٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
33
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ يَاآدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} أمره الله أن يُعلِمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة ليعلموا أنه أعلم بما سألهم عنه تنبيهاً على فضله وعلوّ شأنه؛ فكان أفضل منهم بأن قدّمه عليهم وأسجدهم له وجعلهم تلامذته وأمرهم بأن يتعلّموا منه. فحصلت له رتبة الجلال والعظمة بأن جعله مسجوداً له، مختصَّا بالعلم. الثانية: في هذه الآية دليل على فضل العلم وأهله؛ وفي الحديث: «حديث : وإن الملائكة لتضع أجنحتها رِضاً لطالب العلم»تفسير : أي تخضع وتتواضع؛ وإنما تفعل ذلك لأهل العلم خاصّة من بين سائر عيال الله؛ لأن الله تعالى ألزمها ذلك في آدم عليه السلام فتأدّبت بذلك الأدب. فكلما ظهر لها عِلْم في بشر خضعت له وتواضعت وتذلّلت إعظاماً للعلم وأهله، ورضًى منهم بالطلب له والشغل به. هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم والربّانيين منهم! جعلنا الله منهم وفيهم، إنه ذو فضل عظيم. الثالثة: ٱختلف العلماء من هذا الباب، أيّما أفضل الملائكة أو بنو آدم على قولين: فذهب قوم إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة. وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى أفضل. ٱحتجّ من فضّل الملائكة بأنهم {أية : عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ. لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 26 ـ 27].{أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم: 66]. وقوله: {أية : لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ}تفسير : [النساء: 172] وقوله: {أية : وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ}تفسير : [الأنعام:50]. وفي البخاريّ: «حديث : يقول الله عز وجل: مَن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم»تفسير : . وهذا نص. ٱحتّج من فضَّل بني آدم بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيئَةِ} [البينة: 7] بالهمز، مِنْ برأ الله الخلق. وقوله عليه السلام: «حديث : وإنّ الملائكة لتَضَع أجنحتها رِضًى لطالب العلم»تفسير : الحديث. أخرجه أبو داود، وبما جاء في أحاديثَ مِن أن الله تعالى يُباهِي بأهل عَرفات الملائكة، ولا يُباهي إلا بالأفضل، والله أعلم. وقال بعض العلماء: ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة، ولا القطع بأن الملائكة خير منهم؛ لأن طريق ذلك خبر الله تعالى وخبر رسوله أو إجماع الأمة؛ وليس ها هنا شيء من ذلك، خلافاً للقدرية والقاضي أبي بكر رحمه الله حيث قالوا: الملائكة أفضل. قال: وأما من قال من أصحابنا والشِّيعة: إن الأنبياء أفضل لأن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، فيقال لهم: المسجود له لا يكون أفضل من الساجد، ألا ترى أن الكعبة مسجود لها والأنبياء والخلق يسجدون نحوها، ثم إن الأنبياء خير من الكعبة بٱتفاق الأمة. ولا خلاف أن السجود لا يكون إلا لله تعالى؛ لأن السجود عبادة؛ والعبادةُ لا تكون إلا لله، فإذا كان كذلك فكون السجود إلى جهة لا يدل على أن الجهة خير من الساجد العابد؛ وهذا واضح. وسيأتي له مزيد بيان في الآية بعد هذا. الرابعة: قوله تعالى: {إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} دليل على أن أحداً لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله كالأنبياء أو من أعلمه من أعلمه الله تعالى؛ فالمنجمون والكُهّان وغيرهم كذبة. وسيأتي بيان هذا في «الأنعام» إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ}. الخامسة: قوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} أي من قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} حكاه مَكِّي والماوَرْدِيّ. وقال الزَّهراويّ: ما أبدوه هو بِدارُهم بالسجود لآدم. {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} قال ٱبن عباس وٱبن مسعود وسعيد بن جُبير: المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والمعصية. قال ٱبن عطية: وجاء «تكتمون» للجماعة؛ والكاتم واحد في هذا القول على تجوّز العرب وٱتساعها؛ كما يقال لقوم قد جَنَى سَفيهٌ منهم: أنتم فعلتم كذا. أي منكم فاعله، وهذا مع قصد تعنيف، ومنه قوله تعالى: {أية : إَنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}تفسير : [الحجرات: 4] وإنما ناداه منهم عُيَيْنَة، وقيل الأَقْرَع. وقالت طائفة: الإبداء والمكتوم ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع. وقال مهدي بن ميمون: كنا عند الحسن فسأله الحسن ابن دِينار ما الذي كتمت الملائكة؟ قال: إن الله عز وجل لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجباً، وكأنهم دخلهم من ذلك شيء، قال: ثم أقبل بعضهم على بعض وأسرُّوا ذلك بينهم، [فقالوا: و] ما يهمكم من هذا المخلوق! إن الله لم يخلق خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه. و «ما» في قوله: «ما تبدون» يجوز أن ينتصب بـ «ـأعلم» على أنه فعل، ويجوز أن يكون بمعنى عالم وتنصب به «ما» فيكون مثل حَوَاجّ بيت الله، وقد تقدّم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ } تعالى: {قَالَ يَاءادَمُ أَنبِئْهُم } أي: الملائكة {بِأَسْمَائِهِمْ } المسميات فسمى كل شيء باسمه وذكر حكمته التي خُلِقَ لها، {فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم قَالَ } تعالى لهم موبخاً {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلاْرْضِ } ما غاب فيهما {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } ما تظهرون من قولكم:( أتجعل فيها) الخ {وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } تسرون من قولكم:( لن يخلق الله أكرم عليه منا ولا أعلم)؟
ابن عطية
تفسير : {أنبئهم} معناه أخبرهم، وهو فعل يتعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر وقد يحذف حرف الجر أحياناً، تقول نبئت زيداً. قال سيبويه: معناه نبئت عن زيد. والضمير في {أنبئهم} عائد على الملائكة بإجماع، والضمير في أسمائهم مختلف فيه حسب الاختلاف في الأسماء التي علمها آدم. قال أبو علي: "كلهم قرأ "أنبئهُم" بالهمز وضم الهاء، إلا ما روي عن ابن عامر، "أنبئِهم" بالهمز وكسر الهاء، وكذلك روى بعض المكيين عن ابن كثير، وذلك على إتباع كسرة الهاء لكسرة الباء، وإن حجز الساكن فحجزه لا يعتد به". قال أبو عمرو الداني: "وقرأ الحسن والأعرج: "أنبيهم" بغير همز". قال ابن جني: "وقرأ الحسن أنبهِم"، على وزن "أعطهِم"، وقد روي عنه، "انبيهم" بغيرهمز". قال أبو عمرو: "وقد روي مثل ذلك عن ابن كثير من طريق القواس". قال أبو الفتح: أما قراءة الحسن، "أنبهم" "كأعطهم" فعلى إبدال الهمزة ياء، على أنك تقول "أنبيت" كأعطيت، وهذا ضعيف في اللغة، لأنه بدل لا تخفيف والبدل عندنا لا يجوز إلا في ضرورة شعر. قال بعض العلماء: إن في قوله تعالى: {فلما أنبأهم} نبوة لآدم عليه السلام، إذ أمره الله أن ينبىء الملائكة بما ليس عندهم من علم الله عز وجل. ويجوز فتح الياء من "إني" وتسكينها. قال الكسائي: "رأيت العرب إذا لقيت عندهم الياء همزه فتحوها". قال أبو علي: "كان أبو عمرو يفتح ياء الإضافة المكسور ما قبلها عند الهمزة المفتوحة والمكسورة، إذا كانت متصلة باسم، أو بفعل، ما لم يطل الحرف فإنه يثقل فتحها، نحو قوله تعالى: {أية : ولا تفتني ألا} تفسير : [التوبة: 49] وقوله تعالى: {أية : فاذكروني أذكركم} تفسير : [البقرة: 152]، والذي يخف، {أية : إني أرى} تفسير : [الأنفال: 48، يوسف: 43، الصافات: 102] و {أية : أجري إلا على الله} تفسير : [يونس:72، هود: 29، سبأ: 47]. وقوله تعالى: {أعلم غيب السموات والأرض} معناه: ما غاب عنكم، لأن الله لا غيب عنده من معلوماته وما في موضع نصب "بأعلم". قال المهدوي: ويجوز أن يكون قوله {أعلم} اسماً بمعنى التفضيل في العلم، فتكون {ما} في موضع خفض بالإضافة. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: فإذا قدر الأول اسماً فلا بد بعده من إضمار فعل ينصب {غيب}، تقديره إني أعلم من كل أعلم غيب، وكونها في الموضعين فعلاً مضارعاً أخصر وأبلغ. واختلف المفسرون في قوله تعالى: {ما تبدون وما كنتم تكتمون} فقالت طائفة: ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم أجمع. وحكى مكي أن المراد بقول {ما تبدون} قولهم: {أتجعل فيها} الآية. وحكى المهدوي أن {ما تبدون} قولهم: ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق أعلم منا ولا أكرم عليه، فجعل هذا مما أبدوه لما قالوه. وقال الزهراوي: "ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم". واختلف في المكتوم فقال ابن عباس وابن مسعود: المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والكفر، ويتوجه قوله {تكتمون} للجماعة والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب واتساعها، كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم: أنتم فعلتم كذا، أي منكم فاعله. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا مع قصد تعنيف، ومنه قوله تعالى: {أية : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} تفسير : [الحجرات: 4] وإنما ناداه منهم عيينة، وقيل الأقرع، وقال قتادة: المكتوم هو ما أسره بعضهم إلى بعض من قولهم: ليخلق ربنا ما شاء، فجعل هذا فيما كتموه لما أسروه،- {وإذ} من قوله: {وإذ قلنا} معطوف على {إذ} المتقدمة. وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر قديم في الأزل، بشرط وجودهم وفهمهم، وهذا هو الباب كله في أوامر الله سبحانه ونواهيه ومخاطباته و {قلنا} كناية العظيم عن نفسه بلفظ الجمع، وقوله للملائكة عموم فيهم. وقرأ أبو جعفر بن القعقاع: "للملائكةُ اسجدوا" برفع تاء للملائكة إتباعاً لضمة ثالث المستقبل. قال أبو علي: "وهذا خطأ". وقال الزجاج: "أبو جعفر من رؤساء القرأة ولكنه غلط في هذا". قال أبو الفتح: لأن الملائكة في موضع جر فالتاء مكسورة كسرة إعراب، وهذا الذي ذهب إليه أبو جعفر إنما يجوز إذا كان ما قبل الهمزة حرفاً ساكناً صحيحاً، نحو قوله تعالى: {أية : وقالت اخرج عليهن} تفسير : [يوسف: 31] والسجود في كلام العرب الخضوع والتذلل، ومنه قول الشاعر [زيد الخيل]: [الطويل] شعر : ترى الأُكْمَ فيهِ سُجَّداً للحوافرِ تفسير : وغايته وضع الوجه بالأرض، والجمهور على أن سجود الملائكة لآدم إيماء وخضوع، ذكره النقاش وغيره، ولا تدفع الآية أن يكونوا بلغوا غاية السجود. قوله تعالى: {أية : فقعوا له ساجدين} تفسير : [الحجر: 29] لا دليل فيه لأن الجاثي على ركبتيه واقع. واختلف في حال السجود لآدم، فقال ابن عباس: "تعبدهم الله بالسجود لآدم، والعبادة في ذلك لله". وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس: "إنما كان سجود تحية كسجود أبوي يوسف عليه السلام، لا سجود عبادة". وقال الشعبي: "إنما كان آدم كالقبلة، ومعنى لآدم إلى آدم". قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي هذه الوجوه كلها كرامة لآدم عليه السلام. وحكى النقاش عن مقاتل: "أن الله إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يخلقه". قال: "والقرآن يرد على هذا القول". وقال قوم: سجود الملائكة كان مرتين، والإجماع يرد هذا. وقوله تعالى: {إلا إبليس} نصب على الاستثناء المتصل، لأنه من الملائكة على قول الجمهور، وهو ظاهر الآية، وكان خازناً وملكاً على سماء الدنيا والأرض، والأرض، واسمه عزازيل، قاله ابن عباس. وقال ابن زيد والحسن: "هو أبو الجن كما أن آدم أبو البشر، ولم يكن قط ملكاً". وقد روي نحوه عن ابن عباس أيضاً، قال: "واسمه الحارث". وقال شهر بن حوشب: كان من الجن الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيراً، وتعبد وخوطب معها، وحكاه الطبري عن ابن مسعود: والاستثناء على هذه الأقوال منقطع، واحتج بعض أصحاب هذا القول بأن الله تعالى قال صفة للملائكة: "لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون". ورجح الطبري قول من قال: "إن إبليس كان من الملائكة". وقال: "ليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة والنسل فيه حين غضب عليه ما يدفع أنه كان من الملائكة". وقوله عز وجل: {أية : كان من الجن ففسق عن أمر ربه} تفسير : [الكهف: 50] يتخرج على أنه عمل عملهم فكان منهم في هذا، أو على أن الملائكة قد تسمى جناً لاستتارها، قال تعالى: {أية : وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} تفسير : [الصافات: 158]. وقال الأعشى في ذكر سليمان عليه السلام: [الطويل] شعر : وسخّر من جن الملائك تسعة قياماً لديه يعملون بلا أجْرِ تفسير : أو على أن يكون نسبهم إلى الجنة كما ينسب إلى البصرة بصريّ، لما كان خازناً عليها، و {إبليس} لا ينصرف لأنه اسم أعجمي معرف. قال الزجاج: "ووزنه فِعْليل". وقال ابن عباس والسّدي وأبو عبيدة وغيرهم: هو مشتق من أبلس إذا أبعد عن الخير، ووزنه على هذا إفعيل ولم تصرفه هذه الفرقة لشذوذه، وأجروه مجرى إسحاق من أسحقه الله، وأيوب من آب يؤوب، مثل قيوم من قام يقوم، ولما لم تصرف هذه -ولها وجه من الاشتقاق- كذلك لم يصرف هذا وإن توجه اشتقاقه لقلته وشذوذه، ومن هذا المعنى قول الشاعر العجاج: [الرجز]. شعر : يا صاح هل تعرف رسماً مكرسا قال نعمْ أعرفه وأبلسا تفسير : أي تغير وبعد عن العمار والإنس به ومثله قول الآخر: [الرجز] شعر : وفي الوجوه صفرة وإبلاس تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : فإذا هم مبلسون} تفسير : [الأنعام: 44] أي يائسون عن الخير مبعدون منه فيما يرون - و {أبى} معناه امتنع من فعل ما أمر به، و {استكبر} دخل في الكبرياء، والإباية مقدمة على الاستكبار في ظهورهما عليه، والاستكبار والأنفة مقدمة في معتقده. وروى ابن القاسم عن مالك أنه قال: بلغني أن أول معصية كانت الحسد والكبر والشح، حسد إبليس آدم وتكبر، وشح آدم في أكله من شجرة قد نهي عن قربها. حكى المهدوي عن فرقة أن معنى {وكان من الكافرين}: وصار من الكافرين. وقال ابن فورك: "وهذا خطأ ترده الأصول". وقالت فرقة: "قد كان تقدم قبل من الجن من كفر فشبهه الله بهم وجعله منهم، لما فعل في الكفر فعلهم". وذكر الطبري عن أبي العالية أنه كان يقول: "وكان من الكافرين معناه: من العاصين". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وتلك معصية كفر لأنها عن معتقد فاسد صدرت. وروي أن الله تعالى خلق خلقاً وأمرهم بالسجود لآدم فعصوا فأحرقهم بالنار، ثم خلق آخرين وأمرهم بذلك فعصوا فأحرقهم، ثم خلق الملائكة فأمرهم بذلك فسجدوا. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والإسناد في مثل هذا غير وثيق. وقال جمهور المتأولين: معنى {وكان من الكافرين} أي في علم الله تعالى أنه سيكفر، لأن الكافر حقيقة والمؤمن حقيقة هو الذي قد علم الله منه الموافاة. وذهب الطبري: إلى أن الله أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم وهم اليهود الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، مع علمهم بنبوته ومع تقدم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم، واختلف هل كفر إبليس جهلاً أو عناداً على قولين بين أهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالماً بالله قبل كفره، فمن قال إنه كفر جهلاً: قال: "إنه سلب العلم عند كفره". ومن قال كفر عناداً قال: "كفر ومعه علمه"، قال: والكفر عناداً مع بقاء العلم مستبعد، إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن شاء. ولا خلاف أن الله تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم اسكن.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} ما تبدون من قولكم {أَتَجْعَلُ فِيهَا} والمتكوم: ما أسرَّه إبليس من الكِبْرِ، والعصيان، أو ما أضمروه من أن الله ـ تعالى ـ لا يخلق خلقاً إلا كانوا أكرم عليه منهم.
