٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
42
Tafseer
الرازي
تفسير : أعلم أن قوله سبحانه {وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ } أمر بترك الكفر والضلال وقوله: {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ } أمر بترك الإغراء والإضلال، واعلم أن إضلال الغير لا يحصل إلا بطريقين، وذلك لأن ذلك الغير إن كان قد سمع دلائل الحق فإضلاله لا يمكن إلا بتشويش تلك الدلائل عليه وإن كان ما سمعها فإضلاله إنما يمكن بإخفاء تلك الدلائل عنه ومنعه من الوصول إليها. فقوله: {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ } إشارة إلى القسم الأول وهو تشويش الدلائل عليه وقوله: {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ } إشارة إلى القسم الثاني وهو منعه من الوصول إلى الدلائل، واعلم أن الأظهر في الباء التي في قوله: {بِٱلْبَـٰطِلِ } أنها باء الاستعانة كالتي في قولك: كتبت بالقلم والمعنى ولا تلبسوا الحق بسبب الشبهات التي توردونها على السامعين، وذلك لأن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد عليكم كانت نصوصاً خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بسبب إلقاء الشبهات، فهذا هو المراد بقوله:{وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ} فهو المذكور في قوله: {أية : وَجَـٰدَلُوا بِٱلْبَـٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ } تفسير : [غافر: 5]. أما قوله: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي تعلمون ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة، وذلك لأن ذلك التلبيس صار صارفاً للخلق عن قبول الحق إلى يوم القيامة وداعياً لهم إلى الاستمرار على الباطل إلى يوم القيامة ولا شك في أن موقعه عظيم، وهذا الخطاب وإن ورد فيهم، فهو تنبيه لسائر الخلق وتحذير من مثله فصار الخطاب وإن كان خاصاً في الصورة لكنه عام في المعنى، ثم ههنا بحثان: البحث الأول: قوله: {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ } جزم داخل تحت حكم النهي بمعنى ولا تكتموا أو منصوب بإضمار (أن). البحث الثاني: أن النهي عن اللبس والكتمان وإن تقيد بالعلم فلا يدل على جوازهما حال عدم العلم، وذلك لأنه إذا لم يعلم حال الشيء لم يعلم أن ذلك اللبس والكتمان حق أ وباطل، وما لا يعرف كونه حقاً أو باطلاً لا يجوز الإقدام عليه بالنفي ولا بالإثبات، بل يجب التوقف فيه، وسبب ذلك التقييد أن الإقدام على الفعل الضار مع العلم بكونه ضاراً أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضاراً، فلما كانوا عالمين بما في التلبيس من المفاسد كان إقدامهم عليه أقبح، والآية دالة على أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه، والله أعلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ} اللَّبْس: الخلط. لَبَست عليه الأمر ألبِسه، إذا مزجتَ بيّنه بمُشْكله وحقَّه بباطله، قال الله تعالى: {أية : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام:9] وفي الأمر لُبْسة؛أي ليس بواضح.ومن هذا المعنى قول عليّ رضي الله عنه للحارث ابن حوط:يا حارث إنه ملبوس عليك. إن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله. وقالت الخنساء: شعر : ترى الجليسَ يقول الحقّ تحسَبه رُشْداً وهيهات فٱنظر ما به التبسا صَدِّق مقالتَه وٱحذَر عداوته وٱلبس عليه أمورا مثلَ ما لَبَسا تفسير : وقال العَجّاج:شعر : لما لَبَسْنَ الحقَّ بالتَّجَنِّي غَنِين وٱستبدَلْن زيداً منِّي تفسير : روى سعيد عن قتادة في قوله: {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ}، يقول: لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله ـ الذي لا يقبل غيره ولا يجزي إلا به ـ الإسلامُ، وأن اليهودية والنصرانية بدعة وليست من الله. والظاهر من قول عنترة:شعر : وكَتِيبةٍ لَبّستها بكتيبة تفسير : أنه من هذا المعنى؛ ويحتمل أن يكون من اللباس. وقد قيل هذا في معنى الآية؛ أي لا تُغَطّوا. ومنه لبس الثوب؛ يقال: لبِست الثوب ألْبَسه. ولباس الرجل زوجته، وزوجها لباسها. قال الجَعْدِيّ:شعر : إذا ما الضّجيع ثَنَى جِيدَها تَثَنّتْ عليه فكانت لباسَا تفسير : وقال الأخْطل:شعر : وقد لَبِستُ لهذا الأمر أعْصُرَه حتى تجلّل رأسي الشيبُ فاشتعلا تفسير : واللَّبوس: كل ما يُلبس من ثياب ودرع؛ قال الله تعالى: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ}تفسير : . [الأنبياء:80] ولابست فلاناً حتى عرفتُ باطنه. وفي فلان مَلْبَس؛ أي مستمتع. قال: شعر : ألاَ إن بعد العُدْم للمرءِ قُنْوَة وبعد المشيب طولَ عُمْرٍ ومَلْبَسَا تفسير : ولِبْس الكعبة والهودج: ما عليهما من لِباس (بكسر اللام). قوله تعالى: {بِٱلْبَاطِلِ} الباطل في كلام العرب خلاف الحق، ومعناه الزائل. قال لبِيد:شعر : ألاَ كلُّ شيء ما خلا اللَّهَ باطلُ تفسير : وبطل الشيء يبطل بُطْلا وبُطولا وبُطلانا (ذهب ضياعاً وخسراً)، وأبطله غيره. ويقال: ذهب دمه بُطْلاً؛ أي هَدَراً. والباطل: الشيطان. والبَطَل: الشجاع، سُمِّيَ بذلك لأنه يُبطل شجاعة صاحبه. قال النابغة:شعر : لهم لواء بأيدي ماجدٍ بطلٍ لا يقطع الخرق إلا طرفُه سامي تفسير : والمرأةُ بَطَلة. وقد بطُل الرجل (بالضم) يبطلُ بُطولة وبَطَالة؛ أي صار شجاعاً. وبَطل الأجير (بالفتح) بِطَاَلة؛ أي تعطّل، فهو بطّال. وٱختلف أهل التأويل في المراد بقوله: {ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ}؛ فرُوي عن ٱبن عباس وغيره: لا تخلطوا ما عندكم من الحق في الكتاب بالباطل؛ وهو التغيير والتبديل. وقال أبو العالية: قالت اليهود: محمد مبعوث ولكن إلى غيرنا. فإقرارهم ببعثه حقّ، وجحدهم أنه بُعث إليهم باطل. وقال ٱبن زيد: المراد بالحق التوراة، والباطل ما بدّلوا فيها من ذكر محمد عليه السلام وغيره. وقال مجاهد: لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام. وقاله قتادة؛ وقد تقدم. قلت: وقول ٱبن عباس أصوب؛ لأنه عام فيدخل فيه جميع الأقوال. والله المستعان. قوله تعالى: {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} يجوز أن يكون معطوفاً على «تَلْبِسُوا» فيكون مجزوماً، ويجوز أن يكون منصوباً بإضمار أن، التقدير: لا يكن منك لبس الحق وكتمانه؛ أي وأن تكتموه. قال ٱبن عباس: يعني كتمانهم أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم وهم يعرفونه. وقال محمد بن سِيرِين: نزل عصابة من ولد هارون يَثْرِبَ لما أصاب بني إسرائيل ما أصابهم من ظهور العدوّ عليهم والذلة، وتلك العصابة هم حملة التوراة يومئذ، فأقاموا بيثرب يرجون أن يخرج محمد صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم، وهم مؤمنون مصدّقون بنبوته، فمضى أولئك الآباء وهم مؤمنون وخلف الأبناء وأبناء الأبناء فأدركوا محمدًا صلى الله عليه وسلم فكفروا به وهم يعرفونه؛ وهو معنى قوله: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ}تفسير : [البقرة: 89]. قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} جملة في موضع الحال؛ أي أن محمداً عليه السلام حق؛ فكفرهم كان كفر عناد؛ ولم يشهد تعالى لهم بعلم، وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا. ودل هذا على تغليظ الذنب على من واقعه على علم وأنه أعصى من الجاهل. وسيأتي بيان هذا عند قوله تعالى: {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ}تفسير : [البقرة:44] الآية.
البيضاوي
تفسير : {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ } عطف على ما قبله. واللبس الخلط وقد يلزمه جعل الشيء مشتبهاً بغيره، والمعنى لا تخلطوا الحق المنزل عليكم بالباطل الذي تخترعونه وتكتمونه حتى لا يميز بينهما، أو ولا تجعلوا الحق ملتبساً بسبب خلط الباطل الذي تكتبونه في خلاله، أو تذكرونه في تأويله. {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} جزم داخل تحت حكم النهي كأنهم أمروا بالإيمان وترك الضلال، ونهوا عن الإضلال بالتلبيس على من سمع الحق والإخفاء على من لم يسمعه، أو نصب بإضمار أن على أن الواو للجمع بمعنى مع، أي لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمانه، ويعضده أنه في مصحف ابن مسعود «وتكتمون» أي وأنتم تكتمون بمعنى كاتمين، وفيه إشعار بأن استقباح اللبس لما يصحبه من كتمان الحق. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} عالمين بأنكم لابسون كاتمون فإنه أقبح إذ الجاهل قد يعذر.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى ناهياً لليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به، وكتمانهم الحق، وإظهارهم الباطل: { وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} فنهاهم عن الشيئين معاً، وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به، ولهذا قال الضحاك عن ابن عباس: ولا تلبسوا الحق بالباطل: لا تخلطوا الحق بالباطل، والصدق بالكذب. وقال أبو العالية: ولا تلبسوا الحق بالباطل، يقول: ولا تخلطوا الحق بالباطل، وأدوا النصيحة لعباد الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ويروى عن سعيد بن جبير والربيع بن أنس نحوه. وقال قتادة: {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ} ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام، وأنتم تعلمون أن دين الله الاسلام، وأن اليهودية والنصراينة بدعة ليست من الله. وروي عن الحسن البصري نحو ذلك، وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي: لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به، وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. وروي عن أبي العالية نحو ذلك. وقال مجاهد والسدي وقتادة والربيع بن أنس: {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم (قلت): وتكتموا يحتمل أن يكون مجزوماً، ويحتمل أن يكون منصوباً، أي: لا تجمعوا بين هذا وهذا؛ كما يقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، قال الزمخشري: وفي مصحف ابن مسعود: وتكتمون الحق، أي: في حال كتمانكم الحق، وأنتم تعلمون حال أيضاً، ومعناه: وأنتم تعلمون الحق، ويجوز أن يكون المعنى: وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار إلى أن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق لتروّجوه عليهم، والبيان: الإيضاح، وعكسه الكتمان، وخلط الحق بالباطل { وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} قال مقاتل: قوله تعالى لأهل الكتاب: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ} أمرهم أن يصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم {وَآتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ} أمرهم أن يؤتوا الزكاة أي: يدفعونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقول: كونوا معهم ومنهم. وقال علي بن طلحة عن ابن عباس: يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص. وقال وكيع عن أبي جناب عن عكرمة عن ابن عباس في قوله: وآتوا الزكاة، قال: ما يوجب الزكاة، قال: مائتان فصاعداً، وقال مبارك بن فضالة عن الحسن في قوله تعالى: {وَآتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ} قال: فريضة واجبة، لا تنفع الأعمال إلا بها وبالصلاة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن أبي حيان التيمي عن الحارث العكلي في قوله تعالى: {وَآتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ} قال: صدقة الفطرـ وقوله تعالى: {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} أي: وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم، ومن أخص ذلك وأكمله الصلاة، وقد استدل كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة، وأبسط ذلك في كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله تعالى، وقد تكلم القرطبي على مسائل الجماعة والإمامة فأجاد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَلْبِسُواْ } تخلطوا {ٱلْحَقّ } الذي أنزلت عليكم {بِٱلْبَٰطِلِ } الذي تفترونه {وَ} لا {تَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ } نعت محمد صلى الله عليه وسلم {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه الحق.