٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
39
Tafseer
الرازي
تفسير : قوله تبارك وتعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ } لما وعد الله متبع الهدى بالأمن من العذاب والحزن عقبه بذكر من أعد له العذاب الدائم فقال: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا } سواء كانوا من الإنس أو من الجن فهم أصحاب العذاب الدائم. وأما الكلام في أن العذاب هل يحسن أم لا وبتقدير حسنه فهل يحسن دائماً أم لا؟ فقد تقدم الكلام فيه في تفسير قوله: {أية : وَعَلَىٰ أَبْصَـٰرِهِمْ غِشَـٰوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } تفسير : [البقرة: 7] وههنا آخر الآيات الدالة على النعم التي أنعم الله بها على جميع بني آدم وهي دالة على التوحيد من حيث إن هذه النعم أمور حادثة فلا بد لها من محدث وعلى النبوة من حيث إن محمداً صلى الله عليه وسلم أخبر عنها موافقاً لما كان موجوداً في التوراة والإنجيل من غير تعلم ولا تلمذة لأحد وعلى المعاد من حيث إن من قدر على خلق هذه الأشياء ابتداء قدرعلى خلقها إعادة وبالله التوفيق. القول في النعم الخاصة ببني إسرائيل اعلم أنه سبحانه وتعالى لما أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أولاً ثم عقبها بذكر الإنعامات العامة لكل البشر عقبها بذكر الإنعامات الخاصة على أسلاف اليهود كسراً لعنادهم ولجاجهم بتذكير النعم السالفة واستمالة لقلوبهم بسببها وتنبيهاً على ما يدل على نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم من حيث كونها إخباراً عن الغيب. واعلم أنه سبحانه ذكرهم تلك النعم أولاً على سبيل الإجمال فقال: {أية : يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} تفسير : [البقرة: 4] وفرع على تذكيرها الأمر بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال: {أية : وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ } تفسير : [البقرة: 41] ثم عقبها بذكر الأمور التي تمنعهم عن الإيمان به، ثم ذكرهم تلك النعم على سبيل الإجمال ثانياً بقوله مرة أخرى: {خَـٰلِدُونَ يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } تنبيهاً على شدة غفلتهم، ثم أردف هذا التذكير بالترغيب البالغ بقوله: {أية : وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [البقرة: 47] مقروناً بالترهيب البالغ بقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } تفسير : [البقرة: 48] إلى آخر الآية. ثم شرع بعد ذلك في تعديد تلك النعم على سبيل التفصيل ومن تأمل وأنصف علم أن هذا هو النهاية في حسن الترتيب لمن يريد الدعوة وتحصيل الاعتقاد في قلب المستمع. وإذ قد حققنا هذه المقدمة فلنتكلم الآن في التفسير بعون الله.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ} أي أشركوا؛ لقوله: {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} الصحبة: الاقتران بالشيء في حالة مّا، في زمان مّا؛ فإن كانت الملازمة والخُلْطة فهي كمال الصحبة؛ وهكذا هي صحبة أهل النار لها. وبهذا القول ينفك الخلاف في تسمية الصحابة رضي الله عنهم إذ مراتبهم متباينة، على ما نبيّنه في «براءة» إن شاء الله. وباقي ألفاظ الآية تقدّم معناها والحمد لله.
البيضاوي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا أُولَـئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} عطف على {فَمَن تَبِعَ} إلى آخره قسيم له كأنه قال: ومن لم يتبع بل كفروا بالله، وكذبوا بآياته، أو كفروا بالآيات جناناً، وكذبوا بها لساناً فيكون الفعلان متوجهين إلى الجار والمجرور. والآية في الاصل العلامة الظاهرة، ويقال للمصنوعات من حيث إنها تدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته، ولكل طائفة من كلمات القرآن المتميزة عن غيرها بفصل، واشتقاقها من آي لأنها تبين آياً من أي أو من أوى إليه، وأصلها أأية أو أوية كتمرة، فأبدلت عينها ألفاً على غير قياس. أو أيية. أو أوية كرمكة فأعلت. أو آئية كقائلة فحذفت الهمزة تخفيفاً. والمراد {بِـئَايَـٰتِنَا } الآيات المنزلة، أو ما يعمها والمعقولة. وقد تمسكت الحشوية بهذه القصة على عدم عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من وجوه: الأول: أن آدم صلوات الله عليه كان نبياً، وارتكب المنهي عنه والمرتكب له عاص. والثاني: أنه جعل بارتكابه من الظالمين والظالم ملعون لقوله تعالى: {أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّـٰلِمِينَ }تفسير : [هود: 18] والثالث: أنه تعالى أسند إليه العصيان، فقال {أية : وَعَصَىٰ ءادَمَ رَبَّهُ فَغَوَىٰ }تفسير : [طه: 121] والرابع: أنه تعالى لقنه التوبة، وهي الرجوع عن الذنب والندم عليه. والخامس: اعترافه بأنه خاسر لولا مغفرة الله تعالى إياه بقوله: {أية : وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَـٰسِرِينَ }تفسير : [الأعراف: 23] والخاسر من يكون ذا كبيرة. والسادس: أنه لو لم يذنب لم يجر عليه ما جرى. والجواب من وجوه. الأول: أنه لم يكن نبياً حينئذ، والمدعي مطالب بالبيان. والثاني: أن النهي للتنزيه، وإنما سمي ظالماً وخاسراً لأنه ظلم نفسه وخسر حظه بترك الأولى له. وأما إسناد الغي والعصيان إليه، فسيأتي الجواب عنه في موضعه إن شاء الله تعالى. وإنما أمر بالتوبة تلافياً لما فات عنه، وجرى عليه ما جرى معاتبة له على ترك الأولى، ووفاء بما قاله للملائكة قبل خلقه. والثالث: أنه فعله ناسياً لقوله سبحانه وتعالى: {أية : فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً }تفسير : [طه: 115] ولكنه عوتب بترك التحفظ عن أسباب النسيان، ولعله وإن حط عن الأمة لم يحط عن الأنبياء لعظم قدرهم كما قال عليه الصلاة والسلام «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل». أو أدى فعله إلى ما جرى عليه على طريق السببية المقدرة دون المؤاخذة على تناوله، كتناول السم على الجاهل بشأنه. لا يقال إنه باطل لقوله تعالى: {أية : مَا نَهَـٰكُمَا رَبُّكُمَا }تفسير : [الأعراف: 20] و {أية : قَاسَمَهُمَآ} تفسير : [الأعراف: 21] الآيتين، لأنه ليس فيهما ما يدل على أن تناوله حين ما قال له إبليس، فلعل مقاله أورث فيه ميلاً طبيعياً، ثم إنه كف نفسه عنه مراعاة لحكم الله تعالى إلى أن نسي ذلك، وزال المانع فحمله الطبع عليه. والرابع: أنه عليه السلام أقدم عليه بسبب اجتهاد أخطأ فيه، فإنه ظن أن النهي للتنزيه، أو الإشارة إلى عين تلك الشجرة فتتناول من غيرها من نوعها وكان المراد بها الإشارة إلى النوع، كما روي أنه عليه الصلاة والسلام «أخذ حريراً وذهباً بيده وقال: «حديث : هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها»تفسير : وإنما جرى عليه ما جرى تعظيماً لشأن الخطيئة ليجتنبها أولاده. وفيها دلالة على أن الجنة مخلوقة وأنها في جهة عالية، وأن التوبة مقبولة، وأن متبع الهدى مأمون العاقبة، وأن عذاب النار دائم، وأن الكافر فيه مخلد، وأن غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى: {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ}. واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، وعقبها تعداد النعم العامة تقريراً لها وتأكيداً، فإنها من حيث إنها حوادث محكمة تدل على محدث حكيم له الخلق والأمر وحده لا شريك له، ومن حيث إن الإخبار بها على ما هو مثبت في الكتب السابقة ممن لم يتعلمها، ولم يمارس شيئاً منها إخبار بالغيب معجز يدل على نبوة المخبر عنها، ومن حيث اشتمالها على خلق الإنسان وأصوله وما هو أعظم من ذلك، تدل على أنه قادر على الإعادة كما كان قادراً على الإبداء، خاطب أهل العلم والكتاب منهم، وأمرهم أن يذكروا نعم الله تعالى عليهم، ويوفوا بعهده في اتباع الحق واقتفاء الحجج ليكونوا أول من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه فقال:
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَا } كتبنا.{أُولَئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ } ماكثون أبدا لا يفنون ولا يخرجون.
