Verse. 54 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

يٰبَنِىْۗ اِسْرَاۗءِيْلَ اذْكُرُوْا نِعْمَتِىَ الَّتِىْۗ اَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَاَنِّىْ فَضَّلْتُكُمْ عَلَي الْعٰلَمِيْنَ۝۴۷
Ya banee israeela othkuroo niAAmatiya allatee anAAamtu AAalaykum waannee faddaltukum AAala alAAalameena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم» بالشكر عليها بطاعتي «وأني فضَّلتكم» أي آباءكم «على العالمين» عالمي زمانهم.

47

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أنه تعالى إنما أعاد هذا الكلام مرة أخرى توكيداً للحجة عليهم وتحذيراً من ترك اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ثم قرنه بالوعيد، وهو قوله: {أية : واتقوا يوماً} تفسير : [البقرة: 48، 123] كأنه قال: إن لم تطيعوني لأجل سوالف نعمتي عليكم فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل. أما قوله: {وأني فضلتكم على العالمين} ففيه سؤال وهو: أنه يلزم أن يكونوا أفضل من محمد عليه السلام وذلك باطل بالاتفاق. والجواب عنه من وجوه. أحدها: قال قوم: العالم عبارة عن الجمع الكثير من الناس كقولك: رأيت عالماً من الناس، والمراد منه الكثير لا الكل، وهذا ضعيف لأن لفظ العالم مشتق من العلم وهو الدليل، فكل ما كان دليلاً على الله تعالى كان عالماً، فكان من العالم، وهذا تحقيق قول المتكلمين: العالم كل موجود سوى الله، وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالم ببعض المحدثات. وثانيها: المراد فضلتكم على عالمي زمانكم وذلك لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك وهو الآن ليس بموجود لم يكن ذلك الشخص من جملة العالمين حال عدمه لأن شرط العالم أن يكون موجوداً والشيء حال عدمه لا يكون موجوداً. فالشيء حال عدمه لا يكون من العالمين، وأن محمداً عليه السلام ما كان موجوداً في ذلك الوقت، فما كان ذلك الوقت من العالمين فلا يلزم من كون بني إسرائيل أفضل العالمين في ذلك الوقت كونهم أفضل من محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت، وهذا هو الجواب أيضاً عن قوله تعالى: {أية : إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين} تفسير : [المائدة: 20]. وقال: {أية : ولقد اخترناهم على علم على العالمين} تفسير : [الدخان: 32] وأراد به عالمي ذلك الزمان، وإنما كانوا أفضل من غيرهم بما أعطوا من الملك والرسالة والكتب الإلهية، وثالثها: أن قوله: {وأني فضلتكم على العالمين} عام في العالمين لكنه مطلق في الفضل والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة. فالآية تدل على أن بني إسرائيل فضلوا على العالمين في أمر ما وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور، بل لعلهم وإن كانوا أفضل من غيرهم في أمر واحد فغيرهم يكون أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر وعند ذلك يظهر أنه لا يصح الاستدلال بقوله تعالى: {أية : إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم، وآل عمران على العالمين} تفسير : [آل عمران: 33] على أن الأنبياء أفضل من الملائكة. بقي ههنا أبحاث: البحث الأول: قال ابن زيد: أراد به المؤمنين منهم لأن عصاتهم مسخوا قردة وخنازير على / ما قال تعالى: {أية : وجعل منهم القردة والخنازير} تفسير : [المائدة: 60] وقال: {أية : لعن الذين كفروا من بني إسرائيل} تفسير : [المائدة: 78]. البحث الثاني: أن جميع ما خاطب الله تعالى به بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم، وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد. قال الله تعالى: {أية : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} تفسير : [الزمر: 18]، وقال: {أية : واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} تفسير : [الزمر: 55]. وقال: {أية : لقد كان في قصصهم عبرة لأولِي الألباب} تفسير : [يوسف: 111]. ولذلك روى قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: قد مضى الله بنو إسرائيل وما يغني ما تسمعون عن غيركم. البحث الثالث: قال القفال: «النعمة بكسر النون المنة وما ينعم به الرجل على صاحبه. قال تعالى: {أية : وتلك نعمة تمنها عليَّ} تفسير : [الشعراء: 22] وأما النعمة بفتح النون فهو ما يتنعم به في العيش، قال تعالى: {أية : ونعمة كانوا فيها فاكهين} تفسير : [الدخان: 27]. البحث الرابع: قوله تعالى: {وأني فضلتكم على العالمين} يدل على أن رعاية الأصلح لا تجب على الله تعالى لا في الدنيا ولا في الدين لأن قوله: {وأني فضلتكم على العالمين} يتناول جميع نعم الدنيا والدين، فذلك التفضيل إما أن يكون واجباً أو لا يكون واجباً، فإن كان واجباً لم يجز جعله منة عليهم لأن من أدى واجباً فلا منة له على أحد وإن كان غير واجب مع أنه تعالى خصص البعض بذلك دون البعض، فهذا يدل على أن رعاية الأصلح غير واجبة لا في الدنيا ولا في الدين. فإن قيل: لما خصهم بالنعم العظيمة في الدنيا، فهذا يناسب أن يخصهم أيضاً بالنعم العظيمة في الآخرة كما قيل: إتمام المعروف خير من ابتدائه، فلم أردف ذلك التخويف الشديد في قوله: {واتقوا يوماً} والجواب: لأن المعصية مع عظم النعمة تكون أقبح وأفحش فلهذا حذرهم عنها. البحث الخامس: في بيان أن أي فرق العالم أفضل يعني أن أيهم أكثر استجماعاً لخصال الخير؟ اعلم أن هذا مما وقع فيه النزاع الشديد بين سكان النواحي فكل طائفة تدعي أنها أفضل وأكثر استجماعاً لصفات الكمال ونحن نشير إلى معاقد الكلام في هذا الباب بتوفيق الله تعالى وعونه.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} تقدّم. {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} يريد على عالَمي زمانهم، وأهل كل زمان عالَم. وقيل: على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء. وهذا خاصّة لهم وليست لغيرهم.

البيضاوي

تفسير : {يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } كرره للتأكيد وتذكير التفضيل الذي هو أجل النعم خصوصاً، وربطه بالوعيد الشديد تخويفاً لمن غفل عنها وأخل بحقوقها. {وَأَنّي فَضَّلْتُكُمْ } عطف على نعمتي. {عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } أي عالمي زمانهم، يريد به تفضيل آبائهم الذين كانوا في عصر موسى عليه الصلاة والسلام وبعده، قبل ان يضروا بما منحهم الله تعالى من العلم والإيمان والعمل الصالح، وجعلهم أنبياء وملوكاً مقسطين. واستدل به على تفضيل البشر على المَلَك وهو ضعيف.

ابن كثير

تفسير : يذكرهم تعالى بسالف نعمه إلى آبائهم وأسلافهم، وما كان فضلهم به من إرسال الرسل منهم، وإنزال الكتب عليهم وعلى سائر الأمم من أهل زمانهم، كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الدخان: 32] وقال تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَءَاتَـٰكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَـٰلَمِينَ}تفسير : [المائدة: 20] قال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى: {وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} قال: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالماً، وروي عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد نحو ذلك، ويجب الحمل على هذا؛ لأن هذه الأمة أفضل منهم؛ لقوله تعالى، خطاباً لهذه الأمة: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ}تفسير : [آل عمران: 110] وفي المسانيد والسنن عن معاوية بن حيدة القشيري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله»تفسير : ، والأحاديث في هذا كثيرة تذكر عند قوله تعالى: {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}تفسير : [آل عمران: 110] وقيل: المراد تفضيل بنوع ما من الفضل على سائر الناس، ولا يلزم تفضيلهم مطلقاً، حكاه الرازي، وفيه نظر، وقيل: إنهم فضلوا على سائر الأمم؛ لاشتمال أمتهم على الأنبياء منهم، حكاه القرطبي في تفسيره، وفيه نظر، لأن العالمين عام يشمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء، فإبراهيم الخليل قبلهم، وهو أفضل من سائر أنبيائهم، ومحمد بعدهم، وهو أفضل من جميع الخلق، وسيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، صلوات الله وسلامه عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : { يَٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } بالشكر عليها بطاعتي {وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ } أي آباءكم {عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ } عالمي زمانهم.

الشوكاني

تفسير : قوله: {يَـٰبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } قد تقدم تفسيره، وإنما كرر ذلك سبحانه توكيداً للحجة عليهم، وتحذيراً لهم من ترك اتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قرنه بالوعيد، وهو قوله: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا }، وقوله: {وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ } معطوف على مفعول اذكروا أي: اذكروا نعمتي، وتفضيلي لكم على العالمين، قيل المراد بالعالمين عالم زمانهم، وقيل على جميع العالمين بما جعل، فيهم من الأنبياء. وقال في الكشاف: على الجمّ الغفير من الناس كقوله: {أية : بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الأنبياء: 71] يقال رأيت عالماً من الناس: يراد الكثرة. انتهى. قال الرازي في تفسيره: وهذا ضعيف؛ لأن لفظ العالم مشتق من العلم، وهو الدليل، وكل ما كان دليلاً على الله كان علماً، وكان من العالم، وهذا تحقيق قول المتكلمين: العالم كل موجود سوى الله، وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالم ببعض المحدثات. انتهى. وأقول: هذا الاعتراض ساقط، أما أوّلا، فدعوى اشتقاقه من العلم لا برهان عليه، وأما ثانياً: فلو سلمنا صحة هذا الاشتقاق كان المعنى موجوداً بما يتحصل معه مفهوم الدليل على الله الذي يصح إطلاق اسم العلم عليه، وهو كائن في كل فرد من أفراد المخلوقات التي يستدل بها على الخالق، وغايته أن جميع العالم يستلزم أن يكونوا مفضلين على أفراد كثيرة من المحدثات؛ وأما أنهم مفضلون على كل المحدثات في كل زمان، فليس في اللفظ ما يفيد هذا، ولا في اشتقاقه ما يدل عليه، وأما من جعل العالم أهل العصر، فغايته أن يكونوا مفضلين على أهل عصور، لا على أهل كل عصر، فلا يستلزم ذلك تفضيلهم على أهل العصر الذين، فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم، ولا على ما بعده من العصور، ومثل هذا الكلام ينبغي استحضاره عند تفسير قوله تعالى: {أية : إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَالَمِينَ }تفسير : [المائدة: 20] وعند قوله تعالى: {أية : وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَـٰهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الدخان: 32] وعند قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَءالَ إِبْرٰهِيمَ وَءالَ عِمْرٰنَ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [آل عمران: 33] فإن قيل: إن التعريف في العالمين يدل على شموله لكل عالم. قلت: لو كان الأمر هكذا لم يكن ذلك مستلزماً لكونهم أفضل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم: لقوله تعالى {أية : كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } تفسير : [آل عمران: 110] فإن هذه الآية ونحوها تكون مخصصة لتلك الآيات. وقوله: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا } أمر معناه الوعيد، وقد تقدم معنى التقوى. والمراد باليوم: يوم القيامة أي: عذابه. وقوله: {لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } في محل نصب صفة ليوم، والعائد محذوف. قال البصريون في هذا وأمثاله: تقديره فيه. وقال الكسائي: هذا خطأ، بل التقدير لا تجزيه؛ لأن حذف الظرف لا يجوز، ويجوز حذف الضمير وحده. وقد روى عن سيبويه، والأخفش، والزجاج جواز الأمرين. ومعنى: {لا تجزي}: لا تكفي، وتقضي، يقال جزا عني هذا الأمر يجزي، أي: قضى، واجتزأت بالشيء أجتزيء، أي: اكتفيت، ومنه قول الشاعر:شعر : فإن الغدرَ في الأقوام عَارٌ وإن الحر يَجزي بالكُراع تفسير : والمراد أن هذا اليوم لا تقضي نفس عن نفس شيئاً، ولا تكفي عنها، ومعنى التنكير: التحقير، أي: شيئاً يسيراً حقيراً، وهو منصوب على المفعولية، أو على أنه صفة مصدر محذوف، أي: جزاء حقيراً. والشفاعة مأخوذة من الشفع، وهو الاثنان، تقول استشفعته: أي: سألته أن يشفع لي، أي: يضمّ جاهه إلى جاهك عند المشفوع إليه، ليصل النفع إلى المشفوع له، وسميت الشفعة شفعة؛ لأنك تضم ملك شريكك إلى ملكك. وقد قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، تقبل بالمثناة الفوقية؛ لأن الشفاعة مؤنثة، وقرأ الباقون بالياء التحتية؛ لأنها بمعنى الشفيع. قال الأخفش: الأحسن التذكير. وضمير {منها} يرجع إلى النفس المذكورة ثانياً: أي: إن جاءت بشفاعة شفيع، ويجوز أن يرجع إلى النفس المذكورة أوّلاً: أي: إذا شفعت لم يقبل منها. والعدل بفتح العين: الفداء، وبكسرها: المثل. يقال عدل، وعديل للذي ماثل في الوزن والقدر. وحكى ابن جرير: أن في العرب من يكسر العين في معنى الفدية. والنصر: العون، والأنصار: الأعوان، وانتصر الرجل: انتقم، والضمير، أي: هم، يرجع إلى النفوس المدلول عليها بالنكرة في سياق النفي، والنفس تذكر وتؤنث. وقوله: {إِذْ نَجَّيْنَـٰكُم } متعلق بقوله {ٱذْكُرُواْ } والنجاة: النجوة من الأرض، وهي ما ارتفع منها، ثم سمي كل فائز ناجياً. وآل فرعون: قومه، وأصل آل: أهل؛ بدليل تصغيره على أُهيل. وقيل غير ذلك، وهو يضاف إلى ذوي الخطر. وقال الأخفش: إنما يقال في الرئيس الأعظم نحو آل محمد. ولا يضاف إلى البلدان، فلا يقال من آل المدينة. وقال الأخفش: قد سمعناه في البلدان قالوا: آل المدينة. واختلفوا هل يضاف إلى المضمر أم لا. فمنعه قوم وسوّغه آخرون، وهو الحق، ومنه قول عبد المطلب:شعر : وانصر على آل الصليـ ـب وعابديه اليوم آلك تفسير : وفرعون: قيل هو اسم ذلك الملك بعينه. وقيل إنه اسم لكل ملك من ملوك العمالقة كما يسمى من ملك الفرس: كسرى، ومن ملك الروم: قيصر، ومن ملك الحبشة: النجاشي. واسم فرعون موسى المذكور هنا: قابوس، في قول أهل الكتاب. وقال وهب: اسمه الوليد بن مصعب بن الريان. قال المسعودي: لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية. وقال الجوهري: إن كل عات يقال له: فرعون، وقد تفرعن وهو ذو فرعنة: أي: دهاء ومكر. وقال في الكشاف: تفرعَن فلان: إذا عتا وتجبر. ومعنى قوله: {يَسُومُونَكُمْ } يولونكم، قاله أبو عبيدة، وقيل يذيقونكم، ويلزمونكم إياه، وأصل السوم الدوام، ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرعي، ويقال: سامه خطة خسف: إذا أولاه إياها. وقال في الكشاف: أصله من سام السلعة إذا طلبها، كأنه بمعنى: يبغونكم سوء العذاب، ويريدونكم عليه. انتهى. {وسوء ٱلْعَذَابَ }: أشدّه، وهو صفة مصدر محذوف، أي يسومونكم سوماً سوء العذاب، ويجوز أن يكون مفعولاً ثانياً، وهذه الجملة في محل رفع على أنها خبر لمبتدأ مقدّر، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال أي: سائمين لكم. وقوله: {يُذَبّحُونَ } وما بعده بدل من قوله: {يَسُومُونَكُمْ } وقال الفراء: إنه تفسير لما قبله، وقرأه الجماعة بالتشديد، وقرأ ابن محيصن بالتخفيف. والذبح في الأصل: الشقّ، وهو فرى أوداج المذبوح، والمراد بقوله تعالى: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ } يتركونهن أحياء؛ ليستخدموهنّ، ويمتهنوهنّ وإنما أمر بذبح الأبناء، واستحياء البنات، لأن الكهنة أخبروه بأنه يولد مولود يكون هلاكه على يده، وعبر عن البنات باسم النساء؛ لأنه جنس يصدق على البنات. وقالت طائفة: إنه أمر بذبح الرجال، واستدلوا بقوله: {نِسَاءكُمْ } والأوّل أصح بشهادة السبب. ولا يخفى ما في قتل الأبناء، واستحياء البنات للخدمة ونحوها، من إنزال الذلّ بهم، وإلصاق الإهانة الشديدة بجميعهم لما في ذلك من العار. والإشارة بقوله: {وَفِى ذٰلِكُمْ } إلى جملة الأمر، والبلاء يطلق تارة على الخير، وتارة على الشرّ، فإن أريد به هنا الشرّ كانت الإشارة بقوله: {وَفِى ذٰلِكُمْ بَلاء } إلى ما حلّ بهم من النقمة بالذبح ونحوه، وإن أريد به الخير كانت الإشارة إلى النعمة التي أنعم الله عليهم بالإنجاء، وما هو مذكور قبله من تفضيلهم على العالمين. وقد اختلف السلف ومن بعدهم في مرجع الإشارة، فرجح الجمهور الأوّل، ورجح الآخرون الآخر. قال ابن جرير: وأكثر ما يقال في الشرّ بلوته أبلوه بلاء، وفي الخير أبلية إبلاء وبلاء، قال زهير:شعر : جَزَى الله بِالإحْسانِ مِاَ فَعَلا بِكُم وأبلاهما خَيْر البَلاءِ الذَّيَ يَبْلُو تفسير : قال: فجمع بين اللغتين؛ لأنه أراد، فأنعم عليهما خير النعم، التي يختبر بها عباده. وقوله: {وَإِذْ فَرَقْنَا } متعلق بما تقدم من قوله: {ٱذْكُرُواْ } وفرقنا: فلقنا، وأصل الفرق: الفصل، ومنه فرق الشعر، وقرأ الزهري: «فرَّقنا» بالتشديد، والباء في قوله: {بِكُمْ } قيل: هي بمعنى اللام، أي: لكم. وقيل هي الباء السببية، أي: فرقناه بسببكم. وقيل: إن الجار والمجرور في محل الحال، أي: فرقناه متلبساً بكم، والمراد ها هنا: أن فرق البحر كان بهم، أي: بسبب دخولهم فيه، أي: لما صاروا بين الماءين صار الفرق بهم. وأصل البحر في اللغة: الاتساع، أطلق على البحر الذي هو مقابل البر، لما فيه من الاتساع بالنسبة إلى النهر، والخليج، ويطلق على الماء المالح، ومنه أبحر الماء: إذا ملح، قال نصيب:شعر : وقد عاد ماءُ الأرض بَحْراً فزادني إلى مَرَضي أن أبْحَرَ المَشْربُ العذْبُ تفسير : وقوله: {فَأَنجَيْنَـٰكُمْ } أي: أخرجناكم منه. {وأغرقنا آل فرعون} فيه. وقوله: {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } في محل نصب على الحال، أي: حال كونكم ناظرين إليهم بأبصاركم. وقيل: معناه: وأنتم تنظرون، أي: ينظر بعضكم إلى البعض الآخر من السالكين في البحر، وقيل: نظروا إلى أنفسهم ينجون، وإلى آل فرعون يغرقون. والمراد بآل فرعون هنا: هو وقومه وأتباعه. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب؛ أنه كان إذا تلا: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } قال: مضى القوم، وإنما يعني به أنتم، وأخرج ابن جرير عن سفيان بن عيينة قال في قوله: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ } هي أيادي الله، وأيامه. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: نعمة الله التي أنعم بها على بني إسرائيل، فيما سمى، وفيما سوى ذلك، فجَّر لَهُم الحجر، وأنزل عليهم المنّ، والسلوى، وأنجاهم من عبودية آل فرعون. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: {وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال: فضلوا على العالم الذي كانوا فيه، ولكل زمان عالم. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن جرير عن أبي العالية في قوله: {فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال: بما أعطوا من الملك، والرسل، والكتب على من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالماً. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } قال: لا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة من المنفعة شيئاً. وأخرج ابن جرير، عن عمرو بن قيس المُلائي، عن رجل من بني أمية من أهل الشام أحسن الثناء عليه، قال: «قيل يا رسول الله ما العدل؟ قال: "حديث : العدل الفدية"تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس نحوه. قال ابن أبي حاتم: وروى عن أبي مالك، والحسن، وسعيد بن جبير وقتادة، والربيع بن أنس نحو ذلك. وأخرج عبد الرزاق عن عليّ في تفسير الصرف، والعدل قال: التطوّع والفريضة. قال ابن كثير: وهذا القول غريب هاهنا، والقول الأوّل أظهر في تفسير هذه الآية. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذا العام مولود يذهب بملكه، فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل مائة عشرة، وعلى كل عشر رجلاً، فقال: انظروا كل امرأة حامل في المدينة، فإذا وضعت حملها، فإن كان ذكراً فاذبحوه، وإن كان أنثى، فخلوا عنها، وذلك قوله: {يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ } وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ } قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة. فقالت له الكهنة: إنه سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه، فبعث في أهل مصر نساء قوابل، فإذا ولدت امرأة غلاماً أتى به فرعون فقتله، ويستحيـي الجواري. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {بَلاء مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ } يقول: نقمة. وأخرج وكيع عن مجاهد نحوه. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ } فقال: إي والله لفرق البحر بينهم حتى صار طريقاً يبساً يمشون فيه، فأنجاهم الله، وأغرق آل فرعون عدوّهم. وقد ثبت في الصحيحين، وغيرهما من حديث ابن عباس قال: «قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء فقال:حديث : ما هذا اليوم؟تفسير : قالوا: هذا يوم صالح نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوّهم فصامه موسى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : نحن أحق بموسى منكم، فصامه، وأمر بصومه»تفسير : . وقد أخرج الطبراني، وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير أن هرقل كتب إلى معاوية يسأله عن أمور، منها عن البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة، فكتب معاوية إلى ابن عباس، فأجابه عن تلك الأمور وقال: وأما البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة من نهار: فالبحر الذي أفرج عن بني إسرائيل. ولعله سيأتي إن شاء الله تعالى زيادة على ما هنا عند تفسير قوله تعالى: {أية : أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ }تفسير : [الشعراء: 63].

ابن عطية

تفسير : قد تكرر هذا النداء والتذكير بالنعمة، وفائدة ذلك أن الخطاب الأول يصح أن يكون للمؤمنين، ويصح أن يكون للكافرين منهم، وهذا المتكرر إنما هو للكافرين، بدلالة ما بعده، وأيضاً فإن فيه تقوية التوقيف وتأكيد الحض على ذكر أيادي الله وحسن خطابهم بقوله: {فضلتكم على العالمين} لأن تفضيل آبائهم وأسلافهم تفضيل لهم، وفي الكلام اتساع. قال قتادة وابن زيد وابن جريج وغيرهم: المعنى على عالم زمانهم الذي كانت فيه النبوءة المتكررة والملك، لأن الله تعالى يقول لأمة محمد صلى الله عليه وسلم: "كنتم خير أمة أخرجت للناس". وقوله عز وجل: {واتقوا يوماً} نصب يوماً بـ {اتقوا} على السعة، والتقدير عذاب يوم، أو هول يوم، ثم حذف ذلك وأقام اليوم مقامه، ويصح أن يكون نصبه على الظرف لا للتقوى، لأن يوم القيامة ليس بيوم عمل، ولكن معناه: جيئوا متقين يوماً. و {لا تجزي} معناه: لا تغني. وقال السدي: معناه لا تقضي، ويقويه قوله {شيئاً} وقيل المعنى: لا تكافىء، ويقال: جزى وأجزأ بمعنى واحد، وقد فرق بينهما قوم، فقالوا: جزى بمعنى: قضى وكافأ، وأجزأ بمعنى أغنى وكفى. وقرأ أبو السمال "تُجزىءُ" بضم التاء والهمز، وفي الكلام حذف. وقال البصريون: التقدير لا تجزي فيه، ثم حذف فيه. وقال غيرهم: حذف ضمير متصل بـ {تجزي} تقديره لا تجزيه، على أنه يقبح حذف هذا الضمير في الخبر، وإنما يحسن في الصلة. وقال بعض البصريين: التقدير لا تجزي فيه، فحذف حرف الجر واتصل الضمير، ثم حذف الضمير بتدريج. وقوله تعالى: {ولا تقبل منها شفاعة} قرأ ابن كثير وأبو عمرو: بالتاء، وقرأ الباقون: بالياء من تحت على المعنى إذ تأنيت الشفاعة ليس بحقيقي، والشفاعة مأخوذة من الشفع وهما الاثنان لأن الشافع والمشفوع له شفع، وكذلك الشفيع فيما لم يقسم. وسبب هذه الآية أن بني إسرائيل قالوا: نحن أبناء الله وأبناء أنبيائه وسيشفع لنا آباؤنا، فأعلمهم الله تعالى عن يوم القيامة أنه لا تقبل فيه الشفاعة، و {لا تجزي نفس عن نفس}، وهذا إنما هو في الكافرين، للإجماع وتواتر الحديث بالشفاعة في المؤمنين. وقوله تعالى: {ولا يؤخذ منها عدل}، قال أبو العالية: "العدل الفدية". قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي الله عنه: وعدل الشيء هو الذي يساويه قيمة وقدراً وإن لم يكن من جنسه، "والعِدل" بكسر العين هو الذي يساوي الشيء من جنسه وفي جرمه. وحكى الطبري أن من العرب من يكسر العين من معنى الفدية، فأما واحد الأعدال فبالكسر لا غير، والضمير في قوله {ولا هم} عائد على الكافرين الذين اقتضتهم الآية، ويحتمل أن يعود على النفسين المتقدم ذكرهما، لأن اثنين جمع، أو لأن النفس للجنس وهو جمع، وحصرت هذه الآية المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا، فإن الواقع في شدة مع آدمي لا يتخلص إلا بأن يشفع له أو ينصر أو يفتدى. وقوله تعالى: {وإذ نجيناكم من آل فرعون} أي خلصناكم، و {آل} أصله أهل، قلبت الهاء ألفاً كما عمل في ماء، ولذلك ردها التصغير إلى الأصل، فقيل أُهَيْل، موَيْه، وقد قيل في {آل} إنه اسم غير أهل، أصله أول وتصغيره أويل، وإنما نسب الفعل إلى {آل فرعون} وهم إنما كانوا يفعلونه بأمره وسلطانه لتوليهم ذلك بأنفسهم. وقال الطبري رحمه الله: "ويقتضي هذا أن من أمره ظالم بقتل أحد فقتله المأمور فهو المأخوذ به، وآل الرجل قرابته وشيعته وأتباعه". ومنه قول أراكة الثقفي: [الطويل] شعر : فلا تبك ميْتاً بعد ميْتٍ أجنّهُ عليٌّ وعباسٌ وآلُ أبي بكر تفسير : يعني المؤمنين الذين قبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأشهر في {آل} أن يضاف إلى الأسماء لا إلى البقاع والبلاد، وقد يقال آل مكة، وآل المدنية، وفرعون اسم لكل من ملك من العمالقة مصر، وفرعون موسى قيل اسمه مصعب بن الريان. وقال ابن إسحاق: "اسمه الوليد بن مصعب". وروي أنه كان من أهل اصطخر، ورد مصر فاتفق له فيها الملك، وكان أصل كون بني إسرائيل بمصر نزول إسرائيل بها زمن ابنه يوسف عليهما السلام. و {يسومونكم} معناه: يأخذونكم به ويلزمونكم إياه ومنه المساومة بالسلعة، وسامه خطة خسف و {يسومونكم} إعرابه رفع على الاستئناف والجملة في موضع نصب على الحال، أي سائمين لكم سوء العذاب، ويجوز أن لا تقدر فيه الحال، ويكون وصف حال ماضية، و {سوء العذاب} أشده وأصعبه. قال السدي: "كان يصرفهم في الأعمال القذرة ويذبح الأبناء، ويستحيي النساء". وقال غيره: صرفهم على الأعمال: الحرث والزراعة والبناء وغير ذلك، وكان قومه جنداً ملوكاً، وقرأ الجمهور "يذبِّحون" بشد الباء المكسورة على المبالغة، وقرأ ابن محيصن: "يذبحون" بالتخفيف، والأول أرجح إذ الذبح متكرر. كان فرعون على ما روي قد رأى في منامه ناراً خرجت من بيت المقدس فأحرقت بيوت مصر، فأولت له رؤياه أن مولوداً من بني إسرائيل ينشأ فيخرب ملك فرعون على يديه. وقال ابن إسحاق وابن عباس وغيرهما: إن الكهنة والمنجمين قالوا لفرعون: قد أظلك زمن مولود من بني إسرائيل يخرب ملكك. وقال ابن عباس أيضاً: إن فرعون وقومه تذاكروا وعد الله لإبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فأمر عند ذلك بذبح الذكور من المولودين في بني إسرائيل، ووكل بكل عشر نساء رجلاً يحفظ من يحمل منهن. وقيل: "وكل بذلك القوابل". وقالت طائفة: معنى {يذبحون أبناءكم} يذبحون الرجال ويسمون أبناء لما كانوا كذلك، واستدل هذا القائل بقوله تعالى: {نساءكم}. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: والصحيح من التأويل أن الأبناء هم الأطفال الذكور، والنساء هم الأطفال الإناث، وعبر عنهن باسم النساء بالمآل، وليذكرهن بالاسم الذي في وقته يستخدمن ويمتهنَّ، ونفس الاستحياء ليس بعذاب، لكن العذاب بسببه وقع الاستحياء، و {يذبحون} بدل من "يسومون". قوله تعالى: {وفي ذلكم} إشارة إلى جملة الأمر، إذ هو خبر فهو كمفرد حاضر، و {بلاء} معناه امتحان واختبار، ويكون {البلاء} في الخير والشر. وقال قوم: الإشارة {بذلكم} إلى التنجية من بني إسرائيل، فيكون {البلاء} على هذا في الخير، أي وفي تنجيتكم نعمة من الله عليكم. وقال جمهور الناس: الإشارة إلى الذبح ونحوه، و{البلاء} هنا في الشر، والمعنى وفي الذبح مكروه وامتحان. وحكى الطبري وغيره في كيفيه نجاتهم: أن موسى عليه السلام أوحي إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلي والمتاع من القبط، وأحل الله ذلك لبني إسرائيل، فسرى بهم موسى من أول الليل، فأعلم فرعون فقال لا يتبعنهم أحد حتى تصيح الديكة، فلم يصح تلك الليلة بمصر ديك حتى أصبح، وأمات الله تلك الليلة كثيراً من أبناء القبط فاشتغلوا في الدفن وخرجوا في الأتباع مشرقين، وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه، وكانت عدة بني إسرائيل نيفاً على ستمائة ألف، وكانت عدة فرعون ألف ألف ومائتي ألف. وحكي غير هذا مما اختصرته لقلة ثبوته، فلما لحق فرعون موسى ظن بنو إسرائيل أنهم غير ناجين، فقال يوشع بن نون لموسى أين أمرت؟ فقال هكذا وأشار إلى البحر فركض فرسه فيه حتى بلغ الغمر، ثم رجع فقال لموسى أين أمرت، فوالله ما كذبت ولا كذبت، فأشار إلى البحر، وأوحى الله تعالى إليه: {أية : أن اضرب بعصاك البحر} تفسير : [الشعراء: 63]. وأوحى إلى البحر أن انفرق لموسى إذا ضربك، فبات البحر تلك الليلة يضطرب فحين أصبح ضرب موسى البحر، وكناه أبا خالد فانفرق وكان ذلك في يوم عاشوراء.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ...}. الذكر باللسان والقلب. واختلفوا في الذكر باللسان فقط هل هو معتبر (أم) لا؟ ووجه مناسبتها لما قبلها أن الله تعالى كلفهم بالصلاة (وأعلمهم) بمشقتها وكان ذلك سببا في قنوطهم (وإياسهم)، وقلة (طمعهم) في الوفاء بها والخروج من عهدتها، وعقب ذلك ببيان أن الله تعالى منّ عليهم نعما في الماضي فليتذكروها لتذهب عنهم الأمور العادية، ويكونوا على بصيرة من الطمع والرجاء في فضل الله تعالى وإنعامه عليهم في المستقبل بالإعانة على تحصيل تلك العبادة من غير مشقة (وجهد). قال: وإنما نسبهم إلى يعقوب إن كان لهم أجداد غيره أنبياء لأنه أقرب جدّ إليهم. لأن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام وعليهم. قال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِٱلْبُـشْرَىٰ} تفسير : ثم قال {أية : وَٱمْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ }. تفسير : فإن قلت: ما الفائدة في قوله: {ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ (عَلَيْكُمْ}) ولو أسقطت لقيل: اذكروا نعمتي (عليكم) لما اختل المعنى؟ فالجواب: أنه أفاد اختصاص تلك النعمة بهم، وأنهم مقصودون بها، أي اذكروا نعمتي التي جعلتها خاصة لكم، لأنه أنعم عليهم نعما كثيرة، وذكرهم بما اختصهم به منها دون ما (شاركهم) الغير (فيه)، وأيضا فالإنعام على الشخص يطلق على ما ناله مباشرة وبواسطة كالإنعام على قريبه وصديقه (فذكّروا) بما أنالهم من النعمة مباشرة. قوله تعالى: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}. قال ابن عطية: أي على (عالمي) زمانهم. قال الزمخشري: أي على الجمّ الغفير. قال ابن عرفة: جعله ابن عطية عاما في الأشخاص، خاصا في الأزمان (وجعله) الزمخشري بالعكس، والتخصيص في الزمان أولى لأن العام في الأشخاص مطلق في الأزمنة والأحوال، وفرق المنطقيون بين الكلية الدائمة والكلية المطلقة. (قرره) ابن عرفة مرة أخرى فقال: الألف (واللام) عند ابن عطية للعهد، وعند الزمخشري للجنس، ونظيره كقولك: كل إنسان أبيض، إن أردت (اعتبار) الأمر الذهني فهو كاذب، وإن (كان) باعتبار الوجود الخارجي فهو صادق إذا كان أهل زمانك كلهم بيضا. زاد الفخر الرازي: أنه عام في الأشخاص والأزمان / مطلق في أنواع التفضيل. فلعلّهم فضّلوا عليهم (لفرع) واحد إما بالتنصيص على أن منهم الأنبياء والملوك قال تعالى {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً} تفسير : فقال ابن عرفة: "هذه دلالة ظاهرة (وليست نصا) ولا ينبغي أن يصرح بكونهم أفضل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا في خصلة واحدة. قال ابن عرفة: والنعمة تحتمل أن يراد بها أمر حسي والتفضيل معنوي فيكون الكلام تأسيسا، أو أن يكون عاما في جميع النصح فيكون وأنّي فضلتكم من عطف الخاص على العام أو مطلقة تصدق على واحدة غير معينة فيكون من عطف الأخص على الأعم وهو المقيد على المطلق.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {ولا تقبل} بالتاء الفوقانية، ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب. الوقوف: {العالمين} (ه) {ينصرون} (ه) التفسير: إنما أعاد سبحانه هذا الكلام مرة أخرى توكيداً للحجة وتحذيراً من ترك اتباع صلى الله عليه وسلم، كأنه قال: إن لم تطيعوني لأجل سوالف نعمتي عليكم فأطيعوني للخوف من عقابي في المستقبل. والمراد بالعالمين ههنا الجم الغفير من الناس كقوله {أية : باركنا فيها للعالمين} تفسير : [الأنبياء: 71]. ويقال: رأيت عالماً من الناس. يراد الكثرة بقرينة العلم بأنه لم ير كل الناس، ويمكن أن يكون المراد فضلتكم على عالمي زمانكم، لأن الشخص الذي سيوجد بعد ذلك لا يكون من جملة العالمين. ويحتمل أن يكون لفظ {العالمين} عاماً للموجودين ولمن سيوجد لكنه مطلق في الفضل، والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة. فالآية تدل على أنهم فضلوا على كل العالمين في أمر ما، وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كل العالمين في كل الأمور، فلعل غيرهم يكون أفضل منهم في أكثرها. وقيل: الخطاب لمؤمني بني إسرائيل لأن عصاتهم مسخوا قردة وخنازير، وفي جميع ما يخاطب الله تعالى بني إسرائيل تنبيه للعرب لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم. وجميع أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد {أية : لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب}تفسير : [يوسف: 111]. روي عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب كان يقول: قد مضى والله بنو إسرائيل وما يعني بما تسمعون غيركم. واتقاء اليوم هو اتقاء ما يحصل في ذلك اليوم من الشدائد والأهوال، لأن نفس اليوم لا يتقى. وقوله {لا تجزي} إلى آخر الآية. الجمل منصوبات المحل صفات متعاقبة لليوم، والراجع منها إلى الموصوف محذوف تقديره: لا تجزي فيه. ومنهم من يقول: اتسع فيه فأجرى مجرى المفعول به فحذف الجار وهو "في" فبقي لا تجزيه، ثم حذف الضمير كما حذف في قوله "أم مال أصابوا" قال: شعر : فمــا أدري أغيـرهــــم تنــــاء وطــول العهــد أم مــال أصــابـوا تفسير : أي أصابوه. ولا يخفى أن هذا التكلف لا يتمشى في سائر الجمل، بل يتعين تقدير الجار والمجرور العائد. ومعنى لا تجزي لا تقضي عنها شيئاً من الحقوق، ومنه الحديث في الجذعة التي ضحاها ابن نيار قبل الوقت "حديث : تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك"تفسير : و {شيئاً} مفعول به، ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلاً من الجزاء مثل "ولا تظلمون شيئاً". ومعنى تنكير النفس أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس منها شيئاً من الأشياء وهو الإقناط الكلي القاطع للمطامع. وكذلك قوله {ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل} أي فدية لأنها معادلة للمفدى. وفي الحديث "حديث : لا يقبل منه صرف ولا عدل"تفسير : أي توبة، لأنها تصرف من الحال الذميمة إلى الحال الحميدة ولا فداء. والضمير في {ولا يقبل منها} يرجع إلى النفس الثانية العاصية غير المجزي عنها وهي التي لا يؤخذ منها عدل. ومعنى لا تقبل منها شفاعة أنها إن جاءت بشفاعة شفيع لم يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها، كما لا تجزي عنها شيئاً ولو أعطت عدلاً منها لم يؤخذ منها ولا هم ينصرون، الضمير عائد إلى ما دلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة، والتذكير بمعنى العباد أو الأناسي مثل ثلاثة أنفس. وفي وصف اليوم بهذه الصفات تهويل عظيم تنبيه على أن الخطب شديد، لأنه إذا وقع أحد في كريهة وحاولت أعزته دفاع ذلك عنه، بدأت بما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية، فتحمل عنه ما يلزمه وتذب عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوّته ونهاية بطشه. فإن رأى من لا طاقة له بممانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة وبذل المال والمنال، فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة، فإن لم تغن هذه الأمور تعلل بما أمكنه من نصر الإخوان ومدد الأخدان، فأخبر الله تعالى أن شيئاً من هذه لا يدفع يومئذ عن عذابه. وفي هذا تحذير من المعاصي وترغيب في تلافي ما فات بالتوبة، لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية، علم أنه لا ينفعه إلا الطاعة وتلافي البوادر. فالآية وإن كانت في بني إسرائيل إلا أنها تعم كل من يحضر ذلك اليوم. فإن قيل: قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الدية، وفي موضع آخر من هذه السورة عكست القضية، فما الحكمة في ذلك؟ قلنا: من الناس من ميله إلى حب المال أشدّ من ميله إلى علو النفس فيتمسك أوّلاً بالشفيع ثم يستروح إلى بذل المال، ومنهم من على العكس فيقدم الفدية على الشفاعة، فتغيير الترتيب إشارة إلى الصنفين والله أعلم. واعلم أن الشفاعة هي أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ويطلب له حاجة من الشفع ضد الوتر، كأن صاحب الحاجة كان فرداً فصار بالشفيع شفعاً. ثم إن الأمة أجمعت على أن لمحمد صلى الله عليه وسلم رتبة الشفاعة في الآخرة، وعليه يحمل قوله تعالى {أية : عسى أن يبعثك ربك مقاما محموداً} تفسير : [الإسراء: 79] {أية : ولسوف يعطيك ربك فترضى} تفسير : [الضحى: 5]. وأجمعوا على أنه لا شفاعة للكفار. بقي الخلاف فيمن عداهم. فأهل السنة أثبتوا الشفاعة لغير الكفار، والمعتزلة على أن صاحب الكبيرة إذا لم يتب بقي خالداً في النار ولا شفاعة له وسائر الناس لهم الشفاعة. قالوا: إن هذه الآية تدل على نفي الشفاعة مطلقاً، والآيات والأحاديث الدالة على وجود الشفاعة كثيرة، فعرفنا أن الآية ليست على عمومها، لكن الآيات الواردة في وعيد صاحب الكبيرة كثيرة كقوله تعالى {أية : ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها} تفسير : [الجن: 23] فخرج غير صاحب الكبيرة وبقيت الآية حجة في الكفار وفي صاحب الكبيرة. وزعم أهل السنة أن اليهود كانوا يدعون أن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم فأويسوا من ذلك. وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وسوف يجيء سائر حجج الفريقين في الآيات المناسبة إن شاء الله تعالى. وقالت الفلاسفة في تحقيق الشفاعة: إن واجب الوجود عام الفيض والنقصان من القابل، وجائز أن لا يكون الشيء مستعداً لقبول الفيض من واجب الوجود إلا أن يكون مستعداً لقبول ذلك الفيض من شيء قبله عن واجب الوجود، فيكون ذلك الشيء متوسطاً بين الواجب. وذلك الشيء مثاله في المحسوس الشمس، فإنها لا تضيء إلا القابل المقابل، والسقف لما لم يكن مقابلاً لم يكن مستعداً لقبول النور منها، لكنه لو وضع طست مملوء من الماء الصافي انعكس منه الضوء إلى السقف. فأرواح الأنبياء كالوسائط بين واجب الوجود وبين أرواح عوام الخلق كالماء بين الشمس وبين السقف، وهذا يدل على أنه لا واسطة بين الله تعالى وبين عباده أشرف من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم حيث إنه لا شفاعة إلا له.

الثعالبي

تفسير : قوله تعالَىٰ: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ...} الآية قد تكرَّر هذا النداءُ والتذكيرُ بالنعمة، وفائدةُ ذلك أن الخطاب الأول يصحُّ أن يكون للمؤمنين، ويصح أن يكون للكافرين منهم، وهذا المتكرِّر إنما هو للكافرين؛ بدلالة ما بعده؛ وأيضاً: فإن فيه تقويةَ التوقيف، وتأكيدَ الحضِّ على أيَادِي اللَّه سبحانه، وحُسْن خطابهم بقوله سبحانه: {فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ}؛ لأن تفضيل آبائهم وأسلافهم تفضيلٌ لهم، وفي الكلام اتساعٌ، قال قتادة وغيره: المعنَىٰ: على عَالَمِ زمانِهِمُ الذي كانتْ فيه النبوءةُ المتكرِّرة، لأن اللَّه تعالى يقول لأمة محمَّد صلى الله عليه وسلم: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ }تفسير : [آل عمران:110]. {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا}، أي: عذابَ يوم، أو هولَ يومٍ؛ ويصح أن يكون يوماً نصبه على الظرف، و {لاَ تَجْزِي}: معناه: لا تغني، وقال السُّدِّيُّ: معناه: لا تقضي؛ ويقوِّيه قوله: {شَيْئاً }، وفي الكلام حذفٌ، التقدير: لا تجزي فيه، وفي مختصر الطبريِّ: أي: واتقوا يوماً لا تقضي نفْسٌ عن نفس شيئاً، ولا تغني غَنَاءً، وأَحَدُنَا اليومَ قد يقضي عن قريبه دَيْناً، وأما في الآخرة، فيسر المرء أن يترتَّب له على قريبه حقٌّ؛ لأنَّ القضاء هناك من الحسنات والسيئات؛ كما أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم. انتهى. والشَّفَاعَةُ: مأخوذة من الشَّفْع، وهما الاثنان؛ لأن الشافع والمشفوع له شَفْعٌ؛ وسبب هذه الآية أنَّ بني إسرائيل قالوا: «نَحْنُ أبناءُ أنبياءِ اللَّه، وسيشفع لنا آباؤنا»، وهذا إنما هو في حق الكافرين؛ للإجماع، وتواترِ الأحاديث بالشفاعة في المؤمنين. وقوله تعالَىٰ: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}: قال أبو العالية: العَدْلُ: الفدية. قال: * ع *: عدل الشيْءِ هو الذي يساويه قيمةً وقدراً، وإن لم يكن من جنسه، والعِدْلُ؛ بكسر العين: هو الذي يساوي الشيء من جنسه، وفي جرمه، والضمير في قوله: {وَلاَ هُمْ } عائد على الكافرين الذين اقتضتهم الآيةُ، ويحتمل أن يعود على النفسينِ المتقدِّمِ ذكرُهما؛ لأن اثنين جمع، أو لأن النفس للجنْسِ، وهو جمع، وحصرت هذه الآية المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا؛ فإِن الواقع في شدة مع آدمي لا يتخلَّص إِلاَّ بأن يشفع له، أو ينصر، أو يفتدى. * ت *: أو يمنّ عليه إلا أنَّ الكافرَ ليس هو بأهلٍ لأنْ يمنّ عليه.

ابن عادل

تفسير : أعاد الكلام توكيداً للحجّة عليهم، وتحذيراً من ترك اتباع محمد عليه الصلاة والسلام. قوله: "وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ" "أن" وما في حَيّزها في محلّ نصب لعطفها على المَنْصُوب في قوله: "اذْكُرُوا نِعْمَتي" أي: اذكروا نِعْمَتِي وتفضيلي إيَّاكم، والجار متعلّق به، وهذا من باب عطف الخَاصّ على العام؛ لأن النعمة تشمل التَّفْضِيل. والفضل: الزيادة في الخير، واستعماله في الأصل التعدّي بـ "على"، وقد يتعدَّى بـ "عَنْ" إمَّا على التضْمِين، وإما على التجوُّز في الحذف؛ كقوله: [البسيط] شعر : 460ـ لاَهِ ابْنُ عَمِّكَ لا أَفْضَلْتَ في حَسَبٍ عَنِّي وَلاَ أَنْتَ دَيَّانِي فتَخْزُونِي تفسير : وقد يتعدّى بنفسه؛ كقوله: [الوافر] شعر : 461ـ وَجَدْنَا نَهْشَلاً فَضَلَتْ فُقَيْماً كَفَضْلِ ابْنِ المَخَاضِ عَلَى الفَصِيلِ تفسير : فعدّاه بنفسه، وبـ "عن"، وفعله "فَضَل" بالفَتْحِ ـ "يَفْضُل" ـ بالضم ـ كـ: "قَتَل ـ يَقْتُل". وأما الذي معناه "الفَضْلَة" من الشيء، وهي: البقيّة فَفِعْلُه أيضاً كما تقدم. ويقال فيه أيضاً: "فَضِل" بالكسر "يَفْضَلُ" بالفتح كـ: "عَلِم ـ يَعْلَم"، ومنهم من يكسرها في الماضي، ويضمّها في المضارع، وهو من التَّدَاخل بين اللغتين. فإن قيل: قوله: {أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} يلزم منه أن يكونوا أفضل من محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ وذلك باطل. والجواب من وجوه: أحدها: قال قوم: العالم عبارةٌ عن الجمع الكثير من النَّاس كقولك: رأيت عالماً من النَّاس، والمراد منه الكثرة، [وهذا] ضعيف؛ لأن لفظ العالم مشتقّ من العلم وهو الدليل، فكل ما كان دليلاً على الله ـ تعالى ـ فإنه عالم، وهذا تحقيق قول المتكلمين: العالم كلّ موجود سوى الله. وثانيها: المراد فضلتكم على عالمي زمانكم، فإن الشَّخص الذي لم يوجد بعد ليس من جملة العالمين، ومحمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما كان موجوداً في ذلك الوَقْتِ، فما كان ذلك الوقت من العالمين، فلا يلزم من كون بني إسرائيل أَفْضَلَ العالمين في ذلك الوَقْت كونهم أفضل من محمد، وهذا هو الجواب ايضاً عن قوله تعالى: {أية : إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَءَاتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّنَ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [المائدة:20]، وقال: {أية : وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الدخان:32]، أراد به عالمي ذلك الزمان. وثالثها: قوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} عام في العالمين، لكنه مطلق في الفضل، والمطلق يكفي في صدقه صورة واحدة، فالآية تدلّ على أن بني إسرائيل فضّلوا على كل العالمين في أمرٍ ما، وهذا لا يقتضي أن يكونوا أفضل من كلّ العالمين في كل الأمور، بل لعلهم، وإن كانوا أفضل من غيرهم في أمر واحد، فغيرهم يكون أفضل منهم فيما عدا ذلك الأمر، وعند ذلك يظهر أنه لا يصحّ الاستدلال بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ}تفسير : [آل عمران:33] على أن الأنبياء أفضل من الملائكة. تنبيه قال: "ابن زَيْدٍ": أراد به المؤمن منهم؛ لأن عُصَاتهم مُسِخُوا قردةً وخنازير. وقال: {أية : لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ}تفسير : [المائدة:78]. فصل في بيان أن خطاب الله لبني إسرائيل هو كذلك للعرب جميع ما خوطب به بنو إسرائيل تنبيه للعرب، وكذلك أقاصيص الأنبياء تنبيه وإرشاد، قال تعالى: {أية : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ}تفسير : [يوسف:111]، وقال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ ٱلْقَوْلَ فَيَـتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}تفسير : [الزمر:18]. وروى قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ كان يقول: قد مضى والله بَنُو إسرائيل وما يغني ما تَسْمَعُونَ [عن] غيركم. فإن قيل: لما [خصهم] بالنعم العظيمة في الدنيا، فهذا يناسب أن يخصهم أيضاً بالنعم العظيمة في الآخرة، كما قيل: إتمام المعروف خَيْرٌ من ابتدائه، فلم أردف ذلك التخويف الشديد في قوله: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً}تفسير : [البقرة:48]. والجواب: [أن] المعصية مع عظيم النِّعمة تكون أقبح وأفحش، فلهذا حذرهم عنها.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب أنه كان إذ تلا {اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} قال: مضى القوم وإنما يعني به أنتم. وأخرج ابن جرير عن سفيان بن عيينه في قوله {اذكروا نعمتي} قال: أيادي الله عليكم وأيامه. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} قال: نعمة الله التي أنعم على بني إسرائيل فيما سمي وفيما سوى ذلك، فجر لهم الحجر، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأنجاهم من عبودية آل فرعون. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في قوله {وأني فضلتكم على العالمين} قال: فضلوا على العالم الذي كانوا فيه، ولكل زمان عالم. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله {وأني فضلتكم على العالمين} قال: على من هم بين ظهريه. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {وأني فضلتكم على العالمين} قال: بما أعطو من الملك والرسل والكتب على من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالماً.

القشيري

تفسير : أشْهَدَ بني إسرائيل فضل أنفسهم فقال: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ}. وأشهد المسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فضل نفسه فقال: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ}تفسير : [يونس: 58]. فشتّان بين مَنْ مشهودُه فضلُ نفسه، وبين مَنْ مشهودُه فضل ربه؛ فشهود العبد فضل نفسه يوجب له الشكر وهو خطر الإعجاب، وشهود العبد فضل الحق - الذي هو جلاله في وصفه وجماله في استحقاق نعته - يقتضي الثناء وهو يوجب الإيجاب.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا بنى اسرائيل اذكروا} اشكروا {نعمتى التى انعمت} بها {عليكم} بانزال المن والسلوى وتظليل الغمام وتفجير الماء من الحجر وغيرها وذكر النعم على الآباء الزام الشكر على الابناء فانهم يشرفون بشرفهم ولذلك خاطبهم فقال تعالى فضلتكم ولم يقل فضلت آبائكم لان في فضل آبائهم فضلهم {و} اذكروا {انى فضلتكم على العالمين} من عطف الخاص على العام للتشريف اى فضلت آباءكم على عالمى زمانهم بما منحتهم من العلم والايمان والعمل الصالح وجعلتهم انبياء وملوكا مقسطين وهم آباؤهم الذين كانوا في عصر موسى عليه السلام وبعده قبل ان يغيروا وهذا كما قال في حق مريم {أية : واصطفاك على نساء العالمين} تفسير : [آل عمران: 42]. اى نساء زمانك فان خديجة وعائشة وفاطمة افضل منها فلم يكن لهم فضل على امة محمد صلى الله عليه وسلم قال تعالى في حقهم {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس} تفسير : [آل عمران: 110]. كما في التيسير * فالاستغراق في العالمين عرفى لا حقيقى. قال بعضهم من آمن من اهل الكتاب بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم كانت له فضيلة على غيره وكان له اجران اجر ايمانه بنبيه واجر اتباعه لمحمد صلى الله عليه وسلم وقد روى عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم "حديث : ثلاثة يعطيهم الله الاجر مرتين من اشترى جارية فاحسن تأديبها فاعتقها وتزوجها وعبد اطاع سيده واطاع الله ورجل من اهل الكتاب ادرك النبى صلى الله عليه وسلم فآمن به ". تفسير : قال القشيرى اشهد الله بنى اسرائيل فضل انفسهم فقال فضلتكم على العالمين واشهد محمدا صلى الله عليه وسلم فضل ربه فقال قل بفضل الله وبرحمته وشتان بين مشهوده فضل نفسه وبين من مشهوده فضل ربه وشهوده فضل نفسه قد يورث الاعجاب وشهوده فضل ربه يورث الايجاب ثم ان اليهود كانوا يقولون نحن من اولاد ابراهيم خليل الرحمن ومن اولاد اسحق ذبيح الله والله تعالى يقبل شفاعتهما فينا فرد الله عليهم فانزل هذه الآية وقال.

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {العدل} بالفتح: الفداء، وبالكسر: الحمل، وجملة {لا تجزي}: صفة ليوم، والعائد محذوف، أي: لا تجزي فيه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ} على آبائكم بالهداية وبعث الرسل، {وَأنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}: أهل زمانكم، فاذكروا هذه النعم واشكروني عليها؛ بأن تتبعوا هذا النبيّ الجليل، الذي تجدونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل. وخافوا {يَوْماً} لا تَقْضي فيه {نَفْسٌ عَن نَّفْسِ شَيْئًا} بحيث لا تجلِب لها نفعاً، ولا تدفع عنها ضرراً، ولا تقبل {مِنْهَا شَفَاعَةٌ} إن وقعت الشفاعة فيها، ولا يؤخذ منها فداء، إن أرادت الفداء عنها، ولا تنتصر في دفع العذاب، إن أرادت الانتصار بعشيرتها. فانتفى عنها وجوه الامتناع من العذاب بأي وجه أمكن؛ فإن الإنسان إذا أُخذ للنكال احتال على نفسه إما بالشفاعة، أو بالفداء إن لم تقبل الشفاعة فيه، أو بالانتصار بأقاربه، والآيةُ في الكفار، فلا حجةَ لمن ينفِي الشفاعة في عُصَاة المؤمنين، والله تعالى أعلم. الإشارة: قد يتوجَّهُ العتاب إلى أهل الرئاسة والجاه، من العلماء والصالحين، وكل من خُصَّ بشرف أو خصوصية، فيقول لهم الحق تعالى: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} بالعلم أو السيادة أو الصلاح، وبأن فضلتكم على أهل زمانكم، وخصصتكم من أبناء جنسكم؛ فقد رُوِيَ: "أنَّ العبد يُحاسب على جاهه كما يُحاسب على ماله". فمن صرفه في طاعة الله، وتواضع لعباد الله، وسعى في حوائجهم، وأبلغ الجهد في قضاء مآربهم، كان ذلك شكراً لنعمة الجاه؛ فقد رُوِيَ في الحديث: "حديث : مَنْ سَعَى في حَاجَةِ أخيهِ المسْلِم، قُضِيتْ أو لَم تُقْضَ، غُفِر لَه ما تقدَم مِنْ ذنبه، وكُتب له براءتان: براءة من النار وبراءة من النفاق ". تفسير : ولا يأخذ على ذلك أجراً ولا جُعلاً؛ فإنَّ ذلك سحت وربا، ومن تكبّر به وطغى، أو أخذ على ذلك أجراً، قيل له يوم القيامة: قد استوفيت أجرك فلا حظ لك عندنا، فلا تنفعه شفاعة، ولا يقبل منه فداء، ولا يقدر أن ينتصر من موارد الهوان والردى، ففي بعض الأخبار: يقول الله تعالى للفقراء الذين يعظمون في الدنيا لأجل فقرهم: ألم أرخص لكم الأسعار؟ ألم أوسع لكم المجالس؟ ألم أُعطِّف عليكم عبادي؟ فقد أخذتم أجركم في الدنيا. أو كما قالك والله تعالى أعلم.

الطوسي

تفسير : المعنى: قد مضى تفسير مثل هذا في ما تقدم فلا وجه لاعادته. وأما قوله: {وأني فضلتكم على العالمين} ذكرهم الله تعالى من الآية ونعمه عندهم بقوله: {وأني فضلتكم على العالمين} فضلت اسلافكم، فنسب النعمة إلى آبائهم واسلافهم، لأنها نعمة عليهم منه، لأن مآثر الآباء مآثر الابناء، والنعم عند الاباء نعم عند الأبناء لكون الابناء من الآباء. وقوله {فضلتكم}. اللغة: فالتفضيل، والترجيح، والتزييد، نظائر. والتفضيل نقيضه: التسوية. يقال: فضله وتنقصه على وجهة النقص ونقيض التزييد: التنقيص. يقال: فضل فضلا وافضل افضالا. وتفضل تفضلا واستفضل استفضالا. وتفاضلوا تفاضلا وفاضله مفاضلة. وفضله تفضيلا. والمفضال: اسم المفاضلة. والفضيلة: الدرجة الرفيعة في الفضل. والتفضل: التوشح. ورجل فضل: متفضل. وامرأة متفضلة، وعليها ثوب فضل: اذا خالفت بين طرفيه على عاتقها فتتوشح به قال الشاعر: شعر : " اذا تعود فيه الفسه الفضل " تفسير : وافضل فلان على فلان: اذا أناله من خيره وفضله، واحسن اليه. وافضل فلان من الطعام والأرض والخبز: اذا ترك منه شيئاً. لغة أهل الحجاز: فضل يفضل ورجل مفضال: كثير المعروف والخير. والفضائل: واحدها فضيلة. وهي المحاسن. والفواضل: الأيادي الجميلة. وثوب المفضل: ثوب تخفف به المرأة في بيتها والجمع مفاضل. وامرأة مفضل: اذا كان عليها مفضل. واصل الباب: الزيادة. والافضال، والاحسان، والانعام نظائر. ويقال فضله: اذا اعطاه الزيادة وفضله اذا حكم له بالزيادة. فان قيل لم كرر قوله: {يا بني إسرائيل}؟ قلنا: لأنه لما كانت نعم الله هي الأصل فيما يجب فيه شكره وعبادته، احتيج إلى تأكيدها. كما يقول القائل: اذهب اذهب: اعجل اعجل وغير ذلك في الأمر المهم، وايضاً فان التذكير الأول ورد مجملا، وجاء الثاني مفصلا، كأنه قال اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم فيما انتم عليه من المنافع التي تتصرفون فيها وتتمتعون بها، وإني فضلتكم على العالمين. ودل هذا على قوله: {وأني فضلتكم على العالمين} لأنها احدى الخصال التي ذكروا بها وجاءت عاطفة فدلت على خصلة قبلها: اما مذكورة او مقدرة. وإنما فضلوا بما ارسل الله فيهم من كثرة الرسل وانزل عليهم من الكتب: وقيل: تكثرة من جعل فيهم من الانبياء، وما انزل الله عليهم من المن والسلوى إلى غير ذلك من النعمة العظيمة من تغريق فرعون عدوهم، ونجاتهم من عذابه، وتكثير الآيات التي يخف معها الاستدلال، ويسهل بها كثرة المشاق. وهو قول اكثر أهل العلم كابي الغالية، وغيره. ونظير هذه الآية قوله {وإذ نجيناكم من آل فرعون} {وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون}. وقوله {على العالمين} المعنى: قال أكثر المفسرين: انه أراد الخصوص ومعناه عالمي زمانهم. ذهب اليه قتادة والحسن وابو الغالية ومجاهد وغيرهم. وقال بعضهم: اذا قلت فضل زيد على عمرو في الشجاعة لم يدل على انه أفضل منه على الاطلاق، ولا في جميع الخصال فعلى هذا يكون التخصيص في التفضيل لا في العالمين. وامة نبينا محمد "صلى الله عليه وسلم" أفضل من أولئك بقوله: {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس} تفسير : وعليه اجماع الامة، لأنهم اجمعوا على ان امة محمد "صلى الله عليه وسلم" أفضل من سائر الامم كما ان محمداً "صلى الله عليه وسلم" أفضل الأنبياء من ولد آدم "ع".

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : إن الله تعالى قد كرّر الخطاب معهم، وأعاد هذا الكلام عليهم مرّة أُخرى توكيداً للحجّة، وتفصيلاً بعد الاجمال، لأنّه أوقع في النفوس، وتذكيراً لنعمة التفضيل الذي هو أجلّ النعم على الخصوص، وتحذيراً من ترك اتّباع محمّد (صلى الله عليه وآله). قال القفّال: النّعْمَة - بكسر النون - صفةُ المنعِم. أي ما ينعم به الرجُل على صاحبه. قال تعالى: {أية : وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا} تفسير : [الشعراء:22]. - وأمّا النَّعْمَة - بفتح - النون - فهو بمعنى ما يتنعم به في العيش. قال تعالى: {أية : وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ} تفسير : [الدخان:27]. وقوله: {أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ} منصوبُ المحل عطفاً على {نِعْمَتِي} أي اذكروا نعمتي وتفضيلي إيّاكم على العالَمين. ولا يلزم أن يكونوا أفضل من محمّد (صلى الله عليه وآله) لوجوه: أحدها: ما ذكر في الكشّاف: "إنّ المراد به التفضل على الجمّ الغفير من الناس، كقوله تعالى: {أية : بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء:71] وكما تقول: "رأيتُ عالماً من الناس" والمراد منه الكثرة لا الكلّ. واعترض عليه في التفسير الكبير بأنّ هذا ضعيف، لأن لفظ "العالَم" مشتقّ من العلم. وهو الدليل.فكلّ ما كان دليلا على الله أو كان عالماً فكان من العالَم. وهذا تحقيق قول المتكلمين: "إنّ العالَم كلّ موجود سوى الله" وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالَم ببعض المحدَثات. أقول: وهذا غير وارد، إذ ليس مراد الزمخشري أنّ مدلول لفظ "العالَم" حقيقةٌ مختصٌّ ببعض المحدَثات، بل إنّه اريد به كثير من العالَم مجازاً، أو بحسب العرف الطارئ. وثانيها: ما قاله ابن عباس: إنّه أراد به عالمي زمانهم، لأنّ امّتنا أفضل الأمم بالاجماع، كما انّ نبيّنا أفضل الأنبياء. وبدليل قوله تعالى: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران:110]. وثالثها: أنّ المراد تفضيلهم في أشياء مخصوصة، وهو إنزال المنّ والسلوى وما أرسل الله فيهم من الرسل، وأنزل عليهم من الكتب - إلى غير ذلك من النِّعَم العظيمة - كإغراق فرعون، والآيات الكثيرة التي يسهل معها الاستدلال، ويهون بها المشاقّ. وتفضيل الله إيّاهم في أشياء مخصوصة لا يوجب أن يكونوا أفضل الناس على الإطلاق. وهاهنا وجه آخر لا يبعد القول به: وهو أنّ هذا التفضيل من جملة النّعم العامّة عليهم وعلى غيرهم من أفراد نوعهم والتي جاءت من بعد النِّعم الخاصّة لهم، فيكون إشارة على فضيلة البشريّة كما في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} تفسير : [الإسراء:70]. غاية الأمر، أن كان المراد من العالَمين غير الملائكة والأشخاص الكريمة العلويّة ليكون على وفاق قوله: {كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا}. واعلم أنَّه قال في التفسير الكبير: إنّ قوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} يدلّ على أنّ رعاية الأصلح لا تجب على الله تعالى - لا في الدنيا، ولا في الدين - لأن قوله: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} يتناول جميع نِعم الدنيا والدين، فذلك التفضيل إن كان واجباً لم يجز جعله مِنَّة عليهم، لأنّ من أدّى واجباً فلا منَّة له على أحد. وإن لم يكن واجباً مع أنّه قد خصّص البعض بذلك دون البعض فهذا يدلّ على أنّ رعاية الأصلح غير واجبة لا في الدنيا، ولا في الدين. أقول: فيه نظر لأنّ الوجوب من وجه لا ينافي عدمه من وجه آخر. ثمّ إنّا لا نسلم أنّ المؤدي للواجب إلى أحد لا يجوز له المنّة على المؤدّى إليه. فإنّ الأب يجب عليه تأديب الولد، ونفقته، وكسوته، ورعاية أحواله، ومع ذلك لو مَنَّ عليه بها لم يكن هذا قبيحاً منه. وكذا المعلّم لأحد في المعارف الإلهيّة لو منَّ على من خرج بهدايته من ظلمة الضلالة، وعمَه الحيرة، وجهنّم الجهالة، إلى نور الهدى، وبصيرة اليقين، وجنّة العرفان، لكانت المنَّة له عليه عظيمة. على أنّ الحق في هذه المسألة ما ذهب إليه المحقّقون، من أنّ الأشياء إنّما تجب بإيجاب الله تعالى، لأنّ الأشياء وجبت عليه، أو أوجبت شيئاً آخر عليه.

الأعقم

تفسير : {واتقوا يوماً لا تجزي نفس} الآية، نزلت في اليهود حيث انهم ادعوا انهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: سيشفع لنا آباؤنا، فأنكر الله عليهم، وقيل: الآية عامة. {وإذ أنجيناكم من آل فرعون} يعني قومه وأهله وأتباعه وأهل دينه. {يسومونكم} يعذبونكم. {سوء العذاب} أي أشده ونهايته وهو ذبح العيال. {وإذ فرقنا بكم البحر} يعني اذكروا ما أنعم الله به على آبائكم مما عدد عليهم من الانجاء من فرعون وعذابه، ومن الغرق، ومن العقوبة من اتخاذ العجل والتوبة عليهم وغير ذلك، وما أنعم عليهم من إدراك زمن محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) المبشر به التوراة والانجيل، وفيه حذف والكلام فيه يطول وذكر الثعلبي ان أصحاب موسى الذين فرق بهم البحر ستمائة ألف مقاتل وعشرون ألف مقاتل، وفرعون وأصحابه يقدمهم هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف، وكان فيهم سبعون ألفاً من دهم الخيل والله أعلم، أهلكهم الله تعالى على يد موسى في البحر. {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة} وذلك أن بني اسرائيل لما أمنوا عدوهم دخلوا مصراً بعد هلاك فرعون وجنوده، ولم يكن لهم كتاب يهتدون به، فوعد الله موسى (عليه السلام) أن ينزل عليهم التوراة فقال موسى لقومه: إني ذاهب لميقات ربي، وآتيكم بكتاب فيه بيان لكم ووعدهم أربعين ليلة: ثلاثين من ذي القعدة وعشراً من ذي الحجة، واستخلف عليهم هٰرون (عليه السلام) وقوله تعالى: {ثم اتخذتم العجل} وكان العجل من ذهب يخور احتاله السامري، وقيل: هو من قوله: {أية : فقبضت قبضة من أثر الرسول} تفسير : [طه: 96] {من بعده} اي من بعد مضيه الى الطور. {وأنتم ظالمون} بإشراككم. {ثم عفونا عنكم} حين تبتم من بعد ارتكابكم الامر العظيم، وهي عبادة البقر التي هي أمثلة للعرب: أبلد من ثور. {وإذ آتينا موسى الكتاب} التوراة. {والفرقان} هو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه، وقيل: الفرقان القرآن، تقديره: آتينا موسى الكتاب ومحمد الفرقان، وقيل: التوراة والانجيل. {وإذ قال موسى لقومه} عند ان رجع من جبال الطور وذلك ان موسى (عليه السلام) صار بين امرين فأصحابه من بعده عبَدُوا العجل، وقالوا: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فرجع موسى وتابوا فأوحى الله اليه أن {اقتلوا أنفسكم} وقيل: الذين لم يعبدوا العجل قتلوا الذين عبدوا العجل، وموسى وهارون يقولان يا رب البقيَّة هلك بنو اسرائيل، وكانت القتلى سبعين ألف. {بارئكم} البارئ الخالق الذي خلق الخلق.

اطفيش

تفسير : {يَا بَنِى إسرَائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتىَ الَّتِى أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}: أعاده تأكيداً فى شكر النعمة ووجوب شكرها، وليذكر وامعه إيجاب ذكر التفضيل الذى هو من عظم النعم، وليعقبه بذكر الوعيد الشديد الذى لا تدفع منه نفس عن نفس شيئاً على ترك الشكر الذى من جملته الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به وليس كما قيل إنما تقدم للمؤمنين والكافرين منهم، وهذا للكافرين منهم خصوصاً وليس قوله: {أية : ولا يقبل منها شفاعة..}تفسير : إلخ دليلا عليه كما قيل: لأن ذلك وعظ يوعظ به المؤمن والكافر، نقول اتق يوماً لا شفاعة فيه للموحد الشقى، ولا نصر ولا للمشرك. ولأن التحقيق أنهُ لا شفاعة لأهل الكبائر المصرين. فالخطابان يعمان المؤمن والكافر، والأول أقرب للكافر لقوله: {أية : ولا تكونوا أول كافر به} تفسير : {وَأنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلى العَالَمِينَ}: بفتح همزة أن، عطف على المفول به وهو نعمتى، قال ابن هشام: أو معطوفة على شىء من ذلك نحو: {واذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العالمين} أى فضلت آباءكم على العالمين من أهل زمانهم لا على كل أحد لأن هذه الأمة أفضل الأمم. ونبيها أفضل الأنبياء. قال الله سبحانه وتعالى: {أية : كنتم خير أمة أخرجت للناس}تفسير : وقد طلب موسى أن يكون من هذه الأمة، وفى التوراة والإنجيل التصريح بتفضيل هذه الأمة ونبيها، فبان أن هذه الأمة ونبيها مستثنيان من الآية، وإنما المراد كما قال قتادة: تفضيل المؤمن بموسى فى عصره وبعده قبل أن يغير، وإنما أعطاهم الله ـ عز وجل ـ من العلم والإيمان والعمل، وجعل فيهم أنبياء وملوكاً مقسطين. ويجوز أن يكون المعنى جعلت فى بنى إسرائيل شيئاً شريفاً فاضلا فى ذاته، ولم أجعله فى غيرهم من أول الدنيا إلى آخرها وهو كثرة الأنبياء. وليس فى هذا تفضيل بنى إسرائيل على هذه الأمة، بل تفضيل هذه الأمة إذ كان فيها نبى واحد هو أفضل الأنبياء كلهم، يدخل منهم الجنة ما لا يدخل من بنى إسرائيل وبنى آدم كلهم، مع قصر أعمارهم، ولا يكثر توالدهم، فلو جعل الله فى أيدى إنسان مالا كثيراً فلم ينتفع به لدينه، أو انتفع قليلا، وجعل فى يد آخر مالا قليلا فانتفع به لدينه انتفاعاً كثيراً، لم نقض بتفضيل الذى فى يده مال كثير على الذى بيده قليل، بل العكس ولو كان المال الكثير فى حد ذاته خيراً من القليل، فأل فى العالمين على الوجه الأول للحقيقة، وعلى الثانى للاستغراق، ولما كان فى تفضيل آبائهم شرف لهم كما مر، قال: {فضلتكم} فإن قلنا فضلتكم بتفضيل آبائكم فواضح، وإن قلنا بتقدير مضاف، أى فضلت آباءكم فوجهه بقاء الكلام بعد حذفه فى صورة تفضيلهم أنفسهم، واستدل بالآية على تفضيل البشر على الملك، ويرده أن المراد تفضيل بنى إسرائيل على العالمين من بنى آدم، لأن ما به التفضيل من خصوصيات بنى أدم كالنبوة، وأن التفضيل ولو عم الملائكة والإنس لكنهُ مطلق فيصدق ولو بصورة واحدة، والتفضيل بمخصوص لا يقتضى التفضيل بالذات ولا من كل وجه، كما قد توجد عبادة من ضعيف مخصوصة لم توجد فيمن هو أعبد منهُ، وتوجد جوهرة عظيمة المقدار عند فقير لم يوجد مثلها لأصحاب الأموال. واستدل بالآية أيضاً على أن الأصلح لا يجب على الله، إذ لو وجب لما امتن علينا بما أنعم علينا، لأنهُ لا منة لمن فعل ما وجب عليه.

اطفيش

تفسير : {يَٰبَنِي إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} كرره للتأكيد، والإيذان بكمال غفلتهم، وليتنى عليه قوله {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ} أى نعمتى، وتفضيلكم، هذا عطف خاص على عام {عَلَى الْعَٰلَمِينَ} عالمى زمانكم من الناس، إذ جعلت فيكم النبوة والرسالة، والمعجزات، والكرامات، إذ جعل فكيم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين" كالمن والسلوى وفلق البرح، أما غير الناس من الجمادات والحيوان فلا اعتداد به، وأما الجن فتبع للناس أو يرادون فى العالمين، وأما الملائكة فليسوا فى الآية. لأنها فيمن تمكن فيه النبوءة وما يتبعها، ولو قلنا إن الإنسان المؤمن أفضل من الملائكة، وخرج تعالى زمانهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، فإنهم أفضل الخلق على الإطلاق، والدليل قوله تعالى "أية : كنتم خير أمة" تفسير : [آل عمران: 110] الآية. وحديث "حديث : أنا سيد ولد آدم" تفسير : بل لا ينافى أنهم فضلوا علينا أى زادوا علينا بكثرة الأنبياء، وما ذكر لأنا أفضل منهم فرداً فرداً بالذات، من حيث إن ثوابنا أكبر من ثوابهم، وسومح لنا ما لم يسمح لهم.

الخليلي

تفسير : عود على بدء في خطاب بني اسرائيل المتضمن تذكيرهم بنعمة الله عليهم، ولا يعد هذا تكرارا لسابقه لأنه هناك ترتب عليه مطالبتهم بالوفاء بعهد الله والإِيمان بما أنزل مصدقا لما معهم... الخ، وهنا يترتب عليه تفصيل ما أجمل هناك من النعمة، ومن شأن النفس أن تتشوف بعد ما تخبر بالشيء إجمالا إلى تفصيله كما يترتب عليه بيان ما كانوا يطوونه عن الناس من تأريخهم الأسود عبر العصور التي كانت فيها النبوات، وما كان منهم من عنت ومكابرة وشقاق. كثرة أنبياء بني إسرائيل وأول ما ابتدئوا به في التذكير تفضيلهم على العالمين بكثرة الأنبياء فيهم وتتابع الرسالات إليهم لإِحياء النخوة في نفوسهم التي من شأنها إبعاد صاحبها عن دركات التسفل في الأمور، وبعث الشعور بالكرامة التي من الله بها عليهم ليكون باعثا على شكره والاستحياء من نقض عهده، وقد خوطبوا بذلك غب ما تقدم من وعظهم ليكون ذلك أدعى الى قبول الوعظ وهو أسلوب عجيب من أساليب التربية النفسية سبق إليه القرآن المنزّل من عند الله العليم بخفايا النفوس وطوايا الطبائع، فهذا التفضيل وإن كان - في واقعة - لآبائهم فإنهم امتداد لأولئك الآباء، ومن شأن النفس أن تعتز بتليدها من الخير فتسعى إلى ضم طارفه إليه، والتذكير بكرامة الآباء وفضائلهم وفواضلهم من أنجح الدواعي لبعث عزائم أبنائهم على أن يحذوا حذوهم، ويقفوا أثرهم وكثيرا ما تحول الأصالة في الخير والعز والشرف عن التردي في دركات الشر والمهانة والفساد، وإذا كان الوعظ من شأنه أن يترك في الموعوظ أثرا نفسيا جارحا لشعوره بأن الواعظ لم يقصده بموعظته إلا لأنه لم يكن على الحالة التي ينبغي أن يكون عليها - وقد يفضي هذا الشعور إلى النفرة لما يصحبه من الإِحساس بالمهانة - فإن مزج الموعظة بذكر شرف الموعوظ وعلو قدره وسؤدد محتده كفيل بأن يعفي هذا الأثر فيحول الشعور بالمهانة إلى شعور بالكرامة وإحساس بأن ما نهنهته عنه الموعظة أمر لا يليق بشرف الماضي وكرامة الحاضر. وقد يقال إن اليهود كانوا من قسوة القلوب وتبلد الأذهان وتحجر الأفكار بحيث لا تجدي فيهم موعظة ولا ينفع فيهم التذكير، وهل أثر هذا الأسلوب القرآني البليغ في نفوسهم شيئا، أو أنهم ازدادوا عتوا واستكبارا، وإباءً للحق، وتعاميا عن الحقيقة، وإخلادا إلى الباطل، وتمسكا بالضلالة. والجواب ان القرآن الكريم جعله الله منارا للعالمين في جميع العصور، وهو في مخاطبته لبني إسرائيل بهذا الأسلوب يرسم لنا منهاج الدعوة، ويعلمنا كيف نتعامل مع المدعوين ونصابرهم، وإن غلظ شعورهم وساء صنعهم ولم يلقونا إلا بشراسة الأخلاق وسوء المعاملة، وهذا هو مسلك الدعوة في جميع رسالات الله، وعند جميع رسله، فانظروا كيف صبر نوح عليه السلام على عنت قومه وإصرارهم ألف سنة إلا خمسين عاما، وهذا فرعون الطاغية الذي نازع جبار السماوات والأرض في ألوهيته يرسل الله إليه موسى وهارون ويأمرهما أن يقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى مع ما سبق في علم الله أن موعظته لا تجدي فيه شيئا بل لا تجد مسلكا إلى نفسه التي ران عليها طبع اللؤم والفساد، وهذه أوامر الله وتوجيهاته لخاتم رسله وصفوة خلقه صلى الله عليه وسلم بأن يدأب على الدعوة ويقارع بها قومه مع قوله فيهم: {أية : لَقَدْ حَقَّ ٱلْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ} تفسير : [يس: 7]على أن بني اسرائيل قد رقت قلوب طائفة منهم ونارت عقولهم فاتبعوا الحق الذي أنزل كعبد الله بن سلام رضي الله عنه، وفي أمثال هؤلاء يقول الله سبحانه: {أية : وَمِن قَوْمِ مُوسَىٰ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِٱلْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 159]، وقد قال تعالى في صفوة أهل الكتاب عموما: {أية : ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ * أُوْلَـٰئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بِٱلْحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}تفسير : [القصص: 52 - 54]. وهذا التفضيل إنما هو بما جعل الله فيهم من النبوات المتعاقبة - بحيث كانوا أكثر الأمم أنبياء - وبما منحهم الله من النعم الخارقة للعادات كفرق البحر لهم، وإنزال المن والسلوى عليهم، ويستبان ذلك مما حكاه الله تعالى عن موسى من قوله: {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ} تفسير : [المائدة: 20]. وقد تقدم تفسير العالمين ولا بد من تقييد مفهومه هنا بما تقتضيه الأدلة، وهو أنهم فضلوا على عالم العصر الذي مُنحوا فيه القيادة الروحية بين الأمم بما أتوه من الآيات وما أكرموا به من النبوات، وعليه يحمل قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ ءَادَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [آل عمران: 33]، وقوله: {أية : وَلَقَدِ ٱخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الدخان: 32]، أما بعد ما انتزع زمام القيادة من أيديهم ووُضع في أيدي قوم آخرين - وهم أمة خاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه - فلا تفضيل لهم على أحد، ومهما يكن لهم من فضل فيما سبق فإنه لا يبلغ إلى شأو فضل هذه الأمة التي قال لها الله: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} تفسير : [آل عمران: 110]، واذا كان تفضيل بني اسرائيل بسبب تلك النبوات المتعاقبة والرسالات المتتابعة في المحيط الإِسرائيلي فإن تفضيل هذه الأمة بالرسالة العظمى الخاتمة التي هيمنت على جميع الرسالات وجمعت كل ما فيها من الهدى ولم تأفل شمسها منذ سطعت على الوجود، وبأن المضطلع برسالتها هو أفضل النبيين الي يظللهم جميعا لواؤه في المحشر، وكفى بأن جعل الله رسالته رحمة للعالمين. وذهب الزمخشري - وتابعه كثير من المفسرين - إلى أن المراد بالعالمين هنا الجم الغفير من الناس، كما يقال رأيت عالما من الناس، أي عددا كبيرا منهم، واستدلوا له بقوله تعالى: {أية : بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 71]، وضعفه الفخر الرازي لأن لفظ العالم مشتق من العلم، فكل ما كان دليلا على الله تعالى كان عالما، فكان من العالم. قال: "وهذا تحقيق قول المتكلمين العالم كل موجود سوى الله، وعلى هذا لا يمكن تخصيص لفظ العالم ببعض المحدثات". ورده الشوكاني من وجهين: أولهما: أن دعوى اشتقاق العالم من العلم لا برهان عليه. ثانيهما: لو سلم صحة هذا الاشتقاق كان المعنى موجودا بما يتحصل معه مفهوم الدليل على الله الذي يصح إطلاق اسم العالم عليه وهو كائن في كل فرد من أفراد المخلوقات التي يستدل بها على الخالق، وغايته أن جميع العالم يستلزم أن يكونوا مفضلين على أفراد كثيرة من المحدثات، وأما أنهم مفضلون على كل المحدثات في كل زمان فليس في اللفظ ما يفيد هذا ولا في اشتقاقه ما يدل عليه. وهذا ظاهر فإنه من المعلوم أن لفظ العالمين هنا لا يشمل عالم النباتات ولا عالم الجمادات كما لا يشمل عالم الملائكة لعدم وجود النبوات فيهم، وإنما مفهومه محصور في العالم الإِنساني، وهو محمول على طائفة من الناس دون سائرهم.

الالوسي

تفسير : {يبَنِى إِسْرٰءيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} كرر التذكير للتأكيد والإيذان بكمال غفلتهم عن القيام بحقوق النعمة، وليربط ما بعده من الوعيد الشديد به لتتم الدعوة بالترغيب والترهيب، فكأنه قال سبحانه: إن لم تطيعوني لأجل سوابق نعمتي، فأطيعوني للخوف من لواحق عقابـي، ولتذكير التفضيل الذي هو أجل النعم، فإنه لذلك يستحق أن يتعلق به التذكير بخصوصه مع التنبيه على أجليته بتكرير النعمة التي هو فرد من أفرادها. {وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ} عطف على {نِعْمَتِيَ} من عطف الخاص على العام، وهو مما انفردت به ـ الواو ـ كما في «البحر»، ويسمى هذا النحو من العطف ـ بالتجريد ـ كأنه جرد المعطوف من الجملة، وأفرد بالذكر اعتناءاً به، والكلام على حذف مضاف ـ أي فضلت آباءكم ـ وهم الذين كانوا قبل التغيير، أو باعتبار أن نعمة الآباء نعمة عليهم، قال الزجاج: والدليل على ذلك قوله تعالى: {أية : وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم } تفسير : [البقرة: 49] الخ، والمخاطبون لم يروا فرعون ولا آله، ولكنه تعالى أذكرهم أنه لم يزل منعماً عليهم، والمراد بالعالمين سائر الموجودين في وقت التفضيل، وتفضيلهم بما منحهم من النعم المشار إليها بقوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ قَوْمٌ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً } تفسير : [المائدة: 20] فلا يلزم من الآية تفضيلهم على النبـي صلى الله عليه وسلم ولا على أمته، الذين هم خير أمة أخرجت للناس وكذا لا يصح الاستدلال بها على أفضلية البشر على الملائكة من جميع الوجوه ـ ولو صح ذلك ـ يلزم تفضيل عوامهم على خواص الملائكة، ولا قائل به. ومن اللطائف أن الله سبحانه وتعالى أشهد بني إسرائيل فضل أنفسهم فقال: {وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ} الخ، وأشهد المسلمين فضل نفسه فقال: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } تفسير : [يونس: 58] فشتان من مشهوده فضل ربه، ومن مشهوده فضل نفسه فالأول: يقتضي الفناء والثاني: يقتضي الإعجاب، والحمد لله الذي فضلنا على كثير/ ممن خلق تفضيلاً.

ابن عاشور

تفسير : أعيد خطاب بني إسرائيل بطريق النداء مماثلاً لما وقع في خطابهم الأول لقصد التكرير للاهتمام بهذا الخطاب وما يترتب عليه، فإن الخطاب الأول قصد منه تذكيرهم بنعم الله تعالى ليكون ذلك التذكير داعية لامتثال ما يرد إليهم من الله من أمر ونهي على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم غير أنه لما كان الغرض المقصود من ذلك هو الامتثال كان حق البلاغة أن يفضي البليغ إلى المقصود ولا يطيل في المقدمة، وإنما يلم بها إلماماً ويشير إليها إجمالاً، تنبيهاً بالمبادرة إلى المقصود على شدة الاهتمام به ولم يزل الخطباء والبلغاء يعدون مثل ذلك من نباهة الخطيب ويذكرونه في مناقب وزير الأندلس محمد بن الخطيب السلماني إذ قال عند سفارته عن ملك غرناطة إلى ملك المغرب ابن عنان أبياته المشهورة التي ارتجلها عند الدخول عليه طالعها:شعر : خليفةَ الله ساعدَ القدرُ عُلاك مالاح في الدجا قمر تفسير : ثم قال:شعر : والناس طرا بأرض أندلس لولاك ما وطنوا ولا عمروا وقد أهمتهمُ نفوسُهم فوجهوني إليك وانتظروا تفسير : فقال له أبو عنان: ما ترجع إليهم إلا بجميع مطالبهم وأذن له في الجلوس فسلم عليه. قال القاضي أبو القاسم الشريف ــــ وكان من جملة الوفد ــــ لم نسمع بسفير قضى سفارته قبل أن يسلم على السلطان إلا هذا. فكان الإجمال في المقدمة قضاء لحق صدارتها بالتقديم وكان الإفضاء إلى المقصود قضاء لحقه في العناية، والرجوع إلى تفصيل النعم قضاء لحقها من التعداد فإن ذكر النعم تمجيد للمنعم وتكريم للمنعم عليه وعظة له ولمن يبلغهم خبر ذلك تبعث على الشكر. فللتكرير هنا نكتة جمع الكلامين بعد تفريقهما ونكتة التعداد لما فيه إجمال معنى النعمة. والنعمة هنا مراد بها جميع النعم لأنّه جنس مضاف فله حكم الجمع كما في قوله تعالى: {أية : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوفِ بعهدكم}تفسير : [البقرة: 40]. وقوله تعالى: {وأني فضلتكم على العالمين} عطف على {نعمتي} أي واذكروا تفضيلي إياكم على العالمين وهذا التفضيل نعمة خاصة فعطفه على (نعمتي) عطف خاص على عام وهو مبدأ لتفصيل النعم وتعدادها وربما كان تعداد النعم مغنياً عن الأمر بالطاعة والامتثال لأن من طبع النفوس الكريمة امتثال أمر المنعم لأن النعمة تورث المحبة. وقال منصور الوراق:شعر : تعصي الإلٰه وأنت تُظهر حبَّه هذا لَعمري في القياس بديعُ لو كان حُبّك صادقاً لأطعته إن المحِب لمن يُحب مُطيع تفسير : وهذا التذكير مقصود به الحث على الاتسام بما يناسب تلك النعمة ويستبقي ذلك الفضل. ومعنى العالمين تقدم عند قوله: {أية : الحمد لله رب العالمين}تفسير : [الفاتحة: 2] والمراد به هنا صنف من المخلوقات ولا شك أن المخلوقات تصنف أصنافاً متنوعة على حسب تصنيف المتكلم أو السامع، فالعالمون في مقام ذكر الخلق هم أصناف المخلوقات كالإنس والدواب والطير والحوت، والعالمون في مقام ذكر فضائل الخلق أو الأمم أو القبائل يراد بها أصناف تلك المتحدث عنها فلا جرم أن يكون المراد من العالمين هناهم الأمم الإنسانية فيعم جميع الأمم لأنه جمع معرف باللام لكن عمومه هنا عرفي يختص بأمم زمانهم كما يختص نحو: جمع الأمير الصاغة بصاغة مكانه أي بلده ويختص أيضاً بالأمم المعروفة كما يختص جمع الأمير الصاغة بالصاغة المتخذين الصياغة صناعة دون كل من يعرف الصياغة وذلك كقولك: هو أشهر العلماء وأنجب التلامذة، فالآية تشير إلى تفضيل بني إسرائيل المخاطبين أو سلفهم على أمم عصرهم لا على بعض الجماعات الذين كانوا على دين كامل مثل نصارى نجران، فلا علاقة له بمسألة تفضيل الأنبياء على الملائكة بحال ولا التفات إلى ما يشذ في كل أمة أو قبيلة من الأفراد فلا يلزم تفضيل كل فرد من بني إسرائيل على أفراد من الأمم بلغوا مرتبة صالحة أو نبوءة لأن التفضيل في مثل هذا يراد به تفضيل المجموع، كما تقول قريش أفضل من طيء وإن كان في طيء حاتم الجواد. فكذلك تفضيل بني إسرائيل على جميع أمم عصرهم وفي تلك الأمم أمم عظيمة كالعرب والفرس والروم والهند والصين وفيهم العلماء والحكماء ودعاة الإصلاح والأنبياء لأنه تفضيل المجموع على المجموع في جميع العصور، ومعنى هذا التفضيل أن الله قد جمع لهم من المحامد التي تتصف بها القبائل والأمم ما لم يجمعه لغيرهم وهي شرف النسب وكمال الخلق وسلامة العقيدة وسعة الشريعة والحرية والشجاعة، وعناية الله تعالى بهم في سائر أحوالهم، وقد أشارت إلى هذا آية: {أية : وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكاً وآتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين}تفسير : [آل عمران: 20] وهذه الأوصاف ثبتت لأسلافهم في وقت اجتماعها وقد شاع أن الفضائل تعود على الخلَف بحسن السمعة وإن كان المخاطبون يومئذ لم يكونوا بحال التفضيل على العالمين ولكنهم ذكروا بما كانوا عليه فإن فضائل الأمم لا يلاحظ فيها الأفراد ولا العصور. ووجه زيادة الوصف بقوله: {التي أنعمت عليكم} مر في أختها الأولى.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يا بني إسرائيل: تقدم شرح هذه الجملة. فضلتكم على العالمين: آتاهم من النعم الدينية والدنيوية ما لم يؤت غيرهم من الناس وذلك على عهد موسى عليه السلام وفي أزمنة صلاحهم واستقامتهم. اتقوا يوماً: المراد باليوم يوم القيامة بدليل ما وصف به. واتقاؤه هو اتقاء ما يقع فيه من الأهوال والعذاب. وذلك بالإيمان والعمل الصالح. لا تجزي نفس: لا تغني نفس عن نفس أخرى أي غنىً. ما دامت كافرة. ولا يقبل منها شفاعة: هذه النفس الكافرة إذ هي التي لا تنفعها شفاعة الشافعين. ولا يؤخذ منها عدل: على فرض أنها تقدَّمت بِعَدْلٍ وهو الفداء فإنه لا يؤخذ منها. ولا هم ينصرون: بدفع العذاب عنهم. معنى الآيتين: ينادي الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل مطالباً إياهم بذكر نعمه عليهم ليشكروها بالإِيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم وقبول ما جاء به من الدين الحق وهو الإسلام. محذراً إياهم من عذاب يوم القيامة، آمراً لهم باتقائه بالإيمان وصالح الأعمال. لأنه يوم عظيم لا تقبل فيه شفاعة لِكَافِرٍ، ولا يؤخذ منه عدل أي فداء، ولا ينصره بدفع العذاب عَنْهُ أحد. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- وجوب ذكر النعم لتشكر بحمد الله وطاعته. 2- وجوب اتقاء عذاب يوم القيامة بالإيمان والعمل الصالح بعد ترك الشرك والمعاصي. 3- تقرير أن الشفاعة لا تكون لنفس كافرة. وأنّ الفداء يوم القيامة لا يقبل أبداً.

القطان

تفسير : كرر الله تذكيرهم بالنعم التي أنعمها عليهم، ومن أكبرها انه فضهلم في ذلك العصر على العالمين.. لأنهم أهل التوحيد فيما غيرهم أهل شِرك. لكنهم لم يشكروا هذه النعم، فوبخهم الله تعالى بقوله: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ}، فبيّن لهم سمات ذلك اليوم الشديد الهول حيث يقف الناس للحساب وتنقطع الأسباب. آنذاك تبطُل منفعة الانسان، وتتحول سنّة هذه الحياة من انطلاق الانسان واختياره ليدفع عن نفسه بالعدل والفداء أو الشفاعة عند الحكام. ان ذلك اليوم يختلف عن أمر الدنيا، وتضمحل فيه جميع الوسائل الا ما كان من عمل صالح. {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} اي ليس لهم من يمنعهم من العذاب. وقد كان اليهود يعتقدون ولا يزالون أنهم، بدعوى انتسابهم للأنبياء ـ لا يدخلون النار أو لا تمسّهم النار الا أياماً معدودة لأن لهم الجاه والتأثير يوم القيامة، كما أن أحبارهم يشفعون لهم، بل يمكنهم ان يخلّصوا مجرميهم بشتى الوسائل التي يستخدمونها في الدنيا.. فجاء الاسلام وسفّه هذه العقيدة وعلّمنا انه لا ينفع في ذلك اليوم الا مرضاة الله بالإيمان والعمل الصالح الذي يتجلى في أعمال الجوارح. ونأتي الى معنى الشفاعة. إن شفاعة النبي عامةٌ لا يخص بها أشخاصاً معينين، وهي كما قال ابن تيمية "دعاء يدعوه النبي صلى الله عليه وسلم فيستجيبه المولى جلّ وعلا"، وهذا خلاف ما يعتقده اليهود كما مر آنفاً، انطلاقا من دعوى أنهم شعب الله المختار استناداً الى ما جاء في كتبهم من هراء وكذب. القراءات: قرأ ابن كثير وأبو عمرو {ولا تقبل منها شفاعة} بالتاء.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} {ٱلْعَالَمِينَ} (47) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ (اليَهُودَ) الذِينَ كَانُوا فِي زَمَن الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بِمَا أَنْعَمَهُ اللهُ عَلَى آبائِهِمْ مِنَ النِّعَمِ وَالأَفْضَالِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُ فَضَّلَهُمْ عَلَى النَّاسِ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهمْ إِذْ جَعَلَ فِيهِم النُّبُوَّةَ، وَمَعْرِفَةَ اللهِ تَعَالَى. العَالَمِينَ - النَّاسِ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكُمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يدَّعي بعض الناس أن هناك تكراراً للآيات السبع التي سبق فيها تذكير بني إسرائيل. نقول: لا. لم تتكرر هذه الآيات .. وهي قوله تعالى: {أية : يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَٱرْهَبُونِ * وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَٱتَّقُونِ * وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّاكِعِينَ * أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ * ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} تفسير : [البقرة: 40-46]. هذه الآيات السبع كلها تذكر بني إسرائيل برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي جاء وصف صفاته وزمنه في التوراة ولتذكيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو نعمة إليهم وإلى الناس جميعاً. وإذا كان الله قد فضل بني إسرائيل بأن أرسل إليهم رسلاً. فليس معنى ذلك أن ينكروا نعمة الله عليهم بالرسول الخاتم. وبما أن أوصاف رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرت في التوراة وطلب منهم أن يؤمنوا به وينصروه؛ فإن عدم إيمانهم به هو كفر بالتوراة. كما أن الإنجيل بَشَّرَ بمحمد صلى الله عليه وسلم وطلب منهم أن يؤمنوا به. فعدم إيمانهم به كفر بالإنجيل. وقوله تعالى: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} [البقرة: 47] أي اذكروا أنني جعلت في كتابكم ما يثبت صدق محمد صلى الله عليه وسلم في نبوته. والمعنى اذكروا نعمتي بأني فضلتكم على العالمين ممَّنْ عاصروكم وقت نزول رسالة موسى. وجعلت منكم الأنبياء. وما دام الحق سبحانه وتعالى قد فضلهم على العالمين .. فكيف يَمُنُّ عليهم؟ نقول المَنُّ هنا لشدة النكاية بهم. فالله سبحانه وتعالى لشدة معصيتهم وكفرهم جعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} تفسير : [البقرة: 65]. وقوله تعالى: {أية : قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِّن ذٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ ٱلْقِرَدَةَ وَٱلْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّاغُوتَ أُوْلَـٰئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ} تفسير : [المائدة: 60]. فالله سبحانه وتعالى يبين لنا كيف كفر بنو إسرائيل بأنبيائهم وقتلوهم رغم أن الله تعالى أعطاهم خيراً كثيراً .. لكنهم نكثوا العهد .. فاستحقوا العذاب. فهم لم يجعلوا نعمة الله عليهم سبباً في إخلاصهم والإيمان به سبحانه وتصديق منهجه، وتصديق الرسول الخاتم الذي ذُكر عندهم في التوراة. كان يجب أن يؤمنوا بالله وأن يذكروا نعمه الكثيرة التي تفضل بها عليهم. والحق يريد أن يلفتنا إلى أنه ما دام قد أنعم عليهم .. فلا يظنون أنهم غير مطالبين بالإيمان بمحمد عليه الصلاة والسلام. إنما كان لابد أن يفهموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليصحح لهم كتابهم، ويوضح لهم الطريق الصحيح .. فكان يجب عليهم أن ينصروه. والنعمة لا يمكن أن تستمر مع الكفر بها، وحتى لا نظن أن الله سبحانه وتعالى قد قسا عليهم بأن جعلهم أمما متفرقة في الأرض كلها. ثم بعد ذلك يُجْمَعون في وطن واحد ليقتلوا .. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ ..} تفسير : [الإسراء: 104]. أي أرض تلك التي طلب الله سبحانه وتعالى من بني إسرائيل أن يسكنوها؟ ما دام الحق سبحانه وتعالى قال: {ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ} [البقرة: 47] فهل الأرض كل الأرض. وهل تكون الأرض كلها وطناً لليهود؟ طبعاً لا. ولكن الحق سبحانه كتب عليهم أن يتفرقوا في الأرض. فلا تكون لهم دولة إلا عندما يشاء الله أن يجمعهم في مكان واحد، ثم يسلط عليهم عباده المؤمنين. والحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَقَضَيْنَآ إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي ٱلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي ٱلأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ ٱلدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} تفسير : [الإسراء: 4-6]. هذه هي المرة الأولى التي انتصر فيها المسلمون على اليهود. يقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ ٱلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [الإسراء: 6] وما دام الحق سبحانه وتعالى قال عليهم فهي على المسلمين. لأنهم هم الذين انتصروا على اليهود. وقوله تعالى: {أية : وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ} تفسير : [الإسراء: 6] معناها أنهم ينتصرون على المسلمين وهذا ما هو حادث الآن، وما شاهدناه وما نشاهده في الفترة الأخيرة. أي أن المدد والقوة تأتيهم من الخارج وليس من ذاتهم. ونحن نرى أن إسرائيل قائمة على جلب المهاجرين اليهود من الدول الأخرى، وجلب الأموال والمساعدات من الدول الأخرى أيضاً. أي أن كل هذا يأتيهم بمدد من الخارج، وإسرائيل لا تستطيع أن تعيش إلا بالمهاجرين إليها، وبالمعونات التي تأتيها. فالمدد لابد أن يأتي من الخارج. إذا كانت هناك معركة وطلب قائد المدد، فمعناه أنه يريد رحالاً يأتونه من خارج أرض المعركة ليصبحوا مدداً وقوة لهذا الجيش. وقوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} تفسير : [الإسراء: 6] النفير هو الصوت العالي الذي يجذب الانتباه. ونحن نرى الآن أن إسرائيل تسيطر على وسائل الإعلام والدعاية في العالم، وأن صوتها عال ومسموع .. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {أية : فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ ٱلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ} تفسير : [الإسراء: 7] .. ومعنى هذا أن المسجد الأقصى سيضيع من المسلمين ويصبح تحت حكم اليهود فيأتي المسلمون ويحاربونهم ويدخلون المسجد كما دخلوه أول مرة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ويقول الله تعالى: {أية : فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} تفسير : [الإسراء: 7] واللفيف هو الجمع غير المتجانس الذي يتنافر مع نفسه ومع مَنْ حوله. وبما أن الله سبحانه وتعالى قد قضى أن يحدث قتال بين اليهود وبين المسلمين .. يستعيد فيه المسلمون المسجد الأقصى. فكان لابد أن يجمعهم في مكان واحد. لأنهم لو بقوا كجاليات متفرقة في كل دول العالم ومعزولة عن المجتمعات التي يعيشون فيها لاقتضى ذلك أن يحارب المسلمون العالم كله. ولكن الله سبحانه وتعالى سيأتي بهم من كل دولة إلى المكان الذي فيه بيت المقدس حتى يمكن أن يحاربهم المسلمون، وأن يدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة. فالحق سبحانه وتعالى يذكر بني إسرائيل بنعمه عليهم. وبمعاصيهم وكفرهم حتى لا يقول أحد إن الله سبحانه كان قاسياً عليهم لأنهم هم الذين كفروا، وهم الذين عصوا وأفسدوا في الأرض. فاستحقوا هذا العقاب من الله سبحانه وتعالى.

الأندلسي

تفسير : {يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ} نودوا ثانياً على طريق التوكيد لينبّهوا على سماع ما يرد عليهم من شكر النعم. والفضل الزيادة في الخير وعطف الفضل على النعمة من عطف الخاص على العام وهو مما انفردت به الواو ويسمى التجريد كأنه جرّد من الجملة على سبيل التفضيل. {عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ} أي عالم زمانهم أو على كلهم بما أوتوا من الخصائص ككثرة الأنبياء وجعلهم ملوكاً وإيتائهم ما لم يؤت أحداً. {وَٱتَّقُواْ يَوْماً} أي العذاب يوماً أو جعل اليوم متقي توسعاً أو على حذف مضاف أي عذاب يوم. {لاَّ تَجْزِي} أي لا تقضي. وقرىء لا تجزي أي لا تغني. وقيل: جزا وأجزأ بمعنى واحد. ولا تجزي جملة صفة فلا بد من تقدير حذف واصلة فيه فهل الحذف بتدريج أو حذف برمته ابتداء قولان. و{نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ} نكرتان في سياق النفي فيعمان. و{شَيْئاً} في سياقه فيعم وقيل عن نفس كافرة وشيئاً مفعول. وقيل: مصدر أي شيئاً من الجزاء أو الأجزاء، نحو: ضربت شيئاً من الضرب. وقرىء {وَلاَ تُقْبَلُ} بالتاء وبالياء مبنياً للمفعول. وتقبل بفتح التاء ونصب شفاعة وهو التفات من ضمير المتكلم إلى ضمير الخطاب والضمير في. {مِنْهَا} عائد على النفس المتأخرة لقربها ويجوز على المتقدمة لأنها المحدث عنها وظاهر هذا التركيب أنه قد توجد الشفاعة وينتفي قبولها، ويجوز أن يكون من باب. على لا حب لا يهتدي بمنارة. واجمع أهل السنة على أن شفاعة الأنبياء والصالحين تقبل في العصاة من المؤمنين لثبوت الأحاديث الصحيحة في ذلك وخصوا ما ورد من عدم القبول بالكفار. {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي فداء من مال أو جزية. {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} والنصر هو العون وأتى الضمير مجموعاً وان تقدم مفرداً لأنه في سياق النفي فيعم كقوله: {أية : فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ}تفسير : [الحاقة: 47]. وحسن ذلك الفاصلة وذكر الضمير لأنه أريد بالنفوس الأشخاص. كقولهم. ثلاثة أنفس. وانسحب حرف النفي على جملة اسمية ليتكرر الضمير فيتأكد نفي النصر بذكر من نفى عنه مرتين وارتفع هم على الابتداء. أو على المفعول الذي لم يسم فاعله وهو أرجح لأن لا من الأدوات المرجحة للحمل على الفعل ولأن ما قبل هذه الحملة جملة فعلية فيحصل التشاكل والضمير في هم عائد على النفس الأولى أو الثانية أو كلتيهما أقوال وكان النفي بلا التي تكون للمستقبل غالباً لاستقبال الأربعة التي دخلت عليها لا، وجاءت الجمل مرتبة في الذكر على حسب الواقع في الدنيا لأن المأخوذ بحق إما أن يؤدي عنه، وإلا شفع فيه وإلا فدى وإلا تعوون على تخليصه. وهنا جاءت الشفاعة مقدمة على الفدية، وفي غير هذا جاءت الفدية مقدمة على الشفاعة لاختلاف الناس، فمن أحب الرياسة قدم الشفاعة على الفدية ومن أحب المال قدم الفدية على الشفاعة. وبدىء هنا بالشفاعة لأنها أليق بعلو النفس وجاء هنا بلفظ القبول وهناك بلفظ إشارة إلى انتفاء أصل الشيء وانتفاء ما ترتب عليه أعطى المتقدم وجوداً تقدمه ذكراً هنا وهنالك أعطى المتأخر وجوداً تأخره ذكراً.

همام الصنعاني

تفسير : 47- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ} [الآية: 47]، قال: فُضّلوا على عالم ذلك الزمان. 48- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن بهز بن حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه، عن جدّه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "حديث : أنتم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله ". تفسير : 49- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، وقال الكلبي: "أنتم خير الناس للناس".