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِل} بعني لا تخلطوا الْحَقَّ بالباطلِ، واللبس خلط الأمور، وفيه قوله تعالى: {أية : وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} تفسير : [الأنعام: 9] قال ابن عباسٍ: معناه: ولخلطنا عليهم ما كانوا يخلطون، ومنه قول العجاج: شعر : لَمَّا لَبَسْنَ الْحَقَّ بِالتَّجَنِّي غَنِينَ واسْتَبْدَلْنَ زَيْداً مِنِّي تفسير : وفي قوله: {الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: الصدق، وهو قول ابن عباس. والثاني: اليهودية والنصرانية بالإسلام، وهو قول مجاهد. والثالث: الحقُّ: التوراةُ التي أُنْزِلَتْ على موسى، والباطلُ: الذي كتبوه بأيديهم. وقوله تعالى: {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ} يعني محمداً، ومعرفة نبوَّته، {وَاَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه في الكتب التي بأيديكم، وهذا قول الجميع. قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}. أما الصلاة: فقد مضى الكلام فيها. وأما الزكاة: ففي تسمية صدقة الأموال بها، قولان: أحدهما: أنه من تثمير المال وزيادته، ومنه قولهم: زَكا الزرع، إذا زاد، ويقال: زكا الفرد إذا صار زوجاً بزيادة الزائد عليه حتى صار شفعاً كما قال الشاعِرُ: شعر : كَانُوا خَساً أَوْ زَكاً مِنْ دُونِ أَرْبَعَةٍ لَمْ يُخْلَقُوا وَجُدُودُ النَّاسِ تَعْتَلِج تفسير : فخساً: الوِتر، وزكاً: الشفع، وقال الراجز: شعر : فَلاَ خَساً عَدِيدُهُ وَلاَ زَكاً كَمَا شِرَارُ الْبَقْلِ أَطْرَافُ السَّفَا تفسير : السَّفَا: شوك البهمي، والبهمي: الشوك الممدود مثل السبلى. والقول الثاني: أنَّها مأخوذة من التطهير، ومنه قوله تعالى: {أية : أَقَتَلْتَ نَفَساً زَاكِيَةً} تفسير : [الكهف: 74] أي طاهرة من الذنوب. وفيما يُطهَّر قولان: أحدهما: أنه تطهير المال حتى صار بأداء الحقِّ منه حلالاً ولولاه لخَبُثَ. الثاني: تطهير نفس المزكي، فكأن المزكي طهَّر نفسه من الشُحِّ والبخل. قوله تعالى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} فيه قولان: أحدهما: أنه أراد جملة الصلاة، فعبر عنها بالركوع، كما يقول الإنسان: فَرَعْتُ من ركوعي، أي من صلاتي. والثاني: أنه أراد الركوع الذي في الصلاة، لأنه لم يكن في صلاة أهل الكتاب ركوعٌ، فأَمَرَهُم بما لا يفعلونه في صلاتهم. وفي أصل الركوع قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من التطامن والانحناء، وهو قول الخليل، وابن زيدٍ، قال لبيد بنُ ربيعة: شعر : أخبّر أخبار القرون التي مضت أدِبُّ كَأَنِّي كُلَّمَا قُمْتُ رَاكِعُ تفسير : والثاني: أنه مأخوذ من المذلَّة والخضوع، وهو قول الأصمعي والمفضل، قال الأضبطُ بنُ قريع السَّعْدِيُّ: شعر : لاَ تُذِلَّ الضَّعِيفَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ كَعَ يَوْماً وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ
ابن عطية
تفسير : المعنى ولا تخلطوا، يقال "لبَسْتُ الأمر" بفتح الباء ألبسه، إذا خلطته ومزجت بينه بمشكله وحقه بباطله. وأما قول الشاعر: شعر : وكتيبة لبّستها بكتيبة تفسير : فالظاهر أنه من هذا المعنى، ويحتمل أن يكون المعنى من اللباس، واختلف أهل التأويل في المراد بقوله: {الحق بالباطل}. فقال أبو العالية: "قالت اليهود: محمد نبي مبعوث، لكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثه حق وجحدهم أنه بعث إليهم باطل". وقال الطبري: "كان من اليهود منافقون فما أظهروا من الإيمان حق، وما أبطنوا من الكفر باطل". وقال مجاهد: "معناه لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام". وقال ابن زيد: المراد {بالحق} التوراة، و "الباطل" ما بدلوا فيها من ذكر محمد عليه السلام، و {تلبسوا} جزم بالنهي، {وتكتموا} عطف عليه في موضع جزم، ويجوز أن يكون في موضع نصب بإضمار "أن" وإذا قدرت "أن" كانت مع {تكتموا} بتأويل المصدر، وكانت الواو عاطفة على مصدر مقدر من {تلبسوا}، كأن الكلام ولا يكن لبسكم الحق بالباطل وكتمانكم الحق. وقال الكوفيون: {تكتموا} نصب بواو الصرف، و {الحق} يعني به أمر محمد صلى الله عليه وسلم". وقوله تعالى: {وأنتم تعلمون} جملة في موضع الحال ولم يشهد لهم تعالى بعلم وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا، ويحتمل أن تكون شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر محمد عليه السلام، ولم يشهد لهم بالعلم على الإطلاق ولا تكون الجملة على هذا في موضع الحال، وفي هذه الألفاظ دليل على تغليظ الذنب على من واقعه على علم، وأنه أعصى من الجاهل. {وأقيموا الصلاة} معناه: أظهروا هيئتها وأديموها بشروطها، وذلك تشبيه بإقامة القاعد إلى حال ظهور، ومنه قول الشاعر: [الكامل] شعر : وإذا يقال لم أتيتمُ يبرحوا حتى تقيمَ الخيلُ سوقَ طعان تفسير : وقد تقدم القول في الصلاة، و {الزكاة} في هذه الآية هي المفروضة بقرينة إجماع الأمة على وجوب الأمر بها، و {الزكاة} مأخوذة من زكا الشيء إذا نما وزاد، وسمي الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثيب الله به المزكي وقيل {الزكاة} مأخوذة من التطهير، كما يقال زكا فلان أي طهر من دنس الجرحة أو الاغفال، فكأن الخارج من المال يطهره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى في الموطأ ما يخرج في الزكاة أوساخ الناس. وقوله تعالى: {واركعوا مع الراكعين} قال قوم: جعل الركوع لما كان من أركان الصلاة عبارة عن الصلاة كلها. وقال قوم: إنما خص الركوع بالذكر لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع. وقالت فرقة: إنما قال {مع} لأن الأمر بالصلاة أولاً لم يقتض شهود الجماعة، فأمرهم بقوله {مع} بشهود الجماعة، والركوع في اللغة الانحناء بالشخص. قال لبيد: [الطويل] شعر : أخبر أخبار القرون التي مضت أدبُّ كأني كلما قمت راكع تفسير : ويستعار أيضاً في الانحطاط في المنزلة، قال الأضبط بن قريع: [الخفيف] شعر : لا تعاد الضعيف علك أن تر كع يوماً والدهر قد رفعه تفسير : وقوله تعالى: {أتأمرون الناس} خرج مخرج الاستفهام، ومعناه التوبيخ، و "البر" يجمع وجوه الخير والطاعات ويقع على كل واحد منها اسم بر، {وتنسون} بمعنى تتركون كما قال الله تعالى: {أية : نسوا الله فنسيهم} تفسير : [التوبة: 67]. واختلف المتأولون في المقصود بهذه الآية، فقال ابن عباس: "كان الأحبار يأمرون أتباعهم ومقلديهم باتباع التوراة، وكانوا هم يخالفونها في جحدهم منها صفة محمد صلى الله عليه وسلم". وقالت فرقة: كان الأحبار إذا استرشدهم أحد من العرب في اتباع محمد دلوه على ذلك، وهم لا يفعلونه. وقال ابن جريج: "كان الأحبار يحضون الناس على طاعة الله، وكانوا هم يواقعون المعاصي". وقالت فرقة: كانوا يحضون على الصدقة ويبخلون. وقوله تعالى: {وأنتم تتلون} معناه: تدرسون وتقرؤون، ويحتمل أن يكون المعنى تتبعون أي في الاقتداء به، و {الكتاب} التوراة وهي تنهاهم عما هم عليه من هذه الصفة الذميمة. وقوله تعالى: {أفلا تعقلون} معناه: أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم؟ والعقل: الإدراك المانع من الخطأ مأخوذ منه عقال البعير، أي يمنعه من التصرف، ومنه المعقل أي موضع الامتناع. وقوله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة} قال مقاتل: "معناه على طلب الآخرة". وقال غيره: المعنى استعينوا بالصبر عن الطاعات وعن الشهوات على نيل رضوان الله، وبالصلاة على نيل الرضوان وحط الذنوب، وعلى مصائب الدهر أيضاً، ومنه الحديث: حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كربه أمر فزع إلى الصلاةتفسير : ، ومنه ما روي أن عبد الله بن عباس نعي إليه أخوه قثم، وهو في سفر، فاسترجع وتنحى عن الطريق وصلى ثم انصرف إلى راحلته، وهو يقرأ {واستعينوا بالصبر والصلاة}. وقال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوم، ومنه قيل لرمضان شهر الصبر، وخص الصوم والصلاة على هذا القول بالذكر لتناسبهما في أن الصيام يمنع الشهوات ويزهد في الدنيا، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتخشع. ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر بالآخرة. وقال قوم: "الصبر" على بابه، {والصلاة} الدعاء، وتجيء هذه الآية على هذا القول مشبهة لقوله تعالى: {أية : إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله} تفسير : [الأنفال:45] لأن الثبات هو الصبر، وذكر الله هو الدعاء. واختلف المتأولون في قوله تعالى: {وإنها لكبيرة} على أي شيء يعود الضمير؟ فقيل على {الصلاة}، وقيل على الاستعانة التي يقتضيها قوله {واستعينوا}، وقيل على العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة. وقالت فرقة: على إجابة محمد صلى الله عليه وسلم. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وفي هذا ضعف، لأنه لا دليل له من الآية عليه. وقيل: يعود الضمير على الكعبة، لأن الأمر بالصلاة إنما هو إليها. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا أضعف من الذي قبله. و"كبيرة" معناه ثقيلة شاقة، والخاشعون المتواضعون المخبتون، والخشوع هيئة في النفس يظهر منها على الجوارح سكون وتواضع. و {يظنون} في هذه الآية قال الجمهور: معناه يوقنون. وحكى المهدوي وغيره: أن الظن هنا يصح أن يكون على بابه، ويضمر في الكلام بذنوبهم، فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وهذا تعسف، والظن في كلام العرب قاعدته الشك مع ميل إلى احد معتقديه، وقد يوقع الظن موقع اليقين في الأمور المتحققة، لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس، لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر أظن هذا إنساناً وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بعد، كهذه الآية، وكقوله تعالى: {أية : فظنوا أنهم مواقعوها} تفسير : [الكهف: 53] وكقول دريد بن الصمة: [الطويل] شعر : فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهُم بالفارسي المسرد تفسير : وقوله تعالى: {أنهم ملاقو ربهم} أن وجملتها تسد مسد مفعولي الظن، والملاقاة هي للعقاب أو الثواب، ففي الكلام حذف مضاف، ويصح أن تكون الملاقاة هنا بالرؤية التي عليها أهل السنة، وورد بها متواتر الحديث. وحكى المهدوي: أن الملاقاة هنا مفاعلة من واحد، مثل عافاك الله. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا قول ضعيف، لأن لقي يتضمن معنى لاقى، وليست كذلك الأفعال كلها، بل فعل خلاف فاعل في المعنى. {وملاقو} أصله ملاقون، لأنه بمعنى الاستقبال فحذفت النون تخفيفاً، فلما حذفت تمكنت الإضافة لمناسبتها للأسماء، وهي إضافة غير محضة، لأنها تعرف. وقال الكوفيون: ما في اسم الفاعل الذي هو بمعن المجيء من معنى الفعل يقتضي إثبات النون وإعماله، وكونه وما بعده اسمين يقتضي حذف النون والإضافة. و{راجعون} قيل: معناه بالموت وقيل بالحشر والخروج إلى الحساب والعرض، وتقوي هذا القول الآية المتقدمة قوله تعالى: {أية : ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون} تفسير : [البقرة:28، الحج: 66، الروم: 40] والضمير في {إليه} عائد على الرب تعالى، وقيل على اللقاء الذي يتضمنه {ملاقو}.
ابن عبد السلام
تفسير : {وَلا تَلْبِسُواْ} ولا تخلطوا الصدق بالكذب، اللبس: الخلط، أو اليهودية والنصرانية بالإسلام، أو التوراة المنزلة بما كتبوه بأيديهم {وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ} نبوة محمد صلى الله عليه وسلم {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه في كتبكم.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالَىٰ: {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ }، أي: لا تخلطوا، قال أبو العاليةِ: قالت اليهود: محمَّد نبيٌّ مبعوثٌ، لكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثه حق، وقولهم: إلى غيرنا باطلٌ، {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ }، أي: أمْرَ محمَّد صلى الله عليه وسلم، وفي هذهِ الألفاظ دليل على تغليظ الذنب علَىٰ من وقع فيه، مع العلم به، وأنه أعصَىٰ من الجاهل، {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} جملةٌ في موضع الحال. قال: * ص *: {وَتَكْتُمُواْ } مجزومٌ معطوف على {تَلْبِسُواْ }، والمعنى النهْيُ عن كلٍّ من الفعلين. انتهى. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}: معناه: أظهروا هيئَتَها، وأديموها بشروطها، والزكاة في هذه الآية هي المفروضة، وهي مأخوذة من النماء، وقيل: من التطهير. وقوله تعالى: {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ}: قيل: إنما خص الركوع بالذِّكْر؛ لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوعٌ. * ت *: وفي هذا القول نظرٌ، وقد قال تعالَىٰ في «مَرْيم»: {أية : ٱسْجُدِي وَٱرْكَعِي }تفسير : [آل عمران:43]، وقالت فرقة: إنما قال: {مَعَ}؛ لأن الأمر بالصلاة أولاً لم يقتضِ شهود الجماعة، فأمرهم بقوله: {مَعَ} شهود الجماعة. * ت *: وهذا القول هو الذي عوَّل عليه * ع *: في قصَّة مرْيَمَ ـــ عليها السلام ـــ، والركوع الانحناء بالشخْصِ.
