٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
37
Tafseer
الرازي
تفسير : فيه مسائل المسألة الأولى: قال القفال: أصل التلقي هو التعرض للقاء ثم يوضع في موضع الاستقبال للشيء الجائي ثم يوضع موضع القبول والأخذ. قال الله تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ } تفسير : [النمل: 6]، أي تلقنه. ويقال: تلقينا الحجاج أي استقبلناهم. ويقال: تلقيت هذه الكلمة من فلان أي أخذتها منه. وإذا كان هذا أصل الكلمة وكان من تلقى رجلاً فتلاقيا لقي كل واحد صاحبه فأضيف الاجتماع إليهما معاً صلح أن يشتركا في الوصف بذلك، فيقال: كل ما تلقيته فقد تلقاك فجاز أن يقال: تلقى آدم كلمات أي أخذها ووعاها واستقبلها بالقبول، وجاز أن يقال: تلقى كلمات بالرفع على معنى جاءته عن الله كلمات ومثله قوله: {أية : لا يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [البقرة: 124] وفي قراءة ابن مسعود (الظالمون). المسألة الثانية: اعلم أنه لا يجوز أن يكون المراد أن الله تعالى عرفه حقيقة التوبة لأن المكلف لا بد وأن يعرف ماهية التوبة ويتمكن بفعلها من تدارك الذنوب ويميزها عن غيرها فضلاً عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بل يجب حمله على أحد الأمور. أحدها: التنبيه على المعصية الواقعة منه على وجه صار آدم عليه السلام عند ذلك من التائبين المنيبين. وثانيها: أنه تعالى عرفه وجوب التوبة وكونها مقبولة لا محالة على معنى أن من أذنب ذنباً صغيراً أو كبيراً ثم ندم على ما صنع وعزم على أن لا يعود فإني أتوب عليه. قال الله تعالى: {فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ }، أي أخذها وقبلها وعمل بها. وثالثها: أنه تعالى ذكره بنعمه العظيمة عليه فصار ذلك من الدواعي القوية إلى التوبة. ورابعها: أنه تعالى علمه كلاماً لو حصلت التوبة معه لكان ذلك سبباً لكمال حال التوبة. المسألة الثالثة: اختلفوا في أن تلك الكلمات ما هي؟ فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن آدم عليه السلام قال: يا رب ألم تخلقني بيدك بلا واسطة؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى. قال: ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال: بلى. قال: يا رب إن تبت وأصلحت تردني إلى الجنة؟ قال: بلى فهو قوله: {فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ } وزاد السدي فيه: يا رب هل كنت كتبت علي ذنباً؟ قال: نعم. وثانيها: قال النخعي: أتيت ابن عباس فقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه. قال: علم الله آدم وحواء أمر الحج فحجا وهي الكلمات التي تقال في الحج، فلما فرغا من الحج أوحى الله تعالى إليهما بأني قبلت توبتكما. وثالثها: قال مجاهد وقتادة في إحدى الروايتين عنهما هي قوله: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 23]. ورابعها: قال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم: إنها قوله لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين، لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت خير الراحمين. لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم. وخامسها: قالت عائشة لما أراد الله تعالى أن يتوب على آدم طاف بالبيت سبعاً، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فلما صلى ركعتين استقبل البيت وقال: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي. اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلا ما كتبت لي وأرضى بما قسمت لي. فأوحى الله تعالى إلى آدم: يا آدم قد غفرت لك ذنبك ولن يأتيني أحد من ذريتك فيدعوني بهذا الدعاء الذي دعوتني به إلا غفرت ذنبه وكشفت همومه وغمومه ونزعت الفقر من بين عينيه وجاءته الدنيا وهو لا يريدها. المسألة الرابعة: قال الغزالي رحمه الله: التوبة تتحقق من ثلاثة أمور مترتبة، علم وحال وعمل، فالعلم أول والحال ثان والعمل ثالث، والأول موجب للثاني، والثاني موجب للثالث إيجاباً اقتضته سنة الله في الملك والملكوت، أما العلم فهو معرفة ما في الذنب من الضرر وكونه حجاباً بين العبد ورحمة الرب، فإذا عرف ذلك معرفة محققة حصل من هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوات المحبوب، فإن القلب مهما شعر بفوات المحبوب تألم، فإذا كان فواته يفعل من جهته تأسف بسبب فوات المحبوب على الفعل الذي كان سبباً لذلك الفوات فسمي ذلك التأسف ندماً، ثم إن ذلك الألم إذا تأكد حصلت منه إرادة جازمة ولها تعلق بالحال وبالمستقبل وبالماضي، أما تعلقها بالحال فبترك الذنب الذي كان ملابساً له وأما بالمستقبل فالعزم على ترك ذلك الفعل المفوت للمحبوب إلى آخر العمر. وأما بالماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للجبر، فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه الخيرات وأعني به اليقين التام بأن هذه الذنوب سموم مهلكة، فهذا اليقين نور وهذا النور يوجب نار الندم فيتألم به القلب حيث أبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار محجوباً عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فيطلع النور عليه بانقشاع السحاب، فرأى محبوبه قد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه فتنبعث من تلك النيران إرادته للانتهاض للتدارك، فالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي ثلاثة معان مترتبة في الحصول (على التوبة). ويطلق اسم التوبة على مجموعها وكثيراً ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ويجعل العلم السابق كالمقدمة والترك كالثمرة والتابع المتأخر. وبهذا الاعتبار قال عليه السلام: «حديث : الندم توبة»، تفسير : إذ لا ينفك الندم عن علم أوجبه وعن عزم يتبعه فيكون الندم محفوفاً بطرفيه، أعني مثمره وثمرته، فهذا هو الذي لخصه الشيخ الغزالي في حقيقة التوبة وهو كلام حسن. وقال القفال: لا بد في التوبة من ترك ذلك الذنب ومن الندم على ما سبق ومن العزم على أن لا يعود إلى مثله ومن الاشفاق فيما بين ذلك كله، أما أنه لا بد من الترك فلأنه لو لم يترك لكان فاعلاً له فلا يكون تائباً، وأما الندم فلأنه لو لم يندم لكان راضياً بكونه فاعلاً له والراضي بالشيء قد يفعله والفاعل للشيء لا يكون تائباً عنه، وأما العزم على أن لا يعود إلى مثله فلأن فعله معصية والعزم على المعصية معصية، وأما الإشفاق فلأنه مأمور بالتوبة ولا سبيل له إلى القطع بأنه أتى بالتوبة كما لزمه فيكون خائفاً، ولهذا قال تعالى: {أية : يَحْذَرُ ٱلأَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ } تفسير : [الزمر: 9] وقال عليه السلام: «حديث : لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا»، تفسير : واعلم أن كلام الغزالي رحمه الله أبين وأدخل في التحقيق، إلا أنه يتوجه عليه إشكال وهو أن العلم بكون الفعل الفلاني ضرراً مع العلم بأن ذلك الفعل صدر منه يوجب تألم القلب وذلك التألم يوجب إرادة الترك في الحال والاستقبال وإرادة تلافي ما حصل منه في الماضي وإذا كان بعض هذه الأشياء مرتباً على البعض ترتباً ضرورياً لم يكن ذلك داخلاً تحت قدرته فاستحال أن يكون مأموراً به. والحاصل أن الداخل في الوسع ليس إلا تحصيل العلم، فأما ما عداه فليس للاختيار إليه سبيل، لكن لقائل أن يقول: تحصيل العلم ليس أيضاً في الوسع لأن تحصيل العلم ببعض المجهولات لا يمكن إلا بواسطة معلومات متقدمة على ذلك المجهول؛ فتلك العلوم الحاضرة المتوسل بها إلى اكتساب ذلك المجهول، إما أن تكون مستلزمة للعلم بذلك المجهول أو لم تكن مستلزمة. فإن كان الأول كان ترتب المتوسل إليه على المتوسل به ضرورياً، فلا يكون ذلك داخلاً في القدرة والاختيار، وإن كان الثاني لم يكن استنتاج المطلوب المجهول عن تلك المعلومات الحاضرة لأن المقدمات القريبة لا بد وأن تكون بحال يلزم من تسليمها في الذهن تسليم المطلوب، فإذا لم تكن كذلك لم تكن تلك المقدمات منتجة لتلك النتيجة. فإن قيل لم لا يجوز أن يقال: تلك المقدمات وإن كانت حاضرة في الذهن إلا أن كيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة غير حاضرة في الذهن، فلا جرم لا يلزم من العلم بتلك المقدمات العلم بتلك النتيجة لا محالة. قلنا: العلم بكيفية التوصل بها إلى تلك النتيجة إما أن يكون من البديهيات أو من الكسبيات، فإن كان من البديهيات لم يكن في وسعه؛ وإن كان من الكسبيات كان القول في كيفية اكتسابه كما في الأول، فإما أن يفضي إلى التسلسل وهو محال أو يفضي إلى أن يصير من لوازمه فيعود المحذور المذكور والله أعلم. المسألة الخامسة: سأل القاضي عبد الجبار نفسه فقال: إذا كانت هذه المعصية صغيرة فكيف تلزم التوبة؟ وأجاب بأن أبا علي قال: إنها تلزمه لأن المكلف متى علم أنه قد عصى لم يعد فيما بعد وهو مختار ولا مانع من أن يكون نادماً أو مصراً لكن الإصرار قبيح فلا تتم مفارقته لهذا القبيح إلا بالتوبة، فهي إذن لازمة سواء كانت المعصية صغيرة أو كبيرة وسواء ذكرها وقد تاب عنها من قبل أو لم يتب. أما أبو هاشم فإنه يجوز أن يخلو العاصي من التوبة والإصرار ويقول: لا يصح أن تكون التوبة واجبة على الأنبياء لهذا الوجه بل يجب أن تكون واجبة لإحدى خلال، فإما أن تجب لأن بالصغيرة قد نقص ثوابهم فيعود ذلك النقصان بالتوبة، وإما لأن التوبة نازلة منزلة الترك، فإذا كان الترك واجباً عند الإمكان فلا بد من وجوب التوبة مع عدم الإمكان، وربما قال: تجب التوبة عليهم من جهة السمع وهذا هو الأصح على قوله: لأن التوبة لا يجوز أن تجب لعود الثواب الذي هو المنافع فقط لأن الفعل لا يجوز أن يجب لأجل جلب المنافع كما لا تجب النوافل بل الأنبياء عليهم السلام لما عصمهم الله تعالى صار أحد أسباب عصمتهم التشديد عليهم في التوبة حالاً بعد حال وإن كانت معاصيهم صغيرة. المسألة السادسة: قال القفال: أصل التوبة الرجوع كالأوبة. يقال: توب كما يقال أوب. قال الله تعالى: {أية : قَابِلِ ٱلتَّوْبِ } تفسير : [غافر:3] فقولهم تاب يتوب توباً وتوبة ومتاباً فهو تائب وتواب كقولهم آب يؤوب أوباً وأوبة فهو آيب وأواب، والتوبة لفظة يشترك فيها الرب والعبد، فإذا وصف بها العبد فالمعنى رجع إلى ربه لأن كل عاصٍ فهو في معنى الهارب من ربه فإذا تاب فقد رجع عن هربه إلى ربه فيقال: تاب إلى ربه والرب في هذه الحالة كالمعرض عن عبده وإذا وصف بها الرب تعالى فالمعنى أنه رجع على عبده برحمته وفضله ولهذا السبب وقع الاختلاف في الصلة، فقيل في العبد: تاب إلى ربه. وفي الرب على عبده وقد يفارق الرجل خدمة رئيس فيقطع الرئيس معروفه عنده، ثم يراجع خدمته، فيقال: فلان عاد إلى الأمير والأمير عاد عليه بإحسانه ومعروفه، إذا عرفت هذا فنقول: قبول التوبة يكون بوجهين، أحدهما: أن يثيب عليها الثواب العظيم كما أن قبول الطاعة يراد به ذلك، والثاني: أنه تعالى يغفر ذنوبه بسبب التوبة. المسألة السابعة: المراد من وصف الله تعالى بالتواب المبالغة في قبول التوبة وذلك من وجهين، الأول: أن واحداً من ملوك الدنيا متى جنى عليه إنسان ثم اعتذر إليه فإنه يقبل الاعتذار، ثم إذا عاد إلى الجناية وإلى الاعتذار مرة أخرى فإنه لا يقبله لأن طبعه يمنعه من قبول العذر، أما الله سبحانه وتعالى فإنه بخلاف ذلك، فإنه إنما يقبل التوبة لا لأمر يرجع إلى رقة طبع أو جلب نفع أو دفع ضرر بل إنما يقبلها لمحض الإحسان والتفضل. فلو عصى المكلف كل ساعة ثم تاب وبقي على هذه الحالة العمر الطويل لكان الله تعالى يغفر له ما قد سلف ويقبل توبته، فصار تعالى مستحقاً للمبالغة في قبول التوبة فوصف بأنه تعالى تواب. الثاني: أن الذين يتوبون إلى الله تعالى فإنه يكثر عددهم فإذا قبل توبة الجميع استحق المبالغة في ذلك، ولما كان قبول التوبة مع إزالة العقاب يقتضي حصول الثواب وكان الثواب من جهته نعمة ورحمة وصف نفسه مع كونه تواباً بأنه رحيم. المسألة الثامنة: في هذه الآية فوائد: إحداها: أنه لا بد وأن يكون العبد مشتغلاً بالتوبة في كل حين وأوان، لما ورد في ذلك من الأحاديث والآثار، أما الأحاديث (أ) روي أن رجلاً سأل أمير المؤمنين علياً رضي الله عنه عن الرجل يذنب ثم يستغفر ثم يذنب ثم يستغفر ثم يذنب ثم يستغفر فقال أمير المؤمنين: يستغفر أبداً حتى يكون الشيطان هو الخاسر فيقول لا طاقة لي معه، وقال علي: كلما قدرت أن تطرحه في ورطة وتتخلص منها فافعل. (ب) وروى أبو بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : لم يصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة. (ج) تفسير : وعن ابن عمر قال عليه الصلاة والسلام: حديث : توبوا إلى ربكم فإني أتوب إليه في كل يوم مائة مرة. (د) تفسير : وأبو هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام حين أنزل عليه: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } تفسير : [الشعراء: 214] «حديث : يا معشر قريش اشتروا أنفسكم من الله لا أغنى عنكم من الله شيئاً يا عباس بن عبد المطلب لا أغنى عنك من الله شيئاً يا صفية عمة رسول الله لا أغنى عنك من الله شيئاً يا فاطمة بنت محمد سليني ما شئت لا أغنى عنك من الله شيئاً» تفسير : أخرجاه في الصحيح. (هـ) وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إنه ليغان على قلبي فاستغفر الله في اليوم مائة مرة». تفسير : واعلم أن الغين شيء يغشى القلب فيغطيه بعض التغطية وهو كالغيم الرقيق الذي يعرض في الجو فلا يحجب عن الشمس ولكن يمنع كمال ضوئها، ثم ذكروا لهذا الحديث تأويلات أحدها: أن الله تعالى أطلع نبيه على ما يكون في أمته من بعده من الخلاف وما يصيبهم فكان إذا ذكر ذلك وجد غيماً في قلبه فاستغفر لأمته. وثانيها: أنه عليه الصلاة والسلام كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى، فكان الاستغفار لذلك. وثالثها: أن الغيم عبارة عن السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانياً عن نفسه بالكلية، فإذا عاد إلى الصحو كان الاستغفار من ذلك الصحو وهو تأويل أرباب الحقيقة، ورابعها: وهو تأويل أهل الظاهر أن القلب لا ينفك عن الخطرات والخواطر والشهوات وأنواع الميل والإرادات فكان يستعين بالرب تعالى في دفع تلك الخواطر (و) أبو هريرة قال: قال عمر رضي الله عنه في قوله تعالى: {أية : تُوبُواْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً } تفسير : [التحريم: 8] إنه هو الرجل يعمل الذنب ثم يتوب ولا يريد أن يعمل به ولا يعود، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: هو أن يهجر الذنب ويعزم على أن لا يعود إليه أبداً. (ز) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حاكياً عن الله تعالى: يقول لملائكته: «حديث : إذا هم عبدي بالحسنة فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها وإذا هم بالسيئة فعملها فاكتبوها سيئة واحدة فإن تركها فاكتبوها له حسنة» تفسير : رواه مسلم. (ح) روي أن جبريل عليه السلام سمع إبراهيم عليه السلام وهو يقول: يا كريم العفو، فقال جبريل: أو تدري ما كريم العفو؟ فقال: لا يا جبريل. قال: أن يعفو عن السيئة ويكتبها حسنة. (ط) أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام: «حديث : من استفتح أول نهاره بالخير وختمه بالخير قال الله تعالى للملائكة لا تكتبوا على عبدي ما بين ذلك من الذنوب». تفسير : (ي) عن أبي سعيد الخدري قال: قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب فأتاه فقال: إنه قد قتل تسعة وتسعين نفساً فهل للقاتل من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل المائة. ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فأتاه فقال: إنه قتل مائة نفس فهل من توبة؟ فقال: نعم ومن يحول بينك وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها ناساً يعبدون الله تعالى فاعبده معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى أتى نصف الطريق فأتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله تعالى. وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط. فأتاهم ملك في صورة آدمي وتوسط بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد بشبر فقبضته ملائكة الرحمة». تفسير : رواه مسلم (يا) ثابت البناني: بلغنا أن إبليس قال: يا رب إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه وعلى ولده، فقال الله سبحانه وتعالى: (جعلت صدورهم مساكن لك)، فقال: رب زدني، فقال: لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة. قال: رب زدني. قال: تجري منه مجرى الدم. قال: رب زدني. قال: {أية : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلأَمْوٰلِ وَٱلأَوْلَـٰدِ } تفسير : [الإسراء: 6]، قال: فعندها شكا آدم إبليس إلى ربه تعالى فقال: يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطه علي وعلى ذريتي وأنا لا أطيقه إلا بك، فقال الله تعالى: لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء. قال: رب زدني. قال: الحسنة بعشر أمثالها. قال: رب زدني. قال: لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر». (يب) أبو موسى الأشعري قال: قال عليه الصلاة والسلام: حديث : إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار وبالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها» تفسير : رواه مسلم. (يج) عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، فإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : ما من عبد يذنب ذنباً فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين فيستغفر الله تعالى إلا غفر له».تفسير : ثم قرأ: {أية : وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـٰحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ } تفسير : [آل عمران: 135] إلى قوله: {أية : فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ } تفسير : [آل عمران: 135]. (يد) أبو إمامة قال: حديث : بينا أنا قاعد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله أصبت حداً فأقمه علي. قال: فأعرض عنه ثم عاد فقال مثل ذلك، وأقيمت الصلاة فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ثم خرج قال أبو أمامة: فكنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجل يتبعه ويقول: يا رسول الله إني أصبت حداً فأقمه علي، فقال عليه السلام: «أليس حين خرجت من بيتك توضأت فأحسنت الوضوء؟ قال: بلى يا رسول، قال: وشهدت معنا هذه الصلاة؟ قال: بلى يا رسول الله، قال: فإن الله قد غفر لك حدك أو قال ذبنك»تفسير : رواه مسلم. (يه) عبد الله قال:حديث : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة من أقصى المدينة وإني أصبت ماء دون أن أمسها فها أنا ذا فاقض في ما شئت، فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فقام الرجل فانطلق فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وتلا عليه هذه الآية: {وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَىِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفاً مِّنَ ٱلَّيْلِ إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيّئَـٰتِ} [هود: 114]. فقال واحد من القوم: يا نبي الله هذا له خاصة، قال: بل للناس عامةتفسير : . رواه مسلم. (يو) أبو هريرة قال: قال عليه السلام: «حديث : إن عبداً أصاب ذنباً فقال يا رب إني أذنبت ذنباً فاغفر لي فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً آخر. فقال: يا رب إني أذنبت ذنباً آخر فاغفره لي، فقال ربه: إن عبدي علم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به فغفر له، ثم مكث ما شاء الله ثم أصاب ذنباً آخر فقال: يا رب أذنبت ذنباً آخر فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به فقال له ربه: غفرت لعبدي فليعمل ما شاء». تفسير : أخرجاه في الصحيح. (يز) أبو بكر قال: قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لم يصر من استغفر الله ولو عاد في اليوم سبعين مرة. تفسير : (يح) أبو أيوب قال: قد كنت كتمتكم شيئاً سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : لولا أنكم تذنبون فتستغفرون لخلق الله تعالى خلقاً يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم»تفسير : رواه مسلم. (يط) قال عبد الله:حديث : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل عليه كساء وفي يده شيء قد التف عليه فقال: يا رسول الله إني مررت بغيضة شجر فسمعت فيها أصوات فراخ طائر فأخذتهن فوضعتهن في كسائي فجاءت أمهن فاستدارت على رأسي فكشفت لها عنهن فوقعت عليهن أمهن فلففتهن جميعاً في كسائي فهن معي، فقال عليه الصلاة والسلام: ضعهن عنك فوضعتهن فأبت أمهن إلا لزومهن، فقال عليه السلام: أتعجبون لرحمة أم الأفراخ بفراخها، قالوا: نعم يا رسول الله، فقال: والذي نفس محمد بيده أو قال فوالذي بعثني بالحق نبياً لله عز وجل أرحم بعباده من أم الأفراخ بفراخها، ارجع بهن حتى تضعهن من حيث أخذتهن وأمهن معهن فرجع بهن»تفسير : . (ك) عن أبي مسلم الخولاني عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام عن الله سبحانه وتعالى قال: (حديث : يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته محرماً بينكم فلا تظالموا. يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا الذي أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أتقى رجل منكم لم يزد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على قلب أفجر رجل منكم لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم اجتمعوا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان منكم ما سأل لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط غمسة واحدة، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحفظها عليكم فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)تفسير : قال وكان أبو إدريس إذا حدث بهذا الحديث جثا على ركبتيه إعظاماً له: وأما الآثار فسئل ذو النون عن التوبة فقال: إنها اسم جامع لمعان ستة. أولهن: الندم على ما مضى، الثاني: العزم على ترك الذنوب في المستقبل. الثالث: أداء كل فريضة ضيعتها فيما بينك وبين الله تعالى. الرابع: أداء المظالم إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم. الخامس: إذابة كل لحم ودم نبت من الحرم. السادس: إذاقة البدن ألم الطاعات كما ذاق حلاوة المعصية. وكان أحمد بن حارس يقول: يا صاحب الذنوب ألم يأن لك أن تتوب، يا صاحب الذنوب إن الذنب في الديوان مكتوب، يا صاحب الذنوب أنت بها في القبر مكروب، يا صاحب الذنوب أنت غداً بالذنوب مطلوب. الفائدة الثانية: من فوائد الآية: أن آدم عليه السلام لما لم يستغن عن التوبة مع علو شأنه فالواحد منا أولى بذلك. الفائدة الثالثة: أن ما ظهر من آدم عليه السلام من البكاء على زلته تنبيه لنا أيضاً لأنا أحق بالبكاء من آدم عليه السلام. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : لو جمع بكاء أهل الدنيا إلى بكاء داود لكان بكاء داود أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود إلى بكاء نوح لكان بكاء نوح أكثر، ولو جمع بكاء أهل الدنيا وبكاء داود وبكاء نوح عليهما السلام إلى بكاء آدم على خطيئته لكان بكاء آدم أكثر». تفسير : المسألة التاسعة: إنما اكتفى الله تعالى بذكر توبة آدم دون توبة حواء لأنها كانت تبعاً له كما طوى ذكر النساء في القرآن والسنة لذلك، وقد ذكرها في قوله: {أية : قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } تفسير : [الأعراف: 23].
القرطبي
تفسير : {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} تلقّى قيل معناه: فَهِم وفَطِنَ. وقيل: قَبِل وأخذ؛ وكان عليه السلام يتلقّى الوَحْي؛ أي يستقبله ويأخذه ويتلقّفه. تقول: خرجنا نتلقّى الحجيج؛ أي نستقبلهم. وقيل: معنى تلّقى تلّقن. وهذا في المعنى صحيح، ولكن لا يجوز أن يكون التلقّي من التلقّن في الأصل؛ لأن أحد الحرفين إنما يُقلب ياء إذا تجانسا، مثل تظنَّى مِن تظنّن، وتقّصى من تقصّص. ومثله تسرّيت من تسرّرت، وأمليت من أمللت وشبه ذلك؛ ولهذا لا يقال: تَقَبَّى مِن تقبّل، ولا تلقّى مِن تلقّن؛ فٱعلم. وحَكَى مكيّ أنه أُلهمها فٱنتفع بها. وقال الحسن: قبولُها تعلّمه لها وعمله بها. الثانية: وٱختلف أهل التأويل في الكلمات؛ فقال ٱبن عباس والحسن وسعيد بن جبير والضحاك ومجاهد هي قوله: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 23]. وعن مجاهد أيضاً: سبحانك اللَّهُمَّ لا إلٰه إلاّ أنت ربّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم. وقالت طائفة: رأى مكتوباً على ساق العرش «محمد رسول الله» فتشفّع بذلك، فهي الكلمات. وقالت طائفة: المراد بالكلمات البكاء والحياء والدعاء. وقيل: الندم والاستغفار والحزن. قال ٱبن عطية: وهذا يقتضي أن آدم عليه السلام لم يقل شيئاً إلا الاستغفار المعهود. وسئل بعض السلف عما ينبغي أن يقوله المذنب؛ فقال: يقول ما قاله أبواه: {رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} الآية. وقال موسى: {أية : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي}تفسير : [القصص: 16]. وقال يونس: {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 87]. وعن ٱبن عباس ووهب بن مُنَبِّه: أن الكلمات «سبحانك اللّهُمّ وبحمدك، لا إلٰه إلا أنتَ عملتُ سوءاً وظلمتُ نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، سبحانك اللّهُمّ وبحمدك، لا إلٰهَ إلا أنتَ عملتُ سوءاً وظلمتُ نفسي فتُبْ عليّ إنك أنت التواب الرحيم». وقال محمد بن كعب هي قوله: لا إلٰهَ إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملتُ سوءاً وظلمتُ نفسي فتُبْ عليّ إنك أنت التوّاب الرحيم. لا إلٰهَ إلا أنت سبحانك وبحمدك، عملتُ سوءاً وظلمتُ نفسي فٱرحمني إنك أنت الغفور الرحيم. لا إلٰه إلا أنت سبحانك وبحمدك عملتُ سوءاً وظلمتُ نفسي فٱرحمني إنك أرحم الراحمين، وقيل: الكلمات قوله حين عطس: «الحمد لله». والكلمات: جمع كلمة؛ والكلمة تقع على القليل والكثير. وقد تقدم. الثالثة: قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْهِ} أي قَبِل توبته، أو وفّقه للتّوْبة. وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم جمعة؛ على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وتاب العبد: رجع إلى طاعة ربه. وعبد تواب: كثير الرجوع إلى الطاعة. وأصل التوبة الرجوع؛ يقال: تاب وثاب وآب وأناب: رجع. الرابعة: إن قيل: لم قال «عليه» ولم يقل عليهما، وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع، وقد قال: {وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ} و{قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}. فالجواب: أن آدم عليه السلام لما خوطب في أوّل القصة بقوله: «ٱسْكُن» خصّه بالذكر في التلقّي؛ فلذلك كملت القصة بذكره وحده. وأيضاً فلأن المرأة حُرمة ومستورة فأراد الله السّتر لها؛ ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} تفسير : [طه: 121]. وأيضاً لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تُذكر؛ كما لم يذكر فَتَى موسى مع موسى في قوله: {أية : أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ}تفسير : [الكهف: 75]. وقيل: إنه دلّ بذكر التوبة عليه أنه تاب عليها إذ أمرهما سواء؛ قاله الحسن. وقيل: إنه مثل قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا}تفسير : [ الجمعة: 11] أي التجارة لأنها كانت مقصود القوم، فأعاد الضمير عليها ولم يقل إليهما؛ والمعنى متقارب. وقال الشاعر:شعر : رَماني بأمر كنتُ منه ووالدي بريئاً ومِن فوق الطَّوِيّ رمانِي تفسير : وفي التنزيل: {وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} فحذف إيجازاً وٱختصاراً. الخامسة: قوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} وصف نفسه سبحانه وتعالى بأنه التوّاب؛ وتكرر في القرآن معرّفاً ومنكراً وٱسماً وفعلاً. وقد يُطلق على العبد أيضاً توّاب؛ قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} تفسير : [البقرة: 222]. قال ٱبن العربي: ولعلمائنا في وصف الربّ بأنه توّاب ثلاثة أقوال؛ أحدها: أنه يجوز في حق الربّ سبحانه وتعالى فيُدْعَى به كما في الكتاب والسُّنّة ولا يتأوّل. وقال آخرون: هو وصف حقيقيّ لله سبحانه وتعالى؛ وتوبة الله على العبد رجوعُه من حال المعصية إلى حال الطاعة. وقال آخرون: توبة الله على العبد قبوله توبته؛ وذلك يحتمل أن يرجع إلى قوله سبحانه وتعالى: قبلت توبتك، وأن يرجع إلى خلقه الإنابة والرجوع في قلب المسيء وإجراء الطاعات على جوارحه الظاهرة. السادسة: لا يجوز أن يقال في حق الله تعالى: تائب، ٱسم فاعل من تاب يتوب؛ لأنه ليس لنا أن نُطلق عليه من الأسماء والصفات إلا ما أطلقه هو على نفسه أو نبيّه عليه السلام أو جماعة المسلمين؛ وإن كان في اللغة محتملاً جائزاً. هذا هو الصحيح في هذا الباب، على ما بيّناه في (الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى). قال الله تعالى: {أية : لَقَدْ تَابَ الله عَلَىٰ ٱلنَّبِيِّ وَٱلْمُهَاجِرِينَ وَٱلأَنصَارِ}تفسير : [التوبة: 117]. وقال: {أية : هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} تفسير : [التوبة: 104]. وإنما قيل لله عز وجل: توّاب، لمبالغة الفعل وكثرة قبوله توبة عباده لكثرة من يتوب إليه. السابعة: اعلم أنه ليس لأحد قُدرة على خلق التّوبة؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بخلق الأعمال؛ خلافاً للمعتزلة ومَن قال بقولهم. وكذلك ليس لأحد أن يقبل توبة من أسرف على نفسه ولا أن يعفو عنه. قال علماؤنا: وقد كفرت اليهود والنصارى بهذا الأصل العظيم في الدِّين {أية : ٱتَّخَذُوۤاْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 31] جلّ وعزّ، وجعلوا لمن أذنب أن يأتي الحِبْرَ أو الراهب فيعطيه شيئاً ويحطّ عنه ذنوبه {أية : ٱفْتِرَاءً عَلَى ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ}تفسير : [الأنعام: 140]. الثامنة: قرأ ٱبن كَثير: {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ}. والباقون برفع «آدم» ونصب «كلمات». والقراءتان ترجعان إلى معنىً؛ لأن آدم إذا تلقّى الكلمات فقد تلقته. وقيل: لما كانت الكلمات هي المنقذة لآدم بتوفيق الله تعالى له لقبوله إياها ودعائه بها كانت الكلمات فاعلة، وكأن الأصل على هذه القراءة «فتلقّت آدمَ مِن ربه كلماتٌ»؛ لكن لمّا بعد ما بين المؤنث وفعله حَسُن حذف علامة التأنيث. وهذا أصل يجري في كل القرآن والكلامِ إذا جاء فعل المؤنث بغير علامة؛ ومنه قولهم: حضر القاضي اليوم ٱمرأة. وقيل: إن الكلمات لمّا لم يكن تأنيثه حقيقياً حُمِل على معنى الكَلِم، فذُكّر. وقرأ الأعمش: «آدمْ مِّن ربه» مدغماً. وقرأ أبو نَوفل بن أبي عقرب: «أنه» بفتح الهمزة، على معنى لأنه؛ وكسر الباقون على الاستئناف. وأدغم الهاء في الهاء أبو عمرو وعيسى وطلحة فيما حكى أبو حاتم عنهم. وقيل: لا يجوز؛ لأن بينهما واواً في اللفظ في الخط. قال النحاس: أجاز سيبويه أن تحذف هذه الواو، وأنشد:شعر : له زَجَلٌ كأنّهُ صَوْتُ حادٍ إذا طَلب الوَسِيقةَ أو زَميرُ تفسير : فعلى هذا يجوز الإدغام، وهو رفع بالابتداء. «التّواب» خبره، والجملة خبر «إنّ». ويجوز أن يكون «هو» توكيداً للهاء، ويجوز أن تكون فاصلة؛ على ما تقدّم. وقال سعيد بن جُبير: لما أُهبط آدم إلى الأرض لم يكن فيها شيء غير النَّسر في البر، والحوت في البحر، فكان النسر يأوي الى الحوت فيبيت عنده؛ فلما رأى النسر آدم قال: يا حوت، لقد أهبط اليوم إلى الأرض شيء يمشي على رجليه ويبطش بيديه! فقال الحوت: لئن كنتَ صادقاً مالي منه في البحر مَنْجى، ولا لك في البر منه مَخْلَص!
