Verse. 41 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِذْ قُلْنَا لِلْمَلٰۗىِٕكَۃِ اسْجُدُوْا لِاٰدَمَ فَسَجَدُوْۗا اِلَّاۗ اِبْلِيْسَ۝۰ۭ اَبٰى وَاسْتَكْبَرَ۝۰ۤۡوَكَانَ مِنَ الْكٰفِرِيْنَ۝۳۴
Waith qulna lilmalaikati osjudoo liadama fasajadoo illa ibleesa aba waistakbara wakana mina alkafireena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» اذكر «إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم» سجود تحية بالانحناء «فسجدوا إلا إبليس» هو أبو الجن كان بين الملائكة «أبى» امتنع من السجود «واستكبر» تكبَّر عنه وقال: أنا خير منه «وكان من الكافرين» في علم الله.

34

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو النعمة الرابعة من النعم العامة على جميع البشر، وهو أنه - سبحانه وتعالى - جعل أبانا مسجود الملائكة؛ وذلك لأنه - تعالى - ذكر تخصيص آدم بالخلافة أولاً، ثم تخصيصه بالعلم الكثير ثانياً ثم بلوغه في العلم إلى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم وذكر الآن كونه مسجوداً للملائكة، وههنا مسائل: المسألة الأولى: الأمر بالسجود حصل قبل أن يسوي الله تعالى خلقة آدم عليه السلام بدليل قوله: {أية : إِنّي خَـٰلِقٌ بَشَراً مّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ } تفسير : [صۤ: 71، 72] وظاهر هذه الآية يدل على أنه عليه السلام لما صار حياً صار مسجود الملائكة لأن الفاء في قوله: {فَقَعُواْ } للتعقيب وعلى هذا التقدير يكون تعليم الأسماء ومناظرته مع الملائكة في ذلك حصل بعد أن صار مسجود الملائكة. المسألة الثانية: أجمع المسلمون على أن ذلك السجود ليس سجود عبادة لأن سجود العبادة لغير الله كفر والأمر لا يرد بالكفر ثم اختلفوا بعد ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: أن ذلك السجود كان لله تعالى وآدم عليه السلام كان كالقبلة ومن الناس من طعن في هذا القول من وجهين: الأول: أنه لا يقال صليت للقبلة بل يقال صليت إلى القبلة فلو كان آدم عليه السلام قبلة لذلك السجود لوجب أن يقال اسجدوا إلى آدم فلما لم يرد الأمر هكذا بل قيل اسجدوا لآدم علمنا أن آدم عليه السلام لم يكن قبلة. الثاني: أن إبليس قال أرأيتك هذا الذي كرمت على أي أن كونه مسجوداً يدل على أنه أعظم حالاً من الساجد ولو كان قبلة لما حصلت هذه الدرجة بدليل أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان يصلي إلى الكعبة ولم يلزم أن تكون الكعبة أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم. والجواب عن الأول أنه كما لا يجوز أن يقال صليت إلى القبلة جاز أن يقال صليت للقبلة والدليل عليه القرآن والشعر، أما القرآن فقوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } تفسير : [الإسراء: 78] والصلاة لله لا للدلوك. فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال صليت للقبلة مع أن الصلاة تكون لله تعالى لا للقبلة، وأما الشعر فقول حسان: شعر : ما كنت أعرف أن الأمر منصرف عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليس أول من صلى لقبلتكم وأعرف الناس بالقرآن والسنن تفسير : فقوله صلى لقبلتكم نص على المقصود. والجواب عن الثاني أن إبليس شكا تكريمه وذلك التكريم لا نسلم أنه حصل بمجرد تلك المسجودية بل لعله حصل بذلك مع أمور أخر فهذا ما في القول الأول أما القول الثاني فهو أن السجدة كانت لآدم عليه السلام تعظيماً له وتحية له كالسلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك كما يحيـي المسلمون بعضهم بعضاً بالسلام وقال قتادة في قوله: {أية : وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا } تفسير : [يوسف: 100] كانت تحية الناس يومئذٍ سجود بعضهم لبعض. وعن صهيب أن معاذاً لما قدم من اليمن سجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا معاذ ما هذا قال: إن اليهود تسجد لعظمائها وعلمائها ورأيت النصارى تسجد لقسسها وبطارقتها قلت: ما هذا قالوا: تحية الأنبياء فقال عليه السلام كذبوا على أنبيائهم وعن الثوري عن سماك بن هاني قال: دخل الجاثليق على علي بن أبي طالب فأراد أن يسجد له فقال له عليّ اسجد لله ولا تسجد لي. وقال عليه الصلاة والسلام لو أمرت أحداً أن يسجد لغير الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها. القول الثالث: أن السجود في أصل اللغة هو الانقياد والخضوع قال الشاعر: شعر : ترى الأكم فيها سجداً للحوافر تفسير : أي تلك الجبال الصغار كانت مذللة لحوافر الخيل ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ } تفسير : [الرحمن: 6] واعلم أن القول الأول ضعيف لأن المقصود من هذه القصة شرح تعظيم آدم عليه السلام، وجعله مجرد القبلة لا يفيد تعظيم حاله وأما القول الثالث فضعيف أيضاً؛ لأن السجود لا شك أنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك؛ لأن الأصل عدم التغيير، فإن قيل السجود عبادة والعبادة لغير الله لا تجوز. قلنا: لا نسلم أنه عبادة، بيانه أن الفعل قد يصير بالمواضعة مفيداً كالقول، يبين ذلك أن قيام أحدنا للغير يفيد من الأعظام ما يفيده القول وما ذاك إلا للعبادة وإذا ثبت ذلك لم يمتنع أن يكون في بعض الأوقات سقوط الإنسان على الأرض وإلصاقه الجبين بها مفيداً ضرباً من التعظيم وإن لم يكن ذلك عبادة وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يتعبد الله الملائكة بذلك إظهاراً لرفعته وكرامته. المسألة الثالثة: اختلفوا في أن إبليس هل كان من الملائكة؟ قال بعضُ المتكلمين: ولا سيما المعتزلة إنه لم يكن منهم وقال كثير من الفقهاء إنه كان منهم واحتج الأولون بوجوه: أحدها: أنه كان من الجن، فوجب أن لا يكون من الملائكة، وإنما قلنا إنه كان من الجن لقوله تعالى في سورة الكهف: {أية : إلا إبليس كان من الجن} تفسير : [الكهف: 50] واعلم أن من الناس من ظن أنه لما ثبت أنه كان من الجن وجب أن لا يكون من الملائكة لأن الجن جنس مخالف للملك وهذا ضعيف لأن الجن مأخوذ من الاجتنان وهو الستر ولهذا سمي الجنين جنيناً لاجتنانه ومنه الجنة لكونها ساترة والجنة لكونها مستترة بالأغصان ومنه الجنون لاستتار العقل فيه، ولما ثبت هذا والملائكة مستورون عن العيون وجب إطلاق لفظ الجن عليهم بحسب اللغة فثبت أن هذا القدر لا يفيد المقصود فنقول لما ثبت أن إبليس كان من الجن وجب أن لا يكون من الملائكة لقوله تعالى: {أية : ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن} تفسير : [سبأ: 40، 41] وهذه الآية صريحة في الفرق بين الجن والملك. فإن قيل لا نسلم أنه كان من الجن أما قوله تعالى: {كان من الجن} فلم لا يجوز أن يكون المراد كان من الجنة على ما روى عن ابن مسعود أنه قال كان من الجن أي كان خازن الجنة سلمنا ذلك لكن لا يجوز أن يكون قوله: {من الجن} أي صار من الجن كما أن قوله وكان من الكافرين أي صار من الكافرين سلمنا أن ما ذكرت يدل على أنه من الجن فلم قلت أن كونه من الجن ينافي كونه من الملائكة وما ذكرتم من الآية معارض بآية أخرى وهي قوله تعالى: {أية : وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} تفسير : [الصافات: 158] وذلك لأن قريشاً قالت: الملائكة بنات الله فهذه الآية تدل على أن الملك يسمى جناً؟ والجواب: لا يجوز أن يكون المراد من قوله: {كان من الجن} أنه كان خازن الجنة لأن قوله: {لا إبليس كان من الجن} يشعر بتعليل تركه للسجود لكونه جنياً ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه خازناً للجنة فيبطل ذلك قوله {كان من الجن} أي صار من الجن. قلنا هذا خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا عند الضرورة وأما قوله تعالى: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً} قلنا يحتمل أن بعض الكفار أثبت ذلك النسب في الجن كما أثبته في الملائكة وأيضاً فقد بينا أن الملك يسمى جناً بحسب أصل اللغة لكن لفظ الجن بحسب العرف اختص بغيرهم كما أن لفظ الدابة وإن كان بحسب اللغة الأصلية يتناول كل ما يدب لكنه بحسب العرف اختص ببعض ما يدب فتحمل هذه الآية على اللغة الأصلية، والآية التي ذكرناها على العرف الحادث. وثانيها: أن إبليس له ذرية والملائكة لا ذرية لهم، إنما قلنا إن إبليس له ذرية لقوله تعالى في صفته: {أية : أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني} تفسير : [الكهف: 50] وهذا صريح في إثبات الذرية له، وإنما قلنا إن الملائكة لا ذرية لهم لأن الذرية إنما تحصل من الذكر والأنثى والملائكة لا أنثى فيهم لقوله تعالى: {أية : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم} تفسير : [الزخرف: 19] أنكر على من حكم عليهم بالأنوثة فإذا انتفت الأنوثة انتفى التوالد لا محالة فانتفت الذرية، وثالثها: أن الملائكة معصومون على ما تقدم بيانه وإبليس لم يكن كذلك فوجب أن لا يكون من الملائكة ورابعها: أن إبليس مخلوق من النار والملائكة ليسوا كذلك إنما قلنا إن إبليس مخلوق من النار لقوله تعالى حكاية عن إبليس {خلقتني من نار} وأيضاً فلأنه كان من الجن لقوله تعالى: {كان من الجن} والجن مخلوقون من النار لقوله تعالى: {أية : والجان خلقناه من قبل من نار السموم} تفسير : [الحجر: 27] وقال: {أية : خلق الإِنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار} تفسير : [الرحمن: 14، 15] وأما أن الملائكة ليسوا مخلوقين من النار بل من النور، فلما روي الزهري عن عروة عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار، تفسير : ولأن من المشهور الذي لا يدفع أن الملائكة روحانيون، وقيل إنما سموا بذلك، لأنهم خلقوا من الريح أو الروح. وخامسها: أن الملائكة رسل لقوله تعالى: {أية : جاعل الملائكة رسلاً} تفسير : [فاطر: 1] ورسل الله معصومون، لقوله تعالى: {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته} تفسير : [الأنعام: 124] فلما لم يكن إبليس كذلك وجب أن لا يكون من الملائكة واحتج القائلون بكونه من الملائكة بأمرين: الأول: أن الله تعالى استثناه من الملائكة والاستثناء يفيد إخراج ما لولاه لدخل أو لصح دخوله، وذلك يوجب كونه من الملائكة لا يقال. الاستثناء المنقطع مشهور في كلام العرب، قال تعالى: {أية : وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه أنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني} تفسير : [الزخرف: 26، 27] وقال تعالى: {أية : لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيماً إلا قيلا سلاماً سلاماً} تفسير : [الواقعة: 25، 26] وقال تعالى: {أية : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ} تفسير : [النساء: 29] وقال تعالى: {أية : وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأ} تفسير : [النساء: 92] وأيضاً فلأنه كان جنياً واحداً بين الألوف من الملائكة، فغلبوا عليه في قوله: {فسجدوا} ثم استثنى هو منهم استثناء واحد منهم، لأنا نقول: كل واحد من هذين الوجهين على خلاف الأصل، فذلك إنما يصار إليه عند الضرورة، والدلائل التي ذكرتموها في نفي كونه من الملائكة، ليس فيها إلا الاعتماد على العمومات، فلو جعلناه من الملائكة لزم تخصيص ما عولتم عليه من العمومات، ولو قلنا إنه ليس من الملائكة، لزمنا حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع ومعلوم أن تخصيص العمومات أكثر في كتاب الله تعالى من حمل الاستثناء على الاستثناء المنقطع فكان قولنا أولى. وأيضاً فالاستثناء مشتق من الثني والصرف ومعنى الصرف إنما يتحقق حيث لولا الصرف لدخل والشيء لا يدخل في غير جنسه فيمتنع تحقق معنى الاستثناء فيه، وأما قوله: إنه جني واحد بين الملائكة فنقول: إنما يجوز إجراء حكم الكثير على القليل إذا كان ذلك القليل ساقط العبرة غير ملتفت إليه وأما إذا كان معظم الحديث لا يكون إلا عن ذلك الواحد لم يجز إجراء حكم غيره عليه الحجة الثانية: قالوا لو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان قوله: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} متناولاً له، ولو لم يكن متناولاً له لاستحال أن يكون تركه للسجود إباء واستكباراً ومعصية ولما استحق الذم والعقاب، وحيث حصلت هذه الأمور علمنا أن ذلك الخطاب يتناوله ولا يتناوله ذلك الخطاب إلا إذا كان من الملائكة، لا يقال إنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه نشأ معهم وطالت مخالطته بهم والتصق بهم، فلا جرم يتناوله ذلك الخطاب وأيضاً فلم لا يجوز أن يقال: إنه وإن لم يدخل في هذا الأمر، ولكن الله تعالى أمره بالسجود بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله: {ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك} لأنا نقول: أما الأول فجوابه أن الخطابة لا توجب ما ذكرتموه، ولهذا قلنا في أصول الفقه إن خطاب الذكور لا يتناول الإِناث وبالعكس مع شدة المخالطة بين الصنفين، وأيضاً فشدة المخالطة بين الملائكة وبين إبليس لما لم تمنع اقتصار اللعن على إبليس فكيف تمنع اقتصار ذلك التكليف على الملائكة، وأما الثاني فجوابه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فلما ذكر قوله أبى واستكبر عقيب قوله: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} أشعر هذا التعقيب بأن هذا الإباء إنما حصل بسبب مخالفة هذا الأمر لا بسبب مخالفة أمر آخر فهذا ما عندي في الجانبين والله أعلم بحقائق الأمور. المسألة الرابعة: أعلم أن جماعة من أصحابنا يحتجون بأمر الله تعالى للملائكة بسجود آدم عليه السلام على أن آدم أفضل من الملائكة فرأينا أن نذكر ههنا هذه المسألة فنقول: قال أكثر أهل السنّة: الأنبياء أفضل من الملائكة وقالت المعتزلة بل الملائكة أفضل من الأنبياء وهو قول جمهور الشيعة، وهذا القول اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني من المتكلمين منا وأبي عبد الله الحليمي من فقهائنا ونحن نذكر محصل الكلام من الجانبين: أما القائلون بأن الملائكة أفضل من البشر فقد احتجوا بأمور: أحدها: قوله تعالى: {أية : ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته} تفسير : [الأنبياء: 19] إلى قوله: {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} والاستدلال بهذه الآية من وجهين: الأول: أنه ليس المراد من هذه العندية عندية المكان والجهة فإن ذلك محال على الله تعالى بل عندية القرب والشرف ولما كانت هذه الآية واردة في صفة الملائكة علمنا أن هذا النوع من القربة والشرف حاصل لهم لا لغيرهم ولقائل أن يقول: إنه تعالى أثبت هذه العندية في الآخرة لآحاد المؤمنين وهو قوله: {أية : في مقعد صدق عند مليك مقتدر} تفسير : [القمر: 55] وأما في الدنيا فقال عليه الصلاة والسلام حاكياً عنه سبحانه: «حديث : أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي» تفسير : وهذا أكثر إشعاراً بالتعظيم لأن هذا الحديث يدل على أنه سبحانه عند هؤلاء المنكسرة قلوبهم وما احتجوا به من الآية يدل على أن الملائكة عند الله تعالى، ولا شك أن كون الله تعالى عند العبد أدخل في التعظيم، من كون العبد عند الله تعالى. الوجه الثاني: في الاستدلال بالآية، أن الله تعالى احتج بعد استكبارهم على أن غيرهم وجب أن لا يستكبروا ولو كان البشر أفضل منهم لما تم هذا الاحتجاج، فإن السلطان إذا أراد أن يقرر على رعيته وجوب طاعتهم له بقول: الملوك لا يستكبرون عن طاعتي، فمن هؤلاء المساكين حتى يتمردوا عن طاعتي أو بالجملة فمعلوم أن هذا الاستدلال لا يتم إلا بالأقوى على الأضعف. ولقائل أن يقول: لا نزاع في أن الملائكة أشد قوة وقدرة من البشر، ويكفي في صحة الاستدلال هذا القدر من التفاوت، فإنه تعالى يقول: إن الملائكة مع شدة قوتهم واستيلائهم على أجرام السموات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض وطول أعمارهم، لا يتركون العبودية لحظة واحدة، والبشر مع نهاية ضعفهم ووقوعهم في أسرع الأحوال في المرض والهرم وأنواع الآفات، أولى أن لا يتمردوا فهذا القدر من التفاوت كافٍ في صحة هذا الاستدلال، ولا نزاع في حصول التفاوت في هذه المعنى، إنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب، فلم قلتم إن هذا الاستدلال لا يصح إلا إذا كان الملك أكثر ثواباً من البشر، ولا بدّ فيه من دليل؟ مع أن المتبادر إلى الفهم هو الذي ذكرناه. وثانيها: أنهم قالوا: عبادات الملائكة أشق من عبادات البشر، فتكون أكثر ثواباً من عبادات البشر، وإنما قلنا إنها أشق لوجوه: أحدها: أن ميلهم إلى التمرد أشد فتكون طاعتهم أشق، وإنما قلنا: إن ميلهم إلى التمرد أشد، لأن العبد السليم من الآفات، المستغنى عن طلب الحاجات، يكون أميل إلى النعم والالتذاذ من المغمور في الحاجات، فإنه يكون كالمضطرب في الرجوع إلى عبادة مولاه والالتجاء إليه، ولهذا قال تعالى: {أية : فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} تفسير : [العنكبوت: 65] ومعلوم أن الملائكة سكان السموات وهي جنات وبساتين ومواضع التنزه والراحة وهم آمنون من المرض والفقر ثم إنهم مع استكمال أسباب التنعم لهم أبداً مذ خلقوا مشتغلون بالعبادة خاشعون وجلون مشفقون كأنهم مسجونون لا يلتفتون إلى نعيم الجنان واللذات بل هم مقبلون على الطاعات الشاقة موصوفون بالخوف الشديد والفزع العظيم وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلاً عن تلك الأعصار المتطاولة ويؤكده قصة آدم عليه السلام، فإنه أطلق له في جميع مواضع الجنة بقوله: {أية : وكلا منها رغداً حيث شئتما} تفسير : [البقرة: 35] ثم منع من شجرة واحدة فلم يملك نفسه حتى وقع في الشر، وذلك يدل على أن طاعتهم أشق من طاعات البشر، وثانيها: أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من بستان إلى بستان، أما الإِقامة على نوع واحد فإنها تورث المشقة والملالة ولهذا السبب جعلت التصانيف مقسومة بالأبواب والفصول، وجعل كتاب الله مقسوماً بالسور والأحزاب والأعشار والأخماس، ثم إن الملائكة كل واحد منهم مواظب على عمل واحد لا يعدل عنه إلى غيره على ما قال سبحانه: {أية : يسبحون الليل والنهار لا يفترون} تفسير : [الأنبياء: 20] وقال: {أية : وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون} تفسير : [الصافات: 165، 166] وإذا كان كذلك كانت عبادتهم في نهاية المشقة، إذا ثبت ذلك وجب أن تكون عباداتهم أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أفضل الأعمال أحمزها» تفسير : أي أشقها، وقوله لعائشة رضي الله عنها: «حديث : إنما أجرك على قدر نصبك» تفسير : والقياس أيضاً يقتضي ذلك، فإن العبد كلما كان تحمله المشاق لأجل رضا مولاه أكثر كان أحق بالتعظيم والتقديم. ولقائل أن يقول على الوجهين: هب أن مشقتهم أكثر فلم قلتم يجب أن يكون ثوابهم أكثر؟ وذلك لأنا نرى بعض الصوفية في زماننا هذا يتحملون في طريق المجاهدة من المشاق والمتاعب ما يقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يتحمل بعض ذلك ثم إنا نقطع بأن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل منه ومن أمثاله، بل يحكى عن عباد الهند وزهادهم ورهبانهم أنهم يتحملون من المتاعب في التواضع لله تعالى ما لم يحك مثله عن أحد من الأنبياء والأولياء مع أنا نقطع بكفرهم، فعلمنا أن كثرة المشقة في العبادة لا تقتضي زيادة الثواب. وتحقيقه هو أن كثرة الثواب لا تحصل إلا بناءً على الدواعي والقصود، فلعل الفعل الواحد يأتي به مكلفان على السواء فيما يتعلق بالأفعال الظاهرة ويستحق أحدهما به ثواباً عظيماً والآخر لا يستحق به إلا ثواباً قليلاً، لما أن إخلاص أحدهما أشد وأكثر من إخلاص الثاني، فإذاً كثرة العبادات ومشقتها لا تقتضي التفاوت في الفضل ثم نقول: لا نسلم أن عبادات الملائكة أشق. أما قوله في الوجه الأول: السموات كالبساتين النزهة قلنا مسلم ولكن لم قلتم بأن الإِتيان بالعبادة في المواضع الطيبة أشق من الإِتيان بها في المواضع الرديئة؟ أكثر ما في الباب أن يقال: إنه قد يهيأ له أسباب التنعيم فامتناعه عنها مع تهيئتها له أشق، ولكنه معارض بما أن أسباب البلاء مجتمعة على البشر ثم إنهم مع اجتماعها عليهم يرضون بقضاء الله ولا تغيرهم تلك المحن والآفات عن الخشوع له والمواظبة على عبوديته، وذلك أدخل في العبودية وذلك أن الخدم والعبيد تطيب قلوبهم بالخدمة حال ما يجدون من النعم والرفاهية ولا يصبر أحد منهم حال المشقة على الخدمة إلا من كان في نهاية الإخلاص فما ذكروه بالعكس أولى، أما قوله: والمواظبة على نوع واحد من العبادة شاق، قلنا: هذا معارض بوجه آخر وهو أنهم لما اعتادوا نوعاً واحداً من العبادة صاروا كالمجبورين على الشيء الذي لا يقدرون على خلافه على ما قيل: العادة طبيعة خامسة، فيكون ذلك النوع في نهاية السهولة عليهم، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوصال في الصوم وقال: «حديث : أفضل الصوم صوم داود عليه السلام» تفسير : وهو أن يصوم يوماً ويفطر يوماً. وثالثها: قالوا: عبادات الملائكة أدوم فكانت أفضل بيان أنها أدوم قوله سبحانه وتعالى: {أية : يسبحون الليل والنهار لا يفترون} تفسير : [الأنبياء: 20] وعلى هذا لو كانت أعمارهم مساوية لأعمار البشر لكانت طاعاتهم أدوم أكثر فكيف ولا نسبة لعمر كل البشر إلى عمر الملائكة على ما تقدم بيانه في باب صفات الملائكة وعلى هذه الآية سؤال: روي في «شعب الإِيمان» عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: قلت لكعب أرأيت قول الله تعالى: {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} ثم قال: {أية : جاعل الملائكة رسلاً} تفسير : [فاطر: 1] أفلا تكون الرسالة مانعة لهم عن هذا التسبيح؟ وأيضاً قال: {أية : أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} تفسير : [البقرة: 161] فكيف يكونون مشتغلين باللعن حال اشتغالهم بالتسبيح؟ أجاب كعب الأحبار فقال: التسبيح لهم كالتنفس لنا فكما أن اشتغالنا بالتنفس لا يمنعنا من الكلام فكذلك اشتغالهم بالتسبيح لا يمنعهم من سائر الأعمال. وأقول: لقائل أن يقول الاشتغال بالتنفس إنما لم يمنع من الكلام لأن آلة التنفس غير آلة الكلام أما اللعن والتسبيح فهما من جنس الكلام فاجتماعهما في الآية الواحدة محال. والجواب الأول: أي استبعاد في أن يخلق الله تعالى لهم ألسنة كثيرة يسبحون الله تعالى ببعضها ويلعنون أعداء الله تعالى بالبعض الآخر. والجواب الثاني: اللعن هو الطرد والتبعيد، والتسبيح هو الخوض في ثناء الله تعالى ولا شك أن ثناء الله يستلزم تبعيد من اعتقد في الله ما لا ينبغي فكان ذلك اللعن من لوازمه. والجواب الثالث: قوله: {لا يفترون} معناه أنهم لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال إن فلاناً مواظب على الجماعات لا يفتر عنها لا يراد به أنه أبداً مشتغل بها بل يراد به أنه مواظب على العزم أبداً على أدائها في أوقاتها وإذا ثبت أن عباداتهم أدوم وجب أن تكون أفضل. أما أولاً فلأن الأدوم أشق فيكون أفضل على ما سبق تقريره في الحجة الثانية. وأما ثانياً: فلقوله عليه السلام: «حديث : أفضل العباد من طال عمره وحسن عمله» تفسير : والملائكة صلوات الله عليهم أطول العباد أعماراً وأحسنهم أعمالاً فوجب أن يكونوا أفضل العباد ولأنه عليه السلام قال: «حديث : الشيخ في قومه كالنبي في أمته» تفسير : وهذا يقتضي أن يكونوا في البشر كالنبي في الأمة وذلك يوجب فضلهم على البشر. ولقائل أن يقول إن نوحاً عليه السلام وكذا لقمان وكذا الخضر كانوا أطول عمراً من محمد صلى الله عليه وسلم فوجب أن يكونوا أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم وذلك باطل بالاتفاق فبطل ما قالوه وقد نجد في الأمة من هو أطول عمراً وأشد اجتهاداً من النبي صلى الله عليه وسلم وهو منه أبعد في الدرجة من العرش إلى ما تحت الثرى. والتحقيق فيه ما بينا أن كثرة الثواب إنما تحصل لأمر يرجع إلى الدواعي والقصود فيجوز أن تكون الطاعة القليلة تقع من الإِنسان على وجه يستحق بها ثواباً كثيراً والطاعات الكثيرة تقع على وجه لا يستحق بها إلا ثواباً قليلاً. ورابعها: أنهم أسبق السابقين في كل العبادات، لا خصلة من خصال الدين إلا وهم أئمة مقدمون فيها بل هم المنشئون العامرون لطرق الدين والسبق في العبادة جهة تفضيل وتعظيم. أما أولاً فبالإِجماع. وأما ثانياً فلقوله تعالى: {أية : والسابقون السابقون أولئك المقربون} تفسير : [الواقعة: 10، 11] وأما ثالثاً فلقوله عليه السلام: «حديث : من سن سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» تفسير : فهذا يقتضي أن يكون قد حصل الملائكة من الثواب كل ما حصل للأنبياء مع زيادة الثواب التي استحقوها بأفعالهم التي أتوا بها قبل خلق البشر. ولقائل أن يقول؛ فهذا يقتضي أن يكون آدم عليه السلام أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أول من سن عبادة الله تعالى من البشر وأول من سن دعوة الكفار إلى الله تعالى ولما كان ذلك باطلاً بالإِجماع بطل ما ذكروه والتحقيق فيه ما قدمناه أن كثرة الثواب تكون بأمر يرجع إلى النية فيجوز أن تكون نية المتأخرة أصفى فيستحق من الثواب أكثر ما يستحقه المتقدم، وخامسها: أن الملائكة رسل الأنبياء والرسول أفضل من الأمة فالملائكة أفضل من الأنبياء. أما أن الملائكة رسل إلى الأنبياء فلقوله تعالى: {أية : علمه شديد القوى} تفسير : [النجم: 5] وقوله: {أية : نزل به الروح الأمين على قلبك} تفسير : [الشعراء: 193، 194] وأما أن الرسول أفضل من الأمة فبالقياس على أن الأنبياء من البشر أفضل من أممهم فكذا ههنا. فإن قيل: العرف أن السلطان إذا أرسل واحداً إلى جمع عظيم ليكون حاكماً فيهم ومتولياً لأمورهم فذلك الرسول يكون أشرف من ذلك الجمع، أما إذا أرسل واحداً إلى واحد فقد لا يكون الرسول أشرف من المرسل إليه كما إذا أرسل واحداً من عبيده إلى وزيره في مهم فإنه لا يلزم أن يكون ذلك العبد أشرف من الوزير. قلنا، لكن جبريل عليه السلام مبعوث إلى كافة الأنبياء والرسل من البشر فلزم على هذا القانون الذي ذكره السائل أن يكون جبريل عليه السلام أفضل منهم. واعلم أن هذه الحجة يمكن تقريرها على وجه آخر وهو أن الملائكة رسل لقوله تعالى: {أية : جاعل الملائكة رسلاً} تفسير : [فاطر: 1] ثم لا يخلو الحال من أحد أمرين إما أن يكون الملك رسولاً إلى ملك آخر أو إلى واحد من الأنبياء الذين هم من البشر وعلى التقديرين فالملك رسول وأمته رسل وأما الرسول البشري فهو رسول لكن أمته ليسوا برسل والرسول الذي كل أمته رسل أفضل من الرسول الذي لا يكون كذلك فثبت فضل الملك على البشر من هذه الجهة ولأن إبراهيم عليه السلام كان رسولاً إلى لوط عليه السلام فكان أفضل منه وموسى عليه السلام كان رسولاً إلى الأنبياء الذين كانوا في عسكره وكان أفضل منهم فكذا ههنا. ولقائل أن يقول الملك إذا أرسل رسولاً إلى بعض النواحي قد يكون ذلك لأنه جعل ذلك الرسول حاكماً عليهم ومتولياً لأمورهم ومتصرفاً في أحوالهم وقد لا يكون لأنه يبعثه إليهم ليخبرهم عن بعض الأمور مع أنه لا يجعله حاكماً عليهم ومتولياً لأمورهم فالرسول في القسم الأول يجب أن يكون أفضل من المرسل إليه أما في القسم الثاني فظاهر أنه لا يجب أن يكون أفضل من المرسل إليه فالأنبياء المبعوثون إلى أممهم من القسم الأول فلا جرم كانوا أفضل من الأمم فلم قلتم إن بعثة الملائكة إلى الأنبياء من القسم الأول حتى يلزم أن يكونوا أفضل من الأنبياء، وسادسها: أن الملائكة أتقى من البشر فوجب أن يكونوا أفضل من البشر أما أنهم أتقى فلأنهم مبرؤون عن الزلات وعن الميل إليها لأن خوفهم دائم وإشفاقهم دائم لقوله تعالى: {أية : يخافون ربهم من فوقهم} تفسير : [النحل: 50] وقوله: {أية : وهم من خشيته مشفقون} تفسير : [الأنبياء: 28] والخوف والإِشفاق ينافيان العزم على المعصية وأما الأنبياء عليهم السلام فهم مع أنهم أفضل البشر ما خلا كل واحد منهم عن نوع زلة وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما منا من أحد إلا عصى أو هم بمعصية غير يحيى بن زكريا عليهما السلام تفسير : فثبت أن تقوى الملائكة أشد فوجب أن يكونوا أفضل من البشر لقوله تعالى: {أية : إن أكرمكم عند الله أتقاكم} تفسير : [الحجرات: 13] فإن قيل: إن قوله: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} خطاب مع الآدميين فلا يتناول الملائكة وأيضاً فالتقوى مشتق من الوقاية ولا شهوة في حق الملائكة فيستحيل تحقق التقوى في حقهم. والجواب عن الأول: أن ترتيب الكرامة على التقوى يدل على أن الكرامة معللة بالتقوى فحيث كانت التقوى أكثر كانت الكرامة أكثر. وعن الثاني: لا نسلم عدم الشهوة في حقهم لكن لا شهوة لهم إلى الأكل والمباشرة ولكن لا يلزم من عدم شهوة معينة عدم مطلق الشهوة بل لهم شهوة التقدم والترفع ولهذا قالوا: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك} وقال تعالى: {أية : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم} تفسير : [الأنبياء: 29] ولقائل أن يقول الحديث الذي ذكرتم يدل على أن يحيى عليه السلام كان أتقى من سائر الأنبياء فوجب أن يكون أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم وذلك باطل بالإِجماع فعلمنا أنه لا يلزم من زيادة التقوى زيادة الفضل وتحقيقه ما قدمنا أن من المحتمل أن يكون إنسان لم تصدر عنه المعصية قط وصدر عنه من الطاعات ما استحق به مائة جزء من الثواب وإنسان آخر صدرت عنه معصية ثم أتى بطاعة استحق بها ألف جزء من الثواب فيقابل مائة جزء من الثواب بمائة جزء من العقاب فيبقى له تسعمائة جزء من الثواب فهذا الإِنسان مع صدور المعصية منه يكون أفضل من الإِنسان الذي لم تصدر المعصية عنه قط وأيضاً فلا نسلم أن تقوى الملائكة أشد وذلك لأن التقوى مشتق من الوقاية والمقتضي للمعصية في حق بني آدم أكثر فكان تقوى المتقين منهم أكثر، قوله إن الملائكة لهم شهوة الرياسة قلنا: هذا لا يضرنا وذلك لأن هذه الشهوة حاصلة للبشر أيضاً وقد حصلت لهم أنواع أخر من الشهوات وهي شهوة البطن والفرج وإذا كان كذلك كانت الشهوات الصارفة عن الطاعات أكثر في بني آدم فوجب أن تكون تقوى المتقين منهم أشد. وسابعها: قوله تعالى: {أية : لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون} تفسير : [النساء: 172] وجه الاستدلال أن قوله تعالى: {ولا الملائكة المقربون} خرج مخرج التأكيد للأول ومثل هذا التأكيد إنما يكون بذكر الأفضل يقال هذه الخشبة لا يقدر على حملها العشرة ولا المائة ولا يقال لا يقدر على حملها العشرة ولا الواحد ويقال هذا العالم لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا الملك ولا يقال لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا البواب. ولقائل أن يقول هذه الآية إن دلت فإنما تدل على فضل الملائكة المقربين على المسيح لكن لا يلزم منه فضل الملائكة المقربين على من هو أفضل من المسيح وهو محمد وموسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام وبالجملة فلو ثبت لهم أن المسيح أفضل من كل الأنبياء كان مقصودهم حاصلاً فأما إذا لم يقيموا الدلالة على ذلك فلا يحصل مقصودهم لاسيما وقد أجمع المسلمون على أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل من المسيح عليه السلام وما رأينا أحداً من المسلمين قطع بفضل المسيح على موسى وإبراهيم عليهما السلام ثم نقول قوله: «ولا الملائكة المقربون» ليس فيه إلا واو العطف والواو للجمع المطلق فيدل على أن المسيح لا يستنكف والملائكة لا يستنكفون فأما أن يدل على أن الملائكة أفضل من المسيح فلا، وأما الأمثلة التي ذكروها فنقول المثال لا يكفي في إثبات الدعوى الكلية ثم إن ذلك المثال معارض بأمثلة أخرى وهو قوله: ما أعانني على هذا الأمر زيد ولا عمرو فهذا لا يفيد كون عمرو أفضل من زيد وكذا قوله تعالى: {أية : ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام} تفسير : [المائدة: 3] ولما اختلفت الأمثلة امتنع التعويل عليها ثم التحقيق أنه إذا قال هذه الخشبة لا يقدر على حملها الواحد ولا العشرة فنحن نعلم بعقولنا أن العشرة أقوى من الواحد فلا جرم عرفنا أن الغرض من ذكر الثاني المبالغة فهذه المبالغة إنما عرفناها بهذا الطريق لا من مجرد اللفظ فههنا في الآية إنما يمكننا أن نعرف أن المراد من قوله: {ولا الملائكة المقربون} بيان المبالغة لو عرفنا قبل ذلك أن الملائكة المقربين أفضل من المسيح وحينئذٍ تتوقف صحة الاستدلال بهذه الآية على ثبوت المطلوب قبل هذا الدليل ويتوقف ثبوت المطلوب على دلالة هذه الآية عليه فيلزم الدور وأنه باطل سلمنا أنه يفيد التفاوت لكنه لا يفيد التفاوت في كل الدرجات بل في بعض دون آخر بيانه أنه إذا قيل هذا العالم لا يستنكف عن خدمته القاضي ولا السلطان فهذا لا يفيد إلا أن السلطان أكمل من القاضي في بعض الأمور وهو القدرة والقوة والاستيلاء ولا يدل على كونه أفضل من القاضي في العلم والزهد والخضوع لله تعالى إذا ثبت هذا فنحن نقول بموجبه وذلك لأن الملك أفضل من البشر في القدرة والبطش فإن جبريل عليه السلام قلع مدائن لوط والبشر لا يقدرون على شيء من ذلك فلم قلتم إن الملك أفضل من البشر في كثرة الثواب الحاصل بسبب مزيد الخضوع والعبودية وتمام التحقيق فيه أن الفضل المختلف فيه في هذه المسألة هو كثرة الثواب وكثرة الثواب لا تحصل إلا بالعبودية والعبودية عبارة عن نهاية التواضع والخضوع وكون العبد موصوفاً بنهاية التواضع لله تعالى لا يناسب الاستنكاف عن عبودية الله ولا يلائمها ألبتة بل يناقضها وينافيها وإذا كان هذا الكلام ظاهراً جلياً كان حمل كلام الله تعالى عليه مخرجاً له عن الفائدة، أما اتصاف الشخص بالقدرة الشديدة والاستيلاء العظيم فإنه مناسب للتمرد وترك العبودية فالنصارى لما شاهدوا من المسيح عليه السلام إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص أخرجوه عن العبودية بسبب هذا القدر من القدرة فقال الله تعالى إن عيسى لا يستنكف بسبب هذا القدر من القدرة عن عبوديتي بل ولا الملائكة المقربون الذين هم فوقه في القدرة والقوة والبطش والاستيلاء على عوالم السموات والأرضين وعلى هذا الوجه ينتظم وجه دلالة الآية على أن الملك أفضل من البشر في الشدة والبطش لكنها لا تدل ألبتة على أنه أفضل من البشر في كثرة الثواب أو يقال إنهم إنما ادعوا إلهيته لأنه حصل من غير أب فقيل لهم الملك ما حصل من أب ولا من أم فكانوا أعجب من عيسى في ذلك مع أنهم لا يستنكفون عن العبودية. فإن قيل في الآية ما يدل على أن المراد وقوع التفاوت بين المسيح والملائكة في العبودية لا في القدرة والقوة والبطش وذلك لأنه تعالى وصفهم بكونهم مقربين والقرب من الله تعالى لا يكون بالمكان والجهة بل بالدرجة والمنزلة فلما وصفهم ههنا بكونهم مقربين علمنا أن المراد وقوع التفاوت بينهم وبين المسيح في درجات الفضل لا في الشدة والبطش. قلنا إن كان مقصودك من هذا السؤال أنه تعالى وصف الملائكة بكونهم مقربين فوجب أن لا يكون المسيح كذلك فهذا باطل لأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفسه عما عداه وإن كان مقصودك أنه تعالى لما وصفهم بكونهم مقربين وجب أن يكون التفاوت واقعاً في ذلك فهذا باطل أيضاً لاحتمال أن يكون المسيح والمقربون مع اشتراكهم في صفة القرب في الطاعة يتباينون بأمور أخرى فيكون المراد بيان التفاوت في تلك الأمور. سؤال آخر: وهو أنا نقول بموجب الآية فنسلم أن عيسى عليه السلام دون مجموع الملائكة في الفضل فلم قلتم إنه دون كل واحد من الملائكة في الفضل. سؤال آخر: لعله تعالى إنما ذكر هذا الخطاب مع أقوام اعتقدوا أن الملك أفضل من البشر فأورد الكلام على حسب معتقدهم كما في فقوله: {أية : وهو أهون عليه} تفسير : [الروم: 27]. وثامنها قوله تعالى حكاية عن إبليس قوله: {أية : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} تفسير : [الأعراف: 20] ولو لم يكن متقرراً عند آدم وحواء عليهما السلام أن الملك أفضل من البشر لم يقدر إبليس على أن يغرهما بذلك ولا كان آدم وحواء عليهما السلام يغتران بذلك. ولقائل أن يقول هذا قول إبليس فلا يكون حجة، ولا يقال إن آدم اعتقد صحة ذلك وإلا لما اغتر، واعتقاد آدم حجة، لأنا نقول: لعل آدم عليه السلام أخطأ في ذلك إما لأن الزلة جائزة على الأنبياء أو لأنه ما كان نبياً في ذلك الوقت، وأيضاً هب أنه حجة لكن آدم عليه السلام لم يكن قبل الزلة نبياً فلم يلزم من فضل الملك عليه في ذلك الوقت فضل الملك عليه حال ما صار نبياً، وأيضاً هب أن الآية تدل على أن الملك أفضل من البشر في بعض الأمور المرغوبة فلم قلت: إنها تدل على فضل الملك على البشر في باب الثواب؟ وذلك لأنه لا نزاع أن الملك أفضل من البشر في باب القدرة والقوة، وفي باب الحسن والجمال، وفي باب الصفاء والنقاء عن الكدورات الحاصلة بسبب التركيبات فإن الملائكة خلقوا من الأنوار، وآدم مخلوق من التراب فلعل آدم عليه السلام وإن كان أفضل منهم في كثرة الثواب إلا أنه رغب في أن يكون مساوياً لهم في تلك الأمور التي عددناها فكان التغرير حاصلاً من هذا الوجه، وأيضاً فقوله: {إلا أن تكونا ملكين} يحتمل أن يكون المراد إلا أن تنقلبا ملكين فحينئذٍ يصح استدلالكم ويحتمل أن يكون المراد أن النهي مختص بالملائكة والخالدين دونكما، هذا كما يقول أحدنا لغيره ما نهيت أنت عن كذا إلا أن تكون فلاناً ويكون المعنى أن المنهي هو فلان دونك ولم يرد إلا أن ينقلب فيصير فلاناً، ولما كان غرض إبليس إيقاع الشبهة بهما فمن أوكد الشبهة إيهام أنهما لم ينهيا وإنما المنهي غيرهما، وأيضاً فهب أن الآية تدل على أن الملك أفضل من آدم فلم قلت أنها تدل على أن الملك أفضل من محمد؟ وذلك لأن المسلمين أجمعوا على أن محمداً أفضل من آدم عليهما السلام ولا يلزم من كون الملك أفضل من المفضول كونه أفضل من الأفضل. وتاسعها: قوله تعالى: {أية : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك} تفسير : [الأنعام: 50]. ولقائل أن يقول يحتمل أن يكون المراد ولا أقول لكم إني ملك في كثرة العلوم وشدة القدرة والذي يدل على صحة هذا الاحتمال وجوه: الأول: وهو أن الكفار طالبوه بالأمور العظيمة نحو صعود السماء ونقل الجبال وإحضار الأموال العظيمة وهذه الأمور لا يمكن تحصيلها إلا بالعلوم الكثيرة والقدرة الشديدة. الثاني: أن قوله: {قل لا أقول لكم عند خزائن الله} هذا يدل على اعترافه بأنه غير قادر على كل المقدروات وقوله: {ولا أعلم الغيب} يدل على اعترافه بأنه غير عالم بكل المعلومات ثم قوله: {ولا أقول لكم إني ملك} معناه والله أعلم وكما لا أدعي القدرة على كل المقدورات والعلم بكل المعلومات فكذلك لا أدعي قدرة مثل قدرة الملك ولا علماً مثل علومهم الثالث: قوله: {ولا أقول لكم إني ملك} لم يرد به نفي الصورة لأنه لا يفيد الغرض وإنما نفى أن يكون له مثل ما لهم من الصفات وهذا يكفي في صدقه أن لا يكون له مثل ما لهم ولا تكون صفاته مساوية لصفاتهم من كل الوجوه ولا دلالة فيه على وقوع التفاوت في كل الصفات فإن عدم الاستواء في الكل غير، وحصول الاختلاف في الكل غير. وعاشرها: قوله تعالى: {أية : ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم} تفسير : [يوسف: 31]. فإن قيل لم لا يجوز أن يكون المراد وقوع التشبيه في الصورة والجمال. قلنا: الأولى أن يكون التشبيه واقعاً في السيرة لا في الصورة لأنه قال: {إن هذا إلا ملك كريم} فشبهه بالملك الكريم والملك إنما يكون كريماً بسيرته المرضية لا بمجرد صورته فثبت أن المراد تشبيهه بالملك في نفي دواعي البشر من الشهوة والحرص على طلب المشتهى وإثبات ضد ذلك وهي حالة الملك وهي غض البصر وقمع النفس عن الميل إلى المحرمات، فدلت هذه الآية على إجماع العقلاء من الرجال والنساء، والمؤمن والكافر، على اختصاص الملائكة بدرجة فائقة على درجات البشر. ولقائل إن يقول: أن قول المرأة {أية : فذلكن الذي لمتنني فيه} تفسير : [يوسف: 32] كالصريح في أن مراد النساء بقولهن: {إن هذا إلا ملك كريم} تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال لا في السيرة، لأن ظهور عذرها في شدة عشقها، إنما يحصل بسبب فرط يوسف في الجمال لا بسبب فرط زهده وورعه. فإن ذلك لا يناسب شدة عشقها له. سلمنا أن المراد تشبيه يوسف عليه السلام بالملك في الإِعراض عن المشتهيات، فلم قلت يجب أن يكون يوسف عليه السلام أقل ثواباً من الملائكة؟ وذلك لأنه لا نزاع في أن عدم التفات البشر إلى المطاعم والمناكح أقل من عدم التفات الملائكة إلى هذه الأشياء، لكن لم قلتم إن ذلك يوجب بالمزيد في الفضل بمعنى كثرة الثواب؟ فإن تمسكوا بأن كل من كان أقل معصية وجب أن يكون أفضل، فقد سبق الكلام عليه. الحجة الحادية عشرة: قوله تعالى: {أية : وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً} تفسير : [الإسراء: 70] ومخلوقات الله تعالى إما المكلفون أو من عداهم ولا شك أن المكلفين أفضل من غيرهم، أما المكلفون فهم أربعة أنواع الملائكة والإِنس والجن الشياطين. ولا شك أن الإِنس أفضل من الجن والشياطين، فلو كان أفضل من الملك أيضاً لزم حينئذٍ أن يكون البشر أفضل من كل المخلوقات، وحينئذٍ لا يبقى لقوله تعالى: {أية : وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً} تفسير : [الإِسراء: 70] فائدة: بل كان ينبغي أن يقال وفضلناهم على جميع من خلقنا تفضيلاً، ولما لم يقل ذلك علمنا أن الملك أفضل من البشر، ولقائل أن يقول حاصل هذا الكلام تمسك بدليل الخطاب، لأن التصريح بأنه أفضل من كثير من المخلوقات لا يدل على أنه ليس أفضل من الباقي إلا بواسطة دليل الخطاب، وأيضاً فهب أن جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من المجموع الثاني أن يكون كل واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من المجموع الثاني، فإنا إذا قدرنا عشرة من العبيد كل واحد منهم يساوي مائة دينار، وعشرة أخرى حصل فيهم عبد يساوي مائتي دينار والتسعة الباقية يساوي كل واحد منهم ديناراً. فالمجموع الأول أفضل من المجموع الثاني، إلا أنه حصل في المجموع الثاني واحد هو أفضل من كل واحد من آحاد المجموع الأول، فكذا ههنا وأيضاً فقوله: {وفضلناهم} يجوز أن يكون المراد، وفضلناهم في الكرامة التي ذكرناها في أول الآية وهي قوله: {ولقد كرمنا بني آدم} ويكون المراد من الكرامة حسن الصورة ومزيد الذكاء والقدرة على الأعمال العجيبة والمبالغة في النظافة والطهارة، وإذا كان كذلك فنحن نسلم أن الملك أزيد من البشر في هذه الأمور ولكن لم قلتم أن الملك أكثر ثواباً من البشر، وأيضاً فقوله: {أية : خلق السموات بغير عمد ترونها} تفسير : [لقمان: 10] لا يقتضي أن يكون هناك عمد غير مرئي وكذلك قوله تعالى: {أية : ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به} تفسير : [المؤمنون: 117] يقتضي أن يكون هناك إله آخر له برهان فكذلك ههنا، الحجة الثانية عشرة: الأنبياء عليهم السلام ما استغفروا لأحد إلا بدأوا بالاستغفار لأنفسهم ثم بعد ذلك لغيرهم من المؤمنين، قال آدم: {أية : ربنا ظلمنا أنفسنا} تفسير : [الأعراف: 23] وقال نوح عليه السلام: {أية : رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً} تفسير : [نوح: 28] وقال إبراهيم عليه السلام: {أية : رب اغفر لي ولوالدي} تفسير : [إبراهيم: 41] وقال: {أية : رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين} تفسير : [الشعراء: 83] وقال موسى: {أية : رب اغفر لي ولأخي} تفسير : [الأعراف: 151] وقال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} تفسير : [محمد: 19] وقال: {أية : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} تفسير : [الفتح: 2] أما الملائكة فإنهم لم يستغفروا لأنفسهم ولكنهم طلبوا المغفرة للمؤمنين من البشر يدل عليه تعالى حكاية عنهم {أية : فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم} تفسير : [غافر: 7] وقال: {ويستغفرون للذين آمنوا} لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لبدأوا في ذلك بأنفسهم لأن دفع الضرر عن النفس مقدم على دفع الضرر عن الغير، وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إبدأ بنفسك ثم بمن تعول» تفسير : وهذا يدل على أن الملك أفضل من البشر. ولقائل أن يقول: هذا الوجه لا يدل على أن الملائكة لم يصدر عنهم الزلة ألبتة وأن البشر قد صدرت الزلات عنهم، لكنا بينا فيما تقدم أن التفاوت في ذلك لا يوجب التفاوت في الفضيلة، ومن الناس من قال إن استغفارهم للبشر كالعذر عمن طعنوا فيهم بقولهم: {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : [البقرة: 30]. الحجة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {أية : وإن عليكم لحافظين كراماً كاتبين} تفسير : [الانفطار: 10] وهذا عام في حق جميع المكلفين من بني آدم فدخل فيه الأنبياء وغيرهم وهذا يقتضي كونهم أفضل من البشر لوجهين: الأول: أنه تعالى جعلهم حفظة لبني آدم والحافظ للمكلف من المعصية لا بدّ وأن يكون أبعد عن الخطأ والزلل من المحفوظ، وذلك يقتضي كونهم أبعد من المعاصي وأقرب إلى الطاعات من البشر وذلك يقتضي مزيد الفضل، والثاني: أنه سبحانه وتعالى جعل كتابتهم حجة للبشر في الطاعات وعليهم في المعاصي، وذلك يقتضي أن يكون قولهم أولى بالقبول من قول البشر ولو كان البشر أعظم حالاً منهم لكان الأمر بالعكس. ولقائل أن يقول أما قوله الحافظ يجب أن يكون أكرم من المحفوظ فهذا بعيد فإن الملك قد يوكل بعض عبيده على ولده ولا يلزم أن يكون الحافظ أشرف من المحفوظ هناك، أما قوله: جعل شهادتهم النافذة على البشر فضعيف، لأن الشاهد قد يكون أدون حالاً من المشهود عليه. الحجة الرابعة عشرة: قوله تعالى: {أية : يوم يقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً} تفسير : [النبأ: 38] والمقصود من ذكر أحوالهم المبالغة في شرح عظمة الله تعالى وجلاله ولو كان في خلق طائفة أخرى قيامهم وتضرعهم أقوى في الأنباء عن عظمة الله وكبريائه من قيامهم لكان ذكرهم أولى في هذا المقام، ثم كما أنه سبحانه بين عظمة ذاته في الآخرة بذكر الملائكة فكذا بين عظمته في الدنيا بذكر الملائكة وهو قوله: {أية : وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم} تفسير : [الزمر: 75] ولقائل أن يقول: كل ذلك يدل على أنهم أزيد حالاً من البشر في بعض الأمور فلم لا يجوز أن تلك الحالة هي قوتهم وشدتهم وبطشهم، وهذا كما يقال إن السلطان لما جلس وقف حول سريره ملوك أطراف العالم خاضعين خاشعين فإن عظمة السلطان إنما تشرح بذلك ثم إن هذا لا يدل على أنهم أكرم عند السلطان من ولده فكذا ههنا. الحجة الخامسة عشرة: قوله تعالى: {أية : والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} تفسير : [البقرة: 285] فبين تعالى أنه لابدّ في صحة الإِيمان من الإِيمان بهذه الأشياء ثم بدأ بنفسه وثنى بالملائكة وثلث بالكتب وربع بالرسل وكذا في قوله: {أية : شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم} تفسير : [آل عمران: 18] وقال: {أية : إن الله وملائكته يصلون على النبي} تفسير : [الأحزاب: 56] والتقديم في الذكر يدل على التقديم في الدرجة ويدل عليه أن تقديم الأدون على الأشرف في الذكر قبيح عرفاً، فوجب أن يكون قبيحاً شرعاً، أما أنه قبيح عرفاً فلأن الشاعر قال: شعر : عميرة ودع إن تجهزت غاديا كفى الشيب والإِسلام للمرء ناهيا تفسير : قال عمر بن الخطاب: لو قدمت السلام لأجزتك، ولأنهم لما كتبوا كتاب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين وقع التنازع في تقديم الاسم وكذا في كتاب الصلح بين علي ومعاوية، وهذا يدل على أن التقديم في الذكر يدل على مزيد الشرف وإذا ثبت أنه في العرف كذلك وجب أن يكون في الشرع كذلك، لقوله عليه السلام: «حديث : ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» تفسير : فثبت أن تقديم الملائكة على الرسل في الذكر يدل على تقديمهم في الفضل ولقائل أن يقول: هذه الحجة ضعيفة لأن الاعتماد إن كان على الواو، فالواو لا تفيد الترتيب، وإن كان على التقديم في الذكر ينتقض بتقديم سورة تبت على سورة قل هو الله أحد. الحجة السادسة عشرة: قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىّ } فجعل صلوات الملائكة كالتشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وذلك يدل على كون الملائكة أشرف من النبي صلى الله عليه وسلم. ولقائل أن يقول هذا ينتقض بقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ } فأمر المؤمنين بالصلاة على النبي ولم يلزم كون المؤمنين أفضل من النبي عليه السلام فكذا في الملائكة. الحجة السابعة عشرة: أن نتكلم في جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم فنقول: إن جبريل عليه السلام أفضل من محمد والدليل عليه قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ * مُّطَـٰعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَـٰحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } تفسير : [التكوير: 19 ـ 22] وصف الله تعالى جبريل عليه السلام بست من صفات الكمال، أحدها: كونه رسولاً لله. وثانيها: كونه كريماً على الله تعالى. وثالثها: كونه ذا قوة عند الله، وقوته عند الله لا تكون إلا قوته على الطاعات بحيث لا يقوى عليها غيره. ورابعها: كونه مكيناً عند الله. وخامسها: كونه مطاعاً في عالم السموات. وسادسها: كونه أميناً في كل الطاعات مبرءاً عن أنواع الخيانات. ثم إنه سبحانه وتعالى بعد أن وصف جبريل عليه السلام بهذه الصفات العالية وصف محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله: {وَمَا صَـٰحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } ولو كان محمد مساوياً لجبريل عليه السلام في صفات الفضل أو مقارناً له لكان وصف محمد بهذه الصفة بعد وصف جبريل بتلك الصفات نقصاً من منصب محمد صلى الله عليه وسلم وتحقيراً لشأنه وإبطالاً لحقه وذلك غير جائز على الله فدلت هذه الآية على أنه ليس لمحمد صلى الله عليه وسلم عند الله من المنزلة إلا مقدار أن يقال إنه ليس بمجنون، وذلك يدل على أنه لا نسبة بين جبريل وبين محمد عليهما السلام في الفضل والدرجة. فإن قيل لم لا يجوز أن يكون قوله: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } صفة لمحمد لا لجبريل عليهما السلام. قلنا لأن قوله: {وَلَقَدْ رَءاهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ } يبطل ذلك. ولقائل أن يقول إنا توافقنا جميعاً على أنه قد كان لمحمد صلى الله عليه وسلم فضائل أخرى سوى كونه ليس بمجنون وأن الله تعالى ما ذكر شيئاً من تلك الفضائل في هذا الموضع فإذن عدم ذكر الله تعالى تلك الفضائل ههنا لا يدل على عدمها بالإجماع، أو إذا ثبت أن لمحمد عليه السلام فضائل سوى الأمور المذكورة ههنا فلم لا يجوز أن يقال إن محمداً عليه السلام بسبب تلك الفضائل التي هي غير مذكورة ههنا يكون أفضل من جبريل عليه السلام فإنه سبحانه كما وصف جبريل عليه السلام ههنا بهذه الصفات الست وصف محمداً صلى الله عليه وسلم أيضاً بصفات ست وهي قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَـٰكَ شَاهِداً وَمُبَشّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً } تفسير : [الأحزاب: 45، 46] فالوصف الأول: كونه نبياً والثاني: كونه رسولاً والثالث: كونه شاهداً والرابع: كونه مبشراً والخامس: كونه نذيراً والسادس: كونه داعياً إلى الله تعالى بإذنه والسابع: كونه سراجاً والثامن: كونه منيراً وبالجملة فإفراد أحد الشخصين بالوصف لا يدل ألبتة على انتفاء تلك الأوصاف عن الثاني. الحجة الثامنة عشرة: الملك أعلم من البشر والأعلم أفضل فالملك أفضل إنما قلنا إن الملك أعلم من البشر لأن جبريل عليه السلام كان معلماً لمحمد عليه السلام بدليل قوله: {أية : عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } تفسير : [النجم: 5] والمعلم لا بدّ وأن يكون أعلم من المتعلم، وأيضاً فالعلوم قسمان: أحدهما: العلوم التي يتوصل إليها بالعقول كالعلم بذات الله تعالى وصفاته؛ فلا يجوز وقوع التقصير فيها لجبريل عليه السلام ولا لمحمد صلى الله عليه وسلم، لأن التقصير في ذلك جهل وهو قادح في معرفة الله تعالى. وأما العلم بكيفية مخلوقات الله تعالى وما فيها من العجائب والعلم بأحوال العرش والكرسي واللوح والقلم والجنة والنار وطباق السموات وأصناف الملائكة وأنواع الحيوانات في المغاور والجبال والبحار فلا شك أن جبريل عليه السلام أعلم بها، لأنه عليه السلام أطول عمراً وأكثر مشاهدة لها فكان علمه بها أكثر وأتم. وثانيها: العلوم التي لا يتوصل إليها إلا بالوحي لا لمحمد صلى الله عليه وسلم ولا لسائر الأنبياء عليهم السلام إلا من جهة جبريل عليه السلام فيستحيل أن يكون لمحمد عليه الصلاة والسلام فضيلة فيها على جبريل عليه السلام، وأما جبريل عليه السلام فهو كان الواسطة بين الله تعالى وبين جميع الأنبياء فكان عالماً بكل الشرائع الماضية والحاضرة، وهو أيضاً عالم بشرائع الملائكة وتكاليفهم ومحمد عليه الصلاة والسلام، ما كان عالماً بذلك، فثبت أن جبريل عليه السلام كان أكثر علماً من محمد عليه الصلاة والسلام، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون أفضل منه لقوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الزمر: 9]. ولقائل أن يقول لا نسلم أنهم أعلم من البشر، والدليل عليه أنهم اعترفوا بأن آدم عليه السلام أكثر علماً منهم بدليل قوله تعالى: {أية : قَالَ يَـاءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ } تفسير : [البقرة: 33] ثم إن سلمنا مزيد علمهم ولكن ذلك لا يقتضي كثرة الثواب، فإنا نرى الرجل المبتدع محيطاً بكثير من دقائق العلم ولا يستحق شيئاً من الثواب فضلاً عن أن يكون ثوابه أكثر وسببه ما نبهنا مراراً عليه أن كثرة الثواب إنما تحصل بحسب الإخلاص في الأفعال ولم نعلم أن إخلاص الملائكة أكثر. الحجة التاسعة عشرة: قوله تعالى: {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّى إِلَـٰهٌ مّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ } تفسير : [الأنبياء: 29] فهذه الآية دالة على أنهم بلغوا في الترفع وعلو الدرجة إلى أنهم لو خالفوا أمر الله تعالى لما خالفوه إلا بادعاء الإلهية لا بشيء آخر من متابعة الشهوات وذلك يدل على نهاية جلالهم. ولقائل أن يقول لا نزاع في نهاية جلالهم، أما قوله: إنهم بلغوا في الترفع وعلو الدرجة إلى حيث لو خالفوا أمر الله تعالى لما خالفوه إلا في ادعاء الإلهية فهذا مسلم وذلك لأن علومهم كثيرة وقواهم شديدة وهم مبرؤون عن شهوة البطن والفرج ومن كان كذلك فلو خالف أمر الله لم يخالف إلا في هذا المعنى الذي ذكرته لكن لم قلتم إن ذلك يدل على أنهم أكثر ثواباً من البشر فإن محل الخلاف ليس إلا ذاك. الحجة العشرون: قوله عليه الصلاة والسلام رواية عن الله تعالى: «حديث : وإذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملائه» تفسير : وهذا يدل على أن الملأ الأعلى أشرف. ولقائل أن يقول هذا خير واحد وأيضاً فهذا يدل على أن ملأ الملائكة أفضل من ملأ البشر وملأ البشر عبارة عن العوام لا عن الأنبياء فلا يلزم من كون الملك أفضل من عامة البشر كونهم أفضل من الأنبياء، هذا آخر الكلام في الدلائل النقلية، واعلم أن الفلاسفة اتفقوا على أن الأرواح السماوية المسماة بالملائكة أفضل من الأرواح الناطقة البشرية واعتمدوا في هذا الباب على وجوه عقلية نحن نذكرها إن شاء الله تعالى. الحجة الأولى: قالوا الملائكة ذواتها بسيطة مبرأة عن الكثرة والبشر مركب من النفس والبدن والنفس مركبة من القوى الكثيرة والبدن مركب من الأجزاء الكثيرة والبسيط خير من المركب لأن أسباب العدم للمركب أكثر منها للبسيط ولذلك فإن فردانية الله تعالى من صفات جلاله ونعوت كبريائه. الاعتراض عليه: لا نسلم أن البسيط أشرف من المركب وذلك لأن جانب الروحاني أمر واحد وجانب الجسماني أمران روحه وجسمه فهو من حيث الروح من عالم الروحانيات والأنوار ومن حيث الجسد من عالم الأجساد فهو لكونه مستجمعاً للروحاني والجسماني يجب أن يكون أفضل من الروحاني الصرف والجسماني الصرف وهذا هو السر في أن جعل البشر الأول مسجوداً للملائكة ومن وجه آخر وهو أن الأرواح الملكية مجردات مفارقة عن العلائق الجسمانية فكأن استغراقها في مقاماتها النورانية عاقها عن تدبير هذا العالم الجسداني أما النفوس البشرية النبوية فإنها قويت على الجمع بين العالمين فلا دوام ترقيها في معارج المعارف وعوالم القدس يعوقها عن تدبير العالم السفلي ولا التفاتها إلى مناظم عالم الأجسام يمنعها عن الاستكمال في عالم الأرواح فكانت قوتها وافية بتدبير العالمين محيطة بضبط الجنسين فوجب أن تكون أشرف وأعظم. الحجة الثانية: الجواهر الروحانية مبرأة عن الشهوة التي هي منشأ سفك الدماء والأرواح البشرية مقرونة بها والخالي عن منبع الشر أشرف من المبتلى به. الاعتراض: لا شك أن المواظبة على الخدمة مع كثرة الموانع والعوائق أدل على الإخلاص من المواظبة عليها من غير شيء من العوائق والموانع، وذلك يدل على أن مقام البشر في المحبة أعلى وأكمل وأيضاً فالروحانيات لما أطاعت خالقها لم تكن طاعتها موجبة قهر الشياطين الذين هم أعداء الله، أما الأرواح البشرية لما أطاعت خالقها لزم من تلك الطاعة قهر القوى الشهوانية والغضبية وهي شياطين الإنس فكانت طاعاتهم أكمل وأيضاً فمن الظاهر أن درجات الروحانيات حين قالت: {لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } أكمل من درجاتهم حين قالت: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } تفسير : [البقرة: 30] وما ذاك إلا بسبب الانكسار الحاصل من الزلة وهذا في البشر أكمل ولهذا قال عليه الصلاة والسلام حكاية عن ربه تعالى: «حديث : لأنين المذنبين أحب إليّ من زجل المسبحين» تفسير : الحجة الثالثة: الروحانيات مبرأة عن طبيعة القوة فإن كل ما كان ممكناً لها بحسب أنواعها التي في أشخاصها فقد خرج إلى الفعل والأنبياء ليسوا كذلك، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة وما أدري ما يفعل بي ولا بكم» {أية : مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَـٰبُ وَلاَ ٱلإِيمَـٰنُ } تفسير : [الشورى: 52] ولا شك أن ما بالفعل التام أشرف مما بالقوة. الاعتراض: لا نسلم أنها بالفعل التام فلعلها بالقوة في بعض الأمور، ولهذا قيل إن تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج التعقلات من القوة إلى الفعل وهذه التحريكات بالنسبة إليها كالتحريكات العارضة للأرواح الحاملة لقوى الفكر والتخيل عند محاولة استخراج التعقلات التي هي بالقوة إلى الفعل. الحجة الرابعة: الروحانيات أبدية الوجود مبرأة عن طبيعة التغير والقوة والنفوس الناطقة البشرية ليست كذلك. الاعتراض: المقدمتان ممنوعتان أليس أن الروحانيات ممكنة الوجود لذواتها واجبة الوجود بمادتها فهي محدثة سلمنا ذلك، فلا نسلم أن الأرواح البشرية حادثة، بل هي عند بعضهم أزلية وهؤلاء قالوا: هذه الأرواح كانت سرمدية موجودة كالأظلال تحت العرش يسبحون بحمد ربهم إلا أن المبدىء الأول أمرها حتى نزلت إلى عالم الأجسام وسكنات المواد، فلما تعلقت بهذه الأجسام عشقتها. واستحكم إلفها بها فبعث من تلك الأظلال أكملها وأشرفها إلى هذا العالم ليحتال في تخليص تلك الأرواح عن تلك السكنات وهذا هو المراد من باب الحمامة المطوقة المذكورة في «كتاب كليلة ودمنة». الحجة الخامسة: الروحانيات نورانية علوية لطيفة، والجسمانيات ظلمانية سفلية كثيفة وبدائية العقول تشهد بأن النور أشرف من الظلمة، والعلوي خير من السفلي، واللطيف أكمل من الكثيف. الاعتراض: هذا كله إشارة إلى المادة وعندنا سببب الشرف الانقياد لأمر رب العالمين على ما قال: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي } تفسير : [الإسراء: 85] وادعاء الشرف بسبب شرف المادة هو حجة اللعين الأول وقد قيل له ما قيل، الحجة السادسة: الروحانيات السماوية فضلت الجسمانيات بقوى العلم والعمل. أما العلم فلاتفاق الحكماء على إحاطة الروحانيات السماوية بالمغيبات واطلاعها على مستقبل الأمور، وأيضاً فعلومهم فعلية فطرية كلية دائمة. وعلوم البشر على الضد في كل ذلك، وأما العمل فلأنهم مواظبون على الخدمة دائماً يسبحون الليل والنهار لا يفترون لا يلحقهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا غفلة الأبدان طعامهم التسبيح وشرابهم التقديس والتحميد والتهليل وتنفسهم بذكر الله وفرحتهم بخدمة الله متجردون من العلائق البدنية غير محجوبين بشيء من القوى الشهوانية والغضبية فأين أحد القسمين من الآحر: الاعتراض: لا نزاع في كل ما ذكرتموه إلا أن ههنا دقيقة وهي أن المواظب على تناول الأغذية اللطيفة لا يلتذ بها كما يلتذ المبتلى بالجوع أياماً كثيرة فالملائكة بسبب مواظبتهم على تلك الدرجات العالية لا يجدون من اللذة مثل ما يجد البشر الذين يكونون في أكثر الأوقات محجوبين بالعلائق الجسمانية والحجب الظلمانية فهذه المزية من اللذة مما يختص بها البشر ولعل هذا هو المراد من قوله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ } تفسير : [الأحزاب: 72] فإن إدراك الملايم بعد الابتلاء بالمنافي ألذ من إدراك الملايم على سبيل الدوام ولذلك قالت الأطباء: إن الحرارة في حمى الدق أشد منها في حمى الغب لكن حرارة الحمى في الدق إذا دامت واستقرت بطل الشعور بها فهذه الحالة لم تحصل للملائة لأن كمالاتها دائمة ولم تحصل لسائر الأجسام لأنها كانت خالية عن القوة المستعدة لإدراك المجردات فلم يبق شيء ممن يقوى على تحمل هذه الأمانة إلا البشر. الحجة السابعة: الروحانيات لهم قوة على تصريف الأجسام وتقليب الأجرام والقوة التي هي لهم ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب، ثم إنك ترى الخامة اللطيفة من الزرع في بدء نموها تفتق الحجر وتشق الصخر وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من جواهر القوى السماوية فما ظنك بتلك القوى السماوية والروحانيات هي التي تتصرف في الأجسام السفلية تقليباً وتصريفاً لا يستثقلون حمل الأثقال ولا يستصعبون تحريك الجبال فالرياح تهب بتحريكاتها والسحاب تعرض وتزول بتصريفها وكذا الزلازل تقع في الجبال بسبب من جهتها والشرائع ناطقة بذلك على ما قال تعالى: {أية : فَٱلْمُقَسّمَـٰتِ أَمْراً } تفسير : [الذاريات: 4] والعقول أيضاً دالة عليه والأرواح السفلية ليست كذلك فأين أحد القسمين من الآخر. والذي يقال أن الشياطين التي هي الأرواح الخبيثة تقدر على ذلك ممنوع وبتقدير التسليم فلا نزاع في أن قدرة الملائكة على ذلك أشد وأكمل ولأن الأرواح الطيبة الملكية تصرف قواها إلى مناظم هذا العالم السفلي ومصالحها والأرواح الخبيثة تصرف قواها إلى الشرور فأين أحدهما من الآخر. الاعتراض: لا يبعد أن يتفق في النفوس الناطقة البشرية نفس قوية كاملة مستعلية على الأجرام العنصرية بالتقليب والتصريف فما الدليل على امتناع مثل هذه النفس. الحجة الثامنة: الروحانيات لها اختيارات فائضة من أنوار جلال الله عزّ وجلّ متوجهة إلى الخيرات مقصورة على نظام هذا العالم لا يشوبها ألبتة شائبة الشر والفساد بخلاف اختيارات البشر فإنها مترددة بين جهتي العلو والسفالة وطرفي الخير وميلهم إلى الخيرات إنما يحصل بإعانة الملائكة على ما ورد في الأخبار من أن لكل إنسان ملكاً يسدده ويهديه. الاعتراض: هذا يدل على أن الملائكة كالمجبورين على طاعاتهم والأنبياء مترددون بين الطرفين والمختار أفضل من المجبور وهذا ضعيف لأن التردد ما دام يبقى استحال صدور الفعل وإذا حصل الترجيح التحق بالموجب فكان للأنبياء خيرات بالقوة وبواسطة الملائكة تصير خيرات بالفعل، أما الملائكة فهم خيرات بالفعل فأين هذا من ذاك الحجة التاسعة: الروحانيات مختصة بالهياكل وهي السيارات السبعة وسائر الثوابت والأفلاك كالأبدان والكواكب كالقلوب والملائكة كالأرواح فنسبة الأرواح إلى الأروح كنسبة الأبدان إلى الأبدان ثم إنا نعلم أن اختلافات أحوال الأفلاك مبادىء لحصول الاختلافات في أحوال هذا العالم فإنه يحصل من حركات الكواكب اتصالات مختلفة من التسديس والتثليث والتربيع والمقابلة والمقاربة وكذا مناطق الأفلاك تارة تصير منطبقة بعضها على البعض وذلك هو الرتق فحينئذٍ يبطل عمارة العالم وأخرى ينفصل بعضها عن البعض فتنتقل العمارة من جانب من هذا العالم العلوي مستولية على هياكل العالم السفلي فكذا أرواح العالم السفلى لاسيما وقد دلت المباحث الحكمية والعلوم الفلسفية على أن أرواح هذا العالم معلولات لأرواح العالم العلوي وكمالات هذه الأرواح معلولات لكمالات تلك الأرواح ونسبة هذه الأرواح إلى تلك الأرواح كالشعلة الصغيرة بالنسبة إلى قرص الشمس وكالقطرة الصغيرة بالنسبة إلى البحر الأعظم فهذه هي الآثار وهناك المبدأ والمعاد فكيف يليق القول بادعاء المساواة فضلاً عن الزيادة. الاعتراض: كل ما ذكرتموه منازع فيه لكن بتقدير تسليمه فالبحث باقٍ بعد لأنا بينا أن الوصول إلى اللذيذ بعد الحرمان ألذ من الوصول إليه على سبيل الدوام فهذه الحالة غير حاصلة إلا للبشر. الحجة العاشرة: قالوا الروحانيات الفلكية مبادىء لروحانيات هذا العالم ومعادلها والمبدأ أشرف من ذي المبدأ لأن كل كمال يحصل لذي المبدأ فهو مستفاد من المبدأ والمستفيد أقل حالاً من الواجب وكذلك المعاد يجب أن يكون أشرف فعالم الروحانيات عالم الكمال فالمبدأ منها والمعاد إليها والمصدر عنها والمرجع إليها وأيضاً فإن الأرواح إنما نزلت من عالمها حتى اتصلت بالأبدان فتوسخت بأوضار الأجسام ثم تطهرت عنها بالأخلاق الزكية والأعمال المرضية حتى انفصلت عنها إلى عالمها الأول فالنزول هو النشأة الأولى والصعود هو النشأة الأخرى فعرف أن الروحانيات أشرف من الأشخاص البشرية. الاعتراض: هذه الكلمات بنيتموها على نفي المعاد ونفي حشر الأجساد ودونهما خرط القتاد. الحجة الحادية عشرة: أليس أن الأنبياء صلوات الله عليهم اتفقت كلمتهم على أنهم لا ينطقون بشيء من المعارف والعلوم إلا بعد الوحي فهذا اعتراف بأن علومهم مستفادة منهم أليس أنهم اتفقوا على أن الملائكة هم الذين يعينونهم على أعدائهم كما في قلع مدائن قوم لوط وفي يوم بدر وهم الذين يهدونهم إلى مصالحهم كما في قصة نوح في نجر السفينة فإذا اتفقوا على ذلك فمن أين وقع لكم أن فضلتموهم على الملائكة مع تصريحهم فافتقارهم إليهم في كل الأمور. الحجة الثانية عشرة: التقسيم العقلي قد دل على أن الأحياء إما أن تكون خيرة محضة أو شريرة محضة أو تكون خيرة من وجه شريرة من وجه فالخير المحض هو النوع الملكي والشرير المحض هو النوع الشيطاني والمتوسط بين الأمرين هو النوع البشري وأيضاً فإن الإنسان هو الناطق المائت وعلى جانبيه قسمان آخران: أحدهما: الناطق الذي لا يكون مائتاً وهو الملك: والآخر المائت الذي لا يكون ناطقاً وهم البهائم فقسمة العقل على هذا الوجه قد دلت على كون البشر في الدرجة المتوسطة من الكمال والملك يكون في الطرف الأقصى من الكمال فالقول بأن البشر أفضل قلب للقسمة العقلية ومنازعة في ترتيب الوجود. الاعتراض: أن المراد من الفضل هو كثرة الثواب فلم قلتم إن الملك أكثر ثواباً فهذا محصل ما قيل في هذا الباب من الوجوه العقلية وبالله التوفيق. واحتج من قال بفضل الأنبياء على الملائكة بأمور: أحدهما: أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم وثبت أن آدم لم يكن كالقبلة بل كانت السجدة في الحقيقة له، وإذا ثبت ذلك وجب أن يكون آدم أفضل منهم لأن السجود نهاية التواضع وتكليف الأشرف بنهاية التواضع للأدون مستقبح في العقول فإنه يقبح أن يؤمر أبو حنيفة بأن يخدم أقل الناس بضاعة في الفقه فدل هذا على أن آدم عليه السلام كان أفضل من الملائكة. وثانيها: أن الله تعالى جعل آدم عليه السلام خليفة له والمراد منه خلافة الولاية لقوله تعالى: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقّ } تفسير : [صۤ: 26] ومعلوم أن أعلى الناس منصباً عند الملك من كان قائماً مقامه في الولاية والتصرف، وكان خليفة له فهذا يدل على أن آدم عليه السلام كان أشرف الخلائق وهذا متأكد بقوله: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الحج: 65] ثم أكد هذا التعميم بقوله: {أية : خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } تفسير : [البقرة: 29] فبلغ آدم في منصب الخلافة إلى أعلى الدرجات فالدنيا خلقت متعة لبقائه والآخرة مملكة لجزائه وصارت الشياطين ملعونين بسبب التكبر عليه والجن رعيته والملائكة في طاعته وسجوده والتواضع له ثم صار بعضهم حافظين له ولذريته وبعضهم منزلين لرزقه وبعضهم مستغفرين لزلاته ثم إنه سبحانه وتعالى يقول مع هذه المناصب العالية: {أية : وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ } تفسير : [ق: 35] فإذن لا غاية لهذا الكمال والجلال. وثالثها: أن آدم عليه السلام كان أعلم والأعلم أفضل، أما إنه أعلم فلأنه تعالى لما طلب منهم علم الأسماء: {أية : قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ } تفسير : [البقرة: 32] فعند ذلك قال الله تعالى: {قَالَ يَـاءادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ } وذلك يدل على أنه عليه السلام كان عالماً بما لم يكونوا عالمين به وأما أن الأعلم أفضل فلقوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [الزمر: 9] ورابعها: قوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } والعالم عبارة عن كل ما سوى الله تعالى وذلك لأن اشتقاق العالم على ما تقدم من العلم فكل ما كان علماً على الله ودالاً عليه فهو عالم ولا شك أن كل محدث فهو دليل على الله تعالى فكل محدث فهو عالم فقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [آل عمران: 33] معناه أن الله تعالى اصطفاهم على كل المخلوقات ولا شك أن الملائكة من المخلوقات فهذه الآية تقتضي أن الله تعالى اصطفى هؤلاء الأنبياء على الملائكة. فإن قيل: يشكل هذا بقوله تعالى: {أية : يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِى ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [البقرة: 47] فإنه لا يلزم أن يكونوا أفضل من الملائكة ومن محمد صلى الله عليه وسلم فكذا ههنا قال الله تعالى في حق مريم عليها السلام: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَـٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَـٰكِ عَلَىٰ نِسَاء ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [آل عمران: 42] ولم يلزم كونها أفضل من فاطمة عليها السلام فكذا ههنا قلنا؛ الإشكال مدفوع لأن قوله تعالى: {وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } خطاب مع الأنبياء الذين كانوا أسلاف اليهود وحين ما كانوا موجودين لم يكن محمد موجوداً في ذلك الزمان ولما لم يكن موجوداً لم يكن من العالمين لأن المعدوم لا يكون من العالمين وإذا كان كذلك لم يلزم من اصطفاء الله تعالى إياهم على العالمين في ذلك الوقت أن يكونوا أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم وأما جبريل عليه السلام فإنه كان موجوداً حين قال الله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } فلزم أن يكون قد اصطفى الله تعالى هؤلاء على جبريل عليه السلام وأيضاً فهب أن تلك الآية قد دخلها التخصيص لقيام الدلالة وههنا فلا دليل يوجب ترك الظاهر فوجب إجراؤه على ظاهره في العموم. وخامسها: قوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 107] والملائكة من جملة العالمين فكان محمد عليه السلام رحمة لهم فوجب أن يكون محمد أفضل منهم. وسادسها: أن عبادة البشر أشق فوجب أن يكونوا أفضل وإنما قلنا إنها أشق لوجوه: الأول: أن الآدمي له شهوة داعية إلى المعصية والملك ليست له هذه الشهوة والفعل مع المعارض القوي أشد منه بدون المعارض فإن قيل الملائكة لهم شهوة تدعوهم إلى المعصية وهي شهوة الرياسة قلنا هب أن الأمر كذلك لكن البشر لهم أنواع كثيرة من الشهوات مثل شهوة البطن والفرج والرياسة والملك ليس له من تلك الشهوات إلا شهوة واحدة وهي شهوة الرياسة والمبتلى بأنواع كثيرة من الشهوات تكون الطاعة عليه أشق من المبتلى بشهوة واحدة. الثاني: أن الملائكة لا يعملون إلا بالنص لقوله تعالى: {أية : لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } تفسير : [البقرة: 32] وقال: {أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } تفسير : [الأنبياء: 27] والبشر لهم قوة الاستنباط والقياس قال تعالى: {أية : فَٱعْتَبِرُواْ يٰأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ } تفسير : [الحشر: 2] وقال معاذ اجتهدت برأيي فصوبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك. ومعلوم أن العمل بالاستنباط أشق من العمل بالنص الثالث: أن الشبهات للبشر أكثر مما للملائكة لأن من جملة الشبهات القوية كون الأفلاك والأنجم السيارة أسباباً لحوادث هذا العالم فالبشر احتاجوا إلى دفع هذه الشبهة والملائكة لا يحتاجون لأنهم ساكنون في عالم السموات فيشاهدون كيفية افتقارها إلى المدبر الصانع، الرابع: أن الشيطان لا سبيل له إلى وسوسة الملائكة وهو مسلط على البشر في الوسوسة وذلك تفاوت عظيم إذا ثبت أن طاعتهم أشق فوجب أن يكونوا أكثر ثواباً بالنص فقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : أفضل العبادات أحمزها» تفسير : أي أشقها وأما القياس فلأنا نعلم أن الشيخ الذي لم يبق له ميل إلى النساء إذا امتنع عن الزنا فليست فضيلته كفضيلة من يمتنع عنهن مع الميل الشديد والشوق العظيم فكذا ههنا وسابعها: أن الله تعالى خلق الملائكة عقولاً بلا شهوة وخلق البهائم شهوات بلا عقل وخلق الآدمي وجمع فيه بين الأمرين فصار الآدمي بسبب العقل فوق البهيمة بدرجات لا حد لها فوجب أن يصير بسبب الشهوة دون الملائكة ثم وجدنا الآدمي إذا غلب هواه عقله حتى صار يعمل بهواه دون عقله فإنه يصير دون البهيمة على ما قال تعالى: {أية : أُوْلَـئِكَ كَٱلأَنْعَـٰمِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ } تفسير : [الأعراف: 179] ولذلك صار مصيرهم إلى النار دون البهائم فيجب أن يقال إذا غلب عقله هواه حتى صار لا يعمل بهوى نفسه شيئاً بل يعمل بهوى عقله أن يكون فوق الملائكة اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر. وثامنها: أن الملائكة حفظة وبنو آدم محفوظون والمحفوظ أعز وأشرف من الحافظ فيجب أن يكون بنو آدم أكرم وأشرف على الله تعالى من الملائكة. وتاسعها: ما روى أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد صلى الله عليه وسلم حتى أركبه على البراق ليلة المعراج وهذا يدل على أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل منه ولما وصل محمد عليه الصلاة والسلام إلى بعض المقامات تخلف عنه جبريل عليه السلام وقال: «لو دنوت أنملة لاحترقت» وعاشرها: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن لي وزيرين في السماء وزيرين في الأرض، أما اللذان في السماء فجبريل وميكائيل، وأما اللذان في الأرض فأبو بكر وعمر» تفسير : فدل هذا الخبر على أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان كالملك وجبريل وميكائيل كانا كالوزيرين له والملك أفضل من الوزير فلزم أن يكون محمداً أفضل من الملك. هذا تمام القول في دلائل من فضل البشر على الملك. أجاب القائلون بتفضيل الملك عن الحجة الأولى فقالوا. قد سبق بيان أن من الناس من قال: المراد من السجود هو التواضع لا وضع الجبهة على الأرض ومنهم من سلم أنه عبارة عن وضع الجبهة على الأرض لكنه قال السجود لله وآدم قبلة السجود وعلى هذين القولين لا إشكال أما إذا سلمنا أن السجود كان لآدم عليه السلام فلم قلتم إن ذلك لا يجوز من الأشرف في حق الشريف وذلك لأن الحكمة قد تقتضي ذلك كثيراً من حب الأشرف وإظهار النهاية في الانقياد والطاعة فإن للسلطان أن يجلس أقل عبيده في الصدر وأن يأمر الأكابر بخدمته ويكون غرضه من ذلك إظهار كونهم مطيعين له في كل الأمور منقادين له في جميع الأحوال فلم لا يجوز أن يكون الأمر ههنا كذلك وأيضاً أليس من مذهبنا أنه يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد وأن أفعاله غير معللة ولذلك قلنا إنه لا اعتراض عليه في خلق الكفر في الإنسان ثم في تعذيبه عليه أبد الآباد وإذا كان كذلك فكيف يعترض عليه في أن يأمر الأعلى بالسجود للأدنى وأما الحجة الثانية: فجوابها أن آدم عليه السلام إنما جعل خليفة في الأرض وهذا يقتضي أن يكون آدم عليه السلام كان أشرف من كل من في الأرض ولا يدل على كونه أشرف من ملائكة السماء فإن قيل فلم لم يجعل واحداً من ملائكة السماء خليفة له في الأرض قلنا لوجوه منها أن البشر لا يطيقون رؤية الملائكة ومنها أن الجنس إلى الجنس أميل ومنها أن الملائكة في نهاية الطهارة والعصمة وهذا هو المراد بقوله تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَـٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَـٰهُ رَجُلاً } تفسير : [الأنعام: 9] وأما الحجة الثالثة: فلا نسلم أن آدم عليه السلام كان أعلم منهم أكثر ما في الباب أن آدم عليه السلام كان عالماً بتلك اللغات وهم ما علموها لكن لعلهم كانوا عالمين بسائر الأشياء مع أن آدم عليه السلام ما كان عالماً بها والذي يحقق هذا أنا توافقنا على أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل من آدم عليه السلام مع أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما كان عالماً بهذه اللغات بأسرها وأيضاً فإن إبليس كان عالماً بأن قرب الشجرة مما يوجب خروج آدم عن الجنة وآدم عليه السلام لم يكن عالماً ذلك ولم يلزم منه كون إبليس أفضل من آدم عليه السلام والهدهد قال لسليمان أحطت بما لم تحط به ولم يلزم أن يكون الهدهد أفضل من سليمان سلمنا أنه كان أعلم منهم ولكن لم لا يجوز أن يقال إن طاعاتهم أكثر إخلاصاً من طاعة آدم فلا جرم كان ثوابهم أكثر. أما الحجة الرابعة: فهي أقوى الوجوه المذكورة. أما الحجة الخامسة: وهي قوله تعالى: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 107] فلا يلزم من كون محمد صلى الله عليه وسلم رحمة لهم أن يكون أفضل منهم كما في قوله: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءاثَـٰرِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْىِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } تفسير : [الروم: 50] ولا يمتنع أن يكون هو عليه الصلاة والسلام رحمة لهم من وجه وهم يكونون رحمة له من وجه آخر. وأما الحجة السادسة: وهي أن عبادة البشر أشق فهذا ينتقض بما أنا نرى الواحد من الصوفية يتحمل في طريق المجاهدة من المشاق والمتاعب ما يقطع بأنه عليه السلام لم يتحمل مثلها مع أنا نعلم أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل من الكل وما ذاك إلا أن كثرة الثواب مبنية على الإخلاص في النية ويجوز أن يكون الفعل أسهل إلا أن إخلاص الآتي به أكثر فكان الثواب عليه أكثر. أما الحجة السابعة: فهي جمع بين الطرفين من غير جامع. وأما الحجة الثامنة: وهي أن المحفوظ أشرف من الحافظ فهذا ممنوع على الإطلاق بل قد يكون الحافظ أشرف من المحفوظ كالأمير الكبير الموكل على المتهمين من الجند. وأما الوجهان الآخران: فهما من باب الآحاد وهما معارضان بما رويناه من شدة تواضع الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا آخر المسألة وبالله التوفيق. المسألة الخامسة: اعلم أن الله تعالى لما استثنى إبليس من الساجدين فكان يجوز أن يظن أنه كان معذوراً في ترك السجود فبين تعالى أنه لم يسجد مع القدرة وزوال العذر بقوله أبى لأن الأباء هو الامتناع مع الاختيار، أما من لم يكن قادراً على الفعل لا يقال له إنه أبى ثم قد كان يجوز أن يكون كذلك ولا ينضم إليه الكبر فبين تعالى أن ذلك الإباء كان على وجه الاستكبار بقوله واستكبر ثم كان يجوز أن يوجد الإباء والاستكبار مع عدم الكفر فبين تعالى أنه كفر بقوله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } قال القاضي: هذه الآية تدل على بطلان قول أهل الجبر من وجوه: أحدها: أنهم يزعمون أنه لما لم يسجد لم يقدر على السجود لأن عندهم القدرة على الفعل منتفية ومن لا يقدر على الشيء يقال إنه أباه، وثانيها: أن من لا يقدر على الفعل لا يقال استكبر بأن لم يفعل لأنه إذا لم يقدر على الفعل لا يقال استكبر عن الفعل وإنما يوصف بالاستكبار إذا لم يفعل مع كونه لو أراد الفعل لأمكنه. وثالثها: قال تعالى: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } ولا يجوز أن يكون كافراً بأن لا يفعل ما لا يقدرعليه. ورابعها: أن استكباره وامتناعه خلق من الله فيه فهو بأن يكون معذوراً أولى من أن يكون مذموماً قال ومن اعتقد مذهباً يقيم العذر لإبليس فهو خاسر الصفقة، والجواب عنه أن هذا القاضي لا يزال يطنب في تكثير هذه الوجوه وحاصلها يرجع إلى الأمر والنهي والثواب والعقاب فنقول له نحن أيضاً: صدور ذلك الفعل عن إبليس عن قصد وداع أو لا عن قصد وداع؟ فإن كان عن قصد وداع فمن أين ذلك القصد؟ أوقع لا عن فاعل أو عن فاعل هو العبد أو عن فاعل هو الله؟ فإن وقع لا عن فاعل كيف يثبت الصانع وإن وقع عن العبد فوقوع ذلك القصد عنه إن كان عن قصد آخر فيلزم التسلسل وإن كان لا عن قصد فقد وقع الفعل لا عن قصد وسنبطله وإن وقع عن فاعل هو الله فحينئذٍ يلزمك كل ما أوردته علينا، أما إن قلت وقع ذلك الفعل عنه لا عن قصد وادع فقد ترجح الممكن من غير مرجح وهو يسد باب إثبات الصانع وأيضاً فإن كان كذلك كان وقوع ذلك الفعل اتفاقياً والاتفاقي لا يكون في وسعه واختياره فكيف يؤمر به وينهى عنه فيا أيها القاضي ما الفائدة في التمسك بالأمر والنهي، وتكثير الوجوه التي يرجع حاصلها إلى حرف واحد مع أن مثل هذا البرهان القاطع يقلع خلفك، ويستأصل عروق كلامك ولو أجمع الأولون والآخرون على هذا البرهان لما تخلصوا عنه إلا بالتزام وقوع الممكن لا عن مرجح وحينئذٍ ينسد باب إثبات الصانع أو بالتزام أنه يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد وهو جوابنا. المسألة السادسة: للعقلاء في قوله تعالى: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } قولان: أحدهما: أن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقاً كافراً وفي تقرير هذا القول وجهان: أحدهما: حكى محمد بن عبد الكريم الشهرستاني في أول كتابه المسمى «بالملل والنحل» عن ماري شارح الأناجيل الأربعة وهي مذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود قال إبليس للملائكة إني أسلم أن لي إلهاً هو خالقي، وموجدي، وهو خالق الخلق، لكن لي على حكمة الله تعالى أسئلة سبعة، الأولى: ما الحكمة في الخلق لا سيما إن كان عالماً بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام؟ الثاني: ثم ما الفائدة في التكليف مع أنه لا يعود منه ضر ولا نفع وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟ الثالث: هب أنه كلفني بمعرفته وطاعته فلماذا كلفني السجود لآدم؟ الرابع: ثم لما عصيته في ترك السجود لآدم فلم لعنني وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فيه، ولي فيه أعظم الضرر؟ الخامس: ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ووسوست لآدم عليه السلام؟ السادس: ثم لما فعلت ذلك فلم سلطني على أولاده ومكنني من إغوائهم وإضلالهم؟ السابع: ثم لما استمهلته المدة الطويلة في ذلك، فلم أمهلني. ومعلوم أن العالم لو كان خالياً عن الشر لكان ذلك خيراً؟ قال شارح الأناجيل: فأوحى الله تعالى إليه من سرادقات الجلال والكبرياء: يا إبليس إنك ما عرفتني، ولو عرفتني لعلمت أنه لا عتراض علىَّ في شيء من أفعالي فإني أنا الله لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل. واعلم أنه لو اجتمع الأولون والآخرون من الخلائق وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا عن هذه الشبهات مخلصاً وكان الكل لازماً، أما إذا أجبنا بذلك الجواب الذي ذكره الله تعالى زالت الشبهات واندفعت الاعتراضات وكيف لا وكما أنه سبحانه واجب الوجود في ذاته واجب الوجود في صفاته فهو مستغنٍ في فاعليته عن المؤثرات والمرجحات إذ لو افتقر لكان فقيراً لا غنياً فهو سبحانه مقطع الحاجات ومنتهى الرغبات ومن عنده نيل الطلبات وإذا كان كذلك لم تتطرق اللمية إلى أفعاله ولم يتوجه الاعتراض على خالقيته وما أحسن ما قال بعضهم: جل جناب الجلال عن أن يوزن بميزان الاعتزال فهذا القائل أجرى قوله تعالى: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } على ظاهره وقال إنه كان كافراً منافقاً منذ كان. الوجه الثاني: في تقرير أنه كان كافراً أبداً قول أصحاب الموافاة وذلك لأن الإيمان يوجب استحقاق العقاب الدائم والجمع بين الثواب الدائم والعقاب الدائم محال فإذا صدر الإيمان من المكلف في وقت ثم صدر عنه والعياذ بالله بعد ذلك كفر فأما أن يبقى الاستحقاقان معاً وهو محال على ما بيناه أو يكون الطارىء مزيلاً للسابق وهو أيضاً محال لأن القول بالإحباط باطل فلم يبق إلا أن يقال إن هذا الفرض محال وشرط حصول الإيمان أن لا يصدر الكفر عنه في وقت قط فإذا كانت الخاتمة على الكفر علمنا أن الذي صدر عنه أولاً ما كان إيماناً إذا ثبت هذا فنقول: لما كان ختم إبليس على الكفر علمنا أنه ما كان مؤمناً قط، القول الثاني: أن إبليس كان مؤمناً ثم كفر بعد ذلك وهؤلاء اختلفوا في تفسير قوله تعالى: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } فمنهم من قال معناه وكان من الكافرين في علم الله تعالى أي كان عالماً في الأزل بأنه سيكفر فصيغة كان متعلقة بالعلم لا بالمعلوم، والوجه الثاني: أنه لما كفر في وقت معين بعد أن كان مؤمناً قبل ذلك فبعد مضي كفره صدق عليه في ذلك الوقت أنه كان في ذلك الوقت من الكافرين ومتى صدق عليه ذلك وجب أن يصدق عليه أنه كان من الكافرين جزء من مفهوم قولنا كان من الكافرين في ذلك الوقت، ومتى صدق المركب صدق المفرد لا محالة. الوجه الثالث: المراد من كان صار، أي وصار من الكافرين، وههنا أبحاث، البحث الأول: اختلفوا في أن قوله تعالى: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } هل يدل على أنه وجد قبله جمع من الكافرين حتى يصدق القول بأنه من الكافرين، قال قوم إنه يدل عليه لأن كلمة من للتبعيض، فالحكم عليه بأنه بعض الكافرين يقتضي وجود قوم آخرين من الكافرين حتى يكون هو بعضاً لهم والذي يؤكد ذلك ما روي عن أبي هريرة أنه قال: «إن الله تعالى خلق خلقاً من الملائكة ثم قال لهم إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فقالوا لا نفعل ذلك فبعث الله عليهم ناراً فأحرقتهم وكان إبليس من أولئك الذين أبوا» وقال آخرون هذه الآية لا تدل على ذلك ثم لهم في تفسير الآية وجهان: أحدهما: معنى الآية أنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك وهو قول الأصم وذكر في مثاله قوله تعالى: {أية : ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلْمُنَـٰفِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } تفسير : [التوبة: 67] فأضاف بعضهم إلى بعض بسبب الموافقة في الدين فكذا ههنا لما كان الكفر ظاهراً من أهل العالم عند نزول هذه الآية صح قوله وكان من الكافرين. وثانيها: أن هذا إضافة لفرد من أفراد الماهية إلى تلك الماهية وصحة هذه الإضافة لا تقتضي وجود تلك الماهية كما أن الحيوان الذي خلقه الله تعالى أولاً يصح أن يقال إنه فرد من أفراد الحيوان لا بمعنى أنه واحد من الحيوانات الموجودة خارج الذهن بل بمعنى أنه فرد من أفراد هذه الماهية وواحد من آحاد هذه الحقيقة، واعلم أنه يتفرع على هذا البحث أن إبليس هل كان أول من كفر بالله، والذي عليه الأكثرون أنه أول من كفر بالله. البحث الثاني: أن المعصية عند المعتزلة وعندنا، لا توجب الكفر، أما عندنا فلأن صاحب الكبيرة مؤمن، وأما عند المعتزلة فلأنه وإن خرج عن الإيمان فلم يدخل في الكفر، وأما عند الخوارج فكل معصية كفر، وهم تمسكوا بهذه الآية، قالوا إن الله تعالى كفر إبليس بتلك المعصية فدل على أن المعصية كفر، الجواب إن قلنا إنه كافر من أول الأمر فهذا السؤال زائل، وإن قلنا إنه كان مؤمناً، فنقول إنه إنما كفر لاستكباره واعتقاده كونه محقاً في ذلك التمرد واستدلاله على ذلك بقوله: {أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } والله أعلم. المسألة السابعة: قال الأكثرون إن جميع الملائكة مأمورون بالسجود لآدم واحتجوا عليه بوجهين: الأول: أن لفظ الملائكة صيغة الجمع وهي تفيد العموم لا سيما وقد وردت هذه اللفظة مقرونة بأكمل وجوه التأكيد في قوله: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } تفسير : [الحجر:30]. الثاني: هو أنه تعالى استثنى إبليس منهم واستثناء الشخص الواحد منهم يدل على أن من عدا ذلك الشخص كان داخلاً في ذلك الحكم ومن الناس من أنكر ذلك وقال المأمورون بهذا السجود هم ملائكة الأرض واستعظموا أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك. وأما الحكماء فإنهم يحملون الملائكة على الجواهر الروحانية وقالوا يستحيل أن تكون الأرواح السماوية منقادة للنفوس الناطقة إنما المراد من الملائكة المأمورين بالسجود القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفس الناطقة والكلام في هذه المسألة مذكور في العقليات.