ابن عادل
تفسير : أمر بترك الإغواء والإضلال وإضلال الغير له طريقان: أحدهما: أن يكون الغير قد سمع دَلاَئِلَ الحق، فإضلاله لا يمكن إلا بتشويش دلائل الحقّ عليه بالشبهات. والثاني: أن تخفي تلك الدَّلائل عنه، وتمنعه من الوصول إليها فقوله: {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ} إشارة إلى الأول، وقوله: {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} إشارة إلى الثاني. والباء في قوله: "بالباطل" للإلصاق كقولك: "خلطت المَاءَ باللَّبَنِ"، أي: لا تخلطوا الحقّ بالباطل، فلا يتميز. وقال "الزمخشري": إن كانت صلةً مثلها في قولك: لبست الشيء بالشَّيء، وخلطته به كان المعنى: ولا تَكْتُبُوا في التوراة ما ليس فيها فَيَخْتَلِطَ الحق المنزّل بالباطل الذي كتبتم. وإن كانت "باء" الاستعانة كالتي في قولك: "كتبت بالقَلَمِ" كان المعنى: ولا تجعلوا الحقَّ مشتبهاً بباطلكم الذي تكتبونه. فأجاز فيها وجهين كما ترى، ولا يريد بقوله "صِلَة" أنها زائدة، بل يريد أنها موصلة للفعل كما تقدم. وقال "أبو حيان": "وفي جعله إياها للاستعانة بُعْد، وصرف عن الظاهر من غير ضرورة"، ولا أدري ما هذا الاستبعاد مع وضوح هذا المعنى الحق؟ وقال ابن الخطيب: [إنها "باء" الاستعانة]. والمعنى: ولا تلبسوا الحَقّ بسبب الشبهات التي تُورِدُونَهَا على السَّامعين، وذلك لأن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد كانت نصوصاً خفيةً يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يُجَادلون فيها، ويشوشون وجه الدلالة على المتأملين فيها بإلقاء الشبهات، فهذا هو المراد بقوله: {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ}، فهو المذكور في قوله: {أية : وَجَادَلُواْ بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ}تفسير : [غافر:5]. و "اللَّبْسُ": الخَلْط والمَزْج؛ لقوله: لَبَسْتُ عليه الأمر أَلْبِسُهُ خَلَطْتُ بَيِّنَهُ بمُشْكِلِهِ؛ ومنه قوله الخَنْسَاءِ: [البسيط]. شعر : 436ـ تَرَى الجَلِيسَ يَقُولُ الحَقَّ تَحْسَبُهُ رُشْداً وَهَيْهَاتَ فَانْظُرْ مَا بِهِ الْتَبَسَا صَدِّقْ مَقَالَتَهُ وَاحْذَرْ عَدَاوَتَهُ وَالْبِسْ عَلَيْهِ أُمُوراً مِثْلَ مَا لَبَسَا تفسير : وقال العَجَّاج: [الرجز] شعر : 437ـ [لَمَّا لَبَسْنَ الحَقَّ بِالتَّجَنِّي غَنِينَ وَاسْتَبْدَلْنَ زَيْداً مِنِّي] تفسير : ومنه أيضاً: [البسيط] شعر : 438ـ وَقَدْ لَبَسْتُ لِهَذَا الأَمْرِ أَعْصُرَهُ حَتَّى تَجَلَّلَ رَأْسِي الشَّيْبُ فَاشْتَعَلا تفسير : وفي فلان مَلْبَسٌ، أي مستمتع؛ قال: [الطويل] شعر : 439ـ أَلاَ إِنَّ بَعْدَ العُدْمِ لِلْمَرْءِ قُنْوَةً وَبَعْدَ المَشِيبِ طُولَ عُمْرٍ وَمَلْبَسَا تفسير : وقول الفَرَّاء وغيره: [الكامل] شعر : 440ـ وَكَتِيبَةٍ لَبَّسْتُهَا بِكَتِيبَةٍ حَتَّى إذَا الْتَبَسَتْ نَفَضْتُ لَهَا يَدِي تفسير : يحتمل أن يكون منه، وأن يكون من "اللِّبَاس"، والآية الكريمة تحتمل المعنيين، أي: لا تغطّوا الحق بالباطل. ولبس الهَوْدَج والكعبة: ما عليهما من "لِبَاس" ـ بكسر اللام ـ ولِبَاسُ الرجل زوجته، وزوجها لِبَاسُهَا. قال تعالى: {أية : هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ}تفسير : [البقرة:187] وقال النابغة: [المتقارب] شعر : 441ـ إِذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى جِيدَهَا تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَكَانَتْ لِبَاسَا تفسير : و "اللَّبُوس": كل ما يُلْبَس من ثياب ودرع؛ قال تعالى: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ}تفسير : [الأنبياء:80] ولاَبَسْتُ فلاناً حتى عرفت باطنه. و "الباطل": ضد الحق، وهو الزائل؛ كقول لَبِيدٍ: [الطويل] شعر : 442ـ أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بِاطِلُ تفسير : ويقال: بَطَل الشيءُ يَبْطُلُ بُطُولاً وبُطْلاً وبُطْلاَناً. و"البَطَل": الشّجاع، سمي بذلك؛ لأنه يبطل شجاعة غيره. وقيل: لأنه يبطل دمه فهو "فَعَل" بمعنى "مفعول". وقيل: لأنه يبطل دم غيره فهو بمعنى "فاعل". وقد بَطُلَ ـ بالضَّم ـ يَبْطُلُ بُطُولاً وبَطَالَةً، أي: صار شجاعاً؛ قال النابغة: [البسيط] شعر : 443ـ لَهُمْ لِوَاءٌ بِكَفَّيْ مَاجِدٍ بَطَلٍ لاَ يَقْطَعُ الخَرْقَ إلاَّ طَرْفُهُ سَامِي تفسير : وبَطَل الأجيرُ ـ بالفتح ـ بِطَالة ـ بالكَسْر: إذا تعطَّل، فهو بَطَّال، وذهب دمه بُطْلاً ـ بالضم ـ أي: هدراً. فصل في المراد من قوله تعالى: "الحق بالباطل" اختلفوا في المراد من قوله: "الحَقّ بِالبَاطِلِ" فروي عن "ابن عباس" وغيره: لا تخلطوا ما عندكم من الحَقّ في الكتاب بالباطل، وهو التغيير والتبديل. وقال "أبو العالية": قالت اليَهُود: محمد بمعوثٌ ولكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثته حق، وجحدهم أنه بعث إليهم باطل. وقال "مجاهد": لا تخلطوا اليهودية والنصرانية بالإسلام. قوله: "وَتَكْتمُوا الحَقّ" فيه وجهان: أحدهما، وهو الأظهر: أنه مجزوم بالعَطْفِ على الفعل قبله، نَهَاهم عن كل فعل على حِدَتِهِ، أي: لا تفعلوا هذا ولا هذا. والثاني: أنه منصوب بإضمار "أن" في جواب النهي بعد "الواو" التي تقتضي المعية، أي: لا تجمعوا بين لَبْسِ الحق بالباطل وكِتْمَانه، ومنه: [الكامل] شعر : 444ـ لا تَنْهَ عَنْ خُلُقِ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ عَارٌ عَلَيْكَ إذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ تفسير : و "أن" مع ما في حيّزها في تأويل مصدر، فلا بد من تأويل الفعل الذي قبلها بمصدر أيضاً ليصبح عطف [الاسم] على مثله، والتقدير: لا يكن منكم لَبْس الحق بالباطل وكتمانه، وكذا سائر نظائره. وقال "الكوفيون": منصوب بـ "واو" الصرف، وقد تقدم معناه، والوجه الأول أحسن؛ لأنه نهي عن كل فعل على حِدَتِهِ، وأما الوجه الثاني فإنه نهي عن الجمع، ولا يلزم من النَّهْي عن الجمع بين الشَّيئين النهي عن كل واحد حِدَتِهِ إلا بدليل خارجي. فصل في المراد بالكتمان قال "ابن عبَّاس": يعني كتمانهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهم يعرفونه. وقال "محمد بن سِيرِينَ": نزل عصابة من ولد هَارُونَ بـ "يثرب" لما أصاب بني إسرائيل ما أصابهم من ظهور العَدُوّ عليهم، وتلك العصابة هم حَمَلَةُ التوراة يومئذ، فأقاموا بـ "يثرب" يرجون أن يخرج محمد صلى الله عليه وسلم بين ظَهْرَانيهم، وهم مؤمنون مصدقون بنبوته، فمضى أولئك الآباء، وهم مؤمنون، وخلف الأبناء وأبناء الأبناء، فأدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم فكفروا به وهم يعرفون، وهو معنى قوله تعالى: {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ}تفسير : [البقرة:89]. قوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} جملة من مبتدأ وخبر في محلّ نصب على الحَالِ، وعاملها: إما "تلبسوا" أو "تكتموا" إلاّ أن عمل "تكتموا" أولى لوجهين: أحدهما: أنه أقرب. والثاني: أن كتمان الحَقّ مع العلم به أبلغ ذمّاً، وفيه نوع مقابلة. ولا يجوز أن تكون المسألة من باب الإعمال؛ لأنه يستدعي الإضمار، ولا يجوز إضمار الحال؛ لأنه لا يكون إلا نكرةً، ولذلك منعوا الإخبار عنه بـ "الذي". فإن قيل: تكون المسألة من باب الإعمال على معنى أنا حذفنا من الأوّل ما أثبتناه في الثاني من غير إضمار، حتى لا يلزم المَحْظور المذكور، والتقدير: ولا تلبسوا الحق بالباطل وأنتم تعلمون، ولا تكتموا الحق وأنتم تعلمون. فالجواب: أن هذا لا يقال: فيه إعمال، لأن الإعمال يستدعي أن يضمر في المهمل، ثم يحذف. وأجاز "ابن عطيَّة" ألا تكون هذه الجملة حالاً، فإنه قال: "ويحتمل أن تكون شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر محمد عليه الصلاة والسلام، ولم يشهد لهم بالعلم على الإطلاق، فعلى هذا لا تكون الجُمْلة في موقع الحال". وفيما قاله نظر. وقرىء شاذاً: "وَتَكْتُمُونَ" بالرفع، وخرجوها على أنها حَالٌ، وهذا غير صحيح؛ لأنه مضارع مثبت فمن حقه ألا يقترن بالواو، وما ورد من ذلك، فهو مؤول بإضمار متبدأ قبله، نحو: "قُمْتُ وأَصُكُّ عَيْنَهُ"، وقول الآخر: [المتقارب] شعر : 445ـ فَلَمَّا خَشِيتُ أَظَافِيرَهُمْ نَجَوْتُ وأرْهَنُهُمْ مَالِكَا تفسير : أي: "وأَنَا أَصُكُّ"، و "أَنَا أَرْهَنُهُمْ"، وكذا "وأنتم تكتمون"، إلا أنه يلزم منه إشكال آخر، وهو أنهم منهيُّون عن اللّبس مطلقاً، والحال قيد في الجملة السابقة، فيكون قد نهوا بقيد، وليس ذلك مراداً إلاّ أن [يقال: إنها حال لازمة، وقد قيّده "الزمخشري" بـ "كاتمين"، فجعله حالاً، وفيه الإشكال المتقدّم، إلاّ أنه] يكون أراد تفسير المعنى لا تفسير الإعراب، قال "ابن الخطيب": وجواب الإشكال أنه إذا لم يعلم حال الشيء لم يعلم أن ذلك اللبس والكتمان حق أو باطل، وما لا يعرف كونه حقّاً وباطلاً لا يجوز الإقدام عليه بالنفي، ولا بالإثبات، بل يجب التوقّف فيه. وسبب ذكر هذا القيد أن الإقدام على الفعل الضَّار مع العلم بكونه ضارّاً أفحش من الإقدام عليه عند الجَهْلِ بكونه ضارّاً، فلما كانوا عالمين [بما] في التلبيس من المفاسد كان إقدامهم عليه أقبح. ويجوز أن تكون جملة خبرية عطفت على جملة طلبية، كأنه ـ تعالى ـ نَعَى عليهم كتمهم الحقّ مع علمهم أنه حق. [ومفعول] العلم غير مُرَاد؛ لأن المعنى: وأنتم من ذوي العلم. وقيل: حذف للعلم به، والتقدير: تعلمون الحقّ من الباطل. وقدره "الزمخشري": "وأنتم تعلمون في حال علمكم أنكم لابسون كاتمون"، فجعل المفعول اللَّبْس والكَتْم المفهومين من الفعلين السابقين. وهو حسن.
ابو السعود
تفسير : {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ} عطفٌ على ما قبله واللَّبْسُ الخَلْطُ، وقد يلزمه الاشتباهُ من المختلطين، والمعنى لا تخلِطوا الحقَّ المُنْزَلَ بالباطل الذي تخترعونه وتكتُبونه حتى يشتبِهَ أحدُهما بالآخر، أو لا تجعلوا الحقَّ ملتبساً بسبب الباطل الذي تكتُبونه في تضاعيفه، أو تذكُرونه في تأويله {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} مجزوم داخلٌ تحت حكمِ النهي كأنهم أُمروا بالإيمان وتركِ الضلال، ونُهوا عن الإضلال بالتلبـيس على من سمع الحقَ والإخفاءِ عمن لم يسمعه، أو منصوبٌ بإضمار أن على أن الواوَ للجمع، أي لاتجمعوا بـين لَبْس الحقِّ بالباطل وبـين كتمانِه، ويعضُده أنه في مُصحف ابن مسعود وتكتُمون أي وأنتم تكتمون أي كاتمين، وفيه إشعارٌ بأن استقباحَ اللَبسِ لما يصحبُه من كتمان الحق. وتكريرُ الحق إما لأن المرادَ بالأخير ليس عينَ الأول بل هو نعتُ النبـي صلى الله عليه وسلم الذي كتَموه وكتبوا مكانه غيرَه كما سيجىء في قوله تعالى: {أية : فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ } تفسير : [البقرة، الآية 79] وإما لزيادةِ تقبـيحِ المنهيِّ عنه، إذ في التصريح باسمِ الحق ما ليس في ضميره. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} أي حال كونِكم عالمين بأنكم لابسون كاتمون، أو أنتم تعلمون أنه حق أو أنتم من أهل العلم، وليس إيرادُ الحالِ لتقيـيد النهي به كما في قوله تعالى: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ } تفسير : [النساء، الآية 43] بل لزيادة تقبـيحِ حالهم، إذ لجاهل عسى يُعذر.
التستري
تفسير : وسئل عن قوله: {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ}[42] الآية، فقال: أي لا تلبسوا بأمر الدنيا أمر الآخرة. وأراد لا يحل لأهل الحق كتمان الحق عن أهله خاصة، عمن يرجون هدايته إلى الله عزَّ وجلَّ، فأما أهله فإنهم يزدادون بصيرة به، وأما من كان من غير خاصة أهله فإن قول الحق لهم هداية وإرشاد إلى الله تعالى.
القشيري
تفسير : لا تتوهموا أن يلتئم لكم جمع الضدين، والكون في حالة واحدة في محلين، (فالعبد) إما مبسوط بحق أو مربوط بحظ، وأمّا حصول الأمْرَيْن فمحالٌ من الظن. {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ} تدنيس، {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} تلبيس، {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أن حق الحق تقديس، وأنشدوا: شعر : أيها المنكح الثريا سهيلا عمرك الله، كيف يلتقيان؟! هي شامية إذا ما استهلت وسهيلٌ إذا استهل يماني!
