٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
32
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الذين اعتقدوا أن الملائكة أتوا بالمعصية في قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } قالوا: إنهم لما عرفوا خطأهم في هذا السؤال رجعوا وتابوا واعتذروا عن خطئهم بقولهم: {سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } والذين أنكروا معصيتهم ذكروا في ذلك وجهين: الأول: أنهم إنما قالوا ذلك على وجه الاعتراف بالعجز والتسليم بأنهم لا يعلمون ما سئلوا عنه وذلك لأنهم قالوا إنا لا نعلم إلا ما علمتنا فإذا لم تعلمنا ذلك فكيف نعلمه، الثاني: أن الملائكة إنما قالوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا } لأن الله تعالى أعلمهم ذلك فكأنهم قالوا إنك أعلمتنا أنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء فقلنا لك أتجعل فيها من يفسد فيها وأما هذه الأسماء فإنك ما أعلمتنا كيفيتها فكيف نعلمها. وههنا مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بقوله تعالى: {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } على أن المعارف مخلوقة لله تعالى وقالت المعتزلة المراد أنه لا علم لنا إلا من جهته إما بالتعليم وإما بنصب الدلالة والجواب أن التعليم عبارة عن تحصيل العلم في الغير كالتسويد فإنه عبارة عن تحصيل السواد في الغير لا يقال التعليم عبارة عن إفادة الأمر الذي يترتب عليه العلم لو حصل الشرط وانتفى المانع ولذلك يقال علمته فما تعلم والأمر الذي يترتب عليه العلم هو وضع الدليل والله تعالى قد فعل ذلك لأنا نقول المؤثر في وجود العلم ليس هو ذات الدليل بل النظر في الدليل وذلك النظر فعل العبد فلم يكن حصول ذلك العلم بتعليم الله تعالى وأنه يناقض قوله: {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا }. المسألة الثانية: احتج أهل الإسلام بهذه الآية على أنه لا سبيل إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله تعالى وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم النجوم والكهانة والعرافة ونظيره قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ } تفسير : [الأنعام: 59] وقوله: {أية : عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ } تفسير : [الجن: 26، 27] وللمنجم أن يقول للمعتزلي إذا فسرت التعليم بوضع الدلائل فعندي حركات النجوم دلائل خلقها الله تعالى على أحوال هذا العالم فإذا استدللت بها على هذه كان ذلك أيضاً بتعليم الله تعالى، ويمكن أن يقال أيضاً إن الملائكة لما عجزوا عن معرفة الغيب فلأن يعجز عنه أحدنا كان أولى. المسألة الثالثة: العليم من صفات المبالغة التامة في العلم، والمبالغة التامة لا تتحقق إلا عند الإحاطة بكل المعلومات، وما ذاك إلا هو سبحانه وتعالى، فلا جرم ليس العليم المطلق إلا هو، فلذلك قال{إنك أنت العليم الحكيم} على سبيل الحصر. . المسألة الخامسة: أن الله تعالى لما أمر آدم عليه السلام بأن يخبرهم عن أسماء الأشياء وهو عليه الصلاة والسلام أخبرهم بها فلما أخبرهم بها قال سبحانه وتعالى لهم عند ذلك: {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } والمراد من هذا الغيب أنه تعالى كان عالماً بأحوال آدم عليه السلام قبل أن يخلقه وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها، وذلك يدل على بطلان مذهب هشام بن الحكم في أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وقوعها، فإن قيل الإيمان هو العلم، فقوله تعالى: {يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } يدل على أن العبد يعلم الغيب فكيف قال ههنا: {إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } والإشعار بأن علم الغيب ليس إلا لي وأن كل من سواي فهم خالون عن علم الغيب وجوابه ما تقدم في قوله: {ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } أما قوله: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } ففيه وجوه: أحدها: ما روى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم أن قوله: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } أراد به قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } وقوله: {وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } أراد به ما أسر إبليس في نفسه من الكبر وأن لا يسجد: وثانيها: {إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من الأمور الغائبة والأسرار الخفية التي يظن في الظاهر أنه لا مصلحة فيها ولكني لعلمي بالأسرار المغيبة أعلم أن المصلحة في خلقها. وثالثها: أنه تعالى لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً فقالوا ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه فهذا الذي كتموا ويجوز أن يكون هذا القول سراً أسروه بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان. ورابعها: وهو قول الحكماء أن الأقسام خمسة لأن الشيء إما أن يكون خيراً محضاً أو شراً محضاً أو ممتزجاً وعلى تقدير الامتزاج فإما أن يعتدل الأمر أن أو يكون الخير غالباً أو يكون الشر غالباً أما الخير المحض فالحكمة تقتضي إيجاده وأما الذي يكون فيه الخير غالباً فالحكمة تقتضي إيجاده لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فالملائكة ذكروا الفساد والقتل وهو شر قليل بالنسبة إلى ما يحصل منهم من الخيرات فقوله: {إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } فأعرف أن خيرهم غالب على هذه الشرور فاقتضت الحكمة إيجادهم وتكوينهم. المسألة السادسة: اعلم أن في هذه الآية خوفاً عظيماً وفرحاً عظيماً أما الخوف فلأنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أحوال الضمائر فيجب أن يجتهد المرء في تصفية باطنه وأن لا يكون بحيث يترك المعصية لاطلاع الخلائق عليها ولا يتركها عند اطلاع الخالق عليها والأخبار مؤكدة لذلك. أحدها: روى عدي بن حاتم أنه عليه الصلاة والسلام قال: [حديث : يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى الجنة حتى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون عنها بحسرة ما رجع أحد بمثلها ويقولون يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا: فنودوا ذاك أردت لكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم بالمحبة مخبتين تراءون الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم هبتم الناس ولم تهابوني أجللتم الناس ولم تجلوني تركتم المعاصي للناس ولم تتركوها لأجلي كنت أهون الناظرين عليكم فاليوم أذيقكم أليم عذابي مع حرمتكم من النعيم ] تفسير : وثانيها: قال سليمان بن علي لحميد الطويل: عظني فقال إن كنت إذا عصيت الله خالياً ظننت أنه يراك فلقد اجترأت على أمر عظيم، وإن كنت ظننت أنه لا يراك فلقد كفرت. وثالثها: قال حاتم الأصم: طهر نفسك في ثلاثة أحوال: إذا كنت عاملاً بالجوارح فاذكر نظر الله إليك. وإذا كنت قائلاً فاذكر سمع الله إليك، وإذا كنت ساكتاً عاملاً بالضمير فاذكر علم الله بك إذ هو يقول: {أية : إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} تفسير : [طه: 46]. ورابعها: اعلم أنه لا اطلاع لأحد على أسرار حكمة الله تعالى، فالملائكة وقع نظرهم على الفساد والقتل فاستحقروا البشر. ووقع نظرهم على طاعة إبليس فاستعظموه، أما علام الغيوب فإنه كان عالماً بأنهم وإن أتوا بالفساد والقتل لكنهم سيأتون بعده بقولهم: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } تفسير : [الأعراف: 23] وأن إبليس وإن أتى بالطاعات لكنه سيأتي بعدها بقوله: {أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ }، ومن شأن العقل أن لا يعتمد على ما يراه وأن يكون أبداً في الخوف والوجل، فقوله تعالى: {إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } معناه أن الذي أعرف الظاهر والباطن والواقع والمتوقع وأعلم أنه ما ترونه عابداً مطيعاً سيكفر ويبعد عن حضرتي، ومن ترونه فاسقاً بعيداً سيقرب من خدمتي، فالخلق لا يمكنهم أن يخرجوا عن حجاب الجهل ولا يتيسر لهم أن يخرقوا أستار العجز فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه. ثم إنه سبحانه حقق من علم الغيب وعجز الملائكة أن أظهر من البشر كمال العبودية ومن أشد ساكني السموات عبادة كمال الكفر لئلا يغتر أحد بعمله ويفوضوا معرفة الأشياء إلى حكمة الخالق ويزيلوا الاعتراض بالقلب واللسان عن مصنوعاته ومبدعاته.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى: {سُبْحَانَكَ} أي تنزيهاً لك عن أن يعلم الغيب أحدٌ سواك. وهذا جوابهم عن قوله: «أَنْبِئُونِي» فأجابوا أنهم لا يعلمون إلا ما أعلمهم به ولم يتعاطوْا ما لا علم لهم به كما يفعله الجهال منا. و «ما» في «ما علمتنا» بمعنى الذي؛ أي إلا الذي علّمتنا؛ ويجوز أن تكون مصدرية بمعنى إلا تعليمك إيانا. الثانية: الواجب على مَن سُئل عن علم أن يقول إن لم يعلم: الله أعلم ولا أدري، اقتداء بالملائكة والأنبياء والفضلاء من العلماء، لكن قد أخبر الصادق أنّ بموت العلماء يقبض العلم؛ فيبقى ناس جُهّال يُستفتَوْن فيُفتون برأيهم فَيضِلّون ويُضلّون. وأما ما ورد من الأخبار عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين بعدهم في معنى الآية فروَى البُسْتِيّ في المسند الصحيح له عن ٱبن عمر "حديث : أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيّ البقاع شرّ؟ قال: «لا أدري حتى أسأل جبريل» فسأل جبريل؛ فقال: لا أدري حتى أسأل ميكائيل؛ فجاء فقال: «خير البقاع المساجد، وشرّها الأسواق»"تفسير : . وقال الصّديق للجَدّة: ٱرجعي حتى أسأل الناس. وكان عليّ يقول: وأَبردها على الكبد؛ ثلاث مرات. قالوا وما ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: أن يُسْأَل الرجلُ عما لا يعلم فيقول: الله أعلم. وسأل ٱبنَ عمر رجلٌ عن مسألة فقال: لا علم لي بها؛ فلما أدبر الرجل. قال ٱبن عمر: نِعم ما قال ٱبن عمر، سُئل عما لا يعلم فقال لا علم لي به! ذكره الدّارمِيّ في مسنده. وفي صحيح مسلم عن أبي عَقيل يحيى بن المتوكل صاحب بُهَيّة قال: كنت جالساً عند القاسم بن عبيد الله ويحيى بن سعيد، فقال يحيى للقاسم: يا أبا محمد إنه قبيح على مثلك عظيمٌ أن يُسأل عن شيء من أمر هذا الدّين فلا يوجد عندك منه عِلْمٌ ولا فَرَج، أو عِلْمٌ ولا مَخْرَج؟ فقال له القاسم: وعَمّ ذاك؟ قال: لأنك ٱبن إمامَيْ هُدًى: ٱبنُ أبي بكر وعمر. قال يقول له القاسم: أقْبَحُ من ذاك عند مَن عَقل عن الله أن أقول بغير علم أو آخذ عن غير ثقة. فسكت فما أجابه. وقال مالك بن أنس: سمعت ٱبن هُرْمُز يقول: ينبغي للعالم أن يُوَرّث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون أصلاً في أيديهم؛ فإذا سُئل أحدهم عما لا يدري قال: لا أدري. وذكر الهَيْثَم بن جميل قال: شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في ٱثنتين وثلاثين منها: لا أدري. قلت: ومثلُه كثيرٌ عن الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين، وإنما يحمل على ترك ذلك الرياسةُ وعدم الإنصاف في العلم. قال ٱبن عبد البَرّ: مِن بركة العلم وآدابه الإنصافُ فيه، ومن لم يُنصف لم يفهم ولم يتفهّم. روى يونس بن عبد الأعلى قال سمعت ٱبن وَهَبْ يقول سمعت مالك ابن أنس يقول: ما في زماننا شيء أقلّ من الإنصاف. قلت: هذا في زمن مالك فكيف في زماننا اليوم الذي عمّ فينا الفساد وكثر فيه الطَّغام! وطُلب فيه العلم للرياسة لا للدّراية، بل للظهور في الدنيا وغلبة الأقران بالمِراء والجدال الذي يُقْسِي القلب ويُورث الضِّغن؛ وذلك مما يحمل على عدم التقوى وترك الخوف من الله تعالى. أين هذا مما رُوي عن عمر رضي الله عنه وقد قال: لا تزيدوا في مهور النساء على أربعين أُوقِيَّة ولو كانت بنت ذي العَصبة ـ يعني يزيد بن الحُصين الحارثي ـ فمن زاد ألقيت زيادته في بيت المال؛ فقامت ٱمرأة من صَوْب النساء طويلةٌ فيها فَطَس فقالت: ما ذلك لك! قال: ولم؟ قالت لأن الله عز وجل يقول: {أية : وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئاً} تفسير : [النساء: 20] فقال عمر: ٱمرأة أصابت ورجل أخطأ! وروى وَكيع عن أبي معشر عن محمد بن كعب القُرَظِي قال: سأل رجل عليًّا رضي الله عنه عن مسألة فقال فيها؛ فقال الرجل: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا وكذا؛ فقال عليّ: أصبتَ وأخطأتُ، وفوق كل ذي عِلْمٍ عليم. وذكر أبو محمد قاسم بن أَصْبَغَ قال: لمّا رحلتُ إلى المشرق نزلت القَيْرَوان فأخذت على بكر بن حماد حديثَ مُسدّد، ثم رحلتُ إلى بَغداد ولقيت الناس، فلما ٱنصرفتُ عدتُ إليه لتمام حديث مسدّد، فقرأت عليه فيه يوماً حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنه قدم عليه قوم من مُضَرَ مِن مُجْتابِي النِّمَار فقال: إنما هو مُجْتابي الثّمار؛ فقلت إنما هو مُجتابي النمار"تفسير : ؛ هكذا قرأته على كل من قرأته عليه بالأندلس والعراق؛ فقال لي: بدخولك العراق تُعارضنا وتفخَر علينا! أو نحو هذا. ثم قال لي: قم بنا إلى ذلك الشيخ ـ لشيخ كان في المسجد ـ فإن له بمثل هذا عِلماً؛ فقمنا إليه فسألناه عن ذلك فقال: إنما هو مُجْتابي النّمار، كما قلت. وهم قوم كانوا يلبسون الثياب مشققة، جيوبُهم أمامَهم. والنّمار جمع نمرة. فقال بكر بن حماد وأخذ بأنفه: رَغِم أنْفِي للحق، رَغِم أنفي للحق. وٱنصرف. وقال يزيد بن الوليد بن عبد الملك فأحسن:شعر : إذا ما تحدّثتُ في مجلسٍ تَناهَى حديثي إلى ما عَلِمتُ ولم أَعْدُ علمي إلى غيره وكان إذا ما تناهَى سَكتُّ تفسير : الثانية: قوله تعالى: {سُبْحَانَكَ} «سبحان» منصوب على المصدر عند الخليل وسيبويه، يؤدّي عن معنى نُسَبِّحك تسبيحاً. وقال الكسائي: هو منصوب على أنه نداء مضاف. و {ٱلْعَلِيمُ} فعيل للمبالغة والتكثير في المعلومات في خلق الله تعالى. و {ٱلْحَكِيمُ} معناه الحاكم؛ وبينهما مزيد المبالغة. وقيل معناه المُحكم ويجيء الحكيم على هذا من صفات الفعل، صُرف عن مُفْعِل إلى فَعِيل، كما صُرف عن مُسْمِع إلى سَميع ومُؤلِم إلى أليم؛ قاله ٱبن الأنباري. وقال قوم: «الحكيم» المانع من الفساد؛ ومنه سُمِّيت حَكَمةُ اللِّجام؛ لأنها تمنع الفرس من الجري والذهاب في غير قصد. قال جرير:شعر : أَبني حَنِيفةَ أَحْكموا سُفهاءَكم إنّي أخافُ عليكمُ أن أَغْضَبَا تفسير : أي ٱمنعوهم من الفساد. وقال زهير:شعر : القائد الخيلَ مَنْكوباً دوابرها قد أُحْكِمَتْ حكَماتِ القِدّ والأَبَقَا تفسير : القدّ: الجلد. والأَبَق: القُنَّب. والعرب تقول: أحْكم اليتيم عن كذا وكذا؛ يريدون منعه. والسورة المُحْكَمة: الممنوعة من التغيير وكل التبديل، وأن يُلحق بها ما يخرج عنها، ويزاد عليها ما ليس منها؛ والحِكمة من هذا؛ لأنها تمنع صاحبها من الجهل. ويقال: أَحْكَم الشيء إذا أتقنه ومنعه من الخروج عما يريد. فهو مُحْكم وحكيم على التكثير.
البيضاوي
تفسير : {قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} اعتراف بالعجز والقصور، وإشعار بأن سؤالهم كان استفساراً ولم يكن اعتراضاً، وأنه قد بان لهم ما خفي عليهم من فضل الإنسان والحكمة في خلقه، وإظهار لشكر نعمته بما عرفهم وكشف لهم ما اعتقل عليهم، ومراعاة للأدب بتفويض العلم كله إليه. وسبحان: مصدر كغفران ولا يكاد يستعمل إلا مضافاً منصوباً بإضمار فعله، كمعاذ الله. وقد أُجْرِيَ علماً للتسبيح بمعنى التنزيه على الشذوذ في قوله: سبحان من علقمة الفاخر. وتصدير الكلام به اعتذار عن الاستفسار والجهل بحقيقة الحال، ولذلك جعل مفتاح التوبة فقال موسى عليه السلام: {أية : سُبْحَـٰنَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ }تفسير : [الأعراف: 143] وقال يونس: {أية : سُبْحَـٰنَكَ إِنّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ }تفسير : [الأنبياء: 87] {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ} الذي لا يخفي عليه خافية. {ٱلْحَكِيمُ } المحكم لمبدعاته الذي لا يفعل إلا ما فيه حكمة بالغة. وأنت فصل، وقيل: تأكيد للكاف كما في قولك: مررت بك أنت، وإن لم يجز: مررت بأنت، إذ التابع يسوغ فيه ما لا يسوغ في المتبوع، ولذلك جاز: يا هذا الرجل، ولم يجز: يا الرجل، وقيل: مبتدأ خبره ما بعده والجملة خبر إن. {قَالَ يَـاءادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ} أي: أعلمهم، وقرىء بقلب الهمزة ياء وحذفها بكسر الهاء فيهما. {فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} استحضار لقوله تعالى: {أية : إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 30] لكنه جاء به على وجه أبسط ليكون كالحجة عليه، فإنه تعالى لما علم ما خفي عليهم من أمور السماوات والأرض، وما ظهر لهم من أحوالهم الظاهرة والباطنة علم ما لا يعلمون، وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى، وهو أن يتوقفوا مترصدين لأن يبين لهم، وقيل: {مَا تُبْدُونَ} قولهم: أتجعل فيها من يفسد فيها. وما {تَكْتُمُونَ } استبطانهم أنهم أحقاء بالخلافة، وأنه تعالى لا يخلق خلقاً أفضل منهم. وقيل: ما أظهروا من الطاعة، وأسر إبليس منهم من المعصية، والهمزة للإنكار دخلت حرف الجحد فأفادت الإثبات والتقرير. واعلم أن هذه الآيات تدل على شرف الإنسان، ومزية العلم وفضله على العبادة، وأنه شرط في الخلافة بل العمدة فيها، وأن التعليم يصح إسناده إلى الله تعالى، وإن لم يصح إطلاق المعلم عليه لاختصاصه بمن يحترف به، وأن اللغات توقيفية، فإن الأسماء تدل على الألفاظ بخصوص أو عموم، وتعليمها ظاهر في إلقائها على المتعلم مبيناً له معانيها، وذلك يستدعي سابقة وضع، والأصل ينفي أن يكون ذلك الوضع ممن كان قبل آدم فيكون من الله سبحانه وتعالى، وأن مفهوم الحكمة زائد على مفهوم العلم وإلا لتكرر قوله:{إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} وأن علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة، والحكماء منعوا ذلك في الطبقة العليا منهم، وحملوا عليه قوله تعالى: {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات: 164] وأن آدم أفضل من هؤلاء الملائكة لأنه أعلم منهم، والأعلم أفضل لقوله تعالى: {أية : هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 9] وأنه تعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ } تنزيهاً لك عن الاعتراض عليك {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } إياه {إِنَّكَ أَنتَ } تأكيد للكاف {ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ } الذي لا يخرج شيء عن علمه وحكمته.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْعَلِيمُ} العالم من غير تعليم {الْحَكِيمُ} المحكم لأفعاله، أو المصيب للحق، ومنه الحاكم لإصابته، أو المانع من الفساد، وحكمة اللجام تمنع الفرس من شدة الجري. قال: شعر : أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {قَالُواْ سُبْحَانَكَ...} (أتى) (بالتنزيه) المقتضي لنفي ما (قد) يتوهم من (آن) الله تعالى طلب منهم الجواب عما علم أنّهم جاهلون به والواحد (منا) إذا سأل صاحبه عن مسألة يعلم منه أنّه (يجهلها) فإنه يتوهم فيه أنّه إنّما سأله اختبارا وتعجيزا له واستحقارا به. فقالوا: ننزهك (عن) أن ينسبك أحد لمثل هذا ويتوهم فيك شيئا منه. وأيضا يكون التسبيح نفيا للشبهة العارضة في تكليف ما لا يطاق لأن مذهبنا جوازه، وأن الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ومنعه المعتزلة لهذه الشبهة وهي حجة تكليف الله الخلق بما يعلم أنهم لا يقدرون عليه. قيل لابن عرفة: لعل مراد الملائكة تتزيهه عن عدم العلم الثابت لهم؟ فقال: ما قلت لكم أنسب. قوله تعالى: {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} قال ابن عرفة: الوصف بالحكيم إشارة إلى الوجه الذي اختص به (آدم) بالعلم دونهم فمعناه: أنت تضع الأشياء في محلها أو يكون المراد (الامتنان) بالعلم ودليل العلم وهو الحكمة لأن الأصوليين عدوها من أسباب العلم.
