٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
45
Tafseer
الرازي
تفسير : في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في المخاطبين بقوله سبحانه وتعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة} فقال قوم: هم المؤمنون بالرسول. قال: لأن من ينكر الصلاة أصلاً والصبر على دين محمد صلى الله عليه وسلم لا يكاد يقال له استعن بالصبر والصلاة، فلا جرم وجب صرفه إلى من صدق بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا يمتنع أن يكون الخطاب أولاً في بني إسرائيل، ثم يقع بعد ذلك خطاباً للمؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم، والأقرب أن المخاطبين هم بنو إسرائيل لأن صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك النظم. فإن قيل: كيف يؤمرون بالصبر والصلاة مع كونهم منكرين لهما؟ قلنا: لا نسلم كونهم منكرين لهما. وذلك لأن كل أحد يعلم أن الصبر على ما يجب الصبر عليه حسن وأن الصلاة التي هي تواضع للخالق والاشتغال بذكر الله تعالى يسلي عن محن الدنيا وآفاتها، إنما الاختلاف في الكيفية، فإن صلاة اليهود واقعة على كيفية وصلاة المسلمين على كيفية أخرى. وإذا كان متعلق الأمر هو الماهية التي هي القدر المشترك زال الإشكال المذكور وعلى هذا نقول: إنه تعالى لما أمرهم بالإيمان وبترك الإضلال وبالتزام الشرائع وهي الصلاة والزكاة؛ وكان ذلك شاقاً عليهم لما فيه من ترك الرياسات والإعراض عن المال والجاه لا جرم عالج الله تعالى هذا المرض فقال: {واستعينوا بالصبر والصلاة}. المسألة الثانية: ذكروا في الصبر والصلاة وجوهاً، أحدها: كأنه قيل واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد صلى الله عليه وسلم بالصبر أي يحبس النفس عن اللذات، فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها ثم إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك تم الأمر، لأن المشتغل بالصلاة لا بد وأن يكون مشتغلاً بذكر الله عز وجل وذكر جلاله وقهره وذكر رحمته وفضله، فإذا تذكر رحمته صار مائلاً إلى طاعته وإذا تذكر عقابه ترك معصيته فيسهل عند ذلك اشتغاله بالطاعة وتركه للمعصية، وثانيها: المراد من الصبر ههنا هو الصوم لأن الصائم صابر عن الطعام والشراب، ومن حبس نفسه عن قضاء شهوة البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله تعالى وإنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثيره الصلاة في حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات، ولأنه عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : الصوم جنة من النار». تفسير : وقال الله تعالى: {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} تفسير : [العنكبوت: 45] لأن الصلاة تمنع عن الاشتغال بالدنيا وتخشع القلب ويحصل بسببها تلاوة الكتاب والوقوف على ما فيه من الوعد والوعيد والمواعظ والآداب الجميلة، وذكر مصير الخلق إلى دار الثواب أو دار العقاب رغبة في الآخرة ونفرة عن الدنيا فيهون على الإنسان حينئذ ترك الرياسة، ومقطعة عن المخلوقين إلى قبلة خدمة الخالق ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} تفسير : [البقرة: 153]. أما قوله تعالى: {وإنها} ففي هذا الضمير وجوه، أحدها: الضمير عائد إلى الصلاة أي صلاة ثقيلة إلا على الخاشعين. وثانيها: الضمير عائد إلى الاستعانة التي يدل عليها قوله: {واستعينوا}. وثالثها: أنه عائد إلى جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله: {أية : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} تفسير : [البقرة:40، 47، 122] إلى قوله: {واستعينوا} والعرب قد تضمر الشيء اختصاراً أو تقتصر فيه على الإيماء إذا وثقت بعلم المخاطب فيقول القائل: ما عليها أفضل من فلان يعني الأرض. ويقولون: ما بين لابتيها أكرم من فلان يعنون المدينة. وقال تعالى: {أية : ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة} تفسير : [النحل: 61]، ولا ذكر للأرض، أما قوله: {لكبيرة} أي لشاقة ثقيلة على هؤلاء سهلة على الخاشعين فيجب أن يكون ثوابهم أكثر وثواب الخاشع أقل، وذلك منكر من القول، قلنا: ليس المراد أن الذي يلحقهم من التعب أكثر مما يلحق الخاشع وكيف يكون ذلك الخاشع يستعمل عند الصلاة جوارحه وقلبه وسمعه وبصره، ولا يغفل عن تدبر ما يأتي به من الذكر والتذلل والخشوع، وإذ تذكر الوعيد لم يخل من حسرة وغم، وإذا ذكر الوعد فكمثل ذلك، وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثقل عليه بفعل الصلاة أعظم، وإنما المراد بقوله: وإنها ثقيلة على من لم يخشع أنه من حيث لا يعتقد في فعلها ولا في تركها عقاباً، فيصعب عليه فعلها. فالحاصل أن الملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة ثقل عليه فعلها، لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطبع، أما الموحد فلما اعتقد في فعلها أعظم المنافع وفي تركها أعظم المضار لم يثقل ذلك عليه لما يعتقد في فعله من الثواب والفوز العظيم بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم، ألا ترى إلى قوله: {الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم} أي يتوقعون نيل ثوابه والخلاص من عقابه. مثاله إذا قيل للمريض: كل هذا الشيء المر فإن اعتقد أن له فيه شفاء سهل ذلك عليه، وإن لم يعتقد ذلك فيه صعب الأمر عليه، وعليه يحمل قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : وجعلت قرة عيني في الصلاة». تفسير : وصف الصلاة بذلك للوجوه التي ذكرناها لا لأنها كانت لا تثقل عليه، وكيف وكان عليه الصلاة والسلام يصلي حتى تورمت قدماه، وأما الخشوع فهو التذلل والخضوع.
القرطبي
تفسير : فيه ثمان مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ} الصبر: الحبس في اللغة. وقُتِل فلان صَبراً؛ أي أُمْسِك وحُبِس حتى أُتلف. وصَبَرْتُ نفسي على الشيء: حبستها. والمصبورة التي نُهى عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت، وهي المُجَثَّمة. وقال عنترة:شعر : فصَبَرْتُ عارفةً لذلك حُرّةً تَرْسُو إذا نَفْسُ الجبان تَطلّعُ تفسير : الثانية: أمر تعالى بالصبر على الطاعة وعن المخالفة في كتابه فقال: «وَٱصْبِرُوا». يقال: فلان صابر عن المعاصي؛ وإذا صبر عن المعاصي فقد صبر على الطاعة؛ هذا أصح ما قيل. قال النحاس: ولا يقال لمن صبر على المعصية: صابر؛ إنما يقال: صابر على كذا. فإذا قلت: صابر مطلقاً فهو على ما ذكرنا؛ قال الله تعالى: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [الزمر: 10]. الثالثة: قوله تعالى: {وَٱلصَّلاَةِ} خصّ الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويهاً بذكره. و: كان عليه السلام إذا حَزَبَه أمْرٌ فَزَع إلى الصلاة؛ ومنه ما روي أن عبد اللَّه بن عباس نُعِيَ له أخوه قُثَم ـ وقيل بنت له ـ وهو في سفر فاسترجع وقال: عَوْرة سترها الله، ومؤنة كفاها الله، وأجرٌ ساقه الله. ثم تنحَّى عن الطريق وصلّى، ثم ٱنصرف إلى راحلته وهو يقرأ: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ}. فالصلاة على هذا التأويل هي الشرعية. وقال قوم: هي الدعاء على عُرْفها في اللغة؛ فتكون الآية على هذا التأويل مشبهة لقوله تعالى: {أية : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ} تفسير : [الأنفال: 45]؛ لأن الثبات هو الصبر، والذكر هو الدعاء. وقول ثالث، قال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصوم؛ ومنه قيل لرمضان: شهر الصبر، فجاء الصوم والصلاة على هذا القول في الآية متناسباً في أن الصيام يمنع من الشهوات ويزهّد في الدنيا، والصلاة تنهَى عن الفحشاء والمنكر، وتُخشع ويُقرأ فيها القرآن الذي يذكّر الآخرة. والله أعلم. الرابعة: الصبر على الأذى والطاعات من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها من تطاولها، وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين. قال يحيى بن اليَمان: الصبر ألا تتمنّى حالة سوى ما رزقك الله، والرضا بما قضى الله من أمر دنياك وآخرتك. وقال الشعبيّ: قال عليّ رضي الله عنه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد. قال الطبري: وصدق عليّ رضي الله عنه؛ وذلك أن الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح؛ فمن لم يصبر على العمل بجوارحه لم يستحق الإيمان بالإطلاق. فالصبر على العمل بالشرائع نظير الرأس من الجسد للإنسان الذي لا تمام له إلا به. الخامسة: وصف الله تعالى جزاء الأعمال وجعل لها نهاية وحدًّا فقال: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} تفسير : [الأنعام: 160]. وجعل جزاء الصدقة في سبيل الله فوق هذا فقال: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ}تفسير : [البقرة: 261] الآية. وجعل أجر الصابرين بغير حساب، ومدح أهله فقال: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}تفسير : [الزمر: 10]. وقال: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ }تفسير : [الشورىٰ: 43]. وقد قيل: إن المراد بالصابرين في قوله: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ}تفسير : [الشورى:43] أي الصائمون؛ لقوله تعالى في صحيح السُّنّة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : الصيام لي وأنا أَجْزِي به»تفسير : فلم يذكر ثواباً مقدّراً كما لم يذكره في الصبر. والله أعلم. السادسة: مِن فَضْل الصّبر وصفَ الله تعالى نفسه به؛ كما في حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : ليس أحد أو ليس شيء أصبرَ على أذًى سمعه من الله تعالى إنهم ليَدْعُون له ولداً وإنه ليعافيهم ويرزقهم»تفسير : . أخرجه البخاري. قال علماؤنا: وصفُ الله تعالى بالصبر إنما هو بمعنى الحلم، ومعنى وصفه تعالى بالحلم هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها، ووصفه تعالى بالصبر لم يَرِد في التنزيل وإنما ورد في حديث أبي موسى، وتأوّله أهل السُّنة على تأويل الحلم؛ قاله ٱبن فُورَك وغيره. وجاء في أسمائه «الصبور» للمبالغة في الحلم عمن عصاه. السابعة: قوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} اختلف المتأوّلون في عود الضمير من قوله: «وإنها»؛ فقيل: على الصلاة وحدها خاصة؛ لأنها تكبر على النفوس ما لا يكبر الصوم. والصبر هنا: الصوم. فالصلاة فيها سجن النفوس، والصوم إنما فيه منع الشهوة؛ فليس مَن مُنع شهوة واحدة أو شهوتين كما مُنع جميع الشهوات. فالصائم إنما منع شهوة النساء والطعام والشراب، ثم ينبسط في سائر الشهوات من الكلام والمشي والنظر إلى غير ذلك من ملاقاة الخلق، فيتسلّى بتلك الأشياء عما مُنع. والمصلّي يمتنع من جميع ذلك، فجوارحه كلها مقيَّدة بالصلاة عن جميع الشهوات. وإذا كان ذلك كانت الصلاة أصعبَ على النفس ومكابدتها أشدّ، فلذلك قال: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ}. وقيل: عليهما، ولكنه كَنَى عن الأغلب وهو الصلاة؛ كقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ}تفسير : [التوبة: 34]، وقوله: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا}تفسير : [الجمعة: 11]. فردّ الكناية إلى الفضة؛ لأنها الأغلب والأعم، وإلى التجارة؛ لأنها الأفضل والأهم. وقيل: إن الصبر لمّا كان داخلاً في الصلاة أعاد عليها؛ كما قال: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}تفسير : [التوبة: 62]. ولم يقل: يرضوهما؛ لأن رضا الرسول داخل في رضا الله جل وعز؛ ومنه قول الشاعر:شعر : إنّ شَرْخَ الشَّبابِ والشَّعَرَ الأسـ ـودَ ما لم يُعاصَ كان جنونا تفسير : ولم يقل يعاصيا، ردّ إلى الشباب لأن الشَّعَر داخل فيه. وقيل: ردّ الكناية إلى كل واحد منهما لكن حذف ٱختصاراً؛ قال الله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} تفسير : [المؤمنون: 50] ولم يقل آيتين؛ ومنه قول الشاعر:شعر : فمن يك أمْسَى بالمدينة رَحْلُه فإني وَقيّارٌ بها لغرِيبُ تفسير : وقال آخر:شعر : لكلّ هَمٍّ مِن الهموم سَعَهْ والصُّبْحُ والمُسْيُ لا فلاح مَعَهْ تفسير : أراد: لغريبان، لا فلاح معهما. وقيل: على العبادة التي يتضمّنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة. وقيل: على المصدر، وهي الاستعانة التي يقتضيها قوله: {وَٱسْتَعِينُواْ}. وقيل: على إجابة محمد عليه السلام؛ لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه. وقيل: على الكعبة؛ لأن الأمر بالصلاة إنما هو إليها. {وكبيرةٌ} معناه ثقيلة شاقة، خبر «إنّ». ويجوز في غير القرآن: وإنه لكبيرة. {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} فإنها خفيفة عليهم. قال أرباب المعاني: إلا على من أُيِّد في الأزل بخصائص الاجتباء والهدى. الثامنة: قوله تعالى: {عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} الخاشعون جمع خاشع وهو المتواضع. والخشوع: هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع. وقال قتادة: الخشوع في القلب، وهو الخوف وغض البصر في الصلاة. قال الزجاج: الخاشع الذي يُرَى أثر الذل والخشوع عليه؛ كخشوع الدار بعد الإقواء. هذا هو الأصل. قال النابغة:شعر : رَمَادٌ ككُحْل العين لأْياً أُبَيّنه ونؤيٌ كجِذْم الحوض أَثْلَمُ خاشِعُ تفسير : ومكان خاشع: لا يُهتَدى له. وخَشَعت الأصوات أي سكنت. وخَشَعت خَراشِيُّ صدرِه إذا ألقى بُصاقاً لزِجاً. وخَشَع ببصره إذا غَضّه. والخُشْعة: قطعة من الأرض رِخوة؛ وفي الحديث: «حديث : كانت خُشْعة على الماء ثم دُحيت بعد»تفسير : . وبلدة خاشعة: مغبرّة لا منزل بها. قال سفيان الثورِيّ: سألت الأعمش عن الخشوع فقال: يا ثوريّ، أنت تريد أن تكون إماماً للناس ولا تعرف الخشوع! سألت إبراهيم النخعِيّ عن الخشوع؛ فقال: أُعَيْمِش! تريد أن تكون إماماً للناس ولا تعرف الخشوع! ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس! لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء، وتخشع لله في كل فرض ٱفترض عليك. ونظر عمر بن الخطاب إلى شاب قد نكس رأسه فقال: يا هذا! ارفع رأسك، فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب. وقال عليّ بن أبي طالب: الخشوع في القلب، وأن تلين كفّيك للمرء المسلم، وألاّ تلتفت في صلاتك. وسيأتي هذا المعنى مجوَّداً عند قوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ } تفسير : [المؤمنون: 1 ـ 2]. فمن أظهر للناس خشوعاً فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقاً على نفاق. قال سهل بن عبد اللَّه: لا يكون خاشعاً حتى تخشع كل شعرة على جسده؛ لقول الله تبارك وتعالى:{أية : تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ}تفسير : [الزمر: 23]. قلت: هذا هو الخشوع المحمود؛ لأن الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعه، فتراه مطرقاً متأدّباً متذلّلاً. وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك؛ وأما المذموم فتكلّفه والتباكي ومطأطأة الرأس كما يفعله الجهال ليُرَوْا بعين البر والإجلال، وذلك خدع من الشيطان، وتسويل من نفس الإنسان. روى الحسن أن رجلاً تنفّس عند عمر بن الخطاب كأنه يتحازن؛ فلكزه عمر، أو قال لكمه. وكان عمر رضي الله عنه إذا تكلّم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وكان ناسكاً صدقاً، وخاشعاً حقًّا. وروى ٱبن أبي نَجِيح عن مجاهد قال: الخاشعون هم المؤمنون حقاً.
البيضاوي
تفسير : {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ} متصل بما قبله، كأنهم لما أمروا بما يشق عليهم لما فيه من الكلفة وترك الرياسة والإعراض عن المال عولجوا بذلك، والمعنى استعينوا على حوائجكم بانتظار النجـح والفرج توكلاً على الله، أو بالصوم الذي هو صبر عن المفطرات لما فيه من كسر الشهوة، وتصفية النفس. والتوسل بالصلاة والالتجاء إليها، فإنها جامعة لأنواع العبادات النفسانية والبدنية، من الطهارة وستر العورة وصرف المال فيهما، والتوجه إلى الكعبة والعكوف للعبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النية بالقلب، ومجاهدة الشيطان، ومناجاة الحق، وقراءة القرآن، والتكلم بالشهادتين وكف النفس عن الأطيبين حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب، روي أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. ويجوز أن يراد بها الدعاء: {وَإِنَّهَا }: أي وإن الاستعانة بهما أو الصلاة وتخصيصها برد الضمير إليها، لعظم شأنها واستجماعها ضروباً من الصبر. أو جملة ما أمروا بها ونهوا عنها. {لَكَبِيرَةٌ } لثقيلة شاقة كقوله تعالى: {أية : كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ }تفسير : [الشورى: 13] {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ} أي المخبتين، والخشوع الإخبات ومنه الخشعة للرملة المتطامنة. والخضوع اللين والانقياد، ولذلك يقال الخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً عبيده فيما يؤملون من خير الدنيا والآخرة بالاستعانة بالصبر والصلاة، كما قال مقاتل ابن حيان في تفسير هذه الآية: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلاة، فأما الصبر فقيل: إنه الصيام، نص عليه مجاهد، قال القرطبي وغيره: ولهذا يُسمى رمضان شهر الصبر كما نطق به الحديث، وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن جري بن كليب عن رجل من بني سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الصوم نصف الصبر»تفسير : وقيل: المراد بالصبر الكف عن المعاصي، ولهذا قرنه بأداء العبادات، وأعلاها فعل الصلاة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عبيد الله بن حمزة بن إسماعيل حدثنا إسحاق بن سليمان عن أبي سنان عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: الصبر صبران: صبر عند المصيبة حسن، وأحسن منه الصبر عن محارم الله. قال: وروي عن الحسن البصري نحو قول عمر، وقال ابن المبارك عن ابن لهيعة عن مالك بن دينار عن سعيد بن جبير، قال: الصبر: اعتراف العبد لله بما أصيب فيه، واحتسابه عند الله، ورجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو يتجلد لا يرى منه إلا الصبر. وقال أبو العالية في قوله تعالى: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ} قال: على مرضاة الله، واعلموا أنها من طاعة الله، وأما قوله: والصلاة، فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر كما قال تعالى: {أية : لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ٱتْلُ مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّ}تفسير : [العنكبوت: 45] الآية. وقال الإمام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن عكرمة بن عمار عن محمد بن عبد الله الدؤلي قال: قال عبد العزيز أخو حذيفة: قال حذيفة، يعني ابن اليمان رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر، صلى. ورواه أبو داود عن محمد بن عيسى عن يحيى بن زكريا عن عكرمة بن عمار كما سيأتي، وقد رواه ابن جرير من حديث ابن جريج عن عكرمة بن عمار عن محمد بن عبيد بن أبي قدامة عن عبد العزيز بن اليمان عن حذيفة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. ورواه بعضهم عن عبد العزيز ابن أخي حذيفة، ويقال: أخي حذيفة، مرسلاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدثنا سهل بن عثمان العسكري حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة قال: قال عكرمة بن عمار: قال محمد بن عبد الله الدؤلي: قال عبد العزيز: قال حذيفة: رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب، وهو مشتمل في شملة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلى. حدثنا عبد الله بن معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمع حارثة بن مضرب سمع علياً رضي الله عنه يقول: لقد رأيتنا ليلة بدر، وما فينا إلا نائم، غير رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويدعو حتى أصبح. قال ابن جرير: وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه مر بأبي هريرة وهو منبطح على بطنه، فقال له: «حديث : أشكم درد»تفسير : ومعناه أيوجعك بطنك؟ قال: نعم، قال: «حديث : قم فصل، فإن الصلاة شفاء»تفسير : . قال ابن جرير: وقد حدثنا محمد بن الفضل ويعقوب بن إبراهيم، قالا: حدثنا ابن علية حدثنا عيينة بن عبد الرحمن عن أبيه: أن ابن عباس نعي إليه أخوه قثم، وهو في سفر، فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق فأناخ، فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ} وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ} قال: إنهما معونتان على رحمة الله. والضمير في قوله: إنها لكبيرة، عائد إلى الصلاة، نص عليه مجاهد، واختاره ابن جرير، ويحتمل أن يكون عائداً على ما يدل عليه الكلام، وهو الوصية بذلك، كقوله تعالى في قصة قارون: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً وَلاَ يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ٱلصَّـٰبِرُونَ }تفسير : [القصص: 80] وقال تعالى: {أية : وَلاَ تَسْتَوِى ٱلْحَسَنَةُ وَلاَ ٱلسَّيِّئَةُ ٱدْفَعْ بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظِّ عَظِيمٍ } تفسير : [فصلت: 34 - 35] أي: وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا، وما يلقاها، أي: يؤتاها ويلهمها، إلا ذو حظ عظيم. وعلى كل تقدير فقوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ}. أي مشقة ثقيلة، إلا على الخاشعين. قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: يعني المصدقين بما أنزل الله، وقال مجاهد: المؤمنين حقاً، وقال أبو العالية: إلا على الخاشعين الخائفين، وقال مقاتل بن حيان: إلا الخاشعين يعني به المتواضعين. وقال الضحاك: وإنها لكبيرة، قال: إنها لثقيلة إلا على الخاضعين لطاعته، الخائفين سطوته، المصدقين بوعده ووعيده. وهذا يشبه ما جاء في الحديث: «حديث : لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه»تفسير : وقال ابن جرير: معنى الآية: واستعينوا أيها الأحبار من أهل الكتاب بحبس أنفسكم على طاعة الله، وبإقامة الصلاة المانعة من الفحشاء والمنكر، المقربة من رضا الله، العظيمة إقامتها إلا على الخاشعين، أي: المتواضعين المستكينين لطاعته، المتذللين من مخافته. هكذا قال: والظاهر أن الآية، وإن كانت خطاباً في سياق إنذار بني إسرائيل، فإنهم لم يقصدوا على سبيل التخصيص، وإنما هي عامة لهم ولغيرهم، والله أعلم. وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ} هذا من تمام الكلام الذي قبله، أي: وإن الصلاة، أو الوصاة، لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم، أي: يعلمون أنهم محشورون إليه يوم القيامة، معروضون عليه، وأنهم إليه راجعون، أي: أمورهم راجعة إلى مشيئته، يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء، سهل عليهم فعل الطاعات، وترك المنكرات، فأما قوله: {يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبِّهِمْ} قال ابن جرير، رحمه الله: العرب قد تسمي اليقين ظناً، والشك ظناً، نظير تسميتهم الظلمة سدفة، والضياء سدفة، والمغيث صارخاً، والمستغيث صارخاً، وما أشبه ذلك من الأسماء التي يسمى بها الشيء وضده، كما قال دريد بن الصمة:شعر : فقلت لهم ظُنُّوا بألفَي مُدَجَّجٍ سراتُهُمُ في الفارِسِي المُسَرَّدِ تفسير : يعني بذلك: تيقنوا بألفي مدجج يأتيكم، وقال عمير بن طارق:شعر : فإنْ يعبروا قَوْمي وأقعدُ فيكُمُ وأَجْعَلُ مِني الظَّنَّ غَيْباً مُرَجَّماً تفسير : يعني: أجعل مني اليقين غيباً مرجماً، قال: والشواهد من أشعار العرب وكلامها على أن الظن في معنى اليقين أكثر من أن تحصر، وفيما ذكرنا لمن وفق لفهمه كفاية، ومنه قول الله تعالى: {أية : وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا}تفسير : [الكهف: 53] ثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو عاصم حدثنا سفيان عن جابر عن مجاهد: كل ظن في القرآن يقين، أي: ظننت وظنوا، وحدثني المثنى: حدثنا إسحاق حدثنا أبو داود الحفري عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، قال: كل ظن في القرآن فهو علم، وهذا سند صحيح، وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبِّهِمْ} قال: الظن ههنا يقين، قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد والسدي والربيع بن أنس وقتادة نحو قول أبي العالية، وقال سنيد عن حجاج عن ابن جريج: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبِّهِمْ}: علموا أنهم ملاقو ربهم كقوله: {أية : إِنِّى ظَنَنتُ أَنِّى مُلَـٰقٍ حِسَابِيَهْ }تفسير : [الحاقة: 20] يقول: علمت. وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (قلت): وفي الصحيح: «حديث : أن الله تعالى يقول للعبد يوم القيامة: ألم أزوّجك؟ ألم أكرمك؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وترتع؟ فيقول: بلى، فيقول الله تعالى: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول الله: اليوم أنساك كما نسيتني»تفسير : وسيأتي مبسوطاً عند قوله تعالى: {أية : نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} تفسير : [التوبة: 67] إن شاء الله تعالى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱسْتَعِينُواْ } اطلبوا المعونة على أموركم {بِٱلصَّبْرِ } الحبس للنفس على ما تكره {وٱلصَّلَوٰةِ } أفردها بالذكر تعظيما لشأنها وفي الحديث « حديث : كان صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبَهُ أمر بادر إلى الصلاة » تفسير : وقيل.الخطاب لليهود لمّا عاقهم عن الإيمان الشَّرَهُ وحب الرياسةأمروا بالصبر وهو الصوم لأنه يكسر الشهوة، والصلاة لأنها تورث الخشوع وتنفي الكبر {وَإِنَّهَا } أي الصلاة {لَكَبِيرَةٌ } ثقيلة {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ } الساكنين إلى الطاعة.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ}: أما الصبر: فهو حبس النفس عما تُنازع إليه، ومنه صبر صاحب المصيبة، أن يحبس نفسه عن الجزع، وسُمِّي الصوم صبراً لحبس النفس عن الطعام والشراب، ولذلك سُمِّي شهرُ رمضانَ شهر الصبرِ، وجاء في الحديث: "حديث : اقْتُلُوا الْقَاتِلَ، وَاصْبِرُوا الصَّابِرَ"،تفسير : وذلك فيمن أمسك رجلاً حتى قتله آخر، فأمر بقتل القاتل، وحبس الممسك. وفي الصبر المأمور به، قولان: أحدهما: أنه الصبرُ على طاعته، والكف عن معصيته. والثاني: أنه الصوم، وقد كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا حَزَبَهُ أمرٌ استعان بالصلاة والصيام، ورُويَ أنه رأى سلمان منبطحاً على وجهه، فقال له: أشكو من بردٍ. قال: "حديث : قم فصلِّ الصلاة تُشْفَ". تفسير : وأما قوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ على الْخَاشِعِينَ} ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني: وإن الصلاة لثقيلة إلا على المؤمنين، لعود الكناية إلى مؤنثِ اللفظِ. والثاني: يعني الصبر والصلاة، فأرادهما، وإن عادت الكناية إلى الصلاة؛ لأنها أقرب مذكور، كما قال الشاعِرُ: شعر : فَمَنْ يَكُ أَمْسَى في الْمَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ تفسير : والثالث: وإن إجابة محمد صلى الله عليه وسلم لشديدة إلا على الخاشعين. والخشوع في الله: التواضع، ونظيره الخضوع، وقيل: إن الخضوع في البدن، والخشوعَ في الصوت، والبصر. قوله تعالى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو ربِّهِمْ} فيه تأويلان: أحدهما: يظنون أنهم ملاقو ربهم بذنوبهم، لإشفاقهم من المعاصي التي كانت منهم. والثاني: وهو قول الجمهور: أن الظن ها هنا اليقين، فكأنه قال: الذين يَتَيَقَّنُون أنهم ملاقو ربهم، وكذلك قوله تعالى: {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّي مُلاَقٍ حسَابِيَهْ} أي تيقَّنت، قال أبو داود: شعر : رُبَّ هَمٍّ فَرَّجْتَهُ بِغَرِيمٍ وَغُيوبٍ كَشَفْتَهَا بِظُنُونِ تفسير : {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه أراد بالرجوع الموت. والثاني: أنهم راجعون بالإعادة في الآخرة، وهو قول أبي العالية. والثالث: راجعون إليه، أي لا يملك أحد لهم ضرّاً ولا نفعاً غيره كما كانوا في بدءِ الخلق.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِالصَّبْرِ} على الطاعة، وعن المعصية، أو بالصوم، ويسمى صبراً لأنه يحبس نفسه عن الطعام والشراب، والصبر: حبس النفس عما تنازع إليه. "كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر استعان بالصلاة والصوم" {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} وإن الصلاة لثقيلة إلا على المؤمنين، أو إن الصبر والصلاة ـ أرادهما وأعاد الضمير إلى أحدهما، أو أن إجابة محمد صلى الله عليه وسلم لشديدة {إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} الخشوع والخضوع: التواضع، أو الخضوع في البدن، والخشوع في الصوت والبصر.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {واستعينوا بالصبر والصلاة} قيل إن المخاطبين بهذا هم المؤمنون لأن من ينكر الصلاة والصبر على دين على محمد صلى الله عليه وسلم لا يقال له استعن بالصبر والصلاة فلا جرم وجب صرفه إلى من صدّق محمداً صلى الله عليه وسلم وآمن به. وقيل يحتمل أن يكون الخطاب لبني إسرائيل لأن صرف الخطاب إلى غيرهم يوجب تفكيك نظم القرآن ولأن اليهود لم ينكروا أصل الصلاة والصبر لكن صلاتهم غير صلاة المؤمنين، فعلى هذا القول أن الله تعالى لما أمرهم بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والتزام شريعته وترك الرياسة وحب الجاه والمال قال لهم استعينوا بالصبر أي بحبس النفس عن اللذات وإن ضممتم إلى ذلك الصلاة هان عليكم ترك ما أنتم فيه من حب الرياسة والجاه والمال. وعلى القول الأول يكون معنى الآية واستعينوا على حوائجكم إلى الله. وقيل: على ما يشغلكم من أنواع البلاء. وقيل: على طلب الآخرة بالصبر وهو حبس النفس عن اللذات وترك المعاصي. وقيل بالصبر على أداء الفرائض. وقيل الصبر هو الصوم لأن فيه حبس النفس عن المفطرات وعن سائر اللذات وفيه انكسار النفس والصلاة، أي اجمعوا بين الصبر والصلاة وقيل معناه واستعينوا بالصبر على الصلاة وعلى ما يجب فيها من تصحيح النية وإحضار القلب ومراعاة الأركان والآداب مع الخشوع والخشية، فإن اشتغل بالصلاة ترك ما سواها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، أي إذا أهمه أمر لجأ إلى الصلاة وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه نعي له أخوه قثم وهو في سفره فاسترجع ثم تنحى عن الطريق، فصلى ركعتين أطال فيهما السجود، ثم قام إلى راحلته وهو يقول: فاستعينوا بالصبر والصلاة {وإنها} يعني الصلاة وقيل الاستعانة {لكبيرة} أي ثقيلة {إلا على الخاشعين} يعني المؤمنين وقيل الخائفين: وقيل المطيعين المتواضعين لله وأصل الخشوع السكون فالخاشع ساكن إلى الطاعة وقيل الخشوع الضراعة وأكثر ما تستعمل في الجوارح وإنما كانت الصلاة ثقيلة على غير الخاشعين لأن من لا يرجو لها ثواباً ولا يخاف على تركها عقاباً فهي ثقيلة عليه. وأما الخاشع الذي يرجو لها ثواباً ويخاف على تركها عقاباً فهي سهلة عليه {الذين يظنون} أي يستيقنون وقيل يعلمون {أنهم ملاقو ربهم} يعني في الآخرة وفيه دليل على ثبوت رؤية الله تعالى في الآخرة {وأنهم إليه راجعون} يعني بعدت فيجزيهم بأعمالهم. قوله عز وجل: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} إنما أعاد هذا الكلام مرة أخرى توكيداً للحجة عليهم وتحذيراً من ترك اتباع محمد صلى الله عليه وسلم {وإني فضلتكم على العالمين} يعني على عالمي زمانكم وهذا التفضيل وإن كان في حق الآباء ولكن يحصل به الشرف للأبناء {واتقوا يوماً} أي واخشوا عذاب يوم {لا تجزي} أي لا تقضى {نفس عن نفس شيئاً} يعني حقاً لزمها. وقيل معناه لا تنوب نفس عن نفس يوم القيامة، ولا ترد عنها شيئاً مما أصابها، بل يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه {ولا تقبل منها شفاعة} أي في ذلك اليوم والمعنى لا تقبل الشفاعة إذا كانت النفس كافرة، وذلك أن اليهود قالوا يشفع لنا آباؤنا فرد الله عليهم ذلك بقوله ولا تقبل منها شفاعة وقيل إن طاعة المطيع لا تقضي عن العاصي ما كان واجباً عليه وقيل معناه أن النفس الكافرة لو جاءت بشفيع لا يقبل منها {ولا يؤخذ منها عدل} أي فدية وهو مماثلة الشيء بالشيء {ولا هم ينصرون} أي لا يمنعون من العذاب. قوله عز وجل: {وإذ نجيناكم} أي واذكروا إذ خلصنا أسلافكم وأجوادكم فاعتدها نعمة ومنة عليهم لأنهم نجوا بنجاة أسلافهم {من آل فرعون} أي من أتباعه وأهل دينه وفرعون اسم علم لمن كان يملك مصر من القبط والعماليق وفرعون هذا كان اسمه الوليد بن مصعب بن الريان وعمر أكثر من أربعمائة سنة {يسومونكم} أي يكلفونكم ويذيقونكم {سوء العذاب} أي أشد العذاب وأسوأه، وقيل: يصرفونكم في العذاب مرة كذا ومرة كذا، وذلك أن فرعون جعل بني إسرائيل خدماً وخولاً، وصنفهم في الأعمال أصنافاً: صنف يبنون ويزرعون، وصنف يخدمونه ومن لم يكن في عمل وضع عليه الجزية وقال ابن وهب: كانوا أصنافاً في أعمال فرعون فذوو القوة يسلخون السواري من الجبال، حتى تقرعت أيديهم وأعناقهم ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها وصنف ينقلون الحجارة والطين يبنون له القصور، وطائفة يضربون اللبن ويطبخون الآجر، وطائفة نجارون وحدادون، والضعفة منهم يضرب عليهم الخراج يعني الجزية ضريبة يؤدونها كل يوم، فمن غربت عليه الشمس قبل أن يؤدي ضريبته، غلبت يداه إلى عنقه شهراً والنساء يغزلن الكتان وينسجنه وقيل تفسير يسومونكم سوء العذاب، ما بعده وهو قوله عز وجل: {يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم} أي يتركونهن أحياء. وذلك أن فرعون رأى في منامه كأن ناراً أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر، وأحرقت كل قبطي بها ولم تتعرض لبني إسرائيل فهاله ذلك، وسأل الكهنة عن رؤياه فقالوا: يولد غلام يكون على يديه هلاكك وزوال ملكك فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل، ووكل بالقوابل فكنّ يفعلن ذلك حتى قتل في طلب موسى اثنى عشر ألفاً وقيل: سبعين الفاً، وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل فدخل رؤساء القبط على فرعون وقالوا: إن الموت قد وقع ببني إسرائيل فتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة، فولد هارون في السنة التي لا يذبح فيها وولد موسى في السنة التي يذبح فيها {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} أي اختيار وامتحان، والبلاء يطلق على النعمة العظيمة وعلى المحنة الشديدة ليختبر الله العبد على النعمة بالشكر، وعلى الشدة بالصبر فإن حمل قوله: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} على صنع فرعون كان من البلاء والمحنة وإن حمل على الإنجاء كان من النعمة. قوله عز وجل: {أية : وإذ فرقنا بكم البحر} تفسير : [البقرة: 50] أي فصلنا بعضه من بعض وجعلنا فيه مسالك بسبب دخولكم البحر وسمي بحراً لاتساعه. ذكر سياق القصة وذلك أنه لما دنا هلاك فرعون، أمر الله موسى عليه الصلاة والسلام أن يسري ببني إسرائيل من مصر بالليل، فأمر موسى قومه أن يسرجوا في بيوتهم السرج إلى الصبح، وأن يستعيروا حلى القبط لتبقى لهم أو ليتبعوهم لأجل المال، وأخرج الله كل ولد زنا كان في القبط من بني إسرائيل إلى بني إسرائيل وكل ولد زنا كان في بني إسرائيل من القبط إلى القبط حتى يرجع كل ولد إلى أبيه وألقى الله الموت على القبط فمات كل بكر لهم فاشتغلوا بدفنهم وقيل: بلغ ذلك فرعون فقال لا أخرج في طلبهم حتى يصيح الديك فما صاح تلك الليلة ديك وخرج موسى في بني إسرائيل وهم ستمائة ألف وعشرون ألفاً لا يعدون ابن عشرين سنة لصغره، ولا ابن ستين سنة لكبره، وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب اثنين وسبعين إنساناً ما بين رجل وامرأة فلما أرادوا السير ضرب عليهم التيه فلم يدروا أين يذهبون فدعا موسى مشيخة بني إسرائيل وسألهم عن ذلك فقالوا: إن يوسف لما حضره الموت أخذ على إخوته عهداً أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم فلذلك انسد علينا الطريق فسألهم عن موضع قبره فلم يعلموه فقال موسى. ينادي أنشد الله كل من يعلم أين قبر يوسف إلا أخبرني به ومن لم يعلم صمت أذناه عن سماع قولي: فكان يمر بالرجل وهو ينادي فلا يسمع صوته حتى سمعته عجوز منهم فقالت له: أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطيني كل ما أسألك فأبى عليها وقال: حتى أسأل ربي فأمره أن يعطيها سؤالها فقالت: إني عجوز لا أستطيع المشي فاحملني معك وأخرجني من مصر هذا في الدنيا وأما في الآخرة فأسألك أن لا تنزل غرفة من غرف الجنة إلا نزلتها معك قال: نعم، قالت: إنه في النيل في جوف الماء فادع الله أن يحسر عنه الماء فدعا الله فحسر عنه الماء، ودعا الله أن يؤخر عنه طلوع الفجر حتى يفرغ من أمر يوسف، ثم حفر موسى ذلك الموضع فاستخرجه وهو في صندوق من مرمر وحمله معه حتى دفنه بالشام، فعند ذلك فتح لهم الطريق فسار موسى ببني إسرائيل هو في ساقتهم وهارون في مقدمتهم، ثم خرج فرعون في طلبهم في ألف ألف وسبعمائة ألف وكان فيهم سبعون ألفاً من دهم الخيل سوى سائر الشيات وقيل: كان معهن مائة ألف حصان أدهم وكان فرعون في الدهم وكان على مقدمة عسكر هامان، وكان فرعون في سبعة آلاف ألف وكان بين يديه مائة ألف ألف ناشب ومائة ألف ألف حراب ومائة في ألف ألف، معهم الأعمدة واسر بنو إسرائيل حتى وصلوا البحر والماء في غاية الزيادة، ونظروا حين أشرقت الشمس فإذا هم بفرعون في جنوده فبقوا متحيرين وقالوا: يا موسى أين ما وعدتنا به فكيف نصنع هذا فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا والبحر أمامنا إن دخلناه غرقنا، فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فضربه فلم يطعه فأوحى الله إليه أن كنه فضربه، وقال: انفلق يا أبا خالد فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وظهر فيه اثنا عشر طريقاً لكل سبط منهم طريق وارتفع الماء بين كل طريقين كالجبل وأرسل الله الريح والشمس على قعر البحر، حتى صار يبساً وخاضت بنو إسرائيل البحر كل سبط في طريق عن جوانبهم الماء كالجبل الضخم لا يرى بعضهم بعضاً فخافوا، وقال: كل سبط منهم قد هلك إخواننا فأوحى الله إلى جبال الماء أن تشبكي فصار الماء كالشباك يرى بعضهم بعضاً، ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ}. الإعلام بذلك حين التكليف ليكون المكلّف على تأهّب وبصبرة فلا يظهر له حين العمل الا ما دخل عليه، والخشوع هو استحضار التقصير في العمل وفق المجازاة عليه. قلت: بل الخشوع رقة في القلب سببها الخوف، وانظر في أسئلة الشيخ ابن رشد في أول مسألة من كتاب الصلاة.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ} جملة أمرية عطف على ما قبلها من الأوامر، ولكن اعترض بينهما بهذه الجمل. وأصل "اسْتَعِنُوا": "اسْتَعونُوا" ففعل فيه ما فعل في "نَسْتَعِين" وقد تقدم تحقيقه ومعناه. و "بالصبر" متعلّق به، والياء للاستعانة أو للسّببية، والمُسْتَعَان عليه محذوف ليعم جميع الأحوال المستعان عليها، واستعان يتعدّى بنفسه نحو: {أية : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}تفسير : [الفاتحة:5]، ويجوز أن تكون الباء للحال، أي: مُلْتَبِسِينَ بالصبر. والظَّاهر أنه يتعدّي بنفسه وبالباء، تقول: استعنت الله واستعنت بالله، وقد تقدم أن السِّين للطلب. والصّبر: الحبس على المكروه؛ ومنه: "قُتِلَ فُلاَنٌ صَبْراً"؛ قال: [الوافر] شعر : 454ـ فَصَبْراً في مَجَالِ المَوْتِ صَبْراً فَمَا نَيْلُ الخُلُودِ بِمُسْتَطَاعِ تفسير : و "المَصْبُورة" التي نهي عنها في الحديث هي المَحْبُوسة على الموت، وهي المجثمة. والصبر المأمور به هو الصَّبر على الطَّاعة، وعن المخالفة، وإذا صبر عن المَعَاصي فقد صبر على الطَّاعة. قال النحاسي: "ولا يقال لمن صبر على المصيبة: صابر إنما يقال: صابر على كذا". ويرده قوله تعالى: {أية : وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ}تفسير : [البقرة:155] ثم قال: {أية : ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ}تفسير : [البقرة:156] الآية. فصل في فضل الصلاة خص الصلاة بالذكر من بين سائر العِبَادات تنويهاً بذكرها. وكان عليه الصلاة والسَّلام "حديث : إذا حَزَبَهُ أمر فَزَعَ إلى الصَّلاة ". تفسير : ومنه ما روي عن عبد الله بن عَبَّاسِ أنه نُعي إليه أخوه قثم ـ وقيل بنت له ـ وهو في سَفَرٍ فاسْتَرجع وقال: عَوْرَةٌ سَتَرَها الله، ومُؤْنَةٌ كَفَاها الله، وأجْرٌ ساقه الله، ثم تَنَحَّى عن الطريق وصَلَّى، ثم انصرف إلى راحلته وهو يقرأ: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ}. فالصلاة على هذا التأويل هي الشرعية. وقال قوم: هي الدعاء على عرفها في اللُّغة، فتكون الآية على هذا التأويل مشبهة لقوله تعالى: {أية : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ}تفسير : [الأنفال:45]؛ لأن الثبات هو الصبر، والذكر هو الدعاء. وقال مجاهد: الصبر في هذه الآية الصَّوم، ومنه قيل لرمضان: شهر الصَّبْرِ، فجاء الصَّوم والصَّلاة على هذا القول في الآية متناسباً في أن الصِّيَام يمنع من الشَّهَوَات، ويزهد في الدنيا، والصَّلاة تنهى عن الفَحْشَاء والمُنْكَرِ، وتخشع، ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر الآخرة. وإنما قدم الصَّبر على الصلاة؛ لأن تأثير الصَّبر في إزالة ما لا ينبغي، وتأثير الصَّلاة في حصول ما ينبغي. وقد وصف الله ـ تعالى ـ نفسه بالصَّبْرِ كما في حديث أبو موسى عن النبي صلى الله عليه سلم قال: "حديث : ليس أَحَدٌ أو ليس شيء أَصْبَرَ على أَذًى سمعه من اللَّه ـ تعالى ـ إنهم ليدعون له ولداً وإنه ليُعَافِيهمْ ويَرْزُقُهُمْ"تفسير : . أخرجه البُخَاري. قال العلماء: وَصْفُ الله تعالى بالصبر إنما هو بمعنى الحِلْمِ، ومعنى وصفه ـ تعالى ـ بالحِلْمِ هو تأخير العقوبة عن مستحقِّيها، ووصْفُهُ ـ تعالى ـ بالصَّبْرِ لم يرد في التنزيل، وإنما ودر في حديث أبي موسى وتأوله أهل السُّنة على الحِلْمِ، قاله "ابن فورك" وغيره. وجاء في أسمائه "الصبور" للمبالغة في الحِلْمِ عمن عَصَاه. قوله: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} إن واسمها وخبرها، والضَّمير في "إنها" قيل: يعود على "الصلاة"، وإن تقدم شيئان؛ لأنها أغلب منه وأهم، وهو نظير قوله: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا}تفسير : [الجمعة:11] أعاد الضمير على التِّجَارة؛ لأنها أهم وأغلب، كذا قيل، وفيه نظر؛ لأن العطف بـ "أو" فيجب الإفراد، لكن المراد أنه ذكر الأهم من الشَّيئين، فهو نظيرها من هذه الجهة. وقيل: يعود على الاستعانة المفهومة من الفعل نحو: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [المائدة:8]. وقيل: على العبادة المَدْلُول عليها بالصَّبر والصلاة، وقيل: هو عائد على الصبر والصَّلاة، وإن كان بلفظ المفرد، وهذا ليس بشيء. وقيل: حذف من الأول لدلالة الثاني عليه؛ وتقديره: وإنه لكبيرٌ؛ نحو قوله: [الخفيف] شعر : 455ـ إنَّ شَرْخَ الشَّبَابِ والشَّعَرَ الأَسْـ ـوَدَ مَا لَمْ يُعَاصَ كَانَ جُنُونا تفسير : ولم يقل: "يُعَاصيا" ردّ إلى الشباب؛ لأن الشعر داخل فيه، وكذا الصَّبر لما كان داخلاً في الصلاة عاد عليها كما قال: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}تفسير : [التوبة:62]، ولم يقل: يرضوهما؛ لأن رضا الرسول داخلٌ في رِضَا الله عَزّ وجلّ. وقيل: ردّ الكتابة إلى كل واحد منهما، لكن حذف اختصاراً، كقوله: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً}تفسير : [المؤمنون:50]، ولم يقل: آيتين، وقال الشاعر: [الطويل] شعر : 456ـ فَمَنْ يَكُ أَمْسَى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإِنِّي وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ تفسير : أراد: "لَغَرِيبَانِ". وقيل: على إجابة محمد عليه الصَّلاة والسَّلام، لأنَّ الصبر والصَّلاة مما كان يدعو إليه، وقيل: على الكَعْبَةِ؛ لأن الأمر بالصَّلاة إنما هو إليها. قوله: "لَكَبِيرَةٌ": لشاقّة ثقيلة من قولك: كَبُرَ هذا عليَّ؛ قال تعالى: {أية : كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ}تفسير : [الشورى:13]. و {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} استثناء مُفَرّع، وجاز ذلك وإن كان الكلام مثبتاً، لأنه في قوة النفي، أي: لا تسهل ولا تخفّ إلا على هؤلاء. و "عَلَى الخَاشِعِين" متعلّق بـ "كبيرة" نحو: "كَبُرَ عليّ هذا" أي: عظم وشق. فإن قيل: إن كانت ثقيلةً على هؤلاء سهلةً على الخاشعين، فوجب أن يكون ثوابهم أكثر، وثواب الخاشعين أقلّ، وهذا باطل. فالجواب: ليس المراد أن الذي يلحقهم من التَّعب أكثر مما يلحق الخاشع، وكيف يكون ذلك، والخاشع يستعمل عند صلاته جوارِحَهُ وقَلْبَهُ وسمعه وبصره، ولا يغفل عن تدبُّر ما يأتي من الذِّكر، والتذلُّل والخضوع، وإذا تذكّر الوعيد لم يخل من حَسْرَةٍ وغَمّ، وإذا ذكر الوَعْدَ فكمثل ذلك، وإذا كان هذا فعل الخاشع فالثِّقْلُ عليه بفعل صلاته أعظم، وإنما المراد بقوله ـ هاهنا ـ لثقيلة على من لم يَخْشَعْ من حيث لا يعتقد في فعلها ثواباً، ولا في تركها عقاباً، فيصعب عليه فعلها؛ لأن الاشتغال بما لا فائدة فيه يثقل على الطَّبْعِ. و"الخشوع": الخضوع، وأصله: اللِّينُ والسُّهولة، ومنه "الخُشْعَةُ" للرَّمْلَةِ، وقيل: قطعة من الأرض رخوة، وفي الحديث "حديث : كَانَتْ خُشْعَةً على المَاءِ ثم دُحِيَتْ بَعْدُ"تفسير : أي: كانت الأرض لَيِّنَةً. وقال النابغة: [الطويل] شعر : 457ـ رَمَادٌ كَكُحْلِ العَيْنِ لأْياً أُبَيِّنُهُ ونُؤْيٌ كَجِذْمِ الحَوْضِ أَثْلَمُ خَاشِعُ تفسير : أي: عليه أثر الذُّل. وفرق بعضهم بين الخضوع والخشوع، فقال: الخضوع في البدن خاصّة، والخشوع في البَدَن والصّوت والبَصَرِ، فهو أعم منه.