٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
48
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن اتقاء اليوم اتقاء لما يحصل في ذلك اليوم من العقاب والشدائد لأن نفس اليوم لا يتقى ولا بد من أن يرده أهل الجنة والنار جميعاً. فالمراد ما ذكرناه ثم إنه تعالى وصف اليوم بأشد الصفات وأعظمها تهويلاً، وذلك لأن العرب إذا دفع أحدهم إلى كريهة وحاولت أعوانه دفاع ذلك عنه بذلت ما في نفوسها الأبية من مقتضى الحمية فذبت عنه كما يذب الوالد عن ولده بغاية قوته، فإن رأى من لا طاقة له بمانعته عاد بوجوه الضراعة وصنوف الشفاعة فحاول بالملاينة ما قصر عنه بالمخاشنة، فإن لم تغن عنه الحالتان من الخشونة والليان لم يبق بعده إلا فداء الشيء بمثله. إما مال أو غيره وإن لم تغن عنه هذه الثلاثة تعلل بما يرجوه من نصر الأخلاء والأخوان فأخبر الله سبحانه أنه لا يغني شيء من هذه الأمور عن المجرمين في الآخرة. بقي على هذا الترتيب سؤالان: السؤال الأول: الفائدة من قوله: {لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } هي الفائدة من قوله: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } فما المقصود من هذا التكرار؟ والجواب: المراد من قوله: {لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } أنه لا يتحمل عنه غيره ما يلزمه من الجزاء، وأما النصرة فهي أن يحاول تخليصه عن حكم المعاقب وسنذكر فرقاً آخر إن شاء الله تعالى. السؤال الثاني: أن الله تعالى قدم في هذه الآية قبول الشفاعة على أخذ الفدية وذكر هذه الآية في هذه السورة بعد العشرين والمائة وقدم قبول الفدية على ذكر الشفاعة فما الحكمة فيه؟ الجواب: أن من كان ميله إلى حب المال أشد من ميله إلى علو النفس فإنه يقدم التمسك بالشافعين على إعطاء الفدية ومن كان بالعكس يقدم الفدية على الشفاعة، ففائدة تغيير الترتيب، الإشارة إلى هذين الصنفين: ولنذكر الآن تفسير الألفاظ: أما قوله تعالى: {لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } فقال القفال: الأصل في جزى هذا عند أهل اللغة قضي ومنه الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بردة بن يسار: «حديث : تجزيك ولا تجزي أحداً بعدك»تفسير : ، هكذا يرويه أهل العربية: «تجزيك» بفتح التاء غير مهموز أي تقضي عن أضحيتك وتنوب، ومعنى الآية أن يوم القيامة لا تنوب نفس عن نفس شيئاً ولا تحمل عنها شيئاً مما أصابها، بل يفر المرء فيه من أخيه وأمه وأبيه ومعنى هذه النيابة أن طاعة المطيع لا تقضي على العاصي ما كان واجباً عليه. وقد تقع هذه النيابة في الدنيا كالرجل يقضي عن قريبه وصديقه دينه ويتحمل عنه، فأما يوم القيامة فإن قضاء الحقوق إنما يقع فيه من الحسنات. روى أبو هريرة قال: قال عليه السلام: «حديث : رحم الله عبداً كان عنده لأخيه مظلمة في عرض أو مال أو جاه فاستحله قبل أن يؤخذ منه وليس ثم دينار ولا درهم فإن كانت له حسنات أخذ من حسناته وإن لم يكن له حسنات حمل من سيئاته». تفسير : قال صاحب الكشاف: و (شيئاً) مفعول به ويجوز أن يكون في موضع مصدر أي قليلاً من الجزاء كقوله تعالى: {أية : وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً } تفسير : [مريم: 60]. ومن قرأ: «لا يجزي» من أجزأ عنه إذا أغنى عنه فلا يكون في قراءته إلا بمعنى شيئاً من الإجزاء وهذه الجملة منصوبة المحل صفة ليوماً. فإن قيل: فأين العائد منها إلى الموصوف؟ قلنا: هو محذوف تقديره لا تجزي فيه ومعنى التنكير أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس غيرها شيئاً من الأشياء وهو الإقناط الكلي القطاع للمطامع. أما قوله تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ } فالشفاعة أن يستوهب أحد لأحد شيئاً ويطلب له حاجة وأصلها من الشفع الذي هو ضد الوتر، كأن صاحب الحاجة كان فرداً فصار الشفيع له شفعاً أي صارا زوجاً. واعلم أن الضمير في قوله: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا } راجع إلى النفس الثانية العاصية وهي التي لا يؤخذ منها عدل، ومعنى لا يقبل منها شفاعة إنها إن جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها، ويجوز أن يرجع إلى النفس الأولى، على أنها لو شفعت لها لم تقبل شفاعتها كما لا تجزي عنها شيئاً. أما قوله تعالى: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } أي فدية، وأصل الكلمة من معادلة الشيء تقول: ما أعدل بفلان أحداً، أي لا أرى له نظيراً. قال تعالى: {أية : ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ } تفسير : [الأنعام: 1] ونظيره هذه الآية قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا تقبل منهم } تفسير : [المائدة:36] وقال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء ٱلأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ } تفسير : [آل عمران: 91] وقال: {أية : وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا } تفسير : [الأنعام: 70]. أما قوله تعالى: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } فاعلم أن التناصر إنما يكون في الدنيا بالمخالطة والقرابة وقد أخبر الله تعالى أنه ليس يومئذ خلة ولا شفاعة وأنه لا أنساب بينهم، وإنما المرء يفر من أخيه وأمه وأبيه وقرابته، قال القفال: والنصر يراد به المعونة كقوله: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، ومنه معنى الإغاثة: تقول العرب: أرض منصورة أي ممطورة، والغيث ينصر البلاد إذا أنبتها فكأنه أغاث أهلها وقيل في قوله تعالى: {أية : مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ } تفسير : [الحج: 15] أي أن لن يرزقه كما يرزق الغيث البلاد، ويسمى الانتقام نصرة وانتصاراً، قال تعالى: {أية : وَنَصَرْنَـٰهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـئَايَـٰتِنَا } تفسير : [الأنبياء: 77] قالوا معناه: فانتقمنا له، فقوله تعالى: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } يحتمل هذه الوجوه فإنهم يوم القيامة لا يغاثون، ويحتمل أنهم إذا عذبوا لم يجدوا من ينتقم لهم من الله، وفي الجملة كأن النصر هو دفع الشدائد، فأخبر الله تعالى أنه لا دافع هناك من عذابه، بقي في الآية مسألتان: المسألة الأولى: أن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الإنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة، فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة، ومن فوت التوبة من حيث إنه لا يقين له في البقاء صار حذراً خائفاً في كل حال، والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم وذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم. المسألة الثانية: أجمعت الأمة على أن لمحمد صلى الله عليه وسلم شفاعة في الآخرة وحمل على ذلك قوله تعالى: {أية : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا } تفسير : [الإسراء: 79] وقوله تعالى: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ } تفسير : [الضحى: 5] ثم اختلفوا بعد هذا في أن شفاعته عليه السلام لمن تكون أتكون للمؤمنين المستحقين للثواب، أم تكون لأهل الكبائر المستحقين للعقاب؟ فذهبت المعتزلة على أنها للمستحقين للثواب وتأثير الشفاعة في أن تحصل زيادة من المنافع على قدر ما استحقوه، وقال أصحابنا: تأثيرها في إسقاط العذاب عن المستحقين للعقاب، إما بأن يشفع لهم في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا النار وإن دخلوا النار فيشفع لهم حتى يخرجوا منها ويدخلوا الجنة واتفقوا على أنها ليست للكفار، واستدلت المعتزلة على إنكار الشفاعة لأهل الكبائر بوجوه. أحدها: هذه الآية: قالوا إنها تدل على نفي الشفاعة من ثلاثة أوجه. الأول: قوله تعالى: {لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكان قد أجزت نفس عن نفس شيئاً. الثاني: قوله تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ } وهذه نكرة في سياق النفي فتعم جميع أنواع الشفاعة، والثالث: قوله تعالى: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } ولو كان محمد شفيعاً لأحد من العصاة لكان ناصراً له وذلك على خلاف الآية. لا يقال الكلام على الآية من وجهين: الأول: أن اليهود كانوا يزعمون أن آباءهم يشفعون لهم فأيسوا من ذلك، فالآية نزلت فيهم. الثاني: أن ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعة مطلقاً إلا أنا أجمعنا على تطرق التخصيص إليه في حق زيادة الثواب لأهل الطاعة، فنحن أيضاً نخصه في حق المسلم صاحب الكبيرة بالدلائل التي نذكرها، لأنا نجيب عن الأول بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وعن الثاني أنه لا يجوز أن يكون المراد من الآية نفي الشفاعة في زيادة المنافع لأنه تعالى حذر من ذلك اليوم بأنه لا تنفع فيه شفاعة، وليس يحصل التحذير إذا رجع نفي الشفاعة إلى تحصيل زيادة النفع لأن عدم حصول زيادة النفع ليس فيه خطر ولا ضرر يبين ذلك أنه تعالى لو قال: اتقوا يوماً لا أزيد فيه منافع المستحق للثواب بشفاعة أحد لم يحصل بذلك زجر عن المعاصي، ولو قال: اتقوا يوماً لا أسقط فيه عقاب المستحق للعقاب بشفاعة شفيع كان ذلك زجراً عن المعاصي، فثبت أن المقصود من الآية نفي تأثير الشفاعة في إسقاط العقاب لا نفي تأثيرها في زيادة المنافع. وثانيها: قوله تعالى: {أية : مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ } تفسير : [غافر: 18] والظالم هو الآتي بالظلم وذلك يتناول الكافر وغيره، لا يقال إنه تعالى نفى أن يكون للظالمين شفيع يطاع ولم ينف شفيعاً يجاب ونحن نقول بموجبه فإنه لا يكون في الآخرة شفيع يطاع، لأن المطاع يكون فوق المطيع، وليس فوقه تعالى أحد يطيعه الله تعالى، لأنا نقول: لا يجوز حمل الآية على ما قلتم من وجهين، الأول: أن العلم بأنه ليس فوقه تعالى أحد يطيعه، متفق عليه بين العقلاء. أما من أثبته سبحانه فقد اعترف أنه لا يطيع أحداً، وأما من نفاه فمع القول بالنفي استحال أن يعتقد فيه كونه مطيعاً لغيره، فإذا ثبت هذا كان حمل الآية على ما ذكرتم حملاً لها على معنى لا يفيد. الثاني: أنه تعالى نفى شفيعاً يطاع، والشفيع لا يكون إلا دون المشفوع إليه لأن من فوقه يكون آمراً له وحاكماً عليه ومثله لا يسمى شفيعاً فأفاد قوله: «شفيع» كونه دون الله تعالى فلم يمكن حمل قوله: {يُطَاعُ } على من فوقه فوجب حمله على أن المراد به أن لا يكون لهم شفيع يجاب. وثالثها: قوله تعالى: {أية : مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَـٰعَةٌ } تفسير : [البقرة: 254] ظاهر الآية يقتضي نفي الشفاعات بأسرها. ورابعها: قوله تعالى: {أية : وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } تفسير : [البقرة: 270] ولو كان الرسول يشفع للفاسق من أمته لوصفوا بأنهم منصورون لأنه إذا تخلص بسبب شفاعة الرسول عن العذاب فقد بلغ الرسول النهاية في نصرته. وخامسها: قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 28] أخبر تعالى عن ملائكته أنهم لا يشفعون لأحد إلا أن يرتضيه الله عز وجل والفاسق ليس بمرتضى عند الله تعالى، وإذا لم تشفع الملائكة له فكذا الأنبياء عليهم السلام، لأنه لا قائل بالفرق. وسادسها: قوله تعالى: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ } تفسير : [المدثر: 48] ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكانت الشفاعة قد تنفعهم وذلك ضد الآية. وسابعها: أن الأمة مجمعة على أنه ينبغي أن نرغب إلى الله تعالى في أن يجعلنا من أهل شفاعته عليه السلام ويقولون في جملة أدعيتهم: واجعلنا من أهل شفاعته، فلو كان المستحق للشفاعة هو الذي خرج من الدنيا مصراً على الكبائر لكانوا قد رغبوا إلى الله تعالى في أن يختم لهم مصرين على الكبائر. لا يقال لم لا يجوز أن يقال: إنهم يرغبون إلى الله تعالى في أن يجعلهم من أهل شفاعته إذا خرجوا مصرين لا أنهم يرغبون في أن يختم لهم مصرين كما أنهم يقولون في دعائهم: اجعلنا من التوابين وليسوا يرغبون في أن يذنبوا ثم يتوبوا وإنما يرغبون في أن يوفقهم للتوبة إذا كانوا مذنبين وكلتا الرغبتين مشروطة بشرط وهو تقدم الإصرار وتقدم الذنب، لأنا نقول: الجواب عنه من وجهين. الأول: ليس يجب إذا شرطنا شرطاً في قولنا: اللهم اجعلنا من التوابين، أن نزيد شرطاً في قولنا اجعلنا من أهل الشفاعة. الثاني: أن الأمة في كلتا الرغبتين إلى الله تعالى يسألون منه تعالى أن يفعل بهم ما يوصلهم إلى المرغوب فيه ففي قولهم: اجعلنا من التوابين، أن يرغبون في أن يوفقهم للتوبة من الذنوب، وفي الثاني يرغبون في أن يفعل بهم ما كانوا عنده أهلاً لشفاعته عليه السلام، فلو لم تحصل أهلية الشفاعة إلا بالخروج من الدنيا مصراً على الكبائر لكان سؤال أهلية الشفاعة سؤالاً للاخراج من الدنيا حال الإصرار على الكبائر، وذلك غير جائز بالإجماع. أما على قولنا: إن أهلية الشفاعة إنما تحصل بالخروج على الكبائر، وذلك غير جائز بالإجماع. أما على قولنا إن أهلية الشفاعة إنما تحصل بالخروج من الدنيا مستحقاً للثواب كان سؤال أهلية الشفاعة حسناً فظهر الفرق. وثانيها: أن قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدّينِ وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَائِبِينَ} تفسير : [الانفطار: 14 ـ 16] يدل على أن كل الفجار يدخلون النار وأنهم لا يغيبون عنها وإذا ثبت أنهم لا يغيبون عنها ثبت أنهم لا يخرجون منها، وإذا كان كذلك لم يكن للشفاعة أثر لا في العفو عن العقاب ولا في الإخراج من النار بعد الإدخال فيها. وتاسعها: قوله تعالى: {أية : يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ } تفسير : [يونس: 3] فنفى الشفاعة عمن لم يأذن في شفاعته وكذا قوله: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } تفسير : [البقرة: 255] وكذا قوله تعالى: {أية : لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً } تفسير : [سبأ: 38] وإنه تعالى لم يأذن في الشفاعة في حق أصحاب الكبائر لأن هذا الإذن لو عرف لعرف إما بالعقل أو بالنقل، أما العقل فلا مجال له فيه، وأما النقل فأما بالتواتر أو بالآحاد، والآحاد لا مجال له فيه لأن رواية الآحاد لا تفيد إلا الظن والمسألة علمية والتمسك في المطالب العلمية بالدلائل الظنية غير جائز. وأما بالتواتر فباطل لأنه لو حصل ذلك لعرفه جمهور المسلمين ولو كان كذلك لما أنكروا هذه الشفاعة. فحيث أطبق الأكثرون على الأنكار علمنا أنه لم يوجد هذا الإذن. وعاشرها: قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَىْء رَّحْمَةً وَعِلْماً فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك } تفسير : [غافر: 7] ولو كانت الشفاعة حاصلة للفاسق لم يكن لتقييدها بالتوبة ومتابعة السبيل معنى. الحادي عشر: الأخبار الدالة على أنه لا توجد الشفاعة في حق أصحاب الكبائر وهي أربعة. الأول: ما روى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام دخل المقبرة فقال: «حديث : السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وددت أني قد رأيت اخواننا:تفسير : قالوا: يا رسول الله ألسنا إخوانك. حديث : قال: بل أنتم أصحابي وإخواننا الذين لم يأتوا بعد. تفسير : قالوا: يا رسول الله كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتك؟ حديث : قال: أرأيت إن كان لرجل خيل غر محجلة في خيل دهم فهل لا يعرف خيله؟ تفسير : قالوا: بلى يا رسول الله،حديث : قال فانهم يأتون يوم القيامة غراً محجلين من الوضوء، وأما فرطهم على الحوض، ألا فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال أناديهم، ألا هلم ألا هلم فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقاً فسحقاً»تفسير : . والاستدلال بهذا الخبر على نفي الشفاعة أنه لو كان شفيعاًلهم لم يكن يقول فسحقاً فسحقاً، لأن الشفيع لا يقول ذلك، وكيف يجوز أن يكون شفيعاً لهم في الخلاص من العقاب الدائم وهو يمنعهم شربة ماء. الثاني: روى عبد الرحمن ابن ساباط عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن عجرة: «حديث : يا كعب بن عجرة أعيذك بالله من إمارة السفهاء إنه سيكون أمراء من دخل عليهم فأعانهم على ظلمهم وصدقهم بكذبهم فليس مني ولست منه ولن يرد على الحوض ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وأنا منه وسيرد على الحوض، يا كعب بن عجرة الصلاة قربان والصوم جنة والصدقة تطفىء الخطيئة كما يطفيء الماء النار، يا كعب بن عجرة لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت»تفسير : . والاستدلال بهذا الحديث من ثلاثة أوجه. أحدها: أنه إذا لم يكن من النبي ولا النبي منه فكيف يشفع له، وثانيها: قوله: «لم يرد عليَّ الحوض» دليل على نفي الشفاعة لأنه إذا منع من الوصول إلى الرسول حتى لا يرد عليه الحوض فبأن يمتنع الرسول من خلاصه من العقاب أولى. وثالثها: أن قوله: «لا يدخل الجنة لحم نبت من السحت» صريح في أنه لا أثر للشفاعة في حق صاحب الكبيرة. الثالث: عن أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «حديث : لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك». تفسير : وهذا صريح في المطلوب، لأنه إذا لم يملك له من الله شيئاً فليس له في الشفاعة نصيب. الرابع: عن أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام:«حديث : ثلاثة أنا خصيمهم يوم القيامة، ومن كنت خصيمه خصمته، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجرته »تفسير : والاستدلال به أنه عليه الصلاة والسلام لما كان خصيماً لهؤلاء استحال أن يكون شفيعاً لهم، فهذا مجموع وجوه المعتزلة في هذا الباب. أما أصحابنا فقد تمسكوا فيه بوجوه. أحدها: قوله سبحانه وتعالى: حكاية عن عيسى عليه السلام: {أية : إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ }تفسير : [المائدة:118]، وجه الاستدلال أن هذه الشفاعة من عيسى عليه السلام إما أن يقال إنها كانت في حق الكفار أو في حق المسلم المطيع أو في حق المسلم صاحب الصغيرة أو المسلم صاحب الكبيرة بعد التوبة أو المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة. والقسم الأول باطل لأن قوله تعالى: {أية : وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ } تفسير : [المائدة: 118]، لا يليق بالكفار، والقسم الثاني والثالث والرابع باطل لأن المسلم المطيع والمسلم صاحب الصغيرة والمسلم صاحب الكبيرة لا يجوز بعد التوبة تعذيبه عقلاً عند الخصم، وإذا كان كذلك لم يكن قوله: {إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } لائقاً بهم وإذا بطل ذلك لم يبق إلا أن يقال: إن هذه الشفاعة إنما وردت في حق المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة وإذا صح القول بهذه الشفاعة في حق عيسى عليه السلام صح القول بها في حق محمد صلى الله عليه وسلم ضرورة أنه لا قائل بالفرق. وثانيها: قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {أية : فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ مِنّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تفسير : [إبراهيم: 36] فقوله: {وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } لا يجوز حمله على الكافر لأنه ليس أهلاً للمغفرة بالإجماع ولا حمله على صاحب الصغيرة ولا على صاحب الكبيرة بعد التوبة لأن غفرانه لهم واجب عقلاً عند الخصم فلا حاجة له إلى الشفاعة فلم يبق إلا حمله على صاحب الكبيرة قبل التوبة. ومما يؤكد دلالة هاتين الآيتين على ما قلناه ما رواه البيهقي في كتاب شعب الإيمان أنه عليه الصلاة والسلام تلا قوله تعالى في إبراهيم: {وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وقول عيسى عليه السلام: {إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ } الآية، ثم رفع يديه وقال: «حديث : اللهم أمتي أمتي وبكى فقال الله تعالى: يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك».تفسير : رواه مسلم في الصحيح. وثالثها: قوله تعالى في سورة مريم: {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَـٰعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً } تفسير : [مريم: 85 ـ 87]، فنقول ليس في ظاهر الآية أن المقصود من الآية أن المجرمين لا يملكون الشفاعة لغيرهم أو أنهم لا يملكون شفاعة غيرهم لهم لأن المصدر كما يجوز ويحسن إضافته إلى الفاعل يجوز ويحسن إضافته إلى المفعول إلا أنا نقول حمل الآية على الوجه الثاني أولى، لأن حملها على الوجه الأول يجري مجرى إيضاح الواضحات، فإن كل أحد يعلم أن المجرمين الذين يساقون إلى جهنم ورداً لا يملكون الشفاعة لغيرهم، فتعين حملها على الوجه الثاني. إذا ثبت هذا فنقول: الآية تدل على حصول الشفاعة لأهل الكبائر، لأنه قال عقيبه: {إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً }، والتقدير أن المجرمين لا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم إلا إذا كانوا اتخذوا عند الرحمن عهداً، فكل من اتخذ عند الرحمن عهداً وجب دخوله فيه، وصاحب الكبيرة اتخذ عند الرحمن عهداً وهو التوحيد والإسلام، فوجب أن يكون داخلاً تحته أقصى ما في الباب أن يقال: واليهودي اتخذ عند الرحمن عهداً وهو الإيمان بالله فوجب دخوله تحته لكنا نقول ترك العمل به في حقه لضرورة الإجماع فوجب أن يكون معمولاً به فيما وراءه. ورابعها: قوله تعالى في صفة الملائكة: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 28] وجه الاستدلال به أن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى، وكل من كان مرتضى عند الله تعالى وجب أن يكون من أهل الشفاعة، إنما قلنا: إن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله تعالى لأنه مرتضى عند الله بحسب إيمانه وتوحيده وكل من صدق عليه أنه مرتضى عند الله بحسب هذا الوصف يصدق عليه أنه مرتضى عند الله تعالى لأن المرتضى عند الله جزء من مفهوم قولنا: مرتضى عند الله بحسب إيمانه، ومتى صدق المركب صدق المفرد، فثبت أن صاحب الكبيرة مرتضى عند الله، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون من أهل الشفاعة لقوله تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } نفى الشفاعة إلا لمن كان مرتضى والاستثناء من النفي إثبات، فوجب أن يكون المرتضى أهلاً لشفاعتهم، وإذا ثبت أن صاحب الكبيرة داخل في شفاعة الملائكة وجب دخوله في شفاعة الأنبياء وشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، ضرورة أنه لا قائل بالفرق. فإن قيل: الكلام على هذا الاستدلال من وجهين، الأول: أن الفاسق ليس بمرتضى فوجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة الملائكة، وإذا لم يكن أهلاً لشفاعة الملائكة وجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، إنما قلنا: إنه ليس بمرتضى لأنه ليس بمرتضى بحسب فسقه وفجوره ومن صدق عليه أنه ليس بمرتضى بحسب فسقه صدق عليه أنه ليس بمرتضى بعين ما ذكرتم من الدليل، وإذا ثبت أنه ليس بمرتضى وجب أن لا يكون أهلاً لشفاعة الملائكة، لأن قوله تعالى: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } يدل على نفي الشفاعة عن الكل إلا في حق المرتضى، فإذا كان صاحب الكبيرة غير مرتضى وجب أن يكون داخلاً في النفي. الوجه الثاني: أن الاستدلال بالآية إنما يتم لو كان قوله: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } محمولاً على أن المراد منه ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله، أما لو حملناه على أن المراد منه ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله منه شفاعته فحينئذ لا تدل الآية إلا إذا ثبت أن الله تعالى ارتضى شفاعة صاحب الكبيرة، وهذا أول المسألة. والجواب عن الأول: أنه ثبت في العلوم المنطقية أن المهملتين لا يتناقضان، فقولنا: زيد عالم، زيد ليس بعالم لا يتناقضان لاحتمال أن يكون المراد زيد عالم بالفقه، زيد ليس بعالم بالكلام، وإذا ثبت هذا فكذا قولنا صاحب الكبيرة مرتضى صاحب الكبيرة ليس بمرتضى، لا يتناقضان لاحتمال أن يقال: إنه مرتضى بحسب دينه، ليس بمرتضى بحسب فسقه، وأيضاً فمتى ثبت أنه مرتضى بحسب إسلامه ثبت مسمى كونه مرتضى، وإذا كان المستثنى هو مجرد كونه مرتضى، ومجرد كونه مرتضى حاصل عند كونه مرتضى بحسب إيمانه وجب دخوله تحت الاستثناء وخروجه عن المستثنى منه، ومتى كان كذلك ثبت أنه من أهل الشفاعة. وأما السؤال الثاني: فجوابه أن حمل الآية على أن يكون معناها ولا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله أولى من حملها على أن المراد ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله شفاعته، لأن على التقدير الأول تفيد الآية الترغيب والتحريض على طلب مرضاة الله عز وجل والاحتراز عن معاصيه، وعلى التقدير الثاني لا تفيد الآية ذلك، ولا شك أن تفسير كلام الله تعالى بما كان أكثر فائدة أولى. وخامسها: قوله تعالى في صفة الكفار: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ } تفسير : [المدثر: 48] خصهم بذلك فوجب أن يكون حال المسلم بخلافه بناء على مسألة دليل الخطاب، وسادسها: قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [محمد: 19] دلت الآية على أنه تعالى أمر محمداً بأن يستغفر لكل المؤمنين والمؤمنات وقد بينا في تفسير قوله تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ } تفسير : [البقرة: 3] أن صاحب الكبيرة مؤمن، وإذا كان كذلك ثبت أن محمداً صلى الله عليه وسلم استغفر لهم، وإذا كان كذلك ثبت أن الله تعالى قد غفر لهم. وإلا لكان الله تعالى قد أمره بالدعاء ليرد دعاءه فيصير ذلك محض التحقير والايذاء وهو غير لائق بالله تعالى ولا بمحمد صلى الله عليه وسلم فدل على أن الله تعالى لما أمر محمداً بالاستغفار لكل العصاة فقد استجاب دعاءه، وذلك إنما يتم لو غفر لهم ولا معنى للشفاعة إلا هذا، وسابعها: قوله تعالى: {أية : وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } تفسير : [النساء: 86] فالله تعالى أمر الكل بأنهم إذا حياهم أحد بتحية أن يقابلوا تلك التحية بأحسن منها أو يردوها، ثم أمرنا بتحية محمد صلى الله عليه وسلم حيث قال: {أية : ٱلنَّبِىّ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيماً } تفسير : [الأحزاب: 56] الصلاة من الله رحمة ولا شك أن هذا تحية، فلما طلبنا من الله الرحمة لمحمد عليه الصلاة والسلام وجب بمقتضى قوله: {فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا }، أن يفعل محمد مثله وهو أن يطلب لكل المسلمين الرحمة من الله تعالى، وهذا هو معنى الشفاعة، ثم توافقنا على أنه عليه الصلاة والسلام غير مردود الدعاء، فوجب أن يقبل الله شفاعته في الكل وهو المطلوب. وثامنها: قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً } تفسير : [النساء: 64] وليس في الآية ذكر التوبة، والآية تدل على أن الرسول متى استغفر للعصاة والظالمين فإن الله يغفر لهم، وهذا يدل على أن شفاعة الرسول في حق أهل الكبائر مقبولة في الدنيا، فوجب أن تكون مقبولة في الآخرة، لأنه لا قائل بالفرق. وتاسعها: أجمعنا على وجوب الشفاعة لمحمد صلى الله عليه وسلم فتأثيرها إما أن يكون في زيادة المنافع أو في إسقاط المضار والأول باطل وإلا لكنا شافعين للرسول عليه الصلاة والسلام إذا طلبنا من الله تعالى أن يزيد في فضله عند ما نقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وإذا بطل هذا القسم تعين الثاني وهو المطلوب، فإن قيل: إنما لا يطلق علينا كوننا شافعين لمحمد صلى الله عليه وسلم لوجهين، الأول: أن الشفيع لا بد أن يكون أعلى رتبة من المشفوع له، ونحن وإن كنا نطلب الخير له عليه الصلاة والسلام ولكن لما كنا أدنى رتبة منه عليه الصلاة والسلام لم يصح أن نوصف بكوننا شافعين له. الثاني: قال أبو الحسين: سؤال المنافع للغير إنما يكون شفاعة إذا كان فعل تلك المنافع لأجل سؤاله ولولاه لم تفعل أو كان لسؤاله تأثير في فعلها، فأما إذا كانت تفعل سواء سألها أو لم يسألها، وكان غرض السائل التقرب بذلك إلى المسؤول، وإن لم يستحق المسؤول له بذلك السؤال منفعة زائدة فإن ذلك لا يكون شفاعة له، ألا ترى أن السلطان إذا عزم على أن يعقد لابنه ولاية فحثه بعض أوليائه على ذلك وكان يفعل ذلك لا محالة سواء حثه عليه أو لم يحثه، وقصد بذلك التقرب إلى السلطان ليحصل له بذلك منزلة عنده فإنه لا يقال إنه يشفع لابن السلطان: وهذه حالتنا في حق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما نسأله له من الله تعالى، فلم يصح أن نكون شافعين، والجواب على الأول، لا نسلم أن الرتبة معتبرة في الشفاعة. والدليل عليه أن الشفيع إنما سمي شفيعاً مأخوذاً من الشفع، وهذا المعنى لا تعتبر فيه الرتبة، فسقط قولهم، وبهذا الوجه يسقط السؤال الثاني، وأيضاً فنقول في الجواب عن السؤال الثاني: إنا وإن كنا نقطع بأن الله تعالى يكرم رسوله ويعظمه سواء سألت الأمة ذلك أم لم تسأل، ولكنا لا نقطع بأنه لا يجوز أن يزيد في إكرامه بسبب سؤال الأمة ذلك على وجه لولا سؤال الأمة لما حصلت تلك الزيادة وإذا كان هذا الاحتمال يجوز، وجب أن يبقى تجويز كوننا شافعين للرسول صلى الله عليه وسلم ولما بطل ذلك باتفاق الأمة بطل قولهم. وعاشرها: قوله تعالى في صفة الملائكة: {أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ } تفسير : [غافر: 7] وصاحب الكبيرة من جملة المؤمنين فوجب دخوله في جملة من تستغفر الملائكة لهم، أقصى ما في الباب أنه ورد بعد ذلك قوله: {أية : فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ } تفسير : [غافر: 7]، إلا أن هذا لا يقتضي تخصيص ذلك العام لما ثبت في أصول الفقه أن اللفظ العام إذا ذكر بعده بعض أقسامه فإن ذلك لا يوجب تخصيص ذلك العام بذلك الخاص. الحادي عشر: الأخبار الدالة على حصول الشفاعة لأهل الكبائر، ولنذكر منها ثلاثة أوجه، الأول: قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، تفسير : قالت المعتزلة: الإعتراض عليه من ثلاثة وجوه: أحدها: أنه خبر واحد ورد على مضادة القرآن، فإنا بينا أن كثيراً من الآيات يدل على نفي هذه الشفاعة وخبر الواحد إذا ورد على خلاف القرآن وجب رده، وثانيها: أنه يدل على أن شفاعته ليست إلا لأهل الكبائر وهذا غير جائز، لأن شفاعته منصب عظيم فتخصيصه بأهل الكبائر فقط يقتضي حرمان أهل الثواب عنه وذلك غير جائز، لأنه لا أقل من التسوية، وثالثها: أن هذه المسألة ليست من المسائل العملية فلا يجوز الاكتفاء فيها بالظن وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن فلا يجوز التمسك في هذه المسألة بهذا الخبر. ثم إن سلمنا صحة الخبر لكن فيه احتمالات، أحدها: أن يكون المراد منه الاستفهام بمعنى الانكار يعني أشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي كما أن المراد من قوله: {هَـٰذَا رَبّى } أي أهذا ربي، وثانيها: أن لفظ الكبيرة غير مختص لا في أصل اللغة ولا في عرف الشرع بالمعصية بل كما يتناول المعصية بل كما يتناول المعصية يتناول الطاعة. قال تعالى في صفة الصلاة: {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ } تفسير : [البقرة:45]، وإذا كان كذلك فقوله لأهل الكبائر: لا يجب أن يكون المراد منه أهل المعاصي الكبيرة بل لعل المراد منه أهل الطاعات الكبيرة. فإن قيل: هب أن لفظ الكبيرة يتناول الطاعات والمعاصي ولكن قوله أهل الكبائر صيغة جمع مقرونة بالألف واللام فيفيد العموم فوجب أن يدل الخبر على ثبوت الشفاعة لكل من كان من أهل الكبائر سواء كان من أهل الطاعات الكبيرة أو المعاصي الكبيرة قلنا: لفظ الكبائر وإن كان للعموم إلا أن لفظ «أهل» مفرد فلا يفيد العموم فيكفي في صدق الخبر شخص واحد من أهل الكبائر فنحمله على الشخص الآتي بكل الطاعات، فإنه يكفي في العمل بمقتضى الحديث حمله عليه. وثالثها: هب أنه يجب حمل أهل الكبائر على أهل المعاصي الكبيرة لكن أهل المعاصي الكبيرة أعم من أهل المعاصي الكبيرة بعد التوبة أو قبل التوبة فنحن نحمل الخبر على أهل المعاصي الكبيرة بعد التوبة، ويكون تأثير الشفاعة في أن يتفضل الله عليه بما انحبط من ثواب طاعته المتقدمة على فسقه سلمنا دلالة الخبر على قولكم لكنه معارض بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حديث : أشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي» تفسير : ذكره مع همزة الاستفهام على سبيل الإنكار. وروى الحسن عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «حديث : ما ادخرت شفاعتي إلا لأهل الكبائر من أمتي» تفسير : واعلم أن الإنصاف أنه لا يمكن التمسك في مثل هذه المسألة بهذا الخبر وحده، ولكن بمجموع الأخبار الواردة في باب الشفاعة وإن سائر الأخبار دالة على سقوط كل هذه التأويلات. الثاني: روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً» تفسير : رواه مسلم في الصحيح والاستدلال به أن الحديث صريح في أن شفاعته صلى الله عليه وسلم تنال كل من مات من أمته لا يشرك بالله شيئاً وصاحب الكبيرة كذلك، فوجب أن تناله الشفاعة. والثالث: عن أبي هريرة قال: «حديث : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه فنهش منها نهشة ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة هل تدرون لم ذلك؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو الشمس، فيبلّغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم ألا تذهبون إلى من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم فيأتون آدم فيقولون يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب مثله قبله ولن يغضب بعده مثله، وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته. نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتون إبراهيم عليه السلام فيقولون: أنت إبراهيم نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم إبراهيم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى ويقولون: يا موسىٰ أنت رسول الله، فضلك الله برسلاته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وإني قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى بن مريم، فيأتون عيسى فيقولون: أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولم يغضب بعده مثله، ولم يذكر له ذنباً، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد. فيأتوني فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم النبيين وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى ما نحن فيه؟ فأنطلق واستأذن على ربي فيؤذن لي فإذا رأيت ربي وقعت ساجداً، فيدعني ما شاء أن يدعني ثم يقول لي: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي تبارك وتعالى وقعت له ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: أرفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم أشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت له ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعطه واشفع تشفع، فأحمد ربي بمحامد علمنيها، ثم اشفع فيحد لي حداً فأدخلهم الجنة. ثم ارجع فأقول: يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، أي وجب عليه الخلود»تفسير : وأكثر هذا الخبر مخرج بلفظه في الصحيحين. قالت المعتزلة: الكلام على هذا الخبر وأمثاله من وجوه، أحدها: أن هذه الأخبار أخبار طويلة فلا يمكن ضبطها بلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم، فالظاهر أن الراوي إنما رواها بلفظ نفسه، وعلى هذا التقدير لا يكون شيء منها حجة، وثانيها: أنها خبر عن واقعة واحدة، وأنها رويت على وجوه مختلفة مع الزيادات والنقصانات، وذلك أيضاً مما يطرق التهمة إليها. وثالثها: أنها مشتملة على التشبيه وذلك باطل أيضاً يطرق التهمة إليها. ورابعها: أنها وردت على خلاف ظاهر القرآن. وذلك أيضاً بطرق التهمة إليها. وخامسها: أنها خبر عن واقعة عظيمة تتوافر الدواعي على نقلها، فلو كان صحيحاً لوجب بلوغه إلى حد التواتر وحيث لم يكن كذلك فقد تطرقت التهمة إليها، وسادسها: أن الاعتماد على خبر الواحد الذي لا يفيد إلا الظن في المسائل القطعية غير جائز. أجاب أصحابنا عن هذه المطاعن بأن كل واحد من هذه الأخبار وإن كان مروياً بالآحاد إلا أنها كثيرة جداً وبينها قدر مشترك واحد وهو خروج أهل العقاب من النار بسبب الشفاعة فيصير هذا المعنى مروياً على سبيل التواتر، فيكون حجة والله أعلم. والجواب على جميع أدلة المعتزلة بحرف واحد وهو أن أدلتهم على نفي الشفاعة تفيد نفي جميع أقسام الشفاعات، وأدلتنا على إثبات الشفاعة تفيد إثبات شفاعة خاصة والعام والخاص إذا تعارضا قدم الخاص على العام فكانت دلائلنا مقدمة على دلائلهم، ثم إنا نخص كل واحد من الوجوه التي ذكروها بجواب على حدة: أما الوجه الأول: وهو التمسك بقوله تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ } فهب أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب إلا أن تخصيص مثل هذا العام بذلك السبب المخصوص يكفي فيه أدنى دليل، فإذا قامت الدلائل الدالة على وجود الشفاعة وجب المصير إلى تخصيصها. وأما الوجه الثاني: وهو قوله تعالى: {أية : مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} تفسير : [غافر: 18] فالجواب عنه أن قوله: {مَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ } نقيض لقولنا: للظالمين حميم وشفيع، لكن قولنا للظالمين: حميم وشفيع موجبة كلية، ونقيض الموجبة الكلية سالبة جزئية، والسالبة يكفي في صدقها تحقق ذلك السلب في بعض الصور، ولا يحتاج فيه إلى تحقق ذلك السلب في جميع الصور، وعلى هذا فنحن نقول بموجبه لأن عندنا أنه ليس لبعض الظالمين حميم ولا شفيع يجاب وهم الكفار، فأما أن يحكم على كل واحد منهم بسلب الحميم والشفيع فلا. وأما الوجه الثالث: وهو قوله: {أية : مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَـٰعَةٌ } تفسير : [البقرة: 254] فالجواب عنه ما تقدم في الوجه الأول. وأما الوجه الرابع: وهو قوله: {أية : وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } تفسير : [البقرة: 270] فالجواب عنه أنه نقيض لقولنا: للظالمين أنصار وهذه موجبة كلية فقوله: {وَمَا لِلظَّـٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ } سالبة جزئية فيكون مدلوله سلب العموم وسلب العموم لا يفيد عموم السلب. وأما الوجه الخامس: وهو قوله: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّـٰفِعِينَ } تفسير : [المدثر: 48] فهذا وارد في حق الكفار وهو يدل بسبب التخصيص على ضد هذا الحكم في حق المؤمنين. وأما الوجه السادس: وهو قوله: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 28] فقد تقدم القول فيه. وأما الوجه السابع: وهو قول المسلمين: اللهم اجعلنا من أهل شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم، فالجواب عنه أن عندنا تأثير الشفاعة في جلب أمر مطلوب وأعني به القدر المشترك بين جلب المنافع الزائدة على قدر الاستحقاق ودفع المضار المستحقة على المعاصي، وذلك القدر المشترك لا يتوقف على كون العبد عاصياً فاندفع السؤال. وأما الوجه الثامن: وهو التمسك بقوله: {أية : وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ } تفسير : [الانفطار: 14] فالكلام عليه سيأتي إن شاء الله تعالى في مسألة الوعيد. وأما الوجه التاسع: وهو قوله لم يوجد ما يدل على إذن الله عز وجل في الشفاعة لأصحاب الكبائر، فجوابه أن هذا ممنوع والدليل عليه ما أوردنا من الدلائل الدالة على حصول هذه الشفاعة. وأما الوجه العاشر: وهو قوله في حق الملائكة: {أية : فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ } تفسير : [غافر: 7] فجوابه ما بينا أن خصوص آخر هذه الآية لا يقدح في عموم أولها. وأما الأحاديث فهي دالة على أن محمد صلى الله عليه وسلم لا يشفع لبعض الناس ولا يشفع في بعض مواطن القيامة، وذلك لا يدل على أنه لا يشفع لأحد ألبتة من أصحاب الكبائر، ولا أنه يمتنع من الشفاعة في جميع المواطن. والذي نحققه أنه تعالى بين أن أحداً من الشافعين لا يشفع إلا بإذن الله، فلعل الرسول لم يكن مأذوناً في بعض المواضع وبعض الأوقات، فلا يشفع في ذلك المكان ولا في ذلك الزمان، ثم يصير مأذوناً في موضع آخر وفي وقت آخر في الشفاعة فيشفع هناك والله أعلم. قالت الفلاسفة في تأويل الشفاعة: إن واجب الوجود عام الفيض تام الجود، فحيث لا يحصل فإنما لا يحصل لعدم كون القابل مستعداً، ومن الجائز أن لا يكون الشيء مستعداً لقبول الفيض عن واجب الوجود إلا أن يكون مستعداً لقبول ذلك الفيض من شيء قبله عن واجب الوجود، فيكون ذلك الشيء كالمتوسط بين واجب الوجود وبين ذلك الشيء الأول، ومثاله في المحسوس أن الشمس لا تضيء إلا للقابل المقابل، وسقف البيت لما لم يكن مقابلاً لجرم الشمس لا جرم لم يكن فيه استعداد لقبول النور عن الشمس، إلا أنه إذا وضع طست مملوء من الماء الصافي ووقع عليه ضوء الشمس انعكس ذلك الضوء من ذلك الماء إلى السقف فيكون ذلك الماء الصافي متوسطاً في وصول النور من قرص الشمس إلى السقف الذي هو غير مقابل للشمس، وأرواح الأنبياء كالوسائط بين واجب الوجود وبين أرواح عوام الخلق في وصول فيض واجب الوجود إلى أرواح العامة، فهذا ما قالوه في الشفاعة تفريعاً على أصولهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} أمْرٌ معناه الوعيد؛ وقد مضى الكلام في التقوى. {يَوْماً} يريد عذابه وهَوْله، وهو يوم القيامة. وٱنتصب على المفعول بـ {وَٱتَّقُواْ}. ويجوز في غير القرآن يوم لا تجزى، على الإضافة. وفي الكلام حذف بين النحويين فيه ٱختلاف. قال البصريون: التقدير يوماً لا تجزي فيه نفس عن نفس شيئاً، ثم حذف فيه؛ كما قال:شعر : ويوماً شهدناه سُليماً وعامراً تفسير : أي شهدنا فيه. وقال الكسائي: هذا خطأ لا يجوز حذف «فيه» ولكن التقدير: وٱتقوا يوماً لا تجزيه نفس، ثم حذف الهاء. وإنما يجوز حذف الهاء لأن الظروف عنده لا يجوز حذفها. قال: لا يجوز أن تقول: هذا رجلاً قصدت، ولا رأيت رجلاً أرغب؛ وأنت تريد قصدت إليه وأرغب فيه. قال: ولو جاز ذلك لجاز: الذي تكلمت زيد؛ بمعنى تكلمت فيه زيد. وقال الفَرّاء: يجوز أن تحذف الهاء وفيه. وحكى المهدويّ أن الوجهين جائزان عند سيبويه والأخفش والزجاج. ومعنى {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً}: أي لا تؤاخذ نفس بذنب أخرى ولا تدفع عنها شيئاً؛ تقول: جَزَى عنّي هذا الأمر يَجْزِي؛ كما تقول: قَضَى عني. وٱجتزأت بالشيء ٱجتزاء إذا ٱكتفيت به؛ قال الشاعر:شعر : فإنّ الغدر في الأقوام عارٌ وأن الحرّ يَجزأ بالكُراعتفسير : أي يكتفي بها. "حديث : وفي حديث عمر: «إذا أجريت الماء على الماء جَزَى عنك»"تفسير : . يريد إذا صببت الماء على البول في الأرض فجرى عليه طهر المكان، ولا حاجة بك إلى غسل ذلك الموضع وتنشيف الماء بخرقة أو غيرها كما يفعل كثير من الناس. وفي صحيح الحديث «حديث : عن أبي بُردة بن نِيار في الأُضْحِيّة: «لن تَجزِيَ عن أحد بعدك»»تفسير : أي لن تغني. فمعنى لا تجزي: لا تقضي ولا تغني ولا تكفي إن لم يكن عليها شيء؛ فإن كان فإنها تجزي وتقضي وتغني، بغير ٱختيارها من حسناتها ما عليها من الحقوق؛ كما في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : من كانت عنده مَظلِمة لأخيه من عِرْضه أو شيءٌ فليتحلّله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أُخِذ منه بقدر مظلِمته وإن لم يكن له حسنات أُخِذ من سيئات صاحبه فحُمِل عليه»تفسير : . خرّجه البخاري. ومثله حديثه الآخر: في المُفْلِس، وقد ذكرناه في التذكرة خرّجه مسلم. وقرىء «تُجزِىء» بضم التاء والهمز. ويقال: جَزَى وأجزى بمعنًى واحد. وقد فرّق بينهما قوم فقالوا: جَزَى بمعنى قضى وكافأ. وأجزى بمعنى أغنى وكفى. أجزأني الشيء يجزئني أي كفاني؛ قال الشاعر:شعر : وأجزأتَ أمر العالمين ولم يكن ليجزىء إلا كاملٌ وٱبنُ كامل تفسير : الثالثة: قوله تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} الشفاعة مأخوذة من الشَّفع وهما الاثنان؛ تقول: كان وَتْراً فشفَعتُه شَفْعاً؛ والشُّفْعة منه؛ لأنك تضم ملك شريكك إلى ملكك. والشفيع: صاحب الشُّفْعة وصاحب الشفاعة. وناقة شافع: إذا ٱجتمع لها حَمْل وولد يتبعها؛ تقول منه: شَفعتِ الناقة شَفْعاً. وناقة شَفُوع وهي التي تجمع بين مَحْلَبين في حَلْبة واحدة. وٱستشفعته إلى فلان: سألته أن يشفع لي إليه. وتشفّعت إليه في فلان فَشفّعني فيه؛ فالشفاعة إذاً ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك؛ فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفَّع، وإيصال منفعته للمشفوع. الرابعة: مذهب أهل الحق أن الشفاعة حق؛ وأنكرها المعتزلة وخلدوا المؤمنين من المذنبين الذين دخلوا النار في العذاب. والأخبار متظاهرة بأن من كان من العصاة المذنبين الموحّدين من أمم النبيين هم الذين تنالهم شفاعة الشافعين من الملائكة والنبيّين والشهداء والصالحين. وقد تمسّك القاضي عليهم في الردّ بشيئين: أحدهما: الأخبار الكثيرة التي تواترت في المعنى. والثاني: الإجماع من السلف على تلقّي هذه الأخبار بالقبول؛ ولم يَبْدُ من أحد منهم في عصر من الأعصار نكير؛ فظهور روايتها وإطباقهم على صحتها وقبولهم لها دليل قاطع على صحة عقيدة أهل الحق وفساد دين المعتزلة. فإن قالوا: قد وردت نصوص من الكتاب بما يوجب ردّ هذه الأخبار؛ مثل قوله: {أية : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} تفسير : [غافر: 18]. قالوا: وأصحاب الكبائر ظالمون. وقال:{أية : مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ} تفسير : [النساء: 123]، {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَة} تفسير : [البقرة: 48]. قلنا: ليست هذه الآيات عامة في كل ظالم، والعموم لا صيغة له؛ فلا تعمّ هذه الآيات كل مَن يعمل سوءاً وكل نفس، وإنما المراد بها الكافرون دون المؤمنين بدليل الأخبار الواردة في ذلك. وأيضاً فإن الله تعالى أثبت شفاعةً لأقوام ونفاها عن أقوام؛ فقال في صفة الكافرين: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ}تفسير : [المدثر: 48] وقال: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 28] وقال: {أية : وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}تفسير : [سبأ: 23]. فعلمنا بهذه الجملة أن الشفاعة إنما تنفع المؤمنين دون الكافرين. وقد أجمع المفسرون على أن المراد بقوله تعالى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ}تفسير : [البقرة: 48] النفسُ الكافرة لا كل نفس. ونحن وإن قلنا بعموم العذاب لكل ظالم عاص فلا نقول: إنهم مخلَّدون فيها بدليل الأخبار التي رويناها، وبدليل قوله: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 48]، وقوله: {أية : إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [يوسف: 12]. فإن قالوا: فقد قال تعالى: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 28] والفاسق غير مُرْتَضًى. قلنا: لم يقل لمن لا يرضى، وإنما قال: {لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} ومن ٱرتضاه الله للشفاعة هم الموحّدون؛ بدليل قوله: {أية : لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً}تفسير : [مريم: 87].«حديث : وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما عهد الله مع خلقه؟ قال: «أن يؤمنوا ولا يشركوا به شيئاً»»تفسير : . وقال المفسرون: إلا من قال لا إلٰه إلا الله. فإن قالوا: المرتَضَى هو التائب الذي ٱتخذ عند الله عهداً بالإنابة إليه، بدليل أن الملائكة ٱستغفروا لهم؛ وقال: {أية : فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} تفسير : [غافر: 7]. وكذلك شفاعة الأنبياء عليهم السلام إنما هي لأهل التوبة دون أهل الكبائر. قلنا: عندكم يجب على الله تعالى قبول التوبة، فإذا قبل الله توبة المذنب فلا يحتاج إلى الشفاعة ولا إلى الاستغفار. وأجمع أهل التفسير على أن المراد بقوله: {أية : فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ}تفسير : [غافر: 7] أي من الشرك {أية : وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} تفسير : [غافر: 7] أي سبيل المؤمنين. سألوا الله تعالى أن يغفر لهم ما دون الشرك من ذنوبهم؛ كما قال تعالى: {أية : وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء: 48 و 116]. فإن قالوا: جميع الأمة يرغبون في شفاعة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلو كانت لأهل الكبائر خاصّة بطل سؤالهم. قلنا: إنما يطلب كل مسلم شفاعة الرسول ويرغب إلى اللَّه في أن تناله؛ لاعتقاده أنه غير سالم من الذنوب ولا قائم لله سبحانه بكل ما ٱفترض عليه؛ بل كل واحد معترف على نفسه بالنقص فهو لذلك يخاف العقاب ويرجو النجاة؛ وقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا ينجو أحد إلا برحمة الله تعالى ـ فقيل: ولا أنت يا رسول الله؟ ـ فقال: ولا أنا إلا أن يتغمّدني الله برحمته».تفسير : الخامسة: قوله تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ} قرأ ٱبن كَثير وأبو عمرو «تُقبل» بالتاء؛ لأن الشفاعة مؤنثة. وقرأ الباقون بالياء على التذكير؛ لأنها بمعنى الشفيع. وقال الأخفش: حَسُن التذكير، لأنك قد فرّقت؛ كما تقدّم في قوله: {أية : فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ}تفسير : [البقرة: 37]. السادسة: قوله تعالى: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي فِداء. والعدل (بفتح العين): الفِداء، و (بكسرها): المِثْل؛ يقال: عِدْل وعَدِيل للذي يماثلك في الوزن والقدر. ويقال: عَدْلُ الشيء هو الذي يساويه قيمةً وقدراً وإن لم يكن من جنسه. والعِدل (بالكسر): هو الذي يساوي الشيء من جنسه وفي جِرْمه. وحكى الطبريّ: أن من العرب من يكسر العين من معنى الفِدية. فأما واحد الأعدال فبالكسر لا غير. قوله تعالى: {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} أي يعانون. والنّصْر: العَوْن. والأنصار: الأعوان؛ ومنه قوله: «مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّهِ» أي من يضم نُصرته إلى نصرتي. وٱنتصر الرجل: ٱنتقم. والنصر: الإتيان؛ يقال: نصرتُ أرضَ بني فلان: أتيتها؛ قال الشاعر:شعر : إذا دخل الشهرُ الحرامُ فوَدِّعِي بلادَ تميم وٱنْصُرِي أرضَ عامِرِ تفسير : والنصر: المطر؛ يقال: نُصِرَت الأرض: مُطِرت. والنصر العطاء؛ قال:شعر : إني وأَسْطارٍ سُطِرن سطرَا لقائلٌ يا نصرُ نصراً نصرَا تفسير : وكان سبب هذه الآية فيما ذكروا أن بني إسرائيل قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه وأبناء أنبيائه وسيشفع لنا آباؤنا؛ فأعلمهم الله تعالى عن يوم القيامة أنه لا تقبل فيه الشفاعات ولا يؤخذ فيه فِدْية. وإنما خص الشفاعة والفِدية والنصر بالذكر؛ لأنها هي المعاني التي ٱعتادها بنو آدم في الدنيا؛ فإن الواقع في الشدّة لا يتخلص إلا بأن يُشفع له أو يُنصر أو يُفتدى.
البيضاوي
تفسير : {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا } أي ما فيه من الحساب والعذاب. {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} لا تقضي عنها شيئاً من الحقوق، أو شيئاً من الجزاء فيكون نصبه على المصدر، وقرىء لا {تجزىء} من أجزأ عنه إذا أغنى وعلى هذا تعين أن يكون مصدراً، وإيراده منكراً مع تنكير النفسين للتعميم والإقناط الكلي والجملة صفة ليوماً، والعائد فيها محذوف تقديره لا تجزي فيه، ومن لم يجوز حذف العائد المجرور قال اتسع: فيه فحذف عنه الجار وأجري مجرى المفعول به ثم حذف كما حذف من قوله: أم مال أصابوا. {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي من النفس الثانية العاصية، أو من الأولى، وكأنه أريد بالآية نفي أن يدفع العذاب أحد عن أحد من كل وجه محتمل، فإنه إما أن يكون قهراً أو غيره، والأول النصرة، والثاني إما أن يكون مجاناً أو غيره. والأول أن يشفع له والثاني إما بأداء ما كان عليه وهو أن يجزي عنه، أو بغيره وهو أن يعطى عنه عدلاً. والشفاعة من الشفع كأن المشفوع له كان فرداً فجعله الشفيع شفعاً بضم نفسه إليه، والعدل الفدية. وقيل: البدل وأصله التسوية سمي به الفدية لأنها سميت بالمفدى، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ولا تقبل بالتاء. {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} يمنعون من عذاب الله، والضمير لما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق النفس من النفوس الكثيرة، وتذكيره بمعنى العباد. أو الأناسي والنصر أخص من المعونة لاختصاصه بدفع الضر. وقد تمسكت المعتزلة بهذه الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر، وأجيب بأنها مخصوصة بالكفار للآيات والأحاديث الواردة في الشفاعة، ويؤيده أن الخطاب معهم، والآية نزلت رداً لما كانت اليهود تزعم أن آباءهم تشفع لهم.
ابن كثير
تفسير : لما ذكرهم تعالى بنعمه أولاً، عطف على ذلك التحذير من طول نقمه بهم يوم القيامة، فقال: {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا} يعني يوم القيامة {لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} أي لا يغني أحد عن أحد، كما قال {أية : وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}تفسير : [الأنعام: 164] وقال: {أية : لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}تفسير : [عبس: 37] وقال: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِى وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً}تفسير : [لقمان: 33] فهذا أبلغ المقامات أن كلاً من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئاً، وقوله تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ} يعني من الكافرين؛ كما قال: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَـٰعَةُ ٱلشَّافِعِينَ}تفسير : [المدثر: 48] وكما قال عن أهل النار: {أية : فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ }تفسير : [الشعراء: 100 - 101] وقوله تعالى: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي: لا يقبل منها فداء، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ}تفسير : [آل عمران: 91] وقال: { أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِى ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}تفسير : [المائدة: 36] وقال تعالى: {أية : وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ}تفسير : [الأنعام: 70] وقال: {أية : فَٱلْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَاكُمُ ٱلنَّارُ هِىَ مَوْلَـٰكُمْ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ }تفسير : [الحديد: 15] الآية. فأخبر تعالى أنهم إن لم يؤمنوا برسوله ويتابعوه على ما بعثه به، ووافوا الله يوم القيامة على ما هم عليه، فإنه لا ينفعهم قرابة قريب، ولا شفاعة ذي جاه، ولا يقبل منهم فداء، ولو بملء الأرض ذهباً، كما قال تعالى: {أية : مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَـٰعَةٌ} تفسير : [البقرة: 254] وقال: {أية : لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلَـٰلٌ}تفسير : [إبراهيم: 31] قال سنيد: حدثني حجاج حدثني ابن جريج قال: قال مجاهد: قال ابن عباس: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} قال: بدل، والبدل: الفدية، وقال السدي: أما عدل فيعدلها من العدل، يقول: لو جاءت بملء الأرض ذهباً تفتدى به، ما تقبل منها، وكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله:{أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ}تفسير : [البقرة: 123] يعني: فداء، قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي مالك والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع بن أنس نحو ذلك، وقال عبد الرزاق: أنبأنا الثوري عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن علي رضي الله عنه في حديث طويل، قال: والصرف والعدل: التطوع والفريضة، وكذا قال الوليد ابن مسلم عن عثمان بن أبي العاتكة عن عمير بن هانىء، وهذا القول غريب ههنا، والقول الأول أظهر في تفسير هذه الآية، وقد ورد حديث يقويه، وهو ما قال ابن جرير: حدثني نجيح بن إبراهيم حدثنا علي ابن حكيم حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمرو بن قيس الملائي عن رجل من بني أمية من أهل الشام، أحسن عليه الثناء، قال: قيل: يارسول الله ما العدل؟ قال: «حديث : العدل الفدية»تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي: ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا يقبل منهم فداء، هذا كله من جانب التلطف، ولا لهم ناصر من أنفسهم ولا من غيرهم، كما قال: {أية : فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ} تفسير : [الطارق: 10] أي: إنه تعالى لا يقبل فيمن كفر به فدية ولا شفاعة، ولا ينقذ أحداً من عذابه منقذ، ولا يخلص منه أحد، ولا يجير منه أحد، كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ}تفسير : [المؤمنون: 88] وقال: {أية : فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ } تفسير : [الفجر: 25 - 26] وقال:{أية : مَا لَكُمْ لاَ تَنَـٰصَرُونَ بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ}تفسير : [الصافات: 25 - 26] وقال {أية : فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةَ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ} تفسير : [الأحقاف: 28] الآية، وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى: { أية : مَا لَكُمْ لاَ تَنَـٰصَرُونَ}تفسير : [الصافات: 25] مالكم اليوم لا تمانعون منا؟ هيهات، ليس ذلك لكم اليوم، قال ابن جرير: وتأويل قوله: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} يعني أنهم يومئذ لا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية، بطلت هنالك المحاباة، واضمحلت الرشا والشفاعات، وارتفع من القوم التناصر والتعاون، وصار الحكم إلى الجبار العدل الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها، وبالحسنة أضعافها، وذلك نظير قوله تعالى: {أية : وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لاَ تَنَـٰصَرُونَ بَلْ هُمُ ٱلْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ}تفسير : [الصافات: 24 - 26]
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱتَّقَوْاْ } خافوا {يَوْمًا لاَّ تَجْزِى } فيه {نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } وهو يوم القيامة {وَلاَتُقْبَلُ } بالتاء والياء {مِنْهَا شَفَٰعَةٌ } أي ليس لها شفاعة فتقبل (فما لنا من شافعين) {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ } فداء {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ } يمنعون من عذاب الله.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَاتَّقُوا يَوْماً لاَ تَجْزي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً} فيه تأويلان: أحدهما: معناه: لا تُغنِي، كما يقال: البقرة تَجْزِي عن سبعةٍ أي تُغِني، وهو قول السدي. والثاني: معناه لا تقضي، ومنه قولهم جزى الله فلاناً عني خيراً، أي قضاه، وهو قول المفضل. {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} قال الحسن: معناه لا يجِيءُ بشفيعٍ تقبل شفاعته لعجزه عنه، وقال غيره: بل معناه، أن الشفيع لا يجيبه إلى الشفاعة له، وأنَّه لو شُفِّعَ لشَفَعَ. قوله عز وجل: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}: العَدْلُ بفتح العَيْنِ: الفِدْيَةُ، وبكسرِ العَيْنِ: المِثلُ. فأما قولهم: لا قَبل الله منه صرفاً، ولا عدلاً، ففيه أربعة أقاويل: أحدها: أن الصرف العمل، والعدل الفدية، وهذا قول الحسن البصري. والثاني: أن الصرف الدية، والعدل رجل مكانه، وهذا قول الكلبي. والثالث: أن الصرف التطوع، والعدل الفريضة، وهذا قول الأصمعي. والرابع: أن الصرف الحِيلَةُ، والعدل الفدْية، وهذا قول أبي عبيدة.
ابن عبد السلام
تفسير : {لاَّ تَجْزِى} لا تغني، أو لا تقضي، جزاه الله خيراً: قضاه. {شَفَاعَةٌ} لا يقدر على شفيع تقبل شفاعته، أو لا يجيبه الشفيع إلى الشفاعة، إن كان مشفعاً لو شفع. {عَدْلٌ} فدية، وعِدْل: مثل "لا يقبل منه صرف ولا عدل" الصرف: العمل، والعدل: الفدية. أو الصرف: الدية، والعدل: رجل مكانه. أو الصرف: التطوع، والعدل: الفرض أو الصرف: الحيلة، والعدل: الفدية، قاله أبو عبيدة.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً...}. أي اتّقوا عذاب يوم. قال ابن عرفة: لا بد من تقدير (هذا) المضاف لأن اليوم إن أعربته مفعولا لزمك تكليف ما لا يطاق لأن يوم القيامة لا بد لهم منه، فلا يصح تكليفهم بأن يجعلوا بينهم وبينه وقاية، وإن أعربته ظرفا لم يصح أمرهم بالتقوى فيه لأنّه ليس محلا. قوله تعالى: {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ...}. أي جزاء (تستقل به فيبطل استدلال المعتزلة بها على نفي الشفاعة العظمى أو الجزاء راجع إلى) النصرة لأن الإنسان لا (يفزع) إلى الشفاعة إلا إذا لم يقدر على النصرة لا بيده ولا بجنده، فإن علم أنه عاجز تشفع، فإن لم يقبل منه افتدى بالمال. قال ابن عطية: وهذه إنما هي في الكافرين للإجماع ولتواتر الحديث بالشفاعة. قال ابن عرفة: قال ابن الصلاح: لم يصح من (أحاديث) الشفاعة غير حديثين. قال ابن عرفة: فعلى هذا يكون التواتر فيها معنويا لا لفظيا لتواتر شجاعة عليّ وجُود حَاتم. وقال هنا: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} (وفي الآية الأخرى) {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} تفسير : فأخّر (الفداء) بالمال هنا عن الشفاعة وقدمه (هناك). قلت: ولقد أجاب الفخر الخطيب (عن ذلك) بأنّ ذلك على حسب حال الناس فواحد يرغب في المال (ويشح به) فيأتي بالشفيع، وآخر يرغب في (الجاه والحرمة) فيهون عليه (بذل) المال صيانة لحرمته. وأجاب الفقيه أبو جعفر أحمد بن ابراهيم (ابن الزبير) العاصمي الثقفي بأن هذه الآية تقدمها {أية : أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ} تفسير : مظنة الامتثال والقبول فيكون مظنة لترجي الأمرين بالبر، (وأن يشفع) فيهم يوم القيامة من امتثل أمرهم ألا ترى قوله تعالى في المنافقين {أية : يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ} تفسير : فقد نسبوا المؤمنين بالكون معهم فأحرى أن يتعلق هؤلاء بالحظ على الخير والدلالة عليه فكان الآكد هنا نفي الشفاعة، فبدأ (به) ولم يتقدم في الآية الأخرى ما يستدعي هذا فبدأ بالفدية التي عهد في الدنيا أنها أمكن في التّخلص. قال ابن عرفة: واحتجّ بها المعتزلة على إنكار الشفاعة وحملها أهل السنّة على أنها في الكفار خاصة (بهم) لما تقدم. قال الإمام الرازي: بل هي حجة على المعتزلة. قال ابن عرفة: لا يُنْفَى إلا ما هو قابل للنفي والكفار ليسوا بقابلين للشفاعة بوجه بخلاف العصاة. وأجاب ابن عرفة: بأنهم قابلون لها باعتبار الدّعوى لقولهم: {أية : هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ} تفسير : فقد ادعوا أن لهم شفعاء.
