Verse. 50 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاَقِيْمُوا الصَّلٰوۃَ وَاٰتُوا الزَّكٰوۃَ وَارْكَعُوْا مَعَ الرّٰكِعِيْنَ۝۴۳
Waaqeemoo alssalata waatoo alzzakata wairkaAAoo maAAa alrrakiAAeena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين» صلوا مع المصلين محمد وأصحابه، ونزل في علمائهم وكانوا يقولون لأقربائهم المسلمين اثبتوا على دين محمد فإنه الحق.

43

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن الله سبحانه وتعالى لما أمرهم بالإيمان أولاً ثم نهاهم عن لبس الحق بالباطل وكتمان دلائل النبوة ثانياً، ذكر بعد ذلك بيان ما لزمهم من الشرائع وذكر من جملة الشرائع ما كان كالمقدم والأصل فيها وهو الصلاة التي هي أعظم العبادات البدنية والزكاة التي هي أعظم العبادات المالية. وههنا مسائل: المسألة الأولى: القائلون بأنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب قالوا إنما جاء الخطاب في قوله: {وأقيموا الصلاة} بعد أن كان النبي صلى الله عليه وسلم وصف لهم أركان الصلاة وشرائطها فكأنه تعالى قال: وأقيموا الصلاة التي عرفتموها والقائلون بجواز التأخير قالوا: يجوز أن يراد الأمر بالصلاة وإن كانوا لا يعرفون أن الصلاة ما هي ويكون المقصود أن يوطن السامع نفسه على الامتثال وإن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما أنه لا نزاع في أن يحسن من السيد أن يقول لعبده: إني آمرك غداً بشيء فلا بد وأن تفعله ويكون غرضه منه بأن يعزم العبد في الحال على أدائه في الوقت الثاني. المسألة الثانية؛ قالت المعتزلة: الصلاة من الأسماء الشرعية قالوا: لأنها أمر حدث في الشرع فاستحال أن يكون الاسم الموضوع قد كان حاصلاً قبل الشرع، ثم اختلفوا في وجه التشبيه فقال بعضهم: أصلها في اللغة الدعاء قال الأعشى:شعر : عليك مثل الذي صليت فاعتصمي عينا فإن لجنب المرء مضطجعا تفسير : وقال آخر:شعر : وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسمتفسير : وقال بعضهم: الأصل فيها اللزوم قال الشاعر:شعر : لم أكن من جناتها علم الله وإني بحرها اليوم صالي تفسير : أي ملازم، وقال آخرون: بل هي مأخوذة من المصلي وهو الفرس الذي يتبع غيره. والأقرب أنها مأخوذة من الدعاء إذ لا صلاة إلا ويقع فيها الدعاء أو ما يجري مجراه، وقد تكون صلاة ولا يحصل فيها متابعة الغير وإذا حصل في وجه التشبيه ما عم كل الصور كان أولى أن يجعل وجه التشبيه شيئاً يختص ببعض الصور. وقال أصحابنا من المجازات المشهورة في اللغة إطلاق اسم الجزء على الكل ولما كانت الصلاة الشرعية مشتملة على الدعاء، لا جرم أطلق اسم الدعاء عليها على سبيل المجاز، فإن كان مراد المعتزلة من كونها اسماً شرعياً هذا فذلك حق وإن كان المراد أن الشرع ارتجل هذه اللفظة ابتداء لهذا المسمى فهو باطل وإلا لما كانت هذه اللفظة عربية، وذلك ينافي قوله تعالى: {أية : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْانًا عَرَبِيّا } تفسير : [يوسف: 2] أما الزكاة فهي في اللغة عبارة عن النماء، يقال: زكا الزرع إذا نما، وعن التطهير قال الله تعالى: {أية : أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً } تفسير : [الكهف: 74] أي طاهرة. وقال: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ } تفسير : [الأعلى: 14] أي تطهر وقال: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مّنْ أَحَدٍ أَبَداً } تفسير : [النور: 21] وقال: أية : {وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ } تفسير : [فاطر: 18] أي تطهر بطاعة الله، ولعل إخراج نصف دينار من عشرين ديناراً سمي بالزكاة تشبيهاً بهذين الوجهين، لأن في إخراج ذلك القدر تنمية للبقية من حيث البركة فإن الله يرفع البلاء عن ذلك المال بسبب تزكية تلك العطية فصار ذلك الإعطاء نماء في المعنى وإن كان نقصاناً في الصورة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : عليكم بالصدقة فإن فيها ست خصال، ثلاثة في الدنيا وثلاثة في الآخرة، فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق وتكثر المال وتعمر الديار، وأما التي في الآخرة فتستر العورة وتصير ظلاً فوق الرأس وتكون ستراً في النار».تفسير : ويجوز أن تسمى الزكاة بالوجه الثاني من حيث إنها تطهر مخرج الزكاة عن كل الذنوب، ولهذا قال تعالى لنبيه: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } تفسير : [التوبة: 103]. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} خطاب مع اليهود وذلك يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع. أما قوله تعالى: {أية : واركعوا مع الراكعين}تفسير : [البقرة: 43] ففيه وجوه أحدها: أن اليهود لا ركوع في صلاتهم فخص الله الركوع بالذكر تحريضاً لهم على الإتيان بصلاة المسلمين، وثانيها: أن المراد صلوا مع المصلين، وعلى هذا يزول التكرار لأن في الأول أمر تعالى بإقامتها وأمر في الثاني بفعلها في الجماعة، وثالثها: أن يكون المراد من الأمر بالركوع هو الأمر بالخضوع لأن الركوع والخضوع في اللغة سواء فيكون نهياً عن الاستكبار المذموم وأمراً بالتذلل كما قال للمؤمنين: {أية : فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين} تفسير : [المائدة: 54] وكقوله تأديباً لرسوله عليه السلام: {أية : واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين} تفسير : [الشعراء: 215] وكمدحه له بقوله: {أية : فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك} تفسير : [آل عمران: 159] وهكذا في قوله تعالى: {أية : إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعوان} تفسير : [المائدة: 55] فكأنه تعالى لما أمرهم بالصلاة والزكاة أمرهم بعد ذلك بالانقياد والخضوع وترك التمرد. وحكى الأصم عن بعضهم أنه إنما أمر الله تعالى بني إسرائيل بالزكاة لأنهم كانوا لا يؤتون الزكاة وهو المراد بقوله تعالى: {أية : وأكلهم السحت} تفسير : [المائدة: 62، 63] وبقوله: {أية : وأخذهم الربا... وأكلهم أموال الناس بالباطل} تفسير : [النساء: 161] فأظهر الله تعالى في هذا الموضع ما كان مكتوباً ليحذروا أن يفضحهم في سائر أسرارهم ومعاصيهم فيصير هذا كالإخبار عن الغيب الذي هو أحد دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

