٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
44
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن الهمزة في أتأمرون الناس بالبر للتقرير مع التقريع والتعجب من حالهم، وأما البر فهو اسم جامع لأعمال الخير، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما، ومنه عمل مبرور، أي قد رضيه الله تعالى وقد يكون بمعنى الصدق كما يقال بر في يمينه أي صدق ولم يحنث، ويقال: صدقت وبررت، وقال تعالى: {أية : ولكن البر من اتقى} تفسير : [البقرة: 189] فأخبر أن البر جامع للتقوى، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما أمر بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم ورغبهم في ذلك بناء على مأخذ آخر، وهو أن التغافل عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول، إذ المقصود من أمر الناس بذلك إما النصيحة أو الشفقة، وليس من العقل أن يشفق الإنسان على غيره أو أن ينصح غيره ويهمل نفسه فحذرهم الله تعالى من ذلك بأن قرعهم بهذا الكلام. واختلفوا في المراد بالبر في هذا الموضع على وجوه، أحدها: وهو قول السدي أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وينهونهم عن معصية الله، وهم كانوا يتركون الطاعة ويقدمون على المعصية، وثانيها: قول ابن جريج أنهم كانوا يأمرون الناس بالصلاة والزكاة وهم كانوا يتركونهما. وثالثها: أنه إذا جاءهم أحد في الخفية لاستعلام أمر محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: هو صادق فيما يقول وأمره حق فاتبعوه، وهم كانوا لا يتبعونه لطمعهم في الهدايا والصلات التي كانت تصل إليهم من أتباعهم، ورابعها: أن جماعة من اليهود كانوا قبل مبعث الرسول صلى الله عليه وسلم يخبرون مشركي العرب أن رسولاً سيظهر منكم ويدعو إلى الحق وكانوا يرغبونهم باتباعه فلما بعث الله محمداً حسدوه وكفروا به، فبكتهم الله تعالى بسبب أنهم كانوا يأمرون باتباعه قبل ظهوره، فلما ظهر تركوه وأعرضوا عن دينه، وهذا اختيار أبي مسلم، وخامسها: وهو قول الزجاج أنهم كانوا يأمرون الناس ببذل الصدقة، وكانوا يشحون بها لأن الله تعالى وصفهم بقساوة القلوب وأكل الربا والسحت، وسادسها: لعل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباع محمد صلى الله عليه وسلم في الظاهر، ثم إنهم كانوا في قلوبهم منكرين له فوبخهم الله تعالى عليه، وسابعاً: أن اليهود كانوا يأمرون غيرهم باتباع التوراة ثم إنهم خالفوه لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم ما آمنوا به، أما قوله: {وتنسون أنفسكم} فالنسيان عبارة عن السهو الحادث بعد حصول العلم والناسي غير مكلف ومن لا يكون مكلفاً لا يجوز أن يذمه الله تعالى على ما صدر منه، فالمراد بقوله: {وتنسون أنفسكم} أنكم تغفلون عن حق أنفسكم وتعدلون عما لها فيه من النفع، أما قوله: {وأنتم تتلون الكتاب} فمعناه تقرأون التوراة وتدرسونها وتعلمون بما فيها من الحث على أفعال البر والإعراض عن أفعال الإثم. وأما قوله: {أفلا تعقلون} فهو تعجب للعقلاء من أفعالهم ونظيره قوله تعالى: {أية : أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون}تفسير : [الأنبياء: 67] وسبب التعجب وجوه، الأول: أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير إلى تحصيل المصلحة وتحذيره عما يوقعه في المفسدة، والإحسان إلى النفس أولى من الإحسان إلى الغير وذلك معلوم بشواهد العقل والنقل فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل فلهذا قال: {أفلا تعقلون}. الثاني: أن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ سبباً لرغبة الناس في المعصية لأن الناس يقولون أنه مع هذا العلم لولا أنه مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات وإلا لما أقدم على المعصية فيصير هذا داعياً لهم إلى التهاون بالدين والجراءة على المعصية، فإذا كان غرض الواعظ الزجر عن المعصية ثم أتى بفعل يوجب الجراءة على المعصية فكأنه جمع بين المتناقضين، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء، فلهذا قال: {أفلا تعقلون}. الثالث: أن من وعظ فلا بد وأن يجتهد في أن يصير وعظه نافذاً في القلوب. والإقدام على المعصية مما ينفر القلوب عن القبول، فمن وعظ كان غرضه أن يصير وعظه مؤثراً في القلوب، ومن عصى كان غرضه أن لا يصير وعظه مؤثراً في القلوب. فالجمع بينهما متناقض غير لائق بالعقلاء، ولهذا قال علي رضي الله عنه: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك وجاهل متنسك. وبقي ههنا مسائل: المسألة الأولى: قال بعضهم: ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر واحتجوا بالآية والمعقول، أما الآية فقوله: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} ولا شك أنه تعالى ذكر ذلك في معرض الذم، وقال أيضاً: {أية : لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} تفسير : [الصف: 2ـ3]. وأما المعقول فهو أنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن ينكر عليها في أثناء الزنا على كشفها عن وجهها، ومعلوم أن ذلك مستنكر. والجواب: أن المكلف مأمور بشيئين، أحدهما: ترك المعصية. والثاني: منع الغير عن فعل المعصية والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر. أما قوله: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} فهو نهي عن الجمع بينهما والنهي عن الجمع بين الشيئين يصح حمله على وجهين. أحدهما: أن يكون المراد هو النهي عن نسيان النفس مطلقاً. والآخر: أن يكون المراد هو النهي عن ترغيب الناس في البر حال كونه ناسياً للنفس وعندنا المراد من الآية هو الأول لا الثاني، وعلى هذا التقدير يسقط قول هذا الخصم، وأما المعقول الذي ذكروه فيلزمهم. المسألة الثانية: احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن فعل العبد غير مخلوق لله عز وجل فقالوا قوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} إنما يصح ويحسن لو كان ذلك الفعل منهم، فأما إذا كان مخلوقاً فيهم على سبيل الاضطرار فإن ذلك لا يحسن إذ لا يجوز أن يقال للأسود: لم لا تبيض؟ لما كان السواد مخلوقاً فيه. والجواب: أن قدرته لما صلحت للضدين فإن حصل أحد الضدين دون الآخر لا لمرجح كان ذلك محض الاتفاق، والأمر الاتفاقي لا يمكن التوبيخ عليه. وإن حصل المرجح فإن كان ذلك المرجح منه عاد البحث فيه، وإن حصل من الله تعالى فعند حصوله يصير ذلك الطرف راجحاً والآخر مرجوحاً والمرجوح ممتنع الوقوع لأنه حال الاستواء لما كان ممتنع الوقوع فحال المرجوحية أولى بأن يكون ممتنع الوقوع وإذا امتنع أحد النقيضين وجب الآخر وحينئذ يعود عليكم كل ما أوردتموه علينا. ثم الجواب الحقيقي عن الكل: أنه {أية : لا يسأل عما يفعل} تفسير : [الأنبياء: 23]. المسألة الثالثة: (أ) عن أنس رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار فقلت: يا أخي يا جبريل من هؤلاء؟ فقال هؤلاء خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم». تفسير : (ب) وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : إن في النار رجلاً يتأذى أهل النار بريحه فقيل من هو يا رسول الله؟ قال: عالم لا ينتفع بعلمه». تفسير : (ج) وقال عليه الصلاة والسلام: «حديث : مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه». تفسير : (د) وعن الشعبي: يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من النار فيقولون: لم دخلتم النار ونحن إنما دخلنا الجنة بفضل تعليمكم؟ فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله. كما قيل: من وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه. وقال الشاعر: شعر : يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كيما يصح به وأنت سقيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل إن وعظت ويقتدي بالرأي منك وينفع التعليم تفسير : قيل: عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل، وأما من وعظ واتعظ فمحله عند الله عظيم. روي أن يزيد بن هارون مات وكان واعظاً زاهداً فرؤي في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وأول ما سألني منكر ونكير فقالا: من ربك؟ أما تستحيان من شيخ دعا الناس إلى الله تعالى كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك؟ وقيل للشبلي عند النزع: قل لا إله إلا الله فقال: شعر : إن بيتاً أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج
القرطبي
تفسير : فيه تسع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ} هذا ٱستفهام معناه التوبيخ، والمراد في قول أهل التأويل علماءُ اليهود. قال ٱبن عباس: كان يهود المدينة يقول الرجل منهم لصهره ولذي قرابته ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين: ٱثبت على الذي أنت عليه وما يأمرك به هذا الرجل ـ يريدون محمداً صلى الله عليه وسلم ـ فإن أمره حق؛ فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه. وعن ٱبن عباس أيضاً: كان الأحبار يأمرون مقلديهم وأتباعهم بٱتباع التوراة، وكانوا يخالفونها في جحدهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ٱبن جُريج: كان الأحبار يحضّون على طاعة الله وكانوا هم يواقعون المعاصي. وقالت فرقة: كانوا يحضّون على الصدقة ويبخلون. والمعنى متقارب. وقال بعض أهل الإشارات: المعنى أتطالبون الناس بحقائق المعاني وأنتم تخالفون عن ظواهر رسومهاٰ. الثانية: في شدّة عذاب مَن هذه صفته؛ روى حماد بن سلمة عن عليّ بن زيد عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليلة أسري بي مررت على ناس تُقرض شفاههم بمقاريضَ من نار، فقلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال هؤلاء الخطباء من أهل الدنيا يأمرون الناس بالبر وينسوْن أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون»تفسير : . وروى أبو أمامة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم يجرّون قُصْبهم في نار جهنم فيقال لهم من أنتم؟ فيقولون نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا».تفسير : قلت: وهذا الحديث وإن كان فيه لين؛ لأن في سنده الخصيب بن جَحْدر كان الإمام أحمد يستضعفه، وكذلك ٱبن مَعين يرويه عن أبي غالب عن أبي أمامة صُديّ بن عجلان الباهلي، وأبو غالب هو ـ فيما حكى يحيى بن مَعين ـ حَزَوَّر القرشي مولى خالد بن عبد اللَّه بن أسيد. وقيل: مولى باهلة. وقيل: مولى عبد الرحمن الحضرمي. كان يختلف إلى الشام في تجارته. قال يحيى بن مَعين: هو صالح الحديث، فقد رواه مسلم في صحيحه بمعناه عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : يؤتَى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار (بالرحى) فيجتمع إليه أهل النار فيقولون يا فلان ما لك ألم (تكن) تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه».تفسير : القُصْب (بضم القاف): المِعَى، وجمعه أقصاب. والأقتاب: الأمعاء، واحدها قِتب. ومعنى «فتندلق»: فتخرج بسرعة. وروينا «فتنفلق». قلت: فقد دلّ الحديث الصحيح وألفاظ الآية على أن عقوبة من كان عالماً بالمعروف وبالمنكر وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشدّ ممن لم يعلمه؛ وإنما ذلك لأنه كالمستهين بحرمات الله تعالى، ومستخفّ بأحكامه، وهو ممن لا ينتفع بعلمه؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه»تفسير : . أخرجه ٱبن ماجه في سُننه. الثالثة: اعلم وفّقك الله تعالى أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر، ولهذا ذمّ الله تعالى في كتابه قوماً كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون بها؛ وبخهم به توبيخاً يُتْلَى على طول الدهر إلى يوم القيامة فقال: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ} الآية. وقال منصور الفقيه فأحسن:شعر : إن قوماً يأمرونا بالذي لا يفعلونا لمجانين وإن هم لم يكونوا يصرعونا تفسير : وقال أبو العتاهية:شعر : وصفتَ التُّقَى حتى كأنك ذو تُقًى وريحُ الخطايا من ثيابك تسطع تفسير : وقال أبو الأسْود الدُّؤَليّ:شعر : لا تَنْهَ عن خُلقٍ وتأتيَ مثلَه عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ وٱبدأ بنفسك فٱنهها عن غيّها فإن ٱنتهتْ عنه فأنت حكيمُ فهناك يُقبَل إن وَعظتَ ويُقتَدى بالقول منك وينفع التعليمُ تفسير : وقال أبو عمرو بن مطر: حضرت مجلس أبي عثمان الحِيري الزاهد فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد عليه للتذكير، فسكت حتى طال سكوته؛ فناداه رجل كان يعرف بأبي العباس: ترى أن تقول في سكوتك شيئاً؟ فأنشأ يقول:شعر : وغير تَقِيٍّ يأمر الناس بالتُّقَى طبيبٌ يداوي وَالطبيبُ مريضُ تفسير : قال: فٱرتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج. الرابعة: قال إبراهيم النَّخَعِيّ: إني لأكره القَصص لثلاث آيات، قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ} الآية، وقولِه: {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2]، وقولِه: {أية : وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ} تفسير : [هود: 88]. وقال سَلْم بن عمرو:شعر : ما أقبحَ التّزهيدَ من واعظٍ يُزَهِّد الناسَ ولا يَزْهَدُ لو كان في تزهيده صادقاً أَضحى وأمسى بيتُه المسجدُ إنْ رفض الدنيا فما بالُه يَستمنح الناس ويسترفدُ والرزق مقسومٌ على من تَرى ينالُه الأبيضُ والأسودُ تفسير : وقال الحسن لمطرِّف بن عبد اللَّه: عِظ أصحابك؛ فقال إني أخاف أن أقول ما لا أفعل؛ قال: يرحمك الله! وأيّنا يفعل ما يقول! ويودّ الشيطان أنه قد ظَفِر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر. وقال مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن سمعت سعيد بن جُبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف ولا نَهَى عن منكر. قال مالك: وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء!. الخامسة: قوله تعالى: {بِٱلْبِرِّ} البِرّ هنا الطاعة والعمل الصالح. والبِرّ: الصدق. والبِرّ: ولد الثعلب. والبِرّ: سَوق الغنم؛ ومنه قولهم: «لا يعرف هِرًّا من بِر» أي لا يعرف دعاء الغنم من سَوقها. فهو مشترك؛ وقال الشاعر:شعر : لا هُمّ رَبّ إن بكرا دونكا يَبَرُّك الناسُ ويفجرونكا تفسير : أراد بقوله «يبرّك الناس»: أي يطيعونك. ويقال: إن البِرّ الفؤادُ في قوله: شعر : أكون مكان البِرّ منه ودونه وأجعل ما لي دونه وأُوامِرُه تفسير : والبُرُّ (بضم الباء) معروف، و (بفتحها) الإجلال والتعظيم؛ ومنه ولد بَرٌّ وبارّ؛ أي يُعظّم والديه ويكرمهما. السادسة: قوله تعالى: {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} أي تتركون. والنسيان (بكسر النون) يكون بمعنى التَّرك؛ وهو المراد هنا، وفي قوله تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}تفسير : [التوبة: 67]، وقوله: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ}تفسير : [الأنعام: 44]، وقوله: {أية : وَلاَ تَنسَوُاْ ٱلْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} تفسير : [البقرة: 237]. ويكون خلاف الذِّكر والحفظ؛ ومنه الحديث: «حديث : نَسِيَ آدمُ فنسِيَتْ ذرّيتُه»تفسير : . وسيأتي. يقال: رجل نَسْيان (بفتح النون): كثير النِّسيان للشيء. وقد نَسِيت الشيء نِسْياناً، ولا تقل نَسَياناً (بالتحريك)؛ لأن النّسَيان إنما هو تَثنية نَسَا العِرْق. وأنفس: جمع نَفْس، جمع قِلّة. والنَّفْس: الروح؛ يقال: خرجت نَفْسُه، قال أبو خِراش:شعر : نجا سالم والنّفْس ونه بِشدْقِهِ ولم يَنْج إلا جَفْن سَيفٍ ومِئزرا تفسير : أي بجفن سيف ومئزر. ومن الدليل على أن النفس الروح قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا} تفسير : [الزمر: 42] يريد الأرواح؛ في قول جماعة من أهل التأويل على ما يأتي. وذلك بيّن في قول بلال للنبيّ صلى الله عليه وسلم في حديث ٱبن شهاب: أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك وقوله عليه السلام في حديث زيد بن أسلم: «حديث : إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردّها إلينا في حين غير هذا»تفسير : . رواهما مالك؛ وهو أوْلى ما يقال به. والنّفْس أيضاً الدم؛ يقال: سالت نفسه؛ قال الشاعر:شعر : تسيل على حدّ السيوف نفوسُنا وليست على غير الظُّبات تسيل تفسير : وقال إبراهيم النَّخَعِيّ: ما ليس له نَفْس سائلة فإنه لا ينجس الماء إذا مات فيه. والنفس أيضاً الجسد؛ قال الشاعر:شعر : نُبّئتُ أن بني سُحَيم أدخلوا أبياتَهم تامُورَ نَفْسِ المُنذرِ تفسير : والتامور أيضاً: الدم. السابعة: قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ} توبيخ عظيم لمن فَهِم. {وَتَتْلُونَ}: تقرأون. «الكتاب»: التوراة. وكذا مَن فعل فعلهم كان مثلَهم. وأصل التلاوة الاتباع، ولذلك ٱستعمل في القراءة؛ لأنه يتبع بعض الكلام ببعض في حروفه حتى يأتي على نَسَقه؛ يقال: تلوته إذا تبعته تُلُوًّا،وتلوتُ القرآن تِلاوة. وتلوتُ الرجلَ تُلُوًّا إذا خذلته. والتَّلِيّة والتُّلاوة (بضم التاء): البقية؛ يقال: تَلِيَتْ لي من حقي تُلاوة وتَلِية؛ أي بقيت. وأتليت: أبقيت. وتتلّيت حقي إذا تتبعته حتى تستوفيه. قال أبو زيد: تَلَّى الرجلُ إذا كان بآخر رَمق. الثامنة: قوله تعالى: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم. والعقل: المنع؛ ومنه عِقال البعير؛ لأنه يمنع عن الحركة. ومنه العقل للدّية؛ لأنه يمنع وليّ المقتول عن قتل الجاني. ومنه ٱعتقال البطن واللّسان. ومنه يقال للمحصن: مَعْقِل. والعقل. نقيض الجهل. والعقل: ثوب أحمر تتخذه نساء العرب تُغشّى به الهوادج؛ قال عَلقمة:شعر : عَقْلاً ورَقْماً تكاد الطير تخطفه كأنه من دم الأجواف مَدمومُ تفسير : المدموم (بالدال المهملة): الأحمر، وهو المراد هنا. والمدموم: الممتلىء شحماً من البعير وغيره. ويقال: هما ضربان من البرود. قال ٱبن فارس: والعقل من شِيات الثياب ما كان نقشه طولاً؛ وما كان نقشه مستديراً فهو الرَّقْم. وقال الزجاج: العاقل مَن عمل بما أوجب الله عليه، فمن لم يعمل فهو جاهل. التاسعة: ٱتفق أهل الحق على أن العقل كائن موجود ليس بقديم ولا معدوم؛ لأنه لو كان معدوماً لما ٱختصّ بالاتصاف به بعض الذوات دون بعض؛ وإذا ثبت وجوده فيستحيل القول بقدمه؛ إذ الدليل قد قام على أن لا قديم إلا الله تعالى، على ما يأتي بيانه في هذه السورة وغيرها، إن شاء الله تعالى. وقد صارت الفلاسفة إلى أن العقل قديم؛ ثم منهم من صار إلى جوهر لطيف في البدن ينبثّ شعاعه منه بمنزلة السراج في البيت، يفصل به بين حقائق المعلومات. ومنهم من قال: إنه جوهر بسيط؛ أي غير مركب. ثم ٱختلفوا في محله؛ فقالت طائفة منهم: محله الدماغ؛ لأن الدماغ محل الحِسّ. وقالت طائفة أخرى: محله القلب، لأن القلب معدن الحياة ومادة الحواس. وهذا القول في العقل بأنه جوهر فاسد، من حيث إن الجواهر متماثلة؛ فلو كان جوهر عقلاً لكان كل جوهر عقلاً. وقيل: إن العقل هو المدرك للأشياء على ما هي عليه من حقائق المعاني. وهذا القول وإن كان أقرب مما قبله فيبعد عن الصواب من جهة أن الإدراك من صفات الحيّ، والعقل عَرَض يستحيل ذلك منه كما يستحيل أن يكون ملتذاً ومشتهياً. وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري والأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني وغيرهما من المحققين: العقل هو العلم، بدليل أنه لا يقال: عَقَلت وما علمت، أو علمت وما عقلت. وقال القاضي أبو بكر: العقل علوم ضرورية بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات؛ وهو ٱختيار أبي المعالي في الإرشاد؛ وٱختار في البرهان أنه صفة يتأتَّى بها درك العلوم. وٱعترض على مذهب القاضي وٱستدل على فساد مذهبه. وحكي في البرهان عن المحاسبي أنه قال: العقل غريزة. وحكى الأستاذ أبو بكر عن الشافعي وأبي عبد اللَّه بن مجاهد أنهما قالا: العقل آلة التمييز. وحكي عن أبي العباس القَلاَنسيّ أنه قال: العقل قوّة التمييز. وحكي عن المحاسبي أنه قال: العقل أنوار وبصائر. ثم رتّب هذه الأقوال وحملها على محامل فقال: والأوْلى ألا يصح هذا النقل عن الشافعيّ ولا عن ٱبن مجاهد، فإن الآلة إنما تستعمل في الآلة المثبتة وٱستعمالها في الأعراض مجاز. وكذلك قول من قال: إنه قوّة، فإنه لا يعقل من القوّة إلا القدرة؛ والقلانسيّ أطلق ما أطلقه تَوسُّعاً في العبارات، وكذلك المحاسبي. والعقل ليس بصورة ولا نور، ولكن تستفاد به الأنوار والبصائر. وسيأتي في هذه السورة بيان فائدته في آية التوحيد إن شاء الله تعالى.