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله {واستعينوا بالصبر والصلاة} قال: إنهما معونتان من الله فاستعينوا بهما. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العزاء وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: الصبر اعتراف العبد لله بما أصاب منه، واحتسابه عند الله رجاء ثوابه، وقد يجزع الرجل وهو متجلد لا يرى منه إلا الصبر. وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب قال: الصبر صبران، الصبر عند المصيبة حسن، وأحسن منه الصبر عن محارم الله. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: الصبر في بابين، الصبر لله فيما أحب وإن ثقل على الأنفس والأبدان، والصبر لله عما كره وإن نازعت إليه الاهواء، فمن كان هكذا فهو من الصابرين الذين يسلم عليهم إن شاء الله تعالى. وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصبر أبو الشيخ في الثواب والديلمي في مسند الفردوس عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : الصبر ثلاثة: فصبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر على المعصية ". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده والترمذي وحسنه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان وفي الاسماء والصفات عن ابن عباس قال: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "حديث : يا غلام ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ قلت: بلى: قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم ليصيبك، وإن الخلائق لو اجتمعوا على أن يعطوك شيئاً لم يرد الله أن يعطيكه لم يقدروا على ذلك، أو أن يصرفوا عنك شيئاً أراد الله أن يعطيكه لم يقدروا على ذلك، وأن قد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، فإذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وإذا اعتصمت فاعتصم بالله، واعمل لله بالشكر في اليقين، واعلم أن الصبر على ما تكره خير كثير، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا ". تفسير : وأخرج الدارقطني في الإِفراد وابن مردويه والبيهقي والأصبهاني في الترغيب عن سهل بن سعد الساعدي. أن رسول الله صلىالله عليه وسلم قال لعبد الله بن عباس "حديث : ألا أعلمك كلمات تنتفع بهن؟ قال: بلى يا رسول الله. قال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، جف القلم بما هو كائن، فلو جهد العباد أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، ولو جهد العباد أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، فإن استطعت أن تعمل لله بصدق في اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس قال: كنت ذات يوم رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ألا أعلمك خصالاً ينفعك الله بهن؟ قلت: بلى. قال: عليك بالعلم فإن العلم خليل المؤمن، والحلم وزيره، والعقل دليله، والعمل قيمه، والرفق أبوه، واللين أخوه، والصبر أمير جنوده ". تفسير : وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان والخرائطي في كتاب الشكر عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الإِيمان نصفان: فنصف في الصبر، ونصف في الشكر ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الصبر نصف الإِيمان، واليقين الإِيمان كله ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والطبراني والبيهقي عن ابن مسعود موقوفاً مثله. وقال البيهقي: أنه المحفوظ. وأخرج البيهقي عن علي بن أبي طالب قال: الإِيمان على أربع دعائم: على الصبر والعدل واليقين والجهاد. وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن جابر بن عبد الله قال: "حديث : قيل يا رسول الله أي الإِيمان أفضل؟ قال: الصبر والسماحة. قيل: فأي المؤمنين أكمل إيماناً؟ قال: أحسنهم خلقاً ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي عن أبيه عن جده قال: بينا أنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه رجل فقال: " حديث : يا رسول الله ما الإِيمان؟ قال: الصبر والسماحة. قال: فأي الإِسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده. قال: فأي الهجرة أفضل؟ قال: من هجر السوء. قال: فأي الجهاد أفضل؟ قال: من أهرق دمه وعقر جواده. قال: فأي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل قال: فأي الصلاة أفضل؟ قال: طول القنوت ". تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي عن عبادة بن الصامت قال: قال رجل "حديث : يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: الصبر والسماحة. قال: أريد أفضل من ذلك. قال: لا تتهم الله في شيء من قضائه ". تفسير : وأخرج البيهقي عن الحسن قال: الإِيمان الصبر والسماحة الصبر عن محارم الله وأداء فرائض الله. وأخرج ابن أبي شيبة في كتاب الإِيمان والبيهقي عن علي قال: الصبر من الإِيمان بمنزلة الرأس من الجسد، إذا قطع الرأس نتن باقي الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الحسن. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"حديث : ادخل نفسك في هموم الدنيا واخرج منها بالصبر، وليردك عن الناس ما تعلم من نفسك ". تفسير : وأخرج البيهقي عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من قضى نهمته في الدنيا حيل بينه وبين شهوته في الآخرة، ومن مد عينيه إلى زينة المترفين كان مهيناً في ملكوت السماء، ومن صبر على القوت الشديد أسكنه الله الفردوس حيث شاء ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة والبيهقي واللفظ له عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : قد أفلح من أسلم وكان رزقه كفافاً وصبر على ذلك ". تفسير : وأخرج البيهقي عن أبي الحويرث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : طوبى لمن رزقه الله الكفاف وصبر عليه ". تفسير : وأخرج البيهقي عن عسعس "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رجلاً فسأل عنه، فجاء فقال: يا رسول الله إني اردت أن آتي هذا الجبل فأخلوا فيه واتعبد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لصبر أحدكم ساعة على ما يكره في بعض مواطن الإِسلام خير من عبادته خالياً أربعين سنة ". تفسير : وأخرج البيهقي من طريق عسعس بن سلامة عن أبي حاضر الأسدي "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد رجلاً فسأل عنه، فقيل: إنه قد تفرد يتعبد. فبعث إليه فأتى إليه فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إن موطناً من مواطن المسلمين أفضل من عبادة الرجل وحده ستين سنة. قالها ثلاثاً ". تفسير : وأخرج البخاري في الأدب والترمذي وابن ماجة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"حديث : المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أيكم يسره أن يقيه الله من فيح جهنم، ثم قال: ألا إن عمل الجنة خزن بربوة ثلاثاً، ألا إن عمل النار سهل لشهوة ثلاثاً، والسعيد من وقى الفتن ومن ابتلى فصبر، فيا لها ثم يا لها . . . ! ". تفسير : وأخرج البيهقي وضعفه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما صبر أهل بين على جهد ثلاثاً إلا أتاهم الله برزق ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من حديث ابن عمر. مثله. وأخرج البيهقي من وجه آخر ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : من جاع أو احتاج فكتمه الناس كان حقاً على الله أن يرزقه رزق سنة من حلال ". تفسير : وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: ما من مؤمن تقي يحبس الله عنه الدنيا ثلاثة أيام وهو في ذلك راض عن الله من غير جزع إلا وجبت له الجنة. وأخرج البيهقي عن شريح قال: إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات. أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجوا فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن الحسن قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال:"حديث : هل منكم من يريد أن يؤتيه الله علماً بغير تعلم وهدياً بغير هداية، هل منكم من يريد أن يذهب الله عنه العمى ويجعله بصيراً، ألا إنه من زهد الدنيا وقصر أمله فيها أعطاه الله علماً بغير تعلم وهدى بغير هداية، ألا إنه سيكون بعدكم قوم لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل والتجبر، ولا الغني إلا بالبخل والفخر، ولا المحبة إلا بالاستجرام في الدين واتباع الهوى، إلا فمن أدرك ذلك الزمان منكم فصبر للفقر وهو يقدر على الغنى، وصبر للبغضاء وهو يقدر على المحبة، وصبر على الذل وهو يقدر على العز، لا يريد بذلك إلا وجه الله أعطاه الله ثواب خمسين صديقاً ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد والبيهقي عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أفضل الإِيمان الصبر والسماحة ". تفسير : وأخرج مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال"حديث : إنه من يستعف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، ولم تعطوا عطاء خيراً وأوسع من الصبر ". تفسير : وأخرج أحمد في الزهد عن عمر بن الخطاب قال: وجدنا خير عيشنا الصبر. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ميمون بن مهران قال: ما نال رجلاً من جسيم الخير شيء إلا بالصبر. وأما قوله تعالى: {والصلاة} . أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله {واستعينوا بالصبر والصلاة} قال: على مرضاة الله، واعلموا أنهما من طاعة الله. وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير عن حذيفة قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر فزع إلى الصلاة". وأخرج ابن أبي الدنيا وابن عساكر عن أبي الدرداء قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت ليلة ريح كان مفزعه إلى المسجد حتى يسكن، وإذا حدث في السماء حدث من كسوف شمس أو قمر كان مفزعه إلى الصلاة". وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كانوا - يعني الأنبياء - يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس. أنه كان في مسير له، فنعي إليه ابن له، فنزل فصلى ركعتين ثم استرجع وقال: فعلنا كما أمرنا الله فقال {واستعينوا بالصبر والصلاة} . وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الشعب عن ابن عباس. أنه نعي إليه أخوه قثم وهو في مسير فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته وهو يقول {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} . وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عبادة بن محمد بن عبادة بن الصامت قال: لما حضرت عبادة الوفاة قال: أحرج على إنسان منكم يبكي، فإذا خرجت نفسي فتوضئوا وأحسنوا الوضوء، ثم ليدخل كل إنسان منكم مسجداً فيصلي، ثم يستغفر لعباده ولنفسه فإن الله تبارك وتعالى قال {واستعينوا بالصبر والصلاة} ثم أسرعوا بي إلى حفرتي. وأخرج عبد الرزاق في المصنف والبيهقي من طريق معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أمه أم كلثوم بنت عقبة وكانت من المهاجرات الأول في قوله {واستعينوا بالصبر والصلاة} قالت: غشي على عبد الرحمن بن عبد الرحمن غشية، فظنوا أنه افاض نفسه فيها، فخرجت امرأته أم كلثوم إلى المسجد تستعين بما أمرت به من الصبر والصلاة، فلما أفاق قال: أغشي عليّ آنفاً؟ قالوا: نعم. قال: صدقتم، إنه جاءني ملكان فقالا لي: انطلق نحاكمك إلى العزيز الأمين، فقال ملك آخر: ارجعا فإن هذا ممن كتبت له السعادة وهم في بطون أمهاتهم ويستمتع به بنوه ما شاء الله، فعاش بعد ذلك شهراً ثم مات. وأخرج البيهقي في الشعب عن مقاتل بن حبان في قوله {واستعينوا بالصبر والصلاة} يقول: استعينوا على طلب الآخرة بالصبر على الفرائض والصلاة، فحافظوا عليها وعلى مواقيتها وتلاوة القرآن فيها، وركوعها وسجودها وتكبيرها والتشهد فيها والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وإكمال ظهورها فذلك إقامتها، وإتمامها قوله {وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} يقول: صرفك عن بيت المقدس إلى الكعبة كبر ذلك على المنافقين واليهود {إلا على الخاشعين} يعني المتواضعين. وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله {وإنها لكبيرة} قال: لثقيلة. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {وإنها لكبيرة} قال: قال المشركون: والله يا محمد إنك لتدعونا إلى أمر كبير. قال: إلى الصلاة والإِيمان بالله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {إلا على الخاشعين} قل: المصدقين بما أنزل الله. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله {إلا على الخاشعين} قال: المؤمنين حقاً. وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله {إلا على الخاشعين} قال : الخائفين:
ابو السعود
تفسير : {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ} متصلٌ بما قبله كأنهم لما كُلفوا ما فيه من مشقةٌ من ترك الرياسةِ والإعراضِ عن المال عولجوا بذلك والمعنى استعينوا على حوائجكم بانتظار النُّجْحِ والفرَج توكلاً على الله تعالى أو بالصوم الذي هو الصبرُ عن المفطِرات لما فيه من كسر الشهوةِ وتصفيةِ النفس والتوسل بالصلاة والالتجاءِ إليها فإنها جامعةٌ لأنواع العبادات النفسانية والبدنية، من الطهارة وسترِ العورة وصرفِ المال فيهما والتوجهِ إلى الكعبة والعكوفِ على العبادة وإظهارِ الخشوعِ بالجوارحِ وإخلاصِ النية بالقلب ومجاهدةِ الشيطان ومناجاة الحقِّ وقراءةِ القرآنِ والتكلمِ بالشهادة وكفِّ النفسِ عن الأطيبَـيْنِ حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب. روي أنه عليه السلام كان إذا حزَّ به أمرٌ فزِعَ إلى الصلاة ويجوز أن يُرادَ بها الدعاء {وَإِنَّهَا} أي الاستعانةَ بهما أو الصلاة وتخصيصَها بردِّ الضمير إليها لعِظم شأنِها واشتمالِها على ضروبٍ من الصبر كما في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَـٰرَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّواْ إِلَيْهَا } تفسير : [الجمعة، الآية 11] أو جُملةِ ما أُمروا بها ونُهوا عنها {لَكَبِيرَةٌ} لثقيلة شاقةٌ كقوله تعالى: {أية : كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ } تفسير : [الشورى، الآية 13] {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ} الخشوعُ الإخباتُ ومنه الخشْعةُ للرملة المتطامنةِ والخضوعُ اللين والانقيادُ ولذلك يقال: الخشوعُ بالجوارح والخضوعُ بالقلب وإنما لم تثقُلْ عليهم لأنهم يتوقعون ما أُعد لهم بمقابلتها فتهونُ عليهم ولأنهم يستغرقون في مناجاة ربِّهم فلا يُدركون ما يجري عليهم من المشاقِّ والمتاعبِ، ولذلك قال عليه السلام: «حديث : و[جُعِلَ] قُرَّةُ عيني في الصَّلاة» تفسير : والجملةُ حاليةٌ أو اعتراضٌ تذيـيلي {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رٰجِعُونَ} أي يتوقعون لقاءَه تعالى ونيلَ ما عنده من المثوبات، والتعرضُ لعنوان الربوبـية مع الإضافة إليهم للإيذان بفيضَان إحسانِه إليهم أو يتيقنون أنهم يُحشرون إليه للجزاءِ فيعمَلون على حسب ذلك رغبةً ورهبة، وأما الذين لا يوقنون بالجزاء ولا يرجُون الثوابَ ولا يخافون العقابَ كانت عليهم مشقةً خالصةً فتَثْقُلُ عليهم، كالمنافقين والمرائين، فالتعرُضُ للعنوان المذكور للإشعار بعلِّية الربوبـيةِ والمالكيةِ للحُكْم، ويؤيده أن في مصحفِ ابنِ مسعود رضي الله عنه (يعلمون) وكأن الظنَّ لما شابه العلم في الرُّجحان أطلق عليه لتضمين معنى التوقع قال: شعر : فأرسلْتُه مستيقِنَ الظنِّ إنه مخالطُ ما بـين الشراسيفِ جائفُ تفسير : وجعل خبر إن في الموضعين اسماً للدلالة على تحقق اللقاء والرجوعِ وتقرُّرِهما عندهم {يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} كُرر التذكيرُ للتأكيد ولربط ما بعده من الوعيد الشديدِ به {وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ} عطفٌ على نعمتيَ عطفَ الخاصِّ على العامِّ لكماله أي فضلتُ آباءَكم {عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي عالَمِي زمانِهم بما منحتُهم من العلم والإيمانِ والعملِ الصالحِ وجعلتُهم أنبـياءَ وملوكاً مُقسِطين، وهم آباؤهم الذين كانوا في عصر موسى عليه السلام وبعده قبل أن يغيّروا.
التستري
تفسير : وسئل عن قوله: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ}[45] الآية، فقال: الصبر ها هنا الصوم والصلاة وصلة المعرفة، فمن صحت له الصلاة، وهي الوصلة، لم يبقَ له على الله تهمة، إِذ السؤال تهمة، ولا يبقى السؤال مع الوصلة، ألا ترى إلى قوله: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ}[45].
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ...} الآية. قال سهل بن عبد الله: استعينوا بها على إقامة الدين وثبات اليقين. قال ابن عطاء: استعينوا بهما على البلوغ إلى درك الحقائق، وقال أبو عثمان: استعينوا بهما على فراغة أوقاتكم. {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} الآية. قال: لمن خشع قلبه وروحه وسره لموارد الهيبة وطوالع الإجلال. قال أبو عثمان: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} قال: لمن ذلت جوارحه للعبادات فرحاً بمجل خطاب الآمر فيه. وقال بعض العراقيين: استعينوا بالصبر عمن دون الله والصلاة الوقوف بحسن الأدب مع الله، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين إلا على من أيد فى الأزل بخصائص الاجتباء. وقال بعضهم: استعينوا بى فى الصبر والصلاة فإنهما لا يحصلان لكم إلا بمعونتى.
القشيري
تفسير : الصبر فطم النفس عن المألوفات، والصلاة التعرُّض لحصول المواصلات، فالصبر يشير إلى هجران الغَيْر، والصلاة تشير إلى دوام الوقوف بحضرة الغيب، وإن الاستعانة بهما لخصلة شديدة إلا على من تجلَّى الحق لِسِرِّه فإِن في الخبر المنقول: "حديث : إن الله تعالى إذا تجلَّى لشيءٍ خشع له"تفسير : . وإذا تجلَّى الحق، خَفَّ وسَهُلَ ما توقَّى الخلْق؛ لأن التوالي للطاعات يوجب التكليف بموجب مقاساة الكلفة، والتجلي بالمشاهدات - بحكم التحقيق - يوجب تمام الوصلة ودوام الزلفة. ويقال استعينوا بي على الصبر معي، واستعينوا بحفظي لكم على صلاتكم لي، حتى لا تستغرقكم واردات الكشف والهيبة، فلا تقدرون على إقامة الخدمة. وإن تخفيف سطوات الوجود على القلب في أوان الكشف حتى يقوى العبد على القيام بأحكام الفرق لِمَنَّةٌ عظيمة من الحق. وأقسام الصبر كلها محمودة الصبر في الله، والصبر لله، والصبر بالله والصبر مع الله إلا صبراً واحداً وهو الصبر عن الله: شعر : والصبر يحسن في المواطن كلها إلا عليك فإنه مذموم
البقلي
تفسير : {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ} استعينوا بالصّبر في طلب المقامات والصلوة في طلب المشاهدات ايضا استعينوا بالصر تزكية الاشباح وبالصّلوة في تربية الارواح وقال ابن عطا استعينوا على البلوغ الى درك الحقائق وقال ابو عثمن استعينوا بهما على رعاية اوقاتِكم وقال بعض العراقيين استعينوا بالصبر عن دون الله والصلوة وبالوقوف بحسن الادب مع الله {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} لانّ في صوم الرّجال امساك عَمّا سوى الله وفي صلوة اهل الكمال عُذوبة القلب من طلب مناجات الربّ ولا يستعملها الامن خَشَع نفسه في العبودية وعشق قلبه بالرّبوبيّة وايضاً امرهم بالعبودية وارشدّهم الى جميع العبادة وهي الصوم والصلوة واضاف تساهلها الى اهل الخشوع لانها الكبيرة على العَاشقين وقال ابو عثمن لمن يخشع قلبه وروحه وسِرّه بوارد الهيبة وطوالع الاجلال وقال بعضهم لمن ايد في الازلى تخصيصُ الاجتباء وقال ابن عطا انها الكبيرة لا على من تحقق ايمانه وخَشَع سرّه لعظمتى واحترق احشاوه خوفاً من قطيعتى.