النسفي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا أُولَـٰئِكَ } مبتدأ والخبر {أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ } أي أهلها ومستحقوها. والجملة في موضع الرفع خبر المبتدأ أعني والذين {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} {يا بَنِي إِسْرٰءِيلَ } هو يعقوب عليه السلام وهو لقب له ومعناه في لسانهم صفوة الله أو عبد الله. فإسرا هو العبد أو الصفوة، وإيل هو الله بالعبرية، وهو غير منصرف لوجود العلمية والعجمة. {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } ذكرهم النعمة أن لا يخلوا بشكرها ويطيعوا مانحها. وأراد بها ما أنعم به على آبائهم مما عدد عليهم من الإنجاء من فرعون وعذابه ومن الغرق ومن العفو عن اتخاذ العجل والتوبة عليهم، وما أنعم به عليهم من إدراك زمن محمد صلى الله عليه وسلم المبشر به في التوراة والإنجيل. {وَأَوْفُوا } أدوا وافياً تاماً، يقال وفيت له بالعهد فأنا وافٍ به وأوفيت له بالعهد فأنا موف به، والاختيار أوفيت، وعليه نزل التنزيل. {بِعَهْدِي } بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي، أو من الإيمان بنبي الرحمة والكتاب المعجز. {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم. والعهد يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد جميعاً. وعن قتادة: هما لئن أقمتم {أية : ولأكفرن}تفسير : وقال أهل الإشارة: أوفوا في دار محنتي، على بساط خدمتي، بحفظ حرمتي، أوف في دار نعمتي، على بساط كرامتي، بسرور رؤيتي. {وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ } فلا تنقضوا عهدي وهو من قولك «زيدا رهبته» وهو أوكد في إفادة الاختصاص من {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ } تفسير : [الفاتحة: 4] «وإيّايَ» منصوب بفعل مضمر دل عليه ما بعده وتقديره فارهبوا إياي فارهبون، وحذف الأول لأن الثاني يدل عليه. وإنما لم ينتصب بقوله «فارهبون» لأنه أخذ مفعوله وهو الياء المحذوفة وكسرة النون دليل الياء كما لا يجوز نصب زيد في «زيدا فاضربه» بـ «اضرب» الذي هو ظاهر. {وَءَامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ } يعني القرآن {مُصَدِّقاً } حال مؤكدة من الهاء المحذوفة كأنه قيل أنزلته مصدقاً {لِّمَا مَعَكُمْ } من التوراة يعني في العبادة والتوحيد والنبوة وأمر محمد عليه السلام {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } أي أول من كفر به أو أول حزب أو فوج كافر به، أو ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به. وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته، والضمير في به يعود إلى القرآن. {وَلاَ تَشْتَرُواْ } ولا تستبدلوا. {بِآيَـٰتِي } بتغييرها وتحريفها. {ثَمَناً قَلِيلاً } قال الحسن: هو الدنيا بحذافيرها. وقيل: هو الرياسة التي كانت لهم في قومهم خافوا عليها الفوات لو اتبعوا رسول الله. {وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ } فخافوني «فارهبوني» «فاتقوني» بالياء في الحالين وكذلك كل ياء محذوفة في الخط: يعقوب. {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ } لبس الحق بالباطل خلطه. والباء، إن كانت صلة مثلها في قولك «لبست الشيء بالشيء» خلطته به، كان المعنى ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم حتى لا يميز بين حقها وباطلكم. وإن كانت باء الاستعانة كالتي في قولك «كتبت بالقلم»، كان المعنى ولا تجعلوا الحق ملتبساً مشتبهاً بباطلكم الذي تكتبونه. {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ } هو مجزوم داخل تحت حكم النهي بمعنى ولا تكتموا، أو منصوب بإضمار «أن»، والواو بمعنى الجمع، أي ولا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمان الحق كقولك «لا تأكل السمك وتشرب اللبن». وهما أمران متميزان، لأن لبس الحق بالباطل ما ذكرنا من كتبهم في التوراة ما ليس منها، وكتمانهم الحق أن يقولوا لا نجد في التوراة صفة محمد أو حكم كذا {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } في حال علمكم أنكم لابسون وكاتمون وهو أقبح لهم لأن الجهل بالقبيح ربما عذر مرتكبه. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ } أي صلاة المسلمين وزكاتهم. {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ } منهم لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم أي أسلموا واعملوا عمل أهل الإسلام. وجاز أن يراد بالركوع الصلاة كما يعبر عنها بالسجود، وأن يكون أمراً بالصلاة مع المصلين يعني في الجماعة، أي صلوها مع المصلين لا منفردين.
الخازن
تفسير : {والذين كفروا} أي جحدوا {وكذبوا بآياتنا} أي بالقرآن {أولئك أصحاب النار} أي يوم القيامة {هم فيها خالدون} أي لا يخرجون منها ولا يموتون فيها قوله عز وجل {يا بني إسرائيل} اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلّى الله عليهم وسلم أجمعين ومعنى إسرائيل عبدالله وقيل صفوة الله والمعنى يا أولاد يعقوب {اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} أي اشكروا نعمتي وإنما عبر عنه بالذكر لأن من ذكر النعمة فقد شكرها ومن جحدها فقد كفرها وقيل الذكر يكون بالقلب ويكون اللسان ووحد النعمة لأنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ومعناه أن المضرة المحضة لا تكون نعمة ولو فعل الإنسان منفعة وقصد نفسه بها لا تسمى نعمة إذا لم يقصد بها الغير ثم إن النعم ثلاثة: نعمة تفرد بها الله تعالى وهي إيجاد الإنسان ورزقه ونعمة وصلت إلى الإنسان بواسطة الغير لكن الله مكنه من ذلك فالمنعم بها في الحقيقة هو الله تعالى ونعمة حصلت للإنسان بسبب الطاعة وهي أيضاً من الله تعالى، فالله هو المنعم المطلق في الحقيقة لأن أصول النعم كلها منه. وأما النعم المختصة ببني إسرائيل فكثيرة لأن قوله {اذكروا نعمتي} لفظها واحد ومعناها الجمع فمن النعم أن الله تعالى أنقذهم من فرعون وفلق البحر لهم وأغرق فرعون وتظليلهم بالغمام وإنزال المن والسلوى في التيه عليهم وإنزال التوراة ونعم غير هذه كثيرة فإن قلت إذا فسر النعمة بهذا فما كانت على المخاطبين بها بل كانت على آبائهم فكيف تكون نعمة عليهم حتى يذكروها. قلت إنما ذكر المخاطبين بها لأن فخر الآباء فخر الأبناء ولأن الأبناء إذا تيقنوا أن الله قد أنعم على آبائهم بهذه النعم فقد وجب عليهم ذكرها وشكرها. وقيل إن هذه النعم هي إدراك المخاطبين بها زمن محمد صلى الله عليه وسلم وذكرها الإيمان به {وأوفوا بعهدي} أي امتثلوا أمري {أوف بعهدكم} أي بالقول والثواب وأصل للعهد حفظ الشيء ومراعاته حالاً بعد حال ومنه سمي الموثق الذي تلزم مراعاته عهداً وقيل أراد بالعهد جميع ما أمر الله به من غير تخصيص ببعض التكليف دون بعض وقيل أراد به ما ذكر في سورة المائدة وهو قوله: {أية : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيباً} تفسير : [المائدة: 12] إلى قوله: {أية : لأكفرن عنكم سيئاتكم} تفسير : [المائدة: 12] فهذا قوله: {أوف بعهدكم} وقيل هو قوله: {أية : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة} تفسير : [البقرة: 93] يعني شريعة التوراة. وقيل: هو قوله: {أية : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلاّ الله}. تفسير : [البقرة: 83] وقيل أراد بهذا العهد ما أثبته في كتب الأنبياء المتقدمة من وصف محمد صلى الله عليه وسلم وأنه مبعوث في آخر الزمان، وذلك أن الله عهد إلى بني إسرائيل على لسان موسى عليه الصلاة السلام أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً فمن تبعه وصدق النور الذي يأتي به غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين اثنين، وهو قوله: {أية : وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس}تفسير : [آل عمران: 187] يعني أمر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته {وإياي فارهبون} أي فخافون في نقضكم العهد {وآمنوا بما أنزلت} يعني بالقرآن {مصدقاً لما معكم} يعني أن القرآن موافق لما في التوراة من التوحيد والنبوة والأخبار ونعمت النبي صلى الله عليه وسلم فالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن تصديق للتوراة لأن التوراة فيها الإشارة إلى نعت النبي صلى الله عليه وسلم وأنه نبي مبعوث فمن آمن به فقد آمن بما في التوراة ومن كذبه وكفر به فقد كذب التوراة وكفر بها {ولا تكونوا أول كافر به} الخطاب لليهود، نزلت في كعب بن الأشرف ورؤساء اليهود، والمعنى ولا تكونوا يا معشر اليهود أول من كفر به. فإن قلت كيف جعلوا أول من كفر به وقد سبقهم إلى الكفر به مشركو العرب من أهل مكة وغيرهم؟ قلت: هذا تعريض لهم والمعنى كان يجب أن تكونوا أول من آمن به لأنكم تعرفون صفته ونعته بخلاف غيركم وكنتم تستفتحون به على الكفار فلما بعث كان أمر اليهود بالعكس. وقيل معناه ولا تكونوا أول كافر به من اليهود فيتبعكم غيركم على ذلك فتبوءوا بإثمكم وإثم غيركم ممن تبعكم على ذلك {ولا تشتروا} أي ولا تستبدلوا {بآياتي} أي ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي في التوراة {ثمناً قليلاً} أي عوضاً يسيراً من الدنيا لأن الدنيا بالنسبة إلى الآخرة كالشيء اليسير الحقير الذي لا قيمة له والذي كانوا يأخذونه من الدنيا كالشيء اليسير بالنسبة إلى جميعها فهو قليل القليل فلهذا قال الله تعالى: {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} وذلك أن كعب بن الأشرف ورؤساء اليهود وعلماءهم كانوا يصيبون المآكل من سفلتهم وجهالهم وكانوا يأخذون منهم في كل سنة شيئاً معلوماً من زرعهم وثمارهم ونقودهم وضروعهم فخافوا إن بينوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل فغيروا نعته وكتموا اسمه واختاروا الدنيا على الآخرة وأصروا على الكفر {وإياي فاتقون} أي فخافون في أمر محمد صلى الله عليه وسلم. والتقوى قريب من معنى الرهبة والفرق بينهما أن الرهبة خوف مع حزن واضطراب والتقوى جعل النفس في وقاية مما تخاف. قوله عز وجل: {ولا تلبسوا الحق بالباطل} أي ولا تكتبوا في التوراة ما ليس فيها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم. وقيل معناه ولا تخلطوا الحق الذي أنزل عليكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة الباطل الذي تكتبونه بأيديكم من تغيير صفته وقيل لا تخلطوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم التي هي الحق بالباطل أي بصفة الدجال وذلك أنه لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم حسده اليهود وقالوا ليس هو الذي ننتظره وإنما هو المسيح ابن داود يعني الدجال وكذبوا فيما قالوا: {وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} يعني أن محمداً صلى الله عليه وسلم نبي مرسل. وفيه تنبيه لسائر الخلق وتحذير من مثله فصار هذا الخطاب وإن كان خاصاً في الصورة لكنه عام في المعنى فعلى كل أحد أن لا يلبس الحق بالباطل ولا يكتم الحق لما فيه من الضرر والفساد وفيه دلائل أيضاً على أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه {وأقيموا الصلاة} يعني الصلوات الخمس بمواقيتها وحدودها وجميع أركانها {وآتوا الزكاة} أي أدوا الزكاة المفروضة عليكم في أموالكم {واركعوا مع الراكعين} أي صلوا مع المصلين، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابه وعبر عن الصلاة بالركوع لأنه ركن من أركانها وهذا خطاب لليهود لأن صلاتهم ليس فيها ركوع فكأنه قال لهم صلوا صلاة ذات ركوع فلهذا المعنى أعاده بعد قوله وأقيموا الصلاة لأن الأول خطاب الكافة والثاني خطاب قوم مخصوصين وهم اليهود. وفيه حث على إقامة الصلاة في الجماعة فكأنه قال صلوا مع المصلين في الجماعة. قوله عز وجل: {أتأمرون الناس بالبر} الاستفهام فيه للتقرير مع التقريع والتعجب من حالهم. والبر اسم جامع لجميع أعمال الخير والطاعات، نزلت هذه الآية في علماء اليهود، وذلك أن الرجل منهم كان يقول لقريبه وحليفه من المسلمين إذا سأله عن أمر محمد صلىالله عليه وسلم اثبت على دينه فإن أمره حق وقوله صدق وقيل إن جماعة من اليهود قالوا لمشركي العرب: إن رسولاً سيظهر منكم ويدعوكم إلى الحق، وكانوا يرغبونهم وفي اتباعه فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم حسدوه وكفروا به فبكتهم الله ووبخهم بذلك حيث إنهم كانوا يأمرون الناس باتباعه قبل ظهوره، فلما ظهر تركوه وأعرضوا عنه. وقيل كانوا يأمرون الناس بالطاعة والصلاة والزكاة وأنواع البر ولا يفعلونه فوبخهم الله بذلك {وتنسون أنفسكم} أي وتعدلون عما لها فيه نفع والنسيان عبارة عن السهو الحادث بعد حصول العلم والمعنى أتتركون أنفسكم ولا تتبعون محمداً صلى الله عليه وسلم {وأنتم تتلون الكتاب} يعني تقرؤون التوراة وتدرسونها وفيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وفيها أيضاً الحث على الأفعال الحسنة والإعراض عن الأفعال القبيحة والإثم {أفلا تعقلون} يعني أنه حق فتتبعونه والعقل قوة يهيئ قبول العلم ويقال للعلم الذي يستفيده الإنسان بتلك القوة عقل ومنه قول علي بن أبي طالب: شعر : وإن العقل عقلان فمطبوع ومسموع ولا ينفع مطبوع إذا لم يك مسموع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع تفسير : وأصل العقل الإمساك لأنه مأخوذ من عقال الدابة كعقل البعير بالعقال ليمنعه من الشرود فكذلك العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود والأفعال القبيحة. ومعنى الآية أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو إرشاد الغير إلى تحصيل المصلحة وتحذيره عما يوقعه في المفسدة والإحسان إلى النفس أولى من الإحسان إلى الغير وذلك لأن الإنسان إذا وعظ غيره ولم يتعظ هو فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل فلهذا قال أفلا تعقلون وقيل إن من وعظ الناس يجتهد أن ينفذ موعظته إلى القلوب فإذا خالف قوله فعله كان ذلك سبب تنفير القلوب عن قبول موعظته (ق) عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بل كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه" تفسير : قوله فتندلق، أي تخرج أقتاب بطنه أي أمعاء بطنه واحدها قتب وروى البغوي بسنده عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت ليلة أسري بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار قلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون قيل مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه"تفسير : . وقيل من وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه،" وقال بعضهم: شعر : ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يسمع ما تقول ويقتدى بالقول منك وينفع التعليم
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ...}. قال ابن عطية: أفاد قوله "كذّبوا" أن المراد (بالكفر) (الشرك) فيخرج (كفر) النّعم والمعاصي. قال ابن عرفة: وفي الآية عندي حذف التقابل والمعنى: فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَأوُلئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وَلاَ خَوْفَ عَلَيهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (أي لا حزن عليهم) وَالَّذينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وعليهم الخوف وهم يحزنون.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...}: لما كانت لفظة الكُفْرِ يشترك فيها كفر النعمِ، وكفر المعاصي، ولا يجب بهذا خلودٌ، بيَّن سبحانه أن الكفر هنا هو الشرك، بقوله: {وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا... } والآياتُ هنا يحتمل أن يريد بها المتلوَّة، ويحتمل أن يريد العلاماتِ المنصوبَةَ، والصُّحْبَةُ الٱقترانُ بالشيْءِ في حالةٍ مَّا زَمَنًا. قوله تعالَىٰ: {يَـٰبَنِي إِسْرَٰءِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ}: إسْرَائِيلَ: هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ـــ عليهم السلام ـــ وإِسْرَا: هو بالعبرانية عبد، وإِيلُ: اسم اللَّه تعالَىٰ، فمعناه عَبْدُ اللَّهِ، والذِّكْرُ في كلام العَرَبِ على أنحاء، وهذا منها ذكر القلب الذي هو ضدّ النسيان، والنعمة هنا اسم جنس، فهي مفردة بمعنى الجَمْعِ، قال ابن عَبَّاس، وجمهور العلماء: الخِطَابُ لجميع بني إسرائيل في مدَّة النبيِّ صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ }: أمر وجوابه، وهذا العهد في قول جمهور العلماءِ عامٌّ في جميع أوامره سبحانه ونواهيه ووصاياه لهم، فيدخل في ذلك ذكر محمَّد صلى الله عليه وسلم الذي في التوراة، والرهبةُ يتضمَّن الأمر بها معنى التهديد، وأسند الترمذيُّ الحَكِيمُ في «نَوَادِرِ الأُصُولَ» له عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: «حديث : قَالَ رَبُّكُمْ سُبْحَانَهُ: لاَ أَجْمَعُ عَلَىٰ عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلاَ أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ، فَمَنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ فِي الآخِرَةِ، وَمَنْ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا، أَخَفْتُهُ فِي الآخِرَةِ» تفسير : . انتهى في «التذكرة» للقرطبيِّ، ورواه ابن المبارك في «رَقَائِقِهِ» من طريق الحسن البصريِّ، وفيه: «حديث : قَالَ اللَّهُ: وَعِزَّتِي، لاَ أَجْمَعُ عَلَىٰ عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلاَ أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ؛ فَإذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَإذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»تفسير : . انتهى، ورواه أيضاً الترمذيُّ الحكيمُ في كتاب «خَتْمِ الأَوْلِيَاءِ» قال صاحب «الكَلِمِ الفَارِقِيَّةِ، والحِكَمِ الحقيقيَّة»: «بقدر ما يدخل القلْبَ من التعظيم والحرمة تنبعثُ الجوارحُ في الطاعةِ والخدمة». انتهى. و {ءَامِنُواْ }: معناه: صدِّقوا، و {مُصَدِّقاً } نصبٌ على الحال من الضمير في {أَنزَلْتُ}، و {مَا أَنزَلْتُ} كنايةٌ عن القرآن، و {لِّمَا مَعَكُمْ }، يعني: التوراةَ. وقوله: {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} هذا من مفهوم الخطاب الذي المذكورُ فيه والمسكوتُ عنه حكُمُهما واحدٌ، وَحُذِّرُوا البدارَ إلى الكفر به؛ إِذ على الأول كِفْلٌ من فعل المقتدى به، ونصب «أَوَّلَ» على خبر «كَانَ». * ع *: وقد كان كَفَر قبلهم كفار قريشٍ، وإِنما معناه من أهل الكتاب؛ إِذ هم منظورٌ إِليهم في مثل هذا، واختلف في الضمير في «به»، فقيل: يعود على محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقيل: على القرآن، وقيل: على التوراة، واختلف في الثمن الذي نُهُوا أن يشتروه بالآياتِ. فقالتْ طائفةٌ: إن الأحبار كانوا يُعلِّمُونَ دينَهم بالأجرة، فَنُهُوا عن ذلك، وفي كتبهم: «عَلِّمْ مَجَّاناً؛ كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّاناً»، أي: باطلاً بغير أجرة. وقيل: كانتْ للأَحبار مأكلة يأكلونها على العِلْمِ. وقال قوم: إن الأحبار أخذوا رُشاً علَىٰ تغييرِ صفَةِ محمَّد صلى الله عليه وسلم في التوراة، فنُهُوا عن ذلك. وقال قوم: معنى الآية: ولا تشتروا بأوامري، ونواهِيَّ، وآياتي ثمناً قليلاً، يعني: الدنيا ومدَّتها والعيش الذي هو نزْرٌ لا خَطَر له، وقد تقدَّم نظير قوله: {وَإِيَّـٰيَ فَٱتَّقُونِ }، وبيْنَ «ٱتَّقُونِ»، و «ٱرْهَبُونِ» فرق إن الرهبة مقرونٌ بها وعيدٌ بالغٌ.
