Verse. 42 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَقُلْنَا يٰۗاٰدَمُ اسْكُنْ اَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّۃَ وَكُلَا مِنْہَا رَغَدًا حَيْثُ شِـئْتُمَـا۝۰۠ وَلَا تَـقْرَبَا ھٰذِہِ الشَّجَرَۃَ فَتَكُوْنَا مِنَ الظّٰلِــمِيْنَ۝۳۵
Waqulna ya adamu oskun anta wazawjuka aljannata wakula minha raghadan haythu shituma wala taqraba hathihi alshshajarata fatakoona mina alththalimeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقلنا يا آدم اسكن أنت» تأكيد للضمير المستتر ليعطف عليه «وزوجك» حواء بالمد وكان خلقها من ضلعه الأيسر «الجنة وكلا منها» أكلاً «رغداً» واسعا لاحجر فيه «حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة» بالأكل منها وهى الحنطة أو الكرم أو غيرهما «فتكونا» فتصيرا «من الظالمين» العاصين.

35

Tafseer

الرازي

تفسير : المسألة الأولى: اختلفوا في أن قوله {ٱسْكُنْ } أمرتكليف أو إباحة فالمروي عن قتاده أنه قال: إن الله تعالى ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود وذلك لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها فما زالت به البلايا حتى وقع فيم نهى عنه فبدت سوأته عند ذلك وأهبط من الجنة وأسكن موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع أن منعه من تناوله من أشد التكاليف. وقال آخرون: إن ذلك إباحة لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد كما أن أكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد ولا يكون قوله: {أية : كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ } تفسير : [الأعراف: 16] أمراً وتكليفاً بل إباحة، والأصح أن ذلك الإسكان مشتمل على ما هو إباحة، وعلى ما هو تكليف، أما الإباحة فهو أنه عليه الصلاة والسلام كان مأذوناً في الانتفاع بجميع نعم الجنة، وأما التكليف فهو أن المنهي عنه كان حاضراً وهو كان ممنوعاً عن تناوله، قال بعضهم: لو قال رجل لغيره أسكنتك داري لا تصير الدار ملكاً له، فههنا لم يقل الله تعالى: وهبت منك الجنة بل قال أسكنتك الجنة وإنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة الأرض فكان إسكان الجنة كالتقدمة على ذلك. المسألة الثانية: أن الله تعالى لما أمر الكل بالسجود لآدم وأبى إبليس السجود صيره الله ملعوناً ثم أمر آدم بأن يسكنها مع زوجته. واختلفوا في الوقت الذي خلقت زوجته فيه، فذكر السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكن آدم الجنة فبقي فيها وحده وما كان معه من يستأنس به فألقى الله تعالى عليه النوم ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة فسألها من أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إليّ، فقالت الملائكة: ما اسمها؟ قالوا: حواء، ولم سميت حواء، قال: لأنها خلقت من شيء حي، وعن عمر وابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما تحمل الملوك ولباسهما النور على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ وعلى آدم منطقة مكللة بالدر والياقوت حتى أدخلا الجنة. فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل إدخال آدم الجنة والخبر الأول يدل على أنها خلقت في الجنة والله أعلم بالحقيقة. المسألة الثالثة: أجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة وفي سائر القرآن ما يدل على ذلك وأنها مخلوقة منه كما قال الله تعالى في سورة النساء: {أية : ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا } تفسير : [النساء: 1] وفي الأعراف: {أية : وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } تفسير : [الأعراف: 189]، وروى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن المرأة خلقت من ضلع الرجل فإن أردت أن تقيمها كسرتها وإن تركتها انتفعت بها واستقامت». تفسير : المسألة الرابعة: اختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية، هل كانت في الأرض أو في السماء؟ وبتقدير أنها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب أو جنة الخلد أو جنة أخرى؟ فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصفهاني: هذه الجنة كانت في الأرض، وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قوله تعالى: {أية : ٱهْبِطُواْ مِصْرًا } تفسير : [البقرة: 61] واحتجا عليه بوجوه أحدها: أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغرور من إبليس بقوله: {أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } تفسير : [طه: 120]، ولما صح قوله: {أية : مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 20]. وثانيها: أن من دخل هذه الجنة لا يخرج منها لقوله تعالى: {أية : وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } تفسير : [الحجر: 48]. وثالثها: أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله على أن يصل إلى جنة الخلد. ورابعها: أن الجنة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها لقوله تعالى: {أية : أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا } تفسير : [الرعد: 35] ولقوله تعالى: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِى ٱلْجَنَّةِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } تفسير : [هود: 108] إلى أن قال: {أية : عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ } تفسير : [هود: 108] أي غير مقطوع، فهذه الجنة لو كانت هي التي دخلها آدم عليه السلام لما فنيت، لكنها تفنى لقوله تعالى: {أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ } تفسير : [القصص: 88] ولما خرج منها آدم عليه السلام لكنه خرج منها وانقطعت تلك الراحات. وخامسها: أنه لا يجوز في حكمته تعالى أن يبتدىء الخلق في جنة يخلدهم فيها ولا تكليف لأنه تعالى لا يعطي جزاء العاملين من ليس بعامل ولأنه لا يهمل عباده بل لا بد من ترغيب وترهيب ووعد ووعيد، وسادسها: لا نزاع في أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام في الأرض ولم يذكر في هذه القصة أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان ذلك أولى بالذكر لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدل ذلك على أنه لم يحصل، وذلك يوجب أن المراد من الجنة التي قال الله تعالى له: {ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ } جنة أخرى غير جنة الخلد. القول الثاني: وهو قول الجبائي: أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة والدليل / عليه قوله تعالى: {أية : ٱهْبِطُواْ مِنْهَا } تفسير : [البقرة: 38]، ثم إن الإهباط الأول كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان من السماء إلى الأرض. القول الثالث: وهو قول جمهور أصحابنا: أن هذه الجنة هي دار الثواب والدليل عليه أن الألف واللام في لفظ الجنة لا يفيدان العموم لأن سكنى جميع الجنان محال، فلا بد من صرفها إلى المعهود السابق والجنة التي هي المعهودة المعلومة بين المسلمين هي دار الثواب، فوجب صرف اللفظ إليها، والقول الرابع: أن الكل ممكن والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة فوجب التوقف وترك القطع والله أعلم. المسألة الخامسة: قال صاحب الكشاف: السكنى من السكون لأنها نوع من اللبث والاستقرار و «أنت» تأكيد للمستكن في «اسكن» ليصح العطف عليه و «رغداً» وصف للمصدر أي أكلا رغداً واسعاً رافهاً و «حيث» للمكان المبهم أي أي مكان من الجنة شئتما، فالمراد من الآية إطلاق الأكل من الجنة على وجه التوسعة البالغة حيث لم يحظر عليهما بعض الأكل ولا بعض المواضع حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرة واحدة من بين أشجارها الكثيرة. المسألة السادسة: لقائل أن يقول: إنه تعالى قال ههنا: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا } وقال في الأعراف: {أية : فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا } تفسير : [الأعراف: 19] فعطف {كُلاَ } على قوله: {ٱسْكُنْ } في سورة البقرة بالواو وفي سورة الأعراف بالفاء فما الحكمة؟ والجواب: كل فعل عطف عليه شيء وكان الفعل بمنزلة الشرط، وذلك الشيء بمنزلة الجزء عطف الثاني على الأول بالفاء دون الواو كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا قُلْنَا * ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا } تفسير : [البقرة: 58] فعطف كلوا على ادخلوا بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقاً بدخولها فكأنه قال إن أدخلتموها أكلتم منها، فالدخول موصل إلى الأكل، والأكل متعلق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله تعالى في مثل هذه الآية من سورة الأعراف: {أية : وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ } تفسير : [الأعراف: 161]، فعطف كلوا على قوله اسكنوا بالواو دون الفاء لأن اسكنوا من السكنى وهي المقام مع طول اللبث والأكل لا يختص وجوده بوجوده لأن من دخل بستاناً قد يأكل منه وإن كان مجتازاً فلما لم يتعلق الثاني بالأول تعلق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء، إذا ثبت هذا فنقول: إن {ٱسْكُنْ } يقال لمن دخل مكاناً فيراد منه الزم المكان الذي دخلته ولا تنتقل عنه، ويقال أيضاً لمن لم يدخل اسكن هذا المكان يعني ادخله واسكن فيه، ففي سورة البقرة هذه الأمر إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنة فكان المراد منه اللبث والاستقرار، وقد بينا أن الأكل لا يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الواو. وفي سورة الأعراف هذا الأمر إنما ورد قيل: أن دخل الجنة فكان المراد منه دخول الجنة وقد بينا أن الأكل يتعلق به فلا جرم ورد بلفظ الفاء والله أعلم. المسألة السابعة: قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ } لا شبهة في أنه نهى ولكن فيه بحثان. الأول: أن هذا نهي تحريم أو نهي تنزيه فيه خلاف، فقال قائلون: هذه الصيغة لنهي التنزيه، وذلك لأن هذه الصيغة وردت تارة في التنزيه وأخرى في التحريم، والأصل عدم الاشتراك فلا بد من جعل اللفظ حقيقة في القدر المشترك بين القسمين، وما ذلك إلا أن يجعل حقيقة في ترجيح جانب الترك على جانب الفعل من غير أن يكون فيه دلالة على المنع من الفعل أو على الإطلاق فيه، لكن الإطلاق فيه كان ثابتاً بحكم الأصل، فإن الأصل في المنافع الإباحة، فإذا ضممنا مدلول اللفظ إلى هذا الأصل صار المجموع دليلاً على التنزيه، قالوا: وهذا هو الأولى بهذا المقام لأن على هذا التقدير يرجع حاصل معصية آدم عليه السلام إلى ترك الأولى ومعلوم أن كل مذهب كان أفضى إلى عصمة الأنبياء عليهم السلام كان أولى بالقبول، وقال آخرون: بل هذا النهي نهي تحريم واحتجوا عليه بأمور. أحدها: أن قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ } كقوله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ } تفسير : [البقرة: 222] وقوله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ } تفسير : [الأنعام: 152] فكما أن هذا للتحريم فكذا الأول. وثانيها: أنه قال: {أية : فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [البقرة: 35] معناه إن أكلتما منها فقد ظلمتما أنفسكما ألا تراهما لما أكلا {أية : قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } تفسير : [الأعراف: 23]. وثالثها: أن هذا النهي لو كان نهي تنزيه لما استحق آدم بفعله الإخراج من الجنة ولما وجبت التوبة عليه، والجواب عن الأول نقول: إن النهي وإن كان في الأصل للتنزيه ولكنه قد يحمل على التحريم لدلالة منفصلة، وعن الثاني: أن قوله: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } أي فتظلما أنفسكما بفعل ما الأولى بكما تركه لأنكما إذا فعلتما ذلك أخرجتما من الجنة التي لا تظمآن فيها ولا تجوعان ولا تضحيان ولا تعريان إلى موضع ليس لكما فيه شيء من هذا، وعن الثالث: أنا لا نسلم أن الإخراج من الجنة كان لهذا السبب وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. البحث الثاني: قال قائلون قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ } يفيد بفحواه النهي عن الأكل، وهذا ضعيف لأن النهي عن القرب لا يفيد النهي عن الأكل إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه لجاز له أكله، بل هذا الظاهر يتناول النهي عن القرب. وأما النهي عن الأكل فإنما عرف بدلائل أخرى وهي قوله تعالى في غير هذا الموضع: {أية : فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سوآتهما} تفسير : [الأعراف: 22] ولأنه صدر الكلام في باب الإباحة بالأكل فقال: { وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا } فصار ذلك كالدلالة على أنه تعالى نهاهما عن أكل ثمرة تلك الشجرة لكن النهي عن ذلك بهذا القول يعم الأكل وسائر الانتفاعات ولو نص على الأكل ما كان يعم كل ذلك ففيه مزيد فائدة: المسألة الثامنة: اختلفوا في الشجرة ما هي، فروى مجاهد وسعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها البر والسنبلة. وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشجرة فقال: هي الشجرة المباركة السنبلة. وروى السدي عن ابن عباس وابن مسعود أنها الكرم، وعن مجاهد وقتادة أنها التين، وقال الربيع بن أنس: كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث. واعلم أنه ليس في الظاهر ما يدل على التعيين فلا حاجة أيضاً إلى بيانه لأنه ليس المقصود من هذا الكلام أن يعرفنا عين تلك الشجرة وما لا يكون مقصوداً في الكلام، لا يجب على الحكيم أن يبينه بل ربما كان بيانه عبثاً لأن أحدنا لو أراد أن يقيم العذر لغيره في التأخر فقال: شغلت بضرب غلماني لإساءتهم الأدب لكان هذا القدر أحسن من أن يذكر عين هذا الغلام ويذكر اسمه وصفته، فليس لأحد أن يظن أنه وقع ههنا تقصير في البيان، ثم قال بعضهم الأقرب في لفظ الشجرة أن يتناول ماله ساق وأغصان، وقيل لا حاجة إلى ذلك لقوله تعالى: {أية : وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ } تفسير : [الصافات: 146] مع أنها كالزرع والبطيخ فلم يخرجه ذهابه على وجه الأرض من أن يكون شجراً، قال المبرد: وأحسب أن كل ما تفرعت له أغصان وعيدان فالعرب تسميه شجراً في وقت تشعبه وأصل هذا أنه كل ما شجر أي أخذ يمنه ويسرة يقال: رأيت فلاناً في شجرته الرماح. وقال تعالى: {أية : حَتَّىٰ يُحَكّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } تفسير : [النساء: 65] وتشاجر الرجلان في أمر كذا. المسألة التاسعة: اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } هو أنكما إن أكلتما فقد ظلمتما أنفسكما لأن الأكل من الشجرة ظلم الغير، وقد يكون ظالماً بأن يظلم نفسه وبأن يظلم غيره، فظلم النفس أعم وأعظم. ثم اختلف الناس ههنا على ثلاثة أقوال: الأول: قول الحشوية الذين قالوا: إنه أقدم على الكبيرة فلا جرم كان فعله ظلماً، الثاني: قوله المعتزلة الذين قالوا: إنه أقدم على الصغيرة ثم لهؤلاء قولان: أحدهما: قول أبي علي الجبائي وهو أنه ظلم نفسه بأن ألزمها ما يشق عليه من التوبة والتلافي، وثانيهما: قول أبي هاشم وهو أنه ظلم نفسه من حيث أحبط بعض ثوابه الحاصل فصار ذلك نقصاً فيما قد استحقه، الثالث: قول من ينكر صدور المعصية منهم مطلقاً وحمل هذا الظلم على أنه فعل ما الأولى له أن لا يفعله. ومثاله إنسان طلب الوزارة ثم إنه تركها واشتغل بالحياكة، فإنه يقال له: يا ظالم نفسه لم فعلت ذلك؟ فإن قيل: هل يجوز وصف الأنبياء عليهم السلام بأنهم كانوا ظالمين أو بأنهم كانوا ظالمي أنفسهم؟ والجواب أن الأولى أنه لا يطلق ذلك لما فيه من إيهام الذم.

القرطبي

تفسير : فيه ثلاث عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ ٱسْكُنْ} لا خلاف أن الله تعالى أخرج إبليس عند كفره وأبعده عن الجنة، وبعد إخراجه قال لآدم: ٱسكن؛ أي لازم الإقامة وٱتخذها مسكناً، وهو محل السكون. وسَكَن إليه يَسْكُن سكوناً. والسَّكَن: النار؛ قال الشاعر:شعر : قد قُوِّمَتْ بِسَكَنٍ وأدهان تفسير : والسَّكَن: كل ما سُكن إليه. والسِّكين معروف، سُمِّيَ به لأنه يُسَكِّن حركة المذبوح؛ ومنه المِسْكين لقلة تصرّفه وحركته. وسُكّان السفينة عربيّ؛ لأنه يُسَكّنها عن الاضطراب. الثانية: في قوله تعالى: {ٱسْكُنْ} تنبيه على الخروج؛ لأن السُّكْنَى لا تكون ملكاً؛ ولهذا قال بعض العارفين: السكنى تكون إلى مدّة ثم تنقطع، فدخولهما في الجنة كان دخول سُكْنَى لا دخول إقامة. قلت: وإذا كان هذا فيكون فيه دلالة على ما يقوله الجمهور من العلماء: إن من أسكن رجلاً مسكناً له أنه لا يملكه بالسُّكْنَى، وأن له أن يخرجه إذا ٱنقضت مدّة الإسكان. وكان الشعبيّ يقول: إذا قال الرجل داري لك سُكْنَى حتى تموت فهي له حياتَه وموتَه، وإذا قال: داري هذه ٱسكنها حتى تموت فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مات. ونَحوٌ من السُّكْنَى العُمْرَى، إلا أن الخلاف في العُمْرَى أقوى منه في السُّكْنَى. وسيأتي الكلام في العُمْرَى في «هود» إن شاء الله تعالى. قال الحَرْبيّ: سمعت ٱبن الإعرابي يقول: لم يختلف العرب في أن هذه الأشياء على مِلْك أربابها ومنافعها لمن جُعلت له العُمْرىَ والرقبى والإفقار والإخبال والمِنحة والعَرِيّة والسُّكْنَى والإطراق. وهذا حجة مالك وأصحابه في أنه لا يملك شيء من العطايا إلا المنافع دون الرِّقاب؛ وهو قول اللَّيْث بن سعد والقاسم بن محمد، ويزيد بن قُسيط. والعُمْرَى: هو إسكانك الرجل في دار لك مدّة عمرك أو عمره. ومثله الرُّقْبَى. وهو أن يقول: إن مُتُّ قبلي رجعتْ إليّ وإن متُّ قبلك فهي لك؛ وهي من المراقبة. والمراقبة: أن يَرقُب كلُّ واحد منهما موتَ صاحبه؛ ولذلك اختلفوا في إجازتها ومنعها، فأجازها أبو يوسف والشافعي، وكأنها وَصِيَّةٌ عندهم. ومنعها مالك والكوفيون؛ لأن كل واحد منهم يقصد إلى عوض لا يدري هل يحصل له، ويتمنى كل واحد منهما موت صاحبه. وفي الباب حديثان أيضاً بالإجازة والمنع ذكرهما ٱبن ماجه في سُننه؛ الأوّل رواه جابر بن عبد اللَّه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : العُمْرَى جائزةٌ لمن أُعمِرَها والرُّقْبَى جائزةٌ لمن أُرْقِبهَا»تفسير : ففي هذا الحديث التسويةُ بين العُمْرَى والرُّقْبَى في الحكم. الثاني رواه ٱبن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا رُقْبَى فمن أُرْقِب شيئاً فهو له حياتَه ومماتَه»تفسير : . قال: والرُّقْبَى أن يقول هو للآخر: مِنِّي ومنك موتا. فقوله: «لا رُقْبى» نهيٌ يدلّ على المنع؛ وقوله: «حديث : مَن أُرْقِب شيئاً فهو له» تفسير : يدلّ على الجواز؛ وأخرجهما أيضاً النِّسائي. وذكر عن ٱبن عباس قال: العُمْرَى والرُّقْبَى سواء. وقال ٱبن المنذر: ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : العُمْرَى جائزة لمن أُعمرها والرُّقْبَى جائزة لمن أرْقِبها»تفسير : . فقد صحّح الحديث ٱبن المنذر؛ وهو حجة لمن قال بأن العُمْرَى والرُّقْبَى سواء. ورُوي عن عليّ وبه قال الثّوْرِيّ وأحمد، وأنها لا ترجع إلى الأوّل أبداً؛ وبه قال إسحٰق. وقال طاوس: مَن أرقب شيئاً فهو سبيل الميراث. والإفقار مأخوذ من فَقار الظَّهر. أفقرتك ناقتي. أعَرْتُك فَقارها لتركبها. وأفقرك الصيد إذا أمكنك من فقاره حتى ترميه. ومثله الإخبال، يقال: أخبلت فلاناً إذا أعرته ناقة يركبها أو فرساً يغزو عليه؛ قال زهير:شعر : هنالك إن يُسْتَحْبَلُوا المال يُخْبِلوا وإن يُسْأَلوا يُعْطُوا وإن يَيْسِروا يَغْلُوا تفسير : والمِنْحة: العطِيّة. والِمنْحة: مِنحة اللّبن. والمَنِيحة: الناقةُ أو الشاةُ يُعطيها الرجلُ آخر يحتلبها ثم يردّها؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : العاريّة مُؤدّاةٌ والمنحة مرودةٌ والدَّين مقضِيّ والزَّعيم غارم»تفسير : . رواه أبو أمامة، أخرجه الترمذيّ والدّارَقُطْنيّ وغيرهما، وهو صحيح. والإطراق: إعارة الفحل؛ استطرق فلان فلاناً فَحْلَه: إذا طلبه ليضرب في إبله؛ فأطرقه إياه؛ ويقال: أطرِقني فحلك أي أعِرْني فَحْلَك ليضرب في إبلي. وطَرَق الفحلُ الناقةَ يَطْرُق طروقاً؛ أي قَعَا عليها. وطَرُوقة الفحل: أُنثاه؛ يقال: ناقة طَروقة الفحل للتي بلغت أن يضربها الفحل. الثالثة: قوله تعالى: {أَنْتَ وَزَوْجُكَ} «أنت» تأكيد للمضمر الذي في الفعل؛ ومثله {فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ}. ولا يجوز ٱسكن وزوجك، ولا ٱذهب وربك، إلا في ضرورة الشعر؛ كما قال:شعر : قلتُ إذ أقبلتْ وزُهْرٌ تَهَادَى كنِعاج المَلا تَعَسَّفْنَ رَمْلاً تفسير : فـ «زُهْر» معطوف على المضمر في «أقبلتْ» ولم يؤكد ذلك المضمر. ويجوز في غير القرآن على بُعْد: قم وزيد. الرابعة: قوله تعالى: {وَزَوْجُكَ} لغة القرآن «زَوْجٌ» بغير هاء، وقد تقدّم القول فيه. وقد جاء في صحيح مسلم: «زوجة»، حدّثنا عبد اللَّه بن مَسْلَمة بن قَعْنَب قال حدّثنا حماد بن سَلَمة عن ثابت البُنَانِيّ عن أنس: "حديث : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان مع إحدى نسائه فمرّ به رجل فدعاه فجاء فقال: «يا فلانُ هذه زوجتي فلانة»: فقال يا رسول الله، مَن كنتُ أظنّ به فلم أكن أظنّ بك؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يجري من الإنسان مَجْرى الدم»»تفسير : . وزوج آدم عليه السلام هي حوّاء عليها السلام، وهو أوّل من سمّاها بذلك حين خُلقت من ضِلَعِهِ من غير أن يَحُسّ آدم عليه السلام بذلك؛ ولو ألِم بذلك لم يَعْطِف رجل على ٱمرأته؛ فلما ٱنتبه قيل له: من هذه؟ قال: ٱمرأة؛ قيل: وما ٱسمها؟ قال: حّواء؛ قيل: ولِمَ سُمِّيت ٱمرأة؟ قال: لأنها من المرء أخِذت؛ قيل: ولمَ سُمُّيت حوّاء؟ قال: لأنها خُلقت من حيّ. روي أن الملائكة سألته عن ذلك لتجرّب علمه، وأنهم قالوا له: أتحبها يا آدم؟ قال: نعم؛ قالوا لحوّاء: أتحبينه يا حوّاء؟ قالت: لا؛ وفي قلبها أضعافُ ما في قلبه من حبه. قالوا: فلو صَدَقت ٱمرأة في حبّها لزوجها لصدَقت حوّاء. وقال ٱبن مسعود وٱبن عباس: لما أُسْكِن آدم الجنة مشى فيها مستوحشاً، فلمّا نام خُلقت حوّاء مِن ضلعه القُصْرَى مِن شقه الأيسر ليسكن إليها ويأنس بها؛ فلما ٱنتبه رآها فقال: من أنت؟! قالت: ٱمرأة خُلقت من ضلعك لتسكن إليّ؛ وهو معنى قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا}تفسير : [الأعراف: 179]. قال العلماء: ولهذا كانت المرأة عَوْجاء؛ لأنها خُلقت من أعوج وهو الضّلع. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن المرأة خُلقت من ضلع ـ في رواية: وإنّ أعوج شيء في الضلع أعلاه ـ لن تستقيم لك على طريقة واحدة فإن ٱستمتعتَ بها ٱستمعتَ (بها) وبها عِوَج وإن ذهبتَ تُقِيمها كَسَرْتَها وكَسْرُها طلاقُها»تفسير : . وقال الشاعر: شعر : هي الضِّلَع العَوجاءُ لستَ تُقيمها ألاَ إنّ تقويم الضلوع ٱنكسارها أتجمع ضَعفاً وٱقتداراً على الفتى أليس عجيباً ضعفُها وٱقتدارها تفسير : ومن هذا الباب ٱستدل العلماء على ميراث الخنثى المُشْكل إذا تساوت فيه علامات النساء والرجال من اللِّحية والثَّدْي والمبال بنقص الأعضاء. فإن نقصت أضلاعه عن أضلاع المرأة أُعْطيَ نصيب رجل ـ روي ذلك عن عليّ رضي الله عنه ـ لخلق حوّاءَ من أحد أضلاعه، وسيأتي في المواريث بيان هذا إن شاء الله تعالى. الخامسة: قوله تعالى: {ٱلْجَنَّةِ} الجنة: البُستان، وقد تقدّم القول فيها. ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخُلْد وإنما كان في جنة بأرض عَدَن. وٱستدلّوا على بدعتهم بأنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليه إبليس، فإن اللَّه يقول: {أية : لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ}تفسير : [الطور: 23] وقال: {أية : لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً} تفسير : [النبأ: 35] وقال: {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً. إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً}تفسير : [الواقعة: 25 ـ 26]. وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله: {أية : وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ}تفسير : [الحجر: 48]. وأيضاً فإن جنة الخُلْد هي دار القُدْس، قُدّست عن الخطايا والمعاصي تطهيراً لها. وقد لَغَا فيها إبليس وكَذَب، وأُخْرِج منها آدم وحواء بمعصيتهما. قالوا: وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله أن يطلب شجرة الخُلْد وهو في دار الخُلْد والمُلْك الذي لا يبلَى؟ فالجواب: أن الله تعالى عَرّف الجنة بالألف واللام؛ ومن قال: أسأل الله الجنة؛ لم يُفهم منه في تعارف الخلق إلا طلب جنة الخلد. ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم؛ وقد لَقِي موسى آدم عليهما السلام فقال له موسى: أنت أشقيتَ ذُرّيتك وأخرجتهم من الجنة؛ فأدخل الألف واللام ليدل على أنها جنة الخلد المعروفة، فلم ينكر ذلك آدم، ولو كانت غيرها لردّ على موسى؛ فلما سكت آدم على ما قَرّره موسى صحّ أن الدار التي أخرجهم الله عزّ وجلّ منها بخلاف الدار التي أُخرجوا إليه. وأما ما ٱحتجوا به من الآي فذلك إنما جعله الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة، ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها وقد يخرج منها من قُضي عليه بالفناء. وقد أجمع أهل التأويل على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها، وقد كان مفاتيحها بيد إبليس ثم ٱنتزعت منه بعد المعصية، وقد دخلها النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء ثم خرج منها وأخبر بما فيها وأنها جنة الخلد حقًّا. وأما قولهم: إن الجنة دار القُدْس وقد طهّرها الله تعالى من الخطايا فجهلٌ منهم؛ وذلك أن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدّسة وهي الشام، وأجمع أهل الشرائع على أن الله تعالى قدّسها وقد شُوهد فيها المعاصي والكفر والكذب ولم يكن تقديسها مما يمنع فيها المعاصي؛ وكذلك دار القُدْس. قال أبو الحسن بن بطال: وقد حكى بعض المشايخ أن أهل السُّنّة مجمعون على أن جنة الخلد هي التي أهبط منها آدم عليه السلام، فلا معنى لقول مَن خالفهم. وقولهم كيف يجوز على آدم في كمال عقله أن يطلب شجرة الخُلْد وهو في دار الخلد؛ فيُعكس عليهم ويقال: كيف يجوز على آدم وهو في كمال عقله أن يطلب شجرة الخلد في دار الفناء! هذا ما لا يجوز على من له أدنى مُسْكة من عقل، فكيف بآدم الذي هو أرجح الخلق عقلا، على ما قال أبو أمامة على ما يأتي. السادسة: قوله تعالى: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} قراءة الجمهور «رَغَداً» بفتح الغين. وقرأ النَّخَعِيّ وٱبن وَثَّاب بسكونها. والرَّغَد: العيش الدَّارُّ الهنيّ الذي لا عنَاء فيه؛ قال:شعر : بينما المرء تراه ناعماً يأمن الأحداث في عيش رغد تفسير : ويقال: رَغُد عيشُهم ورَغِد (بضم الغين وكسرها). وأرغد القوم: أخصبوا وصاروا في رَغَد من العيش. وهو منصوب على الصفة لمصدر محذوف. وحَيْثُ وحيثَ وحيثِ، وحَوْثَ وحاث، كلّها لغات، ذكرها النحاس وغيره. السابعة: قوله تعالى {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} أي لا تقرباها بأكل؛ لأن الإباحة فيه وقعت. قال ٱبن العربي: سمعت الشّاشيّ في مجلس النَّضْر (بن شُميل) يقول: إذا قيل لا تقرَب (بفتح الراء) كان معناه لا تَلَبَّس بالفعل، وإذا كان (بضم الراء) فإن معناه لا تَدْنُ منه. وفي الصحاح: قَرُب الشيءُ يقرُب قُرْباً أي دنا. وقَرِبته (بالكسر) أَقْرَبه قُرْبانا أي دنَوْت منه. وقَرَبت أقْربُ قِرابة ـ مثل كتبت أكتب كتابة ـ إذا سِرت إلى الماء وبينك وبينه ليلة؛ والاسم القَرَب. قال الأصمعي: قلت لأعرابيّ: ما القَرَب؟ فقال: سَيْرُ الليل لِورْد الغد. وقال ٱبن عطية قال بعض الحذاق: إن الله تعالى لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل وما يدعو إليه العرب وهو القرب. قال ٱبن عطية: وهذا مثالٌ بَيّن في سدّ الذرائع. وقال بعض أرباب المعاني قوله: «ولا تَقْرَبَا» إشعار بالوقوع في الخطيئة والخروج من الجنة، وأن سكناه فيها لا يدوم؛ لأن المخلَّد لا يحظر عليه شيء ولا يؤمر ولا يُنْهَى. والدليل على هذا قوله تعالى {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} فدلّ على خروجه منها. الثامنة: قوله تعالى: {هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} الاسم المبهَم يُنعت بما فيه الألف واللام لا غير، كقولك: مررت بهذا الرجل وبهذه المرأة وهذه الشجرة. وقرأ ٱبن مُحَيْصِن: «هذي الشجرة» بالياء وهو الأصل؛ لأن الهاء في هذه بدل من ياء ولذلك ٱنكسر ما قبلها، وليس في الكلام هاء تأنيث قبلها كسرة سواها، وذلك لأن أصلها الياء. والشَّجَرة والشِّجَرة والشِّيَرة؛ ثلاثُ لغات، وقرىء «الشِّجرة» بكسر الشين. والشَّجرة والشِّجَرة: ما كان على ساق من نبات الأرض. وأرض شَجِيرة وشَجْراء أي كثيرة الأشجار، ووادٍ شَجير؛ ولا يقال: وادٍ أشجر. وواحد الشَّجْراء شَجَرة، ولم يأت من الجمع على هذا المثال إلا أحرف يسيرة: شَجَرة وشَجْراء، وقَصَبة وقَصْباء، وطَرَفة وطَرْفاء، وحَلَفة وحَلْفاء. وكان الأصمعي يقول في واحد الحَلْفاء: حَلِفة؛ بكسر اللام مخالفة لأخواتها. وقال سيبويه: الشَّجراء واحد وجَمْع، وكذلك القَصْباء والطَّرْفاء والحَلْفاء. والمَشْجَرة: موضع الأشجار. وأرض مَشْجَرة، وهذه الأرض أشجر من هذه أي أكثر شجراً، قاله الجوهري. التاسعة: وٱختلف أهل التأويل في تعيين هذه الشجرة التي نُهي عنها فأكل منها؛ فقال ٱبن مسعود وٱبن عباس وسعيد بن جُبير وجَعْدة بن هُبيرة: هي الكَرْم؛ ولذلك حُرّمت علينا الخمر. وقال ٱبن عباس أيضاً وأبو مالك وقَتادة: هي السُّنْبُلة، والحبّةُ منها ككُلَى البقر، أحْلَى من العسل وألْيَن من الزُّبْد؛ قاله وَهْب بن مُنَبِّه. ولما تاب الله على آدم جعلها غذاء لبنيه. وقال ٱبن جُريج عن بعض الصحابة: هي شجرة التِّين، وكذا روى سعيد عن قتادة، ولذلك تُعَبَّر في الرؤيا بالندامة لآكلها من أجل ندم آدم عليه السلام على أكلها؛ ذكره السُّهَيْلي. قال ٱبن عطية: وليس في شيء من هذا التعيين ما يَعْضُده خبرٌ وإنما الصواب أن يُعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها. وقال القُشيري أبو نصر: وكان الإمام والدي رحمه الله يقول: يُعلم على الجملة أنها كانت شجرة المِحْنة. العاشرة: وٱختلفوا كيف أكل منها مع الوعيد المقترن بالقرب وهو قوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ}، فقال قوم: أكلا من غير التي أشير إليها، فلم يتأوّلا النهي واقعاً على جميع جنسها، كأن إبليس غَرّه (بالأخذ) بالظاهر. قال ٱبن العربي: وهي أوّل معصية عصي الله بها على هذا القول. قال: «وفيه دليل على أن من حلف ألا يأكل من هذا الخبز فأكل من جنسه حنِث. وتحقيق المذاهب فيه أن أكثر العلماء قالوا: لا حِنْث فيه. وقال مالك وأصحابه: إن ٱقتضى بساط اليمين تعيين المشار إليه لم يحنَث بأكل جنسه، وإن ٱقتضى بساط اليمين أو سببها أو نيتها الجنس حُمل عليه وحنِث بأكل غيره؛ وعليه حُملت قصة آدم عليه السلام فإنه نهي عن شجرة عُيِّنت له وأريد بها جنسها؛ فحمل القول على اللفظ دون المعنى. وقد ٱختلف علماؤنا في فَرْعٍ من هذا؛ وهو أنه إذا حلَف ألا يأكل هذه الحنطة فأكل خبزاً منها على قولين؛ قال في الكتاب: يحنَث؛ لأنها هكذا تؤكل. وقال ٱبن الموّاز: لا شيء عليه؛ لأنه لم يأكل حنطة وإنما أكل خبزاً فراعى الاسم والصفة. ولو قال في يمينه: لا آكل من هذه الحنطة لحِنث بأكل الخبز المعمول منها». وفيما ٱشترى بثمنها من طعام وفيما أنبتت خلاف. وقال آخرون: تأوّلا النّهي على النّدب. قال ٱبن العربيّ: وهذا وإن كان مسألة من أصول الفقه فقد سقط ذلك ها هنا؛ لقوله: «فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ» فقرن النّهي بالوعيد، وكذلك قوله سبحانه: {أية : فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 117]. وقال ٱبن المُسَيّب: إنما أكل آدم بعد أن سَقَته حَوّاء الخمر فسَكِر وكان في غير عقله. وكذلك قال يزيد بن قُسيط، وكان يحلفان بالله أنه ما أكل من هذه الشجرة وهو يعقل. قال ٱبن العربيّ: وهذا فاسد نقلاً وعقلاً، أما النّقل فلم يصح بحال، وقد وصف الله عز وجل خمر الجنة فقال: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ}تفسير : [الصافات: 47]. وأما العقل فلأن الأنبياء بعد النبوّة معصومون عما يؤدّي إلى الإخلال بالفرائض وٱقتحام الجرائم. قلت: قد ٱستنبط بعض العلماء نبوّة آدم عليه السلام قبل إسكانه الجنة من قوله تعالى: {أية : فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ} تفسير : [البقرة: 3] فأمره الله تعالى أن ينبىء الملائكة بما ليس عندهم من علم الله جلّ وعَزّ. وقيل: أكلها ناسياً، ومن الممكن أنهما نَسِيَا الوعيد. قلت: وهو الصحيح لإخبار الله تعالى في كتابه بذلك حَتْماً وجَزْماً فقال: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}تفسير : [طه: 115]. ولكن لما كان الأنبياء عليهم السلام يلزمهم من التحفظ والتيقّظ لكثرة معارفهم وعُلُوّ منازلهم ما لا يلزم غيرهم كان تشاغله عن تذكّر النّهي تضييعاً صار به عاصياً؛ أي مخالفاً. قال أبو أمامة: لو أن أحلام بني آدم منذ خلق الله الخلق إلى يوم القيامة وضعت في كِفّة ميزان ووُضع حِلْم آدم في كِفّة أخرى لرجحهم؛ وقد قال الله تعالى: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}. قلت: قولُ أبي أُمامة هذا عمومٌ في جميع بني آدم. وقد يحتمل أن يخصّ من ذلك نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإنه كان أوفر الناس حلماً وعقلاً. وقد يحتمل أن يكون المعنى لو أن أحلام بني آدم من غير الأنبياء. والله أعلم. قلت: والقول الأوّل أيضاً حَسَن؛ فظنّا أن المراد العَيْن وكان المراد الجنس؛ "حديث : كقول النبيّ صلى الله عليه وسلم حين أخذ ذهباً وحريراً فقال: «هذان حرامان على ذكور أمتي»"تفسير : . وقال في خبر آخر: «حديث : هذان مهلكان أمتي»تفسير : . وإنما أراد الجنس لا العين. الحادية عشرة: يقال إن أوّل مَن أكل من الشجرة حوّاء بإغواء إبليس إياها ـ على ما يأتي بيانه ـ وإن أوّل كلامه كان معها لأنها وسواس المحنة، وهي أوّلِ فتنة دخلت على الرجال من النساء؛ فقال: ما منعتما هذه الشجرة إلا أنها شجرة الخُلْد؛ لأنه علم منهما أنهما كانا يُحبّان الخُلْد، فأتاهما من حيث أحبّا «حُبّك الشيء يُعمِي ويُصِم» ـ فلما قالت حوّاء لآدم أنكر عليها وذكر العهد؛ فألحّ على حّواء وألَحّت حوّاء على آدم، إلى أن قالت: أنا آكل قبلك حتى إن أصابني شيء سَلِمْتَ أنت؛ فأكلتْ فلم يضرها، فأتت آدم فقالت: كُلْ فإني قد أكلتُ فلم يضرّني؛ فأكل فبدت لهما سوءاتهما وحصلا في حكم الذنب؛ لقول الله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} فجمعهما في النّهي؛ فلذلك لم تنزل بها العقوبة حتى وُجد المنهيّ عنه منهما جميعاً، وخَفِيت على آدم هذه المسألة؛ ولهذا قال بعض العلماء: إن من قال لزوجتيه أو أَمَتَيْه: إن دخلتما الدار فأنتما طالقتان أو حُرّتان؛ إن الطلاق والعتق لا يقع بدخول إحداهما. وقد ٱختلف علماؤنا في ذلك على ثلاثة أقوال؛ قال ٱبن القاسم: لا تطلقان ولا تَعتِقان إلا بٱجتماعهما في الدخول؛ حملاً على هذا الأصل وأخذاً بمقتضى مطلق اللفظ. وقاله سُحْنون. وقال ٱبن القاسم مرة أخرى: تطلقان جميعاً وتَعتِقان جميعاً بوجود الدخول من إحداهما؛ لأن بعض الحِنْث حِنْث؛ كما لو حلف ألاّ يأكل هذين الرغيفين فإنه يحنث بأكل أحدهما بل بأكل لُقمة منهما. وقال أشهب: تَعتِق وتطلقُ التي دخلت وحدها؛ لأن دخول كلّ واحدة منهما شرطٌ في طلاقها أو عتقها. قال ٱبن العربي: وهذا بعيد؛ لأن بعض الشرط لا يكون شرطاً إجماعاً. قلت: الصحيح الأوّل، وإن النّهي إذا كان معلَّقاً على فعلين لا تتحقق المخالفة إلا بهما؛ لأنك إذا قلت: لا تدخلا الدار؛ فدخل أحدهما ما وُجدت المخالفة منهما؛ لأن قول الله تعالى {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} نَهْيٌ لهما {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} جوابه؛ فلا يكونا من الظالمين حتى يفعلا؛ فلما أكلت لم يصبها شيء؛ لأن المنهيّ عنه ما وُجد كاملاً. وخَفِيَ هذا المعنى على آدم فطمع ونسي هذا الحكم، وهو معنى قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ}. وقيل: نسي قوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ}تفسير : [طه: 117]. والله أعلم. الثانية عشرة: وٱختلف العلماء في هذا الباب هل وقع من الأنبياء ـ صلوات الله عليهم أجميعن ـ صغائر من الذنوب يؤاخذون بها ويعاتبون عليها أم لا ـ بعد ٱتفاقهم على أنهم معصومون من الكبائر ومن كل رذيلة فيها شَيْن ونقص إجماعاً عند القاضي أبي بكر؛ وعند الأستاذ أبي إسحاق أن ذلك مقتضى دليل المعجزة؛ وعند المعتزلة أن ذلك مقتضى دليل العقل على أصولهم ـ؛ فقال الطبري وغيره من الفقهاء والمتكلمين والمحدّثين: تقع الصغائر منهم. خلافاً للرافضة حيث قالوا: إنهم معصومون من جميع ذلك؛ وٱحتجّوا بما وقع من ذلك في التنزيل وثبت من تنصّلهم من ذلك في الحديث، وهذا ظاهر لا خفاء فيه. وقال جمهور من الفقهاء من أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي: إنهم معصومون من الصغائر كلها كعصمتهم من الكبائر أجمعها؛ لأنَّا أمِرنا باتباعهم في أفعالهم وآثارهم وسِيَرهم أمراً مطلقاً من غير التزام قرينة، فلو جوّزنا عليهم الصغائر لم يمكن الاقتداء بهم؛ إذ ليس كل فعل من أفعالهم يتميّز مقصده من القُرْبة والإباحة أو الحَظْر أو المعصية، ولا يصحّ أن يؤمر المرء بٱمتثال أمرٍ لعلّه معصية، لاسيّما على من يرى تقديم الفعل على القول إذا تعارضا من الأصوليين. قال الأستاذ أبو إسحاق الأسفرايني: وٱختلفوا في الصغائر؛ والذي عليه الأكثر أن ذلك غير جائز عليهم، وصار بعضهم إلى تجويزها، ولا أصل لهذه المقالة. وقال بعض المتأخرين ممن ذهب إلى القول الأوّل: الذي ينبغي أن يقال إن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم ونَسَبها إليهم وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم وتنصّلوا منها وأشفقوا منها وتابوا؛ وكل ذلك وَرَد في مواضع كثيرة لا يقبل التأويل جملتها وإن قَبِل ذلك آحادها؛ وكل ذلك مما لا يُزْرِي بمناصبهم، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم على جهة النُّدور وعلى جهة الخطأ والنسيان، أو تأويل دعا إلى ذلك فهي بالنسبة إلى غيرهم حسنات وفي حقهم سيئات؛ (بالنسبة) إلى مناصبهم وعُلوّ أقدارهم؛ إذ قد يؤاخذ الوزير بما يثاب عليه السائس، فأشفقوا من ذلك في موقف القيامة مع علمهم بالأمن والأمان والسلامة. قال: وهذا هو الحق. ولقد أحسن الجُنَيد حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين. فهم ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يُخِلّ ذلك بمناصبهم ولا قَدَح في رُتَبهم، بل قد تلافاهم وٱجتباهم وهداهم ومدحهم وزكّاهم وٱختارهم وٱصطفاهم؛ صلوات الله عليهم وسلامه. الثالثة عشرة: قوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} الظُّلم أصله وضع الشيء في غير موضعه. والأرض المظلومة: التي لم تُحفر قطُّ ثم حُفرت. قال النابغة.شعر : وقفتُ فيها أصَيْلالاً أسائلها عَيّتْ جواباً وما بالرّبعِ من أحدِ إلا الأَوَارِيَّ لأّياً ما أُبَيِّنها والنُّؤْيَ كالحَوْض بالمظلومة الجَلَد تفسير : ويُسَمَّى ذلك التراب الظَّلِيم. قال الشاعر:شعر : فأصبَحَ في غبراءَ بعد إشاحةٍ على العيش مردودٍ عليها ظَليمُها تفسير : وإذا نُحِرَ البعيرُ من غير داء به فقد ظُلم؛ ومنه: شعر : ... ظَلاَّمون للجُزُر تفسير : ويقال: سقانا ظَلِيمة طيّبة؛ إذا سقاهم اللبن قبل إدراكه. وقد ظَلَم وَطْبَه؛ إذا سَقَى منه قبل أن يَرُوب ويُخْرَج زُبْده. واللّبنُ مظلوم وظَليم. قال:شعر : وقائلةٍ ظلمتُ لكم سقائي وهل يخْفَى على العَكَدِ الظليم تفسير : ورجل ظَليم: شديد الظلم. والظلم: الشرك؛ قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. قوله تعالى: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} حُذفت النون من «كُلاَ» لأنه أَمْر، وحُذفت الهمزة لكثرة الاستعمال، وحذفها شاذّ. قال سيبويه: مِن العرب من يقول أُؤْكُل؛ فيُتِمّ. يقال منه: أَكَلْت الطعام أكْلاً وَمأْكَلاً. والأَكْلة (بالفتح): المرّة الواحدة حتى تشبع. والأُكْلة (بالضم): اللُّقْمة؛ تقول: أكلت أُكْلَة واحدة؛ أي لقمة وهي القُرْصة أيضاً. وهذا الشيء أُكْلَةٌ لك؛ أي طُعْمَةٌ لك. والأُكْلُ أيضاً ما أُكِل. ويقال: فلان ذو أُكْل؛ إذا كان ذا حظّ من الدنيا ورزق واسع. {رَغَداً} نعتٌ لمصدر محذوف؛ أي أَكْلاً رَغَداً. قال ٱبن كَيْسان: ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال. وقال مجاهد: «رَغَداً» أي لا حساب عليهم. والرّغد في اللغة: الكثير الذي لا يُعَنّيك؛ ويقال: أرغد القوم؛ إذا وقعوا في خِصْب وسَعَة. وقد تقدّم هذا المعنى. و {لاَ} مبنيّة على الضمّ؛ لأنها خالفت أخواتها الظروف في أنها لا تضاف، فأشبهت قبلُ وبعدُ إذا أفردتا فضُمّت. قال الكسائي: لغة قيس وكِنانة الضمّ، ولغة تميم الفتح. قال الكسائي: وبنو أسد يخفضونها في موضع الخفض، وينصبونها في موضع النصب؛ قال الله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} وتُضمّ وتُتفتح. {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} الهاء من «هذه» بدل من ياء الأصل؛ لأن الأصل هذي. قال النحاس: ولا أعلم في العربية هاء تأنيث مكسوراً ما قبلها إلا هاء «هذه». ومن العرب من يقول: هاتا هند، ومنهم من يقول: هاتي هند. وحكى سيبويه: هذه هند؛ بإسكان الهاء. وحكى الكسائي عن العرب: ولا تقربا هذي الشجرة. وعن شِبْل بن عَبّاد قال: كان ٱبن كَثير وٱبن مُحَيْصِن لا يُثبتان الهاء في «هذه» في جميع القرآن. وقراءة الجماعة «رَغَداً» بفتح الغين. وروي عن ٱبن وَثّاب والنَّخَعِيّ أنهما سَكّنَا الغين. وحكى سلمة عن الفَرّاء قال يقال: هذه فعلت وهذي فعلت، بإثبات ياء بعد الذال. وهذِ فعلت، بكسر الذال من غير إلحاق ياء ولا هاء. وهاتا فعلت. قال هشام ويقال: تافعلت. وأنشد:شعر : خَلِيليّ لَوْلاَ ساكنُ الدَّارِ لم أُقِمْ بِتَا الدَّارِ إلاّ عابرَ ٱبن سبيل تفسير : قال ٱبن الأنباري: وتا بإسقاط ها بمنزلة ذي بإسقاط ها من هذي، وبمنزلة ذه بإسقاط ها من هذه. وقد قال الفرّاء: مَن قال هذِ قامتْ لا يُسقط ها؛ لأن الاسم لا يكون على ذال واحدة. {فَتَكُونَا} عطف على «تقربا» فلذلك حُذفت النون. وزعم الجَرْمِيّ أن الفاء هي الناصبة؛ وكلاهما جائز.

