Verse. 43 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

فَاَزَلَّہُمَا الشَّيْطٰنُ عَنْہَا فَاَخْرَجَہُمَا مِـمَّا كَانَا فِيْہِ۝۰۠ وَقُلْنَا اھْبِطُوْا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ۝۰ۚ وَلَكُمْ فِى الْاَرْضِ مُّسْـتَقَرٌّ وَّمَتَاعٌ اِلٰى حِيْنٍ۝۳۶
Faazallahuma alshshaytanu AAanha faakhrajahuma mimma kana feehi waqulna ihbitoo baAAdukum libaAAdin AAaduwwun walakum fee alardi mustaqarrun wamataAAun ila heenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فأزلَّهما الشيطان» إبليس أذهبهما، وفي قراءة ـ فأزالهما ـ نحَّاهما «عنها» أي الجنة بأن قال لهما: هل أدلُّكما على شجرة الخلد وقاسمهما بالله إنه لهما لمن الناصحين فأكلا منها «فأخرجهما مما كانا فيه» من النعيم «وقلنا اهبطوا» إلى الأرض أي أنتما بما اشتملتما عليه من ذريتكما «بعضكم» بعض الذرية «لبعض عدوُّ» من ظلم بعضكم بعضاً «ولكم في الأرض مستقرُّ» موضع قرار «ومتاع» ما تتمتعون به من نباتها «إلى حين» وقت انقضاء آجالكم.

36

Tafseer

الرازي

تفسير : قال صاحب الكشاف: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا } تحقيقه، فأصدر الشيطان زلتهما عنها ولفظة (عَنْ) في هذه الآية كهي في قوله تعالى: {أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى } تفسير : [الكهف: 82] قال القفال رحمه الله: هو من الزلل يكون الإنسان ثابت القدم على الشيء، فيزل عنه ويصير متحولاً عن ذلك الموضع، ومن قرأ {فأزالهما} فهو من الزوال عن المكان، وحكي عن أبي معاذ أنه قال: يقال أزلتك عن كذا حتى زلت عنه وأزللتك حتى زللت ومعناهما واحد، أي: حولتك عنه، وقال بعض العلماء: أزلهما الشيطان أي استزلهما، فهو من قولك زل في دينه إذا أخطأ وأزله غيره إذا سبب له ما يزل من أجله في دينه أو دنياه. واعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلف الناس في عصمة الأنبياء عليهم السلام وضبط القول فيه أن يقال: الاختلاف في هذا الباب يرجع إلى أقسام أربعة: أحدها: ما يقع في باب الاعتقاد، وثانيها: ما يقع في باب التبليغ، وثالثها: ما يقع في باب الأحكام والفتيا، ورابعها: ما يقع في أفعالهم وسيرتهم. أما اعتقادهم الكفر والضلال فإن ذلك غير جائز عند أكثر الأمة. وقالت الفضيلية من الخوارج: إنهم قد وقعت منهم الذنوب، والذنب عندهم كفر وشرك، فلا جرم. قالوا بوقوع الكفر منهم، وأجازت الإمامية عليهم إظهار الكفر على سبيل التقية. أما النوع الثاني: وهو ما يتعلق بالتبليغ، فقد أجمعت الأمة على كونهم معصومين عن الكذب والتحريف، فيما يتعلق بالتبليغ، وإلا لارتفع الوثوق بالأداء، واتفقوا على أن ذلك لا يجوز وقوعه منهم عمداً كما لا يجوز أيضاً سهواً، ومن الناس من جوز ذلك سهواً، قالوا: لأن الاحتراز عنه غير ممكن. وأما النوع الثالث: وهو ما يتعلق بالفتيا فأجمعوا على أنه لا يجوز خطؤهم فيه على سبيل التعمد، وأما على سبيل السهو فجوزه بعضهم وأباه آخرون. وأما النوع الرابع: وهو الذي يقع في أفعالهم، فقد اختلفت الأمة فيه على خمسة أقوال. أحدها: قول من جوز عليهم الكبائر على جهة العمد وهو قول الحشوية. والثاني: قول من لا يجوز عليهم الكبائر لكنه يجوز عليهم الصغائر على جهة العمد إلا ما ينفر كالكذب والتطفيف وهذا قول أكثر المعتزلة. القول الثالث: أنه لا يجوز أن يأتوا بصغيرة ولا بكبيرة على جهة العمد البتة، بل على جهة التأويل وهو قول الجبائي. القول الرابع: أنه لا يقع منهم الذنب إلا على جهة السهو والخطأ ولكنهم مأخوذون بما يقع منهم على هذه الجهة وإن كان ذلك موضوعاً عن أمتهم وذلك لأن معرفتهم أقوى ودلائلهم أكثر، وأنهم يقدرون من التحفظ على ما لا يقدر عليه غيرهم. القول الخامس: أنه لا يقع منهم الذنب لا الكبيرة ولا الصغيرة لا على سبيل القصد ولا على سبيل السهو ولا على سبيل التأويل والخطأ، وهو مذهب الرافضة، واختلف الناس في وقت العصمة على ثلاثة أقوال: أحدها: قول من ذهب إلى أنهم معصومون من وقت مولدهم وهو قول الرافضة، وثانيها: قول من ذهب إلى أن وقت عصمتهم وقت بلوغهم ولم يجوزوا منهم ارتكاب الكفر والكبيرة قبل النبوة، وهو قول كثير من المعتزلة، وثالثها: قول من ذهب إلى أن ذلك لا يجوز وقت النبوة، أما قبل النبوة فجائز، وهو قول أكثر أصحابنا وقول أبي الهذيل وأبي علي من المعتزلة والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة ألبتة لا الكبيرة ولا الصغيرة، ويدل عليه وجوه: أحدها: لو صدر الذنب عنهم لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة وذلك غير جائز، بيان الملازمة أن درجة الأنبياء كانت في غاية الجلال والشرف، وكل من كان كذلك كان صدور الذنب عنه أفحش ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : يٰنِسَاء ٱلنَّبِىّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ }، تفسير : [الأحزاب: 30] والمحصن يرجم وغيره يحد، وحد العبد نصف حد الحر، وأما أنه لا يجوز أن يكون النبي أقل حالاً من الأمة فذاك بالإجماع. وثانيها: أن بتقدير إقدامه على الفسق وجب أن لا يكون مقبول الشهادة لقوله تعالى: {أية : إِن جَاءكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ } تفسير : [الحجرات: 6] لكنه مقبول الشهادة، وإلا كان أقل حالاً من عدول الأمة، وكيف لا نقول ذلك وأنه لا معنى للنبوة والرسالة إلا أنه يشهد على الله تعالى بأنه شرع هذا الحكم وذاك، وأيضاً فهو يوم القيامة شاهد على الكل لقوله: {أية : لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } تفسير : [البقرة: 143]. وثالثها: أن بتقدير إقدامه على الكبيرة يجب زجره عنها، فلم يكن إيذاؤه محرماً لكنه محرم لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ } تفسير : [الأحزاب: 57]. ورابعها: أن محمداً صلى الله عليه وسلم لو أتى بالمعصية لوجب علينا الاقتداء به فيها لقوله تعالى: {أية : فَٱتَّبِعُونِى } تفسير : [آل عمران:31] فيفضي إلى الجمع بين الحرمة والوجوب وهو محال، وإذا ثبت ذلك حق محمد صلى الله عليه وسلم ثبت أيضاً في سائر الأنبياء، ضرورة أنه لا قائل بالفرق. وخامسها: أنا نعلم ببديهة العقل أنه لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته وائتمنه على وحيه وجعله خليفة في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه: لا تفعل كذا فيقدم عليه ترجيحاً للذته غير ملتفت إلى نهي ربه ولا منزجر بوعيده. هذا معلوم القبح بالضرورة. وسادسها: أنه لو صدرت المعصية من الأنبياء لكانوا مستحقين للعذاب لقوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } تفسير : [الجن: 23] ولا استحقوا اللعن لقوله: {أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [هود: 18] وأجمعت الأمة على أن أحداً من الأنبياء لم يكن مستحقاً للعن ولا للعذاب فثبت أنه ما صدرت المعصية عنه. وسابعها: أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فلو لم يطيعوه لدخلوا تحت قوله: {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } تفسير : [البقرة: 44]. وقال: {أية : وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ } تفسير : [هود: 88]، فما لا يلق بواحد من وعاظ الأمة كيف يجوز أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام. وثامنها: قوله تعالى: {أية : إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِى ٱلْخَيْرٰتِ } تفسير : [الأنبياء: 90]، ولفظ الخيرات للعموم فيتناول الكل ويدخل فيه فعل ما ينبغي وترك ما لا ينبغي، فثبت أن الأنبياء كانوا فاعلين لكل ما ينبغي فعله وتاركين كل ما ينبغي تركه، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. وتاسعها: قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ } تفسير : [صۤ: 47]، وهذا يتناول جميع الأفعال والتروك بدليل جواز الاستثناء فيقال: فلاناً من المصطفين الأخيار إلا في الفعلة الفلانية والاستثناء يخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحته، فثبت أنهم كانوا أخياراً في كل الأمور، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. وقال: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ } تفسير : [الحج: 75]، {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [آل عمران: 33]. وقال في إبراهيم: {أية : وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَـٰهُ فِي ٱلدُّنْيَا } تفسير : [البقرة: 130]. وقال في موسى: {أية : إِنْى ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَـٰلَـٰتِي وَبِكَلَـٰمِي } تفسير : [الأعراف: 144]. وقال: {أية : وَٱذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرٰهِيمَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِى ٱلأَيْدِى وَٱلأَبْصَـٰرِ إِنَّا أَخْلَصْنٰهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلاْخْيَارِ } تفسير : [صۤ: 45 ـ 47]. فكل هذه الآيات دالة على كونهم موصوفين بالأصطفاء والخيرية، وذلك ينافي صدور الذنب عنهم. عاشرها: أنه تعالى حكى عن إبليس قوله: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لاَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [صۤ: 82 ـ 83]، فاستثنى من جملة من يغويهم المخلصين وهم الأنبياء عليهم السلام. قال تعالى في صفة إبراهيم وإسحاق ويعقوب: {أية : إِنَّا أَخْلَصْنٰهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ } تفسير : [صۤ: 46] وقال في يوسف: {أية : إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [يوسف: 24]، وإذا ثبت وجوب العصمة في حق البعض ثبت وجوبها في حق الكل لأنه لا قائل بالفرق. والحادي عشر: قوله تعالى:{أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [سبأ: 20]، فأولئك الذين ما اتبعوه وجب أن يقال: إنه ما صدر الذنب عنهم و إلا فقد كانوا متبعين له، وإذا ثبت في ذلك الفريق أنهم ما أذنبوا فذلك الفريق إما الأنيباء أو غيرهم، فإن كانوا هم الأنبياء فقد ثبت في النبي أنه لا يذنب وإن كانوا غير الأنبياء فلو ثبت في الأنبياء أنهم أذنبوا لكانوا أقل درجة عند الله من ذلك الفريق، فيكون غير النبي أفضل من النبي، وذلك باطل بالاتفاق فثبت أن الذنب ما صدر عنهم. الثاني عشر: أنه تعالى قسم الخلق قسمين فقال: {أية : أُوْلَـئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَـٰنِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَـٰنِ هُمُ الخَـٰسِرُونَ }تفسير : [المجادلة:19] وقال في الصنف الآخر، {أية : أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } تفسير : [المجادلة: 22] ولا شك أن حزب الشيطان هو الذي يفعل ما يرتضيه الشيطان، والذي يرتضيه الشيطان هو المعصية، فكل من عصى الله تعالى كان من حزب الشيطان، فلو صدرت المعصية من الرسول لصدق عليه أنه من حزب الشيطان ولصدق عليه أنه من الخاسرين ولصدق على زهاد الأمة أنهم من حزب الله وأنهم من المفلحين، فحينئذ يكون ذلك الواحد من الأمة أفضل بكثير عند الله من ذلك الرسول، وهذا لا يقوله مسلم. الثالث عشر: أن الرسول أفضل من الملك فوجب أن لايصدر الذنب من الرسول، وإنما قلنا أنه أفضل لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [آل عمران: 33]، ووجه الاستدلال به قد تقدم في مسألة فضل الملك على البشر وإنما قلنا إنه لما كان كذلك وجب أن لا يصدر الذنب عن الرسول لأنه تعالى وصف الملائكة بترك الذنب فقال: {أية : لايَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ } تفسير : [الأنبياء: 27]. وقال: {أية : لاَ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } تفسير : [التحريم: 6]، فلو صدرت المعصية عن الرسول لامتنع كونه أفضل من الملك لقوله تعالى: {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ } تفسير : [صۤ: 28]. الرابع عشر: روي أن خزيمة بن ثابت شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وفق دعواه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كيف شهدت لي» تفسير : فقال: يا رسول الله إني أصدقك على الوحي النازل عليك من فوق سبع سموات أفلا أصدقك في هذا القدر؟ فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وسماه بذي الشهادتين ولو كانت المعصية جائزة على الأنبياء لما جازت تلك الشهادة. الخامس عشر: قال في حق إبراهيم عليه السلام: {أية : إِنّى جَـٰعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا } تفسير : [البقرة:124] والإمام من يؤتم به فأوجب على كل الناس أن يأتموا به فلو صدر الذنب عنه لوجب عليهم أن يأتموا به في ذلك الذنب وذلك يفضي إلى التناقض. السادس عشر: قوله تعالى: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [البقرة: 124] والمراد بهذا العهد إما عهد النبوة أو عهد الإمامة، فإن كان المراد عهد النبوة وجب أن لا تثبت النبوة للظالمين، وإن كان المراد عهد الإمامة وجب أن لا نثبت الإمامة للظالمين وإذا لم تثبت الإمامة للظالمين وجب أن لا تثبت النبوة للظالمين، لأن كل نبي لا بد وأن يكون إماماً يؤتم به ويقتدى به. والآية على جميع التقديرات تدل على أن النبي لا يكون مذنباً، أما المخالف فقد تمسك في كل واحد من المواضع الأربعة التي ذكرناها بآيات ونحن نشير إلى معاقدها ونحيل بالاستقصاء على ما سيأتي في هذا التفسير إن شاء الله تعالى: أما الآيات التي تمسكوا بها في باب الاعتقاد فثلاثة، أولها: تمسكوا بالطعن في اعتقاد آدم عليه السلام بقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ وٰحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } تفسير : [الأعراف: 189] إلى آخر الآية. قالوا: لا شك أن النفس الواحدة هي آدم وزوجها المخلوق منها هي حواء، فهذه الكنايات بأسرها عائدة إليهما فقوله: {أية : جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتَـٰهُمَا فَتَعَـٰلَى ٱللَّهُ عما يشركون}، تفسير : [الأعراف:190] يقتضي صدور الشرك عنهما،والجواب لانسلم أن النفس الواحدة هي آدم وليس في الآية ما يدل عليه بل نقول: الخطاب لقريش وهم آل قصي والمعنى خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجة عربية ليسكن إليها فلما آتاهما ما طلب من الولد الصالح سيما أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد قصي،والضمير في يشركون لهما ولأعقابهما فهذا الجواب هو المعتمد،وثانيها:قالوا إن إبراهيم عليه اللام لم يكن عالماً بالله ولا باليوم الآخر.أما الأول فلأنه قال في الكواكب {أية : هذا ربي} تفسير : [الأنعام:77] وأما الثاني فقوله: {أية : أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى ولكن ليطمئن قلبي } تفسير : [البقرة: 260]، والجواب: أما قوله: {هَـٰذَا رَبّى } فهو استفهام على سبيل الإنكار، وأما قوله: {وَلَـٰكِن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى }، فالمراد أنه ليس الخبر كالمعاينة، وثالثها: تمسكوا بقوله تعالى: {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ } تفسير : [يونس: 94]، فدلت الآية على أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان في شك مما أوحى إليه والجواب: أن القلب في دار الدنيا لا ينفك عن الأفكار المستعقبة للشبهات إلا أنه عليه الصلاة والسلام كان يزيلها بالدلائل. أما الآيات التي تمسكوا بها في باب التبليغ فثلاثة: أحدها: قوله: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ إِلاَّ مَا شَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الأعلى: 6، 8] فهذا الاستثناء يدل على وقوع النسيان في الوحي، الجواب: ليس النهي عن النسيان الذي هو ضد الذكر، لأن ذاك غير داخل في الوسع بل عن النسيان بمعنى الترك فنحمله على ترك الأولى. وثانيها: قوله: {أية : وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَـٰنُ فِى أُمْنِيَّتِهِ } تفسير : [الحج: 52]، والكلام عليه مذكور في سورة الحج على الاستقصاء، وثالثها: قوله تعالى: {أية : عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً، لّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَـٰلَـٰتِ رَبّهِمْ } تفسير : [الجن: 26 ـ 28]. قالوا: فلولا الخوف من وقوع التخليط في تبليغ الوحي من جهة الأنبياء لم يكن في الاستظهار بالرصد المرسل معهم فائدة، والجواب: لم لا يجوز أن تكون الفائدة أن يدفع ذلك الرصد الشياطين عن إلقاء الوسوسة. أما الآيات التي تمسكوا بها في الفتيا فثلاثة، أحدها: قوله:{أية : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَـٰنَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى ٱلْحَرْثِ } تفسير : [الأنبياء: 78]، وقد تكلمنا عليه في سورة الأنبياء. وثانيها: [أية : قوله في أسارى بدر حين فاداهم النبي صلى الله عليه وسلم {مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى ٱلأَرْضِ } تفسير : [الأنفال: 67]، فلولا أنه أخطأ في هذه الحكومة وإلا لما عوتب، وثالثها: قوله تعالى: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } تفسير : [التوبة: 43]، والجواب عن الكل: أنا نحمله على ترك الأولى. أما الآيات التي تمسكوا بها في الأفعال فكثيرة، أولها: قصة آدم عليه السلام، تمسكوا بها من سبعة أوجه، الأول: أنه كان عاصياً والعاصي لا بد وأن يكون صاحب الكبيرة، وإنما قلنا إنه كان عاصياً لقوله تعالى: {أية : وَعَصَىٰ ءادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ } تفسير : [طه: 121] وإنما قلنا أن العاصي صاحب الكبيرة لوجهين: الأول: أن النص يقتضي كونه معاقباً لقوله تعالى: {أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } تفسير : [الجن: 23] فلا معنى لصاحب الكبيرة إلا ذلك، الثاني: أن صاحب الكبيرة، الوجه الثاني في التمسك بقصة آدم أنه كان غاوياً لقوله تعالى {فَغَوَىٰ } والغي ضد الرشد، لقوله تعالى: {أية : قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَيّ } تفسير : [البقرة: 256]، فجعل الغي مقابلاً للرشد، الوجه الثالث: أنه تائب والتائب مذنب، وإنما قلنا إنه تائب لقوله تعالى: {أية : فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ } تفسير : [البقرة: 37] وقال:{أية : ثُمَّ ٱجْتَبَـٰهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ } تفسير : [طه: 122] وإنما قلنا: التائب مذنب لأن التائب هو النادم على فعل الذنب، والنادم على فعل الذنب مخبر عن كونه فاعلاً الذنب، فإن كذب في ذلك الإخبار فهو مذنب بالكذب، وإن صدق فيه فهو المطلوب. الوجه الرابع: أنه ارتكب المنهي عنه في قوله: {أية : أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ } تفسير : [الأعراف: 22]، {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ } تفسير : [الأعراف: 19]، وارتكاب المنهي عنه عين الذنب. الوجه الخامس: سماه ظالماً في قوله: {أية : فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [البقرة: 35] وهو سمى نفسه ظالماً في قوله: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } تفسير : [الأعراف: 23] والظالم معلون لقوله تعالى: {أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [هود: 18] ومن استحق اللعن كان صاحب الكبيرة. الوجه السادس: أنه اعترف بأنه لولا مغفرة الله إياه وإلا لكان خاسراً في قوله: {أية : وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 23]، وذلك يقتضي كونه صاحب الكبيرة. وسابعها: أنه أخرج من الجنة بسبب وسوسة الشيطان وإزلاله جزاء على ما أقدم عليه من طاعة الشيطان، وذلك يدل على كونه صاحب الكبيرة، ثم قالوا: هب أن كل واحد من هذه الوجوه لا يدل على كونه فاعلاً للكبيرة، لكن مجموعها لا شك في كونه قاطعاً في الدلالة عليه، ويجوز أن يكون كل واحد من هذه الوجوه وإن لم يدل على الشيء لكن مجموع تلك الوجوه يكون دالاً على الشيء. والجواب المعتمد عن الوجوه السبعة عندنا أن نقول: كلامكم إنما يتم لو أتيتم بالدلالة على أن ذلك كان حال النبوة، وذلك ممنوع فلم لا يجوز أن يقال: إن آدم عليه السلام حالما صدرت عنه هذه الزلة ما كان نبياً؛ ثم بعد ذلك صار نبياً ونحن قد بينا أنه لا دليل على هذا المقام. وأما الاستقصاء في الجواب عن كل واحد من الوجوه المفصلة فسيأتي إن شاء الله تعالى عند الكلام في تفسير كل واحد من هذه الآيات. ولنذكر ههنا كيفية تلك الزلة ليظهر مراد الله تعالى من قوله: {أية : فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ } تفسير : [البقرة: 36] فنقول لنفرض أنه صدر ذلك الفعل عن آدم عليه السلام بعد النبوة فإقدامه على ذلك الفعل إما أن يكون حال كونه ناسياً أو حال كونه ذاكراً، أما الأول: وهو أنه فعله ناسياً فهو قول طائفة من المتكلمين واحتجوا عليه بقوله تعالى: {أية : وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تفسير : [طه: 115] ومثلوه بالصائم يشتغل بأمر يستغرقه ويغلب عليه فيصير ساهياً عن الصوم ويأكل في أثناء ذلك السهو [لا] عن قصد، لا يقال هذا باطل من وجهين. الأول: أن قوله تعالى: {مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ }، وقوله: {أية : وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ } تفسير : [الأعراف: 20 ـ 21] يدل على أنه ما نسي النهي حال الإقدام. وروى عن ابن عباس ما يدل على أن آدم عليه السلام تعمد لأنه قال لما أكلا منها فبدت لهما سوآتهما خرج آدم فتعلقت به شجرة من شجر الجنة، فحبسته فناداه الله تعالى أفراراً مني، فقال: بل حياء منك، فقال له: أما كان فيما منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب ولكني وعزتك ما كنت أرى أن أحداً يحلف بك كاذباً، فقال: وعزتي لأهبطنك منها ثم لا تنال العيش إلا كداً. الثاني: وهو أنه لو كان ناسياً لما عوتب على ذلك الفعل، أما من حيث العقل فلأن الناسي غير قادر على الفعل، فلا يكون مكلفاً به لقوله: {أية : لاَ يُكَلّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286] وأما من حيث النقل فلقوله عليه الصلاة والسلام «حديث : رفع القلم عن ثلاث»تفسير : ، فلما عوتب عليه دل على أن ذلك لم يكن على سبيل النسيان. لأنا نقول: أما الجواب عن الأول فهو أنا لا نسلم أن آدم وحواء قبلا من إبليس ذلك الكلام ولا صدقاه فيه، لأنهما لو صدقاه لكانت معصيتهما في هذا التصديق أعظم من أكل الشجرة، لأن إبليس لما قال لهما: {مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ }. فقد ألقى إليهما سوء الظن بالله ودعاهما إلى ترك التسليم لأمره والرضا بحكمه وإلى أن يعتقدا فيه كون إبليس ناصحاً لهما وأن الرب تعالى قد غشهما ولا شك أن هذه الأشياء أعظم من أكل الشجرة، فوجب أن تكون المعاتبة في ذلك أشد وأيضاً كان آدم عليه السلام عالماً بتمرد إبليس عن السجود وكونه مبغضاً له وحاسداً له على ما آتاه الله من النعم، فكيف يجوز من العاقل أن يقبل قول عدوه مع هذه القرائن وليس في الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل عند ذلك الكلام أو بعده، ويدل على أن آدم كان عالماً بعداوته لقوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ } تفسير : [طه: 117]. وأما ما روي عن ابن عباس فهو أثر مروي بالآحاد، فكيف يعارض القرآن؟ وأما الجواب عن الثاني: فهو أن العتاب إنما حصل على ترك التحفظ من أسباب النسيان، وهذا الضرب من السهو موضوع عن المسلمين وقد كان يجوز أن يؤاخذوا به، وليس بموضوع عن الأنبياء لعظم خطرهم ومثلوه بقوله تعالى:{أية : يٰنِسَاء ٱلنَّبِىّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مّنَ ٱلنّسَاء } تفسير : [الأحزاب: 32]، ثم قال: {أية : مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } تفسير : [الأحزاب: 30]. وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل» تفسير : وقال أيضاً: «حديث : إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم»، تفسير : فإن قيل كيف يجوز أن يؤثر عظم حالهم وعلو منزلتهم في حصول شرط في تكليفهم دون تكليف غيرهم؟ قلنا أما سمعت: «حسنات الأبرار سيئات المقربين»، ولقد كان على النبي صلى الله عليه وسلم من التشديدات في التكليف ما لم يكن على غيره. فهذا في تقرير أنه صدر ذلك عن آدم عليه السلام على جهة السهو والنسيان. ورأيت في بعض التفاسير أن حواء سقته الخمر حتى سكر ثم في أثناء السكر فعل ذلك. قالوا: وهذا ليس ببعيد لأنه عليه السلام كان مأذوناً له في تناول كل الأشياء سوى تلك الشجرة، فإذا حملنا الشجرة على البر، كان مأذوناً في تناول الخمر، ولقائل أن يقول: إن خمر الجنة لا يسكر، لقوله تعالى في صفة خمر الجنة: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ } تفسير : [الصافات: 47]. أما القول الثاني: وهو أنه عليه السلام فعله عامداً فههنا أربعة أقوال: أحدها: أن ذلك النهي كان نهي تنزيه لا نهي تحريم، وقد تقدم الكلام في هذا القول وعلته. الثاني: أنه كان ذلك عمداً من آدم عليه السلام وكان ذلك كبيرة مع أن آدم عليه السلام كان في ذلك الوقت نبياً، وقد عرفت فساد هذا القول. الثالث: أنه عليه السلام فعله عمداً، لكن كان معه من الوجل والفزع والإشفاق ما صير ذلك في حكم الصغيرة، وهذا القول أيضاً باطل بالدلائل المتقدمة لأن المقدم على ترك الواجب أو فعل المنهي عمداً وإن فعله مع الخوف إلا أنه يكون مع ذلك عاصياً مستحقاً للعن والذم والخلود في النار، ولا يصح وصف الأنبياء عليهم السلام بذلك، ولأنه تعالى وصفه بالنسيان في قوله: {أية : فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } تفسير : [طه: 115]، وذلك ينافي العمدية. القول الرابع: وهو اختيار أكثر المعتزلة: أنه عليه السلام أقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة، بيان الاجتهاد الخطأ أنه لما قيل له: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ } فلفظ {هَـٰذِهِ } قد يشار به إلى الشخص، وقد يشار به إلى النوع، وروي أنه عليه السلام أخذ حريراً وذهباً بيده وقال: «حديث : هذان حل لإناث أمتي حرام على ذكورهم»تفسير : ، وأراد به نوعهما، وروي أنه عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة وقال: «حديث : هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به»تفسير : ، وأراد نوعه، فلما سمع آدم عليه السلام قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ } تفسير : [البقرة: 35] [الأعراف: 19] ظن أن النهي إنما يتناول تلك الشجرة المعينة، فتركها وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع، إلا أنه كان مخطئاً في ذلك الاجتهاد لأن مراد الله تعالى من كلمة {هَـٰذِهِ } كان النوع لا الشخص والاجتهاد في الفروع، إذا كان خطأ لا يوجب استحقاق العقاب واللعن لاحتمال كونه صغيرة مغفورة كما في شرعنا، فإن قيل: الكلام على هذا القول من وجوه: أحدها: أن كلمة {هَـٰذَا } في أصل اللغة للإشارة إلى الشيء الحاضر. والشيء الحاضر لا يكون إلا شيئاً معيناً، فكلمة هذا في أصل اللغة للإشارة إلى الشيء المعين فأما أن يراد بها الإشارة إلى النوع، فذاك على خلاف الأصل، وأيضاً فلأنه تعالى لا تجوز الإشارة عليه فوجب أن يكون أمر بعض الملائكة بالإشارة إلى ذلك الشخص، فكان ما عداه خارجاً عن النهي لا محالة، إذا ثبت هذا فنقول: المجتهد مكلف بحمل اللفظ على حقيقته، فآدم عليه السلام لما حمل لفظ {هَـٰذَا } على المعين كان قد فعل الواجب ولا يجوز له حمله على النوع، واعلم أن هذا الكلام متأيد بأمرين آخرين. أحدهما: أن قوله: {أية : وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا } تفسير : [البقرة: 35] أفاد الإذن في تناول كل ما في الجنة إلا ما خصه الدليل. والثاني: أن العقل يقتضي حل الانتفاع بجميع المنافع إلا ما خصه الدليل، والدليل المخصص لم يدل إلا على ذلك المعين، فثبت أن آدم عليه السلام كان مأذوناً له في الانتفاع بسائر الأشجار، وإذا ثبت هذا امتنع أن يستحق بسبب هذا عتاباً وأن يحكم عليه بكونه مخطئاً فثبت أن حمل القصة على هذا الوجه، يوجب أن يحكم عليه بأنه كان مصيباً لا مخطئاً، وإذا كان كذلك ثبت فساد هذا التأويل. الوجه الثاني: في الاعتراض على هذا التأويل. هب أن لفظ {هَـٰذَا } متردد بين الشخص والنوع، ولكن هل قرن الله تعالى بهذا اللفظ ما يدل على أن المراد منه النوع دون الشخص أو ما فعل ذلك؟ فإن كان الأول فأما أن يقال إن آدم عليه السلام قصر في معرفة ذلك البيان، فحينئذ يكون قد أتى بالذنب، وإن لم يقصر في معرفته بل عرفه فقد عرف حينئذ أن المراد هو النوع، فإقدامه على التناول من شجرة من ذلك النوع يكون إقداماً على الذنب قصداً. الوجه الثالث: أن الأنبياء عليهم السلام لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاجتهاد إقدام على العمل بالظن، وذلك إنما يجوز في حق من لا يتمكن من تحصيل العلم، أما الأنبياء فإنهم قادرون على تحصيل اليقين، فوجب أن لا يجوز لهم الاجتهاد لأن الاكتفاء بالظن مع القدرة على تحصيل اليقين غير جائز عقلاً وشرعاً، وإذا ثبت ذلك ثبت أن الإقدام على الاجتهاد معصية. الوجه الرابع: هذه المسألة إما أن تكون من المسائل القطعية أو الظنية، فإن كانت من القطعيات كان الخطأ فيها كبيراً وحينئذ يعود الإشكال، وإن كانت من الظنيات فإن قلنا إن كل مجتهد مصيب فلا يتحقق الخطأ فيها أصلاً، وإن قلنا المصيب فيها واحد والمخطىء فيها معذور بالاتفاق فكيف صار هذا القدر من الخطأ سبباً لأن نزع عن آدم عليه السلام لباسه وأخرج من الجنة وأهبط إلى الأرض؟ والجواب عن الأول: أن لفظ هذا وإن كان في الأصل للإشارة إلى الشخص لكنه قد يستعمل في الإشارة إلى النوع كما تقدم بيانه، وأنه سبحانه وتعالى كان قد قرن به ما دل على أن المراد هو النوع. والجواب عن الثاني: هو أن آدم عليه السلام لعله قصر في معرفة ذلك الدليل لأنه ظن أنه لا يلزمه ذلك في الحال، أو يقال: إنه عرف ذلك الدليل في وقت ما نهاه الله تعالى عن عين الشجرة، فلما طالت المدة غفل عنه لأن في الخبر أن آدم عليه السلام بقي في الجنة الدهر الطويل ثم أخرج. والجواب عن الثالث: أنه لا حاجة ههنا إلى إثبات أن الأنبياء عليهم السلام تمسكوا بالاجتهاد، فإنا بينا أنه عليه السلام قصر في معرفة تلك الدلالة أو أنه كان قد عرفها / لكنه قد نسيها، وهو المراد من قوله تعالى: {أية : فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً }، تفسير : [طه:115] والجواب عن الرابع: يمكن أن يقال: كانت الدلالة قطعية إلا أنه عليه السلام لما نسيها صار النسيان عذراً في أن لا يصير الذنب كبيراً أو يقال: كانت ظنية إلا أنه ترتب عليه من التشديدات ما لم يترتب على خطأ سائر المجتهدين لأن ذلك يجوز أن يختلف باختلاف الأشخاص، وكما أن الرسول عليه الصلاة والسلام مخصوص بأمور كثيرة في باب التشديدات والتخفيفات بما لا يثبت في حق الأمة، فكذا ههنا. واعلم أنه يمكن أن يقال في المسألة وجه آخر وهو أنه تعالى لما قال: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ } ونهاهما معاً فظن آدم عليه السلام أنه يجوز لكل واحد منهما وحده أن يقرب من الشجرة وأن يتناول منها، لأن قوله: {وَلاَ تَقْرَبَا } نهي لهما على الجمع ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال الإنفراد، فلعل الخطأ في هذا الاجتهاد إنما وقع من هذا الوجه، فهذا جملة ما يقال في هذا الباب والله أعلم. المسألة الثانية: اختلفوا في أنه كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم عليه السلام مع أن إبليس كان خارج الجنة وآدم كان في الجنة، وذكروا فيه وجوهاً. أحدها: قول القصاص وهو الذي رووه عن وهب بن منبه اليماني والسدي عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: أنه لما أراد إبليس أن يدخل الجنة منعته الخزنة فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البختية، وهي كأحسن الدواب بعدما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد منها فابتلعته الحية وأدخلته الجنة خفية من الخزنة، فلما دخلت الحية الجنة خرج إبليس من فمها واشتغل بالوسوسة. فلا جرم لعنت الحية وسقطت قوائمها وصارت تمشي على بطنها، وجعل رزقها في التراب، وصارت عدواً لبني آدم، واعلم أن هذا وأمثاله مما يجب أن لا يلتفت إليه لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية ثم يدخل الجنة، ولأنه لما فعل ذلك بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة. وثانيها: أن إبليس دخل الجنة في صورة دابة، وهذا القول أقل فساداً من الأول. وثالثها: قال بعض أهل الأصول: إن آدم وحواء عليهما السلام لعلهما كانا يخرجان إلى باب الجنة وإبليس كان بقرب الباب ويوسوس إليهما، ورابعها: وهو قول الحسن: أن إبليس كان في الأرض وأوصل الوسوسة إليهما في الجنة. قال بعضهم: هذا بعيد لأن الوسوسة كلام خفي والكلام الخفي لا يمكن إيصاله من الأرض إلى السماء، واختلفوا من وجه آخر وهو أن إبليس هل باشر خطابهما أو يقال إنه أوصل الوسوسة إليهما على لسان بعض أتباعه. حجة القول الأول: قوله تعالى: {أية : وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ } تفسير : [الأعراف: 21]، وذلك يقتضي المشافهة، وكذا قوله: {أية : فَدَلَّـٰهُمَا بِغُرُورٍ } تفسير : [الأعراف: 22]. وحجة القول الثاني: أن آدم وحواء عليهما السلام كانا يعرفانه ويعرفان ما عنده من الحسد والعداوة، فيستحيل في العادة أن يقبلا قوله وأن يلتفتا إليه، فلا بد وأن يكون المباشر للوسوسة من بعض أتباع إبليس. بقي ههنا سؤالان، السؤال الأول: أن الله تعالى قد أضاف هذا الإزلال إلى إبليس فلم عاتبهما على ذلك الفعل؟ قلنا معنى قوله: {فَأَزَلَّهُمَا } أنهما عند وسوسته أتيا بذلك الفعل فأضيف ذلك إلى إبليس كما في قوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِى إِلاَّ فِرَاراً} تفسير : [نوح: 6]. فقال تعالى حاكياً عن إبليس:{أية : وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سُلْطَـٰنٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِى } تفسير : [إبراهيم: 22]، هذا ما قاله المعتزلة. والتحقيق في هذه الإضافة ما قررناه مراراً أن الإنسان قادر على الفعل والترك ومع التساوي يستحيل أن يصير مصدراً لأحد هذين الأمرين إلا عند انضمام الداعي إليه، والداعي عبارة في حق العبد عن علم أو ظن أو اعتقاد بكون الفعل مشتملاً على مصلحة، فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسبب منبه نبه عليه كان الفعل مضافاً إلى ذلك لما لأجله صار الفاعل بالقوة فاعلاً بالفعل، فلهذا المعنى انضاف الفعل ههنا إلى الوسوسة، وما أحسن ما قال بعض العارفين إن زلة آدم عليه السلام هب أنها كانت بسبب وسوسة إبليس، فمعصية إبليس حصلت بوسوسة من! وهذا ينبهك على أنه ما لم يحصل الداعي لا يحصل الفعل وأن الدواعي وإن ترتب بعضها على بعض، فلا بد من انتهائها إلى ما يخلقه الله تعالى ابتداء، وهو الذي صرح به موسى عليه السلام في قوله: {أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء } تفسير : [الأعراف: 155]. السؤال الثاني: كيف كانت تلك الوسوسة، الجواب: أنها هي التي حكى الله تعالى عنها في قوله: {أية : مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 20]، فلم يقبلا ذلك منه، فلما أيس من ذلك عدل إلى اليمين على ما قال: {أية : وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ } تفسير : [الأعراف: 21]، فلم يصدقاه أيضاً، والظاهر أنه بعد ذلك عدل إلى شيء آخر وهو أنه شغلهما باستيفاء اللذات المباحة حتى صارا مستغرقين فيه فحصل بسبب استغراقهما فيه نسيان النهي فعند ذلك حصل ما حصل، والله أعلم بحقائق الأمور كيف كانت. أما قوله تعالى: {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: من قال إن جنة آدم كانت في السماء فسر الهبوط بالنزول من العلو إلى السفل، ومن قال إنها كانت في الأرض فسره بالتحول من موضع إلى غيره، كقوله: {أية : ٱهْبِطُواْ مِصْرًا } تفسير : [البقرة: 61]. المسألة الثانية: اختلفوا في المخاطبين بهذا الخطاب بعد الاتفاق على أن آدم وحواء عليهما السلام كانا مخاطبين به وذكروا فيه وجوهاً: الأول: وهو قول الأكثرين: أن إبليس داخل فيه أيضاً قالوا لأن إبليس قد جرى ذكره في قوله: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا } أي فأزلهما وقلنا لهم اهبطوا. وأما قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } فهذا تعريف لأدم وحواء عليهما السلام أن إبليس عدو لهما ولذريتهما كما عرفهما ذلك قبل الأكل من الشجرة فقال: {أية : فَقُلْنَا يٰـئَادَمُ إن هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ } تفسير : [طه: 117]، فإن قيل: إن إبليس لما أبى من السجود صار كافراً / وأخرج من الجنة وقيل له: {أية : فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } تفسير : [الأعراف: 13]، وقال أيضاً: {أية : فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } تفسير : [صۤ: 77،الحجر: 34]، وإنما اهبط منها لأجل تكبره، فزلة آدم عليه السلام إنما وقعت بعد ذلك بمدة طويلة، ثم أمر بالهبوط بسبب الزلة، فلما حصل هبوط إبليس قبل ذلك كيف يكون قوله: {ٱهْبِطُواْ }، متناولاً له؟ قلنا: إن الله تعالى لما أهبطه إلى الأرض فلعله عاد إلى السماء مرة أخرى لأجل أن يوسوس إلى آدم وحواء فحين كان آدم وحواء في الجنة قال الله تعالى لهما: {أية : ٱهْبِطَا }، تفسير : [طه:123] فلما خرجا من الجنة واجتمع إبليس معهما خارج الجنة أمر الكل فقال: {ٱهْبِطُواْ } ومن الناس من قال ليس معنى قوله: {ٱهْبِطُواْ } أنه قال ذلك لهم دفعة واحدة، بل قال ذلك لكل واحد منهم على حدة في وقت. الوجه الثاني: أن المراد آدم وحواء والحية وهذا ضعيف لأنه ثبت بالإجماع أن المكلفين هم الملائكة والجن والإنس، ولقائل أن يمنع هذا الإجماع فإن من الناس من يقول قد يحصل في غيرهم جمع من المكلفين على ما قال تعالى: {أية : كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ } تفسير : [النور: 41]، وقال سليمان للهدهد: {أية : لأُعَذّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً } تفسير : [النمل: 21]. الثالث: المراد آدم وحواء وذريتهما لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الإنس كلهم، والدليل عليه قوله: {أية : ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ..... ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً } تفسير : [البقرة: 36، 38]، ويدل عليه أيضاً قوله: {أية : فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } تفسير : [البقرة: 38، 39]. وهذا حكم يعم الناس كلهم ومعنى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } ما عليه الناس من التعادي والتباغض وتضليل بعضهم لبعض، واعلم أن هذا القول ضعيف لأن الذرية ما كانوا موجودين في ذلك الوقت فكيف يتناولهم الخطاب؟ أما من زعم أن أقل الجمع اثنان فالسؤال زائل على قوله. المسألة الثالثة: اختلفوا في أن قوله: {ٱهْبِطُواْ } أمر أو إباحة، والأشبه أنه أمر لأن فيه مشقة شديدة لأن مفارقة ما كانا فيه من الجنة إلى موضع لا تحصل المعيشة فيه إلا بالمشقة والكد من أشق التكاليف، وإذا ثبت هذا بطل ما يظن أن ذلك عقوبة، لأن التشديد في التكليف سبب للثواب، فكيف يكون عقاباً مع ما فيه من النفع العظيم؟ فإن قيل: ألستم تقولون في الحدود وكثير من الكفارات إنها عقوبات وإن كانت من باب التكاليف، قلنا: أما الحدود فهي واقعة بالمحدود من فعل الغير، فيجوز أن تكون عقاباً إذا كان الرجل مصراً، وأما الكفارات فإنما يقال في بعضها إنه يجري مجرى العقوبات لأنها لا تثبت إلا مع المأثم. فأما أن تكون عقوبة مع كونها تعريضات للثواب العظيم فلا. المسألة الرابعة: أن قوله تعالى: {ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ }، أمر بالهبوط وليس أمراً بالعداوة، لأن عداوة إبليس لآدم وحواء عليهما السلام بسبب الحسد والاستكبار عن السجود واختداعه إياهما حتى أخرجهما من الجنة وعداوته لذريتهما بإلقاء الوسوسة والدعوة إلى الكفر والمعصية، وشيء من ذلك لا يجوز أن يكون مأموراً به، فأما عداوة آدم لإبليس فإنها مأمور بها لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً } تفسير : [فاطر: 6] وقال تعالى: {أية : يَـٰبَنِى آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ ٱلْجَنَّةِ } تفسير : [الأعراف: 27] إذا ثبت هذا ظهر أن المراد من الآية اهبطوا من السماء وأنتم بعضكم لبعض عدو. المسألة الخامسة: المستقر قد يكون بمعنى الاستقرار كقوله تعالى: {أية : إِلَىٰ رَبّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ } تفسير : [القيامة: 12]، وقد يكون بمعنى المكان الذي يستقر فيه كقوله تعالى: {أية : أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً } تفسير : [الفرقان: 24]، وقال تعالى: {أية : فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ } تفسير : [الأنعام: 98] إذا عرفت هذا فنقول: الأكثرون حملوا قوله تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ } تفسير : [البقرة: 36] [الأعراف: 24]، على المكان، والمعنى أنها مستقركم حالتي الحياة والموت، وروى السدي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: المستقر هو القبر، أي قبوركم تكونون فيها. والأول أولى لأنه تعالى قدر المتاع وذلك لا يليق إلا بحال الحياة، ولأنه تعالى خاطبهم بذلك عند الإهباط وذلك يقتضي حال الحياة، واعلم أنه تعالى قال في سورة الأعراف في هذه القصة: {أية : قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِى ٱلاْرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } تفسير : [الأعراف: 24، 25]، فيجوز أن يكون قوله: {فِيهَا تَحْيَوْنَ }، إلى آخر الكلام بياناً لقوله: {وَلَكُمْ فِى ٱلارْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ }، ويجوز أن يكون زيادة على الأول. المسألة السادسة: اختلفوا في معنى الحين بعد اتفاقهم على أنه اسم للزمان والأولى أن يراد به الممتد من الزمان لأن الرجل يقول لصاحبه: ما رأيتك منذ حين إذا بعدت مشاهدته له ولا يقال ذلك مع قرب المشاهدة، فلما كانت أعمار الناس طويلة وآجالهم عن أوائل حدوثهم متباعدة جاز أن يقول: {وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ }. المسألة السابعة: اعلم أن في هذه الآيات تحذيراً عظيماً عن كل المعاصي من وجوه: أحدها: أن من تصور ما جرى على آدم عليه السلام بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة، كان على وجل شديد من المعاصي، قال الشاعر:شعر : يا ناظراً يرنو بعيني راقد ومشاهداً للأمر غير مشاهد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى درك الجنان ونيل فوز العابد أنسيت أن الله أخرج آدما منها إلى الدنيا بذنب واحد تفسير : وعن فتح الموصلي أنه قال: كنا قوماً من أهل الجنة فسبانا إبليس إلى الدنيا، فليس لنا إلا الهم والحزن حتى نرد إلى الدار التي أخرجنا منها، وثانيها: التحذير عن الاستكبار والحسد والحرص، عن قتادة في قوله تعالى: {أية : أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ } تفسير : [البقرة: 34]، قال حسد عدو الله إبليس آدم على ما أعطاه الله من الكرامة فقال: أنا ناري وهذا طيني ثم ألقى الحرص في قلب آدم حتى حمله على ارتكاب المنهي عنه ثم ألقى الحسد في قلب قابيل حتى قتل هابيل. وثالثها: أنه سبحانه وتعالى بين العداوة الشديدة بين ذرية آدم وإبليس، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الحذر.

