Verse. 47 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

يٰبَنِىْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ اذْكُرُوْا نِعْمَتِىَ الَّتِىْۗ اَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَاَوْفُوْا بِعَہْدِىْۗ اُوْفِ بِعَہْدِكُمْ۝۰ۚ وَاِيَّاىَ فَارْھَبُوْنِ۝۴۰
Ya banee israeela othkuroo niAAmatiya allatee anAAamtu AAalaykum waawfoo biAAahdee oofi biAAahdikum waiyyaya fairhabooni

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا بنى إسرائيل» أولاد يعقوب «اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم» أي على آبائكم من الإنجاء من فرعون وفلق البحر وتظليل الغمام وغير ذلك بأن تشكروها بطاعتي «وأوفوا بعهدي» الذي عهدته إليكم من الإيمان بمحمد «أوف بعهدكم» الذي عهدت إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة «وإياي فارهبون» خافونِ في ترك الوفاء به دون غيري.

40

Tafseer

الرازي

تفسير : أعلم أن فيه مسائل المسألة الأولى: اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن اسحق بن إبراهيم ويقولون إن معنى إسرائيل عبد الله لأن «إسرا» في لغتهم هو العبد و «إيل» هو الله وكذلك جبريل وهو عبد الله وميكائيل عبد الله. قال القفال: قيل إن «إسرا» بالعبرانية في معنى إنسان فكأنه قيل رجل الله فقوله: {يا بَنِى إِسْرٰءيلَ } خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ولد يعقوب عليه السلام في أيام محمد صلى الله عليه وسلم. المسألة الثانية: حد النعمة أنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ومنهم من يقول: المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، قالوا: وإنما زدنا هذا لأن النعمة يستحق بها الشكر وإذا كانت قبيحة لم يستحق بها الشكر والحق أن هذا القيد غير معتبر لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله محظوراً لأن جهة استحقاق الشكر غير جهة استحقاق الذم والعقاب، فأي امتناع في اجتماعهما؟ ألا ترى أن الفاسق يستحق الشكر بإنعامه والذم بمعصيته فلم لا يجوز ههنا أن يكون الأمر كذلك؟ ولنرجع إلى تفيسر الحد فنقول: أما قولنا: المنفعة فلأن المضرة المحضة لا يجوز أن تكون نعمة، وقولنا: المفعولة على جهة الإحسان فلأنه لو كان نفعاً وقصد الفاعل نفع نفسه لا نفع المفعول به كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها أو أراد استدراجه إلى ضرر واختداعه كمن أطعم خبيصاً مسموماً ليهلكه لم يكن ذلك، نعمة فأما إذا كانت المنفعة مفعولة على قصد الإحسان إلى الغير كانت نعمة. إذا عرفت حد النعمة فلنفرع عليه فروعاً: الفرع الأول: اعلم أن كل ما يصل إلينا آناء الليل والنهار في الدنيا والآخرة من النفع ودفع الضرر فهو من الله تعالى على ما قال تعالى: {أية : وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 53]، ثم إن النعمة على ثلاثة أوجه: أحدها: نعمة تفرد الله بها نحو أن خلق ورزق، وثانيها: نعمة وصلت إلينا من جهة غيره بأن خلقها وخلق المنعم ومكنه من الإنعام وخلق فيه قدرة الإنعام وداعيته ووفقه عليه وهداه إليه، فهذه النعمة في الحقيقة أيضاً من الله تعالى، إلا أنه تعالى لما أجراها على يد عبده كان ذلك العبد مشكوراً، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله تعالى، ولهذا قال: {أية : أَنِ ٱشْكُرْ لِى وَلِوٰلِدَيْكَ } تفسير : [لقمان: 14] فبدأ بنفسه، وقال عليه السلام: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». وثالثها: نعمة وصلت إلينا من الله تعالى بواسطة طاعاتنا وهي أيضاً من الله تعالى لأنه لولا أنه سبحانه وتعالى وفقنا على الطاعات وأعاننا عليها وهدانا إليها وأزاح الأعذار وإلا لما وصلنا إلى شيء منها، فظهر بهذا التقرير أن جميع النعم من الله تعالى على ما قال سبحانه وتعالى: {وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ }. الفرع الثاني: أن نعم الله تعالى على عبيده مما لا يمكن عدها وحصرها على ما قال: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [النحل: 18] وإنما لا يمكن ذلك لأن كل ما أودع فينا من المنافع واللذات التي ننتفع بها والجوارح والأعضاء التي نستعملها في جلب المنافع ودفع المضار وما خلق الله تعالى في العالم مما يلتذ به ويستدل على وجود الصانع وما وجد في العالم مما يحصل الانزجار برؤيته عن المعاصي مما لا يحصى عدده وكل ذلك منافع لأن المنفعة هي اللذة أو ما يكون وسيلة إلى اللذة وجميع ما خلق الله تعالى كذلك لأن كل ما يلتذ به نعمة وكل ما يلتذ به وهو وسيلة إلى دفع الضرر فهو كذلك والذي لا يكون جالباً للنفع الحاضر ولا دافعاً للضرر الحاضر فهو صالح لأن يستدل به على الصانع الحكيم فيقع ذلك وسيلة إلى معرفته وطاعته وهما وسيلتان إلى اللذات الأبدية فثبت أن جميع مخلوقاته سبحانه نعم على العبيد، ولما كانت العقول قاصرة عن تعديد ما في أقل الأشياء من المنافع والحكم فكيف يمكن الإحاطة بكل ما في العالم من المنافع والحكم، فصح بهذا معنى قوله تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } فإن قيل: فإذا كانت النعم غير متناهية وما لا يتناهى لا يحصل العلم به في حق العبد فكيف أمر بتذكرها في قوله: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } والجواب أنها غير متناهية بحسب الأنواع والأشخاص إلا أنها متناهية بحسب الأجناس، وذلك يكفي في التذكير الذي يفيد العلم بوجود الصانع الحكيم. واعلم أنه لما ثبت أن استحقاق الحمد والثناء والطاعة لا يتحقق إلا على إيصال النعمة ثبت أنه سبحانه وتعالى هو المستحق لحمد الحامدين. ولهذا قال في ذم الأصنام: {أية : هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } تفسير : [الشعراء: 72، 73] وقال تعالى: {أية : وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ } تفسير : [الفرقان: 55] وقال:{أية : أَفَمَن يَهْدِى إِلَى ٱلْحَقّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يُهْدَىٰ } تفسير : [يونس: 35]. الفرع الثالث: أن أول ما أنعم الله به على عبيده هو أن خلقهم أحياء والدليل عليه قوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً } تفسير : [البقرة: 28، 29] إلى آخر الآية، وهذا صريح في أن أصل النعم الحياة لأنه تعالى أول ما ذكر من النعم فإنما ذكر الحياة ثم إنه تعالى ذكر عقيبها سائر النعم وأنه تعالى إنما ذكر المؤمنين ليبين أن المقصود من حياة الدنيا حياة الآخرة والثواب. وبين أن جميع ما خلق قسمان منتفع ومنتفع به، هذا قول المعتزلة. وقال أهل السنة: إنه سبحانه كما خلق المنافع خلق المضار ولا اعتراض لأحد عليه، ولهذا سمى نفسه «النافع الضار» ولا يسأل عما يفعل. الفرع الرابع: قالت المعتزلة: إن الله تعالى قد أنعم على المكلفين بنعمة الدنيا ونعمة الدين، وسوى بين الجميع في النعم الدينية والدنيوية، أما في النعم الدينية فلأن كل ما كان في المقدور من الألطاف فقد فعل بهم والذي لم يفعله فغير داخل في القدرة إذ لو قدر على لطف لم يفعله بالمكلف لبقي عذر المكلف، وأما في الدنيا فعلى قول البغداديين خاصة لأن عندهم يجب رعاية الأصلح في الدنيا وعند البصريين لا يجب. وقال أهل السنة: إن الله تعالى خلق الكافر للنار ولعذاب الآخرة ثم اختلفوا في أنه هل لله نعمة على الكافر في الدنيا؟ فمنهم من قال: هذه النعم القليلة في الدنيا لما كانت مؤدية إلى الضرر الدائم في الآخرة لم يكن ذلك نعمة على الكافر في الدنيا، فإن من جعل السم في الحلوى لم يعد النفع الحاصل من أكل الحلوى نعمة لما كان ذلك سبيلاً إلى الضرر العظيم، ولهذا قال تعالى: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌلأنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً } تفسير : [آل عمران: 178] ومنهم من قال: إنه تعالى وإن لم ينعم على الكافر بنعمة الدين فلقد أنعم عليه بنعمة الدنيا وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمه الله، وهذا القول أصوب ويدل عليه وجوه. أحدها: قوله تعالى: {أية : يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلأرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاء بِنَاء } تفسير : [البقرة: 21، 22] فنبه على أنه يجب على الكل طاعته لمكان هذه النعم وهي نعمة الخلق والرزق. ثانيها: قوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوٰتًا } تفسير : [البقرة: 28] إلى آخره وذكر ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم ولو لم يصل إليهم من الله تعالى شيء من النعم لما صح ذلك. وثالثها: قوله: {أية : يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِى ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [البقرة: 47] وهذا نص صريح في أن الله تعالى أنعم على الكافر إذ المخاطب بذلك هم أهل الكتاب وكانوا من الكفار وكذا قوله: { يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ } إلى قوله: {وَإِذْ أَنْجَيْنَـٰكُمْ } وقوله: {أية : وَإِذْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } تفسير : [البقرة: 53]. وكل ذلك عد للنعم على العبيد. ورابعها: قوله: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلأرْضِ مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَاء عَلَيْهِم مَّدْرَاراً } تفسير : [الأنعام: 6]. وخامسها: قوله: {أية : قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظُلُمَـٰتِ ٱلْبَرّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ } تفسير : [الأنعام: 63] إلى قوله: {ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ }. وسادسها: قوله: {أية : وَلَقَدْ مَكَّنَّـٰكُمْ فِى ٱلأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَـٰيِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ } تفسير : [الأعراف: 10] وقال في قصة إبليس: {أية : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } تفسير : [الأعراف:17]، ولو لم يكن عليهم من الله نعمة لما كان لهذا القول فائدة. وسابعها: قوله: {أية : وَٱذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِى ٱلأرْضِ } تفسير : [الأعراف: 84] الآية، وقال حاكياً عن شعيب: {أية : وَٱذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ }تفسير : [الأعراف:86] وقال حاكياً عن موسى: {أية : قَالَ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأعراف: 140]. وثامنها: قوله: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ } تفسير : [الأنفال: 53] وهذا صريح. وتاسعها: قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَاء وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقّ } تفسير : [يونس: 5]. وعاشرها: قوله تعالى: {وَإِذَا أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ }. الحادي عشر: قوله: {هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها} إلى قوله:{أية : فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلأرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقّ } تفسير : [يونس: 22 ـ 23]. الثاني عشر: قوله: {أية : وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِبَاساً } تفسير : [الفرقان: 47]. وقوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً } تفسير : [يونس: 67]. الثالث عشر: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ } تفسير : [إبراهيم: 28 ـ 29]. الرابع عشر: {أية : ٱللَّهُ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى ٱلْبَحْرِ بِأَمْرِهِ } تفسير : [إبراهيم: 32]. الخامس عشر: قوله تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } تفسير : [إبراهيم: 34] وهذا صريح في إثبات النعمة في حق الكفار. واعلم أن الخلاف في هذه المسألة راجع إلى العبارة. وذلك لأنه لا نزاع في أن هذه الأشياء أعني الحياة والعقل والسمع والبصر وأنواع الرزق والمنافع من الله تعالى إنما الخلاف في أن أمثال هذه المنافع إذا حصل عقيبها تلك المضار الأبدية هل يطلق في العرف عليها اسم النعمة أم لا؟ ومعلوم أن ذلك نزاع في مجرد عبارة، وأما الذي يدل على أن ما لا يلتذ به المكلف فهو تعالى إنما خلقه لينتفع به في الاستدلال على الصانع وعلى لطفه وإحسانه فأمور. أحدها: قوله تعالى في سورة أتى أمر الله: {يُنَزّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ بِٱلْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ } فيبين تعالى أنه إنما بعث الرسل مبشرين ومنذرين ولأجل الدعوة إلى وحدانيته والإيمان بتوحيده وعدله، ثم إنه تعالى قال: {أية : خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقّ تَعَـٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ ٱلإِنْسَـٰنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ } تفسير : [النحل: 3 ـ 4] فبين أن حدوث العبد مع ما فيه من الكفر من أعظم الدلائل على وجود الصانع وهو انقلابه من حال إلى حال، من كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن ينتهي من أخس أحواله وهو كونه نطفة إلى أشرف أحواله وهو كونه خصيماً مبيناً، ثم ذكر بعد ذلك وجوه إنعامه فقال: {أية : وَٱلأَنْعَـٰمَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء وَمَنَـٰفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } تفسير : [النحل: 5] إلى قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِى أَنْزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاء مَآء لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ } تفسير : [النحل: 10] بين بذلك الرد على الدهرية وأصحاب الطبائع لأنه تعالى بين أن الماء واحد والتراب واحد ومع ذلك اختلفت الألوان والطعوم والروائح، ثم قال: {أية : وَسَخَّر لَكُمُ ٱلليل وَٱلنهار } تفسير : [النحل:12] بين به الرد على المنجمين وأصحاب الأفلاك حيث استدل بحركاتها وبكونها مسخرة على طريقة واحدة على حدوثها فأثبت سبحانه وتعالى بهذه الآيات أن كل ما في العالم مخلوق لأجل المكلفين لأن كل ما في العالم مما يغاير ذات المكلف ليس يخلو من أن يلتذ به المكلف ويستروح إليه فيحصل له به سرور أو يتحمل عنه كلفة أو يحصل له به اعتبار نحو الأجسام المؤذية كالحيات والعقارب فيتذكر بالنظر إليها أنواع العقاب في الآخرة فيحترز منها ويستدل بها على المنعم الأعظم، فثبت أنه لا يخرج شيء من مخلوقاته عن هذه المنافع، ثم إنه سبحانه وتعالى نبه على عظم إنعامه بهذه الأشياء في آخر هذه الآيات فقال: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [النحل:18]. وثانيها: قوله تعالى: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ } تفسير : [النحل: 112] فنبه بذلك على أن كون النعمة واصلة إليهم يوجب أن يكون كفرانها سبباً للتبديل، وثالثها: قوله في قصة قارون: {أية : وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ } تفسير : [القصص: 77] وقال: {أية : أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً } تفسير : [لقمان: 20] وقال: {أية : أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ أأنتم تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ ٱلْخَـٰلِقُونَ ُ } تفسير : [الواقعة: 58] وقال: {أية : فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ } تفسير : [الرحمن: 16] على سبيل التكرير وكل ما في هذه السورة فهو من النعم، إما في الدين أو في الدنيا فهذا ما يتعلق بهذا الباب. المسألة الثالثة: في النعم المخصوصة ببني إسرائيل قال بعض العارفين: عبيد النعم كثيرون وعبيد المنعم قليلون، فالله تعالى ذكر بني إسرائيل بنعمه عليهم ولما آل الأمر إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ذكرهم بالمنعم فقال: {أية : فَٱذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ } تفسير : [البقرة:152] فدل ذلك على فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم. واعلم أن نعم الله تعالى على بني إسرائيل كثيرة (أ) استنقذهم مما كانوا فيه من البلاء من فرعون وقومه وأبدلهم من ذلك بتمكينهم في الأرض وتخليصهم من العبودية كما قال:{أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِى ٱلأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَـٰمَـٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ } تفسير : [القصص: 5، 6]. (ب) جعلهم أنبياء وملوكاً بعد أن كانوا عبيداً للقبط فأهلك أعداءهم وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم كما قال: {أية : كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِى إِسْرٰءيلَ } تفسير : [الشعراء: 59] (ج) أنزل عليهم الكتب العظيمة التي ما أنزلها على أمة سواهم كما قال: {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَءاتَـٰكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مّن ٱلْعَـٰلَمِينَ} تفسير : [المائدة: 20]. (د) روى هشام عن ابن عباس أنه قال: من نعمة الله تعالى على بني إسرائيل أن نجاهم من آل فرعون وظلل عليهم في التيه الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى في التيه وأعطاهم الحجر الذي كان كرأس الرجل يسقيهم ما شاؤوا من الماء متى أرادوا فإذا استغنوا عن الماء رفعوه فاحتبس الماء عنهم وأعطاهم عموداً من النور ليضيء لهم بالليل وكانت رؤوسهم لا تتشعث وثيابهم لا تبلى. واعلم أنه سبحانه وتعالى إنما ذكرهم بهذه النعم لوجوه: أحدها: أن في جملة النعم ما يشهد بصدق محمد صلى الله عليه وسلم وهو التوراة والإنجيل والزبور. وثانيها: أن كثرة النعم توجب عظم المعصية فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن. وثالثها: أن تذكير النعم الكثيرة يوجب الحياء عن إظهار المخالفة. ورابعها: أن تذكير النعم الكثيرة يفيد أن المنعم خصهم من بين سائر الناس بها ومن خص أحداً بنعم كثيرة فالظاهر أنه لا يزيلها عنهم لما قيل: إتمام المعروف خير من ابتدائه فكأن تذكير النعم السالفة يطمع في النعم الآتية، وذلك الطمع مانع من إظهار المخالفة والمخاصمة. فإن قيل: هذه النعم ما كانت على المخاطبين بل كانت على آبائهم فكيف تكون نعماً عليهم وسبباً لعظم معصيتهم؟ والجواب من وجوه: أحدها: لولا هذه النعم على آبائهم لما بقوا فما كان يحصل هذا النسل فصارت النعم على الآباء كأنها نعم على الأبناء. وثانيها: أن الانتساب إلى الآباء وقد خصهم الله تعالى بنعم الدين والدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد. وثالثها: الأولاد متى سمعوا أن الله خص آباءهم بهذه النعم لمكان طاعتهم وإعراضهم عن الكفر والجحود رغب الولد في هذه الطريقة لأن الولد مجبول على التشبه بالأب في أفعال الخير فيصير هذا التذكير داعياً إلى الاشتغال بالخيرات والإعراض عن الشرور. أما قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } فاعلم أن العهد يضاف إلى المعاهد والمعاهد جميعاً وذكروا في هذا العهد قولين: الأول: أن المراد منه جميع ما أمر الله به من غير تخصيص ببعض التكاليف دون بعض ثم فيه روايات. إحداها: أنه تعالى جعل تعريفه إياهم نعمه عهداً له عليهم من حيث يلزمهم القيام بشكرها كما يلزمهم الوفاء بالعهد والميثاق، وقوله: {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } أراد به الثواب والمغفرة. فجعل الوعد بالثواب شبيهاً بالعهد من حيث اشتراكهما في أنه لا يجوز الإخلال به. ثانيها: قال الحسن: المراد منه العهد الذي أخذه الله تعالى على بني إسرائيل في قوله تعالى: {أية : وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً، وَقَالَ ٱللَّهُ إِنّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ وَءاتَيْتُمْ ٱلزَّكَوٰةَ } تفسير : [المائدة: 12] إلى قوله: {أية : ولأَدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } تفسير : [المائدة: 12] فمن وفى لله بعهده وفى الله له بعهده، وثالثها: وهو قول جمهور المفسرين أن المراد أوفوا بما أمرتكم به من الطاعات ونهيتكم عنه من المعاصي أوف بعهدكم، أي أرضى عنكم وأدخلكم الجنة وهو الذي حكاه الضحاك عن ابن عباس وتحقيقه ما جاء في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوٰلَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ } تفسير : [التوبة: 111] إلى قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ فَٱسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ ٱلَّذِى بَايَعْتُمْ بِهِ } تفسير : [التوبة: 111]. القول الثاني: أن المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من وصف محمد صلى الله عليه وسلم وأنه سيبعثه على ما صرح بذلك في سورة المائدة بقوله: {أية : وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ } تفسير : [المائدة: 12] إلى قوله: {أية : لأكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سَيّئَـٰتِكُمْ وَلاَدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ } تفسير : [المائدة: 12] وقال في سورة الأعراف: {أية : ورحمتي وسعت كل شىء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل } تفسير : [الأعراف: 156- 157] وأما عهد الله معهم فهو أن ينجز لهم ما وعدهم من وضع ما كان عليهم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقهم، وقال: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلنَّبِيّيْنَ لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كِتَـٰبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ } تفسير : [آل عمران: 81] الآية. وقال: {أية : وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يٰبَنِى إِسْرٰءيلَ أَنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى ٱسْمُهُ أَحْمَدُ } تفسير : [الصف: 6]. وقال ابن عباس: إن الله تعالى كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً فمن تبعه وصدق بالنور الذي يأتي به ـ أي بالقرآن ـ غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين، أجراً باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل، وأجراً باتباع ما جاء به محمد النبي الأمي من ولد إسماعيل وتصديق هذا في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ءاتَيْنَـٰهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ } تفسير : [القصص: 52] إلى قوله: {أية : أُوْلَـئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ } تفسير : [القصص: 54] وكان علي بن عيسى يقول تصديق ذلك في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ } تفسير : [الحديد: 28] وتصديقه أيضاً فيما روى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجران، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران، ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران» تفسير : بقي ههنا سؤالان: السؤال الأول: لو كان الأمر كما قلتم فكيف يجوز من جماعتهم جحده؟ والجواب من وجهين: الأول: أن هذا العلم كان حاصلاً عند العلماء بكتبهم لكن لم يكن لهم العدد الكثير فجاز منهم كتمانه. الثاني: أن ذلك النص كان نصاً خفياً لا جلياً فجاز وقوع الشكوك والشبهات فيه. السؤال الثاني: الشخص المبشر به في هذه الكتب إما أن يكون قد ذكر في هذه الكتب وقت خروجه ومكان خروجه وسائر التفاصيل المتعلقة بذلك أو لم يذكر شيء من ذلك، فإن كان ذلك النص نصاً جلياً وارداً في كتب منقولة إلى أهل العلم بالتواتر فكان يمتنع قدرتهم على الكتمان وكان يلزم أن يكون ذلك معلوماً بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين. وإن كان الثاني لم يدل ذلك النص على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لاحتمال أن يقولوا: إن ذلك المبشر به سيجيء بعد ذلك على ما هو قول جمهور اليهود. والجواب أن الذين حملوا قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } على الأمر بالتأمل في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة على ما شرحناه في القول الأول إنما اختاروه لقوة هذا السؤال، فأما من أراد أن ينصر القول الثاني فإنه يجيب عنه بأن تعيين الزمان والمكان لم يكن منصوصاً عليه نصاً جلياً يعرفه كل أحد بل كان منصوصاً عليه نصاً خفياً فلا جرم لم يلزم أن يعلم ذلك بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين عليهم السلام ولنذكر الآن بعض ما جاء في كتب الأنبياء المتقدمين من البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم، فالأول: جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك (من قبل) الله فقال لها يا هاجر أين تريدين ومن أين أقبلت؟ قالت: أهرب من سيدتي سارة فقال لها: ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك وذريتك وستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه إسماعيل من أجل أن الله سمع تبتلك وخشوعك وهو يكون عين الناس وتكون يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع وهو يشكر على رغم جميع إخوته. واعلم أن الاستدلال بهذا الكلام أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة وليس يجوز أن يبشر الملك من قبل الله بالظلم والجور وبأمر لا يتم إلا بالكذب على الله تعالى ومعلوم أن إسماعيل وولده لم يكونوا متصرفين في الكل أعني في معظم الدنيا ومعظم الأمم ولا كانوا مخالطين للكل على سبيل الاستيلاء إلا بالإسلام لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف، فلما جاء الإسلام استولوا على الشرق والغرب بالإسلام ومازجو الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة، فلو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم صادقاً لكانت هذه المخالطة منهم للأمم ومن الأمم لهم معصية لله تعالى وخروجاً عن طاعته إلى طاعة الشيطان والله يتعالى عن أن يبشر بما هذا سبيله. والثاني: جاء في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس: «إن الرب إلهكم يقيم لكم نبياً مثلي من بينكم ومن إخوانكم»، وفي هذا الفصل أن الرب تعالى قال لموسى: «إني مقيم لهم نبياً مثلك من بين إخوانهم وأيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك الرجل باسمي أنا أنتقم منه». وهذا الكلام يدل على أن النبي الذي يقيمه الله تعالى ليس من بني إسرائيل كما أن من قال لبني هاشم: إنه سيكون من إخوانكم إمام، عقل أنه لا يكون من بني هاشم، ثم إن يعقوب عليه السلام هو إسرائيل ولم يكن له أخ إلا العيص ولم يكن للعيص ولد من الأنبياء سوى أيوب وإنه كان قبل موسى عليه السلام فلا يجوز أن يكون موسى عليه السلام مبشراً به، وأما اسماعيل فإنه كان أخاً لإسحق والد يعقوب ثم إن كل نبي بعث بعد موسى كان من بني إسرائيل، فالنبي عليه السلام ما كان منهم لكنه كان من إخوانهم لأنه من ولد إسماعيل الذي هو أخو إسحق عليهم السلام. فإن قيل قوله: «من بينكم» يمنع من أن يكون المراد محمداً صلى الله عليه وسلم لأنه لم يقم من بين بني إسرائيل. قلنا: بل قد قام من بينهم لأنه عليه السلام ظهر بالحجاز فبعث بمكة وهاجر إلى المدينة وبها تكامل أمره. وقد كان حول المدينة بلاد اليهود كخيبر وبني قينقاع والنضير وغيرهم، وأيضاً فإن الحجاز يقارب الشام وجمهور اليهود كانوا إذ ذاك بالشام، فإذا قام محمد بالحجاز فقد قام من بينهم، وأيضاً فإنه إذا كان من إخوانهم فقد قام من بينهم فإنه ليس ببعيد منهم. والثالث: قال في الفصل العشرين من هذا السفر: «إن الرب تعالى جاء في طور سيناء وطلع لنا من ساعير وظهر من جبال فاران وصف عن يمينه عنوان القديسين فمنحهم العز وحببهم إلى الشعوب ودعا لجميع قديسيه بالبركة، وجه الاستدلال: أن جبل فاران هو بالحجاز لأن في التوراة أن اسماعيل تعلم الرمي في برية فاران، ومعلوم أنه إنما سكن بمكة. إذا ثبت هذا فنقول: إن قوله: «فمنحهم العز» لا يجوز أن يكون المراد إسماعيل عليه السلام لأنه لم يحصل عقيب سكنى إسماعيل عليه السلام هناك عز ولا اجتمع هناك ربوات القديسين فوجب حمله على محمد عليه السلام. قالت اليهود: المراد أن النار لما ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير نار أيضاً ومن جبل فاران أيضاً فانتشرت في هذه المواضع قلنا هذا لا يصح لأن الله تعالى لو خلق ناراً في موضع فإنه لا يقال جاء الله من ذلك إذا تابع ذلك الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع أو عقوبة وما أشبه ذلك. وعندكم أنه لم يتبع ظهور النار وحي ولا كلام إلا من طور سيناء فما كان ينبغي إلا أن يقال ظهر من ساعير ومن جبل فاران فلا يجوز وروده كما لا يقال جاء الله من الغمام إذا ظهر في الغمام احتراق ونيران كما يتفق ذلك في أيام الربيع، وأيضاً ففي كتاب حقوق بيان ما قلنا وهو جاء الله من طور سيناء والقدس من جبل فاران، وانكشفت السماء من بهاء محمد وامتلأت الأرض من حمده. يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزه تسير المنايا أمامه ويصحب سباع الطير أجناده قام فمسح الأرض وتأمل الأمم وبحث عنها فتضعضعت الجبال القديمة واتضعت الروابي والدهرية، وتزعزعت ستور أهل مدين ركبت الخيول، وعلوت مراكب الانقياد والغوث وستنزع في قسيك إغراقاً ونزعاً وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء وتخور الأرض بالأنهار، ولقد رأتك الجبال فارتاعت وانحرف عنك شؤبوب السيل ونفرت المهاري نفيراً ورعباً ورفعت أيديها وجلاً وفرقاً وتوقفت الشمس والقمر عن مجراهما وسارت العساكر في برق سهامك ولمعان بيانك تدوخ الأرض غضباً وتدوس الأمم زجراً لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ تراب آبائك». هكذا نقل عن ابن رزين الطبري. أما النصارى فقال أبو الحسين رحمه الله في كتاب الغرر قد رأيت في نقولهم: «وظهر من جبال فاران لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود وترتوى السهام بأمرك المحمود لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ مسيحك»، فظهر بما ذكرنا أن قوله تعالى في التوراة: «ظهر الرب من جبال فاران» ليس معناه ظهور النار منه بل معناه ظهور شخص موصوف بهذه الصفات وما ذاك إلا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. فإن قالوا المراد مجيء الله تعالى ولهذا قال في آخر الكلام: «وإنقاذ مسيحك» قلنا لا يجوز وصف الله تعالى بأنه يركب الخيول وبأن شعاع منظره مثل النور وبأنه جاز المشاعر القديمة، أما قوله: (وإنقاذ مسيحك) فإن محمداً عليه السلام أنقذ المسيح من كذب اليهود والنصارى. والرابع: ما جاء في كتاب أشعياء في الفصل الثاني والعشرين منه: «قومي فأزهري مصباحك، يريد مكة، فقد دناوقتك وكرامة الله تعالى طالعة عليك فقد تجلل الأرض الظلام وغطى على الأمم الضباب والرب يشرق عليك إشراقاً ويظهر كرامته عليك تسير الأمم إلى نورك والملوك إلى ضوء طلوعك وارفعي بصرك إلى ما حولك وتأملي فإنهم مستجمعون عندك ويحجونك ويأتيك ولدك من بلد بعيد لأنك أم القرى فأولاد سائر البلاد كأنهم أولاد مكة وتتزين ثيابك على الأرائك والسرر حين ترين ذلك تسرين وتبتهجين من أجل أنه يميل إليك ذخائر البحر ويحج إليك عساكر الأمم ويساق إليك كباش مدين ويأتيك أهل سبأ ويتحدثون بنعم الله ويمجدونه وتسير إليك أغنام فاران ويرفع إلى مذبحي ما يرضيني وأحدث حينئذ لبيت محمدتي حمداً». فوجه الاستدلال أن هذه الصفات كلها موجودة لمكة فإنه قد حج إليها عساكر الأمم ومال إليها ذخائر البحر وقوله: «وأحدث لبيت محمدتي حمداً» معناه أن العرب كانت تلبي قبل الإسلام فتقول لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ثم صار في الإسلام: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، فهذا هو الحمد الذي جدده الله لبيت محمدته. فإن قيل المراد: بذلك بيت المقدس وسيكون ذلك فيما بعد. قلنا لا يجوز أن يقول الحكيم: «قد دنا وقتك» مع أنه ما دنا بل الذي دنا أمر لا يوافق رضاه ومع ذلك لا يحذر منه وأيضاً فإن كتاب أشعياء مملوء من ذكر البادية وصفتها، وذلك يبطل قولهم. والخامس: روى السمان في تفسيره في السفر الأول من التوراة أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم عليه السلام قال: «قد أجبت دعاك في إسماعيل وباركت عليه فكبرته وعظمته جداً جداً وسيلد اثني عشر عظيماً وأجعله لأمة عظيمة» والاستدلال به أنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لأمة عظيمة غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فأما دعاء إبراهيم عليه السلام وإسماعيل فكان لرسولنا عليه الصلاة والسلام لما فرغا من بناء الكعبة وهو قوله: {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَـٰتِكَ وَيُعَلّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ }تفسير : [البقرة: 129] ولهذا كان يقول عليه الصلاة والسلام: «حديث : أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى» تفسير : وهو قوله: {أية : وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى ٱسْمُهُ أَحْمَدُ } تفسير : [الصف: 6] فإنه مشتق من الحمد والاسم المشتق من الحمد ليس إلا لنبينا فإن اسمه محمد وأحمد ومحمود. قيل إن صفته في التوراة أن مولده بمكة ومسكنه بطيبة وملكه بالشام وأمته الحمادون. والسادس: قال المسيح للحواريين: «أنا أذهب وسيأتيكم الفارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه إنما يقول كما يقال له» وتصديق ذلك: {أية : إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَىَّ } تفسير : [الأنعام: 50] وقوله: {أية : قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحِى إِلَىَّ } تفسير : [يونس: 15] أما «الفارقليط» ففي تفسيره وجهان: أحدهما أنه الشافع المشفع وهذا أيضاً صفته عليه الصلاة والسلام، الثاني: قال بعض النصارى: الفار قليط هو الذي يفرق بين الحق والباطل وكان في الأصل فاروق كما يقال راووق للذي يروق به وأما «ليط» فهو التحقيق في الأمر كما يقال شيب أشيب ذو شيب وهذا أيضاً صفة شرعنا لأنه هو الذي يفرق بين الحق والباطل. والسابع: قال دانيال لبختنصر حين سأله عن الرؤيا التي كان رآها من غير أن قصها عليه: رأيت أيها الملك منظراً هائلاً رأسه من الذهب الأبريز وساعده من الفضة وبطنه وفخذاه من نحاس وساقاه من حديد وبعضها من خزف ورأيت حجراً يقطع من غير قاطع وصك رجل ذلك الصنم ودقها دقاً شديداً فتفتت الصنم كله حديده ونحاسه وفضته وذهبه وصارت رفاتاً وعصفت بها الرياح فلم يوجد لها أثر وصار ذلك الحجر الذي صك ذلك الرجل من ذلك الصنم جبلاً عالياً امتلأت به الأرض فهذا رؤياك أيها الملك. وأما تفسيرها فأنت الرأس الذي رأيته من الذهب ويقوم بعدك مملكة أخرى دونك والمملكة الثالثة التي تشبه النحاس تنبسط على الأرض كلها، والمملكة الرابعة تكون قوتها مثل الحديد، وأما الرجل التي كان بعضها من خزف فإن بعض المملكة يكون عزيزاً وبعضها يكون ذليلاً وتكون كلمة الملك متفرقة ويقيم إله السماء في تلك الأيام مملكة أبدية لا تتغير ولا تزول وإنها تزيل جميع الممالك وسلطانها يبطل جميع السلاطين وتقوم هي إلى الدهر الداهر فهذا تفسير الحجر الذي رأيت أنه يقطع من جبل بلا قاطع حتى دق الحديد والنحاس والخزف والله أعلم بما يكون في آخر الزمان. فهذه هي البشارات الواردة في الكتب المتقدمة بمبعث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم. أما قوله تعالى: {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } فقالت المعتزلة: ذلك العهد هو ما دل العقل عليه من أن الله تعالى يجب عليه إيصال الثواب إلى المطيع وصح وصف ذلك الوجوب بالعهد لأنه بحيث يجب الوفاء به فكان ذلك أوكد من العهد بالإيجاب بالنذر واليمين: وقال أصحابنا: إنه لا يجب للعبد على الله شيء، وفي هذه الآية ما يدل على ذلك لأنه تعالى لما قدم ذكر النعم، ثم رتب عليه الأمر بالوفاء بالعهد دل على أن تلك النعم السالفة توجب عهد العبودية، وإذا كان كذلك كان أداء العبادات أداء لما وجب بسبب النعم السالفة وأداء الواجب لا يكون سبباً لواجب آخر، فثبت أن أداء التكاليف لا يوجب الثواب فبطل قول المعتزلة بل التفسير الحق من وجهين: الأول: أنه تعالى لما وعد بالثواب وكل ما وعد به استحال أن لا يوجد، لأنه لو لم يوجد لانقلب خبره الصدق كذباً والكذب عليه محال، والمفضي إلى المحال محال فكان ذلك واجب الوقوع فكان ذلك آكد مما ثبت باليمين والنذر، الثاني: أن يقال العهد هو الأمر والعبد يجوز أن يكون مأموراً إلا أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مأموراً لكنه سبحانه وتعالى جرى في ذلك على موافقة اللفظ كقوله: {أية : يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ }تفسير : [النساء: 142]، {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ } تفسير : [آل عمران: 54] وأما قوله: {وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ } فاعلم أن الرهبة هي الخوف قال المتكلمون: الخوف منه تعالى هو الخوف من عقابه وقد يقال في المكلف إنه خائف على وجهين: أحدهما: مع العلم والآخر مع الظن، أما العلم فإذا كان على يقين من أنه أتى بكل ما أمر به واحترز عن كل ما نهى عنه فإن خوفه إنما يكون عن المستقبل وعلى هذا نصف الملائكة والأنبياء عليهم السلام بالخوف والرهبة. قال تعالى: {أية : يَخَـٰفُونَ رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } تفسير : [النحل: 50] وأما الظن فإذا لم يقطع بأنه فعل المأمورات واحترز عن المنهيات فحينئذ يخاف أن لا يكون من أهل الثواب، واعلم أن كل من كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس. روي: «حديث : أنه ينادي مناد يوم القيامة وعزتي وجلالي إني لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة ومن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة»تفسير : وقال العارفون: الخوف خوفان خوف العقاب وخوف الجلال، والأول: نصيب أهل الظاهر، والثاني: نصيب أهل القلب، والأول: يزول، والثاني: لا يزول. واعلم أن في الآية دلالة على أن كثرة النعم تعظم المعصية، ودلالة على ما تقدم العهد يعظم المخالفة ودلالة على أن الرسول كما كان مبعوثاً إلى العرب كان مبعوثاً إلى بني إسرائيل. وقوله: {وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ } يدل على أن المرء يجب أن لا يخاف أحداً إلا الله تعالى، وكما يجب ذلك في الخوف فكذا في الرجاء والأمل وذلك يدل على أن الكل بقضاء الله وقدره إذ لو كان العبد مستقلاً بالفعل لوجب أن يخاف منه كما يخاف من الله تعالى وحينئذ يبطل الحصر الذي دل عليه قوله تعالى: {وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ } بل كان يجب أن لا يرهب إلا نفسه، لأن مفاتيح الثواب والعقاب بيده لا بيد الله تعالى فوجب أن لا يخاف إلا نفسه وأن لا يخاف إلا نفسه وأن لا يخاف الله ألبتة، وفيها دلالة على أنه يجب على المكلف أن يأتي بالطاعات للخوف والرجاء وأن ذلك لا بد منه في صحتها. والله أعلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} نداء مضاف، علامة النصب فيه الياء، وحذفت منه النون للإضافة. الواحد ٱبن، والأصل فيه بني، وقيل: بَنَوٌ؛ فمن قال: المحذوف منه واو ٱحتج بقولهم: البنوّة. وهذا لا حجة فيه؛ لأنهم قد قالوا: الفتّوة، وأصله الياء. وقال الزجاج: المحذوف منه عندي ياء كأنه من بنيت. الأخفش: اختار أن يكون المحذوف منه الواو؛ لأن حذفها أكثر لثقلها. ويقال: ٱبن بيّن البنوّة، والتصغير بُنيّ. قال الفراء: يقال: يا بُنَيِّ ويا بُنَيَّ لغتان، مثل يا أبتِ ويا أبتَ؛ وقرىء بهما. وهو مشتقّ من البناء وهو وضع الشيء على الشيء؛ والابن فرع للأب وهو موضوع عليه. وإسرائيل هو يعقوب بن إسحٰق بن إبراهيم عليهم السلام. قال أبو الفرج الجَوْزِيّ: وليس في الأنبياء من له ٱسمان غيره، إلا نبينّا محمد صلى الله عليه وسلم فإن له أسماء كثيرة. ذكره في كتاب «فهوم الآثار» له. قلت: وقد قيل في المسيح إنه ٱسم عَلَم لعيسى عليه السلام غير مشتق، وقد سمّاه الله رُوحاً وكَلِمة، وكانوا يسمّونه أبِيل الأَبِيلين؛ ذكره الجوهري في الصحاح. وذكر البيهقي في «دلائل النبوّة» عن الخليل بن أحمد: خمسة من الأنبياء ذوو ٱسمين، محمد وأحمد نبيّنا صلى الله عليه وسلم، وعيسى والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذو النون، وإلياس وذو الكفل صلى الله عليه وسلم. قلت: ذكرنا أن لعيسى أربعة أسماء، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فله أسماء كثيرة، بيانها في مواضعها. وإسرائيل: ٱسم أعجمي، ولذلك لم ينصرف؛ وهو في موضع خفض بالإضافة. وفيه سبع لغات: إسرائيل، وهي لغة القرآن. وإسرائيل، بمدّة مهموزة مختلسة، حكاها شنّبوذ عن وَرْش. وإسراييل، بمدّة بعد الياء من غير همز، وهي قراءة الأعمش وعيسى بن عمر؛ وقرأ الحسن والزهريّ بغير همز ولا مدّ. وإسرائل، بغير ياء بهمزة مكسورة. وإسراءَل، بهمزة مفتوحة. وتميم يقولون: إسرائين، بالنون. ومعنى إسرائيل: عبد الله. قال ابن عباس: إسرا بالعبرانية هو عبد، وإيل هو الله. وقيل: إسرا هو صفوة الله، وإيل هو الله. وقيل: إسرا من الشدّ؛ فكأن إسرائيل الذي شدّه الله وأتقن خلقه؛ ذكره المهدَوي. وقال السُّهيلي: سميّ إسرائيل لأنه أسرى ذات ليلة حين هاجر إلى الله تعالى؛ فسمي إسرائيل أي أسرى إلى الله ونحو هذا؛ فيكون بعض الاسم عبرانياً وبعضه موافقاً للعرب. والله أعلم. قوله تعالى: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} الذكر ٱسم مشترك، فالذكر بالقلب ضدّ النسيان، والذكر باللسان ضدّ الإنصات. وذكرت الشيء بلساني وقلبي ذكرا. وٱجعله منك على ذُكْر (بضم الذال) أي لا تنسه. قال الكسائي: ما كان بالضمير فهو مضموم الذال، وما كان باللسان فهو مكسور الذال. وقال غيره: هما لغتان، يقال: ذِكْر وذُكْر، ومعناهما واحد. والذَّكر (بفتح الذال) خلاف الأنثى. والذِّكر أيضاً الشرف؛ ومنه قوله: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف:44]. قال ٱبن الأنباري: والمعنى في الآية ٱذكروا شكر نعمتي؛ فحذف الشكر ٱكتفاء بذكر النعمة. وقيل: إنه أراد الذكر بالقلب وهو المطلوب؛ أي لا تغفلوا عن نعمتي التي أنعمت عليكم ولا تناسوها؛ وهو حسن. والنعمة هنا ٱسم جنس، فهي مفردة بمعنى الجمع، قال الله تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم: 34] أي نِعمَه. ومن نعمه عليهم أن أنجاهم من آل فرعون، وجعل منهم أنبياء، وأنزل عليهم الكتب والمنّ والسَّلْوَى، وفجّر لهم من الحجر الماء، إلى ما ٱستودعهم من التوراة التي فيها صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ورسالته. والنعم على الآباء نعم على الأبناء؛ لأنهم يشرفون بشرف آبائهم. تنبيه: قال أرباب المعاني: ربط سبحانه وتعالى بني إسرائيل بذكر النعمة وأسقطه عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى ذكره، فقال: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}تفسير : [البقرة: 152] ليكون نظر الأمم من النعمة إلى المنعم، ونظر أمة محمد صلى الله عليه وسلم من المنعم إلى النعمة. قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} أمْرٌ وجوابه. وقرأ الزهريّ: «أُوَفّ» (بفتح الواو وشد الفاء) للتكثير. وٱختلف في هذا العهد ما هو؛ فقال الحسن: عهده قوله: {أية : خُذُواْ مَآ آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ} تفسير : [البقرة: 63]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً}تفسير : [المائدة: 12]. وقيل هو قوله: {أية : وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} تفسير : [آل عمران: 187]. وقال الزجاج: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ} الذي عهدت إليكم في التوراة من ٱتباع محمد صلى الله عليه وسلم،{أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} بما ضمنت لكم على ذلك، إن أوفيتم به فلكم الجنة. وقيل: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ} في أداء الفرائض على السنة والإخلاص، {أُوفِ} بقبولها منكم ومجازاتكم عليها. وقال بعضهم: {أَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ} في العبادات، {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} أي أوصلكم إلى منازل الرعايات. وقيل: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ} في حفظ آداب الظواهر، {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} بتزيين سرائركم. وقيل: هو عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه؛ فيدخل في ذلك ذكر محمد صلى الله عليه وسلم الذي في التوراة وغيره. هذا قول الجمهور من العلماء، وهو الصحيح. وعهده سبحانه وتعالى هو أن يدخلهم الجنة. قلت: وما طلب من هؤلاء من الوفاء بالعهد هو مطلوب منا؛ قال الله تعالى: {أية : أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ}تفسير : [المائدة: 1]، {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 91]؛ وهو كثير. ووفاؤهم بعهد الله أمارة لوفاء الله تعالى لهم لا علة له، بل ذلك تفضُّلٌ منه عليهم. قوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} أي خافون. والرُّهْبُ والرَّهْبُ والرَّهْبَة: الخوف. ويتضمّن الأمر به معنى التهديد. وسقطت الياء بعد النون لأنها رأس آية. وقرأ ٱبن أبي إسحاق: «فٱرْهَبونِي» بالياء، وكذا «فٱتّقوني»؛ على الأصل. «وإيّايَ» منصوب بإضمار فعل، وكذا الاختيار في الأمر والنهي والاستفهام؛ التقدير: وإياي ٱرهبوا فٱرهبون. ويجوز في الكلام وأنا فٱرهبون؛ على الابتداء والخبر. وكون «فٱرهبون» الخبر على تقدير الحذف؛ المعنى وأنا ربكم فٱرهبون.

البيضاوي

تفسير : {يَا بَنِى إِسْرٰءيلَ} أي أولاد يعقوب، والابن من البناء لأنه مبني أبيه، ولذلك ينسب المصنوع إلى صانعه فيقال: أبو الحرب، وبنت الفكر. وإسرائيل لقب يعقوب عليه السلام ومعناه بالعبرية: صفوة الله، وقيل: عبد الله، وقرىء {إسرائل} بحذف الياء وإسرال بحذفهما و {إسراييل} بقلب الهمزة ياء. {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } أي بالتفكر فيها والقيام بشكرها، وتقييد النعمة بهم لأن الإنسان غيور حسود بالطبع، فإذا نظر إلى ما أنعم الله على غيره حمله الغيرة والحسد على الكفران والسخط، وإن نظر إلى ما أنعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضى والشكر. وقيل أراد بها ما أنعم الله به على آبائهم من الإنجاء من فرعون والغرق، ومن العفو عن اتخاذ العجل، وعليهم من إدراك زمن محمد صلى الله عليه وسلم وقرىء {ٱذْكُرُواْ } والأصل إذتكروا. ونعمتي بإسكان الياء وقفاً وإسقاطها درجاً هو مذهب من لا يحرك الياء المكسور ما قبلها. {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي} بالإيمان والطاعة. {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} بحسن الإثابة والعهد يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد، ولعل الأول مضاف إلى الفاعل والثاني إلى المفعول، فإنه تعالى عهد إليهم بالإيمان والعمل الصالح بنصب الدلائل وإنزال الكتب، ووعد لهم بالثواب على حسناتهم، وللوفاء بهما عرض عريض فأول مراتب الوفاء منا هو الإتيان بكلمتي الشهادة، ومن الله تعالى حقن الدم والمال، وآخرها منا الاستغراق في بحر التوحيد بحيث يغفل عن نفسه فضلاً عن غيره، ومن الله تعالى الفوز باللقاء الدائم. وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أوفوا بعهدي في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، أوف بعهدكم في رفع الآصار والإغلال. وعن غيره أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر أوف بالمغفرة والثواب. أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم، أوف بالكرامة والنعيم المقيم، فبالنظر إلى الوسائط. وقيل كلاهما مضاف إلى المفعول والمعنى: أوفوا بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعة، أوف بما عاهدتكم من حسن الإثابة. وتفصيل العهدين في سورة المائدة في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ }تفسير : [المائدة: 12] إلى قوله: {أية : وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَـٰرُ }تفسير : [المائدة: 12] وقرىء أوفِّ بالتشديد للمبالغة. {وَإِيَّـٰيَ فَٱرْهَبُونِ } فيما تأتون وتذرون وخصوصاً في نقض العهد، وهو آكد في إفادة التخصيص من إياك نعبد لما فيه مع التقديم من تكرير المفعول، والفاء الجزائية الدالة على تضمن الكلام معنى الشرط كأنه قيل: إن كنتم راهبين شيئاً فارهبون. والرهبة: خوف مع تحرز. والآية متضمنة للوعد والوعيد دالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد، وأن المؤمن ينبغي أن لا يخاف أحداً إلا الله تعالى.

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى آمراً بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ومهيجاً لهم بذكر أبيهم إسرائيل، وهو نبي الله يعقوب عليه السلام، وتقديره: يا بني العبد الصالح المطيع لله، كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق؛ كما تقول: يابن الكريم افعل كذا، يابن الشجاع بارز الأبطال، يابن العالم اطلب العلم، ونحو ذلك. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا}تفسير : [الإسراء: 3] فإسرائيل هو يعقوب بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي: حدثنا عبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب، قال: حدثني عبد الله بن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: «حديث : هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب؟»تفسير : قالوا: اللهم نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : اللهم اشهد»تفسير : وقال الأعمش عن إسماعيل بن رجاء عن عمير مولى ابن عباس عن عبد الله بن عباس: إن إسرائيل كقولك: عبد الله. وقوله تعالى: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِىۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} قال مجاهد: نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى، وفيما سوى ذلك: أن فجر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، ونجاهم من عبودية آل فرعون. وقال أبو العالية: نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنزل عليهم الكتب، قلت: وهذا كقول موسى عليه السلام لهم: {أية : يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَءَاتَـٰكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَـٰلَمِينَ}تفسير : [المائدة: 20] يعني في زمانهم، وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِىۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} أي: بلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم من فرعون وقومه {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} قال: بعهدي الذي أخذت في أعناقكم للنبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم أنجز لكم ما وعدتكم عليه من تصديقه واتباعه بوضع ما كان عليكم من الآصار والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من إحداثكم. وقال الحسن البصري: هو قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلوٰةَ وَءَاتَيْتُمْ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُمْ بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَـٰتِكُمْ وَلاَُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلاَْنْهَـٰرُ}تفسير : [المائدة: 12] الآية. وقال آخرون: هو الذي أخذ الله عليهم في التوراة أنه سيبعث من بني إسماعيل نبياً عظيماً يطيعه جميع الشعوب، والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم فمن اتبعه غفر الله له ذنبه، وأدخله الجنة، وجعل له أجرين. وقد أورد الرازي بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بمحمد صلى الله عليه وسلم قال أبو العالية: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِىۤ} قال: عهده إلى عباده دين الإسلام، وأن يتبعوه. وقال الضحاك عن ابن عباس: أوف بعهدكم، قال: أرض عنكم، وأدخلكم الجنة، وكذا قال السدي والضحاك وأبو العالية والربيع بن أنس. وقوله تعالى: {وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ} أي: فاخشون، قاله أبو العالية والسدي والربيع بن أنس وقتادة. وقال ابن عباس في قوله تعالى: {وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ} أي: أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم؛ من المسخ وغيره، وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب، فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة؛ لعلهم يرجعون إلى الحق واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والاتعاظ بالقرآن وزواجره، وامتثال أوامره وتصديق أخباره، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ولهذا قال: {وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ} يعني به: القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي العربي، بشيراً ونذيراً وسراجاً منيراً، مشتملاً على الحق من الله تعالى، مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل. قال أبو العالية رحمه الله في قوله تعالى: {وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ} يقول: يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم، يقول: لأنهم يجدون محمداً صلى الله عليه وسلم مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيلـ وروي عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك، وقوله: {وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} قال بعض المعربين: أول فريق كافر به، أو نحو ذلك، قال ابن عباس: ولا تكونوا أول كافر به، وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم. قال أبو العالية: يقول: ولا تكونوا أول من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم يعني من جنسكم أهل الكتاب بعد سماعكم بمبعثه، وكذا قال الحسن والسدي والربيع بن أنس، واختار ابن جرير أن الضمير في قوله: {بِهِ} عائد على القرآن الذي تقدم ذكره في قوله: {بِمَآ أَنزَلْتُ} وكلا القولين صحيح؛ لأنهما متلازمان، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ومن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بالقرآن، وأما قوله: {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} فيعني به: أول من كفر به من بني إسرائيل، لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن، فكفرهم به يستلزم أنهم أول من كفر به من جنسهم. وقوله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً} يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها، فإنها قليلة فانية، كما قال عبد الله بن المبارك: أنبأنا عبد الرحمن بن زيد بن جابر عن هارون بن يزيد قال: سئل الحسن، يعني البصري، عن قوله تعالى: ثمناً قليلاً، قال: الثمن القليل: الدنيا بحذافيرها. قال ابن لهيعة: حدثني عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً} إن آياته كتابه الذي أنزله إليهم، وإن الثمن القليل الدنيا وشهواتها. وقال السدي: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً} يقول: لا تأخذوا طمعاً قليلاً، ولا تكتموا اسم الله، فذلك الطمع هو الثمن. وقال أبو جعفر: عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً} يقول: لا تأخذوا عليه أجراً، قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يابن آدم عَلم مجاناً عُلمتَ مجاناً، وقيل: معناه: لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح ونشر العلم النافع بالكتمان واللبس لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب. وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم«حديث : من تعلم علماً مما يبتغىٰ به وجه الله، لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا، لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة»تفسير : فأما تعليم العلم بأجرة، فإن كان قد تعين عليه، فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله، فإن لم يحصل له منه شيء، وقطعه التعليم عن التكسب، فهو كما لم يتعين عليه، وإذا لم يتعين عليه، فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد في قصة اللديغ: «حديث : إن أحق ماأخذتم عليه أجراً كتاب الله»تفسير : وقوله في قصة المخطوبة: «زوجتكها بما معك من القرآن» فأما حديث عبادة بن الصامت؛ أنه علم رجلاً من أهل الصفة شيئاً من القرآن، فأهدى له قوساً، فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إن أحببت أن تطوق بقوس من نار فاقبله»تفسير : فتركه، رواه أبو داود، وروي مثله عن أبي ابن كعب مرفوعاً، فإن صح إسناده، فهو محمول عند كثير من العلماء، منهم: أبو عمر بن عبد البر، على أنه لما علمه لله، لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس، فأما إذا كان من أول الأمر على التعليم بالأجرة، فإنه يصح؛ كما في حديث اللديغ، وحديث سهل في المخطوبة، والله أعلم. وقوله: {وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عمر الدوري، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن عاصم الأحول عن أبي العالية عن طلق بن حبيب، قال: التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله، ومعنى قوله: {وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ} أنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه؛ من كتمان الحق، وإظهار خلافه، ومخالفتهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يَٰبَنِى إِسْرٰءيلَ } أولاد يعقوب {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } أي على آبائكم من الإنجاء من فرعون وفلق البحر وتظليل الغمام وغير ذلك بأن تشكروها بطاعتي {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى } الذي عهدته إليكم من الإيمان بمحمد {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } الذي عهدته إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة {وَإِيَّٰىَ فَٱرْهَبُونِ } خافونِ في ترك الوفاء به دون غيري.