البيضاوي
تفسير : {فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} استقبلها بالأخذ والقبول والعمل بها حين علمها. وقرأ ابن كثير بنصب {ءادَمَ } ورفع الكلمات على أنها استقبلته وبلغته وهي قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا }تفسير : [الأعراف: 23] الآية، وقيل: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:يا رب ألم تخلقني بيدك، قال: بلى، قال: يا رب ألم تنفخ في الروح من روحك، قال: بلى، قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك، قال: بلى، قال: ألم تسكني جنتك، قال: بلى، قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة قال: نعم. وأصل الكلمة: الكلم، وهو التأثير المدرك بإحدى الحاستين السمع والبصر كالكلام والجراحة والحركة. {فَتَابَ عَلَيْهِ} رجع عليه بالرحمة وقبول التوبة، وإنما رتبه بالفاء على تلقي الكلمات لتضمنه معنى التوبة: وهو الإعتراف بالذنب والندم عليه والعزم على أن لا يعود إليه. وأكتفي بذكر آدم لأن حواء كانت تبعاً له في الحكم ولذلك طوي ذكر النساء في أكثر القرآن والسنن. {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ} الرجاع على عباده بالمغفرة، أو الذي يكثر إعانتهم على التوبة، وأصل التوبة: الرجوع، فإذا وصف بها العبد كان رجوعاً عن المعصية، وإذا وصف بها الباري تعالى أريد بها الرجوع عن العقوبة إلى المغفرة. {ٱلرَّحِيمُ} المبالغ في الرحمة، وفي الجمع بين الوصفين، وعد للتائب بالإحسان مع العفو.
ابن كثير
تفسير : قيل: إن هذه الكلمات مفسرة بقوله تعالى: {أية : قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 23] وروي هذا عن مجاهد وسعيد بن جبير وأبي العالية والربيع بن أنس والحسن وقتادة ومحمد بن كعب القرظي وخالد بن معدان وعطاء الخراساني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وقال أبو إسحاق السبيعي عن رجل من بني تميم قال: أتيت ابن عباس، فسألته ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال: علم شأن الحجـ وقال سفيان الثوري عن عبد العزيز بن رفيع، أخبرني من سمع عبيد بن عمير، وفي رواية قال: أخبرني مجاهد عن عبيد بن عمير، أنه قال: قال آدم: يا رب خطيئتي التي أخطأت شيء كتبته علي قبل أن تخلقني، أو شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال: «بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك» قال: فكما كتبته علي فاغفر لي، قال: فذلك قوله تعالى: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} وقال السدي عمن حدثه عن ابن عباس: فتلقى آدم من ربه كلمات، قال: قال آدم عليه السلام: يا رب ألم تخلقني بيدك؟ قيل له: بلى، ونفخت فيّ من روحك؟ قيل له: بلى، وعطست، فقلت: يرحمك الله، وسبقت رحمتك غضبك؟ قيل له: بلى، وكتبت علي أن أعمل هذا؟ قيل له: بلى، قال: أرأيت إن تبت هل أنت راجعي إلى الجنة؟ قال: نعم. وهكذا رواه العوفي وسعيد بن جبير وسعيد بن معبد عن ابن عباس بنحوه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن جبير عن ابن عباس، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وهكذا فسره السدي وعطية العوفي. وقد روى ابن أبي حاتم ههنا حديثاً شبيهاً بهذا، فقال: حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن الحسن عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قال آدم عليه السلام: أرأيت يا رب إن تبت ورجعت، أعائدي إلى الجنة؟ »تفسير : قال: نعم، فذلك قوله: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وفيه انقطاع. وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، قال: إن آدم لما أصاب الخطيئة، قال: أرأيت يا رب إن تبت وأصلحت؟ قال الله: إذاً أدخلك الجنة، فهي الكلمات. ومن الكلمات أيضاً: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 23] وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه كان يقول في قول الله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه، قال: كلمات: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التواب الرحيم. وقوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} أي: إنه يتوب على من تاب إليه وأناب؛ كقوله {أية : أَلَمْ يَعْلَمُوۤاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} تفسير : [التوبة: 104] وقوله: {أية : وَمَن يَعْمَلْ سُوۤءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ}تفسير : [النساء: 110] الآية، وقوله: {أية : وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً}تفسير : [الفرقان: 71] وغير ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى يغفر الذنوب، ويتوب على من يتوب، وهذا من لطفه بخلقه ورحمته بعبيده، لا إله إلا هو التواب الرحيم. قوله تعالى: { قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } يقول تعالى مخبراً عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين أهبطهم من الجنة، والمراد الذرية، أنه سينزل الكتب، ويبعث الأنبياء والرسل؛ كما قال أبو العالية: الهدى: الأنبياء والرسل والبينات والبيان. وقال مقاتل بن حيان: الهدى: محمد صلى الله عليه وسلم وقال الحسن: الهدى: القرآن، وهذان القولان صحيحان، وقول أبي العالية أعم {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ} أي: من أقبل على ما أنزلت به الكتب، وأرسلت به الرسل {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} أي: فيما يستقبلونه من أمر الآخرة {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما فاتهم من أمور الدنيا؛ كما قال في سورة طه: {أية : قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَاىَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 123] قال ابن عباس: فلا يضل في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة {أية : وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيـٰمَةِ أَعْمَىٰ} تفسير : [طه: 124] كما قال ههنا: { وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} أي: مخلدون فيها، لا محيد لهم عنها ولا محيص. وقد أورد ابن جرير ههنا حديثاً ساقه من طريقين عن أبي سلمة سعيد بن يزيد عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قطعة عن أبي سعيد، واسمه سعد بن مالك بن سنان الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أما أهل النار الذين هم أهلها، فلا يموتون فيها، ولا يحيون. ولكن أقوام أصابتهم النار بخطاياهم، فأماتتهم إماتة، حتى إذا صاروا فحماً، أُذن في الشفاعة»تفسير : وقد رواه مسلم من حديث شعبة عن أبي سلمة به. وذكر هذا الإهباط الثاني لما تعلق به ما بعده من المعنى المغاير للأول، وزعم بعضهم: أنه تأكيد وتكرير، كما يقال: قم قم، وقال آخرون: بل الإهباط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض، والصحيح الأول، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمٰتٍ } ألهمه إيَّاها وفي قراءة بنصب (آدم) ورفع (كلمات) أي جاءه وهي { أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا }تفسير : [ 23:7] الآية فدعا بها {فَتَابَ عَلَيْهِ } قَبِلَ توبته {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ } على عباده {ٱلرَّحِيمُ } بهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجلَّ: {فَتَلَّقى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلَمَاتٍ فَتابَ عَلَيْهِ}: أما "الكلام" فمأخوذ من التأثير، لأن له تأثيراً في النفس بما يدلُّ عليه من المعاني؛ ولذلك سُمِّيَ الجُرْحُ كَلْماً لتَأْثِيره في البدن، واللفظُ مشتق من قولك: لفظت الشيء، إذا أخْرجْتَهُ من قلبك. واختُلِفَ في الكلمات التي تلقَّاها آدم من ربِّه على ثلاثة أقاويل: أحدها: قوله: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُوْنَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 23] وهذا قول الحسن، وقتادة، وابن زيد. والثاني: قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، ربِّ إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، إنِّي ظلمت نفسي، فتُب عليَّ، إِنَّك أنت التوابُ الرحيم، وهذا قول مجاهد. والثالث: أن آدم قال لربِّه إذ عصاه: ربِّ أرأيت إن تبت وأصلحت؟ فقال ربُّه: إني راجعك إلى الجنَّةِ، وكانت هي الكلمات التي تلقاها من ربه، وهذا قول ابن عباسٍ. قوله عز وجل: {فَتَابَ عَلَيْهِ}، أي قبل توبته، والتوبةُ الرجوع، فهي من العبد رجوعه عن الذنب بالندم عليه، والإقلاع عنه، وهي من الله تعالى على عبده، رجوع له إلى ما كان عليه. فإن قيل: فِلمَ قال: {فَتَابَ عَلَيْهِ}، ولم يقُلْ: فتابَ علَيْهِما، والتوبة قد توجهت إليهما؟ قيل: عنه جوابان: أحدهما: لما ذكر آدم وحده بقوله: {فَتَلَّقى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ}، ذكر بعده قبول توبته، ولم يذكر توبة حوَّاء وإن كانت مقبولة التوبة، لأنه لم يتقدم ذكرها. والثاني: أن الاثنين إذا كان معنى فعلهما واحداً، جاز أن يذكرَ أحدهما، ويكونَ المعنى لهما، كما قال تعالى: {أية : وَإذَا رَأَوا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا}، تفسير : [الجمعة: 11] وكما قال عز وجل: {أية : وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة: 62]. قوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}، أي الكثيرُ القبولِ للتوبةِ، وعقَّبه بالرحمة، لئلا يخلِّيَ الله تعالى عباده من نِعَمِهِ. وقال الحسن: لم يخلق الله تعالى آدم إلا للأرض، فلو لم يعص لخرج على غير تلك الحال، وقال غيره: يجوز أن يكون خَلَقَهُ للأرض إن عَصَى، ولغيرها إن لم يعصِ. ولم يُخْرجِ اللهُ تعالى آدمَ من الجنة ويُهْبِطهُ على الأرض عقوبةً، لأمرين: أحدهما: أن ذنبه كان صغيراً. والثاني: أنه أُهْبِطَ بعد قبول توبته. وإنما أُهْبِطَ لأحد أمرين: إِمَّا تأديباً، وإمَّا تغليظاً للمحنة.
ابن عطية
تفسير : المعنى: فقال الكلمات فتاب الله عليه عند ذلك، و {آدمُ} رفع بـ"تلقى"، و {كلمات} نصب بها، والتلقي من آدم هو الإقبال عليها والقبول لها والفهم. وحكى مكي قولاً: أنه أُلهِمَهاها فانتفع بها. وقرأ ابن كثير: "آدمَ" بالنصب. "من ربه كلماتٌ" بالرفع، فالتلقي من الكلمات هو نيل آدم بسببها رحمة الله وتوبته. واختلف المتأولون في الكلمات، فقال الحسن بن أبي الحسن: هي قوله تعالى: {أية : ربنا ظلمنا أنفسنا} تفسير : الآية [الأعراف: 23]. وقال مجاهد: "هي أن آدم قال: سبحانك اللهم لا إله أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت التواب الرحيم". وقال ابن عباس: "هي أن آدم قال: أي رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى، قال: أي رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال بلى، أي رب ألم تسكني جنتك؟ قال: بلى. قال: أرأيت إن تبت وأطعت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم". قال عبيد بن عمير: "إن آدم قال: أي رب أرأيت ما عصيتك فيه أشيء كتبته على أم شيء ابتدعته؟ قال: بل شيء كتبته عليك. قال: أي رب كما كتبته علي فاغفر لي". وقال قتادة: "الكلمات هي أن آدم قال: أي رب أرأيت إن أنا تبت وأصلحت؟ قال: إذاً أدخلك الجنة". وقالت طائفة: إن المراد بالكلمات ندمه واستغفاره وحزنه، رسول الله "فتشفع بذلك، فهي الكلمات". وقالت طائفة: "إن المراد بالكلمات ندمه واستغفاره وحزنه، وسماها كلمات مجازاً لما هي في خلقها صادرة عن كلمات، وهي كن في كل واحدة منهن، وهذا قول يقتضي أن آدم لم يقل شيئاً إلا الاستغفار المعهود". وسئل بعض سلف المسلمين عما ينبغي أن يقوله المذنب، فقال: يقول ما قال أبواه، {ربنا ظلمنا أنفسنا}. وما قال موسى: {أية : رب إنّي ظلمت نفسي فاغفر لي} تفسير : [القصص: 16]. وما قال يونس: {أية : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} تفسير : [الأنبياء: 87]. و {تاب عليه} معناه رجع به، والتوبة من الله تعالى الرجوع على عبده بالرحمة والتوفيق، والتوبة من العبد الرجوع عن المعصية والندم على الذنب مع تركه فيما يستأنف وإنما خص الله تعالى آدم بالذكر هنا في التلقي والتوبة، وحواء مشاركة له في ذلك بإجماع لأنه المخاطب في أول القصة بقوله: {اسكن أنت وزوجك الجنة} فلذلك كملت القصة بذكره وحده، وأيضاً فلأن المرأة حرمة ومستورة فأراد الله الستر لها، ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله: {أية : وعصى آدم ربه فغوى} تفسير : [طه: 121]. وروي أن الله تعالى تاب على آدم في يوم عاشوراء. وكنية آدم أبو محمد، وقيل أبو البشر. وقرأ الجمهور: "إنه" بكسر الألف على القطع. وقرأ ابن أبي عقرب: "أنه" بفتح الهمزة على معنى لأنه، وبنية {التواب} للمبالغة والتكثير، وفي قوله تعالى: {إنه هو التواب الرحيم} تأكيد فائدته أن التوبة على العبد إنما هي نعمة من الله، لا من العبد وحده لئلا يعجب التائب، بل الواجب عليه شكر الله تعالى في توبته عليه، وكرر الأمر بالهبوط لما علق بكل أمر منهما حكماً غير حكم الآخر، فعلق بالأول العداوة، وعلق بالثاني إتيان الهدى. وقيل: كرر الأمر بالهبوط على جهة تغليظ الأمر وتأكيده، كما تقول لرجل قم قم. وحكى النقاش: أن الهبوط الثاني إنما هو من الجنة إلى السماء، والأول في ترتيب الآية إنما هو إلى الأرض، وهو الآخر في الوقوع، فليس في الأمر تكرار على هذا، و {جميعاً} حال من الضمير في {اهبطوا}، وليس بمصدر ولا اسم فاعل، ولكنه عوض منهما دال عليهما، كأنه قال هبوطاً جميعاً، أو هابطين جميعاً، واختلف في المقصود بهذا الخطاب، فقيل آدم وحواء وإبليس وذريتهم، وقيل ظاهره العموم ومعناه الخصوص في آدم وحواء، لأن إبليس لا يأتيه هدى، وخوطبا بلفظ تشريفاً لهما، والأول أصح لأن إبليس مخاطب بالإيمان بإجماع، و "إنْ" في قوله {فإمّا} هي للشرط دخلت ما عليها مؤكدة ليصح دخول النون المشددة، فهي بمثابة لام القسم التي تجيء لتجيء النون، وفي قوله تعالى: {مني} إشارة إلى أن أفعال العباد خلق لله تعالى. واختلف في معنى قوله {هدى}، فقيل: بيان وإرشاد. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والصواب أن يقال: بيان ودعاء. وقالت فرقة: الهدى الرسل، وهي إلى آدم من الملائكة وإلى بنيه من البشر: هو فمن بعده. وقوله تعالى: {فمن تبع هداي} شرط جوابه فلا خوف عليهم. قال سيبويه، الشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول في قوله: {فإما يأتينكم}. وحكي عن الكسائي أن قوله: {فلا خوف عليهم} جواب الشرطين جميعاً. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: حكي هذا وفيه نظر، ولا يتوجه أن يخالف سيبويه هنا، وإنما الخلاف في نحو قوله تعالى: {أية : فأما إن كان من المقربين فروح وريحان} تفسير : [الواقعة: 89]. فيقول سيبويه: "جواب أحد الشرطين محذوف لدلالة قوله: (فروح) عليه" ويقول الكوفيون: "فروح جواب الشرطين". قال القاضي أبو محمد: وأما في هذه الآية فالمعنى يمنع أن يكون {فلا خوف} جَواباً للشرطين. وقرأ الجحدري وابن أبي إسحاق: {هدى} وهي لغة هذيل. قال أبو ذؤيب يرثي بنيه: [الكامل]. شعر : سبقوا هويَّ وأعنقوا لهواهُم فتخرموا، ولكل جنبٍ مصرع تفسير : وكذلك يقولون عصى وما أشبهه، وعلة هذه اللغة أن ياء الإضافة من شأنها أن يكسر ما قبلها، فلما لم يصح في هذا الوزن كسر الألف الساكنة أبدلت ياء وأدغمت. وقرأ الزهري ويعقوب وعيسى الثقفي: "فلا خوفَ عليهم" نصب بالتبرية ووجهه أنه أعم وأبلغ في رفع الخوف، ووجه الرفع أنه أعدل في اللفظ لينعطف المرفوع من قولهم {يحزنون} على مرفوع، "ولا" في قراءة الرفع عاملة عمل ليس. وقرأ ابن محيصن باختلاف عنه "فلا خوفُ" بالرفع وترك التنوين وهي على أن تعمل "لا" عمل ليس، لكنه حذف التنوين تخفيفاً لكثرة الاستعمال، ويحتمل قوله تعالى: {لا خوف عليهم} أي فيما بين أيديهم من الدنيا، {ولا هم يحزنون} على ما فاتهم منها، ويحتمل أن {لا خوف عليهم} يوم القيامة، {ولا هم يحزنون} فيه، ويحتمل أن يريد أنه يدخلهم الجنة حيث لا خوف ولا حزن. وقوله تعالى: {والذين كفروا} الآية، عطف جملة مرفوعة على جملة مرفوعة، وقال {وكذبوا} وكان في الكفر كفاية لأن لفظة كفرا يشترك فيها كفر النعم وكفر المعاصي، ولا يجب بهذا خلود فبين أن الكفر هنا هو الشرك، بقوله {وكذبوا بآياتنا} والآية هنا يحتمل أن يريد المتلوة، ويحتمل أن يريد العلامة المنصوبة، وقد تقدم في صدر هذا الكتاب القول على لفظ آية، و {أولئك} رفع بالابتداء و {أصحاب} خبره، والصحبة الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمن ما، فإن كانت الملازمة والخلطة فهو كمال الصحبة، وهكذا هي صحبة أهل النار لها، وبهذا القول ينفك الخلاف في تسمية الصحابة رضي الله عنهم إذ مراتبهم متباينة، أقلها الاقتران في الإسلام والزمن، وأكثرها الخلطة والملازمة، و{هم فيها خالدون}، ابتداء وخبر في موضع الحال.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَلِمَاتٍ} الكلام من التأثير، لتأثيره في النفس بما يدل عليه من المعاني، والجرح كلم لتأثيره في الجسد. والكلمات قوله ـ تعالى ـ: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ}تفسير : الآية [الأعراف: 23] أو قول آدم صلى الله عليه وسلم لربه تبارك وتعالى "أرأيت إن تبت وأصلحت" فقال: إني راجعك إلى الجنة، أو قوله: " لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ربي إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربي إني ظلمت نفسي فارحمني إنك خير الراحمين، اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، ربي إني ظلمت نفسي فتب عليَّ إنك أنت التواب الرحيم" {فَتَابَ عَلَيْهِ} توبة العبد الرجوع عن المعصية، وتوبة الرب عليه قبول ذلك، ورجوعه له إلى ما كان عليه، والتوبة واجبة عليه وعلى حواء، وأفرد بالذكر، لقوله تعالى {فَتَلَقَّى ءَادَمُ} أفرده بالذكر فرد الإضمار إليه، أو استغنى بذكر أحدهما عن الآخر لاشتراكهما في حكم واحد {أية : وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}تفسير : [التوبة: 62] {انفَضُّوَاْ إِلَيْهَا} {التَّوَّابُ} الكثير القبول للتوبة. {الرَّحِيمُ} الذي لا يخلي عباده من نعمه. ولم يهبط عقوبة، لأن ذنبه صغير، وهبوطه وقع بعد قبول توبته، وإنما أُهبط تأديباً، أو تغليظاً للمحنة. الحسن "خلق آدم للأرض، فلو لم يعص لخرج على غير تلك الحال" أو يجوز أن يخلق لها إن عصى ولغيرها إن لم يعص.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ...}. معطوف على قلنا: والفاء للتعقيب أي (يعقب) إن قلنا له ذلك تلقّى فهي إشارة إلى سرعة إلهام الله تعالى له المبادرة بالتوبة. قال ابن عطية: تلقاها إما بإقباله عليها أو إلهامه إليها. قال ابن عرفة: والإلهام إما حضور ذلك (بباله) من (غير) تكلّف نظر أو علمه بها بعد تكلّف النّظر. قال: والتفعل يقتضي إمّا (تكلف) الفعل بمشقة وإما للتَّناهِي إلى أعلى درجاته وهو هنا يحتمل الأمرين وتقدم المجرور للتشريف. وقرأ ابن كثير: "آدَمَ" بالنّصب "وكَلِمَاتٌ" بالرفع. قال ابن عرفة: قراءة الجماعة بالرّفع ظاهرة لأنه هو فاعل التلقي (فكلفه) التلقي والقصد إليه و(إمعان) النظر (فيه ظاهر)، وأمّا قراءة ابن كثير فتقتضي أن آدم عليه السلام أتاه التلقي هجما من غير نظر، فيمكن (فهمه) على أنه أتته أَوَائِل درجات النظر بالبديهة لأن المعقولات فرع المحسوسات، فأول درجات النظر مدرك معلوم بالبديهة لا يفتقر إلى تقدم شيء قبله (لئلا) يلزم عليه التسلسل، وتنكير "كلمات" للتشريف والتعظيم كما قال الزمخشري في قوله تعالى: {أية : وَٱلْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ} تفسير : وقال: نكّرت لأنّها معيّنات معلومات فرد عليه/ بمنافاة التنكير للتعيين. وأجيب بأنها لشرفها وعظمها صارت معلومات في الذهن فلم تحتج إلى تعريف وكذلك هنا. قوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تنبيه على أن توبته (لا تخص آدم) بل توبته ورحمته عامة.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالَىٰ: {فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ }: المعنى: فقال الكلماتِ، فتابَ اللَّه علَيْه عنْد ذلك، وقرأ ابن كثير «آدَمَ» بالنصب «مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ» بالرفع، واختلف المتأوِّلون في الكلماتِ، فقال الحسنُ بن أبي الحسن: هي قوله تعالَىٰ: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا...}تفسير : الآية [الأعراف:23]، وقالت طائفة: إِنَّ آدم رأى مكتوباً على ساق العرش: محمَّدٌ رسُولُ اللَّهِ، فتشفَّع به، فهي الكلماتُ، وسئل بعض سَلَفِ المسلمين عمَّا ينبغي أن يقوله المُذْنِبُ، فقال: يقول ما قاله أبواه: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا }تفسير : [الأعراف:23] وما قاله موسى: { أية : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي } تفسير : [القصص:16] وما قال يونس: {أية : لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَـٰنَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } تفسير : [الأنبياء:87] وتَابَ عَلَيْهِ: معناه: راجعٌ به، والتوبةُ من اللَّه تعالى الرجوعُ على عبده بالرحمةِ والتوفيقِ، والتوبةُ من العبد الرجوعُ عن المعصيةِ، والندمُ على الذنب، مع تركه فيما يستأنف. * ت *: يعني: مع العزم على تركه فيما يستقبل، وإنما خص اللَّه تعالَىٰ آدم بالذكْرِ في التلقِّي، والتوبة، وحواءُ مشارِكَةٌ له في ذلك بإجماع؛ لأنه المخاطَبُ في أول القصَّة، فكملت القصة بذكُره وحْدَه؛ وأيضاً: فَلأَنَّ المرأة حُرْمَةٌ ومستورةٌ، فأراد اللَّه تعالَى السِّتْر لها؛ ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله: {أية : وَعَصَىٰ ءادَمُ رَبَّهُ } تفسير : [طه:121] وبنية التَّوَّاب للمبالغة والتكثير، وفي قوله تعالَىٰ: {هُوَ ٱلتَّوَّابُ} تأكيدٌ فائدتُهُ أنَّ التوبة على العبد إنما هي نعمة من اللَّه تعالى، لا من العبد وحده؛ لئلاَّ يعجب التائبُ، بل الواجب عليه شكر اللَّه تعالَىٰ في توبته عليه، وكرر الأمر بالهبوط لما علَّق بكل أمر منهما حكمًا غير حكم الآخر، فعلَّق بالأول العداوة، وبالثاني إتيان الهدَىٰ. * ت *: وهذه الآية تبين أن هبوط آدم كان هبوط تَكْرِمَةٍ؛ لما ينشأ عن ذلك من أنواع الخيرات، وفنون العباداتِ. و {جَمِيعاً}: حالٌ من الضمير في «ٱهْبِطُواْ»، واختلف في المقصود بهذا الخطاب. فقيل: آدم، وحواء، وإبليس، وذريَّتهم، وقيل: ظاهره العموم، ومعناه الخصوص في آدم وحواء؛ لأن إبليس لا يأتيه هُدًى، والأول أصح؛ لأن إبليس مخاطَبٌ بالإيمان بإجماع. «وإِنْ» في قوله: {فَإِمَّا } هي للشرط، دخلت «مَا» عليها مؤكِّدة؛ ليصح دخول النون المشدَّدة، واختلف في معنى قوله: {هُدًى} فقيل: بيان وإرشاد، والصواب أن يقال: بيان ودعاءٌ، وقالت فرقة: الهُدَى الرسُلُ، وهي إلى آدم من الملائكة، وإلى بنيه من البشر هو فَمَنْ بعده. وقوله تعالَىٰ: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ}: شرطٌ، جوابه: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}، قال سيبوَيْهِ: والشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول في قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم }. وقوله تعالى: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ }: يحتمل فيما بين أيديهم من الدنيا، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما فاتهم منها، ويحتمل: {لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } يوم القيامة، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} فيه. * ت *: وهذا هو الظاهر، وعليه اقتصر في اختصار الطبريِّ، ولفظه عن ابن زيد: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ }، أي: لا خوف عليهم أمامهم، قال: وليس شيء أعظم في صدر من يموت مما بعد الموتِ؛ فأمَّنهم سبحانه منْه، وسَلاَّهم عن الدنيا. انتهى.
