Verse. 48 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاٰمِنُوْا بِمَاۗ اَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُوْنُوْۗا اَوَّلَ كَافِرٍؚ بِہٖ۝۰۠ وَلَا تَشْتَرُوْا بِاٰيٰــتِىْ ثَـمَنًا قَلِيْلًا۝۰ۡ وَاِيَّاىَ فَاتَّقُوْنِ۝۴۱
Waaminoo bima anzaltu musaddiqan lima maAAakum wala takoonoo awwala kafirin bihi wala tashtaroo biayatee thamanan qaleelan waiyyaya faittaqooni

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وآمنوا بما أنزلت» من القرآن «مصدِّقاً لما معكم» من التوراة بموافقته له في التوحيد والنبوة «ولا تكونوا أوَّل كافر به» من أهل الكتاب لأنَّ خلفكم تبع لكم فإثمهم عليكم «ولا تشتروا» تستبدلوا «بآياتي» التي في كتابكم من نعت محمد «ثمناً قليلا» عوضاً يسيرا من الدنيا أي لا تكتموها خوف فوات ما تأخذونه من سفلتكم «وإياي فاتقون» خافون في ذلك دون غيري.

41

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن المخاطبين بقوله: {وَءامِنُواْ } هم بنو اسرائيل ويدل عليه وجهان. الأول: أنه معطوف على قوله: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } كأنه قيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي وآمنوا بما أنزلت. الثاني: أن قوله تعالى: {مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ } يدل على ذلك. أما قوله: {بِمَا أَنزَلْتُ } ففيه قولان، الأقوى أنه القرآن وعليه دليلان. أحدهما: أنه وصفه بكونه منزلاً وذلك هو القرآن لأنه تعالى قال: {أية : نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَـٰبَ بِٱلْحَقّ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنجِيلَ } تفسير : [آل عمران: 3]. والثاني: وصفه بكونه مصدقاً لما معهم من الكتب وذلك هو القرآن. وقال قتادة: المراد {آمنوا بما أنزلت } من كتاب ورسول تجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل. أما قوله: {مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ } ففيه تفسيران: أحدهما: أن في القرآن أن موسى وعيسى حق وأن التوراة والإنجيل حق وأن التوراة أنزلت على موسى والإنجيل على عيسى عليهما السلام فكان الإيمان بالقرآن مؤكداً للإيمان بالتوراة والإنجيل فكأنه قيل لهم: إن كنتم تريدون المبالغة في الإيمان بالتوراة والإنجيل فآمنوا بالقرآن فإن الإيمان به يؤكد الإيمان بالتوراة والإنجيل. والثاني: أنه حصلت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن في التوراة والإنجيل فكأن الإيمان بمحمد وبالقرآن تصديقاً للتوراة والإنجيل، وتكذيب محمد والقرآن تكذيباً للتوراة والإنجيل، وهذا التفسير أولى لأن على التفسير الأول لا يلزم الإيمان بمحمد عليه السلام لأنه بمجرد كونه مخبراً عن كون التوراة والإنجيل حقاً لا يجب الإيمان بنبوته: أما على التفسير الثاني يلزم الإيمان به لأن التوراة والإنجيل إذا اشتملا على كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً فالإيمان بالتوراة والإنجيل يوجب الإيمان بكون محمد صادقاً لا محالة، ومعلوم أن الله تعالى إنما ذكر هذا الكلام ليكون حجة عليهم في وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فثبت أن هذا التفسير أولى. واعلم أن هذا التفسير الثاني يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من وجهين: الأول: أن شهادة كتب الأنبياء عليهم السلام لا تكون إلا حقاً، والثاني: أنه عليه السلام أخبر عن كتبهم ولم يكن له معرفة بذلك إلا من قبل الوحي. أما قوله: {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } فمعناه أول من كفر به أو أول فريق أو فوج كافر به أو ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به. ثم فيه سؤلان: الأول: كيف جعلوا أول من كفر به وقد سبقهم إلى الكفر به مشركو العرب؟ والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته ولأنهم كانوا هم المبشرون بزمان محمد صلى الله عليه وسلم والمستفتحون على الذين كفروا به فلما بعث كان أمرهم على العكس لقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ}. تفسير : [البقرة: 89]. وثانيها: يجوز أن يراد ولا تكونوا مثل أول كافر به يعني من أشرك من أهل مكة، أي ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة والإنجيل مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له. وثالثها: ولا تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب لأن هؤلاء كانوا أول من كفر بالقرآن من بني إسرائيل وإن كانت قريش كفروا به قبل ذلك. ورابعها: ولا تكونوا أول كافر به، يعني بكتابكم يقول ذلك ولعلمائهم: أي و لا تكونوا أول أحد من أمتكم كذلك كتابكم لأن تكذيبكم بمحمد صلى الله عليه وسلم يوجب تكذيبكم بكتابكم. وخامسها: أن المراد منه بيان تغليظ كفرهم وذلك لأنهم لما شاهدوا المعجزات الدالة على صدقه عرفوا البشارات الواردة في التوراة والإنجيل بمقدمه فكان كفرهم أشد من كفر من لم يعرف إلا نوعاً واحداً من الدليل والسابق إلى الكفر يكون أعظم ذنباً ممن بعده لقوله عليه السلام: «حديث : من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها» تفسير : فلما كان كفرهم عظيماً وكفر من كان سابقاً في الكفر عظيماً فقد اشتركا من هذا الوجه فصح إطلاق اسم أحدهما على الآخر على سبيل الاستعارة. وسادسها: المعنى ولا تكونوا أول من جحد مع المعرفة لأن كفر قريش كان مع الجهل لا مع المعرفة. وسابعها: أول كافر به من اليهود لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وبها قريظة والنضير فكفروا به ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر فكأنه قيل: أول من كفر به من أهل الكتاب وهو كقوله: {أية : وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [البقرة: 47، 122] أي على عالمي زمانهم. وثامنها: ولا تكونوا أول كافر به عند سماعكم بذكره بل تثبتوا فيه وراجعوا عقولكم فيه، وتاسعها: أن لفظ: «أول» صلة والمعنى ولا تكونوا كافرين به، وهذا ضعيف، السؤال / الثاني: أنه كان يجوز لهم الكفر إذ لم يكونوا أولاً، والجواب من وجوه: أحدها: أنه ليس في ذكر تلك الشيء دلالة على أن ما عداه بخلافه، وثانيها: أن في قوله: {وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ } دلالة على أن كفرهم أولاً وآخراً محظور، وثالثها: أن قوله: {أية : رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا } تفسير : [الرعد: 2] لا يدل على وجود عمد لا يرونها. وقوله: {أية : وَقَتْلِهِمُ ٱلأنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقّ } تفسير : [النساء: 155] لا يدل على وقوع قتل الأنبياء بحق. وقوله: عقيب هذه الآية: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً } لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير، فكذا ههنا، بل المقصود من هذه السياقة استعظام وقوع الجحد والإنكار ممن قرأ في الكتب نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم صفته. ورابعها: قال المبرد: هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم فقيل لهم لا تكفروا بمحمد فإنه سيكون بعدكم الكفار فلا تكونوا أنتم أول الكفار لأن هذه الأولية موجبة لمزيد الإثم وذلك لأنهم إذا سبقوا إلى الكفر فإما أن يقتدي بهم غيرهم في ذلك الكفر أو لا يكون كذلك. فإن اقتدى بهم غيرهم في ذلك الكفر كان لهم وزر ذلك الكفر ووزر كل من كفر إلى يوم القيامة، وإن لم يقتد بهم غيرهم اجتمع عليهم أمران، أحدهما: السبق إلى الكفر، والثاني: التفرد به، ولا شك في أنه منقصة عظيمة، فقوله: {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } إشارة إلى هذا المعنى. أما قوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً } فقد بينا في قوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ } تفسير : [البقرة: 16]، أن الاشتراء يوضع موضع الاستبدال فكذا الثمن يوضع موضع البدل عن الشيء، والعوض عنه، فإذا اختير على ثواب الله شيء من الدنيا فقد جعل ذلك الشيء ثمناً عند فاعله. قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن رؤساء اليهود مثل كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهدايا وعلموا أنهم لو اتبعوا محمداً لانقطعت عنهم تلك الهدايا، فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك القدر المحقر، وذلك لأن الدنيا كلها بالنسبة إلى الدين قليلة جداً فنسبتها إليه نسبة المتناهي إلى غير المتناهي، ثم تلك الهدايا كانت في نهاية القلة بالنسبة إلى الدنيا، فالقليل جداً من القليل جداً أي نسبة له إلى الكثير الذي لا يتناهى؟ واعلم أن هذا النهي صحيح سواء كان فيهم من فعل ذلك أو لم يكن، بل لو ثبت أن علماءهم كانوا يأخذون الرشا على كتمان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وتحريف ما يدل على ذلك من التوراة كان الكلام أبين، وأما قوله: {وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ } فيقرب معناه مما تقدم من قوله: {وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ } والفرق أن الرهبة عبارة عن الخوف، وأما الاتقاء فإنما يحتاج إليه عند الجزم بحصول ما يتقى منه فكأنه تعالى أمرهم بالرهبة لأجل أن جواز العقاب قائم، ثم أمرهم بالتقوى لأن تعين العقاب قائم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ} أي صدِّقوا؛ يعني بالقرآن. {مُصَدِّقاً} حال من الضمير في «أنزلت»؛ التقدير بما أنزلته مصدقاً؛ والعامل فيه أنزلت. ويجوز أن يكون حالاً من ما، والعامل فيه آمنوا؛ التقدير آمنوا بالقرآن مصدقاً. ويجوز أن تكون مصدرية؛ التقدير آمنوا بإنزال. {لِّمَا مَعَكُمْ} يعني من التوراة. قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} الضمير في «به» قيل هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم، قاله أبو العالية: وقال ٱبن جُريج: هو عائد على القرآن، إذ تضمنه قوله: {بِمَآ أَنزَلْتُ} وقيل: على التوراة، إذ تضمنها قوله: «لِما معكم». فإن قيل: كيف قال «كافر» ولم يقل كافرين؛ قيل: التقدير ولا تكونوا أوّل فريق كافر به. وزعم الأخفش والفرّاء أنه محمول على معنى الفعل؛ لأن المعنى أوّل من كفر به. وحكى سيبويه: هو أظرف الفتيان وأجمله؛ وكان ظاهر الكلام هو أظرف فتًى وأجمله. وقال: «أوّلَ كافرٍ به» وقد كان قد كفر قبلهم كفار قريش، فإنما معناه من أهل الكتاب؛ إذ هم منظور إليهم في مثل هذا؛ لأنهم حجة مظنون بهم عِلم. و «أوّل» عند سيبويه نصب على خبر كان. وهو مما لم ينطق منه بفعل؛ وهو على أفعل، عينه وفاؤه واو. وإنما لم ينطق منه بفعل لئلا يعتلّ من جهتين: العين والفاء؛ وهذا مذهب البصريين. وقال الكوفيون: هو مِن وَأَلَ إذا نجا؛ فأصله أَوأَل، ثم خُفِّفت الهمزة وأبدلت واواً وأدغمت فقيل أوّل، كما تخفف همزة خطيئة. قال الجوهري: «والجمع الأوائل والأوالي أيضاً على القلب. وقال قوم: أصله وَوَّل على فَوْعَل؛ فقلبت الواو الأولى همزة. وإنما لم يجمع على أواوِل لاستثقالهم ٱجتماع الواوين بينهما ألف الجمع». وقيل: هو أفعل من آل يؤول، فأصله أَأْوَل؛ قلب فجاء أعفل مقلوباً من أفعل، فسُهّل وأُبدل وأُدغم. مسألة: لا حُجَّةَ في هذه الآية لمن يمنع القول بدليل الخطاب، وهم الكوفيون ومن وافقهم؛ لأن المقصود من الكلام النهي عن الكفر أولاً وآخراً؛ وخصّ الأوّل بالذكر لأن التقدّم فيه أغلظ، فكان حكم المذكور والمسكوت عنه واحداً؛ وهذا واضح. قوله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُواْ} معطوف على قوله: {وَلاَ تَكُونُوۤاْ}. نهاهم عن أن يكونوا أوّل من كفر وألا يأخذوا على آيات الله ثمناً؛ أي على تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم رُشًى. وكان الأحبار يفعلون ذلك فنُهوا عنه؛ قاله قوم من أهل التأويل، منهم الحسن وغيره. وقيل: كانت لهم مآكل يأكلونها على العلم كالراتب؛ فنهُوا عن ذلك. وقيل: إن الأحبار كانوا يعلّمون دينهم بالأجرة فنُهوا عن ذلك. وفي كتبهم: يابنَ ٱدمَ عَلّم مَجّاناً كما عُلّمت مَجّاناً؛ أي باطلاً بغير أجرة؛ قاله أبو العالية. وقيل: المعنى ولا تشتروا بأوامري ونواهيّ وآياتي ثمناً قليلاً، يعني الدنيا ومدّتها والعيش الذي هو نزر لا خطر له؛ فسُمّى ما اعتاضوه عن ذلك ثمناً؛ لأنهم جعلوه عوضاً؛ فانطلق عليه ٱسم الثمن وإن لم يكن ثمناً. وقد تقدّم هذا المعنى. وقال الشاعر:شعر : إن كنتَ حاولتَ ذنباً أو ظفِرتَ به فما أصبتَ بترك الحج مِن ثَمَن تفسير : قلت: وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول مَن فعل فعلهم. فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله، أو ٱمتنع من تعليم ما وَجَب عليه، أو أداء ما علمه وقد تعيّن عليه حتى يأخذ عليه أجراً فقد دخل في مقتضى الآية. والله أعلم. وقد روى أبو داود عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَن تعلّم علماً مما يُبتغَى به وجه الله عز وجل لا يتعلّمه إلا ليصيب به عَرَضاً من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة»تفسير : يعني ريحها. الثانية: وقد ٱختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم ـ لهذه الآية وما كان في معناها ـ؛ فمنع ذلك الزُّهِريّ وأصحاب الرأي وقالوا: لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن؛ لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نيّة التقرّب والإخلاص؛ فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام. وقد قال تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}. وروى ٱبن عباس أن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : معلّمُو صبيانكم شراركم أقلهم رحمة باليتيم وأغلظهم على المسكين»"حديث : وروى أبو هريرة قال: قلت يا رسول الله ما تقول في المعلمين؟ قال: «درهمهم حرام وثوبهم سُحْت وكلامهم رياء»". "حديث : وروى عُبَادة بن الصّامت قال: علّمت ناساً من أهل الصُّفّة القرآن والكتابة، فأهدى إليّ رجل منهم قوساً؛ فقلت: ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله، فسألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال:«إنْ سرّك أن تُطَوَّق بها طوقاً من نار فٱقبلها»»تفسير : . وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء؛ لقوله عليه السلام في حديث ٱبن عباس ـ حديثِ الرُّقْيَة ـ: «حديث : إن أحقَّ ما أخذتم عليه أجراً كتابُ الله»تفسير : . أخرجه البخاري، وهو نصٌّ يرفع الخلاف، فينبغي أن يعوّل عليه. وأمّا ما ٱحتج به المخالف من القياس على الصلاة والصيام ففاسد؛ لأنه في مقابلة النص؛ ثم إن بينهما فُرقاناً، وهو أن الصلاة والصوم عباداتٌ مختصّة بالفاعل، وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلّم؛ فتجوز الأجرة على محاولته النقل كتعليم كتابة القرآن. قال ٱبن المنذر: وأبو حنيفة يكره تعليم القرآن بأجرة؛ ويجوِّز أن يستأجر الرجلَ يكتب له لوحاً أو شِعراً أو غناء معلوماً بأجرٍ معلوم؛ فيجوّز الإجارة فيما هو معصية ويبطلها فيما هو طاعة. وأما الجواب عن الآية ـ فالمراد بها بنو إسرائيل، وشَرْعُ مَن قبلنا هل هو شَرْع لنا؛ فيه خلاف، وهو لا يقول به. جواب ثان: وهو أن تكون الآية فيمن تعيّن عليه التعليم فأبى حتى يأخذ عليه أجراً. فأما إذا لم يتعيّن فيجوز له أخذ الأجرة بدليل السُّنّة في ذلك، وقد يتعيّن عليه إلا أن ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم وله أن يقبل على صنعته وحرفته. ويجب على الإمام أن يعين لإقامة الدِّين إعانته، وإلا فعلى المسلمين؛ لأن الصدّيق رضي الله عنه لما ولي الخلافة وعُيّن لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله، فأخذ ثياباً وخرج إلى السوق؛ فقيل له في ذلك، فقال: ومن أين أنفق على عيالي! فردّوه وفرضوا له كفايته. وأما الأحاديث فليس شيء منها يقوم على ساق، ولا يصح منها شيء عند أهل العلم بالنقل. أما حديث ٱبن عباس فرواه سعيد ابن طَريف عن عكرمة عنه؛ وسعيد متروك. وأما حديث أبي هريرة فرواه عليّ بن عاصم عن حماد بن سَلَمة عن أبي جرهم عنه؛ وأبو جرهم مجهول لا يعرف، ولم يرو حماد بن سَلَمة عن أحد يقال له أبو جرهم، وإنما رواه عن أبي المُهَزِّم وهو متروك الحديث أيضاً، وهو حديث لا أصل له. وأما حديث عُبَادة بن الصامت فرواه أبو داود من حديث المغيرة بن زياد الموصليّ عن عبادة بن نُسيّ عن الأسود بن ثعلبة عنه؛ والمغيرة معروف عند أهل العلم ولكنه له مناكير، هذا منها؛ قاله أبو عمر. ثم قال: وأما حديث القوس فمعروف عند أهل العلم؛ لأنه روي عن عبادة من وجهين، وروي عن أبَيّ بن كعب من حديث موسى بن عليّ عن أبيه عن أُبِيّ، وهو منقطع. وليس في الباب حديث يجب العمل به من جهة النقل، وحديث عبادة وأُبَي يحتمل التأويل؛ لأنه جائز أن يكون علّمه لله ثم أخذ عليه أجراً. وروي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال:«حديث : خير الناس وخير من يمشي على جديد الأرض المعلّمون كلما خلق الدِّين جدّدوه أُعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم فإن المعلم إذا قال للصبيّ: قل: بسم الله الرحمن الرحيم فقال الصبي: بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءة للصبيّ وبراءة للمعلم وبراءة لأبويه من النار».تفسير : الثالثة: وٱختلف العلماء في حكم المصلّي بأجرة؛ فروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة خلف من ٱسُتْؤجِر في رمضان يقوم للناس؛ فقال: أرجو ألا يكون به بأس؛ وهو أشد كراهة له في الفريضة. وقال الشافعي وأصحابه وأبو ثور: لا بأس بذلك ولا بالصلاة خلفه. وقال الأوزاعي: لا صلاة له. وكرهه أبو حنيفة وأصحابه؛ على ما تقدّم. قال ٱبن عبد البر: وهذه المسألة معلَّقة من التي قبلها وأصلهما واحد. قلت: ويأتي لهذا أصل آخر من الكتاب في «براءة» إن شاء اللَّه تعالى. وكره ٱبن القاسم أخذ الأجرة على تعليم الشعر والنحو. وقال ٱبن حبيب: لا بأس بالإجارة على تعليم الشعر والرسائل وأيام العرب؛ ويكره من الشعر ما فيه الخمر والخنا والهجاء. قال أبو الحسن اللَّخْمِيّ: ويلزم على قوله أن يُجيز الإجارة على كتبه ويُجيز بيع كتبه. وأما الغناء والنَّوح فممنوع على كل حال. الرابعة: روى الدارميّ أبو محمد في مسنده أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدّثنا محمد بن عمر بن الكُمَيْت قال حدثنا علي بن وهب الهمدانيّ قال أخبرنا الضحاك بن موسى قال: مرّ سليمان بن عبد الملك بالمدينة ـ وهو يريد مكة ـ فأقام بها أياماً؛ فقال: هل بالمدينة أحد أدرك أحداً من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم؟ قالوا له: أبو حازم؛ فأرسل إليه؛ فلما دخل عليه قال له: يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟ قال أبو حازم: يا أمير المؤمنين وأيّ جفاء رأيت مني؟ قال: أتاني وجوه أهل المدينة ولم تأتني! قال: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن، ما عَرَفتني قبل هذا اليوم ولا أنا رأيتك! قال: فالتفت إلى محمد بن شهاب الزهريّ فقال: أصاب الشيخ وأخطأت. قال سليمان: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟! قال: لأنكم أخربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب؛ قال: أصبت يا أبا حازم، فكيف القدوم غداً على الله تعالى؟ قال: أمّا المحسن فكالغائب يَقْدَم على أهله، وأمّا المسيء فكالآبق يَقْدَم على مولاه. فبكى سليمان وقال: ليت شعري! ما لنا عند الله؟ قال: أعرض عملك على كتاب الله. قال: وأيّ مكان أجده؟ قال: {أية : إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيم. وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ }تفسير : [الانفطار: 13 ـ 14]. قال سليمان: فأين رحمة اللَّه يا أبا حازم؟ قال أبو حازم: رحمة اللَّه قريب من المحسنين. قال له سليمان: يا أبا حازم، فأيّ عباد اللَّه أكرم؟ قال: أولو المروءة والنُّهى. قال له سليمان: فأيّ الأعمال أفضل؟ قال أبو حازم: أداء الفرائض مع ٱجتناب المحارم. قال سليمان: فأي الدعاء أسمع؟ قال: دعاء المحسَن إليه للمحسِن. فقال؛ أيّ الصدقة أفضل؟ قال: للسائل البائس، وجُهْد المُقِلّ، ليس فيها مَنٌّ ولا أذًى. قال: فأيّ القول أعدل؟ قال: قولُ الحق عند مَن تخافه أو ترجوه. قال: فأيّ المؤمنين أكْيَس؟ قال: رجلٌ عَمِل بطاعة الله ودلّ الناس عليها. قال: فأيّ المؤمنين أحمق؟ قال: رجل ٱنحطّ في هوَى أخيه وهو ظالم، فباع آخرته بدنيا غيره. قال له سليمان: أصبتَ، فما تقول فيما نحن فيه؟ قال: يا أمير المؤمنين أوَ تُعضيني؟ قال له سليمان: لا! ولكن نصيحة تُطقيها إلي. قال: يا أمير المؤمنين: إن آباءك قهروا الناس بالسيف، وأخذوا هذا المُلْكَ عَنْوَةَ على غير مَشُورة من المسلمين ولا رضاهم، حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة؛ فقد ٱرتحلوا عنها، فلو شعرتَ ما قالوه وما قيل لهم! فقال له رجل من جلسائه: بئس ما قلت يا أبا حازم! قال أبو حازم: كذبتَ، إن الله أخذ ميثاق العلماء لَيُبَيِّنُنَّه للناس ولا يكتمونه. قال له سليمان: فكيف لنا أن نُصلح؟ قال: تدَعون الصَّلَف وتمسّكُون بالمرؤة وتقسمون بالسّويّة. قال له سليمان: فكيف لنا بالمأخذ به؟ قال أبو حازم: تأخذه مِن حِلّه وتضعه في أهله. قال له سليمان: هل لك يا أبا حازم أن تَصْحَبنا فتُصيبَ منا وُنصيبَ منك؟ قال: أعوذ بالله! قال له سليمان: ولم ذاك؟ قال: أخشى أن أركن إليكم شيئاً قليلاً فيُذيقني الله ضِعفَ الحياة وضعف الممات. قال له سليمان: ارفع إلينا حوائجك. قال: تنجيني من النار وتدخلني الجنة. قال له سليمان: ليس ذاك إلي! قال له أبو حازم: فمالي إليك حاجة غيرها. قال: فٱدع لي. قال أبو حازم: اللهُمّ إن كان سليمان وَلِيّك فيَسِّرْه لخير الدنيا والآخرة، وإن كان عدوّك فخذ بناصيته إلى ما تحبّ وترضى. قال له سليمان: قَط! قال أبو حازم: قد أوجزتُ وأكثرتُ إن كنت من أهله، وإن لم تكن من أهله فما ينبغي أن أرمي عن قَوس ليس لها وَتَر. قال له سليمان: أوْصني؛ قال: سأُوصيك وأُوجِز: عظِّم ربك، ونَزِّهه أن يراك حيث نهاك، أو يفقدك حيث أمرك. فلما خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار، وكتب (إليه) أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير. قال: فردّها عليه وكتب إليه: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن يكون سؤالك إيّاي هَزْلاً أو ردّي عليك بَذْلاً، وما أرضاها لك، فكيف (أرضاها) لنفسي! إن موسى بن عِمران لما وَرَد ماءَ مَدْين وجد عليه رِعاءً يَسقون، ووجد من دونهم جاريتين تذودان (فسألهما، فقالتا: لا نَسقي حتى يُصدر الرِّعاء وأبونا شيخ كبير)؛ فسقى لهما ثم تولّى إلى الظلّ فقال: رَبّ إني لِمَا أنزلتَ إليّ من خير فقير. وذلك أنه كان جائعاً خائفاً لا يأمن، فسأل ربّه ولم يسأل الناس. فلم يفطن الرعاء، وفطنت الجاريتان. فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصة وبقوله. فقال أبوهما وهو شعيب عليه السلام: هذا رجل جائع. فقال لإحداهما: اذهبي فٱدعيه. فلما أتته عظّمته وغطّت وجهها وقالت: إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا؛ فشقّ على موسى حين ذكرت {أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} ولم يجد بُدًّا من أن يتبعها؛ لأنه كان بين الجبال جائعاً مستوْحشاً. فلما تبعها هبّت الريح فجعلت تصفّق ثيابها على ظهرها فتصِفُ له عجيزتها ـ وكانت ذات عَجُز ـ وجعل موسى يُعرِض مَرّة ويغضّ أخرى؛ فلما عِيل صبره ناداها: يا أَمَةَ الله كوني خلفي، وأرِيني السّمت بقولك. فلما دخل على شُعَيب إذ هو بالعَشاء مُهَيَّأ؛ فقال له شعيب: اجلس يا شاب فتعشّ؛ فقال له موسى عليه السلام: أعوذ بالله! فقال له شعيب: لِم! أمَا أنت جائع؟ قال: بلى، ولكني أخاف أن يكون هذا عِوضاً لمَا سقيتُ لهما، وأنا مِن أهل بيت لا نبيع شيئاً من ديننا بملء الأرض ذهباً. فقال له شعيب: لا يا شابّ، ولكنها عادتي وعادة آبائي: نَقْرِي الضيف ونطعم الطعام؛ فجلس موسى فأكل. فإن كانت هذه المائة دينار عوضاً لما حدّثتُ فالميتة والدّمُ ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحلّ من هذه، وإن كان لحق في بيت المال فلي فيها نظراء؛ فإن ساوَيْت بيننا وإلا فليس لي فيها حاجة. قلت: هكذا يكون الاقتداء بالكتاب والأنبياء. انظروا إلى هذا الإمام الفاضل والحبر العالم كيف لم يأخذ على عمله عِوَضاً، ولا على وصيّته بَدْلاً، ولا على نصيحته صَفَداً؛ بل بيّن الحق وصَدَع، ولم يلحقه في ذلك خوف ولا فَزَع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يمنعنّ أحدكم هيبةُ أحد أن يقول أو يقوم بالحق حيث كان»تفسير : . وفي التنزيل: {يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاۤئِمٍ}. قوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ} قد تقدّم معنى التقوى. وقرىء «فٱتقّوني» بالياء، وقد تقدّم. وقال سهل بن عبد اللَّه: قوله: {وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ} قال: موضع علمي السابق فيكم. {وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} قال: موضع المكر والاستدراج؛ لقول الله تعالى: {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الأعراف: 182]، وقوله: {أية : فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 99]. فما ٱستثنى نبِيًّا ولا صدّيقاً.