البيضاوي

تفسير : {وَقُلْنَا يَاءادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} السكنى من السكون لأنها استقرار ولبث، و{أَنتَ} تأكيد أكد به المستكن ليصح العطف عليه، وإنما لم يخاطبهما أولاً تنبيهاً على أنه المقصود بالحكم والمعطوف عليه تبع له. والجنة دار الثواب، لأن اللام للعهد ولا معهود غيرها. ومن زعم أنها لم تخلق بعد قال إنه بستان كان بأرض فلسطين، أو بين فارس وكرمان خلقه الله تعالى امتحاناً لآدم، وحمل الإهباط على الانتقال منه إلى أرض الهند كما في قوله تعالى: {أية : ٱهْبِطُواْ مِصْرًا }تفسير : [البقرة: 61] {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا} واسعاً رافهاً، صفة مصدر محذوف. {حَيْثُ شِئْتُمَا} أي مكان من الجنة شئتما، وسع الأمر عليهما إزاحة للعملة، والعذر في التناول من الشجرة المنهي عنها من بين أشجارها الفائتة للحصر. {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } فيه مبالغات، تعليق النهي بالقرب الذي هو من مقدمات التناول مبالغة في تحريمه، ووجوب الاجتناب عنه، وتنبيهاً على أن القرب من الشيء يورث داعية، وميلاً يأخذ بمجامع القلب ويلهيه عما هو مقتضى العقل والشرع، كما روي «حبك الشيء يعمي ويصم» فينبغي أن لا يحوما حول ما حرم الله عليهما مخافة أن يقعا فيه، وجعله سبباً لأن يكونا من الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي، أو بنقص حظهما بالإتيان بما يخل بالكرامة والنعيم، فإن الفاء تفيد السببية سواء جعلت للعطف على النهي أو الجواب له. والشجرة هي الحنطة، أو الكرمة، أو التينة، أو شجرة من أكل منها أحدث، والأولى أن لا تعين من غير قاطع كما لم تعين في الآية لعدم توقف ما هو المقصود عليه. وقرىء بكسر الشين، وتقرباً بكسر التاء وهذي بالياء.

ابن كثير

تفسير : يقول الله تعالى إخباراً عما أكرم به آدم، بعد أن أمر الملائكة بالسجود له: فسجدوا إلا إبليس، وأنه أباح له الجنة، يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها ما شاء رغداً، أي: هنيئاً واسعاً طيباً. وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث محمد بن عيسى الدامغاني، حدثنا سلمة بن الفضل عن ميكائيل عن ليث عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله أرأيت آدم أنبياً كان؟ قال: «حديث : نعم نبياً رسولاً كلمه الله قبلاً»تفسير : - يعني عياناً - فقال: {ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} وقد اختلف في الجنة التي أسكنها آدم، أهي في السماء، أم في الأرض؟ والأكثرون على الأول، وحكى القرطبي عن المعتزلة والقدرية القول بأنها في الأرض، وسيأتي تقرير ذلك في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى، وسياق الآية يقتضي أن حواء خلقت قبل دخول آدم الجنة وقد صرح بذلك محمد بن إسحاق حيث قال: لما فرغ الله من معاتبة إبليس أقبل على آدم وقد علمه الأسماء كلها فقال يا آدم أنبئهم بأسمائهم إلى قوله:{أية : إِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [البقرة: 32] قال: ثم ألقيت السنة على آدم فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم عن ابن عباس وغيره، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر، ولأم مكانه لحماً، وآدم نائم لم يهب من نومه حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حواء، فسواها امرأة ليسكن إليها، فلما كشف عنه السنة، وهب من نومه، رآها إلى جنبه، فقال فيما يزعمون، والله أعلم: «لحمي ودمي وزوجتي» فسكن إليها، فلما زوجه الله، وجعل له سكناً من نفسه، قال له قبلاً: {يَاءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ} ويقال: إن خلق حواء كان بعد دخول الجنة؛ كما قال السدي في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: أخرج إبليس من الجنة، وأسكن آدم الجنة، فكان يمشي فيها وَحْشاً ليس له زوج يسكن إليه، فنام نومة، فاستيقظ، وعند رأسه امرأة قاعدة، خلقها الله من ضلعه، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة، قال: ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي. قالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء، قالوا: ولِمَ سميت حواء؟ قال: إنها خلقت من شيء حي. قال الله: {يَاءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا}. وأما قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} فهو اختبار من الله تعالى وامتحان لآدم. وقد اختلف في هذه الشجرة ما هي؟ فقال السدي عمن حدثه عن ابن عباس: الشجرة التي نهي عنها آدم عليه السلام هي الكرم، وكذا قال سعيد بن جبير والسدي والشعبي وجعدة ابن هبيرة ومحمد بن قيس، وقال السدي أيضاً في خبر ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}: هي الكرم، وتزعم يهود أنها الحنطة. وقال ابن جرير وابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي حدثنا أبو يحيى الحماني حدثنا النضر أبو عمر الخزاز عن عكرمة عن ابن عباس قال: الشجرة التي نهي عنها آدم عليه السلام هي السنبلة، وقال عبد الرزاق: أنبأنا ابن عيينة وابن المبارك عن الحسن بن عمارة عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: هي السنبلة، وقال محمد بن إسحاق عن رجل من أهل العلم عن حجاج عن مجاهد عن ابن عباس قال: هي البر. وقال ابن جرير: وحدثني المثنى بن إبراهيم، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا القاسم حدثني رجل من بني تميم أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن الشجرة التي أكل منها آدم، والشجرة التي تاب عندها آدم، فكتب إليه أبو الجلد: سألتني عن الشجرة التي نهي عنها آدم، وهي السنبلة، وسألتني عن الشجرة التي تاب عندها آدم، وهي الزيتونة. وكذلك فسره الحسن البصري ووهب ابن منبه وعطية العوفي وأبو مالك ومحارب بن دثار وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقال محمد بن إسحاق عن بعض أهل اليمن عن وهب ابن منبه: إنه كان يقول هي البر، ولكن الحبة منها في الجنة كَكُلَىٰ البقر، وألين من الزبد، وأحلى من العسل، وقال سفيان الثوري عن حصين عن أبي مالك: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} قال: النخلة. وقال ابن جرير عن مجاهد: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} قال: التينة، وبه قال قتادة وابن جريج. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: كانت الشجرة من أكل منها أحدث، ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث. وقال عبد الرزاق: حدثنا عمر بن عبد الرحمن بن مهران قال: سمعت وهب بن منبه يقول: لما أسكن الله آدم وزوجته الجنة، ونهاه عن أكل الشجرة، وكانت شجرة غصونها متشعب بعضها من بعض، وكان لها ثمر تأكله الملائكة لخلدهم، وهي الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته. فهذه أقوال ستة في تفسير هذه الشجرة. قال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله: والصواب في ذلك أن يقال: إن الله عز وجل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فأكلا منها، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلاً على ذلك في القرآن، ولا من السنة الصحيحة، وقد قيل: كانت شجرة البر، وقيل: كانت شجرة العنب، وقيل: كانت شجرة التين، وجائز أن تكون واحدة منها، وذلك علم إذا علم لم ينفع العالم به علمه، وإن جهله جاهل لم يضره جهله به، والله أعلم، وكذلك رجح الإبهام الرازي في تفسيره وغيره، وهو الصواب، وقوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا} يصح أن يكون الضمير في قوله: عنها، عائداً إلى الجنة، فيكون معنى الكلام كما قرأ عاصم: فأزالهما، أي: فنحاهما. ويصح أن يكون عائداً على أقرب المذكورين، وهو الشجرة، فيكون معنى الكلام كما قال الحسن وقتادة: فأزلهما، أي: من قبل الزلل، فعلى هذا يكون تقدير الكلام: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا} أي: بسببها، كما قال تعالى: {أية : يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} تفسير : [الذاريات: 9] أي: يصرف بسببه من هو مأفوك، ولهذا قال تعالى: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} أي: من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ} أي: قرار وأرزاق وآجال - إلى حين - أي: إلى وقت ومقدار معين، ثم تقوم القيامة، وقد ذكر المفسرون من السلف كالسدي بأسانيده وأبي العالية ووهب بن منبه وغيرهم هاهنا أخباراً إسرائيلية عن قصة الحية وإبليس، وكيف جرى من دخول إبليس إلى الجنة ووسوسته، وسنبسط ذلك إن شاء الله في سورة الأعراف، فهناك القصة أبسط منها ههنا، والله الموفق، وقد قال ابن أبي حاتم ههنا: حدثنا علي بن الحُسين بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله خلق آدم رجلاً طوالاً، كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سحوق، فلما ذاق الشجرة، سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته، فلما نظر إلى عورته، جعل يشتد في الجنة، فأخذت شعره شجرة، فنازعها، فناداه الرحمن: يا آدم مني تفر؟ فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب لا، ولكن استحياء»تفسير : قال: وحدثني جعفر بن أحمد بن الحكم القرشي سنة أربع وخمسين ومائتين، حدثنا سليمان بن منصور ابن عمار حدثنا علي بن عاصم عن سعيد عن قتادة عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : لما ذاق آدم من الشجرة، فر هارباً، فتعلقت شجرة بشعره، فنودي: يا آدم أفراراً مني؟ قال: بل حياء منك، قال: يا آدم اخرج من جواري، فبعزتي لا يساكنني فيها من عصاني، ولو خلقت مثلك ملء الأرض خلقاً ثم عصوني، لأسكنتهم دار العاصين»تفسير : هذا حديث غريب، وفيه انقطاع، بل إعضال بين قتادة وأبي بن كعب رضي الله عنهما. وقال الحاكم: حدثنا أبو بكر بن باكويه عن محمد بن أحمد بن النضر عن معاوية بن عمرو عن زائدة عن عمار بن أبي معاوية البجلي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: ما أسكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وقال عبد بن حميد في تفسيره: حدثنا روح عن هشام عن الحسن، قال: لبث آدم في الجنة ساعة من نهار، تلك الساعة ثلاثون ومائة سنة من أيام الدنيا. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، قال: خرج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة، فأخرج آدم معه غصناً من شجر الجنة على رأسه تاج من شجر الجنة وهو الإكليل من ورق الجنة. وقال السدي: قال الله تعالى: {ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا} فهبطوا، ونزل آدم بالهند، ونزل معه الحجر الأسود، وقبضة من ورق الجنة، فبثه بالهند، فنبتت شجرة الطيب، فإنما أصل ما يجاء به من الطيب من الهند من قبضة الورق التي هبط بها آدم، وإنما قبضها آدم أسفاً على الجنة حين أخرج منها. وقال عمران بن عيينة: عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: أهبط آدم من الجنة بِدَحْنا أرض الهند. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن عطاء عن سعيد عن ابن عباس قال: أهبط آدم عليه السلام إلى أرض يقال لها دحنا بين مكة والطائف. وعن الحسن البصري قال: أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، وإبليس بدستميسان من البصرة على أميال، وأهبطت الحية بأصبهان، رواه ابن أبي حاتم. وقال بن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث حدثنا محمد بن سابق حدثنا عمر بن أبي قيس عن الزبير بن عدي عن ابن عمر قال: أهبط آدم بالصفا، وحواء بالمروة. وقال رجاء بن سلمة: أهبط آدم عليه السلام يداه على ركبتيه مطأطئاً رأسه، وأهبط إبليس مشبكاً بين أصابعه رافعاً رأسه إلى السماء. وقال عبد الرزاق: قال معمر: أخبرني عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى، قال: إن الله حين أهبط آدم من الجنة إلى الأرض علمه صنعة كل شيء، وزوده من ثمار الجنة، فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير، وتلك لا تتغير. وقال الزهري عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها»تفسير : رواه مسلم والنسائي. وقال الرازي: أعلم أن في هذه الآية تهديداً عظيماً عن كل المعاصي من وجوه: (الأول) أن من تصور ما جرى على آدم بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة كان على وجل شديد من المعاصي، قال الشاعر:شعر : يا ناظراً يَرْنُو بِعَيْنَيْ راقِدِ ومُشاهِداً للأَمْرِ غَيْرَ مُشاهِدِ تَصِلُ الذنوبَ إلى الذنوبِ وتَرْتَجي دَرَجَ الجِنانِ ونَيْلَ فوزِ العابِدِ أَنَسِيْتَ رَبَّكَ حينَ أخرَجَ آدماً مِنْها إلى الدنْيا بذنبٍ واحدِ تفسير : وقال ابن القاسم:شعر : ولكنَّنا سَبْيُ العَدُو فَهَل ترى نَعودُ إلى أوطانِنا ونسلمُ تفسير : قال الرازي: عن فتح الموصلي أنه قال: كنا قوماً من أهل الجنة، فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها. فإن قيل: فإذا كانت جنة آدم التي أخرج منها في السماء؛ كما يقوله الجمهور من العلماء، فكيف تمكن إبليس من دخول الجنة، وقد طرد من هنالك طرداً قدرياً، والقدري لا يخالف ولا يمانع؟ فالجواب: أن هذا بعينه استدل به من يقول: إن الجنة التي كان فيها آدم في الأرض لا في السماء، كما قد بسطنا هذا في أول كتابنا البداية والنهاية، وأجاب الجمهور بأجوبة، أحدها: أنه منع من دخول الجنة مكرماً، فأما على وجه السرقة والإهانة، فلا يمتنع، ولهذا قال بعضهم؛ كما جاء في التوراة: أنه دخل في فم الحية إلى الجنة. وقد قال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو خارج باب الجنة. وقال بعضهم: يحتمل أنه وسوس لهما وهو في الأرض، وهما في السماء، ذكرها الزمخشري وغيره. وقد أورد القرطبي ههنا أحاديث في الحيات وقتلهن، وبيان حكم ذلك، فأجاد وأفاد.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقُلْنَا يَاءادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ } تأكيد للضمير المستتر ليُعْطَفَ عليه:{وَزَوْجُكَ } حوّاء بالمدّ وكان خلقها من ضلعه الأيسر {ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا } أكلا {رَغَدًا } واسعاً لا حَجْرَ فيه {حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ } أي بالأكل منها وهي الحنطة أو الكرم أو غيرهما {فَتَكُونَا } فتصيرا {مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ } العاصين.

الشوكاني

تفسير : {ٱسْكُنْ } أي: اتخذ الجنة مسكناً وهو محل السكون. وأما ما قاله بعض المفسرين من أن في قوله: {اسكن} تنبيهاً على الخروج؛ لأن السكنى لا تكون ملكاً، وأخذ ذلك من قول جماعة من العلماء أن من أسكن رجلاً منزلاً له، فإنه لا يملكه بذلك، وإن له أن يخرجه منه، فهو: معنى عرفي، والواجب الأخذ بالمعنى العربي، إذا لم تثبت في اللفظ حقيقة شرعية. و{أَنتَ} تأكيد للضمير المستكن في الفعل، ليصح العطف عليه، كما تقرّر في علم النحو، أنه لا يجوز العطف على الضمير المرفوع المستكنّ إلا بعد تأكيده بمنفصل. وقد يجيء العطف نادراً بغير تأكيد كقول الشاعر:شعر : قلتُ إذَا أقْبَلتْ وزُهْرُ تَهَادى كَنِعاج المَلا تَعسَّفْنَ رَمْلا تفسير : وقوله؛ {وَزَوْجُكَ} أي: حوّاء، وهذه هي اللغة الفصيحة زوج بغير هاء، وقد جاء بها قليلاً كما في صحيح مسلم من حديث أنس: «حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع إحدى نسائه، فمرّ به رجل، فدعاه وقال: يا فلان هذه زوجتي فلانة» تفسير : الحديث، ومنه قول الشاعر:شعر : وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي كساع إلى أسد الشرى يستميلها تفسير : و{رَغَدًا} بفتح المعجمة، وقرأ النخعي، وابن وثاب بسكونها، والرغد: العيش الهنيء الذي لا عناء فيه، وهو منصوب على الصفة لمصدر محذوف. و{حَيْثُ } مبنية على الضم، وفيها لغات كثيرة مذكورة في كتب العربية. والقرب: الدنّو، قال في الصحاح: قرب الشيء بالضم يَقْرُب قُرْباً أي دنا، وقَرِبته بالكسر أقربه قرباناً أي: دنوت منه، وقَرَبْتُ أقْرب قِرِابَةً مثل كتبت أكتب كتابة: إذا سرت إلى الماء، وبينك، وبينه ليلة. والاسم القرب. قال الأصمعي: قلت لأعرابي: ما القرب؟ قال: سير الليل لورود الغد. والنهي عن القرب فيه سدّ للذريعة، وقطع للوسيلة، ولهذا جاء به عوضاً عن الأكل، ولا يخفى أن النهي عن القرب لا يستلزم النهي عن الأكل، لأنه قد يأكل من ثمر الشجرة من هو بعيد عنها إذا يحمل إليه، فالأولى أن يقال: المنع من الأكل مستفاد من المقام. والشجر: ما كان له ساق من نبات الأرض، وواحده شجرة، وقرىء بكسر الشين، وبالياء المثناة من تحت مكان الجيم. وقرأ ابن محيصن: «هذي» بالياء بدل الهاء وهو الأصل. واختلف أهل العلم في تفسير هذه الشجرة، فقيل: هي: الكرم. وقيل: السنبلة، وقيل التين، وقيل الحنطة، وسيأتي ما روى عن الصحابة، فمن بعدهم في تعيينها. وقوله: {فَتَكُونَا} معطوف على {تَقْرَبَا } في الكشاف، أو نصب في جواب النهي، وهو الأظهر. والظلم أصله: وضع الشيء في غير موضعه. والأرض المظلومة: التي لم تحفر قط، ثم حفرت، ورجل ظليم: شديد الظلم. والمراد هنا {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } لأنفسهم بالمعصية، وكلام أهل العلم في عصمة الأنبياء، واختلاف مذاهبهم في ذلك مدوّن في مواطنه، وقد أطال البحث في ذلك الرازي في تفسيره في هذا الموضع، فليرجع إليه، فإنه مفيد. وأزلهَّما من الزلة، وهي الخطيئة، أي استزلهما، وأوقعهما فيها. وقرأ حمزة: «فأزالهما» بإثبات الألف من الإزالة، وهي التنحية، أي نحاهما. وقرأ: الباقون بحذف الألف. قال ابن كيسان: هو: من الزوال، أي: صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية. قال القرطبي: وعلى هذا تكون القراءتان بمعنى، إلاّ أن قراءة الجماعة أمكن في المعنى؛ يقال منه: أزللته فزّل و{عَنْهَا} متعلق بقوله {أزلهما} على تضمينه معنى أصدر، أي أصدر الشيطان زلتهما عنها، أي بسببها، يعني الشجرة. وقيل: الضمير للجنة، وعلى هذا، فالفعل مضمن معنى أبعدهما: أي: أبعدهما عن الجنة. وقوله: {فَأَخْرَجَهُمَا } تأكيد لمضمون الجملة الأولى أي: أزلهما، إن كان معناه زال عن المكان، وإن لم يكن معناه كذلك، فهو تأسيس، لأن الإخراج فيه زيادة على مجرد الصرف، والإبعاد، ونحوهما: لأن الصرف عن الشجرة، والإبعاد عنها قد يكون مع البقاء في الجنة، بخلاف الإخراج لهما عما كانا فيه من النعيم، والكرامة، أو من الجنة، وإنما نسب ذلك إلى الشيطان؛ لأنه الذي تولى إغواء آدم حتى أكل من الشجرة. وقد اختلف أهل العلم في الكيفية التي فعلها الشيطان في إزلالهما، فقيل: إنه كان ذلك بمشافهة منه لهما، وإليه ذهب الجمهور، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى {أية : وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ } تفسير : [الأعراف: 21] والمقاسمة ظاهرها المشافهة. وقيل: لم يصدر منه إلا مجرد الوسوسة، وقيل غير ذلك مما سيأتي في المروي عن السلف. وقوله: {ٱهْبِطُواْ } خطاب لآدم وحواء، وخوطبا بما يخاطب به الجمع؛ لأن الاثنين أقلّ الجمع عند البعض من أئمة العربية، وقيل إنه خطاب لهما، ولذريتهما؛ لأنهما لما كانا أصل هذا النوع الانساني جعلا بمنزلته، ويدل على ذلك قوله {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } فإن هذه الجملة الواقعة حالاً مبيناً للهيئة الثابتة للمأمورين بالهبوط تفيد ذلك. والعدوّ خلاف الصديق، وهو من عدا إذا ظلم، ويقال ذئب عدوان، أي يعدو على الناس، والعدوان: الظلم الصراح وقيل: إنه مأخوذ من المجاوزة، يقال عداه: إذا جاوزه، والمعنيان متقاربان، فإن من ظلم، فقد تجاوز. وإنما أخبر عن قوله: {بَعْضُكُمْ } بقوله: {عَدُوٌّ } مع كونه مفرداً؛ لأن لفظ بعض، وإن كان معناه محتملاً للتعدد، فهو مفرد فروعي جانب اللفظ، وأخبر عنه بالمفرد، وقد يراعى المعنى، فيخبر عنه بالمتعدد. وقد يجاب بأن {عَدُوٌّ } وإن كان مفرداً، فقد يقع موقع المتعدد كقوله تعالى: {أية : وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ }تفسير : [الكهف: 50] وقوله: {أية : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ } تفسير : [المنافقون: 4] قال ابن فارس: العدوّ اسم جامع للواحد، والاثنين، والثلاثة. والمراد بالمستقرّ موضع الاستقرار، ومنه: {أية : أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً } تفسير : [الفرقان: 24] وقد يكون بمعنى الاستقرار، ومنه: {أية : إِلَىٰ رَبّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ }تفسير : [القيامة: 12] فالآية محتملة للمعنيين، ومثلها قوله: {أية : جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأرْضَ قَـرَاراً } تفسير : [غافر: 64] والمتاع: ما يستمتع به من المأكول، والمشروب، والملبوس، ونحوها. واختلف المفسرون في قوله: {إِلَىٰ حِينٍ } فقيل إلى الموت، وقيل إلى قيام الساعة. وأصل معنى الحين في اللغة: الوقت البعيد، ومنه {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَـٰنِ حِينٌ مّنَ ٱلدَّهْرِ }تفسير : [الإنسان: 1] والحين الساعة، ومنه: {أية : أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ }تفسير : [الزمر: 58] والقطعة من الدهر، ومنه: {أية : فَذَرْهُمْ فِى غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ } تفسير : [المؤمنون: 54] أي: حتى تفنى آجالهم، ويطلق على السنة، وقيل على ستة أشهر، ومنه {أية : تُؤْتِى أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ }تفسير : [إبراهيم: 25] ويطلق على الصباح، والمساء، ومنه {أية : حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ }تفسير : [الروم: 17] وقال الفراء: الحين حينان: حين لا يوقف على حده، ثم ذكر الحين الآخر، واختلافه بحسب اختلاف المقامات كما ذكرنا. وقال ابن العربي: الحين المجهول لا يتعلق به حكم، والحين المعلوم سنة. ومعنى تلقي آدم للكلمات: أخذه لها، وقبوله لما فيها، وعمله بها، وقيل: فهمه لها، وفطانته لما تضمنته. وأصل معنى التلقي: الاستقبال، أي: استقبل الكلمات الموحاة إليه. ومن قرأ بنصب «آدم» جعل معناه استقبلته الكلمات. وقيل: إن معنى تلقي تلقن. ولا وجه له في العربية. واختلف السلف في تعيين هذه الكلمات وسيأتي. والتوبة: الرجوع، يقال: تاب العبد: إذا رجع إلى طاعة مولاه، وعبد توّاب: كثير الرجوع، فمعنى تاب عليه: رجع عليه بالرحمة، فقبل توبته، أو وفَقَّه للتوبة. واقتصر على ذكر التوبة على آدم دون حواء مع اشتراكهما في الذنب؛ لأن الكلام من أوّل القصة معه، فاستمر على ذلك، واستغنى بالتوبة عليه عن ذكر التوبة عليها؛ لكونها تابعة له، كما استغنى بنسبة الذنب إليه عن نسبته إليها في قوله: {أية : وَعَصَىٰءادَمَ * رَبَّهُ فَغَوَىٰ } تفسير : [طه: 121]. وأما قوله: {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ } بعد قوله: {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ }، فكررّه للتوكيد، والتغليظ. وقيل إنه لما تعلق به حكم غير الحكم الأوّل كرره، ولا تزاحم بين المقتضيات. فقد يكون التكرير للأمرين معاً. وجواب الشرط في قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى } هو الشرط الثاني مع جوابه قاله سيبويه. وقال الكسائي: إن جواب الشرط الأوّل، والثاني قوله: {فَلاَ خَوْفٌ } واختلفوا في معنى الهدى المذكور، فقيل: هو كتاب الله. وقيل: التوفيق للهداية. والخوف: هو الذعر، ولا يكون إلا في المستقبل. وقرأ: الزهري، والحسن وعيسى بن عمار، وابن أبي إسحاق، ويعقوب: «فلا خوف» بفتح الفاء، والحزن ضد السرور. قال اليزيدي: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم. وقد قرىء بهما. وصحبة أهل النار لها بمعنى الاقتران، والملازمة. وقد تقدّم ذكر تفسير الخلود. وقد أخرج أبو الشيخ، وابن مردويه، عن أبي ذر قال: «حديث : قلت يا رسول الله أرأيت آدم نبياً كان؟ قال: نعم كان نبياً رسولاً كلمه الله، قال له {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة}» تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة، والطبراني، عن أبي ذر قال: «قلت يا رسول الله، من أوّل الأنبياء؟ قال:حديث : آدم تفسير : قلت: نبي؟ قال: حديث : نعم. تفسير : قلت: ثم من؟ قال:حديث : نوح وبينهما عشرة آباء»تفسير : . وأخرج أحمد، والبخاري في تاريخه، والبيهقي في الشعب نحوه من حديث أبي ذر مرفوعاً وزاد: «كم كان المرسلون؟ قال: حديث : ثلثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي، عن أبي أمامة الباهلي، أن رجلاً قال: «يا رسول الله أنبيّ كان آدم؟ قال:حديث : نعم،تفسير : قال: كم بينه وبين نوح؟ قال:حديث : عشرة قرون تفسير : قال: كم بين نوح، وبين إبراهيم؟ قال: حديث : عشرة قرون،تفسير : قال: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: حديث : مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، تفسير : قال: يا رسول الله كم كانت الرسل من ذلك؟ قال:حديث : ثلثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً»تفسير : . وأخرج أحمد، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه من حديث أبي أمامة نحوه، وصرح بأن السائل أبو ذرّ. وأخرج عبد بن حميد، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: ما سكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن مردويه، والبيهقي عنه، قال: «ما غابت الشمس من ذلك اليوم حتى أهبط من الجنة». وأخرج الفريابي، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن الحسن قال: لبث آدم في الجنة ساعة من نهار، تلك الساعة مائة وثلاثون سنة من أيام الدنيا. وقد روي تقدير اللُّبث في الجنة عن سعيد بن جبير بمثل ما تقدّم، عن ابن عباس كما رواه أحمد في الزهد. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي، وابن عساكر، عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة قالوا: لما سكن آدم الجنة كان يمشي فيها وحشاً ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ، وإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه. وأخرج البخاري، ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء من الضلع رأسه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته تركته، وفيه عوج» تفسير : وروى أبو الشيخ، وابن عساكر، عن ابن عباس قال: إنما سميت حواء؛ لأنها أمّ كل حي. وأخرج ابن عدي، وابن عساكر، عن النخعي قال: لما خلق الله آدم، وخلق له زوجه بعث إليه ملكاً، وأمره بالجماع ففعل، فلما فرغ قالت له حواء: يا آدم هذا طيب زدنا منه. وأخرج ابن جرير، وابن عساكر، عن ابن مسعود، وناس من الصحابة قال: الرغد الهنيء. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الرغد: سعة المعيشة. وأخرجا عنه في قوله: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا } قال: لا حساب عليكم. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر من طرق، عن ابن عباس قال: الشجرة التي نهى الله عنها آدم السنبلة وفي لفظ: البرّ. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، عنه قال: هي الكرم. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود مثله. وأخرج أبو الشيخ، عنه قال: هي: اللوز. وأخرج ابن جرير، عن بعض الصحابة قال: هي: التينة. وروى مثله أبو الشيخ عن مجاهد وابن أبي حاتم عن قتادة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن وهب بن منبه قال: هي: البرّ. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي مالك قال: هي: النخلة. وأخرج أبو الشيخ، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيْط قال: هي الأترجّ. وأخرج أحمد في الزهد، عن شعيب الجبائي قال: هي تشبه البرّ، وتسمى الدّعة، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {فَأَزَلَّهُمَا } قال: فأغواهما. وأخرج ابن أبي حاتم، عن عاصم بن بهدلة قال: {فَأَزَلَّهُمَا} فنحاهما. وأخرج أبو داود في المصاحف، عن الأعمش قال: قراءتنا في البقرة مكان {فأزلهما} "فوسوس". وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة، فمنعته الخزنة، فأتى الحية، وهي دابة لها أربع قوائم، كأنها البعير، وهي: كأحسن الدواب، فكلمها أن تدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم، فأدخلته في فمها، فمرّت الحية على الخزنة فدخلت، ولا يعلمون لما أراد الله من الأمر، فكلمه من فمها فلم يبال بكلامه، فخرج إليه فقال: {أية : يا آدم هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ } تفسير : [طه: 120] وحلف لهما بالله {أية : إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ }تفسير : [الأعراف: 21] فأبى آدم أن يأكل منها، فتقدّمت حواء، فأكلت، ثم قالت: يا آدم كل، فإني قد أكلت، فلم يضرني، فلما أكلا {أية : بَدَتْ لَهُمَا سَوْءتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [الأعراف: 22]. وقد أخرج قصة الحية، ودخول إبليس معها، عبد الرزاق، وابن جرير، عن ابن عباس. وأخرج ابن سعد، وأحمد في الزهد، وعبد بن حميد، وابن المنذر والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي عن أبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن آدم كان رجلاً طوالاً كأنه نخلة سحوق طوله ستون ذراعاً كثير شعر الرأس، فلما ركب الخطيئة بدت له عورته»تفسير : الحديث. وأخرج ابن منيع، وابن المنذر، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس. قال: قال الله لآدم: ما حملك على أن أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: يا ربّ زينته لي حوّاء، قال: فإني عاقبتها بألا تحمل إلا كرهاً، ولا تضع إلا كرهاً، وأدميتها في كل شهر مرتين. وأخرج البخاري، والحاكم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حوّاء لم تخن أنثى زوجها»تفسير : . وقد ثبتت أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة في الصحيحين، وغيرهما في محاجة آدم، وموسى، وحجّ آدم موسى بقوله: أتلومني على أمر قدّره الله عليّ قبل أن أخلق؟ وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } قال: آدم، وحواء، وإبليس، والحية {وَلَكُمْ فِى ٱلأرْضِ مُسْتَقَرٌّ } قال: القبور {وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ } قال: الحياة. وروى نحو ذلك عن مجاهد، وأبي صالح وقتادة. كما أخرجه عن الأول، والثاني أبو الشيخ، وعن الثالث عبد بن حميد. وأخرج أبو الشيخ، عن ابن مسعود في قوله {وَلَكُمْ فِى ٱلأرْضِ مُسْتَقَرٌّ } قال: القبور {وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ } قال: إلى يوم القيامة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: أهبط آدم بالصفا، وحوّاء بالمروة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: أوّل ما أهبط الله آدم إلى أرض الهند وفي لفظ «بدجنى أرض الهند». وأخرج ابن أبي حاتم عنه أنه أهبط إلى أرض بين مكة، والطائف. وأخرج ابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي عنه، قال: قال عليّ بن أبي طالب: أطيب ريح الأرض الهند، هبط بها آدم، فعلق شجرها من ريح الجنة. وأخرج ابن سعد، وابن عساكر، عن ابن عباس قال: أهبط آدم بالهند، وحواء بجدّة، فجاء في طلبها حتى أتى جمعاً، فازدلفت إليه حواء، فلذلك سميت المزدلفة، واجتمعا بجمع. وأخرج الطبراني، وأبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنزل آدم عليه السلام بالهند، فاستوحش، فنزل جبريل، فنادى بالأذان، فلما سمع ذكر محمد قال له: ومن محمد هذا؟ قال: هذا آخر، ولدك من الأنبياء»تفسير : . وقد روى عن جماعة من الصحابة أن آدم أهبط إلى أرض الهند، منهم جابر أخرجه ابن أبي الدنيا، وابن المنذر، وابن عساكر، ومنهم: ابن عمر أخرجه الطبراني. وأخرج ابن عساكر، عن عليّ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله لما خلق الدنيا لم يخلق فيها ذهباً، ولا فضة، فلما أهبط آدم، وحواء أنزل معهما ذهبا، وفضة، فسلكه ينابيع في الأرض، منفعة لأولادهما من بعدهما، وجُعِل ذلك صداقاً لحواء فلا ينبغي لأحد أن يتزوج إلا بصداق»تفسير : . وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : هبط آدم، وحواء عريانين جميعاً عليهم ورق الجنة، قعد يبكي، ويقول لها: يا حوّاء قد آذاني الحر، فجاءه جبريل بقطن، وأمرها أن تغزل، وعلمها، وأمر آدم بالحياكة، وعلمه»تفسير : . وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس مرفوعاً: «أوّل من حاك آدم عليه السلام». وقد روى عن جماعة من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم حكايات في صفة هبوط آدم من الجنة، وما أهبط معه، وما صنع عند وصوله إلى الأرض، ولا حاجة لنا ببسط جميع ذلك. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله: {فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ } قال: أي رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: أي ربّ ألم تنفخ فيّ من روحك؟ بلى قال: بلى. قال: أي رب ألم تسبق إليّ رحمتك قبل غضبك؟ قال: بلى. قال: أي ربّ ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: أي رب أرأيت إن تبتُ وأصلحتُ أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم. وأخرج الطبراني في الأوسط، وابن عساكر بسند ضعيف، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لما أهبط الله آدم إلى الأرض قام وجاه الكعبة فصلى ركعتين»تفسير : الحديث. وقد روى نحوه بإسناد لا بأس به أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة، والطبراني في الأوسط، والبيهقي في الدعوات، وابن عساكر من حديث بريدة مرفوعاً. وأخرج الثعلبي عن ابن عباس في قوله: {فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ } قال: قوله: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 23]. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جرير عنه مثله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان عن محمد بن كعب القرظي في قوله: {فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ } مثله: وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن مجاهد مثله. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن، والضحاك مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قيل له: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال: علم شأن الحج، فهي الكلمات. وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن زيد في قوله: {فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ } قال: لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءاً، وظلمت نفسي، فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك، وبحمدك، رب عملت سوءاً، وظلمت نفسي، فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك، وبحمدك رب عملت سوءاً، وظلمت نفسي، فتب عليّ إنك أنت التوّاب الرحيم. وأخرج نحوه البيهقي في شعب الإيمان، وابن عساكر، عن أنس. وأخرج نحوه هنا، وفي الزهد عن سعيد بن جبير. وأخرج نحوه ابن عساكر من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس. وأخرج نحوه الديلمي في مسند الفردوس بسند ضعيف عن عليّ مرفوعاً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى } قال الهدى: الأنبياء، والرسل، والبيان. وأخرج ابن الأنباري، في المصاحف عن أبي الطفيل قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {فَمَن تَبِعَ * هُدِىَ } بتثقيل الياء، وفتحها. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } يعني في الآخرة {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } يعني لا يحزنون للموت.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَقُلْنَا يا آدَمَ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}. إن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم الأيسر بعد أن ألقى عليه النوم، ولذلك قيل للمرأة: ضلع أعوج. وسُمِّيت امرأةً لأنها خُلِقَتْ مِنَ المرءِ، فأما تسميتها حواء، ففيه قولان: أحدهما: أنها سميت بذلك لأنها خلقت من حَيٍّ، وهذا قول ابن عباسٍ، وابن مسعود. والثاني: أنها سميت بذلك، لأنها أم كل حيٍّ. واختُلِف في الوقت الذي خلقت فيه حواءُ على قولين: أحدهما: أن آدم أُدْخِلَ الجنَّةَ وَحْدَهُ، فَلَمَّا استوحش خُلِقَتْ حواءُ من ضِلْعِهِ بعد دخوله في الجنة، وهذا قول ابن عباسٍ، وابن مسعود. والثاني: أنها خلقت من ضلعه قبل دخوله الجنة، ثم أُدْخِلا معاً إلى الجنةِ، لقوله تعالى: {وَقُلْنَا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}، وهذا قول أبي إسحاق. واختلف في الجَنَّةِ التي أُسْكِنَاهَا على قولين: أحدهما: أنها جنةُ الخُلد. والثاني: أنها جنةٌ أعدها الله لهما، والله أعلم. قوله عز وجل: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا}. في الرغدِ ثلاثةُ تأويلاتٍ: أحدها: أنه العيش الهني، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود، ومنه قول امرئ القيس: شعر : بَيْنَمَا الْمَرْءُ تَرَاهُ نَاعِماً يَأْمِنُ الأحْدَاثَ في عَيْشٍ رَغَدْ تفسير : والثاني: أنه العيش الواسع، وهذا قول أبي عبيدة. والثالث: أنه أراد الحلال الذي لا حساب فيه، وهو قول مجاهد. قوله عز وجل: {وَلاَ تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ}. اختلف أهل التفسير في الشجرة التي نُهِيا عنها، على أربعةِ أقاويل: أحدها: أنها البُرُّ، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنها الكَرْمُ، وهذا قول السُّدِّيِّ، وجعدة بن هبيرة. والثالث: أنها التِّين، وهذا قول ابن جريجٍ، ويحكيه عن بعض الصحابة. والرابع: أنها شجرة الخلد التي تأكل منها الملائكة. وفي قوله تعالى: {فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ} قولان: أحدهما: من المعتدين في أكل ما لم يُبَحْ لكما. والثاني: من الظالمين لأنفسكما في أكلكما. واختلفُوا في معصية آدم بأكله من الشجرة، على أي وجهٍ وقعت منه، على أربعة أقاويل: أحدها: أنه أكل منها وهو ناسٍ للنهي لقولِهِ تعالى: {أية : ولقد عَهِدْنَا إلى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ} تفسير : [طه: 115] وزعم صاحب هذا القول، أن الأنبياء يلزمهم التحفظ والتيقُّظُ لكثرة معارفهم وعُلُوِّ منازلهم ما لا يلزم غيرهم، فيكون تشاغله عن تذكُّر النهي تضييعاً صار به عاصياً. والقول الثاني: أنه أكل منها وهو سكران فصار مؤاخذاً بما فعله في السُّكْرِ، وإن كان غير قاصدٍ له، كما يؤاخَذُ به لو كان صاحياً، وهو قول سعيد بن المسيب. والقول الثالث: أنه أكل منها عامداً عالماً بالنهي، وتأول قوله: {أية : وَلَقَدْ عَهْدْنَا إلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} تفسير : [طه: 115] أي فَزَلَّ، ليكون العَمْدُ في معصيةٍ يستحق عليها الذمَّ. والرابع: أنه أكل منها على جهة التأويل، فصار عاصياً بإغفال الدليل، لأن الأنبياء لا يجوز أن تقع منهم الكبائر، ولقوله تعالى في إبليس: {أية : فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} تفسير : [الأعراف: 22] وهو ما صرفهما إليه من التأويل. واختلف من قال بهذا في تأويله الذي استجاز به الأكل، على ثلاثةِ أقاويلَ: أحدها: أنه تأويل على جهةِ التنزيه دون التحريم. والثاني: أنه تأويل النهي عن عين الشجرة دون جنسها، وأنه إذا أكل من غيرها من الجنسِ لم يعصِ. والثالث: أن التأويل ما حكاه الله تعالى عن إبليس في قوله: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 23]. قوله عز وجل: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}. قرأ حمزة وحده: {فَأَزَالَهُمَا} بمعنى نحَّاهُما من قولك: زُلْتُ عن المكان، إذا تنحَّيْتَ عنه، وقرأ الباقون: {فَأَزَلَّهُمَا} بالتشديد بمعنى استزلَّهما من الزلل، وهو الخطأ، سمي زلَلاً لأنه زوال عن الحقَّ، وكذلك الزّلة زوال عن الحق، وأصله الزوال. والشيطان الذي أزلهما هو إبليس. واختلف المفسرون، هل خلص إليهما حتى باشرهما بالكلام وشافههما بالخطاب أم لا؟ فقال عبد الله بن عباس، ووهب بن منبه، وأكثر المفسرين أنه خلص إليهما، واستدلُّوا بقوله تعالى: {أية : وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 21] وقال محمد بن إسحاق: لم يخلص إليهما، وإنما أوقع الشهوة في أنفسهما، ووسوس لهما من غير مشاهدة، لقوله تعالى: {أية : فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ} تفسير : [الأعراف: 20]، والأول أظهر وأشهر. وقوله تعالى: {فَأَخْرجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} يعني إبليس، سبب خروجهما، لأنه دعاهما إلى ما أوجب خروجهما. قوله عزَّ وجلَّ: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}. الهُبوط بضم الهاء النزول، وبفتحها موضع النزول، وقال المفضل: الهبوط الخروج من البلدة، وهو أيضاً دُخولها، فهو من الأضداد، وإذا كان الهبوط في الأصل هو النزول، كان الدخُول إلى البلدة لسكناها نزولاً بها، فصار هُبوطاً. واختلفوا في المأمور بالهبوط، على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه آدم، وحواء، وإبليس، والحيَّةُ، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه آدم وذريته، وإبليس وذريته، وهذا قول مجاهد. والثالث: أنه آدم، وحواء، والمُوَسْوِسُ. والعدو اسم يستعمل في الواحد، والاثنين، والجمع، والمذكر، والمؤنث، والعداوة مأخوذة من المجاوزة من قولك: لا يَعْدوَنَّكَ هذا الأمْرُ، أيْ لا يُجاوِزَنَّكَ، وعداهُ كذا، أي جازوه، فَسُمِّيَ عَدُوّاً لمجاوزةِ الحدِّ في مكروه صاحبه، ومنه العَدْوُ بالقَدَم لمجاوزة المشْيِ، وهذا إخبار لهم بالعداوة وتحذير لهم، وليس بأمر، لأن الله تعالى لا يأمر بالعداوة. واخْتُلِفَ في الَّذينَ قِيلَ لهم: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عدُوٌّ}، على قولين: أحدهما: أنهم الذين قيل هلم اهبطوا، على ما ذكرنا من اختلاف المفسرين فيه. والثاني: أنهم بنو آدم، وبنو إبليس، وهذا قول الحسن البصري. قوله عز وجل: {وَلَكُمْ في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ} فيه تأويلان: أحدهما: أن المستقر من الأرض موضع مقامهم عليها، لقوله تعالى: {أية : جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ قَرَاراً} تفسير : [غافر: 64]، وهذا قول أبي العالية. والثاني: أنه موضع قبورهم منها، وهذا قول السُّدِّيِّ. قوله عز وجلَّ: {وَمَتَاعٌ إلى حينٍ}: والمتاع كل ما اسْتُمْتِعَ به من المنافع، ومنه سُمِّيَتْ متعة النكاح، ومنه قوله تعالى: {أية : فَمَتِّعُوهُنَّ} تفسير : [الأحزاب: 49]، أي ادفعوا إليْهِنَّ ما ينتفعْنَ به، قال الشاعر: شعر : وَكُلُّ غَضَارَةٍ لَكَ من حَبِيب لها بِكَ، أو لَهَوْتَ بِهِ، مَتَاعُ تفسير : والحين: الوقت البعيد، فـ "حِينئِذٍ" تبعيد قولِكَ: "الآن"، وفي المراد بالحين في هذا الموضع ثلاثة أقاويل: أحدها: إلى الموت، وهو قول ابن عباس والسُّدِّيِّ. والثاني: إلى قيام الساعة، وهو قول مجاهد. والثالث: إلى أجلٍ، وهو قول الربيع.

