٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
49
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه على بني إسرائيل إجمالاً بين بعد ذلك أقسام تلك النعم على سبيل التفصيل ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة، فكأنه قال: اذكروا نعمتي واذكروا إذ نجيناكم واذكروا إذ فرقنا بكم البحر وهي إنعامات، والمذكور في هذه الآية هو الإنعام الأول. أما قوله: {وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم } فقرىء أيضاً أنجيناكم ونجيتكم، قال القفال: أصل الإنجاء والتنجية التخليص، وأن بيان الشيء من الشيء حتى لا يتصلا وهما لغتان نجى وأنجى ونجا بنفسه، وقالوا لمكان العالي: نجوة لأن من صار إليه نجا، أي تخلص ولأن الموضع المرتفع بائن عما انحط عنه فكأنه متخلص منه. قال صاحب الكشاف: أصل آل أهل ولذلك يصغر بأهيل فأبدلت هاؤه ألفاً وخص استعماله بأولي الخطر والشأن، كالملوك وأشباههم ولا يقال: آل الحجام والإسكاف، قال عيسى: الأهل أعم من الآل، يقال: أهل الكوفة وأهل البلد وأهل العلم ولا يقال: آل الكوفة وآل البلد وآل العلم، فكأنه قال: الأهل هم خاصة الشيء من جهة تغليبه عليهم، والآل خاصة الرجل من جهة قرابة أو صحبة. وحُكي عن أبي عبيدة أنه سمع فصيحاً يقول: أهل مكة آل الله. أما فرعون فهو علم لمن ملك مصر من العمالقة كقيصر وهرقل لملك الروم وكسرى لملك الفرس وتبع لملك اليمن وخاقان لملك الترك، واختلفوا في فرعون من وجهين، أحدهما: أنهم اختلفوا في اسمه فحكى ابن جريج عن قوم أنهم قالوا: مصعب بن ريان، وقال ابن اسحق: هو الوليد بن مصعب، ولم يكن من الفراعنة أحد أشد غلظة ولا أقسى قلباً منه، وذكر وهب بن منبه أن أهل الكتابين قالوا: إن اسم فرعون كان قابوس وكان من القبط، الثاني: قال ابن وهب: إن فرعون يوسف عليه السلام هو فرعون موسى وهذا غير صحيح، إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين أن دخلها موسى أكثر من أربعمائة سنة، وقال محمد بن اسحق: هو غير فرعون يوسف وأن فرعون يوسف كان اسمه الريان بن الوليد، أما آل فرعون فلا شك أن المراد منه ههنا من كان من قوم فرعون وهم الذين عزموا على إهلاك بني إسرائيل ليكون تعالى منجياً لهم منهم بما تفضل به من الأحوال التي توجب بقاءهم وهلاك فرعون وقومه. أما قوله تعالى: {يَسُومُونَكُمْ } فهو من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً، قال عمرو بن كلثوم:شعر : إذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقر الخسف فينا تفسير : وأصله من سام السلعة إذا طلبها، كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونه بكم، والسوء مصدر ساء بمعنى السيىء، يقال: أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفعل يراد قبحهما، ومعنى سوء العذاب والعذاب كله سيىء أشده وأصعبه كأن قبحه (زاد) بالإضافة إلى ساء، واختلف المفسرون في المراد من «سوء العذاب» فقال محمد بن إسحق: إنه جعلهم خولاً وخدماً له وصنفهم في أعماله أصنافاً، فصنف كانوا يبنون له، وصنف كانوا يحرثون له، وصنف كانوا يزرعون له، فهم كانوا في أعماله ومن لم يكن في نوع من أعماله كان يأمر بأن يوضع عليه جزية يؤديها، وقال السدي: كان قد جعلهم في الأعمال القذرة الصعبة مثل لنس المبرز وعمل الطين ونحت الجبال، وحكى الله تعالى عن بني إسرائيل أنهم قالوا لموسى: {أية : أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } تفسير : [الأعراف: 129]. وقال موسى لفرعون: {أية : وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني اسرائيل}تفسير : [الشعراء: 22] واعلم أن كون الإنسان تحت يد الغير بحيث يتصرف فيه كما يشاء لا سيما إذا استعمله في الأعمال الشاقة الصعبة القذرة، فإن ذلك يكون من أشد أنواع العذاب، حتى أن من هذه حالته ربما تمنى الموت فبين الله تعالى عظيم نعمه عليهم بأن نجاهم من ذلك، ثم إنه تعالى أتبع ذلك بنعمة أخرى أعظم منها، فقال: {يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } ومعناه يقتلون الذكورة من الأولاد دون الإناث. وههنا أبحاث. البحث الأول: أن ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه، أحدها: أن ذبح الأبناء يقتضي فناء الرجال، وذلك يقتضي انقطاع النسل، لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن ألبتة في ذلك، وذلك يقضي آخر الآمر إلى هلاك الرجال والنساء، وثانيها: أن هلاك الرجال يقتضي فساد مصالح النساء في أمر المعيشة، فإن المرأة لتتمنى وقد انقطع عنها تعهد الرجال وقيامهم بأمرها الموت، لما قد يقع إليها من نكد العيش بالانفراد فصارت هذه الخصلة عظيمة في المحن، والنجاة منها في العظم تكون بحسبها، وثالثها: أن قتل الولد عقيب الحمل الطويل وتحمل الكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب، لأن قتله والحالة هذه أشد من قتل من بقي المدة الطويلة مستمتعاً به مسروراً بأحواله، فنعمة الله من التخليص لهم من ذلك بحسب شدة المحنة فيه، ورابعها: أن الأبناء أحب إلى الوالدين من البنات، ولذلك فإن أكثر الناس يستثقلون البنات ويكرهونهن وإن كثر ذكرانهم، ولذلك قال تعالى: {أية : وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بِٱلأُنْثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَىٰ مِنَ ٱلْقَوْمِ مِن سُوء مَا بُشّرَ بِهِ } تفسير : [النحل: 58] الآية، ولذلك نهى العرب عن الوأد بقوله: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ } تفسير : [الإسراء: 31] وإنما كانوا يئدون الإناث دون الذكور، وخامسها: أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات الأعداء وذلك نهاية الذل والهوان. البحث الثاني: ذكر في هذه السورة {يُذَبّحُونَ } بلا واو وفي سورة إبراهيم ذكره مع الواو، والوجه فيه أنه إذا جعل قوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ } مفسراً بقوله: {يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } لم يحتج إلى الواو، وأما إذا جعل قوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ } مفسراً بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح وجعل الذبح شيئاً آخر سوى سوء العذاب، احتيج فيه إلى الواو، وفي الموضعين يحتمل الوجهين، إلا أن الفائدة التي يجوز أن تكون هي المقصودة من ذكر حرف العطف في سورة إبراهيم أن يقال: إنه تعالى قال قبل تلك الآية: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِـئَايَـٰتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ } تفسير : [إبراهيم: 5 ] والتذكير بأيام الله لا يحصل إلا بتعديد نعم الله تعالى، فوجب أن يكون المراد من قوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ } نوعاً من العذاب، والمراد من قوله: {وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } نوعاً آخر ليكون التخلص منهما نوعين من النعمة. فلهذا وجب ذكر العطف هناك، وأما في هذه الآية لم يرد الأمر إلا بتذكير جنس النعمة وهي قوله: {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } تفسير : [البقرة: 40، 47، 122] فسواء كان المراد من سوء العذاب هو الذبح أو غيره كان تذكير جنس النعمة حاصلاً فظهر الفرق. البحث الثالث: قال بعضهم: أراد بقوله: {يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ } الرجال دون الأطفال ليكون في مقابلة النساء إذ النساء هن البالغات، وكذا المراد من الأبناء هم الرجال البالغون، قالوا: إنه كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع لإفساد أمره. وأكثر المفسرين على أن المراد بالآية الأطفال دون البالغين، وهذا هو الأولى لوجوه: الأول: حملاً للفظ الأبناء على ظاهره. الثاني: أنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم. الثالث: أنهم كانوا محتاجين إليهم في استعمالهم في الصنائع الشاقة. الرابع: أنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى عليه السلام في التابوت حال صغره معنى، أما قوله وجب حمله على الرجال ليكون في مقابلة النساء ففيه جوابان: الأول: أن الأبناء لما قتلوا حال الطفولية لم يصيروا رجالاً، فلم يجز إطلاق اسم الرجال عليهم، أما البنات لما لم يقتلن بل وصلن إلى حد النساء جاز إطلاق اسم النساء عليهن. الثاني: قال بعضهم: المراد بقوله: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ }، أي يفتشون حياء المرأة أي فرجها هل بها حمل أم لا، وأبطل ذلك بأن ما في بطونهن إذا لم يكن للعيون ظاهراً لم يعلم بالتفتيش ولم يوصل إلى استخراجه باليد. البحث الرابع: في سبب قتل الأبناء ذكروا فيه وجوهاً. أحدها: قول ابن عباس رضي الله عنهما أنه وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على إعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه، فلما رأوا كبارهم يموتون وصغارهم يذبحون خافوا الفناء فحينئذ لا يجدون من يباشر الأعمال الشاقة، فصاروا يتقلون عاماً دون عام. وثانيها: قول السدي: إن فرعون رأى ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك؟ فقالوا: يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القبط على يده، وثالثها: أن المنجمين أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة فلهذا كان يقتل أبناءهم في تلك السنة والأقرب هو الأول، لأن الذي يستفاد من علم التعبير وعلم النجوم لا يكون أمراً مفصلاً وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن الغيب معجزاً بل يكون أمراً مجملاً والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم على مثل هذا الأمر العظيم بسببه، فإن قيل: إن فرعون كان كافراً بالله فكان بأن يكون كافراً بالرسل أولى، وإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يقدم على هذا الأمر العظيم بسبب إخبار إبراهيم عليه السلام عنه. قلنا: لعل فرعون كان عارفاً بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافراً كفر الجحود والعناد أو يقال: إنه كان شاكاً متحيراً في دينه وكان يجوز صدق إبراهيم عليه السلام فأقدم على ذلك الفعل احتياطاً. البحث الخامس: اعلم أن الفائدة في ذكر هذه النعمة من وجوه، أحدها: أن هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى لما كانت من أعظم ما يمتحن به الناس من جهة الملوك والظلمة صار تخليص الله إياهم من هذه المحن من أعظم النعم وذلك لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم وشاهدوا ذل من بالغ في إذلالهم ولا شك في أن ذلك من أعظم النعم وتعظيم النعمة يوجب الانقياد والطاعة، ويقتضي نهاية قبح المخالفة والمعاندة، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه النعمة العظيمة مبالغة في إلزام الحجة عليهم وقطعاً لعذرهم. وثانيها: أنهم لما عرفوا أنهم كانوا في نهاية الذل وكان خصمهم في نهاية العز إلا أنهم كانوا محقين وكان خصمهم مبطلاً لا جرم زال ذل المحقين وبطل عز المبطلين، فكأنه تعالى قال: لا تغتروا بفقر محمد وقلة أنصاره في الحال، فإنه محق لا بد وأن ينقلب العز إلى جانبه والذل إلى جانب أعدائه، وثالثها: أن الله تعالى نبه بذلك على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء، فليس للإنسان أن يغتر بعز الدنيا بل عليه السعي في طلب عز الآخرة. أما قوله تعالى: {وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاء مّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ } قال القفال: أصل الكلمة من الابتلاء وهو الاختيار والامتحان قال تعالى: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً } تفسير : [الأنبياء: 35] وقال: {أية : وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيّئَاتِ } تفسير : [الأعراف: 168] والبلوى واقعة على النوعين، فيقال للنعمة بلاء وللمحنة الشديدة بلاء والأكثر أن يقال في الخير إبلاء وفي الشر بلاء وقد يدخل أحدهما على الآخر. قال زهير:شعر : جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو تفسير : إذ عرفت هذا فنقول: البلاء ههنا هو المحنة إن أشير بلفظ: «ذلكم» إلى صنع فرعون والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء وحمله على النعمة أولى لأنها هي التي صدرت من الرب تعالى، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى على أسلافهم.
القرطبي
تفسير : فيه ثلاث عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} «إذ» في موضع نصب عطف على {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي}. وهذا وما بعده تذكير ببعض النعم التي كانت له عليهم؛ أي ٱذكروا نعمتي بإنجائكم من عدوّكم وجعل الأنبياء فيكم. والخطاب للموجودين والمراد مَن سلف من الآباء؛ كما قال: {أية : إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلْمَآءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ} تفسير : [الحاقة: 11] أي حملنا آباءكم. وقيل: إنماقال «نجيناكم» لأن نجاة الآباء كانت سبباً لنجاة هؤلاء الموجودين. ومعنى «نجيناكم» ألقيناكم على نَجْوَة من الأرض، وهي ما ٱرتفع منها. هذا هو الأصل؛ ثم سُمِّيَ كل فائز ناجياً. فالنّاجي مَن خرج من ضيق إلى سَعة. وقرىء: «وإذ نَجّيْتُكم» على التوحيد. الثانية: قوله تعالى: {مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} «آل فرعون» قومه وأتباعه وأهل دينه. وكذلك آل الرسول صلى الله عليه وسلم من هو على دينه وملّته في عصره وسائر الأعصار؛ سواء كان نسيباً له أو لم يكن. ومن لم يكن على دينه وملّته فليس من آله ولا أهله، وإن كان نسيبَه وقريبَه. خلافاً للرافضة حيث قالت: إن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة والحسن والحسين فقط. دليلنا قوله تعالى: {أية : وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} تفسير : [البقرة: 50] {أية : أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [غافر: 46] أي آل دينه؛ إذ لم يكن له ٱبن ولا بنت ولا أب ولا عمّ ولا أَخٌ ولا عَصَبة. ولأنه لا خلاف أن من ليس بمؤمن ولا مُوَحّد فإنه ليس من آل محمد وإن كان قريباً له؛ ولأجل هذا يقال: إن أبا لهب وأبا جهل ليسا آله ولا من أهله؛ وإن كان بينهما وبين النبيّ صلى الله عليه وسلم قرابة؛ ولأجل هذا قال الله تعالى في ٱبن نوح: {أية : إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} تفسير : [هود: 46]. وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جِهَاراً غيرَ سِرّ يقول: «حديث : (ألا) إنّ آلَ أبي ـ يعني فلاناً ـ ليسوا (لي) بأولياء إنما وَلِيِّيَ اللّهُ وصالحُ المؤمنين»تفسير : . وقالت طائفة: آل محمد أزواجُه وذريَّتُه خاصة؛ لحديث أبي حُميد السّاعدي أنهم قالوا: "حديث : يا رسول الله كيف نصلّي عليك؟ قال: «قولوا اللَّهُمّ صلّ على محمد وعلى أزواجه وذُرّيته كما صلّيت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذُرّيته كما باركتَ على آل إبراهيم إنك حميد مجيد»"تفسير : . رواه مسلم. وقالت طائفة من أهل العلم: الأهل معلوم، والآل: الأتباع. والأوّل أصح لما ذكرناه؛ ولحديث عبد اللَّه بن أبِي أَوْفَى: "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: «اللّهُمّ صلّ عليهم» فأتاه أبي بصدقته فقال: «اللَّهُمّ صلّ على آل أبِي أَوْفَى»».تفسير : الثالثة: اختلف النحاة هل يضاف الآل إلى البلدان أو لا؟ فقال الكسائي: إنما يقال آل فلان وآل فلانة، ولا يقال في البلدان من آل حِمص ولا من آل المدينة. قال الأخفش: إنما يقال في الرئيس الأعظم، نحو آل محمد صلى الله عليه وسلم، وآل فرعون لأنه رئيسهم في الضلالة. قال: وقد سمعناه في البلدان، قالوا: أهل المدينة وآل المدينة. الرابعة: وٱختلف النحاة أيضاً هل يضاف الآل إلى المضمر أولا؟ فمنع من ذلك النحاس والزبيدي والكسائيّ؛ فلا يقال إلا اللَّهُمّ صلّ على محمد وآل محمد، ولا يقال وآله، والصواب أن يقال: أهله. وذهبت طائفة أخرى إلى أن ذلك يقال؛ منهم ٱبن السيِّد وهو الصواب؛ لأن السماع الصحيح يَعْضُده، فإنه قد جاء في قول عبد المطلب:شعر : لا هُمّ إن العبد يمـ ـنع رَحْلَه فٱمنع حِلالكْ وٱنصر على آل الصّليـ ـب وعابديه اليومَ آلكْ تفسير : وقال نُدْبة:شعر : أنا الفارس الحامي حقيقةَ والدي وآلي كما تَحْمِي حقيقةَ آلِكاً تفسير : الحقيقة (بقافين): ما يَحُقّ على الإنسان أن يحميه؛ أي تجب عليه حمايته. الخامسة: وٱختلفوا أيضاً في أصل آل؛ فقال النحاس: أصله أهل، ثم أبدل من الهاء ألفاً، فإن صغّرته رددته إلى أصله فقلت: أُهَيْل. وقال المهدَوِيّ: أصله أوْل. وقيل: أهْل؛ قُلبت الهاء همزة ثم أبدلت الهمزة ألفاً. وجمعه آلون، وتصغيره أُوَيْل؛ فيما حكى الكسائي. وحكى غيره أهيل، وقد ذكرناه عن النحاس. وقال أبو الحسن ابن كَيْسان: إذا جمعت آلاً قلت آلون؛ فإن جمعت آلاً الذي هو السراب قلت آوال؛ مثل مال وأموال. السادسة: قوله تعالى: {فِرْعَوْنَ} «فرعون» قيل: إنه ٱسم ذلك المَلِك بعينه. وقيل إنه ٱسم كل ملك من ملوك العمالقة؛ مثل كسرى للفرس، وقَيْصر للروم، والنجاشي للحبشة. وإن ٱسم فرعون موسى: قابوس؛ في قول أهل الكتاب. وقال وهب: ٱسمه الوليد بن مصعب بن الريّان، ويكنى أبا مُرّة وهو من بني عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام. قال السهيليّ: وكل من وَلي القبط ومصر فهو فرعون. وكان فارسيًّا من أهل اصْطَخْر. قال المسعودي: لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية. قال الجوهري: فرعون لقب الوليد بن مصعب ملك مصر؛ وكل عاتٍ فرعون. والعتاة: الفراعنة؛ وقد تفرعن، وهو ذو فرعنة؛ أي دهاء ونكر. وفي الحديث: «حديث : أخذنا فرعون هذه الأمة»تفسير : . «وفرعون» في موضع خفض إلا أنه لا ينصرف لعُجْمته. السابعة: قوله تعالى: {يَسُومُونَكُمْ} قيل: معناه يذيقونكم ويلزمونكم إياه. وقال أبو عبيدة: يُولُونكم؛ يقال: سلمه خُطّة خَسْف إذا أوْلاه إياها؛ ومنه قول عمرو بن كُلثوم:شعر : إذا ما المَلْك سام الناسَ خَسْفاً أبَينا أن نُقرّ الخسف فينا تفسير : وقيل: يديمون تعذيبكم. والسَّوْم: الدوام؛ ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرَّعْي. قال الأخفش: وهو في موضع رفع على الابتداء، وإن شئت كان في موضع نصب على الحال؛ أي سائمين لكم. الثامنة: قوله تعالى: {سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} مفعول ثان لـ «يسومونكم» ومعناه أشدّ العذاب. ويجوز أن يكون بمعنى سوم العذاب. وقد يجوز أن يكون نعتاً؛ بمعنى سوماً سيئاً. فروي أن فرعون جعل بني إسرائيل خَدَماً وخَوَلاً وصنفهم في أعماله؛ فصِنف يبنون، وصِنف يحرثون ويزرعون، وصِنف يتخدّمون ـ وكان قومه جنداً ملوكاً ـ ومن لم يكن منهم في عمل من هذه الأعمال ضُربت عليه الجِزْية؛ فذلك سوء العذاب. التاسعة: قوله تعالى: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} «يذبّحون» بغير واو على البدل من قوله: «يسومونكم» كما قال ـ أنشده سيبويه ـ: شعر : مَتَى تأتنا تُلْمِم بنا في ديارنا تجد حطباً جَزْلاً وناراً تأجّجَا تفسير : قال الفَرّاء وغيره: «يذبحون» بغير واو على التفسير لقوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} كما تقول: أتاني القوم زيد وعمرو؛ فلا تحتاج إلى الواو في زيد؛ ونظيره: {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماًيُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ} تفسير : [الفرقان: 68 ـ 69]، وفي سورة إبراهيم: {يُذَبِّحُونَ} بالواو، لأن المعنى