Verse. 45 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

قُلْنَا اھْبِطُوْا مِنْہَا جَمِيْعًا۝۰ۚ فَاِمَّا يَاْتِيَنَّكُمْ مِّـنِّىْ ھُدًى فَمَنْ تَبِــعَ ھُدَاىَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْہِمْ وَلَا ھُمْ يَحْزَنُوْنَ۝۳۸
Qulna ihbitoo minha jameeAAan faimma yatiyannakum minnee hudan faman tabiAAa hudaya fala khawfun AAalayhim wala hum yahzanoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قلنا اهبطوا منها» من الجنة «جميعاً» كرره ليعطف عليه «فإما» فيه إدغام نون إن الشرطية في ما الزائدة «يأتينكم مني هدىً» كتاب ورسول «فمن تبع هداي» فآمن بي وعمل بطاعتي «فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون» في الآخرة بأن يدخلوا الجنة.

38

Tafseer

الرازي

تفسير : المسألة الأولى: ذكروا في فائدة تكرير الأمر بالهبوط وجهين: الأول: قال الجبائي: الهبوط الأول غير الثاني فالأول من الجنة إلى سماء الدنيا والثاني من سماء الدنيا إلى الأرض وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما: أنه قال في الهبوط الأول: {أية : وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ } تفسير : [البقرة: 36] فلو كان الاستقرار في الأرض إنما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكر قوله: {أية : وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَـٰعٌ } تفسير : [البقرة: 36] عقيب الهبوط الثاني أولى. وثانيهما: أنه قال في الهبوط الثاني: {ٱهْبِطُواْ مِنْهَا } والضمير في (منها) عائد إلى الجنة. وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنة. الوجه الثاني: أن التكرير لأجل التأكيد وعندي فيه وجه ثالث أقوى من هذين الوجهين وهو أن آدم وحواء لما أتيا بالزلة أمرا بالهبوط فتابا بعد الأمر بالهبوط ووقع في قلبهما أن الأمر بالهبوط لما كان بسبب الزلة فبعد التوبة وجب أن لا يبقى الأمر بالهبوط فأعاد الله تعالى الأمر بالهبوط مرة ثانية ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها بل الأمر بالهبوط باقٍ بعد التوبة لأن الأمر به كان تحقيقاً للوعد المتقدم في قوله: {أية : إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً } تفسير : [البقرة: 30] فإن قيل ما جواب الشرط الأول؟ قلنا: الشرط الثاني مع جوابه، كقولك: إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك. المسألة الثانية: روي في الأخبار أن آدم عليه السلام أهبط بالهند وحواء بجدة وإبليس بموضع من البصرة على أميال والحية بأصفهان. المسألة الثالثة: في «الهدي» وجوه: أحدها: المراد منه كل دلالة وبيان فيدخل فيه دليل العقل وكل كلام ينزل على نبي، وفيه تنبيه على عظم نعمة الله تعالى على آدم وحواء فكأنه قال: وإن أهبطتكم من الجنة إلى الأرض فقد أنعمت عليكم بما يؤديكم مرة أخرى إلى الجنة مع الدوام الذي لا ينقطع. قال الحسن: لما أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض أوحى الله تعالى إليه يا آدم أربع خصال فيها كل الأمر لك ولولدك. واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك وواحدة بينك وبين الناس، أما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فإذا عملت نلت أجرتك، وأما التي بيني وبينك فعليك الدعاء وعلي الإجابة، وأما التي بينك وبين الناس فإن تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به. وثانيها: ما روي عن أبي العالية أن المراد من الهدي الأنبياء وهذا إنما يتم لو كان المخاطب بقوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى } غير آدم وهم ذريته وبالجملة فهذا التأويل يوجب تخصيص المخاطبين بذرية آدم وتخصيص الهدي بنوع معين وهو الأنبياء من غير دليل دل على هذا التخصيص. المسألة الرابعة: أنه تعالى بين أن من اتبع هداه بحقه علماً وعملاً بالإقدام على ما يلزم والاحجام عما يحرم فإنه يصير إلى حال لا خوف فيها ولا حزن، وهذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئاً كثيراً من المعاني لأن قوله: {أية : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى } تفسير : [البقرة: 38] [طه: 123] دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادات البيان وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكن، وجميع قوله: {أية : فَمَن تَبِعَ هُدَايَ } تفسير : [البقرة: 38] تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها ويجمع ذلك كل التكاليف وجمع قوله: {أية : فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } تفسير : [البقرة: 38] جميع ما أعد الله تعالى لأولياءه لأن زوال الخوف يتضمن السلامة من جميع الآفات وزوال الحزن يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات وقدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على طلب ما ينبغي، وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع الله تعالى لا يلحقه خوف في القبر ولا عند البعث ولا عند حضور الموقف ولا عند تطاير الكتب ولا عند نصب الموازين ولا عند الصراط كما قال الله تعالى: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ } تفسير : [الأنبياء: 103] وقال قوم من المتكلمين: إن أهوال القيامة كما تصل إلى الكفار والفساق تصل أيضاً إلى المؤمنين لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } تفسير : [الحج: 2] وأيضاً فإذا انكشفت تلك الأهوال وصاروا إلى الجنة ورضوان الله صار ما تقدم كأن لم يمكن، بل ربما كان زائداً في الالتذاذ بما يجده من النعيم وهذا ضعيف لأن قوله: {لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ } أخص من قوله: {يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ } والخاص مقدم على العام. وقال ابن زيد: لا خوف عليهم أمامهم فليس شيء أعظم في صدر الذي يموت مما بعد الموت، فأمنهم الله تعالى منه. ثم سلاهم عن الدنيا فقال: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } على ما خلفوه بعد وفاتهم في الدنيا فإن قيل قوله: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } يقتضي نفي الخوف والحزن مطلقاً في الدنيا والآخرة وليس الأمر كذلك لأنهما حصلا في الدنيا للمؤمنين أكثر من حصولهما لغير المؤمنين، قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : خص البلاء بالأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل»، تفسير : وأيضاً فالمؤمن لا يمكنه القطع أنه أتى بالعبادات كما ينبغي فخوف التقصير حاصل وأيضاً فخوف سوء العاقبة حاصل، قلنا قرائن الكلام تدل على أن المراد نفيهما في الآخرة لا في الدنيا. ولذلك حكى الله عنهم أنهم قالوا حين دخلوا الجنة: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ } تفسير : [فاطر: 43] أي أذهب عنا ما كنا فيه من الخوف والإشفاق في الدنيا من أن تفوتنا كرامة الله تعالى التي نلناها الآن. المسألة الخامسة: قال القاضي: قوله تعالى: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } يدل على أمور. أحدها: أن الهدى قد يثبت ولا اهتداء فلذلك قال: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ }. وثانيها: بطلان القول بأن المعارف ضرورية، وثالثها: أن باتباع الهدى تستحق الجنة، ورابعها: إبطال التقليد لأن المقلد لا يكون متبعاً للهدى.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ} كرّر الأمر على جهة التغليظ وتأكيده؛ كما تقول لرجل: قُمْ قُمْ. وقيل: كرّر الأمر لما علّق بكل أمر منهما حُكماً غيرَ حُكم الآخر؛ فعلّق بالأوّل العداوة، وبالثاني إتيان الهدى. وقيل: الهبوط الأوّل من الجنة إلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض. وعلى هذا يكون فيه دليل على أن الجنة في السماء السابعة، كما دلّ عليه حديث الإسراء؛ على ما يأتي. {جَمِيعاً} نصب على الحال. وقال وهب بن مُنَبِّه: لما هبط آدم عليه السلام إلى الأرض قال إبليس للسباع: إن هذا عدوّ لكم فأهلكوه؛ فٱجتمعوا وولّوا أمرهم إلى الكلب وقالوا: أنت أشجعنا، وجعلوه رئيسا؛ فلما رأى ذلك آدم عليه السلام تحيّر في ذلك؛ فجاءه جبريل عليه السلام وقال له: امسح يدك على رأس الكلب؛ ففعل، فلما رأت السباع أن الكلب ألِف آدم تفرّقوا. وٱستأمنه الكلب فأمنه آدم، فبقي معه ومع أولاده. وقال الترمذيّ الحكيم نحو هذا، وأن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض جاء إبليس إلى السباع فأشلاهم على آدم ليؤذوه؛ وكان أشدّهم عليه الكلب، فأُمِيت فؤاده؛ فروي في الخبر أن جبريل عليه السلام أمره أن يضع يده على رأسه فوضعها فٱطمأن إليه وألفه؛ فصار ممن يحرسه ويحرس ولده ويألفهم. وبموت فؤاده يفزع من الآدميين؛ فلو رُمي بمَدَرٍ ولّى هارباً ثم يعود آلفاً لهم. ففيه شعبة من إبليس، وفيه شعبة من مسحة آدم عليه السلام؛ فهو بشعبة إبليس ينبح ويَهِرّ ويعدو على الآدميّ، وبمسحة آدم مات فؤاده حتى ذل وٱنقاد وألف به وبولده يحرسهم، ولَهَثُه على كل أحواله من موت فؤاده؛ ولذلك شبّه الله سبحانه وتعالى العلماء السوء بالكلب، على ما يأتي بيانه في «الأعراف» إن شاء الله تعالى. ونزلت عليه تلك العصا التي جعلها الله آية لموسى، فكان يطرد بها السباع عن نفسه. قوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} اختلف في معنى قوله: «هُدًى»؛ فقيل: كتاب الله؛ قاله السُّدِّي. وقيل: التوفيق للهداية. وقالت فرقة: الهُدَى الرسل، وهي إلى آدم من الملائكة، وإلى بنيه من البشر؛ كما جاء في حديث أبي ذَرّ، وخرّجه الآجُرِّي. وفي قوله: «مِنِّي» إشارة إلى أن أفعال العباد خَلْقٌ لله تعالى؛ خلافاً للقدرية وغيرهم؛ كما تقدّم وقرأ الجحدريّ «هُدَيّ» وهو لغة هذيل، يقولون: هُدَيّ وعَصَيّ ومَحْيَيّ. وأنشد النحويون لأبي ذُؤَيْب يرثي بنيه:شعر : سَبقُوا هَوَيّ وأعنقوا لهواهُم فتُخُرِّموا ولكل جَنْبٍ مَصْرَعُ تفسير : قال النحاس: وعلّة هذه اللغة عند الخليل وسيبويه أن سبيل ياء الإضافة أن يُكسر ما قبلها؛ فلما لم يَجُز أن تتحرك الألف أبدلت ياء وأدغمت. و «ما» في قوله: «إمّا» زائدة على «إنْ» التي للشرط، وجواب الشرط الفاء مع الشرط الثاني في قوله: {فَمَن تَبِعَ}. و «مَن» في موضع رفع بالابتداء. و «تبع» في موضع جزم بالشرط. «فَلاَ خَوْفٌ» جوابه. قال سيبويه: الشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول. وقال الكسائي: «فلا خَوْفٌ عليهِم» جواب الشرطين جميعاً. قوله تعالى: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} الخوف هو الذعر ولا يكون إلا في المستقبل. وخاوفني فلان فَخُفْتُه؛ أي كنت أشدّ خوفاً منه. والتخوُّف: التنقّص؛ ومنه قوله تعالى: {أية : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ}تفسير : [النحل: 47]. وقرأ الزُّهْرِيّ والحسن وعيسى بن عمرو ٱبن أبي إسحٰق ويعقوب: «فلا خوف» بفتح الفاء على التبرئة. والاختيار عند النحويين الرفع والتنوين على الابتداء؛ لأن الثاني معرفة لا يكون فيه إلا الرفع؛ لأن «لا» لا تعمل في معرفة، فٱختاروا في الأوّل الرفع أيضاً ليكون الكلام من وجه واحد. ويجوز أن تكون «لا» في قولك: فلا خوف؛ بمعنى ليس. والحُزْن والحَزَن: ضدّ السرور، ولا يكون إلا على ماض. وحَزِن الرجل (بالكسر) فهو حزِن وحزين؛ وأحزنه غيره وحَزَنه أيضاً، مثل أسلكه وسلكه؛ ومحزون بُنِيَ عليه. قال اليزيدي: حزنه لغة قريش، وأحزنه لغة تميم؛ وقد قرىء بهما. وٱحتزن وتحزّن بمعنىً. والمعنى في الآية: فلا خوف عليهم فيما بين أيديهم من الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا. وقيل: ليس فيه دليل على نفي أهوال يوم القيامة وخوفها على المطيعين لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد القيامة إلا أنه يخففه عن المطيعين، وإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا. والله أعلم.

البيضاوي

تفسير : {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا} كرر للتأكيد، أو لاختلاف المقصود فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف، فمن اهتدى الهدى نجا ومن ضله هلك، والتنبيه على أن مخافة الإهباط المقترن بأحد هذين الأمرين وحدها كافية للحازم أن تعوقه عن مخالفة حكم الله سبحانه وتعالى، فكيف بالمقترن بهما، ولكنه نسي ولم نجد له عزماً، وأن كل واحد منهما كفى به نكالاً لمن أراد أن يذكر. وقيل الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثاني منها إلى الأرض وهو كما ترى. و {جَمِيعاً } حال في اللفظ تأكيد في المعنى كأنه قيل: اهبطوا أنتم أجمعون، ولذلك لا يستدعي اجتماعهم على الهبوط في زمان واحد كقولك: جاؤوا جميعاً {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } الشرط الثاني مع جوابه جواب الشرط الأول، وما مزيدة أكدت به إن ولذلك حسن تأكيد الفعل بالنون وإن لم يكن فيه معنى الطلب، والمعنى: إن يأتينكم مني هدى بإنزال أو إرسال، فمن تبعه منكم نجا وفاز، وإنما جيء بحرف الشك، وإتيان الهدى كائن لا محالة لأنه محتمل في نفسه غير واجب عقلاً، وكرر لفظ الهدى ولم يضمر لأنه أراد بالثاني أعم من الأول، وهو ما أتى به الرسل واقتضاه العقل، أي: فمن تبع ما أتاه مراعياً فيه ما يشهد به العقل فلا خوف عليهم فضلاً عن أن يحل بهم مكروه، ولا هم يفوت عنهم محبوب فيحزنوا عليه، فالخوف على المتوقع والحزن على الواقع نفى عنهم العقاب وأثبت لهم الثواب على آكد وجه وأبلغه. وقرىء هدى على لغة هذيل ولا خوف بالفتح.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا } من الجنة {جَمِيعاً } كرره ليعطف عليه {فَإِمَّا } فيه إدغام نون( إن) الشرطية في (ما) الزائدة {يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدًى } كتاب ورسول {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ } فآمن بي وعمل بطاعتي {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } في الآخرة بأن يدخلوا الجنة.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدىً...} قال الزمخشري: إن قلت لم جِيءَ بكلمة الشك وإتيان الهدى كائن لا محالة لوجوبه، قلت: فائدته الإعلام (بأن الإيمان) بالله (وتوحيده) لا يشترط فيه بعثة الرسل؟ قال ابن عرفة: هذا السؤال إنما يرد على مذهبه لأنه يقول: إنّ إرسال الرّسل واجب عقلا. وجوابه ضعيف، بل هو مؤكد للسؤال (وبيانه) أن يقول: إتيان الهُدى محقق الوقوع إمَّا من جهة العقل المقتضي لوجوب بعثة الرسل، (أو) من جهة (الوجود) الخارجي لأن التوحيد موجود (فإتيان) الهدى محقق. قال: فحقه (كان) أن يجيب بما (عادته) أن (يجيب) به. وهو أنّ هذا على عادة الملوك (في خطاباتهم أن يعبروا عن الأمر المحقق الوقوع باللفظ المحتمل) لأن خطاباتهم كلّها محققة. وأجاب الطيبي: أن الشك راجع (إلى اتّباع الهدى) لا إلى نفس الهدى والإتباع غير محقق. قال ابن عرفة: وهذا كله لا يحتاج إليه على مذهبنا لأن إرسال الرسل إنما يجب (عندنا) بالشرع لا بالعقل، ولم يكن حينئذ شرع بوجه فكان الأمر محتملا. قال الطيبي: أكد أول الفعل بـ "إما" وأخره بالنون الشديدة. قال ابن عرفة: قد قالوا في قول ابن دريد في مقصورته: شعر : أما ترى رأسي (حكى) لونه طرّة صبح تحت أذيال الدجى تفسير : ("إما" زائدة للتأكيد) ونابت مناب تكرير الفعل فكأنه قال: إنْ تَرَ تَرَ. وكذلك هنا تأكيد أوله مناف تكريره وتأكيد آخره راجع إلى تحقيق وقوعه وتثبيته. قوله تعالى: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} قالوا: سبب الخوف مستقبل وسبب الحزن ماض فإن قلت: على هذا كان يقال: فلا (حزن) عليهم ولا يخافون فهو أرتب ليعبر عن المستقبل (بصيغة) المستقبل. (قال): فالجواب عن ذلك أنه إشارة إلى (تكرر) الحزن منهم المرة بعد المرة، وتذكر الإنسان أمرا (مضى) أقرب من تذكره أمرا مستقبلا وتأسفه على الماضي المحقق الوقوع أشد من حزنه على المستقبل، لأنّه (يتكرّر تذكره الماضي) شيئا بعد شيء، (بل) فمهما تذكره يحزن عليه فعبر عنه بالفعل المقتضي للتجدد وليس كذلك المستقبل بوجه.