ابن عطية

تفسير : {اسكن} معناه لازم الإقامة، ولفظه لفظ الأمر ومعناه الإذن، و {أنت} تأكيد للضمير الذي في {اسكن}، {وزوجك} عطف عليه والزوج امرأة الرجل وهذا أشهر من زوجة، وقد تقدم، و {الجنة} البستان عليه حظيرة، واختلف في الجنة التي أسكنها آدم، هل هي جنة الخلد أو جنة أعدت لهما؟ وذهب من لم يجعلها جنة الخلد إلى أن من دخل جنة الخلد لا يخرج منها، وهذا لا يمتنع، إلا أن السمع ورد أن من دخلها مثاباً لا يخرج منها، وأما من دخلها ابتداء كآدم فغير مستحيل ولا ورد سمع بأنه لا يخرج منها. واختلف متى خلقت حواء من ضلع آدم عليه السلام؟ فقال ابن عباس "حين أنبأ الملائكة بالأسماء وأسجدوا له ألقيت عليه السنة وخلقت حواء، فاستيقظ وهي إلى جانبه" فقال فيما يزعمون: لحمي ودمي، وسكن إليها، فذهبت الملائكة لتجرب علمه، فقالوا له يا آدم ما اسمها؟ قال: حواء. قالوا: ولم؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي، ثم قال الله له: {اسكن أنت وزوجك الجنة}. وقال ابن مسعود وابن عباس أيضاً: لما أسكن آدم الجنة مشى فيها مستوحشاً، فلما نام خلقت حواء من ضلعه القصيرى، ليسكن إليها ويستأنس بها، فلما انتبه رآها، فقال: من أنت؟ قالت: امرأة خلقت من ضلعك لتسكن إلي، وحذفت النون من {كلا} للأمر، والألف الأولى لحركة الكاف حين حذفت الثانية لاجتماع المثلين وهو حذف شاذ، ولفظ هذا الأمر بـ {كلا} معناه الإباحة، بقرينة قوله: {حيث شئتما} والضمير في {منها} عائد على {الجنة}. وقرأ ابن وثاب والنخعي "رغْداً" بسكون الغين، والجمهور على فتحها، والرغد العيش الدارّ الهنيّ الذي لا عناء فيه، ومنه قول امرىء القيس: [الرمل]. شعر : بينما المرء تراه ناعماً يأمن الأحداث في عيشٍ رَغَدْ تفسير : و {رغداً} منصوب على الصفة لمصدر محذوف وقيل: هو نصب على المصدر في موضع الحال، و {حيث} مبنية على الضم، ومن العرب من يبنيها على الفتح، ومن العرب من يعربها حسب موضعها بالرفع والنصب والخفض، كقوله سبحانه: {أية : سنستدرجهم من حيث لا يعلمون} تفسير : [الأعراف: 82، القلم: 44] ومن العرب من يقول "حوث"، و {شئتما} أصله شيأتما حوّل إلى فعلتما تحركت ياؤه وانفتح ما قبلها جاء شائتما، حذفت الألف الساكنة الممدودة للالتقاء وكسرت الشين لتدل على الياء فجاء شئتما. قال القاضي أبو محمد: هذا تعليل المبرد، فأما سيبويه فالأصل عنده شيئتما بكسر الياء، نقلت حركة الياء إلى الشين، وحذفت الياء بعد. وقوله تعالى: {ولا تقربا هذه الشجرة} معناه لا تقرباها، بأكل، لأن الإباحة فيه وقعت. قال بعض الحذاق: "إن الله لما أراد النهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظة تقتضي الأكل وما يدعو إليه وهو القرب". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا مثال بين في سد الذرائع. وقرأ ابن محيصن هذي على الأصل، والهاء في هذه بدل من الياء، وليس في الكلام هاء تأنيث مكسور ما قبلها غير هذه، وتحتمل هذه الإشارة أن تكون إلى شجرة معينة واحدة، أو إلى جنس. وحكى هارون الأعور عن بعض العلماء قراءة "الشِّجرة" بكسر الشين و "الشجر" كل ما قام من النبات على ساق. واختلف في هذه {الشجرة} التي نهى عنها ما هي؟ فقال ابن مسعود وابن عباس: "هي الكَرْم ولذلك حرمت علينا الخمر". وقال ابن جريج عن بعض الصحابة: "هي شجرة التين". وقال ابن عباس أيضاً وأبو مالك وعطية وقتادة: "هي السنبلة وحبها ككلى البقر، أحلى من العسل، وألين من الزبد". وروي عن ابن عباس أيضاً: " أنها شجرة العلم، فيها ثمر كل شيء". قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف لا يصح عن ابن عباس. وحكى الطبري عن يعقوب بن عتبة: "أنها الشجرة التي كانت الملائكة تحنك بها للخلد". قال القاضي أبو محمد: وهذا أيضاً ضعيف. قال: "واليهود تزعم أنها الحنظلة، وتقول: إنها كانت حلوة ومُرَّت من حينئذ". قال القاضي أبو محمد وليس في شيء من هذا التعيين ما يعضده خبر، وإنما الصواب أن يعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها، وفي حظره تعالى على آدم الشجرة ما يدل على أن سكناه في الجنة لا يدوم، لأن المخلد لا يحظر عليه شيء، ولا يؤمر ولا ينهى. وقيل إن هذه الشجرة كانت خصت بأن تحوج آكلها إلى التبرز، فلذلك نهي عنها فلما أكل منها ولم تكن الجنة موضع تبرز أهبط إلى الأرض. وقوله {فتكونا} في موضع جزم على العطف على {لا تقربا}، ويجوز فيه النصب على الجواب، والناصب عند الخليل وسيبويه "أن المضمرة"، وعند الجرمي الفاء، والظالم في اللغة الذي يضع الشيء غير موضعه، ومنه قولهم: "من أشبه أباه فما ظلم" ومنه "المظلومة الجلد" لأن المطر لم يأتها في وقته، ومنه قول عمرو بن قمئة: [الكامل] شعر : ظلم البطاح بها انهلالُ حريصةٍ فصفا النطافُ له بعيدَ المقلعِ تفسير : والظلم في أحكام الشرع على مراتب، أعلاها الشرك، ثم ظلم المعاصي وهي مراتب، وهو في هذه الآية يدل على أن قوله: {ولا تقربا} على جهة الوجوب، لا على الندب، لأن من ترك المندوب لا يسمى ظالماً، فاقتضت لفظة الظلم قوة النهي، و "أزلهما" مأخوذ من الزلل، وهو في الآية مجاز، لأنه في الرأي والنظر، وإنما حقيقة الزلل في القدم. قال أبو علي: {فأزلهما} يحتمل تأويلين، أحدهما، كسبهما الزلة، والآخر أن يكون من زل إذا عثر". وقرأ حمزة: "فأزالهما"، مأخوذ من الزوال، كأنه المزيل لما كان إغواؤه مؤدياً إلى الزوال. وهي قراءة الحسن وأبي رجاء، ولا خلاف بين العلماء أن إبليس اللعين هو متولي إغواء آدم. واختلف في الكيفية، فقال ابن عباس وابن مسعود وجمهور العلماء: أغواهما مشافهة، ودليل ذلك قوله تعالى: {وقاسمهما} والمقاسمة ظاهرها المشافهة. وقال بعضهم: إن إبليس لما دخل إلى آدم كلمه في حاله، فقال: يا آدم ما أحسن هذا لو أن خلداً كان، فوجد إبليس السبيل إلى إغوائه، فقال: هل أدلك على شجرة الخلد؟. وقال بعضهم: دخل الجنة في فم الحية وهي ذات أربع كالبختية، بعد أن عرض نفسه على كثير من الحيوان فلم تدخله إلا الحية، فخرج إلى حواء وأخذ شيئاً من الشجرة، وقال: انظري ما أحسن هذا فأغواها حتى أكلت، ثم أغوى آدم، وقالت له حواء: كل فإني قد أكلت فلم يضرني فأكل فبدت لهما سوءاتهما، وحصلا في حكم الذنب، ولعنت الحية وردت قوائمها في جوفها، وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم، وقيل لحواء: كما أدميت الشجرة فكذلك يصيبك الدم في كل شهر، وكذلك تحملين كرهاً، وتضعين كرهاً، تشرفين به على الموت مراراً. زاد الطبري والنقاش: "وتكونين سفيهة، وقد كنت حليمة". وقالت طائفة: إن إبليس لم يدخل الجنة إلى آدم بعد أن أخرج منها، وإنما أغوى آدم بشيطانه وسلطانه ووساوسه التي أعطاه الله تعالى، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم". تفسير : والضمير في {عنها} عائد على {الشجرة} في قراءة من قرأ "أزلهما"، ويحتمل أن يعود على {الجنة} فأما من قرأ "أزالهما" فإنه يعود على {الجنة} فقط، وهنا محذوف يدل عليه الظاهر، تقديره فأكلا من الشجرة. وقال قوم: "أكلا من غير التي أشير إليها فلم يتأولا النهي واقعاً على جميع جنسها". وقال آخرون: "تأولا النهي على الندب". وقال ابن المسيب: "إنما أكل آدم بعد أن سقته حواء الخمر فكان في غير عقله". وقوله تعالى: {فأخرجهما مما كانا فيه} يحتمل وجوهاً، فقيل أخرجهما من الطاعة إلى المعصية. وقيل: من نعمة الجنة إلى شقاء الدنيا. وقيل: من رفعة المنزلة إلى سفل مكانة الذنب. قال القاضي أبو محمد: وهذا كله يتقارب. وقرأ أبو حيوة: "اهبُطوا" بضم الباء. "ويفعُل" كثير في غير المتعدي وهبط غير متعدٍّ. والهبوط النزول من علو إلى أسفل. واختلف من المخاطب بالهبوط، فقال السدي وغيره: "آدم وحواء وإبليس والحية". وقال الحسن: "آدم وحواء والوسوسة". قال غيره: "والحية لأن إبليس قد كان أهبط قبل عند معصيته". و {بعضكم لبعض عدو} جملة في موضع الحال، وإفراد لفظ {عدو} من حيث لفظ {بعض}، وبعض وكل تجري مجرى الواحد، ومن حيث لفظة {عدو} تقع للواحد، والجمع، قال الله تعالى: {أية : هم العدو فاحذرهم} تفسير : [المنافقون: 4] {ولكم في الأرض مستقر} أي موضع استقرار قاله أبو العالية وابن زيد. وقال السدي: "المراد الاستقرار في القبور، والمتاع ما يستمتع به من أكل ولبس وحياة، وحديث، وأنس، وغير ذلك". وأنشد سليمان بن عبد الملك حين وقف على قبر ابنه أيوب إثر دفنه: [الطويل] شعر : وقفتُ على قبرٍ غريب بقفرة متاع قليل من حبيب مفارق تفسير : واختلف المتأولون في الحين هاهنا فقالت فرقة: إلى الموت، وهذا قول من يقول المستقر هو المقام في الدنيا، وقالت فرقة: {إلى حين} إلى يوم القيامة، وهذا قول من يقول: المستقر هو في القبور. ويترتب أيضاً على أن المستقر في الدنيا أن يراد بقوله: {ولكم}، أي لأنواعكم في الدنيا استقرار ومتاع قرناً بعد قرن إلى يوم القيامة، والحين المدة الطويلة من الدهر، أقصرها في الأيمان والالتزامات سنة. قال الله تعالى: {أية : تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} تفسير : [إبراهيم: 25] وقد قيل: أقصرها ستة أشهر، لأن من النخل ما يثمر في كل ستة أشهر، وقد يستعمل الحين في المحاورات في القليل من الزمن. وفي قوله تعالى: {إلى حين} فائدة لآدم عليه السلام، ليعلم أنه غير باق فيها ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها، وهي لغير آدم دالة على المعاد. وروي أن آدم نزل على جبل من جبال سرنديب وأن حواء نزلت بجدة، وأن الحية نزلت بأصبهان، وقيل بميسان، وأن إبليس نزل على الأبلة.

ابن عبد السلام

تفسير : {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ} خلقت حواء من ضلع آدم صلى الله عليه وسلم وهو نائم، ولهذا يقال لها ضلع أعوج، وسميت امرأة لأنها خلقت من المرء، وسميت حواء لأنها خلقت من حي، أو لأنها أم كل حي، وخلقت قبل دخوله الجنة، أو بعد دخوله إليها. {الْجَنَّةَ} جنة الخلد، أو جنة أعدها الله ـ تعالى ـ لهما. {رَغَداً} الرغد: العيش الهنيء، أو الواسع، أو الحلال الذي لا حساب فيه. {الشَّجَرَةَ} البر، أو الكرم، أو التين، أو شجرة الخلد التي كانت الملائكة تَحنَك منها. {الظَّالِمِينَ} لأنفسهما، أو المعتدين بأكل ما لم يبح، وأكلها ناسياً فحكم عليه بالمعصية، لترك التحرز، لأنه يلزم الأنبياء ـ صلوات الله تعالى عليهم وسلامه ـ من التحرز ما لا يلزم غيرهم أو أكل منها وهو سكران، قاله ابن المسيب: أو أكل عالماً متعمداً، أو تأول النهي على التنزيه دون التحريم، أو على عين الشجرة دون جنسها، أو على قوله تعالى {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ }تفسير : [الأعراف:20].

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ...}. قال ابن عرفة: (الجمع) من قوله تعالى، وزيادة "قلنا" في بعض الآيات تنبيها على تشريف القول وتعظيمه والاهتمام به. فرد عليه بقوله تعالى: {أية : وَقُلْنَا لَهُمُ ٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} {أية : قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} تفسير : والتعظيم للقول لا للمفعول له، ففيه تهويل وتفخيم لذلك الأمر. والسكنى لا تفيد التأبيد. قال في المدونة في أواخر كتاب الهبات: ومن قال لرجل: داري هذه لك صدقة سكنى فإنما له السكنى فقط دون عقبتها، وأما إن قال هذه الدار لك ولعقبك سكناها فإنها ترجع إليه ملكا بعد انقراضهم. فإن مات فأولى الناس به يوم مات وإلى ورثتهم لأنهم هم ورثته. قال ابن عطية: اختلف (مَتَى) خلقت حواء من ضلع آدم؟ ثم قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سألوه لم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من حي. قال ابن عرفة: قال بعضهم: المناسب لهذا أن (كان) يكون اسمها حيا؟ وأجيب بأنه اشتقاق أكبر، ومنهم من قال: سميت حواء لأن امرأة الرجل تحوي عليه وتستحمله، فيدخل طوعها ويسمع منها في غالب أمره. قوله تعالى: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً...}. قال ابن عرفة: رأيت تأليفا للشيخ عزّ الدين بن عبد السلام في إعجاز القرآن وغيره قال: إنه على حذف مضاف تقديره: وكُلاَ من ثمارها رغدا. قال ابن عرفة: هذا إن أعربنا "رغدا" نعتا للمصدر فتكون "من" للتبعيض والثمر ليس هو بعض الجنة إنما الجنة هي الأشجار والأرض بدليل أن من باع جنة فيها ثمر قد أبرّ فإنه للبائع ولا يتناوله البيع إلا بالشرط فليس الأكل من الجنة. قيل لابن عرفة: هذه حقيقة شرعية؟ فقال الأصل موافقة الشيء للغة حتى يدل الدليل على خلاف ذلك. قال وإن أعربنا "رغدا: (نعتاً) للمفعول مقدرا أي {وَكُلاَ مِنْهَا} (مأكولا) رغدا وتكون "من" للغاية أعني لابتدائها وانتهائها فلا يحتاج إلى تقدير المضاف وقال في الأعراف {أية : وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} تفسير : فعطف بالفاء وهنا بالواو. قال ابن عرفة: يجاب بأن تكون هذه نزلت قبل تلك الآية فعبر هنا باللَّفظ الأعم وهو الواو المحتلة لأن يكون الأكل عقب السكنى وبعدها بتراخ ثمّ خوطب هناك باللفظ الأخص الدال على إباحة الأكل بعقب السكنى ليكون الكلام تأسيسا مقيدا. وأجاب الفخر في درة التنزيل: بأن الأكل من الموضع لا يكون إلا بعد دخوله له إما قبل سكناه أو بعده والأعراف وردت بعد قوله: {أية : ٱخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُوماً مَّدْحُوراً} تفسير : (خطابا للشيطان) ثم قال: {أية : وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} تفسير : معناه: ادخلْها أنت دخول سكنى وهي الإقامة مع طول مكث فناسب العطف بالفاء لأن (الدّخول) متقدم في الرتبة على الأكل وآية البقرة لم يتقدم فيها ما يدل على الدخول، فالمراد اسكن حقيقة. وتأخر الأكل على السكنى ليس بلازم. قوله تعالى: {حَيْثُ شِئْتُمَا...} قال ابن عرفة: / قالوا: إنه على التوزيع أي يأكل واحد منكما من حيث شاء، لأن الأكل متوقف على اجتماعهما معا على المشيئة لأن المضمرات عندنا كلية (وصيغة) الأمر هنا للامتنان، وعبر عنه ابن عطية بالإذن. قال الشيخ الفخر: إمّا للندب أو الإباحة والظاهر ما قلناه. قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ...} قال ابن عطية: قال بعض الحذاق: إن الله لما أراد النّهي عن أكل الشجرة نهى عنه بلفظ يقتضي الأكل والقرب منه. قال ابن عطية: وهذا مثال لسد الذرائع. قال ابن عرفة: فرق بين سد الذرائع وبين النّهي عن الشيء لأجل غيره وهو النهي عما هو سبب في غيره، فسد الذرائع هو الامتناع مما لم ينه عنه خشية الوقوع في ما نهى عنه، ومنها (بياعات) الآجال المختلف فيها التي هي ذريعة للوقوع في المحرم ولولا أنّها مختلف فيها ما كان ذريعة فالذريعة (هنا) هو أن يقارب قرب الأكل من الشجرة لأنه نهى عن قرب القرب. قال ابن الخطيب: والنّهي على الكراهة. قال ابن عرفة: بل على التحريم لقوله {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} تفسير : والظلم الخروج عن الحد إما بكفر أو ارتكاب أمور أدناها الصّغائر.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالَىٰ: {وَقُلْنَا يَا ءادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ}: {ٱسْكُنْ}: معناه: لاَزِمِ الإقامةَ، ولفظه لفظ الأمر، ومعناه الإِذن، واختلف في الجنة التي أسكنها آدم عليه السلام، هل هي جنةُ الخُلْدِ، أو جنةٌ أُخْرَىٰ. * ت *: والأول هو مذهب أهل السنة والجماعة. {وَكُلاَ مِنْهَا}، أي: من الجنةِ، والرغَد: العيشَ الدارَّ الهنيَّ، و «حَيْثُ» مبنيةٌ على الضمِّ. وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}: معناه لا تقرباها بأكْلٍ، والهاءُ في «هَذِهِ» بدلٌ من الياء، وتحتمل هذه الإشارة أن تكون إلى شجرةٍ معيَّنة واحدة، واختلف في هذه الشجرة، ما هي؟ فقال ابن عَبَّاس، وابن مسعود: هي الكَرْم، وقيل: هي شجرة التِّين، وقيل: السنبلة وقيل غير ذلك. وقوله: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ}: الظالمُ؛ في اللغة: الذي يضع الشيء في غير موضعه، والظلم؛ في أحكام الشرع على مراتب: أعلاها الشِّرْكُ، ثم ظُلْمُ المعاصِي؛ وهي مراتبُ، و {أَزَلَّهُمَا}: مأخوذ من الزَّلَلِ، وهو في الآية مجازٌ؛ لأنه في الرأْي والنَّظر، وإنما حقيقة الزَّلَلِ في القَدَمِ، وقرأ حمزة: «فأَزَالَهُمَا» مأخوذ من الزوالِ، ولا خلاف بين العلماء أن إبليس اللعينَ هو متولِّي إغواء آدم ـــ عليه السلام ـــ، واختلف في الكيفيَّة. فقال ابن عباس، وابن مسعود، وجمهور العلماء: أغواهما مشافهةً؛ بدليل قوله تعالَىٰ: {أية : وَقَاسَمَهُمَا } تفسير : [الأعراف:21] والمقاسمة ظاهرها المشافهةُ. وقالت طائفةٌ: إن إبليس لم يدخُلِ الجنةَ بعد أن أخرج منها، وإنما أغوى آدم بشيطانِهِ، وسُلْطَانه، ووَسَاوِسِهِ التي أعطاه اللَّه تعالَىٰ، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن ٱبْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ.»تفسير : * ت *: وإلى هذا القوْلِ نَحَا المَازِرِيُّ في بعض أجوبته، ومن ابتلي بشيء من وسوسة هذا اللعينِ؛ فأعظم الأدوية له الثقَةُ باللَّه، والتعوُّذ به، والإعراض عن هذا اللعين، وعدمُ الالتفاتِ إليه، ما أمكن؛ قال ابن عطاءِ اللَّه في «لَطَائِفِ المِنَنِ»: كان بي وسواسٌ في الوضوءِ، فقال لي الشيخُ أبو العبَّاس المُرْسِيُّ: إن كنت لا تترك هذه الوسوسةَ لا تَعْدُ تَأْتِينَا، فَشَقَّ ذلك علَيَّ، وقطع اللَّه الوسواسَ عني، وكان الشيخ أبو العباس يُلَقِّنُ للوسواسِ: سُبْحَانَ المَلِكِ الخَلاَّقِ، {أية : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٍ } تفسير : [فاطر:16، 17] انتهى. قال عِيَاضٌ: في «الشِّفا»؛ وأما قصة آدم عليه السلام، وقوله تعالَىٰ: {أية : فَأَكَلاَ مِنْهَا }تفسير : [طه:121] بعد قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ}، وقوله تعالَىٰ: {أية : أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ } تفسير : [الأعراف:22] وتصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله: {أية : وَعَصَىٰ ءادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ }تفسير : [طه:121] أي: جهل، وقيل: أخطأ، فإن اللَّه تعالى قد أخبر بعذره بقوله: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ ءَادَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تفسير : [طه:115] قال ابن عبَّاس: نسي عداوة إِبليس، وما عهد اللَّه إِليه من ذلك؛ بقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ...}تفسير : [طه:117] الآيَة، وقيل: نسي ذلك بما أظهر لهما، وقال ابن عباس: إنما سمي الإنسان إنساناً؛ لأنه عهد إِليه فنسي، وقيل: لم يقصد المخالفة؛ ٱستحلالاً لها، ولكنهما ٱغترَّا بِحَلِفِ إِبليس لهما: {أية : إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـاصِحِينَ }تفسير : [الأعراف:21] وتوهَّما أن أحداً لا يحلف باللَّه حانِثاً، وقد روي عذر آدم مثل هذا في بعض الآثار، وقال ابن جُبَيْر: حلف باللَّه لهما حتى غَرَّهُمَا، والمؤمن يخدع، وقد قيل: نسي، ولم ينو المخالفَةَ؛ فلذلك قال تعالَىٰ: {أية : وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تفسير : [طه:115] أَيْ: قَصْداً للمخالفةِ وأكثر المفسرين على أن العزمَ هنا الحزمُ والصبرُ، وقال ابن فُورَكَ وغيره: إِنه يمكن أن يكون ذلك قبل النبوءة، ودليل ذلك قوله تعالَىٰ: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ * ثُمَّ ٱجْتَبَـاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ } تفسير : [طه:121، 122] فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان، وقيل: بل أكلها، وهو متأوِّل، وهو لا يعلم أنَّها الشجرة التي نهي عنها، لأنه تأول نهي اللَّه تعالَىٰ عن شجرة مخصوصةٍ، لا على الجنْسِ، ولهذا قيل: إنما كانت التوبةُ من ترك التحفُّظ، لا من المخالفة، وقيل: تأول أن اللَّه تعالى لم ينهه عنها نَهْيَ تحريمٍ. انتهى بلفظه فجزاه اللَّه خيرًا، ولقد جعل اللَّه في شِفَاهُ شِفَاءً. والضمير في {عَنْهَا} يعود على الجنة، وهنا محذوفٌ يدلُّ عليه الظاهر تقديره: فَأَكَلاَ مِنَ الشَّجَرَةِ. وقوله تعالَىٰ: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}: قيل: معناه: مِنْ نعمة الجنَّةِ إلى شقاء الدنيا، وقيل: من رفعة المنزلةِ إلى سُفْل مكانة الذنب. * ت *: وفي هذا القول ما فيه، بل الصوابُ ما أشار إليه صاحب «التَّنْوِيرِ»؛ بأن إخراج آدَم لم يكن إهانة له، بل لما سبق في علمه سبحانه من إكرام آدم وجعله في الأرض خليفةً، هو وأخيارَ ذرّيته، قائمين فيها بما يجبُ للَّه من عبادتِهِ، والهبوطُ النزولُ من عُلْو إلى سُفْل، واختلف من المخاطَبُ بالهبوط. فقال السُّدِّيُّ وغيره: آدم، وحَوَّاء، وإِبليس، والحَيَّة التي أدخلت إبليس في فَمِها، وقال الحسن: آدمُ، وحواءُ والوَسْوَسَة. و {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} جملةٌ في موضع الحال، {وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ}، أيْ: موضع ٱستقرار، وقيل: المراد الاستقرار في القبور، والمتاع: ما يستمتع به؛ من أكل، ولُبْس، وحَدِيثٍ، وأنس، وغيرِ ذلك. واختلف في «الحِينِ» هنا. فقالت فرقةٌ: إلى المَوْتِ، وهذا قولُ من يقول: المستقرُّ هو المُقام في الدنيا، وقالت فرقة: {إِلَىٰ حِينٍ}: إلى يومِ القيامةِ، وهذا هو قول من يقول: المستَقَرُّ هو في القبور، والحِينُ المدَّة الطويلة من الدهر، أقصرها في الأيمان والالتزامات سَنَةٌ؛ قال اللَّه تعالى: {أية : تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } تفسير : [إبراهيم:25] وقيل: أقصرها ستَّةُ أشهر؛ لأن من النخل ما يطعم في كلِّ ستة أشهر. وفي قوله تعالَىٰ: {إِلَىٰ حِينٍ} فائدةٌ لآدم عليه السلام؛ ليعلم أنه غير باق فيها، ومنتقلٌ إِلى الجنة التي وعد بالرجوع إِليها، وهي لغير آدم دالَّة على المعاد، وروي أن آدم نزل على جبل من جبال سَرَنْدِيبَ، وأن حواء نزلَتْ بِجُدَّةَ، وأن الحية نزلَتْ بِأصْبَهَانَ، وقيل: بِمَيْسَانَ، وأن إبليسَ نزل عند الأُبُلَّةِ.