يعذّبونكم بالذّبح وبغير الذّبح. فقوله: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} جنس آخر من العذاب، لا تفسير لما قبله. والله أعلم. قلت: قد يحتمل أن يقال: إن الواو زائدة بدليل سورة «البقرة» والواو قد تزاد، كما قال: شعر : فلمّا أجزنا ساحة الحيّ وٱنتحى تفسير : أي قد ٱنتحى. وقال آخر:شعر : إلى المَلِك القَرْم وٱبن الهمام وليثِ الكتيبة في المُزْدحم تفسير : أراد إلى الملك القرم ٱبن الهمام ليث الكتيبة؛ وهو كثير. العاشرة: قوله تعالى: {يُذَبِّحُونَ} قراءة الجماعة بالتشديد على التكثير. وقرأ ٱبن مُحَيْصِن «يَذْبَحون» بفتح الباء. والذَّبح: الشّق. والذِّبح: المذبوح. والذُّبَاح: تشقق في أصول الأصابع. وذبحت الدَّن: بزلته؛ أي كشفته. وسعدُ الذّابحُ: أحد السعود. والمذابح: المحاريب. والمذابح: جمع مذبح، وهو إذا جاء السيل فخَدَّ في الأرض، فما كان كالشبر ونحوه سمي مذبحاً. فكان فرعون يَذْبح الأطفال ويُبقي البنات، وعبّر عنهم بٱسم النساء بالمآل. وقالت طائفة: «يذبِّحون أبناءكم» يعني الرجال، وسُمُّوا أبناء لما كانوا كذلك؛ وٱستدل هذا القائل بقوله: «نِساءكم». والأوّل أصح؛ لأنه الأظهر، والله أعلم. الحادية عشرة: نسب الله تعالى الفعل إلى آل فرعون؛ وهم إنما كانوا يفعلون بأمره وسلطانه؛ لتولّيهم ذلك بأنفسهم؛ وليعلم أن المباشر مأخوذ بفعله. قال الطبريّ: ويقتضي أن من أمره ظالم بقتل أحد فقتله المأمور فهو المأخوذ به. قلت: وقد ٱختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: يُقتلان جميعاً، هذا بأمره والمأمور بمباشرته. هكذا قال النّخعِيّ؛ وقاله الشافعيّ ومالك في تفصيل لهما. قال الشافعي: إذا أمر السلطان رجلا بقتل رجل والمأمور يعلم أنه أمر بقتله ظُلماً كان عليه وعلى الإمام القَوَد كقاتَلْين معاً، وإن أكرهه الإمام عليه وعلم أنه يقتله ظلما كان على الإمام القَوَد. وفي المأمور قولان: أحدهما: أن عليه القَوَد. والآخر لا قَوَد عليه وعليه نصف الدِّيَة؛ حكاه ٱبن المنذر. وقال علماؤنا: لا يخلو المأمور أن يكون ممن تلزمه طاعة الآمر ويخاف شره كالسلطان والسيد لعبده، فالقَوَد في ذلك لازم لهما؛ أو يكون ممن لا يلزمه ذلك فيُقتَل المباشرُ وحده دون الآمر؛ وذلك كالأب يأمر ولده، أو المعلّم بعضَ صبيانه، أو الصانع بعضَ متعلّميه إذا كان مُحْتَلِماً؛ فإن كان غير محتلم فالقتل على الآمر، وعلى عاقلة الصبيّ نصف الدية. وقال ٱبن نافع: لا يقتل السيد إذا أمر عبده ـ وإن كان أعجمِياًّ ـ بقتل إنسان. قال ٱبن حبيب: وبقول ٱبن القاسم أقول إن القتل عليهما. فأما أمر من لا خوف على المأمور في مخالفته فإنه لا يلحق بالإكراه بل يُقتل المأمور دون الآمر، ويُضرب الآمر ويُحبس. وقال أحمد في السيّد يأمر عبده أن يقتل رجلاً: يُقتل السيّد. وروي هذا القول عن عليّ بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهما. وقال عليّ: ويُستودع العبد السجن. وقال أحمد: ويُحبس العبد ويُضرب ويؤدّب. وقال الثوريّ: يُعَزَّر السيد. وقال الحكم وحمّاد: يُقتل العبد. وقال قتادة: يُقتلان جميعاً. وقال الشافعيّ: إن كان العبد فصيحاً يَعقِل قُتل العبد وعُوقب السيد؛ وإن كان العبد أعجمِياًّ فعلى السيّد القَود. وقال سليمان بن موسى: لا يُقتل الآمر ولكن تُقطع يديه ثم يُعاقب ويُحبس ـ وهو القول الثاني ـ ويقتل المأمور للمباشرة. كذلك قال عطاء والحكم وحماد والشافعيّ وأحمد وإسحٰق في الرجل يأمر الرجلَ بقتل الرجل؛ وذكره ٱبن المنذر. وقال زُفَر: لا يُقتل واحد منهما ـ وهو القول الثالث ـ حكاه أبو المعالي في البرهان؛ ورأى أن الآمر والمباشر ليس كل واحد منهما مستقلاً في القَوَد؛ فلذلك لا يُقتل واحد منهما عنده. والله أعلم. الثانية عشرة: قرأ الجمهور «يذبِّحون» بالتشديد على المبالغة. وقرأ ٱبن مُحَيْصِن «يَذْبَحون» بالتخفيف. والأولى أرجح إذ الذّبح متكرر. وكان فرعون على ما رُوِيَ قد رأى في منامه ناراً خرجت من بيت المَقْدِس فأحرقت بيوت مصر؛ فأُوِّلت له رؤياه: أن مولوداً من بني إسرائيل ينشأ فيكون خراب ملكه على يديه. وقيل غير هذا؛ والمعنى متقارب. الثالثة عشرة: قوله تعالى: {وَفِي ذَلِكُمْ} إشارة إلى جملة الأمر، إذ هو خبر فهو كمفرد حاضر؛ أي وفي فعلهم ذلك بكم بلاء، أي ٱمتحان وٱختبار. و {بَلاۤءٌ} نعمة؛ ومنه قوله تعالى: {أية : وَلِيُبْلِيَ ٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاۤءً حَسَناً}تفسير : [ الأنفال: 17]. قال أبو الهيثم: البلاء يكون حَسَناً ويكون سيئاً، وأصله المِحنة؛ والله عز وجل يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره، ويبلوه بالبلوَى التي يكرهها ليمتحن صبره؛ فقيل للحَسَن بلاء، وللسّيىء بلاء؛ حكاه الهَرَوِيّ. وقال قوم: الإشارة بـ «ذلكم» إلى التنجية؛ فيكون البلاء على هذا في الخير، أي تنجيتكم نعمة من الله عليكم. وقال الجمهور: الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء هنا في الشر؛ والمعنى: وفي الذبح مكروه وٱمتحان. وقال ٱبن كَيْسان: ويقال في الخير أبلاه الله وبلاه؛ وأنشد:شعر : جزَى اللَّهُ بالإحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خيرَ البلاء الذي يَبلْوُ تفسير : فجمع بين اللغتين. والأكثر في الخير أبليته. وفي الشر بلوته، وفي الاختبار ٱبتليته وبلوته؛ قاله النحاس.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ} تفصيل لما أجمله في قوله: {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ }تفسير : [البقرة: 47] وعطف على {نِعْمَتِيَ} عطف {جبريل} و {ميكائيل} على {ٱلْمَلَـٰئِكَةَ}، وقرىء «أنجيتكم». وأصل {ءالَ} أهل لأن تصغيره أهيل، وخص بالإضافة إلى أولي الخطر كالأنبياء والملوك. و {فِرْعَوْنُ } لقب لمن ملك العمالقة ككسرى وقيصر لملكي الفرس والروم. ولعتوهم اشتق منه تفرعن الرجل إذا عتا وتجبر، وكان فرعون موسى، مصعب بن ريان، وقيل ابنه وليد من بقايا عاد. وفرعون يوسف عليه السلام، ريان وكان بينهما أكثر من أربعمائة سنة. {يَسُومُونَكُمْ} يبغونكم، من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً، وأصل السوم الذهاب في طلب الشيء. {سُوء ٱلْعَذَابِ} أفظعه فإنه قبيح بالإضافة إلى سائره، والسوء مصدر ساء يسوء ونصبه على المفعول ليسومونكم، والجملة حال من الضمير في نجيناكم، أو من { آل فِرْعَوْنَ}، أو منهما جميعاً لأن فيها ضمير كل واحد منهما. {يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ} بيان ليسومونكم ولذلك لم يعطف، وقرىء {يَذْبَحُونَ} بالتخفيف. وإنما فعلوا بهم ذلك لأن فرعون رأى في المنام، أو قال له الكهنة: سيولد منهم من يذهب بملكه، فلم يرد اجتهادهم من قدر الله شيئاً. {وَفِي ذٰلِكُمْ بَلاء} محنة، إن أشير بذلكم إلى صنيعهم، ونعمة إن أشير به إلى الإنجاء، وأصله الاختبار لكن لما كان اختبار الله تعالى عباده تارة بالمحنة وتارة بالمنحة أطلق عليهما، ويجوز أن يشار بذلكم إلى الجملة ويراد به الامتحان الشائع بينهما. {مّن رَّبّكُمْ} بتسليطهم عليكم، أو ببعث موسى عليه السلام وتوفيقه لتخليصكم، أو بهما. {عظِيمٌ } صفة بلاء. وفي الآية تنبيه على أن ما يصيب العبد من خير أو شر إختبار من الله تعالى، فعليه أن يشكر على مساره ويصبر على مضاره ليكون من خير المختبرين.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب، أي: خلصتكم منهم، وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى عليه السلام، وقد كانوا يسومونكم، أي: يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب، وذلك أن فرعون لعنه الله كان قد رأى رؤيا هالته، رأى ناراً خرجت من بيت المقدس، فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر، إلا بيوت بني إسرائيل، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل، ويقال: بعد تحدث سماره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم يكون لهم به دولة ورفعة، وهكذا جاء في حديث الفتون كما سيأتي في موضعه في سورة طه إن شاء الله تعالى، فعند ذلك أمر فرعون لعنه الله بقتل كل ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل، وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأرذلها، ههنا فسر العذاب بذبح الأبناء، وفي سورة إبراهيم عطف عليه كما قال: {أية : يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 6] وسيأتي تفسير ذلك في أول سورة القصص إن شاء الله تعالى، وبه الثقة والمعونة والتأييد. ومعنى يسومونكم: يولونكم، قاله أبو عبيدة، كما يقال: سامه خطة خسف إذا أولاه إياها، قال عمرو بن كلثوم:شعر : إذا ما المَلْكُ سامَ النَّاسَ خَسْفاً أَبَيْنا أَنْ نُقِرَّ الخَسْفَ فِيْنا تفسير : وقيل: معناه: يديمون عذابكم، كما يقال: سائمة الغنم، من إدامتها الرعي، نقله القرطبي، وإنما قال ههنا: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} ليكون ذلك تفسيراً للنعمة عليهم في قوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} ثم فسره بهذا؛ لقوله ههنا: {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِىۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ}تفسير : [البقرة: 40] وأما في سورة إبراهيم، فلما قال: {أية : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ}تفسير : [إبراهيم: 5] أي: بأياديه ونعمه عليهم، فناسب أن يقول هناك: {أية : يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ}تفسير : [إبراهيم: 6] فعطف عليه الذبح؛ ليدل على تعدد النعم والأيادي على بني إسرائيل. وفرعون علم على كل من ملك مصر كافراً، من العماليق وغيرهم، كما أن قيصر علم على كل من ملك الروم مع الشام كافراً، وكسرى لمن ملك الفرس، وتبع لمن ملك اليمن كافراً، والنجاشي لمن ملك الحبشة، وبطليموس لمن ملك الهند، ويقال: كان اسم فرعون الذي كان في زمن موسى عليه السلام الوليد بن مصعب بن الريان، وقيل: مصعب بن الريان، فكان من سلالة عمليق بن الأود بن إرم بن سام بن نوح، وكنيته أبو مرة، وأصله فارسي من إصطخر، وأيّاً ما كان، فعليه لعنة الله. وقوله تعالى: {وَفِى ذَٰلِكُمْ بَلاَۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} قال ابن جرير: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا آباءكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون بلاء لكم من ربكم عظيم، أي: نعمة عظيمة عليكم في ذلك، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: قوله تعالى: {بَلاَۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} قال: نعمة، وقال مجاهد: {بَلاَۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} قال: نعمة من ربكم عظيمة، وكذا قال أبو العالية وأبو مالك والسدي وغيرهم. وأصل البلاء الاختبار، وقد يكون بالخير والشر؛ كما قال تعالى: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} تفسير : [الأنبياء: 35] وقال: {أية : وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} تفسير : [الأعراف: 168] قال ابن جرير: وأكثر ما يقال في الشر: بلوته أبلوه بلاء، وفي الخير: أبليه إبلاء وبلاء، قال زهير بن أبي سلمى:شعر : جَزَى اللّهُ بالإحسانِ ما فَعَلا بكم وأَبْلاهما خَيْرَ البلاءِ الذي يَبْلُو تفسير : قال: فجمع بين اللغتين: لأنه أراد: فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده. وقيل: المراد بقوله: {وَفِى ذَٰلِكُمْ بَلاَۤءٌ} إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين من ذبح الأبناء واستحياء النساء، قال القرطبي: وهذا قول الجمهور، ولفظه بعد ما حكى القول الأول، ثم قال: وقال الجمهور: الإشارة إلى الذبح ونحوه، والبلاء ههنا في الشر، والمعنى في الذبح مكروه وامتحان. وقوله تعالى: { وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَـٰكُمْ وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}، معناه: وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون، وخرجتم مع موسى عليه السلام، خرج فرعون في طلبكم، ففرقنا بكم البحر؛ كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلاً كما سيأتي في مواضعه، ومن أبسطها ما في سورة الشعراء إن شاء الله. {فَأَنجَيْنَـٰكُمْ} أي: خلصناكم منهم، وحجزنا بينكم وبينهم، وأغرقناهم وأنتم تنظرون، ليكون ذلك أشفى لصدوركم، وأبلغ في إهانة عدوكم. قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن أبي إسحاق الهمداني عن عمرو بن ميمون الأودي في قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ} - إلى قوله - {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}، قال: لما خرج موسى ببني إسرائيل، بلغ ذلك فرعون، فقال: لا تتبعوهم حتى تصيح الديكة، قال: فوالله ما صاح ليلتئذ ديك حتى أصبحوا، فدعا بشاة فذبحت، ثم قال: لا أفرغ من كبدها حتى يجتمع إليّ ستمائة ألف من القبط، فلم يفرغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط، فلما أتى موسى البحر، قال له رجل من أصحابه يقال له يوشع بن نون: أين أمر ربك؟ قال: أمامك، يشير إلى البحر، فأقحم يوشع فرسه في البحر حتى بلغ الغمر، فذهب به الغمر، ثم رجع فقال: أين أمر ربك يا موسى؟ فوالله ما كذبت ولا كذبت، فعل ذلك ثلاث مرات، ثم أوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه فانقلق، فكان كل فرق كالطود العظيم يقول: مثل الجبل، ثم سار موسى ومن معه، واتبعهم فرعون في طريقهم، حتى إذا تتاموا فيه، أطبقه الله عليهم، فلذلك قال: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} وكذلك قال غير واحد من السلف كما سيأتي بيانه في موضعه، وقد ورد أن هذا اليوم كان يوم عاشوراء، كما قال الإمام أحمد: حدثنا عفان حدثنا عبد الوارث حدثنا أيوب عن عبد الله بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس، قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال: «حديث : ما هذا اليوم الذي تصومون؟»تفسير : قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله عز وجل فيه بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى عليه السلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أنا أحق بموسى منكم»تفسير : فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصومه، وروى هذا الحديث البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه من طرق عن أيوب السختياني به نحو ما تقدم، وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو الربيع حدثنا سلام، يعني ابن سليم، عن زيد العمي عن يزيد الرقاشي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : فلق الله البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء»تفسير : وهذا ضعيف من هذا الوجه، فإن زيداً العمي فيه ضعف، وشيخه يزيد الرقاشي أضعف منه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكروا {إِذْ نَجَّيْنَٰكُم } أي آباءكم والخطاب به وبما بعده للموجودين في زمن نبينا بما أنعم الله على آبائهم تذكيراً لهم بنعمة الله تعالى ليؤمنوا {مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ } يذيقونكم {سُوءَ ٱلْعَذَابِ } أشدّه والجملة حال من ضمير (نجيناكم) {يُذَبّحُونَ } بيان لما قبله {أَبْنَاءكُمْ } المولودين {وَيَسْتَحْيُونَ } يستبقون {نِسَاءكُمْ } لقول بعض الكهنة له:إنّ مولوداً يولد في بني إسرائيل يكون سبباً لذهاب ملكك {وَفِى ذٰلِكُمْ } العذاب أو الإنجاء {بَلاءٌ } ابتلاء أو إنعام {مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَإِذْ نَجَّيناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ} يعني من قوم فرعون، وآل الرَّجُلِ: هم الَّذين تؤول أمورهم إليه، إما في نسب، أو في صحبة، وَاختُلِف في الآل والأهل على قولين: أحدهما: أنهما سواء. والثاني: وهو قول الكسائي: أنه يقال: آل الرجل، إذا ذكر اسمهُ، فإن كُنَيَ عنه قيل أهله، ولم يُقَلْ آله، كما يقال: أهل العلم، وأهل البصرة، ولا يقال: آل العلم، وآل البصرة. وفِرْعَوْنُ: قيل إنه ذلك الرجل بعينه، وقيل إنه اسمُ كلِّ ملكٍ من ملوك العمالقة، مثل قيصر للروم، وكسرى للفرس، وأن اسْمَ فِرْعَوْنِ مَوسَى: الوليدُ بنُ مُصْعَبٍ. وفي قوله تعالى: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} ثلاثةُ تأويلاتٍ: أحدها: معناه يولونكم، مِنْ قولهم: سَامَهُ خطة خَسْفٍ، إذا أولاه. والثاني: يُجَشِّمُونَكُمُ الأعمال الشَّاقَّة. والثالث: يزيدونكم على سوء العذاب، ومنه مساومة البيع، إنما هو أن يزيد البائعُ المشتريَ على ثمنٍ، ويزيد المشتري على ثمنٍ، وهذا قول المفضل. قوله تعالى: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} أي يستبقون، وهو استفعال من الحياة، لأنهم كانوا يُذَبِّحُونَ الذكور، ويستبقون الإناث. وأما اسم النساء، فقد قيل: إنه ينطلق على الصغار، والكبار، وقيل: بل ينطلق على الكبار، وإنما سَمَّي الصغار نساءً، على معنى أنهُنَّ يبقِين، حتَّى يصِرْنَ نساءً. وإنما كان استبقاءُ النساء من سوء العذاب، لأنهم كانوا يستبقونهن للاسترقاق والخدمة، فصار ذلك هو سُوءَ العذاب، لا الاستبقاء. وفي قوله تعالى: {وَفِي ذَلِكُم بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} تأويلان: أحدهما: أن فيما كانوا يفعلونه بهم: مِنْ سوء العذاب، وذبح الأبناء، واستحياء النساءِ شدةً وجهداً عظيماً. والثاني: أن في إنجائهم من آل فرعونَ، الذين كانوا يفعلون ذلك بهم نعمةٌ من ربِّهم عظيمةٌ، وهو قول ابن عباسٍ، ومجاهدٍ، والسدي. وأصل البلاء الاختبار في الخير والشر، كما قال عز وجل: {أية : وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} تفسير : [الأنبياء: 35] لأن الاختبار قد يكون بالخير كما يكون بالشر، غير أن الأكثر في الشر أن يقال: بَلَوْتُه أَبْلُوهُ بلاءً، وفي الخير: أَبْلَيْتُهُ أُبْلِيهِ إبْلاءً، ومن ذلك قولُ زُهَيْرٍ: شعر : جَزَى اللهُ بِالإْحْسَانِ مَا فَعَلاَ بِكُمْ فَأَبْلاَهُمَا خَيْرَ الْبَلاءِ الَّذِي يَبْلُو تفسير : فجمع بين اللُّغَتين. قوله عز وجل: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} فيه تأويلان: أحدهما: وإذ فصلنا بكم البحر، لأن الفرْقَ: الفصل بين الشيئين، فَفَرَقَ البحر اثني عشر طريقاً، وكان عددهم ستمائة ألفٍ وعشرين ألفاً، لا يُعَدُّ فيهم ابن عشرين لصغره ولا ابن ستين لكبره، وكان على مقدمة فرعونَ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ، وسبعمائة حصانٍ، وذلك قوله: {أية : فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ في الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ. إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْ ذِمَةٌ قَلِيلُونَ} تفسير : [الشعراء: 53، 54] وهذا قول السدي. والثاني: أن معناه: وإذ فرقنا بينكم وبين البحر، أي ميزنا، فأصل الفرق التمييز بين الشيئين، والفِرْقَةُ من الناس: الطائفة المتميزة من غيرهم. والبحر سُمِّيَ بحراً لسعته وانبساطه، ومنه قولهم: تبحَّر في العلم، إذا اتَّسع فيه، والبَحِيرَةُ: الناقةُ تُشَقُّ أُذُنُها شَقّاً واسعاً. قوله تعالى: {فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} فحذف ذِكْرَ فرْعَوْنَ وإن غَرِقَ معهم، لأنه قد عُلِمَ دخوله فيهم. قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} يعني إلى فَرْقِ البحر، حتى سلكوا فيه، وانطباقه على آل فرعون، حتى غرقوا فيه.