القرطبي

تفسير : فيه أربع وثلاثون مسألة: الأولى: قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} أمْرٌ معناه الوجوب، ولا خلاف فيه؛ وقد تقدّم القول في معنى إقامة الصلاة وٱشتقاقها وفي جملة من أحكامها، والحمد لله. الثانية: قوله تعالى: {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} أمْرٌ أيضاً يقتضي الوجوب. والإيتاء: الإعطاء. آتيته: أعطيته؛ قال الله تعالى: {أية : لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ} تفسير : [التوبة: 75]. وأتيته ـ بالقصر من غير مَدّ ـ جئته؛ فإذا كان المجيء بمعنى الاستقبال مُدّ؛ ومنه الحديث: «ولآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأخبرنه». وسيأتي. الثالثة: الزكاة مأخوذة من زكا الشيء إذا نما وزاد؛ يقال: زكا الزرعُ والمالُ يزكو؛ إذا كثر وزاد. ورجل زكي؛ أي زائد الخير. وسُمّيَ الإخراج من المال زكاة وهو نقص منه من حيث ينمو بالبركة أو بالأجر الذي يثاب به المزكِّي. ويقال: زرع زاكٍ بيّن الزكاء. وزكأت الناقة بولدها تزكأ به: إذا رمتْ به من بين رجليها. وزكا الفرد: إذا صار زوجاً بزيادة الزائد عليه حتى صار شفعاً. قال الشاعر:شعر : كانوا خَساً أو زَكاً من دون أربعة لم يَخْلَقُوا وجدود الناس تَعْتَلِجُ تفسير : جمع جَدّ؛ وهو الحظّ والبخت. تعتلج أي ترتفع. اعتلجت الأرض: طال نباتها. فخساً: الفردُ، وزكاً: الزّوْج. وقيل: أصلها الثناء الجميل؛ ومنه زكَّى القاضي الشاهد. فكأن مَن يُخرج الزكاة يحصل لنفسه الثناء الجميل. وقيل: الزكاة مأخوذة من التطهير؛ كما يقال: زكا فلان؛ أي طهر من دنس الجَرْحة والإغفال. فكأن الخارج من المال يطهّره من تبعة الحق الذي جعل الله فيه للمساكين. ألا ترى أن النبيّ سمَّى ما يخرج من الزكاة أوساخَ الناس؛ وقد قال تعالى: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} تفسير : [التوبة: 103]. الرابعة: وٱختلف في المراد بالزكاة هنا؛ فقيل: الزكاة المفروضة، لمقارنتها بالصلاة. وقيل: صدقة الفطر؛ قاله مالك في سماع ٱبن القاسم. قلت: فعلى الأوّل ـ وهو قول أكثر العلماء ـ فالزكاة في الكتاب مجملة بيّنها النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فروى الأئمة عن أبي سعيد الخدريّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ليس في حَبّ ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أَوْسُق ولا فيما دون خمسِ ذَوْدٍ صدقة ولا فيما دون خمسِ أواقٍ صدقة"تفسير : . وقال البخاري: «حديث : خمس أواق من الورِق»تفسير : . وروى البخاريّ عن ٱبن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فيما سَقتِ السماء والعيون أو كان عَثرِيًّا العُشْرُ وما سُقي بالنَّضْح نصفُ العُشر»تفسير : . وسيأتي بيان هذا الباب في «الأنعام» إن شاء الله تعالى. ويأتي في «براءة» زكاة العين والماشية، وبيان المال الذي لا يؤخذ منه زكاة عند قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}. وأما زكاة الفطر فليس لها في الكتاب نصٌّ عليها إلا ما تأوّله مالك هنا، وقوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ وَذَكَرَ ٱسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ}تفسير : [الأعلىٰ: 14 ـ 15]. والمفسرون يذكرون الكلام عليها في سورة «الأعلى»؛ ورأيت الكلام عليها في هذه السورة عند كلامنا على آي الصيام؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فرض زكاة الفطر في رمضان، الحديث. وسيأتي، فأضافها إلى رمضان. الخامسة: قوله تعالى: {وَٱرْكَعُواْ} الركوع في اللغة الانحناء بالشخص؛ وكل منحن راكع. قال لَبيد:شعر : أُخَبِّرُ أخبارَ القرون التي مضت أَدِبُّ كأني كلما قمت راكعُ تفسير : وقال ٱبن دُريد: الركعة الهُوّة في الأرض، لغة يمانية. وقيل: الانحناء يعم الركوع والسجود؛ ويستعار أيضاً في الانحطاط في المنزلة. قال:شعر : ولا تُعادِ الضعيفَ عَلّك أن تركع يوماً والدهر قد رفعه تفسير : السادسة: وٱختلف الناس في تخصيص الركوع بالذكر؛ فقال قوم: جعل الركوع لما كان من أركان الصلاة عبارة عن الصلاة. قلت: وهذا ليس مختصًّا بالركوع وحده؛ فقد جعل الشرع القراءة (عبارة) عن الصلاة، والسجودَ عبارة عن الركعة بكمالها؛ فقال: {أية : وَقُرْآنَ ٱلْفَجْرِ}تفسير : [الإسراء: 78] أي صلاة الفجر، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من أدرك سجدة من الصلاة فقد أدرك الصلاة»تفسير : . وأهل الحجاز يطلقون على الركعة سجدة. وقيل: إنما خص الركوع بالذكر لأن بني إسرائيل لم يكن في صلاتهم ركوع. وقيل: لأنه كان أثقل على القوم في الجاهلية؛ حتى لقد قال بعض من أسلم ـ أظنه عمران بن حُصين ـ للنبيّ صلى الله عليه وسلم: على ألاّ أخِرّ إلا قائماً. فمن تأويله على ألاّ أركع؛ فلما تمكن الإسلام مِن قلبه ٱطمأنت بذلك نفسه وٱمتثل ما أمر به من الركوع. السابعة: الركوع الشرعي هو أن يحني الرجل صلبه ويمدّ ظهره وعنقه ويفتح أصابع يديه ويقبض على ركبتيه ثم يطمئن راكعاً يقول: سبحان ربي العظيم ثلاثاً؛ وذلك أدناه. روى مسلم عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين؛ وكان إذا ركع لم يُشخص رأسه ولم يصوّبه ولكن بين ذلك. وروى البخاري عن أبي حُميد الساعدي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبّر جعل يديه حَذْوَ منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره؛ الحديث. الثامنة: الركوع فرض، قرآناً وسُنّة، وكذلك السجود؛ لقوله تعالى في آخر الحج: {أية : ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ}تفسير : [الحج: 77]. وزادت السُّنة الطمأنينةَ فيهما والفصل بينهما. وقد تقدّم القول في ذلك، وبيّنا صفة الركوع آنفاً. وأما السجود فقد جاء مبيَّناً من حديث أبي حُميد الساعديّ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد مكّن جبهته وأنفه من الأرض ونحّى يديه عن جنبيه ووضع كفّيه حَذْو منكبيه. خرّجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وروى مسلم عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه ٱنبساط الكلب»تفسير : . وعن البَرَاء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا سجدتَ فضَع كفيك وٱرفع مرفقيك»تفسير : . وعن ميمونة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد خَوّى بيديه ـ يعني جنح حتى يرى وَضَح إبطيه من ورائه ـ وإذا قعد ٱطمأن على فخذه اليسرى. التاسعة: وٱختلف العلماء فيمن وضع جبهته في السجود دون أنفه أو أنفه دون جبهته؛ فقال مالك: يسجد على جبهته وأنفه؛ وبه قال الثوريّ وأحمد، وهو قول النَّخَعِيّ. قال أحمد: لا يجزئه السجود على أحدهما دون الآخر؛ وبه قال أبو خَيْثَمة وٱبن أبي شيبة. قال إسحاق: إن سجد على أحدهما دون الآخر فصلاته فاسدة. وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، ورُوي عن ٱبن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وعبد الرحمن بن أبي ليلى كلهم أمر بالسجود على الأنف. وقالت طائفة: يجزىء أن يسجد على جبهته دون أنفه؛ هذا قول عطاء وطاوس وعكرمة وٱبن سِيرين والحسن البصري؛ وبه قال الشافعي وأبو ثور ويعقوب ومحمد. قال ٱبن المنذر: وقال قائل: إن وضع جبهته ولم يضع أنفه أو وضع أنفه ولم يضع جبهته فقد أساء وصلاته تامة؛ هذا قول النعمان. قال ٱبن المنذر: ولا أعلم أحداً سبقه إلى هذا القول ولا تابعه عليه. قلت: الصحيح في السجود وضع الجبهة والأنف؛ لحديث أبي حُميد، وقد تقدّم. وروى البخاري عن ٱبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أمِرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة ـ وأشار بيده إلى أنفه ـ واليدين والركبتين وأطراف القدمين ولا نَكْفِتُ الثياب والشَّعَر»تفسير : . وهذا كله بيان لمجمل الصلاة، فتعيّن القول به. والله أعلم. وروي عن مالك أنه يجزيه أن يسجد على جبهته دون أنفه؛ كقول عطاء والشافعي. والمختار عندنا قوله الأوّل، ولا يجزىء عند مالك إذا لم يسجد على جبهته. العاشرة: ويكره السجود على كَوْر العمامة؛ وإن كان طاقة أو طاقتين، مثل الثياب التي تستر الركب والقدمين فلا بأس؛ والأفضل مباشرة الأرض أو ما يسجد عليه. فإن كان هناك ما يؤذيه أزاله قبل دخوله في الصلاة، فإن لم يفعل فليمسحه مسحة واحدة. وروى مسلم عن مُعَيْقِيب "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الرجل يسوّي التراب حيث يسجد قال: «إن كنتَ فاعلاً فواحدة»تفسير : . وروي عن أنس بن مالك قال: كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شدّة الحرّ؛ فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكّن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه. الحادية عشرة: لما قال تعالى: {أية : ٱرْكَعُواْ وَٱسْجُدُواْ}تفسير : [الحج: 77] قال بعض علمائنا وغيرهم: يكفي منها ما يُسمَّى ركوعاً وسجوداً، وكذلك من القيام. ولم يشترطوا الطمأنينة في ذلك؛ فأخذوا بأقلّ الاسم في ذلك؛ وكأنهم لم يسمعوا الأحاديث الثابتة في إلغاء الصلاة. قال ٱبن عبد البر: ولا يجزي ركوع ولا سجود ولا وقوف بعد الركوع، ولا جلوس بين السجدتين حتى يعتدل راكعاً وواقفاً وساجداً وجالساً. وهو الصحيح في الأثر، وعليه جمهور العلماء وأهل النظر؛ وهي رواية ابن وهب وأبي مصعب عن مالك. وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وقد تكاثرت الرواية عن ٱبن القاسم وغيره بوجوب الفصل وسقوط الطمأنينة؛ وهو وَهَم عظيم؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها وعلّمها. فإن كان لابن القاسم عذر أن كان لم يطلع عليها فما لكم أنتم وقد ٱنتهى العلم إليكم وقامت الحجة به عليكم! روى النسائي والدّارَقُطْنِيّ وعليّ بن عبد العزيز "حديث : عن رفاعة بن رافع قال: كنت جالساً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فدخل المسجد فصلّى، فلما قضى الصلاة جاء فسلّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى القوم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إرجع فصلّ فإنك لم تُصلّ» وجعل الرجل يصلي وجعلنا نرمق صلاته لا ندري ما يعيب منها؛ فلما جاء فسلّم على النبيّ صلى الله عليه وسلم وعلى القوم، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «وعليك ٱرجع فصلّ فإنك لم تصلّ». قال همام: فلا ندري، أمره بذلك مرتين أو ثلاثاً؛ فقال له الرجل: ما أَلَوْتُ، فلا أدري ما عِبتَ عليّ من صلاتي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء كما أمره الله فيَغسِل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين ثم يكبّر الله تعالى ويُثني عليه ثم يقرأ أمّ القرآن وما أذن له فيه وتيسّر ثم يكبّر فيركع فيضع كفّيه على ركبتيه حتى تطمئن مفاصله ويسترخي ثم يقول سمع الله لمن حمده ويستوي قائماً حتى يقيم صُلبه ويأخذ كل عظمٍ مأخذه ثم يكبّر فيسجد فيمكّن وجهه ـ قال همّام: وربما قال: جبهته ـ من الأرض حتى تطمئن مفاصله ويسترخي ثم يكبّر فيستوي قاعداً على مقعده ويقيم صلبه ـ فوصف الصلاة هكذا أربع ركعات حتى فرغ، ثم قال: ـ لا تَتمّ صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك»»تفسير : . ومثله حديث أبي هريرة خرّجه مسلم، وقد تقدّم. قلت: فهذا بيان الصلاة المجملة في الكتاب بتعليم النبيّ عليه السلام وتبليغه إياها جميع الأنام، فمن لم يقف عند هذا البيان وأخلّ بما فرض عليه الرحمن، ولم يمتثل ما بلغه عن نبيّه عليه السلام كان من جملة من دخل في قوله تعالى: {أية : فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلاَةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَاتِ}تفسير : . [مريم: 59]. على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى. روى البخاريّ عن زيد بن وهب قال: رأى حُذيفة رجلاً لا يتم الركوع ولا السجود فقال: ما صلّيتَ ولو متَّ لمتَّ على غير الفِطرة التي فَطَر الله عليها محمداً صلى الله عليه وسلم. الثانية عشرة: قوله تعالى: {مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} «مع» تقتضي المَعِيّة والجمعيّة؛ ولهذا قال جماعة من أهل التأويل بالقرآن: إن الأمر بالصلاة أوّلا لم يقتض شهود الجماعة، فأمرهم بقوله «مع» شهود الجماعة. وقد ٱختلف العلماء في شهود الجماعة على قولين؛ فالذي عليه الجمهور أن ذلك من السنن المؤكدة، ويجب على من أدمن التخلف عنها من غير عذر العقوبة. وقد أوجبها بعض أهل العلم فرضاً على الكفاية. قال ٱبن عبد البر: وهذا قول صحيح؛ لإجماعهم على أنه لا يجوز أن يجتمع على تعطيل المساجد كلها من الجماعات. فإذا قامت الجماعة في المسجد فصلاة المنفرد في بيته جائزة؛ لقوله عليه السلام: «حديث : صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»تفسير : . أخرجه مسلم من حديث ٱبن عمر. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً»تفسير : . وقال داود الصلاة في الجماعة فرض على كل أحد في خاصته كالجمعة؛ وٱحتج بقوله عليه السلام: «حديث : لا صلاةَ لجار المسجد إلا في المسجد»تفسير : خرّجه أبو داود وصحّحه أبو محمد عبد الحق؛ وهو قول عطاء بن أبي رباح وأحمد بن حنبل وأبي ثَوْر وغيرهم. وقال الشافعي: لا أرخّص لمن قدر على الجماعة في ترك إتيانها إلا من عذر؛ حكاه ٱبن المنذر. وروى مسلم عن أبي هريرة قال: "حديث : أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد؛ فسأل رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أن يرخّص لي فيصلي في بيته؛ فرخص له؛ فلما وَلّى دعاه فقال: «(هل) تسمع النداء بالصلاة» قال نعم؛ قال «فأجب». وقال أبو داود في هذا الحديث: «لا أجد لك رخصة»»تفسير : . خرجه من حديث ٱبن أم مَكْتُوم؛ وذكر أنه كان هو السائل. وروي عن ٱبن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَن سمع النداء فلم يمنعه من إتيانه عذر ـ قالوا: وما العذر؟ قال: خوفٌ أو مرض ـ لم تُقبل منه الصلاة التي صلى»تفسير : . قال أبو محمد عبد الحق: هذا يرويه مَغراء العبدي. والصحيح موقوف على ٱبن عباس: «حديث : من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له»تفسير : . على أن قاسم بن أصْبَغ ذكره في كتابه فقال: حدّثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال حدّثنا سليمان ابن حرب، حدّثنا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ٱبن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَن سمع النداء فلم يَجب فلا صلاة له إلا من عذر»تفسير : . وحسبك بهذا الإسناد صحة. ومَغراء العبدي روى عنه أبو إسحاق. وقال ٱبن مسعود: ولقد رأيتُنا وما يتخلّف عنها إلا منافق معلوم النفاق. وقال عليه السلام: «حديث : بيننا وبين المنافقين شهود العَتَمة والصُّبح لا يستطيعونهما»تفسير : . قال ٱبن المنذر: ولقد روينا عن غير واحد من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: «حديث : مَن سمع النداء فلم يُجب من غير عذر فلا صلاة له»تفسير : منهم ٱبن مسعود وأبو موسى الأشعريّ. وروى أبو داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لقد هَمَمت أن آمر فِتْيتي فيجمعوا حُزَماً من حطب ثم آتي قوماً يصلون في بيوتهم ليست لهم عِلّة فأحرقها عليهم»تفسير : . هذا ما ٱحتج به من أوجب الصلاة في الجماعة فرضاً، وهي ظاهرة في الوجوب، وحملها الجمهور على تأكيد أمر شهود الصلوات في الجماعة؛ بدليل حديث ٱبن عمر وأبي هريرة. وحملوا قول الصحابة وما جاء في الحديث من أنه «لا صلاة له» على الكمال والفضل؛ وكذلك قوله عليه السلام لابن أم مكتوم: «فأجب» على الندب. وقوله عليه السلام: «لقد هممت» لا يدل على الوجوب الحتم؛ لأنه هَمَّ ولم يفعل؛ وإنما مخرجه مخرج التهديد والوعيد للمنافقين الذين كانوا يتخلّفون عن الجماعة والجمعة. يبيّن هذا المعنى ما رواه مسلم عن عبد اللَّه قال: «مَن سرّه أن يلقى الله غداً مسلِماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادَى بهن، فإن الله شرع لنبيّكم صلى الله عليه وسلم سُنن الهُدَى، وإنهن من سنن الهدى؛ ولو أنكم صلّيتم في بيوتكم كما يصلّي هذا المتخلّف في بيته لتركتم سُنّة نبيّكم صلى الله عليه وسلم، ولو تركتم سُنة نبيّكم صلى الله عليه وسلم لضَلَلتم؛ وما من رجل يتطهّر فيحسن الطُّهور ثم يَعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خُطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة ويحطّ عنه بها سيئة، ولقد رأيتُنا وما يتخلّف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتَى به يُهادَى بين الرجلين حتى يقام في الصّف». فبيّن رضي الله عنه في حديثه أن الاجتماع سُنّة من سُنن الهُدَى وتركه ضلال؛ ولهذا قال القاضي أبو الفضل عِيَاض: ٱختلِف في التمالؤ على ترك ظاهر السنن؛ هل يقاتل عليها أولا؛ والصحيح قتالهم؛ لأن في التمالؤ عليها إماتتها. قلت: فعلى هذا إذا أقيمت السُّنة وظهرت جازت صلاة المنفرد وصحّت. روى مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضْعاً وعشرين درجة وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا يَنْهَزُه إلا الصلاة لا يريد إلا الصلاة فلم يَخْط خُطوة إلا رُفع له بها درجةٌ وحطّ عنه بها خطيئة حتى يدخل المسجد فإذا دخل المسجد كان في الصلاة ما كانت الصلاة هي تحبِسه والملائكة يصلّون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلّى فيه يقولون اللَّهُمّ ٱرحمه اللّهُمّ ٱغفر له اللّهُمّ تُبْ عليه ما لم يُؤْذِ فيه ما لم يُحْدِث فيه»تفسير : . قيل لأبي هريرة: ما يحدث؟ قال: يَفْسُو أو يَضْرِط. الثالثة عشرة: وٱختلف العلماء في هذا الفضل المضاف للجماعة؛ هل لأجل الجماعة فقط حيث كانت، أو إنما يكون ذلك الفضل للجماعة التي تكون في المسجد؛ لما يلازم ذلك من أفعال تختص بالمساجد كما جاء في الحديث؛ قولان. والأول أظهر؛ لأن الجماعة هو الوصف الذي عُلّق عليه الحُكم. والله أعلم. وما كان من إكثار الخطا إلى المساجد وقصد الإتيان إليها والمُكْث فيها فذلك زيادة ثواب خارج عن فضل الجماعة. والله أعلم. الرابعة عشرة: وٱختلفوا أيضاً هل تفضل جماعة جماعة بالكثرة وفضيلة الإمام؟ فقال مالك: لا. وقال ٱبن حبيب: نعم؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كَثُر فهو أحبّ إلى الله»تفسير : . رواه أُبَي بن كعب وأخرجه أبو داود، وفي إسناده لين. الخامسة عشرة: وٱختلفوا أيضاً فيمن صلّى في جماعة هل يُعيد صلاته تلك في جماعة أخرى؟ فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم: إنما يعيد الصلاة في جماعة مع الإمام مَن صلّى وحده في بيته وأهلِه أو في غير بيته؛ وأمّا من صلّى في جماعة وإن قَلّت فإنه لا يعيد في جماعة أكثر منها ولا أقل. وقال أحمد بن حنبل وإسحٰق بن راهْوَيْه وداود بن عليّ: جائز لمن صلى في جماعة ووجد جماعة أخرى في تلك الصلاة أن يعيدها معهم إن شاء؛ لأنها نافلة وسنة. وروى ذلك عن حُذيفة بن اليَمَان وأبي موسى الأشعريّ وأنس بن مالك وصلة بن زفر والشَّعْبي والنَّخَعِي، وبه قال حماد بن زيد وسليمان بن حرب. ٱحتج مالك بقوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا تُصلَّى صلاةٌ في يوم مرتين»تفسير : . ومنهم من يقول: لا تصلّوا. رواه سليمان بن يَسار عن ٱبن عمر. وٱتفق أحمد وإسحٰق على أن معنى هذا الحديث أن يصلي الإنسان الفريضة، ثم يقوم فيصلّيها ثانية ينوي بها الفرض مرة أخرى؛ فأمّا إذا صلاّها مع الإمام على أنها سُنّة أو تطوّع فليس بإعادة الصلاة، «حديث : وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للذين أمرهم بإعادة الصلاة في جماعة: «إنها لكم نافلة»»تفسير : . من حديث أبي ذرّ وغيره. السادسة عشرة: روى مسلم عن أبي مسعود عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يَؤُمّ القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلَمُهم بالسُّنة فإن كانوا في السنة سواءً فأقدمهم هجرةً فإن كانوا في الهجرة سواءً فأقَدُمهم سِلْماً ولا يؤمنّ الرجلُ الرجلَ في سلطانه ولا يقعد في بيته على تَكْرِمتِه إلا بإذنه»تفسير : . وفي رواية «سِنًّا» مكان «سِلْماً». وأخرجه أبو داود وقال: قال شعبة: فقلت لإسماعيل: ما تَكْرِمَتُه؟ قال: فراشه. وأخرجه الترمذي وقال: حديث أبي مسعود حديث حسن صحيح، والعمل عليه عند أهل العلم. قالوا: أحق الناس بالإمامة أقرؤهم لكتاب الله وأعلمهم بالسُّنّة. وقالوا: صاحب المنزل أحق بالإمامة. وقال بعضهم: إذا أذِن صاحب المنزل لغيره فلا بأس أن يصلّى به. وكَرِهه بعضهم وقالوا: السُّنة أن يصلّي صاحب البيت. قال ٱبن المنذر: رَوَينا عن الأشعث بن قيس أنه قدّم غلاماً وقال: إنما أقدّم القرآن. وممن قال: يؤم القوم أقرؤهم ٱبن سِيرين والثوريُّ وإسحٰقُ وأصحابُ الرأي. قال ٱبن المنذر: بهذا نقول؛ لأنه موافق للسُّنة. وقال مالك: يتقدّم القوم أعلمهم إذا كانت حاله حسنة، وإن للسنّ حقاً. وقال الأوزاعيّ: يؤمّهم أفقههم؛ وكذلك قال الشافعي وأبو ثور إذا كان يقرأ القرآن؛ وذلك لأن الفقيه أعرف بما ينوبه من الحوادث في الصلاة. وتأوّلوا الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان الأفقه؛ لأنهم كانوا يتفقهون في القرآن، وقد كان مِن عُرفهم الغالب تسميتهم الفقهاء بالقرّاء؛ وٱستدلّوا بتقديم النبيّ صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه أبا بكر لفضله وعلمه. وقال إسحٰق: إنما قدّمه النبيّ صلى الله عليه وسلم ليدل على أنه خليفته بعده. ذكره أبو عمر في التمهيد. وروى أبو بكر البزار بإسناد حسن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا سافرتم فليؤمّكم أقرؤكم وإن كان أصغرَكم وإذا أمّكم فهو أميركم»تفسير : . قال: لا نعلمه يروى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم إلا من رواية أبي هريرة بهذا الإسناد. قلت: إمامة الصغير جائزة إذا كان قارئاً. ثبت في صحيح البخاريّ عن عمرو بن سَلِمة قال: كنا بماء ممَرِّ الناس وكان يمرّ بنا الركبان فنسألهم ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوْحَى إليه كذا! أوْحى إليه كذا! فكنت أحفظ ذلك الكلام فكأنما يُقرّ في صدري؛ وكانت العرب تَلَوَّم بإسلامها فيقولون: ٱتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبيّ صادق؛ فلما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند نبيّ الله حقًّا، قال: «حديث : صلوا صلاة كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذِّن أحدكم وليؤمّكم أكثركم قرآناً»تفسير : . فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآناً لِمَا كنت أتلقّى من الركبان، فقدّموني بين أيديهم وأنا ٱبن ست أو سبع سنين، وكانت عليّ بُرْدة إذا سجدت تقلّصتْ عني، فقالت ٱمرأة من الحَيّ: ألا تغطّون عنا ٱسْتَ قارئكم! فٱشتروْا فقطعوا لي قميصاً، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص. وممن أجاز إمامة الصبيّ غير البالغ الحسنُ البصري وإسحاقُ بن راهْوَيْه، وٱختاره ٱبن المنذر إذا عقل الصلاة وقام بها؛ لدخوله في جملة قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يؤمّ القوم أقرؤهم»تفسير : ولم يستثن، ولحديث عمرو بن سَلِمة. وقال الشافعي في أحد قوليه: يؤم في سائر الصلوات ولا يؤمّ في يوم الجمعة؛ وقد كان قبلُ يقول: ومن أجزأتْ إمامته في المكتوبة أجزأت إمامته في الأعياد، غير أني أكره فيها إمامة غير الوالي. وقال الأوزاعيّ: لا يؤمّ الغلام في الصلاة المكتوبة حتى يحتلم، إلا أن يكون قوم ليس معهم من القرآن شيء فإنه يؤمّهم الغلام المراهق. وقال الزهري: إن ٱضطروا إليه أَمّهم. ومنع ذلك جملةً مالكٌ والثوريُّ وأصحابُ الرأي. السابعة عشرة: الائتمام بكل إمام بالغ مسلم حُرٍّ على ٱستقامة جائزٌ من غير خلاف، إذا كان يعلم حدود الصلاة ولم يكن يلحن في أمّ القرآن لحناً يُخِلّ بالمعنى؛ مثل أن يكسر الكاف من {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} ويضم التاء في {أَنْعَمْتَ}. ومنهم من راعى تفريق الطاء من الضاد؛ وإن لم يفرّق بينهما لا تصح إمامته؛ لأن معناهما يختلف. ومنهم من رخّص في ذلك كله إذا كان جاهلاً بالقراءة وأمّ مثلَه. ولا يجوز الائتمام بٱمرأة ولا خُنْثَى مُشْكل ولا كافرٍ ولا مجنونٍ ولا أميٍّ، ولا يكون واحدٌ من هؤلاء إماماً بحال من الأحوال عند أكثر العلماء، على ما يأتي ذكره، إلا الأمِّيّ لمثله. قال علماؤنا: لا تصح إمامة الأُمّي الذي لا يحسن القراءة مع حضور القارىء له ولا لغيره؛ وكذلك قال الشافعي. فإن أمّ أمّياً مثلَه صحّت صلاتهم عندنا وعند الشافعي. وقال أبو حنيفة: إذا صلّى الأَمِّيّ بقوم يقرأون وبقوم أمّيين فصلاتهم كلهم فاسدة. وخالفه أبو يوسف فقال: صلاة الإمام ومن لا يقرأ تامّة. وقالت فرقة: صلاتهم كلهم جائزة؛ لأن كلاًّ مؤدٍّ فرضه، وذلك مثل المتيمم يصلي بالمتطهرين بالماء، والمصلي قاعداً يصلي بقوم قيام صلاتهم مجزئة في قول من خالفنا؛ لأن كلا مؤدّ فرض نفسه. قلت: وقد يحتج لهذا القول بقوله عليه السلام: «حديث : ألا ينظر المصلي (إذا صلى) كيف يصلي فإنما يصلي لنفسه»تفسير : . أخرجه مسلم. وإن صلاة المأموم ليست مرتبطة بصلاة الإمام، والله أعلم. وكان عطاء بن أبي رباح يقول: إذا كانت ٱمرأته تقرأ كبّر هو وتقرأ هي؛ فإذا فرغت من القراءة كبّر وركع وسجد وهي خلفه تصلّي. ورُويَ هذا المعنى عن قتادة. الثامنة عشرة: ولا بأس بإمامة الأعمى والأعرج والأشَلّ والأقطع والخِصيّ والعبد إذا كان كل واحد منهم عالماً بالصلاة. وقال ٱبن وهب: لا أرى أن يؤمّ الأقطع والأشل؛ لأنه منتقص عن درجة الكمال، وكرهت إمامته لأجل النقص. وخالفه جمهور أصحابه وهو الصحيح؛ لأنه عضو لا يمنع فقده فرضاً من فروض الصلاة فجازت الإمامة الراتبة مع فقده كالعين؛ وقد روى أنس: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ٱستخلف ٱبن أمّ مكتوم يؤمّ الناس وهو أعمى، وكذا الأعرج والأقطع والأشل والخصيّ قياساً ونَظَراً، والله أعلم. وقد روي عن أنس ابن مالك أنه قال في الأعمى: وما حاجتهم إليه! وكان ٱبن عباس وعِتْبان بن مالك يؤمّان وكلاهما أعمى؛ وعليه عامّة العلماء. التاسعة عشرة: وٱختلفوا في إمامة ولد الزنى؛ فقال مالك: أكره أن يكون إماماً راتباً. وكره ذلك عمر بن عبد العزيز. وكان عطاء بن أبي رَباح يقول: له أن يؤم إذا كان مرضياً، وهو قول الحسن البصري والزُّهري والنَّخَعيّ وسفيان الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحٰق. وتجزىء الصلاة خلفه عند أصحاب الرأي، وغيره أحبّ إليهم. وقال الشافعي: أكره أن ينصب إماماً راتباً مَن لا يُعرف أبوه، ومَن صلى أجزأه. وقال عيسى بن دينار: لا أقول بقول مالك في إمامة ولد الزنى وليس عليه من ذنب أبويه شيء. ونحوه قال ٱبن عبد الحكم إذا كان في نفسه أهلاً للإمامة. قال ٱبن المنذر: يؤم لدخوله في جملة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يؤم القومَ أقرؤهم»تفسير : . وقال أبو عمر: ليس في شيء من الآثار الواردة في شرط الإمامة ما يدل على مراعاة نسب؛ وإنما فيها الدلالة على الفقه والقراءة والصلاح في الدِّين. الموفية عشرين: وأما العبد فروَى البخاري عن ٱبن عمر قال: لما قدم المهاجرون الأوّلون العَصَبة ـ موضع بقُبَاء ـ قبل مقدم النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يؤمّهم سالم مَوْلَى أبي حُذيفة وكان أكثرهم قرآناً. وعنه قال: كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأوّلين وأصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم في مسجد قُبَاء، فهم أبو بكر وعمر وزيد وعامر بن ربيعة؛ وكانت عائشة يؤمّها عبدها ذكوان من المصحف. قال ٱبن المنذر: وأَمّ أبو سعيد مولى أبي أسيد ـ وهو عبد ـ نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم حذيفة وأبو مسعود. ورخّص في إمامة العبد النَّخَعِيُّ والشعبيُّ والحسنُ البصريّ والحكمُ والثوريُّ والشافعيّ وأحمد وإسحٰق وأصحابُ الرأي؛ وكره ذلك أبو مِجْلَز. وقال مالك: لا يؤمّهم إلا أن يكون العبد قارئاً ومَن معه من الأحرار لا يقرأون إلا أن يكون في عيد أو جمعة فإن العبد لا يؤمهم فيها؛ ويجزىء عند الأوزاعي إن صلوا وراءه. قال ٱبن المنذر: العبد داخل في جملة قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : يؤم القوم أقرؤهم».تفسير : الحادية والعشرون: وأما المرأة فروَى البخاريّ عن أبي بكرة قال: "حديث : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملّكوا بنت كسرى قال:«لن يفلح قوم ولّوا أمرهم ٱمرأة»»تفسير : وذكر أبو داود "حديث : عن عبد الرحمن بن خلاّد عن أمّ ورقة بنت عبد اللَّه قال: «وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها في بيتها، قال: وجعل لها مؤذّناً يؤذّن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها. قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها شيخاً كبيراً»"تفسير : قال ٱبن المنذر: والشافعي يوجب الإعادة على مَن صلّى من الرجال خلف المرأة. وقال أبو ثور: لا إعادة عليهم. وهذا قياس قول المُزَنِيّ. قلت: وقال علماؤنا لا تصح إمامتها للرجال ولا للنساء. وروى ٱبن أَيْمن جواز إمامتها للنساء. وأما الخُنْثَى المشكل فقال الشافعي: لا يؤم الرجال ويؤم النساء. وقال مالك: لا يكون إماما بحال؛ وهو قول أكثر الفقهاء. الثانية والعشرون: الكافر المخالف للشرع كاليهودي والنصراني يؤم المسلمين وهم لا يعلمون بكفره. وكان الشافعي وأحمد يقولان: لا يجزئهم ويعيدون. وقاله مالك وأصحابه؛ لأنه ليس من أهل القُربة. وقال الأوزاعي: يعاقب. وقال أبو ثَور والمُزَنِيّ لا إعادة على مَن صلى خلفه، ولا يكون بصلاته مسلماً عند الشافعي وأبي ثور. وقال أحمد: يجبر على الإسلام. الثالثة والعشرون: وأما أهل البِدع من أهل الأهواء كالمعتزلة والجهمية وغيرهما فذكر البخاري عن الحسن: صلّ، وعليه بدعته. وقال أحمد: لا يصلى خلف أحد من أهل الأهواء إذا كان داعية إلى هواه. وقال مالك: ويصلى خلف أئمة الجَور، ولا يصلى خلف أهل البدع من القدرية وغيرهم. وقال ٱبن المنذر: كل من أخرجته بدعته إلى الكفر لم تجز الصلاة خلفه، ومن لم يكن كذلك فالصلاة خلفه جائزة؛ ولا يجوز تقديم من هذه صفته. الرابعة والعشرون: وأما الفاسق بجوارحه كالزاني وشارب الخمر ونحو ذلك فاختلف المذهب فيه؛ فقال ٱبن حبيب: من صلى وراء من شرب الخمر فإنه يعيد أبداً، إلا أن يكون الوالي الذي تؤدى إليه الطاعة، فلا إعادة على من صلى خلفه إلا أن يكون حينئذ سكران. قاله من لقيت من أصحاب مالك. وروي من حديث جابر بن عبد اللَّه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال على المنبر: «حديث : لا تَؤمّنّ ٱمرأة رجلاً ولا يؤمّن أعرابي مهاجراً ولا يؤمَّنَّ فاجر بَرًّا إلا أن يكون ذلك ذا سلطان»تفسير : . قال أبو محمد عبد الحق: هذا يرويه عليّ بن زيد بن جُدْعان عن سعيد بن المسيّب، والأكثر يضعّف عليّ بن زيد. وروى الدارقُطْني عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن سرّكم أن تُزَكُّوا صلاتكم فقدّموا خياركم»تفسير : . في إسناده أبو الوليد خالد بن إسماعيل المخزومي وهو ضعيف؛ قاله الدارقُطْنِي. وقال فيه أبو أحمد ابن عَديّ: كان يضع الحديث على ثقات المسلمين؛ وحديثه هذا يرويه عن ٱبن جُريج عن عطاء عن أبي هريرة. وذكر الدّارَقُطْنِيّ عن سلام بن سليمان عن عمر عن محمد بن واسع عن سعيد بن جبير عن ٱبن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ٱجعلوا أئمتكم خياركم فإنهم وَفْدٌ فيما بينكم وبين الله»تفسير : . قال الدّارقطني: عمر هذا هو عندي عمر بن يزيد قاضي المدائن، وسلام بن سليمان أيضاً مدائني ليس بالقوي؛ قاله عبد الحق. الخامسة والعشرون: روى الأئمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما جُعل الإمام ليُؤتم به فلا تختلفوا عليه، فإذا كبّر فكبّروا، وإذا ركع فٱركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا اللّهُمّ ربّنا ولك الحمد، وإذا سجد فٱسجدوا، وإذا صلى جالساً، فصلوا جلوساً أجمعون».تفسير : وقد ٱختلف العلماء فيمن ركع أو خفض قبل الإمام عامداً على قولين: أحدهما: أن صلاته فاسدة إن فعل ذلك فيها كلها أو في أكثرها؛ وهو قول أهل الظاهر ورُوِيَ عن ٱبن عمر. ذكر سُنيد قال حدّثنا ٱبن عُلَيّة عن أيوب عن أبي قِلابة عن أبي الورد الأنصاري قال: صلّيت إلى جنب ٱبن عمر فجعلت أرفع قبل الإمام وأضع قبله، فلما سلّم الإمام أخذ ٱبن عمر بيدي فلواني وجذبني، فقلت: مالك! قال: مَن أنت؟ قلتُ: فلان بن فلان؛ قال: أنتَ من أهل بيت صدق! فما يمنعك أن تصلّي؟ قلت: أو ما رأيتني إلى جنبك! قال: قد رأيتك ترفع قبل الإمام وتضع قبله وإنه لا صلاة لمن خالف الإمام. وقال الحسن ابن حَيّ فيمن ركع أو سجد قبل الإمام ثم رفع من ركوعه أو سجوده قبل أن يركع الإمام أو يسجد: لم يعتدّ بذلك ولم يجزه. وقال أكثر الفقهاء: مَن فعل ذلك فقد أساء ولم تفسد صلاته؛ لأن الأصل في صلاة الجماعة والائتمام فيها بالأئمة سُنّة حسنة، فمن خالفها بعد أن أدّى فرض صلاته بطهارتها وركوعها وسجودها وفرائضها فليس عليه إعادتها وإن أسقط بعض سننها؛ لأنه لو شاء أن ينفرد فصلّى قبل إمامه تلك الصلاة أجزأت عنه؛ وبئس ما فعل في تركه الجماعة. قالوا: ومن دخل في صلاة الإمام فركع بركوعه وسجد بسجوده ولم يكن في ركعةٍ وإمامه في أخرى فقد ٱقتدى وإن كان يرفع قبله ويخفض قبله؛ لأنه بركوعه يركع وبسجوده يسجد ويرفع وهو في ذلك تبع له، إلا أنه مسيء في فعله ذلك لخلافه سنة المأموم المجتمع عليها. قلت: ما حكاه ٱبن عبد البر عن الجمهور ينبىء على أن صلاة المأموم عندهم غير مرتبطة بصلاة الإمام؛ لأن الإتباع الحسيّ والشرعي مفقود، وليس الأمر هكذا عند أكثرهم. والصحيح في الأثر والنظر القول الأوّل؛ فإن الإمام إنما جُعل ليؤتم به ويُقتدَى به بأفعاله؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً}تفسير : [البقرة: 124] أي يأتمّون بك؛ على ما يأتي بيانه. هذا حقيقة الإمام لغة وشرعاً، فمن خالف إمامه لم يتبعه؛ ثم أن النبيّ صلى الله عليه وسلم بيّن فقال: «حديث : إذا كبّر فكبّروا»تفسير : الحديث. فأتى بالفاء التي توجب التعقيب، وهو المبيِّن عن الله مراده. ثم أوعد من رفع أو ركع قبلُ وعيداً شديداً فقال: «حديث : أمَا يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوّل الله رأسه رأس حمار أو صورته صورة حمار»تفسير : . أخرجه المُوَطّأ والبخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم. وقال أبو هريرة: إنما ناصيته بيد شيطان. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كلُّ عملٍ ليس عليه أَمْرُنا فهو ردٌّ»تفسير : . يعني مردود. فمن تعمّد خلاف إمامه عالماً بأنه مأمور بٱتباعه منهيّ عن مخالفته فقد ٱستخف بصلاته وخالف ما أُمِر به؛ فواجب ألاّ تجزي عنه صلاته تلك؛ والله أعلم. السادسة والعشرون: فإن رفع رأسه ساهياً قبل الإمام فقال مالك رحمه الله: السُّنّة فيمن سها ففعل ذلك في ركوع أو في سجود أن يرجع راكعاً أو ساجداً وينتظر الإمام، وذلك خطأ ممن فعله؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إنما جُعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه» تفسير : . قال ٱبن عبد البر: ظاهر قول مالك هذا لا يوجب الإعادة على من فعله عامداً؛ لقوله: «وذلك خطأ ممن فعله»؛ لأن الساهي الإثمُ عنه موضوع. السابعة والعشرون: وهذا الخلاف إنما هو فيما عدا تكبيرة الإحرام والسلام، أما السلام فقد تقدّم القول فيه. وأما تكبيرة الإحرام فالجمهور على أن تكبير المأموم لا يكون إلا بعد تكبير الإمام، إلا ما رُوِيَ عن الشافعيّ في أحد قوليه: أنه إن كبّر قبل إمامه تكبيرة الإحرام أجزأت عنه؛ لحديث أبي هريرة: «حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى الصلاة فلما كبّر ٱنصرف وأوْمأ إليهم ـ أي كما أنتم ـ ثم خرج ثم جاء ورأسه تقطر فصلّى بهم؛ فلما انصرف قال: «إني كنت جُنُباً فنسيتُ أن أغتسل»»تفسير : . ومن حديث أنس: «حديث : فكبّر وكبّرنا معه» تفسير : وسيأتي بيان هذا عند قوله تعالى: {وَلاَ جُنُباً} في «النساء» إن شاء الله تعالى. الثامنة والعشرون: وروى مسلم عن أبي مسعود قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: «حديث : ٱستوُوا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم لِيَلِني منكم أولو الأحلام والنُّهَى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»تفسير : . قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشدّ ٱختلافاً. زاد من حديث عبد اللَّه: «حديث : وإيّاكم وهَيْشات الأسواق»تفسير : . وقوله: «ٱستوُوا» أمرٌ بتسوية الصفوف وخاصّةً الصف الأوّل وهو الذي يلى الإمام، على ما يأتي بيانه في سورة «الحجر» إن شاء الله تعالى. وهناك يأتي الكلام على معنى هذا الحديث بحول الله تعالى. التاسعة والعشرون: وٱختلف العلماء في كيفية الجلوس في الصلاة لاختلاف الآثار في ذلك؛ فقال مالك وأصحابه: يُفْضي المصلّي بألْيَتَيْه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى ويَثْنِي رجله اليسرى؛ لما رواه في مُوَطَّئه عن يحيى بن سعيد أن القاسم بن محمد أراهم الجلوس في التشهد فنصب رجله اليمنى وثنى رجله اليسرى وجلس على وَرِكه الأيسر ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبدُ اللَّه بن عمر، وحدّثني أن أباه كان يفعل ذلك. قلت: وهذا المعنى قد جاء في صحيح مسلم عن عائشة قالت: «حديث : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يُشْخِص رأسه ولم يُصَوّبه، ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائماً، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالساً، وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرِشُ رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكانْ يَنْهَى عن عُقْبة الشيطان، ويَنْهَى أن يفترِش الرجل ذراعيه ٱفتراش السّبُع، وكان يختم الصلاة بالتسليم».تفسير : قلت: ولهذا الحديث ـ والله أعلم ـ قال ٱبن عمر: إنما سُنّة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى. وقال الثَّوْري وأبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح بن حَيّ: ينصب اليمنى ويقعد على اليسرى، لحديث: وائل بن حُجْر؛ وكذلك قال الشافعيّ وأحمد وإسحٰق في الجلسة الوسطى. وقالوا في الآخرة من الظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء كقول مالك؛ لحديث أبي حُميد الساعدي رواه البخاريّ قال: «حديث : رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا كبّر جعل يديه حَذْوَ مَنْكِبَيه، وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هَصَر ظهره، فإذا رفع ٱستوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما وٱستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب الأخرى، وإذا جلس في الركعة الآخرة قدّم رجله اليسرى ونصب اليمنى وقعد على مقعدته»تفسير : . قال الطبري: إن فعل هذا فحسن، كل ذلك قد ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. الموفية الثلاثين: مالك عن مسلم بن أبي مريم عن عليّ بن عبد الرحمن المُعَاويّ أنه قال: «رآني عبد اللَّه بن عمر وأنا أعبث بالحصباء في الصلاة؛ فلما ٱنصرف نهاني فقال: ٱصنع كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؛ قلت: وكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع؟ "حديث : قال: كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بأصبعه التي تلي الإبهام، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى؛ وقال: هكذا كان يفعل»"تفسير : قال ٱبن عبد البر: وما وصفه ٱبن عمر من وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابع يده تلك كلها إلا السبابة منها فإنه يشير بها، ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى مفتوحة مفروجة الأصابع؛ كل ذلك سنة في الجلوس في الصلاة مُجْمَعٌ عليه، لا خلاف عَلِمته بين العلماء فيها، وحسبك بهذا. إلا أنهم ٱختلفوا في تحريك أصبعه السبابة، فمنهم من رأى تحريكها، ومنهم من لم يره. وكل ذلك مرويّ في الآثار الصحاح المسندة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وجميعه مباح، والحمد لله. وروى سفيان بن عُيينة هذا الحديث عن مسلم بن أبي مريم بمعنى ما رواه مالك وزاد فيه: قال سفيان: وكان يحيى بن سعيد حدّثناه عن مسلم ثم لقيته فسمعته منه وزادني فيه: قال: «حديث : هي مذبّة الشيطان لا يسهو أحدكم ما دام يشير بإصبعه ويقول هكذا».تفسير : قلت: روى أبو داود في حديث ٱبن الزبير: أنه عليه السلام كان يشير بإصبعه إذا دعا ولا يحركها وإلى هذا ذهب بعض العراقيين، فمنع من تحريكها. وبعض علمائنا رأوا أن مدّها إشارة إلى دوام التوحيد. وذهب أكثر العلماء من أصحاب مالك وغيرهم إلى تحريكها، إلا أنهم ٱختلفوا في الموالاة بالتحريك على قولين؛ تأوّل مَن والاه بأن قال: إن ذلك يذكر بموالاة الحضور في الصلاة؛ وبأنها مقمعة ومدفعة للشيطان على ما روى سفيان. ومن لم يوال رأى تحريكها عند التلفظ بكلمتي الشهادة، وتأوّل في الحركة كأنها نطق بتلك الجارحة بالتوحيد؛ والله أعلم. الحادية والثلاثون: وٱختلفوا في جلوس المرأة في الصلاة؛ فقال مالك: هي كالرجل، ولا تخالفه فيما بعد الإحرام إلا في اللباس والجهر. وقال الثوريّ: تُسْدُلُ المرأة جلبابها من جانب واحد؛ ورواه عن إبراهيم النَّخَعِيّ. وقال أبو حنيفة وأصحابه: تجلس المرأة كأيسر ما يكون لها. وهو قول الشَّعْبي: تقعد كيف تيسر لها. وقال الشافعيّ: تجلس بأستر ما يكون لها. الثانية والثلاثون: روى مسلم عن طاوس قال: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين؛ فقال: هي السُّنّة؛ فقلنا له إنّا لنراه جفاء بالرجل؛ فقال ٱبن عباس: (بل) هي سُنّة نبيك صلى الله عليه وسلم. وقد ٱختلف العلماء في صفة الإقعاء ما هو؛ فقال أبو عبيد: الإقعاء جلوس الرجل على أليتيه ناصباً فخذيه مثل إقعاء الكلب والسّبعُ. قال ٱبن عبد البر: وهذا إقعاء مجتمَع عليه لا يختلف العلماء فيه. وهذا تفسير أهل اللغة وطائفة من أهل الفقه. وقال أبو عبيد: وأما أهل الحديث فإنهم يجعلون الإقعاء أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين. قال القاضي عياض: والأشبه عندي في تأويل الإقعاء الذي قال فيه ٱبن عباس إنه من السُّنّة؛ الذي فسّر به الفقهاء من وضع الأليتين على العقبين بين السجدتين؛ وكذا جاء مفسَّراً عن ٱبن عباس: من السُّنة أن تمس عقبك أليتك، رواه إبراهيم بن مَيْسرة عن طاوس عنه؛ ذكره أبو عمر. قال القاضي: وقد رُوي عن جماعة من السلف والصحابة أنهم كانوا يفعلونه، ولم يقل بذلك عامة فقهاء الأمصار وسمّوْه إقعاء. ذكر عبد الرزاق عن مَعمر عن ٱبن طاوس عن أبيه أنه رأى ٱبن عمر وٱبن عباس وابن الزبير يَقْعون بين السجدتين. الثالثة والثلاثون: لم يختلف من قال من العلماء بوجوب التسليم وبعدم وجوبه أن التسليمة الثانية ليست بفرض، إلا ما روي عن الحسن بن حَيّ أنه أوجب التسليمتين معاً. قال أبو جعفر الطحاوِيّ: لم نجد عن أحد من أهل العلم الذين ذهبوا إلى التسليمتين أن الثانية من فرائضها غيره. قال ٱبن عبد البر: مِن حجة الحسن بن صالح في إيجابه التسليمتين جميعاً ـ وقوله: إن من أحدث بعد الأولى وقبل الثانية فسدت صلاته ـ قولُه صلى الله عليه وسلم: «حديث : تحليلها التسليم»تفسير : . ثم بيّن كيف التسليم فكان يسلّم عن يمينه وعن يساره. ومن حجة من أوجب التسليمة الواحدة دون الثانية قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : تحليلها التسليم»تفسير : قالوا: والتسليمة الواحدة يقع عليها ٱسم تسليم. قلت: هذه المسألة مبنية على الأخذ بأقل الاسم أو بآخره، ولما كان الدخول في الصلاة بتكبيرة واحدة بإجماع فكذلك الخروج منها بتسليمة واحدة، إلا أنه تواردت السنن الثابتة من حديث ٱبن مسعود ـ وهو أكثرها تواتراً ـ ومن حديث وائل بن حُجْر الحضرميّ وحديثِ عمّار وحديث البَراء بن عازب وحديثِ ٱبن عمر وحديث سعد بن أبي وَقّاص أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يسلم تسليمتين. روى ٱبن جُريج وسليمان بن بلال وعبد العزيز بن محمد الدّراوَرْدي كلُّهم عن عمرو بن يحيى المازني عن محمد بن يحيى بن حَبّان عن عمه واسع بن حَبّان قال قلت لابن عمر: حدّثني عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كانت؟ فذكر التكبير كلما رفع رأسه وكلما خفضه، وذكر السلام عليكم ورحمة الله عن يمينه، السلام عليكم ورحمة الله عن يساره. قال ٱبن عبد البر: وهذا إسناد مدني صحيح والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عمل قد توراثه أهل المدينة كابراً عن كابر، ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد؛ لأنه لا يخفى وقوعه في كل يوم مراراً. وكذلك العمل بالكوفة وغيرها مستفيض عندهم بالتسليمتين ومتوارث عندهم أيضاً. وكل ما جرى هذا المجرى فهو ٱختلاف في المباح كالأذان، وكذلك لا يروى عن عالم بالحجاز ولا بالعراق ولا بالشام ولا بمصر إنكار التسليمة الواحدة ولا إنكار التسليمتين بل ذلك عندهم معروف، وحديث التسليمة الواحدة رواه: سعد بن أبي وقّاص وعائشة وأنس؛ إلا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث. الرابعة والثلاثون: روى الدّارَقُطْنِي عن ٱبن مسعود أنه قال: من السُّنة أن يخفى التشهّد. وٱختار مالك تشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو: التحيات لله الزّاكيات لله الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إلٰه الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وٱختار الشافعي وأصحابه واللَّيث بن سعد تشهّد "حديث : ٱبن عباس؛ قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعّلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، فكان يقول: «التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إلٰه إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله»»تفسير : . وٱختار الثّوْرِي والكوفيون وأكثر أهل الحديث تشهد ٱبن مسعود الذي رواه مسلم أيضاً قال: «حديث : كنا نقول في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم: السلام على الله، السلام على فلان؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: «إن الله هو السلام فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيّات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبيّ ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ـ فإذا قالها أصابت كل عبد (لله) صالح في السماء والأرض ـ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم يتخير من المسألة ما شاء»»تفسير : ، وبه قال أحمد وإسحٰق وداود. وكان أحمد بن خالد بالأندلس يختاره ويميل إليه. وروي عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً وموقوفاً نحو تشهد ٱبن مسعود. وهذا كله ٱختلاف في مباح ليس شيء منه على الوجوب، والحمد لله وحده. فهذه جملة من أحكام الإمام والمأموم تضمّنها قوله جل وعز: {أية : وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} تفسير : [البقرة: 43]. وسيأتي القول في القيام في الصلاة عند قوله تعالى: {أية : وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ} تفسير : [البقرة: 238]. ويأتي هناك حكم الإمام المريض وغيره من أحكام الصلاة، ويأتي في «آل عمران» حكم صلاة المريض غير الامام، ويأتي في «النساء» في صلاة الخوف حكم المفترض خلف المتنفل، ويأتي في سورة «مريم» حكم الإمام يصلي أرفع من المأموم، إلى غير ذلك من الأوقات والأذان والمساجد؛ وهذا كله بيان لقوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ}. وقد تقدّم في أوّل السورة جملة من أحكامها، والحمد لله على ذلك.