الشوكاني

تفسير : اعلم أن كثيراً من المفسرين جاءوا بعلم متكلف، وخاضوا في بحر لم يكلفوا سباحته، واستغرقوا أوقاتهم في فنّ لا يعود عليهم بفائدة، بل أوقعوا أنفسهم في التكلف بمحض الرأي المنهي عنه في الأمور المتعلقة بكتاب الله سبحانه، وذلك أنهم أرادوا أن يذكروا المناسبة بين الآيات القرآنية، المسرودة على هذا الترتيب الموجود في المصاحف، فجاءوا بتكلفات، وتعسفات يتبرأ منها الإنصاف، ويتنزه عنها كلام البلغاء، فضلاً عن كلام الرب سبحانه، حتى أفردوا ذلك بالتصنيف، وجعلوه المقصد الأهمّ من التأليف، كما فعله البقاعي في تفسيره، ومن تقدّمه، حسبما ذكر في خطبته، وإن هذا لمن أعجب ما يسمعه من يعرف أن هذا القرآن ما زال ينزل مفرّقاً على حسب الحوادث المقتضية لنزوله، منذ نزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن قبضه الله - عزّ وجل - إليه، وكل عاقل فضلاً، عن عالم، لا يشك أن هذه الحوادث المقتضية نزول القرآن متخالفة باعتبار نفسها، بل قد تكون متناقضة، كتحريم أمرٍ كان حلالاً، وتحليل أمر كان حراماً، وإثبات أمر لشخص أو أشخاص يناقض ما كان قد ثبت لهم قبله، وتارة يكون الكلام مع المسلمين، وتارة مع الكافرين، وتارة مع من مضى، وتارة مع من حضر، وحيناً في عبادة، وحيناً في معاملة، ووقتاً في ترغيب، ووقتاً في ترهيب، وآونة في بشارة، وآونة في نذارة، وطوراً في أمر دنيا، وطوراً في أمر آخرة، ومرة في تكاليف آتية، ومرة في أقاصيص ماضية، وإذا كانت أسباب النزول مختلفة هذا الاختلاف، ومتباينة هذا التباين الذي لا يتيسر معه الائتلاف، فالقرآن النازل فيها هو باعتباره نفسه مختلف كاختلافها، فكيف يطلب العاقل المناسبة بين الضب، والنون، والماء والنار، والملاح، والحادي؟ وهل هذا إلا من فتح أبواب الشك، وتوسيع دائرة الريب على من في قلبه مرض، أو كان مرضه مجرد الجهل، والقصور، فإنه إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن، ويفردون ذلك بالتصنيف، تقرّر عنده أن هذا أمر لا بد منه، وأنه لا يكون القرآن بليغاً معجزاً إلا إذا ظهر الوجه المقتضى للمناسبة، وتبين الأمر الموجب للارتباط، فإن وجد الاختلاف بين الآيات، فرجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك، فوجده تكلفاً محضاً، وتعسفاً بيناً انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية، وسلامة، هذا على فرض أن نزول القرآن كان مترتباً على هذا الترتيب الكائن في المصحف؛ فكيف، وكل من له أدنى علم بالكتاب، وأيسر حظ من معرفته يعلم علماً يقيناً أنه لم يكن كذلك، ومن شك في هذا، وإن لم يكن مما يشك فيه أهل العلم، رجع إلى كلام أهل العلم العارفين بأسباب النزول، المطلعين على حوادث النبوّة، فإنه ينثلج صدره، ويزول عنه الريب، بالنظر في سورة من السور المتوسطة، فضلاً عن المطوّلة؛ لأنه لا محالة يجدها مشتملة على آيات نزلت في حوادث مختلفة، وأوقات متباينة لا مطابقة بين أسبابها وما نزل فيها في الترتيب، بل يكفي المقصر أن يعلم أن أوّل ما نزل: {أية : ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ } تفسير : [العلق: 1] وبعده {أية : يأَيُّهَا ٱلْمُدَّثّرُ }تفسير : [المدثر: 1] {أية : يأَيُّهَا ٱلْمُزَّمّلُ } تفسير : [المزمل: 1] وينظر أين موضع هذه الآيات، والسور في ترتيب المصحف؟ وإذا كان الأمر هكذا، فأيّ معنى لطلب المناسبة بين آيات نعلم قطعاً أنه قد تقدّم في ترتيب المصحف ما أنزله الله متأخراً، وتأخر ما أنزله الله متقدماً، فإن هذا عمل لا يرجع إلى ترتيب نزول القرآن، بل إلى ما وقع من الترتيب عند جمعه، ممن تصدّى لذلك من الصحابة، وما أقل نفع مثل هذا، وأنزر ثمرته، وأحقر فائدته، بل هو عند من يفهم ما يقول، وما يقال له من تضييع الأوقات، وإنفاق الساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله، ولا على من يقف عليه من الناس، وأنت تعلم أنه لو تصدى رجل من أهل العلم للمناسبة بين ما قاله رجل من البلغاء من خطبه، ورسائله وإنشاءاته، أو إلى ما قاله شاعر من الشعراء من القصائد التي تكون تارة مدحاً، وأخرى هجاء، وحيناً نسيباً، وحيناً رثاءً، وغير ذلك من الأنواع المتخالفة، فعمد هذا المتصدي إلى ذلك المجموع، فناسب بين فقره ومقاطعه، ثم تكلَّف تكلفاً آخر، فناسب بين الخطبة التي خطبها في الجهاد، والخطبة التي خطبها في الحج، والخطبة التي خطبها في النكاح، ونحو ذلك، وناسب بين الإنشاء الكائن في العزاء، والإنشاء الكائن في الهناء وما يشابه ذلك، لعدّ هذا المتصدي لمثل هذا مصاباً في عقله، متلاعباً بأوقاته، عابثاً بعمره الذي هو رأس ماله. وإذا كان مثل هذا بهذه المنزلة وهو ركوب الأحموقة في كلام البشر، فكيف تراه يكون في كلام الله سبحانه الذي أعجزت بلاغته بلغاء العرب، وأبكمت فصاحته فصحاء عدنان، وقحطان؟ وقد علم كل مقصر وكامل أن الله سبحانه وصف هذا القرآن بأنه عربيّ، وأنزله بلغة العرب، وسلك فيه مسالكهم في الكلام، وجرى به مجاريهم في الخطاب. وقد علمنا أن خطيبهم كان يقوم المقام الواحد فيأتي بفنون متخالفة، وطرائق متباينة فضلاً عن المقامين، فضلاً عن المقامات، فضلاً عن جميع ما قاله ما دام حياً، وكذلك شاعرهم. ولنكتف بهذا التنبيه على هذه المفسدة التي تعثَّر في ساحتها كثير من المحققين، وإنما ذكرنا هذا البحث في هذا الموطن؛ لأن الكلام هنا قد انتقل مع بني إسرائيل بعد أن كان قبله مع أبي البشر آدم عليه السلام، فإذا قال متكلف: كيف ناسب هذا ما قبله؟ قلنا: لا كيف:شعر : فَدعْ عَنْكَ نَهباً صِيح في حُجَراته وَهات حَدِيثاً مَا حَدِيثُ الرواحِل تفسير : قوله: {يا بَنِى إِسْرٰءيلَ } اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن إبراهيم عليهم السلام، ومعناه: عبد الله؛ لأن "إسر" في لغتهم هو: العبد، "وإيل" هو: الله، قيل: إن له اسمين. وقيل: إسرائيل لقب له، وهو اسم عجمي غير منصرف. وفيه سبع لغات: إسرائيل بزنة إبراهيم، وإسرائِيل بمدّة مهموزة مختلسة رواها ابن شنبوذ، عن ورش، وإسرائيل بمدّة بعد الياء من غير، همز وهي: قراءة الأعمش، وعيسى بن عمر، وقرأ الحسن من غير همز، ولا مدّ، وإسرائل بهمزة مكسورة. وإسراءَل بهمزة مفتوحة، وتميم يقولون: إسرائين. والذكر هو ضد الإنصات، وجعله بعض أهل اللغة مشتركاً بين ذكر القلب واللسان. وقال الكسائي: ما كان بالقلب، فهو مضموم الذال، وما كان باللسان، فهو مكسور الذال. قال ابن الأنباري: والمعنى في الآية: اذكروا شكر نعمتي، فحذف الشكر اكتفاءً بذكر النعمة، وهي اسم جنس، ومن جملتها أنه جعل منهم أنبياء، وأنزل عليهم الكتب، والمنّ والسلوى، وأخرج لهم الماء من الحجر، ونجاهم من آل فرعون وغير ذلك. والعهد قد تقدم تفسيره. واختلف أهل العلم في العهد المذكور في هذه الآية ما هو؟ فقيل هو: المذكور في قوله تعالى: {أية : خُذُواْ مَا ءاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ } تفسير : [البقرة: 63] وقيل هو: ما في قوله: {أية : وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيباً }تفسير : [المائدة: 12] وقيل: هو قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَـٰبَ }تفسير : [آل عمران: 187]. وقال الزجاج: هو ما أخذ عليهم في التوراة من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: هو أداء الفرائض، ولا مانع من حمله على جميع ذلك. ومعنى قوله: {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } أي: بما ضمنت لكم من الجزاء، والرهب، والرهبة: الخوف، ويتضمن الأمر به معنى التهديد، وتقديم معمول الفعل يفيد الاختصاص كما تقدّم في {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ }تفسير : [الفاتحة: 5] وإذا كان التقديم على طريقة الإضمار، والتفسير، مثل زيداً ضربته {وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ} كان أوكد في إفادة الاختصاص، ولهذا قال صاحب الكشاف: وهو أوكد في إفادة الاختصاص من {أية : إياك نعبد}تفسير : [الفاتحة: 5] وسقطت الياء من قوله: {فَٱرْهَبُونِ} لأنها رأس آية و{مُصَدّقًا } حال من «ما» في قوله: {مَا أُنزِلَتْ } أو من ضميرها المقدّر بعد الفعل، أي: أنزلته. وقوله: {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } إنما جاء به مفرداً، ولم يقل كافرين حتى يطابق ما قبله؛ لأنه وصف لموصوف محذوف مفرد اللفظ، متعدد المعنى نحو فريق، أو فوج. وقال الأخفش، والفراء: إنه محمول على معنى الفعل؛ لأن المعنى أوّل من كفر. وقد يكون من باب قولهم هو، أظرف الفتيان، وأجمله، كما حكى ذلك سيبويه، فيكون هذا المفرد قائماً مقام الجمع، وإنما قال: {أوّل} مع أنه قد تقدّمهم إلى الكفر به كفار قريش؛ لأن المراد أوّل كافر به من أهل الكتاب؛ لأنهم العارفون بما يجب للأنبياء، وما يلزم من التصديق، والضمير في "به" عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم أي: لا تكونوا أوّل كافر بهذا النبي مع كونكم قد وجدتموه مكتوباً عندكم في التوراة، والإنجيل، ميسراً به في الكتب المنزلة عليكم، وقد حكى الرازي في تفسيره في هذا الموضع ما وقف عليه من البشارات برسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتب السابق. وقيل: إنه عائد إلى القرآن المدلول عليه بقوله: {بِمَا أَنزَلْتُ } وقيل: عائد إلى التوراة المدلول عليها بقوله: {لّمَا مَعَكُمْ } وقوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي } أي: بأوامري ونواهيّ {ثَمَناً قَلِيلاً } أي: عيشاً نزراً، ورئاسة لا خطر لها، جعل ما اعتاضوه ثمناً، وأوقع الاشتراء عليه، وإن كان الثمن هو المشترى به، لأن الاشتراء هنا مستعار للاستبدال، أي لا تستبدلوا بآياتي ثمناً قليلاً، وكثيراً ما يقع مثل هذا في كلامهم، وقد قدّمنا الكلام عليه في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ }تفسير : [البقرة: 16]، ومن إطلاق اسم الثمن على نيل عرض من أعراض الدنيا قول الشاعر:شعر : إن كُنتَ حَاوْلتَ دُنْيَا أوْ ظَفِرتَ بِها فَمَا أصَبْت بترك الحج مِنْ ثَمن تفسير : وهذه الآية، وإن كانت خطاباً لبني إسرائيل، ونهياً لهم، فهي متناولة لهذه الأمة بفحوى الخطاب، أو بلحنه، فمن أخذ من المسلمين رشوة على إبطال حق أمر الله به، أو إثبات باطل نهى الله عنه، أو امتنع من تعليم ما علمه الله، وكتم البيان أخذ الله عليه ميثاقه به، فقد اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً، وقوله: {وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ } الكلام فيه كالكلام في قوله تعالى: {وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ } [البقرة: 40] وقد تقدم قريباً. واللبس: الخلط، يقال لبست عليه الأمر ألبسه: إذا خلطت حقه بباطله، وواضحه بمشكله، قال الله تعالى: {أية : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ }تفسير : [الأنعام: 9] قالت الخنساء:شعر : ترى الجليس يقول الحقَّ تحسبه رُشْداً وهيهات فانظر ما به التبسا صدق مقالته واحذَر عداوته والبس عليه أموراً مثلَ ما لَبَسا تفسير : وقال العجاج: شعر : لَما لَبَسنَ الحقَّ بِالتَّجَنيّ غَنِين فاسْتبدلن زيداً منيّ تفسير : ومنه قول عنترة:شعر : وكتيبة لبستهـا بكتيبة حتى إذا التبست نفضت لها يدي تفسير : وقيل: هو مأخوذ من التغطية: أي لا تغطوا الحق بالباطل، ومنه قول الجعدي:شعر : إذا ما الضجيع ثنى جيدها تثنت عليه وكانت لباسا تفسير : وقول الأخطل:شعر : فوقد لبست لهذا الأمر أعصره حتى تجلل رأسي الشيب فاشتعلا تفسير : والأوّل أولى. والباطل في كلام العرب: الزائل، ومنه قو لبيد:شعر : ألا كل شيء ما خلا الله باطل تفسير : وبطل الشيء يبطل بطولاً أو بطلاناً، وأبطله غيره، ويقال ذهب دمه بطلاً: أي هدراً، والباطل: الشيطان، وسمي الشجاع بطلاً؛ لأنه يبطل شجاعة صاحبه، والمراد به هنا خلاف الحق. والباء في قوله: بالباطل يحتمل أن تكون صلة، وأن تكون للاستعانة ذكر معناه في الكشاف، ورجّح الرازي في تفسيره الثاني. وقوله: {وَتَكْتُمُواْ } يجوز أن يكون داخلاً تحت حكم النهي، أو منصوباً بإضمار أن، وعلى الأوّل يكون كل واحد من اللبس، والكتم منهياً عنه، وعلى الثاني يكون المنهي عنه هو: الجمع بين الأمرين، ومن هذا يلوح رجحان دخوله تحت حكم النهي، وأن كل واحد منهما لا يجوز فعله على انفراده، والمراد النهي عن كتم حجج الله التي أوجب عليهم تبليغها، وأخذ عليهم بيانها، ومن فسر اللبس أو الكتمان بشيء معين، ومعنى خاص، فلم يصب أن أراد أن ذلك هو: المراد دون غيره، لا إن أراد أنه مما يصدق عليه. وقوله: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } جملة حالية، وفيه أن كفرهم كفر عناد لا كفر جهل، وذلك أغلظ للذنب، وأوجب للعقوبة، وهذا التقييد لا يفيد جواز اللبس، والكتمان مع الجهل؛ لأن الجاهل يجب عليه أن لا يقدم على شيء حتى يعلم بحكمه خصوصاً في أمور الدين، فإن التكلم فيها، والتصدّي للإصدار، والإيراد في أبوابها إنما أذن الله به لمن كان رأساً في العلم فرداً في الفهم، وما للجهال، والدخول فيما ليس من شأنهم، والقعود في غير مقاعدهم. وقد أخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: {مَعِىَ بَنِى إِسْرٰءيلَ } قال للأحبار من اليهود {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } أي بلائي عندكم، وعند آبائكم لما كان نجاهم به من فرعون، وقومه {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى } الذي أخذت في أعناقكم للنبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه، واتباعه بوضع ما كان عليكم من الإصر، والأغلال {وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ } أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات {وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي: لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي، وبما جاءكم به وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم، وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عنه في قوله: {أَوْفُواْ * بِعَهْدِى } يقول: ما أمرتكم به من طاعتي، ونهيتكم عنه من معصيتي في النبي صلى الله عليه وسلم، وغيره {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } يقول: أرض عنكم، وأدخلكم الجنة. وأخرج ابن المنذر، عن ابن مسعود مثله. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد في قوله: {أَوْفُواْ * بِعَهْدِى } قال: هو: الميثاق الذي أخذه عليهم في سورة المائدة {أية : لَقَدْ أَخَذْنَا * ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ } تفسير : [المائدة: 12] الآية. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: أوفوا لي بما افترضت عليكم أوف لكم بما وعدتكم. وأخرج عبد بن حميد، وأبو الشيخ، عن الضحاك نحوه. وأخرج ابن جرير، عن أبي العالية في قوله: {وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ } قال: فاخشون. وأخرج عبد بن حميد، وابن جريج، عن مجاهد في قوله: {وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ } قال القرآن: {مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ } قال التوراة والإنجيل. وأخرج ابن جريج، عن ابن جرير في قوله: {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } قال: بالقرآن. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في الآية قال: يقول يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت على محمد مصدقاً لما معكم؛ لأنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة، والإنجيل {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } أي: أوّل من كفر بمحمد {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي } يقول: لا تأخذا عليه أجراً، قال: وهو: مكتوب عندهم في الكتاب الأوّل: يابن آدم علم مجاناً كما علمت مجاناً. وأخرج أبو الشيخ عنه قال: لا تأخذ على ما علمت أجراً، إنما أجر العلماء، والحكماء، والحلماء على الله. وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ } قال: لا تخلطوا الصدق بالكذب {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ } قال: لا تكتموا الحق، وأنتم قد علمتم أن محمداً رسول الله. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {وَلاَ تَلْبِسُواْ } الآية، قال: لا تلبسوا اليهودية، والنصرانية بالإسلام {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ } قال: كتموا محمداً وهم يعلمون أنه رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة، والإنجيل. وأخرج ابن جرير عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: الحق التوراة، والباطل الذي كتبوه بأيديهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {يا بَنِي إسْرَائِيلَ اذْكُرُا نعمتي الَّتي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}. وإسرائيل هو يعقوبُ بنُ إسحاقَ بن إبراهيمَ، قال ابنُ عباس: "إسرا" بالعبرانية: عبد، و"إيل" هو الله، فكان اسمه عبدَ الله. وقوله: {اذْكُروا نِعْمَتِيَ} والذكر اسم مشترك، فالذكر بالقلب ضد النسيان، والذكر باللسان ضد الإنصات، والذكر الشرف، وقال الكسائي: ما كان بالقلب فهو مضموم الذال، وقال غيره: هو لغتان: ذِكر وذُكر، ومعناهما واحد. والمراد بالآية الذكر بالقلب، وتقديره: لا تغفلوا عن نعمتي، التي أنعَمْتُ عليكم ولا تَنَاسَوْها. وفي النعمة التي أنعمها عليهم قولان: أحدهما: عموم نِعَمِهِ الَّتي أنعم بها على خلْقِهِ، كما قال تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [النحل: 18]. والثاني: وهو قول الحسن البصري، أنه أراد نِعَمَهُ عَلَى آبائهم، إذ نجَّاهم من آل فرعون، وجعل منهم الأنبياء، وأنزل عليهم الكتب، وفجَّر لهم الحَجَرَ، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، والنعم على الآباء، نعم على الأبناء، لأنهم يَشْرُفون بشرف آبائهم. وفي قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} قولان: أحدهما: أوفوا بعهدي الذي أخذتُ عليكم من الميثاق، أن تؤمنوا بي وتصدقوا رُسُلي، أُوفِ بعهدكم على ما وعدتكم من الجنة. والثاني: قاله عبد الله بن عباس: أَوْفُوا بما أَمَرْتُكم، أُوفِ بما وَعَدْتُكم إِيَّاهُ. وفي تسمية ذلك عهداً قولان: أحدهما: لأنه عَهْدُهُ في الكتب السالفةِ. والثاني: أنه جعله كالعهد، الذي هو يمين لِلُزُوم الوفاءِ بهما معاً. قوله عز وجل: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ} يعني من القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، {مُصَدٍِّقاً لِمَا مَعَكُمْ} يعني من التوراة، وفيه ثلاثة أقاويل: أحدها: مصدقاً لما في التوراة، من توحيد الله وطاعته. والثاني: مصدقاً لما في التوراة، أنها من عند الله. والثالث: مصدقاً لما في التوراة من ذكر القرآن، وبَعْثِهِ مُحمداً صلى الله عليه وسلم نبيّاً. وفي قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا أُوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} ثلاثة أقاويل: أحدها: ولا تكونوا أول كافرٍ بالقرآن من أهل الكتاب، وهو قول ابن جريجٍ. والثاني: ولا تكونوا أول كافر بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم، وهذا قول أبي العالية. والثالث: ولا تكونوا أول كافرٍ بما في التوراة والإنجيل من ذكر محمدٍ وتصديقِ القرآن. وفي قوله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} ثلاثةُ تأويلاتٍ: أحدها: لا تأخذوا عليه أجراً، وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: "يا ابن آدم علِّم مجَّاناً كما عُلِّمْتَ مجَّاناً"، وهذا قول أبي العالية. والثاني: لا تأخذوا على تغييره وتبديله ثمناً، وهذا قول الحسن البصري. والثالث: لا تأخذوا ثمناً قليلاً على كتم ما فيه من ذكر محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وتصديق القرآن، وهذا قول السدي.

ابن عطية

تفسير : {يا} حرف نداء مضمن معنى التنبيه. قال الخليل: "والعامل في المنادي فعل مضمر كأنه يقول: أريد أو أدعو". وقال أبو علي الفارسي: العامل حرف النداء عصب به معنى الفعل المضمر فقوي فعمل، ويدل على ذلك أنه ليس في حروف المعاني ما يلتئم بانفراده مع الأسماء غير حرف النداء، و {بني} منادى مضاف و {إسرائيل} هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، وهو اسم أعجمي يقال فيه أسراءل وإسرائيل وإسرائل، وتميم تقول إسرائين، وإسرا هو بالعبرانية عبد وإيل اسم الله تعالى فمعناه عبد الله. وحكى المهدوي أن -إسرا- مأخوذ من الشدة في الأسر كأنه الذي شد الله أسره وقوى خلقته. وروي عن نافع والحسن والزهري وابن أبي إسحاق ترك همز إسراييل، والذكر في كلام العرب على أنحاء، وهذا منها ذكر القلب الذي هو ضد النسيان، والنعمة هنا اسم الجنس فهي مفردة بمعنى الجمع، وتحركت الياء من {نعمتي} لأنها لقيت الألف واللام، ويجوز تسكينها، وإذا سكنت حذفت للالتقاء وفتحها أحسن لزيادة حرف في كتاب الله تعالى، وخصص بعض العلماء النعمة في هذه الآية. فقال الطبري: "بعثة الله الرسل منهم وإنزال المن والسلوى، وإنقاذهم من تعذيب آل فرعون، وتفجير الحجر". وقال غيره: "النعمة هنا أن دركهم مدة محمد صلى الله عليه وسلم". وقال أخرون: "هي أن منحهم علم التوراة وجعلهم أهله وحملته". قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذه أقوال على جهة المثال، والعموم في اللفظة هو الحسن. وحكى مكي: أن المخاطب من بني إسرائيل بهذا الخطاب هم المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم، لأن الكافر لا نعمة لله عليه. وقال ابن عباس وجمهور العلماء: بل الخطاب لجميع بني إسرائيل في مدة النبي عليه السلام، مؤمنهم وكافرهم، والضمير في {عليكم} يراد به على آبائكم كما تقول العرب ألم نهزمكم يوم كذا لوقعة كانت بين الآباء والأجداد، ومن قال إنما خوطب المؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم استقام الضمير في {عليكم} ويجيء كل ما توالى من الأوامر على جهة الاستدامة. وقوله تعالى: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} أمر وجوابه. فقال الخليل: "جزم الجواب في الأمر من معنى الشرط، والوفاء بالعهد هو التزام ما تضمن من فعل". وقرأ الزهري: "أوَفّ" بفتح الواو وشد الفاء للتكثير. واختلف المتأولون في هذا العهد إليهم فقال الجمهور ذلك عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه فيدخل في ذلك ذكر محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة، وقيل العهد قوله تعالى: {أية : خذوا ما آتيناكم بقوة} تفسير : [البقرة: 63، 93]، وقال ابن جريج: العهد قوله تعالى: {أية : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل} تفسير : [المائدة: 12]، وعهدهم هو أن يدخلهم الجنة، ووفاؤهم بعهد الله أمارة لوفاء الله تعالى لهم بعهدهم، لا علة له، لأن العلة لا تتقدم المعلول. وقوله تعالى: {وإياي فارهبون} الاسم إيا والياء ضمير ككاف المخاطب، وقيل {إياي} بجملته هو الاسم، وهو منصوب بإضمار فعل مؤخر، تقديره: وإياي ارهبوا فارهبون، وامتنع أن يتقدر مقدماً لأن الفعل إذا تقدم لم يحسن أن يتصل به إلا ضمير خفيف، فكان يجيء وارهبون، والرهبة يتضمن الأمر بها معنى التهديد وسقطت الياء بعد النون لأنها رأس آية. وقرأ ابن أبي إسحاق بالياء، {وآمنوا} معناه صدقوا، و {مصدقاً} نصب على الحال من الضمير في {أنزلت}، وقيل ما "والعامل فيه {آمنوا} وما أنزلت كناية عن القرآن، و {لما معكم} يعني من التوراة وقوله تعالى: {ولا تكونوا أول كافر به} هذا من مفهوم الخطاب الذي: المذكور فيه والمسكوت عنه حكمهما واحد، فالأول والثاني وغيرهما داخل في النهي، ولكن حذروا البدار إلى الكفر به إذ على الأول كفل من فعل المقتدى به، ونصب أول على خبر كان. قال سيبويه: {أول} أفعل لا فعل له لاعتلال فائه وعينه" قال غير سيبويه: "هو أوأل من وأل إذا نجا، خففت الهمزة وأبدلت واواً وأدغمت". وقيل: إنه من آل فهو أأول قلب فجاء وزنه أعفل، وسهل وأبدل وأدغم، ووحد كافر وهو بنية الجمع لأن أفعل إذا أضيف إلى اسم متصرف من فعل جاز إفراد ذلك الاسم، والمراد به الجماعة. قال الشاعر: [الكامل] شعر : وإذا همُ طعموا فألأمُ طاعمٍ وإذا همُ جاعوا فشرُّ جياع تفسير : وسيبويه يرى أنها نكرة مختصرة من معرفة كأنه قال ولا تكونوا أول كافرين به وقيل معناه: ولا تكونوا أول فريق كافر به. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وقد كان كفر قبلهم كفار قريش، فإنما معناه من أهل الكتاب، إذ هم منظور إليهم في مثل هذا، لأنهم حجة مظنون بهم علم، واختلف في الضمير في {به} على من يعود، فقيل على محمد عليه السلام، وقيل على التوراة إذ تضمنها قوله: {لما معكم}. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وعلى هذا القول يجيء {أول كافر به} مستقيماً على ظاهرة في الأولية، وقيل الضمير في {به} عائد على القرآن، إذ تضمنه قوله {بما أنزلت}. واختلف المتأولون في الثمن الذي نهوا أن يشتروه بالآيات. فقالت طائفة: إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة، فنهوا عن ذلك وفي كتبهم: علم مجاناً كما علمت مجاناً أي باطلاً بغير أجرة. وقال قوم: كانت للأحبار مأكلة يأكلونها على العلم كالراتب فنهوا عن ذلك. وقال قوم: إن الأحبار أخذوا رشى على تغيير قصة محمد عليه السلام في التوراة، ففي ذلك قال تعالى: {أية : ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} تفسير : [البقرة: 41، المائدة: 44]. وقال قوم: معنى الآية ولا تشتروا بأوامري ونواهيَّ وآياتي ثمناً قليلاً، يعني الدنيا ومدتها والعيش الذي هو نزر لا خطر له، وقد تقدم نظير قوله {وإياي فاتقون} وبين {اتقون} و {ارهبون} فرق، ان الرهبة مقرون بها وعيد بالغ.

ابن عبد السلام

تفسير : {إِسْرَآءِيلَ} يعقوب، إسرا ـ بالعبرانية ـ عبد، وإيل هو الله ـ تعالى ـ فهو عبد الله. {أذْكُرُواْ} الذّكِر باللسان وبالقلب، والذُّكر بالشرف بضم الذال وكسرها في القلب واللسان. أو بالضم في القلب وبالكسر في اللسان، ومراد الآية ذكر القلب، يقول: لا تتناسوا نعمتي. {نِعْمَتىَ} إنعامي العام على خلقي، أو إنعامي على آبائكم بما ذكر في هذه السورة، فالإنعام على الآباء شرف للأبناء. {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى} أوفوا بما أمرتكم به {أوف} بما وعدتكم، أو أوفوا بما أنزلته في كتابكم، "أن تؤمنوا بي وبرسلي" أوف لكم بالجنة، سماه عهداً، لأنه عهد به إليهم في الكتب السالفة، أو جعل الأمر كالعهد الذي هو يمين لاشتراكهما في لزوم الوفاء بهما.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {إسرائيل} بغير همزة حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف {نعمتي} وكذلك ما بعدها ساكنة الياء: أبو زيد عن المفضل {فارهبوني} {فاتقوني} بالياء في الحالين: يعقوب، وكذلك كل ياء محذوفة في الخط عند رأس الآية. وروى مسبح بن حاتم وابن دريد عن سهل وعباس بالياء في الوصل. {أول كافر به} ممالة: قتيبة وأحمد بن فرج. الوقوف: {فارهبون} (ه) ربع الجزء. {كافر به} (ص) لاتفاق الجملتين وعلى {قليلاً} أجوز لاختلاف النظم بتقديم المفعول. {فاتقون} (ه) {تعلمون} (ه) {الراكعين} (ه) {الكتاب} (ط) {تعقلون} (ه) {الصلاة} (ط) {خاشعين} (لا) لأن "الذين" صفتهم. {راجعون}. التفسير: أنه تعالى لما أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، ثم ذكر الإنعامات العامة للبشر ومن جملتها خلق آدم إلى تمام قصته، أردفها الإنعامات. الخاصة على أسلاف اليهود، إلانة لشكيمتهم واستمالة لقلوبهم وتنبيهاً على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من حيث كونه إخباراً بالغيب مدرجاً في مطاوي ذلك ما يرشدهم إلى أصول الأديان ومكارم الأخلاق، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم غير منصرف للعلمية والعجمية المعتبرة لقب له، ومعناه صفوة الله. وقيل: عبد الله، لأن "إسر" بالعبرية هو العبد، "وإيل" الله. وقوله {يا بني إسرائيل} خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ولد يعقوب في أيام محمد صلى الله عليه وسلم. وحد النعمة وما يتعلق بها قد سبق في تفسير الفاتحة. والعائد من الصلة محذوف أي أنعمت بها عليكم. قال بعض العارفين: عبيد النعم كثيرة، وعبيد المنعم قليلون، فإن الله تعالى ذكر بني إسرائيل نعمه عليهم، ولما آل الأمر إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ذكرهم المنعم فقال {أية : فاذكرني أذكركم} تفسير : [البقرة: 152] عن ابن عباس أنه قال: من نعمه تعالى على بني إسرائيل أن نجاهم من آل فرعون، وظلل عليهم في التيه الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأعطاهم الحجر الذي كان يسقيهم ما شاءوا، وأعطاهم عموداً من النور أضاء لهم بالليل، وكانت رؤوسهم لا تتشعث وثيابهم لا تبلى، وفي تذكير هذه النعم فوائد: منها أن فيها ما يشهد بصدق محمد صلى الله عليه وسلم وهو التوراة والإنجيل والزبور. ومنها أن كثرة النعم توجب عظم المعصية، فذكرهم إياها ليحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. ومنها أن تذكر النعم الكثيرة يوجب الحياء من إظهار المخالفة. ومنها أن كثرة النعم تفيد أن المنعم خصهم بها من بين سائر الناس، ومن خص أحداً بنعم كثيرة فالظاهر أنه لا يزيلها عنهم كما قيل: إتمام المعروف خير من ابتدائه. فتذكير النعم السالفة مطمع في النعم الآتية، وذلك الطمع يمنع من إظهار المخالفة والمخاصمة. والنعمة على الآباء نعمة على الأبناء إذ لولاها لم يبق نسلهم، ولأن الانتساب إلى آباء خصهم الله تعالى بنعم الدين والدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد، ولأنهم إذا علموا أن آباءهم إنما خصوا بهذه النعم لمكان طاعتهم والإعراض عن الكفر والجحود، رغبوا في هذه الطريقة لأن الابن مجبول على اتباع الأب "من أشبه أباه فما ظلم". والعهد يضاف إلى المعاهد جميعاً. يقال: أوفيت بعهدي أي بما عاهدتك عليه، وأوفيت بعهدك أي بما عاهدتك عليه. والمعنى: أوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي أوف بعهدكم أي أرض عنكم وأدخلكم الجنة حكاه الضحاك عن ابن عباس. وتحقيقه في قوله تعالى {أية : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله} تفسير : [التوبة: 111] وقيل: المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه سيبعثه، وإليه الإشارة في قوله {أية : ولقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيباً} تفسير : [المائدة: 12]إلى قوله {أية : ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار}تفسير : [المائدة: 12] وفي الأعراف {أية : فسأكتبها للذين يتقون} تفسير : [الأعراف: 156] الآية. وفي آل عمران {أية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم}تفسير : [آل عمران: 81] وفي الصف {أية : وإذ قال عيسى بن مريم} تفسير : [الصف: 6] وعن ابن عباس: إن الله كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً، فمن تبعه وصدق بالتوراة الذي يأتي به أي بالقرآن غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين، أجراً باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل، وأجراً باتباع ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي الذي من ولد إسماعيل وتصديق هذا في القرآن {أية : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته} تفسير : [الحديد: 28]. وعن أبي موسى الأشعري مرفوعاً "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجران، ورجل أدّب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران، ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران" فإن قيل: لو كان الأمر كما قلتم، فكيف يجوز من جماعتهم جحده صلى الله عليه وسلم؟ قلنا: إما لأن هذا العلم به صلى الله عليه وسلم كان حاصلاً عند العلماء بكتبهم ولم يكن لهم عدد كثير فجاز منهم كتمانه صلى الله عليه وسلم، وإما لأن ذلك النص كان نصاً خفياً لعدم تعيين الزمان والمكان بحيث يعرفه كل أحد، فجاز وقوع الشكوك والشبهات فيه. جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة: أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك لله تعالى. فقال لها: يا هاجر أين تريدين؟ قالت: أهرب من سيدتي سارة. فقال: ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك وذريتك، وستحبلين وتلدين ابناً تسميه إسماعيل، من أجل أن الله سمع خشوعك، وهو يكون عيناً بين الناس وتكون يده فوق الجميع، ويد بجميع مبسوطة إليه بالخضوع. فقيل: هذا الكلام خرج مخرج البشارة لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف، فلما جاء الإسلام استولوا على الخافقين بالإسلام ومازجوا الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة. {وإياي فارهبون} فلا تنقضوا عهدي وهو من قولك: زيد أرهبته أي زيداً رهبت رهبته بتقديم المفعول للاختصاص. فتقديره: وإياي ارهبوا فارهبون. وهو أوكد في إفادة الاختصاص من {أية : إياك نعبد} تفسير : [الفاتحة: 4] لمكان الفاء المؤذنة بتلازم ما قبلها وما بعدها. أي إن كنتم راهبين شيئاً فارهبون. ومن قبل التكرير ولأجل الإضمار والتفسير. والرهبة هي الخوف، والخوف إما من العقاب وهو نصيب أهل الظاهر، وإما من الجلال وهو وظيفة أرباب القلوب، والأول يزول، والثاني لا يزول. ومن كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس. يروى أنه ينادي مناد يوم القيامة: وعزتي وجلالي أني لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين، من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة، ومن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة. قوله {وآمنوا} معطوف على {اذكروا} والمراد {بما أنزلت} القرآن و {مصدقاً} حال مؤكدة من الراجع المحذوف وفيه تفسيران: أحدهما أن في القرآن أن موسى وعيسى حق، والتوراة والإنجيل حق، والتوراة أنزل على موسى، والإنجيل على عيسى، فكان الإيمان بالقرآن مؤكداً للإيمان بالتوراة والانجيل والثاني أنه حصلت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن في التوراة والإنجيل، فكان الإيمان بمحمد والقرآن تصديقاً للتوراة والإنجيل، والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن تكذيباً لهما، وفي هذا التفسير دلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من جهة أن شهادة كتب الأنبياء لا تكون إلا حقاً، ومن جهة أنه صلى الله عليه وسلم أخبر عن كتبهم ولم يكن له صلى الله عليه وسلم معرفة بذلك الأمر قبل الوحي {ولا تكونوا أول كافر به} صلى الله عليه وسلم أي أوّل من كفر به صلى الله عليه وسلم، أو أوّل فريق أو فوج كافر به صلى الله عليه وسلم، أو ولا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به كقوله "كسانا حلة" أي كل واحد منا. (وهنا سؤالان) الأول: كيف جعلوا أوّل من كفر به صلى الله عليه وسلم وقد سبقهم إلى الكفر به صلى الله عليه وسلم مشركو العرب؟ وفي الجواب وجوه: الأوّل: أنه تعريض وأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به صلى الله عليه وسلم لمعرفتهم به صلى الله عليه وسلم وبصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمان محمد صلى الله عليه وسلم والمستفتحين به على الذين كفروا، وكانوا يعدّون أتباعه أولى الناس كلهم. فلما بعث كان أمرهم على العكس {أية : فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} تفسير : [البقرة: 89]. والثاني: ولا تكونوا مثل أوّل كافر به يعني من أشرك من أهل مكة أي ولا تكونوا - وأنتم تعرفونه صلى الله عليه وسلم موصوفاً في التوراة - مثل من لم يعرفه صلى الله عليه وسلم لأنه لا كتاب له. الثالث: {ولا تكونوا أول كافر به} من أهل الكتاب، لأن هؤلاء كانوا أول من كفر به وبالقرآن من بني إسرائيل. الرابع {ولا تكونوا أوّل كافر به} يعني بكتابكم. يقول ذلك لعلمائهم، لأن تكذيبكم بمحمد صلى الله عليه وسلم يوجب تكذيبكم بكتابكم. الخامس: المراد بيان تغليظ كفرهم، وذلك أن السابق إلى الكفر كفره غليظ "حديث : من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها" تفسير : والكافر عن دليل ومعرفة بما يوجب الإيمان كفره أغلظ ممن كفر ولا دليل له على الإيمان، فاشتركا من هذا الوجه، فصح إطلاق أحدهما على الآخر. السادس: ولا تكونوا أوّل من جحد مع المعرفة. السابع: أوّل فريق كفر من اليهود لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وبها قريظة والنضير، فكفروا ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر. الثامن: ولا تكونوا أول الكافرين به صلى الله عليه وسلم عند سماعكم بذكره صلى الله عليه وسلم، بل تثبتوا وراجعوا عقولكم فيه صلى الله عليه وسلم. السؤال الثاني: كأنه يجوز لهم الكفر إذا لم يكونوا أوّل الجواب ليس في ذكر الشيء دلالة على أن ما عداه بخلافه. وأيضاً في قوله {وآمنوا} دلالة على أن كفرهم أولاً وآخراً محظور. وأيضاً قوله {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير. وقوله {أية : رفع السموات بغير عمد ترونها} تفسير : [الرعد: 2] لا يدل على وجود عمد لا نراها فكذلك ههنا. قال المبرد: هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم، فقيل لهم: لا تكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فإنه سيكون بعدكم كفار، فلا تكونوا أنتم أول الكفار فإنه يكون عليكم وزر من كفر إلى يوم القيامة. والاشتراء استعارة للاستبدال كما قلنا في {أية : اشتروا الضلالة بالهدى} تفسير : [البقرة: 16] أي لا تستبدلوا بآياتي ثمناً قليلاً، وإلا فالثمن هو المشترى به، والثمن القليل هو الرياسة التي كانت لهم في قومهم. خافوا عليها لفوات لو تبعوا دين الإسلام. وقيل: الثمن هو الرشا التي يأخذها علماؤهم على تحريف الكلم عن مواضعه وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع {وإياي فاتقون} مثل {وإياي فارهبون} وقيل: الاتقاء إنما يكون عند الجزم بحصول ما يتقى عنه، فكأنه أمرهم بالرهبة. على أن جواز العقاب قائم، ثم أمرهم بالتقوى على أن يقين العقاب قائم. قوله {ولا تلبسوا} أمر بترك الإغواء والإضلال كما أن قوله {وآمنوا} أمر بترك الكفر والضلال. ولإضلال الغير طريقان: لأنه إن سمع الدلائل فإضلاله بتشويشها عليه، وإن لم يسمعها فإضلاله بكتمانها ومنعه من الوصول إليها. فقوله {ولا تلبسوا} إشارة إلى القسم الأول، وقوله {وتكتموا} المجزوم بلا المقدرة للنهي عطفاً على المنهي قبله إشارة إلى القسم الثاني. والباء التي في {بالباطل} إما للوصل كما في قولك "لبست الشيء بالشيء" خلطته به، فكان المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم حتى لا يميز بينهما. وإما للاستعانة كما في "كتبت بالقلم" فالمعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبساً بباطلكم وهو الشبهات التي توردونها على السامعين. وذلك أن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد صلى الله عليه وسلم كانت نصوصاً خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوّشون وجه الدلالة على المتأملين كقوله {أية : وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق}تفسير : [غافر: 5] قيل: ويجوز أن يكون {وتكتموا} منصوباً بإضمار "أن"، والواو بمعنى الجمع أي لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق نحو "لا تأكل السمك وتشرب اللبن". قلت: هذا التقدير يوهم أن يكون المحظور هو الجمع بين الأمرين كالجمع بين أكل السمك وشرب اللبن حتى لو أتى بكل منهما منفرداً عن الآخر جاز، اللهم إلا أن يحال ذلك على القرينة كما في قوله {أية : ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً} تفسير : [الدهر: 24] إذ لا يجوز أن يريد أطع أحدهما لقرينة الإثم والكفر. {وأنتم تعلمون} ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة "حديث : من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها" تفسير : والنهي عن اللبس والكتمان وإن قيد بالعلم لم يدل على جوازهما حال عدم العلم، لأن السبب في ذكره أن الإقدام على الفعل الضار مع العلم بكونه ضاراً أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضاراً، والنهي وإن كان خاصاً لكنه عام، فكل عالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه. ثم لما أمرهم بذكر نعمته وبالإيمان برسوله وكتابه ونهاهم عن اللبس والكتمان، بين لهم ما لزمهم من أصول الشرائع فقال {وأقيموا الصلاة} أي التي عرفتموها بوصف النبي، بناء على أنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب. وأما القائلون بجواز التأخير فقد جوزوا ورود الأمر بالصلاة وإن لم يعرف حقيقتها، ويكون المقصود أن يوطن السامع نفسه على الامتثال وإن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما لو قال السيد لعبده: إني آمرك غداً بشيء فلا بد أن تفعله. ويكون الغرض أن يعزم العبد في الحال على أدائه في الوقت الثاني. ومعنى الصلاة لغة وشرعاً قد تقدم في أول البقرة. وأما الزكاة فهي في اللغة، الزيادة والنماء، وفي الشرع القدر المخرج من النصاب لأنها تزيد في بركة المخرج عنه، ويمكن أن يقال: مأخوذة من التطهير من زكى نفسه تزكية إذا مدحها وطهرها من العيوب. قال تعالى {أية : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} تفسير : [التوبة: 103] فإن المخرج يطهر ما بقي من المال. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : عليك بالصدقة فإن فيها ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة. فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق، وتكثر المال، وتعمر الدار. وأما التي في الآخرة فتستر العورة، وتصير ظلاً فوق الرأس، وتكون ستراً من النار"تفسير : . وفي هذا الخطاب مع اليهود دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع. وفي قوله {واركعوا مع الراكعين} وجوه: أحدها أن اليهود لا ركوع في صلاتهم، فخص الركوع بالذكر تحريضاً لهم على الإتيان بصلاة المسلمين. وثانيها صلوا مع المصلين فلا تكرار لأن الأول أمر بإقامتها، والثاني أمر بالجماعة. وثالثها الركوع والخضوع لغة سواء، فيكون نهياً عن الاستكبار المذموم وأمراً بالتذلل للمؤمنين، ثم إنه سبحانه لما أمرهم بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم رغبهم في ذلك بناء على مأخذ آخر، وهو أن التغافل عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول. والهمزة في {أتأمرون} للتقرير مع التقريع، والتعجيب من حالهم. والبر اسم جامع لأعمال الخير، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما وعمل مبرور مرضي. واختلف في البر ههنا. قال السدي: إنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله ثم يتركونها وينهونهم عن معصية الله ويرتكبونها. وقال ابن جريج. تأمرون الناس بالصلاة والزكاة وتتركونهما. أبو مسلم: كانوا قبل مبعث النبي يخبرون مشركي العرب أن رسولاً سيظهر منكم ويدعو إلى الحق ويرغبونهم في أتباعه، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم حسدوه وأعرضوا عن دينه. الزجاج: يأمرون الناس بالصدقة ويشحون بها. وقيل: يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه. وقيل: يأمرون غيرهم باتباع التوراة وهم يخالفونها لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم ثم ما آمنوا به. وقيل: لعل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباعه في الظاهر وينكرونه صلى الله عليه وسلم في الباطن، فوبخهم الله على ذلك. والنسيان هو السهو الحادث بعد حصول العلم، والناسي غير مكلف فكيف يتوجه الذم على ما صدر عنه؟ فإذن المراد وتغفلون عن حق أنفسكم وتعدلون عما لها فيه من النفع {وأنتم تتلون الكتاب} أي التوراة وتدرسونها وتعلمون ما فيها من أعمال البر ومن نعت محمد صلى الله عليه وسلم ومن الوعيد على ترك البر ومخالفة القول العمل {أفلا تعقلون}؟ وهو تعجيب للعقلاء من أفعالهم. وكثيراً ما يحذف الفعل بعد همزة الاستفهام للعلم به والتقدير: أفعلتم ذلك فلا تعقلون. وقس على هذا نظائره في القرآن فإنها كثيرة. وللتعجيب وجوه: منها أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير إلى المصالح وتحذيره عن المفاسد، وإرشاد النفس إليها وتحذيرها منها أهم بشواهد العقل والنقل، فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بما لا يقبله العقل الصحيح. ومنها أن مثل هذا الوعظ يصير سبباً للمعصية لأن الناس يقولون لولا أن هذا الواعظ مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات لما أقدم على المناهي، فيكون داعياً لهم إلى التهاون بالدين والجرأة على المعاصي، وهذا مناف للغرض من الوعظ فلا يليق بالعقلاء. ومنها أن غرض الواعظ ترويج كلامه وتنفيذ مرامه، فلا خالف إلى ما نهى عنه صار كلامه بمعزل عن القبول وهذا خلاف المعقول. قال بعضهم: ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر استدلالاً بهذه الآية، وبقوله تعالى {أية : لم تقولون ما لا تفعلون} تفسير : [الصف: 2] وبأن الزاني بامرأة يقبح منه أن ينكر عليها، وأجيب بأن المكلف مأمور بشيئين: ترك المعصية، ومنع الغير عنها، والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر. والذم في الآية مترتب على الشق الثاني وهو نسيان النفس لا على مجموع الأمرين، قالوا: وحديث القبح ممنوع. قلت: والحق أنه مكابرة، فعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار. فقلت: يا أخي يا جبريل من هؤلاء؟ فقال: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم"تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : إن في النار رجلاً يتأذى أهل النار بريحه. فقيل: من هو يا رسول الله؟ قال: عالم لا ينتفع بعلمه" تفسير : وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه"تفسير : وعن الشعبي: يطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون: لم دخلتم النار فإنا دخلنا الجنة بفضل تعليمكم؟ فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله. وقيل: من وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه. وقيل: عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل. روي أن يزيد بن هارون مات - وكان واعظاً زاهداً مات - فرؤي في المنام فقيل: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي، وأوّل ما سألني منكر ونكير فقالا: من ربك؟ فقلت: أما تستحيان من شيخ دعا الناس إلى الله كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك. وقيل للشبلي عند النزع: قل لا إله إلا الله. فقال: شعر : إن بيتـــاً أنـــت ســاكنـــه غيـــــر محتــــاج إلـــى ســـــرج تفسير : ولما أمرهم الله تعالى بالإيمان وترك الإضلال وبالتزام الشرائع وموافقة القول للفعل وكان ذلك شاقاً عليهم لما فيه من ترك الرياسات والإعراض عن المال والجاه، عالج الله تعالى هذا المرض بقوله {واستعينوا بالصبر والصلاة} فكأنه قيل: واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر أي حبس النفس عن اللذات، فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها. ثم إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك كمل الأمر، لأن المشتغل بالصلاة مشتغل بذكر لطفه وقهره، فإذا تذكر لطفه مال إلى الطاعة، وإذا تذكر قهره انتهى عن المعصية. وقيل: الصبر الصوم لأنه حبس النفس عن المفطرات ومنه يقال: شهر الصبر لشهر رمضان. ومن حبس نفسه عن قضاء شهوتي البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله. وإنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات. ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء أي استعينوا على البلاء بالصبر والالتجاء إلى الدعاء والابتهال في دفعه إلى فاطر الأرض والسماء. وهذا الخطاب وإن كان خاصاً ببني إسرائيل وإلا لزم تفكك النظم، لكن المعنى على العموم فعلى كل مكلف أن يستعين على حوائجه إلى الله بالصلاة والصبر على تكاليفها مراعياً في ذلك ما يجب من الإخلاص وحسن الأدب واستحضار العلم بأنها انتصاب بين يدي الجبار العالم بالطويات والأسرار ومنه قوله {أية : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها} تفسير : [طه: 132]. ومن خواص الصلاة اندفاع البلايا وانكشاف الغموم والرزايا. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. وإنها أي الصلاة أو الاستعانة أو جميع المأمورات والمنهيات في هذه الآيات لكبيرة لشاقة ثقيلة {أية : كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} تفسير : [الشورى: 13] {إلا على الخاشعين الذين يظنون} يعلمون أنهم ملاقو جزاء ربهم وأنهم إلى حكمه راجعون، فتصدر عنهم الأعمال مع طيب نفس وانشراح صدر، وهذا بخلاف حال المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً. فالملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة لا يواتيه طبعه في الاشتغال بها وإن كان زماناً يسيراً فتثقل عليه، والموحد حيث اعتقد في فعلها أعظم المنافع وهو الفوز بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم يهون عليه تزجية الأوقات بوظائف العبادات. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي حتى تورّمت قدماه، ومع ذلك يقول: "حديث : يا بلال روّحنا"، "حديث : وجعلت قرة عيني في الصلاة"تفسير : والخشوع والخضوع أخوان وهما التطامن والتواضع، ومنه الخشعة للأكمة المتواضعة. وفي الحديث "حديث : كانت الأرض خاشعة على الماء ثم دحيت"تفسير : وللظن ههنا تفسيران: أحدهما أنه بمعنى العلم تجوّزاً لأن الظن هو الاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض، وتجويز نقيض لقاء الرب أي البعث والنشور كفر فكيف يمدح به؟ وسبب هذا التجوز أنهما يشتركان في رجحان الاعتقاد، وإن افترقا بتجويز النقيض وعدمه فصح إطلاق أحدهما على الآخر، ولا سيما إذا كان الظن عن أمارة قوية تقرّبه من العلم. وثانيهما أن الظن بمعناه الحقيقي والمراد بملاقاة الرب، إما لقاء ثوابه وذلك مظنون لا معلوم، وإما الموت الذي هو سبب اللقاء ووقته غير معلوم إلا أنه متوقع كل لحظة وقوعاً راجحاً عند المؤمن، لأنه قطع أمله أو لأنه يحب لقاء ربه {أية : إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت} تفسير : [الجمعة: 6]. ويحتمل أن يقال: معناه على هذا التفسير الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم بذنوبهم، فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى الله بذنوبه، فعند ذلك يتسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح. وبقي ههنا بحثان: الأول: استدل أهل السنة بالآية على جواز رؤية الله تعالى، وأنكرها المعتزلة قالوا: اللقاء لا يفيد الرؤية لقوله تعالى {أية : فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه} تفسير : [التوبة: 77] والمنافق لا يرى ربه، ولقوله {أية : واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه} تفسير : [البقرة: 223] ويشمل الكافر والمؤمن. وقال صلى الله عليه وسلم "حديث : من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان"تفسير : وأجيب بأن اللقاء في اللغة وصول أحد الجسمين إلى الآخر اتصال التماس، وهذا اللقاء سبب الإدراك. فحيث يمتنع حمله على أصله وجب حمله على الإدراك، لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز. فإن منع من ذلك أيضاً مانع أضمر بحسب ذلك، فإن الإضمار خلاف الأصل لا يصار إليه إلا لمانع. ففي قوله {أية : إلى يوم يلقونه}تفسير : [التوبة: 77] دعت الضرورة إلى إضمار الجزاء ونحوه، وفي الآية لا ضرورة، فحمله على الإدراك أولى. البحث الثاني: المراد من الرجوع إلى الله الرجوع إلى حكمه حيث لا مالك لهم سواه {أية : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار}تفسير : [غافر: 16] كما كانوا كذلك في أول الخلق بخلاف أيام حياتهم في الدنيا، فإنه قد يملك الحكم عليهم ظاهراً غير الله تعالى. قال المجسمة: الرجوع إلى غير الجسم محال فدل ذلك على كونه تعالى جسماً. وقال أهل التناسخ: الرجوع إلى الشيء مسبوق بالكون عنده فدلت الآية على كون الأرواح قديمة ولا يخفى جوابهما والله أعلم.

ابن عادل

تفسير : [اعلم] أنه لما أقام دلائل التوحيد، والنبوة، والمعاد أولاً، ثم عقبها بذكر الإنعامات العامّة لكل البشر عقبها بذكر الإنعامات الخاصّة على أسلاف اليَهُودِ استمالةً لقلوبهم، وتنبيهاً على ما يدلّ على نبوة "محمّد عليه الصَّلاة والسَّلام" من حيث كونها إخباراً عن الغيب، موافقاً لما كان موجوداً في التَّوْراة والإنجيل من غير تعلّم، ولا تتلمُذِ. قوله: "يَا بَنِي" منادى منصوب وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جمع مذكّر سالم، وحذفت نونه للإضافة، وهو شبيه بجمع التَّكسير لتغير مفرده، ولذلك عاملته العرب ببعض معاملة جمع التكسير، فألحقوا في فعله المسند إليه تاء التأنيث، نحو: "قالت بنو فلان"، وقال الشاعر: [البسيط] شعر : 424-قَالَتْ بَنُو عَامرٍ خَالُوا بَنِي أَسَدٍ يَا بُؤْسَ لِلْجَهْلِ ضَرَّاراً لأَقْوَامِ تفسير : وأعربوه بالحركات أيضاً إلحاقاً له به، قال الشاعر: [الوافر] شعر : 425-وَكَانَ لَنَا أبُو حَسَنٍ عَليٌّ أَباً بَرّاً وَنَحْنُ لَهُ بَنِينُ تفسير : [فقد روي بَنِينُ] برفع النون، وهل لامه ياء؛ لأنه مشتقّ من البناء؛ لأن الابن من فرع الأب، ومبنيٌّ عليه، أو واو؛ لقولهم: البُنُوَّة كالأُبُوَّة والأُخُوَّة؛ قولان. الصَّحيح الأول، وأما البُنّوة فلا دلالة فيها؛ لأنهم قد قالوا: الفُتُوَّة ولا خلاف أنها من ذوات "اليَاءِ". إلا أن "الأخفش" رجّح الثاني بأن حذف الواو أكثر. واختلف في وزنه فقيل: "بَنَيٌ" بفتح العين، وقيل: بَنْيٌ - بسكونها، وقد تقدم أنه أحد الأسماء العَشْرة التي سكنت فاؤها وعوض من لامها همزة الوَصْل. و "إسرائيل" خفض بالإضافة، ولا ينصرف للعلمية والعُجْمة، وهو مركّب تركيب الإضافة مثل: "عبد الله" فإن "إِسْرَا" هو العبد بلغتهم، و "إيل" هو الله تعالى. وقيل: "إسْرا" هو مشتقّ من الأسْر، وهو القوّة، فكان معناه الذي قَوَّاه الله. وقيل "إسْرَا" هو صفوة الله، و"إيل" هو الله. وقال القَفّال: قيل: إن "إسرا" بالعبرانية في معنى إنسان، فكأنه قيل: رجل الله، فكأنه خطاب مع اليَهُودِ الذين كانوا بالمدينة. وقيل: إنه أسرى بالليل مهاجراً إلى الله. وقيل: لأنه أَسَرَ جِنِّيّاً كان يطفىء سِرَاجَ بَيْتِ المَقْدِسِ. قال بعضهم: فعلى هذا يكون بعض الاسم عربيّاً، وبعضه أعجميّاً، وقد تصرفت فيه العرب بلغات كثيرة أفصحها لغة القرآن، وهي قراءة الجمهور. وقرأ "أبو جعفر والأعمش": "إسْرَايِل" بياء بعد الألف من غير همزة، وروي عن "وَرْش" "إسْرَائِل" بهمزة بعد الألف دون ياء، و "إسْرَأَل" بهمزة مفتوحة، و "إسْرَئِل" بهمزة مكسورة بين الراء واللام، و"إسْرَال" بألف محضة بين الراء واللام؛ قال: [الخفيف] شعر : 426- لاَ أَرَى مَنْ يُعِينُنِي في حَيَاتِي غَيْرَ نَفْسِي إلاَّ بَنِي إسْرَالِ تفسير : وروي قراءة غير نافع قرأ عن نافع. و"إسْرائيل" هذه مهموزة مختلسة حكاها شنبوذ، عن ورش، و "إسْرَايل" من غير همز ولا مَدّ و "إسْرَائِين" أبدلوا من اللام نوناً كـ "أُصَيْلاَن" في "أُُصَيْلاَل"؛ قال: [الرجز] شعر : 427- يَقُولُ أَهْلُ السُّوءِ لَمَّا جِينَا هَذَا وَرَبِّ البَيْتِ إِسْرائِينَا تفسير : وقال آخر: [الرجز] شعر : 428- قَالَتْ وَكُنْتُ رَجُلاً فَطِينَا هَذَا لعَمْرُ اللَّهِ إٍسْرَائِينَا تفسير : ويجمع على "أَسَارِيل". وأجاز الكوفيون "أَسَارِلَة"، و "أَسَارل"، كأنهم يجيزون التعويض بالياء وعدمه، نحو: "فَرَازِنة" و "فَرَازين". قال الصَّفار: لا نعلم أحداً يجيز حذف الهمزة من أوله. قال ابن الجوزي: ليس في الأنبياء من له اسمان غيره إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإنَّ له أسماء كثيرة. وقد قيل في المسيح إنه اسم علم لعيسى ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ غير مشتقّ، وقد سمَّاه الله ـ تَعَالَى ـ روحاً وكلمة، وكانوا يسمونه "أبيل الأبيلين"، ذكره "الجوهري". وذكر "البيهقي" في "دلائل النبوة" عن "الخليل بن أَحْمد": خمسة من الأنبياء ذوو اسمين، نبينا محمد وأحمد، وعيسى والمسيح، وإسرائيل ويعقوب، ويونس وذو النُّون، وإلياس وذو الكِفْل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. قول: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ}. "اذكروا" فعل وفاعل، و"نعمتي" مفعول. وقال "ابن الأنباري": لا بدّ له من حذف مضاف تقديره: شكر نِعْمتي. و "الذكر" ـ بضم الذال وكسرها ـ بمعنى واحد، ويكونان باللِّسان والجِنَان. وقال "الكسائي": هو ـ بكسر ـ للسان، وبالضَّّم للقَلْب فضدّ المكسور: الصَّمت، وضد المضموم: النِّسْيان، وبالجملة فالذكر الذي محلّه القَلْب ضدّه النسيان، والذي محلّه اللسان ضده الصَّمت، سواء قيل: إنهما بمعنى واحد أم لا. و "الذَّكَر" ـ بالفتح ـ خلاف الأُنْثَى، و "الذِّكر" ـ أيضاً ـ الشرف ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ}تفسير : [الزخرف:44]. فصل في النعمة النعمة اسم لما ينعم به، وهي شبيهة بـ "فِعْل" بمعنى "مفعول" نحو: ذبح ورعي، والمراد الجمع؛ لأنها اسم جنس، قال الله تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ}تفسير : [النحل:18]. قال "أبو العباس المقرىء": "النِّعْمَة" ـ بالكسرـ هي الإسلام، قال تعالى: {أية : وَٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}تفسير : [آل عمران:103]. وقال: {أية : فَضْلاً مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعْمَةً}تفسير : [الحجرات:8] يعني: الإسلام. وقال: {أية : رَبِّ أَوْزِعْنِيۤ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ}تفسير : [النمل:19]. وقوله: {أية : يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ}تفسير : [آل عمران:171] أي: الإسلام. فصل في حد النعمة قال ابن الخطيب: حَدّ النعمة أنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير. وقيل: الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، قالوا: وإنما زدنا هذا؛ لأن النعمة إن كانت حسنة يستحق بها الشكر، وإن كانت قبيحة لم يستحق بها الشكر. قال: والحقّ أن هذا القيد غير معتبر؛ لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان، وإن كان فعله محظوراً؛ لأن جهة استحقاق الشكر غير جِهَةِ استحقاق الذَّم والعقاب، فأي امتناع في اجتماعهما؟ ألا ترى أن الفاسق يستحقّ الشكر بإنعامه والذّم بمعصيته، فلم لا يجوز هاهنا أن يكون الأمر كذلك؟ واعلم أن نعم الله على العَبْدِ لا تتناهى، ولا تحصى كما قال تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَت َٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ}تفسير : [إبراهيم:34]. فإن قيل: فإذا كانت النعم غير مُتَنَاهية، وما لا يتناهى لا يحصل به العلم في حق العبد، فكيف أمر بتذكرها في قوله: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ}؟ والجواب: أنها غير مُتَنَاهية بحسب الأشخاص والأنواع، إلاّ أنها متناهية بحسب الأجناس، وذلك يكفي في التذكّر الذي يفيد العلم بوجود الصَّانع الحكيم. فصل في بيان هل لله نعمة على الكافر في الدنيا اختلفوا في أنه هل لله نعمة على الكافر في الدنيا؟ فمنهم من قال: هذه النعم القليلة في الدنيا لما كانت مؤدّية إلى الضرر في الآخرة لم تكن نعمة، فإن من جعل السّم في الحلوى لم يعد النفع الحاصل من أكل الحلوى نعمة لما كان ذلك سبيِلاً إلى الضرر العظيم، ولهذا قال تعالى: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}تفسير : [آل عمران:178]. ومنهم من قال: إنه ـ تعالى ـ وإن لم ينعم على الكافر بنعمة الدِّين، فلقد أنعم عليه بنعمة الدنيا [وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمه الله]. قال ابن الخطيب: وهذا القول أصوب ويدلّ عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ}تفسير : [البقرة:21] الآيات فأمر الكُلّ بطاعته لمكان هذه النعم، وهي نعمة الخلق والرزق. وثانيها: قوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً}تفسير : [البقرة:28] وذكره في معرض الامتنان، وشرح النعم، ولو لم يصل إليهم من الله ـ تعالى ـ شَيْءٌ من النعم لما صَحّ ذلك. وثالثها: قوله: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} وهذا نصّ صريح؛ لأنه خطاب لأهل الكتاب، وكانوا من الكفار، وكذا قوله تعالى: {أية : يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة:47] إلى قوله: {أية : وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ}تفسير : [البقرة:49]. ورابعها: قوله تعالى: {أية : أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّٰهُمْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : إلى قوله: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيْهِم مِّدْرَاراً}تفسير : [الأنعام:6]. وخامسها: قوله تعالى: {أية : قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}تفسير : [الأنعام:63] إلى قوله: {أية : ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ}تفسير : [الأنعام:64]. وسادسها: قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ مَكَّنَّٰكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} تفسير : [الأعراف:10] وقال في قصة "إبليس": {أية : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}تفسير : [الأعراف:17]. وسابعها: قوله: {أية : وَٱذْكُرُوۤاْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [الأعراف:74] وقال: {أية : أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَـٰهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الأعراف:140]. وثامنها: قوله: {أية : ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ} تفسير : [الأنفال:53]. وتاسعها: قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمْسَ ضِيَآءً وَٱلْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ}تفسير : [يونس:5]. وعاشرها: قوله: {أية : هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ}تفسير : [يونس:22] إلى قوله: {أية : يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ}تفسير : [يونس:23]. واعلم أن الخلاف في هذه المسألة لفظي؛ لأنه لا نِزَاعَ في أن الحياة والعقل والسمع والبصر، وأنواع الرزق، والمنافع من الله ـ تعالى ـ إنما الخِلاَفُ في أن أمثال هذه المنافع إذا حصل عقيبها تلك المَضَارّ الأبدية، هل يطلق عليها في العرف اسم النعمة أم لا؟ ومعلوم أن ذلك نِزَاعٌ في مجرّد عبارة. فَصْلٌ في النعم المخصوصة ببني إسرائيل وهي كثيرة منها: استنقذهم من فرعون وقومه، وخلّصهم من العبودية وأولادهم من القَتْلِ ونساءهم من الاستحياء، وخلصهم من البلاء، ومكنهم في الأرض، وجعلهم ملوكاً، وجعلهم الوَارِثين بعد أن كانوا عبيداً للقبط، وأهلك أعداءهم وأورثهم أرضهم وديارهم، وأموالهم، وأنزل عليهم [الكتب العظيمة، وجعل فيهم أنبياء، وآتاهم ما لم يُؤْت أحداً من العَالَمينَ، وظَلَّل عليهم الغمام، وأنزل عليهم] المّنّ والسَّلْوَى، وأعطاهم الحجر ليسقيهم ما شَاءُوا من الماء متى أرادوا، فإذا استغنوا عن الماء رفعوها فاحتبس الماء عنهم، وأعطاهم عموداً من النور يضيء لهم بالليل، وكانت رؤوسهم لا تتشعّث وثيابهم لا تَبْلَى. رواه "ابن عباس". فصل في سبب تذكيرهم بهذه النعم قال ابن الخطيب: إنما ذكرهم بهذه النعم لوجوه: أحدها: أن في جملة النعم ما يشهد بصدق محمد صلى الله عليه وسلم وهي التوراة، والإنجيل، والزَّبُور. وثانيها: أن كثرة النعم توجب عظم المعصية، فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا مُخَالفة ما دعوا إليها من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن. وثالثها: أن تذكّر النعم الكثيرة يفيد الحَيَاءَ عن إظهار المخالفة. ورابعها: أن تذكر النعم الكثيرة يفيد أن المُنْعِمَ خصّهم من بين سائر الناس بها، ومن خص أحداً بنعم كثيرة، فالظاهر أن تذكر تلك النعم يطمع في النِّعَمِ الآتية، وذلك الطمع مانعٌ من إظهار المخالفة والمخاصمة. فإن قيل: إن هذه النِّعم إنما كانت على المُخَاطبين وأسْلافهم، فكيف تكون نعمة عليهم؟ فالجواب: لَوْلاَ هذه النعم على آبائهم لما بقوا، فصارت النعم على الآباء نعمة على الأبناء، وأيضاً فالانتساب إلى الآباء المخصوصين بنعم الدِّين والدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد، وأيضاً فإنّ الأولاد متى سمعوا أن الله ـ تعالى ـ خصّ آباءهم بهذه النِّعَمِ لطاعتهم وإعراضهم عن الكفر رغب الولد في هذه الطريقة؛ لأنَّ الولد مجبول على الاقتداء بالأب في أفعال الخير، فيصير هذا التذكر داعياً إلى الاشْتِغَال بالخيرات. قوله: {ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ}. "التي" صفة "النعمة" والعائد محذوف. فإن قيل: من شرط [حذف] عائد الموصول إذا كان مجروراً أن يجرّ الموصول بمثل ذلك الحرف، وأن يتّحد متعلقهما، وهنا قد فقد الشَّرطان، فإن الأصل: التي أنعمت بها. فالجواب: إنما حذف بعد أن صار منصوباً بحذف حرف الجرّ اتساعاً فبقي "أنعمتها" وهو نظير: {أية : كَٱلَّذِي خَاضُوۤاْ}تفسير : [التوبة:69] في أحد الأوجه، وسيأتي إن شاء الله تعالى. و "عليكم" متعلّق به، وأتى بـ "على" دلالة على شمول النعمة لهم. قوله: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}. هذه جملة أمرية عطف على الأمرية قبلها. ويقال: "أَوْفَى"، و "وَفَّى"، و "وَفَى" ـ مشدداً ومخففاً ـ ثلاث لغاتٍ بمعنى؛ قال الشاعر: [البسط] شعر : 429ـ أَمَّا ابْنُ [طُوْقٍ] فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ كَمَا وَفَى بِقِلاَصِ النَّجْمِ حَادِيها تفسير : فجمع بين اللغتين. وقيل: يقال: أوفيت ووفيت بالعهد، وأوفيت الكَيْلَ لا غير، وعن بعضهم: أن اللغات الثلاث واردة في القرآن. أما "أوفى" فكهذه الآية. وأما "وَفَّى" بالتشديد فكقوله: {أية : وَإِبْرَاهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰ}تفسير : [النجم:37]. وأما "وَفَى" بالتخفيف، فلم يصرح به، وإنما أخذ من قوله تعالى: {أية : أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة:111]، وذلك أن "أَفْعَل" التفضيل لا يبنى إلاّ من الثلاثي كالتعجُّب هذا هو المشهور، وإن كان في المسألة كلام كثير، ويحكى أن المستنبط لذلك أبو القاسم الشَّاطبي. ويجيء "أَوْفَى" بمعنى: ارتفع؛ قال: [المديد] شعر : 430ـ رُبَّمَا أَوْفَيْتُ في عَلَمٍ تَرْفَعَنْ ثَوْبِي شَمَالاتُ تفسير : و "بعهدي" متعلّق بـ "أوفوا"، و "العَهْد" مصدر، ويحتمل إضافته للفاعل أو المفعول. والمعنى: بما عاهدتكم عليه من قَبُولِ الطَّاعة، ونحوه: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَٰبَنِيۤ ءَادَمَ}تفسير : [يس:60] أو بما عاهدتموني عليه، ونحوه: {أية : وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ ٱللَّهَ}تفسير : [الفتح:10]، {أية : صَدَقُواْ مَا عَاهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ}تفسير : [الأحزاب:23]. و "أُوفِ" مجزوم على جواب الأمر، وهل الجازم الجملة الطَّلبية نفسها لما تضمّنته من معنى الشرط، أو حرف شرط مقدر تقديره: إن توفوا بعهدي أوف؟ قولان. وهكذا كل ما جزم في جواب طلب يجري فيه هذا الخلاف. وقرأ الزّهري: "أُوَفِّ" بفتح الواو وتشديد الفاء للتَّكثير. و"بِعَهْدِكُمْ" متعلّق به [وهذا] محتمل للإضافة إلى الفاعل، أو المفعول على ما تقدّم. فصل في المراد بالعهد المأمور بوفائه في العَهْدِ المأمور بوفائه قولان: أحدهما: أنه جميع ما أمر الله به من غير تخصيص، وقوله: {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} أراد به الثواب والمغفرة. وقال "الحسن": هو قوله: {أية : وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَيْتُمْ ٱلزَّكَٰوةَ}تفسير : إلى قوله: {أية : ٱلأَنْهَارَ}تفسير : [المائدة:12]. وحكى "الضحاك" عن ابن عباس أوفوا بما أمرتكم به من الطَّاعات، ونهيتكم عنه من المعاصي، وهو قول جمهور المفسرين. وقيل: هو ما أثبته في الكتب المتقدّمة في صفة محمد صلى الله عليه وسلم وأنه سيبعثه على ما قال في سورة المائدة: {أية : وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ}تفسير : إلى قوله: {أية : لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ}تفسير : [المائدة:12]. وقال في سورة الأعراف: {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ}تفسير : [الأعراف:156] إلى قوله: {أية : وَٱلإِنْجِيلِ}تفسير : [الأعراف:157] وأما عهد الله معهم، فهو أن يضع عنهم إصْرَهُمْ والأغلال، لقوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ}تفسير : [آل عمران:81] الآية وقال تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ يَٰبَنِي إِسْرَآئِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ}تفسير : [الصف:6]. وقال ابن عباس رضي الله ـ تعالى ـ عنهما: [إن الله تعالى] كان عهد إلى بني إسرائيل في التَّوْرَاة أني باعث من بني إسماعيل نبيّاً أمياً، فمن تبعه وصدّق بالنور الذي يأتي به ـ أي القرآن ـ [أغفر له ذنبه، وأدخله] الجَنَّة، وجعلت له أجرين؛ أجراً باتباع ما جاء به موسى وجاءت به أنبياء بني إسرائيل، وأجراً [باتباع] ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم [النبي الأمي] من ولد إسماعيل، وتصديق هذا القُرْآن في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ}تفسير : [القصص:52] إلى قوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ}تفسير : [القصص:54]. وتصديقه أيضاً بما روى أبو موسى الأشعري ـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثلاثة يُؤْتَوْنَ أجرهم مَرَّتَيْنِ بما صبروا: رَجُل من أهْل الكتاب آمن بِعِيسَى، ثم آمَنَ بمحمّد صلى الله عليه وسلم [فله أَجْرَانِ]، ورجل أدّب أَمَتَهُ فأحسن تَأدِيبَهَا، وعلّمها فأحسن تعليمها، ثم أَعْتَقَهَا فتزوَّجَهَا، فله أَجْرَان، وعبد أَطَاعَ اللَّه، وأطاع سَيّدَهُ فله أَجْرَان ". تفسير : فإن قيل: إنْ كان الأمر هكذا، فكيف يجوز جَحْدَهُ من جماعتهم؟ فالجواب من وجهين: الأول: أنّ هذا العلم كان حاصلاً عند العلماء في كتبهم، لكن لم يكن منهم عَدَدٌ كثير، فجاز منهم كِتْمَانُ ذلك. الثاني: أن ذلك النصّ كان خفيّاً لا جليّاً، فجاز وقوع الشَّكّ فيه. فإن قيل: الشخص الموعود به في هذه الكتب، أما أن يكون قد ذكر في هذه الكتب وَقْت خروجه، ومكان خروجه، وسائر التَّفَاصيل المتعلّقة بذلك، أو لم يذكر شيء من ذلك. فإن كان الأول كان [ذلك] النص نصّاً جليّاً وارداً في كتب مَنْقُولة إلى أهل العلم بالتواتر، فيمتنع قدرتهم على الكِتْمَانِ، ويلزم أن يكون ذلك معلوماً بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين. وإن كان الثاني لم [يدلّ] ذلك النَّص على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لاحتمال أن يقولوا: إن ذلك المبشّر به سيجيء بعد ذلك على ما هو معتقد جمهور اليهود. والجواب: قال بن الخطيب: "لم يكن منصوصاً عليه نصّاً جليّاً يعرفه كل أحد، بل كان منصوصاً عليه نصّاً خفيّاً، فلا جَرمَ لم يلزم أن يعلم ذلك بالضَّرورة من دين الأنبياء المتقدّمين". قوله: {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ}. "إياي" ضمير منصوب منفصل، وقد عرف ما فيه في "الفاتحة"، ونصبه بفعل محذوف يفسره الظاهر بعده، والتقدير: "وإيايَ ارْهَبُوا فارْهَبُون"، وإنما قدرته متأخراً فيه؛ لأن تقديره متقدماً عليه لا يحسن لانفصاله، وإن كان بعضهم قدره كذلك. والفاء في "فارهبون" فيها قولان للنحويين: أحدهما: أنها جواب أمر مقدر تقديره: تنبّهُوا فارهبون، وهو نظير قولهم: "زيداً فاضرب" أي: تنبه فاضرب زيداً، ثم حذف "تنبه"، فصار: فاضرب زيداً، ثم قدم المفعول إصلاحاً للفظ؛ لئلا تفع الفاء صدراً، وإنما دخلت الفاء لتربط هاتين الجملتين. والقول الثاني في هذه "الفاء": أنها زائدة. وقال "أبو حيان" بعد أن حكى القول الأول: فتحمل الآية وجهين: أحدهما: أن يكون التقدير: "وإيّاي ارهبوا تنبهوا فارهبون"، فتكون "الفاء" حصلت في جواب الأمر، وليست مؤخّرة من تقديم. والوجه الثاني: أن يكون التقدير: وتنبّهوا فارهبون، ثم قدّم المفعول فانفصل، وأتى بالفاء حين قدّم المفعول، وفعل الأمر الذي هو "تنبهوا" محذوف، فالتقى بعد حذفه الواو والفاء، يعني: فصار التقدير: "وفإياي ارهبوا"، فقدم المفعول على الفاء إصلاحاً للفظ، فصار: "وإيّاي فارهبوا"، ثم أعيد المفعول على سبيل التَّأكيد، ولتكمل الفاصلة، وعلى هذا في "إياي" منصوب بما بعده لا بفعل محذوف، ولا يبعد تأكيد المنفصل بالمتّصل، كما لا يمتنع تأكيد المتصل بالمنفصل. و "الرَّهَبُ" و "الرَّهْب"، و "الرَّهْبَة": الخوف، مأخوذ من الرّهَابة، وهي عظم في الصدر يؤثر فيه الخوف، وسقطت "الياء" بعد "النون"؛ لأنها رأس فاصلة. وقرأ ابن أبي إسحاق: "فَأرْهَبُوني" بالياء، وكذا: {أية : فَٱتَّقُونِ}تفسير : [البقرة:41] على الأصل. ويجوز في الكلام "وأنا فارهبون" على الابتداء والخبر. وكون "فارهبون" الخبر على تقدير الحذف كان المعنى: "وأنا ربكم فارهبون". ذكره القُرْطبي. وفي الآية دليلٌ على أنّ المرء يجب عليه ألا يخاف أحداً إلا الله تعالى، ولما وجب ذلك في الخوف، فكذا في الرجاء فيها دلالة على أنه يجب على المكلف أن يأتي بالطاعات للخوف والرجاء، وأن ذلك لا بد منه.