ابن عادل

تفسير : الجملة من قوله: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} معطوفة على جملة "إذْ قُلْنَا" لا على "قلنا" وحده لاختلاف زمنيهما. و "أنت" توكيد للضمير المُسْتَكِنّ في "أسكن" ليصح العطف عليه "وزوجك" عطف عليه، هذا هو مذهب البَصْريين، أعني اشتراط الفعل بين المُتَعَاطفين إذا كان المعطوف عليه ضميراً مرفوعاً متصلاً، ولا يشترط أن يكون الفاصل توكيداً؛ بل أي فصل كان، نحو: {أية : مَآ أَشْرَكْنَا وَلاَ ءَابَاؤُنَا} تفسير : [الأنعام: 148]. وأما الكوفيون فيجيزون ذلك من غير فاصل؛ وأنشدوا: [الخفيف] شعر : 388- قُلْتُ إذْ أَقْبَلَتْ وَزُهْرٌ تَهَادَى كَنِعَاجِ الفَلاَ تَعَسَّفْنَ رَمْلا تفسير : وهذا عند البصريين ضرورة لا يقاس عليه، وقد منع بعضهم أن يكون "زوجك" عطفاً على الضمير المستكن في "اسكن"، وجعله من عطف الجُمَلِ، بمعنى أن يكون "زوجك" مرفوعاً بفعل محذوف، أي: وَلْتَسْكُنْ زَوْجُكَ، فحذف لدلالة "اسكن" عليه، ونظيره قوله: {أية : لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ} تفسير : [طه: 58] وزعم أنه مذهب سيبويه، وكان شبهته في ذلك أن من حَقّ المعطوف حلوله محل المعطوف عليه، ولا يصح هنا حلول "زوجك" محلّ الضمير لأنّ فاعل فعل الأمر الواحد المذكور نحو: "قُمْ واسْكُن" لا يكون إلا ضميراً مستتراً وكذلك فاعل يفعل، فكيف يصح وقوع الظاهر المضمر الذي قبله؟ وهذا الذي يزعم ليس بشيء؛ لأنَّ مذهب سيبويه بنصّه يخالفه؛ ولأنه لا خلاف في صحّة "تقوم هند وزيد" ولا يصحّ مُبَاشرة "زيد" لا "تقوم" لتأنيثه. و" السُّكُون" و "السُّكْنَى": الاستقرار، ومنه "المِسْكِينُ" لعدم حركته وتصرّفه، والسِّكين لأنها تقطع حركة المَذْبوح، والسَّكينة لأن بها يذهب القَلَقُ. وسكّان السفينة عربي لأنه يسكنها عن الاضطراب، والسّكن: النار. قال الشاعر: [مشطور السريع] شعر : 389-............................. قَدْ قُوِّمَتْ بِسَكَنٍ وَأَدْهَانْ تفسير : و" الجَنّ": مفعول به لا ظرف، نحو: "سكنت الدَّار". وقيل: هي ظَرْف على الاتساع، وكان الأصل تعديته إليها بـ "في" لكونها ظرف مكان مختصّ، وما بعد القول منصوب به. فصل في بيان هل الأمر في الآية للإباحة أو لغير ذلك اختلفوا في قوله: "اسكن" هل هو أمر أو إباحة؟ فروي عن قتادة: أن الله ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابْتَلَى الملائكة بالسُّجود، وذلك لأن كلفه بأن يكون في الجنّة يأكل منها حيث شاء، ونهاه عن شجرة واحدة. وقال آخرون: إن ذلك إباحة. والصحيح أن ذلك الإسكان مشتمل على إباحة، وهي الانتفاع بجميع نعم الجنة وعلى تكليف، وهو النهي عن أَكْلِ الشجرة. قال بعضهم: قوله: "اسكن" تنبيه عن الخُرُوجِ؛ لأن السُّكْنَى لا تكون ملكاً؛ لأن من أسكن رجلاً مَسْكناً له فإنه لا يملكه بالسُّكنى، وأن له أن يخرجه منه إذا انقضت مدة الإسكان، وكان "الشَّعْبِيّ" يقول: إذا قال الرجل: داري لك سُكْنَى حتى تموت، فهي له حياته وموته، وإذا قال: داري هذه اسْكُنْهَا حتى تموت، فإنها ترجع إلى صاحبها إذا مَاتَ، ونحو السُّكنى العُمْرَى، إلا أن الخلاف في العُمْرَى أقوى منه في السُّكنى. قال "الحربي": سمعت "ابن الأعرابي" يقول: لم يختلف العَرَبُ في أنّ هذه الأشياء على ملك أربابها، ومنافعها لمن جعلت له العُمْرَى والرُّقْبَى والإفقار والإخْبَال والمِنْحَة والعَرِيّة والسُّكْنَى والإطْرَاق. فصل في وقت خلق حواء اختلفوا في الوَقْتِ الذي خلقت زوجته فيه، فذكر "السّدي" عن ابن مسعود، وابن عباس، وناس من الصَّحابة رضي الله عنهم: أن الله - تعالى - لما أخرج "إبليس" من الجنة، وأسكن آدم بقي فيها وَحْدَهُ ما كان معه مَنْ يستأنس به، فألقى الله - تعالى - عليه النَّوم، ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقِّهِ الأيسر، ووضع مكانه لحماً، وخلق حواء منه، فلما استيقظ وَجَدَ عند رأسه امرأةً قاعدةً فسألها ما أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خُلِقْتِ؟ قالت لتسكن إليَّ فقالت الملائكة: لنجرب علمه من عنده، قال: امرأة، قيل: ولم سميت امرأة؟ قال: لأنها من المرأء أخذت، فقالوا له: ما اسمها؟ قال: حَوّاء، قالوا: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من حََيّ. وعن "ابن عباس" رضي الله عنهما قال: "بعث الله جنداً من الملائكة، فحملوا آدم وحَوّاء - عليهما الصَّلاة والسَّلام - على سَرِيْرٍ من ذهب كما يحمل الملوك، ولباسهما النور حتى أدخلا الجنّة". فهذا الخبر يدلّ على أن حواء خلقت قبل إدخالهما الجنة. روى الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حديث : إنَّ المرأة خلقت من ضِلع الرَّجُل، فإذا أردت تَقْوِيمَهَا كَسَرْتَهَا، وإن تركتها انْتَفَعْتَ بها واسْتَقَامَتْ"تفسير : ، وهذا القول منقول "عن أبي بن كعب، وابن عباس ووهب بن منبه، وسفيان بن عُيَيْنَةَ". واختاره ابن قتيبة في "المَغَازي"، [والقاضي منذر بن سعيد البلوطي] وحكاه عن "أبي حنيفة" وأصحابه، وهو نصّ التوراة التي بأيدي أهل الكتاب. وفي رواية: "حديث : وإن أَعْوَجَ شَيءٍ في الضِّلَعِ أَعْلاَهُ؛ لن تستقيم لك على طَرِيقَةٍ واحدة، فإن اسْتَمْتََعْتَ بها، استمتعت وبها عِوَجٌ، وإن ذهبت تُقِيمُهَا كَسْرَتَهَا، وكَسْرُهَا طَلاَقُهَا"تفسير : ؛ وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 390- هِيَ الضِّلَعُ العَوْجَاءُ لَسْتَ تُقِيمُهَا أَلاَ إِنَّ تَقْوِيمَ الضُّلُوعِ انْكِسَارُهَا أَتَجْمَعُ ضَعْفاً وَاقْتِداراً عَلَى الفَتَى أَلَيْسَ عَجِيباً ضَعْفُهَا وَاقْتِدَارُهَا تفسير : فصل في بيان خلافهم في الجنة المقصودة اختلفوا في هذه الجنة هل كانت في الأرض أو في السماء؟ وبتقدير أنها كانت في السَّمَاء، فهل هي دار ثواب أو جنّة الخُلْدِ؟ فقال أبو القاسم البَلْخِيّ، وأبو مسلم الأصفهاني: هذه الجنة كانت في الأرض وحملا الإهباط على الانتقال من بُقْعَةٍ إلى بُقْعَةٍ كما في قوله: {أية : ٱهْبِطُواْ مِصْراً} تفسير : [البقرة: 61] واحتجّا عليه بوجوه: أحدها: أن هذه الجنة لو كانت هي دار الثواب لكانت جنة الخلد، ولو كان آدم في جنة الخلد لما لحقه الغُرُورُ من "إبليس" ولما صحّ قوله: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 20]. وثانيها: أن من دخل هذه الجَنَّة لا يخرج منها لقوله تعالى: {أية : وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} تفسير : [الحجر: 48]. وثالثها: أن إبليس لما امتنع عن السجود لعن فما كان يقدر مع غضب الله أن يصل إلى جنة الخلد. ورابعها: أن جنة الخلد لا يفنى نعيمها لقوله: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا} تفسير : [هود: 108] إلى أن قال: {أية : عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} تفسير : [هود: 108] أي: غير مقطوع. وخامسها: لا نزاع في أن الله - تعالى - خلق آدم في الأَرْضِ، ولم يذكر في هذه القصّة أنه نقله إلى السماء، ولو كان - تعالى - قد نقله إلى السَّماء لكان أولى بالذكر؛ لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدلّ على أن ذلك لم يحصل، وذلك يوجب أن هذه الجنّة غير جنّة الخلد. وقال "الجُبَّائي": أن تلك الجَنّة كانت في السَّمَاء السَّابعة، والدليل عليه قوله: {اهْبِطُوا مِنْهَا} ثم إنّ الاهباط الأول كان من السَّماء السَّابعة إلى السماء الأولى، والإهباط الثاني كان مِنَ السماء إلى الأرض. وقال أكثر العلماء: إنها دَارُ الثواب؛ لأنَّ الألف واللام في لفظ الجَنّة لا يفيدان العموم؛ لأن سكون جميع الجِنَان مُحَال، فلا بد من صرفها إلى المَعْهُود السّابق، وجنّة الخلد هي المعهودة بين المسلمين، فوجب صرف اللفظ إليها. وقال بعضهم: الكُلّ ممكن، والأدلّة النقلية ضعيفة ومتعارضة، فوجب التوقُّف وترك القطع، والله أعلم. فصل في إعراب الآية قوله: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} هذه الجملة عطف على "اسْكُن"، فهي في محلّ نصب بالقول، وأصل "كُلْ": "اؤكل" بهمزتين: الأولى همزة وصل، والثانية فاء الكلمة، فلو جاءت هذه الكلمة على الأصل لقيل: أوكُل بإبدال الثانية حرفاً مجانساً لحركة ما قبلها، إلاّ أن العرب حذفت فاءه في الأمر تخفيفاً، فاستغنت حينئذ عن همزة الوَصْلِ، فوزنه "عُلْ" ومثله: "خُذْ" و "مُرْ"، ولا يقاس على هذه الأفعال غيرها، فلا تقول: من "أَجَرَ - جُر" ولا تَرَدُّ العرب هذه الفاء في العَطْفِ، بل تقول: "قم وخذ وكل" إلاَّ "مُرْ"، فإن الكثير رَدّ فاءه بعد الواو والفاء، قال تعالى: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ} تفسير : [طه: 132]، وعدم الرد قليل. وحكى سيبويه "اؤكل" على الأصل، وهو شاذّ. وقال "ابن عطية": حذفت النون من "كُلا" للأمر. وهذه العِبَارَةُ موهمةٌ لمذهب الكوفيين من أنّ الأمر عندهم معرب على التدريج، وهو عند البصريين محمول على المجزوم، فإن سكن المجزوم سكن الأمر منه، وإن حذف منه حرف حذف من الأمر. و "منها" متعلّق به، و "من" للتبعيض، ولا بُدّ من حذف مضاف أي: من ثمارها ويجوز أن تكون "من" لابتداء الغاية، وهو حسن. فإن قيل: ما الحكمة في عطفه هنا "وَكُلاَ" بالواو، وفي "الأعراف" بالفاء؟ والجواب: كلّ فعل عطف عليه شيء، وكان الفعل بمنزلة الشَّرط، وذلك الشَّيء بمنزلة الجزاء، عطف الثَّاني على الأوّل بالفاء دون الواو، كقوله تعالى: {أية : وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا} تفسير : [البقرة: 58] فعطف "كلوا" على "ادخلوا" بالفاء لما كان وجود الأكل منها متعلقاً بدخولها فكأنه قال: إن دخلتموها أكلتم منها، فالدُّخول موصل إلى الأَكْل، والأكل متعلّق وجوده بوجوده يبين ذلك قوله في سورة "الأعراف": {أية : وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ} تفسير : [الأعراف: 161] فعطف "كلوا" على قوله: "اسكنوا" بالواو دون الفاء؛ لأن "اسكنوا" من السُّكْنَى، وهو المقام مع طول اللّبْث والأكل لا يختص وجوده بوجوده؛ لأن من دخل بستاناً قد يأكل منه، وإن كان مجتازاً، فلما لم يتعلّق الثاني بالأول تعلّق الجزاء بالشرط وجب العطف بالواو دون الفاء. إذا ثبت هذا فقوله: "اسكن" يقال لمن أراد منه، الزم المَكَان الذي دخلته، فلا تنفك عنه، ويقال أيضاً لمن لم يدخله: اسكن هذا المكان يعني: ادخله واسكن فيه، فقوله في سورة البقرة: {ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ} إنما ورد بعد أن كان آدم في الجنّة، فكان المُرَادُ منه اللُّبْث والاستقرار، وقد بَيَّنَّا أن الأكل لا يتعلّق به، فلهذا ورد بلفظ الواو، وفي سورة "الأعراف" هذا الأمر إنما ورد قبل دخول الجَنّة، فكان المراد منه دخول الجنة، وقد بينا أن الأَكْلَ متعلّق به، فلهذا ورد بلفظ الفاء، والله أعلم. و "رَغَداً" نعت لمصدر مَحْذوف، وقد تقدم أن مذهب سيبويه في هذا ونحوه أن ينتصب حالاً. وقيل: هو مصدرٌ في موضع الحال أي: كُلاَ طَيِّبَيْنِ مُهَنَّأَيْنِ. وقرأ النَّخَعِي: وابن وَثّاب: "رَغْداً" بسكون الغَيْن، وهي لغة "تميم". وقال بعضهم: كل فعل حَلْقي العَيْن صحيح اللاّم يجوز فَتْح عينه وتسكينها، نحو: "نَهْرَ وبَحْرَ" وهي لغة "تميم". وهذا فيه نظر، بل المنقول أن "فَعْلاً" بسكون العين إذا كانت عينه حَلْقية لا يجوز فتحها عند البصريين؛ إلاّ أن يسمع فيقتصر عليه، ويكون ذلك على لُغتين؛ لأن إحداهما مأخوذة من الأخرى. وأما الكوفيون فبعض هذا عندهم ذو لُغَتَيْنِ، وبعضه أصله السّكون، ويجوز فتحه قياساً، أما أن "فَعَلاً" المفتوح العين الحَلْقِيها يجوز فيه التسكين، فيجوز في السَّحَر: السَّحْر، فهذا لا يجيزه أحد. و" الرّغد" الواسع الهنيء؛ قال امرؤ القيس: [الرمل] شعر : 391- بَيْنَمَا المَرْءُ تَرَاهُ نَاعِماً يَأْمَنُ الأَحْدَاثُ في عَيْشٍ رَغَدْ تفسير : ويقال: رَغُِدَ عيشهم - بضم الغَيْن وبكسرها - وأرغد القوم: صاروا في رَغَدٍ. "حَيْثُ شِئْتُما" حيث: ظرف مكان، والمشهور بناؤها على الضم لشبهها بالحرف في الافتقار إلى جملة، وكانت حركتها ضمة تشبيهاً بـ "قَبْلُ وبَعْدُ". ونقل "الكسائي" إعرابها عن "قيس" وفيها لغات: "حَيْث" بتثليث الثاء، و"حَوْث" بتثليثها أيضاً، ونقل: "حَاثَ" بالألف. وهي لازمة الظرفية لا تتصرف، وقد تجر بـ "من" كقوله تعالى: {أية : مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة: 222] {أية : مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 182] وهي لازمة للإضافة إلى جملة مطلقاً، ولا تضاف إلى المفرد إلا نادراً؛ قالوا: [الرجز] شعر : 392- أَمَا تَرَى حَيْثُ سُهَيْلٍ طَالِعَا تفسير : وقال آخر: [الطويل] شعر : 393- وَنَطْعَنُهُمْ تَحْتَ الحُبَى بَعْدَ ضَرْبِهِمْ بِبيضِ المَوَاضِي حَيْثُ لَيِّ العَمَائِمِ تفسير : وقد تزداد عليها "ما" فتجزم فعلين شرطاً وجزاءً كـ "إن"، ولا يجزم بها دون "ما" خلافاً لقوم، وقد تُشْرَبُ معنى التعليل، وزعم الأخفش أنها تكون ظرف زمان، وأنشد: [المديد] شعر : 394- لِلْفَتَى عَقْلٌ يَعِيشُ بِهِ حَيْثُ تَهْدِي سَاقَهُ قَدَمُهْ تفسير : ولا دليل فيه، لأنها على بابها. والعامل فيها هنا "كُلاَ" أي: "كلا أي مكان شئتما" توسعه عليهما. وأجاز "أبو البقاء" أن تكون بدلاً من "الجنة" قال: "لأنّ الجنة مفعول بهما، فيكون حيث مفعولاً به" وفيه نظر؛ لأنها لا تتصرّف كما تقدّم إلا بالجر بـ "من". و "شئتما" الجملة في محلّ خفض بإضافة الظرف إليه. وهل الكسرة التي على الشين أصل كقولك: جئتما وخفتما، أو محوّلة من فتحة لتدلّ على ذوات الياء نحو: يعتمد؟ قولان مبنيان على وزن شاء ما هو؟ فمذهب المبرد أنه: "فَعَل" بفتح العين، ومذهب سيبويه "فَعِل" بكسرها، ولا يخفى تصريفهما. قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} "لا" ناهية و "تَقْرَبَا" مجزوم بها حذفت نونه. وقرىء: "تِقْرَبَا" بكسر حرف المُضَارعة، و "الألف" فاعل، وتقول: "قَرِبْتُ" الأمر "أَقْرَبُهُ" - بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع أي: التبست به. وقال "الجَوْهَرِيّ" "قَرُبَ" - بالضم - "يَقْرُبُ" - "قُرْباً" أي دنا. وَ "قَرِبْتُه" - بالكسر - "قِرْبَاناً" دنوت منه. وَقَرَبت - أَقْرُبُ - قِرَابَةً - مثل: كَتَبت - أَكْتُبُ - كِتَابَةً - إذا سِرْتَ إلى الماء وبينك وبينه ليلة. وقيل: إذا قيل: لا تَقْرَب - بفتح الرَّاء كان معناه - لا تلتبس بالفِعْلِ، وإذا قيل: لا تَقْرُب - بالضَّم - لا تَدْنُ منه. و "هذه" مفعول به اسم إشارة للمؤنث، وفيها لُغات: هَذِي وَهَذِهِ وهَذِهِ بكسر الهاء بإشباع [ودونه] "وَهَذِهْ" بسكونها و "ذِهْ" بكسر الذال فقط، والهاء بدل من الياء لقربها منها في الخفاء. قال "ابن عطية" ونقل أيضاً عن النَّحاس وليس في الكلام هاء تأنيث مكسور ما قبلها غير "هذه"، وفيه نظر؛ لأن تلك الهاء التي تدلُّ على التأنيث ليست هذه؛ لأن "تيك" بدل من تاء التأنيث في الوقف، وأما هذه الهاء فلا دلالة لها على التأنيث، بل الدَّال عليه مجموع الكلمة كما لا يقال: الياء في "هذي" للتأنيث، وحكمها في القرب والبعد والتوسُّط، ودخول هاء التنبيه وكاف الخطاب حكم "ذا" وقد تقدم. ويقال فيها أيضاً: "تِيكَ" و "تِيلك" و "تَالِكَ"؛ قال: [الوافر] شعر : 395- تَعَلَّمْ أَنَّ بَعْدَ الغَيِّ رُشْدَاً وأَنَّ لِتَالِكَ العُمْرِ انْكِسَارَا تفسير : قال هشام: ويقال: "تَا فَعَلَتْ"؛ وأنشد [الطويل] شعر : 396- خَلِيلَيَّ لَوْلاَ سَاكِنُ الدَّارِ لَمْ أقِمْ بِتَا الدَّارِ إِلاَّ عَابِرَ ابْنِ سَبِيلِ تفسير : و "الشجرة" بدل من "هذه". وقيل: نعت لها لتأويلها بمشتقٍّ، أي: بهذه الحاضرة من الشجر. والمشهور أنَّ اسم الإشارة إذا وقع بعده مشتقّ كان نعتاً له، وإن كان جامداً كان بدلاً منه. و "الشجرة" واحدة "الشجر": اسم جنس، وهو ما كان على ساقٍ، وله أغصان، وقيل: لا حاجة إلى ذلك لقوله تعالى: {أية : وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ} تفسير : [الصافات:146] مع أنها كالزرع والبِطِّيخ، فلم يخرجه ذهابه على وجه الأرض من أن يكون شجراً. قال المبرد: "وأحسب كلّ ما تفرعت له عِيْدَان وأغصان، فالعرب تسميه شجراً في وقت تشعبه". وأصل هذا أنه كلما تشجر، أي: أخذ يَمْنَةً ويسرة، يقال: رأيت فلاناً قد شجرته الرّماح، قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} تفسير : [النساء: 65] وتَشَاجَرَ الرجُلاَنِ في أمر كذا. وقرىء: "الشِّجِرَة" بكسر الشين والجيم، وبإبدالها ياءً مع فتح الشِّين، وكسرها؛ لقربها منها مخرجاً؛ كما أبدلت الجيم منها في قوله: [الرجز] شعر : 397- يَا رَبِّ إِنْ كُنْتَ قَبِلْتَ حَجَّتجْ فَلاَ يَزَالُ شَاحجٌ يَأْتِيكَ بِجْ تفسير : يريد: حجّتي وبي. وقال الراجز أيضاً: [الرجز] شعر : 398- خَالِي عُوَيْفٌ وَأَبُو عَلِجْ أَلمُطْعِمَانِ اللَّحْمَ بالعَشِجّ تفسير : يريد: أبو عَلِيّ، وبالْعَشِيّ. وقال الشاعر في "شيَرَة": [الطويل] شعر : 399- إذَا لَمْ يَكُنْ فِيكُنَّ ظِلٌّ وَلاَ جَنًى فَأَبْعَدَكُنَّ اللهُ مِنْ شِيرَاتِ تفسير : وقال أبو عمرو: إنما يقرأ بها برابر مكة وسودانها، وجمعت "الشَّجَرَة" على "شَجْرَاء"، ولم يأت جمع على هذه الزِّنَةِ إلا قَصَبة وقَصْبَاء، وطَرَفَة وطَرْفَاء، وحَلَفَة وحَلْفَاء. وكان الأصمعي يقول: "حَلِفَة - بكسر اللام" وعند سيبويه أن هذه الألفاظ واحدة وجمع. و" المشجرة": موضع الأشجار، وأرض مشجرة، وهذه الأرض أشجر من هذه أي أكثر شجراً، قاله الجوهري. فصل في جنس الشجرة المذكورة اختلف العلماء في هذه الشجرة المنهي عنها، فروي عن بعض العلماء أنه نهى عن جنس من الشجر. وقال آخرون: إنما نهى عن شَجَرٍ بعينه، واختلفوا في تلك الشجرة. روى السُّدي عن ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جبير، وجَعْدَة بن هُبَيْرَةَ هي الكَرْمُ، ولذلك حرمت علينا الخَمْرُ. وقال ابن عباس أيضاً: وأبو مالك وقتادة، ورواه أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - عن النّبي صلى الله عليه وسلم هي السُّنبلة، والحَبَّة منها كشكل البقر، أحلى من العَسَلِ، وألين من الزّبد، قاله وهب بن منبّه. ونقل ابن جريج عن بعض الصحابة أنها التين، وهو مروي أيضاً عن مجاهد وقتادة، ولذلك تعبر في الرُّؤيا بالندامة لآكلها، ذكره السهيلي. وروي عن قتادة أيضاً هي شجرة العلم، وفيها من كل شيء. وقال عَلِيّ: شجرة الكافور. فصل في الإشعار بأن سكنى آدم لا تدوم. قال بعض أرباب المعاني في قوله: "ولا تقربا" إشعار بالوقوع في الخَطِيئَةِ، والخروج من الجنة، وأنَّ سُكْنَاهُ فيها لا يدوم، لأن المخلد لا يخطر عليه شيء، والدليل على هذا قوله تعالى: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة: 30] فدلّ على خروجه منها. فصل في المراد بالنهي عن الأكل من الشجرة هذا النهي نهي تحريم، أو تنزيه؟ فيه خلاف. قال قوم: هذا نهي تَنْزيه؛ لأن هذه الصِّيغة وردت في التنزيه والتحريم، والأصل عدم الاشتراك فلا بُدّ من جعل اللفظ حقيقةً في القَدْرِ المشترك بين القسمين، وما ذلك إلاَّ أن يجعل حقيقة في ترجيح جانب الترك على جانب الفعل، من غير أن يكون فيه دلالة على المنع من الفعل، أو الإطلاق فيه كان ثابتاً بحكم الأصل، فإن الأصل في المَنَافع الإباحة، فإذا ضممنا مَدْلُولَ اللفظ إلى هذا الأصل صار المجموع دليلاً على التنزيه، قالوا: وهذا هو الأولى بهذا المَقَام؛ لأنّ على هذا التقدير يرجع حاصل معصية آدم - عليه الصلاة والسَّلام - إلى ترك الأولى، ومعلوم أن كل مذهب أفضى إلى عِصْمَةِ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - كان أولى. وقال آخرون: بل هذا نهي تحريم، واحتجوا عليه بأمور: أحدها: أن قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} كقوله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} تفسير : [البقرة: 222] وقوله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ} تفسير : [الإسراء: 34] فكما أن هذا للتحريم فكذا الأول. وثانيها: قوله: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} أي: إن أكلتما منها ظلمتما أنفسكما ألا ترى لما أكلا {أية : قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} تفسير : [الأعراف: 23]. وثالثها: لو كان للتنزيه لما استحقّ آدم بفعله الإخراج من الجنة، ولما وجبت التوبة عليه. قال ابن الخطيب: الجواب عن الأول: أن النهي وإن كان في الأَصْلِ للتنزيه، لكنه قد يحمل على التحريم بدليل منفصل. وعن الثاني: أن قوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} أي: فتظلما أنفسكما بفعل ما الأولى بكما تركه؛ لأنكما إذا فعلتما ذلك أخرجتما من الجنّة التي لا تظمَآن فيها، ولا تَضْحَيَان ولا تَجُوعان ولا تَقْرُبَان إلى موضع ليس فيه شيء من هذا. وعن الثالث: أنا لا نسلم أن الإخراج من الجنّة كان لهذا السبب. فصل في فحوى الآية قال قوم قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} يفيد بِفَحْوَاهُ النهي عن الأكل؛ وفيه نظر لأن النهي عن القُربان لا يستلزم النهي عن الأَكْلِ؛ إذ ربما كان الصلاح في ترك قربها مع أنه لو حمل إليه لجاز له أكله، بل الظاهر [إنما] يتناول النهي عن القرب. وأما النهي عن الأكل، فإنما عرف بدلائل أخرى وهي قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} تفسير : [الأعراف: 22] ولأنه حدث الكلام بالأكل فقال: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} فصار ذلك كالدّلاَلَةِ على أنه تعالى نَهَاهُمَا عن أكل ثمرة الشَّجرة، لكن النهي بهذا القول يعم الأكل، وسائر الانتفاعات، ولو كان نصّ على الأكل ما كان يعمّ ذلك، ففيه مزيد فائدة. قوله: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} فتكونا: فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مجزوماً عطفاً على "تَقْربا"؛ كقوله: [الطويل] شعر : 400- فَقُلْتُ لَهُ: صَوِّبْ وَلاَ تَجْهَدَنَّهُ فَيُدْرِكُ مِنْ أَعْلَى القَطَاةِ فَتَزْلَقِ تفسير : والثَّاني: أنه منصوب على جواب النَّهْي لقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ} تفسير : [طه: 81] والنصب بإضمار "أن" عند البَصْريين، وبالفَاءِ نفسها عند الجرمي، وبالخلاف عند الكوفيين. وهكذا كل ما يأتي مثل هذا. و "الظَّالِمِينَ" خبر "كان". و "الظلم": وضْع الشَّيْء في غَيْر موضعه، ومنه قيل للأرض الَّتي لم تستحقَّ الحَفْر، فتحفر: مَظْلُومة، قال النابغة: [البسيط] شعر : 401- إِلاَّ الأَوَارِيَّ لأْياً مَا أُبَيِّنُهَا وَالنُّؤْيُ كَالحَوْضِ بَالمَظْلُومَةِ الجَلَدِ تفسير : وقيل: سميت مظلومةً؛ لأنَّ المَطَر لم يأتها، قال عَمْرُو بْنُ قَمِيئَةَ: [الكامل] شعر : 402- ظَلَمَ البِطَاحَ بِهَا انْهِلاَلُ حَرِيصَةٍ فَصَفَا النِّطَافُ بِهَا بُعَيْدَ المُقْلَعِ تفسير : وقالوا: "مَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ"؛ قال: [الرجز] شعر : 403- بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيُّ في الكَرَمْ وَمَنْ يُشَابِهُ أَبَهُ فَمَا ظَلَمْ تفسير : والمراد من الآية هو أنكما إن أكلتما منها فقد ظلمتما أنفسكما؛ لأن الأكل من الشجرة لا يقتضي ظُلْمَ الغير، وقد يكون ظالماً بأن يظلم نفسه، وبأن يظلم غيره، فظلم النفس أعم وأعظم. والظلم على وجوه: الأول: ظلم الظَّالم لنفسه بالمعصية كهذه الآية أي: فتكونا من العاصين. الثاني: الظَّالمون المشركون، قال تعالى: {أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [هود: 18] يعني: المشركين. الثالث: الظلم: الضرر، قال تعالى: {أية : وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [النحل: 118]، أي: ما ضررناهم، ولكن كانوا أنفسهم يضرون. الرابع: الظلم: الجحود، قال تعالى: {أية : وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} تفسير : [الأعراف: 51] ومثله: "فَظَلَمُوا بِهَا" أي: فجحدوا بها.

السيوطي

تفسير : أخرج الطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه عن أبي ذر قال "حديث : قلت يا رسول الله أرأيت آدم أنبياً كان؟ قال: نعم. كان نبياً رسولاً كلمه الله قبلاً، قال له {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن أبي ذر قلت "حديث : يا رسول الله من أول الأنبياء؟ قال: آدم. قلت: نبي كان؟ قال: نعم مكلم. قلت: ثم من؟ قال: نوح وبينهما عشرة آباء ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه والبزار والبيهقي في الشعب عن أبي ذر قال "حديث : قلت: يا رسول الله أي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم قلت: يا رسول الله ونبي كان؟ قال: نعم. نبي مكلم. قلت: كم كان المرسلون يا رسول الله؟ قال: ثلثمائة وخمسة عشر. جماً غفيراً ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد والآجري في الأربعين عن أبي ذر قال "حديث : قلت يا رسول الله من كان أولهم؟ ـ يعني الرسل ـ قال: آدم قلت: يا رسول الله أنبي مرسل؟ قال: نعم. خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وسواه قبلاً ". تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي أمامة الباهلي "حديث : أن رجلاً قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: نعم. مكلم. قال: كم بينه وبين نوح؟ قال:عشرة قرون قال: كم بين نوح وبين ابراهيم؟ قال:عشرة قرون قال: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً. قال: يا رسول الله كم كانت الرسل من ذلك؟ قال: ثلثمائة وخمسة عشر. جماً غفيراً ". تفسير : وأخرج أحمد وابن المنذر والطبراني وابن مردويه عن أبي أمامة "حديث : أن أبا ذر قال: يا نبي الله أي الأنبياء كان أوّل؟ قال: آدم. قال: أو نبي كان آدم؟ قال: نعم. نبي مكلم، خلقه الله بيده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم قال له يا آدم قبلاً. قلت: يا رسول الله كم وفى عدة الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً. الرسل من ذلك ثلثمائة وخمسة عشر. جماً غفيراً ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر والحكيم الترمذي في نوادر الأصول والبيهقي في الشعب وابن عساكر في تاريخه عن الحسن قال: قال موسى يا رب كيف يستطيع آدم أن يؤدي شكر ما صنعته إليه، خلقته بيدك، ونفخت فيه من روحك، وأسكنته جنتك، وأمرت الملائكة فسجدوا له؟ فقال: يا موسى علم أن ذلك مني فحمدني عليه، فكان ذلك شكراً لما صنعت إليه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: خلق الله آدم يوم الجمعة، وأدخله الجنة يوم الجمعة، فجعله في جنات الفردوس. وأخرج عبد بن حميد والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: ما سكن آدم الجنة إلا ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن ابن عباس قال: خلق الله آدم من أديم الأرض يوم الجمعة بعد العصر فسماه آدم، ثم عهد إليه فنسي فسماه الإِنسان قال ابن عباس: فتالله ما غابت الشّمس من ذلك اليوم حتى أهبط من الجنة إلى الأرض. وأخرج الفريابي وأحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن قال: لبث آدم في الجنة ساعة من نهار. تلك الساعة مائة وثلاثون سنة من أيام الدنيا. وأخرج أحمد في الزهد عن سعيد بن جبير قال: ما كان آدم عليه السلام في الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر. وأخرج عبد الله في زوائده عن موسى بن عقبة قال: مكث آدم في الجنة ربع النهار، وذلك ساعتان ونصف، وذلك مائتا سنة وخمسون سنة، فبكى على الجنة مائة سنة. أما قوله تعالى: {وزوجك} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: لما سكن آدم الجنة كان يمشي فيها وحشاً ليس له زوج يسكن إليها، فنام نومة فاستيقظ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه، فسألها ما أنت؟ قالت: امرأة قال: ولم خلقت؟ قالت لتسكن إليّ قالت له الملائكة ينظرون ما يبلغ علمه: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء. قالوا لم سميت حوّاء؟ قال: لأنها خلقت من حي فقال الله {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة }. وأخرج سفيان بن عيينة عن مجاهد قال: نام آدم فخلقت حواء من قصيراه، فاستيقظ فرآها فقال: من أنت؟ فقالت: أنا أسا. يعني امرأة بالسريانية. وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : استوصوا بالنساء خيراً فإن المرأة خلقت من ضلع، وأن أعوج شيء من الضلع رأسه، وإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته تركته وفيه عوج. فاستوصوا بالنساء خيراً ". تفسير : وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس قال: إنما سميت حواء لأنها أم كل حي. وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر من وجه آخر عن ابن عباس قال: إنما سميت المرأة مرأة لأنها خلقت من المرء، وسميت حواء لأنها أم كل حي. وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن عطاء قال: لما سجدت الملائكة لآدم نفر إبليس نفرة ثم ولى مدبراً وهو يلتفت أحياناً ينظر هل عصى ربه أحد غيره. فعصمهم الله ثم قال الله لآدم: قم يا آدم فسلم عليهم. فقام فسلم عليهم وردوا عليه، ثم عرض الأسماء على الملائكة فقال الله لملائكته: زعمتم أنكم أعلم منه {انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سبحانك} إن العلم منك ولك، ولا علم لنا إلا ماعلمتنا، فلما أقروا بذلك {قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم} فقال آدم: هذه ناقة، جمل، بقرة، نعجة، شاة، فرس، وهو من خلق ربي. فكل شيء سمي آدم فهو اسمه إلى يوم القيامة، وجعل يدعو كل شيء باسمه حين يمر بين يديه حتى بقي الحمار وهو أخر شيء مر عليه. فجاء الحمار من وراء ظهره فدعا آدم: أقبل يا حمار. فعلمت الملائكة أنه أكرم على الله وأعلم منهم، ثم قال له ربه: يا آدم ادخل الجنة تحيا وتكرم، فدخل الجنة فنهاه عن الشجرة قبل أن يخلق حواء. فكان آدم لا يستأنس إلى خلق في الجنة، ولا يسكن إليه، ولم يكن في الجنة شيء يشبهه، فالقى الله عليه النوم وهو أوّل نوم كان، فانتزعت من ضلعه الصغرى من جانبه الأيسر، فخلقت حواء منه، فلما استيقظ آدم فجلس، فنظر إلى حواء تشبهه من أحسن البشر، ولكل امرأة فضل على الرجل بضلع، وكان الله علم آدم اسم كل شيء، فجاءته الملائكة فهنوه وسلموا عليه فقالوا: يا آدم ما هذه؟ قال: هذه مرأة قيل له: فما اسمها؟ قال: حواء فقيل له: لم سميتها حواء؟ قال: لأنها خلقت من حي. فنفخ بينهما من روح الله فما كان من شيء يتراحم الناس به فهو من فضل رحمتها. وأخرج ابن أبي حاتم عن أشعث الحداني قال: كانت حواء من نساء الجنة، وكان الولد يرى في بطنها إذا حملت ذكر أم أنثى من صفاتها. وأخرج ابن عدي وابن عساكر عن إبراهيم النخعي قال: لما خلق الله آدم وخلق له زوجته، بعث إليه ملكاً، وأمرة بالجماع ففعل، فلما فرغ قالت له حواء: يا آدم هذه طيب زدنا منه. أما قوله تعالى: {وكلا منها رغداً} . أخرج ابن جرير وابن عساكر عن ابن مسعود وناس من الصحابة قال {الرغد} الهنيّ. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال {الرغد} سعة المعيشة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {وكلا منها رغداً حيث شئتما} قال: لا حساب عليكم. أما قوله تعالى: {ولا تقربا هذه الشجرة} . أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر من طرق عن ابن عباس قال: الشجرة التي نهى الله عنها آدم السنبلة. وفي لفظ البر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: الشجرة التي نهى الله عنها آدم البر، ولكن الحبة منه في الجنة كمكلي البقر، ألين من الزبد، وأحلى من العسل. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وأبو الشيخ عن أبي مالك الغفاري في قوله {ولا تقربا هذه الشجرة} قال: هي السنبلة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس قال: الشجرة التي نهى عنها آدم. الكرم. وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود. مثله. وأخرج وكيع وابن سعد وابن جرير وأبو الشيخ عن جعدة بن هبيرة قال: الشجرة التي افتتن بها آدم الكرم، وجعلت فتنة لولده من بعده، والتي أكل منها آدم العنب. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: هي اللوز. قلت: كذا في النسخة وهي قديمة، وعندي أنها تصحفت من الكرم. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله {ولا تقربا هذه الشجرة} قال: بلغني أنها التينة. وأخرج ابن جرير عن بعض الصحابة قال: هي تينة. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: هي التين. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي مالك في قوله {ولا تقربا هذه الشجرة} قال: هي النخلة. وأخرج أبو الشيخ عن يزيد بن عبد الله بن قسيط قال: هي الأترج. وأخرج أحمد في الزهد عن شعيب الحيائي قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته شبه البر. تسمى الرعة، وكان لباسهم النور. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن أبي العالية قال: كانت الشجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي أن يكون في الجنة حدث. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {ولا تقربا هذه الشجرة} قال: ابتلى الله آدم كما ابتلى الملائكة قبله، وكل شيء خلق مبتلى، ولم يدع الله شيئاً من خلقه إلا ابتلاه بالطاعة، فما زال البلاء بآدم حتى وقع فيما نهي عنه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: ابتلى الله آدم فأسكنه الجنة يأكل منها رغداً حيث شاء، ونهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها، وقدم إليه فيها. فما زال به البلاء حتى وقع بما نهي عنه، فبدت له سوءته عند ذلك، وكان لا يراها فأهبط من الجنة.

ابو السعود

تفسير : {وَقُلْنَا} شروعٌ في حكاية ما جَرى بـينه تعالى وبـين آدمَ عليه السلام بعد تمام ما جرى بـينه تعالى وبـين الملائكة وإبليسَ من الأقوال والأفعالِ، وقد تُركت حكايةُ توبـيخِ إبليسَ وجوابُه ولعنُه واستنظارُه وإنظارُه اجتزاءً بما فُصّل في سائر السور الكريمة وهو عطفٌ على قلنا للملائكة، ولا يقدح في ذلك اختلافُ وقتيهما، فإن المراد بالزمان المدلولِ عليه بكلمة إذْ زمانٌ ممتدٌ واسعٌ للقولين، وقيل هو عطف على إذ قلنا بإضمار إذ، وهذا تذكيرٌ لنعمة أخرى موجبةٍ للشكر مانعةٍ من الكفرَ وتصديرُ الكلام بالنداء في قوله تعالى: {يَــئَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} للتنبـيه على الاهتمام بتلقي المأمورِ به، وتخصيصُ أصل الخطاب به عليه السلام للإيذان بأصالته في مباشرة المأمور به، واسكن من السُكنىٰ وهو اللُّبث والإقامةُ والاستقرارُ دونَ السكونِ الذي هو ضدُّ الحركة، وأنت ضميرٌ أكِّد به المستكنُّ ليصحَّ العطف عليه واختلف في وقت خلقِ زوجِه. فذكر السدي عن ابن مسعود وابن عباس وناسٍ من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين: أن الله لما أخرج إبليسَ من الجنة وأسكنها آدمَ بقيَ فيها وحدَه وما كان معه من يستأنسُ به فألقىٰ الله تعالى عليه النومَ ثم أخذ ضِلْعاً من جانبه الأيسرِ ووضع مكانه لحماً وخلق حواءَ منه فلما استيقظ وجدها عند رأسه قاعدةً، فسألها: ما أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولم خلقتِ؟ قالت: لتسكُنَ إلي، فقالت الملائكةُ تجْربةً لعلمه: من هذه؟ قال: امرأة، قالوا: لم سُمِّيت امرأةً قال: لأنها من المَرءِ أُخِذَت، فقالوا: ما اسمُها؟ قال: حواء، قالوا: لم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حيّ. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث الله تعالى جنداً من الملائكة فحملوا آدمَ وحواءَ على سريرٍ من ذهب كما يُحمل الملوك ولباسُهما النور، حتى أدخلوهما الجنة، وهذا كما ترى يدل على خلقها قبل دخول الجنة والمراد بها دارُ الثواب، لأنها المعهودة، وقيل هي جنةٌ بأرض فلسطين، أو بـين فارسَ وكَرْمان، خلقها الله تعالى امتحاناً لآدمَ عليه السلام، وحُمل الإهباطُ على النقل منها إلى أرض الهندِ كما في قوله تعالى: {أية : ٱهْبِطُواْ مِصْرًا}تفسير : [البقرة، الآية 61] لما أن خلقه عليه السلام كان في الأرض بلا خلاف ولم يذكر في هذه القصة رفعُه إلى السماء ولو وقع ذلك لكان أولى بالذكر والتذكير، لما أنه من أعظم النعمِ، ولأنها لو كانت دارَ الخلد لما دخلها إبليسُ. وقيل: إنها كانت في السماء السابعة، بدليل اهبِطوا، ثم إن الإهباطَ الأولَ كان منها إلى السماء الدنيا، والثاني منها إلى الأرض، وقيل: الكلُّ ممكنٌ، والأدلةُ النقلية متعارضةٌ فوجب التوقفُ وتركُ القطع. {وَكُلاَ مِنْهَا} أي من ثمارها، إنما وجِّه الخطاب إليهما تعميماً للتشريف والترفيه، ومبالغة في إزالة العِلل والأعذار، وإيذاناً بتساويهما في مباشرة المأمور به، فإن حواءَ أُسوةٌ له عليه السلام في الأكل بخلاف السُكنىٰ، فإنها تابعةٌ له فيه {رَغَدًا} صفةٌ للمصدر المؤكَّد أي أكلاً واسعاً رافهاً {حَيْثُ شِئْتُمَا} أي أيَّ مكان أردتما منها، وهذا كما ترى إطلاقٌ كليٌّ حيث أبـيحَ لهما الأكلُ منها على وجه التوسعةِ البالغةِ المزيحةِ للعلل ولم يُحَظَّر عليهما بعضُ الأكلُ ولا بعضُ المواضع الجامعةِ للمأكولات حتى لا يبقىٰ لهما عذرٌ في تناول ما منعا منه بقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا} بفتح الراء من قرِبْتُ الشيء بالكسر أقربَه بالفتح إذا التبسْتُ به وتعرضتُ له، وقال الجوهري: قَرُبَ بالضم يَقْرُبُ قُرْباً إذا دنا، وقَرِبْتُه بالكسر قُرْبَاناً دنوتُ منه {هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ} نصبٌ على أنه بدل من اسم الإشارةِ، أو نعتٌ له بتأويلها بمشتقٍ، أي هذه الحاضرة من الشجرة أي لا تأكلا منها وإنما عُلّق النهي بالقُربان منها مبالغةً في تحريم الأكلِ ووجوب الاجتناب عنه والمرادُ بها الحنطةُ أو العِنبَةُ أو التينة وقيل: هي شجرة مَنْ أكلَ منها أحْدَث، والأَوْلى عدمُ تعيـينها من غير قاطعٍ، وقرىء هذي بالياء وبكسر شين (الشِّجَرة) وتاء (تِقربا)، وقرىء الشِيَرةَ بكسر الشين وفتح الياء {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ} مجزوم على أنه معطوف على تقرَبا أو منصوبٌ على أنه جواب للنهي وأياً ما كان فالقُرب أي الأكلُ منها سببٌ لكونهما من الظالمين أي الذين ظلموا أنفسَهم بارتكاب المعصية. أو نقَصوا حظوظَهم بمباشرة ما يُخِلُّ بالكرامة والنعيم، أو تعدَّوا حدود الله تعالى.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ}. قال القاسم: السكون إلى الجنة وفى الجنة وحشة من الحق ولكنه رد المخلوق إلى المخلوق إظهار الملك ورعونات الطبع، وقيل فى قوله {ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} قال السكنى: تكون مدة ثم تنقطع فيكون دخولهما فى الجنة دخول سكنى لا دخول ثواب. قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}. قال بعضهم: معناه أنه يقول نهاهما عن قرب الشجرة وقضى عليهما ما قضى ليريهما فيهما وأن العصمة تقواهما لا جحدهما وطاقتهما. قال ابن عطاء: نهى عن جنس الشجرة، فظن آدم أن النهى عن المشار إليه فتناول على حد النسيان وترك المحافظة لا على التعمد والمخالفة قال الله تعالى { أية : وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تفسير : [طه: 115].

القشيري

تفسير : أسْكَنَه الجنةَ ولكن أثبت مع دخوله شجرة المحنة، ولولا سابق التقدير لكان يبدل تلك الشجرة بالنضارة ذبولاً، وبالخضرة يبساً، وبالوجود فقداً، وكانت لا تصل يد آدم إلى الأوراق ليخصفها على نفسه - ويقع منه ما يقع. ولو تطاولت تلك الشجرة حتى كانت لا تصل إليها يده حين مدَّها لم يقع في شأنه كل ذلك التشويش ولكن بدا من التقدير ما سبق به الحكم. ولا مكانَ أفضل من الجنة، ولا بَشَرَ أكيس من آدم، ولا ناصح يقابل قوله إشارة الحق عليه، ولا غريبة (منه) قبل ارتكابه ما ارتكب، ولا عزيمة أشد من عزيمته - ولكنَّ القدرةَ لا تُكابَرَ، والحُكْمَ لا يُعَارض. ويقال لما قال له: {ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} كان فيه إشارة إلى أن الذي يليق بالخَلْق السكون إلى الخَلْق، والقيام باستجلاب الحظ، وآدم عليه السلام وَحْدَه كان بكل خير وكل عافية، فلمَّا جاء الشكلُ والزوجُ ظهرت أنياب الفتنة، وانفتح باب المحنة؛ فحين سَاكَنَ حواء أطاعها فيما أشارت عليه بالأكل، فوقع فيما وقع، ولقد قيل: شعر : داءٌ قديمٌ في بني آدم صبوةُ إنسان بإنسان تفسير : فصل: وكلُّ ما منِع منه ابن آدم توفرت دواعيه إلى الاقتراب منه. فهذا آدم عليه السلام أبيحت له الجنة بجملتها ونُهِيَ عن شجرة واحدة، فليس في المنقول أنه مدَّ يده إلى شيء من جملة ما أبيح، وكان عِيلَ صبره حتى واقع ما نُهِيَ عنه - هكذا صفة الخَلْق. فصل: وإنما نبَّه على عاقبة دخول آدم الجنة من ارتكابه ما يوجب خروجه منها حين قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} فإذا أخبر أنه جاعله خليفته في الأرض كيف يمكن بقاؤه في الجنة؟ ويقال أصبح آدم عليه السلام محمود الملائكة، مسجود الكافة، على رأسه تاج الوصلة، وعلى وسطه نطاق القُرَبة، وفي جيده (...) الزلفة، لا أحد فوقه في الرتبة، ولا شخص مثله في الرفعة، يتوالى عليه النداء في كل لحظة يا آدم يا آدم. فلم يُمْسِ حتى نُزِعَ عنه لباسهُ، وسُلِبَ استئناسه، والملائكة يدفعونه بعنف أن اخْرج بغير مُكْثٍ: شعر : وأَمِنْتُهُ فأتاح لي من مَأْمني مكراً، كذا من يأمن الأحبابا تفسير : ولمّا تاه آدم عليه السلام في مِشيته لم يلبث إلا ساعة حتى خرج بألف ألف عتاب، وكان كما قيل: شعر : لله دَرُّهُمُ من فِتْيةٍ بَكَرُوا مثلَ الملوكِ وراحوا كالمساكين تفسير : فصل: نهاه عن قرب الشجرة بأمره، وألقاه فيما نهاه عنه بقهره، ولبَّس عليه ما أخفاه فيه من سِرِّه.

