيكون ذلك الغير من الموجودات المجرّدة عن الموادّ، لاستحالة أن تكون الصورة المجرّدة حاصلة لما ليس بمجرّد، إذ كلّ صورة ماديّة يصحبها مقدار خاصٌّ ووضع خاصّ وشكل خاصّ، وهيئات جسمانيّة مانعة عن احتمال كونها معقولاً كليّاً صادقاً على كثيرين، وقد علمت أنّ كلّ مجرّد عن الموادّ وعالَم الأضداد، فهو سعيد، غاية السعادة الممكنة في حقّه. طريق آخر: إنّ السعادة على ضربين: بدنيّة وعقليّة. والبدنيّة ما تدرك بالمشاعر الجسمانيّة كالسمع للمسموعات، والبصَر للمبصرات، والذوق للمذوقات، والخيال للمتخيّلات والعقليّة ما تدرك بالقوّة العاقلة، كادراك العقل للمفارقات كذات الباري وصفاته وأسمائه وملائكته العلويّة. والحكماء الإلٰهيّون والأولياء الربّانيّون، رغبتهم في إصابة هذه السعادة أعظم من رغبتهم في اصابة اللذّات والخيرات البدنية الدنيويّة أو الأخرويّة بل كأنّهم لا يلتفتون إلى تلك، وإن أعطوها على وجه الدوام والاستمرار - كما في الآخرة - ولا يستعظمونها في جنبة هذه السعادة التي هي إدراك الصور العقليّة المفارقة الذوات عن المحسوسات وما يليها. وبيان ذلك بالتفصيل، أنّه يجب أن يعلم أنّ لكل قوة من قوى النفس الإنسانية لذّة وخيراً يخصّها، وأدى وشرّاً يخصّها. مثاله: أن لذّة الشهوة وخيرها أن تتأدّى إليها كيفية محسوسة ملائمة من المدركات الخمسة المشهورة، ولذّة الغضب الظفر بالإنتقام، ولذّة الوهم الرجاء، ولذّة الحافظة تذكّر الأمور الموافقة الماضية. وأذى كلّ واحدة منها ما يضادّه. وتشترك كلها - نوعا من الشركة -، في أنّ الشعور بموافقتها وملائمتها هو الخير واللذّة الخاصّة بها، وموافق كل منها هو وجود الكمال الذي هو بالقياس إليه كمال بالفعل؛ والإنسان جامع لجميع هذه القوى والغرائز، فلكلّ قوة وغريزة منه لذّة وألَم بإزائها، ولذّتها في نيلها بمقتضى طبعها الذي خلقت له، وهي سعادتها، فإنّ هذه الغرائز ما ركزت في الإنسان عبثاً ولا هزلاً. ثمّ إن هذه القوى، وإن اشتركت في هذه المعاني، إلاّ إنّ مراتبها في الحقيقة مختلفةٌ، ودرجاتها متفاوتةٌ. فالذي كماله أفضل وأتمّ، والذي كماله أكثر وأدوم، والذي كماله أوصل وأحصل له، والذي هو في نفسه أكمل فعلاً وأفضل، والذي هو في نفسه أشدّ إدراكاً: فاللذّة والسعادة اللتان له أبلَغ وأشدّ، وأوفر وآكد. فإذا تقرّر هذا فنقول: وكذلك للإنسان غريزة تسمّى بالنور الإلهي في قوله: {أية : أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} تفسير : [الزمر:22]. وتسمّى بالقوّة العاقلة، والبصيرة الباطنة. وهي تدرك المعاني التي ليست متخيّلة ولا محسوسة، كادراكها حدوث العالَم وافتقاره إلى مدبّر حكيم موصوف بصفات الإلهيّة، فاعل للحقائق الأسمائيّة، وخلقت لأن تدرك حقائق الأشياء. وكمالُها الخاصّ بها، الذي به سعادتها الأصليّة، التي هي فوق سعادة قواها وغرائزها الحسيّة والخياليّة والوهميّة، هو أن تصير في ذاتها عالَماً عقلياً موجوداً فيه صور الكلّ، والنظام المعقول في الكلّ، والخير الفائض في الكلّ، مبتدءة من مبدء الكلّ، وسالكةٌ إلى الجواهر الشريفة الروحانيّة المطلقة، ثمّ النفسانيّة المتعلّقة، ثمّ الأجسام العلويّة بقواها وهيئاتها، ثمّ كذلك حتّى تستوفي في نفسها هيئة الوجود كلّه، فتنقلب عبداً مطيعاً لله، متقرّباً إليه، مشاهِداً لما هو الحسن المطلق، والخير المطلق، والجمال الحقّ المطلق، ومتّحدة به، ومنتقشة بمثاله وهيئته، ومنخرطة في سلكه وصائرة [إليه] وبذلك فليعمَل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ويفتخر المفتخرون، ويباهي المباهون، لأنّه إذا قيس هذا بالكمالات المعشوقة التي للقوى الأُخرى، ولمَن في طبقتها من الأشخاص، وجد هذا بالمرتبة التي يقبح معها أن يقال: "إنّه أفضل وأتمّ منها"؛ بل لا نسبة لها إليه بوجه من الوجوه تماماً، وفضيلة، وكثرة، وسائر ما يتمّ به الذاذ سائر المدركات واسعادها. أمّا الدوام، فكيف يقاس دوام الأبدي بدوام المتغيّر الفاسد؟ وأمّا شدّة الوصول، فكيف يكون حال ما وصوله بملاقاة السطوح، بالقياس إلى ما هو سار في جوهر قابله حتى يكون كأنّه هو بلا انفصال؟ إذ العقل والعاقل والمعقول شيء واحد - كما هو عند التحقيق - أو قريب من الواحد كما عليه الجمهور. وأما أن المدرك في نفسه أكمل، فأمرٌ لا يخفى. وأما أنّه أشدّ إدراكاً، فأمر أيضاً تعرفه بأدنى تذكّر منك لما مضى بيانه، فإنّ البصيرة الإنسانيّة أكثر عدد مدركات وأشد استقصاء للمدرك، وأشدّ تجريداً له عن الزوائد الغير الداخلة في معناه إلاّ بالعرض؛ ولها أيضاً الخوض في باطن المدرك وظاهره ولبّه وقشره. بل كيف يقاس هذا الإدراك العلمي بذلك الإدراك الحسّي، أو تقاس هذه السعادة العقليّة بتلك اللذّة الحسّية والبهيمية والغضبيّة؟ بل لا يخفى أنّ في العلم والمعرفة لذّة لا تكافيها لذّة، ونحن في عالَمنا وبدننا هذين، ولانغمارنا في بعض الرذائل، لا نحسّ بتلك اللذّة ولا نحنُّ إليها؛ لكنّا لو خلَعنا ربقة الشهوة والغضب واخواتهما عن أعناقنا، نفضنا آثارها عن أذيالنا، وطالَعنا شيئاً من تلك اللذّة فحينئذ ربما تخيّلنا خيالاً طفيفاً ضعيفاً - وخصوصاً عند انحلال المشكلات، وإزالة الشبهات، واستيضاح المطلوبات النفسية - من تلك السعاة التي كلامنا فيها، ومع ذلك نجد منها لذة نستحقر بها سائر اللذات. وممّا يوضح أن اللذّات العقليّة، والكمالات العلميّة، أعظم وأقوى، أنّ كلّ قوّة باطنة فبقدْر بطونها ألذّ كمالاً وأقوى بهجة من كلّ قوّة ظاهريّة، حتى أنّ العالَم بالشطرنج - على خسّته - لا يطيق السكوت عن التعليم، وينطلق لسانه بذكر ما يعلمه. وأنت تعلم أنّك إذا تأمّلت عويصاً يهمّك، وعرضَت عليك شهوة وخُيّرت بين الظفرين، استخففت بالشهوة إن كنت عالي النفس كريم الهمّة، والأنفس العاميّة أيضاً فإنّها تترك الشهوات المعترضة، وتؤثر الغرامات والآلام الفادحة بسبب افتضاح أو خجل أو تعبير أو سوء مقالة، ولو خيّر الرجل بين لذّة الهريسة والدجاج المسمّنة واللوذينج، وبين لذّة الرياسة والحكومة وقهر الأعداء ونيل درجة الاستيلاء، فإن كان المخيَّر خسيس الهمّة، ميّت القلب، شديد البهيميّة، اختار الهريسة والحلاوة؛ وإن كان عالي الهمّة، كامل العقل، اختار الرياسة، وهان عليه الجوع والصبر عن ضرورة القوت أيّاماً كثيرة. نعم؛ الناقص الذي لم تكمل معانيه الباطنيّة كالصبي، أو الذي ماتت قواه الباطنيّة كالمجنون والمعتوه، لا يبعد أن يؤثر لذّة المطعومات على لذّة الرياسة والكرامة. وبهذا يتبيّن أنّ العلم بالله وأسمائه وملائكته وكتبه ورسله وتدبيره من منتهى عرشه إلى تخوم الأرضين، أقوى اللذّات والسعادات، وأعلى الابتهاجات على مَن جاوز نقصان الفطرة والصبا، وقصور الخليقة. وأنّ لذّة مطالعة جمال الحضرة الإلهية، والنظر إلى أسرار الأمور الربّانيّة، ألذّ من كلّ حكومة ورياسة، ومن كلّ شهوة وانتقام. ولا يمكن فهم هذه اللذّة لغير الحكماء الراسخين؛ وغاية العبارة عنها أن يقال كما قال الله [تعالى]: {أية : فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}تفسير : [السجدة:17]. "وانه أعد لهم ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر". وهذا ممّا لا يعرفه الآن إلاّ من ذاقَ اللذّتين جميعاً - أي لذّة الرياسة - وهي فوق اللذّات الحيوانيّة، ولذّة المعرفة الإلهيّة. فإنّه لا محالة يؤثر التبتّل والتفرّد، والفكر والذكر، وينغمس في بحار المعرفة؛ ويترك الرياسة، ويستحقر الخلْق الذين يرأسهم، لعلمه بفناء رياسته وفناء من عليه رياسته؛ وكونه مشوباً بالكدورات التي لا يتصوّر الخلوّ عنها، وكونه مقطوعاً بالموت الذي لا بدّ من إثباته مهما أخذت زخرفها وازّيَّنت وظن أهلها أنَّهم قادرون عليها. فتشغله لذّة معرفة الله تعالى، ومطالعة صفاته وأفعاله، ونظام مملكته من أعلى عليّين إلى أسفل سافلين، فإنّها خالية عن المتزاحمات والمكدّرات، متّسعة للمتواردين عليها لا تضيق عنهم بكثرتها، وإنّما عَرْضُها من حيث التقدير السماوات والأرضون. وإذا خرج النظر عن المحدودات والمقدورات، فلا نهاية لعرْضها، فلا يزال العارف الربّاني بمطالعة معلوماته في جنّةٍ عرْضُها السموات والأرض؛ يرتع في رياضها ويقطف من ثمارها، وهو آمن من انقطاعها، إذ ثمار هذه الجنَّة غير مقطوعة ولا ممنوعة، ثمّ هي أبديّة سرمديّة لا يقطعها الموت، إذ الموت لا يهدم محلّ معرفة الله، لأنّ محلّها الروح الذي هو أمرٌ ربّاني وسرٌّ أسمائي ونورٌ إلهي، إنّما الموت يغيِّر أحوالها، ويقطع شواغلها وعوائقها، ويخلّيها ودارها ومنزلها ومعادها، وأمّا أن يعدمها فلا. {أية : وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم} تفسير : [آل عمران:169 - 170] الآية. ولا تظننّ أنّ هذا مخصوصٌ بالمقتول في المعركة، فإنّ للعارف بكلّ نَفَس درجةَ ألف شهيد، وفي الخبر: "حديث : إنّ الشهيد يتمنّى في الآخرة أن يرد إلى الدنيا ليقتل مرّة أُخرى لعظم ما يراه من ثواب الشهادة، وإنّ الشهداء يتمنّون أن يكونوا علماء لما يرون من علوّ درجة العلماء ". تفسير : فإذاً جميع أقطار ملكوت السموات والأرض ميدان العارف، يتبوّء منها حيث يشاء، من غير حاجة إلى أن يتحرك اليها بجسمه وشخصه، فهو من ملاحظة جمال الملكوت في جنّةٍ عرضها السموات والأرض، وكلّ عارف فله مثلها من غير أن يضيق بعضهم على بعضٍ أصلاً، إلا أنهم يتفاوتون في سعة متنزّهاتهم بقدر تفاوتهم في اتّساع نظرهم وسعة معارفهم: {أية : هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : [آل عمران:163].............................. ولا يدخل في الحصر تفاوت درجاتهم ومقاماتهم. وقد ظهر أن لذة وهي باطنة أقوى في ذوي الكمال من لذات الحواسّ كلّها، وأن هذه اللذّة لا تكون لبهيمة ولا صبيّ ولا معتوه، وأنّ لذّة المحسوسات والشهوات تكون لذوي الكمال مع لذّة الرياسة، ولكن يؤثرون الرياسة. فأمّا كون معرفة الله تعالى وصفاته وأفعاله وملكوت سمٰواته، وأسرار ملكه، أعظم لذّة من الرياسة، فهذا يختصّ بمعرفته من نال رتب المعرفة وذاقَها، ولا يمكن اثبات ذلك عند من لا قلب له، لأنّ القلب معدن هذه القوّة؛ كما أنّه لا يمكن إثبات رجحان لذة الوقاع على لذّة اللعب بالصولجان عند الصبيان، ولا رجحانه على لذّة شمّ البنفسج عند المزكوم، لأنّه فاقد الصفة التي تدرَك بها هذه اللذّات، ولكن من سلم من آفة العُنَّةِ، وسلمت حاسّة شمّه، أدرك التفاوت بين اللذّتين، وعند هذا لا ينبغي إلاّ أن يقال: "مَنْ ذاقَ عرفَ". ولعمري إن طلاّب العلوم - وإن لم يشتغلوا بطلب معرفة العلوم الإلهيّة - فقد استنشقوا رائحة هذه اللذّة عند انكشاف المشكلات، وانحلال الشبهات التي قوي حرصهم على طلبها، فإنّها أيضاً معارفٌ وعلومٌ، وإن كانت معلوماتها غير شريفة شرف المعلومات الإلهيّة، فأمّا من طال فكره في معرفة الله سبحانه، وقد انكشف له من أسرار ملك الله - ولو الشيء اليسير -، فإنّه يصادف في قلبه - عند حصول الكشف - من الفرح ما يكاد يطير به ويتعجّب من نفسه في ثباته واحتماله لقوّة فرحه وسروه - وهذا ممّا لا يدرك إلاّ بالذوق -. فهذا القدر ينبّهك على أن معرفة الله ألذّ الأشياء وأعظم السعادات، لا سعادة فوقها، وأن لا شقاوة ولا نقصان فوق شقاوة الجهل ونقصانه - سيّما إذا كان مشفوعاً بالاستكبار والافتخار -. تنبيهاتٌ عقليّةٌ واعلم أنّ كون العلم صفة شرف وكمال، وكون [الجهل] صفة نقصان، أمر معلومٌ للعقلاء بالضرورة، ومما يدل على فضيلة العلم، أنّه إذا سُئل الواحد منّا عن مسألة علميّة قد علمها، وقدر على الجواب الصواب فرح بذلك وابتهج به، وإن جهلها نكس رأسه حياء من ذلك، وهذا أمرٌ فطري. وذلك يدل على أنّ اللذّة الحاصلة بالعلْم، أكمل اللذّات، والشقاوة الحاصلة بالجهل، أشنع أنواع الشقاء. وأيضاً، لو قيل للرجل العالِم: "يا جاهِل"، فإنّه يتأذّى بذلك، وإن كان يعلم كذب ذلك. ولو قيل للرجل الجاهل: "يا عالِم"، فرح بذلك، مع علْمه بكذب ذلك. وأيضاً، فالعلْم أينما وُجد، كان صاحبه معظّماً محترماً، حتّى أن الحيوان إذا رأى الإنسان، احتشمه بعض الإحتشام، وانزجر به بعض الانزجار، وإن كان ذلك الحيوان أقوى بكثير من الإنسان. والعلماء إذا لم يعاندوا كانوا رؤساء بالطبع على من دونهم بالعلْم، وإنّ كثيراً ممّا كانوا يعاندون رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويريدون قتله، كانوا إذا وقع بصرهم عليه، ألقى الله في قلوبهم الرعب، فهابوه وانقادوا له - شعر -: شعر : لو لم يكن فيه آياتٌ مبيّنة كانت بداهته تغنيك عن خبر تفسير : وما فضل الإنسان على سائر الحيوان إلاّ لاختصاصه بالمزيّة النورانيّة واللطيفة الربّانيّة، التي لأجلها صار مستعدّاً لإدراك حقائق الأشياء، والاشتغال بعبادة الله تعالى. والجاهل، كأنّه في ظلمة شديدة إذا أخرج يده لم يكد يراها، والعالم كأنّه يطير في أقطار الملكوت، ويسبح في بحار المعقولات، فيطالع الموجود والمعدوم، والواجب والممكن والمحال. ثمّ يعرف انقسام الممكن إلى الجوهر والعرَض، والجوهر إلى البسيط والمركّب؛ ويبالغ في تقسيم كلّ منها إلى أنواعها، وأنواع أنواعها، وأجزائها، وأجزاء أجزائها، والجزء الذي به يشارك غيره، والجزء الذي به يمتاز عن غيره ويعرف أثر كل شيء ومؤثّره، ومعلوله وعلّته؛ ولازمه وملزومه، وكليّه وجزئيّه، فيصير كالنسخة الشريفة التي فيها صور المعلومات بتفاصيلها، وكالصحيفة المنشورة، وكالكتاب المبين الذي فيه آيات مبيّنات من أسرار الملكوت، وإنّ الجوهر العاقل منه في عالم الأرواح، كالشمس في عالم الأجسام، لكونه كاملاً ومكملاً، وواسطة بين الله وبين عباده. توضيحٌ برهانيٌّ [شرف العلم وتأثّر النفوس من العقل الفعّال] لو أردت أن تسمع كلاماً في بيان أن نسبة الجوهر العاقل من الإنسان إذا خرج من القوّة إلى الفعل، كانت نسبته إلى المعاني العقليّة والمفهومات الكليّة في عالَم الأرواح، كنسبة هذه الشمس المحسوسة إلى الأنوار العرَضيَّة والأضواء الشمسيَّة في عالَم الأجسام - فاسمع: إنّ الإنسان في أول نشأته يكون عقلاً بالقوّة، ومعقولاً بالقوة، وإن كان حيواناً محسوساً بالفعل، لكونه آخر المعاني الجسمانيّة وأول المعاني الروحانيّة، كبرزخ متوسّط بين العالَمين، وسور واقع بين الدارين {أية : لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [الحديد:13]. فأول ما يحدث في قوّة نفسه الحسّاسة، رسوم المحسوسات من القوى الحاسّة التي هي روازن، ثم تجتمع المحسوسات المختلفة الأجناس، المدركة بأنواع الحواسّ الخمسة، ويحدث عن المحسوسات الحاصلة في القوّة الحاسّة الرئيسية، رسول المتخيّلات في قوّة نفسه المتخيّلة. فتبقى هنالك محفوظة بعد غيبتها عن مباشرة الحواسّ لتجردها عن المادّة ضرباً من التجرّد، فيحكم فيها بالجمع والتفريق، والتركيب والتفصيل، فيفرد بعضها عن بعض، ويركّب بعضها إلى بعض، فيحلّل الأشخاص إلى الأنواع، والأنواع إلى الأجناس، والأجناس إلى أجناس الأجناس، وكذا يستخرج بالتحليل فصولها القريبة والبعيدة. ثمّ تركّب الأجناس بالفصول، وتحصل الأنواع، وأنواع الأنواع، كلّ ذلك بحسب صورتها الجزئيّة المثاليّة. ثمّ ينتبه بواسطة قوّة النفس الناطقة للعقليّات والكليّات، فترتسم في هذه القوة صوَر المعقولات التي هي في جواهرها عقولٌ بالفعل، ومعقولات بالفعل، وهي الأشياء البريئة من المادّة، ومنها صور المعقولات التي هي ليست بجواهرها معقولة بالفعل - مثل الحجارة والشجر والفرس -، وبالجملة ما هو جسم، أو صورة في جسم ذي مادّة، والمادّة نفسها، وكلّ شيء قوامه بها؛ فإنّ هذه ليست عقولاً بالفعل، ولا معقولات بالفعل، ولا القوّة النفسانية التي في الإنسان في أول حاله عقلٌ ولا معقول ولا عاقل بالفعل؛ وإنّما تصير عقلاً بالفعل إذا حصلت فيها المعقولات. فهي محتاجة كالمعقولات بالقوّة إلى شيء آخر ينقلها من حدّ القوّة إلى أن يصيِّرها إلى الفعل، والفاعل [الذي] يجعلُها بالفعل، هو جوهرٌ عقليٌّ بالفعل دائماً، غير محتاج إلى شيء آخر يصيّرها بالفعل، وإلاّ لعاد الكلام ويتسلسل. وذلك العقل يعطي العقلَ الهيولاني - الذي هو بالقوّة عقلٌ -، شيئاً مّا، بمنزلة الضوء الذي يعطيه الشمس البصر، لأنّ منزلته من العقل الهيولاني منزلة الشمس من البصَر، وإن البصر هو قوّة وهيئة ما في مادة، وهو من قبل أن يبصر مبصِرة ومريئة بالقوّة، وليس في جوهرها كفاية في أن تصير مبصِرة بالفعل، وإذا أعطت الشمس ايّاها ضوءاً تقبله، وأعطت الألوان ضوءاً تقبله بها، فيصير البصر بالضوء الذي استفاده من الشمس مبصِراً بالفعل، وتصير الألوان بذلك الضوء مبصَرةً مرئيَّة بالفعل - بعد أن كانت مبصَرة مرئيَّة بالقوّة -. كذلك هذا العقل الذي يفيد العقل الهيولاني شيئاً ما يرسمه فيه، منزلة ذلك الشيء منه منزلة الضوء من البصَر، وكما أن البصَر يبصر الضوءَ نفسه متّصلاً به، ويدرك الشمس التي هي سبب الضوء فيه متّصلاً بها كأنّه هي، ويبصر بالفعل الأشياء التي كانت مبصرة بالقوّة متّصلاً بها؛ فكذلك العقل الهيولاني، إذا استفادت العقل بالفعل وصارت مصوّرة بها، منوّرة بنور ربها، يعقل نفس ذلك النور العقلي، وبه يعقل العقل بالفعل، الذي به تصير الأشياء المعقولة بالقوّة بالفعل متّصلة به صائرة إيّاه. فنسبته إلى المعقولات، نسبة الشمس إلى المبصَرات؛ وفعْله في عقلنا المنفعِل، فعل الشمس في القوّة الباصرة، فلذلك سمّي عند الأوائل من الحكماء بالعقل الفعّال، وحصوله للإنسان، هو السعادة التي بها يصير الإنسان من الكمال الوجودي إلى حيث تكون منزلته منزلة الملائكة المقرَّبين، الذين هم الصفّ الأعلى من الملكوت. وذلك أن يصير في جملة الأشياء البريئة عن الموادّ والأجسام، وعن إضافاتها وتعلّقاتها الإنفعاليّة، في سعادة لا انقطاع، لها ولا تجدّد يعتريها، ومثل هذه النفس الصائرة عقلاً بالفعل، كانت مَلَكاً بالقوّة، فصارت مَلَكاً بالفعل، وإليه أُشير في قوله تعالى: {أية : يُنَزِّلُ ٱلْمَلاۤئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ} تفسير : [النحل:2]. وقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ} تفسير : [المجادلة:22]. وكما أنّ البدن بلا روح، ميّت فاسدٌ، فكذلك الروح بلا علم، هالكٌ معذَّب، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى:52]. فالعلم روح الروح، ونور النور، ولبّ اللبّ. ثمّ إنّ الذي يدركه العالِم ويشاهده من التصوّرات الكلّية، من خواصّها أن تكون بالله آمنة من التغير والفناء، لا يتطرّق إليها الزوال والفساد، لكونها غير متغيّرة في أنفسها، ولا واقعة في عالَم التجدّد - إلاّ بالعرض -، فإذا كانت صفات العالم غير متغيّرة، فذاته أَوْلىٰ باستحالة الدثور والفساد، وإنّما يجوز له الفناء إلى البقاء الذي يستهلك فيه كلّ شيء، ويعود إليه حياة كلّ حيٍّ، ويبطل في نوره كلّ ظلٍّ وفيء. وأيضاً فالأنبياء - صلوات الله عليهم - ما بُعثوا إلاّ للدعوة إلى الحقّ ومعرفته، قال الله تعالى: {أية : ٱدْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ} تفسير : [النحل:125] الآية. وقال: {أية : قُلْ هَـٰذِهِ سَبِيلِيۤ أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِي} تفسير : [يوسف:108]. ثمّ انظر وخذ من أول الأنبياء عليهم السلام، فإنّه تعالى لما قال: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}تفسير : [البقرة:30] فلمّا قالت الملائكة: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا}تفسير : [البقرة:30]، قال تعالى: {أية : إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة:30]، فأجابهم بكونه عالماً؛ فلم يجعل سائر الصفات جواباً لهم وموجِباً لسكوتهم؛ وذلك يدلّ على أن سائر الصفات - كالقدرة وأمثالها -، وإن كانت بأسرها في نهاية الشرف، إلاّ أن صفة العلم أشرف من غيره. ثمّ إنّه تعالى لما أظهَر علمه، جعل مسجوداً للملائكة، وخليفة للعالم السفلي، وذلك يدلّ على أن تلك المنقبة إنّما استحقّها آدم عليه السلام بالعلم. ثمّ إنّ الملائكة افتخرتْ بالتسبيح والتقديس، فأظهر الله تعالى علْم آدم بالأسماء، في مقابلة تسبيحهم وتقديسهم، مع أن التسبيح والتقديس أيضاً من بركات العلم، وإلاّ لكان إمّا نفاقاً - والنفاق من أخسّ المراتب لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [النساء:145]. - أو تقليداً - وهو مذمومٌ لا يوجب الافتخار -. فثبَت أن فضيلة آدم عليهم، إنّما كانت بعلمه بسائر الأشياء الكليّة والجزئيّة التي لم يكن من شأنهم الإحاطة بها جميعاً، لانحصارهم في مقام واحد معلوم. ثمّ انظر إلى إبراهيم - على نبيّنا وآله عليه والسلام -، كيف اشتغل في أول أمره بطلب العلم، منتقلاً بفكره من ملاحظة أحوال السماويّات، والانتقال من بعضها إلى بعض، حتى انتقل من الأنوار الكوكبيّة الحسيّة إلى النفسيّة القمريّة، ومنها إلى الأضواء العقليّة الشمسيّة، إلى أن وصل بالدليل الباهر والبرهان النيّر الزاهر إلى المقصود الأصلي، والدين الحنيفي، وأعرض عن الشرك لقوله: {أية : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ}تفسير : [الأنعام:79]. ثمّ إنه (ع) بعد الفراغ من معرفة المبدء، اشتغل بمعرفة المعاد، كما قال تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [البقرة:260]. ثم لمّا فرَغ من العلم، اشتغل بالمحاجّة والتعليم: تارةً مع أبيه: {أية : لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ} تفسير : [مريم:42]. وتارةً مع قومه: {أية : مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} تفسير : [الأنبياء:52]. وأُخرى مع ملك زمانه: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ} تفسير : [البقرة:258] الآية. وقوله: {أية : أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ} تفسير : [الأنبياء:67]. وتارة كان مع الله فانياً عمّا سواه: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء:77]. ثمّ انظر إلى أحوال موسى علسه السلام مع فرعون، ووجوه دلائله وحججه عليه، وقد مرّ أنّ طريقته طريقة الخليل في المقامات العلميّة. ثمّ انظر إلى عيسى عليه السلام في قوله: {أية : رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ} تفسير : [البقرة:260]، وكان مقصوده العلْم بأحوال المعاد، بعد أن حصَل له العلم بأحوال المبدء. ثمّ انظر إلى نبيّنا (صلى الله عليه وآله)، كيف منّ الله عليه بالعلم مرّة بعد أخرى في قوله: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ}تفسير : [الضحى:7]. وقوله: {أية : مَا كُنتَ تَدْرِي مَا ٱلْكِتَابُ وَلاَ ٱلإِيمَانُ} تفسير : [الشورى:52]. وقوله: {أية : مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ} تفسير : [هود:49]. وقوله: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} تفسير : [النساء:113]. وهو - صلوات الله عليه - كان أبداً يقول: "رَبِّ أرِني الأشياء كما هي". فلو لم يظهر للإنسان بهذه الأمور التي ذكرناها شرف العلْم وفضله، لاستحال أن يظهر له شيء بشيء أصلاً - وستأتيك زيادةٌ في الاستبصار -. فصل في الشواهد القرآنيّة على أن رتبة العلم ومنزلة العلماء كانت عظيمة عند الأنبياء - سلام الله عليهم أجمعين - أما محمد (صلى الله عليه وآله)، فقد قال الله تأديباً وتعظيماً له: {أية : وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}تفسير : [طه:114]. وفيه أدلّ دليلٍ على عظيم رتبة العلْم ونفاسته، وعلوّ منزلته وكرامته، وفرط محبّة الله إيّاه، حيث أمر حبيبه (صلى الله عليه وآله) بالازدياد منه خاصّة دون غيره. وقال تعالى امتناناً عليه وتكريماً له: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً}تفسير : [النساء:113]. وأمّا كليم الله: فقد قال بعض المفسّرين: "لو اكتفى أحدٌ من العلم وساغَ له القنوع منه، لاكتفى موسى عليه السلام ولم يقل للخضر عليه السلام: {أية : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً}تفسير : [الكهف:66]. وأمّا داود: فلمّا ذكر من حاله مع أحوال الأنبياء عليهم السلام، قدّم العلم أول الأقوال، حيث قال: {أية : دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ} تفسير : [الأنبياء:78] إلى قوله: {أية : وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً}تفسير : [الأنبياء:79]. ثمّ إنّه ذكر بعد ذلك ما يتعلّق بأحوال [الدنيا]، فدل على أن شرف العلم أشرف. وأمّا سليمان عليه السلام: فكان له من ملك الدنيا ما كان، حتى أنّه قال: {أية : رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} تفسير : [ص:35]. ثمّ إنّه لم يفتخر بالمملكة، وافتخر بالعلم حين قال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ}تفسير : [النمل:16]. فافتخر بكونه عالِماً بمنطِق الطيْر، فإذا حسُن من سليمان الافتخار بذلك، فبأن يحسن بالمؤمن أن يفتخر بمعرفة ربّ العالمين وصفاته وأسمائه، وكيفيّة أفعاله وملكوت سماواته، وكتبه ورسله، والايمان بيوم القيامة وحشْر الخلائق إليه، ومعاد الكلّ ورجوع الجميع إليه، كان أحسن. ولأنّه قدّم ذلك على قوله: {أية : وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [النمل: 16]. وقال بعضهم: الهدهد - مع انّه في نهاية الضعف، ومع انّه كان في موقف المعاتبة - قال {أية : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} تفسير : [النمل:22]. فلولا أنّ العلم أشرف الأشياء، وإلاّ فمن أيْن لمِثله أن يتكلّم في مجلس سليمان بمثل هذا الكلام؟! وما ذاك إلاّ ببركة العلْم. وأيضاً، فإن سائر كتب الله المنزَلة على الأنبياء عليهم السلام ناطقة بفضل العلم. أمّا التوراة فقال تعالى لموسى عليه السلام: (عظِّم الحكمة، فإنّي لا أجعل الحكمة في قلب عبدٍ إلا وأردت أن أغفر له، فتعلّمها، ثم اعمِل بها، ثم ابذلها كي تنال بذلك كرامتي في الدنيا والآخرة). وأمّا الزبور، فقال تعالى: (قُلْ لأحبار بني اسرائيل ورهبانهم: حادِثوا من الناس الأتقياء، فإن لم تجدوا فيهم تقيّاً فحادِثوا العلماء، وإن لم تجدوا عالِماً فحادِثوا العقلاء، فإنّ التُقي والعلم والعقل ثلاث مراتب، ما جعلت واحدة منهنّ في أحد من خلْقي وأنا أريد هلاكه). قال بعض العلماء: إنّما قدّم الله التُقى على العلم، لأنّ التُقىٰ لا يوجد بدون العلم، كما بيِّن في المفاتيح الغيبيّة من أنّ الخشية لا تحصل إلاّ مع العلم، والموصوف بالأمرين أشرف من الموصوف بأحدهما، ولهذا السرّ أيضاً قدّم العالِم على العاقِل، لأنّ العالِم لا بدّ وأن يكون عاقلاً - دون العكس -، والعقل كالبذر، والعلم كالشجرة، والتقى كالثمرة. وأمّا الإنجيل: فقد قال تعالى في السورة السابعة عشرة: "ويلٌ لمن سمع بالعلم فلم يطلبه! كيف يُحشر مع الجهّال إلى النار! اطلبوا العلْم وتعلّموه، فإنّ العلم إنْ لم يسعدكم لم يشقكم، وإن لم يرفعكم لم يضَعكم، وإن لم يُغنكم لم يفقركم، وإن لم ينفعكم لم يضركم، ولا تقولوا: نخاف أن نعلم ولا نعمل. ولكن قولوا: نرجوا أن نعلم فنعمَل. فالعلم يشفع لصاحبه، وحقّ على الله أن لا يخزيه، إنّ الله تعالى يقول يوم القيامة: يا معشر العلماء، ما ظنَّكم بربِّكم؟ فيقولون: ظنّنا بربّنا أن يغفر ويرحَمَنا. فيقول: إنّي قد فعلت، إنّي أستودعتكم حكمتي لا لشرٍّ أردته بكم بل لخير أردته بكم، فادخلوا في صالح عبادي إلى جنّتي برحمتي. وقال مقاتل بن سليمان: وجدت في الإنجيل أن الله تعالى قال لعيسى عليه السلام: عظِّم العلماء واعرف فضلهم، فإنّي فضَّلتهم على جميع خَلْقي إلاّ النبيّين والمرسلين، كفضل الشمس على الكواكب، وفضْل الآخرة على الدنيا، وكفضلي على كلِّ شيء. قيل: "إنّ الله علَّم سبعة نفر سبعة أشياء: أ - علَّم آدم عليه السلام أسماء الأشياء لقوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}. ب - علَّم الخضر عليه السلام علم الفراسة: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} تفسير : [الكهف:65]. ج - علَّم يوسف عليه السلام علم التعبير: {أية : رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ ٱلْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ}تفسير : [يوسف:101]. د - علَّم داود عليه السلام صنعة الدرْع: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ}تفسير : [الأنبياء:80]. هـ - علَّم سليمان عليه السلام منطق الطير: {أية : وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ} تفسير : [النمل:16]. و - علَّم عيسى عليه السلام علم التوراة: {أية : وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} تفسير : [آل عمران:48]. ز - علَّم سيّدنا محمّداً (صلى الله عليه وآله) علم الشرع والتوحيد: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} تفسير : [النساء:113]. {أية : وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ} تفسير : [الجمعة:2]. {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الرحمن:1 - 2]. فعلم آدم، كان سبباً في حصول السجدة والتحيّة، وعلْم الخضر، كان سبباً لأن وجد تلميذاً مثل موسى ويوشع عليهما السلام، وعلم يوسف عليه السلام، كان سبباً لوجدان الأهل والمملكة، وعلم داود عليه السلام، كان سبباً لوجدان الرياسة والدرجة، وعلم سليمان عليه السلام، [كان سبباً] لوجدان بلقيس وتسخير الجنّ، وعلم عيسى عليه السلام، لزوال التهمة عن أمّه، وعلم محمد - صلوات الله عليه وآله - كان سبباً لحصول الشفاعة". قال بعض العلماء: مَن عَلِم أسماء المخلوقات وجد التحيّة من الملائكة، فمَن عرف ذات الخالِق وصفاته وحقائق أفعاله أما يجد تحيّة الملائكة؟ بل تحيّة الربّ؟ {أية : سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ} تفسير : [يس:58]. والخضر عليه السلام وجد بعلم الفراسة صحبة موسى عليه السلام، فأمُّة الحبيب - صلوات الله وسلامه عليه -، كيف لا يجدون بعلم الحقيقة صحبة محمد (صلى الله عليه وآله): {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم}تفسير : [النساء:69]. ويوسف عليه السلام بتأويل الرؤيا نجى من حبس الدنيا، فمن كان عالِماً بتأويل كتاب الله، كيف لا ينجو من حبس الشبهات: {أية : يَهْدِي مَن يَشَآءُ} تفسير : [البقرة:142]. وأيضاً: فإنّ يوسف عليه السلام ذكر منّة الله على نفسه حيث قال: {أية : وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ ٱلأَحَادِيثِ} تفسير : [يوسف:101]. فأنتَ يا عالِم، أما تذكر منّته على نفسك حيث علّمك تفسير كتابه، فأيّ نعمة أجلّ مما أعطاك الله حيث جعلك مفسّراً لكلامه المجيد، وسميّاً لنفسه، ووارثاً لنبيّه، وداعياً لخلقه وعباده، وسراجاً لأهل بلاده، وقائداً للخلق إلى جنّته وثوابه، ورادعاً لهم عن ناره وعقابه، كما جاء في الحديث: "حديث : العلماءُ ورثةُ الأنبياء" "حديث : العلماء سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة"تفسير : - الحديث -. وأيضاً؛ فإنّ الله تعالى سمّى العلم في كتابه الكريم بالأسماء الشريفة: فمنها الحياة: {أية : أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ} تفسير : [الأنعام:122]، وثانيها الروح: {أية : أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا} تفسير : [الشورى:52]. وثالثها النور: {أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} تفسير : [المائدة:15]. فصل في الشواهد النبويّة من الأحاديث والأخبار على شرف العلم فمن طريقة أصحابنا - رضوان الله عليهم - وجوهٌ: عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ الله تعالى يقول: "حديث : تذاكرُ العلْمِ بينَ عبادي مما تُحيى عليه القلوبُ الميتةُ إذا هم انتهَوا [فيه] إلى أمْري ". تفسير : وعن أبي الجارود قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: رحم الله عبداً أحٰيى العلم. - قال -: قلت: وما إحياؤه؟ قال أن يذاكر به أهل الدين وأهلَ الورعِ. وعن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : لا خيْر في العيشِ إلاّ لرجلين، عالمٌ مطاعٌ ومستمعٌ واعٍ ". تفسير : وعن أبي جعفر عليه السلام إنّه قال........................: "عالِمٌ ينتفع بعلمِه أفضَل من سبعينَ ألف عابِد" وعن أبي عبدالله عليه السلام: "طلَبُ العلم فريضةٌ. ألا وإنّ الله يحبُّ بغاةَ العلم". وعن أمير المؤمنين عليه السلام، قال: "إنّ الناس آلوا بعدَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ثلاثة: آلوا إلى عالم لى هُدى من الله قد أغناه الله بما علم عن علم غيره. وجاهلٍ مدّعٍ للعلم لا علم له معجب بما عنده قد فتنته الدنيا وفتن غيرَه. ومتعلّمٍ من عالِمٍ على سبيل هدى من الله ونجاة. ثمّ هلكَ مَن ادّعى وخاب مَن افترى". وعن أبي عبدالله عليه السلام، قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: "إنّ من حقّ العالِم أن لا تُكثِرَ عليه السؤال، ولا تأخذَ بثوبِه، وإذا دخلتَ عليه وعنده قومٌ فسلِّم عليهم جميعاً، وخصّه بالتحيّة دونهم، واجلس بين يدَيه، ولا تجلس خلفَه، ولا تغمز بعينك، ولا تشِر بيدِك، ولا تكثِر من القول "قالَ فلانٌ، وقالَ فلانٌ" خلافاً لقوله، ولا تضجر بطول صحبته؛ فإنّما مثل العالِم مثَل النخلةِ، تنتظرها [حتى] يسقط عليكَ منها شيء. والعالِم أعظمُ أجراً من الصائمِ القائمِ الغازي في سبيل الله". وعن الفضل بن أبي قرّة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حديث : قال الحواريّون لعيسى عليه السلام: "يا روح الله - مَن نُجالِس؟" قال: "مَن يُذكّركم الله رؤيتُه، ويزيدُ في علمِكم منطقُه، ويرغّبكم في الآخِرة عملُه" . تفسير : منصور بن حازم، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : مجالسة أهل الدين شرف الدنيا والآخرة ". تفسير : إلى غير ذلك من أحاديثهم عليهم السلام في فضيلة العلم، وقد ذكرنا شطراً منها في المفاتيح، واختصرنا هٰهنا على هذا القدر، فمن أراد المزيد فليراجع إلى كتب الكافي وغيره في هذا الباب. وأما من طريقة غيرهم فوجوه: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : يقول الله تعالى للعلماء: إنّي لم أضع علمي فيكُم وأنا أريد أن أعذّبكم، ادخلوا الجنّة على ما كان فيكم ". تفسير : قال ابن عباس: حديث : خطَبَنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطبةً بليغةً قبل وفاته - وهي آخر خطبة بالمدينة خطبها -، فقال: "مَنْ تعلَّم العلْم، وتواضَع في العلم، وعلّمه عباد الله - يريدُ ما عندَ الله - لم يكن في الجنّةِ أفضلُ ثواباً ولا أعظمُ منزلةً منه، ولم يكن في الجنّة منزلة ولا درجة رفيعة نفيسة، إلاّ كان فيها له أوفرُ النصيب وأشرف المنازل" . تفسير : وعنه (صلى الله عليه وآله): "حديث : إذا كان يوم القيامة، حفّت منابر من ذهب عليها قباب من فضّة مفضّضة بالدرّ والياقوت والزمرّد، خلالها السندس والاستبرق، ثمّ ينادي منادي الرحمٰن: أيْن من حمَل إلى أمّة محمد (صلى الله عليه وآله) علْماً يريد به وجه الله؟ اجلسوا على هذه المنابر لا خوف عليكم حتى تدخلوا الجنّة ". تفسير : وعن عيسى بن مريم عليهما السلام: "إنّ في أمّة محمد (صلى الله عليه وآله) علماء حكماء، كأنّهم في الفقه أنبياء، يَرضون من الله باليسير من الزرقِ، ويَرضى الله منهم باليسير من العمل، ويدخلون الجنّة بلا إله إلا الله". وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حديث : من اغبرّت له قدمان في طلب العلم، حرّم الله جسده على النار، واستغفر له ملكاه، وإن مات في طلبه مات شهيداً، وكان قبره روضة من رياض الجنة، ويوسَّع له في قبره مدَّ بصره، وينوّر على جيرانه؛ أربعين قبراً عن يمينه وأربعين عن يساره وأربعين من خلفه، وأربعين من أمامه. ونوم العالم عبادةٌ، ومذاكرته تسبيحٌ، ونفسُهُ صدقةٌ، وكلُّ قطرةٍ نزلت من عينَيه تُطفئُ بحراً من جهنم . تفسير : فمن أهان العالَم فقد أهان العلْمَ، ومن أهان العلم فقد أهان النبي (صلى الله عليه وآله)، ومن أهانَ النبيّ (صلى الله عليه وآله) فقد أهانَ جبرئيل عليه السلام، ومن أهان جبرئيل عليه السلام فقد أهانَ الله تعالى، ومن أهان الله تعالى أهانَه يوم القيامة. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : ألا أخبركم بأجود الأجواد؟ قالوا: نِعمْ - يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: الله تعالى أجودُ الأجواد، وأنا أجود ولد آدم، وأجودهم من بعدي رجلٌ عالمٌ ينشر علمه، فيُبْعَث يوم القيامة أمّة واحدة، ورجلٌ جاهَد في سبيل الله حتّى يُقتل ". تفسير : فصل في ألفاظ دالّة على العلوم الحقيقية واشتبهت على الناس بغيرها اعلم أنّه قد التبست العلوم الحقيقية المحمودة الشرعية بغيرها من جهة تحريف الأسامي المحمودة عن وضعها الأول، وتبديلها ونقلها بسبب الأغراض الفاسدة إلى معاني غير ما أراد بها الصدر الأول والسلف الصالح، وهي خمسة ألفاظ - كما ذكره صاحب إحياء العلوم وفصّل القول في كيفيّة تحريفاتها - الفقه والعلم، والتوحيد والتذكر، والحكمة - ونحن أيضاً نقتفي كلامه في هذا الفصل مع اختصار وتلخيص: فـاللفظ الأول: الفِقْهُ: فقد تصرّفوا فيه بالتخصيص لا بالنقل والتحويل، إذ قد خصّصوه بمعرفة الفروع الغريبة في الفتاوي، والوقوف على دقائق عللها، واستكثار الكلام فيها، وحفظ المقالات المتعلّقة بها؛ فمن كان أشدّ تعمّقاً فيها وأكثر اشتغالاً بها فهو الأفقَه. وهذا ضربٌ من التحريف. فلقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقاً على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفس، ومفسدات الأعمال، وقوّة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدّة التطلّع إلى نعيم الأبرار، واستيلاء الخوف على القلب، كما يدلّك عليه: {أية : لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ} تفسير : [التوبة:122]. وما به الإنذار والتخويف هو هذا العلم، دون تفريعات الطلاق واللعان والعتاق والسَلَم والإجارة، فذلك لا يحصل به إنذار وتخويف، بل التجرّد له على الدوام يقسي القلب، وينزع الخشية منه كما يشاهد من المتجرّدين له. وقال تعالى: {أية : لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا} تفسير : [الأعراف:179]. وأراد به معاني الآيات - دون الفتاوى -. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : لا يفقَهُ الرجُل كلّ الفِقْه، حتى يمقت الناس في ذات الله، وحتى يرى للقرآن وجوهاً كثيرةً ". تفسير : وسئل الحسن البصري عن مسئلة فأجاب، فقال له السائل: "إن الفقهاء يخالفونك"، فقال الحسن: "ثكلتك أمك - وهل رأيتَ فقيهاً بعينك؟! إنّما الفقيه؛ الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بذنبه، المداوم [على] عبادة ربّه، الورع الكافّ عن أعراض الناس، العفيفُ عن أموالهم، الناصحُ لجماعتهم"، ولم يقل في جميع ذلك "الحافظُ لفروعِ الفتاوى". اللفظ الثاني: العلْم: وقد كان مطلقاً على العلم بالله وبآياته وأفعاله في عباده وخلقه، وقد تصرّفوا فيه بالتخصيص حتى حوّلوه وشهروه في الأكثر لمن يشتغل بالمناظرة مع الخصوم في المسائل الخلافيّة وغيرها، فيعدّ من فحول العلماء، فيقال: "هو العالِم بالحقيقة، وهو الفحل فيه"، مع عَريه عن العلوم الحقيقية كلّها، وجهله بحقائق علْم القرآن وأسرار الآيات وتأويل الأحاديث، وصار ذلك شيئاً مهلِكاً لخلقٍ كثيرٍ من الطلبة. اللفظ الثالث: التوحيد: وقد جُعل الآن عبارة عن صناعة الكلام، ومعرفة طرق المجادلة وفنون البحث، وكيفيّة مناقضات الخصوم، والقدرة على تكثير الأسئلة وإثارة الشبهات والإلزامات، حتّى لقّبت طوائف منهم بأهل العدل والتوحيد، وعلماء ذلك، مع أنّ جميع ما هو خاصّية هذه الصناعة، لم يكن يعرف منها شيء في العصر الأول، بل كان يشتدّ النكير منهم على من يفتح أبواب الجدل والمماراة، وكان التوحيد عندهم عبارة عن معنى آخر لا يفهمه أكثر المتكلّمين، وهو أن يرى الأمور كلها من الله رؤيةً يقطع التفاته عن الوسائط والأسباب. وهذا مقام شريف، إحدى ثمراته التوكّل والرضا والتسليم بحكم الله، وأن يعبده عبادة يفرده بها فلا يعبده غيره، ويخرج من هذا التوحيد أتباع الهوى، فكلّ متّبع هواه فقد اتّخذ معبوده هواه، قال الله تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الجاثية:23]. وقال (صلى الله عليه وآله): "حديث : أبغضُ إلهٍ عُبِد في الأرضِ عندَ اللهِ هو الهَوىٰ ". تفسير : وعلى التحقيق، من تأمّل عرف أن عابدَ الصنمِ ليس يعبد الصنمَ، إنّما يعبد هواه، إذ نفسه مائلةٌ إلى دين آبائه فيعبد ذلك الميل. وبالجملة، فقد كان التوحيد عندهم عبارة عن ذلك المقام، وهو من مقامات الصدّيقين، فانظر إلى ماذا حُوَّل؟ وبأيّ قشر قنع الإنسان؟ وكيف اتّخذ هواه معتصماً في التمدّح والتفاخر بما اسمه محمودٌ، مع الإفلاس عن المعنى الذي يستحقّ به الحمد الحقيقي؟ اللفظ الرابع: الذكر والتذكير: وقد قال الله تعالى: {أية : وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ} تفسير : [الذاريات:55]. وقد ورد في مجالس الذكر أخبار كثيرة كقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : إنّ للهِ ملائكة سيّاحين في الهواء سوى ملائكة الخلْق، إذا رأوا مجالس الذكْر ينادي بعضهم بعضاً: هلمّوا إلى بغيتِكم. فيأتوهم ويحفّون بهم، ويستمعون. ألا - فاذكروا الله وذكّروا بأنفسكم ". تفسير : فنُقل ذلك إلى ما ترى أكثر الوعّاظ يواظبون عليه في هذا الزمان، وهو القصص والأشعار، والشطح، والطامات. واللفظ الخامس: الحكمة: فإنّ اسم "الحكيم" صار يطلق على الطبيب والشاعر والمنجّم، حتى على الذي يدحرج القرعة على أكفّ السوادية في شوارع الطرق؛ والحكمة هي التي أثنى الله عليها فقال: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} تفسير : [البقرة:269]. وقال (صلى الله عليه وآله): "حديث : كلمةٌ من الحكمةِ يتعلَّمها الرجُل خيرٌ له من الدنيا [وما فيها]" . تفسير : فانظر ما الذي كانت "الحكمة" عبارةً عنه، وإلى ماذا نُقل؟! وقسْ به بقيَّة الألفاظ، واحترِز به عن الاغترار بتلبيسات علماء السوء، فإنّ شرّهم على الدين أعظم من شرّ الشياطين، إذ الشياطين بوساطتهم تتذرّع إلى انتزاع الدين من قلوب الخلق، ولهذا حديث : لمّا سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن شرّ الخلق أبى وقال: "اللهم غفراً". حتى كرّر وقال: "شرّهم علماء السوء" . تفسير : فقد عرفت العلم المحمود والمذموم، ومثار الإلتباس، وإليك الخيرَة في أن تنظر لنفسك فتقتدي بالسلَف، أو تتدلّى بحبل الغرور، وتتشبَّه بالخلَف، فكلّ ما ارتضاه السلَف من العلم فقد اندرَس، وما أكبّ عليه الجمهور فأكثره مبتدع، وقد صحّ قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): حديث : "بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء". فقيل: "من الغرباء؟" فقال: "الذين يصلحون ما أفسدَ الناسُ مِن سنّتي، والذين يحيون ما أماتوه من سنّتي"تفسير : . وفي خبر آخر: "حديث : هم المتمسّكون بما أنتم عليه اليوم"تفسير : . وفي حديث آخر: "حديث : الغُرباء ناسٌ قليلٌ صالحون، بين ناسٍ كثير ". تفسير : وقد صارت تلك العلوم غريبة بحيث يمقت ذكر اسمها، ولذلك قال: "إذا رأيتَ العالِمَ كثير الأصدقاء فاعلم أنه مخلّط، لأنّه إن نطق بالحق أبغضوه". فصل في العلم المحمود والعلم المذموم قال صاحب الإحياء: "إنّ العلم بهذا الإعتبار ثلاثة أقسام: قسمٌ مذمومٌ قليله وكثيره، وقسمٌ محمودٌ كلّه، وكلّما كان أكثر فهو أفضل، وقسمٌ يحمد بقدر الحاجة ولا يحمد الفاضل عليه والاستقصاء فيه؛ وهو مثل أحوال البدن: فمنه ما يحمد قليله وكثيره كالصحة والجمال، ومنه ما يقابله كالقبح وسوء الخلق، ومنه ما يحمد الاقتصاد فيه كبذل المال، فإنّ التبذير فيه لا يحمد؛ وكالشجاعة، فإنّ التهور لا يحمد فيها وإن كان من جنس الشجاعة. فكذلك العلم، فالقسم المذموم كلّه ما لا فائدة فيه في دين أو دنيا، كعلم السحر والطلسمات والنجوم، فبعضه لا فائدة فيه، وصرف العمر فيه اضاعة أنفس ما يملكه الإنسان، واضاعة النفائس مذمومٌ. وأما القسم الممدوح إلى أقصى غاية الاستقصاء، هو العلم بالله وبصفاته وأفعاله، وجريان سنّته في خلقه، وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا. فإنّ هذا العلم علمٌ مطلوب لذاته، والتوسّل به إلى سعادة الآخرة، وبذل المقدور فيه إلى غاية الجهد، قصور عن حدّ الواجب، فإنّه البحر الذي لا يُدْرَكُ غوره، وإنّما يحوم الحائمون على سواحله وأطرافه بقدر ما يسّر لهم، وما خاض أطرافه إلا الأنبياء والأولياء الراسخون في العلم - على اختلاف درجاتهم - بحسب اختلاف قوّتهم، وتفاوت تقدير الله في حقّهم. وهذا هو العلم المكنون الذي لا يسطر في الكتب، ويعين على التنبّه له التعلّم ومشاهدة أحوال علماء الآخرة في أول الأمر، وتعين عليه في الآخرة المجاهد[ة] والرياضة، وتصفية القلب وتفريغه عن علائق الدنيا، والتشبّه بأنبياء الله عليهم السلام وأوليائه، - رضي الله عنهم - ليتّضح لكلّ ساع بقدر رزقه - لا بقدر جهده -، لكن لا غناء فيه عن الاجتهاد، فالمجاهدة مفتاح الهداية. وأما العلوم التي لا يحمد منها إلاّ مقدار مخصوص، فهي التي أوردت في فروض الكفايات، فكن أحد رَجُلَين: إما مشغولاً بنفسك، وإمّا متفرغاً إلى غيرك بعد الفراغ من نفسك، وإيّاك أن تشتغل بما تُصلح به غيرك قبل إصلاح نفسك، فإن كنت المشغول بنفسك، فلا تشتغل إلاّ بالعلم الذي هو فرض عينك. وإنّما الأهمّ الذي أهمَله الكلّ؛ علم صفات القلب، وما يحمد منها وما يذمّ، والاشتغال بمداواته، وإهمال ذلك مع الاشتغال بالأعمال الظاهرة، يضاهي الاشتغال بطلاء ظاهر البدن عند التأذّي بالجرَب والدماميل، والتهاون باخراج المادة بالفصد والإسهال، وحشويّة العلماء يشيرون بالأعمال الظاهرة، كما يشير الطرقيّة من الأطبّاء بطلاء ظاهر البدن، وعلماء الآخرة لا يشيرون إلاّ بتطهير الباطن، وقطع موادّ الشر بإفساد منابتها وقطع مغارسها، وهي في القلب. وإنّما فرغ الأكثرون إلى الأعمال الظاهرة عن تطهير القلوب، لسهولة أعمال الجوارح، واستصعاب أعمال القلوب؛ فإن كنت مريداً للآخرة وطالباً للنجاة، فاشتغل بعلم العلل الباطنة وعلاجها، ثمّ ينجزّ بك ذلك إلى المقامات المحمودة، فلا تشتغل بالفروض الكفايات - لا سيَّما وفي الخلق من قام به -، فإنّ مهلك نفسه في طلَب صلاح غيره سفيه، فما أشدّ حماقةً من دخلت الأفاعي والعقارب داخل ثيابه، وهمّت بقتله، وهو يطلب مذبّة يدفع بها الذباب عن غيره ممّن لا يغنيه ولا ينجيه بما يلاقيه من تلك الأفاعي والحيّات والعقارب اذ هممن بقلته؟!" -