اسماعيل حقي
تفسير : {واستعينوا} يا بنى اسرائيل على قضاء حوائجكم {بالصبر} اى بانتظار الظفر والفرج توكلا على الله تعالى او بالصوم الذى هو صبر عن المفطرات لمافيه من كسر الشهوة وتصفية النفس {والصلوة} اى التوسل بالصلاة والالتجاء اليها حتى تجابوا إلى تحصيل المآرب وجبر المصائب كانهم اى بنى اسرائيل لماامروا بماشق عليهم لما فيه من ترك الكلفة وترك الرياسة والاعراض عن المال عولجوا بذلك. روى انه عليه السلام كان اذا حزبه امر فرع الى الصلاة وروى ان ابن عباس رضى الله عنهما نعى له بنت وهو في سفر فاسترجع وقال عورة سترها الله ومؤونة كفاها الله واجر ساقه الله ثم تنحى عن الطريق وصلى ثم انصرف الى راحتله وهو يقرأ واستعينوا بالصبر والصلاة {وانها} اى الاستعانة بهما {لكبيرة} لثقيلة ساقه كقوله تعالى{أية : كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} تفسير : [الشورى: 13]. {الا على الخاشعين} اى المخبتين الخائفين والخشوع بالجوارح والخضوع بالقلب او الخشوع بالبصر والخضوع بسائر الاعضاء وانمالم يثقل عليهم لانهم يستغرقون في مناجاة ربهم فلا يدركون ما يجرى عليهم من المشاق والمتاعب لذلك قال صلى الله عليه وسلم "حديث : وقرة عينى في الصلاة ." تفسير : ان اشتغاله عليه السلام بالصلاة كان راحة له وكان يعد غيرها من الاعمال الدنيوية تعبا.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: الصبر: هو حبس القلب على حكم الرب، فيحتمل أن يراد به ظاهره، أو يراد به هنا الصوم، لأن فيه الصبر عن الشهوات. والخشوع في الجوارع: سكونها وذُلها، والخضوع في القلب: انقياده لحكم الرب. يقول الحقّ جلّ جلاله: يا مَن ابتلي بالرئاسة والجاه، استكبر عن الانقياد لأحكام الله؛ التي جاءت بها الرسل من عند الله، استعن على نفسك {بالصبر} على قطع المألوفات، وترك الحظوظ والشهوات، وأصل فروعها حب الرئاسة والجاه، فمن صبر على تركهما فاز برضوان الله. وفي الحديث: "حديث : وفي الصبر على ما تكرَهُ خيرٌ كثير ". تفسير : قال الشاعر: شعر : والصَّبْرُ كالصْبرِ مُرٌ في مذَاقَتِه لَكِنْ عَواقِبُه أحلَى مِن العسلِ تفسير : أو: {وَاسْتَعِينُوا} بالصوم {وَالصَّلاةِ}، فإن في الصوم كَسْرَ الشَّهْوَةِ وتصفية النفس، فإذا صفت النفس من الرذائل تحلت بأنواع الفضائل، كالتواضع والإنصاف، والخشوع وسائر سني الأوصاف، وفي الصلاة أنواع من العبادات النفسية والبدنية، كالطهارة، وستر العورة، وصرف المال فيهما، والتوجه إلى الكعبة، والعكوف للعبادة، وإظهار الخشوع بالجوارح، وإخلاص النبيّة بالقلب، ومجاهدة الشيطان، ومناجاة الرحمن وقراءة القرآن، وكف النفس عن الأطْيَبَيْنِ، وفي الصلاة قضاء المآرب وجبر المصائب، ولذلك كان - عليه الصلاة والسلام - إذا حزّ به أمر فزع إلى الصلاة، {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} أي: شاقة على النفس؛ لتكريرها في كل يوم، ومجيئها وقت حلاوة النوم، {إلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} الذين سكنت حلاوتها في قلوبهم، وتناجوا فيها مع ربهم، حتى صارت فيها قُرَّة عينهم. الذين يتيقنون {إَنَّهُمْ مُّلاقُوا رَبِّهِمْ} فيتنعمون بالنظر إلى وجه الكريم، ويتيقنون أيضاً أنهم راجعون إلى ربهم بالبعث والحشر للثواب والعقاب، وإنما عبَّر الحق تعالى هنا بالظن في موضع اليقين إبقاء على المذنبين، وتوفراً على العاصين، الذين ليس لهم صفاء اليقين؛ إذ لو ذكر اليقين صرفاً لخرجوا من الجملة، فسبحانه من رب حليم، وجواد كريم. اللهم امنن علينا بصفاء المعرفة واليقين، حتى لا يختلج قلوبنا وَهْمٌ ولا ريب، يا رب العالمين. الإشارة: يا من رام الدخول إلى حضرة الله، تذلل وتواضع لأولياء الله، وتجرّع الصبر في ذلك كي يدخلوك حضرة الله، كما قال القائل: شعر : تَذللْ لِمنْ تهْوى؛ فَلَيْسَ الهوَى سَهْلُ إذا رَضِي المَحْبُوبُ صَحَّ لكَ الوَصْلُ تفسير : فإن منعك من ذلك حب الرئاسة والجاه، فاستعن على ذلك بالصبر والصلاة، فإن الصبر عنوان الظفر، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. فأدمن قرع الباب حتى تدخل مع الأحباب، فالإدمان على عبادة الصلاة أمره كبير، إلا مَن خلص إلى مناجاة العلي الكبير، وتحقق بملاقاة الشهود والعيان، ورجع إلى مولاه في كل أوان، فإن الصلاة حينئذٍ تكون له من قرّة العين. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. ولما أمرهم بالأصول والفروع، ذكَّرهم بالنعم، وخوفهم بالوعيد على عدم شكرها.
الطوسي
تفسير : قال الجبائي: هذا خطاب للمؤمنين دون أهل الكتاب. وقال الطبري، والرماني: هو خطاب لأهل الكتاب، ويتناول المؤمنين على وجه التأديب. والأقوى أن يكون خطاباً لجميع من هو بشرائط التكليف، لفقد الدلالة على التخصيص، واقتضاء العموم ذلك. فمن قال: إنه خطاب لأهل الكتاب، قال: لأنه قال: واستعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتكم في كتابكم عليه: من طاعتي، واتباع أمري واتباع رسولي، وترك ما نهيتكم عنه، والتسليم لأمري ولمحمد "صلى الله عليه وسلم" بالصبر والصلاة. اللغة: وأصل الصبر: هو منع النفس محابها، وكفها عن هواها. ومنه الصبر على المصيبة، لكفه نفسه عن الجزع. وقيل لشهر رمضان: الصبر، لصبر صائمه عن الطعام والشراب نهاراً وصبرت إياهم صبرة: حبسه لهم، وكفه إياهم عنه، كما يصبر الرجل القتيل، فيحبسه عليه، حتى يقتله صبراً يعني حبسه عليه، حتى قتله. والمقتول: مصبور. والقاتل: صابر. والصبر. واللبث، والحبس، نظائر. والصبر: ضد الجزع. وأنشد أبو العباس: شعر : فان تصبرا، فالصبر، خيرُ معيشة وإن تجزعا، فالأمر ما تريان تفسير : ويقال: صبر صبراً. وتصبر تصبراً. واصطبر، اصطباراً. وتصابر تصابراً. وصابره مصابرة. قال صاحب العين: الصبر: نصب الانسان للقتل. فهو مصبور. يقال: صبروه أي نصبوه للقتل. ويقال: صبرته أي حلفّته بالله جهد نفسه. وكل من حبسته لقتل أو يمين، فهو قتل صبر ويمين صبر. والصبر: عصارة شجر معروف. والصبار: تمر الهند. وصبر الاناء ونحوه: نواحية. وأصبار القبر: نواحيه. والصبرة من الحجارة: ما اشتد وغلظ. والجمع: الصبّار. وأم صبار: هي الداهية الشديدة. وصبر كل شيء: أعلاه. وصبير القوم: الذي يصبر معهم في أمرهم وصبر الخِوان: رقاقة غليظة تبسط تحت ما يؤكل من الطعام. وتقول: اشتريت الشيء بلا صبر أي بلا كيل والصبير: الكفيل واصل الباب: الصبر الذي هو الحبس. المعنى: والصبر خلق محمود، أمر الله تعالى به ودل عليه، فقال: {أية : واصبر وما صبرك إلا بالله} تفسير : وقال: {أية : اصبروا وصابروا} تفسير : وقال: {أية : وبشر الصابرين} تفسير : وقال: {أية : واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}تفسير : وفى الحديث: حديث : اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر تفسير : وذلك فيمن أمسكه حتى قتله آخر فأمر بقتل القاتل، وحبس الممسك. والصبر المأمور به في الآية، قيل: فيه قولان: أحدهما ـ الصبر على طاعته واجتناب معصيته. والثاني ـ أنه الصوم. وفي الصلاة ها هنا قولان: أحدهما ـ الدعاء. والثاني ـ أنها الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود. وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا أحزنه أمر، استعان بالصلاة والصوم. ووجه الاستعانة بالصلاة، لمكان ما فيها من تلاوة القرآن والدعاء والخضوع لله تعالى، والاخبات. فان في ذلك معونة على ما تنازع اليه النفس من حب الرياسة والانفة من الانقياد إلى الطاعة. والضمير في قوله: {وإنها لكبيرة} عائد على الصلاة عند أكثر المفسرين. وقال قوم: عائد إلى الاجابة للنبي (عليه السلام) وهذا ضعيف، لأنه لم يجر للاجابة ذكر ولا هي معلومة، إلا بدليل غامض. وليس ذلك كقوله {إنا أنزلناه} لأن ذلك معلوم ورد الضمير على واحد، وقد تقدم ذكر شيئيين فيه قولان: أحدهما: ـ انها راجعة إلى الصلاة دون غيرها على ظاهر الكلام، لقربها فيه ولأنها الأهم والأفضل ولتأكيد حالها وتفخيم شأنها وعموم فرضها. والآخر ـ ان يكون المراد الاثنين وان كان اللفظ واحداً كقوله: {أية : والله رسوله أحق أن يرضوه} تفسير : قال الشاعر: شعر : اما الوسامة او حسن النساء فقد اوتيت منه أوانّ العقل محتنك تفسير : وقال البرجمي: شعر : فمن يك امسى بالمدينة رحله فاني وقيار بها لغريب تفسير : وقال ابن احمد: شعر : رماني بأمر كنت منه ووالدي برياً ومن طول الطوي رماني تفسير : وقال آخر: شعر : نحن بما عندنا وانت بما عندك راضٍ والرأي مختلف تفسير : وقوله {وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها}. قال قوم: اللفظ واحد والمراد به اثنان. وقال الفرّاء: راجع إلى التجارة لأن تجارةً جاءت فضربوا بالطبل فانصرف الناس اليها. والاستعانة في الآية المامور بها على ما تنازع اليه نفوسهم من حب الرياسة وغلبة الشهوة للذة العاجلة والاستعانة بالصبر على المشقة بطاعة الله. ومعنى (الكبيرة) ها هنا أي ثقيلة ـ عند الحسن والضحاك. وأصل ذلك ما يكبر ويثقل على الانسان حمله، كالأحمال الجافية التي يشق حملها، فقيل لما يصعب على النفس، وان لم يكن من جهة الحمل ـ يكبر عليها. تشبيهاً بذلك. وقوله: {إلا على الخاشعين} اللغة: فالخشوع، والخضوع، والتذلل، والاخبات، نظائر. وضد الخضوع: الاستكبار. يقال: خشع خشوعاً. وتخشع تخشعاً. قال صاحب العين: خشع الرجل يخشع خشوعاً: إذا رمى ببصره الأرض. واختشع: إذا طأطأ رأسه كالمتواضع. والخشوع قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن، والاقرار بالاستخدام. والخشوع في الصوت والبصر. قال الله تعالى: {خاشعة أبصارهم} و {أية : وخشعت الأصوات للرحمن}. تفسير : أي سكنت. وأصل الباب: من اللين والسهولة من قولهم: نقاً خاشعاً: للأرض التي غلبت عليها السهولة. والخاشع: الأرض التي لا يهتدى إليها بسهولة، لمحو الرياح آثارها. والخاشع، والمتواضع، والمتذلل، والمسكين، بمعنى واحد قال الشاعر: شعر : لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشع تفسير : وخاشع: صفة مدح، لقوله: {والخاشعين والخاشعات} وإنما خص الخاشع بأنها لا تكبر عليه، لأن الخاشع قد تواطأ ذلك له، بالاعتياد له، والمعرفة بماله فيه، فقد صار بذلك بمنزلة ما لا يشق عليه فعله، ولا يثقل تناوله وقال الربيع بن أنس: {الخاشعين} في الآية: الخائفون.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : "الصبر" في اللُّغة منْع النفس محابَّها وكفّها عن هواها، ولا بدّ للصبر من قوّة في الإنسان بها يصبِر عن الملذّات، ويصبر على المعاصي؛ لأنّ لكلّ فعل وأثر مبدأ لا محالة، ومبدأ الأفعال والانفعالات يسمّى عند أهل الحِكمة "قوّة". ففي الإنسان قوّة تسمى بالصبر، تسميةً للشيء باسم سببه، كما أنّ له قوّة تسمّى بالشهوة، وهاتان متقابلتان تقابل التضادّ وسيأتي تحقيق التضادّ بينهما. قال سهل بن عبد الله: الصبر انتظار الفرَج من الله، وهو أفضل الخدمة وأعلاها. وقال بعضهم: الصبر أن تصبِر على الصبْر بأن لا تطالع فيه الفرَج. ومن أقسامه الصبر على المعصية، بكفّ الصابر نفسَه عن الجزع، ويقال: "فلان قُتل صَبراً" وهو أن يُنصب للقتل ويُحبس عليه حتى يقتل. وفي الحديث: "حديث : أُقتلُوا القاتلَ، واصبروا الصابِرَ" تفسير : وذلك فيمن أمسَكه حتّى قتلَه آخر، فأمِر بقتل القاتِل وحبس المُمسك. والخشوع، والخضوع، والاخبات، نظائر. وضد الخُشوع: الاستكبار، و "خشَع الرجل" إذا رمى ببصره إلى الأرض. و "اختشَع" إذا طأطأ رأسه كالمتواضع وهو قريب المعنى بالخضوع إلاّ أنّ الخضوع في البدن والأعضاء، والخشوع في الصوت والبصر. قال سبحانه {أية : خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ} تفسير : [القلم:43] و {أية : خَشَعَتِ ٱلأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَـٰنِ} تفسير : [طه:108]. أي: سكنت. واختُلف في مَن نزلت الآية؟ فقومٌ قالوا: المخاطبون هم المؤمنون، إذ لا صلاة لغيرهم ولا صبر يتصور لهم على أمور وعن أمور لم يعرفوا أحكامها عن دين محمد (صلى الله عليه وآله). وهذا ضعيفٌ، لتعبّد غيرهم بصلاة وصبر في الجملة، وإن لم يتعبّدوا بهما على هذه الكيفيّة، لأنّ كلّ أحد يعلم بعقله الذي هو حجّة الله عليه أنَّ الصبر على ما يجب الصبرُ عليه حسَن، وأنّ الصلاة التي هو التواضع، والتذلّل للمعبود الأوّل، والاشتغال بذكره، وعرفانه، تُريح القلبَ عن محَن الدنيا وآفاتها. وقوم قالوا: هم اليهود، وتتناول المسلمين على وجه التأديب. والأولى أن تكون خطابات القرآن غير مختصّة بقوم دون قوم، لتكون قوانينه كلّية عقليّة - كما مر - . فمَن خصّص الخطاب باليهود قال: إن حبّ الرياسة والترفّعات التي تكون لعلماء الدنيا، الراغبين في المناصب - كالقضاء، والحكومة، والإمامة، والشيخوخة، والوعظ، والحسبة، وغيرها - كانت تمنعهم عن اتّباع النبي (صلى الله عليه وآله)، لأنّهم خافوا زوال الرئاسة إذا اتّبعوه، فأمَرهم الله تعالى بالاستعانة فقال: {وَٱسْتَعِينُواْ} على الوفاء بعهدي الذي عاهَدتكم في كتابكم عليه في طاعتي، واتّباع أمري، وترك ما نهيتكم عنه، والتسليم لأمري، واتّباع رسولي محمّد (صلى الله عليه وآله) {بِٱلصَّبْرِ} على ما أنتم فيه من ضيق المعاش، وفوت الجاه الذي تأخذون الأموال من عوامكم بسببه. والمروي عن أئمتنا (عليهم السلام) انّ المراد بالصوم الصبر. وجاء في الحديث: "حديث : وهو شهرُ الصبْر" تفسير : لشهر رمضان، لأنّ الصائم يصبِر نفسَه ويكفّها عمّا يُفسد الصيام، فيكون فائدة الاستعانة به أن يذهب بالشَّره وهَوى النفْس، فإنّ سدَّ آفة الشهوة بالجوع يوجِب سدّ سائر الآفات، كآفة الغضب، والتكبّر، وحبّ الجاه، وغيرها، إذ الجميع ممّا يتقوَّى بقوّة البدن من الطعام والشراب. ولذلك ورَد في الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "حديث : الصومُ وِجاءٌ" تفسير : وقال: "حديث : سدُّوا مجَاري الشيطان بالجوع" تفسير : إذ الشيطان مركبُه الدم، كما ورد في قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : إن الشيطانَ يجري من ابنِ آدمَ مجرَى الدم" تفسير : ولا شكّ في أنّ تقليل الغذاء يوجب تقليل الكيموس الصالح للدم، وبقلّة الدم يضعف جنودُ الشيطان، كالشهوة، والغضَب، والتكبر، والرياسة، وسائر المهلكات. وفائدة الاستعانة بالصلاة، أنّ هذه الآفات كلّها، منشؤها الاحتجاب عن عالَم النور وما عند الله من الخَير والسعادة، بالانكباب إلى عالَم الظلمة والزور، وعند الاشتغال بالصلاة يتلى فيها ما يذكّر العهد القديم، ويرغّب إلى ما عند الله، ويزهّد في الدنيا، وحبّ الرياسة. قال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [العنكبوت:45]. ولأنّها تتضمّن التواضع والتذلّل لله بوضع الجبهة التي هي أشرف الأعضاء على الأرض، فيدفع حبّ الجاه والرئاسة عن القلب، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا حزبه أمر من أمور الدنيا يستعين بالصوم والصلاة، ويقول: "حديث : أرِحنا يا بِلال ". تفسير : ومَن قال: "إنّ الخطاب بها للمسلمين" قال: المراد به {ٱسْتَعِينُواْ} على تحصيل الآخرة، وما تنجّز وعدُه للمؤمنين من الدرجات العالية، والمقامات الرفيعة، أو على مشقّة التكاليف الدينية {بِٱلصَّبْرِ} أي بحبس النفس على الطاعات، وحبسها عن المعاصي والشهوات وبـ {ٱلصَّلاَةِ} لما فيهما من مجامع العبادات القلبيّة، والبدنيّة، من الطهارة البدنيّة عن الأخباث والأرواث، والطهارة النفسانيّة عن نجاسة العقائد الفاسدة، كالكفر وقصد الرياء، وستر البدن بالثوب الساتر للسوئتين، وكفّ النفس عن الأطيبين، وصرْف المال في الطَّهور والساتر، والتوجّه بالبدن إلى بيت الله، وبالقلب إلى وجه الله، والعُكوف للعبادة باخلاص النيّة، وخشوع الجوارح، واتعابها، وتسخير القوى واستعمالها في سبيل الطاعة، ومجاهدة جنود الشيطان، وأبناء الظلمات في التقرّب إلى نور الأنوار، ومناجاة الحقّ بخطابه وقراءة كتابه، والتدبّر في آياته، وذكر مصير الخلْق إليه ورُجوعهم إلى دار ثوابه أو دار عقابه، والاقرار بتوحيده، وحقيَّة رسوله بالشهادتين والصلاة عليه وآله. فليس في العبادات شيءٌ أفضل من الصلاة لكونها أجمع الحسَنات والقُربات. وقال بعضهم: ليس في أفعال القلوب أعظم من الصبر، ولا في أفعال الجوارح أعظم من الصلاة، فالأمر بالاستعانة بهما. وروي عن جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: ما يمنع أحدكم إذا دخل عليه غمٌ من غموم الدنيا أن يتوضّأ، ثمّ يدخل المسجد فيركع ركعتين يدعو الله فيهما. أما سمعتم قوله تعالى: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ} وقوله: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ}. قيل في إعادة هذا الضمير وجوه: أحدها - وهو قول الأكثرين -: إنّه عائد إلى الصلاة لأنّها الأقرب، ولعموم جدواها، وشمول فرضها واستجماعها ضُروباً من الصبر، وتأكيد حالها، وتفخيم شأنها. وثانيها: إنّه عائدٌ إليها ظاهراً. والمراد به الاثنان وإن كان الضمير واحداً، ويشهد لذلك قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة:34]. وقوله: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} تفسير : [الجمعة:11]. وقوله: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة:62]. وكقول القائل: "أنتَ بما عندك وأنا بما عندي راضٍ". وثالثها: إنّه عائد إلى الاستعانة التي يدلّ عليها قوله {وَٱسْتَعِينُواْ}. ورابعها: إنّه عائد إلى جميع الأمور التي سبَق ذكرُها ممّا أُمر بها بنو إسرائيل ونهوا عنها من قوله: {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي} تفسير : [البقرة:40] إلى قوله: {وَٱسْتَعِينُواْ}. وخامسها: أن يكون عائداً إلى محذوف، وهو الاجابة للنبي (صلى الله عليه وآله) - عن الأصم - أو مؤاخذة النفس بهما، أو تأدية ما تقدّم، أو تأدية الصلاة، أو ضروب الصبر عن المعاصي. وهذه الوجوه الأخيرة ضعيفة، لأنّه لم يسبق لها ذكْر. وربما قيل: إن العربيّ قد يضمر الشيء اختصاراً، ويقتصر فيه على الايماء إذا وثق بعلم المخاطب به، كما في قوله تعالى: {أية : وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَآبَّةٍ} تفسير : [فاطر:45]. ولا ذِكْر للأرض. وكقول القائل: "ما عليها أفضَل من فلان" يعني الأرض. أو كقوله: "ما بين ساكنيها أعلم من فلان" يعني المدينة. فصل في الكشف عن ماهيّة الصبر محاذياً لما ذكَره بعض المحقّقين اعلم أنّ الصبر منزل من منازل السالكين، ومقام من مقامات الدين، وجميع مقامات الصالحين إنّما ينتظم من ثلاثة أمور: معارفٌ، وأحوالٌ، وأعمالٌ. فإنّ القلب الإنساني بمنزلة مرآة بالقوّة. فالأعمال بمنزلة تصقيلها وتنقيتها عن الريون، والأخباث، والطبائع، والكدورات، والأحوال بمنزلة صفائها ونقائها ومواجهتها للمطلوب، والمعارف عبارةٌ عن حضور صوَر الحقّ المطلوب فيها. فالأعمال تراد للأحوال، والأحوال تراد للمعارف - هذا نظر المحقّقين - . وأمّا المحجوبين: فزَعموا عكسَ ما ذكرناه، وهو أن تحصيل العلوم للأحوال، وثمرةُ الأحوال الأعمالُ: لِما سمعوا أنَّ العلم بدون العمل وبالٌ، وما ورَد في الخبر: "حديث : نعوذُ بالله مِن علم لا ينفع" تفسير : وأمثال ذلك. ولم يعلموا أنّ المراد منه علومُ الأعمال - لا علوم المكاشفات الحاصلة من الأحوال - ولم يتدبّروا في قوله تعالى: {أية : وَٱعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ ٱلْيَقِينُ} تفسير : [الحجر:99]. وقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : ربّ زِدني علماً" تفسير : وقوله: "حديث : نعوذُ بكَ من أن أقولَ في العلْم بغير علْمٍ، وأن أعمَل في الدين بغير يقين" تفسير : وقوله (عليه السلام): "حديث : قصَمَ ظَهري رَجلان: عالِمٌ متهتّكٌ، وجاهلٌ متنسّكٌ ". تفسير : نعم المعارف هي الأصول، وهي تورث الأحوال. والأحوالُ توجب الأعمال. فالمعارف كالأشجار بقواها الأصلية، كالغاذية، والمنمية. والأحوال كالأغصان والألوان. والأعمال كالنتائج والأثمار. وهكذا النظر في جميع مقامات الدين، ومنازل