النسفي
تفسير : {قَالَ يَـاءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم } سمى كل شيء باسمه. {قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } أي أعلم ما غاب فيهما عنكم مما كان ومما يكون. {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } تظهرون. {وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } تسرون. {وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآِدَمَ } أي اخضعوا له وأقروا بالفضل له. عن أبي بن كعب، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: كان ذلك انحناء ولم يكن خروراً على الذقن. والجمهور على أن المأمور به وضع الوجه على الأرض. وكان السجود تحية لآدم عليه السلام في الصحيح إذ لو كان لله تعالى لما امتنع عنه إبليس. وكان سجود التحية جائزاً فيما مضى ثم نسخ بقوله عليه السلام لسلمان حين أراد أن يسجد له «حديث : لا ينبغي لمخلوق أن يسجد لأحد إلا لله تعالى»». تفسير : {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ } الاستثناء متصل لأنه كان من الملائكة كذا قاله علي وابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم، ولأن الأصل أن الاستثناء يكون من جنس المستثنى منه، ولهذا قال: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ }تفسير : [الأعراف: 12]، وقوله: {أية : كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ }تفسير : [الكهف: 50] معناه صار من الجن كقوله {أية : فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ }تفسير : [هود: 43]. وقيل: الاستثناء منقطع لأنه لم يكن من الملائكة بل كان من الجن بالنص وهو قول الحسن وقتادة، ولأنه خلق من نار والملائكة خلقوا من النور، ولأنه أبى وعصى واستكبر والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ولا يستكبرون عن عبادته. ولأنه قال: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي }تفسير : [الكهف: 50]، ولا نسل للملائكة. وعن الجاحظ أن الجن والملائكة جنس واحد، فمن طهر منهم فهو ملك، ومن خبث فهو شيطان، ومن كان بين بين فهو جن. {أَبَىٰ } امتنع مما أمر به {وَٱسْتَكْبَرَ } تكبر عنه. {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } وصار من الكافرين بإبائه واستكباره ورده الأمر لا بترك العمل بالأمر، لأن ترك السجود لا يخرج من الإيمان ولا يكون كفراً عند أهل السنة خلافاً للمعتزلة والخوارج، أو كان من الكافرين في علم الله أي وكان في علم الله أنه يكفر بعد إيمانه لأنه كان كافراً أبداً في علم الله وهي مسألة الموافاة. {وَقُلْنَا يٰـئَادَمُ ٱسْكُنْ } أمر من سكن الدار يسكنها سكنى إذا أقام فيها ويقال سكن المتحرك سكوناً {أَنتَ } تأكيد للمستكن في «اسكن» ليصح عطف {وَزَوْجُكَ } عليه {ٱلْجَنَّةَ } هي جنة الخلد التي وعدت للمتقين للنقل المشهور واللام للتعريف. وقالت المعتزلة: كانت بستاناً باليمن لأن الجنة لا تكليف فيها ولا خروج عنها. قلنا: إنما لا يخرج منها من دخلها جزاء. وقد دخل النبي عليه السلام ليلة المعراج ثم خرج منها، وأهل الجنة يكلفون المعرفة والتوحيد. {وَكُلاَ مِنْهَا } من ثمارها فحذف المضاف. {رَغَدًا } وصف للمصدر أي أكلاً رغداً واسعاً {حَيْثُ شِئْتُمَا } شئتما وبابه بغير همز: أبو عمرو. وحيث للمكان المبهم أي أيَّ مكان من الجنة شئتما {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ } أي الحنطة. ولذا قيل: كيف لا يعصي الإنسان وقوته من شجرة العصيان، أو الكرمة لأنها أصل كل فتنة، أو التينة. {فَتَكُونَا } جزم عطف على «تقربا» أو نصب جواب للنهي. {مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } من الذين ظلموا أنفسهم أو من الضارين أنفسهم. {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا } أي عن الشجرة، أي فحملهما الشيطان على الزلة بسببها. وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنها أو فأزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما عنها وأبعدهما. «فأزالهما» حمزة. وزلة آدم بالخطأ في التأويل إما بحمل النهي على التنزيه دون التحريم، أو بحمل اللام على تعريف العهد وكأن الله تعالى أراد الجنس والأول الوجه. وهذا دليل على أنه يجوز إطلاق اسم الزلة على الأنبياء عليهم السلام كما قال مشايخ بخارى. فإنه اسم الفعل يقع على خلاف الأمر من غير قصد إلى الخلاف كزلة الماشي في الطين. وقال مشايخ سمرقند: لا يطلق اسم الزلة على أفعالهم كما لا تطلق المعصية. وإنما يقال فعلوا الفاضل وتركوا الأفضل فعوتبوا عليه. {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } من النعيم والكرامة، أو من الجنة إن كان الضمير للشجرة في «عنها». وقد توصل إلى إزلالهما بعدما قيل له {أية : فاخرج منها فإنك رجيم}تفسير : لأنه منع عن دخولها على جـهة التكرمة كدخول الملائكة لا عن دخولها على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء. وروي أنه أراد الدخول فمنعته الخزنة فدخل في فم الحية حتى دخلت به. وقيل: قام عند الباب فنادى. {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ } الهبوط النزول إلى الأرض. والخطاب لآدم وحواء وإبليس وقيل والحية والصحيح لآدم وحواء. والمراد هما وذريتهما لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم ويدل عليه قوله تعالى: {أية : قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً } تفسير : [طه: 123] {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } المراد به ما عليه الناس من التباغي والتعادي وتضليل بعضهم لبعض. والجملة في موضع الحال من الواو في «اهبطوا» أي اهبطوا متعادين. {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ } موضع استقرار أو استقرار. {وَمَتَـٰعٌ } وتمتع بالعيش. {إِلَىٰ حِينٍ } إلى يوم القيامة أو إلى الموت. قال إبراهيم بن أدهم: أورثتنا تلك الأكلة حزناً طويلاً. {فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ } أي استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها. وبنصب «آدم» ورفع «كلمات»: مكي على أنها استقبلته بأن بلغته واتصلت به وهنا قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ }تفسير : [الأعراف: 23]. وفيه موعظة لذريتهما حيث عرفوا كيفية السبيل إلى التنصل من الذنوب. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن أحب الكلام إلى الله تعالى ما قاله أبونا آدم حين اقترف الخطيئة: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تنفخ فيَّ من روحك؟ ألم تسبق رحمتك غضبك؟ ألم تسكنى جنتك؟ وهو تعالى يقول: بلى بلى. قال: فلم أخرجتني من الجنة؟ قال: بشؤم معصيتك. قال: فلو تبت أراجعي أنت إليها؟ قال: نعم {فَتَابَ عَلَيْهِ } فرجع عليه بالرحمة والقبول. واكتفى بذكر توبة آدم لأن حواء كانت تبعاً له، وقد طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك. {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ } الكثير القبول للتوبة. {ٱلرَّحِيمُ } على عباده. {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا } حال أي مجتمعين. وكرر الأمر بالهبوط للتأكيد، أو لأن الهبوط الأول من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الأرض، أو لما نيط به من زيادة قوله. {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى } أي رسول أبعثه إليكم، أو كتاب أنزله عليكم بدليل قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا } في مقابلة قوله {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ } أي بالقبول والإيمان به. {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } في المستقبل {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما خلفوا. والشرط الثاني مع جوابه جواب الشرط الأول كقولك «إن جـئتني فإن قدرت أحسنت إليك». «فلا خوفَ» بالفتح في كل القرآن: يعقوب.
الخازن
تفسير : {قال} يعني الله تعالى {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} وذلك لما ظهر عجز الملائكة فسمى كل شيء باسمه وذكر وجه الحكمة التي خلق لها {فلما أنباهم بأسمائهم قال} يعني الله تعالى {ألم أقل لكم} يعني يا ملائكتي {إني أعلم غيب السموات والأرض} يعني ما كان وما سيكون وذلك أنه سبحانه وتعالى علم أحوال آدم قبل أن يخلقه فلهذا قال لهم: إني أعلم ما لا تعلمون {وأعلم ما تبدون} يعني قول الملائكة: أتجعل فيها {وما كنتم تكتمون} يعني قولكم لن يخلق الله تعالى خلقاً أكرم عليه منا وقال ابن عباس أعلم ما تبدون من الطاعة وما كنتم تكتمون، يعني إبليس من المعصية. قوله عز وجل: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} قيل هذا الخطاب كان مع الملائكة الذين كانوا سكان الأرض والأصح أنه خطاب مع جميع الملائكة بدليل قوله: {أية : فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس} تفسير : [ص: 73-74] {فسجدوا} يعني الملائكة وفي هذا السجود قولان أصحهما أنه كان لآدم على الحقيقة ولم يكن فيه وضع الجبهة على الأرض وإنما هو الانحناء وكان سجود تحية وتعظيم لا سجود عبادة كسجود إخوة يوسف له في قوله: {أية : وخروا له سجداً} تفسير : [يوسف: 100] فلما جاء الإسلام أبطل ذلك بالسلام. وفي سجود الملائكة لآدم معنى الطاعة لله تعالى والامتثال لأمره. والقول الثاني أن آدم كان كالقبلة، وكان السجود لله تعالى، كما جعلت الكعبة قبلة للصلاة والصلاة لله تعالى، وفي هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة في تفضيل الأنبياء على الملائكة {إلاّ إبليس} سمي به لأنه إبلس من رحمة الله أي يئس، وكان اسمه عزازيل بالسريانية وبالعربية الحارث فلما عصى غير اسمه فسمي إبليس وغيرت صورته قال ابن عباس كان إبليس من الملائكة بدليل أنه استثناه منهم وقيل إنه من الجن لأنه خلق من النار ولملائكته خلقوا من النور ولأنه أصل الجن كما أن آدم أصل الإنس والأول أصح لأن الخطاب كان مع الملائكة فهو داخل فيهم ثم استثناه منهم {أبى} أي امتنع من السجود فلم يسجد {واستكبر} أي تكبر وتعظم عن السجود لآدم {وكان من الكافرين} أي في علم الله تعالى فإنه وجبت له النار لسابق علم الله تعالى بشقاوته (م) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله" تفسير : وفي رواية يا ويلتاه أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار. قوله عز وجل {وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} أي اتخذها مأوى ومنزلاً وليس معناه الاستقرار لأنه لم يقل أسكنتك الجنة لأنه خلق لعمارة الأرض ولما أسكن الله آدم في الجنة بقي وحده ليس معه من يستأنس به ويجالسه فألقى الله عليه النوم ثم أخذ ضلعاً من أضلاع جنبه الأيسر، وهو الأقصر فخلق منه زوجته حواء، ووضع مكان الضلع لحماً من غير أن يحس بذلك آدم ولم يجد ألماً، ولو وجد ألماً لما عطف رجل على امرأة قط، وسميت حواء لأنها خلقت من حي، فلما استيقظ آدم من نومه ورآها جالسة كأحسن ما خلق الله تعالى فقال لها: من أنت؟ قالت: أنا زوجتك حواء قال: ولماذا خلقت؟ قالت: لتسكن إلي وأسكن إليك. واختلفوا في الجنة التي أمر آدم بسكناها فقيل إنها جنة كانت في الأرض بدليل أنه لو كانت الجنة التي هي دار الجزاء والثواب لما أخرج منها. وأجاب صاحب هذا القول عن قوله تعالى:{اهبطا} بأن المراد من الهبوط التحول والانتقال فهو كقوله تعالى: {أية : اهبطوا مصر} تفسير : [البقرة: 61] والقول الصحيح أنها الجنة التي هي دار الجزاء والثواب لأن الألف واللام للعهد والجنة بين المسلمين وفي عرفهم التي هي دار الجزاء. وقيل: كلا القولين ممكن فلا وجه للقطع {وكلا منهما رغداً} أي واسعاً كثيراً {حيث شئتما} أي كيف شئتما ومتى شئتما وأين شئتما والمقصود منه الإطلاق في الأكل من الجنة بلا منع إلاّ ما نهى عنه، وهو قوله تعالى: {ولا تقربا هذه الشجرة} يعني للأكل قيل إنما وقع هذه النهي عن جنس الشجرة. وقيل عن شجرة مخصوصة قال ابن عباس هي السنبلة وقيل الكرمة. وقيل هي شجرة التين وقيل هي شجرة العلم. وقيل الكافور. وقيل: ليس في ظاهر الكلام ما يدل على التبيين إذ لا حاجة إليه لأنه ليس المقصود تعرّف عين تلك الشجرة وما لا يكون مقصود لا يجب بيانه {فتكونا من الظالمين} يعني إن أكلتما من هذه الشجرة ظلمتما أنفسكما فمن جوّز ارتكاب الذنبوب على الأنبياء قال ظلم نفسه بالمعصية. وأصل الظلم وصنع الشيء في غير موضعه ومن لم يجوز ذلك على الأنبياء جعل الظلم على أنه فعل ما كان الأولى أن لا يفعله. وقيل: يحمل على أنه فعل هذا قبل النبوة. فإن قلت: هل يجوز وصف الأنبياء بالظلم أو بظلم أنفسهم؟ قلت: لا يجوز أن يطلق عليهم ذلك لما فيه من الذم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ...} قال ابن عرفة: إذا قدّم النداء على الأمر فيكون المراد تنبيه المخاطب واستحضار ذهنه لما يلقى إليه، وإن قدم الأمر على النداء كان ذلك دليلا على تأكيد طلبه وأنه هو (الاسم) (المقصود) كما ورد في الحديث الصحيح "حديث : في غزوة بدر لما برز من صف المشركين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وطلبوا أن يكون المباشر (لهم) بالقتال مثلهم من بني عمّهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قم يا حمزة، قم يا علي، قم يا عبيدة بن الحارث وكذلك في حديث الأنصار حيث قام منهم خطيب فقال النّبي صلى الله عليه وسلم: "قل (يا أباحية) ". تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَنبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ...} (فإن قلت: هلاّ قيل: فأنبأهم بأسمائهم. فقال: {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ} الآية؟ قلت: الجواب ما قال بعضهم: من أن حكمته الإشعار بترتيب المجازات على الفعل (فيؤخذ) منه جواز (الثناء) على الإنسان بما فيه من المحاسن لكن في غيبته لئلا يقع (في نفسه) كبر وعجب وإن كان (الإنسان) هنا سالما من ذلك. قال الطيبي: ويؤخذ من الآية أن علم اللغَة والحِكْمة أفضل من علم العبادة فضلا عن علم الشريعة/ لأن آدم عليه السلام فضل على الملائكة لاختصاصه بعلم الأسماء وهذا راجع إلى حفظ اللغة وهم لم يحتجوا إلا بكمال التسبيح والتقديس. فقال ابن عرفة: إنّما يؤخذ منه أن علم اللّغة له فضل وشرف لا أنه أفضل من العبادة. قال ابن عطية: قال بعض العلماء في قوله تعالى: {فَلَمَّآ أَنبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ} نبوءة (لآدم) عليه السلام إذ أمره الله أن ينبيء الملائكة بما ليس عندهم من علم الله عز وجل. وكذا قال ابن الخطيب: إنّه احتجّ بها من قال: إنّ آدم عليه السلام رسول، ورد هذا (بوجوه): الأول: قال الفخر الرازي: الأنبياء معصومون وهو قد أهبط بعد ذلك من الجنة لأكله من الشجرة فلا يصح كونه رسولا. الثاني: قال ابن عرفة: الرسول مأمور بتبليغ التكاليف لأمته، والملائكة ليسوا مكلفين بإجماع، وأيضا فالتبليغ إنما هو مع الغيبة والله تعالى خاطب الملائكة خطاب مشافهة فلا فائدة في الإرسال إليهم. قوله تعالى: {قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}. قال ابن عرفة: كان الشيخ ابن عبد السلام رحمه الله تعالى يقول في هذه الآية الكريمة: إنه لم يتقدم في الآية (التي قبلها) أنه قال لهم هذا لأن المتقدم إنما هو {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} تفسير : إلى قوله {أية : تعلمونَ }. تفسير : قال الشيخ ابن عبد السلام: ينبغي عندي أن يوقف عند قوله {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ} أي (أَلَمْ) أَقُل لَّكُمْ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. ثم يبتدئ: {إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}؟ قلت: والظاهر عندي أن الوقف عند قوله: {غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} لأنّ {غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ}، لا يعلمونه هم فكأنه قال: إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ويبتدئ {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} لأن هذا لا يتسلط عليه القول إذ لم يقله لهم أصلا. قوله تعالى: {مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} قال ابن عرفة: عادتهم يوردون هنا سؤالا مذكورا في جنس الائتلاف وهو: لِمَ جَاءَ هذا هكذا (مع) صلاحية الأربعة أوجه إمّا حَذْف كان من الفعلين، أو ذكرهما فيهما معا أو ذكرها مع الأول دون الثاني، أو العكس. فلم اختص اختص بها الثاني دون الأول؟ قال: وتقدم لنا الجواب عنه بأنه قصد بالعطف التسوية بين علم الله تعالى الظاهر والخفي كما في قوله تعالى {أية : مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا} تفسير : وعلم الأمر الظاهري في الحال أقرب من علم ما كان ماضيا في الباطن وجهل الأمر الماضي الخفيّ أشدّ من جهل الأمر الحالي الخفي (فقرن) علمه الظّاهر الّّذي في أعلى درجات (الجلاء) والوضوح بعلمه الأمر الخفي الباطن الذي في أنهى درجات الخفاء إشارة إلى استواء علمه فيهما، وأنه ليس بينهما عندي في ذلك تفاوت بوجه فلذلك قرنت كان بـ "تَكْتُمُونَ" دون "تُبْدُونَ". قيل لابن عرفة: ولو (قصد) التّسوية لبدأ "بِمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ" لأن معرفة الخفي يستلزم (معرفة) الجلي، فلا تكون للعطف فائدة إلا التسوية وأما الآن فالعطف تأسيس وفائدة ظاهرة. قال ابن عرفة: جاء هذا على الأصل فلا سؤال فيه.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {قَالَ يَـا ءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ}: أَنْبِئْهُمْ: معناه: أخبرهم، والضمير في «أَنْبِئْهُمْ» عائدٌ على الملائكة بإجماعٍ، والضميرُ في «أَسْمَائِهِمْ» مختلَفٌ فيه حَسَبَ الاختلاف في الأسماء التي علَّمها آدم، قال بعض العلماء: إنَّ في قوله تعالَىٰ: {فَلَمَّا أَنبَأَهُم } نبوءةً لآدم عليه السلام؛ إِذ أمره اللَّه سبحانه أن ينبىء الملائكة بما ليس عندهم من علم اللَّه عز وجَلَّ. وقوله تعالَىٰ: {أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}: معناه: ما غاب عنكم؛ لأنَّ اللَّه تعالى لا يغيبُ عنه شيء، الكلُّ معلوم له. واختلف في قوله تعالى: {مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}. فقال طائفة: ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم أجمع، «وإِذْ» من قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ } معطوفةٌ على «إذِ» المتقدِّمة، وقولُ اللَّه تعالَىٰ وخطابه للملائكةِ متقرِّر قديم في الأَزَلِ؛ بشرط وجودهم وفهمهم، وهذا هو الباب كله في أوامر اللَّه تعالَىٰ ونواهيه ومخاطباته. * ت *: ما ذكره ـــ رحمه اللَّه ـــ هو عقيدةُ أهل السنة، وها أنا أنقل من كلام الأئمة، إن شاء اللَّه، ما يتبيَّن به كلامه، ويزيده وضوحاً، قال ابن رُشْدٍ: قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ»تفسير : لا يفهم منه أن للَّه عز وجلَّ كلماتٍ غَيْرَ تامَّات؛ لأن كلماته هي قوله، وكلامه هو صفةٌ من صفات ذاتِهِ يستحيلُ عليها النقص، وفي الحديث بيانٌ واضحٌ على أن كلماته عز وجل غير مخلوقة إذ لا يستعاذ بمخلوقٍ، وهذا هو قول أهل السنة، والحقّ أن كلام اللَّه عزَّ وجلَّ صفة من صفات ذاته قديمٌ غيرُ مخلوقٍ؛ لأن الكلام هو المعنى القائِمُ في النفسِ، والنطقُ به عبارةٌ عنه؛ قال اللَّه عزَّ وجلَّ: {أية : وَيَقُولُونَ فِى أَنْفُسِهِمْ }تفسير : [المجادلة:8] فأخبر أن القول معنًى يقوم في النفْسِ، وتقول: في نَفْسِي كَلاَمٌ، أريد أن أعلمك به، فحقيقة كلام الرجل هو المفهومُ من كلامه، وأما الذي تسمعه منه، فهو عبارةٌ عنه؛ وكذلك كلام اللَّه عز وجلَّ القديمُ الذي هو صفة من صفاتِ ذاته هو المفهومُ من قراءة القارىء لا نَفْسُ قراءته التي تسمعها؛ لأنَّ نفس قراءته التي تسمعها مُحْدَثَةٌ، لم تكن؛ حتى قرأ بها، فكانت، وهذا كله بيِّن إلا لمن أعمى اللَّه بصيرته. انتهى بلفظه من «البَيَانِ». وقال الغَزَّالِيُّ بعد كلامٍ له نحو ما تقدَّم لابْنِ رشد: وكما عقل قيامُ طلبِ التعلُّم وإرادته بذات الوالدِ قبل أن يخلق ولده؛ حتى إذا خلق ولده، وعقل، وخلق اللَّه سبحانه له علْماً بما في قلْب أبيه من الطَّلَب، صار مأموراً بذلك الطلب الذي قام بذاتِ أبيه، ودام وجوده إِلى وقت معرفة ولده، فليعقل قيام الطلب الذي دلَّ عليه قوله عزَّ وجلَّ: {أية : فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ }تفسير : [طه:12] بذات اللَّه تعالَىٰ، ومصير موسى عليه السلامُ سَامِعاً لذلك الكلامِ مخاطَباً به بعد وجوده؛ إذ خلقت له معرفة بذلك الطلبِ، ومعرفةُ بذلك الكلامِ القديمِ. انتهى بلفظه من «الإحياء». وقوله: {لِلْمَلَـٰئِكَةِ} عمومٌ فيهم، والسجودُ في كلام العرب: الخضوعُ والتذلُّل، وغايته وضع الوجْه بالأرض، والجمهور على أنَّ سجود الملائكة لآدم إيماءٌ وخضوعٌ، ولا تدفع الآية أنْ يكونوا بلغوا غاية السجود، وقوله تعالَىٰ: {أية : فَقَعُواْ لَهُ سَـاجِدِينَ } تفسير : [الحجر:29] لا دليل فيه؛ لأن الجاثي على ركبتيه واقعٌ، واختُلِفَ في حال السجودِ لآدم. فقال ابن عَبَّاسٍ: تعبَّدهم اللَّه بالسجود لآدم، والعبادةُ في ذلك للَّهِ، وقال عليُّ بن أبي طالب، وابنُ مسعودٍ، وابنُ عبَّاس أيضاً: كان سجودَ تحيَّة؛ كسجود أبوَيْ يوسُفَ عليه السلام له، لا سجودَ عبادة، وقال الشَّعبيُّ: إنما كان آدم كالقِبْلة، ومعنى {لأَدَمَ}: إِلَىٰ آدَمَ. * ع *: وفي هذه الوجوهِ كلِّها كرامةٌ لآدم عليه السلام. وقوله تعالَىٰ: {إِلاَّ إِبْلِيسَ} نصبٌ على الاستثناءِ المتَّصِلِ؛ لأنه من الملائكة على قول الجمهور، وهو ظاهر الآية، وكان خازناً ومَلَكاً على سماء الدنْيا والأرض، واسمه عَزَازِيلُ؛ قاله ابن عباس. وقال ابن زيد والحسن: هو أبو الجِنِّ كما آدمُ أبو البشر، ولم يكُ قطُّ ملَكاً، وقد روي نحوه عن ابن عباس أيضاً، قال: واسمه الحارثُ. وقال شَهْرُ بن حَوْشَبٍ: كان من الْجِنِّ الذين كانوا في الأرض، وقاتلتهم الملائكةُ فسَبَوْهُ صغيراً، وتعبَّد مع الملائكة، وخُوطِبَ معها، وحكاه الطبريُّ عن ابن مسعود. والاستثناءُ على هذه الأقوال منقطعٌ؛ واحتجَّ بعض أصحاب هذا القول؛ بأن اللَّه تعالى قال في صفة الملائكة: {أية : لاَ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }تفسير : [التحريم:6] ورجَّح الطبريُّ قَوْلَ من قال: إن إِبليسَ كان من الملائكَةِ، وقال: ليس في خلقه مِنْ نارٍ، ولا في تركيبِ الشَّهْوَةِ والنسلِ فيه حينَ غُضِبَ عليه ما يدْفَعُ أنه كان من الملائكة، وقوله تعالَىٰ: {أية : كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ }تفسير : [الكهف:50] يتخرَّج على أنه عمل عملهم، فكان منهم في هذا، أو على أن الملائكة قد تسمى جِنًّا؛ لاستتارها؛ قال اللَّه تعالَىٰ: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً }تفسير : [الصافات:158] وقال الأعشَىٰ في ذكر سليمانَ عليه السلام: [الطويل]شعر : وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ المَلاَئِكِ تِسْعَةً قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلونَ بِلاَ أَجْرِ تفسير : أو على أن يكون نسبه إلى الجَنَّةِ؛ كما ينسب إلى البَصْرَةِ بِصْرِيَّ. قال عِيَاضٌ: ومما يذكرونه قصَّةُ إبليس، وأنه كان من الملائكة، ورئيساً فيهم، ومن خُزَّان الجَنَّة إلى ما حكَوْه، وهذا لم يتفقْ عليه، بل الأكثر ينفون ذلك، وأنه أبو الجن. انتهى من «الشِّفا». وإِبْلِيسُ: لا ينصرفُ؛ لأنه اسم أعجميٌّ؛ قال الزَّجَّاج: ووزنه فِعْلِيلُ، وقال ابن عبَّاس وغيره: هو مشتقٌّ من أُبْلِسَ، إِذا أبعد عن الخير، ووزنه علَىٰ هذا إفْعِيلُ، ولم تصرفه هذه الفرقةُ؛ لشذوذه وقلَّته، ومنه قوله تعالَىٰ: {أية : فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ }تفسير : [الأنعام:44] أيْ: يائسون من الخَيْر، مبعدُونَ منه فيما يَرَوْنَ، و {أَبَىٰ}: معناه: امتنَعَ من فعْلِ ما أمر به، {وَٱسْتَكْبَرَ}: دخل في الكبرياءِ، والإبَاءَةُ مقدَّمة على الاِستكبارِ في ظهورهما عليه، والاستكبارُ والأَنَفَة مقدَّمة في معتقده، وروى ابْنُ القاسم عن مَالكٍ؛ أنه قال: بَلَغَنِي أنَّ أوَّلَ معْصيَةٍ كانت الحسدُ، والكِبْرُ، والشُّحُّ، حسد إِبليسُ آدم، وتكبَّر، وشحَّ آدم في أكله من شجرة قد نُهِيَ عن قربها. * ت *: إِطلاق الشحِّ على آدم فيه ما لا يخفَىٰ عليك، والواجب ٱعتقاد تنزيه الأنبياء عن كل ما يحُطُّ من رتبتهم، وقد قال اللَّه تعالَىٰ في حق آدَمَ: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً }تفسير : [طه:115]. وقوله تعالى: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ}: قالت فِرقَةٌ: معناه: وصار من الكافرين، وردَّه ابن فُورَكَ، وقال جمهور المتأوِّلين: معنى: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ}، أيْ: في علْمِ اللَّهِ تعالَىٰ، وقال أبو العالية: معناه: من العاصين، وذهب الطبريُّ إِلى أن اللَّه تعالَىٰ أراد بقصة إبْلِيسَ تقريعَ أشباهه من بني آدم، وهم اليهودُ الذين كفروا بمحمَّد صلى الله عليه وسلم، مع علمهم بنبوءته، ومع تقدُّم نعم اللَّه عليهم، وعلى أسلافهم. * ت *: ولفظ الطبريِّ: وفي هذا تقريعٌ لليهود؛ إذ أبوا الإسلام مع علمهم بنبوءة رسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم من التوارة والكُتُبِ؛ حَسَداً له، ولبني إِسماعيل؛ كما امتنع إِبليسُ من السجود؛ حَسَداً لآدَم وتكبُّراً عن الحق وقبولِهِ، فاليهود نظراء إِبْليسَ في كُفْرهم وكِبْرهم وحَسَدهم وتَرْكِهِمْ الانقيادَ لأمر اللَّه تعالى. انتهى من «مختصر الطبريِّ» لأبي عبد اللَّه اللَّخْمِيِّ النحْويِّ. واختلف، هل كفر إبليس جهلاً أو عناداً؟ على قولَيْن بين أهل السنة، ولا خلاف أنه كان عالماً باللَّه قبل كفره، ولا خلاف أن اللَّه تعالى أخرج إبليس عند كفره، وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم: {ٱسْكُنْ}.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ} استئناف كما سلف {يَـاءَادَمُ أَنبِئْهُم} أي أعلِمْهم، أُوثرَ على أنبئني كما وقع في أمر الملائكة مع حصول المراد معه أيضاً وهو ظهورُ فضلِ آدمَ عليهم، عليهم السلام، إبانةً لما بـين الأمرين من التفاوت الجليّ وإيذاناً بأن عِلْمَه عليه السلام بها أمرٌ واضحٌ غيرُ محتاجٍ إلى ما يجري مَجرى الامتحان، وأنه عليه السلام حقيقٌ بأن يعلمَها غيرُه وقرىء بقلب الهمزة ياءً وبحذفِها أيضاً والهاء مكسورةٌ فيهما {بِأَسْمَائِهِمْ} التي عجَزوا عن علمها واعترفوا بتقاصُر هممِهم عن بلوغِ مرتبتها {فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم} الفاء فصيحةٌ عاطفةٌ للجملة الشرطية على محذوف يقتضيهِ المقامُ وينسحِبُ عليه الكلام، للإيذان بتقرُّره وغِناه عن الذكر، وللإشعارِ بتحقُّقه في أسرع ما يكون كما في قوله عز وجل: {أية : فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ} تفسير : [النمل، الآية 40] بعد قولِه سبحانه: {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} تفسير : [النمل، الآية 40] وإظهارُ الأسماءِ في موقع الإضمارِ لإظهار كمالِ العنايةِ بشأنها،والإيذانِ بأنه عليه السلام أنبأهم بها على وجه التفصيلِ دون الإجمالِ، والمعنى فأنبأهم بأسمائهم مفصّلةً وبـيّن لهم أحوالَ كلٍّ منهم وخواصَّه وأحكامَه المتعلقة بالمعاش والمعاد، فعلِموا ذلك لمّا رأَوْا أنه عليه السلام لم يتلعثم في شيء من التفاصيل التي ذكرها مع مساعدة ما بـين الأسماءِ والمسميات من المناسبات والمُشكلات وغيرِ ذلك من القرائن الموجبةِ لصدق مقالاتِه عليه السلام، فلما أنبأهم بذلك {قَالَ} عز وجل تقريراً لما مر من الجواب الإجماليِّ واستحضاراً له {أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضِ} ولكن لا لتقرير نفسِه كما في قوله تعالى: {أية : أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً} تفسير : [طه، الآية 86] ونظائرِه بل لتقرير ما يفيده من تحقق دواعي الخلافةِ في آدمَ عليه السلام لظهور مِصْداقه، وإيرادُ ما لا يعلمون بعنوان الغيبِ مضافاً إلى السموات والأرض للمبالغة في بـيان كمالِ شمولِ علمِه المحيطِ وغايةِ سَعته، مع الإيذان بأن ما ظهر من عجزهم وعلم آدمَ عليه السلام من الأمور المتعلقة بأهل السموات وأهل الأرض، وهذا دليل واضحٌ على أن المراد (بما لا تعلمون) فيما سبق ما أشير إليه هناك كأنه قيل ألم أقل لكم إني أعلم فيه من دواعي الخلافةِ ما لا تعلمونه فيه هو هذا الذي عاينتموه، وقوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} عطفٌ على جملة (ألم أقل لكم) لا على أعلم، إذ هو غيرُ داخلٍ تحت القول، و(ما) في الموضعين موصولةٌ حذف عائدُها أي أعلم ما تبدونه وما تكتمونه، وتغيـيرُ الأسلوب للإيذان باستمرار كَتْمِهم، قيل: المراد بما يبدون قولُهم أتجعل الخ، وبما يكتمون استبطانُهم أنهم أحِقّاءُ بالخلافة وأنه تعالى لا يخلُق خلقاً أفضل منهم. رُوي أنه تعالى لما خلق آدمَ عليه السلام رأت الملائكةُ فِطرتَه العجيبةَ وقالوا ليكن ما شاء فلن يخلُقَ ربُنا خلقاً إلا كنا أكرمَ عليه منه وقيل: هو ما أسره إبليسُ في نفسه من الكِبْر وتركِ السجود، فإسنادُ الكِتمان حينئذ إلى الجميع من قبـيل قولهم بنو فلان قتلوا فلاناً والقاتل واحدٌ من بـينهم، قالوا: في الآية الكريمة دلالةٌ على شرف الإنسان ومزية العلمِ وفضلِه على العبادة، وأن ذلك هو المناطُ للخلافة، وأن التعليم يصحُّ إطلاقُه على الله تعالى. وإن لم يصح إطلاقُ المعلِّم عليه لاختصاصه عادة بمن يحترِفُ به، وأن اللغاتِ توقيفيةٌ إذ الأسماءُ تدل على الألفاظ بخصوص أو بعموم، وتعليمُها ظاهرٌ في إلقائها على المتعلم مبـيناً له معانيَها، وذلك يستدعي سابقةَ وضعٍ، وما هو إلا من الله تعالى وأن مفهوم الحِكمة زائدٌ على مفهوم العلم وإلا لزم التكرارُ وأن علومَ الملائكة وكمالاتِهم تقبل الزيادة، والحكماءُ منعوا ذلك في الطبقة العليا منهم وحملوا على ذلك قولَه تعالى: {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } تفسير : [الصافات، الآية 164] وأن آدمَ أفضلُ من هؤلاء الملائكة لأنه عليه السلام أعلمُ منهم وأنه تعالى يعلمُ الأشياءَ قبل حدوثِها.
القشيري
تفسير : من آثار العناية بآدم عليه السلام أنَّه لمَّا قال للملائكة: "أنبئوني" دَاخَلَهُم من هيبة الخطاب ما أخذهم عنهم، لا سيما حين طالَبَهم بإنبائهم إياه ما لم تُحِطْ به علومهم. ولما كان حديث آدم عليه السلام ردَّه في الإنباء إليهم فقال: {أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} ومخاطبة آدم عليه السلام الملائكة لم يوجب له الاستغراق في الهيبة. فلما أخبرهم آدم عليه السلام بأسماء ما تقاصرت عنها علومهم ظهرت فضيلته عليهم فقال: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} يعني ما تقاصرت عنه علوم الخَلْق، وأعلم ما تبدون من الطاعات، وتكتمون من اعتقاد الخيرية على آدم عليه السلام والصلاة. فصل: ولمَّا أراد الحق سبحانه أن يُنَجِيَ آدمَ عصمهِ، وعلَّمه، وأظهر عليه آثار الرعاية حتى أخبر بما أخبر به، وحين أراد إمضاء حكمه فيه أدخل عليه النسيان حتى نَسِيَ في الحضرة عهده، وجاوز حدَّه، فقال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه: 115] فالوقت الذي ساعدته العناية تقدم على الجملة بالعلم والإِحسان، والوقت الذي أمضى عليه الحكم ردَّه إلى حال النسيان والعصيان، كذا أحكام الحق سبحانه فيما تجري وتمضي، ذلَّ بحكمه العبيد، وهو فعَّال لما يريد. فصل: ولمَّا توهموا حصول تفضيلهم بتسبيحهم وتقديسهم عرَّفهم أن بِساط العز مقدس عن التجمل بطاعة مطيع أو التدنس بزلة جاحد عنيد، فَرَدُّهم إلى السجود لآدم أَظهرَ الغَنَاء عن كل وفاق وخلاف.