ابن عادل
تفسير : الفاء في قوله: "فتلقى" عاطفة لهذه الجملة على ما قبلها، و "تلقى" "تفعل" من اللِّقَاء بمعنى المجرّد. وله معانٍ أخر: مطاوعة "فعل" نحو: "كسرته فتكسر". والتجنب نحو: "تجنب" أي: جانب الجَنْبَ. والتكلّف نحو: تحلّم. والصيرورة: تأَلَّم. والاتخاذُ: نحو: تَبَنَّيْتُ الصبي، أي: اتخذته ابناً. ومُوَاصلة العمل في مُهْلَة نحو، تجرّع وتفهم. ومُوَافقة استفعل نحو: تكبر. والتوقُّع نحو: تخوّف. والطَّلب نحو: تنجّز حاجته. والتكثير نحو: تغطَّيت بالثياب. والتلبُّس بالمُسَمَّى المُشْتَقّ منه نحو: تقمّص، أو العمل فيه نحو: تسحّر. والختل: نحو: تغفلته. وزعم بعضهم أن أصل "تَلَقَّى": "تَلَقَّنَ" بالنون فأبدلت النون ألفاً، وهذا غلط؛ لأن ذلك إنما ورد في المضعّف نحو "قَصَّيْتُ أظَافري" و "تَظَنَّيْتُ" و "أمليت الكتاب" في "قَصَصْتُ" و "تَظَنَّنْتُ"، و"أمْلَلْتُ" فأحد الحرفين إنما يقلب ياء إذا تجانسا. قال القَفَّال: أصل التلقِّي هو التعرُّض للقاء، ثم وضع في موضع الاستقبال للمتلقِّي، ثم يوضع القبول والأخذ، قال تعالى: {أية : وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلْقُرْءَانَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} تفسير : [النمل:6] ويقال: خرجنا نتلقى [الحاجَّ]، أي: نستقبلهم، وكان - عليه الصَّلاة والسَّلام - يتلقّى الوحي، أي: يستقبله ويأخذه. وإذا كان هذا أصل الكلمة، وكان من تلقى رجلاً فتلاقيا لقي كل واحد صاحبه، فأضيف الاجتماع إليهما معاً صلح أن يشتركا في الوَصْفِ بذلك، فجاز أن يقال: تلقَّى آدمَ بالنَّصب على معنى جاءته عن الله - تعالى - كلمات، و "من ربه" متعلّق بـ "تلقى"، و "من" لابتداء الغاية مجازاً. وأجاز أبو البَقَاءِ أن يكون في الأصل صفة لـ "كلمات" فلما قدم انتصب حالاً، فيتعلّق بمحذوف، و "كلمات" مفعول به. وقرأ "ابن كثير" بنصب "آدم"، ورفع "كلمات"، وذلك أن مَنْ تلقَّاك فقد تلقيته، فتصبح نسبة الفعل إلى كلّ واحد. وقيل: لما كانت الكلمات سبباً في توبته جعلت فاعلة، ولم يؤنث الفعل على هذه القراءة وإن كان الفاعل مؤنثاً؛ لأنه غير حقيقي، وللفصل أيضاً، وهذا سبيل كل فعلٍ فصل بينه وبين فاعله المؤنّث بشيء، أو كان الفاعل مؤنثاً مجازياً. فصل في الكلمات التي دعا بها آدم ربه اختلفوا في تلك الكلمات ما هي؟ فروى "سعيد بن جبير" رضي الله عنه أن آدم - عليه الصَّلاة والسَّلام - قال: يا ربّ ألم تخلقني بِيَدِكَ بلا وَاسِطَةٍ؟ قال: بلى، قال: يا رب أَلَمْ تنفخ فِيَّ من رُوحِكَ؟ قال: بلى. قال: ألم تُسْكني جنتك؟ قال: بلى. قال: يا ربّ ألم تسبق رحمتك غَضَبَك؟ قال: بلى. قال يا رب إن تُبْتُ وأصلحت تردّني إلى الجنة؟ قال: بلى. فهو قوله: {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ}. وزاد السّدى فيه: يا ربّ هل كنت كتبت علي ذنباً؟ قال: نعم. وقال النَّخعي: أتيت ابن عباس فقلت: ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال: علّم الله آدم وحواء أمر الحجّ فحجا، وهي الكلمات التي تقال في الحَجّ، فلما فرغا من الحجّ أوحى الله - تعالى - إليهما قبلت توبتكما. وروي عن ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، والضحاك، ومجاهد، وقتادة في قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 23]، وعن مجاهد أيضاً: "سبحانك اللَّهم لا إله إلاَّ أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم". وقالت طائفة: رأي مكتوباً على ساق العرش: محمد رسول الله، فتشفّع بذلك. وعن ابن عباس، ووهب بن منبّه أن الكلمات سبحانك اللَّهم وبحمدك، لا إله إلا أنت عملت سُوءاً، وظلمت نفسي [فاغفر لي إنك خير الغافرين، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت عملت سُوءاً، وظلمت نفسي] فتب عليّ إنك أنت التَّوَّاب الرحيم. قالت عائشة رضي الله عنها: لما أراد الله أن يَتُوبَ على آدم، وطاف بالبيت سبعاً - والبيت حينئذ ربوة حمراء - فلما صلّى ركعتين استقبل البيت، وقال: "حديث : اللَّهم إنك تعلم سرِّي وعلانيتي، فأقبل مَعْذِرَتِي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي، اللَّهُمّ إني أسألك إيماناً يُبَاشِرُ قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لن يصيبني إلاَّ ما كتبت لي ورضّني بما قسمت لي" تفسير : فأوحى الله - تعالى - إلىَ آدم يا آدم قد غفرت لك ذنوبك، ولن يأتي أحد من ذريّتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني إلاَّ غفرت ذنبه، وكشفت هُمُومه وغمومه، ونزعت الفَقْرَ من عينيه، وجاءته الدُّنيا وهو لا يريدها. قوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ} عطف على ما قبله، ولا بُدَّ من تقدير جملة قبلها أي: فقالها. و "الكلمات" جمع "كلمة" وهي: اللَّفظ الدَّالّ على معنى مفرد، وتطلق على الجمل المفيدة مجازاً تسمية للكلّ باسم الجزء كقوله تعالى: {أية : إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ} تفسير : [آل عمران: 64] ثم فسرها بقوله: {أية : أَلاَّ نَعْبُدَ} تفسير : [آل عمران: 64] إلى آخر الآية، وقال: {أية : كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ} تفسير : [المؤمنون: 100] يريد قوله: {أية : رَبِّ ٱرْجِعُونِ} تفسير : [المؤمنون: 99] إلى آخره، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أَصْدَقُ كلمةٍ قالها شَاعِرٌ كلمة لَبِيد" تفسير : وهو قوله: [الطويل] شعر : 410- أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ وَكُلُّ نَعِيمٍ لاَ مَحَالَةَ زَائِلُ تفسير : فسمى هذا البيت كلمةً، والتوبة: الرجوع، ومعنى وصف الله - تعالى - بذلك أنه عبارةٌ عن العَطْفِ على عباده، وإنقاذهم من العذاب. وقيل: قبول توبته. وقيل: خلقه الإنابة والرجوع في قلب المسمى، وآخر الطَّاعات على جَوَارحه، ووصف العَبْدِ بها ظاهر؛ لأنه يرجع عن المعصية إلى الطاعة. و"التواب الرحيم" صفتا مُبَالغة، ولا يختصَّان بالباري تعالى. قال تعالى: {أية : يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ} تفسير : [البقرة: 222]، ولا يطلق عليه "تائب"، وإن صرح بفعله مسند إليه تعالى. وقدم "التواب" على "الرحيم" لمناسبة "فتاب عليه"، ولأنه مناسب لختم الفواصل بالرحيم. وقوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} نظير قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [البقرة: 32]. وأدغم أبو عمرو هاء "إنَّه" في هاء "هُوَ"، واعترض على هذا بأنّ بين المثلين ما يمنع من الإدغام وهو "الواو"؛ وأجيب: بأن "الواو" وُصْلَةٌ زائدةٌ لا يعتدّ بها؛ بدليل سقوطها في قوله: [الوافر] شعر : 411- لَهُ زَجلٌ كَأَنَّهُ صَوْتُ حَادٍ إذَا طَلَبَ الوَسِيقَةَ أَوْ زَمِيرُ تفسير : وقوله: [البسيط] شعر : 412- أوْ مُعْبَرُ الظَّهْرِ يُنْبِي عَنْ وَلِيَّتِهِ مَا حَجَّ رَبَّهُ في الدُّنْيَا وَلاَ اعْتَمَرَا تفسير : والمشهور قراءة "إنه" بكسر "إن"، وقرىء بفتحها على تقدير لام العلّة، وقرأ الأعمش: "آدَم مِّنْ رَبِّهِ" مدغماً. فصل في نظم الآية قوله: "فتاب عليه" أي: قبل توبته، أو وفقه للتوبة، وكان ذلك في يوم عاشوراء في يوم الجُمُعة. فإن قيل: لم قال "عليه" ولم يقل: "عليهما"، وحواء مُشَاركة له في الذنب. فالجواب: أنها كانت تبعاً له كما طوى حكم النِّسَاء في القرآن والسُّنة. وقيل: لأنه خصّه بالذكر في أوّل القصّة بقوله: {أية : ٱسْكُنْ} تفسير : [البقرة: 35]، فكذلك خصّه بالذكر في التلقّي. وقيل: لأن المرأة حرمة ومستورةٌ، فأراد الله السّتر بها، ولذلك لم يذكرها في القصّة في قوله: {أية : وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ} تفسير : [طه: 121].
السيوطي
تفسير : أخرج الطبراني في المعجم الصغير والحاكم وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل وابن عساكر عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه، رفع رأسه إلى السماء فقال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي؟ فأوحى الله إليه: ومن محمد؟ فقال: تبارك اسمك. لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب "لا إله إلا الله محمد رسول الله" فعلمت أنه ليس أحد أعظم عندك قدراً ممن جعلت اسمه مع اسمك. فأوحى الله إليه: يا آدم انه آخر النبين من ذريتك، ولولا هو ما خلقتك ". تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في التوبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {فتلقى آدم من ربه كلمات} قال: أي رب ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: أي رب ألم تنفخ فيّ من روحك؟ قال: بلى. قال: أي رب ألم تسبق إلي رحمتك قبل غضبك؟ قال: بلى. قال: أي رب أرأيت إن تبت وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم. وأخرج الطبراني في الأوسط وابن عساكر بسند ضعيف عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لما أهبط الله آدم إلى الأرض قام وجاء الكعبة فصلى ركعتين، فألهمه الله هذا الدعاء: اللهم إنك تعلم سري وعلانيتي فاقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنبي. اللهم أسألك إيماناً يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي، وأرضني بما قسمت لي، فأوحى الله إليه: يا آدم قد قبلت توبتك، وغفرت ذنبك، ولن يدعوني أحد بهذا الدعاء إلا غفرت له ذنبه، وكفيته المهم من أمره، وزجرت عنه الشيطان، واتجرت له من وراء كل تاجر، وأقبلت إليه الدنيا راغمة وإن لم يردها ". تفسير : وأخرج الجندي والطبراني وابن عساكر في فضائل مكة عن عائشة قالت: لما أراد الله أن يتوب على آدم أذن له فطاف بالبيت سبعاً ـ والبيت يومئذ ربوة حمراء ـ فلما صلى ركعتين قام استقبل البيت وقال: اللهم إنك تعلم سريرتي وعلانيتي فاقبل معذرتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي. اللهم إني أسألك إيماناً يباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي، والرضا بما قسمت لي. فأوحى الله إليه: إني قد غفرت ذنبك، ولن يأتي أحد من ذريتك يدعوني بمثل ما دعوتني إلا غفرت ذنوبه، وكشفت غمومه وهمومه، ونزعت الفقر من بين عينيه، واتجرت له من وراء كل تاجر، وجاءته الدنيا وهي راغمة وإن كان لا يريدها. وأخرج الأزرقي في تاريخ مكة والطبراني في الأوسط والبيهقي في الدعوات وابن عساكر بسند لا بأس به عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أهبط الله آدم إلى الأرض طاف بالبيت أسبوعاً، وصلى حذاء البيت ركعتين ثم قال: اللهم أنت تعلم سري وعلانيتي فأقبل معذرتي، وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي، وتعلم ما عندي فاغفر لي ذنوبي. أسألك إيماناً يباهي قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي، ورضّني بقضائك. فأوحى الله إليه: يا آدم إنك دعوتني بدعاء فاستجبت لك فيه، ولن يدعوني به أحد من ذريتك إلا استجبت له، وغفرت له ذنبه، وفرجت همه وغمه، واتجرت له من وراء كل تاجر، وأتته الدنيا راغمة وإن كان لا يريدها ". تفسير : وأخرج وكيع وعبد بن حميد وأبو الشيخ في العظمة وأبو نعيم في الحلية عن عبيد بن عمير الليثي قال: قال آدم: يا رب أرأيت ما أتيت أشيء كتبته عليّ قبل أن تخلقني أو شيء ابتدعته على نفسي؟ قال: بلى شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك قال: يا رب فكما كتبته علي فاغفره لي. فذلك قوله {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم}. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن قتادة في قوله {فتلقى آدم من ربه كلمات} قال: ذكر لنا أنه قال: يا رب أرأيت إن تبت وأصلحت؟ قال: فإني إذن أرجعك إلى الجنة {أية : قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}تفسير : [الأعراف: 23] فاستغفر آدم ربه وتاب إليه فتاب عليه. وأما عدو الله إبليس فوالله ما تنصل من ذنبه، ولا سأل التوبة حين وقع بما وقع به، ولكنه سأل النظرة إلى يوم الدين، فأعطى الله كل واحد منهما ما سأل. وأخرج الثعلبي من طريق عكرمة عن ابن عباس في قوله {فتلقى آدم من ربه كلمات} قال: قوله {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}. وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس في قوله {فتلقى آدم من ربه كلمات} قال هو قوله {ربنا ظلمنا أنفسنا...} الآية. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن محمد بن كعب القرظي في قوله {فتلقى آدم من ربه كلمات} قال: هو قوله {ربنا ظلمنا أنفسنا...} الآية. ولو سكت الله عنها لم يخبرنا عنها لتفحص رجال حتى يعلموا ما هي. وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {فتلقى آدم من ربه كلمات} قال: هو قوله {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وعن الضحاك. مثله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق ابن اسحق التميمي قال: قلت لابن عباس ما الكلمات التي تلقى آدم من ربه؟ قال: علم شأن الحج. فهي الكلمات. وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن زيد في قوله {فتلقى آدم من ربه كلمات} قال: لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك. رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين. لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك. رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين. لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك. رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التوّاب الرحيم. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن أنس في قوله {فتلقى آدم من ربه كلمات} قال: سبحانك اللهم وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين. لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت أرحم الراحمين. لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التوّاب الرحيم. وذكر أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن شك فيه. وأخرج هناد في الزهد عن سعيد بن جبير قال: لما أصاب آدم الخطيئة فزع إلى كلمة الاخلاص فقال: لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ربي عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت التوّاب الرحيم. وأخرج ابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس. إن آدم عليه السلام طلب التوبة مائتي سنة حتى أتاه الله الكلمات، ولقنه إياها قال: بينا آدم عليه السلام جالس يبكي، واضع راحته على جبينه إذ أتاه جبريل فسلم عليه، فبكى آدم وبكى جبريل لبكائه فقال له: يا آدم ما هذه البلية التي أجحف بك بلاؤها وشقاؤها، وما هذا البكاء؟ قال: يا جبريل وكيف لا أبكي وقد حوّلني ربي من ملكوت السموات إلى هوان الأرض، ومن دار المقام إلى دار الظعن والزوال، ومن دار النعمة إلى دار البؤس والشقاء، ومن دار الخلد إلى دار الفناء؟ كيف أحصي يا جبريل هذه المصيبة؟ فانطلق جبريل إلى ربه فأخبره بمقالة آدم فقال الله عز وجل: انطلق يا جبريل إلى آدم فقل: يا آدم ألم أخلقك بيدي؟ قال: بلى يا رب قال: ألم أنفخ فيك من روحي؟ قال: بلى يا رب قال: ألم أسجد لك ملائكتي؟ قال: بلى يا رب قال ألم أسكنك جنتي؟ قال: بلى يا رب قال: ألم آمرك فعصيتني؟ قال: بلى يا رب قال: وعزتي وجلالي وارتفاعي في علو مكاني لو ان ملء الأرض رجالاً مثلك ثم عصوني لأنزلتهم منازل العاصين، غير أنه يا آدم قد سبقت رحمتي غضبي، قد سمعت صوتك وتضرعك، ورحمت بكاءك، وأقلت عثرتك، فقل: لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسي فارحمني إنك أنت خير الراحمين. لا إله إلا أنت سبحانك عملت سوءاً وظلمت نفسي. فتب علي إنك أنت التوّاب الرحيم. فذلك {فتلقى آدم من ربّه كلمات...} الآية. واخرج ابن المنذر عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: لما أصاب آدم الخطيئة عظم كربه، واشتد ندمه. فجاءه جبريل فقال: يا آدم هل أدلك على باب توبتك الذي يتوب الله عليك منه؟ قال بلى يا جبريل قال: قم في مقامك الذي تناجي فيه ربّك فمجده وامدح، فليس شيء أحب إلى الله من المدح قال: فأقول ماذا يا جبريل؟ قال: فقل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير. ثم تبوء بخطيئتك فتقول: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت. رب إني ظلمت نفسي وعملت السوء فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. اللهم إني أسألك بجاه محمد عبدك وكرامته عليك أن تغفر لي خطيئتي. قال: ففعل آدم فقال الله: يا آدم من علمك هذا؟ فقال: يا رب إنك لما نفخت فيّ الروح فقمت بشراً سوياً أسمع وأبصر وأعقل وأنظر رأيت على ساق عرشك مكتوباً "بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له محمد رسول الله" فلما لم أر على أثر اسمك اسم ملك مقرب، ولا نبي مرسل غير اسمه علمت أنه أكرم خلقك عليك. قال: صدقت. وقد تبت عليك وغفرت لك خطيئتك قال: فحمد آدم ربه وشكره وانصرف بأعظم سرور، لم ينصرف به عبد من عند ربه. وكان لباس آدم النور قال الله {ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما} ثياب النور قال: فجاءته الملائكة أفواجاً تهنئه يقولون: لتهنك توبة الله يا أبا محمد. وأخرج أحمد في الزهد عن قتادة قال: اليوم الذي تاب الله فيه على آدم يوم عاشوراء. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس بسندٍ واهٍ عن علي قال "حديث : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} فقال: إن الله أهبط آدم بالهند، وحوّاء بجدة، وإبليس ببيسان، والحية بأصبهان. وكان للحية قوائم كقوائم البعير، ومكث آدم بالهند مائة سنة باكياً على خطيئته حتى بعث الله إليه جبريل وقال: يا آدم ألم أخلقك بيدي؟ ألم أنفخ فيك من روحي؟ ألم أسجد لك ملائكتي؟ ألم أزوّجك حواء أمتي؟ قال: بلى. قال: فما هذا البكاء؟ قال: وما يمنعني من البكاء وقد أخرجت من جوار الرحمن! قال: فعليك بهؤلاء الكلمات. فإن الله قابل توبتك، وغافر ذنبك. قل: اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد، سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم. اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءاً وظلمت نفسي فتب عليّ إنك أنت التوّاب الرحيم. فهولاء الكلمات التي تلقى آدم ". تفسير : وأخرج ابن النجار عن ابن عباس قال "حديث : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه قال: سأل بحق محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، إلا تبت علي فتاب عليه". تفسير : وأخرج الخطيب في أماليه وابن عساكر بسند فيه مجاهيل عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إن آدم لما أكل من الشجرة أوحى الله إليه: اهبط من جواري. وعزتي لا يجاورني من عصاني. فهبط إلى الأرض مسوداً، فبكت الأرض وضجت. فأوحى الله: يا آدم صم لي اليوم يوم ثلاثة عشر. فصامه فأصبح ثلثه أبيض، ثم أوحى الله إليه: صم لي هذا اليوم يوم أربعة عشر. فصامه فأصبح ثلثاه أبيض، ثم أوحى الله إليه صم لي هذا اليوم يوم خمسة عشر. فصامه فأصبح كله أبيض. فسميت أيام البيض ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن الحسن قال: لما أهبط الله آدم من الجنة إلى الأرض قال له: يا آدم أربع احفظهن: واحدة لي عندك، وأخرى لك عندي، وأخرى بيني وبينك، وأخرى بينك وبين الناس. فأما التي لي عندك فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك عندي فأوفيك عملك لا أظلمك شيئاً، وأما التي بيني وبينك فتدعوني فاستجيب لك، وأما التي بينك وبين الناس فترضى للناس أن تأتي إليهم بما ترضى أن يؤتوا إليك بمثله. وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي في الأسماء والصفات عن سلمان قال: لما خلق الله آدم قال: يا آدم واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك. فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فما عملت من شيء جزيتك به وأن أغفر فأنا غفور رحيم، وأما التي بيني وبينك فمنك المسألة والدعاء وعلي الاجابة والعطاء. وأخرجه البيهقي من وجه آخر عن سلمان رفعه. وأخرج الخطيب وابن عساكر عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما أهبط الله آدم إلى الأرض مكث فيها ما شاء الله أن يمكث، ثم قال له بنوه: يا أبانا تكلم. فقام خطيباً في أربعين ألفاً من ولده وولد ولده فقال: إن الله أمرني فقال: يا آدم أقلل كلامك ترجع إلى جواري ". تفسير : وأخرج الخطيب وابن عساكر عن ابن عباس قال: لما أهبط الله آدم إلى الأرض أكثر ذريته فنمت، فاجتمع إليه ذات يوم ولده وولد ولده، فجعلوا يتحدثون حوله وآدم ساكت لا يتكلم فقالوا: يا أبانا ما لنا نحن نتكلم وأنت ساكت لا تتكلم؟! فقال: يا بني إن الله لما أهبطني من جواره إلى الأرض عهد إلي فقال: يا آدم أقل الكلام حتى ترجع إلى جواري. وأخرج ابن عساكر عن فضالة بن عبيد قال: إن آدم كبر حتى تلعب به بنو بنيه فقيل له: ألا تنهى بني بينك أن يلعبوا بك قال: إني رأيت ما لم يروا، وسمعت ما لم يسمعوا، وكنت في الجنة وسمعت الكلام، وإن ربي وعدني إن أنا أسكت فمي أن يدخلني الجنة. وأخرج ابن الصلاح في أماليه عن محمد بن النضر قال: قال آدم: يا رب شغلتني بكسب يدي فعلمني شيئاً فيه مجامع الحمد والتسبيح. فأوحى الله إليه: يا آدم إذا أصبحت فقل ثلاثاً، وإذا أمسيت فقل ثلاثاً. الحمد لله رب العالمين، حمداً يوافي نعمه، ويكافئ مزيده فذلك مجامع الحمد والتسبيح. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن قتادة قال: كان آدم عليه السلام يشرب من السحاب. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن كعب قال: أوّل من ضرب الدينار والدرهم آدم عليه السلام. وأخرج ابن عساكر عن معاوية بن يحيى قال: أوّل من ضرب الدينار والدرهم آدم، ولا تصلح المعيشة إلا بهما. وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال: أوّل من مات آدم عليه السلام. وأخرج ابن سعد والحاكم وابن مردويه عن أبي كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لما حضر آدم قال لبنيه: أنطلقوا فاجنوا لي من ثمار الجنة، فخرجوا فاستقبلتهم الملائكة فقالوا: أين تريدون؟ قالوا: بعثنا أبونا لنجني له من ثمار الجنة فقالوا: ارجعوا فقد كفيتم. فرجعوا معهم حتى دخلوا على آدم، فلما رأتهم حواء ذعرت منهم وجعلت تدنو إلى آدم وتلصق به فقال: إليك عني، إليك عني فمن قبلك أتيت. خلّي بيني وبين ملائكة ربي قال: فقبضوا روحه، ثم غسلوه وحنطوه وكفنوه، ثم صلوا عليه، ثم حفروا له ودفنوه، ثم قالوا: يا بني آدم هذه سنتكم في موتاكم فكذلكم فافعلوا ". تفسير : وأخرجه ابن أبي شيبة عن أبيّ. موقوفاً. وأخرج ابن عساكر عن أبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن آدم لما حضرته الوفاة أرسل الله إليه بكفن وحنوط من الجنة، فلما رأت حواء الملائكة جزعت فقال: خليّ بيني وبين رسل ربي. فما لقيت الذي لقيت إلا منك، ولا أصابني الذي أصابني إلا منك ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن ابن عباس قال: كان لآدم بنون: ودّ، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر. فكان أكبرهم يغوث فقال له: يا بني انطلق. فإن لقيت أحداً من الملائكة فأمره يجيئني بطعام من الجنة، وشراب من شرابها. فانطلق فلقي جبريل بالكعبة فسأله عن ذلك قال: ارجع فإن أباك يموت. فرجعا فوجداه يجود بنفسه، فوليه جبريل فجاءه بكفن، وحنوط، وسدر، ثم قال: يا بني آدم أترون ما أصنع بأبيكم؟ فاصنعوه بموتاكم فغسلوه، وكفنوه، وحنطوه، ثم حملوه إلى الكعبة فكبر عليه أربعاً، ووضعوه مما يلي القبلة عند القبور، ودفنوه في مسجد الخيف. وأخرج الدارقطني في سننه عن ابن عباس قال: صلى جبريل على آدم وكبر عليه أربعاً. صلى جبريل بالملائكة يومئذ في مسجد الخيف، وأخذ من قبل القبلة، ولحد له، وسنم قبره. واخرج أبونعيم في الحلية عن ابن عباس "حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بجنازة فصلى عليها وكبر أربعاً وقال: كبرت الملائكة على آدم أربع تكبيرات ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ألحد آدم، وغسل بالماء وتراً. فقالت الملائكة: هذه سنة ولد آدم من بعده ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن عبدالله بن أبي فراس قال: قبر آدم في مغارة فيما بين بيت المقدس ومسجد إبراهيم، ورجلاه عند الصخرة، ورأسه عند مسجد إبراهيم. وبينهما ثمانية عشر ميلاً. وأخرج ابن عساكر عن عطاء الخرساني قال: بكت الخلائق على آدم حين توفي سبعة أيام. وأخرج ابن عدي في الكامل وأبو الشيخ في العظمة وابن عساكر عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس أحد من أهل الجنة إلا يدعى باسمه إلا آدم فإنه يكنى أبا محمد، وليس أحد من أهل الجنة إلا وهم جرد مرد إلا ما كان من موسى بن عمران فإن لحيته تبلغ سرته ". تفسير : وأخرج ابن عدي والبيهقي في الدلائل وابن عساكر عن علي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أهل الجنة ليست لهم كنى إلا آدم فإنه يكنى أبا محمد تعظيماً وتوقيراً ". تفسير : وأخرج ابن عساكر عن كعب قال: ليس أحد في الجنة له لحية إلا آدم عليه السلام له لحية سوداء إلى سرته: وذلك أنه لم يكن له في الدنيا لحية وإنما كانت اللحى بعد آدم، وليس أحد يكنى في الجنة غير آدم. يكنى فيها أبا محمد. وأخرج أبو الشيخ عن بكر بن عبدالله المزني قال: ليس أحد في الجنة له كنية إلا آدم يكنى أبا محمد. أكرم الله بذلك محمداً صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن عساكر عن غالب بن عبدالله العقيلي قال: كنية آدم في الدنيا أبو البشر، وفي الجنة أبو محمد. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن خالد بن معدان قال: أهبط آدم بالهند، وإنه لما توفي حمله خمسون ومائة رجل من بنيه إلى بيت المقدس، وكان طوله ثلاثين ميلاً ودفنوه بها، وجعلوا رأسه عند الصخرة، ورجليه خارجاً من بيت المقدس ثلاثين ميلاً. وأخرج الطبراني عن أبي برزة الأسلمي قال: إن آدم لما طؤطئ منع كلام الملائكة ـ وكان يستأنس بكلامهم ـ بكى على الجنة مائة سنة فقال الله عز وجل له: يا آدم ما يحزنك؟ قال: كيف لا أحزن وقد اهبطتني من الجنة ولا أدري أعود إليها أم لا؟ فقال الله تعالى: يا آدم قل: اللهم لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك سبحانك وبحمدك. رب إني عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت خير الغافرين. والثانية: اللهم لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك سبحانك وبحمدك. رب إني عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت أرحم الراحمين. والثالثه: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك لا شريك لك، رب عملت سوءاً وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت التوّاب الرحيم. فهي الكلمات التي أنزل الله على محمد صلى الله عليه وسلم {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التوّاب الرحيم} قال: وهي لولده من بعده وقال آدم لآبن له يقال له هبة الله. ويسميه أهل التوراة وأهل الإِنجيل شيث: تعبد لربك واسأله أيردني إلى الجنة أم لا؟ فتعبد لله وسأل. فأوحى الله إليه: إني راده إلى الجنة فقال: أي رب إني لست آمن أن أبي سيسألني العلامة، فألقى الله سواراً من أسورة الحور، فلما أتاه قال: ما وراءك؟ قال: ابشر. قال: أخبرني أنه رادك إلى الجنة. قال: فما سألته العلامة. فأخرج السوار فرآه فعرفه، فخر ساجداً فبكى حتى سال من عينيه نهر من دموع، وآثاره تعرف بالهند. وذكر أن كنز الذهب بالهند مما ينبت من ذلك السوار، ثم قال: استطعم لي ربك من ثمر الجنة. فلما خرج من عنده مات آدم، فجاءه جبريل فقال: إلى أين؟ قال: إن أبي أرسلني أن اطلب إلى ربي أن يطعمه من ثمر الجنة قال: فإن ربه قضى أن لا يأكل منها شيئاً حتى يعود إليها، وأنه قد مات فارجع فواره، فأخذه جبريل عليه السلام فغسله، وكفنه، وحنطه، وصلى عليه، ثم قال جبريل: هكذا فاصنعوا بموتاكم. وأخرج أبو الشيخ عن مجاهد قال: قبر آدم عليه السلام بني في مسجد الخيف، وقبر حواء بجدة. وأخرج ابن أبي حنفيه في تاريخه وابن عساكر عن الزهري والشعبي قالا: لما هبط آدم من الجنة وانتشر ولده أرخ بنوه من هبوط آدم فكان ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحاً، فأرّخوا ببعث نوح حتى كان الغرق، فكان التاريخ من الطوفان إلى نار إبراهيم، فأرّخ بنو اسحق من نار إبراهيم إلى بعث يوسف، ومن بعث يوسف إلى مبعث موسى، ومن مبعث موسى إلى ملك سليمان، ومن ملك سليمان إلى ملك عيسى، ومن مبعث عيسى إلى مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرخ بنو إسمعيل من نار إبراهيم إلى بناء البيت حين بناه إبراهيم وإسمعيل. فكان التاريخ من بناء البيت حتى تفرقت معد، فكان كلما خرج قوم من تهامة أرخوا مخرجهم حتى مات كعب بن لؤي فأرّخوا من موته إلى الفيل، فكان التاريخ من الفيل حتى أرخ عمر بن الخطاب الهجرة. وذلك سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة. وأخرج ابن عساكر عن عبد العزيز بن عمران قال: لم يزل للناس تاريخ كانوا يؤرخون في الدهر الأوّل من هبوط آدم من الجنة، فلم يزل ذلك حتى بعث الله نوحاً، فارخوا من دعاء نوح على قومه، ثم أرخوا من الطوفان، ثم أرخوا من نار إبراهيم، ثم أرخ بنو اسمعيل من بنيان الكعبة، ثم أرخوا من موت كعب بن لؤي، ثم أرخوا من عام الفيل، ثم أرخ المسلمون بعد من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ابو السعود
تفسير : {فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} أي استقبلها بالأخذ والقبولِ والعملِ بها حين علِمَها ووُفّق لها وقرىء بنصب آدمَ ورفع كلماتٌ دلالةً على أنها استقبلته بلغته وهي قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} تفسير : [الأعراف، الآية 23]. وقيل: «سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمُك وتعالى جدُّك ولا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: يا رب ألم تخلُقْني بـيدك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تنفُخْ فيَّ من روحك؟ قال: بلى. قال: يا رب ألم تسبِقْ رحمتُك غضبك؟ قال: بلى. قال: ألم تسكنّي جنتَك؟ قال: بلى. قال: يا رب إن تبتُ وأصلحتُ أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم. والفاء للدلالة على أن التوبة حصلت عَقيب الأمر بالهبوط قبل تحقق المأمور به، والتعرضُ لعنوان الربوبـية مع الإضافة إليه عليه السلام للتشريف والإيذان بعلّيته لإلقاء الكلماتِ المدلولِ عليها بتلقيها {فَتَابَ عَلَيْهِ} أي رجع عليه بالرحمة وقَبولِ التوبةِ، والفاء للدلالة على ترتبه على تلقي الكلمات المتضمن لمعنى التوبة التي هي عبارة عن الاعتراف بالذنب والندمِ عليه والعزمِ على عدم العود إليه واكتُفي بذكر شأن آدمَ عليه السلام لما أن حواءَ تبَعٌ له في الحُكم ولذلك طُوي ذكرُ النساءِ في أكثرِ مواضعِ الكتاب والسنة {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ} أي الرجّاع على عباده بالمغفرة أو الذي يُكثر إعانتَهم على التوبة، وأصلُ التوب الرجوع فإذا وصف به العبد كان رجوعاً عن المعصية، وإذاوُصف به الباري عز وعلا أريد به الرجوعُ عن العقاب إلى المغفرة {ٱلرَّحِيمُ} المبالِغُ في الرحمة وفي الجمع بـين الوصفين وعدٌ بليغٌ للتائب بالإحسان مع العفو والغفران، والجملة تعليلٌ لقوله تعالى فتاب عليه. {قُلْنَا} استئناف مبنيٌ على سؤال ينسحِبُ عليه الكلامُ، كأنه قيل: فماذا وقع بعد قَبولِ توبتِه فقيل: قلنا: {ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا} كُرِّر الأمرُ بالهبوط إيذاناً بتحتم مقتضاه وتحقُّقه لا محالة. ودفعاً لما عسى يقعُ في أمنيَّتِه عليه السلام من استتباع قبول التوبةِ للعفو عن ذلك، وإظهاراً لنوع رأفةٍ به عليه السلام لما بـين الأمرين من الفرق النيّر، كيف لا والأولُ مشوبٌ بضرب سخطٍ مذيلٍ ببـيان أن مهبِطهم دارُ بليةٍ وتعادٍ لا يخلدون فيها. والثاني مقرون بوعد إيتاء الهدىٰ المؤدي إلى النجاة والنجاح، وأما ما فيه من وعيد العقاب فليس بمقصود من التكليف قصداً أولياً، بل إنما هو دائرٌ على سوء اختيارِ المكلفين. قيل: وفيه تنبـيه على أن الحازم يكفيه في الردْع عن مخالفة حكم الله تعالى مخافةُ الإهباط المقترنِ بأحد هذين الأمرين، فكيف بالمقترن بهما فتأمل، وقيل: الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني منها إلى الأرض، ويأباه التعرضُ لاستقرارهم في الأرض في الأول، ورجوعُ الضمير إلى الجنة في الثاني، و(جميعاً) حال في اللفظ وتأكيدٌ في المعنى، كأنه قيل: اهبطوا أنتم أجمعون ولذلك لا يستدعي الاجتماعَ على الهبوط في زمان واحد كما في قولك: جاءوا جميعاً، بخلاف قولك: جاءوا معاً. {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى} الفاء لترتيب ما بعدها على الهبوط المفهوم من الأمر به وإما مركبة من إن الشرطية وما المزيدة المؤكدة لمعناها والفعل في محل الجزم بالشرط، لأنه مبنيٌّ لاتصاله بنون التأكيد، وقيل: معرب مطلقاً، وقيل: مبني مطلقاً، والصحيحُ التفصيل: إن باشرَتْه النونُ بُني وإلا أُعرب، نحو هل يقومانِّ، وتقديمُ الظرفِ على الفاعل لما مر غيرَ مرة، والمعنى إن يأتينكم مني هدى برسول أبعثُه إليكم وكتابٍ أُنزله عليكم، وجواب الشرط قوله تعالى: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} كما في قولك: إن جئتني فإن قدِرْت أحسنتُ إليك، وإيراد كلمة الشك مع تحقق الإتيان لا محالة للإيذان بأن الإيمانَ بالله والتوحيد لا يشترط فيه بعثةُ الرسل وإنزالُ الكتب، بل يكفي في وجوبه إفاضةُ العقل ونصبُ الأدلة الآفاقية والأنفسية، والتمكينُ من النظر والاستدلال، أو للجري على سَنن العظماء في إيراد عسى ولعل في مواقعِ القطعِ والجزم، والمعنى أن من تبع هدايَ منكم فلا خوفٌ عليهم في الدارين من لُحوق مكروه ولا هم يحزنون من فوات مطلوبٍ أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك، لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا يعتريهم نفسُ الخوف والحُزن أصلاً بل يستمرون على السرور والنشاط، كيف لا واستشعارُ الخوف والخشيةِ استعظاماً لجلال الله سبحانه وهيبتِه واستقصاراً للجدّ والسعي في إقامة حقوق العبوديةِ من خصائص الخواصِّ والمقرّبـين، والمرادُ بـيانُ دوام انتفائهما لا بـيانُ انتفاءِ دوامهِما كما يُتوهم من كون الخبر في الجملة الثانية مضارعاً لما تقرر في موضعه أن النفي وإن دخَلَ على نفس المضارعِ يُفيد الدوامَ والاستمرارَ بحسب المقام، وإظهارُ الهدى مضافاً إلى ضمير الجلالةِ لتعظيمِه وتأكيدِ وجوب اتّباعه أو لأن المراد بالثاني ما هو أعمُّ من الهدايات التشريعية وما ذكر من إفاضة العقلِ ونصبِ الأدلة الآفاقيةِ والأنفسية كما قيل، وقرىء (هُدَيَّ) على لغة هذيل ولا خوفَ بالفتح.