ابن عادل
تفسير : لما وعد الله من اتبع الهدى بالأَمْنِ من العَذَاب والحزن عقبه بذكر من أعدّ له العَذَاب مثال الذين كفروا. و "الذين" مبتدأ وما بعدها صلة وعائد، و "بآياتنا" متعلّق بـ "كذبوا"، ويجوز أن تكون أن تكون الآية من باب الإعمال؛ لأن "كفروا" يطلبها، ويكون من إعمال الثَّاني للحذف من الأوّل، والتَّقدير: والذين كفروا بنا وكَذّبوا بآياتنا. و "أولئك" مبتدأ ثان، و "أصحاب" خبره، والجملة خبر الأول، ويجوز أن يكون "أولئك" بدلاً من الموصول، أو عطف بيان له، و "أصحاب" خبر المبتدأ الموصول. وقوله: {هم فيها خالدون} جملة اسمية في محلّ نصب على الحال للتَّصريح بذلك في مواضع قال تعالى: {أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدينَ}. وأجاز "أبو البقاء": أن تكون حالاً من "النار" قال: لأن فيها ضميراً يعود عليها، ويكون العامل فيها معنى الإضافة، أو اللاَّم المقدرة. وقد عرف ما في ذلك، ويجوز أن تكون في محل رفع خبر لـ "أولئك" أيضاً، فيكون قد أخبر عنه بخبرين: أحدهما: مفرد وهو "أصحاب". والثاني: جملة، وقد عرف ما فيه من الخلاف. و "فيها" متعلّق بـ "خالدون" قالوا: وقد حذف من الكلام الأوّل ما أثبت في الثاني، ومن الثاني ما أثبت في الأول، والتقدير: فمن تبع هُدَاي فلا خوف ولا حُزْن يلحقه، وهو صاحب الجَنَّة، ومن كفر وكذب لحقه الخَوْفُ والحزن، وهو صاحب النار؛ لأنّ التقسيم يقتضي ذلك، ونظروه بقول الشَّاعر: [الطويل] شعر : 421- وَإِنِّي لتَعْرُونِي لِذِكْرَاكِ هِزَّةٌ كَمَا انْتَفَضَ العُصْفُورُ بَلَّلَهُ القَطْرُ تفسير : "والآية" لغة: العلامة؛ قال النابغَةُ: [الطويل] شعر : 422- تَوَهَّمْتُ آيَاتٍ لَهَا فَعَرَفْتُهَا لِسِتَّةِ أَعْوَامٍ وَذَا العَامُ سَابِعُ تفسير : وسميت آية القرآن [آية]؛ لأنه علامة لانفصال ما قبلها عما بعدها، وقيل: سُمِّيَتْ بذلك؛ لأنها تجمع حروفاً من القرآن، فيكون من قولهم، "خَرَجَ بنُو فلاَنٍ بآيتِهِمْ" أي: بجماعتهم؛ قال: [الطويل] شعر : 423- خَرَجْنَا مِنَ النَّقْبَيْنِ لاَ حَيَّ مِثْلُنَا بِآيَاتِنَا نُزْجِي اللِّقَاحَ المَطَافِلاَ تفسير : واختلف النحويون في وزنها: فمذهب "سيبويه والخليل" أنها "فَعَلَة" والأصل: "أَيَيَة" - بفتح العين - تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، وهذا شاذّ؛ لأنه إذا اجتمع حرفا عِلّة أعلّ الأخير؛ لأنه محلّ التغيير نحو: هوى وحوى، ومثلها في الشّذوذ: "غَايَة، وطَايَة، وَرَايَة". ومذهب "الكِسَائِيّ" أن أصلها: "آيِيَة" على وزن "فَاعِلَة"، فكان القياس أن يدغم فيقال: آية كـ "دابّة"، إلاَّ أنه ترك ذلك تخفيفاً، فحذفوا عينها، كما خففوا "كَيْنُونة" والأصل: "كيّنونة" بتشديد الياء، وضعفوا هذا بأن "كيّنونة" أثقل فَنَاسب التَّخفيف بخلاف هذه. ومذهب "الفَرَّاء" أنها "فَعْلَة" بسكون العين، واختاره أبو "البَقَاء" قال: لأنها من تأيَّا القوم، إذا اجتمعوا، وقالوا في الجمع: آياء، فظهرت الياء الأولى، والهمزة الأخيرة بدل من ياء، ووزنه "أفعال" والألف الثانية بدل من همزة هي فاء الكلمة، ولو كانت عينها "واو" لقالوا في الجمع: "آواء" ثم إنهم قلبوا "الياء" الساكنة "ألفاً" على غير قياس. يعني: أن حرف العلّة لا يقلب حتى يتحرّك وينفتح ما قبله. وذهب بعض الكوفيين إلى أن وزنها "آيِيَة" بكسر العَيْنِ مثل "نَبِقَة" فَأُعِلّ، وهو في الشُّذوذ كمذهب "سيبويه والخَليل". وقيل: وزنها "فَعُلة" بضم العَيْن، وقيل: أصلها "أَيَاة" بإعلال الثاني، فقلبت: بأن قدمت الازم، وأخرت العين، وهو ضعيف. فهذه ستة مذاهب لا يسلم واحد منها من شذوذ. فصل في معنى "الصحبة" الصّحبة: الاقتران بالشيء في حالة ما، في زمان ما، فإن كانت الملازمة والخُلْطة فهي كمال الصُّحبة.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَـٰتِنَا} عطف على من تِبعَ الخ قسيمٌ له، كأنه قيل: ومن لم يتْبَعْه، وإنما أوثر عليه ما ذكر تفظيعاً لحال الضلالةِ وإظهاراً لكمالِ قُبحِها، وإيراد الموصولِ بصيغة الجمعِ للإشعار بكثرة الكفرة، والجمعُ بـين الكفر والتكذيب للإيذان بتنوّع الهُدىٰ إلى ما ذكر من النوعين، وإيراد نونِ العظمةِ لتربـية المهابة وإدخالِ الروعةِ، وإضافةُ الآياتِ إليها لإظهار كمالِ قبحِ التكذيبِ بها، أي والذين كفروا برُسُلنا المرسلةِ إليهم وكذبوا بآياتنا المنزلة عليهم، وقيل: المعنى كفروا بالله وكذبوا بآياته التي أنزلها على الأنبـياء عليهم السلام، أو أظهَرها بأيديهم من المعجزات، وقيل: كفروا بالآيات جَناناً وكذبوا بها لساناً فيكون كلا الفعلين متوجهاً إلى الجار والمجرور، والآية في الأصل العلامة الظاهرة، قال النابغة: [الطويل] شعر : توهمْتُ آياتٍ لها فعرَفتُها لستة أعوامٍ وذا العامُ سابعُ تفسير : ويقال للمصنوعات من حيث دلالتُها على الصانع تعالى وعلمِه وقدرتِه ولكل طائفةٍ من كلمات القرآنِ المتميِّزة عن غيرها بفصل لأنها علامةٌ لانفصال ما قبلها مما بعدها، وقيل: لأنها تُجْمَعُ كلماتٌ منه فيكون من قولهم خرج بنو فلان بآيتهم أي بجماعتهم قال: شعر : خرجْنا من البـيتينِ لا حيَّ مثلُنا بآيتِنا نُزجي النِّعاجَ المَطافِلا تفسير : واشتقاقُها من أَيْ لأنها تبـين أياً من أيَ، أو من أوى إليه أي رجَع وأصلُها أَوْية أو أيّة، فأبدلت عينها ألفاً على غير قياس أو أوَيَة أو أيَـيَة كرَمَكَة، فأُعِلَّت أو آئِيَة كقائلة، فحُذفت الهمزة تخفيفاً {أُوْلَـٰئِكَ} إشارة إلى الموصوف باعتبار اتصافه بما في حيز الصلةِ من الكفر والتكذيب وفيه إشعارٌ بتميزهم بذلك الوصف تميزاً مصحِّحاً للإشارة الحسية، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم فيه وهو مبتدأ، وقوله عز وجل: {أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ} أي ملازموها وملابسوها بحيث لا يفارقونها خبره، والجملة خبرٌ للموصول أو اسمُ الإشارةِ بدل من الموصول، أو عطفُ بـيان له، وأصحاب النار خبرٌ له وقوله تعالى: {هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ} في حيز النصب على الحالية لورود التصريح به في قوله تعالى: {أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا} وقد جُوِّز كونُه حالاً من النار لاشتماله على ضميرها، والعامل معنى الإضافة أو اللامُ المقدرة أو في محل الرفع على أنه خبر آخرُ لأولئك على رأي من جوز وقوع الجملة خبراً ثانياً، وفيها متعلق بخالدون والخلودُ في الأصل المكثُ الطويلُ وقد انعقد الإجماع على أن المراد به الدوام.
القشيري
تفسير : والذين قابلوا النعمة بغير الشكر، وغفلوا عن التصديق والتحقيق فلهم عذاب أليم مؤجَّل، وفراق معجَّل.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين كفرو} عطف على من تبع الخ قسيم له كانه قيل ومن لم يتبعه الخ وانما اوثر عليه ما ذكر تفظيعا لحال الضلالة واظهارا لكمال قبحها وايراد الموصول بصيغة الجمع للاشعار بكثرة الكفرة اى والذين كفروا برسلنا المرسلة اليهم {وكذبوا بآياتنا} المنزلة عليهم او كفروا بالآيات جنانا وكذبوا بها لسانا {اولئك} اشارة الى الموصول باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة من الكفر والتكذيب {اصحاب النار} ملازموها وملابسوها بحيث لا يفارقونها. وفى الصحبة معنى الوصلة فسموا اصحابها لاتصالهم بها وبقائهم فيها فكأنهم ملكوها فصاروا اصحابها{هم فيها} اى فى النار {خالدون} دائمون والجملة فى حيز النصب على الحالية ففى هايتن الآيتين دلالة على ان الجنة فى جهة عالية دل عليه قوله تعالى {اهبطوا منها} وان متبع الهدى مأمون العاقبة لقوله تعالى {أية : فلا خوف}تفسير : [البقرة: 38] الخ وان عذاب النار دائم والكافر فيه مخلد وان غيره لا يخلد فيه بمفهوم قوله تعالى {هم فيها خالدون} فانه يفيد الحصر. واعلم ان الشرف فى اتباع الهدى كما قيل شعر : سك اسحاب كهف روزى جند بى نيكان كرفت مردم شد تفسير : فالمؤمن بين ان يطيع الله فيثيبه بالنعيم وبين ان يعصيه فيعاقبه بالجحيم ومن العجب ان الجمادات وغير المكلفين من العباد يخافون عذاب الله ويقومون بحقوق الله ولا يخافه المكلفون كما روى عن مالك بن دينار رحمه الله انه مر يوما على صبى وهو يلعب بالتراب يضحك تارة ويبكى اخرى قال فهممت ان اسلم عيله فامتنعت نفسى تكبرا فقلت يا نفس كان النبى صلى الله عليه وسلم يسلم على الصغار والكبار فسلمت عليه فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته يا مالك ابن دينار فقلت من اين عرفتنى ولم تكن رأيتنى فقال حيث التقت روحى بروحك فى عالم الملكوت عرف بينى وبينك الحى الذى لا يموت فقلت ما الفرق بين العقل والنفس قال نفسك التى منعتك عن السلام وعقلك الذى بعثك عليه فقلت ما بالك تلعب بهذا التراب فقال لانا منه خلقنا واليه نعود فقلت اراك تضحك تارة وتبكى اخرى قال نعم اذا ذكرت عذاب ربى بكيت واذا ذكرت رحمته ضحكت فقلت يا ولدى أى ذنب لك حتى تبكى فقال يا مالك لا تقل هذا فانى رأيت امى لا توقد الحطب الكبار الا ومعه الحطب الصغار: قال فى المثنوى شعر : طفل يك روزه همى داند طريق كه بكيرم تارسد دايه شفيق تو نمى دانى كه دايه دايكان كم دهد بى كريه شير او رايكان كفت فليبكوا كثيرا كوش دار تار بريزد شير فضل كردكار تفسير : والاشارة فى تحقيق الآيتين ان الله تعالى لما ابتلى آدم بالهبوط الى الارض بشره بان الهامه وويحه لا ينقطع عنه ولا ينقطع عن ذريته هداه بواسطة انبيائه ووحيه وانزال كتبه فاما يأتينكم منى هدى فمن اتاه منهم هدى من الهامى ووحيى ورسولى وكتابى فمن تبع هدى كما تبعه آدم بالتوبة والنوح والبكاء والاستغفار وتربية بذر المحبة بالطاعة والعبودية حتى تثمر التوحيد والمعرفة فلا خوف عليهم فى المستقبل من وبال افساد بذر المحبة من طينة الصفات الحيوانية والسبعية وابطال استعداد السعادة الابدية باستيفاء التمتعات الدنيوية ولا هم يحزنون على هبوطهم الى الارض لترية بذر المحبة اذهم رجعوا بتبع الهداية وجذبات العناية الى اعلى ذروة حظائر القدس كما قال تعالى {أية : وإن إلى ربك الرجعى}تفسير : [العلق: 8]. ثم ذكر من كفر بهداه وجعل النار مثواه فقال{والذين كفروا} اى ستروا بذر المحبة بتعلقات الشهوات النفسانية وظلموا على انفسهم بتكذيب الآيات البينات من الجهالة الانسانية حتى افسدوا الاستعداد الفطرى وكذبوا بآياتنا اى معجزات انبيائنا وكتبنا وما انزلنا على الانبياء بالوحى والالهام والرشد فى تربية بذر المبحة وتثمير الشجرة الانسانية بثمار التوحيد والمعرفة والبلوغ الى درجات القربات ونعيم الجنات والغرفات اولئك اصحاب نار جهنم ونار القطيعة {هم فيها خالدون} لانهم خلدوا فى ارض الطبيعة واتبعوا اهواءهم فما نبت بذر محبتهم بماء الشريعة فبقوا بافساد استعدادهم فى دركات الجحيم وخسران النعيم خالدين مخلدين.