ابن عادل
تفسير : "سبحان": اسم مصدر، وهو التسبيح، وقيل: بل هو مصدر؛ لأنه سمع له فعلٌ ثلاثيٌّ، وهو من الأسماء اللاَّزمة للإضافة، وقد يفرد، وإذا أفرد، منع الصَّرف للتعريف، وزيادة الألف والنون؛ كقوله: [السريع] شعر : 371- أَقُولُ لَمَّا جَاءَنِي فَخْرُهُ سُبْحَانَ............................ تفسير : وَقَدْ جَاءَ مُنَوَّناً كقوله: [البسيط] شعر : 372- سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَاناً نَعُوذُ بِهِ وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجُمُدُ تفسير : فقيل: صرف ضرورة. وقيل: هو بمنزلة "قَبْلُ" و "بعدُ" إن نوي تعريفه بقي على حاله، وإن نكر أعرب منصرفاً، وهذا البيت يساعد على كونه مصدراً لا اسم مصدر، لوروده منصرفاً. ولقائل القول الأول أن يجيب عنه بأن هذا نكرة لا معرفة، وهو من الأسماء اللازمة النصب على المصدرية، فلا ينصرف والناصب له فعل مقدر لا يجوز إظْهَاره، وقد روي عن الكَسائِيّ أنه جعله مُنَادى تقديره: يا سُبْحَانك ومنعه جمهور النحويين وإضافته - هُنَا - إلى المفعول؛ لأن المعنى: نسبحك نحن. وقيل: بل إضافته للفاعل، والمعنى تنزّهت وتباعدت من السُّوء. وسبحانك العامل فيه في مَحَلّ نصب بالقول. قوله: {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} كقوله: {أية : لاَ رَيْبَ فِيهِ} تفسير : [البقرة:2] و "إلاّ" حرف استثناء، و "ما" موصولة، و "علمتنا" صلتها، وعائدها محذوف، على أن يكون "علم" بمعنى "معلوم"، ويجوز أن تكون مصدرية، وهي في محلّ نصب على الاستثناء، ولا يجوز أن تكون منصوبةً بالعلم الذي هو اسم "لا"؛ لأنه إذا عمل كان معرباً. وقيل: في محلّ رفع على البَدَلِ من اسم "لا" على الموضع. وقال ابن عطية: هو بدلٌ من خبر التبرئة كقولهم: "لا إله إلا الله"، وفيه نظر؛ لأن الاستثناء إنَّمَا هو من المحكوم عليه بقيد الحكم لا من المحكوم به. ونقل هو عن "الزّهراوي" أن "ما" منصوبةٌ بـ "علمتنا" بعدها، وهذا غير معقول؛ لأنه كيف ينتصب الموصول بصلته وتعمل فيه؟ قال أبو حيان: إلاّ أن يتكلّف له وجه بعيد، وهو أن يكون استثناء منقطعاً بمعنى لكن، وتكون "ما" شرطية، و "علمتنا" ناصب لها، وهو في محل جزم بها، والجواب محذوف، والتقدير: "لكن ما علمتنا علمناه". قوله: {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ}. فصل الضمير يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون تأكيداً لاسم "إنَّ" فيكون منصوب المحل، وأن يكون مبتدأ، وخبره ما بعده، والجملة خبر "إنَّ"، وأن يكون فصلاً، وفيه الخلاف المشهور. وهل له محل من الإعراب أم لا؟ وإذا قيل: إن له محلاًّ، فهل بإعراب ما قبله كما قال الفراء، فيكون في محل نصب، أو بإعراب ما بعده فيكون في محل رفع كقول الكسائي؟ قوله: "الحكيم" خبر ثانٍ أو صفة "العليم"، وهما "فعيل" بمعنى "فاعل" وفيهما من المُبالَغة ما ليس فيه. و "الحكيم" لغة: الإتقان، والمنع من الخروج عن الإرادة، ومنه حَكَمَةُ الدابة؛ وقال جَرِيرٌ": [الكامل] شعر : 373- أَبَنِي حَنِيفَةَ أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا تفسير : وقدم "العليم" على "الحكيم"؛ لأنه هو المتّصل به في قوله: "وعلم"، وقوله: "لا عِلْمَ لنا" فناسب اتصاله به؛ ولأن الحِكْمَةَ ناشئةٌ عن العلم وأثر له، وكثيراً ما تقدّم صفة العلم عليها. والحكيم صفةُ ذاتٍ إن فسر بذي الحِكْمَةِ، وصفة فعل إن فسر بأنه المحكم لصنعته فكأن الملائكة قالت: أنت العالم بكل المعلومات، فأمكنك تعليم آدم، وأنت الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه. وعن "ابن عباس" أن مراد الملائكة من "الحكيم" أنه هو الذي حكم بجعل آدم - عليه الصلاة والسلام - خليفةً في الأرض. فصل احتج أَهْلُ الإسلام بهذه الآية على أنه لا سَبِيْلَ إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله - تعالى - وأنه لا يمكن التوصُّل إليها بعلم النجوم والكهانة، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [الأنعام: 59] وقوله: {أية : عَالِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً} تفسير : [الجن: 26]. قوله: {يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بأسْمَائِهِمْ}. آدم: مبني على الضم؛ لأنه مفرد معرفة، وكل ما كان كذلك بُني على ما كان يرفع به، وهو في محلّ نصب لوقوعه موقع المَفْعول به، فإن تقديره: ادعوا آدم، وبني لوقوعه موقع المُضْمَرِ، والأصل: يا إياك كقولهم: "يَا إيَّاكَ قَدْ كَفَيْتُكَ"، و "يا أَنْتَ"؛ كقوله [الرجز] شعر : 374- يَا أَبْجَرُ بْنَ أَبْجَرٍ يَا أَنْتَا أَنْتَ الَّذِي طَلَّقْتَ عَامَ جُعْتا قَدْ أَحْسَنَ اللهُ وَقَدْ أَسَأْتَا تفسير : و "يَا إِيَّاكَ" أقيس من "يا أنت"؛ لأن الموضع موضع نصب، فـ "إياك" أليق به، وتحرزت بالمفرد عن المضاف نحو: يا عبد الله، ومن الشبيه به، وهو عبارة عما كان الثَّانِي فيه من تمام معنى الأوّل نحو: "يا خيراً من زيد" و "يا ثلاثةً وثلاثين"، وبالمعرفة من النكرة المقصودة؛ نحو قوله: [الطويل] شعر : 375- فَيَا رَاكِباً إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ نَدَامَايَ مِنْ نَجْرَانَ أَنْ لاَ تَلاَقيَا تفسير : فإن هذه الأنواع الثلاثة معربة نصباً. "أنبئهم" فعل أمر، وفاعل، ومفعول، والمشهور "أنبئهم" مهموز مضموماً، وقرىء بكسر الهاء. ويروى عن "ابن عامر"، كأنه أتبع الهاء لحركة "الباء"، ولم يعتد بـ "الهمزة"، لأنها ساكنةٌ، فهي حاجز غير حَصِيْنٍ. وقرىء بحذف الهمزة، ورُويت عن "ابن كثير"، قال "ابن جنّيّ" هذا على إبدال الهمزة ياء، كما تقول: أنبيت كأعطيت، قال: وهذا ضعيف في اللّغة؛ لأنه بدلٌ لا تخفيف، والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة الشعر. وهذا من أبي الفَتْحِ غير مرضٍ، لأن البدل جاء في سَعَةِ الكلام، حكى "الأخفش" في "الأوسط" أنهم يقولون في أَخْطَأَت: أَخْطَيْت، وفي توضأت: توضيت. قال: وربما حَرّكوه إلى "الواو"، وهذا قليل قالوا: "رَفَوْت" في "رَفَأْت"، ولم أسمع "رَفَيْت". إذا تقرر ذلك، فللنحويين في صرف العلّة المبدل من الهمزة نظر في أنه هل يجرى مجرى العلّة الأصلي أم ينظر إلى أصله؟ ورتبوا على ذلك أحكاماً، ومن جملتها: هل يحذف جزماً كالحرف غير المبدل أم لا نظراً إلى أصله؟ واستدل بعضهم على حذفه جزماً بقول زهير: [الطويل] شعر : 376- جَرِيءٍ مَتَى يُظْلَمْ يُعَاقِبْ بِظُلْمِهِ سَرِيعاً وَإِلاَّ يُبْدَ بِالظُّلْمِ يَظْلِمِ تفسير : لأن أصله: "يبدأ" بالهمزة، فكذلك هذه الآية أُبدلت الهمزة ياء، ثم حذفت حملاً للأمر على المجزوم. وقرىء: "أَنْبِيهُمْ" بإثبات "الياء" نظراً إلى "الهمزة" وهل تضم "الهاء" نظراً للأصل أم تكسر نظراً للصورة؟ وجهان منقولان عن "حمزة" عند الوقف عليه. و "بِأَسْمَائِهِمْ": متعلّق بـ "أَنْبِئْهُمْ"، وهو المفعول الثاني كما تَقَدّم، وقد يتعدّى بـ "عن" نحو: "أنبأته عن حاله"، وأما تعديته بـ "من" في قوله: {أية : قَدْ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} تفسير : [التوبة: 94] فسيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. قوله: {فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِِ}. والمراد من هذا الغيب أنه كان عالماًَ بأحوال آدم قبل نطقه، وهذا يدل على أنه سبحانه يعلم الأشياء قبل حدوثها، وذلك يدلّ على بطلان مذهب "هشام بن الحكم" في أنه لا يعلم الأشياء إلاَّ عند وقوعها، فإن قيل: قوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [البقرة: 3] يدلّ على أنّ العبد قد يعلم الغيب؛ لأن الإيمان بالشَّيء فرع العلم به، وهذا الآية مشعرة بأن علم الغيب ليس إلا لله تعالى، وأن كل من سواه فهم خَالُونَ عن علم الغيب. والجواب: ما تقدم في قوله: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [البقرة: 3]. قوله: {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ} "قال" جواب "فلما"، والهمزة للتقرير إذا دخلت على نفي تقرير قررته، فيصير إثباتاً كقوله: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ} تفسير : [الشرح: 1] أي: قد شرحنا. و "لم" حرف جزم، و "أقل": مجزوم بها حذفت عينه، وهي "الواو" لالتقاء الساكنين، و "لكم" متعلّق به، و "اللام" للتبليغ، والجُمْلَة من قوله: "إني أعلم" في محلّ نصب بالقول. وقد تقدم نظائر هذا التركيب. قوله: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} كقوله {أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} من كون "أعلم" فعلاً مضارعاً، و "أفعل" بمعنى "فاعل" أو "أفعل" تفضيل، وكون ما في محلّ نصب أو جر، وقد تقدم. والظاهر: أن جملة قوله: "وأعلم" معطوفة على قوله: {إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ}، فتكون في محلّ نصب بالقول. وقال "أبو البقاء": إنه مستأنف، وليس محكياً بالقول: ثم جوَّز فيه ذلك. و "تبدون" وزنه: "تفعون"؛ لأن أصله: تبدوون مِثْل: تخرجون، فأعلّ بحذف "الواو" بعد سكونها، و "الإبداء": الإظهار، و "الكَتْم" الإخفاء؛ يقال: بَدَا يَبْدُو بَدَاء؛ قال: [الطويل] شعر : 377-......................... بَدَا لَكَ فِي تِلْكَ القَلُوصِ بَدَاءُ تفسير : وقوله: {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمونَ} عطف على "ما" الأولى بحسب ما تكون عليه من الإعراب. روي عن ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن جبير: أن قوله: "ما تُبْدُون" أراد به قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيْهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا} وبقوله: {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُون} أراد به ما أسر "إبليس" في نفسه من الكبر وألاَّ يسجد. قال "ابن عطية": وجاء "تكتمون" للجماعة، والكاتم واحدٌ في هذا القول على تجوّز العرب واتِّسَاعها، كما يقال لقوم قد جَنَى منهم واحد: أنتم فعلتم كذا، أي: منكم فاعله، وهذا مع قَصْد تعنيف، ومنه قوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ} تفسير : [الحجرات: 4] وإنما ناداه منهم عُيَيْنَةُ. وقيل: "الأقرع". وقيل: {أية : إِنِيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة:30] من الأمور الغائبة، والأسرار الخفية التي يظن في الظاهر أنه لا مصلحة فيها، ولكن لعلمي بالأسرار المغيبة أعلم أنّ المصلحة في خلقها. وقيل إنه - تعالى - لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً قالوا: ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه، فهذا الذي كَتَمُوا، ويجوز أن يكون هذا القول سرًّا أسروه بينهم، فأبداه بعضهم لبعض، وأسروه عن غيرهم، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان. وقالت طائفة: الإبْدَاء والكَتْمُ المراد به العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع، وهذه الآية تدلّ على فضيلة العلم.