البيضاوي

تفسير : {وَأَقِيمُوا الصَّلاَة وَآتُوا الزَّكَاة} يعني صلاة المسلمين وزكاتهم فإن غيرهما كلا صلاة ولا زكاة. أمرهم بفروع الإسلام بعد ما أمرهم بأصوله، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بها. و {ٱلزَّكَوٰةَ } من زكا الزرع، إذا نما، فإن إخراجها يستجلب بركة في المال ويثمر للنفس فضيلة الكرم. أو من الزكاة بمعنى: الطهارة، فإنها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل. {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ } أي في جماعتهم، فإن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة لما فيها من تظاهر النفوس، وعبر عن الصلاة بالركوع احترازاً عن صلاة اليهود. وقيل الركوع: الخضوع والانقياد لما يلزمهم الشارع، قال الأضبط السعدي:شعر : لا تذلَّ الضَّعِيفَ عَلَّكَ أَنْ تَرْ كَعَ يَوْماً والدهْرُ قَدْ رَفَعهْ

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ } صلوا مع المصلين محمد وأصحابه، ونزل في علمائهم وكانوا يقولون لأقربائهم المسلمين: اثبتوا على دين محمد فإنه حق.

الشوكاني

تفسير : قد تقدم الكلام في تفسير إقامة الصلاة، واشتقاقها، والمراد هنا: الصلاة المعهودة، وهي صلاة المسلمين، على أن التعريف للعهد، ويجوز أن تكون للجنس، ومثلها الزكاة. والإيتاء: الإعطاء، يقال: آتيته. أي أعطيته. والزكاة مأخوذة من الزكاء، وهو: النماء، زكا الشيء: إذا نما، وزاد، ورجل زكي، أي: زائد الخير، وسمي إخراج جزء من المال زكاة، أي: زيادة مع أنه نقص منه؛ لأنها تكثر بركته بذلك، أو تكثر أجر صاحبه. وقيل الزكاة مأخوذة من التطهير، كما يقال زكا فلان: أي: طهر. والظاهر أن الصلاة، والزكاة، والحج، والصوم، ونحوها قد نقلها الشرع إلى معان شرعية هي: المرادة بما هو مذكور في الكتاب والسنة منها. وقد تكلم أهل العلم على ذلك بما لا يتسع المقام لبسطه. وقد اختلف أهل العلم في المراد بالزكاة هنا، فقيل المراد المفروضة، لاقترانها بالصلاة. وقيل صدقة الفطر، والظاهر أن المراد ما هو أعم من ذلك. والركوع في اللغة: الانحناء، وكل منحن راكع، قال لبيد:شعر : أخَبِّرُ أخبارَ القرون التي مضت أدِبُّ كأني كلما قمت راكعُ تفسير : وقيل: الانحناء يعم الركوع والسجود، ويستعار الركوع أيضاً للانحطاط في المنزلة، قال الشاعر:شعر : لا تهين الفقير علك أن تركع يوماً والدهر قد رفعه تفسير : وإنما خص الركوع بالذكر هنا؛ لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم. وقيل: لكونه كان ثقيلاً على أهل الجاهلية. وقيل: إنه أراد بالركوع جميع أركان الصلاة. والركوع الشرعي: هو أن ينحني الرجل، ويمد ظهره وعنقه، ويفتح أصابع يديه، ويقبض على ركبتيه، ثم يطمئن راكعاً، ذاكراً بالذكر المشروع. وقوله: {مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ } فيه الإرشاد إلى شهود الجماعة، والخروج إلى المساجد، وقد ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما ما هو معروف. وقد أوجب حضور الجماعة بعض أهل العلم، على خلاف بينهم في كون ذلك عيناً أو كفاية، وذهب الجمهور إلى أنه سنة مؤكدة مرغب فيها، وليس بواجب. وهو الحق للأحاديث الثابتة الصحيحة عن جماعة من الصحابة، من أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بخمس وعشرين درجة، أو بسبع وعشرين درجة. وثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم "حديث : الذي يصلي مع الإمام أفضل من الذي يصلي وحده، ثم ينام"تفسير : . والبحث طويل الذيول كثير النقول. والهمزة في قوله: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ } للاستفهام مع التوبيخ للمخاطبين، وليس المراد توبيخهم على نفس الأمر بالبر، فإنه فعل حسن مندوب إليه، بل بسبب ترك فعل البر المستفاد من قوله: {وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } مع التطهر بتزكية النفس، والقيام في مقام دعاة الخلق إلى الحق إيهاماً للناس، وتلبيساً عليهم، كما قال أبو العتاهية:شعر : وصفت التُّقي حتى كأنك ذو تُقىً وريحُ الخطايا من ثِيابك تسطع تفسير : والبرّ: الطاعة، والعمل الصالح. والبر: سعة الخير والمعروف. والبر: الصدق. والبر: ولد الثعلب. والبر: سوق الغنم. ومن إطلاقه على الطاعة قول الشاعر:شعر : لا هُمُ ربّ أن بكراً دونكا يَبَرُّك الناسُ ويفجرونكا تفسير : أي: يطيعونك، ويعصونك. والنسيان بكسر النون هو: هنا بمعنى الترك، أي: وتتركون أنفسكم، وفي الأصل خلاف الذكر، والحفظ، أي: زوال الصورة التي كانت محفوظة عن المدركة، والحافظة. والنفس: الروح، ومنه قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا } تفسير : [الزمر: 42] يريد الأرواح. وقال أبو خراش: شعر : نجا سالم، والنفس منه بشدقه تفسير : والنفس أيضاً الدم، ومنه قولهم: سالت نفسه، قال الشاعر:شعر : تسيل على حدّ السيوف نفوسنا وليس على غير الظبات تسيل تفسير : والنفس الجسد، ومنه:شعر : نُبئّتُ أن بني سُحَيم أدخلوا أبياتَهم تأمُور نَفسِ المُنذِر تفسير : والتأمور البدن. وقوله: {وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } جملة حالية مشتملة على أعظم تقريع، وأشد توبيخ، وأبلغ تبكيت: أي: كيف تتركون البر الذي تأمرون الناس به؟ وأنتم من أهل العلم العارفين بقبح هذا الفعل، وشدّة الوعيد عليه، كما ترونه في الكتاب الذي تتلونه، والآيات التي تقرءونها من التوراة. والتلاوة: القراءة، وهي المراد هنا، وأصلها الإتباع؛ يقال تلوته: إذا تبعته، وسمي القارىء تالياً، والقراءة تلاوة؛ لأنه يتبع بعض الكلام ببعض على النسق الذي هو عليه. وقوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } استفهام للإنكار عليهم، والتقريع لهم، وهو أشدّ من الأوّل، وأشدّ. وأشدّ ما قرّع الله في هذا الموضع من يأمر بالخير، ولا يفعله من العلماء، الذين هم غير عاملين بالعلم، فاستنكر عليهم أوّلاً أمرهم للناس بالبرّ مع نسيان أنفسهم في ذلك، الأمر الذي قاموا به في المجامع، ونادوا به في المجالس إيهاماً للناس بأنهم مبلغون عن الله ما تحملوه من حججه، ومبينون لعباده ما أمرهم ببيانه، وموصلون إلى خلقه ما استودعهم، وائتمنهم عليه، وهم أترك الناس لذلك، وأبعدهم من نفعه، وأزهدهم فيه، ثم ربط هذه الجملة بجملة أخرى، جعلها مبينة لحالهم، وكاشفة لعوارهم، وهاتكة لأستارهم، وهي: أنهم فعلوا هذه الفعلة الشنيعة، والخصلة الفظيعة على علم منهم، ومعرفة بالكتاب الذي أنزل عليهم، وملازمة لتلاوته، وهم في ذلك كما قال المعرّي:شعر : وَإنَّما حمل التَّوْراة قارِئها كَسْبُ الفَوائِد لا حُب التلاواتِ تفسير : ثم انتقل معهم من تقريع إلى تقريع، ومن توبيخ إلى توبيخ فقال: إنكم لو لم تكونوا من أهل العلم، وحملة الحجة، وأهل الدراسة لكتب الله، لكان مجرد كونكم ممن يعقل حائلاً بينكم وبين ذلك ذائداً لكم عنه زاجراً لكم منه، فكيف أهملتم ما يقتضيه العقل بعد إهمالكم لما يوجبه العلم؟ والعقل في أصل اللغة: المنع، ومنه عقال البعير؛ لأنه يمنعه عن الحركة، ومنه العقل في الدية؛ لأنه يمنع وليّ المقتول عن قتل الجاني. والعقل نقيض الجهل، ويصح تفسير ما في الآية هنا بما هو، أصل معنى العقل عند أهل اللغة: أي: أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المزرية؟ ويصح أن يكون معنى الآية: أفلا تنظرون بعقولكم التي رزقكم الله إياها حيث لم تنتفعوا بما لديكم من العلم؟ وقوله: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ } الصبر في اللغة: الحبس، وصبرت نفسي على الشيء: حبستها. ومنه قول عنترة:شعر : فصبرتُ عارفةً لذلك حُرّةً تَرْسُو إذا نَفْسُ الجبَان تَطلَّعُ تفسير : والمراد هنا: استعينوا بحبس أنفسكم عن الشهوات، وقصرها على الطاعات على دفع ما يرد عليكم من المكروهات. وقيل الصبر هنا هو خاص بالصبر على تكاليف الصلاة. واستدل هذا القائل بقوله تعالى: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلوٰةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا }تفسير : [طه: 132]، وليس في هذا الصبر، الخاص بهذه الآية ما ينفي ما تفيده الألف واللام الداخلة على الصبر من الشمول كما أن المراد بالصلاة هنا جميع ما تصدق عليه الصلاة الشرعية من غير فرق بين فريضة، ونافلة. واختلف المفسرون في رجوع الضمير في قوله: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ } فقيل: إنه راجع إلى الصلاة، وإن كان المتقدم هو الصبر، والصلاة، فقد يجوز إرجاع الضمير إلى أحد الأمرين المتقدم ذكرهما. كما قال تعالى: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ }تفسير : [التوبة: 62] إذا كان أحدهما داخلاً تحت الآخر بوجه من الوجوه، ومنه قول الشاعر:شعر : إنَّ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَر الأسـ ـودَ ما لم يُعاضَ كان جنونا تفسير : ولم يقل ما لم يعاضا بل جعل الضمير راجعاً إلى الشباب؛ لأن الشعر الأسود داخل فيه، وقيل: إنه عائد إلى الصلاة من دون اعتبار دخول الصبر تحتها؛ لأن الصبر هو عليها، كما قيل سابقاً، وقيل: إن الضمير راجع إلى الصلاة وإن كان الصبر مراداً معها، لكن لما كانت آكد، وأعم تكليفاً، وأكثر ثواباً كانت الكناية بالضمير عنها، ومنه قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ }تفسير : [التوبة: 34] كذا قيل. وقيل: إن الضمير راجع إلى الأشياء المكنوزة، ومثل ذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } تفسير : [الجمعة: 11] فأرجع الضمير هنا إلى الفضة والتجارة لما كانت الفضة أعم نفعاً وأكثر وجوداً، والتجارة هي الحاملة على الانفضاض. والفرق بين هذا الوجه وبين الوجه الأوّل: أن الصبر هناك جعل داخلاً تحت الصلاة، وهنا لم يكن داخلاً وإن كان مراداً، وقيل إن المراد الصبر والصلاة، ولكن أرجع الضمير إلى أحدهما استغناء به عن الآخر، ومنه قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءايَةً }تفسير : [المؤمنون: 50] أي: ابن مريم آية وأمه آية. ومنه قول الشاعر:شعر : ومن يَكُ أمسى بالمدينة رَحْلُه فإني وَقَيّارُ بها لغريبُ تفسير : وقال آخر:شعر : لكل هَمٍّ من الهموم سَعَة والصُّبْح والمساء لا فلاح مَعَه تفسير : وقيل: رجع الضمير إليهما بعد تأويلهما بالعبادة. وقيل: رجع إلى المصدر المفهوم من قوله: {وَٱسْتَعِينُواْ } وهو الاستعانة. وقيل: رجع إلى جميع الأمور التي نهى عنها بنو إسرائيل. والكبيرة التي يكبر أمرها، ويتعاظم شأنها على حاملها؛ لما يجده عند تحملها، والقيام بها من المشقة، ومنه: {أية : كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ }تفسير : [الشورى: 13]. والخاشع: هو المتواضع، والخشوع: التواضع. قال في الكشاف: والخشوع: الإخبات والتطامن، ومنه الخشعة للرملة المتطامنة، وأما الخضوع: فاللين والانقياد، ومنه خضعت بقولها: إذا ليَّنَتْه. انتهى. وقال الزجاج: الخاشع الذي يرى أثر الذلّ والخشوع عليه كخشوع الدار بعد الأقوى، ومكان خاشع: لا يهتدى إليه، وخشعت الأصوات، أي: سكنت، وخشع ببصره: إذا غضه، والخشعة: قطعة من الأرض رخوة. وقال سفيان الثوري: سألت الأعمش عن الخشوع، فقال: يا ثوري أنت تريد أن تكون إماماً للناس، ولا تعرف الخشوع؟! ليس الخشوع بأكل الخشن، ولبس الخشن، وتطأطؤ الرأس، لكن الخشوع أن ترى الشريف، والدنيء في الحق سواء، وتخشع لله في كل فرض افترض عليك. انتهى. وما أحسن ما قاله بعض المحققين في بيان ماهيته: إنه هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون، وتواضع. واستثنى سبحانه الخاشعين مع كونهم باعتبار استعمال جوارحهم في الصلاة، وملازمتهم لوظائف الخشوع الذي هو روح الصلاة، وإتعابهم لأنفسهم إتعاباً عظيماً في الأسباب الموجبة للحضور، والخضوع؛ لأنهم لما يعلمونه من تضاعف الأجر، وتوفر الجزاء، والظفر بما وعد الله به من عظيم الثواب، تسهل عليهم تلك المتاعب، ويتذلل لهم ما يرتكبونه من المصاعب، بل يصير ذلك لذة لهم خالصة، وراحة عندهم محضة، ولأمر ما هان على قوم ما يلاقونه من حرّ السيوف عند تصادم الصفوف، وكانت الأمنية عندهم طعم المنية حتى قال قائلهم:شعر : ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أيّ جنب كان في الله مصرعي تفسير : والظن هنا عند الجمهور بمعنى اليقين، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنّى ظَنَنتُ أَنّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ }تفسير : [الحاقة: 20]، وقوله: {أية : وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا }تفسير : [الكهف: 53] ومنه قول دريد بن الصمة:شعر : فقلت لهم ظُنُّوا بألفَي مدجَّج سَراتُّهُـم بالفارسي المُسَـوَّدِ تفسير : وقيل: إن الظن في الآية على بابه، ويضمر في الكلام بذنوبهم، فكأنهم توقعوا لقاءه مذنبين، ذكره المهدوي والماوردي، والأوّل أولى. وأصل الظن: الشك مع الميل إلى أحد الطرفين، وقد يقع موقع اليقين في مواضع، منها هذه الآية. ومعنى قوله: {مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ } ملاقوا جزائه، والمفاعلة هنا ليست على بابها، ولا أرى في حمله على أصل معناه من دون تقدير المضاف بأساً. وفي هذا مع ما بعده من قوله: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رٰجِعُونَ } إقراراً بالبعث، وما وعد الله به في اليوم الآخر. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: {وَٱرْكَعُواْ } قال: صلوا. وأخرج ابن أبي حاتم أيضاً عن مقاتل في قوله: {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ } قال: أمرهم أن يركعوا مع أمة محمد، يقول: كونوا منهم ومعهم. وأخرج عبد ابن حميد عن قتادة في قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ } الآية، قال: أولئك أهل الكتاب كانوا يأمرون الناس بالبرّ، وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، ولا ينتفعون بما فيه. وأخرج الثعلبي والواحدي عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في يهود أهل المدينة، كان الرجل منهم يقول لصهره، ولذي قرابته، ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين: اثبت على الدين الذي أنت عليه، وما يأمرك به هذا الرجل، يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم، فإن أمره حق، وكانوا يأمرون الناس بذلك، ولا يفعلونه. وأخرج ابن جرير عنه في قوله: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ } قال: بالدخول في دين محمد. وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوّة، والعهد من التوراة، وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسلي؟ وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، والبيهقي، عن أبي الدرداء في الآية قال: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه، فيكون لها أشدّ مقتاً. وأخرج أحمد وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، وابن حبان، وابن مردويه، والبيهقي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : رأيت ليلة أسري بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت رجعت، فقلت لجبريل: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك كانوا يأمرون الناس بالبرّ، وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون»تفسير : . وثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق به أقتابه، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار، فيقولون: يا فلان ما لك؟ ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: «كنت آمركم بالمعروف، ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر، وآتيه» تفسير : وفي الباب أحاديث منها عن جابر مرفوعاً عند الخطيب، وابن النجار، وعن الوليد بن عقبة مرفوعاً عند الطبراني، والخطيب بسند ضعيف، وعند عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عنه موقوفاً، ومعناها جميعاً: أنه يطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار، فيقولون لهم: بما دخلتم النار، وإنما دخلنا الجنة بتعليمكم؟ قالوا: إنا كنا نأمركم، ولا نفعل. وأخرج الطبراني، والخطيب في الاقتضاء، والأصبهاني في الترغيب بسند جيد عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : مثل العالم الذي يعلم الناس الخير، ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس، ويحرق نفسه»تفسير : . وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عنه نحوه. وأخرج الطبراني، والخطيب في الاقتضاء عن أبي برزة مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن قانع في معجمه، والخطيب في الاقتضاء عن سليك مرفوعاً نحوه. وأخرج ابن سعد، وابن أبي شيبة، وأحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال: «ويل للذي لا يعلم مرة، ولو شاء الله لعلمه، وويل للذي يعلم، ولا يعمل سبع مرات». وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الله بن مسعود مثله، وما أحسن ما أخرجه ابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان، وابن عساكر عن ابن عباس؛ أنه جاءه رجل فقال: يا ابن عباس إني أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، قال: أو بلغت ذلك؟ قال: أرجو، قال: فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله، فافعل، قال: وما هنّ؟ قال: قوله عزّ وجلّ: {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ }تفسير : [البقرة: 44] أحكمت هذه الآية؟ قال لا، قال: فالحرف الثاني، قال: قوله تعالى: {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }تفسير : [الصف: 2، 3] أحكمت هذه الآية؟ قال لا، قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب {أية : مَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ } تفسير : [هود: 88] أحكمت هذه الآية؟ قال لا، قال: فابدأ بنفسك. وأخرج عبد بن حميد، عن قتادة في قوله تعالى: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ } قال: إنهما معونتان من الله، فاستعينوا بهما. وقد أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصبر، وأبو الشيخ في الثواب، والديلمي في مسند الفردوس عن عليّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الصبر ثلاثة: فصبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية»تفسير : . وقد وردت أحاديث كثيرة في مدح الصبر والترغيب فيه، والجزاء للصابرين، ولم نذكرها هنا، لأنها ليست بخاصة بهذه الآية، بل هي واردة في مطلق الصبر، وقد ذكر السيوطي في الدر المنثور ها هنا منها شطراً صالحاً، وفي الكتاب العزيز من الثناء على ذلك، والترغيب فيه الكثير الطيب. وأخرج أحمد، وأبو داود، وابن جرير عن حذيفة، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» وأخرج أحمد، والنسائي، وابن حبان، عن صهيب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كانوا: يعني الأنبياء، يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة»تفسير : . وأخرج ابن أبي الدنيا، وابن عساكر، عن أبي الدرداء مرفوعاً نحو حديث حذيفة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس، أنه كان في مسير له، فنعى إليه ابن له، فنزل فصلى ركعتين ثم استرجع، فقال: فعلنا كما أمرنا الله فقال: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ }. وقد روى عنه نحو ذلك سعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي لما نعى إليه أخوه قثم. وقد روى نحو ذلك عن جماعة من الصحابة، والتابعين، وأخرج ابن جرير، عن الضحاك في قوله: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ } قال: لثقيلة. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ } قال: المؤمنين حقاً. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ } قال: الخائفين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كل ظنّ في القرآن، فهو يقين، ولا يتم هذا في مثل قوله: {أية : إَنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِى مِنَ ٱلْحَقّ شَيْئًا }تفسير : [النجم: 28] وقوله: {أية : إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنّ إِثْمٌ } تفسير : [الحجرات: 12] ولعله يريد الظن المتعلق بأمور الآخرة، كما رواه ابن جرير عن قتادة قال: ما كان من ظن الآخرة، فهو علم. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رٰجِعُونَ } قال: يستيقنون أنهم يرجعون إليه يوم القيامة.

ابن عبد السلام

تفسير : {الزَّكَاةَ} من النماء والزيادة، لأنها تثمر المال، أو من الطهارة بأدائها يطهر المال فيصير حلالاً، أو تطهر المالك من إثم المنع. {الرَّاكِعِينَ} الركوع من التطامن والانحناء، أو من الذل والخضوع، عُبِّر عن الصلاة بالركوع، أو أراد ركوعها إذ لا ركوع في صلاتهم.

ابن عادل

تفسير : أمرهم بالإيمان، ثم نهاهم عن لَبْس الحق بالباطل، وكِتْمَان دلائل النُّبوة، ثم ذكر بعد ذلك بيان ما لزمهم من الشّرائع، وذكر من جملته ما هو كالأصل فيها، وهو الصَّلاة التي هي أعظم العبادات البدنية، والزكاة التي هي أعظم العبادات المالية. قوله: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} هذه الجُمْلَة وما بعدها عطف على الجملة قبلها عطف أمر على نهي. وأصل "أقيموا": "أقْوِمُوا"، ففعل به ما فعل بـ {أية : وَيُقِيمُونَ}تفسير : [البقرة:3] وقد تقدم الكلام عليها وعلى "الصًّلاة"، وأصل "آتوا" "ائْتِيُوا" بهمزتين مثل "أكْرِمُوا"، فقلبت الثانية ألفاً لسكونها بعد همزة مفتوحة، واستثقلت الضمة على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان "الياء والواو"، فحذفت الياء؛ لأنها أول وحركت التاء بحركتها. وقيل: بل ضمت تبعاً للواو، كما ضم آخر "اضربوا" ونحوه، ووزنه: "افعوا" بحذف اللام. وألف "الزكاة" منقلبة عن واو، لقولهم: زَكَوَات، وزَكَا ـ يَزْكُو، وهي النحو. وقيل: الطهارة. وقيل: أصلها الثَّنَاء الجميل، ومنه: زكى القاضي الشُّهود، والزَّكَا: الزوج صار زوجاً بزيادة فرد آخر عليه، والخَسَا: الفرد، قال: [البسيط] شعر : 446ـ كَانُوا خَساً أَوْ زَكاً مِنْ دُونِ أرْبَعَةٍ لَمْ يَخْلَقُوا وَجُدُودُ النَّاسِ تعْتَلِجُ تفسير : قوله: {مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} منصوب بـ "ارْكَعُوا". و "الركوع": الطّمأنينة والانْحِنَاء، ومنه قوله: [الطويل] شعر : 447ـ أُخَبِّرُ أخْبَارَ القُرُونِ الَّتِي مَضَتْ أَدِبُّ كَأَنِّي كُلَّمَا قُمْتُ رَاكِعُ تفسير : وقيل: الخضوع والذِّلَّة؛ ومنه: [المنسرح] شعر : 448ـ وَلاَ تُهِينَ الفَقِيرَ عَلَّكَ أنْ تَرْكَعَ يَوْماً والدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ تفسير : فصل في عدم تأخير البيان عن الحاجة قال ابن الخطيب: القائلون بأنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب، قالوا: إنما جاء في قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} بعد أن كان النَّبي ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ وصف لهم أركان الصَّلاة وشرائطها، فكأنه تعالى قال: وأقيموا الصلاة التي عرفتموها، والقائلون بجواز التأخير قالوا: يجوز أن يراد الأمر بالصَّلاة، وإن كانوا لا يعرفون أن الصَّلاة ما هي؟ ويكون المقصود أن يوطن السَّامع نفسه على الامتثال، وإن كان لا يعلم أن المأمور به، ما هو؟ كما يقول السيد لعبده: إني آمرك غداً بشيء فلا بد وأن تفعله، ويكون غرضه مه بأن يعزم العَبْدُ في الحال على أدائه في الوقت الثاني. فصل في أن الكفار مخاطبون بفروع الشرع قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} خطاب مع اليهود، وذلك يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الإسلام. فإن قيل: قوله: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ} أمر بالصَّلاة، وقوله: {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} أمر بالصّلاة أيضاً، فيكون تكراراً. فالجواب: أن قوله: {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} أي: صَلُّوا مع المصلِّين، ففي الأوّل أمر بإقامة الصَّلاة، وفي الثاني أمر بفعلها في الجماعة فلا تَكْرار. وقيل: إن اليهود لا ركوع في صلواتهم، فخصّ الركوع بالذكر تحريضاً لهم على الإتيان بصلاة المسلمين. وقيل: الركوع: الخضوع، فيكون نهياً عن الاستكبار المذموم.

البقاعي

تفسير : ولما فرغ سبحانه من أمر أهل الكتاب بالإيمان بالله والنبي والكتاب الذي هو من الهدى الآتي إليهم المشار إلى ذلك كله بالإيفاء بالعهد عطف بقوله: {وأقيموا الصلاة} أي حافظوا على العبادة المعهود بها في كل يوم بجميع شرائطها وأركانها {وآتوا الزكاة} أي المفروضة في كل حول لتجمعوا أوصاف المتقين المهديين بهذا الكتاب { أية : الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } تفسير : [البقرة: 3] المحسنين بذلك فيما بينهم وبين الحق وفيما بينهم وبين الخلق، وهاتان العبادتان إما العبادات البدنية والمالية فخصا بالذكر، لأن من شأنهما استجرار سائر العبادات واستتباعها، والزكاة قال الحرالي نماء في ظاهر حس وفي باطن ذات نفس، {واركعوا} من الركوع وهو توسط بين قيام وسجود يقع في ظاهر من القامة وفي حال من القلب، تخص به الأمة المتوسطة الجامعة للطرفين {مع} معناه الصحبة من الأعلى بالحياطة، ومن الأدنى بحسن التبع، ومن المماثل بحسن النصفة - انتهى. وقوله: الراكعين * مع مصحوبه تأكيد لأمر الصلاة وأمر بالكون في هذا الدين مع الذين اتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم، فإن صلاة اليهود لا ركوع فيها، كما سيأتي بيانه في سورة آل عمران إن شاء الله تعالى. وقال الحرالي: والمتسق بذلك أي بما مضى خطاب إفهام يفهمه عطف إقامة الصلاة التي هي تلو الإيمان، فكأن خطاب الإفهام: فارجعوا واستدركوا وأعلنوا بما كتمتم وبينوا ما لبستم وانصحوا من استنصحكم وأقيموا وجهتكم لله بالصلاة وتعطفوا على الأتباع بعد تعليمهم بالزكاة وكملوا صلاتكم بما به كمال الصلاة من الركوع العدل في الفعل بين حال قيام الصلاة وسجودها المظهر آية عظمة الله مع الراكعين الذين هم العرب الذين وضعت أول صلاتهم على كمال - انتهى. ويجوز أن يكون المراد بالركوع الصلاة، عبر عنها به لما ذكر من خصوص هذه الأمة به، فكأنه قيل: وصلّوا مع المصلّين جماعة، لمزيد التوصية بالجماعة. ولما أمر علماءهم بما تركوا من معالي الأخلاق من الإيمان والشرائع بعد أمرهم بذكر ما خصهم به من النعم، ونهاهم عما ارتكبوا من سفسافها من كفر النعم ونقض العهود وما تبع ذلك وكانوا يأمرون غيرهم بما يزعمون أنه تزكية وينهونه عما يدعون أنه تردية، أنكر عليهم ترغيباً فيما ندبهم إليه وحثهم عليه وتوبيخاً على تركه بقوله: {أتأمرون} من الأمر وهو الإلزام بالحكم - قاله الحرالي {الناس بالبر} وهو التوسع في أفعال الخير {وتنسون} والنسيان السهو الحادث بعد حصول العلم، {أنفسكم} أي تتركون حملها على ذلك ترك الناسي، ولعله عبر به زيادة في التنفير عن هذا الأمر الفظيع الذي دلّ العقل دلالة بينة على فحشه، لأن المقصود من أمر الغير بالبر النصيحة أو الشفقة، وليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو ينصح غيره وينسى نفسه، والظاهر أن المراد به حكم التوراة، كانوا يحملون عوامهم عليه وهم يعلمون دون العوام أن من حكم التوراة اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، فقد نسوا أنفسهم من الأمر بأساس البر الذي لا يصح منه شيء إلاّ به. وقال الحرالي: ولما كان فيهم من أشار على من استهداه بالهداية لاتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولم يهدوا أنفسهم لما أرشدوا إليه غيرهم أعلن تعالى عليهم بذلك نظماً لما تقدم من نقض عهدهم ولبسهم وكتمهم بما ظهر من نقص عقولهم في أن يظهر طريق الهدى لغيره ولا يتبعه فأخرجهم بذلك عن حد العقل الذي هو أدنى أحوال المخاطبين، وزاد في تبكيتهم بجملة حالية حاكية تلبسهم بالعلم والحكمة الناهية عما هم عليه فقال: {وأنتم تتلون الكتاب} من التلاوة، وهو تتبع قول قائل أول من جهة أوليته - قاله الحرالي. وهذه الجملة الحالية أعظم منبّه على أن من حكم التوراة اتباعه صلى الله عليه وسلم، ومشير إلى أن المعصية من العالم أقبح. قال الحرالي: فيه إشعار بأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم في منطوق تلاوته ليس في خفي إفهامه، فكان في ذلك خروج عن حكم نور العقل - انتهى. ولما كان هذا في كتابهم وهم به يأمرون وعنه معرضون سبب سبحانه عنه الإنكار في قوله: {أفلا} أي أتتلونه فلا {تعقلون} إشارة إلى أن ما هم عليه من هذا لا يفعله ذو مسكة، والعقل إدراك حقائق ما نال الحس ظاهره - قاله الحرالي. سمي عقلاً لأنه يعقل عن التورّط في الهلكة. ولما أنكر عليهم اتباع الهوى أرشدهم إلى دوائه بأعظم أخلاق النفس وأجل أعمال البدن فقال عاطفاً على ما مضى من الأوامر. وقال الحرالي: فكأنهم إنما حملهم على مخالفة حكم العقل ما تعودت به أنفسهم من الرياسة والتقدم فلِما في ذلك عليهم من المشقة أن يصيروا أتباعاً للعرب بعد ما كانوا يرون أن جميع الأرض تبع لهم نسق بخطابهم في ذلك الأمر بالاستعانة بالصبر الذي يُكره أنفسهم على أن تصير تابعة بعد أن كانت متبوعة فقال تعالى - انتهى. {واستعينوا} أي على إظهار الحق والانقياد له وهو معنى ما مضى من الأوامر والنواهي {بالصبر} أي على مخالفة الهوى، والصبر حبس النفس عن حاجتها وعادتها وعلى إصلاحها وتزكيتها، هو ضياء للقلوب تبصر به ما يخفيه عنها الجزع من الخروج عن العادة فيما تنزع إليه الأنفس - قاله الحرالي. وهو عام في كل صبر الصوم وغيره، {والصلاة} أي الموصلة إلى المقام الأعلى، وفيه التفات إلى { أية : وإياك نستعين } تفسير : [الفاتحة: 5] وإشارة إلى أن من لم تنهه صلاته عن ركوب الباطل والتمادي فيه وتأمره بلزوم الحق والرجوع إليه فليس بمصلٍّ، فكأن المراد بالصبر تخليص النفس من أشراك الهوى وقسرها على الإخلاص، فمن صلى على هذه الصفة كان لا محالة من الناجين؛ وثنى بالصلاة لأنها استرزاق يغنيهم عن اشتراء ثمن كانوا يأخذونه من أتباعهم في اللبس والكتمان { أية : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسئلك رزقاً نحن نرزقك } تفسير : [طه: 132] قال الحرالي. ويصح أن يراد بها الدعاء، فمن صبر عن الدنايا وعلى المكاره وأنهى صبره إلى الصوم فأزال عنه كدورات حب الدنيا وأضاف إلى ذلك الصلاة استنار قلبه بأنواع المعارف، فإذا ضم إلى ذلك الدعاء والالتجاء إلى الله تعالى بلغ نهاية البر. ولما أمر ونهى بما ختمه بالصلاة حث على التفاؤل لعظمته سبحانه بتخصيصها بالضمير فقال: {وإنها لكبيرة} أي ثقيلة جداً، والكبير ما جل قدره أو مقداره في حس ظاهر أو في معنى باطن - قاله الحرالي. {إلا على الخاشعين} أي المخبتين الذين هم في غاية السهولة واللين والتواضع لربهم بحيث لا يكون عندهم شيء من كبر وينظرون عواقب الأمر وما أعد عليها من الأجر، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : وجعلت قرة عيني في الصلاة" تفسير : وغيرهم يمنعهم ثقلها من فعلها، وإن فعلها فعلى غير رغبة. قال الحرالي: وهو أي الخشوع هدوّ الجوارح والخواطر فيما هو الأهم في الوقت، وأنبأ تعالى بكبر قدر الصلاة عن أن يتناول عملها إلا خاشع خرج عن حظ نفسه وألزم نفسه ذل العبودية التي ختمت بها النبوة، وفي إشارة كمال الصلاة إشعار بصلاة العصر التي هي صلاة النبي الخاتم الذي زمنه وقت العصر وحالة العبودية، وذلك مما يكبر على من قرن بنبوته وبملته الملك إلا أن يخشع لما يكبر على النفس، وخصت الصلاة بالكبر دون الصبر لأن الصبر صغار للنفس والصلاة وجهة للحق والله هو العلي الكبير - انتهى. {الذين يظنون} من الظن وهو رجحان في اعتقاد مع بقاء منازع من مقابله - قاله الحرالي. {أنهم ملاقوا ربهم} أي المحسن إليهم، وعبر بالظن عن العلم تهويلاً للأمر وتنبيهاً على أنه يكفي العاقل في الحث على ملازمة الطاعة في ظن لقاء الملك المطاع المرجو المخوف فكيف والأمر متيقن لا مِراء فيه ولا تطرّق للريب إليه! ويجوز أن يراد ظن الموت في كل لحظة، فإنه إذا كان على ذكر من الإنسان أوجب له السعادة. ولما كانت هذه الجملة مشيرة مع الترهيب لذوي الهمم العلية والأنفة والحمية من الوقوع فيما يلم بعيب أو يوقع في عتب إلى الاستحياء من المحسن الذي ما قطع إحسانه ساعة من الدهر زاد في الترهيب بقوله: {وأنهم إليه} أي وحده {راجعون}، والرجوع معاد الذاهب على مدارج مذهبه وترقيه على معارج مهبطه - قاله الحرالي. وعبر بذلك وإن كانوا لم يزالوا في قبضته، لأن اسمه الظاهر سبحانه يكون في تلك الدار لانقطاع الأسباب في غاية الظهور لا يكون لأحد معه نوع ظهور أصلاً، لا كهذه الدار التي الغالب فيها معنى اسمه الباطن إلا عند أولي البصائر؛ وفي الآية تبكيت لأهل الكتاب بأنهم مع تحققهم للبعث يملون عمل من لا يظنه فضلاً عن أنه يعلمه. وقال الحرالي: ولما كان في الصلاة مناجاة لله على الغيب كانت إنما تتيسر على من يظن القبول الذي يشعر به اللقاء لربه بعد موته وذلك حال من رجحت الآخرة على الدنيا في عمله وحاله، فكان حاله وعمله حال الظان إبقاء على أحوال من دون رتبة اليقين، ومقصود اللقاء ليس البعث لأنهم هم من المؤمنين بالبعث ولكنه من معنى القبول بعد البعث، وفيه إشارة إلى حال الموت ويوم البرزخ وهو الجزاء الأول فعطف على المرجع الآخر بعد البعث - انتهى. ولما كان الغالب على أكثر الناس الجمود كرر النداء لهم مبالغة في اللطف بهم إثر الترجية والتخويف فقال: {يا بني إسرائيل} أي الذي أكرمته وأكرمت ذريته من بعده بأنواع الكرامة {اذكروا نعمتي} وفخم أمرها بقوله: {التي أنعمت عليكم} أي بإنزال الكتب وإرسال الرسل وغير ذلك {وإني فضلتكم} والتفضيل الزيادة من خطوة جانب القرب والرفعة فيما يقبل الزيادة والنقصان منه - قاله الحرالي. {على العالمين} وهم من كان قد برز الوجود في ذلك الزمان بالتخصيص بذلك دونهم، ولا يدخل في هذا من لم يكن برز إلى الوجود في ذلك الزمان كما يأتي تحقيقه عن الحرالي قريباً ومما يوجب القطع به قوله تعالى لنا: { أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس } تفسير : [آل عمران: 110]. ولما ذكرهم بتخصيصهم بالكرامة ونهاهم عن المخالفة وكانت المخالفة مع عظيم النعمة أقبح وأشد وأفحش حذّرهم يوماً لا ينجي أحداً فيه إلا تقواه فقال. وقال الحرالي: لما دعاهم إلى الوفاء بالعهد تنبيهاً لهمة من له فضل باطن يرجع إلى فضائل النفس فأجاب من وفق وتمادى على حاله من خذل ثنى الخطاب لهم بالتنبيه على النعمة الظاهرة ليتنبه لذلك من يخاف تغيير النعمة الظاهرة حين لم يخف السقوط عن رتبة الفضيلة في الخطاب فذكرهم بالنعمة والتفضيل الذي فضلهم به على العالمين وهم من ظهرت أعلام وجودهم في زمانهم، وكذلك كل تفضيل يقع في القرآن والسنة، وإنما العالم من شمله الوجود لا ما أحاط به العلم بعد، لأن ذلك لم يرفع في الشهود علم وجوده؛ وفيه إشعار بأنهم كما فضلوهم على عالمي زمانهم فليس ذلك بمقصور عليهم بل كذلك يفضل الله العرب في زمان نبوتها على بني إسرائيل وعلى جميع الموجودين في زمانهم، وحيث انتهى الخطاب إلى تذكر ظاهر النعمة بعد التذكير بباطن الفضيلة لم يبق وراء ذلك إلا التهديد بوعيد الآخرة عطفاً على تهديد تقتضيه الأفهام بتغيير ما بقي عليهم من النعمة في الدنيا؛ فكان مفهوم الخطاب: فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصاب المؤاخذين في الدنيا - انتهى {واتقوا}. ولما كان المتقى إنما هو الجزاء الواقع في يوم القيامة حذفه وأقام اليوم مقامه تفخيماً له وتنبيهاً على أن عقابه لا يدفع كما يدفع ما في غيره بأنواع الحيل فقال: {يوماً} هو من العظمة بحيث {لا تجزي} أي تفضي وتغني فيه {نفس} أي نفس كانت {عن نفس} كذلك {شيئاً} من الجزاء. قال الحرالي: والنفس لكل امرىء لزمته نفاسة على غيره، فهؤلاء الذين لا يغني بعضهم عن بعض بخلاف من آثر غيره وذهبت نفاسة نفسه، فإنه يغني عمن دونه بالشفاعة والإحسان في الدنيا والآخرة، وفيه إعلام بأن ضعة النفس مبدأ التوفيق ونفاستها مبدأ الخذلان { أية : أذلة على المؤمنين } تفسير : [المائدة: 54] فذل العبد - بالضم - لله، وذِله - بالكسر - لعباد الله بشرى فوزه، وإعراضه عن ذكر الله وصعر خده للناس نذارة هلاكه - انتهى. ولما كان الإجزاء قد يكون بنفس كون المجزىء موجوداً وهو بحيث يخشى أن يسعى في الفكاك بنوع حيلة فتحرك القلوب لإجابته وفك أسيره فيحمل ذلك من أسره على إطلاقه، وقد يحتال بالفعل في التوصل إلى فكه في خفية بسرقته أو فتح سجنه أو نحو ذلك، وكانت وجوه الإجزاء المشهورة ثلاثة عطفها على الإجزاء الأعم منها فقال: {ولا يقبل منها} أي النفس الأولى أو الثانية {شفاعة} أي لم يؤذن فيها وهي من الشفع وهو إرفاد الطالب بتثنية الرغبة له فيما رغب فيه ليصير كالإمام له في وجهة حاجته - قاله الحرالي {ولا يؤخذ منها عدل} تبذله غير الأعمال الصالحة، وهو ما يعدل الشيء ويكون معه كالعدلين المتكافئي القدر على الحمولة، فكأنّ العدل - بالكسر - في الشيء المحسوس، والعدل - بالفتح - في الشيء المعقول، وكذلك عادة العرب تفرق بين ما في الحس وما في المعنى بعلامة إعراب في ذات نفس الكلمة لا في آخرها - قاله الحرالي. ولما كان عدم النصرة للجمع يستلزم عدمها للمفرد بطريق الأولى جمع فقال: {ولا هم ينصرون*} أي يتجدد لهم نصر يوماً ما بمن ينقذهم قهراً كائناً من كان، والنصر تأييد المقاوم في الأمر بما هو أقوى من مقاومة وهما طرفان ليصير كالمتقدم له بحكم استقلاله فيما يتوقع عجز المنصور فيه - قاله الحرالي. فانتفى بذلك جميع وجوه الخلاص التي يطمع فيها الظالم في الدنيا. قال الحرالي: ولما كانت أسباب النجاة للمرء بأحد ثلاث: إما شفاعة من فوقه في العلم والفضل، وإما نصرة من فوقه في الأيد والقوة، وإما فكاك من يده لنفسه إذ من هو مثله لا يغني وأحرى من هو دونه، استوفى الخطاب جميع الوجوه الثلاثة ليسد على ذي النفس المستمسك بنفاسته جميع الوجوه الثلاثة من الشفاعة والفدية والنصرة - انتهى. ولما تقدم أنه فضلهم وعاهدهم وأن وفاءه بعهدهم مشروط بوفائهم بعهده ناسب تقديم الشفاعة ويأتي إن شاء الله تعالى في الآية الثانية ما يتم به البيان، ولما وصف ذلك اليوم بأنه لا ينفع فيه حيلة لذي ملكة المتردي بالكبرياء المتجلل بالعظمة ذكرهم بما أنعم عليهم من إنجائه لهم بموسى وهارون عليهما السلام حيث شفعا عند الملك الذي كان استعبدهم وسامهم سوء العذاب، فلما لم يشفّعهما فيهم قاهراه فانتصرا عليه بأيد مليكهم واستنقذاهم منه بسطوة معبودهم. وقال الحرالي: ولما استوفى خطاب النداء لهم وجهي التذكير بأصل فضيلة النفس الباطنة بالوفاء وغرض النفس الظاهر في النعمة والرئاسة جاء ما بعد ذلك من تفاصيل النعم عطفاً من غير تجديد نداء إلى منتهى خاتمة الخطاب معهم حيث ثنى لهم الخطاب الأدنى بالتذكير بالنعمة ختماً لمتسق خطابه بما تضمنه تذكيرهم بتكرار قوله: وإذ وإذ، واحدة بعد أخرى إلى جملة منها، ولما ذكرهم بالنعمة الظاهرة فانتبه من تداركته الهداية وتمادى من استحق العقوبة ذكر أهل الاستحقاق بما عوقبوا به بما يستلزمه معنى النجاة وبما فسره مما أخذوا به على ذنوب تشاكل ما هم عليه في معاندتهم القرآن، فحين لم ينفع فيهم التذكيران بالعهد والنعمة هددوا بتقريرهم على مواقع ما أصيبوا به من البلاء من عدوهم لما اقترفوه من ذنوبهم { أية : ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً } تفسير : [غافر: 34] فكان في تكذيبهم بالرسالة الأولى وشكهم ما أصابهم من العقوبة من آل فرعون حتى أنقذهم الله بموسى عليه السلام فقال تعالى: {وإذ} أي واذكروا إذ {نجيناكم} وهو من التنجية وهي تكرار النجاة، والنجاة معناه رفع على النجوة وهو المرتفع من الأرض الذي هو مخلص مما ينال من الوهاد وخبث الأرض من هلاك بسيل ماء ونحوه {من آل} آل الرجل من تبدو فيهم أحواله وأعماله وأفعاله حتى كأنهم هو في غيبه من معنى الآل الذي هو السراب الذي يظهر فيه ما بعد ويتراءى ما لم يكن يرى لولاه، {فرعون} اسم ملك مصر في الجاهلية، علم جنس لملوكها بمنزلة أسماء الأجناس في الحيوان وغيره - انتهى. والمراد بالآل فرعون وأتباعه فإن الآل يطلق على الشخص نفسه وعلى أهله وأتباعه وأوليائه - قاله في القاموس، قال: ولا يستعمل إلاّ فيما فيه شرف غالباً ثم بين ما أنجاهم منه بقوله: {يسومونكم سوء العذاب} سماه بذلك لأنه أشد البلاء على النفس لما فيه من استحقارها، من السوم وهو تعذيب بتهاون بالمعذب، والسوم ما يشتد، تنكر النفس له وتكرهها، ثم فسر هذا بقوله {يذبحون} من التذبيح وهو تكرار الذبح، والذبح قطع بالغ في العنق - قاله الحرالي. ولما كان كل من ذبح الابن وحياة المرأة بغير رجل أفحش وكانت البنت إذا بقيت صارت امرأة عبر بالأبناء والنساء فقال {أبناءكم} أي سوقاً لكم مساق البهائم {ويستحيون} قال الحرالي: من الاستحياء وهو استبقاء الحياة {نساءكم} من معنى الاتخاذ للتأهل الملابس في معنى ما جرى منه اشتقاق الإنس والإنسان والنسوة باشتراكها في أحد الحروف الثلاثة من الهمزة أو الواو أو الياء مع اجتماعها في النون والسين - انتهى. ثم نبههم على ما فيه من العظم بقوله {وفي ذلكم} فأشار بأداة البعد مقرونة بالميم {بلاء} أي اختبار {من ربكم} أي المحسن إليكم في حالي الشدة والرخاء {عظيم*} قال الحرالي: البلاء الاختبار هو إبداء خبرة الشيء بشدة ومحنة، وفيه إشعار باستحقاقهم ذلك واستصلاحهم بشدته دون ما هو أيسر منه، وذكره بالعظم لشياعه في الأجسام والأنفس والأرواح، وذكر معنى النجاة ثم فصله تفصيلاً لكيفيته بعد ذلك تعداداً لنعمة النجاة التي هي تلو رحمة الإنعام التي هي تلو رفعة التقدم بالعهد، فانتهى الخطاب نهايته في المعنى يعني فلما قررهم تعالى على ما اقترفوه قبل موسى عليه السلام حين أصابهم من آل فرعون ما أصابهم استجدّ لهم تذكيراً بنعمة نجاة من عقوبة متقدم أعمالهم - انتهى. ولما كان ما فعل بهم في البحر إهلاكاً للرجال وإبقاء للنساء طبق ما فعلوا ببني إسرائيل عقبه به فقال {وإذ} أي واذكروا إذ {فرقنا} من الفرق وهو إفراج الواحد لحكمة إظهار التقابل - قاله الحرالي. فصارت لكم مسالك على عدد أسباطكم {بكم} أي بسببكم عقب إخراجنا لكم من أسر القبط {البحر} قال الحرالي: هو المتسع الرحب البراح مما هو ظاهر كالماء، ومما هو باطن كالعلم الذي منه الحبر، تشاركا بحروف الاشتقاق في المعنى. {فأنجيناكم} من الإنجاء وهو الإسراع في الرفعة عن الهلاك إلى نجوة الفوز - انتهى. ومن عجائب ذلك أنه كما كان الإنجاء منه كان به. قال الحرالي: وجعل البحر مفروقاً بهم كأنهم سبب فرقة، فكأن نجاتهم هي السبب وضرب موسى عليه السلام بالعصاة هي الأمارة والعلامة التي انفلق البحر عندها بسببهم، وجعل النجاة من بلاء فرعون تنجية لما كان على تدريج، وجعل النجاة من البحر إنجاء لما كان وحياً في سرعة وقت - انتهى. {وأغرقنا آل فرعون} فيه وبه {وأنتم تنظرون} إسراعه إليهم في انطباقه عليهم، وهذا مثل ما خاض العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه البحر الملح في ناحية البحرين أو انحسر له على اختلاف الروايتين، ومثل ما قطع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الدجلة في وقائع الفُرس عوماً بالخيول بجميع عساكره وكانوا زيادة على ثلاثين ألفاً لم يُفقد منهم أحد، وكان الفرس إذا تعب وثب فصار واقفاً على ظهر الماء كأنه على صخر، فإذا استراح عام. قال الحرالي: {وأغرقنا} من الغرق وهو البلاغ في الشيء إلى غايته بحسبه، فإن كان في الهلاك فهو غاية وظهر معناه في الماء والبحر لبُعد قعره، وهو في الماء بمنزلة الخسف في الأرض، والنظر التحديق للصورة من غير تحقق ولا بصر - انتهى. فذكرهم سبحانه بنعمة الإنجاء منه بالرحيل عنه أولاً، ثم بإغراقه الذي هو أكبر من ذلك ثانياً بما كان بعينه سبب سلامتهم واستمر يذكرهم بما تابع لهم من النعم حيث كانوا يستحقون النقم. قال الحرالي: وقررهم على نظرهم إليهم، وفيه إشعار بفقد بصرهم لضعف بصائرهم من حيث لم يقل: وأنتم تبصرون، ولذلك عادوا بعدها إلى أمثال ما كانوا فيه من الشك والإباء على أنبيائهم بعد ذلك - انتهى.