ابن عادل

تفسير : كرر قوله: "قلنا: اهبطوا"؛ لأن الهبوطين مختلفان باعتبار تعلّقهما، فالهبوط الأوّل علّق به العداوة، والثاني علّق به إتيان الهدى. وقيل: لأن الهبوط الأول من الجنّة إلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض. واستبعده بعضهم لوجهين: الأول: لقوله: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} تفسير : [البقرة: 36] وذكر هذا في الهبوط الثَّاني أولى. وهذا ضعيف؛ لأنه يجوز أن يراد: ولكم في الأرض مستقرّ بعد ذلك. وثانيهما: أنه قال في الهُبُوطِ الثَّاني: "اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً"، والضمير في "منها" عائد إلى "الجنّة" وذلك يقتضي كون الهُبُوط الثاني من الجنّة. قال "ابن عطية": وحكى "النَّقاش" أن الهبوط الثَّاني إنما هو من الجنّة إلى السّماء، والأولى في ترتيب الآية إنما هو إلى الأرض، وهو الآخر في الوقوع. وقيل: كرّر على سبيل التَّأكيد نحو قولك: "قم قم". والضَّمير في "منها" يعود على الجَنّة، أو السَّماء. قال "ابن الخطيب": وعندي فيه وجه ثَالِثٌ، وهو أن آدم لما أتيا بالزَّلَّة أمرا بالهبوط، فتابا بعد الأمر بالهبوط، فأعاد الله الأمر بالهبوط مَرّةً ثانيةً ليعلما أن الأمر بالهبوط ما كان جزاء على ارتكاب الزَّلَّة حتى يزول بزوالها، بل الأمر بالهبوط باق بعد التوبة؛ لأن الأمر به كان تحقيقاً للوَعْدِ المتقدّم في قوله: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة: 30]. قوله: "جَمِيعاً" حال من فاعل "اهْبِطُوا" أي: مجتمعين: إما في زمان واحدٍ، أو في أزمنة متفرقة؛ لأن المُرَاد الاشتراك في أصل الفعل، وهذا هو الفرق بين "جاءوا جميعاً"، و "جاءوا معاً"، فإن قوك: "معاً" يستلزم مجيئهم جميعاً في زمن واحد، لما دلّت عليه "مع" من الاصْطِحَاب بخلاف "جميعاً" فإنها لا تفيد إلا أنه لم يتخلّف أحد منهم عن المجيء من غير تعرُّض لاتحاد الزمان. و "جميع" في الأَصْلِ من ألفاظ التَّوكيد، نحو: "كل"، وبعضهم عدها معها. وقال: "ابن عطية": و "جميعاً" حال من الضمير في "اهبطوا"، وليس بمصدر ولا اسم فاعل، ولكنه عوض منهما دالّ عليهما، كأنه قال: هبوطاً جميعاً أو هابطين جميعاً، كأنه يعني أن الحال في الحقيقة محذوف، وأن "جميعاً" تأكيد له، إلاَّ أن تقديره بالمصدر ينفي جعله حالاً إلا بتأويل لا حَاجَةَ إليه. وقال بعضهم: التَّقْدِير: قلنا: اهبطوا مجتمعين، فهبطوا جميعاً، فحذف الحال من الأول لدلالة الثَّاني عليه، وحذف العامل من الثاني لدلالة الأول عليه، وهذا تكلّف لم تدع إليه الضرورة. قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ} الفاء مرتبة معقبة. و " إمّا" أصلها: إن الشرطية زيدت عليها "ما" تأكيداً، و "يأتينكم" في مَحَلّ جزم بالشَّرْط؛ لأنه بني لاتصاله بنون التوكيد. وقيل: بل هو معرب مطلقاً. وقيل: مبني مطلقاً. والصّحيح: التفصيل: إن باشرته كهذه الآية بني، وإلا أعرب، نحو: هل يَقُومَانِ؟ وبني على الفَتْحِ طلباً للخفّة، وقيل: بل بني على السُّكون، وحرك بالفتح لالتقاء السَّاكنين. وذهب الزجاج والمبرد إلى أن الفعل الواقع بعد "إن" الشَّرطية المؤكَّدة بـ "ما" يجب تأكيده بالنون، قالا: ولذلك لم يأت التَّنْزيل إلاّ عليه، وذهب سيبويه إلى أنَّه جائز لا واجب؛ لكثرة ما جاء به منه في الشعر غير مؤكَّد، فكثرة مجيئه غير مؤكَّد يدلُّ على عدم الوجوب؛ فمن ذلك قوله: [الطويل] شعر : 413- فَإِمَّا تَرَيْنِي كَابْنَةِ الرَّمْلِ ضَاحِياً عَلَى رِقَّةٍ أخْفَىَ وَلاَ أَتَنَعَّلُ تفسير : وقولُ الآخر: [البسيط] شعر : 414- يَا صَاحِ إمَّا تَجِدْنِي غَيْرَ دِي جِدةٍ فَمَا التَّخَلِّي عَنِ الخُلاَّنِ مِنْ شِيَمِي تفسير : وقول الآخر: [المتقارب] شعر : 415- فَإِمَّا تَرَيْنِي وَلِي لِمَّةٌ فَإنَّ الحَوادِثَ أوْدَى بِهَا تفسير : وقول الآخر: [الكامل] شعر : 416- زَعَمَتْ تُمَاضِرُ أنَّنِي إمَّا أَمُتْ يَسْدُدْ أُبَيْنُوهَا الأَصَاغِرُ خَلَّتِي تفسير : وقال المهدوي: "إما" هي "إن" التي للشرط زيدت عليها "ما" ليصحّ دخول "النّون" للتوكيد في الفعل، ولو سقطت "ما" لم تدخل النّون، و "ما" تؤكّد أول الكلام، والنون تؤكد آخره، وتبعه ابن عطية. وقال بعضهم: هذا الذي ذهبا إليه من أن النّون لازمة لفعل الشرط إذا وصلت "إن" بـ "ما" هو مذهب المُبَرّد والزَّجَّاج، وليس في كلامهما ما يدلُّ على لزوم "النُّون" كما ترى، غاية ما فيه أنهما اشترطا في صحّة تأكيده بالنون زيادة "ما" على "إن"، أما كون التوكيد لازماً، وغير لازم، فلم يتعرضا له، وقد جاء تأكيد الشرط بغير "إن"؛ كقوله: [الكامل] شعر : 417- مَنْ يُثْقَفَنْ مِنْهُمْ فَلَيْسَ بِآئِبٍ أبَداً وَقَتلُ بَنِي قُتَيْبَةَ شَافِي تفسير : و "مني" متعلق بـ "يأتين" وهي لابتداء الغاية مجازاً، ويجوز أن تكون في محل حال من "هدى" لأنه في الأصل صفة نكرة قدم عليها، وهو نظير ما تقدم في قوله: {أية : مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ} تفسير : [البقرة: 37]. و "هدى" فاعل، والفاء مع ما بعدها من قوله: {فَمَن تَبِعَ} جواب الشرط الأول، والفاء في قوله: {فَلاَ خَوْفٌ} جواب الثَّاني. وقد وقع الشَّرْط الثاني وجوابه جواب الأول، ونقل عن "الكسائي" أن قوله: "فَلاَ خَوْفٌ" جواب الشَّرطين معاً. قال "ابن عطية" بعد نقله عن "الكِسَائي" ذلك: هكذا حكي، وفيه نظر، ولا يتوجّه أن يخالف سيبويه هنا، وإنما الخِلاَفُ في نحو قوله: {أية : فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ} تفسير : [الواقعة: 88، 89] فيقول سيبويه: جواب أحد الشرطين محذوف، لدلالة قوله: "فروح" عليه. ويقول الكوفيون: "فروح" جواب الشرطين، وأما في هذه الآية، فالمعنى يمنع أن يكون "فلا خوف" جواباً للشرطين. وقيل: جواب الشرط الأوّل محذوف تقديره: "فإمّا يأتينكم منّي هُدًى فاتبعوه" وقوله: "فمن تبع" جملة مستقلة [وهو بعيد أيضاً]. فصل في المراد بالهدى اختلف في "الهُدَى" فقال "السّدي": كتاب الله، وقال قوم: الهدى الرّسل، وهذا إنما يتم لو كان المُخَاطب بهذا الكلام آدم وبنيه، فالرُّسل إلى آدم من الملائكة، وإلى بنيه من البشر. وقيل: المراد من الهُدَى كل دلالة وبيان. وقيل: التوفيق للهداية. وفي قوله: "مني هُدىً" إشارة إلى أن أفعال العباد خلق الله تعالى. و"من" يجوز أن تكون شرطية، وهو الظاهر، ويجوز أن تكون موصولة، ودخلت الفاء في خبرها تشبيهاً لها بالشرط، ولا حاجة إلى هذا، فإن كانت شرطية كان "تبع" في محل جزم، وكذا "فلا خوف" لكونهما شرطاً وجزاء، وإن كانت موصولةً فلا مَحَلّ لـ "تبع"، وإذا قيل بأنها شرطية فهي مبتدأ أيضاً، وفي خبرها خلاف مشهور. والأصح أنه فعل الشرط، بدليل أنه يلزم عود ضمير من فعل الشرط اسم الشرط، ولا يلزم ذلك في الجواب، تقول: "من يقم أكرم زيداً"، فليس في "أكرم زيداً" ضمير يعود على "من" ولو كان خبراً للزم فيه ضمير. ولو قلت: "من يقم زيداً أكرمه" وأنت تعيد الهاء على "من" لم يجز، لخلوّ فعل الشرط من الضمير. وقيل: الخبر الجواب، ويلزم هؤلاء أن يأتوا فيه بعائد على اسم الشرط، فلا يجوز عندهم: "من يقم أكرم زيداً" ولكنه جائز، هذا ما أورده أبو البقاء. وسيأتي تحقيق القول في لزوم عود الضَّمِيرِ من الجواب إلى اسم الشَّرْط عند قوله: {أية : قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ} تفسير : [البقرة: 97]. وقيل: مجموع الشرط والجزاء هو الخبر، لأن الفائدة إنما تحصل بهما. وقيل: ما كان فيه ضمير عائد على المبتدأ، فهو الخبر والمشهور "هُدَايَ"، وقرىء: "هُدَيَّ" بقلب الألف ياء، وإدغامها في ياء المتكلم، وهي لغة "هُذَيْل"، يقولون في عَصَاي: عَصَيَّ، وقال شاعرهم: [الكامل] شعر : 418- سَبَقُوا هَوَيَّ وأَعْنَقُوا لِهَوَاهُمُ فَتُخُرِّمُوا وَلِكُلِّ جَنْبٍ مَصرَعُ تفسير : كأنهم لما لم يصلوا إلى ما تستحقه ياء المتكلّم من كسر ما قبلها لكونه ألفاً أتوا بما يجانس الكسرة، فقلبوا الألف ياء. نقل "النحاس" هذه العلّة عن الخليل وسيبويه وهذه لغة مطّردة عندهم إلاّ أن تكون الألف للتثنية، فإنهم يثبتونها: نحو: "جاء مسلماي، وغلاماي". قوله: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} قد تقدّم أنه يجوز أن يكون جواباً للشرط، فيكون في محلّ جزم، وأن يكون خبراً لـ "من" إذا قيل بأنها موصولة، وهو أولى لمقابلته بالمَوْصُول في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ} تفسير : [البقرة: 39]، فيكون في محل رفع، و "لا" يجوز أن تكون عاملة عمل "ليس" فيكون "خوف" اسمها، و "عليهم" في محلّ نصب خبرها، ويجوز أن تكون غير عاملة، فيكون "خوف" مبتدأ، و "عليهم" في محلّ رفع خبره، وهذا أولى مما قبله لوجهين: أحدهما: أن عملها عمل "ليس" قليل، ولم يثبت إلاّ شيء محتمل، وهو قوله: [الطويل] شعر : 419 - تَعزَّ فَلاَ شَيءٌ على الأَرْضِ بَاقِيا وَلاَ وَزرٌ مِمَّا قَضَى اللهُ وَاقِيَا تفسير : والثاني: أن الجملة التي بعدها وهي {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} تعيّن أن تكون "لا" فيها غير عاملة؛ لأنها لا تعمل في المَعَارف، فجعلها غير عاملة فيه مُشَاكلة لما بعدها، وقد وَهِمَ بعضهم، فجعلها عاملةً في المعرفة؛ مستدلاًّ بقوله: [الطويل] شعر : 420- وَحَلَّتْ سَوَادَ القَلْبِ لا أَنَا بَاغِيَا سِوَاهَا وَلاَ في حُبِّهَا مُتَرَاخِيَا تفسير : فـ "أَنَا" اسمها و "بَاغِيَا" خبرها. قيل: ولا حجّة فيه؛ لأن "باغِيَا" حال عاملها محذوف هو الخَبَرُ في الحقيقة تقديره: وَلاَ أَنَا أَرَى بَاغِياً، أو يكون التقدير: ولا أَرَى بَاغِياً، فلما حذف الفعل انفصل الضمير. وقرىء: "فَلاَ خَوْفُ" بالرفع من غير تنوين، والأحسن فيه أن تكون الإضافة مقدّرة، أي: خوف شيء. وقيل: أنه على نِيَّةِ الألف واللام. وقيل: حذف التنوين تخفيفاً، وقرأ الزهري، والحسن وعيسى بن عمر، وابن أبي إسحاق، ويعقوب: "فَلاَ خَوْفَ" مبنياً على الفتح؛ لأنها "لا" التبرئة، وهي أبلغ في النَّفي، ولكن الناس رجَّحوا قراءة الرفع. قال "أبو البقاء": لوجهين: أحدهما: أنه عطف عليه ما لا يجوز فيه إلاَّ الرفع، وهو قوله: "ولا هم" لأنه معرفة، و "لا" لا تعمل في المَعَارف، فالأولى أن يجعل المعطوف عليه كذلك لِتَتَشَاكل الجملتان، ثم نظره بقولهم: "قام زيد وعمراً كلّمته" يعني في تَرْجيح النَّصْب في جملة الاشتغال للتشاكل. ثم قال: والوجه الثاني: من جهة المعنى، وذلك أن البناء يدلّ على نفي الخوف عنهم بالكلية، وليس المراد ذلك، بل المراد نفيه عنهم في الآخرة. فإن قيل: لم لا يكون وجه الرفع أن هذا الكلام مذكور في جزاء من اتبع الهُدَى، ولا يليق أن ينفى عنهم الخوف اليسير، ويتوهّم بثبوت الخوف الكثير. قيل: الرفع يجوز أن يضمر معه نفي الكثير، تقديره: ولا خوف كثير عليهم، فيتوهّم ثبوت القليل، وهو عكس ما قدر في السُّؤال، فبان أن الوجه في الرفع ما ذكرنا. قوله: {ولا هم يحزنون} تقدّم أنه جملة منفية، وأن الصَّحيح أنها غير عاملةٍ. و "يحزنون" في محلّ رفع خبر للمبتدأ، وعلى ذلك القَوْل الضَّعيف يكون في محلّ نصب و "الخوف": الذُّعر والفَزَع، يقال: خاف يَخَاف خوفاً، فهو خائف، والأصل: خوف بوزن "علم" ويتعدّى بالهمزة والتضعيف، قال تعالى: {أية : وَنُخَوِّفُهُمْ} تفسير : [الإسراء: 60] ولا يكون إلا في الأمر المستقبل. والحُزْن: ضد السرور، وهو مأخوذ من "الحَزْن"، وهو ما غلظ من الأرض، فكأنه ما غلظ من الهَمّ، ولا يكون إلا في الأمر الماضي، يقال: حَزِنَ يَحْزَنُ حُزْناً وَحَزَناً، ويتعدّى بالهمزة نحو: أَحْزَنْتُهُ، وحَزّنته بمعناه، فيكون "فعّل" و "أَفْعَل" بمعنى. وقيل: أَحْزَنَهُ حَصَّل له حزناً. وقيل: الفتحة مُعَدِّية للفعل: نحو: شترَتْ عينه وشَتَرَها الله، وهذا على قول من يرى أن الحركة تعدّي الفعل، وقد قرىء باللغتين: "حَزَنَهُ وأَحْزنه"، وسيأتي تحقيقهما إن شاء الله تَعَالَى. فَصْلٌ في لغات "حزن" قال ابن الخطيب: قال اليزيدي: حَزَنَه لغة "قريش"، وأَحْزَنَهُ لغة "تميم"، وحَزِنَ الرجل - بالكسر - فهو حَزِنٌ وحَزِينٌ، وأُحْزِنَ فهو مَحْزُونٌ، واحْتَزَنَ وتَحَزَّن بمعنى. وهذه الجُمْلة مع اختصارها تجمع شيئاً كثيراً من المعاني؛ لأن قوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} دخل فيه الإنعام بجميع الأدلّة العقليّة، والشرعية الواردات للبيان، وجميع ما لا يتمّ ذلك إلاّ به من العقل، ووجوه التمكُّن، وجميع قوله: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} تأمل الأدلّة بنصّها والنظر فيها، واستنتاج المعارف منها، والعمل بها وجميع قوله: {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} جميع ما أعَدَّ الله - تعالى - لأوليائه؛ لأن زوال الخوف يتضمّن السَّلامة من جميع الآفات، وزوال الحزن يقتضي الوصول إلى كل اللَّذَّات والمرادات، وقدم عدم الخَوْف على عدم الحزن؛ لأن زوال ما لا ينبغي مقدّم على طَلَبِ ما ينبغي وهذا يدلُّ على أن المكلّف الذي أطاع الله - تَعَالَى - لا يلحقه خوف في القَبْرِ، ولا عند البَعْثِ، ولا عند حضور المَوْقِف، ولا عند تَطَايُرِ الكُتب، ولا عند نَصْبِ الموازين، ولا عند الصراط كما قال: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّٰهُمُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 103] وقال قوم من المتكلّمين: إن أهوال القيامة كما تصل إلى الكُفّار والفسّاق تصل إلى المؤمنين لقوله تعالى: {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ} تفسير : [الحج: 2] فإذا انكشفت تلك الأهوال، وصاروا إلى الجنّة والرضوان صار ما تقدّم كأن لم يكن، بل ربما كان زائداً في الالتذاذ بما يجده من النعيم، وهذا ضعيف؛ لأن قوله: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} تفسير : [الأنبياء: 103] أخص من قوله: {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ} تفسير : [الحج: 2] والخاص مقدّم على العام. فإن قيل: هذا يقتضي نَفْيَ الخَوْفِ والحُزْن مطلقاً في الدنيا والآخرة، وليس الأمر كذلك؛ لأنهما حصلا في الدنيا للمؤمنين أكثر من حصولهما لغير المؤمنين قال عليه الصَّلاة والسَّلام: "حديث : خُصَّ البَلاَءُ بالأَنْبِيَاءِ، ثم الأَوْلِيَاءِ ثُمّ الأَمْثَل فالأَمْثَل ". تفسير : وأيضاً فالمؤمن لا يمكنه القطع بأنه أتى بالعَبَادات كما ينبغي، فخوف التقصير حاصلٌ وأيضاً فخوف سوء العاقبة حاصل. قلنا: قَرَائِنُ الكلام تدلّ على أنّ المراد نفيهما في الآخرة لا في الدنيا، ولذلك حكى الله عنهم أنهم قالوا حين دخلوا الجنة: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} تفسير : [فاطر: 34].

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {قلنا اهبطوا منها جميعاً فإما يأتينكم مني هدى} قال: الهدى الأنبياء والرسل والبيان. وأخرج ابن المنذر عن قتادة في قوله {فمن تبع هداي...} الآية. قال: ما زال لله في الأرض أولياء منذ هبط آدم، ما أخلى الله الأرض لابليس إلا وفيها أولياء له يعملون لله بطاعته. وأخرج ابن الأنباري في المصاحف عن أبي الطفيل قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {فمن تبع هَدْي} بتثقيل الياء وفتحها. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {فلا خوف عليهم} يعني في الآخرة {ولا هم يحزنون} يعني لا يحزنون للموت. وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي في شعب الإِيمان عن قتادة قال: لما هبط إبليس قال: أي رب قد لعنته فما علمه؟ قال: السحر. قال: فما قراءته؟ قال: الشعر. قال: فما كتابه؟ قال: الوشم. قال: فما طعامه؟ قال: كل ميتة وما لم يذكر اسم الله عليه. قال: فما شرابه؟ قال: كل مسكر. قال: فأين مسكنه؟ قال: الحمام. قال: فأين مجلسه؟ قال: الأسواق. قال: فما صوته؟ قال: المزمار. قال: فما مصائده؟ قال: النساء. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : قال إبليس لربه تعالى: يا رب قد أهبط آدم، وقد علمت أنه سيكون كتاب ورسل، فما كتابهم ورسلهم؟ قال: رسلهم الملائكة والنبيون، وكتبهم التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان. قال: فما كتابي؟ قال: كتابك الوشم، وقراءتك الشعر، ورسلك الكهنة، وطعامك ما لم يذكر اسم الله عليه، وشرابك كل مسكر، وصدقك الكذب، وبيتك الحمام، ومصائدك النساء، ومؤذنك المزمار، ومسجدك الأسواق ".

القشيري

تفسير : سوء الأدب على البساط يوجب الرد إلى الباب، فلما أساء آدم عليه السلام الأدب في عين القربة قال الله تعالى: {ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} بعد أن كان لكم في محل القربة قرار ومتاع إلى حين، يستمتعون يسيراً ولكن (في) آخرهم يعودون إلى الفقر، وأنشدوا: شعر : إذا افتقروا عادوا إلى الفقر حسبة وإن أيسروا عادوا سراعاً إلى الفقر تفسير : وحين أخرجه من الجنة وأنزله إلى الأرض بَشَّره بأنه يردَّه إلى حاله لو جنح بقلبه إلى الرجوع فقال: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}.

اسماعيل حقي

تفسير : {قلنا} استئناف مبنى على سؤال ينسحب عليه الكلام كانه قيل فما ذا وقع بعد قبول توبته فقيل قلنا {اهبطوا منها} اى من الجنة {جميعا} نصب على الحال من ضمير الجمع تأكيد فى المعنى للجماعة من آدم وحواء وابليس والحية والطاووس كأنه قيل اهبطوا انتم اجمعون ولذلك لا يستدعى اجتماعهم على الهبوط فى زمان واحد وكرر الامر بالهبوط ايذانا بتحتم مقتضاه وتحققه لا محالة ودفعا لما عسى يقع فى امنتيه عليه السلام من استتباع قبول التوبة للعفو عن ذلك ولان الاول دل على ان هبوطهم الى دار بلية يتعادون فيها ولا يخدلون والثانى اشعر بانهم اهبطوا للتكليف فاختلف المقصود وكان يصح لو قرن المعنيان بذكر الهبوط مرة لكن اعترض بينهما كلام وهو تلقيه الكلمات ونيله قبول التوبة فاعاد الاول ليتصل المعنى الثانى به وهو الابتلاء بالعبادة والثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. قال فى الارشاد والثانى مقرون بوعد ايتاء الهدى المؤدى الى النجاة والنجاح وما فيه من وعيد العقاب فليس بمقصود من التكليف قصدا اوليا بل انما هو دائر على سوء اختيار المكلفين. ثم ان فى الآية دليلا على ان المعصية تزيل النعمة عن صاحبها لان آدم قد اخرج من الجنة بمعصية واحدة وهذا كما قال القائل شعر : اذا تم امر دنا نقصه توقع زولا اذا قيل تم اذا كنت فى نعمة فارعها فان المعاصى تزيل النعم تفسير : قال الله تعالى {أية : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}تفسير : [الرعد: 11]. {فاما يأتينكم منى} اى ان يأتينكم والفاء لترتيب ما بعدها على الهبوط المفهوم من الامر به {هدى} اى رشد وبيان شريعة برسول ابعثه اليكم وكتاب انزله عليكم والخطاب فى قوله يأتينكم لآدم والمراد ذريته وابليس وذريته لم يأتهم كتاب ولا رسول ولا يكون منهم اتباع وجواب الشرط هو الشرط الثانى مع جوابه وهو قوله تعالى {فمن اتبع هداى} اى اقتدى بشريعتى وكرر لفظ الهدى ولم يضمر بان يقال فمن تبعه لانه اراد بالثانى اعم من الاول وهوما اتى به الرسل من الاعتقاديات والعمليات واقتضاه العقل اى فمن تبع ما أتاء من قبل الشرع مراعيا فيه ما يشهد به العقل من الادلة الآفاقية والانفسية {فلا خوف عليهم} فى الدارين من لحوق مكروه {ولا هم يحزنون} من فوات مطلوب فالخوف على المتوقع والحزن على الواقع اى لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم ذلك لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا انه لا يعتريهم نفس الخوف والحزن اصلا بل يستمرون على السرور والنشاط كيف لا واستشعار الخوف والخشية استعظاما لجلال الله وهيبته واستقصارا للجد والسعى فى اقامة حقوق العبودية من خصائص الخواص والمقربين.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إن}: شرط، و {ما} زيدت لتقوية الشرط، ولذلك دخلت نون التوكيد، وعبر بإن دون {إذا}، مع تحقق مجيء الهدى؛ لأنه غير واجب عقلاً، وجملة الشرط الثاني وجوابه، الشرط الأول، و {جميعاً} حال مؤكدة؛ أي: اهبطوا أنتم أجمعون، ولذلك لا يقتضي اجماعهم على الهبوط في زمان واحد. ولما أمر الحقّ جلا جلاله آدم أولاً بالهبوط من الجنة، جعل يبكي ويتضرّع ويقول: ألم تخلقني بيدك؟ ألم تسجد لي ملائكتك؟ ألم تدخلني جنتك؟ ثم ألهم الكلمات التي تلقاها من ربه، فتاب عليه ورحمه، فطمع آدم حين سمع من ربه قبول توبته في البقاء في الجنة، فقال له الحقّ جلّ جلاله: يا آدم لا يجاورني من عصاني، وقد سبقت كلمتي بهبوطك إلى الأرض لتكون خليفتي بذريتك، فكرّر عليه الأمر بالهبوط ثانياً. فقال: {اهبطوا منها جميعا} أنتما بما اشتملتما عليه من ذريتكما. فمهما {يَأتِيَنَّكُم مِنِّي هُدىً} أي: بيان وإرشاد إلى توحيدي ومعرفتي، على يد رسول أو نائب عنه، {فَمَن تَبعَ} ذلك الإرشاد، واهتدى إلى معرفتي وتوحيدي، وعمل بطاعتي وتكاليفي، {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من لحُوق مكروه {وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} من فوات محبوب، لأني أَصرف عنهم جميع المكاره، وأجلب لهم المنافع، {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} الدالّة على قدرتنا المنزلة على رسلنا، {أية : وَاسْتَكْبَرُواْ}تفسير : [النِّساء: 173] عن النظر فيها، أو عن الخضوع لمن جاء بها، {أُوْلَئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. الإشارة: إذا سكنت الأرواح في عُشِّ الحضرة، وتمكنت من الشهود والنظرة، أمرها الحق تعالى بالنزول إلى سماء الحقوق أو أرض الحظوظ، فتنزل بالإذن والتمكين، والرسوخ في اليقين، لا لطلب جزاء أو لقضاء شهوة، بل تنزل بالله ومن الله وإلى الله، فمن نزل منها على هذا الهدى الحسن {فَلا خَوْفٌ عَلَيْهمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}، ومن ركب بحر التوحيد مع غير رئيس عارف، ولم يأوِ إلى سفينة الشريعة، واستكبر عن الخضوع إلى تكاليفها لعبت به الأمواج، فكان من المغرقين. {أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}؛ لأن من تحقق ولم يتشرع فقد تزندق، ومن تشرع ولم يتصوف فقد تفسق، ومن جمع بينهما فقد تحقق، جعلنا الله ممن تحقق بهما. وسلك على مهاجهما إلى الممات، آمين. ولما ذكر الحق تعالى شرف كتابه، ونفى وجد الريب عن ساحته، ثم دعا إلى توحيده، وبرهن على وجوده، بابتداء خلق العالم من عرشه إلى فرشه، وذكر كيفية ابتداء عمارته، خاطب بني إسرائيل؛ لأنهم أهل العلم بالأخبار المتقدمة، وقد مسعوا هذه الأخبار نَبِي أُمِّي لم يُعْهَدْ بقراءةٍ ولا تعلم، فقامت الحجة عليهم، وتحققوا أنه من عند الله. وما منعهم من الإسلام إلا الحسد وحب الرئاسة، فلذلك أطال الحق الكلام معهم، تارةً يُقرِّعَهم على عدم الإيمان وما فعلوا مع أنبيائهم، وتارة يذكرهم النعم التي أنهم الله على أسلافهم.