ابن عبد السلام
تفسير : {ءَالِ فِرْعَوْنَ} آل الرجل: هم الذين تؤول أمورهم إليه في نسب أو صحبة، والآل والأهل سواء [أ] و الآل يضاف إلى المُظهر دون المضمر والأهل يضاف إليهما، أهل العلم وأهل البصرة ولا يقال آل العلم ولا آل البصرة. {فِرعَوْنَ} اسم رجل معين، أو فرعون لملوك العمالقة، كقيصر للروم وكسرى للفرس، واسم فرعون "الوليد بن مصعب" {يَسُومُونَكُمْ} يولونكم "سامه خطة خسفٍ": أولاه، أو يجشمونكم الأعمال الشاقة، أو يزيدونكم على ذلك سوء العذاب ومساومة البيع: مزايدة كل واحد من العاقدين. {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} يبقونهم أحياء للاسترقاق والخدمة فلذلك كان من سوء العذاب. والنساء يقع على الكبار والصغار، أو تسمى به الصغار، اعتباراً بما يصرن إليه {وَفِى ذَلِكُم} إنجائكم، أو في سومهم إياكم سوء العذاب. والذبح والإبقاء، والبلاء: يستعمل في الاختبار بالخير والشر. والأكثر في الخير: أبليته أبليه إبلاء، وفي الشر: بلوته أبلوه بلاء.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ...}. قال ابن عرفة: معطوف على "اذْكُرُوا" (عطف الجملة) أو على "نِعْمَتِيَ" (فالعامل) فيه "اذْكُرُوا" (المتقدم) على الفعل في المفعول به، أو عطف على "عَلَيْكُمْ" (فالعامل) فيه "أنعمت" (عمل) الفعل في الظرف. قلت: وهذا (باطل) لأن "أنعمت" في صلة الموصول فكذلك معمولها وما عطف عليه وقد (فصل) بينهما بأجنبي وهو {أية : واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا }. تفسير : قوله تعالى: {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ...}. قال الطيبي: السّوم مفرد في اللّفظ مركّب في المعنى لأنه طلب (البغي) على الغير فمعناه مركب من الطلب (والإضرار) بالغير. قال ابن عرفة: لا يسمى هذا مركبا إنما المركب عندهم (ما كان) كلفظ مركب ولفظ مجمل ولفظ النسبة. (فإنها) لا تعقل إلا بالشيئين المناسبين. قال ابن عطية: وإنما نسب الفعل إلى (آل فرعون وهم) إنما فعلوه بأمره (لمباشرتهم ذلك). قال الطبري: إن من أمره ظالم بقتل أحد فقتل إنه المأخوذ به (لا) الآمر. قال ابن عرفة: هذا هو المشهور عندنا وذكره الشيخ ابن رشد في البيان والتحصيل وأظنه في كتاب السلطان واللّخمي في (الغصب) وذكره ابن يونس فر فروع آخر الغصب عن ابن أبي زيد (من أخبر لصوصا أو غاصبا بظهر رجل، ومن قدّم رجلا إلى ظالم إنّه يغرمه مالا يجب عليه، انظرها)، وفي الحج الثالث إذا دل محرم على صيد محرما أو حلالا فقتله المدلول عليه فلا شيء على الدال وإن أمر بقتله فعليه جزاء واحد وإن كان المأمور عبدا وإلاّ فلا. هذا هو المشهور. ونقل ابن يونس عن أشهب في كتاب ابن المواز: أنه إن دل محرما على صيد فقتله فعلى كل واحد منهما جزاء وإن دل حلالا فلا شيء على الدال. وقال التونسي: الصواب بأن الجزاء لئلا يبقى الصيد بلا جزاء لأنه إذا وجب (الجزاء) حيث يكون المدلول محرما فأحرى إذا كان حلالا وهو عكس/ المشهور. وذكر ابن بشير الأول والثالث وزاد إن دل حلالا وجبت عليه (الدية) إذ لا يمكن إسقاطها. وإن دل حراما لم تجب لاستقلال المدلول بها فجاءت أربعة أقوال. وإن أمسك الصيد لرجل فقتله قال في المدونة: إن كان القاتل حلالا أدّاه الماسك وإن كان حراما (أدّاه) القاتل. وقال سحنون: لا شيء على الماسك. ابن يونس: وقال التونسي: وانظر هل يلزم على مذهب أشهب إذا دل أحد على مال رجل فأخذه، أو على قتله فقتله؟ فإنه يقتص منه ويغرم المال لأنه لم يتوصل إليه إلا بدلالته. قوله تعالى: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ...} كانوا أضروهم بقتل الذكور لانقطاع النسل وإحياء النساء للإذلال والمعرة وقد كانوا هم (يكرهون) استحياءهم خوف المعرة والإذلال. وقال في سورة إبراهيم: {أية : وَيُذَبِّحُونَ}تفسير : بالواو وهنا بغير واو. قال ابن عرفة: الجواب (إما) بأن العطف بالواو (تفسير) كما قال الشيخ ابن رشد في المقدمات في قوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ} تفسير : وإما بأن يكون "وَيُذَبِّحُونَ" معطوفا على فعل مقدر يكون ذلك الفعل تفسير الأول، وإلا فالقصة واحدة. فإما أن يكون الثاني هو الأول فيهما، أو مغايرا (له فيهما) لأن العطف يقتضي (المغايرة، وعدم العطف) يقتضي الموافقة فكيف الجمع بينهما؟ قلت: وتقدم لنا الجواب في الختمة الثانية في سورة إبراهيم حيث قال ابن عرفة: (وعادتهم) يجيبون بأن (المنّة في) آية البقرة (وقعت من الله تعالى) "نَجَّيْنَاكُمْ" فأسند الفعل إلى نفسه (والملك) (لكل) الأشياء (عنده) حقير فلذلك أتى بالجملة "يذبحون" مفسرة للأول غير معطوفة فكأنها شيء واحد إذ لا يستعظم الأشياء إلا العاجز فالألف دينار لا قدر لها عند الغني وهي عند الفقير (مال جليل). وأما سورة إبراهيم فالامتنان فيها من موسى عليه السلام لأن أول الآية ({أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} تفسير : فهي حكاية صدرت من موسى لقومه)، فناسب المبالغة بالعطف (فيها) المقتضي (للتعدد) والمغايرة لتكثر أسباب الامتنان. قلت: وأجاب صاحب درة التنزيل بأن آية إبراهيم وقعت في خبر عطف على خبر آخر قبله وهو {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ} {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} تفسير : فيبقى معنى العطف في "َيُذَبِّحُونَ" لأنه هو وما عطف عليه داخل في جملة معطوفة فالمقام مقام فصل وأما آية البقرة أخبر فيها بخبر واحد وهو إخباره عن (نفسه) بإنجائه بني إسرائيل فلذلك لم يعطف وأخبر في إبراهيم بخبرين معطوفين فلذلك عطف. قلت: وأيضا فالجمل المتقدمة في البقرة طلبية وهي {أية : يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ} تفسير : "واتَّقُواْ"، وجملة "يُذَبِّحونَ" خبرية فليست مشاكلة لها بخلاف في سورة إبراهيم فإنها كلها خبرية وقد نص ابن أبي الربيع على أن المشهور أنه لا يعطف الخبرية على الطلبية ولا العكس. وأجاب القاضي أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير بأن هذه الآية مشتملة على استيفاء القصص، وسورة إبراهيم على إيجاز القصص، والأمران سائغان عند العرب قال شاعرهم: شعر : يرمون (بالخطب) الطوال وتارة (رمي) الملاحظ خيفة الرقباء تفسير : فذكر في البقرة سوء العذاب مجملا، (ثم) البينة (بذبح) الذكور وإحياء النّساء لأن القصد الإطناب بدليل زياده {أية : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ} تفسير : وأشار في السورة الأخرى بقوله: {يَسُومُونَكُمْ (سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ}) إلى جملة ما (امتحنوا) به من فرعون وقومه من استخدامهم وإذلالهم بالأعمال الشاقة وذبح الذكور واستحياء النساء ثم جرد منها (أعظمها) امتحانا، فعطفه لأنه مغاير لما قبله فقال: "وَيُذَبِّحُونَ" إشعارا (بشدة) الأمر فيه، وهو مما أجمل فيه، كما ورد في قوله تعالى: {أية : مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} تفسير : خصصهما بالذكر إعلاما بمكانهما. قال ابن عرفة: فإن قلت: لم قال هنا: "نَجَّيْنَا" وفي الأعراف( {أية : أَنجَيْنَا)}؟ تفسير : فالجواب: بأن القصد هنا كثرة تعداد وجوه الإنعام (فيه) (فبدأ) ب {أية : يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ (ٱعْبُدُواْ) رَبَّكُمُ} تفسير : إلى آخرها وكلها إنعام، ثم قال: {أية : يَا بَنِي إسْرَائِيلَ} تفسير : فلما كان موضع تعداد النعم ناسب التضعيف في "نَجَّيْنَاكُمْ" وأيضا فهو مناسب للتضعيف في "يُذَبِّحُونَ" الأعراف إنما فيها "يُقَتِّلُونَ" فرُوعِيَ مناسبة اللّفظ فيما بعد، والمعنى فيما قبل، انتهى. قال ابن عرفة: وإنما قال: "نِساؤُكُمْ" ولم يقل: ببناتكم كما قال: "أَبْنَآءَكُمْ" تسمية للشيء بما يؤول إليه، وإشارة إلى قصدهم المعرة، واستحقار (بناتكم). قوله تعالى: {وَفِي ذَلِكُم بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} البلاء: إما قدر مشترك بين الخير والشر أو لفظ مشترك، ويجيء فيه تعميم المشترك (فيبتلى الإنسان) بالخير ليشكر، و(الشر) ليصبر. قال الله تعالى {أية : هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيۤ ءَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ } تفسير : قال ابن عطية: (معناه) الامتحان والاختبار. قال ابن عرفة: في هذه العبارة قلق، وينبغي أن يفهم (بما) قال الزمخشري في غير هذا الموضع: إنه يفعل بهم فعل المختبر لأن الاختبار من لوازمه الجهل، وهو مستحيل عن الله عز وجل.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {سوء العذاب} و {سوء الحساب} بغير همز حيث وقعتا مفتوحتين: الأصبهاني عن ورش. {وعدنا} حيث كان أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد. {موسى} بالإمالة المفرطة كل القرآن: حمزة وعلي وخلف وعن أبي عمرو وجهان: إن جعلته "فعلى" فبالإمالة بين الفتح والكسر، وإن جعلته على "مفعل" فبالفتح لا غير {ثم اتخذتم} وبابه بالإظهار: ابن كثير وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي. {والفرقان لعلكم} مدغماً: عباس، وكذلك يدغم إذا كان قبل النون حرف من حروف المد واللين وهي الواو والمضموم ما قبلها مثل {وتكون لكما الكبرياء} والياء المكسور ما قبلها مثل {ميثاق النبيين لما} والألف المفتوح ما قبلها مثل {وما كان لمؤمن} وما أشبه ذلك. الوقوف: {نساءكم} (ط) {عظيم} (ه) {تنظرون} (ه) {ظالمون} (ه) {تشكرون} (ه) {تهتدون} (ه) التفسير: إنه سبحانه لما قدّم ذكر النعمة على بني إسرائيل إجمالاً أخذ في تفصيلها واحدة فواحدة ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة كأنه قال: اذكروا نعمتي، واذكروا إذ نجيناكم، وإذ فرقنا، وإذ كان كذا وكذا. "وإذ" في جميع هذه القصص بمعنى مجرد الوقت مفعول به لـ "اذكروا" وأصل الإنجاء والتنجية التخليص، ومنه النجوة للمكان العالي لأن من صار إليه نجا أي تخلص من أن يعلوه سيل، أو لأن الموضع تخلص مما انحط عنه. وأصل آل أهل بدليل أهيل وأهال في تحقيره وتكسيره على الأعرف، فأبدلت إلى "أءل" على خلاف القياس، ثم إلى "آل" وجوباً فالألف فيه بدل عن همزة بدل عن هاء. ولا يستعمل الآل إلا فيمن له خطر. يقال "آل النبي" "وآل الملك" ولا يقال: آل الحائك. وإنما يقال أهله، وهكذا لا يقال: آل البلد وآل العلم، وإنما يقال أهلهما. وعند الكسائي، أصله أول بدليل تصغيره على أويل، كأنهم يؤلون إلى أصل قلبت الواو ألفاً على القياس. و {فرعون} علم لمن ملك العمالقة أولاد عمليق ابن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك الفرس، وخاقان للترك، وتبع لليمن. واختلف في اسمه. فابن جريج: أن اسمه مصعب بن ريان. وابن إسحق: أنه الوليد بن مصعب. ولم يكن من الفراعنة أغلظ وأقسى قلباً منه. وعن وهب بن منبه: أن أهل الكتابين قالوا: إن اسمه قابوس وكان من القبط. وقيل: إن فرعون يوسف هو فرعون موسى. وضعف إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين دخول موسى أكثر من أربعمائة سنة. وقال محمد بن إسحق: هو غير فرعون يوسف وإن اسم فرعون يوسف ا لريان بن الوليد. والمراد بآل فرعون أتباعه وأعوانه الذين عزموا على إهلاك بني إسرائيل بأمره. ولعتوّ الفراعنة اشتقوا "تفرعن" فلان إذا عتا وتجبر. و {يسومونكم} من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً. قال عمرو بن كلثوم: شعر : إذا ما الملك سام الناس خســفـاً أبينـا أن نقــر الخســـف فينـــا تفسير : وأصله من سام السلعة إذا طلبها كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونكم عليه. والسوء مصدر السيء يقال: أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفجور يراد قبحهما. ومعنى سوء العذاب والعذاب كله سيئ أشده وأفظعه، كأنه قبحه بالإضافة إلى سائره، أو المراد عذاب من غير استحقاق، لأن العذاب بالاستحقاق حسن واختلف في سوء العذاب فابن إسحق: إنه جعلهم خدماً وخولاً وصنفهم في أعماله، فمن بان وحارث وزارع ومن لم يكن ذا عمل وضع عليه جزية يؤديها. السدي: كان يجعلهم في الأعمال القذرة ككنس الكنيف ونحوه، ولا ريب أن كون الإنسان تحت تصرف الغير كيف شاء لا سيما إذا استعمله في الأعمال الشاقة القذرة من غير أن يأخذه بهم رأفة وإشفاق، من أشدّ العذاب، حتى إن من هذه حاله ربما يتمنى الموت. سئل حكيم: أي شيء أصعب من الموت؟ فقال: ما يتمنى فيه الموت. فبين تعالى عظيم نعمته عليهم بأن نجاهم من ذلك، ثم أتبع نعمة أخرى فقال {يذبحون أبناءكم} ومعناه هم يقتلون الذكور من أولادكم دون الإناث. والذي دعاهم إلى ذلك أمور منها: أن ذبح الأبناء يقتضي إفناء الرجال وانقطاع النسل بالآخرة. ومنها أن هلاك الرجال يقتضي فساد معيشة النساء حتى يتمنين الموت من النكد والضر. ومنها أن قتل الولد عقيب الحمل والكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب. ومنها أن الأبناء أحب وأرغب من البنات ولهذا قيل: شعر : ســـروران مــالهمـــا ثـــالـــث حيـــاة البنيــن ومــوت البنـــات تفسير : لقول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : دفن البنات من المكرمات" تفسير : ومنها أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات للأعداء، وذلك نهاية الذل والهوان. قال بعضهم: المراد بالأبناء الرجال ليطابق النساء، إذ النساء اسم للبالغات وهو جمع المرأة من غير لفظها. قالوا: وإنما كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع لإفساد أمره. والأكثرون على أن المراد بالأبناء الأطفال لظاهر اللفظ، ولأنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم، ولأنهم كانوا محتاجين إليهم في الأعمال الشاقة، ولأنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى في اليم معنى. وإنما لم يقل البنات في مقابلة الأبناء لأنهن لما لم يقتلن كن بصدد أن يبلغن، فحسن إطلاق اسم النساء عليهن مثل {أية : إني أراني أعصر خمراً} تفسير : [يوسف: 36] عن ابن عباس: أنه وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على أعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه، فلما رأوا أن كبارهم يموتون، والصغار يذبحون، خافوا فناءهم وأن لا يجدوا من يباشر الأعمال الشاقة، فصاروا يقتلون عاماً دون عام. وعن السدي: أن فرعون رأى ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى استولت على بيوت مصر وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك فقالوا: يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القبط على يده. وقيل: إن المنجمين أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة، فلهذا كان يقتل أبناءهم من تلك السنة. قيل: والأقرب هو الأول، لأن المستفاد من علم النجوم والتعبير لا يكون أمراً مفصلاً، وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن الغيب معجزاً، بل يكون أمراً جميلاً، والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم على هذا الأمر العظيم بسببه (قلت) كون فرعون عاقلاً ممنوع، فإن من شك في أجلى البديهيات وهو أنه ممكن الوجود، فعدّه من العقلاء لا يكون من العقل. ثم قال ذلك القائل: لعل فرعون كان عارفاً بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافراً كفر الجحود والعناد، أو يقال إنه كان شاكاً متحيراً في دينه وكان يجوّز صدق إبراهيم عليه السلام، وأقدم على ذلك الفعل احتياطاً. (قلت): إذا أخبر الله تعالى عنه بأنه قال {أية : أنا ربكم الأعلى}تفسير : [النازعات: 24] و{أية : ما علمت لكم من إله غيري} تفسير : [القصص: 38] فلا ضرورة بنا إلى تجويز كونه عارفاً بالله وبصدق الأنبياء وجعل كفره كفر جحود {أية : ومن أصدق من الله قيلا}تفسير : [النساء: 122] {أية : ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} تفسير : [النور: 40] فإن قلت: لم ذكر {يذبحون} ههنا بلا "واو"، وفي سورة إبراهيم بواو؟ فالوجه فيه أنه إذا جعل {يسومونكم سوء العذاب} مفسراً بقوله {يذبحون} فلا حاجة إلى الواو، وإذا جعل {يسومونكم} مفسراً بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح، وجعل الذبح شيئاً آخر احتيج إلى الواو. وإنما جاء ههنا {يذبحون} وفي الأعراف {يقتلون} بغير واو لأنهما من كلام الله فلم يرد تعداد المحن عليهم. والذي في إبراهيم من كلام موسى فعدّ المحن عليهم وكان مأموراً بذلك في قوله {أية : وذكرهم بأيام الله}تفسير : [إبراهيم: 5] وقال بعضهم: إن معنى يستحيون يفتشون حياء المرأة أي فرجها، هل بها حمل أم لا؟ وفيه تعسف. والبلاء المحنة إن أشير بذلك إلى صنيع فرعون، والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء، والحمل على النعمة أولى لأنها هي التي يحسن إضافتها إلى الرب تعالى، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى على أسلافهم حيث عاينوا إهلاك من حاول إهلاكهم وإذلال من بالغ في إذلالهم. وههنا نكتة، وهي أنهم كانوا في نهاية الذل، وخصمهم في غاية الاستيلاء والغلبة، إلا أنهم كانوا محقين وخصومهم مبطلين، فانقلب المحق غالباً والمبطل مغلوباً، فكأنه قيل: لا تغتروا بفقر محمد صلى الله عليه وسلم وقلة أنصاره في الحال، فإنه سينقلب العز إلى جانبه صلى الله عليه وسلم، والذل إلى جانب أعدائه. وفيه تنبيه على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء، فليس للإنسان أن يغتر بعز الدنيا وينسى أمر الآخرة. قال أهل الإشارة: النفس الأمارة وصفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة تسوم الروح الشريف ذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة واستحياء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية ولا ينجيه من ذلك إلا الله تعالى. قوله {وإذ فرقنا} نعمة أخرى في نعمة أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه سالك لكم على عدد الأسباط وكانوا اثني عشر. ومعنى بكم أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما، أو يراد فرقناه بسبب إنجائكم، أو يكون حالاً أي ملتبساً بكم. روي أنه تعالى لما أراد غرق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله تعالى أنه لا يؤمن أحد منهم، أمر موسى بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط، إما ليخرجوا خلفهم لأجل المال، وإما لتبقى أموالهم في أيديهم. ثم نزل جبريل وقال: أخرج ليلاً كما قال تعالى {أية : وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي} تفسير : [الشعراء: 52] وكانوا ستمائة ألف، وكل سبط خمسون ألفاً. فلما خرجوا وبلغ الخبر فرعون قال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك. قال الراوي: فوالله ما صاح الليلة ديك. فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال: لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إليّ ستمائة ألف من القبط. قال قتادة: فاجتمع إليه ألف ألف ومائتا ألف، كل واحدٍ منهم على فرس حصان فتبعوهم نهاراً وهو قوله {أية : فأَتبعوهم مشرقين} تفسير : [الشعراء: 60] أي بعد طلوع الشمس. فلما سار بهم موسى إلى البحر قال له يوشع: أين أمرك ربك؟ فقال له موسى: إلى أمامك. وأشار إلى البحر - فأقحم يوشع فرسه في البحر وكان يمشي في الماء حتى بلغ الغمر، فسبح الفرس وهو عليه، ثم رجع وقال له يا موسى: أين أمرك ربك؟ فقال: البحر. فقال: والله ما كذبت وما كذب. ففعل ذلك ثلاث مرات فأوحى الله تعالى إليه أن اضرب بعصاك البحر، فانشق البحر اثني عشر طريقاً. فقال له: ادخل، وكان فيه وحل فهب الصبا نحو البحر حتى صار طريقاً يبساً، فاتخذ كل سبط منهم طريقاً ودخلوا فيه، فقالوا لنبيهم: أين أصحابنا لا نراهم؟ فقال موسى: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتى نراهم. فقال: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة. فأوحى إليه أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على حيطان المياه فصارت فيها كوى فتراءوا وتسامعوا كلامهم. ثم اتبعهم فرعون فلما بلغ شاطئ البحر رأى إبليس واقفاً فنهاه عن الدخول فهمّ بأن لا يدخل البحر، فجاء جبريل على مهرة فتقدم وهو كان على فحل، فتبعه فرس فرعون ودخل البحر، فصاح ميكائيل بهم ألحقوا آخركم بأوّلكم، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله تعالى الماء حتى نزل عليهم فذلك قوله تعالى {وأغرقنا آل فرعون} قيل: ذلك اليوم كان يوم عاشوراء، فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكراً لله تعالى، ومعنى قوله {وأنتم تنظرون} أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه. وقيل: إن قوم موسى سألوا أن يريهم الله تعالى حالهم، فسأل موسى ربه فلفظهم البحر ألف ألف ومائة ألف نفس فنظروا إليهم طافين. وقيل: المراد وأنتم بالقرب منهم. قال الفراء: وهو مثل قولك "لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك" تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم. قال أهل الإشارة: البحر هو الدنيا، وماؤه شهواتها ولذاتها، وموسى القلب، وقومه صفات القلب، وفرعون النفس الأمارة، وقومه صفات النفس، والعصا عصا الذكر، فينفلق بحر الدنيا بتفليق لا إله إلا الله، وينشبك ماء شهواته يميناً وشمالاً، ويرسل الله تعالى ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا فيصير يابساً من ماء الشهوات، فيخوض موسى القلب وصفاته فيعبرونه وتنجيهم عناية الله إلى ساحل {أية : وأَنَّ إلى ربك المنتهى} تفسير : [النجم: 42] ويغرق فرعون النفس وقومه والله تعالى أعلم. ولما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد الله موسى. ونسبه: موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليه السلام. أن ينزل عليه التوراة وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وإنما قيل أربعين ليلة لأن الشهور غررها بالليالي. وقال أهل التحقيق: لأن الليلة وقت العبادة والخلوة فخصت بالذكر لشرفها. ولعدد الأربعين خاصية لن ينكرها أهل الذوق، ولهذا جاء في الحديث "حديث : من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه"تفسير : والجنين يتقلب في الأطوار في الأربعينات، قال أبو العالية: وبلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور. ولا بد من تقدير مضاف أي انقضاء أربعين كقولك "اليوم أربعون يوماً منذ خرج فلان" أي تمام الأربعين. ومن قرأ {واعدنا} من المواعدة فمعناه أن الله تعالى وعده الوحي ووعد هو المجيء للميقات إلى الطور. وذكر الأربعين ههنا مجمل وتفصيله في الأعراف كقوله: {أية : ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} تفسير : [البقرة: 196] فصل أولاً ثم أجمل. ومعنى "ثم" في قوله {ثم اتخذتم} استبعاد مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها وعدم مناسبته له، لأنه تعالى لما وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة عليه بحضرة السبعين تنبيهاً للحاضرين وتعريفاً للغائبين وإظهاراً لدرجة موسى وسائر بني إسرائيل، وأتوا عقيب ذلك بأشنع أنواع الجهل والكفر، كان ذلك في محل التبعيد والتعجيب كما تقول: إنني أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء. والاتخاذ افتعال من الأخذ إلا أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدال التاء، ثم لما كثر استعماله على لفظ الافتعال توهموا أن التاء أصلية فبنوا منه "فعل" "يفعل" وقالوا: يخذ يتخذ، وقد أجرى اتخذ مجرى الأفعال القلبية في الدخول على المبتدأ والخبر نحو "جعل" و "صير" والتقدير: اتخذتم العجل إلهاً إلا أنه حذف الثاني للعلم به ولذكره في مواضع أخر منها في طه {أية : فقالوا هذا الهكم وإله موسى}تفسير : [طه: 88] وقوله من بعده من بعد مضيه إلى الطور. قال أهل السير: لما ذهب موسى إلى الطور وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي التي استعاروها من القبط، قال لهم هارون: إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فأحرقوها، فجمعوا ناراً وأحرقوها. وكان السامري في مسيره مع موسى عليه السلام في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل حين تقدّم في البحر، فقبض قبضة من تراب حافر تلك الدابة. ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب وصوّر منه عجلاً وألقى فيه ذلك التراب فخرج منه صوت كأنه الخوار {أية : فقالوا هذا الهكم وإله موسى}تفسير : [طه: 88] فاتخذه إلهاً لأنفسهم، ولهذا وصفهم الله تعالى بالظلم في قوله {وأنتم ظالمون} كما قال {أية : إن الشرك لظلم عظيم} تفسير : [لقمان: 13] وذلك أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك وضع أخس الأشياء مكان أشرف الموجودات. والواو في {وأنتم} إما للحال وإما للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الظلم، وقال أهل التحقيق: إن لكل قوم عجلاً يعبدونه. قال صلى الله عليه وسلم "حديث : تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة"تفسير : وقال "حديث : ما عبد إله أبغض إلى الله من الهوى"تفسير : وفيه تقريع لليهود الذين جادلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعادوه كأنه قال: هؤلاء إنما يفتخرون بأسلافهم، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد، فكيف بهؤلاء الأخلاف؟ وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم مما كان يشاهد من مشركي العرب واليهود والنصارى من الخلاف والمشاقة {أية : فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل}تفسير : [الأحقاف: 35] وتحذير للعقلاء من الجهل والتقليد إلى هذه الغاية. ما أفظع شأن الجهلة المقلدة، رضوا بأن يكون العجل إلهاً، وما رضوا بأن يكون البشر نبياً وقد تعجّل بعضهم لتصحيح واقعة عبدة العجل حيث استبعد وقوعها منهم مع أنهم شاهدوا تلك المعجزات الباهرة التي تكاد تكون قريبة من حد الإلجاء في الدلالة على الصانع وصدق النبي صلى الله عليه وسلم. إن السامري ألقى إلى القوم أن موسى صلى الله عليه وسلم إنما قدر على ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى فلكية فقال للقوم: أنا أتخذ لكم طلسماً مثل طلسمه، وروّج عليهم ذلك بأن جعله بحيث خرج منه صوت عجيب، وأطمعهم في صيرورتهم مثل موسى في إتيان الخوارق، أو لعل القوم كانوا مجسمة وحلولية فجوزوا حلول الإله في الأجسام فوقعوا في تلك الشبهة الركيكة، وههنا يظهر التفاوت بين أ مة موسى وأمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم بعد مشاهدة الآيات العظام القريبة من الأفهام عبدوا الأصنام بل الأنعام، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم مع أن معجزتهم القرآن الذي لا يعرف إعجازه إلا بالنظر الدقيق والبحث العميق لم يخالفوا نبيهم طرفة عين {أية : رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}تفسير : [الأحزاب: 23] {أية : رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} تفسير : [النور: 37] لا يزيغون عن سواء السبيل ولا يميلون إلى معتقدات أهل الأباطيل {أية : مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل} تفسير : [الفتح: 29]. قوله: {ثم عفونا عنكم} أي حين تبتم بأن قتلتم أنفسكم {من بعد ذلك} الأمر العظيم الذي ارتكبتموه من اتخاذ العجل {لعلكم تشكرون} نعمة العفو. ومعنى الترجي في كلام الله تعالى قد مر في قوله {لعلكم تتقون} الكتاب والفرقان يعني الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل يعني التوراة نحو: رأيت الغيث والليث، يريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة. أو التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان العصا واليد وغيرهما من الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام. وقيل: الفرقان انفراق البحر، ولا يلزم التكرار لأنه لم يبين هناك أن ذلك لأجل موسى وفي هذه الآية بين ذلك التخصيص على سبيل التنصيص. وقيل: النصر الذي فرق بينه وبين عدوه كقوله تعالى {أية : يوم الفرقان} تفسير : [الأنفال: 41] يعني يوم بدر. وقيل: آتينا موسى التوراة ومحمداً الفرقان لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب وفيه تعسف.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالَىٰ: {وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ }: أي: خلَّصناكم، وَآل: أصْلُهُ أَهْل؛ قلبت الهاء أَلِفاً؛ ولذلك رَدَّها التصغيرُ إلى الأصل، فقيل: أُهَيْل، وآلُ الرجل قرابته، وشيعته، وأتباعه، وفرعونُ: اسمٌ لكلِّ من ملك من العَمَالِقَةِ بمصْرَ، وفرعونُ مُوسَىٰ، قيل: اسمه مُصْعَبُ بْنُ الرَّيَّان، وقال ابْن إِسحاق: اسمه الوليدُ بْنُ مُصْعب، وروي أنه كان من أهل إِصْطَخْر وَرَدَ مِصْرَ، فاتفق له فيها المُلْك، وكان أصل كون بني إِسرائيل بمصر نزولَ إسرائيل بها زمَنَ ابنه يُوسُفَ عليهما السلام. و {يَسُومُونَكُمْ}: معناه: يأخذونكم به، ويُلْزمُونَكم إياه، والجملة في موضعِ نصبٍ على الحال، أي: سائمين لكم سُوءَ العذاب، وسوءُ العذاب أشدُّه وأصعبه، وكان فرعَوْنُ علَىٰ ما روي قد رأَىٰ في منامه ناراً خرجَتْ من بيت المقْدِس، فأحرقت بيوتَ مِصْرَ، فأولت له رؤياه؛ أنَّ مولوداً من بني إسرائيل ينشأ، فيخرب مُلْكَ فرعون على يَدَيْهِ، وقال ابن إسْحَاق، وابن عبَّاس، وغيرهما: إن الكهنة والمنجِّمين قالُوا لفرعون: قد أظلك زمانُ مولودٍ من بني إسرائيل يخرب مُلْكَك. و {يُذَبِّحُونَ } بدلٌ من: «يَسُومُونَ»، {وَفِي ذٰلِكُم}: إشارةٌ إلى جملة الأمر، و {بَلاءٌ} معناه: امتحان واختبار، ويكون البلاء في الخير والشر. وحكى الطبريُّ وغيره في كيفية نجاتهم أن موسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ أوحي إلَيْه أن يسري من مصر ببني إِسرائيل، فأمرهم موسى أن يستعيروا الحُلِيَّ والمتاعَ من القِبْطِ، وأحل اللَّه ذلك لبني إسرائيل، ويُرْوىٰ أنهم فعلوا ذلك دون رَأْيِ موسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ وهو الأشبه به، فسرى بهم موسَىٰ من أول الليْلِ، فأعلم بهم فرعون، فقال: لا يتبعهم أحد حتى تصيح الدِّيَكَةُ، فلم يَصِحْ تلك الليلة بمصر دِيكٌ؛ حتى أصبح، وأمات اللَّه تلك الليلةَ كثيراً من أبناء القِبطِ، فاشتغلوا بالدَّفْنِ، وخرجوا في الأتباع مشرِّقين، وذهب موسى عليه السلام إلى ناحية البحر؛ حتى بلغه، وكانت عدة بني إِسرائيل نيِّفاً على ستِّمائة ألف، وكانت عِدَّة فرعون أَلْفَ ألْفٍ ومِائَتَي ألْفٍ، وحكي غير هذا مما اختصرته لقلَّة ثبوته، فلما لحق فرعَوْنُ موسَىٰ، ظن بنو إِسرائيل أنهم غير ناجين، فقال يُوشَعُ بْنُ نُونٍ لموسى: أين أُمِرْتَ؟ فقال: هكذا، وأشار إلى البحر، فركض يُوشَعُ فرسه؛ حتى بلغ الغَمْرَ، ثم رجع، فقال لموسَىٰ: أين أُمِرْتَ؟ فواللَّه: ما كَذَبْتَ، ولا كُذِبْتَ، فأشار إِلى البحر، وأوحى اللَّه تعالى إليه؛ أنِ ٱضْرِبْ بعصاك البَحْرَ، وأوحى اللَّه إلى البحر؛ أن انفرِقْ لموسى إذا ضربك، فبات البَحْرُ تلك الليلة يضطرب، فحينَ أصبَحَ، ضرَبَ موسى البحر، وكناه أبا خالد، فانفلَقَ، وكان ذلك في يَوْمِ عَاشُورَاءَ.
ابن عادل
تفسير : "إذا" في موضع نصب عطفاً على "نعْمَتي"، وكذلك الظُّروف التي بعده نحو: {أية : وَإِذْ وَاعَدْنَا}تفسير : [البقرة:51]، {أية : وَإِذْ قُلْتُمْ}تفسير : [البقرة:55]. وقرىء: [أَنْجَيْتُكُمْ] على التوحيد. وهذا الخطاب للموجودين في زمن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ ولا بُدّ من حذف مضاف، أي: أنجينا آباءكم، نحو: {أية : حَمَلْنَاكُمْ فِي ٱلْجَارِيَةِ}تفسير : [الحاقة:11]؛ لأن إنجاء الآباء سبب في وجود الأبناء، وأصل الإنْجَاء والنَّجَاة: الإلقاء على نَجْوَةٍ من الأرض، وهي المرتفع منها ليسلم من الآفات، ثم أطلق الإنْجاء على كل فَائِزٍ وخارج من ضِيْقٍ إلى سَعَةٍ، وإن لم يُلْقَ على نَجْوَةٍ. و "من آل" متعلّق به، و "من" لابتداء الغاية. و "آل" اختلف فيه على ثلاثة أقوال: فقال "سيبويه" [وأتباعه]: إن أصله "أهل" فأبدلت الهاء همزة لقربها منها [ـ كما قالوا: ماء، وأصله ماه ـ]، ثم أبدلت الهمزة ألفاً، لسكونها بعد همزة مفتوحة نحو: "آمن وآدم" ولذلك إذا صُغِّرَ رجع إلى أصله [فتقول: "أُهَيْل". قال أبو البقاء: وقال بعضهم: "أويل"، فأبدلت الألف واواً]. ولم يرده إلى أصله، كما لم يردوا "عُيَيْداً" إلى أصله في التصغير يعني فلم يقولوا: "عُوَيْداً" لأنه من "عَادَ ـ يَعُود"، قالوا: لئلا يلتبس بِعُودِ الخَشَبِ. وفي هذا نظر؛ لأن النحاة قالوا: من اعتقد كونه من "أهل" صغره على"أُهَيْل"، ومن اعتقد كونه من "آل ـ يَئُول" أي: رجع صَغّره على "أُوَيل". وذهب "النحاس" إلى أن أصله "أَهْل" أيضاً، إلا أنه قلب الهاء ألفاً من غير أن يقلبها أولاً همزة، وتصغيره عنده على "أُهَيْلٍ". وقال الكسَائِيُّ: "أُوَيْل" وقد تقدّم ما فيه. ومنهم من قال أصله: "أَوَلَ" مشتق من " آلَ ـ يَئُول"، أي: رجع؛ لأنّ الإنسان يرجع إلى آله، فتحركت الواو، وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً، وتصغيره على "أُوَيْل" نحو: "مَال" و "مُوَيْل" و "بَاب" و "بُوَيْب" ويعزى هذا الكسَائِيِّ. وجمعه: "آلُون" و "آلِين" وهذا شاذٌّ كـ "أَهْلِين"؛ لأنه ليس بصفة ولا عَلَمٍ. قال ابن كَيْسَان: إذا جمعتَ "آلاً" قُلْتَ: "آلُونَ"، فإن جمعت "آلاً" الذي هو [السَّراب] قلت: "آوَال" ليس إلاّ؛ مثل: "مَال وأَمْوَال". واختلف فيه فقيل: "آل" الرجل قرابته كأهله. وقيل: من كان من شيعته، وإن لم يكن قريباً منه؛ قال: [الطويل] شعر : 471ـ فَلاَ تَبْكِ مَيْتاً بَعْدَ مَيْتٍ أَجَنَّهُ عَلِيٌّ وَعَبَّاسٌ وَآلُ أبِي بَكْرِ تفسير : ولهذا قيل: آل النبي من آمن به إلى آخر الدَّهْرِ، ومن لم يؤمن به فليس بآله، وإن كان نسيباً له، كأبي لَهَبٍ وأبي طالب، ونقل بعضهم أن "الرَّاغب" ذكر في "المفردات" أن "الآل" يطلق على الرَّجل نفسه. واختلف فيه النُّحَاة: هل يضاف إلى الضمير أم لا؟ فذهب الكسائي، وأبو بكر الزبيدي، والنحاس إلى أن ذلك لا يجوز، فلا يجوز اللَّهم صَلِّ على محمَّد وآله، بل وعلى آل محمد، وذهب جَمَاعة، منهم ابن السِّيدِ إلى جوازه؛ واستدلُّوا بقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما سئل فقيل: يا رسول الله من آلُكَ؟ فقال: "آلِي كُلُّ تَقِيٍّ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ"؛ وأنشدوا قول [عبدالمطلب]: [الكامل] شعر : 472ـ لاَهُمَّ إنَّ العَبْدَ يَمْــ ـنَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ حَلاَلَكْ وانْصُرْ عَلَى آل الصَّلِيــ ـبِ وَعَابِدِيهِ اليَوْمَ آلَكْ تفسير : [وقول نُدْبَة: [الطويل] شعر : 473ـ أَنَا الفَارِسُ الحَامِي حَقِيقَةَ وَالِدِي وَآلِي كَمَا تَحْمِي حَقِيقَةَ آلِكَا] تفسير : واختلفوا أيضاً فيه: هل يُضَاف إلى غير العُقَلاَء فيقال: آل "المدينة" وآل "مكة"؟ فمنعه الجمهور، وقال "الأخفش": قد سمعناه في البُلْدَان، قالوا: أهل "المدينة" وآل "المدينة" ولا يضاف إلاّ إلى مَنْ له قَدْرٌ وخَطرٌ، فلا يقال: آل الإسْكَاف ولا آل الحَجّام، وهو من الأسماء اللازمة للإضافة معنًى ولفظاً، وقد عرفت ما اختص به من الأحكام دون أصله الذي هو "أهل" هذا كلّه في "آل" مراداً به الأهل، أما "آل" الذي هو السَّراب فليس مما نحن فيه في شيء، وتصغيره "أُوَيْل" نحو: "مَال وَمُوَيْل" وتقدم جمعه. قوله: {فِرْعَوْنَ} خفض بالإضافة، ولكنه لا ينصرف للعُجْمَةِ والتعريف. واختلف فيه: هل هو علم شخص، أو علم جنس؛ فإنه يقال لكلّ [من] ملك القِبْط و "مِصْر": فرعون، مثل كِسْرَى لكل من ملك الفرس، وقَيْصَر [وهرقل] لكل من ملك الروم، ويقال لكل من ملك "الهند": نهمز، وقيل: يَعْفُور، ويقال لمن ملك الصَّابئة: نمْرُوذ، ولمن ملك البربر: جَالُوت، [ولمن ملك اليهود فيطون، والمعروف شالخ ولمن ملك فَرْغَانَة الإخشيد]، ولمن ملك العرب من قبل العَجم النُّعْمَان؛ ولمن ملك "الصين" يعفو، وهِرَقْل لكل من ملك الروم، والقَيْل لكل من ملك "حِمْيَر"، والنَّجَاشي لكل من ملك "الحبشة"، وبَطْلَيْمُوس لكل من ملك "اليونان" وتُبَّع لمن ملك "اليمن"، وخَاقَان لمن ملك التُّرك. وقال "الزمخشري": وفرعون علم لمن ملك العَمَالقة كقيصر للروم، ولعُتُوّ الفراعنة اشتقوا منه تَفَرْعَنَ فلانٌ، إذا عَتَا وتَجَبَّرَ؛ وفي مُلَحِ بعضهم: [الكامل] شعر : 474ـ قد جَاءَهُ الموسَى [الكَلُومُ] فَزَادَ في أَقْصَى تَفَرْعُنِهِ وَفَرْطِ عُرَامِهِ تفسير : وقال "المَسْعُودي": "لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية". وظاهر كلام "الجوهري" أنه مشتق من معنى العتو، فإنه قال: "والعُتَاة: الفَرَاعنة، وقد تَفَرْعَنَ، وهو ذو فَرْعَنَةٍ، أي دهاء ومكر". وفي الحديث: "أخذنا فِرْعَون هذه الأُمّة" إلا أن [يريد] معنى ما قاله الزمخشري المتقدم. واسم فرعون موسى: قَابُوس في قول أهل الكتاب، نقله وهب بن منبه وقال ابن إسحاق وَوَهْب: "اسمه الوليد بن مصعب بن الريان، ويكنى أبا مُرَّة". وحكى ابن جريج "أن" اسمه مصعب بن رَيّان، وهو من بني عمْلِيق بن ولاد بن إرم بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام. وذكر ابن الخطيب أن [ابن] وهب قال: إن فرعون يوسف ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ هو فرعون موسى، لقول موسى عليه الصَّلاة والسلام. {أية : وَلَقَدْ جَآءَكُـمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِٱلْبَيِّنَاتِ}تفسير : [غافر:34] وقال: هذا غير صحيح، إذ كان بين دخول يوسف "مصر"، وبين أن دخلها موسى أكثر من أربعمائة سنة. وذكر النووي أن فرعون موسى عمر أكثر من أربعمائة سنة، فمشى قول ابن وهب. وقال محمد بن إسحاق: "هو غير فرعون يوسف إن فرعون يوسف كان اسمه الريان بن الوليد". قوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} هذه الجملة في محل نصب على الحال من "آل" أي: حال كونهم سَائِمِين، ويجوز أن تكون مستأنفة لمجرد الإخبار بذلك، وتكون حكاية حال ماضية، قال ـ بمعناه ـ ابن عطية، وليس بظاهر. وقيل: هو خبر لمبتدأ محذوف، أي: هم يسومونكم، ولا حَاجَةَ إليه أيضاً. و "كم" مفعول أول، و "سوء" مفعول ثان؛ لأن "سَامَ" يعتدّى لاثنين كـ "أعْطَى"، ومعناه أَوْلاَهُ كذا، وألزمه إياه؛ ومنه قول عمرو بن كُلْثُومٍ: [الوافر] شعر : 475ـ إِذَا مَا المَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفاً أَبَيْنَا أن نُقِرَّ الخَسْفَ فينا تفسير : قال الزمخشري: "وأصله من سَامَ السّلعة إذا طلبها، كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب، ويزيدونكم عليه". وقيل أصل السَّوم: الدوام، ومنه سَائِمَةُ الغَنَمِ لمداومتها الرعي. والمعنى: يديمون تعذيبكم. وسوء العذاب: أشدّه وأقطعه، وإن كان كله سيّئاً، كأنه أقبحه بالإضافة إلى سائره. والسوء: كل ما يعم الإنسان من أمْرٍ دنيوي وأخروي، وهو في الأصل مصدر، ويؤنث بالألف، قال تعالى: {أية : أَسَاءُواْ ٱلسُّوۤءَىٰ}تفسير : [الروم:10]. [وأجاز بعضهم أن يكون "سوء" نعتاً لمصدر محذوف تقديره: يسومونكم سوماً سيئاً، كذا قدره. وقال أيضاً:] "ويجوز أن يكون بمعنى سوم العذاب"، كأنه يريد بذلك أنه منصوب على نوع المصدر نحو: "قعد جلوساً"؛ لأن سوء العذاب نوع من السوم. قال أبو العباس المُقْرىء: ورد لفظ "السّوء" على خمسة عشر وجهاً: الأول: بمعنى "الشدة" كهذه الآية، أي: شدة العذاب. الثاني: بمعنى "العَقْر" قال تعالى: {أية : وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوۤءٍ}تفسير : [هود:64]. الثالث: "الزِّنا: قال تعالى: {أية : مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوۤءٍ}تفسير : [يوسف:51]. الرابع: "المَرَض" قال تعالى: {أية : تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ}تفسير : [طه:22]. الخامس: "اللّعْنة" قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْخِزْيَ ٱلْيَوْمَ وَٱلْسُّوۤءَ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ}تفسير : [النحل:27]. السادس: "العَذَاب" قال تعالى: {أية : لاَ يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوۤءُ}تفسير : [الزمر:61]. السابع: "الشِّرْك" قال تعالى: {أية : مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ}تفسير : [النحل:28]. الثامن: "العِصْيَان" قال تعالى: {أية : ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوۤءَ بِجَهَالَةٍ}تفسير : [النحل:119]. التاسع: "الشَّتْم" قال تعالى: {أية : وَيَبْسُطُوۤاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِٱلسُّوۤءِ}تفسير : [الممتحنة:2] أي: بالشَّتم، ومثله: {أية : لاَّ يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوۤءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ}تفسير : [النساء:148] أي: الشَّتْم. العاشر: "الجُنُون" قال تعالى: {أية : إِن نَّقُولُ إِلاَّ ٱعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوۤءٍ}تفسير : [هود:54] أي بجنون. الحادي عشر: "اليأس" قال تعالى: {أية : وَلَهُمْ سُوۤءُ ٱلدَّارِ}تفسير : [الرعد:25] أي: يأس الدار. الثاني عشر: "المرض" قال تعالى: {أية : وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ}تفسير : [النمل:62] يعني المرض. الثالث عشر: "الفَقْر" قال تعالى: {أية : وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوۤءُ}تفسير : [الأعراف:188] أي: الفقر. الرابع عشر: "الهَزِيمة" قال تعالى: {أية : فَٱنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوۤءٌ}تفسير : [آل عمران:174] أي: هزيمة. الخامس عشر: "السوء": الصيد، قال تعالى: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا ٱلَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ ٱلسُوۤءِ}تفسير : [الأعراف:165] أي: الصيد. فصل في السوء الذي ضرب على بني إسرائيل قال "محمد بن إسحاق": جعلهم خولاً وخدماً له، وصنفهم في [أعماله] فصنف يَبْنُون، وصنف يَحْرُثُون، وصنف يَزْرَعُون، وصنف يخدمونه، ومن لم يكن في فرع من أعماله، فإنه يضع عليه جزيةً يؤديها. وقال "السُّدي": جعلهم في الأعمال الصَّعبة الشديدة مثل: كنس المَبْرز، وعمل الطِّين، ونحت الجِبَال. قوله: {يُذَبِّحُونَ} هذه الجملة يُحْتَمَلُ أن تكون مفسّرة للجملة قبلها، وتفسيرها لها على وجهين: أحدهما: أن تكون مستأنفةً، فلا محلّ لها حينئذ من الإعراب، كأنه قيل: كيف كان سومهم العذاب؟ فقيل يذبحون. الثاني: أن تكون بدلاً منها؛ كقوله: [الطويل] شعر : 476ـ مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بَنَا في دِيَارِنَا ....................... {أية : وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ}تفسير : [الفرقان:68-69]، ولذلك ترك العاطف، ويحتمل أن تكون حالاً ثانية، لا على أنها بدل من الأول. وذلك على رأي من يجوز تعدد الحال وقد منع "أبو البقاء" هذا الوجه محتجاً بأن الحال تشبه المفعول به، ولا يعمل العامل في مفعولين على هذا الوصف، وهذا بناء منه على أحد القولين، ويحتمل أن تكون حالاً من فاعل "يسومونكم". وقرىء: "يَذْبَحُونَ" بالتخفيف، والأولى قراءة الجماعة؛ لأن الذبح متكرر. فإن قيل: لِمَ لم يؤت هُنَا بواو العطف كما أُتِيَ بها في إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ فالجواب: أنه أريد هنا التَّفسير كما تقدَّم، وفي سورة إبراهيم معناه: يعذِّبُونَكُم بالذَّبْح وبغير الذَّبْح. وقيل: يجوز أن تكون "الواو" زائدةً، فتكون كآية "البقرة"؛ واستدلَّ هذا القائل على زيادة الواو بقوله: [الطويل] شعر : 477ـ فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الحَيِّ وانْتَحى ................... تفسير : يريد: انتحى. وقوله: [المتقارب] شعر : 478ـ إلَى المَلِكَ القَزْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ......................... تفسير : والجواب الأول أصح. قال ابن الخطيب: المقصود من ذكر العطف في سورة "إبراهيم" عليه الصلاة والسلام أنه تعالى قال قبل هذه الآية: {أية : وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّٰمِ ٱللَّهِ}تفسير : [إبراهيم:5] والتذكير بأيام الله لا يحصل إلا [بتعداد] النعم، فوجب أن يكون المراد من قوله: {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} نوعاً من العذاب، والمراد من قوله: {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} نوعاً آخر، فتحصل منهما نوعان من النعمة، فلهذا وجب ذكر حرف العَطْف، وأما هذه الآية لم يرد الأمر إلاَّ بتذكر جنس النعمة، وهي قوله: {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ}تفسير : [البقرة:47]، فسواء كان المراد من سوء العذاب هو الذّبح أو غيره، فإنَّ التذكير لجنس النعمة حاصل. "والذّبح" أصله الشَّقّ، منه المَذَابح لأَخَادِيد السُّيول في الأرض. والذِّبْح: المذبوح "والذُّبَاح": تشقق في [أصول] الأصابع. والمَذَابح ـ أيضاً: المحاريب. وأما "أبناء" جمع "ابن"، رجع به إلى أصله، فَرُدَّت لامه، إما الواو أو الياء حسبما تقدم. والأصل: "أبناو" أو "أبناي"، فأبدل حرف العلة همزة لتطرفه بعد ألف زائدة، والمراد بهم: الأطفال عند أكثر المفسرين. وقيل: الرجال، وعبر عنهم بالأبناء باعتبار ما كانوا؛ لأنه ذكرهم في مُقَابلة النساء. و "النِّسَاء": أسم للبَالِغَات، فكذا المُرَاد من الأبناء الرِّجَال البالغون. قالوا: إنه كان يأمر بقَتْلِ الرجال الذين يخافون منهم الخُرُوج عليهم والتجمُّع لإفساد أمره. والأول أولى لحمل لفظ الأبناء على ظاهره، ولأنه كان متعذّر قتل جميع الرِّجَال على كثرتهم، وأيضاً فكانوا مُحْتَاجين إليهم في استعمالهم في الأعمال الشَّاقة، ولو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ في التَّابوت حال صغره معنى. وأما قولهم: لأنه ذكرهم في مقابلة النساء ففيه جوابان: الأول: أن الأبناء لما قتلوا حَالَ الطفولة لم يصيروا رجالاً، لم يجز إطلاق اسم الرجال عليهم. أما البنات لما لم يُقْتَلْنَ، بل وصلن إلى حَدّ النساء جاز الإطلاق اسم النساء عليهن اعتباراً بالمآل. الثاني: قال بعضهم: المراد بقوله: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} أي يُفَتِّشُون حياء المرأة أي: فَرْجَهَا هل بها حمل أم لا؟ فصل في السبب الباعث على تقتيل الأبناء ذكروا في سبب قَتْلِ الأبناء وجوهاً: أحدها: قال ابن عباس: وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد به إبراهيم أن يجعل في ذرّيته أنبياء وملوكاً فخافوا ذلك، واتفقت كلمتهم على إعدد رِجَالٍ يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذَبَحُوهُ فلما رأوا أكابرهم يموتون، وصغارهم يذبحون خافوا الفَنَاءَ فلا يجدون من يُبَاشر الأعمال الشّاقة، فصاروا يقتلون عاماً دون عام. وثانيها: قال السُّدي: إن فرعون رأى ناراً أقبلت من بيت المَقْدِسِ حتى اشتملت على بيوت "مصر"، فأحرقت القبط، وتركت بني إسرائيل فدعا فرعون الكَهَنَةَ، وسألهم عن ذلك؟ فقالوا: يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القِبْطِ على يديه. وثالثها: أن المنجّمين أخبروا فرعون بذلك. قال ابن الخطيب: والأقرب هو الأول؛ لأن الذي يُسْتَفَاد من علم التعبير، وعلم النجوم لا يكون أمراً مفصلاً، وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن الغَيْبِ معجزاً، بل يكون أمراً مجملاً، والظاهر من حال العاقل ألاَّ يقدم على مثل هذا الأمر العظيم بسببه. فإن قيل: إنَّ فرعون كان كافراً بالله فبأن يكون كافراً بالرسل أولى، وإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يقدم على هذا الأمر العظيم بسبب إخبار إبْرَاهِيمَ عليه الصَّلاة والسلام عنه؟ فالجواب: لعلّ فرعون كان عارفاً بالله، وبصدق الأنبياء إلاَّ أنه كان كافراً كفر عِنَادٍ أو يقال: إنه كان شاكّاً متحيراً في دينه، وكان يجوِّز صدق إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ فأقدم على ذلك الفعل احتياطاً. قوله: "وَيَسْتَحْيُونَ" عطف على ما قبله، وأصله: "يَسْتَحييُون"، فأعلّ بحذف الياء بعد حذف حركتها، وقد تقدم بيانه فوزنه: "يَسْتَفعُون". والمراد بالنِّسَاء: الأطفال، وإنما عبر عنهم بالنساء، لمآلهن إلى ذلك. وقيل: المراد غير الأطفال كما قيل في الأبناء. ولام "النساء" الظاهر أنها من واو لظهورها في مرادفه وهوك نِسْوَان ونِسْوَة. وهل "نساء" جمع "نسوة" أو جمع "امرأة" من حيث المعنى؟ قولان، ويحتمل أن تكون ياءً اشتقاقاً من النّسْيَان. قوله: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} الجار والمجرور خبر مقدم، و "بَلاَء" مبتدأ. ولامه واو لظهورها في الفعل نحو: بَلَوْتُه ـ {أية : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ}تفسير : [البقرة:155]، فأبدلت همزة. والبلاء يكون في الخير والشر، قال تعالى: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً}تفسير : [الأنبياء:35]؛ لأن الابتلاء امتحان، فيمتحن الله عباده بالخير ليشكروا، وبالشر ليصبروا. وقال ابن كيسن: "أَبْلاَه وبَلاَه في الخير والشر"؛ وأَنْشَدَ: [الطويل] شعر : 479ـ جَزَى اللَّهُ بِالخَيْرَاتِ ما فعلاَ بِكُمْ وَأَبْلاَهُمَا خَيْرَ البَلاَءِ الَّذِي يَبْلُو تفسير : فجمع بين اللغتين. وقيل: الأكثر في الخير أَبْلَيْتُهُ، وفي الشر بَلَوْتُهُ، وفي الاختبار ابْتَلَيْتُهُ وبَلَوْتُهُ. قال النحاس: فاسم الإشارة من قوله: "وفي ذلكم" يجوز أن يكون إشارة إلى الإنْجَاءِ وهو خير محبوب، ويجوز أن يكون إشارة إلى الذّبح، وهو شر مكروه. وقال الزمخشري: والبلاء: المِحْنة إن أشير بـ "ذلكم" إلى صنيع فِرْعَونَ، والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء، وهو حسن. وقال ابن عطية: "ذلكم" إشارة إلى جملة الأمر، إذ هو خير فهو كفر حاضر، كأنه يريد أن يشير به إلى مجموع الأمرين من الإنْجَاءِ، والذبح، ولهذا قال بعده: "يكون البلاء في الخير والشر"، وهذا غير بعيد؛ ومثله: [الرمل] شعر : 480ـ إنَّ لِلْخَيْرِ ولِلشَّرِّ مَدًى وَكُلاً ذَا وَجْه وَقَبْلْ تفسير : وقيل: و "من ربكم" متعلّق بـ "بلاء"، و "من" لابتداء الغاية مجازاً. وقال أبو البقاء: هو في موضع رفع صفة لـ "بلاء"، فيتعلّق بمحذوف. وفي هذا نظر، من حيث إنه إذا اجتمع صفتان، إحْدَاهما صريحة، والأخرى مؤولة، قُدِّمت الصريحة، حتى إن بعض الناس يجعل ما سواه ضرورةً، و "عظيم" صفة لـ "بلاء" وقد تقدم معناه مستوفى [في أول السورة].
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذا العام مولود يذهب بملكك. فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل مائة عشرة، وعلى كل عشر رجلاً، فقال: انظروا كل امرأة حامل في المدينة، فإذا وضعت حملها ذكراً فاذبحوه، وإن كانت أنثى فخلوا عنها، وذلك قوله {يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم...} الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {يسومونكم سوء العذاب...} الآية. قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة، فقال له الكهنة: سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه. فبعث في أهل مصر للنساء قوابل، فإذا ولدت امرأة غلاماً أتى به فرعون فقتله ويستحيي الجواري. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {بلاء من ربكم عظيم} يقوله: نعمة. وأخرج وكيع عن مجاهد في قوله {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} قال: نعمة من ربكم عظيمة.
القشيري
تفسير : من صبر في الله على بلاء أعدائه عوَّضه الله صحبة أوليائه، وأتاح له جميل عطائه؛ فهؤلاء بنو إسرائيل صبروا على مقاساة الضر من فرعون وقومه فجعل منهم أنبياءهم، وجعلهم ملوكاً، وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين. {وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ}: قيل نعمة عظيمة وقيل محنة شديدة. وفي الحقيقة ما كان من الله - في الظاهر - محنةً فهو - في الحقيقة لمن عرفه - نعمةٌ ومِنَّة.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ نجيناكم} خطاب لبنى اسرائيل اى اذكروا وقت تنجيتنا اياكم اى آباءكم فان تنجيتهم تنجية لا عقابهم ومن عادة العرب يقولون قتلنا كم يوم عكاظ اى قتل آباؤنا آباؤكم والنجو المكان العالى من الارض لان من صار اليه يخلص ثم سمى كل فائز ناجيا لخروجه من ضيق الى سعة اى جعلنا آباءكم بمكان حريز ورفعناكم عن الاذى {من آل فرعون} واتباعه واهل دينه. وفرعون لقب من ملك العمالقة ككسرى لملك الفرس وقيصر لملك الروم وخاقان لملك الترك والنجاشى للحبشة وتبع لاهل اليمن. والعمالقة الجبابرة وهم اولاد عمليق بن لاود بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام سكان الشام منهم سموا بالجبابرة وملوك مصر منهم سموا بالفراعنة ولعتوه اشتق منه تفرعن الرجل اذا عتا وتمرد فليس المراد الاستغراق بل الذين كانوا بمصر وفرعون موسى هو الوليد بن مصعب ابن الريان وكان من القبط وعمر اكثر من اربعمائة سنة. وقيل انه كان عطارا اصفهانيا ركبته الديون فافلس فاضطر الى الخروج فلحق بالشام فلم يتيسر له المقام فدخل مصر فرأى في ظاهرها حملا من البطيخ بدرهم وفي سوقها بطيخة بدرهم فقال في نفسه ان تيسر لى اداء الديون فهذا طريقه فخرج الى السواد فاشترى حملا بدرهم فتوجه به الى السوق فكل من لقيه من المكاسين اى العشارين اخذ بطيخة فدخل البلد وما معه الا بطيخة فباعها بدرهم ومضى بوجهه ورأى اهل البلد متروكين سدى لا يتعاطى احد سياستهم وكان قد وقع بها وباء عظيم فتوجه نحو المقابر فرأى ميتا يدفن فتعرض لاوليائه فقال انا امين المقابر فلا ادعكم تدفنونه حتى تعطونى خمسة دراهم فدفعوها اليه ومضى لآخر وآخر حتى جمع في مقدار ثلاثة اشهر مالا عظيما ولم يتعرض له احد قط الى ان تعرض يوما لاولياء ميت فطلب منهم ما كان يطلب من غيرهم فابوا ذلك فقالوا من نصبك هذا المنصب فذهبوا به الى فرعون اى الى ملك المدينة فقال من انت ومن اقامك بهذا المقام قال لم يقمنى احد وانما فعلت ما فعلت ليحضرنى احد الى مجلسك فانبهك على اختلال حال قومك وقد جمعت بهذا الطريق هذا المقدار من المال فاحضره ودفعه الى فرعون فقال ولنى امورك ترنى امينا كافيا فولاه اياها فسار بهم سيرة حسنة فانتظمت مصالح العسكر واستقامت احوال الرعية ولبث فيهم دهرا طويلا وترامى امره في العدل والصلاح فلما مات فرعون اقاموه مقامه فكان من امره ما كان وكان فرعون يوسف عليه السلام ريان وبينهما اكثر من اربعمائة سنة {يسومونكم} اى يبغونكم {سوء العذاب} واقبحه بالنسبة الى سائره ويريدونكم عليه ويكلفونكم الاعمال الشاقة ويذيقونكم ويديمون عليكم ذلك من سام السلعة اذا طلبها والسوم بمعنى البغاء وبغى يتعدى الى مفعولين بلا واسطة فلذلك كان سوء العذاب منصوبا على المفعولية ليسومونكم والجملة حال من ضمير المفعول في نجيناكم والمعنى نجيناكم مسومين منهم اقبح العذاب كقولك رأيت زيدا يضربه عمرو اى رأيته حال كونه مضروبا لعمرو وذلك ان فرعون جعل بنى اسرائيل خدما وخولا وصنفهم فى الاعمال فصنف يبنون وصنف يحرثون ويزرعون وصنف يخدمونه ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليهم الجزية. وقال وهب كانوا اصنافا في اعمال فرعون فذووا القوة ينحتون السوارى من الجبال حتى قرحت اعناقهم وايديهم ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها وطائفة نجارون وحدادون والضعفة منهم يضرب عليهم الخراج ضريبة ويؤدونها كل يوم فمن غربت عليه الشمس قبل ان يؤدى ضريبته غلت يمينه الى عنقه شهرا والنساء يغزلن الكتان وينسجن وقيل تفسير قوله يسومونكم سوء العذاب ما بعده وهو قوله تعالى {يذبحون ابناءكم} كانه قيل ما حقيقة سوء العذاب الذي يبغونه لنا فاجيب بانهم يذبحون ابناءكم اى يقتلونهم والتشديد للتكثير كما يقال فتحت الابواب. والمراد من الابناء هم الذكور خاصة وان كان الاسم يقع على الذكور والاناث في غير هذا الموضع كالبنين في قوله تعالى يا بنى اسرائيل فانهم كانوا يذبحون الغلمان لا غير وكذا اريد به الصغار دون الكبار لانهم كانوا يذبحون الصغار {ويستحيون نساءكم} اى يستبقون بناتكم ويتركونهن حيات وذكر النساء وان كانوا يفعلون هذا بالصغار لانه سماهن باسم المآل لانهن اذا استبقوهن صرن نساء بعد البلوغ ولانهم كانوا يستبقون البنات مع امهاتهن والاسم يقع على الكبيرات والصغيرات عند الاختلاط. وذلك ان فرعون رأى في منامه كأن نارا اقبلت من بيت المقدس فاحاطت بمصر واخرجت كل قبطى بها ولم تتعرض لبنى اسرائيل فهاله ذلك وسأل الكهنة والسحرة عن رؤياه فقالوا يولد في بنى اسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك فامر فرعون بقتل كل غلام يولد في بنى اسرائيل وجمع القوابل فقال لهن لا يسقط على ايديكن غلام يولد فى بنى اسرائيل الا قتل ولا جارية الا تركت ووكل القوابل فكن يفعلن ذلك حتى قيل انه قتل في طلب موسى عليه السلام اثنى عشر الف صبى وتسعين الف وليد وقد اعطى الله نفس موسى عليه السلام من القوة على التصرف ما كان يعطيه اولئك المقتولين لو كانوا احياء ولذلك كانت معجزاته ظاهرة باهرة ثم اسرع الموت في مشيخة بنى اسرائيل فدخل رؤس القبط على فرعون وقالوا ان الموت وقع في بنى اسرائيل فتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك ان يقع العمل علينا فامر فرعون ان يذبحوا سنة ويتركوا سنة فولد هارون عليه السلام في السنة التى لا يذبح فيها وولد موسى في السنة التى يذبحون فيها فلم يرد اجتهادهم من قضاء الله شيأ وشمر فرعون عن ساق الاجتهاد وحسر عن ذراع العناد فاراد ان يسبق القضاء ظهوره ويأبى الله الا ان يتم نوره {وفي ذلكم} اشارة الى ما ذكر من التذبيح والاستيحاء {بلاء} اى محنة وبلية وكون استحياء نسائهم اى استبقائهن على الحياة محنة مع انه عفو وترك للعذاب لما ان ذلك كان للاسترقاق والاستعمال في الاعمال الشاقة ولان بقاء البنات مما يشق على الآباء ولا سيما بعد ذبح البنين {من ربكم} من جهته تعالى بتسليطهم عليكم {عظيم} صفة للبلاء وتنكيرهما للتفخيم ويجوز ان يشار بذلكم الى الانجاء من فرعون ومعنى البلاء حينئذ النعمة لان اصل البلاء الاختيار والله تعالى يختبر عباده تارة بالمنافع ليشكروا فيكون ذلك الاختبار منحة اى عطاء ونعمة واخرى بالمضار ليصبروا فيكون محنة فلفظ الاختبار يستعمل فى الخير والشر قال تعالى {أية : ونبلوكم بالشر والخير} تفسير : [الأنبياء: 35]. ومعنى من ربكم اى يبعث موسى وبتوفيقه لتخليصكم منهم. والاشارة ان النجاة من آل فرعون النفس الامارة وهى صفاتها الذميمة واخلاقها الرديئة في يوم سوء العذاب للروح الشريف بذبح ابناء الصفات الروحانية الحميدة واستحياء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في اعمال القدرة الحيوانية لا يمكن الا بتنجية الله كما قال عليه الصلاة والسلام "حديث : لن ينجى احدكم عمله" قيل ولا انت يا رسول الله قال "ولا انا الا ان يتغمدنى الله بفضله ". تفسير : وفي ذلكم اى في استيلاء صفات النفس على القلب والروح بلاء عظيم وامتحان عظيم بالخير والشر فمن يهده الله ويصلح باله يرجع اليه الله في طلب النجاة فينجيه الله ويهلك عدوه ومن يضلله ويخذله اخلد الى الارض واتبع هواه وكان امره فرطا. ثم في الآية الكريمة تنبيه على ان ما يصيب العبد من السراء والضراء من قبيل الاختبار فعليه الشكر في المسار والصبر على المضار: كما قال الحافظ شعر : اكر بلطف بخوانى مزيد الطافست وكر بقهر برانى درون ما صافست تفسير : وسنته تعالى استدعاء العباد لعبادته بسعة الارزاق ودوام المعافاة ليرجعوا اليه بنعمته فان لم يفعلوا ابتلاهم بالسراء والضراء لعلهم يرجعون لان مراده تعالى رجوع العباد اليه طوعا وكرها فالاول حال الاحرار والثانى حال الاغيار. قال داود بن رشيد من اصحاب محمد بن الحسن قمت ليلة فاخذنى البرد فبكيت من العرى فنمت فرأيت قائلا يقول يا داود انمناهم واقمناك فتبكي علينا فما نام داود بعد تلك الليلة كذا فى روضة الاخيار: قال في المثنوى شعر : درد بشتم داد حق تا من زخواب بر جهم هرنيم شب لابد شتاب تانخسبم جمله شب جون كاوميش دردها بخشيد حق ازلطف خويش تفسير : روى ان الله تعالى اوحى الى بعض انبيائه انزلت بعبدى بلائى فدعانى فماطلته بالاجابة فشكانى فقلت عبدى كيف ارحمك من شىء به ارحمك. ومن ظن انفكاك لطفه تعالى فذلك لقصور نظرة في العقليات والعاديات والشرعيات. اما العقليات فما من بلاء الا والعقل قاض بامكان اعظم منه حتى لو قدرنا اجتماع بلايا الدنيا كلها على كافر وعوقب فى الآخرة باعظم عذاب اهل النار لكان ملطوفا به اذ الله قادر على ان يعذبه باكثر من ذلك. واما العاديات فما وجدت قط بلية الا وفى طيها خير وحفها لطف باعتبار قصرها على نوعها اذ المبتلى مثلا بالجذام والعياذ بالله ليس كالاعمى وهما مع الغنى ليسا كهما مع الفقر واجتماع كل ذلك مع سلامة الدين امر يسير. واما الشرعيات فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : اذا احب الله عبدا ابتلاه فان صبر اجتباه وان رضى اصطفاه ". تفسير : وليخفف ألم البلاء عنك علمك بأن الله هو المبتلى اما عتبارا بان كل افعاله جميل او لانه عودك بالفعل الجميل والعطاء الجزيل.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {إذ}: معمول لاذكروا، و {فرعون}: اسم لكل من ملك القبط، كما أن قيصر اسم لمن ملك الروم، وكسرى اسم لمن ملك الفرس، واسم {فرعون} الذي كان في زمن موسى عليه السلام: "مصعب بن ريان"، وقيل: ابنه الوليد. وسَام يسُوم: طلب وبغى، يقال: سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً، وجملة {يسومونكم}: حال من {آل فرعون}، وجملة {يذبحون}: بيان لها. وسوء العذاب: أفظعه وأقبحه. يقول الحقّ جلّ جلاله: يا بني إسرائيل اذكروا نعمة أخرى أنعمت بها على أسلافكم، وأنتم عالمون بها، وذلك حين أنجيناكم من عذاب فرعون ورهطه، يولونكم أقبحَ العذاب وأشنعَه، كانوا يستعبدون رجالكم ونساءكم في مشاق الخدمة والمهنة، ولمّا أخبره الكهان أنه سيخرج منكم ولد يُخَرِّب ملكه، جعل يذبح ذكوركم ويترك نساءكم، وفي ذلكم محنة {مِن رَّبِّكُمْ} وابتلاء {عَظِيمٌ}، أو في ذلك الإنجاء اختبار من ربكم عظيم، فاذكروا هذه النعمة، وتحصنوا بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من محنة أخرى، ولا ينفع حذرٌ من قدر،{أية : وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرَاً مَّقْدُوراً}تفسير : [الأحزَاب: 38]. وبالله التوفيق. الإشارة: لكل زمان فراعين وجبابرة يقطعون الناس عن الانقطاع إلى الله والدخول إلى حضرة الله،{أية : ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : [الكهف: 104]، يقول الحقّ جلّ جلاله للذين تخلصوا منهم: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم بها؛ حيث أنجيتكم من فراعين زمنكم، {يسومونكم سوء العذاب}؛ وهو البقاء في غم الحجاب، والانقطاع عن الأحباب، يقتلون ما ربيتم من اليقين في قلوبكم والمعرفة في أسراركم، ويستحيون شهواتكم وحظوظكم، {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}. قال تعالى:{أية : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ...}تفسير : [الأنعَام: 116]. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق.