السالكين، واسم الإيمان تارةً يخص بالمعارف، وتارةً يُطلق على الكلّ لاستلزامها الأحوال والأعمال. فكذلك الصبْر. فإنّه لا يتم إلاّ بمعرفة سابقة، وبحالة قائمة، وبعمل لاحق. والصبر على التحقيق عبارة عن الأوليين، والعمل كالنتيجة الحاصلة لهما، بل الانتظام من الأمور الثلاثة حاصل في كلّ مقام من المقامات الحيوانيّة أيضاً - كالشهوة، والغضب والتكبّر، والرياسة، والعُجب - وغيرها. فإنّ في الشهوة - مثلاً - علمٌ بالمشتهى كالتخيّل ونحوه - هذا بمنزلة المعارف - وفيها رغبة وميلٌ إليه - وهذا من باب الأحوال - وفيها أيضاً حركة كالأكل والجماع - وهي من جملة الأعمال - واللائق باسم الشهوة هما الأوّلان، والحركة من النتائج لهما. وقد مرّت الاشارة إلى مثل هذا في الشكر، من أنّ العلم بالمنعم وانعامه هو أصل الشكر. وأنّ من عَلم أنَّه يعجز عن الاتيان بشكر نعِم الله فقد أدّى غاية الشكر لله. فأصل الصبر معرفة ما لأجله الصبر على الشدائد، ثمّ توطين النفس على ذلك، ثمّ حبسها على الآلام وعن الشهوات. قال تعالى مخاطِباً لنبيّه: {أية : وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ} تفسير : [النحل:127]. وروي عن أبي عبد الله (عليه السلام): "أمرَ الله تبارك وتعالى أنبياءه (عليهم السلام) بالصبر، وجعلَ الحظَّ الأعلى لرسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث جعل صبرَه بالله - لا بنفسه - فقال: {وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِٱللَّهِ}. وما ذكرنا من الترتيب في باب معاني الصبر - أي: علمه وحاله وعمله - لا يعرفه إلاّ مَن عرف الترتيب بين الملائكة والإنس والبهائم، فانّ الصبر من خاصيّة الإنس، ولا يتصوّر ذلك في البهائم والملائكة. أمّا في البهائم فلنقصانها. وأمّا في الملائكة فلكمالها. فالملائكة مخلوقة من عقل بلا شهوة. والبهائم مخلوقة من شهوة بلا عقل. والإنسان بين شهوة وعقل. وقد خلَقه الله ذا أطوار، كما قال تعالى: {أية : وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً} تفسير : [نوح:14]. ولم يقل: "ذوي أطوار" ليدلّ على أنّ انتقال الإنسان في أطواره الذاتيّة انتقال جوهريّ، وحركة ذاتيّة معنويّة بنفسه في نفسه. وبيانه يفتقر إلى كلام طويل وخوض عميق في التحقيق لا يناسب هذا المقام. وبالجملة فقد أعطاه الله قوّة له أن ينتقل بها من حدّ البهيمة إلى حدّ الملَك ويسمّى باعثاً دينيّاً. وبيانه: إنّ البهائم سلّطت عليها الشهوات - كما ذكر - وصارت مسخّرة لها، فلا باعث لها على الحركة والسكون، إلا الشهوة الداعية لها إلى المشتهيات، وليس لها قوّة أخرى تصادم قوّة الشهوة وتسخّرها وتردّها عن مقتضاها، حتّى يسمّى ثبات تلك القوّة في مقابلة مقتضى تلك الشهوة "صبراً". وأمّا الملائكة، فإنّهم جرّدوا للمعرفة والشوق إلى الحضرة الربوبيّة، والابتهاج بدرجة القرب منها، ولم يسلّط عليها شهوة صارفة عنها حتى يحتاج إلى مصادمة مّا يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر يغلب الصوارف. وأما الإنسان فإنّه خلِق في ابتداء الحداثة والصبا ناقصاً مثل البهيمة، لم يخلق فيها إلاّ شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليها في حيوانيّته وحياته الدنيا، ثمّ تحدث فيه شهوة اللعب والزينة، ثمّ شهوة النكاح على الترتيب؛ ثمّ شهوة التفاخر والتكاثر. قال تعالى: {أية : أَنَّمَا ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي ٱلأَمْوَالِ وَٱلأَوْلاَدِ} تفسير : [الحديد:20]. وليس له في الابتداء قوّة الصبر البتّة، إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر، قام القتال بينهما لتصادم مقتضياتهما ومطالبهما، وليس في الصبيّ إلاّ جند الهوى كما في البهائم، ولكن الله بفضله، وسعة جوده كرّم ابن آدم، وفضّله على كثير ممّن خلقه، ورفَع درجته عن درجة البهائم. فوكّل عند تمام شخصه لمقارنة البلوغ ملكين: أحدهما يهديه، والآخر يقوّيه، فتميّز بمعونة الملَكين عن البهائم. واختصّ بصفتين. إحداهما معرفةُ الله ومعرفة رسوله، ومعرفة اليوم الآخر، ومعرفة المصالح المتعلّقة بالعواقب، والنجاة عن العذاب في الدار الآخرة - وكلّ ذلك حاصل من المَلَك الذي إليه الهداية والتعريف - والبهيمة لا معرفة لها ولا هداية لها إلى معرفة العواقب، بل إلى مقتضى شهوتها في الحال فقط، فلذلك لا تطلب إلا اللذيذ، وأمّا الدواء النافع مع كونه كريهاً مضرّاً في الحال، فلا تعرفه ولا تطلبه، فصار الإنسان يعرف بنور الهداية أن اتّباع الشهوات لها معقّبات مكروهة في العاقبة. ولكن لم تكن هذه الهداية كافية ما لم تكن له قدرة على ترك ما هو مضرّ، وحبس الشهوة عنها. فكم من مضرّ يعرفه الإنسان كالمرض النازل به مثلاً، ولكن لا قدرة له على دفعه، فافتقر إلى قدرة وقوّة يدفع بها في نَحر الشهوات فيجاهدها بتلك القوّة حتى يقطع عداوتها عن نفسه، فوكّل الله به ملَكاً آخر يسدّده ويقوّيه بجنود لم تروها، وأمر هذا الجند بقتال جنود الشهوة، فتارة يضعف هذا الجُند، وتارة يقوى ذلك بحسب امداد الله عبده. كما أنَّ نور الهداية أيضاً يختلف في الخلْق اختلافاً لا يحصر. فلنسمّ هذه الصفة التي بها فارَق الإنسانُ البهائمَ باعثاً دينياً. ولنُسمّ مطالبةَ الشهوات بمقتضاها باعث الهوى وليفهم أنَّ القتال قائم بين باعث الدين وباعث الهوى، والحرب بينهما سجال، ومعركة هذا القتال قلبُ العبد، ومدد باعث الدين من الملائكة، الناصرين لحزب الله تعالى. ومدد باعث الهوى من الشياطين الناصرين لأعداء الله. فالصبر عبارة عن ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة، فإن ثبتَ حتّى قهرَه واستمرّ على مخالفة الشهوة، فقد نصر حزب الله والتحق بالملائكة. وإن تخاذل وضعف حتّى غلبت الشهوة ولم يصبر على دفعها التحق بأتباع الشياطين، فإنّ ترْكَ الأعمال المشتهاة عملٌ يثمرها حال يسمّى الصبر. وهو ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الهوى، وذلك الثبات حال يثمرها المعرفة بالله واليوم الآخر بعداوة الشهوات ومضادّتها لأسباب السعادات في الدنيا والآخرة. فإذا قوي يقينه - أعني المعرفة التي تسمّى إيماناً - وعلم بكون الشهوة عدوّاً قاطعاً لطريق الله قوي ثبات باعث الدين. وإذا قوي ثباته تمّت الأفعال على خلاف ما تتقاضاه الشهوة فلا يتمّ ترك الشهوة إلاّ بقوة باعث الدين، المضادّ لباعث الشهوة وقوّة المعرفة، والإيمان بقبح تبعة الشهوات وسوء عاقبتها. وهذان الملَكان هما المتكفّلان بهذين الجندين بإذن الله تعالى وتسخيره إيّاهما، وهما من الكرام الكاتبين، وبهما الاستعانة في العِلم والعَمل، والصوم والصلاة. أحدهما ملَك الصوم، لأنّ بقوّته تكفّ النفس عن الشهوات المفطرات، والآخر ملَك الصلاة، لأنّ بهدايته تعرف كيفيّة الصلاة. ولذا قال تعالى: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ} وقال: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} تنبيهاً على أنّ الأصل في الصبرر والصلاة خشوع القلب، ويقينه بالآخرة، وبالخشوع لله، والرغبة إليه، وإلى دار كرامته وجنّته، والخوف منه ومن عذابه في دار نقمته وسجنه، يصبر الإنسان عن الشهوات، ويقهر عليها، وبنور معرفته، وعلمه بلقاء ربّه ورجوع الكلّ إليه يهتدي إلى محاربة الأعداء، وقهر الشياطين لينخرط في سلك المقرّبين. وإذا عرفت أنّ رتبة الملَك الهادي أعلى من رتبة الملَك المقوّي، وانّ الصلاة أشرف من الصوم، ولهذا ورَد عن النبي (صلى الله عليه وآله) في الصلاة: "حديث : إنّها معراجُ المؤمن" تفسير : وفي الصوم: "حديث : إنّه جُنَّة من النار"تفسير : . وقال النبي (صلّى الله عليه وآله): "حديث : قُرّة عيني في الصلاة"تفسير : . وقال: "حديث : الصوم وِجَاء" تفسير : لم يخف عليك أنَّ جانب اليمين الذي هو أشرف الجانبين من جنبتي الدَّست ينبغي أن يكون مسلماً له، فهو إذن صاحب اليمين، والآخر صاحب الشمال. وعند القيامة يتلاقيان كما في قوله تعالى: {أية : إِذْ يَتَلَقَّى ٱلْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ} تفسير : [ق:17]. ثمّ للعبد طوران في الغفلة والفكر، وفي الاسترسال والمجاهدة. فهو بالغفلة معرِضٌ عن صاحب اليمين ومسيء إليه، فيكتب عليه اعراضه سيّئة، وبالفكْر مقبل عليه ليستفيد منه الهداية، فهو به محسِن، فيكتب له حسَنة. وكذا بالاسترسال معرِض عن صاحب اليسار، تارك للاستمداد منه، فهو به مسيء إليه، فيكتب عليه سيئة، وبالمجاهدة مستمدّ من جنوده فيكتب له به حسَنة. وإنّما تثبت هذه الحسنات والسيّئات باثباتهما، ولهذا سمّيا "كرام الكاتبين". أمّا الكرام فلكرامتهما وانتفاع العبد بكرمهما وبرّهما - والملائكة كلّهم كِرام بررَة - وأمّا الكاتبين فلإثباتهما الحسَنات والسيّئات. وإنّما يكتبان في صحائف مطويّة في سرّ القلب، ومطويّة أيضاً عن سرّ القلب، حتّى لا يطلع عليه في هذا العالَم، لانغماره في البدن انغمار صحيفة مكتوبة في تراب الأرض، واستتارها تحته عن الأبصار ما لم يبرز عنه، وكذلك صحيفة القلب ينشر يوم القيامة من غبار البدن على البصائر يوم كشف السرائر. فالملَكان، وكتبهما، وخطّهما، وصحائفهما، وجملة ما يتعلّق بهما من عالَم الغيب والملَكوت - لا من عالَم الشهادة - وشيء من الملكوت لا تدركه الأبصار في هذا العالَم، ثمّ تنشر الصحائف عن القلب مرّتين: مرّة في القيامة الصغرى، ومرة في القيامة الكُبرى. وأعني بالقيامة الصغرى حال الموت، إذ قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : مَن مَات فقَد قامَت قيامته"تفسير : . وفي هذه القيامة يكون العبد وحده. وعندها يقال: {أية : لَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}تفسير : [الأنعام:94]. وفيها يقال: {أية : ٱقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} تفسير : [الإسراء:14]. أمّا في القيامة الكبرى - الجامعة لكافّة الخلق - لا يكون وحده، بل ربما يحاسب على ملإ من الخلْق ورؤوس من الأشهاد. وفيها يُساق المتّقون إلى الجنّة، والمجرمون إلى النار زُمراً - لا آحاداً - وأهوالها أعظم. وسيأتيك بيانها إن شاء الله تعالى. فصل في تتمَّة القول في الصبر وأقسامه اعلم أنَّ الصبر دواءٌ مُرّ، وشَربة كريهة، يجلب إليك كلّ منفعة، ويدفع عنك كلّ مضرّة. فإذا كان هذا الدواء بهذه الصفة، فالإنسان العاقل يكره النفس على شُربه وتجرّعه، ويصبر على مرارته وحِدّته، وهو يقول: "مرارةُ ساعة، وراحةُ سَنة". وقيل: "لكلّ شيء جوهر، وجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر". والصبر جار في الصابر مجرى الأنفاس، لأنّه يحتاج إلى الصبر عن كل منهيّ، ومكروه، ومذموم ظاهراً وباطناً. ولا يتمّ ذلك إلاّ بالعلم. وقيل: "أشدّ مراتب الصبر وأقسامه كفّ الباطن عن حديث النفْس" وإنّما يشتدّ ذلك على من يفرغ له، بأن يقمع الشهوات الظاهرة، وآثَر العزلة، وجلَس للمراقبة، والذكر، والفكر. فإنّ الوسواس لا يزال يُجاذبه من جانب إلى جانب. وهذا لا علاج له إلاّ قطع العلائق بالكلّية بالفرار عن الأهل، والأولاد، والرفقاء، والأصدقاء. ولا يكفي ذلك أيضاً ما لم يجعل الهموم همّا واحداً - وهو الله - ثمّ إذا غلب ذلك على القلب فلا يكفي ما لم يكن له مجال في الفكر، وسير بالباطن في ملكوت السماوات، والأرض، وعجائب صُنع الله، وسائر أبواب معرفة الله، حتّى إذا استولى ذلك على قلبه دفَع اشتغاله بذلك مجاذبة الشيطان ووسواسه. وإن لم يكن له سير بالباطن فلا ينجيه إلا الأوراد المتواصلة، والصلوات، والأذكار الظاهرة المترتبة في كلّ لحظة، ويحتاج مع ذلك إلى تكليف القلب الحضورَ، فإنّ التفكّر الباطني، ومناجاة السرّ مع الله هو الذي يستغرق القلب في الشهود، دون الأوراد الظاهرة. ولذلك قال: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ} أي: استعينوا في طلب السعادة الحقيقية بالانقطاع عن الخَلْق، وعن الدواعي الدنيوية والعلائق كلّها، وبالمناجاة بالسرّ مع الله، وهي روح الصلاة، كما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "حديث : المصلّي مناج ربّه ". تفسير : فبالانقطاع عن العلائق كلّها يسلم له الوقت، ويقع له الفرصة فيصفو القلب وينتشر الفكْر، وتحصل له المناجاة بالمكالمة الحقيقيّة مع الله، وحينئذ ينكشف له من أسرار الله، وخفايا نوره. وحكمته في ملَكوت السماوات والأرض ما لا يقدر على شيء منه في زمان طويل، لو كان مشغول القلب بالعلائق، والانتهاء إلى هذا المقام غاية ما يمكن تحصيله بالاكتساب، وأن ينال بالجهد. فأمّا مقادير ما ينكشف، ومبالغ ما يرد من لطف الله في الأحوال والأعمال، فذلك يجري مجرى الصيد. وهو بحسب الرزق، والمعوّل فيه على جذبة من جذَبات الحقّ - فإنّها توازي عمل الثقلين - ولا مدخل للعمل والاختيار. نعم للاختيار مدخل في أن يتعرَّض العبد لتلك الجذْبة، بأن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا، فإنّ المجذوب إلى أسفل السافلين، لا ينجذب إلى أعلى عليّين. وكلُّ منهوم بالدنيا فهو منجذب إليها. فقطع العلائق الجاذبة عن القلب هو المراد بقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : إنّ لربّكم في أيّام دهركم نفحات، ألا فتعرّضوا لها ". تفسير : وهو التهيئة لها، وتنقية أرض القلب عن حشايش التعلّقات، وبثّ بذر المعرفة والإيمان فيها، انتظاراً لرحمة الله، وتعرّضاً لمهابّ رياح الجود والكرَم في الأوقات الشريفة، ومظانّ الاجابة، واستدراراً لأمطار المكاشفات، ولطائف مياه المعارف من خزائن الملكوت عند اجتماع الهمم، وتساعد القلوب كما في يوم عرفة، ويوم الجمعة، وأيّام رمضان. كما ينتظر الزارع الذي يصلح الأرض وينقّيها من الحشيش، ويبثّ البذر فيها. إذ كلّ ذلك لا ينفعه إلاّ بمطر، ولا يدري متى يقدر الله أسباب المطر، إلاّ أنّه يَثق بفضْل الله وتحريكه أسباب السماوات للرزق بأمره على مَن يشاء، إذ قال: {أية : وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ} تفسير : [الذاريات:22]. فهذا هو علاج الصبر على الوساوس والشواغل، وهو آخر درجات الصبر، وإنّ الصبر عن العلائق كلّها مقدّم على الصبر عن الخواطر، وأشدّ العلائق على النفْس عُلقة رياسة الخلْق وحبّ الجاه فإنّ لذّة الرياسة والاستعلاء والاستتباع أغلب اللذّات في الدنيا على نفوس العقلاء. قال الغزالي: "وكيف لا يكون أعلى اللذات ومطلوبها صفة من صفات الله تعالى وهي الربوبيّة والربوبيّة مطلوبة ومحبوبة بالطبع للقلب، لما فيه من المناسبة للأمور الربوبيّة، وعنه العبارة بقوله تعالى: {أية : قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} تفسير : [الإسراء:85]. وليس القلب مذموماً على حبّه ذلك، وإنّما هو مذموم على غلَط وقع له بسبب تغرير الشيطان اللعين المبعد عن عالَم الأمر، إذ حسده على كونه من عالَم الأمر، فأضلّه وأغواه. وكيف يكون مذموماً عليه، وهو يطلب سعادة الآخرة، وليس يطلب إلاّ بقاء لا فناء فيه، وعزّاً لا ذُلّ فيه، وأمْناً لا خوف فيه، وغناء لا فقر فيه، وكمالاً لا نقصان فيه. وهذا كلّها من أوصاف الربوبيّة. وليس العبد مذموماً على طلب ذلك... ولكنّه آجل، وقد خلَق الإنسان عجولاً راغباً في العاجلة. فجاء الشيطان وتوسّل إليه بواسطة العجلة التي في طبْعه، فاستغواه بالعاجلة، وزيّن له الحاضرة، وتوسّل إليه بواسطة الحُمق، فوعَده بالغُرور في الآخرة، ومناه مع مُلك الدنيا ملك الآخرة، كما قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : والأحمق مَن أتْبع نفسه هواها وتمنّى على الله" تفسير : فانخدع المخذول بهذا الغرور، واشتغل بطلب عزّ الدنيا، كما قال تعالى: {أية : كَلاَّ بَلْ تُحِبُّونَ ٱلْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ ٱلآخِرَةَ} تفسير : [القيامة:20 - 21]. فالمؤمن باليوم الآخر يصبر عن اللذّة العاجلة. قال الجنيد: "المسير من الدنيا إلى الآخرة سَهل على المؤمن، وهجران الخلْق في جَنب الحقّ شديد، والمسير من النفس إلى الله صعب شديد. والصبر مع الله أشدّ". فذكَر شدّة الصبر عن شواغل القلب، ثمّ شدّة هجران الخلْق، لأنّ المراد به ترْك خاطر الجاه والرياسة على الخلْق. فأشار إلى أنّ الصبر عنه أشدّ من الصبر من شواغل الدنيا، ثمّ شدّة الصبر مع الله، لأنّ غلبة نوره يُدهش الروح، ويذيب القلب، كما تفعل نور الشمس بالأبصار الضعيفة وحرارتها بالجَمد. قيل: وقَف رجُلٌ على الشِّبلي، فقال: أي الصبر أشدّ على الصابرين؟ فقال: الصبر في الله تعالى. فقال: لا. فقال: الصبر لله. فقال: لا. فقال: الصبر مع الله. فقال: لا. فغضب الشبلي، فقال: ويحك أي شيء هو؟ فقال الرجل: الصبر عن الله. فصرَخ الشبلي صرخَة كاد أن يتلف روحه. قال صاحب العوارف: "وعندي في معنى الصبر عن الله وجه، ولكونه من أشدّ الصبر على الصابرين وجهٌ: وذلك أنَّ الصبر عن الله يكون في أخصّ مقامات القُرب والمشاهدة، يرجع العبد عن مولاه استحياء واجلالا، وتنطبق بصيرته خجلا وذوباناً، ويتغيّب في مفاوز استكانته، وتخفِّيه لاحساسه بعظيم أمر التجلي. وهذا من أشدّ الصبر، لأنّه يودّ استدامة هذا الحال تأدية لحقّ الجلال، والروح تودُّ استدامة هذا الحال باستلماع نور الجمال، وكما أنَّ النفس منازعة في عموم حال الصبر، فالروح في هذا الصبر منازعة، فاشتدّ الصبر عن الله تعالى لذلك. وقال أبو الحسن بن سالم: "هم ثلاثةٌ: متصبِّر، وصابرٌ، وصبّارٌ. فالمتصبِّر مَن صبر في الله. فمرّة يصبِر، ومرّة يجزَع. والصابر من صبَر في الله لله ولا يجزَع، ولكن يتوقّع منه الشكوى، وقد يمكن من الجزع. وأمّا الصبّار فذلك الذي صبره في الله، وبالله. فهذا لو وقَع عليه جميع البلايا لا يَعجز ولا يتغيّر من جهة الوجود والحقيقة لا من جهة الرسم والخِلقة" واشارته في هذا إلى ظهور حكم العلم فيه مع ظهور صفة الطبيعة. فصل قوله تعالى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} الفناء في الله بالصبر عن النفس وهواها وجاهها ومآلها. والبقاء بالله بالصلاة والمناجاة معه صعب شديد إلاّ مع خشوع القلب، وانكساره، وافتقاره، وعبوديته لتصحيح نسبة الامكان، وهو قُصارى مجهود العابدين، فإنّ كلّ سالك طبيعي أو ارادي لو نظرت إليه لوَجدت أنّ بناء انتقاله من حالة إلى حالة أُخرى، وانقلابه من صورة إلى صورة أشرف وأقوى هو ضعف نشأته الأولى، وزوال رسوخه، وشدة فعليّته، وحصول حالة امكانية استعداديّة شبيهة بالعدم. فالعناصر مثلاً ما لم تنكسر منها شدّة كيفيّاتها، وتأكّد صورها النوعيّة، حتّى صار كلّ منها كأنّه متوسّطة بين أن تكون، وبين أن لا تكون، فلم تقبل صورة أُخرى أشرف من صورها - وهي صورة الجماديّة - . ثمّ من الجماديّات ما هو أقوى صورة، فأبعد من أن ينقلب نباتاً، كاليواقيت والفلزّات، وما ينقلب منها نباتاً فهو كالبذور وغيرها، التي يستولي عليها الوهْن والقصور في صورتها الجماديّة، ويكاد أن يضمحلّ ويستحيل في مكانها عائدة إلى الفساد لولا عناية الله لها بالامداد، ونقلها إلى صورة النبات من حدود الجماد. وكذا الحال في النطَف الصائرة حيواناً وإنساناً، كلّ ذلك لأجل امكاناتها التي هي كصورة الخشوع والخضوع لما فوقها، ولما يقهرها ويسخرها، فحركاتها إلى الله، وتوجّهها نحوه تعالى بالاضطرار، والافتقار إلى الواحد القهار. فكذلك الحكم في أفراد الإنسان، فكلّ من خشَع قلبُه وخضَع لله بالمحبة والانقياد، وجاوز عن حدّ نفسه وهواه طلباً لمولاه، انفتح عليه أبوابُ الرحمة، وفاضَ عليه أنوار الإلهية، ووصل إليه خلع الكرامة، وكلّ من وقف في مقام نفسه وأنانيّته وطلب هواه، فهو مطرود عن باب الله، محجوب عن لقائه بيد سدَنة النيران وحجاب القهرمان. فمن خشَع قلبه لله سهل عليه ترك هوى النفس، والصبر عن الدنيا وما فيها بالصوم عنها. كما قيل: "صُمْ عن الدنيا واجْعل فطرَك الموت" وبالقدوم على الله بالصلاة التي روحها عرفان الحق، والتعبّد له ظاهراً وباطناً. وملاك الأمر كلّه معرفة الله، ومعرفة النفس، وحشرها إليه تعالى، والتصديق بلقاء الله، ولذلك وصَف الخاشعين بقوله عزّ اسمه: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}.