البيضاوي
تفسير : {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ } تقرير مع توبيخ وتعجيب. والبر: التوسع في الخير، من البر وهو الفضاء الواسع يتناول كل خير، ولذلك قيل ثلاثة: بر في عبادة الله تعالى، وبر في مراعاة الأقارب. وبر في معاملة الأجانب. {وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } وتتركونها من البر كالمنسيات، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها نزلت في أحبار المدينة، كانوا يأمرون سراً من نصحوه باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه. وقيل: كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون {وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } تبكيت كقوله: {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي تتلون التوراة، وفيها الوعيد على العناد وترك البر ومخالفة القول العمل. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } قبح صنيعكم فيصدكم عنه، أو أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون وخامة عاقبته. والعقل في الأصل الحبس، سمي به الإدراك الإنساني لأنه يحبسه عما يقبح، ويعقله على ما يحسن، ثم القوة التي بها النفس تدرك هذا الإدراك. والآية ناعية على من يعظ غيره ولا يتعظ بنفسه سوء صنيعه وخبث نفسه، وأن فعله فعل الجاهل بالشرع أو الأحمق الخالي عن العقل، فإن الجامع بينهما تأبى عنه شكيمته، والمراد بها حث الواعظ على تزكية النفس والإقبال عليها بالتكميل لتقوم فيقيم غيره، لا منع الفاسق عن الوعظ فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر، وهو جماع الخير، أن تنسوا أنفسكم، فلا تأتمروا بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب، وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر الله؟ أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم، فتنتبهوا من رقدتكم، وتتبصروا من عمايتكم؟ وهذا كما قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله، وبتقواه، وبالبر، ويخالفون، فعيرهم الله عز وجل، وكذلك قال السدي. وقال ابن جريج: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ} أهل الكتاب والمنافقون كانوا يأمرون الناس بالصوم والصلاة، ويدعون العمل بما يأمرون به الناس، فعيرهم الله بذلك، فمن أمر بخير فليكن أشد الناس فيه مسارعة. وقال محمد بن إسحاق عن محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: {وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} أي: تتركون أنفسكم {وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي: تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة، وتتركون أنفسكم، أي: وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسولي، وتنقضون ميثاقي، وتجحدون ما تعلمون من كتابي. وقال الضحاك عن ابن عباس: في هذه الآية يقول: أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما أمرتم به من إقام الصلاة، وتنسون أنفسكم؟ وقال أبو جعفر بن جرير: حدثني علي بن الحسن حدثنا مسلم الجرمي حدثنا مخلد بن الحسين عن أيوب السختياني عن أبي قلابة في قول الله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ} قال أبو الدرداء رضي الله عنه: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه، فيكون لها أشد مقتاً. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في هذه الآية: هؤلاء اليهود، إذا جاء الرجل، سألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة، أمروه بالحق، فقال الله تعالى: { أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} والغرض: أن الله تعالى ذمهم على هذا الصنيع، ونبههم على خطئهم في حق أنفسهم، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، فإن الأمر بالمعروف معروف، وهو واجب على العالم، ولكن الواجب والأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به، ولا يتخلف عنهم؛ كما قال شعيب عليه السلام:{أية : وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِىۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}تفسير : [هود: 88] فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر، على أصح قولي العلماء من السلف والخلف، وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف، وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية؛ فإنه لا حجة لهم فيها، والصحيح: أن العالم يأمر بالمعروف، وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر، وإن ارتكبه، قال مالك عن ربيعة: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر، حتى لا يكون فيه شيء، ما أمر أحد بمعروف، ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق، من ذا الذي ليس فيه شيء؟ (قلت): لكنه والحالة هذه مذموم على ترك الطاعة وفعله المعصية؛ لعلمه بها ومخالفته على بصيرة؛ فإنه ليس من يعلم كمن لا يعلم، ولهذا جاءت الأحاديث في الوعيد على ذلك، كما قال الإمام أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير: حدثنا أحمد بن المعلى الدمشقي والحسن بن علي العمري، قالا: حدثنا هشام بن عمار حدثنا علي ابن سليمان الكلبي حدثنا الأعمش عن أبي تميمة الهجيمي عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به، كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه»تفسير : هذا حديث غريب من هذا الوجه. حديث آخر: قال الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا وكيع حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد، هو ابن جدعان، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قلت: من هؤلاء؟ قالوا: خطباء أمتك من أهل الدنيا، ممن كانوا يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون»تفسير : ؟ ورواه عبد بن حميد في مسنده وتفسيره عن الحسن بن موسى عن حماد بن سلمة به، ورواه ابن مردويه في تفسيره من حديث يونس بن محمد المؤدب والحجاج بن منهال، كلاهما عن حماد بن سلمة به، وكذا رواه يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة به، ثم قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم حدثنا موسى بن هارون حدثنا إسحاق بن إبراهيم التستري ببلخ حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا عمر بن قيس عن علي بن زيد عن ثمامة عن أنس، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : مررت ليلة أسري بي على أناس تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم»تفسير : وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وابن أبي حاتم وابن مردويه أيضاً من حديث هشام الدستوائي عن المغيرة، يعني ابن حبيب ختن مالك بن دينار، عن مالك بن دينار عن ثمامة عن أنس بن مالك، قال: لما عرج برسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بقوم تقرض شفاههم، فقال: يا جبريل من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الخطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم أفلا يعقلون. حديث آخر: قال الإمام أحمد: حدثنا يعلى بن عبيد: حدثنا الأعمش عن أبي وائل، قال: قيل لأسامة، وأنا رديفه: ألا تكلم عثمان؟ فقال: إنكم ترون أني لا أكلمه، ألا أسمعكم إني لأكلمه فيما بيني وبينه دون أن أفتتح أمراً لا أحب أن أكون أول من افتتحه، والله لا أقول لرجل: إنك خير الناس، وإن كان علي أميراً، بعد أن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولـ قالوا: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: «حديث : يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق به أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار، فيقولون: يا فلان ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه»تفسير : رواه البخاري ومسلم من حديث سليمان بن مهران الأعمش به نحوه. وقال أحمد: حدثنا سيار بن حاتم حدثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الله يعافي الأميين يوم القيامة مالا يعافي العلماء»تفسير : وقد ورد في بعض الآثار: أنه يغفر للجاهل سبعين مرة حتى يغفر للعالم مرة واحدة، ليس من يعلم كمن لا يعلم. وقال تعالى: {أية : هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}تفسير : [الزمر: 9] وروى ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن أناساً من أهل الجنة يطلعون على أناس من أهل النار، فيقولون: بم دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم، فيقولون: إنا كنا نقول ولا نفعل»تفسير : ورواه ابن جرير الطبري عن أحمد بن يحيى الخباز الرملي عن زهير بن عباد الرؤاسي عن أبي بكر الدَّاهري عبد الله بن حكيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن الوليد بن عقبة، فذكره. وقال الضحاك عن ابن عباس: إنه جاءه رجل، فقال: يابن عباس إن أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، قال: أبلغت ذلك؟ قال: أرجو، قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل، قال: وما هن؟ قال: قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }تفسير : [الصف: 2 ـ 3] أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب عليه السلام {أية : وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلَـٰحَ}تفسير : أحكمت هذه الآية؟ قال: لا، قال: فابدأ بنفسك، رواه ابن مردويه في تفسيره. وقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد حدثنا زيد بن الحارث حدثنا عبد الله بن خراش عن العوام بن حوشب عن المسيب بن رافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من دعا الناس إلى قول أو عمل، ولم يعمل هو به، لم يزل في ظل سخط الله حتى يكف، أو يعمل ما قال أو دعا إليه»تفسير : إسناده فيه ضعف. وقال إبراهيم النخعي: إن لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} وقوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ }تفسير : وقوله إخباراً عن شعيب: {أية : وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَـٰكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلَـٰحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِىۤ إِلاَّ بِٱللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}تفسير : [هود: 88].
المحلي و السيوطي
تفسير : {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ } بالإيمان بمحمد {وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } تتركونها فلا تأمرونها به {وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ } التوراة وفيها الوعيد على مخالفة القول العمل؟{أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } سُوْءَ فعلكم فترجعون؟ فجملة النسيان محل الاستفهام الإنكاري.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجلَّ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله، وهم يَعْصُونَهُ، وهو قولُ السدي، وقتادة، لأنه قد يعبر بالبر عن الطاعة، قال الشاعِرُ: شعر : لاَهُمَّ إِنَّ آلَ بَكْرٍ دُونَكَا يَبرُّكَ النَّاسُ وَيَفْجُرُونَكَا تفسير : أي يُطِيعونك. والثاني: أنهم كانوا يأمرون الناس بالتمسك بكتاب ربهم ويتركونه بجحود ما فيه من نبوَّة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وهو قول ابن عباس. والثالث: أنهم كانوا يأمرون بالصدقة ويضنون بها.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالْبِرِّ} بالطاعة، أُمروا بها وعصوا، أو أُمروا بالتمسك بكتابهم، وتركوه بجحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، أو أُمروا بالصدقة وضنوا بها.
النسفي
تفسير : والهمزة في {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ } للتقرير مع التوبيخ والتعجب من حالهم. {بِٱلْبِرّ } أي سعة الخير والمعروف ومنه البر لسعته، ويتناول كل خير ومنه قولهم «صدقت وبررت». وكان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد عليه السلام ولا يتبعونه. وقيل: كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون وإذا أتوا بالصدقات ليفرقوها خانوا فيها. {وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ } وتتركونها من البر كالمنسيات. {وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ } تبكيت أن تتلون التوراة وفيها نعت محمد عليه السلام أو فيها الوعيد على الخيانة وترك البر ومخالفة القول العمل. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه وهو توبيخ عظيم. {وَٱسْتَعِينُواْ } على حوائجكم إلى الله {بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ } أي بالجمع بينهما وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة محتملين لمشاقها وما يجب فيها من إخلاص القلب ودفع الوساوس الشيطانية والهواجس النفسانية ومراعاة الآداب والخشوع واستحضار العلم بأنه انتصاب بين يدي جبار السموات والأرض، أو استعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه نعى إليه أخوه قثم وهو في سفر فاسترجع وصلى ركعتين ثم قال: «حديث : واستعينوا بالصبر والصلاة»تفسير : وقيل: الصبر الصوم لأنه حبس عن المفطرات ومنه قيل لشهر رمضان شهر الصبر. وقيل: الصلاة الدعاء أي استعينوا على البلايا بالصبر والالتجاء إلى الدعاء والابتهال إلى الله في دفعه. {وَإِنَّهَا } الضمير للصلاة أو للاستعانة. {لَكَبِيرَةٌ } لشاقة ثقيلة من قولك «كبر عَلَيَّ هذا الأمر» {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ } لأنهم يتوقعون ما ادخر للصابرين على متاعبها فتهون عليهم، ألا ترى إلى قوله: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ } أي يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده ويطمعون فيه. وفسر «يظنون» بـ «يتيقنون» لقراءة عبد الله «يعلمون»، أي يعلمون أنه لا بد من لقاء الجزاء فيعملون على حسب ذلك، وأما من لم يوقن بالجزاء ولم يرج الثواب كانت عليه مشقة خالصة. والخشوع الإخبات والتطامن وأما الخضوع فاللين والانقياد. وفسر اللقاء بالرؤية وملاقو ربهم بمعاينوه بلا كيف. {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رٰجِعُونَ } لا يملك أمرهم في الآخرة أحد سواه. {خَـٰلِدُونَ يَـٰبَنِي إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } التكرير للتأكيد {وَأَنّي فَضَّلْتُكُمْ } نصب عطف على «نعمتي» أي اذكروا نعمتي وتفضيلي. {عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } على الجم الغفير من الناس يقال «رأيت عالماً من الناس» والمراد الكثرة. {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا } أي يوم القيامة وهو مفعول به لا ظرف. {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ } مؤمنة. {عَن نَّفْسٍ } كافرة {شَيْئاً } أي لا تقضي عنها شيئاً من الحقوق التي لزمتها. و«شيئاً» مفعول به أو مصدر أي قليلاً من الجزاء، والجملة منصوبة المحل صفة ويوماً والعائد منها إلى الموصوف محذوف تقديره لا تجزى فيه و{ولا يقبل منها شفاعةٌ} «ولا تقبل» بالتاء:مكي وبصري، والضمير في «منها» يرجع إلى النفس المؤمنة أي لا تقبل منها شفاعة للكافرة، وقيل: كانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا فهو كقوله: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ }تفسير : وتشبث المعتزلة بالآية في نفي الشفاعة للعصاة مردود لأن المنفي شفاعة الكفار وقد قال عليه السلام «حديث : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي من كذب بها لم ينلها »تفسير : {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } أي فدية لأنها معادلة للمفدي. {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } يعاونون وجمع لدلالة النفس المنكرة على النفوس الكثيرة، وذكّر لمعنى العباد أو الأناسي. {وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ } أصل آل أهل ولذلك يصغر بأهيل فأبدلت هاؤه ألفاً وخص استعماله بأولى الخطر كالملوك وأشباههم فلا يقال آل الإسكاف والحجام، وفرعون علم لمن ملك العمالقة كقيصر لملك الروم وكسرى لملك الفرس. {يَسُومُونَكُمْ } حال من «آل فرعون» أي يولونكم من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً، وأصله من سام السلعة إذا طلبها كأنها بمعنى يبغونكم {سُوءَ ٱلْعَذَابِ } ويريدونكم عليه ومساومة البيع مزيدة أو مطالبة، وسوء مفعول ثانٍ لـ «يسومونكم» وهو مصدر سيىء. يقال: أعوذ بالله من سوء الخلق و«سوء» الفعل يراد قبحهما، ومعنى سوء العذاب، والعذاب كله سيىء أشده وأفظعه. {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } بيان لقوله «يسومونكم» ولذا ترك العاطف {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } يتركون بناتكم أحياء للخدمة، وإنما فعلوا بهم ذلك لأن الكهنة أنذروا فرعون بأنه يولد مولود يزول ملكه بسببه كما أنذروا نمرود فلم يغن عنهما اجتهادهما في التحفظ وكان ما شاء الله {وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاءٌ } محنة إن أشير بذلكم إلى صنع فرعون، ونعمة إن أشير به إلى الانتجاء. {مّن رَّبّكُمْ }، صفة لـ «بلاء» {عظِيمٌ } صفة ثانية. {وَإِذْ فَرَقْنَا } فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم. وقرىء «فرّقنا» أي فصلنا يقال: فرق بين الشيئين وفَرَّقَ بين الأشياء لأن المسالك كانت اثني عشر على عدد الأسباط. {بِكُمُ ٱلْبَحْرَ } كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم، أو فرقناه بسببكم، أو فرقناه ملتبساً بكم فيكون في موضع الحال. رُوي أن بني إسرائيل قالوا لموسى عليه السلام: أين أصحابنا فنحن لا نرضى حتى نراهم، فأوحى الله إليه أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على الحيطان فصارت فيها كوى فتراءوا وتسامعوا كلامهم. {فَأَنجَيْنَـٰكُمْ وَأَغْرَقْنَا آل فِرْعَونَ وَأَنتُم تَنظُرونَ} إلى ذلك وتشاهدونه ولا تشكون فيه. وإنما قال {وَإِذْ وٰعَدْنَا مُوسَىٰ } لأن الله تعالى وعده الوحي ووعده هو المجيء للميقات إلى الطور. «وعدنا» حيث كان بصري. لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد الله تعالى موسى أن ينزل عليه التوراة وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وقال {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } لأن الشهور غررها بالليالي و«أربعين» مفعول ثانٍ لـ «واعدنا» لا ظرف لأنه ليس معناه واعدناه في أربعين ليلة {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ } أي إلها فحذف المفعول الثاني لـ «اتخذتم»، وبابه بالإظهار مكي وحفص {مِن بَعْدِهِ } من بعد ذهابه إلى الطور، {وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ } أي بوضعكم العبادة غير موضعها والجملة حال أي عبدتموه ظالمين. {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ } محونا ذنوبكم عنكم. {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } من بعد اتخاذكم العجل. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } لكي تشكروا النعمة في العفو عنكم. {وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ } يعني الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل وهو التوراة ونظيره «رأيت الغيث والليث» تريد الرجل الجـامع بين الجود والجراءة. أو التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام. وقيل: الفرقان انفلاق البحر أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لكي تهتدوا.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ...} الاستفهام معناه التقرير والتوبيخ. قال ابن عرفة: فرق بعضهم بينهما بأن التقرير لمن أنعمت عليه ولم يحسن إليك. والتوبيخ لمن أحسنت إليه وأساء إليك. وجمع الأنفس جمع قلة تحقيرا لها، لأن الآية خرجت مخرج الذّمّ، والواو في "تنسون" يجب (أو يترجح) أن يكون واو الحال (إذ) لو لم تكن من تمام (الأول) للزم عليه تسلط الإنكار على كل واحدة من الجملتين على انفرادها، والأمر بالمعروف مطلوب شرعا لا يوبخ أحد (على) فعله فما الإنكار إلا على من يأمر بالبر حالة عدم اتصافه به. فإن قلت / المضارع لا يقع حالا إلا بغير واو إلاّ فيما شذّ من قولهم: (قمت وأصك عينه)؟ قلنا: هو على إضمار المبتدأ أي وأنتُمْ تَنسَوْنَ أنفُسَكُمْ. (قيل) لابن عرفة: لعل الإنكار تسلط على الجمع بين الأمرين أي أتجمعون بين الأمر بالبر ونسيان أنفسكم؟ (فقال): ظاهر اللفظ بالاتصاف أن دلالته على ذلك المعنى إنما هو من ناحية كون تلك الجملة حالا فقط. قلت: وأيضا فما يدل على إنكار الجمع بينهما إلا لو كان "تنسون" منصوبا كما قالوا في: لاَ تَأْكُلِ السَّمَكَ وَتَشْرَبِ اللَّبَنَ. قوله تعالى: {وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي العقل الذي يصدكم عن ارتكاب ما منع الشرع منه وهو العقل النافع وليس المراد العقل التكليفي لأنه ثابت، وهذا هو الذي اختص منه منتفٍ عنهم لأن المعنى: أتجهلون فلا تعقلون؟ انتهى.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ } خرج مخرج الاستفهامِ، ومعناه التوبيخُ، و «البِرُّ» يجمع وجوه الخيرِ والطاعاتِ، و {تَنسَوْنَ} معناه تتركون أنفسكم. قال ابنُ عَبَّاس: كان الأحبار يأمرون أتباعهم ومقلِّديهم بٱتِّبَاعِ التوراة، وكانوا هم يخالفونَهَا في جَحْدهم منْها صفةَ محمَّد صلى الله عليه وسلم. وقالت فرقة: كان الأحبار إذا استرشدَهُمْ أحد من العرب في ٱتِّباعِ محمَّد صلى الله عليه وسلم، دلُّوه على ذلك، وهم لا يفعلونه. * ت *: وخرَّج الحافظُ أبو نُعَيْمٍ أحمد بن عبد اللَّه الأصبهانيُّ في كتاب «رِيَاضَةِ المُتَعَلِّمِينَ»؛ قال: حدَّثنا أبو بكر بن خَلاَّد، حدَّثنا الحارث بن أبي أُسَامَةَ، حدثنا أبو النَّضْرِ، حدثنا محمَّد بن عبد اللَّه بن علي بن زيْدٍ عن أنس بن مالك ـــ رضي اللَّه عنه ـــ؛ قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالاً تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: الخُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ، وَيَنْسُونَ أَنْفُسَهُمْ، وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلاَ يَعْقِلُونَ»تفسير : . انتهى. {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ }: قال مقاتل: معناه: على طلب الآخرة، وقيل: استعينوا بالصبر على الطاعات، وعن الشهوات علَىٰ نيلِ رضوانِ اللَّه سبحانه، وبالصلاةِ علَىٰ نيل رضوانِ اللَّه، وحطِّ الذنوب، وعلى مصائب الدهْر أيضاً؛ ومنه الحديثُ: «حديث : كان رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ، فَزِعَ إلَى الصَّلاَةِ»تفسير : ، ومنْهُ ما روي أنَّ عبد اللَّه بن عباس نُعِيَ له أخوه قُثَمُ وهو في سفر، فٱسترجَعَ، وتنحَّىٰ عن الطريق، وصلَّىٰ، ثم ٱنصرفَ إلى راحلته، وهو يقرأُ: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ }، وقال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوْمُ، ومنه قيل لرمضانَ شهْرُ الصبْرِ، وخص الصوم والصلاة على هذا القول بالذكْرِ؛ لتناسبهما في أن الصيام يمنع الشهواتِ، ويزهِّد في الدنيا، والصلاة تنْهَىٰ عن الفحشاء والمنْكَرِ، وتُخشِّع، ويقرأُ فيها القرآن الذي يذكِّر بالآخرة، وقال قومٌ: الصبر على بابه، والصلاة الدعاءُ، وتجيء الآية على هذا القولِ مشْبِهةً لقوله تعالى: {أية : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ } تفسير : [الأنفال:45] لأن الثبات هو الصبر، وذكر اللَّه هو الدعاءُ، وروى ابن المبارك في «رقائقه»؛ قال: أخبرنا حمَّاد بن سَلَمَةَ عن ثابتٍ البُنَانِيِّ عن صِلَةَ بْنِ أشْيَمِ؛ قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ صَلَّىٰ صَلاَةً، لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ شَيْئاً إِلاَّ أَعْطَاهُ إيَّاه»تفسير : وأسند ابن المبارك عن عقبة بن عامر الجُهَنِيِّ؛ قال: سَمِعْتُ رسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «حديث : مَنْ تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ صَلَّىٰ صَلاَةً غَيْرَ سَاهٍ، وَلاَ لاَهٍ، كُفِّرَ عَنْهُ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنْ شَيْءٍ»تفسير : . انتهي. وهذان الحديثان يُبَيِّنَانِ ما جاء في «صحيح البخاريِّ» «حديث : عن عثمانَ حيثُ توضَّأَ ثلاثًا ثلاثاً، ثم قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئي هَذَا، ثُمَّ صَلَّىٰ رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»»تفسير : . انتهى. والضمير في قوله تعالَىٰ: {وَإِنَّهَا } قيل: يعود على الصلاة، وقيل: على العبادة التي تضمنها بالمعنى ذكر الصبْرِ والصلاة. قال: * ص *: «وإنَّهَا» الضمير للصلاة، وهو القاعدة في أن ضمير الغائب لا يعود على غير الأقرب إلا بدليل. انتهى. ثم ذكر أبو حَيَّان وجوهاً أُخَرَ نحو ما تقدَّم. وكَبِيرَةٌ: معناه: ثقيلةٌ شاقَّة، والخَاشِعُونَ: المتواضعون المخبتُونَ، والخشوعُ هيئة في النفْسِ يظهر منها على الجوارحِ سكُونٌ وتواضُعٌ. و {يَظُنُّونَ} في هذه الآية، قال الجمهور: معناه: يوقنُونَ، والظنُّ في كلام العرب قاعدته الشَّكُّ مع ميلٍ إلى أحد معتقديه، وقد يقع موقع اليقين، لكنه لا يقع فيما قد خرج إلى الحِسِّ لا تقول العرب في رجل مَرْئِيٍّ أظن هذا إنسانًا، وإنَّمَا تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس؛ كهذه الآية؛ وكقوله تعالى: {أية : فَظَنُّواْ أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا } تفسير : [الكهف:53]. قال: * ص *: قلتُ: وما ذكره ابن عَطيَّةَ هو معنَىٰ ما ذكره الزَّجَّاج في معانيه عن بعْض أهل العلْمِ؛ أنَّ الظنَّ يقع في معنى العلْمِ الذي لم تشاهدْه، وإِنْ كان قد قامت في نفسك حقيقتُهُ، قال: وهذا مذهبٌ إلا أن أهل اللغة لم يذكروه، قال: وسمعته من أبي إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضي، رواه عن زيد بن أسْلَمَ. انتهى. والمُلاَقَاةُ هي لِلثوابِ أو العقابِ، ويصحُّ أن تكون الملاقاة هنا بالرؤية التي عليها أهل السنة، وورد بها متواترُ الْحَدِيث. و {رَٰجِعُونَ }: قيل: معناه: بالموْتِ، وقيل: بالحشرِ والخروجِ إلى الحساب والعرضِ، ويقوِّي هذا القوْل الآيةُ المتقدِّمة قوله تعالَىٰ: {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}.