البيضاوي

تفسير : {وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ} إفراد للإيمان بالأمر به والحث عليه لأنه المقصود والعمدة للوفاء بالعهود، وتقييد المنزل بأنه مصدق لما معهم من الكتب الإلهية من حيث إنه نازل حسبما نعت فيها، أو مطابق لها في القصص والمواعيد والدعاء إلى التوحيد والأمر بالعبادة والعدل بين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش، وفيما يخالفها من جزئيات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في المصالح من حيث إن كل واحدة منها حق بالإضافة إلى زمانها، مراعى فيها صلاح من خوطب بها، حتى لو نزل المتقدم في أيام المتأخر لنزل على وفقه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام «لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي»، تنبيه على أن اتباعها لا ينافي الإيمان به، بل يوجبه ولذلك عرض بقوله: {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} بأن الواجب أن يكونوا أول من آمن به، ولأنهم كانوا أهل النظر في معجزاته والعلم بشأنه والمستفتحين به والمبشرين بزمانه. و {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} وقع خبراً عن ضمير الجمع بتقدير: أول فريق أو فوج، أو بتأويل لا يكن كل واحد منكم أول كافر به، كقولك: كسانا حلة فإن قيل كيف نهوا عن التقدم في الكفر وقد سبقهم مشركو العرب؟ قلت المراد به التعريض لا الدلالة على ما نطق به الظاهر، كقولك: أما أنا فلست بجاهل، أو لا تكونوا أول كافر به. من أهل الكتاب، أو ممن كفر بما معه فإن من كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدقه، أو مثل من كفر من مشركي مكة. و {أَوَّلُ }: أفعل لا فعل له، وقيل: أصله أو أل من وأل، فأبدلت همزته واواً تخفيفاً غير قياسي أو أأول من آل فقُلِبت همزته واواً وأدغمت. {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً} ولا تستبدلوا بالإيمان بها والاتباع لها حظوظ الدنيا، فإنها وإن جلت قليلة مسترذلة بالإضافة إلى ما يفوت عنكم من حظوظ الآخرة بترك الإيمان. قيل: كان لهم رياسة في قومهم ورسوم وهدايا منهم، فخافوا عليها لو اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختاروها عليه. وقيل: كانوا يأخذون الرشى فيحرفون الحق ويكتمونه. {وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ} بالإيمان واتباع الحق والإعراض عن الدنيا. ولما كانت الآية السابقة مشتملة على ما هو كالمبادي لما في الآية الثانية، فصلت بالرهبة التي هي مقدمة التقوى، ولأن الخطاب بها عم العالم والمقلد. أمرهم بالرهبة التي هي مبدأ السلوك، والخطاب بالثانية لما خص أهل العلم، أمرهم بالتقوى التي هي منتهاه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ } من القرآن {مُصَدِّقاً لّمَا مَعَكُمْ } من التوراة بموافقته له في التوحيد والنبوّة {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } من أهل الكتاب لأن خَلَفَكم تَبَعٌ لكم فإثمهم عليكم {وَلاَ تَشْتَرُواْ } تستبدلوا {بِآيَٰتِي } التي في كتابكم من نعت محمد صلى الله عليه وسلم {ثَمَناً قَلِيلاً } عرضاً يسيراً من الدنيا أي لا تكتموها خوف فوات ما تأخذونه من سفلتكم {وَإِيَّٰىَ فَٱتَّقُونِ } خافون في ذلك دون غيري.

ابن عبد السلام

تفسير : {بِمَآ أَنزَلْتُ} على محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} من التوراة في التوحيد ولزوم الطاعة، أو مصدقاً لما فيها من أنها من عند الله، أو لما فيها من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. {أَوَّلَ كَافِرِ} بالقرآن من أهل الكتاب، أو بمحمد صلى الله عليه وسلم، أو بما في التوراة والإنجيل من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. {ثَمَناً قَلِيلاً} لا تأخذوا عليه أجراً، وفي كتابهم "يا ابن آدم عَلم مجاناً كما عُلمت مجاناً"، أو لا تأخذوا على تغييره وتبديله ثمناً، أو لا تأخذوا ثمناً على كتم ما فيه من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ...}. قال ابن عرفة: الظّاهر أن المراد به تصديق (الرّسل والإيمان بهم) والمراد بقوله "وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي" الإيمان بالله وتوحيده. والعهد يوم {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ }. تفسير : قيل لابن عرفة: الإيمان (بالرسل) يستلزم التوحيد؟ فقال: الصحيح أن التوحيد واجب بالعقل لا بالسمع. فقال الطيبي: هذا من عطف الخاص على العام (أو من عطف الأخص على الأعم) لأن الوفاء بالعهد مطلق. قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُوۤاْ...}. دليل لمن يقول: إن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده، لأنه داخل في ضمن قوله {وَءَامِنُواْ}. قال ابن عطية: وهذا (من) مفهوم الخطاب الذي المذكور فيه والمسكوت عنه حكمها واحد. قال ابن عرفة: (بمعنى) أنه يدل بمفهوم الموافقة، وهو مفهوم أحرى على (النهي) على كفرهم (على الإطلاق). قال ابن عرفة: ليس هذا مفهوم الموافقة (وإنّما هو فهم مثل الحكم) المنطوق به في المسكوت عنه، ذكره ابن التلمساني في المسألة السابعة من باب الأوامر (ونسبه) إلى ظن وقطع. قال الزمخشري: ومعنى الآية: ولا تكونوا مثل أول كافر به. قال ابن عرفة: إنما قال ذلك لأن كفرهم به قد وقع في الوجود إما قبل كفر غيرهم أو بعده، فالنهي عنه من تكليف ما لا يطاق وهو (عنده) غير جائز فلذلك قدر المضاف. قوله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً...}. عظم الآيات بالجمع والإضافة إليه إضافة تشريف وحقر الثمن بالإفراد، والوصف بالقلة، فهو حقير في قدره (وفي صفته).

ابن عادل

تفسير : قوله: "ما" يجوز أن تكون بمعنى "الذي"، والعائد محذوف، أي: بالذي أنزلته، ويجوز أن تكون مصدرية، والمصدر واقع موقع المفعول أي: [بالمنزل]. و"مصدقاً" نصب على الحال، وصاحبها العائد المَحْذُوف. وقيل: صحابها "ما"، والعامل فيها "آمنوا"، وأجاز بعضهم أن تكون "ما" مصدرية من غير جعله المصدر واقعاً موقع مفعول به، وجعل "لما معكم" من تمامه، أي: بإنزالي لما معكم، وجعل "مصدقاً" حالاً من "ما" المجرورة باللاَّم قدمت عليها، وإن كان صاحبها مجروراً؛ لأن الصَّحيح جواز تقديم حال المجرور بحرف الجر عليه؛ كقوله [الطويل] شعر : 431ـ فَإِنْ يَكُ أَذْوَادٌ أُصِبْنَ وَنِسْوَةٌ فَلَنْ تَذْهَبُوا فِزْغاً بِقَتْلِ حِبَالِ تفسير : "فِرْغاً" حال من "بِقَتْل"، وأيضاً فهذه "اللام" زائدة، فهي في حكم المطرح، و"مصدقاً" حال مؤكّدة؛ لأنه لا تكون إلا كذلك. والظاهر أن "ما" بمعنى "الذي" وأن "مصدقاً" حال من عائد الموصول، وأن اللاّم في "لما" مقوية لتعدية "مصدقاً" لـ "ما" الموصولة بالظَّرْفِ. فصل في بيان المخاطبين في الآية اعلم أن المخاطبين بقوله: "وآمنوا" هم بنو إسرائيل لعطفه على قوله: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ}، ولقوله: {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ}. وقوله: "بِمَا أَنْزَلت" فيه قولان: أحدهما: أنه القرآن؛ لأنه وصفه بكونه منزلاً، وبكونه مصدقاً لما معهم. والثاني: قال قَتَادَةُ: بما أنزلت من كتاب ورسول تجدونه مكتوباً في التَّوراة، والإنجيل. ومن جعل "ما" مصدرية قدّرها بـ"إنزالي لما معكم" يعني: التوراة. وقوله: {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} فيه تفسيران: أحدهما: أن في القرآن أنَّ موسى وعيسى حَقّ، والتوراة والإنجيل حَقّ، فالإيمان بالقرآن مؤكّد للإيمان بالتوارة والإنجيل. والثاني: أنه حصلت البِشَارَةُ بمحمد ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ وبالقرآن في التوراة والإنجيل، فكان الإيمان بالقرآن، وبمحمد تصديقاً للتوراة والإنجيل، وتكذيب محمد والقرآن تكذيبٌ للتوراة والإنجيل. قال ابن الخطيب: وهذا التفسير يدلّ على نبوة محمد ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ من وجهين: الأول: أن شهادة كتب الأنبياء ـ عليهم الصَّلاة والسَّلام ـ لا تكون إلا حقّاً. والثاني: أنه ـ عليه الصلاة والسَّلام ـ لم يقرأ كتبهم، ولم يكن له معرفة بذلك إلاَّ من قبل الوحي. قوله: {وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}. "أول" خبر كان، وفيه أربعة أقوال: أحدهما ـ وهو مذهب سيبويه -: أنه "أفعل"، وأن فاءه وعينه واو، وتأنيثه "أُوْلَى"، وأصلها: "وُوْلَى"، فأبدلت الواو همزة وجوباً، وليست مثل "وُورِي" في عدم قلبها لسكون الواو بعدها، لأن واو "أُوْلَى" تحركت في الجمع في قولهم "أوْل"، فحمل المفرد على الجمع في ذلك، ولم يتصرف من "أول" فعل لاستثقاله. وقيل: هو من "وأل" إذا نجا، ففاؤه واو، وعينه همزة، وأصله: "أوأل" فخففت بأن قلبت الهمزة واواً، وأدغمت الواو الأولى فيها فصار: "أول"، وهذا ليس بقياس تخفيفه، بل قياسه أن تلقى حركة الهمزة على "الواو" الساكنة، وتحذف الهمزة، ولكنهم شبهوه بـ "خَطِية وَبَرِية" وهو ضعيف، والجمع: "أوَائِل" و "أَوَالي" أيضاً على القلب. وقيل: هو من "آلَ ـ يَئُولُ" إذا رجع، وأصله: "أَأْوَل" بهمزتين، الأولى زائدة والثانية فاؤه، ثم قلبت فأخرت الفاء بعد العين فصار: "أَوْأَل" بوزن "أَعْفَل"، ثم فعل به ما فعل في الوجه الذي قبله من القلب والإدْغَام، وهو أضعف منه. وقيل: هو "وَوّل" بوزن "فَوْعَل"، فأبدلت الواو الأولى همزة، وهذا القول أضعفها؛ لأنه كان ينبغي أن ينصرف، والجمع "أوائل"، والأصل: "وواول" فقلبت الأولى همزة لما تقدم، والثالثة أيضاً لوقوعها بعد ألف الجمع، وإنما لم يجمع على "أواول" لاستثقالهم اجتماع واوين بينهما ألف الجمع. واعلم أن "أوّل" "أفعل" تفضيل، و "أفعل" التفضيل إذا أضيف إلى نكرة كان مفرداً مذكراً مطلقاً، ثم النكرة المضاف إليها "أفعل"، إما أن تكون جامدةً أو مشتقةً، فإن كانت جامدة طابقت ما قبلها نحو: الزّيدان أفضلُ رجلين، الزيدون أفضلُ رجال، الهندات أفضلُ نسوة. وأجاز المبرد إفرادها مطلقاً. وإن كانت مشتقة، فالجمهور أيضاً على وجوب المطابقة، نحو: "الزيدون أفضلُ ذاهبين وأكرمُ قادمين"، وأجاز بعضهم المُطَابقة وعدمها؛ أنشد الفراء: [الكامل] شعر : 432ـ وَإِذَا هُمُ طَعِمُوا فَأَلأَمُ طَاعِمٍ وَإِذَا هُمْ جَاعُوا فَشَرُّ جِيَاع تفسير : فأفرد في الأول، وطابق في الثاني، ومنه عندهم: {وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}[البقرة:41]. إذا تقرر هذا، فكان ينبغي على قول الجمهور أن يجمع "كافر"، فأجابوا عن ذلك بأوجه: أجودها: أن "أفْعَل" في الآية، وفي البيت مُضَاف لاسم مفرد مفهم للجمع حذف، وبقيت صفته قائمةً مقامه، فجاءت النكرة المضاف إليها "أفعل" مفردة اعتباراً بذلك الموصوف المحذوف، والتقدير: ولا تكونوا أوّل فريق ـ أو فَوْجٍ ـ كافر، وكذا "فألأم فرق طاعم"، وقيل: لأنه في تأويل: {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}. وقيل: لأنه في معنى: لا يكن كل واحد منكم أول كافر، كقولك: كَسَانَا حُلّة أي: كل واحد منَّا، ولا مفهوم لهذه الصفة هنا، فلا يراد: ولا تكونوا أول كافر، بل آخر كافر؛ لأن ذكر الشّيء ليس فيه دلالة على أن ما عداه بخلافه. وأيضاً فقوله: {وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} دليل على أن كفرهم أولاً وآخراً محظور، وأيضاً فقوله: {أية : رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا}تفسير : [الرعد:2] لا يدلّ على وجود عَمَدٍ لا يرونها، وقوله: {أية : وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ}تفسير : [آل عمران:181] لا يدلّ على وقوع قتل الأنبياء بحق. وقوله بعد هذه الآية: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَٰتِي ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة:41] لا يدلّ على إبَاحَةِ ذلك بالثّمن الكثير، فكذا هاهنا، ولما اعتقد بعضهم أن لها مفهوماً احتاج إلى تأويل جعل "أول" زائداً، قال تقديره: ولا تكونوا كافرين به، وهذا ليس بِشَيْءٍ، وقدّره بعضهم بأن ثَمَّ معطوفاً محذوفاً تقديره: ولا تكونوا أوّل كافر به، ولا آخر كافر، ونصّ على الأول؛ لأنه أفحش للابتداء به؛ وهو نظير قوله: [الرمل] شعر : 433ـ مِنْ أُنَاسٍ لَيْسَ في أَخْلاَقِهِمْ عَاجِلُ الفُحْشِ وَلاَ سُوءُ الجَزَعْ تفسير : لا يريد أن فيهم فحشاً آجلاً، بل يريد لا فحش عندهم لا عاجلاً ولا آجلاً. والهاء في "به" تعود على "ما أنزلت". وقيل: على "ما معكم". وقيل: على الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن التنزيل يستدعي منزلاً إليه. وقيل: على النعمة ذهاباً بها إلى معنى الإحسان. فإن قيل: كيف جعلوا أوّل من كفر به، وقد سبقهم إلى الكُفْرِ به مشركو العرب؟ فالجواب: من وجوه: أحدها: أن هذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أوّل من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته؛ لأنهم كانوا هم المبشّرين بزمان محمد ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ والمُسْتفتحين على الذين كفروا به، فلمّا بعث كان أمرهم على العكس لقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ}تفسير : [البقرة:89]. وثانيها: المُرَاد: ولا تكونوا مثل أو كافر به، يعني: من أشرك من أهل "مكة"، أي أنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة والإنجيل، فلا تكونوا مثل من لم يعرفه، وهو مشرك لا كتاب له. وثالثها: ولا تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب؛ لأن هؤلاء كانوا أول من كفر بالقرآن من بني إسرائيل، وإن كانت قريش كَفَرَتْ به قبل ذلك. ورابعها: ولا تكونوا أول كافر به، يعني بكتابكم يقول ذلك لعلمائهم، أي: ولا تكونوا أول أحد من أمتكم كذب كتابكم؛ لأن تكذيبكم بمحمد صلى الله عليه وسلم يوجب تَكْذِيبَكُمْ بكتابكم. وخامسها: ولا تكونوا أوّل كافر به عند سَمَاعكم بذكره، بل تثبَّتوا فيه، وراجعوا عقولكم فيه. قوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَٰتِي ثَمَناً قَلِيلاً}. "بآياتي" متعلّق بالاشتراء وضمن الاشتراء معنى الاستبدال، فلذلك دخلت الباء على الآيات، وكان القياس دخولها على ما هو ثَمَن؛ لأن الثمن في البيع حقيقته أن يشتري به، لا أن يشترى، لكن لما دخل الكلام معنى الاستبدال جاز ذلك؛ لأن معنى الاستبدال أن يكون المنصوب فيه حاصلاً والمجرور بالباء زائلاً. وقد ظنّ بعضهم أن قولك: "بدلت الدِّرْهَمَ بالدينار" وكذا: "أبدلت" أيضاً أن الدينار هو الحاصل، والدرهم هو الزَّائل، وهو وهم؛ ومن مجيء "اشترى" بمعنى "استبدل" قوله: [الجز] شعر : 434ـ كَمَا اشْتَرَى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرَا تفسير : وقول الآخر: [الطويل] شعر : 435ـ فَإِنْ تَزْعُمِيني كُنْتُ أَجْهَلُ فيكُمُ فَإِنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بِالجَهْلِ تفسير : وقال المهدوي: دخول "الباء" على "الآيات" كدخولها على "الثَّمن"، وكذلك كل ما لا عَيْنَ فيه، وإذا كان في الكلام دَرَاهم أو دنانير دخلت الباء على الثمن، قاله الفرّاء، يعني أنه إذا لم يكن في الكلام دِرْهَمٌ ولا دينار صحّ أن يكون كلّ من العوضين ثمناً، ومثمناً، لكن يختلف ذلك بالنسبة إلى المُتَعَاقدين، فمن نسب الشراء إلى نفسه أدخل الباء على ما خرج منه، وزال عنه، ونصب ما حصل له، فتقول "اشتريت هذا الثَّوْبَ بهذا العبد". وأما إذا كان ثَمّ دراهم أو دنانير كان ثمناً ليس إلا، نحو "اشتريت الثوب بالدرهم"، ولا تقول: "اشتريت الدِّرْهَمَ بالثوب". وقدر بعضهم مضافاً فقال: بتعليم آياتي؛ لأن الآيات نفسها لا يُشْتَرَى بها، ولا حَاجَةَ إلى ذلك؛ لأن معناه الاستبدال كما تقدم. و"ثمناً" مفعول به، و "قليلاً" صفته. و"إيَّايَ فَاتَّقُونِ" كقوله: {أية : وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ}تفسير : [البقرة:40]. وقال هنا: "فَاتَّقُونِ" وهناك: "فَارْهَبُونِ" لأن ترك المأمور به هناك معصية، وهي ترك ذكر النعمة والإيفاء بالعَهْد، وهنا ترك الإيمان بالمنزل والاشتراء به ثمناً قليلاً كفر، فناسب ذكر الرهب هناك؛ لأنه أخف يجوز العفو عنه لكونه معصية، وذكر التقوى هنا؛ لأنه كفر لا يجوز العفو عنه؛ لأن التقوى اتخاذ الوقاية لما هو كائن لا بُدّ منه. فصل في الباعث على كفر زعماء اليهود قال ابن عباس: إن رؤساء اليهود مثل كَعْب بن الأَشْرَف وحُيَي بن أَخْطَبَ وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهَدَايا، وعلموا أنهم لو اتبعوا محمداً لانقطعت عنه تلك الهدايا، فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك القَدْرُ المحتقر. قال القرطبي: في تفسيره: هذه الآية وإن كانت خاصّة ببني إسرائيل، فهي تتناول من فعل فعلهم، فمن أخذ رِشْوَةً على تغيير حق، أو إبطاله، أو امتنع من تعليم ما وجب عليه، أو أداء ما علمه، وقد تعيّن عليه حتى يأخذ عليه أجراً، فقد دخل في مقتضى الآية. وروى أبو داود عن أبي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من تَعَلَّم علماً مما يبتغي به وَجْه الله لا يتعلَّمُهُ إلا لِيُصِيبَ به غرضاً من الدنيا لم يَجِدْ عرفَ الجَنَّةِ يوم القِيَامَةِ"تفسير : يعني: ريحَهَا. وقد اختلف العلماء في أخذ الأُجْرة على تعليم القرآن والعلم، فمنع ذلك الزّهري، وأصحاب الرأي وقالوا: لا يجوز أخذ الأُجْرة على تعليم القُرْآن؛ لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نِيَّةِ التقرب، فلا يؤخذ عليها أجره كالصَّلاة والصيام. واستدلوا بالآية [حديث : وروى أبو هريرة قال: قلت: يا رسول الله ما تقول في المُعَلِّمِينَ؟ قال: "درهمهم حَرَام، وشربهم سُحْتٌ وكلامهم رِيَاءٌ". تفسير : وروى عبادة بن الصامت قال: حديث : علمت ناساً من أهل الصفّة القرآن والكتابة، فأهدى إليّ رجل منهم قَوْساً، فقلت: ليست بمال [وأرمي] عنها في سبيل الله، فسألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنْ سَرَّكَ أن تُطَوَّقَ بها طَوْقاً من نارٍ فاقْبَلْهَا". تفسير : وأجاز أخذ الأُجْرَةِ على تعليم القرآن مالكُ، والشَّافعي، وأحمد، وأبو ثور، وأكثر العلماء، لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث الرُّقية: "حديث : إنَّ أَحَقّ ما أَخَذْتُمْ عليه أجراً كِتَابُ الله"تفسير : أخرجه البُخَاري، وهو نصّ [برفع الخلاف، فينبغي أن يُعَوّل عليه]. وأما حُجّة [المخالفين] فقياسهم في مقابلة النَّص، وهو قادر، ويمكن الفرق، وهو أن الصَّلاة والصَّوم عبادات مُخْتَصَّة بالفاعل، وتعليم القرآن عبادة متعدّية لغير المعلم، فيجوز الأجرة على مُحَاولته النقل كتعليم كتابة القرآن. قال ابن المنذر، وأبو حنيفة: يُكْره تعليم القرآن بأجرة، ويجوز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحاً أو شعراً أو غناء معلوماً بأجر معلوم، فيجوز الإجارة فيما هو مَعْصية، ويبطلها فيما هو طَاعَةٌ. وأما الآية فهي خَاصَّة ببني إسرائيل، وشرع من قبلنا هل هو شرعٌ لنا؟ فيه خلاف، وهو لا يقول به، ويمكن أن تكون الآية فيمن تعيّن عليه التَّعْليم، فأبى حتى يأخذ عليه أجراً. فأما إذا لم يتعيّن فيجوز له أخذ الأُجرة بدليل السُّنّة في ذلك، وقد يتعيّن عليه إلاّ أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه، ولا على عِيَالِهِ، فلا يجب عليه التَّعليم، وله أن يقبل على صِنْعَتِهِ وحِرْفَتِهِ. [وأما أحاديثهم فلا يصح منها شيء في الدليل].