القرطبي

تفسير : فيه عشر مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا} قرأ الجماعة «فَأَزَلَّهما» بغير ألف، من الزلَّة وهي الخطيئة؛ أي ٱستزلهما وأوقعهما فيها. وقرأ حمزة «فأزالهما» بألف، من التَّنحية؛ أي نَحّاهما. يقال: أزلته فزال. قال ٱبن كَيْسان: فأزالهما من الزوال؛ أي صرفهما عما كانا عليه من الطاعة إلى المعصية. قلت: وعلى هذا تكون القراءتان بمعنًى، إلاّ أن قراءة الجماعة أمكن في المعنى. يقال منه: أزْلَلْته فَزَلَّ. ودلّ على هذا قولُه تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ} تفسير : [آل عمران: 155]، وقوله: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} والوسوسة إنما هي إدخالهما في الزّلل بالمعصية؛ وليس للشيطان قدرة على زوال أحد من مكان إلى مكان، إنما قدرته (على) إدخاله في الزلل، فيكون ذلك سبباً إلى زواله من مكان إلى مكان بذنبه. وقد قيل: إن معنى أزلهما مِن زلّ عن المكان إذا تنحّى؛ فيكون في المعنى كقراءة حمزة من الزوال. قال ٱمرؤ القيس:شعر : يَزِلّ الغلاَمُ الخِفُّ عن صَهَوَاتِه ويُلْوِي بأثواب العَنيفِ المثقَّلِ تفسير : وقال أيضاً:شعر : كُمَيْتٍ يُزِلّ اللِّبْدُ عن حال مَتْنِهِ كما زلّت الصّفْواء بالمتنزِّل تفسير : الثانية: قوله تعالى: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} إذا جعل أزال من زال عن المكان فقوله: «فأخرجهما» تأكيد وبيان للزوال؛ إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر من الجنة، وليس كذلك، وإنما كان إخراجهما من الجنة إلى الأرض؛ لأنهما خلقا منها، وليكون آدم خليفة في الأرض. ولم يقصد إبليس ـ لعنه الله ـ إخراجه منها وإنما قصد إسقاطه من مرتبته وإبعاده كما أُبعد هو؛ فلم يبلغ مقصده ولا أدرك مراده، بل ٱزداد سُخْنة عَين وغَيظ نفس وخَيبة ظنّ. قال الله جلّ ثناؤه: {أية : ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ}تفسير : [طه: 122] فصار عليه السلام خليفة الله في أرضه بعد أن كان جاراً له في داره؛ فكم بين الخليفة والجار! صلى الله عليه وسلم. ونسب ذلك إلى إبليس؛ لأنه كان بسببه وإغوائه. ولا خلاف بين أهل التأويل وغيرهم أن إبليس كان متولّي إغواء آدم؛ وٱختلف في الكيفية، فقال ٱبن مسعود وٱبن عباس وجمهور العلماء أغواهما مشافهة؛ ودليل ذلك قوله تعالى: {أية : وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 201] والمقاسمة ظاهرها المشافهة. وقال بعضهم، وذكره عبد الرزاق عن وهب بن مُنَبِّه: دخل الجنة في فم الحيّة وهي ذات أربع كالبُخْتِيّة من أحسن دابة خلقها الله تعالى بعد أن عرض نفسه على كثير من الحيوان فلم يُدخله إلا الحيّة؛ فلما دخلت به الجنة خرج من جَوْفها إبليس فأخذ من الشجرة التي نهى الله آدم وزوجه عنها فجاء بها إلى حوّاء فقال: ٱنظري إلى هذه الشجرة، ما أطيبَ ريحَها وأطيب طعمَها وأحسن لونَها! فلم يزل يُغويها حتى أخذتها حوّاء فأكلتها. ثم أغوى آدم، وقالت له حوّاء: كُلْ فإني قد أكلتُ فلم يضرّني؛ فأكل منها فبدت لهما سوءاتهما وحصلا في حكم الذنب؛ فدخل آدم في جوف الشجرة، فناداه ربه: أين أنت؟ فقال: أنا هذا يا ربّ؛ قال: ألا تخرج؟ قال أستحي منك يا رب؛ قال: ٱهبط إلى الأرض التي خُلقت منها. ولُعنت الحيّة وردّت قوائمها في جوفها وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم، ولذلك أمرنا بقتلها، على ما يأتي بيانه. وقيل لحوّاء: كما أدْمَيْت الشجرة فكذلك يصيبك الدّم كل شهر وتحملين وتضعين كرها تشرفين به على الموت مراراً. زاد الطبري والنقاش: وتكوني سَفِيهة وقد كنت حَلِيمة. وقالت طائفة: إن إبليس لم يدخل الجنة إلى آدم بعد ما أخرج منها وإنما أغوى بشيطانه وسلطانه ووسواسه التي أعطاه الله تعالى؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الشيطان يجري من ٱبن آدم مجرى الدم»تفسير : . والله أعلم. وسيأتي في الأعراف أنه لما أكل بقي عُرياناً وطلب ما يستتر به فتباعدت عنه الأشجار وبَكّتوه بالمعصية، فرحمته شجرة التّين، فأخذ من ورقه فٱستتر به. فبُلِيَ بالعُرْي دون الشجر. والله أعلم. وقيل: إن الحكمة في إخراج آدم من الجنة عمارة الدنيا. الثالثة: يُذكر أن الحيّة كانت خادم آدم عليه السلام في الجنة فخانته بأن مكّنت عدوّ الله من نفسها وأظهرت العداوة له هناك؛ فلما أهبطوا تأكّدت العداوة وجُعل رزقها التراب، وقيل لها: أنت عدوّ بني آدم وهم أعداؤك وحيث لَقِيَك منهم أحدٌ شَدَخ رأسك. روى ٱبن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خمسٌ يقتلهنّ المُحْرِم»تفسير : فذكر الحية فيهن. وروي أن إبليس قال لها: أدخليني الجنة وأنت في ذمّتي؛ فكان ٱبن عباس يقول: أخْفِرُوا ذِمّة إبليس. وروَت ساكنةُ بنتُ الجَعْد عن سَرّاء بنت نَبْهان الغَنَوِيّة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ٱقتلوا الحيّات صغيرَها وكبيرَها وأسودَها وأبيضهافإنَ مَن قتلها كانت له فداء من النار ومَن قتلته كان شهيداً»تفسير : . قال علماؤنا: وإنما كانت له فداء من النار لمشاركتها إبليس وإعانته على ضرر آدم وولده؛ فلذلك كان مَن قتل حيّة فكأنما قتل كافراً. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يجتمع كافرٌ وقاتلُه في النار أبداً»تفسير : . أخرجه مسلم وغيره. الرابعة: روى ٱبن جُريج عن عمرو بن دِينار "حديث : عن أبي عبيدة عن عبد اللَّه بن مسعود قال: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم بمنًى فمرّت حيّة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ٱقتلوها» فسبقتنا إلى جُحْر فدخلته؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هاتوا بسعفة ونار فأضرموها عليه ناراً»"تفسير : . قال علماؤنا: وهذا الحديث يخصّ نهيه عليه السلام عن المُثْلَة وعن أن يعذّب أحد بعذاب الله تعالى؛ قالوا: فلم يُبق لهذا العدوّ حُرْمة حيث فاته حتى أوصل إليه الهلاك من حيث قدر. فإن قيل: قد رُوي عن إبراهيم النَّخَعِي أنه كره أن تُحرق العقرب بالنار، وقال: هو مُثْلَة. قيل له: يحتمل أن يكون لم يبلغه هذا الأثر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعمل على الأثر الذي جاء: «حديث : لا تعذِّبوا بعذاب الله»تفسير : فكان على هذا سبيل العمل عنده. فإن قيل: فقد روى مسلم "حديث : عن عبد اللَّه بن مسعود قال: كنا مع النبيّ صلى الله عليه وسلم في غار وقد أنزلت عليه: {وَٱلْمُرْسَلاَتِ عُرْفاً} [المرسلات: 1] فنحن نأخذها مِن فيه رَطْبَة، إذ خرجت علينا حيّة، فقال: «ٱقتلوها»؛ فٱبتدرناها لنقتلها فسبقتنا؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وقاها الله شرّكم كما وقاكم شرّها»»تفسير : . فلم يُضرم ناراً ولا ٱحتال في قتلها. قيل له: يحتمل أن يكون لم يجد ناراً فتركها، أو لم يكن الجُحْر بهيئة ينتفع بالنار هناك مع ضرر الدخان وعدم وصوله إلى الحيوان. والله أعلم. وقوله: «حديث : وقاها الله شركم»تفسير : أي قتلَكم إيّاها «حديث : كما وقاكم شرها» تفسير : أي لَسْعَها. الخامسة: الأمْرُ بقتل الحَيّات من باب الإرشاد إلى دفع المضرة المُخوفة من الحيات؛ فما كان منها متحقَّق الضرر وجبت المبادرة إلى قتله؛ لقوله: «حديث : ٱقتلوا الحيّات وٱقتلوا ذا الطُّفْيَتين والأبْتَر فإنهما يَخطفان البصر ويُسقطان الحَبَل»تفسير : . فخصّهما بالذكر مع أنهما دخلا في العموم ونبّه على ذلك بسبب عظم ضررهما. وما لم يتحقق ضرره فما كان منها في غير البيوت قُتل أيضاً لظاهر الأمر العام، ولأن نوع الحيّات غالبه الضرر، فيستصحب ذلك فيه، ولأنه كله مروّع بصورته وبما في النفوس من النّفرة عنه؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله يحب الشّجاعة ولو على قتل حيّة»تفسير : . فشجّع على قتلها. وقال فيما خرّجه أبو داود من حديث عبد اللَّه بن مسعود مرفوعاً: «حديث : ٱقتلوا الحيات (كلهنّ) فمن خاف ثأرهنّ فليس مني»تفسير : . والله أعلم. السادسة: ما كان من الحيّات في البيوت فلا يُقتل حتى يُؤذن ثلاثة أيام؛ لقوله عليه السلام: «حديث : إن بالمدينة جِنًّا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام»تفسير : . وقد حمل بعض العلماء هذا الحديث على المدينة وحدها لإسلام الجنّ بها؛ قالوا: ولا نعلم هل أسلم مِن جنّ غير المدينة أحدٌ أو لا؛ قاله ٱبن نافع. وقال مالك: نهى عن قتلِ جِنان البيوت في جميع البلاد. وهو الصحيح؛ لأن الله عز وجل قال: {أية : وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَراً مِّنَ ٱلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقُرْآنَ}تفسير : [الأحقاف: 29] الآية. وفي صحيح مسلم عن عبد اللَّه بن مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أتاني داعي الجنّ فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن»تفسير : وفيه: وسألوه الزاد وكانوا من جِنّ الجزيرة؛ الحديث. وسيأتي بكماله في سورة «الجن» إن شاء الله تعالى. وإذا ثبت هذا فلا يقتل شيء منها حتى يُحرِّج عليه ويُنذر؛ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. السابعة: روى الأئمة "حديث : عن أبي السائب مَوْلى هشام بن زُهرة أنه دخل على أبي سعيد الخُدْريّ في بيته، قال: فوجدته يصلّي، فجلست أنتظره حتى يقضى صلاته، فسمعت تحريكاً في عَراجينَ ناحية البيت، فالتفتّ فإذا حيّة، فوثبتُ لأقتلها؛ فأشار إليّ أن ٱجلس فجلست؛ فلما ٱنصرف أشار إلى بيت في الدار فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت نعم؛ فقال: كان فيه فَتًى منّا حديثُ عهد بعُرْس، قال: فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخَنْدَق؛ فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله؛ فٱستأذنه يوماً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خُذ عليك سلاحك فإني أخشى عليك قُرَيْظَة». فأخذ الرجل سلاحه ثم رجع؛ فإذا ٱمرأتُه بين البابين قائمة فأهْوَى إليها بالرُّمح ليطعُنَها به وأصابته غيْرَة؛ فقالت له: ٱكفف عليك رمحك، وٱدخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني! فدخل فإذا بحيّة عظيمة منطوِية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح فٱنتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه، فما يُدْرَى أيُّهما كان أسرعَ موتاً، الحيّةُ أم الفتى! قال: فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له، وقلنا: ٱدع الله يحييه (لنا)؛ فقال: «ٱستغفروا لصاحبكم ـ ثم قال: ـ إنّ بالمدينة جِنًّا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذِنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان»"تفسير : . وفي طريق أخرى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئاً منها فحرِّجوا عليها ثلاثاً فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر ـ وقال لهم: ـ ٱذهبوا فٱدِفنوا صاحبكم»تفسير : . قال علماؤنا رحمة الله عليهم: لا يُفهم من هذا الحديث أن هذا الجان الذي قتله هذا الفتى كان مسلِماً وأن الجن قتلته به قصاصاً؛ لأنه لو سُلِّم في القصاص مشروع بيننا وبين الجن لكان إنما يكون في العمد المحض؛ وهذا الفتى لم يقصد ولم يتعمّد قتل نفس مسلمة، إذ لم يكن عنده علم من ذلك، وإنما قصد إلى قتل ما سُوّغ قتل نوعه شرعاً؛ فهذا قتل خطأ ولا قصاص فيه. فالأولى أن يقال: إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عَدْواً وٱنتقاماً. وقد قتلت سعد بن عُبَادة رضي الله عنه؛ وذلك أنه وُجد ميتاً في مغتسله وقد ٱخضرّ جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلاً يقول ولا يروْن أحداً:شعر : قد قتلنا سيّد الخَزْ ـرَج سعدَ بن عُبادة ورميناه بسهميـ ـن فلم نُخْط فؤاده تفسير : وإنما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن بالمدينة جِنًّا قد أسلموا»تفسير : ليبيّن طريقاً يحصل به التحرّز من قتل المسلم منهم ويتسلط به على قتل الكافر منهم. رُوِي من وجوه أن عائشةَ زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قتلت جاًّنا فأُرِيتْ في المنام أن قائلاً يقول لها: لقد قتلت مسلماً، فقالت: لو كان مسلماً لم يدخل على أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ قال: ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك. فأصبحت فأمرت بٱثني عشر ألف درهم فجعلت في سبيل الله. وفي رواية: ما دخل عليك إلا وأنت مستترة؛ فتصدّقت وأعتقت رِقاباً. وقال الربيع بن بدر: الجان من الحيّات التي نَهى النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قتلها هي التي تمشي ولا تلتوي؛ وعن علقمة نحوه. الثامنة: في صفة الإنذار؛ قال مالك: أحَبُّ إليّ أن يُنذَروا ثلاثة أيام. وقاله عيسى بن دينار؛ وإن ظهر في اليوم مراراً. ولا يُقتصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام. وقيل: يكفي ثلاث مرار؛ لقوله عليه السلام: «حديث : فليؤذنه ثلاثاً»تفسير : ، وقوله: «حديث : حرِّجوا عليه ثلاثاً»تفسير : ولأن ثلاثاً للعدد المؤنث؛ فظهر أن المراد ثلاث مرات. وقول مالك أولى؛ لقوله عليه السلام: «حديث : ثلاثة أيام»تفسير : . وهو نص صحيح مقيّد لتلك المطلقات، ويحمل ثلاثاً على إرادة ليالي الأيام الثلاث، فغلب الليلة على عادة العرب في باب التواريخ فإنها تغلب فيها التأنيث. قال مالك: ويكفي في الإنذار أن يقول: أحرّج عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدوا لنا ولا تؤذونا. وذكر ثابت البُنَاني عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى أنه ذكر عنده حيات البيوت فقال: إذا رأيتم منها شيئاً في مساكنكم فقولوا: أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم نوح عليه السلام، وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان عليه السلام؛ فإذا رأيتم منهن شيئاً بعدُ فاقتلوه. قلت: وهذا يدلّ بظاهره أنه يكفى في الإذن مرّة واحدة؛ والحديث يردّه. والله أعلم. وقد حكى ٱبن حبيب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه يقول: «حديث : أنشدكنّ بالعهد الذي أخذ عليكنّ سليمان ـ عليه السلام ـ ألاّ تؤذيننا وألاّ تظهرنّ علينا»تفسير : التاسعة: روى جُبير عن نُفير عن أبي ثعلبة الخُشَنِيّ ـ وٱسمه جرثوم ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الجنّ على ثلاثة أثلاث فثلثٌ لهم أجنحة يطيرون في الهواء وثلث حيات وكلاب وثلث يَحلّون ويَظعَنون»تفسير : . وروى أو الدَّرداء ـ وٱسمه عُوَيْمر ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خلق الله الجنّ ثلاثة أثلاث فثلث كلاب وحيّات وخِشَاش الأرض وثلث ريح هفّافة وثلث كبني آدم لهم الثواب وعليهم العقاب وخلق الله الإنس ثلاثة أثلاث فثلث لهم قلوب لا يفقهون بها وأعين لا يُبصرون بها وأذان لا يسمعون بها إن هم إلا كالأنعام بل هم أضلُّ سبيلاً وثلث أجسادهم كأجساد بني آدم وقلوبهم قلوب الشياطين وثلث في ظلّ الله يوم لا ظِلّ إلا ظلّه».تفسير : العاشرة: ما كان من الحيوان أصله الإذاية فإنه يُقتل ٱبتداء، لأجل إذايته من غير خلاف؛ كالحيّة والعَقْرب والفأر والوَزَغ، وشبهه. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : خمسٌ فواسقُ يُقتلن في الحِلّ والحَرَم...»تفسير : . وذكر الحديث. فالحيّة أبْدت جوهرها الخبيث حيث خانت آدم بأن أدخلت إبليس الجنة بين فَكّيها؛ ولو كانت تبرزه ما تركها رضوان تدخل به. وقال لها إبليس أنت في ذمتي؛ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها وقال: «حديث : ٱقتلوها ولو كنتم في الصلاة»تفسير : يعني الحية والعقرب. والوَزَغة نفخت على نار إبراهيم عليه السلام من بين سائر الدواب فلُعنت. وهذا من نوع ما يُرْوَى في الحية. ورُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : مَن قتل وَزَغة فكأنما قتل كافراً»تفسير : . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَن قَتَل وَزَغة في أوّل ضربة كُتبت له مائةُ حسنة وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ذلك» تفسير : . وفي رواية أنه قال: «حديث : في أوّل ضربة سبعون حسنة».تفسير : والفأرة أبدت جوهرها بأن عمدت إلى حبال سفينة نوح عليه السلام فقطعتها. وروى عبد الرحمن ابن أبي نُعْم عن أبي سعيد الخُدْرِيّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يَقتل المُحْرِمُ الْحيَة والعقرب والحدأة والسَّبعُ العادي والكلب العقور والفُوَيْسقة»تفسير : . وٱستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذت فَتِيلة لتحرق البيت فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلها. والغراب أبدى جوهره حيث بعثه نبيّ الله نوح عليه السلام من السفينة ليأتيه بخبر الأرض فترك أمره وأقبل على جِيفة. هذا كلّه في معنى الحيّة؛ فلذلك ذكرناه. وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في التعليل في «المائدة» وغيرها إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ} حُذفت الألف من «ٱهبطوا» في اللفظ لأنها ألف وصل. وحُذفت الألف من «قلنا» في اللفظ لسكونها وسكون الهاء بعدها. وروى محمد بن مصَفَّى عن أبي حَيْوَة ضمّ الباء في «ٱهبطوا»، وهي لغة يقوّيها أنه غير متعدّ والأكثر في غير المتعدّي أن يأتي على يَفْعُل. والخطاب لآدم وحواء والحية والشيطان؛ في قول ٱبن عباس. وقال الحسن: آدم وحواء والوسوسة. وقال مجاهد والحسن أيضاً: بنو آدم وبنو إبليس. والهبوط: النزول من فوق إلى أسفل؛ فأهبط آدم بسَرْنَديبَ في الهند بجبل يقال له «بوذ» ومعه ريح الجنة فعلِق بشجرها وأوديتها فٱمتلأ ما هناك طِيباً؛ فمن ثَمَّ يؤتى بالطيب من ريح آدم عليه السلام. وكان السحاب يمسح رأسه فأصلع، فأورث ولده الصلع. وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : خلق الله آدم وطوله ستون ذراعاً»تفسير : الحديث. وأخرجه مسلم وسيأتي. واهبطت حوّاء بجُدّة وإبليس بالأُبُلّة، والحيّة ببَيْسان، وقيل: بسَجِسْتان. وسجستان أكثر بلاد الله حيات، ولولا العِرْبَدّ الذي يأكلها ويفني كثيراً منها لأُخليت سجستان من أجل الحياتِ؛ ذكره أبو الحسن المسعودي. الثانية: قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} «بعضكم» مبتدأ، «عدوّ» خبره، والجملة في موضع نصب على الحال؛ والتقدير وهذه حالكم. وحذفت الواو من و «بعضكم» لأن في الكلام عائداً؛ كما يقال: رأيتك السماء تمطر عليك. والعدوّ: خلاف الصديق؛ وهو من عدا إذا ظلم. وذئب عَدَوان: يَعْدُو على الناس. والعُدْوان: الظلم الصُّراح. وقيل: هو مأخوذ من المجاوزة؛ من قولك: لا يَعْدُوك هذا الأمر؛ أي لا يتجاوزك. وعداه إذا جاوزه؛ فسمّي عدوّاً لمجاوزة الحد في مكروه صاحبه؛ ومنه العَدْوُ بالقَدَم لمجاوزة الشيء، والمعنيان متقاربان؛ فإن من ظلم فقد تجاوز. قلت: وقد حمل بعض العلماء قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} على الإنسان نفسه، وفيه بُعْدٌ وإن كان صحيحاً معنىً. يدلّ عليه قوله عليه السلام: «حديث : إن العبد إذا أصبح تقول جوارحه للسانه ٱتق الله فينا فإنك إذا ٱستقمت ٱستقمنا وإن ٱعوججت ٱعوججنا»تفسير : . فإن قيل: كيف قال «عدوّ» ولم يقل أعداء؛ ففيه جوابان. أحدهما: أن بَعْضاً وكُلاًّ يُخبر عنهما بالواحد على اللفظ وعلى المعنى، وذلك في القرآن؛ قال الله تعالى: {أية : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً} تفسير : [مريم: 95] على اللفظ، وقال تعالى: {أية : وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ} تفسير : [النمل: 87] على المعنى. والجواب الآخر: أن عدوّا يفرد في موضع الجمع؛ قال الله عز وجل: {أية : وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} تفسير : [الكهف: 50] بمعنى أعداء، وقال تعالى: {أية : يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ ٱلْعَدُوُّ} تفسير : [المنافقون: 4]. وقال ٱبن فارس: العدوّ ٱسم جامع للواحد والاثنين والثلاثة والتأنيث، وقد يجمع. الثالثة: لم يكن إخراج الله تعالى آدم من الجنة وإهباطه منها عقوبة له؛ لأنه أهبطه بعد أن تاب عليه وقبِل توبته، وإنما أهبطه إمّا تأديباً وإمّا تغليظاً للمِحْنة. والصحيح في إهباطه وسكناه في الأرض ما قد ظهر من الحكمة الأزليّة في ذلك، وهي نشر نَسله فيها ليكلّفهم ويمتحنهم، ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الأُخْرَوِيّ؛ إذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف؛ فكانت تلك الأكلة سبب إهباطه من الجنة. ولله أن يفعل ما يشاء. وقد قال: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً}. وهذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة؛ وقد تقدّمت الإشارة إليها مع أنه خُلق من الأرض. وإنما قلنا إنما أهبطه بعد أن تاب عليه لقوله ثانية: «قُلْنَا ٱهْبِطُوا» وسيأتي. الرابعة: قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} ٱبتداء وخبر؛ أي موضع ٱستقرار. قاله أبو العالية وٱبن زيد. وقال السُّدِّيّ: «مُسْتَقَر» يعني القبور. قلت: وقول الله تعالى: {جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً} يحتمل المعنيين. والله أعلم. الخامسة: قوله تعالى: {وَمَتَاعٌ} المتاع ما يُستمتع به من أكل ولُبْس وحياة وحديث وأنس وغير ذلك؛ ومنه سُمِّيت مُتعة النكاح لأنها يُتَمَتَّع بها. وأنشد سليمان بن عبد الملك حين وقف على قبر ٱبنه إثر دفنه:شعر : وقفتُ على قبرٍ غريبٍ بقَفْرةٍ متاعٌ قليلٌ من حبيبٍ مفارِق تفسير : السادسة: قوله تعالى: {إِلَىٰ حِينٍ} اختلف المتأوّلون في الحين على أقوال؛ فقالت فرقة: إلى الموت؛ وهذا قول من يقول: المستقرّ هو المقام في الدنيا. وقيل: إلى قيام الساعة؛ وهذا قول من يقول: المستقَرّ هو القبور. وقال الربيع: «إلى حين» إلى أجل. والحين: الوقت البعيد؛ فحينئذ تبعيدٌ من قولك الآن. قال خويلد:شعر : كابِي الرَّماد عظيمُ القِدْرِ جَفْنَتُه حِين الشتاءِ كحْوض المَنْهَلَ اللَّقِفِ تفسير : لَقِف الحوض لَقَفاً؛ أي تهوّر من أسفله وٱتّسع. وربما أدخلوا عليه التاء. قال أبو وَجْزَة:شعر : العاطفون تَحِين ما مِن عاطفٍ والمُطْعِمون زمانَ أيْنَ المُطْعِمُ تفسير : والحِين أيضاً: المدّة؛ ومنه قوله تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} تفسير : [الإنسان: 1]. والحِين: الساعة؛ قال الله تعالى: {أية : أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ} تفسير : [الزمر: 58]. قال ٱبن عَرَفة: الحِين القطعة من الدهر كالساعة فما فوقها. وقوله: {أية : فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّىٰ حِينٍ}تفسير : [المؤمنون: 54] أي حتى تفنى آجالهم. وقوله تعالى: {أية : تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ}تفسير : [إبراهيم: 25] أي كل سنة؛ وقيل: بل كل ستة أشهر؛ وقيل: بل غُدْوَةً وَعَشِيّا. قال الأزهريّ: الحِين ٱسم كالوقت يصلح لجميع الأزمان كلها طالت أو قصرت. والمعنى أنه ينتفع بها في كل وقت ولا ينقطع نفعها البَتّة. قال: والحِين يوم القيامة. والحين: الغُدْوَة والعَشِيّة؛ قال الله تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ}تفسير : . [الروم: 17] ويقال: عاملته محايَنَةً؛ من الحِين. وأحينت بالمكان: إذا أقمت به حِيناً. وحان حينُ كذا أي قرب. قالت بُثَيْنَةُ:شعر : وإنّ سُلوّي عن جميلٍ لساعةٌ من الدهر ما حانت ولا حان حِينُهَا تفسير : السابعة: لما ٱختلف أهل اللسان في الحِين ٱختلف فيه أيضاً علماؤنا وغيرهم؛ فقال الفَرّاء: الحين حينان: حِين لا يوقف على حدّه، والحِين الذي ذكر الله جل ثناؤه:{أية : تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} تفسير : [إبراهيم: 25] ستة أشهر. قال ٱبن العربي: الحِين المجهول لا يتعلّق به حُكم، والحِين المعلوم هو الذي تتعلق به الأحكام ويرتبط به التكليف؛ وأكثر المعلوم سنة. ومالك يرى في الأحكام والأيمان أعمّ الأسماء والأزمنة. والشافعي يرى الأقل. وأبو حنيفة توسط فقال: ستة أشهر. ولا معنى لقوله؛ لأن المقدّرات عنده لا تثبت قياساً، وليس فيه نص عن صاحب الشريعة، وإنما المعوّل على المعنى بعد معرفة مقتضى اللفظ لغةً. فمن نَذَر أن يصلّي حِيناً فيُحمل على ركعة عند الشافعي؛ لأنه أقل النافلة، قياساً على ركعة الوتر. وقال مالك وأصحابه: أقل النافلة ركعتان؛ فيتقدّر الزمان بقدر الفعل. وذكر ٱبن خُوَيْزِ مَنْداد في أحكامه: أن من حلف ألاّ يكلم فلاناً حِيناً أو لا يفعل كذا حيناً، أن الحين سنة. قال: وٱتفقوا في الأحكام أن من حلف ألاّ يفعل كذا حيناً أو لا يكلّم فلاناً حيناً، أن الزيادة على سنة لم تدخل في يمينه. قلت: هذا الاتفاق إنما هو في المذهب. قال مالك رحمه الله: مَن حلف ألا يفعل شيئاً إلى حِينٍ أو زمان أو دهر، فذلك كلّه سنة. وقال عنه ٱبن وهب: إنه شك في الدهر أن يكون سنة. وحكى ٱبن المنذر عن يعقوب وٱبن الحسن: أن الدهر ستة أشهر. وعن ٱبن عباس وأصحاب الرأي وعكرمة وسعيد بن جُبير وعامر الشَّعْبي وعَبِيدة في قوله تعالى: {أية : تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} تفسير : [إبراهيم: 25] أنه ستة أشهر. وقال الأوزاعي وأبو عبيد: الحين ستة أشهر. وليس عند الشافعي في الحين وقت معلوم، ولا للحين غاية؛ قد يكون الحين عنده مدّة الدنيا. وقال: لا نُحَنثه أبداً، والوَرَع أن يقضيه قبل ٱنقضاء يوم. وقال أبو ثَور وغيره: الحين والزمان على ما تحتمله اللغة، يقال: قد جئت من حين، ولعلّه لم يجىء من نصف يوم. قال الكِيَا الطبري الشافعي: وبالجملة، الحين له مصارف، ولم ير الشافعيّ تعيين محمل من هذه المحامل؛ لأنه مجمل لم يوضع في اللغة لمعنىً معيّن. وقال بعض العلماء في قوله تعالى: «إلى حِينٍ» فائدة بشارة إلى آدم عليه السلام ليعلم أنه غير باق فيها ومنتقل إلى الجنة التي وعد بالرجوع إليها؛ وهي لغير آدم دالة على المعاد فحسب؛ والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا} أصدر زلتهما عن الشجرة وحملهما على الزلة بسببها، ونظير «عن» هذه في قوله تعالى {أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى }تفسير : [الكهف: 82] أو أزلهما عن الجنة بمعنى أذهبهما، ويعضده قراءة حمزة فأزلهما وهما متقاربان في المعنى، غير أن أزل يقتضي عثرة مع الزوال، وإزلاله قوله: {أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ }تفسير : [طه: 120] وقوله: {أية : مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 20] ومقاسمته إياها بقوله: {أية : إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ }تفسير : [الأعراف: 21] واختلف في أنه تمثل لهما فقاولهما بذلك، أو ألقاه إليهما على طريق الوسوسة، وأنه كيف توصل إلى إزلالهما بعدما قيل له: {أية : أَخْرَجَ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ }تفسير : [ص: 77] فقيل: إنه منع من الدخول على جهة التكرمة كما كان يدخل مع الملائكة، ولم يمنع أن يدخل للوسوسة ابتلاء لآدم وحواء. وقيل: قام عند الباب فناداهما. وقيل: تمثل بصورة دابة فدخل ولم تعرفه الخزنة. وقيل: دخل في فم الحية حتى دخلت به. وقيل: أرسل بعض أتباعه فأزلهما، والعلم عند الله سبحانه وتعالى. {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } أي من الكرامة والنعيم. {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ } خطاب لآدم عليه الصلاة والسلام وحواء لقوله سبحانه وتعالى: {أية : قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً }تفسير : [طه: 123] وجمع الضمير لأنهما أصلا الجنس فكأنهما الإنس كلهم. أو هما وإبليس أخرج منها ثانياً بعدما كان يدخلها للوسوسة، أو دخلها مسارقة أو من السماء. {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } حال استغني فيها عن الواو بالضمير، والمعنى متعادين يبغي بعضكم على بعض بتضليله. {وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ } موضع استقرار، أو استقرارٍ. {وَمَتَـٰعٌ } تمتع. {إِلَىٰ حِينٍ } يريد به وقت الموت أو القيامة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَٰنُ } إبليس أذهبهما وفي قراءة (فأزالهما ) نحّاهما {عَنْهَا } أي الجنة بأنْ قال لهما: { أية : هل أدلّكما عَلَى شَجَرَةِ الخُلْد } تفسير : [20: 120]{أية : وقاسَمَهُمَا إنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّٰصِحِين }تفسير : [21:7] فأكلا منها {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ } من النعيم {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ } إلى الأرض أي أنتما بما اشتملتما عليه من ذرّيتكما {بَعْضُكُمْ } بعض الذرية {لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } من ظلم بعضكم بعضاً {وَلَكُمْ فِى ٱلارْضِ مُسْتَقَرٌّ } موضع قرار {وَمَتَٰعٌ } ما تتمتعون به من نباتها {إِلَىٰ حِينٍ } وقت انقضاء آجالكم.

ابن عبد السلام

تفسير : {فَأَزَلَّهُمَا} أزالهما: نَحَّاهما، وأزلهما: من الزلل وهو الزوال عن الحق. والشيطان: إبليس، وسوس لهما من غير مشاهدة، ولا خلوص إليهما، أو خلص إليهما وشافههما بالخطاب، وهو الأظهر، وقول الأكثر. {فَأَخْرَجَهُمَا} نسب الخروج إليه، لأنه سببه. {اهْبِطُواْ} الهُبوط: الزوال، والهبوط: موضع الهَبوط، المأمور به آدم، وحواء، وإبليس، والحية، أو آدم، وإبليس وذريتهما، أوآدم، وحواء والوسوسة. {عَدُوٌّ} بنو آدم وبنو إبليس أعداء، أو الذين أُمروا بالهبوط بعضهم لبعض أعداء، {مُسْتَقَرٌّ} مقامهم عليها، أو قبورهم. {وَمَتَاعٌ} كل ما انتفع به فهو متاع. {إِلَى حِينٍ} الموت، أو قيام الساعة، أو أجل.

الخازن

تفسير : قوله عز وجل: {فأزلهما الشيطان} أي استزل آدم وحواء ودعاهما إلى الزلة وهي الخطيئة، وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى على عصمة الأنبياء والجواب عما صدر منهم عند قوله عز وجل: {أية : وعصى آدم ربه فغوى}تفسير : [طه: 121] في سورة طه {عنها} أي الجنة {فأخرجهما مما كان فيه} يعني من النعيم وذلك أن إبليس أراد أن يدخل الجنة ليوسوس لآدم وحواء فمنعه الخزنة فأتى الحية وكانت صديقة لإبليس وكانت من أحسن الدواب لها أربع قوائم كقوائم البعير وكانت من خزّان الجنة فسألها أن تدخله الجنة في فيها فأدخلته ومرت به على الخزنة وهم لا يعلمون. وقيل إنما رآهما على باب الجنة لأنهما كانا يخرجان منهما، وكان إبليس بقرب الباب فوسوس لهما وذلك أن آدم لما دخل الجنة ورأى ما فيها من نعيم قال لو أن خلداً فاغتنم ذلك الشيطان منه وأتاه من قبل الخلد. وقيل لما دخل الجنة وقف على آدم وحواء وهما لا يعلمان أنه إبليس فبكى وناح نياحة أحزنتهما وهو أول من ناح فقالا ما يبكيك قال أبكي عليكما لأنكما تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعمة فوقع ذلك في أنفسهما واغتما ومضى إبليس ثم أتاهما بعد ذلك وقال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد فأبى أن يقبل منه فقاسمهما بالله إني لكما لمن الناصحين، فاغترا وما ظنا أن أحداً يحلف بالله كاذباً، فبادرت حواء إلى أكل الشجرة، ثم ناولت آدم فأكل منها. قال إبراهيم بن أدهم: أورثتنا تلك الأكلة حزناً طويلاً، فقال ابن عباس: قال الله تعالى: "حديث : يا آدم ألم يكن فيما أبحتك من الجنة مندوحة عن الشجرة قال بلى يا رب وعزتك ولكن ما ظننت أن أحداً يحلف بك كاذباً. قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيش فيها إلاّ نكداً فاهبط من الجنة وعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث وزرع وسقى حتى إذا بلغ واشتد حصده ثم درسه ثم ذراه ثم طحنه ثم عجنه وخبزه ثم أكله فلم يبلغه حتى بلغ منه الجهد"تفسير : . وفي رواية أخرى عن ابن عباس: إن آدم لما أكل من الشجرة التي نهى عنها قال الله تعالى: يا آدم ما حملك على ما صنعت؟ قال يا رب زينته لي حواء قال: فإني أعقبتها أن لا تحمل إلاّ كرهاً ولا تضع إلاّ كرهاً ودميتها في الشهر مرتين، فرنت حواء عند ذلك فقيل عليك الرنة وعلى بناتك. والرنة الصوت، فلما أكلا من الشجرة تهافتت عنهما ثيابهما، وأخرجا من الجنة، فذلك قوله عز وجل {وقلنا اهبطوا} أي انزلوا إلى الأرض يعني آدم وحواء وإبليس والحية فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند على جبل يقال له نود، وأهبطت حواء بجدة وإبليس بالإبلة من أعمال البصرة والحية بأصبهان {بعضكم لبعض عدو} يعني العداوة التي بين المؤمنين من ذرية آدم وبين إبليس وإليه الإشارة بقوله عز وجل: {أية : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً} تفسير : [فاطر: 6] والعداوة التي بين ذرية آدم والحية. عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من ترك الحيات مخافة طلبهن فليس منا، ما سالماهن منذ حاربناهن" تفسير : أخرجه أبو داود، وله عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اقتلوا الحيات كلهن فمن خاف من ثأرهن فليس مني" تفسير : وفي رواية "حديث : اقتلوا الكبار كلها إلاّ الجان الأبيض الذي كأنه قضيب فضة" تفسير : (م) عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن بالمدينة جنّاً قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان" تفسير : وفي رواية "حديث : إن بهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم منها شيئاً فاخرجواعليه ثلاثاً فإن ذهب وإلاّ فاقتلوه فإنه كافر" تفسير : {ولكم في الأرض مستقر} أي موضع قرار {ومتاع} أي بلغة ومستمتع {إلى حين} أي إلى وقت انقضاء آجالكم. قوله عز وجل {فتلقى آدم} أي فتلقن، والتلقي هو قبول عن فطنة وفهم. وقيل هو التعلم {من ربه كلمات} أي كانت سبب توبته. وقيل إن تلك الكلمات هي قوله ربنا ظلمنا أنفسنا الآية وقيل هي لا إله إلاّ أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم لا إله إلاّ أنت سبحانك وبحمدك رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين، وقيل قال آدم: يا رب أرأيت ما أتيت أشي ابتدعته من تلقاء نفسي أم شيء قدرته عليّ قبل أن تخلقني؟ قال: بل شيء قدرته عليك قبل أن أخلقك. قال: يا رب فكما قدرته علي فاغفر لي. وقيل: إن الله تعالى أمر آدم بالحج وعلمه أركانه فطاف بالبيت سبعاً وهو يومئذٍ ربوة حمراء ثم صلّى ركعتين ثم استقبل البيت وقال اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، فأوحى الله تعالى إليه يا آدم قد غفرت لك ذنوبك. وقيل: إن آدم لما أهبط إلى الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله تعالى. وقيل هي ثلاثة أشياء: الحياء والدعاء والبكاء. قال ابن عباس: بكى آدم وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائتي سنة ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوماً. وقيل: لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم اكثر حيث أصاب الخطيئة لو أن دموع داود ودموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم أكثر حيث أخرجه الله من الجنة {فتاب عليه} أي فتجاوز عنه وغفر له. وأصل التوبة من تاب يتوب إذا رجع فكأن التائب رجع عن ذلك الذنب الذي كان عليه، ولا تتحقق التوبة منه إلاّ بثلاثة أمور. علم وحال وعمل. أما العلم فهو أن يعلم العبد ضرر الذنب وأنه حجاب عن الله تعالى، فإذا حصل هذا العلم تألم القلب فعند ذلك يحصل الندم وهو الحال فيترك العبد الذنب، وبعزم في المستقبل أن لا يعود إليه وهو العمل فإذا تحققت هذه الثلاثة الأمور وحصلت التوبة، وسيأتي بسط هذا عند قوله تعالى: {أية : توبوا إلى الله توبة نصوحاً} تفسير : [التحريم: 8] في سورة التحريم إن شاء الله تعالى {إنه هو التواب} أي الرجاع على عباده بقبول التوبة. والتواب في وصف الله سبحانه وتعالى: المبالغ في قبول توبة عباده {الرحيم} أي بخلقه وصف سبحانه وتعالى نفسه مع كونه بأنه رحيم {قلنا اهبطوا منها جميعاً} يعني هؤلاء الأربعة. وقيل إن الهبوط الأول من الجنة إلى سماء الدنيا والهبوط الثاني من السماء الدنيا إلى الأرض، وفيه ضعف لأنه قال في الهبوط الأول {ولكم في الأرض مستقر} فدل على أنه كان من الجنة إلى الأرض، والأصح أنه للتأكيد {فإمَّا يأتينكم مني هدى} فيه تنبيه على عظم نعم الله على آدم وحواء كأنه قال وإن أهبطتكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بهدايتي التي تؤديكم إلى الجنة مرة أخرى على الدوام الذي لا ينقطع وقيل المخاطب هم ذرية آدم يعني يا ذرية آدم إما يأتينكم مني رشد وبيان وشريعة وقيل كتاب ورسول {فمن تبع هداي فلا خوف عليهم} يعني فيما يستقبلهم {ولا هم يحزنون} أي على ما خلفوا وقيل لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الآخرة.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا...} أي فسكنا، وأكلا حيث شَاءَا، فأَزَلَّهُمَا، فسَّرُوهُ بأمرين إما (أوقعهما) في الزلَّة والإثم فالضمير في "عنها" للجنة، أو للشجرة فهو معنوي، وإما حسي من الزوال فالضمير في "عنها" للجنّة. وقرأ حمزة، فَأَزَلَّهُمَا وهو نص في الزوال الحسي فتكون (مرجّحة) (لإرادته) في القراءة الأولى. قال ابن عطية: لما دخل إبليس لآدم سأله عن حاله فقال (له): ما أحسن هذا لو أن خلدا (كان) فوجد به السبيل إلى إغوائه. قال ابن عرفة: هذا إلهام (للنطق) بما وقع في الوجود حيث قال ابليس {أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ} تفسير : كما قال يعقوب عليه السلام لبنيه {أية : وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ ٱلذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ} تفسير : فقالوا له: {أية : إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئْبُ }. تفسير : (وكما قال الشاعر: شعر : احفظ لسانك أن تقول فتبتلى) إنّ البلاء موكل بالمنطق تفسير : وأكله من الشجرة إما لظنه أنّ النهي للكراهة أو المنهي عنها شجرة واحدة بالشخص وهذه من نوعها فقط. زاد ابن عطية: إن حواء سقته الخمر فأكل في حال السكر. قيل لابن عرفة: خمر الجنة لا يسكر فقال: إن تلك الجنة (التي) من دخلها (يؤمّن) من الخروج (منها) ولعلّ هذه إذ ذاك (كان) خمرها مسكرا. قلت: أو كان الخمر من غيرها وأدخل (فسقي منها) قال: ومذهب مالك أنّ جميع ما يصدر عن السّكران من طلاق وقذف وقتل وزنا وسرقة كلّه يلزمه ويؤاخذ به وهي (أول) مسألة في العتبية من النكاح الأول. قيل له: إنما هذا اللزوم بعد تحريم الخمر وقد كانت حينئذ حلالا فيعذر شاربها؟ فقال: حفظ العقول من الكليات الخمس التي اتفقت جميع الملل عليها فالسّكر حرام وإنما يجوز فيها ما لا يسكر. قوله تعالى: {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ...}. الأنسب أن يكون الخطاب بواسطة وهو الأغلب فيمن يواقع الأمر المرجوح. قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ...} ابن عطية: هو في موضع الحال فألزمه أبو حيان أن تكون العداوة مأمورا بها لأن الحال داخلة في الأمر. وأجاب ابن عرفة: بأن ذلك حيث يكون الحال غير (واقعة) حين الخطاب بالأمر (إلا) إذا كانت واقعة فالأمر بها تحصيل الحاصل كقولك: وزيد (ضاحك). أكرم زيدا ضَاحِكا. والعداوة حينئذ بين آدم وإبليس موجودة. أو تقول: إنها مأمور بها ولا يلزم عليه شيء لكن هذا إن كان إبليس داخلا في الأمر. قال ابن عطية: المخاطب بالهبوط آدم وحواء وإبليس والحية؟ وقال الحسن: آدم وحواء والوسوسة. قال: (ابن عرفة: أي عدو الوسوسة). وقال غيره: والحية. لأن إبليس قد كان اهبط. قال: وإذا قلنا: (إنّ) الأمر لآدم وحواء وإبليس، فيكون في الآية دليل على جواز إطلاق (لفظ البعض) على أكثر من النصف.