الطوسي

تفسير : المعنى: قد بينا معنى الهبوط فيما مضى بما فيه كفاية. وقال الجبائي: الهبوط الأول: هو الهبوط من الجنة إلى السماء، وهذا الهبوط من السماء إلى الأرض. وقد يستعمل في غير النزول من مكان عالٍ إلى أسفل. يقال هبط فلانٌ إلى أرض كذا، اذا أتاها، وإن لم يرد به النزول الذى فيه. إلا أن فيه إيماءً إلى هبوط المنزل قال لبيد: شعر : كلُّ بني حرةٍ مصيرهم قلَّ وإن أكثروا من العدد إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا يوماً فهم للفناء والفند تفسير : الفنَدَ: الهرب. والاتيان، والمجيء، والاقبال، نظائر ونقيضه: الذهاب والانصراف ويقال: أتى، اتياناً، وأتى أتْياً، وتأتى، تأتياً وأتى تأتية وآتيت فلاناً على أمره مؤاتاةً ولا يقال أتية الا في لغة قبيحة لتيم ودخلت (ما) في قوله مع "ان" التي للجزاء، ليصح دخول النون التي للتوكيد في الفعل ولو أسقطت (ما) لم يجز دخول النون، لأنها لا تدخل في الخبر الواجب الا في القسم، أو ما أشبه القسم كقولك: زيدٌ ليأتينك ولو قلت بغير اللام، لم يجز وكذلك تقول: بعينٍ ما أرينك ولو قلت: بعينٍ أرينك، بغير ما لم يجز فدخول (ما) ها هنا كدخول اللام في أنها تؤكد أول الكلام وتؤكد النون آخره. والأمر، والنهي، والاستفهام، تدخل النون فيه وان لم يكن معه (ما) اذا كان الأمر والنهي، مما تشتد الحاجة إلى التوكيد فيه والاستفهام مشبه به اذا كان معناه اخبرني والنون انما تلحق للتوكيد، فلذلك كان من مواضعها. قال الله تعالى: {أية : ولا تقولنَّ لشيء إني فاعلٌ ذلك غداً} تفسير : فان قيل: اين جواب اما؟ واين جواب من؟ قيل: الجزاء وجوابه بمنزلة المبتدا والخبر، لأن الشرط لا يتم الا بجوابه، كما لا يتم المبتدأ الا بخبره ألا ترى، انك لو قلت: إن تقم، وسكتت، لم يجز. كما لو قلت: زيد، لم يكن كلاما، حتى نأتي بالخبر. ولك أن تجعل خبر المبتدأ جملة، وهي أيضاً مبتدأ وخبر، كقولك: زيد أبوه منطلق. وكذلك (إن) التي للجزاء، إذا كان الجواب بالفاء، ووقع بعد الفاء الكلام مستأنفاً، صلح أن يكون جزاءً، وغير جزاء تقول: إن تأتي فأنت محمود ولك أن تقول: إن تأتني. فمن يكرمك أكرمه. وإن تأتني فمن يبغضك فلا وضيعة عليه. وقوله: {إما يأتينكم} شرط، وجوابه الفاء. وما بعد قوله: {فمن}، شرط آخر، وجوابه الذي بعده من قوله: {فلا خوف عليهم}. وهو نظير المبتدأ والخبر الذي يكون خبره مبتدأ وخبراً. وهذا في مقدمات القياسات، يسمى الشرطية المركبة. وذلك أن المقدم فيها إذا وجب، وجب التالي المرتب عليه. و "الهدى" المذكور في الآية يحتمل أمرين: أحدهما ـ البيان والدلالة. والآخر ـ الانبياء والرُّسل. وعلى القول الأخير يكون قوله: {قلنا اهبطوا} لآدم وحواء وذريتهما. كما قال:{أية : فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين} تفسير : أي أتينا فينا من الخلق طائعين. وقوله: {فمن تبع هداي}. اللغة: فالاتباع، والاقتداء، والاحتذاء، نظائر ونقيض الاتباع: الابتداع تقول: تبعه تباعاً وأتبعه إتباعاً. وتابعه متابعةً. وتتبع تتبعاً. واستتبع استتباعاً. والتابع: التالي. ومنه التتبُّع. والتبيع: ما تبع أثر شيء فهو يتبعه. والتتبُّع. فعلك شيئاً بعد شيء. تقول: تتبعت عليه آثاره. وفي الحديث: القادة والأتباع. والقادة: السادة. والأتباع. القوم الذين يتبعونهم. والفوائم، يقال لها تبع. والتبيع من ولد البقر: العجل، لأنه تبع أمه يعدو. وثلاثة أتبعة ـ الجمع ـ وبقرة متبع: خلفها تبيع. وخادم متبع: معها ولدها يتبعها حيثما أقبلت وأدبرت. وأتبع فلان فلاناً. وأتبعه الشيطان: إذا تتبعه يريد به شراً. كما تبع فرعون موسى. قال الله تعالى: {أية : فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين}. تفسير : وفلان يتبع فلاناً: إذا تتبع مساوئه في مهلة. والتتابع من الأشياء: إذا فعل هذا في أثر هذا بلا مهلة. ومنه تتابعت الأمطار، وتتابعت الاشياء. والتبع الظل. وأصل الباب كله. الاتباع وهو أن يتلو شيء شيئاً. قوله {فلا خوف عليهم}. اللغة: فالخوف والجزع، والفزع. نظائر. ونقيض الخوف: الأمن. تقول: خافه، يخافه خوفاً وأخافه إخافة. وتخوف تخوفاً. وخوفه تخويفاً. وطريق مخوف: يخافه الناس. وطريق مخيف: تخيف الناس. والتخوف: التنقص. يقال: تخوفناهم: تنقصناهم ومنه قوله: {أو يأخذهم على تخوف}، أي على تنقص. وأصل الباب: الخوف الذي هو الفزع. والخوف كله من الضرر. يقال: فلان يخاف الأسد، أي يخاف ضرره. ويخاف الله، أي يخاف عقابه. والحزن، والهم، والغم نظائر. ونقيضه السرور. يقال: حزن حزناً وحزنه حزناً وتحزن تحزناً وحزن تحزيناً والحُزن، والحَزن، لغتان. وحزنني، وأحزنني، لغتان. وأنا محزون ومحزن. وإذا أفردوا الصوت أو الأمر، قالوا: محزن لا غير. والحزن من الأرض والدواب: ما فيه خشونة. والأنثى: حزنة. والفعل: حزن، حُزونة. وقولهم: كيف حشمك وحزانتك؟ أي كيف من تتحزن بأمره. وأصل الباب: غلظ الهم. وقوله: {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}. المعنى: عمومه يقضي أنه لا يلحقهم خوف أهوال القيامة. وهو قول الجبائي. وقال ابن أخشيذ: لا يدل على ذلك، لأن الله تعالى وصف القيامة بعظم الخوف. قال الله تعالى: {أية : إن زلزلة الساعة شيء عظيم}تفسير : ... إلى قوله {أية : شديد}. تفسير : ولأنه روي أنه يلجم الناس العرق، وغير ذلك من الشدائد. وهذا ليس بمعتمد، لأنه لا يمتنع أن يكون هؤلاء خارجين من ذلك الغم. وأما الحزن، فلا خلاف أنه لا يلحقهم ومن أجاز الخوف، فرق بينه وبين الحزن، لأن الحزن إنما يقع على ما يغلظ ويعظم من الغم والهم، فلذلك لم يوصفوا بذلك. ولذلك قال تعالى: {أية : لا يحزنهم الفزع الأكبر} تفسير : لأن ما يلحقهم لا يثبت، ويزول وشيكا. قالوا: ويدلك على أن الحزن ما ذكرنا، أنه مأخوذ من الحزن؛ وهو ما غلط من الأرض. فكان ما غلظ من الهم. فأما لحوق الحزن والخوف في دار الدنيا، فلا خلاف أنه يجوز أن يلحقهم، لأن من المعلوم، أن المؤمنين لا ينفكون منه. و {هداي} بتحريك الياء. وروي عن الأعرج {هداي} بسكون الياء. وهي غلط، إلا أن ينوى الوقف. وإنما كرر {اهبطوا} لأن احدهما كان من الجنة إلى السماء. والثاني من السماء. إلى الأرض عند أبي علي. وقيل: المعنى واحد، وكرر تأكيداً وقيل: هو على تقدير اختلاف حال المعنى، لا اختلاف الأحوال. كما يقول: اذهب مصاحباً، إذهب سالماً معافىً. وكأنه على تقدير ذهاب يجامع ذهاباً ـ وإن كانت حقيقة واحدة. وإنما كرر {إما} في قوله: {أية : إما شاكراً وإما كفوراً} تفسير : ولم يكرر ها هنا، لأنها هناك للعطف، وها هنا للجزاء. وإنما هي (إن) ضم اليها (ما) كقوله: {أية : وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء}تفسير : وهداي: مثل هواي. وهي لغة قريش، وعامة العرب. وبعض بني سليم يقولون: هويّ: مثل: عليّ، ولديّ. قال أبو ذؤيب: شعر : سبقوا هويّ واعنقوا لهواهم فتخرموا ولكل جنب مصرع تفسير : وروي هدّي في الآية عن الجحدى، وابن أبي إسحاق، وعيسى. والصواب ما عليه القراء. والفرق بين هوي ولدي وعلي، وهو أن إلي وعلي ولدي مما يلزمها الاضافة، وليست بمتمكنة. ففصلوا بينها وبين الأسماء المتمكنة، كما فصلوا بين ضمير الفاعل وضمير المفعول، حين قالوا: ضربت فسكنوا لأجل التاء، ولم يسكنوا في ضربك، وإذا الفاعل يلزم الفعل.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : لا بدّ في تكرار الأمرْ بالهبوط من نكتةٍ فذكَروا في ذلك وجهين: أحدهما: قول الجبائي، وهو إنّ الهبوط الأوّل غير الثاني، فالأوّل كان من الجنّة إلى سماء الدنيا، والثاني من السماء الدنيا إلى الأرض. الوجه الثاني: إنّ التكرار للتأكيد. واعترض الإمام الرازي على أوّل الوجهين من وجهين: أحدهما: إنّه قال في الهبوط الأوّل: {أية : وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} تفسير : [البقرة:36]. فلو كان الاستقرار في الأرض إنّما حصل بالهبوط الثاني لكان ذكرُه عقيبَ الأمر بالثاني أولى. وثانيهما: إنّ ضمير {ٱهْبِطُواْ مِنْهَا} عائدٌ إلى الجنة: وذلك يقتضي كون الهبوط الثاني من الجنّة. أقول: للمناقشة في كِلا البحثين مجالٌ: أما الأوّل: فإنّ الاستقرار المذكور وإن لم يحصل إلاّ بعد الهبوط الثاني، لكن يجوز ذكره سابقاً عليه لفوائد أُخرى كالتشديد، والمبالغة في الاخراج، كمَن يقول لأحد يريد اخراجه من داره "أُخرُج فإنّك لا تليقُ بهذه الدار، ومكانك ينبغي أن يكون في بلاد الهند". ويؤيّد قولَ الجبائي ما ورَد في حكاية آدم وخروجه من الجنّة أنَّه "لما أُمر بالخروج أتى إلى باب الجنة ليخرج منها، فلمّا أراد أن يضعَ قَدمَه خارجاً قال {بسم الله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ} فلمَّا سمع جبرائيل منه أوقفَه انتظاراً للرحمة، فقال "إِلهي ارحم عليه، فقد ذكَر كلمةً عظيمة" فأعاد الله الأمر بالهبوط، ونبَّه على أنّ له في هذا الأمر رحمة آجلة أعظم وأوسع من هذه الرحمة العاجلة" فالقصّة دالّة على أنّه وقَع لآدم وقفة في سور الجنّة المضروب بينها وبين سماء الدنيا. والمراد من السماء الدنيا على طريقة التوصيف مجموع عالَم السماء، لأنّها بالقياس إلى الجنّة دانية، فالأمر بالهبوط الثاني كان متعلّقاً بنزول آدم من السماء إلى الأرض بعد خروجه من الجنّة بالأمر الأوّل إلى بابها الذي هو في عالَم السماء. وأمّا الثاني: فعودُ الضمير إلى الجنّة إنما وقَع لأنّ ابتداء الهبوط كان منها، وليس قوله {مِنْهَا} داخلاً في المأمور به. ثمّ قال: "وَعندي وجهٌ ثالث أقوى من الوجهين، وهو أنّ آدمَ وحواء لما أتيا بالزلّة أُمرا بالهبوط فتابا بعد الأمر بالهبوط. فأعاد الله الأمر بالهبوط مرّة ثانية ليعلما أنَّ الأمر بالهبوط ما كان جزاءً على ارتكاب الزلّة حتى يزول بزوالها، بل هو باقٍ بعد التوبة، لأنّ الأمر بالهبوط كان تحقيقاً للوعد المتقدّم في قوله: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة:30]. وقيل: سبب التكرار اختلاف المقصود في الأمرين. فإنّ الأوّل: دلّ على أنّ هبوطَهم إلى دار بليّة يتعادون فيها ولا يخلّدون، والثاني: أشعر بأنّهم أهبطوا للتكليف فمن اهتدى نجا، ومن ضلّ هلك، كما يقال: "اذهبْ سالماً معافياً، اذهبْ مصاحباً" وإن كان الذهاب واحداً لاختلاف الحالين. وهاهنا وجهٌ آخر، وهو أنّه يحتمل أن يكون الهبوط الأوّل إلى البدن، والهبوط الثاني إلى الدنيا. ومنشأ الأوّل حاجةُ النفس لتكميلها إلى قواها، ودواعيها، كالشهوة، والغضب التي في البدن، ومنشأ الثاني حاجتُها بواسطة تكميل البدن ومنافعه ومضارّه إلى الأمور الخارجة عنه. وممّا رُوي في الأخبار والحكايات: أنَّ آدم (عليه السلام) أهبط بالهند وحوّاء بجدّة، وإبليس بموضع من البصرة، والحيَّة باصبهان. إشارةٌ قرآنيةٌ كراهيّة الإنسان للهبوط ثمّ للعروج ثمّ إنّ في الآية اشعاراً لطيفاً بأعجب أحوال الإنسان، فإنّ من عجيب أحواله أنَّ مفارقتَه عالَم القدس والرحمة، وبُعدَه عن درجة المقربين، وهبوطَه إلى دار الدنيا، كان صعْباً عليه في أول الأمْر بمقتضى صفائه الذاتي، وفطرته الأصلي، ولم يرض بالكون في هذا العالَم بل استكرهه واستوحشَه، حتّى صدَر الأمْر بهبوطه مرّة بعد أولى، ثمّ إذا وقع في هذه الدار - دار الغربة والوحشة - ومضَت عليه بُرهةٌ من الزمان، نسي موطنه الأصلي، وداره، وأحبَّاءه الذين صحِبهم فيها، وألِف هذا المنزل وتثبَّط فيه، وكره الخروجَ منه، واستأنسَ بأهل الدنيا، واستصعب مفارقتَهم. وللشيخ أبي علي بن سينا قصيدةٌ يومئ إلى هذا المعنى وإلى بعض أحوال النفس من تجرّدها وتعلّقها، هذه بعض أبياتها قال: شعر : هَبطتْ إليكَ مِن المحلِّ الأرفَع وَرْقاءُ ذات تعزّزٍ وتمنُّعِ محجوبة عن كلِّ مقلةِ عارفٍ وهي التي سفرَت ولم تَتبرقَعِ وصَلتْ على كُرهٍ إليكَ وربَّما كَرِهتْ فراقَكَ وهي ذاتُ تفجُّعِ أنِفتْ وما سكَنتْ فلمّا واصَلتْ كَرِهتْ مُفارقةَ الخَرابِ البلقَعِ وأظنُّها نَسيتْ عُهوداً بالحمى ومَنازلاً بفراقِها لمْ تقنَعِ تفسير : و "المحلُّ الأرفع". هو العالَم الأعلى النوري المجرّد بالكلّية عن ملابسَة الأجساد، وهو أرفع درجةً ومكانةً من عالَم الجنان، لأنّ الجنّة جسمانيّة، وعالَم النور المحض مجرّد عقلي. وقد سبق أنَّ النفس الآدمية كان معدنها الأصلي أوّلاً عالَم العلم الإلهي، والقضاء الربّاني حيث كان مقدّراً في علمه تعالى، أنّه جاعلٌ في الأرض خليفة، والعلْم بالشيء هو نحوٌ من وجود ذلك الشيء، ثمّ نشأت بقدرته تعالى في عالَم الأرواح العقلية حينما صارت منفوخاً فيها روح الله، ومسجوداً لملائكته، ثمّ سكنت بأمر الله في الجنة، وتناولت من ثمارها وأشجارها، ثمّ هبطت بعد ذلك إلى القالَب، وبالقالَب إلى هذا العالَم. و "الوَرقاء" حمامة خضراء يشبه لونها لونَ السماء. شبَّه النفسَ الإنسانية بالورقاء لكثرة استئناسها بصورة الإنسان، وشدّة ميلها بالعود إلى المحلّ المعتاد الذي يتحقّق به المعاد، وأصل التشبيه لها بالطير مطلقاً لصفة تجرّدها عن البدن، وهو بمنزلة القفَص للطير، والمشابهة لصفة الطيران. وإنّما شبّهت بالطائر الأخضر اشعاراً بأنّها من عالَم السماء وقد ورَد في الحديث: "حديث : إنّ الأرواح بعد البدن تكون في قوالِب طيور خُضر" تفسير : وورَد أيضاً في الحديث: "حديث : إنّها في قناديل معلّقة تحت العرش ". تفسير : ويمكن أن يكون المراد بالأرواح ما هو أرفع من النفوس، وهي العقول. والمراد من الطيور الخُضر النفوسُ التي في عالَم البرزخ، ومن القناديل المعلّقة تحت العرش ما هي بمنزلة الأبدان هناك، وهي المُثُل المعلّقة في عالَم الأشباح المثاليّة. و "الكاف" في قوله: "إليكَ" إن أريد بها نفسك، فالمراد من "الورقاء" الروح. ومن "المحلّ الأرفع" عالَم القدس العقلي، وإن أريد بها بدنُك، فالورقاء هي النفس، والمحلّ الأرفع هو عالَم الجنّة، والثاني أنسب بما بعده. و "السفر" في قوله: "سفَرت" كشفُ الوجه. و "التبرقُع" ستْرُه. وتقديم لفظ "الكلّ" عليها لرعاية الوزن. والمراد منه: أن النفسَ لتجرّدها محجوبةٌ، متبرقعةٌ عن الأبصار، ولنوريّتها واسفرار وجهِها مكشوفة، على البصائر و "هي ذات تفجُّع" أي: ذات جزع وفزع. و "البَلقَع" أي: الخالي. والمراد به عالَم الأجسام، لخلوّها في نفسها عن الصوَر والهيآت، لأنّها فائضة عليها من عالَم العقل والنفْس. أو البدن فإنّه من حيث هو خراب خالٍ عن القوى الروحانيّة، والنفسانيّة. وحاصل القول: أنَّ العناية الإلهيّة قد جرت في الأزل وتعلّقت بهبوط النفس الإنسانيّة من عالَم الأرفع النوري إلى الهيكل المزاجي الانسي، بواسطة وجود الاعتدال فيه، الذي هو ضرب من الوحدة الحقيقيّة وظلٌّ منها. فنزلت النفس من جوّ الفضاء العقلي، والمصعد الأعلى السماوي إلى مستوكر البدن الظلماني على سبيل الكراهة والصعوبة، لأنّ مفارقة الوطن الأصلي - سيّما عالَم القدس النوري - تكون صعبةً، ومجاورة الأضداد والأعداء أصعب منها. لكن بحكم التقدير الأزلي والقضاء الإلهي - حيث لا مردّ لقضائه ولا مانِع لحُكمه - فارقَت العالَم الأعلى كُرهاً وتعلّقت بالمستوكر الأدنى جبراً وقهراً. وانفصلَت عن الطهارات والتقدّسات الروحيّة النوريّة، وتعلّقت بالأدناس، والألواث البدنيّة، والقاذورات الطبيعيّة وهبطتْ في مقر السعير الظُّلماني، ومهوى الحضيض الجسماني، والجحيم النفساني، مقيّدة بالسلاسل والأغلال في سجون التعلّقات، أسيرةً بأيدي الشياطين والأغوال لشجون الأوهام والخيالات، محترقة بنيران الشهوات، ملسوعة بسموم العقارب والحيّات. فلمّا قيّدت كالحمامة بشبكة البدن وحبوب القوى، أنِستْ بها بعد ما كَرهتْها وألِفت بها بعدما أنِفَت، ونسيتْ عالَمها بعد ما ذكَرت، كما قال تعالى: {أية : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه:115]. وقوله: {أية : نَسُواْ ٱلذِّكْرَ} تفسير : [الفرقان:18]. وقوله: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة:67]. ورضيت بهذه الحياة الدنيا واطمئنّت بها ويئسَت من الآخرة، وأخلَدتْ إلى الأرض، واتَّبعت هواها، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلْحَياةِ ٱلدُّنْيَا وَٱطْمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} تفسير : [يونس:7]. وقال: {أية : يَئِسُواْ مِنَ ٱلآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ ٱلْقُبُورِ} تفسير : [الممتحنة:13]. فلمَّا جهل أبناء الدنيا عن أحوال الآخرة ومقاماتها، اشتغلوا عند ذلك بطلب الدنيا، ونعيمها، ولذّاتها، وشهواتها، وتمنّوا الخلود فيها، لأنّها محسوسة لهم يشاهدونها بحواسّهم - وتلك الدار ونعيمها ولذّاتها ومشتهياتها غائبة عنهم وعن ادراك حواسّهم - فتركوا البحث عنها، والرغبة فيها، والطلب لها، والسعي إلى ذكْر الله وذكْر الآخرة، فلا جرم احتاجت عند ذلك نفوسُهم إلى من يذكّرها العهد القديم، ويجدّد عليها الذكْر الحكيم، ويشوقها إلى ما عند الله، ويسوقها من دار الدنيا إلى الدار الآخرة. فالرحمة الإلهيّة أجادت بإرسال الرسل إليها، وإنزال الكتب عليها، فمنهم مَن آمن لبقاء نور الفطرة في قلبِه، ومنهم من صدَّ عنه لانطماس نور فطرته ومسخه، وتراكم الظلمة على قلبه، واسوداده بالمعاصي، ولذلك قال: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} الآيتين. فصل سرّ الاتيان هنا بحرف الشكّ "إنْ" للشرط، و "مَا" مزيدةٌ أكّدت بها إن، ولهذا حسُن تأكيد الفعل بالنون وإن لم يكن فيه معنى الطلب، وجواب الشرط الأوّل الشرط الثاني مع جوابه، كقولك: "إن جئتَني، فإن قدرتُ أحسنتُ إليك" والمعنى: "إن يأتينّكم منّي هدىً بإنزال أو إرسال فمَن تبعَه منكُم نجَا مِن قيْد الدنيا وعذاب الآخرة في الجحيم، وفاز بالجنّة والنعيم، ومن كفر وكذّب بالهدى والآيات فهو من أهل النار والعذاب الدائم، فقوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ} - إلى آخره - عطفٌ على الجملة السابقة قسيمٌ لها، فالمجموع بمنزلة قضيّة شرطيّة متّصلة، تاليها بمنزلة منفصلة مانعة الجمع، مركّبة من شرطيّتين متّصلتين. وإنّما وقع الكلام بحرف الشكّ والتردّد، والحال أنَّ اتيان الهدى إلى كافّة الناس كائنٌ لا محالة، لأن ذلك أمرٌ غير واجب لا لما ذهبت إليه الأشاعرة من نفي الوجوب والايجاب العقليّين بل لدقيقةٍ علميّة هي أنَّ أسباب الأكوان وغاياتها بعضها علل ذاتيّة، وبعضها علل غير ذاتية لتلك الأكوان، ويقال للقسم الثاني: "العلل الاتّفاقية" فكل ما لزم من الصفات والأفعال للأنواع في أوائل طبيعتها الأصلية، وبحسب كمالها الأوّل فهو ناشئٌ من الأسباب الذاتيّة، وكلّ ما لحقها في فطرتها الثانية وبحسب كمالها الثاني، فهو من الأسباب الاتّفاقية كاستعداد مادّة، أو مصادفة حالة غريبة، أو معاونة أمر مبائن. إذا تقرّر هذا فنقول: إنَّ الإنزال والإرسال، والترغيب والترهيب، والموعد والوَعيد، كلُّها أمور غريبة طاريةٌ على أفراد الإنسان، ليست ناشئة من عللها الذاتيّة المقتضية لأصل ذاتها ووجودها، وإلاّ لَما انفكّ منها واحد من أفراد الناس. نَعم هي تفضّلات واحسانات من قِبل الله إلينا، بعد وجود المبادئ والأسباب الذاتيّة، وإن كان الكلّ من فضله وجودِه، وهي نافلةٌ لوجوده، لكنّ الكلام بعد تحقّق العلل الضروريّة، وإن كانت الاتفاقيّات أيضاً منجرّة إلى أمور ضروريّة، لكونها مستندةً إلى ما في علْم الله وعالَم قضائه الحتمي. ولكن السبب الذاتي لشيء قد يكون غريباً لشيء آخر وكذا الشيء قد يكون بالنسبة إلى أسبابه القريبة اتّفاقياً، وبالقياس إلى البعيدة لزوميّاً - كما مرّ في مسألة اختيار العبد - وإذا كان الأمر غير ضروريّ حسُن الاتيان به بلفظ دالّ على الامكان والشكّ، فإنّ الشك في التصور بازاء الامكان في الوجود. ومن هذا يُعلم أن لا يقين في الحوادث والمتغيّرات إلاّ من جهة العلْم بأسبابها الذاتيّة الضروريّة، ولهذا قالت الحكماء: "العلْم بذي السَّبب لا يَحصل إلاّ من جهة العلْم بسببه". وقال صاحب الكشّاف في وجهِ المجيءِ بكلمة الشكّ: "إنّه للايذان بأنّ الإيمان بالله والتوحيد لا يشترط فيه بعثة الرسل، وإنزال الكتب، وأنّه إن لم يبعث رسولاً ولم ينزل كتاباً كان الإيمان به وتوحيده واجباً بما ركّب فيهم من العقول، ونصَب لهم من الأدلّة، ومكّنهم من النظر والاستدلال". أقول: ما ذكَره يوجب تخصيص الهدى والإرسال والإنزال، وهو تخصيص بغير دليل، لأنّ المراد منه كما ذكَره بعضهم كلّ دلالة وبيان، فيدخل فيه غرائز العقول وقيام الأدلّة، والقُدرة على النظر والاستدلال، وكلّ كلام نزل على كلّ نبي. فصل إعلم أنّ الآية تدلُّ على أُمور: الأوّل: التنبيه على جليل عناية الله وعظيم رحمته في حقّ آدم وذريته. إذ كأنّه يقول: "إنّي وإن أهبطتكم إلى الأرض، وأوقعتُكم إلى الدنيا من المنازل العاليَة فقد، عظمْتُ عليكم الرحمة، وأنعَمت عليكم بما يؤديكم مرة أُخرى إلى الجنّة على وجهٍ أتمّ وأدوم زماناً، وأكثر عدداً، لأنّ آدم وحوّاء لو لم يهبطا إلى الأرض، وبقيا في الجنّة ابتداء من غير ابتلاء، لكان كثيرٌ غير محصور من الكمالات، والخيرات فيهما في حدِّ القوَّة، من غير أن يخرج إلى الفعل - مع امكان الخروج - ولم يدخل معهما في الجنّة أعداد نفوس غير محصورة من أولادهما، فعلم أن خروجهما من الجنّة متضمّن لخيرات كثيرة، ونعَمٍ جليلة لهما ولذرياتهما. الثاني: إنّه تعالى بيّن أنّ من اتّبع هداه بحقّه عِلماً وعمَلاً - بالاقدام على ما يلزم، والاحجام عمّا يحرم - فإنّه يبلغ إلى منزلة لا يعتريه فيها خوف من المآل، ولا حُزنٌ في الحال. وهذا متضمّن لجميع ما أعدّ الله لأوليائه، لأنّ زوالَ الخوف يتضمّن السلامة من جميع الآفات، وزوالَ الحزن يقتضي الوصول إلى كلّ اللذَّات والمرادات. لا يقال: هذا يستلزم أن يتساوى جميع أهل الهداية في السعادات، ولا يتفاوت فيها بين الأنبياء والأمَم. لأنّا نقول: كلُّ واحد من أهل السعادة ينال جميع ما يستلذّه، ويسلم من جميع ما يستكرهه، وهم مع ذلك متفاوتون في السعادات، لتفاوتهم في الشهوات وتفاوت ادراكاتهم للخيرات، وكلّ ينال بقدر قوّة وجوده وعلمه سعادة تليق بحاله وكماله. الثالث: الآية تدلُّ على أنّ المؤمن المتَّبع للهُدى، المعرِض عن آفة الهوى لا يلحقه خوفٌ أصلاً لا في القبر، ولا عند البعث، ولا عند حضور الموقف، ولا عند تطاير الكتب، ولا عند نصْب الموازين، ولا عند الصراط، كما قال سبحانه: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء:103]. ومنهم مَن استدلّ بعموم قوله: {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ} تفسير : [الحج:2]. وسائر العمومات الواقعة في أحوال القيامة وشدائدها، على أنّ أهوالها كما تصل إلى الكفّار والفجّار كذلك تصِل إلى المؤمنين والأخيار. والجواب: إنّ قوله: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} تفسير : [الأنبياء:103] خاصٌّ، وقوله: {أية : يَوْمَ تَرَوْنَهَا} تفسير : [الحج:2] وأمثاله عامٌّ، والخاصّ مقدّمٌ على العامّ عند التعارُض. والرابع: إنّ الهدى قد يثبت ولا اهتداء، لأنّ الأوّل فعل الله وسنّته، ولا تبديل لسنة الله. والثاني فعْل العبد، وهو في معرض التجدّد والانفكاك. فلذلك قال: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ}. والخامس: بطلان القول بأنّ المعارف ضروريّة. السادس: ابطال التقليد فيها، لأنّ الآية دلّت على أنّ الخلاص من الخوف والحزن إنّما يترتّب على اتّباع الهدى، والمقلّد لا يَصدق عليه أنَّه اتّبعَ الهُدى، لأنّ ذلك يتوقّف على البصيرة في المقلّد. السابع: إنّ بمجرّد اتّباع الهدى يحصل استحقاق الجنّة، لأنّ قلبَ الانسان في نفسه لطهارته الأصليّة صالحٌ للوصول إلى عالَم الجنان، وإنّما عاقتْه عن ذلك كُدورة الظلمات، والجهالات، وثقْل الأوزار، والتعلّقات، وباتّباع الهدى عادَ إلى فطرته الأصليّة مع زيادة نور العلم والعبادة، فيستحقّ الجنّة أتمّ استحقاق. وقرئ "هديَّ" على لُغة هذيل - بقلْب الألف ياء - وقرأ يعقوب {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} بنصب الفاء في جميع القرآن. والباقون بالرفع والتنوين. فصل {وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ} الآية قد جعل الله الكفر والتكذيب بالآيات في مقابلة الاتّباع للهدى، وعُلم أنَّ المراد من الهدى الآيات، وجَعل الكفار والمكذّبين قسيماً للمؤمنين المتّبعين للآيات، فأوعَد هؤلاء بالعذاب الدائم، والخلود في النار كما وَعَد أُولئك بالأمن من العذاب والحُزن. و "الآية" في اللُّغة العلامة. ومنه قوله تعالى: {أية : عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنْكَ} تفسير : [المائدة:114]. أي: علامة لاجابتك دعاءنا، ويقال للمصنوعات من حيث دلالاتها على وجود الصانع وعلمِه وقدرته، ولكلّ بعض من كتاب الله المتميّز بفصلٍ عنه غيره لدلالته على معرفة من معارف الله. وهي مشتقّة من "أيّ" لأنّها تُبيّن أيّا مِن أيّ، أو من "أوى إليه" واصلها "أيَة" أو "أَوْية" كتمْرة، فأبدلت عنها على غير قياس أو "أَيْيَة" أو "أَوْيَة" كرَمْكَةَ فأُعلّت أو "آيية" كقائلة. فحذفت الهمزة كذا في البيضاوي. والمراد من الآيات: المنزَلة - كالكتب والرسل - أو ما يَعمّها والمعقولة. وعند التحقيق مرجعهما واحد، لأن معاني الكتب عين البراهين العقليّة، وذوات الرسل عين مبادئها التي هي عقول بالفعل. والكلّ شواهد الجمال، وآيات العظمة والجلال، والاعراض عن معرفتها، وعن الاهتداء بها يوجِب العذاب والنَّكال، والسقوط عن درجة الكمال، والانحطاط إلى مَهوى الأرذال، ومهبط النزّال. وأما الكلام في أنّ العذاب هل يَحسن من الله، أم لا؟ وبتقدير حُسنه: هل يحسُن على الدوام، أم لا؟ فقد مرّ ذكره في تفسير قوله: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْْ} تفسير : [البقرة:7]. واعلم أنَّ الله سبحانه بيَّن حالَ طائفتين من طوائف الناس بحسب العاقبة، لكون كلّ منهما في طرف التضادّ في الآخر إحداهما: الكاملون في السعادة، والأُخرى: الكاملون في الشقاوة، ولم يبيّن حال الأوساط إمّا لأنّ حالهم يُستفاد من أحوال هاتين الطائفتين بوجه، وإمّا لأنّ المقام لا يقتضي تفصيل مراتب الناس بحسب العاقبة، لأنّ الكلام مسوقٌ هاهنا في أحوال مبادئ نشأة الإنسان، وأوائل فطرته، وإنّما انجرَّ إلى ذكر نبذ من أحوال النهاية تبعاً وإجمالاً. والتفصيل فيها موكولٌ إلى مواضع أخرى من القرآن، مثل قوله تعالى: {أية : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} تفسير : [التوبة:106]. وكقوله: {أية : وَآخَرُونَ ٱعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة:102]. والحق أنَّ الموجبَ للعذاب الدائم ضربٌ من الكفر، وهو الذي يكون مع أهل النفاق المكذّبين المعانِدين، حيث يتركّب فيهم الجهل مع الاستكبار والرسوخ فيه. وأمّا الكفر بمعنى الصفة العدميّة هي عدم الإيمان بالله ورسوله بواسطة قصور النفس عن درجة هذا الكمال، وانحطاطها عن اكتساب هذا النور، فلا يوجب ذلك إلاّ دوام الكون في النار، وعذاباً أدنى من عذاب أهل الشرك والظلم نعوذ بالله. وهاهنا آخر الآيات الدالّة على أحوال مبادئ نِعم الله على الإنسان، وكيفيّة تكوّنه أوّلاً في عالَم القدس والأُنس، ونزوله ثانياً من أعلى المراتب إلى أدنى المنازل ليستعدّ بذلك النزول للبلوغ إلى السعادة القصوى، والمملكة العظمى في النهاية. ويُستفاد منه الدلالة على التوحيد، والنبوّة، والمعاد: أمّا التوحيد فمن حيث إنّ المبدع المنشئ له في أكمل النشأة، وأحسن التقويم، والمردّد له في محالّ الجبروت، ومنازل الملكوت، والمقلّب له في أطوار الخِلْقة، وأحوال الفطرة، قادرٌ، حكيمٌ، فاطرٌ، عليمٌ، محيطٌ بكلّ شيء، وله الخَلْق والأمْر. وأمّا الدلالة على النبوّة فمن حيث إنَّ محمداً (صلى الله عليه وآله) أخبرَ عن هذه العلوم الغيبية التي عجزَت عن كُنه ادراكها عقول الحكماء المتفكّرين، وقصرت أفهامُهم عن تحصيلها من ماهيّة الروح الإنسانية، وتردّدها في مكامن الغيب قبل مظاهر الشهادة - من غير تعلّم من أستاذ بشري، بل بوحي إلهي وعلم لدنّي. وهؤلاء بدقّة أفكارهم لم يعلموا من الروح الإنساني إلاّ ما حدث عن مزاج البدن في الشهر الرابع من تكوّن النطفة في الروح، ولم يعلموا من بقائها إلاّ استمرار وجودها على نعتٍ واحد وجوهريّة واحدة، غير مطّلعين على نشآتها السابقة على الكون في الرحم، ولا على تمام نشآتها اللاحقة بعد الموت، وتفاصيلها كالقبرِ والبعثِ، والحشرِ، والصراطِ، والحسابِ، والميزانِ، والجنّةِ، والنارِ والرؤيةِ، واللقاءِ. وأمّا الدلالة على المعاد فمن حيث إنَّ القادر الذي يخلق بدايات خِلْقة الإنسان لا بدّ وأن يخْلق نهايات خلْقه وغاياته فإنّ كلّ ما له بداية فله نهاية، والإنسان لجامعيّةِ ذاته، وشموله على الطبع، والحسّ، والنفْس، والروح والسرّ المنفوخ، فله بحسب كلّ منها بدايات متتابعة، ونهايات متلاحقة. وهذا بيان برهاني له شرحٌ وتفصيل سيأتي إن شاء الله. وأمّا ما قيل في اثبات المعاد في مواضع عديدة "إنّه مَن قَدر على خلْق هذه الأشياء ابتداء قَدر على خَلْقها اعادة" فهو بمجرّده لا يثبت وجوب المعاد - بل إمكانه - إلاّ أن يضم إليه سائر الأدلّة.