ابن عادل
تفسير : الهمزة في "أتأمرون" للإنكار والتَّوبيخ، أو للتعجُّب من حالهم. و "أمر" يتعدى لاثنين: أحدهما بنفسه، والآخر بحرف الجر، وقد يحذف، وقد جمع الشاعرُ بين الأمرين في قوله: [البسيط] شعر : 449ـ أَمْرْتُكَ الخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وَذَا نَشَبِ تفسير : و "الناس" مفعول أول، و "بالبر" مفعول ثانٍ، و "البر" سَعَةُ الخير من الصّلة والطاعة، ومنه: "البرّ" و "البَرِيّة" لسعتهما، والفعل منه: "بَرَّ ـ يَبَرُّ"، على وزن "فَعِلَ ـ يَفْعَلَ" كـ "عَلِمَ ـ يَعْلَمُ"؛ قال: [الرجز] شعر : 450ـ لاهُمَّ رَبِّ إنَّ بَكْراً دُونَكَا يَبَرُّكَ النَّاسُ وَيَفْجُرُونَكَا تفسير : أي: يطيعونك. و "البِرّ" أيضاً: ولد الثَّعْلب، وسوق الغَنَم، ومنه قولهم: "لا يعرفُ الهِرَّ مِنَ البِرِّ"، أي لا يعرف دُعَاءها من سوقها. و "البِرّ" أيضاً: الفؤادُ، قال: [الطويل] شعر : 451ـ أَكُونُ مَكَانَ البِرِّ مِنْهُ ودُونَهُ وَأَجْعَلُ مَا لِي دُونَهُ وأُوَامِرُهْ تفسير : و "البَرّ" ـ بالفتح ـ الإجْلاَل والتعظيم، ومنه: ولد بَرّ بوالديه، أي يعظمهما، والله تعالى بَرّ لِسَعَةِ خيره على خَلْقِهِ، وقد يكون بمعنى الصدقِ كما يقال: بَرّ في يمينه أي: صدق ولم يَحْنَثْ ويقال: صَدَقْتُ وَبَرَرْتُ. قوله: {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} داخل في حَيّز الإنكار، وأصل "تنسون": تَنْسَيُون" فأُعلّ بحذف الياء بعد سكونها، وقد تقدّم في {أية : ٱشْتَرُواْ}تفسير : [البقرة:16] فوزنه "تَفْعُون" والنسيان: ضد الذِّكْر، وهو السَّهو الحاصل بعد حصول العلم، وقد يطلق على التَّرك، ومنه: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}تفسير : [التوبة:67]، وقد يدخله التعليق حملاً على نقيضه، قال: [الطويل] شعر : 452ـ وَمَنْ أَنْتُمُ إِنَّا نَسِينَا مَنَ أنْتُمُ وَرِيحُكُمْ مِنْ أَيِّ رِيحِ الأَعَاصِرِ تفسير : ويقال: رجل "نَسْيَان" ـ [بفتح النون ـ كثير النِّسْيَان ـ ونسيت الشيء نِسْيَاناً، ولا يقال: "نَسَيَاناً"] ـ بالتحريك - لأن النَّسَيَان تثنية نَسَا العِرْق. و "الأَنْفُس": جمع نَفْس. فإن قيل: النّسيان عبارة عن السّهو الحادث بعد حصول العلم، والنَّاسي غير مكلّف ومن لا يكون مكلفاً لا يجوز أن يذمّه الله ـ تعالى ـ على ما صدر منه، فالمراد بقوله: {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} أنكم تغفلون عن حق أنفسكم، وتعدلون عما لها فيه من النَّفْعِ. قوله: {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ} مبتدأ وخبر في محلّ نصب على حال، العامل فها "تنسون". و "التِّلاوة": التتابع، ومنه تلاوة القرآن؛ لأن القارىء يتبع كلماته بَعْضَها ببعض، ومنه: {أية : وَٱلْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا}تفسير : [الشمس:2] وأصل "تتلون": " تتلوون" بواوين فاستثقلت الضمة على الواو الأولى فحذفت، فالتقى ساكنان، فحذفت الأولى فوزنه "تفعون". ويقال: تلوته إذا تبعته تلواً، وتلوت القرآن تِلاَوَةَ. وتلوت الرجل تلواً إذا خذلته. والتَّلِيَّة والتُّلاوة: البقية، يقال: تليت لي من حقّي تلاوةً وتليةً أي بقيت. وأتليت: أبقيت. وتتليت حقّي إذا تتبعته حتى تستوفيه. قال "أبو زيد": "تلي الرجل إذا كان بآخر رمق". قوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} الهمزة للإنكار أيضاً، وهي في نية التأخير عن الفاء؛ لأنها حرف عطف، وكذا تتقدّم أيضاً على "الواو" و"ثم" نحو: {أية : أَوَلاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [البقرة:77] {أية : أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ}تفسير : [يونس:51] والنِّيّة بها التأخير، ما عدا ذلك من حروف العطف فلا تتقدّم عليه، تقول: "ما قام زيد بل أقعد؟" هذا مذهب الجُمْهور. وزعم "الزَّمخشري" أن الهمزة في موضعها غير مَنْوِيّ بها التأخير، ويقدر قبل "الفاء" و "الواو" و "ثم" فعلاً محذوفاً، فاعطف عليه ما بعده فيقدر هنا: أتغفلون فلا تعقلون، وكذا {أية : أَفَلَمْ يَرَوْاْ}تفسير : [سبأ:9] أي: أعموا فَلَم يروا؟ وقد خالف هذا الأصل ووافق الجمهور في مواضع يأتي التنبيه عليها إن شاء الله تعالى. ومفعول "تعقلون" غير مراد؛ لأن المعنى: أفلا يكون منكم عَقْل، وقيل تقديره: أفلا تعقلون قُبْحَ ما ارتكبتم من ذلك. والعَقْل: الإدراك المانع من الخطأ، وأصله المَنْع، منه العِقَال، لأنه يمنع البعير عن الحَرَكَةِ، وَعَقْل الدِّيَةِ، لأنه يمنع من قَتْلِ الجَانِي، والعَقْل ـ أيضاً ـ ثُوْب موشًّى؛ قال علقمة: [البسيط] شعر : 453ـ عَقْلاً وَرَقْماً يَظَلُّ الطَّيْرُ يَتْبَعُهُ كَأَنَّهُ مِنْ دَمِ الأَجْوافِ مَدْمُومُ تفسير : قال ابن فارس: "والعَقْل من شِيَاتِ الثياب ما كان نقشه طولاً، ما كان نقشه مستديراً فهو الرَّقم". ولا محلّ لهذه الجملة لاستئنافها. فصل في المراد بالبرّ في الآية اختلفوا في المراد بالبرّ في هذا الموضع على وجوه: أحدها: قال "السُّدّي" إنهم كانوا يأمرون النَّاس بطاعة الله، وينهونهم عن معصية الله، وهم يتركون الطّاعة، ويقدمون على المعصية. وثانيها: قال "ابن جُرَيْجٍ": إنهم كانوا يأمرون النَّاس بالصَّلاة والزكاة، وهم يتركونهما. وثالثها: كان إذا جاءهم أحد في الخُفْية لاستعلام أمر محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: هو صادق فيما يقول، أمره حقّ فاتبعوه، وهم كانوا لا يتبعونه لطمعهم في الهَدَايا والصّلات التي كانت تصل إليهم من أتباعهم. ورابعها: أن جماعة من اليهود كانو قبل مَبْعَثِ الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام يخبرون مشركي العرب أن رسولاً سيظهر فيكم، ويدعو إلى الحَقّ وكانوا يرغبونهم في اتباعه، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم حَسَدُوهُ وكفروا به، فبكّتهم الله ـ تعالى ـ بسبب أنهم كانوا يأمرون باتباعه قبل ظهوره، فلما ظهر تركوه، وأعرضوا عن دينه، وهذا اختيار "أبي مُسْلِم". وخامسها: قال "الزَّجَّاج": "إنهم كانوا يأمرون الناس ببَذْلِ الصدقة، وكانوا يشحُّون بها، لأن الله ـ تعالى ـ وصفهم بقَسَاوَةِ القلوب، وأكل الربا والسُّحت". فصل في سبب هذا التعجب سبب هذا التعجُّب وجوه: الأوّل: أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغَيْر إلى تحصيل المصلحة، وتحذيره عما يوقعه في المَفْسَدَةِ، والإحسان إلى النفس أولى من الإحسان إلى الغير. الثاني: أنّ من وعظ النَّاس، وأظهر علمه للخلق، ثم لم يَتَّعظ صار ذلك الوَعْظُ سبباً لرغبة الناس في المعصية؛ لأن الناس يقولون: إنه مع هذا العلم لولا أنه مُطّلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات، وإلاّ لما أقدم على المَعْصية، وإذا كان الوَاعِظ زاجراً عن المعصية، ويأتي بفعل يوجب الجَرَاءة على المعصية، فكأنه جمع بين المُتَناقضين، وذلك لا يليق بالعاقل. والثالث: أنّ من وعظ، فلا بد وأن يجتهد في أن يصير وعظه نافذاً في القلوب، والإقدام على المعصية مما يُنَفّر القلوب عن القبول. فصل في دفع شبه المبتدعة في اشتراطهم العدالة في الأمر بالمعروف قال: "القُرْطبي": "احتجّت المبتدعة بقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}، وقوله تعالى: {أية : كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}تفسير : [الصف:3] على أنه يشترط فيمن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر أن يكون عدلاً. قال: وهذا استدلال سَاقِطٌ؛ لأن الذم ـ هاهنا ـ إنما وقع على ارتكاب ما نهى عنه لا عن نهيه عن المنكر، ولا شك أن النهي عن المنكر ممن يأتيه أقبح ممن لا يأتيه، وأيضاً فإن العَدَالَة محصورة في القليل من الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عام في جميع الناس. وذكر عن "ابن عبد البر" أنه قال: أجمع المسلمون على أنه لا يَجِبُ على كلّ من قدر على إزالة المنكر أن يغيره إذا لم يحصل له بتغييره إلا اللَّوم الذي لا يصل إلى الأذى. فصل في ماهية العقل قال بعض الفلاسفة: العَقْلُ جَوْهَرٌ لطيف في البَدَنِ ينبثّ شعاعه منه بمنزلة السِّرَاج في البيت، يفصل بين حَقَائق المعلومات. ومنهم من قال: إنه جَوْهَرٌ بسيط، ثم اختلفوا في محلّه. فقالت طائفة منهم: محلّه الدِّماغ؛ لأن الدماغ محل الحسّ. ومنهم من قال: محله القلب؛ لأن القلب معدن الحَيَاة، ومادّة الحواس. وقالت طائفة: محله القلب وله أشعة إلى الدماغ. وقال "أبو الحسن الأشعري وأبو إسحاق الإسفراييني" وغيرهما: العقل هو العِلْم. وقال "القاضي أبو بكر": العَقْلُ علوم ضرورية بوجوب الواجبات، وجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات. واختار "أبو المَعَالي" في "البُرْهان" أنه صفة يتأتى بها دَرْكُ العُلُوم. وقال "الشافعي": العَقْلُ غريزةٌ. وقال "أبو العَبَّاس القلانسي": العقل قوة التَّمييز. وحكي عن "المحاسبي" أنه قال: العَقْل أنوار وبصائر. فصل في خلق أفعال العباد احتجّت المعتزلة بهذه الآية على أنّ فعل العبد غير مخلوق لله ـ تعالى ـ فقالوا قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} إنما يصحّ، ويحسن لو كان ذلك الفعل منهم، فأما إذا كان مخلوقاً فيهم على سبيل الاضطرار، فإن ذلك لا يحسن إذ لا يجوز أن يقال للأسود: لم لا تبيض؟ والجواب: أنّ قدرته لما صلحت للضدين بأن حصل أحد الضدين دون الآخر لا لمرجح كان ذلك مَحْض الاتفاق، والأمر الاتفاقي لا يمكن التوبيخ عليه، وإن حصل المرجح فإن كان ذلك المرجح منه عاد البَحْث فيه، وإن حصل من الله ـ تعالى ـ فعند حصوله يصير ذلك الطرف راجحاً، والآخر مرجوحاً، والمرجوح ممتنع الوقوع؛ لأنه حال الاستواء لما كان ممتنع الوقوع، فحال المرجوحية أولى بأن يكون ممتنع الوقوع، وإذا امتنع أحد النقيضين وجب الآخر، فيعود عليهم ما أوردوه، ثم الجواب الحَقِيقي عن الكل: {أية : لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ}تفسير : [الأنبياء:23].
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} قال: أولئك أهل الكتاب كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب ولا ينتفعون بما فيه. وأخرج الثعلبي والواحدي عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في يهود أهل المدينة، كان الرجل منه يقول لصهره ولذوي قرابته ولمن بينه وبينهم رضاع من المسلمين: اثبت على الدين الذي أنت عليه وما يأمرك به هذا الرجل - يعنون به محمداً صلى الله عليه وسلم - فإن أمره حق، وكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله {أتأمرون الناس بالبر} قال: بالدخول في دين محمد {وأنتم تتلون} يقول: تدرسون الكتاب بذلك {أفلا تعقلون} تفهمون، ينهاهم عن هذا الخلق القبيح. وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: تنهون الناس عن الكفر لما عندكم من النبوة والعهد من التوراة وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسلي. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي قلابة في الآية: قال أبو الدرداء: لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله، ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتاً. وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبزار وابن أبي داود في البعث وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : رأيت ليلة أُسري بي رجالاً تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت رجعت، فقلت لجبريل: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولُ "حديث : يُجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق به أقتابه، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: يا فلان ما لك، ما أصابك، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر . . .؟! فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه ". تفسير : وأخرج الخطيب في اقتضاء العلم بالعمل وابن النجار في تاريخ بغداد عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : اطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فقالوا: بم دخلتم النار، وإنما دخلنا بتعليمكم؟! قالوا: إنا كنا نأمركم ولا نفعل ". تفسير : وأخرج الطبراني والخطيب في اقتضاء العلم بالعمل وابن عساكر بسند ضعيف عن الوليد بن عقبة قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن اناساً من أهل الجنة يتطلعون إلى أناس من أهل النار فيقولون: بم دخلتم النار، فوالله مادخلنا الجنة إلا بتعليمكم؟! فيقولون: إنا كنا نقول ولا نفعل ". تفسير : وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن الوليد بن عقبة أنه خطب الناس، فقال في خطبته: ليدخلن امراء النار ويدخلن من أطاعهم الجنة، فيقولون لهم وهم في النار: كيف دخلتم النار وإنما دخلنا الجنة بطاعتكم؟ فيقولون لهم: إنا كنا نأمركم بأشياء نخالف إلى غيرها. وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: يشرف قوم في الجنة على قوم في النار فيقولون: ما لكم في النار، وإنما كنا نعمل بما تعلمون . . .؟! قالوا: كنا نعلمكم ولا نعمل . . ؟! قالوا: به. وأخرج ابن المبارك في الزهد عن الشعبي قال: يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار، فيقولون: ما أدخلكم النار، وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم؟ قالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله. وأخرج الطبراني والخطيب في الاقتضاء والأصبهاني في الترغيب بسند جيد عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن جندب البجلي قال: إن مثل الذي يعظ الناس وينسى نفسه كمثل المصباح يضيء لغيره ويحرق نفسه. وأخرج الطبراني والخطيب في الاقتضاء عن أبي برزة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : مثل الذي يعلم الناس وينسى نفسه كمثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها ". تفسير : وأخرج ابن قانع في معجمه والخطيب في الاقتضاء عن سليك قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : إذا علم العالم ولم يعمل كان كالمصباح يضيء للناس ويحرق نفسه ". تفسير : وأخرج الأصبهاني في الترغيب بسند ضعيف عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يجاء بالعالم السوء يوم القيامة فيقذف في جهنم فيدور بقصبه - قلت: وما قصبه؟ قال: أمعاؤه - كما يدور الحمار بالرحى، فيقال: ياويله، بم لقيت هذا وإنما اهتدينا بك؟! قال كنت أخالفكم إلى ما انهاكم عنه ". تفسير : وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في ظل سخط الله حتى يكف أو يعمل ما قال ودعا إليه ". تفسير : وأخرج ابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وابن عساكر عن ابن عباس. أنه جاءه رجل فقال: يا ابن عباس إني اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر قال: أو بلغت ذلك؟ قال: أرجو. قال: فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله فافعل. قال: وما هن؟ قال: قوله عز وجل {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فالحرف الثاني قال قوله تعالى {أية : لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون} تفسير : [الصف: 3] أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فالحرف الثالث قال قول العبد الصالح شعيب {أية : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه} تفسير : [هود: 88] أحكمت هذه الآية؟ قال. لا. قال: فابدأ بنفسك. وأخرج ابن مبارك في الزهد والبيهقي في شعب الإِيمان عن الشعبي قال: ما خطب خطيب في الدنيا إلا سيعرض الله عليه خطبته ما أراد بها. وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي الدرادء قال: ويل للذي لا يعلم مرة ولو شاء الله لعلمه، وويل للذي يعلم ولا يعمل سبع مرات. وأخرج أحمد في الزهد عن عبد الله بن مسعود قال: ويل للذي لا يعلم ولو شاء الله لعلمه، وويل لمن يعلم ثم لا يعمل سبع مرات.
التستري
تفسير : ألا تراه كيف قال: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ}[44] يعني اليهود كانوا يأمرون إخوانهم من الرضاعة بطاعة الله تعالى واتباع النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا لا يفعلون ذلك.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [الآية: 44]. قيل فيه: أتطالبون الناس بحقائق المعانى وأنتم خالون من ظاهر رسومها.
القشيري
تفسير : أتُحَرِّضون الناس على البِدار وترضَوْن بالتخلُّف؟ ويقال أتدعون الخلْقَ إلينا وتقعدون عنَّا؟ أتسرحون الوفود وتقصرون في الورود؟ أتنافسون الخلق وتنافرونهم بدقائق الأحوال وترضون بإفلاسكم عن ظواهرها؟ ويقال أتبصرون من الحق مثقالَ الذَّرِ ومقياسَ الحَبِّ وتساهمون لأنفسكم أمثال الرمال والجبال؟ قال قائلهم: شعر : وتبصر في العين مني القذى وفي عينك الجذع لا تبصر؟! تفسير : ويقال أَتُسْقَوْنَ بالنُّجُب ولا تشربون بالنُّوَب؟ {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ} ثم تعاندون بخفايا الدعاوى وتجحدون بما شام قلوبكم من فضيحات الخواطر وصريحات الزواجر. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} إن ذلك ذميمٌ من الخِصال وقبيحٌ من الفِعال.
اسماعيل حقي
تفسير : {أتأمرون الناس} الخطاب لليهود والأمر القول لمن دونك والمراد بالناس سفلتهم {بالبر} أي الاعتراف بالنبي واتباع الأدلة وهو التوسع في الخير من البر الذي هو الفضاء الواسع والهمزة تقرير مع توبيخ وتعجيب {وتنسون أنفسكم} وتتركونها من البر كالمنسيات لان اصل السهو والنسيان الترك الا ان السهو يكون لما علمه الانسان ولما لم يعلمه والنسيان لما عزب بعد حضوره كانوا يقولون لفقرائهم الذين لا مطمع لهم فيهم بالسر آمنوا بمحمد فانه حق وكانوا يقولون للاغنياء ترى فيه بعض علامات نبي آخر الزمان دون بعض فانتظروا الاستيفاء لما ينالون منهم ويؤخرون امور انفسهم فلا يتبعونه في الحال مع عزيمتهم ان يتبعوه يوما وكذا حال من تمادى في العصيان وهو يقول اتوب عند الكبر والشيب وربما يفجأه الموت فيبقى في حسرة الفوت: قال الحافظ شعر : ديدى آن قهقهه كبك خرامان حافظ كه زسر نجه شاهين قضا غافل بود تفسير : {وأنتم تتلون الكتاب} اى والحال انكم تتلون التوراة الناطقة بنعوته صلى الله تعالى عليه وسلم الآمرة بالايمان به {أفلا تعقلون} اي ليس لكم عقل تعرفون به انه قبيح منكم عدم اصلاح انفسكم والاشتغال بغيركم. والعقل في الاصل المنع والامساك ومنه العقال الذي يشد به وظيف البعير الى ذراعيه لحبسه عن الحراك سمى به النور الروحانى الذى به تدرك النفس العلوم الضرورية والنظرية لانه يحبس عن تعاطى ما يقبح ويعقل على ما يحسن ومحله الدماغ لان الدماغ محل الحس وعند البعض محله القلب لان القلب معدن الحياة ومادة الحواس وعند البعض هو نور في بدن الآدمى. ثم هذا التوبيخ ليس على امر الناس بالبر بل لشرك العمل به فمدار الانكار والتوبيخ هي الجملة المعطوفة وهى جملة تنسون انفسكم دون ما عطفت هي عليه وهي اتأمرون الناس بالبر ولا يستقيم قول من لا يجوز الامر بالمعروف لمن لا يعمل به لهذه الآية بل يجب العمل به ويجب الامر به وقد قال عليه السلام "حديث : مروا بالمعروف وان لم تعملوا به وانهوا عن المنكر وان لم تنتهوا عنه" تفسير : وهذا لانه اذا امر به مع انه لا يعمل به فقد ترك واجبا واذا لم يأمر به قد ترك واجبين فالامر بالحسن حسن وان لم يعمل به ولكن قلما نفعت موعظة من لم يعظ نفسه ومن امر بخير فليكن اشد الناس مسارعة اليه ومن نهى عن شيء فليكن اشد الناس انتهاء عنه. وهذه الآية كما ترى ناعية على من يعظ غيره ولا يعظ نفسه سوء صنيعه وعدم تأثره وان فعله فعل الجاهل بالشرع او الاحمق الخالى عن العقل والمراد به حث الواعظ على تزكية النفس والاقبال عليها بالتكميل لتقوم بالحق وتقيم غيرها لامنع الفاسق من الوعظ فان الاخلال باحد الامرين المأمور بهما لا يوجب الاخلال بالآخر ـ يروى ـ انه كان عالم من العلماء مؤثر الكلام قوى التصرف فى القلوب وكان كثيرا ما يموت من اهل مجلسه واحدا واثنان من شدة تأثير وعظه وكان في بلده عجوز لها ابن صالح رقيق القلب سريع الإِنعفال وكانت تحترز عليه وتمنعه من حضور مجلس الواعظ فحضره يوما على حين غفلة منها فوقع من امر الله تعالى ما وقع ثم ان العجوز لقيت الواعظ يوما في الطريق فقالت شعر : أتهدى الانام ولا تهتدى الا ان ذلك لا ينفع فيا حجر الشحذ حتى متى تسن الحديد ولا تقطع تفسير : فلما سمعها الواعظ شهق شهقة فخر من فرسه مغشيا عليه فحملوه الى بيته فتوفى الى رحمة الله تعالى: قال الحافظ شعر : واعظان كين جلوه در محراب ومنبر ميكنند جون بخلوت ميروند آن كار ديكر ميكنند مشكلى دارم زدانشمند مجلس باز برس توبه فرمايان جراخود توبه كمتر ميكنند تفسير : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ليلة أسرى بى مررت على ناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء الخطباء من امتك يأمرون الناس بالبر وينسون انفسهم يجزون نصيبهم في نار جهنم فيقال لهم من انتم فيقولون نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى انفسنا ". تفسير : قال الاوزاعى شكت النواويس الى الله تعالى ما تجده من جيف الكفار فاوحى الله اليها بطون العلماء السوء أنتن مما انتم فيه. وفي الحديث "حديث : ما من عبد يخطب خطبة الا والله تعالى سائله عنها يوم القيامة مااراد بها ". تفسير : قال الشيخ افتاده افندى لو ان واعظا يرى نفسه خيرا من المستمعين يشكل الامر كذا اذا لم يكن من يصغى الى كلامه مساويا لمن يلطم على قفاه يشكل الامر فلذلك قال عليه السلام "حديث : كم من واعظ يلعب به الشيطان" تفسير : اللهم الا ان يقول ينتفع منى المسلمون وان كنت معذبا في النار فهو نوع فناء لكن يخالف ان يجد حظه في ضمنه. وقال ايضا من كان يعظ الناس اما ان يعتقد انهم يعرفون ما يعرفه اويعتقد انهم لا يعرفون ما يعرفه فعلى الاول لا يحتاج الى وعظه وعلى الثانى قد اثبت لهم جهلا ولنفسه فضلا عليهم فهو محض كبر وبالجملة حيل النفس كثيرة لا تتيسر النجاة منها الا بمحض لطف الله تعالى وادنى الحال ان يلاحظ قوله عليه السلام "حديث : ان الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاسق ". تفسير : فما دام لم يصل السالك الى الحقيقة لا يتخلص من الورطة قال عليه الصلاة والسلام "حديث : الناس كلهم سكارى الا العالمون ". تفسير : الحديث والمخلصون على خطر عظيم وانما الامن للمخلص بالفتح وهو الواصل الى التوحيد الحقيقى الفانى عن القهر والكرم الخارج عن حد الوجود والعدم وهو الفناء الكلى وهم الذين اريدوا بقوله تعالى {أية : ان عبادى ليس لك عليهم سلطان} تفسير : [الحجر: 42]. ولا بد من رعاية الشريعة في جميع المراتب فان الكمال فيها والافهو ناقص ولذلك ان المجاذيب لايخلون عن النقصان ألايرى ان الانبياء عليهم السلام لم يسمع عن واحد منهم عروض السفه والجنون فالكامل في مرتبة الكمال يكون كامل العقل حتى يحس بصرير الباب في حال استغراقه اللهم اوصلنا الى الكمال.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: البر، بالكسر: يجمع وجوه الخير وأنواع الطاعات، والنسيانُ: الترك. يقول الحقّ جلّ جلاله في توبيخ أخبار اليهود: كانوا إذا استرشدهم أحد من العرب دلّوه على الإسلام، وقالوا له: دين محمد حق، وهم يمتنعون منه، وقيل: كانوا يأمرون الناس بالصدقة وهم يبخلون، فقال لهم: كيف {تأمرون الناس بالبر} والإحسان، وتتركون {أَنفُسَكُمْ} في الكفر والعصيان، وأنتم تدرسون التوراة الصحيح، وتعلمون أن ذلك من أقبح القبيح؟، أفلا عقل لكم يزجركم عن هذه الخصلة الذميمة؟؛ فإن من شأن العقل التمييز بين القبيح والحسن والنافع والضار، فكل من تقدم لما فيه ضرره فلا عقل له. الإشارة: كل مَن أشار إلى مقام لم يبلغْ قدمه إليه، فهذا التوبيخ متوجِّهُ إليه، وكل مَن ذكر غيره بعيب لم يتخلص منه، قيل له: أتأمر الناس بالبر وتنسى نفسك خالية منه، فلا يسلم من توبيخ هذه الآية من أهل التكذير إلا الفرد النادر من أهل الصفاء والوفاء. وقال البيضاوي: (المراد بها حثّ الواعظ على تزيكة النفس، والإقبال عليها بالتكميل لتُقَوم فيُقَيِّم، لا منع الفاسق عن الوعظ، فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر). فانظره. وتأمل قول القائل: شعر : يا أيهَا الرجلُ المعلِّمُ غيرَه هلاَّ لنفسِك كانَ ذا التعليمُ تَصِف الدواءَ لِذي السقامِ وذي الضنَا ومِن الضَّنَا وجَواهُ أنتَ سقيمُ وأراكَ تلقحُ بالرشادِ عقُولَنا نُصْحاً، وأنت مِن الرشادِ عديمُ أبدأ بنفسِك فانْهَهَا عَن غَيَّها فإذا انتهتْ عنه فأنتَ حكيمُ فَهُناك يُقْبَلُ إن وعظتَ، ويُقتدَى بالقول منكَ، وينفعُ التعليمُ لا تَنْهَ عن خُلقٍ وتأتيَ مثلَه عارٌ علَيكَ إذا فعلتَ عظيمُ تفسير : لكن مَنْ حصل له بعض الصفاء ذكر غيره ونفسه معهم، وكان بعض أشياخنا يقول حين يذكر الفقراء: نحن إنما ننبح على نفوسنا.