البقاعي

تفسير : وابتدأ سبحانه بتذكيرهم بما خصهم به عن النوع الآدمي من النعم التي كانوا يقابلونها بالكفران وما عاملهم به من إمهالهم على مرتكباتهم ومعاملتهم بالعفو والإقالة مما يبين سعة رحمته وعظيم حلمه، وابتدأ من أوامرهم بالإيفاء بالعهود التي من أعظمها متابعة هذا النبي الكريم والإيمان بكتابه الذي نفى عنه الريب فقال: {يا بني إسرائيل} أي الذي شرفته وشرفت بنيه من أجله {اذكروا} من الذكر بالكسر والضم بمعنى واحد يكونان باللسان وبالجنان، وقال الكسائي: هو بالكسر باللسان وبالضم بالقلب، والذي بالقلب ضده النسيان، والذي باللسان ضده الصمت - نقله الأصفهاني. وقال الحرالي: من الذكر وهو استحضار ما سبقه النسيان. {نعمتي} وهي إنالة الشخص ما يوافق نفسه وبدنه وعند المتفطن ما يوافق باطنه وظاهره مما بين قلبه وشعوبه من أهله وحشمه {التي} تي منها إشارة لباطن نازل متخيل مبهم تفسره صلته بمنزلة ذي وال منها إشارة لذلك المعنى بالإشارة المتخيلة - انتهى {أنعمت} أي بها ودللت على شرفها بإضافتها إلى {عليكم} وتلك النعمة الشريفة هي الإتيان بالهدى من الكتب والرسل الذي استنقذتكم به من هوان الدنيا والآخرة {وأوفوا} من الوفاء وهو عمل لاحق بمقتضى تقدم علم سابق - قاله الحرالي. {بعهدي} أي الذي أخذته عليكم في لزوم ما أنزل إليكم من متابعة نبيكم ومن آمَرَكم باتباعه من بعده، والعهد التقدم في الشيء خفية اختصاصاً لمن يتقدم له فيه - قاله الحرالي، وقال الأصفهاني: حفظ الشيء ومراعاته حالاً فحالاً، قال الخليل: أصله الاحتفاظ بالشيء وإجداد العهد به، {أوف بعهدكم} أي في جعلكم ممن لا خوف عليهم ولا حزن بسعة العيش والنصر على الأعداء كما يأتي عن نص التوراة في مظانه من هذا الكتاب {وإياي} أي خاصة {فارهبون} أي ولا تزلّوا اجْعَلْكم في مصير الكافرين بعد الضرب بأنواع الهوان في الدنيا، والرهب حذر النفس مما شأنها منه الهرب لأذى تتوقعه، وخوطبوا بالرهبة لاستبطانها فيما يختص لمخالفة العلم، قال الحرالي: وأطال سبحانه في حجاجهم جرياً على قانون النظر في جدال العالم الجاحد وخطاب المنكر المعاند، وفي قوله تعالى: {وآمنوا بما أنزلت} أي أوجدت إنزاله {مصدقاً لما معكم} تقرير لذلك الكتاب لا ريب فيه، وأمروا كما قال الحرالي تجديد الإيمان بالقرآن لما فيه من إنباء بأمور من المغيبات التي لم تكن في كتابهم كتفاصيل أمور الآخرة التي استوفاها القرآن، لأنه خاتم ليس وراءه كتاب ينتظر فيه بيان، وقد أبقى لكل كتاب قبله بقية أحيل فيها على ما بعده - ليتناءى البيان إلى غاية ما أنزل به القرآن حين لم يعهد إليهم إلا في أصله على الجملة - انتهى. وفي قوله: {ولا تكونوا أول كافر به} معنى دقيق في تبكيتهم وأمر جليل من تعنيفهم وذلك أنه ليس المراد من {أول} ظاهر معناه المتبادر إلى الذهن فإن العرب كثيراً ما تطلق الأول ولا تريد حقيقته بل المبالغة في السبق، كما قال مقيس بن صبابة وقد قتل شخصاً من الصحابة رضوان الله عليهم كان قتل أخاه خطأ ورجع إلى مكة مرتداً. شعر : حللت به وتري وأدركت ثؤرتي وكنت إلى الأوثان أول راجع تفسير : هذا في جانب الإثبات، فإذا نفيت ناهياً فقلت: لا تكن أول فاعل لكذا، فمعناه إنك إن فعلت ذلك لم تكن صفتك إلا كذلك، فهو خارج مخرج المبالغة في الذم بما هو صفة المنهي فلا مفهوم له، وعبر به تنبيهاً على أنهم لما تركوا اتباع هذا الكتاب كانوا لما عندهم من العلم بصحته في غاية اللجاجة فكان عملهم في كفرهم وإن تأخر عمل من يسابق شخصاً إلى شيء، أو يكون المعنى أنهم لم يمنعهم من الإيمان به جهل بالنظر ولا عدم إطلاع على ما أتى به أنبياؤهم من البشر بل مجرد الحسد للعرب أن يكون منهم نبي المستلزم لحسد هذا النبي بعينه، لأن الحكم على الأعم يستلزم الحكم على الأخص بما هو من أفراد الأعم. فصارت رتبة كفرهم قبل رتبة كفر العرب الجاهلين به أو الحاسدين له صلى الله عليه وسلم بخصوصه لا لعموم العرب، فكان أهل الكتاب أول كافر به لا يمكن أن يقع كفرهم إلا على هذا الوجه الذي هو أقبح الوجوه، فالمعنى لا تكفروا به، فإنه إن وقع منكم كفر به كان أول كفر، لأن رتبته أول رتب الكفر الواقع ممن سواكم فكنتم أول كافر فوقعتم في أقبح وجوه الكفر، ولذا أفرد ولم يقل: كافرين - والله أعلم. ولما نهاهم عن الكفر بالآيات نهاهم عن الحامل عليه لقوله: {ولا تشتروا} أي تتكلفوا وتلحوا في أن تستبدلوا {بآياتي} أي التي تعلمونها في الأمر باتباع هذا النبي الكريم {ثمناً قليلاً} وهو رياسة قومكم وما تأخذونه من الملوك وغيرهم على حمل الشريعة، والقلة ما قصر عن الكفاية - قاله الحرالي. {وإياي} أي خاصة {فاتقون} أي اجعلوا لكم وقاية من إنزال غضبي، فالتقوى نتيجة الرهبة كما أن هذه الأفعال نتيجة ما في آية الرهبة، {ولا تلبسوا} واللبس إبداء الشيء في غير صورته، ومنه اللباس لإخفائه الأعضاء حتى لا تبين هيئتها - قاله الحرالي: {الحق} أي ما تقرون به على ما هو عليه من التوراة والإنجيل مما لا غرض لكم في تبديله {بالباطل} مما تحرفونه منهما، والحق قال الحرالي ما يقر ويثبت حتى يضمحل مقابله، فكل زوجين فأثبتهما حق وأذهبهما باطل، وذلك الحق فالباطل هو ما أمد إدالته قصير بالإضافة إلى طول أمد زوجه القار - انتهى. ولما كان اللبس قد يفارق الكتمان بأن يسأل شخص عن شيء فيبديه ملتبساً بغيره أو يكتمه وهو عالم به قال: {وتكتموا الحق} أي عمن لا يعلمه {وأنتم تعلمون } أي مكلفون، وجعله الحرالي على ظاهره فقال: لما طلبهم تعالى بالوفاء بالعهد نهاهم عن سوء العمل وما لبسوا به الأمر عند اتباعهم من ملتهم وعند من استرشدهم من العرب، فلبسوا باتباعهم حق الإيمان بموسى عليه الصلاة والسلام والتوراة بباطل ما اختذلوه من كتابهم من إثبات الإيمان لمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، فكتموا الحق التام الجامع ولبسوا الحق الماضي المعهود بالباطل الأعرق الأفرط، لأن باطل الحق الكامل باطل مفرط معرق بحسب مقابله، وعرفهم بأن ذلك منهم كتمان شهادة عليهم بعلمهم بذلك إفهاماً، ثم أعقبه بالشهادة عليهم بالعلم تصريحاً - انتهى. وفي هذه الآية أعظم زاجر لأهل الكتاب عما أظهروا فيه من العناد، ومن لطف الله تعالى زجر القاسي البعيد ونهي العاصي القلق إلى ما دون ذلك من تنبيه الغافل وزيادة الكامل. قال الإمام أبو الحسن الحرالي في كتاب العروة: وجه إنزال هذا الحرف - يعني حرف النهي - كف الخلق عما يهلكهم في أخراهم وعما يخرجهم عن السلامة في موتهم وبعثهم مما رضوا به واطمأنوا إليه وآثروه من دنياهم، فمتوجهه للمطمئن بدنياه المعرض عن داعيه إلى اجتناب ما هو عليه يسمى زجراً، ومتوجهه للمتلفّت المستشعر ببعض الخلل فيما هو عليه يسمى نهياً، وهما يجتمعان في معنى واحد ومقصود واحد إلا أنه متفاوت، ولذلك رددهما النبي صلى الله عليه وسلم على المعنى الجامع في هذا الحديث يعني المذكور أول البقرة، وأولاهما بالبدئية في الإنزال الزجر لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعثه الله حين انتهى الضلال المبين في الخلق ونظر الله سبحانه إلى جميع أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، كما ورد في الحديث الصحيح إسناداً ومتناً، ولذلك كان أول منزل الرسالة سورة {أية : يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر * والرجز فاهجر*}تفسير : [المدثر: 1-5] وهي أول قوارع الأمر كما أن فجاءة الساعة أول قوارع الخلق، ولذلك انتظم فكرهما في قوله تعالى: {أية : فإذا نقر في الناقور * فذلك يومئذ يوم عسير * على الكافرين غير يسير*}تفسير : [المدثر: 8-10] وللمزجور حالان إما أن ينفر عند الزجرة توحشاً كما قال تعالى: {أية : كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة *} تفسير : [المدثر: 50-51] وإما أن يدبر بعد فكره تكبراً كما قال تعالى: {أية : ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر}تفسير : [المدثر: 21-23] وربما شارف أن يبصر فصرف، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لكنها عقول كادها باريها {أية : سأصرف آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها} تفسير : [الأعراف: 146] صرفوا عن آيات الحق السماوية على ظهورها عقوبة على ذنب تكبرهم على الخلق مع الإحساس بظهور آية انضمام الأرحام في وضوحها وكل قارعة لنوعي الكافرين النافرين والمدبرين من هذا الحرف وتمام هذا المعنى ينهى المتأنس المحاصر عن الفواحش الظاهرة والباطنة الضارة في العقبى وإن تضرروا بتركها في الدنيا نحو قوله تعالى: {ولا تقربوا} في أكل مال اليتيم والزنا وإتيان الحائض - إلى ما دون ذلك من النهي عما يعدونه في دنياهم كيساً، نحو قوله: {أية : ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} تفسير : [البقرة: 188] {أية : ولا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة}تفسير : [آل عمران: 13] {أية : ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً} تفسير : [الحجرات: 12] و {أية : لا يسخر قوم من قوم}تفسير : [الحجرات: 11] وما لحق بهذا النمط - إلى ما دون ذلك على اتصال التفاوت من النهي عن سوء التأويل لطية غرض النفس نحو قوله تعالى: {أية : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا} تفسير : [النساء: 94] إلى ما دون ذلك من النهي عما يقدح في الفضل وإن كان من حكم العدل نحو قوله تعالى: {أية : ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله} تفسير : [النور: 22] إلى تمام ما لا تحصل السلامة إلا به من النهي عما زاد على الكفاف والبلغة في الدنيا الذي به يصح العمل بالحكمة نحو قوله تعالى: {أية : ولا تمش في الأرض مرحاً} تفسير : [الإسراء: 37] إلى قوله: {أية : ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة} تفسير : [الإسراء: 39]، ونحو قوله تعالى: {أية : ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه}تفسير : [طه: 131]، لأن كل زائد على الكفاف فتنة، وهذا هو أساس ما به تتفاوت درجات العلم في الدنيا ودرحات الجنة في الآخرة، ولا تصح الوجوه والحروف التي بعده أي وهي سائر الحروف علماً وعملاً وثباتاً وقبولاً عند التمحيص إلا بحسب الإحكام في قراءة هذا الحرف وجمعه وبيانه لأنه ظهور لما بعده من صلات حرف الأمر وما قصّر بعشرات فرق الأمة إلى التقصير في حرف النهي، لأن الملة الحنيفية مبنية على الاكتفاء باليسير من المأمورات والمبالغة في الحمية من عموم ما لا يتناهى من المنهيات لكثرة مداخل الآفات منها على الخلق فيما بعد الموت ويصعب هذا الحرف على الخلق بما استقر في أوهامهم أن دنياهم لا تصلح إلا بالمثابرة على صنوف المنهيات لنظرهم لجدواها في الدنيا وعماهم عن وبالها في الأخرى وما حوفظ على الرياضات والتأديبات والتهذيبات إلا بوفاء الحمية منها، والحمية أصل الدواء، فمن لم يحتم عن المنهيات لم ينفعه تداويه بالمأمورات، كالذي يتداوى ولا يحتمي يخسر الدواء ويتضاعف الداء {أية : هل أنبئكم بالأخسرين أعمالاً * الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً*} تفسير : [الكهف: 103، 104] وجاؤوا بحسنات كالجبال وكانوا يصومون ويصلون ويأخذون وهناً من الليل لكن ذلك تداو بغير حمية لما لم يحتموا من الدنيا التي نهوا عن زهرتها، فكانوا إذا لاحت لهم وثبوا عليها فيصيبون منها الشهوات ويعملون المعصيات فلم ينفعهم المداواة، فمن احتمى فقد قرأ هذا الحرف وهو حسبه فاقرؤوا ما تيسر منه، أحب العبادات إلى الله ترك الدنيا وحمية النفس من هوى جاهها ومالها "بل نبياً عبداً" "أجوع يوماً وأشبع يوماً" "حديث : ومن رغب عن سنتي فليس مني"تفسير : ، والقرآن حجة لمن عمل به فصار إمامه يقوده إلى الجنة. وحجة على من لم يعمل به يصير خلفه فيسوقه إلى نار الجبة التي في جب وادي جهنم التي تستعيذ جهنم منها والوادي والجب في كل يوم سبع مرات {أية : ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا} تفسير : [الشورى: 52] {أية : يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً}تفسير : [البقرة: 26] {ولا يزيد الظالمين إلا خساراً*] [الإسراء: 82] "حديث : أعوذ بعفوك من عقوبتك، وبرضاك من سخطك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ". تفسير : ثم قال فيما تحصل به قراءة حرف النهي: اعلم أن الموفي بقراءة حرفي الحلال والحرام المنزلين لإصلاح أمر الدنيا وتحسين حال الجسم والنفس تحصل له عادة بالخير تيسر عليه قراءة حرفي صلاح الآخرة من الأمر والنهي، ولما اقتضت الحكمة والعلم إقامة أمر الدنيا بقراءة حرفي صلاحها تماماً اقتضى الإيمان بالغيب وتصديق الوعد والوعيد تجارة اشتراء الغيب الموعود من عظيم خلاق الأخرى بما ملك العبد من منقود متاع الدنيا، فكل الحلال ما عدا الكفاف بالسنة متجر للعبد، إن أنفقه ربحه وأبقاه فقدم عليه، وإن استمتع به أفناه فندم عليه {أية : فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم} تفسير : [التوبة: 69] {أية : لولا أخّرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين*} تفسير : [المنافقون: 10] {أية : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون}تفسير : [آل عمران: 92] ذلك مال رابح ذلك مال رابح، وكما أن حرف الحلال موسع ليحصل به الشكر فحرف النهي مضيق لمتسع حرف الحلال ليحصل به الصبر ليكون به العبد شاكراً صابراً، فالذي يحصل به قراءة حرفي النهي أما من جهة القلب ورؤيا الفؤاد فمشاهدة البصيرة لموعود الجزاء حتى كأنه ينظر إليه لترتاح النفس بخيره وترتاع من شره، كما قال حارثة: "كأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون وإلى أهل النار في النار يعذبون" فأثمر له ذلك ما أحبر به عن نفسه في قوله: "حديث : وعزفت نفسي عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها وخزفها" تفسير : وخصوصاً من أيد بالمبشرات من الرؤيا الصالحة والكشف الصادق ليدع الفاني للباقي على يقين ومشاهدة، وأما من جهة حال النفس فالصبر بحبسها عما تشتهيه طبعاً مما هو محلل لها شرعاً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه لما رثى لحاله: "حديث : أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟" {أية : واستعينوا بالصبر}تفسير : ، [البقرة: 45] وصبر النفس عن شهواتها وإن كانت حلالاً هو حقيقة تزكيتها، وقتلها بإضنائها منها هو حياتها، وإطلاقها ترتع في شهواتها هو تدسيتها، {أية : قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها*} تفسير : [الشمس: 9-10] والنفس مطية يقويها إنضاؤها، ويضعفها استمتاعها، وحبسها عن ذلك شائع في جهات وجوه الحلال كلها إلاّ في شيئين: في النساء بكلمة الله، لأنهم من ذات نفس الرجال ولسن غيراً لهم أية : هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها} تفسير : [الأعراف: 189] و {أية : أتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً} تفسير : [النساء: 20] والثاني في الطيب، لأنه غذاء للروح وتقوية للحواس ونسمة من باطن الملكوت إلى ظاهر الملك، وما عداهما فالاستمتاع به واتباع النفس هواها فيه علامة تكذيب وعد الرحمن وتصديق وعد الشيطان {أية : وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون} تفسير : [النحل: 26] {أية : يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً}تفسير : [النساء: 120] هذا من جهة النفس، وأما من جهة العمل وتناول اليد فرفعها عما زاد على الكفاف وتخليته لذوي الحاجة ليتخذوه معاشاً، وأن يكون التمول من غير القوام تجارة نقل وضرب في الأرض وإرصاد لوقت حاجة لا حكرة وتضييقاً، اتخاذ أكثر من لبستين للمهنة والجمعة علامة لضعف الإيمان وخلاف السنة وانقطاع عن آثار النبوة وعدول عن سنة الخلفاء وترك لشعار الصالحين، وكذلك تصفية لباب الطعام وقصد المستحسن في الصورة دون المستحسن في العلم وإيثار الطيب في المطعم على الطيّب في الورع وتكثير الأدم وتلوين الأطعمة، وكذلك اتخاذ أكثر من مسكن واحد وأكثر من مزدرع كاف ورفع البناء والاستشراف بالمباني، امتنع النبي صلى الله عليه وسلم من رد السلام على رجل اتخذ قبة في المدينة حتى هدمها وسوّاها مع بيوت أهل المدينة، وإنما الدنيا للمؤمن سجن إن شعر به وضيق فيه على نفسه طلبت السراح منه إلى الآخرة فيسعد، وإن لم يشعر بأنها سجن فوسع فيها على نفسه طلب البقاء فيها وليست بباقية، والخيل ثلاثة: أجر للمجاهد، ووزر على المباهي، وعفو للمستكفي بها فيما يعنيه من شأنه، والزيادة على الكفاف من النعم السائمة انقطاع عن آثار النبوة وتضييق على ذوي الحاجة وتمول لما وضع لإقامة المعاش وأن يتخذ منه الكفاف، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لنا غنم مائة لا نريد أن تزيد، فإذا ولّد الراعي بهمة ذبحنا مكانها شاة" تفسير : والطعام لا يتمول وكذلك ما اتخذ للقوام لا يحتكره إلا خاطىء "حديث : من احتكر طعاماً أربعين يوماً فقد برىء من الله وبرىء الله منه" تفسير : فالأمتعة تجلب وتختزن ويستنمى فيه الدينار والدراهم، والطعام والقوام يجلب ولا يختزن فيستنمى فيه الدينار والدرهم، ومن اختزنه يستنمي فيه الدينار والدرهم فقد احتكره، وما منع فيه من مدّ العين فأحرى أن يمنع فيه مد اليد {أية : لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً} تفسير : [الحجر: 88] الآيتين، فبهذه الأمور من إيمان القلب ورؤية الفؤاد وصبر النفس وكف اليد عن الانبساط في التمول فيما به القوام تحصل قراءة حرف النهي، والله ولي التأييد - انتهى.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: إسرائيل يعقوب. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: إسرائيل هو يعقوب. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مجلز قال: كان يعقوب رجلاً بطيشاً فلقي ملكاً فعالجه الملك فضربه على فخذيه، فلما رأى يعقوب ما صنع به بطش به فقال: ما أنا بتارك حتى تسميني اسماً فسماه إسرائيل. قال أبو مجلز: ألا ترى أنه من أسماء الملائكة إسرائيل، وجبريل، وميكائيل، وإسرافيل. وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كانت الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وإبراهيم، وإسمعيل، وإسحق، ومحمد عليهم السلام، ولم يكن من الأنبياء من له اسمان إلا إسرائيل وعيسى، فإسرائيل يعقوب، وعيسى المسيح. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: أن إسرائيل وميكائيل وجبريل وإسرافيل كقولك عبد الله. وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن الحرث البصري قال ايل الله بالعبرانية. وأخرج ابن إسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {يا بني إسرائيل} قال: للأحبار من اليهود {اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} أي آلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم به من فرعون وقومه {وأوفوا بعهدي} الذي أخذت بأعناقكم للنبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءكم {أوف بعهدكم} انجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقكم معه واتباعه بوضع ما كان عليهم من الإِصر والأغلال {وإياي فارهبون} أن انزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات {وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أوّل كافر به} وعندكم به من العلم ما ليس عند غيركم {وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {وأوفوا بعهدي} يقول: ما أمرتكم به من طاعتي ونهيتكم عنه من معصيتي في النبي صلى الله عليه وسلم وغيره {أوف بعهدكم} يقول: أرض عنكم وأدخلكم الجنة. وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود. مثله. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله {وأفوا بعهدي أوف بعهدكم} قال: هو الميثاق الذي أخذ عليهم في سورة {أية : لقد أخذ ميثاق بني إسرائيل. . . } تفسير : [المائدة: 12] الآية. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} قال: العهد الذي أخذ الله عليهم وأعطاهم الآية التي في سورة المائدة {أية : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل . . .} تفسير : [المائدة: 12] إلى قوله {ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار}. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن في قوله {وأفوا بعهدي أوف بعهدكم} قال: أوفوا بما افترضت عليكم أوف لكم بما رأيت الوعد لكم به على نفسي. وأخرج عبد الحميد وأبو الشيخ في العظمة عن الضحاك في قوله {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} قال : أوفوا بطاعتي أوف لكم بالجنة. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله {وآمنوا بما أنزلت} قال القران {مصدقاً لما معكم} قال: التوراة والانجيل. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج في وقوله {ولا تكونوا أوّل كافر به} قال: بالقرآن. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في الآية قال: يقول يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت على محمد مصدقاً لما معكم لأنكم تجدونه مكتوباً عندكم في التوارة والإِنجيل {لا تكونوا أوّل كافر به} يقول: لا تكونوا أوّل من كفر بمحمد {ولا تشتروا بآياتي ثمناً} يقول: لا تأخذوا عليه أجراً. قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأوّل: يا ابن آدم علم مجاناً كما علمت مجاناً. وأخرج أبو الشيخ عن أبي العالية في قوله {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} قال: لا تأخذ على ما علمت أجراً، فإنما أجر العلماء والحكماء على الله وهم يجدونه عندهم، يا ابن آدم علم مجاناً كما علمت مجاناً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {ولا تلبسوا الحق بالباطل} قال: لا تخلطوا الصدق بالكذب {وتكتموا الحق وأنتم تعلمون} قال: لا تكتموا الحق وأنتم قد علمتم أن محمداً رسول الله. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قوله {ولا تلبسوا الحق بالباطل} قال: لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإِسلام وأنتم تعلمون أن دين الله الإِسلام، وأن اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله {وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} قال: كتموا محمداً وهم يعلمون أنه رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل، يأمرهم بالمعروف ويناهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث. وأخرج ابن جرير عن أبي زيد في قوله {ولا تلبسوا الحق بالباطل} قال: التوراة التي أنزل الله، والباطل الذي كتبوه بأيديهم. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله {وتكتموا الحق} قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {واركعوا} قال: صلوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله {واركعوا مع الراكعين} قال: أمرهم أن يركعوا مع أمة محمد يقول: كونوا منهم ومعهم.

ابو السعود

تفسير : [الحديث عن كفر بني إسرائيل] {يا بَنِى إِسْرٰءيلَ} تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى طائفة خاصةٍ من الكَفَرة المعاصِرين للنبـي صلى الله عليه وسلم لتذكيرهم بفنون النعم الفائضة عليهم بعد توجيهه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمرِه بتذكير كلهم بالنعمة العامة لبني آدم قاطبة بقوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ } تفسير : [البقرة، الآية 30] الخ {أية : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ } تفسير : [البقرة، الآية 34] الخ لأن المعنى كما أشير إليه بلّغهم كلامي واذكر لهم إذ جعلنا أباهم خليفةً في الأرض ومسجوداً للملائكة عليهم السلام وشرفناه بتعليم الأسماءِ وقبِلْنا توبتَه، والابنُ من البِناء لأنه مَبْنَى أبـيه ولذلك ينسب المصنوع إلى صانعه، فيقال: أبو الحرب وبنتُ فكرٍ، وإسرائيلُ لقبُ يعقوبَ عليه السلام ومعناه بالعبرية صفوةُ الله، وقيل: عبد اللَّه، وقرىء إسرائِلَ بحذف الياء وإسرالَ بحذفهما وإسرايل بقلب الهمزة ياء، وإسراءَلَ بهمزة مفتوحة، وإسرئِلَ بهمزة مكسورة بـين الراء واللام، وتخصيصُ هذه الطائفة بالذكر والتذكير لما أنهم أوفرُ الناس نعمةً وأكثرهم كفراً بها. {اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} بالتفكر فيها والقيام بشكرها، وفيه إشعار بأنهم قد نسُوها بالكلية، ولم يُخطروها بالبال لا أنهم أهملوا شكرها فقط، وإضافةُ النعمة إلى ضمير الجلالة لتشريفها وإيجابِ تخصيصِ شكرها به تعالى، وتقيـيد النعمة بهم لما أن الإنسان مجبولٌ على حب النعمة، فإذا نظرَ إلى ما فاض عليه من النعم حملَه ذلك على الرضىٰ والشُكر، قيل: أريد بها ما أنعم به على آبائهم من النعم التي سيجىء تفصيلُها وعليهم من فنون النعم التي أجلُّها إدراكُ عصر النبـي عليه السلام، وقرىء (اذَّكِروا) من الافتعال ونعمتيْ بإسكان الياء وإسقاطها في الدرْج وهو مذهبُ من لا يحرك الياءَ المكسورَ ما قبلها {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى} بالإيمان والطاعة {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} بحسن الإثابة، والعهد يضاف إلى كل واحد ممن يتولىٰ طرفيه، ولعل الأولَ مضافٌ إلى الفاعل والثاني إلى المفعول، فإنه تعالى عَهِد إليهم بالإيمان والعملِ الصالحِ بنصب الدلائلِ وإرسال الرسل وإنزال الكتب ووعدهم بالثواب على حسناتهم، وللوفاء بهما عَرْضٌ عريض، فأولُ مراتبه منا هو الإتيانُ بكلمتي الشهادة، ومن الله تعالى حقنُ الدماء والأموال، وآخرُها منا الاستغراقُ في بحر التوحيد بحيث نغفُل عن أنفسنا فضلاً عن غيرنا، ومن الله تعالى الفوزُ باللقاء الدائم، وأما ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أوفوا بعهدي في اتباع محمد صلى الله عليه وسلم أوفِ بعهدكم في رفع الآصارِ والأغلال. وعن غيره: أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر أوفِ بالمغفرة والثواب، أو أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم أوفِ بالكرامة والنعيم المقيم، فبالنظر إلى الوسائط، وقيل: كلاهما مضافٌ إلى المفعول، والمعنى أوفوا بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعةِ أوفِ بما عاهدتُكم من حُسن الإثابةِ، وتفصيلُ العهدين قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَـٰقَ بَنِى إِسْرٰءيلَ }تفسير : [المائدة: 12] إلى قوله: {أية : وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّـٰتٍ } تفسير : [المائدة: 12] الخ وقرىء أوَفِّ بالتشديد للمبالغة والتأكيد. {وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ} فيما تأتون وما تذرون خصوصاً في نقض العهد، وهو آكد في إفادة التخصيصِ من إياك نعبد، لما فيه مع التقديم من تكرير المفعول والفاء الجزائية الدالةِ على تضمن الكلام معنى الشرط كأنه قيل: إن كنتم راهبـين شيئاً فارهَبوني، والرهبة خوف معه تحرز، والآية متضمنة للوعد والوعيد ودالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد، وأن المؤمن ينبغي ألا يخاف إلا الله تعالى.

التستري

تفسير : وسئل عن قوله: {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ}[40] ما هذه الرهبة التي أمرهم بها؟ فقال: أراد موضع نور النفس من بصر القلب والمعرفة من كلية القلب، لأن المكابدة والمجاهدة في الإيمان، فإذا سكن القلب من التقوى إلى الغير انكشف نور اليقين، ووصل العبد ساكناً بالإيمان لله توحيداً على تمكين. أعني سكون قلبه إلى مولاه، فصار نور اليقين يكشف عن علم اليقين، وهو الوصول إلى الله تعالى، فلا ذلك اليقين بنور اليقين إلى عين اليقين ولا مخلوق، لأنه نور من نور ذات الحق، لا بمعنى الحلول، ولا بمعنى الجمع، ولا بمعنى الاتصال، ولكن معنى اتصال العبد بمولاه من موضع توحيده وطاعته بالله ورسوله، فعلى قدر قوته من البصر بالله يدرك التقوى لله والرهبة إياه. وأصل التقوى: مباينة النفس، فيباينها في ذلك، ولا يساكنها شيئاً من ملاذ هواها، ولا ما تدعوه إليه من حظوظها التي لم تتعذر فيها. اعلم أن الناس يتفاضلون في القيامة على قدر نور يقينهم، فمن كان أوزن يقيناً كان أثقل ميزاناً، وكان من دونه في ميزانه. قيل: بِمَ تعرف صحة يقين العبد؟ قال: بقوة ثقته بالله تعالى، وحسن ظنه به، فالثقة بالله مشاهدة باليقين، وعين اليقين وكليته وكماله ونهايته الوصول إلى الله عزَّ وجلَّ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}. قال بعضهم: ربط بنى إسرائيل بذكر النعم، وأسقط عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ذلك ودعاهم إلى ذكره فقال {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152] ليكون نظر الأمم من النعمة إلى المنعم، ونظر أمة محمد صلى الله عليه وسلم وآله وسلم من المنعم إلى النعم. وقال سهل بن عبد الله: أراد الله أن يخص أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بزيادة على الأمم كما خص نبيهم صلى الله عليه وسلم بزيادة على الأنبياء فقال للخليل صلى الله عليه وسلم { أية : وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ } تفسير : [الأنعام: 75] وقطع سر محمد صلى الله عليه وسلم ورُؤيته عمن سواه فقال: { أية : أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ } تفسير : [الفرقان: 45]. قوله تعالى عز وجل: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}. قال بعض البغداديين: أوفوا بعهدى الذى عهدتم فى الميثاق الأول بلفظة "بلى"، فلا ترجعوا فى طلب شىء إلى غيرى. وقيل: أوفوا بعهدى احفظوا ودائعى عندكم، لا تظهروها إلا عند أهلها، أوف بعهدكم أُبح لكم مفاتيح خزائنى وقربى فأنزلكم منازل الأصفياء. وقيل أوفوا بعهدى فى أداء الفرائض على السنة والإخلاص، أوف بعهدكم بقبولها منكم ومجازاتكم عليها. وقال ابن عطاء: أوفوا بعهدى فى حفظ الجلود ظاهرًا وباطنًا، أوف بعهدكم بحفظ أسراركم عن مشاهدة الأعيان. وقال سهل: أوفوا بعهدى فى مجاهدة أنفسكم، أوف بعهدكم لمعاونتكم عليها. وقال أبو عثمان: أوفوا بعهدى فى حفظ آداب الظواهر، أوف بعهدكم بتزين سرائركم. وقال بعضهم: أوفوا بعهدى في التوكل، أوف بعهدكم بكفاية مهماتكم. وقال بعض العراقيين: أوفوا بعهدى كونوا لى خلقاً، أوف بعهدكم أكن لكم حقًا. قال أبو الحسن الوراق: أوفوا بعهدى فى العبادات، أوف بعهدكم أوصلكم إلى منازل الدعايات. سُئل الثورى عن فهم هذه الآية أوفوا بعهدى قال: أوفوا بعهدى فى دار محبتى على بساط خدمتى بحفظ حرمتى، أوف بعهدكم فى دار نعمتى على بساط قربى بسرور رؤيتى. قوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ}. الرهبة: هى خشية القلب من روى خواطره وقال سهل: وإياى فارهبون موضع اليقين ومعرفته وإياى فاتقون، موضع العلم السابق وموضع المكر والاستدراج.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}. حقيقة النعمة على لسان العلماء لذة خالصة عن الشوائب، وما يوجب مثلها فهي أيضاً عندهم نعمة، وعند أهل الحقيقة النعمة ما أشهدك المُنْعم أو ما ذكرَّك بالمنعم أو ما أوصلك إلى المنعم أو ما لم يحجبك عن المنعم. وتنقسم إلى نعمة أَبشار وظواهر، ونعمة أرواح وسرائر، فالأولى وجوه الراحات والثانية صنوف المشاهدات والمكاشفات. فمن النعم الباطنة عرفان القلوب ومحاب الأرواح ومشاهدات السرائر. فصل: ويقال أمَرَ بني إسرائيل بذكر النِّعَم وأمَرَ أَمَّةَ محمد صلى الله عليه وسلم بذكر المُنعِم، وفرق بين من يقال له: {أية : ٱذْكُرْ نِعْمَتِي}تفسير : [المائدة: 110] وبين من يقال له: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة: 152]. قوله جلّ ذكره: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ}. عهدهُ - سبحانه - حفظ المعرفة وعهدنا اتصال المغفرة، عهده حفظ محابه وعهدنا لطف ثوابه، عهده حضور الباب وعهدنا جزيل المآب. أوفوا بعهدي بحفظ السر أوفِ بعهدكم بجميل البِر، أوفوا بعهدي الذي قبلتم يوم الميثاق أوفِ بعهدكم الذي ضمنت لكم يوم التلاق، أوفوا بعهدي في ألا تؤثروا عليّ غيري أوف بعهدكم في ألا أمنع عنكم لطفي وخيري، أوفوا بعهدي برعاية ما أثبتُّ فيكم من الودائع أوفِ بعهدكم بما أُديم لكم من شوارق اللوامع وزواهر الطوالع، أوفوا بعهدي بحفظ أسراري أوف بعهدكم بجميل مَبَارِّي، أوفوا بعهدي باستدامة عرفاني أوفِ بعهدكم في إدامة إحساني، أوفوا بعهدي في القيام بخدمتي أوفِ بعهدكم في المِنَّةِ عليكم بقبولها منكم، أوفوا بعهدي في القيام بحسن المجاهدة والمعاملة أوفِ بعهدكم بدوام المواصلة والمشاهدة، أوفوا بعهدي بالتبري عن الحوْل والمُنَّة أوف بعهدكم بالإكرام بالطول والمِنَّة، أوفوا بعهدي بالتفضيل والتوكل أوفِ بعهدكم بالكفاية والتفضل، أوفوا بعهدي بصدق المحبة أوفِ بعهدكم بكمال القربة، أوفوا بعهدي اكتفوا مني بي أوفِ بعهدكم أرضي بكم عنكم، أوفوا بعهدي في دار الغيبة على بساط الخدمة بشدِّ نطاق الطاعة، وبذل الوسع والاستطاعة أوفِ بعهدكم في دار القربة على بساط الوصلة بإدامة الأُنْس والرؤية وسماع الخطاب وتمام الزلفة، أوفوا بعهدي في المطالبات بترك الشهوات أوف بعهدكم بكفايتكم تلك المطالبات، أوفوا بعهدي بأن تقولوا أبداً: ربي ربي أوفِ بعهدكم بأن أقول لكم عبدي عبدي. وإياي فارهبون، أي أَفْرِدُوني بالخشية لانفرادي بالقدرة على الإيجاد فلا تصح الخشية ممن ليس له ذرة ولا مِنَّة.

البقلي

تفسير : {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} اي اذكروا معونتى في طاعتكم وهدايتى قبل مجاهدتكم وما كشف لكم من اسرار معرفتى حتى تغتروا بمعاملتكم وقال بعضهم ربط بنى اسرائيل بذكر النعمة واسقط عن امه محمد صلى الله عليه وسلم ذلك فَدَعَاهم اذكره فقال اذكرونى اذكركم لتكون نظرا الامة من النعمة الى المنعم ونظر امة محمد صلى الله عليه وسلم من المنعم الى النعمة وقال سهل بن عبد الله اراد الله ان يخص امة محمد صلى الله عليه وسلم بزيادة على الامم كما خَضَ نيِهَّم عليه السلام زيادةِ على الانبياء فقال للخليل عليه السلام وكذلك نُرِى ابراهيم ملكوت السموات والارض وقطع سر محمد صلى الله عليه وسلم ورويته عّما سواه فقال الم تَرَ الى ربك قوله {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} اي اوفُوا بما نقشت في قلوبكم من حقائق الهامى وخطابى في جميع الاحوال بامتثال امرى اوف بكشف جمالى لكم حين احتَجِبتم عن وصالى وقربى وايضا اوفوا بما اعطيكم من استعداد معرفتى وعمارة مروقع نظرى اوف بان اطّلعكم على خزائن سِرّى وحقائق علمى في سَوَائر غيبى وقال بعضه البغدادين افوا بعهدى الَّذى عَهَدُتم يعنى في الميثاق الاوّل بلفظ بلى فلا ترجعوا في طلب الشئ الى غيرى وقيل اوفوا بعهد احِفظوا ودايعى عندكم لا تظهروا الا عند اهلها اوف بعهدكم ابيح لكم مفاتيح خزائن برى وانزلكم منازل الاصفياء وقال ابو عثمن اوفوا بعهدى في التوكل اوف بعهد كم بكفاية مهماتكم وقال ابو سعيد القرشى اوفوا بعهدى في حفظ أداب الظاهر اوف بعهدكم بتزيين سرائركم قال بعض العراقيين اوفوا بعهدى فيا لعبادات اوف بعهدكم اوُصكم الى منازل الدعايات وسئل ابو عمرو البيكندىّ عن قوله اوفوا بعهدى فقال وفاءُ العهد الامانة وهُوَان لا يخالِفَ سريرتَك علانيتك لانّ القلب امانة والوفاء بالامانة الاخلاص في العمل فيم لم يخلص لا تقيم له يوم القيمة وزناً {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} هذا خطاب الخاص من الخاص الى الخاص امرهم باجلالهم نفسه بخصائص التعظيم مع لب اليقين خوفا مه به لاعنه فانه جلّ وعزّ خوفهم بنفسه لاعن نفسه وقال سهل بن عبد الله ايّامى فارهبون موضع اليقين ومعرفته واياي فاتقون موضع العلم السابق وموضع المكر والاستدارج.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا بنى اسرائيل} البنون اسم للذكور والاناث اذا اجتمعوا واسرائيل اسم يعقوب عليه السلام ومعناه عبد الله لان اسرا بلغة العبرانية وهى لغة اليهود بمعنى العبد وايل هو الله اى يا اولاد يعقوب والخطاب لليهود المعاصرين للنبى صلى الله عليه وسلم الذين كانوا حوالى المدينة من بنى قريظة والنضير وكانوا من اولاد يعقوب وتخصيص هذه الطائفة بالذكر والتذكير لما انهم اوفر الناس نعمة واكثرهم كفرا بها {اذكروا نعمى} الذكر بضم الذال بالقلب خاصة بمعنى الحفظ الذى يضاد النسيان والذكر بكسر الذال يقع على الذكر باللسان والذكر بالقلب يكون امرا بشكر النعمة باللسان وحفظها بالجنان اى احفظوا بالجنان واشكروا باللسان نعمتى لان النعمة اسم جنس بمعنى الجمع قال تعالى {أية : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}تفسير : [النحل: 18]. {والتى انعمت} بها {عليكم} وفيه اشعار بانهم قد نسوها بالكلية ولم يخطروها بالبال لا انهم اهملوا شكرها فقط وتقييد النعمة بكونها عليهم لان الانسان غيور حسود بالطبع فاذا نظر الى ما انعم الله على غيره حمله الغيرة والحسد على الكفران والسخط ولذا قيل لا تنظر الى من هو فوقك فى الدنيا لئلا تزدرى بنعمة الله عليك فان من نظر الى ما انعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضى والشكر. قال ارباب المعانى ربط سبحانه وتعالى بنى اسرائيل بذكر النعمة واسقطه عن امة محمد صلى الله عليه وسلم ودعاهم الى ذكره فقال {أية : فاذكرونى أذكركم}تفسير : [البقرة: 152] ليكون نظر الامم من النعمة الى المنعم ونظر امة محمد من المنعم الى النعمة والنعمة ما لم يحجبك عن المنعم {واوفوا} اتموا ولا تتركوا {بِعَهْدِى} الذى قبلتم يوم الميثاق وهو عام فى جميع اوامره من الايمان والطاعة ونواهيه ووصاياه فيدخل فى ذلك ما عهده تعالى اليهم في التوراة من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم والعهد حفظ الشئ ومراعاته حالا فحالا والمراد منه الموثق والوصية والعهد هنا مضاف الى الفاعل {اوف بعهدكم} اتمم جزاءكم بحسن الاثابة والقبول ودخول الجنة والعهد يضاف الى المعاهد والمعاهد وهو هنا مضاف الى المفعول فان الله عهد اليهم بالايمان والعمل الصالح بنصب الدلائل وارسال الرسل وانزال الكتب ووعد لهم بالثواب على حسناتهم واول مراتب الوفاء منا هو الاتيان بكلمتى الشهادة ومن الله حقن المال والدم وآخرها منا الاستغراق فى بحر التوحيد بحيث تغفل عن انفسنا فضلا عن غيرنا ومن الله الفوز باللقاء الدائم كما قال القشيرى {اوفوا بعهدى} فى دار الحجبة {اوف بعهدكم} فى دار القربة على بساط الوصلة بادامة الانس والرؤية واوفوا بعهدى بقولكم ابدا ربى ربى اوف بعهدكم بجوابكم ابدا عبدى عبدى {اياى} نصب بمحذوف تقديره واياى ارهبوا {فارهبون} فيما تأتون وتذرون وخصوصا فى نقض العهد لا بارهبون لان ارهبون قد أخذ مفعوله والاصل ارهبونى لكن حذفت الياء تخفيفا لموافقة رؤس الآى والفاء الجزائية دالة على تضمن الكلام معنى الشرط كانه قيل ان كنتم راهبين شيأ فارهبون والرهبة خوف معه تحرز والآية متضمنة للوعد لقوله {اوف} والوعيد لقوله {واياى فارهبون} دالة على وجوب الشكر والوفاء بالعهد وان المؤمن ينبغى ان لا يخاف احدا الا الله للحصر المستفاد من تقديم اياى.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إسرائيل}: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل - عليهم الصلاة السلام - وهو اسم عجمي، وبنو تميم تقول: "إسرائين" بالنون، (وإسرا) بالعبرانية: عبد، و (إيل): اسم الله تعالى، فمعناه: عبد الله، وبنو إسرائيل: هم أولاد يعقوب عليه السلام، و {بعهدي} من إضافة المصدر إلى فاعله، و {بعهدكم} إلى مفعوله، و {إياي} منصوب بفعل مضمر، يُقدر مؤخراً. أي: أياي ارهبوا فارهبون. وحذف مفعول {ارهبون} لرؤوس الآي وكذا قوله: {وإياي فاتقون}، والرهبة: خوف مع تحرُّز، و {تكتموا}: معطوف على {تلبسوا}، أو منصوب بأن مضمرة بعد النهي، و {أنتم تعلمون}: جملة حالية. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ} التي خصصتُكم بها، بأن فضلتكم على أهل زمانكم، وجعلت فيكم أنبياء ورسلاً، كلما انقرض نبيّ بعثت نبيّاً آخر، وجعلتكم ملوكاً وحكاماً على الناس، قبل أن تفسدوا في الأرض بقتل الأنبياء، فتكفروا بهذه النعم، فإن الإنسان حسود غيروٌ بالطبع، فإذا نظر إلى ما أنعم الله على غيره حمله الحسد والغيرة على السخط والكفران، وإذا نظر إلى ما أنعم الله به عليه حمله حب النعمة على الرضا والشكر، فاذكروا ما أنعمت به عليكم، وقيدوه بالشكر، {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي} الذي عهدت إليكم، وهو أنكم إن أدركتم محمداً صلى الله عليه وسلم لتؤمنن به ولتنصرنه، ولتبينن صفته التي في كتابكم، ولا تكتمونها، {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} بأن أدخلكم جنتي، وأبيح لكم النظر إلى وجهي، وأحل عليكم رضواني في جملة عبادي، ولا ترهبوا أحداً غيري، فإنه لا فاعل غيري. وبادروا إلى الإيمان {بِمَا أَنْزَلْتُ} على محمد رسولي، من كتابي، الذي هو مصدق {لِّمَا مَعَكُمْ} من التوراة، ومهيمن عليه، {وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ} فريق {كَافِرِ بِهِ}، فتبوؤوا بإثمكم وإثم من تبعكم، ولا تستبدلوا الإيمان الذي هو سبب الفوز في الدارين، بالعرضِ الفاني الذي تأخذونه من سفلتكم، فإنه ثمن قليل يعقبه عذاب جليل وخزي كبير. ولا تخشوا أحداً سواي؛ فإن النفع والضرر بيدي، ولا تخلطوا {الْحَقَّ} الذي هو ذكر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته التي في كتابكم، {بِالْبَاطِلِ} الذي تريدونه تحريفاً وتأويلاً، {و} لا {تكتموا الحّقَّ} الذي عندكم، من ذكر محمد وصحة رسالته، {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنكم محرفون، ولابسون عناداً وحسداً، فيحل عليكم غضبي وعقابي،{أية : وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِى فَقَدْ هَوَى}تفسير : [طه: 81]. فإذا حصلتم أصول الدين، وهو الإيمان، فاشتغلوا بفروعه، وهي الصلاة والزكاة وغيرهما، فأدوهما على منهاج المسلمين. واجعلوا صلاتكم في جماعة المؤمنين؛ فإنَّ صلاة الجماعة تُفضلُ غيرها بسبعٍ وعشرين درجة، مع سريان واقتباس الأنوار من الصالحين والأبرار، وبالله التوفيق. الإشارة: إذا توجَّه الخطاب إلى طائفة مخصوصة، حمله أهل الفهم عن الله على عمومه لكل سامع، فإن الملك إذا عاتب قوماً بمحضر آخرين، كان المراد بذلك تحذير كل مَن يسمع، فكأن الحق جلّ جلاله يقول: يا بني آدم اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، وتفكروا في أصولها وفروعها، واشكروني عليها بنسبتها إليَّ وحدي، فإنه لا منعم غيري، فمن شكرني شكرته، ومن فيض إحساني وبري مددته، ومن كفر نعمتي سلبته، وعن بابي طردته، وأوفوا بعهدي بالقيام بوظائف العبودية، أوف بعهدكم بأن أطلعكم على أسرار الربوبية. أو: {أوفوا بعهدي} بالقيام برسوم الشريعة، {أوفِ بعهدكم} بالهداية إلى منار الطريقة، أو: {أوفوا بعهدي} بسلوك منهاج الطريقة، {أوفِ بعهدكم} بالإيصال إلى عين الحقيقة، أو: {أوفوا بعهدي} بالاستغراق في بحر الشهود، {أوفِ بعهدكم} بالترقي أبداً غلى الملك الودود، وخصّوني بالرهب والرغب، وتوجهوا إليّ في كل سؤال وطلب، أعطف عليكم بعنايتي وودي، وأمنحكم من عظيم إحساني ورفدي، {وآمنوا بما أنزلت} على قلوب أوليائي، ومن مواهب أسراري وآلائي، تصديقاً لما أتحفت به رسلي وأنبيائي، فكل ما ظهر على الأولياء فهو معجزة للأنبياء وتصديق لهم، ولا تبادروا بالإنكار على أوليائي، فتكونوا سبباً في طرد عبادي عن بابي، ولا يمنعكم حب الرئاسة والجاه عن الخضوع إلى أوليائي، ولا ترقبوا أحداً غيري، فإني أمنعكم من شهود سري. {ولا تلبسوا الحق بالباطل}، فتظهروا شعار الصالحين وتبطنوا أخلاق الفاسقين، تتزيوا بزي الأولياء، تفعلوا فعل الأغوياء، وإذا تحققتم بخصوصية أحد من عبادي، فلا تكتموها عن أهل محبتي وودادي، وأقيموا صلاة القلوب بالخضوع تحت مجاري الأقدار، وأدّوا زكاة النفوس بالذل والانكسار، وكونوا مع الخاشعين، {واركعوا مع الراكعين}، أمنحكم معونتي ونصري، وأفيض عليكم من بحر إحساني وبري، أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي.