الجنابذي

تفسير : {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً} ووجه التّأكيد والتّكرير التّغليظ والتّطويل المطلوب فى مقام السّخط والتمهيد للوعد والوعيد الآٰتى وجميعاً حالٌ فى معنى التّأكيد كأنّه قال أجمعين ولا دلالة له على الاجتماع فى زمان الحكم بل له الدّلالة على عموم الحكم بجملة افراد المحكوم عليه فقط بخلاف مجتمعين فانّه يدلّ على الاتّفاق فى زمان الحكم {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} امّا ان الشّرطيّة وما الزّائدة لتأكيد الشّرط ولذا يؤتى بعده بنون التّأكيد، واتيان الهدى من الله امّا على لسان الرّسول الظّاهرىّ او الباطنىّ هذا على ظاهر المفهوم المصدرىّ من الهدى والاّ فالهدى حقيقة جوهريّة من شؤن النّفس الانسانيّة ولسان الرّسول الظّاهرىّ او الباطنىّ معدّ للنّفس، والمفيض فى الحقيقة هو الله، والمفاض حقيقة من الحقائق، والمفاض عليه هو النّفس الانسانيّة، وعلى هذا فالاتيان باداة الشّكّ فى محلّه لانّ تلك الحقيقة لا تحصل لكلّ فردٍ من الافراد، وكثيراً ما تحصل لشخصٍ ثمّ تسلب عنه ولذا أتى بالجواب جملة شرطيّة او كالشّرطيّة فقال {فَمَن تَبِعَ ُهُدَايَ} لفظة من شرطيّة او موصولة متضمّنة لمعنى الشّرط وتكرار الهدى للتّمكين فى القلوب وللتّرغيب فى الاتّباع بتصوير مفهومه الصّريح؛ ولتعليل الحكم بذلك، ويجوز ان يراد بالهدى الرّسول او خليفته فانّه لكونه متشئً بالهدى فكأنه لا حقيقة له سوى الهدى، او يراد معنىً أعمّ من الثّلاثة اى {فامّا يأتينّكم منّى} سبب هدايةٍ او حقيقة هداية أو هادٍ؛ {فَمَن تَبِعَ ُهُدَايَ} {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. تحقيق بيان اختلاف الفقرتين من قوله {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. الخوف حالة حاصلة من الاستشعار بورود مكروه وتوقّع وروده ويستلزمها انقباض القلب واجتماع الرّوح الحيوانيّة والحرارة الغريزيّة فى الباطن والقلب واحتراق دم القلب وتصاعد بخارٍ دخانىٍّ الى الدّماغ واحتراق الدّماغ وتولّد السّوداء والماليخوليا ان طالت مدّتها، ولمّا كان الخوف وارداً من الخوف منه على الخائف كأنّ المخوف منه فاعله والمخالف واقع عليه الخوف أخبر عن الجارّ والمجرور بعلى مع انّ القياس يقتضى ان يخبر عن المصادر بالجارّ والمجرور باللاّم او بمن اذا وقع الفاعل عقيب حرف الجرّ مخبراً به، وايضاً الخوف يقتضى الاستيلاء على النّفس بحيث لا تتمالك ويناسبه لفظ على، ويحتمل ان يكون المعنى لا خوف لغيرهم عليهم يعنى لا ينبغى ان يخاف عليهم وحينئذٍ فلا اشكال. والحزن حالة حاصلة من استشعار فوات محبوب فى الحال او فى الاستقبال ويستلزمه ايضاً انقباض القلب واجتماع الرّوح الحيوانيّة والحرارة الغريزيّة فى الباطن والقلب وسائر لوازم ذلك وقلّما ينفكّان وهكذا الغمّ والهّم فكان الحزن ينبعث من باطن الحزين من حيث انّه مستشعرٌ لفوات المحبوب وليس لورود امر من خارج وللاشعار بهذه اللّطيفة جاء بالقرينتين مختلفتين فانّ حقّ العبارة ان يقول فلا خوف عليهم ولا حزنٌ او فلا هم يخافون ولا هم يحزنون، ويستعمل الحزن من باب علم لازماً ومن باب قتل متعدّياً. والخوف والحزن ضد الرّجاء والسّرور فى الذّات وفى اللّوازم والآثار. وجواب الاشكال بانّ التّابع للهدى مؤمنٌ والمؤمن لا يخلو من الخوف والرّجاء وهما فيه ككفتّى الميزان وكذلك الحزن من لوازم الايمان كما فى الاخبار فكيف ينفى عنه الخوف والحزن يستدعى ذكر مقدّمات: الاولى - انّ الخوف يطلق تارة على المعنى الّذى ذكر وتارة على معنىً اعمّ ممّا ذكر ومن الخشية والهيبة والسّطوة فانّ الانسان فى مقام الايمان التّقليدىّ وهو أنزل مقامات النّفس المؤمنة له خوف، واذا عرج الى مقام الايمان التّحقيقىّ بوجدان آثارٍ ما من الايمان فى نفسه وهو أعلى مقام النّفس المؤمنة ومقام القاء السّمع يتبدّل خوفه بالخشية، واذا عرج الى مقام القلب وهو مقام الايمان الشّهودىّ يتبدّل خشيته بالهيبة، واذا عرج الى مقام الرّوح وهو مقام الايمان التّحقّقىّ يتبدّل هيبته بالسّطوة، ولفظ الخوف قد يطلق على الجميع. والثّانية - انّ تعليق الجزاء يقتضى اعتبار حيثيّة وصف الشّرط فى التّلازم. والثّالثة - انّ المراد بالهدى هو النّبىّ (ص) او وصيّه (ع) او شأن من الله يظهر على نفس الانسان بواسطة البيعة مع أحدهما ومتابعته، او المراد بالهدى مثال احدهما يظهر على صدر الانسان بقوّة متابعته لهما. والرّابعة انّ التّابع للنّبىّ (ص) او وصيّه (ع) اذا خلص متابعته له عن متابعة غيره يتمثّل المتبوع عنده بحيث ينجذب التّابع بتمام مداركه وقواه الى الصّورة المتمثّلة عنده ويأخذ ذلك المثال بمجامع قلبه ولا يدع مدخلاً ولا مخرجاً لغيره فلا يدع له ادراك الغير حتّى يستشعر بالتّضرّر منه فيخاف او بفواته فيحزن؛ فعلى هذا معنى الآية {فَمَن تَبِعَ ُهُدَايَ} بحيث يتمثّل الهادى عنده {فَلاَ خَوْفٌ} عليه ولا حزن من حيث انّه تابع وان كان قد يخرج من تلك الحيثيّة فيدخله حينئذٍ خوف وحزن. وقد عدّ الخوف والحزن من صفات النّفس وهو خارج عن مقام النّفس وهذا التمثّل هو الّذى قالته الصّوفية من انّ السّالك ينبغى ان يجعل شيخه نصب عينيه بحيث لا يشتغل عنه بغيره ومقصودهم انّ السّالك ينبغى ان يتوغّل فى الاتّباع حتّى يتمثّل المتبوع عنده لا ان يتكلّف ذلك من غير اتّباع، فانّه كفر وليس الاّ فى النّار وقد قيل بالفارسيّة. شعر : جمله دانسته كه اين هستى فخ است ذكر وفكر اختيارى دوزخ است تفسير : فانّ الفكر فى لسانهم عبارة عن تمثّل الشّيخ عند السّالك والمراد بالاختيارىّ هو الّذى يتكلّفه السّالك ويتراءى انّ الفكر الغير الاختيارىّ كالاختيارىّ اشتغال بالاسم وغفلة عن المسمّى وهو كفر شبيه بالاشتغال بالصّنم لكن هذا من جملة الظّنون فانّ الصّورة المتمثّلة اذا كان بقوّة المتابعة لا تكون الاّ مرآة لجمال الحقّ الاوّل تعالى ولا يكون فيها حيثيّة سوى كونها مرآة والمشتغل بها عابد للمسمّى بايقاع الاسماء عليه لا محالة، لا انّه عابد للاسم والمسمّى او للاسم فقط فهو موحّد حقيقىّ، وقد قالوا: انّ ظهور القائم (ع) فى العالم الصّغير عبارة عن التمثّل المذكور لانّ كلّما ذكروه فى ظهور القائم (ع) يحصل حينئذٍ فى العالم الصّغير وقد نظم بالفارسيّة اشارة الى هذا التمثّل: شعر : كرد شهنشاه عشق در حرم دل ظهور قد زميان بر فراشت رايت الله نور هركه دراين ره شتافت باقدم نيستى هستى جاويد يافت ازتو ببزم حضور وانكه جمال توديد جام وصالت جشيد باده كوثر نخواست ازكف غلمان وحور تفسير : او معنى الآية فلا خوف عليهم فى الآخرة، او لا خوف لغيرهم عليهم، ولا هم يحزنون فى الآخرة، ونظير هذه الآية ذكر مكرّراً فى القرآن ونذكر فى بعض الموارد ما يليق به.