الطوسي
تفسير : قد بينا فيما مضى معنى الكفر والتكذيب، فلا وجه لاعادته. والاستدلال بهذه الآية ـ على أن من مات مصراً على الكفر، غير تائب منه، فكذب بآيات ربه، فهو مخلد في نار جهنم ـ صحيح، لأن الظاهر يفيد ذلك، والاستدلال بها، على أن عمل الجوارح من الكفر، من حيث قال: {وكذبوا بآياتنا} فبعيد، لأن التكذيب نفسه ـ وإن لم يكن كفراً، وهو لا يقع الا من كافر ـ فهو دلالة عليه كالسجود للشمس وغيره. وقوله: {أصحاب} فالاصطحاب، والاجتماع، والاقتران، نظائر وكذلك الصاحب والقرين. ونقيضه: والافتراق. يقال صحبه صحبةً. وأصحبه إصحاباً. واصطحبوا اصطحاباً وتصاحبوا تصاحباً. واستصحبوا استصحاباً. وصاحبه مصاحبة والصحب: جماعة. والصحب، والأصحاب جماعة الصاحب. ويقال أيضاً: الصحبان والصحبة، والصحاب. والصحابة: مصدر قولك: صحبك الله يعني بالسلامة وأحسن صحابتك ويقال للرجل عند التوديع: معاناً، مصاحباً ومصحوب، ومصاحب. ومن قال: مصاحب معان، فانما معناه: أنت المصاحب المعان. والصحبة: مصدر صحب يصحب. وقد أصحب الرجل: إذا صار صاحباً. ويقال: قد أصحب الرجل، وقد أشطأ: إذ بلغ ابنه مبلغ الرجال، الذى صار ابنه مثله. وأشطأ الزرع: إذا لحقته فراخه. ويقال له: الشطأ. قال أبو عبيدة، وابن دريد: قوله: {أية : ولا هم منا يصحبون} تفسير : أى لا يحفظون وأديم مصحب: إذا دبغته وتركت عليه بعض الصوف والشعر. وأصل الصحبة: المقارنة. والصاحب هو الحاصل مع آخر مدة، لأنه إذا اجتمع معه وقتاً واحداً، لا يقال: صاحب، ولكن يقال: صحبه وقتاً من الزمان ثم فارقه. والفريق بين المصاحبة، والمقارنة، أن في المصاحبة دلالة على المبالاة، وليس ذلك حاصلا في المقارنة. واتباع الرئيس: اصحابه. و "آيات الله". دلائله، وكتبه التي أنزلها على أنبيائه. والآية: الحجة. والدلالة، والبيان، والبرهان واحد في أكثر المواضع، ـ وإن كان بينها فرق في الأصل ـ لأنك تقول دلالة هذا الكلام كذا. ولا تقول: آيته، ولا علامته. وكذلك تقول: دلالة هذا الاسم، ولا تقول: برهانه. و {أصحاب النار}. هم الملازمون لها. كما تقول: أصحاب الصحراء يعني القاطنين فيها، الملازمين لها. والخلود معرب من العرف، يدل على الدوام لأنهم يقولون: ليست الدنيا دار خلود، وأهل الجنة مخلدون. يريدون الدوام فأما في أصل الوضع، فانه موضوع لطول الحبس. فان قيل: لم دخلت الفاء في قوله: {والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين} في سورة الحج ولم يقل ها هنا في قوله: {أولئك أصحاب النار}؟ قيل: لأن ما دخلت فيه الفاء من خبر (الذي وأخواته) مشبه بالجزاء. وما لم يكن فيه فاء، فهو على أصل الخبر. وإذا قلت: مالي، فهو لك، جاز على وجه، ولم يجز على وجه. فان أردت أن معنى (ما) الذي، فهو جائز. وإن أردت أن مالي تريد به المال، ثم تضيفه إليك، كقولك: غلامي لك، لم يجز، كما لم يجز، غلامي، فهو لك. الاعراب: وموضع أولئك: يحتمل ثلاثة أشياء: أحدها ـ أن يكون بدلا من الذين، أو يكون عطف بيان، وأصحاب النار: بيان عن أولئك، مجراه مجرى الوصف. والخبر، هم فيها خالدون. والثاني ـ أن يكون ابتداءُ وخبراً في موضع الخبر الأول. والثالث ـ أن يكون على خبرين بمنزلة خبر واحد، كقولهم: حلو، حامض.
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} عطف على جملة {فَمَن تَبِعَ ُهُدَايَ} (الى آخره). وحقّ العبارة ان يقول: ومن لم يتّبع هداى لكنّه عدل الى صريح الموصول وترك الفاء فى الخبر هاهنا وجاء به فى الاوّل للتّأكيد والتّصريح بالتّلازم وعدم التخلّف فى جانب الوعد وعدم التّأكيد والتّلازم فى جانب الوعيد وأتى بقوله {كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} بدل من لم يتّبع للاشعار بأن عدم الاتّباع كفر ومستلزم للانتهاء الى التّكذيب، واصل الآيات وأعظمها الانبياء والاولياء فذكر تكذيب الآيات فى مقام عدم اتّباع الهدى يؤيّد تفسير الهدى بالانبياء والاولياء (ع) وتكرار المبتدأ باسم الاشارة البعيدة لتأكيد الحكم واحضارهم بأوصافهم الذّميمة وتحقيرهم، وللتّطويل فى مقام الوعيد المطلوب فيه التّشديد والتّأكيد والتّطويل، ولذا لم يكتف بصحابة النّار المشعرة بالتّجانس المستلزم للخلود وأكّدها بقوله {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} اعلم انّ اخبار خلق آدم (ع) وحوّاء وكيفيّة خلقهما وبقائهما فى الجنّة ووسوسة الشّيطان لهما وأكلهما من الشّجرة وهبوطهما على الصّفا والمروة وبكائهما على فراق الجنّة وبكاء آدم على فراق حوّاء وتوبة الله عليهما مذكورة فى التّفاسير وكتب الاخبار والتّواريخ من أهل الاسلام وغيرهم، ومن راجعها وتأمّلها تفطّن بأنّها من مرموزات الاقدمين؛ من أراد فليرجع اليها.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ كَفَرُواْ}: بنا. {وَكَذَّبُوا بِأَيَاتِنَآ}: آيات الكتب التى تنزل من القرآن وغيره، أو كل ما نصبه الله دليلا على وجوده، وكمال قدرته من جميع المخلوقات، كالقرآن وجميع كتب الله، والسماء والأرض، وغير ذلك، ويجوز أن يكون المعنى كفروا بالآيات فى قلوبهم، وكذبوا بها فى ألسنتهم، فيتنازع على هذا الوجه قوله: {كَفَرُواْ} وقوله: {كَذَّبُوا} فى قوله {بِأَيَاتِنَآ}. والآية فى الأصل العلامة الظاهرة، فكل مخلوق آية، لأنه علامة على وجود الخالق - سبحانه وتعالى - وعلمه وقدرته، وكذا كل طائفة من القرآن من حيث إنها مخلوقة، ومن حيث معانيها، وأفصحيتها وأبلغيتها، ودلالتها على الغيب. قال ابن هشام: إن كانت الواو أو الياء، متلوة بحرف يستحق القلب ألفاً، صححت الأولى وأعلت الثانية، نحو: الحياء والهواء. والحوى مصدر محوى إذا اسود، وربما عكسوا فأعملوا الأولى وصححوا الثانية. نحو: آية فى أسهل الأقوال. قال الشيخ خالد يعنى الستة. أحدها: أن أصلها أيية، بفتح الياء الأولى كقصبة، فالقياس فى إعلالها إياه، فتصح العين وتعل اللام، لكن عكسوا شذوذا، فأعلوا الياء الأولى لتحركها وانفتاح ما قبلها دون الثانية. هذا قول الخليل. الثانى: أن أصلها أيية بسكون العين كحية فأعلت بقلب الياء الأولى ألفاً، اكتفاء بشطر العلة، وهو فتح ما قبلها فقط، دون تحريكها، قاله الفراء، وعزى لسيبوية. واختاره ابن مالك، وقال فى التسهيل: إنه أسهل الوجوه، لكنه ليس فيه إلا الاجتزاء بشطر العلة، وإذا كانوا قد عولوا عليه فيما لم يجتمع فيه ياءان، نحو طائى. وسمع: اللهم تقبل تابتى وصامتى ففيما اجتمع فيه ياءان أولى لأنه أثقل. الثالث: أن أصلها أبيه كضارية، حذفت العين استقلالا لتوالى ياءين أولهما مكسورة. ولذلك أولى كانت بالحذف من الثانية ونظير فى الحذف يالة، الأصل، يا آية، قاله الكسائى، ورد بأنه كان يلزم قلب الياء همزة، لوقوعها بعد ألف زائدة فى قولهم: أياى. أى بوزن أفعال جميع آية على هذا القول. فالهمزة الأولى همزة أفعال، والألف بعدها همزة آية فاء الكلمة، والياء بعدها عين الكلمة، وهى ياء يا آية والألف بعد ألف أفعال بعد العين والياء لام الكلمة آخرا هى التى تقلب همزة لتطرفها بعد ألف زائدة. ولو كان عينها واوا ولامها، لقيل أواو، لأن الجميع يرد للأصل. الرابع: أن أصلها أيية بضم الياء الأولى كسمرة فقلبت العين ألفاً، ورد بأنه كان يلزم قلب الضمة كسرة. انتهى. ولا نسلم أنه يلزم قلبها كسرة. الخامس: أن أصلها أيية بكسر الياء الأولى كنبقة، فقلبت الياء الأولى ألفا، ورد بأن ما كان كذلك يجوز فيه الفك والإدغام كحيى وحى. السادس: أن أصله أيية، كقصبة كالأول، إلا أنه أعلت الثانية على القياس، فصار أياة كحياة ونواة، ثم قدمت اللام إلى موطن العين فوزنها فعلة. قال ابن هشام: فإن قلت قد ادعيت أن القول الأول أسهل الأقوال، ولنا أسهل منه، وهو قول بعضهم: إنها فعلة كنبقة فإن الإعلال فى الأول بقلبها ألفا، وهو