ابو السعود

تفسير : {وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ} أفرد الإيمانَ بالقرآن بالأمر به لما أنه العُمدةُ القصوى في شأن الوفاء بالعهود {مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ} من التوراة، والتعبـير عنها بذلك للإيذان بعلمهم بتصديقه لها، فإن المعيةَ مِئنّةٌ لتكرر المراجعة إليها والوقوفِ على ما في تضاعيفها المؤدي إلى العلم بكونه مصدقاً لها ومعنى تصديقِه للتوراة أنه نازلٌ حسبما نُعت فيها أو من حيث أنه موافقٌ لها في القصص والمواعيدِ والدعوة إلى التوحيد والعدلِ بـين الناس والنهي عن المعاصي والفواحش: وأما ما يتراءىٰ من مخالفته لها في بعض جزئياتِ الأحكام المتفاوتةِ بحسَب تفاوتِ الأعصارِ فليست بمخالفةٍ في الحقيقة، بل هي موافِقة لها من حيث إن كلاً منها حقٌّ بالإضافة إلى عصره وزمانِه، متضمِّنٌ للحكم التي عليها يدور ذلك التشريع، وليس في التوراة دلالة على أبدية أحكامِها المنسوخةِ حتى يخالفَها ما ينسخها، وإنما تدلُّ على مشروعيتها مطلقاً من غير تعرُّضٍ لبقائها وزوالها، بل نقول هي ناطقةٌ بنسخ تلك الأحكام، فإن نُطقها بصحة القرآن الناسخِ لها نطقٌ بنسخها، فإذن مناطُ المخالفة في الأحكام المنسوخةِ إنما هو اختلافُ العصر حتى لو تأخَّر نزولُ المتقدّم لنزلَ على وَفْق المتأخِّر ولو تقدم نزولُ المتأخر لوافق المتقدّمَ قطعاً، ولذلك قال عليه السلام: «حديث : لو كان موسى حياً لما وسِعه إلا اتّباعي» تفسير : وتقيـيدُ المُنْزَلِ بكونه مصدقاً لما معهم لتأكيد وجوبِ الامتثالِ بالأمر فإن إيمانهم بما معهم مما يقتضي الإيمانَ بما يصدِّقه قطعاً. {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} أي لا تسارعوا إلى الكفر به، فإن وظيفتكم أن تكونوا أولَ من آمن به لما أنكم تعرِفون شأنَه وحقِّيتَه بطريق التلقي مما معكم من الكتُب الإلهيةِ كما تعرِفون أبناءكم، وقد كنتم تستفتِحون به وتبشِّرون بزمانه كما سيجيء، فلا تضعوا موضعَ ما يُتوقّع منكم ويجب عليكم ما لا يُتوهم صدورُه عنكم من كونكم أولَ كافر به، ووقوع أول كافر به خبراً من ضمير الجمع بتأويل أولِ فريق أو فوج، أو بتأويل لا يكنْ كلُّ واحد منكم أولَ كافر به، كقولك: كسانا حُلةً، ونهيُهم عن التقدم في الكفر به مع أن مشركي العربِ أقدمُ منهم لما أن المرادَ به التعريضُ لا الدلالةُ على ما نَطَق به الظاهر، كقولك: أما أنا فلستُ بجاهل، لأن المراد نهيُهم عن كونهم أولَ كافر [به] من أهل الكتاب، أو ممن كفر بما عنده، فإن مَنْ كفر بالقرآن فقد كفر بما يصدِّقه أو مثلُ من كفر من مشركي مكةَ، وأول: أفعلُ لا فِعلَ له، وقيل: أصله أوْأَل، من وَأَل إليه إذا نجا وخلُص، فأُبدلت الهمزةُ واواً تخفيفاً غيرَ قياسي، أو أَأْوَل من آلَ فقلبت همزتُه واواً وأدغمت. {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي} أي لا تأخُذوا لأنفسكم بدلاً منها {ثَمَناً قَلِيلاً} من الحظوظ الدنيوية، فإنها وإن جلت قليلةٌ مسترذلة بالنسبة إلى ما فات عنهم من حظوظ الآخرةِ بترك الإيمان، قيل: كانت لهم رياسةٌ في قومهم ورسومٌ وعطايا فخافوا عليها لو اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختاروها على الإيمان، وإنما عُبِّر عن المشتري الذي هو العُمدة في عقود المعاوضة والمقصودُ فيها بالثمن الذي شأنه أن يكون وسيلةً فيها، وقُرنت الآياتُ التي حقُّها أن يتنافسَ فيها المتنافسون بالباء التي تصحَبُ الوسائل إيذاناً بتعكيسهم حيث جعلوا ما هو المقصِدُ الأصليُّ وسيلةً، والوسيلةُ مقصداً. {وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ} بالإيمان واتباعِ الحقِ والإعراض عن حطام الدنيا ولما كانت الآية السابقةُ مشتملةً على ما هو كالمبادىء لما في الآية الثانيةِ فُصِّلت بالرهبة التي هي من مقدِّمات التقوى، أو لأن الخطابَ بها لما عمَّ العالِمَ والمقلِّدَ أُمر فيها بالرهبة المتناولةِ للفريقين، وأما الخطابُ بالثانية فحيث خُصَّ بالعلماء أُمر فيها بالتقوى الذي هو المنتهى.

التستري

تفسير : فقيل له: ما معنى قوله: {وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ}[41] قال: أراد بذلك موضع علمه السابق فيهم، أي لا تأمنوا المكر والاستدراج، فتسكن قلوبكم إلى ملاحظة سلامتكم في الدنيا مع الإقامة على التقصير، وإلى حلمي عنكم في المعاجلة لكم في نفس أمنكم واغتراركم وغفلتكم فتهلكوا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لو زاد في اليقين عيسى بن مريم لمشى على الهواء كما مشى على الماء"تفسير : ، وقد مشى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء على الهواء لقوة نور يقينه التي أعطاه الله تعالى من نوره زيادة نور إلى نور كان من الله تعالى. وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لو ثبتت المعرفة على قلب داود صلوات الله عليه ولم يغفل ما عصى" تفسير : فلعمري أن المعرفة أدرجت في أوطانها لتجري عليه ما كان من علم الله سابقاً فيه، فلا بد من إظهاره على أوصافه إذا كان على حتم لا يتغير العلم إلى غير ما علم العالم جل وعز، فإنما ستر الله عزَّ وجلَّ في أوطان داود صلوات الله عليه نور اليقين الذي به يبصر عين اليقين وكليته، ليتم حكم الله تعالى فيه، ألا ترى أن العبد إنما ينظر إلى الحق بسبب لطيفة من الحق بوصولها إلى قلبه هي من أوصاف ذات ربه ليست بمكونة ولا مخلوقة ولا موصولة ولا مقطوعة، وهي سر من سر إلى سر وغيب من غيب إلى غيب، فبالله اليقين، والعبد موقن بسبب منه إليه على قدر ما قسم الله له من الموهبة وجملة سويداء قلبه. وللإيمان وطنان، وهو ما سكن فلم يخرج، ونور اليقين خطرات، فإذا سكن واستقر صار إيماناً، واليقين خطرات بعده، فهو في المريد هكذا حاله أبداً.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ} قال بعضهم: التقوى على أربعة أوجه: للعامة تقوى الشرك وللخاص تقوى المعاصى وللعارفين تقوى التوسل ولأهل الصفوة تقواهم منه إليه، والتقوى النظر إلى الكون بعين النقص.

القشيري

تفسير : الإشارة أن يقرن (العبد) إيمانه من حيث البيان بإيمانه من حيث البرهان، وجمهور المؤمنين لهم إيمان برهان بشرط الاستدلال، وخواص المؤمنين لهم إيمان من حيث البيان بحق الإقبال، وأقبل الحق سبحانه عليهم فآمنوا بالله، وآخر أحوالهم الإيمان من حيث العيان، وذلك لخواص الخواص. ولا تكونوا أول كافرٍ به، ولا تَسُنُّوا الكفر سُنَّةً فإن وِزْرَ المبتدئ فيما يَسُنُّ أعظم من وزر المقتدي فيما يتابع. {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَٰتِي ثَمَناً قَلِيلاً} لا تؤثروا على عظيمِ حقي خسيسَ حظِّكم. {وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ} كثيرٌ من يتقي عقوبته وعزيز من يهاب اطلاعه ورؤيته.

البقلي

تفسير : {وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ} اى بى اتقوا منى وبداية التقوى التّبِرّى من الناسوت للاهوت ومن الكون للكوّن حتى بَلَغَ حقيقة التقوى فاتقى منه به له فرجا الله وخاف منه وقال بعضهم التقوى على اربعة اوجهٍ العامة تقوى الشرك وللخاص ترك المعاصى للعارفين تقوى التوسل ولاهل اصفوة تقواهم منه اليه وقال ابو عبد الرحمن السلمى التقوى النظر الى الكون بعين النقص.

اسماعيل حقي

تفسير : {وامنوا} يا بنى اسرائيل {بما انزلت} افراد الايمان بالقرآن بالامر به بعد اندراجه تحت العهد لما انه العمدة القصوى فى شأن الوفاء بالعهد اى صدقوا بهذا القرآن الذى انزلته على محمد{مصدقا لما معكم} اى حال كون القرآن مصدقا للتوراة لانه نازل حسبما نعت فيها وتقييد المنزل بكونه مصدقا لما معهم لتأكيد وجوب الامتثال بالامر فان ايمانهم بما معهم مما يقتضى الايمان بما يصدقه قطعا {ولا تكونوا اول} فريق {كافر به} اى بالقرآن فان وزر المقتدى يكون على المبتدى كما يكون على المقتدى: قال فى المثنوى شعر : هر كه بنهد سنت بد اى فتا تادر افتد بعد او خلق ازعما جمع كردد بروى آن جمله بزه كوسرى بودست وايشان دم غزه تفسير : اى لا تسارعوا الى الكفر به فان وظيفتكم ان تكونوا اول من آمن به لما انكم تعرفون شأنه وحقيقته بطريق التلقى مما معكم من الكتب الالهية كما تعرفون ابنائكم وقد كنتم تستفتحون به وتبشرون بزمانه فلا تضعوا موضع ما يتوقع منكم ويجب عليكم ما لا يتوهم صدوره عنكم من كونكم اول كافر به. ودلت الآية على انه عليه الصلاة والسلام قدم المدينة فكذبه يهود المدينة ثم بنوا قريظة وبنوا النضير ثم خيبر ثم تتابعت على ذلك سائر اليهود {ولا تشتروا بآيتى} اى لا تأخذوا لانفسكم بدلا منها {ثمنا قليلا} هى الحظوظ الدنيوية فانها وان جلت قليلة مسترذلة بالنسبة الى ما فات عنهم من حظوظ الآخرة بترك الايمان. قيل كانت عامتهم يعطون احبارهم من زروعهم وثمارهم ويهدون اليهم الهدايا ويعطونهم الرشى على تحريفهم الكلم وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع وكان ملوكهم يجرون عليهم الاموال ليكتموا ويحرفوا فلما كان لهم رياسة عندهم ومآكل منهم خافوا ان يذهب ذلك منهم اى من الاحبار لو آمنوا بمحمد واتبعوه وهم عارفون صفته وصدقه فلم يزالوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويغيرون نعت محمد صلى الله تعالى عليه وسلم كما حكى ان كعب بن الاشرف قال لاحبار اليهود ما تقولون فى محمد قالوا انه نبى قال لهم كان لكم عندى صلة وعطية لو قلتم غير هذا قالوا اجبناك من غير تفكر فامهلنا نتفكر وننظر فى التوراة فخرجوا وبدلوا نعت المصطفى بنعت الدجال ثم رجعوا وقالوا ذلك فاعطى كل واحد منهم صاعا من شعير واربعة اذرع من الكرباس فهو القليل الذى ذكره الله فى هذه الآية الكريمة: قال فى المثنوى شعر : برد در انجيل نام مصطفا آن سر بيغمبران بحر صفا بود ذكر حليها وشكل او بود ذكر غزو وصوم واكل او تفسير : {واياى فتقون} بالايمان واتباع الحق والاعراض عن حطام الدنيا واعاده لان معنى الاول اخشوا فى نقض العهد وهذا معناه فى كتمان نعت محمد او لان الخطاب بالآية الاولى لما خص اهل العلم امرهم بالتقوى الذى هو منتهاه.