الجنابذي

تفسير : تحقيق معنى الاسم وبيان تعليم آدم الاسماء كلَّها وبيان اللّطائف المندرجة فى الاية الشّريفة {وَعَلَّمَ آدَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} اعلم انّ اسم الشيئ ما دّل عليه مطلقاً او باعتبار بعض صفاته سواء كانت الدّلالة وضعيّة او غير وضعيّة، وسواء كان الدّالّ لفظاً او نقشاً او مفهوماً ذهنيّاً او موجوداً عينيّاً، ولمّا كانت الدّلالة مأخوذة فى الاسميّة فكلّما كانت الدّلالة اقوى كانت الاسميّة اشدّ فالدّلالة الوضعيّة الّتى هى فى الالفاظ والنّقوش لمّا كانت محتاجة الى أمر آخر هو وضع واضع كانت اضعف، فالاسميّة فى الدّلالة الوضعيّة اضعف الاسميّات، والمفهوم الذّهنىّ لضعفه فى نفسه واختفائه عن المدارك بحيث أنكره بعضٌ وقالوا: انّ العلم الحصولىّ ليس بحصول صورة من المعلوم فى ذهن العالم بل هو بالاضافة بين العالم والمعلوم، وقال بعض المحقّقين انّه بشهود العالم صورة المعلوم فى عالم المثال عن بعد او بشهوده ربّ نوع المعلوم عن بعد اضعف الاسماء أيضاً، فبقى ان يكون الموجود العينىّ المدرك لكلّ احد الدّالّ على غيره بالطّبع كاملاً فى الاسميّة؛ ونحن الاسماء الحسنى، ولا اسم اعظم منّى، وبأسمائك الّتى ملأت أركان كلّ شيءٍ، وغير ذلك من كلماتهم تدلّ على اعتبار الاسميّة للاعيان الموجودة واهل العرف لمّا كان نظرهم الى المحسوسات غير متجاوزٍ عنها لا يعرفون من اطلاق الاسم سوى اللّفظ والنّقش لغفلتهم عن حصول مفهوم من المسمّى فى الذّهن فضلاً عن اعتبار الاسميّة له، ولاحتجابهم عن دلالة الاعيان على غيرها وعن كونها مرايا للحقّ الاوّل تعالى، والاسم من حيث الاسميّة وكونه عنواناً ومرآةً للمسمّى لا حكم له بل الحكم بهذا الاعتبار للمسمّى، وقد يعتبر الاسم من حيث نفسه من غير اعتباره مرآةً لغيره وله بهذا الاعتبار حكمٌ فى نفسه ويحكم عليه وبه، والاخبار الدّالّة على انّ عابد الاسم كافرٌ وعابد الاسم والمعنى مشركٌ وعابد المعنى بايقاع الاسماء عليه بصفاته الّتى وصف بها نفسه موحّد ناظرة الى الاسماء العينيّة او الموهومات الذّهنيّة ومشيرة الى هذين الاعتبارين، وقوله تعالى: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّآ أَنَزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ} تفسير : [النجم: 23]؛ اشارة الى هذين ايضاً يعنى ما جعلتموها معبوداتٍ او مطاعين ليست الاّ اسماء لا ينبغى ان ينظر اليها ويحكم عليها انتم وآباؤكم جعلتموها مسمّياتٍ ومنظوراً اليها ومحكوماً عليها بالمعبوديّة او المطاعيّة ما أنزل الله بها من ذلك الاعتبار سلطاناً وحجّة وتعليم الشّيء اعطاء العلم له سواء كان بنحو الاعداد والتّسبيب كالتّعليم البشرىّ او بنحو الافاضة كتعليم الله تعالى وعلم الشيئ ظهوره على النّفس بنفسه كالعلم الحضورىّ او بصورته الحاصلة فى النّفس، او فى عالم المثال، او فى ربّ النّوع على الاختلاف فيه كالعلم الحصولىّ سواء كان بالشّعور البسيط او بالشّعور التّركيبىّ فمعنى {علّم آدم الاسماء كلّها} أفاض وأودع علم الموجودات وصورة كلّ منها وانموذجه من حيث هى أسماء ومرايا للحقّ تعالى شأنه لا من حيث هى مسمّيات لعدم تحدّد آدم بحدٍّ حتّى يصيروا واقفاً فى ذلك الحدّ ويكون المعلوم فى ذلك الحدّ مستقلاً عنده فى الوجود ومسمّى لا اسماً لغيره فالتّعبير عن الموجودات بالاسماء للاشعار بعدم وقوف آدم (ع) دون الوصول الى الله والتّأكيد بلفظ {كلّها} للاشارة الى انّ الجميع مودعة فى وجود آدم بحيث لا يشذّ عن حيطة وجوده شيئ من الاشياء، وما قلنا انّه أودع صورة الاشياء وأنموذجها انّما هو بحسب أفهام العوامّ والاّ فحقيقة كلّ شيئٍ عند آدم عليه السّلام والاشياء كلّها دقائق للحقائق الّتى أودعها الله تعالى فى آدم (ع)، ولمّا كان الملائكة متّحددين وكان الاشياء بالنّسبة اليهم متحدّدة ومحكوماً عليها بوجهٍ جعلها تعالى فى معرض العرض على الملائكة للاشعار بمحدوديّتهم فى صورة المسمّيات المستقّلات من غير اعتبار الاسميّة لها بارجاع ضمير ذوى العقول اليها تغليباً او باعتبار كون الاشياء بالنّسبة اليه تعالى عقلاء فانّ ارجاع الضّمير الى الاسماء واعتبار كونها عقلاء اسقاط لاعتبار الاسميّة لها بخلاف ايقاع العلم على الاسماء بعنوان الاسميّة فقال {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} اى عرض الاسماء كما عرفت فلا حاجة الى تكلّف ارجاع الضّمير الى المسمّيات المفهومة بالالتزام بل تكلّف ارجاع الضّمير الى المسمّيات يذهب باللّطائف المودعة فى تعليق الفعل على الاسماء وارجاع ضمير ذوى العقول اليها كما عرفت {عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ} اى ملائكة الارض لانّهم المستغربون خلافة آدم (ع) او على الجميع ليظهر على الجميع سعة آدم (ع) واحاطته واستحقاقه الخلافة على جميعهم فانّ المقرّبين من الملائكة وان كانوا محيطين عالمين من آدم (ع) ظاهره وباطنه وما فيه بالفعل وما فيه بالقوّة لكنّ حقائق الاسماء الالهيّة الّتى هى فى مقام المشيئة مختفية عليهم مع انّ آدم (ع) بعلويّته عالم بها جامع لها وبتلك الحقائق يستحقّ الخلافة عليهم وباعتبار ذلك المقام ورد عنهم (ع) على ما نسب اليهم: روح القدس فى جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة، وورد انّ جبريل (ع) قال لمحمّدٍ (ص) ليلة المعراج: حديث : لو دنوت أنملةً لاحترقتتفسير : ، والمراد بالعرض عليهم اظهار حقائقهم. فى العود الى الله لا فى النّزول من الله ولذا كان ذلك العرض بعد تعليم آدم (ع) جميع الاسماء فانّ للاشياء بواسطة عروج آدم (ع) عروجاً بأنفسها فى صراط الانسان مضافاً الى عروج أسمائها مع الانسان وعطف العرض بثمّ على تعليم الاسماء لآدم (ع) مشعر به، وورد الخبر انّه عرض أشباحهم وهم أنوار فى الأظلّة {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ} الاسماء هاهنا بمنزلة العلم فى آدم يعنى أنبئونى بأنموذج كلّ من هؤلاء الحقائق المتكثّرة الموجودة المتضادّة من وجودكم حتّى تستحقّوا الخلافة فى المتضادّات والحكومة بين المتفاسدات بالسّنخيّة بينكم وبين المتضادّات، فانّ الخليفه لا بدّ ان يكون له سنخيّة مع المستخلف عليه وليس فى وجود كلٍّ الاّ انموذج واحد منهم فلا يخبر كلّ منكم الاّ باسم واحد منهم فأخبرونى بأسماء الجميع {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فى انكار خلافة آدم (ع) واستحقاق خلافتكم فرجعوا الى أنفسهم وأيقنوا انّهم قاصرون عن المجانسة مع الاضداد وعن المحاكمة بين المتخالفات، وعن العلم بالمتفاسدات، مقصّرون فى الاستعجاب والاستخبار على سبيل الانكار مفرّطون فى ادّعاء التّسبيح مع التّحميد واستحقاق الخلافة دون آدم فاعترفوا بذلك.