القرطبي

تفسير : فيه عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا} أي وٱذكر. وأما قول أبي عبيدة: إنّ «إذْ» زائدة فليس بجائز؛ لأن إذ ظرف وقد تقدّم. وقال: «قلنا» ولم يقل قلت لأن الجبار العظيم يخبر عن نفسه بفعل الجماعة تفخيماً وإشادةً بذكره. والملائكة جمع مَلَك؛ وقد تقدّم. وتقدّم القول أيضاً في آدم وٱشتقاقه فلا معنى لإعادته؛ وروي عن أبي جعفر بن القَعْقاع أنه ضمّ تاء التأنيث من الملائكة إتباعاً لضم الجيم في «ٱسجدوا». ونظيره «الحمد لله». الثانية: قوله تعالى: {ٱسْجُدُواْ} السجود معناه في كلام العرب التذلل والخضوع؛ قال الشاعر:شعر : بِجَمْع تَضِلّ البُلْقُ في حَجَراته ترى الأَكُمَ فيها سُجّداً لِلحوافِرِ تفسير : الأُكْمُ: الجبال الصغار. جعلها سُجَّداً للحوافر لِقهر الحوافر إياها وأنها لا تمتنع عليها. وعَيْنٌ ساجدة؛ أي فاترة عن النظر، وغايته وضع الوجه بالأرض. قال ٱبن فارس: سَجد إذ تطامن، وكلُّ ما سجد فقد ذّلّ. والإسجاد: إدامة النّظر. قال أبو عمرو: وأسجد إذا طأطأ رأسه؛ قال:شعر : فُضُولَ أزِمّتِها أسجدتْ سجودَ النصارى لأحبارها تفسير : قال أبو عبيدة: وأنشدني أعرابي من بني أسد:شعر : وقلنَ له أسْجِدْ لِلْيلَى فأسجدَا تفسير : يعني البعير إذا طأطأ رأسه ودراهمُ الإسجاد: دراهم كانت عليها صُور كانوا يسجدون لها؛ قال:شعر : وافىَ بها كدراهم الإسجاد تفسير : الثالثة: ٱستدلّ مَن فضّل آدم وبَنِيه بقوله تعالى للملائكة: {ٱسْجُدُواْ لآدَمَ}. قالوا: وذلك يدلّ على أنه كان أفضلَ منهم. والجواب أن معنى {ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} ٱسجدوا لي مستقبلين وَجْه آدم. وهو كقوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ}تفسير : [الإسراء: 78] أي عند دلوك الشمس؛ وكقوله: {أية : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [صۤ: 72] أي فقعوا لي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين. وقد بيّنا أن المسجود له لا يكون أفضلَ من الساجد بدليل القِبْلة. فإن قيل: فإذا لم يكن أفضلَ منهم فما الحكمة في الأمر بالسجود له؟ قيل له: إن الملائكة لما ٱستعظموا بتسبيحهم وتقديسهم أمَرَهم بالسجود لغيره ليريهم ٱستغناءه عنهم وعن عبادتهم. وقال بعضهم: عيّروا آدم وٱستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصُّنع به فأمِروا بالسجود له تكريماً. ويحتمل أن يكون الله تعالى أمرهم بالسجود له معاقبةً لهم على قولهم: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} لمّا قال لهم: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} وكان علم منهم أنه إن خاطبهم أنهم قائلون هذا، فقال لهم: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ}تفسير : [صۤ: 71] وجاعله خليفةً، فإذا نفخْتُ فيه من روحي فَقَعُوا له ساجدين. والمعنى: ليكون ذلك عقوبةً لكم في ذلك الوقت على ما أنتم قائلون لي الآن. فإن قيل: فقد ٱستدلّ ٱبن عباس على فضل البشر بأن الله تعالى أقسم بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال: {أية : لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} تفسير : [الحجر: 72]. وأمّنه من العذاب بقوله: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح: 2]. وقال للملائكة: {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 29]. قيل له: إنما لم يُقسم بحياة الملائكة كما لم يُقسم بحياة نفسه سبحانه؛ فلم يقل: لَعَمْرِي. وأقسم بالسماء والأرض؛ ولم يدلّ على أنهما أرفع قدراً من العرش والجِنان السّبع. وأقسم بالتين والزيتون. وأمّا قوله سبحانه: {وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ} فهو نظير قوله لنبيّه عليه السلام: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الزمر: 65] فليس فيه إذاً دلالة، والله أعلم. الرابعة: وٱختلف الناس في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد ٱتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبَادةٍ؛ فقال الجمهور: كان هذا أمراً للملائكة بوضع الجِباه على الأرض، كالسجود المعتاد في الصلاة؛ لأنه الظاهر من السجود في العُرف والشرع؛ وعلى هذا قيل: كان ذلك السجود تكريماً لآدم وإظهاراً لفضله، وطاعةً لله تعالى، وكان آدم كالقِبْلة لنا. ومعنى «لآدم»: إلى آدم؛ كما يقال صلّى للقبْلة؛ أي إلى القبلة. وقال قوم: لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة على الأرض ولكنه مُبقًى على أصل اللّغة؛ فهو من التذلّل والانقياد، أي ٱخضعوا لآدم وأقرّوا له بالفضل. {فَسَجَدُواْ} أي ٱمتثلوا ما أمروا به. وٱختُلِف أيضاً هل كان ذلك السجود خاصًّا بآدم عليه السلام فلا يجوز السجود لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى، أم كان جائزاً بعده إلى زمان يعقوب عليه السلام؛ لقوله تعالى: {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} تفسير : [يوسف: 100] فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين؟ والذي عليه الأكثر أنه كان مباحاً إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل: نحن أوْلَى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد؛ فقال لهم: «حديث : لا ينبغي أن يُسجد لأحد إلا لله ربّ العالمين»تفسير : . روى ٱبن ماجه في سُننه والبُسْتِيّ في صحيحه عن عبد اللَّه بن أبي أوفى قال: "حديث : لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا» فقال: يا رسول الله، قدمتُ الشام فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم، فأردت أن أفعل ذلك بك؛ قال: «فلا تفعل فإني لو أَمَرتُ شيئاً أن يسجد لشيء لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها لا تؤدّي المرأةُ حقَّ ربّها حتى تؤدّي حقَّ زوجها حتى لو سألها نفسَها وهي على قَتَب لم تمنعه»»تفسير : . لفظ البُسْتي. ومعنى القتب أن العرب يَعِزّ عندهم وجود كرسي للولادة فيحملون نساءهم على القَتَب عند الولادة. وفي بعض طرق معاذ: ونَهَى عن السجود للبشر، وأمر بالمصافحة. قلت: وهذا السجود المنهيُّ عنه قد ٱتخذه جُهّال المتصوّفة عادةً في سماعهم وعند دخولهم على مشايخهم وٱستغفارهم؛ فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال بزعمه يسجد للأقدام لجهله سواء أكان للقبلة أم غيرها جهالة منه؛ ضلّ سَعْيُهم وخاب عملهم. الخامسة: قوله: {إِلاَّ إِبْلِيسَ} نصب على الاستثناء المتصل؛ لأنه كان من الملائكة على قول الجمهور: ٱبن عباس وٱبن مسعود وٱبن جُريج وٱبن المسيّب وقَتادة وغيرهم؛ وهو ٱختيار الشيخ أبي الحسن، ورجّحه الطبري؛ وهو ظاهر الآية. قال ٱبن عباس: وكان ٱسمه عزازيل وكان من أشراف الملائكة وكان من الأجنحة الأربعة ثم أُبْلِس بعد. روى سِمَاك بن حرب عن عكرمة عن ٱبن عباس قال: كان إبليس من الملائكة فلما عصى الله غضب عليه فلعنه فصار شيطاناً. وحكى الماوَرْدِيّ عن قتادة: أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال لهم الجِنة. وقال سعيد بن جُبير: إن الجنّ سِبْط من الملائكة خُلقوا من نار وإبليس منهم، وخلق سائر الملائكة من نور. وقال ٱبن زيد والحسن وقتادة أيضاً: إبليس أبو الجن كما أن آدم أبو البشر ولم يكن مَلَكا؛ وروي نحوه عن ٱبن عباس وقال: ٱسمه الحارث. وقال شَهْر بن حَوْشَب وبعض الأصوليين: كان من الجنّ الذين كانوا في الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبَوْه صغيراً وتعبّد مع الملائكة وخُوطب؛ وحكاه الطبري عن ٱبن مسعود. والاستثناء على هذا منقطع، مثل قوله تعالى: {أية : مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ}تفسير : [النساء: 157]، وقوله: {أية : إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}تفسير : [المائدة: 3] في أحد القولين؛ وقال الشاعر:شعر : ليس عليك عطشٌ ولا جوعْ إلا الرّقادَ والرقادُ ممنوعْ تفسير : وٱحتّج بعض أصحاب هذا القول بأن الله جلّ وعزّ وصف الملائكة فقال: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [التحريم: 66]، وقوله تعالى: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} تفسير : [الكهف: 50] والجنّ غير الملائكة. أجاب أهل المقالة الأولى بأنه لا يمتنع أن يخرج إبليس من جملة الملائكة لما سبق في علم الله بشقائه عدلاً منه، لا يُسْأَل عما يَفعل، وليس في خلقه من نار ولا في تركيب الشهوة حين غضب عليه ما يدفع أنه من الملائكة. وقول من قال: إنه كان من جنّ الأرض فسُبِيَ، فقد رُوي في مقابلته أن إبليس هو الذي قاتل الجنّ في الأرض مع جُند من الملائِكة؛ حكاه المهدَوِيّ وغيره. وحكي الثّعلبي عن ٱبن عباس: أن إبليس كان من حيّ من أحياء الملائكة يقال لهم الجنّ خُلقوا من نار السموم، وخُلقت الملائكة من نور، وكان ٱسمه بالسريانية عزازيل، وبالعربية الحارث، وكان من خُزّان الجنة وكان رئيسَ ملائكة السماء الدنيا وكان له سلطانها وسلطان الأرض، وكان من أشدّ الملائكة ٱجتهاداً وأكثرهم علماً، وكان يسوس ما بين السماء والأرض؛ فرأى لنفسه بذلك شرفاً وعظمة، فذلك الذي دعاه إلى الكفر فعصى الله فمسخه شيطاناً رجيماً. فإذا كانت خطيئة الرجل في كِبْر فلا تَرْجُه، وإن كانت خطيئته في معصية فٱرْجُه؛ وكانت خطيئة آدم عليه السلام معصية، وخطيئة إبليس كِبْراً. والملائكة قد تُسَمَّى جِنًّا لاستتارها؛ وفي التنزيل: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} تفسير : [الصافات: 158]؛ وقال الشاعر في ذكر سليمان عليه السلام:شعر : وسَخّرَ مِن جِنّ الملائِكِ تِسعةً قياماً لَدَيْهِ يعملون بلا أَجْرِ تفسير : وأيضاً لما كان من خُزّان الجنة نُسب إليها فٱشتق ٱسمه من ٱسمها، والله أعلم. وإبليس وزنه إفعيل، مشتقّ من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله تعالى. ولم ينصرف؛ لأنه معرفة ولا نظير له في الأسماء فشبّه بالأعجمية؛ قاله أبو عبيدة وغيره. وقيل: هو أعجمي لا ٱشتقاق له فلم ينصرف للعُجْمة والتعريف؛ قاله الزجاج وغيره. السادسة: قوله تعالى: {أَبَىٰ} معناه ٱمتنع من فعل ما أُمِر به؛ ومنه الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا قرأ ابن آدم السجدة (فَسَجد) ٱعتزل الشيطان يبكي يقول يا وَيْله ـ وفي رواية: يا وَيْلي ـ أُمِر ٱبن آدم بالسجود فَسَجد فله الجنة وأمِرتُ بالسجود فأبَيْتُ فَلِي النار»تفسير : . خّرجه مسلم. يقال: أَبَى يأبَى إباءً، وهو حرف نادر جاء على فَعَل يَفْعَل ليس فيه حرف من حروف الحَلْق؛ وقد قيل: إن الألف مضارِعة لحروف الحلْق. قال الزجاج: سمعت إسماعيل بن إسحٰق القاضي يقول: القول عندي أن الألف مضارِعة لحروف الحلق. قال النحاس: ولا أعلم أن أبا إسحٰق روى عن إسماعيل نحواً غير هذا الحرف. السابعة: قوله تعالى: {وَٱسْتَكْبَرَ} الاستكبار: الاستعظام؛ فكأنه كره السجود في حقه وٱستعظمه في حق آدم؛ فكان ترك السجود لآدم تسفيهاً لأمر الله وحكمته. وعن هذا الكِبر عبّر عليه السلام بقوله: «حديث : لا يدخل الجنة مَن (كان) في قلبه مثقالُ حبة من خَرْدَل من كِبر»تفسير : . في رواية فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسَناً ونعله حسنة. قال: «حديث : إن الله جميل يحب الجمال الكِبْرُ بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس»تفسير : . أخرجه مسلم. ومعنى بطر الحق: تسفيهه وإبطاله. وغمط الناس: الاحتقار لهم والازدراء بهم. ويروى: «وغمص» بالصاد المهملة، والمعنى واحد؛ يقال: غَمِصه يَغْمِصه غَمْصاً وٱغتمصه؛ أي ٱستصغره ولم يره شيئاً. وغَمَص فلان النعمة إذا لم يشكرها. وغَمَصتُ عليه قولاً قاله، أي عبته عليه. وقد صرّح اللّعين بهذا المعنى فقال: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}تفسير : [الأعراف: 12]. {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً}تفسير : [الإسراء: 61]. {أية : قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} تفسير : [الحجر: 33] فكفّره الله بذلك. فكلّ من سَفّه شيئاً من أوامر الله تعالى أو أمر رسوله عليه السلام كان حُكْمُه حُكْمَه، وهذا ما لا خلاف فيه. وروى ٱبن القاسم عن مالك أنه قال: بلغني أن أوّل معصية كانت الحسد والكبر، حسَدَ إبليسُ آدم، وشح آدم في أكله من الشجرة. وقال قتادة: حَسَدَ إبليسُ آدم، على ما أعطاه الله من الكرامة فقال: أنا ناريّ وهذا طِيني. وكان بدء الذنوب الكِبْر، ثم الحرص حتى أكل آدم من الشجرة، ثم الحسد إذ حسد ٱبن آدم أخاه. الثامنة: قوله تعالى: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} قيل: كان هنا بمعنى صار؛ ومنه قوله تعالى: {أية : فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ}تفسير : . [هود: 43] وقال الشاعر:شعر : بتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كأنها قطا الحَزْن قد كانت فِراخاً بُيوضُها تفسير : أي صارت. وقال ٱبن فُورَك. «كان» هنا بمعنى صار خطأ تردّه الأصول. وقال جمهور المتأوّلين: المعنى أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر؛ لأن الكافر حقيقةً والمؤمنَ حقيقةً هو الذي قد علم الله منه الموافاة. قلت: وهذا صحيح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري: «حديث : وإنما الأعمال بالخواتيم»تفسير : . وقيل: إن إبليس عبد اللَّه تعالى ثمانين ألف سنة، وأُعْطي الرياسة والخِزانة في الجنة على الاستدراج؛ كما أعْطى المنافقون شهادة أن لا إلٰه إلا الله على أطراف ألسنتهم، وكما أُعْطي بَلْعَام الاسم الأعظم على طرف لسانه؛ فكان في رياسته والكبر في نفسه متمكن. قال ٱبن عباس: كان يرى لنفسه أن له فضيلة على الملائكة بما عنده؛ فلذلك قال: أنا خير منه؛ ولذلك قال الله عز وجل: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} تفسير : [صۤ: 75] أي ٱستكبرت ولا كِبْر لك، ولم أتكبّر أنا حين خلقتُه بيديّ والكبر لي! فلذلك قال: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}. وكان أصل خلقته من نار العِزّة؛ ولذلك حَلف بالعِزّة فقال: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [صۤ: 82] فالعِزّة أوْرثته الكِبْر حتى رأى الفضل له على آدم عليه السلام. وعن أبي صالح قال: خُلقت الملائكة من نُور العِزّة وخُلق إبليس من نار العِزّة. التاسعة: قال علماؤنا ـ رحمة الله عليهم ـ: ومَن أظهر الله تعالى على يديه ممن ليس بنبيّ كرامات وخوارق للعادات فليس ذلك دالاًّ على ولايته؛ خلافاً لبعض الصُّوفية والرافضة حيث قالوا: إن ذلك يدل على أنه وَلِيّ، إذ لو لم يكن وَلِيًّا ما أظهر الله على يديه ما أظهر. ودليلنا أن العلم بأن الواحد منّا وليّ لله تعالى لا يصح إلا بعد العلم بأنه يموت مؤمناً، وإذا لم يعلم أنه يموت مؤمناً لم يمكنا أن نقطع على أنه وليّ لله تعالى؛ لأن الوليّ لله تعالى مَن علم الله تعالى أنه لا يوافى إلا بالإيمان. ولما ٱتفقنا على أننا لا يمكننا أن نقطع على أن ذلك الرجل يوافي بالإيمان، ولا الرجل نفسه يقطع على أنه يوافي بالإيمان، علم أن ذلك ليس يدلّ على ولايته لله. قالوا: ولا نمنع أن يطلع الله بعض أوليائه على حسن عاقبته وخاتمة عمله وغيره معه؛ قاله الشيخ أبو الحسن الأشْعَرِيّ وغيره. وذهب الطَّبَرِي إلى أن الله تعالى أراد بقصة إبليس تقريع أشباهه من بني آدم، وهم اليهود الذي كفروا بمحمد عليه السلام مع علمهم بنبوته، ومع قِدَم نعم الله عليهم وعلى أسلافهم. العاشرة: وٱختلف هل كان قبل إبليس كافر أولا؟ فقيل: لا، وإن إبليس أوّل من كفر. وقيل: كان قبله قوم كفار وهم الجن وهم الذين كانوا في الأرض. وٱختلف أيضاً هل كفر إبليس جهلاً أو عناداً على قولين بين أهل السُّنة، ولا خلاف أنه كان عالماً بالله تعالى قبل كفره. فمن قال إنه كفر جهلاً قال: إنه سُلب العلم عند كفره. ومن قال كفر عنادا قال: كفر ومعه علمه. قال ٱبن عطية: والكفر (عناداً) مع بقاء العلم مستبعد، إلا أنه عندي جائز لا يستحيل مع خذل الله لمن يشاء.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ } لما أنبأهم بأسمائهم وعلمهم ما لم يعلموا أمرهم بالسجود له، اعترافاً بفضله، وأداء لحقه واعتذاراً عما قالوا فيه، وقيل: أمرهم به قبل أن يسوي خلقه لقوله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ} امتحاناً لهم وإظهاراً لفضله. والعاطف عطف الظرف على الظرف السابق إن نصبته بمضمر، وإلا عطفه بما يقدر عاملاً فيه على الجملة المتقدمة، بل القصة بأسرها على القصة الأخرى، وهي نعمة رابعة عدها عليهم. والسجود في الأصل تذلل مع تطامن قال الشاعر:شعر : تَرَى الأَكمَ فيها سُجَّداً للحَوافِر تفسير : وقال آخر:شعر : وَقُلْنَ لَه اسْجُدْ لِلَيلى فَاسْجَدَا تفسير : يعني البعير إذا طأطأ رأسه. وفي الشرع: وضع الجبهة على قصد العبادة، والمأمور به إما المعنى الشرعي فالمسجود له بالحقيقة هو الله تعالى، وجعل آدم قبلة لسجودهم تفخيماً لشأنه، أو سبباً لوجوبه فكأنه تعالى لما خلقه بحيث يكون نموذجاً للمبدعات كلها بل الموجودات بأسرها، ونسخة لما في العالم الروحاني والجسماني وذريعة للملائكة إلى استيفاء ما قدر لهم من الكمالات، ووصلة إلى ظهور ما تباينوا فيه من المراتب والدرجات، أمرهم بالسجود تذللاً لما رأوا فيه من عظيم قدرته وباهر آياته، وشكراً لما أنعم عليهم بواسطته، فاللام فيه كاللام في قول حسان رضي الله تعالى عنه:شعر : أَليْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لقبلتِكُمْ وأَعْرَفَ الناسِ بالقرآنِ والسُّنَنِ تفسير : أو في قوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ }تفسير : [الإسراء: 78] وأما المعنى اللغوي وهو التواضع لآدم تحية وتعظيماً له، كسجود إخوة يوسف له، أو التذلل والإنقياد بالسعي في تحصيل ما ينوط به معاشهم ويتم به كمالهم. والكلام في أن المأمورين بالسجود، الملائكة كلهم، أو طائفة منهم ما سبق. {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ } امتنع عما أمر به، استكباراً من أن يتخذه وصلة في عبادة ربه، أو يعظمه ويتلقاه بالتحية، أو يخدمه ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه. والإباء: امتناع باختيار. والتكبر: أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره. والاستكبار طلب ذلك بالتشبع. {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي في علم الله تعالى، أو صار منهم باستقباحه أمر الله تعالى إياه بالسجود لآدم اعتقاداً بأنه أفضل منه، والأفضل لا يحسن أن يؤمر بالتخضع للمفضول والتوسل به كما أشعر به قوله: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } تفسير : [الأعراف: 12] جواباً لقوله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَـٰلِينَ }تفسير : [ص: 75] لا بترك الواجب وحده. والآية تدل على أن آدم عليه السلام أفضل من الملائكة المأمورين بالسجود له، ولو من وجه، وأن إبليس كان من الملائكة وإلا لم يتناوله أمرهم ولا يصح استثناؤه منهم، ولا يرد على ذلك قوله سبحانه وتعالى: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ }تفسير : [الكهف: 50] لجواز أن يقال إنه كان من الجن فعلاً ومن الملائكة نوعاً، ولأن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما روي: أن من الملائكة ضرباً يتوالدون يقال لهم الجن ومنهم إبليس. ولمن زعم أنه لم يكن من الملائكة أن يقول: إنه كان جنياً نشأ بين أظهر الملائكة، وكان مغموراً بالألوف منهم فغلبوا عليه، أو الجن أيضاً كانوا مأمورين مع الملائكة لكنه استغنى بذكر الملائكة عن ذكرهم، فإنه إذا علم أن الأكابر مأمورون بالتذلل لأحد والتوسل به، علم أن الأصاغر أيضاً مأمورون به. والضمير في فسجدوا راجع إلى القبيلين كأنه، قال فسجد المأمورون بالسجود إلا إبليس، وأن من الملائكة من ليس بمعصوم وإن كان الغالب فيهم العصمة، كما أن من الإنس معصومين والغالب فيهم عدم العصمة، ولعل ضرباً من الملائكة لا يخالف الشياطين بالذات، وإنما يخالفهم بالعوارض والصفات كالبررة والفسقة من الإنس والجن يشملهما. وكان إبليس من هذا الصنف كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فلذلك صح عليه التغير عن حاله والهبوط من محله، كما أشار إليه بقوله عز وعلا: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ }تفسير : [الكهف: 50] لا يقال: كيف يصح ذلك والملائكة خلقت من نور والجن من نار؟ لما روت عائشة رضي الله تعالى عنها أنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : خلقت الملائكة من النور، وخلق الجن من مارج من نار»تفسير : لأنه كالتمثيل لما ذكرنا فإن المراد بالنور الجوهر المضيء والنار كذلك، غير أن ضوءها مكدر مغمور بالدخان محذور عنه بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق، فإذا صارت مهذبة مصفاة كانت محض نور، ومتى نكصت عادت الحالة الأولى جذعة ولا تزال تتزايد حتى ينطفىء نورها ويبقى الدخان الصرف، وهذا أشبه بالصواب وأوفق للجمع بين النصوص، والعلم عند الله سبحانه وتعالى. ومن فوائد الآية استقباح الاستكبار وأنه قد يفضي بصاحبه إلى الكفر، والحث على الائتمار لأمره وترك الخوض في سره، وأن الأمر للوجوب، وأن الذي علم الله تعالى من حاله أنه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة، إذ العبرة بالخواتم وإن كان بحكم الحال مؤمناً وهو الموافاة المنسوبة إلى شيخنا أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى.

ابن كثير

تفسير : وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم امتن بها على ذريته، حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم، وقد دل على ذلك أحاديث أيضاً كثيرة، منها حديث الشفاعة المتقدم، وحديث موسى عليه السلام: «رب أرني آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة، فلما اجتمع به قال: أنت آدم الذي خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته» وقال: وذكر الحديث كما سيأتي إن شاء الله. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، وكان خازناً من خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي، قال: وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار، وهو لسان النار الذي يكون فيه طرفها إذا ألهبت، قال: وخلق الإنسان من طين، فأول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وقتل بعضهم بعضاً، قال: فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة، وهم هذا الحي الذي يقال لهم الجن، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك، اغتر في نفسه، فقال: قد صنعت شيئاً لم يصنعه أحد، قال: فاطلع الله على ذلك من قلبه، ولم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه، فقال الله للملائكة الذين كانوا معه: {إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}. فقالت الملائكة: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، كما أفسدت الجن وسفكت الدماء، وإنما بعثتنا عليهم لذلك؟ فقال الله تعالى. {إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} يقول: إني اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه؛ من كبره واغتراره، قال: ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم من طين لازب، واللازب اللازج الصلب من حمأٍ مسنون منتن، وإنما كان حمأ مسنوناً بعد التراب، فخلق منه آدم بيده، قال: فمكث أربعين ليلة جسداً ملقى، وكان إبليس يأتيه فيضربه برجله، فيصلصل فيصوت، فهو قول الله تعالى {أية : مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ} تفسير : [الرحمٰن: 14] يقول: كالشيء المنفرج الذي ليس بمصمت، قال: ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره، ويدخل من دبره، ويخرج من فيه، ثم يقول لست شيئاً للصلصلة، ولشيء ما خلقت، ولئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت عليّ لأعصينك، قال: فلما نفخ الله فيه روحه، أتت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحماً ودماً، فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده، فأعجبه ما رأى من جسده، فذهب لينهض فلم يقدر، فهو قول الله تعالى: {أية : وَكَانَ ٱلإِنْسَـٰنُ عَجُولاً}تفسير : [الإسراء: 11] قال: ضجراً لا صبر له على سراء ولا ضراء. قال: فلما تمت النفخة في جسده، عطس، فقال: الحمد لله رب العالمين؛ بإلهام الله، فقال الله له: «يرحمك الله يا آدم» قال: ثم قال تعالى للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: اسجدوا لآدم، فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر؛ لما كان حدث نفسه من الكبر والاغترار، فقال: لا أسجد له وأنا خير منه وأكبر سناً وأقوى خلقاً، خلقتني من نار، وخلقته من طين، يقول: إن النار أقوى من الطين، قال: فلما أبى إبليس أن يسجد، أبلسه الله، أي: آيسه من الخير كله، وجعله شيطاناً رجيماً؛ عقوبة لمعصيته، ثم علم آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار، وأشبه ذلك من الأمم وغيرها، ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة، يعني: الملائكة الذين كانوا مع إبليس، الذين خلقوا من نار السموم، وقال لهم: {أية : أَنبِئُونِى بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاَۤءِ}تفسير : [البقرة: 31] أي: يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء {أية : إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}تفسير : [البقرة: 31] إن كنتم تعلمون، لم أجعل في الأرض خليفة، قال: فلما علمت الملائكة موجدة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب الذي لا يعلمه غيره، الذي ليس لهم به علم {قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ} تنزيهاً لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره، تبنا إليك {لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} تبرياً منهم من علم الغيب إلا ما علمتنا كما علمت آدم فقال: {أية : يَـاءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ} تفسير : [البقرة: 33] يقول: أخبرهم بأسمائهم {أية : فَلَمَّآ أَنبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِم قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ}تفسير : [البقرة: 33] أيها الملائكة خاصة {أية : إِنِّيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ}تفسير : [البقرة: 33] ولا يعلم غيري {أية : وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ}تفسير : [البقرة: 33] يقول: ما تظهرون {أية : وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}تفسير : [البقرة: 33] يقول: أعلم السر كما أعلم العلانية، يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار، هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يروى به تفسير مشهور. وقال السدي في تفسيره عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: لما فرغ الله من خلق ما أحب، استوى على العرش، فجعل إبليس على ملك السماء الدنيا، وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازناً، فوقع في صدره كِبْرٌ، وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيَّةٍ لي على الملائكة، فلما وقع ذلك الكبر في نفسه، اطلع الله على ذلك منه، فقال الله للملائكة: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}تفسير : [البقرة: 30] فقالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعضهم بعضاً، قالوا: ربنا{أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 30] يعني: من شأن إبليس، فبعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقالت الأرض: إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني، فرجع ولم يأخذ، وقال: يا رب إنها عاذت بك، فأعذتها، فبعث ميكائيل، فعاذت منه، فأعاذها، فرجع فقال كما قال جبريل، فبعث ملك الموت، فعاذت منه، فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض، وخلط، ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به، فبلَّ التراب حتى عاد طيناً لازباً، واللازب هو الذي يلتزق بعضه ببعض، ثم قال للملائكة: {أية : إِنِّى خَـٰلِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}تفسير : [ص: 71 - 72] فخلقه الله بيده؛ لئلا يتكبر إبليس عنه؛ ليقول له: تتكبر عما عملت بيدي، ولم أتكبر أنا عنه بخلقه بشراً؟ فكان جسداً من طين أربعين سنة، من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة، ففزعوا منه لما رأوه، فكان أشدهم فزعاً منه إبليس، فكان يمر به، فيضربه، فيصوت الجسد كما يصوت الفخار يكون له صلصلة، فذلك حين يقول:{أية : مِن صَلْصَـٰلٍ كَٱلْفَخَّارِ}تفسير : [الرحمٰن: 14] يقول: لأمر ما خلقت، ودخل من فيه وخرج من دبره، وقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا؛ فإن ربكم صمد، وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأهلكنه، فلما بلغ الحين الذي يريد الله عز وجل أن ينفخ فيه الروح، قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي، فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح، فدخل الروح في رأسه، عطس، فقالت الملائكة: قل: الحمد لله، فقال: الحمد لله، فقال له الله: «يرحمك ربك» فلما دخلت الروح في عينيه، نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل الروح إلى جوفه، اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول الله تعالى: {أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}تفسير : [الأنبياء: 37] فسجد الملائكة كلهم أجمعون، إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين، أبى واستكبر، وكان من الكافرين، قال الله له: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك لما خلقت بيدي؟ قال: أنا خير منه، لم أكن لأسجد لبشر خلقته من طين، قال الله له: {أية : فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ}تفسير : [الأعراف: 13] يعني: ما ينبغي لك {أية : أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّـٰغِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 13] والصغار هو الذل، قال: {أية : وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا}تفسير : [البقرة: 31] ثم عرض الخلق على الملائكة، فقال: {أية : أَنبِئُونِى بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاَۤءِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ}تفسير : [البقرة: 31] أن بني آدم يفسدون في الأرض، ويسفكون الدماء، فقالوا: {أية : سُبْحَـٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [البقرة: 32] قال الله: {أية : يَـاءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِم قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}تفسير : [البقرة: 33] قال: قولهم: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا}تفسير : [البقرة: 30] فهذا الذي أبدوا { أية : وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}تفسير : [البقرة: 33] يعني: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر، فهذا الإسناد إلى هؤلاء الصحابة مشهور في تفسير السدي، ويقع فيه إسرائيليات كثيرة، فلعل بعضها مدرج ليس من كلام الصحابة، أو أنهم أخذوا من بعض الكتب المتقدمة، والله أعلم. والحاكم يروي في مستدركه بهذا الإسناد بعينه، أشياء، ويقول: على شرط البخاري. والغرض أن الله تعالى لما أمر الملائكة بالسجود لآدم، دخل إبليس في خطابهم؛ لأنه وإن لم يكن من عنصرهم إلا أنه كان قد تشبه بهم، وتوسم بأفعالهم، فلهذا دخل في الخطاب لهم، وذم في مخالفة الأمر، وسنبسط المسألة إن شاء الله تعالى عند قوله: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}تفسير : [الكهف: 50] ولهذا قال محمد بن إسحاق: عن خلاد عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس، قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة، اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهاداً، وأكثرهم علماً، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يسمونه جناً، وفي رواية عن خلاد عن عطاء عن طاوس أو مجاهد عن ابن عباس أو غيره بنحوه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا عباد، يعني ابن العوام، عن سفيان بن حسين عن يعلى بن مسلم عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس، قال: كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشرف الملائكة، من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس بعد. وقال سنيد: عن حجاج عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة، وأكرمهم قبيلة، وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض، وهكذا روى الضحاك وغيره عن ابن عباس سواء. وقال صالح مولى التوأمة عن ابن عباس: إن من الملائكة قبيلاً يقال لهم الجن: وكان إبليس منهم، وكان يسوس ما بين السماء والأرض، فعصى، فمسخه الله شيطاناً رجيماً، رواه ابن جرير. وقال قتادة عن سعيد بن المسيب: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا عدي ابن أبي عدي عن عوف عن الحسن، قال: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط، وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإنس، وهذا الإسناد صحيح عن الحسن، وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم سواء. وقال شهر بن حوشب: كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة، فأسره بعض الملائكة، فذهب به إلى السماء، رواه ابن جرير. وقال سنيد بن داود: حدثنا هشيم أنبأنا عبد الرحمن بن يحيى عن موسى بن نمير وعثمان بن سعيد بن كامل عن سعد بن مسعود، قال: كانت الملائكة تقاتل الجن، فسبي إبليس، وكان صغيراً، فكان مع الملائكة يتعبد معها، فلما أمروا بالسجود لآدم سجدوا، فأبى إبليس، فلذلك قال تعالى: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ}تفسير : [الكهف: 50] وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن القزاز حدثنا أبو عاصم عن شريك عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس قال: إن الله خلق خلقاً، فقال: اسجدوا لآدم، فقالوا: لا نفعل، فبعث الله عليهم ناراً فأحرقتهم، ثم خلق خلقاً آخر فقال: {أية : إِنِّى خَـٰلِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ}تفسير : [ص: 71] اسجدوا لآدم قال: فأبوا، فبعث الله عليهم ناراً فأحرقتهم، ثم خلق هؤلاء، فقال: اسجدوا لآدم، قالوا: نعم، وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم وهذا غريب، ولا يكاد يصح إسناده؛ فإن فيه رجلاً مبهماً، ومثله لا يحتج به، والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة حدثنا صالح بن حيان حدثنا عبد الله بن بريدة: قوله تعالى: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} من الذين أبوا، فأحرقتهم النار، وقال أبو جعفر رضي الله عنه عن الربيع عن أبي العالية: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} يعني: من العاصين. وقال السدي: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} الذين لم يخلقهم الله يومئذ، يكونون بعد. وقال محمد بن كعب القرظي: ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة، وعمل بعمل الملائكة، فصيره الله إلى ما أبدى عليه خلقه على الكفر، قال الله تعالى: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} وقال قتادة في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآِدَمَ}: فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسجد له ملائكته. وقال بعض الناس كان هذا سجود تحية وسلام وإكرام؛ كما قال تعالى: {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا وَقَالَ يٰأَبَتِ هَـٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَـٰىۤ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّى حَقًّا} تفسير : [يوسف: 100] وقد كان هذا مشروعاً في الأمم الماضية، ولكنه نسخ في ملتنا، قال معاذ: قدمت الشام، فرأيتهم يسجدون لأساقفتهم وعلمائهم، فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك، فقال: «حديث : لا، لو كنت آمراً بشراً أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها»تفسير : ورجحه الرازي، وقال بعضهم: بل كانت السجدة لله، وآدم قبلة فيها؛ كما قال تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ}تفسير : [الإِسراء: 78] وفي هذا التنظير نظر، والأظهر أن القول الأول أولى، والسجدة لآدم إكراماً وإعظاماً واحتراماً وسلاماً، وهي طاعة لله عزّ وجلّ؛ لأنها امتثال لأمره تعالى، وقد قواه الرازي في تفسيره، وضعف ما عداه من القولين الآخرين، وهما كونه جعل قبلة؛ إذ لا يظهر فيه شرف، والآخر أن المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء ووضع الجبهة على الأرض، وهو ضعيف كما قال. وقال قتادة في قوله تعالى: {فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ}: حسد عدو الله إبليس آدم عليه السلام ما أعطاه اللَّه من الكرامة، وقال: أنا ناري وهذا طيني، وكان بدء الذنوب الكبر، استكبر عدو الله أن يسجد لآدم عليه السلام، قلت: وقد ثبت في الصحيح: «حديث : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر»تفسير : وقد كان في إبليس من الكبر، والكفر، والعناد، ما اقتضى طرده وإبعاده عن جناب الرحمة وحضرة القدس، قال بعض المعربين: وكان من الكافرين، أي: وصار من الكافرين بسبب امتناعه؛ كما قال: {أية : فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ} تفسير : [هود: 43] وقال: {أية : مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ}تفسير : [البقرة: 35] وقال الشاعر:شعر : بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأَنَّها قَطا الحَزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخاً بُيوضُها تفسير : أي: قد صارت. وقال ابن فورك: تقديره: وقد كان في علم الله من الكافرين، ورجحه القرطبي، وذكر ههنا مسألة، فقال: قال علماؤنا: من أظهر الله على يديه ممن ليس بنبي كرامات وخوارق للعادات، فليس ذلك دالاً على ولايته؛ خلافاً لبعض الصوفية والرافضة، هذا لفظه، ثم استدل على ما قال بأنا لا نقطع بهذا الذي جرى الخارق على يديه أن يوافي الله بالإيمان، وهو لا يقطع لنفسه بذلك، يعني: والولي الذي يقطع له بذلك في نفس الأمر. قلت: وقد استدل بعضهم على أن الخارق قد يكون على يدي غير الولي، بل قد يكون على يد الفاجر والكافر أيضاً؛ بما ثبت عن ابن صياد أنه قال: هو الدخ حين خبأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم {أية : فَٱرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ}تفسير : [الدخان: 10] وبما كان يصدر عنه أنه كان يملأ الطريق إذا غضب، حتى ضربه عبد الله بن عمر، وبما ثبتت به الأحاديث عن الدجال بما يكون على يديه من الخوارق الكثيرة من أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت، وتتبعه كنوز الأرض مثل اليعاسيب، وأنه يقتل ذلك الشاب ثم يحييه، إلى غير ذلك من الأمور المهولة. وقد قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: كان الليث بن سعد يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ويطير في الهواء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، فقال الشافعي: قصر الليث رحمه الله، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ويطير في الهواء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة. وقد حكى الرازي وغيره قولين للعلماء: هل المأمور بالسجود لآدم خاص بملائكة الأرض، أو عام في ملائكة السموات والأرض؟ وقد رجح كلاً من القولين طائفة، وظاهر الآية الكريمة العموم {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ}تفسير : [ص: 73 - 74] فهذه أربعة أوجه مقوية للعموم، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَ} اذكر {إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْلأدَمَ } سجود تحية بالانحناء {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ } هو أبو الجنّ كان بين الملائكة {أَبَىٰ } امتنع عن السجود {وَٱسْتَكْبَرَ } تكبر عنه وقال أنا خير منه {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ } في علم الله.

الشوكاني

تفسير : "إِذْ" متعلق بمحذوف تقديره: واذكر إذ قلنا. وقال أبو عبيدة: "إذ" زائدة، وهو ضعيف. وقد تقدم الكلام في الملائكة، وآدم. السجود معناه في كلام العرب: التذلل والخضوع. وغايته وضع الوجه على الأرض. قال ابن فارس: سجد إذا تطامن، وكل ما سجد، فقد ذلّ، والإسجاد: إدامة النظر. وقال أبو عمر: وسجد إذا طأطأ رأسه. وفي هذه الآية فضيلة لآدم عليه السلام عظيمة حيث أسجد الله له ملائكته. وقيل: إن السجود كان لله ولم يكن لآدم، وإنما كانوا مستقبلين له عند السجود، ولا ملجىء لهذا، فإن السجود للبشر قد يكون جائزاً في بعض الشرائع بحسب ما تقتضيه المصالح. وقد دلت هذه الآية على أن السجود لآدم، وكذلك الآية الأخرى أعني قوله: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ } تفسير : [الحجر: 29] وقال تعالى: {أية : وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى ٱلْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَا }تفسير : [يوسف: 100] فلا يستلزم تحريمه لغير الله في شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون كذلك في سائر الشرائع. ومعنى السجود هنا: هو وضع الجبهة على الأرض، وإليه ذهب الجمهور. وقال قوم: هو مجرد التذلل، والانقياد. وقد وقع الخلاف هل كان السجود من الملائكة لآدم قبل تعليمه الأسماء أم بعده؟ وقد أطال البحث في ذلك البقاعي في تفسيره. وظاهر السياق أنه وقع التعليم، وتعقبه الأمر بالسجود، وتعقبه إسكانه الجنة، ثم إخراجه منها، وإسكانه الأرض. وقوله {إِلاَّ إِبْلِيسَ} استثناء متصل؛ لأنه كان من الملائكة على ما قاله الجمهور. وقال شهر بن حوشب، وبعض الأصوليين: كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ الذين كانوا في الأرض. فيكون الاستثناء على هذا منقطعاً. واستدلوا على هذا بقوله تعالى: {أية : لا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : [التحريم: 6] وبقوله تعالى: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ } تفسير : [الكهف: 50] والجنّ غير الملائكة، وأجاب الأوّلون بأنه لا يمتنع أن يخرج إبليس عن جملة الملائكة، لما سبق في علم الله من شقائه عدلاً منه {أية : لا يُسْـألُ * عَمَّا يَفْعَلُ } تفسير : [الأنبياء: 23] وليس في خلقه من نار ولا تركيب الشهوة فيه حين غضب عليه ما يدفع بأنه من الملائكة وأيضاً على تسليم ذلك لا يمتنع أن يكون الاستثناء متصلاً، تغليباً للملائكة الذين هم ألوف مؤلفة على إبليس الذي هو فرد واحد بين أظهرهم. ومعنى {أَبَىٰ } امتنع من فعل ما أمر به. والاستكبار: الاستعظام للنفس، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : أن الكبر بطَرَ الحق، وغمط الناس»تفسير : وفي رواية «غمص» بالصاد المهملة {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } أي: من جنسهم. قيل: إن {كان} هنا بمعنى صار. وقال ابن فورك: إنه خطأ ترده الأصول. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانت السجدة لآدم، والطاعة لله. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: سجدوا كرامة من الله أكرم بها آدم. وأخرج ابن عساكر عن إبراهيم المزني قال: إن الله جعل آدم كالكعبة. وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن ابن عباس قال: كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشراف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس بعد. وروى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه قال: إنما سمي إبليس؛ لأن الله أبلسه من الخير كله: أي: آيسه منه. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن الأنباري، عنه، قال: كان إبليس قبل أن يرتكب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشدّ الملائكة اجتهاداً، وأكثرهم علماً، فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حيّ يسمون جناً. وأخرج ابن المنذر، والبيهقي في الشعب عنه قال: كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدبر أمر سماء الدنيا. وأخرج محمد بن نصر عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله أمر آدم بالسجود، فسجد، فقال: لك الجنة، ولمن سجد من ولدك، وأمر إبليس بالسجود، فأبى أن يسجد، فقال: لك النار، ولمن أبى من ولدك أن يسجد»تفسير : وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس في قوله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ } قال: جعله الله كافراً لا يستطيع أن يؤمن. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي، قال: ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر، والضلالة، وعمل بعمل الملائكة، فصيره إلى ما ابتدىء إليه خلقه من الكفر؛ قال الله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ }.

الماوردي

تفسير : وقوله عز وجل: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْليسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ}. واختلف أهل التأويل في أمره الملائكة بالسجود لآدم، على قولين: أحدهما: أنه أمرهم بالسجود له تَكْرِمَةً وَتَعْظِيماً لشأنِهِ. والثاني: أَنَّهُ جعله قِبْلَةً لهم، فأمرهم بالسجود إلى قبلتهم، وفيه ضرب من التعظيم. وأصل السجود الخضوع والتطامن، قال الشاعر: شعر : بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبَلْقُ في حُجُرَاتِهِ تَرَى الأَكْمَ فِيهِ سُجَّداً لِلْحَوافِرِ تفسير : وسمى سجود الصلاة سجوداً، لما فيه من الخضوع والتطامن، فسجد الملائكة لآدم طاعةً لأمر الله تعالى إلا إبليس أَبَى أن يسجُدَ له حَسَداً واستكباراً. واختلفوا في إبليس، هل كان من الملائكة أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه كان من الملائكة، وهذا قول ابن عباس، وابن مسعود، وابن المسيب، وابن جريج، لأنه استثناء منهم، فَدَلَّ على دخوله منهم. والثاني: أنه ليس من الملائكة، وإنما هو أبو الجن، كما أن آدم أبو الإنس، وهذا قول الحسن وقتادة وابن زيد، ولا يمتنع جواز الاستثناء من غير جنسه، كما قال تعالى: {أية : مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتَّبَاعَ الظَّنِّ}، تفسير : [النساء: 157] وهذا استثناء منقطع. واختُلِفَ في تَسْمِيتِهِ بإبليس على قولين: أحدهما: أنه اسم أعجمي وليس بمشتقٍّ. والثاني: أنه اسمُ اشتقاق، اشتُقَّ من الإبلاس وهو اليأس من الخَيْرِ، ومنه قوله تعالى: {أية : فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 44] أي آيِسُونَ من الخير، وقال العجَّاجُ: شعر : يَا صَاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْماً مُكْرَساً قَالَ نَعَمْ أَعْرِفُهُ، وَأَبْلَسَا تفسير : فأمَّا من ذهب إلى أن إبليس كان من الملائكة، فاختلفوا في قوله تعالى: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كان مِنَ الْجِنِّ} تفسير : [50 الكهف] لِمَ سماه الله تعالى بهذا الاسم، على أربعة أقاويل: أحدها: أنهم حي من الملائكة يُسَمَّوْن جنّاً كانوا من أشدِّ الملائكة اجتهاداً، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه جعل من الجنِّ، لأنه من خُزَّانِ الجنَّةِ، فاشتق اسمه منها، وهذا قول ابن مسعود. والثالث: أنه سمي بذلك لأنه جُنَّ عن طاعة ربِّه، وهذا قول ابن زيدٍ. والرابع: أن الجِنِّ لكلِّ ما اجْتَنَّ فلم يظهر، حتى إنهم سَمَّوُا الملائكة جناً لاستتارهم، وهذا قول أبي إسحاق، وأنشد قول أعشى بني ثعلبة: شعر : لَوْ كَانَ حَيٌّ خَالِد أَوْ مُعَمَّراً لَكَانَ سُلَيْمَان البري مِنَ الدَّهْرِ بَرَاهُ إلهي وَاصْطَفَاهُ عِبَادُهُ وَمَلَّكَهُ ما بَيْنَ نُوبَا إلى مِصْرِ وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلاَئِكِ تِسْعَةً قِيَاماً لَدَيْهِ يعْمَلُونَ بِلاَ أَجْرِ تفسير : فسمَّى الملائكة جناً لاستتارهم. وفي قوله تعالى: {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} ثلاثةُ أَقَاوِيلَ: أحدها: أنه قد كان قبله قوم كفار، كان إبليس منهم. والثاني: أن معناه: وصار من الكافرين. والثالث: وهو قول الحسن: انه كان من الكافرين، وليس قبله كافرا، كما كان من الجنِّ، وليس قبله جِنٌّ، وكما تقول: كان آدم من الإنس، وليس قبله إنسيٌّ.

ابن عبد السلام

تفسير : {اسْجُدُواْ} أصل السجود: الخضوع، والتطامن، أُمروا بذلك تكريماً لآدم صلى الله عليه وسلم وتعظيماً لشأنه، أو جُعل قِبلة لهم، وأُمروا بالسجود إليه. {إِلآ إِبْلِيسَ} امتنع حسداً، وتكبراً، وكان أبا الجن كما آدم صلى الله عليه وسلم أبو البشر، أو كان من الملائكة فيكون قوله تعالى: {أية : كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ } تفسير : [الكهف: 50] وهم حي من الملائكة يسمون جِنّاً، أو كان من خزان الجنة، فاشتق اسمه منها، أو لأنه جن عن الطاعة، أو الجن اسم لكل مستتر مجتنن. قال: شعر : براه إلهي واصطفاه لدينه وملكه ما بين توما إلى مصر وسخر من جن الملائك تسعة قياماً لديه يعملون بلا أجر تفسير : واشتق من الإبلاس، وهو اليأس من الخير، أو هو اسم أعجمي لا اشتقاق له. {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} صار منهم أو كان قبله كفار هو منهم، أو كان من الجن وإن لم يكن قبله جن، كما كان آدم صلى الله عليه وسلم من الإنس وليس قبله إنس.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} قال: (اختلفوا) هل المراد السجود حقيقة أو الإيماء إليه أو الخضوع؟ وسبب الخلاف أن الخضوع يكون بأمور، ففسره بأقصاها وهو السجود لاستلزامه الخضوع فعبّر عن الخضوع بلوازمه وهذا (يشبه) ما قالوه (في تعارض) الحقيقة المرجوحة والمجاز، لأن القاعدة الثابتة المقررة في أن السجود حقيقة إنما هو بوضع الجبهة في الأرض فإطلاقه (هنا) على الخضوع مجاز راجح استصحابا لتلك القاعدة، وكون المراد به حقيقة هو نسبة المشبه، لكن (إِنْ) نظرنا إلى (أنّ) هذه الأمور جعلية شرعية فنقول: إنّ الله تبارك وتعالى أمر بالسّجود لآدم (فنأخذ) الأمر على حقيقته والمعتزلة على (قاعدة) التحسين والتقبيح يقولون: إن السجود ليس حقيقة بل هو بمعنى الخضوع. ومنهم من جعله تكرمة وجعل آدم كالقبلة فكما أن الصلاة للقبلة تكرمة لها فكذلك هذا، واحتج بعضهم بهذا أن الأنبياء أفضل من الملائكة. قال ابن عرفة: إنما يؤخذ منه تشريف آدم وتكرمته، لا أنه أفضل وإنما يلزم ذلك لو كان السجود له لذاته. ونقل ابن عطية: أن الأكثرين على الملائكة أفضل من بني آدم وعكس الفخر الخطيب. قوله تعالى: {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ...} حكى الآمدي في شرح الجزولية قولا: بأن الاستثناء من الإثبات ليس بنفي. قال الرازي في المعالم: اتفق الناس على أن الاستثناء من الإثبات نفي واختلفوا في العكس. قلت: وحصل بعضهم فيه ثلاثة أقوال: قيل: الاستثناء من النفي إثبات ومن الإثبات، نفي وقيل: ليس بإثبات وليس بنفي، وقيل: من الإثبات نفي ومن النفي ليس بإثبات. قال القرافي في شرح المحصول: ذهب بعض الأدباء إلى أن الاستثناء من الإثبات إثبات واحتج بقوله تعالى {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ} تفسير : أي فلو كان نفيا لما احتيج إلى قوله "أَبَى". وكان الشيخ ابن عبد السلام يرده بأنها أفادت أن امتناعه من السجود لم يكن لعجز (بعذر) ولا لأنه أكره عليه بل استكبارا وعنادا لعنه الله. وقال الآمدي: قيل أنه إثبات في الوجهين، وقيل: نفي في/ الوجهين، وقيل: من الإثبات نفي، ومن النفي ليس بإثبات. وقال الطيبي: إن الترتيب هنا معنوي وفي قوله: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} تفسير : باعتبار اللفظ والأمر الحسّي الوجودي. قال ابن عطية: قال جمهور المتأولين: كان من الكافرين في علم الله تعالى. قال ابن عرفة: إن أرادوا أنّه إذ ذاك كفر بهذا الفعل وكان قبل ذلك مؤمنا (بالحسّ) (وكان) كافرا في علم الله تعالى وقيل: إنه كان كافرا بالحس، وشؤم كفره أوجب امتناعه من السجود. واختلف هل كفره عناد (أم لا)؟ فمنهم من قال: يستحيل صدور المعصية من العالم حالة كونه عالما لأن العلم يقتضي ترجيح (طرق السلامة) (على طريق الهلاك) فأبطل الكفر عنادا وهي قاعدة الفخر وغيره. ومنهم من قال: إنّ كفره كان عنادا. قيل لابن عرفة: ويمكن تقرير هذا بما قالوا: من أنّ ارتباط الدليل بالمدلول هل هو عقلي أو عادي فقد يعلم الدليل ولا ينتج له العلم بالمدلول؟ فقال: نعم ولكن ما ذكروا (هنا) إلا الأول. قال ابن عطية: روى ابن القاسم عن الإمام مالك رضي الله عنه إن أول معصية كانت الحسد والكبر والشح، حسد إبليس آدم وتكبر عليه (وشح آدم في أكله من شجرة قد نهى على قربها). قلت: وهذا بعينه من كتاب الجامع الأول من العتبية. وقال فيه ابن رشد: الحسد من (الذنوب) العظام وهو أن (يكره) أن يرى النعمة على غيره، ويتمنى انتقالها عنه إليه، والغبطة أن يتمنى مثلها فقط مع بقائها عند صاحبها فالغبطة مباحة والحسد محظور قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا حسد إلا في اثنين رجل أتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء اللّيل وأطراف النهار"تفسير : . انتهى. والاستثناء في الآية منقطع. ومنهم من يرى الحسد على وجهين: - محظور إن كان فيه (بغي). وهو أن يريد الإضرار (بالمحسود) بزوال النعمة عنه. - وجائز إن لم يكن معه بغي كالحسد في الخير فإنه مرغب فيه إذ لا بغي فيه والحسد في المال إن لم يكن معه بغي جاز: والشح قسمان: فالشح بالواجبات حرام، وبالمندوبات مكروه. قال: وقوله في آدم "فَشَحّ" أي فَشح أن يأكل من ثمار الجنة التي أباح الله له الأكل منها فلم يأكل منها (إبقاء عليها) وشحّا بها.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {للملائكة اسجدوا} برفع الهاء للإتباع: يزيد وقتيبة. وروى ابن مهران عنهما أنهما يشمان الكاف الكسر ويرفعان الهاء. وروى الخزاعي وابن شنبوذ عن أهل مكة: الملايكة بغير همز، وكذلك كل كلمة في وسطها همزة مكسورة إلا قوله {السائلين} و {السائل} و {البائس} فإنهما بالهمز {شئتما} وبابه بغير همز: أبو عمر ويزيد والأعشى وورش، ومن طريق الأصفهاني وحمزة في الوقف {فأزالهما} حمزة {آدم} نصب {كلمات} رفع ابن كثير {فلا خوف عليهم} بالفتح حيث كان: يعقوب {هداي} و {محياي} و {مثواي} بالإمالة كل القرآن على غير ليث. {النار} بالإمالة كل القرآن، وكذلك كل كلمة في آخرها راء مكسورة بعد الألف في موضع اللام من الكلمة قرأها على غير ليث وأبي حمدون وحمدويه والنجاري عن ورش وحمزة في رواية ابن سعدان وأبو عمرو إلا أنه لا يميل {الجار} و {الغار} في بعض الروايات. فروى إبراهيم بن حماد عن اليزيدي {الجار} بالإمالة. وروى ابن مجاهد عن اليزيدي {الغار} بالإمالة، وسائر الروايات عنه بالتفخيم لقلة دورهما. واختلفوا في وقف أبي عمرو في مثل {النار} وأشباه ذلك. فروى ابن مجاهد والحسن بن عبد الله عن النقاش وكثير من أهل العراق أنه يقف كما يصل، وروى سلمة بن عاصم أنه يقف بالتفخيم والأول أكثر. الوقوف: {إبليس} (ط) لأنه معرف والجملة بعده لا تكون صفة له إلا بواسطة الذي ولا عامل فتجعل الجملة حالاً {الكافرين} (ه) {شئتما} (ص) لاتفاق الجملتين {الظالمين} (ه) {كانا فيه} (ص) لعطف الجملتين المتفقتين. {عدو} (ج) لاختلاف الجملتين {حين} (ه) {فتاب عليه} (ط) {الرحيم} (ج) {جميعاً} (ج) لابتداء الشرط مع فاء التعقيب {يحزنون} (ه) {النار} (ج) لأن ما بعدها مبتدأ وخبر. وقيل: الجملة خبر بعد خبر لأولئك، لأن تمام المقصود بوعيد هو الخلود مثل: الرمان حلو حامض {خالدون} (ه). التفسير: لما خصص الله تعالى أبانا آدم بالخلافة ثم علمه من العلوم ما ظهر بذلك مزيته على جميع الملائكة، اقتضت حكمته البالغة أن جعله مسجوداً لهم وهذا مقتضى النسق ههنا ظاهر إلا أن قوله تعالى في موضع آخر {أية : فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} تفسير : [ص: 72] يقتضي أن يكون الأمر بالسجود قبل تسوية خلقه، وأنه كما صار حياً صار مسجوداً لهم. وتعليم الأسماء ومناظرته مع الملائكة في ذلك حصل بعد سجدتهم. والله أعلم بذلك. ثم إن المسلمين أجمعوا على أن ذلك السجود لم يكن للعبادة لأنه تعالى لا يأمر بالكفر والعبادة لغيره كفر، فزعم بعض أن السجود كان لله تعالى وآدم كالقبلة. فقوله {اسجدوا لآدم} مثل قولك "صل للقبلة" قال حسان بن ثابت: شعر : ما كنت أعرف أن الأمر منصرف عن هاشم ثم منها عن أبي حسن أليـــس أول مـــن صلـــى لقبلتكـــم وأعرف الناس بالقرآن والســنن؟ تفسير : وهو ضعيف لأن المقصود من هذه القصة شرح تعظيم آدم، وجعله مجرد القبلة لا يفيد كونه أعظم حالاً من الساجد. وزعم آخرون أن المراد بالسجود الانقياد والخضوع كما هو مقتضى أصل اللغة مثل {أية : والنجم والشجر يسجدان}تفسير : [الرحمن: 6] وزيف بأنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك، لأن الأصل عدم التغيير. وأصح الأقوال أن السجود كان بمعنى وضع الجبهة ولكن لا عبادة بل تكرمة وتحية كالسلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السالفة تفعل ذلك بدل التسليم. قال قتادة في قوله {أية : وخروا له سجداً}تفسير : [يوسف: 100] كان تحية الناس يومئذ سجود بعضهم لبعض، ويجوز أن تختلف الرسوم والعادات باختلاف الأزمنة والأوقات. واختلف في أن إبليس من الملائكة أم لا. فقال أكثر المتكلمين لا سيما المعتزلة: إنه لم يكن منهم. وقال كثير من الفقهاء: إنه كان منهم حجة الأولين أنه من الجن لقوله تعالى في الكهف {أية : إلا إبليس كان من الجن} تفسير : [الآية: 50] فلا يكون من الملائكة. وأيضاً قال {أية : ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن} تفسير : [سبأ: 40] ورد الأول بأن الجن قد يطلق على الملك لاستتاره عن العيون، وبأن كان يحتمل أن تكون بمعنى صار. والثاني بأنه لا يلزم من كون الجن في هذه الآية نوعاً مغايراً للملائكة أن يكون في الآية الأولى أيضاً مغايراً، لاحتمال كونه على مقتضى أصل اللغة وهو الاستتار. وقالوا: إن إبليس له ذرية لقوله تعالى {أية : أتتخذونه وذريته أولياء من دوني} تفسير : [الكهف: 50] والملائكة لا ذرية لها لأنها تحصل من الذكر والأنثى ولا إناث فيهم لقوله {أية : وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً} تفسير : [الزخرف: 19] منكراً عليهم وأيضاً الملائكة معصومون لما سلف، وإبليس لم يكن كذلك. وأيضاً إنه من النار {أية : خلقتني من نار}تفسير : [ص: 76] وأنهم من نور لقوله صلى الله عليه وسلم"حديث : خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار"تفسير : رواه الزهري عن عروة عن عائشة. ومن المشهور الذي لا يدفع أن الملائكة روحانيون، فقيل سموا بذلك لأنهم من الريح أو من الروح. وأيضاً الملائكة رسل {أية : جاعل الملائكة رسلاً}تفسير : [فاطر: 1] ورسل الله معصومون {أية : الله أعلم حيث يجعل رسالته} تفسير : [الأنعام: 124] حجة الآخرين أنه استثناه من الملائكة، وحمله على المتصل أولى، لأن تخصيص العمومات في كتاب الله أكثر من الاستثناء المنقطع. قيل: إنه جني واحد مغمور بين ظهراني ألوف من الملائكة فغلبوا عليه، وهذا لا ينافي كون الاستثناء متصلاً. وأجيب بأن التغليب إنما يصار إليه إذا كان المغلوب ساقطاً عن درجة الاعتبار، أما إذا كان معظم الحديث فيه فلا يصار إلى التغليب. وأيضاً لو لم يكن من الملائكة لم يتناوله الخطاب بـ {اسجدوا} وحينئذ لم يستحق بترك السجود لوماً وتعنيفاً، ولا يمكن أن يقال إنه نشأ معهم والتصق بهم فتناوله الأمر لما بين في أصول الفقه أن خطاب الذكور لا يتناول الإناث وبالعكس مع شدة المخالطة بين الصنفين، ولا أن يقال إنه وإن لم يدخل في هذا الأمر إلا أنه تعالى أمره بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله {أية : ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك} تفسير : [الأعراف: 12] لأن قوله {أبى واستكبر} عقيب قوله {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا} مشعر بأن المخالفة بسبب هذا الأمر، هذا ما قيل عن الجانبين. ومما يناسب تفسير الآية الكلام في أن الأنبياء أفضل من الملائكة أم بالعكس، قال أكثر أهل السنة بالأول، ومالت المعتزلة والشيعة إلى الثاني، واختاره الباقلاني وأبو عبد الله الحليمي من فقهاء أهل السنة. المعتزلة احتجوا بأمور: أحدها {أية : ومن عنده لا يستكبرون} تفسير : [الأنبياء: 19] وليس المراد عندية المكان والجهة بل عندية القرب والشرف. وعورض بما حكى عنه سبحانه "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي" بل هذا أبلغ لأن كون الله تعالى عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد عنده. قالوا: الآية تدل على أنه تعالى يقول الملائكة مع شدة قوتهم واستيلائهم على أجرام السموات والأرض وأمنهم من الهرم والمرض والآفات، لا يتركون العبودية لحظة واحدة، فالبشر مع غاية ضعفهم وقصورهم أولى بذلك. وأجيب بأنه لا نزاع في ذلك، وإنما النزاع في الأفضلية بمعنى كثرة الثواب. الثانية: عباداتهم من عبادات البشر فيكون ثوابهم أكثر لقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة "حديث : أجرك على قدر نصيبك"تفسير : ولقوله "أفضل العبادات أجزها" أي أشقها. وأما بيان أن عباداتهم أشق فمن وجهين: أحدهما أنهم سكان السموات وهي جنان ومنتزهات وهم مع ذلك لا يلتفتون إلى نعيمها ويقبلون على طاعاتهم خائفين وجلين وكأنه لا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلاً عن تلك الأعصار المتطاولة {أية : إن الإنسان ليطغى. أن رآه استغنى} تفسير : [العلق: 6 - 7] ويؤكده قصة آدم فإنه أطلق له في الجنة جميعها إلا شجرة واحدة ومع ذلك لم يملك نفسه، والثاني أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من طعام إلى طعام، والإقامة على نوع واحد تورث السآمة وهذا شأن الملائكة {أية : وإنا لنحن الصافون. وإنا لنحن المسبحون} تفسير : [الصافات: 165 - 166] ومنهم ركوع ومنهم سجود منذ خلقوا. وعورض الوجه الأول بأن أسباب البلاء مجتمعة على البشر، ثم إنهم راضون بقضاء الله مواظبون على تكاليفهم، ولذلك كان العبيد والخدم تطيب قلوبهم بالخدمة حال الرفاهية، ولا يصبر أحد منهم على مشقة الخدمة إلا من كان في نهاية الإخلاص. والثاني بأن العادة طبيعية خامسة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أفضل الصوم صوم داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً" تفسير : الثالثة: عباداتهم أدوم {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} وخير الأعمال أدومها، مع أن أعمارهم أكثر. وعلى الآية سؤال. روي عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب: أرأيت قول الله عز وجل {أية : لا يفترون}تفسير : [الأنبياء: 20] ثم قال {أية : جاعل الملائكة رسلاً} تفسير : [فاطر: 1] أولئك عليهم لعنة الله والملائكة، أفلا تكون الرسالة واللعن مانعين عن التسبيح؟ فأجاب بأن التنفس لا يمنعنا من الاشتغال بشيء آخر، فكذلك التسبيح لهم. وزيف بأن آلة النفس فينا غير آلة الكلام، وأما اللعن والتسبيح فهما من جنس الكلام، فاجتماعهما في آلة واحدة محال. وأجيب باحتمال أن يكون لهم ألسنة كثيرة يسبحون الله تعالى ببعضها ويلعنون أعداءه ببعض آخر، وبأن ثناء الله يستلزم تبعيد من اعتقد في الله ما لا ينبغي، أو المراد لا يفترون عن العزم على أدائه في أوقاته اللائقة به كما يقال: فلان يواظب على الجماعات. يعنون أنه عازم على أدائها في أوقاتها. ونوقضت الحجة بأن الطاعة القليلة من الإنسان قد تقع على وجه يستحق بها ثواباً من ثواب طاعاتهم. الرابعة: أنهم أسبق السابقين في كل العبادات {أية : والسابقون السابقون. أولئك المقربون} تفسير : [الواقعة: 10 - 11] "حديث : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ". تفسير : الخامسة: الملائكة رسل إلى الأنبياء {أية : علمه شديد القوى} تفسير : [النجم: 5] {أية : نزل به الروح الأمين} تفسير : [الشعراء: 193] والرسول أفضل من الأمة قياساً على الشاهد. ومنع بأن هذا إذا كان الرسول حاكماً على المرسل إليهم ومتولياً لأمورهم كالأنبياء المبعوثين إلى أممهم، أما في مطلق الرسول فلم قلتم إنه كذلك كما لو أرسل الملك عبداً من عبيده إلى وزيره أو إلى ملك آخر. السادسة: أنهم أتقى من البشر لدوام خوفهم {أية : يخافون ربهم من فوقهم} تفسير : [النحل:50] مع وجود شهوة الترفع والرياسة فيهم ولهذا قالوا {أتجعل فيها من يفسد فيها} وإن لم يكن لهم شهوة الأكل والوقاع، فوجب أن يكونوا أفضل {أية : إن أكرمكم عند الله أتقاكم} تفسير : [الحجرات: 13] ورد بأن تقوى الإنسان أكمل فإن لهم مع شهوة الرياسة شهوة البطن والفرج أيضاً. السابعة: {أية : لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون} تفسير : [النساء: 172] خرج الثاني مخرج التأكيد للأول. ومثل هذا إنما يكون بذكر الأفضل بعد الفاضل. كقولك: هذا العالم لا يستنكف عن خدمة الوزير ولا الملك. فيفيد أفضلية الملائكة المقربين في المعاني المصححة للعبودية من نهاية الخضوع والخشوع ما يتبعها مع شدة بطشهم وقوة حالهم. وعورض بأنه قد يقال هذا العالم لا يستنكف عن خدمة القاضي ولا السلطان، ولا يفيد إلا أن السلطان أكل من القاضي في بعض الأمور كالقوة والقدرة، ولا يدل على كونه أكمل من القاضي في سائر الدرجات كالعلم والزهد. فلم قلتم: إنهم أفضل من البشر في كثرة الثواب؟ قلت: والحق أن جميع الدرجات مندرجة تحت العبودية كما أشرنا إليه فيما مر، فيفيد أفضلية الملائكة. لكن المقربين منهم فقط دون غيرهم ومفضولية المسيح فقط دون غيرهم كمحمد صلى الله عليه وسلم. الثامنة: {أية : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين} تفسير : [الأعراف: 20] فهذا وإن كان حكاية قول إبليس، إلا أن آدم وحواء لو لم يعتقدا أفضلية الملك لم يغترا بذلك واعتقادهما حجة. ورد بأن آدم لعله أخطأ في ذلك الاعتقاد، إما لأن الزلة جائزة على الأنبياء، أو لأنه ما كان نبياً في ذلك الوقت، وأيضاً هب أنه حجة لكنه قبل الزلة لم يكن نبياً فلا يلزم من مفضوليته وقتئذ مفضوليته وقت نبوته، وإن سلم مفضوليته ونبوته وقتئذ فلا نسلم أن ذلك في باب الثواب بل في باب القدرة والقوة والحسن والجمال. ونحو ذلك فإنهم خلقوا من الأنوار وآدم خلق من التراب، فاغتر رغبة فيما لهم من هذه الأمور. وأيضاً يحتمل أن يكون المراد إلا أن تنقلبا ملكين فيصح استدلالكم، وأن يكون المراد أن النهي مختص بالملائكة الخالدين دونكما كما يقول أحدنا لغيره: ما نهيت أنت عن كذا إلا أن تكون فلاناً. ويكون المعنى أن المنهي عنه هو فلان دونك، فكان غرض إبليس إيهام أنهما لم ينهيا. وأيضاً غاية ما في الباب أن الآية تدل على مفضولية آدم ولا يلزم منه مفضولية جميع الأنبياء كمحمد صلى الله عليه وسلم. التاسعة: {أية : ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك} تفسير : [هود: 31] أي لا أدعي القدرة على كل المقدورات والعلم بكل المعلومات، ولا أدعي قدرة مثل قدرة الملك ولا علماً مثل علمهم، وذلك أنه لم يرد به نفي الصورة لأنه لا يفيد الغرض، وإنما نفي أن يكون له مثل ما لهم من الصفات الجسمية والقوى العظيمة. ورد بأنه لا يلزم من عدم الاستواء في كل الصفات حصول الاختلاف في جميعها. العاشرة: {أية : ما هذا بشراً إن هذا إلا ملك كريم} تفسير : [يوسف: 31] ولا يخفى أن التشبيه في السيرة من غض البصر وقمع النفس عن المحرمات بدلالة وصفه بالكرم لا في الصورة. ورد بأن قولها {أية : فذلكن الذي لمتنني فيه}تفسير : [يوسف: 32] كالتصريح بأن مراد النساء تعظيم حال يوسف في الحسن والجمال، فذلك يظهر عذرها في عشقها. ولئن سلمنا أن التشبيه في الأخلاق المرضية فذلك لا يوجب مفضوليته من جميع الجهات، على أن قول النساء لا يصلح لأن يكون حجة. الحادية عشرة: {أية : وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً} تفسير : [الإسراء: 70] وذلك أن المخلوقات إما غير المكلفين والإنسان أفضل منهم، وإما المكلفون وهم الملائكة والإنس والجن والشياطين. ولا ريب أن الإنس أفضل من الجن والشياطين، فلو كانوا أفضل من الملك أيضاً لزم كون البشر أفضل من أكل المخلوقات، فينبغي أن يقال: وفضلناهم على جميع من خلقنا. ورد بأن كونه أفضل من كثير لا يدل على أنه ليس بأفضل من الباقي إلا بدليل الخطاب وهو غير حجة. وأيضاً ثبت أن جنس الملائكة أفضل من جنس بني آدم، ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من المجموع الآخر أن يكون كل واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من أفراد المجموع الثاني. وأيضاً الكلام في التفضيل الحاصل بسبب الكرامة المذكورة في أول الآية {أية : ولقد كرمنا بني آدم} تفسير : [الإسراء: 70] ولا يلزم من كون الملك أفضل من البشر في تلك الكرامات وهو حسن الصورة والطهارة واستخراج الأعمال العجيبة أن يكونوا أفضل منهم في الأشياء الموجبة للثواب. الثانية عشرة: الأنبياء ما استغفروا إلا بدأوا بأنفسهم قال نوح {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً} وقال إبراهيم {أية : رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين} تفسير : [الشعراء: 83] ثم قال {أية : واغفر لأبي} تفسير : [الشعراء: 86] وقال لمحمد {أية : واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات} تفسير : [محمد: 19] والملائكة لم يستغفروا لأنفسهم ولكن طلبوا المغفرة للمؤمنين {أية : فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك}تفسير : [غافر: 7] ورد بأن هذا لا يدل إلا على صدور الزلة من البشر وعدم صدورها عنهم، وهذا لا يوجب أفضليتهم في القرب والثواب على الإطلاق ومن الناس من قال: استغفارهم للبشر كالعذر عما طعنوا فيهم بقولهم {أية : أتجعل فيها} تفسير : [البقرة: 30]. الثالثة عشرة: {أية : وإن عليكم لحافظين} تفسير : [الانفطار: 10] ويدخل فيه الأنبياء وغيرهم، والحافظ للمكلف عن المعصية أفضل من المحفوظ. وأيضاً جعل كتابتهم حجة للبشر وعليهم فيكونون أفضل. ورد بأن الحافظ والشاهد قد يكون أجود حالاً من المحفوظ والمشهود. الرابعة عشرة: {أية : يوم يقوم الروح والملائكة صفاً}تفسير : [النبأ: 38] والمقصود بيان عظمة الله وجلاله. ورد بأن هذا يفيد قوتهم وبطشهم فقط كما يقال: إن السلطان لما جلس وقف حول سريره ملوك الأطراف. وهذا لا يدل على أنهم أكرم عند السلطان من ولده. الخامسة عشرة: {أية : والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} تفسير : [البقرة: 285] والتقديم في الذكر يدل على التقديم في الدرجة ولهذا لما قال الشاعر: شعر : كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً تفسير : قال عمر بن الخطاب: لو قدمت الإسلام لأجزتك. ولما كتبوا كتاب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين، وقع التنازع في تقديم الاسم، وكذا في كتاب الصلح بين علي ومعاوية. ومنع من أن الواو لا تفيد الترتيب، وعورض بتقديم {تبت} على "الإخلاص". السادسة عشرة: {أية : إن الله وملائكته يصلون على النبي} تفسير : [الأحزاب: 56] جعل صلوات الملائكة كالتشريف للنبي صلى الله عليه وسلم وعورض بقوله {أية : يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه}تفسير : [الأحزاب: 56] ولا تشريف بل تتشرف الأمة بذلك. السابعة عشرة: إن جبرائيل أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى وصفه بست من صفات الكمال {أية : إنه لقول رسول كريم. ذي قوة عند ذي العرش مكين. مطاع ثم أمين}تفسير : [التكوير: 19 - 21] ثم وصف محمداً صلى الله عليه وسلم بقوله {أية : وما صاحبكم بمجنون}تفسير : [التكوير: 22] وشتان بين الوصفين. ورد بأنه وإن وصفه ههنا بهذا القدر لاقتضاء المقام ذلك فقط، فقد وصفه في مواضع أخر بما يليق به {أية : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً}تفسير : [الأحزاب: 45 -46]. الثامنة عشرة: إن جبريل كان معلماً للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من الأنبياء، لا في العلوم التي لا يتوصل إليها إلا بالعقل. كالعلم بذات الله تعالى، بل في العلم بكيفية مخلوقاته وما فيها من العجائب، والعلم بأحوال العرش والكرسي والجنة والنار وأطباق السموات وأصناف الموجودات وأحوال الأمم الخالية والقرون الماضية، والمعلم أفضل {أية : قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}تفسير : [الزمر: 9] ومنع من كون الملائكة أعلم بدليل قصة آدم، ولأن تعليم جبريل كان بالحقيقة تعليم الله تعالى ولم يكن جبريل إلا واسطة، ولئن سلم مزيد علمهم منع كثرة ثوابهم. التاسعة عشرة: {أية : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم} تفسير : [الأنبياء: 29] وهذه تدل على أنهم بلغوا في الترفع إلى حد لو خالفوا أمر الله لما خالفوه إلا في ادعاء الإلهية. ورد بأن مزيد قدرتهم لا يوجب مزيد ثوابهم. العشرون: قال صلى الله عليه وسلم حكاية عن الرب تعالى "حديث : إذا ذكرني عبدي في ملأ ذكرته في ملأ خير من ملائه"تفسير : وهذا يدل على أن الملأ الأعلى أشرف. ورد بعد قبول خبر الواحد أنه لا يلزم منه إلا أن الملأ الأعلى خير من ملأ عوام البشر، ولا يلزم من ذلك كونهم أفضل من الأنبياء. واعلم أن الفلاسفة اتفقوا على أن الأرواح السماوية المسماة بالملائكة عندهم أفضل من الأرواح الناطقة البشرية لوجوه: الأول: الملائكة ذواتها بسيطة مبرأة عن الكثرة، والبشر مركب من النفس والبدن، ولكل منهما قوى وأجزاء، والبسيط خير من المركب، لأن أسباب العدم للمركب أكثر منها للبسيط. وعورض بأن المستجمع للروحاني والجسماني ينبغي أن يكون أفضل مما له طرف الروحاني فقط، ولهذا جعل أبو البشر مسجوداً للملائكة، وبأن الملائكة ليس لها إلا الاستغراق في مقاماتها النورية. والنفوس البشرية قواها وافية بكلا الطرفين، ومحيطة بضبط أحوال العالمين فتكون أفضل. الثاني: الجواهر الروحانية بريئة عن الشهوة والغضب المستلزمين للفساد وسفك الدماء بخلاف البشر. ورد بأن الخدمة مع كثرة العلائق أدل على الإخلاص. وأيضاً من البين أن درجتهم حين قالوا {لا علم لنا إلا ما علمتنا} أعلى منها حين قالوا {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها}تفسير : [البقرة: 30] وما ذاك إلا بسبب الانكسار الحاصل من الزلة، وهذا في البشر أكثر، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم حاكياً عن ربه "حديث : أنين المذنبين أحب إليّ من زجل المسبحين ". تفسير : الثالث: أنها بريئة من طبيعة القوة فإن كل ما كان ممكناً لها بحسب أنواعها المنحصرة في أشخاصها فقد خرج إلى الفعل والأنبياء ليسوا كذلك، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم "حديث : وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة"تفسير : ولا خفاء أن ما بالفعل التام أشرف مما بالقوة. ورد بأن بعض الأمور فيها لعلها بالقوة، ولهذا قيل: إن تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج التعلقات من القوة إلى الفعل كالتحريكات العارضة لأرواحنا الحاملة لقوى الفكر والتخيل، إلا أن هذا المنع لا يجري في الملائكة المقربين المسماة عندهم بالعقول المجردة، وإنما يجري في النفوس الفلكية. الرابع: الروحانيات أبدية الوجود مبرأة عن التغير والفناء، والنفوس الناطقة البشرية ليست كذلك. ورد بأنه لا قديم في الوجود إلا الله. ولئن سلم أنها ممكنة الوجود لذاتها فهي واجبة الوجود بمباديها. وعورض بما عليه كثير من المحققين أن النفوس البشرية أيضاً أزلية بمباديها وكانت كالظلال تحت العرش يسبحون بحمد ربهم، إلا أن المبدئ الأول أمرها بالنزول إلى عالم الأجساد وشبكات المواد، فلما تعلقت بهذه الأجسام عشقتها واستحكم إلفها بها، فبعث من تلك الظلال أشرفها وأكملها لتخليص تلك الأرواح عن تلك الشبكات، وهذا هو المراد من باب الحمامة المطوقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة. الخامس: الروحانيات نورانية علوية لطيفة، والجسمانيات ظلمانية سفلية كثيفة. فأين أحدهما من الآخر؟ ورد بأن الشرف عندنا ليس بالمادة وإنما هو بالانقياد لرب العالمين. السادس: الأرواح السماوية تفضل الأرضية بقوى العلم والعمل، أما الأول فبالاتفاق على إحاطة الأرواح السماوية بالمغيبات، ولأن علومهم فعلية فطرية كلية دائمة تامة، وعلوم البشر بالضد من ذلك. وأما العمل فلقوله {أية : يسبحون الليل والنهار لا يفترون} تفسير : [الأنبياء: 20] واعترض بأن المواظب على تناول الأغذية اللطيفة لا يلتذ بها كما يلتذ المبتلى بالجوع. فلا تكون لذة الملائكة من العلم والعمل كلذة البشر لعروض الفترات لهم في أكثر الأوقات بسبب العلائق الجسمانية والحجب الظلمانية، فهذه المزية من اللذة مما يختص به البشر، ولعل هذا هو المراد من قوله {أية : إنا عرضنا الأمانة}تفسير : [الأحزاب: 72] الآية. ولذلك قالت الأطباء: إن الحرارة في حمى الدق أشد منها في حمى الغب. لكن الحرارة في الدق لما دامت واستقرت بطل الشعور بها، فهذه الحالة ليست للملائكة لأجل الاستمرار ولا لغير الانسان لعدم الاستعداد فكان الإنسان لها بالمرصاد. السابع: الروحانيات لها قوة على تقليب الأجسام وتصريف الأجرام، وقواهم ليست من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب. وإنك ترى الخامة اللطيفة تشق الصخرة الصماء، وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من الجواهر العلوية، فما ظنك بتلك الجواهر أنفسها والأرواح السفلية ليست كذلك؟ وما يحكى من قوة الشياطين على الأمور الصعاب ممنوع، ولئن سلم فالأرواح العلوية أقدر على ذلك مع أنهم يصرفون قواها إلى منازل العالم السفلي لا فيما هو شر لهم. واعترض بأنه لا مانع من أن تتفق نفس ناطقة بشرية كاملة مستعلية على الأجرام العنصرية بالتقليب والتصريف. الثامن: الملائكة لهم اختيارات فائضة من أنوار جلال الله متوجهة إلى الخيرات، واختيارات البشر مترددة بين جهتي العلو والسفل والخير والشر، وإنما يتوجه إلى الخير بإعانة الملك على ما ورد في الأخبار من أن لكل إنسان ملكاً يسدده ويهديه، ويحتمل أن يقال فتكون إذن أعمالهم أشق فيكون ثوابهم أكثر. التاسع: الأفلاك كالأبدان، والكواكب كالقلوب، والملائكة كالأرواح. فنسبة الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأبدان إلى الأبدان. وكما أن اختلافات أحوال الأفلاك مباد لحصول الاختلافات في هذا العالم، فكل أرواح العالم العلوي يجب أن تكون مستولية على أرواح العالم السفلي، بل تكون عللاً ومبادي لها، فهذه هي الآبار وهناك المنابع والمعادن، فكيف يليق بالعقل ادعاء المساواة فضلاً عن الزيادة. وأجيب بأنه لا مؤثر عندنا إلا الله تعالى. العاشر: الروحانيات الفلكية مبادئ لروحانيات هذا العالم ومعادلها، منها نزلت فتوسخت بأوضار الجسمانيات، ثم تطهرت بالأخلاق الزكية وصعدت إلى عالمها، ومصدر الشيء ومصعده أشرف، منه المبدأ وإليه المنتهى. واعترض بأن هذا مبني على عدم حشر الأجساد ودون ذاك خرط القتاد. الحادي عشر: أليس أن الأنبياء لا ينطقون إلا عن الوحي؟ أليس أن الملائكة يعينونهم في المضايق ويهدونهم إلى المصالح كما في قصة لوط وكيوم بدر وحنين، وكما في قصة نوح في نجر السفينة؟ فمن أين لكم تفضيل الأنبياء مع افتقارهم إلى الملائكة في كل الأمور؟ وأجيب بأن أول الفكر آخر العمل ولا يلزم من كون الشيء واسطة أفضليته. الثاني عشر: القسمة العقلية بأن الأحياء إما خيرة محضة وهم الملائكة، أو شريرة محضة وهم الشياطين، أو خيرة من وجه شريرة من وجه آخر وهم البشر، تحكم بأفضلية الملك. وكذا التقسيم بالناطق المائت وهو الإنسان، والناطق غير المائت وهو الملك، والمائت غير الناطق وهي البهائم، يرشد إلى أن الإنسان متوسط الرتبة بين الكمال والنقصان. فالقول: بأنه أفضل قلب للقسمة العقلية ونزاع في ترتيب الوجود. وأجيب بما مر غير مرة من أن النزاع في كثرة الثواب. حجة القائلين بفضل الأنبياء على الملائكة؛ الأول: أن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم وثبت أن آدم لم يكن كالقبلة، وأمر الأشرف بنهاية التواضع للأدون مستقبح، والجواب أن القبح العقلي غير ثابت. الثاني: جعله خليفة له خلافة الولاية كما مر، وخلق الدنيا متعة لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، ولعن إبليس لسبب التكبر عليه، وجعل الملائكة حفظة أولاده ومنزلين لأرزاقهم ومستغفرين لزلاتهم، ومع جميع هذه المناصب يقول "ولدينا مزيد" فإذن لا نهاية لهذا الشرف والكمال. الثالث: أنه كان أعلم لقوله {أنبئهم بأسمائهم} والأعلم أفضل. الرابع: {أية : أن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} تفسير : [آل عمران: 33] والعالم كل ما سوى الله تعالى، فيلزم اصطفاؤهم على الملائكة. ولا يشكل هذا بقوله {يا بني إسرائيل} إلى قوله {أية : فضلتكم على العالمين} تفسير : [البقرة: 47] لأن تلك الآية دخلها التخصيص لما يعلم أنهم غير مفضلين على محمد صلى الله عليه وسلم، وههنا لا دليل فوجب إجراؤه على الظاهر من العموم. الخامس: {أية : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}تفسير : [الأنبياء: 107] والملائكة من العالمين والتقرير ظاهر. السادس: عبادة البشر أشق لأن الآدمي له شهوة تدعوه إلى المعصية بخلاف الملائكة، ولأن الآدمي مأمور بالاستنباط والقياس {أية : فاعتبروا يا أولي الأبصار} تفسير : [الحشر: 2] ولا يخفى ما فيه من المشقة، والملائكة لا يعلمون إلا بالنص {لا علم لنا إلا ما علمتنا} ولما يعرض للآدمي من الشبهات ككون الأفلاك والأنجم أسباباً للحوادث اليومية فيحتاجون إلى دفعها، والملائكة حيث إنهم يشاهدون عالم الملكوت آمنون من ذلك، ولأن الشيطان مسلط على الآدمي دون الملك، وإذا كانت طاعتهم أشق فيكون ثوابهم أكثر. السابع: خلق للملائكة عقولاً بلا شهوة، وللبهائم شهوة بلا عقل، وجمع الأمرين للآدمي. ثم إذا غلب هواه عقله صار أدون من البهيمة أولئك {أية : كالأنعام بل هم أضل} تفسير : [الفرقان: 44]. فإذا غلب عقله هواه وجب أن يصير أشرف من الملك اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر. الثامن: الملائكة حفظة بني آدم والمحفوظ أعز من الحافظ. التاسع: روي أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد صلى الله عليه وسلم حتى أركبه على البراق ليلة المعراج، ولما وصل محمد صلى الله عليه وسلم إلى بعض المقامات تخلف عنه جبريل وقال: لو دنوت أنملة لاحترقت. العاشر: قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن لي وزيرين في السماء ووزيرين في الأرض. أما اللذان في السماء فجبريل وميكائيل، وأما اللذان في الأرض فابو بكر وعمر" تفسير : فدل على أن محمداً صلى الله عليه وسلم كالملك وجبريل وميكائيل وزيران، فهذا تمام الكلام في حجج الفريقين، وعليك الاختيار بعقلك دون هواك. ثم إنه تعالى لما استثنى إبليس من الساجدين وكان من الجائز أن يظن أن به عذراً بيَّن أنه غير ذي عذر بقوله {أبى} لأن الإباء هو الامتناع مع الاختيار ولهذا فقد العاطف نحو قولك "أبشر بما يسرك عيني تختلج" لا تقول "فعيني" لأنها بيان، ثم إنه جاز أن لا يكون الإباء مع الكبر فعطف عليه {واستكبر} ليعرف أن الإباء منضم إلى الاستكبار، وكان من الجائز أن يظن أن كبره لم يوجب الكفر فأزيل الظن بقوله {وكان من الكافرين}. وللعقلاء ههنا قولان: أحدهما أن إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقاً كافراً، أما عند من يمنع الإحباط فلأن ختمه لما كان على الكفر علم أنه ما كان مؤمناً قط. وأما عند غيرهم فلما حكاه الشهرستاني في أول الملل والنحل عن شارح الأناجيل الأربعة على شبه منظرة بين إبليس والملائكة بعد الأمر بالسجود قال إبليس لعنه الله: إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق عالم قادر حكيم، إلا أن لي على مساق حكمه أسئلة؛ الأول: إنه قد علم قبل خلقي أيّ شيء يصدر عني فلم خلقني؟ وما الحكمة في خلقه إياي؟ الثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته، فلم كلفني بمعرفته وطاعته؟ وما الحكمة في التكليف مع أنه لا ينتفع بطاعة ولا يتضرر بمعصية، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف؟ الثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فأطعت وعرفت، فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟ وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في معرفتي وطاعتي؟ والرابع: إذ خلقني وكلفني بهذا التكليف على الخصوص فإذا لم أسجد، فلم لعنني وأخرجني من الجنة وأوجب عقابي مع أنه لا فائدة له في ذلك ولي فيه أعظم الضرر؟ والخامس: ثم لما فعل ذلك فلم مكنني من الدخول إلى الجنة ومن وسوسة آدم بعد أن لو منعني من دخول الجنة استراح مني آدم وبقي خالداً في الجنة؟ والسادس: إذ خلقني وكلفني عموماً وخصوصاً ولعنني ثم طرقني إلى الجنة، وكانت الخصومة بيني وبين آدم، فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يرونني ويؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر فيّ حولهم وقوتهم؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة وأبقاهم على ذلك فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى بالحكمة؟ والسابع: سلمت هذا كله، فلم إن استمهلته أمهلني، وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح الخلق مني وما بقي شر في العالم؟ ليس بقاء العالم على نظام الخير خيراً من امتزاجه بالشر؟ فقال شارح الإنجيل: فأوحى الله تعالى إلى الملائكة قولوا له: أما تسليمك الأول أني الهك وإله الخلق فغير صادق ولا مخلص، إذ لو صدقت أني إله العالمين ما احتكمت علي وأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل والخلق مسؤولون هذا مذكور في التوراة ومسطور في الإنجيل، وهذه الشبهات بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور وليس يعدوها عقائد فرق الزيغ والكفر وإن اختلفت العبارات وتباينت الطرق، ويرجع جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالخلق، وإلى الجنوح إلى الهوى في مقابلة النص، ولا جواب عنها بالتحقيق إلا الذي ذكره الله تعالى. فاللعين لما أن حكم العقل على من لا يحتكم عليه العقل، لزمه أن يجري حكم الخالق في الخلق، أو حكم الخالق في الخالق. فالأول غلو كالحلولية وكالغلاة من الشيعة، والثاني تقصير كالمشبهة وصفوا الخالق بصفات الأجسام، وكالخوارج نفوا تحكيم الرجال وقالوا: لا حكم إلا لله كقوله {أية : لأسجد لبشر خلقته من صلصال}تفسير : [الحجر: 33] لا أسجد إلا لك. فالشبهات كلها ناشئة من اللعين، وتلك في الأول مصدرها، وهذه في الأخير مظهرها، ولهذا قال تعالى {أية : ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوّ مبين} تفسير : [البقرة: 208] وشبه النبي صلى الله عليه وسلم كل فرقة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من الأمم السالفة فقال "حديث : القدرية مجوس هذه الأمة والمشبهة يهود هذه الأمة، والرافضة - يعني الغلاة - نصارها" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لتسلكن سبيل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"تفسير : القول الثاني أن إبليس كان مؤمناً ثم كفر بعد ذلك ثم اختلفوا. فمن قائل معناه "وكان من الكافرين في علم الله" أي كان الله عالماً في الأزل بأنه سيكفر. فصيغة "كان" متعلقة بالعلم لا بالمعلوم. ومن قائل إن "كان" بمعنى "صار". وقيل: لما كفر في وقت معين بعد أن كان مؤمناً فبعد لحظة يصدق عليه أنه كان من الكافرين. وإنما حكم بكفره على هذا القول الثاني لاستكباره واعتقاده كونه محقاً في ذلك التمرد بدليل قوله {أية : أنا خير منه} تفسير : [ص: 76] وإلا فمجرد المعصية لا يوجب الكفر عندنا وإن كانت كبيرة، وكذا عند المعتزلة لأنه وإن خرج عن الإيمان لم يدخل في الكفر. نعم عند الخوارج الكبيرة موجبة للكفر على الإطلاق. ثم إن قوله {من الكافرين} هل يدل على وجود جمع من الكفرة قبله حتى يكون هو واحداً منهم؟ قال قوم: إنه يدل على ذلك لأن كلمة "من" للتبعيض. وإنما يذكر البعض الموجود بالإضافة إلى كل موجود لا إلى كل من سيوجد. ومما يؤكد ذلك ما روي عن أبي هريرة أنه قال: إنه تعالى خلق خلقاً من الملائكة ثم قال لهم {أية : إني خالق بشراً من طين} تفسير : [ص: 71] قالوا: لا تفعل ذلك. فبعث الله ناراً فأحرقتهم. وكان إبليس من أولئك. وقال آخرون: معنى الآية إنه صار من الذين وافقوه في الكفر بعد ذلك، لأن الكفر كان ظاهراً عند نزول الآية، أو لأن الإفراد الذهنية تكفي في صحة الجمع. فإن الحيوان المخلوق أوّلاً يصح أن يقال إنه فرد من أفراد هذا الحيوان أي من أفراد هذه الماهية، وعلى هذا يكون إبليس أول من سن الكفر وهو قول الأكثرين. واعلم أن الملائكة المأمورين بالسجود هم كل الملائكة عند أكثر الأئمة، لأن الجمع المعرف للعموم ويؤكده قوله {أية : فسجد الملائكة كلهم أجمعون} تفسير : [ص: 73]. وأيضاً استثناء الشخص الواحد يدل على أن ما عداه داخل في ذلك الحكم. ومن الناس أنكر ذلك وقال: هم ملائكة الأرض استعظموا أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك، وأما الحكماء فإنهم يحملون الملائكة على الجواهر الروحانية، واستحالوا انقياد الأرواح السماوية للنفوس الناطقة. وقالوا: المأمورون بالسجود القوى الجسمانية البشرية المطيعة للنفس الناطقة. قوله تعالى {وقلنا يا آدم اسكن} الآية الأصح أن هذا الأمر يشتمل على ما هو إباحة لأنه كان مأذوناً في الانتفاع بجميع الجنة، وعلى ما هو تكليف وتعبد، فإن المنهي عنه كان حاضراً. روي عن قتادة أنه قال: إن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود، وذلك لأنه كلفه أن يكون في الجنة يأكل منها حيث يشاء، ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، فما زال به البلاء حتى وقع فيما نهي عنه. فإسكانه موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع منعه عن تناوله من أشد التكاليف. وإنما لم يقل وهبت منك الجنة لأنه خلق لخلافة الأرض وكان إسكان الجنة كالتقدمة لذلك. فلو قال رجل لغيره أسكنتك داري. لا تصير الدار ملكاً له. وأجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة. ففي سائر القرآن ما يدل على ذلك وإنها مخلوقة منه {أية : خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها} تفسير : [النساء: 1] وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها" تفسير : وذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة حل فيها وحده وما كان معه من يستأنس به، فألقى الله تعالى عليه النوم، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة. فسألها من أنت؟ قالت امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إليّ. فقالت له الملائكة امتحاناً لعلمه: ما اسمها؟ فقال: حواء. قالوا: ولم؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي. قيل: فلما أراد آدم مد يده إليها منعته الملائكة وقالوا: أمهرها. قال: فما صداقها؟ قالوا: أن تصلي على محمد وآله. قال: ومن محمد؟ قالوا: من أولادك خاتم النبيين ولولاه لما خلقت. وعن ابن عباس قال: بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما يحمل الملوك ولباسهما النور، على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ، وعلى آدم منطقة مكللة بالدرّ والياقوت حتى أدخل الجنة. فهذا الخبر يدل على أ ن حواء خلقت قبل إدخاله الجنة، والخبر الأول دل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بحقيقة الحال. ثم هذه الجنة كانت في الأرض أو في السماء؟ وعلى تقدير كونها في السماء هي دار الثواب أم جنة أخرى؟ فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هي في الأرض وحملا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى {أية : اهبطوا مصراً}تفسير : [البقرة: 61] قالا: لأن دار الثواب للخلد ولو كان في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله {أية : هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} تفسير : [طه: 12] ولأن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى {أية : وما هم منها بمخرجين}تفسير : [الحجر: 48] ولأن إبليس بعد أن غضب الله عليه كيف يقدر أن يصل إلى جنة الخلد، ولأن دار الجزاء يدخل المكلف فيها بعد العمل ولا عمل لآدم وقتئذ، ولأنه تعالى خلقه في الأرض ولم يذكر نقله إلى السماء ولو كان قد نقله لكان ذكره أولى، لأن ذلك النقل من أعظم النعم. وقال الجبائي: هي في السماء السابعة، اهبط منها إلى السماء الدنيا، ثم منها إلى الأرض. وقال الجمهور: هي دار الثواب والدليل عليه أن اللام في الجنة ليست للعموم، لأن السكنى في جميع الجنان محال فهي للعهد، ولا معهود بين المسلمين إلا دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها. واسكن أمر من السكنى، والسكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار. و "أنت" تأكيد للمستكنّ في "اسكن" ليصح العطف عليه. و {رغداً} وصف للمصدر أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً و {حيث} للمكان المبهم أي أيُّ مكان من الجنة شئتما، أو أيّ زمان شئتما، فإن "حيث" قد يعبر به عن زمان مجهول. وإنما قيل ههنا {وكلا} بالواو وفي الأعراف {فكلا} لأن كلّ فعل عطف عليه شيء وكان بينهما رابطة السببية يعطف الثاني على الأول بالفاء وإلا فبالواو كقوله تعالى في البقرة {أية : وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا}تفسير : [البقرة: 58] بالفاء، لأن الدخول سبب الوصول إلى الأكل، وكأنه قال: وإن دخلتموها أكلتم. وفي الأعراف {أية : وإذا قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا} تفسير : [الأعراف: 161] بالواو لأن السكنى وهي طول اللبث لا يختص وجوده بوجود الأكل، لأن المجتاز قد يأكل أيضاً، فلهذا لم يعطف ههنا بالفاء إذ المراد اسكن من السكنى، وأما في الأعراف فالمراد اسكن بمعنى الدخول ثم السكون فصح العطف بالفاء. والنهي في {لا تقربا} للتنزيه أو للتحريم، الأصح الأول لأن الصيغة وردت في كليهما والأصل عدم الاشتراك فيجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو ترجيح لجانب الترك على الفعل من غير دلالة على المنع من الفعل، أو الجواز. لكن الجواز ثابت بحكم الأصل، فإن الأصل في الأشياء الإباحة، فإذا ضممنا هذا الأصل إلى مدلول اللفظ صار المجموع دليلاً على التنزيه وهذا أولى، ليرجع حاصل معصيته إلى ترك الأولى فيكون أقرب إلى عصمة الأنبياء. وقيل: نهي تحريم قياساً على قوله {أية : ولا تقربوهن حتى يطهرن} تفسير : [البقرة: 222] وقوله {أية : ولا تقربوا مال اليتيم} تفسير : [الأنعام: 152] ولقوله {فتكونا من الظالمين} ولأنه استحق الإخراج من الجنة والرجوع إلى التوبة. والجواب أن التحريم في {أية : ولا تقربوهن} تفسير : [البقرة: 2] بدليل منفصل، والظلم قد يراد به ترك الأولى، والإخراج لم يكن بهذا السبب بل لما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم النهي عن القرب يفيد النهي عن الإكل بطريق الكناية، فإن القرب إليها من أسباب الأكل منها، ومما يدل على النهي عن الأكل صريحاً قوله {أية : فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما} تفسير : [الأعراف: 22]. وروي عن ابن عباس أن الشجرة هي البر والسنبلة، وفي رواية عنه وعن ابن مسعود أنها الكرم، وعن مجاهد وقتادة أنها التين، وعن الربيع بن أنس كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث. قال المبرد: وأحسب أن كل ما له أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجراً، وقد لا يختص بما له ساق قال تعالى {أية : وأنبتنا عليه شجرة من يقطين}تفسير : [الصافات: 146] وأصل هذا أنه اسم لكل ما شجر أي أخذ يمنة ويسرة والتشاجر الاختلاف. واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين، ولا حاجة أيضاً إلى بيانه. فليس المقصود تعريف الشجرة، وما لم يكن مقصوداً فذكره لا يجب على الحكيم بل يكون عبثاً، كما لو أراد أحدنا أن يقيم عذره في التخلف فقال: اشتغلت بضرب غلماني لإساءتهم الأدب. كان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين الغلام واسمه وصفاته، فلا يظنن أحد أن ههنا تقصيراً في البيان. {فتكونا} جزم عطفاً على {تقربا} ونصب جواباً للنهي. {من الظالمين} من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله. قوله {فأزلهما الشيطان} الآية. تحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما عنهما ولفظة {عن} في هذه الآية كـ {هي} في قوله {أية : وما فعلته عن أمري} تفسير : [الكهف: 82] فالضمير للشجرة. وقيل: أذهبهما وأبعدهما كما تقول: زل عن مرتبته وزلت قدمه. فالضمير للجنة، ومن قرأ {أزالهما} فهو من الزوال عن المكارم مما كانا فيه أي من النعيم والكرامة، أو من المكان الذي هو الجنة إن كان الضمير في {عنها} الشجرة. واعلم أن الناس اختلفوا في عصمة الأنبياء عليهم السلام، والنزاع إما في باب الاعتقاد، أو في باب التبليغ، أو في باب الأحكام والفتيا، أو في أفعالهم وسيرتهم. أما اعتقادهم الكفر والضلال فغير جائز عند أكثر الأئمة. وقالت الفضيلية: إنه قد وقع منهم ذنوب والذنب عندهم كفر وشرك، فلا جرم قالوا بوقوع الكفر منهم. وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية، وأما ما يتعلق بالتبليغ فاجتمعت الأمة على عصمتهم عن الكذب والتحريف في ذلك لا عمداً ولا سهواً وإلا ارتفع الوثوق. ومنهم من جوز ذلك سهواً لأن الاحتراز غير ممكن، وأما المتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز الخطأ فيه عمداً، وأما السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون. وأما المتعلق بأفعالهم فالحشوية جوّزوا الكبائر عنهم عمداً، وأكثر المعتزلة جوّزوا الصغائر عنهم عمداً إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف، والجبائي لا يجوّز صغيرة ولا كبيرة على جهة العمد بل على التأويل. وقيل: لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ، ولكنهم يؤاخذون به وإن كان ذلك موضوعاً عن أمتهم، لأن معرفتهم أقوى وهم على التحفظ أقدر. والشيعة لم يجوّزوا صغيرة ولا كبيرة منهم لا عمداً ولا سهواً ولا على سبيل التأويل والخطأ. وفي وقت عصمتهم ثلاثة أقوال: فمذهب الشيعة أنهم معصومون من وقت مولدهم، والمعتزلة من وقت بلوغهم ولم يجوزوا الكفر والكبيرة منهم قبل النبوة، وبعضهم وأكثر أصحابنا على تجويز ذلك قبل النبوة، والمختار أنهم لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة لا الكبيرة ولا الصغيرة لوجوه: الأول: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة مصداقه قوله عز وجل من قائل {أية : يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} تفسير : [الأحزاب: 30] شعر : وصغائر الرجل الكبير كبائر تفسير : ولا يجوز أن يكون النبي أقل حالاً من الأمة بالإجماع. والثاني: وبتقدير إقدامه على الفسق لا يكون مقبول الشهادة لقوله {أية : إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} تفسير : [الحجرات: 6] لكنه شاهد عدل من الله بأنه شرع الدين وكذا يوم القيامة {أية : ويكون الرسول عليكم شهيداً} تفسير : [البقرة: 143]. الثالث: وبتقدير إقدامه على الكبيرة. يجب زجره وإيذاؤه، لكنه محرّم {أية : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة}تفسير : . [الأحزاب: 57]. الرابع: أنه صلى الله عليه وسلم لو أتى بمعصية لوجب علينا الاقتداء به لقوله {فاتبعوه} [الأنعام: 153] والجمع بين الوجوب والحرمة محال. الخامس: نعلم بالبديهة أنه قبيح لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وجعله خليفة في عباده وبلاده، ثم إنه يقدم على ما نهاه عنه ترجيحا لهواه حتى يستحق اللعن والعذاب. السادس: {أية : أتأمرون الناس بالبرّ وتنسون أنفسكم}تفسير : [البقرة: 44] يكون حينئذ منزلاً في شأنه، {أية : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه}تفسير : [هود: 88]. السابع: {أية : إنهم كانوا يسارعون في الخيرات} تفسير : [الأنبياء: 90] واللفظ للعموم فيشمل فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي. الثامن: {أية : وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار} تفسير : [ص: 47] {أية : الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس} تفسير : [الحج: 75] والوصف بالاصطفاء ينافي الذنب. التاسع: أنه تعالى حكى عن إبليس {أية : لأغوينهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلصين} تفسير : [ص: 82 - 83] والأنبياء من المخلصين لقوله تعالى في حق يوسف {أية : إنه من عبادنا المخلصين}تفسير : [يوسف: 24] وفي حق موسى {أية : إنه كان مخلصاً}تفسير : [مريم: 51] فكذا غيرهما. العاشر: {أية : ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين} تفسير : [سبأ: 20] ولا يخفى وجوب كون الأنبياء منهم وإلا كان غير النبي أفضل من النبي. الحادي عشر: الخلق قسمان: حزب الله {أية : ألا إن حزب الله هم المفلحون} تفسير : [المجادلة: 22] وحزب الشيطان {أية : ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون} تفسير : [المجادلة: 19] والعصاة حزب الشيطان، فلا يجوز أن يكون النبي عاصياً. الثاني عشر: النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الملك كما مر والملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، فالنبي أولى. الثالث عشر: {أية : إني جاعلك للناس إماماً} تفسير : [البقرة: 124] والإمام من يؤتم به والمذنب لا يجوز الاقتداء به في ذنبه. الرابع عشر: {أية : لا ينال عهدي الظالمين} تفسير : [البقرة: 124] فإن كان عهد النبوة ثبت المطلوب، وإن كان عهد الإمامة فالنبي أولى به، حديث : روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وفق دعواه فقال صلى الله عليه وسلم: كيف شهدت لي فقال: يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات، أفلا أصدقك في هذا القدر؟ فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وسماه بذي الشهادتين، تفسير : ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة. المخالف تمسك في باب الاعتقاد بقوله {أية : هو الذي خلقكم من نفس واحدة} تفسير : [الأعراف: 189] إلى قوله {أية : جعلا له شركاء} تفسير : [الأعراف: 190] وهذا يقتضي صدور الشرك عنهما. والجواب ما سيجيء في الأعراف إن شاء الله تعالى، من أن الخطاب لقريش والمعنى: خلقكم من نفس قضى وجعل من جنسها زوجة عربية ليسكن إليها، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد قصي. قالوا: إن إبراهيم لم يكن عالماً بالله ولا باليوم الآخر لقوله {أية : هذا ربي}تفسير : [الأنعام: 77] {أية : ولكن ليطمئن قلبي} تفسير : [البقرة: 260] والجواب: هذا ربي استفهام منه بطريق الإنكار وقوله {ليطمئن قلبي} أراد به أن يؤكد علم اليقين بعين اليقين فليس الخبر كالمعاينة. قالوا: {أية : فإن كنت في شك} تفسير : [يونس: 94] {أية : فلا تكونن من الممترين} تفسير : [البقرة: 147] يدل على أنه كان شاكاً في الوحي قلنا: الخطاب له والمراد الأمة مثل {أية : يا أيها النبي إذا طلقتم النساء}تفسير : [الطلاق: 1]. قالوا في باب التبليغ {أية : سنقرئك فلا تنسى. إلاّ ما شاء الله} تفسير : [الأعلى: 6 - 7] هذا الاستثناء يدل على النسيان. والجواب عنه أن هذا النسيان نوع من النسخ كما يجيء في تفسير قوله تعالى {أية : ما ننسخ من آية أو ننسها} تفسير : [البقرة: 106]. قالوا {أية : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} تفسير : [الحج: 52] والجواب سوف يجيء في سورة الحج إن شاء الله تعالى: قالوا: {عالم الغيب فلا يظهر} إلى قوله {أية : ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم} تفسير : [الجن: 26 - 28] ولولا الخوف من وقوع التخبيط في الوحي لم يستظهر بالرصد، قلنا هذا عليكم لا لكم لدلالته على كونهم محفوظين عن التخبط. قالوا في باب الفتيا {أية : وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث} تفسير : [الأنبياء: 78] {أية : وما كان لنبي أن يكون له أسرى} تفسير : [الأنفال: 67] {أية : عفا الله عنك لم أذنت لهم} تفسير : [التوبة: 43] قلنا: الجميع محمول على ترك الأولى، وسوف يجيء قصة كل في موضعها على أنا نقول شعراً: شعر : يا سائلي عن رسول الله كيف سها والسهو من كل قلب غافل لا هي قد غاب عن كل شيء سره فسـها عما سوى الله فالتعظيم لله. تفسير : فشغل الأدبي عن الأرفع هو المذموم، وأما الشغل بالأرفع عن الأدنى فمحمود. قالوا في الأفعال {أية : وعصى آدم ربه فغوى} تفسير : [طه: 121] والعصيان يوجب الوعيد {أية : ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم} تفسير : [الجن: 23] والغي ضد الرشد {أية : قد تبين الرشد من الغي} تفسير : [البقرة: 256]، ثم إنه تاب والتوبة دليل الذنب، وإنه ظالم لقوله {فتكونا من الظالمين} والظالم ملعون {أية : ألا لعنة الله على الظالمين} تفسير : [هود: 18] وأنه أخرج من الجنة، وكل هذه دليل ارتكاب الكبيرة. والجواب، المنع من أن هذه الأمور كانت بعد النبوة. ثم لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم بعد النبوة، فإقدامه عليه إما أن يكون في حال كونه ناسياً، أو في حال كونه ذاكراً، الذاهبون إلى الأول وهم طائفة من المتكلمين احتجوا بقوله {أية : فنسي ولم نجد له عزماً} تفسير : [طه: 115] ومثلوه بالصائم يغفل عن صومه فيأكل في أثناء ذلك السهو عن قصد. قيل عليه إن قوله {أية : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين} تفسير : [الأعراف: 20] وقوله {أية : وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} تفسير : [الأعراف: 21] يدل على أنه ما نسي وروي عن ابن عباس أنهما لما أكلا منها وبدت لهما سوآتهما، خرج آدم فتعلقت به شجرة من شجر الجنة فحبسته فناداه الله تعالى: أفراراً مني؟ فقال: بل حياء منك. فقال له: أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة مما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب، ولكن وعزتك بما كنت أرى أحداً يحلف بك كاذباً، فقال: وعزتي لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا نكداً. وأيضاً لو كان ناسياً لما عوتب عليه لأنه قادر على تركه ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، رفع القلم عن ثلاث. وأجيب بالمنع من أن إقدامه على ذلك الفعل إنما وقع عقيب قول إبليس، لأنه كان عالماً بتمرد إبليس عن سجوده وكونه عدواً له ولزوجه، ولأنهما لو صدقاه لكانت المعصية في تصديقه أعظم من أكل الشجرة، لأنه ألقى إليهما سوء الظن بالله وأنه ناصح والرب غاش. وما روي عن ابن عباس فهو من باب الآحاد ولا يلزم من رفع النسيان عن هذه الأمة رفعه عن غيرهم، بل لا يلزم من رفعه عن الأمة رفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل" "حديث : إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم"تفسير : وقيل: إن حواء سقته الخمر فسكر ثم أقدم على ذلك الفعل، وهذا إنما يصح إذا حملت الشجرة على غير الكرمة حتى يكون مأذوناً في تناول غيرها، إلا أنه يرد عليه أن خمر الجنة لا تسكر {أية : لا فيها غول}تفسير : [الصافات: 47]. الذاهبون إلى أنه فعله عامداً أربع فرق: منهم من قال: النهي نهي تنزيه لا تحريم وقد سبق. ومنهم من قال: كان عمداً من آدم وكان كبيرة مع أن آدم في ذلك الوقت كان نبياً، وقد عرفت فساده. ومنهم من قال: فعله عمداً لكن كان معه من أعمال القلب من الإخلاص والوجل والإشفاق ما صيره صغيرة، وزيف بأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمداً لا يعذر بدعوى الخوف، فلا يصح وصف الأنبياء بذلك. ومنهم - وهو اختيار أكثر المعتزلة - من قال: إنه أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة، بيان الاجتهاد أنه لما قيل له {ولا تقربا هذه الشجرة} فلفظ {هذه} قد يشار بها إلى الشخص، وقد يشار بها إلى النوع كما روي "حديث : أنه صلى الله عليه وسلم أخذ حريراً وذهباً بيده وقال هذان حرامان على ذكور أمتي. وتوضأ ثم قال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به"تفسير : وأراد نوع الحرير والذهب، ونوع الوضوء. فمراد الله تعالى من كلمة {هذا} ذلك النوع لا الشخص. وكان آدم ظن أن النهي قد ورد على الشجرة المعينة فتركها، وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع. واعترض بأن هذا في أصل اللغة للإشارة الشخصية، وإذا حمل آدم اللفظ على موضوعه فكيف يعد مخطئاً؟ وأيضاً هب أن لفظ {هذا} متردد بين الشخص والنوع، فإن كان مع قرينة الإشارة النوعية وقد قصر في معرفتها فيكون مذنباً، وإن عرفها ومع ذلك أقدم على التناول فكذلك، وإن لم يكن فيه قرينة فلا يعد مخطئاً. وأيضاً الأنبياء لا يجوز لهم الاجتهاد لأنهم قادرون على تحصيل اليقين بالوحي، فالإقدام على الاجتهاد عين المعصية. وأيضاً هذه المسألة إن كانت قطعية فالخطأ فيها كبيرة، وإن كانت من الظنيات فإن قلنا: كل مجتهد مصيب. فلا خطأ، وإن قلنا المصيب واحد فالمخطئ فيها معذور بالاتفاق. وأجيب بأن لفظ {هذا} يستعمل في الإشارة النوعية أيضاً كما مر، وبأن آدم لعله قصر في معرفة القرينة أو عرفها ثم نسي لطول المدة، فلهذا عوتب. وبأن المسألة القطعية لما نسيها صار النسيان عذراً حتى لا يصير الذنب كبيراً، وقد تكون ظنية وترتب التشديدات على الخطأ فيها لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد يؤاخذ بما لا يؤاخذ به الأمة. قيل: وقد يحمل الخطأ في الاجتهاد من جهة أن آدم ظن أن المنهي في قوله {لا تقربا} تناولهما معاً، فيجوز لكل واحد على الانفراد أكله. فإن قيل: كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم فيها؟ قلت: إما لأنه دخل فم الحية خافياً عن الخزنة ولهذا سقطت قوائم الحية عقوبة لها على ما يروى - وإن كان بعيداً - عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: ما سالمناهم منذ حاربناهم، ومن ترك منهم شيئاً خيفة فليس منا. يعني الحيات. وإما لأنه دخل الجنة في صورة دابة، وإما لأنهما كانا يخرجان إلى باب الجنة وإبليس كان يقرب من الباب ويوسوس، وإما لأنه كان يدنو من السماء فيكلمهما. وقيل وسوس لهما على لسان بعض أتباعه لأنهما كانا يعرفان ما عنده من الحسد والبغضاء فيستحيل أن يقبلا قوله عادة. وإسناد الإذلال والإخراج إلى الشيطان لأنه حصل بسبب منه، وعن بعض العرفاء أن زلة آدم هب أنها كانت وسوسة إبليس، فمعصية إبليس بوسوسة من؟ ولا بد من الانتهاء إلى الذي لا يسأل عما يفعل. فإن قيل: كيف كانت الوسوسة؟ قلنا: هي التي حكاها الله تعالى {أية : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين} تفسير : [الأعراف: 20] فلما لم يفد عدل إلى اليمين {أية : وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} تفسير : [الأعراف: 21] ولكم من شياطين الإنس تراهم يوسوسون إليك على هذا الترتيب أعاذنا الله منهم. ثم بعد ذلك يحتمل أنهما لم يصدقاه فعدل إلى شغلهما باللذات المباحة حتى استغرقا فيها ونسيا النهي فوقعا فيما وقعا والله أعلم بحقائق الأمور. {اهبطوا} خطاب لآدم وحواء وإبليس إما في وقت واحد بناء على أن إبليس قد عاد إلى الجنة لأجل الوسوسة، وإما لآدم وحواء في وقت وله في آخر قبل ذلك، وقيل: خطاب لهما وللحية. وقيل: الصحيح أن الخطاب لهما وذريتهما مرادة أيضاً لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الناس كلهم، والدليل عليه ما جاء في طه {أية : اهبطا منها} تفسير : [طه: 123] وقوله {أية : فإما يأتينكم} تفسير : [طه: 123] وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم. و {اهبطوا} أمر أو إباحة. والأشبه الأول لأن مفارقة ما كانا فيه من النعيم إلى دار الهوان أشق التكاليف. وإنما قيل: إنه تكليف لا عقوبة لما ترتب عليه من الثواب العظيم. ويمكن أن يقال: نفس الإهباط عقوبة ولا ثواب عليه، وإنما الثواب على حسب العمل بعد ذلك. ومعنى {أية : بعضكم لبعض عدو} تفسير : [طه: 123] ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض. وليست هذه هي العداوة المأمور بها في قوله {أية : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا} تفسير : [فاطر: 6] فلا يدخل تحت الأمر، بل المراد اهبطوا وسيكون حالكم كذا، لأن عالم التضاد والتنافي ليس كعالم الأنوار الذي لا تعاند فيه ولا تمانع {مستقر} استقرار أو موضع استقرار حالتي الحياة والموت. {ومتاع} تمتع بالعيش {إلى حين} هو يوم القيامة، أو حين انقضاء آجالكم. والحين المدة طويلة أو قصيرة، ولهذا لو قال: أنت طالق إلى حين. فمضت لحظة طلقت. وفي قصة آدم وما جرى عليه بسبب الزلة معتبر عجيب وموعظة بليغة بينة كافية في اجتناب الخطايا واتقاء المآثم، ولله در القائل: شعر : يـــا ناظــراً يرنــو بعينــي راقـــــد ومشاهداً للأمـر غيــر مشــاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي درك الجنان ودرك فوز العابد أنســيت أن الله أخــــرج آدمــــــــاً منهـا إلـى الدنيـا بذنب واحــد؟ تفسير : وعن فتح الموصلي: كنا قوماً من أهل الجنة فساقنا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها. شعر : تطلــب الراحـــة فـي دار العنــا خــاب من يطلب شيئاً لا يكون تفسير : قوله {فتلقى} الآية. أصل التلقي التعرض للقاء، ثم يوضع موضع الاستقبال للشيء الجائي، ثم يوضع موضع القبول، والأخذ {أية : وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم} تفسير : [النمل: 6] أي تلقنه، ثم بعض الأفعال قد يشترك فاعله ومفعوله في صلاحية وصف كل منهما بالفعل فيتعاوضان عمله فيهما. تقول: بلغني ذاك وبلغته، وأصابني خير أو نالني وأصبته أو نلته {وتلقى آدم من ربه كلمات} أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول وتلقى آدم كلمات أي جاءته واتصلت به، ولا يجوز أن يكون معنى التلقي من الرب، أن الله تعالى عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لا بد أن يعرف ماهية التوبة، ويتمكن بعقله من تدارك الذنوب فضلاً عن الأنبياء فإذن المراد أنه نبهه على المعصية على وجه آل أمره إلى التوبة، أو عرّفه وجوب التوبة وكونها مقبولة، أو ذكره نعمته العظيمة عليه حتى صار من الدواعي القريبة إلى التوبة، أو علمه كلمات لو حصلت التوبة معهن كمل حالها من قوله تعالى {أية : ربنا ظلمنا أنفسنا}تفسير : [الأعراف: 23] الآية. وفي رواية ابن عباس أن آدم قال: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى. قال: ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم. وقال النخعي: أتيت ابن عباس فقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال: علم الله آدم وحوّاء أمر الحج فحجا، فهي الكلمات التي تقال في الحج، فلما فرغا من الحج أوحى الله تعالى إليهما إني قبلت توبتكما. وعن ابن مسعود: إن أحب الكلام إلى الله ما قاله أبونا حين اقترف الخطيئة "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". وقالت عائشة: لما أراد تعالى أن يتوب على آدم عليه السلام طاف بالبيت سبعاً، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فلما صلى الركعتين استقبل البيت وقال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي، وأرضني بما قسمت لي. فأوحى الله تعالى إلى آدم: يا آدم، قد غفرت لك ذنبك، ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها. وفي كلام الغزالي: أن التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة: أولها علم، وثانيها حال، وثالثها عمل. فالعلم هو معرفة ما في الذنب من الضرر، وكونه حجاباً بين العبد ورحمة الرب، فإذا استحكمت هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوات محبوبه، وتأسف على الفعل الذي كان سبباً لذلك الفوات. ويسمى ذلك التأسف ندماً، وهذه الحالة لها تعلق بالماضي وهو تلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للجبر، وتعلق بالحال وهو ترك الذنب الذي كان ملابساً له، وتعلق بالمستقبل وهو العزم على أن لا يعود إليه أبداً. وكثيراً ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده، ويجعل العلم السابق كالمقدمة، والترك اللاحق كالثمرة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : الندم توبة"تفسير : وجميع هذه الأمور بتوفيق الله ولطفه إنه هو التوّاب الرحيم. والتوبة لغة الرجوع فيشترك فيه الرب والعبد، فإذا وصف بها العبد فالمعنى راجع إلى ربه لأن العاصي هارب عن ربه، وقد يفارق الرجل خدمة سيده فيقطع السيد معروفه عنه، فإذا عاد إلى السيد عاد السيد عليه بإحسانه ومعروفه، وهذا معنى قبول التوبة من الله وغفران ذنوب العباد "حديث : التائب من الذنب كمن لا ذنب له"تفسير : ومعنى المبالغة في الثواب أن واحداً من ملوك الدنيا إذا عصاه إنسان ثم تاب قبل توبته، ثم إذا عاد إلى المعصية وإلى الاعتذار فربما لم يقبل عذره لأن طبعه يمنعه من قبول العذر، والله تعالى بخلاف ذلك لأنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضر، بل لمحض الإحسان واللطف والرحمة والجود، فإن فيضه لا ينقطع ولا تقصير إلا من القابل، فكلما ارتفع المانع من قبل القابل وصل الفيض إليه لا محالة. وأيضاً يستحق المبالغة من جهة أخرى وهي كثرة عدد المذنبين المستلزمة لكثرة التائبين المستتبعة لكثرة قبول التوبة ووصفه بالرحمة. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود وبكاء نوح إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر، وإذا آل حال أبينا إلى هذا من خطيئة واحدة فمن أحاطت به خطاياه أحق بالبكاء"تفسير : ولذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم "حديث : إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة"تفسير : فنحن أحق بالاستغفار، فإن الغين يكاد يكون بالنسبة إلينا ريناً، وذلك أن الغين شيء يغين أي يغشى القلب ويغطيه بعض التغطية كالغيم الرقيق لا يحجب الشمس، ولكن يمنع كمال ضوئها. والرين ما استحكم من ذلك حتى صار القلب ممتنعاً بالكلية عن قبول الحق وذلك صفة الكفار {أية : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} تفسير : [المطففين: 14]. قيل في تأويل الحديث: إن الله تعالى أطلع نبيه على ما سيكون في أمته من الخلاف والشقاق، وكان إذا ذكر ذلك وجد غيناً في قلبه فاستغفر لأمته. قيل: كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى فيستغفر مما كان. وقيل: الغين عبارة عن السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانياً عن نفسه بالكلية، فإذا عاد إلى الصحو استغفر من ذلك الصحو، وهذا تأويل أرباب الحقيقة. وقال أهل الظاهر: إن القلب لا ينفك عن الخطرات والشهوات وأنواع الإرادات، فكان يستعين بالرب تعالى في دفع تلك الخواطر. وعن ثابت البناني: بلغنا أن إبليس قال: يا رب، إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه. فقال سبحانه: جعلت صدورهم مساكن لك. فقال: رب زدني. فقال: لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة. قال: رب زدني. قال: تجري منه مجرى الدم. قال: رب زدني. قال: اجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد. قال: فشكا آدم إلى ربه فقال: يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطته علي وأنا لا أطيقه إلا بك. فقال الله تعالى: لا يولد ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء. قال: رب زدني. قال: الحسنة بعشر أمثالها. قال: رب زدني. قال: لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر، والغرغرة تردد الروح في الحلق. وسئل ذو النون عن التوبة فقال: إنها اسم جامع لمعان ستة: أولها الندم على ما مضى، وثانيها العزم على ترك الذنوب في المستقبل، وثالثها أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله، والرابع أداء المظالم إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم، والخامس إذابة كل لحم ودم نبت من الحرام، والسادس إذاقة البدن مرارة الطاعات كما ذاق حلاوة المعاصي. وكان أحمد ابن الحرث يقول: يا صاحب الذنوب ألم يأن لك أن تتوب، يا صاحب الذنوب إن الذنب في الديوان مكتوب، يا صاحب الذنوب أنت بها في القبر مكروب، يا صاحب الذنوب أنت غداً بالذنوب مطلوب. وإنما اكتفى بذكر توبة آدم دون توبة حواء لأنها كانت تبعاً له كما طوى ذكر النساء في أكثر القرآن والسنة لذلك على أنها قد ذكرت في موضع آخر {أية : قالا ربنا ظلمنا أنفسنا} تفسير : [الأعراف: 23] الآية. (قوله) {قلنا اهبطوا} الآية. قيل: فائدة تكرير الأمر بالهبوط أنهما هبوطان: الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من السماء الدنيا إلى الأرض. وضعف بأنه لو كان كذلك لكان ذكر قوله {ولكم في الأرض مستقر} عقيب الهبوط الثاني أولى. وأيضاً قوله {منها} يدل على أن الهبوط الثاني أيضاً من الجنة والأوجه أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة وتابا بعد الأمر بالهبوط، وقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط يرتفع بزوال الزلة، فأعيد الأمر مرة ثانية ليعلما أن حكمه باقٍ تحقيقاً للوعد المتقدم في قوله تعالى {إني جاعل في الأرض خليفة} ووجه ثالث وهو أن يكون التكرير للتأكيد، ولما نيط به من زيادة قوله {فإما يأتينكم} روي في الأخبار أن آدم هبط بجزيرة سرنديب من الهند، وحواء بجدة من أرض الحجاز، وإبليس بالأيلة من نواحي البصرة، والحية بأصفهان، فلم يتلاقيا مائة سنة، ثم ازدلفا أي تقاربا بالمزدلفة، واجتمعا بجمع وتعارفا بعرفات يوم عرفة، وتمنيا على الله تعالى المغفرة والتوبة بمنى، فحصلت أسماء هذه المواضع من هذه المعاني. وما في {إما} مزيدة لتأكيد الشرط ويؤيده لحوق النون المؤكدة والشرط الثاني وجزاؤه مجموعين جواب الشرط الأول. تبع واتبع بمعنى، وإنما جاء في طه {أية : فمن اتبع} تفسير : [طه: 123] موافقة لقوله فيها {أية : يتبعون الداعي} تفسير : [طه: 108] وفي الهدى وجهان: أحدهما المراد منه كل دلالة وبيان فيدخل فيه دليل العقل وكل كلام ينزل على نبي، وفيه تنبيه على نعمة أخرى عظيمة فكأنه قال: وإذ قد أهبطتكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى: إلى الجنة مع الدوام الذي لا ينقطع. عن الحسن: لما أهبط آدم إلى الأرض أوحى الله تعالى إليه: يا آدم، أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك: واحدة لي، وواحدة لولدك، وواحدة بيني وبينك، وواحدة بينك وبين الناس. أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً وأما التي لك فإذا عملت آجرتك، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلى الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فأن تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به. وقيل: هو رسول وكتاب بدليل {والذين كفروا كذبوا بآياتنا} [البقرة: 39] في مقابلة {فمن تبع هداي} في الإقدام على ما يلزم والإحجام عما يحرم فإنه سيصير إلى حالة لا خوف فيها ولا حزن. وهذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئاً كثيراً من المعاني، لأن قوله {فإما يأتينكم مني هدى} دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادة البيان، وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكين. وجمع قوله {فمن تبع هداي} تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها، وجمع قوله {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} جميع ما أعد الله تعالى لأوليائه، لأن الخوف ألم يحصل للنفس من توقع مكروه، أو انتظار محذور، وزواله يتضمن السلامة من جميع الآفات. والحزن ألم يعرض للنفس لفقد محبوب أو فوات مطلوب، ونفيه يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات. وإنما قدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على حصول ما ينبغي، وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف عند الموت، ولا في القبر، ولا عند البعث، ولا عند حضور الموقف، ولا عند تطاير الكتب، ولا عند نصب الميزان، ولا عند الصراط {أية : إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} تفسير : [فصلت: 30] وقال قوم من المتكلمين: إن أهوال يوم القيامة تعم الكفار والفساق والمؤمنين بدليل قوله تعالى {أية : يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى} تفسير : [الحج: 2] {أية : فكيف تتقون إن كفرتم يوماً يجعل الولدان شيباً}تفسير : [المزمل: 17] {أية : يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم} تفسير : [المائدة: 109] {أية : فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} تفسير : [الأعراف: 6] وفي الحديث "حديث : تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً، وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى فيه"تفسير : . وحديث الشفاعة وقول كل نبي "نفسي نفسي" إلا نبينا صلى الله عليه وسلم فإنه يقول:حديث : أمتي أمتي تفسير : مشهور. قلت: لا ريب أن وعد الله حق، فمن وعده الأمن يكون آمناً لا محالة، إلا أن الإنسان خلق ضعيفاً لا يستيقن الأمن الكلي ما لم يصل إلى الجنة، لأنه لا يطمئن قلبه ما لم ينضم له إلى علم اليقين عين اليقين، وأيضاً إن جلال الله وعظمته يدهش الإنسان براً كان أو فاجراً. وأيضاً ظاهر العمل الصالح لا يفيد اليقين بالجنة، فلا عمل إلا بالإخلاص، ولا حكم بالإخلاص إلا لله تعالى، لأنه من عمل القلب وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء. ولهذا جاء "والمخلصون على خطر عظيم" وكان دأب الصدّيقين أن يخلطوا الطمع بالخوف، والرغبة بالرهبة، {أية : يدعون ربهم خوفاً وطمعاً} تفسير : [السجدة: 16] {أية : ويدعوننا رغباً ورهباً} تفسير : [الأنبياء: 90] وقيل: {أية : لا خوف عليهم}تفسير : [يونس: 62] أمامهم فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت، فآمنهم الله تعالى ثم سلاهم فقال لهم {أية : ولا هم يحزنون} تفسير : [يونس: 62] على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا. ثم إن الأئمة خصصوا نفي الخوف والحزن بالآخرة، لأن مجاري الأمور في الدنيا لا تخلو من مواجب الخوف والحزن. وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : خص البلاء بالأنبياء ثم بالأولياء ثم الأمثل فالأمثل" تفسير : قلنا: المؤمن الراضي بقضاء الله وقدره لا يرى شيئاً من المكاره مكروهاً، وإنما مراده مراد حبيبه {أية : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً}تفسير : [النساء: 65] فبترك الإرادة يصح نسبة العبودية، وبالرضوان يحصل مفاتيح الجنان، وتنكشف الهموم والأحزان، ويتساوى الفقر والوجدان، وتثبت حقيقة الإيمان {والذين كفروا} لجحدهم مولاهم {وكذبوا بآياتنا} لإثباتهم حكماً لهم بحسب مشتهاهم وهواهم {أولئك أصحاب النار} وملازموها دائماً سرمداً سواء كانوا من الإنس أو من الجن، أعاذنا الله منها بعميم فضله وجسيم طوله. التأويل: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية الروحانية {اسجدوا لآدم} بخلاف الطبيعة تعبداً ورقاً وانقياداً للأمر وامتثالاً للحكم، اسجدوا له تعظيماً لشأن خلافته وتكريماً لفضيلته المخصوصة به، فمن سجد له فقد سجد لله تعالى كما قال {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله} اسجدوا لآدم لأجل آدم فإن عبادتكم وطاعتكم لا توجب ثواباً لكم ولا تزيد في درجاتكم، ولكن فائدتها تعود إلى الإنسان لقوله {يسبحون بمحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض} ولأن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر والانزجار عن الإباء والاستكبار، كيلا يلحقه من اللعن والبعد ما لحق إبليس {فسجدوا إلا إبليس} لأنهم خلقوا من نور، والنور من شأنه الانقياد والإفاضة، وأنه خلق من نار والنار من شأنها الاستعلاء طبعاً {وكان من الكافرين} لأنه ستر الحق على آدم كما سمي إبليس لأنه أبلس الحق. {ولا تقربا هذه الشجرة} أي أبحت لك نعيم الجنة بما فيها وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت بعد عملاً تستحق به الجنة فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأنا خلقتها، فإن طمعت فيها أيضاً فاعلم أن الإنسان له همة عالية وحرص شديد لا يزال تقول جهنم حرصه "هل من مزيد" ولا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه أي سابقة رحمته وعنايته "حديث : سبقت رحمتي غضبي"تفسير : . ثم إنه أبيح له ولزوجه مشتهيات النفس كلها {فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين} وقيل لهما اقتنعا بها ولا توقدا نار الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قربة المحبة ماء المحنة على رأسكما، ولا تقربا شجرة المحبة وقد غرست لأجله في الحقيقة {أية : يحبهم ويحبونه}تفسير : [المائدة: 54]. ولكن سبب النهي هو الدلال الذي يقتضيه غاية الجمال. وأيضاً لو لم ينه عنها فلعله ما فرغ لها لكثرة أنواع المرادات النفسانية وكانت المحبة غذاء روحانياً فذكرها كان كالتحريض عليها فإن الإنسان حريص على ما منع وأيضاً إنه تعالى وسع أسباب الانبساط أولاً ثم ضيق عليه الأمر آخراً. شعر : وأدنيتني حتـى إذا مــا فتنتني بقول يحل العصم سهل الأباطــح. تجافيت عني حين لالي حيلة وغادرت ما غادرت بين الجوانح. تفسير : خلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة وجهه، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ثم منعه عنها وكان في ذلك المنع تذكير وتحريض. أيضاً كما مر ثم عاتبه بقوله {فتكونا من الظالمين} وهذا كما أسكر موسى بأقداح الكلام وأذاقه لذة شراب السماع وقربه نجياً حتى اشتاق إلى جماله وطمع في وصاله وقال {أية : ربي أرني}تفسير : [الأعراف: 143] عاتبه بسطوة {أية : لن تراني} تفسير : [الأعراف: 143] وذلك أن البلاء والولاء توأمان والمحبة والمحنة رضيعا لبان، والمطلوب كلما كان أرفع كان أعز وأمنع والجمال لا بد له من الدلال، وبه يتميز العاشق الصادق من المدعي المختال. {فلما ذاقا} شجرة الغرام خرجا من دار السلام فما لأهل الغرام ودار السلام؟ وأين الفارغ السالي من المحب الغالي؟ شعر : فبتنا على رغم الحسود وبيننا حديث كطيب المسك شيب به الخمر. فلما أضاء الصبح فـرق بيننـا وأي نعيــــم لا يكــــدره الــــدهــــر؟. تفسير : وبالجملة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء، فلم يمس بعد أن كان مسجود الملك مرفوع السماك إلى السماك مشمول الرعاية موفور العناية حتى نزع عنه لباس الأمن والفراغ، وبدل باستئناسه الاستيحاش، تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج من غير مكث ولا بحث، فأزلتهما يد التقدير بحسن التدبير، وكان الشيطان المسكين كذئب يوسف لطخ خرطومه بدم نصح، فلما وقعا من القربة في الغربة، ومن الألفة في الكلفة لما ذاقا من شجرة المحبة المورثة للمحنة استوحشا من كل شيء، واتخذا عدوّاً بعضكم لبعض عدو، وهكذا شرط المحبة عداوة ما سوى المحبوب. فكما أن ذاته لا تقبل الشركة في التعبد، كذلك لا تقبل الشركة في المحبة. فلما استقرت حبة المحبة في أرض قلب آدم جعل الأرض مستقر شخصه ليتمتع بتربية بذر المحبة بماء الطاعة والتكليف إلى حين إدراك ثمرة المعرفة {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} تفسير : [الذاريات: 56] وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : إن داود قال: يا رب لم خلقت الخلق؟ فقال: كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف"تفسير : . ثم إنه بعدما ابتلي بالهبوط بشره بأن وحيه لا ينقطع وهدايته لا ترتفع، وإن من ربى بذر المحبة بماء الطاعة والطباعة {فلا خوف عليهم} في المستقبل {ولا هم يحزنون} على ما مضى من الهبوط إلى الأرض، لأنهم يرجعون بجذبات العناية والهداية إلى ذرى حظائر القدس وبالله التوفيق.

ابن عادل

تفسير : العامل في "إذ" محذوف دلّ عليه قوله: "فَسَجَدُوا" تقديره: أطاعوا وانقادوا، فسجدوا؛ لأن السجود ناشىء عن الانقياد. وقيل: العامل "اذكر" مقدراً. وقيل: زائدة وقد تقدّم ضعف هذين القولين. وقال "ابن عطية": "وإذ قلنا" معطوف على "إذ" المتقدمة، ولا يصحّ هذا لاختلاف الوقتين. وقيل: "إذ" بدل من "إذ" الأولى، ولا يصحّ لما تقدّم، ولتوسّط حرف العَطْف، وجملة "قلنا" في محل خَفْضٍ بالظرف، ومنه التفات من الغيبة إلى التكلُّم للعظمة، و "اللام" للتَّبْليغ كنظائرها. والمشهور جَرّ تاء "الملائكة" بالحَرْف، وقرأ "أبو جعفر" بالضم إتباعاً لضمة "الجيم" ولم يعتد بالسَّاكن، وغلّطه الزَّجاج وخطأه الفارسي، وشبهه بعضهم بقوله تعالى: {أية : وَقَالَتُ ٱخْرُج} تفسير : [يوسف: 31] بضم تاء التأنيث، وليس بصحيح، لأن تلك حركة التقاء السَّاكنين، وهذه حركة إعراب، فلا يتلاعب بها، والمقصود هناك يحصل بأي حركة كانت. وقال الزمخشري: لا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية إلاّ في لغة ضعيفة كقراءة{أية : ٱلْحَمْدِ لِلَّهِ} تفسير : [الفاتحة: 2] يعني بكسر الدال. قال الشيخ "شهاب الدين": وهذا أكثر شذوذاً، وأضعف من ذاك مع ما في ذاك من الضَّعف المتقدم؛ لأن - هناك - فاصلاً، وإن كان ساكناً. وقال "أبو البقاء": وهي قراءة ضعيفة جدًّا، وأحسن ما تحمل عليه أن يكون الرَّاوي لم يضبط عن [القارىء] وذلك أن [القارىء] أشار إلَى الضَّم تنبيهاً على أنّ الهمزة المحذوفة مضمومةٌ في الابتداء، فلم يدرك الراوي هذه الإشارة، وقيل: إنه نَوَى الوَقْفَ على "التَّاء" ساكنة، ثم حركها بالضم إتباعاً لحركة الجيم، وهذا من إجراء الوصل مجرى الوَقْفِ. ومثله ما روي عن امرأة رأت رجلاً مع نساء، فقالت: "أفي السَّوَتَنْتُنَّهْ" - نوت الوقف على "سوءة"، فسكنت التاء، ثم ألقت عليها حركة همزة "أنتن" فعلى هذا تكون هذه حركة السَّاكنين، وحينئذ تكون كقوله: "قَالَتُ: أخْرُجْ" وبابه، وإنما أكثر الناس توجيه هذه القراءة لجلالة قارئها أبي جعفر يزيد بن القَعْقَاع شيخ نافع شيخ أهل "المدينة" وترجمتهما مشهورة. و "اسجدوا" في محل نصب بالقول، و "اللام" في "لآدم" الظَّاهر أنها متعلّقة بـ "اسجدوا"، ومعناها التعليل، أي: لأجله. وقيل: بمعنى "إلى" أي: إلى [جهته له] جعله قبلة لهم، والسجود لله. وقيل: بمعنى مع، لأنه كان إمامهم كذا نقل. وقيل: اللاَّم للبيان فتتعلّق بمحذوف، ولا حاجة إلى ذلك. و "فسجدوا" الفاء للتعقيب، والتقدير: فسجدوا له، فحذف الجار للعلم به، والسُّجود لغة: التذلُّل والخضوع، وغايته وضع الجَبْهَةِ على الأرض، وقال "ابن السكيت": "هو الميل"، قال: "زيد الخيل": [الطويل] شعر : 378- بِجَمْعٍ تَضِلُّ الْبُلْقُ فِي حَجَرَاتِهِ تَرَى الأُكْمَ فِيهَا سُجَّداً لِلْحَوَافِرِ تفسير : يريد: أن الحوافر تطأ الأرض، فجعل بأثر الأُكْمِ للحوافر سجوداً؛ وقال آخر: [المتقارب] شعر : 379-......................... سُجُودَ النَّصَارَى لأَحْبَارِهَا تفسير : وفرق بعضهم بين "سجد"، و "أسجد" فـ "سجد": وضع جبهته، وأسجد: أَمَال رأسه وَطأْطَأَ؛ قال الشاعر: [المتقارب] شعر : 380- فُضُولَ أَزِمَّتِهَا أَسْجَدَتْ سُجُودَ النَّصَارَى لأَحْبَارِها تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 381 وَقُلْنَ لَهُ أَسْجِدْ لِلَيْلَى فَأَسْجَدَا ................................ تفسير : يعني أن البعير طَأْطَأَ رأسَه لأجلها. ودَرَاهِمُ الأسجاد: دَرَاهِمُ عليها صُوَرٌ كانوا يسجدون لها، قال: [الكامل] شعر : 382-......................... وَافَى بِهَا كَدَرَاهِمِ الأَسْجَادِ تفسير : فصل في تعداد النعم العامة على بني آدم اعلم أن هذا هو النعمة الرّابعة من النعم العامة على جميع البشر، وهو أنه خصص آدم بالخلافة أولاً، ثم خصصه بالعلم ثانياً، ثم بلوغه في العلم إِلَى أن صارت الملائكة عاجزين عن بلوغ درجته في العلم، ثم ذكر الآن كونه مسجوداً للملائكة. فإن قيل: الأمر بالسجود حصل قبل أن يسوي الله - تعالى - خلقه آدم بدليل قوله: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [ص: 71- 72]، فظاهر هذه الآية يدلّ على أنه - عليه الصلاة والسلام - لما صار حيًّا صار مسجود الملائكة؛ لأن "الفاء" في قوله: {فَقَعُوا} للتعقيب، وعلى هذا التقدير يكون تعليم الأسماء، ومناظرته مع الملائكة في ذلك الوَقْتِ حصل بعد أن صار مسجود الملائكة. فالجَوَابُ: أجمع المسلمون على أن ذلك السُّجود ليس سُجُودَ عِبَادَةٍ، ثم اختلفوا على ثلاثة أقوال: الأول: أن ذلك السجود كان لله - تعالى - وآدم - عليه الصلاة والسلام - كان كالقِبْلَةِ، وطعنوا في هذا القول من وجهين: الأول: أنه لا يقال: صلّيت للقبلة، بل يقال: صليت إِلَى القبلة، فلو كان - عليه الصّلاة والسلام - قبلة لقيل: اسْجُدوا إلى آدم. الثاني: أن "إبليس" قال: {أية : أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} تفسير : [الإسراء: 62] أي: أن كونه مسجوداً يدلّ على أنه أعظم حالاً من السّاجد، ولو كان قِبْلَةً لما حصلت هذه الدرجة بدليل أن محمداً - عليه الصلاة والسلام - كان يصلّي إلى الكعبة، ولم تَكُنِ الكعبة أفضل من محمد عليه الصلاة والسلام. والجواب عن الأول: أنه كما يجوز أن يقال: صَلَّيْتُ إِلَى القبلة، جاز أن يقال: صَلَّيْتُ للقبلة؛ قال تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} تفسير : [الإسراء: 78] والصّلاة لله لا للِدُّلُوك؛ وقال حسان: [البسيسط] شعر : 383- مَا كُنْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الأَمْرَ مُنْصَرِفٌ عَنْ هَاشِمٍ ثُمَّ مِنْهَا عَن أَبِي حَسَنِ أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِكُمْ وَأَعْرَفَ النَّاسِ بالْقٌرْآنِ وَالسُّنَنِ تفسير : والجواب عن الثاني: لا نسلم أن التكرُّم حصل بمجرد ذلك السُّجود، بل لعله حصل بذلك مع أمور أخر. والقول الثاني: أن السجدة كان لآدم تعظيماً له وتحيَّةً له كالسَّلام منهم عليه، وقد كانت الأمم السَّالفة تفعل ذلك. قال قتادة: قوله: {أية : وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّداً} تفسير : [يوسف: 100] كانت تحيّة الناس يومئذ. الثَّالث: أنَّ السجود في أَصْلِ اللُّغة، هو الانقياد والخضوع، ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} تفسير : [الرحمن: 6]. واعلم أن القول الأوّل ضعيف، لأن المقصود تعظيم آدم عليه الصلاة والسلام، وجعله مجرّد القِبْلَةِ لا يفيد تعظيم حاله. والقول الثالث: ضعيف أيضاً؛ لأن السجود في عرف الشرع عبارة عن وضع الجَبْهَةِ على الأرض فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك؛ لأن الأصل عدم التغيير. فإن قيل: السجود عِبَادَةٌ، والعبادة لغير الله لا تجوز. فالجواب: لا نسلم أنه عِبَادَةٌ؛ لأن الفعل قد يصير بالمُواضعة مفيداً كالقول، كقيام أحدنا للغير يُفِيْدُ من الإعظام ما يفيده القول، وما ذاك إلا للعادة، وإذا ثبت ذلك لم يمتنع أن يكون في بعض الأوقات سقوط الإنسان على الأَرْضِ وإلصاقه الجَبينَ بها مفيداً ضرباً من التعظيم، وإن لم يكن ذلك عِبَادَة، وإذا كان كذلك لم يمتنع أن يتعبّد الله الملائكة بذلك إظهاراً لرفعته وكرامته. فصل في بيان أن الأنبياء أفضل من الملائكة قال أكثر أهل السُّنة: الأنبياء أفضل من الملائكة. وقالت المعتزلة: الملائكة أَفْضَلُ من الأنبياء، وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقِلاني [وأبي عبد الله الحليميّ]. وحجّة المعتزلة أمور: أحدها: قوله تعالى: {أية : وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ} تفسير : [الأنبياء: 19] والمراد من هذه العِنْدِيَّة القرب، والشرف، وهذا حاصل لهم لا لغيرهم. ولقائل أن يقول: إنه - تعالى - أثبت هذه الصّفة في الآخرة لآحاد المؤمنين في قوله: {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 55]. وأما في الدنيا فقال عليه الصَّلاة والسلام يقول الله سبحانه: "حديث : أَنا مَعَ المُنْكَسِرَةِ قُلُوبُهُمْ لأَجْلِي ". تفسير : وهذا أكثر إشعاراً بالتعظيم؛ لأن كون الله - تعالى - عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد عند الله. وثانيها: قالوا: عبادات الملائكة أشَقّ من عبادات البشر، فيكونون أكثر ثواباً من عبادات البشر، فإن الملائكة سُكّان السماوات، وهي جَنَّات، وهم آمنون من المَرضِ والفقر، ثم إنهم مع استكمال أسباب النّعم لهم خاشعون وَجِلُونَ كأنهم مَسْجُونون لا يلتفتون إلى نعيم الجنات، بل يقبلون على الطَّاعة الشاقة، ولا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً فضلاً عن تلك الأعصار المُتَطَاولة، ويؤيّده قصّة آدم - عليه الصّلاة والسلام - فإنه أطلق له الأكل في جميع مواضع الجنة، ثم إنه منع من شجرة واحدة فلم يملك نفسه. وثالثها: أن انتقال المكلّف من نوع عِبَادَةٍ إلى نوع آخر كالانتقال من بُسْتَان إلى بستان، أما الإقامة على نَوْعٍ واحدٍ، فإنها تورث المَشَقّة والمَلاَلَة، والملائكة كلّ واحد منهم مُوَاظب على عمل واحد لا يعدل عنه إلى غيره، فكانت عبادتهم أَشَقّ، فيكون أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : أَفْضَلُ الأَعْمَالِ أَحْمَزُهَا" تفسير : أي: أَشَقُّهَا، وقوله لعائشة: "حديث : إنِّمَا أَجْرُكِ على قَدْرِ نَصبِكِ ". تفسير : ولقائل: أن يقول: في الوَجْه الأول لا نسلّم أن عبادة الملائكة أشقّ. أما قولهم: السماوات جنات. قلنا: نسلم، ولم قلتم بأن العبادة في المَوَاضع الطّيبة أشقّ من العبادة في المواضع الرَّديئة؟ أكثر ما في الباب أنه تهيّأ لهم أسباب النعم، فامتناعه عنها مع تهيئتها له أشق، ولكنه معارض بما أن أسباب البلاء مجتمعةٌ على البشر، ومع هذا يرضون بقضاء الله، ولا تغيرهم تلك المِحَنُ عن المُوَاظبة على عبوديته، وهذا أعظم في العبودية. وأما قولهم: المُوَاظبة على نَوْعٍ واحدٍ من العبادة أشقّ. قلنا: لما اعتادوا نوعاً واحداً صاروا كالمَجْبُورين الذين لا يقدرون على خِلافِهِ؛ لأنَّ العادة طبيعة خامسة، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَفْضَلُ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاوُدَ كان يصوم يوماً ويُفْطر يوماً ". تفسير : ورابعها: قالوا: عبادات المَلاَئكة أَدْوَم؛ لأن أَعمارهم أطول، فكانت أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : أَفْضَلُ العُبَّاد من طال عمره، وحَسُنَ عمله ". تفسير : ولقائل أن يقول: إن نوحاً ولقمان والخَضِر - عليهم الصَّلاة والسلام - كانوا أطول عمراً من محمد - عليه الصلاة والسلام - فوجب أن يكونوا أفضل منه، وذلك باطل بالاتفاق. وخامسها: أنهم أسبق في كل العِبَادَاتِ فيكونون أفضل لقوله تعالى: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ} تفسير : [الواقعة: 10، 11] ولقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : من سَنَّ سُنّةً حَسَنَة فله أَجْرُهَا وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ". تفسير : ولقائل أن يقول: فهذا يقتضي أن يكون آدم - عليه الصلاة والسلام - أفضل من محمد عليه الصلاة والسّلام؛ لأنه أوّل من سَنّ عبادة الله من البشر وأسبق، وذلك باطل. وسادسها: أن الملائكة رُسُل إلى الأنبياء، والرسول أفضل من الأمة. فإن قيل: إن السلطان إذا أرسل واحداً إلى جمع عظيم ليكون حاكماً فيهم، فإنه يكون أشرف منهم، أمّا إذا أرسل واحداً إلى واحد، فقد لا يكون الرسول أشرف، كما إذا أرسل السلطان مَمْلُوكَهُ إلى وزيره في مُهِمَّة [فإنه لا يلزم أن يكون ذلك العبد أشرف من الوزير]. قلنا: لكن جبريل - عليه السلام - مبعوث إلى كافة الأنبياء والرسل من البشر، فعلى هذا يكون جبريل أفضل منهم. وأيضاً أن الملك قد يكون رسولاً إلى ملك آخر أو إلى أحد من الأنبياء، وعلى التقديرين الملك رسول، وأمته رسل، والرسول الذي كل أمته رسل أفضل من الرسول الذي ليس كذلك، ولأن إبراهيم - عليه الصّلاة والسلام - كان رسولاً إلى لُوطٍ - عليه السّلام - فكان أفضل منه، وموسى كان رسولاً إلى الأنبياء الذين كانوا في عَصْرِهِ، فكان أفضل منهم. ولقائل أن يقول: الملك إذا أرسل رسولاً إلى بعض النواحي، فقد يكون ذلك الرسول حاكماً ومتولياً أمورهم، وقد يكون ليخبرهم عن بعض الأمور مع أنه لا يجعله حاكماً عليهم، فالقسم الأوّل هم الأنبياء المبعوثون إلى أممهم، فلا جرم كانوا أفضل من أممهم. فإن قلتم: إن بِعْْثَةَ الملائكة إلى الأنبياء من القسم الأوّل حتى يلزم أن يكونوا أفضل من الأنبياء. وسابعها: قوله: {أية : لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} تفسير : [النساء: 172] فقوله: "ولا الملائكة" خرج مخرج التأكيد للأول، وهذا التأكيد إنما يكون بذكر الأفضل يقال: هذه الخَشَبة لا يقدر على حملها العَشْرة، ولا المائة، ولا يقال: لا يقدر على حملها العشرة ولا الواحد، ويقال: هذا العالم لا يَسْتَنْكِفُ عن خدمته الوزير ولا الملك، ولا يقال: لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا البواب. ولقائل أن يقول: هذه الآية إن دلّت، فإنما تدلّ على فضل الملائكة المقرّبين على المسيح، لكن لا يلزم منه فَضْلُ الملائكة المقربين على مَنْ هُوَ أفضل من المسيح، وهو محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام - وموسى وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - بإجماع المسلمين. ثم نقول قوله: "ولا المَلاَئكَة" ليس فيه إلا "واو" العطف، و "الواو" للجمع المُطْلق، فيدلّ على أنّ المسيح لا يستنكف، والملائكة لا يستنكفون، فأما أن يدلّ على أن الملائكة أفضل من المسيح فلا. قال تعالى: {أية : لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ وَلاَ ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلاَ ٱلْهَدْيَ وَلاَ ٱلْقَلاۤئِدَ} تفسير : [المائدة: 2] أو نقول: سلمنا أن عيسى دون مَجْمُوعِ الملائكة في الفَضْلِ، فإن قلتم: دون كل واحد من الملائكة في الفضل؟ فإن قيل: وصف الملائكة بكونهم مقربين يوجب ألاَّ يكون المسيح كذلك. قلنا: تخصيص الشّيء بالذكر لا يدلُّ على نفيه عما عداه. وثامنها: قوله: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} تفسير : [الأعراف: 20] ولو لم يكن متقرراً عند آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - أن الملك أفضل من البَشَرِ لم يقدر "إبليس" على غرورهما بذلك. ولقائل أن يقول: هذا قول "إبليس" فلا يكون حُجّة، ولا يقال: إن آدم اعتقد صحة ذلك، واعتقاد آدم حُجّة، لأنا نقول: لعلّ آدم - عليه الصَّلاة والسّلام - ما كان نبياً في ذلك الوقت، فلم يلزم من فَضْلِ الملك عليه في ذلك الوَقْتِ فضل الملك عليه حال ما صار نبيًّا، ولأن الزَّلَّة جائزة على الأنبياء. وأيضاً فهب أن الآية تدلّ على أن الملك أفضل من البَشَرِ في بعض الأمور المرغوبة. فلم قلتم: إنها تدلّ على فضل الملك على البَشَرِ في باب القدرة والقوة، والحسن والجمال، والصفاء والنقاء عن الكُدُورات الحاصلة بسبب التركيبات؟ فإن الملائكة خلقوا من الأنوار وآدم خلق من التراب، فلعل آدم وإن كان أفضل منهم في كثرة الثواب إلاّ أنه رغب في أن يكون مساوياً لهم في تلك الأمور المعدودة. وتاسعها: قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ} تفسير : [الأنعام: 50]. ولقائل أن يقول: يحتمل أن يكون المراد: ولا أقول لكم إني مَلَكٌ في كثرة العلوم، وشدة القوة، ويؤيده أن الكفار طالبوه بأمور عظيمة نحو: صعود السَّماء، ونقل الجِبَالِ، وإحضار الأموال العظيمة، وأيضاً قوله: {قل: لا أقول لكم عِنْدِي خَزَائِنُ الله} يدلّ على اعترافه بأنه لا يعلم كلّ المعلومات، فلذلك لا أدّعي قُدْرَةً مِثْلَ قُدْرَةِ الملك، ولا علماً مثل علمه. وعاشرها: قوله تعالى: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} تفسير : [يوسف: 31]. فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون المراد التشبيه في الجمال؟ قلنا: الأَوْلَى أن يكون هذا التشبيه في السِّيرة لا في الصّورة، لأن الملك إنما تكون سِيْرَتُهُ المرضية لا بمجرد الصورة. ولقائل: أن يقول: قول المرأة: {أية : فَذٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ} تفسير : [يوسف: 32] كالصريح في أن مراد النِّسَاء بقولهن: {أية : إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} تفسير : [يوسف: 31] تعظيم لحسن يُوسف وجماله لا في السَِّيرة؛ لأن ظهور عُذْرِهَا في شدّة عشقها، إنما حصل بسبب فرط يوسف في الجَمَال لا بسبب فرط زُهْده وورعه، فإن ذلك لا يُنَاسب شدّة عشقها. سلمنا أن المراد تشبيه يوسف - عليه الصلاة والسلام - بالمَلَكِ في حسن السِّيرة، فلم قلتم: يجب أن يكون أقل ثواباً من الملائكة؟ الحادي عشر: قوله تعالى: {أية : وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً } تفسير : [الإسراء: 70]، ومخلوقات الله - تعالى - إما المكلفون، أو من عداهم، ولا شك أن المكلفين أفضلُ من غيرهم، فالمكلّفون أربعة أنواع: الملائكة، والإنس، والجنّ، والشياطين، ولا شَكّ أن الإنس أفضل من الجنّ والشياطين، فلو كان البشر أفضل من الملائكة لزم أن يكون البشر أفضل من كُلّ المخلوقات، وحينئذ لا يبقى لقوله: {أية : وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} تفسير : [الإسراء:70] فائدة. بل كان ينبغي أن يقال: "وفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى جَمِيْعِ مَنْ خَلَقْنَا"، ولما لم يقل ذلك علمنا أن الملك أفضل من البشر. ولقائل أن يقول: هذا تمسُّك بدليل الخطاب؛ لأن التصريح بأنهم أفضل من كثيرٍ من المَخْلُوقات لا يدلّ على أنه ليس أَفْضل من الباقي ألا بواسطة دليل الخطاب. وأيضاً فهب أن جنس الملائكة أفضل من [جنس بني آدم، ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من] المجموع الثاني [أن يكون كُلّ واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من أفراد المجموع الثاني]، فإنا إذا قدرنا عشرة من العَبيدِ كلّ واحد منهم يساوي مائة دينار، وعشرة أخرى حصل فيهم عبد يساوي مائتي دينار والتسعة الباقية كل واحد منهم ديناراً، فالمجموع الأول أفضل من المجموع الثاني، إلا أنه حصل في المجموع الثَّاني واحد هو أفضل من كلّ واحد من آحاد المجموع الأول فكذا ها هنا. الثاني عشر: قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ} تفسير : [الانفطار: 10، 11] فيدخل فيه الأنبياء وغيرهم، وهذا يقتضي كونهم أفضل من البشر لوجهين: الأوّل: أنه - تعالى - جعلهم حَفَظَةً، والحافظ للمكلّف عن المعصية يكون أبعد عن الخطأ من المحفوظ، وذلك يقتضي كونهم أبعد عن المعاصي، وأقرب إلى الطَّاعات من البشر، وذلك يقتضي مزيد الفضل. والثاني: أنه - سبحانه - جَعَلَ كتابتهم حُجّة للبشر في الطّاعات، وعليهم في المَعَاصي، وذلك يقتضي أن يكون قولهم أولى بالقَبُولِ من قول البشر، ولو كان البشر أعظم حالاً منهم لكان الأمر بالعكس. ولقائل أن يقول: أما كون الحافظ أكرم من المحفوظ، فهذا بعيد، فإن المَلكَ قد يوكّل بعض عبيده على ولده. وأما الثاني فقد يكون الشاهد أدون حالاً من المشهود عليه. الثالث عشر: قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ} تفسير : [النبأ: 38]. والمقصود من ذكر أحوالهم المُبَالغة في شَرْحِ عظمة الله وجلاله، ولو كان في الخلق طائفة أخرى قيامهم وتضرعهم أقوى في الإنباء عن عَظَمةِ الله وجلاله وكبريائه من قيامهم لكان ذكرهم أولى. ولقائل أن يقول: ذلك يدلّ على أنهم أزيد حالاً من البَشَرِ في بعض الأمور، فلم لا يجوز أن تكون تلك الحالة هي قوتهم وشدّتهم وبطشهم؟ وهذا كما يقال: إن السُّلطان لما جلس وقف حَوْلَ سريره ملوك أطراف العالم خاضعين فإن عظمة السُّلطان إنما تشرح بذلك، ثم إنَّ هذا لا يدلُّ على أنهم أكرم عند السلطان من ولده، فكذا ها هنا. الرابع عشر: قوله: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} تفسير : [البقرة: 285] فبيّن تعالى أنه لا بُدّ في صحّة الإيمان من الإيمان بهذه الأشياء، فبدأ بنفسه، وثَنّى بالملائكة، وثلّث بالكتب، وربّع بالرسل، وكذا في قوله: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاۤئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ} تفسير : [آل عمران: 18]، وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاۤئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ} تفسير : [الأحزاب: 56]، والتقديم في الذِّكر يدلّ على التقديم في الدرجة؛ لأن تقديم الأدْوَنِ على الأشرف في الذكر قبيح عرفاً، فوجب أن يكون قبيحاً شرعاً. ولقائل أن يقول: هذه الحجّة ضعيفة؛ لأن الاعتماد إن كان على "الواو" فـ "الواو" لا تفيد الترتيب، وَإِنْ كان على التقديم في الذِّكْرِ فينتقض بتقديم سورة "تَبّت" على سورة {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1]. الخامس عشر: قوله تعالى: {أية : إِنَّ اللهَ وَمَلاۤئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} تفسير : [الأحزاب:56]، فجعل صلوات الملائكة كالتشريف للنبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك يدلّ على كون الملائكة أشرف من النبي. ولقائل أن يقول: هذا ينتقض بقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} تفسير : [الأحزاب:56] فأمر المؤمنين بالصلاة على النبي، ولم يلزم كون المؤمنين أفضل من النبي، فكذا في الملائكة. واحتجّ من قال بتفضيل الأَنبياء - عليهم الصَّلاة والسَّلام - على الملائكة بأمور: أحدها: أن الله - تعالى - أمر الملائكة بالسجود لآدم، وثبت أن آدم لم يكن كالقِبْلَةِ، فوجب أن يكون آدم أفضل منهم؛ لأن السجود نهايَةُ التواضُعِ، وتكليف الأشرف بنهاية التواضُعِ للأَدْوَنِ مُسْتَقْبَحٌ في العقول. وثانيها: أن آدم - عليه الصلاة والسلام - خليفةٌ له، والمراد منه خلافة الولاية لقوله: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [ص: 26]. ومعلوم أن أعلى الناس منصباً عند الملك من كان قائماً مَقَامَهُ في الولاية والتصرف، فهذا يدل على أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان أشرف الخلائق. فالدنيا خلقت متعةً لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، وصارت الشياطين ملعونين بسبب التكبُّر عليه، والجن رعيته، والملائكة في طاعته وسجوده، والتواضع له، ثم صار بعضهم حافظين له ولذريته، وبعضهم منزلين لرزقه وبعضهم مستغفرين لزلاَّته. وثالثها: أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان أعلم، والأعلم أفضل، أما أنه أعلم فلأنه - تعالى - لما طلب منهم علم الأسماء {أية : قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} تفسير : [البقرة: 32] فعند ذلك قال الله: {أية : يَآءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ} تفسير : [البقرة: 33] وذلك يدلّ على أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان عالماً بما لم يكونوا عالمين به، والعالم أَفْضَلُ لقوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر: 9]. ورابعها: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 33] والعَالَم عبارة عن كل ما سوى الله - تعالى - فمعناه أن الله - تعالى - اصطفاهم على المخلوقات. فإن قيل: يُشْكل بقوله تعالى: {أية : يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [البقرة: 47]. قلنا: الإشكال مدفوع؛ لأن قوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} خطاب مع الأنبياء الذين كانوا أسلاف اليهود، وحينما كانوا موجودين لم يكن محمد - عليه الصَّلاة والسَّلام - موجوداً في ذلك الزمان، والمعدوم لا يكون من العالمين؛ لأن اشتقاق العالم من العَلَمِ فكل ما كان عَلَماً على الله ودليلاً عليه فهو عالم، وإذا كان كذلك لم يلزم اصْطِفاء الله إياهم على العالمين في ذلك الوقت أن يكونوا أفضل من محمد - عليه الصلاة والسلام - والملائكة كانوا موجودين، فيلزم أن يكون الله - تعالى - قد اصطفى هؤلاء على الملائكة، وأيضاً فهب أن تلك دَخَلَهَا التخصيص لقيام الدليل، وها هنا فلا دليل يوجب ترك الظاهر، فوجب إجراؤه على ظاهره في العموم. وخامسها: قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107] والملائكة من جملة العالمين، فكان محمد - عليه الصلاة والسَّلام - رحمة لهم، فوجب أن يكون أفضل منهم. وسادسها: أنَّ الآدمي له شهوةٌ داعية إلى المَعْصِيَةِ والملك ليست له هذه الشهوة، والفعل مع المعارض القوي أشدّ منه بدون المعارض. فإن فيل: الملائكة لهم شهوةٌ تدعوهم إلى المعصية، وهي شهوة الرئاسة. قلنا: هَبْ أن الأمر كذلك، لكن البشر لهم أنواع كثيرة من الشهوات مثل شهوة البَطْنِ والفَرْجِ، وشهوة الرئاسة والملك ليس إلا شهوة واحدة، وهي شهوة الرئاسة، والمبتلى بأنواع كثيرة من الشهوات تكون الطاعة عليه أشقّ من المبتلى بشهوة واحدة. وأيضاً الملائكة لا يعملون إلاَّ بالنَّص لقوله: {أية : لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} تفسير : [البقرة: 32] وقوله: {أية : لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 27] والبشر لهم قوّة الاسْتنباط والقياس، والعمل بالاسْتِنْبَاط أشقَ من العمل النص، وأيضاً فإنّ الشبهات للبشر أكثر منها للملائكة؛ لأن من جملة الشبهات القوية كون الأفلاك والأنجم السَّيَّارة أسباباً لحوادث هذا العالم، فالبَشَرُ احتاجوا إلى دفع هذه الشُّبهة، والملائكة لا يحتاجون إليها، لأنهم ساكنون في عالم السَّمَاوات، فيشاهدون كيفية افتقارها إِلَى المدبّر الصَّانع، وأيضاً فإن الشيطان لا سَبِيْلَ له إلى وسوسة الملائكة، وهو مسلّط على البشر في الوَسْوَسَةِ، وذلك تفاوت عظيم. إذا ثبت أن طاعتهم أشقّ، فوجب أن يكونوا أكثر ثواباً للنص والقياس. فأما النص قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : أَفْضَلُ العِبَادَاتِ أَحْمَزُهَا" تفسير : أي: أشقُّها، وأما القياس فإن الشيخ الذي ليس له مَيْلٌ إلى النِّسَاء إذا امتنع عن الزِّنَا ليست فضيلته كفضيلة من يمتنع عنه مع المَيْلِ الشّديد، والشَّوق العظيم. وسابعها: أن الله - تعالى - خلق للملائكة عقولاً بلا شهوة، وخلق للبهائم شهوةً بلا عَقْلٍ، وخلق الآدمي وجمع فيه الأمرين، فصار الأدمي بسبب العَقْل فوق البهيمة بدرجة، فوجب أن يصير بسبب الشهوة دون المَلاَئكة، ثم وجدنا الآدمي إذا غلب هَوَاهُ عقله، فإنه يصير دون البَهِيْمَةِ على ما قال: {أية : أُوْلَـٰئِكَ كَٱلأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ} تفسير : [الأعراف:179] فيجب أن يقال: إذا غلب عقله هواه أن يكون فوق الملائكة اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر. وثامنها: أن الملائكة حَفَظَةٌ، وبنو آدم محفوظون، والمحفوظ أشرف من الحافظ، أجاب القائلون بتفضيل الملك عن الأول، فقالوا: قد سبق بيان أنّ من الناس من قال: المراد من السُّجود التَّواضع لا وضْع الجَبْهَةِ على الأرض، وإن سلم أنه وضع الجبهة لكنه قال: السُّجود لله وآدم قبله، فزال الإِشْكَال، وإن سلم أن السجود كان لآدم، فلم قلتم: إن ذلك لا يجوز من الأشرف؟ وذلك لأن الحكمة قد تقتضي إظهار نهاية الانقياد، والطاعة، فإن للسلطان أن يجلس عَبْداً من عبيده، ويأمر الأكابر بخدمته، ويكون غرضه إظهار كونهم مُطِيْعين مُنْقَادين له في كُلّيات الأمور، وأيضاً فإن الله - تعالى - يفعل ما يَشَاءُ، ويحكم ما يريد، فإن أفعاله غير معلّلة، ولذلك قلنا: إنه لا اعتراض عليه في خلق الكُفْرِ في الإنسان، ثم يعذبه عليه أبد الآباد، وإذا كان كذلك، فكيف يعترض عليه في أن أمر الأعلى بالسجود لمن هو دونه. وأما الحجّة الثانية فجوابها أن كون آدم خليفة في الأرض وهذا يقتضي أن يكون آدم - عليه السلام - كان أَشْرَفَ من كل من في الأرض ولا يدلّ على كونه أشرف من ملائكة السماء. فإن قيل: فَلِمَ لم يجعل واحداً من ملائكة السماء خليفة له في الأرض؟ قلت: لوجوه: منها أن البشر لا يطيقون رُؤْيَةَ الملائكة، ومنها أن الجنس إلى الجنس أميل. وأما الحجّة الثالثة: فلا نسلّم أنّ آدم كان أعلم منهم، وأكثر ما في الباب أن آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان عالماً بتلك اللُّغات، وهم ما علموها، لكنهم لعلهم كانوا عالمين بسائر الأشياء، مع أن آدم - عليه السلام - ما كان عالماً بها ويحقق هذا أن محمداً - عليه أفضل الصلاة والسلام - أفضل من آدم - عليه السلام - مع أن محمداً ما كان عالماً بهذه اللُّغات بأسرها، وأيضاً فإن "إبليس" كان عالماً بأن قرب الشجرة مما يوجب خروج آدم من الجَنّة، وأن آدم - عليه السلام - ليس كذلك، والهُدْهُد قال لسليمان صلوات الله وسلامه عليه: {أية : أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ} تفسير : [النمل: 22] ولم يكن أفضل من سُلَيْمَانَ، سلمنا أنه كان أعلم منهم، ولكن لِمَ لَمْ يجز أن يقال: إن طاعاتهم أكثر إخلاصاً من طاعة آدم عليه الصلاة والسلام؟. وأما الحجة الرابعة: فهي قويّة. وأما الخامسة: فلا يلزم من كون محمّد - عليه الصّلاة والسلام - رحمة لهم أن يكون أفضل منهم كما في قوله تعالى: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ ءَاثٰارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} تفسير : [الروم: 50] ولا يمتنع أن يكون - عليه الصلاة والسلام - رحمةً لهم من وجه، وهم يكونون رحمة له من وجه آخر. وأما الحجّة السادسة: وهي أن عبادة البشر أشقّ فهذا ينتقض بما أنا نرى الواحد من الصُّوفية يتحمّل في طريق المُجَاهدة من المَشَاقّ والمتاعب ما يقطع بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يتحمّل مثلها مع أنا نعلم أن محمداً عليه الصلاة والسلام أفضل من الكل. أما الحُجّة السَّابعة: فهي جمع بين الطَّرفين من غير جامع. فإن قيل: فإذا لم يكن أفضل منهم، فما الحكمة بالأمر بالسجود له؟ قيل له: إنَّ الملائكة لما استعظموا تَسْبِيْحَهُمْ، وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره ليريه استغناءه عنهم، وعن عبادتهم. وقال بعضهم: عيروا آدم واستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع به، فأمروا بالسجود له تكريماً، ويحتمل أن يكون إنما أمرهم بالسجود له معاقبة لهم على قولهم: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} تفسير : [البقرة: 30]. فإن قيل: فقد استدلّ ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - على فضل البشر بأن الله - تعالى - أقسم بحياة مُحَمَّد عليه الصلاة والسلام فقال: {أية : لَعَمْرُكَ} تفسير : [الحجر: 72] وأمنه من العذاب لقوله: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح: 2]، وقال للملائكة: {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 29]. قيل له: إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم بِحَيَاةِ نفسه سبحانه فلم يقل: "لَعَمْري" وأقسم بالسماء والأرض، ولم يدلّ على أنها أرفع قدراً من العرش، وأقسم بـ "التِّين والزَّيْتُون". وأما قوله سبحانه: {أية : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ} تفسير : [الأنبياء:29] فهو نظير قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ} تفسير : [الزمر: 65] وهذا آخر الكلام في هذه المسألة. قوله: "إلاَّ إِبْلِيسَ" "إِلاَّ" حرف استثناء، و "إبليس" نصب على الاستثناء، وهل نصبه بـ "إلا" وحدها أو بالفعل وحده أو به بوساطة "إلاّ" أو بفعل محذوف أو بـ "أن" أقوال؟ وهل هو استثناء متّصل أو منقطع؟ خلاف مشهور. والأصح أنه متّصل - وأما قوله تعالى: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} تفسير : [الكهف: 50]، فلا يرد؛ لأن الملائكة قد يسمون جنًّا لاجْتِنَانِهِمْ، قال الشاعر في سليمان: [الطويل] شعر : 384- وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلاَئِكِ تِسْعَةً قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلاَ أَجْرِ تفسير : وقال تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} تفسير : [الصافات: 158] يعني: الملائكة. واعلم أن المستثنى على أربعة أقسام: قسم واجب النَّصْب، وقسم واجب الجَرّ، وقسم جائز فيه النصب والجر، وقسم جائز فيه النَّصْب والبَدَل مِمَّا قبله، والأرجح البدل. الأول: المُسْتَثْنَى من الموجب والمقدَّم، والمكرر والمنقطع عند "الحجاز" مطلقاً، والواقع بعد "لا يَكُون" و "لَيْسَ" و "ما خَلاَ" و "ما عَدَا" عند غير الجَرْمِيّ؛ نحو: "قَامَ القَوْمُ إلاَّ زَيْداً"، و "مَا قَامَ إِلاَّ زَيْداً القَوْمُ"، و "ما قَامَ أحدٌ إلاّ زَيْداً إلا عَمْراً"، و "قاموا إلاّ حِمَاراً" و "قَامُوا لا يكونُ زيداً" أو "لَيْسَ زيداً" و "مَا خَلاَ زيداً" و "مَا عَدَا زيداً". الثاني: المستثنى بـ "غَيْر" و "سِوًى" و "سُوًى" و "سَوَاء". الثالث: المستثنى بـ "عَدَا" و "حَاشَا" و "خَلاَ". الرابع: المستثنى من غير الموجب؛ نحو: {أية : مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} تفسير : [النساء: 66]. و "إبليس" اختلف فيه، فقيل: إنه اسم أعجمي منح من الصّرف للعلمية والعُجْمة، وهذا هو الصّحيح، قاله "الزَّجاج" وغيره؛ وقيل: أنه مشتقٌّ من "الإبْلاَس" وهو اليأس من رحمة الله - تعالى - والبعدُ عنها؛ قال: [السريع أو الرجز] شعر : 385- ………………………… وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وَإِبْلاسْ تفسير : ووزنه عند هؤلاء: "إِفْعِيل"؛ واعترض عليهم بأنه كان ينبغي أن يكون منصرفاً، وأجابوا بأنه أشبه الأسماء الأعجميّة لعدم نظيره في الأسماء العربية؛ ورد عليهم بأن مثله في العربية كثير؛ نحو: "إزْمِيل" و "إكْلِيل" و "إغْريض" و "إخْرِيط". وقيل: لما لم يقسم به أحدٌ من العرب، صار كأنه دَخِيلٌ في لسانهم، فأشبه الأعجمية، وفيه بُعْدٌ. فصل في جنس إبليس اختلفوا في "إبليس" فقال أكثر المتكلمين والمعتزلة: إنه لم يكن من المَلاَئكة، وهو مرويّ عن ابن عَبّاس، وابن زيد، والحسن، وقتادة - رضي الله عنهم - قالوا: "إبليس أبو الجِنّ كما أن آدم أبو البَشَرِ، ولم يكن ملكاً فأشبه الحرف". وقال شهر بن حَوْشَبٍ، وبعض الأصوليين: "كان من الجن الذين كانوا في الأرض، وقاتلهم الملائكة فَسَبَوْهُ وتعبّد مع الملائكة وخوطب". وحكاه الطبري، وابن مسعود، وابن جريح، وابن المسيب، وقتادة وغيرهم، وهو اختيار الشيخ أبي الحَسَنِ، ورجّحه الطبري، وهو ظاهر الآية أنه من الملائكة. قال ابن عباس: "وكان اسمه عزَازِيل، وكان من أشراف الملائكة، وكان من أُولِي الأَجْنِحَةِ الأَرْبَعَةِ ثم أبلس بعد". روى سليمان بن حَرْب عن عكرمة عن ابن عَبّاس قال: كان إبْلِيْسُ من الملائكة، فلما عَصَى الله غضب عليه فَلَعَنَهُ، فصار شيطاناً. وحكى المَاوَرْدِيّ عن قتادة: أنه كان من أَفْضَلِ صنف من الملائكة يقال لهم الجنّة. وقال سعيد بن جبير: إن الجنّ سِبْطٌ من الملائكة خُلقوا من نار، وإبليس منهم، وخلق معاشر الملائكة من نور. حجّة القول الأول، وهو أنه لم يكن من الملائكة وجوه: أحدها: قوله تعالى: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} تفسير : [الكهف: 50] وإذا كان من الجنّ وجب أن ألاّ يكون من الملائكة لقوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاۤئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ} تفسير : [سبأ: 40، 41]، وهذا صريح في الفرق بين الجنّ والمَلَكِ. فإن قيل: لا نسلّم أنه كان من الجنّ، لأن قوله: {أية : كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} تفسير : [الكهف: 50] يجوز أن يكون المراد كان من الجنّة على ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان من الجنّ كان خازن الجنة. سلمنا ذلك، لكن لِمَ لاَ يجوز أن يكون قوله: "من الجن" أي: صار من الجن كقوله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}. سلّمنا ما ذكرتم، فَلِمَ قلتم: إن كونه من الجنّ ينافي كونه من الملائكة؛ لأن الجن مأخوذ من الاجتنان، وهو الستر، ولهذا سمي الجَنِين جنيناً لاجتِنَانِهِ، ومنه الجُنّة لكونها ساترة، والجِنّة لكونها مستترة بالأَغْصَان، ومنه الجُنُون لاستتار العَقْل به، والملائكة مستترون عن الأعين، فوجب جواز إطلاق لفظ الجِنّ عليهم بحسب اللُّغة، يؤيد هذا التأويل قوله تعالى في الآية الأخرى: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} تفسير : [الصافات: 158]، وذلك لأن قريشاً قالت: الملائكة بنات الله، فهذه الآية تدلّ على أن الملائكة تسمى جنًّا. والجواب: لا يجوز أن يكون المُرَاد من قوله: "كان من الجن" أنه كان خازن الجنّة؛ لأن قوله: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} تفسير : [الكهف: 50] يشعر بتعليل تركه السُّجود بكونه جنياً، ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه خازن الجنّة، فبطل ذلك. {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} تفسير : [الصافات: 158] قلنا: يحتمل أن بعض الكُفّار أثبت ذلك النسب في الجنّ، كما أثبته في الملائكة، وأيضاً فقد بينا أن الملك يسمى جنّاً بحسب أصل اللُّغة، لكن لفظ الجنّ بحسب العرف اختصّ بالغير، كما أن لفظ الدَّابة يتناول كل ما دَبّ بحسب اللُّغة الأصلية، كلغة بحسب العرف اختص ببعض ما يدبّ، فيحتمل أن تكون هذه الآية على اللغة الأصلية والآية التي ذكرناها على العرف الحادث. وثانيها: أن "إبليس" له ذريّة لقوله تعالى: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ} تفسير : [الكهف: 50] والملائكة لا ذريّة لها؛ لأن الذريّة إنما تحصل من الذَّكَرِ والأُنْثَى، والملائكة لا أنثى فيها لقوله: {أية : وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاۤئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَٰثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَٰدَتُهُمْ} تفسير : [الزخرف: 19] أنكر على من حكم عليهم بالأنوثة. وثالثها: أنّ الملائكة معصومون، و "إبليس" لم يكن كذلك فوجب ألا يكون من الملائكة. ورابعها: أن "إبليس" مخلوق من نار لقوله تعالى حكاية عن "إبليس": {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ} تفسير : [الأعراف: 12]. قال: {أية : وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} تفسير : [الحجر: 27] والملائكة مخلوقون من النّور، لما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خلقت المَلاَئِكَةُ من نُورٍ وخُلِقَ الجَانّ من مَارِجٍ من نَارٍ ". تفسير : حجّة القول الثاني، وهو أن "إبليس" كان من الملائكة أمران: الأول: أن الله - تعالى - استثناه من الملائكة، والاستثناء المنقطع مشهور في كلام العرب، قال الله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ، إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي} تفسير : [الزخرف: 26، 27] وقال: {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً} تفسير : [الواقعة: 25، 26] وقال: {أية : لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً} تفسير : [مريم: 62]، وقال: {أية : لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ} تفسير : [النساء: 29]، وقال: {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً} تفسير : [النساء: 92] وأيضاً فلأنه كان جنيًّا واحداً بين الألوف من الملائكة، فغلبوا عليه في قوله: فسجدوا، ثم استثني هو منهم استثناء واحد منهم؛ لأنا نقول: كل واحد من هَذَيْنِ الوجهين على خلاف الأصل، وذلك إنما يُصَار إليه عند الضرورة، والدلائل التي ذكرتموها في نفي كونه من المَلاَئكة ليس فيها إلاّ الاعتماد على العُمُومَاتِ، فلو جعلناه من الملائكة لزم تَخْصِيصُ ما عَوَّلْتُمْ عليه من العُمُومَاتِ. ولو قلنا: إنه ليس من الملائكة لزمنا جعل الاستثناء منقطعاً، فكان قولنا أولى، وأيضاً فالاستثناء إنما يتحقّق من الشيء والصرف، ومعنى الصرف إنما يتحقّق حَيْثُ لولا الصّرف لدخل، والشيء لا يدخل في غير جنسه، فيمتنع تحقق معنى الاستثناء منه. وأما قوله: إنه جني واحد من الملائكة فنقول: إنما يجوز إجراؤكم الكثير على القليل إذا كان ذلك القليل ساقطُ العِبْرَةِ غير ملتفت إليه، أما إذا كان معظم الحديث لا يكون إلاَّ عن ذلك الواحد لم يجز إجراؤكم غيره عليه. الثاني: قالوا: لو لم يكن إبليس من الملائكة لما كان قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ} متناولاً، ولا استحال أن يكون تركه السجود إباءً واستكباراً ومعصية، ولما استحقّ الذم والعقاب، ولما حصلت هذه الأمور، علمنا أن ذلك الخطاب يتناوله، ولن يتناوله ذلك الخطاب إلاّ إذا كان من الملائكة. لا يقال: إنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه لمّا نشأ منهم، وطالت خُلْطته بهم والتصق بهم علا ولكن الله تعالى أمره بالسجود بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} تفسير : [الأعراف: 12] لأنا نقول: أما الأول فجوابه: أن المُخَالطة لا توجب ما ذكرتموه ولهذا قيل في أصول الفقه: خطاب الذكور لا يتناول الإناث وبالعكس مع شدّة المخالطة بين الصنفين، وأيضاً فشدّة المُخَالطة بين الملائكة، وبين "إبليس" لما لم يمنع اقتصار اللَّعن على إبليس، فكيف يمنع اقتصار ذلك التَّكليف على المَلاَئِكَةِ، ولنا كونه أمر بأمر آخر غير محكي في القرآن، فإن ترتيب الحكم على الوَصْفِ يشعر بالغَلَبَةِ، فلما ذكر قوله: "أَبَى واسْتَكْبَرَ" عقيب قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ: اسْجُدُوا لآدَمَ}، أشعر هذا التعقيب بأن هذا الإباء إنما حصل بسبب مُخَالفة هذا الأمر، لا بسبب مُخَالطة أمر آخر، وطريق الجمع بين الدليلين ما ذكرنا عن ابن عباس أن "إبليس" كان من الملائكة، فلما عَصَى الله غضب عليه، فَصَار شيطاناً. وقول سعيد بن جبير إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نَارٍ، وإبليس منهم وليس في خلقه من نَارٍ، ولا في تركيب الشَّهْوَةِ حيث غضب عليه ما يدفع أنه من المَلاَئِكَةِ، وحكى الثعلبي عن ابن عباس: "أنّ إبْلِيسَ كان من حَيّ من أحياء الملائكة يقال لهم: الحِنّ خلقوا من نارِ السَّمُومِ، وخلقت الملائكة من نُورٍ، وكان اسمه بالسّريانية عَزَازيل، وبالعربية الحَارِث، وكان من خزّان الجنّة، وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا، وكان من سُلْطَانها، وسلطان الأرض، وكان من أشدّ الملائكة اجتهاداً، وأكثرهم علماً، وكان يَسُوسُ ما بين السَّماء والأرض، فرأى لنفسه بذلك شرفاً وعظمةً، فذلك الذي دعاه إلى الكُفْرِ، فعصى الله، فمسخه شيطاناً رجيماً". قوله تعالى: "أَبَى واسْتَكْبَرَ". الظاهر أن هاتين الجملتين استئنافيتان لمن قال: فما فعل؟ والوقف على قوله: "إلاَّ إِبْلِيسَ" تام. وقال أبو البقاء: "في موضع نصب على الحال من "إبليس" تقديره: ترك السجود كارهاً له ومستكبراً عنه". فالوقف عنده على "واستكبر"، وجوز في قوله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينََ} أن يكون مستأنفاً، وأن يكون حالاً أيضاً، و "الإباء": الامتناع؛ قال الشاعر: [الوافر] شعر : 386- وَإِمَّا أنْ يَقُولُوا قَدْ أَبَيْنَا وَشَرُّ مَوَاطِنِ الحَسَبِ الإبَاءُ تفسير : وهو من الأفعال المفيدة للنفي، ولذلك وقع بعده الاستثناء المفرّغ قال تعالى: {أية : وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} تفسير : [التوبة: 32]. والمشهور "أَبِيَ - يَأْبَى" بكسرها في الماضي، وفتحها في المضارع، وهذا قياس، فيحتمل أن يكون من قال: "أَبَى - يَأْبَى" بالفتح فيهما استغنى بمُضَارع من قال "أَبِيَ" بالكسر ويكون من التداخل نحو: "رَكَن - يَرْكَنُ" وبابه. واستكبر بمعنى: تَكَبَّرَ، وإنما قدم الإباء عليه، وإن كان متأخراً عنه في الترتيب؛ لأنه من الأفعال الظَّاهرة؛ بخلاف الاستكبار؛ فإنه من أفعال القلوب. قوله: "وَكَانَ" بل: هي هنا بمعنى "صَارَ"؛ كقوله: [الطويل] شعر : 387- بِتَيْهَاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأَنَّهَا قَطَا الحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُهَا تفسير : أي: قد صارت. ورد هذا ابن فورك وقال: "تردّه الأصول، والأظهر أنها على بابها والمعنى: كان من القوم الكافرين الَّذين كانوا في الأَرْضِ قبل خَلْقِ آدم على ما روي، وكان في علم الله". فصل في بيان بطلان قول أهل الجبر قال القاضي: هذه الاية تدلُّ على بطلان قول أهل الجبر من وجوه: أحدها: أنهم يزعمون أنه لما لم يسجد لم يقدر على السُّجودِ؛ لأن عندهم القُدْرة على الفعل شرط، فإن من لا يقدر على الشيء لا يقال: إنه أباه. وثانيها: أن من لا يَقْدِرُ على الفعل لا يقال: استكبر بأن لم يفعل، فإنما يوصف بالاستكبار إذا لم يفعل مع أنه لو أراد الفعل لأمكنه. وثالثها: قال: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينََ} ولا يجوز أن يكون كافراً بأن لم يفعل ما لا يقدر عليه. ورابعها: أن استكباره، وامتناعه خلق من الله فيه، فهو بأن يكون معذوراً أولى من أن يكون مذموماً قال: ومن اعتقد مذهباً يقيم العذر لإبليس فهو خاسر الصَّفقة. والجواب: يقال له: صدور ذلك عن "إبليس" لا يخلو، إما أن يكون عن قَصْدٍ ودَاعٍ أو لا. فإن وقع لا عن فاعل، فكيف يثبت الصّانع، وإن وقع العبد فوقوع ذلك القصد عنه إن كان عن قصد آخر فيلزم التسلسل. وإن كان لا عن قَصْدٍ فقد وقع الفعل لا عن قَصْد. [أما إن قلت وقع ذلك الفعل عنه لا عن قصد] وداعٍ، قد ترجّح الممكن من غير مرجّح، وهو يسد باب إثبات الصانع، وأيضاً فإن كان كذلك كان وقوع ذلك الفعل اتفاقياً، والاتفاقي لا يكون في وسعه واختياره، فكيف يؤمر به وينهى عنه، وإن وقع عن فاعل هو الله، فحينئذ يلزمك كل ما أوردته علينا. فإن قيل: هذا منقوض بأفعال الله - سبحانه وتعالى - فإن التقسيم وارد فيها ليس اتفاقية ولا خبراً؟ قلنا: الله - تعالى - واجب الوجود لذاته، وإذا كان كذلك كان واجب الوجود أيضاً في صفاته، وإذا كان كذلك فهو مُسْتَغْنٍ في فاعليته عن المؤثرات والمرجّحات، إذ لو افتقر لكان محتاجاً. فصل في بيان حال إبليس قال قوم: كان "إبليس" منافقاً منذ كان. وقال آخرون: كان كافراً، واستدلوا بقوله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينََ}؛ لأن كلمة "من" للتبعيض، والحكم عليه بأنه بعض الكافرين يقتضي وجود قوم آخرين من الكفار حتى يكون هو بعضاً منهم، ويؤكده ما روي عن أبي هُرَيْرَةَ قال: إن الله خلق خلقاً من الملائكة، ثم قال لهم: إني خالق بشراً من طين؛ فإذا سوّيته، ونفخت فيه من روحي فَقَعُوا له سَاجِدِينَ. فقال: لا تفعل ذلك، فبعث الله عليهم ناراً، فأحرقتهم، وكان "إبليس" من أولئك الذين أَبْوا. وقال آخرون: إنّ "كان" ها هنا بمعنى "صار" فيكون معنى الآية صار من الذين وقعوا في الكُفْرِ بعد ذلك، وأنه كان قبل ذلك مؤمناً، وهذا قول "الأصَمّ"، وذكر في مثاله قوله تعالى: {أية : ٱلْمُنَافِقُونَ وَٱلْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ} تفسير : [التوبة: 67] فأضاف بعضهم إلى بعض بسبب المُوَافقة في الدين، وأيضاً فإن هذه إضافة لفرد من أفراد الماهية إلى تلك الماهية، وصحّة هذه الإضافة لا تقتضي وجود تلك المَاهِيّة، كما أن الحيوان الذي خلقه الله تَعَالَى أولاً يصح أن يقال: إنه فرد من أفراد الحيوان، لا بمعنى أنه وَاحِدٌ من الحيوانات الموجودة خارج الذهن، بل بمعنى أنه فرد من أفراد هذه الماهية. واعلم أنه يتفرع على هَذَا أن "إبليس" هل كان أول من كفر بالله؟ والذي عليه الأكثرون أنه أول من كفر بالله. فصل في بيان أن الأمر كان للملائكة كلهم قال الأكثرون: إن جميع الملائكة كانوا مأمورين بالسُّجُودِ لآدم، واحتجوا عليه بوجهين: الأول: أن لفظ المَلاَئكة صيغة جمع، وهي تفيد العموم، لا سيما وقد أكدت بأكمل وجوه التوكيد في قوله: "كلّهم أَجْمَعُونَ". الثاني: أن استثناء "إبليس" منهم، واستثناء الشخص الواحد منهم يدلّ على أن من عدا ذلك الشخص يكون داخلاً في ذلك الحكم، ومن الناس من أنكر ذلك، وقال: المأمور بهذا السُّجود هم ملائكة الأرض، واستعظم أن يكون أكابر الملائكة مأمورين بذلك. وأما الحُكَمَاء فإنهم يحملون المَلاَئكة على الجَوَاهر الرُّوْحَانية، وقالوا: يستحيل أن تكون الأرواح السَّمَاوية مُنْقَادة للنفوس الناطقة، إنما المراد من الملائكة المأمورين بالسجود القوى البشرية المُطِيعة للنفس الناطقة، والكلام في هذه المسألة مذكور في العقليات.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {اسجدوا لآدم} قال: كانت السجدة لآدم، والطاعة لله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: أمرهم أن يسجدوا فسجدوا له كرامة من الله أكرم بها آدم. وأخرج ابن عساكر عن أبي إبراهيم المزني أنه سئل عن سجود الملائكة لآدم فقال: إن الله جعل آدم كالكعبة. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي قال: كان سجود الملائكة لآدم إيماء. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ضمرة قال: سمعت من يذكر أن أول الملائكة خرَّ ساجداً لله حين أمرت الملائكة بالسجود لآدم اسرافيل، فأثابه الله بذلك أن كتب القرآن في جبهته. وأخرج ابن عساكر عن عمر بن عبد العزيز قال: لما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم كان أول من سجد له إسرافيل، فأثابه الله أن كتب القرآن في جبهته. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} قال: كانت السجدة لآدم، والطاعة لله، وحسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال: أنا ناريٌّ وهذا طينيٌّ. فكان بدء الذنوب الكبر. استكبر عدوّ الله أن يسجد لآدم. وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: كان إبليس اسمه عزازيل، وكان من أشرف الملائكة من ذوي الأجنحة الأربعة، ثم أبلس بعد. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن ابن عباس قال: إنما سُمي إبليس لأن الله أبلسه من الخير كله، آيسه منه. وأخرج ابن إسحاق في المبتدأ وابن جرير وابن الأنباري عن ابن عباس قال: كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل، وكان من سكان الأرض، وكان من أشد الملائكة اجتهاداً، وأكثرهم علماً. فذلك دعاه إلى الكبر، وكان من حي يُسمون جنا. وأخرج ابن جرير عن السدي قال: كان اسم إبليس الحرث. وأخرج وكيع وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدبر أمر السماء الدنيا. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: كان إبليس من أشرف الملائكة من أكبرهم قبيلة، وكان من خازن الجنان، وكان له سلطان سماء الدنيا، وسلطان الأرض. فرأى أن لذلك له عظمة وسلطاناً على أهل السموات، فاضمر في قلبه من ذلك كبراً لم يعلمه إلا الله، فلما أمر الله الملائكة بالسجود لآدم خرج كبره الذي كان يسر. وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن ابن عباس قال: إن الله خلق خلقاً فقال {اسجدوا لآدم} فقالوا: لا نفعل فبعث ناراً فأحرقهم، ثم خلق هؤلاء فقال {اسجدوا لآدم} فقالوا: نعم. وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس قال: لما خلق الله الملائكة قال {أية : إني خالق بشراً من طين} تفسير : [ص: 71] فإذا أنا خلقته فاسجدوا له فقالوا: لا نفعل. فارسل عليهم ناراً فأحرقتهم. وخلق ملائكة أخرى فقال {إني خالق بشراً من طين} فإذا أنا خلقته فاسجدوا له. فأبوا فأرسل عليهم ناراً فأحرقتهم، ثم خلق ملائكة أخرى فقال {إني خالق بشراً من طين} فإذا أنا خلقته فاسجدوا له. فقالوا: سمعنا وأطعنا إلا إبليس كان من الكافرين الأولين. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن عامر المكي قال: خلق الله الملائكة من نور، وخلق الجان من نار، وخلق البهائم من ماء، وخلق آدم من طين، فجعل الطاعة في الملائكة، وجعل المعصية في الجن والإِنس. وأخرج محمد بن نصر عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أمر آدم بالسجود فسجد فقال:"حديث : لك الجنة ولمن سجد من ذريتك، وأمر إبليس بالسجود فأبى أن يسجد فقال: لك النار ولمن أبى من ولدك أن يسجد ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان عن ابن عمر قال: لقي إبليس موسى فقال: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وكلمك تكلماً إذ تبت؟ وأنا أريد أن أتوب فاشفع لي إلى ربي أن يتوب عليّ قال موسى: نعم. فدعا موسى ربه فقيل "يا موسى قد قضيت حاجتك" فلقي موسى إبليس قال: قد أمرت أن تسجد لقبر آدم ويتاب عليك. فاستكبر وغضب وقال: لم أسجد له حيًّا أسجد له ميتاً؟ ثم قال إبليس: يا موسى إن لك عليّ حقاً بما شفعت لي إلى ربك فاذكرني عند ثلاث لا أهلكك فيهن. اذكرني حين تغضب فإني أجري منك مجرى الدم، واذكرني حين تلقى الزحف فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف. فاذكره ولده وزجته حتى يولي، وإياك أن تجالس امرأة ليست بذات محرم فإني رسولها إليك ورسولك إليها. وأخرج ابن المنذر عن أنس قال: إن نوحاً لما ركب السفينة أتاه إبليس فقال له نوح: من أنت؟ قال: أنا إبليس قال: فما جاء بك؟ قال: جئت تسأل لي ربي هل لي من توبة؟ فأوحى الله إليه: أن توبته أن يأتي قبر آدم فيسجد له قال: أما أنا لم أسجد له حياً أسجد له ميتاً؟ قال: فاستكبر وكان من الكافرين. وأخرج ابن المنذر من طريق مجاهد عن جنادة بن أبي أمية قال: كان أول خطيئة كانت الحسد. حسد إبليس آدم أن يسجد له حين أمر، فحمله الحسد على المعصية. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: ابتدأ الله خلق إبليس على الكفر والضلالة، وعمل بعمل الملائكة، فصيره إلى ما بدئ إليه خلقه من الكفر قال الله {وكان من الكافرين}. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله {وكان من الكافرين} قال: جعله الله كافراً لا يستطيع أن يؤمن.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ} عطفٌ على الظرف الأول منصوبٌ بما نصبه من المُضمَر، أو بناصب مستقلٍ معطوفٍ على ناصبه عطفَ القصة على القصة، أي واذكر وقت قولنا لهم، وقيل: بفعل دل عليه الكلام، أي أطاعوا وقت قولِنا الخ، وقد عرفت ما في أمثاله، وتخصيصُ هذا القول بالذكر مع كون مقتضىٰ الظاهرِ إيرادَه على منهاج ما قبله من الأقوال المحكيةِ المتصلةِ به للإيذان بأن ما في حيّزه نعمةٌ جليلةٌ مستقلة حقيقةٌ بالذكر والتذكيرِ على حِيالها، والالتفاتُ إلى التكلم لإظهار الجلالةِ وتربـيةِ المهابة مع ما فيه من تأكيد الاستقلال، وكذا إظهارُ الملائكة في موضع الإضمار، والكلام في اللام وتقديمِها مع مجرورها على المفعول كما مر، وقرىء بضم تاء الملائكة إتباعاً لضم الجيم في قوله تعالى: {ٱسْجُدُواْ لآِدَمَ} كما قرىء بكسر الدال في قوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ } تفسير : [الفاتحة، الآية 2. وفي سور أخرى] إتباعاً لكسر اللام وهي لغة ضعيفة، والسجودُ في اللغة الخضوعُ والتطامُن، وفي الشرع وضعُ الجبهة على الأرض على قصد العبادة، فقيل: أُمِروا بالسجود له عليه والسلام على وجه التحية تعظيماً له واعترافاً بفضله وأداءً لحق التعليم واعتذاراً عما وقع منهم في شأنه، وقيل: أمروا بالسجود له تعالى وإنما كان آدمُ قِبلةً لسجودهم تفخيماً لشأنه أو سبباً لوجوبه، فكأنه تعالى لما بَرَأه أُنموذَجاً للمُبدَعات كلِّها ونسخةً منطويةً على تعلق العالم الروحاني بالعالم الجُسماني وامتزاجِهما على نمط بديعٍ أمرهم بالسجود له تعالى لما عاينوا من عظيم قدرتِه، فاللام فيه كما في قول حسانَ رضي الله عنه: شعر : أليس أولَ من صلَّى لقِبلتكم وأعرفَ الناسِ بالقرآنِ والسننِ تفسير : أو في قوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ } تفسير : [الإسراء، الآية 78] والأولُ هو الأظهر، وقوله عز وجل: {فَسَجَدُواْ} عطف على قلنا، والفاء لإفادة مسارعتِهم إلى الامتثال وعدمِ تلعثُمِهم في ذلك، رُوي عن وهْب أن أولَ من سجد جبريلُ ثم ميكائيلُ ثم إسرافيلُ ثم عزرائيلُ ثم سائرُ الملائكة عليهم السلام وقوله تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ} استثناءٌ متصل لما أنه كان جنّياً مفرَداً مغموراً بألوف من الملائكة متصفاً بصفاتهم فغَلبوا عليه في فسجدوا، ثم استثني استثناءَ واحدٍ منهم أو لأن من الملائكة جنساً يتوالدون يقال لهم الجنُّ كما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو منهم، أو لأن الجن أيضاً كانوا مأمورين بالسجود له لكن استُغني بذكر الملائكة عن ذكرهم. أو منقطعٌ: وهواسمٌ أعجميٌ ولذلك لم ينصرِف ومن جعله مشتقاً من الإبلاس وهو إلباس قال: إنه مُشبَّهٌ بالعجمة حيث لم يُسمَّ به أحدٌ فكان كالاسم الأعجميّ. واعلم أن الذي تقتضيه هذه الآية الكريمةُ والتي في سورة الأعراف من قوله تعالى: {أية : ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلا إِبْلِيسَ}تفسير : [الأعراف، الآية 11]، والتي في سورة بني إسرائيل وسورة الكهف وسورة طه من قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لاِدَمَ فَسَجَدُواْ} تفسير : [طه، الآية 116]، أن سجودَ الملائكة إنما ترتب على الأمر التنجيزيّ الوارد بعد خلقِه وتسويته ونفخِ الروحِ فيه ألبتة كما يلوح به حكايةُ امتثالِهم بعبارة السجود دون الوقوعِ الذي به ورد الأمرُ التعليقي، ولكن ما في سورة الحِجْرِ من قوله عز وعلا: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّى خَـٰلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَـٰلٍ مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ * فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ } تفسير : [الحجر، الآية 28 و29 و30] وما في سورة ص من قوله تعالى: {أية : إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّى خَـٰلِقٌ بَشَراً مّن طِينٍ }تفسير : [ص، الآية 71] إلى آخر الآية يستدعيان بظاهرهما ترتُّبَه على ما فيهما من الأمر التعليقيِّ من غير أن يتوسط بـينهما شيءٌ ما تُفصحَ عنه الفاءُ الفصيحة من الخلق والتسوية ونفخِ الروحِ فيه عليه السلام. وقد رُوي عن وهْبٍ أنه كان السجود كما نفخ فيه الروح بلا تأخير، وتأويلُ الآيات السابقةِ بحمل ما فيها من الأمر على حكاية الأمرِ التعليقيّ بعد تحققِ المعلَّقِ به إجمالاً، فإنه حينئذ يكون في حكم التنجيز يأباه ما في سورة الأعراف من كلمة ثم المناديةِ بتأخر ورودِ الأمرِ عن التصوير المتأخرِ عن الخلق المتأخر عن الأمر التعليقي، والاعتذارُ بحمل التراخي على الرُتبـيّ أو التراخي في الإخبار، أو بأن الأمرَ التعليقي قبل تحققِ المعلَّق به لمّا كان - في عدم إيجاب المأمور به - بمنزلة العدم جُعل كأنه إنما حدَث بعد تحققه فحُكي على صورة التنجيزِ يؤدي بعد اللتيا والتي إلى أن ما جرى بـينه وبـينهم عليهم السلام في شأن الخلافة وما قالوا فيه وما سمعوا إنما جرىٰ بعد السجود المسبوقِ بمعرفة جلالة منزلتِه عليه السلام وخروجِ إبليسَ من البَـيْن باللعن المؤبد لعِناده، وبعد مشاهدتهم لذلك كله عياناً وهل هو إلا خرقٌ لقضية العقل والنقل، والالتجاءُ في التقصّي عنه - إلى تأويل نفخِ الروحِ بحمله على ما يعُمُّ إفاضةَ ما به حياةُ النفوس التي من جملتها تعليمُ الأسماء - تعسّفٌ يُنبىء عن ضيق المجال. فالذي يقتضيه التحقيقُ ويستدعيه النظمُ الأنيقُ بعد التصفح في مستودعات الكتاب المكنونِ والتفحصِ عما فيه من السر المخزون أن سجودَهم له عليه السلام إنما ترتب على الأمر التنجيزيّ المتفرعِ على ظهور فضلِه عليه السلام المبني على المحاورة المسبوقةِ بالإخبار بخلافته المنتظمِ جميعَ ذلك في سلك ما نيط به الأمرُ التعليقيُّ من التسوية ونفخِ الروحِ، إذ ليس من قضيته وجوبُ السجود عقيبَ نفخِ الروحِ فيه، فإن الفاءَ الجزائيةَ ليست بنصٍّ في وجوب وقوعِ مضمونِ الجزاء عقيبَ وجودِ الشرط من غير تراخٍ، للقطع بعدم وجوبِ السعي عقيبَ النداء، لقوله تعالى: {أية : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ} تفسير : [الجمعة، الآية: 9] الآية، وبعدم وجوب إقامةِ الصلاة غِبَّ الاطمئنانِ لقوله تعالى: {أية : فَإِذَا ٱطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}تفسير : [النساء، الآية 103] بل إنما الوجوبُ عند دخول الوقت. كيف لا والحكمة الداعية إلى ورود ما نحن فيه من الأمر التعليقيِّ إثرَ ذي أثيرٍ إنما هي حملُ الملائكةِ عليهم السلام على التأمُّل في شأنه عليه السلام ليتدبروا في أحواله طراً، ويُحيطوا بما لديه خُبراً، ويستفهموا ما عسى يستَبْهم عليهم في أمره عليه السلام لابتنائه على حِكَم أبـيّة، وأسرارٍ خفية طُويت عن علومهم، ويقفوا على جلية الحال قبل ورود الأمر التنجيزي وتحتُّمِ الامتثال وقد قالوا بحسب ذلك ما قالوا وعاينوا ما عاينوا وعدمُ نظمِ الأمر التنجيزيّ في سلك الأمور المذكورةِ في السورتين عند الحكاية لا يستلزمُ عدمَ انتظامِه فيه عند وقوعِ المحكيِّ كما أن عدمَ ذكر الأمر التعليقي عند حكايةِ الأمرِ التنجيزيِّ في السورة الكريمة المذكورة لا يوجب عدمَ مسبوقيتِه به، فإن حكاية كلامٍ واحدٍ على أساليبَ مختلفةٍ حسبما يقتضيه المقامُ ويستدعيه حسنُ الانتظامِ ليست بعزيزة في الكتاب العزيز، وناهيك بما نقل في توجيه قولِه تعالى: {أية : بَشَرًا} تفسير : [الحجر، الآية 28] مع عدم سبقِ معرفةِ الملائكةِ عليهم السلام بذلك وحيث صِيَر إليه مع أنه لم يرِدُ به نقلٌ فما ظنك بما قد وقع التصريحُ به في مواضعَ عديدةٍ فلعله قد أُلقي إليهم ابتداءً جميعُ ما يتوقف عليه الأمرُ التنجيزيُّ إجمالاً بأن قيل مثلاً إني خالقٌ بشراً من كذا وكذا وجاعل إياه خليفةً في الأرض فإذا سويتُه ونفختُ فيه من روحي وتبـين لكم شأنُه فقعوا له ساجدين، فخلقه فسواه ونفخ فيه الروح، فقالوا عند ذلك ما قالوا أو ألقي إليهم خبرُ الخلافة بعد تحقق الشرائطِ المعدودة بأن قيل إثرَ نفخِ الروح فيه إني جاعلٌ هذا خليفة في الأرض فهناك ذكروا في حقه عليه السلام ما ذكروا، فأيده الله عز وجل بتعليم الأسماءِ فشاهدوا منه ما شاهدوا، فعند ذلك ورد الأمرُ التنجيزيّ اعتناءً بشأن المأمور به وتعيـيناً لوقته، وقد حُكي بعضُ الأمور في بعض المواطنِ وبعضُها في بعضِها اكتفاءً بما ذكر في كل موطنٍ عما تُرك في موطن آخرَ. والذي يحسم مادةَ الاشتباهِ أن ما في سورة ص من قوله تعالى: {أية : إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ} تفسير : [ص، الآية 71] الخ، بدل من قوله تعالى: {إِذْ يَخْتَصِمُونَ} فيما قبله من قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِىَ مِنْ عِلْمٍ بِٱلْمَـَلإِ ٱلأعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ}تفسير : [ص، الآية 69] أي بكلامهم عند اختصامِهم والمرادُ بالملأ الأعلى الملائكةُ وآدمُ عليهم السلام وإبليسُ حسبما أطبق عليه جمهورُ الأمة، وباختصامهم ما جرى بـينهم في شأن خلافةِ آدمَ عليه السلام من التقاوي الذي من جملته ما صدر عنه عليه السلام من الإنباء بالأسماء ومن قضية البدلية وقوعُ الاختصامِ المذكورِ في تضاعيف ما ذكر فيه تفصيلاً من الأمر التعليقيّ، وما عُلِّق به من الخلق والتسويةِ ونفخِ الروحِ فيه وما ترتب عليه من سجود الملائكةِ عليهم السلام وعنادِ إبليسَ وما تبِعه من لعنه وإخراجِه من بَـيْن الملائكة، وما جرى بعده من الأفعال والأقوال، وإذ ليس تمامُ الاختصامِ بعد سجودِ الملائكة ومكابرةِ إبليسَ المستتبعةِ لطرده من بـينهم لما عرفتَ من أنه أحدُ المختصِمين كما أنه ليس قبل الخلق ضرورةَ استحالةِ الإنباءِ بالأسماء حينئذ، فهو إذن بعد نفخِ الروحِ وقبل السجود حتماً بأحد الطريقين والله سبحانه أعلمُ بحقيقة الأمر. {أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ} استئنافٌ مبـين لكيفية عدمِ السجود المفهوم من الاستثناء وأنه لم يكن للتردد أو للتأمل والإباءُ الامتناعُ بالاختيار، والتكبرُ أن يرى نفسه أكبرَ من غيره، والاستكبارُ طلب ذلك بالتشبّع، أي امتنع عما أُمر به واستكبر من أن يعظِّمه أو يتخذه وصلةً في عبادة ربِّه، وتقديمُ الإباءِ على الاستكبار مع كونه مسبِّباً عنه لظهوره ووضوحِ أثرِه واقتُصر في سورة ص على ذكر الاستكبار اكتفاءً به، وفي سورة الحجر على ذكر الإباءِ حيث قيل أبى أن يكون مع الساجدين {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي في علم الله تعالى، إذ كان أصلُه من كفرة الجنِّ فلذلك ارتكب ما ارتكبه على ما أفصح عنه قولُه تعالى: {أية : كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } تفسير : [الكهف، الآية 50] فالجملةُ اعتراضيةٌ مقرِّرةٌ لما سبق من الإباء والاستكبار، أو صار منهم باستقباح أمرِه تعالى إياه بالسجود لآدمَ عليه السلام زعماً منه أنه أفضلُ منه، والأفضلُ لا يُحسِنُ أن يؤمَرَ بالخضوع للمفضول كما يفصح عنه قوله: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ} تفسير : الأعراف، الآية 12] حين قيل له: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَـٰلِينَ} تفسير : [ص، الآية 75] لا بترك الواجب وحده، فالجملةُ معطوفة على ما قبلها، وإيثارُ الواو على الفاء للدلالة على أن محضَ الإباءِ والاستكبارِ كفرٌ لا لأنهما سببان له كما تفيده الفاء.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ} قال ابن عطاء: لما استعظموا تسبيحهم وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره؛ يريهم استغناءه عنهم وعن عباداتهم. وقال بعض العراقيين: ورد الخطاب على أسرار الملائكة فهم عاجزون عن المخالفة، ورد على سر إبليس وهو عاجز عن الموافقة.

القشيري

تفسير : السجود لا يكون عبادة لِعَيْنهِ ولكن لموافقة أمره سبحانه، فكأن سجودَهم لآدم عبادةٌ لله؛ لأنه كان بأمره، وتعظيماً لآدم لأنه أمرهم به تشريفاً لشأنه، فكأن ذلك النوعَ خضوعٌ له ولكن لا يسمى عبادة، لأن حقيقة العبادة نهاية الخضوع وذلك لا يصحُّ لغيره سبحانه. ويقال بَيَّن أن تقدُّسَه - سبحانه - بجلاله لا بأفعالهم، وأن التَجمُّلَ بتقديسهم وتسبيحهم عائدٌ إليهم، فهو الذي يجل من أَجَلَّه بإجلاله لا بأفعالهم، ويعز من أعزَّ قدره سبحانه بإعزازه، جَلَّ عن إجلال الخلق قدْرُه، وعزّ عن إعزاز الخَلْق ذِكْرُه. قوله تعالى: {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ} أبى بقلبه، واستكبر عن السجود بنفسه، وكان من الكافرين في سابق حكمه وعلمه. ولقد كان إبليس مدةً في دلال طاعته يختال في صدار موافقته، سلَّموا له رتبة التقدم، واعتقدوا فيه استحقاق التخصيص، فصار أمره كما قيل: شعر : وكان سراج الوصل أزهر بيننا فهبَّت به ريحٌ من البيْن فانطفا تفسير : كان يحسب لنفسه استيجاب الخيرية، ويحسب استحقاق الزلفة والخصوصية: شعر : فبات بخير والدني مطمئنة وأصبح يوماً والزمان تقلبا تفسير : فلا سالِفَ طاعةٍ نَفَعَه، ولا آنِفَ رجعةٍ رفعه، ولا شفاعةَ شفيعٍ أدركتهْ، ولا سابقَ عنايةٍ أَمْسكتهْ. ومن غَلَبَه القضاء لا ينفعه العناء. ولقد حصلت من آدم هفوة بشرية، فتداركتهْ رحمة أحدية، وأما إبليس فأدركته شقوة أزلية، وغلبته قسمة وقضية. خاب رجاؤه، وضلَّ عناؤه.

البقلي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} البس الملائكة لباس العبودية فاَعجبوا بعبادتهم والبس الربوبيّة ورقهم عليه طراز صفاته وعَرَضه على الملائكة فراوة ملتبساً الحق فخجلوا عن تعجبهم بعبادتهم فاَمُرهم الله بسجود ادم تغييرا لهم وتعليماً انّ عبادتهم لا يزيد بالربوبيّة ولا نيقض عن الالوهيّة وايضا لما خلقه بخلقه وصوره بصورته والبَسَه انواره ونفخ فيه من روحه سُكنضهَ جنته واجلسَه على سرير ململكته فاسجدوا ملائكته حتى اكمل له في العبوديّة صفات الربوبيّة فلما سجدا الملائكة لادم فابى ابليس عن السجود لان الملائكة راو فيه سر الله تعالى وعليه لباس الله مصبوغاً بصبغ الله ولم يَرَا ابليس ما كشف لهم فابى واستكبر من غَضبِ الله عليه وكان من الكافرين اي في سابق عمله من المطرودين وقال ابن عطا لما استغظموا تسبيحهم وتقديسهم اَمَرَهم بالسجود غيره يريهم به استغناه عنهم وبمن عبادتهم قال الحسن بن منصوب لما قيل الابليس سجد لادم خاطب الحق فقال رفع شرف السجود عن سرّى الا لك في السجود حتى اسجد له ان كنت امرتنى فقد نهيتنى فقال له فانى اعذبك عذاب الابد فقال ولسَتُ ترانى في عذابك لى قال بلى فقال فرويتك لى تحملني على رؤية العذاب افعل بى ما شئت فقال اجعَلك رحيماً قال ابليس وليس لم يحامد سوى غيرك افعل بى ما شئتَ.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ قلنا} اى اذكر يا محمد وقت قولنا {للملائكة} اى لجميعهم لقوله تعالى {أية : فسجد الملائكة كلهم أجمعون}تفسير : [ص: 73] {اسجدوا لآدم} اى خروا له والسجود فى الاصل تذلل مع تطامن وفى الشرع وضع الجبهة على قصد العبادة والمأمور به اما المعنى الشرعى فالمسجود له فى الحقيقة هو الله تعالى وجعل آدم قبلة سجودهم تفخيما لشأنه واما معنى اللغوى وهو التواضع لآدم تحية وتعظيما كسجود اخوة يوسف له وكان سجود التحية جائز فيما مضى ثم نسخ بقوله عليه السلام لسلمان حين أراد ان يسجد له "حديث : لا ينبغى لمخلوق ان يسجد لاحد الا الله تعالى ولو امرت احدا ان يسجد لاحد لامرت المرأة ان تسجد لزوجها"تفسير : فتحية هذه الامة هى السلام لكن يكره الانحناء لانه يشبه فعل اليهود كما فى الدرر وكان هذا القول الكريم بعد انبائهم بالاسماء قيل لما خلق آدم اشكل عليهم ان آدم اعلم ام هم فلما سألهم عن الاسماء فلم يعرفوا وسأل آدم فاخبر بها ظهر لهم ان آدم اعلم منهم ثم اشكل عليهم انه افضل ام هم فلما امرهم بالسجود ظهر لهم فضله ومن لطف الله تعالى بنا ان امر الملائكة بالسجود لا بينا ونهانا عن السجود لغيره فقال {أية : لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدو لله الذى خلقهن}تفسير : [فصلت: 37]. نقل الملائكة المقربين الى آدم وسجدته ونقلنا الى سجدته وخدمته وفى التأويلات النجمية فى قوله {اسجدوا} ثلاثة معان. احدها انكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية والروحانية فاسجدوا لآدم خلافا للطبيعة بل اعبدوا وارقوا انقيادا للامر وامتثالا للحكم. والثانى اسجدوا لآدم تعظيما لشأن خلافته وتكريما لفضيلته المخصوصة به وذلك لان الله تعالى يتجلى فيه فمن سجد له فقد سجد لله كما قال تعالىفى حق حبيبه عليه السلام {أية : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}تفسير : [الفتح: 10]. والثالث اسجدوا لآدم اى لاجل آدم وذلك لان طاعتهم وعبادتهم ليست بموجبة لثوابهم وترقى درجاتهم وفائدتها راجعة الى الانسان لمعنيين. احدهما ان الانسان يقتدى بهم فى الطاعة ويتأدب بآدابهم فى امتثال الاوامر وينزجر عن الاباء والاستكبار كيلا يلحق به اللعن والطرد كما لحق بابليس ويكون مقبولا ممدوحا مكرما كما كان الملائكة فى امتثال الامر لقوله تعالى {أية : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}تفسير : [التحريم: 6]. والثانى ان الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الانسان جعل همة الملائكة فى الطاعة والتسبيح والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للانسان كما قال تعالى {أية : والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن فى الأرض}تفسير : [الشورى: 5]. فلذلك امرهم بالسجود لاجلهم وليستغفروا لهم {فسجدوا} اى سجد الملائكة لانهم خلقوا من نور كما قال عليه السلام "حديث : خلقت الملائكة من نور"تفسير : والنور من شانه الانقياد والطاعة واول من سجد جبرائيل فاكرم بانزال الوحى على النبيين وخصوصا على سيد المرسلين ثم ميكائيل ثم اسرافيل ثم عزرائيل ثم سائر الملائكة وقيل اول من سجد اسرافيل فرفع رأسه وقد ظهر كل القرآن مكتوبا على جبهته كرامة له على سبقه الى الائتمار. والفاء فى قوله فسجدوا لافادة مسارعتهم الى الامتثال وعدم تلعثمهم فى ذلك {الا ابليس} اى ما سجد لانه خلق من النار والنار من شأنها الاستكبار وطلب العلو طبعا وللعلماء فى هذا الاستثناء قولان. الاول انه استثناء متصل لان ابليس كان جنيا واحدا بين وللعلماء فى هذا الاستثناء قولان. الاول انه استثناء متصل لان ابليس كان جنيا واحدا بين اظهر الالوف من الملائكة مغمورا بهم تصفا بصفاتهم فغلبوا عليه فى قوله فسجدوا ثم استثنى منهم استثناء واحد منهم واكثر المفسرين على ان ابليس من الملائكة لان خطاب السجود كان مع الملائكة قال البغوى وهو الاصح. قال فى التيسير اما وصف الملائكة بانهم لا يعصون ولا يستكبرون فذلك دليل تصور العصيان منهم ولولا التصور لما مدحوا به لكن طاعتهم طبع وعصيانهم تكلف وطاعة البشر تكلف ومتابعة الهوى منهم طبع ولا يستنكر من الملائكة تصور العصيان فقد ذكر من هاروت وماروت ما ذكر: قال فى المثنوى شعر : امتحان مى كرد شان زير وزبر كى بود سرمست را زاينها خبر تفسير : والقول الثانى انه منقطع لانه لم يكن من الملائكة بل كان من الجن بالنص قال تعالى {أية : كان من الجن ففسق عن أمر ربه}تفسير : [الكهف: 50]. وعن الحافظ ان الجن والملائكة جنس واحد فمن طهر منهم فهو ملك ومن خبث فهو شيطان ومن كان بين بين فهو جن {ابى} اى امتنع عما امره به من السجود والاباء امتناع باختيار {واستكبر} اى تعظم واظهر كبره ولم يتخذه وصلة فى عبادة ربه او تعظيمه وتلقيه بالتحية والتكبر ان يرى الرجل نفسه اكبر من غيره والاستكبار طلب ذلك بالتشبع اى بالتزين بالباطل وبما ليس له وتقديم الاباء على الاستكبار مع كونه مسببا عنه لظهوره ووضوح اثره: قال المثنوى شعر : اين تكبر جيست غفلت ازلباب منجمد جون غفلت يخ ز آفتاب جون خبر شد ز آفتابش يخ نماند نرم كشت وكرم كشت وتيز راند تفسير : قالوا لما سجد الملائكة امتنع ابليس ولم يتوجه الى آدم بل ولاه ظهره وانتصب هكذا الى ان سجدوا وبقوا فى السجود مائة سنة وقيل خمسمائة سنة ورفعوا رؤوسهم وهو قائم معرض لم يندم من الامتناع ولم يعزم على الاتباع فلما رأوه عدل ولم يسجد وهم وفقوا للسجود سجدوا لله تعالى ثانيا فصار لهم سجدتان سجدة لآدم وسجدة لله تعالى وابليس يرى ما فعلوه وهذا اباؤه فغير الله تعالى صفته وحالته وصورته وهيئته ونعمته فصار اقبح من كل قبيح قال الله تعالى {أية : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}تفسير : [الرعد: 11] قال بعضهم جعل ممسوخا على مثال جسد الخنازير ووجهه كالقردة وللشيطان نسل وذرية والممسوخ وان كان لا يكون له نسل لكن لما سأل النظرة والنظر صار له نسل. وفى الخبر قيل له من قبل الحق اسجد لقبر آدم أقبل توبتك واغفر معصيتك فقال ما سجدت لقالبه وجئته فكيف اسجد لقبره وميتته. وفى الخبر ان الله تعالى يخرجه على رأس مائة الف سنة من النار ويخرج آدم من الجنة ويأمره بالسجود لآدم فيأبى ثم يرد الى النار {وكان من الكافرين} اى فى علم الله تعالى او صار منهم باستقباحه امر الله اياه بالسجود لآدم اعتقادا بانه افضل منه والافضل لا يحسن ان يؤمر بالتخضع للمفضول والتوصل به كما اشعر به قوله {انا خير منه} جوابا لقوله تعالى {أية : ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى أستكبرت أم كنت من العالين} تفسير : [ص: 75] لا بترك الواجب وحده ومذهب اهل السنة ان الشقى قد يسعد والسعيد قد يشقى فالكافر اذا اسلم كان كافرا الى وقت اسلامه وانما صار مسلما باسلامه الا انه غفر له ما سلف والمسلم اذا كفر والعياذ بالله كان مسلما الى ذلك الوقت الا انه حبط عمله ثم انما قال من الكافرين ولم يكن حينئذ كافر غيره لانه كان فى علم الله ان يكون بعده كفار فذكر انه كان من الكافرين اى من الذين يكفرون بعده وهذا كما فى قوله {أية : فتكونا من الظالمين} تفسير : [البقرة: 35] ومن فوائد الآية استقباح الاستكبار وانه قد يفضى بصاحبه الى الكفر والحث على الائتمار لامره وترك الخوض فى سره وان الامر للوجوب وان الذى علم الله من حاله انه يتوفى على الكفر هو الكافر على الحقيقة اذ العبرة بالخواتم وان كان بحكم الحال مؤمنا وهى مسئلة الموافاة اى اعتبار تمام العمر الذى هو وقت الوفاة فاذا كان العبرة بالخاتمة فليسارع العبد الى الطاعات فكل ميسر لما خلق له خصوصا فى آخر السنة وخاتمتها كى يختم له الدفتر بالعمل الصالح. قالت رابعة العدوية لسفيان الثورى رحمهما الله انما انت ايام معدودة فاذا ذهب يوم ذهب بعضك ويوشك اذا ذهب البعض ان يذهب الكل وانت تعلم فاعمل واعتبر ولا تقل ذهب لى درهم ودينار وسقط لى مال وجاه بل قل ذهب يومى ماذا عملت فيه فان باليوم ينقضى العمر. واحتضر عابد فقال ما تأسفى على دار الاحزان وانما تأسفى على ليلة نمتها ويوم افطرته وساعة غفلت فيها عن ذكر الله تعالى. حديث : وعن العلاء بن ذياد قال ليس يوم يأتى من ايام الدنيا الا يتكلم ويقول ايها الناس انى يوم جديد وانا على ما يعمل فى شهيد وانى لو غربت شمسى لم ارجع اليكم الى يوم القيامة. قيل يا رسول الله من خير الناس قال "من طال عمره وحسن عمله" قيل قاى الناس شر قال "من طال عمره وساء عمله وخيف شره ولم يرج خيره"تفسير : قال الحسن لجلسائه يا معشر الشيوخ ما ينتظر بالزرع اذا بلغ قالوا الحصاد قال يا معشر الشباب فان الزرع قد تدركه الآفة قبل ان يبلغ وانشد بعضهم شعر : ألا مهد لنفسك قبل موت فان الشيب تمهيد الحمام وقد جد الرحيل فكن مجدا لحط الرحل فى دار المقام تفسير : وعن الحسن قال ابن آدم لا تحمل هم سنة على يوم كفى يومك بما فيه فان تكن السنة من عمرك يأتك الله فيها برزقك والاتكن من عمرك فاراك تطلب ما ليس لك. وعن ابى الدرداء رضى الله عنه قال ما طلعت شمس الا وبجنبتيها ملكان يناديان وانهما ليسمعان من على ظهر الارض غير الثقلين يا ايها الناس هلموا الى ربكم ان ما قل وكفى خير ما كثر وألهى وما غربت. شمس قط الا وبجنبتيها ملكان يناديان وانهما ليسمعان من على ظهر الارض غير الثقلين اللهم عجل لمنفق خلفا وعجل لممسك تلفا: قال فى المثنوى شعر : نان دهى ازبهر حق نانت دهند جان دهى ازبهر حق جانت دهند

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إذ} ظرف للماضي، ضد إذا، وهي معمولة لفعل مقدر، يفسره قوله تعالى:{أية : وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ}تفسير : [الأعرَاف: 86]، فحيثما وردت في القرآن فيقدر له "اذكر"، والاستثناء متصل؛ إذا قلنا إبليس من الملائكة، ومنقطع؛ إذا قلنا من الجن. والله تعالى أعلم. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكر {إِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ}، لام تبينت فضيلة، آدم أمرهم بالسجود، فقال لهم: {اسْجُدُوا لآدَمَ} سجود انحناء، {فَسَجَدُوا} كلهم، لأنهم شهدوا الجمع ولم يشهدوا الفرق، فرأوا آدم قِبْلَةً، أو نوراً من أنوار عظمته، {إلاَّ إِبْليسَ} أي: امتنع؛ حيث نظر الفرق بحكمة الواحد القهار، فاستبكر {وكان} من جملة {الْكَافِرِينَ}. وكفره باعتراضه على الله وتسفيه حكمه، لا بامتناعه؛ إذ مجرد المعصية لا تكفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: إذا كمل تصفية الروح، وظهر شرفها، خضع لها كل شيء، وتواضع لها كل شيء، وانقاد لأمرها من سبقت له العناية، وهبت عليه ريح الهداية، لأنها صارت آدم الأكبر، إلا من إبلسته المشيئة، وطردته القدرة، فاستبكر عن تحكيم جنسه على نفسه، وكان من الكافرين لوجود الخصوصية، جزاؤه حرمان شهود طلعة الربوبية، وهبوطه إلى حضيض العمومية.

الطوسي

تفسير : القراءة: ضم التاء من الملائكة ابو جعفر وحده وحيث وقع اتبع التاء ضمة الجيم. وقيل: انه نقل ضمة الهمزة وابتدا بها والأول اقوى، لأن الهمزة الف وصل تسقط في الدرج فلا يبقى فيها حركة تنقل فالوجه الاول هو المعتمد عليه والصحيح ما عليه القراء من كسر التاء بلام الجر و {إبليس} نصب بالاستثناء من الاثبات ويكره الوقف على قوله: {فسجدوا} وعلى {إلا} حتى يقول: {إلا إبليس} وكذلك كل استثناء وظاهر الآية يقتضي ان الأمر كان لجميع الملائكة بالسجود، لعمومها. وقال قوم: إن الامر كان خاصاً بطائفة من الملائكة كانوا مع ابليس طهر الله بهم الارض من الجن والأول اقوى اللغة: والسجود والخضوع والتذلل بمعنى واحد في اللغة. ونقيض التذلل التكبر يقال سجد يسجد سجودا، واسجد اسجادا: إذا خفض رأسه من غير وضع لجبهته. قال الشاعر: شعر : وكلتاهما خرت واسجد رأسها كما سجدت نصرانة لم تحنف تفسير : والسجود في الشرع: عبارة عن عمل مخصوص في الصلاة ـ والركوع والقنوت كذلك ـ وهو وضع الجبهة على الأرض. ويقال سجدنا لله سجوداً. وقوم سجد ونساء سجد. والسجد من النساء: الفاترات الأعين قال الشاعر: شعر : أغرك مني ان ذلك عندنا واسجاد عينيك الصيودين رابح تفسير : وعزائم السجود من ذلك. وقوله: {وإن المساجد لله} قيل: إنه السجود وقيل: إنه المواضع من الجسد التي يسجد عليها. واحدها مسجد والمسجد اسم جامع لجميع المسجد وحيث لا يسجد بعد ان يكون أخذ لذلك. فاما المسجد من الارض فهو موضع السجود بعينه. وقال قوم: معنى السجود في اصل اللغة: الخضوع والانحناء، وقيل التذلل. قال الشاعر: شعر : بجمع يقل البلق في حجراته ترى الاكم فيه سجداً للحوافر تفسير : كأنه قال مذللة للحوافر. والسجود على اربعة اقسام: سجدة الصلاة وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر وسجدة السهو. وقوله: {أبى} معناه ترك وامتنع. والاباء والامتناع والترك بمعنى (واحد) ونقيض أبى أجاب. يقال أبى يأبى إباء. وتأبى تأبيا. قال صاحب العين: أبى يأبى إباه إذا ترك الطاعة ومال إلى المعصية. كقوله: {فكذب وأبى} وكل من ترك أمراً ورده فقد أباه. ورجل أبي وقوم أبيون وأباة قال الشاعر: شعر : اباة الضيم من قوم اباة تفسير : وليس الاباء بمعنى الكراهة، لأن العرب تتمدح بأنها تأبى الضيم ولا تتمدح في كراهة الضيم، وانما المدح في المنع منه. كقوله: {ويأبى الله إلا أن يتم نوره} أي يمنع الكافرين من اطفاء نوره. والاستكبار والتكبر، والتعظم والتجبر نظائر. وضدها التواضع. يقال كبر كبراً، وأكبر اكباراً، واستكبر استكباراً، وتكبر تكبراً، وتكابر تكابراً وكابره مكابرة، وكبره تكبرا قال صاحب العين: الكبر: العظمة. والكبر والكبر: الاثم الكبير جعل اسما من الكبيرة. كالخطيئة والخطىء. وكبر كل شيء معظمه. والكبر مصدر الكبير في السن من جميع الحيوان. فاذا أردت الأمر العظيم قلت كبر: كبر هذا الأمر كبارة. والكبار في معنى الكبير. ويقال اكبرت الشيء: اذا أعظمته. ومنه قوله: {فلما رأينه أكبرنه} والتكبير في الصلاة تفعيل من قولهم: الله اكبر. واصل الباب الكبر وهو العظم. ويقال على وجهين: كبر الجثة وهو الأصل وذلك لا يجوز عليه تعالى وكبر الشأن والله تعالى الكبير من كبر الشأن. وذلك يرجع إلى سعة مقدوره ومعلومه وتحقيقه انه قادر على ما لا يتناهى من جميع الاجناس المقدورات. وعالم بكل معلوم. والاستكبار: الأنفة مما لا ينبغي أن يوقف منه. وموضع {إذ} من قوله: {وإذ قلنا} نصب، لأنه عطف على {إذ} الأولى كأنه قال: واذ أراد. وقال ابو عبيدة لا موضع لها من الاعراب لأنها زائدة. وانشد: شعر : حتى اذا أسلكوهم في قتائدة شلا كما تطرد الجمالة الشردا تفسير : وقال: المراد واستشهد به على وجهين كل واحد منهما نقيض الآخر. فأحد الوجهين قوله: {حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها} فلم يأت {إذ} جواب والوجه الآخر فيه على زيادة {إذ} في هذا الموضع وكلا الوجهين خطأ عنده، لأن الجواب في قوله: قتائدة. هو قوله: شلاً بوقوعه موقع: شلوهم شلا كما يقول القائل: إذا أتيت الحرب، فضربا وطعنا. وأما الزيادة فقد بينا وجه الخطأ فيها فيما تقدم. واختلفوا في امر الملائكة والسجود لآدم على وجهين: قال قوم: انه امرهم بالسجود له تكرمة وتعظيما لشأنه. ـ وهو المروي في تفسيرنا واخبارنا ـ وهو قول قتادة وجماعة من اهل العلم. واختاره ابن الاخشيد والرماني وجرى ذلك مجرى قوله: {أية : وخروا له سجدا} تفسير : في اولاد يعقوب، ولأجل ذلك جعل اصحابنا هذه الآية دلالة على أن الانبياء افضل من الملائكة من حيث امرهم بالسجود له والتعظيم على وجه لم يثبت ذلك لهم بدلالة امتناع إبليس من السجود له وانفته من ذلك وقوله: {أية : قال أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ لأن أَخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريتة إلا قليلا} تفسير : لو كان ذلك على وجه كونه قبلة لما كان لذلك وجه، ولا فيه أنفة ولا يحسن أن يؤمر الفاضل بتعظيم المفضول على نفسه، لأن ذلك سفه به. وسنبين قول من خالف فيه وشبههم وقال الجبائي والبلخي وجماعة أنه جعله قبلة لهم فامرهم بالسجود إلى قبلتهم. وفيه ضرب من التعظيم له وهذا ضعيف، لأنه لو كان على وجه القبلة لما امتنع ابليس من السجود، ولما استعظمته الملائكة، ولكن لما أراد ذلك تعظيما له على وجه ليس بثابت لهم، امتنع ابليس وتكبر. واختلفوا في ابليس هل كان من الملائكة ام لا؟ فقال ابن عباس وابن مسعود وابن المسيب وقتادة وابن جريح والطبرى: إنه كان منهم بدلالة استثنائه من جملتهم ها هنا في قوله: {إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} وقال: {ما منعك أن تسجد لما أمرتك} مع قوله: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) والظاهر في تفاسيرنا، ثم اختلف من قال: إنه كان منهم: فمنهم من قال: إنه كان خازناً على الجنان، ومنهم من قال: كان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الأرض، ومنهم من قال: إنه كان يسوس ما بين السماء إلى الأرض وقال الحسن البصري وقتادة في رواية ابن زبد والبلخي والرماني وغيره من المتأخرين: انه لم يكن من الملائكة وان الاستثناء في الآية استثناء منقطع كقوله تعالى: {أية : ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} تفسير : وقوله: {أية : فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون إلا رحمة منا} تفسير : وكقوله: {أية : لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم} تفسير : وكقول الشاعر ـ وهو النابغة - شعر : وقفت فيها اصيلا كي اسائلها اعيت جوابا وما بالربع من احد إلا الأواري لأياً ما ابينها والئوي كالحوض بالمظلومة الجلد تفسير : وانشد سيبويه: شعر : والحرب لا يبقى لجاحمها التخيل والمراح إلا الفتى الصبار في النجدات والفرس الوقاح تفسير : وقال آخر: شعر : وبلدة ليس بها انيس إلا اليعافير وإلا العيس تفسير : واستدل الرماني على أنه لم يكن من الملائكة باشياء: منها ـ قوله: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} فنفى عنهم المعصية نفياً عاما. والثاني ـ انه قال: {إلا إبليس كان من الجن} ومتى اطلق لفظ الجن لم يجز أن يعنى به إلا الجنس المعروف المباين لجنس الانس والملائكة. والثالث ـ ان ابليس له نسل وذرية. قال الحسن: إبليس ابو الجن كما أن آدم ابو الانس. وابليس مخلوق من النار والملائكة روحانيون خلقوا من الريح في قول ابي علي ـ وقال الحسن: خلقوا من النار لا يتناسلون ولا يطعمون ولا يشربون. وقال الله في إبليس وولده: {أتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو}. والرابع ـ وهو اقوى ما عنده ـ قوله تعالى: {جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} فعمها بالوصف بالرسالة. ولا يجوز على رسل الله أن يكفروا أو يفسقوا كالرسل من البشر. والجواب عما ذكره اولا: إن قوله: {لا يعصون الله ما أمرهم} صفة لخزنة النيران، لا جميع الملائكة. يدل على ذلك قوله: {أية : يا آيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}. تفسير : وليس إذا كان هؤلاء معصومين وجب ذلك في جميعهم. والجواب عما ذكره ثانيا: ان قوله: كان من الجن معناه صار. ذكر ذلك الأخفش وجماعة من اهل اللغة. وقيل ايضاً: إن ابليس كان من طائفة من الملائكة يسمون جنا من حيث كانوا خزنة الجنة. وقيل سموا بذلك لاختفائهم عن العيون. كما قال اعشى قيس بني ثعلبة: شعر : ولو كان شيء خالداً أو معمراً لكان سليمان البريء من الدهر براه إلهي واصطفاه عباده وملكه ما بين ثرْيا إلى مصر وسخر من جن الملائك تسعة قياماً لديه يعملون بلا أجر تفسير : وقد قال الله تعالى: {أية : وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا}،تفسير : لأن قريشاً قالت: الملائكة بنات الله. والجواب عما ذكره ثالثاً من أن إبليس له نسل، طريقه الآحاد، ولو كان صحيحاً، لم يمنع ان يكون الله ركب فيه شهوة النكاح تغليظاً عليه في التكليف وإن لم يكن ذلك في باقي الملائكة، فلا وجه لاستبعاده. والجواب عما ذكره رابعاً قوله {أية : جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة} تفسير : فمعارض بقوله: {أية : الله يصطفي من الملائكة رسلا} تفسير : فان كان ظاهر تلك يقتضي العموم فظاهر هذه يقتضي التخصيص، لأن {من} للتبعيض، ولو لم يكن كذلك، لجاز لنا أن نخص هذا العموم بقوله: {إلا إبليس} لأن حمل الاستثناء على أنه منقطع حمل له على المجاز. كما أن تخصيص العموم مجاز، واذا تعارضا، سقطا فأما ما روي عن ابن عباس أن الملائكة كانت تقاتل الجن، فسبي إبليس، وكان صغيرا مع الملائكة، فتعبد معها. فلما أمروا بالسجود لآدم، سجدوا إلا إبليس ابى، فلذلك قال الله تعالى: {إلا إبليس كان من الجن} فانه خبر واحد لا يصح. والمعروف عن ابن عباس ما قلناه أنه كان من الملائكة فأبى واستكبر وكان من الكافرين. ومن قال إن إبليس خلق من نار ومن مارج والملائكة لم يخلقها من ذلك فقوله ضعيف، لأنه لا يمنع أن يكون الله تعالى خلق الملائكة اصنافاً: صنفاً من نار، وصنفاً من نور، وصنفاً من غير ذلك، وصنفاً آخر لا من شيء، فاستبعاد ذلك ضعف معرفة. (وإبليس) قال الزجاج والرماني وغيرهما من النحويين انه ليس بمأخوذ من الابلاس كقوله {مبلسون} أي: آيسون من الخير قالوا: لأنه أعجمي معرب بدلالة أنه لا ينصرف للعجمة والتعريف. وقال الطبري: هو مشتق من الابلاس ووزنه افعيل وأنشد العجاج: شعر : يا صاح هل تعرف رسماً مكرسا قال نعم أعرفه وأبلسا تفسير : وقال رؤبة: شعر : وحضرت يوم الخميس الأخماس وفي الوجوه صفرة وابلاس تفسير : يعني اكتئاباً وكسوفاً. وقال: إنما لم يجر استثقالا، من حيث كان اسماً لا نظير له من أسماء العرب فشبه باسماء العجم التي لا تنصرف. وزعم ان اسحاق لا ينصرف وهو من أسحقه الله إسحاقاً، وأن أيوب من أبّ يئوب على زنة فعول كقيوم من قام يقوم. قال الرماني: غلط في جميع ذلك، لأنها الفاظ أعربت من العجميه ووافقت الفاظ العربية. وكان ابن السراج يمثل ذلك ـ على جهة التبعيد ـ بمن زعم ان الطير ولد الحوت وغلط أيضاً في قوله انه لا نظير له في اسماء العرب، لأنهم يقولون: إزميل للشفرة، قال الشاعر: شعر : هم منعوا الشيخ المناجي بعد ما رأي حمة الازميل فوق البراجم تفسير : والاعريض: الطلع، واحريض: صبغ أحمر، وقالوا: هو العصفر، وسيف اصليت: ماض كثير الماء، وثوب اضريج: مشبع الصبغ، وقالوا: هو من الصفرة خاصة. وسبيل ابليس سبيل (انجيل) في انه معرب غير مشتق. وحد الاستكبار الرفع للنفس إلى منزلة لا تستحق. قوله: {وكان من الكافرين} قال قوم: يدل على أنه كان قبله قوم كفار من الجن. وقال آخرون لا يدل، ويجري ذلك مجرى قول القائل: كان آدم من الانس، ولم يكن قبله انسي وكان إبليس من الجن ولم يكن قبله جني، ومعناه: صار من الكافرين. ومن قال ان ابليس كان من جملة الملائكة، قال: كان من جملة المأمورين بالسجود لآدم بدلالة قوله: {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك}؟ ولأنه استثناه من جملتهم ولم يكن منهم، علمنا انه كان من جملة المأمورين كقول القائل: أمر أهل البصرة بدخول الجامع فدخلوا إلا رجلا من أهل الكوفة، فانه يعلم بهذا ان غير اهل البصرة كان مأموراً بدخول الجامع غير ان أهل البصرة كانوا اكثر فلذلك خصوا بالذكر، وكذلك القول في الآية. ومن استدل بهذه الآية على أن أفعال الجوارح من من الايمان من حيث لو لم يكن كذلك، لوجب ان يكون إبليس مؤمناً بما معه من المعرفة بالله وان فسق بابائه، فقد أبعد، لأن المخالف يقول: اذا علمت كفره بالاجماع علمت انه لم يكن معه إيمان اصلا، كما اذا رأيت انه يصلي للشمس علمت ان معه كفراً، وان كانت، صلاته للشمس ليست كفراً. فان قيل: اذا كانت {إذ} لما مضى، فما معنى قوله: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله}؟ وكيف قال: {وإذ يتحاجون في النار}؟ قيل: معنى ذلك كله على تقدير الاستقبال لأن ما تحقق بمنزلة ما قد كان، كما قال: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة}.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : هذه نعمة رابعة من نعم الله في حقّ الإنسان، المعدودة في هذه الآيات التي أُولاها ما في قوله: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً} تفسير : [البقرة:28] - الآية - . وثانيتها: ما في قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [البقرة:29]. والنعمة الثالثة: ما في قوله: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}تفسير : [البقرة:30]. والظرف معطوف على الظرف السابق إن نصبته بمضمر، وإلاّ فهو معطوف بما يقدّر عاملا فيه على الجملة المتقدّمة، بل القصّة بأسرها على القصّة الأخرى. لمّا أنبأ آدم (عليه السلام) الملائكة بالأسماء الحسنى بحسب مقامه الجمعي، وعلّمهم ما لم يعلموا - إذ لم تعط نشأتهم ذوقاً ووجداناً- ، أمَرهم الله بالسجود له عندما سوّاه ونفخ فيه من روحه، وكان الأمر به إيّاهم قبل تسويته ونفخ الروح فيه، لقوله تعالى: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}تفسير : [الحجر:29]. وسبب ذلك أَنّه كان امتحاناً لهم، وإظهاراً لفضله عليهم من جهة استجماع مقامه الجمعي الكمالي لجميع مقامات مظاهر الأسماء. معنى السجدة وسبب مسجوديّة آدم والسجود في الأصل تذلّل وانقياد مع تطأطؤ الرأس. يقال: سجَد البعيرُ وأسجَد: طَأطَأ رأسَه لراكبه. قال الشاعر: شعر : "وقَلنَ له اسجد للَيلى فأسجَدا" تفسير : وقال: شعر : "تَرى الأكم فيها سجَّداً للحوافِر" تفسير : أي تلك الجبال الصغار كانت مذلّلة لحوافر الخيل، ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} تفسير : [الرحمن:6]. وفي الشرع وضْعُ الجبهةِ على الأرض قصداً للعبادة. والمراد منه هاهنا إمّا المعنى اللغوي، وهو التواضع لآدم تحيّةً وتعظيماً له، كسجود إخوة يوسف وأبويه له، أو التذلّل والانقياد بالسعي في تحصيل ما تناط أمورُ معاشهم، وتتمُّ به أحوالُ كمالهم بحسب معادهم، لأنهم وسائطُ تدبيرات هذا العالَم، وتحريكات الأجرام، واستحالاتها، وانقلاباتها حتى تتكوَّن منها الكائناتُ التي غايتها خِلقةَ الإنسان، لأنّ من أفراده عرفاءُ الرحمن. وإمّا المعنى الشرعي: فهاهنا يحتمل السجودُ وجوهاً ثلاثة: إمّا أن يكونَ المسجودُ له هو الله تعالى. فحينئذ إمّا أنه جَعَلَ آدمَ قبلةً لسجودهم كالكعبة تفخيماً لشأنه. وإمّا أنَّ آدمَ كان سبباً لوجوب السجدة، فكأنّه تعالى لمّا خلَقَه بحيث كان أنموذجاً للمبدعات كلّها - بل للموجودات بأسرها - وجعله نسخةً مختصرة لما في العالَم الروحاني والعالَم الجسماني، وذريعةً للملائكة إلى استيفاء ما قدَّر لهم من الكمالات الفعليّة، وفاضَ عليهم من الإشراقات النوريّة من جهة تحريكاتهم الكليّة، ووصلة إلى ظهور ما صدَر عنهم من الخيرات وترتَّب عليهم من وجود الأكوان الصوريّة والحوادث الأرضيّة بواسطة الحركات السماويّة، فأمروا بالسجود تذلّلاً لما رأوا من عظيم قدرة الله، وباهرِ آياته في نظْم العالَم من الأعلى إلى الأسفل، ثمّ من الأسفل إلى الأعلى بواسطة الإنسان، الذي به ترتقي سلسلة الوجود - الهابطِ إلى أسفل السافلين - إلى أعلى عليّين، وشكراً لِما أنعم الله عليهم بواسطته. فاللامُ فيه كاللامِ في قول حسّان في مدح أمير المؤمنين (عليه السلام): شعر : ما كنت أعرف أنَّ الأمْر منصرفٌ عن هاشم، ثمّ منها عن أبي حَسَن أليسَ أوَّلُ منْ صَلّى لِقبلَتِكُمْ وأعرفُ الناس بالقرآن والسنَن تفسير : أو في قوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} تفسير : [الإسراء:78]. وإما أن يكون المسجود له هو الإنسان، لكن [لا] من حيث هويّته الإمكانيّة ليلزم الإشراك، بل من حيث بلوغه إلى مقام القرب الإلهي، ورجوعه وحشره إلى الحضرة الإلهية، وفناؤه عن ذاته، وبقاؤه ببقاء الله لا ببقاء غيره، ففي هذا المقام يصير الروح الإنساني كمرآة مصقولة لا لون فيه، انعكس عليه وجه الله الباقي على نهج التجلي - لا على وجه الحلول والاتحاد، تعالى عن ذلك علواً كبيراً - فسجودهم لآدم (عليه السلام) من هذه الجهة سجود لله لا له. ومما يوضح ذلك: أن كلّ منْ عبَدَ الله وسجَدَ له، لا بدّ أن يتصوّره في ضميره بوجه من الوجوه، ويشاهده في باطنه، إذ العبادةُ والسجدة للمجهول المطلق محال، ولهذا قد ورَد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله). "حديث : الإحسانُ أنْ تَعبدَ الله كأنَّك تَراهُ ". تفسير : ثمَّ إنّك كل ما تصوَّرتَه أو تخيّلتَه عن الله فهو سبحانه وراء ذلك، فإن نظرتَ إليه بما هو صورةٌ معيَّنة لها صفات معيَّنة إمكانية أو مكانيّة، فقد عبَدتَ غيرَ الله وسجدْتَ لسواه: وإنْ نَظرتَ إلى الحقّ وجعلتَها مرآةً لملاحظة المعبود الحقيقي، ولم تجعَل النظرَ نظرين - نظراً إلى المرآة، ونظراً إلى المرئي - فقد عَبدْت الله مخلصاً محسناً. فإذا جاز أن تكون الصورةُ المعقولة أو المتخيلة وجهاً من وجوه الحق المسجود له، فلِمَ لا يجوز أن [تكون] الصورة الآدميّة، الّتي هي مظهر أسماء الله الحسنى ومجلى صفاته كلّها، مسجوداً للملائكة على وجهٍ لم يكن المنظور إليه والمعبود غير الذات الأحديّة؟ فصل فيه شرح الأقوال في سجود الملائكة لآدم أجمعَ المسلمون على أنّ السجود بمعنى العبادة لغير الله كفْرٌ، والكفْر لا يكون مأموراً به. ثمّ اختلفوا بعد ذلك على ثلاثة أقوال: الأوّل: إن ذلك السجود كان لله، وآدمُ (عليه السلام) كان كالقبلة. واعتُرض عليه بوجهين: أحدهما: إنّ السجدة إذا نُسبتْ إلى ما هو كالقِبْلة عُدّيت بغير اللام فلا يقال: صَلّيت للقِبْلة أو للمسجد. بل إلى القِبْلة، وفي المسجد. فلو كان آدمُ قِبلةً لهذا السجود لوجب أن يقال: اسجدوا إلى آدم. وإذ ليس فليس. والثاني: إن قولَ إبليس: "أرأيتك هذا الذي كرَّمت علَىَّ" وغير ذلك مّا صَدَرَ منه الإباء، والاستكبار، والإغواء، لأولاده، والعداوة والبغضاءُ إلى يوم الدين يدلّ على أنّه أعظم حالاً من الساجد، ولو كان قِبلةً لما حصلتْ له هذه الدرجة الّتي انبسطَت شُهرتُها في مجامع القدس، ومصاقع الجبروت، وقرعَت أصواتُها السوامع في صوامع الملكوت. وأيضاً كان محمّد (صلى الله عليه وآله) يصلّي إلى الكعبة ولم يلزم أن تكون أفضلَ منه (ص). وأجيب عن الأوّل: بتجويز أن يقال: "صلَّيتُ للقبلَة". كما يقال: "صلّيت إلى القبْلة" والاستشهاد عليه بالقرآن والشعر كما مرّ. وعن الثاني: بأنّ ابليس شكى تكريمَه، وذلك التكريمُ لا نسلِّم أنّه حصل بمجرّد كونه مسجوداً، بل لعلّه حصل بذلك مع انضمام أمور أخرى. وكِلا الجوابين لا يخلو عن ضعفٍ: أمّا الأوّل: فلا شبهة في ندرة وقوع اللام في مثلها. والظاهر أنها ليست بمعنى "إلى" أو "في". وأمّا الثاني: فإنّ الظاهر الواضح أنّ منشأ عصيان ابليس وتمرّده، ومبدأ كفْره وجحوده، هو مسجوديّة آدم، كما دلّ عليه قوله [تعالى]: {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [الإسراء:61]. وقوله: {أية : لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ} تفسير : [الحجر:33]. القول الثاني: إنّ السجدة كانت له (عليه السلام) تعظيماً له وتحيّة، كالسلام عليه منهم، وكانت الأممُ السالفة يحيُّون ملوكَهم وأنبياءهم كتحيّةِ المسلمين بعضهم بعضاً. قال قتادة في قوله تعالى: {أية : وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدَاً} تفسير : [يوسف:100] كانت تحيّة الناس يومئذ سجودَ بعضهم لبعض. وعن صهيب: إنّ معاذ لمَّا قدِم من اليمن سجَد للنبي (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا معاذ ما هذا؟ فقال: إنّ اليهود تسجد لعُظمائها، ورأيتُ النصارى تسجد لقسّيسيها وبَطارقتها قلتُ: ما هذا؟ قالوا: تحيّة الأنبياء. فقال صلوات الله عليه وآله: "حديث : كذبوا على أنبيائهم ". تفسير : وعن الثوري، عن سماك بن هاني، قال: دخل الجاثليق على علىِّ ابن أبي طالب (عليه السلام)، فاراد أن يسجدَ له، فقال له عليّ (عليه السلام): اسجُدْ لله. ولا تَسجد لي، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حديث : لو أمرت أحداً أن يسجدَ لغير الله، لأمرْتُ المرأة أن تَسجدَ لزوجها، لعِظَم حقِّه عليها . تفسير : القول الثالث: إن السجود في الآية كان على المعنى الذي له في أصل اللغة، وهو الانقياد والخضوع. وقد علمتَ ضعف القول الأوّل، وأمّا القول الثالث فضعيف أيضاً، لأن السجود لا شك في أنّ لفظه في عرف الشرع عبارةٌ عن وضْع الجبهة على الأرض، فوجب أن يكون في أصل اللُّغة كذلك، لأنّ الأصل عدم التغيير. فإن قلت: السجود عبادةٌ، والعبادة لغير الله غير جائزة. قلنا: لا نسلّم أن السجدة عبادة. لِمَ لا يجوز أن يكون في بعض الأوقات، أو بحسب بعض العادات سقوط الإنسان على الأرض، وإلصاقه الجبين عليها مفيداً لضرب من التواضع والتعظيم، وإن لم يكن ذلك عبادة، وإن كان ذلك فلا يمتنع أن يأمر الله تعالى ملائكته بذلك إظهاراً لرفعته وإشعاراً بكرامته. وأيضاً السلطان قد يأمر بعض مقربيه من عبيده أن يخدم ويطيع رجُلاً فقيراً، أو ضعيفاً، وهم يفعلون ذلك ويخدمونه، ويرجع ما فعلوه في الحقيقة إلى خدمة السلطان وطاعته، فسجود الملائكة لآدم (عليه السلام) كان في الحقيقة سجوداً لله، وطاعة لأمره. وقد علمتُ وجهاً آخر ألطف من كلّ ما قيل، أو يقال في دفع هذا الإشكال. فصل إبليس من الملائكة أم لا؟ اختلفوا في أن إبليس - لعنه الله - هل كان من الملائكة، أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه كان منهم، ورُوي عن ابن عبّاس "إنّ من الملائكة ضرباً يتوالدون يقال لهم: "الجنّ" ومنهم إبليس. وهو المرويّ عن ابن مسعود وقتادة، واختاره الشيخ أبو جعفر الطوسي - قدس الله روحه - قال: "وهو المرويّ عن أبي عبد الله (عليه السلام)". ثم اختلفَ مَن قال "إنّه كان من الملائكة". فمنهم مَن قال: "إنّه كان خازن طبقات الجنّة". ومنهم مَن قال: "كان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الأرض". ومنهم من قال: "إنّه كان يوسوس ما بين السماء والأرض". وقال الشيخ المفيد أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان - قدس الله سره - : "إنّه كان مِن الجنِّ، ولم يكن من الملائكة" قال: "وقد جاءت الأخبار بذلك متواترة عن أئمة الهدى، وهو مذهب الإمامية". وهو المرويّ عن الحسن البصري، وهو قول البلخي وغيره. واحتجّوا عن صحة هذا القول بأشياء: أحدها: قوله تعالى: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} تفسير : [الكهف:50]. وثانيها: قوله تعالى: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم:6]. نفى المعصية عنهم نفياً عامّاً. وثالثها: إن إبليس له نسلٌ وذرّية، قال تعالى: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} تفسير : [الكهف:50] قال الحسن: إبليس أبو الجنّ، كما أنّ آدم (عليه السلام) أبو الإنس. وإبليس مخلوقٌ من النار، والملائكة روحانيّون خُلقوا من الريح في قول بعضهم. ومن النور في قول الحسن، لا يتناسلون، ولا يطعمون، ولا يشربون. ورابعها: {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} تفسير : [فاطر:1] ولا يجوز على رُسل الله الكفْر، ولا الفسْق. ولو جاز عليهم الفسْق لجاز عليهم الكذب. وذكروا في توجيه الاستثناء وجوهاً: أحدها: ما ذكره صاحب الكشاف: "إن هذا استثناءٌ متّصل، لأنّه كان جنّياً واحداً بين أظهر الألوف من الملائكة مغموراً بهم، فغلّبوا عليه في قوله: {فَسَجَدُواْ}، ثم استثني منهم استثناء واحد منهم". وثانيها: إنّه كان مأموراً بالسجود معهم، فلمّا دخل معهم في الأمر جاز إخراجه بالاستثناء منهم. وثالثها: إن هذا الاستثناء منقطع كقوله: {أية : مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ} تفسير : [النساء:157]. ويؤيّد هذا القول ما رواه الشيخ أبو جعفر ابن بابويه - رحمه الله - في كتاب النّبوة بإسناده عن ابن أبي عمير، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن إبليس، أكان من الملائكة، أو كان يلي شيئاً من السماء؟ فقال: "لم يكن من الملائكة، ولم يكن يلي شيئاً من السماء، وكان من الجنّ، وكان مع الملائكة يرى أنَّه منها، وكان الله سبحانه يعلم أنَّه ليس منها، فلمَّا أمر بالسجود لآدم كان منه الذي كان" وكذا رواه العيّاشي في تفسيره. وأمّا من قال: إنّه كان من الملائكة، فإنّه احتجّ بأنّه لو كان من غيرهم لمَا كان ملوماً بترك السجود. والجواب: إنّه كان من جملة المأمورين بالسجود وإن لم يكن من جملة الملائكة. دلّ على كونه مأموراً قوله تعالى: {أية : مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} تفسير : [الأعراف:12]. وهؤلاء الزاعمون أنَّه كان من الملائكة أجابوا عن الاحتجاج الأوّل وهو قوله: {كَانَ مِنَ الْجِنِّ}. بأن الجنّ جنس من الملائكة، سُمّوا بذلك لاجتنانهم عن العيون، وقال تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً}تفسير : [الصافات:158] أراد بها الملائكة، لأنّهم قالوا: "الملائكةُ بنات الله". وأجابوا عن الثاني - وهو قوله: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ} تفسير : [التحريم:6] بوجهين: أحدهما: أنَّ من الملائكة من ليس بمعصوم - وإن كان الغالب فيهم العصْمة - كما أنَّ من الإنس معصومين، والغالب فيهم عدم العصمة؛ ولعلّ ضرباً من الملائكة لا يخالفهم بالذات، وإنّما يخالفهم بالعوارض والصفات، كالبررة والفسقة من الإنس والجنّ يشملهما، وكان إبليس من هذا الصنف كما قاله ابن عبّاس، فلذلك صحّ عليه التغيّر من حاله والهبوط عن محله، كما أشار إليه تعالى بقوله: {أية : كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} تفسير : [الكهف:50]. ثانيها: بأنه صفة لخزنة النيران لا لجميع الملائكة، فلا توجب عصمة لغيرهم من الملائكة. وأجابوا عن الثالث: بأنه يجوز أن يكون الله تعالى ركّب في إبليس شهوة النكاح تغليظاً عليه في التكليف، وإن لم يكن ذلك في باقي الملائكة، ويجوز أن يكون الله لمّا أهبطَه إلى الأرض تغيّرت حاله عن حال الملائكة. قالوا: كيف يصحّ ذلك والملائكة خُلقتْ من نور {أية : وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} تفسير : [الرحمن:15]؟ فأجيب: بأنّه كالتمثيل لما ذكر، فإنّ المراد بالنور الجوهر المضيء، أو النار كذلك، غير أنّ ضوءها مكدّر مغمور محذور منه بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق، فإذا صارت مهذّبة مصفاة كانت محض نور، ومتى نكصتْ عادت الحالةُ الأولى جذعة، ولا تزال تتزايد حتى ينطفئ نورها ويبقى الدخان الصِّرْف. وهذا أشبه بالصواب وأوفق للجمع بين النصوص. وقد مرّ كلام كلٍّ من الفريقين في المفاتيح مستقصى. واعلم أن لا شبهة لأحد في أن الملك، والشيطان، متخالفا اللوازم، والآثار الذاتيّة. كيف! وأحدهما: بطباعه ملهم الخيْر والطاعات؛ والثاني: بطباعه موسوس الشرور والمعاصي. واختلاف اللوازم والآثار الذاتيّة دليل اختلاف الملزومات والمؤثّرات بالذات. نعم كلا الجنسين متّفقان في أنّهما روحانيان غائبان عن الأبصار والحواسّ، لا نراهما وقبيلهما إلاّ عند تجسّمهما، وتمثّلهما بصورة من الصور، بل وجودهما كوجود الموجودات الأخرويّة لا ينكشف لأبصارنا إلاّ عند غيبوبتنا عن هذا العالَم - كما يقع للمكاشفين - أو لفساد مزاج البدن بواسطة غلبة اليبوسة على الدماغ فتتعطَّل بها الحواسّ عن الشواغل، فتستولي قوّة الخيال على المحاكاة الخياليّة - كما للممرورين أو بواسطة تمثّلهما في العين، أَو تصوّرهما بصورة محسوسة جسمانيّة. والظاهر من الأخبار والآثار أن مواطن الملائكة عالَم السماوات ودرجاتها على سبيل التعلّق والمباشرة، وأمّا تعلّقها بعالَم الأرضيّات فعلى سبيل الإمداد والاستخدام للقوى الأرضيّة، وأن مواطن الشياطين والجنّ عالَم الأرضيّات على سبيل التعلّق والمباشرة. وأما عالَم السماء فلها اجتيازات على نهج العبور والاستراق للسمع - دون الولوج في سموكها - لأنّ عالَم السماء كعالَم قلب المؤمن بيت معمور مطهّر بطهارة القدس والتسبيح، وعمارة الذكر والحمد، لا يمكن أن يتصرّف فيه إلاّ جوهر مقدّس، ولا سبيل للخبيث اللعين إليه إلاّ اختلاساً واجتيازاً في بعض الساعات، كأوقات الكسوفات، والخسوفات، وغيرها، استراقاً للسمع. وبالجملة: مواطن الشياطين والجنّ هذا العالَم الطبيعي، وليس لواحد منهم درجة العلم والمعرفة بالمقاصد الكليّة، والأمور الإلهيّة سواء كانوا كفّاراً كالشياطين، أولهم ضرب من الإسلام كطائفة من الجنّ ذُكرت في القرآن. وأما قولكم: "إن الجنّ يطعمون". فقد جاء عن العرب ما يدل على أنّهم لا يطعمون ولا يشربون. أنشد ابن دريد: شعر : ونارٌ قد حضأتُ بعيد وهْنٍ بدارٍ ما أُريدُ بها مقاما سوى ترحيل راحلةٍ وعين أكالِثُها مخافةَ أنْ تَناما أتوا ناري فقلتُ: منونَ أنتم؟ فقالوا: الجنّ. قلتُ: عَموا ظلاما فقلتُ: إلى الطعامِ. فقال منهم زعيمٌ: نحسد الإنسَ الطعاما لقد فُضِّلتم بالأكل فينا ولكن ذاك يعقبكم سقاما تفسير : فهذا يدل على أنهم لا يأكلون ولا يشربون لأنّهم روحانيّون، وقد جاء في الأخبار المنهي عن التمسُّح بالعظم والروث؛ لأنّ ذلك طعامهم وطعام دوابّهم. وقد قيل: إنّهم يتشمّمون ذلك. وأجابوا عن الرابع - وهو قوله تعالى: {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} تفسير : [فاطر:1] بأنّ هذه الآية معارَضة بقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الحج:75]. لأنّ "مِنْ" للتبعيض. وكِلا القولين مرويّ عن ابن عبّاس، فروي عنه أنه قال: إنّ الملائكة كانت تقاتل الجنّ، فسُبي إبليس، فلذلك قال تعالى: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} تفسير : [الكهف:50]. روى مجاهد وطاوس عنه أيضاً أنه قال: "كان إبليس قبل أن يرتكب المعصية ملَكاً من الملائكة اسمه "عَزازيل" وكان من سكّان الأرض. وكان سكّان الأرض من الملائكة يسمّون "الجنّ" ولم يكن من الملائكة أشدّ اجتهاداً ولا أكثر عِلماً منه، فلمّا تكبَّر على الله وأبى السجود لآدم وعصاه لعَنه وجعلَه شيطاناً مَريداً وسمّاه إبليس. قال الشيخ محيي الدين ابن عربي في الباب الحادي والخمسين من الفتوحات المكية: "إعلم أن الجانّ هم أصل العالَم الطبيعي، ويتخيّل جليسهم بما يُخبرونه من حوادث الأكوان وما يجري في هذا العالَم بما يحصل لهم من استراق السمع من الملإ الأعلى، فيظنّ جليسهم أنَّ ذلك من كرامة الله به هيهات لما ظنّوا. ولهذا ما ترى أحداً قط جالَسهم فحصل عنده منهم عِلْم بالله جملةً واحدة، وغاية الرجل الذي تعتني به أرواح الجنّ أن يمنحوه من عِلم خواصّ النبات، والأحجار، والأسماء، والحروف، وهو علم السيمياء، فلم يكتسب منهم إلاّ العِلم الذي ذمَّته ألْسِنة الشرائع الإلهيّة. ومَن ادّعى صحبتهم وهو صادقٌ في دعواه فاسأله عن مسألة في العِلم الإلهي ما تجد عنده من ذلك ذوقاً أصلا، فرجالُ الله يفرّون من صحبتهم أشدّ فراراً منهم من الناس، فإنّه لا بدّ أن تحصّل صحبتُهم في نفْس من يصحبهم تكبّراً على الغير وازدراءً بمن ليس له في صحبتهم قَدَمٌ. وقد رأينا جماعة ممن صحبوهم حقيقةً وظهرتْ لهم براهين على صحّة ما ادّعوه من صحبتهم، وكانوا أهل جدّ واجتهاد - ولكن لم يكن عندهم من جهتهم شمّة من العِلم بالله ورأينا فيهم اغتراراً وتكبّراً، فما زلنا بهم حتّى حُلنا بينهم وبين صحبتهم لإنصافهم وطلبهم الأنفس. كما رأينا أيضاً ضدّ ذلك منهم، فما أفلح ولا يفلح مَن كان هذه صفته إذا كان صادقاً، وأمّا الكاذب فلا نشتغل به. وقال في موضع آخر من هذا الباب: "ومنهم من يُجالسه الروحانيون من الجانّ، ولكن دون الجماعة في الرتبة إذا لم يكن له حالٌ سوى هذا، لأنّهم قريب من الإنس في الفضول. والكيّس من الناس من يهرب منهم كما يهرب من الناس، فإنّ مجالستهم رديّةٌ جدّاً قليلٌ أن تُنتج خيراً، لأنّ أصلهم نارٌ والنار كثيرة الحركة، ومن كثُرت حركته كان الفضول أسرع إليه في كلّ شيء، فهم أشدّ فتنة على جليسهم من الناس، فإنّهم قد اجتمعوا مع الناس في كشف عورات الناس التي ينبغي للعاقل أن لا يطلع عليها، غير أن الإنس لا تورث مجالسة الإنسان إيّاهم تكبّراً، ومجالسة الجنّ ليست كذلك، فإنّهم بالطبع يؤثرون في جليسهم التكبّر على الناس وعلى كلّ عبدٍ لله، وكل عبد رأى لنفسه شغوفاً على غيره تكبراً فإنّه يمقته الله في نفسه من حيث لا يشعر وهذا من المكر الخفي. وقال أيضاً فيه: "ومنهم من نفس الرحمن عنه بمجالسة الملائكة، ونعم الجلساء هم، هم أنوار خالصةٌ لا فضول عندهم، وعندهم العِلم الإلهي الذي لا مِرية فيه، فيُرى جليسهم في مزيد علم بالله دائماً مع الأنفاس. فمن ادّعى مجالسة الملإ الأعلى، ولم يستفد في نفسه عِلماً بربّه، فليس بصحيح الدعوى، وإنّما هو صاحب خيال فاسد" - انتهى كلامه. تفصيل كلام لتحقيق مقام في المفاضلة بين الملك والبشر اعلم أن الناس اختلفوا في التفاضل بين الملائكة وأخيار البشر على طائفتين، وهذا الاختلاف كان مستمرّاً قبل دورة الإسلام وبعده إلى يومنا. وتحقيق معرفة هذا الأمر لا يكون إلاّ بنور المكاشفة، وأكثر ما يوردونه في هذا الباب كلام أهل الحجاب الذين فضّلوا الإنسان على الملك، لأنّ أكثر ما يحتجّون به على ذلك يرجع إلى أُمور عاديّة، ومقدّمات جمهوريّة، لا يمكن التعويل عليها لصاحب البصيرة. ونحن نذكر أوّلاً ما احتجت به كلّ طائفة من الذين فضّلو الملائكة، والذين فضّلوا أخيار البشر - سواء كانوا قبل الإسلام أو بعده - ونقدّم في الذكر كلمات الأوائل وأحوالهم قبل ظهور نور الإسلام؛ ثمّ نذكر أقوال المتكلّمين الإسلاميّين وما ذكروه من الجانبين نقضاً أو إبراماً؛ ثمّ ما يرد على كلّ كلام اعتراضاً وجواباً؛ ثمّ نشير إلى سرّ الكلام وأصله، وروح المقام وفصله، وذلك في فصول: الفصل الأوّل في ذكر أقوال الأوائل ومعظمها أقوال الصابئة في تفضيل جانب الملائكة، وأقوال الحنفاء في تفضيل جانب البشر في مقابلة أقوالهم. والصابئون هم الذين قالوا بنبوّة اغاثاذيمون وهرمس - وهما شيث وإدريس (عليهما السلام) - ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - ونسبتهم إلى الحنفاء كنسبة فلاسفة الإسلام إلى الصوفيّة بوجه، إلاّ أنهم زادوا على التفضيل للملك على أهل النبوّة (عليهم السلام) إلى حيث تركوا طاعتهم وانقيادهم، وجعلوا الملائكة قبلة طاعتهم ومنشأ نجاتهم وهدايتهم، وربما يُسمَّون بأصحاب الروحانيّات. ومذهبهم: أن للعالَم صانعاً، حكيماً، مقدّساً عن سِمات الحدثان، والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله، وإنّما يُتقرّب إليه بالمتوسّطين المقرّبين لديه وهم الروحانيّون المطهَّرون، المقدّسون جوهراً، وفعلاً، وحالة. أمّا الجوهر: فهم المطهّرون عن الموادّ الجسمانيّة، المبرّءون عن القوى الجسدانيّة، المنزّهون عن الحركات والتغيّرات الزمانيّة، قد جبلوا على الطهارة، وفطروا علىالتقديس والتسبيح، فنحن نتقرّب إليهم ونتوكّل عليهم، وهم أربابنا وشفعاؤنا عند ربّ الأرباب. فالواجب علينا أن نطهّر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعيّة، ونُهذّب أخلاقنا عن علائق القُوى الشهويّة والغضبيّة، حتّى تحصل بيننا وبينهم مناسبة، فيفيض علينا بعض أنوارهم، وفضائلهم، وعلومهم. قالوا: والأنبياء أمثالنا في النوع، وأشكالنا في الصورة، يشاركوننا في الحاجة إلى المادّة، يأكلون مما نأكل، ويشربون مما نشرب، ويساهموننا في الصورة، أناس بشر مثلنا، فمن أين لنا طاعتهم، وبأيّة مزيّة لهم لزم متابعتهم؟ وأمّا الفعل: فهم الأسباب المتوسّطون في الاختراع والإيجاد وتصريف الأمور من حال إلى حال، وتوجيه المخلوقات من مبدإ إلى كمال، يستمدّون القوّة من الحضرة القدسيّة، ويفيضون الفيض على الموجودات السّفليّة. فمنها: مدبّرات الكواكب السبعة السيّارةِ في أفلاكها، وهي هياكلها. فلكل روحاني هيكل ولكل هيكل فلك، ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختصّ به نسبةُ الروح إلى الجسد، فهو ربُّه، ومدبّره، ومديره. ففعل الروحانيّات تحريك الأجرام على قدر مخصوص؛ ليحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع السفليّة والعناصر، فيحصل من ذلك تركيبات، فيتبعها قُوى جسمانيّة؛ ويركّب عليها نفوسٌ روحانيّة، ثمّ قد تكون التأثيرات كلّية صادرة عن روحاني كلّي، وقد تكون جزئيّة صادرة عن روحاني جزئي، فمع جنس المطر ملَكٌ، ومع كلّ قطرة أيضاً مَلكٌ. ومنها: مدبّرات الآثار العلويّة الظاهرة في الجوّ ممّا يصعد من الأرض، فينزل مثل الأمطار، والثُّلوج، والبَرَد، والرياح، ومما ينزل من السماء مثل الصواعق والشهُب، وما يحدث في الجو من الرعْد، والبرْق، والسحاب، والضباب، والمياه وقوس قُزح، وذوات الأذناب، والهالَة، والمجرّة، وما يحدث في الأرض من الزلازل، والهدّات، والمياه، والخسف إلى غير ذلك. ومنها: متوسّطات القُوى السارية في جميع الموجودات، ومدبّرات الهداية الشائعة في جميع الكائنات، حتّى لا يُرى موجود مّا خالياً عن قوة وهداية إذا كان قابلا لهما. وأمّا الأحوال: فأحوال الروحانيّات من الروح، والريحان، والنعمة، واللذّة الدائمة، والراحة، والبهجة، والسرور في جوار ربّ العالمين كيف يخفى، ثمّ طعامُهم وشرابهم التسبيح، والتقديس، والتهليل، والتمجيد، وأُنسهم بذكر الله وطاعته، فمِنْ قائمٍ لا يركع، وراكعٍ لا يسجد، وساجدٍ لا ينتصب على حسب مقاماتهم في القرب والمنزلة لا تتبدّل حالهم لما هم فيه من البهجة والسرور، فمِن خاشعٍ بصره لا يرفع، ومِن ناظرٍ لا يغمض، ومِن ساكن لا يتحرّك، ومِن متحرّك لا يسكن حركة لا تعب فيها، ولا إعياء، ولا نصَب، ومن كرّوبيُّ في عالَم القبض، ومِن روحاني في عالَم البسط {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} تفسير : [التحريم:6]. فهذا مذهب الصابِئَة، وقد جَرَت بينهم وبين الحنفاءِ مناظراتٌ ومفاوضات في المفاضلة بين الروحانيّ المحض، والبشريّة وذكرها صاحب كتاب الملل والنِّحل على شكل سؤال وجواب، وفيها فوائد لا تُحصى، فنوردها ملخّصة عن الزوائد ليحيط الناظر بما فيها وعليها. فصل فيما ذكره الصابئون في تفضيل الملائكة على الأنبياء وما أجاب به عنها الحنفاء. وهي وجوه: الأوّل: إنّ الروحانيّات أُبدعت إبداعاً لا منْ شيء - لا مادة ولا هيولى - وهي كلّها جوهر واحد على سنخ واحد، وجواهرها أنوار محضة لا ظلام فيها، وهي من شدّة ضيائها لا يدركها الحس، ولا ينالها البصَر، ومن غاية لطافتها يحار فيها العقل،ولا يجول فيها الخيال. ونوع الإنسان مركّبٌ عن العناصر الأربعة، مؤلَّفٌ من مادّة وصورة، والعناصرُ متضادّة، ومزدوجةٌ بطبائعها، ومن التضادّ يصدر الاختلاف والهرَجُ، ومن الازدواج يحصل الفساد والمرَجُ، فما هو مبدَعٌ لا من شيء لا يكون كمخترَعٍ من شيء، والمادة والهيولى سنخ الشر، ومنبع الفساد، فالمركب منها ومن الصورة كيف يكون كمحض الصورة؟ والظلام كيف يساوي النور؟ والمحتاج إلى الازدواج، المضطرّ في هَفْو الاختلاف كيف يرقى إلى درجة المستغني عنها؟ أجابت الحنفاء عنه: بِمَ عرفتُم وجود هذه الروحانيّات؟ والحسّ ما دلّكم عليه، والدليل ما أرشدكم إليه؟ فإن قالوا: عرفنا وجودها وتعرّفنا أحوالها من اغاثاذيمون وهرمس - [يعني] شيث وإدريس - . قال الحنفاء: فقد ناقضْتم مذهبكم في نفي المتوسّط البشري، فصار نفيُكم إثباتاً، وإنكارُكم إقراراً. ثمّ مَن الذي يسلّم أن المبدَع مِن لا شيء أشرف من المخترَع من شيء؟ بل جانب الروحاني أثر واحد، وجانب الجسماني أثران: أحدهما: نفسُه وروحُه، والآخر: جسمُه وجسدُه. فهو من حيث الروح مبدَع بأمر الباري تعالى، ومن حيث الجسد مخترَع بخَلقه، ففيه أثران: أمريٌّ وخَلقيٌّ، قَوليٌّ وفِعليٌّ. فهذه المرتبة في الخِلقة أفضل. وإن فاضَلتم بين الروحانيّ المجرَّد والجسمانيّ المجرَّد فالصدْق معكم، ولكن المفاضلة بين الروحانيّ المجرَّد والمجتمَع من الجهتين، فلا يحكم عاقل بأنّ الفضل هنا للمجرّد. الثاني: نوع الإنسان لا يخلو من قوّتي الشهوة والغضب، وهما تنزعان إلى البهيميّة والسبُعيّة، وتنازعان النفسَ إلى طِباعهما من الحرص والأمل لأحدهما، والكبر والحسد للآخر، وغير ذلك من الأخلاق الذميمة. فكيف يماثِل مَن هذه صفتُه نوعَ الملائكةِ المطهّرين عنهما وعن لوازمهما ولواحقهما من النوازع الحيوانيّة والقواطع البشريّة بأسرها؟ لم يحملهم الغضب على حبّ الجاه والشُّهرة، ولا حملتهم الشهوة على حبّ المال والثروة، بل طِباعُهم مجبولةٌ على المحبَّة والموافقة، وجواهرُهم مفطورةٌ على الاتّحاد والألفة. أجابت: بأنّ هذه المغالَطة مِثْل الأولى حذوَ النعلِ بالنعلِ، فإنّ في طرف البشريّة نفْسَين: نفْسٌ حيوانيّة لها قوّتان: شهويّة وغضبيّة. وأخرى إنسانيّة لها قوّتان: عِلميّة وعَمليّة. وبتينك القوّتين لها أن تجمع وتمنع، وبهاتين القوّتين لها أنْ تُقسِّم الأمور وتُفصِّل الأحوال. ثم تعرض على العقل، فيختار بقوّته التي هي له كالبصر النافذ من العقائد، الحقَّ دون الباطل، ومن الأقوال: الصدقَ دون الكذب، ومن الأفعال، الخيرَ دون الشر. ويختار بقوّته العمليّة من لوازم القوّة الغضبيّة، الشجاعةَ، والحميّة، دون الذلّة والهَوان، ومن لوازم القوّة الشهويّة: التودّد، والتآلف دون الشَّرَه والخساسة، فيكون من أشدّ الناس حميّةً على خصمه وأعداء دينه، ومن أرحَم الناس تذلّلاً وتواضعاً لوليه وصديقه، فإذا بلغ هذا الكمال فقد استخدم القوّتين، واستعملهما في جانب الخير. وليس الكمال والشرف في فقدان القوّتين كحكم العنّين والعاجز، وإنّما الكمال في استخدامهما أوّلاً في جانب الخير، ثمّ الترقّي إلى إرشاد الخلائق في تزكية النفوس عن العلائق، وإطلاقها عن قيد الشهوة والغضَب، فنفسُ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كنفوس الروحانيّين فطرةً ووضعاً وبذلك الوجه وقعَت الشركة وفضلُهَا وتقدَّمها باستخدام القوى والنفوس التي دونها، واستعمالها في جانب الخير والنظام - وهو الكمال. الثالث: إنّ الروحانيّات صورٌ مجردة عن المواد، عارية عن القوّة والاستعداد، وإن قدّر لها أشخاصٌ تتعلق بها تصرفاً وتدبيراً، لا ممازجةً ومخالطةً، فأشخاصها نورانية، والمتوسّط لا بدّ أن يكون كاملا حتى يكمل غيره، وأما الموجودات البشريّة فهي إمّا صورٌ في موادّ، أو نفوسٌ متعلقةٌ بها حاصلةٌ من المزاج والامتزاج. والفرض أنها موجودات بالقوّة لا بالفِعل، ناقصة لا كاملة، والمخرج من القوّة إلى الفعْل يجب أن يكون أمراً بالفعل غير محتاج إلى الخروج، فإن ما بالقوّة لا يَخْرج بذاته من القوّة إلى الفعل - بل بغيره - والروحانيّات هي المحتاجُ إليها في أن تخرج الجسمانيّات إلى الفعل، فالمحتاجُ إليه كيف يساوي المحتاجَ في درجة الوجود؟ أجابوا: إن هذا الحكم - وهو كون الروحانيّات بالفعل - غير مسلّم على الاطلاق، إذ منها ما هو وجوده بالقوّة، أو ما فيه وجودٌ بالقوّة، ويَحتاج إلى مخرج يُخرجه إلى الفعل، فإنّ النفسَ لها استعداد القبول (من العقل) عندكم، والعقلُ له إعداد لكل شيء وفيض عليه، وأحدهما بالقوّة، والآخر بالفعل. وهذا لضرورة الترتيب في الموجودات العلويّة، فإن مَن لم يثبت الترتب فيها لم تتمشَّ له قاعدة عقليّة أصلاً، فإذا ثبت الترتيب فقد أثبت الكمال في جانب، والنقصان في جانب، فليس كل روحانيّ كاملاً من كلّ وجْه، ولا كلّ جسمانيّ [ناقصاً من كلّ وجه]، فمن الجسمانيّة أيضاً ما وجوده كامل بالفعل، وسائر النفوس محتاجة إليه. وذلك أيضاً لضرورة الترتيب في الموجودات السّفليّة. قالوا: لنا أن هذا العالَم الجسمانيّ في مقابلة ذلك العالَم الروحانيّ، وإنّما يختلفان من حيث إنَّ ما في هذا العالَم من الأعيان فهو آثار ذلك العالَم. وما في ذلك العالَم من الصوَر فهو مُثُل هذا العالَم - والعالَمان متقابلان كالشخص والظلّ - فإذا أثبتّم في ذلك العالَم موجوداً مّا بالفعل كاملاً ويصدر عنه سائرُ الموجودات وجوداً ووصولاً إلى الكمال، فيجب أن تثبتوا في هذا العالَم أيضاً موجوداً مّا بالفعل كاملاً تامّاً حتى يصدر عنه سائرُ الموجودات تعلّماً ووصولاً إلى الكمال. ومن العجب أنَّ عند الصابئة أكثر الروحانيّات قابلة منفعلة، وإنّما الفاعل الكامل واحد، وعن هذا صار بعضهم إلى أن الملائكة إناثٌ أخبرَ التنزيل عنهم به. وإذا كان كذلك فنقول: في الموجودات السفليّة النفوسُ البشريّة كلّها قابلة الوصول إلى الكمال بالعلْم والعمَل، فيحتاج إلى مخرِج ما فيها بالقوّة إلى الفعل، والمخرج هو النبي (صلى الله عليه وآله). ثم يكون بين الرسول والروح مناسبة وملاقاة عقليّة، فيكون الروح الأوّل مصدراً، والرسول مَظهراً، ويكون بين الرسول وسائر البشر مناسبة وملاقاة حسيّة، فيكون الرسول مؤدّياً والبشر قابلاً. أقول: إن لفظ "القوّة" يطلق بالاشتراك اللفظي على ما هو بمعنى الإمكان الاستعدادي، والقوّة الانفعاليّة التجدديّة، وعلى ما يكون بمعنى الإمكان الذاتيّ والاستحقاق الفطريّ. والأوّل لا يجامع الفعليّة، بخلاف الثانية، فالإبداعيّات كمالاتها فطريّة، والجسمانيات كمالاتها تجدديّة كسبيّة. وأمّا النفس فلها إمكان ذاتيّ في ذاتها، ولها إمكان استعدادي به تنتقل من حالة إلى أخرى - ولكن بحسب تعلّقها إلى المادّة الجسمانيّة - . فالأولى أن يجاب عن استدلال الصابئة الذي من هذا النمط، على أنّ أشرفَ الروحانيات أشرفُ من الأنبياء: بأنّ النفوس البشريّة يجوز أن تتدرج في الاستكمال، وترتقي إلى جانب علوّ الكمال بعد الهبوط والنقصان، بحيث تنتهى درجتُهم إلى درجة الروحانيّين، أو أعلى منهم بحسب الفطرة الثانية، وإن لم يكونوا كذلك في الفطرة الأولى. هذا إذا كان المراد من الفطرة الأولى لهذه النفوس ما لَها في أول تكوّنها الجسمانيّ، وإن اريد بها ما عُبّر عنها بفطرة الله التي فَطر الناس عليها، فهي أيضاً غير قاصرة عن درجة فطرة الروحانيّين. وسيأتي لهذا وضوح وانكشاف. الرابع: أن الروحانيّات نورانيّة علويّة لطيفة، والجسمانيّات ظلمانيّة سفليّة كثيفة. فكيف تتساويان؟ والاعتبار في الشرف والفضيلة بذوات الأشياء وصفاتها، ومراكزها، ومحالّها، فعالَم الروحانيّات، العِلْو لغاية النور واللطافة، وعالَم الجسمانيّات، السِّفَل لغاية الكثافة والظلمة، والعالَمان متقابلان. والكمال للعِلويّ والصفتان متضادتان، والشرف للنور لا للظلمة. الجواب: لَسنا نوافقكم أوّلاً: على أن الروحانيّات كلها نوريّة، ولا نساعدكم ثانياً، أنّ الشرف للعلْو، ولا نسالمكم ثالثاً: أن الاعتبار في الشرف بذوات الأشياء. أمّا بيان الأوّل: فقد حكمتم على الروحانيّات حكم التساوي وما اعتبرتم فيها التضادّ والترتيب، وإذا كانت الموجودات كلّها على قضيّة الترتيب والتضادّ فلم أغفلتم الحكمين هاهنا. فإنّ من قال: "الروحاني ما ليس بجسماني" فقد أدخل جواهر الشياطين، والأبالسة والجنّ في جملة الروحانيّات. ثمّ من الجنّ مَن هو مسْلِمٌ، ومنها من هو ظالمٌ، ومن قال "الروحانيّ هو - المخلوقُ روحاً" فمِن الأرواح ما هو خيّرٌ، ومنها ما هو شرّيرٌ؛ والأرواح الخبيثة أضداد للأرواح الطيّبة؛ فلا بدّ إذَن من إثبات تضادّ وتنافر بين القسمين، فلِمَ قلتم: إنّها كلّها نورانيّة. وعندنا - معاشر الحنفاء - الروح هو الحاصلُ بأمرِ الله، الباقي على مقتضى أمره، فمَن كان لأمْر الله أطوع، وبرسالات رُسُلِهِ أصدق، كان الروحانيّةُ فيه أكثر، والروح عليه أغلَب، ومن كان لأمره تعالى أنكَر، وبشرائعه أكذَب، كانت الشيطَنة عليه أغلب. هذه قاعدتنا في الروحانيات، فلا روحانيّة أبلغ في الروحانيات من ذوات الأنبياء (عليه السلام). وأما قولكم: "إن الشرف للعِلْو" إن عنيتم به جهة العِلْو فلا شرَف فيه وكم من عال جهة، سافل جهة، وعلماً، وذاتاً، وطبيعة. وبالعكس. وأما قولكم: "إنّ الاعتبار في الشرَف بذوات الأشياء، وصفاتها، ومحالّها" فليس بحقّ. وهو مذهب اللعين الأوّل، حيث نظَر إلى ذاته وذاتِ آدم (عليه السلام) ففضّل ذاتَه - إذ هي مخلوقةٌ من النار وهي علويّة نورانيّة - على ذاتِ آدم وهو مخلوق من طين - وهو سِفليّ ظلمانيّ. بل عندنا الاعتبار في الشرف بالأمر وقبوله، ومَن كان أقبَلَ لأمره تعالى، وأطوعَ لحُكْمه، وأرضى بقضائه فهو أشرف، ومَن كان على خلاف ذلك فهو أبعد، وأخسّ، وأخبث. فأمْر الباري تعالى هو الذي يُعطي الروح: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} تفسير : [الإسراء:85] وبالروح يحيا الإنسان الحياة الحقيقيّة، وبالحياة يَستفيد العقلَ الغريزي وبالعقل تكتسب الفضائل، ويُجتنب عن الرذائل، ومن لم يقبل الأمر الإلهي فلا روح له ولا حياة ولا فضيلة، ولا شرف. أقول: قد رجع هذا الكلام إلى الاعتراف بأنّ الشرف والفضيلة إنّما هو بأمرٍ جوهري، فإنّ حقيقة الأمر الإلهي الذي بقبوله يصير الإنسان ذا روحٍ، وعقل، وحياة دائمة هو الذي به يتجوهر الإنسان تجوهراً روحانيّاً، ويتذوّت ذاتاً عقليّة دائميّة. وأمّا خطأ اللعين فليس لأجل حكمه بأنّ النار أشرف من الطين، بل لأجل زعمه أنّ حقيقة الإنسان هي البدن المخلوق من التراب، أو لأجل توهّمه أنّ شرف الذات والصورة تابع لشرف الجسميّة والمادّة فهاهنا مغالطة بأخذ ما بالعرض مكان ما بالذات. الوجه الخامس: إنّ الروحانيّات أشرف بقوّتي العلم والعمل من الجسمانيّات. أمّا العلم: فلا ينكر إحاطتهم بمغيبات الأمور عنّا، واطّلاعهم على مستقبل الأحوال الجارية علينا، ولأنّ علومهم كليّة وعلوم الجسمانيّات جزئيّة، وعلومهم، فعليّة وعلومها انفعاليّة، وعلومهم فطريّة وعلومها كسبيّة، فمِن هذه الوجوه تحقّق لهم الشرف عليها. وأمّا العمليّة: فلا ينكر أيضاً عكوفهم على العبادة، ودوامهم على الطاعة {أية : يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} تفسير : [الأنبياء:20] ولا يلحقهم كلال ولا سآمة، ولا يرهقهم ملال ولا ندامة. فتحقّق لهم الشرف من هذه الجهة. وكان أمر الجسمانيّات بالخلاف من ذلك. أجابوا عن هذا بجوابين: أحدهما: التسوية بين الطرفين، وإثبات زيادة في جانب الأنبياء. والثاني: بيان ثبوت الشرف في غير العلم والعمل. أمّا الأول: فقالوا: علوم الأنبياء (عليهم السلام) كليّة وجزئيّة، وفعليّة وانفعاليّة، وفطريّة وكسبيّة. فمن حيث ملاحظة عقولهم عالَم الغيب منصرفةً عن عالَم الشهادة، تحصل لهم العلوم الكليّة فطرة دفعة واحدة، ثمّ إذا لاحَظوا عالَم الشهادة حصلت لهم العلوم الجزئيّة اكتساباً بالحواسّ على ترتيب وتدريج. فكما أنّ للإنسان علوماً فطريّة - هي المعقولات - وعلوماً حاصلة بالحواسّ - هي الحسّيات والتجربيّات - فعالَم المعقولات بالنسبة إلى الأنبياء كعالَم المحسوسات بالنسبة إلى سائر الناس، فنظريّاتنا فطريّة لهم، ونظريّاتهم لا نصل إليها قطّ. بل ومحسوساتنا مكتسبة لهم ولنا بكواسب الجوارح. فأمزجة الأنبياء - صلوات الله عليهم - أمزجة نفسانيّة ونفوسهم نفوس عقليّةٌ، وعقولهم عقولٌ أمريّة فطريّة. ولو وقع حجاب في بعض الأوقات فذاك لموافقتنا ومشاركتنا كي يزكّي هذه العقول، وتصفّى هذه الأذهان والنفوس وإلاّ فدرجاتهم وراء ما يقدّر. وأما الثاني: فإنهم قالوا: ومن العجَب أنّهم لا يعجبون بهذا العلْم بل ويؤثرون التسليم على البصيرة، والعجْز على القدرة، والتبرّي من الحول والقوّة على الاستقلال، والفطرة على الاكتساب. وَ{أية : مَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ} تفسير : [الأحقاف:9] على {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ} تفسير : [القصص:78]. ويعلمون أنّ الملائكة والروحانيّات باسرها وإن علت إلى غاية قوّة نظرها وإدراكها ما أحاطت بما أحاط به علم الباري جلّ جلاله، بل لكلّ منهم مطرح نظر، ومسرح فكر، ومجال عقل، ومنتهى أمل، ومطار وهم وخيال، وإنّهم إلى الحدّ الذي انتهى نظرُهم إليه مستبصرون، وما وراء ذلك الحدّ إلى ما وراء ما لا يتناهى مسلمون مصدقون، وإنّما كمالهم في التسليم لما لا يعلمون، والتصديق لما يجهلون {أية : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} تفسير : [البقرة:30] ليس كمال حالهم، بل {أية : سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ} تفسير : [البقرة:32] هو الكمال. فمن أين لكم أَنّ الكمال في العلم والعمل، لا في التسليم والتوكّل؟ وإذا كانت غاية العلوم هذه الدرجة، فجعلت نهاية أقدام الملائكة والروحانيين بداية أقدام السالكين من الأنبياء والمرسلين {أية : قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ ٱلْغَيْبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [النمل:65]. فعالَم الروحانيّات بالنسبة إليهم شهادة، وبالنسبة إلينا غيب، وعالَم الجسمانيّات بالنسبة إلينا، شهادة وبالنسبة إليهم غيب، والله تعالى هو الذي يعلم السرّ وأخفى. قالوا: مَن علم أنّه لا يعلم فقد أحاط بكلّ العلم، ومَن اعترف بالعجز عن أداء الشكر فقد أدّى كلّ الشكر. الوجه السادس: إنّ الروحانيّات لها اختيارات صادرة من الأمر، متوجّهة إلى الخير، مقصورة على نظام العالَم، وقوام الكلّ لا يشوبها. البتّة شائبة الشرّ، وشائبة الفساد، بخلاف اختيارات البشر، فإنّه متردد بين طرفي الخير والشرّ. لولا رحمة الله في حقّ البعض، وإلاّ فوضع اختيارهم كان ينزع إلى جانب الشرّ والفساد، إذ كانت قوّتا الشهوة والغضب المركوزتان فيهم تجرّانهم إلى جانبهما، وأمّا الروحانيات فلا ينازع اختيارهم إلاّ التوجّه إلى وجه الله، وطلب رضاه، وامتثال أمره، فلا جرم كل اختيار هذا حاله لا يتغيّر ولا يتعذّر عليه ما يختاره، وكلّما أراده وقصده، وجده مختاره حسب مراده، وكل اختيار ذلك حاله يتعذّر عليه ما يختاره، فلا يوجد المراد ولا يحصل المختار. أجابوا عنها بجوابين: أحدهما: نيابة عن جنس البشر، وهو أَنّ اختيار الروحانيّات إذا كان مقصوراً على أحد الطرفين، محصوراً عليه، كان فِي وصفه مجبوراً، ولا شرَف في الجبْر، واختيار الشر مردّد بين طرَفي الخير والشر. فمن جانب يرى آياتِ الرحمن، ومن طرف يسمعٍ وساوس الشيطان، فتميل به تارة دعوة الحقّ إلى امتثال الأمر، وتميل به طوراً داعية الشهوة إلى اتّباع الهوى. فإذا أقرّ طوعاً وطبعاً بوحدانيّة الله تعالى واختار من غير جبر وإكراه طاعته وصيّر اختياره المتردّد بين الطرفين مجبوراً تحت أمر الله باختيار من جهته من غير إجبار، صار هذا الاختيار أشرف وأفضل من الاختيار المجبور فطرة، كالمكره فعله كسباً، الممنوع عمّا لا يحبّ جبراً، ومن لا شهوة له فلا يميل إلى المشتهى، كيف يمدح عليه؟ وإنّما المدح - كلّ المدح - لمن زيّن له المشتهى ونهى النفس عن الهوى. فتبيّن أَنّ اختيار البشر أفضل من اختيار الروحانيّات. والثاني: نيابة عن الأنبياء، وهو أن اختيار الأنبياء مع ما أنّه من جنس اختيار البشر من وجه فهو متوجّه إلى الخير، مقصور على الصلاح الذي به نظام العالَم وقوام الكلّ، صادر عن الأمر، صائر إليه لا يتطرّق إلى اختياراتهم ميل إلى الفساد، بل درجتهم فوق ما يبتدر إلى الأوهام، فإنّ العالي لا يريد أمراً لأجل السافل، من حيث هو سافل بل إنّما يختار ما يختار لنظام كلّي، وأمر أعلى من الجزئي. ثمّ يتضمن ذلك حصول نظام في الجزئي تبعاً - لا مقصوداً - وهذا الاختيار والإرادة على جهة سنّة الله تعالى في اختياره، ومشيئته للكائنات، لأنّ مشيئته كليّة متعلقة بنظام الكلّ، غير معللّة بعلّة، واختيار الرسول المبعوث من جهته ينوب عن اختياره، كما انّ أمره ينوب عن أمره فيسلك سُبل ربه ذللا، ثمّ يخرج من قبضة اختياره نظام حال، وقوام أمر مختلف ألوانه، فيه شفاء للناس. ومن أين للروحانيّات هذه المنزلة؟ وكيف يصِلون إلى هذه الدرجة؟ كيف وكلّ ما يذكرونه فموهوم، وكلّ ما يذكره النبي (صلى الله عليه وآله) فمحقَّق بمشاهدة وعيان. الوجه السابع: إن الروحانيّين متخصِّصون بالهياكل العلويّة مثل زحل، والمشتري وسائر الكواكب من السبعة، وهذه السيّارات كالأبدان والأشخاص بالنسبة إليها، وكلّ ما يحدث من الموجودات ويعرض من الحوادث فكلها مسببات هذه الأسباب وآثار هذه العلويّات، فيفيض على هذه العلويّات من الروحانيّات تصريفات وتحريكات إلى جهات الخير والنظام، ويحصل من حركاتها واتصالاتها تركيبات وتأليفات في هذا العالَم، ويحدث في المركبات أحوالٌ ومناسبات. فهم الأسباب الأول، والكلّ مسبّباتها، والمسبّب لا يساوي السبب، والجسمانيّون مشخّصون بالأشخاص السِّفليّة والمتشخّص كيف يماثل الغير المتشخِّص. وإنّما يجب على الأشخاص في أفعالهم وحركاتهم اقتفاء آثار الروحانيّات في أفعالها وحركاتها، حتى يُراعى أحوال الهياكل وحركات أفلاكها زماناً ومكاناً، وبخوراً وتعزيماً، وتنجيماً ودعاء وحاجة خاصّة بكلّ هيكل، فيكون التقرب إلى هيكل من الهياكل تقرّباً إلى الروحاني الخاصّ به، الموكّل عليه، ومنه تقرّباً إلى ربّ الأرباب، ومسبّب الأسباب، حتّى يقضي حاجته، ويتمّ مسألته. أجابوا بأنْ قالوا: الآن نزلتم عن نيابة الروحانيّات الصّرْفة إلى نيابة هياكلها، وتركتم مذهب الصبوة الصّرفة، فإنّ الهياكل أشخاص الروحانيّين، والأشخاص هياكل الربانيّين، غير أنكم أثبتُّم لكلّ روحانيّ هيكلاً خاصّاً، له فعل خاصّ لا يشاركه فيه غيره. ونحن نثبت أشخاصاً رسلا، كراماً، تقع أوضاعهم وأشخاصهم في مقابلة كلّ الكون الروحانيّ والهياكل، وحركاتهم في مقابلة حركات جميع الكواكب والأفلاك، وشرائعهم مراعاة حركات أسندت إلى تأييد إلهيّ، ووحي سماويّ، موزونة بميزان العدل، مقدّرة على مقادير الكتاب الأوّل؛ ليقوم الناس بالقسط، ليست مستخرجة بالآراء المظلمة، ولا مستنبطة بالظنون الكاذبة إن طابقتها على المعقولات تطابقتا، وإن وافقتها بالمحسوسات توافقتا. كيف ونحن ندّعي أنَّ الدين الإلهي هو الموجود الأوّل، والكائنات تقدّرت عليه، وأنَّ المناهج التقديرية هي الأقدم، ثم المسالك الخلقيّة، والسنن الطبيعية توجّهت إلينا، ولله تعالى سُنّتان في خَلقه وأمْره، والسُنّة الأمريّة أقدم وأسبق من السُنّة الخلقيّة، وقد اطّلع خواصّ عباده على السُنّتين {أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَحْوِيلاً} تفسير : [فاطر:43] هذا من جهة الخَلق {أية : فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} تفسير : [فاطر:43] - هذا من جهة الأمْرِ- . والأنبياء (عليهم السلام) متوسّطون في تقرير سُنّة الأمْر، والملائكة (عليهم السلام) متوسّطون في تقرير سُنّة الخلْق، والأمر أشرَفُ من الخلْق، فمتوسّط الأمْر أشرفُ من متوسّط الخلْق، فالأنبياء أفضَل من الملائكة. وهذا عجيب؛ حيث صارت الروحانيّات الأمْريّة متوسطات في الخَلْق، وصارت الأشخاص الخَلقيّة متوسطين في الأمر، ليُعلم أن الشرف والكمال في التركيب لا في البساطة، وأن اليد للجسماني لا للروحاني، والتوجّه إلى التراب أولى من التوجّه إلى السماء، والسجود لآدم من إبليس أفضل له من التسبيح والتقديس. وليُعلم أن الكمال في إثبات الرجال - لا في تعيين الهياكل والظلال - وأنهم هم الآخرون وجوداً وعملاً، والسابقون فضلاً وعلماً، وأن آخر العمل أول الفكْرة، وأن الفطرة لمَن له الحجة، وأنّ المخلوق بيديه لا يكون كالمكَوّنِ بحرفَيه، كما قال تعالى: وَعزّتي وجَلالي لا أجعلُ مَن خلقتهُ بيديَّ كمَن قلت له "كُنْ" فكان. الوجه الثامن: إنّ الناس متماثلون في الحقيقة الإنسانيّة والبشريّة، ويشملهم حدّ واحد، وهو "الحيوان الناطق المائت" والنفوس والعقول متساوية في الجوهرية، فحدّ النفس بالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان، والحيوان، والنبات أنه "كمال أوّل لجسم طبيعيّ آليّ ذي حياة بالقوّة". وبالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان والملائكة "أنه جوهر غير جسم، هو كمال الجسم، محرك له بالاختيار عن مبدإ نطقيّ أي عقليّ بالفعل أو بالقوّة". فالذي هو بالفعل خاصيّة النفس الملكيّة، والذي بالقوة هو فصل النفس الإنسانيّة. وأمّا العقل فقوّة أو هيئة لهذه النفس، مستعدّة لقبول ماهيّات الأشياء، مجرّدة عن الموادّ، والناس في ذلك على استواء من القدم، وإنّما الاختلاف يرجع إلى أحد أمرين: أحدهما اضطراري - وذلك من جهة المزاج والاستعداد - والثاني: اختياري، من حيث الاجتهاد، المؤثّر في رفع الحجب الماديّة، وتصقيل النفس عن الصدإ المانع لارتسام الصور المعقولة، حتّى لو بلغ الاجتهاد إلى غاية الكمال تساوت الأقدام، وتشابهت الأحكام، فلا يتفضّل بشرٌ على بشرِ بالنبوّة، ولا يتحكّم أحدٌ على أحد بالاستتباع. أجابوا: التماثل والتشابه في الصور البشريّة مسلَّم لا مرية فيه، وإنّما التنازع بيننا في النفوس والعقول قائمٌ، فإنّها عندنا على التضادّ والترتيب. وذلك أن النفس - كما عُلم من كلامكم أيضاً - لفظٌ مشترك يطلق تارةً لمعنى بين الإنسان والحيوان، وتارةً لمعنى بين الإنسان والملَك - على مساق حدودكمْ - فهلاّ زدتم قسماً ثالثاً - وهو النفس النبويّة - حتى يتميّز به عن الملكيّة، كما يتميّز الملكيّ عن الإنسانيّ؟! فإنّ عندكم المبدأ النطقيّ للإنسان بالقوّة، والمبدأ العقليّ للملَك بالفعل، فقد تغايرا من هذا الوجه، ومن جهة أن الموت الطبيعي يطرأ على الإنسان، ولا يطرأ على الملَك، وذلك تمييز آخر. فليكن في النفس النبويّة مِثل هذا الترتيب. وأما الكمال الذي تعرّضتم له، فإنما يكون كمالاً للجسم المختار إذا كان اختيار المحرّك محموداً، وأمّا إذا كان مذموماً من كلّ وجهٍ صار الكمال نقصاً، وبذلك يقع التضادّ بين النفس الخيّرة والشريرة، حتّى تكون إحداهما في جانب الملَكية، والأخرى في جانب الشيطانية، فيحصل التضادّ المذكور، كما حصل الترتيب المذكور. وأمّا ما ذكره المتكلّم الصابيّ من حدّ العقل: "أنه قوّة أو هيئة للنفس مستعدّة لقبول ماهيّات الأشياء مجرّدة عن الموادّ". فغير شامل لجميع العقول عنده، ولا عند الحنيف، بل هو تعرّضَ للعقل الهيولاني دون سائر العقول من العقل النظري، والعمليّ، وما بالملكة، والذي هو بالفعل، والذي هو المستفاد، والذي هو الفعّال للعلوم التفصيلية، التي وجودها نفس معقوليّتها، ولا خلاف بينهم في أن هذه العقول قد اختلفت حدودها، وتباينت فصولها. فأخبِرني أيُّها الحكيم من أيّ عقل تعدّ عقلَك أوّلاً؟ هل ترضى أن يقال لك: "تساوت الأقدام في العقول، حتّى يكون عقلك بالفعل والاستفادة، كعقل غيرك بالقوّة والاستعداد، بل واستعداد عقلك لقبول المعقولات كاستعداد عقل غبيّ غويّ لا يردّ عليه برادّة ولا ينفكّ الخيال عن عقله، كما لا ينفكّ الحسّ عن خياله. وإذا كانت الأقدام متساويةً فما هذا الترتيب في الأقسام؟ وإذا ثبت ترتّباً في العقول فبالضرورة أن ترتقي في الصعود إلى درجة الاستقلال والإفادة، وتنزل في الهبوط إلى درجة الاستعداد والاستفادة. الوجه التاسع: قالت الصابئة: إذا أبطلتم تساوي العقول والنفوس بإثبات الترتيب والتضادّ، فقد لزم الاتّباع، فأخبِرونا ما رتبةُ الأنبياء بالنسبة إلى نوع الإنسان؟ وما رٌتبتُهم بالنسبة إلى الملَك والجنّ وسائر الموجودات؟ ثمّ ما مرتبة النبيّ (صلى الله عليه وآله) عند الباري سبحانه؟ فإنّ عندنا الروحانيّات أعلى مرتبة من جميع الموجودات، وهم المقرّبون في الحضرة الإلهية، والمكرّمون لديه. ونراكم تارةً تقولون: "إن النبيّ (صلى الله عليه وآله) متعلّم من الروحاني" ونراكم تارةً تقولون: "إن الروحانيّ يتعلّم من النبيّ (صلى الله عليه وآله)"؟ أجابت الحنفاء: بأن الكلام في المراتب صعبٌ، ومَن لم يصلْ إلى رتبةٍ؛ كيف يمكنه أن يستوفي الكلام في أقسامها، لكنّا نَعرف أن رتبة النبي (صلى الله عليه وآله) بالنسبة إلينا كرُتبتنا بالنسبة إلى مَن هو دوننا في الجنس - كالحيوانات - وكما أنَّا نَعرف أسامي الموجودات ولا يعرفها الحيوانات، كذلك هم يَعرفون حقائق الأشياء ووجوه المصالح في الحركات، وحدودها وأقسامها، ونحن لا نَعرفها. وكما أن النوع الإنساني يستخدم الحيوانات ويملكها بالتسخير، فالأنبياء ملوك الناس بالتدبير، وكما أن حركات الناس معجزات الحيوان، كذلك حركات الأنبياء (عليهم السلام) معجزات الناس، فالحيوانات لا يمكنها أن تبلغَ إلى الحركات الفكرية حتى تميّز الحقّ من الباطل، ولا الحركات القوليّة حتى تميّز الصدق من الكذب، ولا الحركات الفعليّة حتى تميّز الخير من الشرّ. فكذلك قياس حركات الأنبياء (عليهم السلام)، لأنّ منتهى فكرهم لا غاية له، وحركات أفكارهم في محالّ القدس ممّا تعجز عنها قوّة البشر حتى يسلم: "لهم مع الله وقت لا يسعهم فيه ملَك مقرَّب ولا نبيٌّ مرسل". وكذلك حركاتهم القوليّة والفعليّة، لا تبلغ إلى غاية انتظامها وجريانها على سبق الفطرة حركة كلّ البشر، وهم في الرُّتبة العلياء والدرجة الأولى من درجات الموجودات كلّها، قد أحاطوا علماً بما أطلعهم الربّ تعالى على ذلك دون غيرهم من الملائكة والروحانيّين، ففي الأوّل يكون حالُهم حالَ المتعلّم {أية : عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ} تفسير : [النجم:5]. وفي الآخر حالُهم حال التعليم، وذلك في حقّ آدم (عليه السلام): {أية : يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ}تفسير : [البقرة:33]. حين كان الأمر على بدءِ الظهور والكشف، فانظُر كيف يكون الحال في نهاية دور الظهور. وأما إضافتهم إلى جناب القدس فالعبوديّة الخالصة: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} تفسير : [الزخرف:81]. قالوا: "إنّا عبادٌ مربوبون وقولوا في فضْلنا ما شِئْتم" أحقّ الأشياء لهم وأخصّ الأحوال بهم "عبدُه ورسولهُ" لا جرم كان أخصّ التعريفات بجلاله تعالى بأشخاصهم: إله إبراهيم. وإله إسمعيل وإسحق. وإله موسى وهارون. وإله عيسى. وإله محمّد - صلّى الله عليه وآله وعليهم. وكما أن من العبوديّة ما هو عامُّ الإضافة، ومنها ما هو خاصُّ الإضافة، كذلك التعريف إلى الخَلْق بالإلهيّة والربوبيّة، والتجلّي للعباد بالخصوصيّة منه ما له عموم {أية : رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الفاتحة:2]. ومنه ما له خصوص {أية : رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ}تفسير : [الأعراف:122]. فهذه نهاية مذهبي الصابئين والحنفاء في باب المفاضلة بين الملائكة والبشر، وفيها فوائد لا تحصى، ولهذا وقع في الرواية هذا التطويل، وليعذرنا فيه أهل الدراية والتحصيل. فصل في أقوال علماء الإسلام القائلين بأنّ الملَك أفضلُ من البشر إعلم أن جماعة من أهل الشريعة كأكثر الأشاعرة موافقاً لمذهب أصحابنا الإماميّة كالشيخ المفيد، والسيّد المرتضى، وأبي جعفر الطوسي - رضوان الله عليهم - احتجوا بأمر الله للملائكة بالسجود لآدم (عليه السلام) على أنّه أفضل منهم، فذهبوا إلى أنّ الأنبياء (عليهم السلام) أفضل من الملائكة، وقالت المعتزلة، وأبو بكر الباقلاني من الأشاعرة وأبو عبد الله الحليمي من فقائهم: "بل الملائكة العلويّة أفضل". ولكلّ من الطائفتين وجوه من الاحتجاج والاستدلال، نذكرها تلخيصاً وتهذيباً. فحجّة القائلين بأنّ الملائكة أفضل من وجوه: الأوّل قوله تعالى: {أية : وَمَنْ عِنْدَهُ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ}تفسير : [الأنبياء:19] إلى قوله: - {أية : يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} تفسير : [الأنبياء:20] والاستدلال به من وجهين: أحدهما: أنّ هذه العِنديّة معلوم أنّها ليست مكانيّة - لتعاليه سبحانه عن المكان والجهة - فيكون عنديّةً شَرَفيّة، ودُنوّاً معنويّاً، فعلم أنّ للملائكة هذا القرب والشرف حاصلٌ - دون غيرهم - . وقد عورض هذا بقوله في صفة المؤمن بحسب الآخرة: {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ}تفسير : [القمر:55]. وأما في الدنيا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) حكاية عن الله تعالى: "حديث : أنا عند المُنكسرةِ قُلوبهم لأجلي" تفسير : وهذا أكثر إشعاراً بالتعظيم، لأنّ كون الله عند أحد أعظم إجلالاً من كونه عند الله. وثانيهما: أنه تعالى احتجّ بعدم استكبارهم على أنّ غيرهم وجَب أن لا يستكبر وهذا الاستدلال إنّما يتمّ إذا كانوا أفضل من البشر كما لا يخفى. ولأحد أن يقول: لا نزاع في أنَّ الملك أشدّ قوّة وقدرة من البشر، ويكفي في صحّة الاحتجاج هذا القدْر من التفاوت، إنّما النزاع في الأفضلية بمعنى الشرف والقرب، أو كثرة المثوبات. الثاني: عبادات الملائكة أشقّ من عبادات البشر، فيكونون أكثر ثواباً من البشر. أمّا الصُغرى فلوجوه: أحدها: أنّ ميلهم إلى التمرّد أشدّ، لأنّ العبد السليم الآفات، المستغني عن طلب الحاجات، يكون أميل إلى التنعم والالتذاذ من المنغمر في الحاجات، فيكون كالمضطَرّ إلى عبادة مولاه والالتجاء إليه ولهذا قال تعالى: {أية : فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلْفُلْكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} تفسير : [العنكبوت:65]. ومعلومٌ أن الملائكة سكّان السماوات، وهي جنان وبساتين ومواضِع نزِهة، وهم آمِنون من الفقر والحرص، ثمّ إنّهم مع ذلك أبداً مذْ خُلقوا مشغولون بالعبادةِ، خاشعون، وجِلون، كأنّهم مسجونون، لا يلتفتون إلى نعيم الجنان واللذات، بلْ مقبلون على الطاعات الشاقّة، موصوفون بالخوف الشديد، والفزع العظيم، وكأنّه لا يقدر أحدٌ من بني آدم أن يبقى كذلك يوماً واحداً، ويؤيّده قصّة آدم وحواء (عليهما السلام)، وتناولهما لما نُهيا عن أكله. وأما الكبرى فلِما ورد في الحديث عنه (صلى الله عليه وآله): "حديث : أفضَلُ الأعمالِ أحمَزُها" تفسير : أي أشقّها. وثانيها: إنّ انتقال المكلَّف من نوع عبادة إلى نوع آخر أروَح له، وأسهَل عليه من الادامة على عمل واحد، ولهذا السبب جُعلت التصانيف مقسومة بالأبواب والفصول، وجُعل كتاب الله مقسوم الأبواب بالسور والأعشار والأخماس، ثمّ إن الملائكة كلٌّ منهم مواظبٌ على عمل واحد لا يَعدل إلى غيره - كما مرّ - فعبادتهم في نهاية المشقّة، فيكون ثوابهم أفضَل، لِما مرّ. ولقائل أن يقول على الوجهين: هبْ أنّ مشقتهم أكثرَ، فلِمَ قلتم: "فيكون ثوابهم أكثرَ؟". وذلك لأنّا نرى بعض المتصوّفة يتحمّلون من المشاق، والمتاعب في طريق مجاهدتهم ما نقطع بأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يتحمّل شطر ذلك، مع أنّا نقطع بأنّ درجتهم لا تبلغ جزءاً من ألف جزء من درجة النبي (صلى الله عليه وآله). فعُلم أنّ كثرة المشقة في العبادة لا تقتضي زيادة الثواب، بل مبناها على الدواعي والقصود، فلعلّ الفعل الواحد يأتي به المكلّفان على السواء، والثواب لأحدهما أعظم بكثير من الآخر، لأنّ إخلاص أحدهما أشدّ. على أنّا لا نسلّم أن عبادات الملائكة أشقّ، وما ذكرتم في بيانه "مِن أن السماوات كالبساتين النزِهة، والمواضع الطيّبة، وأن أسباب التنعّم إذا كانت كثيرة صعب تركُها اشتغالاً بالعبادة" معارَض بأن أسباب البلاء مجتمعة على البشر، ومع ذلك لا يمنعهم ذلك، ويرضون بقضاء الله ويواظبون على العبادة، وهذا أدخل في استحقاق الأجر والثواب. وأمّا قولهم: "المواظبة على نوع واحد شاقّةٌ". معارَض بأنّ الشيء إذا صار عادةً صار كالأمر الطبيعي في نهاية السهولة، وكان خلافُه صعباً، ولهذا قيل: "العادةُ كالطبيعة الثانية". ولذلك نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن الوِصال في الصوم، وقال أفضلُ الصومِ صومُ داود (عليه السلام)، وهو أن يصوم يوماً ويفطر يوماً. أقول: العبادة والتسبيح منهم كالغذاء والتنفّس منا ليس يعود عليهم لأجل ذلك تعب ومشقّة. الثالث: قالوا: عبادات الملائكة أدوم، فكانت أفضَل: أمّا الأوّل فلقوله: {أية : يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ}تفسير : [الأنبياء:20]. وأمّا الثاني: فلأنّ الأدوم أشقّ، والأشقّ أفضل - كما مرّ تقريره - . وفيه أيضاً ما سبق، ولأنّه قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : أفضَل العبّاد من طال عمره، وحسن عمله"تفسير : . وقال عليه وآله السلام: "حديث : الشيخ في قومه كالنبي في أمته" تفسير : وهذا يقتضي أن يكونوا في البشر كالنبي في الأمّة. وذلك يوجب فضلهم على البشر. ولقائل أن يجيب عنه بالنقض والحلّ: أمّا النقض: فلأنّ كثيراً من الأنبياء (عليهم السلام) كانوا أطول عمراً من محمّد (صلى الله عليه وآله)، فلزم أن يكونوا أفضل منه، وهو باطلٌ بالاتفاق. أمّا الحلّ: فلأنّ المراد من الحديث الأوّل أنَّ العباد إذا كانوا متساوين في الإيمان، والإخلاص، وسائر ما يناط بالعبودية، ثمّ كان بعضهم أدوم عبادة كان أفضل، دلّ عليه قوله: "وحسن عمله". ومن الثاني: أنَّ الشيخ في قومه إذا كان مثلَهم، أو أزيد منهم في رتبة العلم والعمل كان كذلك. الرابع: إنهم أسبقُ السابقين في كل العبادات، لا خصْلة من الخصال إلاّ وهم أئمّة متقدمون فيها، وهم المنشِئون العامرون لمساجد الله، والممهّدون لطرق الدين، والسبقة في العبادة جهة تفضيل وتعظيم لقوله: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ}تفسير : [الواقعة:10 - 11]. وكذا التمهيد لها، لقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : مَن سَنَّ سَنَّةً حَسَنةً فلَه أجْرُها وأجْر مَن عَملَ بِها إلى يَومِ القيامة" تفسير : فهذا يقتضي أن يكون قد حصل للملائكة من الثواب كلُّ ما حصل للأنبياء مع زيادة. أقول: هذا الوجه قويّ جداً، ولهذا لم يذكر أحدٌ جواباً عنه. والجواب كما يعرفه المحقّقون ويتحقّقه المكاشفون أنَّ ذوات الأنبياء (عليهم السلام) بما لهم من الزلفى عند الله هي نتائج عبادات الملائكة وجزاء أعمالهم، وغاية مساعيهم العائدة إليهم، والغاية أفضل من ذي الغاية كما ثبَت في الحكمة الإلهية. الخامس: إن الملائكةَ رسلُ الله إلى الأنبياء (عليهم السلام)، والرسولُ أفضل من الأمّة. أمّا الأوّل فلقوله: {أية : عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ} تفسير : [النجم:5]. وقوله: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ} تفسير : [الشعراء:193 - 194]. وأمّا الثاني فبالقياس على الأنبياء من البشر، فإنّهم أفضل من أممهم، فكذا هاهنا. ولقائل أن يقول: أفضليّة الأنبياء على أممهم لا نسلِّم أنها من جهة الرسالة وتبليغ الأمر، بل لِما عُلم من حالِهم وقربِهم بما أبدوه من المعجزات والكرامات. بل ربما قيل: إنّ السائس للدواب خادم لها من هذا الوجه، والخادم - بما هو خادمٌ - أنقصُ منزلة من مخدومه، إلاّ أنّ لخادم الدابّة جهة إنسانية في نفسه بها يكون فضيلته على الدّابة، فكذا حال النبيّ (صلى الله عليه وآله) مع الأمّة، قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : تناكَحوا وتناسَلوا، فإنّي أباهي بكم الأمَم يومَ القيامة ". تفسير : السادس: الملائكة أنقى من البشر، فوجب أن يكونوا أفضل منهم. أمّا تقواهم، فلأنهم مبرؤون عن الزلاّت وعن الميل إليها، وأمّا الأنبياء فإنّهم وإن كانوا معصومين عن الكبائر - بل وعن الصغائر أيضاً كما ذهبت إليه الإماميّة - لكنهم لم يخلوا عن الميل إليها بحسب الطبيعة البشريّة، فثبَت أنّ تقوى الملائكة أشدّ. وأمّا كون الأتقى أفضل، لقوله تعالى: {أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} تفسير : [الحجرات:13]. فالجواب: لا نسلّم أنَّ تقواهم أشدّ، وذلك لأن التقوى مشتقّ من الوقاية، وكلّما كانت الدواعي والشهوات أكثَر كانت التقوى عنها أشدّ، ولمّا كان المقتضي للمعصية في حقّ البشر أكثر، كانت تقوى المتّقين منهم أكثر. فإنْ قيل: لا نسلّم عدم الداعية فيهم أصلا، لكن لا شهوة لهم إلى الأكل والشُّرب والمباشرة، ولهم شهوة التقدّم والرياسة. قلنا: هذا لا يضرّنا لأنّ هذه الشهوة مشتركة بين الفريقين، وقد حصلت للبشر أنواع أُخر من الشهوات الصارفة عن الطاعات، كشهوة البطن، والفرج، وغيرهما فيكون فضيلة التقوى في البشر أشدّ وأقوى. السابع: قوله تعالى: {أية : لَّن يَسْتَنكِفَ ٱلْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً للَّهِ وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} تفسير : [النساء:172] وجه الاستدلال به أنَّ قوله: {أية : وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ ٱلْمُقَرَّبُونَ} تفسير : [النساء:172]. خرَج مخرج التأكيد للأوّل، ومثل هذا التأكيد إنّما يكون بذكر الأفضل، كما في قولك: "هذه الخشبةُ لا يقدرُ على حملِها العشرةُ، ولا المأةُ". وكذا في كثير من الأمثلة. ولقائل أن يقول: هذه الآية إن دلّت فإنّما تدلّ على فضْل الملائكة المقرّبين على المسيح (عليه السلام)، لا على من هو أفضل منه - وهو نبيّنا (صلى الله عليه وآله)، وموسى، وإبراهيم (عليهما السلام) - وبالجملة، فلو ثَبت أنَّ المسيح أفضل من كلّ الأنبياء (عليهم السلام) كان مقصودهم حاصلاً، وإلاّ فلم يحصل. ثم نقول: قوله: {وَلاَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ} ليس فيه إلاّ واو العطف، التي لمطلق الجمعيّة، والأمثلة الجزئيّة غير مفيدة في الدعوى الكليّة، على أنّها معارَضة بأمثلة أُخرى، كقولك: "ما أعانَني عَلى هذا الأمْر زيدٌ ولا عمروٌ" فهذا لا يُفيد أفضليّة عمروٍ من زيد. سلَّمنا أنّه يفيد التفاوتَ - أمّا أنه من جميع الوجوه، أو من جهة كثرة الثواب فغير مسلَّم. والسنَد أنَّ النصارى لمّا شاهَدوا من المسيح، إحياءَ الموتى، وإبراءَ الأكمهِ والأبرصِ، أخرَجوه من العبوديّة إلى المعبوديّة بسبب هذا القدْر من القُدرة، فقال تعالى: إنّ عيسى لا يستنكف بسبب هذا القدْر من القُدرة عن عبوديتي، بل ولا الذين هم فوقه في القوّة، والقدرة، والاستيلاء على عالَم السماوات والأرضين، فعلى هذا الوجه دلّت الآية على أنّهم أفضل من البشر في القوّة والشدّة، لا في كثرة الثواب كما هو المقصود. وهاهنا وجهان آخران في الجواب: أحدهما: إن الآية دلّت على أنّ مجموعَ الملائكة أفضلُ من المسيح (عليه السلام) لا كلّ واحد. وثانيهما: لعلّ خطاب الله كان مع أقوام اعتقدوا فضلَ الملَك على البشر، فأورد الكلام على حسب معتقَدهم، كما في قوله تعالى: {أية : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} تفسير : [الروم:27]. الثامن: قوله تعالى حكاية عن إبليس: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} تفسير : [الأعراف:20]. وهذا وإن كان قول إبليس - وهو ليس بحجّة - إلاّ أن آدم وحوّاء (عليهما السلام) لو لم يكونا معتقدين، "أن الملَك أفضلُ من البشر" لم يكن إبليس يغترّهما بذلك، ولا كانا اغترّا بذلك. والجواب: أوّلاً: إنّ آدم (عليه السلام) لم يكن نبيّاً حينئذ، فلم يثبت فضلُ الملائكة على الأنبياء من كونهم أنبياء. وثانياً: إن ما ذكر لا يدلّ على كون الملَك أفضل عاقبةً وأعظم مثوبةً عند الله، بل إنّ لهم ضروباً من الفضيلة غير ذلك، ولا شُبهة لأحد في أنّ لهم جهات فصل بالفعل على نوع البشر كالقوّة، والقُدرة، والحُسن، والجَمال، والصَّفاء، والنقاء من الكدورات المزاجيّة، والأمراض، والعاهات، وغيرها، فلأجلها رغب آدم (عليه السلام) في أن يكون مثلَهم في العاجِل وإن كان أفضلَ منهم في الآجل. التاسع: قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلاۤ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ وَلاۤ أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ}تفسير : [الأنعام:50]. لم يُرد به نفي الصورة، إذ لا يفيدُ الغرضَ، وإنّما نفى أن يكون له مِثل ما لهم من الصفات الكمالية. والجواب: إن الصدْق حاصلٌ بنفْي المماثلة في الصفات من كلّ الوجوه، ولا دلالة فيه على وقوع التفاوت بينهما في كل الصفات. العاشر: قوله: {أية : مَا هَـٰذَا بَشَراً إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} تفسير : [يوسف:31]. والجواب: إن المراد المشابهة في الصورة الظاهرة أو في المجموع من الصورةِ الحسَنة والسيرةِ الكريمة، ولا يلزم منه أن يكون المشبه به أقوى في الأخيرة، سيَّما ما يكون بمعنى كَثرة الثواب. الحادي عشر: قوله تعالى: {أية : وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} تفسير : [الإسراء:70]. وظاهر أنَّ ما عدا هذا الكثير المفضّل عليه، لا يمكن أن يكون إلا الملائكة، لسقوط غير المكلف عن درجة الاعتبار، وانحصار جنس المكلف في أربعة أنواع، ولا شكّ أنَّ الإنس أفضَل من الجنّ والشياطين، فلو كان أفضل من الملَك أيضاً لكان أفضل من جميع المخلوقات، وحينئذ لم يبق للتقييد بالكثير فائدةٌ فعلم أنَّ الملَك أفضل من البشر. وأجيب عنه بجوابين: أحدهما: أنّ في الكلام تمسّكاً بدليل الخطاب، وهو ضعيفٌ لا يعوَّل عليه في العقائد الكليّة. وثانيهما: إنّه لا يلزم منه إلاّ تفضيل الجنس على الجنس لا تفضيل الكلّ على الكلّ. الثاني عشر: إن الأنبياء (عليهم السلام) ما استغفروا لأحد إلا بدؤوا بالاستغفار لأنفسهم، ثم للمؤمنين. قال آدم: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} تفسير : [الأعراف:23]. وقال نوح: {أية : رَّبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً} تفسير : [نوح:28]. وقال إبراهيم: {أية : رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ} تفسير : [إبراهيم:41]. وقال موسى: {أية : رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَلأَخِي} تفسير : [الأعراف:151]. وقال تعالى لمحمّد (صلى الله عليه وآله) وعليهم وآلهم: {أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} تفسير : [محمد:19]. أما الملائكة فلم يستغفروا إلاّ لغيرهم من المؤمنين، كما حكى الله عنهم بقوله {أية : فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ}تفسير : [غافر:7]. وقال: {أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [غافر:7]. ولو كانوا محتاجين إلى الاستغفار، لبدَؤوا أولاً لأنفسهم ثم لغيرهم، لأن دفع الضرر عن النفس مقدّمٌ على دفعه عن الغير، لقوله (صلى الله عليه وآله) "حديث : إبدأ بنفسِك" تفسير : فهذا يدل على أنّهم أفضل من البشر. والجواب - بعد تسليم دلالة عدم الاستغفار على عدم الزَّلَّة - لا نسلِّم أنَّ التفاوت في ذلك مناط الأفضلية كما تقدّم، ومنهم من قال إنّ استغفارهم للبشر كالعذر لما طعنوا فيهم. الثالث عشر: قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ} تفسير : [الانفطار:10 - 11]. وهذا عام للجميع، فيدخل فيهم الأنبياء (عليهم السلام) وغيرهم. وجّه دلالته على أفضليّتهم بوجهين: أحدهما: إنّ الحافظ للشيء يجب أن يكون أبعد من الخطإ، والزلّة، والمعصية، من المحفوظ، فيكون أفضَل. وثانيهما: إنّه تعالى جعَل كتابتَهم حجّةً للبشر وعليهم في الطاعات والمعاصي، فقولهم أقوى بالقبول من قول البشر، فهذا يدلّ على أنّهم أعظم قَدْراً. وقد أجيب بمنع كِلا الوجهين، مسنداً بأنّ الملك قد يوكّل بعض عبيده على حفظ ولده، فلا يلزم أن يكون الحافظ أشرف من المحفوظ، وبأنّ الشاهد قد يكون أدون حالا من المشهود له وعليه. أقول: وكِلا المنعين مكابرة في الأفاعيل الذاتيّة الطبيعيّة. قياساً على الأفاعيل الصناعيّة الكسبيّة. الرابع عشر: قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلْمَلاَئِكَةُ صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ}تفسير : [النبأ:38]. والمقصود من ذكر أحوالهم شرح عظمته تعالى يومَ الآخرة، ولو كان في الخلق طائفة، قيامهم وتضرّعهم أقوى في ذلك من قيامهم لكان ذكرهم أولى. وأجيب بمثل ما مرّ مِن أنّ المزيّة لهم من بعض الوجوه، لا ينافي المفضوليّة من جهة الشرف والمثوبة. الخامس عشر: قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}تفسير : [البقرة:285]. بين أنَّه لا بدّ في صحّة الإيمان الاذعان بوجود هذه الأشياء، ثم بدأ بنفسه، وثنّى بالملائكة، وثلَّث بالكتب، وربَّع بالرسل. وكذا في قوله تعالى: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ} تفسير : [آل عمران:18]. الآية والتقديم في الذكر يدلّ على التقديم في الدرجة. وأجيب: بأنَّ الحجَّة ضعيفة، لأنّها منقوضةٌ بكثير من المواضع، منها تقديم "سورة تبَّت" على "سورة التوحيد". السادس عشر: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلاَئِكَـتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ}تفسير : [الأحزاب:56]. فجعل صلواتهم كالتشريف للنبي، فيكونون أشرف. وأجيب: بأنه منقوض بقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ}تفسير : [الأحزاب:56]. السابع عشر: يتكلّم في المفاضلة بين جبرائيل ومحمّد (صلى الله عليه وآله)، فيدلّ على تفضيل جبرائيل قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ}تفسير : [التكوير:19 - 22]. وصَف جبرائيل (عليه السلام) بستّة أوصاف شريفة من أوصاف الكمال. ووصفَ محمّداً (صلى الله عليه وآله) بصفة واحدة - هي عدم آفة الجنون - ولو كانا متساويين في الكمال، لكان وصفه (صلى الله عليه وآله) بهذه الصفة الواحدة، بعد وصْف جبرائيل بهذه الصفات، حطّاً لشأنه، وتحقيراً لمنصبه، وابطالا لحقّه؛ وهو غير جائز عليه تعالى، فدلّت الآية على كون جبرائيل أفضل منه (صلى الله عليه وآله). فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون تلك النعوت لمحمد (صلى الله عليه وآله)؟ قلنا: لأنّ قوله: {أية : وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ}تفسير : يدفع هذا الاحتمال. والجواب: إنكم تُوافقونا في أنَّ لمحمّد (صلى الله عليه وآله) فضائل أُخرى، لم تذكر في هذا الموضع، فلِمَ لا يجوز أن يكون هو بتلك الفضائل أفضل من جبرائيل؟ فإنّه تعالى كما وصَف جبرائيل هاهنا بهذه الصفات الستّ، وصف محمداً صلوات الله عليه وآله بصفات ستّ في قوله: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} تفسير : [الأحزاب:45 - 46]. وبالجملة - فإفراد أحد الشخصين بالوصف في مقام لا يدلّ على انتفاء تلك الأوصاف عن الثاني. الثامن عشر: المعلّم أعلَم من المتعلّم، والأعلم أفضل، سيّما في العلوم المتعلقة بذات الله تعالى، وصفاته، وآياته، كالعلم بأحوال العرش، والكرسي، والسماوات واللوح والقلَم، والجنة والنار، وأصناف الملائكة والجنّ، وأنواع الحيوانات وغيرها. ثمّ العلوم قسمان: قسمٌ لا يُعرف إلاّ بالوحي، فهو لم يحصل لمحمد (صلى الله عليه وآله) إلاّ من جهة الملك - سيّما جبرائيل (عليه السلام) - فيستحيل أن يكون النبيّ (صلى الله عليه وآله)، أفضل من جبرائيل (عليه السلام)، بل هو الواسطة بين الله وبينه (صلى الله عليه وآله)، ولكونه عالِماً بجميع الشرائع الماضية والحاضرة، وعالِماً أيضاً بشرائع الملائكة، وأديانهم، وسُننهم، فيكون أكثر علماً، فيكون أفضل، لقوله تعالى: {أية : هَلْ يَسْتَوِي ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الزمر:9]. وقسمٌ يمكن تحصيله بالعقل، فلا شكّ أيضاً أن جبرائيل (عليه السلام) أعرف فيها، لطول عمره، وكثرة مشاهدته إيّاها، فكان أفضل فيها. والجواب: إنّ كون المعلّم - من جهة كونه معلّماً - أفضل من المتعلّم وقت التعليم - وإن كان مسلّماً - لكن يجوز أن يصير المتعلّم في مقام آخر، ووقت آخر أعلم وأفضل من المعلّم. ولا نسلِّم أيضاً أن الملائكة أعلم من البشر في معرفة الأشياء وخواصّها، بدليل استفادتهم علومَ الأسماء من آدم (عليه السلام)، كما في قوله تعالى: {أية : يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ}تفسير : [البقرة:33]. ثمّ إِنْ سلَّمنا مزيد علمهم ولكن ذلك لا يقتضي كثرة الثواب، لأنّ مبناه على الإخلاص في العمل، ولا نسلِّم أنّ إخلاص الملائكة أكثر. أقول: إنكار أن يكون زيادة العلم المتعلّق بأحوال المبدإ والمعاد، مقتضية لزيادة الشرف والثواب مكابرةٌ صِرفة، فإنّ هذا النحو من العلم اينَما تحقَّق فهو عين الشرف والثواب، وكان الإخلاص من لوازمه الضروريّة، فلا حاجة إلى التقييد بها. والأولى في الجواب الاكتفاء بمنع كون الملائكة أكثر علماً، فيما يتعلّق بأحوال المبدإ والمعاد من الأنبياء (عليهم السلام). التاسع عشر: قوله تعالى: {أية : وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء:29]. دلّت الآية على أنّهم بلغوا في الرتبة إلى حد أنّهم لو خالفوا أمرَ الله لما خالَفوه إلاّ بادعاء الإلهيّة - لا بشيء آخر من متابعة الشهوات - وذلك يدلّ على نهاية جلالتهم. وأجيب: بأنّ علوّ درجتهم في القوّة والجلالة، والتبرّي عن آفات الشهوة مسلّم، لكن الخلاف معَكم في كثرة الثواب. العشرون: قول النبي (صلى الله عليه وآله) رواية عن الله تعالى: "حديث : وإذا ذكَرَني عَبدٌ في ملإ ذكرته في ملإ خير من ملئه"تفسير : . وهذا يدلّ على أنّ الملائكة العلويّة أشرف. وأجيب عنه بوجهين: أحدهما: إنّه خبرٌ واحد لا يعوّل عليه في الأصول. وثانيهما: إنّ هذا يدل على أن ملأ الملائكة أفضل من ملإ البشر، وملأ البشَر ومحتشَدهم عبارة عن مجمع العوامّ - لا الأنبياء - فلا يلزم من كون الملائكة أفضل من عوام البشر كونهم أفضل من الأنبياء (عليهم السلام). أقول: هذا الخبر وإن كان آحادياً، إلاّ أنه مع انضمام سائر الأخبار والآيات يؤثّر تأثيراً عظيماً في كون الملك أفضل من البشر. وأيضاً مؤيَّدٌ بما ذكره الشيخ محيي الدين الأعرابي في الفتوحات، وهو عندنا من أهل المكاشفة: حديث : إنّي سألتُ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) عن ذلك في الواقعة، فقال لي: إنّ الملائكةَ أفضل. فقلت: يا رسول الله - فإن سُئلتُ: "ما الدليل على ذلك؟ فما أقول؟ فأشار إليّ: "أن علِمتُم أنّي أفضل الناس، وقد صحّ وثبت عندكم فهو صحيح أنّي قلت عن الله إنّه قال: "من ذكَرني في نفسه ذكَرتُه في نفسي، ومن ذكَرني في ملإ ذكرتُه في ملإ خيرٍ منهم" وكمْ ذاكر لله تعالى في ملإ أنا فيهم، فذكره الله تعالى في ملإ خيرٍ من ذلك الملإ الذي أنا فيهم . تفسير : فما سررت بشيء سروري بهذه المسألة" - انتهى. ويعلم من كلامه تفضيل آحاد الملائكة على آحاد الأنبياء، لا المجموع على المجموع فقط. فهذا آخر الكلام في الدلائل النقليّة في ترجيح الملَك وما فيها وستسمع منّا بيان التحقيق في هذه المسألة ورجحان جانب الأنبياء (عليهم السلام)، على معنى لا ينافي أمثال هذه الأخبار والآيات المذكورة. فصل في حجّة القائلين بفضل الأنبياء عليهم السلام على الملائكة وهي من وجوه: أحدها - وهو العمدة - إنّ الله أمر الملائكة بالسجدة لآدم (عليه السلام)، وثبتَ أنه لم يكن كالقبلة، بل كانت السجدة في الحقيقة له، وهي نهاية التواضع، وتكليف الأشرف بنهاية التواضع للأدني مستقبحٌ في العقول، فدلّ ذلك على أنّ آدم أفضل منهم. وأجيب: تارةً بما قال بعض الناس - كما سبق - إنّ المراد من السجود هو التواضع لا وضع الجبهة على الأرض. وتارةً - كما سبق أيضاً - بأنّ السجود منهم وإن كان بذلك المعنى لكنّه كان للهِ، لا لآدم. وكان آدم كالقبلة للسجود. وتارةً بأن السجود - وإن كان لآدم - لكن مع ذلك لا يدلّ على كونه أفضل وأشرف منهم، وذلك لأنّ الحكمة قد تقتضي ذلك كَسْراً من عُجْب الأشرف، وإظهاراً لانقياده وطاعته، فإنّ للسلطان أن يعظّم أقلّ عبيده ويأمر الأكابر بخدمته - إظهاراً لكونهم مطيعين له في كلّ الأمور، منقادين له في جميع الأحوال، فلِمَ لا يجوز أن يكون الأمر هاهنا كذلك؟ وتارةً بما ذهب إليه أكثرُ المتكلّمين من نفي الداعي، وسلب التعليل في فعل الله، وعدم الاعتراض عليه في خَلق الكفر والضلالة في الإنسان. وتعذيبه أبد الآبَاد، فيجوز عليه تقديم المفضول وترجيح المرجوح، وعلى هذا الأصل يبنى كثير من قواعدهم، فليكنْ هذا من جملتها. أقول: فيه ما مرّ مراراً. وثانيها: إنّ آدم (عليه السلام) كان أعلم، والأعلم أفضل وقد مرّ بيانه. وأجيب بعدم تسليم كونه أعلم منهم، غاية الأمر، أنَّه كان عالِماً بتلك اللغات، وهم ما علِموها، ولعلّهم كانوا عالِمين بسائر الأشياء مع أنَّه عالِماً بها. سلَّمنا أنَّه كان أعلم منهم ولكن لِمَ لا يجوز أن يقال: إنّ طاعتهم أكثر إخلاصاً من طاعة آدم (عليه السلام)، فلا جرَم كان ثوابُهم أكثر. أقول: قد مرّ أنَّ هذا القول منشؤه الجهل بمعنى الثواب، والمنزلة عند الله، فإنّ جميع الخيرات، والعبادات، إذا لم تؤثر في تنوير القلب، وإعداده لنور المعرفة بالله وآياته وأفعاله، فهي من تفاريع العبَث، وشُعَب الرفَث. وثالثها: إن الله تعالى جعل آدم (عليه السلام) خليفة في الأرض، والمراد منه الولاية، لقوله تعالى: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [ص:26]. ومعلوم أنَّ أعلى الناس منصباً عند الملك، من كان قائماً مقامه في الولاية والتصرف، وخليفة له، فدلّ هذا على أنّ آدم أشرف الخلائق. وهذا متأكّد بقوله: وسخَّر لكم ما في البر والبحر، ثم أكّد هذا التعميم بقوله: {أية : خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [البقرة:29]. فبلغ آدم في منصب الخلافة إلى أعلى الدرجات. فالدنيا خلقت متعةً لبقائه، والآخرة مملكة لجزائه، وصارت الشياطين ملعونين بسبب التكبّر عليه، والجنّ رعيته، والملائكة في طاعته وسجوده والتواضع له، ثمّ صار بعضهم حافظين له ولذريته، وبعضهم منزّلين لرزقه، وبعضهم مستغفرين لزلاّته. ثمّ إنّه تعالى يقول مع هذه المناصب الرفيعة {أية : وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} تفسير : [ق:35]. فإذاً لا غاية لهذا الكمال والجلال. وأجيب عنه: بأنّ آدم، إنّما جعل خليفة في الأرض، فهذا يقتضي أن يكون أشرف ما في الأرض من الحيوان، والنبات، والجماد. فإن قيل: فلِمَ لم يجعل واحداً من الملائكة خليفة فيها؟ قلنا: لوجوه: منها: أنَّ البشر لا يطيقون رؤية الملائكة. ومنها: أنَّ الجنس إلى الجنس أميل. ومنها: الملائكة في نهاية الطهارة، والعصمة، والبراءة عن النقائص، وهذا هو المراد من قوله تعالى: {أية : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً}تفسير : [الأنعام:9]. ورابعها: قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران:33]. والعالَم عبارةٌ عن كلّ ما سواه كما تقدّم من أنه مشتقّ من العلم، أو العلامة، فمعنى الآية: "إنَّ الله اصطفاهم على كل المخلوقات" والملائكة من المخلوقات: فكانوا أفضل من الملائكة. واعتُرض: بأنّه منقوض بقوله: {أية : يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [البقرة:122]. فإنّه يستلزم أن يكونوا أفضل من محمّد (صلى الله عليه وآله). وأجيب عنه: بأنّ هذا الخطاب كان قبل وجوده (صلى الله عليه وآله)، وجبرائيل كان موجوداً حينئذ، فيلزم أن يكون قد اصطفاهم الله على الملائكة - دون محمّد (صلى الله عليه وآله). وأيضاً هب أنَّ تلك الآية قد دخلها التخصيص لقيام الدلالة، وأما هاهنا فلا دليل يوجب ترك الظاهر، فوجَب إمضاؤها على ظاهرها في العموم. وخامسها: قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأنبياء:107]. والملائكة من جملة العالَمين، فكان (صلى الله عليه وآله) رحمةً لهم، فوجب أن يكون أفضل منهم. وأجيب: بأنّ كون محمد (صلى الله عليه وآله)رحمةً لهم، لا يلزم منه أن يكون أفضل منهم، كما في قوله: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} تفسير : [الروم:50]. ولا يمتنع أن يكون رحمةً لهم من وجهٍ، وهم يكونون رحمة له من وجه. وسادسها: إن عبادة البشر أشقّ، فوجب أن يكونوا أفضل. بيان كون عباداتهم أشقّ لوجوه: منها: كثرة الموانع لهم إلى الطاعات، وكثرة الدواعي والأشواق فيهم إلى المعاصي، والفعل مع المعارض القويّ أشد منه بدون المعارض، والمبتلى بكثرة الدواعي والشهوات تكون الطاعة عليه أشقّ. ومنها: إنَّ شبهاتهم أكثر، والحجب بينهم وبين المعبود أكثر، فاحتاجوا إلى الاستدلال، والاجتهاد. ومنها: إنّ الشيطان مسلّط على البشر بالوسوسة، جارٍ في عروقهم مَجرى الدم، ولا سبيل له إلى وسوسة الملائكة، وذلك منشأ تفاوت عظيم في المشقّة، وإذا ثَبت ذلك، كانوا أكثر ثواباً من الملائكة، لقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : أفضلُ العبادات أحمَزها ". تفسير : وأجيب: بما مرّ من أنّ ملاك الأمر في باب العبادة ومعظمه الإخلاص، دون المشقّة، لما نرى من كثرة المشقّة في عبادات جهّال المتصوّفة، ونسمع من رياضات كفَرة الهند، وبعض الملاحدة مع أنا نعلم يقيناً أنَّ منزلتهم خسيسة دنيَّة. وسابعها: إن الله تعالى خلَق الملائكة عقولاً، وخلق البهائم شهوات بلا عقول، وخلق الآدمي، وجمع فيه الأمرين، فصار الآدمي بسبب العقل فوق البهيمة بدرجة لا حدّ لها، فوجب أن يصير بسبب الشهوة دون الملائكة، ثمّ وجدنا الآدمي إذا غلب هواه عقله - حتى صار يعمل بهواه دون عقله - فإنَّه يصير دون البهائم، فيجب أن يقال: إنّه إذا غلب عقلُه هواه حتى صار لا يعمل شيئاً إلاّ بمقتضى عقله، وبهداه - لا بمقتضى نفسه وهواه - وجب أن يكون فوق الملائكة، اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر. وأجيب: بأنّ هذا جمعٌ بين الطرفين من غير جامع. وثامنها: إن الملائكة حفَظة، وبني آدم محفوظون. والمحفوظ أعزّ وأشرف من الحافظ، فيجب أن يكون بنو آدم أشرف من الملائكة. والجواب: بالمنع من كليّة هذه الدعوى، فإنّ الأمير الكبير قد يكون موكّلا على المتهمين من الجُند. وتاسعها: ما رُوي أنَّ جبرائيل (عليه السلام) أخذ بركاب محمد (صلى الله عليه وآله) حتى أركبه البُراق ليلة المعراج، ولما وصل إلى بعض المقامات تخلّف عنه جبرائيل وقال: "لو دنوت أنملة لاحترقت". وأجيب: بأنه خبرٌ واحد. وعاشرها: رُوي أنَّه (صلى الله عليه وآله) قال: "حديث : إنّ لي وزيرين في السماء" تفسير : وأشار إلى جبرائيل وميكائيل. وأجيب: بالمنع عن ثبوته وصحته. فصل في وجوهٍ عقليةٍ ذكرتها واعتمدتْ عليها الفلاسفةُ المتأخّرون المتفقون على أن الأرواح السماوية المسمّاة بالملائكة أفضل من الأرواح الناطقة البشرية وأكثر تلك الوجوه مما مرّ ذكرها في وجوه الصابئة، ونحن ذاكروها مع غيرها، والأجوبة المذكورة عنها، زيادة في الاستيضاح وتتميماً للاستبصار بها وبما فيها. فالأوّل: إنذ الملائكة بسيطة الذوات مبرّأة عن الشرور والآفات، والبشر مركّب من النفس والبدن، والنفس مركّبة من القُوى الكثيرة، والبدن مركّب من الأجزاء، والأعضاء، والمركّب معلول للبسيط، وأسباب العدم له أكثر، ولذلك كانت الفردانيّة من صفات الربوبيّة. وعورِض: بأنّ المستجمع للروحاني والجسمانيّ أفضل. والثاني: إنّ الجواهر الروحانيّة مبرّأة عن الشهوة والغضب اللَّذين هما منبع الفساد وسفك الدماء. والخالي من الشر مطلقاً، أو البعيد عنه أفضل من المبتلى به. الثالث: إنّها بريئة عن طبيعة القوّة والاستعداد، لأنّ كلّما كان ممكناً لها بحسب أنواعها المنحصرة في أشخاصها قد خرج إلى الفعل، والأنبياء ليسوا كذلك، ولهذا قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : إنّي لأستغفر الله في اليومِ والليلة مأة مرّة"تفسير : . ولا خفاء أن ما بالفعل التامّ الذي خرجت كمالاتها من القوّة إلى الفعل اشرف ممّا بالقوّة. الرابع: إنّ الروحانيّات أبديّة الوجود، مبرّأة عن التغيّر والفناء، والنفوس البشريّة ليست كذلك. الخامس: إنّها نورانيّة، علويّة، لطيفة. والنفوس العنصرية ظلمانيّة، سِفليّة كثيفة. فأين أحدهما من الآخر. السادس: الأرواح السماويّة تفَضُل الأرضيّة بقوى العلم والعمل. أمّا العِلْم: فبالاتّفاق على أنّ الأرواح السماويّة يحيطون بالمَغيبات، ولأنّ علومَهم فطريةٌ، كليةٌ، تامّة، وعلوم البشر بالضدّ من ذلك. وأمّا العمل؛ فلقوله تعالى: {أية : يُسَبِّحُونَ ٱلْلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ لاَ يَفْتُرُونَ} تفسير : [الأنبياء:20]. السابع: إنَّ الروحانيّت لها قوّة على تقليب الأجسام، وقواهم ليس من القوى المزاجيّة حتى يعرضها الكلال واللُّغوب، وإنّك ترى الخاصّة اللطيفة من النبات في بدر نموّها تفتق الحجر، وتشقّ الصخرةَ الصمّاء، وما ذلك إلاّ لقوّة نباتيّة فاضت عليها من الجواهر العلويّة، فما ظنّك بتلك الجواهر أنفسها. والأرواح السفليّة ليست كذلك، وما يحكى عن قوّة الشياطين على الأمور الصِّعاب فممنوعٌ. وإن سلّم فالأرواح العلويّة أقدر، لأنهم يصرفون قواهم في مناظمِ العالَم السفلي، لا فيما هو شرٌّ له. الثامن: إن الملائكة لهم اختيارات فائضةٌ عن أنوار جلال الله، متوجهةٌ إلى الخيرات، واختيارات البشر متردّدة بين جهتي العِلو والسِّفل، والخير والشرّ، وإنّما يتوجّه بإعانة الملَك على ما ورَد في الأخبار من أن لكل إنسان ملَكاً يسدّده ويَهديه. التاسع: إنّ الأفلاك كالأبدان والكواكب كالقلوب، والملائكة كالأرواح، فنسبةُ الأرواح إلى الأرواح كنسبة الأبدان إلى الأبدان، وكما أنَّ اختلاف أحوال الأفلاك مبادئ لحصول الاختلافات في هذا العالَم، فيجب أن تكون أرواح العالَم العِلوي مستوليَة على أرواح العالَم السِّفلي، بل تكون عللاً ومبادئ لها، فهذه هي الآثار، وهناك المنابع والمعادن، فكيف يليق بالعقل ادّعاءُ المساواة فضلاً عن الزيادة؟! العاشر: الروحانيّات الفلكيّة مبادئ لروحانيّات هذا العالَم ومعادنها، منها نزلت، فتوسّخت بأوضار الجسمانيّات، ثم تطهَّرت بالأخلاق الزكيّة، وصعدت إلى عالمها، ومصدر الشيء ومصعده أشرف. منه المبدأ، وإليه المنتهى. الحادي عشر: أليست الأنبياء لا ينطقون إلاّ عن الوحي؟ أليس أن الملائكة يعينونهم في المضائق، ويهدونهم إلى المصالح - كما في قصّة لوط - وكيوم بدْر وحُنين، وكما في قصّة نوح من نجر السفينة فمِن اين لكم تفضيل الأنبياء، مع افتقارهم إلى الملائكة في كلّ الأمور؟ الثاني عشر: القسمة العقليّة - بأن الأحياء إمّا خيِّرةٌ محضة، وهم الملائكة أو شرّيرةٌ محضة، وهم الشياطين. أو خيِّرةٌ من وجه شرّيرةٌ من وجه، وهم البشَر - تحكم بأفضليّة الملَك. وكذا التقسيم بالناطق المائِت، وهو الإنسان. والناطق غير المائتِ، وهو الملَك. والمائتِ غير الناطق، وهي البهائم يُرشد إلى أنّ الإنسان متوسّطة الرتبة بين الكمال والنقصان. فالقول بأنّه أفضل قلْبُ القسمة العقليّة ونزاع في ترتيب الوجود. وأما الجواب عن هذه الوجوه من جانب القائلين بتفضيل الأنبياء - صلوات الله عليهم - على الملائكة (عليهم السلام). فعورِض: الأوّل: بأنّ المستجمع للروحاني والجسماني ينبغي أن يكون أفضل مما له طرف الروحاني فقط. ولهذا جُعل أبو البشَر مسجوداً للملائكة. ورُدّ الثاني: بأنّ الخدمةَ مع كثرة العلائق أدلّ على الإخلاص. وأيضاً من البيِّن أنّ درجَتهم حينما قالوا: {أية : لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ}تفسير : [البقرة:32]. أعلى منها حين قالوا: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}تفسير : [البقرة:30]. وما ذلك إلاّ بسبب الانكسار الحاصل من الزلَّة، وهذا في البشر أكثر. ولهذا قال (صلى الله عليه وآله) حاكياً عن ربّه: "حديث : أنينُ المذنِبين أحبُّ إليَّ مِن زَجل المسبِّحين ". تفسير : ورُدَّ الثالث: بأنّ بعض الأمور فيها لعلّها بالقوّة، ولهذا قيل: إنّ تحريكاتها للأفلاك لأجل استخراج التعقّلات من القوّة إلى الفعْل، كالتحريكات العارضة لأرواحنا، الحاملة لقوى الفكر والتخيُّل. أقول: هذا المنع لا يجري في الملائكة المقرّبين، المسمّاة عندهم بالعقول المجرّدة، وإنذما يجري في النفوس الفلكيّة. والرابع: بأنّه لا قديم في الوجود إلاّ الله. ولِئن سُلّم أنَّها وإن كانت ممكنة الوجود، فهي واجبةُ الوجود بمبادئها عورض بما عليه كثير من المحقّقين من أن النفوس البشريّة أيضاً أزليّة بمبادئها، وكانت كأظلال تحت العرش يسبِّحون بحمد ربّهم، إلاّ أن المبدأ الأوّل أمرَها بالنزول إلى عالَم الأجساد، وشبكات الموادّ، فلمّا تعلَّقت بها استحكم إلفها، فبعث من تلك الظلال أشرفها، وأكملها إلى هذا العالَم، ليحتالَ في تخليص تلك الأرواح عن هذه الشبكات، وهذا هو المراد من "باب الحمامة المطوّقة" من كتاب كليلة ودمنة. والخامس: بأن الشرف ليس بالمادّة، وإنّما هو بالقرب من ربّ العالَمين، والانقياد له. والسادس: بأنّ المواظِب على تناول الأغذية اللطيفة لا يلتذّ بها كما يلتذّ المبتلى بالجوع، فلا يكون لذّة الملائكة بالعلْم والعمَل كلذّة البشر، لعروض الفتَرات لهم في أكثر الأوقات بسبب العلائق الجسمانيّة، والحجُب الظلمانيّة، فهذه المزيّة في اللّذة مما يختصّ بها البشر، ولذلك قالَت الأطبّاء: إنَّ الحرارة في حمّى الدقّ اشد منها في حمّى الغبّ، لكن الحرارة في الدقّ، لمَّا دامت واستقرّت بطل الشعور بها، فهذه اللذّة لعلَّها ليست للملائكة لأجل الاستمرار، ولا لغير الإنسان لعدم الاستعداد، فكان الإنسان لها بالمرصاد. وأجيب عن: السابع: بأنّه لا مانع من أن تتفق نفسٌ ناطقة مستولية على الأجرام العنصريّة بالتقليب والتصريف. وعن الثامن: بما يحتمل أن يقال: فيكون إذن أعمالهم أشقّ، فيكون أجرُهم وجزاؤهم أعظم. وعن التاسع: بأنّ لا مؤثِّر في الوجود إلاّ الله عندنا. أقول: القائلون بأن لا مؤثّر إلاّ الله، إمّا الأشاعرة النافين للعلّة والمعلول فلا معنى لهم، ومعهم للخوض في المعقولات أصلاً، وإمّا جماعة من المحقّقين، القائلين بترتيب الوجود فهذا الجواب لا يضرّ، إذ المتقدّم في باب الاستفاضة للوجود خير من المتأخّر فيه. وعن العاشر: بأنّ هذا مبنيّ على عدم حشر الأجساد، وبعثها في المعاد، ودون ذلك خرطُ القتاد. وعن الحادي عشر: بأنّ أوّل الفِكر آخر العمل، ولا يلزم من كون الشيء واسطة أفضليّته. وعن الثاني عشر: بأنّه كلام اقناعي، وبما اعتمدوا عليه مراراً من أنّ الكلام في أكثريّة الثواب. فهذا تمام ما وجدناه من كلام الفريقين في هذا المقام، ولنُشر إلى طرف مما هدانا إليه بفضله ربُّنا المفضل المنعام. فصل في تحقيق الحقّ في كيفيّة المفاضلة بين الملَك والبَشر وبيانه متوقّف على ذكر أُصول: الأوّل: إنّ أُصول الموجودات هي الجواهر، دون الأعراض. وأصول الجواهر هي المجرّدات التي هي من عالَم الأمر، دون الماديّات والجسمانيّات التي هي من عالَم الخَلق. وأصول المجرّدات هي العقول المسمّاة بالأرواح الكليّة، دون النفوس، سواء كانت سماويّة أو أرضيّة. وأُصول الأرواح الروح الكلّي الذي لا واسطة بينه وبين الحق. فهذه أصول الموجودات، ولا موجود خارج عن هذه الأجناس، وما يتفرَّع عليها. الأصل الثاني: إنّ كلّ ما هو أقرب في سلسلة العلّية والمعلوليّة إلى واجب الوجود، فهو اشرف وأكرم، لأن فيض الوجود الفائض منه تعالى على كلّ موجود يصِلُ إليه أوّلاً، ثمّ يمرّ عنه إلى ما هو أبعد منه، فلا تصغ إلى قول مَن يقول: "إنّ الخسيسَ أكثرُ ثواباً من الشريف" بل إلى مَن يقول: "الخسيسُ يمكن أن يُنتقل جوهره من الخسَّة إلى أن يصيرَ أشرفَ من الشريف". الأصل الثالث: إن الإنسان وإن كان بحسب صورته البشريّة نوعاً واحداً من جملة أنواع الحيوانات، متّفق الأشخاص في تمام حقيقتها النوعيّة، إلاّ أنّه بحسب قوّته النفسانيّة المصوَّرة بالصورة الباطنيّة الأخرويّة، قابلٌ لأن يصير أنواعاً كثيرة لحقائق متخالفة، بعضها من جنس الملَك، وبعضها من جنس الشيطان، وبعضها من جنس السبُع، وبعضها من جنس البهيمة، وبعضها مما هو أسفل من البهيمة. وبالجملة ما من نوع من أنواع الموجودات - من أعلاها إلى أدناها - إلاّ ويمكن أن ينقلب إليه بعضُ الأشخاص الإنسانيّة، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ وَٱلْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَآ أَوْلَـٰئِكَ هُمْ شَرُّ ٱلْبَرِيَّةِ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ هُمْ خَيْرُ ٱلْبَرِيَّةِ} تفسير : [البينة:6 - 7]. الأصل الرابع: إن الموجودات كما هي مترتّبة في سلسلة النزول الايجادي الصدوري من الأعلى فالأعلى، إلى الأدنى فالأندنى - وهي المادّة الجسمانيّة - كذلك مترتّبة في سلسلة الصعود الاعدادي من الأدنى فالأدنى، إلى الأعلى فالأعلى. ففي سلسلة الإبداع والافاضة، كلّ ما كان أقدم في الوجود فهو أشرف وأفضل، وفي سلسلة التكوين، والاعداد للغايات، كلّ ما هو آخر فهو أشرف، لأنّ الأكوان الابداعيّة لكمال وجودها متفضّلة راشحة بالخير الدائم على ما دونها، والأكوان الحادثة متوجّهةٌ في الاستفاضة للخير عمّا فوقها، سالكةٌ في طلب التمام والكمال إلى غاياتها. وقد ثبت أنّ للأشياء الطبيعيّة غايات، ولا يخلو موجود ناقص إلاّ وقد أودع الله فيه قوّة طبيعيّة محرّكة، أو شوقاً جبلياً يسلك به إلى طلب الكمال، وتوصِله إلى الغاية والتمام. ولهذا جزَم الحكماءُ الإلهيّون بسَريان نور العشق والشوق إليه تعالى في جميع الموجودات، ما من موجود إلاّ وهو عاشقٌ له، أو مشتاق ساكن إليه أو سالك، والله الباقي وكل شيء هالك. واعلم أنَّ هذه القشور الكثيفة، وإن كانت خسيسة في الغاية، شبيهة بالعدم، لكن إعادة ترتيب الحدوث من هذه الحسيّات الزائلة إلى العقليّات الدائمة، ليس بأصعب على مَن له الخَلق والأمر من ابتدائه بالسياق عن العقليّات الدائمة إلى الحسيّات الدائرة، وليس القشر المتكاثف - وإن تناهى في الاظلام والكثافة - بممتنع عن قبول الأثر عن الجوهر اللَّطيف. بل الأرض وإن تمكّنت بالاستفالة والاستقلال، واشتدّت قوّتها بمبالغ الانزال، فإنّها بتأثير قوّة الشمس فيها، وإشراقها عليها تستجلب اللَّطافة، وتصير مادّة للغذاءات والأقوات ومنشأ لتوليد النبات. ولو كان القشر المتكاثف ممتنعاً عودُه إلى اللطافة، أو مصيّرة مادّة لتوليد اللباب فيه، أو منه، لما كان في جوهره وطبيعته قوّة قابلة منفعلة، بل لم يكن القشور من الحبوب المزروعة ليصير قوتاً للحيوانات، ولم يكن الثفل الكدر من الأشياء المأكولة ليصير مادة النبات. الأصل الخامس: إنَّ الإنسان يختصّ من بين الموجودات، بأنّ له أن يتحرّك وينقلب من أدنى الموجودات إلى أعلاها، ويسلك من بعضها إلى بعض، ويتبدّل من طورٍ إلى طور، وهو في الحركة إلى الكمال أبعد مسافة، وفي السلوك إلى المعاد والمرجع أعظم قوساً للرجوع، وإنَّ ابتداء حركته أدنى وأخسّ من ابتداء حركة غيره، وانتهاء رجوعه أعلى وأرفع من انتهاء رجوع الكلّ. فله أن يتصوّر أوّلاً بصورة خسيسة أدنى من كلّ خسيس، ثمّ يأخذ في الاستحالة والإنابة والرجوع، ويتصوّر بصورة شريفة متعاقبة، حتّى يصير أشرف الشرائف، وأحسَن الحسنات، وأفضَل الممكنات، وسبب ذلك ما نذكره الآن وهو هذا: الأصل السادس: إعلم أنَّ منشأ انتقال الموجود من وجود أدنى إلى وجود أعلى، انتقالا بحسب انتقال الطباع والغريزة، إنّما هو ضعْف الصورة، ونقص المادّة وعناية الفاعل. وقد مرّ أنَّ جميع الموجودات كلّها طالبةٌ للكمال، والذي يسكِّنها عن طلب كمالٍ أعلى ويوقفها عنه، تأكُد ما لها من الكمال بالفعل، فإنّ غلبة ما بالفعل مما يبطل الاستعداد لأجل الذي هو بالقوة. أو لا ترى أن أجرام كواكب الأفلاك لتماميّة صورتها لا يصير مادة لصورة أصلاً، ولا عنصراً لمركّب سماويّ أو أرضيّ، ولا أجساد السبع الشداد ممّا يقبل الانصداع، والانفطار، ولا الانشقاق والافتراق إلاّ بعد انقضاء الدنيا وبوار العالَم الأدنى، وحشر الخلائق، وانتقالها إلى النشأة الآخرة يوم طيّ السماوات، وانشقاق القمر، وانطماس نور الشمس وتكويرها، ونثر الكواكب وإظلامها وذلك يومٌ آخر ليس من أيام الدنيا. ولا - أيضاً - يصير واحدٌ منها موضوعاً لأعراض مختلفة متضادّة، ولا لصفات متبدّلة مستحيلة، إلا ما هو أضعف الأعراض من باب الوضع النسبيّ، فلها قوّة قبول أضعف الأعراض المادّية، لكون صورتها أقوى الصور الجرميّة. وإن أجرام العناصر لقصور صورتها الطبيعيّة، تصير مادّة لصور هي أكمل من صورتها، وموضوعة لأعراض قارّة، وكيفيات تشتدّ وتضعف، فيحصل من موادّها صور معدنيّة، ونباتيّة، وحيوانيّة. ونوع الإنسان من جملة أنواع الحيوانات، وإن كان متميِّزاً عن الكائنات بصورة حيوانيّة. إلاّ أنَّها أضعف الصور الحيوانيّة، وأفراد البشر تكون ضعيفة الحيوانيّة في باب الحسّ والحركة، لا يمكنها الاكتفاء في الملابس بإهاب طبيعيّ يحفظه عن الحرّ والبرد، ولا في باب إصلاح المطاعِم وإنضاجها بمطبَخ طبيعيّ كالمعدة والكبد بل يحتاج في كلِّ ذلك إلى معاوِنٍ خارجيّ، وهذا لِضعف قواه الحيوانيّة، كما قال تعالى: {أية : وَخُلِقَ ٱلإِنسَانُ ضَعِيفاً} تفسير : [النساء:28]. وهذا الضعف هو منشأ الانتقال والارتحال من حالهِ الأدني إلى حالٍ أعلى، وبهذا يستعدّ لأن ينتقل من مقام الحيوانية الحسيّة، إلى مقام الملكيّة العقليّة، وأنت لو تأمّلت في أحوال الموجودات، لوَجدت الجميعَ إمّا واقفةً في مقاماتها التي لها، أو بطيئة في توجّهها إلى نحو الغاية المطلوبة، والسالك السريع الحركة نحوها منحصر في بعض أفراد الناس. أمّا الملائكة المقرّبون، فلا حاجة لهم إلى الاستكمال والحركة نحو الكمال، لأنّهم دائمي القرب والوصول إلى معبودهم الأعلى - جلّ ذكره - . وأمّا الملائكة السماويّة، فلكلّ منهم مقامٌ في العبوديّة الدائمة، لا باعثَ لهم في الخروجِ عمّا هم عليه، لدوام إشراقاتهم المتوالية، وقوّة حالاتهم، ووفور ابتهاجاتهم ولذّاتهم، كأحوال أهل الجنة في طبقاتهم، ومنازلهم، ومقاماتهم. وأمّا الشياطين، فلقوّة ناريّتهم، ورسوخ أنانيّتهم، وحبّ رياستهم، لم ينقادوا للعبوديّة والانكسار، ولم يتغيَّروا عما فطروا عليه من الاستكبار والافتخار. ويقرب من حالهم أحوال الجنّ، وإن كان بعضٌ منهم أخياراً مسلِمين، إلاّ أنّهم كلّهم مخلوقون من النار، والنار أقوى العناصر وأبعدها عن قبول التأثير. وأما الجمادات التي ليست واقعة في حدود المادّة الإنسانية، فهي إمّا قويّة الجماديّة كالأحجار واليواقيت فلصلابتها لا تنقلب إلى غيرها. وإمّا أن تكون ملائم الجوهر لصورة أخرى، لكنها ما قبِلت صورة صلبة فوقفَت عندها، فهي صعب الانقلاب إلى غيرها، وكذا الحكم في سائر النباتات والحيوانات. وأمّا الإنسان الذي خُلق لبلوغ النهاية فهو أبداً في الحركة والرجوعِ والإنابة والسلوك، لكونه ما بين صرافة القوّة، ومُحوضة الفعلية. والعجب أنّ الذين فضَّلوا الملائكةَ على الإنسان - كالصابئة وغيرهم - جعلوا اشتمالَ الإنسان على القوّة والنقصان، منشأ انحطاط درجتِه عن درجة الملائكة، وهذه الصفة بعينها تصير منشأ لأن يتفضل عليهم، ويتجاوز عن مراتبهم. الأصل السابع: إنّ كلّ ما يتعلق بالبدن سواء كان صورةً، أو نفساً حيوانيّة، أو إنسانيّة، أو فلكية، بالقوّة والاستعداد، محتاج إلى جوهر عاقل يكمله ويخرجه من القوّة إلى الفعل، وكماله عبارةٌ عن صيرورته عقلاً، وعاقلاً بالفعل، ومعقولاً بالفعل، وكلَّما صار عقلاً بالفعل يصير كلّ الموجودات. لأنّ كلّ موجود من شأنه أن يَعقِل، فهو إما بتغيُّر من جانب المعقول، كالصور المادية المعقولة بالقوّة، المحتاجة في أن يصير معقولةً بالفعل إلى مغيِّر يغيِّرها، ومجرَّد يجرِّدها وينتزعها من المادّة. وإمّا بتغيُّرٍ من جانب العاقل إذا صار عاقلاً بالقوّة، فيحتاج إلى حركات فكريّة يسافر من بعض الصور الخياليّة إلى بعض، حتى ينتهي إلى العقول الصريحة، كالعقول القادسة وما فوقها. فكلّ ما هو كامل بالفعل، لزمه أن لا يخلو عنه شيء من المعقولات، بل يجب أن يكون عقلاً بسيطاً هو صورة الكل في وحدة. ومثْل هذا الموجود يجب أن يكون مكمِّلا للنفوس. ويجب أيضاً أن لا يكون المتعلِّق بالبدن سبباً قريباً لتكميل النفوس المستعدة، إلاَّ على سبيل الاعداد والتعليم البشري، دون الافاضة والتكميل العقلي، كالمعلّم من البشر إذا حاوَل التعليم، يعدّ نفْسَ المتعلِّم لأن يَقبل ما يُلهمه المعلّم العقليّ الروحانيّ الذي هو عقلٌ بالفعل، ويفيض عليه من عالَم الغيب كماله الحقيقي. ولو كان المتعلِّق بالبدن ما دام كذلك، سبباً مفيضاً على النفوس صوَراً عقليّة لكان متساوي النسبة إلى الكلّ، وكيف يكون مَن تعلَّق ببدنٍ خاص وتعمل بتوسّط آلاته قواه، متساوي النسبة إلى جميعِ الخلائق أجمعين حاضرهم وغائبهم، أوّلهم وآخرهم. نعم انتهاء النفوس الإنسانيّة يكون لا محالة إلى نفسٍ شريفة هي أكملها، وأقبلها للفيض العِلوي العقليّ، ثمّ الإلهي؛ بحيث - وهي بعدُ في عالَم البدن - قد صارت متجاوزةً بحسب قوّة انفعالها عن المبادئ بل عن البادئ، عن حدود النفوس إلى حدود العقول، بل إلى الطبقة العالِية منهم - لا بما هي نفسٌ، ولا حين ما هي في هذه الحياة الدنيا - بل من حيث المقام العقلي الذي ستنقلب إليه بعد الخروج عن زيارة هذه المقابِر الحسيّة. وبالجملة قد يكون من النفوس الإنسانيّة ما قد انقلب باطنها إلى رتبة العقول فصارت عقولاً بالفعل، بمعنى أنها متى خرجَت من قالب هذا الأدنى وصلَت إلى مقامها الأعلى. ومن هذه العقول الإنسانية ما هو أفضل الأفاضل، ومقامه أعلى المقامات العقليّة، وقوّته القدسية أشرف القوى القدسيّة، يكاد زيت قوّته القدسية يضيء بنور ربّها، ولو لم تمسَسه نارُ العقل الفعّال، فلما مسَّها صار نوراً على نور يهدي الله لنوره مَن يشاء كما قال جلّ اسمه: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى ٱللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً}تفسير : [الأحزاب:45 - 46]. الأصل الثامن: إن الموجودات الممكنة الصادرة عن الحقّ، لا بدّ وأن يقع منها سلسلتان: سلسلةُ البدوِ والصدورِ، وسلسلةُ العودِ والرجوعِ. ولا بدّ أن تكونا متكافئتين عكساً. أما سلسلةُ البدو، فممّا لا شبهة في تحقُّقها، وحصولها على المبدإ على سُنّةِ الأمر والإبداع، لعدم الباعث على الامساك والتعطيل، واستحالة تحقُّق المضادّ المدافع للجود، المانعِ عن الخير والافاضة، فيصدر منه الأشرف فالأشرف، فالترتيب المعنوي فيها، يقتضي أن يكون كلّ ما هو أقرب إلى عالَم الصور، والقشور، والأجسام فهو أبعد من الحقيقة الأحدية، والهُوية الصمَديّة، لأنّ تلك الحقيقة حقيقة الحقائق، ومعنى المعاني كلها. فأوّل ما صدر منه، أو تجلَّى له، أو ظهر فيه - على اختلاف ا لاعتبارات والاصطلاحات - هي العين الواحدة المسمّى عند بعضهم بالعقل الأوّل، المعبَّر عنه بالحقيقة المحمديّة، والاسم الأعظم، والعقل الكلّي، وعالَم العقول. ثمّ النفس الكلّية، وعالَم النفوس المجرّدة المدركة للحقائق الكلّية بالذات - أي بنور العقل الكلّي - وللجزئيات بالآلات - أي بأنوار الحواسّ - ثمّ النفس الخياليّة المجرّدة عن الأجسام لا عن الأجرام. ثمّ النفس المنطبعة المدركة للجزئيّات بذاتِها المثاليّة. ثمّ قواها المنطبعةِ. ثمّ النفوس النباتيّة من حيث حقائقها ونوعيّاتها الطبيعيّة، ثمّ الجواهر المعدنيّة، من تلك الحيثيّة. ثمّ الصوَر العنصرية. ثمّ الهيولى التي هي أخسّ الجواهر وأدونها، ومنها يتصاعد الوجود بعد تنزّلها الأقصى. وأمّا سلسلةُ العود والرجوع إلى الكمال بعد الهبوط إلى أنزل المنازل والأحوال فوجودها أيضاً محقّق لا شبهة فيه، بناء على ما ذكرنا مراراً من أن التوجُّه إلى الغايات في جبلّة كل ناقص. وأنَّ كل حادث من الحوادث، كما لا بدّ فيه من فاعل ومادة وصورة، كذا لا بدّ لصورته من غايةٍ، والكلام في غايته كالكلام في نفسه، فلغايته غايةٌ أُخرى. ولا تتسلسل الغايات الذاتية إلى غير النهاية، بل تنتهي إلى غايةٍ لا غاية لها، ويجوز في الغايات العرَضية التعاقب الغير المنقطع إلى غاية أخيرةٍ عند جمهور الفلاسفة، كما يجوز ذلك عندهم في السوابق العرَضية المسمّاة بالمعدّات. ولكن كلامنا في الغاية الذاتيّة التي وجد الشيء لأجلها، وهي التي تقدمت على المعلول في التصوّر العلمي، وتأخرت عنه في الوجود العيني، عندما يقع المعلول تحت الحركة والكون، إذا لم يكن التصوّر العلمي له عين وجوده العينيّ، وأمّا فيما ارتفع وجودُه عن عالَم الحركات والانفعالات، فالغاية له سابقة عليه علماً، وعيناً. فالموجودات الصوريّة ممّا يجب أن تترتب ترتّباً ذاتياً، رجوعياً غائيّاً على عكس الترتّب الذاتيّ الابتدائيّ من الأدنى إلى الأعلى، فالوجودُ الذي يتصاعد في الشرف يظهر أولاً في المعدن، ثم في الحيوان، ثم في الإنسان. والصورة الإنسانيّة آخر المعاني الجسمانيّة، وأوّل المعاني الروحانيّة، كالبرزخ الجامع بين العالَمين. وهي باب الله المؤتى منه إلى عالَم القدس والرحمة. وهي آخر باب لسور حاجز بين النار والجنة، وبعد مرتبة الإنسان البشري مراتب كثيرة في الصعود حتى يبلغ الوجود إلى النهاية. واعلم أنَّ النفوس الإنسانيّة كما أنَّها تكون متفاوتة في النهاية، كذلك كانت متفاوتة في البداية، واختلافها من اختلاف معادنها الأصلية "الناسُ معادنُ كمعادنِ الذهبِ والفضَّة". كما أخبر عنه سيّد الأنبياء عليه وآله وعليهم السلام والصلاة، وقد خلق الله في كل نفس معنى مخصوصاً، وقوّة محرّكة مخصوصة يجرّها إلى معدنها الأصلي، ولا يقف بها دونه. قال تعالى: {أية : كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} تفسير : [الأنبياء:104]. وقال أيضاً: {أية : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ} تفسير : [البقرة:60]. وحركات الجوارح آثار تلك المعاني المُحرّكة التي أودعتها القدرة في النفوس، إتماماً للحكمة، وإظهاراً لكمال الرحمة، فالنفوس التي لا تكون بينها وبين الأوّل تعالى واسطة تنجذب إلى جنابه طبعاً، كانجذاب إبرة من حديد إلى مغناطيس غير متناهي القوّة. وقوله: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة:54]. كنايةٌ عن هذا الجذب والانجذاب، كما أنّ قوله: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة:67]. كنايةٌ عن الطرد والدفع عن جناب القدس إلى جانب البعد. وبالجملة نهاية كلّ واحد رجوعه إلى البداية، وإلى هذا المعنى أشار العارف الربّاني صاحب منازل السائرين، عبد الله الأنصاري: "إلهي تلطّفتَ لأوليائك فعرفوكَ، ولو تلطَّفت لأعدائك لما جحَدوك". فحكم النفوس التي لم تكن بين مصدرها وبين الأوّل تعالى واسطة، أن يعرفوها ويصلوا إليها راجعين، راضين مرضيّين. وأمّا النفوس التي بينها وبين الأوّل حجُب العزّة، ووسائط القدرة فتحشر إلى طبقات مختلفة المراتب في الصعود، والهبوط، {أية : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ} تفسير : [الأنعام:132]. وربما صارت بعض النفوس أبخس ممّا كانت في أوّل الأمر، فيكون مرجعها إلى المهاوي النازلة، وليس هذا الموضع محلّ بيانِه. فإذا تمهدت هذه الأصول نقول: قد تبيَّن وانكشف أنَّ الإنسان يمكن أن يصير في آخر مقاماته أشرف من الملائكة، إذ كما أنَّ للملائكة طبقات متفاوتة في الوجود النزولي وأشرفها طبقة الأرواح المهيّمة التي هي باصطلاح الحكماء تسمّى العقول الفعّالة فكذلك للإنسان درجاتٌ متفاوتةٌ في الصعود إلى الله، وأشرفها وأكملها درجة الأرواح النبويّة هي التي أيضاً عقول بالفعل، وعند القيام إلى الله تعالى تكون فعّالة للعلوم العقليّة، مكمِّلة للنفوس، شفعاء للخلائق إلى الله تعالى. وكما أنَّ أوّل الأرواح العقليّة مَن لا واسطة في الشرف بينه وبين الله، كذلك آخر الأرواح النبويّة من لا واسطة بينه وبين الله، كما قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : لي معَ الله وقتٌ لا يسَعني فيه ملَك مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ"تفسير : . وهذا لا ينافي كون جبرائيل أو غيره من الملائكة معلِّماً له في بعض الأحوال، لما علمت أنَّ الإنسان ذو نشآت متفاوتة. فجميع ما ذكروه من الدلائل الدالّة على تفضيل الملائكة على البشر حقٌّ وصدق، ولا ينافي كونه أشرف منهم في آخر أمره، وحقُّ المقام أن تقع المفاضلة بين الملَك وبين آخر مقام الإنسان، وأن يُعتبر مع كل صنف من الملَك صنف من الناس الذين يكونون بإزائهم، ويقعون في عالَمهم. وكما أنَّ الملائكة أنواعُ كثيرة بعضهم ملائكة العلوم، وبعضهم ملائكة الأعمال. وملائكة الأعمال بعضهم ملائكة الجنّة والرحمة، وبعضهم ملائكة النار والعذاب كالزبانية ولكلّ منهم منازل ومراحل كثيرة فكذلك أصناف البشر بعضهم من أهل العلم والمعرفة والقرب، وبعضهم من أهل العمل. فمنهم مطيعين، وهم أصحاب الجنّات. ومنهم عاصين، وهم أهل النار. والكفَرة بإزاء أهل العلم مخلَّدةٌ في الجحيم. فإذا سئل عن التفاضلُ بين ملائكة الأعمال، وأصحاب الأعمال من البشر فالفضل للملَك، لأنّهم أقدر على الطاعات. وإذا سُئل عن ملائكة العلوم وأهل الولاية والنبوّة من البشر، فالفضلُ للأنبياء والأولياء (عليهم السلام) لكونهم جمعوا بين العلم والعمل، وكانوا متّصفين بصفات الخلائق كلّها، متخلّقين بأخلاق الله، عارفين بجميع الأسماء، لأنّهم كانوا أوّلاً في عالَم المحسوسات والجسمانيّات، ثمّ في عالَم المتخيّلات والمثاليّات ثمّ في عالَم الحقائق والمعقولات. فلهم الجامعيّة الكبرى، فاستحقّوا للخلافة الإلهيّة مدّة في عالَم الأرض لقوله: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة:30]. ثمّ في عالَم السماء "لَولاَكَ لَما خَلَقْتُ الأَفْلاَكَ". ثمّ في عالَم الأسماء، كاسم الله الأعظم الجامع لجميع الأسماء: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء:80]. وقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : مَن أطاعَني فقَد أطاعَ الله ". تفسير : وبالجملة: الإنسان الكامل الواصل إلى مقام الملَك، مساوٍ معه في الشرف والقُرب، لكنّه أتمّ كمالاً من الملَك باعتبار جمعيّته، واحتوائه على سائر المقامات، ومروره عليها. وأمّا ما ذكَره العلاّمة القاشاني - صاحب الاصطلاحات - من "أنّ الملائكة المقربين باعتبار ارتفاع الوسائط بينهم وبين الله، يكونون أشرف من الإنسان الكامل، وهو أكمل منهم باعتبار الجامعيّة" فليس بجيّد، وذلك لما ثبتَ وتحقّق عند المعتبرين من الحكماء المتألّهين وانكَشف لدى أذواق العرفاء المكاشِفين، أنَّ النفس الإنسانيّة إذا تجاوزتْ عن حدّ العقل الهيولاني، وما بالملكة، وما بالفِعل تتّحد بالعقل الفعّال، وتصير هي هو بعينه في المقام الجمعيّ المسمّى عندهم بالعقل البسيط الفعّال للعقول التفصيليّة النفسانيّة. وهذا الاتّحاد بين العقل الإنساني والعقل الفعّال في المقام الجمعيّ العقلانيّ لا ينافي امتيازه عنه بالعادات النفسانيّة، والأخلاق والملكات الحسنَة البشريّة المكتسبة بواسطة تهذيب القوى، وتكميل الذوات، وتعديل الصفات. ثمّ العجَب أنَّ العقل الفعَّال - مع كونه فاعِلا مقدّماً مكمّلاً للنفوس محيياً لها بإذن الله بالحياة السرمديّة - هو بعينه غايةٌ أخيرةٌ مترتّبة على استكمالاتها، وثمرة حاصلةٌ عن شجرة وجودها. وهذا أمر عجيبٌ غريبٌ؛ لكنّه حقّ لا مِريَة فيه لنا، وهو مما ساقَنا إليه البرهان، وأُلهمنا به بفضل الله العظيم المنّان. فهذا ما حضَرنا الآن في هذه المسألة، ولها زيادة تفصيل ذكرناها في تفسير آية النور، يظهر لمن أراد ذلك بالمراجعة إليه والله أعلم. فصل مسألةُ الجبر والتفويض في هذه الآية استدلّ القاضي بهذه الآية على بطلان قول المجبِّرة من حيث أنّها دالّة على أنَّ الشيطان كان قادراً على السجدة، ولم يسجد من غير عذرٍ من وجوه: أحدها: قوله: {أَبَىٰ} فإنّ مَن لم يقدِر على شيء لا يقال له: "أباه". والثاني قوله: {ٱسْتَكْبَرَ} ولا يقال لمَن لم يقدر على الفعل: "أنّه استكبر" بل: "لم يفعَل". والثالث: قوله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} ولا يجوز إسناد الكفْر إلى أحد من جهة أنّه لم يفعل ما لم يقدر عليه. والرابع: إنّ إِباه، واستكباره، وكفْره خلْق من الله، فهو بأن يكون معذوراً أولى من أن يكون مذموماً. ثمّ قال: "مَن اعتقد مذهباً يُقيم العذر لإبليس فهو خاسر الصفقة". وأجاب عنه صاحب التفسير الكبير بالمعارضة بقوله: "إن كان صدور ذلك الفعل عن قصدٍ وداعيةٍ فمن أين حصَل ذلك القصد؟ أوَقَع عن فاعلٍ هو العبدُ أيضاً بقصد آخر وهكذا فيتسلسل إلى لا نهاية، ويسدّ إثبات الصانع. وإن وقَع عن فاعلٍ هو الله فيعود عليك كل ما أوردتَه علينا وإن قلت: وقعَ ذلك الفعل عنه لا عن قصد وداع فقد ترجّح الممكن من غير مرجّح، وهو سدّ باب إثبات الصانع. وأيضاً فإن كان ذلك كان وقوع ذلك الفعل اتّفاقاً، والاتّفاق لا يكون في وُسعه واختياره، فكيف يؤمر به وينهى عنه؟". ثمّ قال: "فيا أيُّها القاضي ما الفائدة بالتمسّك بالأمر والنهي، وتكثير الوجوه التي يرجع حاصلُها إلى حرف واحد وهو "وقوعُ الأمر والنهي من الله على العبد". مع أنَّ مثل هذا البرهان القاطِع القالِع خلفَك يستأصل عروقَ كلامك، ولو اجتمع الأوّلون والآخرون على هذا البرهان، لَما تخلَّصوا إلا بالتزام وقوع الممكن لا عن مرجّح به وحينئذٍ يسندّ باب إثبات الصانع - أو بالتزام أنْ يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد وهو جوابنا". أقول: قد مرّ تحقيق هذا المقام مِراراً على وجهٍ لا يلزم عنه شيءٌ من المفاسد، ولا ينافي أصلاً من الأصول والمقاصِد، فلا نعيد الكلام بذكره، إذ المستقيم السلوك المهتدي بالنور يكفيه أقلّ من ذلك، والغويّ المنحرف المطيع للوهم لا ينتفع بالأكثر منه {أية : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} تفسير : [النور:40]. فصل الكفْرُ والإيمانُ، والأقوالُ في كفر إبليس وأمّا قوله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}. فمعناه: كان كافراً في الأصل متظاهراً بصورة الأعمال الحسنة، مترائياً بالطاعات الظاهرة في مجامع أهل الملكوت، حتّى أظهر الله ما كمن في باطنه على رؤوس الاشهاد من التمرّد، والإباء، والعصيان، والجحود والانكار لأهل الله، والطغيان، والحسد، واللداد، والتكبّر والعناد، كما هو دأب متابِعيه من أهل النفاق، المغترّين بلامعِ سراب الأعمال الظاهرة في ظلمات الهوى، وتيه الجهالة والردى. واختلفت الفقهاء في قوله تعالى: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ}. على قولين: أحدهما: إنّ إبليس حين اشتغاله بالعبادة كان منافقاً، كافراً. واستدلّوا في تقرير هذا القول بدليلين مرّ ذكرهما في المفاتيح. أحدهما: ما نُقل عن شارح الأناجيل الأربعة من شُبهات إبليس السبعة، على شكل مناظرة بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود. والثاني: التمسّك بقول أصحاب الموافاة، وعليه أكثر أصحابنا الإماميّة من أن الجمع بين الكفْر والإيمان في شخص واحدٍ مستحيل - ولو في زمانين - وذلك لأنّ أحدهما يوجب استحقاق الثواب الدائم، والآخر يوجِب استحقاق العقاب الدائم، والجمع بين الثواب الدائم والعقاب الدائم محال، فكذا الجمع بين الاستحقاقين معاً محالٌ، فَطرَيَان كلّ منهما إمّا أن يكون مزيلاً للآخر، أو كاشفاً عن عدمه رأساً. والأوّل باطل - لأنّ القول بالإحباط باطلٌ - فبقي الثاني وهو المطلوب، فإذا فُرض كون واحدٍ مؤمناً، ثمّ ظهرَ منه الكفْر بعد ذلك، عُلِم أن المفروض محالٌ، فإذا كانت الخاتمة لواحد على الكفر، علِمنا أنّ الصادر منه أوّلاً لم يكن إيماناً. فهكذا الحال في إبليس. أقول: للباحث المتكلّم أن يمنع أنَّ مجرد الإيمان في أيّ وقت كان يوجب استحقاق الثواب الدائم، بل بشرط أن يكون مستمرّاً عليه إلى خاتمة العمر. وكذا له أن يمنع أنّ مجرّد الكفْر يوجب ما ذكره، إلاّ أن يكون استمراريّاً أو ارتدادياً عن فطرة. واعلم أنَّه يمكن تصحيح ما ذهبتْ إليه أصحاب الموافاة بوجه مناسب لمذهب الحكماء، وهو إن الإيمان الحقيقي ليس مجرد القول بالشهادتين، بل عبارةٌ عن اعتقادات مخصوصة يقينيّة، وعلومٌ حقّةٌ برهانيّة، أو كشفيّة. وقد ثَبت أنَّ العلْم الحاصل للنفس بالبرهان، ليس يمكن الزوال عنها، فكلّ من تحلّت نفسه بالإيمان بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتب، والرسل، والشهداء، فلا يمكن زوال إيمانه على التحقيق. وكذا الكفْر الحقيقي عند التحقيق، ليس عبارة عن عدم النطق بالإيمان، أو عدم الاعتقاد فقط، أو خطور صورة باطلة بالبال مقابلةً لأصل من الأصول. بل عبارةٌ عن اعتقاد الشرك مع الرسوخ فيه، والجُحود لقول الحقّ وقول الرسولِ (صلى الله عليه وآله) وأئمة الدين (عليهم السلام). وإلاّ فمجرّد الجهل البسيط بأُصول اللإيمان، لا يوجب استحقاق العذاب الدائم، بل يوجِبه الجهل المركب المشفوع بهيئة نفسانيّة، وملكة ظلمانيّة، يتأكد في النفس سدّاً بين يدي القلب، وغشاوة على البصيرة. فإذا تقرَّر ما ذكرناه، ظهرَ لقول أصحاب الموافاة وجهٌ صحيحٌ، وصورة علميّة يستحسنها ذوق أرباب التحقيق. الثاني: إنَّ إبليس كان مؤمناً، ثمّ طرأ عليه الكفر. واعلم أنَّ هذا القول مما يستكرهه العارف بآيات رحمة الله، وآثار لطفه وعنايته، ومما يسيء الظنَّ بربّ العباد وحكمته، وإحكام صُنعه، وإتقان فعْله، فإنّ تجويز أنّ أحداً كان مؤمناً مخلصاً لله في عبادته سنين متطاولة، وأحقاباً كثيرة متمادية، ثمّ تغيَّر حالُه وانصرفَ قلبُه عمّا كان مستمرّاً عليه، راسخاً فيه في تلك السنين والأحقاب المتطاولة بأدنى شيء يستلزم أن لا يبقى لأحد اعتمادٌ على اليقينيّات، ولا اعتقاد بشيء من الأصول المثمرة للسعادات، فيكون كل أصل من الأصول اليقينيّة ممكن الزوال، جائز الاضمحلال، فيكون مدار الاعتقادات على الظنّ والتخمين، وبناء الأمور على البختِ والاتّفاق. والحقّ {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [التوبة:120]. {أية : يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ} تفسير : [إبراهيم:27]. {أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} تفسير : [الأحزاب:67]. واعلم أنَّ الإيمان الحقيقي صورةٌ في نفس المؤمن، أحكَمُ وأتقنُ من صورة الشمس والقمر، وصورةُ سائر الأجرام الفلكيّة. بل لا نسبة في الإحكام بين صورة المؤمن، وصورةِ تلك الأجرام العظيمة، الراسخة، الشامخة، لأنّ صورتها زائلةٌ منكسفة النور يوم القيامة، واهيةٌ يومئذٍ، وصورةُ المؤمن قائمةٌ عند ربِّه، مشرِقة، ضاحكةٌ، مستبشرةٌ أبد الآبدين، ودهر الداهرين. ثمّ القائلون بهذا القول اختلفوا في تفسير قوله: {وَكَانَ} فمنهم من قال: كان في علم الله من الكافرين: أي كان الله عالماً في الأزل أنَّه سيكفر. فصيغة "كَان" باعتبار العلْم، لا باعتبار المعلوم. ومنهم مَن قال: إنّه بعد مضي كفره صدقَ عليه أنَّه كان من الكافرين في ذلك الوقْت، ومتى صدَق المقيَّد، صدق المطلَق؛ لأنّه جزء المقيّد، فصدق عليه أنَّه كان من الكافرين. ومنهم من قال: المراد من "كَانَ" معنى "صَار" أي: صار بعد إبائه عن الإتيان بالسجدة لآدم مِن الكافرين. فصل إبليس أوّلُ مَن كفَر إنّ كلمة "مِنْ" في قوله: {مِنَ الْكَافِرِينَ} للتبعيض، فظاهر الكلام يدلّ على وجود قوم آخرين من الكافرين قبل إبليس في ذلك الوقت، ولهذا وقع الاختلاف في ذلك. فمنهم مَن قال: بأنّه وُجد قبله جمع من الكافرين. ويؤيِّده ما رُوي عن أبي بريدة أنَّه قال "إنّ الله تعالى خلَقَ خلْقاً من الملائكةِ، ثمّ قال لهم: {أية : إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [ص:71 - 72] فقالوا: لا تفعَل ذلك. فبعث الله عليهم ناراً فأحرقتهم. وكان إبليسُ من أولئك الذين أبوا". ومنهم مَن قال: معنى الآية أنَّه صار من الذين وافَقوه في الكفر بعد ذلك وهو قول الأصم. ومنهم مَن قال: إنّ هذا من باب إضافة فردٍ من أفراد الماهيَّة إلى تلك الماهيّة، وصحّة هذه الإضافة لا تقتضي وجود تلك الماهيّة كما أن الحيوان الذي خلقه الله أوّلاً يصدق عليه أنَّه فردٌ من أفراد الحيوان لا بمعنى أنَّه واحدٌ من الحيوانات الموجودة في خارج الذهن، بل بمعنى أنَّه واحدٌ من أفراد هذه الحقيقة، أعمّ من أن تكون الأفراد محقّقة، أو مقدّرة. والحقّ عندنا: أنَّ إبليس أوّل من كفَر الله؛ وأوّل من سنَّ كلّ كفْر، وبدْعة، ومعصية وقعت في العالَم، أو ستقع إلى يوم القيامة، وهذا رأيُ الأكثرين. ثمّ: إنّه هل هو أكفَرُ الكفَرةِ، وأعنَدُ المنافقين، أم لا؟ فيه تأمّل. ثمّ على تقدير أنّه أكفَر الكفَرة، هل هو أشدُّ الكفّار عذاباً يوم الآخرة، أم لا؟ فيه أيضاً موضع تأملٍ من ذي بصيرة. هل العاصي كافرٌ؟ واعلم أنَّ المعصية عند أصحابنا الإماميّة، وعند المعتزلة، والأشاعرة، لا تُوجِب الكفْر، وأمّا عند الخوارج: فكلّ معصيةٍ كفرٌ، وهم تمسّكوا بهذه الآية، قالوا: إنّ الله كفَّر إليس بتلك المعصية الواحدة، فدلّ على أنّ كلّ معصيةٍ كفْرٌ. وهذا الاستدلال في غاية الضعف. إذ على تقدير أن يكون منشأ كفْره تلك المعصية، لا يثبت به مطلوبهم؛ لأنّه ربما كان لبعض المعاصي خصوصيّة لا توجد في غيره. على أنّا نقول: إنّما لاستقباحه أمر الله إيّاه بالسجود لآدم، ولاستكباره، واعتقاده كونه محقّاً في ذلك التمرّد لأنّه أفضل منه - والأفضل لا يحسن أن يكون مأموراً بالتخضّع للمفضول، والتوسّل - واستبداده برأيه واستدلاله على ذلك بقوله: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} تفسير : [الأعراف:12] جواباً لقوله: {أية : مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} تفسير : [ص:75]. وعملِه بقياسِه المغالطي - المختلّ الأصل والفرع - في مقابلة النصّ. ثمّ على القول بأنّه "كان كافراً من أوّل الأمر، منافقاً حين اشتغاله بالعبادة" يكون هذا الاستدلال ساقطاً رأساً. واعلم أنَّ من فوائد هذه الآية استقباح الاستكبار، وأنّه قد يُفضي بصاحبه إلى الكفر، وكونه علامة لظلمة كامنة في النفس، باعثة على الفرقة والأنانيّة. والحثّ على الطاعة والائتمار - وإن لم يعلم سرّ الأمر - وترك الخوض في البحث. وأنّ الأمر يكون للوجوب. وأنّ الذي عَلِم الله من حاله أنه يُتوفّى على الكفر، هو الكافر على الحقيقة - لأن علْم الله بالأشياء هو عين حقائقها - لأن العبرة بالخواتيم، وإن كان بحكم الحال مؤمناً. وهو الموافاة المنسوبة إلى أصحابنا رضوان الله عليهم. فصل في أن المأمورين بسجدةِ آدم عليه السلام هل كانوا جميع الملائكة، أم بعضهم؟ فالأكثرون على الأوّل، واستدلّوا بوجهين: الأوّل: صيغة الجمع المحلّى بلام التعريف تفيد العموم، سيّما وقد قورِنت بأبلغ تأكيد في قوله: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} تفسير : [الحجر:30]. والثاني: وجود الاستثناء من الجمع دالّ على أنّ ما عدا المستثنى كان داخلاً في الحكم. وقوله: {إِلاَّ إِبْلِيسَ} دلّ على أنّ الملائكة كلّهم سجدوا لآدم، فدلّ على أنّهم كلّهم كانوا مأمورين بالسجود. ومن الناس من أنكر ذلك وقال: "المأمورون بالسجدة هم ملائكة الأرض" واستعظموا لأن يكون أكابرُ الملائكة مأمورين بسجدة آدم. والمشهور من آراء الباحثين من الحكماء مثلُ هذا، لأنّ الملائكة السماويّة - وهي الجواهر الروحانيّة المحرّكة للأجرام العالية عندهم - يستحيل على أُصولهم أن تكون منقادة للنفوس الناطقة الأرضيّة، فلهذا ذهب أكثرهم إلى أنّ المراد من الملائكة المأمورين بسجدة آدم هي القوى البشريّة، المطيعة للنفس الناطقة، الخادمة إيّاها طبعاً. أو يكون المراد منها النفس الحيوانيّة، والنباتيّة، المنقادة للإنسان حيث سخّرها الله له بما أعطاه من قوّة تسخيره إيّاها، وتصرّفه فيها لمصالح معاشه، ومعاده، وإليه ذهب صاحب إخوانِ الصفا. والحقّ إنّ المأمور بالسجود، والانقياد لآدم جميع الملائكة السماويّة، والأرضيّة، كما دلّ عليه قوله تعالى: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} تفسير : [الحجر:30]. إلاّ أنّ الملائكة الأرضيّة في وقت ومقام، والملائكة السماويّة في وقت ومقام آخر. فإن للإنسان درجات ومقامات بحسب سيره إلى الله. فما دام كونه في مقام النفسيّة، وعدم عروجه إلى عالَم القدس العقلي، فلا معنى لكون أكابر الملائكة - وهم المحرّكون للأجرام السماويّة - مطيعة له، لأنّهم إنما يطيعون أمرَ الله، وعالَم الأمر، ويلتمسون الأنوار العقليّة، ويتشوّقون إلى الاتّصال بالملإ الأعلى، وهم القاعدون في صوامِع الجبروت، ومصاقع الربوبيّة، ومجامع الإلهيّة. وأما إذا خرج عن مقام النفسيّة إلى مقام العقليّة الصِّرْفة، وخلص عن التلوّنات، والتغيّرات إلى المرجع والمآب، واستقرّ في مقعد من مقاعِد الأُنس والرحمة، منخرطاً في سلك المقرّبين المهيّمين، فحينئذ يطيع له ملائكة السماء طاعتهم للملإ الأعلى؛ لأنّه صار معهم في مقام الوحدة الجمعية، والسعادة الكبرى، والبَهجة العظمى التي يكلّ اللِّسان عن وصفها، وتضيقُ الأسماع والأذهان عن سمْعها وفهمِها. وأمّا الملائكة المهيّمون - وهم الذين لا تعلُّق لهم بعالَم الأجسام لاستغراقهم بمشاهدة جمال الأحديّة - فظاهرٌ أنَّهم خارجون عن أمر السجدة لغير الله، والانقياد لما سواه، ولا يشكل هذا بعموم قوله {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاۤئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} تفسير : [الحجر:30]. لأنّ إطلاق الملائكة بناء على أنّه مشتقٌّ من "الألُوكَة" بمعنى الرسالة - كما مرّ - إنما شاع على مَن له رسالة من الله إلى خلْقه، والأرواح المهيّمة مقامُهم فوق ذلك. والدليل على ذلك قوله تعالى: {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} تفسير : [ص:75]. أي الملائكة المرتفعين عن الالتفات لهذا العالَم مطلقاً - والله أعلم بأسرار خلقه، وآثار أمره.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا} عطفٌ على قوله {اذ قال ربّك} اى اذكر او ذكر حتّى تعلموا انّ جميع ما فى الارض خلق لكم {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ} اى لملائكة الارض على ما ورد فى أخبارنا فانّ مرتبة آدميّة آدم (ع) مسجودة لملائكة الارض او للملائكة جميعاً على ما سبق انّ آدم (ع) بعلويّته مسجودٌ لجميع الملائكة وقد ورد فى أخبارنا انّ الله أمر الملائكة بسجدة آدم (ع) لكون نور محمّدٍ (ص) وعلىٍّ (ع) وعترتهما (ع) فى صلبه {ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} السّجدة غاية الخضوع والتّذلّل والانقياد للمسجود، ولمّا كان غاية التّذلّل السّقوط على التّراب عند المسجود صارت السّجدة اسما لسجدة الصّلاة فى الشّريعة والمراد بالسّجدة هاهنا التّذلّل تحت أمر آدم (ع) والتّسخّر له بحيث يكون بالنّسبة الى كلّ منهم اذا أراد شيئاً ان يقول له كن فيكون، وتسخّر الملائكة وسجدتهم لآدم (ع) دون ابليس نظير تسخّر القوى لآدم فى العالم الصّغير دون الوهم الّذى هو الشّيطان فى هذا العالم {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ} افعيل من أبلس اذا ئيس من رحمة الله او من أبلس اذا تحيّر واضطرب، او من أبلس اذا ندم لانّ فعله فعل ينبغى ان يندم عليه، او من أبلس اذا سكت وانقطع حجّته، وكأنّه لم يستعمل مجرّدة وقيل: انّه اسم أعجمىّ ولذا لم ينصرف {أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ} من قبيل عطف السّبب على المسبّب {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} يعنى انّ فطرته كانت فطرة الكفر والاباء وترك الطّاعة لا انّ الكفر طرأ عليه بعد ان كان مؤمناً؛ اذ قوّة الاباء عن الانقياد كانت ذاتيّة له بحيث لو طرأ الانقياد كما روى "حديث : شيطانى أسلم على يدى"تفسير : كان الانقياد كأنّه عرضىّ عرض له. تحقيق مراتب العالم وكيفيّة خلق الاجنّة والشّياطين اعلم انّ الوجود كما مرّ له مراتب؛ مرتبةٌ منه غيبٌ مطلق لا خبر عنه ولا اسم ولا رسم وهو الوجود الذّاتىّ الّذى يخبر عنه بعنوان مقام ظهوره الوجود الذّاتىّ، ومرتبةٌ منه فعل الواجب وظهوره ومعروفيّته وفى تلك المرتبة يظهر تمام صفاته واسمائه؛ وتلك المرتبة باعتبار كونها عنواناً له تعالى بأسمائه تسمّى بالواحديّة، وباعتبار كونها اقتضاءً لايجاد العالم تسمّى بالمشيّة، وباعتبار كونها نفس ايجاد العالم تسمّى بفعله تعالى، وباعتبار كونها جامعة لتمام الاسماء والصّفات بوجودٍ واحدٍ جمعىٍّ تسمّى بالله، وباعتبار كونها مجمعاً لتمام الموجودات بنحو الاحاطة تسمّى بعلىّ (ع)، وبهذين الاعتبارين تسمّى بالعرش والكرسيّ ولها أسماءٌ اُخر غير هذه، ومرتبةٌ منه عالم المجرّدات ذاتاً وفعلا وينقسم الى العقول والارواح المعبّر عنهما فى لسان الشّريعة بالملائكة المهيمنين وبالصّافّات صفّاً، ويسمّيهما الفلاسفة بالعقول الطّوليّة والعقول العرضيّة، وارباب الانواع وارباب الطّلسمات فى اصطلاح حكماء الفرس الّتى قرّرها الشرع عبارة عن العقول العرضيّة، ومرتبةٌ منه عالم المجرّدات فى الذّات لا فى الفعل وتسمّى بالمدبّرات امراً، وينقسم الى النّفوس الكلّيّة والنّفوس الجزئيّة يعنى اللّوح المحفوظ ولوح المحو والاثبات، ومرتبةٌ منه عالم المثال النّازل المعبّر عنه بجابلقا الواقع فى جانب المغرب وفيه صورة كلّ ما فى عالم الطّبع بنحو أعلى واشرف، وظهور المحو والاثبات اللّذين فى النّفوس الجزئيّة فى هذا العالم، والبداء الّذى ذكر فى الاخبار هو فى هذا العالم، وقوله تعالى: حديث : ما تردّدت فى شيءٍ كتردّدى فى قبض روح عبدى المؤمنتفسير : ؛ انّما يظهر فى هذا العالم، والرّؤيا الصّادقة تكون بالاتّصال بهذا العالم وشهود ما سيقع بصورته فيه محتاجة الى التّعبير او غير محتاجة، ومرتبةٌ منه عالم المادّيات من سماواته وسماويّاته وعنصره وعنصريّاته، وهذا العالم مجمع الاضداد ومورد المتخالفات ومصدر المتباغضات ومصرع الهلكى ومصعد السّعداء، وفيه وقع تعليم آدم الاسماء وخلافته على ما فى الارض والسّماء، ومرتبةٌ منه عالم الجنّة والشّياطين وهو أسفل العوالم وأبعدها عن الله وهو محلّ الاشقياء من الانسان وفيه الجحيم وعذاب الاشرار وهو فى مقابل المثال العالى، ووجود الجنّة والشّياطين كوجود الملائكة الّذين هم ذووا الاجنحة مجرّد عن المادّة؛ ولذا يقدرون على التّشكّل بالاشكال المختلفة والتّصرّف فى عالم الطّبع مثل الملائكة، ويتراءى انّهم اقوى وجوداً من عالم الطّبع لتجرّدهم عن التّقيّد بالمادّة والمكان والزّمان واطّلاعهم على ما لا يطّلع عليه الانسان من الماضى والآتى وممّا لم يكن حاضراً فى مكانهم، لكنّ العناصر والعنصريّات للاستعداد للخروج عن التّقيّد بالزّمان والمكان والمادّة والتحاقهم بالملأ الاعلى والمقرّبين من الله اقوى وجوداً واقرب من الله، وينقسم اهل الملكوت السّفلىّ الى من هو فى غاية البعد عن الله وعن استعداد قبول رحمة الله بحيث كأنّ الحرمان عن الرّحمة ذاتىّ له وهم الشّياطين وذرّيّتهم والى من هو ليس فى غاية البعد عن المادّة واستعدادها للرّحمة وهم الجنّة، وهذا العالم تحت عالم الطّبع كما انّ عالم الملائكة فوقه، وفى الاخبار اشاراتٌ الى ما ذكرنا من عالم الجنّة وصفاتها وأقسامها وهذا آخر العوالم فى نزول الوجود من الله، وامّا فى صعود الوجود الى ما منه بدئ فالمبدأ المادّة والعناصر وان كان الجنّة والشّياطين قد يتقرّبون ويتصاعدون عن مهابطهم البعيدة لكن صعودهم الى حدّ محدود لا يتجاوزونه بخلاف صعود المادّيّات فانّه لا حدّ لها ولا وقوف، واولى درجات صعود العناصر امتزاجها وكسر سورة كلّ بحيث ارتفع التّمييز بينها، وثانيتها حصول المزاج والصّورة النّوعيّة فيها والوحدة الحقيقيّة لها ويسمّى الحاصل جماداً؛ وهو امّا واقفُ او واقع فى طريق النّبات، وثالثتها حصول النّفس النّباتيّة فيها وظهور آثارٍ مختلفة وافعالٍ متخالفةٍ عنها ويسمّى الحاصل نباتاً وهو امّا بشرط لا او لا بشرط شيئٍ فى طريق الحيوان، ورابعتها حصول النّفس الحيوانيّة فيها وظهور الحسّ والحركة الاراديّة عنها؛ والحاصل امّا موقوفٌ على حدٍّ او غير موقوفٍ بل واقع فى طريق الانسان، وخامستها حصول النّفس الانسانيّة وظهور الادراكات الكلّيّة عنها، ولا وقوف للحاصل بحسب التّكوين ان كان بحسب الاختيار لأفراده وقوفات عدد وقوفات أنواع الجماد والنّبات والحيوان، وعدد وقوفات افراد كلّ نوع منها، ومقامات صعود نفس الانسان ودرجات عروجها بعد ذلك غير متناهيةٍ، واوّل مقامات صعودها بعد ذلك عروجها الى الملكوت العليا بدرجاتها، او نزولها الى الملكوت السّفلى بدركاتها، والملكوت الحاصلة بعد صعود العناصر عن المقام البشرىّ يسمّى بجابلسا وهو مقابلٌ لجابلقا، وجميع ما فى هذا العالم يحصل فى جابلسا ثانياً كما كان حاصلاً فى جابلقا قبل هذا العالم، وما يحصل فى جابلسا يكون مُدبراً عن هذا العالم كما انّ ما حصل فى جابلقا كان مقبلاً على هذا العالم، ولهذا لم يكن لما فى جابلسا ظهور فى هذا العالم كما كان ما حصل فى جابلقا لا بدّ من ظهوره فى هذا العالم، وامّا البرزخ الّذى هو طريق مشترك بين الملكوت العليا ودار السّعداء والملكوت السّفلى ودار الاشقياء فهو معدود من صُقع الملكوت وليس مقام مقرّ حتّى يعدّ مقاماً وعالماً بنفسه لانّ السّعيد والشّقىّ لا بدّ من سلوكهما عليه الى الاعراف، والاعراف آخر البرازخ ومنه طريق الى الملكوت العليا وطريق آخر الى الملكوت السّفلى وسمّى الاقدمون البرزخ بهورقوليا وهذه المدينة هى الّتى لها الف الف باب ويدخلها كلّ يوم ما لا يحصى من خلق الله، ويخرج مثل ذلك، وهورقوليا وجابلقا وجابلسا غير مجرّدة عن التّقدّر وفوقها عوامل مجرّدة عن التّقدّر ايضاً. واعلم ايضاً انّ النّور العرضىّ الّذى به يستضيئ السّطوح معرّف بأنّه ظاهرٌ بذاته مظهر لغيره وهذا التّعريف فى الحقيقة للوجود وهو اولى به من النّور العرضىّ؛ فانّ النّور ظاهر للابصار مظهر لغيره على الابصار لا على سائر المدارك، وظهوره ليس بذاته وبمهيّته النّوريّة بل بوجوده فالنّور بما هو مهيّة من الماهيّات ليس ظاهراً بنفسه بل هو بما هو وجود ظاهر بنفسه اى بجزئه الّذى هو الوجود لا بالجزء الآخر ولا بالمجموع بخلاف الوجود فانّه بسيط ظاهر بذاته لا بشيئ آخر مظهر لغيره الّذى هو المهيّة ايّة مهيّة كانت ومظهر لنقيضه الّذى هو العدم، وظهوره ليس على مدرك واحد بل هو ظاهر ومظهر لكلّ الاشياء على جميع المدارك فهو اقوى فى النّوريّة من النّور العرضىّ، وكما انّ النّور العرضىّ اذا قابله جسم صلب كثيف غير شفاف ينفذ النّور فيه على استقامته سواء كان صيقليّاً كالبلّور او غير صيقلىّ كغيره من الاحجار الصّلبة واجتمع النّور فيه وتراكم ظهر منه آثار غير النّوريّة مثل النّار الحاصلة خلف البلوّرة اذا قابلت نور الشّمس والنّار المكمونة فى الاحجار الكبريّتيّة وغيرها كذلك النّور الحقيقىّ اذا قابله ما لم ينفذ فيه على الاستقامة كالمادّة القابلة الّتى لا جهة فعليّة فيها سوى القوّة، وعالم الاجسام الّذى ليس فيه الاّ جهة القبول لا الفاعليّة واجتمع الوجودات الضعيفة والكثرات البعيدة من الوحدة حصل من اجتماع الانوار نار مكمونة فيه او خلفه وتعلو بتلك النّار نفس مناسبة لها شريرة امّا بعيدة عن الخير ظاهرة النّاريّة نظيرها النّار الظّاهرة خلف البلوّرة البعيدة من الجسم المستنير، او قريبة من الخير نظيرها النّار المكمونة فى الاحجار، والقسم الاوّل الشّياطين والقسم الثّانى الجنّة ففى النّور نار مكمونة والنّار نور مكمون او ظاهر، فعلى هذا لا حاجة الى تأويل الآيات والاخبار الدّالّة على خلق الشّياطين والجنّة من النّار كما فعلته الفلاسفة، ولا الى تصحيحها بتجويز خلقها فى كرة الدّخان المنافى لكثير من قواعدهم ولكثير من آثار الشّياطين الّتى ذكروها فى الشّريعة، ولا الى انكار وجودهم الاّ بالتّأويل، ولا الى جعلهم نوعاً من الملائكة؛ فانّ الملائكة خلقوا من النّور وهم خلقوا من النّار وان كان لهم نوريّة كنوريّة النّار المختلطة، وكون آدم مخلوقاً من الطّين باعتبار انّ التّراب والماء غالبان فى مادّته والاّ فمادّته مركّبة من العناصر الاربعة.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ} معطوف على إذ الأولى، أو معمول لمحذوف من جملة المعطوف أو المحذوف مستأنف. وذلك مثل أن يعطف اذكر أو يستأنف به أو يقدر إطاعة الملائكة:{أية : وإذ قال ربك للملائكة}تفسير : فيعطف إطاعة الملائكة إذا.. إلخ. على {أية : قالوا أتجعل}..تفسير : إلخ مع إذ الأولى المتعلقة بقالوا إن علقت فيه، وهذا شروع فى ذكر نعمة رابعة على الناس بعد الثلاثة، فى قوله:{أية : وإذ قال ربك}. تفسير : {قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ}: كلهم على الصحيح بدليل فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس. حيث أكد بما يفيد الشمول. وقرئ الكلام بالفاء الدالة على السببية فإنها للسببية عن الأمر بالسجود، أى سجدوا كلهم لأجل أمره إياهم. وقيل ملائكة الأرض. وقرأ أبو جعفر (بضم التاء) إتباعاً لجيم اسجدوا. والفصل بالساكن ضعيف واستهلاك حركة الإعراب لحركة الإتباع كهذه القراءة. وقراءة الحمد لله [بكسر الدال] لغة ضعيفة فبما قال الزمخشرى وأظن أن معنى كون ذلك لغة، أن قوما من العرب يفعل ذلك فى بعض كلامه جوازا لا وجوبا. {اسْجُدُواْ لآدَمَ}: سجود تحية وتعظيم لا سجود عبادة، فيمكن أن يكون أمرهم بالانحناء بدون إيصال رءوسهم الأرض أو بإيصالها الأرض، وذلك سواء لأنه على كل حال سجود تحية لا عبادة. وقال الجمهور انحناء وخضوع بلا وصول للأرض، بناء على أن السجود إلى الأرض لم يجز لغير الله، وأصحاب القول الأول قالوا: مباح لغيره تحية وتعظيما لا عبادة، حتى نسخ التحية الانحنائية كلها على وصول الأرض، أو على غير وصولها، بتحية الإسلام، وهو قولنا السلام عليكم. وقوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لو أمر أحد بالسجود لأحد لسجدت المرأة لزوجها"تفسير : يحتمل وصول الأرض على أن الملائكة لم تصلها، ويحتمل سجود العبادة، ويحتمل الانحناء بلا وصول تعظيما وتحية، وتستثنى الملائكة، فالمراد أحد من الناس والجن. ولا يدل قوله:{أية : فقعوا له ساجدين}تفسير : على وصول الأرض، لأن من جثى على ركبتيه واقع، وكذا كل من نكس أعلاه. وممن قال سجود انحناء: على بن أبى طالب وابن مسعود وابن عباس. وقال الشعبى: إنما كان آدم كالقبلة، والمعنى إلى آدم، فاللام بمعنى إلى، وفى ذلك على كل حال كرامة لآدم - عليه السلام - ويجوز كونها بمعنى عند، أى اسجدوا عند آدم، ومن اللام بمعنى إلى، كقول حسان: شعر : ما كنت أحسب هذا الأمر منصرفا عن هاشم ثم منها عن أبى حسن أليس أول من صلى لقبلتكم وأعرف الناس بالقرآن والسنن تفسير : وكأنه قال ذلك حين استخلفوا عثمان، ولم يستخلفوا عليا، أى من صلى إلى قبلتكم، ويجوز كونها للتعليل، أى اسجدوا لأجل آدم، فإذا كانت اللام بمعنى إلى أو عند أو للتعليل، فالسجود إنما هو عبادة لله تعالى بوصول الأرض، وإذا كانت بمعنى إلى فآدم قبلة قطعاً تنص عليه إلى. وأما إذا كانت بمعنى عند فكونه قبلة متبادر، وإذا كانت للتعليل فليس فى ذلك ما يدل على أنه قبلة لهم فى سجودهم. ووجه كونه قبلة لهم تعظيمه أوامرهم باستقباله فى السجود له تعالى لكونه سبباً لهذا السجود الذى أمرهم به الله، أو لكونه ذريعة لهم إلى استيفاء ما قدر لهم من الكمالات، مثل الصلاة خلق سيد الأولين والآخرين محمد - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء وتكلمهم له وإيحاء القرآن ومناولته والسنة وسائر كتب الله، تبارك وتعالى، وسائر وحيه خصوصاً جبريل، بل يكفيهم كون جبريل الذى يلى غالب ذلك منهم، ومثل نزولهم ليلة القدر، وحضور مجلس القرآن والذكر والعلم وكتابة حسنات بنى آدم ونحو ذلك. ولكونه ذريعة إلى ظهور تفاوتهم فى الدرجات، فأفضلهم جبريل لملاقاته سيد الأولين والآخرين وسائر الأنبياء، أو لكونه أصلا لخلق الخلق كلهم، الملائكة وغيرهم الأجسام والأعراض، لأن سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - يكون منة، وهو لولاه لم تخرج الدنيا من العدم، وأمرهم باستقباله شكراً لما أنعم عليهم بوساطته، ولتعليمه إياهم أسماء الأشياء بأمر الله - عز وجل - أو لجميع ذلك. وهذه الاحتمالات كلها تتأتى إذا قلنا ذلك السجود خضوع لآدم، بإيماء أو بوصول الأرض. ويزداد هذا بأنه أمرهم بالسجود له ليعترفوا بفضله، ويؤدوا حقه الذى يتضمن كلامهم نقصه، ويعتذروا عما تكلموا فيه، وتتأتى جميع الأوجه أيضاً إذا قلنا: إنه لا سجود إيماء هناك بوصول الأرض، ولا بدون وصولها، بل أمرهم بالتذلل والانقياد بالسعى فى تحصيل ما تتعلق به حياتهم، ويتم به كمالهم. فإن أصل السجود مطلق التذلل. قال زيد الخير: شعر : بجيش يظل البلق فى حجراته ترى الأكم فيه سجدا للحوافر تفسير : وفى رواية: بجمع يظل البلق البيت. فالأكم جمع أكمة وهو الموضع المرتفع من الأرض، أى ترى المواضع المرتفعة تحت حوافر الخيل، كأنها تنخفض لحوافرها تذللا. وقال أعرابى من بنى أسد: شعر : فقدن لها وهما أبيا خطامه وقلن له اُسجد لليلى فأسجدا تفسير : أى قادة النوق إلى ليلى أو لأجل ليلى جملا ضخماً ممتنع الرسم، وقلن اتضع لليلى فاتضع بحط رأسه لتركبه، يقال: أسجد البعير بوزن أكرم بمعنى طأطأ رأسه ليركب، ويجوز كون همزته للتعدية أى اسجد رجليك ويديك ورأسك، فأسجدهن آى وضعهن إلى جهة الأرض، والسجود شرعاً وضع الجبهة والأنف والرجلين والركبتين واليدين على الأرض على قصد العبادة. {فَسَجَدُوا}: له. {إِلآَّ إِبْلِيسَ}: استثناء متصل على سبيل المجاز، لما كان بينهم متعبداً بعبادتهم صار كأنه واحد منهم، فسمى باسم الملك مجازا بالاستعارة. ويجوز أن يكون منقطعاً. ومن زعم أن إبليس من الملائكة فقد قال بعض أصحابنا إنه يشرك لأن الله - عز وجل - قال:{أية : كان من الجن}تفسير : وأقول: لا يشرك لأنه تأول ذلك من الاستثناء، لأن أصله الاتصال. وتأول قوله:{أية : كان من الجن} تفسير : وأنه كان من الجن فى فساد افعل، والاعتقاد والقول، ومن الملائكة أصاله وجسما ونوعا، كما نقول عمر من الشياطين وحاله والبهائم، فهو يقول: إن إبليس عدو الله من الملائكة، لكنه فسق كما تفسق الجن، فيصير البحث مع ذلك القائل فى عصمة الملائكة. والحق أنهم معصومون لقوله تعالى:{أية : وهم بأمره يعملون}تفسير : أى لا يعملون إلا بأمره، وأنه ليس من الملائكة لأن قوله:{أية : كان من الجن}تفسير : ظاهر فى أنه واحد منهم، وأن نسبته فيهم، وهذا حقيقة الكلام والمتبادر منه، والتأويل المذكور مجاز، وخلاف المتبادر، فلا يحمل عليه بلا قرينة واضحة، وزعم قومنا أن ابن عباس روى أن من الملائكة نوعاً يتوالدون، يقال لهم الجن، ومنهم إبليس. وذكر أصحابنا أن من قال الملائكة ذكوراً وإناثا مشرك، وكذا إن قال: يتوالدون. وقيل لا يشرك إن قال ذلك فى أفراد منهم أو فى نوع، بل إن قال فيهم عموماً لأن قائل هذا تأول قول ابن عباس، الذى زعموا عنه. ومن أطلق الإشراك ولو على من قال ذلك فى أفراد أو نوع، يحمل كلامه على من قال ذلك تعمدا لمخالفة القرآن أو جهلا لا على من قاله اعتمادا على ما روى عن ابن عباس، وكذا يحمل قوله بإشراك من قال: إن إبليس من الملائكة على من قاله جهلا أو عنادا للقرآن، لا على من قاله اعتمادا على ما روى عن ابن عباس مثلا، وكذا الكلام فى عصمة الملائكة، فقد قيل إن الملائكة ليسوا كلهم معصومين، ولكن الغالب فيهم العصمة، كما أن الإنس ليسوا معصومين، لكن القليل فيهم العصمة، ويجوز أن يكون الجن أمروا بالسجود كما أمر الملائكة وأن فى الكلام حذفا تقديره: وإذا قلنا للملائكة والجن اسجدوا لآدم فسجدوا، يعنى الملائكة والجن، إلا إبليس فيكون الاستثناء متصلا. وإن قلت: كيف تسجد الجن وهم شرور؟ قلت: يسجد مؤمنوهم طوعا وإخلاصا. ويسجد مشركوهم ومنافقوهم كارهون فى قلوبهم غير مخلصين. وإن قلت: إذا قدرت محذوفا هكذا: وإذ قلنا للملائكة والجن، فما الدليل عليه؟.. قلت: يدل عليه بعض دلالة استثناء إبليس، ويدل عليه أنه إذا أمر الكبار بالسجود وهم الملائكة، فأولى أن يؤمر به الصغار وهم الجن. قيل: ويحتمل أن يكون الجن قسمين: قسم ملائكة تخالف سائر الملائكة غير معصومة، وخلقت مما خلقت منه الشياطين وسائر الجن، وقسم شياطين، وإن إبليس - أعاذنا الله منه - من القسم الأول لا من سائر الملائكة، فصلح عليه الوقوع فى المعصية، فيكون النور الذى خلقت منه الملائكة قسمين: قسم هو نور محض غير نار، ومنه خلقت الملائكة المعصومون. وقسم هو نار، ومنه خلقت الملائكة غير المعصومة ومنهم إبليس. وخلقت الشياطين من نار ودخان مختلطين، كما قال الله تبارك وتعالى:{أية : من مارج من نار}تفسير : أو قيل المارج اللهب الخالص عن الدخان وقال الله تبارك وتعالى حكاية عن عدوه:{أية : خلقتنى من نار}تفسير : وحقيقة النار والنور واحدة، وهى الجوهر المضىء، غير أن ضوء النار مكدر بالدخان مستور به. فإذا كانت النار مصفاة عن الدخان كانت محض نور، وإلا تزايل الدخان حتى ينطفئ نورها، ويبقى الدخان الخالص، وأصل النور مطلقاً الإحراق والحرارة، ألا ترى الشمس والقمر كيف كانت فيهما الحرارة؟ ألا ترى النار؟ ألا ترى ما وردت فى الأحاديث من أن الأنوار تحرق، كموسى حين قصة طلب الرؤية، لولا الله لاحترق بالأنوار، وجبريل حين وصل موضعا فوق السماء السابعة فوقف وقال: لو دخلته لاحترقت، وذلك ليلة الإسراء... والله سبحانه وتعالى أعلم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : خلقت الملائكة من نور، وخلق الجن من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم"تفسير : رواه مسلم عن عائشة - رضى الله عنها - وروى عن ابن عباس والحسن: إن إبليس أبو الجن، كما أن آدم أبو البشر، ولم يكن قط ملكاً. قال الحسن واسمه الحارث: وقال شهر بن حوشب: كان من الجن الذين كانوا فى الأرض وقاتلتهم الملائكة فسبوه صغيراً، فتعبد مع الملائكة وخوطب معها، وحكاه الطبرى عن ابن مسعود. وزعم الطبرى أن الراجح قول من قال: إن إبليس كان من الملائكة، وقال: ليس فى خلقه من نار، ولا فى تركيب الشهوة والنسل فيه، حين غضب عليه ما يدفع أنه كان من الملائكة وقوله عز وجل:{أية : كان من الجن}تفسير : معناه أنه عمل عملهم. بل الملائكة قد تسمى جنا لاستتارهم. قال الأعشى فى سليمان عليه السلام: شعر : وسخر من جن الملائك أنفسا قياماً لديه يعملون له جرما تفسير : قال عياض ومما يذكرونه قصة إبليس وأنه كان من الملائكة ورئيساً فيهم ومن خزان الجنة، وهذا لم يتفقوا عليه، بل الأكثر ينفون ذلك ويقولون إنه أبو الجن. وإن قلت قد أسبقت أن لفظ إبليس عجمى، فليس مشتقاً من الإبلاس، بمعنى انقطاع الرجاء. أو بمعنى البعد عن الخبر. قلت: نعم لكن روى عن ابن عباس أنه مشتق من أبلس بمعنى بعد عن الخير، أو بمعنى انقطع رجاه كقوله تعالى:{أية : فإذا هم مبلسون}تفسير : وعليه فهو لفظ عربى بوزن إفعل لكن تشكل عليه منعه من الصرف، فلعله مشتق من ذلك فى لغة العجمة على أنه وجد فيها تلك المادة بهذا المعنى، فيمنع للعلمية والعجمة. ووزنه ما ذكر، لأنه لا مانع من بيان الزيادة فى اللفظ العجمى المشتق فى العجمة، وذلك متبين فى لغتنا البربرية، اللهم إلا أن يقال: إنه عربى منع صرفه لشذوذه وقلته. وزعم الزجاج أن وزنه فعايل وكأنه يراه أعجمياً، ولم يظهر له فيه تصرف على لغة العجم فحكم بأصالة حروفه غير المثناة، والمناسب على هذا أن يقول أيضاً بأصالة المثناة كالهمزة، وقيل: كان اسمه بالسريانية عزازيل كما سماه به أبو نصر فتح النفوشى التملوشائى - رحمه الله - فى اليونية. وبالعربية الحارث. ولما عصى غير اسمه فسمى إبليس. وغيرت صورته. قيل كان ملكاً فغيرت صورته عن صورة الملائكة وأجسامهم، فكأنه على هذا القول ملك منسوخ، ونسب لابن عباس وهو ظاهر ترجيح الطبرى السابق: {أَبَى}: امتنع عما أمر به من السجود، فإن الإباء الامتناع باختيار، لا بطبع ولا بإكراه. {وَاسْتَكْبَرَ}: بالغ فى الترفع عن أن يفعل فعلا فيه خضوع لآدم، واعتراف بفضله وسعى فى صلاحه وعن أن يتخذ آدم وصلة فى عبادة ربه - عز وجل - فإن التكبر أن يذعن الرجل إلى ما تدعيه نفسه من أنه أكبر من غيره، ويطلق أيضاً على ما يقتضيه ذلك الإذعان من فعل أو قول، مثل: أن يعرض عن الفقير أو يقول فيه قولا غير حسن فيسمى ذلك الإعراض أو ذلك القول تكبرا، هذا ما ظهر لى وهو إن شاء الله أولى من قول بعض إن التكبر أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره والاستكبار المبالغة فى ذلك الإذعان لتعاطيه التزين بما ليس عنده، ويطلق على المبالغة فيما يقتضيه ذلك الإذعان. وهذا أولى من أن يقال هو طلبه أن يرى نفسه أكبر من غيره بالتزين بما ليس عنده، وقيل الاستكبار الدخول فى الكبرياء، وإن قلت إيهما سبق الاستكبار أم الإباء؟.. قلت: أما فى الخارج فالسابق الإباء لما أبى ظهر للملائكة أنه استكبر، وأما فى نفس الأمر فالسابق الاستكبار فإنه لما اعتقده تولد منه الإباء. وقال ابن القاسم صاحب مالك: قال مالك بلغنى أن أول معصية كانت الحسد والكبر والشح، حسد إبليس آدم وتكبر وشح آدم فى أكله من شجرة قد نهى عن قربها، وفى إطلاقه الشح على آدم سوء أدب بحسب الظاهر، لكنه - والله أعلم - أراد شح النفس الطبعى. {وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}: فى علم الله بحسب ظاهره مؤمناً شاكراً عند الملائكة، فإباؤه واستكباره نتيجة ما قضى الله عليه من الكفر، أو المعنى صار من الكافرين، أى ظهر كفره، أو دخل فى الكفر بامتناعه عن السجود، واعتقاده أنه خير من آدم، وأن الفاضل لا يسجد للمفضول، ولا يخضع له ولا يتوسل به، واعتقاده أن أمر الله إياه بالسجود لآدم غير صوب، لأنه أفضل. والمراد بالكفر مطلق الفسق المضاد للشكر، فهو شامل للنفاق والشرك، فترك السجود الواجب عليه نفاق، وكذا استكباره. وأما اعتقاده أن أمره بالسجود غير صواب فشرك. ويحتمل أن المراد بالكفر النفاق، وهو ترك السجود، فالكفر فى الآية: إما نفاق كما يتبادر من ذكره بعد الإباء والاستكبار. وإما عام للنفاق والشرك، قلنا: فى الآية دليل على أن فسق الموحد، يسمى كفرا، وإن قلت فقد قال الله سبحانه وتعالى:{أية : أستكبرت أم كنت من العالين}تفسير : ومعنى العالين: المعاندون مواجهة أو المدعون الربوبية. فأجابه عدو الله بقوله:{أية : أنا خير منه}تفسير : فيكون هذا الجواب إقرارا بأنه من العالين، كأنه عاند وقال: أمرك إياى بالسجود له غير صواب. فيناسب أن الكفر هنا شرك. قلت: لا نسلم أن المعنى كذلك، بل المعنى أنت مستعل بلا تأهل للعلو أم عال حقيق بالعلو فلا يلزم أن الأنسب تفسير الكفر لشرك، وإبليس مشرك قطعا، إن لم يشرك من الآية أشرك من غيرها، مثل دعائه الثقلين إلى عبادته. وقد اختلف قومنا هل كفره جهل أو عند؟ الصحيح أنه عناد، وتفيد الآية قبح الاستكبار، إذ هو فى نفس نفاق، وقد يفضى بصاحبه إلى الشرك، وتفيد الحث على امتثال الأوامر، وترك الخوض فى سرها، إلا بعد الامتثال وصميم الاعتقاد، أو بعد الاعتقاد الصميم فى كونها صوابا، وترك الخوض فى وساوس النفس. وتفيد أن الأمر للوجوب إذا جرد عما يصرفه عنه، ولولا أنه للوجوب لم يقطع عذره بعد السجود، بعد مجرد قوله اسجدوا. بل حتى يقول اسجدوا، فان السجود واجب عليكم. أو اسجدوا، ومن لم يسجد أغضب، أو أهلكه أو يكفر أو نحو ذلك. وتفيد ان الشقى كافر تحقيقا ولو فى حال عبادته إذ العبرة بالخاتمة، فهو يختم له بالكفر وهذه المسألة عندنا وعند الأشاعرة، وتسمى الموافاة. وتنسب إلى أبى الحسن الأشعرى، وذلك أنه يوافى الشقى الموت ولقاء الله بالكفر. أو تفيد الآية أيضا تقريع اليهود ونحوهم، إذ كفروا بسيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - مع علمهم برسالته من التوراة والكتب والأخبار والمعجزات، حسدا له وللعرب بنى إسماعيل واستكباراً، ومع تقدم نعم الله - عز وجل - عليهم وعلى أسلافهم، فاليهود نظروا إبليس، وكذلك كل من استكبر. وعنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكى يقول: يا ويلتى أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلى النار"تفسير : . رواه مسلم عن أبى هريرة.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا} اذكر وقت قولنا، لنفس القول لا لنفس الوقت، وهكذا فى القرآن كله، اللفظ ذكر الوقت، والمراد ذكر ما فيه أو اذكر الحادث، إذ قلنا كذا، أو اذكر وقت قلنا، أو أطاعوا إذ قلنا {لِلْمَلَٰئِكَةِ} كلهم، كما قال فسجد الملائكة كلهم أجمعون، وتخصيص الآية بالمأمورين بالنزول إلى قتال الجن فى الأرض خروج عن الظاهر بلا دليل، وكذا فى لأعراف، والحجر، والإسراء والكهف، وطه، وص، وذلك سبع سور ذكر فيها، وإذ قلنا للملائكة، تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء عن إبذاء قومه له، كما أن أولهم آدم فى محنة عظيمة للخلق، أى لا نطمع يا محمد أن يتفق الناس على الإيمان بك، إذ لم يتفق من آمن وعبدالله آلاف السنين، وشاهد ما لم يشالهد الناس، إذ خرج عنهم إبليس وكفر فكيف قومك وسائر الناس {اسْجُدُوا} أى {لآِدَمَ} قبل رفعه من الأرض للسماء، أى إلى جهة آدم، إعظاماً له، كالكعبة، وسبباً لوجود السجود، وذلك سجود على السماء والأرض، وما شاء الله، كسجود الصلاة، وهو لله عز وجل، أو المراد بالسجود مطلق الخضوع، أو مع انحناء، دون سجود الصلاة، وهو لآدم ونسخ وإبليس يحسده على الانقياد له، وعلى جعله قبلة، وعلى كل خير حتى الجعل له سببا، ونافق من جعل السجود كسجود الصلاة، وأنه لآدم تحقيقاً، ولو كان عبادة لله، لأن السجود كذلك عبادة يختص به الله فى كل زمان، وفى جعله قبلة تعظيم حق المعلم على من يتعلم {فَسَجَدُوا} كلهم أجمعون، أهل السماء وأهل الأرض منهم، كل سجد حيث هو شرع فى السجود أولا جبريل، فميكائيل، فإسرافيل فعزرائيل، فالملائكة المقربون، وقيل أولهم إسرافيل، وذلك يوم الجمعة من وقت الزوال إلى العصر، ويقال بقوا فى السجود مائة سنة، ويقال خمسمائة، وهذه الأقوال فى قول تفسير السجود كسجود الصلاة فى قول تفسيره بالانحناء {إِلاَّ إِبْلِيسَ} بمنع الصرف للعلمية والعجمة، وعلى أنه عربى من معنى الإياس من الخير أو الإبعاد عنه، فللعلمية، وكونه لا نظير له فى الأسماء، وبرده وجود وزن العلم واسم الجنس كاف فى انتقاء المنع لوزنه، أبا الجن على الصحيح أو مولود منهم الاستثناء منقطع، وفيه مناسبة للاتصال، إذ عبد لله مع الملائكة، وكان فيهم، كواحد منهم، حتى إنه قيل كان خازن الجنة أربعين ألف سنة، بعبدالله، ومع الملائكة ثمانين ألف سنة، ووعظ الملائكة عشرين ألف سنة، وساد الكروبيين ثلاثين ألف سنة، الروحانيين ألف سنة وطاف حول العرش أربعة عشر ألف سنة، وجاهد فى الأرض أربعين ألف سنة، ولم يترك موضعاً فى الجنة إلا سجد فيه، وأحبط الله عمله كله بترك السجود لآدم، وكفره شرك، لأنه أمر معينا فخالف مواجهة، فلا يختص كفره بمذهب الخوارج، وعصيانه دليل على أنه ليس ملكا، وكذا كونه من نار، وقوله كان من الجن، ودعوى أن من الملائكة من ليس معصوماً تكلف لا دليل له، وكون نوع من الملائكة غير معصوم لا يوجب أنه من ذلك الجن، فلعله من جن الشياطين المشهورين بهذا، وقد جعل الله كونه من الجن سببا لفسقه، وكونه ملكا سلخ عن الملكية فعصى دعوى، وهو مغمور فى الملائكة بإبهام أنه منهم لا بالاحتقار فلا ينافى رياسته {أَبَى} امتنع من السجود {وَاسْتَكْبَرَ} الاستفعال هنا للمبالغة، أى تقرر فيه كبر عظيم، وهو أصل الإباء أو مع الأنفة إلا أنه قدم الإباء، لأنه مما يظهر، والاستكبار قلبى إنما يظهر بأثره، وذكرا جميعا لبيان أن إباءه لا يزول، لأنه لكبر راسخ فيه {وَكَانَ مِنَ الْكَـٰفِرِينَ} فى علم الله تعالى وقضائه الأزلى، أو من الكافرين الذين فى الأرض قبل خلق آدم من الجن، وفى اللوح المحفوظ، أو كان كافراً لترك السجود طبق شقوته الأزلية، والآية دليل على أن الأمر للوجوب، إذ قطع عذره بمخالفة قوله اسجدوا دون أن يقول أوجبت عليكم أو نحو ذلك، وأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بذكر وقت قوله، لآدم اسكن.. إلخ، إذ قال: {وَقُلْنَا يَٰئَادَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} لم يقل اسكنا لأنه المقصود بالذات، وهى تبع له فى جميع الأحكام، والأمور والأمر لهما أمر وجوب كما هو الظاهر، وكما هو الأصل، لا أمر إباحة، وهى جنة بين قارس وكرمان، أو فى عدن، أو فلسطين، والصحيح أنها دار السعداء، وقيل جنة فى السماء أن يذكرالله عز وجل الرفع إليها، وأن ذكره أولى، وأيضاً قال اهبطوا، والأصل فى الهبوط النزول من عال. ولو يطلق على الخروج من موضع ودخوله، حملته الملائكة من الدنيا، أو من باب الجنة على القول بأنه خلق عند بابها من تراب من الأرض، وأدخلوه الجنة، وقال له الله جل وعلا، اسكنها أنت وزوجك حواء ولا يمنع مانع من دخول إبليس مسارقة، أو فى فم الحية، كما كان يدخل السماوات وليس تكليف آدم بالترك للمأكل من الشجرة، ولغو إبليس وكذبهما عصيانا فيها كعصيانه أولا وكأكل آدم من الشجرة فلا ينافى ذلك قوله تعالى {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً} تفسير : [الواقعة: 25] وأيضاً هذه الآية لأهلها الداخلين فيها للجزاء الذى لا يشوبه شىء، وقد قيل: وسوس إليهما من باب الجنة، وبعد أن استقر فيها خلق الله زوجه حواء من ضلعه القصرى اليسرى، وهو نائم، ولم يحس ألما، فيقال، لو أحس الألم كان الرجل لا يعطف على المرأة، وخلق الله فى موضع الضلع لحما، وذلك النوم ألقاه الله عليه إذ لا تعب فيها، أو من تعب فكر أو بدن فى أمر قضاه الله عز وجل لأنه دخلها غير جزاء له، ومن دخلها غير جزاء له جاز له عليه فيها ما يجوز عليه فى غيرها، مما شاء الله من نوم وتعب وحزن وخروج، وإذا دخلها بعد ذلك جزاء لم يجز عليه ذلك، وبسطت عدد الأضلاع واختلاف القول فيها فى وفاء الضمانة بأداء الأمانة، ومنها ما قيل أضلاع اليسرى سبعة عشر واليمنى ثمانية عشر {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} أكل رغد أو أكلا رغَدا، ونفس الرغد مبالغة وهو الوسع {حَيْثُ شِئْتُمَا} من حيث شئتما من أشجارها، وفى موضع من مواضعها مع سعتها فلا داعى لكما إلى تناول شجرة واحدة غير متعددة أنها كم عنها {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} الوحدة، شجرة الحنطة، أو العنب، أو النخلة، أو الحمص، الأترجة، أو التين، أو الحنظل حلوة فيها، أو الكافور، وتطلق الشجرة ولو على ما ليس له ساق كقوله تعالى { أية : شَجَرَةً مِّنْ يَقْطِينٍ} تفسير : [الصافات: 146] أو غير ذلك، والأصل ولا تأكلا من هذه الشجرة، إلا أنه نهى عن القرب مبالغة، وأيضاً الأكل منها مسبب، أو أراد حقيقة القرب لأن القرب إليهما يؤملهما فيها لاطلاعهما على شأنها مع وسوسة الشيطان {فَتَكُونَا} يقول، لا تقربا فلا تكونا، فهو مجزوم على العطف، أو لا يكن منكما قرب هذه الشجرة، فكونكما، فهو منصوب فى جواب النفى {مِنَ الظَّٰلِمِينَ} المضرين لأنفسهم، أو الواضعين الشىء فى غير موضعه، أو الناقصين لحظهم وحظ الحق.