الطوسي

تفسير : المعنى: {آمنوا} معناه صدِّقوا، لأنا قد بينا ان الايمان هو التصديق. {بما أنزلت} يعني بما انزلت على محمد "صلى الله عليه وسلم" من القرآن. وقوله: {مصدقاً} يعني ان القرآن مصدق لما مع اليهود من بني اسرائيل من التوراة. وامرهم بالتصديق بالقرآن، واخبرهم ان فيه تصديقهم بالتوراة، لأن الذي في القرآن من الامر بالاقرار بنبوة محمد "صلى الله عليه وسلم"، وتصديقه نظير الذي في التوراة والانجيل. وموافق لما تقدم من الاخبار به، فهو مصداق ذلك الخبر. وقال قوم: معناه انه مصدق بالتوراة والانجيل الذي فيه الدلالة على انه حق. والاول الوجه، لأن على ذلك الوجه حجة عليهم، دون هذا الوجه. الاعراب: ونصب {مصدقاً} على الحال من الهاء المحذوفة، كانه قال: انزلته مصدقاً ويصلح ان ينصب بـ {آمنوا} كأنه قيل: آمنوا بالقرآن مصدقاً. والمعنيُّ بقوله: {آمنوا} اهل الكتاب من بني اسرائيل، لأنه في ذكرهم. وفيه احتجاج عليهم، اذ جاء بالصفة التي تقدمت بها بشارة موسى وعيسى عليهما السلام وهو امرٌ بالاقرار بالنبوة، وما جاءت به من الشريعة. اللغة: وانما وحد "كافراً" في قوله: {ولا تكونوا أول كافر}، وقبله جَمَع، لما ذكره الفراء والأخفش: وهو أنه ذهب مذهب الفعل، كأنه قال: أول من كفر به. ولو أراد الاسم لما جاز إلا الجمع ومثل ذلك قول القائل للجماعة: لا تكونوا أول رجل يفعل ذلك قال المبرد: هذا الذي ذكره الفرّاء خارجٌ عن المعنى المفهوم، لأن الفعل ها هنا والاسم سواء. إذا قال القائل: زيد أول رجل جاء فمعناه أول الرجال الذين جاؤوا رجلاً رجلاً، ولذلك قال: أول كافر، وأول مؤمن ومعناه: أول الكافرين وأول المؤمنين لا فصل بينهما في لغة ولا قياس. ألا ترى أنك تقول: رأيت مؤمناً، ورأيت كافراً كما تقول: رأيت رجلاً لا يكون إلا ذلك، لأنك انما رأيت واحداً، كما تقول: رأيت زيداً أفضل مؤمن، وزيدٌ أفضل حرّ، وزيدٌ افضل رجل، وانبل غلام، وليس بين ذلك اختلاف. ولكن جاز ولا تكونوا أول قبيل كافر به، وأول حزب كافر به، وهو مما يسوغ فيه النعت، ويبين به الاسم، لأنك تقول: جاءني قبيلٌ صالح، وجاءني حيٌّ كريم، فينعت به الجمع، اذا كان الجمع اسماً واحداً لجميعه كقولك: نفر، وقبيل، وحزبٌ، وجمع ولا تقول: جاءني رجل كريم، وانت تريد برجل نفراً كما تقول: نفر كريم، لأن النعت جارٍ على المنعوت والاسم منفرد بنفسه ونظير قوله: {أول كافر} قول الشاعر: شعر : فاذا همُ طَعِموا فألأم طاعم واذا همُ جاعوا فشرُّ جِياع تفسير : المعنى: ومعنى قوله: {ولا تكونوا أول كافر به} قال قوم: يعني بالقرآن من أهل الكتاب: لأن قريشاً كفرت به قبلهم بمكة. وقيل: معناه: لا تكونوا أول كافر به أي لا تكونوا أول السابقين بالكفر فيه فيتبعكم الناس أي لا تكونوا أئمة في الكفر به. وقيل: لا تكونوا اول كافر به اي اول جاحدٍ به إن صفته في كتابكم. اللغة: والأول والسابق والمتقدم نظائر. ويقال اول وآخر واول. وثان والأول: هو الموجود قبل الآخر. والأول قبل كل شي يناقض الوصف بانه محدث ويعلم ذلك ضرورة. والهاء في قوله: {به} قيل فيه ثلاثة اقوال: احدها ـ انه يعود إلى "ما" في قوله: {بما أنزلت} وهو الأجود. والثاني ـ لا تكونوا اول كافر به اي بمحمد "صلى الله عليه وسلم". والثالث ـ اول كافر بما معكم، من كتابكم، لانهم إذا جحدوا ما فيه من صفة النبي (صلى الله عليه وسلم) فقد كفروا به والاول قول ابن جريج. وانما كان هو الأجود لانه اشكل بما تقدم. والثاني قول ابي الغالية. والثالث حكاه الزّجاج وقواه بأنهم كفروا بالقرآن. وانما قيل: ولا تكونوا اول كافر بكتابكم اي صفة محمد (صلى الله عليه وسلم) فيه. وقال الرماني: وإنما عظم اول الكفر لانهم إذا كانوا ائمة فيه وقدوة في الضلالة كان كفرهم اعظم. كما روي عن النبي (صلى الله عليه وسلم): حديث : من سن سنَّة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ومن سن سنة سيئةً كان عليه وِزْرها وِوزْر من عمل بها إلى يوم القيامة تفسير : . وليس في نهيه عن ان يكونوا اول كافر دلالة على انه يجوز ان يكونوا آخر كافر، لأن المقصود من الكلام النهي عن الكفر على كل حال وخص الاول بالذكر لما قدمنا من عظم موقعه كما قال الشاعر: شعر : من اناس ليس في اخلاقهم عاجل الفحش ولا سوء الجزع تفسير : وليس يريد ان فيهم فحشاً آجلا. وقوله: {ثمناً قليلاً}. فالثمن والعوض والبدل نظائر. وبينها فرق فالثمن: هو البدل في البيع من العين او الورق. واذا استعمل في غيرهما كان مشبهاً بهما ومجازاً. والعوض: هو البدل الذى ينتفع به كائناً ما كان. واما البدل: فهو الجعل للشيء مكان غيره. ويقال: ثمنه تثميناً. وثامنه مثامنة. ويجمع الثمن اثماناً واثمناً. ويروى بيت زهير: شعر : وعزَّت اثمن البدن تفسير : جمع ثمن. ومن روى أثمن البدن: أراد الثمينة منها أي أكثرها ثمنا. والثمن جزء من الثمانية اجزاء، من اي مالٍ كان. وثوب ثمين: اذا كان كثير الثمن والفرق بين الثمن والقيمة، أن الثمن قد يكون وفقا، وقد يكون بخسا، وقد يكون زائداً. والقيمة لا تكون الا مساوية المقدار للمثمن من غير نقصان ولا زيادة. وكل ماله ثمن فهو مال. وليس كل ملك له ثمن. والقليل، والحقير، واليسير، نظائر. وضده: الكثير. تقول: قل، يقل، قلةً. واقل منه، اقلالا. واستقل استقلالا. وتقلل، تقللا. وقلله، تقليلا. وقليل، وقلان، بمعنى [واحد]. ورجل قليل أي قصير. وقل الشيء: اقله. والقلة، والقل لغتان. والقلة: راس كل شي. والرجل يقل شيئا: يحمله. وكذلك يستقله. واستقل الطائر: اذا ارتفع. وقلة الجبل: اعلاه. وهى قطعة تستدير في اعلاه. وهي القلة. والقلة التي جاءت في الحديث مثل: قلال هجر. قيل إنها جرارٌ عظام. والقلة: النقصان من العدد. وقيل في الصغر. وقوله: {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} فأدخل (الباء) في الآيات دون الثمن. وفي سورة يوسف، في الثمن. في قوله: {أية : وشروه بثمن بخس} تفسير : قال الفراء: إنما كان كذلك، لأن العوض كلها، أنت مخير فيها في إدخال الباء. إن شئت قلت: اشتريت الثوب بكساءٍ. وإن شئت قلت: اشتريت بالثوب كساءً. أيهما جعلته ثمناً لصاحبه، جاز فاذا جئت إلى الدراهم والدنانير، وضعت الباء في الثمن كقوله: {بثمن بخس}، لأن الدراهم ثمن أبداً. وروي عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} قال عليه السلام: كان ليحيى بن أخطب وكعب بن اشرف، وآخرين منهم مأكلة على يهود في كل سنة. وكرهوا بطلانها بأمر النبي "صلى الله عليه وسلم" فحرفوا لذلك آيات من التوراة فيها صفته وذكره، فذلك الثمن القليل الذي أريد به في الآية. وتقييده بـ {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} لا يدل على أنه إذا كان كثيراً يجوز مشترىً به، لأن المقصود من الكلام، أن أي شي باعوا به آيات الله كان قليلا، وانه لا يجوز أن يكون له ثمنٌ يساويه. كقوله: {أية : ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به} تفسير : انما أراد بذلك نفي البرهان عنه على كل حال، وأنه لا يجوز أن يكون عليه برهان. ومثله قوله: {أية : ويقتلون النبيين بغير حق}تفسير : وانما اراد ان قتلهم لا يكون إلا بغير الحق نظائر ذلك كثيرة. ومثله قول الشاعر: شعر : على لاحِبٍ لا يهتدى بمناره تفسير : وانما اراد: لا منار هناك فيهتدى به. ولذلك نظائر نذكرها إذا انتهينا اليه إن شاء الله.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : أمَرهم بالإيمان بعد ما أمَرهم بإيفاء عهد الله تنبيهاً على أنّه العمدة في ذلك، بل لأحد أن يقول: إنّ الإيمان بما أنزل الله على رسوله هو عين الإيفاء بعهد الله على التأويل الذي سبَق ذكره في معنى العهْد، وهو النور الذي تتنوَّر به القلوب، ويسلك به سبيل الآخرة، وينكشف به حقائق الأمور، ويطلع به الإنسان على الحضرة الإلهيّة، وأفعاله، وآثاره، ولطفه، وحكمته في الدنيا والاخرة، قال تعالى: {قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ}. فالنور هو جنس معاني القرآن، والكتاب آيات ألفاظه، وهو أي القرآن مُنزَل من الله إلى قلب النبي (صلى الله عليه وآله) إن اريد به المعاني. ومنزَل من السماء الدنيا على سمْعه الشريف إنْ أُريد به ألفاظه. وكلاهما عند غيبته عن إدراك هذه الحواسّ الدنيوية، فإنّ السمع الذي كان به يسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلامَه، والبصَر الذي كان يبصر به شخص جبرائيل (عليه السلام) كانتا بوجه غير هاتين الحاسّتين العنصريّتين، وإن كانتا بوجه عينهما. أمَرهم بالتصديق بهذا القرآن المنزَل، وأخبَرهم أن في تصديقهم بالقرآن تصديقاً منهم للتوراة والإنجيل؛ لأنّ الذي في القرآن مصدِّق لهما، ومؤكّد للإيمان بهما من حيث إنّه مطابِق لهما في القصص، والمواعيد، والدعاء إلى التوحيد، والأمر بالعبادة، والعدل بين الناس، والنهي عن المعاصي، والفواحش، وفيما يخالفها من جزئيّات الأحكام بسبب تفاوت الأعصار في المصالح، من حيث إنّ كلّ واحد منها حقٌّ بالإضافة إلى زمانه، مراعى فيها صلاح الأنام، ومَن خوطب بالكلام من الله، حتى لو نزَل المتقدّم من الأحكام في أيّام المتأخّر منها لكان على وفقه بأبلغ وجه ولذلك قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : لو كان موسى حيّاً لَما وسعه إلاّ اتّباعي ". تفسير : وقيل: معناه أنَّه تصديق بالتوراة والإنجيل، لأنّ فيهما الدلالة على أنّه حق، وأنّه من عند الله. وفيهما البشارة ببعثة محمّد (صلى الله عليه وآله)، وبيان نعوته، وصفاته، فكان الإيمان بمحمّد (صلى الله عليه وآله) وبالقرآن تصديقاً للتوراة والإنجيل، وتكذيبه (صلى الله عليه وآله) تكذيباً لهما. والتفسير الثاني أولى لأن يكون حجّة عليهم، إذ على التفسير الأوّل لقائل أن يقول: التوافق في بعض المعاني لا يوجب أن يكون القرآن من عند الله، فلا يلزم عليهم وجوب الإيمان به. وأمّا على الثاني فيلزم عليهم الإيمان بحقّية القرآن، وتصديق الرسول (صلى الله عليه وآله) إذا اشتمل الكتابان على كون محمد (صلى الله عليه وآله) صادقاً، فالإيمان بهما يوجب الإيمان بما يقوله (صلى الله عليه وآله). ومعلوم أنَّ الآية إنّما نزلت احتجاجاً عليهم، ودلالة لهم على وجوب الإيمان بمحمّد (صلى الله عليه وآله). وبالجملة فالدّال على إثبات نبوّته هاهنا وجهان: أحدهما: شهادة كتب الأنبياء (عليهم السلام) عليه، وهي لا تكون إلاّ حقاً. والثاني: إخباره عمّا في كتبهم، ولم يكن له معرفة بما فيها إلاّ من قبل الوحي. وقوله: {مُصَدِّقاً} حال منتصب بـ {آمِنُوا} كأنه قال: "آمِنوا بالقرآن مصدّقاً" و {مَعَكُمْ} صلة {لِمَا} والعامل فيه الاستقرار، أي للذي استقرّ معكم والضمير في {بِهِ} عائِدٌ إلى الموصول في قوله: {بِمَا أَنْزَلْتُ} أو في قوله: {لِمَا مَعَكُمْ} على التفسير الثاني. وقوله: {وَلاَ تَكَونَوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} أي: أول فريق، أو فوج كافر به، أو: ولا يكن كلّ واحد منكم أوّل كافر به كقولك: "كَسانَا حلّة" أي: كلّ واحد منا. والمعنى: "لا تكونوا أوّل كافر من أهل الكتاب بالقرآن" لأنّ قريشاً قد كانت كفَرت به بمكة قبل اليهود. وعن أبي العالية: معناه "لا تكونوا السابقين إلى الكفر به، فيتبعكم الناس. أي: "لا تكونوا أئمة الكفر" وهذا متوجّه، فإنّ الناس في المذاهب، والملل يتّبعون أهل الكتاب والعلْم في أكثر الأزمنة. ومعلومٌ أنّ الخطاب في الآية مع أئمة أهل الضلال وعلمائهم، الذي شأنُهم كتمان الحق، الذي في الكتب، وتلبيسه بالباطل، وتحريف الكلِم عن مواضعه - كما هو عادةُ علماء السوء - . وعن أبي جريح: معناه: ولا تكونوا أوّل جاحدين صفة النبي (صلى الله عليه وآله) في كتابكم فعلى هذا تعود "الهاء" في {بِهِ} إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله). قيل: معناه ولا تكونوا مثل أول كافر به. يعني: مَن أشرَك من أهل مكة، أي: لا تكونوا وأنتم تعرفونه مكتوباً في التوراة والإنجيل مثْل من لم يعرفه وهو جاهلٌ، مشركٌ، لا كتاب له. وقيل: ضمير {بِهِ} راجعٌ إلى الكتاب. أي: لا تكونوا أوّل كافر بكتابكم. أي لا تكونوا أوّل مَن كذّب كتابَكم مِن أُمّتكم، لأنّ تكذيبكم لمحمد (صلى الله عليه وآله) تكذيبكم لكتابكم. وقيل: معناه، ولا تكونوا أوّل من جحَد مع المعرفة، لأنّ قريشاً لم تكن مع المعرفة. وقيل: معناه لا تكونوا أوّل الكافرين به عند السماع، بل تثبّتوا، وراجِعوا عقولَكم، وتدبَّروا في معانيه حتّى يظهر لكم حقيّته وصدقه. وقيل معناه: لا تكونوا أوّل كافر به من كفّار اليهود، لأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قدم المدينة وكانت بها القريظة والنضير، فكفَروا به، ثمّ تتابَعت سائرُ اليهود على ذلك الكفر. وقال المبرّد: هذا الخطاب لقوم خوطِبوا به قبلَ غيرهم، فقيل لهم: لا تكفروا بمحمّد (صلى الله عليه وآله)، فإنّه سيكون بعدكم الكفّار، فلا تكونوا أوّل الكفّار. واعلم أنَّه إنّما عظم أوّل الكفر؛ لأنّهم إذا كانوا أئمّة لهم، وقدوة في الضلالة كانت ضلالتهم أعظم، وكُفرهم أشدّ، إذ كما أنّ السابقين إلى الإيمان كانوا أعظم قدْراً في الثواب، وأشدّ قُرباً إلى الله، لقوله: {أية : وَٱلسَّابِقُونَ ٱلسَّابِقُونَ أُوْلَـٰئِكَ ٱلْمُقَرَّبُونَ} تفسير : [الواقعة:10 - 11] كذلك السابقون إلى الكفْر، كانوا أعظم ذنباً ممن بعدهم، وأشدّ ضلالاً وأكثر بُعداً عن الحقّ. ولِما رُوي عن النبي (صلى الله عليه وآله): "حديث : مَن سنَّ سُنَّة حسنةً فله أجرُها وأجر من عَمل بها إلى يوم القيامة. ومَن سنَّ سُنَّة سيِّئة كان عليه وِزرُها ووِزرُ مَن عمل بها إلى يوم القيامة ". تفسير : وقيل: إنّ الأوّلية موجبةٌ لمزيد القبح والإثْم، وذلك لأنّهم إذا سبقوا إلى الكفر، فإمّا أن يقتدي بهم غيرهم فيه أو لا، فالأول: يوجب أن يكون لهم وِزر ذلك الكفْر، ووِزر من كفَر إلى يوم القيامة. والثاني: يوجب أن يجتمع فيه أمران، السبق إلى الكفر، والتفرّد به، ولا شكّ في أنّه منقصة عظيمة. فصل ليس في نهيه تعالى: عن أن يكونوا أول كافر به دلالة على أنه يجوز أن يكونوا آخر كافر به، لأنّ المقصود النهي عن الكفْر على كلّ حال، وخصّ الأوّل بالذكْر لما ذكر من عظم موقعه، وكما أنَّ قوله تعالى: {أية : رَفَعَ ٱلسَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} تفسير : [الرعد:2]. لا يدلّ على وجود عمَدٍ لا يَرونها. وقوله: {أية : وَقَتْلَهُمُ ٱلأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ} تفسير : [النساء:155]. لا يدلّ على جواز قتلهم بحق وقوله، عقيب هذه الآية: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} لا يدلّ على إباحة ذلك بالثمن الكثير. وكما قال الشاعر: شعر : مِن أُناس ليس في أخلاقِهم عاجلَ الفحش ولا سوءَ الجزَع تفسير : وليس يُريد أنّ فيهم فحشاً آجلاً. فكذا هاهنا. بل الغرض من هذه السياقة التنبيه على استعظام كفْر مَن قرأ في الكتُب نعتَ محمّد (صلى الله عليه وآله)، ثمّ جحَد به. ولأن في قوله: {وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} دلالة على أن كفرهم أوّلاً وآخراً محظور، لأنّ تحقّق وجود الشيء موقوف على ارتفاع جميع أنحاء عدمه أو ضدّه، وكذا تحقق الإيمان بما أنزل في كلّ وقت متوقّف على ارتفاع جميع أنحاء الكفر به في ذلك الوقت، ولأنّ الإيمان نوعٌ من نور اليقين، فإذا حصل في القلب لا يمكن رفعه، فكلّ من آمَن أوّلاً إيماناً بالحقيقة فهو مؤمن أخيراً لا يزال. فصل قوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} أي: ولا تستبدلوا الإيمان بالرسول، وتعلّم الحِكمة، والاطّلاع على آيات الله بثمن قليل من مال الدنيا وجاهِكم الحقير عند أبنائها. وفي الكشّاف: "الثمن القليل هو الرئاسة التي كانت لهم في قومهم، خافوا عليها الفوات لو أصبحوا أتباعاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاستبدَلوها - وهي بدلٌ قليل ومتاعٌ يسيرٌ - بآيات الله، وبالحقّ الذي كلّ كثير إليه قليل، وكلّ كبير إليه حقيرٌ. فما بال القليل الحقير! وقيل: كانت عامتهم يعطون أحْبارهم من زُروعهم وثمارهم، ويهدون إليهم الهدايا، ويرشونهم الرشا على تحريفهم الكلِم وتسهيلهم لهم ما صعُب عليهم من الشرائع، وكان ملوكُهم يدرّون عليهم الأموال ليكتموا ويحرّفوا". واعلم أنَّ العادة جاريةٌ في كلّ زمان بأنّه إذا ظهر واحد من أهل الحقّ وأولياء الله، فأوّل من يسعى في ابطال حقّه ويريد إطفاءَ نوره في أكثر الأمْر هم علماء السوء ورؤساءُ حمَلة الكتاب، أو المغترّون بالشريعة التي كانوا عليها، وذلك لأنّ ظهور حاله يوجب كشف نقائصهم وجهالاتهم على الناس، وفي ذلك انحطاط منزلتهم عند الخلْق، ونقصان جاههم، وسقوطهم عن أعين السلاطين، وجميع ذلك هو مَطمح أنظارهم في اكتساب العلوم والديانة. فالله سبحانه أشار إلى أن محافظتهم على هذه الأمور الدنيوية في ترك متابعتهم الرسول (صلى الله عليه وآله) وإن كان ثابتاً إلا أنَّ لهم في ذلك تفويتٌ للسعادة الأخروية بتحصيل مقامات العلم واليقين. فإنّ كمال النفس الإنسانية بتحصيل ما عليه الواجب من صيرورتها جوهراً عقليّاً مضاهياً للجواهر القدسيّة والملائكة العقليّة، فإذا ترك ذلك التحصيل واشتغل بتحصيل اللذّات الدنيوية وحفظ الرياسات الحيوانية، فكأنّه باعَ الملَك، واشترى الحَيوان، وباعَ البَهجة القصوى، والسعادة الأبدية باللَّذة الحيوانية الفانية ولا شك أنَّه باعَ أمراً جليلاً بثمن قليل، لأنّ لذّة الدنيا بحذافيرها بالنسبة إلى نعيم الآخرة قليلة جدّاً، بل كنسبة المتناهي إلى غير المتناهي. والثَمَن والعوَض والبَدَل نظائرُ وبينها فروقٌ: و"الثَّمَن" هو البدل في البيع، وكذا "القيمة". والبدَل أعمّ في ذلك. والفرق بين الثمن والقيمة أنَّ الثمن قد يكون وِفْقاً، وقد يكون بَخْساً، وقد يكون زائداً، والقيمة لا تكون إلاّ مساوية من غير زيادة ولا نقصان. قال الفرّاء: إنّما أُدخل الباء في "الآيات" دون "الثَّمن" وفي سورة يوسف أدخلَه في الثَّمَن في قوله: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}تفسير : [يوسف:20] لأنّ العُروض كلّها أنت مخيّر فيها، إن شئتَ قلتَ: "اشتريتُ الثوبَ بكساء" وإن شئتَ قلت: "اشتريت بالثوبِ كساءً" أيّهما جعلتَ ثمناً لصاحبه جاز. فإذا جئت إلى الدراهم والدنانير وضعت "الباء" في الثمن كقوله: {أية : وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ}تفسير : [يوسف:20] لأنّ الدراهم ثمنٌ أبداً. قيل: المعنى {لا تَسْتَبْدِلُوا بِآيَاتِي} أي: بما في التوراة والإنجيل من بيان صفة محمّد (صلى الله عليه وآله) ونَعته {ثَمَناً قَلِيلاً} أي: عرضاً يسيراً من الدنيا. ورُوي عن أبي جعفر (عليه السلام) في هذه الآية أنَّه قال: "كان حيي ابن أخطَب، وكعبُ بن أشرف، وآخرون من اليهود لهم مأكلة من اليهود في كلّ سنة، فكرهوا بطلانها بأمر النبي (صلى الله عليه وآله) فحرّفوا لذلك آيات في التوراة فيها صفتُه وذكره، فذلك الثمَن الذي أُريد في الآية". ورُوي عن ابن عباس أيضاً: أنَّ رؤساء اليهود مِثل كعْب بن الأشرف، وحيي بن أخطب، وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهدايا، وانّهم لو اتّبعوا محمّداً لانقطعَتْ عنهم تلك الهدايا، فأصرّوا على الكفْر لئلاّ ينقطع عنهم ذلك القدر المحقّر. واعلم أنَّ خطاب الله في القرآن ينبغي أن يحمل على العامّ الشامل لكلّ أحد، وإن كان منشأ النزول مخصوصاً، حتى تكون علوماً كلّية باقية أبد الدهر فقوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي} أي بمعرفتها {ثَمَناً قَلِيلاً} يجب أن يكون حُكْماً عامّاً يكون به النهي عن صنْع كل مَن ترَك تعلّم آيات الحكمة واليقين بواسطة محافظته على دنياه، وخوفه عن زوال جاهه عند الخلْق، وسقوط منزلته لديهم. فمِن هاهنا يُعلم أنَّ كل من جحد حقّاً من حقوق الله، وأنكَر عِلْماً من المعارف اليقينيّة، والعلوم الربّانية حذراً من أن يلزم عليه اتّضاعٌ من أمر دنياه بظهور علم هو فوق علمه - كالعلْم الأعلى بالقياس إلى العلوم الجزئيّة - أو خمول في شهرته وصِيتِه، أو كساد في مجمع وَعظه ومدرسة علمه الناقص، فهو داخلٌ في جنس أولئك المخاطَبين بهذه الآية. فصل قوله: {وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ} أي بالإيمان واتّباع الحقّ، والاعراض عن الدنيا، ويقرب معناه ممّا تقدّم من قوله {وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ}. والفرق بين الرهبة والتقوى بالتأكّد والضعف، وكان الوجه أنَّ الأولى مقدّمة للثانية ولهذا أوردت الرهبة في الآية السابقة، والتقوى في اللاَّحقة. وأيضاً لما عمّ الخطاب في الآية الأولى العالِم والمقلّد جميعاً وقع الأمر فيها بالرهبة التي هي مبدأ السلوك، وحيث خصّ أهلَ العلْم أمَرَهم بالتقوى التي هي منتهاه. علماء السوء وما ورد فيهم واعلم أنَّه قد وردت في علماء السوء تشديدات عظيمة دلّت على أنّهم أشدّ الناس عذاباً يومَ القيامة. والمراد بعلماء السوء الذين قصدُهم من العلْم التنعّم بالدنيا، والتوصّل إلى الجاه والمنزلة عند أهلها، والأحاديث الدالّة على أنّ هؤلاء أشد الناس عذاباً يوم القيامة، وأنّ لزوم الحجّة عليهم أشدّ كثيرة: فمِن طريق أهل البيت عليهم السلام ما رواه محمّد بن يعقوب الكليني رحمه الله بسنده المتّصل عن سليم بن قيس الهلالي، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يحدّث عن النبي (صلى الله عليه وآله)، أنَّه قال في كلام له: "العلماء رجُلان: رجلٌ عالِم آخذ بعلمه، فهذا ناج. وعالِم تارك لعلمه فهذا هالك. وإنّ أهلَ النارِ ليتأذّون عن ريح العالِم التارك لعلمه. وإنّ أشدّ أهل النار ندامة وحسرة رجلٌ دعا عبداً إلى الله، فاستجاب له وقَبِل منه فأطاع الله، فأدخله الله الجنّة. وأدخل الداعي إلى النار بتركِه علمه، واتِّباعه الهوى، وطول الأمل. أمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ. وطولُ الأمل ينسي الآخرة". وروى أيضاً عن عدّة من أصحابه، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبيه رفعه قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له خطَب به على المنبر: "أيّها الناس إذا علِمتم فاعملوا بما علِمتم لعلّكم تهتدون. إنّ العالِم العامل بغيره وفي نسخة: "بغير بصيرة" بدل: "بغيره" - كالجاهِل الحائر الذي لا يستفيق عن جَهله، بل قد رأيت أنّ الحجة عليه أعظم، والحسرة أدوم على هذا العالِم، المنسلخ عن علمه، منها على هذا الجاهل المتحيّر في جهله، وكلاهما حائرٌ بائرٌ". روى أيضاً بسنده المتصل عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "من طلَب العلْم ليباهي به العلماءَ، أو يُماري به السفهاءَ، أو يصرف به وجوه الناس إليه، فليتبوّأ مقعدَه من النار". وروى أيضاً مسنداً عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "قال يا حفص يُغفر للجاهِل سبعون ذنباً قبل أن يُغفر للعالِم ذنبٌ واحد". وبهذا الإسناد قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام)، قال: قال عيسى ابن مريم: "ويلٌ لعلماء السوء، كيف تلظّى عليهم النار". وروى أيضاً مسنداً عن جميل بن درّاج، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " إذا بلغت النفس هاهنا - وأشار بيده إلى حلقه - لم يكن للعالِم توبة" ثمّ قرأ: {أية : إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ}تفسير : [النساء:17]. وروى أيضاً عن عليّ بن إبراهيم، رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: "طلَبة العلْم ثلاثة، فاعرفوهم بأعيانهم وصفاتهم: صنفٌ يطلبه للجهل والمِراءِ، وصنْف يطلبه للاستطالة والخَتَل، وصِنف يطلبه للفِقه والعقل. فصاحبُ الجهل والمِراء موذٍ، ممارٍ، متعرضٌ للمقال في أندية الرجال بتذاكر العلْم، وصفة الحلْم، قد تسر بَل بالخشوع، وتخلّى من الورع، فدقّ الله من هذا خيشومَه، وقطَع منه حيزومه. وصاحب الاستطالة والخَتَل ذو خِبٍّ ومَلَقٍ، يستطيل على مثله من أشباهه، ويتواضع للأغنياء من دونه، فهو لحلوائهم هاضِمٌ، ولدينه حاطِمٌ، فأعمى الله على هذا خبره، وقطع من آثار العلماء أثره. وصاحب الفقه والعقل ذو كآبة، وحزن، وسهَر، قد تَحنَّك في بُرنُسه وقام الليل في جِندِسه، يعمل ويخشى وجلاً، داعياً، مشفقاً، مقبلاً على شأنه، عارفاً بأهل زمانه، مستوحشاً من أوثق إخوانه، فشدّ الله من هذا أركانه، وأعطاه يوم القيامة أمانه". وأمّا من طريق غيرهم فوقع في الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: "حديث : إنّ أشد الناس عذاباً يوم القيامة عالِمٌ لم ينفعه الله بعلمه ". تفسير : وقال أيضاً: "حديث : العلمُ علمان: علمٌ على اللسان، فذلك حجةُ الله على ابن آدم. وعلمٌ في القلب، فذلك العلمُ النافع ". تفسير : وقال أيضاً: "حديث : لأنا من غير الدجّال أخوفُ عليكم من الدجّال" فقيل: "وما ذاك؟" فقال: "أئمةٌ مضلُّون ". تفسير : وقال أيضاً: "حديث : مَن ازداد علماً ولم يزدد هدى، لم يزدد من الله إلاّ بُعداً ". تفسير : وقال عيسى (عليه السلام): "إلى متى تصِفون الطريق للمدلِجين وأنتم مقيمون مع المتحيّرين؟ !". فهذا وغيره من الأخبار يدل على عظيم العلْم، وأنّ العالِم إمّأ متعرّض لهلاك الأبد أو لسعادة الأبد، وأنّه بالخوض في العلم قد حرم السلامة إن لم تدركه السلامة. وأما الآثار: فقال الحسن: "لا تكن ممّن يجمع علْم العلماء، وطرائف الحكماء ويجري في العمل مجرى السفهاء". وقال أيضاً: "عقوبة العلماءِ موتُ القلب" وأنشد: شعر : عجيبٌ لمبتاع الضلالة بالهُدى ومن يَشتري دُنياه بالدين أعجبُ تفسير : وقال أسامة بن زيد: حديث : سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يؤتى بالعالِم، فيُلقى في النار، فتندلق أقتابه، فيَدورُ بها كما يَدورُ الحمارُ في الرحا. فيطوف به أهلُ النار فيقولون "مالكَ؟" فيقول: "كنتُ آمُر بالخير ولا آتيه، وأَنهى عن الشرّ وآتيه" . تفسير : وإنّما يضاعف عذاب العالِم في معصيته لأنّه عصى عن علْمٍ، ولذلك قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ فِي ٱلدَّرْكِ ٱلأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ} تفسير : [النساء:145]. لأنّهم تعدّوا بعد العِلم، وجعَل اليهودَ شراً من النصارى، مع أنّهم ما جعلوا لله ولداً، ولا قالوا: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} تفسير : [المائدة:73] ولكن كفروا وأنكروا بعد المعرفة، وقال تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [البقرة:89]. وقال تعالى في قصّة بَلعم ابن باعورا: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ٱلَّذِيۤ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَٱنْسَلَخَ مِنْهَا} تفسير : [الأعراف:175] حتّى قال {أية : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ ٱلْكَلْبِ} تفسير : [الأعراف:176]. فكذلك حُكم العالِم الفاجِر، فإنّ بلعَم أُوتيَ كتابَ الله، فأخلَد إلى الشهوات، فشبّهه بالكلب. أي: سواء أُوتي الحكمة أو لم يؤت، فهو مخلّد إلى الشهوات. وقال عيسى (عليه السلام): "مَثَل علماء السوء كَمثَل صخرةٍ وقعت على فَمِ النهر لا هي تَشربُ ولا تترك الماء تخلص إلى الزرع. ومثَل علماء السوء مثَلُ قناة الحشّ ظاهرها خضر وباطنها نتِن، ومثَل القبور ظاهرها عامرة وباطنها عظام الموتى". وفي المثنوي للمولى الرومي - رحمه الله - أبياتٌ جيّدة في بيان حالهم، وكشف عوارهم، فهذه الأخبار والآثار تدلّ على أنّ العالِم الذي هو من أبناء الدنيا أخسّ حالاً، وأسوأ عاقبة، ومآلا، وأشدّ عذاباً من الجاهل السليم القلب. وأنّ الفائزين المقرّبين هم علماء الآخرة. فصل علامات علماء الآخرة فإن قلت: كيف يمكن لأحد أن يعرف علماء الآخرة حتّى يقتدي بهم، والعلم الحقيقي حالة باطنيّة؟ وبماذا يمتازون عن علماء الدنيا؟ قلتُ: إنّ لهم علاماتٍ ذكرها بعض المحققين: منها: أن لا يطلب الدنيا بعلْمه. فإنّ أقلّ درجات العالِم أن يدرك حقارة الدنيا وخسّتها، وكدورتها، وانصرامها، وعظم الآخرة ودوامها، وصفاء نعيمها، وجلالة ملكها، ويعلَمَ أنَّهما متضادان، كالضرّتين، مهما أرضيتَ إحداهما أسخطتَ الأُخرى،... وأنَّهما كالمشرق والمغرب، متى قَرُبتَ من أحدهما بَعُدتَ عن الآخر إذ الآخرة عالَم النور والقصور، والدنيا عالَم الظُّلمة والقبور، وأنَّهما ككفّتي الميزان متى رَجُحت إحداهما خفّت الأُخرى، كما قال أبو نصر الفارابي في نظم له: شعر : عابوا عليَّ خصاصَتي فأجبتُهم حظٌّ وعلْمٌ كيف يجتمعان رجحان ذا خسران ذا وكلاهما يتخالفان ككفّتي ميزان حازَ الجهول الرزقَ بالسبب الذي وقع اللبيب به على حرمان تفسير : فمَن لم يعلَم حقارةَ الدنيا وكدورتها، وامتزاج لذّتها بألمها، ثمّ انصرام ما يصفو منها فهو فاسد العقل. فإنّ المشاهدة والتجربة تُرشد إلى ذلك، فكيف يكون من العلماء من لا عقل له؟! ومن لا يعلم عِظَم أمر الآخرة ودوام نعيمها وجحيمها فهو كافر مسلوب الإيمان، فكيف يكون من العلماء من لا إيمان له؟! ومن لا يعلم مضادّة الدنيا للآخرة، وأنَّ الجمع بينهما طمعٌ في غير مطمعٍ، فهو جاهلٌ بشريعة الأنبياء كلّهم - صلوات الله عليهم - بل هو كافر بالقرآن من أوله إلى آخره، فكيف يُعدّ من زُمرة العلماء؟! ومن علِم هذا كلّه ثمّ يؤثر الدنيا وجاهَها ورياستَها على الآخرة، فهو أسير الشيطان مغلول بغلّه، مقيّد بحبله، قد أهلكته شهوته وغلبت عليه شقوته، فكيف يُعدّ من أحزاب العلْم من هذه درجته؟! وفي أخبار داود: "إنّ أدنى ما أصنعُ بالعالِم إذا آثَر شهوتَه على محبّتي أن أَحرِمَه لذيذ مناجاتي". وقال مالك بن دينار: "قرأتُ في بعض الكتب، إنّ الله عز وجل يقول: حديث : إنّ أهونَ ما أصنعُ بالعالِم إذا أحبَّ الدنيا أن أخرجَ حلاوة مناجاتي من قلبه . تفسير : وقال عيسى (عليه السلام): "كيف يكون من أهل العلم مَن مسيرُه إلى الآخرة وهو مقبلٌ على دنياه؟ وكيف يكون من أهل العلم من يطلبُ الكلام ليخبر به - لا ليعمل به -؟". وقال صالح بن حميان: "أدركتُ الشيوخ وهم يتعوّذون بالله من الفاجِر العالِم بالسّنة". وروى أبو الدرداء، أنّه (صلى الله عليه وآله) قال: حديث : أوحى الله إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقّهون لغير الدين، ويتعلّمون لغير العمل، ويطلبون الدنيا بعمَل الآخرةِ، ويلبسون مشوك الكباش، وقلوبُهم كقلوب الذئاب، ألسِنتُهم أحلى من العسل، وقلوبُهم أمَرَّ من الصبْر: ايّايَ يخادعون، وبي يستهزئون! لأفتحن لهم فتنةً تذر الحكيم حيراناً . تفسير : وروى الضحّاك، عن ابن عباس، عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: حديث : علماءُ هذه الأمّة رجُلان: رجل آتاه الله علماً فبذله للناس، ولم يأخذ عليه طمعاً، ولم يشترِ به ثمَناً، فذلك يصلي عليه طيرُ السماء، وحيتان الماء، ودوابُّ الأرض، والكرامُ الكاتبون. يَقدِمُ على الله سيّداً شريفاً حتّى يُرافق النبيّين. ورجُلٌ آتاه الله تعالى عِلماً في الدنيا فضنَّ به على عباد الله عزّ وجلّ وأخذ عليه، واشترى به ثمَناً، يأتي يوم القيامة ملجّماً بلجام من نار، ينادي مناد على رؤوس الخلائق: هذا فلان بن فلان آتاه الله تعالى في الدنيا علماً فضنَّ به على عباد الله تعالى وأخذ عليه طمعاً، واشترى به ثمناً قليلاً. يعذّب حتى يفرغ الله من حساب الخلائق . تفسير : وأشدّ من هذا ما روي: إنّ رجلاً كان يخدم موسى (عليه السلام)، فجعل يقول: "حدّثني موسى صفي الله حدّثني موسى نجي الله، حدّثني موسى كليم الله" حتّى أثرى وكثُر مالُه، ففقَده موسى، فجعل يسأل عنه فلا يحسّ له أثراً، حتّى جاءه رجُل في يده خنزيرٌ وفي عُنقه حبل أسود. فقال له موسى: "أتعرف فلاناً"؟ قال: "نعمْ هو هذا الخنزير". فقال موسى: يا ربّ: أسألك أن تردّه إلى حاله حتّى أسألَه فيما أصابه هذا. فأوحى الله إليه: "لو دعوتني بالذي دعا به آدم فمَن دونه، ما أجبتُك. ولكن أخبرك لِم صنعتُ به هذا. لأنّه يطلب الدنيا بالدين". وأغلظ من هذا ما ورَدَ عن معاذ بن جبَل: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: فِتنة العالِم أن يكون الكلامُ أحبّ إليه من الاستماع. وفي الكلام تنميق وزيادة، ولا يؤمن على صاحبه الخطأ، وفي الصّمت سلامةٌ وعلم. ومن العلماء من يخزن علمَه فلا يحبّ أن يوجد في غيره، فذلك في الدرك الأول من النار. ومن العلماء من يكون في علمه بمنزلة السلطان، فإن يُردّ عليه شيء من علْمه، أو تهوّن بشيء من علْمه غضبَ، فذلك في الدرك الثاني من النار. ومن العلماء من يجعل علمَه وغرائب حديثه لأهل الشرف، ولا يرى أهلَ الحاجة أهلاً له، فذلك في الدرك الثالث من النار. ومن العلماء من ينصب نفسه للفُتيا، ويُفتي بالخطأ والله يُبغض المتكلّفين، فذلك في الدرك الرابع من النار، ومن العلماء من يتكلّم بكلام اليهود والنصارى ليغزر علمَه، فذلك في الدرك الخامس من النار. ومن العلماء من يتّخذ علمَه مروّة ونبلاً وذكْراً في الناس، فذلك في الدرك السادس من النار. ومن العلماء من يستفزّه الزهو والعُجب، فإن وُعِظ عَنف، وإن وَعَظ أنِف، فذلك في الدرك السابع من النار. فعليك بالصمت، فيه تَغلبُ الشيطان، وإيّاك أن تضحكَ من غير عجَب، أو تمشي في غير أرب. وفي الخبر:"حديث : إنّ العبدَ ليُنشر له من الثناء ما بين المشرق والمغرب، وما يزن عند الله جناحَ بعوضة ". تفسير : وقال (صلى الله عليه وآله): "حديث : العلماء أُمناء الرسل على عباد الله ما لم يُخالطوا السلطان، فإذا فعلوا ذلك فقد خانوا الرسلَ. فاحذروهم واعتزلوهم ". تفسير : وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : شرار العلماء الذين يأتون الأُمراءَ، وخيارُ الأُمراءِ الذين يأتون العلماء ". تفسير : وقال أبو ذر لسلمة: "يا سلمة لا تغش أبواب السلاطين، فإنّك لا تصيب من دنياهم شيئاً إلاّ وأصابوا من دينك أفضل منه". وهذه فتنة عظيمة للعلماء، وذريعة صعْبة للشيطان عليهم، لا سيّما من له لهجةٌ مقبولة وكلامٌ حلوٌ، إذ لا يزال الشيطان يلقي إليه أنّ في وعظك لهم، ودخولك عليهم ما يَزجرهم عن الظلم ويُقيم شعائرَ الشرع إلى أن يخيّل إليه أنّ الدخول عليهم من الدين. ومن علامات علماء الآخرة أن لا يكون أحدُهم متسرّعاً إلى الفتوى، بل يكون متوقّفاً محترزاً ما وَجَد إلى الخلاص سبيلاً، فإنْ سُئل عمّا يعلمه تحقيقاً بنصّ كتاب، أو بنصّ حديث، أو إجماع، أو دليل قاطع، أجاب. وإن سئل عمّا شكّ فيه، قال: "لا أدري". وإن سئل عما يظنّه باجتهاد وتخمين احتاط، ودفَع عن نفسه، وأحالَ على غيره - إن كان في غيره غُنية - هذا هو الحزْم، لأنّ تقلّد خطر الاجتهاد عظيم. وفي الخبر: "حديث : العلْم ثلاثة: كتاب ناطق، وسُنّة قائمة، ولا أدري ". تفسير : وقال الشعبي: "لا أدري نصف العلْم. ومن سكَت حين لا يدري لله تعالى فليس أقلّ أجراً ممن نطق، لأن الاعتراف بالجهل اشدّ على النفس". وهكذا كانت الصحابة. قال عبد الرحمن ابن أبي ليلى: "أدركتُ في هذا المسجد مأة وعشرين من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ما منهم من أحد يسأل إلاّ ودَّ أنّ أخاه كفاه ذلك". وفي لفظ آخر: "كانت المسألة تُعرض على أحدهم، فيردّها إلى الآخر حتى يعود إلى الأوّل". كان ابن عمر إذا سُئل عن الفتوى قال: "اذهب إلى الأمير الذي تقلّد أُمور الناس" وكان يقول: "تريدون أن تجعلونا جسراً تعبرون علينا إلى جهنّم". وقال ابن مسعود: "ليس شيءٌ أشدّ على الشيطان من عالِم يتكلَّم بعلْم ويسكت بعلم، يقول: أنظروا إلى هذا، سكوتُه أشدّ علي من كلامه". ووصَف بعضهم "الأبدال" فقال: أكلهم فاقةٌ، وكلامهم ضرورةٌ". ومرّ أمير المؤمنين (عليه السلام) وعبد الله بن مسعود برَجلٍ يتكلّم على الناس، فقال: "هذا يقول: اعرفوني". وقال بعضهم: "إذا كثُر العلم قلّ الكلام". ومن علاماتهم أن يكون أكثر اهتمامهم بعلْم الباطن، ومراقبة القلب، ومعرفة طريق الآخرة وسلوكه، والرجاء في انكشاف ذلك من المجاهدة والمراقبة ومباشرة الأعمال الظاهرة والباطنة، والجلوس مع الله في الخلوة مع حضور القلب بصافي الفكْرة، والانقطاع إلى الله عمّا سواه. فذلك مفتاح الإلهام، ومنبع الكشف، فكم من متعلّم طال بعلمه ولم يقدر على مجاوزة مسموعه بكلمة، وكم من مقتصر على المهمّ في التعلّم، ومتوفّر على العمل، ومراقبة القلب فتح الله عليه من لطائف الحكم ما يحار فيه عقول ذوي الألباب. ولذلك قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : مَن عمل بما علِم ورَّثه الله علْم ما لم يعلَم ". تفسير : وفي بعض الكتب: "يا بني إسرائيل لا تقولوا: العلْم في السماء مَن ينزل به؟ ولا في تخوم الأرض، من يصعد به؟ ولا من وراء البحار، من يعبر فيأتي به؟ العلْم مجبولٌ في قلوبكم، تأدّبوا بين يديَّ بأدب الروحانيين، وتخلَّقوا إليَّ بأخلاق الصدّيقين. أظهر العلم من قلوبكم حتى يغطّيكم". فكم من معانٍ دقيقة من أسرار القرآن تخطر على قلب المتجرّد للذكْر والفكْر تخلو عنها كتب التفاسير، ولا يطلع عليها أذكياء المفسرين. وإذا انكشف ذلك للمراقب، ويعرض على المفسّرين استحسنوه وعلموا أنّ ذلك من تنبيهات القلوب الزكيّة، وألطاف الله تعالى بالهمم العالية المتوجّهة إليه. وكذلك في علوم المكاشفة، وأسرار علوم المعاملة، ودقائق علم النفس، وخواطرها، وهواجسها، فإنّ كلّ علم من هذه العلوم بحرٌ لا يدرك غورُه، وإنّما يخوضه كلّ طالب بقدر ما رزق، وبقدر ما وفّق بحسن العمل. وروي في الإسرائيليات إنّ حكيماً من الحكماءِ صنَّف ثلاثمأة وستّين مصحَفاً في الحكمة، حتى وُصف بالحكيم، فأوحى الله إلى نبيِّهم: "قُل لفلان قد ملأتَ الأرض نفاقاً، ولم تردني شيئاً من ذلك. وإنّي لا أقبل من نفاقِك شيئاً" فنَدم الرجل وترك ذلك وخالط العامة في الأسواق، وواكل بني إسرائيل وتواضع في نفسه، فأوحى الله إليه: "قل له: الآن وافقت رضائي". ومنها: أن يكون أكثر بحثه في علْم الأعمال عمّا يفسدها، ويشوّش القلب، ويهيّج الوسواس، ويثير الشرّ. فإنّ أصل الدين التوقّي من الشر. ولذلك قيل: شعر : عرفت الشرَّ لا لِشْــ ـشَرِّ لكن لتوقّيه ومن لا يعرف الشرَّ من الناس يقع فيه تفسير : ولأنّ الأعمال البدنيّة لا تتمّ إلاّ بالقصود والنيّات، وإنّما الشأن في معرفة ما يفسدها ويشوّشها، وهذا مما تكثر شعبه ويطول تعريفه، وكل ذلك مما يغلب مسيس الحاجة إليه، وتعمّ البلوى به في طريق سلوك الآخرة. وأمّا علماء الدنيا فإنّهم يتّبعون غرائب التفريع في الأقضية والحكومات، ويتعبون في وضع صور تنقضي الدهور ولا تقع، وإن وقَع ذلك فإنّما يقع لغيرهم - لا لهم - فإذا وقَع كان في العالِمين به كثرة، ويتركون ما يلازمهم ويتكرّر عليهم آناء الليل وأطراف النهار من خواطِرهم، ووساوِسهم، وأعمالهم. وما أبعد عن السعادة من باعَ مهمّ نفسه اللازم بمهمّ غيره النادر ايثاراً للقبول والقرب من الخلْق على القرب من الله، وحرصاً على أن يسمّيه البطّالون من أبناء الدنيا فاضلاً، عالماً بالدقائق. وجزاؤه من الله أن لا ينتفع في الدنيا بقبول الخلق، بل يتكدّر عليه صفوه بنوائب الزمان، ثمّ يرد القيامة مفلساً متحسّراً على ما يشاهده من ربح العاملين، ونور المقرّبين. وهذا هو الخسران المبين. فهذه عدّة علامات جليّة يمكن تعريفها لكلّ من أراد، ذكَرها صاحب كتاب الإحياء. ولهم علاماتٌ أُخرى باطنيّة لا يعرفها إلا ذو بصيرة كشفيّة. ومن علاماتهم أيضاً ما ذكر صاحب كتاب إخوان الصفا بقوله: فمِن إحدى علامات أولياء الله المنبعثين من موت الجهالة ورقدة الغفلة، المستبصرين بعين اليقين ونور الهداية، العارفين بحقائق الدنيا: أنَّهم قوم تستوي عندهم الأماكن والأزمان، وتغاير الأُمور وتصاريف الأكوان. فقد صارت الأيّام كلّها عندهم عيداً واحداً، وجمعة واحدة، وصارت الأماكن كلّها لهم مسجداً واحداً، والجهات كلّها قبلة ومحراباً واحداً، وصارت حركاتهم كلّهم عبادة لله، وسكَناتهم كلّهم طاعة، واستوى عندهم مدحُ المادحين وذمُّ الذامّين، لا يأخذهم في الله لومة لائم، قياماً لله بالقسط شهداء وهم على صلاتهم دائمون، وتحقّقوا بقوله تعالى: {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة:115]. وإنّما استوتْ عندهم الأماكن كلّها وصارت محراباً ومسجداً وقبلةً واحدةً لتصديقهم قولَ الله تعالى: {أية : فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة:115] وصاروا شهداء لمشاهدتهم له وتصديقهم لقوله: {أية : مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} تفسير : [المجادلة:7]. وإنّما استَوت عندهم الأيام كلّها فصارت كلّها جمعة وعيداً لمشاهدتهم يومَ القيامة الذي هو أوّل البعث لمحمّد (صلى الله عليه وآله) إلى تمام ألف سَنَة، كما قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : بُعِثْتُ أنا والساعَة كهاتين ". تفسير : وإنّما استوتْ عندهم تصاريفُ الأحوال وتغاير الأُمور لتصديقهم قولَ الله تعالى: {أية : مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ} تفسير : [الحديد:22 - 23]. وصار دعاؤهم مستجاباً لأنّهم لا يسألون إلاّ ما يكون، ولا يكون إلاّ ما قدِّر في سابق العلْم. فقلوبهم في راحة من التعلّق بالأسباب، وأبدانهم فارغة من التكلّف فيما لا يعني، ونفوسُهم ساكنة عن الوسواس، وهم في راحة من أنفسهم، والناس منهم في راحة وأمان، لا يريدون لأحد سوء، ولا يضمرون لأحد شرّاً - عدوّاً كان أو صديقاً - كما قال علي (عليه السلام): "والله ما دنياكم عندي إلاّ كعفطَة عنز".