ابن عادل
تفسير : "يوماً" مفعول به، [ولا بد من حذف] مضاف أي: عذاب يوم أو هول يوم، وأجيز أن يكون منصوباً على الظرف، والمفعول محذوف تقديره: واتقوا العَذَاب في يومٍ صِفَتُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ. ومنع "أبو البقاء" كونه ظرفاً، قال: "لأن الأمر بالتقوى لا يقع في يوم القيامة". والجواب عما قاله: أن الأمر بالحَذَرِ من الأسباب المؤدّية إلى العقاب في يوم القيامة. وأصل "اتَّقُوا": "اوْتَقُوا"، ففعل به ما تقدم في {أية : تَتَّقُونَ}تفسير : [البقرة:21]. قوله: {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ}. التنكير في "نفس" و"شيئاً" معناه أن نفساً من الأنفس لا تجزي عن نفس مثلها شيئاً من الأشياء، وكذلك في "شَفَاعة" و "عَدْل". قال الزمخشري: و "شيئاً" مفعول به على أن تجزي بمعنى "تقتضي"، أي: لا تقضي نفسٌ عن غيرها شيئاً من الحُقُوق، ويجوز أن يكون في موضع مَصْدَر، أي: قليلاً من الجزاء كقوله: {أية : وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً}تفسير : [مريم:60]، أي: شيئاً من الجزاء؛ لأن الجزاء شيء، فوضع العام موضع الخاص. واجْتَزَأْتُ بالشَّيء اجْتِزَاءً: اكْتَفَيْتُ، قال الشاعر: [الوافر] شعر : 462ـ بأَنَّ الغَدْرَ في الأَقْوَامِ عَارٌ وَأَنَّ الحُرَّ يَجْزَأُ بِالكُرَاعِ تفسير : أي: يجتزىء به. والجملة في محلّ نصب صفة لـ "يوماً"، والعائد محذوف، والتقدير: لا تَجْزِي فيه، ثم حذف الجار والمجرور، لأن الظروف يتّسع فيها ما لا يتّسع في غيرها، وهذا مذهب "سيبويه". وقيل: بل حذف بعد حذف حَرْفِ الجَرّ، ووصول الفعل إليه فصار: لا تجزية؛ كقوله: [الطويل] شعر : 463ـ وَيَوْمٍ شَهِدْنَاهُ سُلَيْماً وَعَامِراً قَلِيلٍ سِوَى الطَّعْنِ النَّهَالِ نَوَافِلُهْ تفسير : ويُعْزَى للأخفش، إلاّ أن "المهدوي" نقل أن أن الوجهين المتقدّمين جائزان عند الأخفش وسيبويه والزجاج؛ ويدلّ على حذف عائد الموصوف إذا كان منصوباً قوله:[الوافر] شعر : 464ـ فَمَا أَدْرِي أَغَيَّرَهُمْ قَنَاءٍ وَطُولُ الدَّهْرِ أَمْ مَالٌ أَصَابُوا؟ تفسير : أي: أصابوه، ويجوز عند الكوفيين أن يكون التقدير: يوماً يوم لا تَجْزي نفسٌ، فيصير كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ}تفسير : [الانفطار:19]، ويكون "اليوم" الثاني بدلاً من يوماً الأول، ثم حذف المُضَاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، كقوله: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف:82]، وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير عائدٍ؛ لأن الظرف متى أضيف إلى الجملة بعده لم يؤت له فيها بضمير، إلاّ في ضرورة شعر؛ كقوله: [الوافر] شعر : 465ـ مَضَتْ مائَةٌ لِعَامَ وُلِدْتُ فِيهِ وَسَبْعٌ بَعْدَ ذَاكَ وَحِجَّتَانِ تفسير : و "عن نفس" متعلّق بـ "تجزي"، فهو في محلّ نصب به. قال "أبو البَقَاء": يجوز أن يكون نصباً على الحال. و "الجزاء": القضاء والمكافأة؛ قال: [الرجز] شعر : 466ـ يَجْزِيهِ رَبُّ العَرْشِ عَنِّي إِذْ جَزَى جَنَّاتِ عَدْنٍ في العَلاَلِيِّ العُلا تفسير : و "الإجزاء": الإغناء والكِفَايَة، أجزأني كذا: كفاني، قال: [الطويل] شعر : 467ـ وأَجْزَأْتَ أَمْرَ العَالَمِينَ وَلَمْ يَكُنْ لِيَجْزَأَ إلاَّ كَامِلٌ وَابْنُ كَامِلِ تفسير : وأجْزَأْتُ وجَزَأْتُ متقاربانِ. وقيل: إن الإِجْزَاء والجَزَاء بمعنًى، تقول فيه: جَزَيْتُهُ وأَجْزَيْتُهُ. وقد قرىء: "تُجْزِىء" بضم حرف المُضَارعة من "أجزأ". قوله: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} هذه الجملة عطف على ما قبلها، فهو صفة أيضاً لـ "يوماً" والعائد "منها" عليه محذوف كما تقدم، ولا يقبل منها فيه شفاعة. و"شفاعة" مفعول لم يُسَمّ فاعله، فلذلك رُفِعَتْ. وقرىء: "يُقْبَل" بالتذكير والتأنيث، فالتأنيث للفظ، والتذكير لأنه مؤنّث مجازي، وحسنه الفصل. وقرىء: "ولا يَقْبَلُ" مبنياً للفاعل وهو "الله" تعالى. و "شَفَاعةً" نصبا مفعولاً به. "وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ" صفة أيضاً، والكلام فيه واضح. و "منها" متعلّق بـ "يُقْبَل" و "يُؤْخَذ". وأجاز أبو البقاء: أن يكون نصباً على الحال؛ لأنه في الأصل صف لـ "شفاعة" و "عَدْل"، فلما قدم عليهما نصب على الحَالِ، ويتعلّق حينئذ بمحذوف، وهذا غير وَاضِحٍ، فإنّ المعنى منصب على تعلقه بالفعل، والضمير في "منها" يعود على "نفس" الثانية؛ لأنها أقرب مذكور، ويجوز أن يعود الضَّمير الأول على الأولى، وهي النفس الجازية، والثاني يعود على الثَّانية، وهي المجزيّ عنها، وهذا مُنَاسب. و "الشَّفَاعة" مشتقة من الشَّفْع، وهو الزوج، ومنه "الشُّفْعَة"؛ لأنها ضَمّ ملك إلى غيره، والشافع والمشفوع له؛ لأن كلاًّ منهما يزوج نفسه بالآخر، ونَاقَةٌ شَفُوعٌ يجمع بين مَحْلَبَيْنِ في حَلْبَةٍ واحدة، وناقة شَافِعٌ: إذا اجتمع لها حَمْلٌ وَوَلَدٌ يَتْبَعُهَا. وَالعَدْل ـ بالفتح ـ الفِدَاء، وبالكَسْرِ: المِثْل، يقال: عَدْل وعَدِيل. وقيل: عَدْل ـ بالفتح ـ المساوي للشيء قيمةً وقدراً، وإن لم يكن من جنسه، وبالكَسْرِ: المساوي له في جنسه وجِرْمِهِ. وحكى الطبري: "أن من العرب من يكسر الذي بمعنى الفِدَاء، وأما عِدْل ـ واحد الأعدال ـ فهو بالكسر لا غير". وعَدْل ـ واحد الشهود ـ [فبالفتح لا غير، وأما قوله عليه السلام: "حديث : لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفاً وَعَدْلاً"تفسير : ] فهو بالفتح أيضاً. وقيل: المراد بـ "الصَّرْف": النَّافلة، وبـ "العَدْل": الفريضة. وقيل: الصَّرف: التوبة، والعَدْل: الفِدْيَة. قوله: {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} جملة من مبتدأ وخبر معطوفة على ما قبلها، وإنما أتى هنا بالجملة مصدّرة بالمبتدأ مخبراً عنه بالمُضَارع تنبيهاً على المُبَالغة والتأكيد في عدم النصرة. والضمير في قوله "وَلاَ هُمْ" يعود على "النَّفس"؛ لأن المراد بها جنسُ الأنفس، وإنما عاد الضمير مذكراً، وإن كانت النفس مؤنثةً؛ لأنّ المراد بها العباد والأَنَاسِيّ. قال الزمخشري: "كما تقول: ثلاثة أنفس". يعني: إذا قصد به الذُّكُور؛ كقوله: [الوافر] شعر : 468ـ ثَلاَثَةُ أَنْفُسٍ وَثَلاَثُ ذَوْدٍ ......................... تفسير : ولكن النُّحَاة نَصُّوا على أنه ضرورةٌ، فالأَوْلَى أن يعود على الكفار الذين اختصتهم الآية؛ كما قال "ابن عطية". و "النَّصْر": العون، والأَنْصَار: الأَعْوَان، ومنه {أية : مَنْ أَنصَارِيۤ إِلَى ٱللَّهِ}تفسير : [آل عمران:52] والنّصر ـ أيضاً ـ الانتقام، انتصر زيد: انتقم، والنصر: الإتْيَان ـ نَصَرْتُ أَرْضَ بني فلانِ: أتيتها؛ قال الشاعر: [الطويل] شعر : 469ـ إذَا دَخَلَ الشَّهْرُ الحَرَامُ فَوَدِّعِي بِلاَدَ تَمِيمٍ وانْصُرِي أَرْضَ عَامِرِ تفسير : والنَّصْر: المطر، يقال: نصرت الأرض: مطرت. قال "القَفّال": تقول العرب: أرض مَنْصورَة أي ممطورة، والغَيْثُ ينصر البلاد: إذا أنبتها، فكأنه أغاث أَهْلَهَا. وقيل في قوله: {أية : مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ}تفسير : [الحج:15] أي: لن يرزقه الله، كما يرزق الغَيْثُ البِلادَ. والنَّصْر: العَطَاءُ؛ قال: [الرجز] شعر : 470ـ إِنِّي وَأَسْطَارٍ سُطِرْنَ سَطْرَا لَقَائِلٌ: يَا نَصْرُ نَصْرٌ نَصْرَا تفسير : ويتعدّى بـ "على" قال تعالى: {أية : فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [البقرة:286] وأما قوله: {أية : وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ}تفسير : [الأنبياء:77] فيحتمل التعدّي بـ "من" ويحتمل أن يكون من التضمين. أي: نصرناه بالانتقام له منهم. فإن قيل: قوله: {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} تفيد ما أفاده {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} فما المقصود من هذا التكرار؟ فالجواب: أن قوله: {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ} أي: لا تتحمّل عنه غيره ما يلزمه من الجَزَاء. وأما النُّصْرَة فهو أن يحاول تخليصه من حكم المعاقب، فإن قيل: قدم في هذه الآية قَبُول الشفاعة على أخذ الفدية، وفي الآية التي قبل قوله {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [البقرة:124] قدم قبول الفدية على ذكر الشَّفاعة فما [الحكم؟ قال ابن الخطيب:] فالجواب: أن من كان مَيْله إلى حبّ المال أشدّ من ميله إلى عُلُوّ النفس فإنه يقدّم [التمسُّك] بالشافعين على إعطاء الفدية، ومن كان بالعَكْسِ يقدّم الفدية على الشفاعة، ففائدة تغيير الترتيب الإشارة إلى هذين الصنفين. فصل في سبب نزول الآية ذكروا أن سبب هذه الآية أن بني إسرائيل قالوا: {أية : نَحْنُ أَبْنَآءُ ٱللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ}تفسير : [المائدة:18] وأبناء أنبيائه، وسيشفع لنا آباؤنا، فأعلمهم الله ـ تعالى ـ عن يوم القيامة أنه لا تُقْبَلُ فيه الشفاعات، ولا يؤخذ فيه فدية. وإنما خصّ الشّفاعة والفدية والنصر بالذِّكْرِ، لأنها هي المعاني التي اعتادها بَنُو آدم في الدنيا، فإنّ الواقع في الشِّدَّة لا يتخلَّص إلا بأن يشفع له، أو يفتدى، أو ينصر. فصل في الشفاعة أجمعت الأمّة على أنّ الشفاعة في الآخرة لمحمد صلى الله عليه وسلم ثم [اختلفوا في] أن شفاعته ـ عليه الصلاة والسلام ـ [لمن] تكون أي للمؤمنين المستحقّين للثواب أم لأهل الكبائر المستحقين للعقاب؟ فذهب المعتزلة إلى أنها للمستحقّين للثواب، وتأثير الشفاعة زيادة المَنَافع على ما استحقّوه. وقال أصحابنا: تأثيرها في إسقاط العقاب عن المستحقّين العقاب بأن يشفع لهم في عرصة القيامة حتى لا يدخلوا النار، فإن دخلوا النار، فشفع لهم حتى يخرجوا منها ويدخلوا الجنة. واتفقوا على أنها ليست للكفار.
السيوطي
تفسير : أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قرأت على أبي بن كعب {واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس} بالتاء {ولا تقبل منها شفاعة} بالتاء {ولا يؤخذ منها عدل} بالياء. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {لا تجزي نفس عن نفس شيئاً} قال: لا تغني نفس مؤمنة عن نفس كافرة من المنفعة شيئاً. وأخرج ابن جرير عن عمر بن قيس الملائي عن رجل من بني أمية من أهل الشام أحسن الثناء عليه قال: "حديث : قيل: يا رسول الله ما العدل؟ قال: العدل الفدية ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله {ولا يؤخذ منها عدل} قال: بدل البدل الفدية. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءتنا قبل الخمسين من البقرة مكان {لا تقبل منها شفاعة} لا يؤخذ.
ابو السعود
تفسير : {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا} أي حسابَ يومٍ أو عذابَ يوم {لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} أي لا تقضي عنها شيئاً من الحقوق فانتصابُ شيئاً على المفعولية أو شيئاً من الجزاء فيكون نصبُه على المصدرية وقرىء لا تُجزِي: أي لا تغني عنها فيتعين النصبُ على المصدرية، وإيرادُه منكراً مع تنكير النفسِ للتعميم والإقناطِ الكليّ، والجملة صفةُ (يوماً) والعائد منها محذوف أي لا تَجْزي فيه ومن لم يجوِّز الحذفَ قال: اتُسع فيه فحُذف الجارُّ وأُجرِيَ المجرورُ مُجرىٰ المفعولِ به ثم حُذِفَ في قول من قال: [الوافر] شعر : فما أدري أغَيَّرهمْ تناءٍ وطولُ العهدِ أم مالٌ أصابوا تفسير : أي أصابوه {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أي من النفس الثانية العاصيةِ أو من الأولى، والشفاعةُ من الشفْع كأن المشفوعَ له كان فرداً فجعله الشفيعُ شفعاً والعدلُ الفدية وقيل: البدل، وأصله التسوية سُمي به الفديةُ لأنها تساوي المَفْدِيَّ وتَجزي مَجزاه {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} أي يُمنعون من عذاب الله عز وجل، والضميرُ لما دلت عليه النفسُ الثانية المنَكّرة الواقعةُ في سياق النفي من النفوس الكثيرة، والتذكيرُ لكونها عبارةً عن العبّاد والأَناسيِّ، والنُصرةُ ههنا أخصُّ من المعونة لاختصاصها بدفع الضرر وكأنه أريد بالآية نفيُ أن يَدفعَ العذابَ أحدٌ عن أحد من كل وجهٍ محتمل، فإنه إما أن يكون قهراً أو لا والأول النُّصرة، والثاني إما أن يكون مجّاناً أو لا، والأولُ الشفاعة والثاني إما أن يكونَ بأداء عينِ ما كان عليه وهو أن يجزيَ عنه أو بأداء غيرِه وهو أن يُعطيَ عنه عَدْلاً وقد تمسكت المعتزلةُ بهذه الآية على نفي الشفاعةِ لأهل الكبائرِ، والجوابُ أنها خاصة بالكفار للآيات الواردة في الشفاعة والأحاديثِ المرويةِ فيها ويؤيده أن الخطابَ معهم ولردهم عما كانوا عليه من اعتقاد أن آباءَهم الأنبـياءَ يشفعون لهم {وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ} تذكيرٌ لتفاصيلِ ما أُجمل في قوله تعالى: {أية : نِعْمَتِى ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة، الآية 47] من فنون النَعماء وصنوفِ الآلاءِ أي واذكروا وقت تنجيتِنا إياكم أي آباءَكم فإن تنجيتَهم تنجيةٌ لأعقابهم، وقرىء: أنجيتُكم وأصلُ آلٍ أهْلٌ لأن تصغيره أُهيل وخص بالإضافة إلى أولي الأخطارِ كالأنبـياء عليهم السلام والملوك، وفرعونُ لقبٌ لمن ملك العمالقة ككسرى لملِك الفرسِ وقيصرَ لملك الروم وخاقانَ لملك التُرك، ولعُتُوِّه اشتُق منه تفَرْعَنَ الرجلُ إذا عتا وتمرَّد، وكان فرعونُ موسى عليه السلام مُصعبُ بنُ ريانَ وقيل: ابنهُ وليداً من بقايا عادٍ، وقيل: إنه كان عطّاراً أصفهانياً ركبتْه الديونُ فأفلس فاضطُر إلى الخروج فلحِقَ بالشام فلم يتسنَّ له المقامُ به فدخل مصْرَ فرأى في ظاهره حِمْلاً من البطيخ بدرهم، وفي نفسه بِطِّيخةٌ بدرهم فقال في نفسه: إن تيسر لي أداءُ الدين فهذا طريقُه فخرج إلى السواد فاشترى حملاً بدرهم فتوجه به إلى السوق فكل من لقِيه من المكّاسين أخذ منه بِطيخة فدخل البلد وما معه إلا بطيخةٌ فباعها بدرهم ومضىٰ لوجهه ورأى أهلَ البلد متروكين سُدى لا يتعاطىٰ أحدٌ سياستهم، وكان قد وقع بهم وباءٌ عظيمٌ فتوجه نحوَ المقابر فرأىٰ ميْتاً يُدفن فتعرَّض لأوليائه فقال: أنا أمينُ المقابرِ فلا أدعُكم تدفِنونه حتى تعطوني خمسةَ دراهمَ فدفعوها إليه ومضى لآخرَ وآخرَ حتى جمع في مقدار ثلاثة أشهرٍ مالاً عظيماً ولم يُتعرضْ له قطُّ إلى أن تعرَّض يوماً لأولياء ميتٍ فطلب منهم ما كان يطلب من غيرهم فأبَوْا ذلك فقالوا: من نصَّبك هذا المنصِبَ فذهبوا به إلى فرعون فقال: من أنت ومن أقامك بهذا المَقام؟ قال: لم يُقِمْني أحد وإنما فعلتُ ما فعلتُ ليُحضِرَني أحد إلى مجلسك فأُنبِّهَك على اختلال حال قومِك وقد جمعتُ بهذا الطريق هذا المقدارَ من المال فأحضَره ودفعه إلى فرعون فقال: ولِّني أمورَك ترَني أميناً كافياً فولاه إياها فسار بهم سيرةً حسنة فانتظمتْ مصالحُ العسكر واستقامت أحوالُ الرعية ولبث فيهم دهراً طويلاً وترامىٰ أمرُه في العدل والصلاحِ فلما مات فرعون أقاموه مُقامه فكان من أمره ما كان وكان فرعونَ يوسفَ ريانُ وكان بـينهما أكثرُ من أربعمائة سنة {يَسُومُونَكُمْ} أي يبغونكم من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً وأصله الذهاب في طلب الشيء {سُوء ٱلْعَذَابِ} أي أفظعَه وأقبحه بالنسبة إلى سائره والسُوء مصدرٌ من ساء يسوءُ ونصبُه على المفعولية ليسومونكم، والجملةُ حالٌ من الضمير في نجّيناكم أو من آلِ فرعونَ أو منهما جميعاً لاشتمالها على ضميريهما {يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ} بـيانٌ ليسومونكم ولذلك تُرك العاطفُ بـينهما وقرىء يَذْبحون بالتخفيف وإنما فعلوا بهم ما فعلوا لما أن فرعونَ رأىٰ في المنام أو أخبره الكهنةُ أنه سيولد منهم من يذهب بمُلكه فلم يردَّ اجتهادُهم من قضاء الله عز وجل شيئاً قيل: قتلوا بتلك الطريقة تسعمائة ألف مولود وتسعين ألفاً وقد أعطى الله عز وجل نفس موسى عليه السلام من القوة على التصرف ما كان يعطيه أولئك المقتولين لو كانوا أحياء ولذلك كانت معجزاته ظاهرةً باهرة {وَفِى ذٰلِكُمْ} إشارة إلى ما ذكر من التذبـيح والاستحياء أو إلى الإنجاء منه، وجمعُ الضمير للمخاطبـين، فعلى الأول معنى قوله تعالى: {بَلاءٌ} محنةٌ وبلية وكونُ استحياءِ نسائهم أي استبقائهن على الحياة محنةً مع أنه عفو وتركٌ للعذاب لما أن ذلك كان للاستعمال في الأعمال الشاقة وعلى الثاني نعمةٌ وأصلُ البلاء الاختبار، ولكن لما كان ذلك في حقه سبحانه مُحالاً وكان ما يجري مَجرى الاختبارِ لعباده تارةً بالمحنة وأخرى بالمِنْحة أُطلق عليهما، وقيل: يجوز أن يُشارَ بذلكم إلى الجملة ويرادَ بالبلاء القدرُ المشترك الشاملُ لهما {مّن رَّبّكُمْ} من جهته تعالى بتسليطهم عليكم أو ببعث موسى عليه السلام وبتوفيقه لتخليصكم منهم أو بهما معاً {عظِيمٌ} صفةٌ لبلاءٌ وتنكيرُهما للتفخيم، وفي الآية الكريمة تنبـيهٌ على أن ما يصيب العبدَ من السرَّاء والضراءِ من قبـيل الاختبارِ فعليه الشكرُ في المسار والصبرُ على المضارِّ.
التستري
تفسير : وسئل عن قوله: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ}[48] أي لو جاءت بكل شيء من الأعمال من كبير أو صغير أو كثير أو قليل لم يتقبل ذلك منها، ولا شيء منه عند حصولهم في القيامة، والعدل: المثل، ألا ترى إلى قوله: {أية : أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً}تفسير : [المائدة:95] أي مثله وجزاءه.
القشيري
تفسير : العوام خوَّفهم بأفعاله فقال: {وَاتَّقُوا يَوْماً} "واتقوا النار". والخواص خوَّفهم بصفاته فقال: {أية : وَقُلِ ٱعْمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ}تفسير : [التوبة: 105] وقال: {أية : وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ} تفسير : [يونس: 61] إلى قوله: {أية : إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً} تفسير : [يونس: 61]. وخاص الخاص خوَّفهم بنفسه فقال: {أية : وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ}تفسير : [آل عمران: 28]. والعدل: الفداء. يوم القيامة لا تسمع الشفاعة إلا لمن أمر الحق بالشفاعة له، وأَذِنَ فيه، فهو الشفيع الأكبر - على التحقيق - وإن كان لا يطلق عليه لفظ الشفيع لعدم التوقيف. وفي معناه قيل:شعر : الحمد لله شكرا فكلُّ خيرٍ لديه صار الحبيب شفيعاً إلى شفيع إليه تفسير : والذين أصابتهم نكبة القسمة لا تنفعهم شفاعة الشافعين، وما لهم من ناصرين، فلا يُقْبَل منهم فداء، ولو افتدوا بملء السموات وملء الأرضين.
اسماعيل حقي
تفسير : {واتقوا} اى واخشوا يا بنى اسرائيل {يوما} يوم القيامة اى حساب يوم او عذاب يوم فهو من ذكر المحل وارادة الحال {لا تجزى} اى لا تقتضى فيه ولا تؤدى ولا تغنى فالعائد محذوف والجملة صفة يوم {نفس} مؤمنة {عن نفس} كافرة {شيأ} ما من الحقوق التى لزمت عليها وهو نصب على المفعول به وايراده منكرا مع تنكير النفس للتعميم والاقناط الكلى قال تعالى {أية : لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم} تفسير : [الممتحنة: 3] وكيف تنفع وقد قال {أية : يوم يفر المرء من أخيه} تفسير : [عبس: 34] الآية: قال في المثنوى شعر : جون يفر المرء آيد من اخيه يهرب المولود يوما من ابيه زان شود هر دوست آن ساعت عدو كه بت توبود وازره مانع او تفسير : وهذا في حق الكفار فاما المؤمن فقد استثناه فقال {أية : يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم} تفسير : [الشعراء: 88-89]. اى خال عن الشرك {ولا يقبل منها} اى من النفس الاولى المؤمنة {شفاعة} ان شفعت للنفس الثانية الكافرة عند الله لتخليصها من عذابه والشفاعة مصدر الشافع والشفيع وهو طالب قضاء حاجة غيره مأخوذ من الشفع لانه يشفع نفسه بمن يشفع له في طلب مراده ولا شفاعة في حق الكافر بخلاف المؤمن قال النبي عليه السلام "حديث : شفاعتى لاهل الكبائر من امتىbr>". تفسير : فمن كذب بها لم ينلها والآيات الواردة في نفى الشفاعة خاصة بالكفار {ولا يؤخذ منها} اى من المشفوع لها وهى النفس الثانية العاصية {عدل} اى فداء من مال او رجل مكانها او توبة تنجو بها من النار. والعدل بالفتح مثل الشىء من خلاف جنسه وبالكسر مثله من جنسه وسمى به الفدية لانها تساويه وتماثله وتجرى مجراه {ولا هم ينصرون} اى يمنعون من عذاب الله تعالى ومن ايدى المعذبين فلا نافع ولا شافع ولا دافع لهم والضمير لما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق النفى من النفوس الكثيرة والتذكير لكونها عبارة عن العباد والاناسى والنصرة ههنا اخص من المعونة لاختصاصها بدفع الضرر. ثم هذه الآية في غاية البلاغة فانها جمعت ذكر الوجوه التى بها يتخلص المرء من النكبة التى اصابته في الدنيا وهى اربع ينوب عنه غيره في تحمل ما عليه او يفتدى بمال فيخلص منها او يشفع له شافع فيوهب له او ينصره ناصر فيمنعه فقطعها الله عنهم جميعا. وعن عكرمة انه قال ان الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة فيقول يا بنى انى اب لك في الدنيا وقد احتجت الى مثقال حبة من حسناتك لعلى انجو بها مما ترى فيقول له ولده انى اتخوف مثل الذي تخوفت. انت فلا أطيق ان اعطيك شيأ ثم يتعلق بزوجته فيقول لها فلانة انى زوج لك في الدنيا فتثنى عليه خيرا فيقول لها انى اطلب منك حسنة واحدة تهبينها لى لعلى انجو مما ترين فتقول لا اطيق ذلك انى تخوفت مثل الذي تخوفت منه فيقول الله {أية : وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شىء ولو كان ذا قربى} تفسير : [فاطر: 18]. عنى من اثقلته الذنوب لا يحمل احد من ذنبه شيأ: قال السعدى شعر : برفتند هر كس درود آنجه كشت نماند بجز نام نيكو وزشت بر آن خورد سعدى كه بينحى نشاند كسى بردخر من كه تخمى فشاند تفسير : وفي التأويلات النجمية {أية : يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم} تفسير : [البقرة: 48] ظاهره عام وباطنه خاص مع قوم منهم قد علم الله فيهم خيرا فاسمعهم خطابه في السر فذكروا نعمته التى انعم بها عليهم وهى استعداد قبول رشاش نوره يوم خلق الله الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره فآمنوا بمحمد عليه السلام من خاصية قبول ذلك الرشاش كما قال عليه السلام "حديث : فمن اصابه ذلك النور فقد اهتدى ومن أخطأه فقد ضل" {أية : وأنى فضتلكم على العالمين} تفسير : [البقرة: 48]. اى بهذه النعمة اى فضلتكم مع الذين انعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين بهذه النعمة عند رش النور على من لم يصبهم ذلك النور من العالمين {واتقوا يوما} اى عذاب يوم يخوف الله العام بافعاله كما قال واتقوا النار الخ ويخوف الخاص بصفاته كقوله {أية : إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون} تفسير : [يس: 76] وقوله {أية : ليسأل الصادقين عن صدقهم} تفسير : [الأحزاب: 8]. ويخوف خاص الخاص بذاته ويحذركم الله نفسه وقوله {أية : وإتقوا الله حق تقاته} تفسير : [آل عمران: 102]. {لا تجزى نفس عن نفس شَيْئأ} [البقرة: 48] {أية : والأمر يومئذ لله} تفسير : [الإنفطار: 19]. {ولا يقبل منها شفاعة} في حق نفسها ولا فى حق غيرها بغير الاذن كقوله تعالى {أية : من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} تفسير : [البقرة: 255]. {ولا يؤخذ منها عدل} اى فداء لانه {أية : ليس للإنسان إلا ما سعى وإن سعيه سوف يرى} تفسير : [النجم: 39]. والسعى المشكور ما يكون ههنا {ولا هم ينصرون} لانهم ما نصروا الحق ههنا وقد قال الله تعالى {أية : إن تنصروا الله ينصركم} تفسير : [ محمد: 7].