اسماعيل حقي
تفسير : {قَال} استئناف ايضا{يا آدم انبئهم} اى أعلمهم {باسمآئهم} التى عجزوا عن علمها واعترفوا بتقاصير هممهم عن بلوغ مرتبتها {فلما انبئهم بأسمائهم} روى انه رفع على منبر وامر ان ينبئ الملائكة بالاسماء فلما انبأهم بها وهم جلوس بين يديه وذكر منفعة كل شئ {قَال} الله تعالى {الم اقل لكم انى اعلم غيب السموات والارض} والاستفهام للتقرير اى قد قلت لكم انى اعلم ما غاب فيهما ولا دليل عليه ولا طريق اليه {واعلم ما تبدون} تظهرون من قولكم {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30] الآية {وما كنتم تكتمون} [البقرة: 33] تسرون من قولكم لن يخلق الله خلقا اكرم عليه منا وهو استحضار لقوله تعالى {أية : إنى أعلم ما لا تعلمون}تفسير : [البقرة: 30]. لكنه جاء به على وجه أبسط ليكون كالحجة عليه فانه تعالى كما علم ما خفى عليهم من امور السموات والارض وما ظهر لهم من احوالهم الظاهرة والباطنة علم ما لا يعلمون. وفيه تعريض بمعاتبتهم على ترك الاولى من السؤال وهو ان يتوقفوا مترصدين لان يبين لهم وهذه الآيات تدل على شرف الانسان ومزية العلم وفضله على العبادة لان الملائكة اكثر عبادة من آدم ومع ذلك لم يستحقوا الخلافة وتدل على ان العلم شرط فى الخلافة بل العمدة فيها وان آدم افضل من هؤلاء الملائكة لانه اعلم منهم والاعلم افضل لقوله تعالى {أية : قل هل يستوى الذين يعلمون والذين لا يعلمون}تفسير : [الزمر: 9] فالعلم اشرف جوهرا ولكن لا بد للعبادة مع العلم فان العلم بمنزلة الشجرة والعبادة بمنزلة الثمرة فالشرف للشجرة وهو الاصل لكن الانتفاع بثمرتها. وفى حديث ابى ذر رضى الله عنه "حديث : حضور مجلس علم افضل من صلاة ألف ركعة وعيادة ألف مريض وشهود ألف جنازة" فقيل يا رسول الله أو من قراءة القرآن قال "وهل ينفع القرآن الا بالعلم"تفسير : : قال فى المثنى شعر : خاتم ملك سليمانست علم جمله عالم صورت وجانست علم تفسير : وفى الحديث"حديث : النظر الى وجه الوالد عبادة والنظر الى الكعبة المكرمة عبادة والنظر فى المصحف عبادة والنظر فى وجه العالم عبادة من زار عالما فكانما زارنى ومن صافح عالما فكانما صافحنى ومن جالس عالمافكانما جالسنى ومن جالسنى فى الدنيا اجلسه الله معى يوم القيامة"تفسير : وفى الحديث "حديث : من اراد ان ينظر الى عتقاء الله من النار فلينظر الى المتعلمين فوالذى نفس محمد بيده ما من متعلم يختلف اى يذهب ويجئ الى باب العالم الا يكتب الله له بكل قدم عبادة سنة ويبنى بكل قدم مدينة فى الجنة ويمشى على الارض والارض تستغفر له ويسمى ويصبح مغفور له"تفسير : وفى التأويلات النجمية {أية : وعلم آدم الاسماء كلها}تفسير : [البقرة: 31] الاسماء على ثلاثة اقسام. قسم مناه اسماء الروحانيات والملكوتيات وهى مقام الملائكة ومرتبتهم فلهم علم ببعضها واستعدادا ايضا لان ينبأوا بما لا علم لهم به فان الروحانيات والملكوتيات لهم شهادة كالجسمانيات لنا. والقسم الثانى منها اسماء الجسمانيات وهى مرتبة دون مرتبتهم فيمكن انباؤهم لان الجسمانيات لهم كالحيوانات بالنسبة الينا فانها مرتبة دون مرتبة الانسان فيمكن للانسان الانباء باحوالها. والقسم الثالث منها الآلهيات وهى مرتبة فوق مرتبة الملائكة كما قال تعالى {أية : يخافون ربهم من فوقهم}تفسير : [النحل: 50]. فلا يمكن للانسان ان ينبئهم بها ولا يمكن لهم الانباء فوق ما علمهم الله منها لانها غيب وليس لهم الترقى الى عالم الغيب وهو عالم الجبروت وهم اهل الملكوت ولهم مقام معلوم لا يتجاوزون عنه كما قال جبريل عند سدرة المنتهى "لو دنوت انملة لاحترقت" وانما كان آدم مخصوصا بعلم الاسماء لانه خلاصة العالم وكان روحه بذر شجرة العالم وشخصه ثمرة شجرة العالم ولهذا خلق شخصه بعد تمام ما فيه كخلق الثمرة بعدم تمام الشجرة كما ان الثمرة تعبر على اجزاء الشجرة كلها حتى تظهر على اعلى الشجرة كذلك آدم عبر على اجزاء شجرة الموجودات علوها وسفلها وكان فى كل جزء من اجزائها له منفعة ومضرة ومصلحة ومفسدة فسمى كل شئ منها باسم يلائم تلك المنفعة والمضرة بعلم علمه الله تعالى وهذا من جملة ما كان الله يعلم من آدم والملائكة لا يعلمون وكان من كمال حال آدم أن اسماء الله تعالى جاءت على منفعته ومضرته فضلا عن اسماء غيره وذلك انه لما كان مخلوقا كان الله خالقا ولما كان مرزوقا كان الله رازقا ولما كان عبدا كان الله معبوداً ولما كان معيوباً كان الله ستاراً ولما كان مذنباً كان الله غفاراً ولما كان تائبا كان الله توابا ولما كان منتفعا كان الله نافعا ولما كان متضررا كان الله ضارا ولما كان ظالما كان الله عدلا ولما كان مظلوما كان الله منتقما فعلى هذا قس الباقى.
الطوسي
تفسير : اللغة: روى الداحوني عن هشام: انبيهم ونبيهم، في الحج والقمر، فقلبت الهمزة وكسرت الهاء. وروى الزينبي من طريق المالكي والعطاء ـ كسر الهاء، وتحقيق الهمزة. الباقون بضم الهاء وتحقيق الهمزة. قال ابو علي: من ضم الهاء حملها على الأصل، لأن الأصل أن تكون هاء الضمير مضمومة: مثل قولهم: ضربهم وأنبأهم. وانما تكسر الهاء اذا وليها كسرة أو ياء نحو بهم وعليهم. ومع هذا يضمه قوم حملا على الأصل. ومن كسر الهاء التي قبلها همزة محففة، فانه اتبع كسرة الهاء الكسرة التى قبلها. واذا كان بينهما حاجز. كما قالوا: هذا المرء ومررت بالمرء فاتبعوا مع هذا الفصل. وحكي عن ابي زيد أنه قال: قال رجل من بكر بن وائل أخذت هذا منه ومنهما. وكسر الهاء في الادراج والوقف. وحكي عنه: لم أعرفه ولم أضربه ـ فكسر ـ، وقال لم اضربهما. فكسر الهاء مع الباء. ويحتمل أن يكون ما اعتد بالحاجز بين الكسرة والهاء لسكونها فكان الكسرة وليت الهاء. ومعنى {انبئهم}: خطاب لآدم، يعني اخبر الملائكة، لأن الهاء كناية عنهم وموضعهم النصب. {بأسمائهم} يعني باسماء الذين عرضهم على الملائكة. والهاء والميم في اسمائهم كناية عن المرادين بقوله: {بأسماء هؤلاء}. وقد مضى بيانه. وقوله: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون}. فالابداء والاعلان والاظهار بمعنى واحد. يقال: بدا وعلن وظهر. وضد الابداء الكتمان، وضد الاظهار الابطان وضد الاعلان الاسرار. يقال: بدا يبدو من الظهور. وبدأ يبدأ بداء بالهمز ـ بمعنى استأنف. قال صاحب العين: بدا الشيء يبدو بدوا: اذا ظهر. وبداله في الأمر: بدء وبداء ـ بالهمز ـ بمعنى استأنف. والبادية اسم الارض التي لا حضر فيها. واذا خرج الناس من الحضر إلى الصحراء والمرعى، يقال: بدوا بداً واسمه البدو ويقال اهل البدو، واهل الحضر. واصل الباب الظهور والخفاء نقيض الظهور وقال الرماني حد الظهور: الحصول على حقيقة يمكن أن تعلم بسهولة. والله ظاهر بادلته باطن عن احساس خلقه. وكل استدلال فانما هو ليظهر شيء بظهور غيره والكتمان: نقيض إعلان السر ونحوه. وناقة كتوم وهي التي لا ترعو اذا ركبها صاحبها أي لا تصيح. والكاتم من القسي: التي لا ترن اذا انتضيت. الألف في قوله: {ألم أقل لكم} ألف تنبيه. كقول القائل: أما ترى اليوم ما اطيبه. لمن يعلم ذلك إلا أنك تريد أن تحضر ذهنه، وان ليس مثله ما يخفى عليه كقوله: {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير} وحكي عن سيبويه: أما ترى أي برق ها هنا، وهي الف تنبيه اصلها الاستفهام ومن الناس من قال إن معناه التوبيخ، ومن لم يجز على الملائكة المعصية، منع من ذلك. فان قيل ما الفائدة في انباء آدم (ع) الملائكة بذلك دون إعلامه إياهم بذلك؟ قلنا: أراد الله بذلك تكرمة آدم (ع) وتشريفه، وإجلال المنة عليه، وتعظيم النعمة لديه وجميع قصة آدم تؤذن بذلك. فان قيل: ما معنى {غيب السماوات والأرض} والله لا يغيب عنه شيء؟ قيل في معناه: إنه يعلم ما غاب عنهم فلم يشاهدوه كما يعلم ما حضرهم فشاهدوه وقوله: {وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} قيل في معناه أقوال: احدها ـ انه يعلم سرهم وعلانيتهم وذكر ذلك تنبيهاً لهم على ما يجبلهم عليه من الاستدلال، لأن الاصول الاول لم يستدل بها. إنما تذكر على وجه التنبيه يستخرج بها غيرها، فيستدل بعلم الغيب انه خلق عباده ـ على ما خلقهم ـ عليه للاستصلاح وما توجبه الحكمة. والثاني ـ ما يسرون بمعنى ما أضمره إبليس من المعصية والمخالفة. وما يعلنون: قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}. قال الرماني: وهذا الوجه غلط، لأن ابليس ليس من الملائكة، ولأن القول على العموم لا يجوز أن يصرف إلى الخصوص بغير دلالة. وهذا الوجه اختاره الطبري. وقال: هو بمنزلة قولهم: قتل الجيش وهزموا. وانما قتل البعض. قال الرماني: إنما يقال ذلك اذا حل قتل الواحد محل قتل الجميع: مثل قتل الرئيس او من يقوم مقامه. ولا يقال أيضاً إلا والدلالة عليه ظاهرة وليس كذلك في الآية. وقد روى روايات في هذا المعنى والوجه في هذا أن إبليس لما دخل معهم في الأمر بالسجود، جاز أن يستثني من جملتهم والثالث ـ قيل: ان الله تعالى لما خلق آدم، مرت به الملائكة قبل أن ينفخ فيه الروح، ولم تكن رأت مثله قبل، فقالت: لن يخلق الله خلقاً إلا كنا اكرم منه وافضل عنده فزعم أن هذا الذي أخفوه في نفوسهم وان الذي أبدوه قولهم: {أتجعل فيها من يفسد فيها} روي ذلك عن الحسن والوجه الأول اقوى، لأنه اعم، ويدخل فيه هذا الوجه ولا دلالة يقطع بها على تخصيص الآية فان قيل: ما وجه ذكره تعالى لهم الاسرار من علم الغيب قلنا على وجه الجواب فيما سألوا عنه من خلق من يفسد ويسفك الدماء وذلك على وجه التعريض بالجواب دون التصريح، لأنه لو صرح به، لقال: خلقت من يفسد ويسفك الدماء لما اعلم في ذلك من المصلحة لجملة عبادي فيما كلفتهم اياه وأمرتهم به فدل في الاحالة في الجواب على العلم بباطن الامور وظاهرها أنه خلقهم لأجل علمه بالمصلحة في ذلك ودلهم بذلك على أن عليهم الرضا والتسليم لقضاء الله، لأن الله يعلم من الغيب ما لا يعلمونه، ويعلم من مصالحهم ما لا يعلمونه في دينهم ودنياهم فان قيل وأي شيء في تعلم آدم الاسماء كلها مما يدل على علم الغيب قلنا: لأنه علمه الاسماء كلها بما فيها من المعاني التي تدل عليها على جهة فتق لسانه بذلك والهامه إياه وهي معجزة أقامها الله تعالى للملائكة تدل على جلالته وارتفاع قدره بما اختصه به من العلم العظيم الذي لا يصل اليه إلا بتعليم الله اياه، فبان بذلك الاعجاز بالاطلاع على ما لا سبيل إلى علمه إلا من علام الغيوب. ففيه من المعجزة أنه فتق لسانه بها على خلاف مجرى العادة، وأنه علمه من لطائف الحكمة فيه ما لا تعلمه الملائكة مع كثرة علومها، وانها اعرف الخلق بربها فعرفوا ما دلهم على علم الغيب بالمعجزة مؤكداً لما يعلمونه من ذلك بالادلة العقلية. ولذلك نبههم فقال: {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض} اي قد دللتكم على ذلك من قبل وهذه دلالة بعد وقيل: افتتح الله الدلالة على الاعجاز بالكلام في آدم، ثم ختم به في محمد (صلى الله عليه وسلم)
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : وقرئ: "أَنْبِيهِم" بقلب الهمزة ياء، و "أَنْبِهِم" بحذفها. والهاء مكسورة فيهما. إنّ الله أمرَ آدم عليه السلام بأن يخبرهم عن أسماء الأشياء، وهي صور ما في علم الله الموجودة بأنحاء متفاوتة بعضها فوق بعض، فإن حقائق الأشياء لها وجود في مراتب: أولها: في عالَم الأسماء الإلهيّة - كما ذهب إليه قومٌ من العرفاء -. وثانيها: في عالم علم الله التفصيلي، المسمى - "الصور الإلهيّة" و "المُثل العقليّة" وهي ذوات مجرّدة، هي ملائكة الله المدبّرة للأنواع الطبيعيّة، فإنّ لكلّ نوع طبيعيّ مَلَك ربّاني عقلي، هو تمام حقيقة ذلك النوع، ومثاله عند الله، وكلّ منها مصونٌ عن التكثّر التعدّدي، كما رآه بعض الأقدمين من أكابر الحكماء، ونحن - بفضل الله - قد أحكَمنا بنيانهم، وأوضَحنا سبيلهم في إثبات هذه المُثل النوريّة. وثالثها: في عالَم المثُل المقداريّة المتوسّطة بين العالَمين: عالَم المفارقات وعالَم الماديّات. ورابعها: في عالم الأجسام المادّية، وهي الصور النوعيّة المقوّمة للموادّ الطبيعيّة، وفي هذين الوجودين - سيّما الأخير -، تتكثّر الأشخاص لنوع واحد، إلاّ أنّ في الأول بحسب الجهات الفاعليّة، وفي الأخير بحسب الجهات القابليّة من الانقسامات والاستحالات وغيرها. وهو عليه السلام، لجامعيّة نشأته، أخبر كلاًّ منهم بما فيه وبما في غيره من الحقائق والمعاني للأسماء. وضمير: {أَسْمَآئِهِمْ} راجعٌ إلى الملائكة، لِما قد أشرنا إليه، من كونهم بأجمَعهم حقائق الأشياء الطبيعيّة ومسمّيات الإلهيّة، وأنّ كلاًّ منهم صورة اسم واحد، وحقيقة نوع واحد. وقوله: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الهمزة للانكار، دخلت على حرف الجحد، فأفادت الإثبات والتقرير، وهو تأكيد لقوله: {أية : إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة:30]، على وجه أبسط، يكون كالبرهان عليه احتجاجاً به عليهم، فإنّه تعالى، لمّا علِم ما خفيَ عليهم من الأمور العالية والسافلة، وما علن فيهم من أحوالهم الظاهرة، وما بطن فيهم من أسرارهم الخفية [علِم ما لا يعلمون]، وفيه تعريضٌ بمعاتبتهم على ترك الأَوْلىٰ، وهو توقّفهم في أمر آدم عليه السلام مترصّدين لأن يبيَّن لهم من أحواله. وقيل: "مَا تَبْدُونَ"، إشارة إلى قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}، و "مَا تَكْتُمُونَ" إشارة إلى استبطانهم في أنفسهم أنّهم أحقّاء بالخلافة الإلهيّة، وأنّه تعالى لا يخلق خلقاً أفضل منهم. وقيل: "ما تَبْدُونَ" هو قولهم لإبليس لمّا قال لهم: ماذا ترون إن أمِرْتُم بطاعة آدم فعلتم؟: "نمتثلُ أمْر ربِّنا". و "ما كُنْتُمْ تَكْتمُونَ" ما أسرّه الخبيث من قوله: "لئِن سُلّطتُ عليه لأهلكته، ولئِن سُلّط عليّ لأعصينَّه". وقيل: روي إنّه تعالى لمّا خلق آدم عليه السلام، رأت الملائكة خلْقاً عجيباً، فقالوا: "لِيكُنْ ما شاءَ، فلنْ يخلق ربُّنا خلْقاً إلاّ كنّا أكرم عليه منه"، فهذا هو الذي كتَموا. ويجوز أن يكون هذا القول سرّاً أسرّوه عن غيرهم بينهم، فأبداه بعضهم لبعض، وأسرّوه عن غيرهم، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان. حكمةٌ آدميّةٌ [حقيقة الإنسان غيب السمٰوات والأرض وصورة علم الله تعالى] يحتمل أن يكون قوله: {أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} إشارةً إلى حقيقة الإنسان الذي هو غاية وجود الأكوان، وثمرة شجرة الأفلاك والأركان، بل صفوة عالَم الإمكان. فإنّ سلسلة الموجودات، كما هي مرتّبة من المبدأ الأول وما يتلوه من الأنوار العقليّة القاهرة، ثم النفسية المدبرة، ثم الطبايع العلوية والفلكية والكوكبية، والصور النوعية العنصرية على مراتبها في النزول من الأشرف فالأشرف إلى الأخسّ فالأخسّ، - حتى انتهت إلى ما لا أخسّ منه، وهي الهيولى الأولى والهاوية القصوى -، فكذلك هي مترتّبة في الترقّي من أدنى الوجود وأنزل المراتب إلى أعلاها، ومن الأخسّ فالأخسّ إلى الأشرف فالأشرف، على التكافؤ التعاكسي، حتى تنتهي إلى ما هبط منه، وهو غاية الغايات ونهاية الوجودات - أعني الباري -. فالوجود، بمنزلة دائرة بلغت إلى حيث فارقتْ منه؛ فأقرب الموجودات الصادرة من المبدأ الأعلى في سلسلة الايجاد، هو العقول المقدّسة والملائكة المهيّمة، سيّما الأول منهم. وأقرب الموجودات إليه في سلسلة العود والرجوع، هم العقلاء الكاملون في الولاية والمعرفة، سيّما النبي الخاتم أشرف البريّة - صلوات الله عليه وآله -، وهم السابقون علْماً واللاحقون وجوداً، كما في العلّة الغائيّة. فالإنسان الكامل حيث ابتدأ وجوده من أدنى الأشياء - من تراب ومن ماء مَهين - وقد أنشأه الله لأن ينتهي إلى أعلى المقامات، فلا بدّ من مروره على سائر الدرجات عند أداء الأمانات. وغاية كلّ شيء لا تظهر إلاّ عند بلوغ ذلك الشيء إلى تلك الغاية؛ فغاية كلّ [شيء] غيب ذلك الشيء، وقد ثبَت أن الإنسان الكامل غاية ما في الأرض والسماء بحسب الأجناس [و] الدرجات، فهو إِذَن غيب السموات والأرض، والله عالِمٌ به قبل خلقه وبلوغه إلى مقام قرب أو أدنى. وأمّا قوله: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} فيحتمل أن يكون إشارة إلى حقيقة الإنسان، فإنّه صورة علم الله، وهو كتابٌ جامعٌ، ونسخةٌ مجموعةٌ لظاهرِ الملك وباطن