الجنابذي

تفسير : {وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ} الّذى هو النّتيجة، والمقصود ما أنزل على محمّدٍ (ص) من الكتاب والشّريعة النّاسخة لكلّ كتابٍ وشريعةٍ والايمان به مستلزم للايمان بنبوّة محمّد (ص) وولاية علىّ (ع) او المراد ممّا أنزل ابتداءً نبوّة محمّد (ص) وولاية علىٍّ (ع) {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} حال فى محلّ التّعليل للامر بالايمان به فانّ تصديقه لما معهم مصدّقٌ للايمان به والمراد ممّا معهم التّوراة والانجيل والاحكام الفرعيّة الشّرعيّة والعقائد الاصليّة الدّينيّة ومنها نبوّة محمّد (ص) وخلافة وصيّه والمقصود اوّلاً وبالذّات ممّا معهم نبوّة محمّد (ص) وخلافة علىّ (ع) فانّهما ثابتتان فى كتبهم وفى صدورهم بحيث لا تنفكّان عن خاطرهم {وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} تنزّل فى الكلام على طريقة المناصحين اى يجب عليكم الايمان به لكونه مصدّقاً لما معكم فان لم تؤمنوا به فاصبروا {وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} فانّه اقبح لكم من كلّ قبيح لانّكم عالمون بصدقه من قبل ومحجوجون بأنّ برهان صدقه وهو تصديق ما عندكم معه والمراد أوّل كافرٍ به حين ظهور دعوته او بالاضافة الى اصحاب الملل فلا يرد انّ هذا الكلام صدر منه مع يهود المدينة وقد كفر قبلهم كثير من مشركى مكّة، و{أَوَّلَ كَافِرٍ} خبر لا تكونوا وحمل المفرد على الجمع بتقدير فريق او صنف، او لا يكن كلّ واحد منكم اوّل كافر به، روى انّ يهود المدينة جحدوا نبوّة محمّدٍ (ص) وخانوه وقالوا: نحن نعلم أنّ محمّدا (ص) نبىّ وانّ عليّا (ع) وصيّه ولكن لست انت ذلك ولا هذا هو ولكن يأتيان بعد وقتنا هذا بخمسمائة سنين. تحقيق وتفصيل لاشتراء الثّمن القليل بالآيات {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} اى لا تستبدلوا فانّ الاشتراء فى أمثال المقام يستعمل بمعنى مطلق الاستبدال والمراد بالثّمن القليل الاعراض الدّنيويّة لانّها وان كانت كثيرة فى أنفسها قليلةٌ فى جنب الآخرة، ونزول الآية فى اشراف يهود مدينة وتحريفهم لآيات التّوراة لاستبقاء مأكلةٍ كانت لهم على اليهود، وكراهة بطلانها بسبب الاقرار بالنّبىّ (ص) لا ينافى باعتبار التّعريض بأمّة محمّدٍ (ص) عموم الآية وتعميم الآيات المذكورة فيها؛ فانّ الآيات وكذا سائر كلمات الكتاب لا اختصاص لها بمرتبةٍ خاصّةٍ بل لها فى كلّ مرتبةٍ ومقام مصداق مناسب لتلك المرتبة؛ فالآيات التّدوينيّة نقوش الكتاب الالٰهىّ والالفاظ المدلول بها عليها فانّها آيات تدوينيّة باعتبار انّ دوالّها تدوينيّة، وهكذا نقوش الاخبار الصّادرة عن المعصومين (ع) والصّادقين والالفاظ الّتى هى مدلولاتها، وآيات الآفاق الموجودات الدّالّة بغرائب خلقتها على حكمة صانعها سواء كانت مادّيّة ارضيّة او سماويّة او غير مادّيّة من البرزخ والمثال والنّفوس والعقول، وآيات الانفس شؤن النّفوس ووارداتها ومشاهداتها ومكمون الاشياء فيها، وظهورها بها، وغرائب ذلك فى اطوارها، والاعمال الّتى تظهر منها على الاعضاء فانّها آيات دالّة على ضمائر النّفوس فان كانت بصورة الاعمال الالهيّة الدّالّة على انّ ضمائر النّفوس اوامر ونواهٍ الهيّة كانت آيات الله ايضاً، واشتراء الثّمن القليل بالآيات عبارة عن الاعراض عنها من جهة كونها آيات الله سواء أعرض عنها مطلقاً او توجّه اليها بجهة اخرى فالمصلّى اذا كان الدّاعى له الى الصّلاة الامر الالهىّ من غير التفاتٍ منه الى انّ فيها قرباً او رضىً من الله او نجاة من النّار او دخولاً فى الجنّة ومن غير طلب منه لذلك يعنى من غير التفاتٍ الى نفسه وصدور العمل منها كان حافظاً لآية الله غير مشترٍ بها ثمناً قليلاً، واذا كان الدّاعى له طلب القرب من الله او طلب رضاه او النّجاة من النّار او دخول الجنّة يعنى اذا التفت الى عمله وطلب له اجراً كان مستبدلاً بآية الله ثمناً قليلاً، واذا كان الدّاعى له حفظ صحّته او صحّة من عليه اهتمام امره او رفع مرض او حفظ مال او تكثير مال او حفظ عرضٍ او بقاء منصبٍ او الوصول الى منصبٍ او الظّهور على عدوٍّ او غير ذلك من الاغراض المباحة كان مستبدلاً بها ثمناً اقلّ من الاوّل، واذا كان الدّاعى غرضاً من الاغراض الغير المباحة مثل الرّياء والسّمعة والصّيت ومدح النّاس والتّحبّب اليهم وحفظ المناصب الغير المباحة مثل القضاء والامامة والحكومات الغير الشّرعيّة وجلب المال الغير المباح وادرار السّلاطين والحكّام وغير ذلك من الاغراض الغير المباحة كان مستبدلاً بها عذاباً دائماً وهكذا سائر الاعمال الشّرعيّة بل الاعمال المباحة فانّها الصّادرة عن النّفس العاقلة، والعاقل فعله ينبغى ان يكون صادراً من مبدء عقلانىٍّ وراجعاً الى ذلك فاذا لم يكن فعل العاقل قرين غرض عقلانىٍّ كان مستبدلاً بآية الله اى آية العقل فانّ العقل آية الله وآية الآية آية ثمناً قليلاً، وما ورد فى الآيات والاخبار من المدح على ابتغاء وجه الله او طلب مرضاته او غير ذلك فالمراد الطّلب من غير جعل الطّلب غرضاً ومن غير استشعار بذلك الطّلب وقلّما تنفكّ ارباب العمائم واصحاب المناصب والاتباع السّواقط من اكثر هذه الاغراض المباحة، وامّا من ابتلى منهم بالأغراض الغير المباحة فليتعوّذ من شرّه فانّه أضرّ على دين العباد من ابليس وجنوده، وما تداول بينهم من الاجرة على بعض العبادات كالاذان وصلاة ليلة الدّفن وتلاوة القرآن وتعليم القرآن، وما تداول بين ارباب المنابر من أخذ الاجرة على ذكرهم المصائب والمراثى ومجالس وعظهم فقد صرّحوا بحرمته، وهذا غير الأغراض الكاسدة الّتى ابتلاهم الله بها، وامّا الجعالة على فعل الصّلاة والصّوم المفروضين الفائتين يقيناً او ظنّاً او احتمالاً او الغير الصّحيحين يقيناً او ظنّاً او احتمالاً بنيابة الاموات فقد اشتهر العمل به ونيابة الحجّ من حىٍّ عاجزٍ او قادرٍ او ميّتٍ كثر الاخبار بها وأجمعوا على صحّتها وعملوا بها لكن لم يبيّنوا كيف ينبغى ان يكون القصد فيها حتّى لا يكون المأخوذ اجرة على العبادة واشتراءً بآيات الله ثمناً قليلاً، والقاضى اذا اجازه الامام او نائبه للقضاء عموماً او خصوصاً وجلس فى مجلس القضاء بأمر الامام الّذى هو أمر الله ولم يكن الدّاعى له الى القضاء سوى الامر كان حافظاً لآية الله فانّ القضاء آية الامر به، والامر آية الآمر، والآمر آية الله، وان كان الدّاعى له التّقرّب الى الله او الى الامام او طلب رضا كلٍّ او الاصلاح بين النّاس او رفع الخصومات او احقاق الحقوق او رفع الظّلم وحفظ المظلوم او اجراء احكام الله وحدوده او امثال ذلك من الاغراض الصّحيحة كان مستبدلاً بآية الله ثمناً قليلاً، وان كان الدّاعى له التّرأس على العباد والتّبسّط فى البلاد او التّحبّب الى النّاس او تخويف الخلق او الشّرف والحسب او الخدم والحشم او الاعراض الفانية الدّنيويّة او غير ذلك من الاغراض الكاسدة فهو مستبدل بآية الله عذاباً دائماً اليماً، هذا اذا كان القاضى منصوباً من الامام لذلك او للاعمّ من ذلك، وان كان غير مأذونٍ فى ذلك فليتدبّر فى قوله (ع): هذا مجلس لا يجلس فيه الاّ نبىّ او وصىّ او شقىّ، وهكذا حال أصحاب الفتيا فانّهم فى فتياهم ان لم يكونوا مأذونين او لم يكن الامر داعياً لهم صدق عليهم قوله تعالى: {أية : يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِٱلْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [آل عمران: 78] وقوله تعالى: {أية : فويل للّذين يكتبون الكتاب بأيديهم} تفسير : [البقرة: 79] فانّ المراد بالكتاب كتاب النّبوّة وأحكامها المستنبطة من الآيات والاخبار فالفتيا وآيات القرآن واخبار المعصومين (ع) هذا الكتاب الّذى يلوون ألسنتهم به ويكتبونه بأيديهم فانّ الانسان ما لم يخرج من أغراضه سواء كانت صحيحةً او فاسدة كان ما يجريه على اللّسان او يكتبه باليد ملويّاً بلسانه ومكتوباً بيده لا بلسانٍ مسخّرٍ لامر الله ولا بيدٍ آلةٍ لله وان كانت صورته صورة الكتاب وصورة الاحكام الشّرعية واخبار المعصومين (ع) لم يكن من الكتاب ولا من الشّريعة ولا من المعصومين (ع) فانّ صورة اللّفظ وصورة النّقش حرمتها بنيّة المتكلّم والكاتب، الا ترى أنّ الفقهاء رضوان الله عليهم أفتوا بأنّ لفظ محمّدٍ (ص) ان كتب مراداً به محمّد بن عبد الله الرّسول الختمىّ (ص) كان محترماً ومسّه بدون الطّهارة حراماً، وان كتب مراداً به غيره لم يكن له حرمة مع انّ الصّورة فى الكتابتين واحده لا تميز بينهما والفرق ليس الاّ بنيّة الكاتب {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} ويلوونه بألسنتهم مما كتبت ايديهم ونطقت به السنتهم {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ}، لكن ما كتب من صورة القرآن ينبغى الاهتمام فى احترامه مراعاة لحفظ صورة الكتاب كما ورد التّأكيد فى الاهتمام بما جمعه عثمان من صورة الكتاب وأمثال الآيتين المذكورتين فى حقّ الشّجرة الملعونة وهى بنو اميّة واحزابهم واتباعهم الى يوم القيامة الّذين عاندوا الائمّة وشيعتهم فضلاً عن الاذن منهم فى كتابة الكتاب والفتيا فى الاحكام ولهذا كان اهتمام الشّيعة من الصّدر الاوّل بالاذن والاجازة من المعصومين (ع) او ممّن نصبوه لذلك بحيث ما لم يجازوا لذلك لم يتكلّموا فى الاحكام ولم يكتبوا منها شيئاً، والمدرّس فى تدريسه والمتعلّم فى تعلّمه ان كانا مأمورين بذلك ولم يكن الدّاعى لهما الاّ الامر كانا حافظين لآيات الله، والاّ كانا مستبدلين، سواءً كان غرضهما من المباحات او من غير المباحات نظير ارباب القضاء والفتيا، وكذلك الحال فى جملة الاعمال والاحوال عبادة كانت او غيرها فما من احدٍ سوى المخلَصين (بفتح الّلام) الاّ وهو مشترٍ بآيات الله ثمناً قليلاً بوجهٍ، أعاذنا الله وجميع المؤمنين منه، وأعظم من ذلك الاشتراء كلّه أن تقلّد نبىّ العصر او ولىّ الامر ثمّ تعرض عنه للاشتغال بما عرضته النّفس من اهوائها او تطهّر بيت قلبك حتّى يدخل فيه ويظهر عليك فى عالمك الصغير صاحب الامر عجّل الله فرجه ثمّ تعرض عنه او يعرض عنك فانّك حينئذٍ تكون اشدّ حسرة وندامة من كلّ ذى حسرةٍ وندامةٍ {وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ} لمّا كان الرّهبة فى الاغلب من المحتمل الوقوع والتّقوى من المتيقّن الوقوع والغفلة عن النّعمة وترك الوفاء بالعهد من غير الاعراض والاستهزاء بالمعاهد معه محتمل النّقمة، واشتراء الثّمن القليل بالآيات الّتى اصلها واعظمها نبىّ الوقت او خليفته متيقّن النّقمة لانّ شراء سائر الآيات وان كان محتمل النّقمة لكنّه باعتبار ادّائه الى شراء الآية الكبرى متيقّن النّقمة استعمل الرّهبة هناك والتّقوى هاهنا.