الطوسي
تفسير : المعنى: كل طاعة لله تعالى، فلا خلاف أنها تسمى براً. واختلفوا في المراد بهذه الآية. فقال ابن عباس: المراد به التمسك بكتابهم، فكانوا يأمرون أتباعهم، ويتركون هم التمسك به، لأن جحدهم النبي "صلى الله عليه وسلم" هو تركهم التمسك به. وقال قتادة: كانوا يأمرون الناس بطاعة النبي "صلى الله عليه وسلم" ويخالفون ذلك وقال قوم: إن معناه: أنهم كانوا يأمرون ببذل الصدقة، ويضنون بها. وقال بعضهم: البر: الصدق من قولهم: صدق، وبر ومعناه: أنهم يأمرون بالصدق ولا يصدقون. اللغة: والبر ـ في أصول اللغة ـ والصلة، والاحسان، نظائر. يقال: هو بار وصول محسن. وضد البر: العقوق. وقال ابن دريد: البر ضد العقوق. ورجل بار وبر بمعنى واحد. وبرت يمينه: إذا لم يحنث. وبر حجه وبر ـ لغتان ـ والبر: خلاف البحر. والبر: ـ معروف ـ أفصح من الحنطة والقمح. واحدة برة. قال الهذلي: شعر : لادر دري إن أطعمت نازلهم قرف الحني وعندي البر مكنوز تفسير : الحني: ردي المقل خاصة. ومن أمثالهم: لا يعرف الهر من البر. واختلفوا في هذا المثل فقال الرماني: الهر: السنور. والبر: الفارة في بعض اللغات. أو دويبة تشبهها. وقال الاخفش: معناه: لا يعرف من يبره ممن يهر عليه. وقوم بررة أبرار والمصدر البر. ويقال: صدق وبر. وبرت يمينه أي صدقت. وكانت العرب تقول: فلان يبرر به أي يطيعه قال الراجز: شعر : لاهم إن بكراً دونكا يبرك الناس ويفجرونكا تفسير : والابرار: الغلبة يقال أبر عليهم فلان. قال طرفة: شعر : ويبرون على الآي البر. تفسير : والبربرة: كثرة الكلام، والجلبة باللسان. وأصل الباب كله: البر وهو: اتساع الخير. والفرق بين البر والخير، أن البر يدل على القصد، والخير قد يقع على وجه السهولة. قوله: {وتنسون أنفسكم}. اللغة: فالنسيان، والغفلة، والسهو، نظائر. وضد النسيان: الذكر. تقول: نسي نسياناً. وأنساه، إنساء. وتناساه، تناسياً. وفلان نسي، كثير النسيان. والنسي، والمنسي. الذي ذكره الله تعالى: {أية : وكنت نسياً منسيا} تفسير : وسمي الانسان إنساناً، إشتقاقاً من النسيان. وهو في الاصل: إنسيان. وكذلك إنسان العين. والجمع: أناسي. والنسا: عرق سيق بين الفخذين، فيستمر في الرجل. وهما نسيان. والجمع: أنساء. وهو في الفخذ. ويسمى في الساق: الطفل. وفي البطن: الحالبين وفي الظهر: الأبهر. وفى الحلق: الوريد. وفي القلب: الوتين. وفي اليد: الأكحل. وفي العين: الناظر. يقال: هو بهر الجسد، لأنه يمد جميع العروق. وأصل الباب: النسيان ضد الذكر. وقوله: {أية : نسوا الله فنسيهم}تفسير : أي تركوا طاعته، فترك ثوابهم. ويقال: آفة العلم النسيان. والمذاكرة تحيي العلم. وحد النسيان: غروب الشيء عن النفس بعد حضوره لها. والفرق بين النسيان والسهو، أن السهو يكون ابتداءً وبعد الذكر. والنسيان لا يكون إلا بعد الذكر. والنسيان، والذكر معاً، من فعل الله تعالى، لأن الانسان يجتهد أن يذكر شيئاً فلا يذكره. المعنى: ومعنى قوله: {وتنسون أنفسكم} أي تتركونها. وليس المراد بذلك ما يضاد الذكر، لأن ذلك من فعل الله لا ينهاهم عنه. فان قيل: إذا كان الواجب عليهم مع ترك الطاعة والاقامة على المعصية، الأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية، فكيف قيل لهم هذا القول؟ قلنا: في أمرهم بالطاعة، ونهيهم عن المعصية تعظيم لما يرتكبونه من معصية الله تعالى، لأن الزواجر كلها، كلما كانت أكثر، كانت المعصية أعظم ففي نهيهم لغيرهم، زواجر. فهو توبيخ على عظيم ما ارتكبوا من ذلك. وقوله: {وأنتم تتلون الكتاب}. اللغة: فالتلاوة، والقراءة، والدراسة، نظائر. يقال: فلانٌ يتلو تلاوة، فهو تالٍ أي تابع. والمتالي: الأمهات إذا تلاهن الاولاد. والواحد: متل. وناقة متلية: وهي التي تنتج في آخر النتاج. وأصل الباب: الاتباع. فتسمى التلاوة بذلك، لاتباع بعض الحروف فيها بعضاً. والفرق بين التلاوة والقراءة، أن أصل القراءة جمع الحروف، وأصل التلاوة، اتباع الحروف. وكل قراءةٍ تلاوة، وكل تلاوةٍ قراءة وحد الرماني: التلاوة: ما به صوت يتبع فيه بعض الحروف بعضاً. المعنى: والكتاب الذي كانوا يتلونه التوراة ـ على قول ابن عباس وغيره. وقال أبو مسلم كانوا يأمرون العرب باتباع الكتاب الذى في أيديهم، فلما جاءهم كتاب مثله، لم يتبعوه. وقوله: {أفلا تعقلون} اللغة: فالعقل، والفهم، واللب، والمعرفة، نظائر يقال فلانٌ عاقلٌ فهيم أديب ذو معرفة، وضد العقل: الحمق. يقال: عقل الشيء عقلا، وأعقله غيره إعقالا. ويقال: اعتقله، اعتقالا وانعقل، انعقالا. وقيل لابن عباس: أنى لك هذا العلم؟ قال: قلبٌ عقول، ولسانٌ سؤول. ويقال: عقلت بعد الصبا أي عرفت الخطأ الذي كنت فيه. وقال صاحب العين: العقل: ضد الجهل يقال: عقل الجاهل: إذا علم. وعقل المريض بعد ما هجر وعقل المعتوه ونحوه والعِقال: الرباط ويقال: عقلت البعير أعقله، عقلاً: إذا شددت يده بالعقال وإذا أخذ صدقة الابل تامةً لسنةٍ يقال: أخذ عقالاً وعقالين لسنتين، وعقلا لجماعة وقال الشاعر: شعر : سعى عقالاً فلم يترك لنا سبداً فكيف لو قد سعى عمرو عقالين لاصبح الناس أوباداً وما وجدوا يوم التحمل في الهيجا جمالين تفسير : قال المبرد: يقال للمصدق إذا أخذ من الصدقة ما فيها ولم يأخذ ثمنه: أخذ عقالاً. وإذا أخذ قيمته: قيل: أخذ نقداً. والعقيلة من النساء: التي قد عُقلت في بيتها أي حبست في بيتها وخدرت. والجمع: عقائل. والدرة عقيلة البحر. وعقيلة كل شيء: أكرمه. وعُقل القتيل: إذا أوديت ديته من القرابة، لا من القبائل. والعقل في الرجل: اصطكاك الركبتين والعقل: ثوب أحمر تتخذه نساء العرب. والمعقول: هذا العقل عند قوم. قال الراعي: شعر : حتى إذا لم يتركوا لعظامه لحماً ولا لفؤاده معقولا تفسير : والعقل، والمعقل: وهو الحصن وجمعه: عقول والعاقول من النهر والوادي ومن الامور أيضاً: الملتبس، وما اعوج منه. وعقل الدواء بطنه أي حبسه وقولهم لا يعقل حاضر لبادٍ قال ابن دريد: معناه أن القتيل إذان بالبادية، فان أهلها يتعاقلون بينهم الدِّية، ولا يلزمون أهل الحضر من بني اعمامهم شيئا. وفي الحديثحديث : انا لا نتعاقل المضيع تفسير : يعني ما سهل من الشجاج، بل يلزم الجاني. وعاقلة الرجل: بنو عمه الأدنون، لأنهم كالمعقل له. وأصل الباب العقل الذي هو العقد. والعقل مجموع علوم لأجلها يمتنع من كثير من القبائح يعقل كثيراً من الواجبات. وقال الرماني: العقل هو العلم الأول الذي يزجر عن قبيح الفعل. وكل من كان زاجره أقوى، كان عقله أقوى. وقيل: العقل: معرفة يفصل بها بين القبيح والحسن في الجملة. وقيل: العقل: قوة يمكن معها الاستدلال بالشاهد على الغائب. وهذه العبارات قريبة المعاني مما ذكرناه. والفرق بين العقل والعلم، أن العقل قد يكمل لمن فقد بعض العلوم، كفقدِ من كمل عقله العلم بأن هذه الرمانة حلوة أو حامضة. ولا يكمل العلم لمن فقد بعض عقله. فان قيل: اذا كان العقل مختلفا فيه، فكيف يجوز أن يستشهد به؟. قيل الاختلاف في ماهية العقل، لا يوجب الاختلاف في قضاياه. ألا ترى أن الاختلاف في ماهية العقل ـ حتى قال بعضهم معرفة، وقال بعضهم قوة ـ لا يوجب الاختلاف في أن الألف أكثر من الواحد، وأن الموجود غير المعدوم، وغير ذلك من قضايا العقل.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : الهمزة للتقرير مع التقريع والتعجيب. البِرّ - في اللغة - والإحسان والصِّلَة نظائرُ. يقال: فلان بارّ، وَصول، مُحسِن. وضد البرّ: العُقُوق. والبِرّ، والبُرّ، لغتان. وقولهم: "لا يَعرف الهِرَّ من البِرِّ" قال الأخفش: "معناه لا يعرف من يهرّ عليه ممن يبرّ عليه". وقال المازني: "الهِرّ: السنّور. والبرّ: الفأرة أو دويبة تشبهها". والبرّ اسم جامع لأعمال الخير، ومنه "برّ الوالدين" و "عملٌ مَبرور". وقد يكون بمعنى الصدق، كما يقال: "برَّ في يمينه" أي: صدَق ولم يحنث. وقيل: البرّ التوسّع في الخير، من البَرّ - وهو الفضاءُ الواسع - يتناول كلَّ خير. ولذلك قيل: "البرّ ثلاثة: بِرٌّ في عبادة الله، وبِرٌّ في مراعاة الأقارب، وبِرٌّ في معاملة الأجانب". والنِّسيان، والسَّهو، والغَفلة، متقاربة في المعنى، والتفاوت بينهما بالشدّة والضعف، كما أنّ للذكْر مراتب متفاوتة: ما بالفعل، وما بالقوة القريبة، أو البعيدة. {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ} أي تقرؤون التوراة وتدرسونها، وتعلمون ما فيها، من الحثّ على أفعال البرّ، والاعراض عن أفعال الإثم. أو أنتم من أهل التلاوة والدراسة والمذاكرة للكتب العلمية، ولستم من العوام والجهّال {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} قُبْحَ ما تفعَلون؟! والعَقْل، والفهم، والمعرفة، واللبّ، نظائر. وضد العقْل الحُمق. والعقْل في الأصل: الحبْس والرَّبط. والعِقال: الرباط. يقال: "عقَلتُ البعيرَ أعقله عقْلاً" إذا شدَدت يدَه بالعِقال. فسمّي به الادراك الإنساني، لأنّه يحبسه عن فعل ما يقبح، ويعقِله عن فعل ما يحسن، ثمّ تسمّى به القوّة التي بها النفس تدرك هذا الادراك. وقيل: العقلُ مجموع علوم لأجلها يمتنع الحيّ من كثير من المقبحات، ويفعل كثيراً من الواجبات. وإنّما سميت تلك العلوم "عقلا"، لأنّها تعقل عن فعل القبيح، ولا يوصف القديم تعالى بأنّه عاقل، لأنّه لا يعقله شيء عن فعل القبيح، وإنّما لا يختاره لغناه عنه، وعلْمه بقُبحه، ولعلمه بوجوه الحكمة والمصلحة المقتضية لفعل الخير علماً ذاتياً. وقيل: العقل هو العلْم الذي يزجر عن قبيح الفعل، ومن كان زاجره أقوى فهو أعقل. وقيل: العقل معرفة يفصل بها بين القبيح والحسن في الجملة. وقيل: هو التمييز الذي فارَق به الإنسان سائر الحيوان وهذه الأقوال متقاربة المعاني. ولفظ "العقل" يُطلق في عُرف الحكماء على معاني أُخرى: منها قوّة في النفس تسمّى عقلاً نظرياً ومنها قوّة أُخرى فيه تسمّى عقلاً علمياً - ولكل منهما مراتب أربعة يطلق عليها اسم العقل - ومنها جوهر مفارق في الوجود والتأثير عن الأجسام وما يتعلّق بها، وهو أشرف أقسام الممكنات ولا واسطة بينه وبين الباري جلّ ذكره. فصل واختلفوا في أنّ المراد من {البِرّ} في هذه الآية ماذا؟ فعن ابن عباس: إنّها نزلت في أحبار المدينة، كانوا يأمرون الناس سرّاً باتّباع محمّد (صلى الله عليه وآله) ولا يتّبعونه. وعن السدي: كانوا يأمرون بطاعة الله وينهونهم عن معصيته، وهم كانوا يتركون الطاعة ويقدمون على المعاصي. وعن ابن جريح: إنّهم كانوا يأمرون الناس بالصلاة والزكاة، وهم يتركونهما. وعن الزجّاج: كانوا يأمرون الناس ببذل الصدقة، وكانوا يشحّون بها. لأنّ الله تعالى وصفهم بقساوة القلوب، وأكل الربا، والسُّحْت. وعن أبي مسلم: إنّ جماعة من اليهود كانوا قبل مبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخبرون مشركي العرب أنَّ رسولا سيظهر منكم، ويدعوكم إلى الحقّ، وكانوا يرغّبونهم في اتّباعه، فلمّا بعث الله محمّداً (صلى الله عليه وآله) حسدوه وكفروا به. وفيه وجوه أُخرى مذكورة في التفسير الكبير وغيره، واقتصرنا عنها بما هو أولى وأقرب. وفي قوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} توبيخ عظيمٌ أي: كأنكم في عدم تفطّنكم لقبح ما أقدمتم عليه - وهو غير خافٍ على أوائل العقول وبداياتها - مسلوبوا العقول. وإلاّ فلا وجه لصدور مثله عمّن يعقل ويميّز بين الحسن والقبح. ونحوه قوله تعالى {أية : أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [الأنبياء:67]. وفيه حجّةٌ اعتزاليّةٌ وله جوابٌ أشعري. والتحقيق خارج عمّا يدركه كلٌّ من الفريقين بإحدى العينين. وقيل معناه: أفلا تعلمون أنَّ الله يعذّبكم ويعاقبكم على ذلك. قيل: أفلا تعلمون أنَّ ما في التوراة حقّ، فلِمَ لا تصدّقون محمّداً (صلى الله عليه وآله) ولا تتّبعونه. فصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولك أن تقول: إذا كان فعل البرّ واجباً، والأمر به واجباً، فلِماذا وبّخهم الله تعالى على الأمر بالبرّ؟ والجواب: لم يوبّخهم على الأمر بالبرّ. وإنّما وبَّخهم على ترْك فعل البرّ المضموم إلى الأمر به، لأنّ ترك البرّ ممن يأمر به أقبح من تركه ممن لا يأمر به. كقول الشاعر: شعر : لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيم تفسير : ومعلوم أنَّه لم يرد به منعَه عن النهي عن الخُلُق المذموم، وإنّما نهاه عن اتيان مثله، فالمراد بالآية حثّ الواعظ على تزكية النفس، والاقبال عليها بالتكميل، ليقوم فيُقيم، ويكمل فيكمل. لا منعُ الفاسق عن الوعظ - كما توهم - فإنّ الاخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الاخلال بالآخر. وقال بعضهم: ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكَر، بل يجب أن لا يكون الآمر والناهي مرتكباً للمحرمات، واشترَط العدالة محتجّاً بالنقل والعقل: أمّا النقل: فهذه الآية، وقوله تعالى: {أية : لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ}تفسير : [الصف:2 - 3]. وما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: "حديث : مررتُ ليلة أُسري بي بقوم تُقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: مَن أنتم؟ فقالوا: كنّا نأمر بالخير ولا نأتيه. وننهى عن الشر ونأتيه ". تفسير : وأمّا المعقول: فهو أنَّه لو جاز ذلك لَجاز لمَن يزني بامرأة أن ينكر عليها على كشف وجهها في أثناء الزنا. ومعلومٌ أنّ ذلك مستنكَرٌ عقلاً. وأنّ هداية الغير فرع الاهتداء، والإقامة بعد الاستقامة. ولهذا قيل: "إنّ الاصلاح زكاة نصاب الصلاح". والجواب: إنّ المكلف كما هو مأمور بفعل المعروف، مأمور بالأمر به للغير. وكما هو مأمور بترك المعصية، مأمور بمنع الغير عن فِعلها مطلقاً. ثمّ المنع عن الجمع بين فعل المعصية ومنع الغير عنها، أو أمرهم بالطاعة يتصوّر على وجهين، لكونه ذا جزئين. وفساد المركب من الجزئين إمّا أن يكون لفساد أحد جزئيه بخصوصه، أو لفساد انضمام أحدهما بالآخر. فهاهنا ثلاثة احتمالات، لكن أحدها - وهو كون المنع متعلّقاً بفعل الطاعة - ظاهر البطلان بالاتّفاق. فبقي احتمالان آخران: أحدهما: أن يكون المنع متوجهاً إلى فعل المعصية، كنسيان النفس فيما نحن فيه. والثاني: أن يكون متوجّهاً إلى الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر مع فعل المعصية. فيكون المنع هاهنا عن ترغيب الناس بالبرّ مع نسيان النفس، والحقّ في معنى الآية عندنا هو الأوّل - لا الثاني - فسقَط احتجاج الخصْم بالآيتين، وبما تضمّنه حديث الاسراء. وأمّا احتجاجه العقلي بما ذكره من المثال، فلا نسلّم انّ مجرّد إنكاره عليها على كشْف وجهها مستقبَح عقلا. بل الاستقباح والاستنكار على مجموع الزنا والانكار عند التحليل يرجع إلى فعل الزنا لا إلى ذلك الانكار وأما حديث الفرعيّة، فكلام شعريّ كما لا يخفى. وأيضاً: فالصغائر النادرة لا تخلّ بالعدالة، ولفاعلها أن ينهى عن المنكَر بالاتّفاق مع اندراجه في الآيتين والحديث، وما هو جوابكم فهو جوابنا. وأيضاً: لو تمت دلائلكم لاقتضت عدم وجوب الأمر والنهي إلاّ على المعصوم فينسدّ باب الحسبة. بقي في هذا المقام شيء، وهو أنَّ من أمَر بالخير ولا يعمل به، أو نَهى عن الشر وأتى به، قد عُلم من حاله أنّه مستاهل في دينه، ذو وهْنٍ في اعتقاده، وإلاّ فما كان يفرغ من توبيخ نفسه إلى نصيحة غيره. فصل الوعظ دون اتعاظ الواعظ اعلم أنَّ المقصود من الوعظ، والترغيب بالطاعة، والتحذير عن المعصية إرشاد الغير، وهدايته إلى طلب الخير، ودفع الشرّ، وتحصيل السعادة، والحذر عن الشقاوة. ولا شبهة لأحد من العقلاء في أن الإحسان إلى النفس أولى من الإحسان إلى الغير، فمن وَعظ ولم يتّعظ، ومن أمَر بالإحسان ولم يُحسن إلى نفسه، فكأنّه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل، ولهذا قال: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}. تعجيباً لأن يقع مثل ذلك عن العقلاء. وأيضاً من وعَظ كان غرضُه أن يصير وعظُه مؤثّراً في القلوب، والاقدام على المعصية مما ينفِّر القلوبَ، فكأنَّ من عصى كان مقصوده أن لا يصير وعظُه مؤثراً في القلوب. فالجمع بين الوعظ والمعصية جمع بين الضدّين، وهو غير لائق بالعقلاء. ولهذا قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "قصَم ظهْري رجُلان: عالمٌ متهتّك، وجاهلٌ متنسِّك" وذلك لأنّ من وَعَظ وأظهرَ علمَه للخَلْق ثمّ نَسي نفسَه ولم يتّعِظ وفعَل المعصية، صار وعظُه وإظهاره للعلم سبباً لرغبة الناس في المعصية، لأنّهم يقولون: "إنّ هذا رجُل عالِم، لو أنّه اطّلع على ضرر المعصية لما أقدم عليها، ولولا أنّه اطّلع على أنّه لا أصل لهذه التخويفات لمَا اجترأ على فعْل المعصية". فقد صار وعظُه داعياً للناس إلى التهاون بالدين، والجرأة على المعاصي، سيّما والنفوس مجبولةٌ على الحرص بالمنكرات والشهوات، إذا لم يكن رادعٌ شرعي أو عقلي، فإذا كان غرض الواعظ الردْع والزَّجْر ثمّ أتى بما يوجِب الرخصة والترغيب، فكأنّه فعَل شيئاً متناقضاً، وهو من العاقل موضع العجَب. فصل الوعّاظ الغير المتّعظين أكثر ما تعتري هذه الصفة - أي اصلاح الناس والأمر لهم بالبرّ مع نسيان النفس وإصلاحها وعدم تفقّد أحوال القلب - للمقتصرين على العلوم الظاهرة من غير تحقيق فيها، والناقلين للأخبار والروايات من غير دراية. لما فيها من جلْب خواطر الناس، والشهرة، وطلب الرياسة، والإمامة. فالواعظ يجد في وعظه وتأثّر قلوب الناس به حلاوةً ولذّة لا يوازيها لذة، فإذا غلب ذلك على نفسِه مالَ طبعُه إلى كلّ كلام مزخرَف يروّج عند العوام - وإن كان باطلاً - ويفرّ عن كلّ كلام يستثقله العوام - وإن كان حقّاً - ويصير مصروف الهمّة بالكليّة إلى ما يحرّك قلوب العوام، ويعظّم منزلته عندهم، فلا يسمع حديثاً وحِكمةً إلاّ ويكون فرَحُه بها من حيث إنّه يناسب أن يُنقل في محفل الناس أو يُذكر على رأس المنبر. وهذه فتنةٌ عظيمة، فمن لا باعث له في الوعظ والحسبة إلاّ طلب الجاه، والمنزلة، والتفاخُر، فهو منافقٌ مطرود عن باب الله، لأنّه باع آجِل آخرته، واشترى به ثمَناً قليلاً من عاجل دنياه، ولو كان له حظٌّ من العلْم لعِلم أنَّ لذَّة الدنيا بالقياس إلى لذّة المعرفة بالله شيء حقيرٌ خسيس. فمن اشتغل بالأمر والنهي يجب عليه أن يكون فرحُه بحفظ العلوم من حيث عرف بها طريق النجاة، وطلب السعادة، وطريق سلوك الدين، ليعمل بها أوّلاً، ويهذّب نفسَه، ويحصل له اليقين. ثمّ إذا فرغ من أمر نفسه اشتغل بغيره، شكراً لله بأن يقول: "إذا أنعم الله عليّ بهذه النعمة فأقضيها ليشاركني في نفعها إخواني". فمن لا باعث له إلاّ طلب الجاه والثروة، فينبغي أن يتركه، ويخالف الهوى فيه إلى أن يرتاض نفسه، ويقوّي دينه ويقينه، ويأمن عن فتنة نفسه، فعند ذلك يشتغل باصلاح غيره من وعظ أو قضاءٍ أو تدريس. فالمعلوم من حال من صرَف أوقاتَه لنقل الأقوال وحفظ الروايات وغرضه عرْضها على الناس مع عدم اصلاح نفسه بتهذيب الأخلاق، واقتناء العلوم الحقيقيّة، التي ليس فيها شهرةٌ، وتفاخر، وكسبُ منزلة عند الناس - أنَّه غير معتنٍ بأمر الدين، ولا ذو اهتمام بتحصيل المنزلة عند الله بطلب المعرفة واليقين، وتجريد النفس عن شواغل الهوى، وشهوات الدنيا. ولهذا ورَد أخبارٌ كثيرة في مذمّة أمثاله: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له خطَب به: "أيّها الناس إذا علمتم فاعملوا بما علمتم لعلّكم تهتدون... وإنّ أنصحَكم لنفسه أطوعُكم لربّه، وأغشَّكم لنفسه أعصاكم لربه". وعن مصعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وعلي بن إبراهيم عن أبيه، عن ابن محبوب - رفعه - عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: "إنّ من أبغض الخَلْق إلى الله عزّ وجلّ لرَجُلين: رجُلٌ وكَله الله إلى نفسه، فهو جائرٌ عن قصْد السبيل، مشغوف بكلامه بدعة، قد لهج بالصوم والصلاة. فهو فتنةٌ لمن افتتَن به، ضالٌّ عن هدى مَن كان قبله، مُضلٌّ لمن اقتدى به في حياته وبعد موته، حمّال خطايا غيره، رهن بخطيئته. ورجُل قمَش جهلاً في جهّال النّاس، عانَ بأغباش الفتنة، قد سمّاه أشباه الناس عالِماً ولم يغن فيه يوماً سالِماً، بكَّر فاستكثر، ما قلَّ منه خير مما كثُر، حتّى ارتوى من آجن، واكتنَز من غير طائل، جلَس بين الناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره، وإن خالفَ قاضياً سبقَه لم يأمَن أن ينقض حكمه من يأتي بعدَه، كفعله بمن كان قبله، وإن نزلَت به إحدى المبهمات المعضلات هيَّأَ لها حشواً من رأيه ثمَّ قطع به. فهو من لبْس الشُّبهات في مثْل غزْل العنكبوت، لا يدري أصاب أو أخطأ. لا يحسب العلم في شيء مما أنكر، ولا يرى أنّ وراء ما بلغ فيه مذهباً، إن قاسَ شيئاً بشيء لم يكذب نظره، وإن أظلم عليه أمرٌ اكتتم به لِما يعلم من جهْل نفسه، لكيلا يقال له: "لا يعلم" ثمَّ جسَر يقضي. فهو مفتاحُ عشوات، رَكّاب شُبهات، خَبّاط جهالات، لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم، ولا يعضّ في العلم بضرس قاطع فيغنم، يذري الروايات ذَرو الريح الهشيم، تبكي منه المواريث، وتصرخ منه الدماء، ويستحلّ بقضائه الفرج الحرام، ويحرّم بقضائه الفرج الحلال. وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنَّهُ قال: "إنّ في النار رجُلا يتأذّى أهلُ النار بريحه". فقيل: "مَن هو يا رسول الله"؟ فقال: عالِمٌ لا ينتفع بعلمه". وقال (صلى الله عليه وآله): "حديث : مثَل الذي يعلّم الناس ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه ". تفسير : وفي الخبر: "حديث : يطلع قوم من أهل الجنة إلى قوم من أهل النار، فيقولون لِمَ دخلتم النارَ وإنّما دخلنا الجنَّة بفضل تعليمكم؟! فقالوا: إنّا كنّا نأمر بالخير ولا نفعله ". تفسير : وقيل: "من وعَظ بقوله ضاع كلامُه. ومن وعَظ بفعله نفذت سهامُه" وقيل: شعر : يا معشر الوعّاظ يا ملح البلَد ما يُصلح الملحَ إذ الملحُ فسَد تفسير : وقال الثوري: "إنّ فتنةَ الحديث أشدّ من فتنةِ الأهل المال والولد. وكيف لا يخاف فتنته وقد قيل لسيّد البشر {أية : لَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء:74]. وكتب رجُل إلى أخٍ له في الدين: "إنّك قد أُوتيت عِلْماً فلا تطفئن نور علمك بظلمة الذنوب، فتبقى في الظلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم". وكان يحيى بن معاذ الرازي يقول لعلماء الدنيا: "يا أصحاب العِلم قصورُكم قيصريّة، وبيوتُكم كسرويّة، وأبوابُكم طالوتيّة، وأخفافكم جالوتيّة، ومَراكبُكم قارونيّة، وأوانيّكم فرعونيّة، ومذاهبكم شيطانيّة، ومآثمكم جاهليّة. فأين المحمّدية؟ وأنشد: شعر : وراعي الشاة يحمي الذئب عنها فكيف إذ الرعاة لها ذئاب تفسير : وقال سفيان بن عيينة: "أجهَل الناس من ترَك العملَ بها علِم، وأعلمُ الناس من عمِل بما يعلَم، وأفضلُ الناس أخشعُهم وأخشاهم لله". وهذا قولٌ صحيح يحكم بأنّ العالِم إذا لم يعمَل بعلمِه فليس بعالِم، فلا يغرّنك تشدّقه واستطالته، وحذاقته، وقوّته في المناظرة والمجادلة، فإنّه جاهل القلب عليم اللسان. وشرُّه أعظم. فصل التعرّف بعلماء الآخرة إنّ العالِم في الحقيقة هو العارف الصوفي المخلِص لله دينه عن شوائب أغراض الدنيا وشهواتها، فإن أردت تحقيق هذا أُصوّر لك مثالاً ينكشف به للمعتبِر فضلُ العالِم العارف بصفات نفسه على العالِم الظاهري المغرور بكثرة روايته: إذا دخل عالِم مجلساً وقعد وميَّز لنفسه مجلساً يجلس فيه كما في نفسه من اعتقاده بمحلّه وعلمه، فدخل داخلٌ من أبناء جنسه وقعد فوقَه، فانقبض العالِم وأظلَمت عليه الدنيا، ولو أمكنه لبطش بالداخل. فهذا عارضٌ عرَض له، ومَرضٌ اعتراه، وهو لا يفطن أنّ هذه علة غامضة، ومرض يحتاج إلى المداواة، ولا يتفكّر في منشإ هذا المرض، ولو علِم منشأه لاشتغل بمداواته، وإنّما منشأ ذلك عدم ممارسته العلوم الحقيقيّة، وعدم اطّلاعه على معرفة النفس وأحوالها ومراتبها. فإنّها أُمُّ الفضائل وأصل الحكمة، ومفتاح سائر المعارف - وجهله بأنّ هذه نفسٌ ثارت وظهَرت بجهلها، وتفَرعنَت لوجود كبْرها، وبقايا كفْرها، وأنانيّتها برؤية نفسها خيراً من غيرها، وتكبّرها باظهار ذلك بفعل أو قول. وأمّا العالِم الصوفي الزاهد فلا يميز نفسَه بشيء دون المسلمين، فلا يرى نفسَه في مقام يميّزها بمجلس مخصوص مميَّز. ولو قدر أن يبتلى بمثل هذه الواقعة، وينقبض من تقديم غيره عليه وترفُّعه يرى حال النفس وظهورها، ويرى أنّ هذا داءٌ يحتاج فيه إلى الدواءِ، وأنَّه إن استرسل فيه بالاصغاء إلى النفس، صار ذلك بالرسوخ مرَضاً مُهلكاً. فيرفع في الحال داءه إلى الله، ويشكو إليه ظهور نفسه، ويُحسن الانابة بقطع دابر ظهور النفس، ويرفع القلب إلى الله مستغيثاً من النَّفس، ويشغله في طلب دوائها. وربّما أقبل على من قَعد فوقَه بمزيد التواضع والانكسار تكفيراً لذنبه الموجود، وتداوياً لدائه الحاصل. فينكشف ويتبيّن بهذا الفرقُ بين الرجُلين، وهذا من أوائل علوم الصوفيّة ومبادئ أحوالهم. فما ظنُّك بنفائس علومهم وشرائف أحوالهم. وفي وصايا لقمان لابنه: "يا بنيَّ لا يستطاع العمل إلاّ باليقين، ولا يعمل المرء إلاّ بقدر يقينه، ولا يقصر عالم حتى يقصر يقينه فكان اليقين أفضل من العلم، لأنّه أدعى إلى العمل، وما كان أدعى إلى العمل كان أدعى إلى العبودية، وما كان أدعى إلى العبودية كان أدعى إلى القيام بحقّ الربوبية وإلى كمال الحظ من اليقين. أقول: قد تبيَّن من كلامه أنَّ العلم هو الأوّل والآخر، والفاعل والغاية. وذلك لأن العمل يترشّح من العلم، والعلم هو ثمرة العمل. والعلماء الأُخرويّون أدلاّء الأمّة، وأعمدة الدين، وسُرج ظلمات الجهالات الجبليّة، ونقباء ديوان الإسلام، ومعادن أحكام الكتاب والسنّة، وأمناء الله في خَلْقه وأطبّاء العباد من أمراض الجهالات. فهم {أية : وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً} تفسير : [الفرقان:63]. وأما غيرهم من علماء الدنيا، الراغبون إلى المناصب، والترفّعات، والرياسات فهم عبدَة طاغوت الهوى وأولياء الشيطان. روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: "حديث : سيَكون علَيكم أُمراء تَعرفون، منهم وتنكرون. فمَن أنكَر فقَد بَرئَ، ومن كرِه فقد سلم. ولكن من رَضي وتابَع أبعدهُ الله ". تفسير : وقال سفيان: "في جهنّم وادٍ لا يسكنه إلا القرّاء الزوّار للملوك". وقال حذيفة: "إيّاكم ومواقعُ الفتن". قيل: "وما هو؟" قال: أبواب الأُمراء يدخل أحدكم على الأمير، فيصدقه بالكذب، ويقول ما ليس فيه". وقد كان علماء التابعين فيهم مَن هو أقوم بعلْم الفتوى والأحكام من بعضهم. وكانوا إذا سئلوا عن فتوى أحالوه إلى غيرهم من الصحابة، وكانوا يردون إليهم في علْم الفتاوي والأحكام، فيعلّمونهم حقائق اليقين ودقائق المعرفة، لأنّهم كانوا أقوم بذلك من التابعين. إذ قد صادقَهم طراوةُ الوحي المنزل، وغمرَهم غزير العلم المجمَل والمفصَّل. روي أن عبد الله بن عمر كان إذا سُئل عن شيء يقول: "سَلوا سعيدَ ابن المسيّب" وكان عبد الله بن عباس يقول: "سَلوا جابرَ بن عبد الله، لو نزَل أهلُ البصرة على فتياه لوسعهم". وكان أنس بن مالك يقول: "سَلوا مولانا الحسَن، فإنّه قد حفظ ونسيناه". وقد ورد في الخبر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : إنّ الشيطان ربما يسوِّفكم بالعلم" قلنا: "يا رسول الله وكيف ذلك؟" قال: "يقول: أطلب العلم ولا تعمَل، حتّى تعلَم. فلا يزال للعلم قائلاً وللعمل مسوِّفاً حتى يموت وما عمل ". تفسير : فصل علماء الكشْف وعلومهم واعلم أنّ هذه الآفات ونظائرها إنّما تعتري علماء اللسان، وأرباب المناظرات والبحوث، وأصحاب المنقولات، وطلاّب الفتاوى والحكومات. وأمّا علماء العلوم الكشفيّة والمعارف الإلهيّة، فعلومُهم يؤدّي إلى الأحوال، وأحوالهم مستتبع الآداب والأعمال: لأنّهم تأدّبوا بين يدي الله بآداب الروحانيين وتخلّقوا بأخلاق الصديقين. فلذلك كان العلم المجبول في قلوبهم منكشفاً عليهم، فحصروا نفوسَهم عن تقاضي جبلاّتها، وقمعوها عن هواها بصريح العلم في كلّ قول وفعل. ولا يصحّ إلاّ لمن لطف سرّه، وزكا روحُه، وسلك به إلى الحضور بين يدي الله. قال بعض أصحاب المعارف في العوارف: "إنّ نفوس العلماء الزاهدين بعد الأخْذ مما لا بدّ لهم منه في أصل الدين وأساسه من الشرع، أقبَلوا على الله وانقطعوا إليه، وخلصت أرواحُهم إلى مقام القرب منه، فأفاضت أرواحهم على قلوبهم أنواراً، تهيّأت بها قلوبهم لإدراك العلوم. فأرواحهم ارتفعت عن حدّ إدراك العلوم الجزئيّة بعكوفها على العالَم الأزلي، وتجردت عن وجود يصلح أن يكون وعاء للعلم، وقلوبهم بنسبة وجهها الذي يلي النفس صارت أوعية وجودية، فتألّفت العلوم. وتالّفتها العلومُ بمناسبة انفصال العلوم باتصالها باللوح المحفوظ، والمعني بالانفصال انتقاشها في اللوح المحفوظ لا غير. وانفصال القلوب عن مقام الأرواح لوجود انحذابها إلى النفوس، فصار بين المنفصلين نسبة اشتراك موجب للتألّف، فحصلت العلوم لذلك. وصار العالم الربّاني راسخاً في العلم...". "... قال ابن مسعود: وليس العلم بكثرة الرواية، إنّما العلم الخشية". وقال: "إنّ الله لا يعبأ بذي علْم ورواية، إنّما يعبأ بذي فهْم ودراية". وقال صاحب العوارف أيضاً: "علوم الوراثة مستخرجة من علوم الدراسة ومثال علوم الدراسة كاللبن الخالص السائغ للشاربين، ومثال علوم الوراثة كالزبد المستخرج منه، فلو لم يكن لَبن، لم يكن زُبد. ولكن الزُّبد هو الدُهنيّة المطلوبة من اللبن، والمائيّة في اللبن جسمٌ قائم به روح الدهنيّة. فالمائيّة به القوام. قال الله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} تفسير : [الأنبياء:30]. و "الشَيء" يعمّ الموجودات كلّها. فعلوم الإسلام علوم اللسان، وعلوم الإيمان علوم القلب، وله مراتب: علمُ اليقين، وعينُ اليقين، وحقُّ اليقين. وقال أيضاً بعد ما ذكر جملة من تفاصيل علوم النفس: "وهذا كلّه علوم من ورائها علوم، عمل بها وظفر بمقتضاها علماء الآخرة. وحرم ذلك علماء الدنيا. الراغبون فيها. وهي علوم ذوقيّة لا يكاد النظر يصل إليها إلاّ بذوق ووجدان، كالعلم بكيفيّة حلاوة السكّر لا يحصل بالوصف، فمن ذاقَه عرفه. وينبئك عن شرف علم الصوفية وزهّاد العلماء، أنَّ العلوم كلّها لا يتعذّر تحصيلها مع محبّة الدنيا، والإخلال بحقائق التقوى، وربما كان محبّة الدنيا عوناً على اكتسابها لأنّ الاشتغال بها شاقٌ على النفوس، فجبّلت النفوس على محبّة الجاه والرفعة، حتّى إذا استشعرت حصول ذلك بحصول العلم أجابت إلى تحمُّل الكُلَف، وسهر الليل والصبر على الغربة والأسفار، وتعذّر الملاذّ والشهوات. وعلوم هؤلاء القوم لا تحصل مع محبّة الدنيا، ولا تنكشف إلاّ بمجانبة الهوى، ولا تدرس إلاّ في مدرسة التقوى. قال الله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ} تفسير : [البقرة:282]. جعل العلم ميراث التقوى وغير علوم هؤلاء القوم ميسّر من غير ذلك بلا شك. فعُلم فضل علماء الآخرة، حيث لم يكشف النقاب إلا لأولي الألباب. وأُولوا الألباب حقيقة هم الزاهدون في الدنيا. قال بعض الفقهاء: "إذا أوصى رجُل بماله لأعقل الناس يُصرف إلى الزهّاد، لأنّهم أعقلُ الخلق". قال سهل بن عبد الله التستري: "للعقل ألف اسم ولكلّ اسم منه ألف اسم، وأوّل كلّ إسم منه ترك الدنيا". ثم ذكر حكايةً لطيفة، قال: "حدّثنا فلان، عن فلان - وذكَر السندَ إلى أبي عبد الله الخوّاص، وكان من أصحاب حاتم الأصمّ - قال: دخلت معه الري، ومعه ثلاثمائة وعشرون رجلاً، يريدون الحجّ، وعليهم لباس الصوف، ليس معهم جراب ولا طعام، فدخلنا الري على رجُل من التجّار متنسّك يحب المتقشّفين فأضافَنا تلك الليلة، فلمّا كان من الغد قال لِحاتَم: يا أبا عبد الرحمن ألك حاجة؟ فإنّي أريد أن أعودَ فقيهاً لنا هو عليل؟ فقال حاتم: إن كان لكم فقيهٌ عليلٌ فعيادة المريض لها فضل، والنظر إلى الفقيه عبادة فأنا أيضاً أجيء معك - وكان العليل محمد بن مقاتل، قاضي الري - قال: سِرْ بنا يا أبا عبد الرحمن. فجاء إلى الباب، فإذا بابٌ مشرف حسَن. فبقي حاتم متفكِّراً يقول: "باب عالِمٍ على هذا الحال" ثمّ أذِن لهم فدخلوا. فإذا دار فوراء، وإذا بزّة وستور وغلمان. فبقي حاتم متفكّراً. ثمّ دخلوا إلى المجلس الذي هو فيه، فإذا هو بفرش وطيئة وإذا هو راقدٌ عليها وعند رأسه غلام وبيده مذبّة. فقعد الرازي فسلاه وحاتم قائمٌ، فأومى إليه ابن مقاتل: أن اقعد. فقال: لا أقعد. فقال له ابن مقاتل: لعلّ لك حاجة؟ قال: نعم. قال: وما هي؟ قال: مسألة أسالك عنها. قال: سلني. قال: فقُمْ واستوِ جالساً حتى أسألكها. فأمَر غلمانه فأسنَدُوه. فقال له حاتم: علْمك هذا من أين جئتَ به؟ قال: الثقاة حدّثوني. قال: عمَّن؟ قال: عن أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال: ورسولُ الله من أين جاء به؟ قال: عن جبرائيل. قال حاتم: فيا أدّاه جبرائيلُ عن الله إلى رسول الله، وأدّاه رسولُ الله إلى أصحابه، وأدّاه أصحابُه إلى الثقات وأداه الثقاتُ إليك، هل سمعت في العلْم من كان في داره أميرٌ أو منعته أكثر، كانت له المنزلة عند الله أكثر؟ قال: لا. قال: فكيف سمعت؟ قال: من زهَد في الدنيا ورغب في الآخرة وأحبّ المساكن، وقدّم لآخرته كان له عند الله المنزلة أكثر. قال حاتم: فأنت بمن اقتديت؟ بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) وأصحابه، أم بفرعون ونمرود أوّل من بَنى بالجصّ والآجر؟! يا علماء السوء مثْلكم يراه الجاهلُ، الطالبُ للدنيا، والراغبُ فيها، فيقول: العالِم إذا كانَ على هذا الحال لا أكون أنا شرّاً منه. وخرج من عنده. فازداد ابن مقاتل مرضاً. فبلغ أهل الري ما جرى بينه وبين ابن مقاتل. فقالوا له: أبا عبد الرحمن: "بقزوين عالم أكبر شأناً من هذا" وأشاروا به إلا الطنافسي. قال: فسار إليه متعمّداً، فدخل عليه، فقال: رحمك الله أنا رجُل أعجمي أُحبّ أن تعلّمني أوّل مبتدأ ديني، ومفتاح صلاتي، كيف أتوضّأ للصلاة؟ قال: نعم - وكرامة - يا غلام هات إناء فيه ماء فأتى به فقعَد الطنافسي فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: هكذا فتوضأ فقعد فتوضّأ حاتم ثَلاثاً ثلاثاً، حتّى إذا بلَغ غَسل الذراعين غَسل أربعاً. فقال له الطنافسي: "يا هذا أسرفتَ". فقال له حاتم: "فيماذا أسرفتُ؟" قال: غسلتَ ذراعيك أربعاً". قال حاتم: "يا سبحان الله أنا في كفّ ماء أسرفت. وأنتَ في هذا الجمع كلّه لم تسرف؟!" فعلم الطنافسي أنّه أراده بذلك، ولم يرد منه التعلّم، فدخل البيت، ولم يخرج إلى الناس أربعين يوماً وكتَب تجار الري وقزوين ما جرى بينهما. فلمّا دخَل بغداد. اجتمع إليه أهل بغداد فقالوا له: يا أبا عبد الرحمن أنت رجُل ألكن أعجمي ليس يكلّمك أحدٌ إلاّ قطعته. قال: معي ثلاث خصال، بهن أظهَر على خصمي. قالوا: أيّ شيء هي؟ قال: "أفرح إذا أصاب خصمي، وأحزن إذا أخطأ، وأحفظ نفسي أن لا أجهل عليه". فبلغ ذلك أحمد بن حنبل، فجاء إليه فقال: "سبحان الله ما أعقَله". فلمّا دخلوا عليه قالوا: يا أبا عبد الرحمن ما السلامة من الدنيا؟". قال حاتم: يا أبا عبد الرحمن لا تسلم من الدنيا حتى يكون معك أربع خصال: أن تغفر للقوم جهلهم، وتمنع جهلك عنهم، وتبذل لهم شيئك، وتكون من شيئهم آيساً. فإذا كان هذا سلمت. ثمّ سار إلى المدينة. قال الله تعالى: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} تفسير : [فاطر:28]. ذكر بكلمة "إنّما" فتنفي العلم عمّن لا يخشى الله، فلاحَ لعلماء الآخرة أن الطريق مسدودٌ إلى أنصبة المعارف، ومقامات القرب إلا بالزهد والتقوى... فبصفاء التقوى وكمال الزهد يصير العبد راسخاً في العلم. قال الواسطي: الراسخون في العلم هم الذين رسّخوا بأرواحهم في غيب الغيب، وسرّ السر. فعرّفهم ما عرّفهم، وخاضوا في بحر العلم بالفهم لطلب الزيادات فانكشف لهم من مدخور الخزائن... فنطقوا بالحكم"... ... وقال الخزّاز: "هم الذين كملوا في جميع العلوم، وعرفوها، واطّلعوا على هِمم الخلائق أجمعين". وهذا القول من أبي سعيد لا يعني به أن الراسخ في العلم ينبغي أن يقف على جزئيات العلوم ويكمل فيها... بل المراد إنّ المتّقي حقّ التقوى والخشية من الله، صفا باطنه وانجلى مرآة قلبه، ووقعت له محاذاة بشيء من اللوح المحفوظ. فادرك بصفاء الباطن أمهات العلوم وأصولها، فيعلم منتهى همم العلماء في علومهم وغاية أقدامهم فيها... والعلوم الجزئية متجزّية في النفوس بالتعلّم والممارسة، فلا يغنيه علمه الكلي من أن يراجع في الجزئي أهله، الذين هم أوعيته، فنفوس هؤلاء امتلأت من الجزئي واشتغلت به، وانقطعت بالجزئي عن الكلي. والعالِم الربّاني بخلاف ذلك كما سبق ذكره وكل ميسّر لما خلق له. قيل للشبلي - رحمه الله - عند النزع: "قل: لا إله إلاّ الله". فقال: شعر : إنّ بيتاً أنت ساكنه غير محتاج إلى السرج
الجنابذي
تفسير : وقوله تعالى {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} ان كان المراد به الامر بحسن المعاشرة فى مرمّة المعاش كان بمنزلة التّعليل لقوله: {وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} على المعنى الاخير وامراً لهم بحسن المعاشرة على أبلغ وجه وأوكده، وان كان المراد الامر بحسن المؤانسة مع الحقّ وحسن المعاشرة مع الخلق كان بمنزلة التّعليل لمجموع قوله {واقيموا الصّلاة} (الخ) والاستفهام للانكار التّوبيخىّ والمعنى انّكم مفطورون على ان تأمروا النّاس بالبرّ والاحسان فى العبادات وبالاحسان مع الخلق ومكلّفون من الله مطابقاً للفطرة بذلك ولا يجوز لكم أن تأمروا النّاس بذلك وتتركوا أنفسكم بان لا تصلحوا بالإتمار فأصلحوها اوّلاً باقامة الصّلاة وايتاء الزّكاة والرّكوع مع الرّاكعين بأىّ معنى أريد، ثمّ مروا النّاس بذلك لقبح امر النّاس بذلك وعدم الإتمار به فى العقل والعرف {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ} السّماوىّ من التّوراة والانجيل وغيرهما من الصّحف دونهم، او انتم تتلون كتاب النّبوّة وأحكام الشّريعة دون النّاس فانتم عالمون بالمعروف دونهم، فانتم اولى بالإتمار منهم، او المعنى وانتم تتلون الكتاب وفيه قبح الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر ممّن لا يأتمر ولا يتناهى {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} قبح ذلك وعقوبة القبيح بعده. تحقيق الامر بالمعروف وموارده اعلم انّ الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر واجبان فى الجملة امّا عموم وجوبهما لكلّ فردٍ بالنّسبة الى كلّ واحدٍ من النّاس وبلا شرطٍ فلا؛ فنقول: انّهما واجبان على كلّ بالغ رشيد بالنّسبة الى من فى عالمه الصّغير فانّه اذا تعلّق التّكليف بالانسان كان عليه ان يأمر نفسه وقواه بما علم انّه خيره وينهى عمّا هو شرّه بالنّسبة الى قوّته الانسانيّة كما كان يأمر بما هو خيره وينهى عمّا هو شرّ له بالنّسبة الى قواه الحيوانيّة قبل ذلك، وما لم يعلم انّه خير او شرّ كان عليه اوّلاً تحصيل العلم بذلك ثمّ الامر والنّهى، ومن كان جمعٌ آخر تحت يده مثل امرأته واولاده ومملوكه لا مثل الاجير والمكارى والخادم كان عليه ان يأمرهم بما علم انّه خير لهم وينهاهم كذلك، وما لم يعلم انّه خير او شرّ كان عليه تحصيل علمه اوّلاً ثمّ الامر والنّهى وليس عليه ان يطهّر نفسه اوّلاً ثمّ يستأذن الامام ثمّ يأمر وينهى فانّ من تحت اليد كالقوى والجنود الّتى فى عالمه الصّغير من جملة اجزائه، والامر والنّهى بالنّسبة اليهم مطلقان غير مقيّدين بطهارة النّفس عن جملة الرّذائل وحصول القوّة القّدسيّة الرادعة عن المعاصى، نعم كان عليه ان يأمر وينهى اوّلاً نفسه ويزجرها عن الرّذائل ثمّ يأمر وينهى من تحت يده والاّ دخل تحت الامر التّارك والنّاهى الفاعل، وامّا بالنّسبة الى عموم الخلق فليس ذلك واجباً على كلّ احدٍ بل على من تطهّر اوّلاً من المعاصى والرّذائل، وحصّل القوّة القّدسيّة الرّادعة عن ارتكاب المعاصى، وحصّل العلم بمعروف كلّ احد من النّاس ومنكره فانّ المعروف والمنكر يختلفان بحسب اختلاف الاشخاص؛ حديث : وحسنات الابرار سيّئات المقرّبينتفسير : يدلّ عليه، وفى الاوّلين خلاف بل أفتى اكثر الفقهاء رضوان الله عليهم بوجوب الامر بالمعروف على تاركه والنّهى عن المنكر على فاعله، وامّا الثّالث فلا خلاف فى انّه شرط لوجوب الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر بل لا خلاف فى كونه شرطاً لجوازهما، وقيل: انّ هذا الشّرط يقتضى اشتراطهما بالاوّلين ايضاً فانّ العلم بمعروف كلّ احدٍ ومنكره يقتضى البصيرة التّامّة بحاله بحيث يعلم انّه فى اىّ مقام من الايمان والاسلام، ويعلم أنّ اىّ مرتبة من الاحكام يقتضيها ذلك المقام، وهذه البصيرة لا تكون الاّ لمن تطهّر عن المعاصى والرّذائل وحصّل القوّة القّدسيّة الّتى هى شرط فى الافتاء، فانّ الافتاء كالامر بالمعروف لا يجوز لكلّ احدٍ بل لمن تطهّر وحصّل القوّة القّدسيّة المذكورة وسيأتى ان شاء الله بيان له، وفيما روى عن الصّادق (ع) تصريح بعدم جواز الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر بالنّسبة الى عموم الخلق لكلّ فردٍ من النّاس وهو قوله (ع): من لم ينسلخ من هواجسه ولم يتخلّص من آفات نفسه وشهواتها ولم يهزم الشّيطان ولم يدخل فى كنف الله وامان عصمته لا يصلح للامر بالمعروف والنهى عن المنكر لانّه اذا لم يكن بهذه الصّفة فكلّ ما أظهر يكون حجّة عليه ولا ينتفع النّاس به قال الله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} ويقال له: يا خائن اتُطالبُ خلقى بما خنت به نفسك وأرخيت عنه عنانك، وهكذا الحال فيما روى عنه (ع) انّه سئل عن الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر أواجب هو على الامّة جميعاً؟ - فقال: لا، فقيل: ولم؟ - قال: انّما هو على القوىّ المطاع العالم بالمعروف من المنكر لا على الضعفة الّذين لا يهتدون سبيلاً الى اىّ من اىّ يقول من الحقّ الى الباطل والدّليل على ذلك كتاب الله تعالى قوله {أية : ولتكن منكم امّة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} تفسير : [آل عمران: 104] فهذا خاصٌ غير عامّ كما قال الله تعالى: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ}تفسير : [الأعراف: 159]، ولم يقل: على أمّة موسى، ولا على كلّ قوم وهم يومئذٍ امم مختلفة، والامّة واحدٌ فصاعداً كما قال الله تعالى: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً }تفسير : [النحل: 120] لله يقول: مطيعاً لله؛ الى آخر الحديث، والاخبار الدّالّة على ذمّ الآمر التّارك والنّاهى الفاعل يشعر بذلك مثل ما نسب الى امير المؤمنين (ع) وهو قوله: وانهوا عن المنكر وتناهوا عنه فانّما أمرتم بالنّهى بعد التناهى وقوله (ع) "حديث : لعن الله الآمرين بالمعروف والتّاركين له، والنّاهين عن المنكر العاملين به"تفسير : ، ومثل الاخبار الدّالّة على ذمّ من وصف عدلاً ثمّ خالفه الى غيره وانّه اشدّ حسرة يوم القيامة فعلى هذا فالاخبار الدّالّة على عموم وجوبهما امّا مخصّصة بالعالم المطهّر او بالعالم بالمعروف الّذى يأمر به والمنكر الّذى ينهى عنه، او نقول التّطهير وحصول العلم من مقدّماتهما فهما واجبان مطلقاً لكن حصولهما مشروط بالعلم والتّطهير لا وجوبهما فالأمر بهما يقتضى الأمر بمقدّماتهما اوّلاً مع انّ المقدّمات فى أنفسها مأمورٌ بها، او نقول: وجوبهما على الكلّ انّما هو بعنوان التّعاون على البرّ والتّقوى وترك التّعاون على الاثم والعدوان، لا بعنوان الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر، وان كان لفظ الاخبار بعنوان الامر بالمعروف والنّهى عن المنكر فانّ الالفاظ كثيراً يستعمل بعضها فى عنوان البعض الآخر.