الطوسي
تفسير : قرأ ابن كثير وأهل البصرة "لا يقبل منها بالياء" الباقون بالتاء. الاعراب: موضع {لا تجزي} نصب لأنه صفة يوم. والعائد عند الكسائي لا يكون إلا هاء محذوفة من تجزيه وقال بعضهم: لا يجوز إلا فيه: وقال سيبويه والاخفش والزجاج: يجوز الأمران. المعنى: قال ابو علي المعنى في قوله {ولا يقبل منها شفاعة} فمن ذهب إلى ان (فيه) محذوفة من قوله {واتقوا يوماً لا تجزي}، جعل (فيه) بعد قوله {ولا يقبل} ومن ذهب إلى انه حذف الجار، وأوصل الفعل إلى المفعول، ثم حذف الراجع من الصفة كما يحذف من الصلة، كان مذهبه في قوله: لا يقبل ايضاً مثله وحذف الهاء من الصفة يحسن كما يحسن حذفها من الصلة ألا ترى ان الفعل لا يتسلط بحذف المفعول منه على الموصوف كما لا يتسلط بذلك على الموصول؟ ومما حذف منه الراجع إلى الصفة قوله: شعر : وما شيء حميت بمستباح تفسير : ومن الحذف قوله: شعر : تروّحي اجدران تقيلي غدا بجنبي بارد ظليل تفسير : المعنى: تأتي مكانا اجدران تقيلي فيه فحذف الجار ووصل الفعل ثم حذف الضمير: ونظير الآية قول الراجز: شعر : قد صبحت صبيحها السلام بكبدٍ خالطها السنام في ساعة يحبها الطعام تفسير : أي تحب الطعام فيها. اللغة: والمجازاة والمكافأة والمقابلة نظائر. يقال: جزى يجزي جزاء، وجازاه مجازاة، وتجازوا تجازيا: قال صاحب العين: المجازاة: المكافأة بالاحسان احساناً وبالاساءة اساءة وفلان: ذو جزاء وذو غناء وتقول هذا الشيء يجزىء عن هذا بهمز وتليين وفي لغة يجزي أي يكفي واصل الباب مقابلة الشيء بالشيء. المعنى: ومعنى قوله {أية : لا تجزي نفس عن نفس شيئاً} تفسير : أي لا تقابل مكروهها بشيء يدرأه عنها. قال الله تعالى: {أية : هل تجزون إلا ما كنتم تعملون} تفسير : وقال: {أية : اليوم تجزى كل نفس ما كسبت} تفسير : والفرق بين المقابلة والمجازاة ان المقابلة قد تكون للمساواة فقط كمقابلة الكتاب بالكتاب والمجازاة تكون في الشر بالشر والخير بالخير. ومعنى قوله {لا تجزي} أي لا تغني وهو قول السدي كما تقول: البقرة تجزي عن سبعة وهي لغة أهل الحجاز. وبنو تميم تجزىء بالهمزة من اجزاه: والأول من جزت وقال الاخفش لا تجزي منها أي لا يكون مكانها بدلا منها وأنكر عليهم ذلك لقوله: {شيئاً}. وجعل الأخفش لا تجزي منها {شيئاً} في موضع المصدر كأنه يقول لا تجزي جزاء ولا تغني غناء قال الرماني والاقرب ان تكون {شيئاً} في موضع حقاً كأنه قيل لا يؤدي عنها حقا وجب عليها. وقال بعضهم {لا تجزي} بمعنى لا تقضي. وقبول الشيء تلقيه والاخذ به وضده الاعراض عنه ومن ثم قيل لتجاه القبلة قبالة. وقالوا: أقبلت المكواة الداء أي جعلتها قبالته ويجوز ان يكون المخاطبون بذلك اليهود، لأنهم زعموا ان اباءهم الانبياء وتشفع لهم واويسوا بقوله {قل فلم يعذبكم بذنوبكم} وبقوله: {لا يقبل منها شفاعة} والقبول والانقياد والطاعة والاجابة نظائر ونقيضها الامتناع يقال قبل قبولا، وأقبل اقبالا، وقابله مقابلة وتقابلوا تقابلا، واستقبله استقبالا، وتقبل تقبالا، وقبله تقبيلا وقبل نقيض بعد والقبل خلاف الدبر والقبل اقبالك على الشيء كأنك لا تريد غيره والقبل الطاقة تقول لا قبل لي أي لا طاقة لي. ومنه قوله: {أية : فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها} تفسير : والقبل التلقاء تقول لقيته قبلا أي مواجهة واصبت هذا من قبله أي من تلقائه أي من لدنه ومن عنده وقوله: {أية : وحشرنا عليهم كل شيء قبلا} تفسير : أي قبلا وفسر بعضهم عيانا، وكل جيل من الناس والجن والقبيلة من قبائل العرب معروفة والكرة يقال لها قبائل. وكل قطعة من الجلد قبيلة. وقبيلة الرأس كل فلقة قد قوبلت بالاخرى وكذلك قبائل العرب والقبال: زمام البغل. يقال: بغل مقبولة ومقبلة. والقبل رأس كل شيء مثل الجبل والاكمة وكثب الرمل. وقبالة كل شيء. ما كان مستقبله ومن الجيران مقابل ومدابر. وشاة مقابلة: اذا قطعت من اذنها قطعة وتركت معلقة من مقدم، وان كانت من خلف فهي مدابرة واذا ضممت شيئاً إلى شيء قلت قابلته والقابلة هي الليلة: المقبلة. وكذلك العام القابل والمقبل. والقابلة: التي تقبل الولد والقبول من الريح: الصبا لأنها تستقبل الدبور، وهي تستقبل القبلة من المشرق والقبول: ان تقبل العفو وغير ذلك. وهو اسم المصدر واميت الفعل منه والقبول الاسم. تقول: أفعل هذا من ذي قبل أي من ذي استقيال. والقبلة معروفة والفعل منه التقبيل. والقبلة قبلة الصلاة والتقبل تقبل الشيء تقول: تقبل الله منك وعنك عملك. وتقول: تقبلت فلانا من فلان بقبول حسن ورجل مقابل في كرم وفي شرف من قبل اعمامه واخواله. ورجل مقبل الشاب لم ير فيه اثر من الكبر. والقبيل والدبير: في الجبل فالقبيل الفتل الاول الذي عليه العمامة، والدبير الفتل الاخر وبعضهم يقول القبيل في قوى الحبل كل قوة على وجهها الداخل قبيل والوجه الخارج: دبير وقد قرىء قبلا وقبلا فمن قرأ قبلاً أراد جمع قبيل ومن قرأ قَبلا أراد مقابلة والقبيل والكفيل واحد وقبيل القوم عريفهم. والباب المقابلة خلاف المدابرة. وأما الشفاعة فهي مأخوذة من الشفع الذي هو خلاف الوتر فكأنه سؤال من الشفيع. شفع: سؤال المشفوع له والشفاعة، والوسيلة والقربة والوصلة نظائر. ويقال شفع شفاعة وتشفع تشفعاً، واستشفع استشفاعاً، وشفعه تشفيعاً والشفع من العدد: ما كان ازواجا تقول كان وتراً فشفعته باخر حتى صار شفعاً ومنه قوله: {أية : والشفع والوتر} تفسير : قال الشفع: يوم النحر. والوتر: يوم عرفه. وقال بعض المفسرين: الشفع: الحفاء يعني كثرة الخلق والوتر الله والشافع: الطالب لغيره والاسم الشفاعة والطالب: الشفيع والشافع والشفعة في الدار معروفة. وتقول فلان يشفع اليّ بالعداوة أي يعين عليّ ويعاديني وتقول شفعت الرجل: اذا صرت ثانيه وشفعت له: اذا كنت له شافعا. وانما سميت شفعة الدار، لأن صاحبها يشفع ما له بها، ويضمها الى ملكه واصل الباب: الزوج من العدد: وقوله {ولا يقبل منها شفاعة} مخصوص عندنا بالكفار؛ لأن حقيقة الشفاعة عندنا ان يكون في اسقاط المضار دون زيادة المنافع. والمؤمنون عندنا يشفع لهم النبي (صلى الله عليه وسلم) فيشفعه الله تعالى، ويسقط بها العقاب عن المستحقين من أهل الصلوة لما روي من قوله "ع": ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من امتي: وانما قلنا لا تكون في زياة المنافع، لأنها لو استعملت في ذلك، لكان احدنا شافعاً في النبي "صلى الله عليه وسلم" اذا سأل الله ان يزيده في كراماته وذلك خلاف الاجماع فعلم بذلك ان الشفاعة مختصة بما قلناه وعلم بثبوت الشفاعة ان النفي في الآية يختص بالكفار دون أهل القبلة. والآيات الباقيات نتكلم عليها اذا انتهينا اليها ان شاء الله. والشفاعة ثبت عندنا للنبي "صلى الله عليه وسلم" وكثير من اصحابه ولجميع الائمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين. وقيل ان نفي الشفاعة في هذه الآية يختص باليهود من بني اسرائيل، لأنهم ادعوا انهم ابناء الله واحباؤه واولاد انبيائه، وان اباءهم يشفعون اليه فايسهم الله من ذلك، فاخرج الكلام مخرج العموم. والمراد به الخصوص. ولا بد من تخصيص الآية لكل احد، لأن المعتزلة والقائلين بالوعيد يثبتون شفاعة مقبولة ـ وان قالوا انها في زيادة المنافع ـ واصل الشفاعة ان يشفع الواحد للواحد فيصير شفعا. ومنه الشفيع لأنه يصل جناح الطالب ويصير ثانياً له. والذي يدل على ان الشفاعة في اسقاط الضرر قول شاعر غطفان انشده المبرد: شعر : وقالوا اتعلم ان مالك ان تصب يفدك وان يحبس بديل ويشفع تفسير : واستعملت في زيادة المنافع ايضاً ـ وان كان مجازاً لما مضى ـ قال الحطيئة في طلب الخير: شعر : وذاك امرؤ ان تاته في صنيعة إلى ما له لم تأته بشفيع تفسير : وقد استعملت الشفاعة بمعنى المعاونة انشد بعضهم للنابغة: شعر : اتاك امرؤ مستعلن لي بغصة له من عدو مثل مالك شافع تفسير : أي معين وقال الاحوص: شعر : كأن من لامني لاصرمها كانوا لليلى بلومهم شفعوا تفسير : أي تعاونوا. قوله: {لا يؤخذ منها عدل} اللغة: والعدل، والحق، والانصاف نظائر. والعدل: نقيض الجور يقال: عدلا عدل واعتدل اعتدالا. وتعادل تعادلا وتعدلا. وعادله معادلة. وعدله تعديلا والعدل المرضي من الناس. يقع على الواحد والجماعة والذكر والانثى: فاذا قلت هم عدل قلت هما عدلان والعدل: الحكم بالحق يقال هو حكم عدل ذو معدلة في حكمه وعدل الشيء نظيره ومثله تقول عدلت بفلان فلانا اعدله. والعادل المشرك الذي يعدل بربه والعدل ان يعدل الشيء عن وجهه فيميله تقول: عدلته عن كذا وعدلت انا عن الطريق والعديل الذي يعادلك في المحمل أو نحوه ما كان. وسمعت العرب تقول: اللهم لا عدل لك أي لا مثل لك وفي الكفارة (عدل ذلك) أي مثله في العدل، لا بالنظير بعينه والعدل الفداء، لقوله: {لا يقبل منها عدل} وقيل ايضاً: ان العدل: الفريضة والصرف: النافلة وقوله {أية : بربهم يعدلون} تفسير : أي يشركون. وقيل لما يؤكل: معتدل اذا لم يكن فيه ضرر من حر أو برد. وتقول عدلته أى اقمته حتى اعتدل واستقام وعدلت فلانا عن طريقه والدابة عن طريقها: إذا عطفتها فانعدلت وانعدل الطريق. ويقولون الطريق يعدل الى مكان كذا وكذا. فاذا أراد الاعوجاج نفسه قال: ينعدل في مكان كذا وكذا أي ينعوج، والاعتدال: الاستواء فلان عدل حسن العدالة، واصل الباب العدل الذي هو الاستقامة. والعدل المذكور في الآية الفدية. روي ذلك عن النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو قول ابن عباس وابي الغالية. وقال قوم هو بدل والفرق بين العِدل والعَدل ان العدل بالكسر المثل تقول عندي عدل جاريتك أي جارية. مثلها فاذا قلت عندي عَدل جاريتك يجوز ان يكون قيمتها من الثمن. ومن قرأ بالتاء فلأن الشفاعة مؤنثة ومن ذكر قال: لأن التأنيث ليس بحقيقي ولأن الفعل تقدم على المؤنث فاشبه علامة التثنية والجمع اذا تقدم الفعل سقط كذلك ها هنا. ومثله قوله: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} وكقول الشاعر: شعر : فلا مزنة ودقت ودقها ولا ارض ابقل ابقالها تفسير : والتاء اجود، لأنه أصل. والياء حسن. قوله {ولا هم ينصرون}. اللغة: والنصر والمعونة والتقوية نظائر. وضد النصر الخذلان. يقال: نصرته نصرا وانتصر انتصاراً. واستنصر استنصاراً. وتناصر تناصراً. قال صاحب العين: النصر عون المظلوم. وفي الحديث: حديث : انصر اخاك ظالماً ومظلوماً تفسير : معناه ان كان مظلوماً فامنع منه الظلم. وان كان ظالماً فامنعه من الظلم وانهه. والانصار: كالنصار وانصار النبي "صلى الله عليه وسلم" اعوانه وانتصر فلان: اذا انتقم من ظالمه. والنصير الناصر. والتنصر الدخول في النصرانية. والنصارى. منسوبون إلى ناصرة، وهي موضع. ونصرت السماء اذا امطرت. قال الشاعر: شعر : اذا خرج الشهر الحرام فودعي بلاد تميم وانصري ارض عامر تفسير : ونصرت الرجل: اذا اعطيته وانشد: شعر : ابوك الذي اجدى عليّ بنصرة فاسكت عني بعده كل قائل تفسير : وأصل الباب والمعونة والنصرة قد تكون بالحجة وقد تكون بالغلبة فالله (عز وجل) ينصر جميع المؤمنين بالحجة التي تؤيدهم. واما النصر بالغلبة فبحسب المصلحة ولا يدل وقع الغلبة لبعض المؤمنين على انه مسخوط عليه كما انه ليس في تخلية الله بين الكفار وبين الانبياء دلالة على حال منكرة. وقد قتل الكفار كثيراً من الانبياء ونالوا منهم بضروب من الأذى قال الله تعالى {أية : ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق} تفسير : وقوله: ثم بغي عليه لينصره الله معناه بالغلبة واما ما يأخذ له بالحق من الباغي عليه، لينصر به من الله للمبغي عليه واقعة لا محالة والخذلان لا يكون الا للظالمين، لأن الله تعالى لا يخذل اولياءه واهل طاعته. وقوله: {أية : إن ينصركم الله فلا غالب لكم}تفسير : أي بالمعونة التي توجب الغلبة، لأن الله تعالى يقدر على اعطائهم ما يغلبون به كل من نازعهم، ويستعلون على كل من ناوأهم. وحد النصرة: المعونة على كل من ظهرت منه عداوة، وقد تكون المعونة بالطاعة فلا تكون نصرة. والفرق بين النصرة والتقوية ان التقوية قد تكون على صناعة والنصرة لا تكون الا مع منازعة. فاما قولهم: لا قبل الله منهم صرفا ولا عدلا. فقال الحسن البصري: الصرف: العمل. والعدل: الفدية وقال الكلبي: الصرف: الفدية والعدل: الفريضة وقال ابو عبيدة: الصرف: الحيلة. والعدل: الفدية. وقال ابو مسلم: الصرف: التوبة والعدل: الفداء
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : قرأ أهل مكة والبصرة {لاَ تُقْبَلُ} بالتاء، والباقون بالياء. لما بيّن سبحانه نعمَه العِظام عليهم أنذَرهم في كُفرانهم بيوم القيامة. واتّقاؤه عبارة عن اتّقاء ما يكون فيه من الشدائد والأهوال، وإلاّ فنفس اليوم لا يتّقى. كيف ولا بد أن يرده أهل الجنة والنار جميعاً، ولكن ليس انتصابُه انتصابَ الظروف، بل انتصاب المفعول به، لأنّ معناه "اتّقوا هذا اليوم واحذَروه" وليس معناه "اتّقوا في هذا اليوم" لأنّ يومَ القيامة لا يؤمَر فيه باتّقاء شيء، بل إنما يؤمَر في غيره باتقائه أو اتّقاء ما يقع فيه. و "الجَزَاء" عند أهل اللغة المكافأة والمقابلة. يقال: "جزى يجزي جزاء" و "جازاه مجازاة" ومنه الحديث أنّه قال (صلى الله عليه وآله) لأبي بردة في الجَذعة التي أمره أن يُضحي بها: "حديث : ولا تجزي عن أحد بعدك" تفسير : وقال (عليه السلام): "حديث : البقَرة تجزي عن سبعةٍ"تفسير : أي: تقضي وتكفي. فقوله: {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} أي لا تقضي عنها شيئاً من الحقوق فيكون مفعولاً به أو شيئاً من الجزاء فيكون نصبه على المصدريّة. وقرئ: "ولا تُجزئ" من "أجزَأ عنه" إذا أغنى عنه، فعلى هذا لا يكون إلاّ مصدراً بمعنى شيئاً من الإجزاء. وقرأ أبو السرار القنوي "لا تجزي نسْمةٌ عن نسْمة شيئاً". وتنكير الجَزاء والجازي والمَجزي عنه للتعميم والاقناط الكلي عن غير الله. والجملة منصوبة المحل صفة لـ "يوماً" والعائد فيها محذوف، تقديره: "لا تجزي فيه نفس" ومنهم من لم يجوّز حذفَ الضمير المجرور، لأنّك لا تقول "هذا رجلٌ قصدتُ" أو "هذه واد سكنتُ" وأنت تريد "إليه" أو "فيها". فقال: اتُّسع فيه فأُجري مجرى المفعول به، فحذف عنه الجار، ثمّ حذف الضمير كما حُذف في قوله: شعر : فما أدري أغيَّرهم ثناءٌ وطولُ العهد، أم مالٌ أصابوا؟ تفسير : و "الشَّفَاعةُ" أن يستوهب أحد لأحد شيئاً أو يطلب له، وهي بمعنى الوسيلة والوصلة، والقربة. وأصلها من "الشَّفْع" الذي هو ضدّ "الوتْر" كأنّ المشفوع كان فرداً، فجعله الشفيع شفْعاً بضمّ نفسه إليه. والضمير في {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا} راجعٌ إلى النفس الثانية العاصية أي: لو جاءت بشفاعة شفيع لا يُقبل منها. ويجوز عوده إلى الأولى أي: لو شفّعت لها لم تقبل شفاعتها، كما لا تجزي عنها شيئاً. و "العَدْل" هاهنا: الفِدية. وقيل: البدل. والفرق بين العَدْل والعِدْل أنَّ العَدْل هو مِثل الشيء من جنسه، والعِدْل هو بدل الشيء. وقد يكون من غير جنسه. قال سبحانه: {أية : أَو عَدْلُ ذٰلِكَ صِيَاماً}تفسير : [المائدة:95]. وأصله التسوية سُمِّيت به الفدية لأنّها سوّيت بالمفدى. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوۤءِ ٱلْعَذَابِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ} تفسير : [الزمر:47]. وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ} تفسير : [المائدة:36]. وقوله: {أية : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ ٱلأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ ٱفْتَدَىٰ بِهِ} تفسير : [آل عمران:91]. وقوله تعالى: {أية : وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ} تفسير : [الأنعام:70]. و "النُّصْرَة" هي المَعونة، وقيل: النُّصرة أخصّ من المعونة لاختصاصها بدفع الضرّ. قال القفّال: والنَّصْر يراد به المَعونة، وفيه معنى الاغاثة. تقول العرب: "أرضٌ منصورةٌ" أي: ممطورة. والغَيث ينصر البلاد إذا أنبتها، فكأنّه أغاث أهلَها. ويسمّى الانتقام نُصرة وانتصاراً. قال تعالى: {أية : وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ} تفسير : [الأنبياء:77]. قالوا معناه: فانتقمنا له. فقوله: {لاَ يُنصَرُونَ} يحتمل هذه الوجوه. فإنّهم يوم القيامة لا يُغاثون، وإذا عُذّبوا لم يجدوا مَن ينتقم لهم مِن الله. وبالجملة النصْر يتضمّن دفع الشدائد، فأخبرَ تعالى أنَّه لا دافع هناك عن عذابه. والضمير في {لاَ يُنصَرُونَ} لما دلّت عليه النفس الثانية، لكونها نكرة واقعة في سياق النفي، يعني النفوس الكثيرة. وتذكيره لأنّها بمعنى العباد والأناسي. فصل حثّ الآية على العمل اعلم أنَّه تعالى وصَف يوم القيامة بأشدّ الشدائد، وأعظم الأهوال، وذلك لأنّه إذا وقعت على أحد واقعةٌ، أو دفع إلى كريهة، وحاولت أعوانُه، وأصدقاؤه دفاعَ ذلك عنه، بدأت بما في نفوسها الأبيّة من مقتضى الحميّة، وذبَّت عنه كما يذبّ الوالد عن ولده بغاية قوّته. فإن رأى مَن لا طاقة له بممانعته، عادَ بوجوه الضراعة، وصنوف الشفاعة فحاوَل بالملاينة ما قصُر عنه بالمخاشَنة، فإن لم تغن عنه الحالتان من الخشونة والمعونة لم يبق بعده إلاّ فداء الشيء بمثله، من جنسه، أو ببَدله من غير جنسه. فإن لم تغن هذه الثلاثة، تعلّل بما يرجوه من نصْر الناصرين، أو انتقام المنتقمين، فأخبر تعالى أنه لا يغني في الآخرة شيء من هذه الأمور عن المجرمين. ففي هذه الآية أعظم تحذير للإنسان عن المعاصي، وأقوى ترغيب له في التوبة والتلافي، لأنّه إذا تصوّر أنّه ليس بعد الموت استدراك، ولا شفاعة، ولا نصرة ولا فدية علِم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة. والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي بحسب المعنى تعمّ المكلّفين كلّهم، لأنّ الأوصاف المذكورة فيها هي التي يوصف بها اليوم، فيعمّ كلّ من يحضر في ذلك اليوم. فصل مشرقيٌّ واعلم أن البيان الكشفي للسبب اللمّي، والسرّ العقلي في إثبات هذه الأوصاف، والأحكام ليوم الآخرة، أنّ المؤثّر على قسمين: الأوّل: أن يكون تأثيره بمشاركة الوضع، ومصادفة المادّة بعضها بعضاً. والثاني: أن لا يكون تأثيره كذلك، بل بمجرّد الذات، والّذي يؤثّر في الشيء بالذات - لا بمشاركة الموادّ والأوضاع - إمّا السبب الفاعلي، أو الغائي، أو الصوري، لأنه لا تأثير للسبب الماديّ بالاقتضاء والإيجاب، إذ ليس شأنها إلاّ القبول والانفعال. إذا تقرّر هذا فجميع هذه الأمور المعدودة في الآية - من المكافأة، والشفاعة، والفدية، والنصرة - هي من التأثيرات التي وقعت بين الأشخاص المتشاركين في الأوضاع والأمكنة، فتؤثر فيهم هذه الأسباب المعدّة، ولهم أيضاً جهة القبول والانفعال من جهة المادّة المنفعلة التي يؤثّر فيها كلّ شيء. وأمّا الآخرة ففيها هذه الأسباب والأنساب منقطعة، والذي يكون هناك معه المهمّات ويطلب منه الاقتراحات - أعني الباري جلّ ذكره - لا يؤثّر فيه شيء، ولا ينفعل عن شيء، لأنّه القاهر على كلّ شيء. فالمؤثّر هناك في شيء منحصر في سبب صوريّ للشيء، أو فاعليّ له، أو غائيّ له. فالصورة كالإيمان، والكفْر، والخُلْق الحسَن والخُلْق الردي. وأمّا الفاعل فهو الله بلا واسطة، أو بواسطة بعض عباده المقرّبين، الذين هم بأمره يفعلون، لأنّهم من عالَم الأمْر، ويفعلون ما يؤمَرون. وأمّا الغاية فهو الله بالحقيقة، أو ما ينعكس من نور جماله لمن يعجز عن إدراكه، والعلّة الصورية معلولة للفاعل والغاية، لأنّها العلّة المباشرة، وهما علّتان مفارقتان. فجميع اللَّذات الروحانيّة - كلقاء الله، ومجاورة مقرّبيه - والجسمانيّة - كالجنّة، والحور، والقصور، والأنهار، والأشجار، وغيرها - متسبّبة عن الله تعالى بواسطة صورة الإيمان والإحسان. وجميع الآلام الروحانيّة، والجسمانيّة - كالاحتجاب عن الربّ تعالى وملَكوته، والتعذّب بالجحيم، والزقّوم، والعقارب، والحيّات، وغيرها - متسبّبة عنها بواسطة صورة الكفر والإساءة. فلا سبب ولا نسب هناك إلاّ ما ذكرناه، ولا وسيلة هناك لأحد عنده، ولا شفيع، ولا ظهير، ولا معاون، ولا نصير، لعدم انفعاله وتأثّره عن الغير. ولا مكافئ له، ولا مُمانع، ولا مُدافع، ولا مُنتقم منه، إذ لا مساوي له في القوّة، إذ لا واجب الوجود غيره، والوجود يفيض منه، ويترشّح على غيره، فكيف يساويه في القوّة، أو يزيد عليه حتّى يدافعه، أو ينتقم منه، بل هو الغالب على أمره، والقاهر فوق عباده. وبالجملة لا وسيلة لأحد من أحد في أمره، ولا رابطة بين أحد وأحد إلاّ بالروابط الذاتية. قال تعالى:{أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} تفسير : [الانفطار:19]. وقال: {أية : وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً} تفسير : [لقمان:33]. ثمّ هاهنا سؤالان: أحدهما: إنّ الباري - جل شأنه - كما أنّه موجِد الآخرة وما فيها كذلك موجِد الدنيا وما فيها، فما وجْه أنَّ الوسائط والأسباب هاهنا موجودة مؤثّرة، والإنسان ينتفع بها في جلب الملاذّ، ودفع المضارّ، وفي الآخرة لا تأثير لها، ولا وجود للوسائط؟ وثانيهما: إنّ النصوص دالّة على أنّ الشفاعة ثابتة للملائكة، والأنبياء، والكاملين من أهل الإيمان، وقال تعالى: {أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} تفسير : [غافر:7]. وبالجملة - الأمّة مجتمعة على أنّ لمحمّد (صلى الله عليه وآله) شفاعةٌ مقبولةٌ في الآخرة، وإن اختلفوا في كيفيّتها. فعند المحقّقين هي مختصّة بدفع المضارّ، واسقاط العقاب عن مستحقّيه من مذنبي المؤمنين. وقال المعتزلة: هي في زيادة المنافع للمطيعين والتائبين دون العاصين. وهي ثابتة عندنا للنبي (صلى الله عليه وآله)، ولأصحابه المنتجبين، وللأئمة من أهل بيته الطاهرين، ولصالحي المؤمنين, والملائكة، وينجّي الله بشفاعتهم كثيراً من الخاطئين. ويؤيّده الخبرُ الذي تلقته الأمّة بالقبول، وهو قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : ادّخرتُ شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي" تفسير : وما جاء في روايات أصحابنا - رضي الله عنهم - مرفوعاً، إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: "حديث : أشفَعُ يومَ القيامة فأُشفَّع، ويشفَع عليٌّ فيشفَّع ويشفَع أهل بيتي فيشفَّعون. وإنّ أدنى المؤمنين شفاعة ليشفع في أربعين من إخوانه كلّ قد استوجب النار ". تفسير : وفي الحديث عنه (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: "حديث : يدخل الجنةَ بشفاعةِ رجُلٍ من امّتي أكثر من بني تميم ". تفسير : وقال (صلى الله عليه وآله): حديث : إنّ من امّتي من يشفَع للفئة، ومنهم من يشفَع للقبيلة، ومنهم من يشفَع للعُصبة، ومنهم من يشفع للرجُل، حتّى يدخلوا الجنّة . تفسير : وعن أبي جعفر (عليه السلام) - في باب فضيلة النكاح - : "إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: حديث : تزوَّجوا، فإنّي مكاثِرٌ بكم الأمم غداً في القيامة، حتّى أنّ السقط يجيء محبَنطِياً على باب الجنّة، فيقال له: ادخُل الجنَّة. فيقول: لا حتّى يدخلَ أبَواي . تفسير : فهذه النصوص تنافي الآيات الدالّة على نفي الشفاعة، والنُّصرة، وما يجري مجراهما، كما في مثل قوله: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} فإنّه نكرة في سياق النفي، فيعمّ جميع أقسام الشفاعة. وقوله: {ولاَ هُمْ يُنصَرُونَ} يدلّ على نفي النصرة. وكقوله تعالى{أية : مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} تفسير : [البقرة:254]. تقتضي نفي الشفاعة بالكلّية. والجواب عن الأوّل: إنّ الدار الدنيا واقعةٌ في آخر منازِل الوجود، فإنّ الوجود نزل إلى جوهر ماديّ ينفعل عن كلّ مؤثّر يصادفه؛ لكونه محض القوّة والاستعداد، ومنه تنشأ الحركات والاستحالات، وهي حالةٌ بين صرافة القوّة ومُحوضة الفعل. فمبدأ الحوادث في هذا العالَم هي الهيولى والحركة، فإنّ الهيولى بأوضاعها المستفادة من الحركة تحدث فيها من المبدإ الجواد، والوسائط الوجوديّة، موجودات حادثة في أزمنة معيّنة، وتحصل منها سلسلة عرضيّة من المتجدّدات الزمانيّة، والمكانيّة، وأمّا الدار الآخرة فهي أقرب إلى الله من هذه الدار، وما فيها من الموجودات - وإن كانت جسمانيّة الحقيقة - لكنّها أشبه بالصورة بحسب وجودها منها بالمادّة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَرْداً}تفسير : [مريم:95]. وقوله: {أية : وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً}تفسير : [مريم:80]. لأنّ ملائكة الموت قد توفّتها، ونزعت أرواحَها وصورها عن هذه القوالب الماديّة. ولهذه الأرواح في النشأة الثانية قوالب مناسبة لأرواحها في الدوام والتجدّد، ولا يؤثّر فيها تأثيرٌ غريب. بل أرواح ذلك العالَم يؤثّر في أشباحها بالايلام والتنعيم، بحسب ما كسبَت وحصَلت في الدنيا لنفوسها من صوَر الأخلاق، وهيآت الملكات الحسَنة النورانية، أو القبيحة الظلمانيّة. فكل ما يصل من اللذّات والآلام إلى كلّ أحد، فهو إنّما يَصِلُ إليه من نفسه بوسيلة ذاته من جهة العلل الذاتيّة، لا من جهة الأسباب العرضيّة، والعلل الاتّفاقيّة الكونيّة، لكونها منقطعة مسلوبة يوم القيامة. قال تعالى: {أية : أَنَّ ٱلْقُوَّةَ للَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ ٱلأَسْبَابُ} تفسير : [البقرة:165 - 166] وقوله:{أية : فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [المؤمنون:101]. وقد تكرّر وتكثّر في القرآن ذكر هذا المعنى، والتنبيه عليه، كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} تفسير : [عبس:34 - 37]. وقوله: {أية : هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [النمل:90]. وقوله: {أية : إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو ٱلْعَذَابَ ٱلأَلِيمِ وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الصافات:38 - 39]. وقوله: {أية : إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الطور:16]. وقوله: {أية : وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَىٰ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ} تفسير : [النجم:39 - 40]. وقوله: {أية : فَٱلْيَوْمَ لاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلاَ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [يس:54]. وقوله: {أية : وَنُودُوۤاْ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الأعراف:43]. إلى غير ذلك من الآيات. وفي الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله):"حديث : إنما هي أعمالكم تُردّ عليكم ". تفسير : كلّ ذلك اعلام واشعار بأنّ الثواب والعقاب في القيامة بنفس الأخلاق، والصفات، التي ترسّختْ أصولُها في القلب بواسطة تكرّر الأعمال، والأفعال الواقعة في الدنيا من أفراد الناس، وسينكشف كيفيّة تجسّم الأعمال في الآخرة عند تفسير بعض الآيات المشيرة على أحوال البعث. وأمّا الجواب عن الثاني: إنّ جميع ما ورد في باب الشفاعة يوم القيامة يرجع إلى أسباب ذاتيّة وأمور داخليّة. فإنّ معنى كون الرسول (صلى الله عليه وآله) شفيعاً أنَّ الإيمان بحقيته، والاعتراف برسالته، يوجب هيئة في النفس، بها يستحقّ لنور الرحمة، والنجاة من عذاب النار، والمؤثّر في الشفاعة صورة النبي، الحاصلة في النفس العارفة به صلوات الله عليه وآله، وليست أمراً منفصلاً عن ذات المؤمن، وكذا الحال في سائر الشفعاء والأخلاء يوم الدين. والمنفيّ في هذه الآية وفي غيرها كقوله تعالى:{أية : وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ}تفسير : [البقرة:254]. وقوله: {أية : ولا شفيع ولا حميم} تفسير : [غافر:18] وقوله:{أية : لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} تفسير : [الشعراء:88 - 89]. وقوله: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ}تفسير : [الزخرف:67]. عن الدار الآخرة من الشفاعة وما يشبهها، غير الثابت منها في الآيات، والأخبار، بالمعنى والحقيقة، لأنّ المنفيّ منها أمورٌ خارجية، والثابت منها أمورٌ داخلية من باب الصوَر المشهودة للإنسان في عالَم الباطن. فإنّ القيامة حضورها في داخل حُجب السماوات والأرض وباطنها، لا في ظهرها وخارجِها، ورُؤية الأشياء هناك كرؤية الصوَر والألوان في باطن المرآة من جهة صقالة وجهها، ورؤية الأشياء هاهنا كرؤية الصوَر والألوان على ظَهْر المرآة. وبالجملة الأسباب العرضيّة والاتّفاقية مسلوبة في القيامة، والأسباب الذاتيّة الداخليّة ثابتة. فالآيات والأخبار الدالّة على نفي الشفاعة، والوسيلة، والقرابة، وغيرها، إنّما تحمل على نفي ما هو منها من قبيل القسم الأوّل. والتي تدلّ على إثباتها تُحمل على إثبات ما هو منها من قبيل القسم الثاني. فمِن قبيل الأوّل ما في قوله تعالى: {أية : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ}تفسير : [غافر:18]. وقوله: {أية : وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} تفسير : [البقرة:270]. وقوله: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ}تفسير : [المدثر:48]. ومن قبيل الثاني المستثنى الواقع في قوله تعالى: {أية : يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ} تفسير : [يونس:3]. فالنفي متعلق بما هو من قبيل الأوّل. والاستثناء بما هو من قبيل الثاني. وكذا قوله: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} تفسير : [الأنبياء:28]. وقوله: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة:255]. فإنّ لفظ "الإذن" أينما وقع في القرآن كان إشارة إلى السبب الفاعلي الذاتي - دون العرضي الجسماني - فافهم واستقم. فصل الخُلود في النار، والخلاصُ منها استدلّت المعتزلة القائلون بخلود مرتكب الكبيرة - ولو مرَّة واحدة - في النار بهذه الآية وعلى إنكار الشفاعة بوجوه ثلاثة: أحدها: بقوله: {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} ولو أثرت الشفاعة في إسقاط العقاب لكان قد أجزت نفسٌ عن نفس شيئاً. والثاني: بقوله: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} لكونها نكرة في سياق النفي، فيعمّ كما مرّ. والثالث: {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} إذ الشفاعة ضربٌ من النصرة، ونفي الأعمّ يستلزم نفيَ الأخصّ. وأجيب بوجهين: أحدهما: إنّ اليهود كانوا يزعمون أنّ آباءهم يشفعون لهم فالآية نزلت فيهم. لا يقال: العِبرة بعموم الحكم، لا بخصوص السبب. لأنّا نقول: خصوص السبب ممّا له مدخل في احتمال التخصيص، وذلك كاف في سند المنع. والثاني: إنّ الآية وإن كان ظاهرُها العموم إلاّ أنّها قابلة للتخصيص. واعلم أنَّ مسألة إثبات الوعيد لأهل الكبائر إذا لم يتوبوا موضعُ خلافٍ لأهل القبلة. فالمعتزلة، والخوارج، قاطعون بوعيدهم مؤبّداً. وطائفةٌ قاطعون بوعيدهم منقطعاً - لا مؤبّداً - وهو قول البشر المُريسي، والخالدي. وذهب بعضهم بأنّه لا وَعيد لهم. وينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسِّر، وإليه ذهب بعض المرجئة. والذي عليه أصحابنا الإماميّة، والمنقول عن أئمّتنا (عليهم السلام)، وعليه رأي أكثر الصحابة، والتابعين، والصوفية، ووافَقهم الأشاعرة في إثبات العفو عن بعض العُصاة. للقطع بأنّ الله يعفو عن بعض السيّئات، وإنْ لم يتب عنها، وأنّه إذا عذّب أحداً من أصحاب الكبائر، فلا يعذّبه أبداً. لكنّا نتوقّف في حقّ البعض المعفوّ عنه، والبعض المعذّب على التعيين. وقال بعض ضلاّل المتفلسفة: إنّ الأرواح وإن تكدّرت بقبائح أعمال الأشباح إلا أنّها بعد المفارقة ورجوع العناصر إلى أصلها تصير إلى حظائر القدس، ولا يزاحمها شيء من نتائج الأعمال إلاّ أياماً معدودة بقدر فطام الأرواح عن لبان التمتّعات الحيوانيّة. ثمّ يتخلّص من العذاب ويرجع إلى حسن المآب. ومنهم من زعَم أنَّ استيفاء اللذَّات الحسيّة يقلّل التعلّقات الدنيويّة، ويسهّل عروج الروح إلى عالمه العلوي. وطائفة من المتصوّفة زعَموا أنَّ السالك إذا بلَغ حدَّ المعرفة التامّة لم تضرَّه المعاصي. وكلّ هذه الثلاثة خيالٌ فاسد ومتاعٌ كاسد، وإنّها قول مَن لم يجرِّب نفسَه، ولم يعرف مكر الله فأمن منه، ولم يجد من نفسه أنّها كيف تتدنَّس بالأخلاق الذميمة، البهيميّة، والسبعيّة، وكيف تتطهّر، وتتصفّى، بالأخلاق الحميدة الروحانيّة الملَكية، فقد تصدأ مرآة القلب بحيث لا يبقى فيه شيء من الصفاء الفطري {أية : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}تفسير : [المطففين:14] فلا يجلوها إلاّ مرور الدهور، وكرور الأعصار، وقد ينضمّ الكفر إلى تلك الأخلاق بأن يتأدّى رسوخ الصفات الظلمانيّة إلى حيث يزول عن القلب قابليّة نور الإيمان والمعرفة، فيبقى خالِداً مخلّداً في النار في ويل طويل وزفير وعويل نعوذ بالله من الحَور بعد الكور. واعلم أنّه يمكن أن يُتحمّل للقول الأوّل من هذه الثلاثة وجهٌ يندفع به فساده، وهو أنَّ المراد بالأرواح مرتبةٌ غير النفوس التي هي مورد المَقت والعذاب، وموضع الآلام والأسقام. فإنّ الروح إذا أريد به جوهرٌ قدسيٌّ من عالَم الأمر له تعلّق بالنفوس البشريّة فهو سعيد في الدنيا والآخرة. وقد وقعت الإشارة إلى هذا المعنى فيما سَبق من أنّ نسبة الروح الحيواني إلى الروح النطقي كنسبة الدابّة إلى راكبها، وأنّ التي قامت الحدود بها وتحسّ بألم القتل، والضرب، هي النفس الحسّاسة، وأن النفس الناطقة على شرفها مع عالَمها في سعادتها دائمة. وقد سبقت أيضاً الرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) حديث : أنَّه قام لجنازة يهوديّ فقيل له: "إنّها جنازة يهوديّ" فقال (صلى الله عليه وآله): "أليستْ نفساً؟" تفسير : أراد (صلى الله عليه وآله) بها نفسَه الناطقة، فقامَ تعظيماً لشرفها، ومكانتها لأنّها منفوخَة من روح الله، فهيَ من عالَم القدس والطهارة لا يكدّرها شيءٌ من الأرجاس. بل إنّ من النفس الحيوانيّة محلّ الشقاء في الدنيا، والآخرة، وهي في الإنسان باقيةٌ بعد البدن، محشورة في الآخرة كما أُقيم عليه البرهان، وهو من العرشيّات المختصّة بهذا العبد عناية من الله. وأمّا ما ذهَب إليه مقاتل بن سليمان وبعض المُرجئة "من أنّ عصاة المؤمنين لا يعذَّبون، وإنّما النار للكفار" تمسُّكاً بالآيات الدالة على اختصاص العذاب بالكفار مثل قوله تعالى:{أية : قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ ٱلْعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} تفسير : [طه:48]. وقوله: {أية : إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [النحل:27]. فجوابُه: إنّ المراد من العذاب ما هو على وجْه الخلود. وكذا المراد من الخزي والسوء. وأمّا تمسّكهم بمثل قوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : مَن قالَ لا إله إلاّ الله دخَل الجنّة"تفسير : . وفي رواية: "حديث : وجبَ عليه الجنّة" تفسير : فهو ضعيف، لأنّه إنّما ينفي خلودَ النار لا الدخول فيها. واعلم أنَّ الإيمان إذا كان حقيقيّاً بالغاً إلى حد علم اليقين، يمكن القول بعدم دخول صاحبه في النار، ولكن قلّ ما يحصل هذا المقام لأحد إلاّ مع اجتنابه عن الكبيرة، وذلك لكونه متوقّفاً على صفاء كامل في القلب، وتجرّد بالغ عن أغراض النفس ولذّاتها الحيوانيّة. والذي يدلّ على أنّ الإيمان القويّ يمنع صاحبه عن دخول النار، ما جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنَّه يقال يوم القيامة: "حديث : اخرجوا مِن النار مَن في قلبه مثقال من الإيمان، ونصف مثقال، وربع مثقال، وشعيرة، وذرّة"تفسير : كلّ ذلك تنبيه على تفاوت درجات الإيمان، وأنّ هذه المقادير لا يمنع دخول النار. وفي مفهومه أنّ مَن كان إيمانه يزيد على مثقال فإنّه لا يدخل النار. وأن من في قلبه ذرّة من الإيمان لا يستحقّ الخلود في النار - وإن دخلَها -. ولا خفاء في أنّ درجات الإيمان مختلفة في القوّة والنوريّة، كالتفاوت بين الأنوار المحسوسة في الإضاءة والإشراق، فصحّ أن يقال إيمان واحد من الناس - كالنبي والوليّ - لو وُزن مع إيمان سائر الخلائق لرجَح. كما يصحّ أن يقال: "لو وزن نور الشمس بنور السرج كلّها لرجح" فإيمان آحاد العوام نوره كنور السراج، وإيمان الأولياء والصديقين كنور القمر ونور النجوم، وإيمان الأنبياء كنور الشمس. وإليه الإشارة في قوله (صلى الله عليه وآله) "حديث : ليس شيءٌ خيراً من ألف مثله إلاّ الإنسان" تفسير : إشارة إلى تفضيل قلب المؤمن العارف على غيره من العوام. فصل أدلّة المعتزلة على قولهم بالخلود وجواباتها وأمّا المعتزلة فاستدلّوا بالعمومات الواردة في وعيد الفسّاق، وبالآيات الدالّة على الخلود المتناولة للكافر وغيره، كقوله تعالى:{أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا} تفسير : [النساء:14]. وليس المراد تعدّي جميع الحدود بارتكاب المعاصي كلّها وإثباتاً، فإنّه محال، لما بين البعض من التضادّ، كاليهوديّة، والنصرانيّة، والمجوسيّة. فيحمل على مورد الآية من حدود المواريث. وقوله: {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا} تفسير : [النساء:93]. وقوله: {أية : وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأْوَاهُمُ ٱلنَّارُ كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا}تفسير : [السجدة:20] ومثل هذا مسوق للتأبيد ونفي الخروج. ومثل قوله: {أية : إِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ ٱلدِّينِ وَمَا هُمَ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ} تفسير : [الانفطار:14 - 16]. وعدمُ الغيبة عن النار خلودٌ فيها. وقوله: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ فَأُوْلَـۤئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}تفسير : [البقرة:81]. وقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَامَىٰ ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً} تفسير : [النساء:10]. وبالعمومات الدالّة على نفي الشفاعة، كقوله تعالى: {أية : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} تفسير : [غافر:18]. والظالم هو الآتي بالظلم، وذلك يعمّ الكافر وغيره. وقوله تعالى: {أية : مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} تفسير : [البقرة:254] وقوله: {أية : وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} تفسير : [البقرة:270]. ولو كان الرسول (صلى الله عليه وآله) شفيعاً من أمّته، لكان ناصراً لهم. وقوله تعالى: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} تفسير : [الأنبياء:28] والفاسق ليس بمرتضى عند الله، وإذا لم يشفع الملائكة فكذا الأنبياء إذ لا قائل بالفرق. وقوله: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ}تفسير : [المدثر:48]. وبقوله تعالى: {أية : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ}تفسير : [غافر:7]. ولو كانت الشفاعة حاصلةً للفاسق لم يكن لتقييدها بالتوبة ومتابعة السبيل معنى. وبالأخبار الدالّة على الوعيد، كقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : مَن شربَ الخمرَ في الدنيا ثم لم يتب حُرِمَهَا في الآخرة" تفسير : وقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : من قتَل نفساً معاهِداً لم يَرِحْ رائِحة الجنّة ". تفسير : وقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : الذي يشربُ في آنية الذهبِ والفضَّة إنّما يُجَرجِر في بطنِه نارَ جهنَّم"تفسير : . وقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : لا يُبغِضنا أهلَ البيت رجُل إلاّ دخلَ النار ". تفسير : وقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : يا كعْب بن عجرة - اعيذك بالله من امارة السفهاء. إنّه سيكون أمراءٌ من دخَل عليهم فأعانَهم على ظُلمهم، وصدّقهم بكذبهم، فليسوا مني ولستُ منهم، ولن يردوا عليّ الحوض - الحديث - يا كعب، لا يدخل الجنَّة لحمٌ نبَت مِن حرامٍ ". تفسير : وعن أبي هريرة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "حديث : لألفين أحدَكم يومَ القيامة على رقبته شاةٌ لها ثُغاءٌ، يقول: يا رسول الله أغِثني فأقول: لا أملِك لك من الله شيئاً. قد بلّغتك ". تفسير : وعنه، قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : ثلاثٌ أنا خصمهم يومَ القيامة، ومن كنتُ خصيمَه خصمتُه: رجلٌ أعطى بي ثمّ غَدر. ورجلٌ باعَ حُرّاً فأكلَ ثمنَه. ورجلٌ استأجرَ أجيراً فاستوفى منه ولم يوفِ أُجرته ". تفسير : فهذه وجوه متمسِّكهم في القطع بالوعيد ونفي الشفاعة، والجواب عنها بالمنْع من أنّ هذه الصيغ للعموم، بدليل صحّة ادخال "الكلّ" أو "البعض" عليها. نحو: "كلّ من دخل داري فله كذا" أو "بعض من دخل داري فله كذا" ولا يلزم منه تكريرٌ ولا تناقض. ولأنّ الأكثر قد يورد بلفظ "الكلّ". وبعد تسليم كون الصيغ للعموم فاحتمال المخصّصات قائمٌ، فإنّ العموم غير مراد في الآية الأولى، للقطع بخروج التائب وأصحاب الصغائر، وصاحب الكبيرة الغير المنصوصة - إذا أتى بطاعات يزيد ثوابها على عقوباته - فليكُن مرتكب الكبيرة من المؤمنين أيضاً خارجاً بما سيجيء من الآيات والأدلة. وبالجملة فالعامّ المخرج منه البعض لا يفيد القطع وفاقاً، ولو سلّم فغايته الدلالة على استحقاق العذاب المؤبّد لا على الوقوع - كما هو المتنازَع فيه - لجواز الخروج بالعفْو. ويجاب عن الآية الثانية بأنّ معنى {مُتَعَمِّداً} مستحلاً قتله - على ما ذكره ابن عباس - والتعمّد على الحقيقة إنّما يكون من المستحلّ. أو بأنّ التعلِيق بالوصف مشعر بالحيثيّة التعليليّة، فيختص بمن قتل المؤمن لإيمانه. أو بأنّ "الخلود"، وإن كان ظاهراً في الدوام، فالمراد هنا المكث الطويل جمعاً بين الأدلّة. لا يقال: "الخُلود" حقيقة في التأبيد، لتبادر الفهم إليه. ولقوله تعالى:{أية : وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ ٱلْخُلْدَ}تفسير : [الأنبياء:34]. ولأنّه يؤكّد بلفظ التأبيد مثل {أية : خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً}تفسير : [الجن:33]. وتأكيد الشيء تقوية لمدلوله. ولأنّ العمومات المقرونة بالخلود متناولة للكفار، والمراد في حقّهم التأبيد بالاتّفاق. وكذا في حقّ الفسّاق، لئلاّ يلزم إرادة المعنى المشترك، أو المعنى الحقيقي والمجازي معاً. لأنّا نقول: لا كلام في أنّ المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق، والشائع في الاستعمال هو الدوام، لكن قد يستعمل في المكث الطويل كـ "سِجن مُخلّد" و "حبس مخلّد" فيكون محتملاً. على أنّ في جعله لمطلق المكث الطويل نفياً للمجاز والاشتراك، فيكون أولى. ثمّ إنّ المكث الطويل - سواء جُعل معنى حقيقيّاً أو مجازياً - أعمّ من أن يكون مع دوام - كما في حقّ الكفار - أو انقطاع - كما في حقّ الفسّاق - فلا محذورَ في إرادتهما جميعاً. وحينئذ فلا نسلم أنّ التأبيد تأكيد - بل تقييد - ولو سلّم، فالمراد تأكيد لطول المكث. إذ قد يقال: "حبسٌ مؤبّد" و "وقفٌ مؤبّد". ويجاب عن الثالثة: بأنّها في حقّ الكافرين المنكرين للحشر، بقرينة قوله {أية : ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} تفسير : [السجدة:20]. مع ما في دلالتها على الخلود من المناقشة، لجواز أن يخرجوا عند عدم إرادتهم الخروج باليأس أو الذهول أو نحو ذلك. وعن الرابعة بعد تسليم افادتها النفي عن كلّ فرد، ودلالتها على دوام عدم الغيبة إنّها مختصة بالكفّار. جمعاً بين الأدلّة. وكذا الخامسة والسادسة حملاً للمحدود على حدود الإسلام، ولإحاطة الخطيئة غلبتها بحيث لا يبقى معها الإيمان. هذا مع ما في الخلود من الاحتمال وعلى هذا القياس الجواب عن سائر أدلّتهم النقليّة على وجه التفصيل. وللمعتزلة أيضاً أدلّة عقلية على ثبوت مذهبهم: منها: إنّ الفاسق لو دخل الجنّة لكان باستحقاق - لامتناع دخول غير المستحق كالكافر - واللازم منتفٍ لبطلان الاستحقاق بالإحباط، أو الموازنة. والجواب: بمنع المقدّمتين، وبطلان الإحباط والموازنة. ومنها: إنّه لو انقطع عذابُ الفاسق، لانقطع عذابُ الكافر قياساً عليه بجامع تناهي المعصية. والجواب - على تقدير عليّة التناهي - بمنع تناهي الكفر قدراً، ومنع اعتبار القياس في مقابلة النصّ في الاعتقادات. ومنها: إنّ الوعيد بالعقاب الدائم لطفٌ بالعباد لكونه أزجر عن المعاصي فإنّ منهم من لا يكترث بالعذاب المنقطع عند الميل إلى المستلذّات ثمّ لا بد من تحقيق الوعيد تصديقاً للخبر وصَوناً للقول عن التبديل. والجواب: منع انحصار اللطف في وعيد الدوام، فإنّ من يكترث باللبث في الجحيم أحقاباً، فلا يستكثر الخلودَ فيها عقاباً، وإذ قد كان كلّ وعيد لطفاً، ولا شيء من الوعيد لطفاً للكلّ، فليكُن لطفُ الخلود في النار مختصّاً بالكفار، وكفى بوعيد النيران - بل وعْد الجنان - لطفاً ومزجراً لأهل الإيمان. فصل احتجاجات القاطعين بعدم خلود أهل الكبائر وأمّا القاطعون بنفي العقاب عن أهل الكبائر فاحتجّوا بقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [النحل:27]. {أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [الزمر:53]. {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ}تفسير : [الرعد:6]. {أية : لاَ يَصْلاَهَآ إِلاَّ ٱلأَشْقَى ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ} تفسير : [الليل:15 - 16]. وبالعمومات الواردة في الوعد، مثل: {أية : وٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ}تفسير : [البقرة:4] الآية. حكمَ بالفلاح على كلّ من آمَن. فصل احتجاجات القائلين بعفو بعض العصاة وأمّا القاطعون بثبوت العفو في حقّ البعض، والتوقّف في حق البعض، وهم أصحابنا رضوان الله عليهم، وأهل السُنّة فقد تمسَّكوا بنحو قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ}تفسير : [النساء:48] وبقوله عزّ مِن قائل حكاية عن عيسى: {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ}تفسير : [المائدة:118]. وظاهرٌ أن هذه الشفاعة وردَت في حق المسلم صاحب الكبيرة قبل التوبة، إذ لو كان كافراً لا يليق الشفاعة في حقّه لنبي، ولو كان صاحب صغيرة، أو تائباً عن الكبيرة، لم يجز منه تعالى عذابه عقلاً. وإذا صحّت الشفاعة لعيسى (عليه السلام) صحّ القول بها في حقّ محمّد (صلى الله عليه وآله) بالضرورة. وبقوله تعالى حكاية عن الخليل (عليه السلام): {أية : فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} تفسير : [إبراهيم:36]. بمثل البيان المذكور. ومما يؤكّد دلالة هاتين الآيتين على هذا المطلب ما رُوي أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) تلا قولَ إبراهيم: {وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} وقول عيسى: {إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} ثمّ رفَع يدَيه وقال: "اللهم - امّتي، امّتي" وبكى. فقال الله: "حديث : يا جبرائيل - اذهبْ إلى محمّد - وربُّك أعلم - فسلْه: "ما يُبكيكَ؟" فأتاه جبرائيل (عليه السلام) فسأله. فأخبرَه رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) - قال: "يا جبرائيل - اذهبْ إلى محمّد، فقل: إنّا سنرضيك في أمَّتك: ولا نسُؤك" تفسير : - رواه مسلم في صحيحه. ومما يدلّ على ذلك قوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَحْشُرُ ٱلْمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ وَفْداً وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْداً لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً}تفسير : [مريم:85 - 87]. أي المجرمون لا يستحقّون أن يشفع لهم إلاّ إذا كانوا قد اتّخذوا عند الرحمن عهداً، فكلّ من اتّخذ عهداً عنده وجَب دخولُه في الآية، وصاحب الكبيرة اتّخذ عند الرحمن عهد التوحيد والإسلام، فوجَب أن يكون داخلاً. وأمّا اليهود فنترك العمل بها في حقهم لضرورة الإجماع. ومن ذلك قوله تعالى في صفة الملائكة: {أية : لاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ}تفسير : [الأنبياء:28]. بيانه إنّ صاحب الكبيرة مرتضى عند الله من حيث إيمانه وتوحيده، وكلّ مَن هو مرتضى عنده بحسب هذا الوصف صدق عليه أنّه مرتضى عنده، لأنّ مفهوم المطلق جزء مفهوم المقيّد، فمتى صدق المقيّد صدق المطلق، فثبت أنّ المؤمن الفاسق مرتضى عند الله، فهو داخل في شفاعة الملائكة، ومَن دخل في شفاعتهم دخل في شفاعة النبي (صلى الله عليه وآله)، إذ لا قائل بالفرق. لا يقال: إنّ الفاسق ليس بمرتضى من حيث فِسْقه، وإذا لم يكن مرتضى من وجه لم يكن مرتضى، فوجَب أن لا يكون أهلاً للشفاعة بالبيان المذكور. لأنّا نقول: قد تقرَّر في العلوم العقليّة أنّ المهملتين لا تتناقضان، فقولنا: "الفاسقُ مرتضى" لا يُناقض قولنا: "إنّه ليس بمرتضى" لجواز أن يكون مرتضى من وجه، غير مرتضى من وجه آخر. فمتى ثبَت أنَّه مرتضى بحسب إسلامه ثبت كونه مرتضى، وإذا كان المستثنى مجرد كون أحد مرتضى، فوجب دخوله تحت المستثنى وخروجه عن المستثنى منه، فثبت أنَّه من أهل الشفاعة وهو المطلوب. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ}تفسير : [الرعد:6]. ورُوي أنَّ النبي (صلى الله عليه وآله) حديث : لم يزل يسأل في أمّته حتّى قيل له "أما تَرضى وقد أُنزلت عليك هذه الآية: {وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ} [الرعد:6]. وفي تفسير قوله: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} [الضحى:5]. قال: "لا يرضى محمّدٌ (صلى الله عليه وآله) وأحد من امّته في النار . تفسير : وكان أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) يقول: أنتم أهل العراق تقولون: أرجى آية في كتاب الله عز وجل قوله: {أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [الزمر:53] الآية ونحن أهل البيت نقول: أرجى آية في كتاب الله قوله تعالى: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ}تفسير : [الضحى:5]. وأمّا الأخبار: فقد روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: "حديث : أُمّتي أُمّةٌ مرحومةٌ لا عذاب عليها في الآخرة، عجّل عقابها في الدنيا الزلازل والفتن. وإذا كان يوم القيامة رفع إلى كلّ رجُل من امّتي رجُل من أهل الكتاب، فقيل: هذا فداؤك من النار ". تفسير : وفي الخبر: "حديث : لو لم يذنبوا لخلق الله خلقاً يذنبون ليغفرَ لهم"تفسير : وفي لفظ آخر: "حديث : لَذهبَ بهم وجاء بخَلْق آخر يذنبون فيغفر لهم، إنّه هو الغفور الرحيم ". تفسير : وفي الخبر: "حديث : لو لم تذنبوا لخشيتُ عليكم ما هو شرٌّ من الذنوب"تفسير : قيل: "ما هو؟ قال: "العُجْب". وقال (صلى الله عليه وآله): "حديث : والذي نفسي بيده لله أرحمُ بعبده المؤمن من الوالدة الشفيقةِ بولدِها ". تفسير : وفي الخبر: "حديث : ليغفرنَّ اللهُ يومَ القيامة مغفرةً ما خطَرتْ قطّ على قلب أحد، حتّى أنّ إبليس ليتطاولُ رجاءَ أن يصيبه ". تفسير : وفي الحديث الطويل: حديث : إنّ الأعرابي قال: يا رسول الله مَن يلي حسناتِ الخلْق؟ فقال: الله تبارك وتعالى. قال: هو بنفسه؟ قال: نعم. فتبسَّم الأعرابي، فقال (صلى الله عليه وآله): ممَّ ضحكتَ يا أعرابي؟ فقال: إنّ الكريم إذا قدر عفى، وإذا حاسَب سامَح. فقال (صلى الله عليه وآله): صدق. ألا ولا كريم أكرم من الله، هو أكرم الأكرمين ثمّ قال: فقه الأعرابي . تفسير : وفي الخبر المشهور: حديث : إن الله كتَب على نفسِه قبل أن يخلق الخلق: "إنّ رحمتي تغلب غضبي" . تفسير : وفي الحديث: حديث : مَن كان آخر كلامه "لا إله إلاّ الله" لم تمسّه النارتفسير : . و "حديث : من لقي الله لا يُشرك به شيئاً حرمت عليه النار ". تفسير : وفي خبر آخر: "حديث : لو علِم الكافرُ سعة رحمة الله ما أيس من جنّته أحد ". تفسير : ولما تلا رسول الله (صلى الله عليه وآله): حديث : {إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} [الحج:1] فقال: "أتدرون أيّ يوم هذا؟ يوم يقال لآدم: قم فابعثْ نصيب النار من ذرّيتك". فقيل: "مِن كمْ؟" قال: "من كلّ ألف تسعمأة وتسعة وتسعين إلى النار، ،وواحداً إلى الجنّة". قال: فأيس القوم وجعلوا يبكون يومهم وتعطّلوا عن الأشغال والعمل، فخرج عليهم رسول الله وقال: "ما لكم لا تعملون؟" قالوا: "ومن يشتغل بالعمل بعد ما حدّثتنا بهذا"؟ قال: "كم أنتم في الأمَم؟ أين يأجوج ومأجوج امم لا يحصيها إلاّ الله تعالى؟ إنّما أنتم في سائر الامم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، وكالرقمة في ذراع الدابّة . تفسير : وفي رواية أبي سعيد، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): حديث : ....ثمّ تضرب الجسر على جهنّم وتحلّ الشفاعة، ويقولون: اللهم سلّم سلّم... فيمرّ المؤمن كطرفة العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب. فناج مسلم، ومخدوش مرسل ومكدوس في نار جهنّم. حتّى إذا خلص المؤمنون من النار. فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشدّ مناشدة في استقصاء الحقّ من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربّنا كانوا يصومون معنا، ويصلّون، ويحجّون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم فتحرم صورهم على النار. فيخرجون خلقاً كثيراً. ثمّ يقولون: ربّنا ما بقي فيها أحد ممن أمرتنا به. فيقول: ارجعوا، فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقاً كثيراً. ثمّ يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقاً كثيراً. ثمّ يقول: ارجعوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرّة من خير فأخرجوه. فيخرجون خلقاً كثيراً. ثمّ يقولون. ربّنا لم نذر فيها خيراً... فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفع النبيّون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين. فيقبض قبضة من النار، فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قطّ، قد عادوا حمماً، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنّة - يقال له: نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبّة في حميل السيل... فيخرجون كاللؤلؤ، في رقابهم الخواتم. فيقول أهل الجنة: هؤلاء عُتقاء الرحمن، أدخلهم الله الجنّة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه . تفسير : ومما رواه الثقات بروايات مختلفة أخصرها لفظاً، أنّه قال (صلى الله عليه وآله): "حديث : إذا كان يوم القيامة ماجَ الناس بعضهم في بعض. فيأتون آدم، فيقولون: اشفع إلى ربك. فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم (عليه السلام) فإنّه خليل الرحمن. فيأتون إبراهيم (عليه السلام)، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى (عليه السلام)، فإنّه كليم الله. فيأتون موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى (عليه السلام) فإنّه روح الله وكلمته، فيأتون عيسى (عليه السلام) فيقول: لست لها. ولكن عليكم بمحمّد (صلى الله عليه وآله). فيأتونني، فأقول: أنا لها. فأستأذن على ربّي، فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن. فأحمده بتلك المحامد، وأخرّ له ساجداً. فيقال: يا محمّد ارفع رأسك وقل تسمع، وسلْ تعطه، واشفع تشفّع. فأقول: يا ربّ امّتي، امّتي. فيقال: انطلق، فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان. فأنطلقُ، فأفعلُ. ثمَّ أعود فأحمده بتلك المحامد، ثمّ أخرّ له ساجداً. فيقال: يا محمّد ارفعْ رأسك، وقلْ تسمعْ، وسلْ تعطه، واشفع تشفَّع. فأقول: يا ربّ أمّتي، أمّتي. فيقال: انطلق وأخرج من كان في قلبه مثقال ذرّة أو خردلة من إيمان. فأنطلقُ، فأفعلُ. ثمّ أعودُ فأحمده بتلك المحامد، ثم أخرّ ساجداً. فيقال: يا محمّد ارفعْ رأسَك، وقلْ تسمع، وسلْ تعطه، واشفع تشفَّع. فأقول: يا رب أمّتي، أمّتي. فيقال: انطلق وأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبّة خردل من إيمان فأخرجه من النار. فأنطلقُ فأفعلُ، ثمّ أعود إليه الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثمّ أخرّ له ساجداً، فيقال: يا محمّد ارفع رأسَك، وقلْ تسمع، وسلْ تعط، واشفع تشفّع. فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال "لا إله إلا الله" قال: ليس ذلك لك. ولكن وعزّتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لاخرجنّ منها من قال: لا إله إلا الله ". تفسير : إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على ثبوت الشفاعة من النبي (صلى الله عليه وآله)، وثبوت العفو منه تعالى أكثر منها، وهي أكثر من أن تحصى. فصل إنّ المعتزلة - القاطعين بنفي العفو والشفاعة - ذكروا في آيات الرجاء، وأحاديث الشفاعة تمحّلات شديدة وتعسّفات عنيفة، وقيّدوا الحكم في كثير من الآيات باشتراط التوبة، وقالوا: في هذا الحديث ونظائره من أحاديث يوم القيامة وجوهاً من الايراد: منها: إنّ هذه الأخبار أخبار طويلة جداً، فلا يمكن ضبطها بلفظ الرسول (صلى الله عليه وآله). فالظاهر أنَّ الراوي إنّما رواها بلفظ نفسه، وعلى هذا التقدير لا يكون شيء منها حجّة ومنها: إنّها مشتملة على التشبيه وذلك باطلٌ، فيتطرق بسببه التهمة إليها. ومنها: إنّها وردت على خلاف ظاهر القرآن، وذلك أيضاً مما يطرق التهمة إليها. ومنها: إنّها خبر عن واقعة عظيمة تتوفّر الدواعي على نقلها، فلو كان صحيحاً لوجب بلوغه حدّ التواتر، وحيث لم يكن كذلك تطرّقت التهمة إليها. ومنها: إنّ الاعتماد على خبر الواحد الذي لا يفيد إلا الظنّ في المسائل العلميّة غير جائز، وهذه المسألة علميّة لا يعوّل فيها على الظنّ. والجواب عن هذه المطاعن بأنّ كل واحد من هذه الأخبار، وإن كان مروياً بالآحاد، ولكن القدْر المشترك بين مجموعها - لأنّها كثيرة - فهو متواتر المعنى، فيكون حجّة علميّة. وذكروا أيضاً في استدلال القاطعين بثبوت الشفاعة بقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي" تفسير : وجوهاً من الإشكال: أحدها: إنّه خبر واحد على مضادّة القرآن، فإنّا بينَّا انّ كثيراً من الآيات تدلّ على نفي هذه الشفاعة، وخبر الواحد إذا ورَد على خلاف القرآن وجب ردُّه. وثانيها: إنّه يدلّ على أنّ شفاعته ليست إلاّ لأهل الكبائر، وهذا غير جائز، لأنّه يقتضي حرمان أهل الثواب عن هذا النصيب. وثالثها: إنّ المراد الاستفهام الانكاري، كقوله تعالى حكاية عن الخليل: {أية : هَـٰذَا رَبِّي}تفسير : [الأنعام:77]. أي: "أهذا ربّي؟" فالمراد: ادّخرت شفاعتي لأهل الكبائر من أُمّتي؟ ورابعها: إنّ لفظ الكبيرة غير مختصّ بالمعصية، بل يتناول الشفاعة كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَاشِعِينَ} تفسير : [البقرة:45] فلعلّ المراد منه أهل الطاعات الكبيرة. وخامسها: إنّه يصدق عليهم بعد التوبة أنّهم من أصحاب الكبائر لأنّ صدق المشتقّ لا يقتضي دوام الاتّصاف بمبدإ الاشتقاق، فنحن نحمل الخبر على أهل المعاصي الكبيرة بعد التوبة، ويكون تأثير الشفاعة في أن يتفضّل الله عليهم بما انحبط من ثواب طاعاتهم المتقدّمة على فسوقهم. هذه وجوه أجوبتهم وكلها تعسّفات. وجوه أُخرى في تأييد مسألة الشفاعة واعلم أنَّ هاهنا وجوهاً أُخرى نقليّة وعقليّة يمكن التمسّك بها لهذا المطلب: الأوّل: إنّ الآيات والأخبار الدالّة على أنّ المؤمنين يدخلون الجنّة البتّة كثيرة، وليس ذلك قبل دخول النار إن كان، فتعيّن أن يكون إمّا بعده، وهو مسألة انقطاع العذاب أو بدونِه، وهو مسألة العفو التامّ كقوله: {أية : فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} تفسير : [الزلزلة:7]. و {أية : مَنْ عَمِـلَ صَالِحاً مِّن ذَكَـرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ يَدْخُلُونَ ٱلْجَنَّةَ} تفسير : [غافر:40]. وكقوله (عليه السلام): "حديث : من قال لا إله إلا الله دخَل الجنّة" تفسير : وما يجري مجراه. وبالجملة: إذا دلّت الآيات والأخبار على الوعد والوعيد، فلا بدّ من التوفيق بينهما، فإمّا أن يصل العبد إلى دار الثواب، ثمّ إلى دار العقاب - وهو باطلٌ بالاجماع - أو يصل إليه العقاب، ثمّ ينقل إلى دار الثواب ويبقى مخلّداً وهو المطلوب هاهنا. الثاني: النصوص المشعرة بالخروج من النار، كقوله: {أية : ٱلنَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَآ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ} تفسير : [الأنعام:128]. {أية : فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} تفسير : [آل عمران:185]. وكقول النبي (صلى الله عليه وآله): "حديث : يخرج من النار قوم بعد ما امتحشوا وصاروا فحْماً وحميماً، فينبتون كما ينبت الحبّة في حميل السيل ". تفسير : الثالث: إنّ مَن واظَب على الإيمان والعمل الصالح مأة سنة، وصدَر عنه في أثناء ذلك، أو بعده جريمةٌ واحدة، كشُرب جرعة من الخمر، فلا يحسن من الحكيم أن يعذّبه أبد الآباد، ولو لم يكن هذا ظُلماً فلا ظُلم، أو لم يستحقّ بهذا ذمّاً، فلا ذمّ. الرابع: إن المعصية متناهية زماناً - وهو ظاهر - وقدْراً - لما يوجد من معصية أشدّ منها - فجزاؤها يجب أن يكون متناهياً، بخلاف الكفر فإنّه لا يتناهى قدْراً، وإن تناهى زمانه. الخامس: إنّ صاحب الكبيرة أتى بما هو أفضَل الخيرات - وهو الإيمان - ولم يأت بما هو أقبح القبائح - وهو الكفر - فلا يهدمه ما سوى الكفر من المعاصي. ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي: "إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر سبعين سَنة، فتوحيد سبعين سَنة كيف لا يهدم معصية سَنة؟ إلهي لمّا كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات، كان مقتضى العدل أنّ الإيمان لا يضرّ معه شيء من المعاصي". وأمّا التمسّك بأنّ "الخلود في النار أشدّ العذاب، وقد جعل جزاء لأشدّ الجنايات - هو الكفر - فلا يصح جعله جزاء لما هو دونه كالمعاصي" فهو ضعيف إذ ربما يدفع بتفاوت مراتب العذاب في الشدّة، وإن لم يتفاوت في عدم الانقطاع. فصل سرّ الخلود في النار واعلم أنّ تكرُّر المعاصي إذا تأدّى إلى رسوخ ملكات سبُعية، أو بهيميّة، أظلمت مرآةُ القلب بها، ومنعت عن قبول نور الرحمة الإلهيّة، أو نور الشفاعة النبويّة، أمكن القول بأنّ صاحب هذه الكبيرة مخلّد في النار. وهذا هو المشار إليه في قوله تعالى: {أية : بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـۤئَتُهُ} تفسير : [البقرة:81]. أي: صارت ملكة راسخة تصوّرت نفسه في القيامة بصورة حيوان غلبت عليه تلك الصفة، فحشرت نفسه بصورة القِرَدة والخنازير. وكذا صدور بعض المعاصي - ولو مرّة - كقتل المؤمن متعمّداً كاشف عن كون مرتكبه غير معتنٍ بشأن الدين، ولا معتقد بأمر الآخرة. فصل في سرّ معنى الشفاعة إنّ نسبة افاضة نور الوجود والرحمة إلى نور الأنوار - جلّت عظمته - كنسبة افاضة النور المحسوس على وجه الأرض إلى الشمس. والقوالب كالقوابل، فهو سبحانه تامّ الفيض، عامّ الجود، فحيث لا يحصل، فإنّما لا يحصل لعدم القابليّة. فكما أنَّ النور الحسيّ الوارد من الشمس على سطوح الأجسام قد يكون استقاميّاً، وقد يكون انعكاسيّاً الأوّل: كوجه ظاهر الأرض في النهار. والثاني: كداخل البيوت إذا انعكس شعاع الشمس إليه من سطح الماء، أو الحائط الصقيل، أو كوجه الأرض في الليل إذا كان البدر موجوداً، فإنّ نور القمر من نور الشمس، وقع فيه، وانعكس منه على وجه الأرض فكذلك فيض الرحمة الإلهيّة يقع على قوابل الماهيّات استقاميّاً، وانعكاسيّاً. فإنّ من الجائز أن لا يكون الشيء مستعدّاً لقبول فيض الوجود عن واجب الوجود لبُعد مناسبته في ذاته، إلاّ أنْ يكون مستعدّاً لقبول ذلك الفيض من شيء كان قبله عن الواجب جلّ ذكره، فيكون ذلك الشيء كالمتوسّط بين الواجب تعالى وبين ذلك الشيء الأول. فأرواح الأنبياء (عليهم السلام) كالوسائط بين نور الأنوار وبين أرواح العوام من الخَلْق في وصول نور الرحمة إلى الأرواح العاميّة، وهذا معنى الشفاعة. فالإيمان بشفاعة الأنبياء لأُممهم واجبٌ - لأنّها - كما علِمت - نورٌ يشرق من الحضْرة الإلهية على جواهر النبوّة، وينتشر منها إلى كل جوهر استحكمت علاقة مناسبتها مع جوهر النبوّة لشدة المحبّة والمتابعة، وكثرة المواظبة على السُّنن، وكثرة الذكر له بالصلاة عليه. وجوهر النبوّة هو بعينه جوهر الروح القدسيّ الإلهي المسمّى عند الفلاسفة بالعقل الفعّال. فكما أنَّ المناسبات الوضعيَّة بين المُنير بالذات، والواسطة، والمُستنير بها تقتضي الاختصاص بانعكاس النور الحسيّ - كما إذا وقع نور الشمس على الطست من الماء، وينعكس منه إلى موضع مخصوص من حائط البيت - لا على غيره - لمناسبة بينه وبين الماء في الوضع، وتلك المناسبة مسلوبةٌ عن سائر أجزاء الحائط، وذلك الموضع هو الذي إذا خرج منه خطٌّ إلى ظاهر سطح الماء وحصلَت بينه وبين ذلك السطح زاوية، هي بعينها مساوية لزاوية حصلت من الخطّ الخارج من موقع ذلك الخطّ إلى قرص الشمس وذلك السطح فكذلك المناسبة المعنويّة إذا حصلَت بين روح من الأرواح البشريّة وبين جوهر النبوّة تقتضي حصول فيض الرحمة بواسطة ذلك الجوهر. فمَن استولى عليه التوحيد والعرفان، فقد تأكّدت مناسبته مع الحضرة الإلهيّة، وأشرقَ عليه النور من غير واسطة، ومَن استولى عليه السنن، والاقتداء بالرسول (صلى الله عليه وآله)، وأهل بيت النبوّة والولاية (عليهم السلام)، ومحبّتهم، ولم يترسّخ قدمُه في ملاحظة الوحدانيّة لم يستحكم مناسبته إلاّ مع الواسطة، فافتقر إلى واسطة في اقتباس النور. كما يفتقر الحائط الذي ليس بمكشوف للشمس إلى واسطة الماء المكشوف للشمس إلى مثل هذا. فهذا هو سرّ الشفاعة والكلام وإن كان في صورة التمثيل، لكنّه مما أقيم عليه البرهان، ولا شبهة فيه لأهل اليقين والعرفان. .