الهواري

تفسير : {وَءَامِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ} [يعني القرآن] {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} من الكتب. {وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} يعني قريظة والنضير، لأن نبي الله قدم عليهم المدينة، فعصوا الله، وكانوا أول من كفر به من اليهود، ثم كفرت خيبر وفدك، وتتابعت اليهود على ذلك من كل أرض. قال: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ}. يعني الآيات التي وصف الله بها محمداً عليه السلام في كتابهم، فأخفوها من الأميين والجهال من اليهود. وكان الذين يفعلون ذلك الرهط الذين سمّيت في أول السورة: كعب بن الأشرف وأصحابه. وكانت لهم مأكلة من اليهود كل عام، فذلك الثمن القليل. خافوا إن تابعوا محمداً عليه السلام أن تذهب مأكلتهم. وقال الحسن: هو مثل قوله: (أية : فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) تفسير : [البقرة: 79]، يعني عرضاً من الدنيا يسيراً، وهو ما أخذوا عليه من الثمن. قوله: {وَلاَ تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ} أي لا تخلطوا الحق بالباطل. وقال بعضهم: ولا تلبسوا الإِسلام باليهودية والنصرانية. قوله: {وَتَكْتُمُوا الحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: وأنتم تعلمون أن محمداً رسول الله، وأن الإِسلام دين الله، يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل. قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} أي: مع المصلّين أهل الإِسلام، أمرهم أن يدخلوا في دين رسول الله. قوله: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} أي: وتتركون العمل بما تأمرون به {وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ} بخلاف ما تفعلون {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ما تأمرون به. يعني أحبار اليهود والمنافقين. قوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ}. قال الحسن: استعينوا بالصبر على الصلاة وعلى الدين كله، فخص الصلاة [لمكانها] من الدين. وقال بعضهم: الصبر هاهنا الصوم. وقال بعضهم: استعينوا على الدنيا بالصبر والصلاة. قوله: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} أي: لثقيلة، يعني الصلاة. {إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} والخشوع هو الخوف الثابت في القلب. وقال بعضهم: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} أي: إلا على المتواضعين، وهو كقوله: (أية : وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) تفسير : [الأنبياء:90] أي: متواضعين.

اطفيش

تفسير : {وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ}: وهو القرآن، أفرد الإيمان به بالذكر مع دخوله فى قوله: {أية : أوفوا بعهدى}تفسير : لأنه المقصود والعمدة فى الوفاء بالعهد. {مُصَدِّقاً}: حال من ما، أو من الهاء المقدرة، تقديرها أنزلته. {لِّمَا مَعَكُمْ}: من التوراة والإنجيل وسائر ما عندكم من كتب الله. فإن القرآن مصدقاً لما فى التوراة، وكتب الله من الأصول كالتوحيد والنبوة، وفى كثير من الأحكام والقصص، والوعد والوعيد، والأمر بالعبادة، والعدل بين الناس، والنهى عن الصغائر والكبائر. وأما ما خالف فيه من الأحكام فهو أيضا فى معنى الموافقة، لأن كلا أنسب بعصره وأهل عصره، لتفاوت الأعصار وأهلها، فقد اتفق فى مراعاة الأعصار وأهلها وصلاحهم. ولو نزلت التوراة فى زمان سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - أو نزلت عليه لكانت وفق القرآن. ولذلك قال: صلى الله عليه وسلم:"حديث : لو كان موسى حيا لما وسعه إلا اتباعى"تفسير : . رواه أحمد وغيره، وإنما قيد المنزل وهو القرآن بكونه مصدقاً لما معه، تنبيهاً على أن اتباع ما معه لا ينافى الإيمان بالقرآن بل بوجبه، ولذلك قال: {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرِ بِهِ}: فإن قوله هذا تعريض بأن الواجب أن يكونوا أول من آمن به، لأنهم قد علموا به فى التوراة والإنجيل وغيرهما، ولأنهم أهل النظر فى معجزاته، والعلم بشأنه، والمستفتحين به، على مشركى العرب والمبشرين بزمانه، وما كان من الكلام بطريق التعريض، يكون معناه ما لوح به المراد إليه لفظه، فليس معنى الآية النهى عن أن يكونوا سابقين إلى الكفر، إذ لا معنى لنهيهم عند ذلك، بعد أن سبقهم مشركو العرب إليه، بل ذلك تعريض مجرد عن معنى ظاهر اللفظ، كقولك لمن رأيته ظالما بفعل أو قول: لا تكن ممن يعذبه الله بالنار، لحقوق عباده، تريد نهيه عن الظلم. وقولك للمسىء: أما أنا فلست بمسىء، تريد إخباره بأن فعله أو قوله إساءة، ويجوز ألا تكون الآية من التعريض. فيكون المعنى: ولا تكونوا أول كافر من أهل اكتاب بالقرآن. فالهاء عائدة إلى ما مر من قوله لما معكم، وقيل: عائدة إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - وذلك لأنهم إذا كفروا بالقرآن فقد كفروا بما معهم من التوراة وغيرها، فنهاهم عن الكفر بما معهم، لأن النهى عنه نهى عن الكفر بالقرآن، وكذا العكس لاتفاقهما، ومن سبق فى الكفر كان عليه مثل إثم جميع من اتبعه، أو اتبع من اتبعه إلى يوم القيامة، قال الشيخ هود - رحمه الله - ولا تكونوا أول كافر به، يعنى: قريظة والنضير، لأن نبى الله قدم عليهم المدينة، فعصوا الله، وكانوا أول من كفر من اليهود، ثم كفرت خيبر وفدك، وفتتابعت اليهود على ذلك، من كل أرض. أى فكأنه قيل: اتركوا كونكم أول كافر. أو قال لباقيهم فى القرية السابقة فى الكفر لا تكونوا أول كافر، أى لا تتموا كون أهل بلدكم أول كافر به، أو المعنى لا تكونوا يا أهل الكتاب مثل أول كافر بالقرآن من مشركى العرب، فتستووا بهم جهلا مع تقدم التوراة وغيرها لكم، فحذف المضاف، أو حذفت فى الكاف عن التشبيه البليغ، كقولك: لا تكن مع أخيك أسداً، وإنما أخبر بأول كافر وهو مفرد عنهم الواو، وهو ضمير الجماعة. لأن المراد بكافر: القوم أو الفريق أو الفوج أو نحو ذلك، ما لفظه مفرد، ومعناه جمع. قال ابن هشام: إن أضيف اسم التفضيل إلى نكرة وحد وذكر هو وطابقته هى نحو: الزيدان أفضل رجلين. والزيدون أفضل رجال، وهند أفضل امرأة. فأما {ولا تكونوا أول كافر}، فالتقدير أول فريق كافر به.. انتهى. قال الفراء: وجدت أنها فى معنى الفعل أى أول من كفر. وقال محمد بن مسعود فى البديع: النكرة المضاف إليها اسم التفضيل، يجب إفرادها. نحو أنتما أفضل رجل، وأنتم أفضل رجل. ومنه: ولا تكونوا أول كافر به. وذلك هو القياس، لأن النكرة تمييز له، وقد خفضت بالإضافة، فأشبه مائة رجل وقد أجازوا قياساً لا سماعا، أن تثنى وأن تجمع.. انتهى. والمشهور وجوب المطابقة فتأول الآية بنحو ما قال ابن هشام، أو بأن المراد: لا يكن كل واحد منكم أول كافر به، فيكون ذلك كلية لا كلا، كقولك: كسانا حلة، أى كسا كل واحد منا حلة. وأول اسم تفضيل كما علمت من كلام ابن هشام، لكن لا فعل له. وقيل أصله أوءل بهمزة بعد الواو، أبدلت واوا، وأغمت فيها الواو. وذلك لإبدال تخفيف غير قياسي، والفعل وال بهمزة مفتوحة بعد الواو، وياء أى لجا أو سبق، كوعد بعد وقيل أصله أأول بهمزة بين همزة أفعل، والواو فقلبت واو، أو أدغمت فيه الواو بعدها، والفعل ال يؤول بمعنى رجع وصار إلى كذا وكذا، وكل شىء يرجع إلى أوله، وهذا القلب تخفيف غير قياسى كذلك، وقال الكوفيون هو فاعل من وال فقدمت الهمزة إلى موضع الفاء، وزيدت الواو وأدغمت، فوزنه على لفظة عفول وقال بعضهم: هو فاعل من وول قلبت الواو الأول همزة، وزيدت بعددها واو وأدغمت. ويرد القولين استعماله بمن التفضيلية، وتصريفه كتصريف اسم التصريف، قال الشيخ خالد: وأصل أول على الأصح أوال ومعناه أسبق، فهو اسم تفضيل ممنوع الصرف، لوزن الفعل، والوصف بصرف إذا كان بمعنى قيل، ومنه قولهم أولا وآخرا. {وَلاَ تَشْتَرُوا بِأَيَاتِى ثَمَناً قَلِيلاً}: أى لا تستبدلوا بآياتى التى فى التوراة وغيرها الدالة على محمد، ونعته عوضاً يسيراً من الدنيا، تكتموها أو تمحوها أو تحرفوها بالتأويل أو بالتبديل، فتأخذوا على ذلك الكتم أو التحريف أو التأويل أو التبديل عوضا، وذلك أن اليهود كرهوا انتقال النبوة، من ولد هارون إلى ولد إسماعيل، فكان علماؤهم مثل كعب بن الأشرف ومن تقدم ذكره أول السورة يسعون فى إخفائها وإزالتها عن سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - ويكرمون على ذلك. وقيل كان علماؤهم يأخذون من عامتهم وسفلتهم فى كل عام شيئاً معلوما، من زرعهم وثمارهم وأنعامهم وهدايا، فخافوا أن يبينوا صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يتبعه اليهود ويتركوهم فتفوتهم تلك المآكل، ففعلوا ذلك المذكور من الكتم أو ما بعده. وقيل كانوا يحرفون ما صعب من حكم الله لملوكهم وعظماتهم، ولمن هووه بالتأويل أو بتبديله بما يسهل، أو يكتمونه أو يمحونه، فيكرمون على ذلك. وقال الحسن: كانوا يزيدون فى التوراة ما ليس فيها ويكتبونه. ويأخذون على ذلك مالا، مثل قوله تعالى:{أية : فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا}.تفسير : وقيل كانوا يأخذون الرشا فى حكمهم بين الناس، فيحرفون الحق ويكتمونه. وقيل كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك. وفى كتبهم علم مجانا كما علمت مجانا، أى بلا أجره، وقال قوم: الآية نهى عن المعاصى كلها، لأن من تبع هواه وارتكب معصية، كان بائعا لدينه بما ارتكب، فالثمن القليل وما يجنونه من لادنيا، ومالو إليه وتركوا حكم الله - جل وعلا - فيه. والأوجه السابقة قبل هذا. والأول مانع من حمل الآية على تلك الأوجه السابقة دفعة، وليس قوله: {ثَمَنَاً قَلِيلاً} قيد مجيز للاشتراء بالثمن الكثير بل هو لبيان الواقع، لأن الدنيا كلها قليل فيما يأخذونه شىء قليل جداً، من شىء قليل. ولو كان فى حد ذاته كثيراً ففى ذلك تلويح بأن الكثير هو الآخرة. فالدنيا وإن كثرت وعظمت، قليلة بالنسبة إلى نعيم الآخرة، فأقل قليل من نعيم الآخرة أفضل وأكثر لذاته ولدوامه، وإنما فسرت الاشتراء بالاستبدال لمكان قوله: {ثَمَنَاً قَلِيلاً} وقوله: {بِأَيَاتِى} فإن الثمن لا يكون مشترى، وإنما يكون مشترى به، والياء لا تدخل على الثمن، بل على الثمن شبه استبدال الرئاسة، التى كانت لهم بآيات الله باشتراء الشىء بالشىء، وأعار له لفظ الاشتراء إعارة تحقيقية أصلية تصريحية، واشتق من لفظ الاشتراء المعار لفظ تشترى على طريق الاستعارة التصريحية التحقيقية التبعية، والقرينة التعبير عن المشترى بلفظ الثمن، فإن الاشتراء الحقيقى لا يكون فيه المشترى ثمنا فيه، تعلم أن الاشتراء بمعنى الاستبدال، والياء تدخل فى الاستبدال على العوض والمعوض عنه. {وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونَ}: احذروا عصيانى فى أمر محمد أو فى الحق، أو احذروا عقابى على ذلك، فآمنوا به، واتبعو الحق، وأعرضوا عن الدنيا، ولا تشتروها بآياتى. ذكر هناك الرهبة وهنا التقوى، لأن الآية التى فيها الرهبة مشتملة على ما هو كالمبدى لما فى الآية الثانية التى فيها التقوى والرهبة مقدمة التقوى، لأن الرهبة خوف مع حزن، واضطراب لوعيد بالغ كما مر، والتقوى الحذر ما خيف منه، أو جعل النفس فى الوقاية منه، ولأن الأولى خطاب للعالم والمقلد فأمرهم فيها بالرهبة التى هى مبدأ السلوك، والثانية خطاب للعالم فأمر فيها بالتقوى، التى هى منتهى السلوك، فان الإنسان يرهب الوعيد على المعصية، فيقلق منه فيحذرها لئلا يقع فيها.

اطفيش

تفسير : {وَءَامِنُوا} يا بنى إسرائيل، وقيل العلماء والرؤساء منهم ككعب بن الأشرف {بِمَا أَنْزَلْتُ} على محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن وسائر الوحى {مُصَدِّقاً} أنا فهو حال من التاء، والأولى أنه حال من الهاء المحذوفة؛ أى أنزلته أو من ما {لِّمَا مَعَكُمْ} من التوراة والإنجيل، أى صدقته بما أنزلته أو مصدقا له ما أنزلت، لأن القرآن جاء مطابقاً للتوراة والإنجيل فيما ذكر الله فيهما من نبوءة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ورسالته، وسيرته، ومن وصف القرآن، والقصص، والمواعظ، والتوحيد والدعاء إليه، والعبادة والنهى عن المنكر حتى إن اتباعهما موجب للإيمان به، وبما جاء به {وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ} أى مثل أول {كَافِرٍ بِهِ} أول فريق كافر أو لا يكون واحد منكم أول إنسان كافر به من أهل الكتاب، فيتبعكم من بعدكم ومن معكم، فيكون عليكم إثم كفركم ومثل إثم من تبعكم، وقد سبقكم فى الكفر قريش وسائر العرب ولا تكونوا مثلهم، وإنكم أحق وأول من يؤمن لما تتلون فى التوراة والإنجيل من الإخبار به، أو الهاء لما معكم، فكفركم بالقرآن كفر بما معكم من التوراة والإنجيل، والعرب لم تسبقكم بالكفر بهما، بل بالكفر بالقرآن، والواو الثانية من أول منقلبة عن همزة، من وأل إذا لجأ، وفيه معنى السبق والتبادر، وقيل من آل بمعنى وجع، وقيل أصل شاذ لا فعل له، إذ لا توجد كلمة فاؤها وعينها واو، وما قيل من أن فعله ول بيان لا سماع، وقيل وزنه فوعل، ويرده منع صرفه {وَلاَ تَشْتَرُوا} ضد البيع، استعارة عن تستبدلوا {بِئَٰايَٰتِي} الآيات التى فى التوراة والإنجيل الدالات على ما أنزلت على محمد؛ بأن تخفوها أو تمحوها أو تبدلوها أو تفسروها بغير تأويلها {ثَمَناً} مثمنا {قَلِيلاً} هو ما تعطيكم سفلتكم مبنيا على ذلك التغيير، وعلى رياستكم به، وفى الموسم وأزمان الثمار، فترك الآيات بتلك الأوجه ثمن اشتروابه مثمناً، هو ما يعطون، أو ثمنا بمعنى عوضاً، وكل من الثمن والمثمن ثمن ومثمن، من حيث أن كلا عوض، أو تشتروا تستبدلوا من حيث إن الاستبدال أعم من الشراء، فذلك مجاز مرسل للإطلاق والتقييد، وما يأخذونه كثير، لكنه بالنسبة إلى ما تركوا من الدنيا قليل، وبَّخ الله اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتم، وبيع الدين، والتحريف وقولهم هذا من عند الله، ونحن أبناء الله، ويد الله مغلولة، وقتل أنفسهم، وإخراج فريق من ديارهم، والحرص على الحياة، وعداوة جبريل واتباع السحر {وَإِيَّٰيَ فَاتَّقُونِ} مثل إياى فارهبون.

الالوسي

تفسير : {وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ} عطف على ما قبله، وظاهره أنه/ أمر لبنـي إسرائيل، وقيل: نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه علماء اليهود ورؤسائهم فهو أمر لهم، وأفرد سبحانه الإيمان بعد اندراجه في {أية : وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى}تفسير : [البقرة: 40] بمجموع الأمر به والحث عليه المستفاد من قوله تعالى: {مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ} للإشارة إلى أنه المقصود، والعمدة للوفاء بالعهود، و (ما) موصولة، و {أُنزِلَتِ } صلته والعائد محذوف أي أنزلته و{مُصَدّقاً} حال إما من الموصول أو من ضميره المحذوف. واللام في {لَّمّاً} مقوية، والمراد (بما أنزلت) القرآن وفي التعبير عنه بذلك تعظيم لشأنه والمراد بما معكم التوراة والتعبير عنها بذلك للإيذان بعلمهم بتصديقه لها فإن المعية مئنة لتكرار المراجعة إليها والوقوف على تضاعيفها المؤدي إلى العلم بكونه مصدقاً لها، ومعنى تصديقه لها أنه نازل حسبما نعت فيها، أو مطابق لها في أصل الدين والملة أو لما لم ينسخ كالقصص والمواعظ وبعض المحرمات ـ كالكذب والزنا والربا ـ أو لجميع ما فيها والمخالفة في بعض جزئيات الأحكام التي هي للأمراض القلبية كالأدوية الطبية للأمراض البدنية المختلفة بحسب الأزمان والأشخاص ليست بمخالفة في الحقيقة بل هي موافقة لها من حيث إن كُلاّ منها حق في عصره متضمن للحكمة التي يدور عليها فلك التشريع، وليس في التوراة ما يدل على أبدية أحكامها المنسوخة حتى يخالفها ما ينسخها بل إن نطقها بصحة القرآن الناسخ لها نطق بنسخها وانتهاء وقتها الذي شرعت للمصلحة فيه وليس هذا من البداء في شيء كما يتوهمون، فإذن المخالفة في تلك الأحكام المنسوخة إنما هو اختلاف العصر حتى لو تأخر نزول المتقدم لنزل على وفق المتأخر، ولو تقدم نزول المتأخر لوافق المتقدم، وإلى ذلك يشير ما أخرجه الإمام أحمد وغيره عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قال حين قرأ بين يديه عمر رضي الله تعالى عنه شيئاً من التوراة: «حديث : لو كان موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي»تفسير : وفي رواية الدرامي «حديث : والذي نفس محمد بيده لو بدا لكم موسى فاتبعتموه وتركتموني لضللتم عن سواء السبيل ولو كان حياً وأدرك نبوتي لاتبعني» تفسير : وتقييد المنزل بكونه ـ مصدقاً لما معهم ـ لتأكيد وجوب الإمتثال فإن إيمانهم بما معهم يقتضي الإيمان بما يصدقه قطعاً، ومن الناس من فسر المنزل بالكتاب ـ والرسول صلى الله عليه وسلم ـ وما معهم بالتوراة والإنجيل، وليس فيه كثير بعد إلا أن البعيد من وجه جعل ـ مصدقاً ـ حالاً من الضمير المرفوع والأبعد جعل (ما) مصدرية، ومصدقاً حال من ـ ما ـ الثانية، وأبعد منه جعله حالاً من المصدر المقدر. {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} أي لا تسارعوا إلى الكفر به فإن وظيفتكم أن تكونوا أول من آمن به لما أنكم تعرفون حقيقة الأمر وحقيته وقد كنتم من قبل تقولون إنا نكون أول من يتبعه فلا تضعوا موضع ما يتوقع فيكم، ويجب منكم ما يبعد صدوره عنكم ويحرم عليكم من كونكم أول كافر به. و (أول) في المشهور أفعل لقولهم: هذا أول منك ولا فعل له لأن فاءه وعينه واو. وقد دل الاستقراء على انتفاء الفعل لما هو كذلك وإن وجد فنادر. وما في «الشافية» من أنه من وول بيان للفعل المقدر. وقيل: أصله ـ أوأل ـ من وأل وأولا إذا لجأ ثم خفف بإبدال الهمزة واواً ثم الإدغام وهو تخفيف غير قياسي، والمناسبة الاشتقاقية أن الأول الحقيقي ـ أعني ذاته تعالى ـ ملجأ للكل، وإن قلنا وأل بمعنى تبادر فالمناسبة أن التبادر سبب الأولية، وقيل: أوأل من آل بمعنى رجع، والمناسبة الاشتقاقية على قياس ما ذكر سابقاً، وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع، وقال الدريدي: هو فوعل فقلبت الواو الأولى همزة، وأدغمت واو فوعل في عين الفعل، ويبطله ظاهراً منع الصرف وهو خبر عن ضمير الجمع، ولا بد هنا عند الجمهور من تأويل المفضل عليه بجعله مفرداً للفظ جمع المعنى أي: أول فريق مثلاً أو تأويل المفضل أي لا يكن كل واحد منكم، والمراد عموم السلب/ كما في {أية : لاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ }تفسير : [القلم: 10] وبعض الناس ـ لا يوجب في مثل هذا ـ المطابقة بين النكرة التي أضيف إليها أفعل التفضيل وما جرى هو عليه بل يجوز الوجهان عنده كما في قوله:شعر : وإذا هم طعموا فالأم طاعم وإذا هم جاعوا فشر جياع تفسير : ومن أوجب أول البيت كالآية ونهيهم عن التقدم في الكفر به مع أن مشركي العرب أقدم منهم لما أن المراد التعريض ـ فأول ـ الكافرين غيرهم أو ولا تكونوا أول كافر من أهل الكتاب، والخطاب للموجودين في زمانه صلى الله عليه وسلم بل للعلماء منهم، وقد يقال الضمير راجع إلى ما معكم والمراد من ـ لا تكونوا أول كافر ـ بما معكم ـ لا تكونوا أول كافر ـ ممن كفر بما معه ـ ومشركو مكة ـ وإن سبقوهم في الكفر بما يصدق القرآن حيث سبقوا بالكفر به وهو مستلزم لذلك لكن ليسوا ممن كفر بما معه، والفرق بين لزوم الكفر والتزامه غير بين إلا أنه يخدش هذا الوجه، إن هذا واقع في مقابلة {وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ} فيقتضي اتحاد متعلق الكفر والإيمان، وقيل يقدر في الكلام مثل، وقيل: ويقدر ـ ولا تكونوا أول كافر ـ وآخره. وقيل: {أَوَّلَ} زائدة، والكل بعيد، وبحمل التعريض على سبيل الكناية يظهر وجه التقييد بالأولية، وقيل: إنها مشاكلة لقولهم: إنا نكون أول من يتبعه، وقد يقال: إنها بمعنى السبق، وعدم التخلف فافهم. {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} الاشتراء مجاز عن الاستبدال لاختصاصه بالأعيان إما باستعمال المقيد في المطلق ـ كالمرسن في الأنف ـ أو تشبيه الاستبدال المذكور في كونه مرغوباً فيه بالاشتراء الحقيقي، والكلام على الحذف ـ أي لا تستبدلوا بالإيمان بآياتي، والاتباع لها ـ حظوظ الدنيا الفانية القليلة المسترذلة بالنسبة إلى حظوظ الآخرة وما أعد الله تعالى للمؤمنين من النعيم العظيم الأبدي، والتعبير عن ذلك ـ بالثمن ـ مع كونه مشترى لا مشترى به للدلالة على كونه كالثمن في الاسترذال والامتهان، ففيه تقريع وتجهيل قوى حيث إنهم قلبوا القضية وجعلوا المقصود آلة والآلة مقصودة وإغراب لطيف حيث جعل المشتري ثمناً بإطلاق الثمن عليه، ثم جعل الثمن مشترى بإيقاعه بدلاً لما جعله ثمناً بإدخال الباء عليه فإن قيل: الاشتراء بمعنى الاستبدال بالإيمان بالآيات إنما يصح إذا كانوا مؤمنين بها ثم تركوا ذلك للحظوظ الدنيوية وهم بمعزل عن الإيمان، أجيب بأن مبنى ذلك على أن الإيمان بالتوراة الذي يزعمونه إيمان بالآيات كما أن الكفر بالآيات كفر بالتوراة فيتحقق الاستبدال، ومن الناس من جعل الآيات كناية عن الأوامر والنواهي التي وقفوا عليها في أمر النبـي صلى الله عليه وسلم من التوراة والكتب الإلهية أو ما علموه من نعته الجليل وخلقه العظيم عليه الصلاة والسلام، وقد كانوا يأخذون كل عام شيئاً معلوماً من زروع أتباعهم وضروعهم ونقودهم فخافوا إن بينوا ذلك لهم وتابعوه صلى الله عليه وسلم أن يفوتهم ذلك فضلوا وأضلوا، وقيل: كان ملوكهم يدرّون عليهم الأموال ليكتموا ويحرفوا، وقيل: غير ذلك. وقد استدل بعض أهل العلم بالآية على منع جواز أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله تعالى والعلم، وروي في ذلك أيضاً أحاديث لا تصح، وقد صح أنهم قالوا: «حديث : يا رسول الله أنأخذ على التعليم أجراً؟ فقال: إن خير ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله تعالى» تفسير : وقد تظافرت أقوال العلماء على جواز ذلك وإن نقل عن بعضهم الكراهة، ولا دليل في الآية على ما ادعاه هذا الذاهب كما لا يخفى والمسألة مبينة في الفروع. {وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ} بالإيمان واتباع الحق والإعراض عن الاشتراء بآيات الله تعالى الثمن القليل والعرض الزائل، وإنما ذكر في الآية الأولى {أية : فَٱرْهَبُونِ } تفسير : [البقرة: 40] وهنا {فَٱتَّقُونِ} لأن الرهبة دون التقوى فحيثما خاطب الكافة عالمهم ومقلدهم وحثهم على ذكر النعمة التي يشتركون فيها أمرهم بالرهبة التي تورث التقوى ويقع فيها الاشتراك، / ولذا قيل الخشية ملاك الأمر كله، وحيثما أراد بالخطاب فيما بعد ـ العلماء منهم، وحثهم على الإيمان ومراعاة الآيات ـ أمرهم بالتقوى التي أولها ترك المحظورات وآخرها التبري مما سوى غاية الغايات، وليس وراء عبادان قرية.