فرات الكوفي

تفسير : {فإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنّي هُدىً 38} [وبالسند المتقدم في ح12 عن أبي جعفر الباقر عليه السلام]: وقوله: {فإما يأتينكم منّي هدىً} قال: فهو [أ، ب: هو] علي [بن أبي طالب عليه السلام. ر]

اطفيش

تفسير : {قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً}: ليس هذا تأكيداً للهبوط السابق فى قوله: {قُلْنَا اهْبِطُوا} لأن الهبوط الأول مقيد بحال عداوة بعضهم لبعض، والكون فى الأرض إلى حين. والثانى مقيد بتفريع اتباع الهدى، وعدم اتباعه، فالهبوط ولو كان واحداً لكن تعددت صفته، وهم ينزلون تغاير الصفات منزلة تغاير الذات، فلم يكن المذكور ثانياً مع القول المذكور معه تأكيداً للهبوط والقول المذكورين أولا فلا وجه لكون ذلك من باب التأكيد، ولو صححه بعضهم، اللهم إلا أن نجعل قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ} غير مفرع على {اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً} بل على{أية : اهبطوا بعضكم لبعض عدو}تفسير : وعلى {أية : ولكم فى الأرض مستقر ومتاع إلى حين}تفسير : أو مستأنف، وهذا ضعيف، والتحقيق ما ذكرته لك من التأسيس للتغاير بالصفة ولأن فى ذكر الإهباط مرتين، وحكايته ما ليس فى ذكر الإهباط وحكايته مرة، لأن فى ذكرهما مرتين تلويحاً إلى أن مخافة الإهباط المقرون بعداوة بعض لبعض وحدها، أو مخافة الإهباط المقرون بلزوم التكليف باتباع الهدى وحدها، تكفى العاقل الذى يعرف صلاح نفسه، ويضبط أمره فى الردع، عما يوجب أحد الإهباطين، وهو معصية الله - تعالى - فكيف المخافتان معاً؟ وإن كل واحد يكفى مزيد الاتعاظ نكالا، وقيل الهبوط الأول من الجنة إلى السماء الدنيا، والثانى من السماء إلى الأرض، ويضعفه عدم استقامة المعنى، مع جعل الاستقرار والتمتع إلى حين قيدا من الهبوط الأول، لكن لا مانع من كونه قيداً له، بواسطة الإهباط الثانى، كأنه قيل: اهبطوا هبطة يترتب عليها بعد هبطة ثانية استقرار فى الأرض وتمتع إلى حين. وجميعاً حال مؤكدة لصاحبها، وهو واو اهبطوا، كأنه قيل: اهبطوا منها كلكم، وليس معنى كون جميعاً حالا، أن زمان هبوطهم واحد، بل اتصاف كل بالهبوط مطلقاً، فإن لفظة جميعا لا تدل على اتحاد الزمان، فكما لم تدل عليه فى جاءوا كلهم أجمعون لا تدل عليه فى ذلك. وليس كما قيل إنها تدل عليه فى جاءوا جميعاً. وإذا ورد مثله متحد الزمان، فالدال على الاتحاد المشاهدة أو غيرها لا لفظ جميع، وإنما الدال عليه لفظة مع ومعا، والخطاب فى قوله: {اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً} لمن خوطب بقوله:{أية : اهبطوا بعضكم لبعض عدو}تفسير : وإن قلت: فهل قوله: {فَإِمَّا يَأْتَيْنَّكُم} دليل على عدم دخول عدو الله فى الخطاب؟ قلت: نعم، لأنه ولو كان مكلفاً لكنه قد خوطب أولا بالسجود فكفر، فكان علينا مبعدا عن أن يوجه إليه كلام فى كتب الله مصرحاً له بأنه جهنمى منظور إلى قيام الساعة، وهو مع ذلك معاقب بالفروع والأصول، لكنه كمشرك دعى للإسلام فأبى، أو كمرتد استتيب فأصر، فإنه لم يبق له بعد ذلك خطاب، بل القتل فقط، فليس الأمر كما قيل من أن كونه مخاطباً بالإيمان، يدل على أن الهدى يأتيه فيدخل فى قوله: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّى هُدىً}. فيدل على دخوله فى الخطاب فافهم. وقد وجدت فى الكشاف أن أكل آدم من الشجرة صغيرة، نزع بسببها لباسه، وأهبط من الجنة إلى الأرض. كما فعل بإبليس ونسب إلى الغى والمعصية ونسيان العهد وعدم العزيمة، والحاجة إلى التوبة تعظيما للخطيئة وتفظيعا لشأنها وتهويلا، ليكون ذلك لطفا له ولذريته فى اجتناب الخطايا، واتقاء المآثم، والتنبه على أنه أخرج من الجنة بخطيئة واحدة، فكيف لا يدخلها ذو خطايا جمة؟ انتهى. فرد عليه بعض المالكية أو غيره: كيف قال لا يدخلها ذو خطايا جمة؟ كان هذا الرد يظن أن الزمخشرى يعتقد أن الخطايا الكثيرة لا يدخلها وإنما أراد الوعظ والزجر، كيف يسترسل الإنسان فى الخطايا ويتمنى الجنة تمنيا كاذبا، واعتراضه أيضاً كيف وصفه بالصغيرة، مع أن الأمة اختلفت فى ذلك. ومع جواز أنه أراد بالصغيرة خلاف الأولى فى حقه. {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِّنِّى هُدىً}: إما هى إن الشرطية وما المؤكدة، أبدلت النون ميما وأدغمت الميم فى ميم ما، ولذلك ساغ تأكيد المضارع بالنون بعدها مع أنه ليس فى الطلب. لكن ما أكدت جانب الوقوع ورجحته، على جانب عدمه، وذلك أن إن بحسب اللغة، والعرف للشك، وهو يحتمل الوقوع وعدمه، وإتيان الهدى ولو كان واجباً لا محالة، بمقتضى وعد الله، لكنه فى نفسه غير واجب، لأنه لو لم يبعث رسلا ولا كتباً، لوجب الإيمان من العقل كما قال:{أية : وفى أنفسكم أفلا تبصرون}؟.تفسير : لما نصب من الأدلة فى أنفسهم وغيرهم، وإنما الرسل والكتب لتفصيل الأحكام والشريعة، هذا تحقيق المقام، ولو اشتهر فى المذهب أن حجة الله الكتب والرسل، وإنها الكتب والرسل حجة فى تفصيل الشريعة والأحكام، وزيادة فى الحجة على التوحيد. وأما التوحيد فقامت الحجة فيه بالعقل، بدليل قطع عذر صاحب الجزيرة المشرك، ولو لم يصله كتاب ولا نبى ولا أمرهما. ويجوز كون ما تأكيداً ليأتى من أوله، كما أن النون تأكيد له من آخره، كالمضارع المقرون بلام جواب القسم من أوله، وبالنون من آخره. فإن اللام تأكيد له من أوله والنون من آخره. والهدى: الكتب والرسل، فالرسل إلى آدم. الملائكة، وإلى نبيه أنبياء وإلى الأنبياء الملائكة، فالحاصل أنه إلى الأنبياء الملائكة، وإلى ذرية آدم الرسل منهم، وإن شئت فقل: الهدى الرسل لأنهم يأتون بالوحى والكتب عن الله. وإن شئت فقل: الهدى هو الكتب والوحى بواسطة الرسل، وإن شئت فقل: الهدى بيان الشريعة وهو بالوحى والكتب والرسل، وإن قلت: فقل هو الوحى فإن الوحى يشتمل السنن والكتب، وتفسيره بالكتب والرسل أنسب لقوله تعالى:{أية : يا بنى آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتى}. تفسير : {فَمَن تَبِعَ}: من هذه شرطية، وهى وشرطها وجوابها جواب إن، ويجوز كونها موصولة قرن خبرها بالفاء تأكيدا لربطه لشبهها بالشرطية، والجملة جواب إن. ويرجح الشرطية الفاء بعدها، لأن أصلها أن تكون بعدها لا بعد الموصولة، وكونها بعد الموصولة فرع وخلاف الأصل، وما هو إلا لشبهها بالشرطية. وأما التعبير فى مقابل هذا الكلام بالموصول، إذ قال:{أية : والذين كفروا وكذبو بآياتنا...}تفسير : إلخ. فإنه ولو كان فيه تقوية للموصول لكن أصالة الفاء فى الجواب لا يقاومها التعبير بالموصول فى نظير تلك الجملة، فأنت خبير بها فى ترجيح أبى حيان فى البحر الموصولية بالتعبير بذلك الموصول فى الجملة الأخرى. {هُداىَ}: وقرئ هدى بقلب ألف هداى ياء وإدغام الياء فى الياء، وهو لغة هذيل فى المقصور المضاف للياء، وأعاد ذكر لفظ الهدى ظاهرا لا ضميرا ليضيفه للياء فتفيد إضافته إليه تعالى تقوية، كونه هدى وتشريفه وللتأكيد والتعظيم، فإن من نكت إماقة الظاهر مقام المضمر التأكيد والتعظيم، هكذا ظهر لى، ثم رأيت زكريا ذكر بعضه وقال القاضى أعاد لفظ {هُداىَ} لأنه أراد بالثانى أعم من الأول، وهو ما أتى به الرسل، واقتضاه العقل، أى فمن تبع ما أتاه مراعياً ما يشهد به العقل. {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}: فى الدنيا: من أن يحل بهم مكروه من الله، كنار وصيحة ومسخ وإغراق، كما يحل بمن شاء الله ممن لم يتبع الهدى. {ولاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}: فيها، عن فوات شىء منها لحقارتها فى عيونهم لاتباعهم هداى، أو لا خوف عليهم فى الآخرة من النار وسخط الله وغضبه، ولا هم يحزنون فيها عن فوات محبوب، لأن كل ما يحبونه فيها لا يفوتهم، ولا يفوتهم ثواب أعمالهم، ولا ما يريده الله من الخير، فإن الخوف على المتوقع، والحزن على الواقع، لا يتوقعون مكروها، ولا يحزنون على واقع، لعدم وقوع ما يحزنهم، وقد يطلق الحزن فى الخوف، وقيل: لا خوف عليهم فى الدنيا بما يستقبل من الآخرة، ولا هم يحزنون فى الآخرة عما فاتهم من الدنيا. واقتصر الطبرى ومختصره على الاحتمال الثانى. ورجحه بعض، وبه قال ابن أبى زيد، قالوا وليس شىء أعظم في صدر من يموت مما بعد الموت، فآمنهم الله سبحانه وتعالى وسلاهم عن الدنيا، وقرأ الجحدرى: فلا خوف عليهم [بفتح الفاء].

اطفيش

تفسير : {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً} أى من الجنة، وهذا يقوى، رجوع الضمير فى منها إلى الجنة، وكرر قول اهبطوا لأن الأول مذكور برسم العقاب بالهبوط وفوت نعيم الجنة التى لا أجل لها، ومضار الهبوط من العداوة إلى دار مؤجلة، وبرسم التوبة، والثانى مذكور على رسم التكليف كما قال {فَإِمَّا} إلخ إن ماء، وما تأكيد لعموم الإتيان وهذا يقوى أن الخطاب للذرية فى الأول أيضاً، لأن الحية والطاووس لا تكليف عليهما، وقد يقال الأول لهما ولآدم وحواء وإبليس، والثانى للذرية، أو ذكره أولا بليّة، وثانيا نعمة، إذا رتب عليه التكليف المؤدى إلى الرجوع إلى الجنة مع ما لا يحصى من ولده، كما روى أنه رق قلب جبريل على آدم وحواء فأوحى الله إليه، دعهما، فإنهما سيعودان إليها مع ما لا يحصى من ذريتهما، ويخلدون أبدا، وقد يقال كلا الخطابين كل لا كلية، وقد يقال هبوطان، الأول إلى السماء الدنيا مقدرين الاستقرار والتمتع فى الأرض، والثانى إلى الأرض فإما {يَأْتِيَنَّكُمْ} فى الأرض {مِّنِّ هُدًى} وحى أو رسول، مقتضى الظاهر، فإذا أتاكم منى هدى لتحقق الإتيان، لكان لما كان بعث الأنبياء والوحى إليهم من الجائز لا الواجب، ولا واجب على الله عز وجل، ذكر بصيغة الشك المعتبرة المخاطبة، لأن العقل لا يوجبه، ولو كانت الحكمة أن لا يهمل العاقل، وفى صفة الشك أيضاً تدريج، وفيه تخفيف، أو لتنزيل العالم منزلة الجاهل الشاك إذا لم يجز على مقتضى علمه {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} مقتضى الظاهر، فمن تبعه، لكن أظهر وأضاف للياء تعظيما، وقيل لأنه لعموم ما يعقل بالاستدلال، واتباع الهدى والإيمان والعمل والتقوى، ومن آمن ومات، أو تاب ومات قبل وجوب الواجبات فهو من هذا القسم، ومن أصر نفى النار، ولم يذكر فى هذه الآية إلا بمفهوم الشرط إذ شرط باتباع الهدى {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} والجملة جواب، وقيل محذوف، أى فاتبعوه فى آخر موتهم، ولا فى القبر ولا عند البعث، ويصيبهم الخوف فى الدنيا من مضارها ومن سوء الخاتمة ومن العقاب وفى بعض مواطن الموقف {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} فى الآخرة من ترك الإيمان والتقوى، إذ لم يتركوها فاستحقوا الجنة، والخوف غم لتوقع مكروه، والحزن غم لفوت مهم، ويجب التحفظ عن المعاصى قال بعض: شعر : يا ناظِراً يَرْنُو بِعَيْنِى رَاقِدِ وَمُشَهِدٍ لِأَمْرِ غير مُنَاهِدِ مَنَّيتَ نفسكَ ضَلّةً وَأَبَحْتَها طُرْفَ الرجاءِ وَهُنَّ غيْرُ قواصد تَصِلُ الذُّنُوبَ إِلَى الذُّنوب وترتجى دَرَجَ الْجِنَانِ بها وفَوزَ الْعَابِدِ ونَسيتَ أن اللهَ أخْرَجَ آدماً مِنْها إلى الدُّنْيا بذنْبٍ واحدٍ