الملكوت، والملائكة المدبّرة أرواح العالَم ومكنوناته، وظواهرهم أجرام العالَم وشهاداته. قال بعض الفضلاء العارفين: "إنّ الحقّ يتجلّى بحكم: {أية : كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} تفسير : [الرحمن:29]. كلّ لحظة لعباده، فينزل الأمر الإلهي من الحضرة الأحديّة، ثمّ الواحديّة إلى المراتب العقليّة الروحيّة، ثمّ اللوحيّة، ثم الطبيعيّة الكلّية، ثم الهيولى الجسميّة، ثمّ العرش، ثمّ الكرسي والسموات، منحدراً من المراتب الكليّة إلى الجزئيّة، إلى أن ينتهي إلى مادّة الإنسان، منصبِغاً بأحكام جميع ما مرّ عليه في آن واحد، من غير تخلّل زمان، كذلك إذا انتهى إليه وانصبَغ بالأحكام الغالبة عليه، ينسلخ منه انسلاخاً معنويّاً، ويرجع إلى الحضرة الإلهية. فإن كان المنتهى إليه من الكمل، فالنازل يكون قد أتمّ دائرته وصارت آخريّته عين أوليّته، لأنّه مظهر المرتبة الجامعة الإلهيّة. وإن كان من السائرين الذين قطعوا بعض المنازل والمقامات، أو الباقين في أسفل السافلين والظلمات، فيكون قطع نصف الدائرة أو أكثر، ثمّ انسلخ ورجع إلى الحضرة بالحركة المعنويّة، فهو المبدء والغاية" انتهى كلامه. وهٰهنا سر آخر وهو أن الإنسان، لمّا كان غاية سلسلة الأكوان وخليفة الله، لكونه أبدع ما في عالم الإمكان، فيكون علمه لمعة من نور علم الله، كما أنّ وجوده مرآة لشمس وجود الله، ففي قوله: {إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ} بعد قوله: {فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} ايماء لطيفٌ بأنّ آدم من شأنه أن يعلَم غيب السموات والأرض، ومن شأنه أن يقول: "إنّي أعلم ذلك" لإعطاء نشأته علم ذلك. وكذا الكلام في قوله: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}، فإنّه لما أنبأ الملائكة بمعاني أسماء الموجودات العلويّة والسفليّة، والظاهرة والباطنة - لاحتواء نشأته الجمعيّة عليها -، فكأن الحقّ سبحانه قال بلسانه هذا الكلام، نظيره ما ورد في الخبر: "إنّ الله سبحانه يقول بلسان عبده: سمع الله لِمَنْ حمْده". قال بعض بعض أهل المكاشفة والتحقيق: "لمَّا شاء الحقّ سبحانه من حيث أسماؤه الحسنى - التي لا يبلغها الإحصاء - أن يرى أعيانها - وإن شئت قلت: أن يرى عينه - في كون "جامع يحصر الأمر، لكونه متّصفاً بالوجود، ويظهر به سرّه إليه"... "وقد كان الحقّ أوجد العالَم كلّه وجود شبح مسوّىّ لا روح فيه، فكان كمرآة غر مجلوّة، ومن شأن الحكم الإلهي، أنّه ما سوى محلاًّ إلاّ ولا بدّ أن يقبل روحاً إلهياً عبّر عنه بالنفخ فيه، وما هو إلاّ حصول الاستعداد من تلك الصورة المسوّاة لقبول الفيض المتجلّي الدائم، الذي لم يزَل ولا يزال، وما بقيَ ثمّة إلا قابل، والقابل لا يكون إلاّ من فيضه الأقدس، فالأمر كلّه منه ابتداؤه وإليه انتهاؤه، وإليه يرجع الأمر كلّه كما ابتدء منه. فاقتضى الأمر جلاء مرآة العالم، فكان آدم [عليه السلام] عين جلاء تلك المرآة، وروح تلك الصورة، وكانت الملائكة من بعض قوى تلك الصورة المسوّاة التي هي صورة العالم، المعبّر عنه في اصطلاح القوم بالإنسان الكبير، وكانت الملائكة له كالقوى الروحانيّة والحسيّة التي في النشأة الإنسانية. وكلّ قوّة منها محجوبة بنفسها، لا ترى أفضل من ذاتها، وإنّ فيها - فيما تزعم - الأهليّة لكل منصب عالٍ ومنزلة رفيعة عند الله، لما عندها من الجمعيّة الإلهيّة بين ما يرجع من ذلك إلى الجناب الإلهي، وإلى جانب حقيقة الحقائق، وفي النشأة الحاملة لهذه الأوصاف، إلى ما تقتضيه طبيعة الكلّ التي حصرت قوابل العالَم كلّه - أعلاه وأسفله. قال: "فأمّا انسانيّته - فلعموم نشأته وحصره الحقائق كلّها، وهو للحقّ بمنزلة إنسان العين من العين الذي به يكون النظَر، وهو المعبّر عنه بالبصر، فلهذا اسميّ إنساناً فإنّه به نظر الحقّ إلى خلقه فرحمهم، فهو الإنسان الحادث الأزلي، والنشء الدائم الأبدي، والكلمة الفاصلة الجامعة، فتمّ العالم بوجوده، فهو من العالم كفصّ الخاتم من الخاتم الذي هو محل النقش، والعلامة التي بها يختم الملك على خزائنه. وسمّاه خليفة من أجل هذا، لأنّه تعالى الحافظ خلقه، كما يحفظ الختم الخزائن. فما دام ختم الملك عليها، لا يجسر أحد على فتحها إلاّ باذنه، فاستخلفه في حفظ العالم، فلا يزال العالم محفوضاً ما دام فيه هذا الإنسان الكامل، ألا تراه إذا زال وفكَّ من خزانة الدنيا، لم يبق فيها ما اختزنه الحقّ فيها، وخرج ما كان فيها، والتحق بعضه ببعضه، فانتقل الأمر إلى الآخرة، فكان ختماً على خزانة الآخرة ختماً أبديّاً. فظهر جميع ما في الصورة الإلهيّة من الأسماء في هذه النشأة الإنسانيّة، فحازت رتبة الإحاطة والجمع بهذا الوجود، وبه قامت الحجة لله تعالى على الملائكة"... "فإنّها لم تقف مع ما تعطيه نشأة هذا الخليفة، ولا وقفت مع ما تقتضيه حضرة الحقّ من العبادة الذاتية، فانّه ما يعرف أحد من الحقّ إلاّ ما يعطيه ذاته. وليس للملائكة جمعيّة آدم، ولا وقفت مع الأسماء الإلهيّة التي تخصّها وسبّحت الحقّ بها وقدّسته، وما علمت أن لله أسماء ما وصل علمها اليها، فما سبّحته بها ولا قدّسته، وحكم عليها هذا الحال. فقالت من حيث النشأة: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} تفسير : [البقرة:30] وليس إلاّ النزاع وهو عين ما وقع منهم". قال: "وعند آدم الأسماء من الإلهيَّة ما لم تكن الملائكة عليها، فما سبّحت ربّها بها ولا قدّسته عنها تقديس آدم وتسبيحه؛ فوصف الحق لنا ما جرى لنقف عنده، ونتعلّم الأدب مع الله تعالى" انتهى كلامه. واعلم إنّ هٰهنا إشكالاً، وهو أنّ الملائكة لمّا لم تكن نشأتهم مقتضية للعلم بمعاني سائر الأسماء، فمن أين علموا صحّة ما أنبأهم آدم عليه السلام حتّى اعترفوا بتقدّمه وفضله عليهم، وقصورهم عن بلوغ شأوه؟ والجواب عنه: إن العلم بالشيء على ضربين - لأنه إمّا أن يكون عين وجود ذلك الشيء الخارجي، وإمّا أن يكون صورة ذهنيّة مطابقة له، فكلّ ما هو من أجزاء ذات العالم وقواه وأفعاله، فعلمه بها؛ عبارة عن اشتماله عليها ووجودها له. ومثولها بين يديه؛ وكلّ ما خرج عن هذه الأمور، فيكون العلم بها بحصول أشباحها وصورها لدى العالم. فإذا تقرّر ذلك فنقول: لكلّ واحد من الملائكة علمٌ شهوديٌ بما تقتضيه نشأته، وأمّا علمه بغير ما تقتضيه نشأته من معاني سائر الأسماء، فيجوز له استفادة ذلك من غيره على سبيل التمثيل؛ فالملائكة استفادوا علم سائر الأسماء، من اطّلاعهم على نشأة آدم عليه السلام، لكون نشأته جامعة لجميع الحقائق، وإنّما فضيلته عليهم، بأنّ سائر العلوم له حضوريّة حاليّة؛ ولهم حصوليّة إنبائيّة. قال السيّد الأجلّ المرتضى - رضي الله عنه -: "وفي هذه الآية سؤالٌ لم أجِد أحداً من المفسّرين تعرّض له، وذلك أن يقال: من أين علمت الملائكة صحّة قول آدم، ومطابقة الأسماء للمسمّيات، وهي لم تكن عالمة بذلك من قبل؟ والكلام يقتضي أنّهم لما أنبأهم آدم بالأسماء علِموا صحّتها". "والجواب: إنّه غير ممتنع أن يكون الله فعل لهم العلم الضروري بصحّة الأسماء ومطابقتها للمسمّيات، إمّا عن طريقه، أو ابتداء بلا طريق، فعلموا بذلك تمييزه واختصاصه ولم يكن في علمهم ذلك". "ووجه آخر - وهو أنّه لا يمتنع أن تكون للملائكة لغاتٌ مختلفة، فكلّ قبيل منهم يعرف أسماء الأجناس بلغته، فلما أراد الله [تعالى] التنبيه على نبوّة آدم، علّمه جميع تلك الأسماء، فلما أخبرهم بها، علم كلّ فريق مطابقة ما أخبر به من الأسماء للغته، وعلم مطابقة ذلك لباقي اللغات بخبر كلّ قبيل". إشارة قرآنية اعلم أنّ في هذه الآية إشارات لطيفة إلى أمور وتنبيهات عجيبة عليها: الأول: الدلالة على شرف الإنسان على الملائكة، الذين هم سكان طبقات السموات والأرضين، دون الأعالي المهيّمين، الذين هم أجلّ قدراً وأعلى منزلة من أن يكون لهم التفات الى غير الله، وشهود جلاله وجماله، فإنّ مزيّة أشراف نوع الإنسان عليهم غير معلوم من هذه الآية، وفي تحقيق التفاضل بين أشراف الإنسان وبينهم كلام سيأتي من ذي قبل إن شاء الله [تعالى]. والثاني: على مزيّة العلم وفضله على العبادة، وأنّه شرطٌ في الخلافة، بل هو العمدة - وقد مرّ من الكلام ما فيه كفاية في هذا الباب -. والثالث: إنّ علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة. والحكماء منَعوا ذلك في الطبقة العليا منهم - الذين لا تعلّق لهم بالأجرام -، وعليه حملوا قوله تعالى: {أية : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} تفسير : [الصافات:164]. والتحقيق؛ إنّ هؤلاء الملائكة المدبّرين، وإن جاز لهم قبول الإزدياد في العلوم والأشراف، لكن لا يستفيدون علماً إلا من الأمر الأعلى، دون الأسباب الإتفاقيّة كالمعلّم الخارجي والقوى والآلات الفكريّة والخياليّة. واعلم أن القسمة اقتضت أموراً أربعة، لأن الشيء إما أن يكون كاملاً بحسب الفطرة الأولى، أو ناقصاً. والكامل إمّا تام أو فوق التمام. والناقص إمّا مستكفٍ أو غيره. فالتامّ الذي هو فوق التمام، هو الباري جلّ اسمه، لأنّه كامل الذات، ويفضل من كماله كمالات سائر الأشياء. والتامّ هو الضرب الأعلى من ملائكته المقرّبين. وأمّا المستكفي: فهم الملائكة المدبّرون، الساكنون في طبقات السمٰوات. وأمّا الناقص الغير المستكفي، فما سوى هذه الأقسام الثلاثة، سواء جاز كماله بعد النقصان، أم لا. وأمّا حقيقة الإنسان، فقد وجد فيه بحسب أشخاصها جميع هذه الأقسام ما سوى فوق التمام. فالكامل منهم هو الذي كمل في العلم إلى حدّ صار عقلاً مستفاداً، وفي العمل إلى أن تجرّد عن علائق البدن وعوائق النفس، ثم مات وحشِر إلى الله. وأمّا المستكفي منهم، فهم الكاملون الذين هم بعد في هذا العالم، ولم يرتحلوا إلى الدار الآخرة. وأمّا الناقصون، فما سواهما، وهم أكثر الناس. الرابع: إنّ في الآية تخويفاً عظيماً، فإنّه تعالى لا يخفى عليه شيء من أحوال السرائر ومكنونات الضمائر، فيجب أن يجتهد المرء في عمارة باطنه وتصفية سره عن الخبائث والرذائل، وتنوير قلبه بأنوار العلوم والطاعات، ثمّ تخلية البيت عن دخول ما سوى صاحبه. قال سليمان بن علي لحميد الطويل: "عِظْني". فقال: "إن كنتَ إذا عصيت الله خالياً ظننتَ أنّه يراك، فقد اجترأتَ على أمرٍ عظيم. وإن كنتَ ظننت أنه لا يراك، فقد كفرت". وقال حاتم الأصمّ: "طهِّر نفسك في ثلاثة أحوال: إذا كنت عاملاً بالجوارح فاذكر نظر الله إليك، وإذا كنت قائلاً فاذكر سمع الله إليك، وإذا كنت ساكناً عاملاً بالضمير، فاذكر علم الله بك، إذ هو يقول {أية : إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} تفسير : [طه:46]. الخامس: إنّ في الآية رجاءً عظيماً، فإنّ الله قد علم من عنايته من أول الأمر في حق الإنسان، مع كونه أنزل خلق الله - حيث خلق من طينٍ لازب ومن ماء مهين وهما أدون الأجسام وأسفلها وأكدرها -، لأنّه فضّله على الملائكة الذين هم من سكّان السموات وأعلى المكانات تفضّلاً، وجعله مسجوداً لهم تعظيماً وتكريماً، ويبعد من كرمه [و] جوده، أن يكرم ويشرف أبينا آدم عليه السلام في أول الأمر، ثم يعذّب أولاده ويخزيهم في آخر الأمر. السادس: إنّ في الآية دلالة على أن العبد يجب عليه أن لا يأَمَن مكر الله، كما يجب عليه أن لا ييأس من رَوْح الله، لأنّه لا اطّلاع لأحد على عواقب الأمور، وأسرار حكمة الله في خلقه، فالملائكة وقع نظرهم على الفساد والقتل، ولكنّهم سيأتون بعدها بالإنابة والرجوع بقولهم: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} تفسير : [الأعراف:23]. وإنّ إبليس وإن أتى بالطاعات، لكنّه سيأتي بعدها بالإباء والاستكبار وبقوله: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} تفسير : [الأعراف:12]. فمِن شأن العاقل أن لا يعتمد على عمله، وان يكون أبداً متوكلاً على الله، خائفاً وجلاً. فقوله: {إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}، معناه: إنّي أنا الذي أعرف الظاهرَ والباطنَ، والعلَن والسرّ، والبداية والنهاية، ومن يرونه عابِداً مطيعاً سيكفر، ويبعد عن حضرتي ودار كرامتي، ومن يرونه فاسقاً بعيداً سيقرب من خدمتي، ويُنيب إليّ، ويفوز بثوابي، ويتبوّء دار كرامتي حيث يشاء. فالخلق لا يمكنهم أن يخرجوا عن حجاب الغفلة والجهل، ولا يتيسّر لهم أن يخرقوا أستار العزّ، فإنّهم لا يحيطون بشيء من علمه إلاّ بما شاء. ثمّ إنّه تعالى حقّق من مكامن الغيب عجز الملائكة عن تحقيق الأمور، بأن أظهَر من البشَر كمال العبوديّة، ومن أسدّ ساكني السموات عبادةً كمال الكفر والجحود، لئلا يغترّ أحد بعلمه وعبادته، ويفوّضوا معرفة الأشياء إلى حكمة الخالق، ويزيلوا الإعتراض بالقلب واللسان عن مصنوعاته ومبدعاته. السابع: التنبيه على اخلاص العمل عن شوب الرياء والسمعة، لكونه تعالى علاّم الغيوب وكشّاف أسرار القلوب. روى عدي بن حاتم، أنّه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حديث : "يؤتى بناسٍ يوم القيامة فيؤمَر بهم إلى الجنّة، حتى إذا دنوا منها، ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعدّ الله لأهلها، نودوا أن انصرفوا عنها لا نصيب لكم فيها، فيرجعون بها حسرة ما رجع أحدٌ بمثلها، ويقولون: يا ربّنا - لو أدخلتَنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك، وما أعددت فيها لأوليائك، كان أهون علينا". "فنودوا: ذلك أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتُم الناس لقيتم مخبتين، تُراؤون الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم. هبتم الناس ولم تهابوني، أجللتم الناس ولم تجلّوني، وتركتُم المعاصي للناس ولم تتركوها لي، كنتُ أهون الناظرين عليكم، فاليوم أذيقكم عذابي مع ما حرمتم من النعيم" .
الجنابذي
تفسير : {قَالَ} تعالى بعد ظهور عجزهم وعدم استحقاقهم للخلافة {يٰاآدَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} حتّى يظهر فضلك عليهم واستحقاقك للخلافة دونهم فيظهر عندهم بطلان ادعائهم؛ انكار استحقاق خلافتك واثبات استحقاق الخلافة لانفسهم، والمراد بالانباء ليس الاخبار باللّسان بل اظهار الاسماء من وجوده كما عرفت سابقاً {فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} ورأوا انّه جامع لاسماء الكلّ بوجوده الجمعىّ ورأوا انموذج كلٍّ فيه بل رأوا انّ حقيقة كلّ الاشياء الامكانيّة هو آدم (ع) بوجهٍ، وانّ كلّ الحقائق منطوٍ فيه بوجهٍ والكلّ رقائق له، وعرفوا انّ آدم (ع) هو الّذى يستحقّ الخلافة فى الارض وعلى جميع الملائكة {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ} عند قولى {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} {إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الغائب عنكم منهما وهو ملكوتهما او الغائب عنهما ومن جملته جامعيّة الانسان لما له علامة الامكان {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} من اظهار استعجاب خلافة آدم واستحقاقكم الخلافة دونه وسائر صفاتكم الظّاهرة عليكم وعلى غيركم ومقدار علومكم الظّاهرة {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} من النّقائص الّتى لا شعور لكم بها ولا يظهر عليكم الاّ بعد اختياركم باستعلامكم كما فعلنا وليس المراد ما تكتمون بالشّعور والارادة فانّه يستلزم نسبة النّفاق واعتقاد جواز الجهل على الله الى الملائكة وللاشارة الى ما فسّرنا زاد تكتمون لانّه يدلّ على انّ الكتمان كان ثابتاً دائماً لهم، ويجوز ان يراد بما يكتمون ما كتمه الشّيطان من الاباء عن السّجدة لآدم (ع) لو أمر به او من المخالفة والعناد لآدم (ع) المكون فيه، ونسبته الى الملائكة لكونه فيهم ومشتبهاً بهم، ويجوز ان يراد اعمّ منه وممّا ذكر اوّلاً، وهذا القول منه تعالى امّا تفصيلٌ لما أجمل عند قوله: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}، او كان هذا القول مذكوراً مع قوله {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} لكنّه تعالى اسقطه حين الحكاية، ويحتمل ان يكون قوله {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} حالاً بتقديرانَا او عطفاً على {الم اقل} محكيّاً بالقول الاوّل، ويجوز ان يكون قوله {إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ} مستأنفاً غير محكىٍّ بالقول.