ابو السعود
تفسير : {قَالُواْ} استئنافٌ واقعٌ موقعَ الجواب كأنه قيل: فماذا قالوا حينئذ، هل خرجوا عن عُهدة ما كُلفوه أو لا؟ فقيل: قالوا {سُبْحَـٰنَكَ} قيل: هو علمٌ للتسبـيح ولا يكاد يستعملُ إلا مضافاً وقد جاءَ غيرَ مضافٍ على الشذوذِ غيرَ منصرفٍ للتعريف والألفِ والنون المزيدتين كما في قوله: [السريع] شعر : [أقول لمَّا جاءني فَخْرُهُ] سُبحانَ مِنْ علقمَةَ الفاخرِ تفسير : وأما في قوله: [البسيط] شعر : سبحانه ثم سُبحاناً نعوذ به [وقبلنا سَبَّحَ الجوديُّ والجمد] تفسير : فقيل: صَرَفه للضرورة، وقيل: إنه مصدر منكرٌ كغفران، لا اسمُ مصدر، ومعناه على الأول نسبحك عما لا يليق بشأنك الأقدسِ من الأمور التي من جملتها خلوُّ أفعالِك من الحِكَم والمصالحِ وعنَوا بذلك تسبـيحاً ناشئاً عن كمال طُمَأنينة النفسِ والإيمان باشتمال استخلاف آدمَ عليه السلام على الحِكَم البالغة، وعلى الثاني تنزهّتَ عن ذلك ناشئاً عن ذاتِك، وأرادوا به أنهم قالوه عن إذعان لمّا علِموا إجمالاً بأنه عليه السلام يُكلَّف ما كُلِّفوه، وأنه يقدِر على ما قد عجزوا عنه مما يتوقف عليه الخلافة، وقوله عز وعلا: {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} اعتراف منهم بالعجز عما كُلِّفوه، إذ معناه لا علم لنا إلا ما علمتناه بحسب قابليتِنا من العلوم المناسبة لعالمنا ولا قُدرة بنا على ما هو خارج عن دائرة استعدادِنا حتى لو كنا مستعدّين لذلك لأفَضْتَه علينا، و(ما) في ما علمتنا موصولةٌ حذف من صلتها عائدُها أو مصدرية، ولقد نفَوْا عنهم العلمَ بالأسماء على وجه المبالغة حتى لم يقتصِروا على بـيان عدمِه بأن قالوا مثلاً لا علم لنا بها، بل جعلوه من جُملة ما لا يعلمونه، وأشعروا بأن كونَه من تلك الجملة غنيٌّ عن البـيان {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ} الذي لا يخفىٰ عليه خافية، وهذا إشارةٌ إلى تحقيقهم لقوله تعالى: {أية : إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة، الآية30] {ٱلْحَكِيمُ} أي المحكِمُ لمصنوعاته الفاعلُ لها حسبما تقتضيه الحِكمةُ والمصلحة وهو خبرٌ بعد خبر، أو صفةٌ للأول، و(أنت) ضميرُ الفصل لا محل له من الإعراب، أو له محل منه مشارِكٌ لما قبله كما قاله الفرّاء، أو لما بعده كما قاله الكسائي، وقيل: تأكيد للكاف كما في قولك: مررتُ بك أنت، وقيل: مبتدأ خبرُه ما بعده، والجملة خبر إن، وتلك الجملةُ تعليلٌ لما سبق من قصر علمِهم بما علّمهم الله تعالى وما يفهم من ذلك من علم آدمَ عليه السلام بما خفيَ عليهم، فكأنهم قالوا أنت العالمُ بكل المعلوماتِ التي من جملتها استعدادُ آدمَ عليه السلام لما نحن بمعزلٍ من الاستعداد له من العلوم الخفيةِ المتعلقةِ بما في الأرضِ من أنواع المخلوقات التي عليها يدور فَلَكُ خلافةِ الحكيمِ الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحِكمةُ ومن جملته تعليمُ آدمَ عليه السلام ما هو قابلٌ له من العلوم الكليةِ والمعارفِ الجزئيةِ المتعلقة بالأحكام الواردةِ على ما في الأرض، وبناءُ أمرِ الخلافةِ عليها.
القشيري
تفسير : قدَّموا الثناء على ذكر ما اعتذروا به، ونزَّهوا حقيقة حُكْمِه عن أن يكون يَعرِض وهم المعترضون، يعني لا علم لنا بما سألتنا عنه، ولا يتوجَّه عليكَ لوم في تكليف العاجز بما علمتَ أنه غير مستطيع له، إنك أنت العليم الحكيم أي ما تفعله فهو حقٌّ صِدْقٌ ليس لأحد عليكَ حكمٌ، ولا منك سَفَهٌ وقبح.
اسماعيل حقي
تفسير : {قالوا} استئناف واقع موقع الجواب كانه قيل فماذا قالوا حينئذ هل خرجوا عن عهدة ما كلفوه اولا فقيل قالوا {سبحانك} اى نسبحك عما لا يليق بشأنك الاقدس من الامور التى من جملتها خلو افعالك من الحكم والمصالح وهى كلمة تقدم على التوبة قال موسى عليه السلام {أية : سبحانك تبت إليك}تفسير : [الأعراف: 143] وقال يونس {أية : سبحانك إنى كنت من الظالمين} تفسير : [الأنبياء: 87]. وسبحان اسم واقع موضع المصدر لا يكاد يستعمل الا مضافا فاذا افرد عن الاضافة كان اسما علما للتسبيح لا ينصرف للتعريف والالف والنون فى آخره {لا علم لنا الا ما علمتنا} اعتراف منهم بالعجز عما كلفوه واشعار بان سؤالهم كان استفسارا ولم يكن اعتراضا اذ معناه لا علم لنا الا ما علمتنا بحسب قابليتنا من العلوم المناسبة لعالمنا ولا قدرة لنا على ما هو خارج عن دائرة استعدادنا حتى لو كنا مستعدين لذلك لأفضته علينا وما مصدرية اى الا علما علمتناه ومحله رفع بدل من موضع لاعلم كقولك لا اله الا الله {انك انت} ضمير فصل لا محل له من الاعراب {العليم} الذى لا يخفى عليه خافية وهذه اشارة الى تحقيقهم لقوله تعالى {أية : إنى أعلم ما لا تعلمون}تفسير : [البقرة: 30] {الحكيم} المحكم لمبتدعاته والذى لا يفعل الا ما فيه حكمة بالغة. وافادت الآية ان العبد ينبغى له ان لا يغفل عن نقصانه وعن فضل الله واحسانه ولا يأنف ان يقول لا اعلم فيما لا يعلم ولا يكتم فيما يعلم. وقالوا لا ادرى نصف العلم وسئل ابو يوسف القاضى عن مسئلة فقال لا ادرى فقالوا له ترتزق من بيت المال كل يوم كذا كذا ثم تقول لا ادرى فقال انما ارتزق بقدر علمى ولو اعطيت بقدر جهلى لم يسعنى مال الدنيا – وحكى – ان عالما سئل عن مسئلة وهو فوق المنبر فقال لا ادرى فقيل له ليس المنبر موضع الجهال فقال انما علوت بقدر علمى ولو علوت بقدر جهلى لبلغت السماء.
الطوسي
تفسير : المعنى: هذه الآية فيها اخبار من الله تعالى عن ملائكته بالرجوع اليه، والأوبة، والتسليم انهم لا يعلمون إلا ما علمهم الله. وقوله: {سبحانك} نصب على المصدر ومعناه نسبحك وسبحانك مصدر لا ينصرف. وقدمنا في ما مضى أن معنى التسبيح التنزيه ومعناه ها هنا تبرياً منهم أن يعلموا الغيب واقراراً أنه المختص به تعالى دون غيره. وقوله: {العليم الحكيم} معنى عليم أنه عالم وفيه مبالغة ومن صفات ذاته واذا كانت كذلك، افادت انه عالم بجميع المعلومات ويوصف به في ما لم يزل، لأن ذلك واجب في العالم نفسه. وقوله: {الحكيم} يحتمل امرين: احدهما ـ انه عالم، لأن العالم بالشيء يسمى بأنه حكيم فعلى هذا يكون من صفات الذات مثل العالم وقد بيناه. والثاني ـ ان يكون من صفات الافعال ومعنى ذلك أن افعاله محكمة متقنة وصواب ليس فيها وجه من وجوه القبح ولا التفاوت ولا يوصف بذلك في ما لم يزل. وروي عن ابن عباس انه قال: العليم الذي كمل علمه. والحكيم: الذي كمل في حكمته وقد قيل في معنى حكيم: انه المانع من الفساد ومنه سميت حكمة اللجام لأنها تمنع الفرس من الجري الشديد قال جرير: شعر : أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم ان اغضبا تفسير : أي امنعوهم. والاحكام والاتفاق والاتساق والانتظام متقاربة. والحكمة. نقبض السفه يقال: حكم حكما واحكم إحكاما. ويقال: أحكم فلان عمله إذا بالغ فيه فاصاب حقيقته والحكمة هي التي تقف بك على مرّ الحق الذى لا يخلطه باطل، والصدق الذي لا يشوبه كذب ومنه قوله: {أية : حكمة بالغة} تفسير : والحكم بين الناس هو الذي يرضى به ليقف الاشياء مواضعها ومنه قوله: {أية : فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها}تفسير : والحاكم القاضي بين الناس، وليقفهم على الحق ويقال: رجل حكيم اذا كان ذلك شانه وكانت معه اصول من العلم والمعرفة، واذا حكم بين الرجلين يقال: حكم يحكم واذا صار حكيماً قيل: حكم يحكم وامر مستحكم اذا لم يكن فيه مطعن. وفي الحديث في رأس كل عبد حكمة اذا همّ بسيئة وشاء الله ان يقدعه بها قدعة يعني منعه والحكم في الانسان هي العلم الذى يمنع صاحبه من الجهل ومعنى قول الملائكة {سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا} يحتمل امرين: احدهما ـ ما قدمنا. وهو قول ابن عباس قال: {سبحانك} تنزيهاً لله من أن يكون احد يعلم الغيب سواه. والثاني ـ انهم أرادوا أن يخرجوا مخرج التعظيم لله. فكأنهم قالوا: تنزيهاً لك عن القبائح. فعلى هذا الوجه يحسن ـ وإن لم يعلقه بعلم الغيب كما علق في الأول ـ وفي الناس من استدلّ بهذه الآية على بطلان الأحكام في النجوم. وهذا يمكن ان يكون دلالة على من يقول: إنها موجبات لا دلالات. فأما من يقول: إنها دلالات على الأحكام نصبها الله. فانه يقول: نحن ما علمنا إلا ما علمنا الله، إنه الذي جعل النجوم أدلة لنا. كما أن ما علمناه استدلال غير ضرورة مضاف إليه ايضاً من حيث نصب الدلالة عليه. واستدل جماعة من المفسرين بهذه الآية، والآيتين قبلها على صدق النبي (صلى الله عليه وسلم) وجعلوها من جملة معجزاته إذ كان إخبارا بما لا تعلمه العرب ولا يوصل إليه إلا بقراءة الكتب والنبي (عليه السلام) لم يعرف بشيء من ذلك مع العلم بمنشئه ومبتدء أمره ومنتهاه. وهذا يمكن أن يذكر على وجه التأكيد والتقوية، لآياته ومعجزاته من غير ان يكون لو انفرد لكفى في باب الدلالة. لأن لقائل أن يقول: إنه قرأ الكتب سراً، واخذ عمّن قرأها خفياً فلا طريق للقطع على ذلك. وانما تغلب في الظن. فان قيل: ما الفائدة في الجواب بقولهم: {لا علم لنا إلا ما علمتنا}؟ قلنا: لو اقتصروا على قولهم: {لا علم}، لكان كافيا، لكن أرادوا أن يضيفوا إلى ذلك التعظيم والاعتراف بأن جميع ما يعلمونه من تعليمه، وان هذا ليس من جملة ذلك، واختصار ذلك أدل على الشكر لنعمه. وقيل في معنى {عليم} امران: احدهما ـ انه عليم بغير تعليم بدلالة انهم اثبتوا لله ما نفوه عن انفسهم بقولهم: {لا علم لنا إلا ما علمتنا} أي نحن معَّلمون وانت العليم غير المعَّلم. والثاني ـ انه العليم الحكيم. وكلاهما حسن. والأول احسن، لأنه اكثر فائدة، واولى في تقابل البلاغة وقد تضمنت الآية الدلالة عليه انه لا علم له الا ما علمه الله. اما بالضرورة وإما بالدلالة.