التستري
تفسير : وسئل عن قوله: {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ}[37] ما هذه الكلمات التي تلقاها من ربه؟ قال سهل: أخبرني محمد بن سوار عن أبيه عن الثوري عن عبدالعزيز ابن رُفَيع عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: لما ذكر آدم صلوات الله عليه خطيئته قال: يا رب، أرأيتَ معصيتَك التي عصيتُك، أشيء كتبته عليّ قبل أن تخلقني، أم شيء ابتدعته؟ قال: بل شيء كتبته عليك إنك ستفعله بترك العصمة مني قبل أن أخلقك بخمسين ألف عام. قال آدم صلوات الله عليه: فكما كتبته عليّ فاغفر لي، فإنا قد {أية : ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}تفسير : [الأعراف:23] أي بالإقامة على همة النفس والسكون إلى تدبيرها، وتبنا عن الرجوع إليه، {أية : وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا} تفسير : [الأعراف:23] أي في الدنيا {أية : وَتَرْحَمْنَا} تفسير : [الأعراف:23] في ما بقي من أعمارنا {أية : لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [الأعراف:23] أي من الأشقياء المعذبين في الآخرة، فكانت هذه الكلمات التي قال الله تعالى: {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}[37]. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : قال آدم لموسى عليهما السلام: بكم تجد الخطيئة كتبت عليّ من قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين ألف عام. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فحج آدم وموسى عليهما السلام ".
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ}. أدركته خصوصية الخلقة باليد ونفخ الروح الخاص والاصطفاء. وقيل هو قوله {أية : ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} تفسير : [الأعراف: 23]. وقيل: هى عطس الحمد لله.
القشيري
تفسير : جرت على لسان آدم مع الحق - سبحانه - كلماتٌ، وأسمع الحقُّ - سبحانه - آدمَ كلماتٍ، وأنشدوا: شعر : وإذا خِفْنا من الرقباء عينا تكلمت السرائر في القلوب تفسير : وأجمل الحقُّ سبحانه القولَ في ذلك إجمالاً ليُبْقي القصة مستورة، أو ليكون للاحتمال والظنون مساغ، ولما يحتمله الحال من التأويل مطرح. ويحتمل أن تكون كلمات آدم عليه السلام اعتذاراً وتنصلا، وكلمات الحق سبحانه قبولاً وتفضلاً. وعلى لسان التفسير أن قوله تعالى له: أفراراً منا يا آدم؟ كذلك قوله عليه السلام: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}تفسير : [الأعراف: 23] وقوله: أمخرجي أنت من الجنة؟ فقال: نعم، فقال أتردني إليها؟ فقال: نعم. ويقال حين أمر بخروجه من الجنة جعل ما أسمعه إياه من عزيز خطابه زاداً، ليكون له تذكرة وعتاداً: شعر : وأذكر أيام الحمى ثم انْثَني على على كبدي من خشية أن تَقطَّعا تفسير : ومخاطبات الأحباب لا تحتمل الشرح، ولا يحيط الأجانب بها علماً، وعلى طريق الإشارة لا على معنى التفسير والتأويل، والحكم على الغيب بأنه كان كذلك وأراد به الحق سبحانه ذلك يحتمل في حال الأحباب عند المفارقة، وأوقات الوداع أن يقال إذا خرجت من عندي فلا تنسَ عهدي، وإن تَقَاصَر عنك يوماً خبري فإياك أن تؤثر عليّ غيري، ومن المحتمل أيضاً أن يقال إن فاتني وصولك فلا يتأخَّرَنَّ عني رسولُك.
البقلي
تفسير : {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} الكلمات ما اعتذر الله ادم من انفاذ قضائه وقدره عليه فتلقى ادم من ربه تلك الكلمات فاعتذر بها من الله لخطيئته وقيل هي ربَّنا ظلمنا انفسنا وقال جعفر بن محمد قال أدميا رب ما خدعت الابك.
اسماعيل حقي
تفسير : {فتلقى آدم كلمات ربه} الفاء للدلالة على ان التوبة حصلت عقيب الامر بالهبوط قبل تحقق المأمور به ومن ثمة قال القرطبى ان آدم تاب ثم هبط واليه الاشارة بقوله تعالى اهبطوا ثانيا ومنه يعرف ان الامر بالهبوط ليس للاستخفاف ومشوبا بنوع سخط اذ لا سخط بعد التوبة فآدم اهبط بعد ان تاب الله عليه ومعنى تلقى الكلمات استقبالها بالاخذ والقبول والعمل بها حين علمها فان قلت ما هن قلت قوله تعالى {أية : ربنا ظلمنا أنفسنا}تفسير : [الأعراف: 23] الآية: قال الحافظ شعر : زاهد غرور داشت سلامت نبردراه رندا زره نياز بدار السلام رفت تفسير : وعن ابن مسعود رضى الله عنه ان احب الكلام الى الله تعالى ما قال ابونا آدم حين اقترف الخطيئة سبحانه اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك لا اله الا انت ظلمت نفى فاغفر لى انه لا يغفر الذنوب الا انت. وعن النبى صلى الله عليه وسلم "حديث : ان آدم قال بحق محمد ان تغفر لى قال وكيف عرفت محمدا قال لما خلقتنى ونفخت فى الروح فتحت عينى فرأيت على ساق العرش لا الله الا الله محمد رسول الله فعلمت انه اكرم الخلق عليك حتى قرنت اسمه باسمك فقال نعم وغفر له بشفاعته ". تفسير : او الكلمات هى قول آدم عند هبوطه من الجنه يا رب ألم تخلقنى بيدك من غير واسطة قال بلى قال يا رب ألم تسكنى جنتك قال بلى قال يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك قال بلى قال يا رب أرأيت ان اصلحت ورجعت وتبت اراجعى انت الى الجنة قال نعم فالكلمات هى العهود الانساينة والمواثيق الآدمية والمناجاة الربانية من الخليفة الى حضرة الحق تعالى فتاب آدم على الله بالرجوع عن المعصية والاعتراف بذنبه والاعتذار لخطاه وسهوه {فتاب عليه} اى فرجع الرب عليه بالرحمة وقبول التوبة واصل التوب الرجوع فاذا وصف به العبد كان رجوعا عن المعصية الى الطاعة واذا وصف به البارى تعالى اريد به الرجوع عن العقوبة الى المغفرة والفاء للدلالة على ترتبه على تلقى الكلمات المتضمن لمعنى التوبة. وتمام التوبة من العبد بالندم على ما كان وبترك الذنب الآن وبالعزم على ان لا يعود اليه فى مستأنف الزمان وبرد مظالم العباد وبارضاء الخصم بايصال حقه اليه باليد والاعتذار منه باللسان واكتفى بذكر آدم عليه السلام لان حواء كانت تابعة له فى الحكم ولذلك طوى ذكر النساء فى اكثر القرآن والسنن {انه هو التواب} الرجاع على عباده بالمغفرة او الذى يكثر اعانتهم على التوبة {الرحيم} المبالغ فى الرحمة وفى الجمع بين الوصفين وعد بليغ للتائب بالاحسان مع العفو والغفران والجملة تعليل لقوله تعالى {فتاب عليه} قال فى المثنوى شعر : مركب توبه عجائب مر كبست بر فلك تازد بيك لحظه زبست جون برارند از بشمانى حنين عرض لرزد ازانين المذنبين تفسير : قال ابن عباس رضى الله عنهما بكى آدم وحواء على مافاتهما من نعيم الجنة مائتي سنه ولم يأكلا ولم يشربا أربعين يوماً ولم يقرب آدم حواء مائة سنة. وقال شهر بن حوشب بلغنى ان آدم لما هبط الى الارض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء من الله تعالى قالوا لو أن دموع اهل الارض جمعت لكانت دموع داود اكثر حيث اصاب الخطيئة ولو أن دموع داود ودموع اهل الارض جمعت لكانت دموع آدم اكثر حيث اخرجه الله من الجنة قال فى المثنوى شعر : جون خدا خواهد كه مان يارى كند ميل مارا جانب زارى كند اى خنك جشمى كه آن كريان اوست وى همايون دل كه آن بريان اوست آخر هر كريه آخر خنده ايست مرد آخر بين مبارك بنده ايست باش جون دولاب نالان جشم تر تا زصحن جان بر رويد خضر تفسير : فاذا كان حال من اقترف خطيئة دون صغيرة هذا فكيف حال من انغمس فى بحر العصيان والتوبة بمنزلة الصابون فكما ان الصابون يزيل الاوساخ الظاهرة فكذا التوبة تزيل الاوساخ الباطنة والعبد اذا رجع عن السيئة واصلح عمله اصلح الله شأنه واعاد عليه نعمته الفائتة. عن ابن ادهم بلغنى ان رجلا من بنى اسرائيل ذبح عجلا بين يديى امه فيبست يده فبينما هو جالس اذ سقط فرح من وكره وهو بتبصبص فأخذه ورده الى وكره فرحمه الله لذلك ورد عليه يده بما صنع ولا ريب أن العمل الصالح يمحو الخطيآت وفى التأويلات النجمية ان اول نبت انبتته امطار الالهامات الربانية من حبة المحبة فى قلب آدم وطينة الانسانية كان نبات {أية : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}تفسير : [الأعراف: 23]. لانه ابصر بنور الايمان انه ظالم لنفسه اذا أكل حبة المحبة ووقع فى شبكة المحنة والمذلة وان لم يعنه ربه بمغفرته ويقه برحمته لم يتخلص من حضيض بشريته الذى اهبط اليه ويخسر رأس مال استعداد السادة الازلية ولم يمكنه الرجوع الى ذروة مقام القربة فاستغاث الى ربه وقال ربنا مضطرا وكانت الحكمة فى ابعاده بالهبوط هذا الاضطرار والدعاء فانه يجب المضطر اذا دعاه ويكشف السوء فبسابقه العناية اخذ بيده وافاض عليه سجال رحمته {فتاب عليه انه هو التواب الرحيم} للتائبين فاخرج من نبات الكلمات شجرة الاجتباء واظهر على دوحتها زهرة التوبة وأثمر منها ثمرة الهداية وهى المعرفة كما قال {أية : ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى}تفسير : [طه: 122].
الطوسي
تفسير : قرأ إبن كثير (آدم) بنصب الميم. (كلمات) برفع التاء. اللغة: يقال: لقي زيد خيراً فيتعدى الفعل إلى مفعولٍ واحد. ومنه قوله {أية : فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب}. تفسير : وقوله: {أية : إذا لقيتم فئةً فاثبتوا} تفسير : و{أية : لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً} تفسير : فاذا ضعفت العين تعدى إلى مفعولين. تقول: لقيّت زيداً خيراً. قال الله تعالى: {أية : ولقاهم نضرة وسروراً}. تفسير : وتقول: لقيت بعض متاعك على بعض، فتعديه إلى مفعولٍ واحد لأنه بناء مفرد لا لأنه منقول ليتعدى إلى مفعولين. وتقول: لقيته لقية واحدة في التلاقي واللقيان. ولقيته لقاء ولقياناً ولقاة. وقوله: {أية : تحيتهم يوم يلقونه سلامٌ} تفسير : معناه يلقون ثوابه بخلاف قوله: {أية : يلقون غيا }. تفسير : المعنى: ومعنى {تلقى آدم من ربه كلمات}. تعلمها. يقال: تلقيت هذا من فلان أي قبله فهمي من لفظه. قال أبو عبيدة: قال أبو مهدية: ـ وتلا عليه آيات من القرآن قال: تلقيتها من عمي تلقاها من أبي هريرة، تلقاها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأصل الملاقاة الملاصقة، لكنه كثر حتى قيل: لاقى فلان فلاناً: إذا قاربه، وإن لم يلاصقه. وكذلك تلاقى الجيشان، وتلاقى الفرسان. ويقال: تلاقى الخطان أي تماسا. وتقول: تلقيت الرجل بمعنى استقبلته. وتلقاني: استقبلني. فعلى هذا يجوز في العربية رفع ادم، ونصبه، مع رفع الكلمات. والاختيار قراءة الاكثر، لأن معنى التلقي ها هنا القبول. فكأنه قال: قبل آدم من ربه كلمات. وانما جاز نصب آدم، لأن الأفعال المتعدية إلى المفعول به على ثلاثة اقسام: احدها يجوز ان يكون الفاعل له مفعولا به والمفعول به فاعلا. نحو اكرم بشرٌ بشراً وشتم زيد عمراً [ثانيها] ومنها لا يكون المفعول به فاعلا، نحو: أكلت الخبز، وسرقت درهماً، وأعطيت ديناراً، وأمكنني الغرض. [وثالثها] ما يكون أسناده إلى الفاعل في المعنى كاسناد إلى المفعول، نحو: أصبت ونلت، وتلقيت. تقول: نالني خيرٌ، ونلت خيراً، وأصابني خيرٌ، وأصبت خيراً. ولقيني زيدٌ، ولقيت زيداً. وتلقاني، وتلقيته. وقال تعالى: {أية : وقد بلغني الكبر} تفسير : وقال: {أية : وقد بلغت من الكبر عتيا} تفسير : فعلى هذا الرفع والنصب في المعنى واحد في الآية. وإنما اجيز رفع آدم، لأن عليه الأكثر وشواهده اكثر. كقوله {أية : تلقونه بألسنتكم}. تفسير : واسند الفعل إلى المخاطبين والمفعول به كلام متلقى. كما أن الذي تلقى آدم كلام متلقى وكما اسند الفعل إلى المخاطبين. فجعل التلقي لهم كذلك يلزم ان يسند الفعل إلى آدم، فيجعل التلقي له دون الكلمات. واما على ما قال ابوعبيدة معناه قبل الكلمات، فالكلمات مقبولة، فلا يجوز غير الرفع في آدم. ومثل هذا في جواز اضافته تارة إلى الفاعل، واخرى إلى المفعول. كقوله: {أية : لا ينال عهدى الظالمين}.تفسير : وفي قراءة ابن مسعود: {لا ينال عهدي الظالمون} والكلمات جمع كلمة. والكلمة: اسم جنس لوقوعه على الكثير والقليل. يقولون: قال امرؤ القيس في كلمته يعني في قصيدته. وقال قِسّ في كلمته يعنون في خطبته. فوقوعها على الكثير نحو ما قلناه. ووقوعها على القليل قال سيبويه: قال قد اوقعها على الاسم المفرد، والفعل المفرد، والحرف المفرد. فأما الكلام فان سيبويه قد استعمله فيما كان مؤلفاً من هذه الكلم فقال: لو قلت: إن تضرب ناساً لم يكن كلاماً. وقال ايضاً: انما، فقلت، ونحوه، ما كان كلاماً (بل) قولا واوقع الكلام على المتألف. والذي حرره المتكلمون، ان حد الكلام ما انتظم من حرفين فصاعداً من هذه الحروف المنقولة، إذا وقع ممن يصح منه او من قِبِله الافادة. ثم ينقسم قسمين: مفيد، ومهمل. فالذي أراد سيبويه أنه لا يكون كلاماً، أنه لا يكون مفيداً وذلك صحيح. فأما تسميته بأنه كلام، صحيح. وكيف لا يكون صحيحاً، وقد قسموه إلى قسمين: مهمل، ومفيد، فأدخلوا المهمل الذي لا يفيد في جملة الكلام. والكلمة والعبارة، والابانة، نظائر. وبينها فروق. والفرق بين الكلمة والعبارة، أن الأظهر في الكلمة هي الواحدة من جملة الكلام ـ وان قالوا في القصيدة أنها الكلمة ـ والعبارة تصلح للقليل والكثير. وأما الابانة فقد تكون بالكلام، والحال، وغيرهما من الأدلة: كالاشارة والعلامة، وغير ذلك. وأما النطق فيدل على إدارة اللسان بالصوت، وليس كذلك الكلام ولهذا يقولون: ضربته فما تكلم، ولا يقولون: فما نطق، اذا كان صاح. وكذلك لا يجوز أن يقال في الله: إنه ناطق. وأما اللفظ فهو من قولك: لفظت الشيء: إذا أخرجته من فمك. وليس في الكلام مثل ذلك. ويقال: كلمته تكليماً وكلاماً. وتكلم تكلما. ولذلك لا يجوز أن يقال فيه تعالى لَفَظَ، ولا أنه لافظ. والكلْم: الجرح. والجمع: الكلوم. يقال: كلمته أكلمه كلمماً، فأنا كالم، وهو مكلوم. وكليمك: الذي يكلمك. ويقال: كِلْمة وكلِمة لغة تميمية، وقيل إنها حجازية. وتميم حكي عنها كلمة بكسر الكاف وتسكين اللام، وحكي تسكين اللام مع فتح الكاف. وأصل الباب أنه أثرٌ دالُّ والكلْم أثر دال على الجارح. والكلام أثر دال على المعنى الذي تحته. والمتكلِّم: من رفع ما سميناه كلاماً بحسب دواعيه وأحواله. وربما عُبِّر عنه بأنه الفاعل للكلام. وليس المتكلم من حله الكلام، لأن الكلام يحلُّ اللسان والصدر ولا يوصفان. بذلك. وقد بينا فساد الكلام النفسي في كتاب العدة، في أصول الفقه. وقلنا: إن اختصر ذلك، هل هو إلا الخبر، أو ما معناه معنى الخبر، وإن كان لكل قسم معنى يخصه؟. المعنى: والكلمات التي تلقاها آدم قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد: {أية : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} تفسير : فان في ذلك اعترافاً بالخطيئة، ولذلك وقعت موقع الندم. وحقيقته الانابة. وحكي عن مجاهد أنه قال: هي قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين. اللهم لا إله إلا انت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني، إنك أنت خير الراحمين اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي، فتب علي إنك أنت التواب الرحيم. وروى مثل ذلك عن أبي جعفر عليه السلام. وحكي عن ابن عباس: أن آدم قال لربه إذ عصاه: أرأيت أن تبت وأصلحت؟. فقال له تعالى: إني راجعك إلى الجنة وكانت هذه الكلمات. وروي في أخبارنا: أن الكلمات هي توسله بالنبي عليه السلام وأهل بيته. وكل ذلك جائز. قوله {فتاب عليه} اللغة: فالتوبة، والانابة، والاقلاع، نظائر في اللغة. وضد التوبة: الاصرار. يقال: تاب يتوبُ توبةً، وتواباً واستتابة. والله تعالى يوصف بالتوّاب. ومعناه أنه يقبل التوبة عن عباده. وأصل التوبة: الرجوع عما سلف، والندم على ما فرط. والله تعالى تائب على العبد بقبول توبته. والعبد تائب إلى الله بمعنى نادم على معصيته والتائب: صفة مدح لقوله: {أية : التائبون العابدون}.تفسير : والتوبة شرطها الندم على ما مضى من القبيح، والعزم على أن لا يعود إلى مثله من القبيح، لأن هذه التوبة هي المجمع على سقوط العقاب عندها، وما عداها فمختلف فيه. وقد يقول القائل: قد تبت من هذا الأمر أي عزمت على ألا أفعله، وصرت بمنزلة التائب، وذلك مجاز. وكل معصية لله تعالى فانه يجب التوبة منها، والتوبة يجب قبولها، لأنها طاعة. فأما إسقاط العقاب عنده فتفضل منه تعالى. وقالت المعتزلة ومن وافقها: وذلك واجب. وقد بينا الصحيح من ذلك في شرح الجمل. والتوبة اذا كانت من ترك ندب عندنا تصح. وتكون على وجه الرجوع إلى فعله. وعلى هذا تحمل توبة الانبياء كلهم في جميع ما نطق به القرآن، لأنه قد بينا أنه لا يجوز عليهم فعل القبيح. والمطبوع على قلبه له توبة. وبه قال أهل العدل. وقالت البكرية لا توبة له. وهو خطأ، من قِبل انه لا يصح تكليفه إلا وهو متمكن من أن يتخلص من ضرر عقابه. وذلك لا يتم إلا بأن يكون له طريق إلى إسقاط عقابه. وقد وعد الله بذلك ـ وإن كان تفضلا ـ إذا حصلت التوبة واختلفوا في التوبة من الغصب، هل تصح مع الاقامة على منع المغصوب؟. فقال قوم: لا تصح: وقال آخرون: تصح ـ وهو الأقوى ـ إلا أن يكون فاسقاً بالمنع، فيعاقب عقاب المانع، وإن سقط عنه عقاب الغصب. والصحيح أن القاتل عمداً تصح توبته. وقال قوم: لا تصح. والتوبة من القتل الذي يوجب القود، قال قوم: لا تصح إلا بالاستسلام لولي المقتول، وحصول الندم، والعزم على أن لا يعود. وقال قوم آخرون: تصح التوبة من نفس القتل، ويكون فاسقاً بترك الاستسلام. وهذا هو الأقوى، واختاره الرماني. فاما التوبة من قبيح بفعل آخر، فلا تصح على أصلنا كالتائب من الالحاد بعبادة المسيح. وقال قوم: تصح. وأجراه مجرى معصيتين يترك باحداهما الأخرى، فانه لا يؤاخذ بالمتروكة وقال قوم: التوبة من اعتقاد جهالة إذا كان صاحبها لا يعلم انها معصية بأنه يعتقد انه لا محجوج إلا عارف، فانه يتخلص من ضرر تلك المعصية إذا رجع عنها إلى المعرفة، وإن لم يوقع معها توبة. وقال آخرون: لا يتخلص إلا بالتوبة، لأنه محجوج فيه، مأخوذ بالنزوع عن الاقامة عليه، وهو الأقوى. فأما ما نسي من الذنوب، فانه يجري مجرى التوبة منه على وجه الجملة. وقال قوم: لا يجري وهو خطأ، لأنه ليس عليه في تلك الحال اكثر مما عمل فأما ما نسي من الذنوب مما لو ذكر، لم يكن عنده معصية. وهل يدخل في الجملة إذا اوقع التوبة من كل خطيئة؟ قال قوم: يدخل فيها. وقال آخرون لا يدخل فيها، لكنه يتخلص من ضرر المعصية، لأنه ليس عليه اكثر مما علم في تلك الساعة. والأول اقوى، لأن العبد إذا لم يذكر صرف توبته إلى كل معصية هي في معلوم الله معصية. فأما المشرك إذا كان يعرف قبل توبته بفسق ـ إذا تاب من الشرك ـ هل يدخل فيه التوبة من الفسق في الحكم، وإن لم يظهر التوبة منه؟. قال قوم: لا يزول عنه حكم الفسق، وهو قول اكثر المعتزلة. وقال قوم: يزول عنه حكم الفسق. وقال الأخشيد: القول في هذا باجتهاد. والذي يقوى في نفسي انه يزول، لأن الاسلام الأصل فيه العدالة إلى ان يتجدد منه بعد الاسلام ما يوجب تفسيقه. فأما التوبة من قبيح مع الاقامة على قبيح آخر، يعلم ويعتقد قبحه، فعند اكثر من تقدم صحيحة وقال ابو هاشم، واصحابه: لا تصح وقد قلنا ما عندنا في ذلك، في شرح الجمل واعتمد الأولون على ان قالوا: كما يجوز ان يمتنع من قبيح لقبحه، ويفعل قبيحاً آخراً، وإن علم قبحه كذلك جاز ان يندم من القبيح، مع المقام على قبيح آخر يعلم قبحه. وهذا إلزام صحيح معتمد واختلفوا في التوبة عند ظهور اشراط الساعة، هل تصح ام لا؟ فقال الحسن: يحجب عنها عند الآيات الست. ورواه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) انه قال: حديث : بادروا الأعمال قبل ست: طلوع الشمس من مغربها: والدَّجال، والدُّخان ودابة الأرض، وخويصة أحدكم يعني الموت، وأمر العامة يعني القيامةتفسير : . وقال قوم: لا شك أن بعض الآيات يحجب، وباقيها محجوز. وهو الأقوى. وقوله: {فتاب عليه}. يعني قبل توبته، لأنه لما عرضه للتوبة، بما ألقاه من الكلمات فعل التوبة، وقبلها الله تعالى منه [وقيل تاب عليه أي وفق للتوبة وهداه اليها] فقال اللهم تب عليّ أي وفقني للتوبة. [فلقنه الكلمات حتى قالها فلما قالها قبل توبته]. وقوله: {إنه هو التواب الرحيم}. إنما ذكر الرحيم، ليدل بذلك على أنه متفضل بقبول التوبة، ومنعم به، وأن ذلك ليس هو على وجه الوجوب، على ما يقوله المخالف. ومن خالف في ذلك يقول: لما ذكر التواب بمعنى الغفار باسقاط العقوبة، وصل ذلك بذكر النعمة، ليدل على أنه مع إسقاط العقوبة، لا يخلي العبد من النعمة الحاصلة ترغيباً له، وفي الانابة والرجوع اليه بالتوبة. "وتواب" بمعنى أنه قابل التوبة لا يطلق إلا عليه تعالى، ولا يطلق في الواحد منا. وإنما قال: {فتاب عليه}. ولم يقل فتاب عليهما، لأنه اختصر، كما قال: {أية : والله ورسوله أحق أن يرضوه}. تفسير : ومعناه أن يرضوهما. كذلك معنى الآية: فتاب عليهما ومثل ذلك قوله: {أية : وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها}تفسير : وقال الشاعر: شعر : رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئاً، ومن جول الطَّوِي رماني تفسير : وقال آخر: شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف تفسير : وحكي عن الحسن، انه قال: لم يخلق الله آدم إلا للأرض، ولو لم يعص لخرج على غير تلك الحال. وقال غيره: يجوز ان يكون خلقه للأرض إن عصى ولغيرها ان لم يعص وهو الأقوى لأن ما قاله لا دليل عليه وروي عن قتادة: ان اليوم الذي قبل الله توبة آدم فيه يوم عاشوراء ورواه ايضاً اصحابنا