حينئذ على القياس، لأنها محركة، وقبلها مفتوح، وإعلال الثانية ممتنع، لعدم انفتاح ما قبلها، وأما إذا قيل إن أصلها أيية بفتح الياء الأولى أو أيية بسكونها أو آيية على وزن فاعلة، فإنه يلزم على كل قول من هذه الأقوال الثلاثة محذورا ما على القول بأن أصلها أيية بفتح الياء الأولى، فإنه يلزم إعلال الحرف الأول دون الثانى، وهو شاذ كما يقدم. وأما على القول بأن أصلها أيية بسكون الياء الأولى فإنه يلزم إعلال الحرف الساكن وهى الياء الأولى بقلبها ألفاً والقاعدة أن علة القلب مركبة من شيئين تحركها وانتفاح ما قبلها، ولم يوجد إلا أحدهما، وأما على القول بأن أصلها آيية على وزن فاعلة، فإنه يلزم حذف العين وهى الياء الأولى لغير موجب لحذفها. والقول الأول وهو أن أصلها أيية كنبقة سالم من ذلك. قلت: يلزم على هذا القول الأول شىء آخر وهو تقديم الإعلال، وهو قلب الياء الأولى ألفاً على الإدغام، وهو إدغام الياء فى الياء، وذلك أنه لما اجتمع فيه موجب الإعلال، وهو تحرك الياء الأولى وانفتاح ما قبلها، وموجب الإدغام وهو اجتماع المثلين الساكن أولهما، قدم فيه الإعلال على الإدغام، والمعروف العكس وهو تقديم الإدغام على الإعلال، بدليل إبدال همزة أيمة ياء فتأمله. انتهى. يبحث بأن الأول مكسور لإسكان إلا أن يقال ينبغى أن يكون ساكناً ليدغم، وهو بعيد وجه الدلالة، من ذلك أن إبدال الهمزة ياء إنما هو لأجل الإدغام، لأنه لما نقل لأجله حركت الميم الأولى للساكن قبلها، أعنى الهمزة الثانية قلبت ياء، مراعاة لحفظ حركة الحرف المدغم، وإنما قلبت ياء لأنها من جنس الكسرة. فلو بدئ بالإعلال لأبدلت الهمزة الثانية ألفاً لوجود شرطه، فلما أبدلوها ياء بعد النقل ولم يبدلوها ألفا قبل ذلك، علم أن عنايتهم بموجب الإدغام أهل من عنايتهم بموجب الإعلال، لأنهم إذا كانوا يقدمون ما هو من متعلقات الإدغام على الإعلال، فلأن يقدموا الإدغام على الإعلال من باب أولى، وفى شرح الشافية للجار بردى وإنما لم يجىء الإدغام فى باب قوى من أن أصله قوو لأن الإعلال مقدم على الإدغام. وإنما قلنا الإعلال مقدم، لأن سبب الإعلال موجب للإعلال، وسبب الإدغام مجوز للإدغام، ويدل عليه امتناع التصحيح فى رضى وجواز الفك فى حيى.. انتهى كلام شرح الشافية، وفصل بعضهم فقال:إذا اجتمع موجب الإعلال والإدغام فلا يخلو إما أن يكون فى العين أو فى اللام، فإن كان فى العين قدم موجب الإدغام، وإن كان فى اللام قدم موجب الإعلال. والعلة فى ذلك أن الطرف محل التغيير فلم يغتفر فى ذلك كما اغتفر فى العين.. انتهى كلام ابن هشام والشيخ خالد. وأقول يقوى إعلال الثانية أن الطرف محل التغيير ويقوى إعلال الأولى سبقها، فموجب الإعلال موجود فيها قبل الثانية، فماذا يبطله حتى ينطق بالثانية؟ وهذا عند متعين مع تعين أن أصله فعله بفتح الفاء والعين، عند دليل تحرك العين قبلها، ودليل كون حركتها فتحة الخفة، فان الضمة والكسرة ثقيلتان على الياء، فلا تصح دعواهما إلا بدليل. وما ذكره ابن مالك فى التسهيل من أن الثانى أسهل الأوجه، لكونه ليس فيه إلا الاجتزاء بشطر العلة لا يتم له إلا ببقية الأقوال، كذلك لا يلزم عيها إلا أمر واحد مخاف للقاعدة، وإن قلت فى القول الثالث مخالفتان عدم قلب الياء همزة وعدم ذكرها، قلت: بل مخالفة واحدة وهى الحذف، مع أن وجهه التخفيف فإنه قاعدة. والقلب همزة قاعدة فعمل بالأولى، وما ذكره من وجه الدلالة بأيمة ذكر مثله اللقانى، وعبارته أن الأصل كما مر أيمة بهمزة متحركة فساكنة، فدار الأمر بين إبدال الساكنة ألفاً، من جنس حركة ما قبلها وهو الإعلال، وبين إدغام الميم الأولى فى الثانية، بعد نقل كسرتها إلى الهمزة الثانية قبلها، المستلزم لقلبها ياء، فقدم الإدغام المؤدى إلى ما ذكر على الإعلال. فإن قيل يتأتى مع الإعلال بالقلب ألف الإدغام، فيقال أيمة قلت: المراد الإدغام مع بقاء حركة المدغم، وذلك لا يتأتى مع حركة الإعلال، انتهى مع عبارته وهى أظهر من العبارة السابقة عن الشيخ خالد لجعل اللقانى التقديم بين الإعلال والإدغام نفسه، لا بين الإعلال وما هو من متعلقات الإدغام، لكن يبحث فى قوله: يأتى الإعلال بالقلب ألفاً بأن الهمزة الثانية متحركة بالكسر، والهمزة المكسورة تقلب بعد الهمزة المتحركة ياء مطلقا، غير أن ابن الحاجب جوز فيها التسهيل والتحقيق وقال ابن صاحب الألفية: لم يجب إعلال أيمة لعروض الحركة للهمزة الثانية من الميم الأولى، نقلت منها لتدغم. وقال بعضهم: أظنه ابن خالويه، إنما لم يعل ذلك لأنه لو أعل فقيل أيمة آمة التشبيه بآمة الرأس. انتهى. واشتقاق آية من أى بالتشديد نسبة إلى أى التفسيرية، الساكن الياء، لأنها تبين بعضها من بعض، أو مأخوذة من أوى إليه. وقيل أصله أوية بفتح الهمزة وسكون الواو، أبدلت ألفا تخفيفاً، اكتفاء بشطر العلة أيضا. وقيل أوية بفتح الواو فقلبت ألفا لوجود شطر العلة جميعاً، وهو تحرك حرف العلة وانفتاح ما قبله، ولو كان عينها واوا كما فى القولين لقيل فى الجمع أواء. {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ}: هذه الجملة خبر الذين، والمجموع معطوف على قوله:{أية : فمن تبع هداى فلا خوف...}تفسير : إلخ وهو نقيضه فى المعنى، كأنه قيل: ومن لم يتبعه بل كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك أصحاب النار يصحبونها يوم القيامة، وهم أهلها من الآن. فالمراد بالصحبة الاقتران بها يوم القيامة، أو التأهل لها من الآن، والصحة فى الأصل الاقتران بالشىء، فى حالة ما زمانا طويلا دائماً أو غير دائم أو قصيرا أو المراد هنا الدوام. {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}: ماكثون مكثاً طويلا، ودلت الآيات المصرح فيها بالأبدية والأحاديث، على أنه مكث دائم، وكذلك فساق الموحدين، لأن المكلف إما شاكر وإما كفور، لقوله تعالى:{أية : إما شاكرا وإما كفورا}تفسير : والفاسق ليس شاكرا فهو كفور. وقد قال جل وعلا:{أية : إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم خالدين فيها أبدا}تفسير : وقال:{أية : والكافرون هم الظالمونتفسير : ولا يدل قوله: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} على أن الفاسق لا يدوم فيها، لأن الخلود ليس نصاً فى الدوام، لأنه لم يقل: هم فيها الخالدون، أو هم الخالدون فيها. والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم، واعلم أن الله - جل وعلا - عدد النعم العامة فى هذه الآيات ليقرر بها دلائل التوحيد والنبوة والمعاد المذكورة، قيل ويؤكدها بها. أما تقرير التوحيد بها وتأكيده فمن حيث إن تلك النعم صنع حادثة محكمة تدل على صانع لها حكيم لا يشارك وأما تقرير النبوة بها وتأكيدها فمن حيث إنه - صلى الله عليه وسلم - أخبر بها على وفق ما فى الكتب السابقة، مع أنه لا يقرأ كتابه ولا يجالس من يعلم الكتب السابقة، فذلك معجزة، وأما تقرير الميعاد بها وتأكيده، فمن حيث إنها مشتملة على خلق الإنسان وأصله، وما هو أعظم، فدلت على أنه قادر على البعث كما هو قادر على الإبداء، ولما خاطب بذلك كله الناس كلهم، العرب وهم أشرف، وغير العرب، خاطب أهل الكتاب بأن يذكروا ما أنعم الله - عز وجل - عليهم به، فيروا أن فيهم نعما فلا يحسد سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - على ما له من النعم، فلا يحملهم الحسد على الكفر به - صلى الله عليه وسلم - لأن الإنسان مطبوع على الحسد والغيرة. فإذا استشعر ما عنده من النعم، لم يسخط بما عند غيره منها، وبأن يوفوا بما عاهدهم الله - عز وجل - من اتباع الحق والحجج البينة فيؤمنوا به - صلى الله عليه وسلم - لما معه من الحق والحجج البينة، فيكونوا أول من به وبكتابه ووحيه، لما معهم من العهد والعلم بذلك، فقال: {يا بنى إسرائيل}.