البقلي

تفسير : {يَاآدَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} اي اُسكن في جوارى من قطيعتى وان تصيبك خطيئة فان في عصيانك في دار العصمة عذر عصَاه اولادك من اهل التوحيد في دار المحنة واشتياقك الى نعمتى بعد هجرانك من جوارى وبلوغك بعد فنائك في القدم الى لقائى وايضاً اوصاه بالتمكين عند خدّاع ابليسُ مكره حتى لا يزول قدمه عن مقام التمكين بمقالته العين وايضاً اراد الله ان يَعصيَا فولكلهُم الى انفسهما او عَزَها عن القربة بِادخالِهما في لاجنة لان أدمَ وحَوا طفلا الزمان لا يتسقران فى جبروت الرحمن فالجاهما الى كل ثمار اشجارِ الجنان لافراد القديم عن الحديثان الا ترى الى قوله تعالى {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} وقال القاسم السكون في الجنة وحشة من الحق وانه ردّ المخلوق ان المخلوق وهو النقص لامتناع الازل عن الحوادث وقال بعضهم ردّهما في السكون الى انفسهما وكلهما اليها فقلا اسُكن انت وزوجك الجنة وفي رَدّ المخلوق الى المخلوق اظهار العلل عونات الطبع {هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} اخفى الله تعالى في الشجر اسرار الربوبيّة لادم وحوّا ومنعهما عن قُربها حتى لا يتشوّش عليهما عيش الانسانية ولكن هَيّجهما بمضنعِهما عن قرب الشجرة كسى الشجرة انوار القدس وتجلى الحق سبحانه لهما من الشجرة كما تجلى من شجرة موسى لموسى فعشاق الشجرة ووقعا فيها ونَسيا ذكر النهى عن قربها قال ابن عطا انهى عن جنس الشجرة فظن أدم ان لانهى عن المشار اليه فتنَاولَ على حَدِ النسيان وترك المحافاظة لاعلى التعمد والمخالفة قال تعالى فنسىَ ولم نجد له عَزماً {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} اى من المجاورين عن حد العقل الى حدّ العشق وقال بعضهم معناه انَّه نَهَا هما عن قرب الشجرة وقضى عليهما ما قَضَى عليهما ما قَضَى لنريهما عجزهما وان العصمة هي التي تقومُ في مالا جهدهما وطقاتهما.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقلنا اسكن انت} قال القرطبى فى تفسيره لاخلاف ان الله تعالى اخرج ابليس عند كفره وابعده عن الجنة وبعد اخراجه قال يا آدم اسكن اى لازم الاقامة واتخذها مسكنا وهو محل السكون وليس المراد به ضد الحركة بل اللبث والاستقرار{وزوجك} حواء يقال للمرأة الزوج والزوجة والزوج افصح كما فى تفسير ابى الليث وانما لم يخاطبهما او لا تنبيها على انه المقصود بالحكم والمعطوف عيله تبع له {الجنة} هى دار الثواب باجماع المفسرين خلافا لبعض المعتزلة والقدرية حيث قالوا المراد بالجنة بستان كان فى ارض فلسطين او بين فارس وكرمان خلقه الله تعالى امتحانا لآدم واولوا الهبوط بالانتقال منه الى ارض الهند كما فى قوله تعالى {أية : اهبطوا مصرا}تفسير : [البقرة: 61] وفيه نظر لان الهبوط قد يستعار للانتقال اذا ظهر امتناع حقيقته واستبعادها وهناك ليس كذلك. واختلفوا فى خلقة حواء هل كانت قبل دخول الجنة أو بعده ويدل على الاول ما روى عن ابن عباس رضى الله عنهما انه بعث الله جندا من الملائكة فحملوا آدم وحواء على سرير من الذهب مكلل بالياقوت واللؤلؤ والزمرد وعلى آدم منطقة مكللة بالدر والياقوت حتى ادخلوهما الجنة ويدل على الثانى ما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه انه لما خلق الله الجنة واسكن فيها آدم بقى فيها وحده فألقى الله عليه النوم ثم اخذ ضلعا من اضلاعه من الجانب الايسر ووضع مكانه لحما فخلق منه حواء ومن الناس من قال لا يجوز ان يقال خلقت حواء من ضلع آدم لانه يكون نقصانا منه ولا يجوز القول بنقص الانبياء قلنا هذا نقص منه صورة تكميل له معنى لانه جعلها سكنه وازال بها وحشته وحزنه فلما استيقظ وجدها عند رأسه قاعدة فسألها من انت فقالت انى امرأة فقال ولم خلقت قالت لتسكن الى واسكن اليك فقالت الملائكة يا آدم ما اسمها قال حواء قالوا ولم قال لانها خلقت من حى اولانها اصل كل حى اولانها كانت فى ذقنها حوة اى حمرة مائلة الى السواد وقيل فى شفتها وسميت مرأة لأنها خلقت من المرء كما ان آدم سمى بآدم لانه خلق من اديم الارض وعاشت بعد آدم سبع سنين وسبعة اشهر وعمرها تسعمائة سنة وسبع وتسعون سنة. واعلم ان الله تعالى خلق واحدا من اب دون ام وهو حواء وآخر من ام دون اب وهو عيسى وآخر من اب وام اى اولاد آدم وآخر من غير اب وام اى آدم فسبحان من اظهرَ من عجائب صنعه ما يتحير فيه العقول. ثم اعلم ان الله تعالى خلق حواء لامر تقتضيه الحكمة ليدفع آدم وحشته بها لكونها من جنسه وليبقى الذرية على ممر الازمان والايام الى ساعة القيام فان بقاءها سبب لبعثة الانبياء وتشريع الشرائع والاحكام ونتيجة لامر معرفة الله فان الله تعالى خلق الخلق لاجلها. وفى الزوجية منافع كثيرة دينية ودنيوية واخروية ولم يذكر الله تعالى فى كتابه من الانبياء الا المتزوجين وقالوا ان يحيى عليه السلام قد تزوج لنيل الفضل واقامة السنة ولكن لم يجامع لكون ذلك عزيمة فى تلك الشريعة ولذلك مدحه الله بكونه حصورا. وفى الاشباه ليس لنا عبادة شرعت من عهد آدم الى الآن ثم تلك العبادة لا تستمر فى الجنة الا الايمان والنكاح. قيل فضل المتأهل على العزب كفضل المجاهد على القاعدة وركعة من المتأهل افضل من سبعين ركعة من عزب هذا كله لكون التزوج سببا لبقاء النسل وحفظا من الزنى والتغريب فى النكاح يجرى الى ما يجاوز المائة الاولى من الالف الثانى كما قال عليه السلام "حديث : اذا اتى على امتى مائة وثمانون سنة بعد الالف فقد حلت العزوبة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال ". تفسير : وذلك لان الخلق فى المائتين اهل الحرب والقتل فتربية جرو حينئذ خير من تربية ولد وان تلد المرأة حية خير من ان تلد الولد: كما قال السعدى شعر : زنان بار دار اى مرد هشيار اكر وقت ولادت مار زايند ازان بهتر بنزديك خردمند كه فرزندان ناهموار زايند تفسير : {وكلا منها} اى من ثمار الجنة وجه الخطاب اليهما ايذانا بتساويهما فى مباشرة المأمور به فان حواء اسوة له فى الاكل بخلاف السكنى فانها تابعة له فيها ثم معنى الامر بهذا والشغل به مع انه اختصه واصطفاه للخلافة ابداه انه مخلوق والذى يليق بالخلق هو السكون بالخلق والقيام باستجلاب الحظ {رغدا} اى اكلا واسعا رافهاً بلا تقدير وتقتير حيث شئتما أى مكان من الجنة شئتما وسع الامر عليهما ازاحة للعلة والعذر فى التناول من الشجرة المنهى عنها من بين اشجارها الفائتة للحصر {ولا تقربا} بالاكل ولو كان النهى عن الدنو لضمت الراء {هذه الشجرة} الشجرة نصب على انه بدل من اسم الاشارة او نعت له بتأويلها بمشتق اى هذه الحاضرة من الشجر اى لا تأكلا منها وانما علق النهى بالقربان منها مبالغة فى تحريم الاكل ووجوب الاجتناب عنه والمراد بها البر والسنبلة وهو الاشهر والاجمع والانسب عند الصوفية لان النوع الانسانى ظهر فى درو السنبلة وعليها من كل لون وثمرها احلى من العسل وألين من الزبد واشد بياضا من الثلج كل حبة من حنطتها مثل كلية البقرة وقد جعلها الله رزق اولاده فى الدنيا ولذلك قيل تناول سنبلة فابتلى بحرث السنبلة او المراد الكرم ولذلك حرمت علينا او التين ولهذا ابتلاه الحق بلباس ورقها كما ابتلاه بثمرها وهو البلاء الحسن وقيل غير ذلك والاولى عدم تعيينها لعدم النص القاطع {فتكونا من الظالمين} مجزوم على انه معطوف على تقربا او منصوب على انه جواب للنهى والمعنى على الاول لا يكن منكما قربان الشجرة وكونكما من الظالمين وعلى الثانى ان تقربا هذه الشجرة تكونا من الظالمين واياما كان فالقرب اى الاكل منها سبب لكونهما من الظالمين اى الذين ظلموا انفسهم بارتكاب المعصية او نقصوا حظوظهم بمباشرة ما يخل بالكرامة والنعيم او تعدوا حدود الله. قال القرطبى قال بعض ارباب المعانى فى قوله ولا تقربا اشعار بالوقوع فى الخطيئة والخروج من الجنة وان سكناهما فيها لا يدوم لان المخلد لا يحظر عليه شئ ولا يؤمر ولا ينهى والدليل على هذا قوله تعالى {أية : إنى جاعل فى الأرض خليفة}تفسير : [ البقرة: 30]. فدل على خروجه منها. قال الشيخ نجم الدين قدس سره ان آدم خاطبه مولاه خطاب الابتلاء والامتحان والنهى نهى تعزز ودلال كأنه قال يا آدم ابحت لك الجنة ومافيها الا هذه الشجرة فإنها شجرة المحبة والمعرفة مطية المحنة وأن منعه منها كان تحريضاً على تناولها فان الانسان حريص على ما منع فسكنت نفس آدم على حواء والى الجنة وما فيها الا الى الشجرة المنهى عنها لانها كانت مشتهى القلب وكان للنفس فيها حظ ولا يزال يزداد توقانه اليها فيقصدها حتى تناول منها فظهر سر الخلافة والمحبة والمحنة والتحقق بمظاهر الجمال والجلال كالتواب والغفور والعفو والقهار والستار. والحاصل انه لما علم الله تعالى انه يأكل من الشجرة نهاه ليكون أكله عصاينا يوجب توبة ومحبة وطهارة من تلوث الذنب كما قال تعالى {ان الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} فاورثه ذلك النهى عن اكل الشجرة عصيانا بسبب النسيان ثم توبة بسبب العصيان ثم محبة بسبب التوبة ثم طهارة بسبب المحبة كما ورد فى الخبر "اذا احب الله عبدا لم يضره الذنب" اى حفظه من الذنب واذا وقع فيه وفقه للتوبة والندامة وكل زلة عاقبتها التوبة والتشريف والاجتباء فقيل هى زلة تنزيه واستحقاق آدم اللوم بالنهى التنزيهى من قبيل حسنات الابرار سيآت المقربين. قال مرجع طريقتنا الجالوتية الشيخ الشهير بالهدائى قدس سره المراد بالدعوة الى الجنة الدعوة الى مقام الروح فى وجود بنى آدم كأنه قال لقلب الانسان يا آدم القلب اسكن انت وزوجك وهى النفس الانسانية فى الروح بالطاعات والعبادات {وكلا منها رغدا} اى كلا من المعارف الالهية لان الروح مقام المعرفة التى تحصل بسبب الطاعات والعبادات {حيث شئتما} أى عمل احببتما من الخيرات والصالحات {ولا تقربا هذه الشجرة} اى شجرة المخالفة فان هذا الخطاب لما كان يشمل عامة العباد الى يوم القيايمة لم ينحصر فى آدم وحواء عليهما السلام فينبغى للمؤمن ان يترقى الى الله تعالى بسبب الطاعات والعبادات ويجتنب عن المخالفات حتى لا يقع فى ألمهالك والدركات: قال فى المثنوى شعر : داروى مردى بخور اندر عمل تاشوى خورشيد كرم اندر حمل جهدكن تانور تو رخشان شود تا سلوك وخدمتت آسان شود تا جلا باشد مران آيينه را كه صفازايد ز طاعت سينه را

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {رغداً}:صفة لمصدر محذوف، أي: أكلا رغداً واسعاً، و {تكونا}: منصوب، جواب الأمر، أو معطوف على {تقرباً}، و {أزلهما}: أوقعهما في الزلل بسبب الأكل، أو أذهبهما عن الجنة، ويدل عليه قراءة حمزة: "فأزالهما" وجملة {بعضكم لبعض عدو}: حالية، أي: متعادين. يقول الحقّ جلّ جلاله: {وَقُلْنَا يَا آدَم} حين سجدت له الملائكة ودخل الجنة: {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ} حواء {الجنة}، وكانت خلقت من ضلعه الأيسر، {وَكُلا} من ثمار الجنة {حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجِرَةَ}: العنب أو التين أو الحنطة؛ {فَتَكُونَا} إن أكلتما منها {مِنَ الظَّالِمِينَ} لنفسيكما. فدخل إبليس خفية أو في فم الحية، فتكلم مع آدم عليه السلام فقال له آدمُ عليه السلام: ما أحسن هذه الحالة لو كان الخلود. فحفظها إبليس، ووجد فيها مدخلاً من جهة الطمع، فقال له:{أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى}تفسير : [طه: 120] فدلّه على أكل الشجرة، وقال:{أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا}تفسير : [الأعرَاف: 20] عنها{أية : إِلاَّ}تفسير : [الأعراف: 20] كراهية {أية : أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ}تفسير : [الأعراف: 20، 21]. وأكلت حواء أولاً، ثم قالت له: قد أكلتُ ولم يضرني، ثم أكل آدم عليه السلام من جنس الشجرة، لا من عينها، متأوّلاً، فطار التاج واللباس، وأخرجهما {مما كانا فيه} من رغد العيش والعناء، وأهبطهما إلى الأرض، للتعب والعناء، ليكون خليفة على ما سبق به القضاء. فقال لهم الحقّ تعالى: {اهْبطُوا} آدم وحواء وإبليس والحية، {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ} استقرار وتمتع {إلَى حِينٍ} وفاتكم، فتقدمون علي فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، {فَتَلَقَّى} أي أخذ {آدم من ربه كلمات} وهي:{أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مَنَ الْخَاسِرِينَ}تفسير : [الأعرَاف: 23}، {فتاب} الحق تعالى عليه واجتباه لحضرته، فإنه توّاب كثير التوبة على عباده، رحيم بهم، أرحم من أبيهم وأمهم، اللهم ارحمنا رحمة تعصمنا بها عن رؤية السّوي، إنك على كل شيء قدير. الإشارة: يقول الحقّ جلّ جلاله للروح، إذا كمل تهذيبها، وتمت تريبتُها: اسكن أنت وبشريتك التي تزوجتها - قال تعالى: {أية : وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ }تفسير : [التّكوير: 7] - جنة المعارف، وَكُلا من ثمار أذوابها وأنهار علومها، وتبوَّءًا من قصور ترقياتها، أكلاً واسعاً ما دمتما متحليين بالأدب، ولا تقربا شجرة المعصية وسوء الأدب {فتكونا من الظالمين}، فلما سكنت جنة الخلود، وشَرهَتْ إلى الخلود، أهبطها الله إلى أرض العبودية، وردها إلى البقاء؛ لتستحق الخلافة، وتقوم بحقوق الربوبية، بسبب ما ارتكبه من المعصية، وهي الشَّرهُ إلى دوام الحرية، "أكْرِمْ بها معصيةً أورثت الخلافة!"، فكل ما ينزل بالروح إلى قهرية العبودية، فهو سبب إلى الترقي لشهود نور الربوبية، وربما قضي عليك بالذنب فكان سبب الوصول، فلام أراد الحق تعالى أن ينزلها إلى أرض العبودية بالسلوك بعد الجذب، قال لها ولمن يحاربها من الشيطان والهوى والدنيا وسائر الحظوظ: اهبطوا بعضكم لبعض عدو، ولكم - أيها العارفون بعد جهاد أعدائكم - في أرض العبودية، استقرار وتمتعٌ بتجليات أنوار الربوبية، إلى حين الملاقاة الحقيقية. فتلقت الروح من ربها كلمات الإنابة، وهبَّ عليها، نسيم الهداية، بما سبق لها من عين العناية، فتاب عليها، وقرَّبها إلى حضرة الشهود، ومعاينة طلعة الملك الودود، إنه تواب رحيم جواد كريم.

الطوسي

تفسير : السكون والثبوت والهدوء نظائر، ومثله الاستقرار والاطمئنان والثبات. والمسكن والمأوى والمثوى بمعنى (واحد)، تقول: سكن يسكن سكونا إذ لبث في المكان وسكن إذا سكت. سكن الريح، وسكن المطر، وسكن الغضب. والسكن هم العيال وهم أهل البيت. قال سلامة بن المجندل: شعر : ليس بأسفى ولا أفنى ولا سغل يسقي دواء قفي السكن مربوب تفسير : والمسكن المنزل، والسكن السكان، والسكن ان يسكن إنسان منزلا بلا كراء والسكينة: الموادعة والوقار. والسكن: الرحمة والبركة، كقوله: {إن صلاتك سكن لهم} والمسكين: الذي لا شيء له ـ عند ابي عبيدة ـ، والفقير: الذي له شيء وان كان قليلا قال الشاعر: شعر : أما الفقير الذي كانت حلوبته وفق العيال فلم يترك له سيد تفسير : وقوله تعالى: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} قال ابو حاتم: أحسنه ـ أنهم كانوا شركاء في سفينة لا يملكون سواها. فهذا يخالف أبا عبيدة وسكان السفينة معروف عربي اشتقاقه من انها تسكن به عن الحركة والاضطراب. ومعنى {اسكن أنت وزوجك الجنة}: اجعله مأوى تأوي فيه وتسكن اليه، وقد اعظم الله النعمة على آدم بما اختصه من علمه، وأسجد له ملائكته واسكنه جنته، وتلك نعمة على ولده، فالزمهم الشكر عليها، والقيام بحقها. والجنة التي اسكن فيها آدم، قال قوم: هي بستان من بساتين الدنيا، لأن جنة الخلد لا يصل اليها إبليس ووسوسته، واستدل البلخي على انها لم تكن جنة الخلد بقوله تعالى حكاية عن ابليس لما اغوى آدم، قال له: {هل أدلك على شجرة الخلد}؟ فلو كانت جنة الخلد لكان عالماً بها، فلم يحتج إلى دلالة. وقال الحسن البصري وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء واكثر المعتزلة كأبي على والرماني وابي بكر بن الاخشيد وعليه اكثر المفسرين: انها كانت جنة الخلد؛ لأن الألف واللام للتعريف وصار كالعلم عليها قالوا: ويجوز ان يكون وسوسة ابليس من خارج الجنة، فيسمعان خطابه ويفهمان كلامه، قالوا: وقول من يقول: ان جنة الخلد من يدخلها لا يخرج منها لا يصح، لأن معنى ذلك إذا استقر اهل الجنة في الجنة للثواب، وأهل النار فيها للعقاب لا يخرجون منها، واما قبل ذلك فانها تغنى لقوله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه}. {وزوجك الجنة} الزوج: بطرح الهاء قال الأصمعي: هو أكثر كلام العرب، وقال الكسائي: اكثر كلام العرب بالهاء، وطرح الهاء لغة لأزد شنوءة، ولفظ القرآن لم يجىء إلا بطرح الهاء. وقال المبرد: الوجه طرح الهاء من الزوجة وأنشد: شعر : وأراكم لدى المحاماة عندي مثل صوت الرجال للازواج تفسير : جمع زوج، ولا يجوز ان يكون جمع زوجة. وقال الرماني: قول الاصمعي أجود، لأن لفظ القرآن عليه، والعلة في ذلك انه لما كانت الاضافة تلزم الاسم في اكثر الكلام كانت مشبهة له، وكانت بطرح الهاء افصح وأخف مع الاستغناء بدلالة الاضافة عن دلالة هاء التأنيث. وقوله تعالى: {وكلا} فالأكل والمضغ واللقم متقاربة، وضد الأكل الازم. وسأل عمر بن الخطاب الحارث بن كلدة طبيب العرب، فقال له: يا حار ما الدواء؟ فقال: الازم، أي ترك الأكل. والأكلة مرة، والأكلة اسم كاللقمة والاكولة الشاة، والغنم التي ترعى للأكل لا للنسل، والأكال: أن يتأكل عود أو شيء وأكيل الرجل: مآكله واكيل الذئب: الشاة وغيرها إذا أردت المأكولة وإذا أردت به إسماً قلت: اكيلة ذئب. والمأكلة: ما جعل للانسان لا يحاسب عليه. ورجل وامرأة أكول: كثير الاكل. والمأكل كالمطعم والمشرب. والمأكل: المطعم. وأصل الباب الأكل وهو المضغ لذي الطعم. ويقال الذي يشترك فيه الحيوان كله فيه سوى الملائكة. المأكل والمنكح والمشرب. و "الرغد" النفع الواسع الكثير الذي ليس فيه عناء. وقال صاحب العين: عيش رغد ورغيد: رفيه وقوم رغد ونساء رغد قال امرؤ القيس بن حجر: شعر : بينما المرء تراه ناعماً يأمن الأحداث في عيش رغد تفسير : والرغيدة: الزبدة في بعض اللغات. وأرغد الرجل ماشيته: إذا تركها وسومها والمشيئة والارادة بمعنى واحد وكذلك المحبة والاختيار وان كان لها شروط ذكرناها في الاصول. {ولا تقربا} القرب والدنو والمجاورة متقاربة المعنى وضد البعد يقال: قرب يقرب قرباً واقترب اقتراباً. قال صاحب العين: القرب طلب الماء يقال: قرب الماء يقرب وقد قربه قرباً إذا طلبه ليلا ولا يقال لطالب الماء نهاراً قارب والقراب للسيف والسكين والفعل منه: قربت قراباً وقيل قربت اقرابا. والقربان: ما تقربت به إلى الله تعالى وقربان الملك وقرابينه: وزراؤه. والقربى: حق ذي القرابة. وقرب فلان اهله: اذا غشيها قربانا. وما قربت هذا الأمر ولا فلانا قربانا وقربى. والشجرة: كل ما قام على ساق من النبات. وهو اسم يعم النخلة والكرمة وغيرهما. وما لم يقم على ساق لا يسمى شجراً كالبقل والحشيش. واما اليقطين كالقرع والبطيخ فقد سميّ شجراً. قال الله تعالى: {وأنبتنا عليه شجرة من يقطين} قال صاحب العين: الشجرة واحدة تجمع على الشجر والشجرات والأشجار واختلفوا في الشجرة التي نهى الله آدم عنها. فقال ابن عباس: هي السنبلة وقال ابن مسعود والسدي وجعفر بن زهير: هي الكرمة. وقال ابن جريج هي التينة وروي عن علي (عليه السلام) انه قال: شجرة الكافور وقال الكلبي: شجرة العلم على الخير والشر. وقال ابن جذعان: هي شجرة الخلد التي كان يأكل منها الملائكة. والاقاويل الثلاثة الأولة اقرب. {فتكونا من الظالمين} الظلم والجور والعدوان متقاربة. وضد الظلم الانصاف وضد الجور العدل. واصل الظلم انتقاص الحق لقوله تعالى: {كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا} أي لم تنقص. وقيل: أصله وضع الشيء في غير موضعه من قولهم: من يشبه أباه فما ظلم أي فما وضع الشبه في غير موضعه. وكلاهما مطرد وعلى الوجهين فالظلم اسم ذم. ولا يجوز أن يطلق إلا على مستحق اللعن لقوله: {ألا لعنة الله على الظالمين} ولا يجوز اطلاقه على انبياء الله تعالى ولا الائمة المعصومين وظالم ومسئ وجائر: اسماء ذم وهو فاعل لما يستحق به الذم من الضرر وضدها عادل ومنصف ومحسن وهي من صفات المدح. ويقول المعتزلة لصاحب الصغيرة: ظالم لنفسه. ومن نفى الصغيرة عن الانبياء من الامامية قال: يجوز أن يقال: ظالم لنفسه اذا بخسها الثواب. كقوله {ظلمت نفسي} وقوله: {إني كنت من الظالمين} حكاية عن يونس من حيث بخس نفسه الثواب بترك المندوب اليه. والظلم هو الضرر المحض الذي لا نفع فيه أو عليه آجلا، ولا فيه دفع ضرر اعظم منه ولا هو واقع على وجه المدافعة، ولا هو مستحق. فما هذه صفته يستحق به الذم اذا وقع من مختار عالم أو متمكن من العلم به. وروي ان الله تعالى ألقى على آدم النوم، وأخذ منه ضلعاً فخلق منه حواء. وليس يمتنع أن يخلق الله حواء من جملة جسد آدم بعد أن لا يكون جزء، أو مما لا يتم كون الحي حياً إلا معه، لأن ما هذه صفته لا يجوز أن ينقل إلى غيره، أو يخلق منه حي آخر من حيث يؤدي إلى أن لا يصل الثواب إلى مستحقه، لأن المستحق لتلك الجملة باجمعها وهذا قول الرماني وغيره من المفسرين، ولذلك قيل للمرأة: ضلع اعوج. وقيل سميت امرأة لأنها خلقت من المرء فأما تسميتها حواء: لما أدخل آدم الجنة واخرج منها إبليس ولعن وطرد فاستوحش: فخلقت ليسكن اليها. فقالت له الملائكة تجربة لعلمه: ما اسمها؟ قال حواء. قالوا لم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي. وقال ابن اسحاق: خلقت من ضلعه قبل دخوله الجنه، ثم دخلا جميعاً الجنة لقوله تعالى: {يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة} التي كان فيها آدم في السماء، لأنه اهبطهما منها. وقال ابو مسلم محمد بن يحيى: هي في الأرض، لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهاهما عنها دون غيرها من الثمار. و {حيث} مبنية على الضم كما تبنى الغاية: نحو من قبل ومن بعد، لأنه منع من الاضافة [إلى المفرد] كما منعت الغاية من الاضافة إلى مفرد. وقوله: {ولا تقربا هذه الشجرة} صيغته صيغة النهي. والمراد به الندب عندنا لأنه دل الدليل على أن النهي لا يكون نهياً الى بكراهته للمنهي عنه. والله تعالى لا يكره إلا القبيح. والانبياء لا يجوز عليهم القبائح: صغيرها ولا كبيرها. وقالت المعتزلة: إن تلك كانت صغيرة من آدم ـ على اختلافهم في انه كان منه عمداً أو سهواً أو تأويلا ـ وانما قلنا لا يجوز عليهم القبائح، لأنها لو جازت عليهم لوجب أن يستحقوا بها ذماً، وعقابا وبراءة ولعنة، لأن المعاصي كلها كبائر عندنا والاحباط باطل ولو جاز ذلك لنفر عن قبول قولهم. وذلك لا يجوز عليهم كما لا يجوز كل منفر عنهم من الكبائر والخلق المشوهة والاخلاق المنفرة. ولا خلاف أن النهي يتناول الأكل دون القرب كأنه قال: لا تقربا بالاكل لأنه لا خلاف أن المخالفة وقعت بالأكل لا بالدنو منها ولذلك قال: {فأكلا منها فبدت لهما سوأتهما} وقوله: {فتكونا} يحتمل أن يكون جواباً للنهي فيكون موضعه نصباً. وهو الأقوى ويحتمل أن يكون عطفاً على النهي فيكون موضعه جزماً وكلاهما جيد محتمل ومتى كان جواباً كان تقديره: إن قربتما كنتما من الظالمين، لأنه يتضمن معنى الجواب واذا كان عطفاً على النهي فكأنه قال: لا تكونا من الظالمين. واجاز البصريون من اهل العدل أن يبتدىء الله الخلق في الجنة فينعمهم فيها تفضلا منه لا على وجه الثواب، لأن ذلك نعمة منه تعالى كما أن خلقهم وتكليفهم وتعريضهم للثواب نعمة منه، وله أن يفعل ما يشاء من ذلك وقال ابو القاسم البلخي: لا يجوز خلقهم في الجنة ابتداء، لأنه لو جاز ذلك، لما خلقهم في دار المحنة، ولما ابتلى من يعلم أنه يكفر ويصير إلى عذابه وانما لم يجز أن يخلقهم ابتداء في الجنة، لأنه لو خلقهم فيها، لم يخل: إما أن يكونوا متعبدين بالمعرفة لله والشكر، أو لا يكونوا كذلك فلو كانوا غير متبعبدين، كانوا مهملين ولذلك لا يجوز ولو كانوا متعبدين لم يكن بد من ترغيب وترهيب ووعد، ووعيد ولو كانوا كذلك كانوا على ما هم عليه في دار الدنيا وكان لا بد من دار أخرى يجازون فيها ويخلدون واجاب عن ذلك الاولون بان قالوا: لو ابتدأ خلقهم في الجنة لاضطرهم إلى معرفته، والجأهم إلى فعل الحسن وترك القبيح ومتى راموا القبيح، منعوا منه فلا يؤدي ذلك إلى ما قاله: كالحور العين والاطفال والبهائم اذا حشرهم يوم القيامة.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : [مقامات الإنسان] إعلم أنَّ للإنسان الكامل درجاتٌ، ومقاماتٌ، في بدايات أحواله، ومبادئ وجوده؛ كما أنَّ له درجاتٌ، ومقاماتٌ في نهايات أموره، وعوائد بقائه. فأوّل مقاماته في البداية، كونه مقدَّراً في علْم الله، وفيضه الأقدس، أن يكون خليفة لله في الأرض؛ وهو مقام عينه الثابت الذي قيل: "إنّه غير مجعول". وهو مقام أخذ الميثاق. ثمّ مقام مسجوديّته للملائكة؛ وذلك في جنّة الأرواح وعالَم القدس، وفيه صوَر الأسماء الإلهيّة كلّها. والمقام الثالث: هو أوّل تعلُّق روحه بالبدن في عالَم السماء، بعد عالَم الأسماء بواسطة لطيفة حيوانيّة متوسّطة بين الروح العقلاني وهذا البدن الكثيف الظلماني. والإنسان بواسطة تلك اللطيفة الحيوانيّة التي تكون على صورته في عالَم الأشباح له أن يدخل دارَ الحيوان وجنّة الأبدان، فقوله تعالى: {يَاآدَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} إشارة إلى هذا المقام. والمقامُ الرابع: هو مرتبة هبوطِه إلى عالَم الأرض، وتعلّقه بهذا البدن الكثيف الظلماني، المركّب من الأضداد، المنشأ للعداوة والفساد، والحسد والعناد، المحجوب عن عالَم المعاد، وهذا غاية النزول عن الفطرة الأصليّة. ثمّ يقع بعد ذلك الرجوعُ إلى الفطرة، والعودُ إلى المبدإ بالسيْر الرجوعي على عكس السيْر النزولي، بالخلاص عن هذه القيود، والتبرّي عن هذا الوجود، ورَدِّ الأمانات إلى أهلها، والخروج عن كلّ حول وقوّة إلى حول الله وقوّته، ففي هذا لرجوع أيضاً مقامات ودرجات، كما هو مذكور في أحوال الآخرة. جنّة آدم أهي الجنّةُ المَوعودةُ، أم غيرها؟ واختلفوا في أنّ الجنّةَ التي خرَج منها آدمُ وزوجتُه، بعينها الجنّة الموعودة، ودار الثواب، وجنّة الخُلد؟ أم هي جنّةٌ أُخرى غيرها؟ قال بعضُ العرفاء: الجنّة التي تكون الأرواح فيها بعد المفارقة من النشأة الدنياويّة، غير التي بين الأرواح المجرّدة وبين الأجسام، لأنّ تنزُلات الوجود ومعارجه دوريّة. والمرتبة التي قبل النشأة الدنياويّة، هي من مراتب التنزلات ولها الأوليّة، والتي بعدها من مراتب المعارج ولها الأقربيّة. وأيضاً الصور التي تلحق الأرواح في البرزخ الأخير، إنّما هي صوَرُ الأعمال، ونتيجة الأفعال السابقة في النشأة الدنياويّة بخلاف صوَر الجنّة الأولى، فلا يكون كلٌّ منهما عين الآخر. لكنّهما تشتركان في كونهما عالَماً حيوانياً، وجوهراً نورانياً غير متعلّق الوجود بالمادّة الظلمانيّة، مشتملاً على أمثلة ما في العالَم. وقد صرّح صاحب الفتوحات المكيّة في الباب الحادي والعشرين وثلاثمأة من كتابه، بأنّ هذا البرزخ غير الأوّل. ويسمّى الأول بالغيب الإمكاني. والثاني بالغيب المحالي. لإمكان ظهور ما في الأوّل في الشهادة، وامتناع رجوع ما في الثاني إليها، إلا في الآخرة. "وقليلٌ مَن يكاشفه بخلاف الأوّل. ولذلك يشاهد كبراؤنا، ويكاشف البرزخ الأول، فيعلم ما يريد أن يقعَ في العالَم الدنيوي من الحوادث، ولا يقدر على مكاشفة أحوال الموتى" انتهى. واحتجّوا على المغايرة بينهما أيضاً بوجوه: أحدها: إنّ هذه الجنّة لو كانت هي دار الثواب، لكانت جنّة الخُلد، وكان مَن دخلَها لم يخرج منها، لقوله تعالى: {أية : وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ} تفسير : [الحجر:48]. وقد خرج آدمُ وزوجتهُ منها، فليست هي بجنّة الخلد. أقول: هذا ضعيفٌ؛ لأنّ ذلك إنّما يكون إذا استقرّ أهل الجنّة فيها للجزاء، والثواب، والوصول إلى الغاية والنهاية، فأمّا قبل ذلك فإنّ كلّ شيء هالكٌ إلاّ وجهه. الثاني: إنّ آدم لو كان في جنّة الخُلد لما لحِقه الغرورُ من إبليس بقوله: {أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ} تفسير : [طه:120]. ولما سمع قوله: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} تفسير : [الأعراف:20]. أقول: استحالة ذلك في بداية الأمر وقبل خروج النفس من القوّة إلى الفعل ممنوعٌ، فإنّ الإنسان ما لم يقع في دار التكليف والابتلاء، فهو بعد سريع القبول للوقائع. الثالث: إنّ إبليس لمّا امتنع من السجود لُعِن، فما كان يقدر مع غضب الله عليه على أن يصلَ إلى جنَّة الخُلد. أقول: كما استحال عقلاً أن يدخل إبليس بعد طرْده ولعْنِه جنّة الآخرة، كذلك استحال دخوله في الجنّة السابقة، إلا أنَّ العلماء ذكروا كيفيّة دخوله على سبيل الاختلاس، والاجتياز في أوقات قليلة نادرة، كسارقٍ يريد أن يدخل دار السلاطين، ويختطف منها شيئاً، ولذا قالوا: ويجوز أن يكون وسوسة إبليس من خارج الجنّة من حيث يستمعان كلامَه. الرابع: إنّ الجنّة التي هي دار الثواب لا يفنى نعيمها، لقوله تعالى: {أية : أُكُلُهَا دَآئِمٌ} تفسير : [الرعد:35]. وقوله: {أية : عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} تفسير : [هود:108]. أي غير مقطوع فهذه الجنّة لو كانت هي التي دخلَها آدم فلم يخرج منها آدم وزوجته لكنهما قد خرَجا منها. أقول: هذا كالوجه الأوّل ويرد عليه شبْه ما مرّ، والتحقيق الذي عليه التعويل، أنَّ الدارين واحدةٌ بالذات، متغايرةٌ بالاعتبار، وكذا جميع بدايات المقامات، بالقياس إلى نظائرها من النهايات، فعليه يُحمَل أقوال أهل المعرفة واختلافهم. وأما أهل النكرة والحجاب، فمنهم من قال: إنّ هذه الجنّة التي خرج منها آدم كانت في الأرض - لا في السماء - وهو قول أبي القاسم البلخي، وأبو مسلم الاصفهاني، وبه قال بعض أصحابِنا، فحمَلوا الاهباط على الانتقال من بُقعة، إلى بُقعة كما في قوله: {أية : ٱهْبِطُواْ مِصْراً} تفسير : [البقرة:61]. وربما عيِّن وقيل: "إنّه بُستانٌ كان بأرض فلسطين. أو بين فارس وكرمان واستدلّ على ذلك بأنّه لا نزاع في أنّ الله خلَق آدم (عليه السلام) في الأرض، ولم يذكر في هذه القصّة أنَّه نقلَه إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقلَه إلى السماء لكان ذلك أولى بالذكر لأن نقله من الأرض إلى السماء من أعظم النعم، فدلّ على أنّ ذلك لم يحصل وذلك يوجِب أنّ المراد من الجنّة التي قال الله: {ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} ليس في غير الدنيا. ومنهم من قال: إنّ تلك الجنّة كانت في السماء السابعة. والدليل عليه قوله {ٱهْبِطُواْ} وهو قول الجبائي. قالوا: "إنّ الاهباط الأوّل كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى. والاهباط الثاني كان من السماء إلى الأرض". ومنهم مَن قال: إنّ هذه الجنّة هي دار الثواب، بدليل أنّ الألف واللام في لفظ - الجنّة - لا يفيدان العموم، لأنّ سكون جميع الجنان محال. فلا بدّ من صرْفهما إلى المعهود السابق إلى الفهم. والجنّة التي هي المعهود المعلوم بين المسلمين هي دار الثواب، فوجب صرْف اللفظ إليها وهو قول المفسّرين، والحسن البصري، وعمرو بن عبيدة، وواصِل بن عطاء وكثير من المعتزلة، وأصحاب أبي الحسن الأشعري. وهو المختار عند الإمام الرازي في تفسيره الكبير. ومنهم مَن قال: إنّ الكل: ممكن، والأدلّة النقليّة ضعيفة، ومع ضعفها متعارِضة فوجب التوقّف، وترك القطع. فصل في تعيينِ الوقتِ الذي خُلقت فيه زوجةُ آدم (ع) لا شبهة لأحد في أنّ ذلك كان بعد أن كرّمه الله تعالى بكرامة تعليم الأسماء، وأمر الكلّ بالسجود له تعظيماً، وسجدة الملائكة له انقياداً وتسليماً، وإباء إبليس عنه عناداً واستكباراً، وعتوّاً، وافتخاراً، وصيرورته ملعوناً طَريداً مريداً، وقبل هبوطه إلى الأرض، لقوله: {ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ}. فالثابت المحقَّق هو أنَّ خلقتها كان في مقام الجنّة، وهو ميلاد النفوس عند نزوله عن عالَم القدس العقلي إلى النشأة النفسانيّة. ويؤيّد ما ذكرناه ما رواه السدّي، عن ابن عبّاس، وابن مسعود، وناس من الصحابة: إنَّ الله تعالى لمّا أخرَج إبليس من الجنّة، وأسكنَها آدم بقي فيها وحدَه، ما كان معه مَن يستأنس به، فخُلقت حوّاء ليسكن إليها. وروي: أنَّ الله تعالى ألقى عليه النوم، ثمّ أخذ ضِلعاً من أضلاعه من شِقّه الأيسر، ووضع مكانَه لحماً، وخلَق حوّاء منه، فلمّا استيقَظ وجد عنده رأسه امرأة قاعدة، فسألَها: مَن أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولِمَ خُلقتِ؟ قالت: لتسكنَ إليّ. فقالت الملائكة: ما اسمُها؟ قال: حوّاء. قالوا: ولِمَ سمّيت حواء؟ قال: لأنّها خُلقت من شيء حيٍّ. فعندها قال الله تعالى: {ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ}. وعن ابن عبّاس - أيضاً - قال: "بعثَ الله جنداً من الملائكة، فحمَلوا آدم وحواء (عليهما السلام) على سرير من ذهب، كما يحمل الملوك، ولباسهما النور، وعلى كلّ واحد منهما إكليلٌ من ذهب، مكلّل بالياقوت واللؤلؤ، وعلى آدم مِنطقة مكلّلة بالدّر والياقوت حتى أدخلا الجنّة". فهذا الخبر يدلّ على أن حوّاء خلقت قبل ادخال الجنّة، والخبر الأوّل دلّ على أنّها خُلقت في الجنّة. ثمّ من الأخبار ما يدلّ على أنّهما جميعاً خُلقا في الأرض. ففي كتاب النبوّة "إنّ الله تعالى خلَق آدم من الطين، وحوّاء من آدم. فهِمّة الرجال الماء والطين، وهِمّة النساء الرجال". ووجه التوفيق بين الكلّ معلوم عند أهل الهداية والمعرفة. واعلم أنَّ الاتفاق حاصلٌ على أنّ المراد من الزوجة حوّاء وإن لم يتقدّم ذكرُها في هذه السّورة، وفي سائر القرآن ما يدلّ على ذلك، فإنّها مخلوقةٌ منه. ففي سورة النساء: {أية : خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} تفسير : [النساء:1]. وفي الأعراف: {أية : وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا} تفسير : [الأعراف:189]. وروى الحسن عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : إنّ المرأة خُلقت من ضِلع الرجل، فإن أردتَ تقويمَها كَسرتَها، وإن تركت انتفعتَ بها واستقامت ". تفسير : واعلم أنَّ كل شهادة مطابقٌ لغيب، وكما المرأة هاهنا مخلوقةٌ من الضلع الأيسر للرجل، أو من بقيّة مادّة منويّة فُضليّة حصلت هناك منه، فكذلك في عالَم الأرواح حصلت النفس وهي جوهرة انفعاليّة من الجنبة السافلة للعقل، وهو جوهر فعّال بالفعل، مخرِج للنفس من القوّة إلى الفعل. وكما أنَّ الرجل إذا تفرّد هاهنا بذاته عمّن يسكن إليها من زوجته يتوحّش، ويضطرب، حاله في الخلوة والوحدة عناية من الله لتكثير النوع بحصول الأفراد، كذلك العقلُ إذا لم يتوجّه إلى تربية النفس، والسكون إليها، وأراد التفرّد بذاته عن فعْله يلزم عليه التعطيل، ويلحقه الاضطراب في قرب نهار الأحديّة الإلهية قبل أوانه، كما يلحق أبصار الخفافيش من نور الشمس عند رفع حجاب الليل، ويعتريه الذوبان تحت سطوع النور الإلهي الواجبي، كذوبان الجليد عند طلوع الشمس عليه من غير حجاب. فهذا نكاح معنوي وقع بين العقل والنفس، والعاقد بينهما هو الله، وهكذا جرى الازدواج بين كلّ قوةٍ فاعلة ومادةٍ منفعلة كما بين الطبايع والصور الجسمانيّة وبين موادّها القابلة بحكم النكاح الأوّل، الساري في جميع الذراري، ومِن هذا قيل: "كلّ ممكن زوجٌ تركيبي". وذكر الشيخ الجليل محمد بن عليّ بن بابويه القمّي - رحمهما الله - في الفقيه رواية عن زرارة بن أعين، أنَّه قال: سُئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن خَلْق حوّاء، وقيل له: إن أناساً عندنا يقولون: "إن الله عزّ وجل خلَق حوّاء من ضلْع آدم الأيسر الأقصى". فقال: "سبحان الله وتعالى عن ذلك علوّاً كبيراً مَنْ يقول هذا؟! إن الله تبارك وتعالى لم يكن له القدرةُ أنْ يخلُق لآدم زوجة من غير ضلعِه؟ ويجعل للمتكلم من أهل التشنيع سبيلاً إلى الكلام أن يقول: "إنّ آدم كان ينكح بعضُه بعضاً" إذا كانت من ضِلْعه؟! ما لهؤلاء! حكَم الله بينَنا وبينَهم". ثمّ قال (عليه السلام): إنّ الله تعالى لمَّا خلَق آدم من طين، وأمر الملائكة فسجدوا له ألقى عليه السُّبات. ثمّ ابتدع له حوّاء، فجعلَها في موضع النقرةِ التي بين وَركيه. - وذلك لكي تكون المرأةُ تبعاً للرجل - فأقبلتْ تتحرك، فانتبه لتحرُّكِها فلمَّا انتبه نوديت أن تنحّي عنه، فلمّا نظَر إليها نظَر إلى خَلْق حسَنٍ يُشبه صورتهُ. فكلّمته بلغته" - في حديث طويل في آخره - . "والخبر الذي روي أنَّ حوّاء خُلقت من ضلع آدم الأيسَر صحيحٌ، ومعناه من الطينة التي فضلت من ضلعه الأيسر. فلذلك صارت أضلاع الرجال أنقص من أضلاع النساء". فصل قوله تعالى: {وَقُلْنَا} قال بعض المفسرين: هذه نون الكبرياء والعظمة لا نون الجمع. وأقول: كأنه إشارة إلى الجمعيّة الإلهية، المحتوية بحسب الأسماء والصفات على جميع العقول والذوات. و "السُّكنَى" من السُّكون. لأنها نوعٌ من اللبْثِ والاستقرار. و {أَنْتَ} تأكيدٌ للمستكنّ في "اسْكُنْ" ليصحَّ العطف عليه. و {زَوْجُكَ} معطوف على موضع أنت. ولو عطف على الضمير المستكنّ لكان يُشبه في الظاهر عطف الاسم على الفعل، فأتى بالمنفصل وعطف عليه. و {رَغَداً} منصوبٌ لأنّه صفة لمصدر محذوف، كأنّه قال: "أكلاً رغداً" أي: واسعاً كثيراً. ويجوز أن يكون مصدراً وُضع موضع الحال من قوله: {كُلاَ} ويقال: قومٌ رَغَدٌ، ونساءٌ رَغَدٌ، وعَيشٌ رَغَدٌ. فعلى هذا يكون تقديره: "وكُلا منها متوسّعين في العَيش". و {حَيْثُ} يُبنى على الضمّ كما تبنى الغايات: لأنّه مُنع عن الإضافة إلى مفرد كما مُنعت هي من الإضافة، فما يأتي بعده جملة اسميّة أو فعليّة في تقدير المضاف إليه. وهو للمكان المبهم، أي: "أيّ مكانٍ شئتما من الجنّة" على وجه التوسعة البالغة، من جهة أنَّه لم يحظر عليهما بعض الأكل، ولا بعض المواضع، حتى لا يبقى لهما عذر في التناول من شجرةٍ واحدة من أشجارها الكثيرة الفائتة للحصر. والنكتة في عطف قوله: {كُلا} على قوله: {ٱسْكُنْ} بالواو هاهنا، وبالفاء في الأعراف هي أن الفاء للسببيّة، والواو للجمعيّة، فكلّما كان المعطوف عليه شرطاً للمعطوف عُطف بالفاءِ، وإن لم يكن شرطاً عُطف بالواو. ثمّ قول القائل: "أُسكُن" قد يكون بمعنى "أُدخُل" وقد يكون بمعنى "إلزَم مكانك الذي دخلتَه" والأكل مشروط بالأوّل - دون الثاني - فإذا أريد منه المعنى الأول ينبغي العطف للأكل عليه بالفاء كما في قوله: {أية : وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} تفسير : [البقرة:52]. إذ الأكل في موضع مشروطٌ بالدخول فيه. وإذا أُريد منه المعنى الثاني، فينبغي العطف عليه بالواو المفيد للجمعيّة فقد - دون الترتيب - إذ الأكل في موضع غير مشروط بالدوام فيه، فبحسب اختلاف الاعتبارين اختلفت الكلمة العاطفة في السورتين والله أعلم. فصل اختلف المفسّرون في هذا الأمر. فقيل: إنّه أمر تعبّد. وقيل: هو إباحةٌ، لأنّه ليس فيه مشقّة، وما لا مشقّة فيه فلا تكليف به. وأمّا قوله: {وَكُلاَ} فهو إباحة بالاتفاق. وكذا {وَلاَ تَقْرَبَا} تعبّد بالاتفاق. وهو مجزوم بالنهي، والألف ضمير الفاعلين. وقوله: {فَتَكُونَا} يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون جواباً للنهي، فيكون منصوباً بإضمار "أن" وأن مع الفعل في تأويل المفرد، فيكون عطفاً على المصدر والتقدير: "لا يكن منكما قربٌ لهذه الشجرة فتكونا من الظالمين" فالكلام حينئذ جملة واحدة، لكون المعطوف من جملة المعطوف عليه. وإنّما سمّي جواباً لمشابهة الجزاء بحسب المعنى، أي: إن تقربا هذه الشجرة تكونا من الظالمين. والثاني: أن يكون معطوفاً على النهي، فيكون مجزوماً. فالفاء عاطفةٌ جملة على جملة فكأنه قال: "فلا تكونا من الظالمين". ومعنى {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}: لا تأكلا منها. وهو المروي عن الباقر (عليه السلام) وحاصله: لا تقرباها بالأكل. ولهذا إنّما وقعت المخالفة بالأكل بلا خلاف - لا بالدنوّ منها - ولهذا قال: {أية : فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا} تفسير : [طه:121]. واختلف في هذا النهي، فقيل: "إنّه نهي التحريم. وقيل: نهي التنزيه، دون التحريم. كمن يقول لغيره: "لا تجلِس على الطريقِ" وهو مذهب أصحابنا، وموافقٌ لأصولنا العقليّة كما سيجيء بيانه. فعندهم أنَّ آدم (عليه السلام) كان مندوباً إلى ترك التناول من الشجرة، فكان بالتناول منها تاركاً نفلاً وفضلاً. ولم يكن آتياً بقبيح، وفاعلاً لمحرّم، لأنّ الأنبياء لا يجوز عليهم القبائح صغيرها وكبيرها. وقالت المعتزلة: كان ذلك صغيرةً من آدم (عليه السلام) على اختلاف بينهم في أنّه وقع منه على سبيل العمد، أو السهو، أو التأويل. واستدلّ صاحب مجمع البيان على امتناع مواقعة المعصية على الأنبياء (عليهم السلام) بأنّ الفعل القبيح ما يستحق فاعله الذمّ والعقاب، والمعاصي كلّها كبائر عندنا، وإنّما تسمّى صغيرة باضافتها إلى ماهو أكبر عقاباً منها؛ لأن الاحباط قد دلّ الدليل عندنا على بطلانه، وإذا بطل ذلك فلا معصية إلاّ ويستحق فاعلها الذمّ والعقاب، وإذا كان الذمّ والعقاب منفيّين عن الأنبياء، وجب أن ينفى عنهم سائر الذنوب. ولأنّه لو جاز عليهم لنفّر عن قبول قولهم. والمراد بالتنفير أنَّ النفس إلى قبول قول مَن لا يجوز عليه شيء من المعاصي أسكَن منها إلى مَن يجوز عليه ذلك، ولا يجوز عليهم كلّ ما يكون منفّراً عنهم من الخَلق المشوّهة، والهيئات المستكرهة. وإذا صحّ ما ذكر علمنا أنّ مخالفةَ آدم (عليه السلام) لظاهر النهي كان على الوجه الذي بيّناه هذا كلامه وهو المذكور في الكتب الكلاميّة من قِبَل أصحابنا القائلين بعصمة الأنبياء (عليهم السلام) مطلقاً، وللبحث في بعض مقدّماته مجالٌ. وإنّما قلنا إنّه موافقٌ لأصولنا العقليّة من جهة أنَّه قد صحّ عندنا أنَّ للإنسان نشآت ثلاث بحسب البداية والنهاية: نشأة الروح، ونشأة النفس، ونشأة الطبيعة، وهذه دار التكليف والاختيار، ودار الابتلاء والاختبار. ومورد الأمر والنهي التشريعيّين، وعليهما مدار الطاعة والعصيان، والعصمة والخذلان، والشكر والكفران. وأما قَبل هذه النشأة فالأمر فيها أمرُ قضاء وتكوين. والنهيُ فيها نهي إشعار وتحريص، وليس فيها مجالُ القدرة للعبد والاختيار، ولا يسَع له التدبيرُ والحزم والاجتهاد، ولهذا قال بعض أصحاب القلوب، إنّ سبب النهي هناك هو الدلال الذي تقتضيه غاية الجمال ولو لم يُنه عنها فلعلّه ما فرغ لها لكثرة أنواع المرادات النفسانيّة فذِكْرها كان كالتحريص عليها، فإنّ الإنسان حريصٌ على ما منع. واعلم أنَّ كل ما في هذا العالَم فهو في العالَم الأعلى على وجه ألطف وأصفى، فالمعصيةُ هاهنا هي مخالفة الأمر الشرعي، المنافية للعصمة الثابتة للأنبياء (عليهم السلام)، وأما في عالَم الغيب، فهي عبارةٌ عن النقيصة الإمكانية المتفاوتة كثرة وقلّة في الممكنات بحسب مراتب درجاتها عند الله قُرباً وبُعداً، فكلّما كان القرب منه تعالى أكثر كان جهات الإمكان أقلّ، وكلّما كان البُعد منه أكثر تضاعف جهات النقائص والإمكانات أوفر. وبالعكس. وبعض تراكم الإمكان على العقل يوجب نزوله في عالَم النفْس كالجنّة ومنازلها، وغاية تضاعف الإمكان في النفس تودب تعلّقها بعالَم الأبدان العنصريّة كما أنَّ غاية المعصية - وهي الكفر - توجِب خلود النفس في دار العذاب. وأيضاً التخاصمُ، والتباغُض هاهنا من صفات الحيوانات، يجب تنزيه الملائكة العلويّة عنه. ولكن ورد في القرآن أنَّ الملأ الأعلى يختصمون، فيجب حمل الخصومة فيهم على معنى ألطَف وأشرَف ممّا في الحيوانات، وهو كاختلاف إشراقاتهم العقليّة، وتباين تعيّناتهم الوجودية. ومِن هذا القبيل صفة التنازع المذكور لأهل الجنان في قوله تعالى: {أية : يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً} تفسير : [الطور:23]. الشجَرةُ المنهيّة ثمّ اختُلف في الشجرة المنهيّ عنها. فعن ابن عبّاس: "هي السُنبلة"، وعن ابن مسعود والسدّي: "هي الكرْمةُ". وعن ابن جريح: "التينة". وقيل: "هي شجرة الكافور". وهو المرويّ عن عليّ (عليه السلام). وقيل: "هي شجرة العِلم علْم الخير والشر" وعن ابن جدعان "هي شجرة الخُلد التي كانت تأكل منها الملائكة". وقال الربيع بن أنس: "كانت شجرة من أكَل منها أحدث، ولا ينبغي أن يكون في الجنّة حدَث". ولكل منها وجه تأويل، والموافق للحكمة أن يكون فيها إشارةٌ إلى شجرة الطبيعة المتشعّبة أفنانها، المتفنّنة قواها وفروعها، وهي {أية : شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِيۤ أَصْلِ ٱلْجَحِيمِ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ} تفسير : [الصافات:64 - 65]. والحكمة تقتضي أن يخرج الإنسان أوّلاً من الجنان بأكل هذه الشجرة، ويسقط من عالَم الفطرة إلى عالَم التركيب والطبيعة، ثمّ يأخذ منها زاد الآخرة، ويفطم نفسه عن طيّبات الدنيا التي هي خبيثات الآخرة - فطام الصغير عن رضعَة أمّه - ليلحق بدار الكرامة التي خرج منها. ومن لم يزهد في الدنيا ولم يفطم نفسه عن تناول الطبيعة ومشتهياتها، فلا نصيب له في الآخرة، ولا طعام له إلا من الحميم، والغسلِين. ويكون غذاء أهل الجحيم في الدار الآخرة من غسالات الطبايع، وأكدارها، وأَوزارها، كما انّ غذاء أهل الجنة من الصفايا واللطائف، وغذاء أهل القرب منهم من المعارف الإلهيّة والعلوم الربانيّة. تأييد استبصاري في تأويل معصية آدم إعلم أنّ للإنسان همّةٌ عالية، وحرصٌ شديد بحسب الجبلّة، فلا يزال تقول نار طبيعته وجهنم حرصه: "هل من مزيد". ولا تمتلي حتى يضع الجبارُ قدمَه فيها. ثمّ إنّه ابيح له ولزوجته مشتهيات النفس كلّها، فيها ما تشتهي الأنفُس وتلذّ الأعين وقيل لهما: "اقتنعا بها ولا توقدا نار َالفتنة" وهي نار الطبيعة التي شأنها تحليل الموادّ والتصرّف فيها، وقد كانت كامنةً في النفس، ولم تخرج من الكمون إلى البروز. أوَ لا ترى أنَّ الإنسان إذا أخذ في تناول المطعوم انبعثت من طبيعته حرارة طابخة ونضجت مادة الغذاء؟ فأصل النار من النفْس، ثمّ من الطبيعة. ولا تقربا شجرة الطبيعة السفليّة إن كنتما طالبين للسلامة عن المصيبة والمحنة، فارغين عن حرقة المحبّة، وإلاّ فتكونا من الظالمين على النفس بتوريطها في ورطات الهلاك التي قَلَّت النجاةُ عنها، وإحراقها بنار المحبّة والمحنة، وألم البُعد والفرقة، وتعَبِ السفر في الدنيا لربح الآخرة. وقد غرقت في بحارها طوائف كثيرة، انكسرت فيها سفائنهم ومراكبهم. وحمل "الظُّلم" على هذا المعنى أوفق بالمحافظة على قاعدة عصمة الأنبياء (عليهم السلام) وكل مذهب أفضى إلى انحفاظ عصمتهم كان أولى. وذلك كما في قوله تعالى: {أية : وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب:72]. وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. قال بعض أُولي البصائر: إنّه تعالى قد وسّع على آدم (عليه السلام) أسباب الانبساط أوّلاً، ثمّ ضيّق عليه الأمر آخراً. وأنشد: شعر : وأدنيتني حتّى إذا ما فتَنتَني بقولٍ يحلّ العصمَ سهل الأباطحِ تجافيتَ عني حين لا ليَ حيلة وغادرتَ ما غادرتَ بين الجوانحِ تفسير : خلَقَه بيده، ونفخ فيه من رُوحه، وأسجَد له ملائكتَه، وأسكنَه الجنةَ في جواره، وزوّجه حوّاء. حتّى شاهَد جمال الحقِّ في مرآةِ وجهه، وأنبتَ شجرةَ المحبّة بين يديه ثمّ منعه، وكان في ذلك المنع تحريص وتذكير أيضاً. ثمّ عاتبه بقوله: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ}. وهذا كما أسكرَ موسى (عليه السلام) بأقداح الكلام، وأذاقَه لذّة شراب السماع، وقرّبه نجيّاً، حتّى اشتاق إلى جماله، وطمع في وصاله قبل أوانه، وقال: {رَبِّ أَرِنِي} فعاقبه بسطوة {أية : لَن تَرَانِي} تفسير : [الأعراف:143]. وذلك أنَّ الولاء والبلاء توأمان، والمحبّة والمحنة رضيعا لبان، والمطلوب كلّما كان أدفَع كان أعزَّ وأمنع، والجمال لا بدّ له من الدلال، وبه يتميّز العاشق الصادق من المدّعي المحتال، فلمّا ذاقا شجرة الغرام خرجا من دا ر السلام، فما لأهل السلام ودار الغرام، وأين الفارغ السالي من المحبّ الغالي. وبالجملة فلما جاء القضاء ضاق الفضاء، فلم يمس بعد ما كان مسجودَ الملَك، محسود السِّماك إلى السّمَك، مشمول الرعاية، موفور العناية، حتَّى نزعه لباسَ الأمن والفراغ، وبدّل باستيناسه الاستيحاش، يدفعونه الملائكةُ بعنفٍ، أن اخرج من غير مكْثٍ ولا بحْثٍ. فأزلتهما يد التقدير بحسن العناية والتدبير، وكان الشيطان من جملة أسباب التقدير، فصار هدفَ سهام الطعنِ والطرد، فلمّا وقَعا من القُربة في الغُربة، ومن الألفة في الكُلفة استوحَشا من كلّ شيء. وهكذا شرطُ المحبّة عداوةُ ما سوى المحبوب، فكما أنّ ذاته لا تقبل الشركة في التعبّد، كذلك لا تقبل الشركة في المحبّة" انتهى كلامه. ويمكن تطبيقه على القوانين البرهانيّة، وإن كان ظاهره كلمات خطابيّة. فصل إنّ الذين جوّزوا الذنوبَ على الأنبياء (عليهم السلام)، حمَلوا النهيَ في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} كقوله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ} تفسير : [البقرة:222]. وقوله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ ٱلْيَتِيمِ إِلاَّ بِٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} تفسير : [الأنعام:152]. وكما أنَّ هذين للتحريم، فكذا الأوَّل. والثاني: قال تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ}. أي: إن أكلتما منها ظلمتما أنفسكما، ولذلك لما أكلا قال: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}تفسير : [الأعراف:23]. الثالث: إنّ هذا النهي لو كان نهي تنزيهٍ لَمَا استحقَّ آدمُ بفعله الاخراجَ من الجنَّةِ، ولمَا وجبَت التوبةُ عليه. والجواب عن الأوّل: إنّ النهيَ وإن كان في الأصل للتنزيه أو للقدر المشترك، لكنّه قد يجعل للتحريم لدلالةٍ منفصلة. وعن الثاني: إنّ قوله: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ}. أي: فتظلما أنفسكما بفعل ما الأولى بكما تركه، لأنّكما إذا فعلتما ذلك أخرجتما من الجنَّة - التي لا تظمآن فيها ولا تجوعان ولا تضحيان ولا تعريان - إلى موضعٍ ليس لكما فيه شيء. من هذا. وعن الثالث: إنّا لا نسلم أن الاخراج من الجنّة كان لهذا السبب، بل لحكمةٍ سابقة وقعت الاشارة فيها وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى.