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : لمّا علموا قصورَهم عن معرفة الأسماء وحقائق ما هي خارجة عن مقامهم ونشأتهم، اعترفوا بالعجز، وأقرّوا بالقصور. [علوم الملائكة، وفضل الإنسان عليهم] واعلم أن العلوم بعضها فطريّة، وبعضها كسبيّة، وبعضها موهبيّة. والعلوم الفطريّة؛ كعلم الشيء بذاته، وصفاته اللازمة لذاته، وبأفعاله الناشئة عن ذاته، وبفاعله من الجهة التي هي وجهه الخاصّ إليه، وبه. والعلمان الآخران لا يخلو كل منهما من سعي العبد في تحصيله واجتهاده في ابتغاء ذلك، سواء كان بالفكر، كما في طريقة النظّار، أو بالتصفية للباطن والتطهير له عن الشوائب العاديّة، كما في طريقة أولي الأبصار. وعلوم الملائكة من قبيل القسم الأول، لعدم إمكان التغيّر والاستحالة من طورٍ إلى طور فيهم، ولا لها كمال منتظَر، ولا تجدّد أحوال ولا تهيّؤ واستعداد من جانب القابل المتبدّل، ولا حيثيّة كماليّة إلاّ ما حصلت لهم من جهة المبدِع الفاعل؛ وإليه الإشارة بقوله [تعالى]: {لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ}. والمقصود أنّ علوم الملائكة منحصرة فيما يكون حصولها لهم بحسب الفطرة الأولى، من أوائل علومهم الحاصلة من الأسباب الفاعلية من غير مداخلة قابل، أو تعمّل، أو اكتساب، أو استعمال للقوّة القابليّة - إما بالحدس أو بالرويّة -، وإلاّ فجميع العلوم ليست إلاّ بتعليم الله من غير اختصاص لعلومهم بذلك. والغرض أن الإنسان مختصٌّ متميّز عن الملائكة وغيرهم بجامعيّة العلوم والنشآت، ومظهريّة جميع الأسماء والصفات، والانتقال من أسفل سافلين إلى أعلى العليّين، لأجل لحوق المزائلة عمّا كان أولاً، وحصول الموت الطبيعي أو الإرادي له عن كلّ نشأة، للانتقال به إلى نشأة أُخرى فوقها. ومثل هذه الاستحالات والانقلابات، لا توجد في غيره - سيّما الملائكة العلويّة -، فمنهم سجودٌ لا يركعون، ومنهم ركوعٌ لا ينتصبون، وصافّون لا يتزايلون، ومسبّحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول. ولا فترة الأبدان، هكذا في كلام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة. والثبات على حالة واحدة - وإن كان معدوداً من صفات الكمال، وتشبّهاً بالمبدء الفعّال -، إلاّ إنّه يمنع من المزيد، ويحبس العبد على الحاضر العتيد، والتجدّد في الأحوال - وإن كان معدوداً من صفات النقص، كالموت والعدم والقوّة -، إلاّ إنّه كالموت الذي هو تحفة المؤمن، قد يبلغ بالرجال من أدنى المراتب إلى أرفع الأحوال وأعلى درجات الكمال، وبهذا يفوق الإنسان على غيره. والملائكة عليهم السلام، لمّا بَان لهم من فضل الإنسان، وجهة فضيلته على سائر الأكوان، وعلموا وجه الحكمة في ايجاده واخراجه من مكامن القوّة والإمكان، ومطاوي الأفلاك والأركان، فعظّموا جلال الحقّ، ومجّدوه وسبّحوه تعجّباً وشكراً لنعمته، بما عرّفهم من مكنون علمه، وكشف لهم عن مرآة جماله وجلاله، ومجلى أحوال صفاته وأنوار كماله. و "سُبْحان": مصدر كغُفُران، ولا يكاد يستعمل إلا مضافاً منصوباً باضمار فعله كـ "معاذ الله"، وقد أجري علماً للتسبيح بمعنى التنزيه على الشذوذ. وقيل: تصدير الكلام به، اعتذار عمّا وقع لهم من الاستفسار والجهل بحقيقة الحال، إشعاراً بأن سؤالهم لم يكن اعتراضاً. وقد جعلت هذه الكلمة مفتاح التوبة والإنابة، فقال موسى - صلوات الله على نبيّنا وآله وعليه -: {أية : سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف:143]. وقال يونس عليه السلام: {أية : سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء:87]. وكذا في قوله تعالى تعليماً لعباده: {أية : مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا سُبْحَانَكَ هَـٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النور:16]. وفي هذه الآية دلالة على أنّ العلم وسائر الكمالات فائضةٌ من الله، وهو المعطي لها؟ سواء كان على طريقة الإبداع - كما في أكثر علوم الملائكة -، أو على طريقة التكوين بحسب القوابل والأوقات - كما في أكثر علوم الناس -. وقوله: {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ}، إشعار بأن معطي الكمال الذي لا يوجب تكثّراً ولا تغيّراً، أَوْلىٰ بذلك الكمال، وكذلك العلم والحكمة، فإنّ كلاًّ منهما صفة كماليّة لمطلق الوجود، ولا يقتضي عروضه للشيء تجسّماً ولا تكثّراً ولا تخصّصاً بأمر جزئي أو انفعال مادي، فإذا وجد شيء منهما في المخلوق والمبدع، فوجوده في الخالِق المبدع أَوْلىٰ وأليق وأشدّ وأوثق. فهو العليم الذي لا تخفى عليه خافية، والحكيم الذي يفعل كل شيء لحكمة وغاية، لا بمجرّد إرادة جزافيّة لا غاية لها، ولا مراعاة فيها للأحكام الأتقن - كما زعمه أكثر المتكلّمين -، كيف! وجميع الخيرات فائضةٌ من لدنه، وكلّ الأشياء متوجّهة إليه، مائلة إلى ما عنده، نائلة من بحار جوده وكرمه، فما أضلّ أقواماً زعموا أنّ إرادته خالية عن الداعي، عارية عن العناية بأحوال الخلْق؟! نعم، لا داعي لفعله خارجاً عنه، ولا مرجّح لجوده سواه، لأنه خير الخيرات وأصل الدواعي والطلبات. ثم اعلم إنّ "العَليم" صيغة مبالغة في العلم، والمبالغة التامّة فيه لا تتحقّق إلاّ باستجماع أمور: أحدها: كونه فعليّاً سبباً لوجود الشيء المعلوم - لا انفعالياً مسبَّباً عنه -. والثاني: كونه قطعيّاً حقّاً - لا ظنّياً أو وهميّاً -. والثالث: كونه محيطاً بجميع المعلومات الكلّية والجزئيّة. والرابع: كونه أزليّاً دائماً غير واقع تحت الحركة والزمان، مصوناً عن التغيّر والتجدّد والحدثان، وما ذاك إلا هو الله، فلا جرم ليس العليم المطلق إلاّ هو، فلذلك قال: {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} - على سبيل الحصر -. ثمّ إنّ "الحكيم" يستعمل على وجهين: أحدهما: العليم الذي يعلم منافع الأمور ومصالحها وخيراتها - فيكون من صفات الذات -. وثانيهما: الفاعل الذي لا حلل في فعله، ولا اعتراض لأحد عليه - فيكون من صفات الفعل، ولهذا لا يقال: إنّه حكيم في الأزل -. والأولى حمله هٰهنا على المعنى الثاني، ليكون أبعد عن التكرار. وعن ابن عباس: إنّ مراد الملائكة من "الحكيم" أنّه هو الذي حكم، فجعل خليفة في الأرض. ولا يبعد أن يقال: إن الملائكة لمّا نظروا إلى نشأة الإنسان واشتماله على سائر الأكوان، وكونه ثمرة عالم الأجسام، من الأفلاك والأركان، قالوا: {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ}، لأنّه علِم بعلمه الأزلي من الإنسان حين ما هو متّصف بآفات دواعي الشهوة والنقصان، ما يصل به إلى نشأته الباقية التي بها فاق على جميع الأكوان، ثمّ صنع له واودع فيه بحكمته جميع آلاته وقواه، التي بها سلك الدار الآخرة، والتقرّب إلى الله، حتى انخرط في سلك ملائكته المقرّبين وعباده المكرمين. فصل [الحكمة والحكيم] اعلم أنّ الحكيم عندنا؛ عبارة عمّن جمَع العلم الإلهي والطبيعي والرياضي والمنطقي والخِلْقي، وليس ولا ثمّة إلاّ هذه العلوم، والطريق مختلف في تحصيلها بين الفكر والوهب. وهو الفيض الإلهي، وعليه طريقة أهل الكشف والشهود. وغيرهم - أصحاب الأفكار والأنظار والفكر - لا ينسرح إلاّ فيما يستفاد من أحكام الأجسام وأحوالها، ومباديها ولواحقها، وأمّا فيما وراء المحسوسات، وعجائب الملكوت، وأحوال الآخرة، وغايات النفوس ودرجاتها يوم القيامة، فليس للفكر فيها كثير جَوَلان، ولا بد في إدراكها ونيلها من سلوك طريق النبوّة والولاية، لأن إدراكها فوق طور العقل. وأصحاب تلك المعارف، أصحاب المشاهدات والمكاشفات القلبيّة، دون العبّاد والزهّاد، ولا مطلق الصوفية، إلاّ أهل الحقائق والتحقيق منهم، فهؤلاء هم الحكماء بالحقيقة. ذكَر الشيخ شهاب الدين المقتول صاحب الحكمة الاشراقية: "إنّي كنت زماناً شديد الاشتغال، كثير الفكر والرياضة، وكان يصعب عليّ مسئلة العلم، وما ذكر في الكتب لم يتنقّح لي، فوقعت ليلة من الليالي خلسة في شبه نوم لي، فإذا أنا بلذّة غاشية وبرقة لا معة ونور شعشعاني، مع تمثّل شبح انساني، فإذا هو إمام الحكماء أرسطاطاليس، فشكوت إليه من صعوبة هذه المسئلة". وحكى ما جرى بينه وبين ذلك الحكيم من إفادته إيّاه، وتحقيقه له مسئلة العلم على وجه انكشف له مقصوده منها، ثمّ قال: "إنّه أخذ بعد ذلك يُثني على أستاذه أفلاطن ثناءً تحيَّرتُ فيه. فقلتُ: وهل وصَل إليه من فلاسفة الإسلام واحد؟ فقال: ولا إلى جزء من ألف جزء من رتبته". "ثم كنت أعدّ جماعة أعرفهم، فما التفَتَ إليهم. ورجعت إلى أبي يزيد البسطامي، وأبي محمد سهل بن عبد الله التستري وأمثالهما، فكأنّه استبشر وقال: أولئك هم الفلاسفة والحكماء حقّاً، ما وقفوا عند العلم الرسمي، بل جاوزوا إلى العلم الحضوري الاتّصالي. وما اشتغلوا بعلائق الهيولى، فلهم الزلفى وحسن مآب. فتحرّكوا عمّا تحرّكنا، ونطقوا بما نطقنا". "ثم فارقني، وخلَّفني أبكي على فراقه. فوالَهفي على تلك الحالة". - انتهى كلامه. واعلم أن أرسطاطاليس المذكور، أحد الموصوفين بالحكمة، المذكورين بالفضل والتعظيم، وهم خمسة: هو وأستاذه أفلاطون الإلهي، وأشياخه الثلاثة الإلهيّون - سقراط وفيثاغورس وأنباذقلس -، فلقد كانت أنوار الحكمة في قديم الزمان منتشرة في العالم بسعيهم، وكانوا كلّهم قائلين بالتوحيد، وحدوث العالم الزماني، وثبوت المعاد للأنفس والأبدان. ونحن قد كشفنا عن رُموزهم، وبيّنا مقاصدهم وعلومهم، سيّما إثبات المثل الإلهية والصور المفارقة التي أثبتوها. وكان باب هذا العلم مغلَقاً بعدهم على هؤلاء المشهورين بالحكمة وكلّما جاؤوا اعترضوا على أفلاطون في إثباته هذه المُثل النوريّة الإلهيّة، أو ذكروا فيها تأويلات صرَفوا بها الكلام عن مقصوده ومقصود أولئك المعظّمين الأساطين، وكذا اتّحاد النفس الإنسانية بعالَم العقل - كما نُقل من بعض تلامذة أرسطاطليس - وغيرهما من مسائل شريفة نوريّة استفدناها من القرآن والحديث. وكان أرسطاطليس هو معلم اسكندر المعروف بذي القرنين المذكور في القرآن ممدوحاً مكرّماً، وكان ملازماً لأفلاطون قريباً من عشرين سنة لاقتباس الحكمة، وكان يسمّى في حداثته روحانيّاً لفرط ذكائه، ويسمّيه أفلاطون عقلاً؛ وهو الذي صنّف الكتب المنطقيّة وجعلها آله للعلوم النظريّة، ورتّب الأبواب الطبيعيّة والإلهيّة، وصنَّف لكلّ باب منها كتاباً على حِدَة محافظاً على الولاء في أيّامه، وأسرف الملك لذي القرنين فانقمع به الشرك في بلاده. فهؤلاء الخمسة المذكورون كانوا يوصفون بالحكمة. ثمّ لم يسمّ أحدٌ بعد هؤلاء "حكيماً"، بل كلّ واحد منهم ينسب إلى صناعة من الصناعات، أو سيرة من السيَر، مثل بقراط الطبيب، وأُوميروس الشاعر، وأرشميدس المهندس، وديوجانس الطبيب، وذيمقراطيس الطبيعي. وقد تعرّض جالينوس في زمانه حين كثُرت تصانيفه لأن يوصف بالحكمة، - أعني أن يُنقل عن لقب الطبيب إلى لقب الحكيم -، فقالوا: عليك بالمراهم والمسهلات وعلاج القروح والحميّات، فإنّ من شهِد على نفسه على أنّه شاكّ في العالم "أقديمٌ، أم حادث؟"، وفي المعاد "أحقٌّ هو أم باطلٌ"، وفي النفس "أجوهرٌ، أم عرضٌ؟"، تتّضع درجتُه من أن يُسَمَّى حكيماً. قال بعض العلماء: "والعجب من أهل زماننا أنهم متى رأوا انساناً قرء كتاب اقليدس، وضبط أحوال المنطق، وَصَفوه بالحكمة - وإن كان خلْواً من العلوم الإلهيّة -، حتى أنّهم ينسبون محمد بن زكريّا الرازي لمهارته في الطبّ اليها. ولقد كان أحمد بن سهل البلخي - مع براعته في أصناف المعارف وأبواب الدين -، متى نسبه أحدٌ من موقّريه إلى الحكمة، يشمئزّ منه ويقول: "يا لَهفي من زمانٍ ينسب فيه ناقصٌ مثلي إلى شرَف الحِكمة، كأنّهم لم يسمَعوا قول الله عزّ اسمه: {أية : مَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [البقرة:269].