ابو السعود

تفسير : {وأقيموا الصلاة وآتوا ٱلزَّكَوٰةَ} أي صلاةَ المسلمين وزكاتَهم فإن غيرَهما بمعزلٍ من كونه صلاةً وزكاةً، أمرهم الله تعالى بفروعِ الإسلام بعد الأمرِ بأصوله {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} أي في جماعتهم فإن صلاةَ الجماعةِ تفضُل صلاة الفذِّ بسبعٍ وعشرين درجة، لما فيها من تظاهُر النفوسِ في المناجاة، وعُبِّر عن الصلاة بالركوع احترازاً عن صلاة اليهود وقيل: الركوعُ والخضوعُ والانقيادُ لما يُلزِمُهم الشارعُ. قال الأضبطُ بنُ قُريع السعدي: [المنسرح] شعر : لا تحقِرَنّ الضعيفَ عَلَّك أن تركَعَ يوماً والدهرُ قد رَفَعَهْ تفسير : {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ} تجريدٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى بعضهم بعد توجيهِه إلى الكل والهمزةُ فيها تقريرٌ مع توبـيخٍ وتعجيبٍ والبِرُّ التوسُّعُ في الخير من البَرّ الذي هو الفضاءُ الواسعُ يتناول جميعَ أصنافِ الخيرات، ولذلك قيل البر ثلاثة: بِرٌّ في عبادة الله تعالى، وبِرٌّ في مراعاة الأقارب، وبِرٌّ في معاملة الأجانب. {وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} أي تتركونها من البر كالمَنْسيات عن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلتْ في أحبارِ المدينة كانوا يأمُرون سراً من نصَحُوه باتباع النبـي صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه طمعاً في الهدايا والصِلاتِ التي كانت تصلُ إليهم من أتباعهم وقيل: كانوا يأمُرون بالصدقة ولا يتصدقون، وقال السدي: أنهم كانوا يأمرون الناسَ بطاعة الله تعالى وينهَوْنَهم عن معصيته وهم يتركون الطاعة ويُقْدِمون على المعصية، وقال ابن جريج: كانوا يأمرون الناسَ بالصلاة والزكاة وهم يتركونهما ومدارُ الإنكارِ والتوبـيخِ هي الجملةُ المعطوفة دون ما عُطفت هي عليه. {وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ} تبكيتٌ لهم وتقريعٌ كقوله تعالى: {أية : وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} تفسير : [البقرة، الآية 42] أي والحالُ أنكم تتلون التوراةَ الناطقةَ بنعوته صلى الله عليه وسلم الآمرةِ بالإيمان به أو بالوعد بفعل الخيرِ والوعيدِ على الفسادِ والعنادِ وتركِ البِر ومخالفةِ القولِ العملَ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي أتتلونه فلا تعقِلون ما فيه، أو قبحَ ما تصنعون حتى ترتدعوا عنه، فالإنكارُ متوجِّهٌ إلى عدم العقل بعد تحققِ ما يوجبه فالمبالغة من حيث الكيفُ، أو ألا تتأملون فلا تعقلون، فالإنكارُ متوجِّه إلى كلا الأمرين، والمبالغةُ حينئذ من حيث الكم، والعقلُ في الأصل المنعُ والإمساك، ومنه العِقالُ الذي يُشدُّ به وظيفُ البعير إلى ذراعه لحبسِه عن الحَراك. سُمّي به النورُ الروحاني الذي به تُدرِك النفسُ العلومَ الضرورية والنظريةَ لأنه يحبِسُه عن تعاطي ما يقبُح ويعقِله على ما يحسُن، والآية كما ترى ناعيةٌ على كل من يعِظُ غيرَه ولا يتعظ بسوء صنيعِه وعدمِ تأثره وإن فِعْلَه فعلُ الجاهلِ بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل، والمرادُ بها كما أشير إليه حثُّه على تزكية النفس والإقبالُ عليها بالتكميل لتقوم بالحقِّ فتقيمَ غيرَها، لا منعُ الفاسق عن الوعظ. يروى أنه كان عالم من العلماء مؤثِّرُ الكلام قويُّ التصرف في القلوب، وكان كثيراً ما يموتُ من أهل مجلسه واحدٌ أو اثنان من شدة تأثير وعظِه، وكان في بلده عجوزٌ لها ابنٌ صالحٌ رقيقُ القلب سريعُ الانفعال وكانت تحترز عليه وتمنعُه من حضور مجلس الواعظِ فحضَره يوماً على حين غفلةٍ منها فوقع من أمر الله تعالى ما وقع ثم إن العجوز لقِيت الواعظَ يوماً في الطريق فقالت: شعر : لِتهدي الأنام ولا تهتدي ألا إنّ ذلك لا ينفعُ فيا حَجَرَ الشَّحْذ حتى متى تسُنُّ الحديدَ ولا تقطع تفسير : فلما سمعه الواعظ شهَق شهقةً فخرَّ عن فرسه مغشياً عليه فحمَلوه إلى بـيته فتُوفّي إلى رحمة الله سبحانه.

القشيري

تفسير : احفظوا آداب الحضرة؛ فحفظ الآداب أتمُّ في الخدمة من الخدمة، والإشارة في إيتاء الزكاة إلى زكاة الهِمَم كما تؤدَّى زكاةُ النِّعم، قال قائلهم: شعر : كلُّ شيءٍ له زكاةٌ تُودّى وزكاةُ الجمال رحمةُ مثلى تفسير : فيفيض من زوائد هممه ولطائف نظره على المُتَبِّعين والمَربين بما ينتعشون به و (...)، {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ}: تقتدي بآثار السلف في الأحوال، وتجتنب سنن الانفراد فإن الكون في غمار الجمع أسلم من الامتياز من الكافة.

اسماعيل حقي

تفسير : {واقيموا الصلاة} خطاب لبنى اسرائيل اى اقبلوها واعتقدوا فرضيتها وأدوها بشرائطها وحدوها كصلاة المسلمين فان غيرها كلا صلاة {وآتوا الزكاة} كزكاة المؤمنين فان غيرها كلا زكاة. والزكاة من زكى الزرع اذا نما فان اخراجها يتسجلب بركة فى المال ويثمر للنفس فضيلة الكرم او من الزكاء بمعنى الطهارة فانها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل. واعلم ان الكفار لا يخاطبون باداء ما يحتمل السقوط من العبادات كالصلاة والصوم ولا يعاقبون بتركها عند الحنفية فالتكليف عندهم راجع الى الاعتقاد والقبول {واركعوا مع الراكعين} اى فى جماعاتهم فان صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة لما فيها مت تظاهر النفوس فان الصلاة كالغزو والمحراب كمحل الحرب ولا بد للقتال من صفوف الجماعة فالجماعة قوة قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : ما اجتمع من المسلمين فى جماعة اربعون رجلا الا وفيهم رجل مغفور له"تفسير : فالله تعالى اكرم من ان يغفر له ويرد الباقى خائبين خاسرين. وانما فضلت صلاة الجماعة على الفذ بسبع وعشرين لان الجماعة مأخوذة من الجمع والجمع اقله ثلاثة وصلاة الانسان وحده بعشر حسنات وعشر حسنات فيها واحده واصل والتسع تضعيف بفضل الله تعالى فاذا اجتمعت التضعيفات كانت سعباً وعشرين. قال القرطبى فى تفسيره وتجب على من أدمن التخلف عن الجماعة من غير عذر العقوبة. قال ابو سليمان الدارانى اقمت عشرين سنة لم احتمل فدخلت مكة فاحدثت بها حدثا فما اصبحت الا احتلمت وكان الحدث ان فاتته صلاة العشاء بجماعة. وفى الحديث "حديث : ما افترض الله على خلقه بعد التوحيد فرضا احب اليه من الصلاة ولو كان شئ احب اليه من الصلاة لتعبد به ملائكته فمنهم راكع وساجد وقائم وقاعد ". تفسير : وينبغى للمصلى ان يبالغ فى الحضور فكان السلف لو شغلهم ذكر مال يتصدقون به تكفيرا فالاصل عمل الباطن قال تعالى {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} اى من حب الدنيا او كثرة الهموم ولا ينظر الله تعالى الى صلاة لا يحضر الرجل فيها قلبه مع بدنه فلا بد من دفع الخواطر: قال فى المثنوى شعر : اول اى جان دفع شر موش كن وانكه اندر جمع كندم كوش كن بشنو از اخبار آن صدر صدور لا صلاة تم الا بالحضور تفسير : قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى فى وصاياه للعارف الهدائى قدس الله سرهما اذا شرعت فى الصلاة لا تتفكر فى غير اظهار العبودية وتتميمها فانه اذا تم العبودية يحصل المقصود واما فى غير الصلاة فليكن فكرك وملاحظتك نفى نفسك واثبات وحدانيته تعالى فانه المقصود بالتوحيد ولا شئ افضل من التوحيد ولذلك كان اول التكاليف فبعد قبول العبد التوحيد كلف بالصلاة ثم كلف بالصوم لان فيهما اصلاح الطبيعة وبعدهما بالزكاة وفيها اصلاح النفس بازالة شحها ثم بالحج وفيه نفع للطبيعة من جهة وللنفس من جهة بذل المال وقدم الثلاث الاول لعمومها للاغنياء والفقراء واما الاخيران فالفقراء سالمون منهما ثم قال اذا كان بيت الاغنياء من الجواهر يكون بيت الفقراء من النور حتى يتمنوا ان يكونوا فقراء: قال فى المثنوى شعر : مكرها دركسب دنيا باردست مكرها در ترك دنيا واردست جيست دنيا ازخدا غافل شدن نى قماش ونقره فرزند وزن كوزهء سربسته اندر آب زفت از دل باباد فوق آب رفت باد درويشى جودر باطن بود بر سر آب جهان ساكن بود تفسير : وفى التأويلات النجمية {واقيموا الصلوة} بمراقبة القلوب وملازمة الخضوع والخشوع {وآتوا الزكوة} اى بالغوا فى تزكية النفس عن الحرص على الامور الدنيوية والاخلاق الذميمة وتطهير القلب عن رؤية الاعمال السيئة وترك مطالبة ما سوى الله فانه مع طلب الحق وزيادة والزيادة على الكمال نقصان {واركعوا مع الراكعين} اى اقتدوا فى الانكسار ونفى الوجود بالمنكسرين الباذلين الوجود لنيل الموجود.