البقلي
تفسير : {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ} وتخلِطُوا الكشف بالخيال والفهم بالوهم والفراسة بالحس الالهام بالوسواس واليقين بالشك والعبوديّة بالربويّة والحقيقة بالرسم والاخلاص بالرياء والكرمات المكر وقال لا تخلطوا امر الدنيا بامر الاخرة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تلبسوا الحق بالباطل} عطف على ما قبله واللبس بالفتح الخلط اى لا تخلطوا الحق المنزل بالباطل الذى تخترعونه وتكتبونه حتى لا يميز بينهما اولا تجعلوا الحق ملتبسا بسبب خلط الباطل الذى تكتبونه فى خلاله او تذكرونه فى تأويله {و} لا {تكتموا الحق} باضمار لا او نصب باضمار ان على ان الواو للجمع اى لاتجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمانه فقوله ولا تلبسوا الحق بالباطل هو نهى عن التغيير وقوله وتكتموا الحق هو نهى عن الكتمان لأنهم كانوا يقولون لا نجد فى التوارة صفة محمد صلى الله عليه وسلم فاللبس غير الكتمان {وانتم تعلمون} اى حال كونكم عالمين بانكم لابسون كاتمون او وانتم تعلمون انه حق نبى مرسل وليس ايراد الحال لتقييد المنتهى به بل لزيادة تقبيح حالهم اذ الجاهل قد يعذر. وفى التيسير يجوز صرف الخطاب الى المسلمين والى كل صنف منهم وبيانه ايها السلاطين لا تخلطوا العدل بالجور وايها القضاة لا تخلطوا الحكم بالرشوة وكذا كل فريق. فهذه الآية وان كانت خاصة ببنى اسرائيل فهى تتناول من فعل فعلهم فمن اخذ رشوة على تغيير حق وابطاله او امتنع من تعليم ما وجب عليه او اداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه اجرا فقد دخل فى مقتضى الآية قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : من تعلم علما لا يبتغى به وجه الله لا يتعلمه الا ليصيب به غرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة"تفسير : اى ريحها فمن رهب وصاحب التقوى لا يأخذ على علمه عوضا ولا على وصيته ونصيحته صفدا بل يبين الحق ويصدع به ولا يلحقه فى ذلك خوف ولا فزع قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : لا يمنعن احدكم هيبة احد ان يقول او يقوم بالحق حيث كان ". تفسير : وفى التنزيل{أية : يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم"تفسير : [المائدة: 54] – حكى – ان سليمان بن عبد الملك مر بالمدينة وهو يريد مكة فاقام بها اياما فقال هل بالمدينة احد أدرك احدا من اصحاب النبى صلى الله عليه وسلم قالوا له ابو حازم فارسل اليه فلما دخل عليه قال له يا ابا حازم ما هذا الجفاء قال له ابو حازم يا امير المؤمنين واى جفاء رأيت منى قال اتانى وجوه اهل المدينة ولم تأتنى قال يا امير المؤمنين اعيذك بالله ان تقول ما لم يكن ما عرفتنى قبل هذا اليوم ولا انا رأيتك قال فالتفت الى محمد بن شهاب الزهرى فقال اصاب الشيخ واخطأت قال سليمان يا ابا حازم مالنا نكرة الموت فقال لانكم خربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم ان تنقلوا من العمران الى الخراب قال اصبت يا ابا حازم فكيف القدوم غدا على الله تعالى قال اما المحسن فكالغائب يقدم على اهله واما المسيئ فكالآبق يقدم على مولاه فبكى سليمان وقال ليت شعرى ما لنا عند الله قال اعرض عملك على كتاب الله قال واى مكان اجده قال {أية : إن الأبرار لفى نعيم وإن الفجار لفى جحيم}تفسير : [الإنفطار: 13-14] قال سليمان فاين رحمة الله يا ابا حازم قال {ان رحمة الله قريب من المحسنين} قال له سليمان يا ابا حازم فاى عباد الله اكرم قال اولوا المروة والنهى قال له سليمان فاى الاعمال افضل قال اداء الفرائض مع اجتناب المحارم قال سليمان فاى الدعاء اسمع قال دعاء المحسن اليه للمحسن فقال اى الصدقة افضل قال على السائل البائس وجهد المقل ليس فيها من ولا اذى قال فأى القول اعدل قال قول الحق عند من تخافه او ترجوه قال فأى المؤمنين اكيس قال رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها قال فأى المؤمنين احمق قال رجل انحط فى هوى اخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال سليمان اصبت فما تقول فيما نحن فيه قال يا امير المؤمنين اعفنى قال له سليمان لا ولكن نصيحة تلقيها الى قال يا امير المؤمنين ان آباءك قهروا الناس بالسيف واخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولارضاهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة فقد ارتحلوا عنها فلو شعرت ما قالوا وما قيل لهم فقال رجل من جلسائه بئس ما قلت يا ابا حازم قال ابو حازم كذبت ان الله اخذ ميثاق العلماء لتبينه للناس ولا تكتمونه قال سليمان فكيف لنا ان نصلح قال تدعون الصلف وتتمسكون بالمروءة وتقسمون بالسوية قال له سليمان كيف لنا بالمأخذ قال تأخذه من حله وتضعه فى اهله قال له سليمان هل لك يا ابا حازم ان تصحبنا ونصيب منك قال اعوذ بالله قال ولم ذاك قال اخشى ان اركن اليكم شيأ قليلا فيذيقنى الله ضعف الحياة وضعف الممات قال له ارفع الينا حوائجك قال تنجينى من النار وتدخلنى الجنة قال له سليمان ليس ذاك الى قال ابو حازم فما لى إليك حاجة غيرها قال فادع لى قال ابو حازم اللهم ان كان سليمان وليك فيسره لخيرى الدنيا والآخرة وان كان عدوك فخذ بناصيته الى ما تحب وترضى قال له سليمان عظنى قال ابو حازم قد اوجزت واكثرت ان كنت من اهله وان لم تكن من اهله فما ينبغى ان ارمى عن قويس ليس لها وتر قال له سليمان اوص قال سأوصيك واوجز عظم ربك ونزهه ان يراك حيث نهاك او يفقدك من حيث امرك فلما خرج من عنده بعث اليه بمائة دينار وكتب أن انفقها ولك عندى مثلها قال فردها عليه وكتب اليه يا امير المؤمنين اعيذك بالله ان يكون سؤالك ايى هزلا اوردى عليك بذلا ما ارضاها لك فكيف لنفسى ان موسى بن عمران لما ورد ماء مدين وجد عيله رعاء يسقون ووجد من دونهم جاريتين تذودان فسقى لهما فقالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وابونا شيخ كبير فسقى لهما فلما تولى الى الظل قال رب انى لما انزلت الى من خير فقير وذلك انه كان جائعا خائفا لا يأمن فسأل ربه ولم يسأل الناس فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان فلما رجعتا الى ابيهما اخبرتاه بالقصة وبقوله فقال ابوهما وهو شعيب عليه السلام هذا رجل جائع قال لاحداهما اذهبى فادعيه فلما أتته عظمته وغطت وجهها وقالت ان ابى يدعوك ليجزيك اجر ما سقيت لنا فشق على موسى حين ذكرت اجر ما سقيت لنا فلم يجد بدا من ان يتبعها لانه كان بين الجبال جائعا مستوحشا فلما تبعها هبت الريح فجعلت تسفق ثيابها على ظهرها فتصف له عجزها وكانت ذات عجز وجعل موسى يعرض مرة ويغض اخرى فلما عيل صبره ناداها يا امة الله كونى خلفى وارينى بقولك فلما دخل على شعيب اذا هو بالعشاء مهيئا فقال له شعيب اجلس يا شاب فتعش فقال له موسى اعوذ بالله فقال شعيب لم أما انت جائع قال بلى ولكنى اخاف ان يكون هذا عوضا لما سقبت لهما وانا من اهل بيت لا نبيع شيأ من ديننا بملئ الارض ذهبا فقال له شعيب لا يا شاب ولكنها عادتى وعادة آبائى نقرى الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى فاكل فان كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت ونصحت فالميتة والدم ولحم الخنزير فى حال الاضطرار احل من هذه وان كانت لحق لى فى بيت المال فلى فيها نظراء فان ساويت بيننا والا فليس لى فيها حاجة. قال القرطبى فى تفسيره بعد ايراد هذه الحكاية قلت هكذا يكون الاقتداء بالكتاب والانبياء انتهى. وقد اختلف العلماء فى اخذ الاجر على تعليم القرآن والعلم لهذه الآية {ولا تشتروا بآياتى ثمنا قليلا} والفتوى فى هذا الزمان على جواز الاستئجار لتعليم القرآن والفقه وغيره لئلا يضيع قال صلى الله عليه وسلم "ان احق ما اخذتم عيله اجرا كتاب الله" والآية فى حق من تعين عليه التعليم فابى حتى يأخذ عليه اجرا فاما اذا لم يتعين فيجوز له اخذ الاجرة بدليل السنة فى ذلك كما اذا كان الغسال فى موضع لا يوجد من يغسل الميت غيره كما فى القرى والنواحى فلا اجر له لتعينه لذلك واما اذا كان ثمة ناس غيره كما فى الامصار والمدن فله الاجر حيث لم يتعين عليه فلا يأثم بالترك وقد يتعين عليه الا انه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم وله ان يقبل على صنعته وحرفته. ويجب على الامام ان يعين له شيأ والا فعلى المسلمين لان الصديق رضى الله عنه لما ولى الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به اهله فاخذ ثيابا وخرج الى السوق فقيل له فى ذلك فقال ومن اين انفق على عيالى فردوه وفرضوا له كفايته وكذا يجوز للامام والمؤذن وامثالهما اخذ الاجرة وبيع المصحف ليس بيع القرآن بل هو بيع الورق وعمل ايدى الكاتب. وقالوا فى زماننا تغير الجواب فى بعض مسائل لتغير الزمان وخوف اندراس العلم والدين منها ملازمة العلماء ابواب السلاطين ومنها خروجهم الى القرى لطلب المعيشة ومنها اخذ الاجرة لتعليم القرآن والاذان والامامة ومنها العزل عن الحرة بغير اذنها ومنها اسلام على شربة الخمور ونحوها فافتى بالجواز فيها خشية الوقوع فيما هو اشد منها واضر كذلا فى نصاب الاحساب وغيره: قال فى المثنوى شعر : عاشقانرا شادمانى وغم اوست دست مزد واجرت خدمت هم اوست غير معشوق ازتماشايى بود عشق نبود هرزه سودايى بود عشق آن شعله است كوجون برفروخت هر كه جز معشوق باقى جمله سوخت
الطوسي
تفسير : اللغة: اللبس، والستر، والتغطية، والتعمية، نظائر. والفرق بين التعمية، والتغطية ان التعمية قد تكون بالنقصان والزيادة، والتغطية تكون بالزيادة وضد الستر: الكشف. وضد اللبس: الايضاح. يقال: لبس، لبساً. وألبَسه، إلباساً. والتبس، التباساً. وتلبَّس، تلبساً. ولبّسه، تلبيساً ولابَسه، ملابسةً. واللباس ما واريت به جسدك. ولِباس التقوى: الحياء والفعل: لبس، يلبس. واللبس: خلط الأمور بعضها ببعض. إذا التبست. واللبوس: الدروع. وكل شيء تحصنت به، فهو لبوس. قال الله تعالى: {أية : وعلمناه صنعة لبوسٍ لكم} تفسير : قال الشاعر: شعر : إلبس لكل حالة لبوسَها إما نعيمها وإما بؤسها تفسير : وثوبٌ لبيس. وجمعه: ألبس. واللبسة: ضربٌ من اللباس. والفعل: لبس يلبس؛ لبساً، ولبسة واحدة. ويقال: لبست الأمر ألبسه: إذا عميته. ومنه قوله: {أية : وللبسنا عليهم ما يلبسون}. تفسير : ولابست الرجل ملابسةً: إذا عرفت دخلته. وفي فلان ملبس: إذا كان فيه مستمع. وفي أمره لبسة: أي ليس بواضح وأصل اللبس: الستر: قال الأخطل: شعر : وقد لبست لهذا الدهر أعصره حتى تجلل راسي الشيب فاشتعلا تفسير : والفرق بين اللبس، والاخفاء، والريب، والاشكال. أن الاخفاء يمكن أن يدرك معه المعنى. ولا يمكن إدراك المعنى مع اللبس. والريب معه تهمة المشكوك فيه. والاشكال قد يدرك معه المعنى، إلا أنه بصعوبة، لأجل التعقيد. وأسباب الالباس كثيرة: منها ـ الاشتراك. ومنها ـ الاختلاف. ومنها ـ الاختزال. وهو: حذف مقدمه وشرطه، أو ركنه. ومنها ـ الاختلاط، والبسط. وهو: المنع من إدراك الشيء، تشبيهاً بما يمنع من إدراكه بالستر والتغطية. ومنه قول النبي "صلى الله عليه وسلم" للحارث بن خوط: حديث : يا حار، إنه ملبوس عليك. إن الحق لا يعرف بالرجال. إعرف الحق تعرف أهله . تفسير : والبطلان، والفساد، والكذب، والزور، والبهتان، نظائر. وضد الحق: الباطل. يقال: بطل، بطولا وبطلا، وبطلاناً: إذا تلف. وأبطلته، إبطالا: إذا أتلفته. والبطل، والباطل، واحد. وبطل