الطوسي

تفسير : {يا} حرف نداء. {بني}: جمع ابن. والابن، والولد، والنسل، والذرية متقاربة المعاني. إلا أن الابن يقع على الذكر، والولد يقع على الذكر والانثى والنسل والذرية تقع على جميع ذلك. وأصله، من البناء وهو وضع الشيء على الشيء. والابن مبني على الأب تشبيهاً للبناء على الأصل، لأن الأب أصل والابن فرع. ويقال: تبنى تبنياً، وبنى بناءً، وابتنى ابتناءً، وباناه مباناة. والبنوة: مصدر الابن ـ وإن كان من البناء كما قالوا: الفتوة: مصدر الفتى. وثنوا الفتى: فتيان. ويقال: فلان ابن فلان، على التبني. ولا يطلق ذلك الا على ما كان من جنسه وشكله تشبيهاً بالابن الحقيقي. ولهذا لا يقولون: تبنى زيد حماراً، لما لم يكن من جنسه ولا تبنى شاب شيخاً لما لم يكن ذلك فيه. والفرق بين اتخاذ الابن وبين اتخاذ الخليل، أن اتخاذ الخليل، يكون به خليلاً على الحقيقة، لأن بالمحبة والاطلاع على الأسرار المهمة يكون خليلا على الحقيقة. وليس كذلك الابن. لأن البنوة في الحقيقة، إنما هي الولادة للابن. و {بني} في موضع نصب، لأنه منادى مضاف. و {إسرائيل} في موضع جر، لأنه مضاف إليه. وفتح، لأنه أعجمي لا ينصرف، لأن (إسرا) معناه: عبدو (ئيل) هو الله بالعبرانية فصار مثل عبدالله. وكذلك جبرائيل، وميكائيل. ومن حذف الألف من جبرائيل، حذفه للتعريب كما يلحق الاسماء التغيير إذا أعربت، فيلخصون حروفها على العربية. وفي {إسرائيل} خمس لغات: حكى الأخفش: إسرال، بكسر الهمزة من غير ياء. وحكي: أسرال، بفتح الهمزة. ويقول بعضهم: إسريل، فيميلون. وحكى قطرب: سرال، من غير همز ولا ياء، واسراين، بالنون. والخامس ـ إسرايل، قراءة إلياس. وحمزة وحده مد بغير ألف. المعنى: وقال أكثر المفسرين: إن المعنى، يا بني إسرائيل، أحبار اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله "صلى الله عليه وسلم". وهو المحكي عن ابن عباس. وقال الجبائي: المعني به بنو إسرائيل من اليهود والنصارى. ونسبهم إلى الأب الأعلى، كما قال: {أية : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد}. تفسير : اللغة: قوله، {اذكروا}. فالذكر، والتنبيه، والتيقظ، نظائر. ونقيضه: التغافل يقال: ذكره يذكره ذكراً. وأذكره إذكاراً. واستذكره استذكاراً. وتذكره تذكراً. وذّكره تذكاراً. واذّكر اذكاراً. وقال صاحب العين: الذكر: الحفظ للشيء تذكره. تقول: هو مني على ذكر. والذكر: جري الشيء على لسانك. تقول: جرى منه ذكر. والذكر: الشرف، والصيت لقوله: {أية : وإنه لذكر لك ولقومك}تفسير : والذكر: الكتاب الذي فيه تفصيل الدين وكل كتاب من كتب الأنبياء ذكر. والذكر: الصلاة، والدعاء. وقيل: كانت الأنبياء إذا حزنهم أمر فزعوا إلى الذكر أي الصلاة، يقومون فيصلون. وذكر الحق: هو الصك. والذكرى: هو اسم للتذكير. والذكر: ذكر الرجل معروف. والجمع: الذكرة ولهذا سمي ما ينسب اليه، المذاكير. ولا يفرد. وإن أفرد فمذكر، مثل مقدم ومقاديم. والذكر: خلاف الانثى. وجمعه: ذكور، وذكران. ومن الدواب، ذكورة لا غير. والذكر من الحديد: أيبسه وأشده. ولذلك يسمى السيف، مذكر. وامرأة مذكرة، وناقة مذكرة: إذا كانت خلقتها تشبه خلقة الذكر، وأشبهته في شمائلها. وامرأة مذكار: إذا أكثرت ولادة الذكور. وعكسه: مئناث. ويقال للحبلى: أيسرت، وأكثرت أي يسر عليها، وولدت ذكوراً. والذكر: ضد النسيان. ورجل ذكر: شهم من الرجال، ماهر في أموره. واصل الباب: الذكر الذي هو التنبيه على الشيء. والذكر: الوصف بالمدح والثناء أو بالمدح والهجاء. وقوله: {نعمتي}. المراد بها الجماعة. كما قال تعالى: {أية : وإن تعدُّوا نعمة الله لا تحصوها} تفسير : والنعمة وإن كانت على أسلافهم جاز أن تضاف اليهم. كما يقول القائل إذا فاخره غيره: هزمناكم يوم ذي قار، وقتلناكم يوم الفجار، وبددنا جمعكم يوم النار. والمراد بذلك، جميع النعم الواصلة اليهم، مما اختصوا به، دون آبائهم، أو اشتركوا فيه معهم، وكان نعمة على الجميع. فمن ذلك تبقية آبائهم حتى تناسلوا، فصاروا من أولادهم. ومن ذلك، خلقه اياهم على وجه يمكنهم الاستدلال على توحيده، والوصول إلى معرفته، فيشكروا نعمه، ويستحقوا ثوابه ومن ذلك ما لا يحلون منه في كل وقت من منفعة ودفع مضرة. فالقول الأول هو التذكير بالنعمة عليهم في أسلافهم. والقول الثاني: تذكير جميع النعم عليهم والنعم التي على أسلافهم، ما ذكر في قوله تعالى: {أية : وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وأتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين} تفسير : وقوله: {أوف بعهدكم}. في موضع جزم، لأنه جواب الأمر. اللغة: قال صاحب العين: تقول وفيت بعهدك وفاءً. ولغة أهل تهامة: أوفيت بعهدك. وهي القرآن. قال الشاعر في الجمع بين اللغتين: شعر : أما ابن عوفٍ فقد أوفى بذمته كما وفى بقلاص النجم حاديها تفسير : يعني به الدبران. وهو التالي وتقول: وفى، يفي وفاءً وأوفى، يوفي ايفاءً واستوفى، استيفاءً وتوفى، توفيا. ووفى، توفية. وتوافى، توافياً ووافاه موافاةً. وكل شيء بلغ تمام الكلام فقد وفى وتم. وكذلك درهمٌ وافٍ، لأنه درهم وفى مثقالاً. وكيل واف ورجل وفا: ذو وفاء وأوفى فلان على شرفٍ من الأرض اذا أشرف فوقها. وتقول: أوفيته حقه. ووفيته اجره. والوفاة: المنية توفى فلان، وتوفاه الله: اذا قبض نفسه. واصل الباب: الوفاء وهذا هو الاتمام. ومن اكرم اخلاق النفس الوفاء. ومن ادونها، وارذلها الغدر. المعنى: ومعنى قوله: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} قال ابن عباس: اوفوا بما امرتكم من طاعتي، ونهيتكم عن معصيتي في النبي صلى الله عليه وآله وغيره: {أوف بعهدكم} اي ارضى عنكم، وادخلكم الجنة وسمي ذلك عهداً، لأنه تقدم بذلك اليهم في الكتب السابقة كما قال: {أية : يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقاً منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون}. تفسير : والعهد: هو العقد عليهم في الكتاب السابق بما امروا به، ونهوا عنه. قال بعضهم: انما جعله عهداً، لتأكيده بمنزلة العهد الذي هو اليمين قال الله تعالى: {أية : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} تفسير : وقال الحسن: العهد الذي عاهدهم عليه حيث قال: {خذوا ما آتيناكم بقوة} اي بجد {واذكروا ما فيه} اي ما في الكتاب في قوله: {أية : ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي...} تفسير : إلى آخر الآية وقال الجبائي: جعل تعريفه إياهم نعمه عهداً عليهم وميثاقاً لأنه يلزمهم القيام بما يأمرهم به من شكر هذه النعمة، كما يلزمهم الوفاء بالعهد، والميثاق الذي يأخذ عليهم. والقول الأول أقوى، لأن عليه أكثر المفسرين، وبه يشهد القرآن. قوله: {وإياي}. الاعراب: {وإياي} ضمير منصوب. ولا يجوز أن يكون منصوباً بقوله: {فارهبون}، لأنه مشغول. كما لا يجوز في قولك: زيداً فاضربه. أن يكون منصوباً بقوله: فاضربه. لكنه يكون منصوباً بفعل دل عليه ما هو مذكور في اللفظ. تقديره: وإياي ارهبوا. ولا يظهر ذلك، للاستغناء عنه بما يفسره، وإن صح تقديره. ولا يجوز في مثل ذلك الرفع على أن يكون الخبر {فارهبون} إلا على تقدير محذوف. كما أنشد سبيويه: شعر : وقائلةٍ: خولانُ فانكح فتاتهم وأكرومة الحيين خِلوٌ كما هيا تفسير : تقديره: وقائلةٍ: هذه خولان. وعلى هذا، حمل قوله: {أية : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} تفسير : وقوله: {أية : الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما} تفسير : تقديره مما يتلى عليكم، السارق والسارقة. وفيما فرض عليكم، الزانية والزاني. وقوله: {فارهبون} اللغة: فالرهبة، والخشية، والمخافة، نظائر. وضدها: الرغبة تقول: رهب رهبة: وأرهبه، إرهاباً، ورهبه، ترهيباً. واسترهب، استرهاباً. ويقال: رهب فلانٌ يرهب رَهبا، ورهاباً، ورهبة: اذا خاف من شيء. ومنه اشتقاق الراهب. والاسم: الرهبة ومن أمثالهم: رَهبوتٌ خير من رحموت. أي ترهب خير من أن ترحم. والترهب: التعبد في صومعة. الجمع: الرهبان. والرهبانية: خطباء. والفرق بين الخوف والرهبة: أن الخوف هو الشك في أن الضرر يقع أم لا. والرهبة: معها العلم بأن الضرر واقع عند شرط، فان لم يحصل ذلك الشرط، لم يقع. واختير تحريك الياء في قوله: {نعمتي التي أنعمت} لأنه لقيها ألف ولام فلم يكن بدٌ من اسقاطها أو تحريكها، وكان التحريك أولى، لأنه أدل على الأصل وأشكل بما يلزم اللام في الاستئناف، من فتح ألف الوصل، واسكان الياء في قوله: {يا عبادي الذين أسرفوا} أجود، لأن من حق الاضافة، ألاّ تثبت في النداء. واذا لم تثبت فلا سبيل إلى تحريكها. وقوله: {فبشر عبادي الذين يستمعون} الاختيار حذف الياء، لأنه رأس آية. ورؤوس الآي لا يثبت فيها الياء، لانها فيه اصل ينوى فيها الوقف كما يفعل ذلك في القوافي. ومثل قوله: {نعمتي التي} قوله: {أخي اشدد} في ان الاختيار تحريك الياء، وان كان مع الألف واللام اقوى، لما تقدم ذكره مع المشاكلة والرد إلى الاصل. وفي {أخي اشدد}: سببٌ واحد، وهو انه ادل على الاصل. واجمعوا على اسقاط الياء من قوله {فارهبون}. الا ابن كثير، فانه اثبتها في الوصل دون الوقف والوجه حذفها لكراهية الوقف على الياء. وفي كسر النون دلالة على ذهاب الياء.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : لما عمّم الله تعالى جميع الخَلْق بالحجَج الواضحة، الدلالةِ على التوحيد، والنبوّة، والمعاد، وذكَّرهم ما أنعم عليهم في أبيهم آدم (عليه السلام)، ونبَّههم على مكامن خِلقتهم، ومبادئ، نشأتهم عقَّبها بإزالة شُبه المنكرين، وقمْع أوهام المعاندين، باقامة الحجَّة على طائفة مخصوصين، وهم اليهود الذين كانوا بالمدينة، لأنّهم أكثرُ الناس انكاراً للنبوّة، كما أنَّ كفار قريش كانوا أكثر الناس انكاراً للتوحيد. وقيل: الخطاب لليهود والنصارى، وهم جميعاً من أهل الكتاب، المحجوبين عن الدين، بل عن الحقّ مطلقاً، واليقين. فشرَع أوّلاً في ذكر الانعامات الخاصّة على أسلاف اليهود وآبائهم، تذكيراً لنعمه، وعظيم منَنه عليهم، واستمالة لقلوبهم، وتنبيهاً على ما يدلّ على نبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله) من حيث اخباره عن المغيبات، والأحوال الماضية، والأديان السابقة، ثمّ أمرهم بايفاء عهد الله من الاقرار بالربوبيّة، والاعتراف بتمام نعمته في بعثة نبيِّه الخاتَم للرسل، وانزال كتابه الجامع للكلِم، والحاوي للحِكَم، المفصِح المعرِب عن كلّ دقيق وجليل، المصدّق لما بين أيديهم من التوراة والانجيل، ليكافئهم الله بإيفاء عهدهم من حسْن الجزاء وسعادة المسرى، ثمّ حذَّرهم ورهَّبهم عن التعرّض لما يوجِب سخطَه، ويحجب عن رحمته من انكار الحقّ وكتمانه، وتلبيسه بالباطل، أو ترويج الباطل وابرازه في صورة الحقّ لاتّباع الهوى وطلب العادلة وترك الآجلة. فالكلام من هذه الآية إلى أوائل الجزء الثاني مسوقٌ مع طائفة أهل الكتاب ومتكلّمي اليهود والنصارى، احتجاجاً عليهم وإنذاراً لهم على أبلغ وجه وآكَده. ومن تأمّل في تضاعيف ما ذكر في هذه الآيات من الإشعار بفنون نِعم الله العامّة، والخاصّة لطائفة أهل الكتاب، ثمّ اردافها بالترغيب البالغ بقوله: {أية : وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [البقرة:47] مقروناً بالترهيب البالغ بقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} تفسير : [البقرة:48] - إلى آخر الآية - علِم أنَّ هذا هو النهاية في حسن الترتيب لمن يريد الدعوة وتحصيل الاعتقاد في قلب المستمع. ولنرجع إلى تفسير الألفاظ: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ}: يا أولاد يعقوب. الابْن، والوَلَد، والنَسْل، والذُرِيَّة، متقاربة المعاني، إلاّ أنَّ "الابن" للذكَر، و "الولَد" يقع على الذكَر والأنثى و "النسْل" و "الذريّة" يقعان على جميع ذلك. وأصل "ابْن" من "البنَاء"، وهو وضْعُ الشيء على الشيء، لأنّه يبنى على الأبْ لأنّه الأصل، والابن فرعٌ له منسوب إليه، كما ينسب المصنوع إلى صانعِه. فيقال: "أبو الحَرب" وكأنّ اطلاق الأبْ على العلّة الموجِدة، والإبن على المعلول في بعض ألسِنة القدماء من هذه الجهة، لأنّ العلّة الموجِدة للشيء هي أصل وجوده، ووجودُ المعلول فرعه، فكانوا يسمّون المبادئ بالآباء، يقولون للباري جلّ مجده: "أب الآباء" أعني علّة العلل، لا بالمعنى الذي زاغت النصارى لأجل ذلك وصُلَت أفهامهم من قول المسيح (عليه السلام): "إنّي ذّاهِبٌ إِلى أبي وأبيكم" أي: ربّي وربّكم. وإسرائيل لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - على نبيّنا وعليهم السلام - وقيل: أصله مضاف، معناه بالعبريّة: صفوة الله. أو: عبد الله. لأنّ "اسر" معناه: عبد و "إيل" هو: الله في لغة العبرانيّين، فصار مثل "عبد الله" مركّباً اضافياً، وكذلك جبرائيل ومكائيل. والقراءة المشهورة "إسرائيل" مهموز، ممدود، مشبع الياء. وقرئ "إسرإل" بحذف الياء. و "إسراييل" بقلب الهمزة ياء. و "إسرال" بحذفها و "إسرائين" بالنون. قال أبو علي: "العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه". و "الذِّكْر" الحفظ للشيء. وضدّه النسيان. والحقّ أنَّ الذِّكر هو إدراك الشيء المحفوظ أوّلاً، ولا بدّ فيه من قوّتين باطنيّتين: الواهمة، والحافظة، و "الاسترجاع" أخصّ منه، إذ لا بدّ فيه من قوى ثلاث - هما والمتصرّفة - فالذاكرة من الإنسان وكذا المسترجعة ليست قوّة بسيطة، بل قوّة مركّبة من القوّتين أو أزيد، فلا يلزم بسببها اثبات قوّة أُخرى في الإنسان غير الخَمس الباطنيّة. وربما يطلق "الذِّكر" على جَري لفظ الشيء على لسانك، وهو ليس بذِكْر للشيء حقيقة، كما أنَّ لفظ الشيء ليس وجوده، بل ذكر الشيء عبارة عن احضار معناه في حضرة النفس. قال تعالى: "حديث : أنا جَليسُ مَن ذَكَرني"تفسير : فلو كان المراد به ذكْر اللسان دون القلب يلزم أن يكون اللهُ جليسَ هذا الجِرم المخصوص. وأمّا القلبُ الذاكِرُ للحقِّ فليس المراد به هذا العضو العنصري المتخصّص بالوضع والأين. بل الذي أُشير إليه في الحديث الإلهي: "حديث : لا يسَعني أرضي ولا سمائي، ولكن يسَعني قلب عبدي المؤمن الوادع ". تفسير : و "الذِّكْر" قد يكون بمعنى ما يتذكر، فيطلق على الكتاب الذي فيه تفصيل الدين {أية : إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} تفسير : [الزخرف:44]. فكل كتاب من كتب الأنبياء (عليهم السلام) ذِكر. و "الذِّكْر" هو الصلاة والدعاء، وفي الأثر: "كانَت الأنبياءُ إذا حزنَهم أمرٌ فزعوا إلى الذكر" أي: إلى الصلاة. تقول: "وفيتُ بعهدِك وفاء" و "أوفيتُ" لغة تهامة. والعَهْد: الأمْر والوصيّة. والرَهْبة: الخوف. وضدها الرغْبة. وفي المثل: "رَهبُوت خير من رحَموت". أي: لأن تَرهب خير من أن تُرحم. فصل قوله تعالى: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} أراد بذلك النعَم التي أنعَم بها على أسلافهم من تكثير الأنبياء فيهم، والكتب، وانجائهم من فرعون وجنوده، ومن الغرق على أعجب الوجوه، وانزال المنّ والسلوى عليهم، وكون الملِك منهم في زمن سليمان (عليه السلام)، وغير ذلك. وعدّ النعمة على آبائهم نعمةً عليهم، لأنّ الأولاد يتشرّفون بفضيلة الآباء. وهذا كما يقال في المفاخرة: "قَتلناكُم يومَ الفخار، وهَزمناكم يومَ ذي قار، وغَلبناكم يومَ النسار". وذكر النعمة بلفظ الواحد، والمراد به النعم الواصلة إليهم مما اختصّوا به أو اشتركوا مع آبائهم، حتّى تناسَلوا فصاروا من أولادهم، ومن ذلك خلْقُه إيّاهم على وجه يمكنهم اكتساب المعرفة بالله، والاستدلال على توحيده، والوصول إلى مكاشفة أسمائه وصفاته وملَكوته وآياته، فيشكروا نعمتَه، ويستحقّوا ثوابَه وجنّته. واعلم أنَّ "النعمة" يعبَّر بها عن كلّ خير، ومنفعة، ولذّة، سواء كان في الدنيا أو في الآخرة. و "الخير" هو المؤثّر المختار بحسب الواقع. و "المنفعةُ" ما يكون وسيلة إلى الخير بالذات، فهي تكون خيراً بالعرض، و"اللذّة" قد تُطلق بمعنى الشهوة، وهي التي تكون مختصَّة بادراك الحواسّ، كلذّة البطن، والفرج، والمال، والجاه. وقد تطلق بمعنى ادراك الملائم سواء كان للعقل أو الحسّ. والأوّل تكون خيراً، إلاّ أنَّها يمكن أن تكون منفعة، وذلك إذا كانت على وجه يؤدّي إلى الخير الحقيقي. وكلّ واحد من هذه المعاني الثلاثة يمكن أن يصدق على بعض أفراد الآخرين، فإنّ الشيء يمكن أن يكون خيراً، ولذيذاً، ومنفعة، كالعلم بمسألة إلهيّة يؤدّي إلى العلم بمسألة أُخرى منها، فإنّ العلوم الإلهيّة كلّها خير، لأنّه كمال عقليّ باق دائماً، وكلّ موجود باق دائماً فهو خير، وهو أيضاً وسيلة إلى خير آخر فيكون منفعة، وهو نفسه لذيذ عند العالِم به، وإن لم يكن لذيذاً عند فاقد القوّة التي بها تُدرك المعارف الإلهيّة. والله سبحانه أحبّ الأشياء عند العرفاء الأحباء، وهم أيضاً أحبّ الأشياء عنده، كما يدل عليه قوله {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}تفسير : [المائدة:54]. وهو أبغض الأشياء عند المُبعدين المُنكرين وبالعكس، كما في قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : مَن أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ اللهُ لقاءَه. ومن أنكَر لِقاءَ الله أنكَر الله لقاءه ". تفسير : وحدَّ القومُ "النعمة" بأنّها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، أمّا كونها منفعة فلأنّ المضرّة المحضة لا يجوز أن يُعدّ نعمة، وأمّا التقييد بكونها مفعولة على جهة الإحسان: فلأنّه لو كان نفعاً ولكن لم يقصد الفاعل نفعه - بل ضرّه - لم يكن نعمة عليه، كمن أحسَنَ إلى أحدٍ وأراد به اختداعه أو استدراجه إلى ضرر. إذا عرفت هذا فاعلم أنّ جميع ما خلقه الله لعباده فهو نعمة منه، لأنه لا يخلو عن أمرين: إمّا خيرٌ، وإمّا منفعة أي: وسيلة إلى ما هو الخير بالذات. أمّا الخير بالذات: فيرجع حاصله مع انشعاب أقسامه إلى الإيمان، وحسْن الخُلق، وينقسم الإيمان إلى علوم المكاشفة، وهي العلم بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وأوليائه، وعلم المعاد واليوم الآخر. وإلى علوم المعاملة: وهي تحصيل حُسْن الخُلق. والأولى عدّ علوم المعاملة من جملة المنافع، لأنّها وسيلة إلى حُسن الخُلق الذي هو عبارة عن سلامة القلب، وطهارة النفس، وصفاء الضمير، وشيء منها ليس خيراً بالذات، لأنّها عدميّة، والعدَم لا يكون خيراً بالذات، وإنّما هو وسيلة إلى قبول الخير، وهو صورة المطلوب - أي الحضرة الإلهية وأفعاله وآثاره - . فعلوم المعاملة من المنافع المؤدّية إلى الخير الحقيقي، والسعادة الأخروية، إذ لا سبيل إلى سعادة الآخرة إلاّ بالعمل والسعي في طريقها و {أية : لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ} تفسير : [النجم:39] وليس لأحد في العقبى إلاّ ما تزوّد في الدنيا. وهي تنقسم إلى عفّة وهي سياسة قوّة الشهوة، حتّى لا تكون مستولية ولا مطموسة وإلى شجاعة، وهي تعديل قوّة الغضب، حتّى لا يكون الإنسان من جهتها متهوّراً ولا جباناً مقهوراً، بل يكون اقدامه واحجامه بمقتضى العقل المنور بنور الإيمان، وإلى حكمة، وهي اصلاح القوّة الادراكية حتّى لا تكون جربزة مكّارة كالشيطان في استنباط دقائق الحيل في الدنيا، والتفريعات الجزئية من العلوم التي ضرّها أكثر من نفعها. ولا يكون أيضاً بليداً غير مروٍّ في الأشياء النافعة. وهذه الحِكمة غير الحكمة التي أثنى عليها كتابُ الله بقوله: {أية : وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} تفسير : [البقرة:269]. فإنّها كلّما كانت أكثر فهي أجلّ وأشرف. ومن تعديل هذه الثلاثة - أعني ملكة العفّة، والشجاعة، والحكمة - تحصل للنفس ملكة أُخرى تسمّى بالعدالة، وهي ميزان أنزله الله تعالى على لسان رسوله، إذ قال: {أية : أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ}تفسير : [الرحمن:8 - 9]. فمن أخصى نفسه لترْك شهوة الجماع، وترْك النكاح مع الاستطاعة والأمن من الغائلة، أو ترَك الأكل حتّى ضعُف عن العبادة والفكر فقد أخسَر الميزان، ومَن انهمك في الشهوات فقد طَغى في الميزان، وإنما العدْل أن يخلو الوزن والتقدير عن الطغيان والخسران، وتتعادل كلتا كفَّتي الميزان، وفي ذلك تحصل النجاة عن عالَم الأضداد وخلاص النفس عن أسْر عفاريت الظلمات، وأفاعي الشهوات، فإنّ التوسّط بين الأطراف بمنزلة الخلوّ عنها. فهذه هي الفضائل والخيرات المحضة، وهي سعادة الآخرة، ويرجع حاصلها إلى أربعة أمور: بقاء لا فناء له، وسرور لا غم فيه، وعلم لا جهل معه، وغنى لا فقر معه، وهي النعمة الحقيقية. ولذلك قال (صلى الله عليه وآله) "حديث : لا عَيْش إلاّ في الآخرة" تفسير : وصدَر هذا القول منه (صلى الله عليه وآله) مرّتين: مرّة في الشدة تسلية للنفس، وذلك في وقت حفر الخندق في شدّة الضرّ، ومرّة أُخرى في السرور منعاً للنفس من الرُّكون إلى سرور الدنيا وذلك عند احداق الناس به في حجّة الوداع. وقال رَجل: "حديث : إنّي اسألك تمامَ النعمة" فقال (صلى الله عليه وآله): "وهلْ تعلَم ما تمامُ النعمة؟" قال: "لا". قال: "دخولُ الجنّة ". تفسير : وأمّا المنفعة - أعني النعمة التي هي وسيلة إلى ما هو خيرٌ حقيقي - فتنقسم إلى الأقرب الأخصّ بالخير، كفضائل النفس، وهي كما مرّ: عفّةٌ وشجاعةٌ، وحكمةٌ وعدالة. وإلى ما يليه في القرب، كفضائل البدن، وهو الثاني. وإلى ما يلي هذا في القرب، كالأسباب المطيفة بالبدن من المال، والأهل، والعشيرة، وإلى ما يجمع بين هذه الأسباب الخارجة عن النفس، وبين الحاصلة لها كالتوفيق والهداية. فجميع نعم الله التي هي دون الخير الحقيقي، والشرف الذاتي وهو المعرفة بالله، وأفعاله، من ملائكته، وكتبه، ورسله، ومعرفة النفس، ومواطنها، وغاياتها - المعبّر عنهما بالإيمان بالله واليوم الآخر، كما مرّت إليه الإشارة - منحصرة مع عدم تناهيها وعدم امكان العدّ والاحصاء فيها كما قال: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم:34]. في أربعة أنواع: النوع الأوّل منها: هي الفضائل النفسانيّة التي ترجع إلى سلامة القلب، وطهارة النفس. وهي الأربعة المذكورة - العفّة، والشجاعة، والحكمة، والعدالة - وهذه الفضائل لا تتمّ إلا بالنوع الثاني منها، وهي الفضائل البدنيّة، وهي أيضاً أربعة: - الصحّة، والقوّة، والجمال، وطول العمر - ولا تتهيّأ هذه الأمور الأربعة إلاّ بالنوع الثالث، وهي النعم الخارجة المطيفة بالبدن - وهي أربعة: المال، والأهل، والجاه، وكرم العشيرة - ولا ينتفع بشيء من هذه الأسباب الخارجيّة البدنيّة إلاّ بالنوع الرابع وهي الأسباب التي تجمع بينها وبين ما يناسب الفضائل النفسانيّة الداخلة - وهي أيضاً أربعة: هداية الله، ورشده، وتسديده، وتأييده - وقد مرّ شرح هذه المعاني في تفسير الفاتحة. فمجموع هذه النعم ستّة عشر قسماً وهذه الجملة يحتاج بعضها إلى بعض، إمّا حاجة ضروريّة أو نافعة. أمّا الحاجة الضروريّة فكحاجة سعادة الآخرة إلى حُسن الخُلق، وسلامة القلب، وكذلك حاجة الفضائل النفسانيّة - ككسب العلوم وتهذيب الأخلاق - إلى صحّة البدن ضرورية. وأمّا الحاجة النافعة على الجملة، كحاجة هذه النعم النفسيّة، والبدنيّة إلى النعم الخارجيّة مثل المال، والعزّ، والأهل، فإن ذلك لو عدم ربما تطرّق الخلل إلى بعض النعم الداخلية، أو لا ترى أنَّ الفقير في طلب العلم والكمال الذي ليس معه كفاية كساعٍ إلى الهَيجا بغير سلاح، أو كَبازٍ يرومُ الصيد بغير جناح. ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): "نِعم المالُ الصالِح للرجلِ الصالحِ" وقال (صلى الله عليه وآله): "حديث : نِعم المالُ المالُ الصالِح للرجلِ الصالحِ" تفسير : وقال (صلى الله عليه وآله): "حديث : نعمَ العونُ عَلى تَقوى اللهِ المالُ" تفسير : وكيف، ومَن عَدم المالَ مستغرق الأوقات في طلب القوت، وتهيئة اللباس، والمسكن، وضرورات المعيشة، ثمّ يتعرض لأنواع الأذى من الأدنى حتّى يشغله عن الفكر، والذكْر، ويحرم من فضيلة الحجّ، والصدقات، وافاضة الخيرات. سُئل بعض الحكماء، وقيل: ما النعيم؟ فقال: الغِنى، فإنّي رأيت الفقير لا عَيش له. قالوا: زِدنا؟ قال: الأمن، فإنّي رأيتُ الخائفَ لا عيش له. قالوا: زِدنا؟ قال: العافيةُ، فإنّي رأيت المريضَ لا عيش له. قالوا: زِدنا؟ قال: الشبابُ، فإنّي رأيت الهرم لا عيش له. وكأنّ ما ذكره اشارة إلى نعيم الدنيا، ولكنّه من حيث إنّه معينٌ على الآخرة فهو نعمة. ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : مَن أصبحَ مُعافىً في بدنِه آمناً في سِرْ به، وله قوتُ يومه، فكأنّما حيزت له الدنيا بحذافيرها ". تفسير : وأما الأهل والولد الصالح فلا يخفى وجه الحاجة إليهما، إذ قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : نِعْم العونُ على الدين المرأةُ الصالحة"تفسير : . وقال في الولد: "حديث : إذا ماتَ الرجُل انقطع عملُه إلاّ من ثلاث: ولدٌ صالح يدعو له الحديث ". تفسير : وأمّا العزّ والجاه فَبه يدفع الإنسان عن نفسِه الذلّ والضيم، ولا يستغني عنه مسلم، فإنّه لا ينفكّ عن عدوّ يؤذيه، وظالم يشوش عليه عامّة عمله وفراغه، ويشغل قلبه، وقلبه رأس ماله، وإنما تندفع هذه الشواغل بالعزّ والجاه. ولذلك قيل: الدين والسلطان توأمان {أية : وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ} تفسير : [البقرة:251]. ولا معنى للجاه إلاّ مُلك القلوب، كما لا معنى للغِنى إلاّ مُلك الدراهم، وعلى هذه القصد كان الأنبياء الذين لا مُلك لهم ولا سلطنة يراعون السلاطين، ويطلبون ما عندهم وكذلك كان أئمّتنا سلام الله عليهم يتوجّهون إلى الأمراء، ويقصدون التناول من خزانتهم، والاستيسار، والاستكثار في الدنيا بملاقاتهم، ومعاشرتهم، ولا تظنّن أن نعمة الله على رسوله (صلى الله عليه وآله) حيث نصَره، وأكمَل دينَه، وأعزّه في الأرض، وأظهرَه على جميع أعدائه، ومكّن له في القلوب حتى اتّسع عزه، وجاهه، كان أقلّ من نعمته عليه حيث كان يؤذى ويُضرت حتى افتقر إلى الهرب والهجرة. وأمّا كرم العشيرة فهو أيضاً من النعم الجليلة، ولذلك منّ الله تعالى على بني إسرائيل في هذه الآية، وفي قوله...، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : الأئمّة من قريش" تفسير : ولذلك كان (صلى الله عليه وآله) من أكرم أُرومة في نسَب آدم (عليه السلام)، ولهذا المعنى قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : تخيَّروا لِنُطفكم"تفسير : . وقال: "حديث : إيّاكُم وخضراءُ الدمن" فقيل: "وما خَضراء الدمن؟" قال: "المرأة الحَسناء في المنبت السوء ". تفسير : فهذا أيضاً من النعم، وليس المراد منه الانتساب إلى الأشرار، والظلَمة، وأرباب الدنيا، بل الانتساب إلى أكابر الأخيار كشخص رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام)، والعلماء والشهداء، والصالحين. فإن قلت: فما منفعة الفضائل البدنيّة وغناؤها؟ فنقول: لا خفاء في شدّة الحاجة إلى الصّحة، والقوّة، وإلى طول العمر، ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : أفضل السعادةِ طولُ العُمر في عبادة الله ". تفسير : وإنّما يستحقر من جملتها أمْر الجمال. فيقال: يكفي أن يكون البدنُ سليماً من الأمراض الشاغلة عن تحرّي الخيرات. نعم الجمالُ قليل الغِناء. ولكن لعمري إنّه من الخيرات أيضاً. أمّا في الدنيا فلا يخفى نفعُه فيها، وأمّا في الآخرة فمن وجهين: أحدهما: إنّ القبيح مذموم، والطباع عنه نافرة، وحاجات الجميل إلى الإجابة أقرب، وجاهه في الصدر أوسع، فكأنه من هذا الوجه جناح مبلغ كالمال والجاه، إذ هو نوع قدرة، إذ يقدر جميل الوجه على تنجّز حاجات لا يقدر عليها القبيح، وكلّ مُعين على حاجات الدنيا، فهو مُعين على الآخرة بواسطتها. الثاني: إنّ الجمال في الأكثر يدلّ على فضيلة النفس، لأنّ نور النفس إذا تمّ إشراقه، تأدّى إلى البدن، فالمنظَر والمخْبر كثيراً ما يتلازمان، ولذلك عوّل أصحاب الفراسة في معرفة مكارم النفس على هيآت البدن، وقالوا: الوجهُ والعينُ مرآة الباطن، ولذلك يظهر فيه أثرُ الغضب، والسرور، والغمّ، ولذلك قيل: "طلاقةُ الوجهِ عنوان ما في النفس". واستعرض المأمون جيشاً، فعُرض عليه رجلٌ قبيح المنظر فاستنطقه، فإذا هو ألكن. فأسقط اسمه من الديوان. وقال: "الروحُ إن أشرقَت على الظاهر فصباحةٌ وإن أشرقت على الباطن ففصاحة، وهذا ليس له ظاهرٌ ولا باطنٌ" وقد قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : أُطلبوا الخير عند حِسان الوجْه"تفسير : . وقال الفقهاء: "إذا تساوتْ درجاتُ المصلّين فأحسنُهم وجهاً أولاهم بالإمامة" وقال سبحانه ممتناً بذلك: {أية : وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي ٱلْعِلْمِ وَٱلْجِسْمِ} تفسير : [البقرة:247]. وليس المراد بالجمال ما يحرّك الشهوة، فإنّ ذلك أُنوثة مذمومَة، وإنّما يعنى به ارتفاع القامة في الاستقامة مع الاعتدال في اللَّحم، وتناسُب الأعضاء، وتناصف خِلْقة الوجْه، بحيث لا تنبو الطباع عن النظر إليه. فإن قلت: كيف يكون المالُ، والجاه، والنسب، والأهل، والولد في حيّز النعم وقد ذمّ الله تعالى المالَ، والجاهَ، وكذا رسولُه صلى الله عليه وأهل بيته عليهم السلام وقال: {أية : إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلاَدِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ} تفسير : [التغابن:14] وقال تعالى: {أية : إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} تفسير : [التغابن:15]. وقال: {أية : وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوۤاْ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ} تفسير : [الحجرات:13]. وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): "الناسُ أبناءُ ما يحسنون، وقيمةُ كلّ امرئٍ ما يحسنه" وقيل: "المرءُ بنفسِه لا بأبيه" فما معنى كونها نعمة - مع كونها مذمومة شرعاً - ؟. فاعلم أنَّ مَن يأخذ العلوم من الألفاظ المنقولة المأوّلة، والعمومات المخصّصة كان الضلال عليه أغلب، ما لم يهتد بنور الله تعالى إلى إدراك الأمور على ما هي عليها، ثمّ تبيّن النقل على وِفْق ما ظهر له منها بالتأويل مرّة، وبالتخصيص أُخرى. فهذه نِعم معينةٌ على الآخرة لا سبيل إلى جحدها، إلاّ أنَّ فيها فتناً ومخاوِف، فمِثال المال مثال الحيّة التي فيها ترياق نافعٌ وسمّ ناقعٌ: فإن أصابها المعزّم الذي يعرف وجه الاحتراز عن سُمّها، وطريق استخراج ترياقها النافع كانت نعمة، وإن أصابها سواديّ فهي عليه هلاك وبلاء. وهو مِثل البحر الذي تحته أصناف الجواهر واللآلي فمن ظفَر بالبحر، فإن كان عالماً بالسباحة، وطريق الغوص، وطريق الاحتراز عن مهلكات البحر، فقد ظفر بنعمه، وإن خاضَه جاهل بذلك فقد هلَك. ولذلك مدَح الله المال وسمّاه خيراً: ومدَحه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: "حديث : نعمَ العونُ على تقوى الله المال الطيب" تفسير : وكذلك مدَح الجاهَ والعزَّ، إذ منَّ الله على رسوله (صلى الله عليه وآله) أن أظهره على الدين كلّه، وحبّبه في قلوب الخلْق، وهو المعنيّ بالجاه. ولكن المنقول في مدحهما قليل، والمنقول في ذمّهما كثير، حيث ذمّ الرياء وهو ذمّ الجاه. إذ الرياء المقصود فيه اجتلاب القلوب، ومعنى الجاه مُلك القلوب وإنّما كثر هذا وقلَّ ذلك، لأنّ الناس أكثرهم جهّال بطريق الرقية لِحيَّة المال، وطريق الغوص في بحر الجاه، فوجب تحذيرهم، فإنّهم يهلكون بسمّ المال قبل الوصول إلى ترياقه، ويُهلكهم تمساحُ بحر الجاه قبل العثور على جواهره، ولو كانات في أعيانهما مذمومين بالإضافة إلى كل أحد لما تصوّر أن ينضاف إلى النبوّة المُلك - كما كان لرسول الله (صلى الله عليه وآله) - ولا أن ينضاف إليه الغِنى - كما كان لسليمان (عليه السلام) - والناس كلّهم صبيان والأموال حيّات، والأنبياء والعارفون معزّمون وقد يضرّ الصبيّ ما لا يضرّ المعزّم. فإذن النعم الدنيوية كلّها مشوبة، وقد امتزج داؤها بدوائها، ومرجوّها بمخوفها ونفعها بضرّها، فمن وثق ببصيرته، وكمال معرفته، فله أن يعرف منها فسادها، ويستخرج دواءها، وإلاّ فالفرار الفرار، والبُعد كل البُعد عن مظانّ الأخطار، فلا تعدل بالسلامة شيء في حقّ هؤلاء، وهم الخَلْق كلّهم إلاّ من عصمه الله تعالى، وهداه لطريقه. فهذه مجامع نعم الله وأجناسها الكليّة، ولكل منها أعداد لا تحصى، وأسباب لا تتناهى، بل كلّ ما يوجد من الله تعالى في الدنيا، فهي مما يصدق عليه بوجه من الوجوه أنَّه نعمةٌ، لأنّه إمّا خيرٌ، وإمّا وسيلةٌ إلى الخير. والشرّ مما لا ذات له، لأنّه إمّا عدم ذات، أو عدم كمال لذات، فالموت، والكفر، والجهل، والفقر، وأمثالها التي هي شرور بالذات أمور عدميّة، وأمّا الظلم والجحود، والقتل المحرّم، والفسق والتكبّر، والعناد، والجهل المركّب، وأمثالها، فهي شرور بالعَرض، لأنّها مؤدّيةٌ إلى ما هو شرٌّ بالذات، أعني عدم الحياةالأُخروية، أو عدم كمال تلك الحياة. ولهذا شرحٌ وتفصيلٌ يليق بموضع آخر غير هذا الموضع. هدايةٌ لماذا يُنسب الخيرُ إليه تعالى والشرُّ إلينا؟ اعلم أنَّ كلّ ما يصِل إلينا في كلّ وقت ولحظة من آناء الليل والنهار من النفع أو دفع الضرّ، فهو من الله تعالى على ما قال {أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل:53]. وأمّا الشرور والآفات فهي من أنفسنا، ومن قصور قابليّاتنا، وسوء استعداداتنا، التي هي أيضاً منتهيةٌ بوجه الخير إلى الله، وبوجه الشر إلى الإمكانات، ولوازم الماهيّات الناشئة من قصور الموجودات، فإن وجود المعلول لا ينفكّ عن نقص، وإلاّ لم يكن فرقٌ بين المفيض والمفاض عليه. فجميع ما في العالَم على التحقيق - إمّا نعمة، أو متنعّم به نفع، أو منتفعٍ به خير، أو ما يؤدي إلى الخير، بل يمكن أن يقال: إنّ جميع ما في العالَم. ممّا لا حدّ له ولا احصاء، هي نعمة من الله في حقّ الإنسان، إذ ما من شيء إلاّ وله الانتفاع. أمّا التي أودعها فينا من المنافع، واللّذات، والجوارح، والآلات، فظاهر انتفاعنا بها، لأنّا نستعملها في جرِّ المنافع، ودفع المضارّ الدنيويّة، والأُخرويّة. وأمّا التي خلقها الله تعالى خارجةً عنا فهي أيضاً إمّا نستلذّ بوجودها، أو ننتفع لمعرفتها، والاستدلال بها على وجود الصانع، وحكمته، وجوده، ولطفه، فهي كلّها منافع منتفع بها إمّا حالا أو مآلا، فإنّها وسائل إلى المعرفة والحكمة، وهي إمّا نفس السعادة واللذّة الدائمة، أو وسيلة إليهما فصحّ أنّ جميع مخلوقات الله نعم على العبد، وهي غير متناهية لا يمكن عدّها ولذا قال تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم:34]. فإن قلت: إذا كانت النعم غير متناهية فكيف يمكن الانتفاع بها؟ وأيضاً إذا كانت غير متناهية لا يمكن علم العبد بها فكيف أمَر الله إيّاه بتذكّرها في قوله: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}؟ والجواب عن الأوّل أنَّ المراد بالنعمة ما يمكن الانتفاع به - سواءٌ انتفع به أحدٌ، أم لا - فكلّ واحد من الأمور المخلوقة ممّا يمكن الانتفاع به للعبد، فيكون نعمة في حقه. وأمّا عن الثاني: فإنَّ الأشخاص غير متناهية، والطبائع النوعيّة متناهية، ويمكن لنا العلم بالطبائع والعنوانات، والحكْم بها على وجه يسري في أشخاصها الغير المتناهية مجملة، كما في القضايا الكليّة، مثل قولنا: "كلّ إنسان له قوّة الكتابة" ففي هذا الحكم تصوَّرنا طبيعة العنوان - أي ماهيّة الإنسان - بالكُنه، وتصوّرنا أفرادَه كلّها بالوجه، وحكَمنا عليها بقوّة الكتابة. وهذا ضرْب من العِلم، وهو يكفي للتذكّر الذي يفيد العلم بوجود الصانع، وحكمته عن آثار صُنعه وأنوار حكمته. فقد ثبت أنّ جميع ما في العالَم من المخلوقات، فهو نعمةٌ في حقّ الإنسان، وقد مرّ أنَّها كلّها خيرات بالقصد، شرور بالتَبع. هذا على ما هو مذهب أهل الحق، وأما على مذهب أهل السنّة فيجوز من الله خلْق الشرور وايلام البري، من غير أن يكون القصد فيه إلى اصلاح حالهم، أو مآلهم ثمّ اختلفوا في أنّه هل لله تعالى نعمة على الكافر في الدنيا، أم لا؟ فمنهم مَن قال: هذه النعم في الدنيا لمّا كانت مؤدّية إلى الضرر الدائم في الآخرة لم يكن تلك نعمةً، فإنّ من جعَل السمّ في الحلوى لم يعدّ النفع الحاصل منْ أكل الحلوى نعمةً، لمّا كان وسيلة إلى الضرر العظيم. ولهذا قال تعالى: {أية : وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوۤاْ إِثْمَاً} تفسير : [آل عمران:178]. ومنهم مَن قال: إنّه تعالى وإن لم ينعم على الكافر بنعمة الدين، لكن أنعم عليه في الدنيا - وهو قول الباقلاني - وهذا أقرب إلى الصواب. لكن الإشكال المذكور في مثال الحلوى المسمومة باق، لا يمكن حلّه بقوّة فكْر المتكلّم، وصنعته وتلفيقه للكلام، وإنّما ينحلّ وينكشف بقوّة نور البصيرة الكاشفة لأسرار حكمة الله في خلق الكفّار، وتنعيمهم مدّة لعمارة هذه الدار، وتعذيبهم في دار القرار، فهذا التنعيم بعينه إمّا عين ذلك التعذيب، أو منجرّ إليه. قال تعالى: {أية : فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارِ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا} تفسير : [الحج:19 - 22] وقيل لهم: {أية : ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ} تفسير : [الحج:22]. أي الذين انقطعوا عن الله وعالَم ملَكوته، أعرَضوا عن أصحاب القدس والتجريد، وأهل الروح والعقل باتّباع الهوى، والشهوة، والطبيعة، قُطّعت لهم بتقطيع خيَّاط القضاء ثياب من نار القَدر على قدْر نفوسهم، المحترقة بنار الهوى، وكبريت الشهوة، وحطَب الطبيعة، وهي ثياب أخلاق ذميمة، نُسجت من سُدى مخالفات الشرع ولُحمة موافقات الطبيعة. وَيُصَبُّ مِنْ فَوقِ رؤوسهم - أي من مبدإ الإفاضة عليهم - حميمُ الشهوات النفسانية؛ لسوء قابليتهم لِمَاء الإفاضة، فيصير حميماً في حقّهم على ما قيل: شعر : ومَن يكُ ذا فمٍ مُرٍّ مريضٍ يَجِد مُرّاً به الماءَ الزلالا تفسير : فيُذاب به ما في بطونهم وقلوبهم، ويخرج ما في نفوسهم من الملكات والأخلاق من القوّة إلى الفعل يوم تُبلى السرائر، فتصير مصوّرة بصوَر مؤلمة معذّبة للروح، ولهم مقامع من حديد قلوبهم، وهي الملكات الذميمة الراسخة، كلّما أرادوا أن يخرجوا من دار الجحيم، وسعير الهوى، ونار الهاوية من غمّ ما هم فيه أعيدوا فيها بمقامع تلك الأخلاق؛ لغلبة الجهل، واستيلاء الحرص عليهم، وقيل لهم: "ذوقوا عذابَ ما أحرقت منكم نار الشهوات، وأذابت سموم الأخلاق المهلكات من محاسن الاستعدادات" كما قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : الحسدُ يأكل الحسنات كما تأكل النارُ الحطب ". تفسير : ومما يدلّ على أنّ نعمة الله شاملةٌ للكفار آيات كثيرة في هذا الباب، كقوله تعالى: {أية : كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ} تفسير : [البقرة:28]. وقوله: {أية : يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلأَرْضَ فِرَاشاً وَٱلسَّمَاءَ بِنَآءً} تفسير : [البقرة:21 - 22]. وقوله: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} وهذا نصٌّ صريح في أن الله تعالى أنعَم على الكفار، لأنّ المخاطب بذلك هم كفَرة أهل الكتاب. وقوله: {أية : قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً}تفسير : [الأنعام:63]. إلى قوله: {أية : ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ} تفسير : [الأنعام:64]. وقوله: {أية : وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} تفسير : [الأعراف:10]. وقوله: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا} تفسير : [الأنفال:53]. وهذا صريح وقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ}تفسير : [إبراهيم:28]. إلى غير ذلك من دلائل النعمة العامّة، وشواهد الرحمة الواسعة، التي وسِعت كلّ شيء من غير اختصاص بأهل الإيمان. وأمّا حديث العذاب الدائم والخلود في النار للكفّار فقد مضى لذلك ما فيه كفايةٌ للمستبصر، وشكايةٌ للمحجوب المستنكر. فصل مشرقيٌّ فضلُ هذه الأمّة على بني إسرائيل اعلم أنَّ في الآية إشعاراً لطيفاً بانحطاط درجة هؤلاء المخالفين من أهل الكتاب عن منازل المحبّبن والمقرَّبين حيث خاطَبهم الله بذكر النعمة، واستَمالهم وجذبَ قلوبهم بهذه الملاذّ الدنيويّة، والمقاصد النفسانيّة، كإنزال المنّ والسلوى لهم في التيه، وتظليل الغمام عليهم، وتفجير العيون الإثني عشر، واعطائهم الحجر الذي كرأس الرجل يسقيهم ما شاءوا من الماء متى أرادوه، فإذا استغنوا عن الماء رفعوه، فاحتبس، واستنقاذِهم ممّا كانوا فيه من البلاء من فرعون وقومه، وتخليصهم من العبودية، وتنجيتهم من الغرق، وجعلِهم ملوكاً بعد أن كانوا عبيداً لآل فرعون والقبط، وإيراثهم أرضهم وديارهم كما قال: {أية : وَأَوْرَثْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [غافر:53]. وإعطائهم عموداً من نور ليضيء لهم الليل، وكانت رؤوسهم لا تتشعّث، وثيابهم لا تبلى. وهذه كلّها من النعم الدنيوية ولو كانوا من أهل القلوب المنوَّرة بأنوار المحبّة والمعرفة لما احتاجوا في تعلّم مسالك الدين، والاهتداء بهُدى المؤمنين إلى تذكّر أحوال النعم، بل كان المهمّ فيهم تذكّر أحوال المنعم، وكيفيّة صفات جماله وجلاله، وآيات ملكوته وجبروته، وقد قال بعض العارفين: "عبيدُ النعم كثيرون، وعبيدُ المنعم قليلون". فانظُر إلى التفاوت بينهم وبين هذه الأمّة المرحومة، حيث قال لهم: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} وقال لهذه الأمّة بقوله: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} تفسير : [البقرة:152]. ولم يقل: "فَاذكروا نعمتي" أو "اشكُروا نعمتي" أو "لا تكفُروا نعمتي". وفيه أيضاً إشارة إلى أن ذكر خواصّ هذه الأمّة لله من نتائج خواصّ ذكر الله إيّاهم في الأزل بوجهين: أحدهما: إنّ ذكْره عبارة عن عمله، وعلمه بالعبد متقدّم على إيجاده المتقدم على ذكْره لله. وثانيهما: إنّه سبحانه أمَرهم بالذكْر مع "فاء التعقيب" فقوله: {فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} فيه تقديم وتأخير معناه "أذكركم فاذكروني" وهذا كقوله: {أية : رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} تفسير : [المائدة:119]. فإنّ رضاءَهم عنه تعالى نتيجة رضاه عنهم، وكقوله: {أية : يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} تفسير : [المائدة:54]. الذكْر ومراتبُه وخواصُّه واعلم أيّها الحبيب أنَّ للذكر مراتب. وللذاكر أيضاً مراتب، ونتيجة كلّ ذكر بما يوازيه ويناسبه في الفضل والثواب، ذكْر اللسان، وذكْر الأركان، وذكْر النفس، وذكْر القلب، وذكْر الروح، وذكْر السرّ. فذكْر اللسان الإقرار: فاذكروني أذكركم بالأمان. وذكْر الأركان باستعمال الطاعات: فاذكروني بالطاعات، أذكركم بالكرامات. وذكْر النفس بالاستسلام للأوامر والنواهي: فاذكروني بالاستسلام، أذكركم بنور الإسلام، وذكر القلب بتبديل الأخلاق الذميمة، وتحصيل الملكات الكريمة: فاذكروني بالأحوال والمقامات أذكركم بالاستغراق في المشاهدة. وذكْر الروح بالتفريد والمحبّة: فاذكروني بالتفريد والمحبّة. أذكركم بالتوحيد والقربة، وذكر السرّ ببذل الوجود والفناء: أذكروني ببذل الوجود والفناء أذكركم بنيل الشهود والبقاء. وهذا حقيقة قوله تعالى في الحديث الرباني: "حديث : وَإن ذكَرني في نفسه ذكَرتُه في نفسي" تفسير : والذكْر الحقيقي هو أن يجعل الذاكر مذكوراً، والمذكور ذاكراً. بل يكون الذكْر والذاكر والمذكور واحداً، كما قال سبحانه: {أية : لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ} تفسير : [غافر:16]. كما قال قائلهم: شعر : رَقَّ الزجاجُ ورقَّت الخمْر فتشابَها وتشاكَل الأمْرُ فكأنَّه خمرٌ ولا قدحٌ وكأنها قدحٌ ولا خمرُ تفسير : وهذا الدعوى - أي فناء العبد عن نفسِه وبقاؤه بنور الحقّ على ما هو مشهود العارفين بالعيان - ممّا أُقيم عليه البرهان، وهو معلومٌ من علْم النفس، وكيفيّة تطوراتها في الأطوار، واتّحادها في مدارج الاستكمال بالعقل الفعّال، كما هو مذهب كثير من الحكماء الأقدمين منهم فرفوريوس، مثالُه حال الفراش مع الشمع واشتعاله بشعلة الشمع، فلمّا بذل الفراشُ للشمع وجودَه نالَ من وجودِ الشمعِ مقصودَه، كما قيل: شعر : أنا مَنْ أهوى ومَن أهوى أنا نحنُ روحان حلَلْنا - إلى آخره - تفسير : ومثال آخر: الحديدة الحامية بالنار، حيث إنّها لا تزال تتقرب وتشبه بالنار حتى تزول عنها الهويّة الحديدية، وتصير فانيةً في هويّة الناريّة، وتفعل فعلها من الإحراق والإضاءة. فلا تتعجب من النفس إذا استشرقت بنور الله، واتّصلت بعالَم الربوبيّة، وتخلّقت بأخلاق الله، ففعلت ما فعلت بقدرة الله - لا بقدرتها - وسمعت بسمع الله، وبصرت ببصره، فلها أن تقول: "مَن رآني فَقد رأى الحقَّ". وهذا تحقيق قوله: "تخلَّقوا بأخلاق الله" وقوله تعالى: "حديث : لا يزال يتقرّب العبدُ إليّ بالنوافل حتّى أحبُّه، فإذا أحبَبتُه كنتُ له سمعاً، وبصراً، ويداً، ومؤيِّداً. فبي يسمعُ، وبي يُبصر، وبي يَنطق، وبي يَبطش، وبي يَمشي ". تفسير : فصل قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ} هذا العهد هو عهد الإقرار بالربوبيّة المأخوذة عن الفطرة وهو الإيمان بالله وبتوحيده على وجه يُستعلم من دين محمد (صلى الله عليه وآله)، والطاعة له ولرسوله، فإنّ الإيمان بالله واليوم الآخر من العبد، وتقرّبه إلى الحضرة الإلهية كان متدرّجاً في الاستكمال من ابتداء الخلْق إلى بعثة محمد (صلى الله عليه وآله)، فعند بعثته (صلى الله عليه وآله) بلغ إلى حدّ الكمال الذي لا أكمل منه، . والتماميّة التي لا غاية فوقها، كما قال تعالى: {أية : ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} تفسير : [المائدة:3]. أي: دين الإسلام ونعمة الإيمان. فهذه النعمة التامّة الإيمانية هي بعينها من جنس النعمة التي أمَر الله بني إسرائيل بتذكّرها، ليعلموا من تذكّرها أنَّ كمالها وتمامها لا يكون إلاّ بهذه الملّة البيضاء المحمديّة، والنعمة الحقيقيّة الإيمانيّة، فإنّ درجات المعرفة بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر كانت متفاوتة في كل زمان بحسب الكمال والنقص، والقوّة والضعف، وكلّما قرُب من عصر نبيّنا (صلى الله عليه وآله) كانت أكمل، وأقوى، وأنور، وأصفى. فكانت هذه المعارف في الأمَم السابقة على هذه الأمّة - الذي هم خير الأمَم - مشوبة بالحسّ، والخيال، والوهم، والعقل. فكانت العقائد حسّية في زمن آدم (عليه السلام) وما يَقربه، لغلبة نور الحسّ على تلك الأمّة، فكانوا أصحاب الأرصاد الفلكيّة والكوكبيّة، وأكثرهم كانوا عبَدة الأصنام، ولم يقدروا على تجريد معارف الدين، وأصول اليقين عن الأجسام، فكانوا يعبدون الله ويؤمنون به وبملائكته في قوالب الأصنام، وأمثلة الأجسام. وأمّا أمّة موسى (عليه السلام) فكانت عقائدهم خياليّة لغلبة نور الخيال على تلك الأمّة بقوّة كرامات موسى (عليه السلام). وكان كتابهم الألواح التعليميّة، ولم يقدر نبيّهم على تجريد عقائدهم عن الخيال، ولذلك طلَبوا منه رؤية الله، وكان يبشّرهم برسول آخر الزمان (صلى الله عليه وآله). وأمّا أمّة عيس روح الله (عليه السلام) فكان الغالب عليها نور العقل، والحكمة، والتجريد لا نور الحقيقة والتوحيد، وكانوا يعرفون الله وملَكوته مجرّداً منزّهاً عن العالَم وأعيانه، والأجسام وأعراضه، إلاّ أنّه لم تصل قوّة إيمانهم إلى حيث يجرّدون الله وملكوته عن التجسيم والتنزيه جميعاً، وعن المزاولة والمزايلة مطلقاً، كما في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "مع كلّ شيء لا بمزاولة، وغير كلّ شيء لا بمزايلة". فهذا نور الحقيقة وهو فوق نور الحسّ ونور الخيال ونور العقل، وطوره وراء هذه الأطوار الثلاثة من الأنوار، وأنواعها الفائضة، كلّ منها على قوم، وهي كلّها حجب إلهيّة نوريّة، كما أُشير إليها في قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : إنّ لله سبعين حجاباً من نور ". تفسير : وتلك الحُجب كانت كلّها موجودة في الأمم السابقة غير مرفوعة عنهم، وهي موجودة في هذه الأمّة متفرّقة، وبها افترقت إلى ثلاث وسبعين، كما أخبر عنه النبيّ (صلى الله عليه وآله) بقوله: "حديث : ستفترق أُمّتي الحديث"تفسير : ، ولم يصل السالك إلى حجاب من تلك الحُجب، إلاّ وظنّ أنَّه قد وَصل. وإليها الإشارة بقول إبراهيم الخليل، وهو فاتح باب التوحيد، وشيخ الموحّدين، وأبو العارفين - على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام - فعبَّر عن نور الحسّ بالكوكب، وعن نور الخيال بالقمر، وعن نور العقل بالشمس، ثمّ عبَر عنها وجاوزها جميعاً قائلاً: {أية : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام:79]. وأشار إلى خواصّ هذه الأمّة في دعائه بقوله: {أية : وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ}تفسير : [البقرة:128]. وبالجملة كان هذا النور الأحمدي في أصلاب عقائد العقول المتقدّمة، وأرحام استعدادات النفوس الماضية، منتقِلاً من طور إلى طور، ومن حالة إلى حالة مبشّرين ومنذرين به، حتى استقرّ إلى غايته، وبلغ نهايته، ووصَل إلى المبدإ الذي فارَقه واتّصل به آخر القوس الصعودية من دائرة الوجود إلى مبدإ القوس النزوليّة منها، فكان قاب قوسين أو أدنى. فهذا هو معنى العهْد الذي أخذ الله الميثاق به على الأنبياء (عليهم السلام)، وقد أثبَت على طِبقه في الكتب المتقدّمة من وصف نبيّنا (صلى الله عليه وآله) وأنَّه سيبعثه الله في آخر الزمان، على ما صرّح به في سورة المائدة: {أية : وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ} تفسير : [المائدة:12] إلى قوله: {أية : لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ} تفسير : [المائدة:12]. وقال في الأعراف: {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ}تفسير : [الأعراف:156 - 157]. قال ابن عباس: "إنّ الله تعالى كان عهِد إلى بني إسرائيل في التوراة أنِّي باعثٌ من بني إسماعيل نبيّاً أميّاً، فمَن تبعه وصدَّق بالنور الذي يأتي به غفرتُ له ذنبَه، وأدخلتُه الجنَّة، وجعلت له أجرَين: أجراً باتّباع ما جاء به موسى، وجاءت به أنبياءُ بني إسرائيل، وأجراً باتّباع ما جاء به محمد النبي الأمي من وُلد إسماعيل وتصديق هذا في القرآن في قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [القصص:52] إلى قوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ}تفسير : [القصص:54]. واعلم أنَّه قد وقعت في كتب الأنبياء المتقدّمين المنقولة إلى العربيّة، المشهورة بين أُممهم بشارات وإنذارات ناصَّة على بعثة نبيّنا (صلى الله عليه وآله). فمنها: ما جاء في الفصل الحادي عشر من السّفر الخامس: "إنّ الربّ الهكم يُقيم لكم نبيّاً مثلي من بينكم ومن إخوانكم". وفي هذا الفصل: "إنّ الرب تعالى قال لموسى: "إنّي مقيم لكم نبيّاً مثلَك من بين إخوانكم، وأيّما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤدّيها عني ذلك الرجل باسمي أنا أنتقم منه" والمراد بـ "بني إخوة إسرائيل" هو إسماعيل على ما هو المتعارَف فلا يصرف إلى من بعد موسى من أنبياء بني إسرائيل (عليهم السلام)، ولا إلى عيسى، لأنّهم لم يكونوا من بني إخوتهم، ولا مِثل موسى في كونه صاحب شريعة مستأنفة فيها بيان مصالح الدارين. فتعيَّن محمد (صلى الله عليه وآله). ومنها ما جاء في الفصل العشرين من هذا السفر: "إنّ الربّ تعالى جاء في طور سيناء وطلَع لنا من ساعير، وظهر من جبال فاران، وصفَّ عن يمينه عنوان القديسين، فمنَحهم العزّ وحبّبهم إلى الشعوب، ودعا لجميع قدِّيسيه بالبركة". يريد الاخبار عن إنزال التوراة على موسى (عليه السلام) بطور سيناء، وإنزال الإنجيل على عيسى (عليه السلام) بساعير، فإنه كان يسكن من سيعير بقرية تسمّى "ناصرة" وإنزال القرآن على محمد (صلى الله عليه وآله) بمكّة، فإنّ "فاران" في طريق مكّة قبل العدن بميلين ونصف وهو كان المنزِل، وقد بقي اليوم على يسار الطريق من العراق إلى مكّة. قال اليهود: إنّ النار لمّا ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير نار أيضاً، وكذا من جبل فاران أيضاً، فانتشرت المواضع. وما ذكروه باطلٌ، لأنّ الله لو خلَق ناراً في موضع فإنّه لا يقال: "جاء الله من ذلك الموضع" إلاّ إذا تبع تلك الواقعة وحيٌ نزل في ذلك الموضع، أو ما شابَه ذلك، وعندكم أنه لم يتبع ظهور النار وحيٌ ولا كلام إلاّ من طور سيناء، فما كان ينبغي إلا أن يقال: "جاء الله من طور سيناء فقط" فأمّا أن يقال: "ظهَر من ساعير ومن جبل فاران" فلا يجوز وروده، كما لا يقال: "جاء الله من الغمام" إذا ظهر في الغمام احتراق ونيران، كما يتّفق في الربيع. وتصديق ذلك ما في كتاب حبقوق، وهو: جاء الله من طور سيناء، والقُدس من جبال فاران، لقد انكشفت السماء من بهاء محمّد (صلى الله عليه وآله)، وامتلأت الأرض من حمده، يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزّة؛ تسير المنايا أمامه، ويصحب سباع الطير أجناده، قام فمسَح الأرض، وتأمّل الأمم، وبحث عنها، فتضعْضعت الجبال القديمة، واتّضعت الروابي الدهريّة، وتزعزعت سور أهل مدين، وركبت الخيول، وعلت مراكب الانقياد والغوث وستنزع في فيك إغراقاَ نزعاً، وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء، تخور الأرض بالأنهار، ولقد رأتك الجبال فارتاعت، وانحرف عنك شؤبوب السيل، ونفرت المهاوي نفيراً ورعباً ورهباً، ورفعت أيديها وجلاً وخوفاً، وتوقّفت الشمس والقمر عن مجراهما، وسارت العساكر في برق سهامك ولمعان بيانك تدوخ الأرض غضباً، وتدوس الأمم زجراً، لأنَّك ظهرت بخلاص أُمّتك وإنقاذ تراث آبائك". هكذا نقل علي بن رزين الطبري إمام النصارى. قال أبو الحسين في كتاب الغرر: وإنّي رأيت في نقولهم: "وظهَر من جبال فاران، لقد تقطَّعت السماء من بهاء محمد المحمود، وترتوي السهام بأمرك المحمود لأنّك ظهرت بخلاص أُمّتك وإنقاذ مسيحك". فظهر أنَّ المراد بقوله تعالى: "ظهَر الربُّ من جبل فاران" ليس ظهور بالنار، بل ظهور شخص موصوف بتلك الصفات، وليس إلا محمّد (صلى الله عليه وآله)، فإن قالوا: المراد مجيء الله تعالى، ولهذا قال في آخر الكلام وإنقاذ مسيحك". قلنا: لا يجوز وصف الله تعالى بأنّه يركب الخيول، وبأنّه جاء للمساعي القديمة. وأمّا قوله: "وإنقاذ مسيحك" فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنقذ المسيح من كِذب اليهود والنصارى. ومنها: ما جاء في السّفْر الأوّل: إنّه تعالى قال لإبراهيم (عليه السلام): إنّ هاجَر تلِد، ويكون من ولدها من يكون يده فوق الجميع، ويد الجميع، مبسوطة إليه بالخشوع. ومنها: ما جاء في كتاب أشعياء في الفصل الثاني والعشرين منه: قومي فأزهري مصباحك، يريد مكّة، قد دنا وقتكِ، وكرامة الله طالعة عليكِ، قد تجلل الأرضَ الظَّلامُ وغطّى على الأمَم الضباب، والربُّ يشرق عليك إشراقاً ويظهر كرامته عليك، تسير الأمَم إلى نورك، والملوك إلى ضوء طلوعك، ارفعي بصركِ إلى ما حولكِ وتأمّلي فإنّهم مستجمعون عندك ويحجونك، ويأتيك ولدك من بلد بعيد وتتزين بناتك على الأرائك والسرر، وحين ترين ذلك تسرين وتبتهجين من أجل أنَّه تميل إليك ذخائر البحر، ويحجّ إليك عساكر الأمَم، وتُساق إليك كباش مدين، ويأتيك أهل سبأ ويتحدثون بنعم الله ويمجّدونه، وتسير إليك أغنام فاران، ويدفع إلى مذبحي ما يرضيني، وأحدث حينئذ لبيت محمدتي حمداً". قوله: "وأحدث لبيت محمدتي حمداً" معناه أنَّ العرب كانت تُلبّي قبل الإسلام فتقول: "لبّيك لا شريك لك إلا شريك هو لك. تملكه وما ملك ثمّ صار في الإسلام لبّيك اللّهم لبّيك لا شريك لك لبّيك" فهذا هو الحمد الذي جدّده الله لبيت محمدته. ومنها: أنه روى السمان في تفسيره: إنّ في السّفْر الأوّل من التوراة "إنّ الله أوحى إلى إبراهيم (عليه السلام) فقال: "أجبت دعاءك في إسماعيل، وباركتُ عليه، فكبّرته وعظّمته جداً، وسيلد إثني عشر عظيماً وأجعله لأمّة عظيمة". ودلالة هذا الكلام أنّه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لأمّة عظيمة غير نبيّنا (صلى الله عليه وآله). ومنها: دعاءُ إبراهيم وإسماعيل لرسولنا (صلى الله عليه وآله) وعليهما لما فرغا من بناء الكعبة، وهو قولهما: {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} تفسير : [البقرة:129]. ولهذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: "حديث : أنا دعوةُ إبراهيم وبشارة عيسى"تفسير : وهو قوله تعالى: {أية : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي ٱسْمُهُ أَحْمَدُ}تفسير : [الصف:6]. ومنها ما ورد في الإنجيل: فمنها: ما ورد في الإصحاح الرابع عشر منه: أنا أطلبُ لكُم إلى أبي حتّى يمنحكم ويعطيكم فارقليطا، ليكون معكم إلى الأبد. وروي بهذه العبارة: أنا أذهب وسيأتيكم الفارقليط روح الحقّ الذي لا يتكلّم من قِبل نفسه، إنّما يقول كما يقال له" وتصديق ذلك {أية : إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ} تفسير : [الأنعام:50]. وقوله: {أية : قُلْ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَآءِ نَفْسِيۤ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَىۤ إِلَيَّ} تفسير : [يونس:15]. وقيل في تفسير فارقليط وجوه: أحدها: روحُ الحقّ واليقين. وثانيها: الشافع المشفَّع. وثالثها: قال بعض النصارى: معناه الفارق بين الحقّ والباطل، وكان الأصل "فاروق"، كما يقال: "راووق" للذي يروق به. وأمّا "ليط" فهو التحقيق في الأمر، وهو كـ "أست" في لغة العجم. رابعها: إنّه مشتقٌّ من الحَمد. وهذا الاسم ليس إلاّ لنبيّنا (صلى الله عليه وآله)، فإنّ اسمه محمّد وأحمد ومحمود، ويقال: إنّ صفته في التوراة: انّ مولده بمكّة، ومسكنه بطيْبة، وملكه بالشام، وامّته الحمّادون. ومنه: ما في الإصحاح الخامس عشر: "فأمّا فارقليط روح القدس الذي يرسله أبي باسمي، هو يعلّمكم ويمنحكم جميعَ الأشياء، وهو يذكّركم ما قلته لكم، ثمّ قال: "وإنّي قد أخبرتكم بهذا قبل أن يكون، حتّى إذا كان ذلك تؤمنوا به" وقوله: "باسمي" يعني بالنبوّة. ومنه ما في السادس عشر: "أقول لكم الآن حقّاً يقيناً إنّ انطلاقي عنكم خيرٌ لكم، فإن لم أنطلق عنكم إلى أبي لم يأتكم الفارقليط، وإن انطلقت أرسلت به إليكم، فإذا جاء هو يفيد أهل العالَم، ويدينهم، ويوبّخهم، ويوقفهم على الخطيئة والبرّ". ثمّ قال: "إذا جاء روح الحقّ واليقين يرشدكم ويعلمكم ويزيدكم بجميع الحقّ، لأنّه ليس يتكلّم بدعة من تلقاء نفسه". ومنها ما في الزبور، قال داود (عليه السلام): "اللهم ابعث جاعلَ السُّنّة حتّى يعلمَ الناس أنَّه بشر" يعني: إبعث محمداً حتى يعلمَ الناس أنّ عيسى بشر. قال بعض العلماء: وأمثال هذا كثير في كتب الأنبياء المتقدمين، يذكرها المصنفون الواقفون على كتبهم، ولا يقدر المخالف على دفعها أو صرفها إلى ملك أو نبيّ آخر، ولا على أن يكتُمها، ولقد جمع أبو الحسين البصري في كتاب غرر الأدلة ما تفرّقت من نصوص التوراة على صحّة نبوة محمد (صلى الله عليه وآله). فصل قوله تعالى: {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} المراد من هذا العهد عند المعتزلة هو ما دلّ عليه العقل، من أنّ الله يجب عليه إيصال الثواب إلى المطيع، فصحّ وصف ذلك الوجوب بالعهد، لأنّه بحيث يجب الوفاء به. وأمّا عند الأشاعرة فحيث لا وجوب ولا إيجاب عندهم على الله، فإمّا أن يكون إطلاقه عليه تعالى تجوّزاً، من باب صنعة المشاكلة، كقوله: {أية : يُخَادِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} تفسير : [النساء:142]. {أية : وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران:54]. وذلك لأن معناه الأمر بمعنى المأمور به، والموصوف به هو العبد، دون الله. أو يقال: إنّه لمّا وعد بالثواب - والكذب على الله محال - فكلّ ما وعَد به استحال أن لا يوجد، لأنّه لو لم يوجد لانقلب خبره الصدق كذباً والمفضي إلى المحال محال. فايفاء ذلك العهد - أي: مدلول ذلك الخبر - واجب الوقوع. وذلك آكد ممّا ثبت باليمين أو النذر هذا تلخيص ما ذكره الإمام الرازي في تفسيره. أقول: فيه بحثٌ لأنّ نسبة الوجوب إليه تعالى إمّا على سبيل "عليه" أو على سبيل "عنه". فالأوّل: مذهب المعتزلة، والثاني: مذهب الحكماء. وشيء منهما لا يقول به الأشاعرة. فقولهم: "لما أخبر تعالى بالثواب فيجب وقوعه" ما معنى هذا الوجوب؟ إن كان أحد المعنيين المذكورين، فلا يصحّ إطلاقه عندهم على فعْله تعالى، وإن كان معناه أمراً ثالثاً غير ذينك المعنيين، فما لم يبيّن لا يمكن إثباته ولا نفيه، فالآية حجّةٌ عليهم. والحقّ في تفسيره أن يقال: لما تقرَّر وسبق إليه الإشارة: أنّ المراد من هذا العهد هو النور النبويّ الربّاني المعبَّر عنه بالأمانة المعروضة على السماوات والأرض، الذي كلّف الإنسان بتحمّله، وكان ذلك النور محتجباً بالحجب الكونيّة في أوائل الخليقة، ثمّ لا يزال يظهر شيئاً فشيئاً بحسب ارتفاع الحجب الظلمانيّة والنورانيّة في كل زمان، وخروج النفوس الإنسانية من حدود القوّة إلى حدود الفعل في كلّ أوان، حتى ظهَر بعض ذلك النور في زمَن سائر الأنبياء كإبراهيم، وموسى، وعيسى (عليهم السلام)، وظهر تمامه في زمَن خاتم الأنبياء عليه وآله السلام. فإيفاء العبد بهذا العهد هو معرفة هذا النور الذي أنزل الله على قلب رسوله (صلى الله عليه وآله)، بل هو بالحقيقة رسول الله، كما دلّ عليه قوله:{أية : قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} تفسير : [المائدة:15]. فالنور هو لوح ضميره الذي هو نورٌ من أنوار الله، وسرّ من أسراره. وأمّا الكتاب فهو كلام الله النازل عليه، الدالّ على معرفة الحقّ الأوّل، وآياته، وملائكته، وكتبه العقليّة، والنفسيّة، وأحكامه القضائيّة والقدريّة، وكيفيّة تعلق علمه وقدرته بجميع الموجودات، وكيفية عنايته وحكمته في خَلْق السماوات والأرض وانبساط نور وجوده على صفحات الماهيّات، وهياكل الممكنات، ومعرفة المعاد، وكيفة حكمه برجوع الأشياء كلّها يوم القيامة إلى الواحد القهّار، والإيمان بجميع هذه المعارف إيماناً يقينيّاً شهوديّاً. فمَن آمن بهذه المعارف إيماناً بالغيب مع إصلاح الجزء العملي من القلب فقد سعد ونجا من العذاب، ومن عرفها عرفاناً شهودياً راسخاً فقد فاز فَوْزاً عظيماً، وكاد أن يكون من المقرّبين مشاهِداً لما هو الخير المطلق، والحسن المطلق، والجمال المطلق الحق منخرطاً نوره في سلك نوره. وأما إيفاء الله عهد العبد فهو إفاضة أنوار الرحمة عليه في كل مرتبة من مراتب عبوديّته، وبحسب كل مقام من مقامات سلوكه إلى الله، حتّى إذا قطع المنازل والمراحل الحسيّة، والخياليّة، والعقليّة، وبلغ الحدَّ الأقصى فاض عليه من نور جماله الأزلي، وصيّره من المحبوبين بعدما كان من المحبِّين، وجعله من الواصلين إلى العين، بعد ما كان من السامعين للأثر، فصار علمه عيناً، وإيمانه عياناً، وقراءته قرآناً، وكلامه متكلّماً. فصل قوله: {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} معنى "الرَهْبة" هو الخوف والخشية، وهي حالة تحدث في القلب من قبيل الخواطر، وكذا الرجاء. والمقدور للعبد مقدماتهما. والخوف عند العلماء على ظن مكروه تناله، والخشية نحوه، لكن الخشية تقتضي ضرباً من الاستعظام والمهابة. وضد الخوف الجرأة، لكن قد يقابل بالأمن، فيقال: "خائِفٌ وآمِن" "خَوفٌ وأمن" لأنّ الأمن يوجِب الجرأة على الله فبالحقيقة الجرأة تضادّه. قال المتكلّمون: الخوف منه تعالى هو الخوف من عقابه وأمّا أهل المعرفة: فالخوف عندهم كما يكون من العقاب يكون من القُرب. قال الله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ}تفسير : [فاطر:28]. والحقّ أنَّ عذاب الآخرة إنّما يصل إلى الكفّار وأهل النار بواسطة أنَّهم صاروا في الدنيا مبعدون عن مقام القُرب، فإذا بطلت هذه الحياة الدنيا، وانكشف الغطاء، وبعثوا إلى الآخرة، وجاء الحقّ للحساب والميزان، لم يتحمّلوا سطوة القهّارية فيتعذّبون بسطوع شمس الآخرة على رؤوسهم، ويعاقَبون بنار الجحيم، وتذوب بها أبدانُهم وجلودُهم. بل كلّ عذاب وألم - سواء كان في الدنيا أو في الآخرة - إنّما يرجع إلى عذاب القرب لمن لم يكن مستعداً له، لأنّ جميع ما يعدّ عند الناس من جملة المؤذيات، والمولمات، فإنّما هو من مظاهر رحمته وجوده، ومن منازِل عنايته وحكمته، والتضادّ الحاصل بينها إنّما يقع من لحوق الأعدام والنقائص بها، التي منشؤها البُعد عن المقامات الإلهيّة. فما يتعذّب متعذّب، أو يتضرّر من شيء مؤلم مضرّ إلاّ بواسطة تضادّ بين المتألّم وما يؤلمه، والمتضرّر وما يتضرّر به، ومنشأ التضادّ بين الشيئين - كما علمت - فَقْدُ وجود أحدهما لما في وجود الآخر، وقصوره عن رتبة الجمعيّة بينهما. أوَ لا ترى أنَّ كثيراً من الهيآت والكيفيّات المتضادّة والقوى المتخالفة قد اجتمعت في الحقيقة الإنسانيّة بواسطة القوّة الجمعيّة، التي فاضَت على الإنسان من عالَم الأمر؟ فالنار، والماء، والأرض، والهواء، مع كونها أموراً متضادّة إلا أنَّها قد اجتمعت في المركّب بواسطة الوحدة الاعتداليّة التابعة للصورة الوحدانيّة الحافظة للمزاج، وكلّما كانت الصورة أقوى جوهراً، وأقرب منزلةً إلى عالَم الحافظة للمزاج، وكلّما كانت الصورة أقوى جوهراً، وأقرب منزلةً إلى عالَم الأمر الواحد، فهي أوسع جمعيّة للمتضادّات إلى أن ينتهي إلى العقل البسيط، المدرِك بذاته للأشياء التفصيليّة إدراكاً حضوريّاً، وشهوداً نوريّاً، وإحاطة جمعيّة شموليّة. وهذا ما قاله بعض الحكماء: "إنّ العقل كلّ الموجودات" فالإنسان ما لم يصل إلى مقام العقل يجوز في حقّه أن يتعذّب ببعض أنوار القهاريّة وسطوات الإلهيّة، ومن لم يعرف هذه المعاني صار يتعجّب من معنى عذاب القُرب وخوفه، مع أنَّ الحقّ تعالى محض الرحمة. وأمّا العلماء الراسخون فإنّهم يخشون الله - دون عقابه - ولا يخشون شيئاً آخر، ولهذا قال تعالى: {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} دلالة على الحصْر، وأنَّ المرء يجب أن لا يخاف أحداً إلا الله، فكلّ خوفٍ يرجع إلى خوف جلاله. وإذا ثبتَ هذا في الرَّهبة والخَوف ثبت في الرَّغبة والرَّجاء، فيجب أن لا يرجو أحداً إلاّ الله، لأنّ كلّ محبّة ورجاء يرجع إلى حبّ الله ورجائه، إذا كان المنظور إليه في كلّ شيء كونه أثراً من آثار قدرته، ولمعة من لَمَعات نور جماله. قال بعض العرفاء: الخوفُ خوفان: خوفُ العقاب، وخوفُ الجلال. والأوّل: نصيب أهل الظاهر، والثاني: نصيب أهل القلب. والأوّل: يزول. والثاني: لا يزول. أقول: وهكذا ينقسم الرجاء إلى الثواب ورجاء الله. الأول نصيب أهل الحجاب، والثاني نصيب أهل اليقين. أمّا خوف أهل القلب فهو قوله تعالى:{أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} تفسير : [فاطر:28]. وقوله: {أية : ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} تفسير : [البينة:8]. وقوله {أية : وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} تفسير : [آل عمران:30]. وقوله: {أية : وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ} تفسير : [البقرة:41]. وقد جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين خوف العقاب، وخوف الجلال، وخوف الجمال ومقابل كل منها في دعائه، حيث كان يقول "حديث : اللّهمّ إنّي أعوذُ بعفوك من عقابِك وبرضاكَ منْ سخَطك وبكَ مِنك"تفسير : تنبيهاً على منازل الخلْق وتفاوت أحوالهم في الرغبة والرهبة. وأمّا خوف الظاهر، فقوله: {أية : ذٰلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} تفسير : [إبراهيم: 14]. وأمّا رجاء أهل اليقين فقوله: {أية : يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ} تفسير : [الأحزاب:21]. وأمّا رجاء أهل الظاهر، فقوله: {أية : وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة:106]. واعلم أنَّ الخوف والرجاء يجب أن يكونا مجتمعين في القلب، غير منفكّ أحدهما عن صاحبه. فمن آيات الخوف هذه الآية، وقوله: {أية : وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ}تفسير : [البقرة:41]. وقوله: {أية : أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} تفسير : [المؤمنون:115]. وقوله: {أية : أَيَحْسَبُ ٱلإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} تفسير : [القيامة:36]. وقوله: {أية : أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوۤاْ أَن يَقُولُوۤاْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ} تفسير : [العنكبوت:2]. وقوله: {أية : لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} تفسير : [النساء:123]. وقوله: {أية : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} تفسير : [الكهف:104]. وقوله: {أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً} تفسير : [الفرقان:23]. {أية : وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ} تفسير : [الزمر:47]. ومن آيات الرجاء قوله: {أية : لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً}تفسير : [الزمر:53]. وقوله: {أية : وَمَن يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلاَّ ٱللَّهُ} تفسير : [آل عمران:135]. {أية : غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ}تفسير : [غافر:3]. {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَقْبَلُ ٱلتَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّئَاتِ} تفسير : [الشورى:25] {أية : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ} تفسير : [الأنعام:54]. {أية : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ} تفسير : [الأعراف:156]. {أية : إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [البقرة:143]. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : يقولُ الله عزَّ وجلّ أخرجوا مِن النار مَن كان في قلبه مثقال ذرة مِن الإيمان" تفسير : ثمّ يقول الله: "حديث : وعزّتي وجلالي لا أجعلُ مَن آمَنَ بي في ساعة من ليل أو نهار كمَن لا يؤمن بي ". تفسير : ومن آياته اللطيفة الجامعة بين الخوف والرجاء، قوله تعالى: {أية : نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلأَلِيمُ} تفسير : [الحجر:49 - 50]. لئلاّ يستولي عليك الرجاء بالمرَّة، وقوله {أية : شَدِيدِ ٱلْعِقَابِ} تفسير : [غافر:3] عقّبه بقوله: {أية : ذِي ٱلطَّوْلِ}تفسير : [غافر:3]. لئلاّ يستولي عليك الخوف بالمرَّة. وأعجب من ذلك قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ} ثمّ قال في عقبه: {أية : وَٱللَّهُ رَؤُوفُ بِٱلْعِبَادِ} تفسير : [آل عمران:30]. وأعجب من ذلك وألطف قوله تعالى: {أية : مَّنْ خَشِيَ ٱلرَّحْمَـٰنَ بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [ق:33]. علّق الخشية بالرحمن، دون اسم الجَبّار، والمنتقِم، والمتكَبِّر، ونحوه، لتكون الخشية مع ذكر الرحمة، لئلاّ تكون الخشية تطير قلبك بالمرَّة، فيكون تخويفاً في تأمين، وتحريكاً في تسكين. وفي ذلك أيضاً إشارة إلى ما سبَق من أن وجوده تعالى رحمة للمطيعين وعذاب للعاصين كما قيل في الفُرس: شعر : أي نوشِ لبان جو زهرِنابى بر من أي راحتِ ديكَران عذابي برمن تفسير : وقال سهل التستري: "الخوفُ ذَكَر، والرجاء أُنثى" أي منهما يتولّد حقائق الإيمان. وقيل: "إنّ الله تعالى جمَع للخائفين ما فرّقه على المؤمنين، وهو الهدى والرحمة والعِلْم والرضوان، فقال تعالى: {أية : هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ} تفسير : [الأعراف:154]. وقال: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} تفسير : [فاطر:28]. وقال: {أية : رِّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} تفسير : [البينة:8]. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "رأسُ الحكمةِ مخافةُ الله". وروي عنه (صلى الله عليه وآله): "إِنّه كان داوود النبيّ (عليه السلام) يعوده الناس يظنّون أنَّ به مرضاً وما به مرضٌ إلاّ خوف الله والحياء منه". وقال سهل: "كمال الإيمان بالعلم، وكمال العلم بالخوف" وقال أبو علي الرودباري: "الخوفُ والرجاء كجناحَي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتمّ في طيرانه". فصل أسباب الخوف والرجاء واعلم أنَّ النظر في أفعال الله ومعاملاته مع الخلْق، كما يؤدّي إلى الرجاء العظيم كذلك النظر فيها يؤدّي إلى خوفٍ شديد. أمّا جانب الرجاء: فمن تأمّل لطائف نعم الله بعباده في الدنيا، وعجائب حكمته التي راعاها في فطرة الإنسان، حتّى أعدّ له كلّ ما هو ضروريّ له في دوام الوجود كآلات الغذاء، والنموّ، وغيرها، وما هو محتاجٌ إليه في طلب الفضيلة، وما هو زينة له كاستقواس الحاجبين وحمرة الشفتين، وتقعير الأخمص من القدمين، وغير ذلك مما لا ينثلم بفقده غرضٌ مقصود - وإنّما يفوت به من الجمال - فالعناية إذاً لم يقصر عن عباده في أمثال هذه الدقائق حتّى لم يرض لعباده أن يفوتهم المزايد والمزايا في الزينة والحاجة، فكيف يرضى بسياقتهم إلى الهلاك المؤبّد؟ فسنّة الله لا تجد لها تبديلا. فالغالب أنَّ أمر الآخرة على هذا القياس يكون، فهذا إذا تأمله أحدٌ قوَّى أسباب رجائه. وكذا التأمّل في أنّه يهب كفرَ سبعين سنَةٍ بإيمان سَنَة، بل بإيمان ساعة. وقوله: {أية : قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} تفسير : [الأنفال:38]. وفي أنّه كيف عاتَب إبراهيم (عليه السلام) في دعائه على المجرمين بالهلاك. وكيف عاتب موسى (عليه السلام) في أمْر قارون، فقال له: "استغاث بك مِراراً فلمْ تغثه، فوَعزّتي لو استغاث بي مرّة لأغثته وعفوتُ عنه". وكيف عاتَب يونس في شأن قومه: "إنّك تَحزن على شجرة من يقطين أنبتُّها في ساعة وأيبستها في ساعة، ولا تَحزن على مأة ألف أو يزيدون". ثم كيف قبِل عذرَهم وصرَف عذابَه الأليم عنهم بعد ما أضلّهم. ثمّ كيف عاتَب سيّد المرسلين فيما رُوي أنَّه دَخل من باب بني شيبة، فرأى قوماً يضحكون. فقال لهم: "حديث : أتَضحكون! لا أَراكم تَضحكون" حتّى إذا كان عند الحجَر رجَع إليهم القهْقرى وقال: "جاءني جبرائيلُ فقال: "يا محمّد إنّ الله يقول: يا محمّد لا تقنط عبادي من رحمتي. نَبِّئ عِبَادي أَنِّي الْغَفُورُ الرَّحِيم ". تفسير : وهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: "حديث : الله أرحَم بالعبدِ من الوالدةِ الشفيقةِ بولدِها"تفسير : وفي الخبر المشهور عن النبي (صلى الله عليه وآله) "حديث : إن للهِ مأة رحمة، فواحدة منها قسَّمها بين الإنس والجنّ والبهائم، فيها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وذخَر منها تسعة وتسعين لنفسه يرحم بها عبادَه يومَ القيامة ". تفسير : وإذ قد أعطاك من الرحمة الواحدة كلّ هذه العطايا الكريمة العزيزة من معرفته والكون من هذه الأمّة المرحومة. ثمّ غير ذلك من النعم الباطنة والظاهرة، فمرجوّ من فضله العميم أن يتمّ ذلك الأمْر، فان من بدأ بالإحسان والإكرام فعليه الاتمام، ويجعل لك من تسعة وتسعين رحمة الحظّ الوافر فأسأله أن لا يخيّب آمالَنا بفضله وكرمه. وأمّا من جانب الخوف فأوّلاً: إنّ إبليس عبده ثمانين ألف سنَة فلم يترك - فيما قيل - موضع قدَمٍ إلاّ وسجَد لله تعالى فيه سجدةً، ثمّ ترَك له أمراً واحداً، فطرده من بابه، وضرَب بوجهه عبادةَ ثمانين ألف سنَة، ولعنَه إلى يوم الدين، وأعدّ له عذاباً أليماً أبد الآبدين، حتّى روي أنّ الصادق الأمين صلوات الله عليه وآله، رأى جبرائيل متعلِّقاً بأستار الكعبة وهو يتضرع: "إلهي لا تغيِّر اسمي، ولا تبدّل جِسمي". ثمّ آدم صفيّ الله، خلقَه بيده وأسجَد له ملائكتَه وحملَه على أعناقهم إلى جواره فأكلَ أكلَة واحدةً لم يؤذَن فيها، فنُودي "ألا! لا يجاورني من عصاني" فأمَر الملائكة الذين حمَلوا سريره يرمونه من سماء إلى سماء، حتّى أوقعوه بالأرض، ولم يقبل توبته - فيما روي - حتّى بكى على ذلك مأة سنَة، ولحقه من الهوان والبلاء ما لحقَه وبقيت ذريّته في تبعات ذلك أبد الآبدين. ثمّ إنّ نوحاً - شيخ المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين - احتمل في أمْر دينه ما احتمَل، لم يقل إلاّ كلمة واحدة على غير وجهها، إذ نودي: {أية : لاَ تَسْأَلْنِـي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّيۤ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ} تفسير : [هود:46]. حتى روي في بعض الأخبار أنَّه لم يرفع رأسَه إلى السماء حياءً من الله سبحانه وتعالى أربعين سنَة. ثمّ إنَّ إبراهيم الخليل - صلوات الله عليه - لم يكن منه إلاّ هفوةً واحدة، فكمْ خاف وتضرّع وقال: {أية : وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ}تفسير : [الشعراء:82]. حتّى روي أنَّه كان يبكي من شدّة الخوف، ويرسل الله إليه الأمين جبرائيل فيقول: "يا إبراهيم هلْ رأيتَ خليلاً يعذب خليلَه بالنار"؟ فيقول: "يا جبرائيل إذا ذكرتُ خطيئَتِي نسيتُ خُلّتي". ثمّ موسى بن عمران (عليه السلام) لم يكن منه إلاّ لطمة واحدة عن حدّة، فكم خافَ واستغفَر وقال: {أية : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي} تفسير : [القصص:16]. ثمَّ في زمانه بلعم بن باعورا كان بحيث إذا نظر يَرى العرش وهو المَعنيُّ بقوله تعالى: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ} تفسير : [الأعراف:175]. ولم يقل: "آيةً واحدة" مَالَ إلى الدنيا وأهلِها ميلةً واحدة، وتَرك لوليّ من أوليائه خدمة واحدة، سلب عنه معرفته، وجعله بمنزلة الكلْب المطروح، فقال: {أية : مَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ} تفسير : [الأعراف:176] فأوقَعه في بحر الضلالة والهلاك إلى الأبد، حتّى كان بعض العلماء يقول: "كانَ أمرُه بحيث يكون في مجلسه اثنى عشر ألف محبرة من المتعلّمين يكتبون عنه، ثمّ صار بحيث كان أوّل من صنَّف كتاباً "أن ليس للعالَم صانعٌ" نعوذ بالله، ثمّ نعوذُ بالله من سخَطه وخذلانه - فانظر إلى الدنيا وشؤمها وما يحدث للعلماء - فتنبّه. ثمّ إنّ داوود (عليه السلام) خليفته في أرضه وقَع منه شيءٌ، فبكى على ذلك حتى نبَتَ العشبُ من دموعه وقال: "إلهي أما ترحَم بكائي وتضرّعي؟" فأجيب: "يا داودُ، قد نسيتَ ذَنْبك وذكرتَ بكاءك". ونقل مجاهد: إنّه بكى داوود (عليه السلام) أربعين يوماً ساجداً - لا يرفع رأسه - حتّى نبَت المرعى من دموعه، حتّى غطّى رأسَه، فنودي: "يا داوود أجائعٌ أنت فتُطعَم؟ أم عار فتكسى"؟ فنخب نخبَة هاجَ العود فاحترق من حرّ خوفه. ثمّ أنزل الله عليه التوبة والمغفرة. فقال: "يا ربّ اجعل خطيئتي في كفّي" فصارت خطيئته مكتوبة في كفّه، وكان لا يبسط كفّه لطعام ولا لشراب ولا لغيره إلا رآها فأبكته، وكان يؤتى بالقدح - ثُلثاه ماء - فإذا تناول أبصَر خطيئتَه، فما يضَعه على شفتيه حتّى يفيض القدح من دموعه. وروي أنَّه ما رفع رأسه إلى السماء حتّى مات - حياءً من الله - وكان يقول: "يا إلهي إذا ذكرتُ خطيئَتي ضاقتْ عليَّ الأرض برَحبها، وإذا ذكرتُ رحمتَك ارتدّت إليّ روحي". ثمّ يونس غضب غضبَة واحدة في غير موضعها فسجَنه في بطن الحوت تحت قعر البحر أربعين يوماً، وهو ينادي {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء:87] وسمِعَت الملائكة صوتَه، فقالوا: "إلهنا وسيّدنا صوتٌ معروفٌ في مكانٍ مجهولٍ" فقال الله تعالى: "ذلك عبدي يونس" فشفّعت الملائكة. ثمّ مع ذلك كلّه غيَّر اسمه فقال: {أية : وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً} تفسير : [الأنبياء:87]. فنسَبه إلى سِجنه، ثمّ قال: {أية : فَٱلْتَقَمَهُ ٱلْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ} تفسير : [الصافات:142 - 144]. ثم ذكر مِنَّتَهُ ونعمته فقال: {أية : لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ} تفسير : [القلم:49]. فانظر إلى هذه السياسة أيّها المسكين. وكذلك هلمّ جرّاً إلى سيّد المرسلين أكرم خلْقه (صلى الله عليه وآله) {أية : فَٱسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تفسير : [هود:112]. حتّى كان يقول: "حديث : شيَّبتني سورة هود وأخواتها" تفسير : قيل: عنى هذه الآية وأشكالها في القرآن، قال الله تعالى: {أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} تفسير : [محمد:19]. إلى أن منَّ الله تعالى عليه بالغفران، فقال: {أية : وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ} تفسير : [الانشراح:2 - 3]. وقال: {أية : لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} تفسير : [الفتح:2]. فكان بعد ذلك يصلّي الليل حتّى تورّمت قدماه، فيقولون: حديث : أتفعل هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخّر؟ فيقول: "أفلا أكون عبداً شَكوراً" وكان يصلّي بالليل ويبكي ويقول في سجوده: "أعوذُ بعفوك من عقابِك، وبرضاك من سخَطك، وبك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك ". تفسير : كان بعض العلماء يقول: "لا تأمَن مَن قطَع من ربع دينار خير عضو منك أن يكون عذابه هكذا غداً" نسأل الله الكريم أن لا يعاملنا إلاّ بفضله، إذ لا طاقة لنا بِعَدله. وفي الأدعية السجاديّة في الصحيفة الكاملة - على قائلها وآبائه السلام والتحيّة - : "اللّهم إن تشأ تعفُ عنا فبِفضلِكَ، وإن تشَأ تُعذبنا فَبِعَدلِك، فسهِّل لنا عفوَك بمنِّك، وأجِرنا من عذابِك بتجاوزِك، فإنه لا طاقة لنا بَعَدلِك ولا نجاة لأحد منّا دون عفوك". قال صاحب كتاب الإحياء بعد ذكر مخاوِف الأنبياء (عليهم السلام): "فهذه مخاوِفُهم ونحن أجدَرَ بالخوف منهم، لكن ليس الخوفُ بكثرة الذنوب، بل بصفاء القلوب وكمال المعرفة، وإلاّ فليس أمْننا لقلّة ذنوبنا، وكثرة طاعتنا، بل قادَتْنا شهواتنا، وغلبتْ علنيا شقوتنا، وصدّتنا عن ملاحظة أحوالنا غفلتُنا وقسوتنا، فلا قُربُ الرحيل ينبّهنا، ولا كَثرةُ الذنوب تُحرّكنا، ولا مشاهدةُ أحوال الخائفين تُخوّفنا، ولا خطر العاقبة يزعجنا، فنسأل الله تبارك وتعالى أن يتدارك بفضله وجُوده أحوالَنا فيصلحنا، إن كان تحريك اللسان بمجرّد السؤال دون الاستعداد يَنفعنا. ومن العجائب أنّا إذا أردنا المال في الدنيا زرَعنا، وغرَسنا، واتّجرنا، وركبنا البحار، والبرَاري، وخاطَرنا، وإن أردنا طلب رُتبة العلم تفقّهنا، وتعبنا في حفظه، وتكراره وسهَرنا، ونجتهد في طلب أقواتنا، ولا نثِق بضمان الله، ولا نَجلسُ في بيوتنا فنقول: "اللهم ارزقنا" ثمّ إذا طمحت أعيننا نحو المُلك الدائم المقيم، قنَعنا بأن نَقول بألسنتنا: "اللهم اغفر لنا وارحمنا" والذي إليه رجاؤنا وبه اغترارنا ينادينا ويقول: {أية : أَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ}تفسير : [النجم:39] فما هذه إلاّ محنةٌ هائلة إن لم يتفضّل الله علينا بتوبة نصوح... فنسأل الله أن يسوق إلى التوبة سرائرَ قلوبنا". تذكرةٌ اعلم أنّ في الآية دلالة على أنّ كثرة النعم يعظّم المصيبة وعلى أنّ تقدّم العهد يعظّم المخالفة، وعلى أنّ الخطْب في العلماء والتشديد عليهم في باب الذنوب أعظَم، وعلى أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما كان مبعوثاً إلى العرَب، كان مبعوثاً إلى بني إسرائيل. وفي قوله: {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} دلالةٌ على أنّ الكل بقضاء الله، ولا استقلال للعبد في فعْله، وإلاّ لوَجب أن لا يخاف إلاّ من نفسه، لأنّ مفاتيح ثوابه بيده - لا بيد الله - . وفيها أيضاً دلالة على وجوب معرفة الله على وجهٍ يعلم به كون الكلّ بقضائه، وأن لا تأثير لأحدٍ في حُكمه ولا رادّ لقضائه، وهذا متوقّف على علوم كثيرة، ومسائل شريفة يجب الخوضُ فيها، لأنّها ممّا لا يتمّ هذا الواجب إلاّ بها، ومقدّمات الواجب واجبة، فالعلم به تعالى، وبصفاته، وبكيفيّة أفعاله بقدر الطاقة واجبٌ، والله أعلم بأسراره. قرئ: "اذّكَروا" وهو من باب الافتعال. وقرئ: "نعمتي" بإسكان الياء واسقاطها في الدرج، وهو مذهب من لا يحرِّك الياءَ المكسورة ما قبلها. وقرئ "اوَفّ" بالتشديد للمبالغة.