الطوسي

تفسير : اللغة: الصلاة في أصل اللغة: الدعاء. قال الأعشى: شعر : عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوماً فان لجنب المرء مضطجعا تفسير : أي دعوت. وقال آخر: شعر : وقابلها الريح في دّنها وصلى على دّنها وارتسم تفسير : أي ودعا. وقيل: أصلها: اللزوم. من قول الشاعر: شعر : لم أكن من جناتها علم الله واني لحرها اليوم صال تفسير : أي ملازم لحرها. وكان معنى الصلاة، ملازمة العبادة على الحد الذى أمر الله عز وجل. وقيل: أصلها: الصلا وهو عظم العجز لرفعه في الركوع والسجود من قول الشاعر: شعر : فآب مصلوه بغير جلية وغودر بالجولان حزم ونائل تفسير : اي الذين جاؤوا في صلا السابق. والقول الأول أقرب إلى معنى الصلاة في الشرع. وقد بينا معنى إقامة الصلاة فيما مضى، فلا وجه لاعادته. وقوله: {وآتوا الزكاة} فالزكاة. والنماء، والزيادة، نظائر في اللغة. ونقيض الزيادة: النقصان. ويقال: زكا، يزكو زكاء. وتزكى، تزكية. قال صاحب العين: الزكاة، زكاة المال، وهو تطهيره. ومنه زكى، يزكي، تزكيةً. والزكاة: زكاة الصلاح تقول: رجل تقي زكي. ورجال أتقياء أزكياء. والزرع زكا زكاء ـ ممدود ـ. وكل شيء يزداد وينمو، فهو يزكو زكاء. وتقول: هذا لا يزكو بفلان أي لا يليق به. قال الشاعر: شعر : المال يزكو بك مستكثراً يختال قد أشرق للناظر تفسير : ومصدر الزكاة: ممدود. ويقال: إن فلاناً لزكا النقد أي حاضره وعتيده. والزكا: الشفع قال الشاعر: شعر : كانوا خساً أو زكاً من دون أربعة لم يخلقوا وجدود الناس تعتلج تفسير : والخسا، الوتر. وأصل الباب: النمو، والزكاة تنمي المال بالبركة التى يجعل الله فيه. وسمي بالزكاة في الشريعة، ما يجب إخراجه من المال، لأنه نماء ما ينقى ويثمر. وقيل: بل مدح لما ينقى، لأنه زكي أي مطهر. كما قال: {أية : أقتلت نفساً زكية بغير نفس}تفسير : أي طاهرة ـــ وقوله: {واركعوا}. فالركوع، والانحناء، والانخفاض نظائر في اللغة. يقال: ركع، ورفع قال الشاعر: شعر : لا تهين الفقير علك أن تركع يوماً والدهر قد رفعه تفسير : قال أبو زيد: الراكع: الذي يكبو على وجهه. ومنه الركوع في الصلاة. قال الشاعر: شعر : وأفلت حاجب فوق العوالي على شّقاء تركع في الظراب تفسير : والركعة: الهوة في الارض ـ لغة يمانية ـ قال صاحب العين: كل شيء ينكب لوجهه، فتمس ركبته الأرض أولا تمس، بعد أن يطأطىء رأسه، فهو راكع. قال الشاعر: شعر : ولكني أنص العيس تدمى أيا طلها وتركع بالحزون تفسير : وقال لبيد: شعر : أخبر أخبار القرون التي مضت أدب كأني كلما قمت راكع تفسير : وقيل: إنه مأخوذ من الخضوع. ذهب اليه المفضل بن سلمة والأصمعي. قال الشاعر: شعر : لا تهين الفقير علك أن تركع يوماً والدهر قد رفعه تفسير : والأول أقوى، لأن هذا مجاز مشبه به. وقوله: {واركعوا مع الراكعين} إنما خص الركوع بالذكر من أفعال الصلاة، لما قال بعض المفسرين: إن المأمورين هم أهل الكتاب، ولا ركوع في صلاتهم. وكان الأحسن ذكر المختص دون المشترك، لأنه أبعد عن اللبس. وقيل: لأنه يعبر بالركوع عن الصلاة. يقول القائل: فرغت من ركوعي أي من صلاتي. وانما فعل ذلك، لأنه أول ما يشاهد مما يدل على أن الانسان في الصلاة، لأنا بينا أن أصل الركوع الأنحناء. فان قيل: كيف أمروا بالصلاة والزكاة وهم لا يعرفون حقيقة ما في الشريعة؟ قيل: إنما أمروا بذلك، لأنهم أحيلوا فيه على بيان الرسول اذ قال: {أية : ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}.تفسير : ولذلك جاز أن يأمرهم بالصلاة على طريق الجملة، ويحيلهم في التفصيل إلى بيان الرسول "صلى الله عليه وسلم". وقد بينا ما ورد الشرع به، من الصلاة والزكاة، وفرائضها وسننها في كتاب النهاية والمبسوط وغيرهما من كتبنا في الفقه، فلا نطول بذكره في هذا الكتاب. وقد ورد في القرآن على طريق الجملة آي كثير: نحو قوله: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}. وقوله {أية : وأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً}. تفسير : وقوله: {أية : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى} تفسير : وقوله: {أية : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون} تفسير : ويمكن الاستدلال بهذه الآيات على وجوب الصلوات، وعلى صلاة الجنائز، وصلاة العيدين، وعلى وجوب الصلاة على النبي وآلة في التشهد، لأنه عام في جميع ذلك. فان قيل: قوله: {وأقيموا الصلاة} قد ثبت أن هذا خطاب لأهل الكتاب، وليس في صلاتهم ركوع، فكأنه أمرهم بالصلاة على ما يرون هم، وأمرهم بضم الركوع إليها. وعلى معنى قوله: "اركعوا" ـ أي صلوا نقول: إن ذلك تأكيد. ويمكن أن يقال: فيه فائدة. وهو أن يقال: إن قوله: {وأقيموا الصلاة} إنما يفيد وجوب إقامتها. ويحتمل أن يكون إشارة إلى صلاتهم التي يعرفونها. ويمكن أن يكون إشارة إلى الصلاة الشرعية، فلما قال: {واركعوا مع الراكعين} يعني مع هؤلاء المسلمين الراكعين، تخصصت بالصلاة في الشرع، ولا يكون تكراراً، بل يكون بياناً. وقيل: قوله: {واركعوا مع الراكعين} حث على صلاة الجماعة، لتقدم ذكر الصلاة المنفردة في أول الآية.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : لمّا أمرَهم أوّلاً بما يتعلّق بالعلوم الدينية كالإيمان بالمعارف الإلهيّة المنزَلة على النبي (صلى الله عليه وآله) في القرآن، ثمّ نهاهم ثانياً عن الكفر بها طلباً للعاجل، وعن المغالطة وتلبيس الحقّ بالباطل، وكتمان دلائل النبوّة، فكلّفهم بعد ذلك بالتزام الأعمال الشرعيّة، وذكر من جملتها ما هو كالدعائم والأصول فيها - وهو الصلاة التي هي أعظم العبادات البدنيّة، والزكاة التي هي أعظم العبادات الماليّة - أعني صلاة المسلمين وزكاتهم، وأنّ غيرهما كَلا صلاة ولا زكاة، وبالجملة أمَرهم بفروع الإسلام العمليّة كما أمَرهم بأصوله العلميّة. وفيه دليلٌ على أنّ الكفّار مأمورون بالفروع وإن لم يصحّ منهم إلاّ بعد الإيمان. الصلاة واعلم أنّ لفظ الصلاة من الأسماء الشرعيّة، ولا شيهة في أنّها عربيّة، فلا يجوز أن يكون الشرع ارتجلها ابتداء من غير نقْل، وإلاّ لم يصح قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً} تفسير : [يوسف:2]. فلا بدّ أن يكون له في اللُّغة معنى آخر. فاختلفوا في أصله: فقيل: الدُّعاء. قال الأعشى. شعر : عليك مثلُ الذي صلَّيت فاغتمضي نوماً فإنّ لجنب المرء مضطجعا تفسير : أي: دعوت. وقيل: اللزوم. قال الشاعر: شعر : لم أكُن من جناتها - عَلِم اللهُ - وإنّي بحرّها اليوم صال تفسير : أي: ملازم بحرّها. فكان معنى الصلاة ملازمة العبادة على الحدّ الذي أمر الله به. وقيل: أصلها من "الصَّلا" وهي: عظم العَجْز. لرفعه في الركوع والسجود. وقيل: مأخوذة من "المُصَلّي" وهو الفرس الذي يتبع غيره. وعلى القول الأول أكثر العلماء، إذ لا صلاة إلاّ ويقع فيها الدعاء أو ما يجري مجراه. وربما تخلو صلاة عن متابعة الغير، وإذا عمّ وجه الشبه في كلّ الصور كان أولى ممّا يختصّ ببعضها. وأيضاً اطلاق اسم الجزء على الكلّ أمرٌ شائع مشهور، فالحمل عليه أولى. قال بعض الصوفية: اشتقاق الصلاة قيل من "الصَّلى". وهي النار. والخشبة المعوجة إذا أرادوا تقويمها تُعرض على النار ثمّ تقوّم. وفي العبد اعوجاج لوجود نفسه الأمّارة بالسوء، وسبَحات وجه الله الكريم التي لو كشف حجابها لأحرقت مَن أدركته، يصيب بها المصلّي من وهج السطوة الإلهية والعظمة الربّانيّة ما يزول اعوجاجه، بل يتحقّق به معراجُه. فالمصلّي كالمصطلي بالنار. ومن اصطلى بنار الصلاة وزال بها اعوجاجُه لا يُعرض على نار جهنم. ورَوى أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني - ره - في الكافي، والصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه: أنّه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : ما مِن صلاة يحضُر وقتُها إلاّ نادى ملَك بين يدَي الناس: أيُّها الناس قُوموا إلى نيرانِكم التي أوقدتُموها على ظُهورِكم، فاطفؤُها بصلاتكم ". تفسير : وقد ورَد: "حديث : إنّ الله إذا تجلّى لشيء خضَع له" تفسير : ومن يتحقّق بالصّلة في الصلاة تلمعُ له طوالعُ التجلّي فيخشع، والفلاح للذين هم في صلاتهم خاشعون، وبانتفاء الخشوع ينتفي الفلاح، وشهِد القرآن المجيد بالفلاح للمصلين. وروى ابن عباس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : لمَّا خلَق الله تعالى جنَّة عدن، وخلَق فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعتْ ولا خطَر على قلبِ بشرٍ، قال لها: تكلّمي. قالت: {قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ} [المؤمنون:1] ثلاثاً ". تفسير : وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : إنّ العبدَ إذا قامَ إلى الصلاة فإنّه بينَ يدَي الرحمن، فإذا التفتَ قال له الربّ: إلى مَن تلتفت؟! إلى من هو خيرٌ لكَ منّي؟ إبن آدم أقبِل إليَّ، فأنا خير لك مما تلتفت إليه ". تفسير : وأبصَر رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة، فقال له: "حديث : لو خشع قلبُ هذا خشعت جوارحُه ". تفسير : وقال بعضهم: "الصلاة في اللغة هي الدعاء. فكأنّ المصلّي يدعو الله بجميع جوارحِه، فصارتْ أعضاؤه كلّها ألسِنَة، يدعو بها ظاهراً وباطناً، وتشارَك الظاهرُ والباطنُ بالتضرّع والتقلّب في الهيئات والتملّقات، تملّق متضرّع سائل محتاج. فإذا دعا بكلّيته أجابه مولاه، لأنّه وعد فقال: {أية : ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ} تفسير : [غافر:60]. أمَرهم بالدعاء، ووعَدهم بالاجابة، وليس بينهما شرطٌ. "والاستجابة والاجابة هو نفوذ دعاء العبد. وإنّ الداعي الصادق، العالِم بمن يدعوه بنور يقينه تخرق دعوتُه الحجُب، وتقف الدعوة بين يدي الله متقاضية للحاجة". "وإذا كانت الصلاة للذكر فكيف يسَع فيه النسيان، قال الله تعالى: {أية : لاَ تَقْرَبُواْ ٱلصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ}تفسير : [النساء:43]. فمَن قال، ولا يعلم كيف يصلّي - وقد نهاه الله عن ذلك - فالسّكران يقول الشيء لا بحضور عقلي، وكذلك الغافلُ الذي يصلّي لا بحضور القلب فهو كالسَّكران". "وقيل في غرائب التفسير في قوله تعالى لموسى (عليه السلام) {أية : ٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى} تفسير : [طه:12] أي: "همُّك بامرأتك وغنمِك". فالاهتمام بغير الله سُكرٌ في الصلاة. "وقيل: إنّ أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانوا يرفعون أبصارهم يميناً وشمالاً. فلمّا نزلت: {أية : ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ} تفسير : [المؤمنون:2]. جعلوا وجوهَهم حيث يسجُدون. وما رُئي بعد ذلك أحدٌ منهم ينظر إلاّ إلى الأرض. وخصّ الله هذه الأمّة بانزال فاتحة الكتاب، وفيها تقديم الثناء على الدعاء ليكون أسرع إلى الاجابة، وهي تعليم الله عبادَه كيفيّة الدعاء. وفاتحة الكتاب هي السبع المثاني والقرآن العظيم. وقيل: سمّيت مثاني لأنّها نزَلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرّتين. مرّة بمكّة، ومرّة بالمدينة. وكان له (صلى الله عليه وآله) بكلّ مرّة نزلت منها فهمٌ آخر. بل كان له بكلّ مرّة قرأها - على الترداد مع طول الزمان - فهْمٌ آخر. وهكذا أهل التحقيق من المصلّين من أمّته، ينكشف لهم عجائب أسرارها، ولوامع أنوارها، ويقذف لهم كلّ مرّة دُرر بحارها. وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أنَّه قال: "إذا قام أحدُكم إلى الصلاة فليسكن أطرافه، ولا يتميّل تميُّل اليهود، فإنّ سكونَ الأطراف من تمام الصلاة". وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، تعوّذوا بالله من خشوع النفاق. وقيل: وما خشوع النفاق؟ قال: خشوع البدن ونفاق القلب. واليهود يتميّلون في الصلاة. قال بعض الصوفية: سببه أنَّه كان موسى (عليه السلام) يعامل بني إسرائيل على ظاهر الأُمور، لقلّة ما في باطنهم من نور المعرفة، وكان يُهيّب الأُمور في أعينهم ويعظّمها، ولهذا المعنى أوحى الله أن يُحلّي التوراة بالذهب. ووقَع لي - والله أعلم - أنَّ موسى (عليه السلام) كان يرد عليه الوارد في صلاته ومحال مناجاته، فيتموّج به باطنُه كبحرٍ ساكنٍ يَهبُّ عليه، فتتلاطم الأمواج، فكان تمايل موسى (عليه السلام) لتلاطم أمواج بحر القلب إذا هبّت عليه نسيمات الفضل. وربما كانت الروح يتطلّع إلى الحضرة الإلهيّة، فيهم بالاستعلاء، وللقلب بها تشبّه وامتزاج، فيضطرب القالب ويتمايل، فيرى اليهود ظاهره، فتمايلوا من غير حظّ لبواطنهم من ذلك. ولهذا المعنى قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : انكاراً على أهل الوسوسة: هكذا خرجت عظمته من قلوب بني إسرائيل، حتى شهدت أبدانهم، وغابت قلوبهم. لا يقبل الله صلاة امرئ لا يشهد فيها قلبُه كما يشهد به بدنُه. وإنّ الرجل على صلاته دائم لا يكتب له عُشرها إذا كان قلبُه ساهياً لاهياً ". تفسير : تنبيه فضل الصلاة واعلم أنّ الله تعالى أوجب الصلوات الخَمس وقد قال (صلى الله عليه وآله) "حديث : الصلاة عِمادُ الدينِ" تفسير : و "حديث : مَن ترك الصلاة فقد كفَر"تفسير : . وعنه (صلى الله عليه وآله) في طريق أهل البيت (عليهم السلام): "حديث : ما تقرّب العبدُ إلى الله تعالى بشيءٍ بعد المعرفةِ أفضَل مِن الصلاة" تفسير : الصلاة تحقيق العبوديّة، وأداء حقّ الربوبيّة وسائر العبادات وسائل إلى تحقيق سرّ الصلاة. قال سهل بن عبد الله التستري: يحتاج العبد إلى السُّنن الرواتب لتكميل الفرائض، ويحتاج إلى النوافل لتكميل السُّنن، ويحتاج إلى الآداب لتكميل النوافل، ومن الأدب ترك الدنيا. وقد ورَد في الأخبار: إنّ العبدَ إذا قام إلى الصلاة رفع الله تعالى الحجابَ بينه وبينه، وواجَهه الكريم، وقامَت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهواء يصلّون بصلاته ويؤمِّنون على دعائه، وإنّ المصلّي لينثر عليه البرّ من أعنان السماء إلى مفرق رأسه، ويناديه منادٍ: لو علِم المصلّي مَن يناجي لَما التفت، أو مَا انفتل". وقريب من هذا ما رواه أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، أنّه قال: "للمصلّي ثلاث خصال: إذا هو قام في صلاته حفّت به الملائكة من قدَميه إلى أعنان السماء، وتناثَر البرّ عليه من أعنان السماء إلى مفرق رأسه، وملك موكل به ينادي: لو يعلم المصلّي مَن يناجي ما انفتل". وقيل: قد جمَع الله تعالى للمصلّين في كلّ ركعة ما فرّق على أهل السماوات فلله ملائكة في الركوع مذ خلَقهم الله، لا يرفعون رؤوسهم من الركوع إلى يوم القيامة وهكذا في السجود والقيام والقعود. والعبد المتيقّظ يتّصف في ركوعه بصفة الراكعين منهم. وفي السجود بصفة الساجدين منهم. وفي كلّ هيئة هكذا. ويصير كالواحد منهم وبينهم. وقيل: في الصلاة أربع هيآت، وستّة أذكار. فالهيآت: القيام والقعود والركوع والسجود. والأذكار: هي التلاوة والتسبيح والحمد والاستغفار والدعاء والصلاة على النبيّ وآله. فصارت عشرة كاملة، يتفرّق هذه العشرة إلى عشرة صفوف من الملائكة، كلّ صفّ عشرة آلاف، فيجتمع له في الركعتين ما يتفرّق على مأة ألف من الملائكة. وفي طريق أصحابنا الإمامية - رضوان الله عليهم - أحاديث كثيرةٌ في فضل الصلاة وأسرارها، نقلها جميعاً يؤدّي إلى التطويل: منها: إنّه قال النبي (صلى الله عليه وآله): "حديث : مثَل الصلاة مثَلُ عمود الفُسطاط، إذا ثَبت العمود ثبتَت الأطناب، والأوتاد، والغِشاء، وإذا انكسَر العمود لم ينفع طُنبٌ، ولا وتَد، ولا غشاء ". تفسير : وقال (صلى الله عليه وآله): "حديث : إنّما مثَل الصلاة فيكم كمثل السَّرِيّ - وهو النهر - على باب أحدكم، يَخرج إليه في اليوم والليلة، ويغتسل منه خمس مرّات ". تفسير : وقال الصادق (عليه السلام): "مَن قَبِل الله منه صلاة واحدةً لم يعذبه". أقولُ: وذلك لأنّ الصلاة مشتملة على معرفة الله، وصفاته، وتوحيده، واليوم الآخر، وكلّ من أدّاها بشروطها، عارفاً بأصولها وأركانها، فهو من أهل القُرب والولاية، فكيف تمسّه النار، وهو في بحبوحة القُرب. وقال الصادق (عليه السلام): أقرب ما يكون العبدُ إلى الله عزّ وجل وهو ساجدٌ قال الله تعالى {أية : وَٱسْجُدْ وَٱقْتَرِب} تفسير : [العلق:19]. وقال أبو جعفر (عليه السلام): ما من عبدٍ من شيعتنا يقومُ إلى الصلاة إلاّ اكتنفته بعدد من خالفه ملائكةٌ يصلّون خلفه، ويدعون الله عزّ وجل له حتّى يفرغ من صلاته. فصل في الزكاة وأمّا الزكاة فهي في اللغة بمعنى النماء قال: "زَكَى الزرع" إذا نَمى. وبمعنى التطهير، قال تعالى: {أية : أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً} تفسير : [الكهف:74]. أي: طاهرة وقال: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} تفسير : [الشمس:9]. أي: طهّرها. وقال {أية : وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ} تفسير : [فاطر:18]. أي تطهّر بطاعة الله. ولعلّ اخراج نصف دينار من عشرين ديناراً - مثلاً - سمّي في الشرع "زكاة" نظراً إلى هذين الوجهين. فعلَى الوجه الأول: يستجلب الزكاة بركة في المال، وفضيلة في النفس، فهي نماء في المعنى، وإن كان نقصان في الصورة، لأنّ في هذا الإعطاء يدفع الله البلاء عن المال، ويزيد في قوّة النفس بترْك الحرص في الحال طلباً للثواب في المآل. ولهذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): حديث : عليكَ بالصدقة، فإنّ فيها ستّ خصال، ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة. فأمّا التي في الدنيا فتزيد في الرزق، وتكثر في المال، وتعمر الديار. وأمّا التي في الآخرة فتستر العورة، وتصير ظلاًّ فوق الرأس، وتكون ستراً من النار . تفسير : وعلى الوجه الثاني فَتُطهِّر المال من الوسَخِ والخبَث، وتُطهّر النفسَ من الرذيلة والبخل. قال تعالى لنبيِّه (صلَّى الله عليه وآله): {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} تفسير : [التوبة:103]. واعلم أن سرّ الزكاة وعلّة وجوبها تطهير النفْس من محبّة المال، وفي كلام سقراط الحكيم: "محبّة المال وتَد الشرّ" وقال (صلى الله عليه وآله): "حديث : حبُّ الدنيا رأس كلّ خطيئة"تفسير : قرأ بعض الفضلاء هذا الحديث هكذا: "حبّ الدينارِ أسُّ كلّ خطيئة". وأمّا مواساة الفقراء: فهي واقعةٌ بالعرض، ولا تضيق قدرة الله عن أن يرزقهم من وجه آخر، غير ايجاب الزكاة على الأغنياء. وروى أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني - رحمه الله - عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "مانعُ الزكاة يطوّق بحيّة قرعاء تأكل من دماغه". وذلك قول الله عز وجل: {أية : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [آل عمران:180]. وروي عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوماً لأصحابه: "حديث : ملعونٌ كلّ مال لا يزكّى. ملعونٌ كلّ جسد لا يزكّى ". تفسير : وبرواية أُخرى عن الصادق (عليه السلام): "ملعونٌ ملعونٌ مال لا يزكّى". وروى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) أنَّه قال: "ما من عبد منَع من زكاة مالِه شيئاً إلاّ جعل الله ذلك يومَ القيامة ثُعباناً من نار مطوقاً في عُنقه، ينهَش من لحمِه حتّى يفرغ من الحساب، وهو قول الله تعالى: {أية : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [آل عمران:180] وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: حديث : مَن آتاه الله مالاً فلم يؤدّ زكاته مُثّل له يومَ القامة شُجاعاً أقرع. له زبيبتان يطوّقه، ثمّ يأخذ بلهزمتيه - يعني شحمة الأذن ثمّ يقول: أنا مالُكَ. أنا كنزُكَ. - ثمّ تلا- : {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [آل عمران:180] تفسير : الآية. وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): حديث : ما من صاحب ذهبٍ ولا فضّةٍ لا يؤدّي منها حقّها إلاّ إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنّم، فتكوى بها جنْبه وجَبينه وظهره كلّما بردت أُعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فيرى سبيله، إمّا إلى الجنّة، أو إلى النار . تفسير : وقال (صلى الله عليه وآله): حديث : ولا صاحب ابل لا يؤدّي منه حقّها، إلاّ إذا كان يوم القيامة بطَح لها بقاع قرقر - أرض مستوية - أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلاً واحداً، تطؤه بأخفافها، وتعضّه بأفواهها، كلّما مرّ عليه أولاها ردّ عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إمّا إلى الجنّة. وإمّا إلى النار. ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدّي منها حقّها، إلاّ إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قَرقَر لا يفقد منها شيئاً، ليس فيها عَقصاء ولا جَلحاء ولا عَضباء تنطحه بقُرونها، وتطأه بأظلافها، كلّما مرّ عليه أولاها ردّ عليه اخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد فيرى سبيله، إمّا إلى الجنّة، وإمّا إلى النار . تفسير : وروي أيضاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : ما من رجُل يكون له ابلٌ أو بقَر أو غنَم لا يؤدّي حقّها، إلاّ أُتي بها يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمَنه، تطؤه بأخفافها وتنطحه بقرونها، كلّما جازت أخراها، ردّت عليه أولاها، حتّى يُقضى بين الناس ". تفسير : واعلم أنَّ هذه التمثيلات المشاهَدة يوم القيامة، كما ورَد في هذه الأحاديث كلّها حقٌّ وصدق يجب الإيمان بها، ولكنّي أراك - يا حبيبي - عاجزاً عن فهمها، وسرّ حقائقها، وروح معانيها، لأنّك ونُظرائك عاكِفون على أصنام الأجسام الدنيوية لا تجاوزونها في باب الاعتقاد. ولو نظَرتم إلى هذه الأجسام الدنيوية المشاهَدة لهذه الحواس أيضاً لعلِمتم أنَّ أصلَها نشأت من المعاني والجهات العقليّة، التي اقتضت وجودَها اقتضاء ذاتيّاً، كعلوم الباري جلّ ذكره، أو ادراكات المبادئ المقوّمة إيّاها، فهذه الأجسام كأنّها معانٍ تجسّمت، وتكوّنت، وانحصرت في مضائق الأبعاد والأحياز، وكأنّها أرواح تجسّدت، وعقول تشكلت، إلاّ أنَّ بعضها وجدت على سبيل الحركة والاستعداد بمشاركة انفعال من الموادّ، وبعضها نشأت على سنّة الإبداع في الإيجاد. وأمّا الدار الآخرة - وهي دار القرار ودار جلال الله وكبريائه - فالقدرة فيها أوسع، وأقوى، فبأن يتكوّن به الأشكال، والأمثال، والأبعاد والأجرام من المعاني، والاعتقادات، والأفكار، والملكات، كان أليق وأولى. فليعلم أنَّ هذا الثُّعبان المطوّق في عنق مانع الزكاة، والحيَّة القَرعاء التي تأكل من دماغه، والشجاع الأقرع المتمكن من أن يأخذ بلهزمتيه - المتمثّل له يوم الآخرة - وكذا الابل، والبقر، والغنم، التي ستطأه يوم القيامة بأخفافها، وتنطحه بقرونها، ليست بأمور خارجة عن ذات الميّت - أعني ذات روحه، لا ذات جسده، فإنَّ الروح هي التي تتألّم وتتنعّم - بل هي ممّا كانت معه قبل موته متمكّنة من صميم باطنه: لكنّه لم يكن يحسّ بلذعها، وكيّها، ووطئها، ونطحها، لخدر، وسكر، كانا فيه؛ لغلبة الشهوات والشواغل المُلهية عن ذكْر الآخرة، المنسيَة للقاء عالَم المعاني والحقائق المتمثّلة بصوَرها الأصليّة. فإنّ لكل معنى صورة أصليّة هي مثال ذاتها بالحقيقة وصورَة مجازيّة لها تعلّق مّا بتلك الصورة الأصليّة، فيه مِثال المثال. فالأشكال الأُخرويّة هي مِثالات المعاني والحقائق، والأجسام الدنيويّة هي أمثالٌ وضعيّة تمثّلت بتوسّط الحركات والانفعالات، فهي كالنسخة الثانية لكتاب الحقائق، ولهذا ممّا يقع فيها الخطأ في الحكاية عنها لمن قلّتْ ممارستُه لقراءة الكتب، فيرى الظُّلمة نوراً، والظلّ حَروراً، والهاوية قصوراً، والمحنة سُروراً، والعذاب راحة، والنقمة نعمة، والقبيح حسَناً، والحسَن قبيحاً. فجميع ملاذّ الدنيا ينقلب آلاماً في الآخرة، وذلك مما يشاهده أهل البصيرة بعيون قلوبهم الصافية عن غشاوة الشكّ والامتراء، فهم يشاهدون كيف تتمثّل هذه الهيئات النفسانيّة وتتجسّم يوم القيامة، ويقرؤون كتابهم وكتاب غيرهم قبل نشْر الكتب، ويحاسِبون أنفسهم قبل أن يحاسَبوا. فيعلمون أنَّ جميع ما ورَد في باب مانع الزكاة حقٌّ وصدق، ويعلمون سرّ قوله تعالى: {أية : فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ}تفسير : [التوبة:35] وسر قوله: {أية : ذٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسْتَحَبُّواْ ٱلْحَيَاةَ ٱلْدُّنْيَا عَلَىٰ ٱلآخِرَةِ} تفسير : [النحل:107]. وقوله: {أية : أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنْيَا وَٱسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا} تفسير : [الأحقاف:20] الآية. ولو كانت هذه الأُمور المؤلمة المعذّبة عند الموت خارجة عن ذات الميّت - كما يظنّه الظاهريّون - لكانت أهون، إذ ربما يتصوّر أن ينحرف عنه الثُّعبان، أو ينحرف هو عنه، أو يقع بينهما حاجزٌ، لا بل هو متمكّن من صميم فؤاده، يلذعه لذعاً أعظم مما يفهمه من لذع هذه الثعابين، وهو بعينه صفته التي كانت معه في الدنيا أي محبّته للمال التي منشأ تألّمه بفقْده في المآل. فصل قوله تعالى: {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} أي: صلّوا مع المصلّين المسلمين. فإنّ صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة. وفي رواية أصحابنا: "صلاة الرجل في جماعة تفضل صلاة الفرد بأربع وعشرين صلاة. فيكون خمساً وعشرين صلاة" لما فيها من تظاهر النفوس. وعبّر عن الصلاة بالركوع تسميةً للكلّ بأشهر أجزائه. لأن الركوع أوّل ما يشاهد من الأفعال التي يستدلّ بها على أنّ الإنسان يصلّي. فعلى هذا لا تكرار لفظاً ولا معنى. لأنّ في الأوّل أمر باقامتها، وفي الثاني أمر بفعلها مع الجماعة. وقيل: كأنّه كرّر لفظ الصلاة تأكيداً. ويحتمل أيضاً أن يكون الأوّل: إشارة إلى مطلق الصلاة، أو الصلاة التي تعرفونها. والثاني: إشارة إلى الشرعيّة. وقيل: خصّ الله الركوعَ بالذكْر، لأنّ صلاة اليهود لا ركوع فيها. ففيه تكليفٌ لهم بصلاة المسلمين. وقيل: المراد من الركوع: الخضوع والانقياد لما يلزمهم الشارع. قال الشاعر: شعر : لا تذلّ الضعيف علّك أنْ تركعَ يوماً والدهرُ قد رفعَه تفسير : فكأنّه تعالى لمّا أمَرهم بالصلاة والزكاة أمَرهم بعد ذلك بالانقياد، والخضوع، وترك التمرّد. كما قال الله في مقام المدح: {أية : أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [المائدة:54]. وقد وقع هكذا في قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}تفسير : [المائدة:55].

الجنابذي

تفسير : {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} قد مضى بيان للصّلاة واقامتها وللزّكاة وايتائها فى اوّل السّورة {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} الرّكوع فى اللّغة وفى العرف العّامّ الانحناء وقد يستعمل فى التّذلّل مجازاً، وفى عرف المتشرّعة عبارة عن الانحناء المخصوص الواقع فى الصّلاة ويستعمل مجازاً فى الصّلاة وامّا فى لسان الشّارع فلو سلّم ثبوت الحقائق الشّرعيّة لم يعلم نقله الى الانحناء فى الصّلاة ولو سلّم نقله اليه كثر استعماله فى الخضوع والتّذلّل ايضاً بحيث كان استعماله فى الخضوع غالباً على استعماله فى ركوع الصّلاة ولمّا كانت الصّلاة المسنونة فى شريعتنا عبادةً جامعةً لعبادات سائر الموجودات تكويناً ولعبادات الملائكة ولعبادات مقامات الانسان وشؤنه كان ركوع الصّلاة صورة عبادة الملائكة الرّكّع وصورة عبادة الحيوان المنكوس الرّأس الى الارض، وصورة عبادة مقامه الّذى به اصلاح معاشه وتدبير دنياه بقوله تعالى: {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} بعد ذكر الصّلاة امر بالجماعات او بالاتّفاق مع المسلمين فى عبادتهم وخضوعهم او بموافقة اهل الدّنيا فى مرمّة المعاش يعنى لا ينبغى لكم ان يكون اقامة الصّلاة مانعةً عن مرمّة معاشكم بل ينبغى ان تكون مقتضيةً لمرمّة المعاش واصلاح الدّنيا بحيث تكونوا رجالاً لا تلهيكم تجارة ولا بيع عن ذكر الله واقام الصّلاة.

الحبري

تفسير : حَدَّثَنَا عليُّ بنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَني الحِبَريُّ، قال: حَدَّثَنَا الحَسَنُ بنُ حُسَيْنٍ، قالَ: حَدَّثَنَا حِبَّانُ، عن الكَلْبِيّ، عن أَبي صالِحٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ: {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ}. أَنَّها نَزَلَتْ في: رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ [وَآلِهِ]، وَعَلِيٍّ ابن أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَهُما أَوَّلُ مَنْ صَلَّى وَرَكَعَ.

فرات الكوفي

تفسير : {وَارْكَعُوا مَعَ الراكِعين 43} [وبالسند المتقدم في ح11 عن ابن عباس]: وقوله: {واركعوا...} أنها نزلت في رسول الله صلى الله عليه [وآله وسلم. ن] وعلي بن أبي طالب عليه السلام [خاصة. ن] وهما أوّل من صلّى وركع.

اطفيش

تفسير : {وَأَقِيموا الصَّلاَةَ}: أل للجنس أو للعهد، وعلى كل حال المراد الصلوات الخمس. {وَآتُوا الزَّكَاةَ}: النَّبى أى صيروها آتية إياه حاضرة بين يديه، يفرقها فى أهلها ويجعلها فيما يقوى الإسلام، زكاة العين والأنعام والحبوب، فذلك صلاة المؤمنين وزكاتهم، وأما صلاة هؤلاء الأواخر وزكاتهم، فلا تفيدانهم شيئاً، بل تزيدانهم عذاباً، أمرهم الله ـ جل وعلا ـ بفروع الإسلام بعد أمره إياهم بأصوله، فهذا نص فى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة كما يخاطبون بأصولها، فهم معاقبون على ترك الفروع كما يعاقبون على ترك الأصول، ومثل ذلك قوله تعالى: {أية : ما سلككم فى سقر قالوا لم نك من المصلين... تفسير : إلى آخره ولا فرق فى ذلك بين من جحد الله وبين من جعل له شريكاً، وبين من أقر بالله وجحد بسيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو غيره من الأنبياء، وليس ذلك مختصاً بمشركى هذه الأمة. والمراد بالزكاة هنا وفى مثل هذا المقام نفس الجزء الذي يخرج من المال، لا إخراجه لقوله: {آتوا} سمى باسم المصدر مبالغة فى أن بركة المال تزكوا به، وكذا ثواب الأعمال وفضيلة الكرم فى النفس، أو فى أن المال يطهر بها من الخبث والتلف، والنفس من البخل، فإن الزكاة لغة تستعمل بمعنى النمو وبمعنى الطهارة. {وَارْكَعُوا}: صلوا الصلوات الخمس. {مَعَ الرَّاكِعِين}: المصلين لهن بالجماعة: محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. روى الربيع بن حبيب عن أبى عبيدة عن جابر بن زيد عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصلاة فى الجماعة خير من صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة"تفسير : . وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : بخمس وعشرين درجة"تفسير : . وقد ذكر أبو عبد الله محمد بن عمرو بن أبى ستة فى حاشية ترتيب مسند الربيع الجمع بينهما، بأن يكون الخمس والعشرون فى بعض الناس لقرب ديارهم من المسجد، أو لضعف إخلاصهم أو طهارتهم، أو خشوعهم أو إمامهم، والسبع والعشرون لغيرهم، وبنحو ذلك، والآية دليل على وجوب صلاة الجماعة إذا كانت الجماعة مستقيمة، عبر عن الصلاة بجزئها وهو الركوع، ويجوز أن يراد به الخضوع أى اخضعوا مع الخاضعين لأمر القرآن، ومحمد صلى الله عليه وسلم. قال الأصبط السعدى بن قُريع، قال زكريا هو من شعراء دولة بنى أمية: شعر : لا تهينَ الفقير علك أن تركع يوما والدهر قد رفعه تفسير : أى تخضع وتذل، وروى لا تذل الفقير. وفتح تهين على حذف نون التوكيد الخفيفة، وقال: الشيخ خالد الأصبط السعدى المذكور قبل الإسلام بخمسمائة عام، ويمكن الجمع بأنه سبق الإسلام بذلك وأدركه، وعاش إلى دولة بنى أمية، وقبْل البيت: شعر : كل ضيق من الأمور يسع وسنا الصبح لا بقاء معه تفسير : وفى الآية دليل على خطاب الكفار بفروع الشريعة أيضاً، فإن إيقاع الصلاة فى الجماعة من فروعها أيضاً أمر اليهود بالصلاة الخمس، ثم أمرهم بأدائها مع الجماعة.

اطفيش

تفسير : {وَأَقِيمُوا الصَّلَٰوةَ وَءَاتُوا الزَّكَٰوةَ} المنزلتين فى القرآن، لوجوب الإيمان به واتباعه عليكم {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} محمد وأصحابه، جماعة أو الجنس فالكفار مخاطبون بفروع الشريعة كما خوطبوا بالتوحيد، وتأويل الآية ونحوها بآمنوا بوجوب إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ليكون من الأصول دعوى بلا دليل وتكلف، والحق جواز الأمر بالشىء قبل بيانه، لا ليفعلوه قبل بيانه، فليس ذلك من تأخير البيان عن وقت الحاجة، كما تقول لعبدك، خِط هذا الثوب، فيقول: لا أعرف، فتقول سأعلمك، وأنت حين مرته عارف بأنه لا يعرف، وقدم الصلاة تدريجاً لأنها أسهل على النفس من المال، ولأنها أفضل العبادات بعد التوحيد، وقرنها بالزكاة لأنها تطهر النفس من البخل، وتورثها فضيلة الكرم، كما أنها تنمي المال وتطهره من البخل، فإن الزكاة لغة النمو والطهارة، وفيه تلويح بزجرهم عما هم عليه قبل، من الصلاة فرادى بلا ركوع، أو المراد بالركوع الانقياد لأمر الشرع وترك التكبير، كانت اليهود تأمر سرّاً من أحبوه من قرباهم ومن حلفائهم من الأوس والخزرج، وأصهارهم، ومراضيعهم، ومن سألهم من قريش وغيرهم من العرب باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ويقولون لهم: إنه رسول الله، وهم لا يؤمنون.