فرات الكوفي

تفسير : {وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلى المَلائِكَة 31-33} فرات قال: حدثني أبو الحسن أحمد بن صالح الهمداني قال: حدثنا الحسن بن علي يعني ابن زكريا بن صالح بن عاصم بن زفر البصري قال: حدثنا زكريا بن يحيى التستري قال: حدثنا أحمد بن قتيبة الهمداني عن عبد الرحمان بن يزيد: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إنّ الله تبارك وتعالى كان ولا شيء فخلق خمسةً من نور جلاله، و[جعل] لكل واحد منهم اسماً من أسمائه المنزلة؛ فهو الحميد وسمّى [النبي. ب] محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، وهو الأعلى وسمّى أمير المؤمنين علياً، وله الأسماء الحسنى فاشتق منها حسناً وحسيناً، وهو فاطر فاشتق لفاطمة من أسمائه اسماً، فلمّا خلقهم جعلهم في الميثاق فإنهم عن يمين العرش. وخلق الملائكة من نور فلمّا أن نظروا إليهم عظّموا أمرهم وشأنهم ولقنوا التسبيح فذلك قوله: {أية : وإنا لنحن الصافّون وإنا لنحن المسبّحون} تفسير : [165و 166/ الصافات] فلمّا خلق الله تعالى آدم صلوات الله وسلامه عليه نظر إليهم عن يمين العرش فقال: يا ربّ مَنْ هؤلاء؟ قال: يا آدم هؤلاء صفوتي وخاصتي خلقتهم من نور جلالي وشققت لهم اسماً من أسمائي، قال: يا رب فبحقك عليهم علّمني أسماءهم، قال: يا آدم فهم عندك أمانة، سرٌّ من سرّي، لا يطّلع عليه غيرك إلاّ باذني، قال: نعم يا رب، قال: يا آدم أعطني على ذلك العهد، فأخذ عليه العهد ثم علمه أسماءهم ثم عرضهم على الملائكة ولم يكن علّمهم بأسمائهم {فقال: أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا: سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا: إنّك أنت العليم الحكيم، قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلمّا أنبأهم بأسمائهم} علمت الملائكة أنّه مستودع وأنّه مفضل بالعلم، وأمِروا بالسجود إذ كانت سجدتهم لآدم تفضيلاً له وعبادة لله إذ كان ذلك بحق له، وأبى إبليس الفاسق عن أمر ربّه فقال: {أية : ما منعك ألاّ تسجد إذ أمرتك؟ قال: أنا خيرٌ منه}تفسير : [12/ الاعراف] قال: فقد فضّلته عليك حيث أمر[ت] بالفضل للخمسة الذين لم أجعل لك عليهم سلطاناً ولا من شيعتهم [ر: يتبعهم (ظ)] فذلك إستثناء اللعين [أية : إلاّ عبادك منهم المخلصين} تفسير : [40/ الحجر و83/ ص] قال: {أية : إنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان} تفسير : [42/ الحجر و 65/ الإسراء] وهم الشيعة.

الهواري

تفسير : قوله: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. [قال مجاهد]: خلق الله آدم آخر ساعة النهار، من يوم الجمعة، من بعد ما خلق الخلق كلَّهم. قال الكلبي: ثم علَّمه الأَسماء كلها، أَسماءَ الخلق. ثم إن الله حشر عليه الدوابَّ كلَّها والسِّباع والطيور وما ذرأ في الأرض ثم قال للملائكة: {أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}. قال بعضهم: إن كنتم صادقين أني أجعل فيها من يُفسد فيها؛ أي: إِن منهم من يعمل بطاعتي. علَّمه أسماءهم باللغة السريانية سرّاً من الملائكة. {قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} ثم {قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ} فقال آدم: هذا كذا وهذا كذا، فسمَّى كل نوع باسمه: هذا هكذا، وهذا هكذا. قال بعضهم: سمَّى كل شيء باسمه وألجأه إلى جنسه. قال: {فَلَمَّا أَنبَأَهُم} آدم {بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ} الله للملائكة {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} أما الذي أبدوا فحين قال إبليس لأصحابه: أرأيتم إن فضِّل عليكم ما أنتم فاعلون؟ قالوا: نطيع أمر ربنا. فهذا الذي أبدوا. وأما الذي كتموا فالذي أسرَّ إبليس في خاصة نفسه من المعصية. وتفسير الحسن وغيره في هذا الحرف: {وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}: أنهم لما قال الله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} قالوا فيما بينهم: ما الله بخالق خلقاً أكرم عليه منا ولا أعلمَ منا، فهو الذي كتموا. قال: فابتُلُوا بخلق آدم. وكل شيء مبتَلىً كما ابتُليت السماوات والأرض فقال: (أية : ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً)تفسير : [فصِّلت:11]. قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لأَِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}. يعني إن الطاعة كانت لله والسجدة كانت لآدم. [قال بعضهم]: أكرم الله آدم بأن أسجد له ملائكته فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين. تفسير الحسن أنه لم يكن كافر قبله، كما أن آدم كان من الإِنس ولم يكن إنسي قبله. وقال بعضهم: خلق الله الخلق شقياً وسعيداً: فكان إبليس ممن خلق الله شقياً، فلما أمر بالسجود له أبى واستكبر وكان من الكافرين. أي كان ممن خلقه الله شقياً بفعله الذي شقي به إذ ترك السجود لآدم. وقال بعضهم: تفسير كان في هذا الموضع صار؛ يقول: أبى إبليس واستكبر وصار بإبائه السجود واستكباره كافراً. وهذا أولى كل تأويل تأوّلوه بالحق. وتفسير آدم أن الله خلقه من أديم الأرض. وتفسير المرأة أنها خلقت من المر. ذكر عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : خلق الله آدم من طينة من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض؛ منهم الأبيض والأحمر والأسود، والسهل والحزن، والحسن والقبيح. والخبيث والطيب تفسير : .ذكروا عن ابن عباس قال: خلق الله آدم من طينة بيضاء وحمراء وسوداء.

اطفيش

تفسير : {وَعَلَّمَ}: هذا نص فى جواز إسناد التعليم إلى الله - تعالى - ولا ينطلق عليه أنه معلم لأن أسماءه توقيفية. وقال القاضى لاختصاص المعلم بمن يحترف بالتعليم. {آدم}: وقرئ ببناء علم للمفعول، ورفع آدم وهو اسمه صلى الله عليه وسلم، ويكنى أبا محمد، باسم نبينا - محمد - صلى الله عليه وسلم - ويكنى أيضاً أبا البشر. وتكنيته بأبى محمد مزية وخصوصية للنبى - صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن بغيره من أولاده. {الأَسْمَاءَ كُلَهَا}: إما بإلهام، وهو أن يلقى فى قلبه أسماءها بلا سابقة اصطلاح ولا كلام، وهو من أنواع التعليم، فان التعليم المتأثر تصيير الشىء عالماً، سواء بكلام أو إشارة إو إلهام. ومطلق التعليم إحضار أسباب العلم، فإن تأثرت قبل علمه فتعلم، وإن لم تؤثر قبل علمه فلم يتعلم {أية : رب زدنى علما}تفسير : وإما بخلق علم ضرورى فيه بتلك الأسماء، كما خلق فينا معرفة أن مسمى الاثنين المتساويين أكبر من مسمى أحدهما، وإما بواسطة ملك، وإما بخلق كلام فى الهواء، أو فيما شاء من مخلوقاته يسمعه، هكذا قلت، مستخرجا لتلك الأوجه، ثم رأيت بعضاً - والحمد لله - ذكرها أقوالا بل بعضها، إذ قال: هذا التعليم إلهام عند قوم وتعليم بواسطة ملك، أو بتكليم قبل هبوط الأرض، فلا يشارك موسى - عليه السلام - فى خاصته. وقال عبد الله بن أبى حجرة، وهو مغربى غير أندلسى لكنه دخل الأندلس: تعليمه سبحانه لأدم الأسماء كلها، إنما كان بالعلم اللدنى بلا واسطة. وآدم اسم عجمى لا عربى، فإذا كان عجمياً لم يصح أن يقال مشتق من الأدمة، بضم الهمزة وإسكان الدال، كما قيل إن لونه أدمة، وبه قال الشيخ هود، بفتح الهمزة والدال، بمعنى القدوة بالواو، من حيث إنه إمام فى الخير وأصل لأولاده، ولا من أديم الأرض من حيث إنه خلق من أديمها، أى وجهها، ولا من الأدم أو الأدمة، بسكون الدال، بمعنى الألفة لأن الاشتقاق من خصائص العربية فلا يقال أيضاً: إدريس من الدرس ولا يعقوب من العقب ولا إبليس من الإبلاس، وهو انقطاع الرجاء. اللهم إلا أن يقال: إن الأدمة والأديم والأدم والأدمة: وردت فى تلك اللغة فى تلك المعانى، ووافقت فيها العربية، وكذا فى إدريس ويعقوب وإبليس، لكن يحتاج إلى دليل على ورود هذه الألفاظ فى العجمة، موافقة لمعانيها العربية. ثم ظهر لى أنه لا مانع من الاشتقاق فى العجمة. ألا ترى أنا نقول فى لغتنا البربرية ءاسوا، بهمزة مفتوحة فألف فسين ساكنة فواو مفتوحة، بمعنى الشرب ويسوى وبياء مثناة مفتوحة فسين ساكنة فواو مضمومة ممدودة بواو ساكنة بعدها. بمعنى شرب ولو كانت التصاريف لا تكمل فيها، وإنما الحجة عدم الدليل على توافق معانى تلك الألفاظ فى العجمة لمعانيها فى العربية، ولا على ورودها فى العجمة، فيشتق منها آدم، فإذا تقرر أنه عجمى فاعلم أن وزنه: فاعل كآزر وشالخ، بفتح العين والزاء واللام، وبذلك قال الزمخشرى والقاضى فى تفسيرهما. قلت: إذا قيل بعجمته فوزنه بذلك وزن طبعى لا صرفى، لأنه إذا كان عجمياً فيما نعرف أن ألفه فى العجمة زائدة ولعلها أصل، والزائد هو الهمزة قبلها، اجتمعت الهمزتان فقلبت الثانية ألفاً. ولعلهما معا أصلان. وقال الزمخشرى فى مفصله: إنه عربى وزنه أفعل فالزائد الهمزة والألف بدل من همزة أصلية. والله أعلم. والمراد بأسماء الألفاظ الدالة على مسميات سواء كانت أسماء نحوية، وهى ما قابل الأفعال والحروف، أو كانت أفعالا، أو كانت حروفا، وإطلاق الاسم على ذلك كله، وعلى كل ما يدل على الشىء ويدفعه إلى الذهن، ولو بلا تلفظ. وأصل اللغة ثم اشتهر لفظ الاسم عرفاً فى كل لفظ دل على مسمى، ثم فى مقابل الحرف والفعل وقل فى الحرف والفعل، ثم خص فى النحو بمقابل الفعل والحرف. فإن الله - سبحانه وتعالى - علم آدم الأسماء ومعانيها، والأفعال ومعانيها، والحروف ومعانيها. ووجه تعميم ذلك كله بلفظ الاسم أن اللفظ يرفع المعنى إلى الذهن، ويكون عليه علامة فقام علامة على معناه، وبه يرتفع معناه إلى الذهن. وكذا إن وما أشبههما من الأفعال والحروف والمراد فى الآية: المعنى الذى ذكرت أنه أصل اللغة، أو المعنى الثانى العرفى، وهو يستلزم الأول لأن العلم بالألفاظ من حيث الدلالة متوقف على العلم بالمعانى، وقيل علمه الألفاظ فقط - وهو ضعيف - لخلوه من عظم الفائدة. واستدل مكى والهدوى بالآية على الاسم هو المسمى، ولا دليل فى ذلك، وليس تصحيح مذهبنا متعلقا بهذه الآية، فى كون الاسم هو المسمى. بل الحق أن الاسم فيها هو اللفظ ولا نكر إطلاق الاسم على اللفظ فى سائر الكلام، فإن قلت فبأى لغة علمه الأسماء؟ قلت: قد صح فى حديث أبى ذر أن آدم سريانى، فيقول عمله باللغة السريانية سرا عن الملائكة. وجزم بذلك الشيخ هود. قال ابن عباس: علمه اسم كل شىء حتى القصعة والقصيعة. وقيل علمه كل لغة، وإن الأسماء بمعنى اللغات، وعلمهن أولاده، وكلما كثروا وتفرقوا فى البلاد اقتصر كل قوم على لغة. وعلى الأول فباقى اللغات بالوضع. قيل: خلق الله كل حيوان وجماد وماء ونبات، وعلم آدم الأسماء كلها. هذا بعير وهذا جمل وهذه ناقة وهذا جبل وهذه أرض وهذا فرس وهذه شاة... وهكذا. قال الكلبى: علمه أسماء الخلق، ثم حشر الدواب والسباع والطير وما ذرأ فى الأرض. قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: علمه اسم كل شىء من جميع المخلوقات، دقيقها وجليلها، وقيل علمه منافع كل شىء ولماذا يصلح. ونسبة بعضهم للجمهور وليس كذلك. بل الجمهور يقولون أسماء المسميات كلها، ووجه ذلك القول أن المنفعة العظمى تحصل بمعرفة المنافع. وقال الطبرى: علمه أسماء ذريته والملائكة، وقيل أسماء ذريته ونسب لعبد الرحمن. وقيل أسماء الملائكة ونسب للربيع بن أنس. وقيل إن الأسماء بمعنى المسميات وأنه علمه الأشخاص والمسميات كلها. والجمهور على أنه علمه الأسماء كما يدل له: {أَنبِئُونِى بِأَسْمَآءِ هَؤُلآءِ} واستدل من قال الأشخاص والمسميات بقوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} فيجاب بتعليم أن المعروض الذوات، لكن دل عليها الأسماء لاستلزامها المسميات. وليست الأسماء هى المسميات واستخبرهم عن أسمائها. والتحقيق أن الله - سبحانه تعالى - علمه الأسماء وأن التعليم، إن وقع بخلق علم ضرورى فيه أو بإلهام، أو بخلق كلام يسمعه ليظهر إيثاره كل الظهور إذ علمه ما لم يعلمهم، وإن وقع بواسطة ملك فوجه الإيثار أنه حفظها بمرة، ولم يجعل الملائكة تقدر على ذلك، وهذا أيضاً موجود فى الأوجه المذكورة. وفى الآية دليل على أن اللغات توقيفية، إذ علم الله آدم الأسماء وعلقها له على مسمياتها، ولا يظن أحد أنها وضعها قبل آدم للملائكة أو الجن. {ثم عرضهم على الملائكة}: تعجيز لهم، وضمير النصب فى عرضهم عائد إلى المسميات، المدلول عليها بذكر الأسماء، فإن الاسم لا يتحقق بلا مسمى، وأيضاً الأصل. وعلم آدم الأسماء: المسميات. فحذف المضاف إليه وعوض عنه أل ولا نقول الأصل. وعلم آدم مسميات الأسماء، لأن الأصل فى التعليم أن يكون فى اللفظ، أو فيه باعتبار الذات، ولقوله: {أنبئونى بأسماء هؤلاء} ولم يقل: عرضها أو عرضهن تغليباً للعقلاء، إذ من جملة ما عرض عليهم الجن والملائكة، فبنى آدم بالتصوير أو بالإشارة إلى آدم، فلم يعرفوا أن بعضاً منهم يسمى الكروبيين، وبعضا المقربين، وأن بعض الجن يسمى عفريتا وجنا، وبعضا شيطانا وجنا، وبعضا جنا. وأن جنس آدم يسمى ناسا والإنسان والبشر. وإن قلت كيف تعرض الملائكة على الملائكة؟ قلت يعرض بعضهم على بعض. وقرأ ابن مسعود: {عرضهن} وقرأ أبى بن كعب: {عرضها} أى عرض مسمياتهن، أى مسميات الأسماء، أو عرض مسمياتها أى مسميات الأسماء فالضمير فى القراءتين للأسماء على حذف المضاف كما رأيت. ويجوز عوده على المسميات، وقال: عرضهن أو عرضها لا عرضهم، باعتبار معنى الذوات والمسميات، ويدل على ذلك أن التعليم ألبق بالألفاظ. وقوله: {أنبئونى بأسماء هؤلاء}. وأما ما قيل إن العرض يختص فيما يرى بالعين فيعرض عليها فليس كذلك. بل يكون أيضاً فيما يسمع وغيره، يقال عرضت عليه القرآن، أو قرأت اللوح، أو الكلام أو الصوت، ليسمع ذلك فيصححه، أو يميز الصوت. {فقال أنبئونى بأسماء هؤلاء}: تعجيزاً لهم وتنبيهاً على عجزهم عن أمر الخلافة لاستحالة التصرف الجائز قبل تحقق المعرفة والتدبير، قبل الوقوف على مراتب الاستعداد، وإقامة العدل قبل تحقيق قدر الحقوق. ومعنى أنبئونى: أخبرونى، فإن الإنباء والتنبئة: إخبار لمن علم كما هنا فإن الله - جل وعلا - عالم بالأسماء وبكل شىء، وإخباره لمن جهل كقوله تعالى: {أية : قل أتنبئون الله بما لا يعلم} تفسير : أنكر أن يجهل شيئاً فيخبروه به. وقوله: {فلما أنبأهم} وذلك أمر تعجيز عندى، كقوله تعالى: {أية : فأتوا بسورة من مثله} تفسير : وليس ذلك تكليفاً بالإنباء، فضلا عن أن يستدل به على جواز التكليف بالمحال، كما قيل: ولو سلمناه لقلنا غير محال باعتبار الإمكان. {إن كنتم صادقين}: فى قولكم: إنكم أحق بالخلافة والمكث فيها لعصمتكم، فان قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}؟ بمنزلة قولك: أتستخلف عصاة ونحن معصومون عن العصيان أحقاء بالاستخلاف؟ كقول المسكين لصاحب الوليمة: أتدعو الأغنياء لها، ونحن محتاجون إليها أحقاء بالدعاء إليها؟ أو إن كنتم صادقين فى قولكم لن يخلق ربنا خلقاً أكرم عليه منا، ولا أعلم لسبقنا له ورؤيتنا ما لم يره. وأنه لن يخلق خلقاً إلا كنا أفضل منهم وأعلم. وزعم بعض قومنا عن ابن عباس وابن مسعود وناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن معنى الآية: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فى أن الخليفة يفسد ويسفك، وفيه نظر، لأن الله - جل وعلا - عالم بأن بنى آدم يقع منهم الإفساد والسفك، وعلم الملائكة ذلك بإخبار الله تعالى. فلا يقال لهم: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} لأن هذه العبارة ولو كانت قد تقال لمن علم صدقه كالمطالبة له بدليل لكن أصلها لمن لم يصدق أو لم يعلم صدقه. وليست الآية مطالبة لهم بالدليل على وقوع الإفساد والسفك. ولعلهم أرادوا وقوع السفك والإفساد من دم ومن يأتى منه، قبل أن يعلموا أنه يخلقه الله نبيا ورسولا معصوما عن الكبائر، فقال لهم: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} فى أنه يفعل ذلك وأرادوا بقولهم: {أتجعل...} إلخ، مجرد كون نبى الله نبيا رسولا معصوما عن الكبائر، فقال لهم: صادقين فى تسبيحكم وتصديقكم، فإن الصدق فيهما ينافى المعارضة فى جعل الخلافة، ولسنا نقول إنهم غير صادقين فيهما، ولكن حق الله لا يفى به أحد، ولو اجتهد ما اجتهد، فأدبهم بهذا الكلام ليزدادوا خيرا، فإن معارضتهم شىء لا ينبغى. أو إن كنتم صادقين فى جواب السؤال عالمين بالأسماء أى إن كانت لكم أهلية للجواب والعلم بها، فإن ادعاءهم للأحقية بالاستخلاف كادعاء العلم بها والصدق فيها، فقال لئن كنتم صادقين أو المعنى: إن كنتم صادقين فى قولكم: إن خلق الخلائق واستخلافهم، مع أن صفتهم الإفساد والسفك لا يليق بالحكيم، وإنما يقولون هذا على التعجب، وطلب العلم بحكمة ذلك لا ردا وإنكاراً. كما أن قولهم: نسبح بحمدك ونقدس لك، عجباً وتفاخرا. وهم وإن لم يقولوا لا يليق ذلك بالحكمة تصريحاً، لكن تضمنه قولهم: {أتجعل فيها..} إلخ. ويستلزمهم الصدق والكذب يتطرقان لما يتضمنه الكلام ويستلزمه، كما يتطرقان إلى صريح الكلام، فلو أذن المؤذن للصلاة قبل وقتها أو بعد خروجه، لكان فى حكم الكاذب، لأن التأذين بمنزلة أن الوقت قد حضر. ولو قلت لإنسان. قم نتلق المسافر ولا مسافر قادم لكنت فى حكم الكاذب، وكذا لو قلت مشير لعبد لا تملكه اعتقت هذا على طريق الإنشاء للعتق. وإن قلت ما معنى قوله: {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ}؟ وجوابه محذوف مدلول عليه بما قبله. كأنه قيل إن كنتم صادقين فأنبئونى بأسماء هؤلاء. وما وجه الارتباط؟ قلت: قال السعد فى حاشية الكشاف، معناه إن كنتم صادقين فيما زعمتم من خلوهم عن المنافع والأسباب الصالحة للاستخلاف، فقد ادعيتم العلم بكثير من خفيات الأمور فأنبئونى بهذه الأسماء، فإنها ليست فى ذلك الخفاء. والله أعلم. وعندى أن المؤمن أفضل من الملك لأن له موانع عن العبادة، من شهوة طبيعية ونفس وهوى وشياطين الجن والإنس، فعبد الله مع ذلك وعصاهم. ولأن الملائكة خدمهم فى الجنة، ولأن الملائكة لما قالوا: لن يخلق ربنا أكرم منا ولا أعلم، خلق آدم وذريته، وجعلهم خلائف، ولأنهم أمروا بالسجود له، ولأنه علم ما لم يعلموا فعلمهم إياه، والأعلم أفضل لقوله تعالى:{أية : هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون}؟تفسير : والمعلم أفضل من المتعلم، وفى ذلك دليل على شرف الإنسان، ومزية العلم وفضله على العبادة، إذ فضل آدم به لا بها، وإن العلم شرط فى الخلافة بل عمدة فيه.