الجنابذي

تفسير : {وَقُلْنَا} بعد خلق آدم (ع) وخلق حوّاء لأنسه بها وسجود الملائكة له واباء ابليس من السّجود. {يَاآدَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} الّتى هى من جنان الدّنيا لا من جنان الآخرة الّتى هى للانسان بعد خلاصه من البنيان العنصرىّ فانّه من دخلها لم يخرج منها وسيأتى الاشارة الى وجه كونها من جنان الدّنيا {وَكُلاَ مِنْهَا} رزقكما الخاصّ بكما من أثمار الجنّة وفواكه الاعمال وحبوبها {رَغَداً} رزقاً واسعاً او اكلاً واسعاً {حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} اطلق لهما الاكل من اىّ مأكول شاء او فى اىّ مكان وزمان أرادا ونهاهما عن الاكل من شجرة مخصوصة، وتعليق النّهى على القرب من الشّجرة للمبالغة فى النّهى عن الاكل، او للنّهى عن القرب حقيقة فانّ القرب من الشيئ يورث توقان النّفس اليه. اعلم أنّ قصّة خلق آدم (ع) وحوّاء (ع) من الطّين ومن ضلعه الايسر ومن امر الملائكة بسجود آدم (ع) واباء ابليس عن السّجدة واسكان آدم (ع) وحوّاء (ع) الجنّة ونهاهما عن اكل شجرة من اشجارها ووسوسة ابليس لهما واكلهما من الشّجرة المنهيّة وهبوطهما من المرموزات المذكورة فى كتب الامم السّالفة وتواريخهم كما ذكرنا سابقاً. فالمراد بآدم فى العالم الصّغير اللّطيفة العاقلة الآدميّة الخليفة على الملائكة الارضيّين وعلى الجنّة والشّياطين المطرودين عن وجه ارض النّفس والطّبع المسجودة للملائكة المخلوقة من الطّين السّاكنة فى جنّة النّفس الانسانيّة وهى أعلى عن مقام النّفس الحيوانيّة المخلوق من ضلع جنبها الايسر الّذى يلى النّفس الحيوانيّة زوجتها المسمّاة بحوّاء لكدورة لونها بقربها من النّفس الحيوانيّة، والمراد بالشّجرة المنهيّة مرتبة النّفس الانسانيّة الّتى هى جامعة لمقام الحيوانيّة والمرتبة الآدميّة، والمراد بالحيّة واختفاء ابليس بين لحييها القوّة الواهمة فانّها لكونها مظهراً لابليس تسمّى بابليس فى العالم الصّغير، ووسوسته تزيينها ما لا حقيقة له للجنب الايسر من آدم المعبّر عنه بحوّاء وهبوط آدم (ع) وحوّاء (ع) عبارة عن تنزّلهما الى مقام الحيوانيّة، وهبوط ابليس والحيّة وذريّتهما عبارة عن تنزّلها عن مقام التّبعيّة لآدم؛ فانّ ابليس لمّا كان الواهمة احد مظاهره كان رفعتها رفعته، وشرافتها باستخدام آدم لها شرافته، وهبوط الواهمة كان هبوطاً له، واذا اريد بالشّجرة النّفس الانسانيّة ارتفع الاختلاف من الاخبار فانّ النّفس الانسانيّة شجرة لها انواع الثّمار والحبوب واصناف الاوصاف والخصال لانّ الحبوب والثّمار وان لم تكن بوجوداتها العينيّة الدّانيّة موجودة فيها لكنّ الكلّ بحقائقها موجودة فيها فتعيين تلك الشّجرة بشيءٍ من الحبوب والثّمار او العلوم والاوصاف بيان لبعض شؤنها. روى فى تفسير الامام (ع) انّها شجرة علم محمّدٍ (ص) وآل محمّدٍ (ع) الّذين آثرهم الله تعالى به دون سائر خلقه فقال الله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ}؛ شجرة العلم فانّها لمحمّدٍ (ص) وآله (ع) دون غيرهم ولا يتناول منها بأمر الله الاّهم، ومنها ما كان يتناوله النّبىّ (ص) وعلىّ (ع) وفاطمة (ع) والحسن (ع) والحسين (ع) بعد اطعامهم المسكين واليتيم والاسير حتّى لم يحسّوا بجوعٍ ولا عطشٍ ولا تعبٍ ولا نصبٍ وهى شجرة تميّزت من بين سائر الاشجار بانّ كّلاً منها انّما يحمل نوعاً من الثّمار وكانت هذه الشّجرة وجنسها تحمل البرّ والعنب والتّين والعنّاب وسائر أنواع الثّمار والفواكه والاطعمة، فلذلك اختلف الحاكون فقال بعضهم: برّة، وقال آخرون: هى عنبةٌ، وقال آخرون: هى عنّابة، وهى الشّجرة الّتى من تناول منها باذن الله ألهم علم الاوّلين والآخرين من غير تعلّمٍ، ومن تناول بغير اذن الله خاب من مراده وعصى ربّه. أقول: آخر الحديث يدلّ على ما قالته الصّوفيّة من انّ السّالك ما لم يتمّ سلوكه ولم ينته الى مقام الفناء ولم يرجع الى الصّحو بعد المحو باذن الله لم يجز له الاشتغال بالكثرات ومقتضيات النّفس زائداً على قدر الضّرورة وشجرة علم محمّد (ص) وآل محمّد (ع) اشارة الى مقام النّفس الجامع لكمالات الكثرة والوحدة {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} الفاء سببيّة دالّة على سببيّة الاكل لصيرورتهما من الظّالمين اى لحدوث الظّلم بعد الاتّصاف بالمتضادّات يعنى انّ الاكل من الشّجرة يصير سبباً للاتّصاف بالمتضادّات وهو يقتضى منع الحقوق عن أهلها واعطائها لغير اهلها، او لحدوث الاتّصاف بالظّلم ابتداءً يعنى انّ الاكل من الشّجرة حين عدم استحقاق الاكل ظلم فاذا أكلتما صرتما متّصفين بالظّلم، اولاعمّ من حدوث الظّلم بواسطةٍ او بلا واسطةٍ.

الهواري

تفسير : قوله: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} أي لا حساب عليكما فيه. {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ} لأنفسكما بخطيئتكما. وقال في آية أخرى: (أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى) تفسير : [طه: 120]. ذكروا عن ابن عباس أنه قال: الشَّجرة التي نهى عنها آدم وحواء هي السنبلة وقال بعضهم: هي التينة. قوله: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}. قال بعضهم: بلغنا أن إبليس دخل في الحية فكلّمهما منها. وكانت أحسن الدوابّ فمسخها الله، ورد قوائمها في جوفها وأمشاها على بطنها. وقال الكلبي: دعا حواء من باب الجنة فناداها، فدعاها إلى أكل الشجرة، وقال: أيُّكما أكل منها قبل صاحبه كان هو المسلَّط على صاحبه. وتفسير الحسن أنه وسوس إليهما من الأرض. قال: ولم يكن له أن يلبث فيها بعد قول الله: (أية : فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ) تفسير : [الحجر:34]. قال الكلبي: فابتدرا الشجرة، فسبقته حواء، وأعجبهما حسن الشجرة وثمرتها، فأكلت منها وأطعمت آدم. فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما. وكانا كُسِيَا الظفَر، فبدت سوءاتهما وأبصر كل واحد منهما ما كان وُوري عنه من سوأته فاستحييا (أية : وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ) تفسير : [الأعراف:22] يرقعانه كهيئة الثوب ليُواريَا سوءاتهما. ثم (أية : وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ) تفسير : [الأعراف:22] أي: بَيِّن العداوة. فاعتل آدم بحواء وقال: هي أطعمتني فأكلته. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : لولا بنو إسرائيل ما خنز لحم وما أنتن طعام، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها . تفسير : ذكر بعضهم أن حواء هي التي كانت دلت الشيطان على ما كان نهى عنه آدم في الجنة. ذكر الحسن عن النبي عليه السلام أن آدم كان رجلاً طويلاً كأنه نخلة سحوق، جعد الشعر. فلما وقع بما وقع بدت له عورته، وكان لا يراها قبل ذلك، فانطلق هارباً، فأخذت شجرة من الجنة برأسه، فقال لها: أرسليني. فقالت: لست بمرسلتك. فناداه ربه: يا آدم، أمني تفرّ؟ فقال رب إني استحييتك. قوله: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}. يعني آدم معه حواء وإبليس. والحية التي دخل فيها إبليس لا تقدر على ابن آدم في موضع إلا لدغته، ولا يقدر عليها في موضع إلا شدخها. وقال في آية أخرى: (أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ) تفسير : [الكهف:50] قال بعضهم: من قتل حيّةً فقد قتل كافراً. قوله: {وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} المستقر من يوم يولد إلى يوم يموت. وهو مثل قوله: (أية : فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ) تفسير : [الأعراف:25] ويعني بالمتاع معايشهم في الدنيا، يستمتعون بها. وقوله: إلى حين، يعني الموت.

اطفيش

تفسير : {وَقُلْنَا يَا أَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ}: حواء. {الجَنَّةَ}: أى اتخذها أنت وزوجك منزلا ولا تخرجا منها، ولذلك لم يقل فى الجنة، فوكل اتخاذها منزلا إليهما، فلم يتحفظا عليها ففعلا ما يوجب خروجهما منها. وقد سبق قضاء الله تعالى بذلك، فلم يقل أسكنتك وزوجك الجنة لا تخرجان منها، وهى الجنة التى هى جزاء المؤمنين يوم القيامة. فالآية دليل على أنها موجودة الآن، وذلك كله هو الصحيح. وأل للعهد. وهو أيضا ذهنى، فإن الجنة التى هى فى عرف المؤمنين دار الجزاء والثواب، ويدل لذلك قوله: {اهبطوا} فإنه أنسب بالنزول من علو إلى خفض. والجنة فوق السماء السابعة. وزعم بعضهم أن الجنة غير مخلوقة الآن، وأنها تخلق بعد قيام الساعة، وأن هذه الجنة التى كان فيها آدم وحواء بستان، كان بأرض فلسطين من الشام، أو بين فارس وكرمان، خلقه الله امتحانا لآدم، وأن الهبوط: الانتقال منه إلى أرض الهند. وإنما خاطب آدم أولا وذكر زوجه بعده على طريق الغيبة، ولم يعكس بأن يقول: يا حواء اسكنى أنت وزوجك الجنة، ولم يخاطبهما معاً بأن يقول: يا آدم ويا حواء اسكنا الجنة، تنبيها على أن المقصود فى السكون بالذات هو آدم، وأن حواء تتبع له، وأن المرأة خلقت لينتفع الرجل بها، وتلد ذكورا وإناثا ليتم العالم الإنسانى، ولتعبد الله. ألا ترى تأخرها فى الوجود ونقصها؟ {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً}: نعت لمصدر محذوف، أى: كلا رغدا أى واسعا رافها لا حجر فيه، وهذا إما على أن رغدا وصف، كما يستعمل مصدراً. أو على أنه مصدر بمعنى الوصف، وإما على تقدير مضاف أى كلا ذا رغدا، أى صاحب وسع. وإما على أنه نعت به للمبالغة، ويجوز كونه مفعولا مطلقا على حذف مضاف، أى أكل رغد. ويأتى كلام فى غير هذه السورة إن شاء الله تعالى - ولك ان تقول الأكل الرغد: الأكل الهنىء، أو أكل الرغد أكل الهناء، وهو تفسير فيه زيادة الوسع. {حَيْثُ شئتُمَا}: أى مكان من الجنة، أباح لهما أن يأكلا فى كل مكان منها. سواء كان المأكول من ذلك المكان الذى يأكلان فيه، أو كان من غيره ونقلاه إليه، وذكر لهما هذه التوسعة امتناناً عليهما، وتنبيها على غناهما بالكلية عن الشجرة. التى ينهاهما عنها. إذ مأكول الجنة غيره هذه الشجرة من أشجارها لا ينحصران. {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ}: نهاهما عن قربها إما على المبالغة فى النهى عن الأكل منها، والمراد النهى عن الأكل منها، ولم يحرم القرب منها، ولكن عبر بصيغة تحريم قربها مبالغة، ووجه ذلك أن القرب من الشىء يدعو إلى دخوله وملابسته، وإما على الحقيقة بأن حرم عليهما القرب منها، كما حرم الأكل منها، لأن القرب منها يدعو إلى اشتهاء النفس لها، فيتناولها منها. وفى ذلك على كلا الوجهين تنبيه على أن القرب من الشىء يدعو إلى الوقوع فيه، ويورث ميل القلب إليه وشغله عن غيره. وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : حبك الشىء يعمى ويصم"تفسير : أى يصدك عن الحق ويخفيه عنك، ويعميك عن وصمة تصمه، أى شانه يشينه وعابه، أو هو - بضم الياء وكسر الصاد وتشديد الميم - من أصمه يصمه أى صيره أصم عن سماع ما يقال فى ذلك الشىء المحبوب عن العيب. رواه أبو داود. فمن قرب من ممنوع عنه أحبه فيعميه حبه ويصمه عن الحق فيرتكبه، فينبغى لمن حرم عنه شىء ألا يحوم حوله مخافة أن يقع فيه. قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام، كالراعى حول الحمى يوشك أن يرتع. فيه ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه"تفسير : . وقرئ ولا تقربا - بكسر التاء - على لغة من يكسر حروف المضارعة غير الياء، وقرئ هذه بإسقاط الهاء الثانية وإثبات الياء. وقد قيل إن هذى بالياء، ياء بدل من هاء هذه بها مكسورة مختلسة أو مسكنة. وقرئ الشجرة، بكسر الشين وكسر الجيم، وقرئ الشجرة، بكسر الشين والياء المثناة التحتية المبدلة من الجيم، وكرهها أبو عمرو بن العلاء، وقال: إنها قراءة برابر مكة وسودانها. والشجرة: شجرة القمح، وهى الأغصان التى تنبت من حبة القمح التى تبذر وتثمر السنبل. ونسب هذه القول لابن عباس ومحمد بن كعب ومقاتل. وقيل شجرة العنب. ونسب لابن عباس وابن مسعود وقتادة. وقيل شجرة التين وقيل شجرة الكافور، ونسب لعلى بن أبى طالب. وقيل شجرة الحناء، وفيها من كل شىء، وقيل شجرة العظلم، والظاهر أن الصحابة لا يقولون فيها عن رأيهم، وإنما روى عنهم موقوفا، بمنزلة المرفوع إذا صح السند، قال الشيخ هود: ذكروا عن ابن عباس أن الشجرة التى نهى عنها آدم وحواء هى السنبلة التى فيها رزق بنى آدم، يعنى سنبلة القمح. قال عبد الصمد: الحبة منها كالبقرة، أبيض من الثلج وأحلى من العسل وألين من الزبد. وبعضهم يمنع الخوض فيها لعدم دليل قاطع، وعدم توقف المقصود على تعيينها. ويقول: إنها شجرة من أكل منها أحدث. واختلفوا، هل الإشارة إلى شجرة واحدة معينة؟ أو إلى نوع الشجرة المذكورة فى تلك الأقوال كلها؟ ويتخيل لى أنها شجرة واحد معينة، وأنها لم تتعدد فى الجنة. {فَتُكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}: لأنفسكم بسبب قربكما الشجرة والأكل منها، كما دل عليه فاء السببية التى نصب المضارع بعدها فى جواب النهى عن قربها، ومعنى ظلم الإنسان نفسه: تعريضها للعقاب بارتكاب المعصية، أو معناه: نقصه حضها بإتيان ما يخل بالكرامة والنعيم، أو معناه: وضع الشىء فى غير موضعه فهو بهذا المعنى ضد الحكمة، ويجوز أن تكون الفاء عاطفة على تقربا فيكون معطوفها مجزوما منهيا عنه، أى فلا تكونا. ولا يطلق على الأنبياء أنهم ظلموا أنفسهم، ولا وصفهم بالظلم. ومن قال إن الإنبياء لا يذنبون فإنه يحمل مثل فعل آدم على فعل ما كان الأولى تركه. وعندى: يجوز أن يقال ظلم آدم نفسه بأكله من الشجرة، وأنه عصى ربه لقوله جل وعلا: {ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} مع قوله: {فأكلا منها}. ولقوله عز و جل:{أية : وعصى آدم ربه}تفسير : مجازات مع لفظ القرآن، والمذهب أنهم لا يوصفون بالكبيرة ولا بالصغيرة، قبل النبوة ولا معها، ومن أجاز من قومنا عدم المعصية على الأنبياء قبلها، قال: إن آدم لم يكن نبيا حينئذ، ومن ادعى نبوته حينئذ فعليه البيان. وما وصفوا به من ذنب فليس كبيراً ولا صغيراً، ولكن خلاف الأولى. وقد قيل: إن ذلك النهى للتنزيه، وأما قوله: {عصى}، {وغوى}، {فتكونا من الظالمين}، {أية : ولتكونن من الخاسرين}تفسير : فلأنه ترك ما هو الأولى له، فظلم نفسه ونقصها الحظ بتركه. ويأتى كلام فى بعض تلك الآيات، وإنما أمره بالتوبة ولقنه إياها، ليتدارك ما فاته مما هو أولى، وإنما أخرجه من الجنة ونزع لباسه وفاءً لقوله: {أية : إنى جاعل فى الأرض خليفة}تفسير : وجزاءً لتركه الأولى أو جرى عليه الإخراج والنزع، كما يجرى الضر على من تناول سما جاهلا له، فإنه يضر من جهله ومن علمه، لا على المؤاخذة، وذلك من القضاء الأزلى عليه، كما يقضى فى الأزل على من يموت بالسم جهلا به بعد وجوده، وذلك أنه زين له إبليس فقاسمه، فكف نفسه مراعاة لحكم الله، فنسى وسوسة إبليس، وقد أثرت فى طبعه ميلا، فأكل منها بالميل الطبعى، لا لمطاوعة إبليس لنسيانه وسوسته، لكن قول: {فدلالهما بغرور} ونحوه من الآيات والأخبار، يدل على أنه أكل باغتراره بها، غير أنه يحتمل التأويلات المذكورة ونحوها مما يأتى، وذكر كثير من قومنا ما يوافقنا. قال عياض فى الشفاء: وأما قصة آدم - عيله السلام - وقوله تعالى: {فأكلا منها} بعد قوله: {ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} وقوله:{أية : ألم أنهكما عن تلكما الشجرة}؟ تفسير : وتصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله:{أية : وعصى آدم ربه فغوى}تفسير : أى جهل. وقيل: أخطأ فإن الله تعالى قد أخبر بعذره بقوله:{أية : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما}.تفسير : قال ابن عباس: نسى عداوة إبليس، وما عهد الله إليه من ذلك، بقوله: {أية : إن هذا عدو لك ولزوجك..}تفسير : الآية. وقيل نسى ذلك بما أظهر لهما. وقيل لم يقصد المخالفة استحلالا لها، ولكنهما اغترا بحلف إبليس وتوهما أن أحدا لا يحلف بالله كذبا. وقال ابن جبير: حلف لهما حتى غرهما، والمؤمن يخدع. وقيل: نسى ولم ينو المخالفة. قال ابن عباس: إنما سمى الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه فنسى. قيل فى قوله تعالى:{أية : ولم نجد له عزما}تفسير : لم نجد له قصدا للمخالفة. وأكثر المفسرين أن العزم هنا الحزم والصبر. وقال ابن فورك وغيره: إنه يمكن أن يكون ذلك قبل النبوة، لقوله تعالى:{أية : وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى}تفسير : فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان، وقيل قد أكلها وهو متأول، وهو لا يعلم أنها الشجرة التى نهى عنها، لأنه تأول نهى الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس. ولهذا قيل: إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة. قيل فعل ذلك ناسيا لقوله تعالى: {فنسى} فعوتب بترك التحفظ عن أسباب النسيان، ويحتمل أن يكون النسيان غير محطوط عن الأنبياء لعظم قدرهم، وإن حط عن الأمم، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل"تفسير : رواه الترمذى:"حديث : أشد الناس بلاء الأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل" تفسير : وصححه. وروى الحاكم: "حديث : أشد الناس بلاء الأنبياء ثم العلماء ثم الصالحون"تفسير : بل فهم بعضهم من قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : رفع عن أمتى الخطأ والنسيان"تفسير : أنهما لم يرفعا عن سائر الأمم، ويستثنى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - من الأنبياء، فإنه مرفوع عنه ذلك لقوله تعالى:{أية : ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}تفسير : وقيل: تأول أن الله لم ينهه عنها نهى تحريم بل تنزيه، كما مر. قيل اجتهد آدم فأخطأ حيث أداه اجتهاده إلى أن النهى للتنزيه، أو إلى أن النهى عن عين تلك الشجرة فقط، فتناول من نوعها مع أن المقصود النوع كله. كما قبض - صلى الله عليه وسلم - قطعة ذهب وقطعة حرير بيده وقال:"حديث : هذان محرمان على ذكور أمتى محللان لنسائهم"تفسير : وأراد الذهب والحرير جميعاً، لا خصوص ما بيده منهما فقط. ومعنى ذلك أخرج ونزع لباسه وعوتب تقطيعا للخطيئة لتجتنبن، فيما قررته تعلم بطلان استدلال الخشوية على عدم عصمة الأنبياء بارتكاب آدم ما نهى عنه، والوصف بالظلم والعصيان والغى وبالتوبة واعترافه بالخسران إن لم يغفر له، وبعقابه بما ذكر من الإخراج والنزع وغيرهما. وهم قوم جوزوا الخطاب بما لا يفهم.