الخليلي

تفسير : هذا الخطاب كالذي قبله موجه إلى بني إسرائيل في حال إعراضهم عن الإِسلام، ومكابرتهم للحق وصدهم عن الإِيمان، فهو دليل قاطع على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فهم مطالبون بالعبادات وسائر الواجبات العملية، كما أنهم مطالبون بالإِيمان، ويدل على ذلك قول الله تعالى: {أية : كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ ٱلْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَآءَلُونَ عَنِ ٱلْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ ٱلْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ ٱلْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلُخَآئِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [المدثر: 38-46]، فانظروا كيف جمعوا في إجابتهم بين تركهم الصلاة وعدم إطعامهم المسكين، وخوضهم مع الخائضين وتكذيبهم بيوم الدين، ومع هذه النصوص تجد الأشعرية ومن حذا حذوهم ينكرون مخاطبة الكفار بفروع الشريعة، ويرون أنهم لا يعذبون إلى على عقيدة الكفر وحدها، وقد ركب كثير من علمائهم الشطط في هذه المسألة فشنعوا على القائلين بأن الواجبات العملية مشتركة بين المسلم والكافر، وأن كفر الكافر ليس عذرا في تركها، وتجد مفسريهم كثيرا ما يعنون بالدفاع عن فكرتهم هذه ويرجمون القائلين بخلافها بالتخطئة العنيفة، غير أن أكثرهم عندما وصلوا إلى هذه الآية فبهرتهم حجتها لجأوا إلى الصمت اللهم إلا ما كان من الشيخ أبي منصور الماتريدي الذي حكى عنه الألوسي أنه حمل الأمر بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة هنا على مجرد الإِيمان بهما، ولعمري إن صح تصريف القرآن بمثل هذا التأويل لم تنهض بشيء منه حجة، ولم يثبت بنص منه حكم لاحتمال أن تحمل جميع أوامره ونواهيه على مجرد الإِيمان بها لا على تطبيقها والعمل بمقتضاها، وقد استبعد الألوسي نفسه هذا الجواب كما استبعد القول بأن الخطاب موجه إلى المسلمين وليس موجها إلى بني إسرائيل، لما يلزمه من تفكك الجمل وخروج الكلام عن نسقه، فما قبل الآية وما بعدها خطاب لبني إسرائيل فما الذي يقحم وسطه خطاب المسلمين، على أنه مما اتفق عليه أن الأمر لا يعطف على آخر إن كان المأمور في المعطوف غير المأمور في المعطوف عليه إلا مع القرينة نحو {أية : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا وَٱسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ} تفسير : [يوسف: 29] وقد حصر بعضهم القرينة في النداء كما تقدم، وما يقولونه - من أن المشرك لا يتأتى منه القيام بالعبادات ما دام متلبسا بالشرك فهو إذن غير مخاطب بها - باطل من أساسه، إذ الشرك لا يعدو أن يكون كسائر الموانع التي يمكن التخلص منها، فالحدث الأصغر والأكبر مانعان من الصلاة ولكن لا يعني ذلك أن المحدث غير مخاطب بها، وأنه مخاطب برفع الحدث وحده، بل هو مخاطب بها مع مخاطبته برفع الحدث، وكذا المشرك مطالب بالإِيمان والعبادات معا، ولا تسقط عنه العبادات مع تركه الإِسلام، لأن الاسلام شرط لصحتها وليس شرطا لوجوبها، ولعله التبس شرط الوجوب بشرط الصحة على إفهام القائلين بعدم تكليف المشركين بفروع الشريعة. وقد تقدم معنى إقام الصلاة، وأما إيتاء الزكاة فهو إعطاؤها مستحقيها، وهي مأخوذة من زكا الزرع إذ انما، أو من زكا الشيء إذ طهر، فهي نماء للمال لأنها سبب لحلول البركة فيه كما أنها نماء لنفس المزكي لأنها توفر أخلاقه الحميدة، وتضاعف حسناته، وتقيه شرور الدنيا والآخرة، وإلى ذلك الإِشارة بقوله تعالى: {أية : وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَاتِ} تفسير : [البقرة: 276]، وهي تطهير للمال وصاحبه، كما نص عليه قوله تعالى: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} تفسير : [التوبة: 103]، وذلك أن النفس البشرية جُبلت على حب الاستزادة من الأموال، فإذا تركت وما جُبلت عليه تأصلت هذه الجبلة فيها فاستعصى علاجها وتعذر استئصالها فتسعى إلى توفير المال ولو على حساب الغير، وقد جعل الله إيتاء الزكاة وسيلة من وسائل علاجها. والزكاة فُرضت في الإِسلام في مرحلة مبكرة من تأريخ دعوته، وقد سبق شرح ذلك وبيان أدلته وهي الآيات المكية الآمرة بها، والمحذرة من التهاون فيها، والمادحة لمن حافظ عليها، ويعضد هذا أن في القرآن المدني ما يحكي أمر المؤمنين بها قبل مشروعية الجهاد - وذلك قبل الهجرة قطعا - وهو قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوۤاْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} تفسير : [النساء: 77]، وإنما فُصِّلت أحكامها في العهد المدني، وهذا الذي دعا كثيرا من الفقهاء وغيرهم إلى القول بأنها لم تفرض إلا في المدينة، وكثير منهم قالوا: إن فرضها كان في السنة الثانية للهجرة، وحدد بعضهم ميقات فرضها من تلك السنة، فقال: إنها فرضت بعد الصوم، وقال آخرون: إنها فرضت في السنة الرابعة للهجرة. ولما أن مشروعية الزكاة لسد حاجات الفقراء - بجانب ما فيها من تطهير النفس والمال - فرضت فيما هو قوام للحياة من أنواع الزرع والماشية، كما أنها فرضت في التجارة لأجل ما فيها من تبادل المنافع، وفي النقدين لأنهما وسيلة قضاء الحاجات وجلب المنافع، ومن هنا لا نجد محيصا من القول بوجوبها في أي عملة تسد مسد النقدين كالأوراق المتعامل بها فإنها إن أُلغيت فيها الزكاة أُجحف حق الفقراء في أموال الأغنياء، ويؤكد وجوبها في الأوراق أنها تستمد قيمتها من النقد الذي ضُمنت به سواء كان هذا الضمان حقيقيا أم اعتباريا، فلولاه لم تكن لها قيمة ولم تطمئن إليها النفس في المعاملة، ولم تسقط بها الحقوق ويثبت بها الوفاء، أرأيتم لو أن إنسانا وجب عليه لآخر ألف دينار من الذهب ضمانا لسبب من الأسباب ولم يجد الدنانير الذهبية فدفع اليه ما يسد مسد قيمتها من الأوراق النقدية ألا يسقط عنه الضمان؟ ومثل ذلك يقال في ديات القتلى، وأروش الجرحى، وصدقات النساء، أليس في سقوط الضمانات بها واستباحة الفروج ما يدل على أنها استمدت قيمتها من النقد الذي ضمنت به، أرأيتم لو دُفع بدلا منها من الأوراق ما هو أجود نوعا، وأكثر عددا، وأثقل وزنا، وأحسن صنعة، ولم تكن مضمونة بنقد ضمانا حقيقيا ولا اعتباريا، هل تكون سادة مسدها في أداء الحقوق، ومع وضوح ذلك نسمع بعض الناس يمارون ويجادلون في وجوب الزكاة فيها، وينسبون القول بعدم وجوبها الى قطب الأئمة - رحمه الله - مع أن كلام القطب صريح في أن الزكاة واجبة فيها، فما قاله في بعض أجوبته، وتجب فيها الزكاة كصوالد النحاس. والقول بعدم الزكاة في هذه الأوراق يسقط ركنا من أركان الإِسلام لأنها أصبحت غالب ثروة الناس. وفي القرآن الكريم والسنة النبوية من الوعيد على ترك الزكاة ما تقشعر منه الجلود وتتفطر منه القلوب، وقد سبق ذكر بعض آيات الوعيد على ذلك في الجزء الثاني، أما أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنها ما أخرجه الإِمام الربيع - رحمه الله - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا صلاة لمانع الزكاة - قالها ثلاثاً - والمتعدي فيها كمانعها"تفسير : قال الربيع: المتعدي فيها هو الذي يدفعها لغير أهلها. وروي عنه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : من كثر ماله ولم يزكه جاءه يوم القيامة في صورة شجاع أقرع له زبيبتان موكل بعذابه حتى يقضي الله بين الخلائق"تفسير : وروى البخاري عن أبي هريرة مرفوعاً "حديث : من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعاً أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني شدقيه - ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ...} الآيةتفسير : وناهيكم دليلا على منزلة الزكاة في الإِسلام قرنها بالصلاة غالبا في القرآن، وهي ليست خاصة بهذه الأمة، فقد ذكر الله ابراهيم وذريته الأنبياء الصالحين فقال: {أية : وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِمْ فِعْلَ ٱلْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلاَة وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَـاةِ وَكَانُواْ لَنَا عَابِدِينَ} تفسير : [الأنبياء: 73]، وقال في اسماعيل عليه السلام: {أية : وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً} تفسير : [مريم: 55]، وحكى عن المسيح عليه السلام قوله: {أية : وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} تفسير : [مريم: 31]. معنى الركوع والركوع معروف وأصله طأطأة الرأس وحني الظهر، ويطلق على الذلة وخسة المنزلة كما في قول الشاعر: شعر : ولا تعاد الضعيف علك أن تركع يوماً والدهر قد رفعه تفسير : وهو من أركان الصلاة، والركوع الشرعي هو وضع اليدين على الركبتين مع حني الظهر حتى يستوي مقدمه ومؤخره، وهو معنى ما أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك، وفي حديث أبي حميد الساعدي "إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره"، ورأى جماعة من المفسرين أن المراد بالركوع هنا الصلاة، وهو من باب تسمية الكل بالجزء كما تسمى بالقيام وبالسجود، وقيل: إن صلاة اليهود لا ركوع فيها فلذلك أُمروا به لئلا يفهموا من قوله: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ} الأمر بإقامتها حسب عادتهم، ويرى صاحب المنار أن الأوامر الثلاثة مرتبة في الذكر حسب ترتيب مراتبها، فإقامة الصلاة في المرتبة الأولى من عبادة الله تعالى لأنها روح العبادة والإِخلاص له، ويليها إيتاء الزكاة لأنها تدل على زكاة الروح وقوة الإِيمان، وأما الركوع وهو صورة الصلاة البدنية أو بعض صورتها أشير به إليها فهو في المرتبة الثالثة فُرض للتذكير بسابقيه، وما هو بعبادة لذاته وإنما كان عبادة لأنه يؤدى امتثالا لأمر الله تعالى، وإظهارا لخشيته، والخشوع لعظمته، ولكنه قد يصير عادة لا يلاحظ فيها امتثال ولا إخلاص فلا يعد عند الله شيئا وإن عدة أهل الرسوم كل شيء. وذكر أبو حيان أن في هذه الجمل - وإن كانت معطوفات بالواو التي لا تقتضي في الوضع ترتيبا - ترتيبا عجيبا من حيث الفصاحة وبناء الكلام بعضه على بعض، وذلك أنه تعالى أمرهم أولا بذكر النعمة التي أنعمها عليهم إذ في ذلك ما يدعو إلى محبة المنعم ووجوب طاعته ثم أمرهم بإيفاء العهد الذي التزموه للمنعم ثم رغبهم - بترتيب إيفائه هو تعالى بعهدهم - في الإِيفاء بالعهد ثم أمرهم بالخوف من نقماته، ان لم يوفوا، فاكتنف الأمر بالإِيفاء أمر بذكر النعمة والإِحسان، وأمر بالخوف من العصيان، ثم أعقب ذلك بالأمر بإيمان خاص وهو ما أنزل من القرآن ورغب في ذلك بأنه مصدق لما معهم، فليس أمرا مخالفا لما في أيديهم لأن الانتقال إلى الموافق أقرب من الانتقال الى المخالف، ثم نهاهم عن استبدال الخسيس بالنفيس، ثم أمرهم تعالى باتقائه ثم أعقب ذلك بالنهي عن لبس الحق بالباطل وعن كتمان الحق فكان الأمر بالإِيمان أمرا بترك الضلال، والنهي عن لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق تركا للإِضلال، ولما كان الضلال ناشئا عن أمرين إما تمويه الباطل حقا إن كانت الدلائل قد بلغت المستتبع، وإما عن كتمان الدلائل إن كانت لم تبلغه، أشار إلى الأمرين "بلا تلبسوا" و"تكتموا" ثم قبح عليهم هذين الوصفين مع وجود العلم، ثم أمرهم بعد تحصل الإِيمان وإظهار الحق بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة إذ الصلاة أأكد العبادات البدنية، والزكاة أأكد العبادات المالية، ثم ختم ذلك بالأمر بالانقياد والخضوع له تعالى مع جملة الخاضعين الطائعين، فكان افتتاح هذه الآيات بذكر النعم واختتامها بالانقياد للمنعم وما بينهما تكاليف اعتقادية وأفعال بدنية ومالية، وبنحو ما تضمنته هذه الآيات من الافتتاح والإِرداف والاختتام يظهر فضل كلام الله على سائر الكلام. الاستدلال على وجوب صلاة الجماعة على الأعيان قال جماعة من المفسرين إن أمرهم بأن يركعوا مع الراكعين يعني أن يصلوا مع المصلين في الجماعات، وهذا التفسير يناسب القول بوجوب صلاة الجماعة على الأعيان، وتكون الآية بحسبه حجة من حجج هذا القول، والأمة لم تختلف في مشروعية صلاة الجماعة ولا في فضلها وان اختلفت في حكمها، فهي شعيرة من شعائر هذا الدين التي تجمع قلوب المؤمنين في ظل عبوديتهم لله تعالى، وتطهرها من رجس الأحقاد والسخائم، وما أروع ذلك المشهد الذي يجمع الناس - على اختلاف أعمارهم، ومراكزهم الاجتماعية، وطبقاتهم المالية، ومكاناتهم النسبية والحسبية - في بيوت الله عندما يسمعون داعي الحق يدعوهم إلى الصلاة والفلاح فيتفاذفون الى المساجد شيبا وشبابا، كبارا وصغارا، قد خلفوا وراءهم أشغال الدنيا وهمومها، فلا يشغل قلوبهم إلا ذكر الله والحرص على مناجاته والشوق إلى رضوانه، وما أروع مشهدهم وهم مصطفون بين يدي الله، قد تحطمت بينهم الحواجز وذابت الفوارق وتلاشت النعرات، فالحاكم بجنب المحكوم، والغني بجانب الفقير، والقوي مع الضعيف، والأبيض مع الأسود لا يستعلي أحد على أحد بسلطانه ولا بجاهه، ولا بمنصبه، ولا بماله، ولا بحسبه ونسبه، وإنما يستشعر الكل سلطان الله وحده، ويؤمنون جميعا أنهم عباد الله لا تفاضل بينهم إلا بالتقوى، وقد انتظمت حركاتهم في الركوع والسجود والرفع منهما، لا ينتظر أحد غيره في شيء منها إلا الإِمام الذي يصطفون خلفه ويتبون فعله. (أ) فضل صلاة الجماعة وقد تظافرت الراويات الدالة على فضل صلاة الجماعة، منها ما أخرجه الإِمام الربيع - رحمه الله - بإسناده عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الصلاة في الجماعة خير من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة"تفسير : وأخرج الإِمام أحمد والشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة"تفسير : وروى الإِمام الربيع عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "حديث : صلاة الجماعة تفضل على صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين درجة"تفسير : وأخرج عنه أحمد والشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : صلاة الرجل في جماعة تزيد على صلاته في بيته وصلاته في سوقه بضعاً وعشرين درجة"تفسير : . ولا منافاة بين هذه الروايات بنص بعضها على خمس وعشرين درجة، وبعضها على سبع وعشرين، وأخرى على بضع وعشرين، لاختلاف الفضل باختلاف الأحوال، كالقرب من المسجد والبعد عنه، وانتظار الصلاة قبل حضورها، أو الوصول إلى المسجد عند إقامتها، وإدراكها كلها أو بعضها، وكثرة الجماعة وقلتهم، وتفاوت الأئمة في الفقه والورع والخشوع، وغيرها من الأمور التي تقتضي التفاوت في الأجور. واختلفت الأمة في حكمها، قيل إنها فرض عين وهو مروي عن جم غفير من الصحابة رضوان الله عليهم حتى أني لم أجد رواية عن أحدهم بخلافه، ومما روي عنهم في ذلك ما أخرجه أحمد عن الإِمام علي كرم الله وجهه قال: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، قيل: ومن جار المسجد؟ قال: من سمع الأذان"، وأخرجه عنه عبدالرازق، ورواه الإِمام الربيع - رحمه الله - من طريق ابن عباس مرفوعا ما عدا السؤال والجواب، وقد جاء مرفوعا في رواية عائشة رضي الله عنها عند ابن حبان وجبار عند الدارقطني. وأخرج الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد جمعه ولا جماعة. فقال: إن مات على هذا فهو في النار؛ وذكر ذلك أصحابنا في كتبهم الفقهية كالوضع، وأضافوا إليه أن السائل بقى يتردد شهرا على ابن عباس يسأله عنه ويجيبه بأنه في النار. وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: لأن تمتلئ أذن ابن آدم رصاصا مذابا خير له من أن يسمع النداء ولا يجيب. وروى الجماعة إلا البخاري والترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: من سره أن يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادي بهن، فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم - وفي رواية لكفرتم - وما من رجل يتظهر فيحسن الطهور ثم يعمد الى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنها بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادي بين الرجلين حتى يقام في الصف. وهذا القول من ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لا يعكس رأيه الفردي في صلاة الجماعة وإنما يجسد موقف الصحابة رضي الله تعالى عنهم منها، فقد كانوا يدأبون عليها حتى أنهم كانوا يعدون التخلف عنها سمة من سمات النفاق الذي ينزهون عنه أنفسهم، وقد بلغ بهم الحرص على الجماعة والرغبة في التنزه عن سمات النفاق أن أحدهم كان - وهو مريض - يخرج إليها متوكئا على رجلين يتمايل بينهما، وهذا كله إن دل على شيء فإنما يدل على أنهم رضي الله تعالى عنهم قد استقر في نفوسهم وجوبها على الأعيان، وهذا هو قول أكثر سلف الأمة، وبه قال عطاء والأوزاعي وأحمد بن حنبل ومحدثوا الشافعية كابن خزيمة وابن المنذر وأبي ثور، وهو قول للشافعي نفسه كما في شرح المهذب وغيره، وحكى وجوبها الكاساني في بدائع الصنائع عن الحنفية من غير أن يفصل كونه وجوبا عينيا أو كفائيا غير أن الإِطلاق يدل على العينية، وحكى العيني في شرحه على البخاري المسمى بعمدة القاري عن القدوري في شرحه على الهداية - وهو من أمهات الفقه الحنفي - أن مشايخ الحنفية يقولون بوجوبها، وهو متقضى ما حكاه العيني عن بعضهم أن تركها بغير عذر يوجب التعزير، ويأثم الجيران بالسكوت عن تاركها حتى قال بعضهم لا تقبل شهادته، وهذا القول هو الذي يفهم من كلام البخاري، حيث ترجم في صحيحه بقوله: (باب وجوب صلاة الجماعة)، وروى بعد ذلك من الحسن تعليقا أنه قال: ان منعته أمة عن العشاء في الجماعة شفقة لم يطعها، وهذا الذي علقه عن الحسن رواه عنه الحسين بن الحسن المروزي بإسناد متصل صحيح، كما ذكره ابن حجر والعيني في شرحيهما على الصحيح ونص هذا المروي عن الحسن أنه قال في رجل يصوم - يعني تطوعا - فتأمره أمه أن يفطر قال فليفطر ولا قضاء عليه وله أجر الصوم وأجر البر، قيل فتنهاه أن يصلي العشاء بجماعة، قال ليس ذلك لها هذه فريضة. والقول بوجوبها على الأعيان هو الذي اعتمده إمام المذهب أبو سعيد - رحمه الله تعالى - في زياداته على الاشراف لابن المنذر ويفهم من كلامه أنه قول أصحابنا أو أكثرهم. وهو الظاهر من كلام الإِمام نور الدين السالمي - رحمه الله - في جوهره حيث قال: شعر : لم يَعْذِرِ المختارُ خير البشر ابن أم مكتومٍ ضرير البصر بل قال فيه أجب النداء ولم يكن يعتبر العماء فالفاتح البصير أولى وأحق أن يلزمن فعلها إذا انطلق تفسير : وهو الذي يفهم مما قاله - في شرحه على المسند الصحيح - فيما روي من هَمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريق المتخلفين عنها، وهو قول الحافظ الذهبي في كتاب الكبائر حيث نص على أن تركها كبيرة. وبالغ داود الظاهري وأصحابه فعدوا الجماعة شرطا لصحة صلاة الرجل في الفرض، وقد فصل مذهبهم ابن حزم في قوله: "ولا تجزئ صلاة فرض أحدا من الرجال - إذا كان بحيث يسمع الأذان - أن يصليها إلا في المسجد مع الإِمام، فإن تعمد ترك ذلك بغير عذر بطلب صلاته، فإن كان بحيث لا يسمع الأذان ففرض عليه أن يصلي في جماعة مع واحد إليه فصاعدا، ولا بد، فإن لم يفعل فلا صلاة له إلا أن لا يجد أحدا يصليها معه فيجزئه حينئذ إلا من له عذر، فيجزئه حينئذ التخلف عن الجماعة"، وهذا القول هو أحد قولي الإِمام أحمد كما ذكر ذلك صاحب الأزهار - وهو من فقهاء الزيدية - وحكاه ابن قدامة الحنبلي في المغني ينقله عن ابن عقيل، وذكره صاحب الشرح الكبير - وهو من الحنابلة أيضا - على أنه أحد وجهي مذهب الإِمام أحمد - وعزا إلى ابن عقيل تصحيحه، والمشهور من مذهب أحمد وجوبها من غير أن تكون شرطا. وقيل هي واجبة على الكفاية، وهو الذي نصت عليه أكثر مؤلفات أصحابنا كجامع ابن بركة والإِيضاح، والنيل وشرحه، والمدارج والمعارج ونثار الجوهر؛ وذكر الحافظ في الفتح أنه ظاهر نص الشافعي ونسبه إلى جمهور المتقدمين من أصحابه، وإلى كثير من الحنفية والمالكية. وقيل هي سنة مؤكدة وعزاه بعض المؤلفين إلى أكثر الأمة. ومثار الخلاف ما عده كثير من الفقهاء، تعارضا بين الأحاديث التي وردت فيها. (ب) ترجيح القول على وجوب الجماعة على الأعيان وأدلته والقول الأول - وهو وجوبها على الأعيان - هو الذي اطمأن إليه قلبي وسكنت إليه نفسي، واعتمدته في العمل والفتيا، واقتصرت عليه في مجال الدعوة، وذلك لإِعتضاده بكثير من الأدلة، منها هذا الأمر في هذه الآية بأن يركعوا مع الراكعين، وقد علمتم أن كثيرا من المفسرين ذهبوا إلى أن المراد به إقامة الصلوات في الجماعات، والأمر للوجوب ما لم تصرفه عنه قرينة. ومنها قول الله تعالى: {أية : يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ} تفسير : [القلم: 42 -43]، فقد قال غير واحد من التابعين إنه خاص بالمتخلفين عن صلاة الجماعة من هذه الأمة، حتى أن بعضهم كان يقسم على ذلك. ومنها قوله: {أية : وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ ٱلصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُوۤاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَىٰ لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} تفسير : [النساء: 102]، وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من التفسير العملي لما في الآية، ووجه الاستدلال بذلك على وجوب الجماعة أمران: أولهما: أن مواقفة العدو مدعاة لتخفيف التكاليف واسقاط الواجبات أو تأخيرها لئلا تجتمع على المسلمين مشقة الجهاد والعمل ولذلك اشتد النبي صلى الله عليه وسلم على الذين لم يأخذوا برخصة الفطر عام الفتح حتى قال فيهم: "أولئك العصاة أولئك العصاة"، فلولا أن صلاة الجماعة واجبة على الأعيان لما شرعت في هذا الموقف الحرج ولحصلت الكفاية بمن يقيمها من المسلمين في غير ميادين المعارك. ثانيهما: مشروعية اكتفاء كل واحدة من الطائفتين ببعض الصلاة وترك جانب منها مع أن الجانب المتروك مشتمل على الكثير من الواجبات التي لا تتم دونها في سائر الأحوال، فلولا وجوب المحافظة على الجماعة لما كان لهم أن يتركوا ما هو فرض منها، فإن بإمكانهم أن يصلوا فرادى بالتناوب صلاة كاملة مع الاحتياط التام في مواجهة العدو. ومنها هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحرق بيوت المتخلفين عنها وهو مشهور، فقد أخرج الإِمام الحافظ الحجة الربيع بن حبيب - رحمه الله - عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لقد هممت أن آمر بحطب فيحطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن بها، ثم آمر رجلا يؤم الناس، ثم اخالف الى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء"تفسير : ورواه مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي بألفاظ مختلفة، ودلالة ذلك على وجوبها على الأعيان واضحة، فلو كان وجوبها كفائيا لكانت الكفاية حاصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم ومن يقيمها معه من المهاجرين والأنصار ولم يكن داع إلى عقوبة المتخلف عنها، وقد كُفى وجوبها بهم، وقد أجاد إمام المذهب أبو سعيد - رحمه الله - في قوله: "لا يجوز أن يكون أحد يقوم بها بعد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أكثر منه ولا أولى منه، فإذا ثبت أنه لا عذر للمتخلف عنها مع قيام النبي صلى الله عليه وسلم بها وأصحابه لم يجز غير ذلك لأنه لا يكون أحد أقوم منه بها". ولو كانت سنة مؤكدة أو مرغّبا فيها لما استدعى تركها مثل هذه العقوبة الصارمة التي قد يترتب عليها هلاك الأنفس مع الأموال، وللقائلين بخلاف هذا الرأي اعتراضات: أولهما: أن التهديد بالتحريق المذكور يمكن أن يقع في حق تاركي فرض الكفاية كمشروعية قتال تاركي فرض الكفاية. وأجيب بأن التحريق يفضي الى القتل وهو أخص من المقاتلة، وبأن المقاتلة، إنما تشرع فيها إذا تمالأ الجميع على الترك. ثانيها: أنه يستنبط من نفس الحديث عدم الوجوب لكونه صلى الله عليه وسلم هم بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركها. وأجيب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه، وأضاف إلى ذلك الحافظ ابن حجر بأنه لا دليل على أنه لو فعل ذلك لم يتداركها في جماعة آخرين، على أنه من المتبادر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليدعه أصحابه رضي الله عنهم يقوم بهذه المهمة منفردا، فما المانع من تدارك هذا الواجب بمن يكون معه من أصحابه؟ ثالثها: لو كانت فرضا لقال حين توعد بالإِحراق من تخلف عن الجماعة لم تجزئه صلاته لأنه وقت البيان. وأجيب بأن البيان كما يكون بالتنصيص يكون بالدلالة، وكفى بقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : لقد هممت"تفسير : دلالة على وجوب حضورها. وتعقب العيني هذا الجواب بأن الحديث ليست فيه دلالة من الدلالات الثلاث، المطابقة والتضمن والالتزم، ولا فيه دلالة أصولية. ومما يدعو إلى الاستغراب أن يقول العيني مثل هذا القول إذْ ليس من المعقول أن يهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذه العقوبة إلا على ترك واجب أو فعل محرم، وإذا لم يلزم من هذا الهَمّ كون أولئك الذين هم بتحريق بيوتهم تاركين للواجب، فليس يصح في الأذهان شيء، ولم يكن في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} تفسير : [النساء: 10]، دليل على حرمة أكل أموال اليتامى الذي توعدوا عليه وكذا سائر الوعيد. رابعها: أن الخبر وارد مورد الزجر وحقيقته غير مراده وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإِجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك. وأجيب بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار ولم يكن ممنوعا من قبل بدليل ما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثهم في بعض وأمرهم بتحريق رجلين بالنار ثم نهاهم حين أرادوا الخروج وأمرهم بقتلهما وقال: "إن النار لا يعذب بها إلا الله" . تفسير : هذا والحديث يفيد تحريم التعذيب بالنار للمسلم وغيره، فلا معنى لتقييد المنع بالمسلمين وحدهم فإن ظاهر حديث أبي هريرة أن الرجلين اللذين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلهما ونهى عن إحراقهما بعدما أمر به لم يكونا مسلمين، ومع هذا فلا منافاة بين النهي عن التعذيب بالنار والهم بتحريق بيوت المتخلفين إذ لا يلزم أن يفضي تحريق البيوت الى تحريق الأنفس ولا يبعد أن يكون المراد بهذا التحريق إثارة الرعب في نفوسهم لينزجروا عن التهاون بالجماعة. خامسها: أن عدم فعل ما هم به صلى الله عليه وسلم من التحريق دال على عدم وجوبها على الأعيان إذ لو كانت كذلك لما تركهم. وأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم لا يهم إلا بحق، وتركه ما هم به لا يدل على عدم وجوبها لاحتمال كون الترك لسبب من الأسباب، وقد صُرح بالسبب فيما رواه أحمد من طريق أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعا: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون.. الحديث، ومن المعلوم أن النساء غير ملزمات بشهود الجماعة والذرية - ما داموا في طور الطفولة - ليسوا من التكليف في شيء: {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ} تفسير : [الأنعام: 164]، ويؤيد مَا ذُكر من أن تركه صلى الله عليه وسلم ما هم به تحريق بيوتهم ليس دليلا على عدم وجوبها قوله عليه أفضل الصلاة والسلام في الذي ألم بجاريته وهي حبلى "حديث : لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره" تفسير : فلو كان تركه ما هم به دليلا على عدم الوجوب أو الحظر لكان تركه اللعن في هذه القضية دليلا على جواز الإِلمام بالحبالى وهو مخالف للنص والاجماع. سادسها: أن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأسا لا مجرد الجماعة. وأجيب بأن في رواية مسلم "لا يشهدون الصلاة"، أي لا يحضرونها، وفي رواية أحمد بن عجلان عن أبي هريرة "لا يشهدون العشاء في الجميع"، اي في الجماعة، وفي حديث أسامة بن زيد عند ابن ماجة مرفوعا "لينتهين رجال عن تركهم الجماعات أو لأحرقن بيوتهم". سابعها: أن الحديث ورد في الحث على مخالفة أهل النفاق والتحذير من التشبه بهم. وهو كالاعتراض الرابع والجواب هو الجواب ويضاف إليه أن ترك خصال أهل النفاق من واجب المسلم على أي حال. ثامنها: أن الحديث خاص بالمنافقين فلا ينسحب حكمه على غيرهم. وجوابه: أنه تخصيص بدون مخصص، وبقية الروايات في الباب دالة على عموم الوعيد لكل من تخلف عن الجماعة. تاسعها: أن فرضية الجماعة كانت في أول الإِسلام لأجل سد باب التخلف عن الصلاة على المنافقين ثم نسخت، وقوى بعضهم النسخ بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم، وهو التحريق بالنار، وبورود الأحاديث في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، لأن الأفضلية تقتضي الإِشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز. وجوابه: ما علمته من عدم التنافي بين منع تحريق الأنفس بالنار، وتحريق بيوت المتخلفين عن الواجب أو الراكبين للمحجور، أما أحاديث تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ فلا تعارض بينهما وبين وجوب الجماعة على الأعيان.. أما أولا: فلأن أدلة الوجوب صريحة والاستدلال على جواز التخلف بأحاديث التفضيل إنما هو استدلال باللازم فحسب وهو من باب الاستدلال بالكنايات، والكناية لا تقوى على معارضة الصريح.. وأما ثانيا: فلأن هذا اللازم غير مسلم لاحتمال أن تكون المفاضلة بين الصلاة في الجماعة وصلاة المنفرد المعذور كالذي لا يسمع النداء أو المريض الذي يشق عليه الحضور أو الخائف. عاشرها: أن ذلك خاص بالجمعة. وأجيب بأنه قد صُرح بما يفيد أنها غير الجمعة كما في حديث أحمد "لا يشهدون العشاء في الجميع"، وحديث ابن أم مكتوم الآتي، وروى السراج هذا الحديث وذكر له سببا وهو انه صلى الله عليه وسلم أخر العشاء ليلة فخرج فوجد الناس قليلا فغضب وذكر الحديث، ومن أين لهم أنها الجمعة؟ وقد أخرج الحديث أبو داود والطبراني في الأوسط من طريق يزيد ابن يزيد بن جابر، وفيه أن يزيد قال ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف الجمعة عنى أو غيرها؟ قال: صمت أذناي إن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكر جمعة ولا غيرها، وأخرج أحمد والحاكم وابن خزيمة عن ابن أم مكتوم رضي الله عنه حديث : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه استقبل الناس في صلاة العشاء فقال: "لقد هممت أني آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم" فقام ابن أم مكتوم فقال: إني كبير شاسع الدار، ليس لي قائد يلائمني فهل تجد لي من رخصة؟ قال: "تسمع النداء"؟ قلت: نعم، قال: "ما أجد لك رخصة" تفسير : وفي رواية عند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم حديث : أتى المسجد فوجد في القوم رقة، فقال: "إني لأهم أن أجعل للناس إماما ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه"، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله إن بيني وبين المسجد نخلاً وشجراً ولا أقدر على قائدٍ كل ساعة، أيسعني أن أصلي في بيتي؟ فقال: "أتسمع إقامة الصلاة؟"، قال: نعم. قال: "فأتها"تفسير : وفي رواية لابن حبان "فأتها ولو حبوا"، وروى حديث ابن أم مكتوم أبوداود وابن ماجة والطبراني، وهو يستفاد منه أمران: أولهما: أن الصلاة التي توعد من أجلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بما توعدهم به لم تكن جمعة. ثانيهما: صحة القول بوجوب الجماعة على الأعيان وذلك من تصريح النبي صلى الله عليه وسلم له بأنه لا يجد له رخصة أن يصلي في بيته مع ما اعتذر به من كبره وعماه، وعدم توفر القائد الملائم له، إلى غير ذلك من المعاذير التي تناقلتها الروايات المختلفة عنه، ولو كانت الجماعة وجوبها على الكفاية لما اشتد عليه النبي صلى الله عليه مسلم، وصرح له بعدم وجود الرخصة مع وفرة المؤمنين الذين كانوا يحضرونها، ولو كانت سنة لكان الأمر أهون من ذلك وقد أخرج قصته - من غير تصريح باسمه - مسلم والنسائي من طريق أبي هريرة رضي الله عنه. ويعتضد القول بالوجوب بحديث ابن عباس عند ابن ماجه والدارقطني، وابن حبان والحاكم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من سمع النداء فلم يأت الصلاة فلا صلاة له إلا من عذر"تفسير : ولفظ ابن حبان: "لم يقبل الله صلاة غيرها" قيل، وما العذر؟ قال: الخوف أو المرض"، قال الحافظ: وإسناده على شرط مسلم، وقال الذهبي: على شرط الشيخين؛ وبما رواه ابن ماجه عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم أنهما سمعا النبي صلى الله عليه وسلم يقول على أعواده: حديث : لينتهين أقوام عن ودعهم الجماعات أو ليختمن الله على قلوبهم"تفسير : وبما أخرجه الجماعة من مالك بن الحويرث حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ولأخيه وهما يزمعان السفر: "إذا كنتما في سفر فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما"تفسير : وفي رواية "حديث : أفضلكما"تفسير : هذا مع أن السفر مظنة المشقة والخوف، ويناسبه التخفيف، فليس من المعقول أن يأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم - مع ذلك - بإقام الصلاة جماعة إلا لوجوبها. وروى الطبراني في الأوسط بإسناد جيد عن أنس رضي الله عنه مرفوعا "حديث : لو أن رجلا دعا الناس إلى عرق أو مرماتين لأجابوه، وهم يُدعون إلى هذه الصلاة في جماعة فلا يأتونها، لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس في جماعة فأضرمها عليهم نارا، فإنه لا يتخلف إلا منافق"تفسير : وروى ابو داود في سننه عن أبي الدرداء مرفوعا: "حديث : ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا وقد استحوذ عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة فإنما يأكل الذئب القاصية ". تفسير : وروى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ثلاثة لعنهم الله، رجل أمّ قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، ورجل سمع حي على الصلاة حيّ على الفلاح ثم لم يجب"تفسير : ومن المعلوم أنه لا يستحق اللعن إلا من أتى كبيرة أو ترك فريضة. أما القائلون بأن وجوبها كفائي فقد استدلوا بالمفاضلة بين صلاة الجماعة وصلاة المنفرد كما سبقت الاشارة الى ذلك، وسبق الجواب عن هذا الاستدلال، وقد حاولوا جهدهم أن يلووا أعناق الأدلة الصريحة على وجوبها كما سبق بيانه، ومن ذلك أنهم حملوا الأمر في حديث ابن أم مكتوم ونحوه على الندب، وهذا مما يدعو إلى الاستغراب، فإن المندوب مرخص في تركه بالإِجماع، والنبي عليه أفضل الصلاة والسلام قد صرح لابن أم مكتوم بأنه لا يجد له رخصة في تركها مع توعده على تركها في غيره من الأحاديث. واستدل الشوكاني لقوله الذي اختاره - وهو أنها سنة مؤكدة - بأنها لو لم تكن كذلك لأمر النبي صلى الله عليه وسلم من وفد إليه ممن أسلموا أن يقيموها جماعة كما أمرهم بالصلاة نفسها، ولم يثبت عنه ذلك مع عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه. والعجب من الشوكاني - مع سعة علمه وكثرة اطلاعه على السنة أسانيد ومتونا - كيف ينفي أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمر الوفود بإقامة الصلاة في الجماعات مع ثبوت ذلك في الصحاح والسنن وسائر كتب الحديث، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان حديث : عن مالك بن الحويرث، قال أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شببة متقاربون فأقمنا عنده عشرين ليلة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم رحيما رقيقا وظن انا قد اشتقنا أهلنا فسألنا عن مَن تركنا من أهلنا فأخبرناه فقال: "ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ومروهم فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم ثم ليؤمكم أكبركم"تفسير : ونحوه عند أبي داود والترمذي والنسائي وأخرج البخاري عن عمرو بن سلمة قال: كنا بماء ممر لناس تمرُّ الركبان نسألهم ما للناس؟ ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون يزعم أن الله أرسله أوحى إليه كذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام فكأنما يغري في صدري وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح فيقولون اتركوه وقومه فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كان وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبدر أبي قومي بإسلامهم، فلما قدم قال: جئتكم والله من عند النبي حقا، فقال: "صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآنا..." الحديث، وأخرجه بمعناه أبو داود والنسائي، وفي هذا ما يكفي ردا على مقولة الشوكاني بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤثر عنه أنه يأمر الوافدين بصلاة الجماعة، على أن في قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : صلوا كما رأيتموني أصلي" تفسير : ما يكفي دليلا على تبيين هذا الواجب لمواظبته عليه أفضل الصلاة والسلام على الصلوات في الجماعات. ولو لم تكن الجماعة واجبا لا محيص عنه لتركها النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أوقاته ليبين للناس عدم وجوبها أو أفصح عن ذلك بلسانه كما أخبرهم عن صلاة التهجد أنها واجبة عليه دونهم، أمَّا وقد حافظ عليها سفرا وحضرا وخوفا وأمنا حتى مشى إليها في مرض موته وهو يتهادى بين اثنين من أصحابه، فلا مناص عن الوجوب، وقد عرف عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يترك العمل وهو من أحب الأعمال إليه لئلا يفرض على أمته، ومن ذلك عدم خروجه إلى أصحابه في المسجد لصلاة قيام رمضان بعدما صلى بهم ليلتين أو ثلاثا. والأمة - مع اختلافها في حكم الجماعة - لم تختلف في أن تاركها منبوذ بينهم ولو دأب على الطاعات وبكى من خشية الله، وقد صرح العلماء بأن لا يرقى إلى مقام الولاية مهما كان حاله ما دام باقيا على تركها؛ كما اتفقت الأمة على أن القائم بالأمر عليه أن ينظر في عقوبته بما يراه رادعا له لئلا تسول لأحد نفسه أن يتهاون فيها، وهذه كلها أدلة على وجوبها، فيجدر بالمسلم أن يحمل عليها نفسه، ويحرص عليها جهده، ويربي عليها أولاده، ليقي نفسه وأهله نارا وقودها الناس والحجارة، أعاذنا الله منها.