الجنابذي

تفسير : {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} اسرائيل اسم ليعقوب (ع) واسرا بمعنى العبد وايل بمعنى الله، اواسرا بمعنى القوّة وايل بمعنى الله، بعد ما ذكر خلق آدم (ع) وحوّاء (ع) وانعامه عليهما بسجدة الملائكة وطاعتهم لهما واسكانهم الجنّة ونقضهما للعهد بترك النّهى بالأكل من الشّجرة وهبوطهما بارتكاب منهىٍّ واحدٍ وتفضّله عليهما وعلى ذرّيّتهما بايتاء الهدى ووعد التّابع ووعيد التّارك التفت تعالى الى ذرّيّتهما تفضّلاً عليهما وعليهم وناداهم واتى فى مقام آدم (ع) باسرائيل للاشعار بأنّ من انتسب الى الانبياء فهم بنو آدم (ع) وامّا غيرهم فليسوا بنى آدم حقيقةً فانّ النّسبة الجسمانيّة اذا لم تكن قرينة للنّسبة الرّوحانيّة لم تكن منظوراً اليها، واختار من بين الانبياء يعقوب (ع) لكثرة أولاده وبقاء النّسبة الرّوحانيّة اليه فى أكثرهم فانّه لم يقطع النّبوّة فى اولاده ولم يرفع الدّين عنهم بخلاف سائر الانبياء {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} بخلق أبيكم آدم (ع) وتفضيله على سائر الموجودات، وتسخيره لكلّ ما فى الارض، وسجود الملائكة له، وهبوطه الى الارض لكثرة نسله وخدمه فانّه نعمة لآدم وذرّيّته وان كان بصورة النّقمة كما قال المولوى: شعر : ديو كبود كو ز آدم بكَذرد برجنين نطعى ازآن بازى برد در حقيقت نفع آدم شد همه لعنت حاسد شده آن دمدمه بازئى ديدو دوصد بازى نديد بس ستون خانه خودرا بريد تفسير : وببعثة الرّسل فيكم واخذهم عهدى العامّ عليكم بالبيعة معكم البيعة العامّة النّبويّة وبابقاء شرائع الرّسل بخلفائهم واخذهم عهدى الخاصّ عليكم بالبيعة الخاصّة الولاية وخصوصاً بعثة خاتم الانبياء (ص) وخليفته خاتم الخلفاء {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي} الّذى أخذه نبيّكم او خليفته عليكم فى البيعة العامّة وقبول الدّعوة الظّاهرة او البيعة الخاصّة وقبول الدّعوة الباطنة {ۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} الّذى علىّ الوفاء به من ادخالكم الجنّة بازاء قبول الدّعوة في البيعة وفتح البركات السّماويّة والارضيّة بازاء اتّباعكم شروط العهد واتّقائكم عن مخالفتها واقامتكم لأوامر العهد الّتى هى أوامر الشّرع وقد سبق أنّه كلّما ذكر عهد او عقد فى الكتاب فالمراد به هو الّذى فى ضمن البيعة العامّة او الخاصّة والتّفسير بما أخذ عليهم فى الذّرّ صحيح كما فى بعض الاخبار فانّه اشارة الى العهد التّكوينىّ والولاية الفطريّة لكنّه اذا لم يقترن بالعهد التّكليفىّ والبيعة الاختياريّة لم يصحّ الامر بالوفاء به ولا المدح على الوفاء به ولا الذّمّ على تركه ونقضه لنسيان المعاهد العهد الّذى كان فى الذّرّ {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} الفاء امّا زائدة او اصليّة وعلى اىّ تقديرٍ فايّاى منصوب بمحذوف يفسّره المذكور سواء عدّ من باب الاشتغال ام لا وهو تأكيد وتخصيص للرّهبة به تعالى بصورة التّقديم وتنبيه على انّه لا ينبغى ان يخاف من احدٍ الاّ الله تعالى فانّ الاخلاص لا يتمّ الاّ بحصر الطّاعة والرّغبة والخوف والرّهبة فيه وهذه الآية تعريض بأمّة محمّد (ص) وبالعهد الّذى أخذه محمّد بالبيعة العامّة بقبول احكام النّبوّة وبالعهد الّذى أخذه محمّد (ص) فى غدير خمّ لعلىٍّ (ع) بالخلافة بالبيعة العامّة على يد علىٍّ (ع) وما ورد فى الاخبار من التّفسير بالعهد الّذى أخذه انبياؤهم على اسلافهم بالاقرار بنبوّة محمّد (ص) وولاية علىٍّ (ع) تفسير بما كان مقصوداً من عهدهم سواء ذكر فى بيعتهم ام لا، ولمّا كان الامر بالوفاء بالعهد هاهنا مقدّمة للامر بالايمان بمحمّد (ص) وعلىّ (ع) فتفسير العهد بما هو المقصود منه من الاقرار بمحمّد (ص) وعلىّ (ع) كما فسّر فى الاخبار كان اولى.

فرات الكوفي

تفسير : {وَأُوْفُوا بِعَهْدِي أوفِ بِعَهْدِكُمْ 40} فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري قال: حدثني محمد بن الحسين- يعني الصائغ- عن موسى بن القاسم عن عثمان بن عيسى عن سماعة: عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: {وأوفوا... بعهدكم} قال: أوفوا بولاية عليّ بن أبي طالب عليه السلام [فرضٌ من الله. أ] [ب: على ما فرض الله] أوفِ لكم بالجنّة. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري قال: حدثنا محمد - يعني ابن الحسين الصائغ- قال: حدثنا محمد بن عمران الوشاء عن موسى بن القاسم عن عثمان بن عيسى عن سماعة بن مهران: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قول الله تعالى: {وأوفوا...بعهدكم} قال: أوفوا بولاية علي [بن أبي طالب عليه السلام. أ] فرض من الله [لكم. أ، ب] أوف لكم بالجنة.

الأعقم

تفسير : {يا بني اسرائيل} اي يا أولاد يعقوب، قال في الثعلبي معنى اسرائيل صفوة الله تعالى، وقيل: معناه عبد الله، وقيل: سمي بذلك لأن يعقوب وعيصاً كانا توأمين، فأراد يعقوب ان يخرج فمنعه عيص، وقال: والله لئن خرجت قبلي لأعترضن في بطن امي ولأقتلها، فتأخر يعقوب وخرج عيص قبله ويعقوب بعده، فسمي يعقوب وأولاد يعقوب نسبهم إلى الاب كما قال تعالى: {أية : يا بني آدم} تفسير : [الأعراف: 26] {اذكروا نعمتي} يعني ما أنعم الله به عليهم في الدنيا والدين، وما يصل إليهم من الرزق حالاً بعد حال، وما أنعم عليهم وعلى آبائهم مما عد عليهم من الانجاء من فرعون وعذابه، ومن الغرق، ومن العفو عند اتخاذ العجل والتوبة عليهم وغير ذلك، وما أنعم الله عليهم من ادراك محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) المبشر به في التوراة والانجيل. {وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم} الآية، نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه من أحبار اليهود، وكان لهم مال يأخذونه من عوامهم كل سنة، فخافوا ان صدقوا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ان يفوتهم ذلك، فكتموا أمره وأظهروا عداوته، فنزل قوله تعالى: {ولا تشتروا بآياتي} الآية. {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} الآية، نزلت في اليهود، قيل: بالتمسك بكتابكم، وتتركون التمسك به انتم لانكاركم ما فيه من صفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وقيل: بالطاعة، وقيل: بالصدقة، وقيل: هو عام في كل من أمر بالشيء ولا يفعله. {واركعوا مع الراكعين} خطاب لليهود لأنه لم يكن في صلاتهم ركوع. {واستعينوا بالصبر والصلاة} يعني الصلاة والصبر، وقيل: اجَابة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

اطفيش

تفسير : {يَا بَنِى إِسْرَائِيلَ}: أى يا أولاد يعقوب، فإن إسرائيل لقب مدح له - عليه السلام - فإن معناه بالعبرانية، وتسمى أيضاً العبرية: صفوة الله، فإسرا هو صفوة، وإيل هو الله سبحانه وتعالى، وقيل معناه عبد الله، فإسرا بمعنى عبد وإيل بمعنى الله، وهو المشهور. وهو أيضاً لقب مدح إذا قصد باضافة العبد إلى الله جل وعلا التشريف، وقرئ إسرائيل بحذف الياء وإبقاء الهمزة، وإسرال بحذفهما، فلا حرف بين اللام والألف، وإسراييل بقلب الهمزة ياء فبين اللام والألف ياءان. وسمى الولد ابناً، قيل لأنه مبنى أبيه، ولذلك ينسب المصنوع إلى صانعه، يقال للكلمة بنت الشفة، ويقال للمسألة المستنبطة بنت فكر، ولمن مارس الحرب أو الحرب، فيضيفون الشىء إلى الصنعة، ولو لم يكن صانعا لها حقيقة، فإن الولد ولو كان مبناه الأب، لكن ليس أبوه صانعا له، وهكذا ما أشبهه. ويرده أن البناء لأمه بدليل بنى، والابن واوى اللام بدليل البنوة. {اذْكُرُوا نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}: وهى التوراة، ومعرفة ما فيها مما لم يحرف، والرزق الواسع فى الشام وغيره، وصحة الأبدان، وإدراككم خاتم النبيين محمداً - صلى الله عليه وسلم - فيرشدكم عما ضللتم فيه، وعما أضلكم من قبلكم فيه، وإنجاء آبائكم من فرعون وإغراقه. إذ لو ترككم فى أيدى القبط لكنتم مستعبدين بأيديهم إلى الآن إن لم يخلصكم منهم، وأنجاهم من الغرق والعفو عنهم، بعد اتخاذهم العجل إذ لو استأصلهم او أغرقهم لم توجدوا. ويحتمل أن يراد: اذكروا نعمتى التى أنعمت على آبائكم، فحذف المضاف هى أنجاء آبائهم من فرعون والغرق، والعفو وتضليل الغمام، وإنزال المن السلوى، والإنعام على الاباء يستدعى الشكر، فإن فخر الآباء فخر الأبناء، فإن الإنسان يشرف بشرف آبائه، ويهان بإهانتهم ويعبر، وهذا واقع بين الناس معتاد، ويحتمل أن يكون فى الكلام حذف عاطف ومعطوف، أى عليكم وعلى آبائكم ويحتمل أن يكون الخطاب فى عليكم: للحاضرين وآبائهم الموتى، تغليباً للحاضرين، وأما الخطاب فى قوله عز وعلا {اذْكُرُواْ} وفى قوله {يَا بَنِى إِسْرَائِيل} وفى قوله: {وَأَوْفُواْ..} إلخ فهو للحاضرين فقط. وأعنى بالحاضرين الأحياء ولو غابوا. ومذهب الجمهور وابن عباس أن الخطاب فى ذلك كله لبنى إسرائيل، الذين فى مدة النبى صلى الله عليه وسلم، حين نزول الآية، وغيرهم يلتحق التحاقاً. ومعنى ذكر النعمة: ذكرها بالقلب، والتفكر فيها، والقيام بشكرها، وقد ذكرت نعم كثيرة، فالنعمة فى الآية جنس لا واحدة، والنعمة منفعة مفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، وما ينتفع به الإنسان إنما يسمى نعمة من حيث إنها من الله بلا واسطة أو منه بواسطة، لا من حيث إنه انتفع به إلا بفرض نفسه، كأنها إنسان آخر كما يفرض الإنسان نفسه كذلك، فيخاطبها، والنعمة كلها من الله تعالى، لكن إما بلا واسطة، وإما بسبب طاعة، وإما بلا سبب طاعة، وقد فسر الله - عز وجل - النعمة المذكورة فى هذه الآية بقوله:{أية : يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيراً مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير، قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين..}تفسير : إلخ. وقوله:{أية : وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين}تفسير : وقرئ: {يَا بَنِى إِسْرَائِيل اذْكُرُواْ} بتشديد الذال وكسر الكاف، بوزن افتعلوا، قلبت التاء ذالا، وأدغمت الذال فى الدال. وعائد الموصول محذوف، أى التى أنعمتها عليكم. {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}: إيتوا بما عاهدتمونى عليه من التوحيد، وأداء الفرائض، والإيمان بمحمد، وبما جاء به. آت بما عاهدتكم عليه، من الثواب على ذلك. فالعهد الأول مضاف إلى المفعول. والثانى كذلك، فإن هذا هو العادة فى الأمر بالوفاء بالعهد أن يضاف إلى المفعول، لأن كلا من المتعاهدين يطلب الآخر أن يفى له بما عاهده، كأنه يقول أوف لى بما عاهدتنى، ويجوز أن يكونا مضافين إلى الفاعل، أى إيتوا بما عاهدتك عيله أن تأتونى به من التوحيد وما بعده، آت بما عاهدتمونى عليه أن آتيكم به من الثواب، وأن يكون الأول مضافاً إلى المفعول، والثانى إلى الفاعل، ويجوز العكس. فإن العهد يضاف إلى المعاهد، بكسر الهاء، والمعاهد، بفتحها، واختار القاضى الوجه الرابع. لأنه تعالى عهد إليهم بالإيمان والعمل الصالح، بنصب الدلائل وإنزال الكتب، وعهد لهم بالثواب على حسناتهم. واعلم أن الوفاء بالعهدين على مراتب: فأول وفائنا بعهده تعالى: الإتيان بكلمة الإخلاص، وآخره الاستغراق فى بحر التوحيد، والإعراض عما سوى الله جميعاً. فيغفل الواحد منا عن كل شىء غير الله، حتى عن نفسه، فربما صادف أحدا ولا يحس بذلك، وربما صادف حائطاً أو جبلا فانشق له، وكان له فيه طريق، ولا يحس بجرح أو خدش. كما إذا غفل الإنسان المستفرغ فى شغل فلا يحس بخدش أو جرح. وأول مراتب وفاء الله تعالى بعهدنا: حقن الدم والذرية والمال. وآخرها: إدخاله إيانا الجنة. وقوله يا أهل الجنة إنى راض عنكم ولا أسخط عليكم أبدا. وتفسير العهدين بما ذكرته من العموم هو الأصل وقد فسره غيرى بتفاسير تجرى مجرى التمثيل، وتعتبر فيها الوسائط، مثل قول ابن عباس: أوفوا بعهدى فى اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، أوف بعهدكم فى رفع الأضرار والأغلال. رواه ابن جرير الطبرى فى تفسيره، الذى اختصره ابن هشام اللخمى بسند صحيح عندهم، ومثل ما روى عنه فيه بسند ضعيف. ورواه أيضاً غيره عن ابن عباس: أوفوا بأداء الفرائض وترك الكبائر، أوف بالمغفرة والثواب. ومثل ما قيل: أوفوا بالاستقامة على الطريق المستقيم، أوف بالكرامة والنعيم المقيم. وهكذا جمهور العلماء، يفسر للعهد الأول بجميع الأوامر والنواهى. وقال الشيخ هود: العهد فى سورة المائدة فى قوله تعالى:{أية : ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا}تفسير : إلى قوله:{أية : الأنهار}تفسير : فدخلو الجنة عهد من الله لهم، وأخذ الميثاق عهد منهم لله. وقال الكلبى: كان الله قد عهد إلى بنى إسرائيل، على لسان موسى وأنبياء بنى إسرائيل، إنى باعث من بنى إسماعيل نبياً أميناً، فمن اتبعه وصدق به، وآمن بالنور الذى أنزل عليه، أغفر له وأدخله الجنة، وأجعل له أجرين اثنين: أجرا باتباعه ما جاء به موسى وأنبياء بنى إسرائيل، وأجرا آخر بإيمانه بالنبى الأمى. فلما بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - بما يعرفون، ذكرهم الله عهده فقال لهم: {أَوْفُواْ بِعَهْدِى} فى هذا النبى، {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} الذى عهدته لكم من إدخال الجنة وإيتاء أجرين. قال الله عز وجل:{أية : وإذ أخذ الله ميثاق الذين أتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه}تفسير : أى لتبينن ما فيه من أمر محمد - صلى الله عليه وسلم - وغيره، وسماه ميثاقا كما سماه عهداً، فان أصل العهد حفظ الشىء بالمراعاة، والتوثيق على الشىء المحافظة عليه ومراعاته. وقيل المراد بالعهد قوله تعالى:{أية : وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما أتيناكم بقوة} تفسير : يعنى شريعة التوراة. وقيل قوله عز وجل:{أية : وإذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل لا تعبدون إلا الله}،تفسير : وياء نعمتى مفتوحة، وياء عهدى ساكنة. وقرأ بعضهم بإسكان ياء نعمتى أيضاً وإسقاطها درجا. وهو مذهب من لا يحرك الياء المكسور ما قبلها. قال أبو عمرو الأندلسى الدانى: اعلم أن جملة الياءات الإضافيات، المختلف فيهن بالفتح والإسكان، مائتا ياء وأربع عشرة ياء، منهن عند الهمزة المفتوحة تسع وتسعون، وعند المكسورة اثنتان وخمسون، وعند المضمومة عشر. وعند ألف الوصل التى معها اللام ست عشرة. وعند التى لا لام معها سبع، وعند باقى حروف المعجم ثلاثون. فصل: اعلم أن كل ياء بعدها همزة مفتوحة، نحو قوله: إنى أعلم، وإنى أخاف، وشبهه. فالحرميان وأبو عمرو يفتحونها حيث وقعت، والحرميان ونافع وابن كثير، وتفرد ابن كثير من هذا الفصل، بفتح ثلاث آيات منها فى البقرة {فاذكرونى أذكركم} وفى غافر {ذرونى أقتل موسى} وفيها {ادعونى أستجب لكم} ونقض أصله فى روايته بعد ذلك فى عشرة مواضع، فسكن الياء فى آل عمران ومريم {اجعل لى آية} وفى هود {ضيفى أليس} وفى يوسف {إنى أرانى أعصر} فى موضعين أعنى الياء من إنى دون أرانى، و{حتى يأذن لى أبى} أعنى الياء من لى و{سبيلى أدعو} فى الكهف: {من دونى أولياء} وفى طه {ويسر لى أمرى} وفى النمل {ليبلونى ءأشكر} وزاد قنبل عنه سبعة مواضع، فسكن الياء فيها فى هود والأحقاف: {ولكنى أراكم} و{فيها فطرنى أفلا} و {إنى أراكم} وفى النمل والأحقاف: {أوزعنى أن} وفى الزخرف: {من تحتى أفلا} وروى أبو ربيعة عن قنبل والبرى فى القصص عندى أولم بالإسكان وتفرد نافع، بفتح يائين، فى يوسف {هذه سبيلى أدعوا} وفى النمل {ليبلونى ءأشكر}. وروى ورش عنه {أوزعنى} فى السورتين، بالفتح، وروى قالون عنه الحرفين فى الإسكان ونقض أبو عمرو وأصله فى تسعة مواضع، فسكن الياء فيها فى هود {فطرنى أفلا} وفى يوسف {ليحزننى أن} و {سبيلى أدعو} وفى طه {لم حشرتنى أعمى} وفى النمل {أوزعنى} و {ليبلونى ءأشكر} وفى الزمر {تأمرونى أعبد} وفى الأحقاف {أوزعنى أن} و {أوتعداننى أن}، وفتح ابن عامر فى روايته ثمانى ياءات منها، {لعلى} حيث وقعت، وفى التوبة {معنى أبدا} وفى الملك {ومن معى وارحمنا} لا غير. وزاد ابن ذكوان عنه فى هود {أرهطى أعز}، وزاد هشام فى غافر {مالى أدعوكم} وفتح حفص من ذلك ياءين فى التوبة والملك {معى لا غير}، والباقون يسكنون الياء فى جميع القرآن. فصل: وكل ياء بعدها همزة مكسورة نحو قوله تعالى: {منى إلا}، و{منى إنك}، و{يدى إليك}، و{ربى إلى صراط}، وشبهه. فنافع وابن عمرو بن العلاء يفتحانها فى جميع القرآن، وتفرد نافع دونهم بفتح ثمانية مواضع، فى آل عمران والصف {من أنصارى إلى الله}، وفى الحجر {بناتى إن كنتم}، وفى الكهف والقصص والصافات {ستجدنى إن شاء الله}. وفى الشعراء {بعبادى إنكم}، وفى ص {لعنتى إلى يوم} وزاد ورش عنه فى يوسف {وبين إخوتى إن}. وفتح ابن كثير يائين فى يوسف {آبائى إبراهيم}، وفى نوح {دعائى إلاّ فراراً}. وفتح ابن عامر خمس عشرة ياء أخرى إلا حيث وقع فى المائدة {وأمى إلهين}، وفى هود {وما توفيقى إلا بالله}، وفى يوسف {وحزنى إلى الله}، و{آبائى إبراهيم}، وفى المجادلة {ورسلى}، وفى نوح {دعائى إلا فرارا}. وفتح حفص ياء أخرى إلا حيث وقعت وفى المائدة {يدى إليك}، و{وأمى إلهين} لا غير والباقون يسكنونها فى جميع القرآن. فصل: وكل ياء بعدها همزة مضمومة نحو قوله عز وجل: {وإنى أعيذها بك}، {وإنى أريد}، {وإنى أمرت..} وشبهه. فنافع يفتحها حيث وقعت، والباقون يسكنونها. فصل: وكل ياء بعدها ألف ولام نحو قوله عز وجل: {ربى الذى}، و {آتانى الكتاب} و {عبادى الصالحين..} وشبهه. فحمزة يسكنها حيث وقعت، وتابعه الكسائى على الإسكان فى ثلاثة مواضع: فى إبراهيم {قل لعبادى الذين}، وفى العنكبوت والزمر {يا عبادى الذين} فقط، وتابعه ابن عامر فى موضعين فى الأعراف {عن آياتى الذين}، وفى إبراهيم {قل لعبادى الذين}، وتابعه أبو عمرو فى موضعين أيضاً: فى العنكبوت وفى الزمر {يا عبادى الذين} فيها لا غير، وتابعه حفص على قوله فى البقرة {عهدى الظالمين} لا غير. وفتح الباقون حيث وقعت، وتفرد أبو شعيب، بفتح الياء، وإثباتها فى الوقف ساكنة فى قوله فى الزمر {فبشر عبادى الذين} وحذفها الباقون فى الحالين. ويأتى الاختلاف فى قوله: {فما آتانى الله} فى موضعه - إن شاء الله - وكلهم فتح الياء فى ثلاثة أصول مطردة، وتسعة أحرف متفرقة فالأصول قوله: {نعمتى التى أنعمت} و {وحسبى الله} {وشركائى الذين} حيث وقعت، والحروف أولها فى آل عمران وقد {بلغنى الكبر}، وفى الأعراف {بى الأعداء} و {ما مسنى السوء} و{إن وليى الله} وفى الحجر {مسنى الكبر} وفى سبأ {أرونى الذين} وفى المؤمنون {ربى الله}، و {قد جاءنى البينات} وفى التحريم {نبأنى العليم الخبير}. فصل: وكل ياء بعدها ألف مفردة نحو قوله: {إنى اصطفيتك} و {أخى أشدد} وشبهه، فسكن نافع من ذلك ثلاثا: {إنى اصطفيتك} و {أخى أشدد} و {يا ليتنى اتخذت} لا غير، وسكن ابن كثير فى روايته {يا ليتنى اتخذت} لا غير. وفى رواية قنبل {إن قومى اتخذوا} لا غير. وفتح أبو عمرو الياء حيث وقعت، وفتح أبو بكر {من بعدى اسمه أحمد} فقط وسكن الباقون الياء حيث وقعت. فصل: وأما مجئ الياء عندى باقى حروف المعجم نحو قوله عز وجل: {بيتى} و {وجهى} و {مماتى} و {ما لى} و {لى}.. وشبهه. فنافع فى رواية يفتح من ذلك سبعاً {بيتى} فى البقرة والحج، و {وجهى} فى آل عمران والأنعام وفيها {ومماتى لله} و {ما لى} فى يس و{لى دين}. وزاد ورش عنه ففتح أربع فى البقرة {وليؤمنوا} وفى طه {ولى فيها} وفى الشعراء {ومن معى} وفى الدخان {لى فاعتزلون} لا غير. وفتح ابن كثير خمساً {ومحياى} فى الأنعام و {من ورائى} فى مريم، و {ما لى} فى النمل ويس. و {أين شركائى} فى فصلت. وزاد البرى بخلاف عن {ولى دين} فى الكافرون. وفتح أبو عمرو ياءين: {محياى} فى الأنعام، و{مال لى} فى يس لا غير. وفتح ابن عامر فى روايته: {سنا وجهى} فى الموضعين، وفى الأنعام {صراطى} و {محياى}، وفى العنكبوت {أن أرضى} و {ما لى} فى يس. وزاد هشام {بيتى} حيث وقع فى النمل و {لى دين} فى الكافرون لا غير وفتح حفص ياء {بيتى} و {وجهى} و{معى} فى جميع القرآن و{محياى} فى الأنعام، و{لى} فى إبراهيم وطه والنمل ويس، وفى مكانين فى ص والكافرون لا غير. وفتح أبو بكر والكسائى ثلاثا {ومحياى} فى الأنعام و{لى} فى النمل ويس لا غير. وفتح حمزة {ومحياى} فى الأنعام وحدها. ولم يفتح من جملة الياءات المختلف فيهن غيرها. وبالله التوفيق. وقرئ {أوف} بفتح الواو وتشديد الفاء للمبالغة. {وَإِيَّاىَ فَارْهَبُونِ}: إياى مفعول لمحذوف على الاشتغال، يفسره ارهبون. والفاء صلة للتأكيد، وليس هذا كادعاء الاشتغال فى قولك: زيد أكرم، بتقدير الهاء، إذ لا دليل على حذفها، بخلاف الياء فى ارهبونى، فإن نون الوقاية دليلها، وكأنها بقية منها، وهى متولدة من كسرة نون الوقاية، وجملة المختلف فيه من الياءات المحذوفة: إحدى وستون ياء، أثبت ورش عن نافع منهن فى الوصل دون الوقف سبعاً وأربعين، وأثبت منهن فى رواية قالون عشرين، واختلف عن قالون فى اثنين: التلاقى والتنادى، فى غافر. وأثبت ابن كثير فى روايتيه فى الوصول والوقف إحدى وعشرين، واختلف عن قنبل والبزى عنه فى ست، فى إبراهيم {وتقبل دعائى} و{يدعو الداعى} فى القمر والبلد، و {أكرمنى} و {أهاننى} فى الفجر. فأثبت البزى عنه الخمس فى الحالين، وأثبت قنبل بخلاف عنه فى الوادى، فى الوصل فقط، وحذف الأربع فى الحالين. وأثبت قنبل {إنه من يتق} فى يوسف فى الحالين، وحذفها البزى فيهما، وأثبت أبو عمرو من ذلك فى الوصل خاصة أربعاً ثلاثين وخير فى {أكرمنى} و {أهاننى} والمأخوذ له به فيهما بالحذف لأنهما رأسا آيتين، وأثبت الكسائى من ذلك فى الوصل ياءين: {يوم يأتى} فى هود، {ما كنا نبغى} فى الكهف لا غير. وأثبت حمزة الياء فى الوصل خاصة فى قوله: {وتقبل دعائى} فى إبراهيم، وأثبتها فى الحالين فى قوله تعالى فى النمل {أتمدوننى} لا غير، وحذفهن كلهن عاصم فى الحالين. واختلف عنه فى اليائين إحداهما فى النمل{فما آتانى الله}، فتحها حفص فى الوصل وأثبتها فى الوقف ساكنة وحذفها أبو بكر فى الحالين. والثانية فى الزخرف: {يا عبادى لا خوف}، فتحها أبو بكر فى الوصل، وأثبتها ساكنة فى الوقف وحذفها حفص فى الحالين وأثبت ابن عامر فى رواية هشام الياء فى الحالين فى قوله تعالى فى الأعراف: {ثم كيدون} وحذف الياء فى الحالين، وفى رواية ابن ذكوان، بخلاف عن الأخفش عنه فى قوله فى الكهف: {فلا تساءلنى} لا غير. ويأتى - إن شاء الله - تفريش الياءات واحدة فى محلها وأشهر الروايات عن نافع رواية ورش وقالون وعن ابن كثير، رواية قنبل والبزى عن أصحابهما عنه وعن أبى عمرو رواية أبى عمرو وأبى شعيب عن اليزيدى عنه، وعن ابن عامر رواية ابن ذكوان وهشام، عن أصحابهما عنه، وعن عاصم، رواية أبى أبكر وحفص، وعن حمزة رواية خلف وخلاد عن سليم عنه، وعن الكسائى، رواية حفص والدورى وأبى الحارث. ويطلقون لفظ الحرميين على نافع وابن كثير نسبة إلى حرم مكة لابن كثير، وحرم المدينة لنافع، ولفظ الأخوين على حمزة والكسائى، وبعض الكوفيين عليهما مع عاصم والرهبة لخوف الذى معه تحزن، واضطراب الأمر بها يتضلن تهديداً ووعيداً بالغاً، والمعنى: خافونى فى ترك الوفاء بعهدى. وفى كل ما تفعلون وما تتركون خوفاً عظيماً، ولا تخافوا غيرى، وهذا أوكد من قوله تبارك وتعالى {إياك نعبد} لما فيه تكرير الفعل، كما علمت من قولى إنه من الاشتغال، والأصل، إياى ارهبوا فارهبون. وإنما قدمت إياى على المقدر للحصر وقيل يقدر مؤخراً أى راهبونى فارهبون. فلما حذفت ارهبو انفصل الضمير، وزعم بعض: أن إياى توكيد للياء المحذوفة فى ارهبون، مقدم على مؤكده وأما الفاء فقد مر أنه صلة للتأكيد أو هى تأكيد آخر، غير موجود، فى قوله عز وجل: {إياك نعبد} وقيل رابطة الجواب أما فهى أيضاً تفيد تأكيدا أو ربطاً مع تأكيد آخر بإما المقدرة. أى: أما إياى فارهبون. وليس أما هذه للتفضيل، وإن جعلت للتفضيل قدر لا ترهبون غيرى، كأنه قيل: مهما يكن من شىء، أو إن كنتم راهبين شيئاً فارهبون. ويجوز أن تكون عاطفة، فليس ذلك اشتغال، أى: ارهبونى فارهبون. أو إياى ارهبوا فارهبون. وذلك من عطف التوكيد اللفظى بالفاء كقوله: {أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى} ويجوز أن يكون غير توكيد اصطلاحى، بل المعنى: ارهبون مرة بعد مرة، فاللفظ رهبتان، والمعنى أكثر، قال صلى الله عليه وسلم:"حديث : قال ربكم سبحانه لا أجمع على عبدى خوفين، ولا أجمع له أمنين، فمن خافنى فى الدنيا آمنته فى الآخرة ومن أمننى فى الدنيا أخفته فى الآخرة"تفسير : رواه الترمذى فى نوادر الأصول. وذكره الطبرى فى التذكرة ورواه ابن مالك فى وقائعه من طريق الحسن البصرى:"حديث : وعزتى لا أجمع على عبدى خوفين ولا أجمع له أمنين فاذا أمننى فى الدنيا أخفته يوم القيامة وإذا خافنى فى الدنيا أمنته يوم القيامة"تفسير : رواه الترمذى أيضاً فى كتاب ختم الأولياء. قال صاحب الكلم الفارقية والحكم الحقيقية، بقدر ما يدخل القلب من التعظيم والحرمة، تنبعث الجوارح فى الطاعة والخدمة. والله أعلم.