اطفيش
تفسير : {وَالَّذِينَ كَفَرُوا} فى قلوبهم أى بها بآياتنا {وَكَذَّبُوا بِآيَٰتِنَا} فى ألسنتهم، وهى القرآن وسائر كتب الله العظيم، وهى آيات أى علامات على وجود الله، وكمال قدرته وصدق الأنبياء، ويدخل فى الأول من أنكر الله، أو سميت الآية لأنها علامة على معناها، أو لأنها جماعة حروف وكلمات، خرج القوم بآياتهم أى بجماعتهم، أو لأنها علامة على الانقطاع عما قبلها وعما بعدها، باعتبار والتمام لا باعتبار المعنى، لأن المعنى كثيراً ما يتم بآيتين أو آيات، أو لأنه يتعجب من إعجازها يقال فلان آية من الآيات {أُولَٰئِكَ أَصْحَٰبُ النَّارِ} ملابسوها {هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ} لا تفنى ولا يفنون، ولا يخرجون، خاطب الله مشركى العرب ومنافقتهم، وقد يكون الخطاب على عموم الناس، ثم خاطب اليهود خصوصاً فقال: {يَٰبَنِي إِسْرَاءِيلَ} عبد الله يعقوب، واللفظان عبريان، أو أسر القوة أى قوة الله، أو أسرى ليلا مهاجراً إلى الله، أو أسر جنيّاً لوجه الله كان يطفىء سراج بيت المقدس، وعلى الثلاثة إبل لفظ عبرى، معناه الله، وما قبله عربى كما قيل فى تلمسان تلم بمعنى تجمع، عربى، وسان اثنان بلغة البربر، أى جمعت حسن البر والبحر أو اتفقت اللغتان العربية والعبرية، وقيل إسر صفوة، أو إنسان، أو مهاجر والمراد بنو إسرائيل الموجودون حال نزول الآية {اذْكُرُوا نِعْمَتِي} اذكروها فى قلوبكم لتشكروها بتعظيم القلب ومدح اللسان وعمل الجوارح، ولا تكتفوا بمجرد حضورها فى القلب واللسان {الَّتِي أَنْعَمْتُ} أنعمتها. أى أنعمت بها، أو ضمن معنى أثبت، وقد أجيز حذف الرابط بلا شرط إذا علم، وهى النتيجة من فرعون، وفرق البحر والإحياء بعد موت، وتظليل الغمام، والمن والسلوى، والعفو، وغفران الخطايا، والتوراة والماء من الحجر، والصحف مجموعهن نعمة، تتضمن نعماً، أو الإضافة للحقيقة أو النعمة اسم مصدر أى اذكروا إنعامى بذلك، وذلك لآبائهم، وما كان فخراً لآبائهم فهو فخر لهم، كما أنه نسب إليهم ما فعل آباؤهم من السوء لرضاهم عنهم مع السوء من قولهم سمعنا وعصينا، وأرنا الله جهرة، ولن نصبر على طعام واحد، واتخاذ العجل وتبديل الذين ظلموا وتحريف الكلم، والتولى بعد ذلك، وقسوة القلب والكفر بالآيات، وقتل الأنبياء. {عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي} ما عهدت إليكم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم أخذه من موسى، وأخذه موسى عليكم، قال الله جل وعلا: ولقد أخذ الله ميثق بنى إسرائيل، إلخ. والعهد إنزال نبوءته ورسالته صلى الله عليه وسلم فى التوراة {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} بما عهدته لكم من الجنة على الوفاء بعهدى {وَإِيَّٰيَ} ارهبوا، يقدر العامل هكذا، مؤخرا للحصر، أى خافونى وحدى على ترك الإيفاء بعهدى، والشاغل الياء المحذوفة فى قوله {فَارْهَبُونِ} فى جميع أحوالكم، وفى نقض العهد، وفى أن تنزل نعمة عليكم كآبائكم، وكأنها مذكورة، إذ وجدت نون الوقاية المكسورة لها والفاء الفاصلة للتأكيد، أو يقدر إياى ارهبوا، تنبهوا فارهبون، وعليه فحذف ارهبوا الله دلالة عليه لا على رسم الاشتغال، والرهبة الخوف أو مع التحرز.
الالوسي
تفسير : عطف على {أية : فَمَن تَبِعَ }تفسير : [البقرة: 38] قسيم له كأنه قال: ومن لم يتبعه، وإنما أوثر عليه ما ذكر تعظيماً لحال الضلالة وإظهاراً لكمال قبحها أو لأن من لم يتبع شامل لمن لم تبلغه الدعوة ولم يكن من المكلفين فعدل عن ذلك لإخراجهم، ولأنه شامل للفاسق بناء على أن المراد بالمتابعة المتابعة الكاملة ليترتب عليه عدم الخوف والحزن فلو قال سبحانه ذلك لزم منه خلوده في النار ولما قال ما قال لم يلزم ذلك بل خرج الفاسق من الصنفين، ويعلم بالفحوى أن عليه خوفاً وحزناً على قدر عدم المتابعة ـ ولو جعل قوله تعالى: {أية : فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } تفسير : [البقرة: 38] حينئذ لنفي استمرار الخوف والحزن، وأريد بمتابعة الهدى الإيمان به تعالى ـ كان داخلاً في {أية : فَمَن تَبِعَ هُدَايَ} تفسير : [البقرة: 38] إلا أن أولياء كتاب الله تعالى لا يرضون ذلك ولا يقبلون ـ وأولئك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ـ وإيراد الموصول بصيغة الجمع للإشارة إلى كثرة الكفرة، والمتبادر من الكفر الكفر بالله تعالى، ويحتمل أن يكون كفروا وكذبوا متوجهين إلى الجار والمجرور فيراد بالكفر بالآيات إنكارها بالقلب، وبالتكذيب إنكارها باللسان. والآية في الأصل: العلامة الظاهرة بالقياس إلى ذي العلامة، ومنه آية القرآن لأنها علامة لانقطاع الكلام الذي بعدها والذي قبلها، أو لأنها علامة على معناها وأحكامها، وقيل: سميت آية لأن الآية تطلق على الجماعة أيضاً، كما قال أبو عمرو يقال: خرج القوم بآيتهم أي بجماعتهم، وهي جماعة من القرآن وطائفة من الحروف، وذكر بعضهم أنها سميت بذلك لأنها عجب يتعجب من إعجازه، كما يقال: فلان آية من الآيات، وفي أصلها ووزنها أقوال: فمذهب سيبويه والخليل أن أصلها أيية ـ بفتحات ـ قلبت الياء الأولى ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها على خلاف القياس ـ كغاية وراية ـ إذ المطرد عند اجتماع حرفي علة إعلال الآخر لأنه محل التغيير، ومذهب الكسائي أن أصلها آيية ـ كفاعلة ـ وكان القياس أن تدغم كدابة، إلا أنه ترك ذلك تخفيفاً فحذفوا عينها، ومذهب الفراء أن وزنها فعلة ـ بسكون العين ـ من تأيّ القوم إذا اجتمعوا، وقالوا في الجمع: آياء كأفعال، فظهرت الياء، والهمزة الأخيرة بدل ياء والألف الثانية بدل من همزة هي فاء الكلمة، ولو كان عينها واواً لقالوا في الجمع: آواء، ثم إنهم قلبوا الياء الساكنة ألفاً على غير القياس لعدم تحركها وانفتاح ما قبلها. ومذهب الكوفيين أن وزنها ـ أيية ـ كنبقة فأعلت وهو في الشذوذ كالأول، وقيل: وزنها فعلة بضم العين، وقيل: أصلها أياة فقدمت اللام وأخرت العين ـ وهو ضعيف ـ وكل الأقوال فيها لا تخلو عن شذوذ، ولا بدع فهي آية. والمراد بالآيات هنا الكتب المنزلة أو الأنبياء، أو القرآن، أو الدوال عليه سبحانه من كتبه ومصنوعاته، وينزل المعقول منزلة الملفوظ ليتأتى التكذيب، وأتى سبحانه بنون العظمة لتربية المهابة وإدخال الروعة، وأضاف تعالى الآيات إليها لإظهار كمال قبح التكذيب/ بها، وأشار بـ {أُوْلَـٰئِكَ} إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة للإشعار بتميز {أُوْلَـٰئِكَ} بذلك الوصف تميزاً مصححاً للإشارة الحسية مع الإيذان ببعد منزلتهم فيه وهو مبتدأ خبره أصحابه وهو جمع صاحب، وجمع فاعل على أفعال شاذ كما في «البحر»، ومعنى الصحبة الاقتران بالشيء، والغالب في العرب أن تطلق على الملازمة، وهذه الجملة خبر عن الذين، ويحتمل أن يكون اسم الإشارة بدلاً منه أو عطف بيان، والأصحاب خبره، والجملة الإسمية بعد في حيز النصب على الحالية لورود التصريح في قوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ خَـٰلِدِينَ فِيهَا } تفسير : [التغابن: 10] وجوّز كونها حالاً من النار لاشتمالها على ضميرها، والعامل معنى الإضافة أو اللام المقدرة، أو في حيز الرفع على أنها خبر آخر ـ لأولئك ـ على رأي من يرى ذلك، قال أبو حيان: ويحتمل أن تكون مفسرة لما أبهم في {أَصْحَـٰبِ ٱلنَّارِ} مبينة أن هذه الصحبة لا يراد منها مطلق الاقتران بل الخلود، فلا يكون لها إذ إذ ذاك محل من الإعراب، والخلود هنا الدوام على ما انعقد عليه الإجماع، ومن البديع ما ذكره بعضهم أن في الآيتين نوعاً منه، يقال له الاحتباك، ويا حبذاه لولاه الكناية المغنية عما هناك.