الخليلي

تفسير : أعيد الأمر بالهبوط ليترتب عليه غير ما ترتب على الأمر الأول، فالأمر السابق ذُكر مقرونا ببيان الإِنتقال من حياة الصفاء والنعيم إلى حياة الكدر والبؤس، ولبيان أن الحياة التي ينتقلون إليها ذات أمد محدود، ونهاية متحومة يتضح ذلك من قوله تعالى فيما تقدم: {أية : بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [البقرة: 36] وذلك أن آدم عليه السلام لم يكن يشعر هو ولا زوجه عندما كان في الجنة بما سيدور في هذه الحياة التي خلقها لأجلها بين ذريتهما من عداوات وأحقاد، وحسد وبغضاء، وكذب واحتيال، وغش وخداع، وتعالى بعضهم على بعض وما يتبع ذلك من التناحر والتفاني، فأراد الله أن يعرفهما طبيعة الحياة المنتقل إليها عندما أمرهما بالإِنتقال حتى يكونا على بصيرة من أمرهما. الجزاء من جنس العمل والأمر بالهبوط يترتب عليه بيان أن الناس مجزيون في الآخرة بحسب أعمالهم في الدنيا، ومن المسلمات عند الجميع أن النفس البشرية مطبوعة على حب الحياة، فإذا ما أوذن الإِنسان أن حياته على الأرض محدودة استحكم فيه القلق واستولى عليه الاضطراب إلا إذا علم ما يتبع مرحلة الفناء التي تلي الحياة، واطمأن إلى وجود حياة أخرى، وإذا لم يستبن الإِنسان من طريق الوحي فإن القلق والاضطراب لن ينفكا عنه، إذ المصير مبهم، والمستقبل مُعَمَّى لا يمكن اكتناهه بالعقل، ولا بوسائل العلوم التجريبية، وإنما الوحي وحده هو الذي يزيح ستره ويكشف سره، وقد أراد الله أن يرفع عن صدر آدم وزوجه هموم التفكير في هذا المستقبل الغامض فآذنهما بأن هذه الحياة المنصرمة تتبعها حياة سرمدية يلقي فيها كل عامل جزاءه، وفي ذلك طمأنينة لهما بأنهما لن يخسرا الخلود في النعيم إذا ما عملا صالحا وهما يرجوان من الله أن يوفقهما لصالحات العمل بعد تلك الورطة التي أوقعهما فيها الشيطان فكانت لهما درسا لا ينسيانه، كما أن في ذلك تبشيرا لهما بأن كل صالح من ذريتهما سينقلب إلى هذا المنقلب، وسيلقى هذا الجزاء الخالد، فإن كانت الجنة التي أهبطا منها هي جنة الخلد فإنهما سيعودان إليها بتوفيق الله مع عدد لا يحصى من ذريتهما، وإن كانت غيرها سيبدلان بها ما هو خير منها وأبقى. وبجانب ذلك فإن في هذا التبشر والإِنذار حفزا لهما ولكل لبيب من ذريتهما على المسارعة إلى البر والتوقي من الفجور، فإن المنقلب إما إلى جنة عالية وإما إلى نار حامية، والبقاء في كل منهما ليس له أمد، ولا مصير بين هذين المصيرين، فالرابح لا يوازي ربحه شيء والخاسر قد خسر كل شيء، وحسبهما وحسب ذريتهما عظة وعبرة تلك الهفوة التي صدرت منهما فتجرعا غصص عاقبتها. وذهب بعض المفسرين إلى أن الهبوط الأول هو الانتقال من الجنة إلى السماء، والهبوط الثاني هو الانتقال من السماء إلى الأرض، وهو قول مرفوض لأمرين: أولهما: ان الله تعالى قال إثر الأمر بالهبوط الأول: {وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} والمستقر والمتاع إنما هما في الأرض دون السماء. ثانيهما: أنه تعالى أمرهما هنا بالهبوط منها، والضمير في منها عائد إلى الجنة قطعا، لأن الضمائر السابقة لا تعود إلا إليها، فلا ينسجم البيان إذا ما فصل هذا الضمير عنها وأعيد الى السماء على أن السماء لم يسبق لها ذكر حتى يُعاد إليها. وذهب الفخر الرازي إلى أن إعادة الأمر بالهبوط لأن آدم وحواء تابا بعدما أمرهما الله بالهبوط فوقع في قلبهما انتساخ هذا المر لأنه كان بسبب الزلة وقد محتها التوبة فأعاد الله تعالى الأمر به ليعلم أنه ليس جزاء على ارتكاب الزلة حتى يزول بزوالها وإنما هو لأجل تحقيق ما تقدم من وعده تعالى في قوله للملائكة: {أية : إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً} تفسير : [البقرة: 30]. ومقتضى رأيه أن الأمر بالهبوط ليس عقوبة على ارتكاب الخطيئة، وهو يتنافى مع قوله عز وجل لآدم وحواء تحذيرا من الشيطان: {أية : فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ} تفسير : [طه: 117] فإنه صريح في أن إخراجهما من الجنة كان بسبب تلبسهما بالخطيئة التي أوقعهما فيها الشيطان، ولا ينافي ذلك تحقق الوعد الذي وعد الله به ملائكته بنفسه هذا الهبوط فإن لله أن يرتب ما شاء من أمره على ما يشاء، وله تعالى في كل شيء حكمة. وذهب ابن عاشور إلى أن هذه حكاية أمر ثان لآدم بالهبوط كي لا يظن أن توبة الله عليه ورضاه عنه عند مبادرته بالتوبة عقب الأمر بالهبوط قد أوجبت العفو عنه من الهبوط من الجنة فأعاد له الأمر بالهبوط بعد قبول توبته، ليعلم أن ذلك كائن لا محالة لأنه مراد الله تعالى، وطور من الأطوار التي أرادها الله تعالى من جعله خليفة في الأرض، وهو ما أخبر به الملائكة، وفيه إشارة أخرى وهي العفو يكون من التائب في الزواجر والعقوبات، وأما تحقيق آثار المخالفة - وهو العقوبة التأديبية - فإن العفو عنها فساد في العالم، لأن الفاعل للمخالفة إذا لم ير أثر فعله لم يتأدب في المستقبل، فالتسامح معه في ذلك تفويت لمقتضى الحكمة، فإن الصبي إذا لوث موضعا وغضب عليه مربيه ثم تاب فعفا عنه، فالعفو يتعلق بالعقاب، وأما تكليفه بأن يزيل بيده التلويث الذي لوث به الموضع فذلك لا يحسن التسامح فيه، ولذا لما تاب الله على آدم رضى عنه ولم يؤاخذه بعقوبة ولا بزاجر في الدنيا، ولكنه لم يصفح عنه في تحقق أثر مخالفته، وهو الهبوط من الجنة ليرى أثر حرصه وسوء ظنه. ورأيه يتفق مع رأي الفخر كما هو واضح من كلامه غير أنه أضاف إلى ذلك الإِشارة التي ذكرها. وذهب الزمخشري وجماعة إلى أن هذا تأكيد للأمر الأول وحمله ابن عاشور على أن تسميته تأكيدا ليست إلا لإِعادة نفس الأمر الأول بلفظه، وإلا فقد ترتبت على هذه الإِعادة فائدة لا تتم بدونها، وهي ارتباط البيان بعضه ببعض وتوضيح مراده للسامع فلو لم يُعدْ هذا اللفظ نفسه لتوهم أن الخطاب في قوله فإما يأتينكم مني هدى للمؤمنين على عادة القرآن في التفنن، فهو قول واحد كُرر مرتين لربط الكلام مع استقلاله في كل مرة بفائدة، ولذلك لم يعطف "قلنا" على ما قبله لما بينهما من شبه كمال الإِتصال. وبناء على هذا التوجيه، فالقول بالتأكيد لا يتنافى مع ما ذهبت إليه في المراد من إعادة الأمر. المراد بالهدى بعد الهبوط و"إما" مركبة من "إن" الشرطية و"ما" التأكيدية، والأصل في "إن" أن تكون في الشرط غير المقطوع به بخلاف "إذا"، وقد أوثرت عليها للإِيماء إلى أن إتيان الهدى ليس واجبا على الله وإنما هو مجرد فضل منه تعالى غير أن اقترانها بـ "ما" ودخول نون التوكيد على فعلها ينفيان شك السامع في عدم تحقق شرطها. وقد سبق معنى الهدى في تفسير الفاتحة وأول هذه السورة، واختلف في المراد به هنا، روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية أنه الأنبياء والرسل والبيان، وبنى عليه ابن جرير أن الخطاب هنا لغير آدم بل هو لذريته لأنه نفسه كان من الرسل، مع أن ابن جرير نفسه ذكر ان الرسل إلى الأنبياء هم الملائكة وإلى سائر الناس هم الأنبياء، وذهب قوم إلى أن المراد بالهدى الكتب، وقال آخرون هو القرآن خاصة، وقيل هو محمد صلى الله عليه وسلم، وهذان القولان - وإن صححهما ابن كثير - يردهما أن الخطاب لآدم وحواء وجميع ذريتهما، وليس خاصا بهذه الأمة وحدها، وقد خلت رسل جاءت بكتب من عند الله تعبدت الأمم السالفة بما فيها من الهدى والبيان. واستدل القطب - رحمه الله - في الهيميان للقول بأنه الرسل بقوله تعالى: {أية : يَابَنِيۤ ءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ} تفسير : [الأعراف: 35]، ولا أرى وجها للاستدلال بالآية لأنها في بني آدم بينما الخطاب هنا لأدم وحواء وإنما تدخل فيه ذريتهما بالتبعية وقد علمتم أن آدم كان نفسه رسولا. وأولى الأقوال بالصواب هو أن الهدى كل ما تقوم به حجة الله على خلقه سواء كان عقلا أو وحيا؛ فالعقل حجة في معرفة وجود الله، ومعرفة صفاته الذاتية، كالوحدانية، والقدم والبقاء، والعلم والقدرة؛ والوحي حجة في ذلك وفي سائر المعتقدات، وفي أحكام الله المتعلقة بأفعال العباد ولا يبعد أن يكون الهدى هو الدين الذي تعبد الله به خلقه، فإن المتمسك به آخذ بحجزة هدى الله، ومستمسك بالعروة الوثقى منه، والمفرط فيه أصفر الكفين من كل خير، وانتظام حياة الفرد والمجتمع تتوقف عليه، فللنفس الإِنسانية مطالب شتى، منها روحية ومنها جسدية، ومنها قلبية ومنها عقلية، والتأليف بين هذه الجوانب، والتنسيق بين هذه المطالب لا يتم إلا بعقيدة روحية يسري أثرها على كل شيء في الإِنسان، ومصالح أفراد هذا الجنس متشابكة وشؤونهم متداخلة، فإذا لم يهيمن عليهم وازع من الدين أدى بهم الأمر إلى النزاع والشقاق، والتدافع والتنافر، ومن هنا كان الدين ضرويا للسعادة والنظام، إذ العقل وحده لا يكفي لأن يسد مسده، فإن العقول متباينة باختلاف المؤثرات النفسية والإِجتماعية على أصحابها، فالتربية والتثقيف، والبيئة والمحيط لها أثر في تكوين الفكر وتوجيه العقل، بينما الدين فوق ذلك كله لأنه تنزيل من حكيم حميد يخضع له العقل والقلب، ويستسلم له الروح والجسد. وقد يتصور عبيد الشهوات أن في الدين حرمانا بسبب ردعه للإِنسان عن الانطلاق وراء شهواته، والواقع أن تلك هي السعادة المطلوبة والغاية المحبوبة، فإن الإِنسان أذا أطلق له العنان فاتبع هواه كان ذلك أخطر العوامل في تدمير الفرد والمجتمع، فقد تقوده شهواته الى ما فيه هلاك نفسه، وفساد مجتمعه، والله لم يحرم في دينه شيئا إلا لما علمه من مصحلة لعباده في هذا التحريم، خفية كانت أم ظاهرة، عاجلة أم آجلة، وكفى سعادة أن يفوز الإِنسان برضوان الله وما يترتب عليه من حياة الخلد والنعيم المقيم {أية : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} تفسير : [القمر: 55] في مقابل قيد نفسه عن بعض شهواتها في فترة قصيرة لا توازي شيئا بجانب حياة الأبد، ومن هنا كان تغابن الناس الحقيقي بحسب اختلاف حظهم من التمسك بالدين فهم وإن تفاوتوا في الغنى والفقر، وفي الراحة والبؤس، وفي طول الأعمار وقصرها، وفي امتداد الأفكار وانحصارها، وفي قوة الأبدان وضعفها، وفي الجاه والسلطان إلى غير ذلك مما يعد التفاوت فيه ربحا أو خسارة، فإن ذلك لا يساوي شيئا بجانب التفاوت في التمسك بأهداب الدين، والاعتصام بحبل التقوى. وفي إضافة الهدى إليه تعالى إيماء إلى أنه لا يأتي إلا منه، ولا يُتلقى إلا عنه، سواء كان من كتبه التي أنزلها، أو من رسله الذين بعثهم، أو من العقل الذي نوره. واتباع الهدى سبب الأمان من الخوف، والوقاية من الحزن، فالمجتمع المتمسك بهدى الله مجتمع آمن مستقر لا خوف عليه مما يتهدد المجتمعات الضالة الفاسدة من عواقب سيئة، والفرد المتبع للهدى يبعث يوم القيامة آمنا مطمئنا تتلقاه الملائكة بالبشائر، وتطمئنه بالفوز والسعادة، فلذلك قال تعالى: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة:38]. معنى الخوف والحزن والخوف انزعاج النفس لتوقع مكروه في المستقبل، والحزن تألمها لفوات محبوب أو لتوقع فواته، فهو يكون على ما وقع في الماضي، أو ما يتوقع في المستقبل، وهو مأخوذ من الحزن - أي ما غلظ من الأرض - فكأنه هم غليظ، وخصه الأكثرون بالواقع دون المتوقع، ويرده قوله تعالى حكاية عن عن يعقوب عليه السلام: {أية : إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ} تفسير : [يوسف: 13]، ولا داعي إلى تأويله، واختلف المفسرون فيما يراد من الخوف والحزن المنفيين هنا عن اتباع الهدى على أقوال أبلغها أبو حيان في البحر المحيط إلى اثني عشر قولا، وأكثرها متداخل، وهي كلها ترجع إلى أن أنهم لا يحزنون على فائت ولا يخشون مما يستقبلهم، وهذه الحالة إنما هي في الحياة الآخرة طبعا عندما تتلقاهم الملائكة، {أية : أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَفِي ٱلآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِيۤ أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} تفسير : [فصلت: 30-31]، أما في الدنيا فالمؤمنون أشد خوفا لعدم أمنهم من مكر الله، ولمعرفتهم بعظم الهول وجلل الخطب، فلذا كانوا أشد مراقبة للنفس ومحاسبة لها، ويدل على ذلك ما وصفهم الله به في كتابه كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيةِ رَبِّهِمْ مُّشْفِقُونَ} تفسير : [المؤمنون: 57] إلى قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 60]، وقد وصف الله بالخوف الأنبياء - وهم صفوته من خلقه - ومن ذلك قوله في زكريا وآله {أية : وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ}تفسير : [الأنبياء: 90]، وكذا الحزن، فإن من شأن المؤمن أن يحزن في الدنيا بسبب شعوره بالتقصير في طاعة الله، وهو يرى نفسه دائما مسبوقا بالمجدين في الطاعة والمسارعة إلى الخيرات كما أنه يحزن - كما يحزن غيره - لما يعتريه من مصائب الدنيا ونوائبها. وظاهر كلام الإِمام محمد عبده في المنار أن الخوف والحزن منفيان عن أهل الهدى في الدنيا والآخرة ونصه: "فالمهتدون بهداية الله تعالى لا يخافون مما هو آت، ولا يحزنون على ما فات، لأن اتباع الهدى يسهل عليهم طريق اكتساب الخيرات ويعدهم لسعادة الدنيا والآخرة، ومن كانت هذه وجهته يسهل عليه كل ما يستقبله، ويهون عليه كل ما أصابه أو فقده، لأنه موقن بأن الله يخلفه فيكون كالتعب في الكسب لا يلبث أن يزول بلذة الربح الذي يقع أو يتوقع". وقد علمتم أن المؤمن في الدنيا لا يبارحه الخوف لأنه الواقي من الخوف في الآخرة اذ لا يجمع الله على عبد خوفين، وفي الآيات القرآنية الواصفة للمؤمنين بالخوف والآمرة به، وفي أحاديث الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ما يكفي دليلا على أن الخوف من الله - كرجائه تعالى - من أهم واجبات الدين، فبهما يستقيم أود النفس، وتنزجر عن المعاصي، وتسابق إلى الخيرات، وإذا كان النبيون أشد خوفا من الله كما ثبت في الحديث، فما بالكم بسائر المؤمنين على أن خوف كل أحد إنما هو بقدر علمه وإيمانه، فكيف يقال إن المؤمنين لا يعتريهم الخوف في الدنيا؟ وأما الحزن فهو أمر فطري جبلت عليه نفوس البشر وإن تباينت فيه بحسب اختلاف أمزجتها، وهو يعتري البر والفاجر، كيف وقد أصاب الأنبياء، وهم أكمل البشر وصفا، وأعظمهم صبرا، وأشدهم جلدا، فقد وصف الله يعقوب عليه السلام بقوله: {أية : وَٱبْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ ٱلْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}تفسير : [يوسف: 84]، وحكى عنه قوله: {أية : إِنِّي لَيَحْزُنُنِيۤ أَن تَذْهَبُواْ بِهِ}تفسير : [يوسف: 13]، وقال لصفوة الأنبياء وخاتم المرسلين: {أية : قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَ} تفسير : [الأنعام: 33]، وثبت في الحديث أنه صلوات الله وسلامه عليه قال - ودمعه ينسكب وقلبه يتألم على فراق قرة عينه وفلذة كبده إبراهيم الذي وُهبه على الكبر - "وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزنون" فما قاله الإِمام من أن المهتدين لا يعتريهم الخوف والحزن في الدنيا ترده النصوص والمشاهدات. واستدل الفخر الرازي بهذه الآية على عدم خوف المؤمن بعد الموت لا في قبره، ولا عند بعثه ولا في الموقف، وعزز هذا الاستدلال بمدلول قوله تعالى: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ هَـٰذَا يَوْمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} تفسير : [الأنبياء: 103]. وذهب الأكثرون إلى أن لا دليل في الآية على نفي الخوف يوم القيامة عن المطيعين لما وصفه الله تعالى ورسوله من شدائد ذلك اليوم إلا أنه يخففه عن المطيعين وإذا صاروا إلى رحمته فكأنهم لم يخافوا. والظاهر ان هؤلاء نظروا إلى أن من طبع الإِنسان أن يتأثر بالهول النازل وإن كان على ثقة بأنه في مأمن منه، وأنتم تدرون أن الطبيعة البشرية في الآخرة لا تبقى بحسب ما كانت في الدنيا، ومن الدليل على ذلك ما ذكره الله من التقاول الذي يكون بين أهل الجنة وأهل النار، واطلاع أهل الجنة على ما فيه أهل النار من العذاب - والعياذ بالله - مع عدت تكدير ذلك صفو نعيمهم ولا إثارة مشاعر الألم والحزن في نفوسهم، وذلك مخالف للطبع البشري المألوف في الدنيا؛ فما المانع أن يكون الحال كذلك في الموقف؟ وما أشاروا اليه من وصف الله ورسوله لأهوال ذلك اليوم لا يخلو إما أن يكون من العمومات القابلة للتخصيص أو الروايات الأحادية التي لا تقوى على معارضة النصوص القاطعة برفع الخوف عن المؤمنين الصالحين نحو قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسْتَقَامُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بِٱلْجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} تفسير : [فصلت: 30]، وقوله: {أية : لاَ يَحْزُنُهُمُ ٱلْفَزَعُ ٱلأَكْبَرُ} تفسير : [الأنبياء: 103]. واتباع هدى الله الذي يترتب عليه الأمن من الخوف والسلامة من الحزن إنما هو باتباع مراشده أمرا ونهيا ومعرفة سننه في خلقه، وذلك ما جاءت به رسالاته التي بعث بها رسله واحتوته الرسالة الخالدة، رسالة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام المتمثلة في كتاب الله الكريم وسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، فالتمسك بهما أصل النجاة من كل مخوف والسلامة من كل محزن. عقاب المنحرفين عن هدى الله وبعد تقرير عاقبة المتبعين لهدى الله بين مآل أضدادهم الذين انحرفوا عن مسلك الهدى واتبعوا طرائق الضلال، بقوله: {وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39]، ويُلحظ إفراد الإِسم الموصول في معرض الحديث عن المهتدين وجمعه عندما ذكر أعداؤهم الضالون، والحكمة في ذلك الإِيماء الى قلة المهتدين بجانب الكثرة الكاثرة من الضلال، وهو الذي يدل عليه قوله تعالى: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} تفسير : [ص: 24]، وقوله: {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} تفسير : [سبأ: 13]. والكفر هنا إما أن يكون كفرا بالله أو كفرا بآياته، وعلى الأول فالمجرور متعلق "بكذبوا" وهو - على الأخير - متنازع بين "كفروا" و"كذبوا"؛ والكفر أعم من التكذيب لأنه يكون بالقلب وباللسان بينما التكذيب من عمل اللسان فالمكذب بلسانه كافر بما كذب به وان صدقه قلبه، ومن هذا الباب ما وصف الله به فرعون وقومه في قوله: {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} تفسير : [النمل: 14]، فهم موقنون بصدق آيات الله وإنما دعاهم الظلم والعلو الى جحدها، ووصف الله بذلك كفار العرب في قوله لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: {أية : فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّالِمِينَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ يَجْحَدُونَ} تفسير : [الأنعام: 33]، فقد كانوا يكابرون أنفسهم في إنكار ما جاء به عليه أفضل الصلاة والسلام مع إيقانهم بصدقه، والمصدق بلسانه كافر إن لم يعتقد في قلبه صدق ما أقر لسانه بتصديقه، ومن هذا الباب كفر المنافقين الذي يدعون الإِيمان بألسنتهم وقلوبهم فارغة منه، كما أخبر الله عنهم أنهم يقولون: {آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ}، ويقولون: {أية : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ} تفسير : [المنافقون: 1]، وهم في كل ذلك كاذبون. وقد سبق بيان معنى الكفر وانقسامه الى كفر شرك وكفر نعمة، وأن كافر النعمة لا يخرجه كفره من الملة، فلا تمتنع موارثته ومناكحته، وكذلك جميع أحكام أهل الملة ما عدا الولاية التي هي حق المستقيمين على دين الله، وأما في الآخرة فمصيره - إن لم يتب - مصير سائر الكفار والعياذ بالله. والآيات جمع آية وهي علامة ظاهرة على شيء خفي يعرف بها ويدرك بإدراكها سواء كانا حِسِّيين، كمعلم الطريق، ومنارة السفينة، أو عقليين كالدلالة المؤلفة من مقدمات ونتيجتها، واختلف في مأخذها، فقيل من أي التفسيرية لأنها تبين أيا من أي، وقيل من التأيي وهو النظر والتؤدة، ومنه قول لبيد: شعر : وتأييت عليه ثانيا يتقيني بتليد ذي خصل تفسير : وقيل من تأييته أو تأييته بمعنى قصدت آيته أي شخصه، ومنه قول الشاعر: شعر : الحصن أولى لو تأييته من حثيك الترب على الراكب تفسير : وفي وزن آية أقوال، قيل هو فَعَلَةٍ - بالتحريك - وإنما أبدلت الياء ألفا لانفتاحها وتحرك ما قبلها، وقيل على وزن فَعِلَهْ - بكسر العين - وقيل على وزن فَعُلَهْ كسمرة وعلى هذين القولين فَعِلَّهُ إبدالها ألفا هي نفس العلة السابقة، وقيل غير ذلك، ولا يخلو شيء في الوجود من آيات الله، فكل ذرة فيه منطوية على ما لا يحصى من الآيات الدالة على قدرة خالقها وعلمه وحكمته، وبجانب ذلك فقد مضت سنته تعالى في رسالاته أن يعززها بآيات دالة على صدق الرسول وصحة الرسالة لئلا تبقى للمرسل اليهم حجة بعدها، ومن أمثلة ذلك آياته تعالى التي قرن بها رسالة موسى عليه السلام، وقد وصفها بقوله: {أية : وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا} تفسير : [الزخرف: 48]، وأعظم هذه الآيات دليلا وأظهرها حجة القرآن الكريم الذي أنزله الله على قلب خاتم النبيين ليكون آية على صدق رسالته تتحدى جميع المعارضين على اختلاف ملكاتهم البيانية ومواهبهم الفكرية إلى أن يطوي الله صفحة هذا الوجود، وأطلقت الآيات على الأقسام التي تتألف منها سور القرآن لدلالة ألفاظها على محتوياتها من العقائد والأحكام والآداب والمواعظ والحكم، ويجوز أن يكون تسميتها آيات لدلالة أوائلها وأواخرها على بدايتها ونهايتها، وتحديد هذه الآيات توفيقي لا مجال للإِجتهاد فيه. وإذا علمتم أن كل ما يفتح عليه الإِنسان عينيه، بل كل ما يدركه بأي حاسة كانت هو من آيات الله أدركتم أن أولى ما تفسر به الآيات هنا هو كل ما كان شاهدا على معرفته تعالى ودليلا على وحدانيته، وتبيينا لأوامره ونواهيه، ووعده ووعيده، فتدخل في ذلك المخلوقات المحسوسة والمعقولة، وما أوحاه الله إلى أنبيائه من تعليم لخلقه، وتبيين لما خفي عنهم علمه، ولا وجه لحصر هذه الآيات في القرآن لأنه تخصيص بغير مخصص، ولأن الخطاب لم يكن لهذه الأمة وحدها. والعدول عن الضمير الى الاسم الظاهر - في قوله: {فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ} مع جواز أن يكون بدله فمن اتبعه لتقدم اسم الهدى - إنما هو لأجل التفخيم والإِهتمام ليزداد المعنى رسوخا في أذهان المخاطبين، ولأجل استقلال هذه الجملة بنفسها بحيث لا تشتمل على ضمير يعود على ما ذكر فيما قبلها حتى يمكن اعتبارها مثلا سائرأ ونصيحة مشهورة ترددها الألسن فتتذكرها النفوس وتتأثر بها على حد قوله تعالى: {أية : وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} تفسير : [الإسراء: 81]. والمراد بكون الذين كفروا وكذبوا بآيات الله أصحاب النار أنهم يلزمونها كما يلزم الصاحب صاحبه غير أن الصحبة قد تكون دائمة وقد تكون مؤقتة، وقد نُفي الإِحتمال الثاني بقوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} فلا مطمع لهم في الإِنفكاك عنها والخروج منها.