الجنابذي
تفسير : {وَٱسْتَعِينُواْ} فيما ذكر من الوفاء بالعهد الى آخر ما ذكر او فى خصوص تطهير النّفس وأمر الغير بالبرّ او فى جملة الأمور من الانتهاء عن المناهى وامتثال المأمورات وحسن المُضىّ فى المصائب وحسن المعاشرة مع الخلق وتحصيل الرّاحة فى الدّنيا والآخرة {بِٱلصَّبْرِ} فانّه لا يتيسّر شيئٌ من المذكورات الاّ بالصّبر فانّه حبس النّفس عن الهيجان عند الغضب، وعن الطيش عند الشّهوة، وعن الجزع عند ورود المكاره، ومن استعان بالصّبر فى اموره لم يخرجه الغضب عن حقّ ولم يدخله الشّهوة فى باطل وهانت عليه المصائب فلم يكن اسيراً للشّهوة والغضب ولا جزوعاً عند مصيبته فكان فى الدّنيا فى راحة عن الاسر والجزع، وفى الآخرة فى اطلاق عن السّلاسل وفى نعمة عظيمة فى الجنان، ولم يمنعه الشّهوة والغضب ولا البلايا عن تزوّد معاده ولا عن مرمّة معامشه {وَٱلصَّلاَةِ} الصّلاة حقيقة من ولىّ الامر ولايته ومن غيره قبول ولاية ولىّ الامر كما انّ الزّكاة هى التّبرّى من غير ولىّ الامر ولذا كانت الصّلاة والزّكاة عمادى الدّين، ولم يكن شريعة من لدن آدم (ع) الاّ كانتا اساسيها، ولمّا كان القالب مسخّراً للقلب وكان اثر الصّفات القلبيّة يظهر على القالب كان للصّلاة والزّكاة فى كلّ شريعة صورة على القالب، ولمّا كانت الشّرائع بحسب اختلاف النّبوّات فى الكمال وبحسب اختلاف الازمان واستعداد اهلها مختلفة اختلفت صورة الصّلاة والزّكاة فى الشّرائع، ولمّا كانت شريعة محمّد (ص) باخبارهم اكمل الشّرائع كان صورة الصّلاة والزّكاة فى شريعته أكمل الصّور، وقد فسّر الصّبر فى الاخبار بالصّيام لكون الصّيام أكمل افراده وسبباً لحصول سائر، انواعه ولا غرو فى تفسيره بالرّسالة لكونها مانعة للنّفس بانذارها عن امضاء الغضب والشّهوة وعن الجزع عند المصيبة، وتفسيره بالرّسول لاتّحاده مع الرّسالة الّتى هى شأن من شؤنه واتّحاد كلّ ذى شأن مع شأنه كما لا غرو فى تفسير الصّلاة بعلىّ (ع) لكون الولاية شأناً منه واتّحاده مع شأنه، وعن الصّادق (ع) ما يمنع أحدكم اذا دخل عليه غم من غموم الدّنيا ان يتوضّأ ثمّ يدخل مسجده فيركع ركعتين فيدعو الله فيهما اما سمعت الله تعالى يقول: {واستعينوا بالصّبر والصّلاة}. وعنه (ع) كان علىّ (ع) اذا هاله شيئٌ فزع الى الصّلاة ثمّ تلا هذه الآية {واستعينوا بالصّبر والصّلاة} {وَإِنَّهَا} اىّ الصّلاة كما يستنبط من الاخبار وقيل: الاستعانة بهما، وما فى تفسير الامام (ع) من قوله انّ هذه الفعلة من الصّلوات الخمس والصّلاة على محمّد (ص) وآله (ع) مع الانقياد لاوامرهم والايمان بسرّهم وعلانيتهم وترك معارضتهم بلم وكيف يدلّ على انّ الضّمير راجع الى الصّلاة وانّ المراد بالصّلاة الولاية الظّاهرة بالصّلوات الخمس والصّلاة على محمّد (ص) وآله (ع) والانقياد لاوامرهم وترك مخالفتهم {لَكَبِيرَةٌ} على كلّ احد لانّ الانسان ما لم يخرج من انانيّته ولم يستشعر بعظمة الله لا يتيسّر له الصّلوة الّتى هى الانقياد تحت أمر الله والتّسخّر له او الافعال المسبّبة عن الانقياد فانّ الانانيّة الّتى هى صفة الشّيطان والنّفس منافية للانقياد الّذى هو صفة الانسان {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ}المتذلّلين تحت عظمة الله الخارجين من انانيّتهم وعظمتهم، والخشوع والخضوع والتّواضع الفاظٌ متقاربة المعنى فانّ الخشوع حالة حاصلة من الاستشعار بعظمة المتخشّع له مع محبّته والالتذاذ بوصالٍ ما منه ممزوجاً بألم الفراق؛ والخضوع تلك الحالة، لكنّ الاستشعار بالعظمة فى الخضوع اكثر منه فى الخشوع والمحبّة أخفى، والتّواضع تلك الحالة والعظمة اكثر والمحبّة اخفى بالنّسبة الى الخضوع. اعلم انّ الانسان كلّما ازداد خروجه من انانيّته وشيطنته ازداد انقياده لولىّ امره، وكلّما ازداد جهة انقياده ازداد خشوعه اى استشعاره بعظمة ولىّ امره والتذاذه بوصاله وتألّمه بجهة فراقه، وكلّما ازداد خشوعه ازداد تلذّذه بصلاته حتّى تصير صلاته قرّة عينه ويجعل راحته فى صلاته كما روى عن النّبىّ (ص) انّه قال: حديث : قرّة عينى فى الصّلاةتفسير : ، وكان يقول: حديث : روّحنا يا ارحنا يا بلال .
الحبري
تفسير : وَقَوْلُهُ: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ}. الخَاشِعُ: الذَلِيْلُ في صَلاتِهِ، المُقْبِلُ عَلَيْهَا، يَعْنِي: رَسُوْلُ الله صَلّى الله عَلَيْهِ [وآلِهِ] وَعَلِيُّ عَلَيْهِ السَّلامُ.
فرات الكوفي
تفسير : {وَاسْتَعينوا بِالصَّبْرِ وَالصّلاةِ وإنَّها لَكبيرَةٌ إلاّ عَلى الخاشِعين 45}
اطفيش
تفسير : {وَاسْتَعِينُوا}: اطلبوا المعونة على ذكر النعمة يا بنى إسرائيل، والوفاء بالعهد والإيمان بالقرآن، وترك الكفر وترك شراء الثمن القليل بالآيات، وعلى الرهبة والتقوى، وترك لبس الحق بالباطل، وعدم كتم الحق وعدم نسيان أنفسهم. {بالصَّبْر}: تعاطى حبس النفس على ما تكره من مطلق العبادة، والعزم على حبسها وتعاطى حبسها عن الأشياء التى تستلذها ولو مباحة. {وَالصَّلاةِ}: الصلوات الخمس، وصلاة النفل فإن الصلاة ولو نفلا تنهى عن الفحشاء والمنكر من حب الجاه والرياسة، وكتمان الحق وسائر المعاصى، لأن من أركانها الخشوع وقراءة القرآن المذكِّر بالآخرة، المزهد فى الدنيا الداعى إلى الإعراض عن المال وترك الشره، ولأنها تنفى الكبر لما أمروا بما يشتق عليهم من الكلفة، وقد رسخوا فى غيره أمروا بالاستعانة بهما عليه، وإنما خرجت الخطاب لبنى إسرائيل لأن الكلام عليهم قبل وبعد، وهم لم ينكروا أصل الصلاة، ولكن صلاتهم خالفت صلاة المؤمنين، فأمروا بأن يصلوا صلاة المؤمنين، وأن يستعينوا بها وأمروا بالإسلام أولا، فلا يقال: كيف يقال لهم استعينوا بالصبر والصلاة فى أمر محمد وهم ينكرونه؟ وقيل الخطاب للمؤمنين أى استعينوا على أموركم الدينية والدنيوية من دفع مكروه وجلب محبوب، بحبس النفس على ما تكره من العبادة، وقهرها بالإذلال والتواضع وعما تشتهى ولو مباحاً، وذلك الصبر. وبالصلاة وإنما أفرد بالذكر مع دخولها فى الصبر على العبادة لعظم شأنها وشدة تأثيرها، وكان صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر بادر بالصلاة، وروى فزع إلى الصلاة، رواه أحمد وغيره، وحزبه (بالحاء المهملة والزاى المعجمة والباء الموحدة، أهمه ونزل به، وروى أن ابن عباس لما نعى إليهِ أخوه قثم وهو فى سفره قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وتنحى عن الطريق فصلى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام إلى راحلته وهو يقول: استعينوا بالصبر والصلاة، وأيضاً أفردها بالذكر لأنها جامعة لأنواع العبادات النفسية والبدنية والمالية، أما النفسية فالتفكر فيما يتكلم به فيها من القرآن وغيره، والنية ومجاهدة الشيطان ومناجاة الله. وأما البدنية فاستعمال لسانه فى التكلم بذلك خصوصاً فى كلمتى الشهادة، وجوارحه فى الرفع والخفض والمكث فى القيام والجلوس والركوع والسجدتين وما بينهما، والاستقبال فى كل ذلك، والكف عن شهوة الفرج والبطن، والتطهير وستر ما يجب ستره فى الصلاة، وأما المالية فالماء واللباس. وقال مجاهد: الصبر هنا الصوم، ومنه قيل لرمضان شهر الصبر، لأن الصوم حبس النفس عما يفسده، وخصه لأنه يكسر الشهوة ويصفى النفس ويزهد فى الدنيا، وهو مناسب للصلاة فى التصفية والكف عن أشياء تحل فى غيرهما، وقيل: استعينوا بالصبر على طاعة طلب ورضوان الله، وبالصلاة على حط الذنوب ومصائب الدهر. وقال مقاتل: استعينوا بالصبر والصلاة على طلب الآخرة، وقيل على حوائجكم إلى الله تعالى، وقيل: على البلاء. وقيل: الصبر على بابه والصلاة الدعاء كقوله تعالى: {أية : إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله} تفسير : لأن الثبات هو الصبر وذكر الله هو الدعاء. {وَإِنَّهَا}: أى الصلاة لأنها أقرب مذكور فلا يعاد الضمير إلى غيرها بلا دليل، وإن أعيد إلى ما يشملها جاز مرجوعاً مثل أن يعاد إلى الاستعانة المفهومة من قوله: {استعينوا} فإن الأصل فى الضمير أن يرجع إلى مذكور تصريحاً لا إلى مفهوم، والمعنى على هذا الوجه، وأن الاستعانة بالصبر والصلاة ومثل أن يعاد على العبادة، لأن الصبر والصلاة عبادة، فإن الأصل فى الضمير العود على مذكور تصريحاً كما مر، ومثل أن يعاد إلى الأوامر والنواهى المذكورة كأنهُ قيل: إن الأوامر والنواهى المذكورة، أو إلى الجملة كأنه قيل: وإن الجملة المذكورة، ومعنى هذين الوجهين واحد وهو ما ذكر من ذكر النعمة والإيماء بالعهد وما بعدهما إلى قوله: {وأنتم تعلمون} فإن الأصل فى الضمير العود إلى صريح كما مر، والأصل فى مثل هذا الضمير العود لمفرد مؤنث تحقيقاً لا عودة إلى مفرد مؤنث تأويلا كتأويل ما ذكر بالجملة، أو بالجماعة فظهر أن الراجح ما ذكرته لك من عودة إلى الصلاة وإفرادها بالضمير عن الصبر، لعظم شأنها وتضمنها أنواعاً من الصبر، كأنه قيل وإن الصلاة. {لكَبِيرَةٌ}: ثقيلة ومن شأن الثقيل حصول المشقة فى تحمله، فالصلاة شاقة، روى ابن المبارك فى رقائقه: أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت البنانى عن صلت بن أشيم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من صلى صلاة لم يذكر فيها شيئاً من أمر الدنيا لم يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه"تفسير : . وأسند ابن المبارك عن عقبة بن عامر الجهنى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : من توضأ فأحسن وضوءه، ثم صلى صلاة غير ساه ولا لاه كفر عنه ما كان قبلها من شىء". تفسير : وفى البخارى عن عثمان أنهُ توضأ ثلاثاً ثلاثاً ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : من توضأ نحو وضوئى هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه" تفسير : وهو مذكور فى القناطر. {إلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ}: فإنها لا تثقل عليهم، لأنهم يحبون وهم يناجون فى الصلاة حبيبهم، ولأنهم يرجون لها ثواباً ويخافون على التهاون بها أو فيها عقاباً، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : جعلت قرة عينى فى الصلاة" تفسير : وكان يقول: "حديث : يا بلال روّحْنا" تفسير : فهم كمستأجر بأجرة عظيمة يعمل فرحاً مستبشراً بخلاف من ليس كذلك، والخشوع سكون الجوارح عما حرم الله عز وجل ـ تعظيماً له تعالى، وفسره بعض بالخوف وبعض بالخضوع، وما ذكرته أولى. وعرفه غيرى بأنه هيئة فى النفس يظهر منها على الجوارح مسكنة وتواضع، وهو قريب إلى ما ذكرت، وأكثر ما يقال الخشوع بالجوارح والخضوع فى القلب وقد يعكس ذلك، والخشوع لغة السكون ومنه الخشعة (بضم فإسكان) وهى الرملة الثابتة والقطعة الغليظة من الأرض، والأكمة اللاصقة بالأرض. والخضوع: اللين.
اطفيش
تفسير : {وَاسْتَعِينُوا} خطاب للمؤمنين لا لليهود، لأنه يليق بمن أذعن فيستكمل به لا للشارد، ولا ينتفع الباقى على كفره بالصبر والصلاة إلا أنه لا مانع من الخطاب لهم مراعاة لقوله أوفوا وآمنوا واتقون، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، واركعوا ولا سميا أن ما قبل وما بعد فيهم، والمراد، اطلبوا المعونة على عبادتكم ومباحكم {بِالصَّبْرِ} حبس النفس على الاجتهاد فى العبادة وعما نشتهي من توسيع اللذات وعن المعاصى والمكاره، وعلى المصيبة، ويقال من صبر على الطاعة فله ثلثمائة درجة، أو عن المعاصى فستمائة درجة، أو على المصيبة فتسعمائة، بين الدرجتين ما بين الأرض والسماء، ويقال الصبر على الطاعة أعظم ثواباً من الصبر على المصيبة، وعن المعصية أعظم منها، ولفظ ابن أبى الدنيا وأبى الشيخ، عن على، الصبر ثلاثة: فصبر على المصيبة، وصبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، فمن صبر على المصيبرة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلثمائة درجة، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، ومن صبر على الطاعة كتب الله له ستمائة درجة، ما بين الدرجتين كما بين تخوم الأرض العليا إلى منتهى الأرضين، ومن صبر عن المعصية كتب الله له تسعمائة درجة، ما بين الدرجتين كما بين تخوم الأرضين إلى منتهى العرش مرتين {وَالصَّلَٰوةِ} قدم الصبر عليها لأنها لا تكون إلا بالصبر عن الكسل والملاذ الصارفة عنها، وعلى وظائفها من الطهارة من الأنجاس، ورفع الأحداث، والخشوع وإحضار القلب، وسائر شروطها، وشطورها، وأفردها بالذكر لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، إذا أتى بها كما أمر به، وكان صلى الله عليه وسلم إذا اشتد عليه أمر بادر إليها، والآية أنسب باليهود، فهم داخلون بالمعنى، ولو عل القول بأن الخطاب لغيرهم، لأنهم منعهم عن الإيمان حب الرياسة والشهوات، فأمروا بالصبر، ومنه الصوم، أو المراد به الصوم، وهو ضعيف، وبالصلاة لأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر وتورث الخشوع {وَإِنَّهَا} أى الصلاة لأنها أقرب مذكور، والاستعانة بالصبر والصلاة، كقوله "أية : اعدلوا هو أقرب للتقوى" تفسير : [المائدة: 8] وقوله تعالى" أية : وإِن تشكروا يرضه لكم" تفسير : [الزمر: 7] أى يرضى الشكر، أو أن الأمور من قوله اذكروا إلى قوله واستعينوا. والراجح الأول {لَكَبِيرَةٌ} شاقة، كقوله تعالى: "أية : كبر على المشركين ما تدعوهم إليه" تفسير : [الشورى: 13] أى شق عليهم {إِلاَّ عَلَى الْخَٰشِعِينَ} الساكنى الجوارح الحاضرى القلوب، سبيلا إلى الطاعة، فلا تثقل فيهم، وإن ثقلت فأقل من ثقلها على غيرهم لا عتيادهم أمثال ذلك، ورجائهم من الثواب ما يستحقر له مشاقهم حتى إنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : جعلت قرة عيني في الصلاة، ويقول: أرحنا يا بلال بالصلاة"تفسير : ، وصح التفريغ لأن كبيرة بمعنى لا تسهل، كما جاء بعد أبى لأنه بمعنى لم يرد، أو هو منقطع، أى لكن الخاشعون لاتكبر عليهم.