الطوسي
تفسير : هذه الآية عطف على ما تقدم من قوله {اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} فـ "إذا" ها هنا متعلقة بذلك كأنه قال اذكروا نعمتي عليكم اذ نجيناكم من آل فرعون ونظيره {أية : وإلى ثمود أخاهم صالحاً} تفسير : لما تقدم ما يدل على {أرسلنا} وهو قوله: {أية : لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه} تفسير : فكأنه قال: وارسلنا إلى ثمود اخاهم صالحاً والخطاب وان كان متوجهاً إلى الحاضرين في الحال، فالمراد به من سلف لهم من الآباء. كما يقول القائل: هزمناكم يوم ذي قار، وقتلناكم يوم الفجار وانما يعني الاسلاف. قال الاخطل يهجو جريراً: شعر : ولقد سما لكم الهذيل قتالكم باراب حيث يقسَّم الانفالا تفسير : وجرير لم يلحق هذيلا ولا ادرك اراب. وقد بينا ان النعمة على الآباء نعمة على الاولاد، فلا وجه لأعادته. اللغة: ومعنى {نجيناكم} فالنجاة، والسلامة، والاسعاد، والتخلص نظائر. وضد النجاة الهلاك تقول: نجا ينجو نجاة. وانجاه الله: إنجاء ونجاه تنجية. وانتجوا انتجاء واستنجى استنجاء، وتناجوا تناجياً. قال صاحب العين: نجا ينجو نجاة في السرعة فهو ناج: اي. سريع وناقة ناجية اي سريعة وتقول نجوت فلاناً اي استنكهته قال الشاعر: شعر : نجوت مجالدا فوجدت منه كريح الكلب مات حديث عهد تفسير : ونجا بنو فلان اذا احدثوا ذنباً او غيره، والاستنجاء: التنظيف بمدرأ وماء. والنجاة هي النجوة من الارض وهي التي لا يعلوها السيل. قال الشاعر: شعر : فمن بنجوته كمن بعقوته والمستكن من يمشي بقرواح تفسير : والنجو: السحاب اول ما ينشا وجمعه نجاء: والنجوة: ما خرج من البطن من ريح وغيرها. والنجو: استطلاق البطن يقال: نجا فلان نجوا والنجو: كلام بين اثنين كالسر والسار. تقول ناجيتهم فتناجوا بينهم، وكذلك انتجوا وهم جميعاً نجوى وكلامهم نجوى، وفلان نجّي فلان اي يناجيه دون غيره، قال الشاعر: شعر : إنى اذا ما القوم كانوا انجيه واضطرب القوم اضطراب الارشيه تفسير : والنجا: ما القيته عن نفسك من ثياب او سلخته عن الشاة تقول: نجوت الجلد انجوه نجا اذا كشطته ونجوت العود اي اقتضبته وقال بعض المفسرين في قوله: {أية : فاليوم ننجيك ببدنك} تفسير : أي نلقيك على نجوة. وأصل الباب: النجوة وهي الارتفاع. والفرق بين النجاة وبين التخلص ان التخلص قد يكون من تعقيد ليس باذى وليس كذلك النجاة، لأنها لا تكون الا من مكروه وكل نجاة: نعمة ولا يقال: لمن لا خوف عليه نجا، لأنه لا يكون ناجياً الا مما يخاف مثله. قوله {من آل فرعون} فالآل، والأهل، والقرابة، نظائر، وقيل اصل الآل الأهل، لأنه يصغر اهيل: وحكى الكسائي: اويل فزعموا انها ابدلت. كما قالوا: ايهات وهيهات. وكما قالوا ماء واصلها ماه بدليل قولهم مويه في التصغير. وفي الجمع: امواه ومياه. وقيل: لابل أصل على حياله: والفرق بين الآل والأهل ان الأهل اعم منه يقال أهل الكوفة ولا يقال آل الكوفة. ويقال أهل البلد ولا يقال آل البلد. وآل فرعون: قومه واتباعه وقال صاحب العين: الآل كل شيء يؤول إلى شيء: اذا رجع اليه تقول: طبخت العصير حتى آل إلى كذا. واولى كلمة وعيد على وزن فعلى والآل: السراب وآل الرجل: قرابته وأهل بيته. وآل البعير: الواحه، وما اقترب من او طار جسمه. وآل الخيمة عمدها. والآلة: شدة من شدائد الدهر قالت الخنساء: شعر : سأحمل نفسي على آلة اما عليها وامّالها تفسير : وآل الجبل: اطرافه. ونواحيه، وقال ابن دريد آل كل شيء: شخصه. وآل الرجل: اهله. وقراباته. قال الشاعر: شعر : ولا تبك ميتا بعد ميت اجنه عليّ وعباس وآل ابي بكر تفسير : والآلة: الحربة وأصل الباب: الأول. وهو الرجوع. قال ابو عبيدة: سمعت أعرابياً فصيحاً يقول أهل مكة آل الله: فقلنا: ما تعني بذلك؟ قال: اليسوا مسلمين، والمسلمون آل الله؟ قال وقال: ليس يجوز ان ينصب رجلا من المسلمين. فيقول آل فلان. وانما يجوز ذلك للرئيس المتبع. وفي شبه مكة لأنها ام القرى. ومثل فرعون في الضلال واتباع قومه له فان جاوزت هذا فان آل الرجل اهل بيته خاصة فقلنا له: افيقول لقبيلته آل فلان. قال: لا إلا أهل بيته خاصة. وفرعون اسم لملوك العمالقة كما قيل: قيصر لملك الروم. وكسرى: لملك الفرس. وخاقان: لملك الترك. والاخشاذ: لملك الفراعنة وتبع: لملك التبابعة فهو على هذا بمعنى للصفة، لأنه يفيد فيه انه ملك العمالقة بنفس الصفة الجارية عليه وعلى غيره وقيل: ان اسم فرعون مصعب بن الريان، وقال محمد ابن اسحاق: هو الوليد بن مصعب. ومعنى قوله: {يسومونكم سوء العذاب} اي يولونكم سوء العذاب. اللغة: يقال سامه خطة خسفاً: اذا اولاه ذلك. قال الشاعر: شعر : ان سيم خسفاً وجهه تربدا تفسير : وقيل يجشمونكم سوء العذاب. والسوم، والتجشم، والتجمل، نظائر. يقال: سامه الشقة وجسّمه اياها وحمّله اياها بمعنى [واحد]. يقال: سام، يسوم، سوما. وساومه، واستامه، استياما. وتساوموا تساوماً. وسوم تسويماً. والسوم سومك سامة ومنه المساومة والاستيام. والسوم من سير الابل. وهبوب الرياح اذا كان مستمراً في سكون. يقال: سامت الرياح. وسامت الابل وهي تسوم سوما والسوام هي الغنم السائمة. واكثر ما يقال ذلك في الابل خاصة، والسائمة تسوم الكلأ سوما: اذا داومت رعيه. والراعي يسيمها والمسيم الراعي. والسويم: العلامة على الجبل يقال: سوم فلان فرسه: إذا اعلم عليه بحريرة او شيء يعرف به والسما: في الأصل ياء وهاء وواو وهي العلامة التي يعرف بها الخير والشر في الانسان ومنه قوله: {أية : سيماهم في وجوهم}تفسير : {أية : وتعرفهم بسيماهم}تفسير : وقوله: {أية : يعرف المجرمون بسيماهم} تفسير : ويقال سيماء الخير وسمت فلانا سوء العذاب من المشقة. وقال ابن دريد سام الرجل ماشيته يسومها سوماً اذا وعاها فالماشية سائمة والرجل مسيم ولم يقولوا سام خرج من القياس. وأصل الباب: السوم الذي هو ارسال الابل في المرعى وقوله: {سوء العذاب} {وأليم العذاب} {وشديد العذاب} نظائر. يقال: ساءه يسوءه سوء واساء اساءة قال صاحب العين: السوء اسم العذاب الجامع للآفات والداء تقول سؤت فلانا اسوءه مساءة ومسائية: وتقول اردت مساءتك ومسائتيك واسأت اليه في الصنع واستاء فلان من السوء. كقوله: اهتم من الهم وسؤت فلانا وسوءت له وجهه. وتقول لساء ما صنع والسيء والسيئة اسم الخطيئة والسوأى فعلى اسم للفعلة السيئة بمنزلة الحسنى وامرأة سوء قبيحة والسوءة السوأى للفعلة القبيحة يقال للرجل السوء. والسوأة الفرج لقوله: {أية : فبدت لهما سوأتهما} تفسير : والسوأة كل عمل يشين، تقول سوأة لفلان، تعيبه لأنه ليس بخير والسوأة السؤى: المرأة المخالفة، وتقول في النكرة رجل سوء فاذا عرفته قلت: الرجل السوء لا تضيفه. وتقول عمل سوء وعمل السوء. ورجل صدق ولا تقول الرجل الصدق لأن الرجل ليس من الصدق. وكلما ذكر بسيء فهو السوء. ويكنى عن البرص بالسوء. كقوله: {أية : بيضاء من غير سوء}.تفسير : أي من غير برص. وتقول: الأخير في قول السَّوء ولا في قول السُّوء. فاذا فتحت السين فعلى ما وصفناه. واذا ضممته فمعناه لا تقل سوء. وأصل الباب: السوء من قولك: ساء يسوء سوًء، ثم كثر حتى صار علماً على الضر القبيح، فقالوا اساء يسيء اساءة. نقيض احسن يحسن احسانا. وقوله: {يذبحون أبناءكم}. اللغة: فالذبح، والنحر، والشنق: نظائر والذبح: فري الاوداج: يقال ذبح ذبحا واستذبح استذباحا، وتذابحوا تذابحا. وذبح تذبيحاً وأصل الذبح الشق وذبحت المسك اذا فتقت عنه، فهو ذبيح ومذبوح والذبح: الشيء المذبوح لقوله: {أية : وفديناه بذبح عظيم}تفسير : والذباح والذبحة بفتح الباء وتسكينها، داء يصيب الانسان في حلقه. وتقول العرب: حي الله هذه الذبحة. اي هذه الطلعة. والذباح: الشقوق في الرجل اصله: ذباح في رجله. والذبح نور أحمر. وسعد الذابح: كوكب معروف من منازل القمر. قال صاحب العين: الذبح: قطع الحلقوم من باطن. وموضعه المذبح والمذبح السكين الذي يذبح به الذباح والذباح. نبات من الشجر قال الاعشى: شعر : "انما قولك صاب وذبح" تفسير : وقال آخر: شعر : "كان عيني فيها الصاب مذبوح" تفسير : وأصل الباب الشق. قوله: {يستحيون نساءكم} إنما قال نساءكم وهم كانوا لا يستبقون الاطفال من البنات تغليباً، لأنهم كانوا يستبقون الصغار والكبار كما يقال: أقبل الرجال وإن كان معهم صبيان، وقيل إن اسم النساء يقع على الكبار والصغار، وقيل: انهم سمعوا بذلك على تقدير انهن يبقين حتى يصرن نساء. والمرأة والنساء والزوجات، نظائر. ولا واحد للنساء من لفظه. ويقال: الرجال والنساء على وجه النقيض. قال صاحب العين: النسوة، والنسوان، والنسين، كل ذلك مثل النساء. قوله: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} البلاء، والاحسان، والنعمة، نظائر في اللغة. وبلى، بلى بلىً فهو بال والبلاء لغة. قال الشاعر: شعر : والمرء يبليه بلاء السربال تناكر الليالي واختلاف الأحوال تفسير : والبلية الدابة التي كانت تشد في الجاهلية عند قبرصا حبها راسها في الركبة حتى تموت. ومنها ما يعقر عند القبر حتى يموت وناقة بلو مثل نضو قد أبلاها السفر. والفعل من البلية. ابتليت وتقول: بلى الانسان وابتلى. والبلاء على وجهين في الخير والشر. والله تعالى يبلي العبد بلاء حسناً. وبلاء سيئاً. وابليت فلاناً عذراً أي بليت فيما بينه وبيني بما لا لوم علي بعده. والبلوى: هي البلية، والبلوى التجربة. تقول بلوته بلوى. وأصل الباب التجربة. والبلاء: الامتحان الذي فيه انعام. والبلاء، الامتحان الذي فيه انتقام، فاذا اردت الانعام، قلت: ابليته بلاء حسناً. وفي الاختيار: تقول بلوته بلاء. قال الله تعالى: {أية : ونبلوكم بالخير والشر فتنة} تفسير : وقال في الانعام: {وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً} قال زهير: شعر : جزى الله بالاحسان ما فعلا بكم وابلاهما خير البلاء الذي يبلو تفسير : فجمع المعنين لأنه اراد: وانعم عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده، وقال الأحنف: البلاء ثم الثناء، يعني الانعام، ثم الشكر، المعنى: وإنما كان في استحياء النساء محنة عليهم. وبلوى لهم، لأنهم كثيراً يستعبدون، وينكحن على الاسترقاق. فهو على رجالهن اعظم من قتلهن. وقيل: إنهن كن يستبقين للاذلال، والاستبقاء، محنة، كما ان من أحيي: للتعذيب فحياته نقمة. ومن احيي للتلذيذ فحياته نعمة. والأبناء جمع ابن. والمحذوف من الابن عند الاخفش الواو، لانها اثقل وهي بالحذف اولى. وقال الزجاج: يجوز أن يكون المحذوف ياء وواواوهما سيان ولا حجة في النبوة كما لا حجة في الفتوة. لقولهم فتيان قال: وقد جاء حذف الياء. كما في يد. كقولهم يديت اليه يدا. وفي دم قال الشاعر: شعر : فلو انا على حجر ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين تفسير : والقتل الذي هو فري الاوداج، او نقض بنية الحياة يقدر الواحد منا عليه وأما الموت بتسكين الحركة الحيوانية، او فعل ضد الحيوة عند من قال: لها ضد، فلا يقدر عليه غير الله. الاعراب: وموضع {يسومونكم سوء العذاب} يحتمل أمرين من الاعراب:- احدهما الاستئناف: فيكون موضعه رفعاً، كأنه قال: يسومونكم من قبل ذلك سوء العذاب. والثاني: ـ أن يكون موضعه نصباً على الحال من آل فرعون. والعامل فيه نجيناكم. و {يسومونكم سوء العذاب} كان بذبح الابناء واستحياء النساء. وقيل: باستعمالهم في الاعمال الشاقة. واستحياء النساء كان بان يستبقين. وقيل انه كان يفتش احياء النساء عما يلدن، وقيل: انهم كانوا يستحيون ان يلجوا على النساء في بيوتهن اذا انفردن عن الرجال صيانة لهم فعلى هذا يكون انعاما عليهن. وهذا بعيد من من اقوال المفسرين. والسبب في أن فرعون كان يذبح الابناء ويستحيي النساء ما ذكره السدي وغيره، أن فرعون رأى في منامه نارا اقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر. فاحرقت القبط وتركت بني اسرائيل، واخرجت مصر فدعى السحرة والكهنة والقافة. فسألهم عن رؤياه فقالوا: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه ـ يعنون بيت المقدس ـ رجل يكون على يده هلاك مصر. فامر بني إسرائيل الا يولد لهم غلام إلا ذبحوه. ولا جاريه الا تركت. وليس في الآية دلالة على سقوط القود عمن قتل غيره مكرها ولا القود على المكره ولا ان كان مختاراً غير مكره. فالقود عليه لأنه لم يجر لذلك ذكر: فان قيل اذا كانوا نجوهم والله انجاهم. ما المنكر أن يكون العاصي هو الذي عصى الله والله خلق معصيته؟ قيل: لا يجب ذلك. الا ترى انه يقال قد ينجيني زيد فانجو. وان لم يكن فعل بلا خلاف. وكذلك اذا استنقذنا النبي "صلى الله عليه وسلم" من الضلالة فخلصنا لا يجب ان يكون من فعل فعلنا. واخبار الله اليهود بهذه القصة على لسان رسوله من دلائل نبوته، لأن منشأه معروف وبعده عن مخالطة الكتابيين معلوم.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : لما قدّم تعالى ذكر نعمته على بني إسرائيل إجمالاً في قوله {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة:40]. بيَّن بعد ذلك تفصيل تلك النعم؛ ليكون أوقَع في التذكير، وأبلغ في الحجّة عطفاً عليه، كأنّه قال: "اذكروا نعمتي، واذكروا إذ أنجيناكم، وإذ فرَقنا بكم البَحر" كعطف جبرائيل، وميكائيل على الملائكة في قوله: {أية : وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} تفسير : [البقرة:98]. والإنجاء والتنجية بمعنى واحد وهو التخليص. ولهذا قرئ: {وَأَنْجَيْنَاكُمْ} ويقال للمكان المرتفع: "نَجْوة". لأنّ الصائر إليه ينجو من كثير من المضارّ، ولأنّ المكان العالي بائنٌ مما انحطّ عنه، فكأنّه متخلّص منه. وربما يفرق بينهما بأنّ الإنجاء يستعمل في الخلاص قبل وقوعه في المهلكة، والتنجية يستعمل في الخلاص بعد وقوعه في المهلكة. وفي الكشاف: "أصل "آل" أهْل. ولذلك يصغّر بأُهيل - ابدل هاؤه ألِفاً - وخصَّ استعماله بأهل الخطر والشأن كالملوك وأشباههم. ولا يقال: آل الأسكاف والحجّام". وحكى الكسائي: "اويل" فزعموا أنّها ابدلت، كما قالوا: "هيهات" و "ايهات". وقيل: "لا - بل هو أصلٌ بنفسه". وقال علي بن عيسى: "الأهل أعم من الآل. يقال: أهل الكوفة. وأهل البلد. وأهل العلم. ولا يقال: آل الكوفة. وآل البلد. وآل العلم". قال أبو عبيدة: "سمعت أعرابياً فصيحاً يقول: أهل مكة آل الله. فقلنا: ما تعني بذلك؟ قال: أليسوا مسلمين؟ المسلمون آل الله". وقال ابن دريد: "آل كلّ شيء شخصه. وآل الرجل أهله وقرابته". والظاهر الآل مأخوذ من الأوْل - وهو الرجوع - فكلّ من يَؤول إلى أحد بنسَبٍ أو قرابة جسمانيةٍ أو معنويّة فهو آله. وأهله: كلّ من يضمّه بيته. قال بعض الأفاضل: "آل النبي كلّ من يؤول إليه. وهم قسمان: الأوّل: من يؤول إليه مآلا صوريّاً جسمانيّاً، كأولاده ومن يحذو حذوهم من أقاربه الصوريين، الذي يحرم عليهم الصدقة. والثاني: من يؤول إليه مآلا معنويّاً روحانيّاً، وهم أولاده الروحانيّون من العلماء الراسخين، والأولياء الكاملين، سواء سبقوا بالزمان أو لحقوه. ولا شكّ أنّ النسبة الثانية آكد من الأولى، وإذا اجتمعت النسبتان كان نوراً على نور، كما في الأئمة المشهورين من العترة الطاهرة - صلوات الله عليهم أجمعين -. وكما حرم على الأولاد الصوريّين الصدقة الصوريّة، "حرم على الأولاد المعنويّين الصدقة المعنويّة، أعني تقليد الغير في العلوم والمعارف" انتهى كلامه تلخيصاً. وآل الخيمة: عَمَده. وآل السفينة: ألواحه. وآل الجبل: أطرافه ونواحيه. وفِرعون: اسم لملِك العَمالِقة. كما يقال لملِك الروم: قيصر، ولملِك القُرس: كِسرى، ولملك التُرك: خاقان، ولملك اليَمن: تبَّع. فهو على هذا بمعنى الصفة. ولعتوّهم اشتق منه "تَفرعَن الرجُل" إذا عَتى. ويقال لهم: الفراعنة. وقيل: إن اسم فرعون مصعب بن ريان، وقيل: هو ابنه، واسمه وليد ابن مصعب من بقايا عاد، وفرعون يوسف: ريّان، وكان بينهما أكثر من أربع مأة سنة. وقال وهب: "انهما واحد" وهو غير صحيح. وذكر ابن منبه: أنَّ أهل الكتابين قالوا: اسمه قابوس. وكان من القبط، وربما ينسب إلى العلم ويسمّى "افلاطون القِبط". وقال ابن اسحق: هو من أشدّ الفراعنة. {يَسُومُونَكُمْ} أي يبغونكم. من سامَه خسفاً إذا أولاه ظُلماً. وأصله من السوم، وهو الذهاب إلى طلب السلعة. {سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ}: أفظَعه، فإنّه يقبح بالقياس إلى سائره، وهو مصدر "ساء، يسوء". ونصبه على المفعول. والجملة حال من الضمير في {أَنْجَيْنَاكُمْ} أو من {آلِ فِرْعَونَ} لأنّ فيها ضمير كلّ منهما. واختلف أهل التفسير في العذاب الذي نجاهم الله تعالى منه، فقال بعضهم: ما ذكر في الآية وهو قوله: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} بياناً لـ {يَسُومُونَكُمْ} ولهذا لم يعطف. وقال بعضهم: إنّه جعلهم خولا وخدماً، وجعلهم في أعماله أصنافاً. فصنف كانوا يخدمونه، وصنْف يحرثون له، وصنْف يزرعون له، ومن لا يصلح منهم للعمل ضربوا عليهم الجزية. وكانوا مع ذلك يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساءهم ويدل عليه قوله تعالى في سورة إبراهيم: {أية : يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} تفسير : [إبراهيم:6]. فعطفه على ذلك دلالةٌ على التغاير. والمعنى: "يقتلون أبناءكم ويستبقون بناتَكم" أي يدعونهن أحياء ليستعبدن، وينكحونهن على وجه الاسترقاق وهذا أشدّ من الذبح. وإنّما لم يقل: "بناتكم" لأنّه سمّاهن بالإسم الذي يؤول حالهن إليه. وقيل: إنّما قال {نِسَآءَكُمْ} على التغليب، فإنّهم كانوا يستبقون الصغار والكبار منهن. وقرئ يذبحون - بالتخفيف -. وقيل: أراد بقوله: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} الرجال البالغين دون الأطفال، ليكون في مقابلة النساء لأنّهن البالغات، وذلك لأنّهم الذين يخاف منهم الخروج والتجمع دون الأطفال. وأكثر المفسرين على أن المراد بالآية الأطفال - دون الرجال - وهو أولى بوجوه من التأييد: لحمل اللفظ على ظاهره. وللشهرة. ولتعذّر قتل جميع الرجال على كثرتهم، ولحاجة فرعون وقومه إليهم في صنائعهم الشاقّة الصعبة قال السدّي: كان قد جعلهم في الأعمال القذرة الصعبة، ككنْس المبرَز، وعمل الطين، ونحْت الجبال ولأنّه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى (عليه السلام) في التابوت حال صِغَره معنى. وأمّا وجه مقابلة الأبناء مع النساء فقد مرّت الإشارة إليه، وهي أنَّ البنات لمّا لم يقتلن، ووصلْن إلى حدّ النساء، صحّ عليهنّ إطلاق النساء حقيقة ومجازاً، باعتبار ما يؤلن. وأمّا البنين فلما قتلوا حال الطفولية ولم يبلغوا لم يصح إطلاق الرجال عليهم لا في الحال، ولا بحسب المآل. فصل سبب قتل الأبناء، وسرّه لا بدّ في قتل الأبناء من سبب صوريّ داعٍ لفرعون عليه - لأنّه كان من العقلاء والعاقل لا يختار شيئاًً إلاّ لمرجّح باعتقاده - ومن سبب حِكمي، فإنّ الله تعالى لا يقضي بقتل طائفة إلاّ لحكمة: أمّا الأوّل فذكروا فيه وجوهاً: الأوّل: إنّ فرعون رأى في المنام كأن ناراً أقبلَت من بيت المقدس حتّى اشتملت على بيوت مصر، فأحرقتها وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل. فهالَه ذلك ودعا السحَرة والكهَنة، فسألهم عن رؤياه. فقالوا: إنّه يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال مُلكك وتبديل دينك. فأمَر فرعون بقتل كلّ غلام يولد في بني إسرائيل عن السدّي. الثاني: قول ابن عباس: إنّه وقع إلى فرعون وتبعته ما كان الله وعَد إبراهيم أن يجعل في ذريّته أنبياء ملوكاً. فخافوا واتّفقت كلمتهم على إعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل، فلا يجدون مولوداً ذكَراً إلاّ ذبَحوه. فلمّا رأوا أن كبارَهم يموتون وصغارهم يُذبحون فخافوا الفناء، فحينئذ لا يجدون من يباشر الأعمال الشاقّة، فصاروا يقتلون عاماً دون عام. فوُلد هارون في السَّنة التي لا يذبحون فيها فتُرك. وولد موسى في السَّنة التي يَذبحون فيها. الثالث: إنّ المنجمين أخبروا فرعون بذلك، وعيّنوا له السَّنة، فلهذا كان يقتل أبناءهم في تلك السَّنة. وخير هذه الأقوال أوسطها، لأنّ الذي يستفاد من علم التعبير، وعلم النجوم لا يكون أمراً مفصّلاً، وإلاّ قدح في كون الإخبار عن الغيب معجِزاً. بل يكون أمراً مجملا تخمينياً. والظاهر من حال الرجل العاقل أن لا يقدم على مثل هذا الأمر العظيم بسببه. فإن قيل: إنّ فرعون - مع كُفره - كيف أقدم على هذا الأمر بسبب اخبار إبراهيم (عليه السلام)؟ يقال: لعلّه كان عارفاً بالله، وبصدق رسُله، إلاّ انّه كان كافراً - كفرَ الجحود والعناد - أو كان شاكاً في دينه، مجوّزاً لصدق ذلك، ففعل ما فعَل احتياطاً. وأمّا الثاني: فقد أشار بعض أصحاب الكشف والمعرفة إلى هذه اللمّية بقوله في الفصّ الموسوي من كتابه المسمّى بفصوص الحكم: "حِكمةُ قَتل الأبناء من أجْل موسى (عليه السلام) ليعود إليه بالإمداد حياة كلّ من قُتل من أجْله، لأنّه قُتل على أنّه موسى - وما ثَمَّ جهل - فلا بدّ أن تعود حياته إلى موسى، أعني حياة المقتول من أجْله، وهي حياة طاهرة على الفطرة، لم تدنّسها الأغراض النفسيّة، بل هي على فطرة "بَلى"، فكان موسى مجموع حياة من قُتل على أنّه هو، فكلّ ما كان مهيّئاً لذلك المقتول ممّا كان استعداد روحه له كان في موسى (عليه السلام)، وهذا اختصاص إلهيّ بموسى لم يكن لأحد قبله" - انتهى كلامه -. واعلم أنَّ أرواح الكمّل من الأنبياء والأولياء كلّية لا بمعنى أنها مفهومات كلّية بل بمعنى أنّ كلاّ منها مع شخصيّته ووحدته، له مقام جمعي، يجمع شؤونات الأفراد، لقوّة وجوده، وكماله، وتمامه، فالوجود كلّما قرُب إلى الوحدة الجمعيّة الإلهيّة، صار أكثر حيطةً، وأجمع أعداداً، كما أنَّ الإنسان الواحد له نفسٌ واحدة جامعة لجميع القُوى النباتيّة والحيوانيّة، وذلك لأنّ وجودها أعلى مرتبة من وجود النفوس النباتيّة والحيوانيّة، فيحيط بها، ويستحفظها، ويستخدمها. وكذلك حال أرواح الأنبياء بالقياس إلى أرواح أُممهم. فإذا وقَع في العالَم وباء، أو موتان. أو قتل عام، يحدث عند ذلك شخص عظيم من عظماء النبوّة، أو المُلك، أو الحِكمة، لرجوع قُوى نفوسهم إلى قوّة نفس واحدة، كما إذا وقع فساد في بعض القُوى الحسّاسة والمحركة في الإنسان، يرجع قوّته إلى ما سواه من القُوى بالإمداد والجمعيّة، بل الوجود كلّه من عين واحدة - يُجمع تارةً ويُنتشر أُخرى -. فهذه هي الحكمة التي ذكَروها في هذا المقام. قال الشيخ العطار: شعر : صد هزاران طفل سر ببريده شد تاكليم الله صاحب ديده شد تفسير : قال بعض المحقّقين: "اعلم أنّ التعينّات اللاحقة للوجود بعضها كلّية معنوية كالتعيّنات الأوليّة اللاَّحقة للوجود بحسب الفطرة الأولى، وهي التي يتعيَّن بها أسماءُ الله الحُسنى أوّلاً، سواء كانت جنسيّة أو نوعيّة، وبعضها شخصيّة كتعيّنات الطبائع النوعية الواقعة بحسب الفطرة الثانية في عالَم الحركات، وهي التي منشؤها اختلاف العوارض، والاستعدادات اللاَّحقة للإعداد من جهة استعداد المواد. والتعيّنات الأوّلية تقتضي في عالَم الأرواح حقائق روحانيّة مجرّدة، وطبائع كلّية، وأوّلها وأقدَمها التعيّن الأوّل، والمسمّى بالعقل الأول، وامّ الكتاب والقلَم الأعلى، والنور المحمّدي، لقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : أوّل ما خلَق الله العقل" تفسير : وقوله (صلى الله عليه وآله): "حديث : أوّل ما خلَق الله نوري ". تفسير : وهو يتفصّل بحسب التعيّنات والتنزّلات الأوّلية الروحانيّة إلى العقول السماوية، والأرواح العلويّة، والكرّوبيين، وأرواح الكمّل من الأنبياء والأولياء (عليهم السلام). فالعقل الأوّل تعيّن كلي، يشمل جميع هذه التعيّنات، التي كلّ منها أيضاً كليّ بالإضافة إلى ما دونها، ويمدّها ويُفيض عليها النور والحياة، وقياس احاطته الوجوديّة لتلك العقول والأرواح الكلّية، كقياس الإحاطة العموميّة لجنس الأجناس بالنسبة إلى سائر الأجناس والأنواع التي تحته. وقد علمت أنَّ الكلّية في هذا المقام تُستعمل بمعنى آخر، فلا تخلط ولا تخبط، فإنّ الأرواح المتعيّنة بالتعيّنات الكلّية الأسمائيّة، من المجردات العقلية، والنفوس الملكيّة، والفلكيّة، والأرواح النبويّة، ممدّات ومفيضات لِما تحتها من الأرواح الجزئيّة، المتعيّنة بالتعيّنات البشريّة، وحاكمة عليها، وسائسة لها سياسة الأنبياء (عليهم السلام) أُممها. فنفوس الأَمم بالنسبة إليها كالقُوى الجسمانيّة، والنفسانيّة، بالنسبة إلى أرواحنا المدبّرة لأبداننا. وإذا تقرّر هذا فنقول: أرواح الأنبياء هي المتعيّنة بالتعيّنات الكلّية في الصفّ الأول، وأرواح أُممهم - بل كثير من الملائكة والأرواح والنفوس الفلكيّة - كالقُوى، والأعوان، والخدم بالنسبة إليهم. ومن هذا يُعرف سجود الملائكة لآدم أبي البشر (عليه السلام)، وسرّ طاعة الجن والإنس لسليمان (عليه السلام)، وسرّ امداد الملائكة لمحمّد (صلى الله عليه وآله) في قوله: {أية : أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاَثَةِ آلاَفٍ مِّنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ} تفسير : [آل عمران:124]. فعلى هذا كانت الأبناء الذي قُتلوا في زمان ولادة موسى (عليه السلام)، هي الأرواح التي كانت تحت حيطة روح موسى (عليه السلام)، وفي حكم أُمّته، وأعوانه، وخدمه. فلما أراد الله تعالى اظهار آيات الكلمة الموسويّة، ومعجزاتها، وحكمها، وأحكامها، قدّر الأسباب العِلوية والسِّفلية من الأوضاع الفلكيّة، والحركات العلويّة، المعدّة للموادّ السفليّة، والامتزاجات العنصريّة، وكان علماء القِبط، وحكماؤهم، أخبَروا فرعون وقومه، أنّه يولد في هذا الزمان مولود من بني إسرائيل، يكون هلاك فرعون، وذهاب مُلكه على يده. فأمَر فرعون بقتل كلّ من يولد في هذا الزمان من الأبناء، حذَراً ممّا قضى الله تعالى وقدّر، ولم يعلم أن لا مردّ لقضائه، ولا معقّب لحكمه. فكان ذلك سبباً لاجتماع تلك الأرواح في عالَمها، وانضمامها إلى روح موسى، وعدم تفريقها، وانبثاثها عنه بالتعلّق البدني، فيتقوّى بهم، ويجتمع فيه خواصّهم. وكلّ ذلك اختصاص من الله لموسى، فما ولد موسى إلاّ وهو مجموع أرواح كثيرة باتّصال تلك الأرواح متوجّهة إليه بمحبّتها، ونوريّتها، خادمة له، ولهذا كان محبوباً إلى كلّ من يراه، لنوريّته، بتشعشع أنوار تلك الأرواح منه" انتهى كلامه. أقول: ولا يتوهمنّ أحد أنَّ المراد من هذا الكلام أنّ أرواح المواليد المقتولين انتقلت بعد القتل، وصارت بعينها مجتمعة في عالَم الأرواح، وحصَل من اجتماعها روح موسى (عليه السلام) - كما يوهمه ظاهر الكلام - فإنّ ذلك ليس بصحيح، إذ الأرواح ليست كالأجسام - تقبل الافتراق والاجتماع - وأيضاً انتقالها من أبدانهم إلى بدن موسى (عليه السلام) يقتضي التناسخ، وهو مستحيل عندنا. بل الغرض أنَّ القوّة النوريّة الفائضة من الله تعالى بوساطة الأسباب العلويّة، المنبسطة على المواد ّالعنصريّة في كلّ زمان، كأنّها مبلغ واحدٌ قوّة وشدّة، لا كميّة ومقداراً. وهذه القوّة إذا صادفت قوابل كثيرة، واستعدادات مختلفة متفنّنة، انصرفت بإذن الله إليها، وتفرّقت تفرّقاً معنويّاً حسب تفريق الموادّ الصالحة لها، وإذا بطلت الموادّ الكثيرة، ورجعت قواها، وأرواحها الجزئية إلى عالَمها ومرجعها، ثُمّ حصل في الوجود قابل صالح لفيَضان تلك القوّة النوريّة الوجوديّة، انصرفت بكليّتها إليه، فصارت القوّة الفائضة كأنّها مجموع تلك القُوى والأرواح، لا أنّها هي هي بعينها من حيث هويّاتها المتعيّنة الشخصيّة وإلاّ لزم التناسخ كما علمت. فصل قوله تعالى: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} {بَلاۤءٌ} أي محنة، إن اشير بـ "ذلكم" إلى صنيعهم مِن قتْل الأبناء، واستحياء النساء، لما في كلّ منهما من المحنة العظيمة. أو نعمة، إن اشير به إلى الإنجاء من الله. وأصل البلاء الاختبار، لكن لمّا كان اختبار الله عبادة تارةً بالمحنة، وتارة بالمنحة، أُطلق على كليهما. فالمراد من {بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ} إمّا بتسليط فرعون وقومه عليكم. وإمّا ببعث موسى وتوفيقه لتخليصكم بإيحاءِ الله إليه للإنجاء. و {عَظِيمٌ} صفةُ بلاء. وقيل: في هذه الآية تنبيه بليغ للعبد المؤمن على أنّ ما يصيبه من خير أو شرٍّ فهو اختبار من الله تعالى، فعليه القيام بالشكر على مسارّه، وبالصبر على مضارّه، ليكون من خير المختبَرين، وحاله أحسن الحسنين. وإيّاه والغرور بالمسارّ، والشكاية من المضارّ، ليكون شرّ المختبرين، وحاله أقبح القبيحين.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم} اذكروا اذ نجّينا اسلافكم {مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} من سامه الامر كلّفه وقلّما يستعمل فى غير الشّرّ والمراد بسوء العذاب الاعمال الشّاقّة الخارجة عن الطّاقة كانوا يأمرونهم بنقل الطّين واللّبن على السلالم مع ان كانوا يقيّدونهم بالسّلاسل او قوله تعالى {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} بيانٌ لسوء العذاب كانوا يقتلون الذّكور من اولاد بنى اسرائيل طلباً لقتل من أخبر الكهنة والمنجّمون بأنّ خراب ملك فرعون بيدهم وجعل الله رغم أنفه تربية موسى بيده {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} يستبقون بناتكم للاسترقاق بقرينة المقابلة لذبح الابناء او يفتّشون حياء نسائكم يعنى فروجهنّ لتجسّس العيب كالاماء او لتجسّس الحمل، وروى انّه ربّما كان يخفّف العذاب عنهم ويسلم ابناؤهم من الذّبح وينشؤن فى محلٍّ غامضٍ ويسلم نساؤهم من الافتراش بما أوحى الله الى موسى (ع) من التّوسّل بالصّلاة على محمّد (ص) وآله (ع) الطّيّبين {وَفِي ذَلِكُمْ} الانجاء او سوم العذاب او المذكور من الانجاء وسوم سوء العذاب {بَلاۤءٌ} نعمة او نقمة او امتحان بالنّعمة والنقمة كليهما {مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} والمقصود تذكير بنى اسرائيل بالبلاء العظيم الّذى ابتلى به اسلافهم وتخفيفه بالصّلاة على محمّدٍ (ص) وآله (ع) الطّيّبين ليتنبّهوا انّ من كان التّوسّل بأسمائهم والصّلاة عليهم رافعاً لعذابهم ومورثاً لنجاتهم وبركاتهم فالتّوسّل بأشخاصهم (ع) كان اولى فى ذلك وتنبيه الامّة على شرافة محمّد (ص) وآله (ع).
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} أي: شدة العذاب، وتفسير يسومونكم أي: يذيقونكم سوء العذاب {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} فلا يقتلونهن {وَفِي ذَلِكُم بَلاَءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} أي نعمة من ربكم عظيمة إذ نجاكم منهم. قوله: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} يَعني حين جازوا البحر {فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} يعني أَوَّليهم. وقال بعضهم: وأنتم تنظرون كأنَّمَا عهدكم بهم أمس. قوله: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ} أي لأنفسكم. {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: لكي تشكروا. يعني التوبة التي جعلها الله لهم، فقتل بعضهم بعضاً فغلَّظ عليهم في المتاب. قوله: {وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} الكتاب التوراة، والفرقان حلالها وحرامها. {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}. يقول: لكي تهتدوا بالكتاب وبالحلال والحرام. قوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} أي: إلى خالقكم {فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ} أي خالقكم {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. ذكروا أن موسى عليه السلام لما قطع البحر ببني إسرائيل، وأغرق الله آل فرعون، قالت بنو إسرائيل لموسى: يا موسى، ايتنا بكتاب من عند ربنا كما وعدتنا، وزعمت أنك تأتينا به إلى شهر. فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً لينطلقوا معه. فلما تجهّزوا قال الله لموسى: أخبر قومك أنك لن تأتيهم إلى أربعين ليلة، وذلك حين أتممت بعشر، وهي ثلاثون من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة. قال الحسن: كانت أربعين من أوّل؛ يقول: (أية : وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً) تفسير : [الأعراف: 142] وبعدها عشراً، كقوله: (أية : فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) تفسير : [البقرة: 196]. قال الكلبي: فلما خرج موسى بالسبعين أمرهم أن ينتظروا في أسفل الجبل. وصعد موسى الجبل فكلّمه ربه، وكتب له في الألواح. ثم إن بني إسرائيل عدّوا عشرين يوماً وعشرين ليلة فقالوا: قد أخلَفَنَا موسى الوعد. وجعل لهم السامري العجل (أية : فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى) تفسير : [طَهَ:88] فعبدوه. قال الكلبي: فبلغنا ـ والله أعلم ـ أن الله قال عند ذلك: يا موسى إن قومك قد عبدوا من بعدك عجلاً جسداً له خوار. فرجع موسى إلى قومه ومعه السبعون، ولم يخبرهم موسى بالذي أحدثت بنو إسرائيل من بعده بالذي قال له ربه. فلما غشي موسى محلّة قومه سمع اللغط حول العجل، فقال السبعون: هذا قتال في المحلَّة. فقال موسى ليس بقتال، ولكنه صوت الفتنة. فلما دخل موسى ونظر ما يصنع بنو إسرائيل حول العجل غضب، وألقى الألواح فانكسرت، فصعد عامة ما فيه من كلام الله. (أية : وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) تفسير : [الأعراف:150] فقال له هارون: (أية : يَا ابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِيَ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) تفسير : [طه:94]. فأرسله موسى وأقبل على السامري وقال: ما خطبك يا سامري؟ ولم صنعت ما أرى؟ قال: بصرت بما لم يبصروا به، يعني بني إسرائيل. قال: وما الذي بصرت به؟ قال: رأيت جبريل على فرس، فألقي في نفسي أن أقبض من أثره قبضة، فما ألقيت عليه من شيء كان له روح ودم. فحين رأيت قومك سألوك أن تجعل لهم إلهاً فكذلك سوّلت لي نفسي أن أصنع إلهاً، ثم ألقي عليه القبضة فيصير ربّاً لبني إسرائيل، فيعبدونه بين ظهرانيهم. فغضب موسى فأمر بالسامري أن يخرج من محلّة بني إسرائيل ولا يخالطهم في شيء، فأمر بالعجل فذبح ثم أحرقه بالنار. فمن قرأ (أية : لَّنُحَرِّقَنَّهُ) تفسير : [طه:97] فهو يريد لنبردنه ومن قرأها {لَّنُحَرِّقَنَّهُ} فهو يريد لنحرّقنه بالنار. وهي أعجب القراءتين إلي، لأن الحريق للذهب الذي لا تحرقه النار آية عجيبة لموسى. فسلّط الله عليه النار فأحرقته فلما أحرقته النار ذراه موسى في اليم، وهو البحر. ثم أتاهم موسى بكتاب ربهم فيه الحلال والحرام والحدود والفرائض. فلما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا فيما أتيتنا به، فإن العجل الذي حرّقته كان أحبّ إلينا مما أتيتنا به، فلسنا قابليه ولا آخذين ما فيه. فقال موسى: يا رب، إن عبادك بني إسرائيل ردّوا كتابك، وكذّبوا نبيّك، وعصوا أمرك. فأمر الله الملائكة فرفعوا الجبل، فغشوا به بني إسرائيل، حتى أظلوا به عسكرهم، فحال بينهم وبين السماء. فقال موسى: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل فيشدخكم. فقالوا: سمعنا وعصينا. أي: سمعنا الذي تخوّفنا به، وعصينا الذي تأمرنا به. ثم أخذوا الكتاب، ولم يجدوا بداً من أخذه. ورفع عنهم الجبل. فنظروا في الكتاب، فبين راض وكاره، ومؤمن وكافر. يقول الله: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: لكي تشكروا. فندم القوم على ما صنعوا وعاتبهم موسى وعيَّرهم بالذي صنعوا، وقال: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتِّخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم، أي إلى خالقكم. فقالوا: كيف التوبة يا موسى؟ قال: فاقتلوا أنفسكم، يعني يقتل بعضكم بعضاً. ذلكم، أي: المتاب، خير لكم عند خَالِقكم. قالوا: قد فعلنا يا موسى. فأخذ عليهم العهد والميثاق: لتصبرنَّ للقتل ولترضَوُنَّ به. قالوا: نعم. قال: فأَصبِحوا في أفنية بيوتكم، كل بني أب على حدتهم، ففعلوا. فأمر موسى السبعين الذين لم يكونوا عبدوا العجل من بني إسرائيل أن يأخذوا السيوف ثم يقتلون من لقوا. ففعلوا، فمشوا في العسكر، فقتلوا من لقوا. فبلغنا ـ والله أعلم ـ أن الرجل من بني إسرائيل كان يأتي قومه في أفنية بيوتهم جلوساً فيقول: إن هؤلاء إخوانكم أتوكم شاهرين السيوف، فاتقوا الله واصبروا، فلعنة الله على رجل حل حبوته، أو قام من مجلسه، أو أحدَّ إليهم طرفاً، أو اتَّقاهم بيد أو رجل، فيقولون: آمين. فجعلوا يقتلون من لَقُوا. ثم نزلت الرحمة من الله فرفع عنهم السيف وتاب الله عليهم. [وذلك قوله]: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}. وكانت قتلاهم ـ فيما بلغنا، والله أعلم ـ سبعين ألفاً. وقال بعض المفسرين: أمروا أن ينتحروا بالشِّفار. فلما بلغ الله فيهم نقمته سقطت الشفار من أيديهم، فكان للمقتول شهادة، وللحي توبة.