الخليلي

تفسير : أُسند القول فيما تقدم إلى الرب مضافا إلى الضمير المخاطب المقصود به الرسول صلوات الله وسلامه عليه لما في ذلك من التنبيه بأن مراد الله بهذا الاستخلاف تربية هذا الجنس المستخلف في هذه الأرض بما يمنحه من مواهب وينمي فيه من قدرات ويودع في تكونيه من طاقات حسية ومعنوية، وذلك مفهوم من لفظة الرب فإنها بمعنى المربي والمصلح كما تقدم في الفاتحة، وإضافته إلى ضمير الخطاب العائد إليه صلوات الله وسلامه عليه لما في ذلك من إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم بلغ أرفع رتبة يصل إليها أفراد هذا الجنس فإنه نال من التربية الإِلهية الظاهرة والباطنة ما لم ينله أحد من الخلق، وأحاطت به عنايته تعالى في كل شيء فخرج لهذا الوجود وقد اجتمعت فيه جميع صفات الكمال التي وهبها الله هذا الجنس الإِنساني من بين مخلوقاته. وقد عُدل عن هذا الأسلوب هنا إلى أسلوب آخر حيث أُسند القول إلى ضمير المتكلم الآتي بصيغة الجمع لإِظهار عظمته، وهذا العدول مما يسمى في عرف علماء البلاغة بالالتفات، وقد سبق ذكره في سورة الفاتحة، وأنه يأتي لنكتة عامة وهي تطرية الكلام وتجديد نشاط سامعه، وقد تكون مع هذه النكتة نكت خاصة بحسب ملاءمات مقام الخطاب، والنكتة الخاصة هنا أن الأمر بسجود الملائكة لأدم معاكس لما كانوا يتصورونه من فضلهم عليه وأحقيتهم بالخلافة دونه، فكأنما أراد به تعالى تأديبهم بعد أن أظهر لهم مزيته، فلذلك حكى هذا الجانب من القصة بهذا الاسلوب، وفي هذا السجود ما يشبه الاعتذار منهم إليه مما قالوه في شأنه. قصة الأمر بالسجود لآدم والعطف هنا من باب عطف القصة على القصة كما تقدم، وما قيل في "إذ" هناك قيل هنا، وإعادتها بعد العاطف المغنى عن إعادة الظرف للتنبيه على أن هذه القصة مقصودة بذاتها، فكانت حرية بالاستقلال والاهتمام، ومن هنا لم تُعطف بالفاء الدالة على الترتيب والتفريع مع أن هذه القصة متفرعة عن سابقتها غير أن مراعاة استقلالها والعناية بها كانت أولى من مراعات التفرع المذكور، ويتضح لكم مما ذكرته من أن هذه القصة متفرعة عن سابقتها أن الأمر بالسجود كان على أثر ظهور مزية آدم بعلمه الأسماء وتعليمه إياها للملائكة، وذهب الفخر الرازي إلى أن الأمر بالسجود سابق على تلك المقاولة المتعلقة بالأسماء لقوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}تفسير : [الحجر: 28 - 29]، وقوله: {أية : إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}تفسير : [ص: 71 -72]، فإن الظاهر من ذلك أنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود عندما آذنهم بخلق آدم، والمجيء بفاء الترتيب في جواب الشرط مؤذن بأن السجود كان مطلوبا عند حصول نفخ الروح وهو بلا ريب سابق على تعلميه الأسماء وما ترتب عليه، ولا بد هنا من وقفة تأمل فيما تدل عليه آيات (الحجر) و(ص)، وما تدل عليه سائر الآيات، فإن من المعلوم أن الأصل في ترتب الحكايات أن يكون بحسب ترتب المحكيات، وقد سردت هنا قصة آدم مبتدأة بإيذان الله الملائكة أنه مستخلفه في الأرض مع ذكر المراحل التي مر بها إلى أن أُهبط من الجنة إلى الأرض. والظاهر أن كل ما ذكر في القصة كان مرتبا بحسب ترتبها الزمني، وهذا يعني أن أمر الملائكة بالسجود كان إثر ما تقدم ذكره من ظهور تفوق آدم على الملائكة في معرفة الأسماء، ومقدرته على تعليمها لهم، ويرجح ذلك المناسبة التي ذكرتها وهو أن يكون في هذا السجود اعتذار منهم إليه عما قالوه في شأنه، أما ما في سورة (الحجر) و(ص) فهو يشعر بأن الله تعالى عندما أخبر الملائكة بخلقه آدم تضمن إخباره أمرا تعليقيا بأن يسجدوا له عندما يكتمل خلقه ويتجلى فيه السر الإِلهي وهو ما عبر عنه بالنفخ فيه من روحه ويجمع بين ما ذكر في تينك السورتين وما ذكر في هذه السورة وسائر السور المشتملة على قصته من الأمر التنجيزي بالسجود بأن ذلك الأمر ظل معلقا إلى أن تم وجود ما تعلق عليه فأُكد لهم بالصيغة التنجيزية، هذا ما ظهر لي من الجمع بين ما ورد في هذه القصة وأنا أستغفر الله مما خالفت فيه الحق. معنى السجود لآدم ولا يبعد أن يكون الأمر بالسجود ما كان إلا مرة وإنما حُكي تارة معلقا وأخرج منجزا بحسب اختلاف المقامات، فإذا أورد حالة ذكر الإِعلام بخلقه ذكر معلقا نظرا إلى عدم وقوع ما علق عليه عندئذ، وإذا ذُكر مع ذكر هذا المعلق عليه ذكر منجزا، ويرجح ما ذكرته من قبل قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} تفسير : [الأعراف: 11] اللهم إلا (أن) تحمل (ثم) على المهلة الرتبية كما هو شأنها اذا عطفت الجمل، وهذا الذي استقر عليه رأيي أخيرا وسأزيده بيانا في سورة الأعراف إن شاء الله. ولعله مما يستشكل أن يكون السجود لآدم بعد تلك المقاولة في الأسماء مع قوله سبحانه: {أية : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ}تفسير : [ص: 72] فإن الظاهر من الآية أن السجود مطلوب عقب نفخ الروح وذلك لمكان الفاء التي يقترن عطفها بالتعقيب غالبا وتوسط الكلام في الأسماء بين نفخ الروح والسجود مناف لهذا التعقيب. والجواب أن الفاء هنا رابطة وليست عاطفة حتى تكون دالة على التعقيب وإنما دلالتها على السببية وحدها. والملائكة الموجه إليهم هذا هم جميع ملائكة الله كما يفيده التعريف والتأكيد بكلهم وأجمعون في قوله سبحانه: {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلاَئِكَةُ كُـلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} تفسير : [ص: 73] وهو يدل على رجحانية ما رجحته من قبل من أن الملائكة الذين قال لهم الله إني جاعل في الأرض خليفة هم جميع ملائكته تعالى خلافا لمن قال إنهم ملائكة الأرض وحدهم كقطب الأئمة في الهيميان، ووجه هذه الدلالة أن الأصل في الاسم إذا أعيد معرفة أن يكون مدلوله نفس المدلول السابق، ومما يستغرب أن قطب الأئمة - رحمه الله - اختار في هيميانه وتيسيره أن لفظ الملائكة هنا صادق على جميع أفراده مع ما سبق نقله عنه من أن الملائكة الذين خوطبوا أولا هم ملائكة الأرض وحدهم. وقد سبق أن ذكرت أن الألوسي نقل عن الصوفية أن المأمورين بالسجود من عدا العالين مِن الملائكة، وأن العالين غير داخلين في الخطاب ولا مأمورين بالسجود لاستغراقهم وعدم شعورهم بسوى الذات، وحملوا على ذلك قوله تعالى: {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} تفسير : [ص: 75]، ولا يجوز التعويل على هذا الرأي إذ هو من شطحاتهم المألوفة، وسيأتي إن شاء الله بيان المراد من العالين عندما نصل إلى تفسير الآية من سورة (ص) بعون الله وتوفيقه. وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الله خلق خلقا فقال اسجدوا لآدم، فقالوا: لا نفعل، فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم ثم خلق خلقا آخر فقال: إني خالق بشرا من طين - اسجدوا لآدم، فقالوا: لا نفعل فبعث الله عليهم نارا فأحرقتهم، ثم خلق هؤلاء فقال: {ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ}، قالوا نعم وكان إبليس من أولئك الذين أبوا أن يسجدوا لآدم، وهذه رواية باطلة إذ في اسنادها مبهم، وهي مصادمة لنصوص القرآن الدالة على عصمة الملائكة عن مخالفة أوامر الله، ومن ناحية أخرى فإنها تقتضي أن خلق آدم سابق على خلق الملائكة، والآيات دالة على أنهم أوذنوا بخلقه قبل أن يُخلق، وهو يقتضي أن يكون وجودهم سابقا على وجوده، ومن التناقض البَيِّن في هذه الرواية زعم راويها أن إبليس كان مندرجا في تلك المجموعة التي رفضت السجود فأحرقت بالنار، ويلزم من هذا أن يكون إبليس ممن أتت عليه النار، وبالجملة فلولا خشية أن تكون هذه الرواية سببا للبس الحق بالباطل لكان الأولى عدم ذكرها رأسا. وسجودهم لآدم لم يكن عبادة له فإن العبادة لا تكون إلا لله رب العالمين، ولم تُشرع عبادة غير الله عند أية طائفة من الخلق ولا في أية رسالة جاءت من عند الله {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِيۤ إِلَيْهِ أَنَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنَاْ فَٱعْبُدُونِ} تفسير : [الأنبياء: 25]، وإنما هو سجود إجلال وتكريم أذن به الله تعالى لإِعلاء شأن الجنس البشري في الملأ الأعلى، وامتثال الملائكة لأمر الله به معدود من عبادة الله سبحانه التي لا يفتأون عنها، واختُلف في نوعه، فقيل كان سجودا شرعيا وهو عبارة عن وضع الجبهة على الأرض، وقيل: لم يكن الا سجوداً لغويا وهو عبارة عن تواضعهم وتطامنهم بين يديه، ولا يشكل مجيء ألفاظ في القرآن والسنة مستخدمة في معانيها اللغوية الأصيلة مع أن الشرع حولها إلى معان أخرى، وذلك كالصوم في قوله تعالى: {أية : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْماً} تفسير : [مريم: 26] فإنه بمعنى الإِمساك مع أن الصوم منقول في الشرع إلى إمساك خاص ليس هو المراد هنا، والكفر المدلول عليه بقوله عز وجل: {أية : أَعْجَبَ ٱلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ} تفسير : [الحديد: 20] فإنه مستعمل في معناه اللغوي - وهو التغطية - مع أن الشرع نقله إلى مفهوم آخر، ومن العلماء من يرى الوقوف عن تحديد كيفية هذا السجود، وهو أولى لعدم قيام حجة على تعين أحد القولين. واختُلف أيضا هل كان مقصودا بهذا السجود آدم نفسه أو أنه كان سجودا لله، وكان آدم قبلة للساجدين كما هو شان الكعبة المشرفة؛ ويرجح الرأي الأول تعدية فعل السجود باللام الدالة على أن مدخولها هو المقصود به، ولا يُسْتشكل سجود مخلوق لمثله مع الأمر بذلك ممن له الخلق والأمر على أن سجود بعض الناس لبعض كان مباحا في بعض عهود النبوات السابقة، كيف وقد حكى الله عن أبوي يوسف عليه السلام وإخوته أنهم خروا له سجدا، ومهما يكن فليس في ذلك ما يلمح منه قصد عبادة مخلوق لمخلوق مثله، وإنما حرم السجود لغير الله في رسالة خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه حتى لا يكون في هذه الأمة تعظيم لغير الله عز وجل، فلا تخر جبهة على الأرض ولا يتطأطأ رأس ولا ينحني ظهرا لغير جلاله تعالى، ولذلك أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على من هم بالسجود له. وتأول القائلون بالقول الثاني "اللاَّم" بمعنى "إلى" واستشهدوا لذلك بقول حسان: شعر : أليس أول من صلى لقبلتكم وأعلم الناس بالقرآن والسنن تفسير : ومنهم من حمل اللام على معنى "عند" مستدلا بقوله سبحانه: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ} تفسير : [الإسراء: 78]، والأكثرون ضعّفوا ذلك. أصل إبليس واختُلف في استثناء إبليس هل هو متصل أو منقطع؟ وعلى الأول فإبليس من جنس الملائكة غير أنه شذ عنهم بغروره وكفره لما سبق في علم الله من شقائه، وعلى الثاني فهو خارج من جنسهم وإنما شمله الأمر بالسجود معهم لدخوله ضمنهم بعبادته وطاعته من قبل؛ والقول الأول مروي عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما كما في تفسير ابن جرير وغيره ونُسب إلى الجمهور، والقول الثاني رُوي عن ابن عباس أيضا ورواه ابن جرير باسناد صحيح عن الحسن ونص ما رواه عنه "ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن كما أن آدم أصل الإِنس"، ومثله رُوي عن عبد الرحمن بن زيد ابن أسلم وشهر ابن حوشب وعليه أصحابنا - رحمهم الله - حتى بالغ بعضهم فقال بإشراك من زعم أنه من الملائكة لمنافاة ذلك قوله تعالى: {أية : كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ} تفسير : [الكهف: 50] ورده القطب - رحمه الله - لأن قائله تأوله من الاستثناء، والاتصال هو الاصل فيه، وحجة هؤلاء هذا النص الصريح في سورة الكهف الدال على أنه من جنس الجن وليس من جنس الملائكة، وما ثبت بالنصوص القرآنية من عصمة الملائكة المنافية لما صدر من إبليس، وقوله تعالى: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ} تفسير : [الكهف: 50]، حيث أثبت له ذرية والملائكة لا يتوالدون إذ لا يتصفون بذكورية ولا بأنوثية وبأنه مخلوق من نار كما خُلقت الجن منها حسب ما صرحت نصوص الكتاب العزيز، والملائكة خُلقوا من نور كما يدل عليه حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم. وتكلف أصحاب القول الأول رد هذه الأدلة بضروب من التأويل كقولهم إن الجن المعنّيين هنا طائفة من الملائكة لأن لفظه مأخوذ من الاجتنان وهو الاستتار واستأنسوا لذلك بقوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} تفسير : [الصافات: 158] مع أن العرب كانت تزعم أن الملائكة بنات الله فاستظهروا من ذلك أنهم المقصودون بالجِنّة، وجوز بعضهم أن تكون كان بمعنى صار وهو يعني انتقاله بعد الطرد والمسخ من الصفات الملكية إلى صفات الجن الشيطانية فلذلك جاز عليه ما لم يجز على الملائكة، وأما خِلقته من نار فلا تنافي - عندهم - أن يكون كالملائكة مخلوقا من النور لأن النار من طبيعتها الإِنارة. وما أوهى هذه الردود وأخفى حجتها فإن الأدلة ظاهرة في كون الجن جنسا موازيا للإِنس وليس من الملائكة، ولا يبعد أن يكون مشركو العرب قالوا فيهم ما قالوه في الملائكة من وجود النسب بينهم وبين الله تعالى عما يقولون، فلا يدل قوله تعالى: {وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} على قصد الملائكة بذلك، وقد قال غير واحد من المفسرين: إن المراد بالجنة هنا الجان لا الملائكة، والنار وأن كان من شأنها الإِنارة فإن خاصيتها المعروفة هي الإِحراق، فالجن خلقوا منها متلبسين بهذه الخاصية المزعجة، أما الملائكة فهم مخلوقون من النور والنور لا يلزم تلبسه بالإِحراق كما هو معروف على أن قوله تعالى في سورة الكهف: {أية : كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}تفسير : واضح في أن فسقه ناشئ عن كونه من الجن. والقول الفصل في هذا المسألة هو ما قاله الإِمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وهو أن إبليس كان مع الملائكة بصورته مع اختلاف عنصره عنهم فهو من نار وهم من نور، وأن النافي لكونه من الملائكة، والمثبت لم يتواردا على محل واحد، وبهذا يرجع القولان إلى قول واحد. وجمل {أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} مستأنفة استئنافا بيانيا لتبيان سبب خروجه عن الملائكة بعصيانه أمر الله واعتراضه عليه وذلك أن من شأن مثل هذا الخبر أن يثير تساؤلا في نفوس سامعيه، كيف لم يمتثل إبليس أم ربه مع الحاقه إياه بالملأ الأعلى وتأثره بالصفات الملكية وإن لم يكن منهم؟ وتوجيه الخطاب إليه ضمن خطاب الملائكة في قوله: {ٱسْجُدُواْ} على أن من طبيعة المخلوق التأثير بالمقارن، وكراهة شذوذ الفرد عن الجماعة، وفي هذه الجمل الإِجابة عن هذه التساؤلات كلها. معنى الإِباء والاستكبار والإِباء الامتناع عن الشيء لكراهته، ويُستعمل فيما اذا كان الامتناع والكراهة لترفع الأبي عن المأبى عنه، والاستكبار والتكبر بمعنى غير أن الاستكبار يُشعر لفظه بالمبالغة في طلب الكبر وهو جبلة ذميمة تدع النفس تركن إلى اعتقادها أنها أرفع من المتكبر عليه وهذا يعين أن الكبر لا يكون إلا مع وجود المتكبِّر والتكبِّر والمتكبِّر عليه مع داعية الكبر وإن كانت وهمية، ومن هنا يختلف عن العجب فإنه يتوقف على الْمعجَب وداعية العجب فقط. وذهب بعض المفسرين إلى أن المعطوفات هنا لم تأت على نسق ترتبها الواقعي، فإن الكفر سابق على الاستكبار، والاستكبار سابق على الإِباء، فكان من حق الترتيب أن يُقال كان من الكافرين واستكبر وأبى، ورده الإِمام محمد عبده بأن نظم الآية جاء على مقتضى الطبيعة في الذكر، فإنه يفيد أن الله تعالى أراد أن يبين الفعل أولا لأنه المقصود بالذات وهو الإِباء، ثم يذكر سببه وعلته وهو الإِستبكار، ثم يأتي بالأصل في العلة والمعلول والسبب والمسبب وهو الكفر. وذهب بعضهم إلى أن "كان" هنا بمعنى "صَار"، وقائل ذلك نظر إلى أن صيرورته إلى الكفر إنما كانت بسبب إبائه واستكباره، ورده ابن فورك قائلا: إن الأصول ترده، وانتصر له ابن عاشور بأن استعمال كان بمعنى صار نوع من أنواع استعمالها كما في قوله تعالى: {أية : وَحَالَ بَيْنَهُمَا ٱلْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ} تفسير : [هود: 43] وقوله: {أية : وَبُسَّتِ ٱلْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً} تفسير : [الواقعة: 5، 6] وقول ابن أحمر: شعر : بتيهاء قفرٍ والمطي كأنها قطا الحزم قد كانت فراخا بيوضها تفسير : وقال كثير منهم: إن المراد بقوله: {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} أنه كان كافرا في علم الله عز وجل، والداعي إلى هذا القول عند قائليه ان إبليس قبل هذا الإِباء لم يكن في ذاته كافرا وإنما كان كفره مما طواه الغيب في علم الله وحده، وذهب آخرون إلى أنه كان كافرا في سره وإن ظهر خلاف ذلك من علانيته، وجميع هذه الأقوال غير صادرة إلا عن التكلف الذي ألجأ قائليها إليه نظرهم إلى أن دلالة كان على المضي، وإبليس لم يكن في ماضي أمره حسب علانيته كافرا، والصحيح ما استحسنه ابن عاشور وهو أن "كان" هنا دالة على رسوخ معنى خبرها في اسمها وإلا فالأصل أبى واستبكر وكفر، ولما أُريد تعميق مفهوم الكفر الذي انطوى عليه إبليس ليكون سامعوا خبره على بينة من أمره جيء بكان كما فُعل في قوله عز وجل: {أية : إِلاَّ ٱمْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَابِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 83]، وقوله: {أية : نَنظُرْ أَتَهْتَدِيۤ أَمْ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [النمل: 41]، وعُدل عن نحو وكان كافرا إلى {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} مع أنه لم يكن له ثان في الكفر يومئذ فضلا عن وجود مجموعة من الكافرين ينضم إليها لأن التعبير المعدول إليه أدل على تعمق الكفر فيه وتمكنه منه، فإن الواحد يزداد تمسكه بمبدئه وإصراره عليه إذا علم ان له شركاء يساندون رأيه ويقفون معه، فإبليس وإن كان هو الإِمام للكافرين ورفضه لما أمره الله به هو الخطوة الأولى إلى الكفر، فإن استشعاره أنه سيكون له أتباع وأعوان وشركاء فيما اختاره لنفسه من الكفر كان له حافزا إلى الإِصرار على ما أخلد إليه والعياذ بالله، وقد ذكر الاستكبار هنا مجملا وبُين في قوله تعالى حاكيا عنه: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [ص: 76، الأعراف: 12] وفيه دليل على أن منشأ استكباره نظره إلى العنصر الذي خُلق منه، والعنصر الآخر الذي خُلق منه آدم، ولم يدر بباله أن قيمة كل أحد عمله وليست عنصره، وفي هذا عبرة للذين يتفاخرون بالأنساب ويتكلون على الأحساب تاركين العمل الصالح جانبا عنهم كأنما يجازي الناس يوم القيامة بأنسابهم. المفهوم الخاطئ عن الملائكة هذا وقد سبق لي أن أشرت في مقدمة التفسير إلى ما ذهب إليه الأستاذ الإِمام الشيخ محمد عبده وتابعه عليه تلميذه العلامة السيد محمد رشيد رضا في تفسير قصة آدم عليه السلام وقد رأيت أن اورد هنا ما قالاه في تفسير هذه الآية الكريمة وذلك بإيراد نص كلامهما تارة ومضمونه تارة اخرى ثم أتبع ذلك كشف الستار عن هذه المسألة وبيان مخالفة رأيهما لمدلولات النصوص القرآنية وما اتفقت عليه هذه الأمة جيلا بعد جيل مع شرح الأسباب التي دفعت بهما إلى اتباع هذا المسلك الملتوي في تأويل كتاب الله. سبق أن أشار الأستاذ الإِمام في الآيات السابقة أن الناس وقفوا من هذه القصة موقفين: موقف التفويض وعدم الخوض في بيان تفاصيلها وعزا ذلك إلى السلف، وموقف التأويل وأمثل وجوهه عنده أن يكون المراد بهذه القصة مجرد التمثيل، وقد سبق أن ذكرت في بداية تفسيرها بطلان حمل القصص القرآنية على التمثيل فحسب، فإن للتمثيل طرقا في القرآن ليست هذه القصة منها ولا إليها. وفي حمل الأستاذ هذه القصة على التمثيل توطئة لما سيقوله بعد فإنه تدرج في تأويلها وتأويل ما انطوت عليه من أسماء الأجناس الغيبية حتى انتهى إلى النقطة النهائية التي لم يبرحها وهي ذلك التأويل البعيد الذي أشرت إليه في المقدمة. ولنبدأ هنا بنقل كلامه حسب تلخيص السيد رشيد رضا له. قال: "تقدم أن الملائكة خلق غيبي لا نعرف حقيقته وإنما نؤمن به بإخبار الله تعالى الذي نقف عنده ولا نزيد عليه، وتقدم أن القرآن ناطق بأن الملائكة أصناف لكل صنف وظيفة وعمل، ونقول الآن إن إلهام الخير والوسوسة بالشر مما جاء في لسان صاحب الوحي صلى الله عليه وسلم وقد أُسند إلى هذه العوالم الغيبية، وخواطر الخير التي تسمى إلهاما، وخواطر الشر التي تسمى وسوسة كل منهما محله الروح، فالملائكة والشياطين إذن أرواح تتصل بأرواح الناس فلا يصح أن تمثل الملائكة بالتماثيل الجثمانية المعروفة لنا لأن هذه لو اتصلت بأرواحنا فإنما تتصل بها من طرق أجسامنا ونحن لا نحس بشيء يتصل بأبداننا، لا عند الوسوسة، ولا عند الشعور بداعي الخير من النفس، فإذن هي من عالم غير عالم الأبدان قطعا، والواجب على المسلم في مثل هذه الآية الإِيمان بمضمونها مع التفويض أو الحمل على أنها حكاية تمثيل ثم الإِعتبار بها بالنظر في الحِكَم التي سيقت لها القصة". وبعد إيراد هذه الفقرة من كلام الإِمام في المنار قال السيد رشيد رضا: "إن إسناد الوسوسة إلى الشياطين معروف في الكتاب والسنة، وأما إسناد الحق والخير إلى الملائكة فيؤخذ من خطاب الملائكة لمريم عليها السلام، ومن حديث الشيخين في المحدثين وكون عمر منهم - والمحدَّثون بفتح الدال وتشديدها الملهمون - ومن حديث الترمذي والنسائي وابن حبان وهو "إن للشيطان لَّمة بابن آدم وللملك لّمة، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله، فليحمد الله على ذلك، ومن وجد الآخر فليتعوذ بالله من الشيطان" ثم قرأ: {أية : ٱلشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ ٱلْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِٱلْفَحْشَآءِ} تفسير : [البقرة: 268]. وكانت هذه خطوة يخطوها الإِمام إلى إيضاح رأيه الذي اقتنع به، ثم جاءت ال خطوة الثانية في قوله: "وذهب بعض المفسرين مذهبا آخر في فهم معنى الملائكة وهو أن مجموع ما ورد في الملائكة من كونهم موكلين بالأعمال من إنماء نبات وخلقة حيوان وحفظ إنسان وغير ذلك فيه إيماء إلى الخاصة بما هو أدق من ظاهر العبارة، وهو أن هذا النمو في النبات لم يكن إلا بروح خاص نفخة الله في البذرة فكانت به هذه الحياة النباتية المخصوصة، وكذلك يُقال في الحيوان والإِنسان، فكل أمر كلي قائم بنظام مخصوص تمت به الحكمة الإِلهية في إيجاده، فإنما قوامه بروح إلهي سُمى في لسان الشرع ملكا، ومن لم يبال في التسمية بالتوقيف يسمى هذه المعاني القوى الطبيعية إذا كان لا يعرف من عالم الإِمكان إلا ما هو طبيعة أو قوة يظهر أثرها في الطبيعة، والأمر الثابت الذي لا نزاع فيه هو أن في باطن الخلقة أمرا هو مناطها وبه قوامها ونظامها لا يمكن لعاقل أن ينكره، وإن أنكر غير المؤمن بالوحي تسميته ملكا وزعم أنه لا دليل على وجود الملائكة أو أنكر بعض المؤمنين بالوحي تسميته قوة طبيعية أو ناموسا طبيعيا لأن هذه الأسماء لم ترد في الشرع، فالحقيقة واحدة والعاقل من لا تحجبه الأسماء عن المسميات، وإن كان المؤمن بالغيب يرى للأرواح وجودا لا يدرك كنهه، والذي لا يؤمن بالغيب يقول لا أعرف الروح ولكن أعرف قوة لا أفهم حقيقتها، فلا يعلم إلى الله عَلاَمَ يختلف الناس؟ وكل يقر بوجود شيء غير ما يُرى ويُحس، ويعترف بأنه لا يفهمه حق الفهم ولا يصل بعقله إلى إدراك كنهه، وماذا على هذا الذي يزعم أنه لا يؤمن بالغيب وقد اعترف بما أُجيب عنه لو قال أصدق بغيب أعرف أثره وإن كنت لا أقدره قدره، فيتفق مع المؤنمين بالغيب، ويفهم بذلك ما يرد على لسان صاحب الوحي، ويُحظى بما يُحظى به المؤمنون". وخلاصة ما ذكره هنا أن المراد بالملائكة هذه القوى الغيبية التي تكمن وراء الكائنات الإِنسانية والحيوانية والنباتية، وهي ما تسمى بالأرواح عند المتدينين وفقا لنصوص الوحي، وبالقوى الطبيعية عند غيرهم وهو كما تراه يعزو ذلك إلى بعض المفسرين ولم يحدده، وقد فتشت فيما وصلت إليه يدي من كتب التفسير عن هذا الرأي فلم أجد مّعزوًّا إلى أحد الإِسلاميين سواءك ان من المفسرين أم من سائر العلماء، وإنما وجدت رأيا قريبا منه معزوا إلى النصارى، وآخر إلى فلاسفة اليونان، كما سيأتي إن شاء الله، ولست أدري هل يقصد الأستاذ بالبعض الذي ذكره هؤلاء؛ أو أنه يريد به نفسه فورى عنها بكلمة بعض المفسرين؟ ويتضح لمن قرأ كلامه هذا أنه أراد بهذه المحاولة التقريب بين عقائد المسلمين وأفكار الماديين الذين ران الباطل على قلوبهم فلم تتمكن من إبصار الحقيقة وإدراك الحق، وهيهات أن يُلَزّ الحق والباطل، أو الهدى والضلال في قرن. ثم ذكر عقب ما تقدم ما يُحس به كل أحد عندما يهم بأمر حق أو باطل من تنازع في نفسه بين دواعي الخير ودواعي الشر - وهي خواطره المترددة - إلى أن يترجح أحد الجانبين فيقدم على الفعل أو الترك في الأمرين، وأجاز أن تسمى الخواطر الخيرية باسم الملائكة لأن التسميات لا حجر فيها على الناس، فكيف يُحجر على صاحب الإِرادة المطلقة، والسلطان النافذ، والعلم الواسع؟ وذكر السيد رشيد رضا عقب كلامه هذا أن الإِمام الغزالي سبق إلى بيان هذا المعنى وعبر عنه بالسبب، وقال إنه سمي ملكا، وذلك أنه بعدما قسم الخواطر إلى محمود ومذموم قال: "ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة ثم أن كل حادث فلا بد له من محدث، ومهما اختلفت الحوادث دل ذلك على اختلاف الأسباب، هذا ما عُرف من سنة الله تعالى في ترتيب المسببات على الأسباب، فمهما استنارت حيطان البيت بنور النار، وأظلم سقفه بالدخان علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة، وكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان، فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكا، وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا، واللطف الذي يتهيأ به القلب لقبول إلهام الخير يسمى توفيقا، والذي يتهيأ به لقبول الشر يسمى إغواء وخذلانا، فإن المعاني المختلفة تحتاج إلى أسامي مختلفة". والفرق واضح بين كلام الغزالي هذا وكلام الإِمام محمد عبده، فإن الغزالي لم يزد على أن خواطر الخير تكون بإلهام الملائكة فإنهم يتولون بأمر الله إلقاءها في نفس الإِنسان، وخواطر الشر من أمر الشيطان، وهذا هو الذي تفيده دلائل القرآن والسنة، ولا يدل كلامه من قريب ولا بعيد أن خواطر الخير هي نفسها الملائكة، وخواطر الشر هي الشياطين كما يقتضيه كلام الإِمام محمد عبده، وإن عد كلاميهما صاحب المنار من باب واحد. وبعد هذه التوطئة الطويلة من الإِمام محمد عبده لغرضه المقصود أتى ببيت قصيده حيث قال: "فإذا صح الجري على هذا التفسير فلا يُستبعد أن تكون الإِشارة في الآية إلى أن الله تعالى لما خلق الأرض ودبرها بما شاء من القوى الروحانية التي بها قوامها ونظامها، وجعل كل صنف من القوى مخصوصا بنوع من أنواع المخلوقات لا يتعداه ولا يتعدى ما حُدد له من الأثر الذي خص به، خلق بعد ذلك الإِنسان وأعطاه قوة يكون بها مستعدا للتصرف بجميع هذه القوى، وتسخيرها في عمارة الأرض وعبر عن تسخير هذه القوى له بالسجود الذي يفيد معنى الخضوع والتسخير، وجعله بهذا الاستعداد الذي لا حد له والتصرف الذي لم يعط لغيره، خليفة الله في أرضه، لأنه أكمل الموجودات في هذه الأرض، واستثنى من هذه القوى قوة واحدة عبر عنها بإبليس، وهي القوة التي لزها الله بهذا العالم لزًّا وهي التي تميل بالمستعد للكمال أو بالكامل إلى النقص، وتعارض مبدأ الوجود لترده إلى العدم أو تقطع سبيل البقاء، وتعود بالموجود إلى الفناء أو التي تعارض في اتباع الحق، وتصد عن عمل الخير وتنازع الإِنسان في صرف قواه إلى المنافع والمصالح التي تتم بها خلافته، فيصل إلى مراتب الكمال الوجودي التي خُلق مستعدا للوصول إليها، تلك القوة التي ضللت آثارها قوما فزعموا أن في العالم إلها يسمى إله الشر، وما هي بإله ولكنها محنة إله لا يعلم أسرار حكمته الا هو - قال - ولو أن نفسا مالت إلى قبول هذا التأويل لم تجد في الدين ما يمنعها من ذلك والعمدة على اطمئنان القلب وركون النفس إلى ما أبصرت من الحق". واذا كان الإِمام قال هنا بجواز هذا التأويل ورد الأمر فيه إلى اطمئنان القلب وسكون النفس، فإنه تجاوز ذلك إلى القول بوجوبه بعد أن طمّت عليه موجة من الاستنكار من العلماء الذين لم يألفوا مثل هذا التأويل البعيد عن مدلولات ألفاظ القرآن بحسب وضعها اللغوي والاصطلاحي فأصر على قوله إصرارا ولم يعر عاذليه إلا أذنا صماء، وقد وقف بجانبه تلميذه السيد رشيد رضا الذي بين هدف الإِمام من هذا التأويل، ومهد لنقل ما رد به الإِمام على خصومه بقوله: "إن غرض الأستاذ من هذا التأويل الذي عبّر عنه بالإِيماء وبالإِشارة اقناع منكري الملائكة بوجودهم بتعبير مألوف عندهم تقبله عقولهم وقد اهتدى به كثيرون وضل به آخرون فأنكروه عليه وزعموا أن جعل الملائكة قوى لا يُعقل فرد عليهم كتابة بما نصبه بحروفه "ولست أحيط علما بما فعلت العادة والتقاليد في أنفس بعض من يظنون أنهم من المتشددين في الدين إذ ينفرون من هذه المعاني كما ينفر المرضى أو المخرجون من جيد الأطعمة التي لا تضرهم، وقد يتوقف عليها قوام بنيتهم، ويتشبثون بأوهام مألوفة لهم تشبث أولئك المرضى والمخدجين بأضر طعام يفسد الأجساد ويزيد السقام، لا أعرف ما الذي فهموه من لفظ روح أو ملك؟ وما الذي يتخيلونه من مفهوم لفظ قوة؟ أليس الروح في الآدمي مثلا هذا الذي يظهر لنا في افراد هذا النوع، بالعقل والحس، والوجدان والإِرادة والعمل، وإذا سُلبوه سُلبوا ما يسمى بالحياة؟ أو ليست القوة هي ما تصدر عنه الآثار فيمن وهبت له، فإذا سمي الروح لظهور أثر قوة، أو سميت القوة لخفاء حقيقتها روحا، فهل يضر ذلك بالدين أو ينقص معتقده شيئا من اليقين؟". "ألا لا يسمى الإِيمان إيمانا حتى يكون إذعانا، ولا يكون كذلك حتى يستسلم الوجدان وتخشع الأركان لذلك السلطان الذي تعلق به الإِيمان، ولا يكون كذلك، حتى يُلقي الوهم سلاحه، ويبلغ العقل فلاحه، وهل يستكمل ذلك لمن لا يفهم ما يمكنه فهمه، ولا يعلم ما يتيسر له علمه؟ كلا إنما يعرف الحق أهله ولا يضل سبله، ولا يعرف أهل الغفلة لو أن مسكينا من عبدة الألفاظ من أشدهم ذكاء وأذربهم لسانا أخذ بما قيل له إن الملائكة أجسام نورانية قابلة للتشكل، ثم تطلع عقله إلى أن يفهم معنى نورانية الأجسام، وهل النور وحده له قوام يكون به شخصا ممتازا بدون أن يقوم بجرم آخر كثيف، ثم ينعكس عنه كذبالة المصباح أو سلك الكهرباء؟ ومعنى قابلية التشكل وهل يمكن للشيء الواحد أن يتقلب في أشكال من الصور مختلفة حسبما يريد، وكيف يكون ذلك؟ ألا يقع في حيرة، ولو سئل عما يعتقده من ذلك ألا يحدث في لسانه من العقد ما لا يستطيع حله؟ أليس مثل هذه الحيرة يعد شكا؟ نعم ليست هذه الحيرة حيرة من وقف دون أبواب الغيب يطرف لما لا يستطيع النظر إليه، لكنها حيرة من أخذ بقول لا يفهمه، وكلف نفسه علم ما لا تعلمه، فلا يُعد مثله ممن آمن بالملائكة إيمانا صحيحا واطمأنت بإيمانه نفسه، وأذعن له قلبه، ولم يبق لوهمه سلاح ينازع به عقله كما هو شأن صاحب الإِيمان الصحيح". "فليرجع هؤلاء إلى أنفسهم ليعلموا أن الذي وقر فيها تقاليد حُفَّت بالمخاوف لا علوم حُفت بالسكينة والطمأنينة، هؤلاء لم يشرق في نفوسهم ذلك السر الذي يُعبر عنه بالنور الإِلهي، والضياء الملكوتي، واللألاء القدسي، أو ما يماثل ذلك من العبارات، لم يسبق لنفوسهم عهد بملاحظة جانب الحق، ولم تكتحل أعين بصائرهم بنظرة إلى مطلع الوجود منه على الخلق، ولو علموا أن العالم بأسره فان في نفسه، وأن ليس في الكون باق كان أو يكون إلا وجهه الكريم، وأن ما كثف من الكون وما لطف وما ظهر منه وما بطن إنما هو فيض من جوده، ونسبة إلى وجوده، وليس الشريف منه إلا ما أعلى بذكره منزلته، ولا الخسيس إلا ما بين لنا بالنظر إلى الأول نسبته، فإن كل مظهر من مظاهر الوجود في نفسه واقع موقعه ليس شيء أعلى ولا أحط منه، فإن كان كذلك - ولا بد أن يكون كما قدره - لو عرفوا ذلك كله لأطلقوا لأنفسهم أن تجول في تلك الشؤون حتى تصل الى مستقر الطمأنينة حيث لا ينزاع العقل شيء من وساوس الوهم، ولا تجد طائفة من الخوف، ثم لا يتحرجون من إطلاق لفظ مكان لفظ". "هذه القوى التي نرى آثارها في كل شيء يقع تحت حواسنا وقد خفيت حقائقها عنا، ولم يصل أدق الباحثين في بحثه عنها إلا إلى آثار تجل إذا كشفت، وتقل بل تضمحل إذ حُجبت، وهي التي يدور عليها كمال الوجود، وبها ينشأ الناشئ، وبها ينتهي إلى غايته الكامل، كما لا يخفى على نبيه ولا خامل أليست أشعة من ضياء الحق؟ أليست أجل مظهر من مظاهر سلطانه؟ ألا تعد بنفسها من عَالم الغيب وإن كانت آثارها من عالم الشهادة؟ ألا يجوز أن يشعر الشاعر منها بضرب من الحياة والإِختيار خاص بها لا ندرك كنهه لاحتجابه بما نتصوره من حياتنا واختيارنا؟ ألا تراها توافي بأسرارها من ينظر في آثارها ويوفيها حق النظر في نظامها؟ يستكثر من الخير بما يقف عليه من شؤونها ومعرفة الطريق إلى استدرار منافعها"؟. "أليس الوجود الإِلهي الأعلى من عالم الغيب وآثاره في خلقه من عالم الشهادة؟ أليس هو الذي وهب تلك القوى خواصها وقدر لها آثارها؟ لم لا تقول أيها الغافل إنه بذلك وهبها حياتها الخاصة بها ولم قصرت معنى الحياة على ما تراه فيك وفي حيوان مثلك؟ مع أنك لو سئلت عن الذي تزعم أنك فهمته وسميته حياة لم تستطع له تعريفا ولا لفعله تصريفا؟ لم لا تقول كما قال الله وبه نقول: {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإِسراء: 44]. "أفلا تزعم أن لله ملائكة في الأرض وملائكة في السماء؟ هل عرفت أين تسكن ملائكة الأرض؟ وهل حددت أمكنتها ورسمت مساكنها؟ وهل عرفت أين يجلس من يكون منهم عن يمينك ومن يكون عن يسارك؟ هل ترى أجسامهم النوارنية تضيء لك في الظلام أو تؤنسك إذا هجمت عليك الأوهام؟ فلو ركنت إلى أنها قوى او أرواح منبثة فيما حولك أو ما بين يديك وما خلفك، وأن الله ذكرها لك بما كان يعرفها سلفك، وبالعبارة التي تلقفتها عنهم كي لا يوحشك بما يدهشك وترك لك النظر فيما تطمئن إليه نفسك من وجوه تعرفها، أفلا يكون ذلك أروح لنفسك وأدعى إلى طمأنينة عقلك؟ أفلا تكون قد أبصرت شيئا من وراء حجاب ووقفت على سر من أسرار الكتاب فإن لم تجد في نفسك استعدادا لقبول أشعة هذه الحقائق وكنت ممن يؤمن بالغيب ويفوض في إدراك الحقيقة ويقول: {أية : آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا}تفسير : [آل عمران: 7] فلا ترم طلاب العرفان بالريب ما داموا يصدقون بالكتاب الذي آمنت به ويؤمنون بالرسول الذي صدقت برسالته وهم في إيمانهم أعلى منك كعبا وأرضى منك بربهم نفسا، ألا إن مؤمنا لو مالت نفسه إلى فهم ما أنزل إليه من ربه على النحو الذي يطمئن إليه قلبه كما قلنا كان من دينه في ثقة ومن فضل ربه في سعة". هذا ما قاله الإِمام في هذا الموضوع، وأقره وتابعه عليه السيد رشيد رضا، ويتلخص رأيهما فيما يلي: 1) عدم التفرقة بين الملائكة والأرواح التي هي قوام أجساد الأحياء. 2) تفسير الملائكة والأرواح بالقوى الطبعية الكامنة وراء العالم البشري وغيره من المخلوقات. 3) تفسير إبليس والشياطين بقوى الشر الكامنة وراء هذه المخلوقات التي تدفع بالإِنسان الى ما فيه ضرر نفسه وجنسه ومصيبة مجتمعة وأمته. وقد جاء رد الإِمام على خصومه في هذه المسألة مليئا بعارات التشنيع عليهم والاستخفاف بهم، خاليا من الحجج التي يمكن أن يعول عليها في اثبات أمر أو نفيه بل كان وحيا من عاطفته الجياشة الثائرة بعيدا عما يجب أن يكون عليه البحث الموضوعي، وقد حشر فيه ما لا صلة له بما يتحدث عنه، وسفه رأي من قال إن الملائكة أجسام نورانية قابلة للتشكل وعده من دواعي الحيرة والشك في العقيدة لعدم استيعاب الأفهام لهذا المنطق، ووافقه السيد رشيد رضا في تعليق له على كلامه في حاشية المنار ونصه: "هذا هو التعريف المشهور في كتب الكلام وغيرها وأول ما يعترض به عليه أنه لا يصح فيه معنى الجسم في اللغة، ولكنه صار مألوفا وإن لم يكن مفهوما". هذا وإذا كنت قد أُعجبت بكثير من آراء هذين الإِمامين في تفسيرهما لكتاب الله كما تجدون ذلك واضحا في هذا التفسير فإن ذلك لا يمنعني من التنبيه على خطئهما عندما يحيدان عن الصراط السوي في الرأي، وما من أحد إلا وفي كلامه ما هو مقبول وما هو مردود إلا المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام، وبناء على هذا فإنني أقول: الملائكة والشياطين من عالم الغيب لا ريب أن الملائكة والشياطين من عالم الغيب الذي لا يمكن أن نفسره وفق المقاييس التي نعتمد عليها في فهم عالمنا المشهود، وإنما يجب استنادنا في اكتناه حقائقه على ما نفهمه من كتاب الله، وما ثبت عندنا من حديث رسوله صلى الله عليه وسلم إذ ليس لنا أي اتصال بالغيب إلا من طريقهما، وإذا استقرينا نصوص الكتاب والسنة نجد أن هذا التفسير الذي قاله الإِمام واعتمده تلميذه صاحب المنار ليس من الصحة في شيء بل هو بعيد من الصحة بعد تخوم الأرض عن الأفلاك المتناهية في العلو، فالله عز وجل يخبرنا عن الملائكة بقوله: {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} تفسير : [فاطر: 1]، وقوله: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 26 -29]، فإن هذه الأوصاف - بحسب مقتضيات اللغة العربية - لا تكون إلا لأولي ذوات مستقلة، وهو يتنافى مع تفسيرهم بالطاقات الطبعية، فإنه من المعلوم أن الطاقة الطبعية لا توصف بأنها عاقلة، وكل من لفظتي "أولى" و"عباد" لا تطلق إلا على جنس العقلاء فضلا عن إطلاقهما على الحقائق المعنوية وحدها كالقوى الطبعية، ومثل ذلك وصف العباد بالصيغة الدالة على جمع العقلاء في قوله {لاَ يَسْبِقُونَهُ}، و{يَعْمَلُونَ}، و{بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}، و{لاَ يَشْفَعُونَ}، و{هُمْ}، و{مُشْفِقُونَ}، و{مِنْهُمْ}، ويقول تعالى: {أية : وَٱلْمَلاۤئِكَةُ بَاسِطُوۤاْ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [الأنعام: 93] وهو دال على استقلال ذواتهم كما قلت، ويقول في زبانية النار - والعياذ بالله - {أية : عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [التحريم: 6]، وصيغة أوصافهم في هذه الآية دالة أيضا على أنهم من العقلاء كما سبق، ويقول في جبريل عليه السلام: {أية : عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ ذُو مِرَّةٍ فَٱسْتَوَىٰ وَهُوَ بِٱلأُفُقِ ٱلأَعْلَىٰ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ مَا كَذَبَ ٱلْفُؤَادُ مَا رَأَىٰ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ} تفسير : [النجم: 5 -13]، فبالله عليكم هل تنطبق هذه الأوصاف على القوى الطبعية؟ ويقول فيه أيضا: {أية : رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}تفسير : [التكوير: 19 -21]. ومثل ذلك ثبت في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم المتواترة معنى، فقد أخرج الإِمام الربيع والشيخان حديث : عن مسروق أنه سأل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ بِٱلأُفُقِ ٱلْمُبِينِ}، وقوله: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ} فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنما هو جبريل لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطا من السماء ساداً عظيم خلقه ما بين السماء والأرض"تفسير : وثبت عند الشيخين أن جبريل جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حضور بين يديه في صورة رجل حسن الوجه والثياب طيب الرائحة وأخذ يسأله عن أركان الإِيمان، وروى الربيع والشيخان حديث : عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: سأل الحارث بن هشام رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي يا رسول الله؟ قال: "أحيانا يأتيني مثل صلصة الجرس وهو أشده علىّ فيُفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول"تفسير : ففي هذه الأحاديث الثابتة الصحيحة وأمثالها ما يكفي العاقل حجة على استقلال ذوات الملائكة وعدم كونهم قوى متلبسة بسائر الذوات، وهي صريحة في تشكلهم متى أرادوا، فالنبي صلى الله عليه وسلم يدل قوله: "حديث : لم أره على صورته التي خُلق عليها غير هاتين المرتين.. إلى أخره" تفسير : على أنه صلوات الله وسلامه عليه كان يرى جبريل عليه السلام في سائر المرار في صورة أخرى يتمثل بها لتقوى نفس النبي صلى الله عليه وسلم على إبصارها، وهو الذي صرح به حديثا الإِيمان والوحي، بل صرح القرآن بتمثل جبريل في صورة إنسان في قوله تعالى حاكيا قصة مريم: {أية : فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً}تفسير : [مريم: 17]، أما كونهم أجاسما نورانية فيمكن أن يُستدل له بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند مسلم أن الملائكة مخلوقون من نور، ومثل ذلك مثل خلق إبليس والجان من نار المنصوص عليه في قوله تعالى حاكيا عن إبليس: {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [ص: 76]، وقوله: {أية : وَٱلْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ} تفسير : [الحجر: 27]، وقوله: {أية : وَخَلَقَ ٱلْجَآنَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ} تفسير : [الرحمن: 15]، والنور مشتركان في عالمنا الأرضي المحسوس في كونهما لا يقوم أحدهما بنفسه، وإنما يتوقف وجودهما على وجود جرم آخر كثيف يتلبسان به، غير أن الله عز وجل الذي جعلهما في هذا العالم بهذه الصفة قادر على جعلهما في ما وراء العالم المحسوس بصفة أخرى، وعلينا أن نؤمن بما أخبر به أو أخبر به رسوله الأمين عليه افضل الصلاة والسلام. ولا يلزم من تفسير جمهور الأمة للملائكة أن نعرف أين مساكن ملائكة الأرض وتحديد أمكنتها، وبيان موقع من يكون منهم عن اليمين ومن يكون عن اليسار، ورؤية أجسامهم النورانية تضيء في الظلام كما قال الإِمام محمد عبده، فإننا مع تسليمنا بما جاء به الوحي نعترف بالعجز عما طوى الله علمه عنا، ونعلم أن طبيعة اتصال الملائكة بنا تختلف عن طبيعة اتصال بعضنا ببعض، وإذا كان الله عز وجل ميّز طبائع بعض الموجودات في عالمنا عن بعض أفلا يكون ما أوجده وراء هذا العالم أجدر بأن تتميز طبيعته، وأن تختلف أحواله، فنحن هنا على ظهر الكرة الأرضية نسبح في خضم من الهواء يحيط بنا من أعلانا، وأمامنا، وخلفنا، وعن أيماننا، وعن شمائلنا، غير أننا لا نشعر بملامسته لأجسادنا مع كونه جسما لطيفا، وإنما نحسن به في سرعة جرينا، وفي حالة اضطرابه، هذا مع العلم بأن الهواء أهم عنصر مادي في قوام أجسادنا، ولا يمكننا الاستغناء عنه لحظة واحدة. واذا كنا نسلم أن للشيطان تأثيرا على البشر في الإِغواء والإِضلال ولا يحس أحد بحرارة أجسامهم مع خلقهم من نار، وإنما يحس بآثار وحيهم عندما تميل نفسه إلى جانب الشر وتنزع إلى الباطل والفساد، فما المانع من أن يكون اتصال الملائكة بالبشر لا تحس معه طبائعهم الخلقية على أننا نقول: إن تأثير كلا النوعين على الناس هو تأثير روحاني بما أودع الله فيهما من قوى لا يمكننا تصورها، واذا كان البشر مع كونهم أجساما كثيفة يمكن لبعضهم أن يؤثر على بعض تأثيرا نفسيا بما يسمى التنويم المغناطيسي حتى بمجرد حديث في الهاتف، فما بالك بالملائكة والشياطين مع ما اختصوا به من قدرات لم تُعط للإِنسان... وانت تعجب فاعجب للسيد رشيد رضا إذ قال - في تعليق له على المنار بعد إيراده انتقاد الإِمام لتعريف الملائكة بأنهم أجسام نورانية قابلة للتشكل - ما نصه: "هذا هو التعريف المشهور في كتب الكلام، وأول ما يُعترض به عليه أنه لا يصح فيه معنى الجسم في اللغة، ولكنه صار مألوفا وإن لم يكن مفهوما". إذ تجده يستنكر هذا التعريف للملائكة ويقول بعدم صحته لغة بينما تجده في تعليقه على كتاب "الوحي المحمدي" يثبت خرافة لا يصدقها العقل السليم ولا يقرها النقل الصحيح إذ قال ما نصه: "قال بعض من شاهد في فرنسا روح امرأة تجسدت: إنها ظهرت أولا بشكل بخار أو ضباب، ثم تكاثف فكانت جسدا تام الجمال في ثوب أبيض فسألها أن تعطيه قطعة من ثوبها فسمحت له، فقصها فلم تلبث أن تكون مثلها في موضعها، ثم عرضها على معارض النسج في باريس وسألهم هل يود مثل هذا النسيج المهلهل؟ قالوا "لا" ولكن يمكن إيجاده إذا طُلب". فانظر كيف أثبت تطور الروح مما هي عليه إلى بخار أو ضباب حتى صارت جسما تام الجمال... الخ ما ذكره، فبالله عليكم هل صاحبة الروح كانت حية أو ميتة؟ فإن كانت حية فكيف يمكن انفصال روحها عن جسدها مع استمرار حياتها؟ وإن كانت ميتة فأنى لأحد سلطان على الروح وهي من أمر ربي؟ وقد قال تعالى: { أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا وَٱلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِـهَا فَيُمْسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا ٱلْمَوْتَ وَيُرْسِلُ ٱلأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى} تفسير : [الزمر: 42]، فكيف يمكن لأحد أن يسترد ما أمسكه الله؟ ويقول سبحانه: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} تفسير : [مريم: 98]، ولم يقف السيد رشيد رضا عند هذا الحد بل أتبع هذه الخرافة الأوروبية بخرافة صوفية تحسب على الإِسلام خصوصا عندما يقرها مثله في كتابه فقد قال عقب ما تقدم: "وهذا مثل ما يحكيه صوفيتنا عن الذين يتجردون من أجسادهم تارة ويتشكلون كابن عربي ومنهم قضيبُ البان الذي طُلب مرة فوجد مالئا للبيت الذي كان فيه حتى يتعذر خروجه بجسده ذاك، ثم صغر فخرج، ومن لم يصدق هذا من علماء الكيمياء لأنه لم يشاهد مثله لا ينكر إمكانه". فانظر أليس ما نسبه إلى قضيب البان من هذا التحول هو التشكل الذي استبعده من الملائكة؟ فكيف يثبت لإِنسان خُلق مطبوعا بالطبائع البشرية ما ينفيه عن الملائكة الذين أوتوا من القوى الغيبية ما لم يؤته أحد سواهم. ونجده في الوحي المحمدي يصرح بثبوت التشكل للمؤمنين في الدار الآخرة إذ يقول: "ويؤخذ مما ورد في الآيات والأحاديث النبوية من صفة حياة الآخرة أن القوى الروحية تكون هي الغالبة والمتصرفة في الأجساد فتكون قادرة على التشكل بالصور اللطيفة وقطع المسافات البعيدة في المدة القريبة، والتخاطب بالكلام بين أهل الجنة وأهل النار". وأغرب من هذا كله أن يستسيغ السيد رشيد رضا مثل هذا التأويل في الملائكة والشياطين مع إصراره في تفسير الآيات المتشابهات على إجرائها بحسب ظاهرها تمسكا بمذهب السلف - حسبما يقول - مع أن ذلك يؤدي قطعا إلى تشبيه الله بمخلوقاته كما يؤدي إلى إقرار التناقض في القرآن وهو ما لا يصح عقلا ولا نقلا، وتأويل المتشابهات بحملها على ما تقتضيه القرائن من المعاني المقصودة بها هو الذي يتفق مع سَنَنِ الكلام العربي الذي يدل على المقصود تارة بطريق الحقيقة وأخرى بطريق المجاز وهو ضروري لإِبعاد تهمة التناقض عن كلام الله، كما سنبينه إن شاء الله في موضعه. هذا وكما لا يصح تفسير الملائكة بما ذكره الإِمام من أنهم القوى الخيرية وراء هذه الكائنات يتعذر أيضا ما قاله من تفسير إبليس أو الشيطان بالقوة التي تأبت على الإِنسان وهي القوة التي لزها الله بهذا العالم لزا، وهي التي تميل بالمستعد للكمال أو بالكامل إلى النقص - الخ. فإن ذلك منافٍ لما ذكره الله من صفات إبليس والشياطين في كتابه وما جاء من ذلك من حديث رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام، وكفى بما ذكره الله في قصة آدم شأ، إبليس وتأبِّيه عن السجود لآدم،وما كان بينه وبين الله من مقاولة شاهدا على بطلان هذا التأويل، وقد ذكر الله أن إبليس من جنس الجن كما ذكر أن الجن جنس قسيم لجنس الإِنس، وأنهم مُتَعبَّدون كما تعبد الإِنس، وذلك في قوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} تفسير : [الذاريات: 56] قوله: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ ٱلإِنْسِ وَٱلْجِنِّ} تفسير : [الأنعام: 112]، وقوله: {أية : قَالَ ٱدْخُلُواْ فِيۤ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّن ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ فِي ٱلنَّارِ}تفسير : [الأعراف: 38]، وقال في سليمان الذي سخر له الجن كما سخر له الإِنس: {أية : وَحُشِرَ لِسْلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْس وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} تفسير : [النمل: 17]، وحكى ما أجابه به عفريت من الجن في قصة عرش بلقيس إذ قال: {أية : قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} تفسير : [النمل: 39]، وذكر تسخير الشياطين لسليمان وما كانوا يعملونه له في قوله: {أية : وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} تفسير : [الأنبياء: 82]، وقوله: {أية : وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ} تفسير : [ص: 37-38] وقال فيهم: {أية : وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} تفسير : [سبأ: 12-14]، وقد نص الله عز وجل على أن للشيطان ذرية في قوله: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي} تفسير : [الكهف: 50]، وقد نصت الأحاديث على تناسل الشياطين كما نصت على أكلهم ومنه ما جاء في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : ليأكل أحدكم بيمينه وليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ". تفسير : وإني أرى أن فتح هذا الباب في التأويل يوسع المجال لأصحاب الأهواء والأغراض بأن يتلاعبوا بكتاب الله كما تملي عليه أهواؤهم، حتى يتسع الخرق على الرقاع فيفقد بذلك القرآن ما اختصه الله به من هدى حيث تحجبه تأويلات الزنادقة وأقاويل المبتدعة إذ لا يبالون بلي أعناق الآيات حتى تتفق مع المفاهيم التي يهدفون إليها، وماذا يمنع - مع فتح هذا الباب - من أن يقول قائل: إن المراد بنعيم الجنة ما يخُوله الإِنسان في هذه الدنيا من خيراتها، وأن المراد بعقاب النار ما يكابده من عنتها وبلائها. وبالجملة فإن تأويل الملائكة والشياطين بما ذكره الإِمام محمد عبده من أبعد التأويلات عن مدلولات القرآن، بل هو مزيج من أقوال محكية عن طوائف من النصارى، وعن حكماء اليونان، فقد حكى الفخر والألوسي في تفسيريهما عن طوائف من النصارى قولهم: إن الملائكة هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها الصافية الخيرة، وإن الشياطين هي الأنفس الخبيثة، كما نسبا إلى الفلاسفة قولهم: إنها جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة، وحكى القطب في الهيميان كلا القولين وشنع على من قال بقول النصارى حيث قال: "ومن اعتقد هذا حكمنا بإشراكه لقيام الأدلة القاطعة على أن الملائكة ليسوا كذلك - إلى أن قال - فإذا قلنا إن الملائكة، تبعث على حدة، فيلزم منه أن يكونوا بنوا آدم مبعوثين بلا روح آخر أو غير مبعوثين، أو مبعوثين بأرواح غير ما كان فيهم في الحياة الدنيا، وذلك كله شرك لأنه انكار للبعث الموصوف شرعا بأنه بأرواح وحياة وأنه لا يترك منه شيء مما كان فيه في الدنيا فكيف يبعثون بدون الروح التي كانت فيهم". وقد يدهش الإِنسان من صدور هذا التأويل عن مثل هذين العالمين الجليلين اللذين طالما حملا لواء الدفاع عن الإِسلام غير أن هذه الدهشة قد تتضاءل شيئا ما عندما يتصور الظروف الحرجة التي عايشاها ، وقد سبق أن أشرت في مقدمة التفسير إلى شيء من ذلك، ولأجل المناسبة أرى أن أوضح قليلا هنا ما أشرت إليه هناك. من المعلوم أن الإِمام محمد عبده كان هو الربان الذي يقود سفينة المدرسة الإِصلاحية في مصر بعدما تولى إنشاءها السيد جمال الدين الأفغاني إبان زيارته لمصر في الربع الأخير من القرن الثالث عشر الهجري وقد سلم زمامها بعد أن أتم إنشاءها إلى تلميذه الكبير العملاق الإِمام محمد عبده، فكان يجري بها بين تيارين متعاكسين كل منهما لا يقل خطورة على الدين الحنيف؛ ويتمثل التيار الأول في مشائخ الدين الدجالين الذين ما كانوا يعرفون من الدين إلا قشورا سخيفة تنطوي تحتها على ما الدين براء منه من الخرافات والأوهام والضلالات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وكانوا يلقون التأييد الكاسح من الجمهور الساذج الذي لا يعرف معنى للدين إلا أنه العادات الموروثة والتقاليد المألوفة ويتمثل التيار الثاني في الثقافة الأوربية التي وفد بها طائفة من الشباب الذين نهلوا من معارف أوروبا وهم خلو من تعاليم الإِسلام فعادوا إلى بلادهم وهم ينظرون إلى الدين نظرة أساتذتهم الغربيين إليه، وهي أنه الحاجز الوحيد دون تقدم الأمم ورقي الشعوب، ويتصورونه مزيجا من التناقضات والأوهام التي يأباها العقل ويرفضها العلم، وقد رسخ في عقولهم هذه النظرة ما كانوا يسمعونه ويشاهدونه من أدعياء الدين الذين يلقبون شيوخه فكانوا يتطلعون بكل لهفة وشوق إلى اليوم الذي يقع فيه الدين الإِسلامي تحت مطارق العلم الحديث والفكر الحر حتى يعود هباء منبثا كما سبق أن حل ذلك بالعقيدة النصرانية في الغرب إذ لم تلبث حتى ذابت تحت وهج العلم، وكان رجال الإِصلاح يعانون من هؤلاء ومن هؤلاء، ولسان حالهم يقول: "وحسبي من أمرين أحلاهما مرٌّ"، وقد أخذوا على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن الدين الإِسلامي ودفع التهم التي يوجهها إليه الحاقدون والمغرضون، وإعادة الثقة به في نفوس أبنائه، كما أخذوا على عاتقهم مسؤولية تنقيته مما يشوبه من بدع المحرفين، وضلالات الدجالين، وخرافات المشعوذين، ونظرا إلى استنكار الماديين للقضايا الغيبية، ومسارعتهم إلى التكذيب بالدين بسببها، إذ لم تكن تستسيغها عقولهم القاصرة على الفكر المادي؛ كان القائمون بالإِصلاح يواجهونهم في تفسير هذه القضايا بما لا يصطدم مع المفاهيم التي ألفوها، ولربما انزلقت أقدامهم في مثل هذه المسالك الصعبة كما تجده في تفسير قصة آدم هنا، ومن ناحية أخرى فإن أولئك المحسوبين على الدين الملقبين بمشائخه كانوا يتوجسون خيفة من الإِصلاح وانتشاره في أوساط الناس، وكانوا يرشقون رجاله بمختلف التهم - من بينهما: الكفر المخرج عن الملة - ليثيروا عليهم الدهماء، ويقطعوا عليهم السبل فكانت نتيجة ذلك هذه الردة الفعلية التي تلمسها في رد الإِمام عليهم في هذه المسألة، الذي تراه مصطبغا بصبغة انفعاله الشديد، وملتهبا بنار عاطفته المتوقدة بين جنبيه، ولو أن الطرفين اتفقا على البحث النزيه في المسألة والحوار الهادىء الهادف لم يصل الأمر - حسب رأيي - إلى ما وصل إليه. ولست أستبعد أن يكون من دوافع الأستاذ الإِمام إلى ما ذكرته عنه وما سوف أذكره إن شاء الله من التأويل البعيد لقصة آدم تفاديه للاصطدام مع النظرية الدراوينية المسماه بالنشوء والارتقاء والتي شاعت في أوساط الناس آن ذاك حتى تلقفوها بالقبول فكانت من المسلمات عندهم، ويقرب ذلك أن تمليذه السيد محمد فريد وجدي عندما أورد هذه النظرية في كتابه "دائرة معارف القرن العشرين" ذكر أنها إن ثبتت لا يتعذر التوفيق بينهما وبين ما في القرآن، ولعمري إن محاولة التوفيق بين هذا الهراء الباطل الذي أتى به الدجال اليهودي داروين وبين الحق الذي أنزله الله كمحاولة التوفيق بين الظلام والضياء، والجهل والعلم، والإِفك والصدق. وقد ثبت والحمد لله بطلان ما ادعاه داروين علميا بوسائل الحفريات وغيرها، وثبت الحق الذي أنزله الله عند خصومة الألداء الذين أصروا على محاربته، وبذلوا جهدهم لإِطفاء نوره، وقد اعترف الداروينيون أنفسهم أن هذه النظرية من أساسها لم تقم على العلم، وأنها لا احتمال لها من الصحة إلا بمقدار الواحد في المليار، كما نقلت ذلك نصا عنهم مع إبطال زعمهم من كل وجه السيدة العالمة منيرة علي الغاياتي، في كتابها الذي سمته "النشوء والارتقاء".