الرجل، بطولة إذا صار بطلا. ويقال: رجل بطل. ولا يقال: إمرأة بطلة. وبطل، بطالة: إذا هزل، وكان بطالا. والأ باطل: جمع إبطالة وأبطولة. والباطل: ضد الحق. وأبطلته: جعلته باطلا. وأبطل فلان: إذا جاء بباطل. والبطل: الشجاع الذي يبطل جراحاته، لا يكترث لها، ولا تكفه عن نجدته. وأصل الباطل، الخبر الكذب. ثم كثر حتى قيل لكل فاسد. ويقال: فعل باطل أي قبيح. وبناء باطل أي منتقض. وزرع باطل أي محترق تالف. المعنى: ومعنى لبسهم الحق بالباطل: أنهم آمنوا ببعض الكتاب، وكفروا ببعض، فخلطوا الحق بالباطل، لأنهم جحدوا صفة محمد "صلى الله عليه وسلم" فذلك الباطل، وأقروا بغيره مما في الكتاب على ما هو به، وذلك حق. وقال ابن عباس: لا تخلطوا الصدق بالكذب. وقال الحسن: كتموا صفة محمد "صلى الله عليه وسلم" ودينه، وهو الحق. وأظهروا دين اليهودية والنصرانية. وقال ابن زيد: الحق: التوراة التي أنزلها الله على موسى. والباطل: ما لبسوه بأيديهم. واللبس في الآية: قيل معناه: التعمية وقيل: خلط الحق بالباطل، عن ابن عباس. ومنه قوله: {وللبسنا عليهم ما يلبسون} أي لخلطنا عليهم ما يخلطون. قال العجاج: شعر : لما لبسن الحق بالتجني عيين واستبدلن زيداً مني تفسير : وقال بعضهم: الحق: إقرارهم بأن محمداً "صلى الله عليه وسلم" مبعوث إلى غيرهم. والباطل إنكارهم أن يكون بعث إليهم. وهذا ضعيف، لأنه إن جاز ذلك على نفر يسير، لم يجز على الخلق الكثير، مع إظهار النبي "صلى الله عليه وسلم" وتكذيبهم فيه، وإقامة الحجة عليهم. الاعراب: وقوله: {وتكتموا الحق} يحتمل أمرين من الاعراب. أحدها ـ الجزم على النفي، كأنه قال: لا تلبسوا الحق، ولا تكتموه. والآخر ـ النصب على الظرف، كأنه قال: لا تجمعوا اللبس والكتمان. كما قال الشاعر: شعر : لا تنه عن خلق وتأتي مثله عارُ عليك إذا فعلت عظيم تفسير : ومثله: لا يسعني شيء، ويعجز عنك. وعند الخليل وسيبويه، والاخفش، ينصب مثل ذلك، باضمار أن. ويكون تقدير الكلام: لا يكن منكم لبس الحق وكتمانه. ودل {تلبسوا} على اللبس و {تكتموا} على الكتمان. كما تقول: من كذب كان شراً له. فكذب دليل على الكذب. فكأنه قال: من كذب كان الكذب شراً له. قوله: {وأنتم تعلمون} المعنى: قال قوم: هو متوجه إلى رؤساء أهل الكتاب، ولذلك وصفهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه للتلبيس على أتباعهم ـ قالوا ـ وهذا تقبيح لما يفعلونه. وكذلك قوله: {وتكتمون الحق} أي تتركون الاعتراف به، وأنتم تعرفونه أي تجحدون ما تعلمون. وجحد المعاند أعظم من جحد الجاهل. ومن قال هذا، لا يلزمه ما يتعلق به أهل التعارف، من هذه الآية، من قولهم: إن الله أخبر أنهم يكتمون الحق وهم يعلمون، لأنه إذا خص الخطاب بالرؤساء ـ وهم نفر قليل ـ فقد جوز على مثلهم العناد والاجتماع على الكتمان. وإنما يمنع مع ذلك في الجماعة الكثيرة، لما يرجع إلى العادات، واختلاف الدواعي. كما قيل في الفرق بين التواطي والاتفاق في العدد الكثير. وقال بعضهم: وأنتم تعلمون البعث والجزاء. فان قيل: كيف يصح ذلك على أصلكم الذي تقولون: إن من عرف الله لا يجوز أن يكفر؟. وهؤلاء إذا كانوا كفاراً، وماتوا على كفرهم. كيف يجوز أن يكونوا عارفين بصفة محمد، وأنه حق، بما معهم من التوراة. وذلك مبني على معرفة الله، وعندكم ما عرفوا الله؟ قيل: إن الله الذي يمنع أن يكفر من عرف الله، إذا كان معرفته على وجه يستحق بها الثواب، فلا يجوز أن يكفر، لأنه يؤدي إلى اجتماع الثواب الدائم على إيمانه، والعقاب الدائم على كفره. والاحباط باطل. وذلك خلاف الاجماع. ولا يمتنع أن يكونوا عرفوا الله على وجه لا يستحقون به الثواب لأن الثواب إنما يستحق، بأن يكونوا نظروا من الوجه الذي وجب عليهم. فأما إذا نظروا بغير ذلك، فلا يستحقون الثواب، فيكونوا على هذا عارفين بالله وبالكتاب الذي أنزله على موسى، وعارفين بصفات النبي "صلى الله عليه وسلم". لكن لا يؤمنون مستحقين الثواب. وعلى هذا يجوز أن يكفروا. وفي الناس من قال: استحقاقهم الثواب على إيمانهم، مشروط بالموافاة. فاذا لم يوافوا به، لم يستحقوا الثواب فعلى هذا أيضاً، يجوز أن يكونوا عارفين، وإن لم يكونوا مستحقين لثواب يبطل بالكفر. والمعتمد الأول. وقال قوم: الآية متوجهة إلى المنافقين منهم. وكان خلطهم الحق بالباطل ما أظهروا بلسانهم من الاقرار بالنبي "صلى الله عليه وسلم" بما يستبطنونه من الكفر. وهذا يمكننا الاعتماد عليه، ويكون قوله: {وأنتم تعلمون} معناه أنكم تعلمون أنكم تظهرون خلاف ما تبطنونه. وهذا أسلم من كل وجه على أصلنا. ويمكن أن يقال: معنى قوله: {وأنتم تعلمون} أي عند أنفسكم، لأنهم إذا كانوا يعتقدون أنهم عالمون بالتوراة، وبأنه من عند الله، وفيها ذكر النبى، فهم عالمون عند انفسهم بنبوته، لكن يكابرون.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : عطفٌ على ما قبله، وقوله تعالى: {أية : وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ}تفسير : [البقرة:41] أمرٌ بترك الكفر والضلال. وقوله: {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ} إشارة إلى الأوّل، لأنّه تشويش الدلائل على الحقّ. وقوله: {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} إشارة إلى الثاني، لأنّه منع للوصول إلى الدلائل. و "اللَّبْس": الخلْط. و "الباء" التي في "الباطل" إما للاستعانة كقولك "كتبتُ بالقلم" وكان المعنى: "ولا تلبسوا الحقَّ بسبب ابداء الشبهات على السامعين" وإما للصلة كقولك: "لبّست كذا بكذا" وكان المعنى: "ولا تجعلوا الحقَّ ملتبساً عليهم بسبب الباطل الذي تكتبونه في خلاله، أو تذكرونه في تأويله". أو "لا تكتبوا في التوراة ما ليس منها، حتى لا يتميّز، فيختلط الحقُّ المنزَل بالباطل الذي تخترعونه أو تكتبونه". وقوله: {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} جزمٌ داخل تحت حكم النهي، كأنّهم أُمروا بالإيمان، وترك الضلال، ونهوا عن الاضلال بالتلبيس على من سمع الحقّ، والاخفاء على مَن لم يسمعه. أو منصوبٌ باضمار "أن" و "الواو" بمعنى الجمع، أي: لا تجمعوا بين لبْس الحقّ بالباطل وكتمان الحق" كقولك: "لا تأكل السمك وتشرب اللبن" ويؤيّده أنَّه في قراءة ابن مسعود: "وتكتمون" بمعنى "كاتمين"، فإنّه إشعارٌ بأن استقباح اللَّبس لما يصحبه من كتمان الحقّ، ولا شكّ في أنّ كلاًّ منهما ممّا يمكن وقوعُه وجداناً، وإنّ الجمع بينهما أقبح، وهم يفعلونهما جميعاً. وذلك لأنّ النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في شأن محمّد (صلى الله عليه وآله) بعضها بحيث يمكن اخفاء دلالتها - إذ فيها نوع خفاء، فكانوا يكتمونها - وبعضها في الجلاء والظهور بحيث لا يخفى على العقول السليمة وجه دلالتها، إذا لم يشوّشها شبهةُ مضلّ وتلبيس ملبِّس مجادِل، فكانوا يشوّشون وجه الدلالة على المتأمّلين الناظرين بسبب ابداء الشبهات والمجادلات. فهذا هو المراد بقوله: {وَتَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ} وهو المذكور أيضاً في قوله: {أية : وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ}تفسير : [غافر:5]. وقوله: {وَتَكْتُمُوا ٱلْحَقَّ} إشارة إلى القسم الأوّل. وقوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وقَع حالاً. أي: عالِمين بأنّكم لابِسون، كاتمون. فإنّه أقبح، إذ الجاهل ربما يتصوّر له عذر. والتقييد به لا يدلَّ على جوازهما حال عدم العلْم. بل على أنّ الاقدام على الفعل الضارّ مع العلم بكونه ضاراً أفحش من الاقدام عليه عند الجهل بكونه ضارّاً. فلمّا كانوا عالِمين بما في التلبيس من المفاسِد، كان إقدامهم عليه أقبَح. وبالجملة، الخطاب متوجّه إلى رؤساء أهل الكتاب، وهم يجحَدون ما يعلمون، وجَحْد المعانِد أعظم من جحْد الجاهل. وقيل معناه: "وأنتم تعلمون البعث والجزاء". وقيل معناه: "وأنتم تعلمون ما أنزل وسينزل ممّن كذب على الله تعالى". وقيل معناه: "وأنتم تعلمون ما نزل ببني إسرائيل من المسخ وغيره". والآية دالّة على أنّ العالِم بالحقِّ يجب عليه إظهاره، ويحرم عليه كتمانه. فإن قيل: كيف يجوز أن يكون هؤلاء عارفين بنبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله)، وذلك مبنيّ على معرفة الله تعالى؟ وعندكم: إنّ من عرف الله لا يجوز أن يَكفُر. وهؤلاء صاروا كفّاراً وماتوا على كفْرهم؟ قلتُ: للعلْم مراتب: الظنُّ، واليقينُ، والمشاهدةُ. والعلْم الذي هو منشأ السعادة الأُخرويّة، والخلاص من العقاب الدائم هو اليقين الحاصل من البرهان الضروريّ الدائم، وهو بذر المشاهدة الباطنيّة الدائمة، وأما الظنُّ فلا يغني من الحق شيئاً. ولكن يكفي لصحّة العمل، وابلاغ الحجّة. فلا يمتنع أن يكونوا عارفين بالله وبالتوراة وبصفات النبي (صلى الله عليه وآله) على وجْه لا يستحقّ به الثواب، لأنّ الثواب مترتّب على العلْم إذا عمل بمقتضاه. وعند بعض أصحابنا، القائلين بالموافاة، إنّ استحقاقهم الثواب على إيمانهم مشروطٌ بالموافاة، فإذا لم يوافوا بالإيمان لم يستحقّوا الثواب. فعلى هذا يجوز أن يكونوا عارفين، وأن يكونوا مستحقّين للثواب، لابطالهم ذلك بالكفر. والمعتمَد هو الأول. فصل في ترهيب علماء السوء قال الإمام الرازي في التفسير الكبير: "هذا الخطاب - وإن ورَد فيهم - فهو تنبيهٌ لسائر الخلق، وتحذير من مثله، فصار الخطاب وإن كان خاصّاً في الصورة فإنّه عامّ في المعنى: انتهى قوله. واعلم أنَّ أكثر من يوجد فيه تلبيس الحقّ بالباطل، أو كتمانه من العلماء هم الفقهاء، الذين غلبت على أنفسهم الأهواء، كحبّ الجاه، والتقرّب من الملوك والسلاطين، وطلب المال. فإنّهم لما غلبت عليهم الأهواء، وطلب المراتب عند الملوك تركوا المحجَّة البيضاء، وجنحوا إلى التأويلات البعيدة، ليمشوا بها أغراضَ الملوك، وأعراضَهم فيما لهم فيه هوى نفس، ليستندوا في ذلك إلى أمر شرعي، مع كون الفقيه ربما لا يعتقد ذلك ويفتي به. وذكر الشيخ العارف المحقّق محيي الدين الأعرابي في الفتوحات: "إنّا رأينا جماعةً من الفقهاء والقُضاة على هذا الشأن". وقال: "لقد أخبَرني الملِك ظاهر بن الملِك صلاح الدين - وقد وقَع بيني وبينه كلامٌ في مثل هذا - فنادى بمملوك وقال: جئني بالجرمدان. فقلت: ما شأن الجرمدان؟ فقال: أنت تنكر عليّ ما يجري في بلدي ومملكتي من المنكَرات والظُّلم. وأنا - والله - أعتقد مثل ما تعتقد أنت فيه من ذلك. فعليهم لعنة الله. ولقد أفتاني فقيه هو فلانٌ - وعيَّن لي أفضل فقيهٍ عنده في بلده في الدين والتفشّف - بأنّه لا يجب عليَّ صومُ شهر رمضان هذا بعينه. بل الواجب عليّ شهر في السَّنة. والاختيار لي فيه أيّ شهر شئتُ من الشهور قال السلطان: فلعَنتُه في باطني ولم أظهِر له ذلك، وهو فلان وسمّاه لي رحِم الله جميعَهم. وليُعلم أنَّ الشيطان قد مكّنه الله من حضرة الخيال وجعَل له السلطان فيها. فإذا رأيت الفقيه يميل إلى هوى تعرف أنّه تردّى عند الله، زيّن الله له سوءَ عمله بتأويل غريب يمهّد له فيه وجهاً، فحسَّنه في نظره، فإذا مهّد له هذا السبيل جنح إلى نيل هواه وشهوته بوجه شرعي في زعمه، فلا يزال هكذا فعله" انتهى كلامُه. واعلم أنَّ علماء العلوم الحقيقيّة آمنين سالِمين من هذه الأمراض والفِتن، فإنّ علومهم وحالاتهم مختفيةٌ عن العوام والحكّام، وإنّما يعرض هذه الأمراض والفِتن - أكثر ما يعرض - للوعّاظ والفقهاءِ الذي اقتصروا على علْم الفتاوى والحكومات، والمعاملات الدنيويّة الجارية بين الخلْق لمصالح المعايش، وخصّصوا علْم الفقه بها وسمّوه علم المذهب وعلم الدين، فربما ضيّعوا مع ذلك الأعمال الظاهرة والباطنة فلم يتفقّدوا الجوارح، ولم يحرسوا اللسان عن الغيبة، والبطن عن الحرام، والرِّجْل عن المشي إلى السلطان، وكذا سائر الجوارح. ولم يحرسوا قلوبهم عن الكبْر، والحسد، والرياء، وسائر الملكات المهلكات. قال الغزالي في كتاب الإحياء مُشيراً إليهم: "هؤلاء هم المغرورون من وجهين: أحدهما من حيث العمل والآخر من حيث العلْم. أمّا من حيث العمل: فمثَلهم كمثَل المريض، إذا تعلّم نسخة الدواء واشتغل بتكراره وتعليمه - لا - بل مثَلهم كمثَل من به علّة البواسير أو البرسام، وهو مشرفٌ على الهلاك، محتاجٌ إلى تعلّم الدواء واستعماله، واشتغل بتعلّم دواء الاستحاضة وبتكرار ذلك ليلاً ونهاراً، مع علْمه بأنّه رجُل لا يحيض ولا يستحيض، ولكن يقول: ربما يقع علّة الاستحاضة بامرأة تسألني عنها. فذلك غاية الغرور. فكذلك المتفقّه المسكين قد تسلّط عليه حبّ الدنيا واتّباع الشهوات، والحسد والكبر والرياء وسائر المهلكات الباطنة، وربما يختطفه الموت قبل التوبة والتلافي، ويلقى الله وهو عليه غضبان، فتَرك ذلك كلّه واشتغل بعلم السلم، والاجارة، والظِّهار، واللِّعان، والجراحات، والديات، والدعاوى والبيّنات، وبكتاب الحيض. ولا يحتاج إلى شيء من ذلك في عمره لنفسه، وإذا احتاج غيرُه كان للمفتين كثرةٌ. فيشتغل بذلك ويحرص عليه لما فيه من الجاه والرياسة. وقد دعاه الشيطان ولا يشعر، إذ المغرور يظنّ أنَّه مشغول بفرض دينه، وليس يدري أنَّ الاشتغال بفرض الكفاية قبل الفراغ عن فرض العين معصية. هذا لو كانت نيّته صحيحة كما قال: وقد قصد بالتفقّه وجه الله، وأما غروره من حيث العلم فحيث اقتصر على علم الفتاوى وظنّ أنَّه علم الدين، وترَك علم كتاب الله وسنّة رسوله، وترَك أيضاً علم تهذيب الأخلاق وترَك الفِقه في الله بإدراك جلاله وعظمته، وهو العلم الذي يورث الخوف والهيبة والخشوع، ويحمل على التقوى. فتراه آمِناً من الله، مغترّاً به، متّكلاً على أنه لا بدّ أن يرحمه، فإنّه قوَّمَ دينَه، وإنّه لو لم يشتغل بالفتاوى لتعطّل الحلال والحرام، فقد ترَك العلوم التي هي أهمّ، وهو غافلٌ مغرور، وسبب غروره ما سمع في الشرع من تعظيم الفِقه، ولم يدر انّ ذلك الفقْه هو الفقه في الله، ومعرفة صفاته المخوّفة والمرجوّة، ليستشعر القلب بلازم التقوى، إذ قال الله تعالى: {أية : فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوۤاْ إِلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة:122]. والذي يحصل به الانذار غير هذا العلم، فإنّ مقصود هذا العلم حفظ الأموال بشروط المعاملات، وحفظ الأبدان بالأموال، وبدفع القتل والجراحات. والمال في طريق الله آلة، والبدن مَركب. وإنّما العلْم المهمّ هو معرفة سلوك الطريق، وقطع عقبات القلب التي هي الصفات المذمومة. فهي الحجاب بين الله وبين العبد، فإذا مات ملوّثاً بتلك الصفات كان محجوباً عن الله. فمثاله في الاقتصار على علم الفقْه مثال من اقتصر من سلوك طريق الآخرة على علم حرز الراوية والخفّ. ولا شك في أنّه لو لم يكن لتعطّل الحجّ، ولكن المقتصر عليه ليس من الحجّ في شيء. ومن هؤلاء مَن اقتصر من علم الفقه على الخلافيّات، ولم يهمّه إلاّ طريق المجادلة، والالزام، وافحام الخصوم، ودفع الحقّ لأجل الغلبة والمباهاة، فهو طول الليل والنهار في التفتيش عن مناقضات أرباب المذاهب، والتفقّد لعيوب الأقران، والتلقّف لأنواع الشبهات المؤذية للقلوب. وهؤلاء هم سباع الإنس، وطبعهم الإيذاء، وهمّهم السفَه، ولا يقصدون العلم إلاّ للمباهاة. فكلّ علم لا يحتاجون إليه في المباهاة - كعلم القلب، وهو علم سلوك الطريق إلى الله بمحو الصفات المذمومة وتبديلها بالمحمودة - فإنّهم يستحقرونه ويسمّونه التزويق وكلام الوعّاظ. وأمّا التحقيق فهو عندهم معرفة تفاصيل العربَدة التي تجري بين المتصارعين في الجدل.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَلْبِسُواْ} لا تخلطوا {ٱلْحَقَّ} الّذى هو الايمان والعقائد الدّينيّة والفروع الشّرعيّة المأخوذة من طريق الظّاهر بالتّعلّم والتّعليم او من طريق الباطن بالالهام والوجدان او الحقّ الّذى هو ولاية علىٍّ (ع) او الحقّ الّذى هو أعمّ من الولاية والعقائد الدّينيّة والفروع الشّرعيّة {بِٱلْبَاطِلِ} الّذى هو الكفر وضدّ العقائد الدّينيّة وضدّ الفروع الشّرعيّة او الباطل الّذى هو ولاية غير علىّ (ع) او الباطل الّذى هو أعمّ، او لا تلبسوا الاعمال الالهيّة بالأغراض النّفسانيّة، او لا تلبسوا الحقّ الّذى هو نبوّة محمّدٍ وولاية علىٍّ (ع) الّذى هو ثابت فى كتبكم بتحريفاتكم الباطلة، او الحقّ الّذى هو أوصاف محمّدٍ (ص) وعلىّ (ع) بالباطل الّذى أحدثتموه فى كتبكم وهذا هو نزول الآية {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} ولا تكتموا الحقّ او مع ان تكتموا الحقّ على ان يكون مجزوماً بالعطف او منصوباً بان المقدّر والمراد بالحقّ الثّانى هو الاوّل على قانون تكرار المعرفة او غيره والمعنى لا تلبسوا الحقّ بالباطل لقصد كتمانه او لعدم المبالاة به، او لا تلبسوا الحقّ الظّاهر بالباطل ليشتبه على من ظهر الحقّ عليه ولا تكتموا الحقّ الغير الظّاهر ليختفى على النّاس {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} يعنى وانتم العلماء او وانتم تعلمون الحقّ ولبسه واخفائه.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالبَاطِلِ}: عطف على ولا تشتروا بآياتى ثميناً قليلاً، أى لا تخلطوا الحق الذي هو التوراة ونحوها، بالباطل الذى تفترونه أنتم وغيركم أو أسلافكم ألا تقرءوه فى قراءة التوراة ونحوها، ولا تكتبوه فى كتابتها، ولا تأولوها به، فإنهم إذا فعلوا ذلك التبس الحق بالباطل، أى اختلط به حتى يشتبها ولا يميز بينهما الجاهل والعامة، والباطل هو تغييرهم الأحكام الصعبة بسهلة، وتبديلهم صفة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بغيرها، كما روى أنه لما بعثه الله عز وجل حسده اليهود وقالوا: ليس هو الذى ننتظره، وإنما هو المسيح بن داود يعنون الدجال، وكما روى أبو العالية أن اليهود قالوا: محمد نبى مبعوث لكن إلى غيرنا، فإقرارهم ببعثه حق، وقولهم إلى غيرنا باطل، وكما قال قوم من اليهود والنصارى: إنه رسول إلى العرب خاصة، فقولهم إلى العرب خاصة باطل، وقيل معنى الآية لا تلبسوا الإسلام باليهودية والنصرانية، والباء للتعدية والإلصاق كما رأيت، وهو أكثر وأظهر كقولك: خلطت الماء باللبن، ويجوز كونها للاستعانة أو السببية، أى لا تجعلوا الحق بسبب خلط الباطل به غير متميز عنه، أو لا تستعينوا بخلط الباطل معه على خفائه وعدم تميزه. {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ}: على الجهلة والعامة، وهو أحكام الله عز وجل، وصفة محمد صلى الله عليه وسلم. {وَأنتُم تَعْلَمُونَ}: إنما أنزل الله من الأحكام، وصفة محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق، أو تعلمون أنكم كاتمون لابسون، والجملة الاسمية حال، وفيها إشعار بتغليظ الذنب على من وقع فيه من العلم بأنه ذنب وأنه أعصى من الجاهل، وأن استقباح اللبس والكتم ازداد بالعلم، فإنهُ أقبح، إذ الجاهل قد يعذر فى بعض المواضع وصورته صورة عذر ولو لم يعذره الله، ولو كان عذاب الجاهل أضعاف عذاب العالم، لأنه ضيع فرضين: فرض العلم وفرض العمل به، والعالم ضيع فرضاً واحداً وهو العمل، هذا ما ظهر لى فى القياس وهو كذلك فى بعض روايات قومنا، وقد يقال: عذاب العالم أضعاف عذاب الجاهل، لأنه أعظم تهاوناً، إذ علم بأمر عظيم فتهاون به، ولأنه أكثر نعمة بالعلم، فالشكر عليه أعظم وجوباً، فقد روى الربيع بن حبيب عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ويل لمن لم يعلم ولم يعمل مرة، وويل لمن يعلم ولم يعمل مرتين" تفسير : وله رواية أخرى أكثر مضاعفة، وهى: "حديث : ويل لمن لم يعلم ولم يعمل سبع مرات، وويل لمن لا يعلم مرة واحدة" تفسير : ويمكن الجمع بين الروايتين بأن لفظ مرة ومرتين فى الأولى من كلام الصحابى الراوى، بأن يكون قد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ويل لمن لم يعلم ولم يعمل ولم يقل مرة، فحمله الراوى على الويل الواحد، إذ لا دليل على أكثر، ويقول: ويل لمن لم يعلم ولم يعمل، ويل لمن يعلم ولم يعمل ذكره مرتين ولم يذكر مرتين، فحمل ذكره مرتين على الكثير وهو السبعة كما بينته الرواية الثانية، فكأن الراوى قال: إنهُ ـ صلى الله عليهُ وسلم ـ قال مرة واحدة: ويل للجاهل، وقال مرتين: ويل للعالم، غير العامل، وكثيراً ما تذكر التثنية أو يكرر اللفظ بعطف أو دونهُ، فيراد الكثير نحو قولك علمته الكتاب بابا بابا، أو مسألة مسألة، وجاءوا رجلا رجلا، ودخلوا الأول فالأول، وزيد يحيا مرة بعد أخرى، ولبيك وسعديك وحنانيك، قال الله تعالى: {كرتين} وقولك: جاءت الستة اثنين اثنين، ولا يخفى أن الخطاب فى الآية، ولو كان لبنى اسرائيل لكن هم وغيرهم فيه سواء، فعلى كل أحد ألا يلبس الحق بالباطل ولا يكتمه، وقوله: {تكتموا} مجزوم عطفاً على تلبسوا، أى ولا تكتموا الحق، أو منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد الواو، الجمعية الواقعة بعد النهى كالنصب فى: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، أى لا يكن منكم لبس الحق بالباطل وكتمانه، أى لا تجمعوا بين اللبس والكتم، لكن ليس المراد جواز إفراد أحدهما، بل المعنى انتهوا عن هاتين الخصلتين الشنيعتين اللتين تجمعون بينهما، وفى هذا الوجه نهى عليهم بالجمع، بخلاف وجه الجزم، ولو كان أبلغ فى النهى، ويدل على النصب قراءة عبدالله بن مسعود {وتكتمون} بإثبات النون، وكذا كان يقرأ. فلو كان معطوفاً على مدخول لا الناهية لحذف النون، ولما أثبتها علمنا أنه غير معطوف عليه، فهو فى قراءته حال لازمة، لأن لبس الحق بالباطل أبداً فيه كتم له، وهذا على قول من أجاز مجئ الحال جملة فعلية فعلها مضارع مثبت مجرد من قد والسين وسوف، مقرون بالواو، أو خبر لمحذوف، والجملة حال على القول بالمنع، أو هو مستأنف. والله أعلم. قالوا: من كتب قولهُ تعالى: {يا بنى إسرائيل} إلى: {تعلمون} فى خرقة من ثوب صبية لم تبلغ الحلم ليلة الاثنين عقب خمس ساعات من الليل ثم وضعها على صدر أمراة نائمة أخبرت بما علمت إن شاء الله.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ تُلْبِسُوا الْحَقَّ} لا تخلطوه وهو ما فى التوراة والإنجيل {بِالْبَٰطِلِ} هو خلاف الحق من أنفسهم خلطوه بالحق تفسيراً وكتابة فهو بعد كلام حق وقيل كلام آخر حق، سواء زادوه بينهما فقط، أو أسقطوا كلاما بينهما وجعلوا مكانه باطلاً {وَتَكْتُمُوا} أى ولا تكتموا، أو مع أن تكتموا جزما بالعطف، أو نصبا فى جواب النهى {الْحَقَّ} كصفة محمد صلى الله عليه وسلم، وقتل المحصن، إذا سئلوا أنكروا وجود ذلك فى التوراة، وكرر الحق للتأكيد، إذ لم يضمر له، أو لأن المراد بالأول غير صفته صلى الله عليه وسلم، ورجم المحصن {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أنه حق، أو تعلمون أنه موجود فى التوراة، أو البعث والجزاء، أو أنكم لابسون كاتمون، وتقولون لا يوجد، وذلك قبيح ولو لم تعلموا، فكيف وقد علمتم، أو وأنتم من ذوى العلم، هكذا فلا يقدر له عمل فى محذوف.