الخليلي

تفسير : بعد الحديث عن آدم وقصة استخلافه في الأرض وما تبع ذلك من بيان منقلب طائفتي المهتدين والضالين بعد حياتهم الدنيا بحسب حالهم فيها يوجه الله سبحانه هذا الخطاب الطويل إلى بني إسرائيل مقرونا بتذكيرهم النعمة التي أنعمها عليهم، وبيان عثراتهم وسوء معاملتهم لأنبيائهم، وغلظة طبائعهم، وقسوة قلوبهم، وإعراضهم عن آيات الله، وتحريفهم ما أُنزل، وكفرهم بكثير من أحكام الكتاب الذي بأيديهم الى ما وراء ذلك مما دأبوا عليه في سلسلة تأريخهم عبر أحداث شتى، وإسرائيل هو يعقوب عليه السلام ومعناه صفي الله، وفي ندائهم بهذا الاسم تذكير لهم بأنهم أحرياء بأن يكونوا أسبق الناس إلى الإِيمان وأسرعهم إلى الإِحسان، خصوصا، وأنهم قد تسلسلت فيهم النبوات وتتابعت في أجيالهم الرسالات، وبسط الله لهم صنوف نعمه، وكانت لديهم بقية من علم الكتاب يمكنهم بما التمييز بين الهدى والضلال، وكانوا بذلك على علم بمبعث خاتم النبيين، بل كانوا على انتظاره بفارغ الصبر ليرفع عنهم كابوس الذل، ويحطم عنهم قيود الهوان، وإنما صرفهم عنه الحسد الذي مردوا عليه، والأنانية التي عُرفوا بها، فكانوا مصدر بلاء عليه وعلى أمته، وعقبة كؤودا في طريق دعوته، فكثيرا ما حاولوا صرف الناس عن الإِيمان به، وشوهوا الحقيقة للذين ينشدونها، وظلوا على اتصال بكل الفئات المحاربة للإِسلام، كما أظهر بعضهم الإِسلام بقوله لأجل الوصول إلى ما يريدونه من إشعال نار الفتنة في صفوفه وبين أبنائه، وهؤلاء هم الذين عُرفوا بالمنافقين. وبنو إسرائيل الذين كانوا في ذلك الوقت مصدر هذا البلاء هم يهود المدينة وما حولها، وهم جزء من سائر اليهود، فطبائعهم هي طبائعهم، وسلوكهم هو سلوكهم، وقد انطوى خطابهم على الترغيب تارة، وعلى الترهيب تارة، وعلى التذكير أخرى ليكون ذلك أدعى إلى ارعوائهم وأرجى في إصلاح نفوسهم الفاسدة، وعلاج أدوائهم المتأصلة غير أن أمراضهم كانت أعصى على العلاج، وأبلغ من الدواء، فلم يؤمن منهم إلا قلة قليلة قدروا على مغالبة طبائعهم، ومقاومة نفوسهم، فكانوا للحق حجة وللاسلام قوة، وهم عبدالله بن سلام رضي الله عنه ومن نهج نهجه. وأما سائرهم فقد شرقوا عندما ظهر هذا النبي من ولد اسماعيل عليه السلام ولم يكن من ولد اسحاق، وهم كانوا يطمعون أن لا تخرج النبوة عنهم ما يرونه لأنفسهم من المزايا فأدى ذلك الى تكذيبهم بما كانا يرددونه من قبل من بشائر إظلال زمنه ودنو إشراق صبحه، وإلى تأويل نصوص التبشير به في أسفارهم من توارة وغيرها، رغم أن صفاته فيها واضحة جلية لا يماري فيها لبيب. التناسب بين آيات القرآن وسوره وقد يعرض هنا تساؤل عن وجود مناسبة رابطة بين ما تقدم من قصة آدم، وهذا الخطاب الموجه إلى بني إسرائيل. وجوابه أن العلماء مختلفون في وجود التناسب بين آيات القرآن وسوره، وفي اجداء البحث عن ذلك، لأن القرآن نزل في ظروف مختلفة، ولأغراض شتى في أزمنة متطاولة، فقد نزل في ظرف ثلاث وعشرين سنة، منه ما نزل في السلم، ومنه ما نزل في الحرب، ومنه ما نزل في الحضر ومنه ما نزل في السفر، ومنه ما نزل في حال ضعف المسلمين، ومنه ما نزل بعد قوتهم، ومنه ما كان أمرا ونهيا، ومنه ما جاء تبشيرا وانذارا، ومنه ما هو ناسخ، ومنه ما هو تقرير، ومنها ما هو قصص وأخبار، إلى غيرها من الأغراض التي نزل لأجلها، ولم يُراعَ في ترتيب سوره وآياته ترتب نزوله، ولا ترتب هذه الأغراض، فرأت طائفة تعذر وجود التناسب مع ذلك، وعدوا طلبه من باب طلب المناسبة بين الضَّب والنون، والماء والنار، والملاح والحادي، ومن أصحاب هذا الرأي الإِمام الشوكاني في فتح القدير، وقد بالغ في الإِنكار على القائلين بالتناسب بين آيات القرآن جميعها حتى عد ذلك فتحا لأبواب الشك، وتوسيعا لدائرة الريب على من في قلبه مرض أو كان مرضه مجرد الجهل والقصور، وعلل ذلك بأن هذا الجاهل إذا وجد أهل العلم يتكلمون في التناسب بين جميع آي القرآن ويفردون ذلك بالتصنيف تقرر عنده أن هذا الأمر لا بد منه وأن القرآن لا يكون بليغا معجزا إلا إذا ظهر الوجه المقتضي للمناسبة، وتبين الأمر الموجب للإِرتباط، فإن وجد الاختلاف بين الآيات فرجع إلى ما قاله المتكلمون في ذلك فوجده تكلفا محضا، وتعسفا بيِّنا انقدح في قلبه ما كان عنه في عافية وسلامة، وعد الشوكاني الاشتغال بأمثال هذه البحوث تضييعا للأوقات، وإنفاقا للساعات في أمر لا يعود بنفع على فاعله، ولا على من يقف عليه من الناس، وجعل مثله مثل الذي يُعنى بكلام بليغ من البلغاء فيحاول إيجاد التناسب بين خطبه التي ألقاها في مقامات مختلفة، ولأغراض متباينة، ورسائله التي أنشأها لأسباب شتى، أو إلى شعر شاعر فيجتهد في البحث عن المناسبة بين قصائده التي تكون تارة مدحا، وتارة هجاء، وحينا نسيبا، وحينا رثاء، واذا كان طالب ذلك في كلام البشر يعد راكبا للأحموقة فأجدر من طلبه في كلام الله أن يكون - في رأي الشوكاني - أشد حماقة، وأكثر غباوة على أن كلام الله أنزله بلسان عربي مبين، لم يخرج به عن مسالكهم، ولم يتجاوز أساليبهم. وذهب آخرون إلى القول بالتناسب، وقد عُنوا عناية فائقة ببحثه حتى أن منهم من أفرد هذا الموضوع بالتأليف كالعلامة برهان الدين البقاعي الذي ألف في ذلك كتابا سماه "نظم الدرر في تناسب الآي والسور"، وقد سلك هذا المسلك غير واحد من المحققين، منهم الإِمام ابن العربي الذي ذكره أنه عُني بشرح التناسب بين آي القرآن في تفسير كبير له يجد له أهلا فطواه عن الناس، والفخر الرازي في مفاتيح الغيب، وأبو حيان في البحر المحيط، والإِمامان عبده، ومحمد رشيد رضا في المنار، والإِمام ابن عاشور في التحرير والتنوير، وقد اختلف هؤلاء هل التناسب بين آيات كل سورة، أو انه حتى بين السور نفسها بحيث تكون فاتحة كل سورة مرتبطة بخاتمة ما قبلها؟ وهذا هو الذي درج عليه البقاعي، وبه قال أبو حيان ناقلا له عن أحد شيوخه في تفسيره لأول البقرة، وهو الذي يفهم مما ذكرته عن شيخنا العلامة الإِمام أبي اسحاق اطفيش - رحمه الله - في تفسير فواتح السور؛ وممن قال بالتناسب بين آيات السورة من غير تعرض لتناسب السور نفسها الإِمام ابن عاشور في التحرير والتنوير. وقد أضاف بعض المتأخرين - كالعلامة الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه النبأ العظيم - إلى التناسب ما هو أدق منه وهو النظام بحيث تكون كل آية ليست مرتبطة بما قبلها وما بعدها فحسب، وإنما هي وقعت في مكانها الملائم بحيث يتخلخل البيان لو أنها قدمت عليه أو أخرت عنه. وهؤلاء جميعا بنوا آراءهم على أن ترتيب القرآن توقيفي كما يفهم من بعض الروايات، وأنه كان مرتبا قبل نزوله وإنما كان ينزل ما ينزل منه على النبي صلى الله عليه وسلم بحسب الوقائع والأحداث، ومثل ذلك - ولله المثل الأعلى - مثل القصيدة الواحدة المشتملة على معان شتى، وأغراض متعددة غير أنها تلاحمت ألفاظها بترابط معانيها، ويمكن الاستشهاد ببيت أو شطر منها فيما يلائمه من المقامات. وأرى أن التناسب بين أي القرآن أمر لا ينبغي إنكاره، فهو ماثل جَليٌّ لأولي البصائر، وإنما يجب على من بحث فيه أن يقنع بما انكشف منه له، وأن يقف عما غمض عليه، {أية : وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}تفسير : [يوسف: 76]، والتكلف فوق ما يسنح للفهم هو الذي لا يُحمد، وبحسبنا أن نعتقد أن القرآن أبلغ ما وصل إلى الأسماع ووعته الألباب، وأن لطائف تعبيره أكثر من أن تحويها الأفهام، فإذا ما اتضح لنا تناسب بين بعض آياته أو أكثرها ولم يتضح لنا في البعض فما علينا إلا أن نقف عند حد ما وصلت إليه أفهامنا، وأن لا نتجاوز ذلك إلى تحمل ما لم نُحمله، وادعاء ما لا نعلمه. وإذا أدركتم ذلك اتضح لكم أن القائلين بعدم تناسب كل ما في القرآن لا يُعنون بالنظر في وجه الربط ما بين هذا الخطاب الموجه إلى بني إسرائيل والقصة التي قبله، أما القائلون بالتناسب فلم يألوا جهدا في بيان وجه ذلك، وأظهر الوجوه هو أن الله تعالى دعا الناس أولا الى عبادته في قوله: {يَاأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُواْ رَبَّكُمُ}...الخ، وذكرهم نعمته عليهم ولفت أنظارهم إلى آياته في خلقهم وخلق ما حولهم، وبين لهم آية صدق نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام الذي بعثه إليهم، وقرن تبشير الذين آمنوا بوعيد الذين كفروا، وكشف عن حالة كل طائفة في تلقي ما يأتي من قبله من الأمثال، ونعى عليهم كفرهم به مع سبحهم في خضم نعمه وإشراق آياته في كل شيء، ثم أورد عليهم قصة أصل البشر وأنهاهم ببيان مصيرهم في دار الجزاء حسبما يكون منهم في دار العمل، فكان جديرا بعد ذلك خطاب بني إسرائيل - وهم طائفة من الناس الذين خوطبوا أولا - لما عندهم من علم الكتاب الذي يميزهم عن سائر الناس ويمكنهم من التفرقة بين الحق والباطل، والتمييز بين الهدى والضلال، فهم بموجب ذلك أحرى بأن يسبقوا إلى الإِيمان وأن يذعنوا للحق، ولأن الله نشر فيهم من الهدى وبسط عليهم من النعمة ما لم يكن في غيرهم، فقد تتابعت فيهم الرسالات وتعاقبت بينهم النبوات، وكل ذلك يحفز أولي الفكر الثاقب والبصائر النيرة إلى الإِيمان والطاعة. وذهب صاحب المنار إلى أن هذا الكلام لا يزال في الكتاب، وكونه لا ريب فيه، وبيان أحوال الناس وأصنافهم في أمره، وبنى ذلك على أن التفنن في مسائل مختلفة منتظمة في سلك موضوع واحد هو من أنواع بلاغة القرآن وخصائصه المدهشة التي لم تسبق لبليغ، ولن يبلغ شأوه فيها بليغ، وخلاصة القول أنه تعالى ذكر الكتاب ووصفه أنه لا ريب فيه، ثم ذكر اختلاف الناس فيه، فابتدأ بالمستعدين للإِيمان، المنتظرين للهدى الذي يضيء نوره منه، وثنى بالمؤمنين، وثلث بالكافرين، وقفى عليهم بالمنافقين، ثم ضرب الأمثال لهذا الصنف الأخير، ثم طالب الناس كلهم بعبادته، ثم أقام البرهان على كون الكتاب منزلا من عند الله على عبده محمد صلى الله عليه وسلم، وتحدى المرتابين بما أعجزهم، ثم حذر وأنذر، وبشر ووعد، ثم ذكر المثل والقدوة وهو الرسول، وذكر اختلاف الناس فيه كما ذكر اختلافهم في الكتاب، ثم حاجَّ الكافرين، وجاءهم بأنصع البراهين وهو إحياؤهم مرتين، وإماتتهم مرتين، وخلق السماوات والأرض بمنافعهن، ثم ذكر خلق الإِنسان وبين أطواره، ثم طفق يخاطب الأمم والشعوب الموجودة في البلاد التي ظهرت فيها النبوة تفصيلا، فبدأ في هذه الآيات بذكر اليهود للمزايا التي كانوا مختصين بها، والكلام لم يخرج بهذا التنويع عن انتظامه في سلكه وحسن اتساقه في سبكه، فهو دائر على قطب واحد في فلكه، وهو الكتاب، والمرسل به، وحاله مع المرسل إليهم. وفي خطابهم ببني اسرائيل - مع إمكان خطابهم بغيره من الأسماء والألقاب - ما علمتم من بعث عزائم الخير في نفوسهم لو كانوا لذلك أهلا لأن من شأن الإِنسان الرغبة في أن يحذو حِذو أبيه فيما كان عليه من مجد وخير، ففي مواطن القتال يُثار حماس المقاتلين بتذكيرهم ببطولات آبائهم الماضين، وفي مقام البذل والعطاء يذكر أصحاب الكرم بأيادي آبائهم الأسخياء فينادون منسوبين إليهم، وهكذا في مقام الدعوة إلى الخير والنداء إلى البر يحسن تذكير الأخلاف بالأسلاف، ومن وسيلة ذلك نسبتهم إليهم في ندائهم. والمراد بالنعمة التي أنعم الله بها عليهم جنس النعم، فتدخل فيها أصناف الأيادي التي بسطها الله لهم، ونعمه تعالى أكثر من أن تحصى، منها ما هو مشترك بين بني اسرائيل وغيرهم من الناس، ومنها ما هو خاص بهم، ومنها ما هو خاص بغيرهم، والجنسية مستفادة من الإِضافة لأنها تأتي لما تأتي له "أل" من المعاني. والنعم المشتركة ما بينهم وسائر الناس هي خلقهم وخلق أصولهم، وخلق الأرض ومنافعها لهم، وتسخير ما في السماوات لأجلهم، وإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم لتتبين لهم مسالك الرشد، وليحذروا طرائق الضلال، إلى غيرها من سائر النعم التي لم يخص الله بها طائفة دون أخرى من الناس، وأما النعم الخاصة ببني إسرائيل فهي إنجاؤهم من فرعون وآله بعدما كانوا يسثومونهم سوء العذاب، ويذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، وفلق البحر لهم لينجوا من شر عدوهم فرعون، وإهلاكه وقومه بإغراقهم في البحر، وكثرة الأنبياء فيهم، وتظليل الغمام لهم، وإنزال المن والسلوى عليهم إلى غيرها من النعم التي ذُكرت في هذه السورة وفي غيرها. وفي تذكير بني اسرائيل بنعمة الله التي أنعمها عليهم - مع كفرهم بآيات الله وقتلهم النبيين بغير حق، وإشاعتهم الفساد في الأرض - دليل على صحة قول المعتزلة ومن وافقهم كالباقلاني والرازي من الأشاعرة على أن نعمة الله غير محصورة في المؤمنين، وهذا الرأي الذي اعتمدته في تفسير الفاتحة الشريفة مع ذكر أدلته وأدلة الرأي الآخر، وحسبكم شاهدا على صحته هذا الامتنان وقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً} تفسير : [إبراهيم: 28] وقوله: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 112]، وتذكير الله للأمم العاتية كقوم نوح وعاد وثمود بما آتاهم من نعمه. ولما كانت النعمة داعية إلى وفاء المنعم عليه لمن أنعم بها قرن الله تعالى بين تذكيرهم بالنعمة ومطالبتهم بأن يفوا بعهده، وبنو إسرائيل مشتركون مع سائر الناس في العهد العام الذي يدل عليه قوله تعالى: {أية : فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} تفسير : [البقرة: 38-39]. ولهم عهود خاصة ذكرها الله تعالى في العديد من آي الكتاب، منها قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} تفسير : [البقرة: 63]، وقوله: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي ٱلْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُّعْرِضُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} تفسير : [البقرة: 83-84]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير : [المائدة: 12]. وذكر بعضهم أن العهود ثلاثة عهد أخذه الله على جميع بني آدم، وهو العهد الفطري المراد بقوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف: 172]، وعهد أخذه على الأنبياء وأممهم لهم فيه تبع وهو الذي دل عليه قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ} تفسير : [آل عمران: 81]، وعهد آخذه الله على العلماء، وهو الذي دل عليه قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} تفسير : [آل عمران: 187]، وبنو إسرائيل داخلون في هذه العهود الثلاثة، فهم من بني آدم الذين أُخذ عليهم العهد الفطري، ويدخلون في عهد النبيين لأن الأمم تبع لأنبيائها فيه، وهم من ضمن الذين أوتوا الكتاب، وقد كان بينهم كثير من الأحبار الذي لا مناص لهم عن تبيينه إلا بمخالفة أمر الله وقطع عهده. وقد رويت عن السلف روايات شتى في تفسير عهد الله وعهدهم، والظاهر أنها من باب التمثيل لجنس العهدين، ولا تعد أقوالا مختلفة، وإن ذكرها أبو حيان على أنها أقوال وأوصلها إلى أربعة وعشرين قولا، منها ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن عهده ما أمرهم به، وعهدهم ما وعدهم به، وروي عنه أن عهده ما ذكر لهم في التوراة من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعهدهم ما وعدهم به من الجنة إلى غيرها من الأقوال التي لا يُعد خلافها أو خلاف أكثرها إلا لفظيا فقط، والصحيح أن عهده تعالى عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه، وعهدهم هو إدخالهم الجنة إن وفوا بذلك، وهذا هو الذي صححه القرطبي وعزاه إلى جمهور العلماء، وهو مشتمل على أكثر الأقوال المروية. ويدل عليه قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ ٱثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير : [المائدة: 12]. وقد سبق تفسير العهد، وإضافته تصح أن تكون لآخذه ومعطيه، ويحتمل أن تكون كذلك في كلا العهدين في الآية. وتقديم المعمول على العامل ثم اعادة ضمير المعمول في قوله: {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} لأجل تأكيد حصر الرهبة في الله وحده بحيث لا يكون غيره مرهوبا عندهم، وذلك من مقتضيات صدق الإِيمان، واستشعار عظمة الخالق تعالى، وأمرهم برهبته سبحانه بعد أمرهم بذكر نعمته والإِيفاء بعهده لأن النفوس مجبولة على التفريط ما لم تراقب بوازع من الإِيمان، ومخافته تعالى هي أجدى ما يزعها عما فيه مضرتها، فهي سور العمل الصالح ووقاية الإِنسان من التردي في المهالك. مطالبة بني إسرائيل بالإِيمان بالقرآن ثم أمرهم بأن يؤمنوا بما أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم مصدقا لما معهم، ويراد به القرآن كما يراد بما معهم التوراة والإِنجيل وغيرهما من صحف أنبياء بني إسرائيل، ومن المعروف أنهم شوهوها جميعا بما أضافوه إليها من الأكاذيب وألصقوه بها من التأويلات الفاسدة غير أنهم كانوا لا يزالون يحتفظون بشيء من نصوصها غير محرف ولا مبدل وإن اختلط بالأكاذيب المفتراه التي أدخلوها فيها، ومن ذلك ما دل على توحيد الله عز وجل وعلى التبشير ببعثة خاتم النبيين وعلى مكارم الأخلاق، وقد جاء القرآن الكريم مصدقا لذلك مع تفنيده لكثير من مزاعمهم وتبيينه كثيرا مما أخفوه من محتويات كتبهم، وبشائر بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بينة في تلك الصحف رغم ما تراكم عليها من غبار الأباطيل الذي أخذ يستر كثيرا مما فيها من الحقائق بتضاعفه عبر العصور، وسوف أذكر إن شاء الله جانبا من نصوص هذه البشائر في الموضع المناسب من التفسير. وبعد مطالبتهم بالإِيمان بما أنزل حذرهم من الكفر بقوله: {وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} وذلك لتأكيد هذه المطالبة، فإن مما تقرر عند أكثر الأصوليين أن الأمر المطلق لا يدل على الفور لا على التراخي، وقد يتعلل متعلل إذا ما أمر بأمر لم يقيد بالفورية ولا بزمن معين بأنه سيأتي بالمأمور به ولو بعد حين، فاستؤصلت شبهة الاعتذار عندهم بالنص على نهيهم عن ضد ما أمروا به، والنهي يقتضي الفورية، وعموم الأزمان والأحوال إذ لو أتى المنهى في أي وقت بما نهى عنه لعد ذلك خروجا عن طاعة الناهي وتحديا له، ويبحث هنا في أمرين: أولهما: أنهم نُهوا أن يكونوا أول كافر به ولم يُنهوا عن مطلق الكفر به، وقد يُظن من ذلك أنهم إذا كانوا مسبوقين بالكفر من قبل غيرهم فهم فيه معذورون. ثانيهما: أنهم لم يكونوا أول كافر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم فقد سبقهم إلى ذلك كفار العرب من قريش وغيرهم. وأجيب عنهما بالعديد من الأجوبة، منها: أن المراد بقوله: {وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} تأكيد حثهم على السبق إلى الإِيمان فإن الإِيمان والكفر نقيضان، فإذا لم يكونوا كافرين كانوا مؤمنين، وقد دلت قرائن السياق على أن مطلق الكفر قبيح ولا يصح اقراره خصوصا عند من توفرت لديه دواعي الإِيمان كبني إسرائيل، الذين أوتوا نصيبا من الكتاب وكانوا يعرفون نعوت النبي الموعود به ويتطلعون إلى بعثته بكل لهفة وشوق، فهم أحق - لما اختصوا به - أن يكونوا سابقين إلى الإِيمان به فور ما يصل اليهم علمه، وهذا من باب ما يسمى بالكناية التلويحية، وذلك لانطواء التركيب على غرضين، النهي عن الكفر والدعوة إلى الإِيمان، إذ الجملة المعطوفة مقررة لمضمون الجملة المعطوفة عليها وهو طلب الإِيمان بجانب مدلوها الصريح وهو النهي عن الكفر. ومنها أنه يراد به التعريض بكفار قريش وغيرهم ممن بادر الدعوة بالتكذيب، ومعنى ذلك نهيهم أن يكونوا في عدادهم، وسوغ ابن عاشور أن يكون هذا هو مراد الزمخشري في تسويغه كون المعنى "ولا تكونوا مثل أو كافر به". ومنها أنه أريد به النهي عن مبادرتهم بالتكذيب والكفر، لأن الأولية من لوازها السبق إلى الشيء كما في قوله تعالى: {أية : قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ ٱلْعَابِدِينَ} تفسير : [الزخرف: 81] وعليه فالأولية ليست على حقيقتها، ونهيهم عن المبادرة إلى الكفر به يستدعي تأملهم فيه لأنهم لو تأملوه لأدركوا حقه بما سبق عندهم من علم الكتاب. ومنها أن الأولية على حقيقتها وإنما نهوا أن يكونوا أول من يكفر من أهل الكتاب أو بعد الهجرة، لأن السورة أول ما نزل في المدينة. وأقوى هذه الأجوبة أولها، ولا بأس بثالثها، لما عهد في الكلام البليغ من استعمال هذا الاسلوب للغرض المشار إليه فيه، والضمير في "به" عائد إلى الموصول في قوله: {مَآ أَنزَلْتُ}، وأجيز عوده إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى الموصول في قوله: {لِّمَا مَعَكُمْ}، والوجه الأول هو الصحيح لعدم سبق ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن الكلام سيق لأجل ما أنزل إليه وهو القرآن لأجل ما معهم، وإن كان كفرهم بهذا المنزل يعد كفرا بما معهم لأنه مصدق له، فمحافظتهم على التصديق بما معهم تقتضي الإِيمان بما أُنزل إليه صلوات الله وسلامه عليه. وقد سبق ذكر الإِشتراء وإنما يعرض سؤالان في قوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}:- أولهما: أن الأصل في البيع والشراء دخول الباء على الثمن دون المثمن، لأن المثمن هو الغاية والثمن وسيلة إليه، ومن شأن الباء أن تدخل على الآلة، كقول القائل ذبحت بالسكين، وكتبت بالقلم، واشتريت بالدراهم والدنانير. ثانيهما: تسمية ما يأخذونه في مقابل الآيات ثمنا مع كونه المقصود الحقيقي عندهم، فيناسبه أن يكون مثمنا. والجواب عن الأول أن ادخال الباء على الآيات لأنهم - لحماقتهم - عدوا الآيات أهون العوضين، فاتخذوها وسيلة لما يطمحون إليه من مكاسب الدنيا، سواء كانت أموالا يقتنونها أو مناصب يتبوأونها، وعن الثاني أن تسمية ما يأخذونه في مقابل الآيات ثمنا للتعريض بهم أنهم مغبونو الصفقة فقد بذلوا النفيس وأخذوا الرخيص، فالمال والجاه ومناصب الدنيا كل منها متاع فان وعارية مستردة، ويشترك فيها الناس أبرارا كانوا أو فجارا، أما آيات الله فهي الكنز الذي لا يفنى والثروة التي لا تبلى إذا ما حوفظ عليها بالإِيمان والعمل، ولذلك وُصف الثمن بالقلة ولا يستدل بذلك على جواز أخذ الثمن الكثير في مقابل آيات الله، أو بجانب نعيم الآخرة، فقد قال أصدق القائلين: {أية : فَمَا مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا فِي ٱلآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ} تفسير : [التوبة: 38]، فلو كانت الدنيا تبرا والآخرة ترابا لما كانت الدنيا - مع فنائها - شيئا يذكر بجانب الآخرة، التي لا انصرام لها، فكيف والدنيا نفسها أهون من التراب والآخرة أغلى من التبر. علماء الأمة أحق بالاتباع وليس هذا النهي خاصا ببني اسرائيل وإن كان الخطاب موجها إليهم، فعلماء هذه الأمة مطالبون كذلك بأن لا يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، بل هم أحق بهذه المطالبة لأنهم شهداء على الناس، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم شهيد عليهم، وقد أكرموا بإنزال الكتاب المعجز الخالد المهيمن على ما قبله من كتاب على نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، فكل منهم ضليع بأمانة هذا الكتاب ومسؤول عن القيام بأدائه رسالته والمحافظة عليه، وأن يكون ذلك خالصا لوجه الله سبحانه، وهو يعني أنهم مطالبون بأن يكونوا مخلصين في العلم والعمل معا، ولا يجتمع ذلك مع اتخاذ الكتاب وما فيه وسيلة لغرض شخصي ومنفعة عاجلة، وقد شدد العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن، بل شددوا كذلك في أخذها على تعليم العلم، وعدوا ذلك من اشتراء الثمن القليل بآيات الله، وقد كانت هذه هي طريقة السلف غير أن من جاء بعدهم من الأخلاف رأوا أن هذا التشديد يفضي الى تعطيل تعليم القرآن وتعليم العلم لاستلزامهما تفرغ من يقوم بهما من الأعمال، فلذلك ترخصوا في أخذ الأجرة عليهما بالمعروف. والتشديد أولى في أخذ الأجور على العبادات كالأذان والإِمامة لا سيما الامامة في الفروض، وقد كان السلف حريصين على أن تكون أعمالهم خالصة لوجه الله لا يشوبها قصد منفعة مادية ولا معنوية، وإنما تطلع الناس إلى الدنيا وكثرة اشتغالهم بها وتهاونهم بأمر الدين أفضت بهم إلى عدم المبالاة فتهافتوا على الأجور على العبادات حتى قل من يداوم على الأذان أو الإِمامة من غير أن يكون له على ذلك أجر، وأفضى الحال ببعضهم إلى رفض الإِمامة أو الأذان إذا علم بانقطاع المدد أو لم يكن مستوثقا من استمراره، وهذا إن دل على شيء فإنما دلالته على ضعف الوازع الديني، وانحسار مدّ الإِيمان، فعلى الناس أن يراجعوا نفوسهم ويدركوا أن الدين ليس يصح اتخاذه وسيلة للدنيا، فهو أجلّ من ذلك، بل يجب أن تكون الدنيا سخرة لأجله. الأمر بالتقوى واختتمت هذه الآية بأمرهم بالتقوى في قوله: {وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ} كما اختتمت التي قبلها بقوله: {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} وليس في ذلك تكرار لأن التقوى وإن استلزمت الرهبة فهي مستلزمة معها تجنب ما يؤدي إلى الأمر المرهوب والإِتيان بما يقي منه إذ الرهبة انفعال نفسي قد لا يصحبه عمل ولا يقترن به ترك بينما التقوى هي اجتناب لمساخط المرهوب بفعل مأموره وترك منهيه، وكل واحد من الفاصلتين أنسب بما تقدمها، ففي الآية السابقة ذُكروا بنعمة الله وطولبوا بأن يفوا بعهده ليفي بعهدهم، وفي هذا ما يدعوا إلى رهبتهم من قطع النعمة عنهم وعدم الوفاء بعهدهم اذا لم يفوا بعهده؛ وأما في هذه الآية فقد طولبوا بالإِيمان وحذروا من الكفر ونهو أن يشتروا بآيات الله ثمنا قليلا، وذلك يستلزم فعلا وتركا، فكان فصلها بالأمر بالتقوى أنسب. وقيل إن الخطاب في تلك الآية لعامتهم فلذلك فصلت بالأمر بالرهبة لأنها تكون في العوام كما تكون في الخواص، والخطاب في هذه الآية لخاصتهم وهم العلماء، فلذلك فصلت بالأمر بالتقوى، لأن التقوى لا تكون إلا مع العلم بما يُتقى، وقيل: قُدم الأمر بالرهبة لأنها وسيلة للتقوى، فمخافة الله في النفس طريق إلى اتقائه بإتيان أمره واجتناب نهيه.

الالوسي

تفسير : {يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} خطاب لطائفة خاصة من الكفرة المعاصرين للنبـي صلى الله عليه وسلم بعد الخطاب العام، وإقامة دلائل التوحيد والنبوة والمعاد والتذكير بصنوف الانعام، وجعله سبحانه بعد قصة آدم، لأن هؤلاء بعد ما أوتوا من البيان الواضح والدليل اللائح، وأمروا ونهوا وحرضوا على اتباع ـ النبـي الأميّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم ـ ظهر منهم ضد ذلك، فخرجوا عن جنة الإيمان الرفيعة، وهبطوا إلى أرض الطبيعة، وتعرضت لهم الكلمات ـ إلا أنهم لم يتلقوها بالقبول ـ ففات منهم ما فات، وأقبل عليهم بالنداء ليحركهم لسماع ما يرد من الأوامر والنواهي. و (بني) جمع ابن شبيه بجمع التكسير لتغير مفرده، ولذا ألحق في فعله تاء التأنيث ـ كقالت بنو عامر ـ وهو مختص بالأولاد الذكور، وإذا أضيف عم في العرف ـ الذكور والإناث ـ فيكون بمعنى الأولاد ـ وهو المراد هنا ـ وذكر السيالكوتي أنه حقيقة في الأبناء الصلبية ـ كما بين في الأصول ـ واستعماله في العام مجاز، وهو محذوف اللام، وفي كونها ـ ياء أو واواً ـ خلاف، فذهب إلى الأول ابن درستويه وجعله من البناء، لأن الابن فرع الأب ومبني عليه، ولهذا ينسب المصنوع إلى صانعه، فيقال للقصيدة مثلاً: بنت الفكر، وقد أطلق في شريعة من قبلنا على بعض المخلوقين ـ أبناء الله تعالى ـ بهذا المعنى، لكن لما تصور من هذا الجهلة الأغبياء ـ معنى الولادة ـ حظر ذلك حتى صار التفوه به كفراً، وذهب إلى الثاني الأخفش، وأيده بأنهم قالوا: البنوّة، وبأن حذف ـ الواو ـ أكثر، وقد حذفت في ـ أب وأخ ـ وبه قال الجوهري ولعل الأول أصح، ولا دلالة في البنوّة لأنهم قالوا أيضاً: الفتوّة، ولا خلاف في أنها من ذوات ـ الياء ـ وأمر الأكثرية سهل، وعلى التقديرين في وزن ـ ابن ـ هل هو فعل أو فعل؟ خلاف. و (إسرائيل) اسم أعجمي، وقد ذكروا أنه مركب من ـ إيل ـ اسم من أسمائه تعالى، و (إسرا) وهو العبد، أو الصفوة أو الإنسان أو المهاجر ـ وهو لقب سيدنا يعقوب عليه السلام ـ وللعرب فيه تصرفات، فقد قالوا: إسرائيل بهمزة بعد الألف وياء بعدها ـ وبه قرأ الجمهور ـ وإسراييل ـ بياءين بعد الألف ـ وبه قرأ أبو جعفر وغيره ـ وإسرائل ـ بهمزة ولام، وهو مروي عن ورش ـ وإسرأل ـ بهمزة مفتوحة ومكسورة بعد الراء، ولام ـ وإسرأل ـ بألف ممالة ـ بعدها لام خفيفة ـ وبها ولا إمالة ـ وهي رواية عن نافع ـ وقراءة الحسن وغيره و (إسرائين) / بنون بدل اللام، كما في قوله:شعر : تقول أهل السوء لما جينا هذا ورب البيت (إسرائينا) تفسير : وأضاف سبحانه هؤلاء المخاطبين إلى هذا اللقب ـ تأكيداً لتحريكهم إلى طاعته ـ فإن في إسرائيل ما ليس في اسم الكريم ـ يعقوب ـ وقولك: يا ابن الصالح أطع الله تعالى، أحث للمأمور من قولك: يا ابن زيد ـ مثلاً ـ أطع، لأن الطبائع تميل إلى اقتفاء أثر الآباء ـ وإن لم يكن محموداً ـ فكيف إذا كان؟ ويستعمل مثل هذا في مقام الترغيب والترهيب ـ بناء على أن الحسنة في نفسها حسنة ـ وهي من بيت النبوّة أحسن ـ والسيئة في نفسها سيئة ـ وهي من بيت النبوّة أسوأ. و {ٱذْكُرُواْ} أمر الذكر ـ بكسر الذال وضمها ـ بمعنى واحد، ويكونان باللسان والجنان، وقال الكسائي: هو بالكسر ـ للسان ـ وبالضم ـ للقلب ـ وضد الأول الصمت، وضد الثاني النسيان. وعلى العموم: فإما أن يكون مشتركاً بينهما، أو موضوعاً لمعنى عام شامل لهما والظاهر هو الأول، والمقصود من الأمر بذلك ـ الشكر على النعمة والقيامة بحقوقها ـ لا مجرد الأخطار بالجنان، أو التفوه باللسان، وإضافة النعمة إلى ضميره تعالى لتشريفها، وإيجاب تخصيص شكرها به سبحانه، وقد قال بعض المحققين: إنها تفيد الاستغراق ـ إذ لا عهد ـ ولمناسبته بمقام الدعوة إلى الإيمان، فهي شاملة للنعم العامة والخاصة بالمخاطبين، وفائدة التقييد بكونها عليهم أنها ـ من هذه الحيثية أدعى للشكر ـ فإن الإنسان حسود غيور، وقال قتادة: أريد بها ما أنعم به على آبائهم ـ مما قصه سبحانه في كتابه ـ وعليهم من فنون النعمة التي أجلها ـ إدراك زمن أشرف الأنبياء ـ وجعلهم من جملة أمة الدعوة له، ويحتاج تصحيح الخطاب حينئذ إلى اعتبار التغليب، أو جعل نعم الآباء نعمهم، فلا جمع بين الحقيقة والمجاز ـ كما وهمَ ـ ويجوز في الياء من {نِعْمَتِيَ } الإسكان والفتح، والقراء السبعة متفقون على الفتح، و {أَنْعَمْتَ} صلة {ٱلَّتِى} والعائد محذوف، والتقدير ـ أنعمتها ـ وقرىء ـ ادكروا ـ بالدال المهملة المشددة على وزن افتعلوا. {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} يقال: أوفى ووفى ـ مخففاً ومشدداً ـ بمعنى، وقال ابن قتيبة: يقال: أوفيت بالعهد ووفيت به، وأوفيت الكيل لا غير، وجاء ـ أوفى ـ بمعنى ارتفع كقوله:شعر : ربما (أوفيت) في علم ترفعن ثوبـي شمالات تفسير : والعهد يضاف إلى كل ممن يتولى أحد طرفيه، والظاهر هنا أن الأول: مضاف إلى الفاعل، والثاني: إلى المفعول، فإنه تعالى أمرهم بالإيمان والعمل وعهد إليهم بما نصب من الحجج العقلية والنقلية الآمرة بذلك، ووعدهم بحسن الثواب على حسناتهم والمعنى: أوفوا بعهدي بالإيمان والطاعة أوف بعهدكم بحسن الإثابة، ولتوسط الأمر صح طلب الوفاء منهم. واندفع ما قال العلامة التفتازاني على ما فيه أنه لا معنى لوفاء غير الفاعل بالعهد، وقيل: ـ وهو المفهوم من كلام قتادة ومجاهد أن كليهما مضاف إلى المفعول والمعنى ـ أوفوا بما عاهدتموني من الإيمان والتزام الطاعة أوف بما عاهدتكم من حسن الإثابة، وتفصيل العهدين قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ}تفسير : [المائدة: 12] إلى قوله سبحانه: {أية : وَلأُدْخِلَنَّكُمْ }تفسير : [المائدة: 12] الخ، ويحوج هذا إلى اعتبار أن عهد الآباء عهد الأبناء لتناسبهم في الدين، وإلا فالمخاطبون بـ {أَوْفُواْ} ما عوهدوا بالعهد المذكور في الآية، وقيل: إن فسر ـ الإيفاء ـ بإتمام العهد تكون الإضافة إلى المفعول في الموضعين، وإن فسر بمراعاته تكون الإضافة الأولى للفاعل والثانية للمفعول/ وفيه تأمل، ولا يخفى أن للوفاء عرضاً عريضاً، فأول المراتب الظاهرة منا الإتيان بكلمتي الشهادة، ومنه تعالى حقن الدماء والمال وآخرها منا الفناء حتى عن الفناء، ومنه تعالى التحلية بأنوار الصفات والأسماء ـ فما روي من الآثار على اختلاف أسانيدها صحة وضعفاً في بيان الوفاء بالعهدين فبالنظر إلى المراتب المتوسطة، وهي لعمري كثيرة ـ ولك أن تقول: أول: المراتب منا توحيد الأفعال، وأوسطها: توحيد الصفات. وآخرها: توحيد الذات، ومنه تعالى ما يفيضه على السالك في كل مرتبة مما تقتضيه تلك المرتبة من المعارف والأخلاق. وقرأ الزهري {أُوفِ} بالتشديد، فإن كان موافقاً للمجرد فذاك؛ وإن أريد به التكثير ـ والقلب إليه يميل ـ فهو إشارة إلى عظيم كرمه وإحسانه، ومزيد امتنانه، حيث أخبر وهو الصادق، أنه يعطي الكثير في مقابلة القليل، وهو صرح بذلك في قوله سبحانه: {أية : مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا }تفسير : [الأنعام: 160] وانجزام الفعل لوقوعه في جواب الأمر والجزم إما به نفسه أو بشرط مقدر، وهو اختيار الفارسي ونص سيبويه. {وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ} الرهبة الخوف مطلقاً، وقيل: مع تحرز، وبه فارق الاتقاء، لأنه مع حزم ولهذا كان الأول: للعامة، والثاني: للأئمة، والأشبه بمواقع الاستعمال أن الاتقاء التحفظ عن المخوف، وأن يجعل نفسه في وقاية منه، والرهبة نفس الخوف، وفي الأمر بها وعيد بالغ، وليس ذلك للتهديد والتهويل كما في {أية : ٱعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ }تفسير : [فصلت: 40] كما وهمَ لأن هذا مطلوب وذاك غير مطلوب كما لا يخفى و (إياي) ضمير منفصل منصوب المحل بمحذوف يفسره المذكور، والفاء عند بعضهم جزائية زحلقت من الجزاء المحذوف إلى مفسره ليكون دليلاً على تقدير الشرط، ويحتمل أن تكون مفسرة للفاء الجزائية المحذوفة مع الجزاء، ومن أطلق الجزائية عليها فقد توسع، ولا يجوز أن تكون عاطفة لئلا يجتمع عاطفان، واختار صاحب «المفتاح» أنها للعطف على الفعل المحذوف، فإن أريد التعقيب الزماني أفادت طلب استمرار الرهبة في جميع الأزمنة بلا تخلل فاصل وإن أريد الرتبـي كان مفادها طلب الترقي من رهبة إلى رهبة أعلى ولا يقدح في ذلك اجتماعها مع واو العطف مثلاً لأنها لعطف المحذوف على ما قبله وهذه الفاء لعطف المذكور على المحذوف وكون (فارهبون) مفسراً للمحذوف لا يقتضي اتحاده به من جميع الوجوه وأن لا يفيد معنى سوى التفسير حتى لا يصح جعلها عاطفة، واستحسن هذا بعض المتأخرين لاشتماله على معنى بديع خلت عنه الجزائية، وقال بعضهم كالمتوسط في المسألة: إنها عاطفة بحسب الأصل، وبعد الحذف زحلقت وجعلت جزائية وعلى كل تقدير فالآية الكريمة آكد في إفادة التخصيص من {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ } تفسير : [الفاتحة: 5] وعدّ من وجوه التأكيد تقديم الضمير المنفصل وتأخير المتصل والفاء الموجبة معطوفاً عليه ومعطوفاً أحدهما مظهر والآخر مضمر تقديره إياي ارهبوا {فَٱرْهَبُونِ} وما في ذلك من تكرير الرهبة وما فيه من معنى الشرط بدلالة الفاء والمعنى إن كنتم متصفين بالرهبة فخصوني بالرهبة، وحذف متعلق الرهبة للعموم أي ارهبوني في جميع ما تأتون وتذرون، وقيل: ارهبون في نقض العهد؛ ولعل التخصيص به مستفاد من ذكر الأمر بالرهبة معه ثم الخوف خوفان: خوف العقاب وهو نصيب أهل الظاهر، وخوف إجلال وهو نصيب أهل القلوب. وما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ أن المعنى ارهبون أن أنزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره ـ ظاهر في قسم أهل الظاهر وهو المناسب بحال هؤلاء المخاطبين ـ الذين {أية : يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مّنَ ٱلْحَيَٰوةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلأَخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ }تفسير : [الروم: 7] وحذفت ياء الضمير من ارهبون لأنها فاصلة، وقرأ ابن أبـي إسحق بالياء على الأصل.