اطفيش
تفسير : {يَا آدَمَ أَنْبِئْهُمْ}: أخبر الملائكة. {بِأَسْمَآئِهِمْ}: أى بأسماء المخلوقات، أو بأسماء الملائكة على ما مر. فروى أنه عليه السلام سمى لهم كل شىء باسمه، وذكر حكمته التى خلق لها، قال الشيخ هود - رحمه الله - قال آدم هذا كذا وهذا كذا، فسمى كل نوع باسمه، يعنى ميز كل نوع وسماه باسمه. قال: وقال بعضهم: سمى كل شىء باسمه وألجأه إلى جنسه. يعنى أنه سمى كل فرد من أفراد كل نوع، ونسبه أيضاً إلى نوعه. والله على كل شىء قدير. وقرئ أنبيهم بالياء ساكنة سكوناً ميتاً، بدلا من الهمزة. وبناء الأمر على سكون الهمزة، الذى صار إلى بدله وهو الياء بعد الإبدال، وكان قبله على الهمزة، فلا تحذف الياء بعد، وقرئ بإبدالها ياء وحذف الياء وإنما حذفت تشبيها بياء يرمى. ويقال قلبت الهمزة فى المضارع المرفوع ياء شذوذا، فحذفت فى الأمر كحذف ياء يرمى فى ارم ولم يرم، أو على لغة من يقلب كل همزة فى الطرف تلى حركة ما يجانس الحركة. {فَلَمَّآ أَنبَأَهُمْ}: آدم. {بِأَسْمَائِهِمْ}: وفى هذا دليل على أن آدم نبى رسول، لأن الله جل جلاله أمره أن ينبئهم فأنبأهم بما لم يكن عندهم، فهو رسول إلى الملائكة وإلى ذريته. ومزية سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - أنهم أمروا أن يؤمنوا به رسولا كما أمر سائر الخلق، وليس آدم على هذه الصفة ولو آمن به الملائكة. {قَالَ}: عتاباً باللملائكة. {أَلَمْ أَقْل}؟ الاستفهام للتوبيخ وإنكار أن يكون قولهم: أتجعل مما ينبغى وإنكار أو نكون لم يقل وتقرير أنه قال. {لَّكُمْ}: يا ملائكتى. {إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ}: ما غاب عنكم فيهما ما هو موجود، وما مضى وما سيوجد، فقد علم أحوال آدم قبل استخلافه، وعلم أنه أهل للخلافة. {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ}: ما تظهرون من قول وفعل وحركة وسكون. {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}: فى عقولكم أو ما تبدون من قولكم نطيع الله ولو فضله علينا وما يكتم إبليس فيكم أنه إن فضله عليه صى وسعى فى إهلاكه، وبه قال ابن عباس. أو ما تظهرون من قولكم أتجعل فيها وما تكتمون من قولكم: إن الله لن يخلق خلقاً أكرم عليه منا ولا أعلم، فإنهم قالوا فيما بينهم ولم يقولوه لله فسماه مكتوماً، وهو تعالى لا تخفى عليه خافية أو تبدوه من قولكم أتجعل فيها وما تكتمون ما اعتقدوه أنهم أحقاء بالخلافة. ويوافق الاحتمال الذى قيل هذا قول الحسن وغيره: إنهم لما قال الله عز وجل:{أية : إنى جاعل فى الأرض خليفة}تفسير : قالوا: ما الله خالق خلقاً أكرم عليه منا ولا أعلم منا، فهو الذى كتموه، وابتلوا بخلق آدم وكل شىء مبتلى، كما ابتليت السماوات والأرض فقال {أية : ائتيا طوعاً أو كرها}تفسير : انتهى كلام الحسن. وفى إخباره تعالى إياهم بأنه يعلم الغيب وما يبدون وما يكتمون، تلويح إلى عتابهم على قولهم: أتجعل؟ حيث قالوه ولم يتركوه. مع أن الأولى تركه، والله تعالى عالم بما عساه أن يقال. فإن شاء بين لهم الحكمة فى جعله خليفة. وقوله عز وعلا: {ألم أقل لكم}.. إلى {تَكْتُمُونَ} استحضاراً لقوله:{أية : إنى أعلم ما لا تعلمون}تفسير : على وجه أبسطه، فإن قوله عز وجل: {إنى إعلم}... إلى {تكتمون} أبسط من قوله:{أية : إنى أعلم ما لا تعلمون}تفسير : لكن لما كان معنى قوله:{أية : إنى أعلم ما لا تعلمون}تفسير : هو شامل لمعنى قوله: {إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ والأَرْض وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} لأن معنى {أية : إنى أعلم ما لا تعلمون}تفسير : أعلم ما لا تعلمون مع ما يعلمون، حكاه بلفظ آخر غير الأول إذ لم يقل ألم أقل لكم إنى أعلم ما لا تعلمون، ففى ذلك دليل على جواز الحكاية بالمعنى، ولو اختلف اللفظ، وازداد أو نقص، وإنما استحضره احتجاجاً على قوله:{أية : إنى أعلم لما لا تعلمون}تفسير : لإنه لما بين لهم أن آدم علم ما لم يعلموا ظهر كالشمس إنه يعلم ما لا يعلمون بل زاد ظهورا، وأما أصل الظهور: فقد اعتقدوه ولما بين لهم ازدادوا علما، فعلوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة، كما دلت عليه الآية وقد ازدادوا كمالا، كما ازدادوا علما، كما دلت عليه هذه الآية. وقوله: {أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِم} مع قوله: {فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بإِسْمَآئِهِمْ}، وقوله:{أية : قالوا سبحانك لا علم لنا إنك أنت العليم الحكيم}تفسير : ألا تراهم زادوا خضوعا ومعرفة فى حق الله وطمانيته، ومنع بعض حكماء الإسلام ذلك فى الطبقة العليا منهم، لقوله تعالى:{أية : وما منا إلا له مقام معلوم}تفسير : وليس نصا فى أنهم لا يزيدون. مع أن الأصل الزيادة، إذ هم مكلفون، لهم عقول ورغبة فى الخير. وإنما قلت إن معنى:{أية : إنى أعلم ما لا تعلمون}تفسير : شامل لمعنى {إنى أعلم غيب السماوات.. } إلخ ولم أقل إنه نفس معناه لأنه أعم من معنى {إِنَّى أَعْلَمُ الغَيْبَ..} إلخ. لأنه شامل لغير غيب السماوات والأرض وغير ما يكتمون، كغيب ما فوق السماوات وما تحت الأرضين، وفى قوله:{أية : إنى أعلم ما لا تعلمون}تفسير : وقوله: {إِنِّى أَعْلَمُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ والأَرْض} دليل على أنه تعالى يعلم الأشياء قبل أن تكون. لأن مما لا يعلمون، ومن غيب السماوات والأرض. ما سيكون. ومن ذلك علمه بأسماء المسميات قبل أن تكون. وإن قلت: بم خاطب الله الملائكة؟ يعنى قلت خلق لهم كلاما فى الهواء أو فى خلق من مخلوقاته فسمعوه، أو خلق لهم كتابة خاطبهم بها.. والله أعلم. فكلامه - تعالى - على هذه المعانى مخلوق صفة فعل ولا شك، وأما وصفه - تعالى - بالكلام، على معنى نفى الوصف بالخرس، فصفة ذات، ثم إنه لا يشك أحد أنه - تعالى - عالم فى الأزل بلا أول، بكل كلام سيخلقه فى الهواء، أو حيث شاء أو يكتبه وهذا عام لسائر خطابه للملائكة والثقلين وغيرهم بأمر أو نهى وغيرهما. وهذا ظهر لى بعد استفراغ الوسع والنظر، وهو الحق إن شاء الله من كون كلامه تعالى قسمين: الأول صفة فعل ودخل فيه خطابه لمن ذكر كله، قبل أن يخلق الخلق والهواء إن شاء بحكمته، كلاماً خلقه مستقلا عن كل شىء حتى الهواء لعدمه، والثانى صفة ذات وهو معنى نفى الخرس، مع التنزه عن الجوارح وصفات المخلوقات، وذاته تعالى كافية فى علم كل شىء بلا أول، ولا إثبات للكلام النفسى، كما زعم قومنا أنه ثابت كما يثبت كلام الإنسان فى نفسه، ثم يتكلم بألفاظ تدل عليه، وجعلوا القرآن وكتب الله تعالى كلها، وخطابه كله لخلقه، وكلامه كله قديماً بهذا المعنى، وهو أنه ثابت فى النفس الواجب الوجود بلا أول، كما يجئ وقته فيعبر عنه بألفاظ مخلوقة، حيث شاء. فألفاظ القرآن مثلا عندهم مخلوقة كما عندنا، والعلم بها أنها ستكون وبمعانيها عندنا قديم كما عندهم، غير أنهم أثبتوا الكلام النفسى ونفيناه، والحق نفيه لأنه إثباته يستلزم كون الله - جل وعلا - عن كل نقص ظرفاً ومحدودا ومركبا، ويعود بالنقص على ما زعموا من قدم، وانفراد القديم لتباين الظرف والمظروف، سبحانك ربنا عن كل ما لا يليق.
اطفيش
تفسير : {قَالَ يَٰئَادَمُ} شرفه بالنداء، كما قال يأيها الرسول، يا موسى، وبأنه حقيق أن يعلم غيره، وبمنة التعليم والإفادة على الملائكة، وفى دعائه نفى استيلاء الهيبة عليه {أَنْبِئْهُمْ} أى الملائكة {بِأَسْمَائِهِمْ} بأسماء المسلمين، وقد علمت أن المراد العقلاء وغيرهم، وغلب العقلاء، أى اذكر لهم الألفاظ الدالة عليهم، وفى ضمن ذلك ذكر حكمة المسمى، وللملائكة بعض لغة يفهمون بها ما يخاطبهم آدم به، أو يفهمون بإشارته أو بإلهام الله سبحانه لهم إلى الفهم عند خطابه، مثل أن يقول لعل للترجى، والإنسان أنا وولدى والجبل لذلك الجسم الصلب والأرض لهذه السطحية والقصعة ودعا لوضع الطعام، وقام بعنى تمدد جسده من هذه البسيطة، وآدم اسم عجمى لا دلالة له على معنى سوى ذاته، كما هو الأصح، أو أصله من الأدمة، وهو لون إلى سواد، أى سيكون كذلك إذا خرج إلى الدنيا، أو هو كذلك حتى إذا أدخلها جزاء كان أبيض، أو أفعل من أديم الأرض، وهو عربى على الوجهين، ومن ذلك {فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} العطف على محذوف، أى فأنبأهم، فلما أنبأهم {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنَّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَٰوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} أى قولوا، قد قلت لكم إننى أعلم، لما عجزوا بادر لهم بالأمر بالإقرار بالعجز، أو وبخهم على عجلتهم إلى الاستفهام، وكان الأولى لهم أن يترقبوا ظهور الحكمة بلا سؤال، ولا سيما أن سؤالهم على صورة الاعتراض لفعل الله، والقدح فى بنى آدم، بل فى آدم أيضاً وذريته بصورة العموم، ولو لم يقصدوا الاعتراض والقدم إجمالاً، والآية موجبة لمجانية لفظ ما يوهم ما لايجوز، ولم لم يقصد ما لا يجوز، وغيب السماوات والأرض ما غاب فيهما، ولم يضمر للأسماء تعظيماً لها، والأصل غيب السماوات والأرض وشهادتهما، لأنه يلزم من العلم بغيبهما العلم بشهادتهما، وذلك على العموم، وقيل المراد بغيب السماوات أكل آدم وحواء من الشجرة، وبغيب الأرض قتل قابيل وهابيل، وقيل غيب السماوات ما قضاه، وغيب الأرض ما يفعلونه، وقيل الأول أسرار الملكوت، والثانى ما غابه عن أصفيائه، وما تبدون ما تظهرون من قولكم، أتجعل فيهما.. إلخ، وما تكتمون من قولكم، لن يخلق الله أكرم منا ولا أعلم، والإبداء والكتم باعتبار ما بين الخلق، ولا يخفى عن الله شىء، وأدخل كان للإعلام، بأنه عالم بما استمروا على كتمانه فى الماضى، ولا تقل إنها زائدة، ولا إنها للاستمرار لأن الأصل عدم الزيادة ولأن تكتمون أدل على الاستمرار وحده منها.
الخليلي
تفسير : بعد أن عرض الله أجناس المسميات على الملائكة وأمرهم أن ينبئوه بأسمائها فاستعصى ذلك عليهم فلجأوا إلى تسبيحه تعالى معلنين أنهم لا علم لهم إلا ما علمهم إياه، وجه تعالى هذا الخطاب إلى آدم حتى يتبين لهم ما اختصه الله تعالى به من العلم ومنحه إياه من الفهم إذا ما جاء بما نَدَّ عَنْ أفهامهم، واستعصى على مداركهم ووجه إليه هذا الخطاب مصدرا بندائه بإسمه لما في ذلك من الإِيناس والتكريم، كيف والمقام مقام دهشة واضطراب فإن المخاطب هو الله الذي له ملك السماوات والأرض وهو بكل شيء محيط؟ وهذه سنته تعالى في خطابه لأنبيائه نحو: يا نوح ... يا هود ... يا صالح .. يا شعيب .. يا موسى .. يا عيسى بن مريم .. وانما اختص عز وجل عبده ورسوله محمدا عليه أفضل الصلاة والسلام فلم يناده باسمه العلم، بل كان غالب ندائه له بلقب النبوة أو الرسالة، وذلك لأجل الإِعلان عن قدرة والإِشعار بمكانته، وفي ذلك تعليم ضمني بكيفية مخاطبة الناس له صلى الله عليه وسلم. آدم ينبئ الملائكة وقد أمر سبحانه آدم عليه السلام أن ينبئ الملائكة بالأسماء التي لم يفهمونها ولم يأمره أن ينبئه هو كما سبق في أمره إياهم للفارق بين الأمرين فإن أمره سبحانه للملائكة كان امتحانا لهم بخلاف أمره لآدم، فإنه أمر تشريف وتكريم أراد تعالى به إظهار مزيته وبيان ما تنطوي عليه فطرته من الخصائص التكوينية لدرك المعارف التي لم تكن فيهم، ومثل ذلك - والله المثل الأعلى - أن يمتحن أستاذ تلامذته في درس من الدروس التي أملاها عليهم ويطالبهم بتحليل معانيه واستنتاج فوائده، وهو واثق أن أفهامهم لم تستوعب ذلك، ومداركهم لم تستجله، وإنما يريد منهم معرفة قصورهم، فإذا تبين لهم فشلهم قال لتلميذ آخر أيقن منه توقد الفطنة وسعة الإِدراك، قم يا فلان وأخبرهم بما لم يفهموه، وفصل هم ما عزب عن مداركهم وأفهامهم. وقد قام آدم بهذه المهمة التي نيطت به خير قيام فأوضح ما انبهم من أسماء هذه الأجناس التي عُرضت على الملائكة كما يدل عليه قوله سبحانه: {فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} وعندئذ نودي عليهم من قبله تعالى بأن أسراره في خلقه، وحكمه في أفعاله لا يحيط بها غيره سبحانه، فليس لأحد بأن يعترضه في أمره، إذ له سبحانه الخلق والأمر، وهذا مطوى تحت إجابته لهم بقوله: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} ولم يذكر سبحانه في سالف القصة نص هذا القول وإنما ذكر ما يتضمن معناه وهو قوله لهم: {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وفي هذا دليل على أن المراد بما لا يعلمون هناك هو ما فصله هنا بأنه غيب السماوات والأرض فما حكي هنا تقرير وتفصيل لما حكي هنالك. والأولى إجراء غيب السماوات والأرض على العموم فيدخل في ذلك كل ما انطوى عليه هذا الوجود من حقائق لم تكتنهها أفهام الخلق، وكل ما حدث أو سيحدث في الكون من أمور لم تحط بها المخلوقات علما، ومن كان محيطا بهذه الخفايا كلها لم يخرج شيء من أفعاله عن الحكمة، ولم يكن شيء من أمره محلا للنقد أو الإِعتراض. وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بغيب السماوات أكل آدم وحواء من الشجرة، والمراد بغيب الأرض قتل قابيل لأخيه هابيل، وهو تفسير ضعيف جدا فإن غيب السماوات والأرض أوسع من ذلك بكثير، ومن ناحية أخرى فإن كلا من الأكل أو القتل لم يكن حاصلا عندما وجه الله إلى الملائكة هذا الخطاب. وذهب بعضهم إلى أن غيب السماوات هو ما قضاه من أمور خلقه، وغيب الأرض هو ما فعلوه فيها بعد القضاء. وذهب آخرون إلى أن المراد بهذا الغيب أحوال آدم التي علمها الله سبحانه قبل خلقه، وهذا من باب قصر عموم اللفظ على خصوص السبب، والمعول على ما صححه الأصوليون من أنه لا عبرة بخصوص السبب مع عموم اللفظ وإنما دخول السبب الخاص في المراد من اللفظ العام أولوي لأنه مقطوع به، وإبقاء اللفظ هنا على عمومه أليق بكمال الله الذي أحاط بكل شيء علما. والاستفهام في قوله: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ...} تقريري، فإن ذلك القول لا ريب في وقوعه، والملائكة يعلمون وقوعه ولا ينكرونه، ومن شأن الاستفهام التقريري إذا أريد به إثبات شيء أن يدخل عليه منفيا نحو قوله تعالى: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} تفسير : [الانشراح: 1]، وقوله: {أية : أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّآءٍ مَّهِينٍ} تفسير : [المرسلات: 20]، وما في هذه الآية، وهذا لأن في الاستفهام معنى النفي، ونفي النفي اثبات ولذلك إذا أدخل على ما يراد نفيه لم يقترن بحرف النفي نحو قوله عز وجل: {أية : أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَالِقُونَ} تفسير : [الواقعة: 59]، وقوله: {أية : ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى ٱللَّهِ تَفْتَرُونَ} تفسير : [يونس: 59]، وقوله: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 116]، ولا داعي إلى ما قاله ابن عاشور من أن أداة النفي مقحمة وأن ذلك غالبي في الإِستفهام التقريري لقصد التوسيع على المقرَّر حتى يُخيل إليه أنه يُسأل عن نفي وقوع الشيء فإن أراد أن يزعم نفيه فقد وسع المقرِّر عليه ذلك ولكنه يُتحقق أنه لا يستطيع إنكاره، فلذلك يقرره على نفيه، فإذا أقر كان إقراره لازما له لا مناص له منه، وأخرج ابن عاشور من هذا الغالب نحو {أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ}، وقوله: {أية : قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ} تفسير : [الأنبياء: 62]، وفي كلامه ما لا يخفى من الخلط بين ما يراد به الإِثبات وما يراد به النفي، وقد علمت الفرق بينهما. ماذا يبدي الملائكة ويكتمون؟ واختلف في المراد بما يبدون وما كانوا يكتمون، قيل ما يبدونه هو قولهم: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ} تفسير : [البقرة: 30] وما كانوا يكتمونه هو ما كان ابليس ينطوي عليه من العجب والكبر، أخرج هذا القول ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة رضي الله عنهم، وهو مروي عن سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري، واختاره ابن جرير وحمل اسناد ما كان ينطوي عليه إبليس إليهم على مثل ما تقول العرب قُتل الجيش وهُزموا، وإن كان المقتول أو المهزوم واحد منهم، ومثله في القرآن: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلْحُجُرَاتِ} تفسير : [الحجرات: 4] مع أن المنادي لم يكن إلا واحدا من بني تميم، وروى ابن جرير عن الضحاك عن ابن عباس أن المراد به أن الله يعلم السر كما يعلم العلانية، وقد علم من أمر إبليس ما لم يعلموا إذ قالوا: {أية : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} تفسير : [البقرة: 30]. وروى عن أبي العالية والربيع ابن أنس والحسن وقتادة: أن المراد بما يكتمونه هو قولهم فيما بينهم لم يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه وذلك عندما رأوا خلقه آدم حسبما روى ابن جرير وغيره، وإنما عُدَّ ذلك مما يكتمونه مع إفضاء بعضهم به إلى بعض لأن هذا الإِفضاء لم يكن إلى عموم الملائكة بل كان افضاءاً محدودا حسبما قيل، وفي المنار عن الإِمام محمد عبده أن الذي يبدونه هو ما يظهر أثره في نفوسهم وأما ما يكتمون فهو ما يوجد في غرائزهم وتنطوي عليه طبائعهم، وقد جيء بكان الدالة على المضي مع ذكر الكتمان دون الإِبداء، قيل لأن كتمانهم كان فيما سبق أما بعد أن كشف الله أمرهم فلم يكن كتمان، والأظهر أنها أريد بها تعميق مفهوم خبرها وهو ضرب من التأكيد كثيرا ما يجيء في القرآن نحو قوله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [الفتح: 14]، ففائدتها في هذا الكلام تأكيد أنهم كتموا ما كتموه حرصا منهم على أن لا يبدو شيء منه لغيرهم. ومما يُستفاد من هذا الدرس وجوب مراقبة النفس في كل ما يلم بها من الخواطر وينتابها من الأفكار فإن الله سبحانه عليم بطوايا الصدور وخفايا الأمور فلا يخفى عليه شيء مما يتلجلج في صدر أحد، وبحصول هذه المراقبة من الانسان لنفسه يكون يقظا في أمره، بصيرا بما يأتي وما يذر.