الخليلي
تفسير : هذه الآية - بما فيها من جمل - معطوفة على مجموع ما تقدم من قوله: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}...الخ، ففي الآيتين السابقتين خصوصا في قوله: {وَلاَ تَشْتَرُواْ} تحذير من الضلال، وفي هذه تحذير من الإِضلال، والإِضلال لا ينشأ إلا عن الضلال، كما أن هدى الغير لا يكون إلا بعد هدى النفس. واللبس الخلط بين الأشياء المتشابهة حتى يتعذر تمييز بعضها من بعض أو يتعسر، ويتعدى بالباء واللام وعلى، بحسب اختلاف مقتضى الكلام، والباء هنا للإِلصاق لأنهم منهيون عن الخلط بين الحق الذي أنزله الله عليهم، والباطل الذي استوحوه من هوى أنفسهم فأضافوه إلى المنزل، وهذا كما يقال خلطت البر بالشعير، والماء باللبن؛ وذهب الفخر الرازي إلى أنها الباء الآلية المسماه بباء الاستعانة، كالتي في قولك كتبت بالقلم، وعليه فالمعنى لا تجعلوا الحق ملتبسا على الناس بسبب الباطل الذي تأتون به، وهو ما يوردونه من الشبه الحائلة دون وصول حقيقة الحق إلى أفهام عوامهم، وهذا الذي ذهب إليه الفخر جوزه الزمخشري من قبل، وقال باحتماله كثير من المفسرين، واستدل له الفخر بقوله تعالى: {أية : وَجَادَلُوا بِٱلْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ} تفسير : [غافر: 5]، وكونها للإِلصاق أقرب لأن متعلقها مشتق من اللبس، وهو دال على الخلط بين شيئين أو أشياء، بخلافها في آية الكهف فهي متعلقة فيها بما تصرف من المجادلة أولا، وما اشتق من الإِدحاض ثانيا، والفرق بينهما وبين اللبس واضح. والحق معروف وقد سبق الكلام فيه، والباطل نقيضه مأخوذ من بطل إذا فنى، ولذا قالوا إن أصدق الشعر قول لبيد: شعر : ألا كل شيء ما خلا الله باطل .... تفسير : ومشتقاته دالة على الزوال، ومنها قولهم بطل الأمر إذا لم يكن صحيحا، ومعناه أنه ليس له بقاء، وكذا تمسية الشجاع بطلا لتلاشي شجاعات خصومه بين يديه، والمراد بلبسهم الحق بالباطل خلط ما أوتوه من الكتاب بما أضافه إليه الأحبار من إفكهم، أو ما ألصقوه به من التأويلات الباطلة، كما سبق قبل قليل، وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه فسر الحق بالصدق، والباطل بالكذب، وقال آخرون إن الحق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والباطل إنكار أحبار اليهود أن تكون صفات النبي المنتظر منطبقة عليه، وقيل: الحق هو صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم، والباطل صفات الدجال، وذلك أن في كتب بني إسرائيل ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ونعوته، وذكر الدجالين الذين يدعون النبوات وهم كاذبون، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وانكشفت صفاته لأحبار اليهود اضطرمت في قلوبهم نار الغيظ لكونه من ولد إسماعيل فادعو أنه من الدجالين مع معرفتهم بنعوته التي تميزه عنهم، وذكر بعض السلف أنه آوى إلى المدينة المنورة - وكانت تسمى يثرب - جماعة من ذرية هارون عليه السلام فرارا من اضطهاد الدولة الرومية التي أذاقت بني إسرائيل ألوانا من العذاب، وكانت هذه الجماعة تحمل علم التوراة واختاروا المدينة لأنهم على يقين أنها دار هجرة الرسول المنتظر، فكانوا يتطلعون إلى بعثته، ويتدارسون صفاته، وتتوارث علم ذلك أجيالهم، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهاجر إليها ضاقت صدورهم لعدم كونه من بني إسرائيل فشوهوا الحقيقة وكتموا الحق. فإن الحق ما طابق الواقع، والباطل ما خالفه، وحمل لفظيهما على العموم أولى، وما ذكروه يندرج تحت ذلك. وكما نهوا عن لبس الحق بالباطل نُهوا عن كتمانه لأن الحق أمانة عند عارفيه، فعليهم أن يبلغوه من لا يعرفه، والذين يضلون الناس عن سبيله لهم في ذلك نهجان بحسب اختلاف أحوال الذين يضلونهم، لأنهم إما أن يكونوا على معرفة به أو بشيء منه، وإما أن يكونوا غير عارفين به رأسا، فمسلكهم مع الطائفة الأولى خلطه بالباطل، وذلك بإثارة الشبهات من حوله، حتى تعمى حجته وينطمس دليله، ومسلكهم مع الطائفة الثانية حجبه عنهم حتى لا يلمع لهم شيء من نوره. وجملة {تَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} معطوفة على ما قبلها فهي داخلة في النهي، وهذا ما رواه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، إذ فسرها بقوله: (ولا تكتموا الحق)، وأجاز ابن جرير أن تكون الواو للمعية والفعل بعدها منصوبا، ووافقه أكثر المفسرين منهم الزمخشري وابن عطية، وخالفهم أبو حيان، وابن عاشور، فمنعا ذلك لأنه يلزمه أن يكون مناط النهي الجمع بين الأمرين، فيفهم منه عدم منعهما إن فرق بينهما، مع أن كلا منهما ممنوع لذاته، وهذا هو الصحيح وإن حمل اعتبار الواو للمعية على قصد التعريض بهم أن من شأنهم التلبس بكلتا الخصلتين لأن الكلام مسوق مساق النهي ولم يسق مساق تعديد مثالبهم وإن كان في هذا النهي إيماء إلى أنهم متلبسون بهذه الخصال المنهى عنها، وقرأ ابن مسعود رضي الله عنه "وتكتمون"، وعلى هذه القراءة فالواو حالية، واستشكلها أبو حيان لأن من شأن الحال التقييد وهم منهيون عن لبس الحق بالباطل على أي حال، ويندرئ هذا الإِشكال بالنظر إلى أن من فائدة الأحوال كونها كاشفة، ويستفاد من مجيئها هنا أن لبس الحق بالباطل من لازمه كتمان الحق، وهو مما يزيد النفس نفورا عن هذا المنهى عنه، وهذا كما يقال كيف تسيء إلى زيد وهو أخوك. وأعيد ذكر الحق ثانية ولم يكتف بضميره إما للتأكيد وإما لأن الحق الثاني غير الأول، فالأول ما كان بأيديهم مما أنزل الله على أنبيائهم، والثاني هو أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة، والسدى، وأبوالعالية، ومقاتل؛ أو الإِسلام، قاله الحسن. وقوله: {وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} جملة حالية كاشفة لما هم عليه من معرفة الحق الذي تركوه، والباطل الذي ارتكبوه، والمعصية من العالم أشد قبحا، وأسوأ عاقبة كما يدل عليه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ويل لمن لم يعلم ولم يعمل مرة وويل لمن علم ولم يعمل مرتين"تفسير : وقيل ما كانوا يعلمونه هو صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة، وقد أخبر الله عنهم بذلك في قوله: {أية : يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} تفسير : [البقرة: 146]، وقيل هو عموم رسالته للناس قاطبة، وقيل البعث والجزاء، وقيل: هو تلبسهم باللبس والكتمان، وقيل: ليس لتعلمون هنا مفعول لأنه مراد به إثبات صفة العلم لهم وهذا يعني أنه سُلِب صفة التعدي وعُد من اللوازم، وذكر ابن عاشور عن الطيبي إنكار ذلك لمنافاته قوله تعالى فيهم: {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 44] - إلى {أية : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [البقرة: 44] إذ نفى عنهم وصف العقل فكيف يثبت لهم هنا وصف العلم، وهذا مبني على ما ذكره ابن عاشور في موضع آخر أن الاستفهام التقريري يقحم فيه النفي مع عدم الحاجة إليه، وخطأ ذلك ظاهر، فإن الاستفهام ذاته نفي، فإذا دخل على المنفي كان مثبتا، وإذا دخل المثبت كان منفيا، ألا ترون أن قوله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} تفسير : [الشرح: 1]، إثبات لشرح صدره، فكذا قوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} إثبات لوجود عقل فيهم، ولا ينافي ذلك قوله تعالى حاكيا عن أهل النار: {أية : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 10]، فإن مرادهم به العقل الهادي إلى الخير، ويدل عليه قرنه بالسمع مع العلم أنهم لم يكونوا جميعا إيفوا في أسماعهم، والعقل المقصود بقوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} هو مطلق العقل المشترك بين الأبرار والفجار، وهو الذي يترتب عليه التكليف، وتقوم به الحجة.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ} هذا النهي مع ما بعده معطوف على مجموع الآية التي قبله وهي قوله تعالى: {أية : وَءامِنُواْ } تفسير : [البقرة: 41] الخ، وهذا كما قالوا في قوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلأَوَّلُ وَٱلأَخِرُ وَٱلظَّـٰهِرُ وَٱلْبَـٰطِنُ }تفسير : [الحديد: 3] إن مجموع الوصفين الأخيرين بعد اعتبار التعاطف معطوف على مجموع الأولين كذلك، ويجوز العطف على جملة واحدة من الجمل السابقة إلا أن المناسبة على الأول أشد والملاءمة أتم. واللبس بفتح اللام الخلط، وفعله لبس من باب ضرب ويكون بمعنى الاشتباه إما بالاشتراك أو الحقيقة والمجاز: والباء إما للتعدية أو للاستعانة واللام في ـ الحق والباطل ـ للعهد أي لا تخلطوا الحق المنزل في التوراة بالباطل الذي اخترعتموه وكتبتموه أو لا تجعلوا ذلك ملتبساً مشتبهاً غير واضح لا يدركه الناس بسبب الباطل وذكره، ولعل الأول أرجح لأنه أظهر وأكثر لا لأن جعل وجود الباطل سبباً للالتباس الحق ليس أولى من العكس لما أنه لما كان المذموم هو التباس الحق بالباطل ـ وإن لزمه العكس وكان هذا طارئاً على ذلك ـ استحق الأولوية التي نفيت. {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} مجزوم بالعطف على {تَلْبِسُواْ} فالنهي عن كل واحد من الفعلين، وجوزوا أن يكون منصوباً على إضمار ـ أن ـ وهو عند البصريين عطف على مصدر متوهم. وروى الجرمي أن النصب بنفس الواو ـ وهي عندهم بمعنى مع ـ وتسمى واو الجمع وواو الصرف لأنها مصروف بها الفعل عن العطف، والمراد لا يكن منكم لبس الحق على من سمعه وكتمان الحق وإخفاؤه عمن لم يسمعه، والقصد أن ينعى عليهم سوء فعلهم الذي هو الجمع بين أمرين كل منهما مستقل بالقبح، ووجوب الانتهاء وطريق واسع إلى الإضلال والإغواء، وحيث كان التلبيس بالنسبة إلى من سمع، والكتمان إلى من لم يسمع اندفع السؤال بأن النهي عن الجمع بين شيئين إنما يتحقق إذا أمكن افتراقهما في الجملة وليس ـ لبس الحق بالباطل مع كتمان الحق كذلك ـ ضرورة أن لبس الحق بالباطل كتمان له، وكرر الحق إما لأن المراد بالأخير ليس عين الأول بل هو نعت النبـي صلى الله عليه وسلم خاصة، وإما لزيادة تقبيح المنهي عنه إذ في التصريح باسم الحق ما ليس في ضميره. وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (وتكتمون) وخرجت على أن الجملة في موضع الحال ـ أي وأنتم تكتمون، أو كاتمين ـ وفي جواز اقتران الحال المصدرة بالمضارع بالواو قولان، وليس للمانع دليل يعتمد عليه، وهذه الحال عند بعض المحققين لازمة والتقييد لإفادة التعليل كما في ـ لا تضرب زيداً وهو أخوك ـ وعليه يكون المراد بكتمان الحق ما يلزم من لبس الحق بالباطل لا إخفائه عمن لا يسمع، وجوز أن تكون معطوفة على جملة النهي على مذهب من يرى جواز ذلك ـ وهو سيبويه وجماعة ـ ولا يشترط التناسب في عطف الجمل. {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} جملة حالية ومفعول {تَعْلَمُونَ} محذوف اقتصاراً ـ أي وأنتم من ذوي العلم ـ ولا يناسب من كان عالماً أن يتصف بالحال الذي أنتم عليه، ولا يبعد أن يكون الحذف للاختصار ـ أي وأنتم تعلمون أنكم لابسون كاتمون ـ أو تعلمون صفته صلى الله عليه وسلم أو البعث والجزاء، والمقصود من تقييد النهي بالعلم زيادة تقبيح حالهم لأن الإقدام على هاتيك الأشياء القبيحة مع العلم بما ذكر أفحش من الإقدام عليها مع الجهل ـ وليس من يعلم كمن لا يعلم ـ وجوز ابن عطية أن تكون هذه الجملة معطوفة وإن كانت ثبوتية على ما قبلها من جملة النهي، وإن لم تكن مناسبة في الإخبار، وهي عنده شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر النبـي/ صلى الله عليه وسلم وليست شاهدة بالعلم على الإطلاق إذ هم بمراحل عنه، واستدل بالآية على أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه بالشروط المعروفة لدى العلماء.