اطفيش

تفسير : {وَعَلَّمَ آَدَمَ الأَسْمَاءَ} ألقاها فى قلبه مرة،لا بتعليم ملك كما قيل {كُلَّهَا} من جميع اللغات، وهى الحروف، والأفعال، والأسماء، وواضع اللغة الله؛ فالمراد بالأسماء الألفاظ الدوال، على المعانى، فشملت الحرف والفعل إقراءً وتركيباً، حقيقة ومجازا، ودخلت أسماء الله كلها، بل قيل، أراد أيضاً ما يدل بلا لفظ كالنصب، والعقد، والإشارة بالجارحة، وحال الشىء، والمراد الأنواع كالإنسان، والفرس والجبل، والنخلة، لا الأفراد كزيد، وشذقم، وهيلة، وكل أهل لغة من أولاده وأولاد أولاده حفظ لغة، ونسى غيرها، وكلها موجودة فى أهل سفينة نوح، أو أوقد عليها فى ألواح، ودفنت وأخرجت بعد الطوفان، أو أوحتى ما اندرس منها إلى نوح أو هود، وآدم بوزن أحمر من الأدمة، بمعنى السمرة، ولا بأس بها فى الجنة، لأنه لم يدخلها جزاء، أو سمر بعد الخروج، وفسر بعضهم الأدمة بالبياض، ومن الأدمة بفتح الهمزة والذال، وهو الغدوة، أو من أديم الأرض، أى جلدها أى ظاهرها، أو من الأدم، أو الأدمة بمعنى الألفة، وألفه عن همزة، وقيل عجمى، بوزن شالح وآزر، فألفه أصل، وذلك فى الجنة، وخلق فى الدنيا، ورفعته الملائكة إلى الجنة، وعاش بعد خروجه منها ألف عام أو تسعمائة {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} أى الأسماء بمعنى المسميات، وذكر الأسماء مرادا بها الدوال، ورد الضمير إليها مرادا به المدلول على الاستخدام، وضمير الذكور العقلاء تغليب على الإناث وغير العقلاء {عَلَى الْمَلَٰئِكَةِ} القائلين أتجعل فيها {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ} بألفاظ {هَؤُلاَءِ} الأنواع المعروضة، أحضر كل نوع، فقال ما اسم هذا، جسما أو عرضا، مثل أن يلهمهم فى قلوبهم الفرح ما اسمه، والنفل ما اسمه، كما يقول لهم، ما اسم هذا مشيراً للحجر، وقد عرفوا بعض الأسماء والأفعال والحروف بلغة من اللغات، كما هو نص الآية، وإنما خص آدم بجمعه ما لم يعلموا إلى ما علموا، أو ذلك تعجيز لهم، لاتكليف بما لا يطاق {إِنْ كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ} فى دعوى أنكم أحق بالخلافة، والاقتصار عليكم عما يفسد ويفسك، وأنكم أعلم، وقد قالوا لن يخلق الله تعالى خلقا أعلم منا ولا أكرم، وكأنه قيل، فما قالوا، فقال: {قَالُوا سُبْحَٰنَكَ} عن أن نكون فى قولنا أتجعل الآية معترضين {لاَ عِلْمَ لَنَا} بتلك المسميات وغيرها {إِلاَّ مَا} أى إلا علم ما {عَلَّمْتَنَا} إياه، أولا معلوم لنا إلا ما علمتناه، هذا اعتراف بالعجز، وشكر على إظهار الحكمة فى الخليفة لهم {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ} بكل شىء {الْحَكِيمُ} فى جميع ما فعل وما قال، وما يقول، وما يفعل، لا يكون منه سفه، أو لا يخرج الأمر عما أراد، يقال أراد فلان إحكام شىء، أى إتقانه فأتقنه، أى لم يخرج عما أراد، وقدم العلم على الحكمة لأن المقام له ولقوله وعلم، وقوله لا علم، ولأن الحكمة تنشأ عن علم وأثر له، ولا حكمة بلا علم، لأن العلم لا يكون إلا صفة ذات، والحكمة تكون صفة ذات، بمعنى أنه أهل لأن لا يكون منه إلا الصواب وإلا الإتقان، وتكون فلا بمعنى إتقان الأمر والإتيان به صوابا.