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : {تَلَقَّىٰ}: أي قبِل وأخذ وتناوَل آدمُ على سبيل الطاعة من ربِّه وربِّ كلّ شيء: كلمات. والمراد فجعلها وسيلة. أو سأله بحقّهن. وإنّما اكتفى لدلالة ما بعده عليه. ولأنّ معنى التلقّي يفيد ذلك وينبِئ عمّا حذف من الكلام اختصاراً. ولذلك قال: {فَتَابَ عَلَيْهِ} بالفاء الدالة على الترتيب، لأنّه لم يتُب وَلا يتوب عليه إلاّ يسأله بتلك الكلمات، وكان الله قد علَّمه طريق الإنابة، وعرّفه وجوب التوبة، وهداه إلى التوسّل بتلك الكلمات. وقرأ ابن كثير {آدمَ} بالنصب و {كَلِمَاتُ} بالرفع، ومعناه غير ذلك، وهو أن الكلمات تداركته بالنجاة والرحمة. ويحتمل أن يقال: إن التلقّي لما كان من المعاني الإضافيّة - وكان مَن تلقّى رَجُلاً فَتلاقَيا كلّ واحد صاحِبَه، وأُضيف الاجتماع إليهما معاً - صلح أن يشتركا في الوصف بذلك فيقال: كُلَّما تلقّيتَه فقَد تلقاكَ، فجاز أن يقال: "تَلَقّى آدمُ كلماتٍ" أي: أخذها واستقبلها. وجاز بالنصب. أي: جاءتْ من الله وتلقّته كلماتٌ. على مثل قوله: {أية : لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [البقرة:124]. في قراءة ابن مسعود. وتلك الكلمات هي كلمات الله التي لا تبيد ولا تنفد أبداً، وهي الجواهر العالية الموجودة بأمْر الله، بل هي نفْس أوامر الله، وصوَر ما في علْم الله. وبمعرفتها، والاتّصال بها، والاعتصام بعُراها التي لا انفصام لها نجَت النفس الآدميّة عن عذاب يوم الآخرة. وفي الأدعية النبويّة: "أعوذُ بكلمات اللهِ التامّاتِ مِن شرِّ ما ذرءَ في الأرضِ وما يَخرجُ منها، وما يَنزل مِن السماءِ". واختلف في تلك الكلمات ما هي: فقيل: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} تفسير : [الأعراف:23] - الآية - وهو المرويّ عن الحسن، وقتادة، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأنَّ في ذلك اعترافاً بالخطيئة، فلذلك وقعتْ موضع النَّدم، وحقيقته الإنابة. وقيل: هي قوله: "لاَ إِلهَ إلاَّ أنتَ، سبحانَك وبحمدِك ربِّ انِّي ظلمتُ نفسي فاغفر لي إنّك خير الغافرين. اللهم لا إله إلاّ أنت سبحانك وبحمدِك ربِّ انّي ظلمتُ نفْسي فارحمني إنّك خير الراحمين. اللهم لا إله إلاّ أنت سبحانك وبحمدك، ربِّ انّي ظلمتُ نفْسي فتُبْ عليَّ إنّك أنت التوّاب الرحيم" عن مجاهد، وهو المرويّ عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام). وقيل: بل هي "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ اللهُ، والله أكبر". وعن ابن مسعود: إنّ أحبَّ الكلام إلى الله ما قاله أبونا حين اقترف السيئة: "سبحانك اللهم وبحمدك وتباركَ اسمك وتعالى جدّك؛ لا إله إلاّ أنت ظلمت نفسي فاغفر لي، إنّه لا يغفر الذنوب إلاّ أنت". وروي عن أهل البيت (عليهم السلام): "إنّ آدم رأى مكتوباً على العرشِ أسماء مكرّمة معظّمة، فسأل عنها. فقيل له: هذه أسماء لأجلّ الخَلْق منزلةً عند الله تعالى والأسماء: "محمّد، وعليّ، وفاطمة، والحسَن، والحسين (عليهم السلام)" فتوسّل آدم إلى ربّه بهم في قبول توبته". وعن ابن عباس: قال آدم: يا ربِّ ألم تخلقني بيدك؟ قال: بلى. قال: ألَم تنفخ فيّ الروح من روحك؟ قال: بلى قال: ألم تسكنّي جنتَك؟ قال: بلى. قال: يا ربّ إن تبتُ وأصلحت أراجعي أنت إلى الجنة؟ قال: نعم. أقول: وفي كلّ من هذه الأقوال إشارة إلى ما أوّلناه أوّلاً، فإنّ روحَ التسبيح والتحميد إنّما يحصل للإنسان إذا توجّه بقلبه إلى عالَم التقديس، والتحميد بالبراءة عن أدناس عالَم الطبيعة وذمائمها. وروح التوبة والإنابة إنّما يحصل عند رجوعه إلى الحضرة الإلهيّة بالتجرّد عمَّا سواها، وليس في تحريك اللِّسان والشفتين بتلك الأدعية والأوراد كثير فائدة، ما لم يكن معها حركة باطنيّة، ورجوع معنويّ إلى الجنّة العالية التي كانت موطن أبينا المقدّس. فالمعنى فيها: إن آدم ترَك الخَلق وأمَّ الحقّ ملتجئاً إليه باطناً وظاهراً، باكياً، طالباً منه التوبة والرجوع، فتاب عليه ورجع. وفيما روي عن أهل البيت (عليهم السلام) إشارة إلى مقامات هؤلاء الأخيار، ودرجات هذه الذوات المكرمة، والنفوس المطهرة في عالم عرش الله قبل بداية هذا الكون الدنيوي، وبَعد رجوعهم عن هذه الدار، واتّصالهم بتلك الكلمات التي لا تبيد ولا تنفد. وفيما رُوي عن ابن عبّاس إشارة إلى أنَّ المراتب اللاَّحقة هي أعيان المراتب السابقة، وأنّ كل أحد يمكن وصوله إلى المقام الذي كان فيه بحسب الفطرة الأصليّة، إن ساعدَه التوفيق. فقوله: "ألَم تَخلقني بيدِك" إشارة إلى مقامه السابق الربوبي الأسمائي. وقوله "ألَم تنفَخ فيَّ الروحَ من روحِك" إشارة إلى مقامه السابق الروحي في عالَم العقل المحض. وقوله: "ألَم تسكنّي جنّتك" إشارة إلى مقامه السابق النفسي في عالَم الحياة النفسانيّ الجنانيّ، وهو عالَم الجنّة والمغفرة. وقال النخعي: أتيتُ ابن عباس، وقلتُ: ما الكلمات التي تلقّى آدمُ وحوّاء، من ربّه؟ قال: علّم الله آدم وحوّاء أمْر الحجّ. فحجَّا، وهي الكلمات التي يقال في الحجّ، فلما فرغا من الحجّ أوحى إليهما بأنّي قبلت توبتكما. ورُوي لما أراد الله أن يتوب على آدم طافَ بالبيت سبعاً، والبيت يومئذ ربوة حمراء، فلما صلّى ركعتين قال: "اللهم إنّك تعلَم سرّي وعلانيتي، فاقبَل معذرتي. وتعلم حاجاتي، فأعطِني سؤلي. وتعلمُ ما في نفسي، فاغفر لي ذنوبي. اللهم إنّي أسئلك إيماناً يُباشر قلبي، ويقيناً صادقاً حتى أعلمَ أنَّه لن يصيبني إلاّ ما كتبتَ لي والرضا بما قسمتَ لي" فأوحى الله إلى آدم: "يا آدم قد غفرتُ لك ذنبكَ، ولم يأتني أحدٌ من ذريّتك فيدعوني بمثل الذي دعوتني به إلاّ غفرتُ ذنبه، وكشفتُ همومَه وغمومَه، ونزعتُ الفقر من بين عينيه. وجاءته الدنيا وهو لا يريدها". فصل قوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ} أي: رجع عليه بالرحمة، وقبول التوبة فإن العبد كلّما توجَّه بوجهه إلى الله توجَّه تعالى بوجهه إليه. "مَن كان لله كان اللهُ له". وفي الحديث الإلهي: "حديث : مَن تَقرّبَ إليّ شِبْراً تقرّبتُ إلَيه ذراعاً، ومن تقرّب إليّ ذراعاً تقرّبت إليه باعاً ". تفسير : وإنّما رتبه بالفاء على تلقّي الكلمات لتضمّنه معنى التوبة، وهو الرجوع إلى الله بالقلب النقي، والعِلم بقبح المعصية. وقد علمت أنّ توبةَ الرّب متوقّفة على توبة العبد، والاعتراف بالذنب والندم عليه، والعزم على أن لا يعود إليه. وإنّما اكتفى بذكر آدم لأنّ حوّاء كانت تبعاً له في الحكم، ولذلك طُوي ذكْر النساء في أكثر القرآن والسنن. {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} أي: الرجّاع على عباده بالمغفرة، أو الذي يكثر اعانتهم على التوبة. وأصل التوبة - كما مرّ - الرجوع. قال القفّال: "التوبة كالأوبة معنى. يقال: تَوَبَ، كما يقال: أَوبَ. قال تعالى {أية : قَابِلِ ٱلتَّوْبِ} تفسير : [غافر:3]. فقولهم: "تَابَ يَتُوبُ تَوباً وتَوبَةً ومَتَاباً، فهو تائِبٌ وتَوّابٌ" كقولهم: "آبَ يَئُوبُ أَوْباً وأوبَةً، فهو آئِبٌ وأوّابٌ". والتوبة لفظٌ مشترك فيها الربّ والعبد، فإذا وُصف بها العبدُ، فالمعنى: رجع إلى ربّه. لأنّ كل عاصٍ هو في معنى الهاربِ من ربّه، فإذا تابَ فقد رجع من هَربه، فيقال: تابَ إلى ربّه، والربّ تابَ على عبدهِ. وقد يفارق الرجل خدمة رئيس فيقطع الرئيس معروفَه عنده، ثمّ يراجع خدمته، فيقال: فلانٌ عادَ إلى الأمير، والأميرُ عادَ عليه بإحسانِه ومعروفِه" انتهى كلامه. فبالحقيقة رجوعُ العبد إلى الحقّ عبارةٌ عن الخروج من قيد النفس بترك المعاصي والتعلّقات، وتصفية القلب عن درن الشهوات، ليستعدّ للقاء الله والجنّة. ورجوع الحقّ إلى العبد عبارةٌ عن كشف الحقيقة له بإفاضة الخيرات عليه، وانزال البركات إليه. وبالجملة كما انّ بُعد العبد عن الحقّ عنه - مع أنَّه مع كلّ شيء، وهو أقرب إليه من كلّ قريب فكذلك قُرب العبد من الحق برفع الحجب الظلمانيّة، يستلزم قُرب الحق منه بتجلّي ذاته له بنور وجهه، لا بمعنى أن يحصل له تغيّر انتقال، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً. وهذا كما يقوله الفلاسفة في صيرورة الجوهر المفارق العقلي خزانةً لمعلومات النفْس بعد أن لم يكن، من غير لزوم تغيّر في ذات تلك الخزانة، بل من حيث كونها خزينة. وذلك لأجل تغيّر حدَث في النفْس. حيث استعدّت للاتّصال بها والاستفاضة منها. و {الرَّحِيم} هو المبالِغ في الرحمة، حيث يقبل التوبة من العبد وإن كانت المعصية شديدة والذنب عظيماً. وفي الجمع بين هذين الوصفين، وعْدٌ للتائب بالإحسان مع العفو، وإتيانهما بصيغة المبالغة دالٌّ على أنّ العبد لو تاب ثمّ عصى وتاب مراراً يتوب الله عليه ويرحمه مراراً كما وردت به الآيات والأخبار والآثار، وقام عليه الدليل العقلي. الآيات والأخبار في قبول التوبة أمّا الآيات: فمثل: {أية : تُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً} تفسير : [التحريم:8]. ومعنى النَّصوح الخالص لله، الخالي عن الشوائب. وقوله {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ ٱلْمُتَطَهِّرِينَ} تفسير : [البقرة:222]. وليس فيها تخصيص بوقتٍ دون وقت. وأمّا الأخبار فكثيرة: منها قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : التائبُ حبيبُ الله" و: "التائبُ من الذَّنْبِ كمَنْ لا ذنبَ له ". تفسير : ومنها ما روى أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني في الكافي مسنداً عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: "يا محمّد بن مسلم ذنوبُ المؤمن إذا تابَ منها مغفورةٌ، فليعمل المؤمنُ لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة. أما والله إنّها ليست إلاّ لأهل الإيمان". قلت: "فإن عادَ بعد التوبة والاستغفار في الذنوب، وعاد في التوبة"؟ فقال: "يا محمّد بن مسلم أتَرى العبد المؤمن يندمُ على ذنبِه ويستغفر الله منه ويتوبَ، ثمّ لا يقبل الله توبته"؟ قلت: "فإنّه فعَل ذلك مِراراً يذنبُ، ثمّ يتوبُ ويستغفر"؟ فقال: "كلّما عادَ المؤمن بالاستغفار والتوبة، عادَ الله عليه بالمغفرة، وإنّ الله غفورٌ رحيم، يقبل التوبة ويعفو عن السيّئات، فإيّاك أن تُقنّطَ المؤمنين من رحمة الله". وروى أيضاً في كتاب الكافي حديثاً متَّفقاً عليه عن أبي عبيدة، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) - يقول: "الله تعالى أشدّ فرحاً بتوبة عبده من رَجل أضلَّ راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها، فالله أشدّ فرحاً بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها". وهذا الحديثُ ممّا هو منقول من غير هذا الطريق عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بزيادة ألفاظٍ أُخر، وهو أنّه قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : الله تعالى أفرَحُ بتوبةِ عبدِه المؤمن من رَجُل نزَلَ في أرضٍ مُهلِكَة معَه راحِلته، علَيها طعامُه وشرابُه، فوضَع رأسَه فنامَ نومةً، فاستيقظَ وقد ذهبَت راحلتهُ، فطلبَها حتّى إذا اشتدّ عليه الحرّ والعَطش - أو ما شاء الله - قال: "أرجع إلى مكاني الذي كنتُ فيه فأقيم حتّى أموت" فوضَع يده على ساعِده ليموت، فاستيقَظ فإذاً راحلته عنده عليها طعامُه وشرابُه، فالله أشدّ فرحاً بتوبة العبد من هذا براحلته ". تفسير : وفي بعض الألفاظ: فقال من شدَّة فرحه إذا أراد شكر الله "أنا ربُّك، وأنتَ عبْدي"، ورُوي أيضاً فيه مسنداً عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إنّ الله تعالى أوحى إلى داوود أن: ائتِ عبدي دانيال، فقل له: "إنّك عصيتَني فغفرتُ لك، وعصيتَني فغفرتُ لك، وعصيتَني فغفرت لك. فإن أنتَ عصيتَني الرابعة لم أغفِر لك" فأتاه داوود فقال: "يا دانيال إنّي رسول الله إليك، وهو يقول: يا دانيال إنّك عصيتَني فغفرتُ لك، وعصيتني فغفَرتُ لك، وعصيتني فغفَرتُ لك. فإن أنتَ عصيتَني الرابعة لم أغفر لك" فقال له دانيال: "قد بلَّغتَ يا نبيَّ الله" فلمّا كان في السحَر قام دانيال فناجى ربَّه فقال: "يا ربِّ إنّ داوود نبيّك أخبرني عنك أنّي قد عصيتك فغفرتَ، وعصيتُك فغفرتَ، وعصيتُك فغفرتَ لي. وأخبرَني عنك إن عصيتُك الرابعة لم تغفِر لي. وعزّتك وجلالك لئِن لم تعصمني لأعصينَّك، ثمّ لأعصينّك، ثم لأعصينّك". وروي أنَّ رجلا سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الرجل، يذنب ثمّ يستغفر، ثمّ يذنب ثمّ يستغفر، ثمّ يذنب ثمّ يستغفر؟ فقال (عليه السلام): "ثمّ يستغفر أبداً حتى يكونَ الشيطان هو الخاسر. فيقول: لا طاقة لي معه". وقال عليّ (عليه السلام): "كلّما قدرتَ أن تطرحَه في ورطة وتتخلَّص فافعَل". وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : إنّه لَيُغان على قلبي، وإنّي لأستغفر الله في اليوم مئة مرة"تفسير : . وفي رواية: "لَيُران" بدل "لَيغان". و "سبعين مرّة" بدل "مأة مرّة". واعلم أنّ "الغَيْن" شي يغشى القلب فيغطّيه بعض التغطية، وهو كالغَيم الرقيق الذي يعرض في الهواء، فلا يحجب عين الشمس، ولكن يمنع ضوءها. قال القاضي البيضاوي في شرح المصابيح: "الغَيْن" لغةٌ في الغيم. وغَان كذا أي: غَطا عليه. وقال أبو عبيدة في معنى الحديث: أي يتغشّى ما يلبسه. وقد بلغنا عن الأصمعي أنّه سُئل عن هذا الحديث، فقال للسائل: عن قلب مَن تَروي هذا؟ فقال: عن قلب النبي (صلى الله عليه وآله). فقال لو كان غير قلب النبي (صلى الله عليه وآله) لكنت أفسّره لك. والعلماء ذكَروا في تأويل هذا الحديث وجوهاً: الأول: إنّ الله أَطْلع نبيَّه (صلى الله عليه وآله) على ما يكون في أمّته بعده من الخلاف وما يصيبهم، فكان إذا ذكر ذلك وجد غَيناً في قلبه، فاستغفَر لأمّته. الثاني: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان ينتقل من حالَةٍ إلى حالَة أرفع من الأولى، فكان الاستغفار لذلك. الثالث: وهو تأويل أرباب الحقيقة - إنّ الغَين عبارةٌ عن السُّكر الذي كان يلحقه في طريق المحبّة الإلهيّة، حتّى يصيرَ فانياً عن نفسه بالكلّية. فإذا عادَ إلى الصحْو بعد المحْو كان الاستغفار من ذلك الصَّحْو. الرابع: وهو تأويل أهل الظاهر "إنّ القلب لا ينفكُّ عن الخَطرات والخواطر والشهوات، وأنواع الميل والارادات، فكان يستعين بالربّ في دفع تلك الخواطر". قال القاضي في ذلك الشرح: "ولله درّ الأصمعي في انتهاجه منهَج الأدب، وإجلاله القلبَ الذي جعلَه الله موقع وحْيه، ومنزل تنزيله، فإنّه مشرَب سُدّ عن أهل اللسان موارده، وفتح لأهل السلوك مسالكه. وأحقّ مَن يُعرب أو يعبّر عنه مشايخ الصوفية، الذي بارَك الحقّ أسرارَهم، ووضعَ الذكرُ عنهم أوزارَهم، ونحن بالنور المقتبس من مشكاتهم نذهبُ ونقول: لمّا كان قلبُ النبي (صلى الله عليه وآله) أتمّ القلوب صفاءً، وأكثرها ضياءً، وأعرَفها عرفاناً، وكان (صلى الله عليه وآله) معتنياً مع ذلك لتشريع الملّة، وتأسيس السنّة، مُيسّراً غير معسر، ولم يكن له بدّ من النزول إلى الرخص، والالتفات إلى حظوظ النفس، مع ما كان ممتحناً به من أحكام البشريّة، فكان إذا تعاطى شيئاً من ذلك أسرعت كدورة مّا إلى القلب، لكمال رقّته وفرط نورانيّته، فإن الشيء كلّما كان أرقّ وأصفى كان ورود الكدورات عليه أبيَن وأهدى، وكان (صلى الله عليه وآله) إذا أحسّ بشيء من ذلك عدّه على النفس ذنْباً فاستغفر منه" انتهى كلامه. ولا يخفى أنَّ التأويل الثاني والثالث أولى بأن ينسب غلى أهل الحقيقة ممّا ذكرَه وجعلَه منسوباً إليهم، فإنّ النبي (صلى الله عليه وآله) من فَرط الجامعيّة، وكمال المرتبة كان بحيث يسَع قلبُه الحقّ والخَلْقَ جميعاً، ويفي قوّتُه بضبطه الجانبين، ولم يكن بحيث إذا تعاطى شيئاً من أمور السياسة أسرَعَ إلي قلبِه كدورةٌ، لأنّ ذلك شأن ضعفاء العقول أمثالنا. فصل وأمّا الدليل العقلي على أنّ الإنسان متى تاب عن ذنبه فقد قبِل الله منه وغفَر له فهو مما يتوقّف إثباتُه على تحقيق معنى التوبة، ومعنى وجوبها على الفور، ولنذكر نقاوةَ ما ذكره المحقّقون من علماءِ الإسلام، وحُكماء هذه الشريعة التي أتانا بها سيّد الأنام - عليه وآله السلام والتحيّة والإكرام - في معناها، وهو: إنّ التوبة لا تحصل إلاّ بأمور ثلاثة: أوّلها، معرفة ضرر الذنوب، وكونها حجاباً بين العبد ومحبوبه، وسموماً قاتلة لمن يباشرها. فإذا عرف ذلك وتيقَّنه حصل له من ذلك حالةٌ ثانية، هي التألم لفواتِ المحبوب، والتأسّف مِن فعْل الذنوب. وهذا التألّم والتأسّف هو المعبَّر عنه بالندم. وإذا غلب هذا التألّم حصَل حالةٌ ثالثة هي القصد إلى أمور ثلاثة: أوّلها: تعلّق بالحال، والاستقبال، والمضيّ. فالمتعلّق بالحال هو تركُ ما هو مقيمٌ عليه من الذنوب. والمتعلّق بالاستقبال هو العزْم على عدَم العود إليها إلى آخر العمر. والمتعلّق بالماضي تلافي ما يمكن تلافيه من قضاء الفوات، والخروج من المظالِم، فهذه الثلاثة أعني المعرفة، والندم، والقصد إلى المذكورات أمورٌ مترتبة في الحصول، وقد يطلق على مجموعها إسم التوبة. وكثيراً مّا يُطلق على الثاني - أعني الندم - وحده، وقد يُطلق على مجموع الأخيرين: الندم والعزم. قال صاحب إحياء العلوم: اعلم أَن التوبة معنى منتظَم من ثلاثة أمور مترتّبة: عِلْمٌ وحالٌ وفِعْلٌ... أمّا العِلْم وهو مَطلَع هذه الخيرات، وأعني به الإيمان واليقين... بأنّ الذنوب سمومٌ مهلكة... فيثمر نورَ هذا الإيمان متى أشرَق على القلب نار الندم، فيتألَّم القلبُ به حيث يبصر بإشراق نورِ الإيمان أنَّه صار محجوباً عن محبوبه، كمَن يشرقُ عليه نورُ الشمس وقد كان في ظلمة فسطَعَ النور بانقشاع سحابٍ، أو انصرافِ حجابٍ، فرأى محبوبهُ قد أشرفَ على الهلاك، فتشتعلُ نيرانُ الحبِّ في قلبِه، فتنبعث بتلك النيران إرادتُه للانتهاض للتدارك. فالعلمُ والندمُ والقصدُ المتعلّقة بالترك في الحالِ والاستقبال، والتلافي للماضي، ثلاثة معان مترتّبة في الحصول، يُطلق اسم التوبة على مجموعها، وكثيراً مّا يُطلَق على معنى الندم وحده، ويُجعل العلم كالسابق والمقدّمة، والتَّرك كالثمرة والتابع... فيكون النجم محفوفاً بطرَفيه، مثمرة بثمرته. فهذا معنى التوبة. وأمّا إثبات وجوبها على الفور: فاعلم أن وجوب التوبة كما أنَّه ظاهر بالآيات والأخبار، فهو واضح بنور البصيرة عند من انفتحت بصيرتُه، وشرح صدره بنور الإيمان، حتى اقتدر أن يسعى بنوره الذي بين يديه في ظلُمات الجهل، مستغنياً عن قائد يَقوده في كل خُطوة. فالسالك إمّا أعمى لا يستغني عن القائد في خُطوة، وإمّا بصيرٌ يهدى إلى أوّل الطريق، ثمّ يهتدي بنفسه، وكذلك الناس في طريق الدين ينقسون هذا الانقسام. فمِن قاصرٍ لا يقدر على مجاوزة التقليد في خُطوة، فيفتقر إلى أن يسمعَ في كلّ قدَمٍ نصّاً من كتاب الله، أو سنَّة نبيِّه، وربما يعوزه ذلك فيتحيَّر، فسيْر هذا - وإن طال عمرُه وعظُم جدُّه - مختصرٌ، وخُطاه قاصرةٌ. ومِن سعيدٍ شرَح اللهُ صدرَه للإسلام، فهو على نورٍ من ربِّه، يتنبَّه بأدنى إشارة لسلوك طريق معوِصة، وعقَبات متعِبة، فيشرق في قلبه نور القرآن ونور الإيمان، وهو لشدّة نور باطنه يجتزئ بأدنى بيان، أو كأنّه {أية : يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} تفسير : [النور:35] فإذا مسّته نارٌ فهو {أية : نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ} تفسير : [النور:35] فهذا لا يحتاج إلى نصٍّ منقولٍ في كلّ واقعة. فمَن هذا حالُه إذا أراد أن يعرفَ وجوبَ التوبة فينظر أوّلاً بنورِ البصيرة إلى التوبة ما هي؟ ثمّ إلى الوجوب ما معناه؟ ثمّ يجمع بينهما، فلا يشكّ في ثبوته لها. وذلك بأن يعلمَ أنّ معنى الواجب ما هو واجبٌ في طريق الوصول إلى سعادة الأبد والنجاة من هلاك السرمد... ومعنى قول القائل "صار واجباً بالايجاب حديثٌ محضٌ" فإنّ ما لا غرَض لنا عاجلاً وآجِلاً في فعلِه وتركِه فلا معنى لاشتغالنا به، أوجبه غيرُنا، أو لم يوجِبه. فإذا عرف الوجوب، وأنّه الوسيلةُ إلى سعادةِ الأبد، وعلِم أنْ لا سعادة في دار البقاء إلاّ لقاء الله عزّ وجلّ، وأنّ كلّ محجوبٍ عنه فشقيٌّ لا محالة، يَحول بينه وبين ما يشتهيه، محترقٌ بنار الفراق ونار جهنم، وعَلِم أن لا مبعد عن لقاء الله عز وجل إلاّ اتّباع الشهوات، والأنس بما في هذا العالَم الفاني، والاكباب على حبّ ما لا بدّ من فراقه، وعلِم أن لا مقرب من لقاء الله إلاّ قطع علاقة القلب عن زُخرف الدنيا، والاقبال بالكلّية على الله طلباً للأنس بذكره، والمحبّة بمعرفة جماله وجلاله على قدر طاقته، وعَلِم أنَّ الذنوبَ التي هي إعراضٌ عن الله، واتّباعٌ لمحابِّ الشياطين أعداءِ الله، المبعدين عن حضرته بكونه محجوباً مبعداً عن الله فلا يشكّ في أنّ الانصراف عن طريق البُعد واجبٌ للوصول إلى القُرب، وإنّما يتمّ الانصراف بالعِلْم، والندم، والعزم، فإنّه ما لم يعلَم أنَّ الذنوب أسبابُ البُعد عن المحبوب لم يتألّم، ولم يتندّم، وما لم يتندّم ولم يتوجّع فلا يرجع، ومعنى الرجوع: الترك والعزم. فلا شكَّ في أنَّ المعاني الثلاثة ضرورية للوصول إلى المحبوب. فهكذا يكون الإيمانُ الحاصل عن نورِ البصيرةِ. وأمّا مَن لم يترسّخ لمثل هذا المقام المرتفع ذِروته عن حدود أكثر الخَلق، ففي التقليد والاتّباع له مجالٌ رحبٌ يتوصل به إلى النجاة من الهلاك، فليلاحظ فيه قول الله وقول رسوله (صلى الله عليه وآله) والأئمة من بعده، وقد سبق بعضٌ من الأخبار والأحاديث وهي كثيرةٌ لا تُحصى. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) حاكياً عن الله يقول لملائكته: "حديث : إذا هَمَّ عَبدي بالحسنةِ فاكتبوها لَه حسنةً، فإنْ عملَها فاكتُبوها بعشرِ أمثالِها، وإذا همَّ بالسَّيئة فعملَها فاكتُبوها سيِّئة واحدةً، وإن ترَكها فاكتبوها له حسنةً ". تفسير : ورُوي أنَّ إبليس قال: يا ربِّ إنّك خلقتَ آدمَ وجعلتَ بيني وبينه عداوةً، فسلِّطني عليه. فقال الله تعالتى: جعلتُ صدورَهم مساكنَ لك. فقال: ربِّ زِدني. فقالَ: لا يولد ولدٌ لآدم إلاّ وُلد لك عشرةٌ. قال: ربِّ زِدني. قال: تَجري منه مَجرى الدمِ. قال: ربِّ زدني. قال: اجلبْ عليهِم بخيلِك ورِجْلك، وشارِكْهم في الأموالِ والأولادِ. قال: فشكى آدمُ إبليسَ إلى ربِّه، فقال: يا ربِّ إنّك خلقتَ إبليس وجعلتَ بيني وبينه عداوةً وبغضاءً وسلّطتَه عليَّ، وأنا لا أطيقه إلاّ بك. فقال الله: لا يولَد لك ولدٌ إلاّ وكَلتُ له مَلكين يحفظانِهِ من قُرناءِ السوء. قال: ربِّ زدني. قال: الحسنةُ بعشر أمثالِها. قال: ربِّ زدني. قال: لا أحجبُ عن أحدٍ من ولدِك التوبةَ ما لم يُغرغِر. وبالجملة الأخبار كثيرة في هذا الباب، والاجماع منعقدٌ من الأمّة على وجوبها لكن قد تدهش الغفلة عنه، فمعنى هذا العلْم إزالةُ هذه الغفلة، ولا خلاف في وجوبها. ومن معانيها ترك المعاصي في الحال، والعزم على تركها في الاستقبال، وتدارُك ما سبق من التقصير في سابق الاحوال، وذلك لا يشكّ في وجوبه. وأمّا الندم والتحزّن عليه فواجبٌ، وهو روحُ التوبة بعد العلم، وبه تمام التلافي. فكيف لا يكون واجباً، بل هو نوع ألم يحصل لا محالة عقيب حقيقة المعرفة بما فاتَ من العمر، وضاعَ في سخَط الله. فإن قلت: تألّم القلب أمرٌ ضروري لا يدخل تحت الاختيار، فكيف يوصف بالوجوب؟ فاعلم أنَّ سببه تحقّق العلم بفوات المحبوب. وللعبد سبيلٌ إلى تحصيل سببه، وبمثل هذا المعنى دخَل العلم تحت الوجوب لا بمعنى أن العلْمَ بخلقةِ العبدِ وحدوثِه في نفسه، فإنّ ذلك محال، بل العلم، والندم، والفِعل، والارادة، والقدَرة، والقادرُ، كلّها مِن خَلْق الله وفِعله {أية : وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} تفسير : [الصافات:96]. هذا هو الحقّ عند ذوي البصائر، وما سوى هذا ضلالٌ ووبالٌ. وقد مرّ مِراراً تحقيق نسبة الأفعال إلى الله، وأنَّ الكلّ بقضائه وقدَره، لا بالمعنى الذي ذهب إليه الأشاعرةُ. ولا بالمعنى الذي زعمه المعتزلة، ولا الذي اشتهر من الحكماء. بل بالمعنى الذي هو محجوبٌ إلاّ على قوم شرَح اللهُ صدورَهم، وباشَر قلوبهم نور الحقّ. فإذا تقررتْ هذه المقدّمات فنقول: كلُّ توبة إذا استجمعتْ شرائطَها فهي مقبولة لا محالة. اعلم أنَّك إذا فهمتَ معنى القبول لم تشكّ في أنّ كلَّ توبةٍ صحيحةٍ فهي مقبولةٌ، فالناظرون بنور البصائر، المستمدّون من نور القرآن، علموا أنَّ كلّ قلبٍ سليمٍ مقبولٌ عند الله، ومتنعّم في دار الآخرة في جوار الله، ومستعدّ لأن ينظر بعينه الباقية إلى وجه الله. علموا أنَّ القلب الإنسانيّ خُلِق في أصل الفطرة سليماً، فكلّ مولودٍ يولَد على الفطرة وإنّما يفوته الإسلامُ بكدورةٍ ترهقُ وجهَه من غبرة الذنوب وظُلمتها، وعلموا أنَّ نار الندم تُحرق تلك الغبرة، وأنَّ نورَ الحسنةِ تَمحو عن وجه القلبِ ظلمةَ السيّئة، وأنّه لا طاقة لظلام المعاصي مع نور الحسنات، كما لا طاقة لظلام الليل مع نور النهار. بل كما لا طاقة لكدورة الوسَخ مع بياض الصابون. فكما أنّ الثوب الوسِخ لا يقبله الملِك لأن يكون لباسَه، فكذلك القلبُ المظلم لا يقبله الله تعالى لأن يكون في جوارِه، وكما أنّ استعمال الثوب في الأعمال الخسيسة يوسِّخ الثوب، وغَسله بالصابون والماء الجاري ينظّفه لا محالة، فكذلك استعمال القلب في الشهوات يوسِّخ القلب، وغَسله بماء الدموع، وحرقة الندم ينظّفه ويطهّره ويزكّيه وكلّ قلبٍ زكيّ طاهرٍ فهو مقبولٌ، كما أنَّ كل ثوب نظيف فهو مقبولٌ، وإنّما عليك التزكية والتطهير، فأمّا القبول فمبذول، وقد سبَق به القضاء الأزليّ الذي لا مردّ له، وهو المسمّى فَلاحاً في قوله تعالى {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} تفسير : [المؤمنون:1]. وقوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} تفسير : [الشمس:9]. ومن لم يعرف على سبيل التحقيق معرفة أجلى وأقوى من المشاهدة بالبصر أنَّ القلب يتأثَّر بالمعاصي والطاعات تأثراً متضادّاً يُستعار لأحدهما لفظُ "الظُّلمة" - كما يُستعار للجهل - ويُستعار للآخر لفظُ "النور" - كما يُستعار للعلم - وأنَّ بين النور والظُّلمة تضادّا ضرورياً لا يتصور الجمع بينهما، فكأنّه لم يعرِف من الدين إلاّ قشوره، ولم يعلق بقلبه إلا أسماؤه، وقلبُه في غطاء كثيف عن حقيقة الدين، بل عن حقيقة نفسه. ومَن جهِل بنفْسه فهو بغيره أجهَل. وأعني به قلبه، إذ بقلبِه يعرفُ غيرَ قلبه. فكيف يعرف غيره، وهو لا يعرف قلبَه؟ فمَن يَتوهّم أنَّ التوبة تصحّ ولا تقبَل كمَن يتوهّم أنَّ الشمسَ تطلعُ والظَّلام لا يزول، والثوبَ يُغسل بالصابون والوسَخ لا يزول إلا أن يغوص الوسَخ لطول تراكُمه في تجاويف الثوب وخلَله، فلا يقوى الصابون على قلْعه. فمثالُ ذلك أن تتراكمَ الذنوبُ حتّى تصير طبعاً ورَيناً على القلب، فمِثْل هذا القلب لا يرجع ولا يتوبُ، نَعَم قد يقول باللسان: "تُبتُ" فيكون ذلك كقول القصّار: "قَد غسلتُ الثوبَ". وذلك لا يُنظِّف الثوبَ أصلاً ما لم يغيّر صفة الثوب باستعمال ما يضادّ الوصف المتمكّن منه. فهذا حال امتناع أصل التوبة، وهو غير بعيد، بل هو الغالب على كافّة الخَلْق، المُقبلين على الدنيا، المعرِضين عن الله بالكلّية. فهذا البيانُ كافٍ عند ذوي البصائر في قبول التوبة، ولكنّا نعضد جناحه بنقل الآيات والأخبار - كما مرّ ذكرها - فكلّ استبصار لا يشهد له الكتابُ والسنَّة لا يوثَق به. فقال تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} تفسير : [الشورى:25]. وقال: {أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ} تفسير : [غافر:3]. إلى غير ذلك من الآيات. وقال (صلى الله عليه وآله): "حديث : لو عملتُم الخَطايا حتّى تبلغَ السماءَ ثمّ ندمتم لتابَ الله عليكم ". تفسير : وقال (صلى الله عليه وآله) أيضاً: "حديث : إنّ العبدَ ليذنبُ الذنبَ فيُدخله الجنّةَ". قيل: وكيف ذلك يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: "يكونُ نصبَ عينِه تائباً فارّاً منه حتّى يدخلَ الجنَّة ". تفسير : وقال (صلى الله عليه وآله): "حديث : لله أفرَحُ بتوبةِ العبدِ - الحديث -" تفسير : والفرَح وراء القبول، فهو دليل على القبول وزيادة. وقال (صلى الله عليه وآله): حديث : إنّ الله عزَّ وجلّ يبسط يدَه بالتوبةِ لمسيءِ اللّيل إلى النهارِ، ولمسيء النهار إلى الليل، حتّى تطلعَ الشمسُ من مغربِها" تفسير : فبسْط اليدِ كنايةٌ عن طلب التوبة. والطالب وراءَ القابل، فربّ قابل ليس بطالب. وقال (صلى الله عليه وآله): "حديث : إنّ الحسناتِ يذهبنَ السيئاتِ، كما يُذهب الماءُ الوسَخ"تفسير : . ويُروى: حديث : إن الله تعالى لمّا لعَن إبليسَ سأله النظرةَ. فأنظَره إلى يوم القيامة. قال: "وعزَّتك لا خَرجتُ من قلب ابن آدم ما دام فيه الروحُ". فقال تعالى: "وَعزّتي وجلالي لا مَنعتُه التوبةَ ما دام فيه الروح ". تفسير : روى أبو سعيد الخدري، قال النبي (صلى الله عليه وآله): "حديث : كان فيمن كان قبلكم رجلٌ قتَل تسعةً وتسعين نفْساً. فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدُلَّ على راهب. فأتاه فقال هل للقاتل من توبة؟ فقال: لا. فقتلَه، فكملَ به مأة. ثمّ سال عن أعلَم أهل الأرض فدُلّ على رجل عالِم. فقال له: إنّه قتلَ مأة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نَعم. ومَن يَحولُ بينه وبين التوبة؟ انطلِق إلى أرض كذا وكذا، فإنّ بها ناساً يعبدون الله، فاعبدْ معَهم ولا ترجع إلى أرضِك، فإنّها أرض سوء. فانطلق حتى أتى نصفَ الطريق فأتاه الموتُ. فاختصمت فيه ملائكةُ الرحمة وملائكةُ العذاب. فقالت ملائكة الرحمة: جاءَ تائباً، مقبِلاً بقلبه إلى الله تعالى. وقالت ملائكةُ العذاب: إنّه لم يعمل خيراً قطّ. فأتاهم ملَك في صورة آدمي وتوسَّط بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيّهما كان أدنى فهو له. فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد أن يسير إليها، فقبضته ملائكةُ الرحمة . تفسير : وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: "حديث : إنّ عبداً إذا أصاب ذنباً قال: يا ربِّ أذنبتُ ذنباً، فاغفر لي. فقال ربُّه: إنّ عبدي علِم أنَّ له ربّاً يغفرُ الذنبَ ويأخذُ به. فقال له ربّه: غفرتُ لعبدي فليعمل ما شاء"تفسير : - أخرجاه في صحيحهما -. أبو أيّوب، قال: كنتُ كتمتُكم شيئاً سمعتُ من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: "حديث : لولا إنكم تذنبون لخَلَق الله خَلْقاً يذنبون، ثمّ يغفر لهم"تفسير : رواه مسلم. قال عبد الله: بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أقبل رجلٌ عليه كساء، وفي يده شيء قد التفّ عليه، فقال: "حديث : يا رسول الله إنّي مررت بغيضة شجر، فسمعت فيها أصوات فراخ طائر، فأخذتهن فوضعتُهن في كسائي، فجاءت أمّهنّ فاستدارت على رأسي. فكشفتُ لها عنهن، فوقعتْ عليهن فلففتهن معها". فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ضَعهنّ عنك". فأبتْ أمّهن إلا لزومهن. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتعجبون لرحم أمّ الفراخ فراخَها"؟ قالوا: "نعَم يا رسول الله" قال: "فوَالذي بعثني بالحق لله عزّ وجل أرحم بعباده من أمّ الفراخ بفراخها. ارجع بهنّ حتى تضعهن من حيث أخذتهن وأمّهن معهن" تفسير : فرجَع بهنّ. وعن أبي إدريس الخولاني. عن أبي ذرّ، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن جبرائيل، عن الله عزّ وجلّ: حديث : يا عبادي إنّي حرّمتُ على نفْسي الظلمَ، وجعلتهُ محرّماً بينكم، فلا تظالموا. يا عبادي الذي تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب ولا أبالي، فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي كلّكم جائعٌ إلاّ من أطعمتُه فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي كلّكم عار إلاّ من كسوتُه فاستكسوني أكسيكم. يا عبادي لو أن أوّلكم، وآخركم، وانسكم، وجنّكم، كانوا على قلب أتقى رجُلٍ منكم لم يزد ذلك في مُلكي شيئاً. يا عبادي لو أن أوّلكم، وآخركم، وانسكم، وجنّكم، كانوا على قلب أفجَر رجل منكم لم ينقص ذلك من مُلكي شيئاً. يا عبادي لو أن أوّلكم، وآخركم، وانسكم، وجنّكم، اجتمعوا في صعيد واحد، فسألوني، وأعطيتُ كلّ إنسان منكم ما سأل، لم ينقص ذلك من ملكي شيئاً إلاّ كما ينقص البحر أن يغمس فيه المخيط غمْسة واحدة. يا عبادي إنّما هي أعمالكم أحفظها عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وَجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه . تفسير : قال: وكان أبو إدريس إذا حدّث بهذا الحديث جَثى على ركبتيه اعظاماً له. وعن النبي (صلى الله عليه وآله)، قال: حديث : من استفتَح أوّل نهاره بالخير، وختمه بالخير، قال الله تعالى لملائكته: "لا تكتبوا عَلى عبدي ما بين ذلك من الذنوب ". تفسير : وروي أن جبرائيل سمِع إبراهيم (عليه السلام) يقول: يا كريم العفْو. قال جبرائيل: وتدري ما كريم العفْو؟ فقال: لا يا جبرائيل. قال: أن يعفو عن السيّئة ويكتبها حسَنة. وفي الكافي مسنداً عن ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله (عليه السلام) يقول: قال الله تعالى: "حديث : إنّ العبدَ من عبيدي المؤمنين ليذنب الذنبَ العظيم مما يستوجب به عقوبتي في الدنيا والآخرة، فأنظر له فيما فيه صلاحه في آخرته، فأُعجّل له العقوبة عليه في الدنيا لأجازيه بذلك الذنب، وأقدّر عقوبة ذلك الذنب، وأقضيه وأتركه عليه موقوفاً غير ممضي، ولي في امضائه المشيّة، وما يعلم عبدي به. فأتردّد لذلك مراراً على امضائه، ثم أمسك عليه فلا أمضيه كراهة لمساءته، وحَيْداً عن ادخال المكروه عليه، فأتطوّل عليه بالعفو عنه، والصفح، محبّة لمكافأته، لكثير نوافله التي يتقرّب بها إليّ في ليله ونهاره، فأصرف ذلك البلاء عنه وقد قدّرته، وقضيته، وتركته موقوفاً ولي في امضائه المشيّة، ثمّ أكتب له عظيم أجر نزول ذلك البلاء، وأدخره وأُوفّره له أجره، ولم يشعر به، ولم يصل إليه أذاه. وأنا الله الكريم الرؤوف الرحيم ". تفسير : وفي الكافي أيضاً عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حديث : مَن تابَ قبل موته بسَنة قبِل الله توبتَه. ثمّ قال: إنّ السنَة لكثير. من تابَ قبل موته بشهرٍ قبِل الله توبتَه. ثمّ قال: إنّ الشهرَ لكثيرٌ، من تابَ قبلَ موته بجُمعة قبِل الله توبتَه، ثمّ قال: إنّ الجُمعة لكثيرٌ، من تابَ قبلَ موتهِ بيومٍ، قبِل الله توبتَه. ثمّ قال: إنّ يوماً لكثيرٌ، من تاب قبلَ أن يُعاين قبِل الله توبتَه . تفسير : فصل اعلم أنّ المراد بقبول التوبة هو ما أشرنا إليه، والمراد به عند الجمهور اسقاط العقاب المترتّب على الذنب، وهو في الحقيقة من لوازم ما وقعت إليه الإشارة، وسقوط العقاب بالتوبة الصحيحة ممّا أجمع عليه أهل الإسلام. وإنّما الخلاف في أنه هل يجبُ على الله؟ حتّى لو عاقَب بعد التوبة كان ظُلماً. أو هو تفضّل يفعله الله سبحانه كرماً منه بعبده؟ فالمعتزلة على الأوّل، والأشاعرة على الثاني، وإليه ذهب الشيخ أبو جعفر الطوسي - ره - في كتاب الاقتصاد، والعلاّمة الحلّي في بعض كُتبه الكلاميّة، وتوقّف المحقّق الطوسي - طاب ثراه - في التجريد. وقال شيخنا البهائي - رحمه الله - في أربعينه: "إنّ مختار الشيخين هو الظاهر، ودليل الوجوب مدخول". أقول: الوجوب بالمعنى الذي ذكرناه قطعيٌّ لا ريب فيه. فإن قلت: ما معنى قبول التوبة؟ أفتقول كما قاله المعتزلة بأنّ كذا واجبٌ على الله؟ قلنا: إنّا لا تعني به ولا نريد إلاّ ما يريده القائل بقوله: "إنّ الثوب إذا غُسل بالصابون وجب زوالُ الوسَخ. وإنّ العطشان إذا شرِب وجب زوال العطش، وإنّه إذا منع الماء مدة وجب العطش وإذا دام العطش، وجب الموت" وليس في شيء من ذلك ما يريده المعتزلة، ولا ما يريده الأشاعرة إذ لا علاقة، ولا سببيّة بين الأشياء عندهم. بل نقول خلَق الله الطاعة مكفّرة للمعصية، والحسنة ماحية للسيّئة، كما خلَق الماء مزيلاً للعطش، والقدرةُ متّسعةٌ لخلاف ذلك، ولكن ما سبقت المشيّة إلاّ بذلك، فلا واجب على الله، لكن كل ما سبقت به إرادته الأزليّة فواجب كونه لا محالة. فإن قلت: ما من تائب إلاّ وهو شاكّ في قبول توبته، والشارب لا يشكّ في زوال عطشه؟ قلنا: شكّه في القبول كشكّه في وجوب شرائط الصحّة، فإنّ للتوبة أركاناً وشروطاً دقيقة، وليس يتفق وجود جميع شروطها، كالذي يشكّ في دواء شَربَه للاسهال في أنه هل يسهّل، وذلك لشكّه في حصول شروط الاسهال في الدواء باعتبار الحال، والوقت، وكيفيّة خلط الدواء وطبخه، وجودة عقاقيره وأدويته، فهذا وأمثاله موجبٌ للخوف بعد التوبة وللشكّ في قبولها. هذا ما قاله بعض أكابر الكشف والتحقيق. وأما ما قاله أبو علي الطبرسي في تفسيره المسمّى بمجمع البيان عند قوله تعالى: {أية : فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} تفسير : [غافر:7]. "إنّ في هذه الآية دلالةً على أن اسقاطَ العقاب عند التوبة تفضُّل من الله؛ إذ لو كان واجباً لكان لا يحتاج فيه إلى مسألتهم، بل كان يفعله سبحانه لا محالة" ففيه نظرٌ، لما مرّ من أنّ العبد ربما يشكّ في ذلك القبول مع أنّه كان واجباً، لعدم احاطته بأسبابه، إذ الضرورة الذاتيّة لشيء لا تنافي الشك، والإمكان العقلي، وهو تجويز العقل لخلافه. ولأن السؤال قد يكون للأمر الواقعي، والغرض اظهار الانكسار، والمذلّة، أو بسط الكلام مع المحبوب، وعرض الافتقار لديه، كما قالوا في قوله تعالى: {أية : رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} تفسير : [البقرة:286]. على بعض الوجوه. فصل في شروط التوبةِ سئل ذو النون المصري رحِمه الله عن التوبة، فقال: "إنّها اسمٌ جامعٌ لمعان ستة: أولُهنّ الندم على ما مضى. والثاني:العزمُ على ترك الذنوب في المستقبل. الثالث: أداء كلّ فريضة ضيّعتها فيما بينك وبين الله. الرابع: ردّ المَظالم إلى المخلوقين في أموالهم وأعراضهم. الخامس: اذابة كلّ لحمٍ ودم نَبَت في الحرام. السادس: اذاقة البدن ألمَ الطاعاتِ كما ذاقَ حلاوةَ المعصية". وهذا الذي ذكره ذو النون من الأمور الستّة هو ممّا رواه الشيخ أبو علي الطبرسي في تفسيره عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بهذه العبارة: "التوبة يجمعها ستّة أشياء: على الماضي من الذنوب الندامة. وللفرائض الاعادة، ورد المظالم، واستحلال الخصوم. وأن تعزم على أن لا تعود. وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربّيتها في المعصية. وأن تذيقها مرارة الطاعات كما أذقتها حلاوة المعاصي". وأورد السيد الرضي في كتاب نهج البلاغة، إنّ قائلاً قال بحضرته: "أستغفرُ الله" فقال له عليه السلام: "ثكلتْك أُمّك. أتدري ما الاستغفار؟ إنّ الاستغفارَ درجةُ العليين، وهو اسم واقع على ستّة معانٍ الحديث". وفي كلام بعض أكابر الكشف: "إنّه كما لا يكفي في جلاء المرآة قطْع الأنفاس والأبخرة، كذلك لا يكفي في جلاء القلب من ظلُمات المعاصي وكدوراتها مجرّد تركها وعدم العود إليها. بل يجب محو آثار تلك الظُّلمات بأنوار الطاعات، فإنّه كما يرتفع إلى القلب من كلّ معصية ظُلمة وكدورة، كذلك يرتفع إليه من كلّ طاعة نورٌ وضياء. والأولى محوُ ظُلمة كلّ معصية بنور طاعة يضادّها، بأن ينظر التائب إلى سيّئاته مفصلة، ويطلب لكلّ سيّئة منها حسَنة تقابلها، فيأتي بتلك الحسَنة على قدْر ما أتى بتلك السيّئة، فيكفّر استماعَ الملاهي مثلاً باستماع القرآن والحديث، ومسَّ خط المصحَف جُنباً باكرامه، وكثرة تقبيله، وتلاوته، والمكثَ في المسجد جُنباً بالاعتكاف فيه وأمثال ذلك. وكذا في حقوق الناس كما يعالجُ الطبيبُ الأمراضَ بأضدادها. فصل ومن المسائل في باب التوبة أنها هل تصحُّ عن بعض الذنوب، أم لا إلا عن الجميع؟ واعلم أنّ هذا ممّا اختلفت أقوال العلماء فيه، فقال كثيرٌ من العلماء منهم المحقّق الطوسي في التجريد: "إنّ هذه التوبة غير صحيحة". وقال الآخرون: "إنّها صحيحةٌ". وقال صاحبُ الاحياء: "إنّ المقام لا بدّ فيه من تفصيل، ولا يجوز اطلاق الصحّة مجملة في شيء من الطرفين، بل نقول - لمن قال: "لا تصحّ" - : إن عنيتَ به أنَّ تركَه بعضَ الذنوب لا يفيدُ أصلاً، بل وجودُه كعدمِه. فهذا خطأ بلا شبهة، فإنّا نَعْلم أنَّ كَثرةَ الذنوب سببٌ لكَثرة العقاب، وقِلّتها سبب لقلّته. ونقول - لمَن قال: "إنّها تصحّ" - : إن أردت أن التوبة عن بعض الذنوب توجِب قبولاً يوصل إلى النجاة والفوز، فهذا أيضاً خطأ. بل استحقاق النجاة والفوز يكون بترك الجميع. هذا حكم الظاهر ولسنا نتكلّم في خفايا أسرار عفو الله. اعلم أن القائل بأنّ "التوبة عن البعض غيرُ صحيحةٍ" حجّته أنَّ التوبةَ عبارةٌ عن الندم عن المعصية لقُبحها - لا لشيء آخر - وإلاّ لما كانت توبة، والقبْح مشترك بين جميع المعاصي، فمن توجَّع وندم عن السّرقة لكونها معصيةً - لا لخصوص كونها سِرقةً - استحال أن يندم عليه دون الزنا، لأنّ العلّة شاملةٌ لهما. إذ من يتوجَّع على قتل ولده بالسيف، يتوجَّع على قتله بالسكّين، لأنّ توجُّعه بفوات محبوبه - سواء كان بالسيف أو السكّين - فكذلك المعاصي توجِب للعبد فواتَ محبوبه، والندم إنما يكون على فعل ما يوجب فوات محبوبه من حيث إنّه قبيح. فلا معنى للتندّم على بعض المعاصي دون بعض، لاشتراكها في كونها حجاباً بين العبد ومقصوده. هذا ما ذكروه وهو بظاهره موجَّهٌ، إلاّ أنّ فيه تفصيلاً ينكشف به الغطاء. فنقول: إنّ الأشياء قد تشترك في معنى واحد يتحقّق ذلك المعنى فيها على وجه الكمال والنقص، والقوّة والضعف، فيكون في بعضها أعظم وأشدّ، وفي بعضها أصغر وأضعف. ومِن هذا القبيل المعاصي والذنوب، فإنّ الجميع مشتركةٌ في معنى واحد - هو القبح أو الظلمة أو الحجاب - لكن بعضها أكبر قبحاً وظُلمة وحجاباً، وبعضها أصغر. فإذا تقرّر هذا فنقول: التوبة عن بعض الذنوب إمّا أن تكون عن الكبائر دون الصغائر، أو عن الصغائر دون الكبائر، أو عن كبيرة دون كبيرة. أمّا الأوّل: فممكن. لأنّا نعلم أنّ الكبائر أعظم عند الله وأجلب لسخط الله ومقْته، والصغائر أقرب إلى العفو عنها، فلا يستحيل أن يتوب عن الأعظم ويتندّم عليه بحسب استعظامه، وكونه مبعّداً عن الله. وهذا مما ثبت وجودُه في الشرع، فقد كثُر التائبون في الأعصار، ولم يكن واحدٌ منهم معصوماً. فلا تستدعي العصمة. والطبيب قد يُحذّر المريضَ العسلَ تحذيراً شديداً، ويُحذّره السكَّر تحذيراً أخفّ منه على وجهٍ يشعر بأنّه ربما لا يظهر ضرر السكّر أصلاً. فيتوب المريض بقوله من العسل دون السكّر. فهذا غير محال وجوده. الثاني: أن يتوب عن بعض الكبائر دون بعض، وهذا أيضاً ممكن لاعتقاد أنّ بعض الكبائر أشدّ وأغلظ عند الله، كالذي يتوب عن القتل، والنهب، والظلم، ومظالم الناس، لعلمه بأنّ حقوق الناس لا تترك، وما بين الله وبينه يسارع العفو إليه. وكذلك قد يتوب عن بعض الكبائر التي لا تتعلّق بالعباد دون بعض لكونها متفاوتة في أنفسها، وفي اعتقاد مرتكبها. الثالث: أن يتوب عن صغيرة أو صغائر، وهو مصرٌّ على كبيرة يعلم أنها كبيرة - كالذي يتوب عن الغيبة، وعن النظر إلى غير المَحْرَم، وما يجري مجراه، وهو مُصرّ على شُرب الخمر - فهذا أيضاً ممكنٌ. ووجْه امكانه أنه ما من مؤمن إلاّ وهو خائف على معاصيه ونادمٌ على فعْله - ندماً قويّاً، أو ضعيفاً - ولكن يكون لذّة نفسه في تلك المعصية أقوى من ألم الخوف منه لأسباب توجِب ضعفَ الخوف - من الجهل والغفلة وأسباب قوّة الشهوة - فيكون الندم موجوداً، ولكن لا يكون مليّاً بتحريك العزم، ولا قويّاً عليه، فإن سلم عن شهوة أقوى منه، بأن لم يعارضه إلاّ ما هو أضعف قهر الخوف الشهوة وغلبها وأوجب تركَ المعصية. وقد تشتدّ ضراوةُ الفاسق بالخمر فلا يقدر على الصبر عنه، لعدم مقاومة خوفِه ضراوَته، لضعف الخوف وقوّة الضراوة. ويكون له ضراوةٌ بالغيبة، واستماع الملاهي، والنظر إلى الغير الْمحرَم، وخوفه من الله قد بلغَ مبلغاً يقاوم هذه الشهوة الضعيفة ويقمعها، ولا يقاوم شهوة أقوى من هذه الشهوة، كشهوة شُرب الخمر. بل لهذا الفاسق أن يقول: "إنْ غلَبني الشيطان بواسطة غلبة هذه الشهوة القويّة فلا ينبغي أن أخلع العذار وأرخي العنان بالكلّية، بل أجاهده في بعض المعاصي، فعساني أغلب عليه فيكون قهري له في البعض كفّارةً لبعض ذنوبي". ولو لم يُتصوّر هذا لما صحَّ من الفاسق أن يصلّي ويصوم. وقيل له: "إن كانت صلاتك لغير الله فلا تصحّ، وإن كانت لله فاترك الفسق لله. فإنّ أمرَ الله فيه واحد، فلا يتصوّر أن تقصد بصلاتك التقرّب إلى الله ما لم تقترن بترك الفسق" وهذا باطل، بل له أن يقول: "إنّ لله عليَّ أمرين، ولي على المخالفة عقوبتان، وأنا ملي في أحدهما بقهر الشيطان عاجز عنه في الآخر، فاقهرُه فيما أقدِرُ عليه، وأرجو بمجاهدتي فيه أن يكفِّر عنّي ما عجزت عنه بفرط شهوتي" فكيف لا يتصور هذا. وهو حالُ كلّ مسلم. إذ لا مسلم إلا وهو جامعٌ بين طاعة الله ومعصيته. ولا سبب له إلا هذا. وإذا فهِم هذا فهِم أنَّ غلبةَ الخوف على الشهوة في بعض الذنوب ممكنٌ وجوده، والخوف إن كان من فعل ماضٍ أورث الندم، والندم يورث العزم. وقد قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : الندمُ توبةٌ" تفسير : ولم يشترط الندم عن كل ذنب. وقال (صلى الله عليه وآله): "حديث : التائبُ من الذنب كمن لا ذنبَ له" تفسير : ولم يقل: التائب من الذنوب كلّها. وبهذه المعاني تبيَّن سقوط قول القائل: إنّ التوبة عن أفراد الذنوب إذا كانت متماثلة في حق الشهوة، وفي حقّ التعرض لسخط الله غير ممكنة. نعم، يجوز أن يتوبَ على الكثير دون القليل، لأن لكثرة المعصية تأثيراً في كثرة العقوبة. فصل إنّ في هذه الآية حثّاً على التوبة، وتنبيهاً على أنّ العبد لا بدّ وأن يكون دائم الرجوع والانابة إلى الله تعالى، كما أنَّه دائم المغفرة والرحمة، وأنَّه ما من درجة في الخير والسعادة تحصَل للعبد إلاّ وينبغي له أن يتوب عنها بتحصيل درجة فوقها لذاته، فإنّ الإنسان جوهرٌ متجدد الذت، له في كل وقت حجاب من هويّته. وقد قيل: "وجودُك ذنبٌ لا يقاس به ذنبُ" فيجب له في كل وقت توبةٌ عن ذنبِ وجوده، واستغفارٌ عن غشاوة هويّته. قال بعض الحكماء: "إنّ لك منه غطاء فضلاً عن لباسك من البدن فاجهد أن ترفع الحجاب وتتجرّد، فحينئذ تلحق فلا تسأل عما تباشره". وقال أيضاً: "انفذ إلى الأحديّة تدهش إلى الأبد. وإذا سألت عنها فهي قريب، وذلك لأنّ مراتب القُرب إلى الله غير متناهية، لعدم تناهي التجلّيات الأسمائيّة الصفاتيّة، والشؤونات الإلهيّة، ولكونه تعالى وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى، شدّة، وقوّة، وهو مع ذلك العلوّ، والرفعة والورائيّة رجّاعٌ إلى عبده، توّاب رحيم عليه، قريب إليه يسمع نداءه، ويجيب دعاءه، ويقضي حاجاته، ويقول: {أية : إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} تفسير : [البقرة:186] وينزل كل ليلة في الثلث الأخير منه إلى سماء الدنيا، فيقول: "هلْ من داع؟ هل من مُستغفر؟". ويروى أنَّ في بني إسرائيل شابٌّ عَبد الله عشرين سنة، ثمّ عصاه عشرين سنة، ثمّ نظَر في المرآة فرأى الشيب في لحيته، فساءه ذلك. فقال: "إلهي أطعتك عشرين سنَة، ثمّ عصيتُك عشرين سَنة، فإن رجعتُ إليك أتقبلني؟" فسمع قائلاً يقول - وهو لا يرى شخصاً - : "أحببتنا فأحببناك. وتركتَنا فتركناك. وعصيتَنا فأمهلناك وإن رجعتَ إلينا قبلناك". وقال ذو النون المصري: "إنّ لله عباداً نصَبوا أشجارَ الخطايا نصبَ روامق قلوبهم، وسقوها بماء التوبة فأثمرت ندماً وحزناً، فجُنوا من غير جنون، وتبلّدوا من غير عيٍّ ولا بكم، وإنّهم لهم البُلغاء الفصحاء، العارفون بالله ورسوله، ثمّ شربوا بكأس الصفاء فورثوا الصبر على البلاء، ثمّ تولَّهت قلوبهم في الملكوت، وجالَت فكرهم بين سرايا حجب الجبروت، واستظلّوا تحت رواق الندم، وقرءوا صحيفة الخطايا، فأورثوا أنفسهم الجزع، حتى وصَلوا إلى علوّ الزهد بسلّم الورع، فاستعذبوا مرارة الترك للدنيا،واستلانوا خشونة المضجع، حتى ظفروا بحبل النجاة وعروة السلامة، وسرحت أرواحهم في العُلا، حتّى أناخوا في رياض النعيم، وخاضوا في بحر الحياة، وعَبروا جسور الهوى، وردموا خنادقَ الجزع، حتى نزلوا بفناء العلم، واستقوا من غدير الحكمة، وركبوا سفينة الفطنة، وأقلعوا بريح النجاة في بحر السلامة، حتّى وصَلوا إلى رياض الراحة ومعدن العزّ والكرامة". وقال بعض الفضلاء في وصف السالكين إلى الله، الراجعين إلى حضرة الجبروت كلمات مسجَّعة تشير إلى مقاماتهم وأحوالهم، وهي هذه: "لما جاءتْهم عناية الفضل تركوا الفضول، وسافروا إلى منازل الوصول، وركِب الساداتُ على خيل السعادات، واستعانوا في سفرهم على سلوك الطريق بزاد التقوى، المعجون بماء التوفيقِ، وراضوا خيلَهم في رياض الرياضة، وضمروها، وألجموها بلجام منع الالتفات إلى غير مولاها، وزجَروها وضربوها بسيوطِ الخوفِ، وحرّكوها بإعمال أعمال السوق، وركَضوها إلى غاية المُنى في ميدان الشوق، وذبحوا نفوسَ الهوى بسيوف المخالفة، وطعنوا فرسان الطبع برماح ترك العادات السالفة، وطهّروها بماء الدموع الطهور لنجاسات الذنوب، والعيوب، وسائر الشرور، حتّى صحّت لهم العبادة المفتقرة إلى الطهارة كالصلاة، وداووا قلوبَهم من أمراض حبّ الدنيا والجاه، وأحرَقوا أشجار خشبها بنار حزن القلب الأوّاه، وأحيوا ميتها بذكر الله. واعجبا منّا كيف نعرف تلك المواهب والأحوال ولا نتداوى من الداء العضال الذي بيننا وبينها حالَ. لقد عجزنا وملنا إلى الهوى والف العادةِ، لم نخرج عن الرغبات والطباع التي خرجت عنها السادةُ، ولم نتّعظ بوَعظٍ لسوء حظّ لم تساعدنا السعادة" انتهى كلامه. أقول: بقيَ في هذا الزمان من هذه المعاني حكاياتُها، ومن حقائق العلمِ واليقين ألفاظُها وعباراتُها، بقي أقوالٌ بلا أعمال، وأشخاص كالتماثيل بلا روح العلوم والأحوال. وسُئل عابد حين يبكي: "ما يُبكي العابد؟" فقال: "ما لي لا أبكي، وقد توعّرت الطريق، وقلّ السالكون فيها. وهجرت الأفعال، وقلّ الراغبون فيها وأهل الحق. ودرَسَ هذا الأمْر، ولا أراه إلاّ في لسان كلّ بطّال ينطق بالحكمة ويفارق الأعمال وقد افترشَ الرخصة وتمهّد التاويل، واعتلّ بزلل العاصين". ثمّ جعل يقول: "واغمّاه من فتنة العلماء! واكرَباه من حيرة الأدلاء! أين الأبرار من العلماء؟ بل أين الأخيار من الزهّاد؟".