سيد قطب

تفسير : ابتداء من هذا المقطع في السورة يواجه السياق بني إسرائيل، أولئك الذين واجهوا الدعوة في المدينة مواجهة نكرة؛ وقاوموها مقاومة خفية وظاهرة؛ وكادوا لها كيداً موصولاً، لم يفتر لحظة منذ أن ظهر الإسلام بالمدينة؛ وتبين لهم أنه في طريقه إلى الهيمنة على مقاليدها، وعزلهم من القيادة الأدبية والاقتصادية التي كانت لهم، مذ وحد الأوس والخزرج، وسد الثغرات التي كانت تنفذ منها يهود، وشرع لهم منهجاً مستقلاً، يقوم على أساس الكتاب الجديد.. هذه المعركة التي شنها اليهود على الإسلام والمسلمين منذ ذلك التاريخ البعيد ثم لم يخب أوارها حتى اللحظة الحاضرة، بنفس الوسائل، ونفس الأساليب، لا يتغير إلا شكلها؛ أما حقيقتها فباقية، وأما طبيعتها فواحدة، وذلك على الرغم من أن العالم كله كان يطاردهم من جهة إلى جهة، ومن قرن إلى قرن، فلا يجدون لهم صدراً حنوناً إلا في العالم الإسلامي المفتوح، الذي ينكر الاضطهادات الدينية والعنصرية، ويفتح أبوابه لكل مسالم لا يؤذي الإسلام ولا يكيد للمسلمين! ولقد كان المنتظر أن يكون اليهود في المدينة هم أول من يؤمن بالرسالة الجديدة ويؤمن للرسول الجديد؛ مذ كان القرآن يصدق ما جاء في التوراة في عمومه؛ ومذ كانوا هم يتوقعون رسالة هذا الرسول، وعندهم أوصافه في البشارات التي يتضمنها كتابهم؛ وهم كانوا يستفتحون به على العرب المشركين. وهذا الدرس هو الشطر الأول من هذه الجولة الواسعة مع بني إسرائيل؛ بل هذه الحملة الشاملة لكشف موقفهم وفضح كيدهم؛ بعد استنفاد كل وسائل الدعوة معهم لترغيبهم في الإسلام، والانضمام إلى موكب الإيمان بالدين الجديد. يبدأ هذا الدرس بنداء علوي جليل إلى بني إسرائيل، يذكرهم بنعمته - تعالى - عليهم ويدعوهم إلى الوفاء بعهدهم معه ليوفي بعهده معهم، وإلى تقواه وخشيته؛ يمهد بها لدعوتهم إلى الإيمان بما أنزله مصدقا لما معهم. ويندد بموقفهم منه، وكفرهم به أول من يكفر! كما يندد بتلبيسهم الحق بالباطل وكتمان الحق ليموهوا على الناس - وعلى المسلمين خاصة - ويشيعوا الفتنة والبلبلة في الصف الإسلامي، والشك والارتياب في نفوس الداخلين في الإسلام الجديد. ويأمرهم أن يدخلوا في الصف. فيقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويركعوا مع الراكعين، مستعينين على قهر نفوسهم وتطويعها للاندماج في الدين الجديد بالصبر والصلاة. وينكر عليهم أن يكونوا يدعون المشركين إلى الإيمان، وهم في الوقت ذاته يأبون أن يدخلوا في دين الله مسلمين! ثم يبدأ في تذكيرهم بنعم الله التي أسبغها عليهم في تاريخهم الطويل. مخاطباً الحاضرين منهم كما لو كانوا هم الذين تلقوا هذه النعم على عهد موسى - عليه السلام - وذلك باعتبار أنهم أمة واحدة متضامنة الأجيال، متحدة الجبلة. كما هم في حقيقة الأمر وفق ما بدا من صفاتهم ومواقفهم في جميع العصور! ويعاود تخويفهم باليوم الذي يُخاف، حيث لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، ولا يقبل منها شفاعة، ولا يؤخذ منها فدية، ولا يجدون من ينصرهم ويعصمهم من العذاب. ويستحضر أمام خيالهم مشهد نجاتهم من فرعون وملئه كأنه حاضر. ومشهد النعم الأخرى التي ظلت تتوالى عليهم من تظليل الغمام إلى المن والسلوى إلى تفجير الصخر بالماء.. ثم يذكرهم بما كان منهم بعد ذلك من انحرافات متوالية، ما يكاد يردهم عن واحدة منها حتى يعودوا إلى أخرى، وما يكاد يعفو عنهم من معصية حتى يقعوا في خطيئة، وما يكادون ينجون من عثرة حتى يقعوا في حفرة.. ونفوسهم هي هي في التوائها وعنادها وإصرارها على الالتواء والعناد، كما أنها هي هي في ضعفها عن حمل التكاليف، ونكولها عن الأمانة، ونكثها للعهد، ونقضها للمواثيق مع ربها ومع نبيها.. حتى لتبلغ أن تقتل أنبياءها بغير الحق، وتكفر بآيات ربها، وتعبد العجل وتجدف في حق الله فترفض الإيمان لنبيها حتى ترى الله جهرة؛ وتخالف عما أوصاها به الله وهي تدخل القرية فتفعل وتقول غير ما أمرت به؛ وتعتدي في السبت، وتنسى ميثاق الطور، وتماحل وتجادل في ذبح البقرة التي أمر الله بذبحها لحكمة خاصة... وهذا كله مع الإدعاء العريض بأنها هي وحدها المهتدية؛ وأن الله لا يرضى إلا عنها، وأن جميع الأديان باطلة وجميع الأمم ضالة عداها! مما يبطله القرآن في هذه الجولة، ويقرر أن كل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا من جميع الملل، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.. هذه الحملة - سواء ما ورد منها في هذا الدرس وما يلي منها في سياق السورة - كانت ضرورية أولاً وقبل كل شيء لتحطيم دعاوى يهود، وكشف كيدها، وبيان حقيقتها وحقيقة دوافعها في الدس للإسلام والمسلمين. كما كانت ضرورية لتفتيح عيون المسلمين وقلوبهم لهذه الدسائس والمكايد التي توجه إلى مجتمعهم الجديد، وإلى الأصول التي يقوم عليها؛ كما توجه إلى وحدة الصف المسلم لخلخلته وإشاعة الفتنة فيه. ومن جانب آخر كانت ضرورية لتحذير المسلمين من مزالق الطريق التي عثرت فيها أقدام الأمة المستخلفة قبلهم، فحرمت مقام الخلافة، وسلبت شرف القيام على أمانة الله في الأرض، ومنهجه لقيادة البشر. وقد تخللت هذه الحملة توجيهات ظاهرة وخفية للمسلمين لتحذيرهم من تلك المزالق كما سيجيء في الشطر الثاني منها. وما كان أحوج الجماعة المسلمة في المدينة إلى هذه وتلك. وما أحوج الأمة المسلمة في كل وقت إلى تملي هذه التوجيهات، وإلى دراسة هذا القرآن بالعين المفتوحة والحس البصير، لتتلقى منه تعليمات القيادة الإلهية العلوية في معاركها التي تخوضها مع أعدائها التقليديين؛ ولتعرف منها كيف ترد على الكيد العميق الخبيث الذي يوجهونه إليها دائبين، بأخفى الوسائل، وأمكر الطرق. وما يملك قلب لم يهتد بنور الإيمان، ولم يتلق التوجيه من تلك القيادة المطلعة على السر والعلن والباطن والظاهر، أن يدرك المسالك والدروب الخفية الخبيثة التي يتدسس فيها ذلك الكيد الخبيث المريب... ثم نلحظ من جانب التناسق الفني والنفسي في الأداء القرآني، أن بدء هذه الجولة يلتحم بختام قصة آدم، وبالإيحاءات التي أشرنا إليها هناك، وهذا جانب من التكامل في السياق القرآني بين القصص والوسط الذي تعرض فيه: لقد مضى السياق قبل ذلك بتقرير أن الله خلق ما في الأرض جميعاً للإنسان. ثم بقصة استخلاف آدم في الأرض بعهد الله الصريح الدقيق؛ وتكريمه على الملائكة؛ والوصية والنسيان، والندم والتوبة، والهداية والمغفرة، وتزويده بالتجربة الأولى في الصراع الطويل في الأرض، بين قوى الشر والفساد والهدم ممثلة في إبليس، وقوى الخير والصلاح والبناء ممثلة في الإنسان المعتصم بالإيمان. مضى السياق بهذا كله في السورة. ثم أعقبه بهذه الجولة مع بني إسرائيل، فذكر عهد الله معهم ونكثهم له؛ ونعمته عليهم وجحودهم بها؛ ورتب على هذا حرمانهم من الخلافة، وكتب عليهم الذلة، وحذر المؤمنين كيدهم كما حذرهم مزالقهم. فكانت هناك صلة ظاهرة بين قصة استخلاف آدم وقصة استخلاف بني إسرائيل، واتساق في السياق واضح وفي الأداء. والقرآن لا يعرض هنا قصة بني إسرائيل، إنما يشير إلى مواقف منها ومشاهد باختصار أو بتطويل مناسب. وقد وردت القصة في السور المكية التي نزلت قبل هذا، ولكنها هناك كانت تذكر - مع غيرها - لتثبيت القلة المؤمنة في مكة بعرض تجارب الدعوة وموكب الإيمان الواصل منذ أول الخليقة، وتوجيه الجماعة المسلمة بما يناسب ظروفها في مكة. فأما هنا فالقصد هو ما أسلفنا من كشف حقيقة نوايا اليهود ووسائلهم وتحذير الجماعة المسلمة منها، وتحذيرها كذلك من الوقوع في مثل ما وقعت فيه قبلها يهود.. وبسبب اختلاف الهدف بين القرآن المكي والقرآن المدني اختلفت طريقة العرض؛ وإن كانت الحقائق التي عرضت هنا وهناك عن انحراف بني إسرائيل ومعصيتهم واحدة (كما سيجيء عند استعراض السور المكية السابقة في ترتيب النزول). ومن مراجعة المواضع التي وردت فيها قصة بني إسرائيل هنا وهناك يتبين أنها متفقة مع السياق الذي عرضت فيه، متممة لأهدافه وتوجيهاته.. وهي هنا متسقة مع السياق قبلها. سياق تكريم الإنسان، والعهد إليه والنسيان. متضمنة إشارات إلى وحدة الإنسانية، ووحدة دين الله المنزل إليها، ووحدة رسالاته، مع لفتات ولمسات للنفس البشرية ومقوماتها، وإلى عواقب الانحراف عن هذه المقومات التي نيطت بها خلافة الإنسان في الأرض؛ فمن كفر بها كفر بإنسانيته وفقد أسباب خلافته، وارتكس في عالم الحيوان. وقصة بني إسرائيل هي أكثر القصص وروداً في القرآن الكريم؛ والعناية بعرض مواقفها وعبرتها عناية ظاهرة، توحي بحكمة الله في علاج أمر هذه الأمة المسلمة، وتربيتها وإعدادها للخلافة الكبرى.. فلننظر بعد هذا الإجمال في استعراض النص القرآني: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون. وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم، ولا تكونوا أول كافر به، ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً، وإياي فاتقون. ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون. وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين. أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب؟ أفلا تعقلون؟ واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين. الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم، وأنهم إليه راجعون}.. إن المستعرض لتاريخ بني إسرائيل ليأخذه العجب من فيض الآلاء التي أفاضها الله عليهم، ومن الجحود المنكر المتكرر الذي قابلوا به هذا الفيض المدرار.. وهنا يذكرهم الله بنعمته التي أنعمها عليهم إجمالاً، قبل البدء في تفصيل بعضها في الفقر التالية. يذكرهم بها ليدعوهم بعدها إلى الوفاء بعهدهم معه - سبحانه - كي يتم عليهم النعمة ويمد لهم في الآلاء: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم}.. فأي عهد هذا الذي يشار إليه في هذا المقام؟ أهو العهد الأول، عهد الله لآدم:{فإما يأتينكم مني هدى، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون. والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}..؟ أم هو العهد الكوني السابق على عهد الله هذا مع آدم. العهد المعقود بين فطرة الإنسان وبارئه: أن يعرفه ويعبده وحده لا شريك له. وهو العهد الذي لا يحتاج إلى بيان، ولا يحتاج إلى برهان، لأن فطرة الإنسان بذاتها تتجه إليه بأشواقها اللدنية، ولا يصدها عنه إلا الغواية والانحراف؟ أم هو العهد الخاص الذي قطعه الله لإبراهيم جد إسرائيل. والذي سيجيء في سياق السورة: {وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن، قال: إني جاعلك للناس إماماً، قال: ومن ذريتي؟ قال:لا ينال عهدي الظالمين}..؟ أم هو العهد الخاص الذي قطعه الله على بني إسرائيل وقد رفع فوقهم الطور، وأمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة والذي سيأتي ذكره في هذه الجولة؟ إن هذه العهود جميعاً إن هي إلا عهد واحد في صميمها. إنه العهد بين البارئ وعباده أن يصغوا قلوبهم إليه، وأن يسلموا أنفسهم كلها له. وهذا هو الدين الواحد. وهذا هو الإسلام الذي جاء به الرسل جميعاً؛ وسار موكب الإيمان يحمله شعاراً له على مدار القرون. ووفاء بهذا العهد يدعو الله بني إسرائيل أن يخافوه وحده وأن يفردوه بالخشية: {وإياي فارهبون}.. ووفاء بهذا العهد كذلك يدعو الله بني إسرائيل أن يؤمنوا بما أنزله على رسوله، مصدقاً لما معهم؛ وألا يسارعوا إلى الكفر به، فيصبحوا أول الكافرين؛ وكان ينبغي أن يكونوا أول المؤمنين: {وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أول كافر به}.. فما الإسلام الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا الدين الواحد الخالد. جاء به في صورته الأخيرة؛ وهو امتداد لرسالة الله، ولعهد الله منذ البشرية الأولى، يضم جناحيه على ما مضى، ويأخذ بيد البشرية فيما سيأتي؛ ويوحد بين "العهد القديم" و "العهد الجديد" ويضيف ما أراده الله من الخير والصلاح للبشرية في مستقبلها الطويل؛ ويجمع بذلك بين البشر كلهم إخوة متعارفين؛ يلتقون على عهد الله، ودين الله؛ لا يتفرقون شيعاً وأحزاباً، وأقواماً وأجناساً؛ ولكن يلتقون عباداً لله، مستمسكين جميعاً بعهده الذي لا يتبدل منذ فجر الحياة. وينهى الله بني إسرائيل أن يكون كفرهم بما أنزله مصدقاً لما معهم، شراء للدنيا بالآخرة، وإيثاراً لما بين أيديهم من مصالح خاصة لهم - وبخاصة أحبارهم الذين يخشون أن يؤمنوا بالإسلام فيخسروا رياستهم، وما تدره عليهم من منافع وإتاوات - ويدعوهم إلى خشيته وحده وتقواه.. {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً، وإياي فاتقون}.. والثمن والمال والكسب الدنيوي المادي.. كله شنشنة يهود من قديم!! وقد يكون المقصود بالنهي هنا هو ما يكسبه رؤساؤهم من ثمن الخدمات الدينية والفتاوى المكذوبة، وتحريف الأحكام حتى لا تقع العقوبة على الأغنياء منهم والكبراء، كما ورد في مواضع أخرى، واستبقاء هذا كله في أيديهم بصد شعبهم كله عن الدخول في الإسلام، حيث تفلت منهم القيادة والرياسة.. على أن الدنيا كلها - كما قال بعض الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم في تفسير هذه الآية - ثمن قليل، حين تقاس إلى الإيمان بآيات الله، وإلى عاقبة الإيمان في الآخرة عند الله. ويمضي السياق يحذرهم ما كانوا يزاولونه من تلبيس الحق بالباطل، وكتمان الحق وهم يعلمونه، بقصد بلبلة الأفكار في المجتمع المسلم، وإشاعة الشك والاضطراب: {ولا تلبسوا الحق بالباطل. وتكتموا الحق وأنتم تعلمون}.. ولقد زاول اليهود هذا التلبيس والتخليط وكتمان الحق في كل مناسبة عرضت لهم، كما فصل القرآن في مواضع منه كثيرة؛ وكانوا دائما عامل فتنة وبلبلة في المجتمع الإسلامي، وعامل اضطراب وخلخلة في الصف المسلم. وسيأتي من أمثلة هذا التلبيس الشيء الكثير! ثم يدعوهم إلى الاندماج في موكب الإيمان، والدخول في الصف، وأداء عباداته المفروضة، وترك هذه العزلة والتعصب الذميم، وهو ما عرفت به يهود من قديم: {وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، واركعوا مع الراكعين}.. ثم ينكر عليهم - وبخاصة أحبارهم - أن يكونوا من الدعاة إلى الإيمان بحكم أنهم أهل كتاب بين مشركين، وهم في الوقت ذاته يصدون قومهم عن الإيمان بدين الله، المصدق لدينهم القديم: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب؟ أفلا تعقلون؟}.. ومع أن هذا النص القرآني كان يواجه ابتداء حالة واقعة من بني إسرائيل، فإنه في إيحائه للنفس البشرية، ولرجال الدين بصفة خاصة، دائم لا يخص قوماً دون قوم ولا يعني جيلا دون جيل. إن آفة رجال الدين - حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة - أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم؛ يأمرون بالخير ولا يفعلونه؛ ويدعون إلى البر ويهملونه؛ ويحرفون الكلم عن مواضعه؛ ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى، ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص، ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين، لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان! كما كان يفعل أحبار يهود! والدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها. وهي التي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم، لأنهم يسمعون قولاً جميلاً، ويشهدون فعلاً قبيحاً؛ فتتملكهم الحيرة بين القول والفعل؛ وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة؛ وينطفىء في قلوبهم النور الذي يشع الإيمان؛ ولا يعودون يثقون في الدين بعد ما فقدوا ثقتهم برجال الدين. إن الكلمة لتنبعث ميتة، وتصل هامدة، مهما تكن طنانة رنانة متحمسة، إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها. ولن يؤمن إنسان بما يقول حقاً إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول، وتجسيماً واقعياً لما ينطق.. عندئذ يؤمن الناس، ويثق الناس، ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق.. إنها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها؛ وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها.. إنها تستحيل يومئذ دفعة حياة، لأنها منبثقة من حياة. والمطابقة بين القول والفعل، وبين العقيدة والسلوك، ليست مع هذا أمراً هيناً، ولا طريقاً معبداً. إنها في حاجة إلى رياضة وجهد ومحاولة. وإلى صلة بالله، واستمداد منه، واستعانة بهديه؛ فملابسات الحياة وضروراتها واضطراراتها كثيراً ما تنأى بالفرد في واقعه عما يعتقده في ضميره، أو عما يدعو إليه غيره. والفرد الفاني ما لم يتصل بالقوة الخالدة ضعيف مهما كانت قوته، لأن قوى الشر والطغيان والإغواء أكبر منه؛ وقد يغالبها مرة ومرة ومرة؛ ولكن لحظة ضعف تنتابه فيتخاذل ويتهاوى، ويخسر ماضيه وحاضره ومستقبله؛ فأما وهو يركن إلى قوة الأزل والأبد فهو قوي قوي، أقوى من كل قوي. قوي على شهوته وضعفه. قوي على ضروراته واضطراراته. قوي على ذوي القوة الذين يواجهونه. ومن ثم يوجه القرآن اليهود الذين كان يواجههم أولاً، ويوجه الناس كلهم ضمناً، إلى الاستعانة بالصبر والاستعانة بالصلاة.. وفي حالة اليهود كان مطلوباً منهم أن يؤثروا الحق الذي يعلمونه على المركز الخاص الذي يتمتعون به في المدينة، وعلى الثمن القليل - سواء كان ثمن الخدمات الدينية أو هو الدنيا كلها - وأن يدخلوا في موكب الإيمان وهم يدعون الناس إلى الإيمان! وكان هذا كله يقتضي قوة وشجاعة وتجرداً. واستعانة بالصبر والصلاة: {واستعينوا بالصبر والصلاة. وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم، وأنهم إليه راجعون}.. والغالب أن الضمير في أنها ضمير الشأن، أي إن هذه الدعوة إلى الاعتراف بالحق في وجه هذه العوامل كبيرة وصعبة وشاقة، إلا على الخاشعين الخاضعين لله، الشاعرين بخشيته وتقواه، الواثقين بلقائه والرجعة إليه عن يقين. والاستعانة بالصبر تتكرر كثيراً؛ فهو الزاد الذي لا بد منه لمواجهة كل مشقة، وأول المشقات مشقة النزول عن القيادة والرياسة والنفع والكسب احتراماً للحق وإيثاراً له، واعترافاً بالحقيقة وخضوعاً لها. فما الاستعانة بالصلاة؟ إن الصلاة صلة ولقاء بين العبد والرب. صلة يستمد منها القلب قوة، وتحس فيها الروح صلة؛ وتجد فيها النفس زاداً أنفس من أعراض الحياة الدنيا.. ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وهو الوثيق الصلة بربه الموصول الروح بالوحي والإلهام.. وما يزال هذا الينبوع الدافق في متناول كل مؤمن يريد زاداً للطريق، وريّاً في الهجير، ومدداً حين ينقطع المدد، ورصيداً حين ينفد الرصيد.. واليقين بلقاء الله - واستعمال ظن ومشتقاتها في معنى اليقين كثير في القرآن وفي لغة العرب عامة - واليقين بالرجعة إليه وحده في كل الأمور.. هو مناط الصبر والاحتمال؛ وهو مناط التقوى والحساسية. كما أنه مناط الوزن الصحيح للقيم: قيم الدنيا وقيم الآخرة. ومتى استقام الميزان في هذه القيم بدت الدنيا كلها ثمناً قليلاً، وعرضاً هزيلاً؛ وبدت الآخرة على حقيقتها، التي لا يتردد عاقل في اختيارها وإيثارها. وكذلك يجد المتدبر للقرآن في التوجيه الذي قصد به بنو إسرائيل أول مرة، توجيهاً دائماً مستمر الإيحاء للجميع.. ومن ثم عودة إلى نداء بني إسرائيل، وتذكيرهم بنعمة الله عليهم، وتخويفهم ذلك اليوم المخيف إجمالاً قبل الأخذ في التفصيل: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، وأني فضلتكم على العالمين. واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً، ولا يقبل منها شفاعة، ولا يؤخذ منها عدل، ولا هم ينصرون}. وتفضيل بني إسرائيل على العالمين موقوت بزمان استخلافهم واختيارهم، فأما بعد ما عتوا عن أمر ربهم، وعصوا أنبياءهم، وجحدوا نعمة الله عليهم، وتخلوا عن التزاماتهم وعهدهم، فقد أعلن الله حكمه عليهم باللعنة والغضب والذلة والمسكنة، وقضى عليهم بالتشريد وحق عليهم الوعيد. وتذكيرهم بتفضيلهم على العالمين، هو تذكير لهم بما كان لهم من فضل الله وعهده؛ وإطماع لهم لينتهزوا الفرصة المتاحة على يدي الدعوة الإسلامية، فيعودوا إلى موكب الإيمان. وإلى عهد الله؛ شكراً على تفضيله لآبائهم، ورغبة في العودة إلى مقام التكريم الذي يناله المؤمنون. ومع الإطماع في الفضل والنعمة، التحذير من اليوم الذي يأتي وصفه: {لا تجزي نفس عن نفس شيئاً}.. فالتبعة فردية، والحساب شخصي، وكل نفس مسؤولة عن نفسها، ولا تغني نفس عن نفس شيئاً.. وهذا هو المبدأ الإسلامي العظيم. مبدأ التبعة الفردية القائمة على الإرادة والتمييز من الإنسان، وعلى العدل المطلق من الله. وهو أقوم المبادئ التي تشعر الإنسان بكرامته، والتي تستجيش اليقظة الدائمة في ضميره. وكلاهما عامل من عوامل التربية، فوق أنه قيمة إنسانية تضاف إلى رصيده من القيم التي يكرمه بها الإسلام. {ولا يقبل منها شفاعة. ولا يؤخذ منها عدل}. فلا شفاعة تنفع يومئذ من لم يقدم إيماناً وعملاً صالحاً؛ ولا فدية تؤخذ منه للتجاوز عن كفره ومعصيته. {ولا هم ينصرون}.. فما من ناصر يعصمهم من الله، وينجيهم من عذابه.. وقد عبر هنا بالجمع باعتبار مجموع النفوس التي لا تجزي نفس منها عن نفس، ولا يقبل منها شفاعة، ولا يؤخذ منها عدل، وانصرف عن الخطاب في أول الآية إلى صيغة الغيبة في آخرها للتعميم. فهذا مبدأ كلي ينال المخاطبين وغير المخاطبين من الناس أجمعين. بعدئذ يمضي يعدد آلاء الله عليهم، وكيف استقبلوا هذه الآلاء، وكيف جحدوا وكفروا وحادوا عن الطريق. وفي مقدمة هذه النعم كانت نجاتهم من آل فرعون ومن العذاب الأليم: {وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم. وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون}.. إنه يعيد على خيالهم ويستحيي في مشاعرهم صورة الكرب الذي كانوا فيه - باعتبار أنهم أبناء هذا الأصل البعيد - ويرسم أمامهم مشهد النجاة كما رسم أمامهم مشاهد العذاب. يقول لهم: واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون حالة ما كانوا يديمون عذابكم، (من سام الماشية أي جعلها سائمة ترعى دائماً) وكأن العذاب كان هو الغذاء الدائم الذي يطعمونهم إياه!! ثم يذكر لوناً من هذا العذاب. هو تذبيح الذكور واستيحاء الإناث. كي يضعف ساعد بني إسرائيل وتثقل تبعاتهم! وقبل أن يعرض مشهد النجاة يعقب بأن ذلك التعذيب كان فيه بلاء من ربهم عظيم. ليلقي في حسهم - وحس كل من يصادف شدة - أن إصابة العباد بالشدة هي امتحان وبلاء، واختبار وفتنة. وأن الذي يستيقظ لهذه الحقيقة يفيد من الشدة، ويعتبر بالبلاء، ويكسب من ورائهما حين يستيقظ. والألم لا يذهب ضياعاً إذا أدرك صاحبه أنه يمر بفترة امتحان لها ما بعدها إن أحسن الانتفاع بها. والألم يهون على النفس حين تعيش بهذا التصور وحين تدخر ما في التجربة المؤلمة من زاد للدنيا بالخبرة والمعرفة والصبر والاحتمال، ومن زاد للآخرة باحتسابها عند الله، وبالتضرع لله وبانتظار الفرج من عنده وعدم اليأس من رحمته.. ومن ثم هذا التعقيب الموحى: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}.. فإذا فرغ من التعقيب جاء بمشهد النجاة بعد مشاهد العذاب.. {وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون}.. وقد وردت تفصيلات هذه النجاة في السور المكية التي نزلت من قبل. أما هنا فهو مجرد التذكير لقوم يعرفون القصة. سواء من القرآن المكي، أو من كتبهم وأقاصيصهم المحفوظة. إنما يذكرهم بها في صورة مشهد، ليستعيدوا تصورها، ويتأثروا بهذا التصور، وكأنهم هم الذين كانوا ينظرون إلى فرق البحر، ونجاة بني إسرائيل بقيادة موسى - عليه السلام - على مشهد منهم ومرأى! وخاصية الاستحياء هذه من أبرز خصائص التعبير القرآني العجيب. ثم يمضي السياق قدماً مع رحلة بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر ناجين: {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة، ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون. وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون. وإذ قال موسى لقومه: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل، فتوبوا إلى بارئكم، فاقتلوا أنفسكم، ذلكم خير لكم عند بارئكم، فتاب عليكم، إنه هو التواب الرحيم}.. وقصة اتخاذ بني إسرائيل للعجل، وعبادته في غيبة موسى - عليه السلام - عندما ذهب إلى ميعاد ربه على الجبل، مفصلة في سورة طه السابقة النزول في مكة. وهنا فقط يذكرهم بها، وهي معروفة لديهم. يذكرهم بانحدارهم إلى عبادة العجل بمجرد غيبة نبيهم، الذي أنقذهم باسم الله، من آل فرعون يسومونهم سوء العذاب. ويصف حقيقة موقفهم في هذه العبادة: {وأنتم ظالمون}.. ومن أظلم ممن يترك عبادة الله ووصية نبيه ليعبد عجلاً جسداً، وقد أنقذه الله ممن كانوا يقدسون العجول! ومع هذا فقد عفا الله عنهم، وآتى نبيهم الكتاب - وهو التوراة - فيه فرقان بين الحق والباطل، عسى أن يهتدوا إلى الحق البين بعد الضلال. ولم يكن بد من التطهير القاسي؛ فهذه الطبيعة المنهارة الخاوية لا تقومها إلا كفارة صارمة، وتأديب عنيف. عنيف في طريقته وفي حقيقته: {وإذ قال موسى لقومه: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل، فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم. ذلكم خير لكم عند بارئكم}.. أقتلوا أنفسكم. ليقتل الطائع منكم العاصي. ليطهره ويطهر نفسه.. هكذا وردت الروايات عن تلك الكفارة العنيفة.. وإنه لتكليف مرهق شاق، أن يقتل الأخ أخاه، فكأنما يقتل نفسه برضاه. ولكنه كذلك كان تربية لتلك الطبيعة المنهارة الخوارة، التي لا تتماسك عن شر، ولا تتناهى عن نكر. ولو تناهوا عن المنكر في غيبة نبيهم ما عبدوا العجل. وإذ لم يتناهوا بالكلام فليتناهوا بالحسام؛ وليؤدوا الضريبة الفادحة الثقيلة التي تنفعهم وتربيهم! وهنا تدركهم رحمة الله بعد التطهير: {فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم}.. ولكن إسرائيل هي إسرائيل! هي هي كثافة حس، ومادية فكر، واحتجاباً عن مسارب الغيب.. فإذا هم يطلبون أن يروا الله جهرة، والذي طلب هذا هم السبعون المختارون منهم، الذين اختارهم موسى لميقات ربه - الذي فصلت قصته في السور المكية من قبل - ويرفضون الإيمان لموسى إلا أن يروا الله عياناً. والقرآن يواجههم هنا بهذا التجديف الذي صدر من آبائهم، لينكشف تعنتهم القديم الذي يشابه تعنتهم الجديد مع الرسول الكريم، وطلبهم الخوارق منه، وتحريضهم بعض المؤمنين على طلب الخوارق للتثبت من صدقه: {وإذ قلتم: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون. وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى. كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}.. إن الحس المادي الغليظ هو وحده طريقهم إلى المعرفة.. أم لعله التعنت والمعاجزة.. والآيات الكثيرة، والنعم الإلهية، والعفو والمغفرة.. كلها لا تغير من تلك الطبيعة الجاسية، التي لا تؤمن إلا بالمحسوس، والتي تظل مع ذلك تجادل وتماحل ولا تستجيب إلا تحت وقع العذاب والتنكيل، مما يوحي بأن فترة الإذلال التي قضوها تحت حكم فرعون الطاغية قد أفسدت فطرتهم إفساداً عميقاً. وليس أشد إفساداً للفطرة من الذل الذي ينشئه الطغيان الطويل، والذي يحطم فضائل النفس البشرية، ويحلل مقّوماتها، ويغرس فيها المعروف من طباع العبيد: استخذاء تحت سوط الجلاد، وتمرداً حين يرفع عنها السوط، وتبطراً حين يتاح لها شيء من النعمة والقوة.. وهكذا كانت إسرائيل، وهكذا هي في كل حين.. ومن ثم يجدفون هذا التجديف. ويتعنتون هذا التعنت: {وإذ قلتم: يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}: ومن ثم يأخذهم الله جزاء ذلك التجديف، وهم على الجبل في الميقات المعلوم: {فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون}.. ومرة أخرى تدركهم رحمة الله، وتوهب لهم فرصة الحياة عسى أن يذكروا ويشكروا، ويذكرهم هنا مواجهة بهذه النعمة: {ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون}.. ويذكرهم برعايته لهم في الصحراء الجرداء حيث يسر لهم طعاماً شهياً لا يجهدون فيه ولا يكدون، ووقاهم هجير الصحراء وحر الشمس المحرق بتدبيره اللطيف: {وظللنا عليكم الغمام، وأنزلنا عليكم المن والسلوى. كلوا من طيبات ما رزقناكم. وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}.. وتذكر الراويات أن الله ساق لهم الغمام يظللهم من الهاجرة. والصحراء بغير مطر ولا سحب، جحيم يفور بالنار، ويقذف بالشواظ. وهي بالمطر والسحاب رخية ندية تصح فيها الأجسام والأرواح.. وتذكر الروايات كذلك أن الله سخر لهم {المن} يجدونه على الأشجار حلواً كالعسل، وسخر لهم {السلوى} وهو طائر السماني يجدونه بوفرة قريب المنال. وبهذا توافر لهم الطعام الجيد، والمقام المريح، وأحلت لهم هذه الطيبات.. ولكن أتراهم شكروا واهتدوا.. إن التعقيب الأخير في الآية يوحي بأنهم ظلموا وجحدوا. وإن كانت عاقبة ذلك عليهم، فما ظلموا إلاَّ أنفسهم! {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون}.. ويمضي السياق في مواجهتهم بما كان منهم من انحراف ومعصية وجحود: {وإذ قلنا: ادخلوا هذه القرية، فكلوا منها حيث شئتم رغداً، وادخلوا الباب سجداً، وقولوا: حطة. نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين. فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم، فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء، بما كانوا يفسقون}.. وتذكر بعض الروايات أن القرية المقصودة هنا هي بيت المقدس، التي أمر الله بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر أن يدخلوها، ويخرجوا منها العمالقة الذين كانوا يسكنونها، والتي نكص بنو إسرائيل عنها وقالوا: {أية : يا موسى إن فيها قوماً جبارين، وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون} .. تفسير : والتي قالوا بشأنها لنبيهم موسى - عليه السلام -: {أية : إنا لن ندخلها أبداً ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون!} .. تفسير : ومن ثم كتب عليهم ربهم التيه أربعين سنة، حتى نشأ جيل جديد بقيادة يوشع بن نون، فتح المدينة ودخلها.. ولكنهم بدلاً من أن يدخلوها سجداً كما أمرهم الله، علامة على التواضع والخشوع، ويقولوا: حطة.. أي حط عنا ذنوبنا واغفر لنا.. دخلوها على غير الهيئة التي أمروا بها، وقالوا قولاً آخر غير الذي أمروا به.. والسياق يواجههم بهذا الحادث في تاريخهم؛ وقد كان مما وقع بعد الفترة التي يدور عنها الحديث هنا - وهي عهد موسى - ذلك أنه يعتبر تاريخهم كله وحدة، قديمه كحديثه، ووسطه كطرفيه.. كله مخالفة وتمرد وعصيان وانحراف! وأيًّا كان هذا الحادث، فقد كان القرآن يخاطبهم بأمر يعرفونه، ويذكرهم بحادث يعلمونه.. فلقد نصرهم الله فدخلوا القرية المعينة؛ وأمرهم أن يدخلوها في هيئة خشوع وخضوع، وأن يدعوا الله ليغفر لهم ويحط عنهم؛ ووعدهم أن يغفر لهم خطاياهم، وأن يزيد المحسنين من فضله ونعمته. فخالفوا عن هذا كله كعادة يهود: {فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم}.. ويخص الذين ظلموا بالذكر. إما لأنهم كانوا فريقاً منهم هو الذي بدل وظلم. وإما لتقرير وصف الظلم لهم جميعاً، إذا كان قد وقع منهم جميعاً. {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً من السماء بما كانوا يفسقون}.. والرجز: العذاب. والفسوق:المخالفة والخروج.. وكانت هذه واحدة من أفاعيل بني إسرائيل! وكما يسر الله لبني إسرائيل الطعام في الصحراء والظل في الهاجرة، كذلك أفاض عليهم الري بخارقة من الخوارق الكثيرة التي أجراها الله على يدي نبيه موسى - عليه السلام - والقرآن يذكرهم بنعمة الله عليهم في هذا المقام، وكيف كان مسلكهم بعد الإفضال والإنعام: {وإذ استسقى موسى لقومه، فقلنا: اضرب بعصاك الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً. قد علم كل أناس مشربهم. كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين}.. لقد طلب موسى لقومه السقيا. طلبها من ربه فاستجاب له. وأمره أن يضرب حجراً معيناً بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا بعدة أسباط بني إسرائيل، وكانوا يرجعون إلى اثني عشر سبطاً بعدة أحفاد يعقوب - وهو إسرائيل الذي ينتسبون إليه - وأحفاد إسرائيل - أو يعقوب - هم المعروفون باسم الأسباط، والذين يرد ذكرهم مكرراً في القرآن، وهم رؤوس قبائل بني إسرائيل. وكانوا ما يزالون يتبعون النظام القبلي، الذي تنسب فيه القبيلة إلى رأسها الكبير. ومن ثم يقول: {قد علم كل أناس مشربهم}.. أي العين الخاصة بهم من الاثنتي عشرة عيناً. وقيل لهم، على سبيل الإباحة والإنعام والتحذير من الاعتداء والإفساد: {كلوا واشربوا من رزق الله، ولا تعثوا في الأرض مفسدين}.. لقد كانوا بين الصحراء بجدبها وصخورها، والسماء بشواظها ورجومها. فأما الحجر فقد أنبع الله لهم منه الماء، وأما السماء فأنزل لهم منها المن والسلوى: عسلاً وطيراً.. ولكن البنية النفسية المفككة، والجبلة الهابطة المتداعية، أبت على القوم أن يرتفعوا إلى مستوى الغاية التي من أجلها أخرجوا من مصر، ومن أجلها ضربوا في الصحراء.. لقد أخرجهم الله - على يدي نبيهم موسى - عليه السلام - من الذل والهوان ليورثهم الأرض المقدسة، وليرفعهم من المهانة والضعة.. وللحرية ثمن، وللعزة تكاليف، وللأمانة الكبرى التي ناطهم الله بها فدية. ولكنهم لا يريدون أن يؤدوا الثمن، ولا يريدون أن ينهضوا بالتكاليف، ولا يريدون أن يدفعوا الفدية. حتى بأن يتركوا مألوف حياتهم الرتيبة الهينة. حتى بأن يغيروا مألوف طعامهم وشرابهم، وأن يكيفوا أنفسهم بظروف حياتهم الجديدة، في طريقهم إلى العزة والحرية والكرامة. إنهم يريدون الأطعمة المنوعة التي ألفوها في مصر. يريدون العدس والثوم والبصل والقثاء.. وما إليها! وهذا ما يذكرهم القرآن به. وهم يدعون في المدينة دعاواهم العريضة: {وإذ قلتم: يا موسى لن نصبر على طعام واحد، فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها. قال: أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟ اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم.. وضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضب من الله، ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق. ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}.. ولقد تلقى موسى - عليه السلام - طلبهم بالاستنكار: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟}.. أتريدون الدنية وقد أراد الله لكم العلية؟ {اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم}.. إما بمعنى أن ما يطلبونه هين زهيد، لا يستحق الدعاء؛ فهو موفور في أي مصر من الأمصار، فاهبطوا أية مدينة فإنكم واجدوه فيها.. وإما بمعنى عودوا إذن إلى مصر التي أخرجتم منها.. عودوا إلى حياتكم الدارجة المألوفة. إلى حياتكم الخانعة الذليلة.. حيث تجدون العدس والبصل والثوم والقثاء! ودعوا الأمور الكبار التي ندبتم لها.. ويكون هذا من موسى - عليه السلام - تأنيباً لهم وتوبيخاً.. وأنا أرجح هذا التأويل الذي استبعده بعض المفسرين، أرجحه بسبب ما أعقبه في السياق من قوله تعالى: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله}.. فإن ضرب الذلة والمسكنة عليهم، وعودتهم بغضب الله، لم يكن - من الناحية التاريخية - في هذه المرحلة من تاريخهم؛ إنما كان فيما بعد، بعد وقوع ما ذكرته الآية في ختامها: {ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون النبيين بغير الحق. ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون}. وقد وقع هذا منهم متأخراً بعد عهد موسى بأجيال. إنما عجل السياق بذكر الذلة والمسكنة والغضب هنا لمناسبته لموقفهم من طلب العدس والبصل والثوم والقثاء! فناسب أن يكون قول موسى لهم،{اهبطوا مصراً} هو تذكير لهم بالذل في مصر، وبالنجاة منه، ثم هفوة نفوسهم للمطاعم التي ألفوها في دار الذل والهوان! ولم يشهد تاريخ أمة ما شهده تاريخ إسرائيل من قسوة وجحود واعتداء وتنكر للهداة. فقد قتلوا وذبحوا ونشروا بالمناشير عدداً من أنبيائهم - وهي أشنع فعلة تصدر من أمة مع دعاة الحق المخلصين - وقد كفروا أشنع الكفر، واعتدوا أشنع الاعتداء، وعصوا أبشع المعصية. وكان لهم في كل ميدان من هذه الميادين أفاعيل ليست مثلها أفاعيل! ومع هذا كله فقد كانت لهم دعاوى عريضة عجيبة. كانوا دائما يدعون أنهم هم وحدهم المهتدون، وهم وحدهم شعب الله المختار، وهم وحدهم الذين ينالهم ثواب الله؛ وأن فضل الله لهم وحدهم دون شريك.. وهنا يكذب القرآن هذه الدعوى العريضة، ويقرر قاعدة من قواعده الكلية، التي تتخلل القصص القرآني، أو تسبقه أو تتلوه. يقرر قاعدة وحدة الإيمان.. ووحدة العقيدة، متى انتهت إلى إسلام النفس لله، والإيمان به إيماناً ينبثق منه العمل الصالح. وإن فضل الله ليس حجراً محجوراً على عصبية خاصة، إنما هو للمؤمنين أجمعين، في كل زمان وفي كل مكان، كل بحسب دينه الذي كان عليه، حتى تجيء الرسالة التالية بالدين الذي يجب أن يصير المؤمنون إليه: {إن الذين آمنوا، والذين هادوا، والنصارى،والصابئين - من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً - فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.. والذين آمنوا يعني بهم المسلمين. والذين هادوا هم اليهود - إما بمعنى عادوا إلى الله، وإما بمعنى أنهم أولاد يهوذا - والنصارى هم اتباع عيسى - عليه السلام - والصابئون: الأرجح أنهم تلك الطائفة من مشركي العرب قبل البعثة، الذين ساورهم الشك فيما كان عليه قومهم من عبادة الأصنام، فبحثوا لأنفسهم عن عقيدة يرتضونها، فاهتدوا إلى التوحيد، وقالوا: إنهم يتعبدون على الحنيفية الأولى، ملة إبراهيم، واعتزلوا عبادة قومهم دون أن تكون لهم دعوة فيهم. فقال عنهم المشركون: إنهم صبأوا - أي مالوا عن دين آبائهم - كما كانوا يقولون عن المسلمين بعد ذلك. ومن ثم سموا الصابئة. وهذا القول أرجح من القول بأنهم عبدة النجوم كما جاء في بعض التفاسير. والآية تقرر أن من آمن بالله واليوم الآخر من هؤلاء جميعاً وعمل صالحاً، فإن لهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فالعبرة بحقيقة العقيدة، لا بعصبية جنس أو قوم.. وذلك طبعاً قبل البعثة المحمدية. أما بعدها فقد تحدد شكل الإيمان الأخير. ثم يمضي السياق يستعرض مواقف بني إسرائيل في مواجهة يهود المدينة بمسمع من المسلمين.. {وإذ أخذنا ميثاقكم، ورفعنا فوقكم الطور:خذوا ما آتيناكم بقوة، واذكروا ما فيه لعلكم تتقون. ثم توليتم من بعد ذلك، فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين}.. وتفصيل هذا الميثاق وارد في سور أخرى، وبعضه ورد في هذه السورة فيما بعد. والمهم هنا هو استحضار المشهد، والتناسق النفسي والتعبيري بين قوة رفع الصخرة فوق رؤوسهم وقوة أخذ العهد، وأمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة. وأن يعزموا فيه عزيمة. فأمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا تميع، ولا يقبل أنصاف الحلول ولا الهزل ولا الرخاوة.. إنه عهد الله مع المؤمنين.. وهو جد وحق، فلا سبيل فيه لغير الجد والحق.. وله تكاليف شاقة، نعم! ولكن هذه هي طبيعته. إنه أمر عظيم. أعظم من كل ما في هذا الوجود. فلا بد أن تقبل عليه النفس إقبال الجاد القاصد العارف بتكاليفه، المتجمع الهم والعزيمة المصمم على هذه التكاليف. ولا بد أن يدرك صاحب هذا الأمر أنه إنما يودع حياة الدعة والرخاء والرخاوة، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد نودي للتكليف: "حديث : مضى عهد النوم يا خديجة" تفسير : .. وكما قال له ربه: {أية : إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً}.. تفسير : وكما قال لبني إسرائيل: {خذوا ما آتيناكم بقوة}. {واذكروا ما فيه لعلكم تتقون}.. ولا بد مع أخذ العهد بقوة وجد واستجماع نفس وتصميم.. لا بد مع هذا من تذكر ما فيه، واستشعار حقيقته، والتكيف بهذه الحقيقة، كي لا يكون الأمر كله مجرد حماسة وحمية وقوة. فعهد الله منهج حياة، منهج يستقر في القلب تصوراً وشعوراً، ويستقر في الحياة وضعاً ونظاماً، ويستقر في السلوك أدباً وخلقاً، وينتهي إلى التقوى والحساسية برقابة الله وخشية المصير. ولكن هيهات! لقد أدركت إسرائيل نحيزتها، وغلبت عليها جبلتها: {ثم توليتم من بعد ذلك}.. ثم أدركتها رحمة الله مرة أخرى وشملها فضله العظيم؛ فأنقذها من الخسار المبين: {فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين}.. ومرة أخرى يواجههم بمظهر من مظاهر النكث والنكسة، والتحلل من العهد والعجز عن الاستمساك به، والضعف عن احتمال تكاليفه، والضعف أمام الهوى أو النفع القريب: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت: فقلنا لهم: كونوا قردة خاسئين، فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها، وموعظة للمتقين}.. وقد فصل القرآن حكاية اعتدائهم في السبت في موضع آخر فقال: {أية : واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعاً، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} .. تفسير : فلقد طلبوا أن يكون لهم يوم راحة مقدس، فجعل الله لهم يوم السبت راحة مقدساً لا يعملون فيه للمعاش. ثم ابتلاهم بعد ذلك بالحيتان تكثر يوم السبت، وتختفي في غيره! وكان ابتلاء لم تصمد له يهود! وكيف تصمد وتدع هذا الصيد القريب يضيع؟ أتتركه وفاء بعهد واستمساكاً بميثاق؟ إن هذا ليس من طبع يهود! ومن ثم اعتدوا في السبت اعتدوا على طريقتهم الملتوية. راحوا يحوطون على الحيتان في يوم السبت، ويقطعونها عن البحر بحاجز، ولا يصيدونها! حتى إذا انقضى اليوم تقدموا وانتشلوا السمك المحجوز! {فقلنا لهم: كونوا قردة خاسئين}.. لقد حق عليهم جزاء النكول عن عهدهم مع الله، والنكوص عن مقام الإنسان ذي الإرادة. فانتكسوا بهذا إلى عالم الحيوان والبهيمة، الحيوان الذي لا إرادة له، والبهيمة التي لا ترتفع على دعوة البطون! انتكسوا بمجرد تخليهم عن الخصيصة الأولى التي تجعل من الإنسان إنساناً. خصيصة الإرادة المستعلية المستمسكة بعهد الله. وليس من الضروري أن يستحيلوا قردة بأجسامهم، فقد استحالوا إليها بأرواحهم وأفكارهم، وانطباعات الشعور والتفكير تعكس على الوجوه والملامح سمات تؤثر في السحنة وتلقي ظلها العميق! ومضت هذه الحادثة عبرة رادعة للمخالفين في زمانها وفيما يليه، وموعظة نافعة للمؤمنين في جميع العصور: {فجعلناها نكالاً لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين}.. وفي نهاية هذا الدرس تجيء قصة "البقرة ".. تجيء مفصلة وفي صورة حكاية، لا مجرد إشارة كالذي سبق، ذلك أنها لم ترد من قبل في السور المكية، كما أنها لم ترد في موضع آخر؛ وهي ترسم سمة اللجاجة والتعنت والتلكؤ في الاستجابة، وتمحل المعاذير، التي تتسم بها إسرائيل: {وإذ قال موسى لقومه: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة. قالوا: أتتخذنا هزواً؟ قال: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين. قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟ قال: إنه يقول: إنها بقرة لا فارض ولا بكر، عوان بين ذلك، فافعلوا ما تؤمرون. قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها؟ قال: إنه يقول: إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين. قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي، إن البقر تشابه علينا، وإنا إن شاء الله لمهتدون. قال: إنه يقول: إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث، مسلمة لاشية فيها. قالوا: الآن جئت بالحق. فذبحوها وما كادوا يفعلون.. وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها، والله مخرج ما كنتم تكتمون. فقلنا: اضربوه ببعضها، كذلك يحيي الله الموتى، ويريكم آياته لعلكم تعقلون}.. وفي هذه القصة القصيرة - كما يعرضها السياق القرآني - مجال للنظر في جوانب شتى.. جانب دلالتها على طبيعة بني إسرائيل وجبلتهم الموروثة. وجانب دلالتها على قدرة الخالق، وحقيقة البعث، وطبيعة الموت والحياة. ثم جانب الأداء الفني في عرض القصة بدءاً ونهاية واتساقاً مع السياق.. إن السمات الرئيسية لطبيعة إسرائيل تبدو واضحة في قصة البقرة هذه: انقطاع الصلة بين قلوبهم، وذلك النبع الشفيف الرقراق: نبع الإيمان بالغيب، والثقة بالله، والاستعداد لتصديق ما يأتيهم به الرسل. ثم التلكؤ في الاستجابة للتكاليف، وتلمس الحجج والمعاذير، والسخرية المنبعثة من صفاقة القلب وسلاطة اللسان! لقد قال لهم نبيهم: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة}.. وكان هذا القول بهذه الصيغة يكفي للاستجابة والتنفيذ. فنبيهم هو زعيمهم الذي أنقذهم من العذاب المهين، برحمة من الله ورعاية وتعليم؛ وهو ينبئهم أن هذا ليس أمره وليس رأيه، إنما هو أمر الله، الذي يسير بهم على هداه.. فماذا كان الجواب؟ لقد كان جوابهم سفاهة وسوء أدب، واتهاماً لنبيهم الكريم بأنه يهزأ بهم ويسخر منهم! كأنما يجوز لإنسان يعرف الله - فضلاً على أن يكون رسول الله - أن يتخذ اسم الله وأمره مادة مزاح وسخرية بين الناس: {قالوا:أتتخذنا هزواً؟}. وكان رد موسى على هذه السفاهة أن يستعيذ بالله؛ وأن يردهم برفق، وعن طريق التعريض والتلميح، إلى جادة الأدب الواجب في جانب الخالق جل علاه؛ وأن يبين لهم أن ما ظنوه به لا يليق إلا بجاهل بقدر الله، لا يعرف ذلك الأدب ولا يتوخاه: {قال:أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين}.. وكان في هذا التوجيه كفاية ليثوبوا إلى أنفسهم، ويرجعوا إلى ربهم، وينفذوا أمر نبيهم.. ولكنها إسرائيل! نعم. لقد كان في وسعهم - وهم في سعة من الأمر - أن يمدوا أيديهم إلى أية بقرة فيذبحوها، فإذا هم مطيعون لأمر الله، منفذون لإشارة رسوله. ولكن طبيعة التلكؤ والالتواء تدركهم، فإذا هم يسألون: {قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما هي؟}.. والسؤال بهذه الصيغة يشي بأنهم ما يزالون في شكهم أن يكون موسى هازئاً فيما أنهى إليهم! فهم أولاً: يقولون: {ادع لنا ربك}.. فكأنما هو ربه وحده لا ربهم كذلك! وكأن المسألة لا تعنيهم هم إنما تعني موسى وربه! وهم ثانياً: يطلبون منه أن يدعو ربه ليبين لهم: {ما هي؟} والسؤال عن الماهية في هذا المقام - وإن كان المقصود الصفة - إنكار واستهزاء.. ما هي؟ إنها بقرة. وقد قال لهم هذا من أول الأمر بلا تحديد لصفة ولا سمة. بقرة وكفى! هنا كذلك يردهم موسى إلى الجادة، بأن يسلك في الإجابة طريقاً غير طريق السؤال. إنه لا يجبههم بانحرافهم في صيغة السؤال كي لا يدخل معهم في جدل شكلي.. إنما يجيبهم كما ينبغي أن يجيب المعلم المربي من يبتليه الله بهم من السفهاء المنحرفين. يجيبهم عن صفة البقرة: {قال: إنها بقرة لا فارض ولا بكر، عوان بين ذلك}.. إنها بقرة لا هي عجوز ولا هي شابة، وسط بين هذا وذاك. ثم يعقب على هذا البيان المجمل بنصيحة آمرة حازمة: {فافعلوا ما تؤمرون}.. ولقد كان في هذا كفاية لمن يريد الكفاية؛ وكان حسبهم وقد ردهم نبيهم إلى الجادة مرتين، ولمح لهم بالأدب الواجب في السؤال وفي التلقي. أن يعمدوا إلى أية بقرة من أبقارهم، لا عجوز ولا صغيرة، متوسطة السن، فيخلصوا بها ذمتهم، وينفذوا بذبحها أمر ربهم، ويعفوا أنفسهم من مشقة التعقيد والتضييق.. ولكن إسرائيل هي إسرائيل! لقد راحوا يسألون: {قالوا: ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها؟}.. هكذا مرة أخرى: {ادع لنا ربك}! ولم يكن بد - وقد شققوا الموضوع وطلبوا التفصيل - أن يأتيهم الجواب بالتفصيل: {قال: إنه يقول، إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين}.. وهكذا ضيقوا على أنفسهم دائرة الاختيار - وكانوا من الأمر في سعة - فأصبحوا مكلفين أن يبحثوا لا عن بقرة.. مجرد بقرة.. بل عن بقرة متوسطة السن، لا عجوز ولا صغيرة، وهي بعد هذا صفراء فاقع لونها؛ وهي بعد هذا وذلك ليست هزيلة ولا شوهاء: {تسر الناظرين}.. وسرور الناظرين لا يتم إلا أن تقع أبصارهم على فراهة وحيوية ونشاط والتماع في تلك البقرة المطلوبة؛ فهذا هو الشائع في طباع الناس: أن يعجبوا بالحيوية والاستواء ويسروا، وأن ينفروا من الهزال والتشويه ويشمئزوا. ولقد كان فيما تلكأوا كفاية، ولكنهم يمضون في طريقهم، يعقدون الأمور، ويشددون على أنفسهم، فيشدد الله عليهم. لقد عادوا مرة أخرى يسألون عن الماهية: {قالوا:ادع لنا ربك يبين لنا ما هي}.. ويعتذرون عن هذا السؤال وعن ذلك التلكؤ بأن الأمر مشكل: {إن البقر تشابه علينا}.. وكأنما استشعروا لحاجتهم هذه المرة. فهم يقولون: {وإنا إن شاء الله لمهتدون}.. ولم يكن بد كذلك أن يزيد الأمر عليهم مشقة وتعقيداً، وأن تزيد دائرة الاختيار المتاحة لهم حصراً وضيقاً، بإضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة، كانوا في سعة منها وفي غنى عنها: {قال:إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث، مسلمة لا شية فيها}.. وهكذا لم تعد بقرة متوسطة العمر. صفراء فاقع لونها فارهة فحسب. بل لم يعد بد أن تكون - مع هذا - بقرة غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض أو سقي الزرع؛ وأن تكون كذلك خالصة اللون لا تشوبها علامة. هنا فقط.. وبعد أن تعقد الأمر، وتضاعفت الشروط، وضاق مجال الاختيار: {قالوا: الآن جئت بالحق}.. الآن! كأنما كان كل ما مضى ليس حقاً. أو كأنهم لم يستيقنوا أن ما جاءهم به هو الحق إلا اللحظة! {فذبحوها وما كادوا يفعلون}!! عندئذ - وبعد تنفيذ الأمر والنهوض بالتكليف - كشف الله لهم عن الغاية من الأمر والتكليف: {وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها، والله مخرج ما كنتم تكتمون، فقلنا: اضربوه ببعضها. كذلك يحيي الله الموتى، ويريكم آياته لعلكم تعقلون}.. وهنا نصل إلى الجانب الثاني من جوانب القصة. جانب دلالتها على قدرة الخالق، وحقيقة البعث، وطبيعة الموت والحياة. وهنا يتغير السياق من الحكاية إلى الخطاب والمواجهة: لقد كشف الله لقوم موسى عن الحكمة من ذبح البقرة.. لقد كانوا قد قتلوا نفسا منهم؛ ثم جعل كل فريق يدرأ عن نفسه التهمة ويلحقها بسواه. ولم يكن هناك شاهد؛ فأراد الله أن يظهر الحق على لسان القتيل ذاته؛ وكان ذبح البقرة وسيلة إلى إحيائه، وذلك بضربه ببعض من تلك البقرة الذبيح.. وهكذا كان، فعادت إليه الحياة، ليخبر بنفسه عن قاتله، وليجلو الريب والشكوك التي أحاطت بمقتله؛ وليحق الحق ويبطل الباطل بأوثق البراهين. ولكن. فيم كانت هذه الوسيلة، والله قادر على أن يحيي الموتى بلا وسيلة؟ ثم ما مناسبة البقرة المذبوحة مع القتيل المبعوث؟ إن البقر يذبح قرباناً كما كانت عادة بني إسرائيل.. وبضعة من جسد ذبيح ترد بها الحياة إلى جسد قتيل. وما في هذه البضعة حياة ولا قدرة على الأحياء.. إنما هي مجرد وسيلة ظاهرة تكشف لهم عن قدرة الله، التي لا يعرف البشر كيف تعمل. فهم يشاهدون آثارها ولا يدركون كنهها ولا طريقتها في العمل و: {كذلك يحيي الله الموتى}.. كذلك بمثل هذا الذي ترونه واقعاً ولا تدرون كيف وقع؛ وبمثل هذا اليسر الذي لا مشقة فيه ولا عسر. إن المسافة بين طبيعة الموت وطبيعة الحياة مسافة هائلة تدير الرؤوس. ولكنها في حساب القدرة الإلهية أمر يسير.. كيف؟.. هذا ما لا أحد يدريه. وما لا يمكن لأحد إدراكه.. إن إدراك الماهية والكيفية هنا سر من أسرار الألوهية، لا سبيل إليه في عالم الفانين! وإن يكن في طوق العقل البشري إدراك دلالته والاتعاظ بها: {ويريكم آياته لعلكم تعقلون}.. وأخيراً نجيء إلى جمال الأداء وتناسقه مع السياق.. هذه قصة قصيرة نبدؤها، فإذا نحن أمام مجهول لا نعرف ما وراءه. نحن لا نعرف في مبدأ عرض القصة لماذا يأمر الله بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة، كما أن بني إسرائيل إذ ذاك لم يعرفوا، وفي هذا اختبار لمدى الطاعة والاستجابة والتسليم. ثم تتابع الحوار في عرض القصة بين موسى وقومه، فلا نرى الحوار ينقطع ليثبت ما دار بين موسى وربه؛ على حين أنهم كانوا في كل مرة يطلبون منه أن يسأل ربه، فكان يسأله، ثم يعود إليهم بالجواب.. ولكن سياق القصة لا يقول: إنه سأل ربه ولا إن ربه أجابه.. إن هذا السكوت هو اللائق بعظمة الله، التي لا يجوز أن تكون في طريق اللجاجة التي يزاولها بنو إسرائيل! ثم تنتهي إلى المباغتة في الخاتمة - كما بوغت بها بنو إسرائيل - انتفاض الميت مبعوثا ناطقاً، على ضربة من بعض جسد لبقرة بكماء مذبوحة، ليس فيها من حياة ولا مادة حياة! ومن ثم يلتقي جمال الأداء التعبيري بحكمة السياق الموضوعية في قصة قصيرة من القصص القرآني الجميل. وتعقيباً على هذا المشهد الأخير من القصة، الذي كان من شأنه أن يستجيش في قلوب بني إسرائيل الحساسية والخشية والتقوى؛ وتعقيبا كذلك على كل ما سلف من المشاهد و الأحداث والعبر والعظات، تجيء هذه الخاتمة المخالفة لكل ما كان يتوقع ويرتقب: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك، فهي كالحجارة أو أشد قسوة. وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء. وإن منها لما يهبط من خشية الله. وما الله بغافل عما تعملون}.. والحجارة التي يقيس قلوبهم إليها، فإذا قلوبهم منها أجدب وأقسى.. هي حجارة لهم بها سابق عهد. فقد رأوا الحجر تتفجر منه اثنتا عشرة عيناً، ورأوا الجبل يندك حين تجلى عليه الله وخر موسى صعقاً! ولكن قلوبهم لا تلين ولا تندى، ولا تنبض بخشية ولا تقوى.. قلوب قاسية جاسية مجدبة كافرة.. ومن ثم هذا التهديد: {وما الله بغافل عما تعملون}. وبهذا يختم هذا الشطر من الجولة مع بني إسرائيل في تاريخهم الحافل بالكفر والتكذيب، والالتواء واللجاجة، والكيد والدس، والقسوة والجدب، والتمرد والفسوق..

ابن عاشور

تفسير : انتقال من موعظة المشركين إلى موعظة الكافرين من أهل الكتاب وبذلك تتم موعظة الفرق المتقدم ذكرها، لأن فريق المنافقين لا يعدو أن يكونوا من المشركين أو من أهل الكتاب اليهود، ووُجه الخطاب هنا إلى بني إسرائيل وهم أشهر الأمم المتدينة ذات الكتاب الشهير والشريعة الواسعة، وذلك لأن هذا القرآن جاء يهدي للتي هي أقوم فكانت هاته السورة التي هي فسطاطه مشتملة على الغرض الذي جاء لأجله، وقد جاء الوفاء بهذا الغرض على أبدع الأساليب وأكمل وجوه البلاغة فكانت فاتحتها في التنويه بشأن هذا الكتاب وآثار هديه وما يكتسب متبعوه من الفلاح دنيا وأخرى، وبالتحذير من سوء مغبة من يُعرض عن هديه ويتنكب طريقه، ووُصف في خلال ذلك أحوال الناس تجاه تلقي هذا الكتاب من مؤمن وكافر ومنافق، بعد ذلك أقبل على أصناف أولئك بالدعوة إلى المقصود، وقد انحصر الأصناف الثلاثة من الناس المتلقين لهذا الكتاب بالنسبة لحالهم تجاه الدعوة الإسلامية في صنفين لأنهم إما مشرك أو متدين أي كتابي، إذ قد اندرج صنف المنافقين في الصنف المتدين لأنهم من اليهود كما قدمناه، فدعا المشركين إلى عبادته تعالى بقوله: {أية : يأيها الناس اعبدوا ربكم}تفسير : [البقرة: 21]. فالناس إن كان المراد به المشركين كماهو اصطلاح القرآن غالباً كما تقدم فظاهر، وإن كان المراد به كل الناس فقوله: {اعبدوا ربكم} يختص بهم لا محالة إذ ليس المؤمنون بداخلين في ذلك، وذكَّرهم بدلائل الصنعة وهي خلق أصولهم وبأصول نعم الحياة وهي خلق الأرض والسماء وإنزال الماء من السماء لإخراج الثمرات، وعَجَّب من كفرهم مع ظهور دلائل إثبات الخالق من الحياة والموت، وذكَّرهم بنعمه عظيمة وهي نعمة تكريم أصلهم وتوبته على أبيهم، كل ذلك اقتصار على القدر الثابت في فطرتهم إذ لم يكن لديهم من الأصول الدينية ما يُمكن أن يُجعل مرجعاً في المحاورة والمجادلة يقتنعون به، وخاطبهم في شأن إثبات صدق الرسول خلال ذلك بالدليل الذي تُدركه أذواقهم البلاغية فقال: {أية : وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله}تفسير : [البقرة: 23] الآيات. ولما قَضى ذلك كلَّه حقَّه أقبل بالخطاب هنا على الصنف الثاني وهم أهل الشرائع والكتاب وخَص من بينهم بني إسرائيل لأنهم أمثل أمة ذات كتاب مشهور في العالم كله وهم الأوْحِدَاء بهذا الوصف من المتكلمين باللغة العربية الساكنين المدينة وما حولها، وهم أيضاً الذين ظهر منهم العناد والنواء لهذا الدين، ومن أجل ذلك لم يَدْعُ اليهودَ إلى توحيد ولا اعتراف بالخالق لأنهم موحدون ولكنه دعاهم إلى تذكر نعم الله عليهم وإلى ما كانت تلاقيه أنبياؤهم من مكذبيهم، ليذكروا أن تلك سنة الله وليرجعوا على أنفسهم بمثل ما كانوا يؤنِّبون به من كذب أنبياءهم وذكرهم ببشارات رسلهم وأنبيائهم بنبي يأتي بعدهم. ولتوجيه الخطاب إليهم طريقة أخرى وهي أنه جَادَلهم بالأدلة الدينية العلمية وإثبات صدق الرسالة بما تعارفوه من أحوال الرسل، ولم يعرج لهم على إثبات الصدق بدلالة معجزة القرآن إذ لم يكونوا من فُرسان هذا الميدان كما قدمناه في تفسير قوله تعالى: {أية : إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما}تفسير : [البقرة: 26] فكان خطابهم هنا بالدلائل الدينية وبحجج الشريعة الموسوية ليكون دليلُ صدق الرسول في الاعتبار بحالِه وأنه جاء على وفاق أحوال إخوانه المرسلين السابقين. وقد أفاض القرآن في ذلك وتدرج فيه من درجة إلى أختها بأسلوب بديع في مجادلة المخاطبين وأفاد فيه تعليم المسلمين حتى لا يفوتهم علماءُ بني إسرائيل قال تعالى: {أية : أَوَ لَمْ يَكُنْ لهم آيةً أَنْ يعلَمَه عُلماءُ بني إسرائيل}تفسير : [الشعراء: 197] فقد كان العلم يومئذ معرفة التشريع ومعرفة أخبار الأنبياء والأمم الماضية وأحوال العَالَمَيْن العلوي والسفلي مع الوصايات الأدبية والمواعظ الأخلاقية، فبذلك كان اليهود يفوقون العرب ومن أجله كانت العرب تسترشدهم في الشؤون وبه امتاز اليهود على العرب في بلادهم بالفكرة المدنية.g وكان عِلم عامة اليهود في هذا الشأن ضعيفاً وإنما انفردت بعلمه علماؤهم وأحبارهم فجاء القرآن في هاته المجادلات معلماً أيضاً للمسلمين وملحقاً لهم بعلماء بني إسرائيل حتى تكون الدرجة العليا لهم لأنهم يضمون هذا العلم إلى علومهم اللسانية ونباهتهم الفكرية فتصبح عامة المسلمين مساوية في العلم لخاصة الإسرائيليين وهذا معنى عظيم من معاني تعميم التعليم والإلحاق في مسابقة التمدين. وبه تنكشف لكم حكمة من حِكَم تعرض القرآن لقصص الأمم وأحوالهم فإن في ذلك مع العبرة تعليماً اصطلاحياً. ولقد نعُدّ هذا من معجزات القرآن وهو أنه شرح من أحوال بني إسرائيل ما لا يعلمه إلا أحبارهم وخاصتهم مع حرصهم على كتمانه الاستئثار به خشية المزاحمة في الجاه والمنافع فجاء القرآن على لسان أبعد الناس عنهم وعن علمهم صادعاً بما لا يعلمه غير خاصتهم فكانت هذه المعجزة للكتابيينَ قائمةً مقام المعجزة البلاغية للأميين. وقد تقدم الإلمام بهذا في المقدمة السابعة. وقد روعيت في هذا الانتقال مسايَرة ترتيب كتب التوراة إذا عقبت كتاب التكوين بكتاب الخروج أي وصف أحوال بني إسرائيل في مدة فرعون ثم بعثة موسى، وقد اقتصر مما في سفر التكوين على ذكر خلق آدم وإسكانه الأرض لأنه موضع العبرة وانتقل من ذلك إلى أحوال بني إسرائيل لأن فيها عبراً جمة لهم وللأمة. فقوله: {يا بني إسرائيل} خطاب لذرية يعقوب وفي ذريته انحصر سائر الأمة اليهودية، وقد خاطبهم بهذا الوصف دون أن يقول يا أيها اليهود لكونه هو اسم القبيلة أما اليهود فهو اسم النحلة والديانة ولأن من كان متبعاً دين اليهودية من غير بني إسرائيل كحمير لم يعتد بهم لأنهم تبع لبني إسرائيل فلو آمن بنو إسرائيل بالنبي صلى الله عليه وسلم لآمن أتباعهم لأن المقلد تبع لمقلده. ولأن هذا الخطاب للتذكير بنعم أنعم الله بها على أسلافهم وكرامات أكرمهم بها فكان لندائهم بعنوان كونهم أبناء يعقوب وأعقابه مزيد مناسبة لذلك ألا ترى أنه لما ذكروا بعنوان التدين بدين موسى ذكروا بوصف الذين هادوا في قوله تعالى: {أية : إن الذين آمنوا والذين هادوا}تفسير : [البقرة: 62] الآية كما سيأتي قريباً. وتوجيه الخطاب إلى جميع بني إسرائيل يشمل علماءهم وعامتهم لأن ما خوطبوا به هو من التذكير بنعمة الله على أسلافهم وبعهد الله لهم. وكذلك نجد خطابهم في الأغراض التي يراد منها التسجيل على جميعهم يكون بنحو {أية : يا أهل الكتاب}تفسير : [آل عمران: 64] أو بوصف اليهود الذين هادوا أو بوصف النصارى، فأما إذا كان الغرض التسجيل على علمائهم نجد القرآن يعنونهم بوصف {أية : الذين أوتوا الكتاب}تفسير : [النساء: 47] أو {أية : الذين آتيناهم الكتاب}تفسير : [الأنعام: 20]. وقد يستغنى عن ذلك بكون الخبر المسوق مما يناسب علماءهم خاصة مثل قوله تعالى: {أية : وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون}تفسير : [البقرة: 75]. ونحو {أية : ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً}تفسير : [البقرة: 41] ونحو {أية : ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون}تفسير : [البقرة: 42] {أية : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم}تفسير : [البقرة: 79] الآية {أية : ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به}تفسير : [البقرة: 89] {أية : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله}تفسير : [البقرة: 159] {أية : ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك}تفسير : [البقرة: 145] الآية. فإذا جاء الخطاب بأسلوب شامل لعلمائهم وعامتهم صرف إلى كل طائفة من الطائفتين ما هو لائق بها. وبنون مما أُلحق بجمع المذكر السالم وليس منه لأنه دخل التكسير بحذف لامه وزيادة همزة الوصل في أوله فحقه أن يجمع على أبناء. وقد اختلف في أصل ابن فقيل هو مشتق من بني أي فهو مصدر بمعنى المفعول كالخلق فأصله بني أي مبني لأن أباه بناه وكونه فحذفت لامه للتخفيف وعوض عنها همزة الوصل ففيه مناسبة في معنى الاشتقاق إلا أن الحذف حينئذ على غير قياس لأن الياء لاموجب لحذفها إلا أن يتكلف له بأن الياء تحركت مع سكون ما قبلها فنقلت حركتها للساكن إجراء له مجرى عين الكلمة ثم لما انقلب ألفاً على تلك القاعدة خيف التباسه بفعل بني فحذفت اللام وعوض عنها همزة الوصل. وقيل أصله وأو على وزن بنْو أو بنَو بسكون النون أو بالتحريك فحذفت الواو كما حذفت من نظائره نحو أخ وأب وفي هذا الوجه بعد عن الاشتقاق وبعد عن نظائره لأن نظائره لما حذفت لاماتها لم تعوض عنها همزة الوصل. وإسرائيل لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام قال ابن عباس معناه عبد الله، لأن إسرا بمعنى عبد وإيل اسم الله أي مركب من كلمتين ــــ إسرا ــــ و ــــ إيل ــــ اسم الله تعالى كما يقولون بيت إيل (اسم لقرية تسمى لوز من أرض كنعان نزلها يعقوب عليه السلام في مهاجره فراراً من أخيه عيسو وبنى فيها مذبحاً ودعا اسمه بيت إيل). والذي في كتب اليهود أن سبب تسمية يعقوب إسرائيل أنه لما كان خائفاً في مهاجره من أن يلحقه أخوه عيسو لينتقم منه عرض له في إحدى الليالي شخص فعلم يعقوب أنه ربه (أي ملك من ملائكة الله) فأمسكه وصارعه يعقوب كامل الليل إلى طلوع الفجر فقال له أطلقني فقد طلع الفجر فقال له يعقوب: لا أطلقك حتى تباركني فقال له: ما اسمك؟ قال: يعقوب قال له: لا يدعى اسمك يعقوب بعد اليوم بل أنت إسرائيل لأنك جاهدت الله والناس وقدرت. وباركه هناك. فهذا يدل على أن إسرا في هذا الاسم راجع إلى معنى الأسر في الحرب كما هو في العربية فإذا كان هذا من أصل التوراة فهو على تأويل رؤيا رآها يعقوب جعل الله بها له شرفاً أو عرض له ملك كذلك. ثم إن يعقوب له اثنا عشر ابناً وهم المشهورون بالأسباط لأنهم أسباط إسحاق بن إبراهيم وإلى هؤلاء الأسباط يرجع نسب جميع بني إسرائيل وسيأتي ذكر الأسباط في هذه السورة. و{اذكروا} أمر من الذكر وهو ـــ أي الذكر ـــ بكسر الذال وضمها يطلق على خطور شيء ببال من نسيه ولذلك قيل، وكيف يذكره من ليس ينساه، ويطلق على النطق باسم الشيء الخاطر ببال الناس، ثم أطلق على التصريح بالدالّ مطلقاً لأن الشأن أن أحداً لا ينطق باسم الشيء إلا إذا خطر بباله، وقد فرق بعض اللغويين بين مكسور الذال ومضمومه فجعل المكسور للساني والمضموم للعقلي ولعلها تفرقة استعمالية مولدة إذ لا يحجر على المستعمل تخصيصه أحد مصدري الفعل الواحد لأحد معاني الفعل عند التعبير فيصير ذلك اصطلاحياً استعمالياً لا وضعاً حتى يكون من المترادف إذ اتحاد الفعل مانع من دعوى ترادف المصدرين فقد قال عمر رضي الله عنه: أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه فسمى النوعين ذكراً. والمقصود هنا الذكر العقلي إذ ليس المراد ذكر النعمة باللسان. والمراد بالنعمة هنا جميع ما أنعم الله به على المخاطبين مباشرة أو بواسطة الإنعام على أسلافهم فإن النعمة على الأسلاف نعمة على الأبناء لأنها سمعة لهم، وقدوة يقتدون بها، وبركة تعود عليهم منها، وصلاح حالهم الحاضر كان بسببها، وبعض النعم يكون فيما فطر الله عليه الإنسان من فطنة وسلامة ضمير وتلك قد تورث في الأبناء. ولولا تلك النعم لهلك سلفهم أو لساءت حالهم فجاء أبناؤهم في شر حال. فيشمل هذا جميع النعم التي أنعم الله بها عليهم فهو بمنزلة اذكروا نعمي عليكم. وهذا العموم مستفاد من إضافة نعمة إلى ضمير الله تعالى إذ الإضافة تأتي لما تأتي له اللام ولا يستقيم من معاني اللام العهد إذ ليس في الكلام نعمة معينة معهودة، ولا يستقيم معنى اللام الجنسية، فتعين أن تكون الإضافة على معنى لام الاستغراق فالعموم حصل من إضافة نعمة إلى المعرفة وقليل من علماء أصول الفقه من يذكرون المفرد المعرف بالإضافة في صيغ العموم، وقد ذكره الإمام الرازي في «المحصول» في أثناءالاستدلال. وقال ولي الدين: الإضافة عند الإمام أدل على العموم من اللام وقال ابن السبكي في «شرح مختصر ابن الحاجب»: دلالة المفرد المضاف على العموم ما لم يتحقق عهد هو الصحيح نحو قوله تعالى: {أية : فليحذر الذين يخالفون عن أمره}تفسير : [النور: 63] أي كل أمره وقد تأيد قصد عموم النعمة بأن المقام للامتنان والدعوة إلى الإسلام فيناسبه تكثير النعم. والمراد النعم التي أنعم الله بها على أسلافهم وعلى الحاضرين منهم زمن نزول القرآن فإن النعمة على أسلافهم نعمة عليهم وقد تتابعت النعم عليهم إذ بوأهم قرى في بلاد العرب بعد أن سلبت بلادهم فلسطين وجعلهم في بحبوحة من العيش مع الأمن والثروة ومسالمة العرب لهم. والأمر بذكر النعمة هنا مراد منه لازمه وهوشكرها ومن أول مراتب الشكر ترك المكابرة في تلقي ما ينسب إلى الله من الرسالة بالنظر في أدلتها ومتابعة ما يأتي به المرسلون. فقوله: {التي أنعمت عليكم} وصف أشير به إلى وجوب شكر النعم لما يؤذن الموصول وصلته من التعليل فهومن باب قوله تعالى: {أية : وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون}تفسير : [المائدة: 6]. ويفيد مع ذلك أمرهم بتفكر النعم التي أنعم بها عليهم لينصرفوا بذلك عن حسد غيرهم فإن تذكير الحسود بما عنده من النعم عظة له وصرف له عن الحسد الناشىء عن الاشتغال بنعم الغير وهذا تعريض بهم أنهم حاسدون للعرب فيما أوتوا من الكتاب والحكمة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وانتقال النبوة من بني إسرائيل إلى العرب وإنما ذكروا بذلك لأن للنفس غفلة عما هو قائم بها وإنما تشتغل بأحوال غيرها لأن الحس هو أصل المعلومات فإذا رأى الحاسد نعم الغير نسي أنه أيضاً في نعمة فإذا أريد صرفه عن الحسد ذكر بنعمه حتى يخف حسده فإن حسدهم هو الذي حال دون تصديقهم به فيكون وزانه وزان قوله تعالى: {أية : أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله}تفسير : [النساء: 54]، وتقديمه على قوله: {وأوفوا بعهدي} من باب تقديم التخلية ـــ بالمعجمة ـــ على التحلية ـــ بالمهملة ـــ ويكون افتتاح خطابهم بهذا التذكير تهيئة لنفوسهم إلى تلقي الخطاب بسلامة طوية وإنصاف. وقوله تعالى: {وأوفوا بعهدي} هو فعل مهموز من (وفى) المجرد وأصل معنى وفى أتم الأمر تقول وفيته حقه، ولما كان المجرد متعدياً للمفعول ولم يكن في المهموز زيادة تعدية للتساوي بين قولك وفيته حقه وأوفيته حقه تعينت الزيادة لمجرد المبالغة في التوفية مثل بان وأبان وشغل وأشغل وأما وفّى بالتضعيف فهو أبلغ من أوفى لأن فعل وإن شارك أفعل في معانيه إلا أنه لما كان دالاً على التقضي شيئاً بعد شيء كان أدل على المبالغة لأن شأن الأمر الذي يفعل مدرجاً أن يكون أتقن. وقد أطلق الوفاء على تحقيق الوعد والعهد إطلاقاً شائعاً صيره حقيقة. والعهد تقدم معناه عند قوله تعالى: {أية : الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه}تفسير : [البقرة: 27] في هذه السورة. والعهد هنا هو الالتزام للغير بمعاملة التزاماً لا يفرط فيه المعاهد حتى يفسخاه بينهما واستعير العهد المضاف إلى ضمير الجلالة لقبول ما يكلفهم به من الدين واستعمل مجازاً لقبول التكاليف والدخول في الدين واستعير المضاف إلى ضمير المخاطبين للوعد على ذلك بالثواب في الآخرة والنصر في الدنيا فلك أن تجعل كل عهد مجازاً مفرداً استعمل العهد الأول في التكاليف واستعمل العهد الثاني في الوعد بالثواب والنصر واستعمل الإيفاء مع كليهما في تحقيق ما التزم به كلا الجانبين مستعاراً من ملائم المشبه به إلى ملائم المشبه ليفيد ترشيحاً لاستعارته ولك أن تجعل المجموع استعارة تمثيلية بأن شبه الهيئة الحاصلة من قولهم لما أمرهم الله به وأن لا يقصروا في العمل ومن وعد الله إياهم على ذلك بالثواب بهيئة المتعاهدين على التزام كل منهما بعمل للآخر ووفائه بعهده في عدم الإخلال به فاستعير لهذه الهيئة الكلام المشتمل على قوله: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم} وهذا أحسن وبه يتبين وجه استعمال لفظ العهد الثاني في قوله تعالى: {أوف بعهدكم} وتقربه المشاكلة. وعلى الوجهين فالعهد في الموضعين مضاف للمفعول وهو ما ذهب إليه صاحب «الكشاف» لأن إضافته إلى المفعول متعينة إذا تعلق به الإيفاء إذ لا يوفي أحد إلا بعهد نفسه فإذا أضيف العهد الذي هو مفعول {أوفوا} إلى غير فاعل الإيفاء تعين أن تكون إضافته للمفعول وبذلك يتم ترشيح المجاز إن كان مفرداً كما أشار له المحقق التفتزاني فإن كان مركباً فأخلق به لأن اللفظ الموضوع للهيئة المشبه بها يضاف بقيد الإيفاء إلى مفعوله لا محالة. ومن لطائف القرآن في اختيار لفظ العهد للاستعارة هنا لتكليف الله تعالى إياهم أن ذلك خطاب لهم باللفظ المعروف عندهم في كتبهم فإن التوراة المنزلة على موسى عليه السلام تلقب عندهم بالعهد لأنها وصايات الله تعالى لهم ولذا عبر عنه في مواضع من القرآن بالميثاق وهذا من طرق الإعجاز العلمي الذي لا يعرفه إلا علماؤهم وهم أشح به منهم في كل شيء بحيث لا يعرف ذلك إلا خاصة أهل الدين فمجيئه على لسان النبي العربي الأمي دليل على أنه وحي من العلام بالغيوب. والعهد قد أخذ على أسلافهم بواسطة رسلهم وأنبيائهم قال تعالى: {أية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه}تفسير : [آل عمران: 81] الآية وإذ قد كان المخاطبون بالآية قد تلقوا الشريعة من أسلافهم بما فيها من عهد فقد كان العهد لازماً لهم وكان الوفاء متعيناً عليهم لأنهم الذين جاء فيهم الرسول الموعود به. وقوله: {وإياي فارهبون} عطفت الواو جملة {وإياي} على الجمل المتقدمة من قوله: {وأوفوا بعهدي} إلى آخرها على طريقه الانتقال من معنى إلى المعنى المتولد عنه وهي أصل طريقة المنشئين أن يراعوا الترتيب الخارجي في الخبر والإنشاء لأنه الأصل ما لم يطرأ مقتض لتغيير الترتيب الطبيعي ومنه في القرآن قوله: {أية : ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه}تفسير : [هود: 77] إلخ، فإنه لما افتتح خطابهم بالتذكير بالنعمة الباعث على شكر المنعم ومراقبة حقه والمطهر لهم من الحسد فإنه صارف عن الاعتراف بالنعمة كما قدمنا. ثم عطف عليه قوله: {وأوفوا بعهدي} وهو مبدأ المقصود من الأمر بتصديق الرسول الموعود به على ألسنة أنبيائهم. ثم عقب ذلك بقوله: {وإياي فارهبون} فهو تتميم لذلك الأمر السابق بالنهي عما يحول بينهم وبين الإيفاء بالعهد على وجهه وذلك هو صد كبرائهم وأحْبارهم إياهم عن الانتقال عما هم عليه من التمسك بالتوراة فإنهم هم القوم الذين كانوا يقولون لمَلك بلادهم فرعون مصر يوم بعثة موسى {أية : لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا}تفسير : [طه: 72] فكانوا أحرياء بأن يخاطبوا سادتهم وأحبارهم بمثل ذلك الخطاب عند البعثة المحمدية. فتقديم المفعول هنا متعين للاختصاص ليحصل من الجملة إثبات ونفي واختير من طرق القصر طريق التقديم دون ما وإلا ليكون الحاصل بالمنطوق هو الأمر برهبة الله تعالى ويكون النهي عن رهبة غيره حاصلاً بالمفهوم فإنهم إذا رهبوا الله تعالى حرصوا على الإيفاء بالعهد ولما كانت رهبتهم أحبارهم تمنعهم من الإيفاء بالعهد أدمج النهي عن رهبة غير الله مع الأمر برهبة الله تعالى في صيغة واحدة. وتقديم المفعول مع اشتغال فعله بضميره آكد في إفادة التقديم الحصر من تقديم المفعول على الفعل غير المشتغل بضميره، فإياي ارهبون آكد من نحو إياي ارهبوا كما أشار إليه صاحب «الكشاف» إذ قال: «وهو من قولك زيداً رهبته وهو أوكد في إفادة الاختصاص من {أية : إياك نعبد}تفسير : » [الفاتحة: 1] اهـ. ووجهه عندي أن تقديم المفعول يحتمل الاختصاص، إلا أن الأصل فيه أن يدل على الاختصاص إلا إذا أقامت القرينة على التقوى فإذا كان مع التقديم اشتغال الفعل بضمير المقدم نحو زيداً ضربته كان الاختصاص أوكد أي كان احتمال التقوى أضعف وذلك لأن إسناد الفعل إلى الضمير بعد إسناده إلى الظاهر المتقدم يفيد التقوى فتعين أن تقديم المفعول للاختصاص دون التقوى إذ التقوى قد حصل بإسناد الفعل أولاً إلى الاسم أو الظاهر المتقدم وثانياً إلى ضمير المتقدم ولهذا لم يقل صاحب «الكشاف» وهو أكثر اختصاصاً ولا أقوى اختصاصاً إذ الاختصاص لا يقبل التقوية بل قال وهو أوكد في إفادة الاختصاص أي إن إفادته الاختصاص أقوى لأن احتمال كون التقديم للتقوى قد صار مع الاشتغال ضعيفاً جداً. ولسنا ندعي أن الاشتغال متعين للتخصيص فإنه قد يأتي بلا تخصيص في نحو قوله تعالى: {أية : إنا كل شيء خلقناه بقدر}تفسير : [القمر: 49]، وقوله: {أية : أبشراً منا واحداً نتبعه}تفسير : [القمر: 24] وقول زهير:شعر : فكلاً أراهم أصبحوا يعقلونه صحيحات مال طالعات بمخرم تفسير : لظهور أن لا معنى للتخصيص في شيء مما ذكرنا غير أن الغالب أن يكون التقديم مع صيغة الاشتغال للتخصيص إذ العرب لا تقدم المفعول غالباً إلا لذلك ولا التفات إلى ما وجه به صاحب «المفتاح» أن احتمال المفعول في الاشتغال التخصيص والتقوي باق على حاله ولكنك إن قدرت الفعل المحذوف متقدماً على المفعول كان التقديم للتقوي وإن قدرته بعد المفعول كان التقديم للتخصيص فإنه بناه على حالة موقع الفعل المقدر مع أن تقدير الفعل اعتبار لا يلاحظه البلغاء ولأنهم ينصبون على موقعه قرينه فتعين أن السامع إنما يعتد بالتقديم المحسوس وبتكرير التعلق وأما الاعتداد بموقع الفعل المقدر فحوالة على غير مشاهد لأن التقدير إن كان بنية المتكلم فلا قبل للسامع بمعرفة نيته ولا يصح أن يكون الخيار في التقدير للسامع. هذا والتقديم إذا اقترن بالفاء كان فيه مبالغة، لأن الفاء كما في هذه الآية مؤذنة بشرط مقدر ولما كان هذا الشرط لا دليل عليه إلا الفاء تعين تقديره عاماً نحو إن يكن شيء أو مهما يكن شيء كما أشار له صاحب «الكشاف» في قوله تعالى: {أية : وربك فكبر}تفسير : [المدثر: 3] حيث قال: «ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل مهما كان فلا تدع تكبيره». فالمعنى هنا وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ومهما يكن شيء فإياي ارهبوني، فلما حذفت جملة الشرط بعد واو العطف بقيت فاء الجواب موالية لواو العطف فزحلقت إلى أثناء الجواب كراهية توالي حرفين فقيل {وإياي فارهبون} بدلاً عن أن يقال فارهبون. والتعليق على الشرط العام يستلزم تحقق وقوع الجواب لأن التعليق الشرطي بمنزلة ربط المسبب بالسبب فإذا كان المعلق عليه أمراً محقق الوقوع لعدم خلو الحدثان عنه تعين تحقق وقوع المعلق، وهذا مبني على مذهب سيبويه في باب الأمر والنهي يختار فيهما النصب في الاسم الذي يبنى عليه الفعل وذلك مثل قولك زيداً اضربه ومثل ذلك أما زيداً فاقتله فإذا قلت زيد فاضربه لم يستقم أن تحمله على الابتداء ألا ترى أنك لو قلت زيد فمنطلق لم يستقم، ثم أشار إلى أن الفاء هنا في معنى فاء الجزاء فمن ثم جزم الزمخشري بأن هاته الفاء مهما وجدت في الاشتغال دلت على شرط عام محذوف وإن الفاء كانت داخلة على الاسم فزحلقت على حكم فاء جواب أما الشرطية وأحسب أن مثل هذا التركيب من مبتكر أساليب القرآن ولم أذكر أني عثرت على مثله في كلام العرب. ومما يؤيد ما ذهب إليه صاحب «الكشاف» المبني على كلام سيبويه من اعتبار الفاء مشعرة بشرط مقدر، أن غالب مواقع هاته الفاء المتقدم معها المفعول على مدخلها أن تقع بعد نهي أو أمر يناقض الأمر والنهي الذي دخلت عليه تلك الفاءُ نحو قوله تعالى: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت} إلى قوله: {أية : بل الله فاعبد}تفسير : [الزمر: 65، 66] وقول الأعشى: «ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا» فكان ما يتقدم هاته الفاء يتولد منه شرط في المعنى وكانت الفاء مؤذنة بذلك الشرط وعلامة عليه فلأجل كونه مدلولاً عليه بدليلين أصله وفرعه كان كالمذكور كأنه قيل لئن أشركت ليحبطن عملك، وفإن كنت عابداً شيئاً فالله فاعبد، وكذا في البيت وهذه فائدة لم يفصح عنها السلف فخذها ولا تخف. قال التفتزاني «ونقل عن صاحب «الكشاف» أنه قال: إن في قوله تعالى: {وإياي فارهبون} وجوهاً من التأكيد: تقديم الضمير المنفصل وتأخير المتصل والفاء الموجبة معطوفاً عليه ومعطوفاً تقديره إياي ارهبوا فارهبون أحدهما مقدر والثاني مظهر، وما في ذلك من تكرار الرهبة، وما فيه من معنى الشرط بدلالة الفاء كأنه قيل: إن كنتم راهبين شيئاً فارهبون» اهـ. يريد أن في تقديم الضمير إفادة الاختصاص والاختصاص تأكيد، قال صاحب «المفتاح» ليس الحصر والتخصيص إلا تأكيداً على تأكيد وأما تأخير الضمير المتصل فلما في إعادة الإسناد من التقوي، ومراد الزمخشري بقوله معطوفاً عليه ومعطوفاً العطف اللغوي أي معقباً ومعقباً به لا العطف النحوي إذ لا يستقيم هنا، فتحصل أن في التعبير عن مثل هذا الاختصاص في كلام البلغاء مراتب أربع: مجرد التقديم للمفعول نحو {أية : إياك نعبد}تفسير : [الفاتحة: 5]. وتقديمه على فعله العامل في ضميره نحو زيداً رهبته، وتقديمه على فعله مع اقتران الفعل بالفاء نحو {أية : وربك فكبر} تفسير : [المدثر: 3] وتقديمه على فعله العامل في ضميره مع اقتران الفعل بالفاء نحو {وإياي فارهبون}. فالثانية والثالثة والرابعة أوكد منهما. وحذفت ياء المتكلم بعد نون الوقاية في قوله: {فارهبون} للجمهور من العشرة في الوصل والوقف وأثبتها يعقوب في الوصل والوقف. وجمهور العرب يحذفونها في الوقف دون الوصل وهذيل يحذفونها في الوقف والوصل وأهل الحجاز يثبتونها في الحالين وإنما اتفق الجمهور هنا على حذفها في الوصل مثل الوقف لأن كلمة {فارهبون} كتبت في المصحف الإمام بدون ياء وقرئت كذلك في سُنة القراءة. ووجه ذلك أنها وقعت فاصلةً فاعتبروها كالموقوف عليها قال سيبويه في باب ما يحذف من أواخر الأسماء في الوقف «وجميع مالا يحذف في الكلام وما يختار فيه أن لا يحذف يحذف في الفواصل والقوافي». ولأن لغة هذيل تحذفها مطلقاً، وقراءةُ يعقوب بإثبات الياء في الوصل والوقف جرى على لغة أهل الحجاز ولأنه رواها بالإثبات وهو وجه في العربية ويكون قد تأول كتابتها بدون ياء في المصحف أنه اعتماد على أن القارىء يجريها على روايته ولذلك لو لم تكن ياء المتكلم في كلمة هي فاصلة من الآي لما اتفق الجمهور على حذفها كما في قوله تعالى: {أية : أجيب دعوة الداعي إذا دعان}تفسير : [البقرة: 186] كما سيأتي.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}. لم يبين هنا ما هذه النعمة التي أنعمها عليهم، ولكنه بينها في آيات أخر. كقوله: {أية : وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} تفسير : [البقرة: 57]. وقوله: {أية : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [البقرة: 49] الآية، وقوله: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِي ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَحْذَرونَ} تفسير : [القصص: 5-6] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}. لم يبين هنا ما عهده وما عهدهم، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: {أية : وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمْ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ} تفسير : [المائدة: 12]، فعهدهم هو المذكور في قوله: {أية : لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً}تفسير : [المائدة: 12] وعهده هو المذكور في قوله: {أية : لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 195] الآية. وأشار إلى عهدهم أيضاً بقوله: {أية : وَإِذَ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ} تفسير : [آل عمران: 187]، إلى غير ذلك من الآيات.