الخليلي

تفسير : بعد أن ذكر الله الجواب الإِجمالي للملائكة وهو قوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} عطف عليه هذا الجواب التفصيلي، ولم يكن جوابا قوليا فحسب بل يتضمن القول والفعل معا لأن من شأن المخلوق أن يكون ما يشاهده ويحسه أعمق أثرا في نفسه مما يسمعه، بل المشاهدات تنزل منزلة الأدلة والحجج للمسموعات، وهذا العطف من باب عطف المحكي التفصلي على الحكاية الإِجمالية، وفي هذه الإِجابة التفصيلية شاهد على أن حياة النوع الإِنساني المستخلف في الأرض تدور على العلم، فعليه تتوقف حركتها ونموها وتجددها، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى طبع هذه الحياة الإِنسانية بطابع التطور، والتطور هو قائم على كسب الإِنسان نفسه وتصرفه، وقد جعل الله سبحانه في طبيعة تكوين الإِنسان وطبيعة الموجودات التي تيعامل معها في الأرض ما يدفعه إلى هذا التطور، فلذلك كان بحاجة إلى معارف استنباطية يستفيدها من تجاربه، ويستلهمها من مشاهداته، وذلك بخلاف الحياة الملكية فإنها في غنى عن ذلك كله؛ ومن ناحية أخرى فإن الإِنسان واقع بين تجاذب وتدافع مستمرين من قبل قوىً وطبائع شتى في نفسه، فهو متكون من روح وجسم، ومنطوٍ على عقل وقلب وغرائز وضمير، ولهذه كلها مطالب شتى، والتنسيق بين متطلباتها يدعو إلى العلم والمعرفة حتى لا يؤدي الأمر إلى ضرر نفسي أو اجتماعي؛ ومن ناحية ثالثة فإن الانتفاع بهذه الموجودات اليت يتعامل معها الجنس البشري مشترك بين أفراد هذا الجنس، فلذلك كانوا بحاجة ماسة إلى معرفة أجناسها وأسمائها التي تتميز بها كما أنهم بحاجة إلى معرفة خواصها حتى يكون التعامل معها سليما. قيمة العلم في موازين الاسلام وفي هذه القصة تنويه بشأن العلم والعلماء، وبيان لقيمته في موازين الإِسلام، فإن الله إنما شرف الإِنسان قبوأه منصب الخلافة في الأرض بما آتاه من العلم، وقد رفع قدره به على أقدار ملائكته المعصومين من الزلل الدائبين على الطاعة، الذين وصفهم بقوله: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 6]. وبقوله: {أية : يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} تفسير : [الأنبياء: 20] وذلك حيث أمره بتعليمهم الأسماء، ثم أمرهم بالسجود له اعترافا بفضل العلم وتكريما لأهله، والإِسلام بهذا يختلف عن اليهودية والنصرانية اللتين تجعلان من العلم عدوا مبينا للإِنسان؛ فاليهودية ترى أن العلم هو سبب إبعاد الإِنسان من رحمة الله وطرده من جنته واستحقاقه اللعنة والغضب، والنصرانية ترى أن الهداية لا تكون إلا مع الجهل وذلك بأن يغلف الإِنسان عقله، ويغمض عينيه، ويسد أذنيه لئلا تتصور له الحقيقة فتضله عن الدين، وذلك بأن يتلقى كل ما يُلقى إليه من تعاليم الدين تلقي الأعمى والأصم الذي لا يبصر شيئا ولا يسمع شيئا، غير ذلك الذي يُلقى إليه، وفي القرآن الكريم الكثير من الآيات الدالة على أن هذا الدين لا يقوم إلا على أساس العلم والفهم، منها قوله تعالى: {أية : وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ ٱلْعَالِمُونَ}تفسير : [العنكبوت: 43]، وقوله: {أية : كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [يونس: 24]. والتعليم تحويل الغير من الجهل بالشيء إلى المعرفة به، ويكون في آن واحد، وفي آنات متعددة، وذكر صاحب المنار أن الذي يتبادر إلى الفهم من صيغة التعليم هو التدريج، ثم ذكر قوله تعالى: {أية : وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 151]، وقوله: {أية : وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ}تفسير : [النساء: 113]، وقوله: {أية : وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ} تفسير : [آل عمران: 48] وقال: وَمَا كَانَ ذَلِك إلاَّ تَدْرِيجاً... غير أنه أتبع ذلك قوله: "... ولكن المتبادر من تعليم آدم الأسماء أنه كان دفعة واحدة إذا أريد بآدم شخصه بالفعل أو بالقوة". ونحن نؤمن بأن الله علم آدم الأسماء كما أخبر تعالى ونسكت عما وراء ذلك من كيفية هذا التعليم، وإن تكلف جماعة من المفسرين استظهار الطريقة التي علمه الله بها، فذهب بعضهم إلى أن ذلك إنما تم بإلهام رباني بحيث ألقى الله في روعه هذه الأسماء من غير واسطة، وقيل: ان الله خلق صوتا في الهواء، أو فيما شاء تعالى فوعاه آدم وحفظ منه هذه الأسماء، وقيل: إنه تعالى أرسل إليه ملكا من غير المخاطبين بقوله سبحانه: {أَنْبِئُونِي}، وقيل غير ذلك، ولا دليل على شيء من هذه الأقوال، فالسكوت عن ذلك أولى وقوفا عند قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} تفسير : [الاسراء: 36]، ولعل أقربها إلى الصواب القول الأول فإن المقصود من هذا المحكى إظهار شرف آدم وفضله بما أوتي من مزية الاستعداد الفطري لدلك المعلومات وتنميتها، ومن المعلوم أن سماع الصوت المنبىء بالأسماء من الهواء أو غيره أو من نطق الملك يمكن معه فهم المراد للملائكة كما يمكن لآدم، فالقول الأول أظهر في بيان مزيته. وعطف ذكر آدم وتعليمه الأسماء غِبَّ ما تقدم من إيذان الملائكة بجعل خليفة في الأرض شاهد على أن الخليفة المعني هو آدم وهو ضرب من التفصيل بعد الإِجمال. وآدم اسم لأبي البشر واختلف في أصله، فذهب طائفة إلى أنه من الأُدمة وهي السمرة، وقيل: البياض، كما يقال ناقة أدماء أي بيضاء، وقيل: سمي بذلك لخلقه من أديم الأرض وهو محكي عن جماعة من الصحابة ومن بعدهم، وعوَّل على ذلك جل الذي يفسرون القرآن بالمأثور، وعلى ما تقدم فهو عربي ووزنه أفعل وإنما لُيِّنت الهمزة الساكنة التي هي فاؤه فصارت ألفا، وخالف في ذلك الزمخشري وتبعه النظار من المفسرين، فقالوا إنه اسم أعجمي على وزن فاعل بفتح العين كآزر وشالخ، واستدلوا لذلك بجمعة على أوادم أآدم، وتصغيره على أويدم لا على أأيدم، والتكسير والتصغير يردان الألفاظ إلى أصولها، ولم يكن هذا الاسم محصورا عند العرب وحدهم بل نُص عليه في التوراة، ولا يبعد أن يكون انتقاله إلى ألسنة العرب بسبب احتكاكهم بأهل الكتاب ودخول طائفة منهم في دينهم. الأسماء التي علمها آدم والأسماء جمع اسم وهو ما دل على ذات أو معنى، وللناس أقوال فيما عُلِّمه آدم من الأسماء، فبعضهم يرى أن عُلم اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وذهب بعضهم إلى أنه عُلِّم أسماء أجناس الأشياء دون مفرداتها، وقيل: إنه عُلم اسماء ما تحتاج إليه ذريته مما يستنفعون به في حياتهم، وقد غالى أبو علي الفارسي فزعم أنه علم كل شيء حتى نحو سيبويه، والمغالاة في ذلك ظاهرة، وقيل: إنه عُلم أسماء الملائكة، وقيل: أسماء الملائكة والبشر، واختاره ابن جرير وأيده بقوله تعالى: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ} حيث جاء بضمير جمع الذكور وهو لا يستعمل غالبا إلا في العقلاء، ورُد عليه بأنه استُعمل في القرآن لغير العقلاء مع العقلاء وذلك في قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ} تفسير : [النور: 45]، وذهب طائفة إلى أن المراد بالأسماء اللغات وذلك أنه تعالى علمه جميع اللغات التي تدور على ألسنة ذريته، وقد تلقى كل واحد من أولاده لغة منها ثم تفرقوا فورَّثها كل أحد منهم ذريته، وبطلان هذا القول ظاهر، فإن اللغات أكثر بكثير من عدد أولاد صلب آدم، على أن كثيرا منها قد تولد من لغات سابقة ولا تزال تتولد إلى عصرنا هذا. وحكى الفخر الرازي عن بعض الناس أن المراد من الأسماء صفات الأشياء ونعوتها وخواصها، واستدل له الفخر بأن الاسم إما أن يكون مشتقا من السمة أو من السمو، فإن كان من السمة فهو بمعنى العلامة، وصفات الأشياء ونعوتها وخواصها دالة على ما هياتها، فصح أن يطلق الاسم عليها، وإن كان من السمو فكذلك لأن الدليل يرتفع بمدلوله وهو أسمى منه لتقدمه عليه، وبحث في تخصيص النحويين الاسم بما هو معروف عندهم، وأجاب أن ذلك عرف حادث لا اعتبار به، ولصحة هذا التفسير لغة يرى الفخر وجوب التعويل عليه هنا لوجهين: أولهما ان الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر منها في معرفة أسمائها، والقصة المحكية هنا إنما تحكى فضيلة آدم على الملائكة. ثانيهما: أن التحدي يتوقف جوازه على ما كان ممكنا للمتحدي في الجملة، فللعربي أن يتحدى من كان مثله بأن يأتي بمثل كلامه في البلاغة العربية دون أن يقول لزنجي مثلا آت بمثل هذا الكلام وذلك لأن العقل ليس هو طريق تعلم اللغات، وإنما طريق ذلك الممارسة، أما العلم بحقائق الأشياء فالعقل يتمكن منه مع التجارب التي تتولد منها المعلومات. ورأي الامام محمد عبده يتفق مع رأي الفخر في المعنى وإن يكن بينهما خلاف لفظي، ففي المنار بعد إيراد قوله تعالى {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا} ما نصه "أودع في نفسه علم جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين، فالمراد بالأسماء المسميات، عبر عن المدلول بالدليل لشدة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له، وسرعة الانتقال من أحدهما إلى الآخر، والعلم الحقيقي إنما هو إدراك المعلومات أنفسها، والألفاظ الدالة عليها تختلف باختلاف اللغات التي تجري بالمواضعة والاصطلاح، فهي تتغير وتختلف والمعنى لا تغيير فيه ولا اختلاف". قال الأستاذ: ".... ثم إن الاسم قد يطلق إطلاقا صحيحا على ما يصل إلى الذهن من المعلوم أي صورة المعلوم في الذهن، وبعبارة أخرى هو ما به يعلم الشيء عند العالم، فاسم الله مثلا هو ما به عرفناه في أذهاننا، بحيث يقال إننا نؤمن بوجوده ونسند إليه صفاته، فالأسماء هي ما به تعلم الأشياء، وهي العلوم المطابقة للحقائق". "والاسم بهذا الاطلاق هو الذي جرى الخلاف في أنه عين المسمى أو غيره، وقد كان اليونانيون يطلقون على ما في الذهن من المعلوم لفظ الاسم، والخلاف في أن ما في الذهن من الحقائق هو عينها أو صورتها مشهور كالخلاف في أن العلم عين المعلوم أو غير المعلوم، وأما الخلاف في أن الاسم الذي هو اللفظ عين المسمى أو غيره، فهو ما أخطأ فيه الناظرون لعدم الدقة في التمييز بين الاطلاقات لبداهة أن اللفظ غير معناه بالضرورة، والاسم بذلك الاطلاق الذي ذكرناه هو الذي يتقدس ويتبارك ويتعالى {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1] {أية : تَبَارَكَ ٱسْمُ رَبِّكَ ذِي ٱلْجَلاَلِ وَٱلإِكْرَامِ}تفسير : [الرحمن: 78] فاسمه جل شانه ما يمكننا أن نعلم من صفاته وما يشرق في أنفسنا من بهائه وجلاله، ولا مانع من أن نريد من الأسماء هذا المعنى، وهو لا يختلف في التأويل عما قالوه من إرادة المسميات، ولكنه على ما نقول أظهر وأبين. وقد أحال السيد محمد رشيد رضا القارئ إلى ما تقدم نقله عنه في تفسير البسملة، وهو أن اسم الله يسبح ويعظم، ومنه اسناد التسبيح اليه قولا وكتابة، وتسبيحه وتعظيمه بدون ذكر اسم خاص بالقلب، وان من تعمد اهانة اسم الله تعالى يكفر كمن يتعمد إهانة كتابه. والتحقيق أن الأسماء هي الالفاظ الدالة على الحقائق سواء كانت هذه الحقائق ذوات أو معاني، فإن القرآن نزل باللسان العربي، ومن المعلوم أن العرب يطلقون الاسم على اللفظ الموضوع إزاء المعنى المدلول عليه به، ولا ينبغي أن يفسر القرآن بما تواضع عليه فلاسفة اليونان فان ذلك خارج عن الوضع العربي الذي نزل به، ولا يمنع هذا أن يكون آدم عليه السلام علم خواص الاشياء كما علم أسماءها. ولا ريب أن معرفة هذه الخواص تتوقف على معرفة الألفاظ التي تعبر عنها، وحياة الناس من الضرورة فيها بمكان معرفة أسماء ما تتوقف عليها من المنافع فإنها حياة اجتماعية لا يستقل فيها أحد بنفسه، ولذلك احتاج الناس إلى وضع اسماء للك ما يحدث أو يكتشف من الأشياء التي لم تكن معهودة من قبل، وهذا شيء معهود في جميع اللغات خصوصا فيما تتوقف عليه مصالحهم، ومن الذي يستغنى في عصرنا هذا عن معرفة اسم الكهرباء، والمذياع، والسيارة، والطائرة مثلا، وقد كان سلفنا في غنى عن معرفة جميع ذلك لعدم تعاملهم مع هذه الأشياء وعدم تصورهم إياها. وبهذا التحرير يتبين لك أن الصحيح هو ما عليه الجمهور من أن المراد بالأسماء الألفاظ الدالة على المعاني وقد أجاد الشهابان الخفاجي والألوسي حيث قالا إن في ماحكاه الفخر الرازي نظرا، ويتبين لك ايضا إن أصح الأقوال هو أن المراد بالأسماء أسماء الأجناس وهو قول وسط بين إفراط الغالين وتفريط المصرين، إذ دعوى أن الله علمه جميع اللغات التي تتحدث بها ذريته إلى يوم القيامة أو علمه كل ما يكون في المحيط الإِنساني إلى أن يرث الله الأرض إفراط لا يستند إلا إلى الوهم، وقول من قال إن المراد بالأسماء أسماء الملائكة فحسب أو أسماء النجوم، أو أسماؤه تعالى الحسنى ليس بشيء، فان حاجة البشر إلى معرفة الأشياء الأرضية التي تشتد ضرورتهم إليها ابلغ من حاجتهم إلى معرفة أسماء الملائكة والنجوم، ومن ناحية أخرى فإن قوله تعالى من بعد: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ} يدل على أنه سبحانه جاء بمسميات هذه الأسماء فعرضها على الملائكة وطالبهم بأن يخبروه بأسمائها، وإذا كانت هذه الأسماء للملائكة فيكف يكون هذا العرض على الملائكة أنفسهم، والقول بأنه عرض على كل طائفة منهم طوائف أخرى، وطالب الطائفة المعروض عليها أن تخبر بأسماء الطائفة المعروضة هو في منتهى التكلف وليس له حظ من الدليل، وأبعد من ذلك عن الصواب القول بأنها أسماء الله الحسنى فإن عرض مسماها مستحيل عقلا ونقلا. ومن الظاهر بداهة أن المراد بقوله: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ} [البقرة: 31] عرض مسميات هذه الأسماء لا الأسماء نفسها فإنها أعراض تتعذر مشاهدتها، وعود الضمير على المسميات وإن لم يسبق لها ذكر لأجل قرينة ذكر أسمائها، والرباط بين الاسم ومسماه رباط قوي فالأسماء إنما وُضعت لأجل استحضار ماهيات مسمياتها بحيث تكون مجلوة للأذهان، وهذه الصلة بين الاسم ومسماه هي التي أدت بالكثيرين إلى القول بأنهما شيء واحد، وقد سبق الكلام على ذلك في أول تفسير الفاتحة، وقد جعل ابن المنير الاسكندري - في الانتصاف من صاحب الكشاف - من هذه الآية دليلا على أن الاسم هو المسمى، وانتقد فيه الزمخشري بشده حيث أشار إلى التفرقة بينهما، وزعم أن ذلك من الزمخشري بشده حيث أشار إلى التفرقة بينهما، وزعم أن ذلك من الزمخشري فرار عن معتقد أهل السنة وإخلاد إلى ما عليه المعتزلة، وفي ما قاله نظر لما سبق لك في تفسير البسملة من أن كثيرا من المحققين من أصحاب المذاهب الأربعة قالوا بالتفرقة بين الاسم والمسمى، فليس القول بذلك من معتقد المعتزلة وحدهم. وهذا العرض على الملائكة من الأمور الغيبية المسلَّمة، ومن العسير تحديد طريقته لعدم قيام دليل على ذلك، ومن المحتمل أن يكون الله سبحانه عرض صور هذه المسميات للملائكة كأنما يشاهدون حقائقها عن كثب وهو أمر هين بالنسبة إلى قدرته عز وجل، وفيما نشاهده الآن من عرض لأجسام غير حاضرة بكل حركاتها وأحوالها مع مصاحبة ذلك بنقل حديثها شاهد على ما ذكرته، فإن الله سبحانه الذي منح خلقه القدرة على ذلك هو أجل وأقدر على كل ما يشاء، فمن الهين عنده تعالى عرض صورة ما لم يُخلق بعد من مصنوعاته، ويمكن أن يكون ذلك بإحضار هذه المسميات في أذهان الملائكة، وفيما يراه النائم من المشاهد غير الحاضر شاهد على جواز ذلك، وليس ببعيد أن يكون تعالى قد خلق حالتئذ أفرادا من أجناس هذه المسميات حتى يشاهدها آدم والملائكة ويتصوروها. وجمهور المفسرين يقولون بحصول مهلة بين تعليم الله آدم الأسماء وعرضها على الملائكة معولين على ما تدل عليه "ثم" من الترتيب والمهلة، ولا مهلة عندهم بين العرض عليهم ومطالبتهم بأن يخبروا بأسمائها بدليل العطف بالفاء التعقيبية في قوله: {فَقَالَ} ومرد ذلك - حسبما قالوا - إلى قصد تبكيت الملائكة، وخالفهم في ذلك الإِمام ابن عاشور معولا على أن "ثم" هنا للمهلة الرتبية لا للمهلة الزمنية، كما هو شأنها في عطف الجمل، وقد سبق بيان ذلك في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [البقرة: 29] والذي يقتضيها هنا أن هذا العرض وما ترتب عليه من ظهور عدم علم الملائكة، وظهور علم آدم، وظهور ما خفي من علم الله تعالى وحكمته كل ذلك أرفع رتبة في إظهار مزية آدم واستحقاقه الخلافة من رتبة مجرد تعليمه الأسماء لو لم يتصل بما ذكر. ولما كانت مطالبته تعالى للملائكة أن ينبئوه بالأسماء متفرعة عن الغرض المكذور عُطفت قصتها عليه بالفاء التفريعية. والإِنباء هو الإِخبار بالنبأ وهو ما تميز من الأخبار بالفائدة العظيمة والأهمية البالغة بحيث يكون حريا أن يحرص على استفادته كل سامع، وبهذا يكون أخص من الإِخبار. وأولاء من أسماء الإِشارة كما تقدم، و"ها" للتنبيه وهي مألوفة الدخول على أسماء الإِشارة، والإِشارة بأولاء تستعمل فيها إذا كان المشار إليه من جنس العقلاء، وقد تستعمل في غير العاقل كما أشير بها إلى السمع والبصر والفؤاد في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} تفسير : [الإسراء: 36]، فليس في الإِشارة به في هذه الآية دليل على أن الأجناس المعروضة لم تكن إلا من العقلاء. وهذا الأمر منه سبحانه لم يُقصد به التكليف وإنما أريد به التبكيت وإظهار عجز الملائكة عما لم يجعل الله لهم إليه سبيلا، فلا دليل في الآية لمن قال بتكليف ما لا يُطاق. والمراد بقوله: {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} إن كنتم صادقين في أحقيتكم بالخلافة من آدم، وهو ما يفهم من قولهم: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} تفسير : [البقرة: 30] وإن لم يأتوا به صريحا، وقيل المراد به إن كنتم واثقين أن قولكم في هذه الأسماء لن يخرج عن إطار الصدق، وفي هذا منع لهم عن الاجتهاد، فلذلك توقفوا عن الإِجابة بخلاف الذي ابتلاه الله بأن أماته مائة عام ثم بعثه فسأله: {كَمْ لَبِثْتَ} فإنه لم يُقَيَّد في الاجابة المطلوبة منه بمثل ما قُيدوا به، فلذلك ساغ له الاجتهاد وإن جاز عليه الخطأ، وقال بعضهم إن المراد بالصدق هنا العلم وهو غريب إذ لم تؤلف تسمية العلم بالصدق، وفسره بعضهم بالإِصابة نظرا إلى أن الصدق كما يكون في القول يكون في العمل، وحكى ابن جرير وأبو عبيد عن بعضهم أنهم حملوا إن هنا على معنى "إذ"، ورده كل منهما، وأطال ابن جرير في هذا الرد وبيّن أن الذي يكون بمعنى "إذ" هو أن المفتوحة لا المكسورة، لأن المكسورة خاصة بالاستقبال، و"إذ" دالة على المضي فلا يصح حلول إحداهما محل الأخرى. ومما يرمي إليه هذا الخطاب الموجه إلى الملائكة تنبيههم على خطئهم ليراجعوا أنفسهم وينيبوا إلى ربهم وإن كانوا هم في جميع أحوالهم منيبين وقد أدركوا هذه الغاية المطلوبة منهم فسارعوا قبل كل شيء إلى تنزيهه تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله وعظم شأنه وذلك بقولهم: {سُبْحَانَكَ} وسبحان هو اسم مصدر بمعنى التسبيح، وقد تقدم أن التسبيح هو تنزيهه تعالى عن كل ما لا يليق به، وفي تصدير جوابهم بالتنزيه اعتذار منهم إليه تعالى، ثم صرحوا بالعجز في قولهم: {لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} [البقرة: 32] وفيما صدروا به جوابهم من تسبيحه تعالى إقرار بأن أفعاله عز وجل تجل عن العبث، فهي جميعها منطوية على حكم شتى ظهرت للخلق أو لم تظهر، وإنما على المخلوق أن يقف عند حده وأن لا يتجاوز في شيء طوره، فإذا عزب عنه علم شيء من أسرار الله في خلقه أو حكمه في أحكامه فما عليه إلا ان يقدسه تعالى ويبرئ أفعاله من أي عبث وويعترف بالعجز عن الإِحاطة بحكمه تعالى في أحكامه أو أسراره في خليقته، وبهذا كانت الملائكة قدوة لسائر الخلق في مثل هذه المواقف، ويتضمن جوابهم هذا الإِعتذار عن الإِنباء بالأسماء، فكأنهم قالوا ربنا إنك لم تعلمنا هذه الأسماء فلا سبيل لنا إلى معرفتها حتى نقدر على الجواب، ثم ردوا علم كل شيء إليه تعالى حيث قالوا: {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} [البقرة: 32] وهذه الجملة هي تذييل وتعليل لما تقدم، فإن من شأن الجمل المصدرة بأن إذا عقبت حكما أن تكون تعليلا له كما يتضح ذلك لمن استقرأ ما جاء من مثله في القرآن وفي الكلام العربي منثوره ومنظومه. وعليم بوزن فعيل وهو من أوزان المبالغة، ولذلك يطلق في المخلوقات على ما يكون كالطبائع والسجايا من صفاتها، فإذا وُصف أحد بأنه عليم أدركت أن العلم صفة ملازمة له، وهكذا يقال في صفتي السميع والبصير ونحوهما، ومن هنا لا يطلقون هذه الصيغة على ما يحدث عرضا، فلا يُقال فيمن علم مرة إنه عليه وإنما يخصون ذلك بمن كان العلم ملكة راسخة في نفسه. وفي تعريف المسند والمسند إليه مع توسيط ضمير الفصل بينهما ما لا يخفى من تأكيد وصفه تعالى بالعلم بحيث لا يعد غيره جديرا بوصف العلم لأنه تعالى وحده المحيط بكل شيء علما، وعلم كل من عداه لا يوازي شيئا بجانب علمه الأزلي الذي لا يخرج شيء عن حيطته، دقيقا كان أو جليلا، ولهذا كان هذا القصر حقيقيا ولم يكن ادعائيا، فإن كل من عدا الله وإن علم شيئا فإن علمه مسبوق بالجهل، وعلمه بذلك الشيء نسبي فإن ما يجهله من أحواله أكثر بكثير مما يعلمه بخلاف علمه تعالى الذي لا تخفى عنه خافية. والحكيم بمعنى المحكم على الصحيح، وقد سبق ذكر اختلاف العلماء في إتيان فعيل بمعنى مفعل ومن أنكر ذلك يضطر في مثل هذه المواطن إلى التأويل فيحمل الحكيم هنا على معنى المفعول، ويتأول ذلك بأنه تعالى محكمة أفعاله، والتكلف بادٍ على هذا التأويل، وإحكام الشيء هو اتقانه ووضع كل جزء منه موضعه، فالمراد من وصفه تعالى بأنه حكيم أنه متقن صنع كل شيء من خلقه، والأصل في الحكمة أن تكون من نتائج العلم، إذ لا يُعقل أن يكون الحكيم غير عالم، فلذلك أتوا بصفة الحكيم بعد صفة العليم. العلم لله وحده وفي هذا الجواب من الملائكة تعليم لغيرهم أن يقفوا عما أشكل عليهم، ولا يدعوا علم ما لا يعلمون، وأن يردوا علم كل شيء إليه سبحانه وتعالى، فإن العلم له وحده ولا يصل إلى الناس شيء من علمه إلا ما أفاضه عليهم بمشيئته ولطفه، وإذا كان الملائكة - وهم في الملأ الأعلى يطلعون على ما لا يطلع عليه البشر من أسرار خلق الله تعالى - قد تبرأوا من العلم إلا ما علمهم الله ولم يقتحموا على الاجابة فيقولوا من تلقاء أنفسهم ما لم يأذن به الله، فما بالكم بالإِنسان الجاهل الذي خرج من بطن أمه لا يعلم شيئا؟ أنى يسوغ له أن يتسور على أحكام الله فيفتي فيها بجهله آتيا فيها لما لم يأذن به الله؟ أليس الأولى له أن يقتدي بملائكة الله فيجيب بلا أدرى فيما لا يدري فيحرز أجر الاعتراف بالحق؟ ويقف في الحد الذي أمره الله أن يقف عنده حيث قال: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} وناهيكم تحذيرا بالغا من التقول على الله بغير علم أن الله قرنه بالشرك في قوله: {أية : قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلإِثْمَ وَٱلْبَغْيَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 33]، وروى الإِمام الربيع عن جابر رضي الله عنهما إرسالا عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام أنه قال: "حديث : من أفتى مسألة أو فسر رؤيا بغير علم كان كمن خر من السماء إلى الأرض فصاد بئرا لا قعر لها ولو أنه وافق الحق"تفسير : وقد سبق في مقدمة التفسير ذكر توقف الخليفتين رضي الله عنهما عن تفسير الأب وتحرجهما من أن يقولا على الله ما لم يُرِدهُ، وهكذا كان مسلك صَحابِة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانوا يتدافعون الفُتيا، ومن بُلي بها ولم يستطع الفكاك منها كان شديد اليقظة والحذر من أن يأتي فيها بما لم يأذن به الله، وقد سلك مسلكهم جهابذة العلماء المحققين، فكان أحدهم يُسأل عن المسائل الكثيرة ولا يجيب إلا عن القليل منها، ويقتصر فيما بقى على قول لا أدري، حتى فشا الجهل وكثر الادعاء، وتجرأ الناس على الخوض في مسائل الدين بدون معرفة، فاختلط الحابل بالنابل، والتبس الحق بالباطل فإنا لله وإنا إليه راجعون.