ابن عادل

تفسير : المفعول في قوله: "فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطََانُ" واجب التقديم، لأنه ضمير متّصل، والفاعل ظاهر، وكل ما كان كذا فهذا حكمه. وقرأ "حمزة": "فأَزَالَهُما" والقراءتان يحتمل أن تكونا بمعنى واحد، وذلك أن قراءة الجماعة "أزلهما" يجوز أن تكون من "زَلَّ عَنِ المَكَانِ": إذا تنحى عنه، فتكون من الزوال كقراءة "حمزة"، ويدل عليه قول امرىء القيس: [الطويل] شعر : 404- كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِّبْدُ عَنْ حَالِ مَتْنِهِ كَمَا زَلَّتِ الصَّفْوَاءُ بِالمُتَنَزَّلِ تفسير : وقال أيضاً: [الطويل] شعر : 405- يَزِلُّ الغُلاَمُ الخِفُّ عَنْ صَهَوَاتِهِ وَيُلْوِي بِأَثْوَابِ العَنِيفِ المُثَقَّلِ تفسير : فرددنا قراءة الجماعة إلى قراءة "حمزة"، أو نرد قراءة "حمزة" إلى قراءة الجماعة بأن نقول: معنى أزالهما: أي صرفهما عن طاعة الله، فأوقعهما في الزَّلَّة؛ لأن إغواءه وإيقاعه لهما في الزَّلَّة سبب للزوال، ويحتمل أن تفيد كل قراءة معنى مستقلاًّ، فقراءة الجماعة تؤذن بإيقاعهما في الزَّلَّة، فيكون "زلّ" بمعنى: استزلّ، وقراءة "حمزة" تؤذن بتنحيتهما عن مكانهما، ولا بُدَّ من المجاز في كِلْتَا القراءتين، لأن الزَّلَلَ أصله من زلّة القدم، فاستعمل هنا في زلّة الرأي والتنحية لا يقدر عليها الشَّيطان، وإنما يقدر على الوسوسة التي هي سبب التنحية. و "عنها" متعلّق بالفعل قبله، ومعنى "عن" هنا السَّببية إن أعدنا الضمير على "الشجرة" أي: أوقعهما في الزَّلَّة بسبب الشجرة. قال "الزَّمخشري" لفظة "عن" في هذه الآية كما في قوله: {أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} تفسير : [الكهف: 82]. ويجوز أن تكون على بابها من المُجاوزة إن عاد الضمير على "الجنّة"، وهو الأظهر، لتقدّم ذكرها، وتجيء عليه قراءة "حمزة" واضحة، ولا تظهر قراءته كلّ الظُهور على كون الضمير لـ "الشجرة". قال "ابن عطيّة" فأما من قرأ "أزالهما" فإنه يعود على "الجنة" فقط. وقيل: الضَّمير للطاعة، أو للحالة، أو للسماء، وإن لم يجر لهما ذكر لدلالة السياق عليهما. وهذا بعيد جدًّا. فإن قيل: إن الله - تعالى - قد أضاف الإزْلاَل إلى "إبليس" فلم عاتبهما على ذلك الفعل؟ والجواب: أن قوله: "فأزلهما" أنهما عند وَسْوَسَتِهِ أتيا بذلك الفعل، وأضيف ذلك إلى "إبليس" كما في قوله: {أية : فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَآئِيۤ إِلاَّ فِرَاراً} تفسير : [نوح: 6] قال تعالى حاكياً عن إبليس: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي} تفسير : [إبراهيم: 22]، هذا قول المعتزلة، والتحقيق في هذه الإضافة ما ذكرناه، وهو أن القادر على الفعل والترك مع التَّسَاوي يستحيل أن يكون موجداً لأحد هذين الأمرين إلا عند انضمام الدَّاعي إليه، والدَّاعي في حَقّ العبد عبارة عن علم أو ظن، أو اعتقاد بكون الفعل مشتملاً على مصلحةٍ، فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسبب منبّه نبه عليه كان الفعل مضافاً إلى ذلك المنبّه؛ لأنه هو الفاعل لما لأجله صار الفَاعِلُ بالقوة فاعلاً بالفعل، فهكذا المَعْنَى انضاف - ها هنا - إلى الوسوسة. فإن قيل: كيف كانت الوَسْوَسَةُ؟ فالجواب: هي التي حكى الله عنها في قوله: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 20] فلم يقبلا ذلك منه، فلما أيس عدل إلى اليمين على ما قال تعالى: {أية : وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 21] فلم يصدقاه. والظاهر أنه بعد ذلك عَدَلَ إلى شيء آخر، وهو أنه شغلهما باستيفاء اللَّذَّات المُبَاحة حتى صارا مستغرقين فيها، فَحَصَلَ بسبب استغراقهما فيها نِسْيَان النهي، فعند ذلك حصل ما حصل، والله أعلم. فصل في بيان كيف وسوس إبليس لآدم اختلفوا في أنه كيف تمكّن إبليس من وَسْوَسَةِ آدم عليه الصلاة والسلام مع أن إبليس كان خارج الجنّة، وآدم عليه الصَّلاة والسَّلام داخل الجنّة؟ وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: ما روي عن وهب بن منبّه والسدي عن ابن عباس وغيره: أن إبليس أراد دخول الجنة، فمنعته الخزنة، فأتى الحية بعد ما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد من الحيوانات، فابتلعته الحية وأدخلته الجَنَّة خفية من الخَزَنَةِ، فلما دخلت الحَيّة الجنة خرج إبليس من فيها واشتغل بالوَسْوَسَةِ، فلا جرم لعنت الحَيّة، وسقطت قوائمها، وصارت تمشي على بطنها، وجعل رزقها في التراب، وصارت عدواً لبني آدم، وأمرنا بقتلها في الحِلّ والحَرَمِ. قال ابن الخطيب: وهذا وأمثاله يجب ألا يلتفت إليه؛ لأن إبليس لو قدر على الدخول في فَمِ الحيّة فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حَيّة ثم يدخل الجَنّة؟ ولأن الحية لو فعلت ذلك، فلم عوقبت مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة؟ وأيضاً فلما خرج من بطنها صارت في الجنة كانت الملائكة والخزنة يرونه. وثانيها: أن "إبليس" دخل الجَنَّة في صورة دَابّة، وهذا القول أقلّ فساداً من الأول. وثالثها: قال بعض أَهْل الأصول: لعلّ آدم وحَوّاء - عليهما السلام - كانا يخرجان إلى باب الجنة، وإبليس كان بقرب الماء يُوَسْوِسُ لهما. ورابعها: قال الحسن: كان إبليس في الأرض، وأوصل الوَسْوسَةَ إليهما في الجنّة. قال بعضهم: هذا بعيد؛ لأن الوسوسة كلام خفيّ، والكلام الخفيّ لا يمكن إيصاله من الأرض إلى السَّماء. واختلفوا في أن "إبليس" باشر خطابهما، أو أوصل الوسوسة إليهما على لسان بعض أتباعه. حجّة الأول: قوله تعالى: {أية : وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 21]وذلك يقتضي المُشَافهة، وكذا قوله: {أية : فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} تفسير : [الأعراف: 22]. وحجّة الثاني: أن آدَمَ وحواء - عليهما الصَّلاة والسَّلام - كان يعرفانه، ويعرفان ما عنده من العداوة والحَسَد، فيستحيل في العادة أن يقبلا قوله، فلا بد وأن يكون المباشر للوسوسة بعض أتباع إبليس. وقد يُجَاب عن هذا بأن إبليس لما خالف أمر ربّه ولعن لعلّه انتقل من تلك الصورة التي يُعْرَفُ بها إلى صورة أخرى، ولعلّ إبليس تشكّل لهما في صورة لا يعرفانها، فإن له قدرة التشكل، والله أعلم. فصل في بيان أن آدم عصى ربه ناسياً اختلفوا في صدور ذلك الفعل عن آدم - عليه الصلاة والسّلام - بعد النبوة، هل فعله ناسياً أو ذاكراً؟ قال طائفة من المتكلّمين: فعله ناسباً، واحتجوا بقوله تعالى: {أية : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه: 115] ومثلوه بالصَّائم إذا أكل ناسياً، وهذا باطل من وجهين: الأول: قوله تعالى: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} تفسير : [الأعراف: 20]. وقوله: {أية : وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 21] يدلّ على أنه ما نسي النهي حال الإقدام. الثاني: أنه لو كان ناسياً لما عوتب على ذلك الفعل. أما من حيث العقل فلأن الناسي غير قادر على الفعل فلا يكون مكلفاً به لقوله تعالى: {أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286]. وأما من حيث النقل فلقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : رُفعَ عَنْ أمّتِي الخَطَأُ والنِّسْيَانُ ". تفسير : وقد يجاب عن الأول بأنا لا نسلّم أن آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - قَبِلاَ من إبليس ذلك الكلام وصَدّقاه؛ لأنهما لو صدقاه لكانت معصيتهما في ذلك التصديق أعظم من أكل الشَّجرة؛ لأن إبليس لما قال لهما: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} تفسير : [الأعراف: 20] الآية فقد ألقى إليهما سوء الظَّن بالله - تعالى - ودعاهما إلى ترك التَّسْليم لأمره، والرضا بحكمه، وأن يعتقدا فيه كون إبليس ناصحاً لهما، وأن الرب - تَعَالَى - قد غشهما ولا شك أن هذه الأشياء أعظم من أكل الشجرة، فوجب أن تكون المُعَاتبة في ذلك أشد، وأيضاً آدم - عليه الصلاة والسلام - كان عالماً بتمرد "إبليس"، وكونه مبغضاً له وحاسداً له، فكيف يجوز من العاقل أن يقبل قول عدوّه مع هذه القرائن، وليس في الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل عند ذلك الكلام. وأما الجواب الثاني: فهو أن العتاب إنما حصل على قلّة التحفُّظ من أسباب النسيان، وهذا الضرب من السَّهو موضوع عن المسلمين، وقد كان يجوز أن يؤاخذوا به، وليس بموضوع عن الأنبياء لعظم خَطَرِهِمْ ومثّلوه بقوله: {أية : يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ} تفسير : [الأحزاب: 32]، ثم قال: {أية : مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} تفسير : [الأحزاب: 30]. وقال عليه الصلاة والسلام: "حديث : أَشَدُّ النَّاسِ بَلاَءً الأنبياءُ ثم الأوْلِيَاءُ ثم الأَمْثَلُ فالأَمْثَلُ"تفسير : ، ولقد كان على النبي صلى الله عليه وسلم من التَّشْديدات في التَّكليف ما لم يَكُن على غيره. وذكر بعض المفسّرين أن حوّاء سقته الخَمْرَ، فسكر وفي أثناء السّكر فعل ذلك قالوا وهذا ليس ببعيد؛ لأنه - عليه الصَّلاة والسَّلام - كان مأذوناً له في تناول كل الأشياء سوى تلك الشجرة، فكان مأذوناً له في تناول الخمر، ولقائل أن يقول: إن خمر الجَنَّة لا يسكر لقوله تعالى في صفة خمر الجنة: {أية : لاَ فِيهَا غَوْلٌ} تفسير : [الصافات: 47]. القول الثاني: أن آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - فعله عامداً؛ فها هنا قولان: أحدهما: أن ذلك النهي نهي تَنْزِيِهٍ، لا نهي تحريم، وقد تقدم. الثاني: أنه تعمّد وأقدم على الأكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه، وذلك لا يقتضي كون الذَّنْبِ كبيرة، وهذا اختيار أكثر المعتزلة. وبيان خطأ الاجتهاد أنه لما قيل له: {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} تفسير : [الأعراف: 19] فلفظ "هذه" يشار به إلى الشَّخص، وقد يشار به إلى النوع، كما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - أخذ حريراً وذهباً بيده وقال: "حديث : هَذَانِ حَلاَلٌ لإنَاثِ أمّتِي حَرَامٌ على ذُكُورِهَا" تفسير : وأراد به نوعهما، وتوضأ مرة وقال: "حديث : هذا وُضُوءٌ لا يقبل الله الصَّلاَةَ إلاَّ به" تفسير : وأراد نوعه، فلما سمع آدم - عليه الصلاة والسلام - قوله: {ولا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} ظنّ أن النهي إنما يتناول تلك الشجرة المعينة، فتركها وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع، فكان مخطئاً في ذلك الاجتهاد؛ لأن مراد الله - تعالى - النهي عن النوع لا عن الشخص. والاجتهاد في الفروع إذا كان خطأً لا يوجب استحقاق العقاب لاحتمال كونه صغيرةً مغفورة كما في شرعنا. فإن قيل: الكلام على هذا القول من وجوه: أحدها: أن كلمة "هذا" في أصل اللغة للإشارة إلى الشَّيء الحاضر، وهو لا يكون إلا شيئاً معيناً، فإن أشير بها إلى النوع، فذاك على خلاف الأصل، وأيضاً فأنه - تعالى - لا تجوز الإشارة عليه، فوجب أن يكون أمر بعض الملائكة بالإشَارَةِ إلى ذلك الشَّخص، فكان ما عداه خارجاً عن النهي لا مَحَالة، وإذا ثبت هذا فالمجتهد مكلف يحمل اللفظ على حقيقته، فآدم - عليه الصلاة والسلام - لما حمل لفظ "هذه" على المُعَيّن كان قد فعل الواجب، ولا يجوز له حمله على النوع، وهذا متأيد بأمرين: أحدهما: أن قوله: {أية : وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} تفسير : [البقرة: 35] أفاد الإذْنَ في تناول كل ما في الجنّة إلا ما خصه الدليل. والثاني: أن العقل يقتضي حلّ الانتفاع بجميع المَنَافِع إلاَّ ما خصّه الدليل، والدليل المخصص لم يدلّ على ذلك المعيّن، وإذا ثبت هذا امتنع أن يستحقّ بسبب تناول غيره وإن كان من ذلك النوع المنهي عنه عتاباً، فوجب على هذا أن يكون مصيباً لا مخطئاً. الاعتراض الثاني: هب أن لفظة "هذه" مترددة بين الشخص والنوع، ولكن هل قرن الله بهذا اللَّفْظ ما يدلّ على أن المراد منه النوع دون الشخص أو لا؟ فإن قرن به، فإما أن يقال: إن آدم - عليه الصلاة والسلام - قصر في معرفة ذلك البيان، فحينئذ يكون قد أتى بالذَّنب وإن لم يقصر بل عرفه، فحينئذ يكون إِقْدَامه على التَّناول من شَجَرة من ذلك النوع إقداماً على الذنب قصداً. الاعتراض الثالث: أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا يجوز لهم الاجْتِهَادُ؛ لأن الاجتهاد إقدام على العمل بالظنّ وذلك إنما يجوز في حَقّ من لا يتمكن من تحصيل العلم، أمّا الأنبياء فإنهم قادرون على تَحْصِيلِ اليقين، فوجب ألا يجوز لهم الاجتهاد؛ لأن الاكتفاء بالظن مع القدرة على تحصيل اليقين غير جائز عقلاً وشرعاً، وذا ثبت ذلك ثبت أن الإقدام على الاجتهاد معصية. الاعتراض الرابع: هذه المسألة إما أن تكون من المَسَائل القَطْعية أو الظنية، فإن كانت من القطعيات كان الخطأ فيها كبيراً، وحينئذ يعود الإشكال، وإن كانت من الظَّنيات فإن قلنا: إن كل مجتهد مصيب فلا يتحقّق الخطأ فيها أصلاً. وإن قلنا: المصيب فيها واحد، والمخطيء فيها معذور بالاتفاق، فكيف صار هذا القدر من الخطأ سبباً لإخراج آدم - عليه الصلاة والسلام - من الجنة؟ والجواب عن الأول: أن لفظة "هذا" وإن كان في الأصل إشارة إلى الشَّخص، لكنه قد يستعمل في الإشارة إلى النوع كما تقدم بيانه. والجواب عن الثاني: أن الله - سبحانه وتعالى - كان قد قرن به ما دَلّ على أنّ المراد هو النوع، لكن لعلّ آدم - عليه الصلاة والسلام - قصر في معرفة ذلك الدَّليل؛ لأنه ظنّ أنه لا يلزمه ذلك في الحال. أو يقال: إنه عرف ذلك الدليل في وقت ما نهاه الله - تعالى - عن عين الشَّجرة، فلما طالت المدة غفل عنه، لأن في الخبر أن آدم - عليه الصلاة والسلام - بقي في الجَنّة الدهر الطويل، ثم أخرج. والجواب عن الثالث: أنه لا حاجة هاهنا إلى إثبات أن الأنبياء تمسَّكوا بالاجتهاد، فإنّا بَيَّنَّا أنّ آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - قصّر في معرفة تلك الدّلالة، وإن كان قد عرفها، لكنه قد نسيها، وهو المراد من قوله تعالى: {أية : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه: 115]. والجواب عن الرَّابع: يمكن أن يقال [كانت] الدلالة قطيعة [إلا أنه] - عليه الصَّلاة والسَّلام - لما نسيها صار النِّسْيَان عذراً في ألاّ يصير الذنب كبيراً، أو يقال: كانت ظنيةً إلاَّ أنه ترتّب عليه من التَّشديدات ما لم يترتّب على خطأ سائر المجتهدين؛ لأن ذلك يجوز أن يختلف باختلاف الأشخاص، وكما أن الرسول - عليه الصَّلاة والسَّلام - مخصوص بأمور كثيرة في باب التَّشديدات بما لا يثبت في حق الأمة فكذا هاهنا. واعلم أنه يمكن أن يقال في المسألة وجه آخر، وهو أنه - تعالى - لما قال: {أية : وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} تفسير : [الأعراف: 19] فهم آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - من هذا النهي أنهما إنما نُهِيَا حال اجتماعهما؛ لأن قوله: "وَلاَ تَقْرَبَا" نهي لهما عن الجمع، ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال الاجتماع حال الانفراد، فلعل الخطأ في الاجتهاد إنما وقع من هذا الوجه. قوله: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} "الفاء" - هنا - فاء السببية. وقال المَهْدَويّ: إذا جعل "فأزلهما" بمعنى زَلّ عن المَكَان كان قوله: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} توكيداً، إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر، وهذا الذي قاله المَهْدَوِيّ أشبه شيء بالتأسيس لا التأكيد، لإفادته معنى جديداً. قال "ابن عطية": وهنا محذوف يدلّ عليه الظاهر تقديره: فأكلا من الشَّجرة، يعني بذلك أن المحذوف [يقدر] قبل قوله: "فَأَزَلَّهُمَا". و "مَمَّا كَانَا" متعلّق بـ "أخرج"، و "ما" يجوز أن تكون موصولة اسمية، وأن تكون نكرة موصوفة، أي: من المكان أو النعيم الَّذِي كانا فيه، أو من مكان، أو نعيم كانا فيه، فالجملة من "كان" واسمها وخبرها لا مَحَلّ لها على الأوّل ومحلّها الجَرّ على الثاني، و "من" لابتداء الغابة. فصل في قصة الإغواء روي عن ابن عَبّاس، وقتادة قال الله تعالى لآدم: أَلَم يك فيما أبحتك الجَنّة مَنْدُوحَة عن الشَّجرة، قال: بلى يا رَبّ وعزّتك، ولكن ما ظننت أن أحداً يحلف بك كاذباً قال: فبعزّتي لأهبطنّك إلى الأرض، ثم لا تَنَالُ العيش إلا كدًّا، فأهبطا من الجنة، فكانا يأكلان فيها رغداً فعلم [صنعة] الحديد، وأمر بالحَرْثِ فحرث وزرع وسقى، حتى إذا بلغ حصد، ثم دَاسَهُ، ثم ذَرَاه، ثم طحنه، ثم خبزه، ثم أكله، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله تعالى. ويروى أن "إبليس" أخذ من الشجرة التي نهى آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - عنها فجاء بها إلى حَوّاء فقال: انظري إلى هذه الشَّجرة ما أطيب ريحها، وأطيب طعمها، وأحسن لَوْنها، فلم يزل يغويها حتى أخذتها فأكلتها وقالت لآدم: كُلْ فإني قد أكلت فلم تضرني، فأكل منها فبدت لهما سَوْآنهما، [وبقيا] عرايا، فطلبا ما يستتران به، فتباعدت الأشجار عنهما، وبكّتوه بالمعصية، فرحمته شجرة التين، فأخذ من وَرقها، فاسْتَتَرُوا به فَبُلِيَ بالعُرْيِ دون الشجر. وقيل لحواء: كما أدميت الشجرة، فذلك يصيبك الدّم كلّ شهر، وتََحْمِلين وتَضَعِيِن كرهاً، وتُشْرفين [به] على المَوْتِ، وزاد الطبري والنَّقّاش، وتكونين سفيهةً وقد كنت حليمةً [ولعنت] الحية وردّت قوائمها في جَوْفِهَا، وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم، ولذلك أمرنا بِقَتْلِهَا. قوله: {ٱهْبِطُواْ} جملة أمرية في محلّ نصب بالقول قبلها، وحذفت الألف من "اهْبِطُوا" في اللفظ؛ لأنها ألف وصل، وحذفت الألف من "قلنا" في اللفظ؛ لسكونها وسكون الهاء بعدها. وقرىء: "اهْبُطُوا" بضم الباء، وهو كثير في غير المتعدّي. وأما الماضي فـ "هَبَطَ" بالفتح فقط، وجاء في مضارعه اللّغتان، والمصدر "الهبوط" بالضم، وهو النزول. وقيل: الانتقال مطلقاً. وقال المفضل: الهبوط: الخروج من البلد، وهو - أيضاً - الدخول. وفيه نظر: لأن "إبليس" حين أَبَى عن السُّجود أخرج من الجنة لقوله تعالى: {أية : فَٱهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا} تفسير : [الأعراف: 13] وقوله: {أية : فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} تفسير : [الحجر: 34] وزلة آدم وحَوّاء إنما وقعت بعد ذلك بمدّة طويلة، فكيف يكون متناولاً له فيها وهو من الأضداد؟ والضمير في "اهبطوا" الظاهر أنه لجماعة، فقيل: لآدم وحواء والحيّة وإبليس. وقيل: لهما وللحيّة. وفيه بعد؛ لأنّ المكلفين بالإجماع هم المَلاَئكة والجنّ والإنس. وقيل: لهما وللوسوسة. وفيه بعد. وقيل: لبني آدم وبني إبْلِيِسَ، وهذا وإن كان نقل عن "مُجَاهد والحَسَن" لا ينبغي أن يقال؛ لأنهما لم يولد لهما في الجنة بالاتفاق. وقال الزَّمَخْشَرِيّ: إنه يعود لآدم وحواء، والمراد هما وذرّيتهما؛ لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعّبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم، ويدلّ عليه: {أية : قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً} تفسير : [طه: 123]. وهذا ضعيف؛ لأن الذّرية ما كانوا موجودين في ذلك الوَقْتِ، فكيف يتناولهم الخطاب؟ أما من زعم أن أقل الجمع اثنان، فلا يرد عليه شيء من هذا. قوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} هذه جملة من مبتدأ وخبر، وفيها قولان: أصحهما: أنها في محل نصب على الحال، أي اهبطوا متعادين. والثاني: أنها لا محل لها؛ لأنها استئناف إخبار بالعداوة. وأفرد لفظ "عدو" وإن كان المراد به جمعاً لأحد وجهين: إما اعتباراً بلفظة "بعض" فإنه مفرد، وإمّا لأن "عدوًّا" أشبه بالمَصَادر في الوزن كـ "القَبُول" ونحوه. وقد صرح "أبو البقاء" بأن بعضهم جعل "عدوًّا" مصدراً، قال: وقيل: "عدو" مصدر كـ "القبول والولوع"، فلذلك لم يجمع. وعبارة "مكي" قريبة من هذا. فإنه قال: وإنما وحد وقبله جمع؛ لأنه بمعنى المصدر، تقديره: "ذوي عداوة" ونحوه: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّيۤ} تفسير : [الشعراء: 77] و {أية : هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ} تفسير : [المنافقون: 4]. واشتقاق العدو من "عدا" - "يعدو": إذا ظلم. وقيل: من "عَدَا" - "يَعْدُو": إذا جاوز الحق، وهما متقاربان. وقيل: من عَدْوَتَي الجبل، وهما طَرَفَاه، فاعتبروا بعد ما بينهما. ويقال: عدْوَة، وقد يجمع على "أعداء". فأما حصول العداوة بين آدم وإبليس فلقوله تعالى: {أية : يَآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ} تفسير : [طه: 117]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا} تفسير : [فاطر: 6]. وأما عداوة الحَيّة فلما نقله أهل التفسير من إدخاله إبليس في فِيِهَا، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : اقتلوا الحَيَّات صَغِيرَهَا وكَبِيرَهَا وأَبْيَضَهَا وأَسْوَدَهَا، فإن من قتلها كانت له فِدَاءً من النار ومن قَتَلَتْهُ كان شهيداً ". تفسير : وما كان من الحيات في البيوت فلا يُقْتَل حتى يؤذن ثلاثة أيام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن بالمَدِينَةِ جِنًّا قد أسلموا، فإذا رَأَيْتُمْ منهم شيئاً فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بَدَا لكم بعد ذلك فَاقْتُلُوه فإنما هو شَيْطَان ". تفسير : وفي رواية: "حديث : إنَّ لهذه البيوت عَوَامِرَ فإذا رَأَيْتُمْ شيئاً منها فَحَرِّجُوا عليها ثلاثاً، فإن ذهب وإلا فَاقْتُلُوهُ فإنه كافر ". تفسير : وصفة الإنذار أن يقول: أنذرتكم بالعَهْدِ الذي أخذه عليكم نُوحٌ - عليه الصَّلاة والسَّلام - وأنشدكم بالعَهْد الذي أخذه عليكم سليمان - عليه الصَّلاة والسَّلام - أن تخرجوا. وأما كون الجنّ حيات فلقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : الجنّ على ثَلاَثَةِ أثْلاثٍ فثُلثٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ في الهَوَاءِ، وثُلث حَيَّات وكِلاَب، وثُلُث يَحلُّونَ وَيَظْعَنُون ". تفسير : واللاَّم في "لِبَعْضٍ" متعلقة بـ "عدو"، فلما قدم عليه انتصب حالاً، فتتعلّق اللام حينئذ بمحذوف، وهذه الجملة الحالية لا حاجة إلى ادعاء حذف "واو" الحال منها؛ لأن الرَّبْطَ حصل بالضمير، وإن كان الأكثر في الجمل الاسمية الواقعة حالاً أن تقترن بالواو. و" البعض" في الأصل مصدر بَعضَ الشيء يَبْعَضُهُ، إذا قطعه فأطلق على القطعة من النَّاس؛ لأنها قطعة منه، وهو مقابل "كلاًّ"، وحكمه حكمه في لزوم الإضَافَةِ معنى، وأنه معرفة بنيّة الإضافة فلا تدخل عليه "أل" وينتصب عنه الحال؛ تقول: "مررت ببعض جالساً" وله لفظ ومعنى، وقد تقدم تقرير ذلك. تنبيه من قال: إن جنّة آدم كانت في السماء فسّر الهبوط بالنزول من العُلُو إلى أسفل، ومن قال: إنها كانت في الأرض فسره بالتحوّل من مكان إلى آخر كقوله: {أية : ٱهْبِطُواْ مِصْراً} تفسير : [البقرة: 61]. قوله: {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}. هذه الجملة يجوز فيها الوجهان المتقدّمان في الجملة قبلها من الحالية، والاستئناف كأنه قيل: اهبطوا مُثَعَادين، ومستحقين الاستقرار. و "لكم" خبر مقدم. و "في الأرض" متعلّق بما تعلّق به الخبر من الاستقرار. وتعلقه به على وجهين: أحدهما: أنه حال. والثاني: أنه غير حال، بل كسائر الظروف، ويجوز أن يكون "في الأرض" هو الخبر، و "لكم" متعلّق بما يتعلّق به هو من الاستقرار، لكن على أنه غير حال؛ لئلا يلزم تقديم الحال على عاملها المعنوي، على أن بعض النحويين أجاز ذلك إذا كانت الحال نفسها ظرفاً، أو حرف جر كهذه الآية، فيكون في "لكم" أيضاً الوجهان، قال بعضهم: ولا يجوز أن يكون "في الأَرْضِ" متعلّقاً بـ "مستقر"، سواء جعل مكاناً أو مصدراً؛ أما كونه مكاناً فلأن أسماء الأمكنة لا تعمل، وأما كونه مصدراً فلأن المَصْدَرَ الموصول لا يجوز تقديم معمول عليه. ولقائل ان يقول: هو متعلّق به على أنه مصدر، لكنه غير مؤول بحرف مَصْدَرِيّ، بل بمنزلة المصدر في قولهم: "لَهُ ذَكَاءٌ ذَكَاءَ الحُكَمَاءِ" وقد اعتذر صاحب هذا القَوْلِ بهذا العذر نفسه في موضع آخر مثل هذا. و "إلَى حِيْنٍ" الظَّاهر أنه متعلّق بـ "متاع"، وأن المسألة من باب الإعمال؛ لأن كلّ واحد من قوله: "مستقر ومَتَاع" يطلب قوله: "إلى حِينٍ" من جهة المعنى. وجاء الإعمال هُنَا على مختار البَصْريين، وهو إعمال الثَّاني وإهمال الأول، فلذلك حذف منه، والتقدير: ولكم في الأرض مستقرّ إليه، ومتاع إلى حين، ولو جاء على إعمال الأول لأضمر في الثاني. فإن قيل: من شرط الإعمال أن يصحّ تسلّط كل من العاملين على المعمول، و "مستقر" لا يصحّ تسلّطه عليه لئلاّ يلزم الفصل بين المَصْدر ومعموله، والمصدر بتقدير الموصول. فالجواب: أن المحذور في المصدر الذي يُرَاد به الحدث، وهذا لم يرد به حَدَث، فلا يؤول بموصول، وأيضاً فإنّ الظرف وشبهه فيه رَوَائح الفعل حتى الأعلام؛ كقوله: [الرجز] شعر : 406- أَنَا ابْنُ مَاوِيَّةَ إذْ جَدَّ النَّقُرْ تفسير : و "مستقر" يجوز ان يكون اسم مكان، وأن يكون اسم مصدر، "مستفعل" من القَرَار، وهو اللَّبْثُ؛ ولذلك سميت الأرض قراراً؛ قال: [الكامل] شعر : 407-............................... فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارَةِ كَالدِّرْهَمِ تفسير : ويقال: استقر وَقَرَّ بمعنى واحد. قال قوم: "المُسْتَقَرّ": حالتا الحياة والموت، وروى السّدي عن ابن عباس أن المُسْتَقَرّ هو القبر، والأول أولى؛ لأنه - تعالى - قرن به المَتَاع من الأكل والشرب وغيره، وذلك لا يليق إلا بِحَالِ الحَيَاةِ؛ ولأنه خاطبهم بذلك عند الإهباط، وذلك يقتضي الحياة والمَتَاع.: واختار أبو البَقَاءِ أن يكون "إلى حَينٍ" في مَحَلّ رفع صفة لـ "متاع". و "المتاع": البُلْغَة مأخوذة من متع النهار، أي: ارتفع. وقال أبو العباس المقرىء: و "المتاع" على ثلاثة أوجه: الأول: بمعنى "العيش" كهذه الآية. الثاني: بمعنى: "المَنْفَعَة" قال تعالى: {أية : أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَٰعاً لَّكُمْ} تفسير : [المائدة: 96] أي: منفعة لكم ولأنعامكم. الثالث: بمعنى "قليل" قال تعالى: {أية : وَمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ مَتَٰعٌ} تفسير : [الرعد: 26] أي: قليل. و "الحين": القطعة من الزمان طويلةً كانت أو قصيرةً، وهذا هو المشهور. وقيل: الوقت البعيد ويقال: عاملته مُحَايَنَةً، من الحِينِ، وَأَحْيَنْتُ بِالمَكَانِ: إِذا أقمت بهِ حِيناً. وحان حين كذا، أي: قرب؛ قالت بُثَيْنَة: [الطويل] شعر : 408- وَإِنَّ سُلوِّي عَنْ جَمِيلٍ لسَاعَةٌ مِنَ الدَّهْرِ مَا حَانَتْ وَلاَ حَانَ حِينُها تفسير : وقال بعضهم: تزاد عليه التّاء فيقال: "تَحِينَ قُمْتَ"، وسيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى، وأنشد على زيادة التاء قوله: [الكامل] شعر : 409- أَلعَاطِفُونَ تَحِينَ مَا مِنْ عَاطِفٍ والمُطْعِمُونَ زَمَانَ أَيْنَ المُطْعِمُ تفسير : فصل في المراد بالحين واختلفوا في "الحِيْنِ" على أقوال فقالت فرقة: إلى الموت. وقيل: إلى قيام السَّاعة، فالأوّل قول من يقول: المستقرّ هو البَقَاء في الدُّنيا. والثَّاني قول من يقول: المستقر هو في القبور. وقيل: الحين: الأَجَل، والحين، المدّة، قال تعالى: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ} تفسير : [الإنسان: 1]. والحين: الساعة، قال تعالى: {أية : أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ} تفسير : [الزمر: 58] والحِينُ ستة أشهر، قال تعالى: {أية : تُؤْتِيۤ أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ} تفسير : [إبراهيم: 25] وقيل كل سنة، والحين: الغدوة والعشية، قال تعالى: {أية : فَسُبْحَانَ ٱللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} تفسير : [الروم:17]. وقيل: الحين: اسم كالوقت يصح لجميع الأزمان كلّها طالت أم قصرت. فصل في هبوط آدم ومن معه يروي أن آدم أهبط بـ "سرنديب في الهند" بجبل يقال له "نود"، ومعه ريح الجنة فعلق بشجرها، وأوديتها، فامتلأ ما هنالك طيباً، فمن ثم يؤتى بالطّيب من ريح آدم عليه الصلاة والسلام. وكان السَّحَاب يمسح رَأْسَهُ فأصلع، فأورث ولده الصّلع. روى البُخَاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : خَلَقَ اللهُ آدَمَ وطوله سِتُّون ذِراعاً ". تفسير : وأهبطت حواء بـ "جدّة" وإبليس بـ "الأبلّة" و "الأبلة" موضع من "البصرة" على أميال، والحية بـ "بيسان". وقيل: بـ "سجستان"، وقيل: بـ "أصفهان"، ولولا أن العِرْبدَّ يأكلها ويغنى كثيراً منها لخلت "سجستان" من أجل الحيات. [ذكره أبو الحسن المسعودي].

البقاعي

تفسير : ثم بين أنهما أسرعا المواقعة بقضية خلقهما على طبائع الشهوة لما نهيا عنه فقال: {فأزلهما}، قال الحرالي: من الزلل وهو تزلق الشيء الذي لا يستمسك على الشيء الذي لا مستمسك فيه كتزلل الزلال عن الورق وهو ما يجتمع من الطل فيصير ما على الأوراق والأزهار، وأزالهما من الزوال وهو التنحية عن المكان أو المكانة وهو المصير بناحية منه؛ {الشيطان} هو مما أخذ من أصلين: من الشطن وهو البعد الذي منه سمي الحبل الطويل، ومن الشيط الذي هو الإسراع في الاحتراق والسمن، فهو من المعنيين مشتق كلفظ إنسان وملائكة {عنها} أي عن مواقعة الشجرة وعن كلمة تقتضي المجاوزة عن سبب ثابت كقولهم: رميت عن القوس - انتهى. وتحقيقه فأصدر الشيطان زلتهما أو زوالهما عنها {فأخرجهما} أي فتسبب عن إيقاعهما في الزلل الناشىء عن تلك المواقعة أنه أخرجهما {مما كانا فيه} من النعمة العظيمة التي تجل عن الوصف. قال الحرالي: "في" كلمة تقتضي وعاء مكان أو مكانة، ثم قال: أنبأ الله عز وجل بما في خبء أمره مما هو من وراء علم الملائكة بما أظهر من أمر آدم عليه السلام وبما وراء علم آدم بما أبدى من حال الشيطان باستزلاله لآدم حسن ظن من آدم بعباد الله مطلقاً حين قاسمهما على النصيحة، وفيه انتظام بوجه ما بتوقف الملائكة في أمر خلق آدم فحذرت الملائكة إلى الغاية، فجاء من وراء حذرهما حمد أظهره الله من آدم، وجاء من وراء حسن ظن آدم ذنب أظهره الله من الشيطان على سبيل سكن الجنة فرمى بهما عن سكنها بما أظهر له بما فيها من حب الشجرة التي اطلع عليها. ثم قال: وحكمة ذلك أي نسبة هذا الذنب إلى الشيطان بتسببه، إن الله عز وجل يعطي عباده الخير بواسطة وبلا واسطة ولا ينالهم شر إلا بواسطة نفس، كما وقع من الإباء للشيطان، فكانت خطيئته في ذات نفسه أو بواسطة شيطان كما كانت مخالفة آدم، فكانت خطيئته ليست من ذات نفسه وعارضةً عليه من قبل عدو تسبب له بأدنى مأمنه من زوجه التي هي من أدنى خلقه فمحت التوبة الذنب العارض لآدم وأثبت الإصرار الإباء النفساني للشيطان؛ وذكر الحق تعالى الإزلال منه باسمه الشيطان لا باسمه إبليس لما في معنى الشيطنة من البعد والسرعة التي تقبل التلافي ولما في معنى الإبلاس من قطع الرجاء، فكان في ذلك بشرى استدراك آدم بالتوبة - انتهى. ولما بين أنه غرهما فضرهما بين إهباط الغارّ والمغرور وبين أنه أنعم على المغرور دون الغار مع ما سبق له من لزوم العبادة وطول التردد في الخدمة، وفي ذلك نفخيم للنعمة استعطافاً إلى الإخلاص في العبادة فقال عاطفاً على ما يرشد إليه السياق من نحو أن يقال فتداركناهما بالرحمة وتلافينا خطأهما بالعفو لكونه عارضاً منهما بسبب خارج، وأبّدنا تلافي الغار بشقائه لعصيانه بالضلال والإضلال عن عمد فكان مغضوباً عليه {وقلنا} أي له وللمغرور: {اهبطوا} وفي ذلك لطف لذريته بالتنفير من الخطأ والترهيب الشديد من جريرته والترغيب العظيم على تقدير الوقوع فيه في التوبة والهبوط. قال الحرالي: سعى في درك والدرك مَا يكون نازلاً عن مستوى، فكأنه أمسك حقيقته - أي آدم - في حياطته تعالى وحفظه وتوفيقه لضراعته وبكائه وسر ما أودعه من أمر توبته؛ وأهبط صورته ليظهر في ذلك فرق ما بين هبوط آدم وهبوط إبليس على ما أظهر من ذلك سرعة عود آدم توبة وموتاً إلى محله من أنسه المعهود وقربه المألوف له - من ربه، وإنظار إبليس في الأرض مصراً منقطعاً عن مثل معاد آدم لما نال إبليس من اللعنة التي هي مقابل التوبة {بعضكم لبعض} البعض ما اقتطع من جملة وفيه ما في تلك الجملة، {عدو} من العداء أي المجاوزة عن حكم المسالمة التي هي أدنى ما بين المستقلين من حق المعاونة - انتهى. فالمعنى فليحذر كل واحد منكم عدوه باتباع الأوامر واجتناب النواهي. قال الحرالي: وفيه إشعار بما تمادى من عدواء الشيطان على ذرء من ولد آدم حتى صاروا من حزبه، وفيه أيضاً بشرى لصالحي ولد آدم بما يسبونه من ذرء إبليس فيلحقون بهم بالإيمان والإسلام والتوبة فيهتدون بهداه من حيث عمّ بالعداوة، فاعتدى ذو الخير فصارت عدواه على أهل الشر خيراً، واعتدى ذو الشيطنة فصارت عدواه على أهل الخير شراً. {ولكم في الأرض مستقر} تكونون فيه، وهو من القرار وهو كون الشيء فيما له فيه تنام وظهور وعيش موافق؛ {ومتاع} تتمتعون به، والمتاع هو الانتفاع بالمنتفع به وقتاً منقطعاً يعرف نقصه بما هو أفضل منه، يعني ففيه إشعار بانقطاع الإمتاع بما في هذه الدنيا ونقص ما به الانتفاع عن محل ما كانا فيه، من حيث إن لفظ المتابع أطلق في لسان العرب على الجيفة التي هي متاع المضطر وأرزاق سباع الحيوان وكلابها، فكذلك الدنيا هي جيفة متع بها أهل الاضطرار بالهبوط من الجنة وجعلها حظ من لا خلاق له في الآخرة؛ {إلى حين} أي لا يتقدم ولا يتأخر، وفي إبهام الحين إشعار باختلاف الآجال في ذرء الفريقين، فمنهم الذي يناله الأجل صغيراً، ومنهم الذي يناله كبيراً - انتهى. ولما تسبب عن جزاء آدم عليه السلام بالإهباط الذي هو كفارة له أنه أُلهم الدعاء بما رحم به عبر عن ذلك بقوله: {فتلقى} أي فهبطوا فتلقى {آدم} بعد الهبوط، والتلقي ما يتقبله القلب باطناً وحياً، أو كالوحي أبطن من التلقن الذي يتلقنه لفظاً وعلماً ظاهراً أو كالظاهر - قاله الحرالي: {من ربه} أي المحسن إليه في كل حال {كلمات} أي ترضيه سبحانه بما أفهمه التعبير بالتلقي، وهي جمع كلمة؛ وهي دعاء دعا به ربه أو ثناء أثنى به عليه؛ وتطلق الكلمة أيضاً على إمضاء أمر الله من غير تسبيب حكمة ولا ترتيب حكم - قاله الحرالي ثم قال: في عطف الفاء في هذه الآية إشعار بما استند إليه التلقي من تنبيه قلب آدم وتوفيقه مما أثبته له إمساك حقيقته عند ربه، ويعاضد معناه رفع الكلمات وتلقيها آدم في إحدى القراءتين، فكأنه تلقى الكلمات بما في باطنه فتلقته الكلمات بما أقبل بها عليه فكان مستحقاً لها، فكانت متلقية له بما جمعت القراءتان من المعنى {فتاب} من التوب وهو رجوع بظاهر باطنه الإنابة وهو رجوع بعلم باطنه الأوبة وهو رجوع بتقوى قلب - انتهى. {عليه} لذكره إياه بالكلمات مخلصاً في نيته، ثم علل بقوله {إنه هو} أي خاصة {التواب} أي البليغ التوبة المكرر لها، ولما كان قد جعل على نفسه المقدس أن يتفضل على المحسن قال: {الرحيم} أي لمن أحسن الرجوع إليه وأهله لقربه. قال الحرالي: وكان إقراره بلفظه أدباً وإذعاناً لقيام حجة الله على عباده بما أنبأ عنه من قوله: {أية : ربنا ظلمنا أنفسنا}تفسير : [الأعراف: 23] الآية، وهذه توبة قلب وعمل لا ينقض مخصوص حال القلب منها ناقض وهي التوبة النصوح التي تبرىء من الذنب بتحقيق توحيد القلب وتوجب تكفير الخطايا الظاهرة التي لا أصل لها في القلب من حجاب دعوى في الأفعال وشرك في أمر الله، فبمقتضى ما في باطنه ظهر فيه اسمه الرحيم الذي هو من الرحمة وهو اختصاص فضله بالمؤمن، وبمقتضى ما ظهر عليه من الضراعة والإقرار ظهر فيه مقتضى اسمه التواب؛ فجمعت توبته الأمرين - انتهى. ولما أعلموا بالعداوة اللازمة كان كأنه قيل: فما وجه الخلاص منها؟ فقيل: اتباع شرعنا المشروع للتوبة والرحمة فإنا {قلنا} كما تقدم {اهبطوا} ولما كان الهبوط الماضي يحتمل أن يكون من مكان من الجنة إلى أدنى منه ولم يخرجوا منها فكرره هنا للتأكيد تصويراً لشؤم المعصية وتبشيعاً لها قال: {منها} أي الجنة {جميعاً} أي لا يتخلف منكم أحد سواء كان ذلك قِران واحد أو على التعاقب، وعهدنا إليهم عند الهبوط إلى دار التكليف أنا نأتيهم بالهدى ليؤديهم إلى الجنة مرة أخرى واعدين من اتبع متوعدين من امتنع فقلنا: {فإما يأتينكم}، وقال الحرالي: مورد هذه الآية بغير عطف إشعار بأن ظاهرها افتتاح لم يتقدمه إيجاء بباطن كما تقدم في السابقة، وتكرر الإهباطان من حيث إن الأول إهباط لمعنى القرار في الدنيا والاغتذاء فيها وذرء الذرية وأعمال أمر العداوة التي استحكمت بين الخلقين من آدم وإبليس، وهذا الإهباط الثاني إهباط عن مكانة الرتبة الآمرية الدينية التي كانت خفية في أمر آدم ظاهرة في أمر إبليس، وفي قوله: {جميعاً} إشعار بكثرة ذرء الخلقين وكثرة الاحداث في أمر الديانة من النقلين - انتهى. وخص في إبراز الضمير بمحض الإفراد من غير إيراد بمظهر العظمة إبعاداً عن الوهم فقال: {مني هدى} أي بالكتب والرسل، ولما كان الهدى الذي هو البيان لا يستلزم الاهتداء قال: {فمن تبع} أي أدنى اتباع يعتد به، ولذلك اكتفى في جزائه بنفي الخوف الذي قد يكون عن توبة من ضلال بخلاف ما في طه كما يأتي إن شاء الله تعالى. والتبع السعي أثر عَلَم الهدى - قاله الحرالي. {هداي} أي المنقول أو المعقول، فالثاني أعم من الأول. لأنه أعم من أن يكون منقولاً عن الرسل أو معقولاً بالقياس على المنقول عنهم، أو بمحض العقل كما وقع لورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابهما المشار إليهم بالقليل في قوله تعالى: {أية : ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلاً} تفسير : [النساء: 83] قال العارف شهاب الدين عمر بن محمد السهروردي في كتابه رشف النصائح الإيمانية: فالعفل حجة الله الباطنة والقرآن حجة الله الظاهرة. قال الحرالي: وجاء {هداي} شائعاً ليعم رفع الخوف والحزن من تمسك بحق ما من الحق الجامع، وأدناه من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فيما بينه وبين الحق وفيما بينه وبين الخلق - انتهى. ولما كان الخوف أشد لأنه يزداد بمر الزمان، والحزن يحفّ، قدّمه فقال: {فلا خوف عليهم} أي من شيء آت فإن الخوف اضطراب النفس من توقع فعل ضارّ - قاله الحرالي. {ولا هم يحزنون} أي على شيء فات، لأنهم ينجون من النار ويدخلون الجنة والحزن كما قال الحرالي: توجع القلب لأجل نازح قد كان في الوصلة به رَوح، والقرب منه راحة، وجاء في الحزن بلفظ {هم} لاستبطانه، وبالفعل لأنه باد من باطن تفكرهم في فائتهم، وجاء نفي الخوف منعزلاً عن فعلهم لأنه من خوف باد عليهم من غيرهم - انتهى. ولما بشر المؤمنين الذين اتبعوا الهدى أتبعه إنذار الكافرين الذين نابذوه بقوله: {والذين كفروا} قال الحرالي: هذا من أسوأ الكفر لأنه كفر بالآيات التي جعلها الله عز وجل علماً على غيب عهده وهي ما تدركه جميع الحواس من السماء والأرض وما بينهما كما قال تعالى: {أية : ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة} تفسير : [الشورى: 29] لأن الحق تعالى أظهر الكون كتابة دالة على أمره وجعل في العقل نوراً يُقرأ به كتابه، فمن لا نور له فهو من أصحاب النار، فهو إما تابع هدى بنور العقل وتنبيه الإيمان، وإما صاحب نار، فقال: {وكذبوا بآياتنا} لأنه لما كان من الذين كفروا بكتاب الخلق من تقبّل الإيمان بتنزيل الأمر اختصت كلمة العذاب بالذين تأكد كفرهم بالآيات المرئية بتكذيبهم بالآيات المنزلة، فكفروا بما رأوا فكانوا عمياً، وكذبوا بما سمعوا فكانوا صُمّاً - انتهى. والمعنى أنهم جمعوا بالكفر والتكذيب بين إنكار القلوب والألسنة {أولئك} أي البُعَداء البغضاء {أصحاب النار} وبين اختصاصهم بالخلود بقوله: {هم فيها خالدون} فعليهم الخوف الدائم لما يأتي من أنكالها والحزن الدائم على فوات الجنة، فالآية من الاحتباك، انتفاء الخوف والحزن من الأول دال على وجودهما في الثاني، ووجود النار في الثاني دال على انتفائها ووجود الجنة في الأول، وقد علم من ذلك مع قوله {مستقر ومتاع إلى حين} أنه لا بد من رجوعهم إلى تلك الدار وكيف تكون منازلهم فيها! فكأنه جواب سائل قال: هل بعد هذا الهبوط من صعود؟ قال الحرالي: وقوله: {هم} فيه إشعار بإشراب العذاب بواطنهم وبلاغه إلى أنفسهم بعذاب الغم والحزن واليأس وغير ذلك من إحراق النار بواطنهم، وفيه إشعار بكونهم فيها في الوقت الحاضر من حيث لا يشعرون "الذي يشرب في آنية الذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" والنار أقرب إلى أحدهم من شراك نعله. فهم فيها خالدون وإن لم يحسوا في الدنيا بحقيقتها، كما أن المهتدين في جنة في الدنيا وإن لم يشهدوا عيانها، فكل خالد فيما هو فيه في الدنيا غيباً وفي الآخرة عياناً وفي القبر عرضاً {أية : لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين} تفسير : [التكاثر: 6، 7] {أية : النار يعرضون عليها غدواً وعشياً} تفسير : [غافر: 46] وهنا انتهى خطاب الفرقان المخصوص بدعوة العرب الذين هم رأس أهل الدعوة المحمدية صلى الله عليه وسلم: "حديث : الناس كلهم تبع لقريش، مؤمنهم لمؤمنهم، وكافرهم لكافرهم" تفسير : انتهى. يعني فهم المرادون بهذا بالقصد الأول، وهو شامل لغيرهم، ومراد به ذلك الغير بالقصد الثاني، وهنا آخر الآيات الخاصة بالنعم العامة لجميع بني آدم دالة على التوحيد من حيث إنها حادثة فلها محدث، وعلى النبوة من حيث إنه صلى الله عليه وسلم أخبر عنها موافقاً لما في التوراة والإنجيل من غير تعلم، وعلى المعاد من حيث إن من قدر على خلقها ابتداء قدر على إعادتها - ذكره الأصفهاني عن الإمام. وفي الآية إشارة إلى الكتاب الذي هو هدى للمتقين المشتمل على الأحرف السبعة التي من أقبل على حرف منها حق الإقبال كفاه، ومن اشتغل عنها بالمتاع الأدنى خسر دنياه وأخراه. قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في التمهيد لشرط مثال القراءة لحروفه السبعة وعلمها والعمل بها: اعلم أن الله سبحانه خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه ورزقه نوراً من نوره، فلأنه خلقه بيده كان في أحسن تقويم خلقاً، ولأنه نفخ فيه من روحه كان أكمل حياة قبضاً وبسطاً، ولأنه رزقه نوراً من نوره كان أصفى عقلاً وأخلص لباً وأفصح نطقاً وأعرب بياناً جمعاً وفصلاً، وأطلعه على ما كتب من حروف مخلوقاته إدراكاً وحساً، وعقّله ما أقام من أمره فهماً وعلماً، ونبهه على ما أودعه في ذاته عرفاناً ووجداً؛ ثم جعل له فيما سخر له من خلقه متاعاً وأنساً فأناسه وردده من بين إقبال وإدبار وقبول وإعراض، فمن شغل بالاستمتاع الأدنى عن الاطلاع الأعلى كان سفيهاً، ومن شغله الاطلاع الأعلى عن الاستمتاع الأدنى كان حنيفاً {أية : الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري} تفسير : [الكهف: 101] {أية : ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه} تفسير : [البقرة: 130] {أية : إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله حنيفاً} تفسير : [النحل: 120]. ولما كان متاع الخلق في الأرض إلى حين وشغل أكثرهم أكلهم وتمتعهم وألهاهم أملهم عن حظهم من الحنيفية بما أوتي العقل من التبليغ عن الله نظراً واعتباراً اصطفى الله سبحانه من الحنفاء منبهين على النظر الذي اشتغل عنه المعرضون وأنف منه واستكبر عنه المدبرون، وأكدوا تنبيههم بما أسمعوهم من نبأ ما وراء يوم الدنيا من أمر الله في اليوم الآخر وما تتمادى إليه أيام الله، وذكروهم بما مضى من أيام الله، وأنزل الله سبحانه معهم كتباً يتلونها عليهم ويبينونها لهم علماً وعملاً وحالاً، فقبل ما جاؤوا به وصدقه واستبشر به الحنيفيون وأنذر به المدبرون والمعرضون، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، آمن من تنبه للنظر والاعتبار وألقى السمع وهو شهيد، وكفر من آثر متاعه بالعاجلة التي تراها الأعين على وعد الله ووعيده في الآجلة التي إنما يعيها القلب وتسمعها الأذن، وكما شغل المدعوين إلى الإسلام كفرهم ودنياهم كذلك شغل المولّدين في الإسلام غفلتهم ودنياهم ولعبهم في صباهم ولهوهم في شبابهم وتكاثرهم في الأموال في اكتهالهم وتكاثرهم في الأولاد في شَياخهم، فاشترك المدعو إلى الإسلام والمولد فيه الغافل في عدم الإقبال والقبول في ترك الاهتمام في الآجلة واختصارهما على الاهتمام بالعاجلة، وكلاهما جعل القرآن وراء ظهره المدعو لفظاً وعلماً والمولد الغافل علماً وعملاً، فلم يسمعه المدعو ولم يفهمه الغافل فجعله بالحقيقة وراء ظهره، ومن جعل القرآن خلفه ساقه إلى النار، وإنما جعله أمامه من قرأه علماً وحالاً وعملاً، ومن جعل القرآن أمامه قاده إلى الجنة؛ ولما قامت الحجة عليهم بقراءته إذا لم يجاوز حناجرهم كانوا أشد من الكفار عذاباً في النار - أكثر منافقي أمتي قراؤها، {أية : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} تفسير : [النساء: 145] فإذاً لا بد في قراءة القرآن من تجديد إقبال وتهيُّؤ لقبول وتحقيق تقوى لأنه إنما هو هدى للمتقين، وإجماع على الاهتمام، وكما أن أمور الدنيا لا تحصل لأهلها إلا على قدر عزائمهم واهتمامهم فأحرى أن لا يحصل أمر الأخرى إلا بأشد عزيمة وأجمع اهتمام، فلا يقرأ القرآن من لم يقبل عليه بكلية ظاهره ويجمع اهتمامه له بكلية باطنه {أية : وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء} تفسير : [الأعراف: 145] فخذها بقوة {أية : يا يحيى خذ الكتاب بقوة}تفسير : [مريم: 13] {أية : فاستقم كما أمرت ومن تاب معك} تفسير : [هود: 112] فشرط منال قراءته اهتمام القلب بتفهمه وإقبال الحس على استماعه وتدبره؛ ولكل حرف شرط يخصه - انتهى. ولما أقام سبحانه دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أولاً وعقبها بذكر الإنعامات العامة داعياً للناس عامة لا سيما بني إسماعيل العرب الذين هم قوم الداعي صلى الله عليه وسلم وكان أحق من دُعِي بعد الأقارب وأولاه بالتقدم أهل العلم الذين كانوا على حق فزاغوا عنه ولا سيما إن كانت لهم قرابة لأنهم جديرون بالمبادرة إلى الإجابة بأدنى بيان وأيسر تذكير، فإن رجعوا اقتدى بهم الجاهل فسهل أمره وانحسم شره، وإن لم يرجعوا طال جدالهم فبان للجاهل ضلالهم فكان جديراً بالرجوع والكف عن غيه والنزوع، وعرفت من تمادي الكلام معهم الأحكام وبان الحلال والحرام؛ فلذلك لما فرغ من دعوة العرب الجامعة لغيرهم باختصار وختم بأن وعد في اتباع الهدى وتوعد شرع سبحانه يخص العلماء من المنافقين بالذكر وهم من كان أظهر الإسلام من أهل الكتاب على وجه استلزم عموم المصارحين منهم بالكفر، إذ كانوا من أعظم من خُص بإتيان ما أشار إليه من الهدى والبيان بما فيه الشفاء، وكان كتابهم المشتمل على الهدى من أعظم الكتب وأشهرها وأجمعها فقصّ عليهم ما مثله يليّن الحديد ويخشع الجلاميد فقال تعالى مذكراً لهم بنعمه الخاصة بهم: {يا بني إسرائيل} ويجوز أن تقرر المناسبات من أول السورة على وجه آخر فيقال: لما كان الكفار قسمين: قسم محض كفره، وقسم شابه بنفاق وخداع، وكان الماحض قسمين: قسم لا علم له من جهة كتاب سبق وهم مشركو العرب، وقسم له كتاب يعلم الحق منه، ذكر تعالى قسم الماحض بما يعم قسميه العالم والجاهل فقال: {إن الذين كفروا سواء عليهم} إلى آخره. ثم أتبعه قسم المنافق، لأنه أهم بسبب شدة الاختلاط بالمؤمنين وإظهارهم أنهم منهم ليكونوا من خداعهم على حذر، فقال: {ومن الناس من يقول آمنا} إلى آخره؛ ولما فرغ من ذلك ومما استتبعه من الأمر بالوحدانية وإقامة دلائلها وإفاضة فضائلها، ومن التعجيب ممن كفر مع قيام الدلائل، والتخويف من تلك الغوائل، والاستعطاف بذكر النعم، شرع في ذكر قسم من الماحض هو كالمنافق في أنه يعرف الحق ويخفيه فالمنافق ألف الكفر ثم أقلع عنه وأظهر التلبس بالإسلام واستمر على الكفر باطناً، وهذا القسم كان على الإيمان بهذا النبي قبل دعوته، فلما دعاهم محوا الإيمان الذي كانوا متلبسين به وأظهروا الكفر واستمرت حالتهم على إظهار الكفر وإخفاء المعرفة التي هي مبدأ الإيمان، فحالهم كما ترى أشبه شيء بحال المنافقين، ولهذا تراهم مقرونين بهم في كثير من القرآن، وأخرهم لطول قصتهم وما فيها من دلائل النبوة وأعلام الرسالة بما أبدى مما أخفوه من دقائق علومهم، فإن مجادلة العالم ترسل في ميادين العلم أفراس الأفكار فتُسرع في أقطار الأوطار حتى تصير كالأطيار وتأتي ببدائع الأسرار، ولقد نشر سبحانه في غضون مجادلتهم وغضون محاورتهم ومقاولتهم من الجمل الجامعة في شرائع الدين التي فيها بغية المهتدين ما أقام البرهان على أنه هدى للعالمين؛ هذا إجمال الأمر، وفي تفاصيله كما سترى من بدائع الوصف أمور تجل عن الوصف، تذاق بحسن التعليم ويشفى عيّ جاهلها بلطيف التكليم - والله ولي التوفيق والهادي إلى أقوم طريق. وقال الحرالي: ثم أقبل الخطاب على بني إسرائيل منتظماً بابتداء خطاب العرب من قوله: {يا أيها الناس} وكذلك انتظام القرآن إنما ينتظم رأس الخطاب فيه برأس خطاب آخر يناسبه في جملة معناه وينتظم تفصيله بتفصيله، فكان أول وأولى من خوطب بعد العرب الذين هم ختام بنو إسرائيل الذين هم ابتداء بما هم أول من أنزل عليهم الكتاب الأول من التوراة التي افتتح الله بها كتبه تلو صحفه وألواحه. ثم قال: لما انتظم إقبال الخطاب على العرب التي لم يتقدم لها هدى بما تقدمه من الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم انتظم بخطاب العرب خطاب بني إسرائيل بما تقدم لها من هدى في وقتها {أية : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} تفسير : [المائدة: 44] وبما عهد إليها من تضاعف الهدى بما تقدم لها في ارتقائه من كمال الهدى بمحمد صلى الله عليه وسلم وبهذا القرآن، فكان لذلك الأولى مبادرتهم إليه حتى يهتدي بهم العرب ليكونوا أول مؤمن بما عندهم من علمه السابق - انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {فأزلهما} قال: فأغواهما. وأخرج ابن أبي حاتم عن عاصم بن بهدلة {فأزلهما} فنحاهما. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءتنا في البقرة مكان {فأزلهما} فوسوس. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: لما قال الله لآدم {اسكن أنت وزوجك الجنة} أراد إبليس أن يدخل عليهما الجنة فأتى الحية، وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البعير، وهي كأحسن الدواب فكلمها أن تدخله في فمها حتى تدخل به إلى آدم، فادخلته في فمها فمرت الحية على الخزنة، فدخلت ولا يعلمون لما أراد الله من الأمر ، فكلمه من فمها فلم يبال بكلامه، فخرج إليه فقال {يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} وحلف لهما بالله {إني لكما لمن الناصحين} فأبى آدم أن يأكل منها، فقعدت حواء فأكلت ثم قالت: يا آدم كل فإني قد أكلت فلم يضر بي. فلما أكل {بدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة}. وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن ابن عباس قال: إن عدوّ الله إبليس عرض نفسه على دواب الأرض أنها تحمله حتى يدخل الجنة معها ويكلم آدم. فكل الدواب أبى ذلك عليه حتى كلم الحية فقال لها: أمنعك من ابن آدم فإنك في ذمتي إن أدخلتني الجنة، فحملته بين نابين حتى دخلت به، فكلمه من فيها وكانت كاسية تمشي على أربع قوائم فاعراها الله، وجعلها تمشي على بطنها. يقول ابن عباس: فاقتلوها حيث وجدتموها، اخفروا ذمة عدوّ الله فيها. وأخرج سفيان بن عيينة وعبد الرزاق وابن المنذر وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس قال: كانت الشجرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته السنبلة، فلما أكلا منها بدت لهما سوآتهما. وكان الذي دارى عنهما من سوآتهما أظفارهما{أية : وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة}تفسير : [الاعراف: 22] ورق التين يلزقان بعضه إلى بعض، فانطلق آدم مولياً في الجنة، فأخذت برأسه شجرة من شجر الجنة، فناداه ربه: يا آدم تفر؟ قال: لا، ولكني استحيتك يا رب قال: أما كان لك فيما منحتك من الجنة وأبحتك منها مندوحة عما حرمت عليك؟ قال: بلى يا رب ولكن ـ وعزتك ـ ما حسبت أن أحداً يحلف بك كاذباً قال: فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش إلا كدا. فاهبطا من الجنة وكانا يأكلان منها رغداً، فاهبط إلى غير رغد من طعام ولا شراب، فعلم صنعة الحديد، وأمر بالحرث فحرث وزرع، ثم سقى حتى إذا بلغ حصد، ثم درسه، ثم ذراه، ثم طحنه، ثم عجنه، ثم خبزه، ثم أكله، فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله أن يبلغ، وكان آدم حين أهبط من الجنة بكى بكاء لم يبكه أحد، فلو وضع بكاء داود على خطيئته، وبكاء يعقوب على ابنه، وبكاء ابن آدم على أخيه حين قتله، ثم بكاء أهل الأرض ما عدل ببكاء آدم عليه السلام حين أهبط. وأخرج ابن عساكر عن عبد العزيز بن عميرة قال "قال الله لآدم اخرج من جواري وعزتي لا يجاورني في داري من عصاني، يا جبريل أخرجه اخراجاً غير عنيف. فأخذ بيده يخرجه". وأخرج ابن إسحاق في المبتدأ وابن سعد وأحمد وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في التوبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن آدم كان رجلاً طوالاً كأنه نخلة سحوق ستين ذراعاً، كثير شعر الرأس. فلما ركب الخطيئة بدت له عورته، وكان لا يراها قبل ذلك، فانطلق هارباً في الجنة، فتعلقت به شجرة فأخذت بناصيته فقال لها: ارسليني قالت: لست بمرسلتك، وناداه ربه: يا آدم أمني تفر؟ قال: يا رب إني استحييتك قال: يا آدم اخرج من جواري فبعزتي لا أساكن من عصاني، ولو خلقت ملء الأرض مثلك خلقاً ثم عصوني لاسكنتهم دار العاصين. قال: أرأيت إن أنا تبت ورجعت أتتوب عليَّ؟ قال: نعم. يا آدم ". تفسير : وأخرج ابن عساكر من حديث أنس. مثله. وأخرج ابن منيع وابن أبي الدنيا في كتاب البكاء وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن ابن عباس قال "قال الله لآدم: يا آدم ما حملك على أن أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها؟ قال: يا رب زينته لي حواء قال: فإني عاقبتها بأن لا تحمل إلا كرهاً ولا تضع إلا كرهاً، ودميتها في كل شهر مرتين قال: فرنت حواء عند ذلك فقيل لها: عليك الرنة وعلى بناتك". وأخرج الدارقطني في الافراد وابن عساكر عن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله بعث جبريل إلى حواء حين دميت فنادت ربها جاء مني دم لا أعرفه. فناداها لأدمينك وذريتك، ولأجعلنه لك كفارة وطهوراً ". تفسير : وأخرج البخاري والحاكم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لولا بنو اسرائيل لم يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها ". تفسير : وأخرج البيهقي في الدلائل والخطيب في التاريخ والديلمي في مسند الفردوس وابن عساكر بسندٍ واهٍ عن ابن عمر مرفوعاً "فضلت على آدم بخصلتين. كان شيطاني كافراً فأعانني الله عليه حتى أسلم، وكان أزواجي عوناً لي. وكان شيطان آدم كافراً، وزوجته عوناً له على خطيئته". وأخرج ابن عساكر في حديث أبي هريرة مرفوعاً. مثله. وأخرج ابن عساكر عن عبد الرحمن بن زيد. أن آدم ذكر محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أفضل ما فضل به علي ابني صاحب البعير أن زوجته كانت عوناً له على دينه، وكانت زوجتي عوناً لي على الخطيئة. وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم والآجري في الشريعة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى، فقال: موسى: أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي أعطاه الله كل شيء، واصطفاه برسالته؟ قال: نعم. قال: فتلومني على أمر قدر عليّ قبل أن أخلق ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد في مسنده وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : احتج آدم وموسى. فقال موسى: أنت خلقك الله بيده، أسكنك جنته، وأسند لك ملائكته، فأخرجت ذريتك من الجنة، وأشقيتهم؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه ورسالاته، تلومني في شيء وجدته قد قدر عليّ قبل أن أخلق؟ فحج آدم موسى ". تفسير : وأخرج أبو داود والآجري في الشريعة والبيهقي في الأسماء والصفات عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن موسى قال يا رب أرنا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة؟ فأراه الله آدم فقال: أنت أبونا آدم؟ فقال له آدم: نعم. قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه، وعلمك الأسماء كلها، وأمر الملائكة فسجدوا لك؟ قال: نعم. فقال: ما حملك على أن أخرجتنا من الجنة؟ فقال له آدم: ومن أنت؟ قال: موسى قال: أنت نبي بني اسرائيل الذي كلمك الله من وراء الحجاب، لم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه؟ قال: نعم. قال: فما وجدت أن ذلك كان في كتاب الله قبل أن أخلق؟ قال: نعم. قال: فلم تلومني في شيء سبق فيه من الله القضاء قبل؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : عند ذلك فحج آدم موسى. فحج آدم موسى ". تفسير : وأخرج النسائي وأبو يعلي والطبراني والآجري عن جندب البجلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : احتج آدم وموسى فقال موسى: يا آدم أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنته، وفعلت ما فعلت فأخرجت ولدك من الجنة؟ فقال آدم: أنت موسى الذي بعثك الله برسالته، وكلمك، وآتاك التوراة، وقربك نجيا؟ أنا أقدم أم الذكر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى ". تفسير : وأخرج أبو بكر الشافعي في الغيلانيات عن أبي موسى قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : احتج آدم وموسى فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، عملت الخطيئة التي أخرجتك من الجنة؟ قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته، وأنزل عليك التوراة، وكلمك تكليماً، فبكم خطيئتي سبقت خلقي ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فحج آدم موسى ". تفسير : وأخرج ابن النجار في تاريخه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : التقى آدم وموسى عليهما السلام فقال له موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وأدخلك جنته، ثم أخرجتنا منها؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته، وقربك نجيا، وأنزل عليك التوراة، فأسألك بالذي أعطاك ذلك بكم تجده كتب عليّ قبل أن أخلق؟ قال: أجده كتب عليك بالتوراة بألفي عام فحج آدم موسى ". تفسير : أما قوله تعالى: {وقلنا اهبطوا} الآية. أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ} قال: آدم وحوّاء، وإبليس والحية {ولكم في الأرض مستقر} قال: القبور {ومتاع إلى حين} قال: الحياة. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد في قوله {اهبطوا بعضكم لبعض عدوّ} قال: آدم، والحية والشيطان. وأخرج أبو الشيخ عن قتادة عن أبي صالح قال {اهبطو} قال: آدم، وحوّاء، والحية. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال {اهبطوا} يعني آدم، وحوّاء، وإبليس. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال "حديث : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الحيات؟ فقال: خلقت هي والإِنسان كل واحد منهما عدوّ لصاحبه. إن رآها أفزعته، وإن لدغته أوجعته. فاقتلها حيث وجدتها ". تفسير : وأخرج أبو الشيخ عن ابن مسعود في قوله {ولكم في الأرض مستقر} فوق الأرض، ومستقر تحت الأرض. قال {ومتاع إلى حين} حتى يصير إلى الجنة، أو إلى النار. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أهبط آدم إلى أرض يقال لها دجنا، بين مكة والطائف. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: اهبط آدم بالصفا، وحوّاء بالمروة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس. إن أوّل ما أهبط الله آدم إلى أرض الهند. وفي لفظ بدجناء أرض الهند. وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه والبيهقي في البعث وابن عساكر عن ابن عباس قال: قال علي بن أبي طالب: أطيب ريح الأرض الهند. أهبط بها آدم فعلق ريحها من شجر الجنة. وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن ابن عباس قال: أهبط آدم بالهند وحوّاء بجدة، فجاء في طلبها حتى أتى جمعا، فازدلفت إليه حوّاء. فلذلك سميت "المزدلفة" واجتمعا بجمع فلذلك سميت "جمعا". وأخرج ابن أبي حاتم عن رجاء بن أبي سلمة قال: أهبط آدم يديه على ركبتيه مطأطئاً رأسه، وأهبط إبليس مشبكاً بين أصابعه رافعاً رأسه إلى السماء. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن حميد بن هلال قال: إنما كره التخصر في الصلاة لأن إبليس أهبط متخصراً. وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : نزل آدم عليه السلام بالهند فاستوحش، فنزل جبريل فنادى بالأذان: الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمداً رسول الله مرتين. فقال: ومن محمد هذا؟ قال: هذا آخر ولدك من الأنبياء ". تفسير : وأخرج ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن المنذر وابن عساكر عن جابر بن عبدالله قال: إن آدم لما أهبط إلى الأرض، هبط بالهند وإن رأسه كان ينال السماء، وإن الأرض شكت إلى ربها ثقل آدم، فوضع الجبار تعالى يده على رأسه، فانحط منه سبعون ذراعاً، وهبط معه بالعجوة، والاترنج، والموز، فلما أهبط قال: رب هذا العبد الذي جعلت بيني وبينه عداوة، إن لم تعني عليه لا أقوى عليه، قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكاً قال: رب زدني قال: أجازي بالسيئة السيئة، وبالحسنة عشر أمثالها إلى ما أزيد قال: رب زدني قال: باب التوبة له مفتوح ما دام الروح في الجسد قال إبليس: يا رب هذا العبد الذي أكرمته إن لم تعني عليه لا أقوى عليه قال: لا يولد له ولد إلا ولد لك ولد قال: يا رب زدني قال: تجري منه مجرى الدم، وتتخذ في صدورهم بيوتاً قال: رب زدني قال{أية : وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد} تفسير : [الإِسراء: 64]. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال: لما خلق الله آدم كان رأسه يمس السماء، فوطاه الله إلى الأرض حتى صار ستين ذراعاً في سبع أذرع عرضاً. وأخرج الطبراني عن عبدالله بن عمر قال: لما أهبط الله آدم بأرض الهند ومعه غرس من شجر الجنة فغرسه بها، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، وكان يسمع كلام الملائكة فكان ذلك يهوّن عليه وحدته، فغمز غمزة فتطأطأ إلى سبعين ذراعاً، فأنزل الله إني منزل عليك بيتاً يطاف حوله كما تطوف الملائكة حول عرشي، ويصلي عنده كما تصلي الملائكة حول عرشي. فأقبل نحو البيت، فكان موضع كل قدم قرية، وما بين قدميه مفازة، حتى قدم مكة فدخل من باب الصفا، وطاف بالبيت، وصلّى عنده، ثم خرج إلى الشام فمات بها. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن مجاهد قال: لما أهبط آدم إلى الأرض فزعت الوحوش ومن في الأرض من طوله، فأطر منه سبعون ذراعاً. وأخرج ابن جرير في تاريخه والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن ابن عباس قال: إن آدم حين خرج من الجنة كان لا يمر بشيء إلا عنت به فقيل للملائكة: دعوه فليتزوّد منها ما شاء. فنزل حين نزل بالهند، ولقد حج منها أربعين حجة على رجليه. وأخرج سعيد بن منصور عن عطاء بن أبي رباح قال: هبط آدم بأرض الهند ومعه أعواد أربعة من أعواد الجنة، وهي هذه التي تتطيب بها الناس، وأنه حج هذا البيت على بقرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: أخرج آدم من الجنة للساعة التاسعة أو العاشرة، فأخرج معه غصناً من شجر الجنة على رأسه تاج من شجر الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر عن الحسن قال: أهبط آدم بالهند، وهبطت حوّاء بجدة، وهبط إبليس بدست بيسان من البصرة على أميال، وهبطت الحية باصبهان. وأخرج ابن جرير في تاريخه عن ابن عمر قال: إن الله أوحى إلى آدم وهو ببلاد الهند أن حج هذا البيت فحج، فكان كلما وضع قدمه صار قرية، وما بين خطوتيه مفازة، حتى انتهى إلى البيت، فطاف به، وقضى المناسك كلها، ثم أراد الرجوع، فمضى حتى إذا كان بالمازمين تلقته الملائكة فقالت: برَّ حجك يا آدم، فدخله من ذلك... فلما رأت ذلك الملائكة منه قالت: يا آدم إنا قد حججنا هذا قبلك قبل أن تخلق بألفي سنة. فتقاصرت إليه نفسه. وأخرج الشافعي في الأم والبيهقي في الدلائل والأصبهاني في الترغيب عن محمد بن كعب القرظي قال: حج آدم عليه السلام، فلقيته الملائكة فقالوا: برَّ نُسكك يا آدم لقد حججنا قبلك بألفي عام. وأخرج الخطيب في التاريخ بسند فيه من لا يعرف عن يحيى بن أكثم أنه قال في مجلس الواثق: من حلق رأس آدم حين حج؟ فتعايا الفقهاء عن الجواب فقال الواثق: أنا أحضر من ينبئكم بالخبر. فبعث إلى علي بن محمد بن جعفر بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسأله...؛ فقال: حدثني أبي عن جدي عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أمر جبريل أن ينزل بياقوتة من الجنة فهبط بها، فمسح بها رأس آدم، فتناثر الشعر منه، فحيث بلغ نورها صار حرماً ". تفسير : وأخرج البزار وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن الله لما أخرج آدم من الجنة زوّده من ثمار الجنة، وعلمه صنعة كل شيء. فثماركم من ثمار الجنة غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن أبي موسى الأشعري موقوفاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: أهبط آدم بثلاثين صنفاً من فاكهة الجنة، منها ما يؤكل داخله وخارجه، ومنا ما يؤكل داخله ويطرح خارجه، ومنها ما يؤكل خارجه ويطرح داخله. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب البكاء عن علي بن أبي طلحة قال: أول شيء أكله آدم حين أهبط إلى الأرض الكمثرى، وإنه لما أراد أن يتغوّط أخذه من ذلك كما يأخذ المرأة عند الولادة، فذهب شرقاً وغرباً لا يدري كيف يصنع! حتى نزل إليه جبريل فأقعى آدم، فخرج ذلك منه، فلما وجد ريحه مكث يبكي سبعين سنة. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ثلاثة أشياء أنزلت مع آدم: السندان، والكلبتان، والمطرقة. وأخرج ابن عدي وابن عساكر في التاريخ بسند ضعيف عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن آدم أهبط إلى الأرض ومعه السندان، والكلبتان، والمطرقة، واهبطت حواء بجدة ". تفسير : وأخرج ابن عساكر من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله لما خلق الدنيا لم يخلق فيها ذهباً ولا فضة، فلما أن أهبط آدم وحواء أنزل معهما ذهباً وفضة، فسلكه ينابيع في الأرض منفعة لأولادهما من بعدهما، وجعل ذلك صداق آدم لحواء. فلا ينبغي لأحد أن يتزوّج إلا بصداق ". تفسير : وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: لما أهبط الله آدم أهبطه بأشياء ثمانية: أزواج من الإِبل، والبقر، والضأن، والمعز، وأهبطه بباسنة فيها بذر، وتعريشة عنبة، وريحانة، والباسنة: قيل: إنها آلات الصناع، وقيل هي سكة الحرث وليس بعربي محض. وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن السري بن يحيى قال: اهبط آدم من الجنة ومعه البذور، فوضع إبليس عليها يده، فما أصاب يده ذهبت منفعته. وأخرج ابن عساكر بسند ضعيف عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : هبط آدم وحواء عريانين جميعاً، عليهما ورق الجنة، فأصابه الحر حتى قَعَدَ يبكي ويقول لها: يا حواء قد آذاني الحر، فجاءه جبريل بقطن، وأمرها أن تغزل وعلمها، وعلم آدم وأمر آدم بالحياكة وعلمه، وكان لم يجامع امرأته في الجنة حتى هبط منها، وكان كل منهما ينام على حدة حتى جاءه جبريل فأمره أن يأتي أهله وعلمه كيف يأتيها، فلما أتاها جاءه جبريل فقال: كيف وجدت امرأتك؟ قال: صالحة ". تفسير : وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس مرفوعاً "حديث : أول من حاك آدم عليه السلام ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: كان آدم عليه السلام حراثاً، وكان إدريس خياطاً، وكان نوح نجاراً، وكان هود تاجراً، وكان إبراهيم راعياً، وكان داود زراداً، وكان سليمان خوّاصاً، وكان موسى أجيراً، وكان عيسى سياحاً، وكان محمد صلى الله عليه وسلم شجاعاً جعل رزقه تحت رمحه. وأخرج الحاكم عن ابن عباس أنه قال لرجل عنده: أدن مني أحدثك عن الأنبياء المذكورين في كتاب الله. أحدثك عن آدم كان حراثاً، وعن نوح كان نجاراً، وعن إدريس كان خياطاً، وعن داود كان زراداً، وعن موسى كان راعياً، وعن إبراهيم كان زراعاً عظيم الضيافة، وعن شعيب كان راعياً، وعن لوط كان زراعاً، وعن صالح كان تاجراً، وعن سليمان كان ولي الملك، ويصوم من الشهر ستّة أيام في أوله، وثلاثة في وسطه، وثلاثة في آخره، وكان له تسعمائة سرية، وثلاثمائة مهرية، وأحدثك عن ابن العذراء البتول عيسى. إنه كان لا يخبىء شيئاً لغد، ويقول: الذي غداني سوف يعشيني والذي عشاني سوف يغدّيني، يعبد الله ليلته كلها، وهو بالنهار يسبح ويصوم الدهر ويقوم الليل كله. وأخرج أبو الشيخ والبيهقي وابن عساكر عن ابن عباس قال: نزل آدم بالحجر الأسود من الجنة يمسح به دموعه، ولم ترق دموع آدم من حين خرج من الجنة حتى رجع إليها. وأخرج أبو الشيخ عن جابر بن عبدالله قال: إن آدم لما أهبط إلى الأرض شكا إلى ربه الوحشة، فأوحى الله إليه: أن انظر بحيال بيتي الذي رأيت ملائكتي يطوفون به، فاتخذ بيتاً فطف به كما رأيت ملائكتي يطوفون به. فكان ما بين يديه مفاوز، وما بين قدميه الأنهار والعيون. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: نزل آدم بالهند، فنبتت شجرة الطيب. وأخرج ابن سعد عن ابن عباس قال: خرج آدم من الجنة بين الصلاتين: صلاه الظهر: وصلاة العصر، فأنزل إلى الأرض. وكان مكثه في الجنة نصف يوم من أيام الآخرة، وهو خمسمائة سنة من يوم كان مقداره اثنتي عشرة ساعة، واليوم ألف سنة مما يعد أهل الدنيا. فأهبط آدم على جبل بالهند يقال له نود، وأُهْبِطَت حواء بجدة، فنزل آدم معه ريح الجنة، فعلق بشجرها وأوديتها، فامتلأ ما هنالك طيباً، ثم يؤتى بالطيب من ريح آدم وقالوا: أنزل عليه من طيب الجنة أيضاً، وأنزل معه الحجر الأسود، وكان أشد بياضاً من الثلج، وعصا موسى وكانت من آس الجنة. طولها عشرة أذرع على طول موسى. ومر ولبان. ثم أنزل عليه بعد السندان، والكلبة، والمطرقتان، فنظر آدم حين أهبط على الجبل إلى قضيب من حديد نابت على الجبل فقال: هذا من هذا! فجعل يكسر أشجاراً قد عتقت ويبست بالمطرقة، ثم أوقد على ذلك القضيب حتى ذاب، فكان أول شيء ضرب منه مدية، فكان يعمل بها، ثم ضرب التنور وهو الذي ورثه نوح، وهو الذي فار بالهند بالعذاب. فلما حج آدم عليه السلام وضع الحجر الأسود على أبي قبيس، فكان يضيء لأهل مكة في ليالي الظلم كما يضيء القمر، فلما كان قبيل الإِسلام بأربع سنين، وقد كان الحيض والجنب يعمدون إليه يمسحونه فاسود، فأنزلته قريش من أبي قبيس، وحج آدم من الهند أربعين حجة إلى مكة على رجليه. وكان آدم حين اهبط يمسح رأسه السماء، فمن ثم صلع وأورث ولده الصلع، ونفرت من طوله دواب البر فصارت وحشاً يومئذ، وكان آدم وهو على ذلك الجبل قائماً يسمع أصوات الملائكة، ويجد ريح الجنة. فهبط من طوله ذلك إلى ستين ذراعاً، فكان ذلك طوله حتى مات، ولم يجمع حسن آدم لأحد من ولده إلا ليوسف عليه السلام، وأنشأ آدم يقول: رب كنت جارك في دارك ليس لي رب غيرك ولا رقيب دونك، آكل فيها رغداً وأسكن حيث أحببت، فأهبطتني إلى هذا الجبل المقدس، فكنت أسمع أصوات الملائكة، وأراهم كيف يحفون بعرشك، وأجد ريح الجنة وطيبها، ثم أهبطتني إلى الأرض وحططتني إلى ستين ذراعاً، فقد انقطع عني الصوت والنظر، وذهب عني ريح الجنة فأجابه الله تبارك وتعالى: لمعصيتك يا آدم فعلت ذلك بك. فلما رأى عري آدم وحواء أمره أن يذبح كبشاً من الضأن من الثمانية الأزواج التي أنزل الله من الجنة، فأخذ آدم كبشاً وذبحه، ثم أخذ صوفه فغزلته حواء ونسجه هو، فنسج آدم جبة لنفسه، وجعل لحواء درعاً وخماراً فلبساه، وقد كانا اجتمعا بجمع فسميت "جمعاً" وتعارفا بعرفة فسميت "عرفة" وبكيا على ما فاتهما مائة سنة، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوماً، ثم أكلا وشربا وهما يومئذ على نود الجبل الذي أهبط عليه آدم، ولم يقرب حواء مائة سنة. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس. أن آدم كان لغته في الجنة العربية، فلما عصى سلبه الله العربية وتكلم بالسريانية، فلما تاب رد عليه العربية. وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن مجاهد قال: أوحى الله إلى الملكين: أخرجا آدم وحواء من جواري فإنهما عصياني، فالتفت آدم إلى حواء باكياً وقال: استعدي للخروج من جوار الله هذا أول شؤم المعصية، فنزع جبريل التاج عن رأسه، وحل ميكائيل الاكليل عن جبينه، وتعلق به غصن، فظن آدم أنه قد عوجل بالعقوبة، فنكس رأسه يقول: العفو العفو فقال الله: فراراً مني؟ فقال: بل حياء منك يا سيدي. وأخرج اسحق بن بشر وابن عساكر عن عطاء. أن آدم لما أهبط من الجنة خر في موضع البيت ساجداً، فمكث أربعين سنة لا يرفع رأسه. وأخرج ابن عساكر عن قتادة قال: لما أهبط الله آدم إلى الأرض قيل له: لن تأكل الخبز بالزيت حتى تعمل عملاً مثل الموت. وأخرج ابن عساكر عن عبد الملك بن عمير قال: لما أهبط آدم وإبليس، ناح إبليس حتى بكى آدم، ثم حدا ثم ضحك. وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن آدم قبل أن يصيب الذنب كان أجله بين عينيه وأمله خلفه، فلما أصاب الذنب جعل الله أمله بين عينيه وأجله خلفه، فلا يزال يؤمل حتى يموت ". تفسير : وأخرج وكيع وأحمد في الزهد عن الحسن قال: كان آدم قبل أن يصيب الخطيئة أجله بين عينيه وأمله وراء ظهره، فلما أصاب الخطيئة حوّل أمله بين عينيه وأجله وراء ظهره. وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: كان عقل آدم مثل عقل جميع ولده. وأخرج ابن عساكر عن الحسن. أن آدم لما أهبط إلى الأرض تحرك بطنه فأخذه لذلك غم، فجعل لا يدري كيف يصنع، فأوحى الله إليه: أن اقعد فقعد، فلما قضى حاجته فوجد الريح جزع وبكى وعض على أصبعه، فلم يزل يعض عليها ألف عام. وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: بكى آدم حين هبط من الجنة بكاء لم يبكه أحد، فلو أن بكاء جميع بني آدم مع بكاء داود على خطيئته ما عدل بكاء آدم حين أخرج من الجنة، ومكث أربعين سنة لا يرفع رأسه إلى السماء. وأخرج الطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإِيمان والخطيب وابن عساكر معاً في التاريخ عن بريدة يرفعه قال: لو أن بكاء داود وبكاء جميع أهل الأرض يعدل بكاء آدم ما عدله. ولفظ البيهقي: لو وزن دموع آدم بجميع دموع ولده لرجحت دموعه على جميع دموع ولده. وأخرج ابن سعد عن الحسن قال: بكى آدم على الجنة ثلثمائة سنة. وأخرج ابن عساكر عن مجاهد قال: إن الله لما أهبط آدم وحواء قال: اهبطوا إلى الأرض، فلدوا للموت، وابنوا للخراب. وأخرج ابن المبارك في الزهد عن مجاهد قال: لما أهبط آدم إلى الأرض قال له ربه عز وجل: ابن للخراب، ولد للفناء. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير قال: لما أهبط آدم إلى الأرض كان فيها نسر، وحوت في البحر، ولم يكن في الأرض غيرهما، فلما رأى النسر آدم وكان يأوي إلى الحوت ويبيت عنده كل ليلة قال: يا حوت لقد أهبط اليوم إلى الأرض شيء يمشي على رجليه ويبطش بيده فقال له الحوت: لئن كنت صادقاً ما لي في البحر منه منجى ولا لك في البر.