الجنابذي
تفسير : {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} الكلمات المتلقّاة من الرّبّ ليست شبيهة بكلمات الخلق كما يظنّ بل هى عبارة عن اللّطائف الوجوديّة الّتى هى التّوحيد والنّبوّة والولاية ومراتب كلّ منها ومراتب العالم الّتى لا نهاية لها؛ فانّ الكلمة كما تطلق على الكلمة اللّفظيّة وعلى الكلمة النّفسيّة الّتى هى حديث النّفس تطاق على العقائد والعلوم وعلى اللّطائف الوجوديّة وعلى مراتب الوجود، وقوله تعالى: {وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}؛ اريد به مراتب الوجود، واذا قيس قوله (ص): حديث : اوتيت جوامع الكلمتفسير : ، بهذا علم فضل محمّد (ص) على ابراهيم (ع) ولمّا اريد بالكلمات اللّطائف الوجوديّة وتلك اللطائف يمكن التّعبير عنها بتعبيراتٍ مختلفة ورد فى الاخبار كلمات مختلفة فى تفسيرها، وجمع الاخبار بعد الاطّلاع على ما ذكرنا فى غاية الوضوح. تحقيق توبة العبد {فَتَابَ عَلَيْهِ} توبة العبد من الشّئ ادباره عنه مع الانزجار منه سواء كان ذلك الشّئ من المعاصى الظّاهرة او الباطنة، او المقامات النّازلة الّتى يقف العبد فيها او المشاهدات الّتى قد يفتتن السّالك بها، او الخطرات الّتى توبة الاولياء منها، او الالتفات الى غير الله الّذى توبة الانبياء منه؛ وهى قسيمة للانابة فانّ الانابة الاقبال والرّجوع. اعلم انّ سلوك السّالك لا يتمّ الاّ بجانبين؛ البرائة والولاية ويعبّر عنهما بالتّوبة والانابة؛ وبالزّكاة والصّلاة، وبالصّيام والصّلاة، والتّبرّى والتّولّى، والنّفى والاثبات، والنّهى والامر، والخوف والرّجاء، والتّرهيب والتّرغيب؛ ولذا لم يكن شريعة من لدن آدم (ع) الاّ وفيها زكوة وصلوة وكان الكلمة الجامعة بين النّفى والاثبات اشرف الاذكار، وكان اشرف الكلّ لا اله الاّ الله لاعتباراتٍ ليست فى غيرها كما سنذكره ان شاء الله فى بيان قوله: أية : فاذكرونى أذكركمتفسير : فى هذه السّورة، واذا عدّى التّوبة بالى كانت مشعرةً بالجمع بين التّوبة والانابة، واذا نسبت الى العبد عدّيت بالى للدّلالة على الانتهاء، واذا نسبت الى الله عدّيت بعلى للدّلالة على الاستعلاء والاستيلاء. تحقيق توبة الرّب فى توبة العبد {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ} كثير التّوبة منحصرة فيه لانّ توبة العبد كسائر خصاله اظلال صفات الحقّ فانّ توبة العبد ظلّ لتوبة الرّبّ بل هى توبة الرّبّ فى مقام شأنه النّازل فلا تائب الاّ هو، ونسبتها الى العبد محض اعتبارٍ ففى توبة العبد تكرار ظهور لتوبة الرّبّ فانّه ما لم يظهر توبة الله فى شؤنه العالية لم تظهر فى مظهره النّازل فهو تعالى كثير التّوبة باعتبار كثرة ظهورها ولا توّاب سواه باعتبار انّ توبة العبد توبته {ٱلرَّحِيمُ} لا رحيم سواه كحصر التّوبة وافاضة الرّحمة الرّحيميّة على العبد بعد توبة الرّبّ فى توبة العبد كاللاّزم الغير المنفكّ منها ولذا عقّبها بها.
فرات الكوفي
تفسير : {فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْه 37} فرات قال: حدثنا محمد بن القاسم بن عبيد قال: حدثنا الحسن بن جعفر قال: حدثنا الحسين بن سواد [أ: سوا. ب: سوار] قال: حدثنا محمد بن عبد الله قال: حدثنا شجاع بن الوليد أبو بدر السكوني قال: حدثنا سليمان بن مهران الأعمش عن أبي صالح: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : لما نزلت الخطيئة بآدم وأخرج من الجنة أتاه جبرئيل (ع) فقال: يا آدم ادعُ ربك قال: [يا. ب، ر] حبيبي جبرئيل ما أدعو؟ قال: قل: رب أسألك بحقّ الخمسة الذين تخرجهم من صلبي آخر الزمان إلا تبت عليّ ورحمتني فقال له آدم (ع) يا جبرئيل سمّهم لي قال: قل: ربّ أسألك بحق محمد نبيك وبحق علي وصي نبيك وبحق فاطمة بنت نبيك وبحق الحسن والحسين سبطي نبيك إلا تبت عليّ ورحمتني [ر. فارحمني]. فدعا بهنّ آدم فتاب الله عليه وذلك قول الله تعالى: [أ، ب: جل ذكره]: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} و ما من عبدٍ مكروب يخلص النية ويدعو بهنّ إلا استجاب الله له .
الهواري
تفسير : قوله: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} وعلى حواء. ذكروا عن ابن عباس قال: هو قولهما: (أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ) تفسير : [الأعراف:23]. وبعضهم يقول: قال آدم: يا رب أرأيت إن تُبتُ وأصلحتُ. قال: أرجعك إلى الجنة. قوله: {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً} قد فسّرناه في الآية الأولى. قال: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى}. والهدى في هذا الموضع هو الرسل. وهو حجة الله عليهم في الآخرة حيث يقول: (أية : يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي) تفسير : [الأعراف:35]. قال: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} في الآخرة من النار {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} أي على الدنيا. ذكر بعض أهل العلم أنه ذكر هذه الآية فقال: ما زال لله في الأرض أولياء منذ هبط آدم، ما أخلى الله الأرض لإِبليس إلا وفيها أولياء لله يعملون بطاعته. وقال الكلبي: فعند ذلك أخذ عنهم الميثاق في صلب آدم. قوله: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ} أي أهل النار {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. لا يموتون ولا يخرجون منها. قوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ} يقول لمن بقي من بني إسرائيل ممن أدرك النبي عليه السلام: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} يذكرهم ما فعل بأوائلهم وما أنجاهم من آل فرعون؛ كانوا يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم فلا يقتلونهن، وأنجاهم من الغرق، وظلّل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وما أنزل عليهم من الآيات مع نعمته التي لا تحصى. قوله: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}. قال [بعضهم]: هي التي في المائدة: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً}؛ من كل سبط رجل شاهد على سبطه، {وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ} في الميثاق {لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ} أي ونصرتموهم {وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً} قال مجاهد: أي قرضاً حلالاً. وقال غيره: القرض الحسن أن يكونوا محتسبين في قرضهم: (أية : لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)تفسير : [المائدة:12]. فهو كقوله: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}. وقال الكلبي: كان الله عهد إلى بني إسرائيل على لسان موسى عليه السلام وأنبياء بني إسرائيل أني باعث من بني إسماعيل نبيّاً أميّاً. فمن اتّبعه وصدّق به وبالنور الذي أنزل معه، أي الذي أتى به، أي الذي أنزل عليه، أغفر له ذنبه، وأدخله الجنة، وأجعل له أجرين اثنين: أجراً باتباعه ما جاء به موسى وأنبياء بني إسرائيل، وأجراً آخر بإيمانه بالنبيّ الأميّ. فلما بعث الله محمداً عليه السلام بما يعرفونه ذكَّرهم الله عهده فقال: أوفوا بعهدي في هذا النبي أوف بعهدكم الذي عهدت لكم من الجنة. {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} مثل قوله: (أية : وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) تفسير : [البقرة:41].
اطفيش
تفسير : {فَتَلَقَّى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَات}: تلقى تفعل من اللقاء، ألهمه الله سبحانه كلمات فى قلبه بلا وحى، فكان قد لقيهن وحضر معهن وأخذهن وقبلهن وفهمهن وعمل بهن إذ ذكرهن ودعا بهن. فلو لم يقبلهن وأعرض عنهن لكان كمن لم يلق شيئاً. وقيل التلقى التعلم والتلقن، وذلك واحد، كقولك: تلقيت المسافر. وقرأ ابن كثير: بنصب آدم، ورفع كلمات، لأن المتلاقيين كل منهما لقى الآخر. فالكلمات جئن إلى آدم واستقبلنه حتى وصلنه. تقول تلقيت المسافر وتلقانى. والتلقى: استقبال من جاء من بعد واستعماله فى آدم على قراءة الجمهور. وفى الكلمات على قراءة ابن كثير مجاز. وما ذكرته أولى من حمل قراءة ابن كثير على القلب. قال ابن عباس وسعيد بن المسيب والحسن بن على ومجاهد وعكرمة: تلك الكلمات هى ما حكى الله سبحانه وتعالى عنه:{أية : ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}تفسير : وعن ابن عباس فى رواية: هن ما روى أن آدم عليه السلام قال: يا رب ألم تخلقنى بيدك؟ قال: بلى؛ قال ألم تكن أسكنتنى الجنة؟ قال بلى، قال: فلم أخرجتنى منها؟ قال بخطيئتك، قال: يا رب أأنا أتيت شيئاً ابتدعته من تلقاء نفسى، أو شيئاً قدرته على قبل أن تخلقنى؟ قال: بل قدرته عليك قبل أن أخلقك، قال: يا رب كما قدرته على فاغفر لى. وروى الحاكم وصححه عن ابن عباس أن آدم قال: يا رب ألم تخلقنى بيدك؟ قال: بلى، قال: يا رب ألم تنفخ فى الروح من روحك؟ قال بلى، قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك؟ قال بلى، قال: ألم تسكنى جنتك؟ قال بلى، قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعى أنت إلى الجنة؟ قال: نعم. وراجعى: اسم فاعل من رجع المتعدى ومضاف إليه هو المفعول مبتدأ أنت فاعل أغنى عن الخبر لاعتماده على الاستفهام أو خبر وأنت مبتدأ. وذكر الشيخ هود رحمه الله أنه قال: يا رب أرأيت إن تبت وأصلحت؟ قال: أرجعك إلى الجنة. وقال محمد بن كعب القرظى: هى قوله سبحانك لا إله إلا أنت سبحانك، وبحمدك عملت سوءاً وظلمت نفسى فارحمنى، إنك أنت أرحم الراحمين. وقيل لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب عملت سوءاً وظلمت نفسى، فاغفر لى فإنك أنت الغفور الرحيم. لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك ربى علمت سوءاً وظلمت نفسى فارحمى إنك أنت أرحم الراحمين. وقيل: سبحانك الله وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، لا إله إلا أنت ظلمت نفسى فاغفر لى، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وقالت طائفة: إن آدم رأى مكتوباً على ساق العرش، محمد رسول الله، فتشفع به فهى الكلمات. وسئل بعض السلف عما يقول المذنب، فقال ما قاله أبواه:{أية : ربنا ظلما أنفسنا...}تفسير : الآية. وما قاله موسى:{أية : رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى}تفسير : وما قاله يونس:{أية : لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين.}تفسير : وقيل: إن الله تعالى أمر آدم بالحج وعلمه أركانه، فطاف بالبيت سبعاً، وهو يومئذ ربوة حمراء، ثم صلى ركعتين، ثم استقبل البيت، وقال: اللهم إنك تعلم سرى وعلانيتى، فاقبل معذرتى. وتعلم حاجتى فأعطنى سؤلى، وتعلم ما فى نفسى فاغفر لى ذنوبى. فأوحى الله إليه: يا آدم قد غفرت لك ذنوبك. وقيل: إن الله تعالى أنزل ياقوتة من ياقوت الجنة، ووضعها على موضع البيت على قدر الكعبة، لها بابان: باب شرقى، وباب غربى. وفيها قناديل من نور، ثم أوحى الله تعالى إليه: إن لى حرما بحيال عرشى، فأته فطف به كام طاف حول عرشى. وصل عنده كما يصلى عند عرشى، فهناك أستجيب دعاك، فانطلق آدم من أرض الهند إلى أرض مكة لزيارة بيت الله، وقيض الله تعالى له ملكا يرشده، فكان كلما نزل موضعا وضع عليه قدمه صار عمرانا، وما تعداه صار مفاوز وقفارا، فلما وقف بعرفة وكانت حواء تطلبه وقصدته من جدة، فالتقيا بعرفة يوم عرفات، فعرف كل منهما الآخر فسمى عرفات. فلما انصرف إلى منى قال لآدم تمن، قال. أتمنى المغفرة والرحمة، فسمى ذلك الموضع منى، وغفر ذنبهما. وقبل توبتهما ثم انصرفا إلى الهند. قال مجاهد: حدثنا ابن عباس أن آدم عليه السلام حج من الهند أربعين حجة على قدميه، فقيل لمجاهد: يا أبا الحجاج ألا كان يركب قال: وأى شئ كان يحمله، فوالله إن خطوته مسيرة ثلاث أيام. وهذا قبل أن يقصر إلى ستين ذراعا فى قامته. وقال ابن عمر: لما حج آدم - عليه السلام - البيت وقضى المناسك كلها، تلقته الملائكة يهنئونه بالحج وقبول التوبة، فقال: برحجك الله يا آدم، فدخله من ذلك شىء، فلما رأت الملائكة ذلك منه، قالوا يا آدم: لقد حججنا هذا البيت قبلك بألف عام، فتقاصرت إلى آدم نفسه. وقيل الكلمات ثلاثة أشياء: الحياء والدعاء والبكاء. وأصل الكلمة الكلم: [بفتح الكاف وإسكان اللام] وهو التأثير بالمعنى المصدرى الذى يدرك بالسمع ما يتحصل عنه، وهو نفس الصوت الملفوظ به، ويدرك بالعين ما يتحصل منه، كالجرح [بضم الجيم] وهو موضع الضرر الحاصل من الجرح [بفتحها]. {فَتَابَ عَلَيْهِ}: رجع عليه بالرحمة وقبول التوبة بسبب تلقيه الكلمات. كما دلت عليه الفاء، وذلك أنهن كلمات تضمن الاعتراف بالذنب والندم عليه والعزم على عدم العود إليه، لما رأى من ضرره وحجبه عن الله، والتوبة: الرجوع، فتوبة الله على عبده: رجوعه عليه بالرحمة، وقبول ندمه، وتوبة العبد: رجوعه عن الذنب والندم عليه، والعزم على عدم العود إليه. وحواء مشاركة لآدم فى التوبة والتلقى بالإجماع، وخصه بالذكر فى التلقى والتوبة لأنه المخاطب فى أول القصة، فكملت القصة بذكره وحده، ولأن المرأة حرمة مستورة، فأراد الله الستر لها، ولذلك لم يذكرها بالمعصية فى قوله:{أية : وعصى آدم ربه}تفسير : ولأن حواء تبع له فى الحكم، ولهذا طوى ذكر النساء فى أكثر القرآن والسنة. {إِنَّهُ هُو التَّوَّابُ}: كثير الرجوع وعظيمه على عباده بالرحمة، وقبول ندمهم عن الذنب والمغفرة، وترك العقاب والإعانة عن الندم والتوفيق إليه. {الرَّحِيمُ}: كثير الإنعام وعظيمه عليهم، وفى الجمع بين التوبة والرحمة بصيغة التأكيد: وعد عظيم للتائب بالإحسان والعفو، وإشارة إلى أن التوبة على العبد نعمة من الله - تعالى - لئلا يعجب بتوبته كما أن سائر طاعته نعمة من الله تعالى، بل الواجب عليه الشكر.
اطفيش
تفسير : {فَتَلَقَّى ءَادَمُ} وحواء لقوله تعالى: قالا ربنا... الخ {مِنْ رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ} دعوا بهن ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، على الأصح، وقيل، سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسى فاغفر لى، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وأخرج الحاكم فى المسند، عنه صلى الله عليه وسلم من طريق ابن عباس أنه قال، حديث : يا رب ألم تخلقنى بيدك، قال بلى، قال: يا رب ألم تنفخ فىّ الروح من روحك، قال: بل، قال: يا رب ألم تسبق رحمتك غضبك، قال: بلى، قال يا رب ألم تسكنى جنتك، قال: بلى، قال: يا رب إن تبت وأصلحت أراجعى أنت إلى الجنة، قال: نعمتفسير : ، وتلقى الكلمات: التوجه إليهن بقبولهن، والدعاء بهن، إذ ألهمهم الرحمن الرحيم إياهن، وقيل: هن توسله بمحمد صلى الله عليه وسلم حين رأه مكتوباً على ساق العرش، وقد علمه الله الكتابة {فَتَابَ عَلَيْهِ} رجع إليه بعد الإعراض عنه، وولايته وعداوته لا تنقلبان لكنه شبه كراهته أكلهما بالإعراض ورضاه بندمهما بالرجوع، والله ينزه عن الجهات والأمكنة التنقل، أو قبل توبته أو وفقه للتوبة، وهكذا توبة الله حيث ذكرت وبعد ما تاب الله عليه بقى ثلثمائة سنة لا يرفع رأسه إلى السماء حياء من الله عز وجل {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ} كثير الرجوع وعظيمه على عباده بالإنعام وقبول التوبة {الرَّحِيمُ} للمعاصى والمطيع، إلا من أصر من العصاة فله فى الدنيا فقط، ولا يقال الله تائب لعدم وروده فى القرآن، والإجماع، وأسماء الله توقيفية، وقيل تقاس فيما ورد فيه لفظ الفعل أو غيره مسنداً، فنقول الله تائب على عباده، لورود تاب عليه وتاب عليهم، وبانى السماء وداحى الأرض، واعلم أن لفظ الشرك حرام باتفاق الأمة ولو لم ينو به الشرك إلا حكاية أو اضطرار لأنه موهم، وذلك من الإلحاد فى أسمائه كما قال بعض العلماء: إن الله حكم بشرك من قال عزير بن الله، أو قال المسيح بن الله، ولو لم ينو حقيقة البنوة، وذلك بناء منهم على أن لفظ الإشراك شرك. ولم لم ينو، كما أن نيته شرك بلا لفظ أو مع لفظ، حتى إن من العلماء من لا يجيز للمضطر أن يلفظ بشرك ولو اطمأن قلبه بالإيمان، إلا بتأويل لفظه، أو بمعرضه، أو إسرار شىء يخالفه وينقضه، أو عناية ما مما ينقض اللفظ زيادة على اطمئنان قلبه، وإنما منعوا ما يوهم الشرك ولم لم يقصد، حسما لمادة الشرك، كما نص عليه بعض محشى البيضاوى، وقد اختلفوا فى أسماء الله، أتوقيفية أم قياسية فيما ورد فيه معنى المادة بشرط الإفاضة على الكيفية الواردة، مثل أن يقال فارش الأرض، وداحى الأرض، لقوله تعالى { أية : وَالأَرْضَ فَرَشْنَاهَا} تفسير : [الذاريات: 48]، {أية : والأرض بعد ذلك دَحَٰهَآ} تفسير : [النازعات: 30]، واتفقوا أنه لا يجوز تسميته بما يوهم شركا أو نقصاً ولو مجازاً بقرينة واضحة وعلاقة، مثل أن يقال: لله باب، فإنه لا يجوز إجماعاً من الأمة مع أن قائله لم يقصد حقيقة النبوة، وإنما اختلفوا، هل يشرك من لم يقصد حقيقة النبوة والأبوة، فقيل يشرك، وقيل لا، وأما أن يقول قائل بجواز أن يقال لله باب فلا، بل اتفقوا أنه لا يجوز أن يقال ذلك، ولو بلا قصد لحقيقة البنوة والأبوة، واتفقوا أنه لا يجوز أن يترك إنسان بقوله وقد قال بعض فى برابرة المغرب: شعر : إذا كنت فى الفِرْدَوْسِ جَار الْبَرْبَرِ فَيَلْزمُكَ الرَّحيل مِنهَا إِلَى سَقَرْ يَقُولُونَ لِلرَّحْمَنِ بَابٌ بِجَهْلِهِمْ وَمَنْ قَالَ لِلرَّحْمَنِ بَابٌ فَقَدْ كَفَرْ تفسير : وقد أصاب فى قوله كفر إن أراد أنه تلفظ الشرك، وإن أراد أنه أشرك ولو لم يقصد الشرك فهو قول للعلماء كما رأيت، وهو ضعيف، وأخطأ فى قوله: إذا كنت فى الفردوس البيت. وأجابه بعض المغاربة بقوله: شعر : كَفَى بِكَ جَهْلا أَنْ نحن إِلَى سَقَرْ بَدِيلاً مِنَ الْفِرْدَوْسِ فِى خَيْر مُسْتَقَرّ فَإِنَّ أبَا ألإنسانِ يَدْعُونَ أنه كَفِيلٌ وَقِيمٌ رَحِيمٌ بِهِ وَبَرّ وَمَنْ قَال للرَّحْمَنِ بَابٌ وقدْ عنى بِهِ ذَلِكَ المعْنَى مَجَازاً فما كَفَرْ تفسير : وهذا المجيب أصاب وجرى على الواضح، إلا أنه إن أرد أنه يجوز إبقاء البربرى أو غيره على ذلك القول لعنايته الرحمة فقد أخطأ، فينبغى أن يفصح بأنه لم يشرك، وأنه لا يجوز له قول ذلك، ولا يجوز إبقاؤه بلا نهى عن ذلك.
الالوسي
تفسير : {فَتَلَقَّى ءادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَـٰتُ} المراد - بتلقى - الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها، فهو مستعار من استقبال الناس بعض الأحبة ـ إذا قدم بعد طول الغيبة ـ لأنهم لا يدعون شيئاً من الإكرام إلا فعلوه، وإكرام الكلمات الواردة من الحضرة الأخذ والقبول والعمل بها، وفي التعبير ـ بالتلقي ـ إيماء إلى أن آدم عليه السلام كان في ذلك الوقت في مقام البعد و {مّن رَّبّهِ} حال من {كَلِمَـٰتُ} مقدم عليها، وقيل: متعلق بـ {تُلْقِىَ} وهي من تلقاه منه بمعنى تلقنه، ولولا خلوّه عما في الأول من اللطافة لتلقيناه بالقبول، وقرأ ابن كثير بنصب {ءادَمَ} ورفع {كَلِمَـٰتُ} على معنى ـ استقبلته ـ فكأنها مكرمة له لكونها سبب العفو عنه، وقد يجعل الاستقبال مجازاً عن البلوغ بعلاقة السببية، والمروي في المشهور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن هذه الكلمات هي {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا } تفسير : [الأعراف: 23] الآية، وعن ابن مسعود أنها: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، لا إله إلا أنت، ظلمت نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وقيل: رأى مكتوباً على ساق العرش، محمد رسول الله فتشفع به، وإذا أطلقت الكلمة على عيسى عليه السلام، فلتطلق الكلمات على الروح الأعظم، والحبيب الأكرم صلى الله عليه وسلم، فما عيسى، بل وما موسى، بل وما.. وما.. إلا بعض من ظهور أنواره، وزهرة من رياض أنواره، وروي غير ذلك. {فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمِ} التوبة أصلها الرجوع وإذا أسندت إلى العبد كانت ـ كما في "الإحياء" ـ عبارة عن مجموع أمور ثلاثة ـ علم ـ وهو معرفة ضرر الذنب، وكونه حجاباً عن كل محبوب، وحال يثمره ذلك العلم، وهو تألم القلب بسبب فوات المحبوب، ونسميه ندماً. وعمل يثمره الحال ـ وهو الترك والتدارك ـ والعزم على عدم العود، وكثيراً ما تطلق على الندم وحده لكونه لازماً للعلم مستلزماً للعمل. وفي الحديث «حديث : الندم توبة» تفسير : وطريق تحصيلها تكميل الإيمان بأحوال الآخرة وضرر المعاصي فيها، وإذا أسندت إليه سبحانه كانت عبارة عن قبول التوبة والعفو عن الذنب ونحوه، أو التوفيق لها والتيسير لأسبابها بما يظهر للتائبين من آياته، ويطلعهم عليه من تخويفاته، حتى يستشعروا الخوف فيرجعوا إليه، وترجع في الآخرة إلى معنى التفضل والعطف، ولهذا عديت ـ بعلى ـ وأتى سبحانه بالفاء لأن تلقي الكلمات عين التوبة، أو مستلزم لها، ولا شك أن القبول مترتب عليه، فهي إذاً لمجرد السببية، وقد يقال: إن التوبة لما دام عليها صح التعقيب ـ باعتبار آخرها إذ لا فاصل حينئذ ـ وعلى كل تقدير لا ينافي هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنهما بكيا مائتي سنة على ما فاتهما، ولم يقل جل شأنه ـ فتاب عليهما ـ لأن النساء تبع يغني عنهن ذكر المتبوع، ولذا طوى ذكرهن في كثير من الكتاب والسنة، وفي الجملة الاسمية ما يقوي رجاء المذنبين، ويجبر كسر قلوب الخاطئين حيث افتتحها بإن وأتي بضمير الفصل وعرف المسند وأتى به من صيغ المبالغة إشارة إلى قبول التوبة كلما تاب العبد، ويحتمل أن ذلك لكثرة من يتوب عليهم، وجمع بين وصفي كونه تواباً وكونه رحيماً/ إشارة إلى مزيد الفضل، وقدم التواب لظهور مناسبته لما قبله، وقيل في ذكر الرحيم بعده إشارة إلى أن قبول التوبة ليس على سبيل الوجوب ـ كما زعمت المعتزلة ـ بل على سبيل الترحم والتفضل، وأنه الذي سبقت رحمته غضبه، فيرحم عبده في عين غضبه ـ كما جعل هبوط آدم سبب ارتفاعه، وبعده سبب قربه ـ فسبحانه من تواب ما أكرمه، ومن رحيم ما أعظمه، وإذا فسر التواب بالرجاع إلى المغفرة ـ كان الكلام تذييلاً ـ لقوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْهِ} أو بالذي يكثر الإعانة على التوبة ـ كان تذييلا ـ لقوله تعالى: {فَتَلَقَّى ءادَمُ} الخ، وقرأ نوفل {أَنَّهُ} بفتح الهمزة على تقدير ـ لأنه ـ.