الالوسي

تفسير : {وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلأَسْمَاء كُلَّهَا} عطف على {أية : قَالَ } تفسير : [البقرة: 30]، وفيه تحقيق لمضمون ما تقدم، وظاهر الابتداء بحكاية التعليم يدل على أن ما مر من المقاولة إنما جرت بعد خلقه عليه السلام بمحضر منه بأن قيل إثر نفخ الروح فيه: إن جاعل إياه خليفة، فقيل ما قيل، وقيل: إنه معطوف على محذوف، أي فخلق وعلم، أو فخلقه وسواه ونفخ فيه الروح وعلم، أو فجعل في الأرض خليفة وعلم، وإبراز اسمه عليه السلام للتنصيص عليه والتنويه بذكره. وآدم صرح الجواليقي وكثيرون أنه عربـي ووزنه أفعل من الأدمة - بضم فسكون - السمرة وياما أحيلاها في بعض، وفسرها أناس بالبياض أو الأدمة ـ بفتحتين ـ الأسوة والقدوة أو من أديم الأرض ما ظهر منها. وقد أخرج أحمد والترمذي وصححه غير واحد، أنه تعالى قبض قبضة من جميع الأرض سهلها وحزنها، فخلق منها آدم، فلذلك تأتي بنوه أخيافاً، أو من الأدم أو الأدمة، الموافقة والألفة، وأصله أأدم ـ بهمزتين ـ فأبدلت الثانية ألفاً لسكونها بعد فتحة، ومنع صرفه للعلمية ووزن الفعل، وقيل: أعجمي ووزنه فاعل - بفتح العين - ويكثر هذا في الأسماء كشالخ وآزر ويشهد له جمعه على أوادم - بالواو - لا ـ أآدم ـ بالهمزة، وكذا تصغيره على ـ أويدم ـ لا ـ أؤيدم ـ واعتذر عنه الجوهري بأنه ليس للهمزة أصل في البناء معروف، فجعل الغالب عليها ـ الواو ـ ولم يسلموه له، وحينئذٍ لا يجري الاشتقاق فيه لأنه من تلك اللغة لا نعلمه ومن غيرها لا يصح، والتوافق بين اللغات بعيد، وإن ذكر فيه فذاك للإشارة إلى أنه بعد التعريب ملحق بكلامهم، وهو اشتقاق تقديري اعتبروه لمعرفة الوزن والزائد فيه من غيره، ومن أجراه فيه حقيقة كمن جمع بين الضب والنون، ولعل هذا أقرب إلى الصواب. والأسماء جمع اسم وهو باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشيء ودليلاً يرفعه إلى الذهن من الألفاظ الموضوعة بجميع اللغات والصفات والأفعال، واستعمل عرفاً في الموضوع/ لمعنى مفرداً كان أو مركباً مخبراً عنه أو خبراً أو رابطة بينهما، وكلا المعنيين محتمل. والعلم بالألفاظ المفردة والمركبة تركيباً خبرياً أو إنشائياً يستلزم العلم بالمعاني التصورية والتصديقية. وإرادة المعنى المصطلح مما لا يصلح لحدوثه بعد القرآن. وقال الإمام: المراد بالأسماء صفات الأشياء ونعوتها وخواصها، لأنها علامات دالة على ماهياتها، فجاز أن يعبر عنها بالأسماء، وفيه كما قال الشهاب نظر إذ لم يعهد إطلاق الاسم على مثله حتى يفسر به النظم، وقيل: المراد بها أسماء ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وعزي إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: اللغات، وقيل: أسماء الملائكة، وقيل: أسماء النجوم، وقال الحكيم الترمذي: أسماؤه تعالى، وقيل وقيل وقيل. والحق عندي ما عليه أهل الله تعالى، وهو الذي يقتضيه منصب الخلافة الذي علمت، وهو أنها أسماء الأشياء علوية أو سفلية جوهرية أو عرضية، ويقال لها أسماء الله تعالى عندهم باعتبار دلالتها عليه، وظهوره فيها غير متقيد بها. ولهذا قالوا: إن أسماء الله تعالى غير متناهية، إذ ما من شيء يبرز للوجود من خبايا الجود، إلا وهو اسم من أسمائه تعالى وشأن من شؤونه عز شأنه، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن. ومن هنا قال قدس سره:شعر : إن الوجود وإن تعدد ظاهرا وحياتكم ما فيه إلا أنتم تفسير : لكن للفرق مقام وللجمع مقام ولكل مقام مقال، ولولا المراتب لتعطلت الأسماء والصفات، وتعليمها له عليه السلام على هذا ظهور الحق جل وعلا فيه منزهاً عن الحلول والاتحاد والتشبيه بجميع أسمائه وصفاته المتقابلة حسب استعداده الجامع بحيث علم وجه الحق في تلك الأشياء، وعلم ما انطوت عليه وفهم ما أشارت إليه، فلم يخف عليه منها خافية ولم يبق من أسرارها باقية، فيالله هذا الجرم الصغير كيف حوى هذا العلم الغزير. واختلف الرسميون بينهم في كيفية التعليم بعد أن فسر بأنه فعل يترتب عليه العلم غالباً، وبعد حصول ما يتوقف عليه من جهة المتعلم كاستعداده لقبول الفيض وتلقيه من جهة المعلم لا تخلف فقيل: بأن خلق فيه ـ عليه السلام بموجب استعداده ـ علماً ضرورياً تفصيلياً بتلك الأسماء وبمدلولاتها وبدلالتها ووجه دلالتها، وقيل: بأن خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة مستعداً لإدراك أنواع المدركات، وألهمه معرفة ذوات الأشياء وأسمائها وخواصها ومعارفها وأصول العلم وقوانين الصناعات وتفاصيل آلاتها وكيفيات استعمالاتها فيكون ما مر من المقاولة قبل خلقه عليه السلام، والقول: بأن التعليم على ظاهره ـ وكان بواسطة ملك غير داخل في عموم الخطاب بـ {أنبؤوني} ـ مما لا أرتضيه، اللهم إلا إن صح خبر في ذلك، ومع هذا أقول: للخبر محمل غير ما يتبادر مما لا يخفى على من له ذوق، وقيل: غير ذلك. ثم إن هذا التعليم لا يقتضي تقدم لغة اصطلاحية كما زعمه أبو هاشم واحتج عليه بوجوه ردت في «التفسير الكبير»، إذ لو افتقر لتسلسل الأمر أو دار، والإمام الأشعري يستدل بهذه الآية على أن الواضع للغات كلها هو الله تعالى ابتداءً ويجوز حدوث بعض الأوضاع من البشر كما يضع الرجل علم ابنه. والمعتزلة يقولون: الواضع من البشر آدم أو غيره ويسمى مذهب الاصطلاح. وقيل: وضع الله تعالى بعضها ووضع الباقي البشر وهو مذهب التوزيع وبه قال الأستاذ، والمسألة مفصلة بأدلتها وما لها وما عليها في أصول الفقه. وقرأ اليماني: {وَعَلَّمَ} مبنياً للمفعول، وفي «البحر» أن التضعيف للتعدية وهي به سماعية، وقيل: قياسية، والحريري في - "شرح لمحته" - يزعم أن - علم - المتعدي لاثنين يتعدى به إلى ثلاثة، وقد وهم في ذلك. {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰئِكَةِ} أي المسميات المفهومة من الكلام وتذكير الضمير على بعض الوجوه لتغليب ما اشتملت عليه من العقلاء، وللتعظيم بتنزيلها منزلتهم في رأي على البعض الآخر. وقيل: الضمير للأسماء باعتبار أنها المسميات مجازاً على طريق الاستخدام. ومن قال: الاسم عين المسمى قال: الأسماء هي المسميات/ والضمير لها بلا تكلف ـ وإليه ذهب مكي والمهدوي - ويرد عليه أن {أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاء} يدل على أن العرض للسؤال عن أسماء المعروضات - لا عن نفسها - وإلا لقيل: أنبؤوني بهؤلاء، فلا بد أن يكون المعروض غير المسؤول عنه فلا يكون نفس الأسماء، ومعنى عرض المسميات تصويرها لقلوب الملائكة، أو إظهارها لهم كالذر، أو إخبارهم بما سيوجده من العقلاء وغيرهم إجمالاً، وسؤالهم عما لا بد لهم منه من العلوم والصنائع التي بها نظام معاشهم ومعادهم إجمالاً أيضاً، وإلا فالتفصيل لا يمكن علمه لغير اللطيف الخبير، فكأنه سبحانه قال: سأوجد كذا وكذا فأخبروني بما لهم وما عليهم، وما أسماء تلك الأنواع من قولهم: عرضت أمري على فلان فقال لي كذا، فلا يرد أن المسميات عند بعض أعيان ومعان، وكيف تعرض المعاني كالسرور والحزن والجهل والعلم، وعندي أن عرض المسميات عليهم يحتمل أن يكون عبارة عن اطلاعهم على الصور العلمية والأعيان الثابتة التي قد يطلع عليها في هذه النشأة بعض عباد الله تعالى المجردين، أو إظهار ذلك لهم في عالم تتجسد فيه المعاني - وهذا غير ممتنع على الله تعالى - بل إن المعاني الآن متشكلة في عالم الملكوت بحيث يراها من يراها، ومن أحاط خبراً بعالم المثال لم يستبعد ذلك، وقيل: إنهم شهدوا تلك المسميات في آدم عليه السلام، وهو المراد بعرضها:شعر : وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر تفسير : وقرأ أبـيّ: {ثُمَّ عَرْضُهَا} وعبد الله: {عرضهن} والمعنى عرض مسمياتها أو مسمياتهن، وقيل: لا تقدير. {فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاء} تعجيز لهم وليس من التكليف بما لا يطاق ـ على ما وهمَ ـ وفيه إشارة إلى أن أمر الخلافة والتصرف والتدبير وإقامة المعدلة بغير وقوف على مراتب الاستعدادات ومقادير الحقوق مما لا يكاد يمكن، فكيف يروم الخلافة من لا يعرف ذلك، أو من لا يعرف الألفاظ أنفسها؟! - هيهات ذلك أبعد من العيوق وأعز من بيض الأنوق - وعندي أن المراد إظهار عجزهم وقصور استعدادهم عن رتبة الخلافة الجامعة للظاهر والباطن بأمرهم بالإنباء بتلك الأسماء على الوجه الذي أريد منها، والعاجز عن نفس الإنباء أعجز عن التحلي المطلوب في ذلك المنصب المحبوب:شعر : كيف الوصول إلى سعاد ودونها قلل الجبال ودونهن حتوف الرجل حافية ومالي مركب والكف صفر والطريق مخوف تفسير : و- الإنباء - في الأصل مطلق الإخبار - وهو الظاهر - هنا ويطلق على الإخبار بما فيه فائدة عظيمة ويحصل به علم أو غلبة ظن، وقال بعضهم: إنه إخبار فيه إعلام، ولذلك يجري مجرى كل منهما، واختاره هنا - على ما قيل للإيذان - برفعة شأن الأسماء وعظم خطرها؛ وهذا مبني على أن النبأ إنما يطلق على الخبر الخطير والأمر العظيم، وفي استعمال - ثم - فيما تقدم - والفاء - هنا ما لا يخفى من الاعتناء بشأن آدم عليه السلام وعدمه في شأنهم. وقرأ الأعمش: {أَنبِئُونِى} بغير همز. {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} أي فيما اختلج في خواطركم من أني لا أخلق خلقاً إلا أنتم أعلم منه وأفضل - وهذا هو التفسير المأثور - فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الملائكة قالوا: لن يخلق الله تعالى خلقاً أكرم عليه منا ولا أعلم، وفي الكلام دلالة عليه، فإن {أية : وَنَحْنُ نُسَبّحُ }تفسير : [البقرة: 30] الخ يدل على أفضليتهم، وتنزيه الله تعالى وتقديسه - أو تقديسهم أنفسهم - يدل على كمال العلم أيضاً. وقيل: إن المعنى {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} في زعمكم أنكم أحق بالاستخلاف أو في أن استخلافهم لا يليق فأثبتوه ببيان ما فيكم من الشرائط السابقة - وليس هذا من المعصية في شيء - لأنه شبهة اختلجت، وسألوا عما يزيحها وليس باختياري، ولا يرد/ أن الصدق والكذب إنما يتعلق بالخبر - وهم استخبروا ولم يخبروا - لأنا نقول: هما يتطرقان إلى الإنشاءات بالقصد الثاني، ومن حيث ما يلزم مدلولها، وإن لم يتطرقا إليها بالقصد الأول ومن حيث منطوقها، وجواب {إن} في مثل هذا الموضع محذوف عند سيبويه وجمهور البصريين يدل عليه السابق، وهو هنا {أَنبِئُونِى} وعند الكوفيين وأبـي زيد والمبرد أن الجواب هو المتقدم، وهذا هو النقل الصحيح عمن ذكر في المسألة، ووهم البعض فعكس الأمر، ومن زعم أن {إن} هنا بمعنى إذا الظرفية - فلا تحتاج إلى جواب - فقد وهمَ، وكأنه لما رأى عصمة الملائكة وظن من الآية ما يخل بها، ولم يجد لها محملاً مع إبقاء {إن} على ظاهرها افتقر إلى ذلك، والحمد لله تعالى على ما أغنانا من فضله ولم يحوجنا إلى هذا ولا إلى القول بأن الغرض من الشرطية التوكيد لما نبههم عليه من القصور والعجز، فحاصل المعنى حينئذٍ أخبروني ولا تقولوا إلا حقاً - كما قال الإمام -.

ابن عاشور

تفسير : {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}. معطوف على قوله: {أية : قال إني أعلم ما لا تعلمون}تفسير : [البقرة: 30] عطف حكاية الدليل التفصيلي على حكاية الاستدلال الإجمالي الذي اقتضاه قوله: {إني أعلم ما لا تعلمون} فإن تعليم آدم الأسماء وإظهار فضيلته بقبوله لهذا التعليم دون الملائكة جعله الله حجة على قوله لهم {إني أعلم ما لا تعلمون} أي ما لا تعلمون من جدارة هذا المخلوق بالخلافة في الأرض، وعطف ذكر آدم بعد ذكر مقالة الله للملائكة وذكر محاورتهم يدل على أن هذا الخليفة هو آدم وأن آدم اسم لذلك الخليفة وهذا الأسلوب من بديع الإجمال والتفصيل والإيجاز كما قال النابغة:شعر : فقلت لهم لا أعرفن عقائلا رعابيب من جنبي أريك وعاقل تفسير : الأبيات. ثم قال بعدها:شعر : وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي على وعل في ذي المطارة عاقل مخافة عمرو أن تكون جياده يقدن إلينا بين حافٍ وناعل تفسير : فدل على أن ما ذكره سالفاً من العقائل التي بين أريك وعاقل ومن الأنعام المغتنمة هو ما يتوقع من غزو عمرو بن الحرث الغساني ديار بني عوف من قومه. وآدم اسم الإنسان الأول أبي البشر في لغة العرب وقيل منقول من العبرانية لأن أداماً بالعبرانية بمعنى الأرض وهو قريب لأن التوراة تكلمت على خلق آدم وأطالت في أحواله فلا يبعد أن يكون اسم أبي البشر قد اشتهر عند العرب من اليهود وسماع حكاياتهم، ويجوز أن يكون هذا الاسم عرف عند العرب والعبرانيين معاً من أصل اللغات السامية فاتفقت عليه فروعها. وقد سمي في سفر التكوين من التوراة بهذا الاسم آدم ووقع في «دائرة المعارف العربية» أن آدم سمى نفسه إيش (أي ذا مقتني) وترجمته إنسان أو قرء. قلت ولعله تحريف (إيث) كما ستعلمه عند قوله تعالى: {أية : اسكن أنت وزوجك الجنة}تفسير : [البقرة: 35]. وللإنسان الأول أسماء أُخر في لغات الأمم وقد سماه الفرس القدماء «كيومرتْ» بفتح الكاف في أوله وبتاء مثناة فوقية في آخره، ويسمى أيضاً «كيامَرِتن» بألف عوض الواو وبكسر الراء وبنون بعد المثناة الفوقية، قالوا إنه مكث في الجنة ثلاثة آلاف سنة ثم هبط إلى الأرض فعاش في الأرض ثلاثة آلاف سنة أخرى، واسمه في العبرانية (آدم) كما سمي في التوراة وانتقل هذا الاسم إلى اللغات الأفرنجية من كتب الديانة المسيحية فسموه (آدام) بإشباع الدال، فهو اسم على وزن فَاعَل صيغ كذلك اعتباطاً وقد جمع على أوادم بوزن فَواعل كما جمع خَاتَم وهذا الذي يشير إليه صاحب «الكشاف» وجعل محاولة اشتقاقه كمحاولة اشتقاق يعقوب من العقب وإبليس من الإبلاس ونحو ذلك أي هي محاولة ضئيلة وهو الحق. وقال الجوهري أصله أَأْدم بهمزتين على وزن أفْعَل من الأدمة وهي لون السمرة فقلبت ثانية الهمزتين مَدة ويبعده الجمع وإن أمكن تأويله بأن أصله أَأَادم فقلبت الهمزة الثانية في الجمع واواً لأنها ليس لها أصل كما أجاب به الجوهري. ولعل اشتقاق اسم لَون الأدمة من اسم آدم أقرب من العكس. والأسماء جمع اسم وهو في اللغة لفظ يدل على معنى يفهمه ذهن السامع فيختص بالألفاظ سواء كان مدلولها ذاتاً وهو الأصل الأول، أو صفة أو فعلاً فيما طرأ على البشر الاحتياج إليه في استعانة بعضهم ببعض فحصل من ذلك ألفاظ مفردة أو مركبة وذلك هو معنى الاسم عرفا إذ لم يقع نقل. فما قيل إن الاسم يطلق على ما يدل على الشيء سواء كان لفظه أو صفتَه أو فعلَه توهم في اللغة. ولعلهم تطوحوا به إلى أن اشتقاقه من السمة وهي العلامة، وذلك على تسليمه لا يقتضي أن يبقى مساوياً لأصل اشتقاقه. وقد قيل هو مشتق من السمو لأنه لما دل على الذات فقد أبرزها. وقيل مشتق من الوَسم لأنه سمة على المدلول. والأظهر أنه مشتق من السُّمُو وأن وزنه سِمْو ــــ بكسر السين وسكون الميم ــــ لأنهم جمعوه على أسماء ولولا أن أصله سِمْو لما كان وجه لزيادة الهمزة في آخره فإنها مبدلة عن الواو في الطرف إثر ألف زائدة ولكانوا جمعوه على أوْسام. والظاهر أن الأسماء التي عُلمها آدم هي ألفاظ تدل على ذوات الأشياء التي يحتاج نوع الإنسان إلى التعبير عنها لحاجته إلى ندائها، أو استحضارها، أو إفادة حصول بعضها مع بعض، وهي أي الإفادة ما نسميه اليوم بالأخبار أو التوصيف فيظهر أن المراد بالأسماء ابتداءً أسماءُ الذوات من الموجودات مثل الأعلام الشخصية وأسماء الأجناس من الحيوان والنبات والحجر والكواكب مما يقع عليه نظر الإنسان ابتداء مثل اسم جَنة، وملك، وآدم، وحواء، وإبليس، وشجرة وثمرة، ونجد ذلك بحسب اللغة البشرية الأولى ولذلك نرجح أن لا يكون فيما عُلمه آدم ابتداء شيء من أسماء المعاني والأحداث ثم طرأت بعد ذلك فكان إذا أراد أن يخبر عن حصول حدَث أو أمر معنوي لذات، قَرَن بين اسم الذات واسم الحدث نحو ماءْ بَرْدْ أي ماء بارد ثم طرأ وضع الأفعال والأوصاف بعد ذلك فقال الماءْ باردْ أو بَرَد الماء، وهذا يرجح أن أصل الاشتقاق هو المصادر لا الأفعال لأن المصادر صنف دقيق من نوع الأسماء وقد دلنا على هذا قوله تعالى: {ثم عرضهم} كما سيأتي. والتعريف في (الأسماء) تعريف الجنس أريد منه الاستغراق للدلالة على أنه عَلَّمه جميع أسماء الأشياء المعروفة يومئذٍ في ذلك العالم فهو استغراق عرفي مثل جمَع الأمير الصاغَةَ أي صاغة أَرضه، وهو الظاهر لأنه المقدار الذي تظهر به الفضيلة فما زاد عليه لا يليق تعليمُه بالحكمة وقدرةُ الله صالحة لذلك. وتعريف الأسماء يفيد أن الله علم آدم كل اسم ما هُو مسماه ومدلوله، والإتيان بالجمع هنا متعين إذ لا يستقيم أن يقول وعلم آدم الاسم، وما شاع من أن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع في المعرف باللام كلامٌ غير محرر، وأصله مأخوذ من كلام السكاكي وسنحققه عند قوله تعالى: {أية : ولكنَّ البر مَن آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتابِ}تفسير : [البقرة: 177] في هذ السورة. و{كلَّها} تأكيد لمعنى الاستغراق لئِلا يتوهم منه العهد فلم تزد كلمة كل العمومَ شمولاً ولكنها دفعت عنه الاحتمال.(وكُل) اسم دال على الشمول والإحاطة فيما أضيف هو إليه وأكثر ما يَجىء مضافاً إلى ضمير ما قبله فيُعرب توكيداً تابعاً لما قبله ويكون أيضاً مسْتقلاً بالإعراب إذا لم يقصد التوكيد بل قُصدت الإحاطة وهو ملازم للإضافة لفظاً أو تقديراً فإذا لم يذكر المضاف إليه عُوض عنه التنوين ولكونه ملازماً للإضافة يعتبر معرفة بالإضافة فلا تدخل عليه لام التعريف. وتعليم الله تعالى آدمَ الأسماء إما بطريقة التلقين بعرض المسمى عليه فإذا أراه لُقن اسمه بصوت مخلوق يسمعه فيعلم أن ذلك اللفظ دال على تلك الذات بعلم ضروري، أو يكون التعليم بإلقاء علم ضروري في نفس آدم بحيث يخطر في ذهنه اسم شيء عند ما يعرض عليه فيضع له اسماً بأنْ ألهمه وضع الأسماء للأشياء ليمكنه أن يفيدها غيره وذلك بأن خلق قوةَ النطق فيه وجعله قادراً على وضع اللغة كما قال تعالى: {أية : خلق الإنسان علمه البيان}تفسير : [الرحمٰن: 2، 3] وجميع ذلك تعليم إذ التعليم مصدر علَّمه إذا جعله ذَا علم مثل أدَّبه فلا ينحصر في التلقين وإِنْ تبادَر فيه عرفاً. وأيَّاً ما كانت كيفية التعليم فقد كان سبباً لتفضيل الإنسان على بقية أنواع جنسه بقوة النطق وإحداث الموضوعات اللغوية للتعبير عما في الضمير. وكان ذلك أيضاً سبباً لتفاضل أفراد الإنسان بعضهم على بعض بما ينشأ عن النطق من استفادة المجهول من المعلوم وهو مبدأ العلوم، فالإنسان لما خُلق ناطقاً معبراً عما في ضميره فقد خُلق مدركاً أي عالماً وقد خلق معلماً، وهذا أصل نشأة العلوم والقوانين وتفاريعها لأنك إذا نظرت إلى المعارف كلها وجدتها وضع أسماء لمسميات وتعريفَ معاني تلك الأسماء وتحديدها لتسهيل إيصال ما يحصل في الذهن إلى ذهن الغير. وكلا الأمرين قد حُرِمه بقية أنواع الحيوان، فلذلك لم تتفاضل أفراده إلا تفاضلاً ضعيفاً بحسن الصورة أو قوة المنفعة أو قلة العجمة بلْهَ بقية الأجناس كالنبات والمعدن. وبهذا تعلم أن العبرة في تعليم الله تعالى آدم الأسماء حاصلة سواء كان الذي علَّمه إياه أسماءَ الموجودات يومئذٍ أو أسماء كل ما سيوجد، وسواء كان ذلك بلغة واحدة هي التي ابتدأَ بها نطق البشر منذ ذلك التعليم أم كان بجميع اللغات التي ستنطق بها ذرياته من الأمم، وسواء كانت الأسماء أسماء الذوات فقط أو أسماء المعاني والصفات، وسواء كان المراد من الأسماء الألفاظَ الدالة على المعاني أو كل دال على شيء لفظاً كان أو غيره من خصائص الأشياء وصفاتها وأفعالها كما تقدم إذ محاولة تحقيق ذلك لا طائل تحته في تفسير القرآن. ولعل كثيراً من المفسرين قد هان عندهم أن يكون تفضيل آدم بتعليم الله متعلقاً بمعرفة عدد من الألفاظ الدالة على المعاني الموجودة فراموا تعظيم هذا التعليم بتوسيعه وغفلوا عن موقع العبرة ومِلاكِ الفضيلة وهو إيجاد هاته القوة العظيمة التي كان أولها تعليم تلك الأسماء، ولذلك كان إظهار عجز الملائكة عن لحاق هذا الشأو بعدم تعليمهم لشيء من الأسماء، ولو كانت المزية والتفاضل في تعليم آدم جميع ما سيكون من الأسماء في اللغات لكفى في إظهار عجز الملائكة عدم تعليمهم لجمهرة الأسماء وإنما علم آدم أسماء الموجودات يومئذٍ كلها ليكون إنباؤه الملائكة بها أبهر لهم في فضيلته. وليس في هذه الآية دليل على أن اللغات توقيفية ـــ أي لَقَّنَها الله تعالى البشر على لسان آدم ـــ ولا على عدمه لأن طريقة التعليم في قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء} مجملة محتملة لكيفيات كما قدمناه. والناس متفقون على أن القدرة عليها إلهام من الله وذلك تعليم منه سواء لقن آدم لغة واحدة أو جميع لغات البشر وأسماء كل شيء أو ألهمه ذلك أو خلق له القوة الناطقة، والمسألة مفروضة في علم الله وفي أصول الفقه وفيها أقوال ولا أثر لهذا الاختلاف لا في الفقه ولا في غيره قال المازري «إلا في جواز قلب اللغة والحق أن قلب الألفاظ الشرعية حرام وغيره جائز» ولقد أصاب المازري وأخطأ كل من رام أن يجعل لهذا الخلاف ثمرة غير ما ذكر، وفي استقراء ذلك ورده طول، وأمره لا يخفى عن سالمي العقول. {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاَۤءِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}. قيل عطفه بثم لأن بين ابتداء التعليم وبين العرض مهلة وهي مدة تلقين الأسماء لآدم أو مدة إلهامه وضع الأسماء للمسميات. والأظهر أن (ثم) هنا للتراخي الرتبي كشأنها في عطفها الجمل لأن رتبة هذا العرض وظهور عدم علم الملائكة وظهور علم آدم وظهور أثر علم الله وحكمته كل ذلك أرفع رتبة في إظهار مزية آدم واستحقاقه الخلافة، من رتبة مجرد تعلمه الأسماء لو بقي غير متصل به ما حدث من الحادثة كلها. ولما كان مفهوم لفظ (اسم) من المفهومات الإضافية التي يتوقف تعقلها على تعقل غيرها إذ الاسم لا يكون إلا لمسمى كان ذكر الأسماء مشعراً لا محالة بالمسميات فجاز للبليغ أن يعتمد على ذلك ويحذف لفظ المسميات إيجازاً. وضمير {عرضهم} للمسميات لأنها التي تعرض بقرينة قوله: {أنبئوني بأسماء هؤلاء} وبقرينة قوله: {وعلم آدم الأسماء كلها}، فإن الاسم يقتضي مسمى وهذا من إيجاز الحذف وأما الأسماء فلا تعرض لأن العرض إظهار الذات بعد خفائها ومنه عرض الشيء للبيع ويوم العرض والألفاظ لا تظهر فتعين أن المعروض مدلولات الأسماء إما بأن تعرض صور من الذوات فقط ويسأل عن معرفة أسمائها أي معرفة الألفاظ الدالة عليها، أو عن بيان مواهيها وخصائصها وإما بأن تعرض الذوات والمعاني بخلق أشكال دالة على المعاني كعرض الشجاعة في صورة فعل صاحبها والعلم في صورة إفاضة العالم في درسه أو تحريره كما نرى في الصور المنحوتة أو المدهونة للمعاني المعقولة عند اليونان والرومان والفرس والصور الذهنية عند الإفرنج، بحيث يجد الملائكة عند مشاهدة تلك الهيئة أن المعروض معنى شجاعة أو معنى علم ويقرب ذلك ما يحصل في المرائي الحلمية. والحاصل أن الحال المذكورة في الآية حالة عالم أوسع من عالم المحسوسات والمادة. وإعادة ضمير المذكر العاقل على المسميات في قوله: {عرضهم} للتغليب لأن أشرف المعروضات ذوات العقلاء وصفاتهم على أن ورود مثله بالألفاظ التي أصلها للعقلاء طريقة عربية نحو قوله تعالى: {أية : إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلاً}تفسير : [الإسراء: 36]. والداعي إلى هذا أن يعلم ابتداء أن المعروض غير الأسماء حتى لا يضل فهم السامع قبل سماع قرينة {أنبئوني بأسماء هؤلاء}. وقوله تعالى: {فقال أنبئوني} تفريع على العرض وقرن بالفاء لذلك. والأمر في قوله: {أنبئوني} أمر تعجيز بقرينة كون المأمور يعلم أن الآمر عالم بذلك فليس هذا من التكليف بالمحال كما ظنه بعض المفسرين. واستعمال صيغة الأمر في التعجيز مجاز، ثم إن ذلك المعنى المجازي يستلزم علم الآمر بعجز المأمور وذلك يستلزم علم الآمر بالمأمور به. والإنباء الإخبار بالنبأ وهو الخبر ذو الفائدة العظيمة والأهمية بحيث يحرص السامعون على اكتسابه، ولذلك تضمن الإنباء معنى الإعلام لأن المخبر به يعد مما يعلم ويعتقد بوجه أخص من اعتقاد مطلق الخبر فهو أخص من الخبر. وقوله: {إن كنتم صادقين} إما أراد به إن كنتم صادقين في أنكم أفضل من هذا المخلوق إن كان قولهم: {ونحن نسبح} الخ تعريضاً بأنهم أحقاء بذلك، أو أراد إن كنتم صادقين في عدم جدارة آدم بالخلافة كما دل عليه قولهم: {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30] كان قولهم: {أية : ونحن نسبح بحمدك}تفسير : [البقرة: 30] لمجرد التفويض أو الإعلان للسامعين من أهل الملأ الأعلى بالبراءة من شائبة الاعتراض على ما اخترناه. ووجه الملازمة بين الإنباء بالأسماء وبين صدقهم فيما ادعوه التي اقتضاها ربط الجزاء بالشرط أن العلم بالأسماء عبارة عن القوة الناطقة الصالحة لاستفادة المعارف وإفادتها، أو عبارة عن معرفة حقائق الأشياء وخصائصها، أو عبارة عن معرفة أسماء الذوات والمعاني، وكل ذلك يستلزم ثبوت العالمية بالفعل أو بالقوة، وصاحب هذا الوصف هو الجدير بالاستخلاف في العالم لأن وظيفة هذا الاستخلاف تدبير وإرشاد وهدى ووضع الأشياء مواضعها دون احتياج إلى التوقيف في غالب التصرفات، وكل ذلك محتاج إلى القوة الناطقة أو فروعها، والقوى الملكية على شرفها إنما تصلح لأعمال معينة قد سخرت لها لا تعدوها ولا تتصرف فيها بالتحليل والتركيب، وما يذكر من تنوع تصرفها وصواب أعمالها إنما هو من توجيه الله تعالى إياها وتلقينه المعبر عنه بالتسخير، وبذلك ظهر وجه ارتباط الأمر بالإنباء بهذا الشرط وقد تحير فيه كثير. وإذا انتفى الإنباء انتفى كونهم صادقين في إنكارهم خلافة آدم، فإن كان محل الصدق هو دعواهم أنهم أجدر فقد ثبت عدمها، وإن كان محل التصديق هو دعواهم أن البشر غير صالح للاستخلاف فانتفاء الإنباء لا يدل على انتفاء دعواهم ولكنه تمهيد له لأن بعده إنباء آدم بالأسماء لأن المقام مؤذن بأنهم لما أمروا أمر تعجيز وجعل المأمور به دلالة على الصدق كان وراء ذلك إنباء آخر مترقباً من الذي طعنوا في جدارته ويدل لذلك أيضاً قوله تعالى لهم: {أية : إني أعلم ما لا تعلمون}تفسير : [البقرة: 30].