ابن عاشور

تفسير : {وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ}. شروع في دعوة بني إسرائيل إلى الإسلام وهدي القرآن وهذا هو المقصود من خطابهم ولكن قدم بين يديه ما يهيىء نفوسهم إلى قبوله كما تتقدم المقدمة على الغرض، والتخليةُ على التحلية. والإيمان بالكتاب المنزل من عند الله أو بكتب الله وإن كان من جملة ما شمله العهد المشار إليه بقوله: {أية : وأوفوا بعهدي}تفسير : [البقرة: 40] إلا أنه لم يلتفت إليه هنا من تلك الجهة لأنهم عاهدوا الله على أشياء كثيرة كما تقدم ومن جملتها الإيمان بالرسل والكتب التي تأتي بعد موسى عليه السلام إلا أن ذلك مجمل في العهد فلا يتعين أن يكون ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو مما عاهدوا الله عليه بل حتى يصدقوا بأنه من عند الله وأن الجائي به رسول من الله فهم مدعوُّون إلى ذلك التصديق هنا. فعطفُ قوله: {وآمنوا} على قوله: {أية : وإياي فارهبون}تفسير : [البقرة: 40] كعطف المقصد على المقدمة، وعطفهُ على قوله: {وأوفوا بعهدي} من قبيل عطف الخاص على العام في المعنى ولكن هذا من عطف الجمل فلا يقال فيه عطف خاص على عام لأنه إنما يكون في عطف الجزئي على الكلي من المفردات لا في عطف الجمل وإنما أردنا تقريب موقع الجملة وتوجيه إيرادها موصولة غير مفصولة. وفي تعليق الأمر باسم الموصول وهو (ما أنزلت) دون غيره من الأسماء نحو الكتاب أو القرآن أو هذا الكتاب إيماءٌ إلى تعليل الأمر بالإيمان به وهو أنه منزل من الله وهم قد أوصوا بالإيمان بكل كتاب يَثبتُ أنه منزل من الله. ولهذا أتى بالحال التي هي علة الصلة إذ جعل كونه مصدقاً لما في التوراة علامةً على أنه من عند الله. وهي العلامة الدينية المناسبة لأهل العلم من أهل الكتاب فكما جعل الإعجاز اللفظي علامة على كون القرآن من عند الله لأهل الفصاحة والبلاغة من العرب كما أشير إليه بقوله: {أية : ألم ذلك الكتاب}تفسير : [البقرة: 1، 2] إلى قوله: {أية : فأتوا بسورة من مثله}تفسير : [البقرة: 23]؛ كذلك جعل الإعجاز المعنوي وهو اشتماله على الهدى الذي هو شأن الكتب الإلهية علامة على أنه من عنده لأهل الدين والعلمِ بالشرائع. ثم الإيمانُ بالقرآن يستلزم الإيمان بالذي جاء به وبالذي أنزله. والمراد بما معهم كتب التوراة الأربعة وما ألحق بها من كتب الأنبياء من بني إسرائيل كالزبور، وكتاب أشعياء، وأرمياء، وحزقيال،ودانيال وغيرها ولذا اختير التعبير بما معكم دون التوراة مع أنها عبر بها في مواضع غير هذا لأن في كتب الأنبياء من بعد موسى عليه السلام بشاراتٍ ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم أصرحُ مما في التوراة فكان التنبيه إليها أوقع. والمراد من كون القرآن مصدقاً لما معهم أنه يشتمل على الهدى الذي دعت إليه أنبياؤهم من التوحيد والأمر بالفضائل واجتناب الرذائل وإقامة العدل ومن الوعد والوعيد والمواعظ والقَصص فما تماثل منه بها فأمره ظاهر وما اختلفَ فإنما هو لاختلاف المصالح والعصور مع دخول الجميع تحت أصل واحد، ولذلك سمي ذلك الاختلاف نسخاً لأن النسخ إزالة حكم ثابت ولم يسم إبطالاً أو تكذيباً فظهر أنه مصدق لما معهم حتى فيما جاء مخالفاً فيه لما معهم لأنه ينادي على أن المخالفة تغيير أحكام تبعاً لتغير أحوال المصالح والمفاسد بسبب تفاوت الأعصار بحيث يكون المغيِّر والمغيَّر حقاً بحسب زمانه وليس ذلك إبطالاً ولا تكذيباً قال تعالى: {أية : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات}تفسير : [النساء: 160] الآية. فالإيمان بالقرآن لا ينافي تمسكهم القديم بدينهم ولا ما سبق من أخذ رسلهم عليهم العهد باتباعه. ومما يشمله تصديق القرآن لما معهم أن الصفات التي اشتمل عليها القرآن ودين الإسلام والجائي به موافقة لما بشرت به كتبهم فيكون وروده معجزة لأنبيائهم وتصديقاً آخر لدينهم وهو أحد وجهين ذكرهما الفخر والبيضاوي فيلزم تأويل التصديق بالتحقيق لأن التصديق حقيقة في إعلام المخبَر (بفتح الباء) بأن خبر المخبِر مطابق للواقع إما بقوله صدقت أو صدقَ فلان كما ورد في حديث جبريل في «صحيح البخاري» لما سأله عن الإيمان والإسلام والإحسان أنه لما أخبره قال السائل صدقتَ قال: فعَجِبْنا له يَسْأَلُه ويُصدقه، وإما بأن يخبر الرجل بخبر مثل ما أخبر به غيره فيكون إخباره الثاني تصديقاً لإخبار الأول. وأما إطلاق التصديق على دلالة شيء على صدقِ خبرٍ مَّا فهو إطلاق مجازي والمقصود وصف القرآن بكونه مصدقاً لما معهم بأخباره وأحكامه لا وصف الدين والنبوة كما لا يخفى. {وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ}. جمع الضمير في {تكونوا} مع إفراد لفظ {كافر} يدل على أن المراد من الكافر فريق ثبت له الكفر لا فرد واحد فإضافة {أول} إلى {كافر} بيانية تفيد معنى فريق هو أول فرق الكافرين. والضمير المجرور في {به} ظاهره أنه عائد إلى {ما أنزلت} لأنه المقصود. وهو عطف على جملة {وآمنوا بما أنزلت} وهو ارتقاء في الدعوة واستجلاب القلوب فإنه لما أمرهم بالإيمان بالقرآن وكانت صيغة الأمر محتملة لطلب الامتثال بالفور أو بالتأخير وكانوا معروفين بشدة العداوة لدين الإسلام، عطف على أمرهم بالإيمان بالقرآن نهيهم عن أن يكونوا أول كافر بالقرآن وذلك يصدق بمعان بعضها يستفاد من حق التركيب وبعضها من لوازمه وبعضها من مستتبعاته وكلها تحتملها الآية، فالمعنى الأول أن يحمل قوله: {أول كافر} على حقيقة معنى الأول وهو السابق غيره فيحصل من الجملة المعطوفة تأكيد الجملة المعطوف عليها بدلالة المطابقة فالنهي عن الكفر بالقرآن يؤكد قوله: {وآمنوا بما أنزلت} ثم إن وصف (أول) يشعر بتقييد النهي بالوصف ولكن قرينة السياق دالة على أنه لا يراد تقييد النهي عن الكفر بحالة أوليتهم في الكفر، إذ ليس المقصود منه مجرد النهي عن أن يكونوا مبادرين بالكفر ولا سابقين به غيرهم لقلة جدوى ذلك ولكن المقصود الأهم منه أن يكونوا أول المؤمنين فأفيد ذلك بطريق الكناية التلويحية فإن وصف أول أصله السابق غيره في عمل يعمل أو شيء يذكر فالسبق والمبادرة من لوازم معنى الأولى لأنها بعض مدلول اللفظ ولما كان الإيمان والكفر نقيضين إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر كان النهي عن أن يكونوا أول الكافرين يستلزم أن يكونوا أول المؤمنين. والمقصود من النهي توبيخهم على تأخرهم في اتباع دعوة الإسلام فيكون هذا المركب قد كني به عن معنيين من ملزوماته، هما معنى المبادرة إلى الإسلام ومعنى التوبيخ المكنى عنه بالنهي، فيكون معنى النهي مراداً ولازمه وهو الأمر بالمبادرة بالإيمان مراداً وهو المقصود فيكون الكلام كناية اجتمع فيها الملزوم واللازم معاً، فباعتبار اللازم يكون النهي في معنى الأمر فيتأكد به الأمر الذي قبله كأنه قيل: "وآمنوا بما أنزلت" وكونوا أول المؤمنين، وباعتبار الملزوم يكون نهياً عن الكفر بعد الأمر بالإيمان فيحصل بذلك غرضان. وهذه الكناية تعريضية لأن غرض المعنى الكنائي غير غرض المعنى الصريح وهذا هو الذي استخلصته في تحقيق معنى التعريض وهو أن يكون غرض الحكم المشار إليه به غير غرض الحكم المصرح به، أو أن يكون المحكوم له به غيرَ المحكوم له بالصريح. وهذا الوجه مستند إلى الظاهر والتحقيق بين متناثر كلامهم في التعريض المعروف من الكناية ويندفع بهذا سؤالان مستقلان أحدهما ناشىء عما قبله: الأول كيف يصح النهي عن أن يكونوا أول الكافرين ومفهومه يقتضي أنهم لو كفروا به ثانياً لما كان كفرهم منهيًّا عنه؟ الثاني أنه قد سبقهم أهل مكة للكفر لأن آية البقرة في خطاب اليهود نزلت في المدينة فقد تحقق أن اليهود لم يكونوا أول الكافرين فالنهي عن أن يكونوا أول الكافرين تحصيل حاصل. ووجه الاندفاع أن المقصود الأهم هو المعنى التعريضي وهو يقوم قرينة على أن القصد من النهي أن لا يكونوا من المبادرين بالكفر أي لا يكونوا متأخرين في الإيمان وهذا أول الوجوه في تفسير الآية عند صاحب «الكشاف» واختاره البيضاوي فاقتصر عليه. واعلم أن التعريض في خصوص وصف «أول» وأما أصل النهي عن أن يكونوا كافرين به فذلك مدلول اللفظ حقيقة وصريحاً. والتعريض من قبيل الكناية التلويحية لما فيه من خفاء الانتقال من المعنى إلى لوازمه. وبعض التعريض يحصل من قرائن الأحوال عند النطق بالكلام ولعل هذا لا يوصف بحقيقة ولا مجاز ولا كناية وهو من مستتبعات التراكيب ودلالتها العقلية وسيجيء لهذا زيادة بيان عند قوله تعالى: {أية : ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء}تفسير : [البقرة: 235] في هذه السورة. المعنى الثاني أن يكون المقصود التعريض بالمشركين وأنهم أشد من اليهود كفراً أي لا تكونوا في عدادهم ولعل هذا هو مراد صاحب «الكشاف» من قوله: «ويجوز أن يراد ولا تكونوا مثل أول كافر به يعني من أشرك من أهل مكة» ولا يريد أنه تشبيه بليغ وإن كان كلامه يوهمه وسكت عنه شراحه. المعنى الثالث: أن يراد من «أول»المبادرُ والمستعجِل لأنه من لوازم الأولية كما قال تعالى: {أية : فأنا أول العابدين}تفسير : [الزخرف: 81] وقال سعيد بن مقروم الضبي:شعر : فدَعَوْا نَزَالِ فكنتُ أولَ نازل وعلاَمَ أركَبُه إذا لم أنزِلِ تفسير : فقوله: أول نازل لا يريد تحقيق أنه لم ينزل أحد قبله وإنما أراد أنه بادر مع الناس فإن الشأن أنه إذا دعا القوم نزالِ أن ينزل السامعون كلهم ولكنه أراد أنه ممن لم يتربص. ويكون المعنى ولا تعجَلوا بالتصريح بالكفر قبل التأمل، فالمراد من الكفر هنا التصميم عليه لا البقاء على ما كانوا عليه فتكون الكناية بالمفرد وهو كلمة (أول). المعنى الرابع: أن يكون «أول» كناية عن القدوة في الأمر لأن الرئيس وصاحب اللواء ونحوهما يتقدمون القوم، قال تعالى: {أية : يقدم قومه يوم القيامة}تفسير : [هود: 98] وقال خالد بن زهير وهو ابن أخت أبي ذؤيب الهذلي:شعر : فلا تَجْزَعَنْ من سُنةٍ أنتَ سِرْتَها فأول راضٍ سُنةً مَن يسِيرها تفسير : أي الأجدر والناصر لسنة، والمعنى ولا تكونوا مقرين للكافرين بكفركم فإنهم إن شاهدوا كفركم كفروا اقتداء بكم وهذا أيضاً كناية بالمفرد. المعنى الخامس: أن يكون المراد الأول بالنسبة إلى الدعوة الثانية وهي الدعوة في المدينة لأن ما بعدالهجرة هو حال ثانية للإسلام، فيها ظهر الإسلام متميزاً مستقلاً. هذا كله مبني على جعل الضمير المجرور بالباء في قوله: {كافر به} عائداً على {ما أنزلتُ} أي القرآن وهو الظاهر لأنه ذكر في مقابل الإيمان به. وقيل إن الضمير عائد على ما معكم وهو التوراة قال ابن عطية: «وعلى هذا القول يجيء {أول كافر} مستقيماً على ظاهره في الأولية» ولا يخفى أن هذا الوجه تكلف لأنه مؤول بأن كفرهم بالقرآن وهو الذي جاء على نحوما وصفت التوراةُ وكتبُ أنبيائهم في بشاراتهم بنبىءٍ وكتاب يكونان من بعد موسى فإذا كذبوا بذلك فقد كفروا بصحة ما في التوراة فيُفضي إلى الكفر بما معهم. قال التفتزاني: وهذا كله إنما يتم لو كان كفرهم به بمعنى ادعائهم أنه كله كذب وأما إذا كفروا بكونه كلام الله واعتقدوا أن فيه صدقاً وكذباً فلا يتم، ولهذا كان هذا الوجه مرجوحاً، ورده عبد الحكيم بما لا يليق به. وبهذا كله يتضح أن قوله: {ولا تكونوا أول كافر به} لا يتوهم منه أن يكون النفي منصباً على القيد بحيث يفيد عدم النهي عن أن يكونوا ثاني كافر أو ثالث كافر بسبب القرينة الظاهرة وأن أول كافر ليس من قبيل الوصف الملازم حتى يستوي في نفي موصوفه أن يذكر الوصف وأن لا يذكر كقول امرىء القيس:شعر : على لاحبٍ لا يُهتدى بمناره تفسير : وقول ابن أحمر:شعر : ولا ترى الضَّبَّ بها ينجَحِرْ تفسير : كما سيأتي في قوله تعالى: {ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً} عقب هذا. {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَـٰتِي ثَمَنًا قَلِيلاً}. عطف على النهي الذي قبله وهذا النهي موجَّه إلى علماء بني إسرائيل وهم القدوة لقومهم والمناسبة أن الذي صدهم عن قبول دعوة الإسلام هو خشيتهم أن تزول رئاستهم في قومهم فكانوا يتظاهرون بإنكار القرآن ليلتف حولهم عامة قومهم فتبقى رئاستهم عليهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : لو آمن بي عشرة من اليهود لآمَن بي اليهودُ كلهم»تفسير : . والاشتراء تقدم عند قوله تعالى: {أية : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى}تفسير : [البقرة: 16] وهو اعتياض أعيانٍ بغيرها مثلها أو ثمنها من النقدين ونحوهما كأوراق المال والسفاتج وقد استعير الاشتراء هنا لاستبدال شيء بآخر دون تبايع. والآيات جمع آية وأصلها في اللغة العلامة على المنزل أو على الطريق قال النابغة:شعر : توهَّمْتُ آياتٍ لها فعرفتُها لستةِ أعوام وذا العام سابع تفسير : ثم أطلقت الآية على الحُجة لأن الحجة علامة على الحق قال الحارث ابن حلِّزة:شعر : مَنْ لنا عنده من الخير آياتٌ ثلاثٌ في كُلِّهن القضاء تفسير : ولذلك سميت معجزة الرسول آية كما في قوله تعالى: {أية : في تسع آيات إلى فرعون وقومه}تفسير : [النمل: 12] {أية : وإذا لم تأتهم بآية}تفسير : [الأعراف: 203]، وأطلقت أيضاً على الجملة التامة من القرآن قال تعالى: {أية : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات}تفسير : [آل عمران: 7] وفي الحديث الصحيح قال رسول الله: «حديث : أما تكفيك آية الصيف» {أية : يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة}تفسير : [النساء: 176] لأن جمل القرآن حجة على صدق الرسول لأن بلاغتها معجزة. وأما إطلاق آية على الجملة من التوراة في حديث الرجم في قول الراوي «فوضع المِدْراس يده على آية الرجم» فذلك مجاز على مجازٍ لعلاقة المشابهة. ووجه المشابهة بين إعراضهم وبين الاشتراء، أن إعراضهم عن آيات القرآن لأجل استبقاء السيادة، والنفع في الدنيا يشبه استبدال المشترِي في أنه يعطي ما لا حاجة له به ويأخذ ما إليه احتياجه وله فيه منفعته، ففي {تشتروا} استعارة تحقيقية في الفعل، ويجوز كون {تشتروا} مجازاً مرسلاً بعلاقة اللزوم أو بعلاقة الاستعمال المقيد في المطلق كما تقدم في قوله تعالى: {أية : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى}تفسير : [البقرة: 16]، لكن هنا الاستعارة متأتية فهي أظهر لظهور علاقة المشابهة واستغناءِ علاقة المشابهة عن تطلب وجه العدول عن الحقيقة إلى المجاز لأن مقصد التشبيه وحده كاف في العدول إلى الاستعارة، إذ التشبيه من مقاصد البلغاء. وإذ قد كان فعل الاشتراء يقتضي شيئين أبدل أحدهما بالآخر جُعل العوض المرغوب فيه هو المشتري وهو المأخوذ ويعدى إلى الفعل بنفسه، وجعل العوض الآخر هو المدفوع ويسمى الثمن ويتعدى الفعل إليه بالباء الدالة على معنى العوض. وقد عدي الاشتراءُ هنا إلى الآيات بالباء فكانت الآيات هي الواقعة موقع الثمن لأن الثمن هو مدخل الباء فدل دخول الباء على أن الآيات شبهت بالثمن في كونها أهون العوضين عند المستبدل، وذكر الباء قرينة المكنية لأنها تدخل على الثمن ولا يصح كونها تبعية إذ ليس ثم معنى حقه أن يؤدى بالحرف شبه بمعنى الباء، فها هنا يتعين سلوك طريقة السكاكي في رد التبعية للمكنية. ولا يصح أيضاً جعل الباء تخييلاً إذ ليست دالة على معنى مستقل يمكن تخيله. ثم عبر عن مفعول الاشتراء بلفظ الثمن وكان الظاهر أن يعطى لفظ الثمن لمدخول الباء أو أن يعبر عن كل بلفظ آخر كأن يقال: لا تشتروا بآياتي متاعاً قليلاً فأخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر وعبر عن المتاع ونحوه بالثمن على طريق الاستعارة التحقيقية لتشبيه هذا العوض من الرئاسة أو المال بالثمن أو لأنه يشبه الثمن في كونه أعياناً وحطاماً جعلت بدلاً عن أمر نافع وفي ذلك تعريض بهم في أنهم مغبونو الصفقة إذ قد بذلوا أنفس شيء وأخذوا حظًّا ما قليلاً فكان كلا البدلين في الآية مشبهاً بالثمن إلا أن الآيات شبهت به في كونها أهون على المعتاض، والمتاع الذي يأخذونه شبه بالثمن في كونه شيئاً مادياً يناله كل أحد أو للإشارة إلى أن كلاً من الآيات والثمن أمر هين على فريق فالآيات هانت على الأحبار والأموال هانت على العامة وخُص الهين حقيقة بإعطائه اللفظ الحقيقي الدال على أنه هين وأما الهين صورة فقد أعطى الباء المجازية وكل من الاستعارتين قرينة على الأخرى، ولأنه لما غلب في الاستعمال إطلاق الثمن على النقدين اختير إطلاق ذلك على ما يأخذونه تلميحاً إلى أنهم يأخذون المال عن تغيير الأحكام الشرعية كقوله {أية : يأخذون عرض هذا الأدنى}تفسير : [الأعراف: 169]. وقد قيل إن قوله {ثَمناً} قرينة الاستعارة في قوله {ولا تشتروا} ووجهه أنه لما أدخلت الباء على الآيات تعين أن الآيات هي ثمن الاشتراء فلما عبر بعده بلفظ {ثمناً} مفعولاً لفعل {تشتروا} عَلِم السامع أن الأول ليس بثمن حقيقي فعلم أن الاشتراء مجاز ثم هو يعلم أن المعبر عنه بالثمن بعد ذلك أيضاً ليس بثمن حقيقي تبعاً للعلم بالمجاز في الفعل الناصب له. وقد قيل إن قوله {ثمناً} تجريد وتقريره مثل تقرير كونه قرينة إذا جعلنا القرينة قوله {بآياتي}. وقيل هو ترشيح لأن لفظ الثمن من ملائم الشراء وهو قريب مما قدمناه في كونه استعارة لأن الترشيح في نفسه قد يكون استعارة من ملائم المشبه به لملائم المشبه على الاحتمالات كلها هي تدل على تجهيلهم وتقريعهم. والآيات لا تستبدل ذواتها فتعين تقدير مضاف أي لا تشتروا بقبول آياتي ثمناً. وإضافة آيات إلى ضمير الجلالة للتشريف قال الشيخ محمد بن عرفة: عظم الآيات بشيئين الجمع والإضافة إلى ضمير الجلالة وحُقر العوض بتحقيرين التنكير والوصف بالقلة اهـ أي وفي ذلك تعريض بغبن صفقتهم إذ استبدلوا نفيساً بخسيس وأقول وصف {قليلاً} صفة كاشفة لأن الثمن الذي تباع به إضاعة الآيات هو قليل ولو كان أعظم متمول بالنسبة إلى ما أضاعه آخذ ذلك الثمن وعلى هذا المراد ينبغي حمل كلام ابن عرفة. وقد أجمل العوض الذي استبدلوا به الآيات فلم يبين أهو الرئاسة أو الرشى التي يأخذونها ليشمل ذلك اختلاف أحوالهم فإنهم متفاوتون في المقاصد التي تصدهم عن اتباع الإسلام على حسب اختلاف هممهم. ووَصْف {ثمناً} بقوله: {قليلاً} ليس المراد به التقييد بحيث يفيد النهي عن أخذ عوض قليل دون أخذ عوض له بال وإنما هو وصف ملازم للثمن المأخوذ عوضاً عن استبدال الآيات فإن كل ثمن في جانب ذلك هو قليل فذكر هذا القيد مقصود به تحقير كل ثمن في ذلك فهذا النفي شبيه بنفي القيود الملازمة للمقيد ليفيد نفي القيد والمقيد معاً كما في البيت المشهور لامرىء القيس:شعر : على لاَحبٍ لا يُهتدى بمناره إذا سافَه العَوْد الدِّيَافِي جرجرا تفسير : أي لا منار له فيُهتدى به لأن الاهتداء لازم للمنار، وكذلك قول ابن أحمر:شعر : لا يُفْزِع الأرنبَ أهوالُها ولا ترى الضبَّ بها ينجَحِرْ تفسير : أي لا أرنب بها حتى يفزع من أهوالها ولا ضبَّ بها حتى ينجحر، وقول النابغة:شعر : مِثل الزجاجة لم تكحل من الرمد تفسير : أي عيناً لم ترمَدْ حتى تُكحل؛ لأن التكحيل لازم للعين الرمداءِ ومثله كثير في الكلام البليغ. وقد وقع {ثمناً} نكرةً في سياق النهي وهو كالنفي فشمل كل عوض، كما وقعت الآيات جمعاً مضافاً فشملت كل آية، كما وقع الفعل في سياق النفي فشمل كل اشتراء إذ الفعل كالنكرة. والخطاب وإن كان لبني إسرائيل غير أن خطابات القرآن وقصصه المتعلقة بالأمم الأخرى إنما يقصد منها الاعتبار والاتعاظ فنحن محذرون من مثل ما وقعوا فيه بطريق الأوْلى لأننا أولى بالكمالات النفسية كما قال بشار:شعر : الحُر يُلْحَى والعَصا للعبد تفسير : وكالبيت السائر:شعر : العَبْد يُقرع بالعَصا والحُر تكفيه الإشَارَه تفسير : فعلماؤنا منهيون على أن يأتوا بما نهي عنه بنو إسرائيل من الصدف عن الحق لأعراض الدنيا وكذلك كانت سيرة السلف رضي الله عنهم. ومن هنا فرضت مسألة جعلها المفسرون متعلقة بهاته الآية وإن كان تعلقها بها ضعيفاً وهي مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن والدين ويتفرع عنها أخذ الأجرة على تعليم العلم وعلى بعض ما فيه عبادة كالأذان والإمامة. وحاصل القول فيها أن الجمهور من العلماء أجازوا أخذ الأجر على تعليم القرآن فضلاً عن الفقه والعلم فقال بجواز ذلك الحسن وعطاء والشعبي وابن سيرين ومالك والشافعي وأحمد وأبو ثور والجمهور، وحجتهم في ذلك الحديث الصحيح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله»تفسير : وعليه فلا محل لهاته الآية على هذا المعنى عندهم بحال؛ لأن المراد بالاشتراء فيها معناه المجازي وليس في التعليم استبدال ولا عدول ولا إضاعة. وقد نقل ابن رشد إجماع أهل المدينة على الجواز ولعله يريد إجماع جمهور فقهائهم. وفي «المدونة»: لا بأس بالإجارة على تعليم القرآن. ومنع ذلك ابن شهاب من التابعين من فقهاء المدينة وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه وتمسكوا بالآية وبأن التعليم لذلك طاعة وعبادة كالصلاة والصوم فلا يؤخذ عليها أجر كذلك وبما روي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دراهم المعلمين حرام» وعن عبادة بن الصامت أنه قال: «علمت ناساً من أهل الصفة القرآن والكتابة فأهدى إلى رجل منهم قوساً فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : إن سرك أن تطوق بها طوقاً من نار فاقبلها»تفسير : وأجاب عن ذلك القرطبي بأن الآية محملها فيمن تعين عليه التعليم فأبى إلا بالأجر، ولا دليل على ما أجاب به القرطبي. فالوجه أن ذلك كان في صدر الإسلام وبث الدعوة فلو رخص في الأجر فيه لتعطل تعليم كثير لقلة من ينفق في ذلك لأن أكثرهم لا يستطيعه ومحمل حديث ابن عباس على ما بعد ذلك حين شاع الإسلام وكثر حفاظ القرآن. وأقول لا حاجة إلى هذا كله لأن الآية بعيدة عن هذا الغرض كما علمت وأجاب القرطبي عن القياس بأن الصلاة والصوم عبادتان قاصرتان وأما التعليم فعبادة متعدية فيجوز أخذ الأجر على ذلك الفعل وهذا فارق مؤثر. وأما حديث أبي هريرة وحديث عبادة ففيهما ضعف من جهة إسناديهما كما بينه القرطبي، قلت ولا أحسب الزهري يستند لمثلهما ولا للآية ولا لذلك القياس ولكنه رآه واجباً فلا تؤخذ عليه أجرة وقد أفتى متأخرو الحنفية بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والفقه قال في «الدرر» و«شرحه»: «ويفتى اليوم بصحتها ـــ أي الإجارة لتعليم القرآن والفقه ـــ والأصل أن الإجارة لا تجوز عندنا على الطاعات والمعاصي لكن لما وقع الفتور في الأمور الدينية جوزها المتأخرون» اهـ. ومن فروع هاته المسألة جواز أخذ الأجرة على الأذان والإمامة، قال ابن عبد البر هي مأخوذة من مسألة الأجر على تعليم القرآن وحكمهما واحد، وفي {المدونة} تجوز الإجارة على الأذان وعلى الأذان والصلاة معاً وأما على الصلاة وحدها فكرهه مالك، قال ابن شاس جازت على الأذان لأن المؤذن لا يلزمه الإتيان به أما جمعه مع الصلاة فالأجرة على الأذان فقط، وأجاز ابن عبد الحكم الإجارة على الإمامة ووجهه أنه تكلف الصلاة في ذلك الموضع في ذلك الوقت، وروى أشهب عن مالك لا بأس بالأجر على تراويح رمضان وكرهه في الفريضة قال القرطبي: وكرهها أبو حنيفة وأصحابه وفي «الدرر» ويفتى اليوم بصحتها لتعليم القرآن والفقه والإمامة والأذان ويجبر المستأجر على دفع الأجرة ويحبس، وقال القرافي في الفرق الخامس عشر والمائة: ولا يجوز في إمامة الصلاة الإجارة على المشهور من مذهب مالك لأنها عقد مكايسة من المعاوضات فلا يجوز أن يحصل العوضان فيها لشخص واحد لأن أجر الصلاة له فإذا أخذ عنها عوضاً اجتمع له العوضان اهـ. وهو تعليل مبني على أصل واه قدمه في الفرق الرابع عشر والمائة على أن في كونه من فروع ذلك الأصل نظراً لا نطيل فيه فانظره فقد نبهتك إليه، فالحق أن الكراهة المنقولة عن مالك كراهة تنزيه. وهذه المسألة كانت قد حدثت بين ابن عرفة والدكالي وهي أنه ورد على تونس في حدود سنة سبعين وسبعمائة رجل زاهد من المغرب اسمه محمد الدكالي فكان لا يصلي مع الجماعة ولا يشهد الجمعة معتلاً بأن أئمة تونس يأخذون الأجور على الإمامة وذلك جرحة في فاعله فأنكر عليه الشيخ ابن عرفة وشاع أمره عند العامة وحدث خلاف بين الناس فخرج إلى المشرق فاراً بنفسه وبلغ أنه ذهب لمصر فكتب ابن عرفة إلى أهل مصر أبياتاً هي:شعر : يا أهل مصر ومن في الدين شاركهم تنبهوا لسؤال معضل نزلا لزوم فسقكم أو فسق من زعمت أقواله أنه بالحق قد عملا في تركه الجمع والجمعات خلفكم وشرط إيجاب حكم الكل قد حصلا إن كان شأنكم التقوى فغيركم قد باء بالفسق حتى عنه ما عدلا وإن يكن عكسه فالأمر منعكس قولوا بحق فإن الحق ما اعتزلا تفسير : فيقال إن أهل مصر أجابوه بأبيات منها:شعر : ما كان من شيم الأبرار أن يسموا بالفسق شيخَاً على الخيرات قد جبلا لا لا ولكن إذا ما أبصروا خللا كسوه من حسن تأويلاتهم حللا أليس قد قال في «المنهاج» صاحبُه يسوغ ذاك لمن قد يختشى زللا تفسير : ومنها:شعر : وقد رويْتَ عن ابن القاسم العُتَقي فيما اختصرت كلاماً أوضح السبلا ما إن ترد شهادة لتاركها إن كان بالعلم والتقوى قد احتفلا نعم وقد كان في الأعلين منزلةً من جانب الجمع والجمعات واعتزلا كمالِكٍ غير مبد فيه معذرةً إلى الممات ولم يُسأل وما عُذلا هذا وإن الذي أبداه متجهاً أخذ الأئمة أجراً منعه نقلا وهبك أنك راءٍ حله نظراً فما اجتهادك أولى بالصواب ولا تفسير : هكذا نسبت هذه الأبيات في بعض كتب التراجم للمغاربة أنها وردت من أهل مصر وقد قيل إنها نظمها بعض أهل تونس انتصاراً للدكالي ذكر ذلك الخفاجي في «طراز المجالس»، وقال إن المجيب هو أبو الحسن علي السلمي التونسي وذكر أن السراج البلقيني ذكر هاته الواقعة في «فتاواه» وذكر أن والده أجاب في المسألة بأبيات لامية انظرها هناك. {وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ}. القول فيه كالقول في {وإياي فارهبون} إلا أن التعبير في الأول بارهبون وفي الثاني باتقون لأن الرهبة مقدِّمة التقوى إذ التقوى رهبة معتبر فيها العمل بالمأمورات واجتناب المنهيات بخلاف مطلق الرهبة فإنها اعتقاد وانفعال دون عمل، ولأن الآية المتقدمة تأمرهم بالوفاء بالعهد فناسبها أن يخوفوا من نكثه، وهذه الآية تأمرهم بالإيمان بالقرآن الذي منعهم منه بقية دهمائهم فناسبها الأمر بأن لا يتقوا إلا الله. وللتقوى معنى شرعي تقدم في قوله تعالى: {هدى للمتقين} وهي بذلك المعنى أخص لا محالة من الرهبة ولا أحسب أن ذلك هو المقصود هنا. والقول في حذف ياء المتكلم من قوله: {فاتقون} نظير القول فيه من قوله: {وإياي فارهبون}.