الخليلي

تفسير : هذه مرحلة من المراحل التي مر بها أبو البشر صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه قبل أن يتم استخلافه في الأرض وينوء بأثقاله، ويتعود على تكاليفه، وقد أراد الله بإمراره في هذه المرحلة أن يعده بتربيته على الأمر والنهي وتعويده على البلاء والصبر للتكيف حسب مقتضيات هذا الاستخلاف، فمن المعلوم أن توطين النفس على التكاليف مما يقوي صبرها على تحملها، ومن لطف الله به أنه لم يلقها على ظهره دفعة واحدة، بل درجه فيها ليبتليه، ويعرفه بضعفه، وليُقِرّ في نفسه أنه لا ملجأ له من مكائد الشيطان ووساوسه إلا إلى الله تعالى وحده، حتى يكون أسوة لذريته في ذلك. ويتمثل ذلك كله في إسكان الله إياه الجنة، وإذاقته نعيمها، وإباحة متعها له، ما عدا شيئا واحدا وهو شجرة حجر الله عليه الأكل منها سواء كانت هذه الشجرة فردا من الأشجار معينا أو جنسا من أجناسها تدخل ضمنه أفراد شتى، وقد تبدو هذه المحنة هينة عند من لا يعلم طبيعة الإِنسان ولا يحيط بمكائد الشيطان ولكنها في حقيقتها محنة صعبة، فإن النفس البشرية خلقت ميالة الى ما حجر عليها، ومتطلعة إلى ما خفي عنها، وللشيطان وسائل إليها وقد عقد العزم على إضلالها فكان في حجر الأكل على آدم وزوجه من هذه الشجرة اختبار لإِرادته وتعريف له بعجزه، ومن ناحية أخرى فإن السلب بعد الوهب من أتعب ما يعانيه الإِنسان، فلا غرو إذ اعيل صبر آدم على محنة الحرمان من هذا النعيم الذي كان يتفيأ ظلاله ويتقلب على لطفه الوثير، وضاق ذرعه من وحشة الإِبعاد بعد أن التقريب، ولم يكن قذفه بهذه المصائب إلا لتمام أعداده للمهمة التي نيطت به، فإنه خُلق لحياة الأرض التي يجد فيها العطاء والحرمان، والأنس الوحشة، والخير والشر، حتى يجتازها بسلام فينقلب إلى ما أعد له من النعيم الدائم جزاء عمله وصبره، وجهاده وكفاحه، فكان في كل ما مر به تربية نفسية له ولذريته الذين سينوؤن بما ناء به من التكاليف، وسيتحملون ما تحمله من مشاق حتى يعبروا طريق هذه الحياة، وينقلب كل منهم إلى حياة أخرى يجني فيها ما غرس، ويحصد ما زرع خيرا كان أو شرا. وقد يقول قائل: إن آدم عليه السلام فشل في هذا الامتحان لأن الشيطان بلغ منه قصده، فقد تمكن من إنسائه عهد الله، وقدر على التأثير عليه حتى ارتكب ما نُهي عنه. والجواب أن هذا لا يعد فشلا مع تدارك الأمر بالتوبة والانقلاب من الغفلة والغي والمعصية إلى أضدادها من الذكر والرشد والطاعة، وقد أراد الله لآدم أن يكون إمام التائبين من ذريته فإنهم جميعا خطاؤون وخير الخطَّائين التوابون، ولهم في أبيهم آدم - الذي ثاب إليه رشده فتعجل التوبة إلى الله - أسوة حسنة، أما الذي يُخلد إلى هواه ويصر على غيه ويركب رأسه في عناده لله فله في الشيطان - الذي أصر واستكبر استكبارا - أسوة سيئة. وقد نادى الله آدم باسمه العلم إيناسا وتكريما له وإشعارا بمنزلته في ذلك العالم العلوي، والكلام معطوف على ما قبله عطف القصة على القصة كما تقدم. وقيل هو من باب عطف الجملة على الجملة، والمعطوف عليه جملة {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ} تفسير : [البقرة: 34]، والتزم أصحاب هذا القول أن قبل الجملة المعطوفة "إذ" محذوفة لدلالة السياق عليها وهو ضعيف جدا لأن حذف ما ينبغي أن يثبت من القرآن لا يتفق مع ما يتميز به من علو البلاغة وسمو الفصاحة، وذهب بعضهم القولين إلى أن المعطوف عليه "قلنا" السابقة، واعترض بعدم اتحاد زمن القولين مع استلزام هذا الرأي أن يكون القول الثاني مظروفا لـ "إذْ" كالذي قبله؛ وأجيب بأن "إذ" ليس مدلولها زمنا قصيرا بحسب ما يسع القول الأول فحسب بل هو زمن ممتد فيدخل في مظروفها القولان جميعا، وبناء على هذا الرأي ففي الكلام تذكير للبشر بإحدى النعم الكبرى التي من الله بها عليهم بإضفائها على سلفهم وهو آدم عليه السلام الذي بوأه دار كرامته وأباح له صنوف النعم المتوفرة فيها. وتصدير الكلام بالنداء دال على أهمية ما سيليه مع دلالته على ما سبق ذكره. وقوله: {ٱسْكُنْ} من السُّكنى بمعنى الاستقرار في المسكن لا من السكون الذي هو ضد الحركة لمنافاة ذلك قوله تعالى لهما: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} فإن الأكل من حيث شاءا من الجنة يقتضي حركتهما في أرجائها، وذهب القرطبي إلى أن الأمر بالسُّكنى يوحي بخروجهما منها، إذ ليس في السُّكنى تمليك الساكن للمسكن، فلو قال قائل لأحد اسكن هذه الدار لم يدل قوله هذا على تمليكه إياها، واستظهر القرطبي من ذلك تأييد الجمهور في قولهم بعدم انتقال المسكن من ملك صاحبه إلى ملك الساكن بالسكنى ورجوعه إلى صاحبه بانتهاء مدتها؛ وفي هذا الإِستدلال نظر، ومسائل السُّكنى وما شابهها، كالعُمرى، والرُّقبى، والإِفقار، مبسوطة في كتب الفقه. و"أنت" ضمير فصل جيء به لتهيئة عطف الاسم البارز على الضمير المستتر في "اسكن" لعدم جواز العطف عليه دونه، وفيه نوع من التأكيد له. والزوج مفرد الأزواج، ويطلق على الذكر والأنثى، ولا يتميز إذا أريد به الأنثى بالتاء على لغة القرآن كما في هذه الآية، وفي قوله تعالى: {أية : أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ} تفسير : [الأحزاب: 37]، وقوله: {أية : وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} تفسير : [النساء: 1]، وقوله: {أية : إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ} تفسير : [طه: 117]، وعليه الفصيح من كلام العرب، وإنما ورد خلافه شاذا كما في قول الفرزدق: شعر : وإن الذي يسعى ليفسد زوجتى كساع إلى أسد الشرى يستميلها تفسير : وعد بعضهم ذلك لحنا، وفرق الفقهاء بين الذكر والأنثى بإدخال التاء على ما يُراد به الأنثى كما هو شائع في كتب الفقه خصوصا حال التعرض لأحكام النكاح والمواريث، وقد نحوا هذا المنحى لما في هذا التفريق اللفظي من القرينة على التفريق المعنوي، وهو مسلك حسن - كما قيل - لدفع اللبس. جنة آدم والجنة مأخوذة من الجن بمعنى الستر، وتطلق على الأرض ذات الشجر الملتف لاجتنانها - أي استتارها - به، ومنهم من يرى أنها دالة على الشجر الملتف نفسه لأنه يجن ما كان داخله، واستعملت الجنة في عرف الوحي الشريف المنزل على النبيين في دار السعادة التي أعدت للمتقين، واختلف في جنة آدم هذه، هل هي دار السعادة نفسها أو أنها بقعة يصدق عليها هذا الوصف لكثرة ما فيها من الأشجار؟ فجمهور أصحابنا يرونها دار السعادة، وعليه المتقدمون من الأشعرية، وحكى القرطبي عن أبي الحسن بن بطال قوله: "وقد حكى بعض المشائخ أن أهل السنة مجمعون على أن جنة الخلد هي التي أُهبط منها آدم عليه السلام، فلا معنى لقول من خالفهم"؛ ونحوه كلام ابن تيمية حيث قال: "وهذا قول أهل السنة والجماعة، ومن قال أنها جنة في الأرض بالهند أو جدة أو غير ذلك، فهو من الملحدة المبتدعين، والكتاب والسنة يرد هذا القول"، وذهب بعض أصحابنا كأبي المؤثر وأبي سهل الفارسي، وابن أبي نبهان إلى أن هذه الجنة لم تكن إلا حديقة في الأرض مليئة بالأشجار تجري من تحتها الأنهار أنشأها الله لآدم قبل أن يحمله عبء تكاليف الخلافة، وهذا هو قول المعتزلة، وعليه أبو مسلم الأصفهاني وأبو منصور الماتريدي في تفسيره المسمى "بالتأويلات"، وعُزى إلى أبي حنيفة، واختاره الإِمام محمد عبده والسيد محمد رشيد رضا، وعزاه الإِمام إلى المحققين من أهل السنة، ثم قال على إثر ذلك: "وبهذا التفسير تنحل إشكالات كثيرة: 1- أن الله خلق آدم في الأرض ليكون هو ونسله خليفة فيها، فالخلافة مقصودة منهم بالذات، فلا يصح أن تكون عقوبة عارضة. 2- أنه لم يذكر أنه بعد خلقه في الأرض عرج به إلى السماء، ولو حصل لذكر لأنه أمر عظيم. 3- أن الجنة الموعود بها لا يدخلها إلا المؤمنون المتقون فيكف دخلها الشيطان الكافر الملعون؟ 4- أنها ليست محلا للتكليف. 5- أنه لا يُمنع من فيها التمتع بما يريد. 6- أنه لا يقع فيها العصيان. وبالجملة إن الأوصاف التي وُصفت بها الجنة الموعود بها لا تنطبق على ما كان في جنة آدم، ومنه كون عطائها غير مجذوذ، ولا مقطوع، وغير ذلك". وأضاف السيد محمد رشيد رضا إلى ما قاله أستاذه أن القول بأن آدم أُسكن جنة الآخرة يقتضي أن تكون الآخرة هي الدار الأولى والدنيا، فتكون تسمية الدارين غير صحيحة، وينافي أيضا كون الجنة دار ثواب يدخلها المتقون جزاء بما كانوا يعملون كما ورد في الآيات الكثيرة". وذهب أبو علي الجبَّاني - وهو من أئمة المعتزلة - مذهبا ثالثا وهو أن جنة آدم ليست جنة الخلق ولكنها كانت في السماء ولم تكن في الأرض، وهو قول غريب لا سلف له فيه ولم يتابعه عليه أحد فيما أعلم إلا ما سمعته من أحد علماء العصر وهو أن جنة آدم كانت في أحد الكواكب العلوية وقد أُنزل منها إلى الأرض. والقائلون بأنها كانت في الأرض اختلفوا في تعيينها، منهم من قال كانت بستانا بين فارس وكرمان، وقيل: بفلسطين، وقيل: بأرض عدن، وقيل: غير معينة وبه قال أبو منصور الماتريدي وعزاه إلى السلف كما ذكره عنه الإِمام محمد عبده. واستدل أصحاب القول الأول بأن الله سماها الجنة - بالتعريف - وذلك ما لا يكون إلا لجنته التي أعدها للمتقين؛ وبأن الله أمر آدم وحواء بالهبوط منها وهو عبارة عن الإِنتقال من العلو إلى السفل، وبما رُوى أن موسى عاتب آدم عليهما السلام بقوله: "أنت أشقيت ذريتك وأخرجتهم من الجنة". وأُجيب عن الأول بأن تعريف الجنة ليس دليلا قاطعا على أنها جنة الخلد، فقد قال الله تعالى: {أية : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [القلم: 17]، وهي جنة من جنان الأرض، وبأن الهبوط لا يلزم أن يكون إنتقالا من العلو إلى السفل، فقد قال الله: {أية : ٱهْبِطُواْ مِصْراً}تفسير : [البقرة: 61]، وبأن ما رُوي من قصة موسى مع آدم عليهما السلام حديث آحادي لا تنهض به حجة في أمور الاعتقاد فضلا عن كون هذا الكلام ينافيه أن الله سبحانه خلق آدم من أول الأمر ليكون خليفة في الأرض، لا ليكون في الجنة وتنشأ ذريته فيها. وقد استدل أصحاب القول الثاني بما ذكره الإِمام وبأن جنة الخلد وُصفت في القرآن بقوله تعالى: {أية : لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ} تفسير : [الطور: 23]، وقوله: {أية : لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ كِذَّاباً}تفسير : [النبأ: 35]، وقوله: {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً} تفسير : [الواقعة: 25- 26] وأي لغوٍ أشد عن الدعوة إلى معصية الله ، وقد كان ذلك من ابليس في جنة آدم، وبأن داخلها لا يخرج منها كما دل عليه قوله تعالى: {أية : وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ}تفسير : [الحجر: 48]، فكيف يُخرج منها آدم وحواء؟ وبأنها دار قدس فلا تقع فيها خطيئة، فكيف يمكن لإِبليس أن يوقع آدم وحواء في معصية الله فيها؟ وقد أجيب بأن ما وُصفت به الجنة من كونها لا لغو فيها ولا تأثيم إلى غيره من صفاتها إنما هو بعد دخول المؤمنين فيها جزاء، وبأن أمر الله لآدم وزوجه بأن يسكناها دليل على أنهما قد رُفعا من الأرض إليها، وبأن كونها دار القدس لا ينافي أن تكون معصية وقعت فيها، فإن الله أمر بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة وهي أرض الشام التي قُدست في جميع الشرائع، وقد شوهد فيها وقوع جميع المعاصي على اختلافها ولم يكن تقديسها مانعاً منها. أما وسوسة الشيطان لهما فقد رُويت فيها أقوال عن السلف سوف نذكرها إن شاء الله في تفسير الآية الآتية، ولأجل تعارض أدلة ألقولين قال من قال بالتوقف عن تصحيح أحدهما أو ترجيحه، وعليه أبو السعود والألوسي في تفسيريهما وبه أقول، وإن قال نور الدين السالمي - رحمه الله - "والقول بأن الجنة التي كانا - أي آدم وحواء - فيها غير الجنة الموعود بها في الآخرة تحكم من قائله إذ لا دليل عليه". وإنما اخترت هذا القول لما فيه من السلامة من مغبة الخوض فيما لا علم لنا به، والأدلة التي استند إليها كلا الفريقين يعروها الاحتمال كما تقدم، والدليل إذا عراه الإِحتمال سقط الإِستدلال به، ولعل قوله تعالى: {أية : إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} تفسير : [طه: 118-119] يجوز أن يُستأنس به للقول بأنها جنة النعيم لأن هذه الأوصاف أنسب بها غير أن الاستئناس لا يكفي وحده أن يكون دليلا خصوصا في الاعتقاديات التي يجب الاستناد فيها إلى القطعيات. والأمر بسكنى آدم وزوجه الجنة وُجه إليه ولم يُوجه إليهما معا لأن المرأة تابعة للرجل، وقد سكت القرآن عن وقت خلق حواء فما لنا إلا أن نسكت عنه وإن كان في ذلك مجال رحب للذين يسوغون لأنفسهم أن يقولوا ما لا يعلمون، وقد اختلفوا؛ فقال بعضهم: خُلقت في الجنة بعد أن كان آدم فيها وحيشا لعدم المؤانس، فألقى الله عليه نومه فخلقها من ضعله الأيمن ولما استفاق وجدها بجانبه فسألها عن نفسها فأجابته بأنها امرأة خُلقت له ليسكن إليها؛ وقال آخرون خُلقت قبل إسكانهما في الجنة ثم حملتهما الملائكة إليها على سرير من ذهب، وكانت ثيابهما من نور، وكلا القولين منسوبان إلى بعض الصحابة، والأسانيد التي تُلقيا منها واهية جدا، والقضايا الغيبية لا يستند فيها إلا إلى ما نزل من عند الله أو حدث به المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، وصحت نسبته إليه، وما أكثر ما حشي به التفسير من أقاويل أهل الكتاب - مع عزوها إلى الصحابة رضي الله عنهم - في هذه القضايا، ويمكن أن يُقال بأن قوله تعالى: {ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} [البقرة: 35] أدل على القول بأنها خلقت قبل سكناه فيها. وقد شاع استدلال المفسرين وغيرهم للقول بأن حواء خُلقت من ضلع آدم بقوله تعالى: {أية : خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}تفسير : [الأعراف: 189] وبحديث أبي هريرة عند الشيخين "إن المرأة خُلقت من ضلع" وليس في ذلك نص على ما قالوه فإنه يحتمله ويحتمل ما قاله الإِمام محمد عبده من أن المراد بقوله تعالى: {مِنْهَا} من جنسها، كما في قوله عز وجل: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا} تفسير : [الروم: 21] فإنها لا يماري أحد في أن الله لم يخلق امرأة كل رجل من بدنه، وإنما المراد بقوله: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} من جنسكم، وما قاله السيد رشيد رضا في الحديث أنه محمول على ما يُحمل عليه قوله تعالى: {أية : خُلِقَ ٱلإنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ}تفسير : [الأنبياء: 37]. وقد أباح الله لآدم وزوجه التنعيم بأكل ثمار هذه الجنة أكلا هنيئا لا يكدره شيء من التقتير بدلالة قوله {رَغَداً}، فان الرغد هو الواسع عند العرب، ولا ينافيه النهي عن الاقتراب من شجرة ما سواء كانت شجرة معينة، أو جنسا معينا من الأشجار، فإن النهي عنها مع إباحة سواها لا يدخل عليهما شيئا من الكدر. ونجد النهي عن تلك الشجرة لم يقتصر على الأكل منها بل شمل القرب منها لأجل سد ذرائع المعصية، فإن الدنو منها مفض إرتكابها، ونحوه قوله عز وجل: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً}تفسير : [الإِسراء: 32]، ومن ثم حُجر على الإِنسان ممارسة أي سبب يُفضي إلى معصية الله كما يدل عليه حديث النعمان بن بشير عند الشيخين قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن الحلال بيِّن وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات لا يعرفهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه"تفسير : وفي ذلك داعية إلى نفرة المسلم العاقل من كل المعاصي بعدم الحوم حول حماها، والقرب من الأمر يهون خَطبه ويدعو إلى ألفته، والنفس ميالة بطبعها إلى ما فيه مضرتها إن لم يتعهدها صاحبها بالرعاية ويستمد من الله التوفيق والعون. شعر : ودأب النفوس السوء من حيث طبعها إذا لم يصنها للبصائر نور تفسير : ومن باب النهي عن الدنو من المحرمات ما فصله الفقهاء من تحريم بيع الذرائع المسمى ببيع العينة، ونحوه من العقود التي يحتال بها المحتالون ليسوغوا لأنفسهم ارتكاب ما حرم الله من الربا. وقَرِبَ يَقْرَبُ كَقَرُبَ يَقْرُبُ في دلالتهما على الدنو، وقد نص على عدم التفرقة بينهما كل من الجوهري في صحاحه، والفيروز أبادي في قاموسه، وابن منظور في لسانه، وحُكي عن ابن العربي أنه نقل عن الشاشي التفرقة بجعْل قَرِبَ بالكسر بمعنى "الملابسة"، وقَرُبَ بالضم بمعنى "الدنو"، وذكر مثله الزبيدي في شرح القاموس ونسبه إلى أرباب الأفعال كما نسبه إلى شيخه - ويعني به الفاسي - والقول الأول هو المشهور، ولا معنى لهذه التفرقة فإن حمل القرب على التلبس بالشيء مجاز ولا يستقل المجاز عن الحقيقة بصيغة معينة. وقد عُطف قوله كلا في هذه السورة بالواو بخلاف ما في سورة الأعراف وهو قوله سبحانه: {أية : وَيَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا} تفسير : [الأعراف: 19] فإن عطفه فيه بالفاء، ولا إشكال في ذلك فإن الواو المطلق الجمع فلا ينافي مدلولها مدلول الفاء، وذهب الفخر الرازي إلى التفرقة بين ما في السورتين، وخلاصة قوله أن المعطوف على الفعل إن كان ذلك الفعل كالشرط له وهو كالجزاء يُعطف بالفاء دون الواو كقوله تعالى: {أية : وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} تفسير : [البقرة: 58]، فإن الأكل منها متعلق بدخولها فلذلك عطف بالفاء كأنه قال إن دخلتموها أكلتم منها، وعطف بالواو في قوله: {أية : ٱسْكُنُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ} تفسير : [الأعراف: 161] لأن الأكل لا يتوقف على السكنى فقد يأكل من البستان من كان مجتازا به، وعليه فإن الأمر بالسُّكنى في سورة البقرة يُراد به الاستمرار في البقاء، وقد ورد بعد أن كان آدم في الجنة، وليس ذلك شرطا للأكل، فلذلك عُطف بالواو، والأمر بها في سورة الأعراف ورد قبل دخوله الجنة، فهو محمول على دخولها، والأكل متعلق به فلذلك ورد بالفاء. وما ذكره يستلزم أن يكون آدم خوطب بذلك مرتين، ولعدم الدليل عليه عدلت عن رأيه إلى ما ذكرته قبل. وللناس أقوال في الشجرة التي نُهيا عنها، أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن ابي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر من طرق عن ابن عباس قال: الشجرة التي نهى الله عنها آدم السنبلة، وأخرج ابن المنذر وابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي حميد عنه أنها الكرم وأخرجه ابن جرير عن ابن مسعود، وأخرج أبو الشيخ عنه أنها اللوز، وأخرج ابن جرير عن بعض الصحابة قال هي التينة، وروى عن قتادة، ورُوي عن أبي مالك أنها النخلة، وقيل غير ذلك، ولا فائدة وراء هذا الاختلاف، وهو ينبئ عن ضعف هذه الأقوال، ولا دليل يمكن به ترجيح أحدها، ومما يُستغرب كثيرا تعليل بعضهم تحريم الخمر بكونها من العنب الذي نهى عنه، وما أسخف هذا القول، فإن الخمر إنما حُرمت لإِسكارها لا لكونها من العنب، ولو كان الأمر كما قال هذا القائل لكان العنب نفسه قبل استحالته خمرا أجدر بالتحريم، ولكان عصيره حراما ولو لم يسكر، ومن المعلوم أن الخمر ما خامر العقل، فيحرم كل مطعوم أو مشروب هذا شأنه مهما كان أصله، ولعمري إن هذا الإِختلاف ليس منشؤه إلا تصديق أهل الكتاب في دعاواهم الكاذبة والثقة بأقوالهم في تفسير كتاب الله، وما عُزى إلى الصحابة من ذلك لا يصح عنهم، وقد أغرب قطب الأئمة - رحمه الله - في قوله إن ما رُوي عن الصحابة في مثل هذا له حكم المرفوع إذا صح، وأني تثبت الصحة مع هذا الاختلاف، وقد عَلمتَ مما سلف في مقدمة التفسير أن أقوال أهل الكتاب كان لها أثر على آراء بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم في تفسير ما لا يتعلق بالعقيدة والأحكام من آي الكتاب، وإن كان أثر ذلك في تفسير التابعين أكثر بكثير، فيكف يصح مع ذلك أن نُعطي ما يُروى عنهم حكم الرفع وإن ثبتت نسبته إليهم، وقد أبعد بعض المفسرين النجعة فزعم أنها شجرة العلم والصبغة اليهودية بادية على هذا القول، فإن اليهود هم الذين يقولون بأن منشأ طرد الإِنسان من رحمة الله، وإقصائه عن دار كرامته أكله من شجرة المعرفة التي ميز بها بين الخير والشر، وإن عجبت فإنني أعجب ممن يتقبل ذلك عنهم ويُؤَثِّره في تفسير كتاب الله والقرآن نفسه ينادي بأن فضل الإِنسان إنما كان بالعلم الذي فُضل به على الملائكة حتى أُمروا بالسجود له. وقد ذكر المفسرون تفصيل قصة الأكل من الشجرة، ومن ذلك أن آدم لم يأكل منها حتى كانت حواء هي البادئة بالأكل، وذلك لا يختلف عما قبله في كونه قولا لم يبن على دليل. وقد أسرف القرطبي في الاستناد على هذه الحكايات الوهمية حتى أتى شيئا إمرا إذ ادّعى أن المعصية لم تتحق بأكل حواء وحدها من الشجرة حتى تبعها آدم فتحققت معصيتهما فكان ما كان من عقاب الله لهما بإخراجهما من الجنة بعدما أُريا سوآتهما، ومنشأ قوله بأن المعصية لم تقع حتى أكلا جميعا أن الخطاب بالنهي وُجِّه إليهما معا ولم يُخص كل واحد به، وبني على ذلك أن من قال لزوجتيه: إن دخلتما الدار فأنتما طالقتان أو لأمتيه إن فعلتما فأنتما حرتان، بأن الطلاق والعتاق لا يقعان حتى يصدر ذلك منهما معا، وأنكر - تبعا لابن العربي - ما يعارض هذا القول لعدم وقوع الشرط وهو دخول الاثنتين كما أن آدم وحواء لم يكونا ظالمين حتى أكلا جميعا من الشجرة مع قوله عز وجل: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} [البقرة: 35]. وهو كلام جدير بأن يستوقف كل سامع، كيف لا يكون ارتكاب النهي معصية وظلما حتى يقع ذلك من كل من وُجه إليهم الخطاب إذ لا فرق بين صيغة التثنية وصيغة الجمع في مثل هذا؟ ويترتب على هذا القول ان لا يصدق حكم المعصية على أحد حتى يرتكب الناس كلهم ما نُهوا عنه ما دام الخطاب بالنهي موجها إليهم جميعا فيجوز لكل زان أن يعتذر عما ارتكب بأنه غير عاص ما لم يزن جميع الذين خوطبوا بقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ} تفسير : [الإِسراء: 32] كما يجوز لكل آكل ربا ان يعتذر بأنه غير عاص بأكله الربا حتى يأكله الذين خوطبوا بقوله تعالى: {أية : لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَا} تفسير : [آل عمران: 130]، ومثل ذلك يقال في قتل النفس المحرمة بغير حق وسائر المعاصي الموبقات ما لم يُخصّ مرتكبها بالنهي عنها في خطاب يخصه، وهو فاسد بالإِجماع، وإذا فسد اللازم فسد الملزوم لعدم انفكاكه عنه. وما أختاره - وفقا لابن العربي- من أن الطلاق والعتاق لا يقعان إن علقا على فعل المرأتين أو الأمتين اللائي خوطبن لأمر نيط به الطلاق أو العتاق إلا إن فعلتاه معا، مردود حسب رأيي لأن كل واحد يعتد بفعلها في الحكم فيترتب عليه طلاقها أو عتاقها وإن كان الخطاب للإِثنتين، لعدم الفارق بين صيغة التثنية وصيغة الجمع في مثل هذه الأحوال، وأنت تدري أن تكفير السيئات المعلق على اجتناب الكبائر في قوله عز من قائل: {أية : إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} تفسير : [النساء: 31] لا يشترط أن يكون حاصلا من جميع المخاطبين، بل هذا الحكم يتجه إلى كل واحد منهم في خصوصه وإن لم يجتنب غيره الكبائر. هذا وإني لأعجب ممن يقول إن إبليس لم يتسلط على آدم إلا من طريق حواء مع أن القرآن صريح بأنه - لعنه الله - كان خطابه لآدم فقد قال تعالى: {أية : قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ فَأَكَلاَ مِنْهَا} تفسير : [طه: 120-121]، فإن ذلك واضح في أن أكلهما ناشئ عن هذا الخطاب الموجه إلى آدم، وهو لا ينافي أن يكون خاطبهما معا كما يدل عليه قوله سبحانه: {أية : وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 20] وإنما حكى الله تارة خطابه لهما معا، وتارة خطابه لآدم وحده لأن حواء تبع له كما سبق. هذا وقد بين الله لهما عاقبة مخالفتهما أمره بقربهما من تلك الشجرة التي نُهيا عنها حيث قال لهما: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} وأصل الظلم وضع الشيء في غر موضعه، ومنه استحسان ما ليس بمستحسن، وقد استحسنا الأكل من تلك الشجرة بتزيين إبليس لهما ذلك مع ما فيه من مخالفة أمر الله. وإطلاق الظلم على فعلهما لا يستلزم أن يكون من الكبائر لمنافاة ذلك عصمة النبوة، وللعلم بأنهما لم يأتيا ما أتياه لأجل الوقوع في مخالفة أمره سبحانه وتعالى، وإنما كان ذلك إما نسيانا وإما خطأ كما سيأتي قريبا إن شاء الله، وليس تهويل هذه المخالفة إلا لعلو قدرهما وعظم شأنهما، وما أحسن قول من قال: "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، ومن هذا الباب مضاعفة الوعيد بالعذاب لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن في قوله تعالى؛ {أية : يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} تفسير : [الأحزاب: 30] مع قوله: {أية : يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيْتُنَّ} تفسير : [الأحزاب: 32]، فلا غرابة في إطلاق اسم الظلم على صنيع صفي الله آدم عليه السلام وإن كان بالنسبة إلى غير صغيرا.

الالوسي

تفسير : {وَقُلْنَا يٰـئَادَمُ ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} عطف على ـ {أية : إِذَ قُلْنَا } تفسير : [البقرة: 34] بتقدير إذ أو بدونه أو على ـ قلنا ـ والزمان ممتد واسع للقولين، وتصدير الكلام بالنداء لتنبيه المأمور لما يلقى إليه من الأمر وتحريكه لما يخاطب به إذ هو من الأمور التي ينبغي أن يتوجه إليها، و (أسكن) أمر من السكنى بمعنى اتخاذ المسكن لا من السكون ترك الحركة إذ ينافيه ظاهراً {حَيْثُ شِئْتُمَا } وذكر متعلقه بدون في وليس بمكان مبهم و {أَنتَ} توكيد للمستكن في {ٱسْكُنْ}، والمقصود منه بالذات صحة العطف إذ لولاه لزم العطف على الضمير المتصل بلا فصل وهو ممتنع في الفصيح على الصحيح، وإفادة تقرير المتبوع مقصودة تبعاً، وصح العطف مع أن المعطوف لا يباشره فعل الأمر لأنه وقع تابعاً، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في المتبوع، وقيل: هناك تغليبان تغليب المخاطب على الغائب والمذكر على المؤنث، ولكون/ التغليب مجازاً ومعنى السكون والأمر موجوداً فيهما حقيقة خفي الأمر، فأما أن يلتزم أن التغليب قد يكون مجازاً غير لغوي بأن يكون التجوز في الإسناد، أو يقال إنه لغوي لأن صيغة الأمر هنا للمخاطب وقد استعملت في الأعم، وللتخلص عن ذلك قيل: إنه معطوف بتقدير فليسكن، وفيه أنه حينئذ يكون من عطف الجملة على الجملة فلا وجه للتأكيد، والأمر يحتمل أن يكون للإباحة ـ كاصطادوا ـ وأن يكون للوجوب كما أن النهي فيما بعد للتحريم، وإيثاره على اسكنا للتنبيه على أنه عليه السلام المقصد بالحكم في جميع الأوامر وهي تبع له كما أنها في الخلقة كذلك، ولهذا قال بعض المحققين: لا يصح إيراد زوجك بدون العطف بأن يكون منصوباً على أنه مفعول معه. ـ والجنة ـ في المشهور دار الثواب للمؤمنين يوم القيامة لأنها المتبادرة عند الإطلاق ولسبق ذكرها في السورة، وفي ظواهر الآثار ما يدل عليه، ومنها ما في "الصحيح" من محاجة آدم وموسى عليهما السلام فهي إذن في السماء حيث شاء الله تعالى منها، وذهب المعتزلة وأبو مسلم الأصفهاني وأناس إلى أنها جنة أخرى خلقها الله تعالى امتحاناً لآدم عليه السلام وكانت بستاناً في الأرض بين فارس وكرمان، وقيل: بأرض عدن، وقيل: بفلسطين كورة بالشام ولم تكن الجنة المعروفة، وحملوا الهبوط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في {أية : ٱهْبِطُواْ مِصْرًا } تفسير : [البقرة: 61] أو على ظاهره، ويجوز أن تكون في مكان مرتفع قالوا: لأنه لا نزاع في أنه تعالى خلق آدم في الأرض ولم يذكر في القصة أنه نقله إلى السماء ولو كان نقله إليها لكان أولى بالذكر ولأنه سبحانه قال في شأن تلك الجنة وأهلها {أية : لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً * إِلاَّ قَلِيلاً سَلَـٰماً سَلَـٰماً }تفسير : [الواقعة: 25ـ26] و {أية : لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ }تفسير : [الطور: 23] {أية : وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ }تفسير : [الحجر: 48] وقد لغا إبليس فيها وكذب وأخرج منها آدم وحواء مع إدخالهما فيها على وجه السكنى لا كإدخال النبـي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج. ولأن جنة الخلد دار للنعيم وراحة وليست بدار تكليف، وقد كلف آدم أن لا يأكل من الشجرة ولأن إبليس كان من الكافرين وقد دخلها للوسوسة ولو كانت دار الخلد ما دخلها ولا كاد لأن الأكابر صرحوا بأنه لوجىء بالكافر إلى باب الجنة لتمزق ولم يدخلها لأنه ظلمة وهي نور ودخوله مستتراً في الجنة على ما فيه - لا يفيد، ولأنها محل تطهير فكيف يحسن أن يقع فيها العصيان والمخالفة ويحل بها غير المطهرين ولأن أول حمل حواء كان في الجنة على ما في بعض الآثار ولم يرد أن ذلك الطعام اللطيف يتولد منه نطفة هذا الجسد الكثيف، والتزام الجواب عن ذلك كله لا يخلو عن تكلف، والتزام ما لا يلزم - وما في حيز المحاجة يمكن حمله على هذه الجنة وكون حملها على ما ذكر يجري مجرى الملاعبة بالدين والمراغمة لإجماع المسلمين - غير مسلم، وقيل: كانت في السماء وليست دار الثواب بل هي جنة الخلد، وقيل: كانت غيرهما ويرد ذلك أنه لم يصح أن في السماء بساتين غير بساتين الجنة المعروفة، واحتمال أنها خلقت إذ ذاك ثم اضمحلت مما لا يقدم عليه منصف، وقيل: الكل ممكن والله تعالى على ما يشاء قدير والأدلة متعارضة، فالأحوط والأسلم هو الكف عن تعيينها والقطع به، وإليه مال صاحب «التأويلات»، والذي ذهب إليه بعض سادتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم أنها في الأرض عند جبل الياقوت تحت خط الاستواء ويسمونها جنة البرزخ وهي الآن موجودة وإن العارفين يدخلونها اليوم بأرواحهم لا بأجسامهم ولو قالوا: إنها جنة المأوى ظهرت حيث شاء الله تعالى وكيف شاء كما ظهرت لنبينا صلى الله عليه وسلم على ما ورد في «الصحيح» في عرض حائط المسجد لم يبعد على مشربهم ولو أن قائلاً قال بهذا لقلت به لكن للتفرد في مثل هذه المطالب آفات. وكما اختلف في هذه الجنة اختلف في وقت خلق زوجه عليه السلام، فذكر السدي عن ابن مسعود وابن عباس وناس من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أن الله تعالى لما أخرج إبليس من الجنة وأسكنها آدم بقي فيها وحده وما كان معه من يستأنس به قألقى الله تعالى عليه النوم ثم أخذ ضلعاً من جانبه الأيسر ووضع مكانه لحماً وخلق حواء منه فلما استيقظ وجدها/ عند رأسه قاعدة فسألها من أنت؟ قالت: امرأة قال ولم خلقت؟ قالت: لتسكن إليّ فقالت الملائكة تجربة لعلمه: من هذه؟ قال: امرأة قالوا: لم سميت امرأة؟ قال: لأنها خلقت من المرء فقالوا: ما اسمها؟ قال: حواء قالوا: لم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي. وقال كثيرون ولعلي أقول بقولهم إنها خلقت قبل الدخول ودخلا معاً، وظاهر الآية الكريمة يشير إليه وإلا توجه الأمر إلى معدوم وإن كان في علمه تعالى موجوداً، وأيضاً في تقديم (زوجك) على (الجنة) نوع إشارة إليه وفي المثل، الرفيق قبل الطريق. وأيضاً هي مسكن القلب، والجنة مسكن البدن، ومن الحكمة تقديم الأول على الثاني، وأثر السدي ـ على ما فيه مما لا يخفى عليك ـ معارض بما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: بعث الله جنداً من الملائكة فحملوا آدم وحواء على سرير من ذهب كما تحمل الملوك ولباسهما النور حتى أدخلوهما الجنة فإنه كما ترى يدب على خلقها قبل دخول الجنة. {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا} الضمير المجرور للجنة على حذف مضاف أي من مطاعمها من ثمار وغيرها فلم يحظر عليهما شيئاً إلا ما سيأتي، وأصل كُلاَ أأكلا بهمزتين الأولى للوصل، والثانية فاء الكلمة فحذفت الثانية لاجتماع المثلين حذف شذوذ وأتبعت بالأولى لفوات الغرض، وقيل: حذفا معا لكثرة الاستعمال - والرغد بفتح الغين - وقرأ النخعي - بسكونها - الهنيّ الذي لا عناء فيه أو الواسع، يقال: رغد عيش القوم، ورغد بكسر الغين وضمها كانوا في رزق واسع كثير، وأرغد القوم أخصبوا وصاروا في رغد من العيش، ونصبه على أنه نعت لمصدر محذوف، أي أكلاً رغداً. وقال ابن كيسان: إنه حال بتأويل راغدين مرفهين، و (حيث) ظرف مكان مبهم لازم للظرفيه، وإعرابها لغة بني فقعس ولا تكون ظرف زمان خلافاً للأخفش، ولا يجزم بها دون (ما) خلافاً للفراء، ولا تضاف للمفرد خلافاً للكسائي؛ ولا يقال: زيد حيث عمرو - خلافاً للكوفيين - ويعتقب على آخرها الحركات الثلاث - مع الياء والواو والألف - ويقال: حايث على قلة وهي هنا متعلقة بِكُلاَ، والمراد بها العموم لقرينة المقام وعدم المرجح أي أيّ مكان من الجنة شئتما وأباح لهما الأكل كذلك إزاحة للعذر في التناول مما حظر، ولم تجعل متعلقة بـ {ٱسْكُنْ}، لأن عموم الأمكنة مستفاد من جعل الجنة مفعولا به له، مع أن التكريم في الأكل من كل ما يريد منها لا في عدم تعيين السكنى ولأن قوله تعالى في آية أخرى: {أية : فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا }تفسير : [الأعراف: 19] يستدعي ما ذكرنا، وكذا قوله سبحانه: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ} ظاهر هذا النهي التحريم، والمنهي عنه الأكل من الشجرة، إلا أنه سبحانه نهى عن قربانها مبالغة، ولهذا جعل جل شأنه العصيان المرتب على الأكل مرتباً عليه، وعدل عن فتأثما إلى التعبير بالظلم الذي يطلق على الكبائر، ولم يكتف بأن يقول: ظالمين، بل قال: {مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } بناء على ما ذكروا أن قولك: زيد من العالمين، أبلغ من زيد عالم لجعله غريقاً في العلم إباً عن جد، وإن قلنا بأن (تكونا) دالة على الدوام ازدادت المبالغة، ومن الناس من قال: لا تقرب - بفتح الراء - نهي عن التلبس بالشيء وبضمها بمعنى لا تدن منه، وقال الجوهري: قرب - بالضم - يقرب قرباً دنا وقربته - بالكسر - قرباناً دونت منه. والتاء في (الشجرة) للوحدة الشخصية وهو اللائق بمقام الازاحة - وجاز أن يراد النوع، وعلى التقديرين - اللام - للجنس - كما في «الكشف» - ووقع خلاف في هذه الشجرة، فقيل: الحنطة، وقيل: النخلة، وقيل: شجرة الكافور ونسب إلى علي كرم الله تعالى وجهه - وقيل: التين، وقيل: الحنظل، وقيل: شجرة المحبة، وقيل: شجرة الطبيعة والهوى: وقيل، وقيل.... والأولى: عدم القطع والتعيين - كما أن الله تعالى لم يعينها/ باسمها في الآية - ولا أرى ثمرة في تعيين هذه الشجرة ويقال: فيها شجرة - بكسر الشين - وشيرة - بإبدال الجيم ياءاً مفتوحة مع فتح الشين وكسرها وبكل قرأ بعض، وعن أبـي عمرو أنه كره - شيرة - قائلاً: إن برابر مكة وسودانها يقرؤون بها - ولا يخفى ما فيه، والشجر ماله ساق أو كل ما تفرع له أغصان وعيدان، أو أعم من ذلك لقوله تعالى: {أية : شَجَرَةً مّن يَقْطِينٍ }تفسير : [الصافات: 146]. وقوله تعالى: {فَتَكُونَا} إما مجزوم بحذف النون معطوفاً على {تَقْرَبَا} فيكون منهيا عنه وكان على أصل معناها، أو منصوب على أنه جواب للنهي كقوله سبحانه: {أية : وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ } تفسير : [طه: 81] والنصب باضمار (أن) عند البصريين وبالفاء نفسها عند الجرمى، وبالخلاف عند الكوفيين - و (كان) - حينئذ بمعنى صار، وأياً ما كان من تفهم سببية ما تقدم لكونها (من الظالمين) أي الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعصية أو نقصوا حظوظهم بمباشرة ما يخل بالكرامة والنعيم أو تعدوا حدود الله تعالى، ولعل القربان المنهي عنه الذي يكون سبباً للظلم المخل بالعصمة هو ما لا يكون مصحوباً بعذر - كالنسيان هنا مثلاً - المشار إليه بقوله تعالى: {أية : فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً }تفسير : [طه: 115] فلا يستدعي حمل النهي على التحريم، - والظلم - المقول بالتشكيك على ارتكاب المعصية عدم عصمة آدم عليه السلام - بالأكل المقرون بالنسيان - وإن ترتب عليه ما ترتب - نظراً إلى أن حسنات الأبرار سيآت المقربين - وللسيد أن يخاطب عبده بما شاء، نعم لو كان ذلك غير مقرون بعذر كان ارتكابه حينئذ مخلاً - ودون إثبات هذا خرط القتاد - فإذاً لا دليل في هذه القصة على عدم العصمة، ولا حاجة إلى القول إن ما وقع كان قبل النبوة لا بعدها - كما يدعيه المعتزلة - القائلون بأن ظهوره مع علمه بالأسماء معجزة على نبوته إذ ذاك. وصدور الذنب قبلها جائز عند أكثر الأصحاب - وهو قول أبـي هذيل وأبـي علي من المعتزلة - ولا إلى حمل النهي على التنزيه والظلم على نقص الحظ مثلاً - والتزمه غير واحد - وقرىء {تِقْرَبَا} - بكسر التاء - وهي لغة الحجازيين، وقرأ ابن محيض {هذي} بالياء.