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلاَئِكَةِ}. يعني مسميات الأسماء لا الأسماء كما يتوهم من ظاهر الآية. وقد أشار إلى أنها المسميات بقوله: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ} الآية، كما هو ظاهر.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: آدم: نبيّ الله أبو البشر عليه السلام. الأسماء: أسماء الأجناس كلها كالماء والنبات والحيوان والإنسان. عرضهم: عرض المسميات أمامهم، ولما كان بينهم العقلاء غلب جانبهم، وإلا لقال عرضها. أنبئوني: أخبروني. هؤلاء: المعروضين عليهم من سائر المخلوقات. سبحانك: تنزيها لك وتقديساً. غيب السماوات: ما غاب عن الأنظار في السماوات والأرض. تبدون: تظهرون من قولهم {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} تفسير : [البقرة: 30] الآية. تكتمون: تبطنون وتخفون يريد ما أضمره إبليس من مخالفة أمر الله تعالى وعدم طاعته. الحكيم: الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه، ولا يفعل ولا يترك إلا لحكمة. معنى الآيات: يخبر تعالى في معرض مظاهر قدرته وعلمه وحكمته الموجبة لعبادته دون سواه أنه علم آدم اسماء الموجودات كلها، ثم عرض الموجودات على الملائكة وقال أنبؤني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين في دعوى أنكم أكرم المخلوقات وأعلمهم فعجزوا وأَعْلَنُوا اعْتِرَافَهُم بذلك وقالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ثم قال تعالى لآدم أنبئهم بأسماء تلك المخلوقات المعروضة فأنبأهم بأسمائهم واحداً واحداً حتى القصعة والقُصَيْعة.. وهنا ظهر شرف آدم عليهم، وَعَتَبَ عليهم ربهم بقوله: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان قدرة الله تعالى حيث علم آدم أسماء المخلوقات كلها فعلمها. 2- شرف العلم وفضل العالم على الجاهل. 3- فضيلة الاعتراف بالعجز والقصور. 4- جواز العتاب على من ادعى دعوى هو غير متأهل لها.

د. أسعد حومد

تفسير : {ءَادَمَ} {ٱلْمَلاَئِكَةِ} {صَادِقِين} (31) - وَبَعْدَ أَنْ خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الأَشْيَاءِ كُلِّهَا: الأَرْضِ والسَّمَاءِ وَأَصْنَافِ الحَيَوانَاتِ والسَّهْلِ وَالجَبَلِ وَالبَحْرِ .. وَذَواتِها وَخَصَائِصِهَا وَأَفْعَالِها .. ثُمَّ عَرَضَ هذِهِ المُسَمَّيَاتِ عَلَى المَلاَئِكَةِ فَقَالَ لَهُمْ: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هذِهِ الأَشْيَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِيمَا تَعْتَقِدُونَ مِنْ أَنَّني لَمْ أَخْلُق أَعْلَمَ مِنْكُمْ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فالحق سبحانه وتعالى رد على الملائكة بهذه الآية الكريمة، لأنه علَّم آدم الأسماء كلها. وكلمة "كلها" تفيد الإحاطة، ومعنى الإحاطة معرفة كل شيء عن هذه الأسماء. هنا يتبادر سؤال: هل علَّم الله سبحانه وتعالى آدم الأسماء منذ ساعة الخلق إلى قيام الساعة ما دام الحق سبحانه وتعالى يقول كلها. فما هو حكم تلك الأسماء التي هي لمخترعات ستأتي بعد خلق آدم بقرون طويلة؟ نقول إن الله سبحانه وتعالى حين علم آدم الأسماء وميَّزه على الملائكة يكون قد أعطى ذلك الأدنى عنصراً ميزه عن المخلوق من عنصر أعلى. فآدم مخلوق من طين، والملائكة مخلوقون من نور. وقدرات البشر لا تستطيع أن تعطي الأدنى شيئاً أكثر من الأعلى. ولكن الله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يعطي ذلك ليذكِّرنا أن ما نأخذه ليس بقدراتنا ولكن بقدرته هو سبحانه. ولذلك تجد سليمان وهو ملك ونبي أعطاه الله تعالى ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده وميَّزَه عن خلقه. يأتي الهدهد ليقول لسليمان: {أية : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ} تفسير : [النمل: 22]. كيف يحيط الهدهد - وهو طائر ضعيف محدود - بما لم يحط به سليمان وهو الملك النبي الذي حكم الإنس والجن؟ لأن الله سبحانه وتعالى .. يكره الغرور من خلقه؛ ولذلك يأتي بآية تميز الأدنى عن الأعلى ليعلموا جميعاً أن كل قدراتهم ليست بذاتهم .. وإنما هي من الله. فيأتي موسى وهو الرسول والنبي، فيتعلم من الخضر وهو العبد الصالح ما لم يكن يعلمه. وقد خلق الله سبحانه المسميات، وإن كنا لا نعرف وجودها وجعل الملائكة تتلقى أسماء هذه المسميات من آدم. وأن البعض يتساءل عن وسيلة تعليم الخالق الأكرم لآدم عليه السلام. وتعليم الخالق يختلف عن تعليم الخلق؛ لأن الخالق يُعلِّمُ إلهاما. يقذف في قلب آدم أسماء المسميات كلها لكل ما في الكون من أسماء المخلوقات. إذن: فالمشهد الأول لآدم مع الملائكة كان قد تم إيجاد كل المسميات وألهمها الله لآدم بدليل أن الملائكة لم تتعرف على هذه المسميات، بينما عرفها آدم. وهنا لابد لنا من وقفة. إن الكلام هو ناتج السمع واللغة ناتج البيئة، والله سبحانه وتعالى علم آدم الأسماء. وهذا العلم لا يمكن أن يأتي إلا إذا كان آدم قد سمع من الله سبحانه وتعالى، ثم نطق. فأنت إذا أتيت بطفل عربي، وتركته في لندن مثلاً .. فتراه يتكلم الإنجليزية بطلاقة .. ولا يفهم كلمة واحدة من اللغة العربية. والعكس صحيح. إذا أتيت بطفل إنجليزي، وتركته في بلد عربي يتكلم العربية .. ولا يعلم شيئاً عن الإنجليزية. إذن: فاللغة ليست وراثة ولا جنساً ولا بيئة، ولكنها محاكاة يسمعها الإنسان فينطق بها. وإذا لم يسمع الإنسان شيئاً وكان أصمَّ فإنه لا يستطيع النطق بحرف واحد. فإذا كان آدم قد نطق بهذه الأسماء؛ فلا بد أنه سمع من الله سبحانه وتعالى. والعجيب أن الطريقة التي علَّم الله سبحانه وتعالى آدم بها، هي الطريقة نفسها التي تتبعها البشرية إلى يومنا هذا، فأنت لا تعلم الطفل بأن تقص عليه الأفعال. ولكن لابد أن يبدأ تعليمه بالأسماء والمسميات. تقول له: هذا كوب، وهذا جبل وهذا بحر، وهذه شمس، وهذا قمر. وبعد أن يتعلم المسميات يستطيع أن يعرف الأفعال ويتقدم في التعليم بعد ذلك. وهكذا نتعرف على النشأة الأولى للكلام، وطلاقة قدرة الله سبحانه وتعالى عَلَّمتْ آدم الأسماء. وهنا نتوقف لنجيب عن سؤالين: الأول: إذا كان الله سبحانه وتعالى قد علَّم آدم الأسماء كلها. فهل كان فيها أسماء ما سيستجد من مخترعات في العالم؟ نقول: إنه حتى لو تعلم آدم الأسماء التي يحتاج إليها في أولويات الوجود ويستخدمها في متطلبات حياته على الأرض. فإذا جد جديد، فإن أولاد آدم يستخدمون هذه الأسماء من المقدمات والأسماء التي تعلموها. فما يَجِدُّ في الوجود من أسماء تدخل على اللغة، لم تأْتِ من فراغ، وإنما جاءت من اللغة التي تنطق بها وتكتب بها. كذلك كل شيء في هذا الكون لو أعدته الآن إلى أصله فستجد أن أصله من الله. فلو أعدت البشرية إلى أصلها لابد أن تصل إلى أن الإنسان الأول خلقه الله سبحانه وتعالى. ولو أعدت العلم إلى أصله وكل علم يحتاج إلى معلِّم. نقول لك: مَنْ الذي علَّم المُعلِّم الأول؟ أليس من البديهي أن العلم بدأ بمعلم علمه الله سبحانه وتعالى. وكان هذا هو المعلم الأول .. إذن: فالذي علم الأسماء لآدم هو الله سبحانه وتعالى. وهو علمها لأولاده. وأولاده علموها لأولادهم وهكذا. يأتي السؤال الثاني: إذا كان الله هو المُعلِّم للكلام. فلماذا اختلفت اللغات على الأرض وأصبح هناك ألوان من اللغات والألسنة؟ نقول: إن تنوع فترات التاريخ وانتشار الإنسان على الأرض جعل كل مجموعة من البشر تقترب من بعضها لتكون لها لغة واحدة. وكل لغة موجودة مأخوذة من لغة قديمة .. فالفرنسية والإنجليزية والإيطالية مأخوذة من اللاتينية. والعبرية والسريالية لهما علاقة باللغة العربية واللهجات التي يتكلم بها العالم العربي - صاحب اللغة الواحدة - تختلف .. حتى أن لهجة الجزائر أو المغرب مثلاً تجدها مختلفة عن اللهجة المصرية أو السودانية. ولكننا إذا تكلمنا باللغة العربية فَهِمَ بعضنا بعضاً، ولغة هؤلاء جميعاً في الأصل هي لغة القرآن. وهي العربية، ولكن في فترات الوهن التاريخي الذي مَرَّ على العرب انعزلت البلاد العربية بعضها عن بعض ومضى كل مجتمع يأخذ اللغة كمظهر اجتماعي، فيسقط التفاهم بين اللهجات المختلفة. وهكذا علَّم الله سبحانه وتعالى آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة وقال لهم {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31]؟ أي أن الله سبحانه وتعالى كرَّم آدم في العلم، وأعطاه علماً لم يعطه للملائكة. ثم جعل آدم هو الذي يعلمهم أسماء مسميات لم يعرفوها. وهذا دليل على طلاقة قدرة الله سبحانه وتعالى الذي يفعل ما يشاء في كونه، وكما قلنا: إن تمييز الأدنى عن الأعلى لا يتم إلا بفعل الله وحده. ولكي نقرِّبَ هذا إلى العقول: هَبْ أن إنساناً ضعيفاً يريد أن يحمل حملاً ثقيلاً .. إنه لا يقدر. وإذا كان هناك إنسان قوي يعينه فإنه لا يستطيع أن يعطيه من قوته ليحمل هذا الحمل، ولكن يعينه بأن يحمل عنه. أما الذي يستطيع أن يجعل هذا الضعيف قوياً يمكنه أن يحمل هذا الحمل الثقيل فهو الله سبحانه وتعالى. فالإنسان لا يستطيع أن يعطي إنساناً آخر من قوته، ولكن الله وحده هو القادر على أن يجعل الضعيف قوياً والقوي ضعيفاً. وقوله تعالى: {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31] وهل يكذب الملائكة؟ إن الملائكة خَلْقٌ من نور يسبحون الله، ويفعلون ما يؤمرون .. نقول إن قوله تعالى {إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 31] فيما قستم عليه الأحداث، أو فيما قلتموه ضرباً بالغيب. ولو أن الملائكة قاسوا حكمهم على حكم جنس آخر كان في الأرض كالجن مثلاً الذين خُلِقوا قبل الإنسان .. فيقول الحق سبحانه وتعالى: إنكم أخطأتم في قياسكم هذا، أو إن كنتم صادقين فيما تنبأتم به من غيب؛ فلا يعلم الغيب إلا الله تعالى. فالقياسان جانبهما التوفيق. وليس هذا طعناً في الملائكة، ولكنه تصحيح لهم، وتعريف لنا بأن الملائكة لا يعلمون الغيب. ولذلك فهم حينما قاسوا أو حكموا على غيب .. جانبهم التوفيق لأن الله وحده هو علام الغيوب والذي دفع الملائكة إلى أن يقولوا أو يُبْطِنوا هذا الكلام هو حبهم الشديد لله تعالى .. وكراهيتهم للإفساد في كونه.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا } [31] 4- أخبرني إبراهيم بن الحسن، نا الحارث بن عطيَّة، عن هشام الدَّستوائي، عن قتادة ، عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون: يا آدم أنت أبو النَّاس، خلقك الله بيده وأَسجد لك ملائكته، وعلَّمك أسماء كلِّ شيء، فاشفع لنا إلى ربك حتى تُريحنا من مكاننا هذا" تفسير : وساق حديث الشَّفاعة بطوله.

همام الصنعاني

تفسير : 38- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}: [الآية: 31]، قال: علَّمه اسم كل شيء؛ هذا بحر، وهذا جبل، وهذا كذا، وهذا كذا، لكل شيء، ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة، فقال: {أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ}.