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأِّدَمَ} الظرف متعلق بمقدر دل عليه الكلام - كانقادوا وأطاعوا - والعطف من عطف القصة على القصة وفي كل تعداد النعمة - مع أن الأول تحقيق للفضل وهذا اعتراف به - ولا يصح عطف الظرف على الظرف بناءاً على اللائق الذي قدمناه لاختلاف الوقتين، وجوز على أن نصب السابق بمقدر، والسجود في الأصل تذلل مع انخفاض بانحناء وغيره، وفي الشرع وضع الجبهة على قصد العبادة وفي المعنى المأمور به هنا خلاف فقيل: المعنى الشرعي، والمسجود له في الحقيقة هو الله تعالى - وآدم إما قبلة أو سبب - واعترض بأن لو كان كذلك ما امتنع إبليس، وبأنه لا يدل على تفضيله عليه السلام عليهم. وقوله تعالى: {أية : أَرَأَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ} تفسير : [الإسراء: 62] يدل عليه - ألا ترى أن الكعبة ليست بأكرم ممن سجد إليها وأجيب بالتباس الأمر على إبليس، وبأن التكريم يجعله جهة لهذه العبادة دونهم، ولا يخفى ما فيه من الدلالة على عظمة الشأن - كما في جعل الكعبة قبلة من بين سائر الأماكن - ومن الناس من جوّز كون المسجود له آدم عليه السلام حقيقة مدعياً أن السجود للمخلوق - إنما منع في شرعنا - وفيه أن السجود الشرعي عبادة، وعبادة غيره سبحانه شرك محرم في جميع الأديان والأزمان - ولا أراها حلت في عصر من الأعصار. وقيل: المعنى اللغوي ولم يكن فيه وضع/ الجباه بل كان مجرد تذلل وانقياد، فاللام إما باقية على ظاهرها، وإما بمعنى إلى مثلها في قول حسان رضي الله عنه:شعر : أليس أول من صلى لقبلتكم وأعرف الناس بالقرآن والسنن تفسير : أو للسببية، مثلها في قوله تعالى: {أية : أَقِمِ ٱلصَّلَٰوةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ }تفسير : [الإسراء: 78] وحكمة الأمر بالسجود إظهار الاعتراف بفضله عليه السلام، والاعتذار عما قالوا فيه مع الإشارة إلى أن حق الأستاذ على من علمه حق عظيم، وغير سبحانه الأسلوب حيث قال أولاً: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ }تفسير : [البقرة: 30] وهنا {وَإِذَا قُلْنَا} - بضمير العظمة - لأن في الأول خلق آدم واستخلافه، فناسب ذكر الربوبية مضافاً إلى أحب خلفائه إليه وهنا المقام مقام إيراد أمر يناسب العظمة - وأيضاً في السجود تعظيم، فلما أمر بفعله لغيره أشار إلى كبريائه الغنية عن التعظيم. وقرأ أبو جعفر بضم تاء {ٱلْمَلَـٰئِكَةَ} اتباعاً لضم الجيم، وهي لغة أزدشنوأة وهي لغة غريبة عربية - وليست بخطأ كما ظن الفارسي - فقد روي أن امرأة رأت بناتها مع رجل، فقالت: ـ أفي السوأ تنتنه - تريد أفي السوأة أنتنه. {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ} الفاء لإفادة مسارعتهم في الامتثال وعدم تثبطهم فيه، وإبليس اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، ووزنه - فعليل - قاله الزجاج. وقال أبو عبيدة وغيره: إنه عربـي مشتق من الإبلاس وهو الإبعاد من الخير أو اليأس من رحمة الله تعالى، ووزنه على هذا مفعيل، ومنعه من الصرف حينئذٍ لكونه لا نظير له في الأسماء؛ واعترض بأن ذلك لم يعد من موانع الصرف مع أن له نظائر - كإحليل وإكليل - وفيه نظر، وقيل: لأنه شبيه بالأسماء الأعجمية إذ لم يسم به أحد من العرب، وليس بشيء، واختلف الناس فيه هل هو من الملائكة أم من الجن؟ فذهب إلى الثاني جماعة مستدلين بقوله تعالى: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنّ }تفسير : [الكهف: 50] وبأن الملائكة لا يستكبرون وهو قد استكبر، وبأن الملائكة كما روي مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها -خلقوا من النور وخلق الجن من مارج من نار وهو قد خلق مما خلق الجن كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عنه: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ }تفسير : [ص: 76] وعد تركه السجود إباءاً واستكباراً حينئذٍ إما لأنه كان ناشئاً بين الملائكة مغموراً بالألوف منهم فغلبوا عليه وتناوله الأمر ولم يمتثل، أو لأن الجن أيضاً كانوا مأمورين مع الملائكة، لكنه استغنى بذكرهم لمزيد شرفهم عن ذكر الجن، أو لأنه عليه اللعنة كان مأموراً صريحاً لا ضمناً كما يشير إليه ظاهر قوله تعالى: {أية : إِذْ أَمَرْتُكَ } تفسير : [الأعراف: 12] وضمير {فَسَجَدُواْ} راجع للمأمورين بالسجود. وذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين إلى الأول مستدلين بظاهر الاستثناء - وتصحيحه بما ذكر تكلف - لأنه وإن كان واحداً منهم لكن كان رئيسهم ورأسهم كما نطقت به الآثار - فلم يكن مغموراً بينهم، ولأن صرف الضمير إلى مطلق المأمورين مع أنه في غاية البعد لم يثبت، إذ لم ينقل أن الجن سجدوا لآدم سوى إبليس، وكونه مأموراً صريحاً الآية غير صريحة فيه - ودون إثباته خرط القتاد - واقتضاء ما ذكر من الآية كونه من جنس الجن ممنوع لجواز أن يراد كونه منهم فعلاً، وقوله تعالى: {أية : فَفَسَقَ} تفسير : [الكهف : 50] كالبيان له، ويجوز أيضاً أن يكون {كَانَ} بمعنى صار - كما روي أنه مسخ بسبب هذه المعصية - فصار جنياً - كما مسخ اليهود فصاروا قردة وخنازير - سلمنا لكن لا منافاة بين كونه جناً وكونه ملكاً، فإن الجن - كما يطلق على ما يقابل الملك - يقال على نوع منه على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وكانوا خزنة الجنة أو صاغة حليهم. وقيل: صنف من الملائكة لا تراهم الملائكة مثلنا، أو أنه يقال للملائكة جن أيضاً - كما قاله ابن إسحاق - لاجتنانهم واستتارهم عن أعين الناس، وبذلك/ فسر بعضهم قوله تعالى: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً }تفسير : [الصافات: 158] وورد مثله في كلام العرب، فقد قال الأعشى في سيدنا سليمان عليه السلام:شعر : وسخر من جن الملائك تسعة قياماً لديه يعملون بلا أجر تفسير : وكون الملائكة لا يستكبرون - وهو قد استكبر - لا يضر، إما لأن من الملائكة من ليس بمعصوم - وإن كان الغالب فيهم العصمة على العكس منا - وفي «عقيدة أبـي المعين النسفي» ما يؤيد ذلك، وإما لأن إبليس سلبه الله تعالى الصفات الملكية وألبسه ثياب الصفات الشيطانية فعصى عند ذلك والملك ما دام ملكاً لا يعصي:شعر : ومن ذا الذي يامِيّ لا يتغير تفسير : وكونه مخلوقاً من نار وهم مخلوقون من نور غير ضار أيضاً - ولا قادح في ملكيته - لأن النار والنور متحدا المادة بالجنس واختلافهما بالعوارض، على أن ما في أثر عائشة رضي الله تعالى عنها من خلق الملائكة من النور جار مجرى الغالب - وإلا خالفه كثير من ظواهر الآثار - إذ فيها أن الله تعالى خلق ملائكة من نار وملائكة من ثلج وملائكة من هذا وهذه، وورد أن تحت العرش نهراً إذا اغتسل فيه جبريل عليه السلام وانتفض يخلق من كل قطرة منه ملك، وأفهم كلام البعض أنه يحتمل أن ضرباً من الملائكة لا يخالف الشياطين بالذات - وإنما يخالفهم بالعوارض والصفات - كالبررة والفسقة من الإنس - والجن يشملهما - وكان إبليس من هذا الصنف، فعده ما شئت من - ملك وجن وشيطان -، وبذلك يحصل الجمع بين الأقوال والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. ثم المشهور أن الاستثناء متصل إن كان من الملائكة، ومنقطع إن لم يكن منهم، وقد علمت تكلفهم لاتصاله مع قولهم بالثاني، وقد شاع عند النحاة والأصوليين أن المنقطع هو المستثنى من غير جنسه، والمتصل هو المستثنى من جنسه، قال القرافي في «العقد المنظوم»: وهو غلط فيهما، فإن قوله تعالى: {أية : لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَـٰطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً } تفسير : [النساء: 29] و {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ }تفسير : [الدخان: 56] و {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً } تفسير : [النساء: 92] الاستثناء فيه منقطع مع أن المستثنى من جنس ما قبله فيبطل الحدان، والحق أن المتصل ما حكم فيه على جنس ما حكمت عليه أولاً بنقيض ما حكمت به - ولا بد من هذين القيدين فمتى انخرم أحدهما فهو منقطع بأن كان غير الجنس - سواء حكم عليه بنقيضه أو لا - نحو رأيت القوم إلا فرساً، فالمنقطع نوعان، والمتصل نوع واحد، ويكون المنقطع كنقيض المتصل، فإن نقيض المركب بعدم أجزائه، فقوله تعالى: {أية : لاَ يَذُوقُونَ}تفسير : [الدخان: 56] الخ منقطع بسبب الحكم بغير النقيض، لأن نقيضه ذاقوه فيها - وليس كذلك - وكذلك {أية : إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً} تفسير : [النساء: 29] لأنها لا تؤكل بالباطل - بل بحق - وكذلك {أية : إِلاَّ خَطَئاً} تفسير : [النساء: 92] لأنه ليس له القتل مطلقاً - وإلا لكان مباحاً - فتنوع المنقطع حينئذٍ إلى ثلاثة، الحكم على الجنس بغير النقيض، والحكم على غيره به أو بغيره، والمتصل نوع واحد - فهذا هو الضابط - وقيل: العبرة بالاتصال والانفصال الدخول في الحكم وعدمه لا في حقيقة اللفظ وعدمه، فتأمل ترشد. وأفهم كلام القوم - نفعنا الله تعالى بهم - أن جميع المخلوقات علويها وسفليها سعيدها وشقيها مخلوق من الحقيقة المحمدية صلى الله عليه وسلم كما يشير إليه قول النابلسي قدس سره دافعاً ما يرد على الظاهر:شعر : طه النبـي تكونت من نوره كل الخليقة ثم لو ترك القطا تفسير : وفي الآثار ما يؤيد ذلك، إلا أن الملائكة العلويين خلقوا منه عليه الصلاة والسلام من حيث الجمال، وإبليس من حيث الجلال، ويؤل هذا بالآخرة إلى أن إبليس مظهر جلال الله سبحانه وتعالى، ولهذا كان منه ما كان ولم يجزع ولم يندم ولم يطلب المغفرة لعلمه أن الله تعالى يفعل ما يريده وأن ما يريده سبحانه هو الذي/ تقتضيه الحقائق، فلا سبيل إلى تغييرها وتبديلها، واستشعر ذلك من ندائه بإبليس - ولم يكن اسمه من قبل - بل كان اسمه عزازيل أو الحرث، وكنيته أبا مرة - ووراء ذلك ما لم يمكن كشفه - والله تعالى يقول الحق وهو يهدي السبيل. وفي قوله تعالى: {أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} نوع إشارة إلى بعض ما ذكر، والجملة استئناف جواب لمن قال ما فعل، وقيل: إن الفعلين الأولين في موضع نصب على الحال أي آبيا مستكبراً {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} مستأنف أو في موضع الحال، وقيل: الجمل الثلاث تذييل بعد تذييل، والاباء الامتناع مع الأنفة والتمكن من الفعل، ولهذا كان قولك - أبـي زيد الظلم أبلغ من لم يظلم - ولإفادة الفعل النفي صح بعده الاستثناء المفرغ كـ {أية : يَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ }تفسير : [التوبة: 32] وقوله:شعر : أبى الله إلا عدله ووفاءه فلا النكر معروف ولا العرف ضائع تفسير : والفعل منه - أبى - بالفتح، وعليه لا يكون يأبى قياسياً. وقد سمع - أبي - كرضي فالمضارع حينئذ قياسي والمفعول هنا محذوف أي السجود، - والاستكبار - التكبر وهو مما جاء فيه استفعل بمعنى تفعل، وقيل: التكبر أن يرى الشخص نفسه أكبر من غيره وهو مذموم وإن كان أكبر في الواقع، والاستكبار طلب ذلك بالتشبع، وقدم الإباء عليه وإن كان متأخراً عنه في الرتبة لأنه من الأحوال الظاهرة بخلاف الاستكبار فإنه نفساني. أو لأن المقصود الإخبار عنه بأنه خالف حاله حال الملائكة فناسب أن يبدأ أولاً بتأكيد ما حكم به عليه في الاستثناء أو بإنشاء الإخبار عنه بالمخالفة فبدأ بذلك على أبلغ وجه (وكان) على بابها والمعنى كان في علم الله تعالى من الكافرين أو كان من القوم الكافرين الذين كانوا في الأرض قبل خلق آدم، وقيل: بمعنى صار وهو مما أثبته بعض النحاة قال ابن فورك: وترده الأصول ولأنه كان الظاهر حينئذ فكان بالفاء. ثم إن كفره ليس لترك الواجب كما زعم الخوارج متمسكين بهذه الآية لأنه لا يوجب ذلك في ملتنا على ما دلت عليه القواطع، وإيجابه قبل ذلك غير مقطوع به بل باستقباحه أمر الله تعالى بالسجود لمن يعتقد أنه خير منه وأفضل - كما يدل عليه الإباء والاستكبار - وقال أبو العالية: معنى {مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} من العاصين ثم الظاهر أن كفره كان عن جهل بأن استرد سبحانه منه ما أعاره من العلم الذي كان مرتدياً به حين كان طاووس الملائكة وأظافير القضاء إذا حكت أدمت، وقسى القدر إذا رمت أصمت ـ:شعر : وكان سراج الوصل أزهر بيننا فهبت به ريح من البين فانطفى تفسير : وقيل: عن عناد حمله عليه حب الرياسة والإعجاب بما أوتي من النفاسة ولم يدر المسكين أنه لو امتثل ارتفع قدره وسما بين الملأ الأسمى فنحره ولكن:شعر : إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده تفسير : وكم أرقت هذه القصة جفوناً، وأراقت من العيون عيوناً فإن إبليس كان مدة في دلال طاعته يختال في رداء مرافقته ثم صار إلى ما ترى وجرى ما به القلم جرى:شعر : وكنا وليلى في صعود من الهوى فلما توافينا ثبت وزلت تفسير : ومن هنا قال الشافعية والأشعرية - وبقولهم أقول - في هذه المسألة: إن العبرة بالإيمان الذي يوافي العبد عليه ويأتي متصفاً به في آخر حياته وأول منازل آخرته، ولذا يصح أنا مؤمن إن شاء الله تعالى بالشك، ولكن ليس في الإيمان الناجز بل في الإيمان الحقيقي المعتبر عند الموت وختم الأعمال، وقد صح عن أبـي هريرة رضي الله تعالى عنه كما أورده الزرقاني - أن من تمام إيمان العبد أن يستثني إذ عواقب المؤمنين مغيبة عندهم وهو القاهر فوق/ عباده وفي "الصحيح" عن جابر «حديث : كان صلى الله عليه وسلم يكثر من قوله يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك» تفسير : وخبر «من قال أنا مؤمن إن شاء الله تعالى فليس له من الإسلام نصيب» موضوع باتفاق المحدثين، وأنا مؤمن بغيره إن شاء الله تعالى. هذا واعلم أن الذي تقتضيه هذه الآية الكريمة، وكذا التي في الأعراف، وبني إسرائيل، والكهف وطه أن سجود الملائكة ترتب على الأمر التنجيزي الوارد بعد خلقه ونفخ الروح فيه، وهو الذي يشهد له النقل والعقل إلا أن ما في - الحجر - [28 ـ 30] من قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰئِكَةِ إِنّى خَـٰلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَـٰلٍ مّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ * فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}تفسير : وكذا ما في - صۤ- [71] - تستدعي ظاهراً ترتبه على ما فيها من الأمر التعليقي من غير أن يتوسط بينهما شيء غير الخلق وتوابعه، وبه قال بعضهم. وحمل ما في تلك الآيات من الأمر على حكاية الأمر التعليقي بعد تحقق المعلق به إجمالاً فإنه حينئذ يكون في حكم التنجيز، و {ثُمَّ} في آية الأعراف للتراخي الرتبي أو التراخي في الإخبار، أو يقال: إن الأمر التعليقي لما كان قبل تحقق المعلق به بمنزلة العدم في عدم إيجاب المأمور به جعل كأنه إنما حدث بعد تحققه، فحكي على صورة التنجيز، ولما رأى بعضهم أن هذا مؤد إلى أن ما جرى في شأن الخلافة - وما قالوا وما سمعوا - إنما جرى بعد السجود المسبوق بمعرفة جلالة قدره عليه السلام، وخروج إبليس من البين باللعن، وبعد مشاهدتهم لكل ذلك وهو خرق لقضية النقل بل خرق في العقل اضطر إلى القول بأن السجود كان مرتين، وهيهات لا يصلح العطار ما أفسد الدهر، فالحق الحقيق ما دلت عليه هاتيك الآيات، وما استدل به المخالف لا ينتهض دليلاً لأن الشرط إن كان قيداً للجزاء كان معناه على تقدير صدق - إذا سويته - أطلب بناء على أن الشرط قيد للطلب على ما صرح به العلامة التفتازاني من أن معنى قولنا: إن جاءك زيد فأكرمه، أي على تقدير صدق إن جاءك زيد أطلب منك إكرامه، وإن كان الحكم بين الشرط والجزاء فالجزاء الطلبـي لا بد من تأويله بالخبر أي يستحق أن يقال في حقه أكرمه، وعلى التقديرين كان مدلول {أية : فَقَعُواْ لَهُ سَـٰجِدِينَ } تفسير : [ الحجر: 29] طلباً استقبالياً لا حالياً فلا يلزم تحقق الأمر بالسجود قبل التسوية، نعم لو كان الشرط قيداً للمطلوب لا للطلب يكون المعنى الطلب في الحال للسجود وقت التسوية فيفيد تقدم الأمر على التسوية، وقول مولانا الرازي قدس سره: إن الآية كما تدل على تقدم الأمر بالسجود على التسوية تفيد أن التعليم والإنباء كان بعد السجود لأنها تدل على أن آدم عليه السلام كما صار حياً صار مسجوداً للملائكة لأن الفاء في {فَقَعُواْ} للتعقيب لا يخفى ما فيه لأن الفاء للسببية لا للعطف، وهو لا يقتضي التعقيب كما في قوله تعالى: {أية : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ} تفسير : [الجمعه: 9]، وقوله سبحانه: {أية : فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ }تفسير : [البقرة: 37]، ومن الناس من حمل نفخ الروح في الآية على التعليم لما اشتهر أن العلم حياة والجهل موت، وأنت في غنى عنه، والله الموفق.

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة {أية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30] عطفَ القصة على القصة. وإعادة (إذ) بعد حرف العطف المغني عن إعادة ظرفه تنبيهٌ على أن الجملة مقصودة بذاتها لأنها متميزة بهذه القصة العجيبة فجاءت على أسلوب يؤذن بالاستقلال والاهتمام، ولأجل هذه المراعاة لم يؤت بهذه القصة معطوفة بفاء التفريع فيقول: {فقلنا للملائكة اسجدوا لآدم} وإن كان مضمونها في الواقع متفرعاً على مضمون التي قبلها فإن أمرهم بالسجود لآدم ما كان إلا لأجل ظهور مزيته عليهم إذ علم ما لم يعلموه وذلك ما اقتضاه ترتيب ذكر هذه القصص بعضها بعد بعض ابتداء من خلق السماوات والأرض وما طرأَ بعده من أطوار أصول العامرين الأرض وما بينها وبين السماء فإنْ الأصل في الكلام أن يكون ترتيب نظمه جارياً على ترتيب حصول مدلولاته في الخارج ما لم تُنصب قرينة على مخالفة ذلك. ولا يريبك قوله تعالى في سورة الحِجر (28، 29) {أية : إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون} تفسير : {فإذا سويتُه ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} لأن تلك حَكَتْ القصة بإجمال فطوتْ أَنباءها طيًّا جاء تبيينه في ما تكرر منها في آيات أخرى وأوضحها آية البقرة لاقتضاء الآية السابقة أن فضيلة آدم لم تظهر للملائكة إلا بعد تعليمه الأسماءَ وَعَرْضِها عليهم وعجزهم عن الإنباء بها وأنهم كانوا قبل ذلك مترقبين بيان ما يكشف ظنهم بآدم أن يكون مفسداً في الأرض بعد أن لازموا جانب التوقف لما قال الله لهم: {أية : إني أعلم ما لا تعلمون}تفسير : [البقرة: 30]، فكان إنباء آدم بالأسماء عند عجزهم عن الإنباء بها بياناً لكشف شبهتهم فاستحقوا أن يأتوا بما فيه معذرة عن عدم علمهم بحقه. وقد أريد من هذه القصة إظهارُ مزية نوع الإنسان وأن الله يخص أجناس مخلوقاته وأنواعها بما اقتضته حكمته من الخصائص والمزايا لئلا يخلو شيء منها عَنْ فائدة من وجوده في هذا العالم؛ وإظهارُ فضيلة المعرفة، وبيانُ أن العالم حقيق بتعظيم مَن حوله إياه وإظهارُ ما للنفوس الشريرة الشيطانية من الخبث والفساد، وبيانُ أن الاعتراف بالحق من خصال الفضائل الملائكية، وأن الفساد والحسد والكبِر من مذام ذوي العقول. والقول في إعراب (إذْ) كالقول الذي تقدم في تفسير قوله: {أية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30]. وإظهار لفظ الملائكة ولفظ آدم هنا دون الإتيان بضميريهما كما في قوله: {أية : قالوا سبحانك}تفسير : [البقرة: 32] وقوله: {أية : فلما أنبأهم}تفسير : [البقرة: 33] لتكون القصة المعطوفة معنونة بمثل عنوان القصة المعطوف عليها إشارة إلى جدارة المَعْطُوفة بأن تكون قصة مقصودة غير مندمجة في القصة التي قبلها. وغُير أسلوبُ إسناد القول إلى الله فأُتي به مسنداً إلى ضمير العظمة {وإذ قلنا} وأُتي به في الآية السابقة مسنداً إلى رب النبي {أية : وإذ قال ربك}تفسير : [البقرة: 30] للتفنن ولأن القول هنا تضمن أمراً بفعلٍ فيه غضاضة على المأمورين فناسبه إظهار عظمة الآمر، وأما القول السابق فمجرد إعلام من الله بمراده ليظهرَ رأيهم، ولقصد اقتران الاستشارة بمبدأ تكوين الذات الأولى من نوع الإنسان المحتاج إلى التشاور فناسبه الإسناد إلى الموصوف بالربوبية المؤذنة بتدبير شأن المربوبين. وأضيف إلى ضمير أشرف المربوبين وهو النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم عند قوله تعالى: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}. وحقيقة السجود طأطأة الجسد أو إِيقاعه على الأرض بقصد التعظيم لمشاهَد بالعيان كالسجود للملك والسيد والسجود للكواكب، قال تعالى: {أية : وخروا له سجَّداً}تفسير : [يوسف: 100]، وقال {أية : لا تسجدوا للشمس ولا للقمر}تفسير : [فصلت: 37] وقال الأعشى:شعر : فلما أتانا بُعَيْد الكرى سجَدْنا له وخلَعْنَا العِمارا تفسير : وقال أيضاً:شعر : يراوح من صلوات المليـ ـك طوراً سُجوداً وطوراً جؤاراً تفسير : أو لمشاهد بالتخيل والاستحضار وهو السجود لله، قال تعالى: {أية : فاسجدوا لله واعبدوا}تفسير : [النجم: 62]. والسجود ركن من أركان الصلاة في الإسلام. وأما سجود الملائكة فهو تمثيل لحالة فيهم تدل على تعظيم، وقد جمع معانيه قوله تعالى: {أية : ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون}تفسير : [النحل: 49]. فكان السجود أول تحية تلقاها البشر عند خلق العالم. وقد عرف السجود منذ أقدم عصور التاريخ فقد وجد عى الآثار الكلدانية منذ القرن التاسع عشر قبل المسيح صورة حمورابي ملك كلدية راكعاً أمام الشمس، ووجدت على الآثار المصرية صور أسرى الحرب سجداً لفرعون، وهيآت السجود تختلف باختلاف العوائد. وهيئة سجود الصلاة مختلفة باختلاف الأديان. والسجود في صلاة الإسلام الخُرور على الأرض بالجبهة واليدين والرجلين. وتعدية {اسجدوا} لاسم آدم باللام دال على أنهم كلفوا بالسجود لذاته وهو أصل دلالة لام التعليل إذا علق بمادة السجود مثل قوله تعالى: {أية : فاسجدوا لله واعبدوا}تفسير : [النجم: 62] وقوله: {أية : لا تسجدوا للشمس ولا للقمر}تفسير : [فصلت: 37] ولا يعكر عليه أن السجود في الإسلام لغير الله محرم لأن هذا شرع جديد نسخ ما كان في الشرائع الأخرى ولأن سجود الملائكة من عمل العالم الأعلى وليس ذلك بداخل تحت تكاليف أهل الأرض فلا طائل تحت إطالة البحث في أن آدم مسجود له أو هو قبلة للساجدين كالكعبة للمسلمين، ولا حاجة إلى التكلف بجعل اللام بمعنى إلى مثلها في قول حسان:شعر : أليس أول من صلى لقبلتكم تفسير : فإن للضرورة أحكاماً. لا يناسب أن يقاس بها أحسن الكلام نظاماً. وفي هذه الآية منزع بديع لتعظيم شأن العلم وجدارة العلماء بالتعظيم والتبجيل لأن الله لما علم آدم علماً لم يؤهل له الملائكة كان قدجعل آدم أنموذجاً للمبدعات والمخترعات والعلوم التي ظهرت في البشر من بعد والتي ستظهر إلى فناء هذا العالم. وقرأ أبو جعفر في أشهر الرواية عنه (للملائكةُ اسجدوا) بضمة على التاء في حال الوصل على إتْباع حركة التاء لضمة الجيم في (اسجدوا) لعدم الاعتداد بالساكن الفاصل بين الحرفين لأنه حاجز غير حصين، وقراءته هذه رواية وهي جرت على لغة ضعيفة في مثل هذا فلذلك قال الزجاج والفارسي: هذا خطأ من أبي جعفر، وقال الزمخشري: لا يجوز استهلاك الحركة الإعرابية بحركة الإتباع إلا في لغة ضعيفة كقراءة الحسن {أية : الحمدِ لله}تفسير : [الفاتحة: 2] ــــ بكسر الدال ــــ قال ابن جني: وإنما يجوز هذا الذي ذهب إليه أبو جعفر إذا كان ما قبل الهمزة ساكناً صحيحاً نحو: {أية : وقالتُ اخرج عليهن} تفسير : في سورة يوسف (31) اه وإنما حملوا عليه هذه الحملة لأن قراءته معدودة في القراءات المتواترة فما كان يحسن فيها مثل هذا الشذوذ، وإن كان شذوذاً في وجوه الأدَاء لا يخالف رسم المصحف. وعطف {فسجدوا} بفاء التعقيب يشير إلى مبادرة الملائكة بالامتثال ولم يصدَّهم ما كان في نفوسهم من التخوف من أن يكون هذا المخلوق مظهر فساد وسفك دماء لأنهم منزَّهون عن المعاصي. واستثناء إبليس من ضمير الملائكة في {فسجدوا} استثناء منقطع لأن إبليس لم يكن من جنس الملائكة قال تعالى في سورة الكَهْفِ (50) {أية : إلا إبليس كان من الجن} تفسير : ولكن الله جعل أحواله كأحوال النفوس الملكية بتوفيق غلب على جبلته لتتأتى معاشرته بهم وسيره على سيرتهم فساغ استثناء حاله من أحوالهم في مظنة أن يكون مماثلاً لمن هو فيهم. وقد دلت الآية على أن إبليس كان مقصوداً في الخبر الذي أخبر به الملائكة إذ قال للملائكة {أية : إني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30] وفي الأمر الذي أمر به الملائكة إذ قال لهم {اسجدوا لآدم} ذلك أن جنس المجردات كان في ذلك العالم مغموراً بنوع المَلك إذ خلق الله من نوعهم أفراداً كثيرة كما دل عليه صيغة الجمع في قوله: {أية : وإذ قال ربك للملائكة}تفسير : [البقرة: 30] ولم يخلق الله من نوع الجن إلا أصلهم وهو إبليس، وخلق من نوع الإنسان أصلهم وهو آدم. وقد أقام الله إبليس بين الملائكة إقامة ارتياض وتخلق وسخره لاتباع سنَتهم فجرى على ذلك السَّنَن أمداً طويلاً لا يعلمه إلا الله ثم ظهر ما في نوعه من الخبث كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : ففسق عن أمر ربه} تفسير : في سورة الكهف (50) فعصى ربه حين أمره بالسجود لآدم. وإبليس اسم الشيطان الأول الذي هو مولد الشياطين، فكان إبليس لنوع الشياطين والجن بمنزلة آدم لنوع الإنسان. وإبليس اسم معرب من لغة غير عربية لم يعينها أهل اللغة، ولكن يدل لكونه معرباً أن العرب منعوه من الصرف ولا سبب فيه سوى العلمية والعجمة ولهذا جعل الزجاج همزته أصلية، وقال وزنه على فعليل. وقال أبو عبيدة: هو اسم عربي مشتق من الإبلاس وهو البعد من الخير واليأس من الرحمة وهذا اشتقاق حسن لولا أنه يناكد منعه من الصرف وجعلوا وزنه إفعيل لأن همزته مزيدة وقد اعتذر عن منعه من الصرف بأنه لما لم يكن له نظير في الأسماء العربية عد بمنزلة الأعجمي وهو اعتذار ركيك. وأكثر الذين أحصوا الكلمات المعربة في القرآن لم يعدوا منها اسم إبليس لأنهم لم يتبينوا ذلك ولصلاحية الاسم لمادة عربية ومناسبته لها. وجمل {أبى واستكبر وكان من الكافرين} استئناف بياني مشير إلى أن مخالفة حاله لحال الملائكة في السجود لآدم، شأنه أن يثير سؤالاً في نفس السامع كيف لم يفعل إبليس ما أمر به وكيف خالف حال جماعته وما سبب ذلك لأن مخالفته لحالة معشره مخالفة عجيبة إذ الشأن الموافقة بين الجماعات كما قال دريد بن الصمة:شعر : وهل أنا إلا من غُزَيَّة إن غَوت غوَيْت وإِن ترشُد غزية أرشُد تفسير : فبين السبب بأنه أبى واستكبر وكفر بالله. والإباء الامتناع من فعل أو تلقيه. والاستكبار شدة الكبر والسين والتاء فيه للعد أي عد نفسه كبيراً مثل استعظم واستعذب الشراب أو يكون السين والتاء للمبالغة مثل استجاب واستقر فمعنى استكبر اتصف بالكبر. والمعنى أنه استكبر على الله بإنكار أن يكون آدم مستحقاً لأن يسجد هو له إنكاراً عن تصميم لا عن مراجعة أو استشارة كما دلت عليه آيات أخرى مثل قوله: {أية : قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}تفسير : [الأعراف: 12] وبهذا الاعتبار خالف فعل إبليس قول الملائكة حين قالوا: {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}تفسير : [البقرة: 30]، لأن ذلك كان على وجه التوقف في الحكمة ولذلك قالوا: {أية : ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك}تفسير : [البقرة: 30] فإبليس بإبائه انتقضت الجبلة التي جبل عليها أول مرة، فاستحالت إلى جبلة أخرى على نحو ما يعرض من تطور للعاقل حين يختل عقله وللقادر حين تشل بعض أعضائه، ومن العلل علل جسمانية ومنها علل روحانية كما قال:شعر : فكنتُ كذي رجلين رجلٍ صحيحة ورجل رمى فيها الزمان فشَلت تفسير : والاستكبار التزايد في الكبر لأن السين والتاء فيه للمبالغة لا للطلب كما علمت، ومن لطائف اللغة العربية أن مادة الاتصاف بالكبر لم تجىء منها إلا بصيغة الاستفعال أو التفعل إشارة إلى أن صاحب صفة الكبر لا يكون إلا متطلباً الكبر أو متكلفاً له وما هو بكبير حقاً ويحسن هنا أن نذكر قول أبي العلاء:شعر : علوتمُ فتواضعتمْ على ثقة لما تواضع أقوام على غرر تفسير : وحقيقة الكبر قال فيها حجة الإسلام في كتاب «الإحياء»: الكبر خلق في النفس وهو الاسترواح والركون إلى اعتقاد المرء نفسه فوق التكبر عليه، فإن الكبر يستدعي متكبراً عليه ومتكبراً به وبذلك ينفصل الكبر عن العجب فإن العجب لا يستدعي غير المعجب ولا يكفي أن يستعظم المرء نفسه ليكون متكبراً فإنه قد يستعظم نفسه ولكنه يرى غيره أعظم من نفسه أو مماثلاً لها فلا يتكبر عليه، ولا يكفي أن يستحقر غيره فإنه مع ذلك لو رأى نفسه أحقر لم يتكبر ولو رأى غيره مثل نفسه لم يتكبر بل أن يرى لنفسه مرتبة ولغيره مرتبة ثم يرى مرتبة نفسه فوق مرتبة غيره، فعند هذه الاعتقادات الثلاثة يحصل خلق الكبر وهذه العقيدة تنفخ فيه فيحصل في نفسه اعتداد وعزة وفرح وركون إلى ما اعتقد، وعز في نفسه بسبب ذلك فتلك العزة والهزة والركون إلى تلك العقيدة هو خلق الكبر. وقد كانت هذه الآية ونظائرها مثار اختلاف بين علماء أصول الفقه فيما تقتضيه دلالة الاستثناء من حكم يثبت للمستثنى فقال الجمهور: الاستثناء يقتضي اتصاف المستثنى بنقيض ما حكم به للمستثنى منه فلذلك كثر الاكتفاء بالاستثناء دون أن يتبع بذكر حكم معين للمستثنى سواء كان الكلام مثبتاً أو منفياً. ويظهر ذلك جلياً في كلمة الشهادة لا إلٰه إلا الله فإنه لولا إفادة الاستثناء أن المستثنى يثبت له نقيض ما حكم به للمستثنى منه لكانت كلمة الشهادة غير مفيدة سوى نفي الإلٰهية عما عدا الله فتكون إفادتها الوحدانية لله بالالتزام. وقال أبو حنيفة الاستثناء من كلام منفي يُثبت للمستثنَى نقيضَ ما حكم به للمستثنى منه، والاستثناء من كلام مثبت لا يفيد إلا أن المستثنى يثبت له نقيض الحكم لا نقيض المحكوم به، فالمستثنى بمنزلة المسكوت عن وصفه، فعند الجمهور المستثنى مخرج من الوصف المحكوم به للمستثنى منه وعند أبي حنيفة المستثنى مخرج من الحكم عليه فهو كالمسكوت عنه. وسوى المتأخرون من الحنفية بين الاستثناء من كلام منفي والاستثناء من كلام مثبت في أن كليهما لا يفيد المستثنى الاتصاف بنقيض المحكوم به للمستثنى منه وهذا رأي ضعيف لا تساعده اللغة ولا موارد استعماله في الشريعة. فعلى رأي الجمهور تكون جملة {أبى واستكبر} استئنافاً بيانياً، وعلى رأي الحنفية تكون بياناً للإجمال الذي اقتضاه الاستثناء ولا تنهض منها حجة تقطع الجدال بين الفريقين. وجملة {وكان من الكافرين} معطوف على الجمل المستأنفة، و(كان) لا تفيد إلا أنه اتصف بالكفر في زمن مضى قبل زمن نزول الآية، وليس المعنى أنه اتصف به قبل امتناعه من السجود لآدم، وقد تحير أكثر المفسرين في بيان معنى الآية من جهة حملهم فعل (كان) على الدلالة على الاتصاف بالكفر فيما مضى عن وقت الامتناع من السجود، ومن البديهي أنه لم يكن يومئذ فريق يوصف بالكافرين فاحتاجوا أن يتمحلوا بأن إبليس كان من الكافرين أي في علم الله، وتمحل بعضهم بأن إبليس كان مظهراً الطاعة مبطناً الكفر نفاقاً، والله مطلع على باطنه ولكنه لم يخبر به الملائكة وجعلوا هذا الاطلاع عليه مما أشار إليه قوله تعالى: {أية : إني أعلم ما لا تعلمون}تفسير : [البقرة: 30] وكل ذلك تمحل لا داعي إليه لما علمت من أن فعل المضي يفيد مضى الفعل قبل وقت التكلم، وأمثلهم طريقة الذين جعلوا كان بمعنى صار فإنه استعمال من استعمال فعل كان قال تعالى: {أية : وحال بينهما الموج فكان من المغرقين}تفسير : [هود: 43] وقال: {أية : وبست الجبال بساً فكانت هباء منبثاً}تفسير : [الواقعة: 5،6] وقول ابن أحمر:شعر : بتيهاء قفر والمطي كأنها قطا الحزن قد كانت فراخاً بيوضها تفسير : أي صار كافراً بعدم السجود لأن امتناعه نشأ عن استكباره على الله واعتقاد أن ما أمر به غير جار على حق الحكمة وقد علمت أن الانقلاب الذي عرض لإبليس في جبلته كان انقلاب استخفاف بحكمة الله تعالى فلذلك صار به كافراً صراحاً. والذي أراه أحسن الوجوه في معنى {وكان من الكافرين} أن مقتضى الظاهر أن يقول وكفر كما قال: {أبى واستكبر} فعدل عن مقتضى الظاهر إلى {وكان من الكافرين} لدلالة (كان) في مثل هذا الاستعمال على رسوخ معنى الخبر في اسمها، والمعنى أبى واستكبر وكفر كفراً عميقاً في نفسه وهذا كقوله تعالى: {أية : فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين}تفسير : [الأعراف: 83]، وكقوله تعالى: {أية : ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون}تفسير : [النمل: 41] دون أن يقول أم لا تهتدي لأنها إذا رأت آية تنكير عرشها ولم تهتد كانت راسخة في الاتصاف بعدم الاهتداء، وأما الإتيان بخبر {كان من الكافرين} دون أن يقول وكان كافراً فلأن إثبات الوصف لموصوف بعنوان كون الموصوف واحداً من جماعة تثبت لهم ذلك الوصف أدل على شدة تمكن الوصف منه مما لو أثبت له الوصف وحده بناء على أن الواحد يزداد تمسكاً بفعله إذا كان قد شاركه فيه جماعة لأنه بمقدار ما يرى من كثرة المتلبسين بمثل فعله تبعد نفسه عن التردد في سداد عملها وعليه جاء قوله تعالى: {أية : أصدقت أم كنت من الكاذبين}تفسير : [النمل: 27] وقوله الذي ذكرناه آنفاً {أم تكون من الذين لا يهتدون} وهو دليل كنائي واستعمال بلاغي جرى عليه نظم الآية وإن لم يكن يومئذ جمع من الكافرين بل كان إبليس وحيداً في الكفر. وهذا منزع انتزعه من تتبع موارد مثل هذا التركيب في هاتين الخصوصيتين خصوصية زيادة (كان) وخصوصية إثبات الوصف لموصوف بعنوان أنه واحد من جماعة موصوفين به وسيجيء ذلك قريباً عند قوله تعالى: {أية : واركعوا مع الراكعين}تفسير : [البقرة: 43]. وإذ لم يكن في زمن امتناع إبليس من السجود جمع من الكافرين كان قوله: {وكان من الكافرين} جارياً على المتعارف في أمثال هذا الإخبار الكنائي. وفي هذا العدول عن مقتضى الظاهر مراعاة لما تقتضيه حروف الفاصلة أيضاً، وقد رتبت الأخبار الثلاثة في الذكر على حسب ترتيب مفهوماتها في الوجود وذلك هو الأصل في الإنشاء أن يكون ترتيب الكلام مطابقاً لترتيب مدلولات جمله كقوله تعالى: {أية : ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب}تفسير : [هود: 77] وقد أشرت إلى ذلك في كتابي «أصول الإنشاء والخطابة».

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآدَمَ}. لم يبين هنا هل قال لهم ذلك قبل خلق آدم أَو بعد خلقه؟ وقد صرح في سورة الحجر وص بأنه قال لهم ذلك قبل خلق آدم، فقال في الحجر: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [الحجر: 28-29]، وقال في سورة ص: {أية : إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} تفسير : [ص: 71-72]. قوله تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ}. لم يبين هنا موجب استكباره في زعمه، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله: {أية : قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف: 12]، وقوله: {أية : قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} تفسير : [الحجر: 33]. تنبيه: مثل قياس إبليس نفسه على عنصره، الذي هو النار، وقياسه آدم على عنصره، الذي هو الطين، واستنتاجه من ذلك أنه خير من آدم. ولا ينبغي أن يؤمر بالسجود لمن هو خير منه، مع وجود النص الصريح الذي هو قوله تعالى: {ٱسْجُدُواْ لآدَمَ} يسمى في اصطلاح الأصوليين فاسد الاعتبار. وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: شعر : والخلف للنص أو إجماع دعا فساد الاعتبار كل من وعى تفسير : فكل من رد نصوص الوحي بالأقيسة فسَلَفُه في ذلك إبليس، وقياس إبليس هذا لعنه الله باطل من ثلاثة أوجه: الأول: أنه فاسد الاعتبار. لمخالفة النص الصريح كما تقدم قريباً. الثاني: أنا لا نسلم أن النار خير من الطين، بل الطين خير من النار. لأن طبيعتها الخفة والطيش والإفساد والتفريق، وطبيعته الرزانة والإصلاح فتودعه الحبة فيعطيكها سنبلة والنواة فيعطيكها نخلة. وإذا أردت أن تعرف قدر الطين فانظر إلى الرياض الناضرة وما فيها من الثمار اللذيذة، والأزهار الجميلة، والروائح الطيبة، تعلم أن الطين خير من النار. الثالث: أنا لو سلمنا تسليماً جدلياً أن النار خير من الطين: فإنه لا يلزم من ذلك أن إبليس خير من آدم. لأن شرف الأصل لا يقتضي شرف الفرع، بل قد يكون الأصل رفيعاً والفرع وضيعاً، كما قال الشاعر: شعر : إذا افتخرت بآباء لهم شرف قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا تفسير : وقال الآخر: شعر : وما ينفع الأصل من هاشمٍ إذا كانت النفس من باهله

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: اسجدوا: السجود هو وضع الجبهة والأنف على الأرض، وقد يكون بانحناء الرأس دون وضعه على الأرض لكن مع تذلل وخضوع. إبليس: قيل كان اسمه الحارث ولما تكبر عن طاعة الله أبلسه الله أي أيأسه من كل خير ومسخه شيطاناً. أبى: امتنع ورفض السجود لآدم. استكبر: تعاظم في نفسه فمنعه الإستكبار والحسد من الطاعة بالسجود لآدم. الكافرين: جمع كافر. من كذب بالله تعالى أو كذب بشيء من آياته أو بواحد من رسله أو أنكر طاعته. معنى الآية: يذكّر تعالى عبادَه بعلمه وحكمته وإفضاله عليهم بقوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ...} سجود تحية وإكرام فسجدوا إلا إبليس تعاظم في نفسه وامتنع عن السجود الذي هو طاعة الله، وتحية آدم. تكبراً وحسداً لآدم في شرفه فكان بامتناعه عن طاعة الله من الكافرين الفاسقين عن أمر الله، الأمر الذي استوجب إبلاسه وطرده. هداية الآية: من هداية الآية: 1- التذكير بإفضال الله الأمر الذي يوجب الشكر ويرغب فيه. 2- التحذير من الكبر والحسد حيث كانا سبب إبلاس الشيطان، وامتناع اليهود من قبول الإسلام. 3- تقرير عداوة إبليس، والتنبيه إلى أنه عدوّ تجب عداوته أبداً. 4- التنبيه إلى أن من المعاصي ما يكون كفراً أو يقود إلى الكفر.

د. أسعد حومد

تفسير : {لِلْمَلاَئِكَةِ} {ٱلْكَافِرِينَ} {لأَدَمََ} (34) بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَ اللهُ تَعَالَى المَلاَئِكَةَ بِمَكَانَةِ آدَمَ، وَأَنَّهُ جَعَلَهُ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ، أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَسْجُدُوا لآدَمَ سُجُودَ خُضُوعٍ لاَ سُجُودَ عِبَادَةٍ، تَكْرِيماً لَهُ، وَاعْتِرافاً بِفَضْلِهِ، وَاعْتِذاراً عَمَّا قَالُوهُ في شَأْنِهِ، فَسَجَدُوا، إِلا إِبليسَ فَقَدْ دَاخَلَهُ الحَسَدُ وَالكِبْرُ مِمَّا امْتَنَّ اللهُ بِهِ عَلَى آدَمَ مِنَ الكَرَامَةِ، فَأَبى أَنْ يَسْجُدَ، وَصَارَ مِنَ الكَافِرِينَ بِعِصْيَانِهِ أَمْرَ اللهِ. (وَهُنَاكَ مُفَسِّرُونَ يَرَوْنَ أَنَّ الأَرْضَ كَانَ يَعْمُرُها، قَبْلَ آدَم وَذُرِّيَّتِهِ، خَلْقٌ آخرونَ انْقَرَضُوا بَعْدَ أَنْ أَفْسَدُوا فِي الأَرْضِ، وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، فَأَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُحِلَّ آدَمَ وَذُرِّيَّتَهُ مَحَلَّ أُولئِكَ الخَلْقِ. وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى ذلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالى، بَعْدَ ذِكْرِ هَلاَكِ القُرُونِ: {أية : ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ مِن بَعْدِهِم }. تفسير : وَمِنْ سُؤَالِ المَلاَئِكَةِ للهِ: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ}تفسير : قِيَاساً عَلَى مَنْ كَانَ فِي الأَرْضِ قَبْلَ آدَمَ مِنَ المَخْلُوقَاتِ التِي سَفَكَتِ الدِّمَاءَ. (وَهُنَاكَ مُفَسِّرُونَ آخَرُونَ يَرَوْنَ أَنَّ المُرادَ بالخِلاَفَةِ، الخِلاَفَةُ عَنِ اللهِ في تَنْفِيدِ أَوَامِرِهِ بَينَ النَّاسِ، وَهذا الاسْتِخْلاَفُ يِشْمَلُ اسْتِخْلاَفَ بَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ بِأَنْ يُوحِيَ بِشَرَائِعِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ أُنَاسٍ مِنْهُمْ، يَصْطَفِيهِمْ لِيَكُونُوا خُلَفَاءَ عَنْهُ). اسْتَكْبَرَ - أَظْهَرَ الكِبْرَ وَالتَّرَفُّعَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أصدر الله تعالى أمره للملائكة ليسجدوا لآدم. وهذه القضية أخذت جدلاً طويلاً. قال بعض الناس: كيف يسجد الملائكة لغير الله؟ والسجود لا يكون إلاَّ لله وحده. وقال آخرون: هل معنى سجود الملائكة لآدم أنهم عبدوه؟ وقالت فئة أخرى: السجود لغير الله لا يجوز تحت أي ظرف من الظروف. نقول لهؤلاء: إنكم لم تدركوا المعنى، فالله سبحانه وتعالى بعد أن مَيَّزَ آدم على الملائكة بعلم الأسماء، طلب منهم أن يسجدوا لآدم، وهنا لابد أن نعرف أن السجود لآدم هو إطاعة لأمر الله، وليست عبادة لآدم. فالله سبحانه وتعالى هو الذي أمر الملائكة بالسجود. ولم يأمرهم بذلك آدم. ولا يحق له أن يأمرهم، فالأمر بالسجود هنا من الله سبحانه وتعالى، مَنْ أطاعه كان عابداً. ومَنْ لم يطعه كان عاصياً. ومَنْ رَدَّ الأمر على الآمر كان كافراً. ولكي نفهم معنى العبادة نقول: إن العبادة هي طاعة أوامر الله، واجتناب نواهيه. فما قال لي الله: افعل. فإني أفعل. وما قال: لا تفعل. فإنني لا أفعل .. لأن العبادة هي طاعة مخلوق لخالقه في أوامره ونواهيه؛ ولذلك عندما نذهب إلى الحج فإننا نُقبِّل الحجر الأسود في الكعبة، ونرجم الحجر الذي يمثل إبليس في مِنَى. نقبل حجراً ونرجم حجراً. هذا هو معنى عبادة الله واتباع منهجه. كما أمرنا نفعل. لا شيء مقدس عندنا إلا أمر الله ومنهجه. الملائكة هنا لم يسجدوا لآدم، ولكنهم سجدوا لأوامر الله بالسجود لآدم. وفرق كبير بين السجود لشيء، وبين السجود لأمر الله. السجود لأمر الله سبحانه وتعالى لا يعتبر خروجاً على المنهج، لأن الأساس هو طاعة الله. وهل سجد كل الملائكة لآدم؟ لا. وإنما سجد لآدم الملائكة الذين لهم مهمة معه، وتلك المهمة قد بَيَّنَها الله سبحانه وتعالى في قوله: {أية : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} تفسير : [الانفطار: 10-12]. وقوله سبحانه: {أية : مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} تفسير : [ق: 18]. وقوله سبحانه: {أية : فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} تفسير : [النازعات: 5]. إذن: هناك مِن الملائكة مَنْ سيسجل على الإنسان أعماله، وكل قول يقوله وكل فعل يفعله. بل ويكتبون هذه الأفعال. ومنهم مَنْ يحفظه من الشياطين، ومنهم مَنْ ينفذ أقدار الله في الأرض. هؤلاء جميعاً لهم مهمة مع الإنسان، ولكن الأمر بالسجود لم يشمل أولئك الملائكة العالين من حملة العرش وحراس السماء وغيرهم ممن ليست لهم مهمة مع الإنسان. ولذلك عندما رفض إبليس السجود، قال له الله تعالى: {أية : قَالَ يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} تفسير : [ص: 75]. قوله تعالى: "كنت من العالين" أي: أنك كنت من الملائكة العالين .. الذين لم يشملهم أمر السجود. إذن: فأمر السجود لآدم .. كأمر الله لنا بالسجود إلى القبلة في الصلاة، فنحن لا نسجد للقبلة ذاتها .. ولكننا نسجد لأمر الله بالسجود إلى القبلة .. سجد الملائكة الذين شملهم أمر السجود لأمر الله سبحانه وتعالى .. ولكن إبليس رفض أن يسجد، وعصى أمر الله. بعض الناس يقولون: إن إبليس لم يكن من الذين أمرهم الله تعالى بالسجود. لأن الأمر شمل الملائكة وحدهم .. وإبليس ليس ملكاً. ولكنه من الجن. كما يروي لنا القرآن الكريم في قوله تعالى: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ..} تفسير : [الكهف: 50]. ونقول: إن كون إبليس من الجن هو الذي جعله يعصي أمر الله بالسجود، فلو أن إبليس كان من الملائكة - وهم مقهورون على الطاعة - كان لابد أن يطيع أمر الله ويسجد، ولكن كونه من الجن الذين لهم اختيار في أن يطيعوا وأن يعصوا؛ فذلك الذي مَكَّنه أن يعصي أمر السجود؛ ولذلك فإن الذين يأخذون من الآية الكريمة أن إبليس كان من الجن، بأنه لم يشمله أمر السجود، نقول لهم: إن الحق سبحانه وتعالى قد أخبرنا عن جنس إبليس حتى نفهم من أي باب إلى المعصية دخل .. ذلك أنه دخل من باب الاختيار الممنوح للإنس والجن في الحياة الدنيا وحدها، ولو أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون إبليس مقهوراً على الطاعة ما كان يستطيع أن يعصي، ولكن معصيته جاءت من أنه خُلِق مختاراً .. والاختيار هو الباب الذي دخل منه إلى المعصية. هذه حقيقة يجب أن نفهمها؛ ولذلك يرد الحق سبحانه وتعالى على كل مَنْ سيخطر بباله أن أمر السجود لم يشمل إبليس لكونه من الجن، لقوله سبحانه وتعالى: {أية : قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ..} تفسير : [الأعراف: 12]. وكان كفر إبليس وخلوده في النار أنه ردَّ الأمر على الآمر، وقال: {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [الإسراء: 61]. وقد كان وجود إبليس مع الأعلى منه، وهم الملائكة، مبررا أكبر للسجود؛ فما دام قد صدر الأمر إلى الأعلى بالسجود، فإنه ينطبق على الأدنى. وقد كان إبليس كما جاء في الأثر يُسمَّى طاووس الملائكة .. وكان يزهو بخيلاء بينهم .. وهذه الخيلاء أو الكِبْر هو الذي جعله يقع في المعصية، ولأن إبليس خُلِق مختاراً، فقد كان مزهواً باختياره لطاعة الله .. قبل أن يقوده غروره إلى الكفر والمعصية، ولذلك لم يكد يصدر الأمر من الله بالسجود لآدم، حتى امتنع إبليس تكبراً منه .. ولم يجاهد نفسه على طاعة الله .. فمعصية إبليس هي معصية في القمة؛ لأنه ردَّ الأمر على الآمر، وظن أنه خير من آدم .. ولم يلتزم بطاعة الله، ومضى غروره يقوده من معصية إلى أخرى؛ فطرده الله من رحمته وجعله رجيماً. ولما عرف إبليس أنه طُرِد من رحمة الله طلب من الله سبحانه وتعالى أن يُبقيه إلى يوم الدين، وأقسم إبليس بعزة الله أن يُغري بني آدم .. وحدَّد الأماكن التي يأتي منها الإغواء، فقال: {أية : ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 17]. نلاحظ هنا أن الجهات بالنسبة للإنسان ستة: اليمين والشمال، والأمام والخلف وأعلى وأسفل، ولكن إبليس لم يذكر إلا أربعة فقط. أما الجهتان الأخيرتان وهما الأعلى والأسفل، فلا يستطيع إبليس أن يقترب منهما. أما الأسفل فهو مكان السجود والخضوع لله. وأما الأعلى فهو مكان صعود الصلاة والدعاء. وهذان المكانان لا يستطيع إبليس أن يقترب منهما. وهكذا نرى أن إبليس لم يمتنع عن السجود فقط. وإنما رد الأمر على الآمر، وهذا أول الكفر، ثم بعد ذلك مضى في غَيِّه، فتوعَّد آدم وذريته بأن يُضِلَّهم عن سبيل الله.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: أشارت الآيات السابقة إِلى أن الله تعالى خصّ آدم عليه السلام بالخلافة، كما خصّه بعلم غزير وقفت الملائكة عاجزة عنه، وأضافت هذه الآيات الكريمة بيان نوع آخر من التكريم أكرمه الله به ألا وهو أمر الملائكة بالسجود له، وذلك من أظهر وجوه التشريف والتكريم لهذا النوع الإِنساني ممثلاً في أصل البشرية آدم عليه السلام. اللغَة: {ٱسْجُدُواْ} أصل السجود: الانحناء لمن يُسجد له والتعظيم، وهو في اللغة: التذلل والخضوع، وفي الشرع: وضع الجبهة على الأرض {إِبْلِيسَ} اسم للشيطان وهو أعجمي، وقيل إِنه مشتق من الإِبلاس وهو الإِياس {أَبَىٰ} امتنع، والإِباء: الامتناع مع التمكن من الفعل {وَٱسْتَكْبَرَ} الاستكبار: التكبر والتعاظم في النفس {رَغَداً} واسعاً كثيراً لا عناء فيه، والرغد: سعة العيش، يقال: رغد عيش القوم إِذا كانوا في رزقٍ واسع قال الشاعر: شعر : بينما المرء تراه ناعماً يأمن الأحداث في عيشٍ رغد تفسير : {فَأَزَلَّهُمَا} أصله من الزلل وهو عثور القدم يقال: زلت قدمه أي زلقت ثم استعمل في ارتكاب الخطيئة مجازاً يقال: زلّ الرجل إِذا أخطأ وأتى ما ليس له إِتيانه، وأزله غيره: إِذا سبّب له ذلك {مُسْتَقَرٌّ} موضع استقرار {وَمَتَاعٌ} المتاع ما يتمتع به من المأكول والمشروب والملبوس ونحوه {فَتَلَقَّىٰ} التلقي في الأصل: الاستقبال تقول خرجنا نتلقى الحجيج أي نستقبلهم، ثم استعمل في أخذ الشيء وقبوله تقول: تلقيت رسالة من فلان أي أخذتها وقبلتها {فَتَابَ} التوبة في أصل اللغة الرجوع، وإِذا عديت بعن كان معناها الرجوع عن المعصية، وإِذا عديت بعلى كان معناها قبول التوبة. التفسِير: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ} أي اذكر يا محمد لقومك حين قلنا للملائكة {ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} أي سجود تحية وتعظيم لا سجود عبادة {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ} أي سجدوا جميعاً له غير إبليس {أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ} أي امتنع مما أمر به وتكبر عنه {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} أي صار بإبائه واستكباره من الكافرين حيث استقبح أمر الله بالسجود لآدم {وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} أي اسكن في جنة الخلد مع زوجك حواء {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} أي كلا من ثمار الجنة أكلاً رغداً واسعاً {حَيْثُ شِئْتُمَا} أي من أي مكان في الجنة أردتما الأكل فيه {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} أي لا تأكلا من هذه الشجرة قال ابن عباس: هي الكرمة {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} أي فتصيرا من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا} أي أوقعهما في الزلة بسببها وأغواهما بالأكل منها هذا إِذا كان الضمير عائداً إِلى الشجرة، أما إِذا كان عائداً إِلى الجنة فيكون المعنى أبعدهما وحوّلهما من الجنة {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} أي من نعيم الجنة {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ} أي اهبطوا من الجنة إِلى الأرض والخطاب لآدم وحواء وإِبليس {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} أي الشيطان عدوٌ لكم فكونوا أعداء له كقوله {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} تفسير : [فاطر: 6] {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} أي لكم في الدنيا موضع استقرار بالإِقامة فيها {وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} أي تمتع بنعيمها إِلى وقت انقضاء آجالكم {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} أي استقبل آدم دعواتٍ من ربه ألهمه إِياها فدعاه بها وهذه الكلمات مفسّرة في موطن آخر في سورة الأعراف {أية : قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} تفسير : [الآية: 23] الآية {فَتَابَ عَلَيْهِ} أي قبل ربه توبته {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} أي إِن الله كثير القبول للتوبة، واسع الرحمة للعباد {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً} كرر الأمر بالهبوط للتأكيد ولبيان أنَّ إِقامة آدم وذريته في الأرض لا في الجنة {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} أي رسول أبعثه لكم، وكتاب أنزله عليكم {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} أي من آمن بي وعمل بطاعتي {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي لا ينالهم خوف ولا حزن في الآخرة {وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} أي جحدوا بما أنزلت وبما أرسلت {أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أي هم مخلدون في الجحيم أعاذنا الله منها. البَلاَغَة: أولاً: صيغة الجمع {وَإِذْ قُلْنَا} للتعظيم، وهي معطوفة على قوله {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} تفسير : [البقرة: 30] وفيه التفات من الغائب إِلى المتكلم لتربية المهابة وإظهار الجلالة. ثانياً: أفادت الفاء في قوله {فَسَجَدُواْ} أنهم سارعوا في الامتثال ولم يتثبطوا فيه، وفي الآية إِيجاز بالحذف أي فسجدوا له وكذلك {أَبَىٰ} مفعوله محذوف أي أبى السجود. ثالثاً: قوله {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} المنهي عنه هو الأكل من ثمار الشجرة، وتعليق النهي بالقرب منها {وَلاَ تَقْرَبَا} لقصد المبالغة في النهي عن الأكل، إذ النهي عن القرب نهي عن الفعل بطريق أبلغ كقوله تعالى {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ} تفسير : [الإسراء: 32] فنهى عن القرب من الزنى ليقطع الوسيلة إِلى ارتكابه. رابعاً: التعبير بقوله {مِمَّا كَانَا فِيهِ} أبلغ في الدلالة على فخامة الخيرات مما لو قيل: من النعيم أو الجنة، فإن من أساليب البلاغة في الدلالة على عظم الشيء أن يعبّر عنه بلفظ مبهم نحو {مِمَّا كَانَا فِيهِ} لتذهب نفس السامع في تصور عظمته وكماله إِلى أقصى ما يمكنها أن تذهب إِليه. خامساً: {ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} من صيغ المبالغة أي كثير التوبة واسع الرحمة. الفوَائِد: الأولى: كيف يصح السجود لغير الله؟ والجواب أن سجود الملائكة لآدم كان للتحية وكان سجود تعظيم وتكريم لا سجود صلاةٍ وعبادة، قال الزمخشري: السجود لله تعالى على سبيل العبادة، ولغيره على وجه التكرمة كما سجدت الملائكة لآدم، ويعقوب وأبناؤه ليوسف. الثانية: قال بعض العارفين: سابق العناية لا يؤثر فيه حدوث الجناية، ولا يحط عن رتبة الولاية، فمخالفة آدم التي أوجبت له الإِخراج من دار الكرامة لم تخرجه عن حظيرة القدس، ولم تسلبه رتبة الخلافة، بل أجزل الله له في العطية فقال {أية : ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ} تفسير : [طه: 122] وقال الشاعر: شعر : وإِذا الحبيبُ أتى بذنبٍ واحدٍ جاءت محاسنه بألف شفيع تفسير : الثالثة: هل كان إِبليس من الملائكة؟ الجواب: اختلف المفسرون على قولين: ذهب بعضهم إِلى أنه من الملائكة بدليل الاستثناء {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ} وقال آخرون: الاستثناء منقطع وإِبليس من الجن وليس من الملائكة وإِليه ذهب الحسن وقتادة واختاره الزمخشري، قال الحسن البصري: لم يكن إِبليس من الملائكة طرفة عين، ونحن نرجح القول الثاني للأدلة الآتية: 1 - الملائكة منزهون عن المعصية {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ} تفسير : [التحريم: 6] وإِبليس قد عصى أمر ربه 2- الملائكة خلقت من نور وإِبليس خلق من نار فطبيعتهما مختلفة 3 - الملائكة لا ذرية لهم وإِبليس له ذرية {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي} تفسير : [الكهف: 50]؟ 4 - النص الصريح الواضح في سورة الكهف على أنه من الجن وهو قوله تعالى {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} تفسير : [الآية: 50] وكفى به حجة وبرهاناً.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} اي اجْعلوهُ قِبلةً والسُّجودُ لله تَعالى. ويقالُ: سجدَةُ تَحيةٍ. ويقالُ: سجدةُ عِبادةٍ. والسُّجودُ: الخِضوعُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ} أي تَعظَّمَ، وسُمي بذلكَ لأنهُ أَيسَ مِن الرَّحمةِ لِعتوهِ وكُفرهِ.

الأندلسي

تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا} قيل إذ زائدة أو معطوفة على إذ في وإذ قال وقيل: منصوبة باذكر وقيل بأبي واختار أن العامل محذوف تقديره انقادوا فسجدوا لأن السجود كان ناشئاً عن الانقياد وفي قلنا خروج عن ضمير المتكلم المفرد إلى ضمير الجمع أو المعظم نفسه وناسبت النون الآمر لأنه في غاية التعظيم والتعظيم ادعى لامتثال الأمر من غير بطىء ولا تأوّل ولذلك نظائر. وقلنا يا آدم اسكن وقلنا يا نوح اهبط، قلنا يا نار كوني، وقلنا لبني إسرائيل اسكنوا، وقلنا لهم ادخلوا، والخلاف في الملائكة أهو عام أم الذين في الأرض كهو في وإذ قال ربك للملائكة. وقرىء {لِلْمَلَٰئِكَة ٱسْجُدُواْ} بضم التاء وغلطت هذه القراءة وخطئت ونقل انها لغة لا زد شنوءة، وهذا الضم اتباع لضمة جيم اسجدوا، واسجدوا أمر بالسجود أمر تكليف وفهموا منه أنه على الفور وظاهر السجود وضع الجبهة وانه كان "لآدم" تكرمة له وقيل لله تعالى ونصبه قبْله فالمعنى إلى آدم واللام في لآدم للتبيين. {فَسَجَدُواْ}. أي له. {إِلاَّ إِبْلِيسَ} استثناء من واجب فيرجح النصب وهو متصل عند الجمهور وامتنع إبليس من الصرف للعلمية والعجمة ومن جعله مشتقاً. قال: وشبه العجمة لكونه لم يسم به أحد من العرب فصار خاصاً بمن أطلقه الله تعالى عليه وكأنه دخيل في لسانهم وهو علم مرتجل والظاهر أنه مندرج في الملائكة فهو منهم ولذلك ترتب الذم له والطرد. وقيل: هو استثناء منقطع وأنه أبو الجن كما أن آدم أبو البشر. {أَبَىٰ} امتنع وأنف من السجود. {وَٱسْتَكْبَرَ} تعاظم في نفسه واحتقر من أُمِر بالسجود له والاستكبار من أفعال القلوب وقدم الآباء عليه وإن كان أول لأن الآباء هو الظاهر وهو ناشىء عن الاستكبار ولما كان الاستناد إلا على أن إبليس ترك السجود ذكر سبب امتناعه من السجود فكأنه قيل: وما له لِمَ لمْ يسجد؟ فقيل: أبى. ومفعوله محذوف أي أبى السجود وأبى فعل واجب. ومعناه النفي، وأبى كذا، أبلغ من لم يفعل كذا، لأن النفي بلم قد يكون لعجز أو غيره وأبى يدل على الامتناع والانفة وإن كان متمكناً من فعل الشيء. {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ} أي كان في علم الله ممن سيكفر أو وصار من الكافرين ولا تدل صلة أل على أنه سبقه كفار في الأرض. ولما شرف تعالى آدم برتبة العلم وإسجاد الملائكة امتنّ عليه بإِسكان الجنة التي هي دار النعيم وأسكن من السكون. {وَقُلْنَا} معطوف على وإذ قلنا لا على ما بعد إذ. وفائدة النداء تنبيه المأمور لما يلقى إليه من الأمر واسكن وما بعده مشتمل على إباحة وهو الأمر بالسكنى والاذن في الأكل وتكليف وهو النهي الوارد ويدل وزوجك على وجودها زوجة له. قيل: الأمر بالسكنى واللغة الفصيحة زوج وقالوا: زوجة وزوجك معطوف على الضمير المتصل المستكن في أسكن المؤكد بانت ودعوى أنه من عطف الجمل والتقدير وليسكن زوجك ليست بصحيحة. والجنة: دار الثواب. وقيل: كانت في الأرض. {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} أي واسعاً كثيراً لا عناء فيه وتميم تسكن غين رغدا وقرىء به. و{حَيْثُ} ظرف مكان أذن لهما في الأكل في أي ناحية منها أرادا. وقول ابن عطية: ان النون حذفت من كلا للأمر لا يجوز إلا على مذهب الكوفيين، إذ يعتقدون أنه مجزوم بلام الأمر إذ أصله عندهم لتأكلا. {وَلاَ تَقْرَبَا} مبالغة في النهي عن الأكل لأن النهي عن قربان الشيء أكد من النهي عن الشيء وان كان المعنى لا تقربا. {هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} بالأكل لأن المأذون فيه هو الأكل وقرىء ولا تقربا - بكسر التاء -. وهذه: إشارة للحاضر القريب من المخاطب وقرىء هذه والشجرة نعت أو عطف بيان ويظهر أنها شجرة معينة من الجنس المعلوم وقيل الاشارة إلى جنس من الشجر معلوم ولهم في تعيين أي شجرة هي أقوال: وقرىء الشجرة - بكسر الشين، وبإِبدال الجيم ياءً وكسر الشين - وتصغّر على هذه اللغة شييرة. {فَتَكُونَا} منصوب على جواب النهي وأجازوا أن يكون مجزوماً عطفاً على المجزوم ولا يدل العطف على السببية بخلاف النصب. {مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ} لأنفسهما بمخالفة النهي ودل ذلك على أن النهي نهي تحريم. {فَأَزَلَّهُمَا} أزل من الزلل، وهو عثور القدم. يقال منه: زلت قدمه وأزال من الزوال وهو التنحية. وقرىء فازالهما. و{ٱلشَّيْطَانُ} هنا إبليس بلا خلاف وذكروا في كيفية محادثة إبليس وأين كان منه اضطراباً. وقد قص الله تعالى ذلك مستوفى في سورة الأعراف وغيرها فيعتمد ذلك. والضمير في عنها عائد على الجنة قيل أو الشجرة أي أصدر زلتهما عن الشجرة: وعن: للتسبيب، كقوله: {أية : إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ}تفسير : [التوبة: 114]، والأول أظهر لقراءة فازالهما إذ يبعد فأزالهما عن الشجرة. {مِمَّا كَانَا فِيهِ} من نعيم الجنة إلى شقاء الدنيا - والهبوط الخروج والدخول من الأضداد والمضارع يهبط - بكسر الباء وضمها - وقرىء: اهبطوا - بضم الباء وقيل: قوله: {فَأَزَلَّهُمَا} جملة محذوفة، أي فأكلا من الشجرة ولما كان الأمر بالهبوط من الجنة فيه إنحطاط المنزلة لم يناده بخلاف ويا آدم اسكن واهبطوا أمر لجماعة آدم وحوّاء. قيل: وإبليس. وقيل: هما والحية أو هما فقط. لأن التثنية جمع في المعنى. ولقوله: {أية : قَالَ ٱهْبِطَا} تفسير : [طه: 123]. وقيل: هما وذريتهما، واندرجوا في الخطاب وإن لم يكونوا موجودين تغليباً للموجود والظاهر أنه هبوط واحد إلى الأرض لا هبوط إلى سماء الدنيا ثم هبوط إلى الأرض. وقالوا: هبطت حوّاء بجدة، وآدم عليه السلام بسرنديب بواد يقال له واشم، والحية بسجستان. وهي أكثر بلاد الله حيات. و{ٱهْبِطُواْ} أمر تكليف وإزعاج. والعداوة تفسر تفسير الضمير في اهبطوا. والجملة حال أي متعادين وليس خلوها من الواو شاذاً خلافاً للفراء وتبعه الزمخشري وليست حالاً منتقلة بل لازمة إذ لا ينفك وقوع الفعل إلا ملتبساً بها. وقال مكي: جملة مستأنفة إخبار من الله تعالى بأن بعضهم لبعض عدو وتخيل أن الحال بعد الأمر يقتضي أن يكون مأموراً بها ومستقر مكان استقرار أو استقرار وهو من القرار وهو اللبث والاقامة. {وَلَكُمْ} هو الخبر. و{فِي ٱلأَرْضِ} متعلق بما تعلق به الخبر وتقديمه مسوغ الجوز الابتداء بالنكرة ولا يتعلق لكم بمستقر سواء أكان مكاناً أو مصدراً ولا يجوز أن يكون في الأرض حالاً والعامل فيه العامل في الخبر ولا أن يكون خبراً ولكم حال لامتناع: في الدار قائماً زيد على الصحيح، وامتناع قائماً في الدار زيد بإِجماع. و{إِلَىٰ حِينٍ} أي إلى أجل أو إلى قيام الساعة وفيه دليل على عدم البقاء في الأرض ويتعلق بمتاع بمحذوف صفة لمتاع أوله ولمستقر وأفرد عدوّ على لفظ بعض أو لكونه يصلح للجمع.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر بقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} [البقرة: 34]، والإشارة في تحقيق الآية أن في قوله {ٱسْجُدُواْ} ثلاثة معان: أحدهما: إنكم تسجدون لله بالطبيعة الملكية والروحانية {ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} [البقرة: 34]، خلافاً للطبيعة بل تعبدوا رقاً وانقياداً للأمر وامتثالاً للحكم. والثاني: {ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} [البقرة: 34]، تعظيماً لشأن خلافته وتكريماً لفضيلته المخصوصة به، وذلك لأن الحق تعالى يتجلى فيه، فمن يسجد له فقد سجد لله تعالى، كما قال تعالى في حق حبيبة صلى الله عليه وسلم: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ}تفسير : [الفتح: 10]. والثالث: {ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ} [البقرة: 34]، أي لأجل آدم عليه السلام وذلك لأن طاعتهم وعبادتهم ليست موجبة لثوابهم وترقي درجاتهم، وفائدتها على الحقيقة راجعة إلى الإنسان لمعنيين. أحدهما: إن الإنسان يقتدي بهم في الطاعة، ويتأدب بآدابهم في امتثال الأوامر، وينزجر عن الإباء والاستكبار كيلا يلحق به اللعن والطرد كما لحق بإبليس، ويكون مقبولاً ممدوحاً مكرماً كما كان الملائكة في امتثال الأمر؛ لقوله تعالى: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}تفسير : [التحريم: 6]، والثاني: إن الله تعالى من كمال فضله ورحمته مع الإنسان جعل همة الملائكة في الطاعة والتسبيح والتحميد مقصورة على استعداد المغفرة للإنسان، كما قال تعالى: {أية : وَٱلْمَلاَئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الشورى: 5]، فلذلك أمرهم بالسجود لأجلهم وليستغفر لهم {فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ} [البقرة: 34] أي: سجد الملائكة لأنهم خلقوا من نور، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : خلقت الملائكة من نور"تفسير : والنور من شأنه الانقياد والطاعة، {إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ} سجد وأبى لأنه خلق من النار والنار من شأنها الاستكبار وطلب العلو طبعاً {وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ} [البقرة: 34]، لأنه ستر الحق على آدم عليه السلام ولهذا أيضاً سمي إبليس؛ لأنه يلبس الحق وأصل الكفر الستر. ثم أخبر عن تمام نعمته على آدم وكرمه في حقه بعد سجود الملائكة وطرد إبليس لأجله لقوله: {وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} [البقرة: 35]، والإشارة في تحقيق الآية أن فيها إشارات ومعاني منها: {يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} [البقرة: 35] أي: بعد أن سجدت لك الملائكة ولعنت لأجلك إبليس جعلت الجنة مسكنك وجعلت منك زوجك ولتسكن إليها وتسكن معك الجنة، فأسكنا في الجنة {وَكُلاَ مِنْهَا} [البقرة: 35] أي: من أثمار أشجارها ونعمها وألوان أطعمها {رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35]، فتمت نعمتي لديكما ووجبت طاعتي عليكما {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} [البقرة: 35]، تقرباً التي وطاعة لي لتكونا من المطيعين لأمري ونهيي والموفين بعهدي، وإلا {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ} [البقرة: 35]، فلما قبلتما قولي وما أفيتما بعهدي وعصيتما أمري وظلمتما على أنفسكما، فهذا منكما من خصوصية الظلومية الجهولية ظلوم بأنه مظلم نفسه جهولاً بأنه لا يعلم أن ظلمة عائد إلى نفسه، كما قال تعالى: {أية : وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}تفسير : [البقرة: 57]. ومنها: أشارة بأن أبحت لك يا أدم نعيم الجنة وما كان فيها، وما كان لك فيها حق لأنك ما عملت عملاً تستحق به الجنة، فأعطني هذه الشجرة الواحدة منها وهي كلها لي وأن خلقتها، فإن لم تعطينها وتطمع فيها أيضاً، فاعلم {أية : إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ ٱلْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}تفسير : [العاديات: 6-8]. ومنها: لتعلم أن لك همة عالية لا يسعها الجنة بما فيها، فإني أوهبتك الجنة منفرداً وحيداً وأبحت لك نعيمها مع كثرة تنوعها دون شجرة واحدة، فما رضيت نفسك بها وما قنعت بها حتى تفرقت في تلك الشجرة، ولو كانت مكانها ألف جنة أخرى لم يكفها، وكانت جهنم حرصا تقول هل من مزيد ولا تملأ حتى يضيع الجبار فيها قدمه، فهنالك تمتلئ وتتردى بعضها إلى بعض وتقول: "قط قط" فافهم جدّاً. ومنها: إنه يشير بقوله تعالى: {يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} [البقرة: 35]، إلى أن الجنة مرتع النفس البهيمية الحيوانية، وغاية مطلبها وهمتها ونهاية نهمتها وشهوتها، ولكن فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35]، واقنعها بها واستريحا، ولا توقدا نارا الفتنة على أنفسكما، ولا تصبا من قرية الجنة ماء الجنة على رأسكما {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] أي: شجرة المحبة قد غرست لأجل آدم عليه السلام على الحقيقة؛ لقوله تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]، وإنما نهى عنها لمعنيين: أحدهما: للعزة والدلال المحبوبي، فإنها من ثمة الحزن وكمالية الجمال. وثانيهما: نهي التحريض والحث عليها، فإن الإنسان حريص على ما يمنع منه. نقل أن آدم عليه السلام ما أكل من الجنة شيء آخر إلا من هذه الشجرة، ولو لم ينه عنها لعله ما فرغ إليها من كثر أنواع المستلذات النفسانية، وكانت المحبة غذاء روحانياً قد كره منها، وحرضه عليها بنهيه عنها، وهذا كان كحال موسى عليه السلام، فلما أراد الله تعالى أن يشوقه إلى جماله ويبتليه ببلاء طلب الرؤية، وبفتح به هذا الباب على المحبين كلمه تكليما بلا واسطة جبريل عليه السلام لما أسكره بأقداح الكلام، وأذاقه لذة شراب السماع، وقربه اشتياقاً إلى جماله وطمع في رؤيته، ورجا وصاله، فلما طمع في رؤيته ألقى جلباب الحياء وقال: {أية : رَبِّ أَرِنِيۤ}تفسير : [الأعراف: 143]، ثم تروى برواة الكبرياء، وأتزر بإزار العظمة والعلاء وقال: {أية : لَن تَرَانِي}تفسير : [الأعراف: 143]، فكذلك حال آدم عليه السلام خلصه بيده، ونفخ فيه من روحه واسجد له ملائكته، وأسكنه الجنة في جواره وزوجه حواء حتى شاهد جمال الحق في مرآة كل جميل من جمال الله تعالى، وأنبت شجرة المحبة بين يديه ودلة عليه نهيه ومنعه عنها، وقال: {يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} [البقرة: 35]، إلى {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ} [البقرة: 35]، على أنفسكما باستجلاب محنة المحبة لأن المحبة والمحنة متلازمان، والبلاء والولاء توءمان، والجنة دار السلام والسلامة، فلما ذاقا الشجرة أخرجا من دار السلام فثبتا على زعم الحسود وبيننا حديث كطيب المسك شيب به الخمر، فلما أضاء الصبح فرق بيننا، وأتى نعيم لا تكدره الدهر. ثم أخبر عن ذلتهما بعد عزتهما بقوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 36]، والإشارة فيها أن آدم عليه السلام أصبح محمول الغناية، مسجود الملائكة، متوجاً بتاج الكرامة، ملبساً بلباس السعادة، في وسطه نطاق القربة، وفي جيده طوق الزلفة، لا أحد فوقه في الرتبة ولا شخص معه في الرفعة، يتوالى عليه حلاوة النداء كل لحظة، فلما جاء القضاء ضاق الفضاء فانقلب العصا، فلم يمس حتى نزع لباسه، وسلب استئناسه تدفعه الملائكة بعنف أن اخرج بغير مكث ولا بحث {فَأَزَلَّهُمَا} يد التقدير بحسن التدبير {ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا} أي: عن تلك العزة والقرابة، وكان الشيطان المسكين في هذا الأمر كذئب يوسف لما اخذ بالجناية ولطخ فمه بدم كذب، وإخوته قد ألقوه في غيابة الجب، فأخذ الشيطان لعدم العناية ولطخ خرطومه بدم نصح كذب {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} من السلامة إلى الملامة، ومن الفرح إلى الترح، ومن النعمة إلى النقمة، ومن المحبة إلى المحنة، ومن القربة إلى الغربة، ومن الألفة إلى الكلفة، ومن الوصلة إلى الفرقة، وكان قبل أكل الشجرة مستأنساً بكل بشيء ومؤانساً مع كل أحد، ولذلك سمي إنساناً، فلما ذاق شجر المحبة استوحش من كل شيء، واتخذ كل أحد عدواً، وهكذا شرط صحة المحبة عداوة ما سوى المحبوب، فكما أن ذات المحبوب لا تقبل الشركة في التعبد كذا لا تقبل الشركة في المحبة، ولهذا قال: {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36]، وكذا كان حال الخيل في البداية يتعلق بالكواكب والقمر والشمس، ويقول: {أية : هَـٰذَا رَبِّي}تفسير : [الأنعام: 76]، فلما ذاق شجرة الخلة قال: {أية : لاۤ أُحِبُّ ٱلآفِلِينَ}تفسير : [الأنعام: 76]، {أية : إِنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}تفسير : [الأنعام: 78]، و{أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 77]. فما استقرت حبة المحبة كالبذر في قلب آدم وجعل الله شخص آدم مستقر قلبه، وجعل الأرض شخصه وقال: {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} [البقرة: 36] أي: التمتع والانتفاع ببذر المحبة بماء الطاعة والعبودية إلى حين إدراك ثمرة المعرفة؛ كقوله تعالى: {أية : تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}تفسير : [إبراهيم: 25]. وعلى التحقيق ما كانت ثمرة شجرة المخلوقات إلا المعرفة؛ لقوله تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ}تفسير : [الذرايات: 56]، أي: ليعرفون، ثمرة المعرفة - وإن ظهرت على أغصان العبادة - ولكن لا تنبت إلا من حبة المحبة كما أخبر النبي عليه السلام: "حديث : أن داود عليه السلام قال: يا رب لماذا خلقت الخلق؟ قال: كنت كنزاً مخفيّاً فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لأعرف"،تفسير : ثبت أن بذر المعرفة هو المحبة، فاعلم واغتنم لعلك تشم رائحة فتسعد. ثم أخبر عن أمطار الإلهام من سحاب الفضل والإنعام على أرض قلب آدم لإنبات حبة المحبة، وتميز شجرة المعرفة بقوله تعالى: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ} [البقرة: 37]. والإشارة في تحقيق الآية: أن أول نبت مطر أمطار الربانية من حبة المحبة في قلب آدم، وطينة الإنسان كان نبات: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 23]؛ لأنه أبصر بنور الإيمان أنه ظالم لنفسه إذا أكل حبة المحبة، ووقع في شبكة المحنة والذلة، وإن لم يعنه ربه بمغفرته، ويفنه برحمته لم يتخلص من حضيض بشريته الذي أهبط إلأيه، ويخسر رأس مال استعداد السعادات الأزلية، ولم يمكنه الرجوع إلى ذورة مقام القربة فاستغاث إلى ربه وقال مضطراً، وكانت الحكمة في إبعاده بالهبوط والاضطرار، فإنه يجيب المضطر إذا دعاه، فبسابقة العناية أخذ بيده وأفاض عليه بحال رحمته: {فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: 37]، للتابئين فأخرج من آيات الكلمات شجرة الاجتباء، وأظهر على دحوتها زهرة التوبة، وأثمر منها ثمرة الهداية، وهي المعرفة كما قال تعالى: {أية : ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ}تفسير : [طه: 122]. ثم أخبر عن سر الهبوط مشروطاً بالشروط لقوله تعالى: {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً} [البقرة: 38]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما اتبلى آدم بالهبوط إلى الأرض بشر بأن إلهامه ووحيه بالهدى لا ينقطع عن ذريته هداهم بواسطة أنبيائه ووحيه، وإنزال كتبه {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} [البقرة: 38]، فمن آتاه منك ومنهم من إلهامي ووحيي ورسولي وكتابي {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} [البقرة: 38] كمن اتبع آدم بالتوبة، والنوح بالبكاء، والاستغفار، وتربية بذر المحبة بالطاعة، والعبودية حتى يثمر التوحيد والرفعة {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 38]، في المستقبل من وبال إفساد المحبة من طينة الصفات الحيوانية والسبعية، وإبطال استعداد السعادات أبدية باستيفاء التمتعات الدنياوية {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38]، على هبوطهم إلى الأرض لتربية بذر المحبة؛ إذ هم راجعوا بتتبع الهداية وجذبات العناية إلى أعلى ذورة حظائر القدس كما قال تعالى: {أية : إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجْعَىٰ}تفسير : [العلق: 8]، ثم ذكر من كفر بهداه وجعل النار سواه، وقال: {ٱلَّذِينَ كَفَرواْ} [البقرة: 39]، أي: ستروا بذر المحبة بتعلقات الشهوات النفسانية، وظلموا أنفسهم بتكذيب الآيات البينات من الجهالة الإنسانية متى أفسدوا الاستعداد الفطري {وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ} [البقرة: 39]، على معجزات أنبيائنا بالوحي والإلهام والرشد في تربية بذر المحبة، وتثمير الشجرة الإنسانية بثمار التوحيد والمعرفة والبلوغ إلى درجات القربات، ونعيم الجنان والغرفات {أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ} [البقرة: 39]، نار جهنم ونار القطيعة {هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ} [البقرة: 39]؛ لأنهم خلدوا في أرض الطبيعة، واتبعوا أهواءهم فما نبت بذر محبتهم بماء الشريعة؛ فبقوا بإفساد استعدادهم في دركات نار الجحيم وخسران النعيم خالدين مخلدين. ثم أخبر عن اختصاص بني إسرائيل ووعودهم بلسان النعيم وعهودهم بقوله تعالى: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40]، من النعمة الظاهرة والباطنة. فالظاهرة: نعمة الوجود والصحة والرزق وبعثة الأنبياء، وإنزال الكتب، وإظهار الدلائل والمعجزات. والباطنة: إخراج ذراتكم من صلب آدم وتسميعكم خطاب {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}تفسير : [الأعراف: 172]، وتوفيقكم لجواب {بَلَىٰ} واستعدادكم للعقل، وهدايتكم للإيمان عليكم وآبائكم {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ} [البقرة: 40]، والذي آخذت منكم يوم الميثاق على التوحيد وإخلاص من العبودية {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40]، وهو الهداية إلى الصراط المستقيم، وفيه معنى آخر وهو: أوفوا بعهدي الذي خصصت بالإنسان دون الخلق - وهو محبتهم إياي - أوف بعهدكم الذي خصصتكم به، وهو محبتي إياكم، كما قال تعالى: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة: 54]، {وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ} [البقرة: 40]، أي: فإن أحببتم غيري؛ فأرهبوا من فوات حظكم من قربتي ومحبتي وشهود جمالي، وكشف أسراري، ودقائق معرفتي، وحقائق وصلتي.