ابو السعود

تفسير : {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا} أي أصدر زلَّتَهما أي زلَقَهما وحملهما على الزلة بسببها، ونظيرُه عن هذه ما في قوله تعالى: {أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى } تفسير : [الكهف، الآية 82] أو أزلهما عن الجنة بمعنى أذهبَهما وأبعدهما عنها، يقال: زلَّ عني كذا إذا ذهب عنك، ويعضدُه قراءة (أزالهما) وهما متقاربان في المعنى. فإن الإزلالَ أي الإزلاق يقتضي زوالَ الزالِ عن موضعه ألبتة. وإزلالُه قولَه لهما: {أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ }تفسير : [طه، الآية 120] وقوله: {أية : مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَـٰلِدِينَ }، تفسير : [الأعراف، الآية 20] ومقاسَمتُه لهما: {أية : إِنّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّـٰصِحِينَ}،تفسير : [الأعراف، الآية 21] وهذه الآياتُ مشعرةٌ بأنه عليه السلام لم يؤمر بسُكنى الجنةِ على وجه الخلود بل على وجه التكرمةِ والتشريفِ لما قُلِّد من خلافة الأرض إلى حين البعث إليها. واختُلف في كيفية توصُّله إليهما بعد ما قيل له: {أية : فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } تفسير : [الحجر، الآية 34. وسورة ص، الآية 77] فقيل: إنه إنما مُنع من الدخول على وجه التكرمة كما يدخُلها الملائكةُ عليهم السلام ولم يُمنَعْ من الدخول للوسوسة ابتلاءً لآدمَ وحواءَ، وقيل: قام عند الباب فناداهما وقيل: تمثل بصورة دابةٍ فدخل ولم يعرِفْه الخَزَنة، وقيل: دخل في فم الحية فدخَل معها، وقيل: أرسل بعضَ أتباعه فأزلّهما والعلم عند الله سبحانه {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} أي من الجنة إن كان ضمير عنها للشجرة، والتعبـير عنها بذلك للإيذان بفخامتها وجلالتِها وملابستِهما له، أي من المكان العظيم الذي كانا مستقِرَّيْن فيه أو من الكرامة والنعيم إن كان الضميرُ للجنة {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ} الخطابُ لآدمَ وحواءَ عليهما السلام بدليل قوله تعالى: {أية : قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً }تفسير : [طه، الآية 123] وجُمعَ الضمير لأنهما أصلُ الجنس، فكأنهما الجنسُ كلُّهم، وقيل: لهما وللحية وإبليسَ على أنه أُخرج منها ثانياً بعدما كان يدخلها للوسوسة أو يدخلها مُسارقة، وأُهبط من السماء وقرىء بضم الباء {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} حال استغني فيها عن الواو بالضمير أي متعادِين يبغي بعضُكم على بعض بتضليله، أو استئنافٌ لا محل له من الإعراب، وإفراد العدوّ إما للنظر إلى لفظ البعض وإما لأن وِزانَه وِزانُ المصدر كالقول: {وَلَكُمْ فِى ٱلأرْضِ} التي هي محلُّ الإهباط، والظرفُ متعلق بما تعلق به الخبرُ أعني لكم من الاستقرار {مُّسْتَقِرٌّ} أي استقرارٌ أو موضعُ استقرار {وَمَتَـٰعٌ} أي تمتّعٌ بالعيش وانتفاعٌ به {إِلَىٰ حِينٍ} هو حين الموت على أن المُغيَّا تمتُّع كلِّ فردٍ من المخاطبـين، أو القيامة، على أنه تمتع الجنس في ضمن بعض الأفراد والجملة كما قبلها في كونها حالاً أي مستحقين للاستقرار والتمتع أو استئنافاً.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ}. أزلَّهما أي حَمَلَهما على الزَّلة، وفي التحقيق: ما صَرَّفَتْهُما إلا القدرة، وما كان تقلبهما إلا في القضية، أخرجهما عما كانا فيه من الرتبة والدرجة جهراً، ولكن ما ازداد - في حكم الحق سبحانه - شأنُهما إلا رفعةً وقدراً. قوله جلّ ذكره: {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}. أوقع العداوة بينهما وبين الشيطان، ولكن كان سبحانه مع آدم (وحرب وهو معهم محالهم بالظفر). فصل: لم يكن للشيطان من الخطر ما يكون لعداوته إثبات، فإن خصوصية الحق سبحانه عزيزة قال تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}تفسير : [الحجر: 42]. فصل: لو كان لإبليس سلطان على غواية غيره لكان له إمكانٌ في هداية نفسه، وكيف يكون ذلك؟ والتفرد بالإبداع لكل شيء من خصائص نعته سبحانه. قوله جلّ ذكره: {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}. مشهد الأشباح ومألفها أقطار الأرض، و معهد الأرواح ومرتعها رداء العرش، ولفظ الرداء استعارة وتوسع فكيف يكون للهمم بالحِدْثان تَعَلُّق، ولصعود القصود إلى الحقائق على الأغيار وقوع.

البقلي

تفسير : {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} الاشارة فيه انّ المريد لا يجوزان يعتدى بكل احدٍ ورُبما يقع بكلام اهل الخِداع في هاوية الهلاك والمريد قلب غلب عليه الارادة وحلاوة المعالة وكل من يدعوه الى شئ من المعاملة يسمع كلامه وان كان مدعيا لانه لا يعرف كيفيّة الاموال فيسقط عن درجة الارادة بشوم صحبه الاضداد وايضاً من سَلَكَ طريق الشهوة احتجاب مشاهد القرية لان سوء الادب يوجب سقوط المريد عن درجة الحُرمة {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} اي مشهد اشباحكم في ملكوت الارض ومستقرّا ارواحكم في ملكوت الحضرة {وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} متاعهم انوار تجلى الحق يترادف على قلوبهم ليعيشوا به تسلياً عن فقدان المشاهدة.

اسماعيل حقي

تفسير : {فازلهما الشيطان عنها} اى اذهب آدم وحواء وابعدهما عن الجنة يقال زل عنى كذا اذا ذهب والازلال الازلاق والزلة بالفتح الخطأ وهو الزوال عن الصواب من غير قصد والمقصود حملهما على الزلة بطريق التسبب وهو بالوسوسة وبالغرور والدعاء. فان قلت ابليس كافر والكافر لا يدخل الجنة فكيف دخل هو. قلت منع من الدخول على وجه التكرمة كما يدخلها الملائكة ولم يمنع من الدخول للوسوسة ابتلاء لآدم وحواء {فاخرجهما مما كان فيه} من النعيم والكرامة ولم يقصد ابليس اخراج آدم من الجنة وانما قصد اسقاطه من مرتبته وابعاده كما ابعد فلم يبلغ مقصده قال الله تعالى {أية : فتاب عليه وهدى}تفسير : [طه: 122]. قال الشيخ صدر الدين قدس سره فى الفكوك لما سمع آدم قول ابليس {أية : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين}تفسير : [الأعراف: 20] صدقه هو وزوجته. وهذه القضية تشتمل على امرين مشكلين لم ار احدا تنبه لهما ولا اجابنى احد من اهل العلم الظاهر والباطن عنهما وهو انه عليه السلام بعد سجود الملائكة له باجمعهم ومشاهدة رجحانه عليهم بذلك وبعلم الاسماء والخلافة ووصية الحق له كيف اقدم على المخالفة وتسوف بقول ابليس الا ان تكونا ملكين وكيف لم يعلم ايضا من دخل الجنة المعرفة بلسان الشريعة لم يخرج منها وان النشأة الجنانية لا تقبل الكون والفساد فهى لذاتها تقتضى الخلود وكان هذه الحال تدل دلالة واضحة على ان الجنة التى كان فيا ليست الجنة التى عرضها السموات والارض والتى ارضها الكرسى الذى هو الفلك الثامن وسقفها عرش الرحمن فان تلك الجنة لا يخفى على من دخلها انها ليست محل الكون والفساد ولا ان يكون نعيمها موقتا ممكن الانقطاع فان ذلك المقام يعطى بذاته معرفة ما تقتضيه حقيقته وهو عدم انقطاع نعيمها بموت او غيره كما قال الله تعالى {أية : عطاء غير مجذوذ}تفسير : [هود: 108] اى غير منقطع والمتناه فافهم فحال آدم وحواء فى هذه القضية كحال بنى اسرائيل الذين قال الله فى حقهم {أية : أتستبدلون الذى هو أدنى بالذى هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم} تفسير : [البقرة: 61] الآية. ولهذه المناسبة والمشاركة اردف الحق قصة آدم فى سورة البقرة بقصة موسى وبنى اسرائيل مع ما بينهما من طول المدة فراعى سبحانه فى ذلك المضاهاة فى الفعل والحال دون الزمان فهذا من اسرار القرآن انتهى كلام الشيخ * فان قلت ما الحكمة فى ان الله تعالى لم يخلق الانسان فى الجنة ابتداء ولم ابتلاه بالخروج الى الدنيا. قلت تعظيم النعم على العباد واجب فلو لم يخلقوا فى الدنيا ابتداء ما عرفوا قدر الجنة وقيل ليكونوا فى الجنة على الجزاء لا على الابتداء وليأمنوا الزوال وقيل خلقنا فى الدنيا ليميز الله الخبيث من الطيب والمطيع من المخالف لاقتضاء الصفات الجلالية لان الجنان ليست من مظاهر الجلال ولو خلقنا وبقينا فى الجنة لما ظهر فينا صفات الجلال كما لم تظهر فى الملك فالحكمة الآلهية اقتضت خلق الانسان فى الدنيا وظهور المخالفة منه ليظهر فيه الرحمة والغفران فلو بقى آدم فى الجنة لفاته نصف الكمال الذى هو التجليات القهرية فخرج ليتحقق بمظاهر اسماء الجمال والجلال ثم يرد على عالم الجنان كاملاً مكملاً بانواع الفضائل والكمالات والمقصود ايضاً كما سبق تميز الخبيث من الطيب وقد قدر الله تعالى ان يخرج من صلبه سيد المرسلين صلى الله تعالى عليه وسلم واخوانه من الانبياء والاولياء والمؤمنين وخمر طينته بتراب كل مؤمن وعدو فاخرجه الى الدنيا ليخرج من ظهره الذين لا نصيب لهم فى الجنة. قال الشيخ الكامل المكمل على رده فى هامش كشف الكنوز وحل الرموز وهو كتاب فريد فى فنه وجدت تذكرة السؤال من بعض الملاحدة على كرسى سيدى ابن نور الدين فى مجلس وعظ بجامع ايا صوفيه من كلام خواجه حافظ شيرازى شعر : من ملك بودم وفردوس برين جايم بود آدم آورد درين دير خراب آبادم تفسير : فاجاب الشيخ بديهة وفهم مراد الملحد عن السؤال فقال انت اخرجت آدم من الجنة حيث هجت فى صلبه باستعداد الفساد والالحاد ولو لم يخرج ابونا آدم لبقيت الملاحدة والفجرة فى الجنة فاقتضت غيرة الحق خروجه. وسئل ابو مدين قدس سره عن خروج آدم من الجنة على وجه الارض ولم تعدى فى اكل الشجرة بعد النهى فقال لو كان ابونا يعلم انه يخرج من صلبه مثل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لصار يأكل عرق الشجرة فكيف ثمرها ليسارع فى الخروج على وجه الارض ليظهر الكمال المحمدى والجمال الاحمدى. وسأل خليل الرحمن صلوات الله على نبينا وعليه فقال يا رب لم اخرجت آدم فقال اما علمت ان جفاء الحبيب شديد. وقال مرجع طريقتنا الجلوتية الشيخ الشهير بافتاده افندى سر خروج آدم من الجنة انه رأى مرتبة من مراتب التوحيد اعلى من مرتبته التى هو فيها فسألها من الله تعالى فقيل له لا تصل اليها الا بالبكاء فاحب آدم ان يبكى فقيل ان الجنة ليست موضع البكاء بل هى موضع السرور فطلب ان ينزل الى الدنيا فكون ما صدر عنه ذنبا بالنسبة اليه باعتبار قصور مرتبته عن المرتبة المطلوبة على نهج احسنات الابرار سيآت المقربين كذا فى واقعات الهدائى قال الشيخ نجم الدين قدس سره والاشارة ان آدم عليه السلام اصبح محمود العناية مسجود الملائكة متوجا بتاج الكرامة ملبسا بلباس السعاده فى وسطه نطاق القربة وفى جيده طوق الزلفة لا أحد فوقه فى الرتبة ولا شخص معه فى الرتبة يتوالى عليه النداء كل لحظة يا آدم فلما جاء القضاء ضاق الفضاء: قال فى المثنى شعر : جون قضا آيد شد انش بخواب مه سيه كردد بكير آفتاب تفسير : فلم يمس حتى نزع لباسه وسلب استئناسه تدفعه الملائكة بعنف ان اخرج بغير مكث ولا بحث {فازلهما} يد التقدير بحسن التدبير { الشيطان عنها} اى عن تلك العزة والقرابة وكان الشيطان المسكين فى هذا الامر كذئب يوسف لما اخذ بالجناية ولطخ فمه بدم كذب واخوته قد ألقوه فى غيابة الجب فاخذ الشيطان لعدم العناية ولطخ خرطومه بدم نصح كذب {فاخرجهما مما كانا فيه} من السلامة الى الملامة ومن الفرح الى الترح ومن النعمة الى النقمة ومن المحبة الى المحنة ومن القربة الى الغربة ومن الالفة الى الكلفة ومن الوصلة الى الفرقة وكان قبل اكر الشجرة مستأنسا بكل شئ ومؤانسا مع كل احد ولذلك سمى انسانا فلما ذاق شجرة المحبة استوحش من كل شئ واتخذ كل احد عدوا وهكذا شرط صحة المبحة عداوة ما سوى المحبوب فكما أن ذات المحبوب لا يقبل الشركة فى التعبد كذا لا يقبل الشركة فى المحبة ولهذا قال {اهبطوا بعضهم لبعض عدو} وكذا كان حال الخليل فى البداية يتعلق بالكوكب والقمر والشمس ويقول {أية : هذا ربى}تفسير : [الأنعام: 76]. فلما ذاق شجرة الخلة قال {أية : لا أحب الآفلين}تفسير : [الأنعام: 76] {أية : إنى برئ مما تشركون} تفسير : [ الأنعام: 87] {أية : فإنهم عدو لى إلا رَبِّ العالمين}تفسير : [الشعراء: 77]. {وقلنا اهبطوا} خطاب لآدم وحواء وجمع الضمير بلأنهما اصلا الجنس فكانهما الجنس كله. وقيل هو لخمسة وخامسهم الطاووس وهذا الامر وان انتظمهم فى كلمة فما كان هبوطهم جملة بل هبط ابليس حين لعن وهبوط آدم وحواء كان بعده بكثير الا ان يحمل على ان ابليس اخرج منها ثانيا بعدما كان يدخلها للوسوسة ودلت كلمة اهبطوا على انهما كانا فى جنة الخلد حيث امرا بالانحدار وهو النزول من علو الى سفل وقد سبق فى الآيات السابقة ما سبق. قال القرطبى فى تفسيره ان الصحيح فى اهباطه وسكناه فى الارض ما قد ظهر من الحكمة الازلية فى ذلك وهى نثر نسلة فيها ليكلفهم ويمتحنهم ويرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم الاخروى اذ الجنة والنار ليستا بدار تكليف فكانت تلك الاكلة سبب اهباطهما من الجنة فاخرجهما لانهما خلقا منهما وليكون آدم خليفة الله فى الارض ولله أن يفعل ما يشاء وقد قال {أية : إنى جاعل فى الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30] وهذه منقبة عظيمة وفضيلة كريمة شريفة انتهى كلام القرطبى * فهبوطه من الجنة هبوط التشريف والامتحان والتمييز بين قبضتى السعادة والشقاوة لان ذلك من مقتضيات الخلافة الالهية على ما فى كشف الكنوز * واكثر المفسرين على ان المعنى انزلوا استخفافا بكم لكن القول ما قالت حذام. قال المولى الشهير بابن الكمال فى رسالة القضاء والقدر عتاب آدم عليه السلام فى قوله تعالى {أية : ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين}تفسير : [الأعراف: 22]. عتاب تلطيف لا عتاب تعنيف وتعذيب وتنزيله من السماء الى الارض بقوله اهبطوا {أية : منها جميعا}تفسير : [البقرة: 38]. تكميل وتبعيد تقريب كما فى قول الشاعر شعر : سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا تفسير : {بعضكم لبعض عدو} حال استغنى فيها عن الواو بالضمير اى متعادين يبغى بعضكم على بعض بتضليله والعدو يصلح للواحد والجمع ولهذا لم يقل اعداء فابليس عدو لهما وهما عدو لابليس والحية عدو لبنى آدم وهم عدوهما وهى تلسعهم وهم يدمغونها وابليس يفتنهم وهم يلعنونه وكذا العداوة بين ذرية آدم وحواء بالتحاسد فى الدنيا والاختلاف فى الدين والعداوة مع ابليس دينية فلا ترتفع ما بقى الدين والعداوة مع الحية طبيعية فلا ترتفع ما بقى الطبع ثم هذه عداوة تأكدت بيننا وبينهم لكن حزبا يكون الله معهم كان الظفر لهم ثم قوله بعضكم لبعض عدو اخبار عن كونه اى التعادى لا امر بتحصيله ولما قال بعضكم لبعض عدو قال آدم الحمد لله حيث لم يقل أنا لكم عدو والعدو هو المجاوز حده فى مكروه صاحبه {ولكم فى الارض مستقر} اى موضع قرار على وجهها او فى القبور. ثم المستقر ثلاثة رحم الام قال تعالى {أية : فمستقر ومستودع}تفسير : [الأَنعام: 98]. اودع فى صلب الاب واستقر فى رحم الام والثانى الدنيا قال تعالى {أية : ولكم فى الأرض مستقر}تفسير : [البقرة: 37]. والثالث العقبى اما فى الجنة قال تعالى {أية : أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا}تفسير : [الفرقان: 24]. واما فى النار قال تعالى {أية : إنها ساءت مستقرا ومقاما}تفسير : [الفرقان: 66] الآية. {ومتاع} اى تمتع بالعيش وانتفاع به {الى حين} الى آخر اعماركم وهو حين الموت او الى القيامة. قال بعض العلماء فى قوله تعالى {الى حين} فائدة لآدم عليه السلام ليعلم إنه غير باق فيها ومنتقل الى الجنة التى وعد بالرجوع اليها وهى لغير آدم دالة على المعاد فحسب ولما هبطوا وقع آدم بارض الهند على جبل سرنديب ولذلك طابت رائحة أشجار تلك الاودية لما معه من ريح الجنة وكان السحاب يمسح رأسه فاصلع فاورث اولاد الصلع ووقعت حواء بجدة وبينهما سبعمائة فرسخ والطاووس بمرج الهند والحية بسجستان او باصفهان وابليس بسد يأجود ومأجود وسجستان اكثر بلاد الله حيات ولولا العربد تأكلها وتفنى كثير منه لاخليت سجستان من اجل الحيات وكانوا فى احسن حال فابتلى آدم بالحرث والكسب وحواء بالحيض والحبل والطلق ونقصان العقل والميراث وجعل الله قوائم الحية فى جوفها وجعل قوتها التراب وقبح رجلى الطاووس وجعل ابليس باقبح صورة وافضح حالة وكان مكث آدم وحواء فى الجنة من وقت الظهر الى وقت العصر من يوم من ايام الآخرة وكل يوم من ايامها كالف سنة من ايام الدنيا. يذكر ان الحية كانت خادم آدم عليه السلام فى الجنة فخانته بان مكنت عدوه من نفسها وظهرت العداوة له هناك فلما اهبطوا تأكدت العداوة فقيل لها انت عدو بنى آدم وهم اعداؤك وحيث لقيك منهم احد شدخ رأسك قال عليه السلام "حديث : اقتلوا الحيات واقتلوا ذات الطفيتين والابتر فانهما يخطفان البصر ويسقطان الحبل ". تفسير : فخصهما بالذكر مع انهما داخلان فى العموم ونبه على ذلك لسبب عظيم ضررهما وما لم يتحقق ضرره فما كان منها فى غير البيوت قتل ايضا لظاهر الامر العام وما كان فى البيوت لا يقتل حتى يؤذن لثلاثة ايام لقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : ان بالمدينة جنا قد أسملوا فاذا رأيتم منها شيأ فآذنوه ثلاثة ايام ". تفسير : قال ابن الملك فى شرح المشارق والجن لكونه جسما لطيفا يتشكل بشكل الحيات والجان من الحيات التى نهى عن قتلها وهى حية بيضاء صغيرة تمشى ولا تلتوى. والصحيح ان النهى عن قتل الحيات ليس مختصا بالمدينة بل ينهى عن قتل حيات البيوت فى جميع البلاد لان الله تعالى قال {أية : وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن}تفسير : [الأحقاف: 29] الآية والابتر وذات الطفيتين تقتلان من غير ايذان سواء كانتا من حيات المدينة ام لا واذا رأى احد شيأ من الحيات فى المساكن يقول انشدكم بالعهد الذى اخذه عليكم نوح عليه السلام وانشدكم بالعهد الذى اخذه عليكم سليمان عليه السلام ان لا تؤذونا فاذا رأى منها شيأ بعد فليقتله ومن خاف من مضرة الحية والعقرب فليقرأ {أية : سلام على نوح فى العالمين إنا كذلك نجزى المحسنين}تفسير : [الصافات: 79 - 80]. فانه يسلم باذن الله تعالى. واعلم ان ما كان من الحيوان اصله الاذية فانه يقتل ابتداء لاجل اذيته من غير خلاف كالحية والعقرب والفار والوزغ وشبهها. وفى حواشى الخبازى على الهداية قتل الحيوان اما لدفع المضرة او لجلب المنفعة. قال الفقير جامع هذه المجالس الانيقة يدخل فيها قتل نحلة العسل ودود القز ونحوهما اذا لم يمكن جلب منفعتها بدون القتل فالحية ابدت جوهرها الخبيث حيث خانت آدم بان ادخلت ابليس بين فكيها ولو كانت تنذره ما تركها تدخل به وقال ابليس انت فى ذمتى فامر صلى الله عليه وسلم بقتلها وقال "حديث : اقتلوها وان كنتم فى الصلاة ". تفسير : يعنى الحية والعقرب. والوزغة نفخت على نار ابراهيم عليه السلام من بين سائر الدواب فلعنت وفى الحديث "حديث : من قتل وزغة فكانما قتل كافرا ". تفسير : والوزغة من ذوات السموم وتفسد الطعام خصوصا الملح واذا لم تجد طريقا الى افساده ارتقت السقف وألقت خرءها فيه من موضع يحاذيه فجبلتها على الخبث والافساد. والفارة ابدت جوهرها بان عمدت الى حبال سفينة نوح عليه السلام فقطعتها. والغراب ابدى جوهره حيث بعثه نبى الله نوح عليه السلام من السفينة ليأتيه بخبر الارض فاقبل على جيفة ونزل وكذا الحدأة والسبع العادى والكلب العقور كله فى معنى الحية والامر بقتل المضر من باب الارشاد الى دفع المضرة قال السعدى قدس سره شعر : سنك بردست ومار بر سر سنك خيره رأيى بود قياس ودرنك تفسير : وقال ايضا شعر : تر حم بر بلنك تيز دندان ستمكارى بود بر كو سفندان تفسير : وفى التأويلات النجمية انه لما ساتقرت حبة المحبة كالبذر فى قلب آدم جعل الله شخص آدم مستقر قلبه وجعل الارض مستقر شخصه وقال {ولكم فى الارض مستقر ومتاع الى حين} اى التمتع والانتفاع لبذر المبحة بماء الطاعة والعبودية الى حين ادراك ثمرة المعرفة كقوله تعالى {أية : تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها}تفسير : [إبراهيم: 25]. وعلى التحقيق ما كانت ثمرة شجرة المخلوقات الا المعرفة لقوله تعالى {أية : وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}تفسير : [الذاريات: 56]. اى ليعرفون وثمرة المعرفة وان ظهرت على اغصان العبادة ولكن لا تنبت الا من حبة المحبة كما اخبر النبى عليه السلام "حديث : أن داود عليه السلام قال يا رب لماذا خلقت الخلق قال كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لاعرف"تفسير : فثبت ان بذر المعرفة هو المحبة: قال فى المثنوى شعر : أفتاب معرفت را نقل نيست مشرق او غير جان وعقل نيست

الطوسي

تفسير : القراءة : قرأ حمزة وحده "وأزالهما" بألف وتخفيف اللام. الباقون بتشديد اللام وحذف الألف. اللغة: الزلة والمعصية والخطيئة والسيئة بمعنى واحد وضد الخطيئة الاصابة ويقال: زل زلة، وأزله إزلالا، واستزله استزلالا وقال صاحب العين: زل السهم عن النزع زليلا وزل فلان عن الصخر زليلا فاذا زلت قدمه، قلت: زل زلا فاذا زل في مقالة أو خطبة، قلت: زل زلة. قال الشاعر: شعر : هلا على غيري جعلت الزلة تفسير : وأزله الشيطان عن الحق: إذ أزاله. والمزلة: المكان الدحض. والمزلة: الزلل في الدحض. والزلل: مثل الزلة في الخطأ. والازلال: الانعام وفي الحديث: "حديث : من أزلت إليه نعمة فليشكرها" تفسير : بمعنى أسديت. قال كثير: شعر : وإني ـ وإن صدت ـ لمثن وصادق عليها بما كانت إلينا أزلت تفسير : ويقال: أزللت إلى فلان نعمة، فأنا أزلها إزلالا. فالأصل في ذلك الزوال. والزلة: زوال عن الحق. ومعنى "أزالهما": نحاهما. من قولك: زلت عن المكان: اذا تنحيت منه. والوجه ما عليه القراء لأن هذا يؤدي إلى التكرار، لأنه قال بعد ذلك {فأخرجهما} فيصير تقدير الكلام: فأخرجهما الشيطان عنها فأخرجهما. وذلك لا يجوز. ويحسن أن يقول: استزلهما فأخرجهما. ومن قرأ: "أزالهما"، أراد المقابلة بين قوله: "أزالهما" وبين قوله: {اسكن}، لأن معناه: اسكن واثبت انت وزوجك. وتقديره: اثبتا، فأراد أن يقابل ذلك فقال: "فأزالهما" فقابل الزوال بالثبات وإنما نسب الازلال والاخراج إلى الشيطان لما وقع ذلك بدعائه ووسوسته وإعوائه. ولم يكن إخراجهما من الجنة على وجه العقوبة، لأنا قد بينا أن الأنبياء لا يجوز عليهم القبائح على حال ومن أجاز عليهم العقاب، فقد أعظم الفرية وقبح الذكر على الأنبياء. وإنما أخرجهم من الجنة، لأنه تغيرت المصلحة لما تناول من الشجرة، واقتضى التدبير والحكمة تكليفه في الأرض وسلبه ما ألبسه الله (تعالى) من لباس الجنة. وقال قوم: إن إلباس الله له ثياب الجنة كان تفضلا. وللمتفضل أن يمنع ذلك تشديداً للمحنة. كما يفقر بعد الغنى، ويميت بعد الاحياء، ويسقم بعد الصحة. فان قيل: كيف وصل إبليس إلى آدم حتى أغواه ووسوس اليه. وآدم كان في الجنة، وابليس قد أخرج منها حين تأبي من السجود؟ قيل: عن ذلك أجوبة: أحدها ـ ان آدم كان يخرج إلى باب الجنة، وابليس لم يكن ممنوعاً من الدنو منه، وكان يكلمه ويغويه. [الثاني] ـ وقال آخرون: انه كلمهما من الأرض بكلام فهماه منه وعرفاه. [والثالث] ـ قال قوم: إنه دخل في فقم الحية، وخاطبها من فقمها. والفقم: جانب الشدق. [والرابع] ـ قال قوم: راسلهما بالخطاب. وظاهر الكلام يدل على أنه شافههما بالخطاب. [والخامس] ـ وقال قوم: يجوز أن يكون قرب من السماء فكلمهما. فأما ما روي عن سعيد بن المسيب: ـ أنه كان يحلف ولا يستثني، أن آدم ما أكل من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكر، قادته اليها فأكل.ـ فانه خبر ضعيف. وعند اصحابنا، أن الخمرة كانت محرمة في سائر الشرائع ومن لم يقل ذلك، يقول: لو كان كذلك، لما توجه العتب على آدم، ولا كان عاصياً بذلك. والأمر بخلاف ذلك. وانما قلنا ذلك: لأن النائم غير مكلف في حال نومه، لزوال عقله، وكذلك المغمى عليه، وكذلك السكران وانما يؤاخذ السكران بما يفعله في شرعنا، لما ثبت تحريم ما يتناوله اسم المسكر. والا فحكمه حكم النائم عقلا. وقد قلنا: إن أكلهما من الشجرة كان على وجه الندب، دون أن يكون ذلك محظوراً عليهما، لكن لما خالفا في ترك المندوب اليه تغيرت المصلحة، واقتضت إخراجهما من الجنة وقد دللنا على ذلك في ما مضى. [والسادس] ـ وقال قوم: تعمد ذلك. [والسابع] ـ وقال قوم آخرون: نُهي عن جنس الشجرة، واخطأ. [والثامن] ـ وقال قوم: إنه تأول النهي الحقيقي، فحمله على الندب وأخطأ. وقد قدمنا ما عندنا فيه. فان قيل: كيف يكون ذلك ترك الندب مع قوله: {فتلقى آدم من ربه كلماتٍ فتاب عليه}؟ قلنا التوبة: ـ قيل ـ الرجوع ويجوز ان يرجع تارك الندب عن ذلك،... يكون تائباً. ومن قال: وقعت معصيته محبطة... بها يخرج عن الاصرار. كما لحد... الأولى اسقطت العقاب... وابليس يقول لهما: {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين. وقاسمهما: إني لكما لمن الناصحين} قيل: ما قبلا ذلك من إبليس، ولو قبلاه لكانت المعصية أعظم. فلما لم يعاتبهما الله على ترك ذلك، دل على أنهما لم يقبلا. وهذا جواب من يقول: انه كان صغيراً، أو كان ناسياً. وعلى ما قلناه ـ أن ذلك كان ندباً لا يحتاج إلى ذلك، بل دليل العقل أمننا من وقوع قبيح من آدم، والانبياء. فلو كان صريحاً، لتركنا ظاهره لقيام الدليل على خلافه. على أنه لا يمنع أن يقاسمهما: إنه لمن الناصحين في ترك الندب. وإنما ظاهر النهي تركه يوجب أن يصيرا من الخالدين. وقوله {مما كانا فيه} يحتمل أن يكون أراد: من لباسهما حتى بدت لهما سوآتهما ويحتمل أن يكون من الجنة، حتي أهبطا. ويحتمل أن يكون أراد: من الطاعة ألى المعصية. اللغة: وقوله: {اهبطوا} فالهبوط والنزول والوقوع نظائر. ونقيض الهبوط والنزول الصعود. يقال: هبط يهبط: اذا انحدر في هبوط من صعود. والهبوط اسم كالحدور، وهو الموضع الذي يهبط من اعلى إلى اسفل. والهبوط: المصدر. قال ابن دريد: هبطته واهبطته. والعداوة، والبراءة، والمباعدة، نظائر. وضد العدو، الوليّ. والعدو: الحُضر ـ خفيف ـ والعدو: ـ ثقيل ـ يقال في التعدي. وقرىء: {فيسبّوا الله عدواً ـ وعُددُوّاً ـ بغير علم} والعدوان: الظلم. والعدوى: طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك ـ أي ينتقم لك ـ والعدو اسم جامع للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث. فاذا جعلته نعتاً، قلت: الرجلان عدوّاك، والرجال اعداؤك، والمرأتان عدوتاك، والنسوة عدوَّاتك. وأصل الباب: المجاوزة. يقال: لا يعدوَّنك هذا الأمر ـ أي يتجاوزَّنك. المعنى: وقوله: {اهبطوا} انما قال بالجمع، لأنه يحتمل اشياء: احدها ـ أنه خاطب آدم وحواء وابليس، فيصلح ذلك، وان كان ابليس أهبط من قبلهما. يقال: أخرج جمع من الجيش ـ وان خرجوا متفرقين ـ. اختار هذا الزجاج. والثاني ـ أنه أراد آدم وحواء والحية. والثالث ـ آدم وحواء وذريتهما. والرابع ـ قال الحسن: إنه أراد آدم وحواء والوسوسة. وظاهر القول وان كان أمراً فالمراد به التهديد. كما قال: {اعملوا ما شئتم}. وقوله: {مستقر} قرار، لقوله: {جعل لكم الأرض قراراً} وقيل: مستقر في القبور والأول أقوى وأحسن. اللغة: والقرار: الثبات، والبقاء مثله. وضد القرار الانزعاج. وضد الثبات الزوال وضد البقاء الفناء. ويقال: قرَّ قراراً. والاستقرار: الكون من وقت واحد على حال. "والمستقرّ" يحتمل أن يكون بمعنى الاستقرار، ويحتمل أن يكون بمعنى المكان الذي يستقرُّ فيه. وقوله: {ومتاع إلى حين} والمتاع والتمتع والتلذذ والمتعة متقاربة المعنى. وضدها التألم. يقال: أمتعه به إمتاعاً، وتمتع تمتعاً، واستمتع استمتاعاً، ومتعه تمتيعاً، ومتع النهار متوعاً ـ وذلك قبل الزوال ـ والمتاع من أمتعة البيت: ما يتمتع به الانسان من حوائجه. وكل شيء تمتعت به فهو متاع. ومنه متعة النكاح، ومتعة المطلقة، ومتعة الحج. وقوله: {إلى حين} فالحين، والمدة والزمان، متقاربة. والحين الهلاك حان يحين. وكل شيء لم يوفق للرشاد، فقد حان حينا والحين: الوقت من الزمان وجمعه أحيان. وجمع الجمع، أحايين. ويقال: حان يحين حينونةً. وحينت الشيء: جعلت له حيناً. وحينئذ: يبعد قولك: الآن. فاذا باعدوا بين الوقتين، باعدوا بـ (إذ) فقالوا: حينئذ. والحين: يوم القيامة. وأصل الباب، الوقت. والحين: وقت الهلاك. ثم كثر، فسمي الهلاك به. والحين: الوقت الطويل. المعنى: وقيل: الـ {حين} في الآية يعني الموت. وقيل إلى يوم القيامة. وقيل: إلى أجل. وقال ابن سراج: إذا قيل: {ولكم في الأرض مستقر ومتاع} لَظن أنه غير منقطع. فقال: {إلى حين} انقطاعه. والفرق بين قول القائل: هذا لك حيناً، وبين قوله: إلى حين. أن إلى تدل على الانتهاء، ولا بد أن يكون له ابتداء وليس كذلك الوجه الآخر. معنى قوله: {بعضكم لِبعضٍ عدوٌّ}. قال الحسن: يعني بني آدم، وبني إبليس وليس ذلك بأمر على الحقيقة، بل هو تحذير، لأن الله لا يأمر بالعداوة. وفي الآية دلالةٌ على أن الله تعالى لا يريد المعصية. ولا يصدُّ أحداً عن طاعته، ولا يخرجه عنها. ولا تنسب المعصية إليه، لأنه نسب ذلك إلى الشيطان، وهو يتعالى عما عاب به الأبالسة والشياطين.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : هذا هو آخر درجات النزول لآدم (عليه السلام) من عالَم القدس، ودار الكرامة، وذلك أنَّ آدم (عليه السلام) لما كان مستصلحاً لعمارة الدارين، وأراد اللهُ بحكمته الكاملة منه عمارةَ الدنيا كما أراد عمارةَ الآخرة والجنَّة، كوَّنه من التراب تكويناً، وركّبه تركيباً يناسب عالم الحكمة والشهادة، وهي هذه الدار الدنيا. وما كانت عمارةُ الدنيا تأتي منه وهو غير مخلوق من أجزاء أرضيّة سفليّة بحسب قانون الحكمة، فمِن التراب كوَّنه، وأربعين صباحاً خمّر طينتَه - كما ورد في الحديث القدسي - ليبعد بالتخمير أربعين صباحاً أربعين حجاباً من الحضرة الإلهيّة، كلّ حجاب هو معنى مودع فيه يصلح لعمارة الدنيا، ويتعوّق به عن الحضرة الإلهيّة ومواطن القُرب. إذ لو لم يخرج عنها ولم يتنزّل إلى الدنيا لم يصلح لعمارة الدارين جميعاً، ولخلافة الله في أرضه، ثمّ لأن يكون زينةً للعالَم الأعلى وملَكاً في الآخرة ملكاً كبيراً. فبالتبتّل إلى طاعة الله، والرجوع إليه بالعلْم والعمل، والاقبال عليه، والانتزاع عن التوجّه إلى السفليّات، يخرج كل وقت عن حجاب أمر مودع فيه عند التركيب، وعلى قدر زوال كلّ حجاب ينجذب إلى مقام نزل منه، ويتّخذ منزلاً في القرب من الحضرة الإلهيّة، التي هي مجمع الأُنس ومنبع العلوم، ومصدر الحقائق. فإذا تمّ السلوك والتبتّل، وزالت الحجب، انصبّت على القلب مياه العلوم والمعارف، كما في قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : مَن أخلَصَ لله أربعين صباحاً ظهرتْ مِن قلبهِ على لسانِه ينابيعُ الحكمةِ"تفسير : . فهذه الأربعين صباحاً في التمحيص والتطهير في مقابلة تلك الأربعين صباحاً في التخمير والتركيب. ثمّ اعلم أنَّ العلوم الحقيقيّة والمعارف هي بعينها أعيان صوريّة في عالَم الحسِّ والشهادة، انقلبت بإكسير نور العظمة الإلهيّة بها، كما أنَّ هذه الصور أُصولها أيضاً أعيان عليّة، وصور مفارقة عند الله صارت متمثّلة في هذا العالَم بتقدير الله. فلكلّ غيب شهادة، ولكلّ ظاهر باطن. فنزولها وصعودها على وفْق هبوط آدم (عليه السلام) وعُروجه تكميلا للحكمة وإظهاراً للقدرة. فصل قال بعض الحكماء في لِميَّة إخراج النفوس من جنّة الأرواح لجناية وقعت: إنّ النفوس الجزئيّة لمّا هبطت من العالَم الذي كانت، وسقطَت عن مراتبها العالية لجناية وقعت من أبيها وأمّها، غرقت في بحر الهيولى وغاصت في قعر أمواج الأجسام وقيل لها: {أية : ٱنطَلِقُوۤاْ إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلاَثِ شُعَبٍ} تفسير : [المرسلات:30]. فتفرّقت في هياكل الأجسام وتمزّقت بعد وحدتها وجمعيّتها؛ وتشتَّتَ شملُها، ووقعت بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، كما قال تعالى: {ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}. وعرَض لها عند ذلك من الأهوال، والدهش، والمصائب مثلُ ما عرَض لقوم ركّاب البحر لمّا اشتدت بهم الريحُ، واضطرب بهم البحرُ، وهاجت بهم الأمواجُ، وانكسرت منهم السفينةُ، وغرقوا في بحر الطبيعة، وغاصوا في ظلمات الماء، وتفرّقوا في كلّ فجٍ عميق من الجزائر والسواحل. فكما أنَّ أولئك القوم في الوقت الذي انكسرت منهم السفينةُ تراهم بين غائصٍ، وطافٍ، أو متعلّق بخشَبَةٍ أو بحبلٍ، أو راكب بعضُهم كتفَ بعض، كلّ واحد يقول: "نفْسي، نفْسي" من شدّة الأهوال، لا يفكّر بغيره، ولم يرد النجاة إلاّ لنفْسه، ولا همُّه سواه، ولا يفكّر فيما كانت فيه فهكذا حال النفوس في هذا العالم وكونها مع هذه الأجساد. فمِن هذه الأشياء نسيَت النفوسُ عالَمَها ودارَها الحيواني، ولا نذكر شيئاً ممّا كانت فيه من أمر عالَمِها، ومعادِها، كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ} تفسير : [الصافات:13 - 14]. ثم قال: إنّ النفس إذا انتبهتْ من نوم الغفلة، ورقدَة الجهالة، واستبصرت ذاتَها، وعرفت جوهرَها، وتحقّقت بغربتها في عالَم الأجسام، وغرقِها في بحر الهيولى، وأسْرِها بالشهوات الطبيعيّة، وعاينت عالَمَها، واستبانَ لها فضلُ نعيمها على هذه اللذّات الكدِرة الظلمانيّة وتنسّمت بروح عالَمها وريحانها؛ اشتاقت إلى هناك وملَّت الكونَ مع هذه الأجسام، وزهدَت في نعيم الدنيا، وتمنَّت الموتَ لهذا الجسد، والخروج من ظلمته، فيكون مثَلُها مَثلُ جماعةٍ خرجوا من الحبوس والمطامير مع ضوء الصبح، فشاهَدوا هذا العالَم دفعة واحدة. فأمّا النفس الغير المستبصرة فمَثَلُها كمَثَل العميان سواءٌ عندهم ضوءُ النهار وظلمة الليل. وسُئل بعضُ الحكماء العارفين: "إنّا من أيّ موضعٍ جئنا إلى هذا العالَم؟" فقال في الجواب: "اعلم إنّا جِئنا إلى هذا العالَم من ذلك العالَم. وحدُّ هذا العالَم من فوق فلَك البروج سِدرة المنتهى، تحت الفلَك المستقيم إلى هذه الأرض وحدّ ذلك العالَم من فوق الفلَك المستقيم إلى تحت مرتبة القلَم الإلهي، وهو العقل الكلّي. ومجيئنا من ذلك العالَم إنّما هو من الجنّة، جنّة الله التي هي حظيرة القدس التي بها قدّس المقدّسون، وتلك هي فوق ذلك العالَم. فأمّا هذا العالَم فهو دار عمل، وذلك العالَم دار حساب والجنّة هي دار جزاء المحسنين. واعلم إنّا جئنا من جنّة القدس إلى ذلك العالَم، ومن ذلك العالَم إلى هذا العالَم، ومن هذا العالَم نذهب إلى فلَك البروج، ومن فلك البروج نذهب إلى ذلك العالَم الذي هو موضعُ الحساب، ومن موضعٍ الحساب يرجع من أحسن عمله إلى جنَّة الله، وبقي بقاء سرمديّاً، ويبقى من أساءَ عمله تحت ذُلِّ الطبيعة، ونار الجحيم في دار جهنَّم، {أية : مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ} تفسير : [هود:107]. واحتاجوا إلى العمل من غير إرادةٍ منهم، لِيَصِلُوا إلى الصوَر الموافقة لأرواحهم في الجنَّة، وهم ينالون من تلك الصور التي في الطعام والشراب لذّة، ويجدون سُكوناً إلى الدنيا تحت الطبع والطبيعة. وكذلك يكونون في قيد الطبيعة، يدخلون كارهين من غير إرادةٍ تحت قيد العقل الذي بذره العقل العملي الذي جاء به الرسل (عليهم السلام) ممّا يشهد به شرائعهم حتّى تستأنسَ النفسُ، وتطمئنَّ بتلك الصوَر العمليّة، والعقليّة، وتجدَ بها قراراً، لأنّ أصلها أيضاً من جنّة الله تعالى، وبتلك الاستفادة يُضيء لها طريق الصراط وقت ذهابها إلى معادها، ويخف حسابها، وتثقل موازينها. فقد تبيَّن الآن أنَّ البشرَ بتقدير الابتداء، ومقام الاباء، فوق العقل والطبع، لكنَّهم اليومَ محبوسون تحت الطبيعة، مقيَّدُون بالعقل العملي، وخلاصُهم يكون عند إطلاقهم عن وثاقهم، وخروجهم عن قيد العقل، وليس يخلصون عن قيد العقل إلاّ حين يخرجون من سجن الطبع والطبيعة. وهذه معان منغلقة يفتحها الشرع للمستحقّين، وإنّها محرّمة على الجاهلين. ثمّ سُئل مسألة ثانية هي: إنّا لأي شيءٍ جئنا إلى هذا العالَم، بعد أن كنّا مغبوطين؟ فأجاب: إعلم إنّ مجيئَنا إلى هذا العالَم لم يكن باختيارنا وإرادتنا، لكن بالقهر جئنا، وبالقهر نمسك، وبالقهر نخرج. وإنَّا جئنا للتمحيص، والتطهير {أية : وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [آل عمران:141]. وطهارة النفس إنّما تكون بالعمل الشرعي، والعلْم الإلهي، وبهذين تتمّ الطهارة والتوجّه إلى المعاد، وكما أنَّ طهارة الجسد يكون بالماء، أو بالتراب عند عدم الماء، كذلك طهارة النفس بالعلْم الذي هو بمنزلة الماء، والعمل الذي هو بمنزلة التراب، فكل من أتى بالعمل الشرعي حتّى يصلَ إلى العلْم الإلهي، فيعلم حقيقته، ويعرف نفسه. فإنّه يخلص عند مفارقته هذه الدنيا، التي هي سجن المؤمن، وجنّة الكافر. إشارةٌ مشرقيّةٌ واعلم أن حكايةَ هبوطِ العقل الإنساني، والنفس الآدميّة من عالَم القدس إلى موطن الطبيعة الجسمانيّة، ممّا كثُرت في مرموزات الأنبياء (عليهم السلام)، وإشارات الأولياء والحُكماء. ففي القرآن المجيد قد ذكر هبوط النفس وصعودها في آيات عديدة، كقوله: {أية : لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَانَ فِيۤ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [التين:4 - 6]. وكقوله: {أية : قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [البقرة:38]. وكقوله: {أية : قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} تفسير : [الأعراف:24 - 25]. وكقوله: {أية : أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ} تفسير : [التكاثر:1 - 2] إلى قوله: {أية : ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ} تفسير : [التكاثر:8]. وكقوله: {أية : وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً} تفسير : [مريم:71 - 72]. وكقوله: {أية : كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَىٰ وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلضَّلاَلَةُ} تفسير : [الأعراف:29 - 30]. وكقوله: {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الأنعام:94]. وفي كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): "رَحِمَ اللهُ امرئاً أعدّ لنفْسه، واستعدَّ لرمْسه، وعَلِم مِن أينَ؟ وفي أينَ؟ وإلى أين؟". وفي كلامه (عليه السلام) أيضاً: "وليحضرَ عقلَه، وليكُن من أبناء الآخرة، فإنّه منها قدِم، وإليها ينقَلِب". وفي كلامه (عليه السلام) أيضاً في بيان ماهيّة النفس ومبدئها ومعادها: "إعلم أنَّ الصورةَ الإنسانيّة هي أكبر حجج الله على خلقِه، وهي الكتاب الذي كتبَه بيده، وهي الهيكل الذي بناه بحكمته، وهي مجموع صور العالَمين، وهي المختصر من اللوح المحفوظ، وهي الشاهد على كلّ غائِب، والحجّة على كل جاحِد، وهي الطريق المستقيم إلى كلّ خير، وهي الصراط الممدود بين الجنّة والنار". وفي كلمات الحكماء الراسخين إشارة لطيفة، ورموز شريفة إلى هبوط النفس وصعودها، وحكاياتٌ مرشدة إلى ذلك. ومنها قصّة سلامان وأبسال التي ذكرت في مقامات العارفين، ومنها قصّة الحمامة المطوّقة المذكورة في كتاب كليلة ودمنة، ومنها حكاية الطير المذكورة في رسالة لأبي علي بن سينا، ومنها حكاية حيّ بن يقظان. يفهم من كلّ منها أنَّ للنفس قبل وجودها في هذا العالَم وجوداً سابقاً، وفطرة أوّلية أصليّة في المراتب المتقدّمة، وأنَّ لها بعد هذا الوجود رُجوعاً وعَوداً إلى ما هبَطت منه إن لم يعِقها عائقٌ عن الرجوع إلى أصلها. قال بعض الحكماء مشيراً إلى ذلك: إنّي كنتُ في هورقليا مع الخلاّن، والرفقاء، والاخوان، والآباء، في فضاءٍ فسيح شديد البهاء، كثير الضياء، أبدَع الله بعلمه القديم صوَر الكائنات في أحسن تقويم، فيها رياض خُضر كان بينها نسج ديباج من الزهر، والنور، والزعفران، في أواسطها أنهار تجري على حصاة كأنّها الدرّ، والياقوت، والمرجان، فيها بيوتٌ علاية، وقصورٌ شاهقة، فيها سررٌ مَرفوعة، وأكوابٌ موضوعة، ونمارق مصفوفة، وزرابيّ مبثوثة يُطاف عليها وِلدان وغِلمان، وحورٌ حسان لم يطمثهنّ قبلهم إنس ولا جانّ. وقد استعمل أبي الفلاحة في الأصقاع وتزيين البقاع بالعمارة. فبعثَني يوماً لتعمير قطر، فإذاً أنا بحمّام كدِر وغارٍ مظلمٍ منقوش بصورة العالَمين، استقرّ فيه أبناء الجنّ والشياطين العارفين بعلم السيمياء، القادرين على إراءة الأشياء لا على ما هي عليها. فشاهدتُ عجائب عديدة وغرائب كثيرة. منها أنَّ رجلاً في مزبلة عليها سماد طريّة، وجِيَف منتنة، ويسأل الله أن يُثبِته على هذه الحالة أبداً. ومنها أنَّ رجلاً ضعيفاً عاجزاً به أوجاع وجراحات لا تُحصى كثرة في خَربة من المغارة المنقوشة يزعم ويدعي أنَّ تلك الخربة عمارات، وتلك الجراحات وتلك النقوش والصور خدمه، وحشمه، وهو ملك عظيم قدير، يعاقِب من يشاء، ويرحم مَن يشاء. فابتليت بصحبتهم طويلاً، وخرجت عن الفطرة كثيراً. فنسيت ما كنت عليه، فحسبت النار نوراً، والظلَّ حَروراً، والقبيح حسَناً، والحسَن قبيحاً، والموتَ حياة، والحياة موتاً، والسرابَ شراباً، والذلَّة لذّة، والراحة جراحةً. حتى نبَّهني بعضُ آبائي الكرام، الذي زيَّنوا حافات تلك الظلام من أنوارهم بمصابيح، وجعلوها رُجوماً لأولئك الشياطين، ومَن انتمى إليهم من المرَدة المَلاعين، ووضعوا فيها سَلاليم ليسهل بها الرجوع والعُروج، ومفاتيح ينفتح بها أبواب الخروج، فأرسلوا من حَبْل شعاعهم خيوطاً ليعرج بها من مهاوي عالَم الزور والغرور إلى معارج عالَم النور والسرور، وذكروا أموراً بها يتذكّر معاهد القدس فيجانس الإنس. فتذكّرت وعلِمت أنَّ أُولئك الشياطين عارفين بالسيمياء، قادرين على تغيير حقائق الأشياء في المرائي الموضوعة، فيخيّلون النور ظلاماً، والصحَّة سقاماً، فينسون أمر النفس وعهدها القديم، ويُحيلون بين المرء ومطلوبه. فأعرضت عن هؤلاء وتتبَّعت لأنوارهم، واقتفيتُ لآثارهم، وتعجبت من تبدّل الحالات، وتغيُّر الخيالات. وقال بعض آخر: إنَّ النفس قطرةُ انفصلت من البحر، أو شعلةٌ انقطعت من النار، فعادت واتّصلت بما كان، وطارت بأجنحة الكروبيّين. ومنها ما ذكره انباذقلس الحكيم، وهو: إنّ النفس إنّما كانت في المكان العالي الشريف، فلما أخطأتْ سقطَت إلى هذا العالَم، وإنّما صارتْ إلى هذا العالَم فراراً من سخط الله، لأنّها لمّا انحدَرت غلى هذا العالَم صارت غياثاً للأنفُس التي قد اختلطتْ عقولُها، فصارتْ كالإنسان المجنون. نادى الناس بأعلى صوته وأمرَهم أن يرفضوا هذا العالَم وما فيه، ويصيروا إلى عالَمهم الأوّل الشريف، وأمَرهم أن يستغفروا الإله عزَّ وجلّ لينالوا بذلك الراحةَ والنعمةَ التي كانوا فيها. ومنها ما قاله أفلاطون الربّاني في كتاب له يُدعى "فاذان": "علّةُ هبوط النفْس إلى هذا العالَم سقوطُ ريشها، فإذا ارتاشَت ارتفعت إلى عالَمها الأوّل". ومنها ما قال هو - أيضاً - في بعض كتبه الذي يدعى: "طيماوس": إن علّة هبوط النفس إلى هذا العالَم أمورٌ شتَّى. وذلك أنّ منها ما هبطت لخطيئةٍ أخطأها، وإنّما هبطَت إلى هذا العالَم لتُعاقَب وتُجازى على خطاياها. ومنها ما هبطت لعلّة أُخرى". غير أنَّه اختصر في قوله: وذمَّ هبوطَ النفس وسُكناها في هذه الأجسام. وقال في موضع آخر من طيماوس: إنّ النفْسِ جوهرٌ شريفٌ سعيدٌ، وإنّما صارت في هذا العالَم من فعل الباري الخير، فإنّ الباري لما خلَق هذا العالَم أرسَل إليه النفس، وصيرها فيه ليكون العالَم حيّاً ذا عقل، لأنّه لم يكن من الواجب إذا كان هذا العالَم متقناً في غاية الاتقان أن يكون غير ذي عقل، ولم يكن ممكناً أن يكون العالَم ذا عقل وليست له نفْس. فلهذه العلّة أرسَل الباري النفسَ إلى هذا العالَم وأسكنَها فيه. ثمَّ أرسل أنفُسنا وأسكنَها في أبداننا، ليكون هذا العالَم تامّاً كامِلاً، ولئلاّ يكون دون ذلك العالَم في التمام والكمال. فينبغي أن يكون في العالَم الحسّي من أجناس الحيوان ما في العالَم العقلي. ثمَّ قال: إنّ هذا العالَم مركّب من هيولى وصورة، وإنّما صوّر الهيولى طبيعة هي أشرف من الصوَر، وهي النفس العقليّة، وإنما صارت النفْس تصوّر في الهيولى بما فيها من قوة العقل الشريف، وإنّما صار العقل مقوّياً للنفس على تصوير الهيولى من قِبَل الانيّة الأولى، التي هي علّة الانيّات العقليّة، والنفسانيّة، والهيولانيّة، وسائر الأشياء الطبيعية، وإنما صارت الأشياء الطبيعيّة حسَنة بهيّة من أجْل الفاعل الأوّل، غير أن ذلك الفعل إنّما هو بتوسّط العقل والنفس. ثم قال: إنّ الانيّة الأولى الحقّ هو الخير المحض، وهو الذي يفيض على العقل الحياة أوّلاً، ثمّ على النفس، ثمّ على الأشياء الطبيعيّة. ومنها ما قاله أرسطاطاليس وهو المحمود اسمه ونعته في شريعتنا، حتّى أنّه نُقل عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال في حقِّه: "حديث : هو نبيٌّ من الأنبياء جهله قومُه"تفسير : . وقال لعليّ (عليه السلام): "حديث : يا أرسطاطاليس هذه الأمَّة"تفسير : . وفي رواية أُخرى: "حديث : يا علي أنتَ أرسطاطاليس هذه الأمّة وذو قرنَيها"تفسير : . وبرواية: "أنا ذو قرنَيها". وقد رُوي أنَّه ذُكر في مجلس النبي (صلى الله عليه وآله) أرسطاطاليس، فقال (صلى الله عليه وآله): "حديث : لو عاشَ حتّى عَرف ما جئتُ به لاتّبعني على ديني" تفسير : فلقد تكلّم في باب النفس الكلّية وهبوطها كلاماً يُشبه الرمز، وهو هذا: "إنّي رُبما خلوتُ بنفسي، وخلعتُ بدني جانباً، وصرتُ كأنّي جوهرٌ مجردٌ بلا بدني، فأكون داخلاً في ذاتي راجعاً إليها خارجاً من سائر الأشياء فأكون العلم والعالم والمعلوم جميعاً فأرى في ذاتي من الحُسن والبهاء ما أبقى له متعجّباً بهِتاً. فلما أيقنت بذلك رقيت بذهني من ذلك العالَم إلى عالَم العليَّة الإلهيّة، فصِرتُ كأنّي موضوعٌ فيها، متعلّق بها، فأكون فوقَ العالَم العقلي كلّه، فأرى كأني واقفٌ في ذلك الموقف الشريف الإلهي، فأرى هناك من النور والبهاء ما لا يقدر الألسن على صفته، ولا تعيه الأسماع، فإذا استغرقَني ذلك النور والبهاء ولم أقوَ على احتماله هبطت من العقل إلى الفكر والرويّة، فحجبَت الفكرةُ عني ذلك النور، فأبقى متعجباً أنّي كيف انحدرتُ من ذلك الموضعِ الشامخِ الإلهي... الذي هو علّة كلّ نور وبهاء. ومن العجَب أنّي رأيت ذاتي ممتلئةً نوراً، وهي في البدن كهيئتها وهي غير خارجة منه غير أنّي أطَلتُ الفكرة وأجَلتُ الرأيَ فصِرتُ كالمبهوت، وتذكّرتُ عند ذلك أرقليطوس، فإنّه أمر بالطلب والبحث عن جوهر النفس، والحرص على الصعود إلى ذلك العالَم الشريف الأعلى وقال: إنّ مَن حرصَ على ذلك وارتقى إلى العالَم الأعلى جُوزي هناك أحسنَ الجزاء اضطراراً، فلا ينبغي لأحد أن يفترَ عن الطلب، والحِرص في الارتفاع إلى ذلك العالَم وإن تَعب ونصَب، فإنّ أمامَه الراحةُ التي لا تعَبَ بعدها ولا نصَب. وإنّما أراد بقوله هذا تحريصاً على طلَب الأشياء العقليّة لتجدَها كما وجَدَ، وتُدركَها كما أدرك". ولأرسطاطاليس في كتاب المعروف باثولوجيا - معناه معرفة الربوبيّة - تصريحاتٌ وإشارات على أنّ صورة الإنسان قبل هذه النشأة الحسيّة كانت في العالَم العقلي موجودةً على وجه أعلى وأشرف من هذا الوجود الماديّ الظلمانيّ. فقال في موضع منه: "إن الإنسان الحسيّ صنمٌ للإنسان العقلي، والإنسان العقليّ روحانيّ، وجميع أعضائه روحانيّةٌ، ليس موضع العَين غير موضع اليدِ، ولا مواضع الأعضاء كلّها مختلفة، لكنّها كلّها في موضع واحد". وقال في موضع آخر منه: "إنّ في الإنسان الجسمانيّ، الإنسان النفساني، والإنسان العقلي، ولست أعني أنّه "هو هما" لكني "أعني أنّه يتّصل بهما لأنه صنم لهما، وذلك لأنّه يفعل بعض أفاعيل الإنسان العقلي وبعض أفاعيل الإنسان النفساني ففي الإنسان كلمات الإنسان العقلي وكلمات الإنسان النفسي، فقد جمَع الإنسان الجسماني كِلتَي الكلمتين، إلا أنّهما فيه قليلة، ضعيفة، نزِرة، لأنّه صنَمٌ للصنَم. فقد بانَ أنَّ الإنسان الأوّل حسّاس إلا أنّه بنوع أعلى وأشرف من الحسّ الكائن في الإنسان السِّفلي، وهو إنّما ينال الحسَّ من الإنسان الكائن في العالَم الأعلى العقلي كما بيّناه" انتهى كلامه. وكلامه في النشآت الثلاث للإنسان يطابِق القرآن كما وقعت الاشارة إليه، فإنّ الإنسان العقلي هو الإنسان التامّ الكامل، الذي كانت الملائكة كلّهم مأمورين بسجوده وطاعته، والإنسان النفْسي هو الذي كان في الجنّة قبل هبوطِه إلى هذا العالَم، لأنّ الجنّة من مسارح النفس ومراتعها، وفيها ما تشتهي الأنفُس وتلذّ الأعين، والإنسان السِّفلي هو المخلوط من التراب، المعرَّض للموت والفساد، والشرّ، والعداوة، والخصومة كما في قوله: {ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ}. فصل قوله تعالى: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا} الزَلّة، والخَطيئَة، والمَعصِية، والسَيّئة بمعنى واحد بحسب العُرف. وضدّ الخَطيئة: الاصابَة. يقال: "زَلَّت قدمُه زَلاًّ" و "زَلَّ في مَقالَتِه زَلَّةً" والمزِلَّة: المكان الدَّحض. والأصل في ذلك الزوال. فالزَلّة زوالٌ عن الحق وتحوّل عنه. قال صاحب الكشاف: "معناه: فأصدر الشيطان زلّتهما عنها ولفظة "عَنْ" في هذه الآية كهي في قوله: {أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي}تفسير : [الكهف:82]. ومن قرأ: "أزالَهما" فهو من الزوال عن المكان. وقال بعض العلماءِ: أزلّهما الشيطانُ، أي: استزلّهما. وهو من قولك: "زَلَّ في دينه، أو دنياه" نسب الازلال إلى الشيطان لما وقع بدعائه ووسوسته وإغوائه عنها أي: عن الجنة وما كانا فيه من عظيم الرتبة والمنزلة. والشيطان المراد به إبليس. فأخرجهما ممّا كانا فيه من النِّعمة والدّعة. ويحتمل أن يكون المراد أخرجهما من الجنّة حتّى أُهبطا. أو من الطاعة إلى المعصية. وأضاف الاخراج إليه لأنّه كان السبب فيه. كما يقال: "صرَفني فلانٌ عن هذا الأمر". واختُلف في كيفيّة وصول إبليس إلى آدمَ وحواء حتّى وسوَس إليهما وإبليس كان قد أُخرج من الجنّة حين أبى السجود، وهما في الجنّة. فقيل: إنّ آدم كان يَخرج إلى باب الجنّة، وإبليس لم يكن ممنوعاً من الدنوّ منه. فكان يكلّمه. عن أبي علي الجبائي. وقيل: كان إبليس يدنو من السماء فيكلمهما. وقيل: قام عند الباب فنادى. ورُوي أنَّه "أراد الدخول فمنعَته الخزَنة، فدخل في فَم الحيَّة حتّى دخلت وهم لا يَشعرون". وهذا يُشبه قول القصّاص. ويحتمل أن يكون الحيّة إشارة إلى بعض قُوى النفس الإنسانيّة التي بوسيلتها يوقِع الشيطانُ الوسوسةَ في قلب الإنسانية، فكأنّه دخل بوسيلتها في روضة قلْبه. وروي أيضاً ما يقرب من هذا، وهو أنَّ إبليس دخل الجنّة في صورة دابّة. واختلفوا أيضاً في أنَّ إبليس هل باشَر خطابَهما، أو يقال: إنّه أوصل الوسوسةَ إليهما على لسان بعض أتباعه. وقوله تعالى: {أية : وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} تفسير : [الأعراف:21]. وكذا قوله: {أية : فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ} تفسير : [الأعراف:22]. يقتضي المشافهة. ودليل الثاني: إن آدم وحوّاء كانا يعرفانه، ويعرفان ما عنده من العداوة والحسد، فبعيدٌ في العادة أن يقبلا قولَه، وأن يلتفتا إليه، فينبغي أن يكون وسوسته بالواسطة. فصل قوله: {ٱهْبِطُواْ} خطابٌ للجمع. وفيه وجوه: أحدها: أنَّه خاطَب آدمَ وحواءَ وإبليسَ، وهو اختيار الزَّجّاج، وبه قال جمع من المفسّرين، وهذا غير منكَر وإن كان إبليس قد أُخرج قبل ذلك بدلالة قوله: {أية : فَٱخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} تفسير : [ص:77]. فجمع الخبر للنبي (صلى الله عليه وآله) لأنّهم قد اجتمعوا في الهبوط وإن كانت أوقاتهم متفرّقة، كما يقال: "أُخرِج جميعُ مَن في الحبس" وإن أُخرجوا متفرقين. والثاني: إنّه أراد آدمَ وحواءَ والحيّةَ وفيه بُعدٌ. والثالث: إنّه أراد آدمَ وحواءَ وذريّتهما. لأن الوالدين يدلاّن على ذريّتهما وتتعلّق بهما. والرابع: - وهو الأولى - أن يكون الخطاب يختص بآدمَ وحواء، والمراد هما وذريّتهما، لأنّهما كانا أصلَي الإنس ومتشعبهم، جُعلا كأنهما الإنس كلّهم. والدليل عليه قوله: {أية : قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} تفسير : [طه:123]. وهو من قبيل قوله: {أية : فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تفسير : [البقرة:38]. والخامس: إنّ المراد هو آدمُ وحواء فقط، وخاطَب الاثنين على الجمع كما هو عادة العرب، وعليه قاعدة علم الميزان، وذلك لأن الاثنين أوّل الجمع. قال تعالى: {أية : إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ} تفسير : [الأنبياء:78]. أراد حكم داوود وسليمان (عليهما السلام). وقد تأوّل قوله تعالى: {أية : فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} تفسير : [النساء:11]. على معنى فإن كان له أخوان. والسادس: آدمُ وحوّاء والوسوسة - عن الحسَن - وهذا ضعيف. سرّ هبوط آدم واعلم أنَّ إخراج آدم وحوّاء من الجنّة وإهباطهما إلى الأرض لم يكن على وجه العقوبة، لأن الدليل قد دلّ على أنّ الأنبياء لا يجوز عليهم ما يوجبُ الذمّ والعقاب لهم عليه. ومن أجاز العقاب للأنبياء (عليهم السلام) فقد أساء عليهم الأدب، وأعظَمَ الفِرية على الله، وذلك لأنّ مقامَهم بحسب الباطن عالَم القدس العقلي، ومحلّ العصمة عن الشرور، والطهارة عن الخبائث الطبيعيّة، والأرجاس البدنيّة. وإنّما أخرج الله آدم من الجنّة لأنّ المصلحة قد اقتضت تناوله من الشجرة، والحكمةُ الإلهيّة قد قدَّرت إهباطَه إلى الأرض، وابتلاءه بالتكليف والمشقّة تكميلاً للسعادات، واخراجاً للذريّات من ظَهْره، وبثّاً للخيرات، وانفتاحاً لأبواب البركات، فإنّ الرحمةَ الإلهيّة لمّا لم يجز وقوفها عند حدّ، يبقى وراءها الإمكان الغير المتناهي. لأن قوّته غير متناهية، وَجُوده غير محصور عند حلّ ليكون الفائض من رحمة وُجُوده قدرٌ متناه. ثمّ أشرفُ الحوادث البدنيّة هي الأرواح الإنسيّة، المتعلّقة بالقوالب البشريّة، ولا يمكن خروجُ جميع النفوس الناطقة من القوّة إلى الفعل دفعةً واحدة على سُنّة الابداع، لا مع الأبدان. فلا بدّ من تكثير هذا النوع الإنساني الذي تعلّقت العنايةُ الأوّلية بتدبير أفرادها، وتكثير أفرادها من التوالد والتناسل قرناً بعد قرن إلى يوم القيامة، ففي كلّ مدة يفيض من عالَم القدس الإلهي نفوساً إنسانيّة، يرجع ما كمُل منها بالعلم والتقوى إلى الوطن الأصلي، والمكان العالي، وما لم يكمل يمكث في بعض البرازخ السِّفليّة أزماناً طويلة، أو قصيرة، وأحقاباً كثيرة، وقليلة بحسب كثرة العوائق والأوزار وقلّتها، وإذا كان الاعتقاد فاسداً، والجهل راسخاً، كان العقاب أبديّاً والخلاص مستحيلاً. فصل في بيان عصمة الأنبياء عليهم السلام وما ذكر فيها على طريقة المتكلّم لا شبهة في أنّ النبي لا بدّ في إثبات نبوّته ورسالته من معجزة، تقتضي صدق دعواه للنبوّة، وما يتعلّق بها من التبليغ وشرعيّة الأحكام، فما يتَوهّم صدوره عن الأنبياء من القبائح إمّا أن يكون منافياً لما تقتضيه المعجزة كالكذب فيما يتعلّق بالتبليغ أولا. والثاني: إمّا أن يكون كفْراً، أو معصية غيره. والثاني: إمّا أن يكون كبيرة كالقتل والزنا، أو صغيرة. والثانية: إمّا أن تكون منفّرة كسرقة لقمة، أو التطفيف بحبّة. أو غير منفّرة ككذبة، أو همّة بمعصية. كلّ ذلك إمّا عمداً أو سهواً. بعد البعثة، أو قبلها. والجمهور من الإسلاميّين اتّفقوا على وجوب عصمتهم عمّا ينافي مقتضى المعجزة وما يتعلّق بالتبليغ - وإلاّ لارتفع الوثوق بالأداء - واتّفقوا على أنّ ذلك كما لا يجوز عمداً، لا يجوز سهواً. وقد جوّزه القاضي سهواً زعماً منه أنّه لا يدخل في التصديق بالمعجزة. واتّفقوا أيضاً على وجوب عصمتهم عن الكفر، وقد جوّزه الأزارقة من الخوارج، بناءً على تجويزهم الذنب، مع قولهم بأنّ كلّ ذنب كفر. وجوّز بعض فرق الشيعة إظهاره تقيّةً واحترازاً عن إلقاء النفس في المهلكة. ورُدّ بأنّ أولى الأوقات بالتقيّة ابتداء الدعوة، لضعف الداعي وشوكة المخالف. وكذا عن تعمّد الكبائر بعد البعثة، فعند الأشاعرة سمعاً، وعند غيرهم عقلاً وجوّزه الحشويّة إمّا لعدم دليل الامتناع لهم، وإمّا لِما سيجيء من شُبَه الوقوع. وكذا عن الصغائر المنفِّرة لإخلالها بالدعوة إلى الاتّباع. وكذا ذهب كثيرٌ من المعتزلة إلى نفي الكبائر قبل البعثة أيضاً. وذهب الإماميّة إلى نفي الصغائر قبل البعثة وبعدها، مطلقاً، لا عمداً، ولا سهواً، وذهب الأشاعرة إلى نفي الكبائر بعد البعثة مطلقاً، والصغائر - عمداً لا سهواً - لكن لا يصرّون ولا يقرّون، بل ينهون وينتهون. وذهب إمام الحرَمين منهم، وأبو هاشم من المعتزلة إلى تجويز الصغائر عمداً. لنا: لو صدر عنهم الذنبُ لزم أمورٌ كلّها فاسدةٌ بالدلائل العقليّة والسمعيّة: أحدُها: حُرمة اتّباعهم. لكن النبيّ واجب الاتّباع بالاجماع وبقوله تعالى: {أية : قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران:31]. الثاني: ردّ شهادتهم. لقوله تعالى: {أية : إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوۤاْ} تفسير : [الحجرات:6]. الآية لكن التالي منتفٍ للقطع بأنّ من يُردّ شهادتهُ في القليل من متاع الدنيا، لا يستحقّ القبول في أمر الدين القائم إلى يوم الدين. الثالث: وجوب منعهم وزجرهم، لعموم أدلّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر. لكنّه منتفٍ لاستلزامه إيذاءَهم، وهو محرّم بالاجماع، وبقوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [الأحزاب:57]. الآية. الرابع: استحقاقهم العذاب، والطعن، واللعن، واللَّوم، والذم، لدخولهم تحت قوله: {أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} تفسير : [الجن:23]. وقوله: {أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [هود:18]. وقوله: {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف:2]. وقوله: {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [البقرة:44]. لكن كلّ ذلك منتفٍ عنهم بالاجماع. لكون وقوعها من أعظم المنفّرات. الخامس: عدم نيلهم عهد النبوّة لقوله تعالى: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة:124]. فإنّ المراد به النبوّة، أو الإمامة. السادس: كونهم غير مخلصين، لأنّ المذنب قد أغواه الشيطان، والمخلص ليس كذلك، لقوله تعالى حكاية عن إبليس: {أية : وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [الحجر:39 -40]. لكنّ اللازم منتفٍ بالاجماع، وبقوله تعالى في إبراهيم وإسحق ويعقوب: {أية : إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ}تفسير : [ص:46]. وفي يوسف: {أية : إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [يوسف:24]. السابع: كونهم حزب الشيطان ومتّبعيه، واللاَّزم قطعيّ البطلان. وذلك لأنّه تعالى قسَّم الخَلق صنفين فقال في أحدهما: {أية : أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ} تفسير : [المجادلة:19]. وقال في الآخر: {أية : أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ ٱللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}تفسير : [المجادلة:22] ولا خفاء في أنّ حزب الشيطان مَن يفعل ما يرتضيه وهو المعصية. الثامن: عدم كونهم مسارعين في الخيرات، معدودين عند الله من المُصطَفين الأخيار، إذ لا خير في الذنب لكن اللازم منتف لقوله تعالى في حقّ بعضهم: {أية : يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ} تفسير : [الأنبياء:90] {أية : وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ} تفسير : [ص:47]. ولفظ "الخيرات" للعموم، فيتناول الكلّ، والثاني أيضاً يتناول جميع الأفعال والتروك، بدليل جواز الاستثناء فيقال: "فلانٌ من المصطفين الأخيار، إلاّ في فعْلِه الفلاني" والاستثناء يُخرج من الكلام ما لولاه لدخل تحتَه. فثبتَ أنَّهم أخيارٌ في كلّ الأمور، وذلك ينافي الذنب عنهم. وقال تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الحج:75]. وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران:33]. وقال في إبراهيم (عليه السلام): {أية : وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا} تفسير : [البقرة:130]. وفي موسى: {أية : إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} تفسير : [الأعراف:144]. وقال تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي ٱلأَيْدِي وَٱلأَبْصَارِ إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى ٱلدَّارِ وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ ٱلْمُصْطَفَيْنَ ٱلأَخْيَارِ}تفسير : [ص:45 - 47]. فكلّ هذه الآيات دالّة على كونهم موصوفين بالاصطفاء والخيريّة، وذلك ينافي صدورَ الذنب عنهم. التاسع: إن النبيّ أفضل من الملَك - كما مر - والملائكةُ، معصومون عن المعصية، لقوله تعالى: {أية : لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ} تفسير : [التحريم:6]. وإذا كان الملَك معصوماً وجب أن يكون المساوي له في الفضيلة معصوماً - فضلاً عن الأفضيل - وذلك لقوله: {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ} تفسير : [ص:28]. والعاشر: قوله تعالى في حقّ إبراهيم: {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} تفسير : [البقرة:124]. والإمام مَن يؤتَمّ به، ولو صدَر عنهم الذنبُ لوجَب الائتمام بهم في ذلك الذنب، وذلك تناقضٌ. وللمخالف في كل ما ذكرناه محلُّ بحثٍ وهو أنَّ وجوب الاتّباع والإئتمام إنّما هو متعلّق بالشريعة وتبليغ الأحكام، وبالجملة فيما ليس بذلة ولا طبْع. وردّ الشهادة إنّما يكون بكبيرة أو إصرار على صغيرة من غير إنابة ورجوع. ولزوم الزجر والمنع، واستحقاق العذاب، واللوم إنّما هو على تقدير التعمُّد وعدم الإنابة، ومع ذلك فلا يتأذّى به النبي، وبمجرد كبيرة سهواً، أو صغيرة - ولو عمداً - لا يعدّ المؤمن من الظالمين على الاطلاق، ولا مِن الذين أغواهُم الشيطان، ولا مِن حزب الشيطان، سيّما مع الانابة، وعلى تقدير كون الخيرات لعموم كل فعْل، وترك مسارعة البعض إليها لا ينافي صدورَ ذنب عن آخر سيّما سهواً ومع التوبة. وبالجملة فدلالة الوجوه على نفي الكبيرة سهواً، والصغيرة الغير المنفّرة عمّداً - على ما هو المتنازَع فيه - محلّ نظر. واحتجّ المخالِف بما نُقل من أقاصيص الأنبياء، وما شهِد به ظاهرُ كتاب الله من نسبة المعصية والذنب إليهم، ومن توبتهم واستغفارهم وأمثال ذلك. والجواب عنه - أمّا إجمالاً - فهو أنَّ ما نُقل آحاداً فمردود، وما نُقل متواتراً، أو منصوصاً في الكتاب، فمحمولٌ إمّا على ترْك الأولى - كما عندنا - أو على السهو والنسيان - كما عند من جوّزهما عليهم - أو كونه قبل البعثة - كما عند من جوّز المعصية عليهم قبل البعثة - أو غير ذلك من المحامل والتأويلات. وأمّا تفصيلاً فهو مذكورٌ في التفاسير، وفي الكتب المصنّفة، وسيأتي ذكرها في تفسير تلك الآيات على الاستقصاء، ونشير إلى معاقدها هاهنا. أمّا ما ورَد في قصة آدم فأمران: أحدهما: ما ورَد في التنزيل من أنَّه عَصى وخالَفَ النهيَ عن أكل الشجرة، واعترف على نفسه وعوتِب قولاً وفِعلاً أمّا قولاً: فبقوله تعالى: {أية : أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ} تفسير : [الأعراف:22]. وأمّا فِعلاً فبِنزْع اللِّباس والإخراج من الجنّة ثمّ تابَ الله عليه واجتباه وبالجملة ففي قصّته سبع دلالات على عدم عصمته: الأوّل: كونه عاصياً، لقوله: {وَعَصَىٰ}. والثاني: ألغَيّ لقوله تعالى: {فَغَوَىٰ}. وهو ضدّ الرشد. والثالث: التوبة. لقوله تعالى: {أية : فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} تفسير : [البقرة:37]. وهي لا تكون إلاّ من الذنب. الرابع: ارتكابه المنهيّ في قوله: {أية : أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ} تفسير : [الأعراف:22]. الخامس: سمّاه ظالماً في قوله: {أية : فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة:35]. وهو سمّى نفسَه ظالماً في قوله: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}تفسير : [الأعراف:23]. والظالمُ ملعون لقوله تعالى: {أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [هود:18]. ومَن استحق اللعن لولا التوبة كان صاحب كبيرة. السادس: كونه خاسراً لولا مغفرة الله، لقوله: {أية : وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الأعراف:23]. وذلك يقتضي كونه ذا كبيرة. السابع: إنّه أُخرج من الجنّة جزاء على ما أقدم عليه من طاعة الشيطان. ولكلّ من هذه الوجوه جوابٌ تفصيليٌّ سيأتي. والجواب إجمالا من وجوه: أحدها: وهو المختار - إنّ النهي، للتنزيه، وإنّما سُمّي ظالماً وخاسِراً، لأنّه ظلَم نفسه، وخسر حظه بترك ما هو الأولى له. وأمّا إسناد الغيّ والعصيان إليه فسيأتي. وإنّما أمرَ بالتوبة تلافياً لما فات عنه، وجرى عليه ما جرى معاتبةً له على ترك الأولى، لأنّ مثله عن مثلهم عظيمٌ "حسَناتُ الأبرارِ سَيِّئاتُ المُقرَّبين" ووفاءً بما قاله للملائكة قبل خَلقه. وثانيها: إنّه فعلَه عن نسيان، لقوله تعالى: {أية : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه:115]. ولكنه عوتِب بترك التحفّظ عن أسباب النسيان، وترك اليقظة، والتنبّه لإصابة المراد، ولعلّ النسيان - وإن حطّ عن الأمّة - لم يحط عن الأنبياء لعِظَم قدْرهم، كما قال: "أشدّ الناس بلاء الأنبياء، ثمّ الأولياء، ثمّ الأمثَل فالأمثل". وثالثها: إنّه أدّى فعلُه إلى ما جَرى عليه على طريقة السببيّة المقدّرة دون المؤاخذة، كتناول السمّ على الجاهل بشأنه، وفيه مصلحة باقية. لا يقال: إنّه باطلٌ، لقوله تعالى: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا} تفسير : [الأعراف:20]. {أية : وَقَاسَمَهُمَآ} تفسير : [الأعراف:21]. الآيتين لأنّه ليس فيهما ما يدلّ على أنّ تناولَه حينما قاله إبليس، فلعل مقاله أورث فيه ميلاً طبيعياً، ثمّ إنّه كفّ نفسه عنه مراعاة لحكم الله، إلى أن نَسي ذلك وزالَ المانع، فحمَله الطبع عليه بتقدير الله. ورابعها: قيل إنّه أقدم عليه بسبب اجتهاد أخطأ فيه، فإنّه ظنّ أنَّ النهي للتنزيه، أو الإشارة إلى عين تلك الشجرة، وتناولَ من غيرها من نوعها، وكان المراد بها الإشارة إلى النوع كما رُوي أنّه (صلى الله عليه وآله) أخذ حريراً وذهباً بيده وقال: حديث : هذان محرّمان على ذكور أُمّتي، حِلٌّ لإناثهاتفسير : وإنّما جرى عليه ما جرى تفظيعاً لشأن الخطيئة ليجتنبها أولاده. وثانيهما: قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَماَّ تَغَشَّاهَا} تفسير : [الأعراف:189]. إلى قوله: {أية : جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا} تفسير : [الأعراف:190]. قالوا: هذه الكنايات كلّها عائدةٌ إليهما، فيقتضي صدورَ الشرك عنهما. والجواب: أنّه لم يقل أحدٌ في حقّ الأنبياء (عليهم السلام) الشرك في الألوهيّة مطلقاً، فالوجْه أن يقال: لا نُسلّم أنّ النفس الواحدة هي آدم، وليس في الآية ما يدلّ عليه. بل قيل: الخطاب لقريش، وهم "آل قُصيّ". والنفس الواحدة "قُصيّ". ومعنى {أية : وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا}تفسير : [الأعراف:189] جعلها من جنسها زوجة عربيّة قرشيّة. واشراكهما فيما آتاهما الله تسمية أولادهما بعبد مناف، وعبد العزّى، وعبد الدار، وعبد قصيّ. أو يقال: إنه على حذف المضاف، أي جعل أولادَهما شركاء له. بدليل قوله: {أية : فَتَعَالَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [الأعراف:190]. أو المراد، ما وقَع له من الميل إلى طاعة الشيطان ووسوسته ميلاً نفسانياً. وأمّا الشبهة في حقّ نوح (عليه السلام) هو قوله تعالى: {أية : يٰنُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} تفسير : [هود:46]. تكذيباً له في قوله: {أية : إِنَّ ٱبُنِي مِنْ أَهْلِي} تفسير : [هود:45]. والجواب: إنّه ليس للتكذيب، بل للتنبيه على أنّ المراد بالأهل في الوعد هو الأهل الصالح. أو المعنى: إنّه ليس من أهل دينك بحسب القرابة المعنوية، وإن أضفته إلى نفسك بحسب البنوّة الصوريّة. وقيل: إنّه كان ابن امرأته، فالمعنى: إنّه أجنبيّ منك، وكنت سمّيته بابنك لاختلاطه بأبنائك، والأجنبيّ إنّما يعدّ من آل النبي إذا كان له عملٌ صالح وهو عملٌ غير صالح. وأمّا الشبهة في حق إبراهيم - صلوات الله عليه - فهو إنَّه كذب في قوله {أية : هَـٰذَا رَبِّي} تفسير : [الأنعام:76]. {أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ}تفسير : [الأنبياء:63]. و {أية : إِنِّي سَقِيمٌ} تفسير : [الصافات:89]. والجواب: إنّ الأول: على سبيل الفرض والتقدير، كما يوضع الحكم الذي يراد ابطاله، أو على الاستفهام، أو على أنّه كان في مقام النظر والاستدلال. والثاني: على سبيل التعريض والاستهزاء. والثالث: على أنّ به مرض الهمّ والحزن من عنادهم أو الحمّى - على ما قيل - . وأمّا الشبهة في حقّ يوسف فمن جهة يعقوب الإفراط، والمحبة، والحزن الشديد، والبكاء. والجواب: إنّه لا معصية في ميل النفس، سيّما إلى مَن يَلوح منه آثارُ الخير والصلاح، وأنواع الكمال. ولا في بثّ الشكوى والحزن إلى الله في مصائب يكون من جهة العباد، سيّما قد قال: إنّه كان من خَوف أن يموتَ يوسفُ على غير دين الإسلام. ومن جهة الاخوة ما فَعلوا بيوسف وما قالوا: من الكذب. والجواب: إنّهم لم يكونوا أنبياء. ومن جهة يوسف الهمّ المشار إليه بقوله: {أية : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} تفسير : [يوسف:24]. وجعْل السقاية في رَحل أخيه، والرضا بسجود إخوته وأبويه. والجواب: إنّ المراد: {أية : وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} تفسير : [يوسف:24] والبرهان هو ما عنده من الصوارف العقليّة الزاجرة للنفس عن فِعل القبيح. أو المراد من "الهمّ" الميل الشهوي الحيواني الموجود في الطبائع البشرية، ولولا الزاجر الشرعي لَما انتهى عن كلّ ما يمكنه من القبائح، ولولا المعرفة الكاملة للقوّة العقليّة المنوّرة بحقيقة التقوى لوقَع منه فعلُ ما لا ينبغي أحياناً. وليس المراد الهمّ بالمعصية والقصد إليها. وقيل: هو من باب المشارفة، أي: شارَف أن يهمّ. وبالجملة فلا دلالة هاهنا على العزم والقصد إلى المعصية - فضلاً عمّا يذكره الحشويّة من الحشويّات - ولهذا ورَد في هذا المقام من الثناءِ على يوسف (عليه السلام) ما ورد، من غير أن يبقى عليه زلّة، أو يُذكر له استغفار وتوبة. وأما جعْل السقاية في رحْل أخيه: فقد كان بإذنه ورضاه - بل بإذن الله - ونسبة السرقة إلى إخوته توريةٌ عمّا كانوا فعَلوا بيوسفَ، وممّا يجري مجرى السرقة. أو هو قول المؤذّن. والسجدة كانت عندهم تحيّة وتكرمة، كالقيام والمصافحة. أو كانت مجردَ انحناء وتواضع لا وضع الجبهة على الأرض. وأمّا الشبهة في قصة موسى (عليه السلام) بقتل القبطيّ وتوبته عنه، واعترافه بكونه من عمل الشيطان فمحمولٌ عندنا على أنه لترك ما هو الأولى. وقيل إنه كان خطأ وقبل البعثة. وإذنه للسَّحرة في إظهار السّحر بقوله: {أية : أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ} تفسير : [يونس:80]. ليس رضاً به، بل الغرض إظهار بطلانه أو إظهار معجزته، ولا يتمّ إلاّ به. وقيل: لم يكن حراماً. وإلقاء الألواح كان عن دهشة وتحيُّر لشدّة غضبه. والأخذ برأس هارون وجرّه إليه لم يكن على سبيل الايذاء، بل يدنيه إلى نفسه ليتفحّص منه حقيقةَ الحال، فخاف هارون أن يحمله بنو إسرائيل على سبيل الايذاء، ويُفضي إلى شماتة الأعداء، فلم يثبت بذلك ذنبٌ له ولا لهارون، فإنّه كان ينهاهم عن عبادة العجل. وقوله للخِضر: {أية : لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً} تفسير : [الكهف:74]. أي: عجباً. وما فعله الخضْر كان بإذن الله تعالى، فلم يثبت لهما ذنبٌ أصلاً. وأمّا الشبهة في قصة داود (عليه السلام) فلم يثبت سوى أنه خطَب امرأة كان قد خطَبها أوريا، فزوّجها أولياؤها داود - دون أوريا - أو سأل أن ينزل عنها فيطلّقها، وكان ذلك عادةً في عهده، فكان زلّة منه لاستغنائه بتسعة وتسعين. والخصمان كانا ملَكين أرسلَهما الله إليه لينبّهاه، فلما تنبَّه استغفر ربَّه وخرَّ راكعاً. وسياق الآيات يدل على كرامته عند الله، ونزاهته عما ينسب إليه الحشويّة، إلاّ أنّه بالَغ في التضرّع، والتحزّن، والبكاء، والاستغفار استعظاماً للزلّة بالنظر إلى ما لَه من رفيع المنزلة. وتقرير الملَكين تمثيلٌ وتصويرٌ للقضيّة، لا إخبار بمضمون الكلام ليلزمَ الكذب ويحتاجَ إلى ما قيل: "إن المتخاصمين كانا لُصَّين دخَلا عليه للسرقة، فلما رآهما اخترَعا الدعوى. أو كانا راعيي غنمٍ ظلَم أحدُهما الآخر، والكلام على حقيقته". وأمّا الشبهة في قصّة سليمان على نبيّنا وعليه السلام فأمور: أحدها: ما يشير إليه بقوله تعالى: {أية : إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ} تفسير : [ص:31]. إلى آخره وذلك أنَّه اشتغل باستعراض الأفراس حتى غربت الشمس، وغفل عن العصر - أو وِرْدٌ كان له وقت العشي - فاغتمّ لذلك واستردّ الأفراس فعقَرها. والجواب: إنّ ذلك كان لأجل الاستغراق في الالتفات إلى أسباب الدنيا، أو كان على سبيل النسيان - كما قيل - وعقْر الجياد، وضرْب أعناقها، كان لإظهار الندم، وقصد التقرّب إلى الله، والتصدّق على الفقراء من أحبّ ما له. على أنّ من المفسِّرين مَن قال: المراد حبّه للجهاد وإعلاء كلمة الله، وضمير {تَوَارَتْ} للجياد لا للشمس. وإنّما طفِق مسحاً بالسوق والأعناق تشريفاً لها وامتحاناً، وإظهاراً لاصلاح آلة الجهاد. وثانيها: ما أشير إليه بقوله: {أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ} تفسير : [ص:34]. الآية فإن كان ذلك ما روي "أنّه وُلد له ابنٌ، وكانَ يغذوه في السحابةِ خوفاً من أن تقتله الشياطين أو تخبِّله، فما راعه أن ألقي على كرسيّه ميتاً فتنبّه لخطئه في ترك التوكّل، فاستغفر وتاب" فهذا ممّا لا بأس به، وغايته ترك الأولى، إذ ليس في التحفظ ومباشرة الأسباب ترك الامتثال لأمر التوكّل، على ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : إعقلها وتوكّل ". تفسير : وكذا ما روي أنَّه قال: "لأطوفنّ الليلةَ على سبعين امرأة كل واحدة تأتي بفارس يجاهد في سبيل الله" ولم يقل: "إن شاء الله" فلم تحمل إلا امرأة واحدة جاءت بشق ولد له عين واحدة، ويدٌ واحدة، ورِجلٌ واحدة، فألقته القابلةُ على كرسيّه. وأما ما روي من حيث الخاتم، والشيطانِ، وعبادةِ الوثن في بيته، وجلوس الشيطان على كرسيّه فعلى تقدير صحّته يجوز أن يكون اتّخاذ التماثيل غير محرّم في شريعته، وعبادة التمثال في بيته غير معلوم الوقوع. وثالثها: ما يشعر به قوله تعالى: {أية : وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} تفسير : [ص:35] من الحسد، وعدم إرادة الخير للغير. والجواب: إنّ ذلك لم يكن حسداً، بل طلباً للمعجزة على وفْق ما غلب في زمانه ولاقَ بحاله، فإنّهم كانوا يفتخرون بالملك والجاه، وهو كان ماشياً في بيت المُلك والنبوّة ووارثاً لهما، أو إظهاراً لإمكان طاعة الله وعبادته مع هذا المُلك العظيم. وقيل: أراد مُلكاً لا يورَث منه، وهو مُلك الدين - لا الدنيا - أو مُلكاً لا أُسلَبه ولا يقوم فيه غيري مقامي، كما وقع ذلك مرّة. وقيل: مُلكاً خفيّاً لا ينبغي للناس وهي القناعة. وقيل: كان مُلكاً عظيماً، فخاف أن لا يقوم غيرُه بشكره، ولا يحافظ فيه على حدود الله. وأمّا الشبهة في قصة يونس (عليه السلام) بما يشعر به قوله تعالى: {أية : وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} تفسير : [الأنبياء: 87]. رزقه فلا يوجب شكّاً في قدرته لأنّ المراد: ذهب مُغاضباً لقومه، فظنَّ أي: استيقن أن لَّن نَقدِرَ عَلَيْهِ أن لن نضيق رزقَه. ومنه قوله تعالى: {أية : فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} تفسير : [الفجر:16]. أي ضيق وقتَّر. ومعنى الظلم في قوله: {إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} ترك الأفضل. وهو مثل هذه العبارة التي فرغ لها في بطن الحوت. هذا هو المرويّ عن الرضا عليّ ابن موسى (عليه السلام) في الجواب عن سؤال المأمون في هذا الموضع. وأما في حقّ نبيِّنا (صلى الله عليه وآله) فمثل: {أية : وَٱسْتَغْفِـرْ لِذَنبِكَ} تفسير : [غافر:55]. و {أية : لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ} تفسير : [التوبة:117]. و {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}تفسير : [الفتح:2]. فمحمول على ترك الأفضل. قال الرضا (عليه السلام) في جواب المأمون عن قوله: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح:2]. "إنّه لم يكن أحد عند مشركي مكّة أعظم ذنباً من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأنّهم كانوا يعبدون من دون الله ثلاثمأة وستّين صنماً، فلمّا جاءهم (صلى الله عليه وآله) بالدعوة إلى كلمة الإخلاص كبُر ذلك عليهم وعُظم، وقالوا: {أية : أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ}تفسير : [ص:5 - 7]. فلمّا فتح الله على نبيّه (صلى الله عليه وآله) مكّة قال: يا محمد {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح:1 - 2] عند مشركي أهل مكة بدعائك إلى توحيد الله فيما تقدّم وتأخّر". فقال المأمون لمّا سمع هذا الجواب بعد الأجوبة عن سائر السؤالات المورَدة على عصمَة الأنبياء (عليهم السلام): "لقد شفَيتَ صدري يا ابن رسول الله وأوضحتَ لي ما كان ملتبساً، فجزاك الله عن أنبيائه وعن دين الإسلام خيراً. وأمّا قوله: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ}تفسير : [الضحى:7] فمعناه فقدان الشرائع والأحكام. وقيل: إنّه ضلَّ في صِباه في بعض شِعاب مكّة، فردّه أبو جهل إلى عبد المطلب. وقيل: ضلّ في طريق الشام حين خرج به أبو طالب - وبالجملة - لا دلالة على العصيان والميل عن طريق الحق. ولذا قال تعالى: {أية : مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ} تفسير : [النجم:2]. وأمّا قوله: {أية : وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ} تفسير : [الشرح:2]. فهو تمثيل لما كان يثقل عليه مِن حمْل أعباء النبوّة في أوائل البعثة، أو من تهالُكه على إسلام أهل العناد وتلهّفه. وأمّا قوله تعالى: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} تفسير : [التوبة:43]. تلطفٌ في الخطاب، وعتابٌ على ترك الأفضل، وإرشاد إلى تدبير الحرب والاحتياط. وأمّا قوله تعالى: {أية : مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ} تفسير : [الأنفال:67] إلى قوله: {أية : لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} تفسير : [الأنفال:68]. عتابٌ على ترك الأفضل، وهو أن لا يرضى باختيار أصحابه الفِداء. وكذا الكلام في قوله: {أية : لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ}تفسير : [التحريم:1]. وقوله: {أية : عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ} تفسير : [عبس:1 ـ 2]. وأما ما روي أنَّه قرأ بعد قوله: {أية : أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ} تفسير : [النجم:19 - 20]. "تلك الغرانيق العُلى. وإنّ شفاعتَها لتُرتجى" فلمّا أخبرَه جبرائيل بما وقع منه حزن وخاف خوفاً شديداً فنزل قوله: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ} تفسير : [الحج:52]. تسليةً له. فالجواب: إنّه كان من إلقاءِ الشيطان في خياله لا تعمّداً منه. وقيل: بل الغرانيق هي الملائكة. وكان هذا قرآناً فنسخ. وقيل: معنى "تمنّي النبيّ". حديث النفس. وكان يوسوِس إليه الشيطان غير الهُدى، فينسخ الله وساوسَه من نفسه ويهديه إلى الصواب. وأمّا قوله تعالى: {أية : وَتُخْفِي فِي نِفْسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} تفسير : [الأحزاب:37]. عتابٌ على أنّه أخفى في نفسه عزيمةَ تزويج زينب عند تطليق زيد إيّاها، خوفاً من طعْن المنافقين، ولا خفاء في أنَّ إخفاء أمر دنيوي خوفاً من طعن أعداء الدين ليس من الصغائر - فضلاً عن الكبائر - بل غايته له ترك للأولى. وكذا مَيَلان القلب لو ثَبت. وأمّا مثل قوله: {أية : يۤا أَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [الأحزاب:1]. {أية : وَلاَ تَطْرُدِ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ} تفسير : [الأنعام:52]. {أية : فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُمْتَرِينَ} تفسير : [يونس:94] {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}تفسير : [الزمر:65] {أية : فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ فَاسْأَلِ ٱلَّذِينَ يَقْرَءُونَ ٱلْكِتَابَ} تفسير : [يونس:94]. فجوابه: إنّ الأمر لا يقتضي سابقةَ تركه، ولا النهي سابقة فعله، ولا الشرط وقوع مضمونه. فظهرَ أنّ جواز الصغيرة على الأنبياء (عليهم السلام) عمداً - فضلاً عن الكبيرة - ممّا لم يثبت بقاطع. وقد دلّت الدلائل على وجوب عصمتهم. وأمّا وقوعها عنهم سهواً أو نسياناً فهو موضع اجتهاد. فإن قيل: ما بال زلاّت الأنبياء (عليهم السلام) قد حكيت حيث يُقرء بأعلى الصوت على وجه الزمان مع أنّ الله غفّار ستّار أمَر بالستر على من ارتكب ذنباً؟ قلنا: ليدل على صدق الأنبياء (عليهم السلام)، وكون ما يتلقّون بأمْر من الله، من غير إخفاء لشيء، وليكون امتحاناً للأمَم كيف بأنبيائهم بعد الاطّلاع على زلاّتهم. وليعلموا أن الأنبياء (عليهم السلام) مع جلالة أقدارهم، وكثرة طاعاتهم كيف التجأوا إلى التضرّع والاستغفار في أدنى زلّة، وأقلّ تقصير. فصل قوله تعالى: {ٱهْبِطُواْ} اختلفوا في أنّ هذا الأمْر هل هو أمر تعبُّد أو إباحة؟ والأشبه عند قوم أنّه أمْر تكليف، لأنّ فيه مشقّة شديدة، لأنّ مفارقة ما كانا فيه من الجنّة إلى موضع لا يحصل المعيشة فيه إلاّ بالمشقّة والكدّ من أشقّ التكاليف. وإذا ثبت هذا فبطل ما يظنّ أن ذلك كان عقوبة، لأنّ التشديد في التكليف لا يكون إلاّ لأجل الثواب، فكيف يكون عقاباً مع ما يترتّب عليه من النفع العظيم، والثواب الجزيل. وعند قوم من أهل المعرفة أنّ أمره "إِهْبِطُوا" أمْر تكوين لهما ولذريّتهما، وذلك لأنّ الهبوط إلى الدنيا، أو الأرض من الجنّة، أو السماء ليس واقعاً تحت الاختيار، وكلّ ما ليس للعبد فيه اختيار فلا معنى للتكليف به. وأيضاً قوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} حكم يعمّ الناس كلّهم، معناه ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم لبعض. والقول بأنّ "الذريّة ما كانوا موجودين في ذلك الوقت فكيف تناولَهم الخطاب؟" ساقطٌ عند العارف بخطاب الله، وبأنّ الأزمنة كلّها في حكم زمان واحد عند الله، وبأنّ السامع لأمر التكوين وقول "كُنْ" يسمع الخطاب بسمْع ذاتي عقلي، قبل هذا السمع الظاهري. إشارةٌ مشرقيّةٌ قد مرّ أنّ للإنسان نشآت ثلاث بحسب البداية النزولية، وكذلك بحسب النهاية الصعودية للكمَّل. وله هبوطان وصعودان. وهذه النشأة الدنيوية آخر منازل الهبوط، وأوّل منازل الصعود وهي دار التضادّ والتفاسد، وعالَم التغالُب والتعادي، لِضيق عرصَتها الوجوديّة، وانحصار لذّاتها الكونيّة، وقصور خيراتها من أن يسع للجميع، فلذلك ينبعث فيها حبّ التغالُب المؤدّي إلى العداوة. فقوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} إشارة إلى ما هو من خواصّ هذه النشأة التي هي مهبط آدم وأولاده. ولهذا احتاج كلّ مَن في هذا العالَم إلى قوّة غضبيّة يذبّ بها عن نفسه الآفة والشرّ، وإلى قوّة شهويّة يجلب بها إلى نفسه النفع والخير، والحكمة في وجود هاتين القوّتين في الحيوان عموماً وفي الإنسان خصوصاً هو ما سبق ذِكره. وفيه أيضاً إشارة إلى وجوب وجود خليفة من الله في الأرض في حفظ هذا النوع الإنساني، وعدم جواز أن يُترك الناسُ وآراؤُهم، إذ لا بدّ لهم من الشركة في الماء والطين - كما لا يخفى - ولا يتمّ المشاركة إلاّ بالمعاملة، ولا المعاملة - وهي مُثار الخصومات ومنبت العداوات - إلاّ بسنّةٍ وعدل. فإن لم يكن سُنّة سانّ، وعدل معدّل منصوبٍ من قِبل الله، مخصوصٍ بمعجزات وكرامات يدلّ على صدقه حتّى يسمع دعوته، وينقاد حكمه، ويتّبع قوله ورأيه، لأدّت العداوات والخصومات إلى الفساد وسفْك الدماء، والهرج والمرج. وقيل: يعني بقوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ} آدم وذريّته، وإبليس وذريّته، ولم يكن من آدم إليه ما يوجب عداوته إيّاه، ولكن حسده الملعون وخالَفه، فنشأت بينهما العداوة، ثمّ إنّ عداوة آدم له إيمان وحِكمة، للخلاص من شرّه. وعداوة إبليس كفر وحيلة. وقال الحسن: بين بني آدم وبني إبليس. وليس ذلك بأمر بل هو تحذيرٌ، لأنّ الله لا يأمر بالعداوة. فالأمر مختصّ بالهبوط، والعداوة تجري مجرى الحال. لأنّ الظاهر يقتضي أنّه أمَرهما بالهبوط في حالة عداوة بعضهم بعضاً. فصل قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ} المُسْتَقَرُّ: إمّا بمعنى المصدر، كقوله: {أية : إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ ٱلْمُسْتَقَرُّ} تفسير : [القيامة:12]. أو بمعنى المكان الذي يُستقرّ فيه، كقوله: {أية : أَصْحَابُ ٱلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً}تفسير : [الفرقان:24]. وقوله: {أية : فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ} تفسير : [الأنعام:98]. فالأكثر على أنّ المراد هاهنا هو المعنى الثاني، أي أنَّها مستقرّكم حالتي الحياة الدنيا والموت. وعن ابن عباس، أنّ المستقَرّ هو القَبر، أي يكون قبوركم فيها. وقيل: الأوّل أولى، لأنّه تعالى قرَن المتاع به وهو لا يليق إلاّ بحال الحياة. أقول: يحتمل أن يكون المستقرّ للأموات، والمتاع للأحياء، وفيه الإشارة إلى حال السائرين إلى الله، والواقفين في هذا المهبط. وقوله: {إِلَىٰ حِينٍ} أي: إلى يوم القيامة - إن أُريد الخطاب للجميع - أو إلى ساعة الموت - إن أُريد لكلّ واحد - فإنّ نسبة يوم القيامة - أي الكُبرى - إلى الكلّ كنسبة حالة الموت - وهي القيامة الصُّغرى - إلى واحد واحد.

الجنابذي

تفسير : {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا} اصدر عثرتهما عن جهة الشّجرة، او أزالهما عن الجنّة بالعثرة بوسوسته وخديعته بان اختفى بين لحيى الحيّة وقرب من مقام آدم (ع) وقال لآم (ع) ما حكاه الله تعالى وردّ آدم (ع) عليه وظنّ ان الحيّة تخاطبه فلمّا اَيِسَ من قبول آدم (ع) عاد ثانياً الى حوّاء فخاطبها وخدعها حتّى اكلت ثمّ اغترّ آدم (ع) فأكل فلمّا اكلا حصل لهما الشّعور بالشّعور فأدركا من سؤاتهما ما لم يكونا يدركانه قبل ذلك {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} من الجنّة الّتى كانا فيها، او من مقامهما الّذى كانا فيه {وَقُلْنَا} لآدم (ع) وحوّاء {ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} جمع الضّمير لارادة ذرّيّتهما معهما لكونهما اصلين لهم، او قلنا لآدم (ع) وحوّاء (ع) وابليس والحيّة {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ} ارض الطّبع والنّفس الحيوانيّة او أرض العالم الكبير {مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ} ما تنتفعون به او تمتّع {إِلَىٰ حِينٍ} حين ينقضى آجالكم وقيام قيامتكم الصّغرى. اعلم انّه تعالى باقتضاء حكمته الكاملة يخلّى بين آدم ومشتهياته المنسوبة الى نفسه الدّانيّة ليهبط من مقامه العالى الى سجن الدّنيا ليستكمل فيه ويستكثر نسله وأتباعه كما قال المولوى قدّس سرّه: شعر : سن جو آدم بودم اوّل حبس كرب برشد اكنون نسل جانم شرق وغرب تفسير : فاذا استكمل فى نفسه وفى نسله وأتباعه تاب الله عليه واخرجه من سجنه امّا بالموت الاختيارىّ او الاضطرارىّ وبدون ذلك الهبوط لا يحصل كمال لآدم ولا نسلٌ ولا اتباع بل نقول: شأنه تعالى تقليب آدم النّوعىّ من الجنّة الى سجن النّفس ومن سجن النّفس الى الجنّة كما قال تعالى شأنه: {ونقلّبهم ذات اليمين وذات الشّمال}. شعر : كَر بجهل آييم آن زندانِ اوست ور بعلم آييم آن ايوان اوست تفسير : وفى هذا التّقليب تكميله واتمام النّعمة عليه.

اطفيش

تفسير : {فَأَزَلُّهُمَا الشَّيْطَانُ}: إبليس أى أزلقهما أو أصدرهما أو أذهبهما، وأصل الزلل فى زلق القدم، فاستعمال الإزلال هنا فى معنى الإخراج والإذهاب مجاز، مبنى على مجاز آخر، وهو أنه لم يأخذهما فيخرجهما من الجنة، بل تسبب فى خروجهما بالوسوسة بقوله:{أية : هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى}؟تفسير : وقوله:{أية : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين}تفسير : ومقاسمته أنى لكما من الناصحين، وليس الزلل حقيقة فى الرأى كالقدم كما قيل. وقرأ حمزة: {فأزالهما} من الإزالة، ومعنى الإزلال والإزالة متقارب، لأن فى كل منهما الإذهاب عن الموضع، لكنه الإزلال مع عثرة أو علة فى القدم أو فى الأرض. {عَنْهَا}: عن الجنة وهو المتبادر. وتدل له قراءة حمزة، ويجوز عود الضمير إلى الشجرة فحينئذ تكون عن سببية. أى حملهما عن الزلة بسبب الشجرة، ويدل له قراءة ابن مسعود: {فوسوس لهما الشطيان عنها}. فإن قلت كيف توصل إلى إزلالهما بعد ما قيل له {أية : اخرج منها فإنك رجيم}؟تفسير : قلت: أجاز الزمخشرى أن يمنع دخولها على وجه التقريب والتكرمة، كدخول الملائكة، ولا يمنع أن يدخلها على جهة الوسوسة ابتلاء لآدم وحواء، يعنى فيكونان مكلفين متعبدين بمخالفته كما كلفنا وتعبدنا بمخالفته. وقيل كان يدنو إلى السماء فيكلمهما، ولعل قائل هذا أراد السماء السابعة، فإن الجنة فيها، وخلق الله فى صوته ما يسمع به آدم وحواء فقط، أو فى سمع آدم وحواء ما يسمعانه به. ولو كان بينهما غلظ السماء أو خلق فى غلظ صوته ما يسمعانه به هما وغيرهما، ولم يؤمر غيرهما بطرده عن ذلك. أو دخل غلظ السماء قرب منهما ولم ينفذها، أو دخل بابا ولم ينفذه، أو كان يرى أن الجنة فى السماء الدنيا وخلق فيهما أو فيه ما ذكر. وقيل: قام عند الباب فناداهما، وروى أنه أراد الدخول فمنعته الخزنة، فدخل فى فم الحية فدخلت به وهم لا يشعرون. وقيل: تمثل فى صورة دابة فدخل ولم يشعروا، وقيل كانت الجن تدخل الجنة وإنما منع منها إبليس وحده، فأرسل بعض أتباعه منهم، فأزلهما. فنسب الإزلال إليه لأنه آمر به ومحب له. وذكر بعضهم أن الحية كانت صديقة لإبليس. فلما منعته الخزنة من الدخول أتاها فسألها أن تدخله الجنة فى فيها فأدخلته وهم لا يعلمون به، مع أنها مرت عليهم. وكان لها أربع قوائم كقوائم البعير من أحسن الدواب. وكانت من خزان الجنة قيل وسم أنيابها من مكث إبليس فى فيها. ومسخها الله - عز وجل - لذلك ورد قوائمها فى بطنها. وقيل: كانا على باب الجنة وكانا يخرجان منها، وكان إبليس عدو الله قريباً من الباب، فوسوس لهما، وقد دخل مع آدم الجنة لما دخل. ورأى ما فيها من النعيم والكرامة. قال طيبا لو كان خلد فاغتنم ذلك منه الشيطان فأتاه من قبل الخلد. وقيل: لا معرفة آدم بعدم الخلد، وإنما عرفه من كلام إبليس. وقيل: إن إبليس - عدو الله - لما سمع بدخول آدم الجنة حسده، وقال يا ويلاه أأنا أعبد الله منذ كذا وكذا ألف سنة، ولم يدخلنى الله الجنة. وهذا خلق خلقه الله الآن فأدخله الله الجنة؟ فاحتال فى إخراج آدم عليه السلام، فوقف على باب الجنة ثلاثمائة سنة حتى اشتهر بالعبادة وعرفوه بها، وهو فى كل ذلك ينتظر خروج خارج من الجنة، فبينما هو كذلك إذ خرج الطاووس، وكان من سادات الطيور، فلما رآه إبليس قال: أيها الخلق الكريم على الله، من أنت وما اسمك؟ فما رأيت من خلق الله تعالى أحسن منك؟ قال أنا طائر من طيور الجنة اسمى طاووس، فقال له إبليس: إنا من الملائكة الكروبيين، وجعل يبكى، فقال له الطاووس: ما يبكيك؟ قال: إنما بكيت على ما يفوتك من حسنك وجمالك، قال له الطاووس: أيفوتنى ما أنا فيه؟ قال: نعم فإنك تفنى وتبيد، وكل الخلائق يبيدون إلا من تناول من شجرة الخلد، فهو من المخلد بين الخلائق، فقال الطاووس: أين تلك الشجرة؟ قال إبليس: إنا أدلك عليها إن أدخلتنى الجنة. قال الطاووس: كيف لى بإدخالك الجنة؟ ولا سبيل إلى ذلك بمكان رضوان. فإنه لا يدخل الجنة أحد ولا يخرج منها إلا بإذنه. ولكن سأدلك على خلق من خلق الله تعالى، يدخلها إن قدر على ذلك، فهو دون غيره فإنه خادم خليفة الله آدم، قال: من هو؟ قال: الحية. قال إبليس: فبادر إليها فإن لنا فيها سعادة الأبد، لعلها تقدر على ذلك، فجاء الطاووس إلى الحية فأخبرها بمكان إبليس وما سمع منه. قال. أنى رأيت بباب الجنة ملكاً من الكروبيين من قصته كيت وكيت، فهل لك أن تدخليه الجنة ليدلنا على شجرة الخلد؟ فأسرعت نحوه الحية فلما جاءته قال لها إبليس نحو مقالته للطاووس، فقالت: كيف لى بإدخالك ورضوان إذا رآك لا يمكنك من دخولها؟ فقال لها: أتحول ريحاً فتجعلينى بين أنيابك، قالت: نعم. فتحول ريحا ودخل فم الحية فأدخلته الجنة، فلما دخل أراهما الشجرة التى نهى الله عنها آدم، وجاء حتى وقف بين آدم وحواء، وهما يعلمان أنه إبليس، فناح عليهما نياحة احزنتهما وبكى، وهو أول من ناح. فقالا له: ما يبكيك؟ قال: أبكى عليكما، تموتان فتفارقان ما أنتما فيه من النعيم والكرامة، فوقع ذلك فى أنفسهما واغتما، فقال لهما فى تلك الساعة. وقيل: بعد مضيه ثم رجع:{أية : هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى}؟تفسير : قالا: نعم، قال: كلا من هذه الشجرة شجرة الخلد، فقالا: نهانا ربنا عنها، قال:{أية : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين}تفسير : فأبيا أن يقبلا منه، فأقسم لهما بالله أنه لهما لمن الناصحين. فاغترا بذلك وما كانا يظنان أن أحداً يحلف بالله كاذبا، فبادرت حواء إلى أكل الشجرة، ثم ناولت لآدم حتى أكل منها. قال ابن عباس وابن مسعود والجمهور: أغواهما مشافهة كما رأيت، بدليل: وقاسمهما، والمقاسمة ظاهرها المشافهة، فقال طائفة: إن إبليس لم يدخل الجنة بعد أن أخرج منها، وإنما أغواه بوساوسه من الأرض. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم"تفسير : . قال الكلبى: دعا حواء من باب الجنة، فقال لها: كلى من تلك الشجرة، فأيكما أكل منها قبل صاحبه كان هو المسلط على صاحبه. قال الحسن: وسوس إليهما من الأرض، لم يكن ليخلها بعد قول الله عز وجل:{أية : اخرج منها فإنك رجيم}.تفسير : قال الكلبى: فابتدر الشجرة فسبقته حواء وأعجبها حسن الشجرة وثمرتها فأكلت منها وأطعمت آدم. وروى محمد ابن اسحاق عن يزيد بن عبد الله بن قيس أنه قال: سمعت سعيد بن المسيب يحلف بالله ولا يستثنى: حديث : ما أكل آدم من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر حتى سكر، فقادته فأكل. فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الخمر مجمع الخبائث وأم الذنوب" قلت: يرده أن خمر الجنة لا يسكر، وأنه فى حال سكره لا يكلف، فكيف وصفه بالعصيان؟"تفسير : ووصف نفسه بظلم نفسه، إلا أن يقال ذلك فى جنة الدنيا أو خلق الله فى تلك الخمر الإسكار امتحانا، أو ناولها الخمر من الدنيا إبليس، وأنه وصفه بالعصيان، ووصف نفسه بالظلم إذ شرب مسكرا، ولم يتحفظ. ويقال: لما قال الله جل وعلا لآدم وحواء: {لاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} قال: نعم لا تقربها ولا نأكل منها، ولم يستثنيا فى كلامهما، فوكلهما الله تعالى إلى أنفسهما حتى أكلا. قال الحسن بن محمد بن الحسين: سمعت جدى يقول: يروى عن إبراهيم ابن أدهم أنه قال: أورثتنا تلك الأكلة حزنا طويلا. وزعموا عن الشبلى أنه قال: هذا أبونا آدم باع ربه بكف من حنطة، وذلك بوسوسة إبليس، وأعظم الأدوية - لمن ابتلى بوسوسته - الإعراض عنه، والثقة بالله والتعوذ به، وعدم الالتفات إلى ذلك اللعين. ويجوز هجر من اشتغل بالوسواس ليرتدع. قال ابن عطاء الله مؤلف كتاب المنن: كان بى وسواس فى الوضوء، فقال لى الشيخ أبو العباس المرسى: إن كنت لا تترك هذه الوسوسة لا تعد تأتينا. فشق ذلك على وقطع الله الوسواس عنى. وكان أبو العباس المذكور يلقن للوسواس: سبحان الملك الخلاق إن يِشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد، وما ذلك على الله بعزيز. قال ابن عباس: قال الله تعالى: يا آدم ألم يكن فيما أتحت لك من الجنة مندوحة عن الشجرة؟ قال: بلى يا رب، وعزتك. ولكن ما ظننت أن أحداً يحلف بك كاذبا. قال: فبعزتى لأهبطنك إلى الأرض، ثم لا تنال العيش فيها إلا بكد. فأهبطه من الجنة وعلمه صنعه الحديد، وأمره بالحرث، وزرع وسقى حتى بلغ وحصد ودرس وذراه وطحنه وعجنه وخبزه وأكله، فلم يبلعه حتى بلغ منه الجهد. قال ابن عباس: لما أكل من الشجرة قال الله تبارك وتعالى: يا آدم ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب زينته لى حواء، قال: فإنى أعاقبها ألا تحمل إلا كرها ولا تضع إلا كرها، وأدميها فى الشهر مرتين، فرنت حواء عند ذلك، فقيل: عليك الرنة وعلى بناتك. وقيل رنت وقيل لها ذلك حين قتل هابيل. قال فى عرائس القرآن: لما أكل من الشجرة المنهى عنها ابتلاه الله - عز وجل - بعشرة أشياء: أولها معاتبته إياه على ذلك، بقوله تعالى:{أية : ألم أنهكما عن تلكما الشجرة}؟تفسير : والثانى: الفضيحة فإنه لما أصاب الذنب بدت سوءته. وتهافت ما كان عليه من لباس الجنة، فتحير آدم وتشوش. وناداه ربه: أفرارا ومنى؟ فقال: لا يا رب لكن حياء منك. ولذلك قيل: كفى بالمقصر حياء يوم القيامة. ويروى أن آدم لما بدت سوءته وظهرت عورته، طاف بأشجار الجنة يسأل منها ورقة يغطى بها عورته، فزجرته أشجار الجنة، حتى رحمته شجرة التين فأعطته ورقة. والظاهر أنه يسأل أوراقاً فأعطته شجرة التين أوراقاً، لقوله تعالى:{أية : يخصفان عليهما من ورق الجنة}.تفسير : ولعل الورقة الواحدة تكفى آدم والآخرى تكفى حواء، يخرقهما كل منهما ويصنع منها لباساً أو تكفيهما واحدة كذلك فكافأ الله التين بأن ساوى ظاهره وباطنه فى الحلاوة والمنفعة، وأعطاه ثمرتين فى عام واحد. قال الشيخ هود - رحمه الله - فلما أكلا منها بدت لهما سوءاتهما وكانا كسيا الظفر، فبدت سوءاتهما، وأبصر كل واحد منهما ما كان وورى عنه من سوءته فاستحيى، فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، يرفعانه كهيئة الثوب ليواريا سوءاتهما، ثم ناداهما ربهما:{أية : ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين}؟تفسير : أى بين العداوة، فاعتل آدم بحواء وقال: هى أطعمتنى فأكلته. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : لولا بنو إسرائيل ما خثر لحم ولا انتن طعام ولولا حواء لم تخن انثى زوجها"تفسير : . ذكر بعض أن حواء هى التى كانت دلت الشيطان على ما كان نهى عنه آدم فى الجنة. ذكر الحسن عن النبى صلى الله عليه وسلم: أن آدم كان رجلا طويلا كأنه نخلة جعد الشعر، فلما وقع بما وقع بدلت له عورته وكان لا يراها قبل ذلك. فانطلق هاربا، فأخذت شجرة من الجنة برأسه، فقال لها: أرسلينى، فقالت: لست بمرسلتك، فناداه ربه: يا آدم أمنى تفر؟ فقال: ربى أستحييك: الثالث أنه أوهنه جلده وصيره مظلما بعد ما كان كالظفر، وأبقى من ذلك قدرا يسيرا على أنامله، ليتذكر بذلك أول حاله. والرابع أنه أخرجه من جواره ونودى أنه لا ينبغى أن يجاورنى من عصانى. كما قال الله تعالى: {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُو} يعنى آدم وحواء وإبليس والحية والطاووس. فهبط آدم بسرنديب من أرض الهند، وقيل على جبل من الدهناء يسمى نود، وقيل واسم، وحواء بجدة من أرض الحجاز، وإبليس بأيلة من أرض العراق وهى البصرة، وقيل بيسان، والحية بأصبهان، والطاووس بأرض بابل. ويقال الحكمة فى إخراج الله آدم من الجنة أنه كان فى صلبه من لا يستحق حضرة القدس، فإذا أخرجهم من صلبه أعاده إليها خالدا فيها. ويقال: إن الله تعالى أخرج آدم من الجنة، قبل أن يجعله فيها فذلك قوله تعالى:{أية : إنى جاعل فى الأرض خليفة}تفسير : ولم يقل فى الجنة، وهذا خطأ لأن المتبادر من الإخراج والهبوط أنهما قد دخلاها إلا إن أراد هذا الزاعم بقوله قبل أن يجعله، قبل أن يمكنه فيها، أو أراد بقوله أن يجعله فيها، الكناية عن سرعة الخروج، وإلا فقد دخلها قطعاً، بدليل أنه أشير له إلى الشجرة، وبدليل أنه أكل منها. وعن عثمان ابن منبه: سمعت واصل بن عطاء يذكر أن آدم قال: كنا نسلا من نسل الجنة فأزلنا إبليس بالخطيئة منها إلى الأرض، فليس ينبغى لنا الفرح فى الدنيا، ولكن الحزن والبكاء ما دمنا فى دار الدنيا، حتى نرد إلى الدار التى منها سبانا، قال الشاعر: شعر : منتك نفسك ضلة فأبحتها سبل الرداء وهن غير قواصد تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجى درك الجنة بها وفوز العابد ونسيت أن الله أخرج آدما منها إلى الدنيا بذنب واحد تفسير : والخامسة الفرقة بينه وبين حواء مائة سنة هذا بالهند، وهذه بجدة، فجاء كل واحد منهما يطلب صاحبه، حتى قرب أحدهما من صاحبه فازدلفا، فسميت المزدلفة، واجتمعا بجمع وتعارفا بعرفة فى يوم عرفة، فسمى الموضع عرفة. والسادس العداوة، ألقى بينهما العداوة، كما قال الله عز وجل: {اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}. فالإنسان عدو للحية يشدخ رأسها حيث رآها، والحية عدوته تلدغه، وإبليس عدو لهما، وفيه إشارة إلى أن الأحبة إذا اجتمعوا وتعانوا على المعصية أعقبت محبتهم عداوة، قال الله تعالى: {أية : الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}.تفسير : السابع أنه نادى عليه بالعصيان فقال:{أية : وعصى آدم ربه فغوى}تفسير : وفى الحديث: إن إبراهيم عليه السلام تفكر ليلة من الليالى فى أمر آدم عليه السلام فقال: يا رب خلقت آدم بيدك ونفخت فيه من روحك وأسجدت له ملائكتك، وأسكنته جنتك بلا عمل. ثم بزلة واحدة ناديت عليه بالعصيان، وأخرجته من جنتك، فأوحى الله تعالى إليه: يا إبراهيم أما علمت أن مخالفة الحبيب على الحبيب أمر شديد.؟ والثامن تسليط العدو على أولاده وهو قوله تعالى:{أية : وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم فى الأموال والأولاد وعدم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا}.تفسير : والتاسع أنه جعل الدنيا سجناً له ولأولاده، وبلاه بهوى الدنيا، ومقاساة الحر والبرد فيها، ولم يكن له عهد بهما. وإنما عرف الجنة لا يرى فيها شمساً ولا زمهريرا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا حر فيها ولا برد"تفسير : . والعاشر التعب والشقاء وهو قوله تعالى:{أية : إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى}تفسير : فهو أول خلق عرق جبينه من التعب والنصب. والله أعلم. وابتلى أمنا حواء - رضى الله عنها - وبناتها بخمس عشرة خصلة، الأولى الحيض، روى أنها لما تناولت الشجرة أدمت الشجرة، قال الله تعالى: إن لى عليك أن أدميك وبناتك فى كل شهر مرة، كما أدميت هذه الشجرة، قال النبى صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن هذا الشىء كتبه الله على بنات آدم"تفسير : والثانية: ثقل الحمل، والثالثة: الطلق وألم الوضع. قال الله تعالى:{أية : حملته أمه كرها ووضعته كرها}تفسير : وفى الحديث:"حديث : لولا الزلة التى أصابت حواء لكانت النساء لا تحيض، ويحملن يسرا ويضعن يسرا"تفسير : . الرابعة: نقصان دينها. الخامسة: نقصان عقلها. وعن عياض بن سعيد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما رأيت أذهب للب الرجل الحازم من ناقصات عقل ودين"تفسير : فقلن: ما نقصان عقلنا وديننا؟ فقال: أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟ فقلن: بلى. فذلكن من نقصان عقلكن. أوليس إضا حاضت لم تصل ولم تصم؟ فقلن: بلى. فقال: ذلك من نقصان دينكن. السادسة: أن ميراثها على النصف من ميراث الرجل. قال الله تعالى: {أية : للذكر مثل حظ الأنثيين}.تفسير : السابعة: تخصيصهن بالعدة. الثامنة: جعلهن تحت أيدى الرجال، كما قال الله تعالى:{أية : الرجال قوامون على النساء}،تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم:"حديث : استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان بين أيديكم"تفسير : والتاسعة: ليس لهن من الطلاق شىء ولا يملكن شيئاً، وإنما هو إلى الرجال، والعاشرة: أنهن حرمن من الجهاد. والحادية عشر: ليس منهن نبى. والثانية عشر: ليس منهن سلطان ولا حاكم. والثالثة عشرة: أنهن لا تسافر إحداهن إلا مع ذى محرم. الرابعة عشرة: أنهن لا تنعقد بهن الجمعة. والخامسة عشرة: أنهن لا يسلم عليهن. الله أعلم. وعاقب إبليس بعشرة أشياء أولها: عزله عن الولاية، وكان له ملك سماء الدنيا، وكان خازن الجنة. والثانية: أخرجه من جواره وأهبطه إلى الأرض. والثالثة: مسخ صورته فصيره شيطانا بعدما كان ملكا وقد مر ما فيه. والرابعة: أنه غير إسمه وكان اسمه عزازيل فسماه إبليس لأنه أبلس من رحمة الله. الخامسة: أنه جعله إمام الأشقياء. السادسة: أنه أتبعه اللعنة إلى يوم الدين. والسابعة: أنه نزع منه المعرفة. والثامنة: أغلق عنه باب التوبة. والتاسعة: أنه جعله مريدا أى خاليا من الرحمة والخير. والعاشرة: أنه جعله خطيب أهل النار. وعاقب الحية بخمسة أشياء: قطع قوائمها، وأمشاها على بطنها، ومسخ صورتها بعد أن كانت أحسن الدواب، وجعل التراب غذاءها، وجعلها تموت فى كل سنة فى الشتاء، وجعلها عدوة بنى آدم وهم لها أعداء، حيث ما يرونها يقتلونها، وأباح الرسول - صلى الله عليه وسلم - قتلها فى الصلاة وفى حال الإحرام. وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : ما سالمناها يوماً ولا صالحناهن مذ حاربناهن، فمن ترك منهن فليس منى"تفسير : يعنى الحيات. وعن أبى الأحوص الحسنى قال: بينما ابن مسعود يخطب ذات يوم، فإذا هو بحية تمشى على الجدار، فقطع الخطبة ثم ضربها بقضيبه حتى قتلها ثم قال: سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : من قتل حية فكأنما قتل رجلا مشركاً قد حل دمه"تفسير : . أخرج أبو داود عن ابن عباس عنه صلى الله عليه وسلم:"حديث : من ترك الحيات مخافة طلبهن فليس منا ما سالمناهن منذ حاربناهن"تفسير : . وأخرج أيضاً عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : اقتلوا الحيات كلهن، فمن خاف من ثأرهن فليس منى"تفسير : وفى رواية:"حديث : اقتلوا الكبار كلها إلا الجان الأبيض الذى كأنه قضيب فضة"تفسير : . وروى مسلم عن أبى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : إن للمدينة جنا قد أسلموا فإذا رأيتم منهم شيئاً فأذنوه ثلاثة أيام فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان"تفسير : وفى رواية:"حديث : بهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم منها شيئاً فاخرجوا عليه ثلاثا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر ". تفسير : {فَأَخْرَجَهُمَا}: أى تسبب فى إخراجهما فخرجا. {مِمَا كَانَا فِيهِ}: من نعيم الجنة، مأكولها ومشروبها وراحها وحسنها ورائحتها ومنافعها والكرامة والمرتبة التى لهما فيها. إلى الدنيا وشقائها ونكارة عيشها. وقيل: المعنى أخرجهما من رفعة المنزلة إلى سفالة الذنب، وهذا ضعيف قريب من تفسير الصوفية، لا يتبادر من اللغة العربية ولا يرد فيها. وعن صاحب التنوير: إخراج آدم لم يكن إهانة، بل لما سبق فى علم الله - سبحانه وتعالى - من إكرام آدم، وجعله خليفة فى الأرض، واختار ذريته فيقومون بما يجب لله من عبادته. {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}: الخطاب لآدم وحواء عليهما السلام لقوله تعالى:{أية : اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو}تفسير : فضمير الجماعة لهما باعتبار ما اشتملا عليه من الذرية، كما اعتبر ما اشتمل عليه فأثبت عدواة بعض لبعض، فإنهما متعاديان لأولادهما العاصين، من قابيل إلى يوم القيامة. وأولادهما المطيعون أعداء لأولادهما العاصين كذلك إلى يوم القيامة، ويسعون فى إضلالهم ويدل لذلك أيضاً قوله تعالى:{أية : فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.تفسير : فهذا وإثبات العداوة يدلان على اعتبار الذرية، لأن آدم وحواء ليسا عدوين بعضهما لبعض، ولاهما اللذين كفرا وكذبا، ويجوز عود الضمير إلى آدم وحواء عليهما السلام وإبليس، أعاذنا الله منه، لأنهم ذكروا جميعاً فى الآية. ولو اختلف زمان أمرهم بالهبوط، فإن الله تعالى أمر عدوه به أولا فخرج من الجنة، على ألا يدخلها أبداً. بعد أن كان يدخلها قبل المعصية. ولكن لم يسكنها. وقيل كان يمكث مدة طويلة قبل ذلك للعبادة لا للتلذذ والملك، ثم أمروا آدم وحواء عليهما السلام بالهبوط، فحكى الأمرين بالهبوط عبرة فقال: اهبطوا وهما وهو أعداء من حين هبط، ولا سيما من حين هبط آدم وحواء. وكان يدخلها بعد المعصية للوسوسة، أو كان يدخلها مسارقة عن الملائكة، فأمر بالهبوط فلا يدخلها بعد أصلا. وأمر آدم وحواء عليهما السلام بالهبوط وكلهم بمرة سواء، كان إبليس فيها حال أمر الله تعالى بالإهباط أم لا، ومعنى أمره بالإهباط فى حال ليس فيها أنه أمره ألا يدخلها، وأن يعلم أنه قد حط عن دخولها ونزع من دخولها يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز على هذا الوجه، أو يحتمل الكلام على عموم المجاز كأنه قال: لا تكونوا فيها، أو الأصل، اهبط يا عدو الله أى لا تدخلها، واهبط يا آدم وحواء. ولفظ الهبوط واحد، سواء أريد به الحقيقة أو المجاز، فحكى يقال دفعه، كما تقول فى كلامك أسد وتريد الشجاع. وتقول أسد وتريد السبع، فيقال لك ماذا ذكرت فى كلاميك؟ فتقول قلت أسد. ويحتمل أن يريد بهبوط إبليس من السماء الدنيا أو مما فوقها من السماوات، وهبوط أدم وحواء من الجنة، فإذا رجعنا الضمير إلى آدم وحواء وعدو الله، فالعداوة بينهم. وتكون بين غيرهم تبعا. فآدم وحواء ومن تبعهما من الإنس والجن فريق، وعدو الله ومن تبعه من الإنس والجن فريق. وقيل الضمير للثلاثة والحية، ويضعفه أنه لم يجر لها ذكر، وهو قول السدى. وعن الحسن: آدم وحواء والسوسة، وفيه ضعف، لضعف إسناد الاستقرار فى الأرض والتمتع فيها إلى حين إليها ولخروجها عن القسمين الذى قسم إليهما من أمر بالهبوط قوله تعالى:{أية : فمن اتبع هدى فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ..}تفسير : إلخ وجملة: بعضكم لبعض عدو، حال من الواو فى اهبطوا، والرابط الكاف، ولبعض حال من عدو، وهذه العداوة مذكورة فى قوله - عز وجل - أيضاً {أية : إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا}. تفسير : {وَلَكُمْ فِى الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ}: مصدر ميمى أى استقرار، أو اسم مكان أى موضع استقرار. والاستقرار فيها تمكن فيها، على ظهرها فى الحياة، وفى بطنها بعد الموت. أو المراد التمكن فيها حال الحياة فقط. وقيل: الاستقرار فى القبور. {وَمَتَاعٌ}: أى تمتع وانتفاع، بما فيها من نبات وتمار وغيرهما، كمساكن وملابس وتحدث ومؤانسة. ويجوز أن يراد بالمتاع ذلك كله، مع كونها سترا لنا بعد موتنا فإن ذلك نفع لنا، والمتاع اسم مصدر بمعنى التمتع كما رأيت، ويجوز كونه اسماً لنفس الشىء الذى يتمتع به. {إِلَى حِينٍ}: هو أجل الموت إذا فسرنا الاستقرار بالتمكن حال الحياة وإن فسرنا بالاستقرار فى القبر فالحين يوم القيامة. قال الشيخ هود قوله: {وَلَكُمْ فَى الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلى حِينٍ} المستقر من يوم يولد إلى يوم يموت. انتهى. والحين المدة من الزمان طالت أو قصرت، وليست كما قال بعض إن الحين المدة الطويلة من الدهر، وإن قصرها فى الإيمان والتزامات سنة مستدلا بقوله تعالى:{أية : تؤتى أكلها كل حين}تفسير : ويبحث فى الاستدلال بهذه الآية أنه لو كانت دليلا لم يصح إطلاقه على أكثر من سنة. وزعم بعض كذلك أن أقصرها ستة أشهر، لأن من النخل ما يطعم فى كل ستة أشهر. قال ابن عباس: لما هبط آدم إلى الأرض وقع على جبل سرنديب. وذكروا أن ذروته من أقرب ذرى جبال الأرض إلى السماء. وفكانت رجلا آدم - عليه السلام - على الجبل ورأسه فى السماء ليسمع دعاء الملائكة وتسبيحهم، وكان يأنس بذلك فهابته الملائكة واشتكت نفسه، فحطت قامته إلى ستين ذراعا، وكان قبل ذلك تمس رأسه السحاب إذا قعد فصلع، فأخر أولاده من ذلك الصلع، فلما نقص من قامته قال: يا رب كنت جارك فى دارك، ليس لى رب سواك، ولا رقيب غيرك، آكل فيها رغدا، وأسكن فيها حيث أحببت، فأهبطتنى إلى هذا الجبل، وكنت أسمع أصوات الملائكة، وأراهم كيف يحفون بعرشك، وأجد ريح الجنة وطيبها، وأنظر كيف يرى الملائكة يحفون بالعرش، وهو تحت سماء الدنيا، وكيف يجد ريح الجنة وهو يوجد مسيرة خمسمائة عام. اللهم إلا يقال أيدع الله له ذلك، ويجوز أن تكون له هذه الجنة فى السماء الدنيا، ثم حططتنى إلى ستين ذراعا، فقد انقطع عنى الصوت والنظر، وذهبت عنى رائحة الجنة، فأوحى الله تعالى إليه: إن ذلك بمخالفتك يا آدم، قال يا رب مخالفتى قضاء وقدر. قال وهب: لما هبط آدم من الجنة واستقر جالسا على الأرض، عطس عطسة فسال الدم من أنفه، لما رأى سيلان الدم من أنفه، ولم يكن رآه قبل ذلك، هاله ما رأى، ولم تشرب الأرض الدم فاسود على ظهرها كالحمم، ففزع آدم فزعاً شديداً، وذكر الجنة وما كان فيها من الراحة فخر مغشيا عليه، وبكى أربعين عاما، فبعث الله تعالى ملكا فمسح ظهره وبطنه، وجعل يده على فؤاده، فذهب عن الحزن والعياء واستراح مما كان يصيبه من الغم. قال شهر بن خوشب: بلغنى أن آدم - عليه السلام - لما هبط إلى الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء من الله تعالى، وقال ابن عباس: بكى آدم وحواء على ما فاتهما من نعيم الجنة مائة سنة، ولم يأكلا ولم يشربا أربعين سنة، ولم يقترب آدم حواء أربعين سنة، وقيل لو أن دموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع داود أكثر حين أصاب الخطيئية، ولو أن دموع داود ودموع أهل الأرض جمعت لكانت دموع آدم أكثير حين أخرجه الله - تعالى - من الجنة. وروى أنه عليه السلام غشى عليه أربعين يوما من نتن الدنيا. قال أبو العالية: لما وصل آدم إلى الأرض، يبس لبسه من الورق وتحات عنه، فنبت منه أنواع الطيب، فأصل الطيب من الهند، وأتاه جبريل من الجنة بقميص. وعن ابن عباس: نزل آدم إلى الأرض بعين طيب الريح وشجر، أوديتها من تلك الأواق. قيل أنزل الله تعالى معه الحجر الأسود، وكان أشد بياضا من الثلج، وعصا موسى من آس الجنة، طولها عشرة أذرع على طول موسى - عليه السلام - وروى سفيان بإسناده من حديث قال، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"حديث : "لما هبط آدم من الجنة إلى الأرض بأرض الهند، وعليه ذلك الورق الذى كان لباسه من الجنة إلى أرض الهند، يبس وتطاير فعبق منه شجر الهند، ففاح العود والصندل والمسك والعنبر والكافور. قالوا: يا رسول الله: المسك هو من الدواب؟ قال: إنما هى دابة شبه الغزال، رعت من ذلك الشجر فصير الله تعالى المسك من عرقها إذا رعت الربيع جعله مسكاً، وتساقط فينتفع به الأدميون". قالوا يا رسول الله: العنبر من دابة فى البحر؟ قال: "أجل كانت فى البر ترعى، فبعث الله تعالى إليها جبريل فساقها وما معها، حتى قذفها فى البحر، وهى أعظم ما يكون من الدواب غلظها ألف ذراع، يعنى أن هذا ما يبلغ عظمها، وتكون أيضا أقل، وإنما ترمى العنبر كما ترمى البقر روثها، فربما يخرج من جوفها العنبرة. وزنها ألف رطل وخمسمائة رطل، أو نحو ذلك""تفسير : وروى أن آدم وجد ضمرا فى جسده، فشكى ذلك إلى الله - تعالى - فنزل جبريل - عليه السلام - بشجرة الزيتون، فأمره أن يأخذ من ثمرتها ويعصرها. وقال: إن هذه شفاء من كل داء إلا السام يعنى الموت.. قيل: ودله جبريل على شجرة الأسود والأصفر، وقال له: إن ربك يقرئل السلام ويقول لك: كل هذه فإنك لن تداوى أنت وولدك بدواء هو أفضل منها فيها شفاء من كل داء. فإن بقى فى جوفك لم تخف منه، وإذا خرج أخرج الداء. فأكله فبرئ. قال أهل الأخبار: إن آدم لما هبط إلى الأرض أصاب جسده أذى الهواء وأحس به، اشتكى وحشة يجدها لم يدر ما هى، وكان قد اعتاد هواء الجنة فشكى ذلك إلى جبريل، فقال له جبريل: إنك تشتكى العرى، فأنزل الله عليه ثمانية أزواج: من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن البقر اثنين، ومن الإبل اثنين. ثم أمره أن يذبح كبشا منها فذبحه، ثم أخذ صوفه فغزلته امرأته حواء، ونسجته هى وآدم، فجعل منه جبة لنفسه، وجعل لحواء درعا وخمارا، فلبسا وبكيا على ما فاتهما من لباس الجنة. وهو مخالف لما تقدم من أنه أتاه جبريل بقميص من الجنة ليلبسة. ويشكل عليه: أن صوف كبش واحد لا يكفى آدم وحده، فكيف مع حواء؟ اللهم إلا أن يقال: بارك الله فيه، أو كان كبيرا مثله، أو دونه بقليل، وكان كثير الصوف طويله ويشكل عليه أن الأزواج الثمانية خلقن قبله، إلا أن يقال معنى قوله: (أنزلها الله عليه) بعثها إليه من الدنيا. فحواء أول من غزلت، وهى وآدم أول من نسج، وأول من لبس الصوف. وعن ابن عباس: رضى الله عنهما: "حديث : جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ما تقول فى حرفتى؟ إنى رجل حائك. قال: "حرفتك حرفة أبينا آدم، كان آدم أول من نسج، وكان جبريل يعلمه، وآدم تلميذه ثلاثة أيام. وإن الله تعالى يحب حرفتك، فإنها حرفة يحتاج إليها الأحياء والأموات. فمن قال فيكم القبيح فأبونا آدم خصمه، ومن أنف منكم فقد أنف من آدم، ومن لعنكم فقد لعن آدم، ومن أذلكم فقد أذل آدم، وهو خصمه يوم القيامة فلا تخافوا وأبشروا، فإن حرفتكم حرفة مباركة، ويكون آدم قائدكم إلى الجنة""تفسير : ولعل لفظ تلميذ محكى بالمعنى لأنه عجمى، ولم يذكر فى حديث آخر فضلا عن أن يصح أنه من الألفاظ التى حكاها - صلى الله عليه وسلم - بالعجمية. وعن أبى أمامة الباهلى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : عليكم بلباس الصوف تجدون به قلة الأكل، وعليكم بلباس الصوف تعرفون به الآخرة، وإن النظر فى الصوف ليورث فى القلب التفكر، والتفكر يورث الحكمة، والحكمة تجرى فى الجوف مجرى الدم، فمن كثر تفكره قل طعامه وكل لسانه، ومن قل تفكر كثر طعامه وقسى قلبه. والقلب القاسى بعيد من الله - عز وجل - بعيد من الجنة قريب من النار"تفسير : قالوا: ثم إن آدم لما لبس وستر العورة اشتكى، فقال له جبريل: ما الذى أصابك؟ قال: أجد فى نفسى قلقا واضطرابا، لا أجد إلى العبادة سبيلا، إلا أنى أجد من جلدى ولحمى كدبيب النمل. قال جبريل: ذلك يسمى الجوع، قال: وكيف الخلاص منه؟ قال جبريل: سوف أهديك إلى الخلاص منه، فغاب عنه ثم جاء بثورين أحمرين، والعدة والمطرقة والمنفخة والكليتين، ثم جاء بشرر من جهنم فوضعه بين يدى آدم، فطارت منه شرارة فوقعت فى البحر، فدخل جبريل إليها فأخرجها إليها فأخرجها فدفعها إلى آدم - عليه السلام - فطارت منه، حتى فعل ذلك سبعين مرة، فذلك قوله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم"تفسير : فجاء بها فقالت يا آدم: لا أطيعك وإنى منتقمة من عصاة أولادك يوم القيامة. فقال جبريل: يا آدم إنها لا تطيعك، ولكنى أسجنها لك ولأولادك فى الحجر والحديد. وذلك قوله تعالى:{أية : أفرأيتم النار التى تورون}؟تفسير : وروى فى الأخبار أن جبريل وضع الشرارة فى يدى آدم فأحرقته فخلى عنها، وقال آدم: ما لها تحرق يدى ولا تحرق يدك.. قال: لأنك أخطأت ولم أعصه أنا. ثم أمره جبريل باتخاذ آلة الحرث، فهو أول من عمل الحديد، ثم أتاه بصرة من الحنطة فيها ثلاث حبات، فقال: يا آدم لك حبتان ولحواء حبة، فصار الميراث للذكر مثل الأنثيين. وكان وزن الحبة مائة ألف وثلاثين ألف درهم. فقال آدم: ما أصنع بهذا كله؟ قال جبريل: خذها فإنها سبب سد جوعتك، وبهذه أخرجت من الجنة، وبها تحيا فى الدنيا، وبها تلقى الفتنة أنت وأولادك فى الدنيا إلى يوم القيامة، ثم أمره أن يشد الثورين، ويكسر من الخشب ويضعه عليهما، ففعل ذلك وجعل يحرث الأرض بهما. فهو أول من حرث الأرض، وبكى الثوران على ما فاتهما من راحة الجنة، فقطرت دموعهما إلى الأرض فنبت منها الجاروس، وبالا، فنبت منه الحمص. وراثا فنبت منه العدس. ثم كسر جبريل تلك الحبوب حتى كثرت، ثم بذر ونبت من ساعته، قال آدم: يا جبريل آكله؟ قال: لا، اصبر حتى يدرك، فلما أسبل وأفرك، قال: آكله؟، قال: لا، فعلمه الدرس، فلما درس قال: آكله؟، قال: لا، وعلمه التنقية، فلما نقاه قال: آكلة؟ قال: لا، وعلمه الطحن بين حجرين، فلما طحنه قال: آكله؟ قال: لا، وعلمه الطحين: ويقال إن آدم نخل دقيقه، وأمره جبريل أن يبث النخالة فى الأرض المحتصدة، فنبت الشعير فيها، فلما عجن قال: آكله؟ قال: لا، وأمره أن يحفر حفرة وأن يجمع الحطب فيها، ويوقد عليها ناراً حتى جعله ملة بخبز، فهو أول من خبز الملة، فلما أخرجها قال: آكله؟ قال: لا، حتى يبرد، فلما برد قال: آكله؟ قال: كله. ودمعت عيناه فقال: ما هذا التعب والنصب؟.. قال: هذا وعد الله الذى وعدك، فذلك قوله تعالى:{أية : فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى}تفسير : أما إن ذلك أن تأكل من كد يمينك وعرض جبينك أنت وذريتك، فلما استوفى آدم من الطعام وجد تشكيا ولم يدر ما هو فذكر ذلك لجبريل، فقال له: ذلك العطش. قال: فبم أسكنه؟ فغاب عنه جبريل ثم عاد إليه ومعه المعول، ثم قال احفر فى الأرض فما زال يحفر حتى بلغ ركبتيه، فنبع من تحت رجليه ماء عذب زلال أبرد من الثلج وأحلى من العسل. فقال: يا آدم.. اشرب منه شربة فشربها فاطمأن. ثم إنه بعد ذلك وجد شكوى أشد من الأولى والثانية. فقال يا جبريل ما هذا الذى أجده؟ فقال لا أدرى، فبعث الله ملكاً ففتق قبله ودبره، فلم يكن قبل لذلك الطعام مخرجاً، فلما خرج منه ما آذاه وجد ريحه فبكى على ذلك سبعين سنة. وفى بعض الإخبار أن الله - تعالى - لما أنزل على آدم الحديد نظر إلى قضيب من حديد نابت على الجبل، فجعل يكسر أشجارا قد يبست، ثم أوقد على ذلك القضيب حتى ذاب. وكان أول شىء ضرب منه مدرقة، وكان يعمل عليها، ثم ضرب التنور الذى ورثه نوح - عليه السلام - وهو الذى فار بالماء، وذكروا أنه أهبط آدم من الجنة ومعه قطعة من ذهب، فلذلك يبقى الذهب ولا يبلى بالثرى ولا يصدأ بالندى، ولا تنقصه الأرض ولا تأكله النار، لأنه من الجنة. وقيل إن الله عز وجل زود آدم - عليه السلام - من الجنة حين أهبط ثلاثين نوعاً من الثمر: عشرة فى القشور، وعشرة لها نوى، وعشرة لا قشور لها. فأما التى فى القشور: فالجوز واللوز والبندق والخشخاش والبلوط والجلوز والشبا والراندج والمرماخ والموز. وأما التى لها نوى: فالخوخ والمشماش والإجاص والفرسك والعناب والرطب والعبير والنبق والزعرور والمقل. وأما التى لا قشور لها ولا نوى: فالتفاح والسفرجل والكمثرى والعنب والتوت والتين والأترج والخروب والخيار البطيخ. قال ابن عباس: أهبط لآدم شجرة عنب فغرسها فأثمرت، فسرق ثمرتها إبليس فقال آدم: ويلك أخرجتنى من الجنة ولا تريد أن يجعل الله لى فيها رزقاً؟ فقال إبليس عدو الله: إن لى فيها حقا، قال: وما حقك فيها؟ قال: لى قشرها ولكم سائرها. قال ابن عباس رضى الله عنهما - أهبط آدم عليه السلام بالسنبلة، وهى سيدة طعام الدنيا، والعجوة وهى سيدة ثمار الدنيا، وعن ابن عباس وعائشة وأبى هريرة عن النبى - صلى الله عليه وسلم -:"حديث : إن العجوة من غرس الجنة وفيها شفاء وإنها ترياق وعليكم بالتمر البرانى فانه يسبح فى كل شجرة ويستغفر لآكله ". تفسير : قال كعب: أول من ضرب الدينار والدرهم آدم، وقال لا تصلح المعيشة إلا بهما، وقال وهب بن منبه: إن آدم لما أهبط إلى الأرض رأى سعتها ولم ير فيها أحدا غيره. فقال: يا رب.. أما لأرضك هذه من عامر يسبح بحمدك ويقدس لك غيرى؟ قال الله: سأجعل فيها من ولدك من يسبح يفها بحمدى ويقدسنى، وسأجعل فيها بيوتاً ترفع بذكرى، ويسبح فيها خلقى، ويذكر فيها اسمى، وسأجعل من تلك البيوت بيتاً أخصه بكرامتى وأوثره باسمى وأسميه بيتى. أجعل عليه عظمتى وجلالى، وأجعله حرما آمنا يحرم بحرمته من حوله، ومن فوقه ومن تحته، فمن حرمه لحرمتى استوجب بذلك كرامتى، ومن أخاف أهله فيه فقد خفر ذمتى وأبح دينى. وأجعله أول بيت وضع للناس ببكة مباركاً يأتونه شعثا غبرا {أية : وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}تفسير : يرجون بالتلبية رجيجاً، ويضجون بالبكاء ضجيجاً، ويعجون بالبكاء عجيبجاً فمن أعزه ولا يريد غيره، فقد وفد إلى وزارنى واستضافنى، وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه، وأن يصرف كلا بحاجته. تعمره يا آدم ما كنت حيا، ثم تعمره الأمم والقرون والأنبياء من ولدك، أمة بعد أمة، وقرن بعد قرن، ثم إن الله سبحانه أخرج من ظهر آدم كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة كالذر. ثم أخذ عليهم الميثاق كلهم فقال:{أية : ألستُ بربكم قالوا بلى شهدنا}تفسير : . وسئل عمر بن الخطاب عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : "إن الله تعالى خلق آدم وأخرج من ظهره الذرية، فقال هؤلاء للجنة بعمل أهل الجنة يعملون، وأخرج بعدهم الذرية الأشقياء فقال بعمل أهل النار يعملون" قيل: ففيم العمل يا رسول الله قال: "إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة فأدخله الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار فأدخله النار""تفسير : . ولما كان آدم يحرث على البقرة ضربها، فقالت له: لم ضربتنى؟ فقال: لعصيانك إياى، فقاتلت: قد عصيت الله - عز وجل - ولم يضربك. وأوحى الله تعالى إلى آدم عليه السلام - لما أراد أن يهبطه إلى الأرض: إنى متوليك أنت وذريتك بقطع ما تصلون، وتفريق ما تجمعون وخراب ما تبنون، وإماتة ما تلدون. قال الشعبى: أنزل الله - جل وعلا - عدوه إلى الأرض يشتمل الصماء عليه عمامة ليست تحت ذقنه منها شىء، أعور فى إحدى رجليه نعل. روى ابن المبارك عن حميد بن هلال: إنما كره الحضر فى الصلاة لأن إبليس هبط مختصراً، وهو وضع اليدين على الخاصرة، وروى عن عبد الله بن عمير إن إبليس قال: يا رب أخرجتنى من الجنة من أجل آدم، ولا أستطيعه إلا بسلطانك.. قال: وأنت مسلط عليه، قال: يا رب زدنى. قال: صدورهم منازلك، وتجرى منهم مجرى الدم. قال: يا رب زدنى. قال:{أية : وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم فى الأموال والأولاد وعدهم}تفسير : قال آدم: يا رب قد سلطته على وأنا لا أمتنع منه إلا بك. قال: لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء، قال: يا رب زدنى، قال: حسنة بعشرة أمثالها وأزيدها، والسيئة بواحدة وأمحوها، قال: يا رب زدنى. قال:{أية : يا عبادى الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم}.تفسير : قال: يا رب زدنى، يا رب اغفر لنا، قال: أغفر ولا أبالى. قال حسبى. ويروى أن إبليس - أعاذنا الله منه - قال: يا رب لعنتنى وأخرجتنى من الجنة، وجعلتنى شيطاناً مريدا مذموما مدحورا، وبعثت فى بنى آدم الرسل، وأنزلت عليهم الوحى والكتاب، فما رسلى؟ قال: رسلك الكهنة، قال: فما كتبى؟ قال: كتبك الوشم. قال: فما حديثى؟ قال: حديثك الكذب. قال: فما قراءتى؟ قال: قراءتك الشعر. قال: فما مؤذنى؟ قال: مؤذنك المزمار. قال: فما مسجدى؟ قال: مسجدك السوق. قال: فما بيتى؟ قال: بيتك الحمام. وقال: فما طعامى؟ قال: طعامك ما لم يذكر اسم الله عليه. قال: فما شرابى؟ قال: شرابك كل مسكر. قال: فما مصائدى؟ قال: مصائدك النساء. وروى مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس: أن إبليس لما خرج من الجنة ألقى الله عليه الحكة والحرقة، فنكح نفسه فباض أربع بيضات، فمنها ذريته. ويروى أن إبليس لعنه الله لقى آدم - عليه السلام - فلامه على صنيعه، وقال: يا ملعون، أى شىء هذا الذى أحللت بى وبذريتى، وعزرتنى وأخرجتنى من الجنة، وفعلت ما فعلت؟ قال: فبكى إبليس فقال إنى فعلت بك ما تقول وأنزلتك هذه المنزلة. ويروى أن إبليس تصور لفرعون فى صورة الآدمين بمصر فى الحمام، فأنكره فرعون. فقال إبليس: ويحك أما تعرفنى؟ قال: لا..قال: فكيف وأنت خلقتنى؟ ألست تقول: وأنا ربكم الأعلى؟.. ويروى أن سليمان بن داود - عليهما السلام - سأل إبليس فقال: أى الأعمال أحب إليك وأبغض إلى الله؟ قال: لا شىء أبغض إلى الله وأحب إلى، من استغناء الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، يعنى اللواط والسحاق. ويروى عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"حديث : ما من آدمى إلا وقد عمل خطيئة أو هم بها، غير يحيى بن زكريا - عليهما السلام -"تفسير : ولقد قال: يا رب ابعث إلى إبليس كما هو واعزم عليه ألا يكتمنى شيئاً أسأله عنه، فأوحى الله - عز وجل - إلى إبليس أن آت عبدى يحيى بن زكريا كما أهبطت إلى الأرض، ولا تكتمه شيئا يسأل عنه. فأتاه فقال ليحيى: أنا إبليس أمرنى ربى أن آتيك كما هبطت إلى الأرض، فإذا على رأسه خطا طيف، وفى رجليه خلاخيل، فقال: ما هذه الخطاطيف التى تطير على رأسك؟ قال: أخطف بها عقول الرجال. قال: فما بال هذه الخلاخيل التى فى رجلك؟ قال: أحركها لبنى آدم يغنى أو يغنى له. قال: فأية ساعة أنت على حاجتك من بنى آدم أقدر؟ قال: حين يمتلئ شبعا وريا. قال: فهل وجدت على نفسى شيئاً؟ قال: لا إلا مرة قدم إليك طعامك ذات ليلية، وكنت صمت، فأشهيته لك حتى أكلت أكثر من عادتك، فنمت عن وردك وعبادتك. فقال: لا جرم، إنى لا أشبع أبدا. قال إبليس: إنى لا أنصح أبداً. وقيل: لما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذوا فى جهازه، وخرج الناس وخلا الموضع، قال ابن عباس، قال على: لما وضعته على المغسل إذا بهاتف يهتف بى من وراء البيت بأعلى صوته: لا تغسلوا محمدا فإنه طاهر مطهر. قال: فوقع فى قلبى شىء من ذلك، فقلت: ويحك من أنت؟ فإن النبى - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بهذا وهذه سنته، وإذا بهاتف آخر يهتف بأعلى صوته، فاغسله فإن الهاتف الأول كان إبليس اللعين. حسد محمدا - صلى الله عليه وسلم - أن يغسل ويدخل قبره مسغولا، قال على: جزاك الله خيراً قد أخبرتنى أنه إبليس فمن أنت؟ قال: أنا الخضر حضرت جنازة محمد - صلى الله عليه وسلم - ويروى أن قوماً من بنى إسرائيل تراءى لهم إبليس فقالوا له: قف موقفك بين يدى الله تعالى، حسبما كنت تقف قبل أن عصيت ربك، قال إنك لا تطيقون رؤية ذلك، فألحوا عليه فوقف وقفة، فلما نظروا إليه وإلى خشوعه وخضوعه ماتوا عن آخرهم. ويروى أن رجلا كان يلعن إبليس كل يوم ألف مرة، فبينما هو ذات يوم نائم إذ أتاه شخص فأيقظه، فقال: قم إن الجدار يريد أن يسقط، قال من أنت الذى أشفقت على هذه الشفقة؟ قال: أنا إبليس. قال: فكيف هذا وأنا ألعنك كل يوم ألف مرة؟ قال: إنما عملت هذا لما علمت من محل الشهداء عند الله تعالى، فخشيت أن تكون منهم فتنال ما ينالون.

اطفيش

تفسير : {فَأَزَلَّهُمَا} أخرجهما إخراجا شبيها بالإزلال، أى بالإزلاق، فذلك استعارة أصلية اشتق منها تبعية فى أزل، أو حملهما على الزلة وهى الذنب، وهو راجع إلى ذلك لأنه شبه الذنب بالزلق {الشَّيْطَٰنُ} إبليس، بقوله، هل أدلك على شجرة الخلد.. إلخ وقوله {أية : مَا نَهَٰكُمَا رَبُّكما..} تفسير : [الأعراف: 20] إلخ، ومقاسمته لهما بعد إخراجه من الجنة لإبائه وتكبره، اتصلت إليهما وسوسته من حيث هو من الدنيا، أو من سماء، لخلق الله عز وجل له قوة ذلك، أو ذهبا فى فى الجنة تمتعا حتى وصلا بابها، فأسمعهما من خارج الباب، أو دخل الجنة متصورا فى صورة دابة من دواب الجنة ولم تعرفه الملائكة أو دخل فى فم الحية فمنه سمها، وكانت بقوائم على طولها من أحسن الدواب، فعوقبت بسلب القوائم، وقيل تسورت على الحائط، وقيل وقف طاووس على الجدار. فذهب إليه آدم وحواء فوسوس منهما إليه، وقد جاز إلى قرب الحائط، وقيل وسوس إليهما من وراء الجدار {عَنْهَا} أى عن الجنة، أو أزلهما عن الجنة عنها، أى بالشجرة، إذ أمرهما بالأكل منها {فَأَخْرَجَهُمَا} أى الشيطان بسبب الأكل الذى وسوس به، أسند الإخراج إلى السبب {مِمَّا كَانَا فِيهِ} من النعم واللباس والجنة، وهذا فى ضمن لإخراج المذكور بقوله أزلهما، كرره تفصيلا وزيادة زجر لغيرهما، وطاعة آدم وحواء نسيانا لنهى الله عز وجل، أو توهما من أول الأمر، أن النهى للتنزيه من أمر سهل، يتحملانه من الأكل ولا يضرهما أو توهما التنزيه أو النسخ من قوله ما نهاكما وقوله، هل أدلك، ودعوه النصح مع القسم احتراماً لحق الله أن يكذب عنه، ويخالف وعد ذلك دنيا فى حقهما لعلو مرتبتهما وعظم النعمة عليهما، فلا يردد أن الأنبياء لا يعصون قبل النبوة ولو صغيرة، ولا يستحضر فى قصة آدم ما يقال حسنات الأبرار سيئات المقربين، إذ لم يفعل آدم شيئاً مما عوتب عليه يدعيه حسنة بل يستحضر أنه يعد فى حق على الرتبة ذنبا ما ليس ذنبا فى حق غيره، {وَقُلْنَا اهْبِطُوا} أنت وحواء، عبر عنهما بصيغة الجمع، كما قال اهبطوا منها جميعاً إلى الأرض، أنتما ومن فيكما من الذرية، وفيه خطاب المعدوم، أو أنتما وإبليس والحية، قيل والطاووس فنزل آدم بسر نديب من الهند على جبل يسمى نود، أوحواء بجدة بضم الجيم فى مدة أربعين عاما فيما قيل، والله قادر على أقل كما ينزل جبريل وغيره فى لحظة، وإبليس بأصبهان، والطاووس بالشام، أنتما لأكلكما من الشجرة. وإبليس لإبائه، والحية لحملها إبليس، والطاووس لإبلاغ أمر إبليس إليهما، وليس قولا بمرة، بل أهبط إبليس، ثم الحية، فالطاووس، ثم آدم وحواء، وللحية والطاووس فى الجنة عقل، فعوقبا بالإخراج أو ليس عقابا {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} يطلق على الواحد فصاعدا، لأنه بوزن المصدر، كالقبول كما أنه يطلق فعيل الوصف كذلك لشبهه بالمصدر كالدبيب، والصرير، وذلك مجموع لاجميع فإن العداوة بين آدم وحواء فريقا، وبين إبليس والحية فريقا لا بين آدم وحواء، ولا بين إبليس والحية، ولا بينهم وبين الطاووس، وقيل الخطاب للذرية فى ضمن أبويهما، آدم وحواء، وذلك ظلم بعض لبعض {وَلَكُمْ فِى الأَرْضِ} متعلق بلكم لنيابته عن ثبت أو ثابت {مُّسْتَقَرٌّ} استقرار أو موضعه، والأول أولى، وليس المراد الموضع الذى نزلوا فيه {وَمَتَٰعٌ} تمتع أو ما يتمتع به {إِلَى حِينٍ} آخر أعماركم، وقيل قيام الساعة، لأن المراد هم وذرياتهم تنازعه مستقر ومتاع.

الخليلي

تفسير : يحكي الله لنا في هاتين الآيتين وما بعدهما قصة مرحلة انتقالية مر بها أبو البشر عليه السلام وقد كابد منها المشقة وتجرع الغصص، وعانى عنتها ولا تزال ذريته تعاني من هذا العنت، ومرد ذلك كله إلى الخروج عن حدود أمر الله بتزيين الشيطان، وقد نتج عن ذلك انتقاله من مقر الطمأنينة والراحة إلى محل الاضطراب والتعب، وإذا كان عليه السلام استقبل الحياة على هذه الأرض التي هي مقر خلافته بهذه المحنة القاسية والملمة الفادحة، فإن لنا في ذلك دليلا وأي دليل على أن حياتنا على الأرض ليست حياة نعيم وهناء وراحة واستقرار، وإنما هي حياة مصائب ومتاعب، وجهد وبلاء، والشواهد على ذلك قائمة من طبيعة الحياة نفسها، فهي لا تكاد تحلو حتى تمر، ولا تزهر حتى تذبل، ولا تقبل حتى تدبر، ولا تمنح حتى تسلب. شعر : جُبلت على كدر وأنت تريدها صفوا من الأقذار والأكدار تفسير : ومن أحسن وأبلغ وأصدق ما وُصفت به الدنيا من قول شاعر كان غارقا في حب الدنيا الى الأذقان ولم يدع بابا من أبواب اللهو والمجون والخلاعة إلا طرقه وولجه وهو أبو نواس شاعر البلاط العباسي الماجن في عهد هارون الملقب بالرشيد فقد قال في وصف الدنيا: شعر : إذا اختبر الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق تفسير : الشيطان عدو ماكر وإذا كان هذا العدو الماكر الشيطان الرجيم عليه لعنة الله استطاع بأساليبه الخبيثة أن يوقع صفي الله آدم عليه السلام في حبائل المعصية حتى فكه الله منها، فما بالكم بذرية آدم الذين يندر منهم من يتفطن لمكائده ويتنبه لمداخله، وأحسن ما نستفيده من هذه القصة هذه العبرة البالغة التي تجعل اللبيب حذرا في جميع أوقاته، فطنا في كل حالاته، يراقب الشيطان بعيني الخائف الوجل، لا يدري من أي ثغرة يلج عليه، وفي أي حال يفضي إليه. والهمزة في أزَلّ لتعدية زل، والزلل كالزلق وزنا ومعنى، والأصل فيها استعمالها في انزلاق القدم، وتُوسع فيهما فأطلقا فيما يؤدي إلى الهلاك أو إلى بلاء شديد حسيا كان أو معناويا، ومنه الإِزلال المسند إلى الشيطان هنا فإنه بمعنى الإِغواء، وذهب بعضهم إلى أن أزل هنا بمعنى أزال لأن القدم إذا زلت زالت من مكانها، ويؤيد هذا التفسير قراءة حمزة والحسن وأبي رجاء "فأزالهما" وانتقد هذه القراءة ابن جرير الطبري جريا على عادته في انتقاد القراءات المتواترة التي لا تروق له، وهو غلط شنيع كما ذكرت من قبل، والباعث له إلى هذا الإِنتقاد ما توهمه من التكرار لمعنى الإِزالة في قوله سبحانه: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} لعدم الفارق عنده بين مدلول لفظي الإِزالة والإِخراج، والحقيقة عدم التكرار كما سيأتي بيانه إن شاء الله. وتفسير الإِزلال بالإِزالة إنما هو من باب المجاز المبني على المجاز، وذلك أن الإِزلال هو الايقاع في الزلة، والزلة هي سبب للإِخراج، فإسناد الإِزالة إلى المزلّ لا يكون إلا بهذا الأسلوب المجازي. والمراد بالشيطان إبليس السالف الذكر، الذي كشّر عن أنياب عداوته لآدم وذريته ساعة أمره الله بالسجود له. والضمير المجرور في "عنها" عائد إلى الشجرة في قول جماعة من أهل التفسير، وقال غيرهم: إنه عائد إلى الجنة؛ وعلى الأول فعن في هذا الموضع كالتي في قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ} تفسير : [التوبة: 114]، وقوله: {أية : وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} تفسير : [الكهف: 82]، وقوله: {أية : وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ} تفسير : [النجم: 3]، وهي في كل هذه المواضع دالة على النشوء والصدور، ويعني ذلك أن وقوعهما في المعصية نشأ أو صدر عن تلك الشجرة، أي كان بسببها، وحمل بعضهم (عن) فيما كان كذلك على السببية، وهو من باب التفسير بالمعنى؛ وعلى الثاني فعن على بابها؛ والرأي الأول روعي فيه عدم خلو القصة عن ذكر سبب الخروج. واختلف في الوسيلة التي اتخذها - لعنه الله - حتى تمكن من إغوائهما، وأكثر ما قيل من مزاعم أهل الكتاب وإن عُزى إلى بعض الصحابة والتابعين، والباعث الى التساؤل عن ذلك هو أن الله سبحانه طرد إبليس مذؤوما مدحورا من دار كرامته، فكيف تمكن من الدخول فيها حتى يفضي إليهما، ومما قيل أنه لجأ إلى حية كانت تخرج من الجنة وتعود إليها فطلب منها أن تخفيه بين أنيابها حتى تمكن من الإِفضاء إليهما، فأخذ يوسوس لهما من بين الأنياب غير أنهما لم يصغيا إليه حتى خرج إليهما، فمناهما بما مناهما به من الخلد إن أكلا من تلك الشجرة كما قال تعالى: {أية : قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ} تفسير : [طه: 120]، وقال سبحانه: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 20]، وهذا الرأي هو الذي درج عليه أكثر المفسرين لا سيما المفسرون بالمأثور، ورائحة الكذب اليهودي تُشتمُّ منه، وقد أشار إلى ذلك ابن كثير مع أنه من الذين يعتمدون على المأثور في تفسيرهم، وقال بعضهم إنه تحول إلى صورة دابة فدخل الجنة، وذهب آخرون بأنه استطاع أن يوسوس لهما من السماء، وبعضهم قال بأنه وقف على باب الجنة وكانا - علهيما السلام - يتجولان في نواحيها فوصلا إلى الباب فتمكن من الوسوسة لهما، إلى غير ذلك من الأقوال الفارغة من الدليل. وأنتم تدرون أن للشياطين قوى روحية خارقة كالقوى التي وهبها الله الملائكة وإنما الفارق ما بين القوتين أن القوى الملكية خيّرة والقوى الشيطانية شريرة، فلا عجب إذا تمكن الشيطان من إغواء آدم وزوجه بما ينفثه في أنفسهما من دواعي السوء، وتلك هي الوسوسة التي أخبر تعالى عنها بقوله: {أية : فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا} تفسير : [الأعراف: 20]، وإنما عُبر عنها بالقول في مواضع متعددة لأنها سدت مسده، ونحو ذلك قوله عز وجل: {أية : كَمَثَلِ ٱلشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ ٱكْفُرْ} تفسير : [الحشر: 16]، ومما يقرب ما قلته إلى العقول ما يجري في العصر الحديث من التأثير النفسير من إنسان على آخر، ولو بعدت المسافة بينهما بالمكالمة الهاتفية حتى ينام المؤثر عليه بخطاب المؤثر، وهو ما يسمى بالتنويم المغناطيسي. واستشكل وقوع آدم في حبائل كيد إبليس بأكله من الشجرة التي نهاه الله تعالى عنها مع تحذير الله إياه من مكائد الشيطان وإيذانه أنه عدو له ولزوجه، وأنه يسعى إلى إخراجهما من الجنة وإشقائهما، وهذا كله من دواعي التفطن لمكائده والاحتراز من شروره، واتهامه في كل ما يصدر عنه مما يدعيه نصحا وإرشادا، وقد كان هذا الاستشكال منشأ اختلاف عريض بين المفسرين بحسب ما اتجه لكلٍّ من جواب، وقد بلغ الحال ببعضهم أن ادعى أن آدم عليه السلام لم يأكل من تلك الشجرة إلا بعدما سقته حواء الخمر فسكر، وهو منسوب إلى سعيد ابن المسيب، ورُوي عنه أنه كا يقسم عليه، وهو باطل من وجوه: أولها: أنه لم يثبت به نقل ولا مجال في اثبات مثل ذلك بمجرد النظر، ثانيها: أن الأنبياء عليهم السلام لا يصدر منهم ما يخل بعقولهم، كيف وهم أوفر الناس عقلا، وأسماهم فكرا، وأنورهم بصيرة. ثالثا: أن خمر الجنة لسيت مسكرة فإن الله نعتها بقوله: {أية : لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلاَ تَأْثِيمٌ} تفسير : [الطور: 23]، وقوله: {أية : لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ} تفسير : [الواقعة: 19]، وهذا مبني على أن جنة آدم هي دار الخلد كما هو رأي من عُزي اليه هذا الجواب. وقيل: إنه عليه السلام لما نُهي عن الشجرة ظن أن المنهي عنه عين الشجرة المشار إليها فأكل من جنسها لعدم حسبانه أنه ينطوي عليه النهي؛ وقيل: إن أكله كان في حالة نسيان لنهيه تعالى عن تلك الشجرة، ولم يقدم على صنيعه هذا في حالة الذكر، وهذا القول هو أصح الأقوال حسب رأيي لما يعضده من قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه: 115]. وقد يشكل هذا القول إذا ما نُظر الى ظاهر قوله تعالى: {أية : وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّاصِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 20-21]، وقوله سبحانه: {أية : قَالَ يٰآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ} تفسير : [طه: 120]، فإن ظاهر ما في هذه الآيات أن آدم وزوجه أكلا من تلك الشجرة وهما على ذُكرٍ من عهد الله لهما، ويندرئ هذا الإِشكال مع التعويل على الرأي الذي اخترته من قبل، وهو أن إغواء الشيطان لهما كان بمجرد الوسوسة كما يدل عليه قوله عز وجل: {أية : فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ...}تفسير : [الأعراف: 20]، وأن ما ذكره تعالى من المقاولة والمقاسمة إنما هو لتصوير تلك الحالة النفسية الكائنة من هذه الوسوسة ونتائجها في صورة الجدل المسموع بين مُخادِع ومُخادَع، فإن نفس المؤمن عندما ينفث فيها الشيطان أمرا لا بد لها من أخذٍ ورد حتى تدركها العناية فتنجو أو تجتاحها الغواية فتردى. وبيان ذلك أن الشيطان - لعنه الله - ألقى في نفس آدم وحواء عليهما السلام أن تلك الشجرة من أكل منها ظل خالدا في النعيم، ومن طبيعة النفس الإِنسانية حب الخلد وكراهة الفناء، فلا عجب إذا تعلقا مع ذلك بها لولا أن عهد الله كان يحجزهما عنها، ثم سعى - لعنه الله - في إنسائهما العهد بما يلقيه في صدورهما من الوساوس التي تشغلهما عنه، وفي غمرة الغفلة ألجأهما الى الأكل منها بدافع حبهما للخلد فلم يراعا إلا وقد بدت لهما سوآتهما فتذكرا عهد الله فآبا إليه بالندم والحسرة على مقارفتهما معصيته، وهذا التأويل أحسن ما يُجمع به بين الآي المتحدثة عن هذه القصة وإن لم أجده مأثورا عن أحد ما أحسن ما قيل: شعر : لئن نسيت منك عهودا سالفة فاغفر فأول ناس أول الناس تفسير : ويؤيد ما ذكرته أن الله سبحانه أراد بقصة آدم تنبيه ذريته إلى مكائد الشيطان ووجوب احتراسهم منها وتفطنهم لها، ومن المعلوم أن إغواءه لهم لا يكون ببروزه إليهم ومشافهته إياهم، وإنما يكون بوساوسه الخادعة التي يلقيها في صدورهم فناسب ذلك أن يكون شأنه مع أبيهم كشأنه معهم. وإن اعترض معترض بأن الله تعالى وصف آدم بالمعصية والغواية في قوله: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} تفسير : [طه: 121]، وما ذكر في هذا التأويل يستلزم تبرئته من الغواية والعصيان لأن الجدير بحلم الله عز وجل أن لا يؤاخذ عبده بما قارفه نسيانا، فإن النسيان ليس من كسب الناس وإنما هو أمر مفروض عليه، ومن المعلوم أنه تعالى آخذ آدم بصنيعه هذا إذا أبدى له سوأته وأخرجه من جنته. فالجواب أن تسمية ما صدر من آدم غيا وعصيانا إنما هو بالنظر إلى علو قدره وسمو رتبته، كيف وقد اختاره الله خليفة في الأرض وعلمه الأسماء كلها وفضله بتعليمها للملائكة وإسجادهم له؟ فكان حريا أن يتفطن في كل حالاته لمكائد الشيطان العدو الأول له ولذريته - لا سيما وأن الله قد حذره منه وبيّن له عاقبة متابعته - وأن لا يسترسل مع أماني الخلد حتى ينسى عهد الله إليه، فأي غرابة مع ذلك إن سمى الله ما صدر منه في حالة سهوه غيا ومعصية؟ وما أحسن قول من قال: "حسنات الأبرار سيئات المقربين" وأي غرابة كذلك في تأديب الله إياه وابتلائه بإخراجه من الجنة لتكون في ذلك عبرة لذريته ورع عن العصيان وتحذير من مؤامرات الشيطان؟ وهذا الحديث يجرنا إلى الكلام في عصمة الأنبياء ولو بإيجاز. عصمة الأنبياء خلاصة القول فيها أن الأمة اختلفت، هل النبيون معصومون أو لا؟ وهل عصمتهم تبدأ مع بداية النبوة أو هي سابقة عليها؟ فذهب أصحابنا إلى أنهم معصومون عن الكبائر والصغائر في حال النبوة وقبلها وهو ويتفق مع ما نُسب إلى أكثر المعتزلة من أن عصمتهم من وقت البلوغ، ونسب الفخر إلى الرافضة قولهم: إنهم معصومون منذ الميلاد، وهذا هو اللائق بمقام المختصين بالاصطفاء الإِلهي، وذهبت الحشوية إلى عدم عصمتهم من الذنوب صغيرها وكبيرها حتى بعد إكرامهم بالنبوة، وقيل بإجازة الصغيرة عليهم دون الكبيرة ونسب إلى المعتزلة، وذهب الجبّائي منهم إلى أنهم لا يقارفون الصغائر ولا الكبائر على جهة العمد البتة، بل على جهة التأويل، وقيل بعدم صدور ذنب منهم صغيرا كان أم كبيرا إلا على جهة السهو والخطأ، ولكنهم مأخوذون بما يقع منهم على هذه الجهة وإن كان ذلك موضوعا عن أمتهم، وذلك لقوة معرفتم، وكثرة أدلتهم، وقدرتهم على ما لا يقدر عليه غيرهم من التحفظ، ذكر هذا القول الفخر في تفسيره ولم يعزُه إلى أحد وهو يتفق مع القول الأول كما يتفق مع التحرير الذي ذكرته قبل قليل، ولا بد من تقييد أخذهم بما يقع منهم بأنه دنيوي وليس أخرويا، وذهب أكثر الأشاعرة إلى أنهم معصومون حال النبوة لا قبلها، ونُسب هذا القول إلى أبي الهذيل وأبي علي من المعتزلة. قال الفخر: "والمختار عندنا - أي الأشعرية - أنه لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة البتة، لا الكبيرة ولا الصغيرة"؛ وقد أطال في استدلال لهذا الذي اختاروه بكثير من الأدلة العقلية والنقلية، ومن أراد علم ذلك فليرجع إليه في موضعه من تفسيره. وبعض أصحاب هذا القول لا يمنعون أن يكون عصيان آدم عن عمد لأنه كان قبل النبوة بدليل قوله تعالى: {أية : ثُمَّ ٱجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ} تفسير : [طه: 122]، بناء على أن الاجتباء هو إلباسه رداء النبوة. وأصح هذه الأقوال القول الأول، وأبعدها عن الصواب والحق قول الحشوية، فإن الذين اصطفاهم الله من بين خلقه بأن جعلهم وعاء لنوره وحمله لأمانته، وشهداء على خلقه هم أحق الخلق بالبعد عن سفاسف الأمور فضلا عن المعاصي، وقد دل القرآن أن طائفة من عباد الله ليست للشيطان عليها سلطان، وذلك في قوله تعالى في خطابه لإِبليس: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} تفسير : [الإِسراء: 65]، وقوله فيما يحكيه عنه: {أية : لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 82-83]، وأي عباد أحق بهذه العناية الربانية التي تباعدهم عن مؤامرات الشيطان، من أولئك الذين اختصهم بكرامة النبوة وبوأهم منصب الرسالة. إن كل عاقل ليدك أن الله لا يختار لهذا الأمر الجلل، ولا يرضى لهذه المهمة العالية إلا من كان من عباده أزكى عنصرا وأطيب فطرة، وأوفر عقلا، وأطهر سريرة، وأقوم سيرة، وأنور فكرا، وأخشى لله، وأكثر تحريا لمرضاته، ووقوفا عند حدوده، ويقظة في كل ما يأتي وما يذر. أما ما تشبث به الذين رموهم بالعصيان ونسبوهم إلى الفساد فهو أوهى من نسج العنكبوت، فما لنا وللاشتغال به، وفي بطلانه ما يكفينا مؤونة إبطاله؟ ولعل أقوى ما تعلقوا به قصة آدم هذه، وقد علمت ما فيها والحمد لله. هبوط آدم وحواء إلى الأرض والعطف بالفاء في قوله: {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة:36] لأن المعطوف فرع عن المعطوف عليه ومسبب له، إن فُسر الإِزلال بالإِيقاع في المعصية، فإن اخراجهما من الجنة ناشئ عن ذلك، وإن فُسر الإِزلال بالإِخراج فهو من باب عطف التفصيل على الإِجمال، وجيء بالفاء لإِفادتها الترتيب الذكري، كما في قوله تعالى: {أية : وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا} تفسير : [الأعراف: 4]، وقوله: {أية : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} تفسير : [القمر: 9]، ومثله يُقال في قراءة حمزة: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 36]، وبهذا يندفع ما قاله ابن جرير من لزوم التكرار على هذه القراءة فإن عطف التفصيل على الإِجمال شائع في القرآن وغيره من الكلام العربي، ومن ناحية أخرى فإن "ما كانا فيه" ليس نصا في الجنة لاحتمال أن يُفسر بنعيمها أو بما كانا عليه من طاعة الله وأُنسها، فأخرجهما الشيطان عنه إلى نقيضه من المعصية ووحشتها. ومهما يكن المراد "بما كانا فيه" من الجنة ونعيمها، أو من الطاعة وأُنسها، فإن التعبير الموصول يفيد التفخيم كما هو في قوله تعالى: {أية : فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}تفسير : [طه: 78]، وفيه تلويح إلى ما لحقهما من الخسران بسبب هذا الإِخراج، وفي استحضار ذلك لمن تلا الآية أو تُليت عليه موعظة وذكرى، وترسيخ لعداوة الشيطان في النفس، فإنه هو الذي جرّ على أصل الإِنسانية هذه المصيبة فما أجدر الفروع أن تتأثر لأصلها بمعاداة الشيطان وحزبه، ومقاومة وساوسه، والحذر من إغرائه وإغوائه، والسعي الى تخييب سعيه في إضلال البشر، وقطع حبل أمانيه في إهلاكهم، وهذا أصل تربوي ناجح في إعداد النفوس لما يراد منها، إذ في تذكير الأولاد والأحفاد بمصائب الآباء والأجداد وتأصيل لكراهية من كان السبب في هذه المصائب، وقد اتبع القرآن هذه الطريقة التربوية في أكثر من موضع، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ} تفسير : [الأعراف: 27]. هذا وقد استدل بأمرهما بالهبوط من قال أنها جنة الخلد - كما سبق ذكره - كما استدل به الجبائي القائل بأنها جنة في السماوات؛ والذين قالوا إنها كانت في الأرض حملوا هذا الهبوط على الانتقال من مكان إلى آخر كما في قوله تعالى: {أية : ٱهْبِطُواْ مِصْراً} تفسير : [البقرة: 61]. وقد حشر المفسرون أقوالا متعدد معزوة إلى الأسلاف في تحديد أماكن هبوط كل من آدم وحواء وعدوهما إبليس، وأضافوا إليهم الحية، ولست أراها إلا من أكاذيب أهل الكتاب التي علقت بأذهان كثير من المفسرين فشانوا بها جمال التفسير، وإن زعم بعض المحدثين كالحاكم صحة نسبة بعضها إلى بعض الصحابة. والأمر بالهبوط موجه - في رأي أكثر المفسرين - إلى آدم وحواء وإبليس، وعليه فإن العداوة المقصودة هي ما بين آدم وحواء من جهة وإبليس من جهة أخرى، وزعم بعضهم دخول الحية معهم، وأخرج هذا ابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما، ومما ذكروه أنها كانت ذات قوائم وزينة فسلبها الله قوائمهما وزينتها ووحش منظرها بعد أن أعانت إبليس على إغواء آدم، وجعل بينها وبين الإِنسان عداوة مستمرة، ولا يخفى ما فيه. والصحيح أن الخطاب لآدم وحواء بدليل ما في سورة طه وهو قوله عز من قائل: {أية : قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً} تفسير : [طه: 123-124]، إذ لا يمكن أن يكون الخطاب فيه شاملا لإِبليس أو له وللحية مع وروده بصيغة التثنية، والقرآن يبين بعضه بضعا، ولا يشكل ورود الخطاب بصيغة الجمع هنا، وفيما بعد الجملة الأولى من سورة طه لأن الخطاب وإن كان لهما فإنه يشمل بفحواه من يأتي من ذريتهما فالعدول فيه إلى صيغة الجمع إنما هو لهذا الغرض. أما ما قيل من المعدوم لا يخاطب لعدم إمكان أن يعقل الخطاب فهو ليس على إطلاقه، فقد خاطب الله تعالى جميع الأجيال إلى أن تقوم الساعة بأوامره ونواهيه التي أنزلها في القرآن نحو قوله: {أية : وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} تفسير : [البقرة: 43]، وقوله: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأنعام: 151]، وقوله: {أية : وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلاً}تفسير : [الاسراء: 32]، وليس من المعقول أن يكون هذا الخطاب محصورا في الجيل الذي عايش نزول القرآن، إذ لو كان كذلك لكان لمن يأتي بعده عذر في عدم التقيد بالأوامر والنواهي لعدم خطابه بها، والحق أنه لا مانع من خطاب المعدوم مع الموجود إن كان الخطاب صالحا لهما وكان المعدوم امتدادا للمجود كما في هذا الخطاب فإن ذرية آدم وحواء ليس وجودهم إلا امتدادا لوجودهما، فأي مانع من دخولهم في عموم الخطاب الموجه إليهما ومراعاة ذلك فيه بحيث يصاغ صيغة الجمع الشاملة لهم جميعا، ويدل على شمول الخطاب للذرية قوله تعالى في هذه السورة: {أية : قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [البقرة: 38 -39]، إذ لا يُعقل إلا دخول ذرية آدم في هذه الخطاب وشمول ما فيه، من وعد ووعيد لهم، وإني لأعجب ممن ادعى دخول إبليس والحية في هذا الخطاب كيف ذهل عن كون الحية ليست من جنس المكلفين حتى توعد على اتباعها هدى الله وتتوعد على إعراضها عنه، وأن إبليس لا يمكن أن يكون مقصودا بهذا الخطاب لاستحالة صلاحه وتعذر فلاحه بعدما طرده الله من واسع رحمته وقضى عليه بالشقاء المستمر. ولا يشكل أمر آدم وحواء بالهبوط من الجنة مع ذريتهما مع عدم وجود الذرية حينئذ ذلك لأنهما عليهما السلام كانا منطويين على عناصر هذه الذرية فهبوطهما هبوط للجميع ولو بقيا مكانهما لظهرت ثم ذريتهما ولكان ذلك المكان مستقرا لها. وذهب ابن عاشور الى أن جمع الضمير مع إرادة التثنية به لكراهية توالي المثنيات بالإِظهار والإِظمار في قوله: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} والعرب يستثقلون ذلك قال امرؤ القيس: شعر : وقوفاً بها صحبي عليّ مطيهم يقولون لا تهلك أساً وتجمل تفسير : وإنما له صاحبان لقوله: "قفا نبك"، وقال تعالى: {أية : فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} تفسير : [التحريم: 4]. وما قاله وإن ساغ عربية فإن القرائن دالة على القول الذي صححته. صححته. والعداوة المقصودة في قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] هي عداوة الشيطان للإِنسان عند من قال بدخول إبليس في الخطاب بقوله: {ٱهْبِطُواْ}، ومن قال بدخول الحية أيضا قال بأن وصف العداوة شامل لها، فهي وإبليس عدوان لآدم وحواء، وهما عدوان لهما كذلك، وقد علمت أن الصحيح بأن الخطاب لآدم وحواء بالأصالة ولذريتهما بالتبعية، فالمقصود بالعداوة إذا ما يكون بين ذريتهما من تنازع وتقاتل على متاع الحياة الدنيا، وقد بدأت هذه العداوة تتجسد في سلوك الإِنسان منذ أن قتل قابيل هابيل، ولا زالت مستعرة نارها والشيطان هو الذي يُسعِّرها بمكائده، فلا يفتأ يوغر الصدور ويثير الأحقاد ويبعث الضغائن حتى تظل الإِنسانية في شقاء مستمر، وتتقطع ما بينها الصلات التي أمر الله برعايتها، وغير خافٍ أن ذكر هذه العداوة في معرض الحديث عن إغواء إبليس لآدم وزوجه فيه إشارة إلى أن منشأها مكائد إبليس العدو الأول للإِنسان، وفي ذلك تعريض بوجوب أخذ الحذر من سروره والتفطن لمكائده بين الناس. وإفراد لفظ عدوّ - مع أن العداوة ليست بين فردٍ وفرد بل هي بين أكثر أفراد الجنس البشري غالبا - لوجهين: أحدهما: أن بعضا وكلا مفردان لفظا وإن دلا على الجمعية، فيجوز فيهما رعاية لفظهما فيفردا، ورعاية معناهما فيجمعا. ثانيهما: أن لفظ العدو يشترك فيه الواحد والجمع كما في قوله سبحانه: {أية : هُمُ ٱلْعَدُوُّ فَٱحْذَرْهُمْ} تفسير : [المنافقون: 4]. والمستقر إما أن يكون مصدرا ميميا بمعنى الاستقرار، أو ظرفا ميميّاً - أي مكان الاستقرار - وعلى هذا الأخير ففي العبارة تجريد كما في قوله تعالى: {أية : لَهُمْ فِيهَا دَارُ الخُلْدِ} تفسير : [فصلت: 28]، فإن الأرض نفسها هي مكان الاستقرار، واختلف في هذا المستقر هل هو خاص بالحياة أو هو في الحياة وبعد الممات؟ فالاستقرار في الحياة على ظهر الأرض، وبعد الممات في بطنها، وعطف المتاع عليه يدل على أن المراد بالمستقر ما كان في الحياة فإن الاستمتاع لا يكون إلا فيها. وكلمة متاع تطلق على كل ما يستمتع به سواء كان نظرة سارة أو صوتا محبوبا، أو رائحة طيبة، أو لباسا، أو طعاما، أو سكى، أو أي شيء آخر مما فيه منفعة ظاهرة أو باطنة، ويشهد لذلك ما رُوي عن سليمان بن عبد الملك أنه وقف على قبر ابنه أيوب بعدما دفن فقال: شعر : وقفت على قبر غريب بقفرة متاع قليل من حبيب مفارق تفسير : ولمن قال إن المستقر في الأرض ليس خاصا بالحياة أن يقول بعموم المتاع لما بعد الموت من دفن الأجساد في باطن الأرض، فإن في ذلك سترا لها وهو من منافعها، ويستأنس له بقوله تعالى في سورة الأعراف: {أية : قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ} تفسير : [الأعراف: 24-25]. والحين الزمن طويلا كان أو قصيرا ولا معنى لتقييده بالطول مع قوله تعالى: {أية : أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ} تفسير : [الزمر: 58] لجواز إحلال ساعة محلَّه، ويراد به هنا انتهاء أمد الدنيا، هذا بالنسبة إلى الجنس فإن الأرض مستقر للجنس البشري إلى انتهاء أمد حياتها أما الأفراد فإن كل فرد انتهاء حِينه بابتداء حَيْنِه، فبالموت ينقطع أمد استقراره على ظهر الأرض، واستمتاعه بمنافعها، هذا كله على القول بأن الاستقرار والمتاع المقصودين هما في حال الحياة لا بعدها. والتلقي الاستقبال وهو نفعُّلُ من اللقاء، وصيغته توحي أنه اكتساب اللقاء، وهو يعني المحاولة للوصول إليه، فلا يكون إلا في المحبوب بخلاف اللقاء نفسه والملاقاة، فقد يستعمل في المحبوب وغيره، يقال لقى فلان صديقه ولقى عدوه، ولاقى صديقه ولاقى عدوه، وذهب بعضهم إلى أن التلقي هنا بمعنى التلقن، وهو - وإن صح معنى - لا يصح لغة لأن قلب لام الفعل ياء إنما يصح إذا جانست العين نحو تسرّى وتسرّر، وأملي وأملل، وتقصَّي وتقصَّص، وتضني وتضنن، وليس تلقن من هذا الباب، وقرأ الجمهور: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37] برفع آدم ونصب "كلماتٍ"، وعكس ابن كثير فنصب آدمَ، ورفع كلمات، وانتقد قراءته ابن جرير جريا على عادته في عدم الاحتراز في انتقاد القراءات المتواترة؛ وعلى قراءة الجمهور فإن آدم استقبل الكلمات من ربه إذ ألهمه إياها، وعلى قراءة ابن كثير فالكلمات هي التي استقبلته استقبال المحب لمحبوبه، وهذا من باب المجاز، والأصل في تلقي الشيء للشيء جواز كون كليهما فاعلا ومفعولا، فإن كلا منهما تلقي الآخر، فلذلك يجوز إسناد التلقي إلى كل منهما. قبول التوبة من آدم وهذه الكلمات إما أن تكون معبرة عن التوبة والندم ألهمها الله آدم وزوجه وعليه فهي ما ذكره الله عنهما في سورة الأعراف من قولهما: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 23]، وإما ان تكون كلمات وجهها الله إليهما لإِيقاظهما من غفلتهما، وتذكيرهما بعد نسيانهما، وعليه فهي ما ذكره الله من قوله لهما: {أية : أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ} تفسير : [الأعراف: 22]، ويرجح الأول ذكر توبة الله على آدم في هذه الآية معطوفة على تلقي الكلمات بالفاء التي تقتضي الترتيب والتعقيب، ومن المعلوم أن التوبة حصلت له من غِبَّ إتيانه بهذه الكلمات المعبرة عن توبته إلى ربه، ولقائل أن يقول إن توبة الله عليه جاءت مع توبته هو إلى الله تعالى التي استلهمها من إدراكه لخطيئته وسماعه عتاب ربه، فلا إشكال في عطف توبته سبحانه عليه على عتابه الذي وجهه إليه بالفاء الترتيبية التعقيبية، على أن دلالة {تلقى من ربه} على ما صدر من ربه إليه أوضح منها على ما صدر منه إلى ربه. ويرى ابن عاشور أن التعبير بتلقي هنا مؤذن بأن الكلمات التي أخذها آدم كلمات نافعة له، فعُلم أنها ليست كلمات زجر وتوبيخ، بل كلمات عفو ومغفرة ورضا، وهي إما كلمات لُقنها آدم من قبل الله تعالى ليقولها طالبا المغفرة، وإما كلمات إعلام من الله إياه بأنه عفا عنه بعد أن أهبطه من الجنة اكتفاء بذلك في العقوبة. قال: "ومما يدل أنها كلمات عفو عطف فتاب عليه بالفاء إذ لو كانت كلمات توبيخ لما صح التسبب". ومن فهم أن الكلمات هي قوله تعالى: {أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا ٱلشَّجَرَةِ} الآية، يسوغ له أن يقول: إن هذا التوبيخ لما كان باعثا إلى التوبة وهاديا للنفس إلى صوابها بعد خطئها، فهو أمر نافع لأن المصلحة مترتبة عليه. وقد أكثر الناس في الحديث عن هذه الكلمات وإيراد ما نسب إلى السلف عما يُراد بها، ومن ذلك ما أخرجه ابن جرير وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن أبي الدنيا، وعبد بن حميد، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الكلمات هي قوله: أي رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: أي رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى. قال: أي رب ألم تسبق إليَّ رحمتك قبل غضبك؟ قال: بلى. قال: أي رب ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: أي رب أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم". وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان، وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه أنه قال في الكلمات هي لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ربي عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، إني عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم؛ وأخرج نحوه البيهقي في الشعب وفي الزهد عن سعيد بن جبير، وكذا ابن عساكر عن ابن عباس والديلمي في مسند الفردوس من طريق علي كرم الله وجهه مرفوعا بسند ضعيف، وعبد بن حميد عن عبد الله بن زيد موقوفا، والروايات عن السلف في ذلك كثيرة متضاربة، وبعضها غير خارج عن كونه من شواذ التأويلات، والأولى الرُّجوع إلى القرآن نفسه، والتعويل على ما جاء فيه، ولذلك لا أرى العدول عن الوجهين السابقين، على أن الوجه الأول مروي عن جماعة من السلف، فقد أخرجه الثعلبي وابن المنذر عن ابن عباسن ورواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإِيمان، وعبد بن حميد عن محمد بن كعب القرظي وروى مثله بعد بن حميد عن الحسن، والضحاك، ومجاهد، ورواه أيضا ابن أبي حاتم عن مجاهد. ولم تذكر توبة حواء في هذه السورة اكتفاء بذكر توبة آدم لأن القصة سيقت من أجله، وقد ابتُدِئت به، ومن ناحية أخرى فإن المرأة كثيرا ما يُطوى ذكرها ويقتصر على ذكر الرجل لأجل سترها وبيان تبعيتها له، وقد ذُكرت توبتهما معا في سورة الأعراف. ولفظة "تاب" ومشتقاتها دالة على الرجوع، وكذا أخواتها كآب وثاب، وتوبة العاصي إلى ربه رجوعه إلى طاعته واستقالته العثرة، واستغفاره مما وقع فيه، وتوبة الله عليه عوده بالمنة والإِحسان إليه ولما في ذلك من معى العفو عُديت التوبة الصادرة من الله تعالى بعلي بخلاف توبة العبد فإنها رجوع محض فلذك عديت بإلى الدالة على الغاية، فإن غاية ما يلتمسه العبد من ربه أن يحقق توبته ويكفر حوبته. وقد كان آدم بتوبته هذه قدوة لكل من تاب من ذريته بخلاف إبليس فو قدوة للمصرين، ولينظر الإِنسان لنفسه أي القدوتين يختار، هل يختار الاقتداء بأبيه الذي ينتمي إليه أو إلى الشيطان العدو المبين الذي لا يسعى إلا إلى إردائه في الجحيم؟ وكما وقع آدم في الخطيئة فإن ذلك أمر لا بد منه في ذريته، وإنما التلافي للأمر باتباع مسلكه في التوبة، فكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون، والله تعالى ينادي عباده بأن يتوبوا ويبين لهم سعة فضله وعظيم رحمته ويحذرهم من الإِصرار على العصيان، والاستخفاف بسوء عواقبه، ومن ذلك قوله: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [الزمر: 53 - 58]. وللتوبة أركان أهمها الندم وقد جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : التوبة الندم"تفسير : وذكر بعض العلماء أن التائب لا بد له من علم وحال وفعل، فالعلم إدراكه وقوعه في المعصية ومضرة العصيان، والحال وجدانه في نفسه الألم الناشئ عن تحسره على ما وقع فيه، والفعل هجرانه ما كان عليه من المعصية إلى الطاعة، وأضاف بعضهم إلى ذلك إشفاقه، لأنه لا يدري هل وفى بشرائط توبته أولا؟ كما أنه لا يدري عن مستقبله هل سيوفق فيه للطاعة أو يصاب بسهم الخذلان فيتردى في مهاوي العصيان كما سبق عليه ذلك؟ وقوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تذييل منطو على التعليل فإن قوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ} تعليل لقوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ}، والتواب على وزن فعال بمعنى كثير التوبة، فهو مشعر بأن الله يتوب على عبده كلما تاب العبد إليه من أعماق قلبه، وبإخلاص سريرته وإن تكررت المعصية منه، ومن ناحية أخرى فإن التائبين بعد المعصية كثرة كاثرة، والله يتوب عليهم جميعا، فناسب ذلك لفظ "التواب" الدال على كثرة صدور التوبة منه تعالى، وفي "الرحيم" تعليل لمدلول التواب، فإن سبب كثرة توبة الله على عباده رحمته بهم، وفي هذا تنبيه على أن توبته تعالى على العاصين من خلقه هي محض فضل وإحسان منه سبحانه، وليست واجبة عليه كما يقول أهل الاعتزال. هذا وقد شذ الإِمام محمد عبده في تفسيره لهاتين الآيتين فقد صبغه بلون من تلك الأفكار التي تولدت في ذهنه نتيجة العراك بين نزعتي التجديد والتقليد، وقد بدأ أولا بتقرير المراد مما تقدم في هذه القصة على هذا المذهب الذي اختاره فقال: "إن إخبار الملائكة يجعل الإنسان خليفة في الأرض هو عبارة عن تهيئة الأرض وقوى هذا العالم وأرواحه التي بها قوامه ونظامه لوجود نوع من المخلوقات يتصرف فيها فيكون به كمال الوجود في هذه الأرض، وسؤال الملائكة عن جعل خليفة يفسد في الأرض لأنه يعمل باختياره، ويعطي استعدادا في العلم والعمل لا حد لهما، هو تصوير لما في استعداد الانسان لذلك، وتمهيد لبيانه أنه لا ينافي خلافته في الأرض، وتعليم آدم الأسماء كلها بيان لاستعداد الانسان لعلم كل شيء في هذه الأرض واندفاعه في استعمارها، وعرض الأسماء على الملائكة، وسؤالهم عنها وتنصلهم في الجواب تصوير لكون الشعور الذي يصاحب كل روح من الأرواح المدبرة للعوالم محدودا لا يتعدى وظيفته، وسجود الملائكة لآدم، عبارة عن تسخير هذه الأراوح والقوى له ينتفع بها في ترقية الكون بمعرفة سنن الله تعالى في ذلك، وإباء إبليس واستكباره عن السجود تمثيل لعجز الإِنسان عن إخضاع روح الشر وإبطال داعية خواطر السوء التي هي مثال التنازع والتخاصم والتعدي والإِفساد في الأرض، ولولا ذلك لجاء على الإِنسان زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم، أو يخرجون عن كونهم من هذا النوع البشري..." وقد بني على ذلك منهجه في تفسير ما هنا فقال: "وأما التمثيل فيما نحن فيه منها - أي القصة - فيصح عليه أن يراد بالجنة الراحة والنعيم، فإن من شأن الإِنسان أن يجد في الجنة التي هي الحديقة ذات الشجر الملتف ما يلذ له من مرئي ومأكول ومشروب ومشموم في ظل ظليل وهواء عليل، وماء سلسبيل كما قال تعالى في القصة من سورة طه: {أية : إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَىٰ} تفسير : [طه: 118-119] ويصح أن يعبر عن السعادة بالكون في الجنة وهو مستعمل، ويصح أن يراد بآدم نوع الإِنسان كما يطلق اسم آب القبيلة الأكبر على القبيلة، فيقال كلب فعلت كذا، ويراد قبيلة كلب، وكان من قريش كذا، يعني القبيلة التي أبوها قريش، وفي كلام العرب كثير من هذا. ويصح أن يراد بالشجرة معنى الشر والمخالفة كما عبر الله تعالى في مقام التمثيل عن الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، وفُسرت بكلمة التوحيد، وعن الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة، وفُسرت بكلمة الكفر، وفي الحديث تشبيه المؤمن بشجرة النخل. ويصح أن يكون المراد بالأمر بسكنى الجنة، وبالهبوط منها أمر التكوين، فقد تقدم أن الأمر الإِلهي قسمان، أمر تكوين، وأمر تكليف. والمعنى على هذا أن الله تعالى كون النوع البشري على ما نشاهد في الأطوار التدريجية التي قال فيها سبحانه: {أية : وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} تفسير : [نوح: 14]، فأولها طور الطفولية، وهي لا هم فيها ولا كدر، وإنما هي لعب ولهو، كأن الطفل دائما في جنة ملتفة الأشجار يانعة الثمار، جارية الأنهار، متناغية الأطيار، وهذا معنى: {ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ}، وذكر الزوجة مع أن المراد بآدم النوع الآدمي للتنبيه على الشمول وعلى أن استعداد المرأة كاستعداد الرجل في جميع الشؤون البشرية، فأمر آدم وحواء بالسكنى أمر تكوين، أي أنه تعالى خلق البشر ذكورا وإناثا هكذا، وأمرهما بالأكل حيث شاءا عبارة عن إباحة الطيبات وإلهام معرفة الخير، والنهي عن الشجرة عبارة عن إلهام معرفة الشر، وأن الفطرة تهدي إلى قبحه ووجوب اجتنابه، وهذان الإِلهامان اللذان يكونان للإِنسان في الطور الثاني - وهو طور التمييز - هما المراد بقوله تعالى: {أية : وَهَدَيْنَاهُ ٱلنَّجْدَينِ} تفسير : [البلد: 10]، ووسوسة الشيطان وإذلاله لهما عبارة عن وظيفة تلك الروح الخبيثة التي تلابس النفوس البشرية فتقوى فيها داعية الشر، أي إن إلهام التقوى والخير أقوى في فطرة الإِنسان أو هو الأصل، ولذلك لا يفعل الشر إلا بملابسة الشيطان له، ووسوسته إليه، والخروج من الجنة مثال لما يلاقيه الإِنسان من البلاء والعناء بالخروج عن الاعتدال الفطري. وأما تلقي آدم الكلمات وتوبته فهو بيان لما عُرف في الفطرة السليمة من الاعتبار بالعقوبات التي تعقب الأفعال السيئة، ورجوعه إلى الله تعالى عند الضيق، والتجائه إليه في الشدة، وتوبة الله عليه عبارة عن هدايته إياه الى المخرج من الضيق، والتفلت من شرك البلاء بعد ذلك الاعتبار والالتجاء". ثم قال: "فحاصل القول أن الأطوار الفطرية للبشر ثلاثة، طور الطفولية وهو طور نعيم وراحة، وطور التمييز الناقص، وفيه يكون الإِنسان عرضة لاتباع الهوى بوسوسة الشيطان، وطور الرشد والاستواء، وهو الذي يعتبر فيه بنتائج الحوادث، ويلتجئ فيه عند الشدة إلى القوة الغيبية التي منها كل شيء وإليها يرجع الأمر كله، فهكذا كان الإِنسان في أفراده مثلا للإِنسان في مجموعه - قال - كأنه تدرج الإِنسان في حياته الاجتماعية ابتدأ ساذجا سليم الفطرة قويم الوجهة، مقتصرا في طلب حاجاته على القصد والعدل، متعاونا على دفع ما عساه يصيبه من مزعجات الكون، وهذا هو العصر الذي يذكره جميع طوائف البشر ويسمونه بالذهبي. ثم لم يكفه هذا النعيم المرفه فمد بعض أفراده أيديهم إلى تناول ما ليس لهم طاعة للشهوة، وميلا مع خيال اللذة، وتنبه من ذلك ما كان نائما في نفوس سائرهم فثار النزاع وعظم الخلاف واستنزل الشقاء، وهذا هو الطور الثاني، وهو معروف في تأريخ الأمم، ثم جاء الطور الثالث وهو طور العقل والتدبر ووزن الخير والشر بميزان النظر والفكر وتحديد حدود للأعمال تنتهي إليها نزعات الشهوات ويقف عندها سير الرغبات، وهو طور التوبة والهداية إن شاء الله". هذا ما قاله هنا وهو لا يختلف عما قاله سابقا في الملائكة وإبليس، والدافع إلة كل ذلك واحد، وقد سبق بيانه، وإذا تأملت هذا الشرح الذي جاء به وعرضته على نصوص الكتاب في القصة وجدته بعيدا عن مدلولها؛ على أنه قد ناقض نفسه في بضع ما جاء به، كقوله: "إن الإِنسان - لولا داعية الشر المعبر عنها بإبليس وامتناعه عن السجود - لآتى عليه زمن يكون فيه أفراده كالملائكة بل أعظم، فإنه لا يتفق مع تفسيره للملائكة بما تقدم من كونهم قوى طبعية منبثة في كل شيء من هذا الكون، وإلا فما معنى تحول الإِنسان إليها مع أنه نفسه منطو عليها؟ وهل يُعد ذلك انتقالا إلى الأعلى أو إلى الأدنى؟ وبالجملة فإن كلامه - لعدم انبنائه على أسس ثابتة من مفاهيم الدين - كفيل بهدم بعضه بعضا، وهكذا كل ما كان ناشئا عن فكر الإِنسان غير المستقر، {أية : وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً} تفسير : [النساء: 82]، وإني لأعجب كيف يمكن القول بأن المراد بآدم الجنس البشري مع تحذير الله لهذا الجنس من فتنة الشيطان - كما صنع مع آدم وزوجه - في قوله تعالى: {أية : يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ كَمَآ أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَآ} تفسير : [الأعراف: 27]، ولعمري لئن ساغ مثل هذا التأويل لم تبق للألفاظ العربية مدلولات خاصة تستقر عليها الأفهام، وهذا يعني فتح باب الشك والاحتمال الواسع في كل ما جاء به القرآن من وعد ووعيد وأمر ونهي، وقصص وأخبار، هذا من ناحية اللفظ. أما من ناحية المعنى فإنه يتعذر أن يكون المراد بآدم النوع الإِنساني، وأن يكون أمره بسكنى الجنة عبارة عن مرحلة الطفولة البريئة التي يمر بها كل إنسان وهو خالي البال مطمئن النفس بعيد عما يعانيه الكبار من مشاق وأتعاب، ذلك لأن الناس مختلفون غير متفقي الحال في أي طور من أطوار الحياة، فتجد أحدهم وهو في صغره يتفيأ ظلال الراحة، ويتقلب على بساط النعيم حتى إذا ما بلغ طور الرشد لفحته الدنيا ببؤسها وكشرت له الأيام عن عصل أنيابها، وفرته الحوادث بأظفارها، بينما تجد غيره لا يذوق في طفولته الراحة وإن اشترك مع غيره من الأطفال في براءتهم الفطرية، فلا يكاد يفتح عينه على الدنيا إلا ويرى أيامها عابسة أمام ناظريه فيقضي مرحلة طفولته كلها في بؤس وفقر وعرى ومسغبة وذل وخوف، وكرب وبلاء حتى إذا ما ناهز الإِحتلام وبلوغ سن الرشد تنفس الفرج فانزاحت الشدائد فتذوق لذة العيش، ولامس برد النعيم، وماذا عسى أن تكون حالة الأطفال الذين ينشأون في أزمنة الحروب الطاحنة التي تهلك الحرث والنسل، وتستلب الطارف والتليد، فلا يسمعون إلا أصوات الانفجار وقصف المدافع وهدير الطائرات، ولا يشاهدون إلا جثث القتلى المتمزعة أشلاؤها، وحطام المساكن المقفرة من أهلها، ولا يعرفون ما هو الأمن والاستقرار في الحياة ولا يقتاتون إلا بعد جهد ونصب، أفيقال إن طفولة هؤلاء جنة ونعيم؟ أولا يمكن أن يكون من بين هؤلاء من تبتسم له الدنيا وتغدق عليه عطاءها، وتوسع له فضاءها بعد اجتيازه مرحلة صباه؟ وقل مثل ذلك في الغي والرشد، فقد يرشد بعض الناس من أول أمرهم حتى إذا بلغوا سن النضج العقلي، والإِتساع الفكري، والانتفاع بالعظات والعبر أضلهم الهوى فاقتادهم إلى أشراك الردى والعياذ بالله، بينما تجد آخرين لا تتسع قلوبهم لموعظة ولا تنشرح صدورهم لذكرى فيتخبطون في ضلالهم، وينهمكون في فسادهم، حتى إذا ما كاد المنون يختطف أرواحهم شملتهم عناية الله فأنقذتهم الهداية من الورطة التي وقعوا فيها فيما سبق، وهكذا تجد الناس متفاوتين في كل شيء، فلا يمكن أن يكونوا معنيين بهذه القصة بحسب أطوارهم.

الالوسي

تفسير : {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا} أي حملهما على الزلة بسببها، وتحقيقه أصدر زلتهما عنها وعن هذه مثلها في قوله تعالى: {أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ }تفسير : [التوبه: 114] والضمير على هذا للشجرة، وقيل: أزلهما أي أذهبهما، ويعضده قراءة حمزة (فأزالهما) وهما متقاربان في المعنى غير أن أزلّ يقتضي عثرة مع الزوال - والضمير حينئذ للجنة وعوده إلى الشجرة بتجوز، أو تقدير مضاف أي محلها - أو إلى الطاعة المفهومة من الكلام - بعيد، وإزلاله - عليه اللعنة - إياهما - عليهما السلام - كان بكذبه عليهما ومقاسمته على ما قص الله تعالى في كتابه، وفي كيفية توسله إلى ذلك أقوال، فقيل: دخل الجنة ابتلاء لآدم وحواء، وقيل: قام عند الباب فناداهما، وأفسد حالهما، وقيل: تمثل بصورة دابة فدخل ولم يعرفه الخزنة، وقيل: أرسل بعض أتباعه إليهما. وقيل: بينما هما يتفرجان في الجنة إذ راعهما طاووس تجلى لهما على سور الجنة فدنت حواء منه وتبعها آدم فوسوس لهما من وراء الجدار، وقيل: توسل بحية تسورت الجنة - ومشهور حكاية الحية - وهذان الأخيران يشير أولهما: عند ساداتنا الصوفية إلى توسله من قبل الشهوة خارج الجنة، وثانيهما: إلى توسله بالغضب، وتسور جدار الجنة عندهم إشارة إلى أن الغضب أقرب إلى الأفق الروحاني والحيز القلبي من الشهوة، وقيل: توسله إلى ما توسل إليه إذ ذاك مثل توسله اليوم إلى إذلال من شاء الله تعالى وإضلاله، ولا نعرف من ذلك إلا الهواجس والخواطر التي تفضي إلى ما تفضي، ولا جزم عند كثير من دخول الشيطان في القلب بل لا يعقلونه، ولهذا قالوا: خبر «حديث : إن الشيطان - يجرى من بني آدم مجرى الدم - »تفسير : محمول على الكناية عن مزيد سلطانه عليهم وانقيادهم له، وكأني بك تختار هذا القول، وقال أبو منصور: ليس لنا البحث عن كيفية ذلك، ولا نقطع القول بلا دليل، وهذا من الإنصاف بمكان، وقرأ ابن مسعود/ رضي الله تعالى عنه {فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا} والضمير في هذه القراءة - للشجرة - لا غير، وعوده إلى - الجنة - بتضمين الإذهاب ونحو بعيد. {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} أي من النعيم والكرامة أو من الجنة. والأول: جار على تقدير رجوع ضمير {عَنْهَا} إلى - الشجرة - أو - الجنة - والثاني: مخصوص بالتقدير الأول لئلا يسقط الكلام. وقيل: أخرجهما من لباسهما الذي {كَانَا فِيهِ} لأنهما لما أكلاَ تهافت عنهما، وفي الكلام من التفخيم ما لا يخفى. {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} - الهبوط - النزول، وعين المضارع تكسر وتضم، وقال المفضل: هو الخروج من البلد، والدخول فيها من الأضداد - ويقال في انحطاط المنزلة - والبعض في الأصل مصدر بمعنى القطع ويطلق على الجزء، وهو ككل ملازم للإضافة - لفظاً أو نية - ولا تدخل عليه اللام، ويعود عليه الضمير مفرداً ومجموعاً - إذا أريد به جمع - والعدو - من - العداوة - مجاوزة الحد أو التباعد أو الظلم، ويطلق على الواحد المذكر ومن عداه بلفظ واحد، وقد يقال: - أعداء وعدوة - والخطاب لآدم وحواء، لقوله تعالى: {أية : قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً }تفسير : [طه: 123] والقصة واحدة، وجمع الضمير لتنزيلهما منزلة البشر كلهم، ولما كان في الأمر بالهبوط انحطاط رتبة المأمور لم يفتتحه بالنداء - كما افتتح الأمر بالسكنى - واختار الفراء أن المخاطب هما - وذريتهما - وفيه خطاب المعدوم، والمأثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وكثير من السلف - أنه هما وإبليس - واعترض بخروجه قبلهما، وأجيب بأن الإخبار عما قال لهم مفرقاً على أنه لا مانع من المعية وقيل: هم والحية، واعترض بعدم تكليفها، - وأجيب بأن الأمر تكويني، والجملة الإسمية منصوبة المحل على الحال المقدرة، والحكم باعتبار الذرية - وإذا دخل إبليس والحية - كان الأمر أظهر، ولا يرد أنه كيف يقيد الأمر بالتعادي - وهو منهي عنه - لأنا نقول: بصرف توجه النظر عن القيد كون العداوة طبيعية والأمور الطبيعية غير مكلف بها - وإن كلف فبالنظر إلى أسبابها، وإذا جعل الأمر تكوينياً زال الإشكال - إلا أن فيه بعداً - وبعضهم يجعل الجملة مستأنفة على تقدير السؤال فراراً عن هذا السؤال - مع ما في الاكتفاء بالضمير دون الواو في الجملة الإسمية الحالية من - المقال، حتى ذهب الفراء إلى شذوذه، وإن كان التحقيق ما ذكره بعض المحققين أن الجملة الحالية لا تخلو من أن تكون من سبب ذي الحال أو أجنبية - فإن كانت من سببه لزمها العائد والواو كجاء زيد، وأبوه منطلق إلا ما شذ من نحو كلمته فوه إلى في وإن أجنبية لزمتها الواو نائبة عن العائد، وقد يجمع بينهما - كقدم بشر وعمرو قادم إليه - وقد جاءت - بلا ولا - كقوله:شعر : ثم انتصبنا جبال الصغد معرضة عن اليسار وعن أيماننا جدد تفسير : وقد تكون صفة ذي الحال كـ {أية : تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ} تفسير : [البقرة: 83] وهذه يجوز فيها الوجهان باطراد، وما نحن فيه من هذا القبيل فتدبر. وإفراد العدو إما للنظر إلى لفظ البعض، وإما لأن وزانه وزان المصدر كالقبول، وبه تعلق ما قبله واللام - كما في «البحر» - مقوية، وقرأ أبو حيوة {ٱهْبِطُواْ} - بضم الباء - وهو لغة فيه، وبهذا الأمر نسخ الأمر والنهي السابقان. {وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ إِلَىٰ حِينٍ} أراد بالأرض محل الإهباط، وليس المراد شخصه الذي هو لآدم عليه السلام - موضع بجبل سرنديب - ولحواء موضع بجدة، ولإبليس موضع بالأبلة، ولصاحبته موضع بنصيبين أو أصبهان أو سجستان - والمستقر - اسم مكان أو مصدر ميمي، ويحتمل على بعد كونه اسم مفعول بمعنى ما استقر ملككم عليه وتصرفكم فيه - وأبعد منه - احتمال كونه اسم زمان؛/ وهو مبتدأ خبره {لَكُمْ} وفيه متعلق بما تعلق به - والمتاع - البلغة، مأخوذ من متع النهار - إذا ارتفع - ويطلق على الانتفاع الممتد وقته - ولا يختص بالحقير ـ والحين مقدار من الزمان - قصيراً أو طويلاً - والمراد هنا إلى وقت الموت - وهو القيامة الصغرى - وقيل: إلى يوم القيامة الكبرى، وعليه تجعل السكنى في القبر تمتعاً في الأرض، أو يجعل الخطاب شاملاً لإبليس ـ ويراد الكل المجموعي ـ والجار متعلق بمتاع، قيل: أو به، وبمستقر على التنازع ـ أو بمقدار صفة لمتاع - وهذه الجملة كالتي قبلها استئنافاً وحالية.

ابن عاشور

تفسير : الفاء عاطفة على قوله: {أية : ولا تقربا}تفسير : [البقرة: 35] وحَقها إفادة التعقيب فيكون التعقيب عرفياً لأن وقوع الإزلال كان بعدَ مضي مدة هي بالنسبة للمدة المرادة من سكنى الجنة كالأَمد القليل. والأحسن جعل الفاء للتفريع مجردة عن التعقيب. والإزلال جعل الغير زَالاًّ أي قائماً به الزلل وهو كالزَلَق أن تسير الرجلان على الأرض بدون اختيار لارتخاء الأرض بطين ونحوه، أي ذاهبة رجلاه بدون إرادة، وهو مجاز مشهور في صدور الخطيئة والغلط المضر ومنه سمي العصيان ونحوه الزلل. والضمير في قوله: {عنها} يجوز أن يعود إلى الشجرة لأنها أقرب وليتبين سبب الزلة وسبب الخروج من الجنة إذ لو لم يجعل الضمير عائداً إلى الشجرة لخلت القصة عن ذكر سبب الخروج. و(عن) في أصل معناها أي أزلهما إزلالاً ناشئاً عن الشجرة أي عن الأكل منها، وتقدير المضاف دل عليه قوله: {ولا تقربا هذه الشجرة}، وليست (عن) للسببية ومن ذكر السببية أراد حاصل المعنى كما قال أبو عبيدة في قوله تعالى: {أية : وما ينطق عن الهوى}تفسير : [النجم: 3] أن معناه وما ينطق بالهوى فقال الرضي: الأوْلى أن (عن) بمعناها وأن الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف أي نطقاً صادراً عن الهوى. ويجوز كون الضمير للجنة وتكون (عن) على ظاهرها والإزلال مجازاً في الإخراج بكره والمراد منه الهبوط من الجنة مكرهين كمن يزل عن موقفه فيسقط كقوله: «وكم منزل لولايَ طِحْتَ». وقولُه: {فأخرجهما مما كانا فيه} تفريع عن الإزلال بناء على أن الضمير للشجرة، والمراد من الموصول وصلته التعظيم، كقولهم قد كان ما كان، فإن جعلت الضمير في قوله: {عنها} عائداً إلى الجنة كان هذا التفريع تفريع المفصَّل عن المجمل وكانت الفاء للترتيب الذكْري المجرَّد كما في قوله تعالى: {أية : وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتاً أوْ هُم قائلون}تفسير : [الأعراف: 4] وقوله: {أية : كذَّبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدُجِر}تفسير : [القمر: 9]. أما دلالة الموصول عن التعظيم فهي هي. وقرأ حمزة «فأزالهما» بألف بعد الزاي وهو من الإزالة بمعنى الإبعاد، وعلى هذه القراءة يتعين أن يكون ضمير {عنها} عائداً إلى الجنة لا إلى الشجرة. وقد نُبه عليه بخصوصه مع العلم بأن من خَرج من الجنة فقد خرج مما كان فيه إحضاراً لهذه الخسارة العظيمة في ذهن السامعين حتى لا تكون استفادتها بدلالة الالتزام خاصة فإنها دلالة قد تخفى فكانت إعادته في هذه الصلة بمرادفه كإعادته بلفظه في قوله تعالى: {أية : فغَشِيَهم من اليَمِّ ما غَشِيَهُم}تفسير : [طه: 78]. وتفيد الآية إثارة الحسرة في نفوس بني آدم على ما أصاب آدم من جراء عدم امتثاله لوصاية الله تعالى وموعظة تُنبِّهُ بوجوب الوقوف عند الأمر والنهي والترغيب في السعي إلى ما يعيدهم إلى هذه الجنة التي كانت لأبيهم وتربيةِ العداوة بينهم وبين الشيطان وجنده إذ كان سبباً في جر هذه المصيبة لأبيهم حتى يكونوا أبداً ثأراً لأبيهم مُعادين للشيطان ووسوسته مسيئين الظنون بإغرائه كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة}تفسير : [الأعراف: 27] وقوله هنا: {بعضكم لبعض عدو}. وهذا أصل عظيم في تربية العامة ولأجله كان قادة الأمم يذكرون لهم سوابق عداوات منافسيهم ومَن غلبهم في الحروب ليكون ذلك باعثاً على أخذ الثأر. وعطفُ {وقلنا اهبطوا} بالواو دون الفاء لأنه ليس بمتفرِّع عن الإخراج بل هو متقدم عليه ولكن ذكر الإخراج قبل هذا لمناسبةِ سياقِ ما فعله الشيطان وغروره بآدم فلذلك قدم قوله: {فأخرجهما} إثر قوله: {فأزلهما الشيطان}. ووجه جمع الضمير في {اهبطوا} قيل لأن هبوط آدم وحواءَ اقتضى أن لا يوجد نسلهما في الجنة فكان إهباطهما إهباطاً لنسلهما، وقيل الخطاب لهما ولإبليس وهو وإن أُهبط عند إبايته السجود كما أفاده قوله تعالى في سورة الأعراف {أية : قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين}تفسير : [الأعراف: 12، 13] إلى قوله {أية : قال اخرجُ منها مذءوماً مدحوراً}تفسير : [الأعراف: 18] إلى قوله {أية : ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة}تفسير : [الأعراف: 19] فهذا إهباط ثان فيه تحجير دخول الجنة عليه والإهباطُ الأول كان إهباطَ مَنع من الكرامة مع تمكينه من الدخول للوسوسة وكلا الوجهين بعيد، فالذي أراه أن جمع الضمير مراد به التثنية لكراهية توالي المثنيات بالإظهار والإضمار من قوله: {أية : وكُلا منها رغداً}تفسير : [البقرة: 35] والعرب يستثقلون ذلك قال امرؤ القيس:شعر : وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيَّهم يقُولون لا تهلك أسىً وتجمل تفسير : وإنما له صاحبان لقوله: «قفا نبك» إلخ وقال تعالى: {أية : فقد صَغَت قلوبكما}تفسير : وسيأتي في سورة التحريم (4). وقوله: {بعضكم لبعض عدو} يحتمل أن يراد بالبعض بعض الأنواع وهو عداوة الإنس والجن. إن كان الضمير في {اهبطوا} لآدم وزوجه وإبليس، ويحتمل أن يراد عداوة بعض أفراد نوع البشر، إن كان ضمير {اهبطوا} لآدم وحواء فيكون ذلك إعلاماً لهما بأثر من آثار عملهما يورث في بنيهما، ولذلك مبدأ ظهور آثار الاختلال في تكوين خلقتهما بأن كان عصيانهما يورث في أنفسهما وأنفس ذريتهما داعية التغرير والحيلة على حد قوله تعالى: {إن من أزواجكم وأولادكم عدواً لكم} فإن الأخلاق تورث وكيف لا وهي مما يعدى بكثرة الملابسة والمصاحبة وقد قال أبو تمام:شعر : لأعْديتني بالحلم إن العلا تعدي تفسير : ووجه المناسبة بين هذا الأثر وبين منشئه الذي هو الأكل من الشجرة أن الأكل من الشجرة كان مخالفة لأمر الله تعالى ورفضاً له وسوء الظن بالفائدة منه دعا لمخالفته الطمع والحرص على جلب نفع لأنفسهما، وهو الخلود في الجنة والاستئثار بخيراتها مع سوء الظن بالذي نهاهما عن الأكل منها وإعلامه لهما بأنهما إن أكلا منها ظلما أنفسهما لقول إبليس لهما: {أية : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين}تفسير : [الأعراف: 20] فكذلك كانت عداوة أفراد البشر مع ما جبلوا عليه من الألفة والأنس والاتحاد منشؤها رفض تلك الألفة والاتحاد لأجل جلب النفع للنفس وإهمال منفعة الغير، فلا جرم كان بين ذلك الخاطر الذي بعثهما على الأكل من الشجرة وبين أثره الذي بقي في نفوسهما والذي سيورثونه نسلهما فيخلق النسل مركبة عقولهم على التخلق بذلك الخلق الذي طرأ على عقل أبويهما، ولا شك أن ذلك الخلق الراجع لإيثار النفس بالخير وسوء الظن بالغير هو منبع العداوات كلها لأن الواحد لا يعادي الآخر إلا لاعتقاد مزاحمة في منفعة أو لسوء ظن به في مضرة. وفي هذا إشارة إلى مسألة أخلاقية وهي أن أصل الأخلاق حسنها وقبيحها هو الخواطر الخيرة والشريرة ثم ينقلب الخاطر إذا ترتب عليه فعل فيصير خلقاً وإذا قاومه صاحبه ولم يفعل صارت تلك المقاومة سبباً في اضمحلال ذلك الخاطر، ولذلك حذرت الشريعة من الهم بالمعاصي وكان جزاء ترك فعل ما يهم به منها حسنة وأمرت بخواطِر الخير فكان جزاء مجردِ الهمِّ بالحسنة حسنةً ولو لم يعملها وكان العمل بذلك الهَم عشرَ حسنات كما ورد في الحديث الصحيح: «حديث : مَن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ــــ ثم قال ــــ ومَنْ همَّ بسيئة فعملها كُتبت له سيئةٌ واحدة»تفسير : وجعل العفو عن حديث النفس مِنَّة من الله تعالى ومغفرة في حديث «حديث : إن الله تجاوز عن أمتي فيما حدثت به نفوسها»تفسير : . إن الله تعالى خلق الإنسان خَيِّراً سالماً من الشرور والخواطر الشريرة على صفة مَلَكية وهو معنى {أية : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}تفسير : [التين: 4] ثم جعله أطواراً فأولها طور تعليمِه النطقَ ووضعِ الأسماء للمسميات لأن ذلك مبدأُ المعرفة وبه يكون التعليم أي يعلم بعض أفراده بعضاً ما علِمَه وجَهِلَهُ الآخرِ فكان إلهامُه اللغة مبدأَ حركة الفكر الإنساني وهو مبدأ صالح للخير ومعين عليه لأن به علَّم الناسُ بعضهم بعضاً ولذلك ترى الصبي يرى الشيءَ فيسرعُ إلى قرنائه يُناديهم ليَرَوْهُ معه حرصاً على إفادتهم فكان الإنسان معلِّماً بالطبع وكان ذلك معيناً على خيريته إلا أنه صالح أيضاً لاستعمال النطق في التمويه والكذب؛ ثم إن الله تعالى لما نهاه عن أمر كلَّفه بما في استطاعته أن يمتثله وأن يخالفه فتلك الاستطاعة مبدأ حركة نفسه في الحرص والاستئثار فكان خَلْق الله تعالى إياه على تلك الاستطاعة مبدأ طَور جديد هو المشار إليه بقوله: {أية : ثم رَدَدْناه أَسفل سافلين}تفسير : [التين: 5]، ثم هداه بواسطة الشرائع فصار باتباعها يبلغ إلى مراتب الملائكة ويرجع إلى تقويمه الأول وذلك معنى قوله: {أية : إلا الذين آمنُوا وعملوا الصالحات}تفسير : [التين: 6] وقد أشير إلى هذا الطور الأخير بقوله فيما يأتي: {أية : فإما يأتينكم مني هُدى فَمَنْ تَبِعَ هُداي}تفسير : [البقرة: 38] الآية. وجملة {بعضكم لبعض عدو} إما مستأنفة استئنافاً ابتدائياً وإما جملة حال من ضمير {اهبطوا} وهي اسمية خلت من الواو، وفي اعتبار الجملة الاسمية الخالية من الواو حالا خلاف بين أئمة العربية، منع ذلك الفراء والزمخشري وأجازه ابن مالك وجماعة. والحق عندي أن الجملة الحالية تستغني بالضمير عن الواو وبالواو عن الضمير فإذا كانت في معنى الصفة لصاحبها اشتملت على ضميره أو ضمير سببيِّه فاستغنت عن الواو نحو الآية ونحوجاء زيد يَدُه على رأسه أو أَبُوه يرافقه، وإلا وجبت الواو إذ لا رابط حينئذ غيرُها نحو جاء زيد والشمسُ طالعة وقولِ تأبط شراً:شعر : فخالط سَهْلَ الأرضِ لَمْ يَكْدَح الصَّفَا به كَدْحَةً والموتُ خَزيان يَنْظُر تفسير : وقوله: {ولكم في الأرض مستقر} ضميره راجع إلى ما رجع إليه ضمير {اهبطوا} على التقادير كلها. والحين الوقت والمراد به وقت انقراض النوع الإنساني والشيطاني بانقراض العالم، ويحتمل أن يكون المراد من ضمير {لكم} التوزيعَ أي ولكل واحد منكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين. وإنما كان ذلك متاعاً لأن الحياة أمر مرغوب لسائر البشر على أن الحياة لا تخلو من لذات وتمتع بما وَهَبَنا الله من الملائمات. هذا إن أريد بالخبر المجموع أي لجميعكم وإن أريد به التوزيع فالحين هو وقت موت كل فرد على حدِّ قولك للجيش: "هذه الأفْراس لكم" أي لكل واحد منكم فرس.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلشَّيْطَانُ} {وَمَتَاعٌ} (36) - فَأَغْرَاهُما الشَّيْطَانُ بالشَّجَرَةِ، وَحَمَلَهُما عَلَى الوُقُوعِ فِي الزَّلَلِ (وَقِيلَ إِنََّّ مَعْنى أَزَلَّهُما الشَّيْطَانُ عَنْهَا نَحَّاهُمَا عَنِ الجَنَّةِ وَعَمَّا كَانَا فِيهِ مِنَ الحَيَاةِ الهَانِئَةِ السَّعِيدَةِ بِرِضَا اللهِ وَفَضْلِهِ). فَقَالَ تَعَالَى مُخَاطِباً آدَمَ وَزَوْجَهُ وَإِبْلِيسَ: اهْبِطُوا جَميعاً مِنَ الجَنَّةِ إِلى الأَرْضِ، وَسَيَكُونُ لَكُمْ في الأَرْضِ قَرَارٌ وَأَرْزَاقٌ وَآجَالٌ إِلى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ هُوَ يَوْمُ القِيَامَةِ. الزَّلَلُ - الغَلَطُ، وَأَزَلَّهُ حَمَلَهُ عَلَى الوُقُوعِ في الغَلَطِ. المُسْتَقَرُّ - الاسْتِقْرَارُ وَالبَقَاءُ. المَتَاعُ - الانْتِفَاعُ الذِي يَمْتَدُّ وَقْتُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن أسكن الله سبحانه وتعالى آدم وزوجه في الجنة، وأخبرهما بما هو حلال وما هو حرام، بدأ الشيطان مهمته، مهمة عداوته الرهيبة لآدم وذريته. والحق سبحانه يقول: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ} [البقرة: 36] أي: أن الشيطان باشر مهمته فأوقعهما في الزَّلة، وهي العثرة أو الكبوة. كيف حدث ذلك والله تعالى قد نصح آدم وزوجه ألا يتبعا الشيطان، وأبلغه أنه عدو لهما في قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 117]. إذن: فالعداوة معلنة ومسبقة، ولنفرض أنها غير معلنة، ألم يشهد آدم الموقف الذي عصى فيه إبليس أمر الله ولم يسجد لآدم؟ ألم يعرف مدى تكبر إبليس عليه في قوله {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ} تفسير : [ص: 76] وقوله {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [الإسراء: 61] كل هذا ينبغي أن ينبه آدم إلى أن إبليس لن يأتي له بخير أبداً. والحق سبحانه وتعالى لم يكتف بالدلالات الطبيعية التي نشأت عن موقف إبليس في رفضه السجود، بل أخبر آدم أن الشيطان عدو له ولزوجه .. يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 36] مِمَّ أخرجهما؟ من العيش الرغيد، واسع النعمة في الجنة، ومن الهدوء والاطمئنان في أن رزقهما يأتيهما بلا تعب. ولذلك سيأتي الحق في آية أخرى ويقول: {أية : فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 117]. وهنا لابد أن نتساءل: لماذا لم يقل فتشقيا؟ إن هذه لفتة من الحق سبحانه وتعالى .. إلى مهمة المرأة، ومهمة الرجل في الحياة. فمهمة المرأة أن تكون سكناً لزوجها عندما يعود إلى بيته، تُذْهب تعبه وشقاءه، أما مهمة الرجل فهي العمل حتى يوفر الطعام والمسكن لزوجته وأولاده، والعمل تعب وحركة. وهكذا لفتنا الحق تبارك وتعالى إلى أن مهمة الرجل أن يكدح ويشقى، ثم يأتي إلى أهله فتكون السكينة والراحة والاطمئنان. إذا كانت هذه هي الحقيقة، فلماذا يأتي العالم ليغيِّر هذا النظام؟ نقول إن العالم هو الذي يُتعب نفسه. ويُتعب الدنيا. فعمل المرأة شقاء لها، فمهمتها هي البيت، وليس عندها وقت لأي شيء آخر، فإذا عملت فذلك على حساب أولادها وبيتها وزوجها .. ومن هنا ينشأ الشقاء في المجتمع، فيضيع الأولاد، ويهرب الزوج إلى مكان فيه امرأة تعطيه السكن الذي يحتاج إليه، وينتهي المجتمع إلى فوضى. وكان يجب على آدم أن يتنبه إلى أن إبليس يعتبره السبب في طرده من رحمة الله؛ فلا يقبل منه نصيحة ولا كلاماً، ويحتاط .. كيف أزل الشيطان آدم وزوجه؟ لقد بيَّن الله سبحانه وتعالى لنا هذا، ولكن ليس في سورة البقرة، وإنما في آية أخرى .. فقال تعالى: {أية : فَوَسْوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 20]. إذن: فإبليس قال كاذباً: إن مَنْ يأكل من هذه الشجرة يصبح مَلَكاً، ويصبح خالداً لا يموت .. ووسوسة الشيطان تتم بكلام كاذب لتزيين المعصية، والشيطان لا يهمه أي معصية ارتكبت، وإنما يريدك عاصياً على أي وجه. ولكن النفس عندما توسوس لك بالمعصية، تريد شيئاً بذاته، وهذا هو الفرق بين وسوسة الشيطان، ووسوسة النفس، فالشيطان يريدك عاصياً بأي ذنب، فإن امتنعت في ناحية أتاك من ناحية أخرى، فقد قال لآدم: {أية : هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلْخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَىٰ} تفسير : [طه: 120]. ولكن هذه المحاولة لم تُفلح، فقال لهما: {أية : مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ} تفسير : [الأعراف: 20] وفات على آدم أنه لو كان هذا صحيحاً .. لأكل إبليس من الشجرة، ولم يطلب من الحق سبحانه وتعالى أن يمهله إلى يوم الدين. ما الذي أسقط آدم في المعصية؟ إنها الغفلة أو النسيان. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه: 115]. وهل النسيان معصية. حتى يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} تفسير : [طه: 121]. نعم، النسيان كان معصية في الأمم السابقة، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : رُفِعَ عن أمتي الخطأ والنسيان وما اسُتكْرِهوا عليه ". تفسير : ونسى وعصى تؤدي معنًى واحداً .. وقوله تعالى: {أية : قَالَ ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [الأعراف: 24]. هذا الهبوط هو بداية نزول الإنسان إلى الأرض ليباشر مهمته في الدنيا. وما دام الحق سبحانه وتعالى قال: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [الأعراف: 24]. فهي إذن حياة موقوتة على قدر وقتها، وعلى قدر حجمها .. والذين يقولون إنه لابد من وجود بشر نسميه مخلِّصا. ليفدي العالم بصلبه أو بغير ذلك من الخطيئة التي ارتكبها آدم. نقول له: إنك لم تفهم عن الله شيئاً، لأن القصة هي هنا خطأ قد حدث وصُوب. وفرق بين الخطأ والخطيئة. فالخطأ يصوب. ولكن الخطيئة يعاقب عليها. وآدم أخطأ وصوب الله له. وتلقى من ربه كلمات فتاب عليه. إذن لا توجد خطيئة بعد أن علمه الله التوبة وتاب إلى الله. ثم ماذا فعل آدم، حتى نقول نخلص العالم من خطيئة آدم. إنه أكل من الشجرة. وهل خطايا العالم كلها أكل؟! مَنْ الذي أوجد القتل وسفك الدماء، والزِّنَى والاغتصاب والنميمة والغيبة؟ لو أن كلامهم صحيح لكان لابد ألا توجد خطيئة على الأرض ما دام قد وجد المخلِّص الذي فدى العالم من الخطيئة، ولكن الخطيئة باقية. ومَنْ الذي قال إن الخطيئة تورث، حتى يرث العالم كله خطيئة آدم؟! .. والله سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [فاطر: 18]. وقول الحق سبحانه وتعالى: {وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] العداوة هنا بين الشيطان والإنسان، والعداوة أيضاً بين شياطين الإنس والمؤمنين، هذه العداوة التي تؤدي بنا إلى نشاط وتنبه. فالمستشرقون يعادون الإسلام، ولكن معاداتهم هذه تعطينا نشاطاً لكي نبحث ونطلع حتى نرد عليهم. وجنود الشيطان من الإنس يعادون المؤمنين، وعداواتهم هذه تعطينا مناعة ألا نخطئ ولا نغفل. فأنت ما دام لك عدو .. فحاول أن تتفوق عليه بكل السبل. ولعل الحضارة الإنسانية لا ترتقي بسرعة قدر ارتقائها وقت الحروب. ففيها يحاول كل خصم أن يتغلب على خصمه، وتجند كل القوى للتفوق علمياً على الدول الأخرى. هذه الارتقاءات والاختراعات، قد تكون للتدمير والقتل. ولكن بعد أن تنتهي الحرب توجه إلى ارتقاءات الإنسان في الأرض. فتفتيت الذرة وصلوا إليه في الحروب، والصواريخ التي وصل الإنسان بها إلى القمر كانت نتيجة حرب، والارتقاءات العلمية المختلفة التي تمت في أمريكا والاتحاد السوفيتي كان أساسها عداء كل معسكر للآخر. وقوله تعالى {ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة: 36] .. الهبوط قد يكون من مكان أعلى إلى مكان أسفل، وقد يكون الهبوط معنوياً، بأن تقول هذا الإنسان هبط في نظري منذ فعل كذا. هو لم يهبط من مكان أعلى إلى مكان أسفل. ولكنه هبط في قيمته، والمسافات لا تعني قرباً أو بعداً. فقد يكون إنسان يجلس إلى جوارك وأنت بعيد عنه لا تحس به. وقد يكون هناك إنسان بعيد عنك بمئات الأميال ولكنه قريب إلى قلبك أكثر من ذلك الجالس إلى جوارك، وسواء كان الهبوط مادياً أو معنوياً، فإنه حدث ليباشر آدم مهمته على الأرض، والعداوة بين الإيمان والكفر مستمرة. وهكذا بعد معصية آدم هبط هو وحواء من الجنة ليمارسا حياتهما على الأرض .. وقوله تعالى: {ٱهْبِطُواْ} معناه: إن آدم وحواء وإبليس هبطوا إلى الأرض بعد أن تمت التجربة الإيمانية. لقد بيَّن الله تعالى لآدم عملياً أن إبليس عدو له. لا يريد له الخير: وأنه كاذب في كل ما يعد به الإنسان، وقد حدد الله الحياة الدنيا بأنها حياة موقوتة. قدراتها محدودة، ومتاعها محدود .. في قوله تعالى: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [الأعراف: 24]. أي لا أحد سيبقى في الأرض إلا بمقدار ما قدر الله له من عمر ثم يموت. وبهذا حذر الله آدم وذريته من أن يتخذوا من الحياة هدفاً لأن متاعها قليل، وأمدها قصير.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {مَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} أَي إِلى وقتٍ، والمَتَاعُ: الزَّادُ.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 12 : 115 - قال سفين، كان أصحاب عبد الله يقرءونها {فأزلهما الشياطين}. [الآية 36].