د. أسعد حومد

تفسير : {آمِنُواْ} {بِآيَاتِي} {وَإِيَّايَ} (41) - يَأَمُرُ اللهُ بَني إِسْرَائِيلَ بِأَنْ يُؤْمِنُوا بالقُرْآنِ الذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ مُصَدِّقاً لِمَا جَاءَ بِهِ مَا سَبَقَهُ مِنَ الكُتُبِ - التَّورَاةِ وَالإِنجِيلِ - وَهِيَ الكُتُبُ التِي وَرَدَتْ فِيها إِشَارَةٌ إِلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَإِلى أَوْصَافِهِ. وَيَقُولُ اللهُ لِبَني إِسْرائِيلَ لاَ تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ يَكْفُرُ بِالقُرآنِ وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنَ النَّاسِ، لأَِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ مَا لا يَعْلَمُهُ غَيْرُكُمْ مِنْ صِدْقِهِ، وَصِحَّةِ دَعْوَتِهِ عَنْ رَبِّهِ، وَلا تَعْتَاضُوا بِالدُّنيا وَلَذَّاتِها الفَانِيَةِ عنِ الإِيمَانِ بِاللهِ، وَتَصْدِيقِ رُسُلِهِ. وَيَتَوَعَّدُ اللهُ اليَهُودَ فِيمَا يَتَعَمَّدُونَهُ مِنْ كِتْمَانِ الحقِّ وَالمُعَانَدَةِ، وَمُخَالَفَةِ رَسُولِهِ، وَيَطْلُبُ مِنَ اليَهُودِ أَنْ يَعْمَلُوا بِطَاعَتِهِ، رَجَاءَ الفَوْزِ بِرَحْمَتِهِ {وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ}.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : بعد أن ذَكَّرَ الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل بالعهود التي قطعوها على أنفسهم سواء بعدم التبديل والتغيير في التوراة لإخفاء أشياء وإضافة أشياء، وذكرهم بعهدهم بالنسبة للإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ذكر الله سبحانه وتعالى أوصافه في التوراة حتى أن الحَبْر اليهودي ابن سلام كان يقول لقومه في المدينة: لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لابني ومعرفتي لمحمد أشد، أي أنه كان يُذَكِّرُ قومه أن أوصاف الرسول صلى الله عليه وسلم الموجودة في التوراة لا تجعلهم يخطئونه. قال الحق تبارك وتعالى: {وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} [البقرة: 41] لأن القرآن مصدق للتوراة. والقصد هنا التوراة الحقيقية قبل أن يحرفوها. فالقرآن ليس موافقاً لما معهم من المحرف أو المبدل من التوراة، بل هو موافق للتوراة التي لا زيف فيها. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} [البقرة: 41] .. ولقد قلنا إن اليهود لم يكونوا أول كافر بمحمد صلى الله عليه وسلم وإنما كانت قريش قد كفرت به في مكة. المقصود في هذه الآية الكريمة أول كافر به من أهل الكتاب. لماذا؟ لأن قريشا لا صلة لها بمنهج السماء، ولا هي تعرف شيئاً عن الكتب السابقة، ولكن أحبار اليهود كانوا يعرفون صدق الرسالة، وكانوا يستفتحون برسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل المدينة ويقولون: "جاء زمن رسول سنؤمن به ونقتلكم قتل عاد وإرم". ولما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلاً من أن يسارعوا بالإيمان به كانوا أول كافر به. والله سبحانه وتعالى لم يفاجئ أهل الكتاب بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما نبههم إلى ذلك في التوراة والإنجيل. ولذلك كان يجب أن يكونوا أول المؤمنين وليس أول الكافرين، لأن الذي جاء يعرفونه. وقوله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 41] الحق سبحانه وتعالى حينما يتحدث عن الصفقة الإيمانية يستخدم كلمة الشراء وكلمة البيع وكلمة التجارة. اقرأ قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلّجَنَّةَ ..} تفسير : [التوبة: 111]. وفي آية أخرى يقول: {أية : هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ..} تفسير : [الصف: 10-11]. إن الحق سبحانه وتعالى استعمل كلمة الصفقة والشراء والبيع بعد ذلك في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ..} تفسير : [الجمعة: 9]. ونعلم أن التجارة هي وساطة بين المنتج والمستهلك .. المنتج يريد أن يبيع إنتاجه، والمستهلك محتاج إلى هذا الإنتاج، والربح عملية تطول فترة، وتقصر فترة مع عملية تحرك السلعة والإقبال عليها إن كان سريعاً أو بطيئاً. وعملية الاتجار استخدمها الله سبحانه وتعالى ليبين لنا أنها أقصر طريق إلى النفع. فالتجارة تقوم على يد الإنسان. يشتري السلعة ويبيعها، ولكنها مع الله سيأخذ منك بعضاً من حرية نفسك ليعطيك أخلد وأوسع منها. وكما قلنا: لو قارنا بين الدنيا بعمرها المحدود - عمر كل واحد منا - كم سنة؟ خمسين .. ستين .. سبعين!! نجد أن الدنيا مهما طالت ستنتهي والإنسان العاقل هو الذي يضحي بالفترة الموقوته والمنتهية ليكون له حظ في الفترة الخالدة. وبذلك تكون هذه الصفقة رابحة. إن النعيم في الدنيا على قدر قدرات البشر، والنعيم في الآخرة على قدر قدرات الله سبحانه وتعالى. يأتي الإنسان ليقول: لماذا أضيق على نفسي في الدنيا؟ لماذا لا أتمتع؟ نقول له: لا .. إن الذي ستناله من العذاب والعقاب في الآخرة لا يساوي ما أخذته من الدنيا .. إذن الصفقة خاسرة. أنت اشتريت زائلاً، ودفعته ثمناً لنعيم خالد. والله سبحانه وتعالى يقول لليهود: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 41] أي لا تدفعوا الآيات الإيمانية التي أعطيت لكم لتأخذوا مقابلها ثمناً قليلاً .. وعندما يأخذ الإنسان أقل مما يعطي .. فذلك قلب للصفقة، والقلب تأتي منه الخسارة دائماً. وكأن الآية تقول: تدفعون آيات الله التي تكون منهجه المتكامل لتأخذوا عرضاً من أعراض الدنيا قيمته قليلة ووقته قصير. هذا قلب للصفقة. ولذلك جاء الأداء القرآني مقابلاً لهذا القلب. ففي الصفقات .. الأثمان دائماً تدفع والسلعة تؤخذ. ولكن في هذه الحالة التي تتحدث عنها الآية في قوله تعالى: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 41] قد جعلت الثمن الذي يجب أن يكون مدفوعاً جعلته مشترى .. وهذا هو الحمق والخطأ. الله يقول {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 41] أي لا تقلبوا الصفقة .. الشيء الذي كان يجب أن تضحوا به لا تجعلوه ثمناً. لأنك في هذه الحالة تكون قد جعلت الثمن سلعة. ما دمت ستشتري الآيات بالثمن .. فقد جعلت آيات الله ثمناً لتحصل على مكاسب دنيوية. وليتك جعلتها ثمناً غالياً، بل جعلتها ثمناً رخيصاً. لقد تنكرت لعهدك مع الله ليبقى لك مالك أو مركزك!! أما إذا ضحى الإنسان بشيء من متع الدنيا .. ليأخذ متع الآخرة الباقية .. فتكون هذه هي الصفقة الرابحة. ذلك لأن الإنسان في الدنيا ينعم على قدر تصوره للنعيم، ولكنه في الآخرة ينعم على قدر تصور الله سبحانه وتعالى في النعيم. بعض الذين لا يريدون أن يحملوا أنفسهم على منهج الله يستعجلون مكاسب الصفقة استعجالاً أحمق. إنهم يريدون المتعة حراماً أو حلالاً .. نقول لكل واحد منهم: إن كنت مؤمناً بالآخرة أو غير مؤمن فالصفقة خاسرة، لأنك في كلتا الحالتين ستعذب في النار .. فكأنك اشتريت بإيمانك ودينك متعة زائلة، وجعلت الكفر ومعصية الله هما الثمن فقلبت الآية، وجعلت الشيء الذي كان يجب أن يشترى بمنهج الله وهو نعيم الآخرة يباع .. ويباع بماذا؟ بنعيم زائل! وعندما يأخذ الإنسان أقل مما يعطي .. يكون هذا قلباً للصفقة. فكأن الآية تقول: إنكم تدفعون آيات الله وما تعطيكم من خَيْرَيْ الدنيا والآخرة لتأخذوا عرضاً زائلاً من أعراض الدنيا وثمنه قليل. والثمن يكون دائماً من الأعيان كالذهب والفضة وغيرهما، وهي ليست سلعة. فهب أن معك كنز قارون ذهباً وأنت في مكان منعزل وجائع، ألا تعطي هذا الكنز لمَنْ سيعطيك رغيفاً .. حتى لا تموت من الجوع؟ ولذلك يجب ألا يكون المال غاية أو سلعة. فإن جعلته غاية يكون معك المال الكثير، ولا تشتري به شيئاً لأن المال غايتك، فيفسد المجتمع. إن المال عبد مخلص، ولكنه سيد رديء. هو عبدك حين تنفقه، ولكن حين تخزنه وتتكالب عليه يشقيك ويمرضك لأنك أصبحت له خادماً. والآية الكريمة تعطينا فكرة عن اليهود لأن محور حياتهم وحركتهم هو المال والذهب. فالله سبحانه وتعالى حرم الربا؛ لأن المال في الربا يصبح سلعة. فالمائة تُؤْخَذ بمائة وخمسين مثلاً .. وهذا يفسد المجتمع، لأنه من المفروض أن يزيد المال بالعمل. فإذا أصبحت زيادة المال بدون عمل، فسدت حركة الحياة، وزاد الفقير فقراً، وزاد الغني غنى. وهذا ما نراه في العالم اليوم. فالدول الفقيرة تزداد فقرا لأنها تقترض المال وتتراكم عليها فوائده حتى تكون الفائدة أكثر من الدَّيْنِ نفسه. وكلما مر الوقت زادت الفوائد، فيتضاعف الدين. ويستحيل التسديد. والدول الغنية تزداد غنى، لأنها تدفع القرض وتسترده بأضعاف قيمته. وإذا قال الله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 41] يجب ألا نفهم أنه يمكن شراء آيات الله بثمن أعلى .. لا .. لأنه مهما ارتفع الثمن وعلا سيكون قليلاً، وقليلاً جداً لأنه يقابل آيات الله، وآيات الله لا تقدر بثمن. فالصفقة خاسرة مهما كانت قيمتها. وقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ} [البقرة: 41] وفي الآية السابقة قال: {أية : وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} تفسير : [البقرة: 40] وهي وعيد. ولكن "إياي فاتقون" واقع. فقوله تعالى: {أية : وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ} تفسير : [البقرة: 40] هي وعيد وتحذير لما سيأتي في الآخرة. ولكن {وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ} [البقرة: 41] يعني اتقوا صفات الجلال من الله تعالى. وصفات الجلال هي التي تتعلق ببطش الله وعذابه .. ومن هذه الصفات الجبار والقهار والمتكبر والقادر والمنتقم والمذل، وغيرها من صفات الجلال. الله سبحانه وتعالى يقول: "اتقوا الله" ويقول: "اتقوا النار" كيف؟ نقول إن الله سبحانه وتعالى يريدنا أن نجعل بيننا وبين النار - وهي أحد جنود العذاب لله سبحانه وتعالى - وقاية. ويريدنا أن نجعل بيننا وبين عذاب النار وقاية. ويريدنا أيضاً ... أن نجعل بيننا وبين صفات الجلال في الله وقاية فقوله تعالى: {وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ} [البقرة: 41] أي اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال في الله وقاية. حتى لا يصيبكم عذاب عظيم. وكيف نجعل بيننا وبين صفات الجلال في الله وقاية؟ أن تكون أعمالنا في الدنيا وفقا لمنهج الله سبحانه وتعالى، إذن فالتقوى مطلوبة في الدنيا.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: { وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ} يعني القرآن {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} [الآية: 41] يعني الإِنجيل. أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاء عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد، في قوله: {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} [الآية: 45] يقول: إِلا على المؤمنين حقا. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد، في قوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} [الآية: 47]. قال: على مَن بين ظهريهم.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، بما أنزل عليه حذر الفوات تلك السعادة؛ لقوله تعالى: {وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ} [البقرة: 41]. والإشارة فيها: أن الله تعالى أمرهم بالإيمان بالقرآن وبمن أنزل عليه القرآن، وهو محمد صلى الله عليه وسلم {مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ} [البقرة: 41]، يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، والقرآن مصدق ومقرر لما معكم من التوراة، والإيمان بموسى عليه السلام {وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} [البقرة: 41]، أول من يجحده ويسن سنة الكفر، فإن وزر المقتدي يكون على المبتدي كما يكون على المقتدي {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَٰتِي} [البقرة: 41]، من كشف الحقائق والأسرار والمشاهدات والأنوار {ثَمَناً قَلِيلاً} [البقرة: 41]. من مشارب النفس؛ يعني: الذي يرى المؤمنين في الآفاق وفي أنفسهم بالالتفات إلى حركات ومعاملات توجب الحجب والأستار بالركون إلى شيء من الأحوال والمقامات، فتقطعوا طريق ظهور الحق والوصول إليه على أنفسكم بالاختيار {وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ} [البقرة: 41] أي: اتقوا بي مني وفروا إليَّ مني لتسلموا من مكري وقهري وكيد أنفسهم وضلالتها. ثم أخبر عن تأكيد الاتقاء وترك الاشتراء بقوله تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ} [البقرة: 42]، الآيتين والإشارة في تحقيق الآيتين أي: لا تقطعوا على أنفسكم طريق الوصول إلى الحق بالباطل الذي هو تعلق القلب بما سوى الله تعالى كما قال صلى الله عليه سلم قال: "حديث : إن أصدق ما قالته العرب قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ". تفسير : {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} [البقرة: 42] أي: ولا تكتموا الحق بالتفاتكم إلى غير الله {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42]، أنه ليس لغير الله وجود حقيقي {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ} البقرة: 43]، بمراقبة القلوب وملازمة الخضوع والخشوع، {وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} [البقرة: 43]، وأصل الزكاة الطهارة والنماء والزيادة أي: بالغوا في تزكية النفس عن الحرص الدنيوي والأخلاق الذميمة وتطهير القلب عن رؤية السيئة، وترك مطالبة ما سوى الله فإنه مع طلب الحق زيادة والزيادة على الكمال نقصان {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ} [البقرة: 43] أي: اقتدوا مع الانكسار ونفي الوجود بالمنكسرين الباذلين الوجود لنيل الجود. ثم أخبر عن فريق منهم بقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44]، والإشارة فيها أنها شاملة لمن يحرض الناس على طلب الحق ومعاملة الصدق ويحذرهم الدنيا والهوى وينبئهم عن آفاتها، وهو تباعد عن ذلك، ولا ينتهي بنفسه مثل العلماء السوء والملتبسين الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ولا ينتهون عنه، {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ} [البقرة: 44] أي: تقرؤون القرآن {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44]، معناه ولا تفهمون فحواه كي تنتهوا عن أفعالكم الردية وتعملوا بأقوالكم السنية. ثم أخبر عما يخرجهم إلى الحق وترك الباطل بقوله تعالى: {وَٱسْتَعِينُواْ} [البقرة: 45]، والإشارة فيها أن قوله تعالى: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ} [البقرة: 45]، عن شهوات النفس ومتابعة هواها {وَٱلصَّلَٰوةِ} [البقرة: 45] أي: دوام الوقوف والتزام العكوف على باب الغيب وحضرة الرب، {وَإِنَّهَا} [البقرة: 45] أي: الاستعانة بهما {لَكَبِيرَةٌ} [البقرة: 45]، أمر عظيم وشأن صعب {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ} [البقرة: 45]، وهم الذين تجلى الحق لأسرارهم فخشعت لأنفسهم كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا تجلى الله لشيء خضع له ". تفسير : وقال تعالى: {أية : وَخَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً}تفسير : [طه: 108] فالتجلي يورث الألفة مع الحق ويسقط الكفة عن الخلق.