الخليلي
تفسير : في هذا الخطاب عود على الأمر بعدما ولى الأوامر السابقة ذلك التأنيب اللاذع على أمرهم الناس بالبر ونسيان أنفسهم وهو اسلوب عجيب في التربية النفسية إذ في هذا الأمر ما يشعرهم أنهم مظنة الطاعة والامتثال، وإن صدر ما صدر منهم من المعايب التي كانت منشأ ما لحقهم من الإِنكار والتقريع. ولم يخرج الخطاب عن مواجهة بني اسرائيل وإن قال من قال: انه هنا للمسلمين وهو القول الذي صدره قطب الأئمة - رحمه الله - في التيسير. ومنشؤه توهم قائليه أن الأمر بالصبر والصلاة يتنافى مع الحالة التي كان عليها بنو إسرائيل إذ لا فائدة لهم مما أُمروا به مع إصرارهم على عدم الإِيمان بنبوة النبي الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام، وقد أنكر أكثر المفسرين - كالفخر الرازي في المتقدمين، وابن عاشور في المتأخرين - هذا القول لما يلزمه من تفكيك النظم الشريف، واستند ابن عاشور أيضا في انكاره إلى أن وجود حرف العطف ينادي على خلافه، وأن قوله: {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ}، مراد به إلا على المؤمنين حسبما بينه قوله: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ} الآية، اللهم إلا أن يكون من الإِظهار في مقام الإِضمار وهو خلاف الظاهر مع عدم وجود الداعي، وأتبع ذلك قوله: والذي غرهم بهذا التفسير توهم أنه لا يؤمر بأن يستعين بالصلاة من لم يكن قد آمن بعد، وأي عجب في هذا وقريب منه آنفا قوله تعالى: {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ} خطابا لبني إسرائيل لا محالة". وقد صدق وأجاد الإِمام ابن عاشور في نفيه العجب عن كون هذا الخطاب لبني اسرائيل، وإنما العجب من التعامي عما دلت عليه الآيتان وغيرهما من أن الكفار مخاطبون بالعبادات وسائر فروع الشريعة خطابهم بأصل الإِيمان، وقد سبق تحرير هذه المسألة في الآية التي استدل بها بما يكشف اللثام عن وجه الحقيقة في المراد بالخطاب. والتلاؤم بين هذه الآية وسوابقها واضح، فإن الله عز وجل عندما ابتدأ خطاب بني اسرائيل ذكرهم نعمه، وأمرهم أن يوفوا بعهده ليوفي بعهدهم، وطالبهم بالإِيمان بما أنزل مصدقا لما معهم، وحذرهم أن يكونوا أول كافر به، وأن يشتروا بآياته ثمنا قليلا، وأمرهم بتقواه، ونهاهم عن لبس الحق بالباطل، وكتمان الحق، ودعاهم إلى إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والركوع مع الراكعين، ووبخهم على أمر الناس بالبر ونسيان أنفسهم، وهذه المطالب في جملتها شاقة على أمثال بني اسرائيل الذين توارثوا عادات مألوفة، وعقائد معينة تميز الشخصية الإِسرائيلية من بين سائر الناس، ولا ترضى لها التبعية والانقياد مع ما جبلت عليه نفوسهم من الحرص على جمع المال والرغبة في الترقي إلى المناصب العالية، ومما يضاعف المشقة أن النبي الذي طولبوا أن يؤمنوا به ينتمي الى غير أصولهم النسبية، وقد بيّن سبحانه في هذه الآية لهم المخرج من مأزق هذه المشقة وهو استعانتهم بالصبر والصلاة. وقد سبق تبيان الإِستعانة والصلاة، وأما الصبر فأصله وضعا بمعنى الحبس، يقال صبرته إذا حبسته ومنه القتل صبرا أي في حالة حبس المقتول، ويسمى المحبوس مصبورا، ومنه قول عنترة: شعر : فصبرت عارفة لذلك حرة ترسو إذا نفس الجبان تطلع تفسير : واشتهر في نقيض الجزع والتململ لما فيه من حبس النفس عما جبلت عليه من الاضطراب، وعرف بأنه حبس النفس على ما تكره، واشترط الإِمام محمد عبده أن يكون معه رضى واختيار وتسليم، لأنه لو لم يكن كذلك لكان كما قال الشاعر: شعر : صبرت ولا والله مالي طاقة على الصبر لكني صبرت على الرغم تفسير : وما قاله الإِمام إنما هو في الصبر المطلوب شرعا، وهو الذي عرفه الإِمام الغزالي في إحياء علوم الدين بأنه ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة، ولا ريب أن الصبر اللغوي أعم منه فإنه قد يكون بباعث الأنفة والكبر، أو بباعث الإِستحياء، أو بسبب ما في طبع النفس من قوة الاحتمال، وأرى أن الصبر الشرعي نفسه هو أعم من تعريف الإِمام الغزالي لأنه قد يكون حيث لا شهوة تقاوم بالباعث الديني، وذلك كالصبر على أذى الناس بسبب أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر. والصبر محمود بالفطرة، ولذلك اتفق العقلاء على أنه من حميد الخصال، وهو من الأمور الضرورية لكل حي إذ لا بد من مواجهة قساوة الحياة ولأوائها، وحسبنا أن الله ذكره في أكثر من سبعين موضعا في كتابه - كما أفاده الإِمام الغزالي - وجعله من أسباب السلامة من الخسران الذي حكم به على الإِنسان في سورة العصر، وبيّن أجور العاملين في قوله: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} تفسير : [الأنعام: 160]، وقوله: {أية : مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ} تفسير : [البقرة: 261]، بينما قال في الصبر: {أية : إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} تفسير : [الزمر: 10]، وأخبر أنه سبب لاصطفاء من يصطفيه للخير من عباده، وذلك في قوله: {أية : وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ}تفسير : [السجدة: 24]، وقوله: {أية : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ٱلْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ} تفسير : [الأعراف: 137]، بل أخبر أن معيته للصابرين في قوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ} تفسير : [البقرة: 153، الأنفال: 46]. وذكر العلماء للصبر أنواعا وهي الصبر على الطاعة، وعن المعصية وعند المصيبة واختلفوا في مراتب فضلها، منهم من قال بأن الأفضل الصبر على الطاعة، ومنهم من قال: إن الأفضل الصبر عن المعصية، ومنهم من قال بفضل الصبر عند المصيبة، وهو بكل أنواعه مطلوب من المؤمن في جميع أحواله، وقد وعد الله عليه المثوبة، فلا داعي إلى طلب الترجيح فيما قالوه من التفضيل، وبالجملة فإن جميع الفضائل مردها إلى الصبر، وقد أجاد العلامة ابن عاشور في إيضاح ذلك حيث قال: "ومعظم الفضائل ملاكها الصبر، إذ الفضائل تنبعث عن مكارم الخلال، والمكارم راجعة إلى قوة الإِرادة، وكبح زمام النفس عن الإِسامة في شهواتها بإرجاع القوتين الشهوية والغضبية عما لا يفيد كمالا أو عما يورث نقصانا، فكان الصبر ملاك الفضائل، فما التحلم والتكرم، والتعلم والتقوى، والشجاعة والعدل، والعمل في الأرض، ونحوها إلا من ضروب الصبر". وإنما طولبوا بأن يستعينوا على ما أمروا به بالصبر لأن الصبر أعظم وسيلة لهم إلى القدرة على تخطي الحواجر الحائلة بينهم وبين الدخول في الإِسلام وإيمانهم بالنبي الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام، ومن أهم هذه الحواجز تلك الأنانية المستحكمة في نفوسهم التي جعلتهم ينظرون الى شعوب العالم نظرة المتقزز المستهين، ولا يرون في غير أنفسهم أهلية لقيادة البشر الى مقامات الزلفى من الله سبحانه، وألفتهم التلاعب بآيات الله كما يملي عليهم الهوى وتقتضيه - في نظرهم - مصالحهم، وحرصهم البالغ على جمع الثراء بمختلف وسائل الاستغلال من غير تمييز بين حلالها وحرامها، وغير ذلك مما اعتادوه قرونا حتى صار جزءا من طبيعتهم المألوفة وسمة من سماتهم البارزة، وما أصعب التغلب على العادات عند من لم يتسلح باليقين ويتدرع بالصبر. وذهب مجاهد إلى أن الصبر هنا بمعنى الصوم، وتابعه عليه من تابعه من المفسرين، وقصارى حجتهم عطف الصلاة عليه، والصلاة أنسب قرنها بالصيام، وهو قول ضعيف وحجة واهية، فإن حصر الصبر في الصوم تقييد لمطلق لفظه في بعض ما يدل عليه، وقد علمتم ضروة التَّقَوّي بالصبر لاحتمال هذه التكاليف، فلا داعي لهذا التقييد الذي لم يصدر إلا عن الوهم، وما أحوج الصلاة نفسها إلى سياح سميك من الصبر يحميها من هجمات العوارض المختلفة نفسية كانت أو فعلية، وأنَّى للمصلي إن لم يكن صبورا على حبس عقله وقلبه، وفكره ووجدانه، وسمعه وبصره، على ما هو مقبل عليه من ذكر الله، ومنع جوارحه عما اعتادته من التلف والحركات. واذا كانت الصلاة نفسها لا تخلو من الصبر لعدم الوفاء بحقها دونه، فإن عطفها عليه انما هو من باب عطف الخاص على العام، وقد خصصت بالذكر من بين سائر الأعمال المتوقفة على الصبر كالصوم والحج والجهاد لأجل أهميتها، لأنها عمود الدين، ولعمق أثرها في نفوس المصلين، وقد سبق شرح تأثير الصلاة النفسي والإِجتماعي في تفسير بداية هذه السورة، وقدم عليها الصبر لأن مفهومه الأساسي ترك الجزع بينما مدلول الصلاة فعلي، ومن الأمثلة السائرة "التخلي قبل التحلي" أي التخلي عن النقائص والمذام قبل التحلي بالكمالات والمحامد، والإِنسان لا يكون للخير أهلا، وللفضيلة خدنا حتى يتجرد من الشر والرذيلة، والذين فسروا الصبر بالصوم ذهبوا الى أن تقديمه على الصلاة لأن تأثيره في إزالة ما لا ينبغي وتأثيرها في حصول ما ينبغي - وهي عين المناسبة المذكورة من قبل - ولأن في هذا الترتيب ترقيا من الكامل إلى الأكمل وتدرجا من الشاق إلى الأشق، فإن الصوم إن توقف على الصبر لأجل منع النفس فيه عن شهوة الأكل، وشهوة الشرب وشهوة الوقاع، فإن الصلاة أدعى إليه لضرورة الإِمتناع فيها من جميع الشهوات كإرسال النظر وإصغاء السمع وإطلاق الفكر وتحريك الجوارح، ولذلك كانت أقوى العوامل في إمداد النفس بالطاقات على احتمال التكاليف، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلجأ إلى الصلاة إذا ما ضاقت عليه حلقات الأحداث. أخرج أحمد وأبوداود وابن جرير عن حذيفة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم اذا حز به أمر فزع الى الصلاة، وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان عن صهيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كانوا - يعني الأنبياء - يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة"تفسير : وهكذا كان الصحابة رضي الله عنهم اذا كدرت المصائب والأحداث صفاء نفوسهم أسرعوا الى هذا النبع الفياض فغسلوا به أكدارهم، ونقوا به فطرتهم، روى سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي أن ابن عباس رضي الله عنهما كان في سفر فنعى اليه أخوه قثم فتنحى جانبا عن الطريق واسترجع وصلى ركعتي ثم أقبل على راحلته وهو يتلو: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ}، وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر والحاكم والبيهقي في شعب الإِيمان أنه - رضي الله عنه - نعى اليه ابن له وهو في مسير فنزل فصلى ركعتين ثم قال: فعلنا كما أمرنا الله، فقال: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ}، وذكر بعضهم أن المنعى إليه ابنته، وقد روى مثل ذلك عن غيره من الصحابة كما روي عن جماعة من التابعين؛ ويفهم من ذلك أن السلف فهموا أن الخطاب غير قاصر على بني اسرائيل من حيث المعنى والطلب وإن يكن من حيث اللفظ مسوقا إليهم. وذهب بعض المفسرين إلى أن الصبر هنا هو الصبر على أعمال الصلاة ومطالبها، واستدل لقوله بقوله تعالى: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا} تفسير : [طه: 132] وهو رأي واهٍ لأن ما استدل به لا ينافي طلب الصبر في مطلق الحالات وعلى كل التكاليف، وفسر آخرون الصلاة هنا بالدعاء مع حمل الصبر على مفهومه العام، وعلى هذا فالآية من باب قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَٱثْبُتُواْ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيراً} تفسير : [الأنفال: 45]، لأن الثبات من الصبر والدعاء من جملة الذكر، وأنتم تعلمون أن حمل الألفاظ الشرعية في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم على معانيها اللغوية التي نقلها الشرع عنها لا يصار إليه إلا بدليل، فحمل الصلاة هنا على الدعاء لا داعي إليه لا سيما وأن الأدلة ظاهرة - من الشرع والواقع - على أن الصلاة من أهم العوامل في الثبات على الخير والتجرد عن ضده. واختلف في الضمير من قوله: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} فقيل هو عائد إلى الصلاة لأنه أقرب مذكور، وبه قال جماعة منهم القطب في الهيميان والتيسير، وقيل: عائد إلى الصبر والصلاة معا، وإنما أفرد وأنث رعاية للأغلب وهو الصلاة، ونحوه قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [التوبة: 34] حيث أعيد الضمير إلى الفضة لأنها الأغلب في التداول عند العرب آنذاك، وقوله: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا} تفسير : [الجمعة: 11] إذ أعيد الضمير إلى التجارة لأنها الأفضل والأهم، وقيل لما كانت الصلاة نفسها مشتملة على الصبر أعيد إليها الضمير لفظا مع قصدهما معا، ونحوه قوله عز وجل: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة: 62] حيث أفرد الضمير - مع أن معاده إليهما - لدخول رضى الرسول في رضى الله، ومنه قول الشاعر: شعر : إن شرخ الشباب والشعر الأسو ما لم يعاص كان جنونا تفسير : والأصل يعاصيا ولكنه أعاد الضمير إلى شرخ الشباب لدخول سواد الشعر فيه، وقيل: هو من باب الإِكتفاء نحو قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} تفسير : [المؤمنون: 50]، وهما آيتان، وكذا قول الشاعر: شعر : فإني وقيار بها لغريب تفسير : وقول آخر: شعر : والصبح والمسمى لا فلاح معه تفسير : والأصل لغريبان، ومعهما؛ وقيل: عائد إلى العبادة المفهومة من ذكر الصبر والصلاة، وجوز الزمخشري عوده إلى جميع المأمورات المتقدمة من قوله: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ} إلى قوله: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ}، قال ابن عاشور: "ولعله من مبتكراته وهذا أوضح الأقوال وأجمعها، والمحامل مرادة"، وقيل بعوده الى الإِستعانة التي يقتضيها قوله: {وَٱسْتَعِينُواْ} على حد قوله تعالى: {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ}تفسير : [المائدة: 8]، وثم أقوال أخرى هي من الضعف بمكان لا أجد داعيا الى ذكرها، والمتبادر هو الرأي الأول وكفى بالتبادر شاهدا. ويطلق الكبير على الشاق لأن احتمال الكبير أشق على النفس من احتمال الصغير سواء كان الكبر حسيا أو معنويا، ومن هذا الباب قوله تعالى: {أية : كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ} تفسير : [الشورى: 13]، وقوله: {أية : وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ} تفسير : [الأنعام: 35]، وهذا هو المعنى المراد هنا، وإنما شقت الصلاة على غير الخاشعين لما تستلزمه من حبس المصلي ظاهره وباطنه عن الالتفات إلى غير ما هو مقبل عليه وتقييد الجوارح عن حركاتها المألوفة، فهي عبادة يشترك فيها الجسم والروح، والعقل والقلب، ولا تدع مجالا للإِشتغال بغيرها حال أدائها. والخشوع لغة التطامن والانخفاض، يقال خشعت الرملة إذا تطامنت، وخشع الجدار إذا نزل، ومنه قول الشاعر: شعر : ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع.... تفسير : والخشوع الشرعي هو تذليل النفس لله تعالى وحبسها عن التمرد على طاعته والعصيان لأوامره ونواهيه مع استشعارها عظمته التي لا تكتنه، وكبرياءه التي لا تحد، وفسر ابن عباس رضي الله عنهما الخاشعين بالمصدقين، ومجاهد بالمؤمنين، وأبو العالية بالخائفين، ومقاتل بالمتواضعين، والضحاك بالخاضعين لطاعته، الخائفين سطوته، المصدقين بوعده ووعيده، وأغلب هذه التفاسير من باب تفسير الشيء بلوازمه، وروى عن سفيان الثوري أنه قال: سألت الأعمش عن الخشوع، فقال: يا ثوري أتريد أن تكون إماما وأنت لا تعرف الخشوع؟ سألت ابراهيم النخعي عنه، فقال: يا أعيمش أتريد أن تكون إماما وأنت لا تعرف الخشوع؟ ليس الخشوع بأكل الخشن، ولبس الخشن، وتطأطؤ الرأس لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء، وتخشع لله في كل فرض افترض عليك. وإنما لم تشق الصلاة على الخاشعين لأنهم يباشرونها وضمائرهم مرتاحة ونفوسهم مشتاقة إلى مناجاة المحبوب والتقرب إليه في مقامات الزلفى، فيجدون فيها من اللذة ما لا يجده أهل الدنيا في أبهج أوقاتهم وأعظم ملاذهم، وإذا كان من شأن عامة الناس أن يحسوا بارتياح نفسي عندما يتقربون إلى ملوك الدنيا ويجالسونهم ويسمعون أحاديثهم، فما بالكم بأهل الله وخاصته عندما يتمتعون بلذيذ مناجاته ويرجون مع ذلك كريم وعده ويتقون أليم وعيده. وقد وصف الله الخاشعين بقوله: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 46]. أصل الظن الوقوف بين طرفي الأمر سلبا وإيجابا مع ترجيح أحدهما، ومن حيث إن اليوم الآخر لا مساغ للشك فيه والإِيمان به أحد ركائز العقيدة في الإِسلام، فسر أكثر السلف والخلف الظن هنا باليقين، واستدلوا له بقوله تعالى: {أية : وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} تفسير : [الكهف: 53]، فإن المقام مقام يقين وليس مقام تردد، وقوله عز من قائل حكاية لما يقوله الفائز يوم الحساب: {أية : إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ} تفسير : [الحاقة: 20] فإنه كان على يقين من ذلك، كما استدلوا له بقول دريد بن الصمة: شعر : فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم بالفارسي المسرد تفسير : وقول آخر: شعر : فأرستله مستيقن الظن أنه مخالط ما بين الشراسيف جائف تفسير : وذكر ابن عطية أن الظن يكون بمعنى اليقين فيما لم يكن محسوسا، فلا يقال في رجل مَرئيٍ حاضر أظن هذا إنسانا وإنما يستعمل كذلك فيما لم يخرج إلى الحس بعد. وروى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد أن كل ظن في القرآن فهو يقين، وأقر ذلك جماعة من المفسرين منهم ابن جرير وابن كثير، ورده الشوكاني بأن ذلك متعذر في نحو قوله: {أية : وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ ٱلْحَقِّ شَيْئاً} تفسير : [النجم: 28]، وقوله: {أية : إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ} تفسير : [الحجرات: 12]، إلا أن يحمل ذلك على الظن المتعلق بأمور الآخرة وهو مقتضى ما رواه ابن جرير عن قتادة. وأبقى جماعة من أهل التفسير ظن هنا على بابها، وحمل ذلك على كونهم يلحظون دائما من أنفسهم التقصير في ذات الحق تعالى، فيظنون أنهم سوف يلاقونه بأوزارهم وهو ما يزيد قلوبهم وجلا ونفوسهم خشوعا، وخلاصة ذلك أنهم لا يأمنون سوء الخاتمة مع مراعاتهم عظم المقام وكثرة التقصير، واختار الإِمام محمد عبده أن التعبير بالظن دون اليقين هنا لإِفادة التقريع والتوبيخ لأولئك الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، ونص كلامه - حسبما في المنار - "الإِيمان بلقاء الله تعالى هو الذي يوقف المعتقد عند حدوده ولو لم يكن الاعتقاد يقينيا فإن الذي يغلب على ظنه أن هذا الشيء ضار يجتنبه أو أنه نافع يطلبه، ولذلك اكتفي هنا بذكر الظن، وقد فسر الظن مفسرنا (الجلال) باليقين لأنه الإِعتقاد المنجي في الآخرة، وفاته أن الاكتفاء بالظن أبلغ في التقريع والتوبيخ كأن هؤلاء الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يقرأون الكتاب لا يصل إيمانهم بالله وبكتابه إلى درجة الظن الذي يأخذ صاحبه بالاحتياط". ولقاء ربهم يراد به الحشر إليه للحساب، والرجوع إليه، والإِنقلاب إلى ما أعده للناس من ثواب أو عقاب، وفسر بعضهم الرجوع بالموت واللقاء بالحشر أو الجزاء، ويضعف تفسير الرجوع بالموت ذكره بعد ذكر الإِماتة في قوله: {أية : ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} تفسير : [الروم: 40] {أية : ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [الروم: 11]، وأولى ما يفسر به القرآن القرآن نفسه. وحمل بعضهم المفاعلة المفهومة من قوله {مُّلاَقُوهُ} على أنها فعل واحد وهو معروف وضعا، ومنه عافاك الله، وقاتله الله، ورده ابن عطية بأن لقى يتضمن معنى لاقى وليست كذلك الأفعال كلها بل فعل خلاف فاعل في المعنى. وقد فصل ما أجملته عبارته أبو حيان بقوله: "إن مادة لقى تتضمن معنى الملاقاة بمعنى أن وضع هذا الفعل سواء كان مجردا أو على فاعل معناه واحد من حيث إن مَن لقيك فقد لقيته، فهو لخصوص مادته يقتضي المشاركة، ويستحيل فيه أن يكون لواحد... الخ". واستدل بعض القائلين بجواز الرؤية على الله - تعالى الله عن ذلك - بهذه الآية على معتقده، وحمل اللقاء على الرؤية المدعاة، وأجيب بأن تفسير اللقاء بالرؤية ليس له أساس من الوضع اللغوي ولا الإِصطلاح الشرعي، فالأعمى مثلا يقول لقيت فلانا إذا حضر عنده مع كونه غير راء له، وفي القرآن ما ينقض هذا الزعم لكثرة ورود اللقاء فيه لغير معنى الرؤية من ذلك قوله تعالى: {أية : فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} تفسير : [التوبة: 77]، ومدعو الرؤية يزعمون أنها شرف يخص الله به المؤمنين وليس للمنافقين منه نصيب، وقوله عز من قال: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ}تفسير : [البقرة: 223] مع أن الخطاب ليس للمؤمنين وحدهم، وقوله: {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} تفسير : [الفرقان: 68]، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان"تفسير : والرؤية المزعومة تتناسب مع الرضى والرحمة، لا مع الغضب والعذاب، وشاع على ألسنة المسلمين - بل وسائر المتدينين - قولهم في من مات لقى الله ولا يعنون بذلك رؤيته وكثيرا ما يقول القائل لقيت من هذا الأمر جهدا، إذا تكلفه مع أن الرؤية هنا متعذرة، ومثل ذلك في قولهم لاقى الحمام، ومع دحض هذا الجواب لكل شبهة في الموضوع تكلف الفخر الرازي رده متشبثا بما هو أوهى من نسخ العنكبوت. وحاصل كلامه أن الملاقاة لغة عبارة عن اتصال الجسمين بالتماس، ولما كان الملاقاة بين الجنسين المدركين سببا لحصول الإِدراك فحيث امتنعت المماسة وجب حمله على الادارك لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز فثبت أنه يجب حمل لفظ اللقاء على الإِدراك، وخروج بعض الصور لدليل خاص عما تقتضيه هذه القاعدة غير قادح، فبما أن المنافق لا يرى ربه حمل قوله تعالى: {أية : فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ}تفسير : [التوبة: 77] على لقاء حسابه وحكمة للضرورة الداعية الى ذلك، وبما أن هذا الإِضمار على خلاف الدليل لا يصار إليه إلا مع الضرورة، ولا ضرورة في قوله: (أنهم ملاقوا ربهم) حتى يصرف اللفظ عن ظاهره أو تضمر هذه الزيادة. وما أعجب صدور هذه السفسطة من مثل الفخر الرازي على علو كعبه ورسوخ قدمه في العلم، ولكن الهوى يعمى ويصم، وأعجب ما في الأمر الاجتراء البين على تفسيره لقاء الله بإدراكه مع توفر الأدلة العقلية والنقلية على استحالة إدارك ذات الله سبحانه، وكفى بقوله عز وجل: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ} تفسير : [الأنعام: 103] نصا صريحا في الموضوع، وإذا لم تكن في ذلك حجة فليس يصح في الأذهان شيء، وتتابع التعبير بلقاء الله في مواضع مختلفة من الكتاب، حيث لا يجوز تفسيره بالرؤية عند الجميع دليل قاطع على أن له معنى سوى الرؤية، وهو لقاء الحكم أو الجزاء وحمله على هذا المعنى هو المتعين لاتفاقه مع دلائل العقل والنقل.
الالوسي
تفسير : {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ} لما أمرهم سبحانه بتارك الضلال والإضلال والتزام الشرائع، وكان ذلك شاقاً عليهم ـ لما فيه من فوات محبوبهم وذهاب مطلوبهم ـ عالج مرضهم بهذا الخطاب، والصبر حبس النفس على ما تكره، وقدمه على الصلاة ـ لأنها لا تكمل إلا به ـ أو لمناسبته لحال المخاطبين، / أو لأن تأثيره ـ كما قيل ـ في إزالة ما لا ينبغي، وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح ـ واللام ـ فيه للجنس، ويجوز أن يراد بالصبر نوع منه ـ وهو الصوم ـ بقرينة ذكره مع الصلاة، ـ والاستعانة بالصبر ـ على المعنى الأول: لما يلزمه من انتظار الفرج والنجح ـ توكلاً على من لا يخيب المتوكلين عليه ـ ولذا قيل: الصبر مفتاح الفرج، وبه على المعنى الثاني: لما فيه من كسر الشهوة وتصفية النفس الموجبين للانقطاع إلى الله تعالى ـ الموجب لإجابة الدعاء ـ وأما الاستعانة بالصلاة فلما فيها من أنواع العبادة، مما يقرب إلى الله تعالى قرباً يقتضي الفوز بالمطلوب والعروج إلى المحبوب، وناهيك من عبادة تكرر في اليوم والليلة خمس مرات يناجي فيها العبد علام الغيوب، ويغسل بها العاصي درن العيوب، وقد روى حذيفة أنه صلى الله عليه وسلم إذا حزنه أمر صلى، وروى أحمد أنه إذا حزنه أمر فزع إلى الصلاة، وحمل الصلاة على الدعاء في الآية وكذا في الحديث لا يخلو عن بعد، وأبعد منه كون المراد بالصبر الصبر على الصلاة. {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ} الضمير للصلاة ـ كما يقتضيه الظاهر، وتخصيصها ـ برد الضمير إليها ـ لعظم شأنها واستجماعها ضروباً من الصبر، ومعنى ـ كبرها ـ ثقلها وصعوبتها على من يفعلها، على حد قوله تعالى: {أية : كَبُرَ عَلَى ٱلْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ }تفسير : [الشورى: 13] والاستثناء مفرغ أي: كبيرة على كل أحد إلا على الخاشعين وهم المتواضعون المستكينون، وأصل ـ الخشوع ـ الإخبات، ومنه الخشعة ـ بفتحات ـ الرمل المتطامن، وإنما لم تثقل عليهم، لأنهم عارفون بما يحصل لهم فيها متوقعون ما ادخر من ثوابها فتهون عليهم، ولذلك قيل: من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية، وجوّز رجوع الضمير إلى ـ الاستعانة ـ على حد {أية : ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ }تفسير : [المائدة: 8] ورجح بالشمول، وما يقال: إن الاستعانة ليست بكبيرة لا طائل تحته، فإن الاستعانة بالصلاة أخص من فعل الصلاة لأنها أداؤها ـ على وجه الاستعانة بها على الحوائج ـ أو على سائر الطاعات لاستجرارها ذلك، وقيل: يجوز أن يكون من أسلوب {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ }تفسير : [التوبة: 62] وقوله:شعر : إن شرخ الشباب والشعر الأسـ ـود ما لم يعاص كان جنونا تفسير : والتأنيث مثله في قوله تعالى على رأي: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا } تفسير : [التوبة: 34] أو المراد كل خصلة منها، وقيل: الضمير راجع إلى المذكورات المأمور بها والمنهي عنها، ومشقتها عليهم ظاهرة، وهو أقرب مما قاله الأخفش من رجوعه إلى إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم، والبعيد بل الأبعد عوده إلى الكعبة المفهومة من ذكر الصلاة.