ابن عاشور
تفسير : معطوف على جميع ما تقدم من قوله: {أية : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم}تفسير : [البقرة: 40] إلى هنا لأن هاته الجمل كلها لم يقصد أن الواحدة منها معطوفة على التي قبلها خاصة بل على جميع ما تقدمها لا سيما قوله: {ولا تلبسوا} فإنه مبدأ انتقال من غرض التحذير من الضلال إلى غرض التحذير من الإضلال بعد أن وسط بينهما قوله: {أية : ولا تشتروا بآياتي}تفسير : [البقرة: 41] كما تقدم. وإن شئت أن تجعل كلاً معطوفاً على الذي قبله فهومعطوف على الذي قبله بعد اعتبار كون ما قبله معطوفاً على ما قبله كذلك، وهذا شأن الجمل المتعاطفة إلا إذا أريد عطف جملة على جملة معينة لكون الثانية أعلق بالتي والتْها دون البقية وذلك كعطف {وتكتموا الحق} على {ولا تلبسوا} فإنها متعينة للعطف على {تلبسوا} لا محالة إن كانت معطوفة وهو الظاهر فإن كلا الأمرين منهي عنه والتغليظ في النهي عن الجمع بينهما واضح بالأوْلى. وجوزوا أن يكون {وتكتموا الحق} منصوباً بأن مضمرة بعد واو المعية ويكون مناط النهي الجمع بين الأمرين وهو بعيد لأن كليهما منهي عنه والتفريق في المنهي يفيد النهي عن الجمع بالأوْلى بخلاف العكس اللهم إلا أن يقال إنما نهوا عن الأمرين معاً على وجه الجمع تعريضاً بهم بأنهم لا يرجا منهم أكثر من هذا الترك للبس وهو ترك اللبس المقارن لكتم الحق فإن كونه جريمة في الدين أمر ظاهر. أما ترك اللبس الذي هو بمعنى التحريف في التأويل فلا يرجا منهم تركه إذ لا طماعية في صلاحهم العاجل. و(الحَق) الأمر الثابت من حَقَّ إذا ثبت ووجب وهو ما تعترف به سائر النفوس بقطع النظر عن شهواتها. والباطل في كلامهم ضد الحق فإنه الأمر الزائل الضائع يقال بطل بُطلاً وبطولاً وبطلاناً إذا ذهب ضياعاً وخسراً وذهب دمه بُطلاً أي هدراً. والمراد به هنا ما تتبرأ منه النفوس وتزيله مادامت خلية عن غرض أوهوى، وسمي باطلاً لأنه فعل يذهب ضياعاً وخساراً على صاحبه. و (اللبس) خلط بين متشابهات في الصفات يعسر معه التمييز أو يتعذر وهو يتعدى إلى الذي اختلط عليه بعدة حروف مثل علَى واللامِ والباءِ على اختلاف السياق الذي يقتضي معنى بعض تلك الحروف. وقد يعلق به ظرفُ عندَ. وقد يجرد عن التعليق بالحرف. ويُطلق على اختلاط المعاني وهو الغالب، وظاهر كلام الراغب في «مفردات القرآن» أنه هو المعنى الحقيقي، ويقال في الأمر لُبسةٌ بضم اللام أي اشتباه، وفي حديث شق الصدر «فخفت أن يكون قد التُبس بي» أي حصل اختلاط في عقلي بحيث لا يميز بين الرؤية والخيال، وفعله من باب ضرب وأما فعل لبس الثياب فمن باب سمِع. فلبس الحق بالباطل ترويج الباطل في صورة الحق، وهذا اللَّبس هو مبدأ التضليل والإلحاد في الأمور المشهورة فإن المزاولين لذلك لا يروج عليهم قَصْد إبطالها فشأنُ من يريد إبطالها أن يعمد إلى خلط الحق بالباطل حتى يوهم أنه يريد الحق قال تعالى: {أية : وكذلك زَين لكثير من المشركين قتلَ أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبِسوا عليهم دينهم}تفسير : [الأنعام: 137] لأنهم أوهموهم أن ذلك قربة إلى الأصنام. وأكثر أنواع الضلال الذي أدخل في الإسلام هو من قبيل لبس الحق بالباطل، فقد قال الذين ارتدوا من العرب ومنعوا الزكاة إننا كنا نعطي الزكاة للرسول ونطيعه فليس علينا طاعة لأحد بعده، وهذا نقض لجامعة الملة في صورة الأنفة من الطاعة لغير الله، وقد قال شاعرهم وهو الخطيل بن أوس:شعر : أطعنا رسولَ الله إذ كان بيننا فيا لعباد اللَّهِ مالِأَبي بكر تفسير : وقد فعل ذلك الناقمون على عثمان رضي الله عنه فلبَّسوا بأمور زينوها للعامة كقولهم رقي إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم في المنبر وذلك استخفاف لأن الخليفتين قبله نزل كل منهما عن الدرجة التي كان يجلس عليها سلفه، وسقط من يده خاتم النبي صلى الله عليه وسلم وذلك رمز على سقوط خلافته. وقد قالت الخوارج «لا حكم إلا لله» فقال علي رضي الله عنه: «كلمة حق أريد بها باطل». وحرَّف أقوام آيات بالتأويل البعيد ثم سموا ذلك بالباطن وزعموا أن للقرآن ظاهراً وباطناً فكان من ذلك لبس كثير، ثم نشأت عن ذلك نحلة الباطنية، ثم تأويلات المتفلسفين في الشريعة كأصحاب «الرسائل» الملقبين بإخوان الصفاء. ثم نشأ تلبيس الواعظين والمرغبين والمرجئة فأخذوا بعض الآيات فأشاعوها وكتموا ما يقيدها ويعارضها نحو قوله تعالى: {أية : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله}تفسير : [الزمر: 53] فأوهموا الناس أن المغفرة عامة لكل ذنب وكل مذنب ولو لم يتب وأغضوا عن آيات الوعيد وآيات التوبة. وللتفادي من هذا الوصف الذي ذمه الله تعالى قال علماء أصول الفقه إن التأويل لا يصح إلا إذا دل عليه دليل قوي، أما إذا وقع التأويل لما يُظن أنه دليل فهو تأويل باطل فإن وقع بلا دليل أصلاً فهو لعب لا تأويل ولهذا نهى الفقهاء عن اقتباس القرآن في غير المعنى الذي جاء له كما قال ابن الرومي:شعر : لئن أخطأتُ في مدْحيـ ـك ما أخطأت في منعي لقد أنزلتُ حاجاتي بواد غير ذي زرع تفسير : وقوله: {وأنتم تعلمون} حال وهو أبلغ في النهي لأن صدور ذلك من العالم أشد فمفعول (تعلمون) محذوف دل عليه ما تقدم، أي وأنتم تعلمون ذلك أي لَبسكم الحق بالباطل. قال الطيبي عند قوله تعالى الآتي: {أية : أفلا تعقلون}تفسير : [البقرة: 44] إن قوله تعالى: {وأنتم تعلمون} غير منزل منزلة اللازم لأنه إذا نزل منزلة اللازم دل على أنهم موصوفون بالعلم الذي هووصف كمال وذلك ينافي قوله الآتي: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} إلى قوله: {أية : أفلا تعقلون}تفسير : [البقرة: 44] إذْ نفى عنهم وصف العقل فكيف يثبت لهم هنا وصف العلم على الإطلاق.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ}. الحق الذي لبسوه بالباطل هو إيمانهم ببعض ما في التوراة. والباطل الذي لبسوا به الحق: هو كفرهم ببعض ما في التوراة وجحدهم له، كصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرها مما كتموه وجحدوه، وهذا يبينه قوله تعالى: {أية : أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} تفسير : [البقرة: 85] الآية -، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما تقدم.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِٱلْبَاطِلِ} (42) - يَنْهَى اللهُ اليَهُودَ عَنِ القِيَامِ بِمَا كَانُوا يَتَعَمَّدُونَهُ مِنَ التَّمْوِيهِ (إِلبَاسِ الحَقِّ بِالبَاطِلِ)، وَعَنْ خَلْطِ الحَقِّ المُنْزَلِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، بِالبَاطِلِ الذِي يَخْتَرِعُونَهُ وَيَكْتُبُونَهُ لِيُمََوِّهُوا بِهِ عَلَى النَّاسِ وَيُضِلُّوهُمْ بِهِ، وَيَأْمُرُهُمُ اللهُ بِأَلاَّ يَكْتُمُوا الحَقَّ، وَهُوَ المَعْرِفَةُ بِرَسُولِ اللهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي كُتُبِهِمْ. لاَ تَلْبِسُوا - لاَ تَخْلُطُوا وَلاَ تَسْتُرُوا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن حذر الحق سبحانه وتعالى اليهود من أن يبيعوا دينهم بثمن قليل وهو المال أو النفوذ الدنيوي. قال تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ} [البقرة: 42] مادة تلبس مأخوذة من اللباس الذي نرتديه. واللبس هو التغطية أو التعمية بأن نخفي الحق ولا نظهره. فاللباس تغليف للجسم يستره فلا يبين تفصيلاته. والحق هو القضية الثابتة المقدرة التي لا تتغير. فلنفرض أننا شهدنا شيئاً يقع، ثم روى كل منا ما حدث. إذا كنا صادقين لن يكون حديثنا إلا مطابقاً للحقيقة. ولكن إذا كان هناك مَنْ يحاول تغيير الحقيقة فيكون لكل منا رواية. وهكذا فالحق ثابت لا يتغير. في التوراة آيات لم يحرفها اليهود، وآيات محرفة. كل الآيات التي تتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفه وأنه النبي الخاتم .. حرفها اليهود. والآيات التي لا تتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرفوها .. فكأنهم خلطوا الحق بالباطل .. ما الذي جعلهم يدخلون الباطل ويحاولون إخفاء الحقائق؟ المصلحة الأولى: ليشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً، والباطل هو ما لا واقع له. ولذلك فإن أبواب الباطل متعددة. وباب الحق واحد. فالله سبحانه وتعالى يريد أن يبلغنا أن اليهود قد وضعوا في التوراة باطلاً لم يأمر به الله. وكتموا الحقيقة عن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. ولكن هل فعلوا ذلك عن طريق الخطأ أو السهو أو النسيان؟ لا بل فعلوه وهم يعلمون. نأتي مثلاً إلى قول الحق تبارك وتعالى لليهود: {أية : وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [البقرة: 58]. وحطة أي حط عنا يا رب ذنوبنا. يأتي اليهود ويغيرون قول الله. فبدلاً من أن يقولوا حطة، يقولوا حنطة. مَنْ يسمع هذا اللفظ قد لا يتنبه ويعتقد أنهم قالوا ما أمرهم الله به. مع أن الواقع أنهم حرفوه. ولذلك عندما كانوا يأتون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون: راعنا ليا بألسنتهم. وكان المفروض أن يقولوا راعينا، ولكنهم قالوا راعنا من الرعونة .. والله تعالى نبه المؤمنين برسوله صلى الله عليه وسلم ألا يقولوا مثلهم. فقال جل جلاله: {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42]. أي اتركوا هذه الكلمة نهائياً، هذا لبس الحق بالباطل. إذن فاليهود ألبسوا الحق بالباطل. والإنسان لا يلبس الحق بالباطل .. إلا إذا كان لا يستطيع مواجهة الحق، لأن عدم القدرة على مواجهة الحق ضعف نَفِرُّ منه إلى الباطل، لأن الحق يتعب صاحبه، والإنسان لا يستطيع أن يَحْمل نفسه على الحق. وقوله تعالى: {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42] أي أنهم يفعلون ذلك عن عمد وليس عن جهل. فقد يكتم الإنسان حقاً وهو لا يعلم أنه الحق. ولكن إذا كنت تعلمه فتلك هي النكبة لأنك تخفيه عامداً متعمداً، أو وأنتم تعلمون. قد يكون معناها أن اليهود - وهم أهل كتاب - يعلمون ما سيصيبهم في الآخرة من العذاب الأليم بسبب إخفائهم الحق. فهم لا يجهلون ماذا سيحدث في الآخرة، ولكنهم يقدمون على عملهم مع علمهم أنه خطأ فيكون العذاب حقاً.
الأندلسي
تفسير : {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ} أي لا تخلطوا الصدق بالكذب وكذبهم أنواع قد قص الله تعالى منها. والباء في الباطل للإِلصاق نحو خلطت الماء باللبن نهوا عن ذلك فلا يتميز الحق من الباطل. وأجاز الزمخشري أن تكون الباء للاستعانة كهي في كتبت بالقلم. قال: كأن المعنى ولا تجعلوا الحق ملتبساً بباطلكم. "انتهى" وفيه بعد عن هذا التركيب وصرف عن الظاهر بغير ضرورة تدعو إلى ذلك. {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} مجزوم عطفاً على تلبسوا نهى عن كل واحد من الفعلين كما في قولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، نهى عن كل منهما وجوزوا فيه أن يكون منصوباً وليس بجيد لأن النهي إذ ذاك يكون منسحباً على الجمع بين الفعلين كما في: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، إذا نصبت وتشرب ويكون بالمفهوم يدل على جواز الالتباس بواحد منهما وذلك منهي عنه، ولذلك رجح الجزم. وقرىء وتكتمون ويخرج على الحال ولا يكون ذلك على إضمار مبتدأ أي وأنتم تكتمون ويكون إذ ذاك حالاً لازمة لأنه لا يقع لبس الحق بالباطل إلا ويكون الحق مكتوماً. وقدره الزمخشري كلمتين وهو تقدير معنى لا تقدير إعراب ويجوز أن تكون جملة خبرية نعى الله تعالى عليهم كتمهم الحق وعطفت على جملة النهي ولم يراع التناسب في عطف الجمل وهو مذهب سيبويه ولوحظ المعنى لأنهم لم ينهوا إلا عن شيء فعلوه فتضمن معنى أنتم تلبسون الحق بالباطل والحق المكتوم هو أمر محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وما جاء به وهو مذكور في كتبهم كانوا يعلمون ذلك ويظهرون خلافه ومعمول. تعلمون الأولى أن يكون حذف اقتصاراً أي وأنتم من ذوي العلم فلا يناسب من كان عالماً أن يكتم الحق ويلبسه بالباطل وقدروا حذفه اختصاراً أي الحق من الباطل. قال الزمخشري: وأنتم تعلمون في حال عملكم أنكم لابسون كاتمون قال وهو أقبح لأن الجهل بالقبيح ربما عذر راكبه إنتهى. جعل مفعول العلم اللبس والكتم وكأنّ ما قدره على حذف مضاف أي وأنتم تعلمون قبح أو تحريم اللبس والكتم. وقال ابن عطية: حملة في موضوع الحال ولم يشهد تعالى لهم بعلم وإنما نهاهم عن كتمان ما علموا. "انتهى". فمفعول تعلمون هو الحق. وقال أيضاً: ويحتمل أن تكون شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولم يشهد لهم بالعلم على الإطلاق. قال: ولا تكون الجملة على هذا في موضع الحال. "انتهى". فتكون جملة نبوتية معطوفة على جملة النهي من غير مراعاة مناسبة في عطف الجمل. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} أي التي في الشريعة الاسلامية. {وَٱرْكَعُواْ} لما كان الخطاب مع بني إسرائيل ولا ركوع في صلاتهم نبّهوا بالأمر به على أنه مطلوب في هذه الشريعة. وفي قوله: {مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ} دليل على إيقاع ذلك في جماعة افتتح سبحانه وتعالى هذه الآيات بذكر النعم واختتمها بذكر الانقياد للمنعم وما بينهما تكاليف اعتقادية وأفعال بدنية ومالية وهذه الأوامر والنواهي وإن كانت خاصة في الصورة ببني إسرائيل إذ هم المخاطبون بها هي عامة في المعنى والأمر طلب وجود الفعل والنسيان السهو الحادث بعد حصول العلم ويطلق أيضاً على الترك والتلاوة القراءة والعقل والادراك المانع من الخطأ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):