الالوسي

تفسير : {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا} كرر للتأكيد، فالفصل لكمال الاتصال ـ والفاء ـ في {أية : فَتَلَقَّى } تفسير : [البقرة: 37] للاعتراض، إذ لا يجوز تقدم المعطوف على التأكيد، وفائدته الإشارة إلى مزيد الاهتمام بشأن التوبة وأنه يجب المبادرة إليها ـ ولا يمهل ـ فإنه ذنب آخر مع ما في ذلك من إظهار الرغبة بصلاح حاله عليه السلام وفراغ باله، وإزالة ما عسى يتشبث به الملائكة عليهم السلام، وقد فضل عليهم وأمروا بالسجود له، أو كرر ليتعلق عليه معنى آخر غير الأول، إذ ذكر إهباطهم أولاً: للتعادي وعدم الخلود، والأمر فيه تكويني. وثانياً: ليهتدي من يهتدي، ويضل من يضل، والأمر فيه تكليفي، ويسمى هذا الأسلوب في البديع ـ الترديد ـ فالفصل حينئذ للانقطاع لتباين الغرضين، وقيل: إن إنزال القصص للاعتبار بأحوال السابقين، ففي تكرير الأمر تنبيه على أن الخوف الحاصل من تصور إهباط آدم عليه السلام المقترن بأحد هذين الأمرين من التعادي والتكليف كاف لمن له حزم، وخلا عن عذر أن تعوقه عن مخالفة حكمه تعالى، فكيف المخالفة الحاصلة من تصور الإهباط المقترن بهما؟؟ فلو لم يعد الأمر لعطف {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم} على الأول: فلا يفهم إلا إهباط مترتب عليه جميع هذه الأمور، ويحتمل ـ على بعد ـ أن تكون فائدة التكرار التنبيه على أنه تعالى هو الذي أراد ذلك، ولولا إرادته لما كان ما كان؛ ولذلك أسند الإهباط إلى نفسه مجرداً عن التعليق بالسبب بعد إسناد إخراجهما إلى الشيطان، فهو قريب من قوله عز شأنه: {أية : وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ }تفسير : [الأنفال: 17] وقال الجبائي: إن الأول: من الجنة إلى السماء. والثاني: منها إلى الأرض، ويضعفه ذكر{أية : وَلَكُمْ فِى ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ }تفسير : [البقرة: 36] عقيب الأول و {جَمِيعاً} حال من فاعل {ٱهْبِطُواْ} أي مجتمعين، سواء كان في زمان واحد أو لا، وقد يفهم الاتحاد في الزمان من سياق الكلام، كما قيل به في {أية : فَسَجَدَ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ }تفسير : [الحجر: 30] وأبعد ابن عطية فجعله تأكيداً لمصدر محذوف أي هبوطاً جميعاً. {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مّنّى هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}. لا يدخل في الخطاب غير المكلف، وأدرج الكثيرون إبليس لأنه مخاطب بالإيمان ـ والفاء ـ لترتيب ما بعدها على الهبوط المفهوم من الأمر و (إما) مركبة من إن الشرطية و (ما) الزائدة للتأكيد، وكثر تأكيد الفعل بعدها بالنون، ولم يجب كما يدل عليه قول سيبويه: إن شئت لم تقحم النون، كما أنك إن شئت لم تجيء بما وقد ورد ذلك في قوله:شعر : يا صاح أما تجدني غير ذي جدة فما التخلي عن الخلان من شيمي تفسير : وقوله:شعر : إما أقمت وإما كنت مرتحلا فالله يحفظ ما تبقي وما تذر تفسير : وحمل ذلك من قال بالوجوب على الضرورة وهو مما لا ضرورة إليه، والقول بأنه يلزم حينئذ مزية التابع ـ الذي هو حرف الشرط على المتبوع وهو الفعل ـ يدفعه أن التابع ومؤكده تابع فلا مزية، أو أن (ما) لتأكيد الفعل/ في أوله كما أن النون إذا كانت تأكيداً له في آخره وجيء بحرف الشك إذ لا قطع بالوقوع فإنه تعالى لا يجب عليه شيء بل إن شاء هدى وإن شاء ترك، وقيل: بالقطع واستعمال (إن) في مقامه لا يخلو عن نكتة كتنزيل العالم منزلة غيره بعدم جريه على موجب العلم، ويحسنه سبق ما سيق وقوعه من آدم، وقيل: إن زيادة (ما) والتوكيد بالثقيلة لا يتقاعد في إفادة القطع عن إذا، نعم لا ينظر فيه إلى الزمان بل إلى أنه محقق الوقوع أبهم وقته، وأنت تعلم أن ما اخترناه أسلم وأبعد عن التلكف مما ذكر ـ وإن جل قائله فتدبر ـ. و{مِنّي} متعلق بما قبله، وفيه شبه الالتفات ـ كما في «البحر» ـ وأتي بالضمير الخاص هنا للرمز إلى أن اللائق ـ بمن ـ هدى التوحيد الصرف وعدم الالتفات إلى الكثرة، ونكر ـ الهدى ـ لأن المقصود هو المطلق ولم يسبق فيه عهد فيعرف، وفي المراد به هنا أقوال، فقيل الكتب المنزلة، وقيل: الرسل، وقيل: محمد صلى الله عليه وسلم. ولعل المراد هديه الذي جاء به نوابه عليهم الصلاة والسلام، والفاء في {فَمَنْ} للربط و (ما) بعد جملة شرطية وقعت جواباً للشرط الأول على حدّ ـ إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك ـ وقال السجاوندي: جوابه محذوف أي فاتبعوه، واختار أبو حيان كون (من) هذه موصولة لما في المقابل من الموصول، ودخلت الفاء في خبرها لتضمنها معنى الشرط، ووضع المظهر موضع المضمر في هداي إشارة للعلية لأن الهدى بالنظر إلى ذاته واجب الاتباع، وبالنظر إلى أنه أضيف إليه تعالى إضافة تشريف أحرى وأحق أن يتبع، وقيل: لم يأت به ضميراً لأنه أعم من الأول لشموله لما يحصل بالاستدلال والعقل، ولم يقل الهدى لئلا تتبادر العينية أيضاً لأن النكرة في الغالب إذا أعيدت معرفة كانت عين الأول مع ما في الإضافة إلى نفسه تعالى من التعظيم ما لا يكون لو أتى به معرفاً باللام. والخوف الفزع في المستقبل، والحزن ضد السرور مأخوذ من الحزن ـ وهو ما غلظ من الأرض ـ فكأنه ما غلط من الهمّ، ولا يكون إلا في الأمر الماضي على المشهور، ويؤل حينئذ نحو {أية : إِنّى لَيَحْزُنُنِى أَن تَذْهَبُواْ بِهِ } تفسير : [يوسف: 13] بعلم ذلك الواقع، وقيل: إنه والخوف كلاهما في المستقبل لكن الخوف استشعارهم لفقد مطلوب، والحزن استشعار غم لفوت محبوب، وجعل هنا نفي الخوف كناية عن نفي العقاب، ونفي الحزن كناية عن نفي الثواب وهي أبلغ من الصريح وآكد لأنها كدعوى الشيء ببينة، والمعنى ـ لا خوف عليهم ـ فضلاً عن أن يحل بهم مكروه، ولا هم يفوت عنهم محبوب فيحزنوا عليه، فالمنفي عن الأولياء خوف حلول المكروه والحزن في الآخرة، وفيه إشارة إلى أنه يدخلهم الجنة التي هي دار السرور والأمن لا خوف فيها ولا حزن، وحينئذ يظهر التقابل بين الصنفين في الآيتين. وقال بعض الكبراء: خوف المكروه منفي عنهم مطلقاً. وأما خوف الجلال ففي غاية الكمال والمخلصون على خطر عظيم، وقيل: المعنى ـ لا خوف عليهم ـ من الضلالة في الدنيا، ولا حزن من الشقاوة في العقبـى، وقدم انتفاء الخوف لأن انتفاء الخوف فيما هو آت أكثر من انتفاء الحزن على ما فات. ولهذا صدر بالنكرة التي هي أدخل في النفي، وقدم الضمير إشارة إلى اختصاصهم بانتفاء الحزن وأن غيرهم يحزن. والمراد بيان دوام الانتفاء لا بيان انتفاء الدوام كما يتوهم من كون الخبر في الجملة الثانية مضارعاً لما تقرر في محله أن النفي وإن دخل على نفس المضارع يفيد الدوام والاستمرار بحسب المقام، وذكر بعض الناس أن العدول عن لا خوف لهم أو عندهم إلى ـ لا خوف عليهم ـ للإشارة إلى أنهم قد بلغت حالهم إلى حيث لا ينبغي أن يخاف أحد عليهم. وفي «البحر» أنه سبحانه كنى بعليهم عن الاستيلاء والإحاطة إشارة إلى أن الخوف لا ينتفي بالكلية ألا ترى انصراف النفي على كونية الخوف عليهم، ولا يلزم من نفي كونية استيلاء الخوف انتفاؤه في كل حال، فلا دليل في الآية/ على نفي أهوال القيامة وخوفها عن المطيعين، وأنت تعلم أن فيما أشرنا إليه كناية غنية عن مثله وكذا عما قيل إن نفس الاستيلاء للتعريض بالكفار، والإشارة إلى أن الخوف مستول عليهم. هذا وقرأ الأعرج {هُدَايَ} بسكون الياء، وفيه الجمع بين ساكنين وذلك من إجراء الوصل مجرى الوقف. وقرأ الجحدري وغيره {هُدًى} بقلب الألف ياء وإدغامها في الياء على لغة هذيل. وقرأ الزهري وغيره {فَلاَ خَوْفٌ} بالفتح، وابن محيصن باختلاف عنه بالرفع من غير تنوين، وكأنه حذف لنية الإضافة، أو لكثرة الاستعمال، أو لملاحظة اللام في الاسم ـ على ما في «البحر» ـ ليحصل التعادل في كون لا دخلت على المعرفة في كِلاَ الجملتين هو على قراءة الجمهور مبتدأ، و {عَلَيْهِمْ} خبره أو أن {لا} عاملة عمل ليس كما قال ابن عطية والأول أولى.

ابن عاشور

تفسير : كررت جملة {قلنا اهبطوا} فاحتمل تكريرها أن يكون لأجل ربط النظم في الآية القرآنية من غير أن تكون دالة على تكرير معناها في الكلام الذي خوطب به آدم فيكون هذا التكرير لمجرد اتصال ما تعلق بمدلول {أية : وقلنا اهبطوا}تفسير : [البقرة: 36] وذلك قوله: {أية : بعضكم لبعض عدو}تفسير : [البقرة: 36] وقوله: {فإما يأتينكم مني هدى}. إذ قد فَصَل بين هذين المتعلقين ما اعترض بينهما من قوله: {أية : فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم}تفسير : [البقرة: 37] فإنه لو عقب ذلك بقوله: {فإما يأتينكم مني هدى} لم يرتبط كمال الارتباط ولتوهم السامع أنه خطاب للمؤمنين على عادة القرآن في التفنن فلدفع ذلك أعيد قوله: {قلنا اهبطوا} فهو قول واحد كرر مرتين لربط الكلام ولذلك لم يعطف {قلنا} لأن بينهما شبه كمال الاتصال لتنزل قوله: {قلنا اهبطوا منها جميعاً} من قوله: {وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو} منزلة التوكيد اللفظي ثم بنى عليه قوله: {فإما يأتينكم مني هدى} الآية وهو مغاير لما بنى على قوله: {وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو} ليحصل شيء من تجدد فائدة في الكلام لكي لا يكون إعادة {اهبطوا} مجرد توكيد ويسمى هذا الأسلوب في علم البديع بالترديد نحو قوله تعالى: {أية : لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب}تفسير : [آل عمران: 188] وإفادته التأكيد حاصلة بمجرد إعادة اللفظ. وقيل هو أمر ثان بالهبوط بأن أهبط آدم من الجنة إلى السماء الدنيا بالأمر الأول ثم أهبط من السماء الدنيا إلى الأرض فتكون إعادة {قلنا اهبطوا} للتنبيه على اختلاف زمن القولين والهبوط وهو تأويل يفيد أن المراحل والمسافات لا عبرة بها عند المسافر ولأن ضمير {منها} المتعين للعود إلى الجنة لتنسق الضمائر في قوله: {أية : وكلا منها رغداً}تفسير : [البقرة: 35] وقوله: {أية : فأزلهما الشيطان عنها}تفسير : [البقرة: 36] مانع من أن يكون المراد اهبطوا من السماء جميعاً إذ لم يسبق معاد للسماء فالوجه عندي على تقدير أن تكون إعادة {اهبطوا} الثاني لغير ربط نظم الكلام أن تكون لحكاية أمر ثانٍ لآدم بالهبوط كيلا يظن أن توبة الله عليه ورضاه عنه عند مبادرته بالتوبة عقب الأمر بالهبوط قد أوجبت العفو عنه من الهبوط من الجنة فأعاد له الأمر بالهبوط بعد قبول توبته ليعلم أن ذلك كائن لا محالة لأنه مراد الله تعالى وطور من الأطوار التي أرادها الله تعالى من جعله خليفة في الأرض وهو ما أخبر به الملائكة. وفيه إشارة أخرى وهي أن العفو يكون من التائب في الزواجر والعقوبات. وأما تحقيق آثار المخالفة وهو العقوبة التأديبية فإن العفوعنها فساد في العالم لأن الفاعل للمخالفة إذا لم ير أثر فعله لم يتأدب في المستقبل فالتسامح معه في ذلك تفويت لمقتضى الحكمة، فإن الصبي إذا لوث موضعاً وغضب عليه مربيه ثم تاب فعفا عنه فالعفو يتعلق بالعقاب وأما تكليفه بأن يزيل بيده التلويث الذي لوث به الموضع فذلك لا يحسن التسامح فيه ولذا لما تاب الله على آدم رضي عنه ولم يؤاخذه بعقوبة ولا بزاجر في الدنيا ولكنه لم يصفح عنه في تحقق أثر مخالفته وهو الهبوط من الجنة ليرى أثر حرصه وسوء ظنه، هكذا ينبغي أن يكون التوجيه إذا كان المراد من {اهبطوا} الثاني حكاية أمر ثان بالهبوط خوطب به آدم. و{جميعاً} حال. وجميع اسم للمجتمعين مثل لفظ (جمع) فلذلك التزموا فيه حالة واحدة وليس هو في الأصل وصفاً وإلا لقالوا جاءوا جميعين لأن فعيلاً بمعنى فاعل يطابق موصوفه وقد تأولوا قول امرىء القيس:شعر : فلو أنها نفس تموت جميعة تفسير : بأن التاءَ فيه للمبالغة والمعنى اهبطوا مجتمعين في الهبوط متقارنين فيه لأنهما استويا في اقتراف سبب الهبوط. وقوله: {فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي} شرط على شرط لأن (إما) شرط مركب من إن الشرطية وما الزائدة دالة على تأكيد التعليق لأن إن بمجردها دالة على الشرط فلم يكن دخول ما الزائدة عليها كدخولها على (متى) و(أي) و(أين) و(أيان) و(ما) و(من) و(مهما) على القول بأن أصلها ماما لأن تلك كانت زيادتها لجعلها مفيدة معنى الشرط فإن هذه الكلمات لم توضع له بخلاف (إن) وقد التزمت العرب تأكيد فعل الشرط مع إما بنون التوكيد لزيادة توكيد التعليق بدخول علامته على أداته وعلى فعله فهو تأكيد لا يفيد تحقيق حصول الجواب لأنه مناف للتعليق، ولذلك لم يؤكد جواب الشرط بالنون بل يفيد تحقيق الربط أي إن كون حصول الجواب متوقفاً على حصول الشرط أمر محقق لا محالة فإن التعليق ما هو إلا خبر من الأخبار، إذ حاصله الإخبار بتوقف حصول الجزاء على حصول الشرط فلا جرم كان كغيره من الأخبار قابلاً للتوكيد وقلما خلا فعل الشرط مع إما عن نون التوكيد كقول الأعشى:شعر : إما تريْنا حُفاةً لا نعال لنا إنا كذلك ما نحْفي وننتعل تفسير : وهو غير حسن عند سيبويه والفارسي، وقال المبرد والزجاج هوممنوع فجعلا خلو الفعل عنه ضرورة. وقوله: {فمن تبع هداي} مَن شرطية بدليل دخول الفاء في جوابها {فلا خوف عليهم} لأن الفاء وإن دخلت في خبر الموصول كثيراً فذلك على معاملته معاملة الشرط فلتحمل هنا على الشرطية اختصاراً للمسافة. وأظهر لفظ الهدى في قوله: {هُداي} وهوعين الهُدى في قوله: {مني هدى} فكان المقام للضمير الرابط للشرطية الثانية بالأولى لكنه أظهر اهتماماً بالهدى ليزيد رسوخاً في أذهان المخاطبين على حد {أية : كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول}تفسير : [المزمل: 15، 16] ولتكون هاته الجملة مستقلة بنفسها لا تشتمل على عائد يحتاج إلى ذكر معاد حتى يتأتى تسييرها مسير المثل أو النصيحة فتُلحظ فتحفظ وتتذكرها النفوس لتهذب وترتاض كما أظهر في قوله: {أية : وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً}تفسير : [الإسراء: 81] لتسير هذه الجملة الأخيرة مسير المثل ومنه قول بشار:شعر : إذا بَلغ الرأي المَشُورةَ فاستعن برأي نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضةً مكانُ الخوافي قوةٌ للقوادم وأدْنِ إلى الشُّورى المسدَّدَ رأيُهُ ولا تُشهد الشورى امرأً غير كاتم تفسير : فكرر الشورى ثلاث مرات في البيتين الثاني والثالث ليكون كل نصف سائراً مسير المثل وبهذا يظهر وجه تعريف الهدى الثاني بالإضافة لضمير الجلالة دون أل مع أنها الأصل في وضع الظاهر موضع الضمير الواقع معاد لئلا يفوت هاته الجملة المستقلة شيء تضمنته الجملة الأولى إذ الجملة الأولى تضمنت وصف الهدى بأنه آت من الله والإضافة في الجملة الثانية تفيد هذا المفاد. والإتيانُ في قوله تعالى: {فإما يأتينكم} بحَرف الشرط الدال على عدم الجزم بوقوع الشرط إيذان ببقية من عتاب على عدم امتثال الهدى الأول وتعريض بأن محاولة هديكم في المستقبل لا جدوى لها كما يقول السيد لعبده إذا لم يعمل بما أوصاه به فغضب عليه ثم اعتذَر له فرضي عنه: إنْ أوصيتك يوماً آخر بشيء فلا تَعُدْ لمثل فعلتك، يعرض له بأن تعلق الغرض بوصيته في المستقبل أمر مشكوك فيه إذ لعله قليل الجدوى، وهذا وجه بليغ فات صاحب «الكشاف» حجبه عنه توجيهٌ تكلَّفه لإرغام الآية على أن تكون دليلاً لقول المعتزلة بعدم وجوب بعثة الرسل للاستغناء عنها بهدي العقل في الإيمان بالله مع كون هدي الله تعالى الناس واجباً عندهم، وذلك التكلف كثير في «كتابه» وهو لا يليق برسوخ قدمه في العلم، فكان تقريره هذا كالاعتذار عن القول بعدم وجوب بعثة الرسل على أن الهدى لا يختص بالإيمان الذي يغني فيه العقل عن الرسالة عندهم بل معظمه هدي التكاليف وكثير منها لا قِبَل للعقل بإدراكه، وهو على أصولهم أيضاً واجب على الله إبلاغه للناس فيبقى الإشكال على الإتيان بحرف الشك هنا بحالة فلذلك كانت الآية أسعد بمذهبنا أيها الأشاعرة من عدم وجوب الهدي كله على الله تعالى لو شئنا أن نستدل بها على ذلك كما فعل البيضاوي ولكنا لا نراها واردة لأجله. وقوله: {فإما يأتينكم منّي هدى} الآية هو في معنى العهد أخذه الله على آدم فلزم ذريته أن يتبعوا كل هدى يأتيهم من الله وأن من أعرض عن هدى يأتي من الله فقد استوجب العذاب فشمل جميع الشرائع الإلٰهية المخاطب بها طوائف الناس لوقوع (هدى) نكرة في سياق الشرط وهو من صيغ العموم، وأولى الهدي وأجدره بوجوب اتباعه الهدي الذي أتى من الله لسائر البشر وهو دين الإسلام الذي خوطب به جميع بني آدم وبذلك تهيأ الموقع لقوله: {والذين كفروا} إلخ فالله أخذ العهد من لدن آدم على اتباع الهدي العام كقوله: {أية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة}تفسير : [آل عمران: 81] الآية. وهذه الآية تدل على أن الله لا يؤاخذ البشر بما يقترفونه من الضلال إلا بعد أن يرسل إليهم من يهديهم فأما في تفاصيل الشرائع فلا شك في ذلك ولا اختلاف وأما في توحيد الله تعالى وما يقتضيه من صفات الكمال فيجري على الخلاف بين علمائنا في مؤاخذة أهل الفترة على الإشراك، ولعل الآية تدل على أن الهدى الآتي من عند الله في ذلك قد حصل من عهد آدم ونوح وعرفه البشر كلهم فيكون خطاباً ثابتاً لا يسع البشر ادعاء جهله وهو أحد قولين عن الأشعري، وقيل لا، وعند المعتزلة والماتريدية أنه دليل عقلي. وقوله: {فلا خوف عليهم} نفي لجنس الخوف. و{خوف} مرفوع في قراءة الجمهور وقرأه يعقوب مبنياً على الفتح وهما وجهان في اسم (لا) النافية للجنس وقد روي بالوجهين قول المرأة الرابعة من نساء حديث أم زرع «زوجي كليل تهامه لا حر ولا قُر ولا مخافة ولا سآمه». وبناء الاسم على الفتح نص في نفي الجنس ورفعه محتمل لنفي الجنس ولنفي فرد واحد، ولذلك فإذا انتفى اللبس استوى الوجهان كما هنا إذ القرينة ظاهرة في نفي الجنس. وقوله: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا} يحتمل أنه من جملة ما قيل لآدم فإكمال ذكره هنا استيعاب لأقسام ذرية آدم وفيه تعريض بالمشركين من ذرية آدم وهو يعم من كذب بالمعجزات كلها ومن جملتها القرآن، عطف على (مَن) الشرطية في قوله: {فمن تبع هداي} إلخ فهو من عطف جملة اسمية على جملة اسمية، وأتى بالجملة المعطوفة غير شرطية مع ما في الشرطية من قوة الربط والتنصيص على ترتب الجزاء على الشرط وعدم الانفكاك عنه لأن معنى الترتب والتسبب وعدم الانفكاك قد حصل بطرق أخرى فحصل معنى الشرط من مفهوم قوله: {فمن تبع هداي فلا خوف عليهم} فإنه بشارة يؤذن مفهومها بنذارة من لم يتبعه فهو خائف حزين فيترقب السامع ما يبين هذا الخوف والحزن فيحصل ذلك بقوله: {والذين كفروا وكذبوا} الآية. وأما معنى التسبب فقد حصل من تعليق الخبر على الموصول وصلته المومىء إلى وجه بناء الخبر وعلته على أحد التفسيرين في الإيماء إلى وجه بناء الخبر، وأما عدم الانفكاك فقد اقتضاه الإخبار عنهم بأصحاب النار المقتضي للملازمة ثم التصريح بقوله: {هم فيها خالدون}. ويحتمل أنه تذييل ذيلت به قصة آدم لمناسبة ذكر المهتدين وليس من المقول له، والمقصود من هذا التذييل تهديد المشركين والعود إلى عرض قوله تعالى: {أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم}تفسير : [البقرة: 21] وقوله: {أية : كيف تكفرون بالله}تفسير : [البقرة: 28] فتكون الواو في قوله: {والذين كفروا} اعتراضية والمراد بالذين كفروا الذين أنكروا الخالق وأنكروا أنبياءه وجحدوا عهده كما هو اصطلاح القرآن والمعنى والذين كفروا بي وبهداي كما دلت عليه المقابلة. والآيات جمع آية وهي الشيء الدال على أمر من شأنه أن يخفى، ولذلك قيل لأعلام الطريق آيات لأنهم وضعوها للإرشاد إلى الطرق الخفية في الرمال، وتسمى الحجة آية لأنها تظهر الحق الخفي، كما قال الحارث بن حلزة:شعر : من لنا عنده من الخير آيا تٌ ثلاثٌ في كلهن القضاء تفسير : يعني ثلاث حجج على نصحهم وحسن بلائهم في الحرب وعلى اتصالهم بالملك عمرو بن هند. وسمى الله الدلائل على وجوده وعلى وحدانيته وعلى إبطال عقيدة الشرك آيات، فقال: {أية : وماتأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين}تفسير : [الأنعام: 4] وقال: {أية : وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون}تفسير : [الأنعام: 97] إلى قوله: {أية : إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون}تفسير : [الأنعام: 99] وقال: {أية : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها}تفسير : [الأنعام: 109] وسمي القرآن آية فقال: {وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله إلى قوله {أية : أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم}تفسير : في سورة العنكبوت (50، 51). وسمَّى أجزاءه آيات فقال: {أية : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا}تفسير : [الحج: 72] وقال: {أية : المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق}تفسير : [الرعد: 1] لأن كل سورة من القرآن يعجز البشر عن الإتيان بمثلها كما قال تعالى: {أية : فأتوا بسورة من مثله}تفسير : [البقرة: 23]، فكان دالاً على صدق الرسول فيما جاء به وكانت جمله آيات لأن بها بعضَ المقدار المعجز، ولم تسم أجزاء الكتب السماوية الأخرى آيات، وأما ما ورد في حديث الرجم أن ابن صوريا حين نشر التوراة وضع يده على آية الرجم فذلك على تشبيه الجزء من التوراة بالجزء من القرآن وهو من تعبير راوي الحديث. وأصل الآية عند سيبويه فَعَلَة بالتحريك أَيَيَهْ أو أَوَيَهْ على الخلاف في أنها واوية أو يائية مشتقة من أي الاستفهامية أو من أوى فلما تحرك حرفَا العلة فيها قلب أحدهما وقُلب الأول تخفيفاً على غير قياس لأن قياس اجتماع حرفي علة صالحين للإعلال أن يعل ثانيهما إلا ما قل من نحو آيَة وقَاية وطَاية وثَاية ورَاية. فالمراد بآياتنا هنا آيات القرآن أي وكذبوا بالقرآن أي بأنه وحي من عند الله. والباء في قوله: {وكذبوا بآياتنا} باء يكثر دخولها على متعلق مادة التكذيب مع أن التكذيب متعد بنفسه ولم أقف في كلام أئمة اللغة على خصائص لحاقها بهذه المادة والصيغة فيحتمل أنها لتأكيد اللصوق للمبالغة في التكذيب فتكون كالباء في قوله تعالى: {أية : وامسحوا برؤوسكم}تفسير : [المائدة: 6] وقول النابغة:شعر : لك الخير أَنْ وارتْ بك الأرضُ واحدا تفسير : ويحتمل أن أصلها للسببية وأن الأصل أن يُقال كذَّب فلاناً بخبره ثم كثر ذلك فصار كذب به وكذَب بمعنى واحد والأكثر أن يقال كذَّب فلاناً، وكذب بالخبر الفلاني، فقوله: {بآياتنا} يتنازعه فعلا كَفروا وكَذبوا. وقوله: {هم فيها خالدون} بيان لمضمون قوله: {أصحاب النار} فإن الصاحب هنا بمعنى الملازم ولذلك فصلت جملة {فيها خالدون} لتنزلها من الأولى منزلة البيان فبينهما كمال الاتصال.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 38- وقلنا لآدم وزوجته ومن سيكون من ذريته وإبليس: اهبطوا إلى الأرض وستكلفون تكليفات فيها، فإن جاءكم ذلك من عندى - وسيأتيكم حتماً - فالذين يستجيبون لأمرى ويتبعون هداى لا يشعرون بخوف، ولا يصيبهم حزن لفوات ثواب، لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا. 39- والذين جحدوا وكذبوا برسل الله وكتبه، أولئك أهل النار، يظلون فيها أبدا لا يخرجون ولا يفنون. 40- يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى تفضلت بها عليكم أنتم وآباؤكم بالتفكير فيها والقيام بواجب شكرها، وأوفوا بعهدى الذى أخذته عليكم وأقررتموه على أنفسكم، وهو الإيمان، والعمل الصالح، والتصديق بمن يجيئ بعد موسى من الأنبياء، حتى أوفى بوعدى لكم وهو حسن الثواب والنعيم المقيم، ولا تخافوا أحداً غيرى، واحذروا من أسباب غضبى عليكم. 41- وصدِّقوا بالقرآن الذى أنزلت مصدقا لما عندكم من كتاب وعلم من التوحيد وعبادة الله، والعدل بين الناس، ولا تسارعوا إلى جحود القرآن فتكونوا أول الكافرين به من حيث ينبغى أن تكونوا أول المؤمنين به، ولا تتركوا آيات الله لتأخذوا عن ذلك عوضاً قليلاً زائلاً من متاع الحياة الدنيا، وخُصّونى بالخوف فاتبعوا طريقى، وأعرضوا عن الباطل. 42- ولا تخلطوا الحق المُنزَّل من عندى بالباطل المفترى من عندكم، حتى لا يشتبه هذا بذاك، ولا تكتموا الحق ومنه صِدْق محمد، وأنتم تعلمون أنه حق وصدق. 43- واستجيبوا للإيمان. فأدُّوا الصلاة مستقيمة الأركان، وأعطوا الزكاة لمستحقيها، وصلوا مع جماعة المسلمين لتنالوا ثواب الصلاة وثواب الجماعة، وهذا يستلزم أن تكونوا مسلمين.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: اهبطوا منها جميعا: إنزلوا من الجنة إلى الأرض لتعيشوا فيها متعادين. فإما يأتينكم مني هدى: إن يجئكم من ربكم هدىً: شرع ضمنه كِتابٌ وبينه رسولٌ. فمن اتبع هداي: أخذ بشرعي فلم يخالفه ولم يحد عنه. فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون: جواب شرط فمن اتبع هداي، ومعناه إتباع الهدى يفضي بالعبد إلى أن لا يخاف ولا يحزن لا في الدنيا ولا في الآخرة. كفروا وكذبوا: كفروا: جحدوا شرع الله، وكذبوا رسوله. أصحاب النار: أهلها الذين لا يفارقونها بحيث لا يخرجون منها. معنى الآيتين: يخبر تعالى أنه أمر آدم وحواء وإبليس بالهبوط إلى الأرض بعد أن وسوس الشيطان لهما فأكلا من الشجرة، وأعلمهم أنه إن أتاهم منه هدى فاتبعوه ولم يحيدوا عنه يأمنوا ويسعدوا فلن يخافوا ولن يحزنوا، وتوعد من كفر به وكذب رسوله فلم يؤمن ولم يعمل صالحاً بالخلود في النار. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- المعصية تسبب الشقاء والحرمان. 2- العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يسبب الأمن والإسعاد، والإعراض عنهما يسبب الخوف والحزن والشقاء والحرمان. 3- الكفر والتكذيب جزاء صاحبهما الخلود في النار.