الجنابذي
تفسير : {قَالُواْ سُبْحَانَكَ} اى تنزّهت تنزّهاً عن النّقص والعبث وان تسأل عمّا تفعل واقتصروا على التّسبيح لمّا علموا أنّهم لم يدركوا حمده تعالى فانّ الحمد المضاف كما ادّعوه فى قولهم ونحن نسبّح بحمدك مستغرق وادراك حمده المستغرق بادراكه فى جميع مظاهره وقد علموا أنّهم عاجزون عن ادراك أكثر مظاهره {لاَ عِلْمَ لَنَآ} اى لا اسم فى وجودنا من الاسماء {إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} الاّ اسماً اعطيتناه ولمّا توهّم من قولهم: {اتجعل فيها} الى الآخر؛ وقولهم: {ونحن نسبّح} الى الآخر؛ نسبة العلم والحكمة الى أنفسهم وظهر بعد ذلك عجزهم وانّ علمهم بالنّسبة الى علم الله وحكمته كالعدم نفوا العلم عنهم اصالة واثبتوا قدراً قليلاً من العلم لأنفسهم عارية وافادوا التزاماً انّ العلم اصالة منحصر فيه تعالى حصر افراد، وأكّدوا ذلك باثبات العلم والحكمة له تعالى بطريق الحصر فقالوا {إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} ولذا لم يأتوا بالعاطف، والعلم ظهور الشّيئ عند العقل بصورته على قول من يجعل العلم الحصولىّ بالصّورة الحاصلة من المعلوم عند العالم، او بنفسه كالعلم الحضورىّ كعلمنا بالصّور الحاضرة عندنا، او بحقيقته كعلم الحقّ تعالى بالاشياء بالعلم الذّاتىّ، والحكمة قد تستعمل فيما للقوّة العّلامة وقد تستعمل فيما للقوّة العمّالة، وقد تستعمل فى الاعمّ منهما، وهو اللّطف فى العلم والعمل؛ واللّطف فى العلم عبارة عن ادراك دقائق العلوم والغايات المترتّبة المتعاقبة واللّوازم القريبة والبعيدة، واللّطف فى العمل عبارة عن القدرة على صنع ما يدركه من دقائق المصنوع، والحكمة العلميّة يعبّر عنها فى الفارسيّة "بخرده بينى" والحكمة العمليّة يعبّر عنها "بخرده كارى" والمراد بها هاهنا امّا المعنى الاعمّ او الحكمة العمليّة فقط.
اطفيش
تفسير : {قَالُوا سُبْحَانَكَ}: نزهناك تنزيهاً عن الاعتراض عليك، وإنما سؤالنا تعجب وطلب لبيان الحكمة لا اعتراض. وقد علم الله ذلك. وعن أن تفعل غير الحكمة، وعن أن يعلم أحد لم تعلمه. كما يدل عليه ما بعد، وهو اسم مصدر، لأن الفعل سبح بالتشديد، كما قالوا نسبح، فالمصدر التسبيح، وهذا أولى من أن يقال: هو مصدر سبح الثلاثى بمعنى النزيه، لأن سبح بالتخفيف بمعنى التنزيه قليل. وسبحان كثير ينطق به ويشدد ولا يخفف. فالجمهور على أنه اسم مصدر، وهو لازم للإضافة على جنس التسبيح. وشذ عدم إضافته، وإذا لم يضف كان أيضاً غير منون، لأنه علم زيدت فيه ألف ونون فى آخره. ومن عدمها قول الأعشى يمدح عامر بن الطفيل، ويذم علقمة بن علاسة: شعر : قد قلت لما جاءنى فخره سبحانه من علقمة الفاخر تفسير : والهاء فى فخره عائد إلى عامر بن الطفيل، ومن علقمة: جار ومجرور متعلق بسبحان منه أى عجباً منه إذ يفخر. قال فى الصحاح بعد أن ساق هذا البيت: العرب تقول سبحان الله من كذا إذا تعجبت منه. وعلقمة هذا صحابى قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو شيخ فأسلم وبايع، واستعمله عمر بن الخطاب على حوران ومات بها. وإنما ذمه الأعشى لأن الأعشى لم يسلم، أو أسلم وذمه عصياناً كما يعصى الموحد، أسلم وذم. أو أسلم وذم علقمة قبل إسلامه، أعنى قبل إسلام علقمة. وقد قيل إن الأعشى قدم مكة ليأتى المدينة فيسلم ويبايع، فصده أهل مكة بأنه يحرم الزنى فقال: لا حاجة لى فيه. فقالوا: إنه يحرم الخمر، فقال: أتروى منها عامى، ثم أجنبه، فمات قبل. ولكن أشعاره نص فى إسلامه إذ قال: شعر : نبى يرى ما لا ترون وذكره أغار لعمى فى البلاد وأنجدا تفسير : ونحو ذلك من أبيات حسنة، ساقها الثعالبى فى كتاب السيرة، وألفه يحذف فى الخط ويقرأ، ويجوز أن تكتب كسائر الأعلام الرباعية فصاعدا كصالح وسليمان فى جواز الوجهين، وتحذف فى خط المصاحف، وإنما صدر الملائكة الكلام: سبحانك، اعتذارا عن طلبهم التفسير وعن الجهل بحقيقة الحال، ولكونهم صدروا به كلام توبتهم، كما صدر به موسى توبته إذ قال:{أية : سبحانك إنى تبت إليك}تفسير : ويونس إذ قال:{أية : سبحانك إنى كنت من الظالمين}. تفسير : {لا علم لنا إلا ما علمتنا}: أى لا معلوم لنا إلا ما علمتنا، فالعلم بمعنى المعلوم، وما: اسم، ويجوز إبقاؤه على المصدرية، فتجعل ما: اسماً أيضاً على حذف مضاف، أى لا علم إلا ما علمتناه، وذلك منهم مراعاة للذنب بتفويض العلم كله إليه، واعتراف بالعجز عن أن ينبئوه بأسماء هؤلاء، واعتراف بأنه قد ظهر لهم ما خفى عليهم من فضل الإنسان، والحكمة فى استخلافه، وإظهار لشكر نعمته التى هى تعليمه إياهم ما قد علمهم إياه، وهى أيضا كشف ما خفى عليهم من فضل الإنسان والحكمة فى خلقه. {إِنَّكَ أَنتَ}: توكيد للكاف، وهو ضمير رفع استعير للنصب، وإنما جاز هذا مع أنه لا يجوز قولك: إن أنت لأنه يغتفر فى الثوانى ما لا يغتفر فى الأوائل. ألا ترى أنه يجوز: يا هذا الرجل، ويا أيها الرجل دون يا لرجل ويجوز رب رجل وأخيه، دون رب أخيه. ويجوز قم أنت وزيد، برفع زيد بقم ولا يجوز: قم زيد على جعل زيداً فاعلا، أو مبتدأ خبره ما بعده، أو ضمير فعل لا محل له. وقد قيل فى ضمير الفصل إنه حرف. وأنا أعجب ممن يجعله بدلا أو بيانا، لأنه لم يفد شيئا زائدا على ما أفاده ما قبله، وكذا منعهما ابن مالك، وليس كجاء زيد أخوك، لأن الثانى يفيد الأخوة دون الأول، ولا كجاء أخوك زيد، لأن الأول يفيد الأخوة، والثانى يفيد العلمية. {العَلِيمُ}: أى العالم بكل شىء علماً بليغا كثيرا بكثرة المعلومات. {الحَكِيمُ}: لا يفعل غير ما فيه حكمة بالغة، لا عبث ولا فساد فى فعله ومصنوعاته، ولا جور فى قضائه والله أعلم. وذلك دليل على أن مفهوم الحكمة زائد على مفهوم العلم لذكرهما معاً فى لقوله: {إنك أنت العلم الحكيم}. والأصل: عدم التكرير. ومن أراد أن يعلمه الله الغائبات، وينقاد له الجن والإنس لوقته وحينه فليتطهر ويصم الخميس الأول من الشهر. ويفطر ليلة الجمعة على سكر وخبز وشعير وبقل وينم ويقم نصف الليل سواء فيتطهر ويستقبل ويقرأ قوله تبارك وتعالى:{أية : وإذا قال ربك}تفسير : إلى قوله عز وجل: {العليم الحكيم} ثلاثين مرة. ويقل أيتها الأرواح الطاهرة المواصلة الموكلون بهذه الآية المطيعون لسرها المودوع فيها، أجيبوا الدعوة وأفيضوا أنوار روحانيتكم على، حتى أنطق بالكائنات وأخبر بما خفى خبر صدق، وأميلوا إلى وجوه بنى آدم وبنات حواء وقلوبهم، رغبا ورهبا. ثم اكتب الآية فى جاز زجاج بماء الآس والزعفران والمسك. ويمحها بماء ورد ثم يشربه وينم. يفعل ذلك سبع مرات. وفى ليلة الخميس السابع يتلو الآية سبعين مرة، ويتكلم بذلك الكلام أربعين مرة، ويكون فى بيت خال وهو يتبخر بالعود، فإذا فرغ من ذلك نام فى ثيابه، فإنه يرى فى منامه ما يسره ببلوغ أمله فيما سأل ويصبح وقد تم أمره بقدرة الله تعالى. قال الله تبارك وتعالى: {يا آدم أنبئهم}.
الالوسي
تفسير : {قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا} استئناف واقع موقع الجواب كأنه قيل: فماذا قالوا إذ ذاك: هل خرجوا عن عهدة ما كلفوه أولاً؟ فقيل: {قَالُواْ}: الخ. وذكر غير واحد أن الجمل المفتتحة بالقول - إذا كانت مرتباً بعضها على بعض في المعنى فالأفصح أن لا يؤتى فيها بحرف اكتفاء بالترتيب المعنوي، وقد جاء في سورة الشعراء من ذلك كثير، بل القرآن مملوء منه، وسبحان قيل: إنه مصدر، وفعله - سبح - مخففاً بمعنى نزه، ولا يكاد يستعمل إلا مضافاً، إما للمفعول أو الفاعل منصوباً بإضمار فعل وجوباً، وقوله:شعر : سبحانه ثم سبحاناً نعوذ به وقبلنا سبح الجودي والجمد تفسير : شاذ كقوله:شعر : سبحانك اللهم ذا السبحان تفسير : ومجئيه منادى مما زعمه الكسائي ولا حجة له وذهب جماعة إلى أنه علم للتسبيح - بمعنى التنزيه - لا مصدر سبح - بمعنى قال: سبحان الله لئلا يلزم الدور ولأن مدلول ذلك لفظ ومدلول هذا معنى واستدل على ذلك بقوله:شعر : قد قلت لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر تفسير : إذ لولا أنه عَلَمٌ لوجب صرفه لأن الألف والنون في غير الصفات إنما تمنع مع العلمية، وأجيب بأن - سبحان - فيه على حذف المضاف إليه أي - سبحان الله - وهو مراد للعلم به، وأبقى المضاف على حاله مراعاة لأغلب أحواله - وهو التجرد عن التنوين - وقيل: (من) زائدة والإضافة لما بعدها على التهكم والاستهزاء به، ومن الغريب قول بعض: إن معنى {سُبْحَـٰنَكَ} تنزيه لك بعد تنزيه، كما قالوا في - لبيك - إجابة بعد إجابة، ويلزم على هذا ظاهراً أن يكون مثنى ومفرده سبحا وأن لا يكون منصوباً - بل مرفوع - وأنه لم تسقط النون للإضافة وإنما التزم فتحها، ويا سبحان الله تعالى لمن يقول ذلك، والغرض من هذا الجواب الاعتراف بالعجز عن أمر الخلافة، والقصور عن معرفة الأسماء على أبلغ وجه كأنهم قالوا: لا علم لنا إلا ما علمتنا - ولم تعلمنا الأسماء - فكيف نعلمها؟ وفيه إشعار بأن سؤالهم لم يكن إلا استفساراً، إذ لا علم لهم إلا من طريق التعليم، ومن جملته علمهم بحكمة الاستخلاف مما تقدم فهو بطريق التعليم أيضاً - فالسؤال المترتب هو عليه سؤال مستفسر لا معترض وثناء عليه تعالى بما أفاض عليهم مع غاية التواضع ومراعاة الأدب وترك الدعوى، ولهذا كله لم يقولوا - لا علم لنا بالأسماء - مع أنه كان مقتضى الظاهر ذلك، ومن زعم عدم العصمة جعل هذا توبة، والإنصاف أنه يشبهها ولكن/ لا عن ذنب مخل بالعصمة بل عن ترك أولى بالنسبة إلى علو شأنهم ورفعة مقامهم إذ اللائق بحالهم على العلات أن يتركوا الاستفسار ويقفوا مترصدين لأن يظهر حقيقة الحال. و(ما) عند الجمهور موصولة حذف عائدها وهي إما في موضع رفع على البدل أو نصب على الاستثناء. وحكى ابن عطية عن الزهراوي أنها في موضع نصب بـ {عَلَّمْتَنَا} ويتكلف لتوجيهه بأن الاستثناء منقطع، فـ {إِلا} بمعنى لكن. و {مَا} شرطية والجواب محذوف كأنهم نفوا أولاً سائر العلوم ثم استدركوا أنه في المستقبل أي شيء علمهم علموه ويكون ذلك أبلغ في ترك الدعوى كما لا يخفى. {إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} تذييل يؤكد مضمون الجملة السابقة، ولما نفوا العلم عن أنفسهم أثبتوه لله تعالى على أكمل أوصافه وأردفوه بالوصف بالحكمة لما تبين لهم ما تبين - وأصل الحكمة - المنع ومنه حكمة الدابة لأنها تمنعها عن الاعوجاج، وتقال للعلم لأنه يمنع عن ارتكاب الباطل، ولإتقان الفعل لمنعه عن طرق الفساد والاعتراض وهو المراد هٰهنا لئلا يلزم التكرار، فمعنى الحكيم ذو الحكمة، وقيل: المحكم لمبدعاته، قال في «البحر»: وهو على الأول صفة ذات، وعلى الثاني صفة فعل، والمشهور أنه إن أريد به العليم - كان من صفات الذات أو الفاعل لما - لا اعتراض عليه كان من صفات الفعل فافهم. وقدم سبحانه الوصف بالعلم على الوصف بالحكمة لمناسبة ما تقدم من {أية : أَنْبِئُونِي}تفسير : [البقرة:31] و {سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا} ولأن الحكمة لا تبعد عن العلم وليكون آخر مقالتهم مخالفاً لما يتوهم من أولها، و {أَنتَ} يحتمل أن يكون فصلاً لا محل له على المشهور يفيد تأكيد الحكم، والقصر المستفاد من تعريف المسند، وقيل: هو تأكيد لتقرير المسند إليه، ويسوغ في التابع ما لا يسوغ في المتبوع، وقيل: مبتدأ خبره ما بعده، والحكيم إما خبر بعد خبر أو نعت له وحذف متعلقهما لإفادة العموم، وقد خصهما بعض فقال: العليم بما أمرت ونهيت الحكيم فيما قضيت وقدرت والعموم أولى.
ابن عاشور
تفسير : جرد {قالوا} من الفاء لأنه محاورة كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30] وافتتاح كلامهم بالتسبيح وقوف في مقام الأدب والتعظيم لذي العظمة المطلقة، وسبحان اسم التسبيح وقد تقدم عند قوله: {أية : ونحن نسبح بحمدك}تفسير : [البقرة: 30] وهو اسم مصدر سَبَّحَ المضاعف وليس مصدراً لأنه لم يجىء على أبنية مصادر الرباعي وقيل هو مصدر سَبَحَ مخففاً بمعنى نزه فيكون كالغفران والشكران، والكفران من غفر وشكر وكفر وقد كثر استعماله منصوباً على المفعولية المطلقة بإضمار فعله كـ{أية : معاذ الله}تفسير : [يوسف: 23] وقد يخرج عن ذلك نادراً قال: «سبحانك اللهم ذا السبحان» وكأنهم لما خصصوه في الاستعمال بجعله كالعلم على التنزيه عدلوا عن قياس اشتقاقه فصار سبحان كالعلم الجنسي مثل برة وفجار ـــ بكسر الراء ـــ في قول النابغة:شعر : فحملتُ برّة واحتملتُ فجارِ تفسير : ومنعوه من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون قال سيبويه: وأما ترك تنوين (سبحان) فلأنه صار عندهم معرفة وقول الملائكة: {لا علم لنا إلا ما علمتنا} خبر مراد منه الاعتراف بالعجز لا الإخبار عن حالهم لأنهم يوقنون أن الله يعلم ما تضمنه كلامهم. ولا أنهم قصدوا لازم الفائدة وهي أن المخبر عالم بالخبر فتعين أن الخبر مستعمل في الاعتراف. ثم إن كلامهم هذا يدل على أن علومهم محدودة غير قابلة للزيادة فهي مقصورة على ما ألهمهم الله تعالى وما يأمرهم، فللملائكة علم قبول المعاني لا علم استنباطها. وفي تصدير كلامهم بسبحانك إيماء إلى الاعتذار عن مراجعتهم بقولهم: {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30] فهو افتتاح من قبيل براعة الاستهلال عن الاعتذار. والاعتذار وإن كان يحصل بقولهم: {لا علم لنا إلا ما علمتنا} لكن حصول ذلك منه بطريق الكناية دون التصريح ويحصل آخراً لا ابتداء فكان افتتاح كلامهم بالتنزيه تعجيلاً بما يدل على ملازمة جانب الأدب العظيم {إنك أنت العليم الحكيم} ساقوه مساق التعليل لقولهم {لا علم لنا إلا ما علمتنا} لأن المحيط علمه بكل شيء المحكم لكل خلق إذا لم يجعل لبعض مخلوقاته سبيلاً إلى علم شيء لم يكن لهم قبل بعلمه إذ الحصول بقدر القبول والاستعداد أي فلا مطمع لنا في تجاوز العلم إلى ما لم تهيىء لنا علمه بحسب فطرتنا. والذي دل على أن هذا القول مسوق للتعليل وليس مجرد ثناء هو تصديره بإن في غير مقام رد إنكار ولا تردد. قال الشيخ في «دلائل الإعجاز» ومن شأن إنَّ إذا جاءت على هذا الوجه (أي أن تقع إثر كلام وتكون لمجرد الاهتمام) أن تغني غناء الفاء العاطفة (مثلاً) وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمراً عجيباً فأنت ترى الكلام بها مقطوعاً موصولاً، وأنشد قول بشار:شعر : بَكِّرا صاحبيَّ قبلَ الهجير إنَّ ذاك النجاح في التبكير تفسير : وقول بعض العرب:شعر : فغنِّها وهي لك الفِداء إِنَّ غِناء الإبل الحُدَاء تفسير : فإنهما استغنيا بذكر إنَّ عن الفاء، وإن خلفاً الأحمر لما سأل بشاراً لماذا لم يقل: «بكرا فالنجاح في التبكير» أجابه بشار بأنه أتى بها عربية بدوية ولو قال: «فالنجاح» لصارت من كلام المولدين (أي أجابه جواباً أحاله فيه على الذوق) وقد بين الشيخ عبد القاهر سبَبه. وقال الشيخ في موضع آخر ألا ترى أن الغرض من قوله: «إن ذاك النجاح في التبكير» أن يبيَّن المعنى في قوله لصاحبيه «بكرا» وأن يحتج لنفسه في الأمر بالتبكير ويبين وجه الفائدة منه» ا هـ. (والعليم) الكثير العلم وهو من أمثلة المبالغة على الصحيح ويجوز كونه صفة مشبهة على تقدير تحويل علِم ــــ المكسور اللام ــــ إلى علُم بضم اللام ليصير من أفعال السجايا نحو ما قررناه في الرحيم ونحن في غنية عن هذا التكلف إذ لا ينبغي أن يبقى اختلاف في أن وزن فعيل يجيىء لمعنى المبالغة وإنما أنشأ هذه التمحلات من زعموا أن فعيلاً لا يجيء للمبالغة. (الحكيم) فعيل من أَحكم إذا أتقن الصنع بأن حاطه من الخلل. وأصل مادة حكم في كلام العرب للمنع من الفساد والخلل ومنه حكمة الدابة (بالتحريك) للحديدة التي توضع في فم الفرس لتمنعه من اختلال السير، وأحكم فلان فلاناً منعه قال جرير:شعر : أبني حنيفة أحكموا سُفهَاءكم إني أَخافُ عليكم أن أَغْضَبا تفسير : والحكمة بكسر الحاء ضبط العلم وكماله، فالحكيم إما بمعنى المتقن للأمور كلها أو بمعنى ذي الحكمة وأيّاً ما كان فقد جرى بوزن فعيل على غير فعل ثلاثي وذلك مسموع قال عمرو بن معديكرب:شعر : أمن رَيحانة الدَّاعي السَّميع يؤرقُني وأصحابي هجوع تفسير : ومن شواهد النحو ما أنشده أبو علي ولم يعزه:شعر : فمن يك لم يُنجِب أبوه وأمه فإن لنا الأمَّ النجيبةَ والأبُ تفسير : أراد الأم المنجبة بدليل قوله لم ينجب أبوه وفي القرآن {أية : بديع السماوات والأرض}تفسير : [البقرة: 117] ووَصف الحكيم والعرب تجري أوزان بعض المشتقات على بعض فلا حاجة إلى التكلف بتأول {بديع السماوات والأرض} ببديع سماواته وأرضه أي على أن (أل) عوض عن المضاف إليه فتكون الموصوف بحكيم هو السماوات والأرض وهي محكمة الخلق فإن مساق الآية تمجيد الخالق لا عجائب مخلوقاته حتى يكون بمعنى مفعول، ولا إلى تأويل الحكيم بمعنى ذي الحكمة لأن ذلك لا يجدي في دفع بحث مجيئه من غير ثلاثي. وتعقيب العليم بالحكيم من إتباع الوصف بأخص منه فإن مفهوم الحكمة زائد على مفهوم العلم لأن الحكمة كمال في العلم فهو كقولهم خطيب مصقع وشاعر مفلق. وفي «معارج النور» للشيخ لطف الله الأرضرومي: وفي الحكيم ذو الحكمة وهي العلم بالشيء وإتقان عمله وهو الإيجاد بالنسبة إليه والتدبير بأكمل ما تستعد له ذات المدبر (بفتح الباء) والاطلاع على حقائق الأمور ا هـ. وقال أبو حامد الغزالي في «المقصد الأسنى»: الحكيم ذو الحكمة والحكمة عبارة عن المعرفة بأفضل الأشياء، فأفضل العلوم العلم بالله وأجل الأشياء هو الله وقد سبق أنه لا يعرفه كنه معرفته غيره وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم فهو الحكيم الحق لأنه يعلم أجل الأشياء بأجل العلوم إذ أجل العلوم هو العلم الأزلي القديم الذي لا يتصور زواله المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليها خفاء، ولا شبهة ولا يتصور ذلك إلا في علم الله ا هـ. وسيجىء الكلام على الحكمة عند قوله تعالى: {أية : يؤتي الحكمة من يشاء}تفسير : [البقرة: 269]. و{أنت} في {إنك أنت العليم الحكيم} ضمير فصل، وتوسيطه من صيغ القصر فالمعنى قصر العلم والحكمة على الله قصر قلب لردهم اعتقادهم أنفسهم أنهم على جانب من علم وحكمة حين راجعوا بقولهم: {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30] أو تنزيلهم منزلة من يعتقد ذلك على الاحتمالين المتقدمين، أو هو قصر حقيقي ادعائي مراد منه قصر كمال العلم والحكمة عليه تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {سُبْحَانَكَ} (32) - قَالَتِ المَلاَئِكَةُ: تَنزَّهَ اسْمُكَ يَا رَبُّ (سُبْحَانَكَ) إِنَّنا لاَ نَعْلَمُ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنا، وَهذِهِ الأَشْيَاءُ لاَ نَعْرِفُها، وَأَنْتَ العَلِيمُ بِكُلِّ شَيءٍ، الحَكِيمُ في خَلْقِكَ وَأَمْرِكَ، وَفِي تَعْلِيمِكَ مَا تَشَاءُ، وَمَنْعِكَ مَا تَشَاءُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه الآية الكريمة. توضح لنا أن الله سبحانه وتعالى هو المُعلِّم الأول في الكون. وإذا كان لكل عِلْم مُعلِّم، فإن المعلم الأول لابد أن يكون هو الله سبحانه وتعالى. وإذا كنا نشاهد في عصرنا ألواناً من العلوم، فهذه العلوم من تفاعل العقل الذي وهبه الله تعالى للإنسان من المواد التي وضعها الله تعالى في الكون بالمنطق والعلم الذي علَّمه الله للإنسان. إن كل الاختراعات والابتكارات أخذت وجودها من مقدّمات كانت سابقة عليها، فالماء مثلاً كان موجوداً منذ الأزل، والشمس كطاقة تُبخِّر الماء لتصنع منه سحاباً. فإذا استخدم الإنسان الطاقة الحرارية في تبخير الماء واستخدم البخار كطاقة، فهناك قفزة حضارية في العلوم اسمها "عصر البخار"، وهو الذي كانت تسير به القطارات والآلات في المصانع وغير ذلك. إن هذا التقدم في العلم، إنما هو نابع من وجود العلم والطاقة، وزاد عليهما القدرة العقلية للإنسان الممنوحة له من الخالق سبحانه وتعالى، وهذه القدرة العقلية هي التي جعلته يفكر في استخدام الطاقة الناتجة من البخار، فإذا توصَّل الإنسان لمراقبة شجرة ساقطة وهي تتدحرج إلى الأرض لأن جذعها أسطواني، فإنه أخذ من نظام هذه الشجرة ما يصنع منه العجلة التي كانت تطوراً هاماً في تاريخ العلم. إذن: فساق الشجرة الأسطوانية هو الذي أعطى للإنسان فكرة العجلة، فإذا طور الإنسان استخدام البخار وصنع قطاراً يسير بالبخار، فهذا التطوير هو ابن للعلم السابق عن قدرة الطاقة الناتجة عن تبخير الماء، وكيفية صناعة العجلة .. فكل علم نابع من علم سابق .. يترابط مع إمكانات وهبها الله سبحانه وتعالى للإنسان ولذلك عندما جاء الإسلام ليعرض العلم التجريبي أو المادي، جاء ليلفتنا إلى آيات الخالق في الكون، وطلب منا أن نتأمل في هذه الآيات .. ونُعْمِل فيها العقل والإدراك. واقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105]. وهكذا يلفتنا الله جل جلاله إلى آياته التي في السماوات والأرض لنُعْمِل فيها العقل والإدراك، لنستنبط منها ما يعطينا الحضارة .. إن القرآن يطالبنا بأن نواصل العلم الذي علَّمه الله لآدم. وإذا كان تاريخ العلوم يحمل لنا أخباراً عن قوم لم يكونوا مؤمنين، ومع هذا سبقونا في العلم والاستنباط، فكان الواجب علينا نحن المؤمنين أن نتأمل آيات الله تعالى في الأرض. فنيوتن - الذي لاحظ قوة جاذبية الأرض - كان يراقب تفاحة تسقط من أعلى الشجرة وتصطدم بالأرض، فتوصل إلى قانون الجاذبية. وإذا أردنا أن نأخذ لمحة من علم الله الذي علَّمه لنا، فيكفي أن ننظر إلى النواة. ففي هذه النواة الصغيرة نخلة كاملة، متى وضعت النواة في الأرض. نمت النخلة، وأصبح لها وجود. ولكي نوضح هذا كله نقول إن كل علم مبني على نظريات، النظرية الأولى تؤدي إلى الثانية، والثانية تؤدي إلى الثالثة، وهكذا .. ولكن بداية كل هذه العلوم لم تبدأ بنظرية، ولكنها بدأت بما يسمونه البديهيات، أي: الأشياء التي لا تحتاج إلى دليل، إنها الأشياء التي خلقها الله في الكون، وعلى هذه البديهات بنيت النظريات الواحدة بعد الأخرى حتى إذا أردت أن تعيدها إلى أصلها، فإنك تصل في نهاية الأمر إلى أن العلم الأول من الله سبحانه وتعالى، فالمعلم الأول علَّمه الله. والثمرة الأولى خلقها الله، وكل اكتشافات الإنسان منذ بداية الحياة وحتى قيام الساعة موجودة بالقوة. مثل النواة التي فيها النخلة تنتظر التأمل والعمل؛ لتصبح اكتشافاً بالفعل. والله سبحانه وتعالى وهو المعلم الأول .. وضع في كونه من العلم الكثير. ويحضرني قول الشاعر أحمد شوقي حين قال: شعر : سُبْحَانَكَ اللهُمَّ خَيْرَ مُعلِّمٍ عَلَّمْتَ بالقلمِ القُرونَ الأولىَ أرْسَلتَ بالتَّوراةِ مُوسَى مُرْشِداً وابنَ البتُولِ يُعلِّم الإنجيلا وَفَجرتَ يَنْبوعَ البَيانِ مُحمداً فَسَقَى الحديثَ ونَاولَ التنزيلا تفسير : وكان شوقي يصوغ في أبياته أن كل علم هو منسوب إلى الله وحده .. وهكذا يتضح لنا أن قول الملائكة: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} [البقرة: 32]. يتضمن الاعتراف بأن العلم كله مرجعه إلى الله؛ فالله سبحانه وتعالى هو مصدر العلم والحكمة. وقوله سبحانه وتعالى: "العليم الحكيم" العليم أي الذي يعلم كل شيء خافياً كان أو ظاهراً، والعلم كله منه. وأما الحكمة فتطلق في الأصل على قطعة الحديد التي توضع في فم الفرس لتلجمه؛ حتى يمكن للراكب أن يتحكم فيه. ذلك أن الحصان حيوان مُدَلَّل شارد، يحتاج إلى ترويض، وقطعة الحديد التي توضع في فمه تجعله أكثر طاعة لصاحبه. وكأن إطلاق صفة الحكيم على الخالق سبحانه وتعالى هو أنه جل جلاله يحكم المخلوقات حتى لا تسير بغير هدى، ودون دراية. والحكمة أن يوضع هدف لكل حركة لتنسجم الحركات بعضها مع بعض، ويصير الكون محكوماً بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. والحكيم العليم هو الذي يضع لكل كائن إطاره وحدوده. والحكمة هي أن يؤدي كل شيء ما هو مطلوب منه ببراعة. والحكمة في الفقه هي أن تستنبط الحكم السليم. والحكمة في الشعر أن تزن الكلمات على المفاعيل. والحكمة في الطب أن تعرف تشخيص المرض والدواء الذي يعالجه. والحكمة في الهندسة أن تصمم المستشفى - مثلاً - طبقاً لاحتياجات المريض والطبيب وأجهزة العلاج ومخازن الأدوية، وغير ذلك، أو في تصميم المنزل للسكن المريح. وحكمة بناء منزل مثلاً تختلف عن حكمة بناء قصر أو مكان للعمل. والكون كله مخلوق من قِبَل حكيم عليم، وضع الخالق سبحانه وتعالى فيه كل شيء في موضعه ليؤدي مهمته. وَوَصْفُ الله تعالى بأنه حكيم يتطلب أن يكون عليماً؛ لأن علمه هو الذي يجعله يصنع كل شيء بحكمة، وقد أعطى الله سبحانه وتعالى لكل خلقه من العلم على حاجته، فليس من طبيعة الملائكة أن يعرفوا ماذا سيفعل ذلك الإنسان الذي سيستخلفه الله في الأرض. ولكنهم موجودون لمهمة أخرى .. ومَيَّز الله الإنسان بالعقل ليستكشف من آيات الله في الكون على قدر حاجة حياته. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلأَعْلَىٰ * ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} تفسير : [الأعلى: 1-3]. إذن فكل شيء خُلِق بقدر. وكل مخلوق مُيسَّرٌ لما هداه الله له..
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):