اطفيش
تفسير : {أَتَأمُرُونَ النَّاسَ}: استفهام توبيخ لليهود أو استفهام تعجب لمن يستمع مخاطبته إياهم بهذه الآية، أو تعجب لهم لو عقلوا، أى يصيرهم متعجبين من فعلتهم هذه لو انتهوا بعدها وتركوها. أو استفهام توبيخ وتعجب، لأن من حيث استعمال اللفظ في معنييه بل من حيث أن كون الشىء مما يوبخ عليه يقتضى التعجب من ارتكابه؛ أو استفهام تقرير مع توبيخ وتعجب، ومعنى هذا التقرير الحمل على الإقرار أو التحقيق والتثبيت، ذكره السعد كذلك، والناس الحقيقة لا بأس مخصون فيصدق بكل من يأمرونه. {بِالبِرِّ}: الخير وهو الإيمان بمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبما جاء به والعمل به، أو بالتوراة، واعلم أن أصل البر التوسع فى الخير والمعروف، ويطلق أيضاً على سعتهما مأخوذ من البر ضد البحر وهو الفضاء الواسع، وأل فى البر للحقيقة لا للاستغراق، لأنهم لا يأمرون بكل خير على ما ذكره السعد، وعندى يجوز أن تكون للاستغراق، لأنهم إذا أمروا الناس باتباع سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وما جاء به فقد أمروهم بكل خير، وإنما تتعين الحقيقة فى تفسير البر الذى يأمرون به بالصدقة أو نحوها من الإفراد والاستغراق أولى لثبوت أمرهم بالإيمان بالنبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ والبر يتناول كل خير وهو بر فى عبادة الله ـ عز وعلا ـ وبر فى الأقارب وبر فى الأجانب. {وَتَنْسَوْنَ أنْفُسَكمْ}: تؤخرونها عن البر وتتركونها عنه، فلا تأمرونها به فإن نسى يكون بمعنى آخر ويكون بمعنى ترك، ويجوز أن يكون هنا أيضاً من النسيان ضد الذكر، والإنسان لا ينسى نفسه لكن شبه تركهم أنفسهم من الخير عمداً بالنسيان فى الغفلة والإهمال وعدم المبالاة، كما يترك الشىء المنسى لعدم المبالاة به، فسماه باسم النسيان على طريقة الاستعارة الأصلية التحقيقية التصريحية، واشتق منه ينسى بمعنى يترك على طريق الاستعارة التبعية التصريحية التحقيقية. قال ابن عباس رضى الله عنهما: كان الأحبار يأمرون أتباعهم ومقلديهم باتباع التوراة، وكانوا يخالفونها فى جحدهم صفة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقالت فرقة: كانت الأحبار إذا استرشدهم أحد من العرب فى اتباع محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ دلوه على ذلك وهم لا يفعلونه. وعن ابن عباس أيضاً: أنها نزلت فى أحبار يهود أعمال المدنية، كانوا يأمرون سرا من نصحوه من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا يتبعونه، وكان الحبر يقول لقريبه وحليفه من المسلمين إذا سأله عن أمر محمد صلى الله عليه وسلم: اثبت على دينه فإن أمره حق وقوله صدق. وقيل كان جماعة من اليهود قالوا لمشركى العرب: إن رسولا سيظهر منكم ويدعوكم إلى الحق، وكانوا يرغبونهم فى اتباعه، فلما بعث سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم حسدوه وكفروا به فوبخهم الله عز وجل بذلك، إذ أمروا الناس باتباعه قبل ظهوره، فلما ظهر تركوه وأعرضوا عنه، وقيل كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون، وإذا أوتوا بصدقات ليفرقوها خانوا فيها، وقيل كانوا يأمرون الناس بالطاعة والصلاة والزكاة وأنواع البر ولا يفعلونها، فوبخهم الله عز وجل بذلك. وقيل المراد أحبار اليهود والمنافقين، فإن المنافقين كانوا يأمرون بما سمعوا من أمر الإسلام ولا يفعلونه، وذلك من جملة نفاقهم. {وَأنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ}: التوراة أو جنس الكتاب، فيشمل التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله سبحانه وتعالى، وفى الكتاب الوعيد على ترك البر ومخالفة القول العمل، وإنكار الحق فيه صفة محمد صلى الله عليه وسلم والحث على أفعال الخير، والإعراض عن القبيحة كيف تفعلون ما يخالف الآيات اللاتى تدرسون، وجملة {وأنتم تتلون الكتاب} من جملة تعلمون فى كونها حالا تبكيتية. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}: أتأتون ذلك فلا تعقلون سوء صنعكم وقبحه، كمسلوب العقل بأنى فعلا قبيحاً شنيعاً ولا يستحى منه ولا يشعر بقبحه، ففيه تشبيههم بالمجانين إذ لو استعملوا عقولهم لصدهم قبح ذلك عن ارتكابه، وتأتون ذلك فلا تعقلون جزاءه فيصدكم استشعار جزائه عن ارتكابه، فأنتم كمجانين يلقون أنفسهم فيما يهلكهم، ومفعلو بفعل مقدر معتبر على الوجهين، ويجوز تنزيله منزلة اللازم بعد تحقيق القصد به، أى فلا عقل لكم ولو كان لكم لعلمتم به قبح ذلك وجزاءه، ولك وجه آخر فى اعتبار المفعول لكنه مرجوح هكذا أفلا تعقلون إنهُ حق فتتبعونهُ، والعقل فى الأصل المنع عن الشىء كمنع الدابة عن الذهاب لقيد سمى به إدراك الحق وتمييزه من الباطل، وإدراك الحسن والقبح، لأنه مانع عما يقبح عن الباطل والشر، وحابس عما يحسن، وعلى الخير بعد أن يدركهما من الشرع، وكذا الحسن والخير المباحين، وسمى به أيضاً القوة التى تدرك النفس بها ذلك كما قيل العقل قوة تهيء قبول العلم، والآية مشنعة على من يعظ غيره ولا يتعظ، فإنه كقاعد يروم أن يقيم قاعداً، وقد يحصل قيام هذا القاعد بإذن الله ومقيمه قاعد، وكنجس يريد تطهير نجس، وكمتوسخ يريد تنظيف موسخ فإنهُ لا يتنظف إلا بعد تنظيف العضو الذى به التنظيف، وكالتنظيف بماء وسخ: شعر : بالماء يطهر ما قد ساخ واتسخا فكيف بالماء إن وسخ به رسخا؟ تفسير : وكمن يشفق على غيره أن يقع فى مهواة أو نار، ويغفل عن نفسه وهو مشرف عليه، فاشتغل بتنحيته وأعرض عن نفسه، وكمن يسعى فى تحصيل مآكل ومشارب وملابس ومساكن لغيره، وترك نفسه للجوع والعطش والعراء، وكمن يفعل شيئاً وينقضه، فإن الواعظ ينقض وعظه بفعله، لأن فعله منفر عن قبول وعظه فلا يصل القلب، وبالجملة فإن من جمع بين العلم الحقيق والعقل تأبى نفسه الشديدة المتمكنة فى العلم أن يكون واعظاً غير متعظ، ولست أعنى أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر محطوطان عن الفاسق أو المشرك، بل هما واجبان عليه لأن ترك فرض الطاعة والإيمان لا يبيح ترك الأمر والنهى، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : مروا بالمعروف وإن لم تفعلوه، وانهوا عن المنكر وإن لم تجتنبوه" تفسير : كله رواه الطبرى فى صغيره عن أنس، فإذا لم يأمر ولم ينه كان أقبح، بل ذلك حث على تطهير النفس من خبث المعصية، والاعتقاد النسئ فيأمر وينهى فيزول عنه القبح بالكلية وينفع وعظه. قال محمد بن واسع: بلغنى أن ناساً من أهل الجنة اطلعوا على ناس من أهل النار، فقالوا لهم: قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة، قالوا: كنا نأمركم بها ونخالف إلى غيرها، وذكر أبو نعيم فى كتاب رياضة المتعلمين يسنده إلى أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : رأيت ليلة أسرى بى رجالا تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من نار فقلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال: الخطباء من أمتك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون"تفسير : . وكذا رواه البغوى بسنده إلى أنس، وروى البخارى ومسلم عن أسامة بن زيد: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: "حديث : يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى فى النار فتنذلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار فى الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر الناس بالمعروف وتنهاهم عن المنكر؟ فيقول: بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه"تفسير : . ومعنى تنذلق أقتاب بطنه تخرج أمعاء بطنه، قيل: مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضىء على الناس ويحرق نفسه، قالوا: ومن وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفدت سهامه وروى ابن قانع فى معجمه عن سليك الغطفانى عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا علم العالم فلم يعمل كان كالمصباح يضىء على الناس ويحرق نفسه "
اطفيش
تفسير : {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} أنواع الخير والطاعات، وترك المحرمات والمكاره، والمراد الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه جامع لذلك، وللتوسع فى الخير مع الله والأقارب والأجانب كما هو، أصل البرد المأخوذ من البر بالفتح للقضاء الواسع {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} تتركونها عمد من البر، فلا تأمرونها به، والاستفهام توبيخ لهم، أو إنكار لأن يصح ذلك عقلا أو شرعا ومحطه قوله وتنسون أنفسكم، {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَٰبَ} التوراة وفيما النهى عن مخالفة القول العمل، فإنها صورة الجاهل بالشرع والخالى عن العقل، إذ كان يعظ ولا يتعظ، وليس عدم العمل مسقطا لفرض الأمر والنهى، فإن لم يعمل ولم يأمر، ولم ينه فقد ترك فروضا، وإن عمل وَلم يأمر ولم ينه أو أمر وَنهى وترك العمل فقد ترك بعضها، والنسيان مشترك بين الزوال عن الحافظة والترك عمدا، وقيل مجاز فى الترك، لأنه لازم ومسبب عن الزوال عنها، ونكتة التعبير به التلويح إلى أنه لا يليق أن يصدر ذلك إلا لزوال عن الحافظة، يطلع ناس من أهل الجنة على ناس فى النار فيقولون: كنتم تأمروننا بأعمال دخلنا بها الجنة، فيقولون كنا نخالف إلى غيرها {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أى فألا تعقلون قبح ذلك، قدمت الهمزة عن العاطف لتمام صدارتها، أو دخلت على معطوف عليه محذوف، وهكذا فى القرآن، أى أتغفلون فلا تعقلون.
الخليلي
تفسير : الخطاب لبني اسرائيل ذكروا نعمة الله عليهم، وطولبوا بالوفاء بعهده، وخوطبوا بما خوطبوا به من الأوامر والنواهي، وهو اعتراض بين سابقه ولاحقه لأنه توبيخ توسط أو امر، ومن دلائل كونه اعتراضا عدم اقترانه بالعاطف كما هو الغالب في الجمل الاعتراضية، وفائدته لفت أنظارهم، وشد انتباههم إلى ما هم متلبسون به من العيوب التي يجدر بمن كان مثلهم - في معرفة الحق والدعوة إليه وتلاوة الكتاب - أن يكون أنأى عنها وأحذر، وهو من دواعي تدارك الأمر بامتثال ما وُجه إليهم من الأوامر، واجتناب ما خوطبوا به من النواهي لتكفير سيئاتهم؛ وتغطية سوآتهم، وبهذا تتضح مناسبة الآية لما قبلها. والاستفهام إنكاري يتضمن التعجيب. ولفظة البر دالة على السعة وضعا كالبَرِّ - بالفتح - وتستعمل في توسعة الخلق والإِحسان في المعاملة، ومفهومها الشرعي يرادف التقوى بدليل قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ} تفسير : [البقرة: 189]، وقوله بعد ذكر خصال البر: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ} تفسير : [البقرة: 177]، فتندرج تحته العقيدة الناصعة، والأعمال الصالحة، سواء كانت من شعائر الله، أو المعاملات الأسرية أو الاجتماعية، أو الأحوال النفسية كما هو واضح في قوله عز من قائل: {أية : وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلْكِتَابِ وَٱلنَّبِيِّينَ وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَامَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ وَآتَى ٱلزَّكَاةَ وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّاءِ وَحِينَ ٱلْبَأْسِ} تفسير : [البقرة: 177]، وأحسن ما يقال إن البر شامل لكل ما فيه خير للإِنسان عاجلا أو آجلا. والنسيان خلو الذهب من أمر بعد الإِلمام به، فمن لم يعرف شيئا من قبل لا يوصف بأنه ناسيه، ويطلق على الترك إطلاقا مجازيا لما فيه من إهمال المتروك كما هو الشأن في الناسي والمنسي، وعلى ذلك تحمل الآية كما يحمل قوله تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة: 67]، فهؤلاء اشتغلوا بغيرهم فأمروه بالبر وأهملوا أنفسهم إذ لم يحملوها عليه. وسوغ ابن عاشور أن يكون النسيان هنا حقيقيا لأنهم لما طال عليهم الأمد في التهاون بالتخلق بأمور الدين والاجتراء على تأويل الوحي بما يمليه عليهم الهوى بغير هدى صاروا ينسون أنهم متلبسون بمثل ما ينهون عنه فإذا تصدوا الى مواعظ قومهم أو الخطابة فيهم، أو أمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر كانوا ينهونهم عن مذام قد تلبسوا بأمثالها إلا أن التعود بها أنساهم إياها فأنساهم أمر أنفسهم بالبر لنسيان سببه، وقد يرى الإِنسان عيب غيب لأنه يشاهده، ولا يرى عيب نفسه لأنه لا يشاهدها، ولأن العادة تنسيه حاله، ودواء هذا النسيان هو محاسبة النفس. والأنفس جمع نفس وهي ذات الشيء وحقيقته، وتطلق على الروح كما في قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلأَنفُسَ حِينَ مِوْتِـهَا}تفسير : [الزمر: 42]، كما تطلق على الدم، ومنه قول الفقهاء: "كل ميتة ذات نفس سائلة نجسة"، وحُمل عليه قول الشاعر: شعر : تسيل على حد الظبات نفوسنا وليس على غير الظبات تسيل تفسير : والأقرب أن تكون النفوس في البيت بمعنى الأرواح، وسيلانها هو خروجها. واختلف في البر الذي كانوا يأمرون به الناس وينسون أنفسهم، وقد رُويت عن السلف في ذلك أقوال منها ما أخرجه الثعلبي والواحدي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال نزلت هذه الآية في يهود أهل المدينة، كان الرجل منهم يقول لصهره ولذي قرابته ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين أثبت على الدين الذي أنت عليه وما يأمرك به هذا الرجل - يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم - فإن أمره حق، وكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلون، وأخرج عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن اسحاق قال تنهون الناس عن الكفر بما عندكم من النبوة والعهد من التوراة وأنتم تكفرون بما فيها من عهدي إليكم في تصديق رسلي، وروى عنه ابن جرير وأيضا أنه قال في هذه الآية أتأمرون الناس بالدخول في دين محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك مما أمرتم به إقام الصلاة، وتنسون أنفسكم، وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال في هذه الآية هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم عن الشيء ليس فيه حق ولا رشوة أمروه بالحق، وعن السُّدى أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وتقواه وينسون أنفسهم، وروى معنى ذلك عن قتادة، وقيل كانوا يأمرون بالصدقات ولا يتصدقون، وثم آراء أخرى، وهي كلها لا تخرج عن التمثيل حسب الظاهر لصدق معنى البر عليها جميعا، والأظهر أنهم كانوا يدعون إلى جميع ما تقتضيه الأوامر السابقة من ذكر نعمة الله والوفاء بعهده...الخ، وعليه فالخطاب خاص بأحبارهم وإن كان ما قبله شاملا لعامتهم لأن الخطاب العام قد يوجه إلى الجميع ثم يندرج فيه ما هو خاص بفريق منهم، وعلى هذا فالناس المأمورون هم سائرهم، ويجوز أن يكون الخطاب شاملا لجميع بني إسرائيل إذ لا يبعد من عامتهم أن يكونوا يأمرون غير بني جنسهم بشيء من البر مع إهمال أنفسهم فإنهم - وإن أوغلوا في الجهل - يدرون من صنوف البر ما لا يدريه غيرهم من أهل الجاهلية بسبب مخالطتهم للأحبار، وسماعهم منهم المواعظ والدروس، وعليه فالناس مشركوا العرب أو من عدا الآمر كما يقال قم فقد قام الناس. وهذا التوبيخ الذي يشامله التعجيب من شأنهم إن دل على شيء فإنما يدل على ما وصلوا إليه من الاستخفاف بما أوتوه من العلم، وحُمِّلوه من الأمانة، وأورثوه من الكتاب، فقد نأوا بأنفسهم عن تعاليمه وإن دعوا إلى ذلك غيرهم كأنهم غير محاسبين بما فيه ولا مسؤولين عن تهذيب أنفسهم وتربية عقولهم ووجدانهم بهداه، وهذا الذي أدى بهم الى اتخاذ ما لديهم من علم الكتاب سلما للترقي الى المناصب، ووسيلة لكسب الحطام. تبصير العلماء بمسالك السلام والخطر وهذا التوبيخ وإن يكن خاصا ببني إسرائيل إذا ما اقتصر على النظر إلى ألفاظه فهو شامل من حيث المعنى لكل من مشى على نهجهم واقتفى أثرهم، فعلماء هذه الأمة غير مبرئين منه إذا لم يصونوا نفوسهم عن الأسباب التي استوجب بها بنو إسرائيل هذا التقريع، والقرآن الكريم أنزله الله ذكرا للعالمين وهدى للناس أجمعين، ففي كل ما يحكيه عن الأمم، وما يقصه من أحوالهم عظة بالغة، وعبرة نافعة لأولي الألباب إذ ليس المقصود من هذا التقريع أو نحوه مما يوجهه إلى أي طائفة من الناس هجاء تلك الطائفة، وإنما مقصوده تبصير الكل بمسالك السلامة والخطر، وطرائق الهدى والضلال. وما أكثر علماء السوء وأحبار الضلال في هذه الأمة، وما أعظم بلاءهم وأشد فتنتهم على الناس، فهم يتقمصون الدين لأجل أن يأكلوا به أموال الناس، ويرتقوا على أكتافهم إلى المناصب التي يتطلعون إليها، يأمرون الناس بالخير ولا يأتمرون، وينهونهم عن الشر ولا ينتهون، يتباكون في مواعظهم ولا يبكون، كل همهم جمع حطام الدنيا ونيل ما يشتهونه من ملذاتها، والارتقاء إلى أوج مناصبها ليست في نفوسهم على حرمات الله غيرة، ولا لدينه حمية، يتجاذبون الدنيا كما تتجاذب الكلاب الجيف، ويغار بعضهم من بعض إذا نال منها نيلا كما تغار الضرة من ضرتها إذا استأثرت عليها بمودة الزوج أو عطائه، ويتقربون إلى الحكام بتحريم الحلال، وتحليل الحرام، وإبطال الحق، وإحقاق الباطل، تتقلب فتاواهم بين عشية وضحاها بحسب ما يملي عليهم الهوى، ويقتضيه رضى ساداتهم الذين يؤثرون طاعتهم على طاعة الله. وإن دعوا يوما الى الحق أو أرشدوا إلى الهدى ناقضت أعمالهم أقوالهم، وكذبت أحوالهم دعوتهم، ورأى الناس فجوة سحيقة بين ما هم فيه وما يدعون إليه، فبقوا حائرين بين اتباع القول أو الاقتداء بالعمل، فلا تلبث دعوتهم أن تتطاير هباء في الفضاء، ولا يكون لها أي أثر في نفوس ساميعها، بل كثيرا ما تكون دعوة هؤلاء الحق الى الحق أعمل المعاول في هدم صرحه لأن الفجوة بين القول والعمل تجعل الناس يستخفون بالدعوة من اساسها إذ لا تقف سخريتهم عند الداعية بل تتجاوزه إلى ما يدعو إليه فيصبح أثر دعوته عكسيا، فلربما ظن الناس أنه لم يرد بدعوته إلا شغلهم بما يأمرهم به والاستئثار بما ينهاهم عنه، كما لو نهى عن أكل الربا وكان آكله، أو حذرهم من الرشوة وعُرف عنه الارتشاء، أو حض على ملازمة الجماعة وهو لا يأتي المساجد. أما الدعوة النافعة التي تحول الناس من الضلال الى الهدى ومن الفساد إلى الصلاح، فهي الدعوة التي يصدقها فعل الداعية، ويترجمها واقعه، ويزكيها إخلاصه، واذا لم يتفاعل الداعية مع دعوته فكيف يتفاعل معها غيره؟ وهل أمكن لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أن يخرجوا الأمم الضالة الحائرة في أرجاء الأرض مما كانت فيه وعليه من الغي والإِنحراف والفساد والظلمات، الى الرشد والاستقامة والصلاح والنور - في ذلك العصر الذي لم تكن توجد فيه وسائل إعلام ولا دور نشر - إلا بتجسيد ما كانوا يدعون إليه من الحق، ويبينونه من الهدى في واقع أنفسهم بحيث كانوا صورة حية ومثالا واقعيا للإِيمان العميق والإِسلام الخالص، وبهذا أخذ الناس يتسابقون إلى تلبية هذا النداء، واتباع هذه الحق. لقد خبر أولئك الصحابة رضوان الله عليهم ومن كان على هديهم الدعوة فعرفوا أنها دين وعقيدة وتضحية وفداء وبذل وعطاء، ليست حرفة ولا صناعة، فبذلوا كل ما في وسعهم من جهد مال ووقت في سبيلها، وكانوا أحرص ما يكونون على دعوة أنفسهم أولا، فلم يكونوا يتساهلون فيها أو يتهاونون في محاسبتها. وقد أدركوا قيمة الدعوة من خلال معرفتهم بقيمة ما يدعون إليه، والهدف المنشود منها، فرأوا الحياة بجانبها رخيصة، فلم يكن أحدهم يتردد في التضحية بحياته من أجلها، وقد سجل لنا التاريخ من مآثرها التابعين وتابعيهم - بله الصحابة - ما تتطأطأ أمامه الرؤوس وتخضع الرقاب، وتمتلئ به النفوس إعجابا كقصة سلمة بن سعد رضي الله عنه الذي خرج من موطنه بجنوبي الجزيرة العربية ليلتحق بمدرسة جابر وأبي عبيدة بالبصرة، وعندما عرض عليه أبو عبيدة - رحمه الله - الاتجاه نحو بلاد المغرب لنشر دعوة الحق لم يتردد في الاستجابة لذلك بل قال قولته المشهورة: "وددت لو ظهر هذا الأمر يوما واحدا بالمغرب ثم لا أبالي أن تضرب عنقي"، ولم تكن هذه القولة مجرد كلمات يثرثر بها اللسان ولكنها كانت عقيدة راسخة متمكنة في نفسه وشعورا عميقا ينبض به قلبه، وقد صدقها عمله إذ خرج بين رصد عملاء بني أمية وتحت ضغط إرهابهم الرهيب، وما كاد يطأ تراب المغرب الأدنى حتى أخذ يغشى مجتمعات أقوام لا يعرف لغتهم، ولا يتصور عاداتهم يبث بينهم دعوة الحق ويشرح لهم حقيقة الإِسلام، وأخذ يواصل سيره مضطلعا بهذه المهمة إلى أن وصل إلى المغرب الأقصى. إن هذا المنهج هو منهج رجال الدعوة وحملة الرسالة الذين لا يجعلون من دعوتهم فخا يصطادون به المال، ولا سلما يرقون عليه إلى المناصب. أما الدعاة الذين لا يهمهم من الدعوة إلى ما يكسبونه من المال وينالونه من الجاه، فهم أحرى بالمثل الذي قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه عنه الخطيب والطبراني من طريق جندب ابن عبدالله رضي الله عنه "حديث : مثل العالم الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه"تفسير : وضرب قطب الأئمة - رحمه الله - في هيميان الزاد لهؤلاء أمثالا عدة منها أنهم كمن يشفق على غيره أن يسقط في هوة أو يقع في نار ويغفل عن نفسه وهو مشرف على ذلك. ومثلهم صاحب المنار برجل أمامه طريق مضيء نصبت فيه الأعلام والصوى بحيث لا يضل سالكه ثم هو يسلك طريقا آخر مظلما طامس الأعلام، وكلما لقى في طريقه شخصا نصح له أن لا يمشي معه وأن يرجع إلى طريق الهدى الذي تركه، وساغب يدعو الناس إلى المائدة الشهية ويبيت على الجوع والطوى، أو صاد يدل العطاش على مورد الماء ولا يرد معهم. وإذا كان الباعث على دعوة الغير إلى الخير النصح له والإِشفاق عليه فإن نفس الإِنسان أولى بالنصح والإِشفاق، فمن لم يبر نفسه لن يَبِّر غيره، وكما جاء النعي على هذه الحالة في خطاب بني إسرائيل جاء في خطاب المؤمنين، فقد قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2-3]، وفي قوله شعيب لقومه: {أية : وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ ٱلإِصْلاَحَ مَا ٱسْتَطَعْتُ}تفسير : [هود: 88] دليل على أن النصح القولي وإن بلغ غايته إذا لم يصدقه العمل ليس من الإِصلاح في شيء. هذا وقد جاء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوعيد البالغ على هذه الحالة الممقوتة ما فيه عظة لأولي الألباب من ذلك ما أخرجه أحمد والشيخان من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يُجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه فيطيف به أهل النار، فيقولون يا فلان مالك؟ ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه"تفسير : وأخرج أحمد، وابن أبي شيبه، وابن المنذر، وعبد بن حميد والبزار، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي، وابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : مررت لية أُسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار - قال - قلت من هؤلاء؟ قالوا خطباء أمتك من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون"تفسير : وروي أنه يطَّلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون لهم بم دخلتم النار وإنما دخلنا بتعليمكم؟ فيجيبونهم: إنا كنا نأمركم ولا نفعل. وأخرج ابن مردويه وابن عساكر والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا جاءه فقال: يا ابن عباس إن أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فقال: أو بلغت ذلك؟ قال: أرجو. قال: فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة أحرف في كتاب الله فافعل. قال: وما هن؟ قال: قوله عز وجل: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فالحرف الثاني قوله تعالى: {لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} أحكمت هذه الآية؟ قال: لا، قال: فالحرف الثالث قول العبد الصالح شعيب: "وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه" أحكمت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك. وهو يعني أن يجاهد العبد نفسه أولا فيقّوم اعوجاجها ويصفي كدرها، ثم ينثني إلى غيره، وإلا كان كما قال الشاعر: شعر : وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى وريح الخطايا من ثيابك تسطع تفسير : وما أروع قول أبي الأسود الدؤلي: شعر : يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا كيما يصح به وأنت سقيم وأراك تلقح بالرشاد عقولنا أبدا وأنت من الرشاد عقيم ابدأ بنفسك وانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهنالك يسمع ما تقول ويُهتدى بالقول منك وينفع التعليم لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم تفسير : وروى عن أحد الزهاد أنه قعد مقعد التذكير فأحجم عن الكلام، فقال له أحد المنصتين إليه ترى أن تقول في سكوتك شيئا؟ فأنشد: شعر : وغير تقى يأمر بالتقى طبيب يداوي والطبيب مريض تفسير : فما كاد من حوله يسمعون هذا البيت حتى ارتفعت أصواتهم بالبكاء لتأثير موعظته على نفوسهم. وهذا التوبيخ لا يعني أن الفاجر غير مكلف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنهما فرضان لا يسقطهما الفجور، وقد وهم من زعم أن الفاجر ليس له أن يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، فإن فجوره لا يسقط عنه واجبا، ولا يمنعه من احسان، وقد أجاد سعيد بن جبير في قوله: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهي عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن المنكر. ومحل الاستنكار والتوبيخ في الآية هو نسيان أنفسهم مما يأمرون به غيرهم، وليس أمرهم الناس بالبر وإنما مثلها قول القائل: أتعرف الله وتعصيه؟ أو أتصوم ولا تصلي؟ فإن الإِنكار واقع على المعصية، وترك الصلاة دون معرفة الله والصوم. وقد أجاد ابن عاشور في قوله: "ليس المقصود نهي ولا تحريم، ويدل لذلك أنه قال في تذييلها {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ولم يقل أفلا تتقون أو نحوه". وإنما كانت هذه الحالة فظيعة - وان كان إهمال الإِنسان نفسه من عمل البر مذموما ولو لم يأمر به غيره - لأن أمر غيره به دليل انتباهه له ومعرفته بجدواه، ويلام العالم ما لا يلام الجاهل ويعنف الذاكر ما لا يعنف الغافل، وبهذا يتضح لك أن الواو في "وتنسون أنفسكم" للحال، كما يتضح لك بُعد تجويز ابن عاشور أن تكون عاطفة وأن يكون معطوفها - وهو "تنسون أنفسكم" - هو المقصود من التوبيخ والتعجيب، والمعطوف عليه - وهو {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ} - تمهيدا لها على معنى أن محل الفظاعة الموجبة للنهي هي مجموع الأمرين. وإذا كان محط الإِنكار والتعجيب قوله: {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} فإن في قوله: {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ} إضافة توبيخ الى توبيخ لأن الجدير بمن تلا كتاب الله فميز بنوره بين الحق والباطل، والرشد والضلال، أن يكون أسرع إلى الإِستفادة بما فيه من خير، والاستنارة بما يحويه من الهدى، وذلك باتباع أوامره، والكف عن زواجره، والوقوف عند الحدود التي رسمها. والتلاوة القراءة مأخوذة من تلا يتلو تلوا بمعنى تبع، وذلك أن التالي للكتاب يتبع آخره إثر أوله حتى يأتي على حروفه وكلماته فيستجمع ما فيه من المعاني، والمراد بالكتاب هنا التوراة التي حُملوها فلم يحملوها، أي لم يأتمروا بأمرها، فكان مثلهم كمثل الحمار يحمل أسفارا، ومن عدم إتمارهم بما فيها إعراضهم عن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم مع ما يتلونه في الكتاب من نعوته وأخباره. وفي هذا التوبيخ تنبيه إلى أن التلاوة اللسانية إن لم يصحبها التأثير النفسي الذي يصدر عنه العمل بموجب ما يتلى ليست من ورائها جدوى إذ كل ما أنزله الله من كتاب إنما أنزله ليكون هدى للناس يقتادهم إلى صراط الله العزيز الحميد، فقرّاء القرآن من هذه الأمة الذين يقتصرون في تلاوتهم على تحسين الأنغام وتجويد الحروف - مع نسيانهم أوامره ونواهيه، ومواعظه وإرشاداته - مندرجون فيمن يصدق عليهم هذا التقريع والإِنكار. وقوله: {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تقريع آخر لأن من شأن العقل تبصرة صاحبه بما ينفع وما يضر، وما يحمد وما يذم، والعاقل يشفق على نفسه من كل ما يرديها فلا ينساها مما يأمر به غيرها من الصلاح والرشاد. وأصل العقل الحبس، ومنه عقال البعير لأنه يعقله - أي يحبسه - عن الإِنطلاق، وسمي به هذا النور الروحاني الذي أودعه الله في الإِنسان فرفع به قدره، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلا لأنه يعقل صاحبه عما فيه مضرته الحسية والمعنوية، ولولاه لكان الإِنسان - لطغيان شهواته وتأجج غرائزه - أسوأ من السباع الفتاكة، وإنما جعله الله قيدا لما في الإِنسان من طبائع مردية وقوى ذات خطر على صاحبها وعلى جنسه، فإذا ما استخدم العقل تحولت هذه الطبائع والقوى من الضر إلى النفع، ومن التدمير إلى التعمير، والنفس الإِنسانية ذات مطامح شتى، فهي تطمح بطبعها الى وفرة المال، وقوة السطان والعلو على الغير، فلولا كفكفة العقل لها لسعت في الأرض فسادا، وأهلكت الحرث والنسل لأجل إشباع رغبتها وتوفير مطالبها، فإن العاقل عندما يحس بما يترتب على إيثار هوى النفس من مخاطر شخصية واجتماعية، وعواقب سيئة دنيوية وأخروية يركن إلى السلامة، ويميل إلى الموادعة. وقد كان لهؤلاء المخاطبين من العقل ما يمكنهم به زجر أنفسهم عن الهوى، وردعها عن الفساد، غير أن عقولهم لم تقترن بتوفيق الله فآثروا ما يظنونه مصلحة ويتوهمونه منفعة على أوامر الله تعالى مع قيام حجة الحق عليهم بما أودعوه من عقل وأوتوه من كتاب، ولو لم تكن لهم عقول لما كان لتكليفهم معنى، ولا للإِنكار عليهم موضع فإن خطاب الله مرفوع عن غير العقلاء. أما ما حكاه الله عن أهل النار من قولهم: {أية : لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِيۤ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الملك: 10] فهو محمول على العقل الهادي إلى الحق، ويدل عليه اقترانه بالسمع في النفي مع أنهم كانوا ذوي سمع في الدنيا.
الالوسي
تفسير : / {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ} والهمزة فيه للتقرير مع توبيخ وتعجيب. و ـ البر ـ سعة المعروف والخير ومنه البَّر، والبرية للسعة، ويتناول كل خير، والنسيان ـ كما في "البحر" ـ السهو الحادث بعد العلم. والمراد به هنا الترك لأن أحداً لا ينسى نفسه بل يحرمها ويتركها كما يترك الشيء المنسي مبالغة في عدم المبالاة والغفلة فيما ينبغي أن يفعله، وقد نزلت هذه الآية ـ على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ـ في أحبار المدينة كانوا يأمرون سراً من نصحوه باتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولا يتبعونه وقيل: إنهم كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون. فالمراد بالبر هنا إما الإيمان أو الإحسان، وتركه بعضهم على ظاهره متناولاً كل خير على ما قال السدي: إنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله تعالى وينهونهم عن معصيته وهم كانوا يتركون الطاعة ويقدمون على المعصية، والتوبيخ ليس على أمر الناس بالبر نفسه بل لمقارنته بالنسيان المذكور. {وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ} أي التوراة، والجملة حال من فاعل {أَتَأْمُرُونَ}، والمراد التبكيت وزيادة التقبيح {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أصل هذا الكلام ونحوه عند الجمهور كان بتقديم حرف العطف على الهمزة لكن لما كان للهمزة صدر الكلام قدمت على حرف العطف، وبعضهم ذهب إلى أنه لا تقديم ولا تأخير ويقدر بين الهمزة وحرف العطف ما يصح العطف عليه، و ـ العقل ـ في الأصل المنع والإمساك، ومنه ـ عقال البعير ـ سمي به النور الروحاني الذي به تدرك النفوس العلوم الضرورية والنظرية لأنه يحبس عن تعاطي ما يقبح ويعقل على ما يحسن، والفعل يحتمل أن يكون مطلقاً أجري مجرى اللازم، ويحتمل أن يكون متعدياً مقدراً لمفعول، والمعنى ـ أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون سوء خاتمته ووخامة عاقبته ـ أو أفلا تعقلون قبح صنيعكم شرعاً لمخالفة ما تتلونه في التوراة، وعقلاً لكونه جمعاً بين المتنافيين، فإن المقصود من الأمر بالبر الإحسان والامتثال، والزجر عن المعصية، ونسيانهم أنفسهم ينافي كل هذه الأغراض، ولا نزاع في كون قبح الجمع بين ذلك عقلاً بمعنى كونه باطلاً فعلى هذا لا حجة للمعتزلة في الآية على القبح العقلي الذي يزعمونه بل قد ادعى بعض المحققين أنها دليل على خلاف ما ذهبوا إليه لأنه سبحانه رتب التوبيخ على ما صدر منهم بعد تلاوة الكتاب وكذا لا حجة فيها لمن زعم أنه ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لأن التوبيخ على جمع الأمرين بالنظر للثاني فقط لا منع الفاسق عن الوعظ فإن النهي عن المنكر لازم ولو لمرتكبه فإن ترك النهي ذنب وارتكابه ذنب آخر، وإخلاله بأحدهما لا يلزم منه الإخلال بالآخر. ثم إن هذا التوبيخ والتقريع ـ وإن كان خطاباً لبني إسرائيل ـ إلا أنه عام ـ من حيث المعنى ـ لكل واعظ يأمر ولا يأتمر، ويزجر ولا ينزجر، ينادي الناس البدار البدار، ويرضى لنفسه التخلف والبوار، ويدعو الخلق إلى الحق، وينفر عنه، ويطالب العوام بالحقائق؛ ولا يشم ريحها منه. وهذا هو الذي يبدأ بعذابه قبل عبدة الأوثان، ويعظم ما يلقى لوفور تقصيره يوم لا حاكم إلا الملك الديان. وعن محمد بن واسع قال: بلغني أن أناساً من أهل الجنة اطلعوا على ناس من أهل النار فقالوا لهم: قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة، قالوا: كنا نأمركم بها، ونخالف إلى غيرها. هذا ومن الناس من جعل هذا الخطاب للمؤمنين، وحمل الكتاب على القرآن، فيكون ذلك من تلوين الخطاب ـ كما في ـ {أية : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـٰذَا وَٱسْتَغْفِرِى } تفسير : [يوسف: 29] والظاهر يبعده.
ابن عاشور
تفسير : اعتراض بين قوله: {أية : وأقيموا الصلاة}تفسير : [البقرة: 43] وقوله: {أية : واستعينوا بالصبر والصلاة}تفسير : [البقرة: 45] ووجه المناسبة في وقوعه هنا أنه لما أمرهم بفعل شعائر الإسلام من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وذيل ذلك بقوله: {أية : واركعوا مع الراكعين}تفسير : [البقرة: 43] ليشير إلى أن صلاتهم التي يفعلونها أصبحت لا تغني عنهم، ناسب أن يزاد لذلك أن ما يأمر به دينهم من البر ليسوا قائمين به على ما ينبغي، فجيء بهذا الاعتراض، وللتنبيه على كونه اعتراضاً لم يقرن بالواو لئلا يتوهم أن المقصود الأصلي التحريض على الأمر بالبر وعلى ملازمته، والغرض من هذا هو النداء على كمال خسارهم ومبلغ سوء حالهم الذي صاروا إليه حتى صاروا يقومون بالوعظ والتعليم كما يقوم الصانع بصناعته والتاجر بتجارته لا يقصدون إلا إيفاء وظائفهم الدينية حقها ليستحقوا بذلك ما يعوضون عليه من مراتب ورواتب فهم لا ينظرون إلى حال أنفسهم تجاه تلك الأوامر التي يأمرون بها الناس. والمخاطب بقوله: {أتأمرون} جميع بني إسرائيل الذين خوطبوا من قبل، فيقتضي أن هذه الحالة ثابتة لجميعهم أي أن كل واحد منهم تجده يصرح بأوامر دينهم ويشيعها بين الناس ولا يمتثلها هو في نفسه، ويجوز أن يكون المقصود بهذا الخطاب فريقاً منهم فإن الخطاب الموجه للجماعات والقبائل يأخذ كل فريق ما هو حظه من ذلك الخطاب، فيكون المقصود أحبارهم وعلماءهم وهم أخص بالأمر بالبر، فعلى الوجه الأول يكون المراد بالناس إما المشركين من العرب فإن اليهود كانوا يذكرون لهم ما جاء به دينهم والعرب كانوا يحفلون بسماع أقوالهم كما قال تعالى: {أية : وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا}تفسير : [البقرة: 89] وإما أن يكون المراد من (الناس) مَن عدا الآمر كما تقول أفعل كما يفعل الناس وكقوله: {أية : إن الناس قد جمعوا لكم}تفسير : [آل عمران: 173] أي أيأمر الواحد غيره وينسى نفسه، وعلى الوجه الثاني يكون المراد بالناس العامة من أمة اليهود أي كيف تأمرون أتباعكم وعامتكم بالبر وتنسون أنفسكم؟ ففيه تنديد بحال أحبارهم أو تعريض بأنهم يعلمون أن ما جاء به رسول الإسلام هو الحق فهم يأمرون أتباعهم بالمواعظ ولا يطلبون نجاة أنفسهم. والاستفهام هنا للتوبيخ لعدم استقامة الحمل على الاستفهام الحقيقي فاستعمل في التوبيخ مجازاً بقرينة المقام وهو مجاز مرسل لأن التوبيخ يلازم الاستفهام لأن من يأتي ما يستحق التوبيخ عليه من شأنه أن يتساءل الناس عن ثبوت الفعل له ويتوجهون إليه بالسؤال فينتقل من السؤال إلى التوبيخ ويتولد منه معنى التعجيب من حال الموبخ وذلك لأن الحالة التي وبخوا عليها حالة عجيبة لما فيها من إرادة الخير للغير وإهمال النفس منه فحقيق بكل سامع أن يعجب منها، وليس التعجب بلازم لمعنى التوبيخ في كل موضع بل في نحو هذا مما كان فيه الموبخ عليه غريباً غير مألوف من العقلاء فإذا استعمل الاستفهام في لازم واحد فكونه مجازاً مرسلاً ظاهر وإذا استعمل في لازمين يتولد أحدهما من الآخر أو متقاربين فهو أيضاً مجاز مرسل واحد لأن تعدد اللوازم لا يوجب تعدد العلاقة ولا تكرر الاستعمال لأن المعاني المجازية مستفادة من العلاقة لا من الوضع فتعدد المجازات للفظ واحد أوسع من استعمال المشترك وأيّاً ما كان فهو مجاز مرسل على ما اختاره السيد في «حاشية المطول» في باب الإنشاء علاقته اللزوم وقد تردد في تعيين علاقته التفتزاني وقال: إنه مما لم يحم أحد حوله. والبر ـــ بكسر الباء ـــ الخير في الأعمال في أمور الدنيا وأمور الآخرة والمعاملة، وفعله في الغالب من باب علم إلا البر في اليمن فقد جاء من باب علم وباب ضرب، ومن الأقوال المأثورة البر ثلاثة: بر في عبادة الله وبر في مراعاة الأقارب وبر في معاملة الأجانب، وذلك تبع للوفاء بسعة الإحسان في حقوق هذه الجوانب الثلاثة. والنسيان ذهاب الأمر المعلوم من حافظة الإنسان لضعف الذهن أو الغفلة ويرادفه السهو وقيل السهو الغفلة اليسيرة بحيث يتنبه بأقل تنبيه، والنسيان زواله بالكلية وبعض أهل اللغة فسر النسيان بمطلق الترك وجعله صاحب «الأساس» مجازاً وهو التحقيق وهو كثير في القرآن. والنسيان هنا مستعار للترك عن عمد أو عن التهاون بما يذكر المرء في البر على نحو ما. قيل في قوله تعالى: {أية : الذين هم عن صلاتهم ساهون}تفسير : [الماعون: 5] أي وتتركون أنفسكم من ذلك أي من أمرها بالبر أو وتنسون أن تأمروا أنفسكم بالبر وفي هذا التقدير يبقى النسيان على حقيقته لأنهم لما طال عليهم الأمد في التهاون بالتخلق بأمور الدين والاجتراء على تأويل الوحي بما يمليه عليهم الهوى بغير هدى صاروا ينسون أنهم متلبسون بمثل ما ينهون عنه فإذا تصدوا إلى مواعظ قومهم أو الخطابة فيهم أو أمروهم بالمعروف ونهوهم عن المنكر كانوا ينهونهم عن مذام قد تلبسوا بأمثالها إلا أن التعود بها أنساهم إياها فأنساهم أمر أنفسهم بالبر لنسيان سببه وقد يرى الإنسان عيب غيره لأنه يشاهده ولا يرى عيب نفسه لأنه لا يشاهدها ولأن العادة تنسيه حاله. ودواء هذا النسيان هو محاسبة النفس فيكون البر راجعاً إلى جميع ما تضمنته الأوامر السابقة من التفاصيل فهم قد أمروا غيرهم بتفاصيلها ونسوا أنفسهم عند سماعها وذلك يشمل التصديق بدين الإسلام لأنه من جملة ما تضمنته التوراة التي كانوا يأمرون الناس بما فيها. وجملة: {وتنسون أنفسكم} يجوز أن تكون حالاً من ضمير {تأمرون} ويكون محل التوبيخ والتعجب هو أمر الناس بالبر بقيد كونه في حال نسيان، ويجوز أن تكون الجملة معطوفة على {تأمرون} وتكون هي المقصودة من التوبيخ والتعجيب ويجعل قوله: {أتأمرون الناس} تمهيداً لها على معنى أن محل الفظاعة الموجبة للنهي هي مجموع الأمرين. وبهذا تعلم أنه لا يتوهم قصد النهي عن مضمون كلا الجملتين إذ القصد هو التوبيخ على اتصاف بحالة فظيعة ليست من شيم الناصحين لا قصد تحريم فلا تقع في حيرة من تحير في وجه النهي عن ذلك ولا في وهم من وهم فقال: إن الآية دالة على أن العاصي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر كما نقل عنهم الفخر في «التفسير» فإنه ليس المقصود نهي ولا تحريم وإنما المقصود تفظيع الحالة ويدل لذلك أنه قال في تذييلها {أفلا تعقلون} ولم يقل أفلا تتقون أو نحوه. والأنفس جمع نفس ـــ بسكون الفاء ـــ وهي مجموع ذات الإنسان من الهيكل والروح كما هنا وباعتبار هذا التركيب الذي في الذات اتسع إطلاق النفس في كلام العرب تارة على جميع الذات كما في التوكيد نحو جاء فلان نفسه وقوله: {أية : النفس بالنفس}تفسير : [المائدة: 45] وقوله: {أية : تقتلون أنفسكم}تفسير : [البقرة: 85] وتارة على البعض كقول القائل أنكرت نفسي وقوله: {وتنسون أنفسكم} وعلى الإحساس الباطني كقوله: {أية : تعلم ما في نفسي}تفسير : [المائدة: 116] أي ضميري. وتطلق على الروح الذي به الإدراك {أية : إن النفس لأمارة بالسوء}تفسير : [يوسف: 53] وسيأتي لهذا زيادة إيضاح عند قوله تعالى: {أية : يوم تأتي كل نفس} تفسير : في سورة النحل (111). وقوله: {وأنتم تتلون الكتاب} جملة حالية قيد بها التوبيخ والتعجيب لأن نسيان أنفسهم يكون أغرب وأفظع إذا كان معهم أمران يقلعانه، وهما أمر الناس بالبر، فإن شأن الأمر بالبر أن يذكر الآمر حاجة نفسه إليه إذا قدر أنه في غفلة عن نفسه، وتلاوة الكتاب أي التوراة يمرون فيها على الأوامر والنواهي من شأنه أن تذكرهم مخالفة حالهم لما يتلونه. وقوله: {أفلا تعقلون} استفهام عن انتفاء تعقلهم استفهاماً مستعملاً في الإنكار والتوبيخ نزلوا منزلة من انتفى تعقله فأُنكر عليهم ذلك، ووجه المشابهة بين حالهم وحال من لا يعقلون أن من يستمر به التغفل عن نفسه وإهمال التفكر في صلاحها مع مصاحبة شيئين يذكرانه، قارب أن يكون منفياً عنه التعقل. وفعل {تعقلون} منزل منزلة اللازم أو هو لازم. وفي هذا نداء على كمال غفلتهم واضطراب حالهم. وكون هذا أمراً قبيحاً فظيعاً من أحوال البشر مما لا يشك فيه عاقل.