الالوسي

تفسير : {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءاتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} المراد بهما ـ سواء كانت اللام للعهد أو للجنس ـ صلاة المسلمين وزكاتهم لأن غيرهما مما نسخه القرآن ملتحق بالعدم، والزكاة في الأصل النماء والطهارة، ونقلت شرعاً لإخراج معروف، فإن نقلت من الأول فلأنها تزيد بركة المال وتفيد النفس فضيلة الكرم، أو لأنها تكون في المال النامي وإن نقلت من الثاني فلأنها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل. واستدل بالآية حيث كانت خطاباً لليهود من قال: إن الكفار مخاطبون بالفروع واحتمال أن يكون الأمر فيها بقبول الصلاة المعروفة والزكاة والإيمان بهما، أو أن يكون أمراً للمسلمين ـ كما قاله الشيخ أبو منصور ـ خلاف الظاهر فلا ينافي الاستدلال بالظاهر، وقدم الأمر بالصلاة لشمول وجوبها ولما فيها من الإخلاص والتضرع للحضرة، وهي أفضل العبادات البدنية وقرنها بالزكاة لأنها أفضل العبادات المالية، ثم من قال: لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب قال: إنما جاء هذا بعد أن بين صلى الله عليه وسلم أركان ذلك وشرائطه، ومن قال بجوازه قال بجواز أن يكون الأمر لقصد أن يوطن السامع نفسه ـ كما يقول السيد لعبده إني أريد أن آمرك بشيء فلا بد أن تفعله ـ. {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلراكِعِينَ} أي صلوا مع المصلين وعبر بالركوع عن الصلاة احترازاً عن صلاة اليهود فإنها لا ركوع فيها وإنما قيد ذلك بكونه مع الراكعين لأن اليهود كانوا يصلون وحداناً فأمروا بالصلاة جماعة لما فيها من الفوائد ما فيها، واستدل به بعضهم على وجوبها. ومن لم يقل به حمل الأمر على الندب أو المعية على الموافقة وإن لم يكونوا معهم، وقيل: ـ الركوع ـ الخضوع والانقياد لما يلزمهم من الشرع قال الأضبط السعدي:شعر : لا تذلّ الفقيرَ علّك أن (تركع) يوماً والدهرُ قد رفعه تفسير : ولعل الأمر به حينئذ بعد الأمر بالزكاة لما أنها مظنة ترفع فأمروا بالخضوع لينتهوا عن ذلك إلا أن الأصل في إطلاق الشرع المعاني الشرعية: وفي المراد بالراكعين قولان: فقيل: النبـي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقيل: الجنس وهو الظاهر. ومن باب الإشارة: في قوله تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ} الخ أي لا تقطعوا على أنفسكم طريق الوصول إلى الحق بالباطل الذي هو تعلق القلب بالسوى ـ فإن أصدق كلمة قالها شاعر ـ كلمة لبيد:شعر : ألا كل شيء ما خلا الله باطل تفسير : {وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ} بالتفاتكم إلى غيره سبحانه {أية : وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } تفسير : [البقرة: 42] أنه ليس لغيره وجود حقيقي، أو لا تخلطوا صفاته تعالى الثابتة الحقة بالباطل الذي هو صفات نفوسكم، ولا تكتموها بحجاب صفات النفس وأنتم تعلمون من علم توحيد الأفعال أن مصدر الفعل هو الصفة فكما لم تسندوا الفعل إلى غيره لا تثبتوا صفته لغيره {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ} بمراقبة القلوب { وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} أي بالغوا في تزكية النفس عن الصفات الذميمة لتحصل لكم التحلية بعد التخلية، أو أدوا زكاة الهمم فإن لها زكاة كزكاة النعم بل إن لكل شيء زكاة كما قيل:شعر : كل شيء له (زكاة) تؤدى و ـ زكاة ـ الجمال رحمة مثلي {أية : وَٱرْكَعُواْ }تفسير : [البقرة: 43] أي اخضعوا لما يفعل بكم المحبوب، فالخضوع علامة الرضا الذي هو ميراث تجلي الصفات العلى، وحاصله ارضوا بقضائي عند مطالعة صفاتي فإن لي أحباباً لسان حال كل منهم يقول:شعر : وتعذيبكم عذب لدي وجوركم عليَّ بما يقضي الهوى لكم عدل تفسير : ثم إنه تعالى لما أمرهم بفعل الخير شكراً لما خصهم به من النعم حرضهم على ذلك من مأخذ آخر بقوله سبحانه: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ...}

ابن عاشور

تفسير : أمرٌ بالتلبس بشعار الإسلام عقب الأمر باعتقاد عقيدة الإسلام فقولُه: {أية : وآمنوا بما أنزلت}تفسير : [البقرة: 41] الآية راجع إلى الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وما هو وسيلة ذلك وما هو غايته، فالوسيلة {أية : اذْكروا نعمتي}تفسير : إلى {أية : فارهبون}تفسير : [البقرة: 40] والمقصدُ {وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم}، والغاية {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}. وقد تخلل ذلك نهي عن مفاسد تصدهم عن المأمورات مناسباتٍ للأوامر. فقوله: {وأقيموا الصلاة} إلخ أمر بأعظم القواعد الإسلامية بعد الإيمان والنطق بكلمة الإسلام، وفيه تعريض بحسن الظن بإجابتهم وامتثالهم للأوامر السالفة وأنهم كملت لهم الأمور المطلوبة. وفي هذا الأمر تعريض بالمنافقين، ذلك أن الإيمان عقد قلبي لا يدل عليه إلا النطق، والنطقُ اللساني أمر سهل قد يقتحمه من لم يعتقد إذا لم يكن ذا غلو في دينه فلا يتحرج أن ينطق بكلام يخالف الدين إذا كان غير معتقد مدلوله كما قال تعالى:{أية : وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا}تفسير : [البقرة: 14] الآية، فلذلك أمروا بالصلاة والزكاة لأن الأولى عمل يدل على تعظيم الخالق والسجود إليه وخلع الآلهة، ومثل هذا الفعل لا يفعله المشرك لأنه يغيظ آلهته بالفعل وبقول الله أكبر ولا يفعله الكتابي لأنه يخالف عبادته، ولأن الزكاة إنفاق المال وهو عزيز على النفس فلا يبذله المرء في غير ما ينفعه إلا عن اعتقاد نفع أخروي لا سيما إذا كان ذلك المال ينفق على العدو في الدين، فلذلك عقب الأمر بالإيمان بالأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لأنهما لا يتجشمهما إلا مؤمن صادق. ولذلك جاء في المنافقين {أية : وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى}تفسير : [النساء: 142] وقوله: {أية : فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون}تفسير : [الماعون: 4، 5] وفي «الصحيح» "أن صلاة العشاء أثقل صلاة على المنافقين". وفي هذه الآية دليل لمالك على قتل من يمتنع من أداء الصلاة مع تحقق أنه لم يؤدها من أول وقت صلاة من الصلوات إلى خروجه إذا كان وقتاً متفقاً بين علماء الإسلام، لأنه جَعل ذلك الامتناع مع عدم العذر دليلاً على انتفاء إيمانه، لكنه لما كان مصرحاً بالإيمان قال مالك: إنه يقتل حداً جمعاً بين الأدلة ومنعا لذريعة خرم الملة. ويوشك أن يكون هذا دليلاً لمن قالوا بأن تارك الصلاة كافر لولا الأدلة المعارضة. وفيها دليل لما فعل أبو بكر رضي الله عنه من قتال مانعي الزكاة وإطلاق اسم المرتدين عليهم؛ لأن الله جعل الصلاة والزكاة أمارة صدق الإيمان إذ قال لبني إسرائيل {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ولهذا قال أبو بكر لما راجعه عمر في عزمه على قتال أهل الردة حين منعوا إعطاء الزكاة وقال له: كيف تقاتلهم وقد قالوا: لا إله إلا الله وقد قال رسول الله: «حديث : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»تفسير : فقال أبو بكر: لآقاتلن من فَرَّق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، فحصل من عبارته على إيجازها جواب عن دليل عمر. وقوله: {واركعوا مع الراكعين} تأكيد لمعنى الصلاة لأن لليهود صلاة لا ركوع فيها فلكي لا يقولوا إننا نقيم صلاتنا دفع هذا التوهم بقوله: {واركعوا مع الراكعين}. والركوع طأْطأَة وانحناء الظهر لقصد التعظيم أو التبجيل، وقد كانت العرب تفعله لبعض كبرائهم، قال الأعشى:شعر : إذا مَا أتانا أبو مالك رَكَعْنَا له وخَلَعْنا العِمَامه تفسير : (وروي سجدنا له وخلعنا العمارا، والعمار هو العمامة). وقوله: {مع الراكعين} إيماء إلى وجوب ممثالة المسلمين في أداء شعائر الإسلام المفروضة فالمراد بالراكعين المسلمون وفيه إشارة إلى الإتيان بالصلاة بأركانها وشرائطها.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلصَّلاَةَ} {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ} {ٱلرَّاكِعِينَ} (43) - وَيَأْمُرُهُمُ اللهُ بِأَنْ يُصَلُّوا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَبِأَنْ يُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَيَدفَعُوهَا إِلى النَّبِيِّ، وَبِأَنْ يُصَلُّوا مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، أَيْ إِنَّهُ يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يَكُونُوا مَعَهُمْ وَمِنْهُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : إقامة الصلاة معروفة. وهي تبدأ بالتكبير وتختم بالتسليم. بشرائطها من عناصر القيام والركوع والسجود. ولكن الحق يقول {وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43] إما أنه يريد منهم أن ينضموا إلى موكب الإيمان الجامع لأن صلاتهم لم يكن فيها ركوع. إذن فهو يريدهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. ولا يظنوا أن إيمانهم بموسى عليه السلام يعفيهم من أن يكونوا خاضعين لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم. ويقولون ديننا كافينا. إنما جاء الإسلام لمَنْ لا دين له وهم الكفار والمشركون .. فيقول لهم: {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43]. إن الحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتهم إلى أن صلاتهم لن تقبل منهم إلا أن يكون فيها ركوع، وصلاة اليهود ليس فيها ركوع .. وإن كان فيها سجود، وفي كلتا الحالتين فإن الحق سبحانه وتعالى يلفتهم إلى ضرورة الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم. الحق سبحانه وتعالى حينما قال: {أية : وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} تفسير : [البقرة: 41] يريد أن يلفتهم إلى أن العكس هو المطلوب وأنهم كان يجب أن يشتروا الإيمان ويختاروا الصفقة الرابحة. ولن يحدث ذلك إلا إذا آمنوا بالرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم .. فهذا هو الطريق الوحيد لرضا الله سبحانه وتعالى. الله سبحانه وتعالى يريد أن يهدم تكبرهم على الدين الجديد فأمرهم بالصلاة كما يصلي المسلمون، وبالزكاة كما يزكي المسلمون. فلا يعتقدون أن إيمانهم بموسى والتوراة سيُقْبَل منهم بعد أن جاء الرسول الجديد الذي أُمِروا أن يؤمنوا به، بل إن إيمانهم بموسى والتوراة - لو كانوا مؤمنين بهما حقاً - يستوجب هذا الإيمان عليهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لأن التوراة تأمرهم بذلك. فكأن عدم إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم كفر بالتوراة ونقض لتعاليمها. والصلاة كما قلنا .. استحضار العبد وقفته بين يدي ربه، وحينما يقف العبد بين يدي الله .. لابد أن يزول كل ما في نفسه من كبرياء، ويدخل بدلاً منه الخشوع والخضوع والذلة لله، والمتكبر غافل عن رؤية ربه الذي يقف أمامه. إنما عدم إيمانهم بهذا النبي، والوقوف بين يدي الله للصلاة كما يجب أن تُؤَدَّى، وكما فرضها الله تعالى من فوق سبع سماوات. إنما هو رفض للخضوع لأوامر الله. وبعد ذلك تأتي الزكاة. لأن العبد المؤمن لابد أن يوجه حركة حياته إلى عمل نافع يتسع له ولمَنْ لا يقدر على الحركة في الحياة. والله سبحانه وتعالى حينما يطالبنا بالسعي في الأرض لا يطالبنا أن يكون ذلك على قدر احتياجاتنا فقط، بل يطالبنا أن يكون تحركنا أكثر من حاجة حياتنا؛ حتى يتسع هذا التحرك ليشمل حياة غير القادر على حركة الحياة. فيتسع المجتمع للجميع، ويزول منه الحقد والحسد، وتصفى النفوس.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما آمنتم بالله وكتبه المنزلة على رسله ذهبتم عما نهيتم {أَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ} أديموا الميل والتقرب إلى جنابه، وتوجهوا نحو بابه بجميع الأعضاء والجوارح، قاصدين فيه تخلية الظاهر والباطن عن الشواغل النفسية، والعوائق البدنية المانعة من الميل الحقيقي {وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ} المطهرة لنفوسهم عن العلائق الخارجية، والعوارض اللاحقة المثمرة لأنواع الأمراض في الباطن في البخل والحسد والحقد و غير ذلك {وَ} إن قصدتم التقرب والتوجه على الوجه الأتم الأكمل {ٱرْكَعُواْ} تذللوا وتضرعوا إليه سبحانه {مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ} [البقرة: 43] الذين خرجوا عن هوياتهم بالموت الإرادي، ووصلوا إلى ما وصلوا بل اتصلوا، لا مع الذين يراءون الناس، ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، لذلك خاطبهم الحق سبحانه على سبيل التوبيخ، فقال: {أَتَأْمُرُونَ} أيها المراءون المدعون لليقين والعرفان {ٱلنَّاسَ} على سبيل النص والتذكير {بِٱلْبِرِّ} المقرب إلى الله {وَتَنْسَوْنَ} أنتم {أَنْفُسَكُمْ} من امتثال ما قلتم {وَ} الحال أنكم {أَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ} المشتمل على الأوامر والنواهي، فحقكم أن تمتثلوا بها أولاً {أَ} تلتزمون تذكير الغير، وأنتم في الغفلة {فَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة: 44] ثبيح صنيعكم هذا. ولما أمرتم بعد الإيحاء بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة المطهرين لنفوسكم ظاهراً وباطناً، فعليكم الإتيان بالمأمور على الوجه الأتم، ولا يتيسر لكم الإتيان بها على الوجه الذي ذكر بإدامة الاستعانة {وَ} المظاهرة من الخصلتين؛ لذلك أمر سبحانه باستعانتهما {ٱسْتَعِينُواْ} في التوجيه والتقرب إلى الله {بِٱلصَّبْرِ} عن المستلذات الجسمانية والمشتهيات المزينة {وَٱلصَّلَٰوةِ} الميل والإعراض عما سوى الحق ولا تسهلوا أمر الاستعانة ولا تخففوها {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} ثقيلة شاقة على كل واحد {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ} [البقرة: 45] الخاضعين. {ٱلَّذِينَ} يرفعون رين الغيرية عن العين، ويسقطون شين الاثنينية عن البين {يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ} في هذه النشأة؛ لأنهم يعبدون إليه كأنهم يرونه {وَ} يعلمون يقيناً {أَنَّهُمْ إِلَيْهِ} لا إلى غيره؛ إذ لا وجود للغير {رَٰجِعُونَ} [البقرة: 46] عائدون صائرون في النشأة الأخرى، اللهم اجعلنا من متبعيهم ومحبيهم. ثم لما منَّ عليهم بالنعم التي تظهر آثارها وثمراتها في العالم الروحاني بحسب النشأة الأخرى، منَّ عليهم بالنعم التي ظهرت آثارها عليهم في العالم الجسماني بحسب النشأة الأولى، فناداهم أيضاً مبتدئاً مذكراً بقوله: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ} ولا تكفروا {نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} وعلى أسلافكم {وَ} اعلموا {أَنِّي} بحولي وقوتي {فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ} [البقرة: 47] من أبناء نوعكم بفضائل أغنت شهرتها على إحصائها. وبعدما ذكرتم النعم وعرفتم المنعم المفضمل، لا تغتروا بفضلي ولطفي بل احذروا من انتقامي وقهري {وَٱتَّقُواْ يَوْماً} تحشرون إلي للجزاء، وفي ذلك اليوم {لاَّ تَجْزِي} لا تسقط {نَفْسٌ} مطيعة كانت أو عاصية {عَن نَّفْسٍ} عاصية {شَيْئاً} من جزائها وعذابها {وَ} أيضاً { لاَ يُقْبَلُ} فيها {مِنْهَا} من النفس العاصية {شَفَٰعَةٌ} من شافع صديق حميم {وَ} كذا {لاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} لتمهل مدة {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48] فيه بالأعوان والأنصار، بل كل نفس رهينة بما كسبت.