الجنابذي
تفسير : {وَٱتَّقُواْ يَوْماً} يوم الموت فانّه وقت {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} فى رفع الموت او تأخيره {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} فداء يكون بدلاً منها بتحمّل الموت {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} يعنى ان انجرار الامر الى المدافعة يوم الموت لم يكن لهم ناصرٌ يدفع عنهم روى عن الصّادق (ع) هذا يوم الموت فانّ الشّفاعة لا تغنى عنه فامّا يوم القيامة فانّا واهلنا نجزى عن شيعتنا كلّ جزاء لنكونّن على الاعراف بين الجنّة والنّار محمّد (ص) وعلىّ (ع) وفاطمة والحسن (ع) والحسين (ع) والطيّبون من آلهم فنرى بعض شيعتنا فى تلك العرصات؛ فمن كان منهم مقصّراً وفى بعض شدائدها نبعث عليهم خيار شيعتنا كسلمان والمقداد وأبى ذرٍّ وعمّار ونظرائهم فى العصر الّذى يليهم فى كلّ عصر الى يوم القيامة فينقضّون عليهم كالبزاة والصّقور ويتناولونهم كما يتناول البزاة والصّقور صيدها فيزفّونهم الى الجنّة زفاً وانّا لنبعث على آخرين من مُحبّينا خيار شيعتنا كالحمام فيلتقطونهم من العرصات كما يلتقط الطّير الحبّ وينقلونهم الى الجنان بحضرتنا؛ وسيؤتى بالواحد من مقصّرى شيعتنا فى أعماله بعد ان قد حاز الولاية التقية وحقوق اخوانه ويوقف بازائه مائة واكثر من ذلك الى مائة الف من النّصاب فيقال له هؤلاء فداؤك من النّار فيدخل هؤلاء المؤمنون الجنّة واولئك النّصّاب النّار، وذلك ما قال الله عزّ وجلّ {أية : رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}تفسير : [الحجر: 2] يعنى بالولاية {أية : لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ }تفسير : [الحجر: 2] فى الدّنيا منقادين للامامة ليجعل مخالفوهم من النّار فداءهم.
اطفيش
تفسير : {وَاتَّقُوا يَوْماً}: أى احذروا عذاب يوم أو حساب يوم عسير، فيوماً مفعول به لاتقوا على حذف مضاف لا ظرف لهُ، لأن الاتقاء إنما هو فى الدنيا بترك المعاصى لا فى ذلك اليوم، وإما أن يكون ظرفاً لمفعول محذوف فجائز، أى واتقوا العذاب أو الحساب العسير يوماً، أن اتقوا فى الدنيا أن تعذبوا يوم القيامة أو أن تحاسبوا فيه حساباً عسيراً. {لاَ تَجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَفْس شَيْئاً}: هذه الجملة نعت ليوماً والرابط محذوف، أى لا تجزى فيه نفس عن نفس شيئاً، فقيل حذف الجار والمجرور رفعه، فالرابط حذف مخفوضاً، وقيل حذف الجار وانتصب محل المجرور على نزع الخافض واتصل بتجزى فحذف منصوباً كحذف الرابط الذى هو ضمير مفعول به. قال الشيخ خالد: الأول مذهب سيبويه والثانى مذهب الأخفش. قال الحارث بن كلزة الثقفى يعاتب ابن عمه: شعر : فما أدرى أغيرهم تناءى وطول العهد أو مال أصابوا تفسير : والتنائى التباعد والتقدير أو مال أصابوه، فحذف رابط النعت أى لا أدرى أغيرهم تباعد وطول العهد أو مال أصابوه، كما أن أكثر الناس بغيرهم الغنى. قال أبو الهول فى صديق له أيسر فلم يجده كما يظن. شعر : لئن كانت الدنيا أنالتك ثروة فأصبحت فيها بعد عسر أخا يسر لقد كشف الإثراء منك خلائقا من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر تفسير : وشيئاً: مفعول مطلق أى شيئاً من الجزاء، والشىء من الجزاء جزاء. كأنه قيل لا تجزى نفس عن نفس جزاء ما، أى لا تغنى عنها إغناء ما، أو مفعول به على كون تجزى بمعنى تدفع أو تقضى أى لا تقضى عنها حقاً من الحقوق، أو لا تدفع عنها مضرة من المضرات الواجبة عليها. قال السدى: معناه لا تقضى، ولفظ شىء أنسب لمعنى تقضى أو تدفع، لأن أصله ألا يكون مفعولا مطلقاً، وقرىء لا تجزئ بضم التاء وبالهمزة بعد الزاى، وعليه فشيئاً مفعول مطلق، أى لا تجزئ إجزاء ما، وقرأ أبو السوار الغنوى: لا تجزى نسمه عن نسمة شيئاً، والمراد على كل وجه أن نفساً كائنة ما كانت لا ترد عن نفس كائنة ما كانت ما أصابها، بل يفر المرءُ من أخيه وأمه وأبيه، وأحدنا اليوم قد يقضى عن قريبه ديناً، وأما فى الآخرة فليس للمرءُ أن يترتب لهُ على قريبه حق لأن القضاء هناك من الحسنات والسيئات، كما أخبر النبى صلى الله عليه وسلم، ولا يخفى ما فى تنكير النفسين وشيئا بعد النفى من التعميم والإقناط. {وَلا يُقْبَلُ}: وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتاء المثناة فوق. {مِنْهَا شَفَاعَةٌ}: وقرأ قتادة (يَقْبَلُ مها شفاعةً) ببناء يقبل للفاعل الذى هو الله تبارك وتعالى، ونصب شفاعة. {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنهَا عَدْلٌ}: الضميران للنفس الأولى لأنها المحدث عنها المسوق لها الكلام المذكورة على سبيل العمدة، لأنها فاعل تجزى بخلاف الثانية فإنها فضلة، أى لا يقبل من نفس شفاعتها للنفس الأخرى العاصية، فلا تدفع عنها العذاب بشفاعتها لو شفعت، ولا يؤخذ منها ما يكون عدلا للنفس العاصية وبدلا منها لو كان بدلها الذى تنفع فتنجى به موجوداً فكيف وهو لا يوجد. وقال الحسن: العدل الإيمان، أى لأنه ضد الجور، أو لأنهُ يجعل عديلا للنفس فلا يقبل، وكذا كان يفسر الفدية بالإيمان، فهم يؤمنون ولا يقبل عنهم وأما أن يجزى أحد عن أحد بأداء ما كان عليه فقد نفاه بقوله: {لا تجزى نفس عن نفس شيئاً}، وأما أن ينجى أحد أحداً بالنصر والقهر فمذكور نفيه فى قوله: {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ}: من عذاب الله، وفى آيات أخر مثل قوله: {أية : وما للظالمين من أنصار} تفسير : وأما أن يمن الله بالعفو فليس الكافر أهلا لذلك، ويجوز عود الضمير فى قوله: {لا يقبل منها} وقوله: {لا يؤخذ منها} للنفس الثانية العاصية، أى لا يقبل منها الشفاعة التى تأتى بها يشفعها فيها غيرها، ولا يؤخذ منها الشىء الذى تأتى به عدلا لها ومساوياً تعوضه عن نفسها لتنجو. وهذا الوجه يناسبه قوله: {ولا هم ينصرون} فإن الضمير فيه للنفوس العاصية لا غير، مع قوله: {ولا يؤخذ منها} أنسب بالعاصية أيضاً، ويجوز عود الضمير فى قوله: {لا يقبل} للنفس الأولى، فإنه أنسب بها وفى قوله: {ولا يؤخذ منها} للثانية العاصية، وأجاز بعضهم عود الضمير فى: {ولا هم ينصرون} للنفسين، وهو ضعيف لاختصاصه بكون النفسين مشركتين أو فاسقتين أو فاسقة ومشركة، لكن له وجه هو أن يكون المعنى أن الأخلاء على المعصية مع حب بعضهم لبعض فى الدنيا لا ينصر بعضهم بعضاً، ولا ينصرهم المؤمنون والأولى إبقاء النفس على عمومها فى المطيع والعاصى، وعود الضمير: {ولا هم ينصرون} للعصاة كما مر، وإنما عاد الضمير الجمع المذكور للواحد المؤنث وهو النفس الثانية العاصية، لأن المراد بها الناس والعباد، فهى بمعنى جماعة الذكور، وإنما كانت بمعنى الجماعة لأنها نكرة فى سياق النفى، وإن قلت: فهل الشفاعة والفداء بالعدل واقعان ولكن لا يقبلان أم غير واقعين؟ قلت: غير واقعين أما من تأهل للشفاعة من الملائكة والأنبياء والعلماء الصالحين فلا يتعرضون بها لمن ظهرت شقاوته لهم، فإن تعرضوا بها لهم قبل أن تظهر لهم قيل لهم أنهم بدلوا وغيروا وليسوا أهلا لها فيتركوا التعرض لها، وأما من لم يتأهل لها فمشغول بنفسه لا يدرى ما يفعل به، أو حضر له أنه من أهل الجنة، ولم يبلغ أن يشفع لغيره، وأما الفداء فليس هناك ما يفدى به أحد نفسه ولا غيره، فكأنه قيل لا يقبل منها شفاعة لو كانت شفاعة مستمرة، فكيف لا تكون شفاعة أصلا، ومتى صدرت شفاعة منها ثم علمت أن المشفوع له غير متأهل تركتها ولم تستمر على طلبها، ولا يقبل منها عدل لو كان فكيف وهو لا يكون، وقد بانت لك أوجه القسمة العقلية المذكورة فى الآية وغيرها، وهى إما أن يقضى أحد عن أحد حقاً واجباً، وإما أن يشفع له، وإما أن ينجيه بمماثله، وإما أن ينصره فينجيه بالقهر بلا عوض، وإما أن يعفو صاحب الحق وهو الله تعالى والمظلوم، وكل ذلك غير واقع، ولك حمل الآية على القسمة التي يذكر أصحاب علم المعانى مثلها وهى التي فيمن سعى إلى سعى بيانه أن النفس مشغولة بشأنها فلا تقضى واجب الحقوق عن النفس الأخرى، ولا تقدر على ذلك، ثم لو قدرت على شفاعة لأن الشفاعة بلا قضاء لم تقبل منها، ثم لو أمكن أن يوجد فداء بنفس أخرى لم يؤخذ منها، ولو سعت بالقهر لم تتمكن منه. والآية نزلت فى بنى إسرائيل إذ قالوا: نحن أبناء أنبياء الله، وسيشفع لنا آباؤنا، فأقنطهم الله عز وجل إقناطاً كلياً ينفى ذلك كله نفياً بليغاً أكيداً عاما، والشفاعة من الشفع فإن المشفوع له كان فرداً فيضم الشافع إليه نفسه تزول الفردية وتحصل الشفعية، والعدل الفدية قاله أبو العالية، وقيل البدل. قال عياض: عدل الشىء هو الذى يساويه قيمة وقدراً وإن لم يكن من جنسه والعدل (بكسر العين) هو الذى يساوى الشىء من جنسه وفى جرمه، ففى الآية توسع فى الفداء سواء كان من الجنس أو من غيره لو كان يقبل، وأصل العدل (بالفتح أو الكسر) التسوية، وسميت به الفدية لأنها سويت بالمفدى والنصرة أخص من المعونة، لأن النصرية فى دفع المضرة والمعونة فى دفع الضر أو جلب النفع، ولا يخفى أن النفس التى ذكر الله عز وجل أنها لا تجزى عنها نفس ولا يقبل شفاعة شافع لها ولا فداء، ولا تنصر هى التى أوبقتها معاصيها وماتت مصرة عن حق لزمها، فكل نفس بهذه الصفة لا شفاعة فيها مشركة أو فاسقة، فلا شفاعة لأهل الكبائر المصرين، والخطاب فى قوله: {واتقوا} ولو كان لبنى إسرائيل خاصة لكن قوله: {لا تجزى نفس عن نفس شيئاً} إلخ عام، ولا يمكن أن يقال خاص. روى الربيع عن جابر بن زيد عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا بعمل صالح وبرحمة الله وبشفاعتى"تفسير : ، وروى عن جابر عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ينال شفاعتى سلطان غشوم للناس ورجل لا يراقب الله في اليتيم" تفسير : وروى عن جابر عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا ينال شفاعتى الغالى فى الدين ولا الحافى عنه" تفسير : وروى عن جابر عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ليست الشفاعة لأهل الكبائر من أمتى" تفسير : ثم حلف جابر عن ذلك ما لأهل الكبائر شفاعة، لأن الله تعالى قد أوعد لأهل الكبائر النار فى كتابه، وإن جاء الحديث عن أنس أن الشفاعة لأهل الكبائر، فوالله ما عنى القتل والزنى والسحر، وما أوعد الله عليه النار، وذكر أن أنسا يقول: إنكم لتعلمون أعمالا هى أدق فى أعينكم من الشعر ما كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من الكبائر. والله أعلم.
اطفيش
تفسير : {وَاتَّقُوا يَوْماً} يوم القيامة، احذروا هوله وعذابه بالإيمان، وأداء الفرائض، واجتناب الحرام، ويوما مفعول به كما رأيت على حذف مضاف، ويجوز أنه ظرف مفعول محذوف أى العذاب فى يوم {لاّ تَجْزِى} فيه {نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً} لا نغنى عنها فى شىء إغناء ما، أو لا تدفع عنها شيئاً بقوتها، أو بأعوان لها لو كانوا {وَلاَ تُقْبَلُ} فيه {مِنْهَا شَفَٰعَةٌ} أى لا شفاعة للنفس الأولى فى الثانية، فضلا عن أن تقبل منها، والسالبة تصدق بنفي الموضوع، قال جل وعلا {فَمَا لَنَا مِنْ شَٰفِعِينَ} {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا} من النفس الثانية {عَدْلٌ} نداء، أو لا يقبل من الثانية شفاعة ولا يؤخذ منهم عدل، ولا تشفع مؤمنة فى كافرة ولا يقبل منها عدل فيها ولا فى غيرها، وكذا كافرة فى كافرة لقرابة أو محبة {وَلاَ هُمْ} أى النفس لتنكيرها بعد السلب {يُنْصَرُونَ} يدفع عنهم العذاب بالمقاومة والغلبة، والآية دليل لنا وللمعتزلة على أن لا شفاعة لأهل الكبائر، لأن الآية ولو كانت فى المشركين، لكنها فى صفة يوم من شأنه أنه لا شفاعة فيه يدفع العذاب عن مستحقه، ولا مقام أو زمان من مقامات الموقف وأزمنته نص فيهما على ثبوتها للفساق ولا الشخص مصر.
الخليلي
تفسير : تحذير إثر التذكير بنعم الله سبحانه التي أسبغها على بني اسرائيل، وهذا لأن تلك النعمة - ومن بينها تفضيلهم على العالمين بما جعل فيهم من النبوات وأكرمهم به من خوارق العادات - كانت مصدر غرورهم، وسبب استهتارهم، فبدلا من أن يكونوا لها شاكرين كانوا بها كافرين، فلقد تلونت ضلالالتهم، وتنوعت مفاسدهم، وأصروا على غيهم، واستكبروا استكبارا، وزعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه فلن يمسهم عذابه، لأن شفقة الأبوة على البنوة ستقيهم شر الوعيد، ولئن مسهم العذاب فلن يكون ذلك إلا أياما معدودات، لأن آباءهم من النبيين الطاهرين لن يقر لهم قرار حتى يشفعوا لهم عند الله فيجيرهم مما هم فيه من العذاب، ولن يسكتوا عن أفلاذ أكبادهم وهم يصطلون السعير الدائم، إلى غير ذلك مما نسجته أخيلتهم المريضة من الهراء الذي ليس له حظ من الصدق، وفد جاءت هذه الآية قاطعة حبال هذه الأمنيات الباطلة والمطامع الفازعة، وقد أعيدت مع الفارق اليسير في التعبير في (123) من آيات هذه السورة، والآيتان الكريمتان كاشفتان لحال ذلك اليوم، فكل ما يغني في هذه الدنيا من الشفاعات والفدى لا يغني في ذلك اليوم شيئا، وقد جاء وصفه في معرض التحذير منه في آيات متعددة من سور مختلفة، من ذلك قوله سبحانه: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}تفسير : [البقرة: 281]، وقوله: {أية : وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} تفسير : [لقمان: 33]، وقوله: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} تفسير : [عبس: 34-37]، وقوله: {أية : وَمَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ ثُمَّ مَآ أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ ٱلدِّينِ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} تفسير : [الانفطار: 17-19]، واذا كان التحذير منه في هذه الآية ومثيلتها خاصا ببني إسرائيل، وفي سائر الآيات التي أوردناها شاملا لعموم الناس، فإن المؤمنين أيضا قد خصوا بالتحذير منه في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} تفسير : [البقرة: 254]، وهو دليل على أن ما ذكر من صفته ليس خاصا بأحد دون غيره أو طائفة دون أخرى من الناس، فجميع الناس تنحل يومئذ روابطهم النسبية والسببية وإنما تبقى رابطة واحدة فحسب تشد بعض أهلها الى بعض، وهي رابطة التقوى، يقول الله عز من قائل: {أية : فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [المؤمنون: 101]، ويقول: {أية : ٱلأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ} تفسير : [الزخرف: 67]، وهو يعني أن لا جدوى إلا من التقوى، فلا أنساب ولا أسباب، ولا شفاعة ولا فدية. ومعنى الاتقاء معلوم مما سبق في بيان التقوى اللغوي والشرعي، واتقاء ذلك اليوم بالمعنى الحقيقي متعذر فإنه يوم يغشى جميع الناس أبرارا وفجارا، سعداء وأشقياء، فلا ملجأ للإِنسان منه، وإنما اتقاؤه هو اتقاء ما يسبب العطب فيه، وذلك لا يكون إلا بالمداومة على الأعمال الصالحة الواقية من شره، والابتعاد عن سيئات الأعمال الموقعة في عذابه. وهذا اليوم هو المعبر عنه بيوم الدين، ويوم القيامة، واليوم الآخر، وهو يبدأ بالبعث ولا نهاية له، وما ذكر هنا من وصفه ينطبق على جميع مواقفه حتى يستقر السعداء في دار قرارهم وهي الجنة، والأشقياء في مستقرهم الأبدي وهو النار. والقراءة المشهورة بفتح التاء من (تجزى)، وقرئ بضمها في الشواذ، والمراد بالجزاء هنا القضاء، وذلك مما شهر على ألسنة العرب، ومنه ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر نساءه أن يجزين بعد الحيض أي يقضين صومهن، وقوله عليه أفضل الصلاة والسلام لأبي بردة في جذعته: "تجزيك ولا تجزى أحدا بعدك"، وهو يتفق مع تفسيره بيغني فإن المؤدى واحد والمراد أن أي نفس لن تقضي يومئذ شيئا عن غيرها. والشفاعة هي توسط أحد بين ذي حق ومن عليه الحق لعفو ذي الحق عن حقه، سواء كان الحق عينيا أم اعتباريا وهي تنبئ عن مكانه الشافع لدى المشفوع اليه، وتعود ثمرتها إلى المشفوع له، وهي مأخوذة من الشفع ضد الفرد لأن المستشفع بغيره إنما استكثر به لدى المشفوع لديه، فإذا ضم صوته إلى صوته كان شفعا بعد أن كان المشفوع له فردا. والعدل الفدية وأصله ما يساوي الشيء قيمة وقدرا وإن لم يكن من جنسه، وأما العِدل "بالكسر" فهو ما يساويه من جنسه وفي جرمه. وأصل النصر المعونة، ومنه الأرض المنصورة، أي الممدودة بالمطر، والمراد به هنا دفع الضرر، والضمير هنا - كسابقيه في قوله: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} - عائد إلى ما دلت عليه لفظة "نفس" الثانية وانما جمع لكون نفس نكرة في سياق النفي، والنكرات المنفية للعموم، وذُكِّر لأنه بمعنى العباد أو الأناسي وانما كانت هذه الضمائر عائدة إلى "نفس" الثانية دون الأولى لأنها هي المقصودة بالتحذير والإِنذار، ومعنى ذلك أن النفس العاصية لا تجد يومئذ نفسا أخرى تقضي عنها شيئا، ولو وجدتها لم يقبل منها قضاؤها، ولو جاءت بشفاعة شفيع لم تقبل منها، وكذلك لو ما جاءت بعدل يفديها ثم لو التمست نصيرا يحميها من عذاب الله لم تجده، وقيل: إن الضميرين السابقين عائدان إلى نفس الأولى بخلاف هذا الضمير الأخير، ومعنى ذلك أن تلك النفس - كما أنها لا يقبل قضاؤها عن النفس العاصية - فكذا لا تقبل شفاعتها لها، ولا فديتها عنها، واعتمد هذا القول القطب - رحمه الله - في الهيميان، واستدل له بكون النفس الأولى هي العمدة والثانية فضلة، والأصل أن يعود الضمير الى العمدة دون الفضلات، وذهب في التيسير الى أن الضمير الأول للأولى والثاني للثانية، وسوغ ذلك في الهيميان كما سوغ عودهما معا إلى النفس الثانية للتناسب مع قوله: (لا ينصرون)؛ وجوز ابن عطية عود الضمير الى في قوله: (لا ينصرون) على النفسين المتقدم ذكرهما، لأن اثنين جمع، أو لأن النفس للجنس وهو جمع، وأنكر الألوسي الوجه الأول ووصفه بأنه ليس بشيء، كما ضعفه قطب الأئمة لاختصاصه بكون النفسين مشركتين أو فاسقتين أو فاسقة ومشركة، ثم قال لكن له وجه هو أن يكون المعنى أن الأخلاء على المعصية مع حب بعضهم لبعض في الدنيا لا ينصر بعضهم بعضا ولا ينصرهم المؤمنون، وأضاف إلى ذلك قوله: "والأولى إبقاء النفس على عمومها في المطيع والعاصي وعود الضمير في: ولا هم ينصرون للعصاة". وفي هذه التوجيه بعد وتكلف كأول توجيهي ابن عطية، وإنما يسوغ عوده على النفسين باعتبار ما في كل منهما من الدلالة العمومية، وحمل النصرعلى التوفيق لبلوغ المراد، فالنفس الأولى لا تبلغ مرادها في جدوى جزائها أو شفاعتها أو فديتها، كما أن النفس الثانية ليست ببالغة أمنيتها من إجداء ذلك لها ودرء العذاب عنها. وفسر بعضهم النصر هنا بالانتقام كالذي في قوله: {أية : وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا} تفسير : [الأنبياء: 77]، وتوجيه هذا التفسير أنهم لا ينتقم لهم من الله - تعالى الله - للإِثآر لهم مما أنزل بهم من العذاب. وما ذكر هنا من عدم جزاء نفس عن نفس شيئا في ذلك اليوم.. الخ جاء منسقا حسبما عهد في هذه الدنيا من طرق الدفع عن الحميم عندما تنزل به كريهة من عدو قاهر فإن أول ما يبدأ به ذوو مودته أن يدفعوا عنه بما لهم من جاه ومكانه اجتماعية تجعل ذا القهر يتراجع عما كان ينويه بحميمهم، فإن لم يجدهم ذلك توسلوا إليه بلين القول ولطف الشفاعة ليسخُو بالعفو مع قدرته على العقاب، فإن سُدَّ في وجوههم هذا الباب جادوا بالمال وبذلوا الفدية، فإن تعذر ذلك كله لجأوا الى التحالف على النصرة والتوسل بالعنف إلى ما لم يجدِ فيه اللطف، وقد آيس الله المجرمين من جدوى آية وسيلة من هذه الوسائل في تخليصهم من عقابه بعد أن تحق عليهم كلمته. وقُدم في هذه الآية نفي قبول الشفاعة على نفي أخذ الفيدة بخلاف آية (123) وذلك قوله: {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ}، تفسير : وهذا الاختلاف في التعبير، انما هو بحسب اختلاف طبائع الناس في هذه الدنيا، فإن منهم من يكون أحرص على سلامة المال، ومنهم من يكون أحرص على استبقاء علو النفس والمحافظة على شرفها: فالصنف الأول يؤثرون التوسل بالشفاعات - في التخلص من المكاره - على بذل المال، والصنف الثاني يعدون المال فدية للشرف فيحرصون على عدم الضاراعة وطلب العفو المحض ما دام بذل المال يسد مسد ذلك، أفاد ذلك الفخر الرازي. وجملة {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} صفة ليوم، والضمير العائد إلى الموصوف محذوف تقديره فيه، وقدره آخرون بدون الجار نظرا إلى أن الضمائر الرابطة بين الصفة والموصوف أو الصلة والموصول أكثر ما عهد حذفها إذا كانت منصوبة، وعليه، فقد حذف أولا الحرف الجار فانتصب الضمير واتصل بالفعل فعومل معاملة الضمائر المنصوبة في الحذف. عدم جدوى الشفاعة لغير الصَّالحين وهذه الآية - كما ترون - قاضية بعدم قبول الشفاعة يومئذ وهو الذي تقتضيه أختها آية (123) وإن عبر فيها بـ "لا تنفعها شفاعة" لأن النفع ثمرة القبول ولازمه، فلو قبلت نفعت، كما أنها اذا لم تقبل لم تنفع، وهذه كلية من كليات العقيدة الإِسلامية الحقة جاء بها القرآن في آيات متعددة ليثبت أن الإِنسان يومئذ رهين عمله ولن يجني إلا ما زرع، وهو بذلك يقطع حبال الآمال على الكسالى الذين يمنون أنفسهم الجني من غير غرس، والراحة من غير نصب فيعطون أنفسهم هواها، فلا يصدونها عن حرمة، ولا يكلفونها واجبا آملين السعادة بشفاعة الشافعين، وبمجرد الانتماء الى الدين، وإن لم يكن له شيء مما يصدقه مما يعملون، وعقيدة الإِسلام التي جاء بها القرآن والسنة الصحيحة الثابتة إنما تقوم على اعتبار استقلال كل فرد في التكليف، فلا ينفع فاسدا صلاح غيره، كما لا يضر صالحا فساد سواه، ومن هنا كان كل أحد مطالبا بإصلاح نفسه، وتقويم انحرافها، وحملها على الخير والنأى بها عن الشر، وإلا فلا يلومن غيره فإنه هو الذي جنى عليها، وبمجرد نظرة يلقيها اللبيب على آي القرآن الكريم يجد هذه الكلية الاعتقادية السليمة جلية بارزة، ومن أمثلة الآيات التي جاءت بها قوله تعالى: {أية : لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاۤ أَمَانِيِّ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} تفسير : [النساء: 123]، وهذا خطاب لهذه الأمة، والسوء على اطلاقه فإنه نكرة في معرض الشرط، وقوله سبحانه: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُمْ مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي ٱلنَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [النمل: 89-90]، وقوله: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَىۤ إِلاَّ مِثْلَهَا} تفسير : [الأنعام: 160]. أما الشفاعة فقد ذكرت تارة بالنفي المطلق، كما في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ}تفسير : [البقرة: 254]، والخطاب للمؤمنين كما ترون، وتارة بنفي قبولها ونفعها كما في هذه الآية ونظيرتها المشار إليها من قبل، وتارة مقيدة بإذنه تعالى كما في قوله: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة: 255]، وتارة مخصوصة بالرضى وذلك قوله عز من قائل: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ}تفسير : [الأنبياء: 28]، وتارة منفية عن الظالمين والمجرمين كما في قوله: {أية : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} تفسير : [غافر: 18]، وقوله حكاية عن أهل النار: {أية : فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 100]، ولا تنافي بين هذه الآيات فإنها عندما تنفي الشفاعة أو تنفي منفعتها أو قبولها لا تكون إلا واردة مورد التحذير من فعل محظور أو التقصير في واجب، وهو لا ينافي أن ينفع الله بالشفاعة عباده المرتضين التائبين مما قارفوا من السيئات. وقد يعترض بأن التوبة نفسها مكفرة للذنوب فلا أثر للشفاعة معها؛ والجواب أن التوبة وإن كانت مكفرة بفضل الله ورحمته فإن مما تقتضيه توبة التائب استحقاق شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيشفع له عليه أفضل الصلاة والسلام، فيتقبل الله توبته ويكفر سيئته، وقد تكون الشفاعة سببا في رفع منازل الصالحين عند الله يوم القيامة، وقد جاء في حديث جابر بن زيد عند الربيع رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا بعمل صالح وبرحمة الله وبشفاعتي"تفسير : فكما أن العمل الصالح يتوقف في اسعاد صاحبه على رحمة الله تعالى، فهو أيضا يتوقف على حصول الشفاعة من الرسول صلى الله عليه وسلم التي هي من أسباب قبوله. وذكر صاحب المنار أن الناس اختلفوا في أمر الشفاعة نظرا إلى ما تفيده بعض النصوص القرآنية من نفيها، وما جاء في بعضها من الاستثناء كقوله: {إِلاَّ بِإِذْنِهِ}، وقوله: {إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ}، فمن الناس من يحكم الثاني بالأول، ومنهم من يرى أنه لا منافاة بينهما، فنحتاج الى حمل أحدهما على الآخر لأن مثل هذا الاستثناء (أي الاستثناء بالإِذن والمشيئة)، معهود في اسلوب القرآن في مقام النفي القطعي للإِشعار بأن ذلك بإذنه ومشيئته عز وجل، كقوله تعالى: {أية : سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَىٰ إِلاَّ مَا شَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الأعلى: 6-7]، وقوله: {أية : خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ} تفسير : [هود: 107]، فليس في القرآن نص قطعي في وقوع الشفاعة ولكن ورد الحديث بإثباتها فما معناها؟ الشفاعة المعروفة عند الناس هي أن يحمل الشافع المشفوع عنده على فعل أو ترك كان أراد غيره حكم به أم لا، فلا تتحقق الشفاعة إلا بترك الإِرادة وفسخها لأجل الشفيع، فأما الحاكم العادل فإنه لا يقبل الشفاعة إلا إذا تغير علمه بما كان أراده أو حكم به، كأن كان أخطأ ثم عرف الصواب ورأى أن المصلحة أو العدل في خلاف ما كان يريده أو حكم به، وأما الحاكم المستبد الظالم فإنه يقبل شفاعة المقربين عنده في الشيء وهو عالم بأنه ظلم وأن العدل في خلافه ولكنه يفضل مصلحة ارتباطه بالشافع المقرب منه على العدالة، وكل من النوعين محال على الله تعالى لأنه ارادته تعالى على حسب علمه، وعلمه أزلي لا يتغير. وبعد هذا التحرير في أصل الشفاعة نقل عن شيخه الإِمام محمد عبده قوله: "فما ورد في اثبات الشفاعة يكون على هذا من المتشابهات وفيه يقضي مذهب السلف بالتفويض والتسليم وأنها مزية يختص بها الله من يشاء يوم القيامة، عُبر عنها بهذه العبارة (الشفاعة) ولا نحيط بحقيقتها مع تنزيه الله جل جلاله عن المعروف من معنى الشفاعة في لسان التخاطب العرفي". وأما مذهب الخلف في التأويل فلنا أن نحمل الشفاعة فيه على أنها دعاء يستجيبه الله تعالى والأحاديث الواردة في الشفاعة تدل على هذا، ففي رواية الصحيحين وغيرهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم يسجد يوم القيامة ويثني على الله بثناء يلهمه يومئذ فيقال له ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع"، وليس في الشفاعة بهذا المعنى أن الله سبحانه يرجع عن ارادة كان أرادها لأجل الشافع وإنما هي إظهار كرامة الشافع بتنفيذ الإِرادة الأزلية عقب دعائه، وليس فيها أيضا ما يقوي غرور المغرورين الذين يتهاونون بأوامر الدين ونواهيه اعتمادا على شفاعة الشافعين، بل فيه أن الأمر كله لله، وأنه لا ينفع أحد في الآخرة إلا طاعته ورضاه، {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ فَمَا لَهُمْ عَنِ ٱلتَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ} تفسير : [المدثر: 48 - 49]، {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 28]. ولا إشكال في ثبوت الشفاعة المشار إليها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها لا تنافي كون الله تعالى لا تبديل لكلماته، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وإنما هي كما قيل دعاء من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الموقف العظيم الذي تتقطع فيه الألسن عن ذكر ما يعني الغير، ولا تشتغل فيه القلوب إلا بما يهم أصحابها، وفي استجابة الله تعالى لدعائه عليه أفضل الصلاة والسلام دلالة على مكانته عنده وعنوان على قدره بين الناس. هذا وقد ذكر الأستاذ الإِمام أن اليهود الذين خوطبوا ببيان هذه الحقيقة كانوا - كغيرهم من أهل الجاهلية وأهل الملل الوثنية كقدماء المصريين واليونان - يقيسون أمور الآخرة على أمور الدنيا فيتوهمون أنه يمكن تخلص المجرمين من العقاب بفداء يدفع بدلا وجزاء عنه - كما يستبدل بعض حكامهم منفعة مالية بعقوبة بدنية - أو بشفاعة من بعض المقربين إلى الحاكم يغير بها رأيه ويفسخ إرادته، ثم ذكر أن الإِسلام اكتسح هذه العقائد وآثارها العملية بالتوحيد الخالص وأتى بنيانها من القواعد، ولكن المسلمين لم يسلموا منها فقد دخل في الإِسلام أقوام يحملون أوزارا مما كانوا عليه من الوثنية، ولم يلقنوا الدين من القرآن، ولا كما أرشد القرآن، ولكنهم تقلدوه ممن لا يعرفه حق المعرفة، ولُقنوه كما ترشد اليه كتب التقليد من مصطلحات مبتدعة، فكانوا على بقية مما كان عندهم وعلى جهل بالإِسلام، وجاء قوم آخرون تعمدوا الإِفساد فجعلوا بالتأويل الباطل حقا والكذب صدقا. وبعد أن ذكر بعض العادات المصرية التي لا تزال يعمل بها باسم الدين وهي من إرث قدماء الوثنيين عطف العنان إلى ما كان اليهود يعتقدونه مكفرات كقربان الإِثم، وقربان الخطئية وقربان السلامة، والمحرقة، والإِكتفاء ممن لم يجد القربان بحمامتين يكفر بهما عن ذنبه. وقال: وكانوا يفهمون أن هذه الأشياء تكفر الذنوب بذاتها، والحق أنها عقوبات لا مكفرات ومن فهم التوراة حق فهمها يعلم أن المكفر الحقيقي هو التوبة والإِقلاع عن الذنب، وإنما تقديم القربان يكون تربية وعقوبة. ومن الظاهر لمن تدبر كلامه أنه يرى أن اعتقاد الشفاعة لمن مات مصرا على الكبيرة غير تائب منها من المعتقدات التي سرت الى هذه الأمة من معتقدات الأمم الأخرى الذين كانوا يسوغون لأنفسهم ارتكاب الموبقات، والإِنغماس في أنواع الخطايا، ويمنون أنفسهم الفوز والسعادة بشفاعة الشفعاء، غير ملتفتين إلى وعيد الله تعالى. القائلون بانتفاع أهل الكبائر بالشفاعة وقد قال بثبوت الشفاعة لأهل الكبائر من هذه الأمة المرجئة والأشعرية والحشوية ومن حذا حذوهم، غير أنهم اختلفوا، فالمرجئة يرون أن المعصية لا تضر مع سلامة الاعتقاد أيا كانت بناء على أصلهم المشهور أن الإِيمان قول بلا عمل، وأما الأشعرية والحشوية ومن حذا حذوهم فعندهم أن صاحب الكبيرة إما أن يعفو الله عنه أو يشفع له النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم من العقاب رأسا، وإما أن يُدخل النار بقدر ما يصفى من أكدار الخطايا ثم ينقل عنها إلى الجنة بعفو الله أو مع شفاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يخلد عندهم موحد في النار. وذهب أهل الحل والاستقامة إلى أن من أصر على الكبيرة حتى مات عليها لا تجديه شفاعة أحد وأنه يصلى النار خالدا فيها، ووافقهم على ذلك المعتزلة والزيدية والخوارج، غير أن الخوارج لا يفرقون بين كبيرة الشرك وكبيرة الفسق، فكل صاحب كبيرة عندهم مشرك. واستدل أصحابنا ومن وافقهم بهذه الآية وأمثالها، ووجه الاستدلال بهذه الآية أنه تعالى نفى فيها قبول الشفاعة من أحد لأحد ولو قُبلت شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره لذي كبيرة انتقض هذا المدلول المستفاد من هذا النص ويؤيد ذلك ما تقدمه من نفي جزاء نفس عن نفس شيئا، وما تبعه من قوله: {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ}، إذ لو شفع صلى الله عليه وسلم لأحد من أولي الكبائر المستحقين لعقاب الله لكانت نفس جازية عن نفس وناصرة لها. وأجاب من خالفهم بأن الخطاب في الآية لليهود فلا يدخل في وعيده المسلمون، وبأن الآية كما خصصت - باتفاق الكل - بجواز شفاعته صلى الله عليه وسلم للمؤمنين في رفع درجاتهم عند الله لا يمنع تخصيصها بتجويز شفاعته عليه أفضل الصلاة والسلام لأهل الكبائر من أمته وإن ماتوا مصرين عليها. والجواب عن الأول بأن كون الخطاب في الآية لليهود لا يقضي بأن ما ذكر فيها من صفة ذلك اليوم لا يشمل غيرهم فإنهم حُذروا يوما ذلك شأنه عندهم وعند غيرهم، ولو خصص ما جاء في وصفه بهم لم يدخل في وعيده المشركون والملاحدة، وهو مما أُجمع على خلافه، واذا كان التحذير من شر ذلك اليوم في هذه الآية موجها إلى اليهود، فقد وُجه نظيره إلى المؤمنين في قوله عز من قائل: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} تفسير : [البقرة: 254]، فلو كان تحذير أحد من أمر يعني خصوصيته بذلك المحذر منه لكانت هذه الآية دليلا على خصوصية عدم البيع والخلة والشفاعة في ذلك اليوم بالمؤمنين. ومما يدعو إلى الاستغراب التناقض الغريب بين كلامي الفخر الرازي فهذا الموضوع، فبينما نجده يقول: "إن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الانسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة، فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة، ومن فوت التوبة من حيث أنه لا يقين له في البقاء صار حذرا خائفا في كل حال، والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم وذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم". إذا به يجادل بغير هدى من الله مدعيا أن نفي الشفاعة خاص بغير المؤمنين وأعجب من ذلك دعواه أن قوله تعالى: {أية : مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} تفسير : [البقرة: 254]، محمول كذلك على هذه الخصوصية، متعاميا عن افتتحاه بـ {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ...}، وقد كان الجدير بأمثاله من أولي الأقدام الراسخة في العلم والفهم أن لا ينثنوا عن الحقيقة إلى الوهم وأن يترفعوا عن التعصب إلا للدليل نعوذ بالله من الحور بعد الكور. والجواب عن الثاني أن ما ذكروه من ثبوت شفاعته صلى الله عليه وسلم الرافعة لدرجات المؤمنين لا يتعارض مع ما دلت عليه هذه الآية حتى يُعد مخصصا لها فإن ذلك إنما هو في قوم وفّوا بما عليهم من الواجب واحترزوا من المهلكات وتداركوا أمرهم بالتوبة والإِفلاع عن مساخط الله تعالى، فليست الشفاعة دارئة عنهم عقابا استحقوه، وإنما غاية ما في الشفاعة لهم طلب أن يزيدهم الله فضلا على فضله الذي آتاهم من قبل أما هذه الآية وأمثالها فهي ناصة على أن كل أحد مجزى بحسب ما عمل، فلا تدرأ الشفاعة عن أحد عقابا استحقه، ولذلك صدرت بالأمر باتقاء ذلك اليوم. هذا وأجاب صاحب الانتصاف - منتصرا للقول بثبوت الشفاعة لأهل الكبائر - بأن ليس في الآية دليل لمنكريها لأن قوله "يوما" أخرجه منكرا ولا شك أن في القيامة مواطن ويومها معدودة بخمسين ألف سنة، فبعض أوقاتها ليس زمانا للشفاعة، وبعضها هو الوقت الموعود وفيه المقام المحمود لسيد البشر عليه أفضل الصلاة والسلام وقد وردت آي كثيرة ترشد إلى تعدد أيامها واختلاف أوقاتها، منها قوله تعالى: {أية : فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ}تفسير : [المؤمنون: 101]، مع قوله: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ} تفسير : [الصافات: 27، الطور: 25]، فيتعين حمل الآيتين على يومين مختلفين متغايرين أحدهما محل للتساؤل والآخر ليس محلا له، وكذلك الشفاعة. وقد أُعجب بهذا الجواب كثيرة من المفسرين وعدوه حجة ساطعة تتلاشى أمامها شبهات المعاندين، وما هو - لعمري - إلا {أية : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً حَتَّىٰ إِذَا جَآءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً} تفسير : [النور: 39]، فيوم القيامة يوم واحد إذ لا يعقب نهاره ليل ولم يأت أبدا في الكتاب والسنة ما يدل على أنه أيام متعددة. ولو كان - كما قال - أياما منها ما تقبل فيه الشفاعة، ومنها ما لا تقبل لما كان لهذا التحذير في هذه الآية وأمثالها معنى لطمأنينة كل أحد أنه إذا لم يدرك الشفاعة في يوم أدركها في آخر، فلم القلق الحذر؟ ونحن نسلم أن ذلك اليوم تتعدد فيه المواقف ولكن لا نسلم أن موقفا من تلك المواقف يكون فيه ما نفاه الله عنه من جدوى الشفاعة لمن لم يعمل صالحا، ولو كان الأمر كما قال لزم أيضا جزاء نفس عن نفس وقبول العدل عنها ونصرتها على باطلها في بعض تلك المواقف كما جاز حصول الشفاعة المنفية مع هذه الأمور وجدواها للفساق في بعض مواقف ذلك اليوم. أما ما استدل به من نفي التساؤل وإثباته فهو لا يدل بحال على مدعاه إذ التساؤل المنفي في آية (المؤمنون) هو تساؤل التواد والتعاطف والتراحم، والتساؤل المثبت في آية الصافات هو تساؤل التلاوم والتشاقق والتلاعن، وأين هذا من ذاك؟ واستدل كذلك النافون بقوله تعالى: {أية : مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاعُ} تفسير : [غافر: 18]، ووصف الظالم يصدق على المشرك والفاسق، فإن الله سمى القتال في الأشهر الحرم ظلما حيث قال: {أية : فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [التوبة: 36]، وحكى عن آدم وحواء قولهما: {أية : رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا} تفسير : [الأعراف: 23]، وعن يونس قوله: {أية : لاَّ إِلَـٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 87]، وعن موسى قوله: {أية : رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي} تفسير : [القصص: 16]، وهم - قطعا - لم يقعوا في الشرك ولم يريدوه في هذا الإِعتراف. أما ما جاء به الفخر الرازي من أن الآية محمولة على سلب العموم لا على عموم السلب فينقضه أن الآية نزلت تهديدا للظالمين لا نفيا لأن يكونوا جميعا ناجين بشفاعة شفيع أو نصرة حميم، ولو كانت لسلب العموم لما كان للتهديد موضع إذ لكل ظالم أن يمني نفسه بأنه غير داخل في هذا السلب، وأن الشفيع والحميم المطاعين غير منفيين بالنسبة إليه شخصيا ولو جاز حمل هذه الآية على هذا التأويل لم يبق تعلق بالأحكام العمومية المستفادة من النفي الداخل على الجموع ولكان نحو قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكُن مَّعَ ٱلْكَافِرِينَ} تفسير : [هود: 42]، لا يدل إلا على النهي عن الكون مع جميع الكافرين، وعدم المنع من الكون مع بعضهم؛ ولاستُفيد من قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً} تفسير : [النساء: 105]، النهي عن مخاصمته صلى الله عليه وسلم عن جميع الخائنين دون بعضهم، وهكذا في سائر الآيات المماثلة لهذه. ومثل هذه الآية في الدلالة على نفي الشفاعة للظالمين، وفي الإِيراد المذكور والرد عليه قوله تعالى: {أية : وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} تفسير : [آل عمران: 192]. ومن أدلة ذلك قوله تعالى: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 28] ووجه الاستدلال بها أن الله تعالى نفى شفاعة الملائكة إلا لمن ارتضى من عباده وكذا الأنبياء لعدم الفارق يبنهم، والله لا يرتضي إلا الأبرار دون الفجار، وأجاب الفخر الرازي بأن صاحب الكبيرة مرتضى عند اله بما في قلبه من الإِيمان وبهذا عد الفخر هذه الآية من أدلة القول بالشفاعة لأهل الكبائر. وما أبعد هذا الجواب عن جادة الصواب، كيف يكون مرتكب الكبيرة مرتضى عند الله وهو ممقوت عند الله وملعون - إن لم يتب - بنصوص الكتاب والسنة، فالله تعالى يقول: {أية : أَلاَ لَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [هود: 18]، وقد علمتم أن مرتكب الكبيرة ظالم لنفسه، ويقول تعالى في قاتل النفس المؤمنة: {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} تفسير : [النساء: 93]، وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : لعن الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهده"تفسير : وفي الحديث أيضا: "حديث : لعن الله المحلل والمحلل له"تفسير : وفي رواية "حديث : لعن الله التيس المستعار"تفسير : وفي حديث آخر: "حديث : من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقى الله وهو عليه غضبان"تفسير : ونحو هذا في الكتاب والسنة كثير يدركه من تأمله، فكيف يسوغ مع ذلك القول بأن هذا الذي باء بلعنة الله وغضبه مرضي عند الله؟ وهل هذا إلا من باب التشجيع على انتهاك الحرمات وارتكاب الموبقات ما دام مرتكبها واثقا أنه سيؤول الى رضوان الله تعالى وسيحظى بشفاعة ملائكته، وسيتبوأ مقعد صدق في بحبوحة جنته؟ هذا وقد استفاضت الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الدالة على براءته عليه أفضل الصلاة والسلام من مرتكب الكبائر منها حديث الحوض وفيه "حديث : وليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال فأناديهم ألا هلم ألا هلم فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقاً فسحقاً"تفسير : ومنها قوله فيمن أعان امراء الظلم: "حديث : ليس مني ولست منه ولن يرد على الحوض"تفسير : ومنها قوله: "حديث : لا أُلفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئاً قد بلغتك"تفسير : وقوله: "حديث : ثلاثة أنا خصيمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته، رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجرته"تفسير : وقد اشتد تحذيره صلى الله عليه وسلم لذوي قرباه من الاغترار بهذه القرابة والاتكال عليها وأن يأتيه الناس بأعمالهم ويأتوه هم بأنسابهم حتى قال لعمته صفية وفلذة كبده فاطمة رضي الله عنهما: "حديث : يا صفية عمة محمد ويا فاطمة بنت محمد اشتريا أنفسكما فإني لا أغني عنكما من الله شيئا"تفسير : وهل يبقى بعد هذه النصوص القاطعة مجال للمماحكة في هذا الأمر وقد وضح الصبح لذي عينين، ولم تعد الحقيقة في خفاء عن الأبصار. ولعمري لئن كانت شفاعته صلى الله عليه وسلم للمصرين على الكبائر كان كل أحد من أمته يتمنى ويدعو بأن يموت على الإِصرار إذ ما من أحد إلا ومن أمنيته ودعائه أن يكون من أهل شفاعته عليه أفضل الصلاة والسلام. واستدل القائلون بصحة الشفاعة لأهل الكبائر بما لا يفيدهم شيئا، من ذلك قوله عز وجل حكاية عن عيسى عليه السلام: {أية : إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تفسير : [المائدة: 118]، وقوله حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {أية : فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [ابراهيم: 36]، وذلك أنهم قالوا ان هذه شفاعة من النبيين الكريمين عليهما السلام، وهي لا تكون للكفار لعدم أهليتهم لها ولا للمسلم المطيع أو التائب من معصيته لحصول المغفرة لهما دونها فلا محل لها الا صاحب الكبيرة غير التائب، واذا كانت هذه الشفاعة من النبيين الصالحين الكريمين لأهل الكبائر من أمتهما، فأحرى أن يكون مثلها لصاحب الرسالة العظمى واللواء المعقود صلى الله عليه وسلم في أمته. والجواب أن ما قاله النبيان الكريمان - صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما - لا يعدو أن يكون تسليما منهما لأمر الله، ووقوفا عند حدهما، فالمخلوق وإن ارتقى الى أوج الاصطفاء الإِلهيّ ليس له من الأمر شيء، ولو سلمنا أن هذه شفاعة منهما فمن أين لهم أنها تقبلت عند الله وأنه عفى بسببها عن صاحب كبيرة لم يتب منها، ثم من أين لهم خصوصية هذه الشفاعة المزعومة بمن قارف ما دون الشرك من الكبائر مع أن سياق حكاية ما قاله النبيان عليهما السلام في القرآن تدل على خلاف هذا الزعم فالآيتان السابقتان على ما حكى عن عيسى في سورة المائدة صريحتان في كون الذين يعنيهم المسيح عليه السلام في هذا القول هم الذين اتخذوه وأمه إلهين من دون الله، والآيتان هما قوله عز وجل: {أية : وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِيۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ ٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} تفسير : [المائدة: 116- 117]، وأما المحكى عن الخليل عليه السلام فإنما هو في عبدة الأصنام بدليل ما سبقه وهو قوله عز من قائل: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا ٱلْبَلَدَ آمِناً وَٱجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [ابراهيم: 35-36]، فلو كان في الآيتين موضع للاستدلال لما قالوه كانتا أدل على الشفاعة لمن اتخذ مع الله إلها آخر على أنهما لو كانتا نصا في الدعاء بالمغفرة لما كان في ذلك دليل على قبول الشفاعة، كيف وقد حكى الله عن الخليل عليه السلام أنه استغفر لأبيه ومع ذلك لم يُغفر له، وقد بيّن سبحانه داعية هذا الاستغفار في قوله: {أية : وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} تفسير : [التوبة: 114]. ومنه قوله تعالى: {أية : لاَّ يَمْلِكُونَ ٱلشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحْمَـٰنِ عَهْداً} تفسير : [مريم: 87]، ووجه استدلالهم به أن مرتكب الكبيرة قد اتخذ عند الله عهدا بتوحيده وإسلامه. وجوابه أن هذا العهد قد نقضه صاحبه بمعصيته لله، فإن من مقتضيات التوحيد والإِسلام الاستسلام التام لأمره، والانقياد المطلق لحكمه، وذلك لا يجتمع مع الإِصرار على معصيته. ومنه قوله تعالى في الكفار: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} تفسير : [المدثر: 48]، ووجه الاستدلال به أن منطوق الآية دال على حرمان الكفار من نفع الشفاعة لهم، ومفهومها يقتضي ثبوتها لغيرهم وهم أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام. وجوابه أن مفهوم المخالفة مختلف في الإِستدلال به في الأمور العملية فكيف يكون حجة في القضايا الاعتقادية، وهي لا تنبني إلا على اليقين، فلا تستفاد إلا من قواطع الأدلة دون ظنياتها، ومع ثبوت الاستدلال به فلا بد من استيفائه شروطا مُعينة، منها: أن لا يكون المنطوق جاريا مجرى الأغلب المعتاد، وأن لا يكون جوابا لسائل أو تعليما لجاهل، ولو كان مثل هذا المفهوم حجة في مثل هذا الباب لكان الوعيد على أي كبيرة حجة في انتفاء الوعيد عما عداها، فيكون نحو قوله تعالى: {أية : وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} تفسير : الآية [النساء: 93] حجة على أن غير القاتل لا يصلى جهنم ولو أشرك بالله، وهكذا. وإن تعجب فاعجب من الفخر الرازي الذي تشبث بأمثال هذه التلفيقات ظانا أنها حجة مثبتة للمطلوب مبكتة للخصم مع أن أصله أن جميع الحجج السمعية ليست حججا قطعية لأن النقل اللغوي ليس تواتريا، ونحن وإن كنا لا نسلم لهذا الأصل فإنا نعجب لهذا التناقض بينه وبين أسلوبه في الاحتجاج. ومنه قوله تعالى: {أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} تفسير : [محمد: 19]، ووجه استدلالهم به أن الله تعالى أمر نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وصفة المؤمن تصدق على مرتكب الكبيرة. وجوابه أن الإِيمان المعتد به عند الله هو الإِيمان الخالص الذي لا يشوبه إصرار على العصيان، وقد سبق بيان ذلك مع ذكر جانب من الأدلة التي تقتضيه في تفسيره قوله تعالى:{ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ}. ولو كان الإِيمان المفهوم هنا هو مجرد التصديق ولو لم يقترن به عمل لما عذب الله أحدا بكبيرة غير الشرك، وذلك ينافي ما جاء من الوعيد على أنواع مختلفة من المعاصي. ومنه قوله تعالى: {أية : وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ}تفسير : [النساء: 86]، وقد أمر الله المؤمنين أن يحيوا رسوله صلى الله عليه وسلم بالصلاة والتسليم في قوله: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً} تفسير : [الأحزاب: 56]، فلم يكن بد من الرد وما هذا الرد إلا دعاؤه صلى الله عليه وسلم لهم بالرحمة، ودعاؤه مستجاب، فثبتت بذلك شفاعته لهم. وجوابه أن دعاءه عليه أفضل الصلاة والسلام أعم من أن يكون بالرحمة فحسب، فقد يكون بها أو بالهداية، والرحمة لا يلزم أن تكون أخروية على أن القضايا الاعتقادية لا تثبت بالاستنباط وإنما تثبت بالأدلة القطعية كما تقدم، وأين النص القطعي هنا؟ ومنه قوله تعالى: {أية : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} تفسير : [النساء: 64]، ووجه الاستدلال بالآية أنه تعالى لم يذكر فيها التوبة، وهي دالة على أنه صلى الله عليه وسلم متى استغفر للعصاة والظالمين غفر الله لهم وهذا يدل على قبول شفاعته لأهل الكبائر في الدنيا وكذا في الآخرة لعدم الفرق. وجوابه أن استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم مشروط في الآية باستغفارهم لأنفسهم واستغفارهم هو عين التوبة، فمن أين أنهم يغفر لهم مع معصيتهم وظلمهم من غير أن يتوبوا؟ ومنه قوله سبحانه: { أية : ٱلَّذِينَ يَحْمِلُونَ ٱلْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ} تفسير : [غافر: 7]، ووجه استدلالهم به أن مرتكب الكبيرة من جملة المؤمنين فهو داخل في الذين تستغفر لهم الملائكة، وإذا جازت له شفاعة الملائكة جازت له شفاعة النبيين. وجوابه أن الإِيمان الصحيح لا يجامع الإِصرار على المعصية، فالمؤمنون الذين تستغفر لهم الملائكة هم: {أية : ٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ} تفسير : [آل عمران: 135]، على أن في تتمة نفس الآية التي استدلوا بها بيان وصف المؤمنين الذين تستغفر لهم الملائكة وذلك قوله عز وجل: {أية : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ} تفسير : [غافر: 7]، وهل من اتباع سبيل الله الإِصرار على الكبائر وعدم المبالاة بحرمات الله تعالى؟ أما قول الفخر "ان هذا لا يقتضي تخصيص ذلك العام لما ثبت في أصول الفقه أن اللفظ العام إذا ذكر بعده بعض أقسامه فإن ذلك لا يوجب تخصيص ذلك العام بذلك الخاص"، فهو مردود بأنه ليس في هذا تخصيص لعموم وإنما هو حكاية لنص استغفار الملائكة، ويستفاد منه - كما يستفاد من سائر الأدلة - أن المؤمنين حقا هم الذين لا يحالفون المعاصي، فإذا وقعت من أحدهم هفوة بادر إلى التوبة والاستغفار. ومنه الأحاديث المروية في الشفاعة كحديث: "حديث : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"تفسير : وحديث: "حديث : ما ادخرت شفاعتي إلا لأهل الكبائر من أمتي ". تفسير : وجواب ذلك أن هذه الأحاديث رواياتها آحادية فلا تفيد الا الظن في مدلولها، والاعتقاد ينبني على اليقين دون الظن، فلذلك لا يكون إلا ثمرة النصوص المتواترة دون الظواهر القابلة للتأويل ولو تواترت، ودون ما كان طريق روايته آحاديا وإن يكن نصا على أن ظاهر هذه الروايات الذي استندوا إليه متعارض مع النصوص القاطعة من الكتاب، وهي لا تقوى - لا من حيث المتن ولا من حيث الدلالة - على معارضة هذه النصوص، فيجب إما إسقاطها وإما تأويلها بما يتفق معها وذلك أن يحمل المراد من قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: "حديث : شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي"تفسير : على التائبين ممن قارف الكبائر دون المصرين، فهو عليه أفضل الصلاة والسلام يشفع لهم عند الله لأجل قبول توبتهم وحط أوزارهم، وعليه فيتضمن قوله صلى الله عليه وسلم ذلك حضهم على التوبة وإطماعهم في المغفرة، وإبعاد القنوط عنهم، ومثل هذا قوله تعالى: {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [الزمر: 53]، فإن المراد به الترجية في المغفرة مع التوبة لا مع الإِصرار على الذنوب بدليل ما وليه من حض على الإِنابة، وتحذير من الإِصرار في قوله: {أية : وَأَنِـيبُوۤاْ إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلْعَذَابُ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ وَٱتَّبِعُـوۤاْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُـمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُـمُ ٱلْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَانِي لَكُـنتُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَـرَّةً فَأَكُونَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [الزمر: 54-58]، وإطلاق اللفظ مع قصد تقييد معناه معهود عند العرب مع القرائن الدالة على المراد وفي القرآن والحديث نصيب وافر منه، ولو كان المراد من حديث "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" ما فهموه منه لكان في ذلك إغراء منه صلى الله عليه وسلم وأي إغراء على المعصية - حاشا وكلا - كيف وهو الذي أمر فلذة كبده فاطمة رضي الله تعالى عنها أن تشتتري نفسها من الله وأخبرها أنها لا يغني عنها من الله شيئا. وما أبدع ما قاله العلامة صاحب المنار في الذين يجترئون على الله بالمعصية متكلين على العفو والشفاعة، وإليكم نص قوله: "إن مثل من يقترف السيئات معتمدا على العفو والشفاعة كمثل من يرتكب الجرائم في ملأ من الناس، وعلى رؤوس الأشهاد متعرضا لقبض الشرطة عليه وسوقه الى المحكة لتحكم عليه بعقوبة الجريمة اعتمادا على أن الأمير أو السلطان قد يعفو عنه بعد الحكم عليه بالعقوبة، ومثل هذا لا يختلف اثنان في حمقه والله تعالى قد بيّن لنا شرط نفع الأعمال الصالحة في مغفرة الذنوب، وهو اقترانها بالتوبة الصحيحة كقوله في حكاية دعاء الملائكة للمؤمنين: {أية : فَٱغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ}تفسير : الآيات [غافر: 7]، وقوله: {أية : وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً} تفسير : [الفرقان: 71] وقوله: {أية : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ} تفسير : [طه: 82]، وأما الشفاعة فحسبك قوله فيها: {وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} مع الجزم بأنه تعالى لا يرضى بالكذب ولا بغيره من الجرائم ومن يأذن تعالى له بالشفاعة لا يعلمهم غيره عز وجل". وقبل كلامه هذا سرد ملخص ما قاله الأستاذ الإِمام في الذين يستخفون بوعيد الله ويجترئون على محارمه - كالكذب - اتكالا على سعة عفو الله وما يعتقدونه من المكفرات كالاستغفار قبل النوم مائة مرة وقول كذا من الذكر بعد صلاة الصبح كذا وكذا مرة مع نسيان سبب المغفرة الحقيقي وهو التوبة النصوح والرجوع إلى الله تعالى، وجاء في آخر كلامه ما نصه: "وكيف نترك ما جاء عن الله في كتابه وعلى لسان نبيه من النصوص الدالة على أن لعنة الله مسجلة على الكاذبين، وهي بعمومها لا تدع لوهم مجالا في نزول سخط الله بالكاذب، ثم نخترع لأنفسنا تعلة نتوكأ عليها في ارتكاب هذه الجريرة ونسندها إلى سعة عفو الله أو إلى مجمل من القول لا يبينه إلا تلك النصوص القاطعة؟ إن هذا الإ خبال أو تصوير خيال أو فقد للإِيمان بصحة تلك النصوص القاطعة، نعوذ بالله". ومسألة الشفاعة لأهل الكبائر لها علاقة قوية بمسألة أخرى شغلت ألباب الناس وعنى بها الكاتبون من المتكلمين والمفسرين، وهي مسألة خلف الوعيد، فالقائلون بسقوط عقوبات الكبائر بسبب الشفاعات سوغوا إخلاف الله لوعيده، بل قالوا بوقوع ذلك وعدوه من آثار الكمال الإِلهي لأنه دال - عندهم - على سعة الحلم وواسع الإِحسان، والقائلون بخلاف ذلك لا يسوغون إخلاف الوعيد كما لا يسوغون إخلاف الوعد، ويعدون وصف الله به جهلا بكماله الذاتي ومقامه الإِلهي، ذلك لأن إِخلاف الوعيد لا ينفك عن الدلالة إما على البداء والجهل، وإما على الكذب تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وبيان ذلك أنه تعالى لا يخلوا حال الوعيد إما أن يكون عالما بأنه لن ينجزه وإنما توعد بما توعد به لمجرد الردع والكف عن المخالفة، وهذا هو الكذب بعينه، وهو غير لائق بأصحاب الشيم والإِباء من البشر فكيف يليق برب العالمين؟ وإما أن يكون غير عالم بما سيحدث من موجبات الإِخلاف وإنما انكشف له من بعد ما كان منطويا عنه من قبل فرأى الإِخلاف أولى من الإِنفاذ، وهو - كما ترى - يستلزم - لا محالة - الجهل وبدو البدوات - تعالى الله وجل عن ذلك - ولئن ساغ هذا من المخلوق العاجز الجاهل فإنه لا يسوغ بحال من الخلاق العليم الذي وسع كل شيء قدرة، وأحاط بكل شيء علما. وبجانب هذه الدلالة العقلية على استحالة اخلاف الله لوعيده فإن الأدلة النقلية تعضدها، منها قوله تعالى: {أية : لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ ٱللَّهِ} تفسير : [يونس: 64]، وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ}تفسير : [آل عمران: 9]، وقوله: {أية : مَا يُبَدَّلُ ٱلْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَاْ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} تفسير : [ق: 29]، وهو نص في الموضوع لأنه مترتب على قوله من قبله: {أية : لاَ تَخْتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِٱلْوَعِيدِ}تفسير : [ق: 28]، وقد استقر عند الأصوليين أن العمومات إذا ترتبت على أسباب خاصة تعد قواطع بالنسبة إلى تلك الأسباب. وقد أبعد المخالفون النجعة حيث قاسوا في هذه القضية شأن الحق على أحوال الخلق إذ حسنوا إخلاف الله لوعيده نظرا إلى ما تعورف به بني الناس من أن تراجع المتوعد عما توعد به يعد من مكارم الأخلاق ومحاسن الخلال حتى أنهم استدلوا على إخلاف وعيد الله بقول الشاعر: شعر : ولا يخشى ابن العم ما عشت صولتي ولا أنا أخشى صولة المتمردي وإني وإن أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي تفسير : واعترضوا بعدم جواز قياس الكمال الإِلهي المطلق على الكمال البشري المحدود، فإن استحسان خلف الوعيد من الناس إنما لأجل ما يطغى عليهم حالة الغضب والانفعال من العواطف الرعناء التي تؤدي بهم الى التهديد والوعيد بالعقوبات المفرطة، ولا غرو أن يُعد التراجع عنها - بعد تحكيم منطق العقل وهدوء سورة الانفعال - من الخصال المحمودة والفضائل المستحسنة، والله تعالى مبرأ عن كل ذلك، فلا يصح حمل شأنه على شأن خلقه، على أن إخلاف الوعيد قد يكون مذموما حتى لو كان من قبل البشر، ألا ترون أن الحاكم الذي يتوعد المجرمين بالعقوبات الرادعة ثم ينثني عنها لا يُعد انثناؤه من المحامد لما يترتب عليه من التشجيع على الإِجرام، ولذلك مدحت العرب من ينجز الوعيد كما مدحت من يخلفه، ومن ذلك قول الشاعر: شعر : إن أبا خالد لمعتدل الرأ ى كريم الأفعال والبيت لا يخلف الوعد والوعيد ولا يبيت من قراه على فوت تفسير : وقد اعترض أبو عثمان النهدي بهذين البيتين على أبي عمرو ابن العلاء عندما احتج عليه بالبيتين السابقين على جواز اخلاف الله لوعيده. والقول بخلف الوعيد يفضي إلى الاستخفاف بالأوامر والنواهي وعدم المبالاة بانتهاك الحرمات وتضييع الواجبات ما دامت النفس طامعة في تبديل الوعيد بخلاف ما إذا كانت قاطعة بإنجازه، ولذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يذكر بالقرآن من يخشى وعيد الله لجدوى التذكير فيهم: {أية : فَذَكِّرْ بِٱلْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ} تفسير : [ق: 45].