القطان

تفسير : {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً..} أي آدم وحوّاء وابليس، فقد انتهى طور النعيم الخالص الذي كنتم فيه، وادخلوا في طور لكم فيه طريقان: هدًى وايمان، وضلال وخسران؛ {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} عن طريق رسولٍ مرشد وكتاب مبين فإن لكم الخيار. فمن تبع هداي الذي أشرعه وسلَكَ صراطي المستقيم الذي أوضحه {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} من وسوسة الشيطان وما يعقبها من الشقاء والعذاب بعد يوم الحساب والعرض على الملك الديّان، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} على فوت مطلوب أو فقد محبوب، لأنهم يعلمون بهذه الهداية ان الصبر والتسليم مما يرضى الله ويوجب مثوبته، فيكون لهم من ذلك خير عوض عما فاتهم، وأفضل تعزية عما فقدوه. والهبوط في "اهبطوا" أصله الانحدار على سبيل القهر، ويجوز أن يُقصد به هنا مجرد الانتقال كما في قوله تعالى: "اهبطوا مصراً" أي ارتحِلوا اليها. وقد أمر الله تعالى آدم وحواء وإبليس بالهبوط مرّتين: الاولى، للاشارة الى أنهم يهبطون من الجنة الى دار بلاء وشقاء، ودار استقرار في الأرض للتمتع بخيراتها الى حين. والثانية، لبيان حالهم من حيث الطاعة والمعصية، وانهم ينقسمون فريقين: فريق يهتدي بهدى الله الذي أنزله وبلّغه للناس على لسان رسُله، وفريق سار في الضلال وكذّب بالآيات، فحق جزاؤهم في جهنم خالدين فيها أبدا. وهم المشار اليهم بقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. والآيات جمع آية: وهي العلامة الظاهرة، وكل ما يدل الإنسانَ ويرشده.

د. أسعد حومد

تفسير : (38) - فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى آدَمَ وَزَوْجَهُ وَإِبْلِيسَ بِالهُبُوطِ مِنَ الجَنَّةِ إِلَى الأَرْضِ، وَأَنْذَرَهُمْ وَذُرِّيَاتِهِمْ بِأَنَّهُ سَيَبْعَثُ الرُّسُلَ، وَيُنَزِّلُ الكُتُبَ وَيَفْرِضُ التَّكَالِيفَ، فَمَنْ آمَنَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الكِتَابِ، وَبِمَنْ بَعَثَ مِنَ الرُّسُلِ، وَاهْتَدَى وَاسْتَقَامَ عَلَى الهِدَايَةِ، وَقَامَ بِمَا فُرِضَ عَليهِ مِنَ التَّكَالِيفِ .. فَهؤُلاءِ لا خَوْفٌ عَلَيهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلا يَحْزَنُونَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنَ الدُّنيا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يقول الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية: {قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً} [البقرة: 38] وفي سورة طه يقول جل جلاله: {أية : قَالَ ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً} تفسير : [طه: 123] عندما خاطب الله سبحانه وتعالى بصورة الجمع. كان الخطاب لكل ذرية آدم المطمورة في ظهره، أَمْرُ لهم جميعاً بالهبوط، آدم وحواء والذرية، لأن كل واحد منا إلى أن تقوم الساعة فيه جزىء من آدم. ولذلك لا بد أن نلتفت إلى قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ ..} تفسير : [الأعراف: 11]. نلاحظ هنا أن الخطاب بصيغة الجمع، فلم يقل الحق سبحانه وتعالى لقد خلقتك ثم صورتك ثم قلت للملائكة اسجدوا لآدم، فكأن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أنه ساعة الخلق كان كل ذرية آدم مطمورين في ظهره. خلقهم جميعاً ثم صورهم جميعاً، ثم طلب من الملائكة السجود لآدم. فهل نحن كنا موجودين؟ نعم كنا موجودين في آدم. ولذلك فإن الحق سبحانه وتعالى يقول: {ٱهْبِطُواْ} [البقرة: 38] لنعرف أن هذا الخطاب موجه إلى آدم وذريته جميعاً إلى يوم القيامة. ومرة يقول: {أية : ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً} تفسير : [طه: 123] لأن هنا بداية تحمل المسئولية بالنسبة لآدم في هذه اللحظة وهي لحظة الهبوط في الأرض، سيبدأ منهج الله مهمته في الحياة. وما دام هناك منهج وتطبيق فردي، تكون المسئولية فردية، ولا يأتي الجمع هنا. فالحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : ٱهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً} تفسير : [طه: 123] نلاحظ أن أمر الهبوط هنا بالمثنى. ثم يقول تبارك وتعالى "جميعاً" .. جمع .. نقول إنه ما دامت بداية التكليف، فهناك طرفان سيواجه بعضهما البعض: الطرف الأول، هو آدم وزوجه، والطرف الثاني هو إبليس. فهم ثلاثة ولكنهم في معركة الإيمان فريقان فقط، آدم وحواء وذريتهما فريق. والشيطان فريق آخر، فكأن الله تعالى يريد أن يلفتنا إلى أن هذا الهبوط يتعلق بالمنهج وتطبيقه في الأرض. وفي المنهج آدم وحواء حريصان على الطاعة، وإبليس حريص على أن يقودهما إلى المعصية. وفي قوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} [البقرة: 38] نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى بعد أن مر آدم بالتجربة ووقع في المعصية، علمه الله تعالى كلمات التوبة، ونصحه أنه إذا غفل يتوب، والله سبحانه وتعالى سيقبل توبته. إذن: فالحق سبحانه وتعالى يريد من آدم وحواء أن يسكنا الأرض، ويبدآ مهمتهما في الحياة. والله يدلهما على الخير مصداقاً لقوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى} [البقرة: 38] .. وهدى لها معنيان: هي بمعنى الدلالة على الخير، أو الدلالة على الطريق الموصلة للخير. وهناك هدى وهو الإعانة على الإيمان والزيادة فيه. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17]. الهدى هنا في الآية الكريمة بمعنى الدلالة على طريق الخير، ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38]. ما هو الخوف وما هو الحزن؟ الخوف أن تتوقع شراً مقبلاً لا قدرة لك على دفعه فتخاف منه، والحزن أن يفوتك شيء تحبه وتتمناه. والحق سبحانه وتعالى يقول في هذه الآية: مَنْ مشى في طريق الإيمان الذي دللته عليه، وأنزلته في منهجي، فلا خوف عليهم. أي أنه لا خير سيفوتهم فيحزنوا عليه، لأن كل الخير في منهج الله، فالذي يتبع المنهج لا يخاف حدوث شيء أبداً. وهذه تعطينا قضية مهمة في المجتمع الذي لم يرتكب أية مخالفة .. هل يناله خوف؟ أبداً، ولكن مَنْ يرتكب مخالفة تجده دائماً خائفاً خشية أن ينكشف أمره، ويفاجأ بشر لا قدرة له على دفعه. إن الإنسان المستقيم لا يعيش الخوف، لأن الخوف أمران: إما ذنب أنا سبب فيه، والسائر على الطريق المستقيم لم يفعل شيئاً يخاف انكشافه. وإما أمر لا دخل لي فيه، يجريه عليّ خالقي. وهذا لابد أن يكون لحكمة، قد أدركها، وقد لا أدركها ولكني أتقبلها. فالذي يتبع هدى الله لا يخاف ولا يحزن، لأنه لم يذنب، ولم يخرق قانوناً، ولم يغش بشراً، أو يخفي جريمة، فلا يخاف شيئاً، ولو قابله حدث مفاجئ، فقلبه مطمئن. والذين يتبعون الله لا يخافون، ولا يُخاف عليهم .. وقوله تعالى: {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38] لأن الذي يعيش طائعاً لمنهج الله، ليس هناك شيء يجعله يحزن، ذلك أن إرادته في هذه الحالة تخضع لإرادة خالقه. فكل ما يحدث له من الله هو خير. حتى لو كان يبدو على السطح غير ذلك. ملكاته منسجمة وهو في سلام مع الكون ومع نفسه، والكون لا يسمع منه إلا التسبيح والطاعة والصلاة، وكلها رحمة. فهو في سلام مع نفسه. وفي سلام مع ربه، وفي سلام مع المجتمع. إن المجتمع دائماً يسعد بالإنسان المؤمن الذي لا يفسد في الأرض، بل يفعل كل خير. فالمؤمن نفحة جمال تشع في الكون، ونعمة حسن ورضا مع كل الناس. وما دام الإنسان كذلك، فلن يفقد ما يسره أبداً. فإن أصابته أحداث أجراها الله عليه، لا يقابلها إلا بالشكر، وإن كان لا يعرف حكمتها .. وإياك أن تعترض على الله في حكم. ولذلك يقول: أحمدك ربي على كل قضائك وجميع قدرك، حمد الرضا بحكمك واليقين بحكمتك. والإنسان ينفعل للأحداث، ولكن هناك فرقا بين الانفعال للأحداث وحدها وبين الانفعال للأحداث مع حكمة مجريها. ولذلك فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الدقة حينما قال: (حديث : إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ). تفسير : انظروا إلى الإيمان وهو يستقبل الأحداث .. العين تدمع، ولا يكون القلب قاسياً مثل الحجر، لكن فيه حنان. والقلب يخشع لله. مقدراً حكمته وإرادته. والله سبحانه وتعالى لا يريدنا أن نستقبل الأحداث بالحزن وحده، ولكن بالحزن مع الإيمان. فالله لا يمنعك أن تحزن، ولكن عليك ألا تفصل الحدث عن مجريه وحكمته فيه .. ولذلك حين تذهب إلى طبيب العظام، فيكسر لك عظامك لكي يصلحها. هل يفعل لك خيراً أو شراً؟ طبعاً يفعل لك خيراً. وإن كان ذلك يؤلمك.

الجيلاني

تفسير : ثم لما تلقناه الكلمات التي تاب بها وقبلنا عنه توبته، أخرجناه من اليأس والقنوط وأطمعناه الرجوع إلى الجنة بأن: {قُلْنَا} له ولذريته المتفرعة عليه، منبهين عليهم طريق الرجوع {ٱهْبِطُواْ} الزموا مكان الهبوط، واستقروا عليها حال كونكم خارجين {مِنْهَا جَمِيعاً} ومن الجنة، وترقبوا دخولها بإذن منا {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم} أيها المترقبون {مِّنِّي} لا غيري {هُدًى} من وحي وإلهام، وهو علامة إذني ودليل رضاي برجوعكم {فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} ومن رجع إلي به {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} في المراجعة إلى المقام الأصلي {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 38] بعد رجوعهم إليها بل كما بدأكم تعودون. {وَٱلَّذِينَ} لم يرتبقوا الرجوع، ونسوا ما هم عليه في الجنة ولم يلتفتوا إلى الهدى المؤتى، و{كَفَرواْ} به وأنكروا له {وَكَذَّبُواْ} رسلنا الذين أتوا إياهم {بِآيَٰتِنَآ} دلائلنا الدالة على صدقهم من المعجزات الظاهرة، والآثار الباهرة {أُولَـٰئِكَ} الهابطون الناسون والموطن الأصلي والمقام الحقيقي، المستبدلون عن الجنة بعرض هذا الأدنى، والكافرون بطريق الحق، والمكذبون بمن يهديهم {أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ} التي هي معدن البعد والخذلان، ومنزل الطرد والحرمان {هُمْ} بسبب نسيانهم وتكذيبهم {فِيهَا خَٰلِدُونَ} [البقرة: 39] إلى ما شاء الله. ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب. ثم لما بين سبحانه وتعالى طريق الهداية والضلال، ونبه على جزاء كل منهما إجمالاً، أشار إلى تفصيله وتوضيحه من قصص القرون الماضية والأمم السالفة، ليتيقن المؤمنين منها ومن جملتها قصة ندائه تعالى بني إسرائيل أولاد يعقوب إسرائيل الله، مخاطباً لهم أمر تذكرهم بالنعم التي أنعمها عليهم؛ ليكونوا من الشاكرين لنعمه، الموفين بعهده بقوله: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ} المتنعمين بالنعم الكثيرة {ٱذْكُرُواْ} واشكروا {نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} وعلى من استخفلكم من أسلافكم {وَأَوْفُواْ} بعد اعتدادكم النعم على أنفسكم {بِعَهْدِيۤ} الذي عاهدتم معي من متابعة الهدى النازل مني على لسان الأنبياء {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} من إرجاعهم إلى المقام الأصلي الذي أنتم فيه قبل هبوطكم إلى طار المحن، وبعد رجوعكم إليه في النشأة الأخرى، لا يبقى لكم خوف من الأغيار، بل رهبة من سطوة سلطنتي {وَ} عند عروجها {إِيَّٰيَ} لا إلى غيري {فَٱرْهَبُونِ} [البقرة: 40] فارجعون؛ لأوانس معكم وأزيل رهبتكم. {وَ} علامة وفائكم بعهدي هي الإيمان {آمِنُواْ} على وجه الإخلاص والإيقان {بِمَآ أَنزَلْتُ} من فضلي على كل واحدٍ من رسلي بالقرآن المنزل على الحضرة الختمية الخاتمية، المؤيد بالدلائل القاطعة والحجج الساطعة والمعجزات الباهرة، والآيات الظاهرة مع كونه {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} من الكتب المنزلة على الأنبياء الماضين، مشتملاً على ما فيها من الأحكام والقصص والمواعظ والحقائق مع لطائف أخر خلت عنها جميعها، وبعد ظهور المنزل به وادعاء من أنزل عليه الرسالة والإهداء {وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} أي: لا تكونوا مبادرين على الكفر بالمهدي وما هدى به، بل كونوا أول من آمن به وصدق بما جاء به من عند ربه، فانتهزوا الفرصة للإيمان ولا تغفلوا عنه {وَ} بعد نزوله وظهوره {لاَ تَشْتَرُواْ} ولا تستبدلوا {بِآيَٰتِي} المنزلة على أنبيائي {ثَمَناً قَلِيلاً} من المزخرفات الفانية {وَ} إن عسر عليكم ترك هذا الاستبدالا لميل نفوسكم إليه بالطبع {إِيَّٰيَ} عند عروض ذلك {فَٱتَّقُونِ} [البقرة: 41] لأحفظكم عنه وأسهله عليكم. {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ} الظاهر الثابت {بِٱلْبَٰطِلِ} الموهوم الزخرف للضعفاء الذين تمييز لهم {وَ} لا {تَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} أيضاً في نفوسكم {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42] حقيقته عقلاً وسمعاً.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : كرر الإهباط، ليرتب عليه ما ذكر وهو قوله: { فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى } أي: أيَّ وقت وزمان جاءكم مني -يا معشر الثقلين- هدى، أي: رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني، ويدنيكم مني; ويدنيكم من رضائي، { فمن تبع هداي } منكم، بأن آمن برسلي وكتبي، واهتدى بهم، وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب، والامتثال للأمر والاجتناب للنهي، { فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ } . وفي الآية الأخرى: {أية : فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى } . تفسير : فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء: نفي الخوف والحزن والفرق بينهما، أن المكروه إن كان قد مضى، أحدث الحزن، وإن كان منتظرا، أحدث الخوف، فنفاهما عمن اتبع هداه وإذا انتفيا، حصل ضدهما، وهو الأمن التام، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن اتبع هداه وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه، حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه، من الخوف، والحزن، والضلال، والشقاء، فحصل له المرغوب، واندفع عنه المرهوب، وهذا عكس من لم يتبع هداه، فكفر به، وكذب بآياته. فـ { أولئك أصحاب النار } أي: الملازمون لها، ملازمة الصاحب لصاحبه، والغريم لغريمه، { هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون. وفي هذه الآيات وما أشبهها، انقسام الخلق من الجن والإنس، إلى أهل السعادة، وأهل الشقاوة، وفيها صفات الفريقين والأعمال الموجبة لذلك، وأن الجن كالإنس في الثواب والعقاب، كما أنهم مثلهم، في الأمر والنهي. ثم شرع تعالى يذكِّر بني إسرائيل نعمه عليهم وإحسانه فقال: { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ }.