٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
46
Tafseer
الرازي
تفسير : أما قوله: {الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم} فللمفسرين فيه قولان: الأول: أن الظن بمعنى العلم. قالوا: لأن الظن وهو الاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض يقتضي أن يكون صاحبه غير جازم بيوم القيامة وذلك كفر والله تعالى مدح على هذا الظن والمدح على الكفر غير جائز، فوجب أن يكون المراد من الظن ههنا العلم، وسبب هذا المجاز أن العلم والظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقاداً راجحاً إلا أن العلم راجح مانع من النقيض والظن راجح غير مانع من النقيض، فلما اشتبها من هذا الوجه صح إطلاق اسم أحدها على الآخر، قال أوس بن حجر: شعر : فأرسلته مستيقن الظن أنه مخالط ما بين الشراسيف خائف تفسير : وقال تعالى: {أية : إني ظننت أني ملاق حسابيه} تفسير : [الحاقة: 20] وقال: {أية : ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون} تفسير : [المطففين: 4] ذكر الله تعالى ذلك إنكاراً عليهم وبعثاً على الظن ولا يجوز أن يبعثهم على الاعتقاد المجوز للنقيض فثبت أن المراد بالظن ههنا العلم. القول الثاني: أن يحمل اللفظ على ظاهره وهو الظن الحقيقي، ثم ههنا وجوه. الأول: أن تجعل ملاقاة الرب مجازاً عن الموت، وذلك لأن ملاقاة الرب مسبب عن الموت فأطلق المسبب والمراد منه السبب، وهذا مجاز مشهور فإنه يقال لمن مات إنه لقي ربه. إذا ثبت هذا فنقول: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون الموت في كل لحظة، وذلك لأن كل من كان متوقعاً للموت في كل لحظة فإنه لا يفارق قلبه الخشوع فهم يبادرون إلى التوبة، لأن خوف الموت مما يقوي دواعي التوبة ولأنه مع خشوعه لا بد في كل حال من أن لا يأمن تقصيراً جرى منه فيلزمه التلافي، فإذا كان حاله ما ذكرنا كان ذلك داعياً إلى المبادرة إلى التوبة، الثاني: أن تفسر ملاقاة الرب بملاقاة ثواب الرب وذلك مظنون لا معلوم فإن الزاهد العابد لا يقطع بكونه ملاقياً لثواب الله بل يظن إلا أن ذلك الظن مما يحمله على كمال الخشوع. الثالث: المعنى الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم بذنوبهم فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى الله تعالى بذنوبه فعند ذلك يسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح. بقي هنا مسألتان: المسألة الأولى: استدل بعض الأصحاب بقوله: {ملاقوا ربهم} على جواز رؤية الله تعالى وقالت المعتزلة: لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية والدليل عليه الآية والخبر والعرف. أما الآية فقوله تعالى: {أية : فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه} تفسير : [التوبة: 77] والمنافق لا يرى ربه، وقال: {أية : ومن يفعل ذلك يلق آثاماً} تفسير : [الفرقان: 68] وقال تعالى في معرض التهديد: {أية : واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه} تفسير : [البقرة: 223] فهذا يتناول الكافر والمؤمن، والرؤية لا تثبت للكافر فعلمنا أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية. وأما الخبر فقوله عليه السلام: «حديث : من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرىء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» تفسير : وليس المراد رأى الله تعالى لأن ذلك وصف أهل النار، وأما العرف فهو قول المسلمين فيمن مات: لقي الله، ولا يعنون أنه رأى الله عز وجل، وأيضاً فاللقاء يراد به القرب ممن يلقاه على وجه يزول الحجاب بينهما. ولذلك يقول الرجل إذا حجب عن الأمير: ما لقيته بعد وإن كان قد رآه، وإذا أذن له في الدخول عليه يقول: لقيته، وإن كان ضريراً، ويقال: لقي فلان جهداً شديداً ولقيت من فلان الداهية. ولاقى فلان حمامه، وكل ذلك يدل على أن اللقاء ليس عبارة عن الرؤية. ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: {أية : فالتقى الماء على أمر قد قدر} تفسير : [القمر: 12]. وهذا إنما يصح في حق الجسم ولا يصح على الله تعالى. قال الأصحاب: اللقاء في أصل اللغة عبارة عن وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يماسه بمسطحة يقال: لقي هذا ذاك إذا ماسه واتصل به، ولما كانت الملاقاة بين الجنسين المدركين سبباً لحصول الإدراك فحيث يمتنع إجراء اللفظ على المماسة وجب حمله على الإدراك لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز. فثبت أنه يجب حمله لفظ اللقاء على الإدراك أكثر ما في الباب أنه ترك هذا المعنى في بعض الصور لدليل يخصه فوجب إجراؤه على الإدراك في البواقي، وعلى هذا التقرير زالت السؤالات. أما قوله: {أية : فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه} تفسير : [التوبة: 77] والمنافق لا يرى ربه. قلنا: فلأجل هذه الضرورة المراد إلى يوم يلقون حسابه وحكمه إلا أن هذا الإضمار على خلاف الدليل وإنما يصار إليه عند الضرورة. ففي هذا الموضع لما اضطررنا إليه اعتبرناه، وأما في قوله تعالى: {أنهم ملاقوا ربهم} لا ضرورة في صرف اللفظ عن ظاهره ولا في إضمار هذه الزيادة، فلا جرم وجب تعليق اللقاء بالله تعالى لا بحكم الله، فإن اشتغلوا بذكر الدلائل العقلية التي تمنع من جواز الرؤية بينا ضعفها وحينئذ يستقيم التمسك بالظاهر من هذا الوجه. المسألة الثانية: المراد من الرجوع إلى الله تعالى الرجوع إلى حيث لا يكون لهم مالك سواه وأن لا يملك لهم أحد نفعاً ولا ضراً غيره، كما كانوا كذلك في أول الخلق فجعل مصيرهم إلى مثل ما كانوا عليه أولاً رجوعاً إلى الله من حيث كانوا في سائر أيام حياتهم قد يملك غيره الحكم عليهم ويملك أن يضرهم وينفعهم وإن كان الله تعالى مالكاً لهم في جميع أحوالهم، وقد احتج بهذه الآية فريقان من المبطلين. الأول: المجسمة فإنهم قالوا: الرجوع إلى غير الجسم محال فلما ثبت الرجوع إلى الله وجب كون الله جسماً. الثاني: التناسخية فإنهم قالوا: الرجوع إلى الشيء مسبوق بالكون عنده، فدلت هذه الآية على كون الأرواح قديمة وأنها كانت موجودة في عالم الروحانيات والجواب عنها قد حصل بناء على ما تقدم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ} «الذين» في موضع خفض على النعت للخاشعين، ويجوز الرفع على القطع. والظن هنا في قول الجمهور بمعنى اليقين؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ}تفسير : [الحاقة: 20] وقوله: {أية : فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} تفسير : [الكهف: 53]. قال دُريد بن الصِّمّة:شعر : فقلت لهم ظُنُّوا بألفَيْ مدجَّج سَراتُهُم في الفارسيّ المُسَرَّدِ تفسير : وقال أبو دُواد:شعر : رُبَّ هَمّ فرّجته بغريم وغيوب كشفتها بظنون تفسير : وقد قيل: إن الظن في الآية يصح أن يكون على بابه، ويضمر في الكلام بذنوبهم؛ فكأنهم يتوقّعون لقاءه مذنبين؛ ذكر المهدوِيّ والماوَرْدِي. قال ٱبن عطية: وهذا تعسُّف. وزعم الفَرّاء أن الظنّ قد يقع بمعنى الكذب؛ ولا يعرف ذلك البصريون. وأصل الظن وقاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه، وقد يوقع موقع اليقين؛ كما في هذه الآية وغيرها، لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحِسّ؛ لا تقول العرب في رجل مرئيّ حاضر: أظن هذا إنساناً. وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحِسّ بعد؛ كهذه الآية والشعر، وكقوله تعالى: {أية : فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا} تفسير : [الكهف: 53]. وقد يجيء اليقين بمعنى الظن، وقد تقدّم بيانه أوّل السورة. وتقول: سُؤت به ظنًّا، وأسأت به الظن. يدخلون الألف إذ جاءوا بالألف واللام. ومعنى {مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} جزاء رَبّهم. وقيل: جاء على المفاعلة وهو من واحد؛ مثل عافاه الله. {وَأَنَّهُمْ} بفتح الهمزة عطف على الأوّل، ويجوز «وإنهم» بكسرها على القطع. {إِلَيْهِ} أي إلى ربهم، وقيل إلى جزائه. {رَاجِعُونَ} إقرار بالبعث والجزاء والعَرْض على الملك الأعلى.
البيضاوي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رٰجِعُونَ } أي يتوقعون لقاء الله تعالى ونيل ما عنده، أو يتيقنون أنهم يحشرون إلى الله فيجازيهم، ويؤيده أن في مصحف ابن مسعود «يعلمون» وكأن الظن لما شابه العلم في الرجحان أطلق عليه لتضمن معنى التوقع، قال أوس بن حجر:شعر : فأرْسَلتُهُ مُستَيْقِنَ الظلِّ أنَّه مُخالِطُ ما بينَ الشَّراسِيفِ جائِفُ تفسير : وإنما لم تثقل عليهم ثقلها على غيرهم فإن نفوسهم مرتاضة بأمثالها، متوقعة في مقابلتها ما يستحقر لأجله مشاقها ويستلذ بسببه متاعبها، ومن ثمة قال عليه الصلاة والسلام «حديث : وجعلت قرة عيني في الصلاة».
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ } يوقنون {أَنَّهُمْ مُّلَـٰقُواْ رَبّهِمْ } بالبعث {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رٰجِعُونَ } في الآخرة فيجازيهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَظُنُّون أَنَّهُم مُّلاقُواْ رَبِّهِمْ} بذنوبهم لإشفاقهم منها أو يتيقنون عند الجمهور. {رَاجِعُونَ} بالموت، أو بالإعادة، أو إلى أن لا يملك لهم أحد غيره ضراً ولا نفعاً كما كانوا في بدو الخلق.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ...}. قالوا: معناه يعلمون. قال ابن عرفة: (الذي يظهر) لي أن الظنّ على بابه مصروف لزمن (الملاقاة) أي هم يستحضرون الموت ويظنونه في كل زمن واقعا بهم. قال القشيري أبو طالب: إنّ أبا بكر وعمر جلسا ذات يوم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: إني إذا أصبحت ما أدري هل أمسي أم لا؟ وقال سيّدنا عمر رضي الله عنه: إذا أمسيت لا أدري هل أصبح أم لا؟ فقال عليه الصلاة والسلام: وإذا صعدت النفس لا أدري هل أرده أم لا؟ (لأنهم يعتقدون المعاد علما لا ظنّا. فقال: يكون مثل: علفتها تبنا وماء باردا، وتعلمون أنّهم إليه راجعون). قال ابن عرفة: فإن قلت: جاء في الآية التصديق قبل التّصور لأنه حكم على الخاشعين بأن الصلاة ليست عليهم كبيرة قبل أن يبين حقيقتهم وما أراد بهم. فالجواب أَنّا (إذا) جعلنا {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ} نعتا للخاشعين فلا سؤال، لأنه من تمامه وكأنه شيء واحد، وإن جعلناه مقطوعا للرفع أو للنصب فالسؤال وارد. قلت: وتقدم لنا غير مرة أن التصور باعتبار حقيقة الماهية والإحاطة بها لا يشترط تقدمه على التصديق.
ابن عادل
تفسير : "الذين" يحتمل موضعه الحَرَكات الثلاث، فالجر على أنه تابع لما قبله نعتاً، وهو الظَّاهر، والرفع والنَّصْب على القطع، وقد تقدم معناه. وأصل الظَّن رجحان أحد الطرفين وأما هذه الآية ففيها أوجه: أحدهما: وعليه الأكثر ـ أن الظَّن ـ هاهنا ـ بمعنى اليقين؛ ومثله {أية : أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ}تفسير : [الحاقة:20]؛ وقال تعالى: {أية : أَلا يَظُنُّ أُوْلَـٰئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ}تفسير : [المطففين:4]. وقال دُرَيْدُ بنُ الصِّمَّة: [الطويل] شعر : 458ـ فَقُلْتُ لَهُمْ: ظُنُّوا بأَلْفَي مُدَجَّجٍ سَرَاتُهُمْ في الفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ تفسير : وقال أبو دُؤَاد: [الخفيف] شعر : 459ـ رُبَّ هَمٍّ فَرَّجْتُهُ بِعزيمٍ وغُيُوبٍ كَشَّفْتُهَا بِظُنُونِ تفسير : فاسْتُعْمِلَ الظَّن استعمال اليَقين [مجازاً، كما استعمل العِلْم استعمال الظّن؛ كقوله: {أية : فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ}تفسير : [الممتحنة:10] ولكن العرب لا تستعمل الظَّن استعمال اليقين] إلاّ فيما لم يخرج إلى الحسّ والمشاهدة كالآيتين والبَيْت، ولا تجدهم يقولون في رجل حاضر: أظنّ هذا إنساناً. قائلو هذا القول قالوا: إن الظن ـ هنا ـ بمعنى العلم، قالوا: لأنّ الظن وهو الاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض يقتضي أن يكون صاحبه غير جازم بيوم القيامة، وذلك كفر والله ـ تعالى ـ مدح على [الظّن]، والمدح على الكُفْرِ غير جائز، فوجب أن يكون المراد من الظن ـ هاهنا ـ العلم، وسبب هذا المجاز أن العلم والظن يشتركان في كون كل واحد منهما اعتقاداً راجحاً، إلا أن العلم راجحٌ مانعن من النقيض، والظن راجحُ غير مانع من النقيض، فلما اشتبها من هذا الوجه صَحّ إطلاق اسم أحدهما على الآخر، كما في الآية والبَيْت. والثاني: أن الظّن على بابه وفيه تأويلان: أحدهما: أن تجعل مُلاَقَاة الرب مجازاً عن الموت؛ لأن مُلاَقاة الرب سبب عن الموت، فأطلق المسبّب، وأراد السبب، وهو مجاز مشهور فإنه يقال لمن مات: إنه لقي رَبَّهُ، فتقدير الآية: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقو المَوْت في كل لَحْظَةٍ، فإن من كان متوقعاً للموت في كل لحظة، فإنه لا يفارق قلبه الخشوع. وثانيها: أنهم يظنون مُلاَقاة ثواب ربهم؛ لأنهم ليسوا قاطعين بالثواب، دون العِقَاب، والتقدير: يظنون أنهم ملاقو ثَوَاب ربهم، ولكن يشكل على هذا عطف {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} فإنه إذا أعدناه على الثَّوَاب المقدر، فيزول الإشْكَال أو يقال: إنه بالنسبة إلى الأوّل بمعنى الظَّن على بابه، وبالنِّسْبَة إلى الثَّاني بمعنى اليقين، ويكون قد جمع في الكلمة الوَاحِدَةِ بين الحقيقة والمجاز، وهي مسألة خلاف. وثالثها: قال المَهْدَوِيّ والمَاوَرْدِيّ وغيرهما: أن يضمر في الكلام "بذنوبهم"، فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين؛ لأن الإنسان الخاشع قد ينسى ظنه بيقينه وبأعماله. قال "ابن عطية": "وهذا تعسُّف". فصل في أوجه ورود لفظ الظن قال "أبو العباس المقرىء": وقد ورد "الظَّن" في القرآن بإزاء خمسة معان: الأول: بمعنى "اليقين" كهذه الآية، ومثله: {أية : إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ}تفسير : [الحاقة:20]، ومثله: {أية : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ}تفسير : [البقرة:249]. الثاني: بمعنى "الشَّك" قال تعالى: {أية : إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ}تفسير : [الجاثية:32]. الثالث: بمعنى "حسب" قال تعالى: {أية : إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ}تفسير : [الانشقاق:14] أي: حسب ألا يرجع، ومثله: {أية : وَلَـٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لاَ يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ}تفسير : [فصلت:22]. الرابع: بمعنى "الإنكار" قال تعالى: {أية : وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [ص:27] أي: إنكارهم. والخامس: بمعنى "الجَحْد" قال تعالى: {أية : وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ}تفسير : [يونس:60] أي: وما جَحْدُهم. و "أن" وما في حَيّزها سادّة مسدّ المفعولين عند الجمهور، ومَسَدّ الأول والثاني محذوف عند "الأخفش"، وقد تقدّم تحقيقه. و "مُلاَقُو رَبِّهِمْ" من باب إضافة اسم الفاعل لمعموله إضافة تخفيف؛ لأنه مستقبل، وحذفت النون للإضافة، والأصل: "مُلاَقُون ربّهم" والمُفَاعلة ـ هنا ـ بمعنى الثلاثي نحو: عَافَاكَ الله. قال "المهدوي": قال "ابن عطية": وهذا ضعيف؛ لأن "لَقِيَ" يتضمن مَعْنَى "لاقَى". كأنه يعني أن المادّة لذاتها تقتضي المُشَاركة بخلاف غيرها من "عَاقَبْت وطَارَقْت وعَافَاك". وقد تقدم أن في الكلام حذفاً تقديره: ملاقو ثَوَاب ربهم وعقابه. قال "ابن عطية": "ويصح أن تكون المُلاَقاة ـ هاهنا ـ بالرؤية التي عليها أهل السُّنة، وورد بها متواتر الحديث". فعلى هذا الذي قاله لا يحتاج إلى حَذْفِ مضاف. و "أَنَّهُمْ إلَيْهِ رَجِعُونَ" عطف على "أنهم" وما في حَيّزها، و "إليه" متعلّق بـ "راجعون"، والضمير: إما للرَّبِّ سبحانه، أو للثواب كما تقدّم، أو للقاء المفهوم من قوله: "إنهم مُلاَقُوا". ويجوز: "وإنهم" بالكسر على القطع. فصل في رؤية الله تعالى استدّل بعض العلماء بقوله: "مُلاَقُو رَبِّهِمْ" على جواز رؤية الله تعالى، قالت المعتزلة: لفظ اللِّقاء لا يفيد الرؤية، لقوله تعالى: {أية : فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ}تفسير : [التوبة:77]، وقوله: {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً}تفسير : [الفرقان:68]، وقوله: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ}تفسير : [البقرة:223] وهو يتناول المؤمن والكافر، والرؤية لا تثبت للكافر، وقوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : من حَلَفَ على يَمِينٍ ليقتطع بها مَالَ أمْرىءٍ مسلمٍ لَقِيَ الله وهو عَلَيْه غَضْبَان"تفسير : وليس المراد رؤية الله؛ لأن ذلك وصف لأهل النار، فعلمنا أن اللقاء ليس عبارةً عن الرؤية. وفي العرف قول المسلمين: من مات لَقِيَ الله، ولا يعنون أنه رأى الله، وأيضاً فاللقاء يراد به القُرْب، فإن الأمير إذا أذن للشَّخص في الدخول عليه يقول: لقيته، وإن كان ضريراً، وإذا منعه من الدُّخول يقول: ما لقيته، وإن كان قد رآه، ويقال: لقي فلان جهداً، وكل هذا يدلّ على أنّ اللقاء ليس عبارة عن الرُّؤية، وقال تعالى: {أية : فَالْتَقَى ٱلْمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ}تفسير : [القمر:12] وهذا إنما يصحّ في حقّ الجسم، ولا يصح في [حق] الله تعالى. قال ابن الخطيب: أجاب الأصحاب بأن اللقاء في اللُّغة: عبارة عن وصول أحد الجِسْمَيْن إلى الآخر بحيثُ يماسّه بمسطحه، يقال: لقي هذا ذاك إذا ماسّه، واتصل به، ولما كانت المُلاَقاة بين الجسمين المدركين سبباً لحصول الإدراك بحيث لا يمتنع إجراء اللفظ عليه، وجب حمله على الإدراك؛ لأن إطلاق لفظ السبب على معنى المسبّب من أقوى وجوه المجاز، فثبت أنه يجب حمل لفظ اللِّقَاء على الإدراك [أكثر ما في الباب أنه ترك هذا المعنى في بعض الصُّور بدليل يخصه، فوجب إجراؤه على الإدراك] في البواقي. وعلى هذا التقرير زالت السُّؤالات. وأما قوله: {أية : فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً}تفسير : [التوبة:77] الآية. قلنا: لأجل الضرورة؛ لأن المراد: إلى يوم يلقون جزاءه وحكمه، والإضمار على خلاف الدليل، فلا يُصَار إليه إلاّ عند الضرورة. وأما قوله: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ} فلا ضرورة في صَرْفِ اللفظ عن ظاهره، ويمكن أن يقال ملاقاة كل أحد بحسبه، فالمؤمن من يلقى الله، وهو عنه راضٍ، فيثيبه، وينعم عليه بأنواع النعم: والكافر والحالف الكاذب يلقى الله، وهو عليه غضبان، فيعذبه بأنواع العِقَابِ، كما أن خاصّة الأمير يلقون الأمير، وهو راضٍ عنهم، فيعطيهم وينعم عليهم، وأما اللّص وقاطع الطريق إذا لقوا الأمير عاقبهم، وقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم بما استحقوا، وشَتّان بين اللقاءين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كل ظن في القرآن فهو يقين. وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ما كان من ظن الآخرة فهو علم. أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله {وإنهم إليه راجعون} قال: يستيقنون أنهم راجعون إليه يوم القيامة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ} [الآية: 46]. قيل: من وحّد الله بأفعاله وطاعته كان توحيده على الظن، ألا تراه يقول: {وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ} [الآية: 45] الآية. وقال بعضهم: الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم أى: لو حققوا التوحيد كانت صلواتهم وخشوعهم عليهم ريناً، فلما ركنوا على أفعالهم كان توحيدهم ظنًا وطاعتهم عليهم شيناً، قال الله عز من قائل { أية : وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ.... } تفسير : [الفرقان: 23] الآية.
القشيري
تفسير : الظن يُذكَر، ويقال المراد به اليقين، وهو الأظهر ها هنا. ويذكر ويراد به الحسبان فَمَنْ ظنَّ ظن يقين فصاحب وصلة. ومن ظنَّ ظن تخمين فصاحب فرقة. ومُلاقو ربهم، صيغة تصلح لماضي الزمان والحاضر وهم ملاقون ربهم في المستقبل. ولكن القوم لتحققهم بما يكون من أحكام الغيب صاروا كأن الوعدَ لهم تَقَرَّرَ، والغيب لهم حضور.
البقلي
تفسير : { ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ } وَصَفهم بالظنّ لانّهم لَبسوا من اهل المكاشفة الذين رَوَا ربَّهم بقلوبهم في غَيبة فتوافقت بدايتهم نهايتهم وقيل مَن وَحَّد الله بافعاله وطاعته كان توحيدُه على الظن الا تراه تقول استعينوا بالصّبر والصّلوة قال ابو عبد الرَّحمن السلمى لو حَقَّقوا التوحيد كان صلواتهم وخشوعهم عليهم زَيناً فَلَّما ركنوا الى افعالهم كان توحيدهم ظنَّاً وطاعتهم عليهم شيئاً قال بعضهم الذين يظنُّون انّهم ملاقوا ربهم يتيقَّنُون وانّما اقامُ الظن مقام اليقين لانّ في الظن طرفاً من اليقين وانّما ذكر الظنَّ ابقَاءً على امذنبين وتوفر على العاصين الذين ليس لهم صفاء اليقين لو ذكر ايقين صرفا لخَرَجَوا من الجملة.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين يظنون} اى يوقنون لان الظن يكون يقينا ويكون شكا فهو من الاضداد كالرجاء يكون امنا وخوفا كما في تفسير الكواشى {انهم ملاقوا ربهم} معاينوه وهو كناية عن شهود مشهد العرض والسؤال يوم القيامة وهو الوجه فيما يروى في الاخبار لقى الله وهو عليه غضبان وما يجرى مجراه. وقيل اى يعلمون انهم يموتون قال النبى عليه الصلاة والسلام "حديث : من احب لقاء الله احب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه ". تفسير : واراد به الموت {وانهم اليه راجعون} اى ويعلمون انهم راجعون يوم القيامة الى الله تعالى اى الى جزائه اياهم على اعمالهم واماالذين لا يوقنون بالجزاء ولا يرجون الثواب ولا يخافون العقاب كانت عليهم مشقة خالصة فتثقل عليهم كالمنافقين والمرائين فالصبر على الاذى والطاعات من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها من تطاولها وهو من اخلاق الانبياء والصالحين. قال يحيى بن اليمان الصبر ان لاتتمنى حالة سوى مارزقك الله والرضى بما قضى الله من امر ديناك وآخرتك وهو بمنزلة الرأس من الجسد: قال الحافظ شعر : كويندسنك لعل شود در مقام صبر آرى شود وليك بخون جكر شود تفسير : ثم ان الله تعالى وصف جزاء الاعمال وجعل لها نهاية واحدا فقال {أية : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} تفسير : [ الأنعام: 160]. وجعل جزاء الصدقة في سبيل الله فوق هذا فقال {أية : مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة} تفسير : [البقرة: 261] الآية. وجعل اجر الصابرين بغير حساب ومدح اهله فقال {أية : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} تفسير : [الزمر: 10]. وقد وصف الله نفسه بالصبر كما في الحديث "حديث : ليس شيء اصبر على اذى سمعه من الله تعالى انهم ليدعون له ولدا وانه ليعافيهم ويرزقهم" تفسير : ووصف الله بالصبر انما هو بمعنى الحلم وهو تأخير العقوبة عن المستحقين لها. والفرق بين الحليم والصبور ان المذنب لايأمن العقوبة في صفة الصبور كما يأمنها في صفة الحليم. وقيل فى الخشوع أتريد ان تكون اماما للناس ولا تعرف الخشوع ليس الخشوع باكل الخشن ولبس الخشن لكن الخشوع ان ترى الشريف والدنيء في الحق سواء وتخشع لله في كل فرض افترض عليك فمن اظهر خشوعا فوق ما في قلبه فانما اظهر نفاقا على نفاق. قال سهل بن عبد الله لا تكون خاشعا حتى تخشع كل شعرة على جسدك وهذا هو الخشوع المحمود لان الخوف اذا سكن القلب اوجب خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعه فتراه مطرقا متأدبا متذللا وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك واما المذموم فتكلفه والتباكى ومطأطأة الرأس كما يفعله الجهال ليروا بعين البر والاجلال وذلك خدع من الشيطان وتسويل من نفس الانسان وكان عمر رضى الله عنه اذا تكلم اسمع واذا مشى اسرع واذا ضرب اوجع وكان ناسكا صدقا وخاشعا حقا كما في تفسير القرطبي. وقال فى التأويلات النجمية {واستعينوا بالصبر} عن شهوات النفس ومتابعة هواها {والصلوة} اى دوام الوقوف والتزام العكوف على باب الغيب وحضرة الرب {وانها} اى الاستعانة بهما {لكبيرة} امر عظيم وشأن صعب {الا على الخاشعين} وهم الذين تجلى الحق لاسرارهم فخشعت له انفسهم كما قال عليه الصلاة والسلام "حديث : اذا تجلى الله لشىء خضع له" تفسير : وقال {أية : وخشعت الاصوات للرحمن فلا تسمع الا همسا} تفسير : [طه: 108]. فالتجلى يورث الالفة مع الحق ويسقط الكلفة عن الخلق {الذين يظنون} اى يوقنون بنور التجلى {انهم ملاقوا ربهم} انهم يشاهدون جمال الحق {وانهم اليه راجعون} بجذبات الحق التى كل جذبة منها توازى عمل الثقلين.
الطوسي
تفسير : ان قيل كيف اخبر الله عمن وصفه بالخشوع بالطاعة، ومدحهم بذلك بانهم يظنون بانهم ملاقوا ربهم. وذلك مناف لصفة المدح؟ قلنا: الظن المذكور في الآية المراد به العلم واليقين. قال دريد بن الصمة: شعر : فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج سراتهم في الفارسيّ المسرد تفسير : وقال عمير بن طارق: شعر : بان تغتزوا قومي واقعد فيكم واجعل مني الظن غيباً مرجماً تفسير : وقال ابو داود: شعر : رّب هم فرجته بعزيم وغيوب كشفتها بظنون تفسير : وقال المبرد: ليس من كلام العرب: أظن عند زيد مالاً، يريد: أعلم لأن العلم المشاهد لا يناسب باب الظن. وقد أفصح في ذلك أوس بن حجر في قوله: شعر : الألمعي الذي يظن بك الظن كأن قد رأي وقد سمعا تفسير : وقال آخر: شعر : فالاّ ياتكم خبر يقين فان الظن ينقص او يزيد تفسير : وقال بعض الشيوخ: اصل الظن ما يجول في النفس من الخاطر الذي يغلب على القلب، كأنه حديث النفس بالشيء، وتأول جميع ما في القرآن من معنى العلم على هذا. وقال الحسن وابو الغالية ومجاهد وابن جريح: يظنون، أي يوقنون. ومثله: {أية : ظننت أني ملاقٍ حسابيه}تفسير : أي علمت ومثله: {أية : وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه}،تفسير : ومعناه استيقنوا. وقوله: {أية : ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها }،تفسير : يعني: علموا. وقد جاء في القرآن الظن بمعنى الشك كقوله: {أية : إن هم إلا يظنون}تفسير : وقوله: {أية : إن الظن لا يغني من الحق شيئا}تفسير : وقال قوم: يحتمل قوله {يظنون} وجها آخراً، وهو انهم يظنون انهم ملاقوا ربهم بذنوبهم لشدة اشفاقهم من الاقامة على معصية الله، وهذا وجه مليح، وقد استعبده الرماني وقال: لأن فيه حذوفا كثيرة، وليس بمنكر اذا كان الكلام محتملاً له. وقيل أيضاً: الذين يظنون إنقضاء اجلهم وسرعة موتهم فيكونون ابداً على حذر ووجل، كما يقال لمن مات: لقي الله. والظن والشك والتجويز نظائر، إلا ان الظن فيه قوة على أحد الأمرين دون الآخر، وحده ما قوي عند الظان كون المظنون على ما ظنه مع تجويزه ان يكون خلافه. فبالتجويز ينفصل من العلم، وبالقوة ينفصل من الشك والتقليد وغير ذلك. وضد الظن اليقين ويقال ظن ظنا وتظنن تظننا. وقال: {أية : وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون}.تفسير : وقوله: {أية : وظننتم ظن السوء} تفسير : والظنين المتهم، ومصدره الظنة والظنون الرجل السيء الظن بكل احد، والظنون القليل الخير، والتظني والتظنن بمعنى واحد. والظنون البئر التي يظن ان بها ماء ولا يكون فيها شيء، ومظنة الرجل ومظانه حيث يألفه فيكون فيه. ومعنى قوله {أنهم ملاقوا ربهم} اي ملاقوا جزاء ربهم، فجعل ملاقاة الجزاء ملاقاة له تفخيما وتعظيماً لشأن الجزاء. وأصل الملاقاة الملاصقة، من قولك التفى الحدان اي تلاصقا، ثم كثر حتى قالوا التقى الفارسان اذا تحاذيا ولم يتلاصقا. ومثل ما قلنا في قوله {ملاقوا ربهم} قوله تعالى: {أية : فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه} تفسير : معناه يوم يلقون جزاءه، لأن المنافقين لا يرون الله عند احد من اهل الصلاة، وكذلك قوله {أية : ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون}تفسير : معناه إذ وقفوا على جزاء ربهم، لأن الكفار لا يرون الله عند احد من الأمة. فان قيل: ما معنى الرجوع ها هنا وهم ما كانوا قط في الآخرة فيعودوا إليها؟ قيل: راجعون بالاعادة في الآخرة ـ في قول ابي الغالية ـ وقيل: يرجعون بالموت كما كانوا في الحال المتقدمة، لانهم كانوا امواتاً، ثم احيوا، ثم يموتون، فيرجعون امواتاً كما كانوا: والأول اظهر واقوى، وقيل: ان معناه: انهم راجعون الى ان لا يملك احدهم ضرا ولا نفعاً غيره تعالى كما كانوا في بد والخلق، لانهم في ايام حياتهم قد يملك الحكم عليهم غيرهم، والتدبير لنفعهم وضرهم بين ذلك قوله: {مالك يوم الدين} ومعنى ذلك انهم يقرون بالنشاة الأخرة فجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا اليه. اللغة: وأصل الرجوع العود إلى الحال الاول. يقال رجع الرجل ورجعته وهو احد ما جاء على فعل وفعلة ويحتمل ان يكون المراد أنهم اليه صائرون. كما يقول القائل: رجع الأمر إلى فلان وان كان قط لم يكن له. ومعناه صار اليه: وحذفت النون من {ملاقوا ربهم} عند البصريين تخفيفاً والمعنى على اثباتها، ومثله قوله: {أية : إنا مرسلوا الناقة }تفسير : {أية : كل نفس ذائفة الموت}تفسير : قال الشاعر: شعر : هل انت باعث دينار لحاجتنا او عبد رب اخاعون بن مخراق تفسير : ولو اردت معنى الماضي لتعرف الاسم بالاضافة، لم يجز فيه اظهار النون البتة. واذا كان الفعل غير واقع كان اثبات النون هو الوجه دون الاضافة. فلو قيل ملاقون كان صواباً. قال الاخفش: وجرى حذف النون ها هنا للاستثقال كما قال الشاعر في قوله: شعر : فان الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا ام خالد تفسير : فاسقط النون من الذين استثقالا وقال الأخطل: شعر : ابني كليب ان عمّي اللذا قتلا الملوك وفككا الاغلالا تفسير : فاسقط النون. وقال الكوفيون: اذا حذف النون فاللفظ الاسم وإذا اثبت وظهر النصب فالمعنى الفعل. قال الزجاج: ويجوز كسر الهمزة من قولهم: انهم اليه راجعون، لكن لم يقرأ به أحد على معنى الابتداء ولا يجوز كسر الأولى لأن الظن وقع عليها.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : أي يتوقّعون لقاء الله ونيل ما عنده، ويتيقّنون أنهم يُحشرون إلى الله. فالظنّ هاهنا بمعنى العلْم، كما في قوله تعالى: {أية : إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ} تفسير : [الحاقة:20]. ويؤيّده أنَّ في مصحَف ابن مسعود "يعلمون" وأنَّ الظنّ هو الاعتقاد الراجح الذي يقارنه تجويز النقيض، وذلك يقتضي أنّ صاحبه غير جازم بيوم القيامة، وذلك كفْر فكيف يمدح الله لهم عليه. وعلاقة التجوّز أنَّه شابَه العلم في الرجحان، ولتضمين معنى التوقّع. ومن حمل اللفظ على ظاهره، وجعل ملاقاة الرب مجازاً عن الموت، فإمّا أن يقول: المراد "الذين يظنّون الموت في كلّ لحظة فإنّهم لا يفارق قلوبهم الخشوع فهم يتبادرون إلى التوبة، لأنّ خوف الموت من دواعي التوبة". وإمّا أن يفسّر "ملاقاة الرب" بملاقاة ثوابه، وذلك مظنون غير معلوم، أو يقول: إنّ المعنى: "يظنّون أنهم ملاقوا بذنوبهم" فإنّ الإنسان الخاشع لا وقْع لطاعاته عنده، فيغلب على ظنّه أنَّه يلقى الله بذنوبه، فعند ذلك يتسارع إلى التوبة، والانابة، والصبر، والصلاة. وهاهنا وجه آخر، وهو أنَّ العلم بكيفية المعاد، وبأنّ أفراد الإنسان وغيرهم ملاقون ربّهم يرجعون إليه بالحقيقة علمٌ شريف، غامض، لا يحصل لأحد على وجه اليقين إلا للكمّل من العرفاء، وليس لعامّة أهل الإيمان إلاّ مرتبة الظنّ به على سبيل التخيّل، والتسليم. ولأجل غموضه، وعلوّ سمْكه عن مدارك العقول، كرّر ذكره في القرآن، وكثر المنكرون له في كلّ زمان، حتّى أنّك ترى كثيراً من العقلاء القائلين بوجود الصانع للعالَم وتوحيده، منكرين للمعاد، وحشر الخلائق إليه تعالى، فالظنّ به حاصل لكلّ مؤمن خاشع لله، وذلك الظنّ كافٍ في أن يبعث له على الصبر، والصلاة، وسائر العبادات. وأمّا مرتبة علم اليقين بلقاء الله، والرجوع إليه، فهي ثمرة العبادات، وغاية الصبر، والصلاة. فصل كلام في رؤيته تعالى قال الإمام الرازي في تفسيره: استدلّ بعض الأصحاب بقوله تعالى: {مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} على جواز رؤية الله. وقالت المعتزلة: لفظ "اللقاء" لا يفيد الرؤية. والدليل عليه الآية والخبر والعُرف: أمّا الآية فقوله تعالى: {أية : فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ} تفسير : [التوبة:77]. والمنافق لا يرى ربَّه. وقوله: {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} تفسير : [الفرقان:68]. وقال تعالى في معرض التهديد {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوۤاْ أَنَّكُمْ مُّلاَقُوهُ}تفسير : [البقرة:223]. فهذا يتناول المؤمن والكافر. والرؤية لا تثبت للكافر. فعلمنا أنّ اللقاء ليس عبارة من الرؤية. وأمّا الخبر فقوله صلى الله عليه وآله: "حديث : مَن حلَف على يمين ليقتطع بها مال امرئٍ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" تفسير : وليس المراد "رأى الله" لأنّ ذلك وصف أهل النار. وأمّا العرف فهو كقول المسلمين "مَن مات لقى الله" ولا يقولون: "رأى الله" وأيضاً: فاللقاء يراد به القرب ممّن يلقى على وجه يزول الحجاب بينهما، ولذلِك يقول إذا حجب عن الأمير: "ما لقيته بعد ذلك" وإن كان قد رآه، وإذا أذن له في الدخول عليه يقول: "لقيته" وإن كان ضريراً. ويقال: "لقي فلانٌ جحداً شديداً" و "لقيت من فلان الداهية" و "لقي فلان جماعة". وكلّ ذلك يدلّ على أنّ اللقاء ليس عبارة عن الرؤية، ويدلّ عليه قوله تعالى: {أية : فَالْتَقَى ٱلمَآءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ} تفسير : [القمر:12]. ثمّ قال: "قال الأصحاب: "اللقاء" في أصل اللغة عبارة عن وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يماسّه بسطحه. يقال: "لقي هذا ذاك" إذا ماسّه واتّصل به، ولمّا كانت الملاقاة بين الجسمين المذكورين سبباً لحصول الإدراك. فحيث يمتنع اجراء اللفظ على المماسّة وجَب حملُه على الإدراك، لأنّ اطلاق لفظ السبب على المسبّب من أقوى وجوه المجاز، فثبَت أنَّه يجب حمل أنَّه يجب حمل اللِّقاء على الإدراك. أكثر ما في الباب أنَّه ترَك هذا المعنى في بعض الصور لدليل يخصُّه، فوجب اجراؤه في البواقي على الإدراك وعلى هذا التقدير زالت السؤالات انتهى كلامه. أقول: من أراد أن يقتنص حقائق المعارف الإلهيّة - خصوصاً العلم بهذه المسألة الغامضة، التي تحيّرت فيها مدارك أهل الفكر والنظر، وعجزت عن ادراكها عقول الأوائل والأواخر إلاّ من أيّده الله بنوره، وفتح بصيرته لمشاهدة عالَم الآخرة - بوسيلة الألفاظ الوضعية، والاطلاقات العرفيّة، فالضلال أسرع إليه من الهدى. واعلم يقيناً أنَّ من فارَق طريق التسليم، والقبول، والإيمان بالغيب - كسائر الضعفاء - وخاض في مثل هذه الأدلّة الكلاميّة في باب معرفة الله، ومعرفة لقاء الله يوم الآخرة، فقد تعرَّض لخطر عظيم من سوء العاقبة، فإنّه إذا جاء وقت حضور الموت، وكشف الغطاءِ، ظهر عليه بطلان ما اعتقده، وفساد الأدلّة التي لفَّقها ونسجها كبيت العنكبوت، واعتمد عليها في حياته تعصُّباً وجهلا. إلاّ إذا جاوَز من حدود معقولة إلى نور المكاشفة الذي يشرق في عالَم النبوّة والولاية والقُرب، ويقع اشراقه على قلب من توجَّه بمرآة باطنه إلى باطن النبوّة، وحاذى بها شطره، وصحّح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وآله بإحكام المحبّة، وسلوك طريق المتابعة له. ولآله عليهم السلام، حتى نال شيئاً مما نالوه، ووقَف على شيء مما وقَفوه، وشرب من ماء عين اليقين كما شربوه. وحينئذ لاحَ له أحوال الملكوت، وأسرار القيامة، ولقاء الله، ومعنى رجوع الكل، وذلك هو الكبريت الأحمر، والفاروق الأكبر، لا يقع إلاّ بيد ملوك الآخرة وسلاطينها، وليس يحصل للأُسراء المحبوسين في عالَم الحسّ والمحسوسات، المقيّدين بقيود التعلّقات إلا اسم ورسم فالاسم لعوامهم، والرسم لعلمائهم، لأنّهم المقتصرون على السمعيّات والرسوم، وما يلفّقون بأفكارهم منها، فلذلك أمْرهم دائرٌ في هذه المسألة بين اعتقاد رؤيته تعالى بهذا البصر الدائر في اليوم الآخر، وبين حمل اللقاء على لقاء الثواب، وكلّ منها بمعزل عما هو معلوم أُولي الألباب. واعلم أنّك لو أردت أن تكون عالِماً ربّانياً مفسّراً للكلام الإلهي من دون أن تتعب نفسك، وتداوم على الأُمور المقرّبة للقدس - من الرياضة، والخضوع، والخشوع، والصبر والصلاة، وتجريد الذهن عن الخواطر، وسدّ أبواب المشاعر، ودوام النظر في الإلهيات - فقد حدّثت نفسك يممتنع، أو شبيه بالممتنع. والناس يجتهدون في طلَب أمر باطل، أو تحصيل موهوم خياليّ غاية الاجتهاد، ويرتكبون الأُمور الشاقّة وترك المألوفات لا لغرض شريف. فقبيحٌ لطالب الحقّ أن يرضى بالقعود ولا يجتهد في السعي إلى ذكر الله ودرك ما عند الله. فإن طلبت واجتهدت لا تلبث زماناً طويلاً إلاّ ويأتيك بارقةٌ نورانيّة، ثمّ تتوالى عليك حتّى يصير ورودُه لك ملكَة، فتعلَم أنَّ فيك نوراً شارقاً لذيذاً، تعلم باشراقه أنَّ جميع الأشياء متوجّهةٌ نحو الأوّل تعالى توجّهاً جبلياً، سالكة إليه سلوكاً جوهريّاً ذاتياً ولها رجوع إليه تعالى كما تكرّر ذكره في القرآن، وساعَده البرهان. وأنت قبل أن يحصل لك الارتقاء إلى هذا المقام، يجب أن تعتقد أنّ جميع الموجودات بحسب مالها من الكمالات - عقليّةً كانت، أو نفسانيّةً، أو طبيعيةً - طالبةٌ لكمالاتها الثانية، ومتشبّهة بعللها ومباديها في تحصيل ذلك الكمال بحسب ما يتصوّر في حقّ كلّ منها ويليق به، وأنّ لكلّ نوع من الأنواع المفارقة، والأثيريّة، والعنصريّة كمال مّا، وعشق إلى ذلك الجمال، وإنْ تصوَّر فقْدَ ذلك الكمال، فشوق اراديّ لِمالَه حياة ظاهرة، أو طبيعيّ لما ليس له حياة ظاهرة. والكلّ عند أهل الله حيوان، فاهِمٌ، عاقلٌ. ولولا عشق العالي لانطمَس السافل. وإذا ثبت هذا، وثبت أنَّ لكل موجود غاية في وجوده كما أنَّ له فاعلاً، وأنَّ لكل فاعل في فعله غرضٌ ولفعله غاية، ولو كان لكلّ غايةٍ غايةٌ من غير أن تنتهي إلى غاية الغايات لتسلسل الأمر إلى ما لا نهاية - وهو محال - ويلزم أيضاً بطلان الغاية بالكلّية - كما لا يخفى - فلا بدّ أن يكون لجميع الموجودات غاية أخيرة تنتهي إلى الغايات بأسرها، ولا بدّ أن تكون عين المبدإ الأوّل للكلّ وإلاّ لزم تعدّد الباري، فإنّ الغاية الذاتيّة للشيء يجب أن تكون دائماً متقدمة على وجوده، وهي نفس ما هو الفاعل بالحقيقة. وأمّا التقسيم الذي وقَع في كلام الحكماء "وهو أنَّ ما لأجله الشيء قد يكون في بعض الأمور في نفس الفاعل، كالفرح، والغلبة، وقد يكون في بعضها في غير الفاعل وذلك تارة في القابل، مثل آخر الحركات التي تصدر عن فكر، أو طبيعة كصورة الكرسي في الخشَب - وتارة في شيء ثالث - كمَن يفعل فِعْلاً ليرضى به فلان، فيكون رِضى فلان غايةً خارجة عن الفاعل والقابل". والتحقيق أن هذا التقسيم إنّما يجري فيما هو غايةٌ بالعرض، وأمّا الغاية بالذات فلا تكون خارجة عن ذات الفاعل أبداً. فإن من فعَل فِعْلا ليرضى به فلان إنّما غرضه الأصلي حصول راحة، أو لذّة تعود إلى نفسه، وإلاّ لَما فعَله. فالغاية الذاتيّة بالحقيقة ما اتّصل بالفاعل، أو وصل إليه الفاعل، فإنّ محصِّل صورة الكرسي في الخشب بعمَل، وقاصد رضاء فلان بفعل، ليس غرضُه إلاّ طلب أولويّةٍ تعود إلى نفسه. وكذا الباني في بناء بيت للاستقرار، أو للأُجرة، لا يبنيه إلاّ لحصول غاية أخيرة، وهي الأولوية العائدة إلى نفسه. وممّا يجب أن تعلم أنَّ في الغاية أشياء ثلاثة: أحدها: الغاية بمعنى ما يجعل الفاعلَ فاعلاً ويسمّى "علّة غائِيّة" وهي علّة فاعليّة لفاعليّة الفاعل. ولا شبهة في تقدّمه على الفعل - بل على الفاعل من حيث هو فاعل - وهذا في الفاعل الأوّل - أي صانع العالَم - عينُ ذاته، فإنّ ذاته بعينه فاعل للأشياء، وعلّة غائيّة، لأجل علمه بوجوه الخير، الذي هو الداعي لايجاد الخير في العالَم، وذلك الداعي هو عين ذاته. وثانيها: الغاية بمعنى ما يترتّب على الفعل وينتهي إليه الفعل ترتّباً وانتهاء ذاتيّا - كصورة الخشَب والسيف، التي انتهت إليه حركة النجّار والسيّاف -. وثالثها: الغاية بمعنى الضروري اللاَّزم لما هو الغاية الأخيرة من غير أن يتوجّه إليه الفعل والحركة، كالدُّكنة الحاصلة في السيف مثلاً. والذبول والموت من هذا القبيل، فإنّ الحرارة مستولية على البدن للأفاعيل النباتيّة، أو الحيوانيّة، لأجل الغايات المطلوبة منها، فإذا استولت تقلّل الرطوبات الغريزيّة شيئاً فشيئاً لأجل تلك الغايات، فيحصل للمادة الذبول بالعرَض. وكذا يطرأ على البدن الموت بهذا السبب، أو لأجل تماميّة النفس، وانصرافها، وتوجّهها إلى النشأة الثانية. ويقال لهذا القسم: "غاية اتفاقيّة". وقد تكون الغاية الاتفاقيّة لشيء غاية ذاتيّة لشيء آخر، فلها سبب اتّفاقي، والسبب الاتّفاقي يجوز أن يتأدّى إلى غاية ذاتيّة. وقد يجوز أن لا يتأدّى، مثل الحجر الهابط من الجبل إذا شجّ، فربما هبَط إلى مهبط، وربما لم يهبط. فإن وصل إلى غايته الطبيعية، يكون بالقياس إليها سبباً ذاتيّاً، وبالقياس إلى الغاية العرضيّة سبباً اتّفاقياً. وأمّا إذا لم يصل إليها كان بالقياس إلى الغاية الذاتيّة باطلاً. والاتّفاق من حيث هو اتّفاق لا يكون دائميّاً ولا أكثريّاً. بل يقع على سبيل الندرة، لما علمت أنَّ ما هو اتّفاق بالقياس إلى سبب فهو ذاتيٌّ بالقياس إلى سبب آخر، فالأسباب الطبيعيّة، أو الإراديّة متقدمة على السبب الاتّفاقي - تقدّم ما بالذات على ما بالعرَض - وجميع الأمور الطبيعيّة، والاتّفاقية، متوجّهة نحو غايات بالذات لا بالعَرض، وأنّ الاتّفاق طار عليها، وأنّ الغايات الاتّفاقية، غايات بالعرَض وأمّا وجودها فهو بالذات، وله غايةٌ أيضاً بالذّات. فثبت وتحقّق أنَّ وجود العالَم بأسره ليس على سبيل الاتّفاق، وإن كان للاتّفاق فيه مدخل، وذلك بالقياس إلى بعض أفراد العنصريّات، حيث لا تعتبر الأسباب المقتضية المكتنفة، ولا يقاس إلى الأسباب القصوى للكل، وإلى السبب الأوّل، والغاية العظمى، وغاية الغايات. وكذا وجود العالَم خير كلّه، وقع من فاعل هو خير محض. والشرّ واقع بالعرَض بعلّة عرضية منتهية إلى عدم، أو نقص، أو ذات ناقصة، كإبليس ونحوه. فبطَل ما حكاه قوم عن انباذقلس، أو ذيمقراطيس من القول بالاتّفاق، وكذا ما قالت الثنوية القائلة بوجود مبدإ آخر للشرور بالذات، وكذا ما زعمه أقوام من أنّ الباري يفعل الأشياء ويتركها من غير نظام، وغاية، وداعٍ. فانّ ما زعموه يجري مجرى القول بالاتّفاق، أو القدَر الذي قاله الثنوية تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. وقد ذكر الحكماء في كتبهم ابطال هذه المذاهب الخبيثة ببيانات، ودلائل موضَّحة، من جملة تلك الدلائل أنّ البقعة الواحدة إذا سقط فيها حبّة بُرِّ، وحبّة شعير، أنبت البُرّ بُرّاً، والشعير شعيراً البتّة. ومنها: إنّ الغايات الصادرة عن الطبائع الأصلية في حال ما تكون غير معوّقة كلّها كمالات. وإنَّها إذا تأدّت إلى أمور ضارّة كان ذلك في الأقل. فلهذا ما يقال: لِمَ لا ينبت الشعير بُرّاً؟ ولِمَ لا يتولّد شجرة مركّبة من تين وزيتون؟ ولِمَ لَم تبق الأنواع محفوظة على الأكثر. ومنها: إنّا إذا أحسسنا بقصور من الطبيعة نُعينها بالصناعة. وإذا طرأ وَهنٌ، أو آفةٌ، أو مرض يعوق الطبيعة عن فعلها. نُعالجها بالدواء، كما يفعله الطبيب معتقداً أنَّه إذا زال العارض، وصلح القابِل، واشتدّت القوّة، توجّهت الطبيعة إلى فعلها من الصحّة، وليس للرويّة، والفكر مدخل في حصول الغاية. فليس إذا عدمت الرويّة وجَب أن لا تكون الطبيعة لفعلها غاية. فإنّ الرويّة لا تجعل الفعل ذا غاية، بل لها مدخل في تعيين الفعل الذي يختاره من بين أفعال يمكن صدورها عنا، لكل منها غاية تخصّه، فإنّ لكلّ فعل يلزمه غاية بالضرورة لا بفعل فاعل، وليس الفاعل يجعل الفعل ذا غاية، بل الغاية ممّا يجعل الفاعل ذا فعل يفعله لأجل تلك الغاية. ولو كانت النفس مسلّمة من المعارضات لكانت يصدر عنها فعل متشابه على نهج واحد طلباً لما هو كمال لها، وحال السماويّات وملكوتها هكذا، لكونها سليمة عن المعارضات، والقواطع للطريق، فلا جرم هي مؤدّية إلى غاياتها. وقد علمت أنَّ الغاية غير خارجة عن ذات الفاعل، فيكون الفعل الصادر عن فاعله مؤدّياً وواصِلاً إليه، متقلّباً إليه، بل منقلباً إيّاه وقد صار أعلى وأشرف ممّا كان. وكذا الكلام في الغاية، حيث إنَّ لها غاية أيضاً. والكلام في غاية الغاية كالكلام في الغاية، بل غاية الغاية إذا كان وجودها وجوداً إمكانياً أولى بأن يكون لها غاية، كما أنّها أولى بأن يكون لها فاعل. لأنّ وجودَها أقوى، وأشرف، وأدوم. فكيف يكون عبثاً بلا غاية، أو اتفاقاً، أو جزافاً؟ فسلسلة الغايات تنتهي إلى واجب الوجود. هذا في غير الإنسان. وأمّا في الإنسان فقد ينتهي بعض مِن أفراده مِن أدنى المراتب إلى أعلى الغايات لكونه مختصّاً من بين سائر الأنواع بالاستحالة إلى الحالات والتطوّر في الأطوار والنشآت، فرجوع الأشياء إلى الباري نحو آخر، ورجوع السالك الإنساني المجذوب إليه نحو آخر. وذلك لأنّ سائر الأشياء - ما سوى الممكن الأشرف والعقل الأوّل - معنى انتهائها، ورجوعها إلى الربّ تعالى، إمّا عبارة عن انتهاء مبادئها، وغاياتها، وأسبابها إليه تعالى. فهي راجعة إلى الوسائط، والوسائط متأدّية إلى الممكن الأشرف المتوسّط بينها وبين سائر الممكنات، وهو منتهٍ راجع إليه تعالى دائماً، لأنّه تعالى غايته ولا غاية له سواه. وإمّا عبارة عن معيّة الحق الأوّل لكلّ موجود - معيَّةً قيُّوميّة - لشمول نور وجوده للأشياء. وأمّا معنى رجوع العبد وعوده إليه تعالى، فهو عبارةٌ عن وصوله إلى الحضرة الإلهيّة بعد طيّ منازله، ومقاماته البعيدة والقريبة، فمن ابتداء حركته الرجوعيّة إلى وصوله إلى لقاء الله تعالى قد قطَع جميعَ القوس العروجيّة، وهي نصفُ دائرة الوجود من المادّة الأرضيّة إلى الحضرة المقدّسة، وهو بإزاء النصف النزولي منها، وهو من الحضرة المقدّسة الهويّة الأولى إلى الهاوية السفلى. والعجب من بعض الحكماء - كأبي علي وأتباعه - كيف أنكروا على بعض المتقدّمين فيما ذهب إليه من القول بأنّ النفْس الإنساني تتّحد بالعقل الفعّال عند الاستكمال. وقد بالَغ الشيخ أبو علي في الردّ على مقدَّم المشائين بعد أرسطو المسمّى بفرفوريوس وهو عندي أعظم تلامذة ذلك الحكيم الموحّد الربّاني لوثاقة قوله، ومتانة رأيه، وحُسن سماعه، واهتدائه بكلام معلّم القوم بالتوحيد، والمعاد ما لم يسمع غيره، ولم يهتد به مَن سواه مِن شركائه في التعليم، والصناعة، كالإسكندر الافروديسي، وثامسطيوس، وغيرهما من شرّاح كلماته وأسراره، ونقلَة كتبه وأسفاره، وحفظَة علومه وأخباره. ووجْه العجَب أنَّه كيف خَفي الحالُ على مِثل أبي عليّ ومَن يحذو حذوَه حتى شنّعوا على القول باتّحاد العقل المنفعل بالعقل الفعّال؟! وقد شاهَدوا من الإنسان الانتقال في الصوَر والأحوال. فكان قد أتى عليه شيءٌ من الدهر لم يكن شيئاً إلا القوّة والاستعداد، والحامل لها الهيولى التي هي أخسّ المواد، ثمّ اكتسى بصورة العنصريّة، بل الأرضيّة التي هي أظلم الأجساد - فإنّها الغالب على مادّة بدنه - ثمّ تصوّر بصورة المنويّة - وهي من أوهن الأشياء وأضعفها - وهكذا تدرّج في الاستكمال حتّى صار حيواناً سميعاً بصيراً. ثمّ استكمل وصار قابلا للاهتداءِ إلى طريق الحقّ - إمّا عارفاً مهتدياً، وإمّا جاهِلا ضالاًّ - كما أشار تعالى إليه بقوله: {أية : هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ} تفسير : [الإنسان:1] إلى قوله: {أية : إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} تفسير : [الإنسان:3]. فمَن جوَّز صيرورة اللاشيء - كالمادّة الأولى - شيئاً أي صورة بناء، على ما هو التحقيق من الاتّحاد بين المادّة والصورة المقوّمة إيّاها، اتّحاداً في الوجود، وإن كانا مختلفين في المعنى والمفهوم، كالاتّحاد بين الجنس والفصل، لأنّ الجنس والفصل هما عين المادّة والصورة بالذات وغيرهما بالاعتبار وكذا جوّز صيرورة الجماد كالنطفة حيواناً، والحيوان جوهراً عاقلاً بالقوّة. كيف أنكَر صيرورة العاقل بالقوّة عاقلاً بالفعل؟ أو صيرورة العقل المنفعل عقلاً فعّالا؟! فإنّ المباينة هناك ليست بأقلّ من المباينة هاهنا. فإن قال قائل: إنّ المادّة ما صارت صورة قبلتها، فإنّ الإنسان من مبدإ تكوّنه في الرحم عند الشهر الرابع أو من حين استقرار النطفة فيه إلى آخر كماله في العلم والولاية شيء واحد بعينه في الوجود والجوهريّة بالذات، وقد طرأ عليه صفات وأعراض، حتّى لم يكن فرقٌ بين أجهل الناس كأبي جهل وأعقلِهم كمحمّد (صلى الله عليه وآله) فقد كابر مقتضى عقله وفِطرته. بل الإنسان أبداً في التحوّل إلى النشآت والأطوار، إلى أن ينقلب إلى الدار الآخرة. وهذا عامٌّ لكلّ أحد، سواء أتمّ حركته التحوّليّة في القوس الرجوعيّة - حتى إذا وصل منتهاه، وبلغ إلى مناه، وفاز بلقاء مولاه - أو قصّر في ذلك فضلّ عن الطريق، وهوى في هاوية الهوى، أو نزل إلى أفق البهائم، وترَك الترقي إلى أفق الملإ الأعلى، وخانَ في الأمانة التي أودعها الله فيه، وأنعَم بها عليه. بل هو أسوأ حالاً من البهيمة، لأنّها تتخلص بالموت، وأمّا هو فلا بدّ له من الرجوع. لأن عنده أمانة سترجع إلى مودعها، وكانت تلك الأمانة في مبدإ الفطرة قبل نزولها إلى القالب مشرقةً زاهرة كالشكس، فإذا هبطت إليه وغربت فيه مدة ستطلع من مغربها، وستعود إلى مبدئها وبارئها إمّا مظلمة منكسفة، وإمّا مشرقة زاهرة. والمشرقة غير محجوبة عن الحضرة الإلهيّة. والمظلمة أيضاً راجعةٌ إليه مع الحُجب الظلمانيّة. لما أشرنا إليه أنَّ الأشياء كلّها راجعةٌ إليه، صائرة إليه تعالى بوجه آخر، إذ المرجع والمصير للكلّ إليه. إلاّ أنّ النفوس المجرِمة الشقيَّة ناكِسةٌ رؤوسها عن جهة ربّها إلى جهة الهَوى والهاوية، كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ} تفسير : [السجدة:12]. فانقلبت وجوهُهم إلى أقفيتهم، وانتكسَت رؤوسهم من جهة أعلى عليّين إلى جهة أسفل سافلين، وذلك حكم الله فيمَن حرَمه التوفيق، وأضلّه الهَوى عن طريق الهُدى نعوذ بالله من سوءِ العاقبة. فصل في زيادة الاستبصار في تحقيق المصير إلى لقاء الله في دار القرار اعلم أنَّه كما أفادنا النظر في الوجود وعلله اثبات فاعل أوّل، كذلك أفادنا فيه إلى اثبات غاية أخيرة له، ويجب أن تكون تلك بعينها ما فرضناه فاعلا، إذ الغاية ما يجعل الفاعل فاعلاً ويكمله إذا كان مما يعتريه قصورٌ، أو نقص. وأمّا الفاعل التامّ الذي فوق الكل ووراء الوراء فليس له كمال منتظَر يبلغ، بل الأشياء مما يصير به تامّاً كاملاً، إذ به تمام كلّ شيء، وكمال كلّ ذي كمال، فما سواه ناقص بذاته كامل به. فالله هو الأوّل الذي لا أوّل له، وهو الآخر الذي لا آخر له، لَيسَ كمِثْلِه شَيء لأنّه أصل الوجود، ومنه ابتداء الأمر، وإليه ينساق الوجود، وهو العلّة الفاعليّة للوجود، والعلّة الغائيّة له. فإن قيل: كيف يكون ما هو العلّة الفاعليّة علّة غائيّة، والعلّة الفاعليّة قبل الشيء لينبعث منه الشيء، والعلّة الغائية يجب أن تكون متأخّرة الوجود عن الشيء ليستتبعها الشيء؟ فالجواب: إنّ العلّة الغائيّة - إن تأمّلت - فهي في الحقيقة عين العلّة الفاعليّة دائماً - لا في هذا الموضع خاصّة - فإنّ الجائع إذا أكل ليشبع، فإنّما أكل ليشبع لأنّه تخيَّل الشّبع، فحاوَل أن يستكمل له وجودُ الشّبع، فيصير من حد التخيُّل إلى حدّ العين. فهو من حيث إنّه شَبعان تخيُّلاً هو الذي يأكل ليصير شبعان وجوداً، فالشبعان تخيّلاً هو العلّة الفاعلية، والشبعان وجوداً هو الغاية. فالأكل صادر من الشبع، ومصدر للشبع، فالشبع هو الذي كان علّة فاعليّة للأكل، وعلّة غائيّة له، ولكن باعتبارين مختلفين، فهو باعتبار الوجود العلمي فاعلٌ، وباعتبار الوجود العيني غايةٌ. والأمر فيما نحن فيه على عكس ذلك بوجه. فإنّ الله عز وجل حيث أنبأنا عن غاية وجود العالَم، قال: "حديث : كنتُ كنزاً مخفيّاً، فأحببتُ أن أُعرف، فخلَقتُ الخَلْق لأُعرف"تفسير : . فدلَّنا على أن غاية وجود العالَم هو الله معروفاً، فهو موجوداً علّة فاعليّة للعالَم، وهو مشهوداً علّة غائيّة. فهذا وجهٌ من تحقيق هذا الكلام، وهاهنا وجه آخر أدقّ من هذا، فغاية الوجود هي لقاء الله عز وجل، لذلك بُنيَ العالَم، ولأجله نظّم النظام، وإلى ذلك ينساق الوجود. و {أية : أَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ} تفسير : [النجم:42]. تتمّةٌ غاية سير الأشقياء والسعداء واعلم أنَّ هاهنا غاياتٌ وهمية مجعولة للأوهام، زيّنت لطوائف من الناس، فهم سالكون إليها في لبس وعماية من غير بصيرة ولا دراية، وهم كلّ الناس، إلاّ عباد الله المخلصين. واعلم أنَّ هؤلاء الطوائف ليسوا بمحلّ نظر وليّ الوجود، ولا يعبأ الله بهم، فإنّهم مع وليّ الوجود في شقاقٍ بعيد، فإنّهم متوجّهون إلى غير ما وجَّه الله إليه الوجود، ونظَّم له النظام، فهم في شقٍ والوجود في شقّ. فهم ليسوا بعباد الله، ولا الله مولاهم وسيّدهم، وإنّما أولياؤهم ما تولّوا إليه من الهوى والشهوات، {أية : قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً} تفسير : [الفرقان:77]. وإذ لما هم عليه من الهوى نظامٌ جزئيٌّ، فله لا محالة وليّ وهو شيطان من الطواغيت. فإن شئتَ سمِّهم عَبَدة الهَوى، وإن شئتَ سمّهم عَبَدة الطواغيت فقد نزَل بكلّ ذلك القرآن. فمَن تولّى الله وأحبّ لقاءه وجرى على ما أجرى عليه النظام الحقيقي، تولاّهم وهو يتولى الصالحين. ومن تعدّى ذلك فطغى وتولّى الطواغيت، واتّبع الهوى - ولكلّ نوع من الهوى طاغوت - ولاّه الله ما تولاّه، فشخَص لكلٍّ معبوده، ووجّه إليه. وإنّك لتعلَم أنَّ النظامات الوهميّة، والغايات الجزئيّة، تضمحلّ ولا تبقى حتّى هلاك هذه الدار، انتقل الأمر إلى الواحد القهّار، فمن كان وليّه الطاغوت - والطاغوت من جوهر هذه النشأة الدنيويّة - فكلما أمعنَت هذه النشأة في العدم والدُثور ازداد الطاغوت في الاضمحلال. فطاغوت الإنسان من حين مات الإنسان يأخذ متحرّكاً في العدم، والإنسان يتبعه، لأنَّ الله تعالى يولّي كلاًّ ما تولاّه. وهذا منه عدْل، فيذهب به الطاغوت ممعِناً في وروده العدم، متقلّباً به في الدركات حتّى يحلّه دار البوار لا يموت فيها ولا يحيى. لا يموتُ، لأنّ ذلك عند خراب الدنيا بالكلّية، وإذا خرِبت فتح الله خزائن الحياة، وأفاض بكلّ النور، ومسح به البريّة مسْحة، التحم بها وجودُهم التحاماً لا يداخلهم الفساد بعد ذلك. ولا يحيى لأنّه استقبل بوجهه الطاغوت، والطاغوت عدمٌ وباطل، والمسْحة النوريّة الوجوديّة إنما تأتيه من وراء ظهره، وانّما تأتي من قِبَلِ الوجهِ عبادَ الله الذين استقبلوا اللهَ بوجوههم. فإذا حلّ دار البوار اشتعل فيه النار، وأحاط به سرادقها. لأنّ نار النيران قد خلَقها عزّ وجل وأسكنها دار البوار. وهي نار الله الموقدة التي تطّلع على الأفئدة، والعذاب الأكبر للذي قدم من ذنوبه العذاب الأدنى فافهم ما تلوناه عَليك فإنّه لُباب المعرفة. نتائج ما مضى من التحقيق وبما حقّق به المقام وفسِّر به الكلام انفسح احتجاج المجسّمة بهذه الآية على تجسّم الإله - تعالى عن ذلك - من أنّ الرجوع إلى غير الجسم محال. واضمحلّ أيضاً احتجاج التناسخيّة بها من أنّ الرجوع إلى شيء يقتضي السابقة إليه، فدلّ على كون النفوس قديمة في عالَم الروحانيّات، إذ قد علمت أنَّ هذا الرجوع رجوعٌ معنويّ بعد تطوّر النفس في الأطوار، وطيّ مراتب الأكوان في النشآت الطبيعيّة، والحسيّة، والخياليّة، والوهميّة، والعقليّة. وأنَّ هذا الرجوع رجوعٌ غائيّ، وحكم السابقيّة فيه على محاذاة حكم اللاَّحقيّة. غاية الأمر أنّ للنفس نحواً من الحصول سابقاً - ولو باعتبار صورتها العقليّة، أو العلميّة، أو الاسميّة كما عليه العرفاء - وأين هذا من التناسخ، وبينهما من الفرق كما بين الأرض والسماء، والظُّلمة والضياء. فظهَر فساد قول المجسّمة والتناسخيّة. وظهَر أيضاً ضلال الثنويّة، لما علمت أنَّ توجّه الأشياء إلى ما هو الخير الحقيقي. وقد علمتَ أيضاً فساد رأي القائلين بالبخت والاتفاق. وظهَر لك أيضاً كذْب الطباعيّة، والدهريّة من أوساخ البريّة القائلين: بأن ليس لطبائع الأنواع كالأفلاك والعناصر وما فيهما غاية أُخرى يؤدّي إليها. ولمَّا دريت امتناع "تكوّن الأشياء عنه تعالى حاصل من غير داع وغاية هي عين الفاعل الأوّل" علمتَ فساد رأي الأشاعرة النافين للداعي والحكمة. وعلمت أيضاً بطلان رأي المعتزلة لاثباتهم الداعي له تعالى في فعله أمراً مغايراً لذاته، كذات الوقت، أو الأصلح بحال العبد، أو ما يجري مجراهما، وذهلوا عن أنّ ذلك يؤدّي إلى القول بنقصانه تعالى في ذاته عمّا هو الأولى له، والأليق به، واستكماله بالممكن - تعالى عن ذلك علوّا كبيراً -. فبقي أن يكون المذهب المنصور هو الذي عليه أهل الله وأهل اليقين، المنتمون إلى أهل بيت الولاية والعصمة سلام الله عليهم أجمعين.
الجنابذي
تفسير : ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} فى الحياة الدّنيا قد يفسّر الرّبّ بالرّبّ المضاف والملاقاة بملاقاة الرّبّ المضاف من حيث ربوبيّته وهى بظهور مثاله على الصدر المعبّر عنه فى اصطلاح الصّوفيّة بالفكر وفى لسان الشّريعة بالسّكينة وهو ظهور صاحب الامر فى العالم الصّغير واوّل مراتب معرفة علىٍّ بالنّورانيّة وحينئذٍ فالظّنّ بمعناه فانّهم لا يتيقّنون ذلك بل يتوقّعونه ويرجونه وقد يفسّر بملاقاة الرّبّ المضاف فى الآخرة فالظّنّ ايضاً بمعناه لانّهم لا يعلمون انّهم يلاقون ربّهم فى الآخرة او يختم لهم بالشّرّ فينكسون فى النّار وقد يفسّر بملاقاة الحساب والجزاء يعنى بالبعث فالظّنّ بمعنى اليقين، ولمّا كانت النّفس علومها غير معلوماتها بل قد يتخلّف المعلومات عنها كثيراً ما يستعمل الظّنّ فيها لمشابهتها بالظّنون فى ذلك بخلاف علوم القلب والرّوح {وَأَنَّهُمْ} بعد لقائه فى الحياة الدّنيا او بعد بعثتهم ولقاء حسابه فى الآخرة {إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} يا بني إسرائيل كرّر النّداء للتّأكيد ولانّ المراد ببنى اسرائيل هناك كما مضى بنو آدم والمراد بهم هاهنا بنو اسرائيل حقيقةً فانّ المراد اظهار الامتنان بالنّعم الّتى أنعمها عليهم خاصّة لكنّ الغرض التّعريض بامّة محمّد (ص) وسائر الخلق {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} ببعثة الانبياء فيكم ودلالتهم لكم الى بعثة محمّد (ص) وخلافة وصيّه، او المراد من النّعمة المضافة جنس النّعمة ويكون قوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} من قبيل عطف التّفصيل على الاجمال على الوجه الاخير، ونسبة النّعم الى الموجودين مع انّها كانت لاسلافهم المعدومين على طريق مخاطبات العرف فانّهم ينسبون ما وقع من قبيلة الى بعضهم الّذى لم يشاركوهم من جهة المخالفة والموافقة فى الحسب والنّسب، والمراد من العالمين اهل عالمهم الموجودون معهم لا أهل كلّ عالم حتّى يلزم تفضيلهم على أمّة محمّد (ص).
الحبري
تفسير : وَقَولُهُ: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. نَزَلَتْ في: عَليٍّ وعُثْمانَ بنِ مَظْعُونَ وَعَمَّارِ بنِ ياسِرٍ وَأَصْحابٍ لَهُمْ.
الهواري
تفسير : {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} يعني البعث. قوله: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} وهي مثل الأولى. {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} يعني عالم زمانهم، ولكل زمان عالم. قوله: {وَاتَّقُوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} أي: لا تفديها. {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} لأن الشفاعة لا تكون إلا للمؤمنين. {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي: فداء، كقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} أي: من فضة وذهب (أية : وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ) تفسير : [المائدة:36]. وكقوله (أية : وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا) تفسير : [الأنعام:70] أي: وإن تفد بكل فدية ما تُقُبّل منها. قال: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي: لا أحد ينتصر لهم من بعد نقمة الله إياهم. هذا تفسير الحسن. وقال الحسن: الفدية يومئذ الإيمان، أي: أن يقبل منهم وهم يومئذ يؤمنون فلا يقبل منهم.
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ يَظُنُّونَ}: يعلمون فإن الظن كثيرا ما يستعمل بمعنى العلم ويقوى هذا التفسير قراءة ابن مسعود (الذين يعلمون) وكذا كتب فى مصحفه وذلك استعارة شبه ترجيح الشىء بالجزم به، لأن فى كل منهما إثباتاً فسماه باسم الجزم وهو العلم، ولم يذكره بل ذكر لفظ المشبه وهو يظن على الاستعارة المكنية التبعية، وفسره الجمهور يظنون بمعنى يوقنون وهو من وادى التفسير بمعنى يعلمون، ولكن اليقين من أشد العلم. قال ابن عطية: والزجاج يستعمل الظن بمعنى العلم فى غير المحسوس من المعانى كاللقاء فى الآية، والمواقعة فى قوله تعالى: {أية : فظنوا أنهم مُواقِعوها}تفسير : لا تقول العرب فى شخص أظن هذا زيدا قال الزجاج: ذكر لى ذلك أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق القاضى عن زيد ابن أسلم. وقيل يظنون معناه يتوقعون، وفى الظن الذى بمعنى الرجحان توقع، لأنك إذا ظننت أن شيئاً وقع تتوقع هل الأمر كما ظننت؟ فيقول خاب ظنى، وتقول تحقق ظنى واستيقن ظنى، أى توقعته حتى وجدته يقيناً، وظننت ظنا صادقاً، قال أوس بن حجر: شعر : فأرسلته مستيقن الظن أنه مخالط ما بين الشراسيف جائف تفسير : أى أرسلت السهم إلى بقرة الوحش حال كونى جازماً بأنه يخالط رءوس عظام البطن من جانب البطن منها ويصل جوفها. {أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ}: ملاقو جزاء ربهم بالبعث بعد الموت، وذلك الجزاء الذى يعلمون يقيناً أنهم ملاقوه، هو الثواب رجاء، والعقاب خوفاً، فهم راجون خائفون، وزعم هؤلاء المبتدعة أنه يجوز تفسير الملاقاة برؤية الله تعالى، وإذا فسرنا الظن بالتوقع فالمعنى أنهم يتوقعون العقاب، أى يخافونه، أو المعنى يتوقعون الثواب أى يطمعون فيه. {وأنَّهُم إلَيْه رَاجِعُونَ}: فى الآخرة بالبعث للجزاء كقوله: {أية : ثم يحييكم ثم إليه ترجعون}تفسير : أو راجعون إليه بالموت. [قالوا: ومن عول على شىء من شراء الحيوان أو اللباس أو الفاكهة أو الشىء النفيس وأراد الرشد إلى شىء جميل فليقل يا مختار يا من الخير منه، يا خير دليل يا دليلا للخير، يا مرشد يا هادى يا ألله ويقرأ الآية عند الشراء ويكررها حتى ينعقد، فإنه يقع له القصد. وقال ابن الجوزى: نقرأ عند شراء البطيح فيرشد إلى الطيب، وإذا أراد أكله قرأ عليه عند شقه بالسكين: {أية : فذبحوها وما كادوا يفعلون} تفسير : فإنه يجده طيباً. والله أعلم].
اطفيش
تفسير : {الَّذِينَ يَظُنُّونَ} يعلمون، كما استعمل العلم بمعنى الظن فى قوله تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات} {أَنَّهُمْ مُلَٰقُوا رَبِّهِمْ} ملاقوا حسابه بعد البعث أو ثوابه، وذلك حذف، أو ملاقوه بالحساب أو الثواب، فشبه المعاملة بالحساب أو الثواب بالحضور، تعالى الله عن الحلول والجهات {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ} للجزاء، أو هذا مطلق رجوع لمطلق الحساب، وملاقاتهم هى على ثواب الصبر والصلاة فلا تكرير، فالظن على ظاهره إذ لا يحزمون بالسعادة.
الالوسي
تفسير : الظن في الأصل الحسبان ـ واللقاء ـ وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يماسه، والمراد من ملاقاة الرب سبحانه، إما ملاقاة ثوابه أو الرؤية عند من يجوّزها، وكل منهما مظنون متوقع لأنه وإن علم الخاشع أنه لا بد من ثواب للعمل الصالح، وتحقق أن المؤمن يرى ربه يوم المآب ـ لكن من أين يعلم ما يختم به عمله ـ ففي وصف أولئك بالظن إشارة إلى خوفهم، وعدم أمنهم مكر ربهم {أية : فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ }تفسير : [الأعراف: 99] وفي تعقيب الخاشعين به حينئذ لطف لا يخفى، إلا أن عطف {...أَنَّهُمْ إِلَيْهِ رٰجِعُونَ} على ما قبله يمنع حمل الظن على ما ذكر ـ لأن الرجوع إليه تعالى ـ المفسر بالنشور ـ أو المصير إلى الجزاء مطلقاً، مما لا يكفي فيه الظن والتوقع ـ بل يجب القطع به ـ اللهم إلا أن يقدر له عامل ـ أي ويعلمون ـ أو يقال: إن الظن متعلق بالمجموع من حيث هو مجموع، وهو كذلك/ غير مقطوع به ـ وإن كان أحد جزئيه مقطوعاً ـ أو يقال: إن الرجوع إلى الرب هنا المصير إلى جزائه الخاص، أعني الثواب بدار السلام، والحلول بجواره جل شأنه ـ والكل خلاف الظاهر ـ ولهذا اختير تفسير الظن باليقين مجازاً، ومعنى التوقع والانتظار في ضمنه، ولقاء الله تعالى بمعنى الحشر إليه، والرجوع بمعنى المجازات ـ ثواباً أو عقاباً ـ فكأنه عز شأنه قال: يعلمون أنهم يحشرون إليهم فيجازيهم متوقعين لذلك، وكأن النكتة في استعمال الظن المبالغة في إيهام أن من ظن ذلك لا يشق عليه ما تقدم ـ فكيف من تيقنه ـ والتعرض لعنوان الربوبية للإشعار بعلية الربوبية ـ والمالكية للحكم ـ وجعل خبر (أن) في الموضعين اسماً للدلالة على تحقق اللقاء والرجوع وتقررهما عنده، وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (يعلمون) وهي تؤيد هذا التفسير. ومن باب الإشارة: {أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرّ} الذي هو الفعل الجميل الموجب لصفاء القلب وزكاء النفس ولا تفعلون ما ترتقون به من مقام تجلي الأفعال إلى تجلي الصفات {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ} كتاب فطرتكم الذي يأمركم بالدين السالك بكم سبيل التوحيد {أية : أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }تفسير : [البقرة: 44] فتقيدون مطلقات صفاتكم الذميمة بعقال ما أفيض عليكم من الأنوار القديمة، واطلبوا المدد والعون ممن له القدرة الحقيقية بالصبر على ما يفعل بكم، لكي تصلوا إلى مقام الرضا والصلاة التي هي المراقبة وحضور القلب لتلقي تجليات الرب، وإن المراقبة لشاقة ـ إلا على ـ المنكسرة قلوبهم، اللينة أفئدتهم لقبول أنوار التجليات اللطيفة، واستيلاء سطواتها القهرية، فهم الذين يتيقنون أنهم بحضرة ربهم {أية : وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رٰجِعُونَ }تفسير : [البقرة: 46] بفناء صفاتهم ومحوها في صفاته؛ فلا يجدون في الدار إلا شؤون الملك اللطيف القهار.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} الآية. المراد بالظن هنا اليقين، كما يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَبِٱلآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} تفسير : [البقرة: 4]، وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ آتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} تفسير : [المؤمنون: 60].
د. أسعد حومد
تفسير : {مُّلَٰقُواْ} {رَاجِعُونَ} (46) - وَهؤُلاءِ الخَاشِعُونَ، المُطْمَئِنَّةُ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ، يَعْتَقِدُونَ بِأَنَّهُمْ سَيُحْشَرُونَ إَلى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَأَنَّهُمْ سَيُعْرَضُونَ عَلَيهِ، وَأَنَّ أُمُورَهُمْ سَتَرْجِعُ إِلى مَشِيئَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِيَحْكُمَ فِيهَا بِمَا يَشَاءُ بِعَدْلِهِ. وَإِنَّ إِيمَانَهُمْ بِأَنَّهُمْ سَيَرْجِعُونَ إِلى اللهِ هُوَ الذِي يُسهِّلُ عَلَيهِمْ طَاعَةَ اللهِ، وَتَرْكَ مُحَرَّمَاتِهِ. يَظُنُّونَ - يَعْلَمُونَ وَيَسْتَيْقِنُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن أوضح لنا الحق سبحانه وتعالى أن الصبر والصلاة كبيرة إلا على كل مَنْ خشع قلبه لله. فهو يقبل عليها بحب وإيمان ورغبة. أراد أن يعرفنا مَنْ هم الخاشعون. فقال جل جلاله: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 46]. ما هو الظن؟ سبق أن تحدثنا عن النسب. وقلنا هناك نسبة أنا جازم بها والواقع يصدقها. عندما أقول مثلاً: محمد مجتهد. فإذا كان هناك شخص اسمه محمد ومجتهد. أكون قد جزمت بواقع. فهذه نسبة مجزوم بها بشرط أن أستطيع أن أدلل على صدق ما أقول. فإذا كنت جازماً بالنسبة على صدق ما أقول .. فهذا تقليد. مثلما يقول ابنك البالغ من العمر ست سنوات مثلاًَ: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ولكن عقله الصغير لا يستطيع أن يدلل على ذلك، وإنما هو يقلد أباه أو مدرسيه. فإذا كنت جازماً بالشيء وهو ليس له وجود في الواقع، فهذا هو الجهل. والجاهل شر من الأمي. لأن الجاهل مؤمن بقضية لا واقع لها. ويدافع عنها. أما الأمي .. فهو لا يعلم، ومتى علم فإنه يؤمن. ولذلك لابد بالنسبة للجاهل أن تخرج الباطل من قلبه أولاً ليدخل الحق. وإذا كانت القضية غير مجزوم بها ومتساوية في النفي والوجود، فإن ذلك يكون شكاً. فإذا رجحت إحدى الكفتين على الأخرى يكون ذلك ظناً. والحق سبحانه وتعالى يقول: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ} [البقرة: 46] ولم يقل: الذين تيقنوا أنهم ملاقوا ربهم .. لماذا لم يستخدم الحق تعالى لفظ اليقين وأبدله بالظن؟ لأن مجرد الظن أنك مُلاقٍ الله سبحانه وتعالى .. كافٍ أن يجعلك تلتزم بالمنهج. فما بالك إذا كنت متيقنا. فمجرد الظن يكفي. وإذا أردنا أن نضرب لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى - نقول: هب أنك سائر في طريق. وجاء شخص يخبرك بأن هذا الطريق فيه لصوص وقطاع طرق. فمجرد هذا الكلام يجعلك لا تمشي في هذا الطريق إلا إذا كنت مسلحاً ومعك شخص أو اثنان. فأنت تفعل ذلك للاحتياط. إذن فمجرد الظن دفعنا للاحتياط .. إذن فقوله تعالى: {يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 46] فمجرد أن القضية راجحة، هذا يكفي لاتباع منهج الله. فتقي نفسك من عذاب عظيم. ويقول المعرّي في آخر حياته: شعر : زعم المنجّم والطبيب كلاهما لا تحشر الأجساد قلتُ إليكما إن صحّ قولكما فلسْت بخاسرٍ أو صح قولي فالخسارُ عليكما تفسير : فكل مكذب بالآخرة خاسر. والنفس البشرية لابد أن تحتاط للقاء الله. وأن تعترف أن هناك حشراً وتعمل لذلك. والحق سبحانه وتعالى يقول: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 46] والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى أمر يقيني. فما دمت قد جئت إلى الدنيا مخلوقاً من الله .. فأنت لا محالة سترجع إليه. وهذا اليوم .. يجب أن نحتاط له حيطة كبرى، وأن نترقبه لأنه يوم عظيم .. والحق سبحانه يقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} تفسير : [الحج: 1-2]. ويقول جل جلاله: {أية : فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ ٱلْوِلْدَانَ شِيباً} تفسير : [المزمل: 17]. إذا كان هذا حالنا يوم القيامة، فكيف لا يكفي مجرد الظن لأن نتمسك بمنهج الله. ونحن نحتاط لأحداث دنيوية لا تساوي شيئاً بالنسبة لأهوال يوم القيامة. إن الظن هنا بأننا سنلاقي الله تعالى يكفي لأن نعمل له ألف حساب.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ} فالظَّنُّ: اليَقينُ. ويكونُ الظَّنُ شَكْاً، ويكونُ تُهمةً.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ} [البقرة: 46] أي: يوقنون بنور التجلي {أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ} [البقرة: 46]، أنهم يشاهدون كمال الحق، {وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ} [البقرة: 46]، بجذبات الحق الذي جذبه منها توازي عمل الثقلين. ثم أخبر عن تأكيد ذكر النعمة لتجديد المنة بقوله تعالى: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 47]، والإشارة في تحقيق الآية أن الخطاب في قوله تعالى: {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 47]، ظاهره عام وباطنه خاص مع قوم منهم قد علم الله فيهم خيراً، فأسمعهم خطابه في السر، فذكروا النعمة التي أنعم الله بها عليهم، وهي استعداد قبولهم رشاش نوره يوم خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره، فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم من خاصة قبول ذلك الرشاش كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : فمن أصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ظل ". تفسير : {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ} [البقرة: 47] أي: بهذه النعمة عند رش النور على من لم يصبهم ذلك النور مع العالمين {وَٱتَّقُواْ يَوْماً} [البقرة: 48] أي: عذاب يوم يخوف الله العام بأفعاله، كما قال تعالى: {وَٱتَّقُواْ} [البقرة: 48]، ويخوف الخاص بصفاته كقوله تعالى: {أية : أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}تفسير : [النحل: 23]، وقوله تعالى: {أية : لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ}تفسير : [الأحزاب: 8]، ويخوف خاص الخاص بذاته لقوله تعالى: {أية : وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفْسَهُ}تفسير : [آل عمران: 28]، وقوله تعالى: {أية : ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}تفسير : [آل عمران: 102]. {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} [البقرة: 48]، {أية : وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}تفسير : [الانفطار: 19] {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ} [البقرة: 48]، في حق نفسها ولا في حق غيرها بغير الإذن، كقوله تعالى: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}تفسير : [البقرة: 255]، و{وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48] أي: عدل لأنه {أية : لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ}تفسير : [النجم: 39-40]، والسعي المشكور إنما يكون هاهنا {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48]، لأنهم ما نصروا الحق هاهنا وقد قال تعالى: {أية : إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ}تفسير : [محمد: 7]. ثم أخبر عن أنواع نعمته وأصناف كرمه معهم بقوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} [البقرة: 49]، والإشارة فيها أن النجاة من آل فرعون النفس الأمارة بالسوء، وهي صفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة في يوم: {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} [البقرة: 49]، الروح والقلب بذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة، واستحياء نساء بعض الصفات القلبية الاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية لا تكن إلا بتنجية الله تعالى، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ينجي أحدكم عمله. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته"تفسير : {وَفِي ذَٰلِكُمْ} [البقرة: 49] أي: استيلاء صفات النفس على القلب والروح {بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49]، في الخير والشر فمن يهدي الله ويصلح باله حتى يرجع إلى الله تعالى في طلب النجاة فينجيه الله تعالى ويهلك عدوه، ومن يضلله يخلد إلى الأرض واتبع هواه وكان أمره فرطاً، فيرديه الله تعالى ويغلِّب عدوه. ثم أخبر تعالى عن نعمته العظمى تارة بعد أخرى بقوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ} [البقرة: 50]، والإشارة فيها أن البحر هو الدنيا، ماؤه وشهواتها ولذاتها وموسى هو القلب وقومه صفات القلب، وفرعون هو النفس الأمارة، وقومه صفات النفس وهم أعداء موسى وقومه يطلبونهم ليقتلونهم، وهم سائرون إلى الله تعالى من العدو وهم خلفهم وبحر الدنيا أمامهم، ولا بدَّ لهم في السير إلى الله تعالى من العبور على البحر، ولو يخوضون البحر بلا ضرب عصا، "لا إله إلا الله" على يد موسى القلب، فإن له يداً بيضاء في هذا الشأن، لغرقوا كما غرق فرعون وقومه، ولو كانت هذه العصا في يد فرعون النفس لم يكن لها معجزة انفلاق البحر، فلما أن ضرب موسى القلب بعصا الذكر بإذن الله تعالى مرة بعد أخرى ينفلق بحر الدنيا بنفي لا إله، ويتفرق ماء شهواته يميناً وشمالاً ويرسل الله تعالى ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا، فيصير يابساً من ماء الشهوات، فيخوض موسى القلب وصفاته، فيتجاوزون وتنجيهم عناية: "إلا الله" إلى ساحل: {أية : وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ}تفسير : [النجم: 42] وقيل لفرعون النفس: {أية : أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً}تفسير : [نوح: 25]، فافهم جدّاً، "حديث : فإن للقرآن ظهراً وبطناً ". تفسير : ثم أخبر بعد العبور عن ميعاد الحصول في ميقات القرب والوصول بقوله تعالى: {وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [البقرة: 51]، الإشارة فيها معنيان: عدد الأربعين في الميعاد الاختصاصية في الكمالية ذلك؛ لأن مراتب الأعداد أربع الآحاد والعشرات والمئات والألوف، والعشرة عدد في نفسها كاملة لقوله تعالى: {أية : تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}تفسير : [البقرة: 196]، وإذا ضعفت العشرة أربع مرات، وهو أكمل مراتب الأعداد يكون أربعين، وهو كمال الكمال، وهو عدد أيام تخمير طينة آدم عليه السلام لقوله تعالى: "حديث : خمرت طينة آدم بيدي أربعين صباحاً"تفسير : فللأربعين خاصية وتأثير لا توجد في غيرها من الأعداد. كما جاء الحديث الصحيح عن عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنهما - قال: "حديث : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ... الحديث"تفسير : كما أن انعقاد الطلسم الجسماني على وجه الكنز الروحاني كان مخصوصاً بالأربعي، كذلك يكون انحلاله باختصاص الأربعين {أية : سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً}تفسير : [الفتح: 23]. ولهذا المعنى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"تفسير : وإنما اختصاص الليل بالذكر في قوله: {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} فلمعنيين: أحدهما: أن لليل خصوصيته في التعبد والتقرب لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أقرب ما يكون العبد من الرب في جوف الليل"تفسير : وهكذا قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا... الحديث"،تفسير : ولهذا المعنى قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {أية : وَمِنَ ٱلْلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ}تفسير : [الإسراء: 79]، وقال تعالى: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً}تفسير : [الإسراء: 1]. والآخر: أنه لو ذكر اليوم دون الليل لظن موسى عليه السلام أنه موعود بالتعبد في النهار دون الليل، وإنما الليل جعل للاستراحة والسكون لقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبْصِراً}تفسير : [يونس: 67]، فلما اختص الليل بالذكر علم موسى عليه السلام أن التعبد في الليل والنهار جميعاً. ثم أخبر عن نعمة عفوه عنهم مع ما يصدر من المظالم منهم بقوله تعالى: {أية : ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم}تفسير : [البقرة: 52]، والإشارة فيها أن الله تعالى لما أراد أن يخرج جوهر الشكورية التي هي من صفات الربانية من معدن الإنسانية أنعم عليهم بإسباغ نعمه الظاهرة والباطنة. فمن نعمه الظاهرة: ما ذكر في الآيات السابقة بقوله تعالى: {أية : يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ}تفسير : [البقرة: 40].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):