الواحدي

تفسير : {يا بني إسرائيل} أولاد يعقوب عليه السَّلام {اذكروا} اشكروا، وذكر النِّعمة هو شكرها {نعمتي} يعني: نعمي {التي أنعمت عليكم} يعني: فلق البحر، والإِنجاء من فرعون، وتظليل الغمام، إلى سائر ما أنعم الله تعالى به عليهم، والمراد بقوله تعالى: {عليكم} أَيْ: على آبائكم، والنِّعمة على آبائهم نعمةٌ عليهم، وشكر هذه النِّعم طاعتُه في الإِيمان بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، ثمَّ صرَّح بذلك، فقال: {وأوفوا بعهدي} أَيْ: في محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم {أُوف بعهدكم} أدخلكم الجنَّة {وإيَّاي فارهبون} فخافوني في نقض العهد. {وآمنوا بما أنزلت} يعني: القرآن {مصدقاً لما معكم} موافقاً للتَّوراة في التَّوحيد والنُّبوَّة {ولا تكونوا أوَّل كافر به} أَيْ: أوَّل مَنْ يكفر به من أهل الكتاب؛ لأنَّكم إذا كفرتم كفر أتباعكم، فتكونوا أئمةً في الضَّلالة، والخطابُ لعلماء اليهود. {ولا تشتروا} ولا تستبدلوا {بآياتي} ببيان صفة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ونعته {ثمناً قليلاً} عوضاً يسيراً من الدُّنيا، يعني: ما كانوا يُصيبونه من سفلتهم، فخافوا إنْ هم بيَّنوا صفة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَنْ تفوتهم تلك المآكل والرِّياسة، {وإيايَّ فاتقون} فاخشوني في أمر محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لا ما يفوتكم من الرِّياسة. {ولا تلبسوا الحق بالباطل} أَيْ: لا تخلطوا الحقَّ الذي أنزلتُ عليكم من صفة محمَّدٍ عليه السَّلام بالباطل الذي تكتبونه بأيديكم من تغيير صفته، وتبديل نعته، {وتكتموا الحق} أَيْ: ولا تكتموا الحقَّ، فهو جزمٌ عُطِفَ على النَّهي، {وأنتم تعلمون} أنَّه نبيٌّ مرسلٌ قد أُنزل عليكم ذكره في كتابكم، فجحدتم نبوَّته مع العلم به. {وأقيموا الصلاة} المفروضة {وآتوا الزكاة} الواجبة في المال {واركعوا مع الراكعين} وصلُّوا مع المصلِّين محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جماعةٍ.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: بنو إسرائيل: إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام وبنوه هم اليهود، لأنهم يعودون في أصولهم إلى أولاد يعقوب الأثني عشر. النعمة: النعمة هنا إسم جنس بمعنى النعم، ونعم الله تعالى على بني إسرائيل كثيرة ستمر أفرادها في الآيات القرآنية الآتية. أوفوا بعهدي: الوفاء بالعهد إتمامه وعهد الله عليهم أن يبينّوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ويؤمنوا به. أوف بعهدكم: أتم لكم عهدكم بإدخالكم الجنة بعد إكرامكم في الدنيا وعزكم فيها. وإياي فارهبون: اخشوني ولا تخشوا غيري. آمنوا بما أنزلت: القرآن الكريم. ولا تشتروا بآياتي: لا تعتاضوا عن بيان الحق في أمر محمد صلى الله عليه وسلم. ثمناً قليلاً: متاع الحياة الدنيا. وإياي فاتقون: واتقوني وحدي في كتمانكم الحق وجحدكم نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أن أنزل بكم نقمتي. ولا تلبسوا الحق بالباطل: أي لا تخلطوا الحق بالباطل حتى يعلم فيعمل به، وذلك قولهم: محمد نبيّ ولكن مبعوث إلى العرب لا إلى بني إسرائيل. واركعوا مع الراكعين: الركوع الشرعي: انحناء الظهر في امتداد واعتدال مع وضع الكفين على الركبتين والمراد بها هنا: الخضوع لله والإسلام له عز وجل. مناسبة الآيات ومعناها: لما كان السياق في الآيات السابقة في شأن آدم وتكريمه، وسجود الملائكة له وامتناع إبليس لكِبْره. وحسده وكان هذا معلوماً لليهود لأنهم أهل كتاب ناسب أن يخاطب الله تعالى بني إسرائيل مذكراً إياهم بما يجب عليهم من الإِيمان والاستقامة. فناداهم بعنوان بُنوتهم لإِسرائيل عليه السلام فأمرهم ونهاهم، أمرهم بذكر نعمته عليهم ليشكروه تعالى بطاعته فيؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الهدى وأمرهم بالوفاء بما أخذ عليهم من عهد لينجز لهم ما وعدهم، وأمرهم أن يرهبوه ولا يرهبوا غيره من خلقه وأمرهم أن يؤمنوا بالقرآن الكريم. وأن لا يكونوا أول من يكفر به. ونهاهم عن الاعتياض عن بيان الحق في أمر الإِيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ثمناً قليلا من متاع الحياة الدنيا وأمرهم بتقواه في ذلك وحذرهم أن هم كتموا الحق أن ينزل بهم عذابه. ونهاهم عن خلط الحق بالباطل دفعاً للحق وبعدا عنه حتى لا يؤمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والإذعان لله تعلى بقبول الإسلام والدخول فيه كسائر المسلمين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب ذكر النعم لشكر الله تعالى عليها. 2- وجوب الوفاء بالعهد لا سيما ما عاهد عليه العبد ربه تعالى. 3- وجوب بيان الحق وحُرمة كتمانه. 4- حرمة خلط الحق بالباطل تضليلا للناس وصرفهم عنه كقول اليهود: محمد نبيّ ولكن للعرب خاصة حتى لا يؤمن به يهود.

القطان

تفسير : اسرائيل: لقب يعقوب بن اسحاق بن ابراهيم، ومعنى اسرائيل. الأمير المجاهد، أو صفّي الله. وهناك من يرى أنها تعني "عبد ايل"، اي عبد الله، من فعل أسِر العبري، ورديفِه في العربية. اما إسحاق، فمن أصل "يتسحك" العبري ومعناه: يضحك. وقد اعترض الكثير من علماء اللاهوت الاوروبيين على التسمية بصيغة "الفعل" حتى شكّوا في الأصل. وبنوه: ذريته، وهم الأسباط الاثنا عشر، ويسمَّون العبرانيين ايضا لعبورهم نهر الأردن. وهم منتشرون في العالم كله، حيث اختصوا بالنشاطات السهلة الكبيرة المردود، وكانوا يقدَّرون قبل الحرب العالمية الثانية بنحو 16 مليوناً، هلك منهم في الحرب نحو خمسة ملايين كما يزعمون. ويتكلم أكثرهم اللغة الإيديّة، وهي لغة أقلِّيَةٍ اساسُها الألمانية ممتزجة بكلمات عبرية، والعبرية لغتهم الاولى وهي احدى اللغات الساميّة. ويبدأ تاريخهم المعروف باقامة فريق منهم في "غوش" في الشمال الشرقي من مصر، منذ عدة قرون قبل المسيح، أيام رمسيس الثاني، وكانوا زرّاعا. وقد لاقوا في مصر بعض العنَت الى ان خرج بهم موسى. وفي طور سيناء أبلغهم الوصايا العشر فلم يحفظوها. ثم تاهوا في الصحراء سنين عديدة قبل ان يستولوا على قسمٍ من ارض كنعان استقروا فيه. وكانوا منقسمين الى قبائل، على رأس كل احدة شيخ قبلي وكاهن يسمّونه القاضي. هذا هو نظام القضاة. ولقد حاربوا الفلسطينيين القادمين من كريت، بقيادة شاؤول. فهزمهم هؤلاء. ثم جاء داود ووحّدهم وانتصر بهم على اعدائه، وحقّق لشعبه السلام والرفاهية. وعقبه سليمان الذي بنى أول هيكل. ثم انقسم بعده اليهود الى اسباط الشمال بقياة يربعام، وكونّوا مملكة السامرة، وأسباط الجنوب تحت قيادة ابن سليمان وكونوا مملكة يهوذا. ودارت الحرب بين المملكتين مدة طويلة، ثم استولى الآشوريون على المملكتين، ونفوا كثيرا من اليهود. ثم استولى عليهما المصريون، ومن بعدهم البابليون الذين هدموا الهيكل 586 ق.م واخذوا اليهود اسرى الى بابل. وقد بقوا هناك حتى سمح لهم قورش الفارسي بالعودة، واعادوا بناء هيكلهم مرة أخرى سنة 516 ق.م. وفي العصر الهليني كانوا جماعة دينية لا كيان لهم، واستعادوا استقلالهم السياسي تحت المكابيين. ثم أدى النضال بين الفريسيين والصدوقيين، وهما من أهم الفرق اليهودية، الى ان تدخّل الرومان الذين استولوا على البلاد من البطالسة وهدموا اورشليم سنة 70 م. وفي القرون الوسطى وقع على اليهود من قبل الاوروبيين اضطهاد شديد استمر حتى القرن الثامن عشر. لقد حُرّم عليهم امتلاك الارض، وممارسة كثير من المهن الحرة، ولم يُترك لهم الا التجارة الصغيرة وتسليف النقود. لذا تجمعت شراذمهم في أحياء خاصة بهم. وقد طرد كثير منهم من فرنسا وانجلترا واسبانيا والبرتغال، ولجأوا الى هولندا وبولندا وبلاد الاسلام حيث عاشوا آمنين. ثم أخذت الرأسمالية بيدهم في القرن الثامن عشر للميلاد وأصبحوا وراء الأعمال الاقتصادية الكبرى. وقد أدى تحررهم التدريجي الى ظهور تيارين متعارضين في أوساطهم، أولهما يدعو الى رسالة ثقافية، وعلى رأسه موسى مندلسون، والثاني يدعو الى رسالة سياسية هي الصهيونية، وعلى رأسه ثيودور هرتزل 1896. وقد نشط التيار الثاني وسعى معتنقوه الى المطالبة بدولة يهودية في فلسطين حتى نجحوا في ذلك بمساعدة الدول الغربية المسيحية، وما مساعداتها هذه الا حركة امتداد للحروب الصليبية الغابرة. هكذا وُجدت الحركة الصهيونية الرامية الى أقامة دولة يهودية على غرار الدولة القديمة التي قضت عليها روما. وقد سعى زعيمها هرتزل سعياً حثيثاً لجمع المال والرجال وعقّد أول مؤتمر لجماعته في مدينة بال بسويسرا, وفي ذلك المؤتمر قال هرتزل: "الآن خُلقت دولة اسرائيل"، فقد قرر المؤتمرون تكوين منظمات صهيونية في البلاد التي يقطنها عدد كاف من اليهود. وقام بأمر الصهيونية من بعده زعماء آخرون أمثال ماكسي نوردو، وحاييم وايزمان. وتعاقبت مؤتمراتها، وتحمس لها يهود شرق اوروبا، وأمدها يهود امريكا بالمال. وتطلعت الصهيونية الى فلسطين. ثم جاء وعد بلفور، الوزير الانجليزي، سنة 1917 الذي سمح لليهود ان يكون لهم وطن قومي في فلسطين فعزز آمال الصهاينة. ومن ثم بدأت هجرة اليهود الى فلسطين سنة 1923 وزادت في عهد الانتداب الانجليزي بالتواطؤ، وقد شجّعت على ذلك حركات الاضطهاد في أوروبا كالحركة النازية. وفي سنة 1945 أوقف الانجليز الهجرة، ولكن بعد أن أصبح عدد اليهود في فلسطين خطرا على العرب. ثم كانت المشلكة الفلسطينية الكبرى التي عُرضت على هيئة الأمم، فقررت تقسيم فلسطين بين العرب واليهود في 14 يونيه 1948. ولم يقبل العرب هذا التقسيم لأنه هدرٌ لحقهم في وطنهم، ورغم ذلك أُعلنت الدولة اليهودية في ذلك التاريخ. وقامت الحرب بين أهل فلسطين واليهود حتى دخلت جيوش الدول العربية. ولم يكن العرب على استعداد للحرب اما اليهود فكانوا قد أعدوا كل شيء، بفضل الدول الغربية. لذا أخذوا أكثر من القسم الذي خصصه لهم قرار التقسيم. ولا تزال الحالة متوترة والحرب قائمة ولن تهدأ حتى يسترد الفلسطينيون حقوقهم كاملة. والله نسأل ان يلهمنا رشدنا ويوحّد صفوفنا ويمدنا بقوة من عنده. ولا بد من نصرِنا عليهم طال الزمن أو قصر. بعد استعرض سبحانه وتعالى في أوائل هذه السورة الكتابَ الحكيم وانه لا ريب فيه، بيّن أصناف البشر من مؤمن وكافر ومنافق، ثم طالب الناس بعبادته. ثم اقام الدليل على ان الكتاب مُنزل من عند الله على عبده محمد وتحدى المرتابين ان يأتوا بمثله. ثم حاجّ الكافرين. ثم ذكر خلق السماوات والأرض، وان جميع ما في الارض من منافع هي للانسان. وهنا خاطب الشعوب والأمم التي ظهرت بينها النبوة، فبدأ بذِكر اليهود لسببين: الأول أنهم أقدم الشعوب التي أُنزلت عليها الكتب السماوية، والثاني لأنهم كانوا أشد الناس حقداً على المؤمنين في المدينة المنورة. كان اليهود في المدينة وشمال الحجاز، في خَيبر وغيرها، يكيدون للاسلام، ويوغرون صدور المشركين على النبي والصحابة، فذكّرهم الله تعالى بنعمته عليهم اذ جعل النبوة فيهم زمناً طويلا، وطلب اليهم القيام بواجب شكرها وكأنه يسألهم أن أَوفوا بوعدي الذي أخذتُه عليكم وأقررتموه على أنفسكم ـ وهو الايمان والعمل الصالح والتصديق بمن يجيء بعد موسى من الأنبياء ـ حتى أوفي بوعدي لكم، وهو حسن الثواب والنعيم المقيم. وهذه الآية تشير إلى وجوب وفاء كلا المتعاقدين بما عليه من التزام، فاذا أخلّ احدهما بالتزامه سقط وجوب الوفاء عن الآخر. ان عليكم يا أبناء يعقوب وذريته أن تؤمنوا بالقرآن الذي أنزلتُ مصدّقاً لما عندكم من كتب، واحذروا ان تسارعوا الى جحود القرآن فتكونوا أول الكافرين به بدل أن تكونوا أول المؤمنين بهديه. {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} اي لا تُعرِضوا عن التصديق بالنبيّ وما جاء به وتستبدلوا بهدايته هذا الثمن القليل الذي يستفيده الرؤساء من مرؤوسيهم من مالٍ وجاه، ويرجوه المرؤوسون من الحظوة باتباع الرؤساء خشية سطوتهم اذا ما خالفوهم. كذلك اتقوني بالإيمان، واتّباع الحق، والإعراض عن لذات الدنيا متى شغلت عن أعمال الآخرة. {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} لا تخلطوا الحق المنزَل من عند الله بالباطل الذي تخترعونه من عند أنفسكم، ولا تكتموا الحق وأنتم تعرفونه حق المعرفة. لقد بيّنت هذه الآية مسلكهم في الغرابة والإغراء... فرغم انه قد جاء في الكتب التي بين أيديهم تحذير متكرر من أنبياء كذَبةٍ يُبعثون فيهم ويجترحون العجائب، وجاء فيها أيضاً ان الله تعالى يبعث فيهم نبياً من ولد اسماعيل وزوجه الجارية هاجر ـ فقد ظلّ الأحبار يكذبون على العامة ويقولون: إن محمداً واحدٌ من اولئك الأنبياء الذين وصفتهم التوراة بالكذب. لقد ظلوا يكتمون ما يعرفون من أوصافه التي تنطبق عليه، وبذلك يحرّفون كثيرا من الكتب التي بين أيديهم. وهنا أمَرهم الله تعالى أن يؤمنوا حقيقة وفعلاً، وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة علّها تطهّرهم، ثم أن يركعوا مع الراكعين.. حتى يكونوا من المسلمين حقيقة.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} {وَإِيَّايَ} (40) - يَأْمُرُ اللهُ تَعَالى بِنِي إِسْرَائِيلَ (وَهُمُ اليَهُُودُ - وَإِسْرَائِيلُ هُوَ يَعْقُوبُ عَلَيهِ السَّلاَمُ) بِالدُّخُولِ في الإِسلامِ، وَمُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى ذلِكَ بِتَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعَمِ التِي أَنْعَمَهَا عَلَيهِمْ، بِأَنْ جَعَلَ فِيهِم النُّبُوَّةَ، وَبِأَنْ أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَفجَّرَ لَهُمُ المَاءَ مِنَ الحَجَرِ في سَيْنَاءَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِم المَنَّ والسَّلْوَى. وَيُطَالِبُهُمْ بِالوَفَاءِ بِالعَهْدِ الذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ بِوُجُوبِ اتِّبَاعِ النَّبِيِّ الذِي سَيَبْعَثُهُ اللهُ مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ. فَقَدْ جَاءَ في التَّورَاةِ في صِفَةِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّه يُقِيمُ مِنْ إِخْوَتِهِمْ نَبِيّاً يُقِيمُ الحَقَّ)، وَجَاءَ في سِفْرِ تَثْنِيَةِ الاشْتِرَاعِ: (قَالَ لِيَ الرَّبُ: أَحْسِنُوا فِيمَا تَتَكَلَّمُونَ سَوْفَ أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيّاً مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلامي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ، وَيَكُونُ الإِنسَانُ الذِي لا يَسْمَعُ لِكَلاَمِي، وَالذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أَكُونُ المُنْتَقِمَ مِنْهُ). وَلكِنَّ اليّهُودَ حَرَّفُوا هذِهِِ البِشَارَاتِ وَأَوَّلُوهَا بِمَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ أَوْفَى بِعَهْدِهِ إِلَيْهِمْ بِأَنَّهُ سَيُكَفِّرُ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَسَيُدْخِلُهُم الجَنَّةَ. أَمَّا إِذا لَمْ يَفْعَلُوا مَا أَمَرَهُم اللهُ بِهِ، فَلْيَحْذَرُوا أَنْ تَحِلَّ بِهِمْ نِقَمُ اللهِ التِي أَنْزَلَهَا بمَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ آبَائِهِمْ، مِنَ المَسْخِ وَغَيْرِهِ مِنَ العُقُوبَاتِ. فَاللهُ تَعَالى يُرغِّبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الإِيمَانِ، وَيُحَذّرُهُمْ مِنَ الكُفْرِ وَالمُعَانَدَةِ (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ). فَارْهَبُونِ - فَخَافُونِي فِي نَقْضِكُمُ العَهْدَ.

الثعلبي

تفسير : {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} أولاد يعقوب، ومعنى إسرائيل: صفوة الله، وإيل هو الله عزّ وجلّ، وقيل: معناه: عبد الله، وقيل: سمّي بذلك لأنّ يعقوب وعيصا كانا توأمين واقتتلا في بطن أُمهما، فأراد يعقوب أن يخرج فمنعه عيص وقال: والله لئن خرجت قبلي لأعترضنّ في بطن أمّي، فلأقتلنّها، فتأخّر يعقوب وخرج عيص وأخذ يعقوب يعقب عيص فخرج عيص قبل يعقوب. وسمّي عيص لما عصى فخرج قبل يعقوب، وكان عيص أحبّهما الى أبيه وكان يعقوب أحبّهما الى أُمة، وكان عيص (ويعقوب أبناء) إسحاق وعميَ، قال لعيص: يا بنّي أطعمني لحم صيد واقترب مني أُدعُ لك بدعاء دعا لي به أبي، وكان عيص رجلا أشعر وكان (يعقوب) رجلاً أمرد، فخرج عيص بطلب الصيد، فقالت أُمّه ليعقوب: يا بنّي إذهب الى الغنم فاذبح منه شاةً ثمّ اشوه والبس جلدها وقدمها الى أبيك فقل له: أنّك عيص، ففعل ذلك يعقوب، فلمّا جاء قال: يا أبتاه كل، قال: من أنت، قال: ابنك عيص (قال: خمسه فقال: المس مسّ عيص والريح ريحة يعقوب، قالت أُمه: هو ابنك، فادع له، قال: قدم طعامك فقدّمه فأكل منه، ثم قال: أُدن مني، فدنا منه، فدعا له أن يجعل في ذريته الأنبياء والملوك. وقام يعقوب وجاء عيص فقال: قد جئتك بالصيد الذي أمرتني به. فقال: يا بني قد سبقك أخوك يعقوب، فغضب عيص وقال: والله لأقتلنه، قال: يا بني قد بقيت لك دعوة، فهلم أدع لك بها، فدعا له فقال: تكون ذريتك عدداً كثيراً كالتراب ولا يملكهم أحد غيرهم...). {ٱذْكُرُواْ}.... روى الشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والمحدث بنعمة الله شاكر وتاركها كافر، والجماعة رحمة والفرقة عذاب ". تفسير : {نِعْمَتِيَ} أراد نعمي أعطها وهي واحد [بمعنى الجمع] وهو قوله تعالى {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا}تفسير : [إبراهيم: 34] والعدد لا يقع على الواحد. {ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} أي على أجدادكم، وذلك أن الله تعالى فلق لهم البحر وأنجاهم من فرعون وأهلك عدوّهم فأورثهم ديارهم وأموالهم، وظلل عليهم الغمام في التيه من حر الشمس، وجعل لهم عموداً من نور يضيء لهم بالليل إذا لم يكن ضوء القمر، وأنزل عليهم المنّ والسّلوى، وفجّر لهم اثني عشرة عيناً [وأنزل] عليهم التوراة فيها بيان كلّ شيء يحتاجون إليه في نعم من الله كثيرة لا تحصى. {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ} الذي عهدت اليكم {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} أدخلكم الجنّة وأنجز لكم ما وعدتكم. فقرأ الزهري: أوفّ بالتّشديد على التأكيد يقال: وفّى وأوفى كلّها بمعنى [واحد] وأصلها الاتمام. قال الكلبي: عهد الى بني إسرائيل على لسان موسى: إنّي باعث من بني إسماعيل نبيّاً أميّاً فمن إتّبعه [وآمن] به عفوت عن ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين إثنين، وهو قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ}تفسير : [آل عمران: 187] يعني أمر محمد صلى الله عليه وسلم. قتادة: هو العهد الذي أخذ الله عليهم في قوله: {أية : لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [المائدة: 70] وقوله تعالى: {أية : قَرْضاً حَسَناً}تفسير : [البقرة: 245] فهذا قوله: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ} ثم قال: {أية : لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}تفسير : الآية [المائدة: 12]. فهذا قوله {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}. فقال: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱللَّهَ}تفسير : الآية [البقرة: 83]. الحسن: هو قوله: {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ}تفسير : [البقرة: 63] الآية. إسماعيل بن زياد: ولا تفرّوا من الزحف أدخلكم الجنة، دليله قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَانُواْ عَاهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ ٱلأَدْبَارَ} تفسير : [الأحزاب: 15]. وقيل: أوفوا بشرط العبوديّة، أوفِ بشرط الربوبيّة. وقال أهل الاشارة: أوفوا في دار محنتي على بساط خدمتي، [أوفِ عهدكم] في دار نعمتي على بساط كرامتي بقربي ورؤيتي. {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} فخافوني في نقض العهد [وسقطت الياء بعد النون في] هذه الآيات وفي كلّ القرآن على الأصل، وحذفها الباقون على الخط إتّباعاً للمصحف. {وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً} موافقاً {لِّمَا مَعَكُمْ} يعني التوراة في التوحيد والنبّوة والأخبار، وبعض الشرائع نزلت في كعب وأصحابه من علماء اليهود ورؤسائهم. {وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} يعني أوّل من يكفر بالقرآن وقد بايعتنا اليهود على ذلك فتبوءوا بآثامكم وآثامهم. {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي} أي ببيان صفة محمد ونعته. {ثَمَناً قَلِيلاً} شيئاً يسيراً، وذلك أنّ رؤساء اليهود كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وعوامّهم يأخذون منهم شيئاً معلوماً كلّ عام من زروعهم [فخافوا أن تبينوا] صفة محمد صلى الله عليه وسلم وبايعوه أن تفوتهم تلك المآكل والرّياسة، فاختاروا الدنيا على الآخرة. {وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ} فاخشوني في أمر محمد لا فيما يفوتكم من الرياسة والمأكل. {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ} ولا تخلطوا، يقال: [لبست عليهم الأمر ألبسه لبساً إذا خلطته عليهم] أي خلطت وشبهت الحقّ الذي أنزل اليكم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم. {بِٱلْبَاطِلِ}، الذي تكتمونه، وهو تجدونه في كتبكم من نعته وصفته. وقال مقاتل: إنّ اليهود أقرّوا ببعض صفه محمد صلى الله عليه وسلم وكتموا بعضاً واختلفوا في ذلك، فقال الله عز وجل: {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ} الذي تقرّون به وتبيّنونه بالباطل، يعني بما تكتمونه، فالحق بيانهم والباطل كتمانهم. وقيل: معناه ولا تلبسوا الحقّ [.... من الباطل] صفة أو حال. {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} يعني ولا تكتموا الحق كقوله تعالى: {أية : لاَ تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤاْ أَمَانَاتِكُمْ} تفسير : [الأنفال: 27]. {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} إنّه نبيٌّ مرسل. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} يعني وحافظوا على الصلوات الخمس بمواقيتها [وأركانها] وركوعها وسجودها. {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} يعني وأدّوا زكاة أموالكم المفروضة، وأصل الزكاة: الطهارة والنّماء والزيادة. {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} يعني وصلّوا مع المصلين محمّد وأصحابه، يخاطب اليهود فعبّر بالركوع عن الصلاة إذ كان ركناً من أركانها كما عبّر باليد عن العطاء كقوله: {أية : ذٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} تفسير : [آل عمران: 181] وقوله: {أية : فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} تفسير : [الشورى: 30] وبالعنق عن البدن في قوله: {أية : أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ} تفسير : [الإسراء: 13] والأنف عن [............]. [{أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ} الطاعة والعمل الصالح، { وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} تتركون {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ} توبيخ عظيم {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم]. {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ}....... {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} [عليهما ولكنه كنّى عن الأغلب وهو الصلاة كقوله]: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 34] وقوله: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} تفسير : [الجمعة: 11] فرد الكناية إلى الفضة لأنها الأغلب والأعم وإلى التجارة لأنها الأفضل والأهم... {وَإِنَّهَا} واحد منهما، أراد بأن كل خصلة منهما {لَكَبِيرَةٌ} وقيل: رد الكناية إلى كل واحد منهما قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} تفسير : [المؤمنون: 50] ولم يقل: آيتين، أراد: جعلنا كل واحد منهما آية. شعر : حسن من علم يزينه حلم ومن ناله قد فاز بالفرج تفسير : أي من نال كل واحد منهما. وقال آخر: شعر : لكل همّ من الهموم سَعة والمسى والصبح لا فلاح معه تفسير : وقيل: ردّ الهاء الى الصلاة لأنّ الصبر داخل في الصلاة كقوله: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة: 62] ولم يقل يرضوهما؛ لأنّ رضا الرسول داخل في رضا الله، فردّ الكناية إلى الله. وقال الشاعر وهو حسّان: شعر : إنّ شرخ الشباب والشعر الأس ود ما لم يُعاص كان جنونا تفسير : ولم يقل يُعاصَيا ردّه إلى الشباب، لأن الشعر الأسود داخل فيه. وقال الحسين بن الفضل: ردّ الكناية إلى الاستعانة، معناه: وأن الإستعانة بالصبر والصلاة لكبيرة ثقيلة شديدة {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} يعني المؤمنين، وقال ابن عباس: يعني المصلّين. الوراق: العابدين المطيعين. مقاتل بن حيان: المتواضعين، الحسن: الخائفين. قال الزجاج: الخاشع الذي يُرى أثر الذل والخنوع عليه، وكخشوع الدار بعد الاقواء، هذا هو الأصل. وقال النابغة: شعر : رماد ككحل العين ما أن تبينه ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع تفسير : {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ} يعلمون ويستيقنون، كقوله تعالى: {أية : إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ}تفسير : [الحاقة: 21] أي أيقنت به. وقال دريد بن الصمة: شعر : فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسي المسرّد تفسير : يعني أيقنوا. والظن من الأضداد يكون شكّاً ويقيناً كالرّجاء يكون أملاً وخوفاً. {أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ} معاينوا ربّهم في الآخرة {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} فيجزيهم بأعمالهم. {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} يعني عالمي زمانكم. {وَٱتَّقُواْ يَوْماً} أي واحذروا يوماً واخشوا يوم. {لاَّ تَجْزِي} أي لا تقضي ولا تكفي ولا تغني. ومنه الحديث عن أبي بردة بن ديّان في الأضحية: لا تجزي عن أحد بعدك. وقرأ أبو السماك العدوي: لا تجزي مضمومة التّاء مهموزة الياء من أجزأ يجزي إذا كفي. قال الشاعر: شعر : وأجزأت أمر العالمين ولم يكن ليجْزي إلاّ كامل وابن كامل تفسير : وقال الزجاج: وفي الآية إضمار معناه: {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} من الشدائد والمكاره. وأنشد الشاعر: شعر : ويوم شهدناه سليماً وعامرا تفسير : أي شهدنا فيه. وقيل: معناه: ولا تغني نفس مؤمنة ولا كافرة عن نفس كافرة. {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} إذا كانت كافرة. قرأ أهل مكّة والبصرة: بالتّاء لتأنيث الشفاعة. وقرأ الباقون: بالياء لتقديم الفعل. وقرأ قتادة: (ولا يقبل منها شفاعة) بياء مفتوحة، ونصب الشفاعة أي لا يقبل الله. {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} فداءاً كانوا يأخذون في الدنيا، وسمّي الفداء عدلاً لأنّه يعادل المفدّى ويماثله قال الله عزّ وجلّ: {أية : أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً} تفسير : [المائدة: 95]. {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} أي يمنعون من عذاب الله. قال الزجاج: كانت اليهود تزعم أنّ آباءها الأنبياء تشفع لهم عند الله عزّ وجلّ، فأيأسهم الله من ذلك.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن قص الله علينا قصة الخلق وكيف بدأت بآدم، وعداوة إبليس لآدم، وسببها، ثم قص علينا التجربة الأولى للمنهج في إحدى الجنات، وكيف أن آدم تعرض للتجربة فأغواه الشيطان وعصى. ثم نزل إلى الأرض مسلحاً بمنهج الله، ومحمياً بالتوبة من أن يطغى. بدأت مهمة آدم على الأرض. إن الحق سبحانه وتعالى أراد أن يعرض علينا موكب الرسالات وكيف استقبل بنو آدم منهج الله بالكفر والعصيان. فاختار جل جلاله قصة بني إسرائيل لأنها أكثر القصص معجزات، وأنبياء بني إسرائيل من أكثر الأنبياء الذين أرسلوا لأمة واحدة وليس معنى هذا أنهم مفضلون. ولكن لأنهم كانوا أكثر الأمم عصياناً وآثاماً فكانوا أكثرهم أنبياء. كانوا كلما خرجوا من معجزة انحرفوا، فتأتيهم معجزة أخرى، فينحرفون. وهكذا حكم الله عليهم لظلمهم أن يتفرقوا في الأرض ثم يتجمعوا مرة أخرى في مكان واحد، ليذوقوا العذاب والنكال جزاء لهم على معصيتهم وكفرهم. ولذلك أخذت قصة بني إسرائيل ذلك الحجم الضخم في كتاب الله، وفي تثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم. فموسى عليه السلام الذي أرسله الله إلى بني إسرائيل من أولي العزم من الرسل. ولذلك فإنك تجد فيه تربية أولاً، وتربية ثانياً .. ولابد أن نلتفت إلى قول الحق سبحانه وتعالى: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 40] فالحق جل جلاله. حين يريد أن ينادي البشر جميعاً يقول: {يَابَنِيۤ ءَادَمَ} واقرأ قوله تعالى: {أية : يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ..} تفسير : [الأعراف: 31]. وقوله سبحانه: {أية : يَابَنِيۤ ءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيْطَانُ ..} تفسير : [الأعراف: 27]. لماذا يخاطبنا الله تعالى بقوله: يا بني آدم؟ لأنه يريد أن يذكرنا بنعمه علينا منذ بداية الخلق. لأن هذه النعم تخص آدم وذريته. فالله تعالى خلق آدم بيديه. وأمر الملائكة أن تسجد له. وأعد له كوناً مليئاً بكل ما يضمن استمرار حياته. ليس بالضروريات فقط، ولكن بالكماليات. ثم دربه الحق على ما سيتعرض له من إغواء الشيطان، وأفهمه أن الشيطان عدو له. ثم علمه كلمات التوبة، ليتوب عليه، وأمده بنعم لا تعد ولا تحصى. فالله سبحانه وتعالى يريد أن يذكرنا بكل ذلك حتى نخجل من أن نرتكب معصية بعد كل هذا التكريم للإنسان. فإذا تذكرنا نعم الله علينا .. فإننا نخجل أن نقابل هذه النعم بالمعصية. وقد علمنا الله سبحانه وتعالى علماً ميزنا الله تعالى فيه عن ملائكته. لذا كان يجب أن نظل شاكرين عابدين طوال حياتنا في هذه الدنيا. لكننا نلاحظ أن الحق سبحانه وتعالى بدأ هذه الآية الكريمة بقوله: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 40] لماذا؟ ومن هو إسرائيل؟ إسرائيل مأخوذة من كلمتين: اسر وإيل .. (إسر) يعني عبد مصطفى أو مختار. (وإيل) معناها الله في العبرانية. فيكون معنى الكلمة صفوة الله .. والاصطفاء هنا ليعقوب وليس لذريته. فإذا نظرنا إلى إسرائيل الذي هو يعقوب كيف أخذ هذا الاسم. نجد أنه أخذ الاسم لأنه ابتلى من الله بلاء كبيراً. استحق به أن يكون صفياً لله، وعندما ينادي الله تعالى قوم موسى بقوله: يا بني إسرائيل. فإنه يريد أن يذكرهم بمنزلة إسرائيل عند الله. ما واجهه من بلاء. وما تحمله في حياته. فاذكروا ما وصاكم به حين حضرته الوفاة .. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 133]. ثم يأتي بعد ذلك قول يعقوب .. واقرأ قوله تعالى: {أية : يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 132]. تلك هي الوصية التي وصى بها يعقوب بنيه .. فيها علم وفيها عظة. علم بأن الله إله واحد لا شريك له، وأن الدين هو الإسلام، وعظة وتذكير بأن الله اختار لهم الدين فليحرصوا عليه حتى الموت. ولقد جاءت هذه الوصية حين حضر يعقوب الموت، وساعة الموت يكون الإنسان صادقاً مع نفسه، وصادقاً مع ذريته. فكأنه سبحانه وتعالى حينما يقول: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 40] يريد أن يذكرهم بإسرائيل وهو يعقوب وكيف تحمل وظل صابراً، ووصيته لهم ساعة الموت. إن الله سبحانه وتعالى يذكر الأبناء بفضله على الآباء علهم يتعظون أو يخجلون من المعصية تماما كما يكون هناك عبد صالح أسرف أبناؤه على أنفسهم. فيقال لهم: ألا تخجلون؟ أنتم أبناء فلان الرجل الصالح. لا يصح أن ترتكبوا ما يغضب الله … {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ} [البقرة: 40]. إسرائيل هو يعقوب ابن إسحاق، وإسحاق ابن إبراهيم، وإبراهيم أنجب إسحاق وإسماعيل .. ورسولنا صلى الله عليه وسلم من ذرية إسماعيل. والله سبحانه وتعالى يقول: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40] ولكن الله سبحانه وتعالى حين يخاطب المسلمين لا يقول اذكروا نعمة الله، وإنما يقول: "اذكروا الله" لأن بني إسرائيل ماديون ودنيويون. فكأن الحق سبحانه وتعالى يقول لهم: ما دمتم ماديين ودنيويين، فاذكروا نعمة الله المادية عليكم. ولكننا نحن المسلمين أمة غير مادية. وهناك فرق بين أن يكون الإنسان مع النعمة، وأن يكون مع المُنْعِم. الماديون يحبون النعمة، وغير الماديين يحبون المُنْعِم، ويعيشون في معيته، ولذلك فخطاب المسلمين: "اذكروا الله" لأننا نحن مع المُنْعِم. بينما خطابه سبحانه لبني إسرائيل: "اذكروا نعمة الله". والحديث القدسي يقول: "حديث : أنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى فلا يُجْعَل مَعِيَ إِلَهٌ، فمَنْ اتَّقَى أَنْ يَجْعَل مَعِيَ إِلهاً كان أَهْلاً أَنْ أَغْفِرَ لَهُ ). تفسير : فالله سبحانه وتعالى واجب العبادة، ولو لم يخلق الجنة والنار .. ولذلك فإن المؤمنين هم أهل الابتلاء من الله. لماذا؟ لأن الابتلاء منه نعمة. والله سبحانه وتعالى يباهي بعباده ملائكته، ويقول: إنهم يعبدونني لذاتي. فتقول الملائكة: بل يعبدونك لنعمتك عليهم. فيقول سبحانه لهم: سأقبضها عنهم ولا يزالون يحبونني .. ومن عبادي من أحب دعاءهم. فأنا أبتليهم حتى يقولوا يا رب. لأن أصواتهم يحبها الله سبحانه وتعالى. ولذلك إذا ابتلى عبداً في صحته مثلاً، وسلب منه نعمة العافية. ترى الجاهل هو الذي ينظر إلى هذا نظرة عدم الرضا. أما المتعمق فينظر إلى قول الله في الحديث القدسي: إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: "حديث : يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب وكيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده. أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده" تفسير : فلو فقد المؤمن نعمة العافية .. فلا ييأس فإن الله تعالى يريده أن يعيش مع المُنْعِم .. وأنه طوال فترة مرضه في معية الله تعالى. ولذلك حين يقول الحق تبارك وتعالى: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 40] معناها: إن لم تكونوا مؤمنين لذاتي. فاستحيوا أن ترتكبوا المعصية بنعمتي التي أنعمت عليكم. ولقد جاءت النعمة هنا لأن بني إسرائيل يعبدون الله من أجل نعمه. {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ} [البقرة: 40] الذكر هو الحفظ من النسيان، لأن روتين الحياة يجعلنا ننسى المسبب للنعم. فالشمس تطلع كل يوم. كم منا يتذكر أنها لا تطلع إلا بإذن الله فيشكره. والمطر ينزل كل فترة مَنْ منا يتذكر أن المطر ينزله الله. فيشكره. فالذكر يكون باللسان وبالقلب، والله سبحانه وتعالى غيب مستور عنا، وعظمته أنه مستور. ولكن نعم الله سبحانه تدلنا عليه .. فبالذكر يكون في بالنا دائماً، وبنعمه يكون ذكره وشكره دائماً. والحق سبحانه وتعالى طلب من بني إسرائيل أن يذكروا النعمة التي أنعمها عليهم فقط. وكان يجب عليهم أن يطيعوا الله فيذكروا المنعم، لأن ذكر الله سبحانه وتعالى يجعلك في ركن ركين لا يصل إليك مكروه ولا شر. إن ذكر الله المنعم يعطينا حركة الحياة في كل شيء. فذكر الله يوجد في القلوب الخشوع. ويقلل من المعاصي وينتفع الناس كل الناس به، ويجعل حركة الحياة مستقيمة. وحين يقول الحق سبحانه وتعالى. {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ} [البقرة: 40] معناها اذكروني حتى بالنعمة التي أنعمت عليكم. وقوله تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40] العهد هو الميثاق. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه: 115]. إذن فالعهد أمر موثق بين العبد وربه. ما هو العهد الذي يريد الله من بني إسرائيل أن يوفوا به ليفي الله بعهده لهم؟ نقول: إما أن يكون عهد الفطرة. وعهد الفطرة كما قلنا أن نؤمن بالله ونشكره على نعمه. وكما قلنا إذا هبط الإنسان في مكان ليس في أحد، ثم نام وقام فوجد مائدة حافلة بالنعم أمامه، ألا يسأل نفسه: مَنْ صنع هذا؟ لو أنه فكر قليلاً لعرف أنه لابد أن يكون لها من صانع. خصوصاً أن الخلق هنا فوق قدرات البشر. فإذا أرسل الله سبحانه وتعالى رسولاً يقول إن الله هو الذي خلق وأوجد، ولم يوجد مدع ولا معارض نظراً لأن إيجاد هذه النعم فوق قدرة البشر، تكون القضية محسومة لله سبحانه وتعالى. إذن فذكر الله وشكره واجب بالفطرة السليمة، لا يحتاج إلى تعقيدات وفلسفات، والوفاء بعهد الله أن نعبده ونشكره هو فطرة الإيمان لما أعطاه لنا من نِعَم على أن الحق سبحانه وتعالى نجده يقول: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ..} [البقرة: 40]. وفي آية أخرى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ ..} تفسير : [البقرة: 152]. وفي آية ثالثة: {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} تفسير : [محمد: 7]. ما هي هذه القضية التي يريد الحق سبحانه وتعالى أن ينبهنا إليها في هذه الآيات الكريمة؟ الله سبحانه وتعالى يريد أن نعرف أنه قد وضع في يدنا مفتاح الجنة. ففي يد كل واحد منا مفتاح الطريق الذي يقوده إلى الجنة أو إلى النار، ولذلك إذا وفيت بالعهد أوفى الله، وإذا ذكرت الله ذكرك، وإذا نصرت الله نصرك. والحديث القدسي يقول: "حديث : وإن تَقَرَّبَ إليَّ شبراً تقربت إليه ذراعاً وإنْ تقرب إليَّ ذراعا تقربت إليه باعاً وإن أتاني يمشي أتيته هرولة " تفسير : هكذا يريد الحق سبحانه وتعالى أن ينبهنا أن المفتاح في يدنا نحن. فإذا بدأنا بالطاعة، فإن عطاء الله بلا حدود، وإذا تقربنا إلى الله تقرب إلينا، وإذا بعدنا عنه نادانا. هذا هو إيمان الفطرة. هل هذا هو العهد المقصود من الله سبحانه في قوله: {أَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40] أم هو العهد الذي أخذه الله على الأنبياء ليبلغوا أقوامهم بأنهم إذا جاء رسول مصدق لما معهم فلابد أن يؤمنوا به وينصروه؟ فالحق سبحانه وتعالى أخذ على الأنبياء جميعاً العهد لرسول الإسلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .. أم هو العهد الذي أخذه الله بواسطة موسى عليه السلام على علماء بني إسرائيل الذين تلقوا التوراة ولقنوها وكتبوها وحفظوها، عهد بألا يكتموا منها شيئاً .. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَٱشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} تفسير : [آل عمران: 187]. والهدف من هذا العهد ألا يكتموا ما ورد عن الإسلام في التوراة، وألا يخفوا صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي جاءت بها .. والله سبحانه وتعالى قد أعطى صفات رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة وفي الإنجيل .. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة: 89]. ولقد جاء القرآن الكريم مصدقاً لما نزل من التوراة، وعرف بنو إسرائيل أنفسهم صدق ما نزل في القرآن. ولكنهم كفروا لأن رسول الله لم يكن من قومهم .. وقد كان أهل الكتاب من توراة وإنجيل يعرفون أن رسالة رسول الله هي الرسالة الخاتمة، وأنه لابد أن يؤمن به قوم كل نبي. هل هذا هو العهد الذي يوجب على جميع الأمم الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ونصرته إن أدركوه، وإن لم يدركوه فالمسئولية على أبنائهم وأحفادهم أن ينصروه ويؤمنوا به متى أدركوه. إن كانت هي عهد إيمان الفطرة، أو كانت هي عهد الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فكلاهما وارد. وقوله تعالى: {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [البقرة: 40] أي بما وعدتكم من جنة النعيم في الآخرة. فالله سبحانه وتعالى بعد نزول الإسلام اختص برحمته الذين آمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام، وكل مَنْ لم يؤمن بهذا الدين لا عهد له عند الله. واقرأ قوله تبارك وتعالى عندما أخذت الرجفة موسى وقومه وطلب موسى من الله سبحانه وتعالى الرحمة. قال تعالى: {أية : وَٱكْتُبْ لَنَا فِي هَـٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِيۤ أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَـاةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي ٱلتَّوْرَاةِ وَٱلإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلأَغْلاَلَ ٱلَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} تفسير : [الأعراف: 156-157]. فالحق سبحانه وتعالى يذكر بني إسرائيل في هذه الآية الكريمة بالعهد الذي أخذه عليهم، وينذرهم أن رحمته هي للمؤمنين برسول الله صلى الله عليه وسلم متى جاءت رسالته. وقوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} [البقرة: 40] أي أنه لا توجد قوة ولا قدرة في الكون إلا قوة الله سبحانه وتعالى. ولذلك فاتقوا يوماً ستلاقون فيه الله ويحاسبكم. وهو سبحانه وتعالى قهار جبار، ولا نجاة من عذابه لمَنْ لم يؤمن.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: من بداية هذه الآية إِلى آية /142/ ورد الكلام عن بني إِسرائيل، وقد تحدث القرآن الكريم بالإِسهاب عنهم فيما يقرب من جزءٍ كامل، وذلك يدل على عناية القرآن بكشف حقائق اليهود، وإِظهار ما انطوت عليه نفوسهم الشريرة من خبثٍ وكيد وتدمير حتى يحذرهم المسلمون، أما وجه المناسبة فإِن الله تعالى لمّا دعا البشر إِلى عبادته وتوحيده، وأقام للناس الحجج الواضحة على وحدانيته ووجوده، ثم ذكّرهم بما أنعم به على أبيهم آدم عليه السلام، دعا بني إِسرائيل خصوصاً - وهم اليهود - إِلى الإِيمان بخاتم الرسل وتصديقه فيما جاء به عن الله، لأنهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة، وقد تفنّن في مخاطبتهم، فتارة دعاهم بالملاطفة، وتارة بالتخويف، وتارة بالتذكير بالنعم عليهم وعلى آبائهم، وأخرى بإِقامة الحجة والتوبيخ على سوء أعمالهم وهكذا انتقل من التذكير بالنعم العامة على البشرية في تكريم أبي الإِنسانية، إلى التذكير بالنعم الخاصة على بني إسرائيل. اللغَة: {إِسْرَائِيلَ} اسم أعجمي ومعناه: عبد الله وهو اسم {يعقوب} عليه السلام، وقد صرَّح به في آل عمران {أية : إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ} تفسير : [الآية: 93] {أَوْفُواْ} الوفاء: الإِتيان بالشيء على التمام والكمال، يقال أوفى ووفّى أي أداه وافياً تاماً. {تَلْبِسُواْ} اللَّبْس: الخلط تقول العرب: لبَسْتُ الشيء بالشيء خلطته، والتبس به اختلطَ، قال تعالى {أية : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 9] وفي المصباح: لَبِسَ الثوب من باب تعب لُبْساً بضم اللام، ولَبَسْتُ عليه الأمر لَبْساً من باب ضرب خلطته، والتبس الأمر: أشكل. {ٱلزَّكَاةَ} مشتقة من زكا الزرع يزكو أي نما لأن إِخراجها يجلب البركة، أو هي من الزكاة أي الطهارة لأنها تطهر المال قال تعالى {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} تفسير : [التوبة: 106]. التفسِير: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} أي يا أولاد النبي الصالح يعقوب {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} اذكروا ما أنعمت به عليكم وعلى آبائكم من نعم لا تعد ولا تحصى {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ} أي أدّوا ما عاهدتموني عليه من الإِيمان والطاعة {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} أي اخشوني دون غيري {وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ} من القرآن العظيم {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} أي من التوراة في أمور التوحيد والنبوة {وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} أي أول من كفر من أهل الكتاب فحقكم أن تكونوا أول من آمن {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} أي لا تستبدلوا بآياتي البينات التي أنزلتها عليكم حطام الدنيا الفانية {وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ} أي خافون دون غيري {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ} أي لا تخلطوا الحق المنزل من الله بالباطل الذي تخترعونه، ولا تحرفوا ما في التوراة بالبهتان الذي تفترونه {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} أي ولا تخفوا ما في كتابكم من أوصاف محمد عليه السلام {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه حق أو حال كونكم عالمين بضرر الكتمان {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} أي أدوا ما وجب عليكم من الصلاة والزكاة، وصلوا مع المصلين بالجماعة، أو مع أصحاب محمد عليه السلام. البَلاَغَة: أولاً: في إِضافة النعمة إِليه سبحانه {نِعْمَتِيَ} إِشارة إِلى عظم قدرها، وسعة بِرّها، وحسن موقعها لأن الإِضافة تفيد التشريف كقوله (بيت الله) و {أية : نَاقَةُ ٱللَّهِ} تفسير : [الأعراف: 73]. ثانياً: قوله {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي} الشراء هنا ليس حقيقياً بل هو على سبيل الاستعارة كما تقدم في قوله {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ} تفسير : [البقرة: 16]. ثالثاً: تكرير الحق في قوله {تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ} وقوله {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} لزيادة تقبيح المنهي عنه إِذ في التصريح ما ليس في الضمير من التأكيد ويسمى هذا الإِطناب أضعف من سواه. رابعاً: قوله {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} هو من باب تسمية الكل باسم الجزء أي صلوا مع المصلين أطلق الركوع وأراد به الصلاة ففيه مجاز مرسل. خامساً: {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} و{إِيَّايَ فَٱتَّقُونِ} يفيد الاختصاص. فَائِدَة: قال بعض العارفين: عبيد النّعم كثيرون، وعبيد المنعم قليلون، فالله تعالى ذكّر بني إِسرائيل بنعمه عليهم، حتى يعرفوا نعمة المنعم فقال {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ} وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد ذكّرهم بالمنعم فقال {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ} تفسير : [البقرة: 152] ليتعرفوا من المنعم على النعمة وشتان بين الأمرين.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ} أَي بطاعَتي {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} أَي أوفِ لَكمْ بالجنةِ.

الأندلسي

تفسير : "إسرائيل" اسم أعجمي ممنوع من الصرف وهو مركب، قيل: من اسرا: وهو العبد، وآيل: اسم الله تعالى. وعن من قال باشتقاقه أقوال وفي كيفية النطق به لغات إسرائيل واسراييل واسراءل واسرأل وتقول في جمعه اساريل وحكي اسارل وأسار له وأقبل عليهم بالنداء هزالهم لسماع ما يلقى إليهم وهم اليهود والنصارى وهذا أول افتتاح الكلام معهم. والذكر باللسان وبضم الذال ما كان بالقلب وإضافتهم إلى إسرائيل وهو يعقوب على نبينا وعليه السلام تنبيه لهم على اتباعه في الخير. والنعمة: اسم للشيء المنعم به فالنداء والأمر لبني إسرائيل الذين هم بحضرته عليه السلام بالمدينة وما والاها ويتنزل غيرهم في ذلك منزلتهم والوصف بالتي {أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} مشعر بسبق علمهم، إياها وتعظيم لها إذ اسندها إلى ذاته في قوله: نعمتي وأنعمت ونعمه تعالى عليهم كثيرة وأعظمها الكتاب الالهي من التوراة والانجيل المبشرة بنوبة محمد صلى الله عليه وسلم. {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ} يقال أوفى ووفّى ووفى والعهد هو ما كانوا يذكرون من إيمانهم بالرسول المبعوث في زمانهم إذ كانوا يستفتحون به كما أخبر تعالى فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} وهو ترتيب إنجاز ما وعدهم على ذلك، الإِيفاء سماه عهداً على سبيل المقابلة أبرزه في صورة المشروط الملتزم به والمصدران مضافان للمفعول. وقرىء أوفّ من وفي مشدّداً وانجزم أوف على جواب الأمر وهل ضمّن الأمر معنى الشرط فانجزم أو نابت عن الشرط إن حذفت جملته قولان. والرهب الخوف وانتصب إياي بفعل محذوف تقديره وإياي ارهبوا وقدره السجاوندي قبله قال وارهبوا إياي وهو وهم منه لانفصال الضمير وناسب النصب لأن قبله أمر ولأنه آكد إذا برز في قالب جملتين. قال الزمخشري: وهو أوكد في إفادة الاختصاص من إياك نعبد. وتقدم كلامنا معه في دعوى الاختصاص إذا تقدم المعمول على العامل والفاء في فارهبون دخلت في جواب أمر مقدر التقدير تنبّهوا فارهبون. وقرىء فارهبوني بإِثبات الياء وهو الأصل. وآمنوا أمر لبني إسرائيل إذ هم المأمورون قيل ولا يخص كعب بن الأشرف وأصحابه علماء اليهود. {بِمَآ أَنزَلْتُ} وهو القرآن. {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} أي من التوراة واللام في لما مقوية للتعدية ومصدقاً حال مؤكدة وذو الحال الضمير المحذوف العائد وقيل ما. {وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}: لا مفهوم هنا لقوله أوّل فيكون قد أبيح لهم ثانياً وآخراً فمفهوم الصفة غير مراد وإنما ذكرت الأولية لأنها أفحش لما فيها من الابتداء بالكفر ونظيره قول الشاعر: شعر : من أناس ليس في أخلاقهم عاجل الفحش ولا سوء جزع تفسير : فعاجل لا مفهوم له وأضيف أول إلى المفرد وإن كان قبله جمع لأن المفرد إذ كان صفة جاز أن يطابق وأن يفرد وقد جاء ذلك في قوله: وإذ طعموهم فالأم طاعم وإذا هم جاعوا فشر جياع. أفرد في طاعم وطابق في جياع وتأوله النحاة فقدره الفراء الأم من طعم وقدره غيره إلام فريق طاعم وهنا يتقدر على قول الفراء أول من كفر. وعلى قول غيره: أول حزب كافر وبه عائد على المنزل. {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَٰتِي ثَمَناً قَلِيلاً} الشراء هنا مجاز يراد به الاستبدال ولذلك دخلت الباء على الآيات وإن كان القياس أن تدخل على الثمن والمعنى بتغيير آياتي ووضعكم مكانها غيرها كما قال تعالى: {أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ}تفسير : [البقرة: 79] الآية وآياته ما أنزل الله تعالى من الكتب الإِلهية المحتوية على التكاليف والمعنى. والله أعلم. ولا تستبدلوا بآياتي العظيمة أشياء حقيرة خسيسة ولا مفهوم لقوله قليلاً بل في ذلك التنبيه على خساسة أنفسهم إذ تبدلون الشيء العظيم في تحصيل الشيء الحقير من مطعم أو مشرب أو غير ذلك أو لأن ما حصل عن آيات الله كائناً ما كان هو قليل حقير. {وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ} الكلام على هذا إعراباً فالكلام على وإياي فارهبون والفرق بين الفاصلتين أن ترك ذكر النعمة والإِيفاء بالعهد ظاهره أنه من المعاصي التي تجوز العقاب إذ يجوز أن يقع العفو عن ذلك وترك الإِيمان بما أنزل الله تعالى والاشتراء بآيات الله الثمن اليسير من المعاصي التي تحتم العقاب وتعيّنه إذ لا يجوز أن يقع العفو عن ذلك فلذلك ختم تلك بالرهبة وهي الخوف وهذه باتخاذ الوقاية من النار.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } المراد بإسرائيل: يعقوب عليه السلام، والخطاب مع فرق بني إسرائيل، الذين بالمدينة وما حولها، ويدخل فيهم من أتى من بعدهم، فأمرهم بأمر عام، فقال: { اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } وهو يشمل سائر النعم التي سيذكر في هذه السورة بعضها، والمراد بذكرها بالقلب اعترافا، وباللسان ثناء، وبالجوارح باستعمالها فيما يحبه ويرضيه. { وَأَوْفُوا بِعَهْدِي } وهو ما عهده إليهم من الإيمان به، وبرسله وإقامة شرعه. { أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } وهو المجازاة على ذلك. والمراد بذلك: ما ذكره الله في قوله: {أية : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ [وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي] } تفسير : إلى قوله: {أية : فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ }. تفسير : ثم أمرهم بالسبب الحامل لهم على الوفاء بعهده، وهو الرهبة منه تعالى، وخشيته وحده، فإن مَنْ خشِيَه أوجبت له خشيته امتثال أمره واجتناب نهيه. ثم أمرهم بالأمر الخاص، الذي لا يتم إيمانهم، ولا يصح إلا به فقال: { وَآمِنُوا بِمَا أَنزلْتُ } وهو القرآن الذي أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فأمرهم بالإيمان به، واتباعه، ويستلزم ذلك، الإيمان بمن أنزل عليه، وذكر الداعي لإيمانهم به، فقال: { مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } أي: موافقا له لا مخالفا ولا مناقضا، فإذا كان موافقا لما معكم من الكتب، غير مخالف لها; فلا مانع لكم من الإيمان به، لأنه جاء بما جاءت به المرسلون، فأنتم أولى من آمن به وصدق به، لكونكم أهل الكتب والعلم. وأيضا فإن في قوله: { مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } إشارة إلى أنكم إن لم تؤمنوا به، عاد ذلك عليكم، بتكذيب ما معكم، لأن ما جاء به هو الذي جاء به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء، فتكذيبكم له تكذيب لما معكم. وأيضا، فإن في الكتب التي بأيدكم، صفة هذا النبي الذي جاء بهذا القرآن والبشارة به، فإن لم تؤمنوا به، كذبتم ببعض ما أنزل إليكم، ومن كذب ببعض ما أنزل إليه، فقد كذب بجميعه، كما أن من كفر برسول، فقد كذب الرسل جميعهم. فلما أمرهم بالإيمان به، نهاهم وحذرهم من ضده وهو الكفر به فقال: { وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } أي: بالرسول والقرآن. وفي قوله: { أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } أبلغ من قوله: { ولا تكفروا به } لأنهم إذا كانوا أول كافر به، كان فيه مبادرتهم إلى الكفر به، عكس ما ينبغي منهم، وصار عليهم إثمهم وإثم من اقتدى بهم من بعدهم. ثم ذكر المانع لهم من الإيمان، وهو اختيار العرض الأدنى على السعادة الأبدية، فقال: { وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا } وهو ما يحصل لهم من المناصب والمآكل، التي يتوهمون انقطاعها، إن آمنوا بالله ورسوله، فاشتروها بآيات الله واستحبوها، وآثروها. { وَإِيَّايَ } أي: لا غيري { فَاتَّقُونِ } فإنكم إذا اتقيتم الله وحده، أوجبت لكم تقواه، تقديم الإيمان بآياته على الثمن القليل، كما أنكم إذا اخترتم الثمن القليل، فهو دليل على ترحل التقوى من قلوبكم. ثم قال: { وَلا تَلْبِسُوا } أي: تخلطوا { الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ } فنهاهم عن شيئين، عن خلط الحق بالباطل، وكتمان الحق؛ لأن المقصود من أهل الكتب والعلم، تمييز الحق، وإظهار الحق، ليهتدي بذلك المهتدون، ويرجع الضالون، وتقوم الحجة على المعاندين؛ لأن الله فصل آياته وأوضح بيناته، ليميز الحق من الباطل، ولتستبين سبيل المهتدين من سبيل المجرمين، فمن عمل بهذا من أهل العلم، فهو من خلفاء الرسل وهداة الأمم. ومن لبس الحق بالباطل، فلم يميز هذا من هذا، مع علمه بذلك، وكتم الحق الذي يعلمه، وأمر بإظهاره، فهو من دعاة جهنم، لأن الناس لا يقتدون في أمر دينهم بغير علمائهم، فاختاروا لأنفسكم إحدى الحالتين. ثم قال: { وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ } أي: ظاهرا وباطنا { وَآتُوا الزَّكَاةَ } مستحقيها، { وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } أي: صلوا مع المصلين، فإنكم إذا فعلتم ذلك مع الإيمان برسل الله وآيات الله، فقد جمعتم بين الأعمال الظاهرة والباطنة، وبين الإخلاص للمعبود، والإحسان إلى عبيده، وبين العبادات القلبية البدنية والمالية. وقوله: { وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ } أي: صلوا مع المصلين، ففيه الأمر بالجماعة للصلاة ووجوبها، وفيه أن الركوع ركن من أركان الصلاة لأنه عبّر عن الصلاة بالركوع، والتعبير عن العبادة بجزئها يدل على فرضيته فيها.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 13 : 116 - قال سفين في قول الله جل وعز {وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ} قال، بأمري {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} قال، بما أمرتكم به. [الآية 40].