ابن عاشور
تفسير : جاء بالفاء إيذاناً بمبادرة آدم بطلب العفو. والتلقي استقبال إكرام ومسرة قال تعالى: {أية : وتتلقاهم الملائكة}تفسير : [الأنبياء: 103] ووجه دلالته على ذلك أنه صيغة تفعل من لقيه وهي دالة على التكلف لحصوله وتطلبه وإنما يتكلف ويتطلب لقاء الأمر المحبوب بخلاف لاقى فلا يدل على كون الملاقى محبوباً بل تقول لاقى العدو. واللقاء الحضور نحو الغير بقصد أو بغير قصد وفي خير أو شر، قال تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً}تفسير : [الأنفال: 45] الآية فالتعبير بتلقى هنا مؤذن بأن الكلمات التي أخذها آدم كلمات نافعة له فعلم أنها ليست كلمات زجر وتوبيخ بل كلمات عفو ومغفرة ورضى وهي إما كلمات لقنها آدم من قبل الله تعالى ليقولها طالباً المغفرة وإما كلمات إعلام من الله إياه بأنه عفا عنه بعد أن أهبطه من الجنة اكتفاء بذلك في العقوبة، ومما يدل على أنها كلمات عفو عطف {فتاب عليه} بالفاء إذ لو كانت كلمات توبيخ لما صح التسبب. وتلقي آدم للكلمات إما بطريق الوحي أو الإلهام. ولهم في تعيين هذه الكلمات روايات أعرضنا عنها لقلة جدوى الاشتغال بذلك، فقد قال آدم الكلمات فتيب عليه فلنهتم نحن بما ينفعنا من الكلام الصالح والفعل الصالح. ولم تذكر توبة حواء هنا مع أنها مذكورة في مواضع أخرى نحو قوله: {أية : قالا ربنا ظلمنا أنفسنا}تفسير : [الأعراف: 23] لظهور أنها تتبعه في سائر أحواله وأنه أرشدها إلى ما أرشد إليه، وإنما لم يذكر في هذه الآية لأن الكلام جرى على الابتداء بتكريم آدم وجعله في الأرض خليفة فكان الاعتناء بذكر تقلباته هو الغرض المقصود. وأصل معنى تاب رجع ونظيره ثاب بالمثلثة، ولما كانت التوبة رجوعاً من التائب إلى الطاعة ونبذاً للعصيان وكان قبولها رجوعاً من المتوب إليه إلى الرضى وحسن المعاملة وصف بذلك رجوع العاصي عن العصيان ورجوع المعصي عن العقاب فقالوا تاب فلان لفلان فتاب عليه لأنهم ضمنوا الثاني معنى عطف ورضى فاختلاف مفادي هذا الفعل باختلاف الحرف الذي يتعدى به وكان أصله مبنياً على المشاكلة. والتوبة تتركب من علم وحال وعمل، فالعلم هو معرفة الذنب والحال هو تألم النفس من ذلك الضرر ويسمى ندماً، والعمل هو الترك للإثم وتدارك ما يمكن تداركه وهو المقصود من التوبة، وأما الندم فهو الباعث على العمل ولذلك ورد في الحديث: «الندم توبة» قاله الغزالي، قلت: أي لأنه سببها ضرورة أنه لم يقصر لأن أحد الجزءين غير معرفة. ثم التعبير بتاب عليه هنا مشعر بأن أكل آدم من الشجرة خطيئة إثم غير أن الخطيئة يومئذ لم يكن مرتباً عليها جزاءُ عقاب أخروي ولا نقص في الدين ولكنها أوجبت تأديباً عاجلاً لأن الإنسان يومئذ في طور كطور الصبا فلذلك لم يكن ارتكابها بقادح في نبوءة آدم على أنها لا يظهر أن تعد من الكبائر بل قصارها أن تكون من الصغائر إذ ليس فيها معنى يؤذن بقلة اكتراث بالأمر ولا يترتب عليه فساد، وفي عصمة الأنبياء من الصغائر خلاف بين أصحاب الأشعري وبين الماتريدي وهي في كتب الكلام، على أن نبوءة آدم فيما يظهر كانت بعد النزول إلى الأرض فلم تكن له عصمة قبل ذلك إذ العصمة عند النبوءة. وعندي ــــ وبعضه مأخوذ من كلامهم ــــ أن ذلك العالم لم يكن عالم تكليف بالمعنى المتعارف عند أهل الشرائع بل عالم تربية فقط فتكون خطيئة آدم ومعصيته مخالفة تأديبية ولذلك كان الجزاء عليها جارياً على طريقة العقوبات التأديبية بالحرمان مما جره إلى المعصية، فإطلاق المعصية والتوبة وظلم النفس على جميع ذلك هو بغير المعنى الشرعي المعروف بل هي معصية كبيرة وتوبة بمعنى الندم والرجوع إلى التزام حسن السلوك، وتوبة الله عليه بمعنى الرضى لا بمعنى غفران الذنوب، وظلم النفس بمعنى التسبب في حرمانها من لذات كثيرة بسبب لذة قليلة فهو قد خالف ما كان ينبغي أن لا يخالفه ويدل لذلك قوله بعد ذلك: {أية : فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي}تفسير : إلى قوله {أية : خالدون}تفسير : [البقرة: 38، 39] فإنه هو الذي بين به لهم أن المعصية بعد ذلك اليوم جزاؤها جهنم فأورد عليّ بعض الحذاق من طلبة الدرس أنه إذا لم يكن العالم عالم تكليف فكيف كفر إبليس باعتراضه وامتناعه من السجود؟ فأجبته بأن دلالة ألوهية الله تعالى في ذلك العالم حاصلة بالمشاهدة حصولاً أقوى من كل دلالة زيادة على دلالة العقل لأن إبليس شاهد بالحس الدلائل على تفرده تعالى بالألوهية والخلق والتصرف المطلق وبعلمه وحكمته واتصافه بصفات الكمال كما حصل العلم بمثله للملائكة فكان اعتراضه على فعله والتغليط إنكاراً لمقتضى تلك الصفات فكان مخالفة لدلائل الإيمان فكفر به. وأما الأمر والنهي والطاعة والمعصية وجزاء ذلك فلا يتلقى إلا بالإخبارات الشرعية وهي لم تحصل يومئذ وإنما حصلت بقوله تعالى لهم: {فمن تبع هداي} الآية فظهر الفرق. وقرأ الجمهور {آدم} بالرفع و{كلمات} بالنصب، وقرأه ابن كثير بنصب (آدم) ورفع (كلمات) على تأويل (تلقى) بمعنى بلغته كلمات فيكون التلقي مجازاً عن البلوغ بعلاقة السببية. وقوله: {إنه هو التواب الرحيم} تذييل وتعليل للجملة السابقة وهي {فتاب عليه} لأنه يفيد مفادها مع زيادة التعميم والتذييل من الإطناب كما تقرر في علم المعاني. ومعنى المبالغة في التواب أنه الكثير القبول للتوبة أي لكثرة التائبين فهو مثال مبالغة من تاب المتعدي بعلى الذي هو بمعنى قبول التوبة إيذان بأن ذلك لا يخص تائباً دون آخر وهو تذييل لقوله: {فتلقى آدم من ربه} المؤذن بتقدير تاب آدم فتاب الله عليه على جعل التواب بمعنى الملهم لعباده الكثيرين أن يتوبوا فإن أمثلة المبالغة قد تجيء من غير التكاثر فالتواب هنا معناه الملهم التوبة وهو كناية عن قبول توبة التائب. وتعقيبه بالرحيم لأن الرحيم جار مجرى العلة للتواب إذ قبوله التوبة عن عباده ضرب من الرحمة بهم وإلا لكانت التوبة لا تقتضي إلا نفع التائب نفسه بعدم العود للذنب حتى تترتب عليه الآثام، وأما الإثم المترتب فكان من العدل أن يتحقق عقابه لكن الرحمة سبقت العدل هنا بوعد من الله.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ}. لم يبين هنا ما هذه الكلمات، ولكنه بينها في سورة الأعراف بقوله: {أية : قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 23].
الواحدي
تفسير : {فتلقى آدم من ربه} أخذ وتلقَّن {كلماتٍ} وهو أنَّ الله تعالى ألهم آدم عليه السَّلام حين اعترف بذنبه وقال: {أية : ربنا ظلمنا أنفسنا} تفسير : الآية {فتاب عليه} فعاد عليه بالمغفرة حين اعترف بالذَّنب واعتذر {إنَّه هو التواب} يتوب على عبده بفضله إذا تاب إليه من ذنبه. {قلنا اهبطوا منها جميعاً} كرَّر الأمر بالهبوط للتَّأكيد {فإمَّا يأتينَّكم مني هدىً} أَيْ: فإنْ يأتكم مني شريعةٌ ورسولٌ وبيانٌ ودعوةٌ {فمن تبع هداي} أَيْ: قَبِل أمري، واتَّبع ما آمره به {فلا خوف عليهم} في الآخرة ولا حزن، والخطاب لآدم وحوَّاء، وذرِّيتهما، أعلمهم الله تعالى أنَّه يبتليهم بالطَّاعة، ويجازيهم بالجنَّة عليها، ويعاقبهم بالنَّار على تركها، وهو قوله تعالى: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} أَيْ: بأدلتنا وكتبنا {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}.
د. أسعد حومد
تفسير : {ءَادَمُ} {كَلِمَاتٍ} (37) - فَأَلْهَمَ اللهُ تَعَالَى آدَمَ كَلِمَاتٍ يَقُولُها وَيَعْتَذِرُ بِهَا عَمَّا فَعَلَهُ هُوَ وَزَوْجُهُ، (وَقِيلَ إِنَّ هذِهِ الكَلِمَاتِ هِيَ: رَبَّنَا إِنَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ) فَقَالَها آدَمُ فَتَابَ اللهُ عَلَيهِ، وَغَفَرَ لَهُ، وَاللهُ هُوَ الذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنَ التَّائِبِينَ، وَهُوَ الرَّحِيمُ بِعِبَادِهِ الضُّعَفَاءِ. (التَّوْبُ - هُوَ الرُّجُوعُ عَنِ المَعْصِيَةِ إِلى الطَّاعَةِ بالنِّسْبَةِ لِلْعَبْدِ، وَإِذا وُصِفَ بِهِ الخَالِقُ فَيَعْنِي ذَلِكَ الرُّجُوعَ عَنِ العُقُوبَةِ إِلى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نزل آدم وحواء إلى الأرض ليمارسا مهمتهما في الكون، وقبل أن يبدآ هذه المهمة. جعلهما الله سبحانه وتعالى يمران بتجربة عملية بالنسبة لتطبيق المنهج وبالنسبة لإغواء الشيطان، وحذرهما بأن الشيطان عدو لهما .. كان لا بد بعد أن وقعت المعصية أن يشرع الله تعالى التوبة رحمة بعباده. ذلك أن تشريع التوبة ليس رحمة بالعاصي وحده، ولكنه رحمة بالمجتمع كله. فالإنسان إذا عصى وعرف أنه لا توبة له وأنه محكوم عليه بالخلود في النار، يتمادى في إجرامه، لأنه ما دام لا أمل له في النجاة من عذاب الآخرة، فإنه يتمادى في المعصية، لأنه لا أمل في الغفران أو التوبة. مَنْ الذي سيعاني في هذه الحالة؟ إنه المجتمع الذي يعيش فيه ذلك العاصي. وسيكون المؤمنون أكثر الناس معاناة لأنهم أهل خير وتسامح ولأن الله سبحانه وتعالى أمرهم بالعفو، والصفح. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النور: 22]. وقوله تعالى: {أية : وَأَن تَعْفُوۤاْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 237]. وهناك آيات كثيرة في القرآن الكريم تحث المؤمنين على العفو، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"حديث : أوصاني ربي بتسع أوصيكم بها: "أوصاني بالإخلاص في السر وفي العلانية، والقصد في الغنى والفقر وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي مَنْ حرمني، وأصل مَنْ قطعني، وأن يكون صمتي فكراً ونطقي ذكراً، ونظري عبراً" ". تفسير : فالتوبة لو لم تشرع لعانى المجتمع كله، وخاصة المؤمنين الذين أمروا أن يقابلوا العدوان بالصفح والظلم بالعفو. ولذلك كان تشريع التوبة من الله سبحانه وتعالى، رحمة بالناس كلهم. والله جل جلاله شرع التوبة أولاً، ثم بعد أن شرعها تاب العاصي، ثم بعد ذلك يقبل الله التوبة أو لا يقبلها تبعاً لمشيئته. واقرأ قوله تعالى: {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [التوبة: 118]. آدم تلقى من ربه كلمات فتاب عليه، أتوجد خطيئة بعد توبة آدم وقبول الله سبحانه وتعالى هذه التوبة؟ إن بعض الناس يقول إن آدم قد عصى وتاب الله عليه. وإبليس قد عصى فجعله الله خالداً في النار. نقول: إنكم لم تفهموا ماذا فعل آدم؟ أكل من الشجرة المحرمة. وعندما علم أنه أخطأ وعصى، لم يصر على المعصية، ولم يرد الأمر على الآمر، ولكنه قال يا رب أمرك ومنهجك حق، ولكنني لم أقدر على نفسي فسامحني. اعترف آدم بذنبه، واعترف بضعفه، واعترف بأن المنهج حق، وطلب التوبة من الله سبحانه وتعالى، ولكن إبليس رد الأمر على الآمر. قال: {أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف: 12] وقال: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16] وقال: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [ص: 83] وقال: {أية : لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 62] فإبليس هنا رد الأمر على الآمر، لم يعترف بذنبه. ويقول يا رب غلبني ضعفي، وأنت الحق وقولك الحق. ولكنه رد الأمر على الله تعالى وعاند وقال سأفعل كذا وسأفعل كذا، وهذا كفر بالله. إياك أن ترد الأمر على الله سبحانه وتعالى، فإذا كنت لا تصلي، لا تقل وما فائدة الصلاة. وإذا لم تكن تزكي، فلا تقل تشريع الزكاة ظلم للقادرين. وإذا كنت لا تطبق شرع الله، فلا تقل إن هذه الشريعة لم تعد تناسب العصر الحديث، فإنك بذلك تكون قد كفرت والعياذ بالله، ولكن قل يا ربي إن فرض الصلاة حق، وفرض الزكاة حق، وتطبيق الشريعة حق، ولكنني لا أقدر على نفسي، فارحم ضعفي يا رب العالمين. إن فعلت ذلك، تكن عاصياً فقط. إن الفرق بين معصية آدم ومعصية إبليس. أن آدم اعترف بمعصيته وذنبه، ولكن إبليس رد الأمر على الآمر. فيكون آدم قد عصى، وإبليس قد كفر والعياذ بالله. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة: 37] هذه الكلمات التي تلقاها آدم أراد العلماء أن يحصروها. ما هذه الكلمات؟ هل هي قول آدم كما جاء في قوله تعالى: {أية : قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 23]. هذه الآية الكريمة دلتنا على أن ذنب آدم لم يكن من ذنوب الاستكبار، ولكن من ذنوب الغفلة .. بينما كان ذنب إبليس من ذنوب الاستكبار على أمر الله، ولكن آدم عندما عصى حدث منه انكسار. فقال: يا ربي أمْرُكَ بأَلاَّ أقرب الشجرة حق، ولكني لم أقدر على نفسي. فآدم أقر بحق الله في التشريع. بينما إبليس اعترض على هذا الأمر وقال: {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [الإسراء: 61]. الكلمات التي تلقاها آدم من الله سبحانه وتعالى قد تكون: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 23] وقد تكون: .. اللهم لا إله إلا أنت سبحانك ربي وبحمدك. إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً فاغفر لي يا خير الغافرين .. أو اقبل توبتي يا خير التوابين .. أو قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله .. المهم أن الله سبحانه وتعالى قد أوحى لآدم بكلمات يتقرب بها إليه سواء كانت هذه الآية الكريمة أو كلمات أخرى. لو نظرنا إلى تعليم الله آدم لكلمات ليتوب عليه، لوجدنا مبدأ مهماً في حياة المجتمع، لأن الله سبحانه وتعالى كما قلنا: لو لم يشرع التوبة ولو لم يبشرنا بأنه سيقبلها، لكان الذي يذنب ذنباً واحداً لا يرجع عن المعصية أبداً، وكان العالم كله سيعاني. والله سبحانه وتعالى خلقنا مختارين ولم يخلقنا مقهورين. القهر يثبت صفة القدرة لله، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد منا أن نأتي عن حب وليس عن قهر، ولذلك خلقنا مختارين، وجعل لنا طاقة تستطيع أن تعصي وأن تطيع. وما دام هناك اختيار، فالإنسان يختار هذه أو تلك. إن الله لم يخلق بشراً يختارون الخير على طول الخط وبشراً يختارون الشر في كل وقت. فهناك من الخيرين مَنْ يقع في الشر مرة، وهناك من الشريرين مَنْ يعمل الخير مرة. فالعبد ليس مخلوقاً أن يختار خيراً مطلقاً، أو أن يختار شراً مطلقاً .. ولذلك فأحياناً ننسى أو نسهو، أو نعصي. وما دام العبد معرضاً للخطيئة، فالله سبحانه وتعالى شرع التوبة، حتى لا ييأس العبد من رحمة الله، ويتوب ليرجع إلى الله. وقد جاء في الحكمة: "رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً". وهكذا عندما نزل آدم ليباشر مهمته في الحياة، لم يكن يحمل أي خطيئة على كتفيه، فقد أخطأ وعلمه الله تعالى كلمات التوبة. فتاب فتقبل الله توبته. وقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: 37] .. كلمة تواب تدل على أن الله تعالى لا يأخذ عباده بذنب واحد. لأنه سبحانه وتعالى حتى لو تاب عن ذنب واحد لكل عبد من عباده كان تواباً. والمبالغة في الصفة تأتي من ناحيتين: أولاً إن الأمر يتكرر عدة مرات من عدد قليل من الأشخاص، أو من شخص واحد، أو أن الأمر يقع مرة واحدة ولكن من أشخاص كثيرين. فإذا قلت مثلاً: فلان أكول، قد يكون أكولاً لأنه يأكل كمية كبيرة من الطعام، فيسمى أكولاً .. إنه لا يتجاوز طعامه في عدد مراته وجبات الطعام العادي للإنسان، ولكنه يأكل كمية كبيرة، فنسميه أكولاً، فيأكل مثلاً عشرة أرغفة في الإفطار ومثلها في الغداء ومثلها في العشاء. وقد يكون الإنسان أكولاً إذا تكرر الفعل نفسه .. كأن يأكل كميات الطعام العادية ولكنه يأكل في اليوم خمس عشرة مرة مثلاً، فالله سبحانه وتعالى تواب لأن خلقه كثيرون. فلو اخطأ كل واحد منهم مرة، يكون عدد ذنوبهم التي سيتوب الله عليها كمية هائلة. فإذا وُجِدَ مَنْ يذنب عدة مرات في اليوم، فإن الله تعالى، يكون تواباً عنه أيضاً إذا تاب واتجه إليه. إذن مرة تأتي المبالغة في الحدث وإن كان الذي يقوم به شخص واحد، ومرة تأتي المبالغة في الحدث لأن مَنْ يقوم به أفراد متعددون. إذن: فآدم أذنب ذنباً واحداً يقتضي أن يكون الله تائباً، ولكن ذرية آدم من بعده سيكونون خلقاً كثيراً .. فتأتي المبالغة من ناحية العدد. وقوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: 37] سيدنا عمر جاءته امرأة تصيح وتصرخ لأن ابنها ضبط سارقاً. وقالت لعمر ما سرق ابني إلا هذه المرة. فقال لها عمر: الله أرحم بعبده من أن يأخذه من أول مرة. لابد أنه سرق من قبل. وأنا أتحدى أن يوجد مجرم يضبط من أول مرة. كلمة "تواب" تدل على أنه يضبط بعد مرتين أو ثلاث، فالله يستر عبده مرة ومرة، ولكن إذا ازداد وتمادى في المعصية، يوقفه الله عند حده. وهذا هو معنى تواب. والحق سبحانه وتعالى تواب برحمته، لأن هناك مَنْ يعفو ويظل يمن عليك بالعفو. حتى أن المعفو عنه يقول: ليتك عاقبتني ولم تمن عليَّ بالعفو كل ساعة، ولكن الحق سبحانه وتعالى، تواب رحيم، يتوب على العبد، ويرحمه فيمحو عنه ذنوبه.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ} أي قَبِلَها. والكَلماتُ: قَولُهُما رَبَّنا ظَلَمنا أَنفُسَنا، وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمنَا، لَنكوننَّ من الخَاسِرينَ. تفسير : وقولهُ تعالى: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} والتَوابُ: المُعينُ للعبادِ على التّوبةِ، والتَّوابُ من العِبادِ: الرَّاجعُ عن ذَنبهِ، التَّاركُ لَهُ، والنَّادِمُ على مَا تَابَ مِنهُ.
الأندلسي
تفسير : {فَتَلَقَّىٰ} تفعّل من اللقاء وافق تفعّل في المعنى المجرد وهو لقي، نحو: تعدّاك الأمر عداك. وقول من قال: أصله تلقن فأبدل من النون ألفاً لا يصح. وقرىء برفع آدم ونصب كلمات وبالعكس والتلقي الوصول ومن يلقاك فقد تلقيته. واختلفوا في تعيين الكلمات وقد أبهمها الله تعالى وقال سبحانه في سورة الأعراف: {أية : قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [الآية: 23]. فلا يبعد أن تكون هذه الكلمات. {فَتَابَ عَلَيْهِ} قبلها جمله محذوفة أي فقالها فتاب عليه أي فتفضل عليه بقبول توبته وأخبر عنه وحده لأنه هو المواجه بالأول والنهي وهي تابعة له أو طوى ذكرها كما طوى ذكرها في قوله وعصى آدم ربه فغوى وطي ذكر النساء في القرآن والسنة كثير. وقرىء أنه بفتح الهمزة على التعليل وفي المكسورة أيضاً ربط معنوي كقوله: {أية : وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ}تفسير : [يوسف: 53]. وبالغ بقوله: هو وبالصفتين اللتين للمبالغة وتأخر الرحيم لأجل الفاصلة. {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ} تأكيد للأوّل أو لاختلاف ما جاء بعدهما فالأوّل معلق بالعداوة، والثاني بآيتان الهدى أو هما هبوطان كما تقدم. "وجميعاً" حال. فقال ابن عطية: كأنه قال هبوطاً جميعاً أو هابطين جميعاً جعله نعتاً لمصدر محذوف أو لاسم فاعل محذوف كل منهما يدل عليه الفعل. قال: لأن جميعاً ليس بمصدر ولا اسم فاعل وهذا التقدير مناف للحكم الذي صدره لأنه قال: أوّلاً وجميعاً حال من الضمير في اهبطوا فإِذا كان حالاً على ما قرر أوّلاً فكيف يقدر ثانياً ذلك التقدير. {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم} كثر مجيىء مثل هذا التركيب في القرآن فاما نذهبن واما ينزغنك. وقال المهدوي وتبعه ابن عطية: امّا هي إنْ التي للشرط زيدت عليها ما للتوكيد في الفعل ولو سقطت يعني ما لم تدخل النون فما تؤكد أوّل الكلام والنون تؤكد آخره. وقال ابن عطية: دخلت ما مؤكدة ليصح دخول النون المشدّدة فهي تشابه لام القسم التي تجيء لمجيء النون. "انتهى". وكون النون لازمة لفعل الشرط إذا وصلت أن بما قول للمبرد والزجاج واما سيبويه والفارسي وجماعة فجوّزوا حذف النون في الكلام إذا وصلت ان بما وان كان الحسن إثباتها ولم يخصوا ذلك بضرورة الشعر كما ذهب إليه المبرد والزجاج. و{مِّنِّي} متعلق بيأتينكم وانتقل من ضمير المعظم نفسه أو ضمير أكثر من الواحد إلى ضمير المتكلم الخاص به إشعاراً بأن الهدى لا يكون إلا منه تعالى وأن الحيز كله منه ودخلت ان وإن كانت للمحتمل وقوعه وهداه واقع لا محالة لأنه ابهم وقت الاتيان، وهذا الخطاب يدل على اندراج الذرية فيه وإن كانوا وقت خطاب أصلهم غير موجودين والتقسيم إلى متبع الهدى والكافر يدل عليه والهدى هو الكتب الالهية على أيدي الرسل عليهم السلام فمن تبع هداي جعل الهدى بمنزلة الامام المتبع المقتدي به وفي إضافته إليه تعالى من التعظيم ما لا يكون فيه لو أتى معرفاً باللام وإن كان ذلك سبيل ما يكون نكرة ثم يعاد وجواب فاما يأتينكم فمن تبع هداي. وقال السجاوندي: جوابه محذوف تقديره فاتبعوه. "انتهى". وذهل عن أنه لا يحذف الجواب ألا ويكون فعل الشرط ماضي اللفظ أو منفياً بلم وعن الكسائي جواب الشرطين معا فلا خوف، ونصوص المعربين والمفسرين على أن من في. "فمن تبع" شرطية ويجوز عندي أن تكون موصولة بل يترجح لقوله في قسمه. {وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ} فأتى به موصولاً ودخول الفاء على الجملة الخبرية جائز هنا قرىء هدايْ بسكون الياء وهديّ وهي لغة هذلية. وقرىء فلا خوف بالفتح في جميع القرآن وبالرفع من غير تنوين خوف لكثرة الاستعمال أو على نية ألْ وبالرفع والتنوين عادل بين دخولها على مبتدأ أولاً وآخراً. (وقال) ابن عطية: والرفع على أعمالها أعمال ليس ولا يتعين ما قاله لأن أعمالها ليس قليل جداً وينبغي أن لا ينقاس ولأنه يزول التعادل فلا خوف عليهم نزّل المعنى منزلة الجرم وقدم انتفاء الخوف على انتفاء الحزن لأن انتفاء الخوف فيما هو آت آكد من انتفاء الحزن على ما فات ولذلك أبرزت جملة مصدّرة بالنكرة التي هي أوغل في باب النفي وأبرزت الثانية مصدّرة بالمعرفة. وفي قوله: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}، إشارة إلى اختصاصهم بانتفاء الحزن وإن غيرهم يحزن والظاهر عموم نفي الخوف والحزن عندهم لكن يختص ذلك بما بعد الدنيا لأنه قد يلحق المؤمن الخوف والحزن في الدنيا فلا يمكن الحمل على العموم. {وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ} قسيم لقوله: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ}، وهو أبلغ من قوله: "ومن لم يتبع هداي"، وإن كان التقسيم اللفظي يقتضيه لأن نفي الشيء يكون بوجوه عدم القابلية بخلقه أو غفلة أو تعمد تركه فأبرز القسم في صورة ثبوتية مزيلة للاحتمال الذي يقتضيه النفي. {وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ} معين أنه يراد بالكفر هنا الشرك لا كفر النعمة ولا كفر المعصية والتكذيب بالآيات يدل على أنه بالكتب الالهية والاخبار الربانية لأن محل التصديق والتكذيب هو الخبر. {أُولَـٰئِكَ} مبتدأ وجوز أن يكون عطف بيان وبدلاً. فيكون {أَصْحَٰبُ} خبرا والذين. و{هُمْ فِيهَا} خبر ثان لأولئك وتفسير وتبيين أن الصحبة أريد بها الملازمة لا مجرد الاقتران بل الخلود الدائم وحذف من القسيم الأول ذكر كونه في الجنة وعبر بانتفاء الخوف والحزن وحذف من الثاني لحاق الخوف والحزن وعبر بخلوده في النار.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { فَتَلَقَّى آدَمُ } أي: تلقف وتلقن، وألهمه الله { مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ } وهي قوله: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا } تفسير : الآية، فاعترف بذنبه وسأل الله مغفرته { فَتَابَ } الله { عَلَيْهِ } ورحمه { إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ } لمن تاب إليه وأناب. وتوبته نوعان: توفيقه أولا ثم قبوله للتوبة إذا اجتمعت شروطها ثانيا. { الرَّحِيمِ } بعباده، ومن رحمته بهم، أن وفقهم للتوبة، وعفا عنهم وصفح.
همام الصنعاني
تفسير : 44- عبد الرزّاق: قال: أخبرنا الثوري، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد بن عمير، قال: قال آدم لربه وذكر خطيئته، قال: يا رب إن معصيتي التي عصيتك أهي شيء كتبته عليّ قبل أن تخلقني، أم شيء ابتدعته من قبل نفسي؟ قال: بل شيء كتبته عليك قبل أن أخلقك، قال: فيما كتبته عليَّ فأغفره لي، قال: فذلك قوله: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ}: [الآية: 37]، وهو قوله: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا}تفسير : [الأعراف: 23]. 45- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ}: [الآية: 37]، قال: هو قوله: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 23].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):