ابن عاشور
تفسير : خطاب لبني إسرائيل بالإرشاد إلى ما يعينهم على التخلق بجميع ما عدد لهم من الأوامر والنواهي الراجعة إلى التحلي بالمحامد والتخلي عن المذمات، له أحسن وقع من البلاغة فإنهم لما خوطبوا بالترغيب والترهيب والتنزيه والتشويه ظن بهم أنهم لم يبق في نفوسهم مسلك للشيطان ولا مجال للخذلان وأنهم أنشأوا يتحفزون للامتثال والائتساء، إلا أن ذلك الإلف القديم يثقل أرجلهم في الخطو إلى هذا الطريق القويم، فوصف لهم الدواء الذي به الصلاح وريش بقادمتي الصبر والصلاة منهم الجناح. فالأمر بالاستعانة بالصبر لأن الصبر ملاك الهدى فإن مما يصد الأمم عن اتباع دين قويم إلفهم بأحوالهم القديمة وضعف النفوس عن تحمل مفارقتها فإذا تدرعوا بالصبر سهل عليهم اتباع الحق. وأما الاستعانة بالصلاة فالمراد تأكيد الأمر بها الذي في قوله: {أية : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}تفسير : [البقرة: 43]وهذا إظهار لحسن الظن بهم وهو طريق بديع من طرق الترغيب. ومن المفسرين من زعم أن الخطاب في قوله: {واستعينوا} إلخ للمسلمين على وجه الانتقال من خطاب إلى خطاب آخر، وهذا وهم لأن وجود حرف العطف ينادي على خلاف ذلك ولأن قوله: {إلا على الخاشعين} مراد به إلا على المؤمنين حسبما بينه قوله: {الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم} الآية اللهم إلا أن يكون من الإظهار في مقام الإضمار وهو خلاف الظاهر مع عدم وجود الداعي. والذي غرهم بهذا التفسير توهم أنه لا يؤمر بأن يستعين بالصلاة من لم يكن قد آمن بعد وأي عجب في هذا؟ وقريب منه آنفاً قوله تعالى: {أية : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين}تفسير : [البقرة: 43] خطاباً لبني إسرائيل لا محالة. والصبر عرفه الغزالي في «إحياء علوم الدين» بأنه ثبات باعث الدين في مقابلة باعث الشهوة وهو تعريف خاص بالصبر الشرعي صالح لأن يكون تفسيراً للآية لأنها في ذكر الصبر الشرعي، وأما الصبر من حيث هو ـــ الذي هو وصف كمال ـــ فهو عبارة عن احتمال النفس أمراً لا يلائمها إما لأن مآله ملائم، أو لأن عليه جزاء عظيماً فأشبه ما مآله ملائم، أو لعدم القدرة على الانتقال عنه إلى غيره مع تجنب الجزع والضجر، فالصبر احتمال وثبات على ما لا يلائم، وأقل أنواعه ما كان عن عدم المقدرة ولذا ورد في «الصحيح»: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى» أي الصبر الكامل هو الذي يقع قبل العلم بأن التفصي عن ذلك الأمر غير ممكن وإلا فإن الصبر عند اعتقاد عدم إمكان التفصي إذا لم يصدر منه ضجر وجزع هو صبر حقيقة. فصيغة الحصر في قوله «إنما الصبر» حصر ادعائي للكمال كما في قولهم أنت الرجل. والصلاة أريد بها هنا معناها الشرعي في الإسلام وهي مجموع محامد لله تعالى، قولاً وعملاً واعتقاداً فلا جرم كانت الاستعانة المأمور بها هنا راجعة لأمرين: الصبر والشكر. وقد قيل إن الإيمان نصفه صبر ونصفه شكر كما في «الإحياء» وهو قول حسن، ومعظم الفضائل ملاكها الصبر إذ الفضائل تنبعث عن مكارم الخلال، والمكارم راجعة إلى قوة الإرادة وكبح زمام النفس عن الإسامة في شهواتها بإرجاع القوتين الشهوية والغضبية عما لا يفيد كمالاً أو عما يورث نقصاناً فكان الصبر ملاك الفضائل فما التحلم والتكرم والتعلم والتقوى والشجاعة والعدل والعمل في الأرض ونحوها إلا من ضروب الصبر. ومما يؤثر عن علي رضي الله عنه: الشجاعة صبر ساعة. وقال زفر بن الحارث الكلابي يعتذر عن انهزام قومه:شعر : سقيناهم كاساً سقونا بمثلها ولكنهم كانوا على الموت أصبرا تفسير : وحسبك بمزية الصبر أن الله جعله مكمل سبب الفوز في قوله تعالى: {أية : والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر}تفسير : [العصر: 1 ـــ 3] وقال هنا: {واستعينوا بالصبر والصلاة}. قال الغزالي: ذكر الله الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر وجعلها ثمرة له، فقال عز من قائل: {أية : وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا}تفسير : [السجدة: 24]. وقال: {أية : وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا}تفسير : [الأعراف: 137] وقال: {أية : إن الله مع الصابرين}تفسير : [البقرة: 153] اهـ. وأنت إذا تأملت وجدت أصل التدين والإيمان من ضروب الصبر فإن فيه مخالفة النفس هواها ومألوفها في التصديق بما هو مغيب عن الحس الذي اعتادته، وبوجوب طاعتها واحداً من جنسها لا تراه يفوقها في الخلقة وفي مخالفة عادة آبائها وأقوامها من الديانات السابقة. فإذا صار الصبر خلقاً لصاحبه هون عليه مخالفة ذلك كله لأجل الحق والبرهان فظهر وجه الأمر بالاستعانة على الإيمان وما يتفرع عنه بالصبر فإنه خلق يفتح أبواب النفوس لقبول ما أمروا به من ذلك. وأما الاستعانة بالصلاة فلأن الصلاة شكر والشكر يذكر بالنعمة فيبعث على امتثال المنعم على أن في الصلاة صبراً من جهات في مخالفة حال المرء المعتادة ولزومه حالة في وقت معين لا يسوغ له التخلف عنها ولا الخروج منها على أن في الصلاة سراً إلاهياً لعله ناشىء عن تجلي الرضوان الرباني على المصلي فلذلك نجد للصلاة سراً عظيماً في تجلية الأحزان وكشف غم النفس وقد ورد في الحديث «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا حزبه (بزاي وباء موحدة أي نزل به) أمر فزع إلى الصلاة» وهذا أمر يجده من راقبه من المصلين وقال تعالى: {أية : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}تفسير : [العنكبوت: 45] لأنها تجمع ضروباً من العبادات. وأما كون الشكر من حيث هو معيناً على الخير فهو من مقتضيات قوله تعالى: {أية : لئن شكرتم لأزيدنكم}تفسير : [إبراهيم: 7]. وقوله: {وإنها لكبيرة} اختلف المفسرون في معاد ضمير {إنها} فقيل عائد إلى الصلاة والمعنى إن الصلاة تصعب على النفوس لأنها سجن للنفس وقيل الضمير للاستعانة بالصبر والصلاة المأخوذة من {استعينوا} على حد {أية : اعدلوا هو أقرب للتقوى}تفسير : [المائدة: 8]. وقيل راجع إلى المأمورات المتقدمة من قوله تعالى: {أية : اذكروا نعمتي}تفسير : [البقرة: 40] إلى قوله {أية : واستعينوا بالصبر والصلاة}تفسير : [البقرة: 45] وهذا الأخير مما جوزه صاحب «الكشاف» ولعله من مبتكراته وهذا أوضح الأقوال وأجمعها والمحامل مُرادة. والمراد بالكبيرة هنا الصعبة التي تشق على النفوس، وإطلاق الكبر على الأمر الصعب والشاق مجاز مشهور في كلام العرب لأن المشقة من لوازم الأمر الكبير في حمله أو تحصيله قال تعالى: {أية : وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله}تفسير : [البقرة: 143] وقال: {أية : وإن كان كبر عليك إعراضهم}تفسير : [الأنعام: 35] الآية. وقال: {أية : كبر على المشركين ما تدعوهم إليه}تفسير : [الشورى: 13]. وقوله: {إلا على الخاشعين} أي الذين اتصفوا بالخشوع، والخشوع لغة هو الانزواء والانخفاض قال النابغة:شعر : ونُؤْيٌ كجِذْم الحَوْض أَثلم خَاشِع تفسير : أي زال ارتفاع جوانبه. والتذلل خشوع، قال جعفر بن عبلة الحارثي:شعر : فلا تحسبي أني تَخَشعت بعدكم لَشْيءٍ ولا أني من الموت أفرق تفسير : وهو مجاز في خشوع النفس وهو سكون وانقباض عن التوجه إلى الإباية أو العصيان. والمراد بالخاشع هنا الذي ذلل نفسه وكسر سورتها وعودها أن تطمئن إلى أمر الله وتطلب حسن العواقب وأن لا تغتر بما تزينه الشهوة الحاضرة فهذا الذي كانت تلك صفته قد استعدت نفسه لقبول الخير. وكأن المراد بالخاشعين هنا الخائفون الناظرون في العواقب فتخف عليهم الاستعانة بالصبر والصلاة مع ما في الصبر من القمع للنفس وما في الصلاة من التزام أوقات معينة وطهارة في أوقات قد يكون للعبد فيها اشتغال بما يهوى أو بما يحصِّل منه مالاً أو لذة. وقريب منه قول كثير:شعر : فقلت لها يا عز كل مصيبة إذا وُطنت يوماً لها النفس ذلت تفسير : وأحسب أن مشروعية أحكام كثيرة قصد الشارع منها هذا المعنى وأعظمها الصوم. ولا يصح حمل الخشوع هنا على خصوص الخشوع في الصلاة بسبب الحال الحاصل في النفس باستشعار العبد الوقوف بين يدي الله تعالى حسبما شرحه ابن رشد في أول مسألة من كتاب الصلاة الأول من «البيان والتحصيل» وهو المعنى المشار إليه بقوله تعالى: {أية : قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون}تفسير : [المؤمنون: 1، 2]، فإن ذلك كله من صفات الصلاة وكمال المصلي فلا يصح كونه هو المخفف لكلفة الصلاة على المستعين بالصلاة كما لا يخفى. وقد وصف تعالى الخاشعين بأنهم الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون وهي صلة لها مزيد اتصال بمعنى الخشوع ففيها معنى التفسير للخاشعين ومعنى بيان منشأ خشوعهم، فدل على أن المراد من الظن هنا الاعتقاد الجازم وإطلاق الظن في كلام العرب على معنى اليقين كثير جداً، قال أوس بن حجر يصف صياداً رمى حمار وحش بسهم:شعر : فأرسله مستيقن الظن أنه مخالطُ ما بين الشرا سيف جائف تفسير : وقال دريد بن الصمة:شعر : فقلت لهم ظُنُّوا بأَلْفَيْ مُدَجَّج سراتهم بالفارسي المسرج تفسير : فهو مشترك بين الاعتقاد الجازم وبين الاعتقاد الراجح. والملاقاة والرجوع هنا مجازان عن الحساب والحشر أو عن الرؤية والثواب؛ لأن حقيقة اللقاء ــــ وهو تقارب الجسمين، وحقيقة الرجوع وهو الانتهاء إلى مكان خرج منه المنتهى ــــ مستحيلة هنا. والمقصود من قوله: {وإنها لكبيرة} إلخ التعريض بالثناء على المسلمين، وتحريض بني إسرائيل على التهمم بالاقتداء بالمؤمنين وعلى جعل الخطاب في قوله: {واستعينوا} للمسلمين يكون قوله: {وإنها لكبيرة} تعريضاً بغيرهم من اليهود والمنافقين. والملاقاة مفاعلة من لقي، واللقاء الحضور كما تقدم في قوله: {أية : فتلقى آدم من ربه كلمات}تفسير : [البقرة: 37] والمراد هنا الحضور بين يدي الله للحساب أي الذين يؤمنون بالبعث، وسيأتي تفصيل لها عند قوله تعالى {أية : واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه}تفسير : [البقرة: 223] في هذه السورة، وفي سورة الأنعام (31) عند قوله تعالى: {أية : قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله}.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ}. الاستعانة بالصبر على أمور الدنيا والآخرة لا إشكال فيها. وأما نتيجة الاستعانة بالصلاة، فقد أشار لها تعالى في آيات من كتابه، فذكر أن من نتائج الاستعانة بها: النهي عما لا يليق وذلك في قوله: {أية : إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [العنكبوت: 45] وأنها تجلب الرزق، وذلك في قوله: {أية : وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِٱلصَّلاَةِ وَٱصْطَبِرْ عَلَيْهَا لاَ نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَٱلْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ} تفسير : [طه: 132]. ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة. وإيضاح ذلك: أن العبد إذا قام بين يدي ربه يناجيه ويتلو كتابه، هان عليه كل ما في الدنيا رغبة فيما عند الله، ورهبة منه، فيتباعد عن كل ما لا يرضي الله، فيرزقه الله ويهديه.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلصَّلاَةِ} {ٱلْخَاشِعِينَ} (45) - وَيَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالاسْتِعَانَةِ عَلَى أَدَاءِ التَّكَالِيفِ، وَمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ، بِالصَّبْرِ عَلَى الفَرَائِضِ، وَضَبْطِ النَّفْسِ عَنِ المَعَاصِي، وَبِالصَّلاةِ، لَعَلَّهُمْ يَبْلُغُونَ مَا يُؤمِّلُونَ مِنْ خَيْرِ الدُّنيا وَالآخِرَةِ. وَيُنَبِّهُهُمُ اللهُ تَعَالَى إِلَى أَنَّ القِيَامَ بِهذِهِ الوَصِيَّةِ التِي يَطْلُبُ مِنَ النَّاسِ الأَخْذَ بِهَا مِنْ صَبْرٍ وَصَلاةٍ ... أَمْرٌ شَاقٌ ثَقِيلٌ عَلَى النُّفُوسِ، إِلاَّ النُّفُوسَ المُؤْمِنَةَ الخَاشِعَةَ المُسْتَكِينَةَ لِطَاعَةِ اللهِ، المُتَذَلِّلَةَ مِنْ مَخَافَتِهِ. إِنَّها لَكَبِيرَةٌ - إِنَّهَا لَشَاقَّةٌ صَعْبَةٌ. الخَاشِعِينَ - المُسْتَكِينِينَ للهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن بين الحق سبحانه وتعالى أن الإيمان قدوة، وبعد أن لفتنا إلى أن التوراة تطالب اليهود بأن يؤمنوا بمحمد عليه الصلاة والسلام. يطلب الله سبحانه وتعالى الاستعانة بالصبر والصلاة، ومعنى الاستعانة بالصبر أن هناك أحداثاً شاقة ستقع. وأن المسألة لن تكون سهلة، بل تحتاج إلى جهد. فالصبر معناه حمل النفس على أمر صعب، وهم ماداموا قد تعودوا على شراء آيات الله بثمن قليل .. لأنهم قلبوا الصفقة، فجعلوا آيات الله ثمناً لمتع الدنيا. واشتروا بها متعهم وملذاتهم. وبعد أن تعودوا على الربا وغيره من وسائل الكسب الحرام لابد أن يستعينوا بالصبر إذا أرادوا العودة إلى طريق الإيمان. وكما قلنا، فإن المسألة ليست بخصوصية الموضوع ولكن بعموم السبب. فإنها موجهة للجميع. فكل مؤمن يدخل منهج الإيمان محتاج إلى الاستعانة بالصبر ليحمل نفسه على مشقة المنهج وتكاليفه. وليمنع نفسه عن الشهوات التي حَرَّمها الله سبحانه وتعالى. والصبر في الآية الكريمة فسره بعض العلماء بأنه الصيام، فكأن الله تعالى يأمرهم أن يجوعوا ويصبروا على ألم الجوع. ومشقة الإيمان والصلاة كما قلنا خشوع وخضوع وذلة لله .. تنهي استكبارهم بأن يؤمنوا بدين لم ينزل على أحد من أحبار اليهود. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45]. ويطلب الحق في قوله: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ} [البقرة: 45] الاستعانة بشيئين هما الصبر والصلاة. وكان سياق الآية يقتضي أن يقال: "وأنهما" لكن القرآن قال: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} [البقرة: 45] فهل المقصود واحدة منهما. الصلاة فقط. أم الصبر؟ نقول إنه عندما يأتي أمران منضمان إلى بعضهما لا تستقيم الأمور إلا بهما معاً .. يكونان علاجاً واحداً .. واقرأ قوله تعالى: {أية : يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} تفسير : [التوبة: 62]. فقال يرضوه ولم يقل يرضوهما. نفس التفسير السابق نفهمه: ليس لله حق ولرسوله حق. ولكن الله ورسوله يلتقيان على حق واحد. وكذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً ٱنفَضُّوۤاْ إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً ..} تفسير : [الجمعة: 11]. وكان المفروض أن يقال إليهما. ولكن التجارة واللهو لهما عمل واحد هو شغل المؤمنين عن العبادة والذكر: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ} [البقرة: 45] لأن العلاج في الصبر مع الصلاة. والصبر كبير أن تتحمله النفس، وكذلك الصلاة لأنهما يأخذان من حركة حياة الإنسان. والصبر هنا مطلوب ليصبروا على ما يمتنعون عنه من نعيم الدنيا وزخرفها. والصلاة تحارب الاستكبار في النفس، فكأن الوصفة الإيمانية لا تتجزأ. فلا يتم الصبر بلا صلاة، ولا تتقن الصلاة إلا بالصبر. وقوله تعالى: {إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] .. ما معنى الخشوع؟ الخشوع هو الخضوع لمَنْ ترى أنه فوقك بلا منازع. فالناس يتفاوتون في القيم والمواهب، وكل واحد يحاول أن يفاخر بعلوه ومواهبه، ويقول: أنا خير من فلان، أو أنت خير من فلان. إذن فمن الممكن أن يستكبر الإنسان بما عنده. ولكن الإنسان يخضع لمَنْ كانت له حاجة عنده؛ لأنه لو تكبر عليه أتعبه في دنياه. ولذلك أعطى الله سبحانه وتعالى للناس المواهب على الشيوع والخشوع على الشيوع. فكل إنسان منا محتاج للآخر. هذا خشوع على الشيوع. وكل إنسان منا مميز بما لا يقدر عليه غيره. هذه مواهب على الشيوع. هذا في البشر، أما بالنسبة لله سبحانه فإنه خشوع لمَنْ خلق ووهب وأوجد. والخشوع يجعل الإنسان يستحضر عظمة الحق سبحانه ويعرف ضآلة قيمته أمام الحق سبحانه وتعالى ومدى عجزه أمام خالق هذا الكون. ويعلم أن كل ما عنده يمكن أن يذهب به الله تعالى في لحظة .. ذلك أننا نعيش في عالم الأغيار. ولذلك فلنخضع للذي لا يتغير. لأن كل ما يحصل عليه الإنسان هو من الله وليس من ذاته، والذين يغترون بوجود الأسباب نقول لهم: اعبدوا واخشعوا لواهب الأسباب وخالقها، لأن الأسباب لا تعمل بذاتها. والله سبحانه وتعالى يجعل الأيام دولاً .. أي متداولة بين الناس. إنسان يفاخر بقوته، يأتي مَنْ هو أقوى منه فيهزمه. إنسان يفاخر بماله، يضيع هذا المال في لحظة .. واقرأ قوله تعالى: {أية : إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ ٱلْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ ٱلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [آل عمران: 140]. ولذلك لابد أن نفهم أن الإنسان الذي يستعلي بالأسباب سيأتي وقت لا تعطيه الأسباب. فالإنسان إذا بلغ في عينه وأعين الناس مرتبة الكمال اغتر بنفسه. نقول له: لا تغتر بكمالات نفسك. فإن كانت موجودة الآن، فستتغير غداً. فالخشوع لا يكون إلا لله. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] مَنْ هم الخاشعون؟ الخاشع هو الطائع لله. الممتنع عن المحرمات. الصابر على الأقدار الذي يعلم يقينا داخل نفسه أن الأمر لله وحده، وليس لأي قوة أخرى .. فيخشع لمَنْ خلقه وخلق هذا الكون كله.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} والكَبيرةُ الشَّديدةُ. والخاشِعونَ: الخَائفونَ المُتواضِعونَ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أمرهم الله أن يستعينوا في أمورهم كلها بالصبر بجميع أنواعه، وهو الصبر على طاعة الله حتى يؤديها، والصبر عن معصية الله حتى يتركها، والصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها، فبالصبر وحبس النفس على ما أمر الله بالصبر عليه معونة عظيمة على كل أمر من الأمور، ومن يتصبر يصبره الله، وكذلك الصلاة التي هي ميزان الإيمان، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، يستعان بها على كل أمر من الأمور { وَإِنَّهَا } أي: الصلاة { لَكَبِيرَةٌ } أي: شاقة { إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ } فإنها سهلة عليهم خفيفة؛ لأن الخشوع، وخشية الله، ورجاء ما عنده يوجب له فعلها، منشرحا صدره لترقبه للثواب، وخشيته من العقاب، بخلاف من لم يكن كذلك، فإنه لا داعي له يدعوه إليها، وإذا فعلها صارت من أثقل الأشياء عليه. والخشوع هو: خضوع القلب وطمأنينته، وسكونه لله تعالى، وانكساره بين يديه، ذلا وافتقارا، وإيمانا به وبلقائه. ولهذا قال: { الَّذِينَ يَظُنُّونَ } أي: يستيقنون { أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ } فيجازيهم بأعمالهم { وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ } فهذا الذي خفف عليهم العبادات وأوجب لهم التسلي في المصيبات، ونفس عنهم الكربات، وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه، كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه. ثم كرر على بني إسرائيل التذكير بنعمته، وعظا لهم، وتحذيرا وحثا. وخوفهم بيوم القيامة الذي { لا تَجْزِي } فيه، أي: لا تغني { نَفْسٌ } ولو كانت من الأنفس الكريمة كالأنبياء والصالحين { عَنْ نَفْسٍ } ولو كانت من العشيرة الأقربين { شَيْئًا } لا كبيرا ولا صغيرا وإنما ينفع الإنسان عمله الذي قدمه. { وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا } أي: النفس، شفاعة لأحد بدون إذن الله ورضاه عن المشفوع له، ولا يرضى من العمل إلا ما أريد به وجهه، وكان على السبيل والسنة، { وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } أي: فداء { ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب } ولا يقبل منهم ذلك { وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } أي: يدفع عنهم المكروه، فنفى الانتفاع من الخلق بوجه من الوجوه، فقوله: { لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا } هذا في تحصيل المنافع، { وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ } هذا في دفع المضار، فهذا النفي للأمر المستقل به النافع. { ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل } هذا نفي للنفع الذي يطلب ممن يملكه بعوض، كالعدل، أو بغيره، كالشفاعة، فهذا يوجب للعبد أن ينقطع قلبه من التعلق بالمخلوقين، لعلمه أنهم لا يملكون له مثقال ذرة من النفع، وأن يعلقه بالله الذي يجلب المنافع، ويدفع المضار، فيعبده وحده لا شريك له ويستعينه على عبادته. __________
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 14 : 117 - سفين في قراءة عبد الله في قول الله جل وعز {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ}. [الآية 45]. 15 : 120 - قال سفين، قال مجاهد {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ} قال، المؤمنين حقا {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ} يعلمون. كل ظن في القرآن فهو علم. [الآية 45-46].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):