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِآيَاتِنَآ} {أُوْلَئِكَ} {أَصْحَابُ} {خَالِدُونَ} (39) - أَمَّا الذِينَ سَيَكْفُرونَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى مِنَ الكُتُبِ، وَبِمَنْ بَعَثَهُمْ مِنَ الرُّسُلِ فَهؤُلاءِ سَيَكُونُونَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَخْلُدُونَ فِيها أَبَداً، لاَ يَمُوتُونَ فِيها وَلا يَحُولُونَ عَنْهَا أَبَداً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه وتعالى بعد أن أعلمنا أن آدم حين يهبط إلى الأرض سيتلقى من الله منهجاً لحركة حياته. مَنْ اتبعه خرج من حياته الخوف والحزن، وأصبح آمناً في الدنيا والآخرة. أراد الله تعالى أن يعطينا الصورة المقابلة، فالحكم في الآية السابقة كان عن الذين اهتدوا، والحكم في هذه الآية عن الذين كفروا. يقول الحق تبارك وتعالى .. {وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} [البقرة: 39] والكفر كما بينا هو محاولة ستر وجود الله واجب الوجود، ومحاولة ستر هذا الوجود هو إعلان بأن الله تعالى موجود، فأنت لا تحاول أن تستر شيئاً إلا إذا كان له وجود أولاً. إن الشيء الذي لا وجود له لا يحتاج إلى ستر؛ لأنه ليس موجوداً في عقولنا. وعقولنا لا تفهم ولا تسعى إلا ما هو موجود. توجد الصورة الذهنية أولاً .. ثم بعد ذلك يوجد الاسم أو الصورة الكلامية. ولذلك إذا حدثك إنسان عن شيء ليس له وجود فأنت لا تفهمه، ولا تستطيع أن تعيه إلا إذا شبه لك بموجود. كأن يقال لك: مثل هذا الجبل أو مثل هذه البحيرة، أو مثل قرص الشمس أو غير ذلك حتى تستطيع أن تفهم. فأنت لا تفهم غير موجود إلا إذا شبه بموجود. وكل شيء لابد أن يكون قد وُجِد أولاً. ثم بعد ذلك تجتمع مجامع اللغة في العالم لتبحث عن لفظ يعبر عنه بعد أن وجد في الصورة الذهنية، فلم يكن هناك اسم للصاروخ مثلاً قبل أن يوجد الصاروخ، ولا لسفينة الفضاء قبل أن تخترع، ولا لأشعة الليزر قبل أن تكتشف. إذن فكل هذا وجد أولاً، ووضع له الاسم بعد ذلك. الذين كفروا يحاولون ستر وجود الله، وستر وجود الله سبحانه وتعالى هو إثبات لوجوده، لأنك لا تستر شيئاً غير موجود، وهكذا يكون الكفر مثبتاً للإيمان. وعقلك لا يستطيع أن يفهم الاسم إلا إذا وجد المعنى في عقلك، وأنت لا تجد لغة من لغات العالم، ليس فيها اسم الله سبحانه وتعالى. بل إن الله جل جلاله - وهو غيب عنا - إذا ذكر اسمه فهمه الصغير والكبير، والجاهل والعالم، والذي طاف الدنيا، والذي لم يخرج من بيته. كل هؤلاء يفهمون الله بفطرة الإيمان التي وضعها في قلوبنا جميعاً. إذن الذين كفروا يحاولون ستر وجود الله سبحانه وتعالى .. وقوله تعالى: {وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ} [البقرة: 39] والآية هي الشيء العجيب اللافت. فهناك في الكون آيات كونية مثل الشمس والقمر والنجوم والأرض، والجبال والبحار وغير ذلك. هذه تسمى آيات. شيء فوق قدرة البشر خلقها الله سبحانه وتعالى لتكون آية في كونه وتخدم الإنسان. وهناك الآيات وهي المعجزات. عندما يرسل الله رسولاً أو نبياً إلى قومه فإنه سبحانه يخرق له قوانين الكون ليثبت لقومه أنه نبي مرسل من عند الله سبحانه وتعالى، وهذه الآيات مقصود بها مَنْ شهدها، لأنها تأتي لتثبيت المؤمنين بالرسل، وهم يمرون بأزمة يحتاجون فيها إلى التثبيت، ودلالة على صدق رسالة النبي لقومه .. وتطلق الآيات على آيات القرآن الكريم. كلام الله المعجز الذي وضع فيه سبحانه وتعالى ما يثبت صدق الرسالة إلى يوم الدين. يحدثنا الله سبحانه في آياته عن كيفية خلق الإنسان وعن منهج السماء للأرض وغير ذلك. والذين كذبوا بآيات الله هم الكافرون، وهم المشركون، وهم الذين يرفضون الإسلام، ويحاربون الدين. هؤلاء جميعاً، حدد لنا الله تعالى مصيرهم. ولكن هل التكذيب عدم قدرة على الفهم؟ نقول أحياناً يكون التكذيب متعمداً مثلما حدث لآل فرعون عندما أصابهم الله بآفات وأمراض وبالعذاب الأصغر حتى يؤمنوا، ولكنهم رغم يقينهم بأن هذه الآيات من الله سبحانه وتعالى، لم يعترفوا بها .. ويقول الحق جل جلاله. {أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً ..} تفسير : [النمل: 14]. والآيات في الكون كثيرة لو أننا التفتنا إليها لآمَنَّا. فهي ليست محتاجة إلى فكر، بل إن الله تعالى، رحمة بنا جعلها ظاهرة ليدركها الناس، كل الناس. ولكن البعض رغم ذلك يكذب بآيات الله، وهؤلاء هم الذين يريدون أن يتبعوا هوى النفس، والحق سبحانه وتعالى جمع الكافرين والمكذبين بآيات الله في عقاب واحد .. وقال جل جلاله: {أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} [البقرة: 39] والصاحب هو الذي يألف صاحبه، ويحب أن يجلس معه. ويقضي أجمل أوقاته. فكان قوله تعالى: {أَصْحَابُ ٱلنَّارِ} [البقرة: 39]. دليل على عشق النار لهم. فهي تفرح بهم، عندما يدخلونها. كما يفرح الصديق بصديقه. ولا تريد أن تفارقهم أبداً .. ولذلك اقرأ قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} تفسير : [ق: 30]. وهكذا نرى مدى العشق، بين النار والكافرين. إن النار تصاحبهم في كل مكان، وهي ليست مصاحبة كريهة بالنسبة للنار، ولكنها مصاحبة تحبها النار. فالنار حين تحرق كل كافر وآثم ومنافق تكون سعيدة، لأنها تعاقب الذين كفروا بمنهج الله وكذبوا بآياته في الحياة الدنيا .. وكذلك الحال بالنسبة للجنة، فإن الجنة أيضاً تحب مصاحبة كل مَنْ آمن بالله وأخلص له العبادة وطبق منهجه .. واقرأ قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [هود: 23]. أي أن الجنة تصاحب المؤمنين، وتحبهم وتلازمهم، مثلما تصاحب النار الكافرين والمكذبين .. وكما أن النار تكون سعيدة وهي تحرق الكافر. فالجنة تكون سعيدة وهي تمتع المؤمن .. ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 39] أي أن العذاب فيها دائم، لا يتغير ولا يفتر، ولا يخفف، بل هو مستمر إلى الأبد .. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلْحَيَاةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} تفسير : [البقرة: 86]. وهكذا نعرف أن الله سبحانه وتعالى قد أَنْزل المنهج إلى الأرض مع آدم، وأن آدم نزل إلى الأرض ومعه الهدى ليطبق أول منهج للسماء على الأرض. فكأن الله سبحانه وتعالى لم يترك الإنسان لحظة واحدة على الأرض دون أن يعطيه المنهج الذي يبين له طريق الهدى وطريق الضلال، ومع المنهج شرعت التوبة، وشرع قبول التوبة حتى لا ييأس الإنسان، ولا يحس بأنه إذا أخطأ أو نسي أصبح مصيره جهنم. بل يحس أن أبواب السماء مفتوحة له دائماً، وإن الله الذي خلقه رحيم به إذا أخطأ فتح له أبواب التوبة وغفر له ذنوبه، حتى يحس كل إنسان برعاية الله سبحانه وتعالى له هو على الأرض من أول بداية الحياة. فالمنهج موجود لمَنْ يريد أن يؤمن، والتوبة قائمة لكل مَنْ يخطئ. وحذر الله سبحانه وتعالى آدم وذريته أنه مَنْ يطع ويؤمن يعش الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، ومَنْ يكفر ويكذب، فإن مصيره عذاب أبدي. لقد عرَّف الله آدم بعدوه إبليس، وطلب منه أن يحذره. فماذا فعل بنو آدم؟ هل استقبلوا منهج الله بالطاعة أم بالمعصية؟ وهل تمسكوا بتعاليم الله، أم تركوها وراء ظهورهم؟
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):