الالوسي
تفسير : {وَٱتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} اليوم الوقت، وانتصابه إما على الظرف والمتقى محذوف ـ أي واتقوا العذاب يوماً ـ وإما مفعول به ـ واتقاؤه ـ بمعنى ـ اتقاء ما فيه ـ إما مجازاً يجعل الظرف عبارة عن المظروف أو كناية عنه للزومه له، وإلا ـ فالاتقاء ـ من نفس ـ اليوم ـ مما لا يمكن، لأنه آت لا محالة، ولا بد أن يراه أهل الجنة والنار جميعاً، والممكن المقدور ـ اتقاء ـ ما فيه بالعمل الصالح، و {تَجْزِى} من جزى بمعنى قضى، وهو متعد بنفسه لمفعوله الأول، وبعن للثاني ـ وقد ينزل منزلة اللازم للمبالغة ـ والمعنى لا تقضي يوم القيامة نفس عن نفس شيئاً مما وجب عليها، ولا تنوب عنها، ولا تحتمل مما أصابها، أو لا تقضي عنها شيئاً من الجزاء، فنصب {شَيْئاً} إما على أنه ـ مفعول به ـ أو على أنه ـ مفعول مطلق ـ قائم مقام المصدر، أي جزاء مّا. وقرأ أبو السماك: {وَلاَ تجزئ} من أجزأ عنه إذا أغنى، فهو لازم، و {شَيْئاً} مفعول مطلق لا غير، والمعنى لا تغني نفس عن نفس شيئاً من الإغناء ـ ولا تجديها نفعاً ـ وتنكير الأسماء للتعميم في الشفيع والمشفوع، وما فيه الشفاعة، وفيه من التهويل والإيذان بانقطاع المطامع ما لا يخفى، كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْء مِنْ أَخِيهِ * وَأُمّهِ وَأَبِيهِ * وَصَـٰحِبَتِهُ وَبَنِيهِ * لِكُلّ ٱمْرِىء مّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ }تفسير : [عبس: 34ـ37] والجملة في المشهور صفة يوم والرابط محذوف، أي: لا تجزي فيه ولم يجوز الكسائي حذف المجرور إذا لم يتعين، فلا تقول: رأيت رجلاً أرغب، وأنت تريد أرغب فيه، ومذهبه في هذا التدريج، وهو أن يحذف حرف الجر أولاً حتى يتصل الضمير بالفعل ـ فيصير منصوباً ـ فيصح حذفه كما في قوله:شعر : فما أدري أغيرهم تناء وطول العهد أو مال أصابوا تفسير : يريد أصابوه، وقد يجوز ـ على رأي الكوفيين ـ أن لا تكون الجملة صفة، بل مضاف إليها (يوم) محذوف ـ لدلالة ما قبله عليه ـ فلا تحتاج إلى ضمير، ويكون ذلك المحذوف ـ بدلاً من المذكور ـ ومن ذلك ما حكاه الكسائي ـ أطعمونا لحماً سميناً، شاة ذبحوها ـ بجر شاة ـ على تقدير ـ لحم شاة ـ وحكى الفراء مثل ذلك، ومنه قوله:شعر : رحم الله أعظما دفنوها بسجستان طلحة الطلحات تفسير : في رواية من خفض طلحة، والبصريون لا يجوّزون حذف المضاف، وترك المضاف إليه على خفضه، ويقولون بشذوذ ما ورد من ذلك، وقرأ أبو سرار: (لا تجزي نسمة عن نسمة) وهي بمعنى النفس. {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} الشفاعة ـ كما في «البحر» ـ ضم غيره إلى وسيلته ـ وهي من الشفع ضد الوتر ـ لأن الشفيع ينضم إلى الطالب في تحصيل ما يطلب ـ فيصير شفعاً بعد أن كان فرداً ـ والعدل الفدية، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وروي عنه أيضاً ـ البدل ـ أي رجل مكان رجل، وأصل العدل ـ بفتح العين ـ ما يساوي الشيء ـ قيمة وقدراً ـ وإن لم يكن من جنسه ـ وبكسرها ـ المساوى في الجنس والجرم، ومن العرب من يكسر ـ العين ـ من معنى الفدية، وذكر الواحدي أن (عدل) الشيء ـ بالفتح والكسر ـ مثله، وأنشد قول كعب بن مالك:شعر : صبرنا لا نرى لله عدلا على ما نابنا متوكلينا تفسير : وقال ثعلب: العدل الكفيل والرشوة ـ ولم يؤثر في الآية ـ والضميران المجروران ـ بمن ـ إما راجعان إلى النفس/ الثانية لأنها أقرب مذكور ولموافقته لقوله تعالى: {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} ولأنه المتبادر من قوله: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} ومعنى عدم قبول الشفاعة حينئذٍ أنها إن جاءت بشفاعة شفيع لم تقبل منها وإما إلى الأولى لأنها المحدث عنها، والثانية فضلة ولأن المتبادر من نفي قبول الشفاعة أنها لو شفعت لم تقبل شفاعتها، وحينئذٍ معنى عدم ـ أخذ العدل ـ من الأولى أنه لو أعطى عدلاً من الثانية لم يؤخذ، وكأن في الآية على هذا نوعاً من الترقي ارتكب هنا وإن لم يرتكب في مقام آخر كأنه قيل: إن النفس الأولى لا تقدر على استخلاص صاحبتها من قضاء الواجبات وتدارك التبعات لأنها مشغولة عنها بشأنها، ثم إن قدرت على نفي ما كان بشفاعة لا يقبل منها، وإن زادت عليه بأن ضمت الفداء فلا يؤخذ منها، وإن حاولت الخلاص بالقهر والغلبة ـ وأنى لها ذلك ـ فلا تتمكن منه، واختار الكواشي جعل الضمير الأول للنفس الأولى، والثانية للثانية على اللف والنشر لما فيه من إجراء الجملتين على المعنى الظاهر منهما، ويهوّن أمر التفكيك الاتضاح، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ـ ولا تقبل ـ بالتاء، وسفيان {يَقْبَلُ} بفتح الياء، ونصب شفاعة على البناء للفاعل، وفيه التفات من ضمير المتكلم في {أية : نِعْمَتِيَ }تفسير : [البقرة: 47] الخ إلى ضمير الغائب وبناؤه للمفعول أبلغ. {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} النصر في الأصل المعونة، ومنه أرض منصورة ممدودة بالمطر، والمراد به هنا ما يكون بدفع الضرر ـ أي ولاهم يمنعون من عذاب الله عز وجل ـ والضمير راجع إما إلى ما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق النفي من النفوس الكثيرة فيكون من قبيل ما تقدم ذكره معنى بدلالة لفظ آخر، وإما إلى النفس المنكرة من حيث كونها لعمومها بالنفي في معنى الكثرة كما قيل في قوله تعالى: {أية : فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَـٰجِزِينَ }تفسير : [الحاقة: 47] وأتى به مذكراً لتأويل النفوس بالعباد والأناسي، وفيه تنبيه على أن تلك النفوس عبيد مقهورون مذللون تحت سلطانه تعالى، وأنهم ناس كسائر الناس في هذا الأمر، وعوده إلى النفسين بناءً على أن التثنية جمع ليس بشيء، وجعل النفي ـ منسحباً على جملة اسمية للتقوى، ورفع {هُمْ} على الابتداء والجملة بعده خبره، وجعله مفعولاً لما لم يسم فاعله والفعل بعده مفسر فتوافق الجمل ـ لا أوافق على اختياره ـ وإن ذهب إليه بعض الأجلة ـ. وتمسك المعتزلة بعموم الآية على نفي الشفاعة لأهل الكبائر ـ وكون الخطاب للكفار والآية نازلة فيهم ـ لا يدفع العموم المستفاد من اللفظ، وأجيب بالتخصيص من وجهين، الأول: بحسب المكان والزمان فإن مواقف القيامة ومقدار زمانها فيها سعة وطول، ولعل هذه الحالة في ابتداء وقوعها وشدته ثم يأذن بالشفاعة، وقد قيل: مثل ذلك في الجمع بين قوله تعالى: {أية : فَلاَ أَنسَـٰبَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُونَ }تفسير : [المؤمنون: 101] وقوله تعالى: {أية : وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ }تفسير : [الطور: 25] وكون مقام الوعيد يأبـى عنه غير مسلم، والثاني: بحسب الأشخاص إذ لا بد لهم من التخصيص في غير العصاة لمزيد الدرجات فليس العام باقياً على عمومه عندهم وإلا اقتضى نفي زيادة المنافع وهم لا يقولون به، ونحن نخصص في العصاة بالأحاديث الصحيحة البالغة حد التواتر، وحيث فتح باب التخصيص نقول أيضاً: ذلك النفي مخصص بما قبل الإذن، لقوله تعالى: {أية : لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ } تفسير : [سبأ: 23] وهو تخصيص له دليل، وتخصيصهم لا يظهر له دليل على أن الشفاعة بزيادة المنافع يكاد أن لا تكون شفاعة وإلا لكنا شفعاء الرسول صلى الله عليه وسلم عند الصلاة عليه مع أن الإجماع وقع منا ومنهم على أنه هو الشفيع، وأيضاً في قوله تعالى: {أية : وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [محمد: 19] ما يشير إلى الشفاعة التي ندعيها ـ ويحث على التخصيص الذي نذهب إليه ـ رزقنا الله تعالى الشفاعة وحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة، ولما قدم سبحانه ذكر نعمه إجمالاً أراد أن يفصل ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة فقال: {وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مّنْ ءالِ...}.
ابن عاشور
تفسير : عَطَفَ التحذير على التذكير، فإنه لما ذكرهم بالنعمة وخاصة تفضيلهم على العالمين في زمانهم وكان ذلك منشأ غرورهم بأنه تفضيل ذاتي فتوهموا أن التقصير في العمل الصالح لا يضرهم فعقب بالتحذير من ذلك. والمراد بالتقوى هنا معناها المتعارف في اللغة لا المعنى الشرعي. وانتصاب {يوماً} على المفعولية به وليس على الظرفية ولذلك لم يقرأ بغير التنوين. والمراد باتقائه اتقاؤه من حيث ما يحدث فيه من الأهوال والعذاب فهو من إطلاق اسم الزمان على ما يقع فيه كما تقول مكان مخوف. و{تجزي} مضارع جزى بمعنى قضى حقاً عن غيره، وهو متعد بعن إلى أحد مفعوليه فيكون {شيئاً} مفعوله الأول، ويجوز أيضاً أن يكون مفعولاً مطلقاً إذا أريد شيئاً من الجزاء ويكون المفعول محذوفاً. وجملة: {لا تجزي نفس} صفة ليوماً وكان حق الجملة إذا كانت خبراً أو صفة أو حالاً أو صلة أن تشتمل على ضمير ما أجريت عليه، ويكثر حذفه إذا كان منصوباً أو ضميراً مجروراً فيحذف مع جاره ولا سيما إذا كان الجار معلوماً لكون متعلقه الذي في الجملة لا يتعدى إلا بجار معين كما هنا تقديره فيه وإنما جاز حذفه لأن المحذوف فيه متعين من الكلام وقد يحذف لقرينة كما في حذف ضمير الموصول إذا جر بما جر به الموصول. ونظير هذا الحذف قول العريان الجرمي من جرم طيء:شعر : فقلت لها لاَ والذي حجَّ حاتم أُخونُكِ عهداً إنني غير خوّان تفسير : تقديره حج حاتم إليه. وتنكير النفس في الموضعين وهو في حيز النفي يفيد عموم النفوس أي لا يغني أحد كائناً من كان فلا تغني عن الكفار آلهتهم ولا صلحاؤهم على اختلاف عقائدهم في غَناء أولئك عنهم، فالمقصود نفي غنائهم عنهم بأن يحولوا بينهم وبين عقاب الله تعالى، أي نفي أن يجزوا عنهم جزاء يمنع الله عن نوالهم بسوء رعياً لأوليائهم، فالمراد هنا الغناء بحرمة الشخص وتوقع غضبه وهو غناء كفء العدو الذي يخافه العدو على ما هو معروف عند الأمم يومئذ من اتقائهم بطش مولى أعدائهم وإحجامهم عما يوجب غضبه تقية من مكره أو ضره أو حرمان نفعه قال السموأل:شعر : وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز وجار الأكثرين ذليل تفسير : وقال العنبري:شعر : لو كنتُ من مازن لم تَستبِحْ إبلي بنُو الشقيقة من ذُهل بن شيبان تفسير : وبهذا يتبين أن مفاد قوله: {لا تجزي نفس عن نفس شيئاً} مغاير لمفاد ما ذكر بعده بقوله: {ولا يقبل منها شفاعة} إلخ فقوله: {لا تجزي نفس عن نفس شيئاً}، هو بمعنى قوله تعالى: {أية : يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله}تفسير : [الانفطار: 19]. وقوله: {ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل} الضميران عائدان للنفس الثانية المجرورة بعن أي لا يقبل من نفس شفاعة تأتي بها ولا عدل تعتاض به لأن المقصود الأصلي إبطال عقيدة تنصل المجرم من عقاب الله ما لم يشأ الله؛ ليكون الضمير في قوله: {ولا هم ينصرون} راجعاً إلى مرجع الضميرين قبله. وهذا التأييس يستتبع تحقير من توهمهم الكفرة شفعاء وإبطال ما زعموه مغنياً عنهم من غضب الله من قرابين قربوها ومجادلات أعدوها وقالوا: {أية : هؤلاء شفعاؤنا عند الله}تفسير : [يونس: 18]. {أية : يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها}تفسير : [النحل: 111]. ومن المفسرين من فسر قوله: {لا تجزي نفس عن نفس شيئاً} بما يعم الإجزاء فجعل ما هو مذكور بعده من عطف الخاص على العام ولذلك قال الشيخ ابن عطية: «حصرت هذه الآية المعاني التي اعتاد بها بنو آدم في الدنيا فإن الواقع في شدة لا يتخلص إلا بأن يُشفع له أو يفتدى أو ينصر» اهـ وألغى جمعها لحالة أن يتجنب الناس إيقاعه في شدة اتقاء لمواليه، وما فسرنا به أرشق. وقد جمع كلام شيوخ بني أسد مع أمرىء القيس حين كلموه في دم أبيه حجر فقالوا: فأَحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث: أما إن اخترت من بني أسد أشرفها بيتاً فقدناه إليك بنسعه تذهب مع شفرات حسامك بباقي قصرته، أو فداء بما يروح على بني أسد من نعمها فهي ألوف، وإما وادعتنا إلى أن تضع الحوامل فتُسْدل الأزر وتُعقد الخمر فوق الرايات» اهـ. وقرأ الجمهور (ولا يقبل) بياء تحتية ياء المضارع المسند إلى مذكر لمناسبة قوله بعده: {ولا يؤخذ منها عدل}، ويجوز في كل مؤنث اللفظ غير حقيقي التأنيث أن يعامل معاملة المذكر لأن صيغة التذكير هي الأصل في الكلام فلا تحتاج إلى سبب، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب بمثناة فوقية رعياً لتأنيث لفظ (شفاعة). والشفاعة: السعي والوساطة في حصول نفع أو دفع ضر سواء كانت الوساطة بطلب من المنتفع بها أم كانت بمجرد سعي المتوسط ويقال لطالب الشفاعة مستشفع. وهي مشتقة من الشفع لأن الطالب أو التائب يأتي وحده فإذا لم يجد قبولاً ذهب فأتى بمن يتوسل به فصار ذلك الثاني شافعاً للأول أي مصيّره شفعاً. والعدل ـــ بفتح العين ـــ العوض والفداء، سمي بالمصدر لأن الفادي يعدل المفدى بمثله في القيمة أو العين ويسويه به، يقال عدل كذا بكذا أي سواه به. والنصر هو إعانة الخصم في الحرب وغيره بقوة الناصر وغلبته. وإنما قدم المسند إليه لزيادة التأكيد المفيد أن انتفاء نصرهم محقق زيادة على ما استفيد من نفي الفعل مع إسناده للمجهول كما أشرنا إليه آنفاً. وقد كانت اليهود تتوهم أو تعتقد أن نسبتهم إلى الأنبياء وكرامة أجدادهم عند الله تعالى مما يجعلهم في أمن من عقابه على العصيان والتمرد كما هو شأن الأمم في إبان جهالتها وانحطاطها وقد أشار لذلك قوله تعالى: {أية : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم}تفسير : [المائدة: 18]. وقد تمسك المعتزلة بهذه الآية للاحتجاج لقولهم بنفي الشفاعة في أهل الكبائر يوم القيامة لعموم (نفس) في سياق النفي المقتضي أن كل نفس لا يقبل منها شفاعة وهو عموم لم يرد ما يخصصه عندهم. والمسألة فيها خلاف بين المعتزلة وأصحاب الأشعري. واتفق المسلمون على ثبوت الشفاعة يوم القيامة للطائعين والتائبين لرفع الدرجات، لم يختلف في ذلك الأشاعرة والمعتزلة فهذا اتفاق على تخصيص العموم ابتداء، والخلاف في الشفاعة لأهل الكبائر فعندنا تقع الشفاعة لهم في حط السيئات وقت الحساب أو بعد دخول جهنم لما اشتهر من الأحاديث الصحيحة في ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم «حديث : لكل نبي دعوة مستجابة وقد ادخرت دعوتي شفاعة لأمتي» تفسير : وغير ذلك. قال القاضي أبو بكر الباقلاني: إن الأحاديث في ذلك بلغت مبلغ التواتر المعنوي كما أشار إليه القرطبي في نقل كلامه. وعند المعتزلة لا شفاعة لأهل الكبائر لوجوه منها الآيات الدالة على عدم نفع الشفاعة كهاته الآية، وقوله: {أية : فما تنفعهم شفاعة الشافعين}تفسير : [المدثر: 48]. {أية : من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة}تفسير : [البقرة: 254] {أية : ما للظالمين من حميم ولا شفيع}تفسير : [غافر: 18] قالوا والمعصية ظلم. ومنها قوله تعالى: {أية : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى}تفسير : [الأنبياء: 28] وصاحب الكبيرة ليس بمرتضى، ومنها قوله: {أية : فاغفر للذين تابوا}تفسير : [غافر: 7]. والجواب عن الجميع أن محل ذلك كله في الكافرين جمعاً بين الأدلة وأن قوله: {لمن ارتضى} يدل على أن هنالك إذناً في الشفاعة كما قال: {أية : إلا لمن أذن له}تفسير : [سبأ: 23] وإلا لكان الإسلام مع ارتكاب بعض المعاصي مساوياً للكفر وهذا لا ترضى به حكمة الله وأما قوله: {فاغفر للذين تابوا} فدعاء لا شفاعة. والظاهر أن الذي دعا المعتزلة إلى إنكار الشفاعة منافاتها لخلود صاحب الكبيرة في العذاب الذي هو مذهب جمهورهم الذين فسروا قول واصل بن عطاء بالمنزلة بين المنزلتين بمعنى إعطاء العاصي حكم المسلم في الدنيا وحكم الكافر في الآخرة ولا شك أن الشفاعة تنافي هذا الأصل، فما تمسكوا به من الآيات إنما هو لقصد التأبيد ومقابلة أدلة أهل السنة بأمثالها. ولم نر جوابهم عن حديث الشفاعة، وأحسب أنهم يجيبون عنه بأن أخبار الآحاد لا تنقض أصول الدين ولذلك احتاج القاضي أبو بكر إلى الاستدلال بالتواتر المعنوي. والحق أن المسألة أعلق بالفروع منها بالأصول لأنها لا تتعلق بذات الله ولا بصفاته ولو جاريناهم في القول بوجوب إثابة المطيع وتعذيب العاصي، فإن الحكمة تظهر بدون الخلود وبحصول الشفاعة بعد المكث في العذاب، فلما لم نجد في إثبات الشفاعة ما ينقض أصولهم فنحن نقول لهم: لم يبق إلا أن هذا حكم شرعي في تقدير تعذيب صاحب الكبيرة غير التائب وهو يتلقى من قبل الشارع وعليه فيكون تحديد العذاب بمدة معينة أو إلى حصول عفو الله أو مع الشفاعة، ولعل الشفاعة تحصل عند إرادة الله تعالى إنهاء مدة التعذيب. وبعد فمن حق الحكمة أن لا يستوي الكافرون والعصاة في مدة العذاب ولا في مقداره، فهذه قولة ضعيفة من أقوالهم حتى على مراعاة أصولهم، وقد حكى القاضي أبو بكر الباقلاني إجماع الأمة قبل حدوث البدع على ثبوت الشفاعة في الآخرة، وهو حق فقد قال سواد بن قارب يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم شعر : فكُن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة بمغنٍ فتيلاً عن سواد بن قارب تفسير : وأما الشفاعة الكبرى العامة لجميع أهل موقف الحساب الوارد فيها الحديث الصحيح المشهور فإن أصول المعتزلة لا تأباها. وقوله: {ولا يؤخذ منها عدل} والعدل ـــ بفتح العين ـــ يطلق على الشيء المساوي شيئاً والمماثل له ولذلك جعل ما يفتدي به عن شيء عدلاً وهو المراد هنا كما في قوله تعالى: {أية : أو عدل ذلك صياماً}تفسير : [المائدة: 95] فالمعنى: ولا يقبل منها ما تفتدي به عوضاً عن جرمها. والنصر هو إعانة العدو على عدوه ومحاربه إما بالدفاع معه أو الهجوم معه فهو في العرف مراد منه الدفاع بالقوة الذاتية وأما إطلاقه على الدفاع بالحجة نحو {أية : من أنصاري إلى الله}تفسير : [آل عمران: 52] وعلى التشيع والاتباع نحو {أية : إن تنصروا الله ينصركم}تفسير : [محمد: 7] فهو استعارة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} الآية - ظاهر هذه الآية عدم قبول الشفاعة مطلقاً يوم القيامة. ولكنه بين في مواضع آخر أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار، والشفاعة لغيرهم، بدون إذن رب السموات والأرض. أما الشفاعة للمؤمنين بإذنه فهي ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع. فنص على عدم الشفاعة للكفار بقوله: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ} تفسير : [الأنبياء: 28]، وقد قال: {أية : وَلاَ يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ} تفسير : [الزمر: 7]، وقال تعالى عنهم مقرراً له: {أية : فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 100]، وقال: {أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ} تفسير : [المدثر: 48]، إلى غير ذلك من الآيات. وقال في الشفاعة بدون إذنه: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة: 255]، وقال: {أية : وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ} تفسير : [النجم: 26]. وقال: {أية : يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} تفسير : [طه: 109] إلى غير ذلك من الآيات وادعاء شفعاء عند الله للكفار أو بغير إذنه، من أنواع الكفر به جل وعلا، كما صرح بذلك في قوله: {أية : وَيَقُولُونَ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ ٱللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ} تفسير : [يونس: 18]. تنبيه: هذا الذي قررنا من أن الشفاعة للكفار مستحيلة شرعاً مطلقاً، يستثنى منه شفاعته صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب في نقله من محلٍّ من النار إلى محل آخر منها، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح، فهذه الصورة التي ذكرنا من تخصيص الكتاب بالسنة.
الواحدي
تفسير : {واتقوا يوماً} واحذروا واجتنبوا عقاب يومٍ {لا تجزي} لا تقضي ولا تُغني {نفسٌ عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة} أَيْ: لا يكون شفاعةٌ فيكون لها قبول، وذلك أنَّ اليهود كانوا يقولون: يشفع لنا آباؤنا الأنبياء، فآيسهم الله تعالى عن ذلك {ولا يؤخذ منها عدل} فِداءٌ {ولا هم ينصرون} يُمنعون من عذاب الله تعالى. {وإذ نجيناكم} واذكروا ذلك {من آل فرعون} أتباعه ومَنْ كان على دينه {يسومونكم} : يُكلِّفونكم {سوء العذاب} شديد العذاب، وهو قوله تعالى: {يذبحون} : يُقتِّلون {أبناءكم ويستحيون نساءكم} يستبقونهنَّ أحياءً [لقول بعض الكهنة له: إنَّ مولوداً يُولد في بني إسرائيل يكون سبباً له ذهابُ ملكك]. {وفي ذلكم} الذي كانوا يفعلونه بكم {بلاءٌ} : ابتلاءٌ واختبارٌ وامتحانٌ {من ربكم عظيم} وقيل: وفي تنجيتكم من هذه المحن نعمةٌ عظيمة، والبلاء: النِّعمة، والبلاء: الشِّدَّة. {وإذ فرقنا بكم البحر} فجعلناه اثني عشر طريقاً حتى خاض فيه بنو إسرائيل. {فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون} إلى انطباق البحر عليهم وإنجائكم منهم.
د. أسعد حومد
تفسير : {شَفَاعَةٌ} (48) - وَبَعْدَ أَنْ ذَكَّرَهُمُ اللهُ تَعَالى بِنِعَمِهِ الكَثِيرَةِ عَلَيهِمْ، عَادَ فَحَذَّرَّهُمْ مِنْ طُولِ نِقَمِِهِ عَلَيهِمْ، يَوْمَ القِيَامَةِ (وَاتَّقُوا يَوْماً)، وَهُوَ اليَوْمُ الذِي لاَ يُغنِي فِيهِ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ شَيْئاً، وَلاَ يُقْبَلُ مِنَ الكَافِرِينَ شَفَاعَةٌ، وَلاَ يُقْبَلُ مِنَ النَّفْسِ الكَافِرَةِ فِداءٌ أَوْ بَدَلٌ (عَدْلٌ)، وَلاَ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ العَصِيبِ أَنْ يَنْصُرَهُمْ وَيَدْفَعَ عَنْهُمُ الضُرَّ، وَلاَ أَنْ يُنْقِذَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ تَعَالَى. العَدْلُ - الفِدْيَةُ لأَنَّهَا تُعَادِلُ المَفْدِيَّ قِيمَةً وَقَدْراً. النُّصْرَةُ - العَوْنُ لِدَفْعِ الضُّرِّ. لا تَجْزي - لاَ تُغْنِي وَلاَ تُؤدِّي.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً} يذكرهم بهذا اليوم. وهو يوم القيامة الذي لا ينفع الإنسان فيه إلا عمله، ويطلب الحق سبحانه وتعالى منهم أن يجعلوا بينهم وبين صفات الجلال لله تعالى في ذلك اليوم وقاية. إن هناك آية أخرى تقول: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} تفسير : [البقرة: 123]. وهذه الآية وردت مرتين. وصدر الآيتين متفق. ولكن الآية الأولى تقول: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} والآية الثانية: {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} تفسير : [البقرة: 123] هل هذا تكرار؟ نقول لا. والمسألة تحتاج إلى فهم. فالآيتان متفقتان في مطلعهما: في قوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً}. ففي الآية الأولى قدم الشفاعة وقال: لا يقبل. والثانية أخَّرَ الشفاعة وقال لا تنفع. الشفاعة في الآية الأولى مقدمة، والعدل متأخر، وفي الآية الثانية العدل مقدم والشفاعة مؤخرة .. وفي الآية الأولى لا يقبل منها شفاعة، وفي الآية الثانية .. لا تنفعها شفاعة. والمقصود بقوله تعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً} هو يوم القيامة الذي قال عنه سبحانه وتعالى: {أية : يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَٱلأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} تفسير : [الانفطار: 19]. وقوله تعالى: {لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} كم نفسا هنا؟ إنهما اثنتان. نفس عن نفس. هناك نفس أولى ونفس ثانية. فما هي النفس الأولى؟ النفس الأولى هي الجازية. والنفس الثانية .. هي المجزي عنها .. ومادام هناك نفسان فقوله تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} هل من النفس الأولى أم الثانية؟ إذا نظرت إلى المعنى فالمعنى: أنه سيأتي إنسان صالح في يوم القيامة ويقول يا رب أنا سأجزي عن فلان أو أغني عن فلان أو أقضي حق فلان. النفس الأولى أي النفس الجازية تحاول أن تتحمل عن النفس المجزي عنها. ولكي نقرب المعنى - ولله المثل الأعلى - نفترض أن حاكماً غضب على أحد من الناس وقرر أن ينتقم منه أبشع انتقام. يأتي صديق لهذا الحاكم ويحاول أن يجزي عن المغضوب عليه. فبما لهذا الرجل من منزلة عند الحاكم يحاول أن يشفع للطرف الثالث. وفي هذه الحالة إما أن يقبل شفاعته أو لا يقبلها. فإذا لم يقبل شفاعته فإنه سيقول للحاكم أنا سأسدد ما عليه .. أي سيدفع عنه فدية، ولا يتم ذلك إلا إذا فسدت الشفاعة. فإذا كانت المسألة وفي يوم القيامة ومع الله سبحانه وتعالى .. يأتي إنسان صالح ليشفع عند الله تبارك وتعالى لإنسان أسرف على نفسه. فلابد أن يكون هذا الإنسان المشفع من الصالحين حتى تقبل شفاعته عند الحق جل جلاله. واقرأ قوله سبحانه:{أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِه ..} تفسير : [البقرة: 255]. وقوله تعالى: {أية : يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} تفسير : [الأنبياء: 28]. والإنسان الصالح يحاول أن يشفع لمَنْ أسرف على نفسه فلا تقبل شفاعته ولا يؤخذ منه عدل ولا يسمح لها بأي مساومة أخرى. إذن لا يتكلم عن العدل في الجزاء إلا إذا فشلت الشفاعة. هنا الضمير يعود إلى النفس الجازية. أي التي تتقدم للشفاعة عند الله. فيقول الحق سبحانه وتعالى: {لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} فلا يقبل منها أي مساومة أخرى. ويقول سبحانه: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}. وهذا ترتيب طبيعي للأحداث. وفي الآية الثانية يتحدث الله تبارك وتعالى عن النفس المجزي عنها قبل أن تستشفع بغيرها وتطلب منه أن يشفع لها. لابد أن تكون قد ضاقت حيلها وعَزَّت عليها الأسباب. فيضطر أن يذهب لغيره. وفي هذا اعتراف بعجزه. فيقول يا رب ماذا أفعل حتى أُكَفَّرَ عن ذنوبي فلا يقبل منه. فيذهب إلى مَنْ تقبل منهم الشفاعة فلا تقبل شفاعتهم. وإذا أردنا أن نضرب لذلك مثلاً من القرآن الكريم فاقرأ قول الحق تبارك وتعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ} تفسير : [السجدة: 12]. هؤلاء هم الذين يطلبون العدل من الله. بأن يعيدهم إلى الدنيا ليُكَفِّرُوا عن سيئاتهم. ويعملوا عملاً صالحاً ينجيهم من العذاب. ذلك أن الحسنات يذهبن السيئات. فماذا كان رد الحق سبحانه وتعالى عليهم. قال جل جلاله: {أية : فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَـٰذَآ إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُـواْ عَذَابَ ٱلْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} تفسير : [السجدة: 14]. فهم عرضوا أن يُكَفِّرُوا عن سيئاتهم؛ بأن طلبوا العودة إلى الدنيا ليعملوا صالحاً. فلم يقبل الله سبحانه وتعالى منهم هذا العرض. اقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} تفسير : [الأعراف: 53]. لقد طلب هؤلاء الشفاعة أولاً ولم تقبل. فدخلوا في حد آخر وهو العدل فلم يؤخذ مصداقاً لقوله تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} .. وهكذا نرى الاختلاف في الآيتين. فليس هناك تكرار في القرآن الكريم. ولكن الآية التي نحن بصددها تتعلق بالنفس الجازية، أو التي تريد أن تشفع لمَنْ أسرف على نفسه: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} [البقرة: 48]. والآية الثانية: {أية : لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ} تفسير : [البقرة: 123]. أي أن الضمير هنا عائد على النفس المجزي عنها. فهي تقدم العدل أولاً: {أية : فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً} تفسير : [السجدة: 12] فلا يقبل منها، فتبحث عن شفعاء فلا تجد ولا تنفعها شفاعة. وهذه الآيات التي أوردناها من القرآن الكريم كلها تتعلق بيوم القيامة على أن هناك مثلاً آخر في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 151]. والآية الثانية في قوله سبحانه: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} تفسير : [الإسراء: 31]. يقول بعض الناس إنَّ {نَرْزُقُكُمْ} في الآية الأولى و {نَرْزُقُهُمْ} في الآية الثانية من جمال الأسلوب. نقول لا. قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ} تفسير : [الأنعام: 151] أي من فقر موجود. وما دام الفقر موجوداً فالإنسان لا يريد أولادا ليزداد فقره. ولذلك قال له الحق سبحانه وتعالى: {أية : نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} تفسير : [الإسراء: 31]. أي أن مجيء الأولاد لن يزيدكم فقراً. لأن لكم رزقكم ولهم رزقهم. وليس معنى أن لهم رزقهم أن ذلك سينقص من رزقكم. فللأب رزق وللولد رزق. أما في الآية الثانية: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ} تفسير : [الإسراء: 31] فكأن الفقر غير موجود. ولكنه يخشى إنْ رُزِقَ بأولاد يأتيه الفقر. يقول له الحق: {أية : نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} تفسير : [الإسراء: 31]. أي أن رزقهم سيأتيهم قبل رزقكم. فعندما تقرأ قول الله سبحانه وتعالى: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً} مكررة في الآيتين لا تظن أن هذا تكرار. لأن إحداهما ختامها: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}. والثانية: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ}. فالضمير مختلف في الحالتين. مرة يرجع إلى النفس الجازية فقدم الشفاعة وأخَّر العدل. ولكن في النفس المجزي عنها يتقدم العدل وبعد ذلك الشفاعة. الحق سبحانه وتعالى يقول: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ وَٱخْشَوْاْ يَوْماً لاَّ يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئاً ..} تفسير : [لقمان: 33]. أي أن الإنسان لا يمكن أن يجزى عن إنسان مهما بلغت قرابته .. لا يجزي الولد عن أمه أو أبيه. أو يجزي الوالد عن أولاده. واقرأ قوله تبارك وتعالى: {أية : يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَٰحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} تفسير : [عبس: 34-37]. وقول الحق سبحانه وتعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ}: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}. العدل هو المقابل. كأن يقول المسرف على نفسه يا رب فعلت كذا وأسرفت على نفسي فأعدني إلى الدنيا أعمل صالحاً. وكلمة العدل مرة تأتي بكسر العين وهي مقابل الشيء من جنسه. أي أن يعدل القماش قماش مثله ويعدل الذهب ذهب مثله. وعدل بفتح العين مقابل الشيء ولكن من غير جنسه. والعدل معناه الحق والعدل لا يكون إلا بين خصمين. ومعناه الإنصاف ومعناه الحق. والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. وإنك لا تتحيز لجهة على حساب جهة أخرى. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما كان يجلس مع أصحابه يوزع نظره إلى كل الجالسين حتى لا يقال إنه مهتم بواحد منهم عن الآخر. ولابد أن نعرف ما هي النفس. كلمة النفس إذا وردت في القرآن الكريم. فافهم أن لها علاقة بالروح. حينما تتصل الروح بالمادة وتعطيها الحياة توجد النفس. المادة وحدها قبل أن تتصل بها الروح تكون مقهورة ومنقادة مسبحة لله. فلا تقل الحياة الروحية والحياة المادية، لأن الروح مُسَبِّحة والمادة مُسَبِّحة. ولكن عندما تلتقي الروح بالمادة وتبدأ الحياة وتتحرك الشهوات يبدأ الخلل. والموت يترتب عليه خروج الروح من الجسد. الروح تذهب إلى عالمها التسخيري، والمادة تذهب إلى عالمها التسخيري. وذلك يجعلنا نفهم قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} تفسير : [النور: 24]. لماذا تشهد؟ لأنها لم تعد مسخرة للإنسان تتبع أوامره في الطاعة والمعصية. فحواسك مسخرة لك بأمر الله في الحياة الدنيا وهي مسبحة وعابدة. فإذا أطاعتك في معصية فإنها تلعنك لأنك أجبرتها على المعصية فتأتي يوم القيامة وتشهد عليك. والله سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} تفسير : [الشمس: 7-8]. ولقد شاع عند الناس لفظ الحياة المادية والحياة الروحية. لأن الحياة الروحية تختلف عن الروح التي في جسدك. وهي تنطبق على الملائكة مصداقاً لقوله تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ} تفسير : [الشعراء: 193]. وقوله جل جلاله: {أية : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا ..} تفسير : [الشورى: 52]. هذه هي الروح التي فيها النقاء والصفاء. وقوله تعالى: {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} [البقرة: 48]. أي أن الله سبحانه وتعالى إذا اقضى عليهم العذاب لا يستطيع أحد نصرهم أو وقف عذابهم. لا يمكن أن يحدث هذا لأن الأمر كله لله.
همام الصنعاني
تفسير : 50- عبد الرزّاق: قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ}: [الآية: 48]، لو جاءت بكل شيء لم يقبل منها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):