ابن عاشور

تفسير : عطف على {قلنا للملائكة اسجدوا}[البقرة: 34] أي بعد أن انقضى ذلك قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة. وهذه تكرمة أكرم الله بها آدم بعد أن أكرمه بكرامة الإجلال من تلقاءِ الملائكة. ونداء آدم قبل تخويله سكنى الجنة نداء تنويه بذكر اسمه بين الملإ الأعلى، لأن نداءه يسترعي إسماع أهل الملإ الأعلى فيتطلعون لما سيخاطب به، وينتزع من هذه الآية أن العالم جدير بالإكرام بالعيش الهنيء، كما أخذ من التي قبلها أنه جدير بالتعظيم. والأمر بقوله: {اسكن} مستعمل في الامتنان بالتمكين والتخويل وليس أمراً له بأن يسعى بنفسه لسكنى الجنة إذ لا قدرة له على ذلك السعي فلا يكلف به. وضمير (أنت) واقع لأجل عطف {وزوجك} على الضمير المستتر في {اسكن} وهواستعمال العربية عند عطف اسم، على ضمير متصل مرفوع المحل لا يكادون يتركونه، يقصدون بذلك زيادة إيضاح المعطوف فتحصل فائدة تقرير مدلول المعطوف لئلا يكون تابعه المعطوف عليه أبرز منه في الكلام، فليس الفصل بمثل هذا الضمير مقيداً تأكيداً للنسبة لأن الإتيان بالضمير لازم لا خيرة للمتكلم فيه فلا يكون مقتضى حال ولا يعرف السامع أن المتكلم مريد به تأكيداً ولكنه لا يخلو من حصول تقرير معنى المضمر وهو ما أشار إليه في «الكشاف» بمجموع قوله: وأنت تأكيد للضمير المستكن ليصح العطف عليه. والزوج كل شيء ثان مع شيء آخر بينهما تقارن في حال ما. ويظهر أنه اسم جامد لأن جميع تصاريفه في الكلام ملاحظ فيها معنى كونه ثاني اثنين أو مماثل غيره، فكل واحد من اثنين مقترنين في حالٍ ما يسمى زوجاً للآخر قال تعالى: {أية : أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً}تفسير : [الشورى: 50] أي يجعل لأحد الطفلين زوجاً له أي سواه من غير صنفه، وقريب من هذا الاستعمال استعمال لفظ شفع. وسميت الأنثى القرينة للرجل بنكاح زوجاً لأنها اقترنت به وصيرته ثانياً، ويسمى الرجل زوجاً لها لذلك بلا فرق، فمن ثم لا يقال للمرأة زوجة بهاء تأنيث لأنه اسم وليس بوصف. وقد لحنوا الفرزدق في قوله:شعر : وإن الذي يَسعى ليُفسِد زوجتي كساعٍ إلى أُسْد الثرى يستبيلُها تفسير : وتسامح الفقهاء في إلحاق علامة التأنيث للزوج إذا أرادوا به امرأة الرجل لقصد نفي الالتباس في تقرير الأحكام في كتبهم في مثل قولهم: القول قول الزوج، أو القول قول الزوجة وهو صنيع حسن. وفي «صحيح مسلم» عن أنس بن مالك «حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه يا فلان فجاء فقال له: هذه زوجتي فلانة»تفسير : الحديث، فقوله: زوجتي بالتاء فتعين كونه من عبارة راوي الحديث في السند إلى أنس وليست بعبارة النبي صلى الله عليه وسلم وطوى في هذه الآية خلق زوج آدم، وقد ذكر في آيات أخرى كقوله تعالى: {أية : الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها}تفسير : [النساء: 1] وسيأتي ذلك في سورة النساء وسورة الأعراف (189). ولم يرد اسم زوج آدم في القرآن واسمها عند العرب حواء وورد ذكر اسمها في حديث رواه ابن سعد في «طبقاته» عن خالد بن خداش عن ابن وهب يبلغ به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : الناس لآدم وحواء كطف لصاع لن يملأوه»تفسير : الحديث (طف المكيال ــــ بفتح الطاء وكسرها ــــ ما قرب من ملئه) أي هم لا يبغون الكمال فإن كل كمال من البشر قابل للزيادة. وخالد بن خداش بصري وثقه ابن معين وأبو حاتم وسليمان بن حرب وضعفه ابن المديني. فاسم زوج آدم عند العرب حواء واسمها في العبرانية مضطرب فيه، ففي سفر التكوين في الإصحاح الثاني أن اسمها امرأة سماها كذلك آدم قال: لأنها من امرىء أخذت. وفي الإصحاح الثالث أن آدم دعا اسم امرأته حواء لأنها أم كل حي. وقال ابن سعد نام آدم فخلقت حواء من ضلعه فاستيقظ ووجدها عنده فقال: أثا أي امرأة بالنبطية، أي اسمها بالنبطية المرأة كما سماها آدم. وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : وعلم آدم الأسماء}تفسير : [البقرة: 31]أن آدم دعا نفسه، إيش، فلعل أثا محرقة عن إشّا. واسمها بالعبرية (خمواه) بالخاء المعجمة وبهاء بعد الألف ويقال أيضاً حيوا بحاء مهملة وألف في آخره فصارت بالعربية حواء وصارت في الطليانية إيا وفي الفرنسية أيب. وفي التوراة أن حواء خلقت في الجنة بعد أن أسكن آدم في الجنة وأن الله خلقها لتؤنسه قال تعالى: {أية : وجعل منها زوجها ليسكن إليها}تفسير : [الأعراف: 189] أي يأنس. والأمر في {اسكن} أمر إعطاء أي جعل الله آدم هو وزوجه في الجنة. والسكنى اتخاذ المكان مقراً لغالب أحوال الإنسان. والجنة قطعة من الأرض فيها الأشجار المثمرة والمياه وهي أحسن مقر للإنسان إذا لفحه حر الشمس ويأكل من ثمره إذا جاع ويشرب من المياه التي يشرب منها الشجر ويروقه منظر ذلك كله، فالجنة تجمع ما تطمح إليه طبيعة الإنسان من اللذات. وتعريف (الجنة) تعريف العهد وهي جنة معهودة لآدم يشاهدها إذا كان التعريف في (الجنة) حكاية لما يرادفه فيما خوطب به آدم، أو أريد بها المعهود لنا إذا كانت حكاية قول الله لنا بالمعنى وذلك جائز في حكاية القول. وقد اختلف علماء الإسلام في تعيين هذه الجنة فالذي ذهب إليه جمهور السلف أنها جنة الخلد التي وعد الله المؤمنين والمصدقين رسله وجزموا بأنها موجودة في العالم العلوي عالم الغيب أي في السماء وأنها أعدها الله لأهل الخير بعد القيامة وهذا الذي تقلده أهل السنة من علماء الكلام وأبو علي الجبائي، وهو الذي تشهد به ظواهر الآيات والأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا تَعْدُو أنها ظواهرُ كثيرة لكنها تفيد غلبة الظن وليس لهذه القضية تأثير في العقيدة. وذهب أبو مسلم الأصفهاني محمد بن بَحْر وأبو القاسم البلخي والمعتزلة عدا الجبائي إلى أنها جنة في الأرض خلقها الله لإسكان آدم وزوجه، ونقل البيضاوي عنهم أنها بستان في فِلسطين أو هو بين فَارس وكِرْمان، وأحسب أن هذا ناشىء عن تطلبهم تعيين المكان الذي ذكر ما يسمى في التوراة باسم عَدْن. ففي التوراة في الإصحاح الثاني من سفر التكوين «وأخذ الرب الإلٰه آدم ووضعه في جنة عَدْن ليعملها ويحفظها ــــ ثم قالت ــــ فأخرجه الرب الإلٰه من جنة عدْن ليعمل الأرض التي أخذ منها» وهذا يقتضي أن جنة عدن ليست في الأرض لكن الذي عليه شراح التوراة أن جنة عَدْن في الأرض وهو ظاهر وصف نهر هذه الجنة الذي يسقيها بأنه نهر يخرج من عَدْن فيسقي الجنة ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤُوس اسم الواحد (قيشون) وهو المحيط بجميع أرض الحويلة وهم من بني كوش كما في الإصحاح من التكوين واسم النهر الثاني (جَيحون) وهو المحيط بجميع أرض كوش، واسم النهر الثالث (حِدّا قِلْ) وهو الجاري شرق أشَور (دجلة). والنهر الرابع الفُرات. ولم أقف على ضبط عَدْن هذه. ورأيت في كتاب عبد الحق الإسلامي السبتي الذي كان يهودياً وأسلم وألف كتاباً في الرد على اليهود سماه «الحُسام المحدود في الرد على اليهود» كتَبه بغِيدِن وضبطه بالعلامات بكسر الغين المعجمة وكسر الدال المهملة ولعل النقطة على حرف العين سهو من الناسخ فذلك هو منشأ قول القائلين أنها بِعَدْن أو بفلسطين أو بين فارس وكرمان، والذي ألجأهم إلى ذلك أن جنة الثواب دار كمال لا يناسب أن يحصل فيها العصيان وأنها دار خُلد لا يخرج ساكنها، وهو التجاء بلا ملجىء لأن ذلك من أحوال سكان الجنة لا لتأثير المكان وكلُّه جعل الله تعالى عندما أراده. واحتج أهل السنة بأن أل في (الجنة) للعهد الخارجي ولا معهود غيرها، وإنما تعين كونها للعهد الخارجي لعدم صحة الحمْل على الجنس بأنواعه الثلاثة، إذ لا معنى للحمل على أنها لام الحقيقة لأنها قد نيط بها فعل السكنى ولا معنى لتعلقه بالحقيقة بخلاف نحو الرجلُ خير من المرأة، ولا معنى للحمل على العهد الذهني إذ الفرد من الحقيقة هنا مقصود معين لأن الأمر بالإسكان جزاء وإكرام فلا بد أن يكون متعلقاً بجنة معروفة، ولا معنى للحمل على الاستغراق لظهور ذلك. ولما كان المقصود هو الجزاء تعين أن يكون متعلقاً بأمر معين معهود ولا معهود إلا الجنة المعروفة لا سيما وهو اصطلاح الشرع. وقد يقال يختار أن اللام للعهد ولعل المعهود لآدم هو جنة في الأرض معينة أشير إليها بتعريف العهد ولذلك أختار أنا أن قوله تعالى: {اسكُن أنت وزوجك الجنة} لما كان المقصود منه القصص لنا حكي بالألفاظ المتعارفة لدينا ترجمة لألفاظ اللغة التي خوطب بها آدم أو عن الإلهام الذي ألقي إلى آدم فيكون تعريف (الجنة) منظوراً فيه إلى متعارفنا فيكون آدم قد عرف المراد من مسكنه بطريق آخر غير التعريف ويكون قد حُكي لنا ذلك بطريقة التعريف لأن لفظ الجنة المقترن في كلامنا بلام التعريف يدل على عين ما دل عليه الطريق الآخر الذي عَرَف به آدم مراد الله تعالى، أي قلنا له اسكن البقعة التي تسمونها أنتم اليومَ بالجنة، والحاصل أن الأظهر أن الجنة التي أُسكنها آدم هي الجنة المعدودة داراً لجزاء المحسنين. ومعنى الأكل من الجنة من ثمرها لأن الجنة تستلزم ثماراً وهي مما يقصد بالأكل ولذلك تجعل (من) تبعيضية بتنزيل بعض ما يحويه المكان منزلة بعض لذلك المكان. ويجوز أن تكون (من) ابتدائية إشارة إلى أن الأكل المأذون فيه أكل ما تثمره تلك الجنة كقولك هذا الثَّمر من خيبر. والرغَد وصف لموصوف دل عليه السياق أي أَكلاً رغَداً، والرغَد الهنيء الذي لا عناء فيه ولا تقتير. وقوله: {حيث شئتما} ظرفُ مكان أي من أي مواضع أرَدْتُما الأكل منها، ولما كانت مشيئتهما لا تنحصر بمواضع استفيد العموم في الإذن بطريق اللزوم، وفي جعل الأكل من الثمر من أحوال آدم وزوجه بين إنشائها تنبيه على أن الله جعل الاقتيات جبلة للإنسان لا تدوم حياته إلا به. وقوله: {ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين} يعني به ولا تأكلا من الشجرة لأن قربانها إنما هو لقصد الأكل منها فالنهي عن القربان أبلغ من النهي عن الأكل لأن القرب من الشيء ينشىءُ داعية وميلاً إليه ففيه الحديث «حديث : من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه»تفسير : وقال ابن العربي سمعتُ الشاشي في مجلس النظر يقول: (إذا قيل لا تقرب (بفتح الراء) كان معناه لا تتلَبس بالفعل، وإذا قيل بضم الراء كان معناه لا تدن منه) اهـ. وهو غريب فإن قَرُب وقَرِب نحو كرم وسمع بمعنى دنا، فسواء ضممت الراء أو فتحتها في المضارع فالمراد النهي عن الدنو إلا أن الدنو بعضه مجازي وهو التلبس وبعضه حقيقي ولا يكون للمجازي وزن خاص في الأفعال وإلا لصار من المشترك لا من الحقيقة والمجاز، اللهم إلا أن يكون الاستعمال خص المجازي ببعض التصاريف فتكون تلك الزنة قرينة لفظية للمجاز وذلك حَسن وهو من محاسن فروق استعمال الألفاظ المترادفة في اللغة العربية مثل تخصيص بَعِدَ مكسور العين بالانقطاع التام وبعد مضموم العين بالتنحّي عن المكان ولذلك خص الدعاء بالمكسور في قولهم للمسافر لا تبعَد، قالت فاطمة بنت الأحجم الخزاعية:شعر : إخْوَتِي لا تَبْعَدوا أبدا وَبَلى واللَّه قَد بعِدوا تفسير : وفي تعليق النهي بقربان الشجرة إشارة إلى منزع سد الذرائع وهو أصل من أُصول مذهب مالك رحمه الله وفيه تفصيل مقرر في أصول الفقه. والإشارة بهذه إلى شجرة مرئية لآدم وزوجه، والمراد شجرة من نوعها أو كانت شجرةً وحيدة في الجنة. وقد اختلف أهل القصص في تعيين نوع هذه الشجرة فعن علي وابن مسعود وسعيد بن جبير والسدي أنها الكرمة، وعن ابن عباس والحسن وجمهور المفسرين أنها الحنطة، وعن قتادة وابن جريج ونسبه ابن جريج إلى جمع من الصحابة أنها شجرة التين. ووقع في سفر التكوين من التوراة إبهامها وعبر عنها بشجرة معرفة الخير والشر. وقوله: {فتكونا من الظالمين} أي من المعتدين وأشهر معاني الظلم في استعمال العرب هو الاعتداء، والاعتداء إما اعتداء على نهي الناهي إن كان المقصود من النهي الجزْم بالترك وإما اعتداء على النفس والفضيلة إن كان المقصود من النهي عن الأكل من الشجرة بقاء فضيلة التنعُم لآدم في الجنة، فعلى الأول الظلم لأنفسهما بارتكاب غضب الله وعقابه وعلى الثاني الظلم لأنفسهما بحرمانها من دوام الكرامة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: رغداً: العيش الهنيّ الواسع يقال له الرَّغَد. الشجرة: شجرة من أشجار الجنة وجائز أن تكون كرماً أو تيناً أو غيرهما وما دام الله تعالى لم يعين نوعها فلا ينبغي السؤال عنها. الظالمين: لأنفسهما بارتكاب ما نهى الله تعالى عنه. فأزلهما: أوقعهما في الزلل، وهو مخالفتهما لنهي الله تعالى لهما عن الأكل من الشجرة. مستقر: المستقر: مكان الاستقرار والاقامة. إلى حين: الحين: الوقت مطلقا قد يقصر أو يطول والمراد به نهاية الحياة. فتلقى آدم: أخذ آدم ما ألقى الله تعالى إليه من كلمات التوبة. كلمات: هى قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 23]. فتاب عليه: وفقه للتوبة فتاب وقبل توبته، لأنه تعالى تواب رحيم. معنى الآيات: في الآية الأولى [35] يخبر تعالى عن إكرامه لآدم وزوجه حواء حيث أباح لهما جنته يسكنانها ويأكلان من نعيمها ما شاءا إلا شجرة واحدة فقد نهاهما عن قربها والأكل من ثمرها حتى لا يكونا من الظالمين. وفي الآية الثانية [36] اخبر تعالى أن الشيطان أوقع آدم وزوجه في الخطيئة حيث زين لهما الأكل من الشجرة فأكلا منها فبدت لهما سَوْءَاتُهُما فلم يصبحا أهلا للبقاء في الجنة فأهبطا الى الأرض مع عدوهما إبليس ليعيشوا بها بعضهم لبعض عدو إلى نهاية الحياة. وفى الآية الثالثة [37] يخبر تعالى أن آدم تلقى كلمات التوبة من ربه تعالى وهي: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 23] فقالاها توبة فتاب الله عليهما وهو التواب الرحيم. هداية الآية: من هداية الآية: 1- كرامة آدم وذريته على ربهم تعالى. 2- شؤم المعصية وآثارها في تحويل النعمة إلى نقمة. 3- عداوة الشيطان للإنسان ووجوب معرفة ذلك لاتقاء وسوسته. 4- وجوب التوبة من الذنب وهي الاستغفار بعد الاعتراف بالذنب وتركه والندم على فعله.

القطان

تفسير : قد عُلم مما تقدم ان حقيقة كل أمور التكوين والخلق ونشأة الانسان أمرٌ يفوضه السلَفُ الى الله تعالى، ويكتفون بظاهر اللفظ فيه. اما الخلف فيلجأون الى التأويل، وأمثلُ طرقه في هذا المقام التمثيل. وقد مضت سنّة الله في كتابه ان يُبرز لنا الأشياء المعنوية في قوالب العبارة اللفظية ويبين لنا المعارف المعقولة بالصور المحسوسة، تقريباً للأفهام. ومن ذلك انه عرّفنا قيمة أنفسنا، وما أوُدعته فطرتُنا مما تمتاز به على سائر المخلوقات. فعلينا والحال هذه ان نجتهد في تكميل أنفسنا بالعلوم التي خلقنا الله مستعدّين لها من دون الملائكة وسائر الخلق.. بذلك تظهر حكمته فينا، ونشرف، على معنى إعلام الله الملائكةَ بفضلِنا عليهم ومعنى سجودهم لأصلنا. فمجمل الآيات السابقة ان هذا العالَم لما استعدّ لوجود هذا النوع الانساني واقتضت الحكمة الإلَهية استخلافه في الارض ـ أعلم الله تعالى الملائكةَ بذلك. وقدّر الملائكة انه يفسد النظام ويسفك الدماء، حتى اعلمهم الله تعالى ان علمهم لم يحط بمواقع حكمته. ثم أوجد آدم وفضّله بتعليمه الأسماء كلها، فيما كلُّ صنف من الملائكة لا يعلم الا طائفة محدودة منها. لذلك أمرهم الله بالخضوع لآدم فأطاعوه الا روحاً واحداً هو مبعث الشر، أبى الخضوع واستكبر عن السجود. فكان بذلك من الكافرين. ومجمل الآيات هنا: ان الله تعالى لما خلق آدم وزوجته أسكنهما الجنة وقال لهما: اسكنا فيها، وكُلا منها ما تشاءان، من اي مكان وأي ثمر، ولا تقربا شجرة معينة، لتأكلا منها، وإلا كنتما من الظالمين العاصين. لكن ابليس الحاسد لآدم، الحاقد عليه، أخذ يغريهما بالأكل من تلك الشجرة حتى زلاّ فأكلا منها. عند ذلك أخرجهما الله مما كانا فيه من النعم وأمرهما أن يعيشا في هذه الارض، وذرّيتهما من بعدهما، ويكون بعضهم لبعض عدوّا. وأبلغهم أن لهم في الأرض استقراراً، وتيسيراً للمعيشة الى أجل معين، لأن هذه الدنيا فانية والدار الآخرة هي الباقية. {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} يعني ان الله تعالى ألهمه بعض الدعاء وهي قوله تعالى: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} فتاب عليه، اي رجع عليه بالرحمة والقبول {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} الذي يقبل التوبة عن العبد اذا اقترف ذنباً ثم ندم على ما فرط منه. انه هو الذي يحفّ عباده بالرحمة اذا هم أساؤوا ورجعوا اليه تائبين. وقد جاءت هذه الآيات ليعتبر الخلقُ ببيان الفطرة الآلهية التي فَطَر الله عليها الخلق، الملائكة والبشر، وليدركوا ان المعصية من شأن البشر، فكأنه تعالى يقول: لا تأسَ يا محمد على القوم الكافرين، ولا تبخع نفسك على ان لم يؤمنوا برسالتك، إن الضعف موجود في طبائعهم. انظر ما وقع لآدم وما كان منه، وسنّة الله لا تتبدل. وقد استقر أمر البشر على ان سعادتهم في اتّباع الهداية الإلَهية، وشقاءهم في الانحراف عن سبلها. والجنة المرادة هنا أمرٌ اختلف فيها المفسرون. فقال بعضهم انها جنة الخُلد، اي دار الثواب التي اعدها الله للمؤمنين يوم القيامة. قال ابن تيمية "وهذا قول أهل السنّة والجماعة، ومن قال غير ذلك فهو من الملحِدة"، ولا أدري كيف يجرؤ غفر الله له على هذا القول ويجعل من قال به ملحِدا، وعلى رأس القائلين بذلك إمامان جليلان هما ابو حنيفة والماتريدي وكثيرون غيرهم. وقال كثيرون ان تلك الجنة بستان في الأرض وليست هي جنة الخلد. وعلى هَذا جرى أبو حنيفة وتبعه أبو منصور الماتريدي في تفسيره حيث قال: "نحن نعتقد ان هذه الجنة بستان من البساتين، كان آدم وزوجته منعمين فيها وليس علينا تعيينها ولا البحث عن مكانها". وقال الألوسي في تفسيره: روح المعاني، "ومما يؤيد هذا الرأي: 1- ان الله خلق آدم في الارض ليكون خليفة فيها هو وذريته. 2- انه تعالى لم يذكر أنه بعد خلْق آدم في الارض عرج به الى السماء، ولو حصل لذُكر، لأنه أمر عظيم. 3- ان الجنة الموعود بها لا يدخلها إلاَّ المتقون المؤمنون، فكيف دخلها الشيطان الكافر للوسوسة! 4- انها دار للنعيم والراحة، لا دار تكليف ـ وقد كُلف آدم وزوجه ألا يأكلا من الشجرة. 5- أنه لا يُمنع من في الجنة من التمتع بما يريد منها. 6- انه لا يقع فيها العصيان والمخالفة لأنها دار طهر، ولا دار رجس. وعلى الجملة، فالأوصاف التي وصفت بها الجنة الموعود بها لا تنطبق على هذه الجنة التي سكنها آدم وطرد منها....". اما الشجرة التي نُهي آدم وزجه ان يأكلا منها فلم يبيّن الله في كتابه نوعها، ولم يَرد في السنّة الصحيحة تعيينها، فلا نستطيع ان نعيّنها من تلقاء أنفسنا بلا دليل قاطع. وقال الاستاذ العقاد في كتابه: المرأة في القرآن "ان قصة الشجرة الممنوعة التي أكل منها آدم وحواء هي الصورة الانسانية لوسائل الذكَر والأنثى في الصلة الجنسية بين عامة الأحياء، الرجل يريد ويطلب، والمرأة تتصدى وتغري. وتتمثل في القصة بداهة النوع في موضعها، أي حيث ينبغي ان تتمثل أول علاقة بين اثنين من نوع الانسان. وقد وردت القصة في القرآن في ثلاثة مواضع، ووردت في الاصحاح الثالث من سِفر التكوين. وفي الاصحاح الحادي عشر من العهد الجديد في كتاب كورنثوس الثاني، والاصحاح الثاني في تيموثاوس. وهي تعبّر برموزها السهلة عن بداهة النوع المتأصلة في ادراكه للمقابلة بين الجنسين، وعن دور كل منهما في موقفه من الجنس الآخر، على الوجه الوحيد الذي تتم به ارادة النوع، والمحافظة على بقائه. وخلاصة القول: ان ثمرات هذه الشجرة هي ثمرات التكليف بجميع لوازمه ونتائجه، وما كان الفارق بين آدم قبل الأكل منها وبعد الأكل الا الفارق بين الحياة في دعة وبراءة، والحياة المكلّفة التي لا تخلو من المشقة والشقاق والامتحان بالفتنة ومعالجة النقائص والعيوب. وكلّما تكررت القصة في الآيات القرآنية كان في تكرارها تثبيت لهذا المعنى على وجه من وجوهه المتعددة. يبدو ذلك جلياً من المقابلة بين ما تقدم، وما جاء عن هذه القصة في سورة الأعراف، وذلك حيث يُذكر التصوير بعد الخلق، أو اعطاء الصورة بعد اعطاء الوجود... وفيها يتبين ان من تمام التوكيد لحدود التكليف في هذه القصة ان خطاب آدم به لا يغني عن خطاب بنيه وأعقابه، فهو مكلَّف وهم مكلَّفون، وخطيئته لا تُلزمهم وتوبته لا تغنيهم. اما مولدهم منه فإنما يُخرجهم على سنّة الأحياء المولودين حيث يحيون وحيث يكّرمون ويموتون. واما قضية عصيان آدم ومخالفته فقد تكلم فيها المفسرون، والمستشرقون الغربيون، وتخبطوا في ذلك. والحق ان قليلاً من النقاد الغربيين من يفطن للخاصة الاسلامية التي تتمثل في قصة آدم هذه. اذ الغالب في أوساطهم ان يتكلموا عن زلة آدم فيسمّوها "سقوطا" ثم يرتبوا عليها ما يترتب على السقوط الملازم لطبيعة التكوين. هذا مع انه ليس في القرآن أثر قط للسقوط بهذا المعنى في حق كائن من الكائنات العلوية أو الارضية، وانما هو انتقال الانسان من حال الى حال او من عهد البراءة والدعة الى عهد التكليف والمشقة. وجوهر المسألة في القصة ان القرآن الكريم لم يذكر قط شيئاً عن سقوط الخليقة من رتبة الى رتبة دونها، ولا سقوط الخطيئة الدائمة بمعنى تلك التي يدان فيها الانسان بغير عمله. انه لا يعرف ارادةً معاندة في الكون لإرادة الله يكون من أثرها ان تنازعه الأرواحَ وتشاركه في المشيئة وتضع في الكون أصلاً من أصول الشر. لقد جاء الاسلام بهذه الخطوة العظمى في أطوار الأديان فقرر في مسألة الخير والشر والحساب والثواب أصحَّ العقائد التي يدين بها ضمير الانسان، وقوام ذلك عقيدتان: أولاهما: وحدة الارادة الالَهية في الكون. والثانية: ملازمة التبعة لعمل العامل دون واسطة أخرى بين العامل وبين ضميره وربّه".

د. أسعد حومد

تفسير : {يَآءَادَمُ} {ٱلْظَّالِمِينَ} (35) - وَقَالَ اللهُ تَعَالَى لآِدَمَ: اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ، وَكُلاَ مِنْها مَا شِئْتُما هَنِيئاً مَرِيئاً، بِلا عَنَاءٍ وَلاَ تَعَبٍ، وَلاَ تَقْرَبَا شَجَرَةً مُعَيَّنَةً (وَاخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ حَوْلَ تَحْدِيدِ نَوْعِ الشَّجَرَةِ)، وَنَبَّهَهُمَا اللهُ تَعَالَى إِلَى أَنَّهُمَا إِنْ أَكَلا مِنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ كَانَا مِنَ المُخَالِفِينَ لأَِمْرِ اللهِ. الرَّغَدُ - الهَنِئُ الذِي لاَ عَنَاءَ فِيه، أَوِ الوَاسِعُ. الظَّالِمُ - هُوَ الذِي يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِمُخَالَفَةِ أَمْرِ اللهِ إِذْ يُعَرِّضُهَا لِلْعِقَابِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن خلق الله سبحانه وتعالى آدم وأمر الملائكة أن تسجد له وحدث كفر إبليس ومعصيته، أراد الله جل جلاله أن يمارس آدم مهمته على الأرض، ولكنه قبل أن يمارس مهمته أدخله الله في تجربة عملية عن المنهج الذي سيتبعه الإنسان في الأرض، وعلى الغواية التي سيتعرض لها من إبليس. فالله سبحانه وتعالى رحمة منه لم يشأ أن يبدأ آدم مهمته في الوجود على أساس نظري، لأن هناك فرقاً بين الكلام النظري والتجربة. قد يقال لك شيء وتوافق عليه من الناحية النظرية، ولكن عندما يأتي الفعل فإنك لا تفعل شيئاً، إذن: فالفترة التي عاش فيها آدم في الجنة كانت تطبيقاً عملياً لمنهج العبودية، حتى إذا ما خرج إلى مهمته لم يخرج بمبدأ نظري، بل خرج بمنهج عملي تعرض فيه لـ (فعل) و (لا تفعل)، والحلال والحرام، وإغواء الشيطان والمعصية، ثم بعد ذلك يتعلّم كيف يتوب ويستغفر ويعود إلى الله، وليعرف بنو آدم أن الله لا يغلق بابه في وجه العاصي، وإنما يفتح له باب التوبة، والله سبحانه وتعالى أسكن آدم الجنة. وبعض الناس يقول: أنها جنة الخلد التي سيدخل فيها المؤمنون في الآخرة. وبعضهم قال: لولا أن آدم عصى لكنا نعيش في الجنة. نقول لهم: لا .. جنة الآخرة هي للآخرة ولا يعيش فيها إنسان فترة من الوقت ثم بعد ذلك يُطرد منها بل هي كما أخبرنا الله تعالى جنة الخلد .. كل من دخلها عاش في نعيم أبدي. إذن: فما هي الجنة التي عاش فيها آدم وحواء؟ هذه الجنة هي جنة التجربة أو المكان الذي تمت فيه تجربة تطبيق المنهج. ونحن إذا قرأنا القرآن الكريم نجد أن الحق سبحانه وتعالى قد أطلق لفظ الجنة على جنات الأرض. والجنة تأتي من لفظ "جن" وهو الستر، ذلك أن فيها أشجاراً كثيفة تستر مَنْ يعيش فيها، فلا يراه أحد، وفيها ثمرات تعطيه استمرار الحياة. فلا يحتاج إلى أن يخرج منها. ونجد في القرآن الكريم قوله تعالى: {أية : إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ} تفسير : [القلم: 17-18]. وهذه قصة الإخوة الذين كانوا يملكون جنة من جنان الأرض، فمنعوا حق الفقير والمسكين واليتيم، فذهب الله بثمر الجنة كلها وأحرق أشجارها. وهناك في سورة الكهف قصة صاحب الجنتين، في قوله تعالى: {أية : وَٱضْرِبْ لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً} تفسير : [الكهف: 32]. وهي قصة ذلك الرجل الذي أعطاه الله جنتين .. فبدلاً من أن يشكر الله تعالى على نعمه .. كفر وأنكر البعث والحساب. وفي سورة سبأ اقرأ قوله تعالى عن أهل سبأ الذين هداهم الله، وبيَّن لهم الطريق المستقيم ولكنهم فضَّلوا الكفر. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ} تفسير : [سبأ: 15-17]. وهكذا نرى أن الحق سبحانه وتعالى في القرآن الكريم قد أطلق لفظ الجنة على جنات الدنيا، ولم يقصره على جنة الآخرة. إذن: فآدم حين قال له الله سبحانه وتعالى: {أية : ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ ..} تفسير : [الأعراف: 19]. فهي ليست جنة الخلد وإنما هي جنة سيمارس فيها تجربة تطبيق المنهج. ولذلك لا يقال: كيف دخل إبليس الجنة بعد أن عصى وكفر، لأن هذه ليست جنة الخلد، ولابد أن تنتبه إلى ذلك جيداً حتى لا يقال: إن معصية آدم هي التي أخرجت البشر من الجنة؛ لأن الله تعالى قبل أن يخلق آدم حدَّد مهمته فقال: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ..} تفسير : [البقرة: 30]. فآدم مخلوق للخلافة في الأرض، ومَنْ صلح من ذريته يدخل جنة الخلد في الآخرة، ومَنْ دخل جنة الخلد عاش في النعيم خالداً. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35] فالله سبحانه وتعالى أمدَّ الجنة التي سكنها آدم وحواء بكل ما يضمن استمرار حياتهما، تماماً كما خلق كل النعم التي تضمن استمرار حياة آدم وذريته في الأرض قبل أن تبدأ الحياة البشرية على الأرض. فالله سبحانه وتعالى له عطاء ربوبية فهو الذي خلق، وهو الذي أوجد من عدم، ولذلك فقد ضمن لخلقه ما يعطيهم استمرار الحياة على الأرض من ماء وهواء وطعام ونعم لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، فكأن الله تعالى قد أمدَّ الجنة التي سكن فيها آدم وزوجته بكل عوامل استمرار حياتهما قبل أن يسكناها. كما أمد الأرض بكل وسائل استمرار حياة الإنسان قبل أن ينزل آدم إليها. إذن: فقوله تعالى: {أية : يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ ..} تفسير : [الأعراف: 19]. هذه فترة التدريب على تطبيق المنهج. والسكن هو المكان الذي يرتاح فيه الإنسان ويرجع إليه دائماً. فأنت قد تسافر فترات، وكل الدول التي تمر بها خلال سفرك لا تعتبر سكناً إلى أن تعود إلى بيتك، فهذا هو السكن، والرجل يَكِدُّ ويتعب في الحياة، وأينما ذهب فإنه يعود مرة أخرى إلى المكان الذي يسكنه ليستريح فيه. وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] هو استكمال للمنهج، فهناك أمر ونهي: افعل ولا تفعل: {ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ} [البقرة: 35] أمر: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} [البقرة: 35] أمر، {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] نهي، وهذا أول منهج يعلم الإنسان الطاعة لله سبحانه وتعالى والامتناع عما نهى عنه، وكل رسائل السماء ومناهج الله في الأرض أمر ونهي .. افعل كذا ولا تفعل كذا. وهكذا فإن الحق سبحانه وتعالى ضمن لآدم الحياة، وليست الحياة فقط ولكن رغداً، أي: مباحاً وبلا تعب وعن سعة وبدون مشقة. كما أننا نلاحظ هنا أن المباح كثير والممنوع قليل، فكل ما في الجنة من الطعام والشراب مباح لآدم، ولا قيد إلا على شيء واحد .. شجرة واحدة من بين ألوف الأشجار التي كانت موجودة في الجنة .. شجرة واحدة فقط هي الممنوعة. وإذا نظرت إلى منهج السماء إلى الأرض تجد أن الله سبحانه وتعالى قد أباح فيه نعماً لا تُحصى ولا تُعَدُّ وقيَّد فيه أقل القليل .. فالذي نهانا الله عنه بالنسبة لنعم الأرض هو أقل القليل، كما كان في جنة آدم شجرة واحدة، والمباح بعد ذلك كثير. وإذا أخذنا ألفاظ العبارات نجد أن الله سبحانه وتعالى ساعة يقول: {وقُلْنَا يَآءَادَمُ} [البقرة: 35] أتى بضمير "نا" ضمير الجمع، لأن الله واحد أحد، ولكنهم يسمونها: نون الكبرياء ونون العظمة. إذن: فكل حدث يأتي فيه الحق تبارك وتعالى بنون الكبرياء ونون التعظيم؛ لأن كل فعل من الأفعال يحتاج إلى صفات متعددة حتى يتم. فأنت إذا أردت أن تفعل شيئاً فإنه يقتضي منك قوة، ويقتضي منك علماً، ويقتضي منك قدرة، ويقتضي منك حكمة. إذن: فهناك صفات كثيرة موجودة يقتضيها الفعل. ولكن حين يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن شهادة التوحيد يقول: "إنني أنا الله" ولا يقول: إنما نحن الله .. لأنه جل جلاله يريد توحيداً، ففي موقع التوحيد يأتي بضمير الإفراد واحد أحد .. أما في صدر الأحداث، فيأتي بضمير الكبرياء والعظمة. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} تفسير : [الذاريات: 47]. وعندما أراد الحق تبارك وتعالى أن يمتدح إبراهيم قال: "إن إبراهيم كان أمة" ما معنى أُمَّة؟ أي: جامعاً لصفات الخير التي لا تجتمع في فرد، ولكنها تجتمع في أمة؛ فالأمة تجتمع فيها صفات الخير .. هذا متميز بالصدق، وذاك بالشجاعة، وذاك بالحلم، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يقول: إن إبراهيم كان أمة، أي أنه كان جامعاً لصفات الخير. وفي قوله {وقُلْنَا يَآءَادَمُ} [البقرة: 35] آدم: اسم علم على المسمى الذي هو أول خلق الله من البشر {ٱسْكُنْ} [البقرة: 35] تحتاج إلى عنصرين: الهدوء والاطمئنان .. هذا هو معنى "اسكن"، توفير الهدوء والاطمئنان، ومنه أخذ اسم السكن. وكلمة المسكن، وأطلق على الزوجة .. وإذا فقد المكان الذي تسكن فيه عنصراً من هذين العنصرين، وهما الهدوء والطمأنينة لا يقال عليه مسكن، والزوجة سُميت سكناً كما جاء في قوله تعالى: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوۤاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ..} تفسير : [الروم: 21]. لأن الهدوء والرحمة والبركة تتوافر في الزوجة الصالحة، والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَٰوتَك سَكَنٌ لَّهُمْ ..} تفسير : [التوبة: 103]. أي: راحة واطمئنانا ورحمة، فالإنسان يريد في بيته أن تكون الحياة فيه مريحة له من عناء العمل وصخب الحياة. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} [البقرة: 35] وكان من الممكن أن يقول اسكن وزوجك لأن الفاعل في فعل الأمر دائما مستتر. ولكنه سبحانه قال: {ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ} [البقرة: 35] .. وإياك أن تظن أن "أنت" هو فاعل الفعل "اسكن"، ولكنه ضمير جاء ليفصل بين "اسكن" وبين "زوجك" حتى لا يعطف الاسم على الفعل. إننا لابد أن نلاحظ أن كلمة زوج تطلق على الفرد ومعه مثله. ولذلك لم يأت بتاء التأنيث .. اسكن أنت وزوجتك. لأن الأمر التكليفي من الله. سواء فيه الذكر والأنثى. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَمَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مِّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ..} تفسير : [غافر: 40]. إذن: فهما متساويان في هذه الناحية، هذه الجنة ماذا وفَّر الله سبحانه وتعالى لآدم وزوجه فيها؟ اقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} تفسير : [طه: 118-119]. هذه عناصر الحياة التي وفَّرها الله لآدم وزوجه في جنة التجربة الإيمانية العملية على التكليف. وهكذا نرى من الأوصاف التي أعطاها الله سبحانه وتعالى لنا لهذه الجنة أنها ليست جنة الآخرة؛ لأنها أولاً فيها تكليف، في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] وجنة الآخرة لا تكليف فيها، والحق تبارك وتعالى أباح لآدم وحواء أن يأكلا كما يشاءان من الجنة. والجنة فيها أصناف كثيرة متعددة. ولذلك قال: {حَيْثُ شِئْتُمَا} [البقرة: 35]. وأنت لا تستطيع أن تقدم لإنسان صنفاً أو صنفين وتقول له: كُلْ ما شئت؛ لأنه لا يوجد أمامه إلا مجال ضيق للاختيار، كما أن قلة عدد الأصناف تجعل النفس تمل، ولذلك لابد أن يكون هناك أصناف متعددة وكثيرة. ثم جاء النهي في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} [البقرة: 35] أي: لا تقتربا من مكانها، ولكن لماذا لم يقل الحق سبحانه وتعالى: ولا تأكلا من هذه الشجرة؟ لأن الله جل جلاله رحمة بآدم وزوجه كان لا يريدهما أن يقعا في غواية المعصية. فلو أنه قال: ولا تأكلا من هذه الشجرة لكان مباحاً لهما أن يقتربا منها، فتجذبهما بجمال منظرها ويقتربان من ثمارها فتفتنهما برائحتها العذبة ولونها الجذاب، حينئذ يحدث الإغواء، وتمتد أيديهما تحت هذا الإغراء إلى الشجرة ليأكلا منها. ولكن الله تعالى يعلم أن النفس البشرية إذا حُرِّم عليها شيء، ولم تَحُمْ حوله كان ذلك أدعى ألا تفعله، فالله تعالى حين حرم الخمر لم يقل حُرِّمت عليكم الخمر، وإلا كنا جلسنا في مجالس الخمر ومع الذين يشربونها، أو نتاجر فيها وهذا كله إغراء بشرب الخمر .. ولكنه قال: {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا ٱلْخَمْرُ وَٱلْمَيْسِرُ وَٱلأَنصَابُ وَٱلأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَانِ فَٱجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} تفسير : [المائدة: 90]. هذا النص الكريم قد جعلنا نبتعد عن الأماكن التي فيها الخمور. فلا نجلس مع مَنْ يشربونها، ولا نتاجر فيها حتى لا نقع في المعصية، فإذا رأيتَ مكاناً فيه خمر فابتعد عنه في الحال، حتى لا يغريك منظر الخمر وشاربها بأن تفعل مثله. والحق جل جلاله يقول في المحرمات: {وَلاَ تَقْرَبَا} [البقرة: 35] واجتنبوا .. أي: لا تحوموا حولها. لأنها إذا كانت غائبة عنك فلا تخطر على بالك فلا تقع فيها. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (حديث : إنَّ الْحَلاَلَ بَيِّنٌ، والْحَرَامَ بَيِّنٌ، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمَنْ اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرْضه، ومَنْ وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل مَلَكٍ حِمَى، ألا وإِن حمى الله محارمه ). تفسير : ولقد كان بعض الناس يُقبلون على شرب الخمر ويقولون: إنه لم يَردْ فيها تحريم صريح .. فلم تأت مسبوقة بكلمة "حُرِّمت" .. نقول: إن كلمة اجتنبوا أشد من التحريم، فقوله تعالى: {أية : فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ} تفسير : [الحج: 30] معناه ألا تنظر حتى إلى الصنم واجتناب الخمر ألا تقع عينك عليها. وقد اختلف الناس في نوع هذه الشجرة، وهل هي شجرة تفاح أو تين أو عنب أو غير ذلك؟ ونحن نقول: ليس هذا هو المقصود، ولكن المقصود هو التحريم؛ لأن منهج الله سبحانه وتعالى يُحلِّل أشياء، ويُحرِّم أشياء. وقوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} [البقرة: 35] الظلم هو الجور والتعدي على حقوق الغير. والظالم هو مَنْ أخذ فوق ما يستحقه بغير حق. والظلم يقتضي ظالماً ومظلوماً، وموضوعاً للظلم. فكل حق - سواء كان مادياً أو معنوياً - يعتدي عليه إنسان بدون حق فقد حمل ظلماً - حتى الإنسان، فإنه أحيانا يظلم نفسه. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ ..} تفسير : [آل عمران: 135]. كيف يظلم الإنسان نفسه؟ قد يظلم الإنسان غيره، ولكنه لا يظلم نفسه أبدا لأنه يريد أن يعطيها كل ما تشتهيه، وهذا هو عين الظلم للنفس، لأنه أعطاها شهوة عاجلة في الدنيا، ربما استمرت ساعات، وحرمها من نعيم أبدي في الآخرة، فكأنه ظلمها بأن أعطاها عذاباً أليماً في الآخرة مقابل متعة زائلة لا تدوم .. وهناك مَنْ يبيع دينه بدنياه، ولكن أظلم الناس لنفسه مَنْ يبيع دينه بدنيا غيره، يشهد زوراً؛ ليرضي رئيساً، أو يتقرَّب لمسئول، أو يرتكب جريمة .. إذن قوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} [البقرة: 35] أي من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} فالرَّغَدُ: الكثيرُ الواسِعُ. ويقالُ: الرَّغَدُ: الذي لا حِسابَ عَلَيهمْ فيهِ. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} قالَ زيدُ بن علي عليهما السَّلامُ: هي شَجرةُ الكَرْمِ. وقال: في مَوضعٍ آخرَ هي السّنبلُ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما خلق الله آدم وفضله; أتم نعمته عليه; بأن خلق منه زوجة ليسكن إليها; ويستأنس بها; وأمرهما بسكنى الجنة; والأكل منها رغدا; أي: واسعا هنيئا، { حَيْثُ شِئْتُمَا } أي: من أصناف الثمار والفواكه; وقال الله له: {أية : إِنَّ لَكَ أَلا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى } . تفسير : { وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ } نوع من أنواع شجر الجنة; الله أعلم بها، وإنما نهاهما عنها امتحانا وابتلاء [أو لحكمة غير معلومة لنا] { فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ } دل على أن النهي للتحريم; لأنه رتب عليه الظلم. فلم يزل عدوهما يوسوس لهما ويزين لهما تناول ما نهيا عنه; حتى أزلهما، أي: حملهما على الزلل بتزيينه. {أية : وَقَاسَمَهُمَا } تفسير : بالله {أية : إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ } تفسير : فاغترا به وأطاعاه; فأخرجهما مما كانا فيه من النعيم والرغد; وأهبطوا إلى دار التعب والنصب والمجاهدة. { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } أي: آدم وذريته; أعداء لإبليس وذريته، ومن المعلوم أن العدو; يجد ويجتهد في ضرر عدوه وإيصال الشر إليه بكل طريق; وحرمانه الخير بكل طريق، ففي ضمن هذا، تحذير بني آدم من الشيطان كما قال تعالى {أية : إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا }. تفسير : ثم ذكر منتهى الإهباط إلى الأرض، فقال: { وَلَكُمْ فِي الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ } أي: مسكن وقرار، { وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ } انقضاء آجالكم، ثم تنتقلون منها للدار التي خلقتم لها، وخلقت لكم، ففيها أن مدة هذه الحياة، مؤقتة عارضة، ليست مسكنا حقيقيا، وإنما هي معبر يتزود منها لتلك الدار، ولا تعمر للاستقرار.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} [35] 5- أنا قتيبة بن سعيد، نا يعقوب، عن عمرو، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : احتجَّ آدم وموسى عليهما السَّلام، فقال له موسى: يا آدم، خلقك الله بيده، ثم نفخ فيك من روحه، ثم قال لك، كُن، فكنتَ، ثم أمر الملائكة فسجدوا لك، ثم قال: {ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ} فنهاك عن شجرة واحدة، فعصيت ربك، فقال آدم: يا موسى، ألم تعلم أن الله قدَّر هذا عليَّ قبل أن يخلُقني"، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد حجَّ آدم موسى، لقد حجَّ آدم موسى، لقد حجَّ آدم موسى ". تفسير : 6- أنا عيسى بن حمَّاد، أنا الَّليث، عن محمد بن عَجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي [هريرة] عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لقيَ آدم موسى، فقال/ له موسى: أنت الذي فعلت بنا الفِعْل، كنتَ في الجنَّة، فأهبطْتنا إلى الأرض، فقال له آدم عليه السلام، أنت موسى الذي آتاك الله التَّوراة؟ قال: نعم، قال: في كم تجد التًّوراة كُتبت قبل خلقي؟ قال موسى عليه السلام: بكذا وكذا، قال آدم: فلم تجد فيها خطيئتي، قال: بلى، قال: فتلومُني في شيء كبته الله عليَّ قبل خلقي" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فحجَّ آدم موسى، فحجَّ آدم موسى ".

همام الصنعاني

تفسير : 40- عبد الرزّاق: قال: أخبرنا معمر قال: أخبرني شيخ أن أبن عباس، قال: في قوله تعالى: {يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ}: [الآية: 35]، قال: خَلَقَ اللهُ آدمَ من أدِيمِ الأرض يوم الجمعة بَعْدَ العَصْرِ، فسمّاه آدم، ثم عَهِدَ إليه فنسي فَسَمَّاهُ الإِنْسان. قال ابن عباس: فالله يقول: فالله! ما غابت الشِّمْسُ حتّى أُهْبِطَ من الجنة. 41- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، قال: أخبرنا عوف الأعرابي، عن قسامة بن زهير، عن أبي موسى الأشعري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : خَلَقَ الله آدمَ من أديمِ الأرض كلها فجاء بنو آدم على قدر الأرض ذلك منهم الأبيض، والأسود، والأحمر، وبين ذلك، السه والحزن، والخبيث والطيّب . تفسير : 42- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، وأخبرنا عوف أيضاً، عن قسامة، عن أبي موسى: أن الله حين أهبط آدم من الجنة، علمه صنعة كل شيء، وزوده من ثمار الجنة، فثماركم هذه من ثمار الجنة، غير أن هذه تتغير، وتلك لا تتغير. 43- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: لما خلق الله آدم أراد أن [...].