الواحدي
تفسير : {أتأمرون الناس بالبرِّ} كانت اليهود تقول لأقربائهم من المسلمين: اثبتوا على ما أنتم عليه، ولا يؤمنون به، فأنزل الله تعالى توبيخاً لهم: {أتأمرون الناس بالبر} بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم {وتنسون} وتتركون {أنفسكم} فلا تأمرونها بذلك {وأنتم تتلون الكتاب} تقرؤون التَّوراة وفيها صفة محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ونعته {أفلا تعقلون} أنَّه حقٌّ فتتَّبعونه؟! ثمَّ أمرهم الله تعالى بالصَّوم والصَّلاة؛ لأنَّهم إنَّما كان يمنعهم عن الإسلام الشَّره، وخوف ذَهاب مأكلتهم، وحب الرِّياسة، فأُمروا بالصَّوم الذي يُذهب الشَّرَه، وبالصًَّلاة التي تُورث الخشوع، وتَنفي الكبر، وأُريدَ بالصَّلاةِ الصَّلاةُ التي معها الإيمان بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم فقال: {واستعينوا بالصبر} يعني بالصَّوم، {والصلاة} لأنَّها تنهى عن الفحشاء والمنكر {وإنها لكبيرةٌ} لثقيلةٌ [يعني: وإنَّ الإستعانةَ بالصبر والصلاة لثقيلةٌ] {إلاَّ على الخاشعين} السَّاكنين إلى الطَّاعة. وقال بعضهم: رجع بهذا القول إلى خطاب المسلمين، فأمرهم أَنْ يستعينوا على ما يطلبونه من رضاءِ الله تعالى ونيل جنَّتِهِ بالصَّبر على أداء فرائضه [وهو الصَّوم] والصَّلاة. {الذين يظنون} يستيقنون {أنهم ملاقو ربِّهم} أنَّهم مبعوثون وأنَّهم محاسبون وأنَّهم راجعون إلى الله تعالى، أَيْ: يُصدِّقون بالبعث والحساب. {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} مضى تفسيره، {وأني فضلتكم} أعطيتكم الزِّيادة {على العالمين} : على عالمي زمانكم، وهو ما ذكره في قوله تعالى: {أية : إذ جعل فيكم أنبياء... } تفسير : الآية، والمراد بهذا التَّفضيل سلفهم، ولكن تفضيل الآباء شرف الأبناء.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 44- أتطلبون من الناس أن يتوسعوا فى الخير، وأن يلتزموا الطاعة ويتجنبوا المعصية، ثم لا تعملون بما تقولون، ولا تلتزمون بما تطلبون؟، وفى ذلك تضييع لأنفسكم كأنكم تنسونها، مع أنكم تقرءون التوراة وفيها التهديد والوعيد على مخالفة القول للعمل، أليس لديكم عقل يردعكم عن هذا التصرف الذميم؟ 45- واستعينوا على أداء التكليفات بالصبر وحبس النفس على ما تكره، ومن ذلك الصوم، وبالصلاة العظيمة الشأن التى تنقى القلب وتنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذلك كانت ثقيلة شاقة إلا على الخاضعين المحبين للطاعة، الذين اطمأنت قلوبهم لذكر الله. 46- أولئك هم الخاضعون المطمئنة قلوبهم، الذين يؤمنون باليوم الآخر ويوقنون بأنهم سيلاقون ربهم عند البعث، وإليه - وحده - يعودون ليحاسبهم على ما قدمت أيديهم ويثيبهم عليه. 47- يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت بها عليكم، من إخراجكم من ظلم فرعون وهدايتكم وتمكينكم فى الأرض بعد أن كنتم مستضعفين فيها، واشكروا واهبها بطاعتكم له، واذكروا أننى أعطيت آباءكم الذين انحدرتم منهم ما لم أعطه أحداً من معاصريكم، والخطاب لجنس اليهود وموجه كذلك للمعاصرين للرسول صلى الله عليه وسلم. 48- وخافوا يوم الحساب الشديد: يوم القيامة الذى لا تدفع فيه نفس عن نفس شيئاً، ولا تغنى فيه نفس عن نفس أخرى شيئاً، ولا يقبل من أى نفس تقديم أى شفيع، كما لا يقبل أى فداء تفدى به الذنوب، ولا يستطيع أحد أن يدفع العذاب عن مستحقيه. 49- واذكروا من نعمنا عليكم أن نجَّيناكم من ظلم فرعون وأعوانه الذين كانوا يذيقونكم أشد العذاب، فهم يذبحون الذكور من أولادكم لتَوَهّم أن يكون منهم من يذهب بملك فرعون ويستبقون الإناث ليستخدموهن، وفى هذا العذاب والتعرض للفناء ابتلاءٌ شديد من ربكم واختبار عظيم لكم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: البر: البر لفظ جامع لكل خير. والمراد هنا: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والدخول في الاسلام. النسيان: مقابل الذكر، وهو هنا الترك. تلاوة الكتاب: قراءته، والكتاب هنا التوراه التي بأيدي اليهود. العقل: قوة باطنية يميز بها المرء بين النافع والضار، والصالح والفاسد. الاستعانة: طلب العون للقدرة على القول والعمل. الصبر: حبس النفس على ما تكره. الخشوع: حضور القلب وسكون الجوارح، والمراد هنا الخضوع لله والطاعة لأمره ونهيه. يظنون: يوقنون. ملاقوا ربهم: بالموت، راجعون إليه يوم القيامة. معنى الآيتين: ينعى الحق تبارك وتعالى في الآية الأولى [44] على علماء بني إسرائيل أمرهم بعض العرب بالإِيمان بالإسلام ونبيه، ويتركون أنفسهم فلا يأمرونها بذلك والحال أنهم يقرأون التوراة، وفيها بعث النبي محمد والأمر بالإِيمان به واتباعه ويقرعهم موبخاً لهم بقوله: أفلا تعقلون، إذ العاقل يسبق إلى الخير ثم يدعو إليه. وفي الآيتين الثانية والثالثة [45-46] يرشد الله تعالى بني إسرائيل إلى الاستعانة بالصبر والصلاة حتى يقدروا على مواجهة الحقيقة والتصريح بها وهي الإيمان بمحمد والدخول في دينه، ثم يعلمهم أن هذه المواجهة صعبه شاقة على النفس لا يقدر عليها إلا المخبتون لربهم الموقنون بلقاء الله، والرجوع إليه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- قبح سلوك من يأمر غيره بالخير ولا يفعله. 2- السيئة قبيحة وكونها من عالم أشد قبحا. 3- مشروعية الاستعانة على صعاب الأمور وشاقها بالصبر والصلاة، إذْ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. 4- فضلية الخشوع لله والتطامن له، وذكر الموت، والرجوع إلى الله تعالى للحساب والجزاء.
القطان
تفسير : لا يزال الكلام موجَّهاً الى بني إسرائيل، وأحبارهم على الخصوص. لقد وبخهم الله على اعوجاج سيرتهم وفساد أعمالهم، فقد كانوا يتلون التوراة ولا يعملون بما فيها. كانوا يأخذون ما يوافقهم ويتركون ما يعارض شهواتهم وأهواءَهم. وقد جاء في عدة مواضع من التوراة نبأ البشارة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، فحرّفوا هذه البشارة وأوّلوها بما يوافق هواهم. حتى إن بعض احبارهم كان ينصح سراً بالإيمان بمحمد لمن يحب ولا يعمل بذلك. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} يعني: ألا يوجد فيكم عقل يردكم عن هذه السفة؟ ومع ان الخطاب لليهود، وهذا حالهم، فإنه عامٌ وعبرة لغيرهم. وبعد ان بيّنت الآيات سوء حالهم وأن عقلهم لم ينفعهم، أرشدتْهم الى الطريقة المثلى للانتفاع بالكتاب والعقل والعمل فقال تعالى: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ}.. والصبر حبْسُ النفس على ما تكره. وقد حث الله على الصبر كثيراً في عدة آيات، وجعل أحسن الجزاء لمن صبر على الشدائد، وعن الشهوات المحرمة التي تميل اليها النفوس، وعلى أنواع الطاعات التي تشق على النفس. كذلك أمر بالاستعانة بالصلاة لما فيها من تصفية النفس ومراقبتها في السر والنجوى. وناهيك بعبادة يناجي فيها العبدُ ربه خمس مرات في اليوم! وليست الصلاة مجرد عبادة فحسب، بل هي انبعاث خفي لروح العبادة في الانسان، وأقوى صورة للطاقة التي يمكن أن يولّدها الانسان. واذا ما أصبحت الصلاة الصادقة عادةً فإن حياتنا ستمتلىء بفيض عميق من الغنى الملموس. لذلك ورد الحث على الصلاة في كثير من الآيات. ان الصلاة قوة لا يقدّرها الا العارفون والملهمون. ولذلك قال تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} أي أن الصلاة ثقيلة شاقّة إلا على المؤمنين ايماناً حقيقياً، الخاشعين لله حقا. {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} أي الّذين يتوقّعون لقاءَ الله تعالى يوم الحساب والجزاء، فيجازيهم أحسن الجزاء على ما قدّموا من عمل صالح.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْكِتَابَ} (44) - يَنْعِى اللهُ تَعَالَى عَلَى اليَهُودِ - وَهُمْ أَهْلُ الكِتَابِ - أَنْ يَأْمُرُوا النَّاسَ بِالخَيْرِ وَالبِرِّ وَطَاعَةِ اللهِ، فِي حَالِ أَنَّهُمْ يَنْسَوْنَ وَعْظَ أَنْفُسِهِمْ، وَحَمْلَهَا عَلَى طَاعَةِ اللهِ، فَلاَ يَأْتَمِرُونَ بِمَا يَأْمُرُونَ بِهِ غَيْرَهُمْ مِنَ النَّاسِ، مَعَ أَنَّهُمْ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ المُنْزَلَ إِلَيْهِمْ، وَيَعْلَمُونَ مَا فِيهِ مِنْ عِقَابِ يَحِلُّ بِمَنْ يُقَصِّرُ فِي القِيَامِ بمَا أَمَرَ اللهُ. وَلكِنَّ الأَحْبَارَ وَالرُّهْبَانَ مِنْهُمْ لاَ يَذْكُرُونَ مِنَ الحَقِّ إِلاَّ مَا يُوَافِقُ أَهْوَاءَهُمْ، وَلا يَعْمَلُونَ بِمَا فِيهِ مِنَ الأَحْكَامِ إِذَا عَارَضَ شَهَوَاتِهِمْ. البِرِّ - التَّوَسُّعِ فِي الطَّاعَاتِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن لفت الله أنظار اليهود إلى أن عدم إيمانهم بالإسلام هو كفر بالتوراة .. لأن تعاليم التوراة تآمرهم أن يؤمنوا بالرسول الجديد، وقد أعطوا أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزمنه في التوراة، وأمروا أن يؤمنوا به. قال تبارك وتعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44] لقد كان اليهود يبشرون بمجيء رسول جديد، ويعلنون أنهم سيؤمنون به. فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن من قومهم كفروا به؛ لأنهم كانوا يريدون أن تكون السطوة لهم بأن يأتي الرسول الجديد منهم. فلما جاء من العرب .. عرفوا أن سطوتهم ستزول، وأن سيادتهم الاقتصادية ستنتهي، فكفروا بالرسول وبرسالته. ولابد أن ننبه إلى أنه إذا كانت هذه الآيات قد نزلت في اليهود، فليس معناها أنها تنطبق عليهم وحدهم، بل هي تنطبق على أهل الكتاب جميعاً، وغير المؤمنين. فالعبرة ليست بخصوص الموضوع، ولكن العبرة بعموم السبب. إن الكلام منطبق هنا حتى على المسلمين الذين يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً وهؤلاء هم خطباء الفتنة الذين رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تقرض شفاهم بمقارض من نار. فسأل: مَنْ هؤلاء يا جبريل: فقال خطباء الفتنة. إنهم الذين يزينون لكل ظالم ظلمه. ويجعلون دين الله في خدمة أهواء البشر. وكان الأصل أن تخضع أهواء البشر لدين الله، وهؤلاء هم الذين يحاولون - تحت شعار التجديد - أن يجعلوا للناس حجة في أن يتحللوا من منهج الله. فهم يبررون ما يقع. ولا يتدبرون حساب الآخرة. إن علماء الدين الذين يحملون منهج الله ليس من عملهم تبرير ما يقع من غيرهم، ومنهج الله لا يمكن أن يخضع أبداً لأهواء البشر، وعلى الذين يفعلون ذلك أن يتوبوا ويرجعوا إلى الله، ويحاولوا استدراك ما وقع منهم لأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل. وقوله الحق سبحانه وتعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44] يعطينا منهجاً آخر من مناهج الدعاة. لأن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحمل منهج الله .. يريد أن يخرج من لا يؤمن من حركة الباطل التي ألفها. وإخراج غير المؤمن من حركة الباطل أمر شاق على نفسه؛ لأنه خروج عن الذي اعتاده، وبُعد عما ألفه، واعتراف أنه كان على باطل لذلك فهو يكون مفتوح العينين على مَنْ بَيَّنَ له طريق الإيمان ليرى هل يطبق ذلك على نفسه أم لا؟ أيطبق الناهي عن المُنكر ما يقوله؟ فإذا طبقه عرف أنه صادق في الدعوة، وإذا لم يطبقه كان ذلك عذراً ليعود إلى الباطل الذي كان يسيطر على حركة حياته. إن الدين كلمة تقال، وسلوك يفعل. فإذا انفصلت الكلمة عن السلوك ضاعت الدعوة. فالله سبحانه وتعالى يقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ} تفسير : [الصف: 2-3]. لماذا..؟ لأن مَنْ يراك تفعل ما تنهاه عنه يعرف أنك مخادع وغشاش. وما لم ترتضه أنت كسلوك لنفسك. لا يمكن أن تبشر به غيرك. لذلك نقرأ في القرآن الكريم: {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلآخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً} تفسير : [الأحزاب: 21]. فمنهج الدين وحده لا يكفي إلا بالتطبيق. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأمر أصحابه بأمر إلا كان أسبقهم إليه، فكان المسلمون يأخذون عنه القدوة قولاً وعملاً، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين يريد أن يقنن أمراً في الإسلام يأتي بأهله وأقاربه ويقول لهم: لقد بدا لي أن آمر بكذا وكذا، والذي نفسي بيده مَنْ خالف منكم لأجعلنه نكالاً للمسلمين. وكان عمر بن الخطاب بهذا يقفل أبواب الفتنة، لأنه يعلم من أين تأتي. وفي الدعوة الإسلامية .. لابد أن يكون العلماء قدوة لينصلح أمر الناس. ففي كل علوم الدنيا القدوة ليست مطلوبة إلا في الدين. فأنت إذا ذُكِرَ لك عالم كيمياء بارع، وقيل لك إنه يتناول الخمر، أو يفعل كذا. تقول مالي وسلوكه. أنا آخذ عنه علم الكيمياء لأنه بارع في ذلك، ولكن لا شأن لي بسلوكه. وكذلك كل علماء الأرض ما عدا عالم الدين. فإذا كان هناك عالم يبصرك بالطريق المستقيم، وتتلقى عنه علوم دينك ثم بعد ذلك تعرف أنه يشرب الخمر أو يسرق. أتستمع له؟ أبداً. إنه يهبط من نظرك في الحال، ولا تحب أن تسمعه، ولا تجلس في مجلسه. مهما كان علمه. ستقول له كفاك: دجلاً. وهكذا فإن عالم الدين لابد أن يكون قدوة. فلا ينهى عن منكر ويفعله، أو يأمر بمعروف وهو لا ينفذه. فالناس كلهم مفتحة أعينهم لما يصنع، والإسلام قبل أن ينتشر بالمنهج العلمي انتشر بالمنهج السلوكي، وأكبر عدد من المسلمين اعتنق هذا الدين من أسوة سلوكية قادته إليه. فالذين نشروا الإسلام في الصين كان أغلبهم من التجار الذين تخلقوا بأخلاق الإسلام، فجذبوا حولهم الكثيرين فاعتنقوا الإسلام. ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [فصلت: 33]. فالشرط الأول هو الدعوة إلى الله، والشرط الثاني العمل الصالح. وقوله {أية : إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} تفسير : [فصلت: 33] لم ينسب الفضل لنفسه أو لذاته. ولكنه نسب الفضل إلى الإسلام. ولكن قولوا لي: أي فائدة أن نقول إننا مسلمون ونعمل بعمل غير المسلمين؟ إذن فقوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} [البقرة: 44] يذكر الله بأن اليهود يقولون ما لا يفعلون. ولو كانوا يؤمنون حقاً بالتوراة لآمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالإسلام. لأن ذلك أمر في التوراة، ولكنهم نسوا أنفسهم. فهم أول مخالف للتوراة لأنهم لم يتبعوها .. وهم يتلون كتابهم الذي يأمرهم بالإيمان الجديد. ومع أنهم متأكدون من صدق رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلا أنهم لا يؤمنون. ولو كان عندهم ذرة من العقل لآمنوا بما يطلبه منهم كتابهم الذي يتلونه. ولكنهم لا يفكرون بعقولهم، وإنما يريدون علوا في الأرض. والآية - كما قلنا - لا تنطبق على اليهود وحدهم بل على كل مَنْ يسلك هذا السلوك.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {بِٱلْبِرِّ} البِرُّ: سعة الخير والمعروف ومنه البرُّ والبِّرية للسعة، وهو اسم جامع لأعمال الخير، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما وفي الحديث (حديث : البِرُّ لا يبلى والذنب لا ينسى) تفسير : {وَتَنْسَوْنَ}: تتركون والنسيان يأتي بمعنى الترك كقوله {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة: 67] وهو المراد هنا ويأتي بمعنى ذهاب الشيء من الذاكرة كقوله {أية : فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} تفسير : [طه: 115] {تَتْلُونَ}: تقرءون وتدرسون {ٱلْخَاشِعِينَ} الخاشع: المتواضع وأصله من الاستكانة والذل قال الزجاج: الخاشع الذي يُرى أثر الذل والخشوع عليه، وخشعت الأصوات: سكنت {يَظُنُّونَ} الظنُّ هنا بمعنى اليقين لا الشك، وهو من الأضداد قال أبو عبيدة: العرب تقول لليقين ظنٌّ، وللشك ظن وقد كثر استعمال الظن بمعنى اليقين ومنه {أية : إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ} تفسير : [الحاقة: 20] {أية : فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} تفسير : [الكهف: 53]، {شَفَاعَةٌ} الشفاعة مأخوذة من الشَّفع ضد الوتر، وهي ضم غيرك إِلى جاهك ووسيلتك ولهذا سميت شفاعة، فهي إِذاً إِظهارٌ لمنزلة الشفيع عند المشفّع {عَدْلٌ} بفتح العين فداء وبكسرها معناه: المِثْل يقال: عِدْل وعديل للذي يماثلك. المنَاسَبَة: لا تزال الآيات تتحدث عن بني إِسرائيل، وفي هذه الآيات ذمٌ وتوبيخ لهم على سوء صنيعهم، حيث كانوا يأمرون بالخير ولا يفعلونه، ويدعون الناس إِلى الهدى والرشاد ولا يتبعونه. سَبَبُ النّزول: نزلت هذه الآية في بعض علماء اليهود، كانوا يقولون لأقربائهم الذين أسلموا: اثبتوا على دين محمد فإِنه حق، فكانوا يأمرون الناس بالإِيمان ولا يفعلونه. التفسِير: يخاطب الله أحبار اليهود فيقول لهم على سبيل التقريع والتوبيخ {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ} أي أتدعون الناس إِلى الخير وإِلى الإِيمان بمحمد {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} أي تتركونها فلا تؤمنون ولا تفعلون الخير {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ} أي حال كونكم تقرءون التوراة وفيها صفة ونعت محمد عليه السلام {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أي أفلا تفطنون وتفقهون أن ذلك قبيح فترجعون عنه؟! ثم بيَّن لهم تعالى طريق التغلب على الأهواء والشهوات، والتخلص من حب الرياسة وسلطان المال فقال {وَٱسْتَعِينُواْ} أي اطلبوا المعونة على أموركم كلها {بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ} أي بتحمل ما يشق على النفس من تكاليف شرعية، وبالصلاة التي هي عماد الدين {وَإِنَّهَا} أي الصلاة {لَكَبِيرَةٌ} أي شاقة وثقيلة {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} أي المتواضعين المستكينين الذين صفت نفوسهم لله {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ} أي يعتقدون اعتقاداً جازماً لا يخالجه شك {أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ} أي سيلقون ربهم يوم البعث فيحاسبهم على أعمالهم {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} أي معادهم إِليه يوم الدين. ثم ذكّرهم تعالى بنعمه وآلائه العديدة مرة أخرى فقال {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} بالشكر عليها بطاعتي {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ} أي فضلت آباءكم {عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} أي عالمي زمانهم بإِرسال الرسل، وإِنزال الكتب، وجعلهم سادة وملوكاً، وتفضيل الآباء شرفٌ للأبناء {وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} أي خافوا ذلك اليوم الرهيب الذي لا تقضي فيه نفسٌ عن أخرى شيئاً من الحقوق {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} أي لا تقبل شفاعة في نفس كافرة بالله أبداً {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي لا يقبل منها فداء {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} أي ليس لهم من يمنعهم وينجيهم من عذاب الله. البَلاَغَة: أولاً: {أَتَأْمُرُونَ} الاستفهام خرج عن حقيقته إِلى معنى التوبيخ والتقريع. ثانياً: أتى بالمضارع {أَتَأْمُرُونَ} وإِن كان قد وقع ذلك منهم لأن صيغة المضارع تفيد التجدد والحدوث، وعبّر عن ترك فعلهم بالنسيان {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} مبالغة في الترك فكأنه لا يجري لهم على بال، وعلقه بالأنفس توكيداً للمبالغة في الغفلة المفرطة، ولا يخفى ما في الجملة الحالية {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ} من التبكيت والتقريع والتوبيخ. ثالثاً: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} هو من باب عطف الخاص على العام لبيان الكمال، لأن النعمة اندرج تحتها التفضيل المذكور، فلما قال {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ} تفسير : [البقرة: 40] عمَّ جميع النعم فلما عطف {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ} كان من باب عطف الخاص على العام. رابعاً: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً} التنكير للتهويل أي يوماً شديد الهول، وتنكير النفس {نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ} ليفيد العموم والاقناط الكلي. الفوَائِدَ: الفائدة الأولى: قال القرطبي: إِنما خص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويهاً بذكرها وقد كان عليه السلام إِذ حزبه (أغمّه) أمرٌ فَزَع إلى الصلاة، وكان يقول: (حديث : أرحنا بها يا بلال ). تفسير : الثانية: قال علي كرم الله وجهه: "قصم ظهري رجلان: عالم متهتك، وجاهل متنسك" ومن دعا غيره إِلى الهدى ولم يعمل به كان كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه قال الشاعر: شعر : ابدأْ بنفسك فانهها عن غيّها فإِذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل إِن وعظتَ ويقتدى بالرأي منك وينفع التعليم تفسير : وقال أبو العتاهية: شعر : وصفتَ التُّقَى حتَّى كأَنَّك ذو تُقَى وريحُ الخطايا من ثيابك تَسْطَع تفسير : وقال آخر: شعر : وغيرُ تَقيٍّ يأْمر النَّاسَ بالتُّقَى طَبيبٌ يداوي النَّاس وهُوَ عليل
الأندلسي
تفسير : {أَتَأْمُرُونَ} استفهام توبيخ وتقريع والبر فعل الخير من صلة رحم وإحسان وطاعة لله تعالى نعى عليهم أمر {ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ} الذي في فعله النجاة الأبدية وتركهم فعله حتى صار نسياً منسياً. و{أَنْفُسَكُمْ} هي ذواتهم. {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ} وأنتم قارئون وعالمون بما انطوى عليه فكيف امتثلتموه بالنسبة إلى غيركم وخالفتموه أنتم. وفي و{أَنْتُمْ تَتْلُونَ} تبكيت عظيم وهي جملة حالية أبلغ من المفرد. و{ٱلْكِتَٰبَ} التوراة والإِنجيل وفيهما النهي عن هذا الوصف الذميم. {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تنبيه على أن ما صدر منهم خارج عن أفعال العقلاء ومركوز في العقل أن الإِنسان إذا لم يحصل مصلحة لنفسه فكيف يحصلها لغيره ولا سيما مصلحة تكون فيها نجاته، والفاء: للعطف كان الأصل تقديمها لكن الهمزة لها صدر الكلام فقدمت على الفاء هذا مذهب سيبويه، وذهب الزمخشري إلى أن الفاء واقعة موقعها ويقدر بين الهمزة والفاء فعلاً محذوفاً يصح العطف بالفاء عليه وحكم الواو وثم حكم الفاء في نحو: أو لم يسيروا أثم إذا ما وقع. وقد رجع الزمخشري في بعض تصانيفه إلى قول الجماعة. {وَٱسْتَعِينُواْ} اطلبوا المعونة {بِٱلصَّبْرِ} وهو حبس النفس على ما تكره وقدمت الاستعانة بالصبر لتقدم تكاليف عظيمة يشق التزامها على من لم يألفها. و"ثنى" بـ "الصلاة" اذْ هي عمود الاسلام وبها يتميز المسلم من غيره ويحصل بها الاشتغال عن الدنيا وتطلع بالتلاوة على الوعد والوعيد وناهيك من عبادة يناجي ربه فيها خمس مرات في اليوم والليلة يناجي ربه ويستغفر ذنبه. {وَإِنَّهَا} أي الصلاة. وقيل: الاستعانة. {لَكَبِيرَةٌ} شاقة كبر على المشركين ما تدعوهم إليه أي شق. {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ} استثناء مفرع أي الكبيرة على كل شخص لانطوائها على أوصاف هم يتحلون بها كخشوعهم من القيام لله والركوع والسجود له والرجاء لما عنده إذ مآلهم إلى السعادة فسهل عليهم ما صعب على غيرهم من المنافقين والمرائين. {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم} يوقنون والظن بمعنى اليقين أو الترجيح مشهور عن العرب. ويتعدى في الدلالتين إلى مفعولين وتسدان مسدهما ولا يحتاج إلى تقدير ثان محذوف كما ذهب إليه الأخفش والمبرد. {مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ} فاعل بمعنى المجرد ومن حيث الوضع يقتضي المشاركة لأن من لقيك فقد لقيته والمعنى والله أعلم ملاقوا جزاء ربهم. وقيل: كني بالملاقاة عن رؤية الله تعالى. وقيل: عن انقضاء آجالهم من مات فقد لقي. الله عز وجل غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه. وقيل: ملاقوا اثواب ربهم وعقابه. فعلى هذا يكون الظن بمعنى الترجيح. {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ} أي إلى ربهم. {رَٰجِعُونَ} أي إلى أمره.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ } أي: بالإيمان والخير { وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } أي: تتركونها عن أمرها بذلك، والحال: { وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ } وأسمى العقل عقلا لأنه يعقل به ما ينفعه من الخير، وينعقل به عما يضره، وذلك أن العقل يحث صاحبه أن يكون أول فاعل لما يأمر به، وأول تارك لما ينهى عنه، فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله، أو نهاه عن الشر فلم يتركه، دل على عدم عقله وجهله، خصوصا إذا كان عالما بذلك، قد قامت عليه الحجة. وهذه الآية، وإن كانت نزلت في سبب بني إسرائيل، فهي عامة لكل أحد لقوله تعالى: {أية : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ } تفسير : وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه، وأمر نفسه ونهيها، فترك أحدهما، لا يكون رخصة في ترك الآخر، فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر، فليس في رتبة الأول، وهو دون الأخير، وأيضا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة.
همام الصنعاني
تفسير : 46- عبد الرزّاق: قال: حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ}: [الآية: 44]، قال: كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله، وبتقواه، وبالبر، وهم مخالفون ذلك، فعيَّرهم الله به.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):