الالوسي
تفسير : {قَالَ يَـاءادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ} نادى سبحانه آدم باسمه العلم كما هو عادته جل شأنه مع أنبيائه ما عدا نبينا صلى الله عليه وسلم حيث ناداه بـ {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ }تفسير : [الأنفال: 64] و {أية : يٰأيهاٱلرَّسُول }تفسير : [المائدة: 41] لعلو مقامه ورفعة شأنه إذ هو الخليفة الأعظم، والسر في إيجاد آدم. ولم يقل سبحانه أنبئني كما وقع في أمر الملائكة مع حصول المراد معه أيضاً، وهو ظهور فضل آدم إبانة لما بين الرتبتين من التفاوت، وإنباء للملائكة بأن علمه عليه السلام واضح لا يحتاج إلى ما يجري مجرى الامتحان وأنه حقيق أن يعلم غيره أو لتكون له عليه السلام منة التعليم كاملة حيث أقيم مقام المفيد وأقيموا مقام المستفيدين منه، أو لئلا تستولي عليه الهيبة فإن إنباء العالم ليس كإنباء غيره. والمراد بالإنباء هنا الإعلام لا مجرد الإخبار كما تقدم. وفيه دليل لمن قال: إن علوم الملائكة وكمالاتهم تقبل الزيادة، ومنع قوم ذلك في الطبقة العليا منهم، وحمل عليه {أية : وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ }تفسير : [الصافات: 164] وأفهم كلام البعض منع حصول العلم المرقي لهم فلعل ما يحصل علم قال: لا حال والفرق ظاهر لمن له ذوق، وقرأ ابن عباس: {أَنبِئْهُم} بالهمز وكسر الهاء - وأنبيهم - بقلب الهمزة ياء، وقرأ الحسن: - (أنبهم) - كأعطهم، والمراد بالأسماء ما عجزوا عن علمها واعترفوا بالقصور عن بلوغ مرتبتها، والضمير عائد على المعروضين على ما تقدم. {فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم} عطف على جملة محذوفة والتقدير - فانبأهم بها - فلما أنبأهم الخ، وحذفت لفهم المعنى، وإظهار الأسماء في موقع الإضمار لإظهار كمال العناية بشأنها مع الإشارة إلى أنه عليه السلام أنبأهم بها على وجه التفصيل دون الإجمال. وعلمهم بصدقه من القرائن الموجبة له والأمر أظهر من أن يخفى، ولا يبعد إن عرفهم سبحانه الدليل على ذلك واحتمال أن يكون لكل صنف منهم لغة أو معرفة بشيء ثم حضر جميعهم/ فعرف كل صنف إصابته في تلك اللغة أو ذلك الشيء بعيد. {قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} جواب لـ {مَا} وتقرير لما مر من الجواب الإجمالي واستحضار له على وجه أبسط من ذلك وأشرح. ولا يخفى ما في الآية من الإيجاز، إذ كان الظاهر أعلم غيب السمٰوات والأرض وشهادتهما وأعلم ما كنتم تبدون وما كنتم تكتمون وما ستبدون وتكتمون، إلا أنه سبحانه اقتصر على غيب السمٰوات والأرض لأنه يعلم منه شهادتهما بالأولى، واقتصر من الماضي على المكتوم لأنه يعلم منه البادي كذلك - وعلى المبدأ من المستقبل - لأنه قبل الوقوع خفي، فلا فرق بينه وبين غيره من خفياته - وتغيير الأسلوب حيث لم يقل: وتكتمون - لعله لإفادة استمرار الكتمان - فالمعنى - أعلم ما تبدون قبل أن تبدوه وأعلم ما تستمرون على كتمانه، وذكر السيالكوتي أن كلمة - كان - صلة غير مفيدة لشيء إلا محض التأكيد المناسب للكتمان، ثم الظاهر من الآية العموم ومع ذلك {أية : مَا لاَ تَعْلَمُونَ }تفسير : [البقرة: 30] أعم مفهوماً لشموله - غيب الغيب - الشامل لذات الله تعالى وصفاته - وخصها قوم - فمن قائل: غيب السمٰوات أكل آدم وحواء من الشجرة، وغيب الأرض قتل قابيل هابيل. ومن قائل: الأول: ما قضاه من أمور خلقه والثاني: ما فعلوه فيها بعد القضاء، ومن قائل: الأول: ما غاب عن المقربين مما استأثر به تعالى من أسرار الملكوت الأعلى والثاني: ما غاب عن أصفيائه من أسرار الملك الأدنى وأمور الآخرة، والأولى - وما أبدوه - قبل قولهم: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا } تفسير : [البقرة: 30] وما كتموه، قولهم: لن يخلق الله تعالى أكرم عليه منا، وقيل: ما أظهروه بعد من الامتثال. وقيل: ما أسره إبليس من الكبر، وإسناد الكتم إلى الجميع حينئذٍ من باب - بنو فلان قتلوا فلاناً والقاتل واحد منهم - ومعنى الكتم على كل حال عدم إظهار ما في النفس لأحد ممن كان في الجمع، وليس المراد أنهم كتموا الله تعالى شيئاً بزعمهم - فإن ذلك لا يكون حتى من إبليس - وأبدى سبحانه العامل في {مَا تُبْدُونَ} الخ اهتماماً بالإخبار بذلك المرهب لهم والظاهر عطفه على الأول - فهو داخل معه تحت ذلك القول، ويحتمل أن يكون عطفاً على جملة {أَلَمْ أَقُلْ} فلا يدخل حينئذٍ تحته.
ابن عاشور
تفسير : {قَالَ يَـاءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ}. لما دخل هذا القول في جملة المحاورة جردت الجملة من الفاء أيضاً كما تقدم في نظائره لأنه وإن كان إقبالاً بالخطاب على غير المخاطَبين بالأقوال التي قبله فهو بمثابة خطاب لهم لأن المقصود من خطاب آدم بذلك أن يَظهر عقبَه فضلُه عليهم في العلم من هاته الناحية فكانَ الخطاب بمنزلة أن يكون مسوقاً إليهم لقوله عقب ذلك: {قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض}. وابتداء خطاب آدم بندائه مع أنه غير بعيد عن سماع الأمر الإلٰهي للتنويه بشأن آدم وإظهار اسمه في الملأ الأعلى حتى ينال بذلك حسن السمعة مع ما فيه من التكريم عند الآمر لأن شأن الآمر والمخاطِب ـــ بالكسر ـــ إذا تلطف مع المخاطَب ـــ بالفتح ـــ أن يذكر اسمه ولا يقتصر على ضمير الخطاب حتى لا يساوي بخطابه كل خطاب، ومنه ما جاء في حديث الشفاعة بعد ذكر سجود النبي وحمده الله بمحامد يلهمه إياها فيقول: «يا محمد ارفع رأسك سل تُعْطَ واشفع تشفَّع» وهذه نكتة ذكر الاسم حتى في أثناء المخاطبة كما قال امرؤ القيس:شعر : أفاطم مهلاً بعضَ هذا التدلل تفسير : وربما جعلوا النداء طريقاً إلى إحضار اسمه الظاهر لأنه لا طريق لإحضاره عند المخاطبة إلا بواسطة النداء فالنداء على كل تقدير مستعمل في معناه المجازي. {فَلَمَّآ أَنبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِم}. الإنباء إخبارهم بالأسماء، وفيه إيماء بأن المخبر به شيء مهم. والضمير المجرور بالإضافة ضمير المسميات مثل ضمير {عرضهم}، وفي إجرائه على صيغة ضمائر العقلاء ما قرر في قوله: {أية : ثم عرضهم}تفسير : [البقرة: 31]. وقوله: {فلما أنبأهم بأسمائهم} الضمير في (أنبأ) لآدم وفي (قال) ضمير اسم الجلالة وإنما لم يؤت بفاعله اسماً ظاهراً مع أنه جرى على غير من هو له أي جاء عقب ضمائر آدم في قوله: {أنبئهم} و{أنبأهم} لأن السياق قرينة على أن هذا القول لا يصدر من مثل آدم. {قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلاَْرْضِ}. جواب (لما) والقائل هو الله تعالى وهو المذكور في قوله: {أية : وإذ قال ربك}تفسير : [البقرة: 30] وعادت إليه ضمائر {أية : قال إني أعلم}تفسير : [البقرة: 30] و{أية : علّم}تفسير : [البقرة: 31] و{عرضهم} وما قبله من الضمائر وهو تذكير لهم بقوله لهم في أول المحاورة: {إني أعلم ما لا تعلمون} وذلك القول وإن لم يكن فيه: {أعلم غيب السمٰوات والأرض} صراحة إلا أنه يتضمنه لأن عموم {ما لا تعلمون} يشمل جميع ذلك فيكون قوله هنا: {إني أعلم غيب السمٰوات والأرض} بياناً لما أجمل في القول الأول لأنه يساويه ما صدقا لأن {ما لا تعلمون} هو غيب السموات والأرض وقد زاد البيان هنا على المبين بقوله: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}. وإنما جيء بالإجمال قبل ظهور البرهان وجيء بالتفصيل بعد ظهوره على طريقة الحِجاج وهو إجمال الدعوى وتفصيل النتيجة لأن الدعوى قبل البرهان قد يتطرقها شك السامع بأن يحملها على المبالغة ونحوها وبعد البرهان يصح للمدعى أن يوقف المحجوج على غلطه ونحوه وأن يتبجح عليه بسلطان برهانه فإن للحق صولة. ونظيره قول صاحب موسى: {أية : سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً أما السفينة}تفسير : [الكهف: 78، 79] إلى قوله: {أية : وما فعلته عن أمري}تفسير : [الكهف: 82] ثم قال: {أية : ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً}تفسير : [الكهف: 82]. فجاء باسم إشارة البعيد تعظيماً للتأويل بعد ظهوره. وهذه طريقة مسلوكة للكتاب والخطباء وهي ترجع إلى قاعدة أخذ النتائج من المقدمات في صناعة الإنشاء كما بينته في كتاب «أصول الإنشاء والخطابة» وأكثر الخطباء يفضي إلى الغرض من خطبته بعد المقدمات والتمهيدات وقد جاءت الآية على طريقة الخطباء والبلغاء فيما ذكرنا تعليماً للخلق وجرياً على مقتضى الحال المتعارف من غير مراعاة لجانب الألوهية فإن الملائكة لا يمترون في أن قوله تعالى الحق ووعده الصدق فليسوا بحاجة إلى نصب البراهين. و{كُنتُمْ} في قوله: {وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ} الأظهر أنها زائدة لتأكيد تحقق الكتمان فإن الذي يعلم ما اشتد كتمانه يعلم ما لم يحرص على كتمانه ويعلم ظواهر الأحوال بالأولى. وصيغة المضارع في {تُبْدُونَ} و{تَكْتُمُونَ} للدلالة على تجدد ذلك منهم فيقتضي تجدد علم الله بذلك كلما تجدد منهم. ولبعضهم هنا تكلفات في جعل {كنتم} للدلالة على الزمان الماضي وجعل {تبدون} للاستقبال وتقدير اكتفاء في الجانبين أعني وما كنتم تبدون وما تكتمون واكتفاء في غيب السماوات والأرض يعني وشهادتهما وكل ذلك لا داعي إليه. وقد جعل الله تعالى علم آدم بالأسماء وعجز الملائكة عن ذلك علامة على أهلية النوع البشري لخلافته في الأرض دون الملائكة لأن الخلافة في الأرض هي خلافة الله تعالى في القيام بما أراده من العُمران بجميع أحواله وشعبه بمعنى أن الله تعالى ناط بالنوع البشري إتمام مراده من العالم فكان تصرف هذا النوع في الأرض قائماً مقام مباشرة قدرة الله تعالى بجميع الأعمال التي يقوم بها البشر، ولا شك أن هذه الخلافة لا تتقوم إلا بالعلم أعني اكتساب المجهول من المعلوم وتحقيق المناسبة بين الأشياء ومواقعها ومقارناتها وهو العلم الاكتسابي الذي يدرك به الإنسان الخير والشر ويستطيع به فعل الخير وفعل الشر كل في موضعه ولا يصلح لهذا العِلم إلا القوةُ الناطقة وهي قوة التفكير التي أجلَى مظاهرها معرفة أسماء الأشياء وأسماء خصائصها والتي تستطيع أن تصدر الأضداد من الأفعال لأن تلك القوة هي التي لا تنحصر متعلقاتها ولاتقف معلوماتها كما شوهد من أحوال النوع الإنساني منذ النشأة إلى الآن وإلى ما شاء الله تعالى. والملائكة لما لم يخلقوا متهيئين لذلك حتى أَعْجَزَهم وضع الأسماء للمسميات وكانوا مجبولين على سجية واحدة وهي سجية الخير التي لا تختلف ولا تتخلف لم يكونوا مؤهلين لاستفادة المجهولات من المعلومات حتى لا تقف معارفهم. ولم يكونوا مصادر للشرور التي يتعين صدورها لإصلاح العالم فخيرتهم وإن كانت صالحة لاستقامة عالمهم الطاهر لم تكن صالحة لنظام عالم مخلوط، وحكمة خلطه ظهور منتهى العلم الإلهي كما قال أبو الطيب:شعر : ووضع الندى في موضع السيف بالعُلا مضرٌّ كوضع السيف في موضع الندَى تفسير : والآية تقتضي مزية عظمى لهذا النوع في هذا الباب وفي فضل العلم ولكنها لا تدل على أفضلية النوع البشري على الملائكة إذ المزية لا تقتضي الأفضلية كما بينه الشهاب القرافي في الفرق الحادي والتسعين فهذه فضيلة من ناحية واحدة وإنما يعتمد التفضيل المطلق مجموعَ الفضائل كما دل عليه حديث موسى والخضر. والاستفهام في قوله: {ألم أقل لكم} إلخ تقريري لأن ذلك القول واقع لا محالة والملائكة يعلمون وقوعه ولا ينكرونه. وإنما أوقع الاستفهام على نفي القول لأن غالب الاستفهام التقريري يقحم فيه ما يفيد النفي لقصد التوسيع على المقرَّر حتى يُخيَّل إليه أنه يُسأل عن نفي وقوع الشيء فإن أراد أن يزعم نفيه فقد وسَّع المقرِّر عليه ذلك ولكنه يتحقق أنه لا يستطيع إنكاره فلذلك يقرره على نفيه، فإذا أقر كان إقراره لازماً له لا مناص له منه. فهذا قانون الاستفهام التقريري الغالب عليه وهو الذي تكرر في القرآن وبنى عليه صاحب «الكشاف» معاني آياته التي منها قوله تعالى: {أية : ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير}تفسير : [البقرة: 106] وتوقف فيه ابن هشام في «مغني اللبيب» ورده عليه شارحه. وقد يقع التقرير بالإثبات على الأصل نحو: {أية : أأنت قلتَ للناس}تفسير : [المائدة: 116] وهو تقرير مُراد به إبطال دعوى النصارى، وقوله: {أية : قالوا أأنت فعلتَ هذا بآلهتنا يا إبراهيم}تفسير : [الأنبياء: 62].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}. لم يبين هنا هذا الذي كانوا يكتمون. وقد قال بعض العلماء: هو ما كان يضمره إبليس من الكبر. وعلى هذا القول فقد بينه قوله تعالى: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ} تفسير : [البقرة: 34] الآية.
الواحدي
تفسير : {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} أخبرهم بتسمياتهم، فسمَّى كلَّ شيءٍ باسمه، وألحق كلَّ شيءٍ بجنسه {فلما أنبأهم بأسمائهم} : أخبرهم بمسمَّياتهم {قال} الله تعالى للملائكة: {ألم أقل لكم} وهذا استفهامٌ يتضمَّن التَّوبيخ لهم على قولهم: {أتجعل فيها مَنْ يفسد فيها} . {إني أعلم غيب السموات والأرض} أَيْ: ما غاب فيهما عنكم {وأعلم ما تبدون} : علانيتكم {وما كنتم تكتمون} : سرَّكم، لا يخفى عليَّ شيءٌ من أموركم. {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} سجود تعظيمٍ وتسليمٍ وتحيَّةٍ، وكان ذلك انحناءاً يدلُّ على التَّواضع، ولم يكن وضعَ الوجه على الأرض، {فسجدوا إلاَّ إبليس أبى} امتنع {واستكبر وكان من الكافرين} في سابق علم الله عزَّ وجلَّ. {وقلنا يا آدم اسكنْ أنت وزوجك الجنَّة} اتَّخذاها مأوىً ومنزلاً {وكلا منها رغداً} واسعاً {حيث شئتما} ما شئتما [كيف شئتما] {ولا تقربا هذه الشجرة} لا تحوما حولها بالأكل منها، يعني السُّنبلة {فتكونا} فتصيرا {من الظالمين} : العاصين الذين وضعوا أمر الله عزَّ وجلَّ غير موضعه. {فأزلَّهما الشيطان} نحَّاهما وبعَّدهما {عنها فأخرجهما ممَّا كانا فيه} من الرُّتبة ولين العيش {وقلنا} لآدم وحواء وإبليس والحيَّة: {اهبطوا} أي: انزلوا إلى الأرض {بعضكم لبعض عدو} يعني: العداوة التي بين آدم وحواء والحيَّة. وبين ذرية آدم عليه السَّلام من المؤمنين وبين إبليس لعنه الله، {ولكم في الأرض مستقر} موضع قرارٍ {ومتاع إلى حين} ما تتمتَّعون به ممَّا تُنبته الأرض إلى حين الموت.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 33- قال الله لآدم: أَخْبر الملائكة يا آدم بهذه الأشياء، فأجاب وأظهر فضله عليهم، وهنا قال الله لهم مذكراً لهم بإحاطة علمه: ألم أقل لكم إنى أعلم كل ما غاب فى السموات والأرض ولا يعلمه غيرى، وأعلم ما تُظهرون فى قولكم وما تُخفون فى نفوسكم؟. 34- واذكر - يا أيها النبى - حين قلنا للملائكة: اخضعوا لآدم تحية له وإقراراً بفضله، فأطاع الملائكة كلهم إلا إبليس، امتنع عن السجود وصار من العاصين له والكافرين بنعم الله وحكمته وعلمه. 35- ثم خلق الله آدم وزوجه وأمرهما أن يعيشا فى جنة النعيم فقال له: اسكن أنت وامرأتك الجنة وكلا منها ما تشاءان أكلاً هنيئاً وافراً من أى مكان ومن أى ثمر تريدان، ولكن الله ذكر لهما شجرة معينة وحذرهما الأكل منها وقال لهما: لا تدنُوَا من هذه الشجرة ولا تأكلا منها، وإلا كنتما من الظالمين العاصين. 36- ولكن إبليس الحاسد لآدم والحاقد عليه أخذ يحتال عليهما ويغريهما بالأكل من الشجرة حتى زلاّ فأكلا منها، فأخرجهما الله مما كانا فيه من النعيم والتكريم، وأمرهما الله تعالى بالنزول إلى الأرض ليعيشا هما وذريتهما فيها، ويكون بعضهم لبعض عدواً بسبب المنافسة وإغواء الشيطان، ولكم فى الأرض مكان استقرار وتيسير للمعيشة، وتمتع ينتهى بانتهاء الأجل. 37- وأحس آدم هو وزوجته بخطئهما وظلمهما لأنفسهما، فألهم الله تعالى آدم كلمات يقولها للتوبة والاستغفار، فقالها، فتقبَّل الله منه وغفر له لأنه كثير القبول للتوبة، وهو الرحيم بعباده الضعفاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَآءَادَمُ} {بِأَسْمَآئِهِمْ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} (33) - قَالَ اللهُ تَعَالى لآدَمَ: أَخْبِرْهُمْ يَا آدَمُ بِأَسْمَاءِ هذِهِ الأَشْيَاءِ فَأَخْبَرَهُمْ. وَلَمَّا ظَهَرَ فَضْلُ آدَمَ عَلَى المَلاَئِكَةِ فِي سَرْدِهِ مَا عَلَّمَهُ رَبُّهُ مِنْ أَسْمَاءِ الأَشْيَاءِ، قَالَ اللهُ تَعَالى لِلْمَلاَئِكَةِ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنَّني أَعْلَمُ الغَيْبَ الظَّاهِرَ وَالخَفِيَّ في السَّمَاءِ والأَرْضِ وَأَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَعَلانِيتَكُمْ (أَيْ إِنَّهُ يَعْلَمُ مَا أَظْهَرُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ قَوْلِهِمْ أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها)، كَمَا أَعْلَمُ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَهُ (مَنْ نَحْوِ قَوْلِهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ إِنَّ اللهَ لَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً أَكْرَمَ عَلَيهِ مِنَّا، فَنَحْنُ أَحَقُّ بالخِلاَفَةِ مِنْ هذا المَخْلُوقِ)، كَمَا أَعْلَمُ مَا انْطَوَتْ عَلَيهِ نَفْسُ إِبليسَ مِنْ حَسَدٍ وَمُخَالَفَةٍ لأَمرِ اللهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : فالحق سبحانه وتعالى أراد أن يرد على ملاحظة الملائكة بالنسبة لخلق آدم وخلافته في الأرض، وأن الله سبحانه وتعالى في حكمته ما يخفي عليهم. ولذلك فهم لم يدركوا هذه الحكمة، وقبل أن يخلق الله آدم ويجعله خليفة في الأرض كان على علم بكل ما سيحدث من آدم وذريته حتى قيام الساعة. وبعد قيام الساعة. أما الملائكة، فهم لم يكونوا على علم بذلك. لأن هذا ليس عملهم. وكما قلنا: كُلُّ ميسَّر لما خُلِقَ له. ولذلك أراد الحق سبحانه وتعالى أن يعطي للملائكة الصورة بأنكم قد حكمتم على آدم إما من تجربة لجنس آخر عاش في الأرض، وإما من ضَرْبٍ بالغيب، والمقياسان غير صحيحين. ولذلك ميَّزَ الله سبحانه في هذه اللحظة آدم على الملائكة فعلَّمه أسماء المسميات كلها، ثم طلب من الملائكة أن يخبروه بهذه الأسماء. ولكنهم قالوا: إن العلم من الله وحده. وبما أن الله تعالى لم يعلّمهم الأسماء فإنهم لا يعرفونها. فطلب الله من آدم أن يخبرهم بأسماء هذه المسميات فأخبرهم بها. ولكنه لم يخبرهم بها بذاته ولا من قانونه. ولا بعلم عَلِمَه وحده. ولكنه أخبرهم بتعليم الله سبحانه وتعالى له. وفي ذلك يقول الله تعالى: {أية : نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} تفسير : [يوسف: 76]. إذن، فَعِلْمُ آدم للأسماء كان بمشيئة الله سبحانه وتعالى. وهذه المشيئة وحدها هي التي جعلت آدم في ذلك الوقت يعلم ما لا تعلمه الملائكة .. وهنا رَدَّ الحق سبحانه وتعالى على قول الملائكة بأن آدم سيفسد في الأرض، فذكَّرهم الله تعالى بقوله: {أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ ..} [البقرة: 33] أي أن الله سبحانه وتعالى وحده هو الذي يعلم الغيب، والغيب هنا هو الغيب المطلق، فهناك غيب نسبي. قد تسرق حافظة نقودي مثلاً وأنا لا أعلم من الذي سرقها فهو غيب عني. ولكنه معلوم للذي سرق، وللذي سهَّل له طريقة السرقة بأن حرس له الطريق حتى يسرق دون أن يفاجئه أحد. وقد يكون قد صدر قرار هام بالنسبة لي كترقية أو فصل أو حكم. لم يصلني. فأنا لا أعلمه. ولكن الذي وَقَّع القرار أو الحكم يعلمه. هذا الغيب النسبي، لا يعتبر غيباً. ولكن الغيب المطلق هو الذي ليس له مقدمات تنبئ عما سيحدث .. هذا الغيب الذي يفاجئك، ويفاجئ كل من حولك بلا مقدمات .. هذا الغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وقوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33] .. تعطينا هنا وقفة. هل الملائكة قالوا لله سبحانه وتعالى: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ..} تفسير : [البقرة: 30] هل قالها الملائكة فعلاً وجهراً، أم أنهم قالوها في أنفسهم ولم ينطقوا بها؟ قوله تعالى "وما كنتم تكتمون" تعطينا إشارة إلى أن الملائكة ربما قالوا هذا سراً. ولم يبدوه، وعلى أية حال سواء قالوه جهراً أو قالوه سراً. فقد عَلِمه الله؛ لأن الله جل جلاله بكل شيء محيط. ولا نريد لهذه النقطة أن تثير جدلاً .. لماذا؟ لأنه في الحالتين سواء في الجهر أو في الكتمان، فإن الموقف يتساوى عند علم الله سبحانه وتعالى .. فلا داعي للجدل لأنه لا خلاف.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} أي ما كانَ يَكتُمهُ إِبليسُ فِي نَفسِه.
الجيلاني
تفسير : ومتى اعترفوا بذنوبهم واعتذروا عن قصورهم وإجرامهم قبل الله عنهم عذرهم وتوبتهم، ثم أظهر عليهم الحكمة المقتضية لخلافة آدم - صلوات الله عليه - جبراً لانكسارهم ورفعاً لحجابهم وامتناناً عليهم حيث: {قَالَ يَآءَادَمُ} المستجمع لجميع الأسماء المتخالفة {أَنبِئْهُمْ} عن خبرةٍ وحضورٍ {بِأَسْمَآئِهِمْ} المركوزة في هويتك عن هؤلاء المسميات المسببات المعروضة عليك المعبرة عنها بالعالم، ثم لما سمع آدم نداء ربه بادر إلى الجواب بمقتضى الوحي والإلهام الإلهي {فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ} بتوفيق الله وإلهامه ووحيه {بِأَسْمَآئِهِمْ} على التفصيل الذي أودعه الحق في ذاته؛ لأن المرأة تظهر جميع ما في الرائي، فلما سمعوا منه التفصيل واستخرجوا بإنبائه، وندموا عما صدر عنهم في حقه، وزادوا الاستحياء من الله وتوجهوا نحوه ساكتين نادمين حتى لطف معهم وأدركتهم الرحمة الواسعة، تكلم سبحانه معهم وخاطبهم مذكراً لهم عما جرى بينه وبينهم، ومستفهماً لهم على وجه التأديب؛ لئلا يصدر عنهم أمثاله ولئلا يغتروا بعلومهم ومعامالاتهم، ولا يستحقروا مظاهر الحق، ولا ينظروا إليها بعين الاحتقار بل بنظر الاعتبار، ولا يتوهم إخفاء شيء من علم الله المحيط بالأشياء إحاطة حضور حيث {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ} إجمالاً أولاً: {إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: ما غاب عنهم في علم السماوات التي ادعيتم العلم بتفاصيل أحوالها {وَ} غيب {ٱلأَرْضِ} التي قلتم فيها كلاماً على التخمين وبحسب الظاهر {وَأَعْلَمُ} أيضاً {مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: 33] تظهرون في حق آدم باللسان ودعوى الاستقلال فيها والانحصار عليها. ثم لما اعترفوا بذنوبهم وقصورهم، وتضرعوا إلى الله نادمين تائبين عن اجترائهم ومجادلتهم معه مستحيين عنه وعمن استخلفه لنفسه - يعني آدم - بنسبة المكروهات إليه، خائبين عما نووا في نفوسهم من الأولوية في الاستحقاق، تقبل الله عذرهم وأسقط حقه عنهم، ثم أمر بسجودهم لمن استخلفه؛ استجلالاً معه وإيفاء لحقه ليسقط أيضاً عن ذمتهم، فقال: {وَإِذْ قُلْنَا} أي: واذكر يا أكمل الرسل وقت قولنا {لِلْمَلَٰئِكَةِ} النادمين عن الجراءة التي صدرت عنهم {ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} تذللوا وتواضعوا تكريماً لآدم وامتثالاً لأمرنا {فَسَجَدُواْ} مجتمعين متذللين واضعين جباههم على تراب المذلة والندامة {إِلاَّ إِبْلِيسَ} منهم {أَبَىٰ} وامتنع عن السجود {وَٱسْتَكْبَرَ} عن الانقياد له، وأصر على ما هو عليه من الجحود {وَكَانَ} بعدم ا لامتثال الأمر الوجوبي {مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ} [البقرة: 34] المطرودين عن ساحة عز الحضور. والسر في استثنائه تعالى عن هذا الحكم وعدم توفيقه إياه وعدم اقتداره على السجود، أن يظهر سر الحضور والإظهار والربوبية والعبودية، وسر الإيمان والكفر والجنة والنار وجميع القيودات الشرعية والتكاليف الإلهية؛ إذ نسبته يظهر الاثنينية ويتعدد الطرق وتتفاوت الآراء والمقالات وتبين المخالفات والمنازعات، ويظهر الباطل ويستر الحق، وهو الرقيب المحافظ لآدابه والحاجب المعتكف ببابه، حتى لا تكون شرعية لكل وارد، أو يتوجه إليه واحد بعد واحد، غيره على الله وحمية لنفسه، ولهذا تمنى كثير من المحققين مرتبته. ومن غيرته على ربه إلهاؤهم واغترارهم بالمستلذات والمزخرفات التي مالت إليها نفوسهم بطبعها يشغلهم ويلهيهم بها عن التوجيه إلى جنابه والعكوف ببابه، والسر في طرده ولعنه وإبعاده وبكفره تحذيرهم عن الانقياد والاقتداء على أبلغ وجه وآكده، وتمرين لعداوته ورقابته معهم في نفوسهم؛ لئلا يغفلوا عنه، ومع ذلك لم يتركوا متابعته ولم يجتنبوا من إقطاعه الملهية، نعوذ بالله من شرور أنفسنا. {وَ} وبعد ما خلقنا آدم في الأرض خليفة وأنزلنا عنه قوادح القاحدين، وأمرمنا جميع خصمائه بسجوده وتكريمه، وامتثلوا بالمأمور جميعاً إلا إبليس، تركه للحكمة المذكورة آنفاً ولئلا يتكبر آدم ويتجه بسببه انقياد جميعهم كما تجبر كثير من أبنائه في الأرض بانقياد الشرذمة القليلة {قُلْنَا} له على سبيل الشفقة والنصيحة: {يَآءَادَمُ} المستخلف المختار، لازم العبودية إنما تحصل بامتثال أوامرنا واجتناب نواهينا، ومتى قبلت بحمل الامتثال والاجتناب {ٱسْكُنْ أَنْتَ} أيها الخليفة أصالة {وَزَوْجُكَ} تبعاً لك {ٱلْجَنَّةَ} التي هي دار السرور ومنزل الفراغ والحضور، ومقام الأنس من الرب الغفور {وَ} إذا سكنتما فيها {كُلاَ} تمتعاً {مِنْهَا} من جميع محظوظاتها ومستلذاتها الروحانية والجسمانية {رَغَداً} واسعاً بلا مقدار وعدد {حَيْثُ شِئْتُمَا} بلا مزاحمة أحد {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} المخصوصة المعينة حتى لا تخرجا من رق العبودية وإن قربتما {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ} [البقرة: 35] الخارجين عن حدو الله بارتكاب المنهي. ولما استشعر إبليس التوصية والمعاهدة المذكورة المنبئة عن كمال العناية الإلهية بالنسبة إلى آدم، بادر إلى دفعها ورفضها، فوسوس لهما بأن ألقى في قلبهما الدغدغة في تخصيص هذه الشجرة المعنية بالنهي وأنساهما المعاهدة المذكورة في العبودية، وبالجملة: {فَأَزَلَّهُمَا} ألجأهما إلى ارتكاب الزلة بوسوسة {ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا} العدو لهما والرقيب معهما فتنادوا عنها عن الشجرة المنهية {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا} أي: من الحضور الذي {كَانَا فِيهِ} أي: في دار السرور {وَ} بعدما ظهر زلتهما {قُلْنَا} لهما ولناصحهما: {ٱهْبِطُواْ} من دار السرور إلى دار الغرور، ومن دار الكرامة إلى دار الابتلاء والملائمة، وعيشوا فيها مع النزاع والخصومة؛ إذ {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} ينتهز الفرصة لمقته {وَ} بعد هبوطمم {لَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} التي هي محل التفرقة وموطن الفتن والمحن {مُسْتَقَرٌّ} موضع قرار {وَمَتَاعٌ} استمتاع لمزخرفاتها ومستلذاتها الغير القارة التي ألهاكم الشيطان بها عن النعيم الدائم {إِلَىٰ حِينٍ} [البقرة: 36] قيام الساعة التي هي الطامة الكبرى. ثم لما لم يكن زلة آدم من نفسه ومن مقتضى طبعه بل بسوسوة عدوه، أشفق عليه وتوجه نحوه وتطلف معه {فَتَلَقَّىٰ} استفاد {ءَادَمُ} المذنب العاصي {مِن رَّبِّهِ} المستخلف المستقبل عليه {كَلِمَٰتٍ} مشتملات على الرجوع والإنانية عما صدر عنه من زلة هي قوله: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 23] ولما تلقى آدم من ربه هذه الكلمات واستغفر بها، ورجع عما صدر {فَتَابَ} الله {عَلَيْهِ} أي: قبل توبته ورحم عليه {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ} الرجاع للمذنبين المنهمكين في العصيان بالإنابة إليه عن ظهر الجنان {ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: 37] لهم عما صدر عنهم من المعاصي والآثام بلا معاتبة ولا انتقام.
همام الصنعاني
تفسير : 39- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ}: [الآية: 33]، قال: أسرُّوا بينهم، فقالوا: يخلق الله ما شاء، فلن يخلق خلقاً إلاّ نحن أكرم عيه منه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):