اطفيش
تفسير : {وإِذ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آل فِرْعَوْنَ}: معطوف على {نعمتى} أو على {أنى فضلتكم} المعطوف على نعمتى فهو أيضاً فى المعنى على هذا الوجه معطوف على نعمتى، والعطف عطف خاص على عام، أى اذكروا نعمتى وتفضيلى إياكم، ووقت تنجيتنا إياكم من آل فرعون. ويقدر مضاف أى من أيديهم أو من تملكهم أو من استخدامهم أو من عذابهم، وهو الذى يدل عليه ما بعده، وقرئ {أنجيناكم}، وقرئ{أنجيتكم}، وقرئ {نجيتكم}، وأصل آل أهل عند سيبويه بدليل تصغيره على أهيل قلبت الهاء همزة فاجتمعت همزتان أولاهما مفتوحة وأخراهما ساكنة فقلبت الأخرى ألفاً، وإنما قلبت الهاء همزة مع أن الهمزة أثقل من الهاء، لأنها إذا قلبت همزة قلبت الهمزة ألفاً والألف أخف من الهاء، فلا يعترض بأن يقال كيف يبدل الخفيف بالثقيل، ولا بأن يقال الهاء لا تقلب ألفاً، ويبحث فى ذلك بأنا لا نسلم أن أهيلا تصغير آل، بل تصغير أهل، اللهم إلا أن يقال إن الأوائل قد سمعوا من العرب أن تصغير آل أهيل، أو يقول قائل: جاء آل، فيجيبه أحد من العرب ما أهيلك، تحقيراً لآله ونحو ذلك مما يعلم به أن تصغير آل، ولو فتحنا باب التعرض لأئمة النقل فى طلب تصحيح نقلهم لم يبق اعتماد على ما فى الكتب ولا التعويل عليهم، ولا يتعرض لذلك إلا الواجب يعارض، وإلا لم يفد فائدة، وقد قال الشيخ خالد: سمع تصغير آل على أهيل، وتصغير على أويل والأول أشهر وأكثر. وإن قلت: قد استبعدت إبدال الهاء همزة إلا لعلة صيرورتها إلى خفة بقلب الهمزة هاء، وقد أبدلت همزة وبقيت الهمزة فى ماء وشاء. قلت لما ضعف ماء وشاء بإعلال العين قويا بإبدال لامهما وهو هاء وهمزة باقية، لأن الهمزة أقوى، وإنما لم تقلب الهاء فى آل ألفاً من أول الأمر لأن الهاء لم يعهد قلبها ألفاً، وأما قول السعد: إنها هاء قلبت وهى ثقيلة ألفاً وهى خفيفة فحصل له النقص بهذا، فكان لا يوضع إلا الذى شرف جبراً لذلك النقص، فالمراد به ضرورة هائه ألفاً بواسطة صيرورتها همزة أولا، وقال الكسائى: أصل آل أول بفتح الواو وغير مشددة قلبت ألفاً وهو من آل يؤول إذا رجع إليه بقرابة أو بدين أو نحو ذلك، وإنما قلبت ألفاً لتحركها بعد فتحة، واستدل الكسائى بتصغيره على أويل، وسمع هو بعض العرب الفصحاء يقول: آل وأويل وأهل وأهيل، وأقول إذا تقرر أنه سمع تصغير آل على أهيل وعلى أويل كما مر عن الشيخ خالد جاز أن تقول له أصلان أهل وأول، فباعتبار الأول يصغر على أهيل، وباعتبار الثانى يصغر على أويل، وتقدم أن الأوائل نقلوا تصغيره على أهيل فحملناهم على أنهم علموا من كلام العرب بقرائن أنه ورد أهيل تصغير لآل، وإن قلت فى الاستدلال بالتصغير دور لأن المصغر فرع المكبر وقد توقف العلم بأصالة الواو أو الهاء المكبر على أصالته في المصغر، قلت: توقف فرعية ألف فى آل على الهاء أو الواو فى أهيل أو أويل توقف وجود، وتوقف أصالة الهاء أو الواو على ذلك توقف فاختلف جهة التوقف فانتفى الدور، وإن قلت كيف يكون أصل آل أهلا والأهل من معنى القرابة والآل لا يختص بها؟ قلت: قابل ذلك يقول معناهما واحد قيل أو أراد بالأهل الذى هو أصل آل لفظ الذى أهل الذى هاؤه عن واو من آل يؤول، قلبت واوه هاء لتقارب مخرجهما، ولا نسلم تقاربهما، ولا يضاف غالباً إلا إلى الظاهر جبراً للنقص الحاصل له بإبدال هائه ألفاً بواسطة إبدالها همزة، كما لا يضاف إلا لشريف لذلك سواء كان الشرف دينياً أو دنيوياً تحقيقاً أو ادعاء مطلقاً أو نسبياً، ولا ينافي تصغيره كونه للشريف لأن التصغير يكون للتعظيم كما للتحقير، ولأن التحقير بنسبة لا ينافى التعظيم بأخرى، لأن الشرف إنما هو للمضاف إليه ولا يلزم شرف المضاف بشرف المضاف إليه، بل إنما يلوح فى بعض المواضع إلى شرفه بشرف المضاف إليه تلويحاً لا لزوماً، وإنما يضاف إلى معرف مذكر عالم، وسمع الأخفش آل المدينة وآل البصرة ومما سمعوه آل البيت وآل الصليب وآل فلانة، وذلك شاذ. وفرعون لقب لكل من ملك مصر قبل الإسلام، وقيل لكل من ملك العمالقة. وقد يجمع بينهما بأنه سمى فرعون لكونه ملك العمالقة، ولما سمى بذلك وكان مليكاً فى مصر سمى باسمه كل من يخلفه فى ملك مصر، وقيل فرعون اسم موضوع من أول الأمر لا لقب. قال السعد: يشبه أن يكون مثل فرعون وقيصر وكسرى من علم الجنس، ولذا منع الصرف ولكن جمعهُ باعتبار الأفراد مثل الفراعنة، والقياصرة، والأكاسرة يدل على أنهُ علم شخص سمى به كل من يملك وضعاً ابتدائياً. وقال: العمالقة أولاد عمليق ابن لاود بن سام بن نوح، ولعتوّ ملوك العمالقة اشتق من لفظ فرعون المطلق على ملوكهم تفرعن الرجل بمعنى عتى قال قائل: شعر : قد جاءه الموسى الكلوم فزاد فى أقصى تفرعته وفرط غرامه تفسير : وقيل إن فرعون موسى هو فرعون يوسف، عاش أكثر من أربعمائة عام، والصحيح أنهُ غيره، ويأتى كلام فى غير هذا الموضع ـ إن شاء الله ـ سبحانه والمشهور أنهُ كان دخيلا فى مصر فاتفق لهُ الملك لتنافس أهلها كما يأتى ـ إن شاء الله تعالى ـ قيل جاء من أهل اصطخر. {يَسُوُمُونَكُمْ}: يذيقونكم أو يكلفونكم أو يبغونكم أو يأخذونكم أو يلزمونكم أو يولونكم، يقال سامه خسفاً إذ أولاه ظلما. قال عمرو بن كلثوم: شعر : إذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقيم الخسف فينا تفسير : وأصله من سام السلعة إذا طلبها، وأصل السوم الذهاب فى طلب الشىء، والجملة حال من (واو) أنجيناكم، والرابط (كاف) يسومونكم أو من آل فرعون والرابط (واو) يسومونكم أو حال من (كاف) أنجيناكم وآل فرعون. {سُوءَ الْعَذَابِ}: أشنعه بالشدة، أو هو قبيح بالنسبة إلى سائر العذاب. وسوء، مصدر ساء وهو مفعول به ثان ليسوم، وسوء العذاب هو تفريق فرعون إياهم أصنافاً: صنفا يبنون ويزرعون، وصنفاً يخدمونه، ومن لم يكن فى عمل وضع عليه الجزية، وقال وهب بن منبه: الأقوياء ينحتون السوارى من الجبال حتى تقرحت أيديهم وأعناقهم ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها، وصنف ينقلون الحجارة والطين يبنون لهُ القصور، وصنف يضربون اللبن ويطبخون الآجر، وصنف نجارون وحدادون، ومن ضعف وضع عليه الجزية يؤديها كل يوم مقداراً معلوماً، فما غربت الشمس قبل أن يؤديها غلت يمينه إلى عنقه شهراً. والنساء يغزلن الكتان وينسجنه. {يُذَبِّحُونَ}: بالتشديد للمبالغة والتكثير، وقرأ الزهرى (بفتح المثناة وإسكان الذال وفتح الموحدة) وقرأ عبد الله بن مسعود يقتِّلون بالتشديد كذلك، والجملة حال ثانية أو حال من (كاف) يسومونكم أو من (واوه) أى يسومونكم حال كونهم: {يُذَبِّحُون أبْنَاءَكُمْ}: ويجوز أن يكون سوم العذاب هو الذبح للأبناء. واستحياء النساء المشار إليه بقوله تعالى: {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}: أي يبقونهن على قيد الحياة وهن صغيرات لا يقتلونهن أو الحبالى المخرق بطونهن يعالجونهن ليحيين، وعلى كون التذبيح والاستحياء هما سوء العذاب تكون جملة يذبحون عطف بيان لجملة يسومونكم عند من أجاز عطف البيان فى الجمل. والأولى أن يقال مستأنفة للبيان، فإن المشهور هو مذهب الجمهور أن عطف البيان لا يكون فى الجمل، وإذا أطلق فى الجملة أنها بيان جمل على معنى البيان اللغوى، لا على العطف، ويجوز أن يكون بدل الشىء من الشىء، وإن قلت: قد عطفت فى سورة إبراهيم بالحرف، والعطف به يقتضى التغاير فكيف يصح أن يكون هنا عطف بيان، أو بدل الشئ من الشئ أو تفسيراً؟ قُلت: ما هنا من كلام الله تعالى فكانت الجملة نفس ما قبلها موضحة لها، وما هناك من كلام موسى عليه السلام وكان مأموراً بتعداد المجئ فى قوله: {أية : وذكرهم بأيام الله} تفسير : فعدد المجئ عليهم فناسب العطف بالحرف، وبان ما هنا لصفات العذاب، وما هناك مبين أنهُ قد مسهم عذاب غير الذبح. وقرأ أبو عمرو بإسكان نون (يستحيون) وإدغامها فى (نون) نساءكم، ولو التقى ساكنان لأن الأول حرف مد، وإنما ذبح أبناءهم لأنهُ رأى فى منامه أن ناراً أقبلت وأحاطت بمصر وأحرقت كل شئ ولم تتعرض لبنى إسرائيل، وخربت بيوت مصر. وهاله ذلك، فدعا السحرة والكهنة فسألهم عن رؤياه، فقالوا: يخرج ـ من هذا البلد الذى جاء بنو إسرائيل منه ـ رجل يكون هلاك مصر على يديه، وفى رواية سأل الكهنة وقالوا يولد غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد فى بنى إسرائيل، ووكل بالقوابل من يراقبهم، حتى قتل فى طلب موسى اثنى عشر ألفاً، وقيل سبعين ألفاً، وأسرع الموت فى مشيخة بنى إسرائيل، فدخل رؤساء المصريين على فرعون وقالوا: إن الموت قد وقع فى بنى إسرائيل، يذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا، فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة، فولد هارون فى السنة التى لا ذبح فيها وولد موسى فى سنة الذبح، فوضعته أمه فى تابوت وألقته فى البحر، فرباه فرعون بنفسه فلم يردَّ اجتهادهم من قدرة الله شيئاً. وذكر ابن عباس وابن اسحاق وغيرهما أن الكهنة والمنجمين قالوا لفرعون: قد أظلك زمان مولود من بنى إسرائيل تخرب ملكك. {وَفِى ذَلِكُم}: الإشارة إلى المذكور من سوم العذاب وذبح الأبناء. {بَلاَءٌ}: محنة، والمحنة الاختيار، وقد علم الله سبحانه أيصبرون أم لا يصبرون، لكن لما كانت صورة تسليط فرعون عليهم كصورة من أوقع أحداً فى أمر موجع، ليعلم أيصبر أم لا، سماها باسم الاختبار وهو البلاء. ويجوز أن تكون الإشارة إلى الإنجاء من آل فرعون بواسطة موسى، فيكون البلاء بمعنى النعمة، لأن الاختبار يكون بالنعمة هل تشكر؟ كما يكون بالمكروه هل يصبر عليه؟ فجاز أن تسمى النعمة وهى الأنعام باسم الاختبار وهو البلاء. ويجوز أن تكون الإشارة إلى المذكور من سوم العذاب وذبح الأبناء والإنجاء. فيكون البلاء بمعنى الامتحان بالمكروه هل يصبرون عليه؟ وبالنعمة هل يشكرونها؟ فالآية مبهمة على وجوب شكر السار والصبر على الضار. {مِنْ رَبِّكُمْ}: نعت أول لبلاء والثانى قوله: {عَظيمٌ}: فهو من تقديم الوصف الجار والمجرور على الوصف المفرد.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُمْ} واذكروا إذْ نجيناكم، بإنجاء آبائكم، واذكروا نعمتى وتفضيلى ووقت إنجاء آبائكم {مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ} أتباع فرعون فى دينه، وهو الوليد بن مصعَب بن ريان عُمِّر أكثر من أربعمائة سنة ولقبه فرعون، والفرعنة الدهاء والمكر، كذا قيل، ولعله تصرف بالعربية من لفظ عجمى لا عربى، بدليل منعه من الصرف، فإنه لا علة فيه مع العلمية سوى العجمة التى ندعيها، وهو من ذرية عمليق بن لاود بن إرم بن سام بن نوح، وألف آل عن هاء أهل، والمعنى واحد فيصغر على أول، ونقله الكسائى نصاً عن العرب وهن أبى عمر، غلام ثعلب، الأهل القرابة، ولو بلا تابع والآل بتابع {يَسُومُونَكُمْ} يولونكم على الاستمرار {سُوءَ الْعَذَابِ} ضرّ العذاب ومرارته، والعذاب السوء الأشد، صنف يقطع الحجارة من الجبل، وهم أقواهم، وصنف ينقلها، والطين للبناء، وصنف يضربون اللبن، ويطبخ الآجر، وصنف للنجارة بالنون، وصنف للحدادة وصنف يضرب الجزية، وهم الضعفاء، كل يوم من غربت عليه الشمس ولم يؤدها غلت يده لعنقه شهراً، وصنف لغزل الكتان ونسجه، وهن النساء، ومن سوء العذاب تذبيح الأبناء كما قال الله تعالى {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} وقد ذكر أنواع السوء إجمالاً مع الذبح فى قوله تعالى ويذبحون بالواو وأما هنا فالمراد ذلك، أو المراد بسوء العذاب خصوص التذبيح، ولا منافاة لأنه لم يحصره فى لاذبح، بل ذكر فى موضع الامتنان ما هو أشد، مع أنه لا مانع من إرادة العموم هنا أيضا بسوء العذاب، إلا أنه ميز بعضا فقط، كأنه قيل منه تذبيح الأبناء، ذبح إثنى عشر ألف اين، أو سبعين ألفاً، غير ما تسبب لإسقاط أمه، فإن أسقطت ذكراً ذبحه، والتحقيق أن سوء العذاب أعم، فذكر التذبيح تخصيص بعد تعميم، أو المراد ما عدا التذبيح، وجملة يذبحون حال، وعلى أن المراد بسوء العذاب التذبيح تكون مفسرة {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} يبقونهن حيات، أو يعالجون حياتهن إذا أسقطهن، أو النساء البنات الصغار، يبقونهن بلا قتل، وإن كان السقط بنتاً عالجوا حياتها، أو المراد عموم ذلك كله {وَفِي ذَلِٰكُمْ} المذكور من سوء العذاب إجمالاً والتذبيح خصوصاً {بَلآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} امتحان أو فى ذلكم الإنجاء إنعام، أو فى ذلك الإنجاء، وسوء العذاب والذبح ابتلاء، أتصبرون وتشكرون، أم تجزعون، والله عالم، قال الله تعالى { أية : وَنَبْلُوَكُمْ بالشر والخير} تفسير : [الأنبياء: 35]. { أية : فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَٰهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَا إِذَا مَا ابْتَلَٰهُ فَقَدرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ} تفسير : [الفجر: 15 - 16]. رأى فرعون فى النوم ناراً أقبلت من بيت المقدس، وأحاطت بمصر وأحرقت كل قبطى بها ولم تتعرض لنبى إسرائيل، فشق ذلك عليه، وسأل الكهنة، فقالوا له: يولد فى بنى إسرائيل من يكون سبباً فى ذهاب ملكك، فأمر بقتل كل غلام فيهم، وأسرع الموت فى شيوخهم، فجاء رؤساء القبط وقالوا أنت تذبح صغارهم، ويموت كبارهم، ويوشك أن يقع العمل علينا، فأمر بالذبح سنة والترك أخرى، فولد هارون سنة ترك الذبح، وموسى سنة الذبح.
الخليلي
تفسير : شروع في تفضيل النعم بعدما ذكرت مجملة في لفظ (نعمتي) المفيدة للاستغراق، لأن تعريف اسم الجنس بأل أو الإِضافة دال على قصد جميع أفراد مدلولاته، وقبل الشروع في هذا التفصيل ذُكِّروا بنعمة كبرى تعد أساسا لهذه النعم - وهي تفضيلهم على العالمين - وذلك لأجل تحريك هممهم الخاملة عن الخير وإثارة عزائمهم المتوانية عن الحق كما سبق تفصيله. وقصة تنجية بني إسرائيل من عذاب فرعون وآله، وإهلاك عدوهم واستخلافهم في الأرض جاءت مفصلة في القرآن المكي السابق نزوله على هذه السورة، وإنما ذكرت هنا عرضا لقصد التذكير، والقرآن الكريم - كما قلت من قبل - ليس هو كتابا تأريخيا معنيا بعرض أحداث الزمن وقضايا التأريخ وإنما هو كتاب دعوة يخاطب الإِنسان من حيث هو إنسان، وبما أن كل جيل من هذا الجنس هو حلقة في سلسلة الأجيال المتعاقبة منذ خلق الإِنسان وإلى نهاية وجوده في هذه الأرض كان جديرا أن تستفيد هذه الأجيال من جميع الأحداث التي مرت بمن قبلها، فإن السنن الكونية التي تحكم الإِنسان - بمشيئة الله - لا تتبدل، فأسباب الفوز والنجاح والاستقرار والاطمئنان وأسباب الفشل والاضطراب والذمار هي هي لا تختلف باختلاف العصور. دعوة الاسلام إلى النظر في أحوال الأمم وإذا كانت جميع الأحداث جديرة بأن يستفاد منها فإن أولى ما يستفاد منه تلك الأحداث التي مرت بصفوة خلق الله من النبيين والمرسلين وهم يبلغون رسالات الله ويؤدون أماناته إلى أممهم وما يترتب على ذلك من تكذيب الأمم لهم واعتراضهم عليهم ووقوف المتكبرين في وجوههم وقطعهم السبل عليهم وما تسفر عنه المعركة - بعد جهد دائب وعناء طويل - من انتصار الحق وانهزام الباطل: {أية : لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي ٱلأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَىٰ وَلَـٰكِن تَصْدِيقَ ٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} تفسير : [يوسف: 111]. وما أحق هذه الأمة التي أنزل عليها القرآن وأكرمت بخاتم رسل الله عليه أفضل الصلاة والسلام أن تعتبر - وهي تتلو كتاب ربها - بكل ما جرى على الأمم من قبلها في حال برها وفجورها، وشكرانها وكفرانها، واجتماعها وتشتتها، فإن سنن الله لا تتبدل: {أية : وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبْدِيلاً} تفسير : [الأحزاب: 62]، وما أجدرها بالإِطلاع على سنن الاجتماع في الأمم السابقة والمعاصرة لها ذلك لأنها أمة دعوة، وصاحب الدعوة مضطر الى الاستفادة ممن سبقه في هذا المضمار، ومضطر إلى معرفة أحوال الناس ودراسة أوضاعهم ليدرك كيف يدعو بينهم ويصل الى إقناعهم، وحسبنا دليلا على ذلك أن الله تعالى أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم في بداية تأريخ الدعوة بمكة المكرمة والمؤمنون قلة تنشب فيهم مخالب الجاهلية وأظفارها، أنزل عليه نبأ ما يجري في العالم من أحداث آن ذاك وأنبأه بما وصل إليه العراك الطويل بين الدولتين الكبريين السائدتين في العالم المتحضر يومئذ من انتصار دولة فارس الشرقية على دولة الروم الغربية وما سيعقب هذا الانتصار من انتصار معاكس لم يكن أحد يسحب له حسابا أو يفكر فيه، وذلك قوله عز من قائل: {أية : غُلِبَتِ ٱلرُّومُ فِيۤ أَدْنَى ٱلأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} تفسير : [الروم: 2-5]. وكفى بهذا شاهدا بعالمية هذا الدين وعالمية الدعوة إليه وأن على رجاله أن لا يكونوا حبساء متقوقعين في محيط ضيق، بل عليهم أن ينطلقوا في أرجاء الأرض ويكتشفوا ما يدور لدى أممها وشعوبها وإلا فما كان الداعي لأن ينزل قرآن - يتلى في الصلوات ما دامت حياة على الأرض - لينبئ آحادا أو عشرات من المؤمنين بنبأ عالم هم بمنأى عنه وليست بينهم وبينه علاقة دينية ولا سياسية مع كونهم قد أهمتهم أنفسهم بما يلقونه من التحدي ويكابدونه من المشاق لولا أن الله أراد أن يهيئ نفوسهم ويعد كواهلهم للاضطلاع برسالة عالمية ومهمة إنسانية لا تختص بشعب دون شعب، ولا أرض دون أخرى. وقد أدرك السلف الصالح حاجة الدعوة إلى دراسة أوضاع الناس السياسية والاجتماعية، فكانوا لا يألون جهدا في البحث والتنقيب عما يفيدهم ويفيد دعوتهم من ذلك ليكونوا على خبرة مما يأتون ويذرون، وعلى بينة مما كانت تفرزه الأحداث من نتائج يمكن تداركها بوسيلة أو أخرى، أو يمكن استغلالها لمصلحة الحق والدعوة إليه، وحسبي أن أذكر نموذجا حيا من تلك الشخصيات السلفية الفذة التي كان لها دور تأريخي لا تغيره الأحداث ولا يمحوه الزمن، ذلكم هو الإِمام العملاق أبوعبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي رضي الله تعالى عنه الذي لم يمنعه الإِرهاب الأموي مع ما ابتُلي به من فقر وضعف وعمى أن يشتغل بأحوال الناس ويُعنى بقضايا المسلمين، ويكل إلى الحجاج من تلامذته ومريديه أن يلتقوا بإخوانهم المسلمين الوافدين إلى رحاب بيت الله العتيق من أنحاء المعمورة، ويكتشفوا منهم ما يعانونه من مشكلات ويقاسونه من الإِرهاب والظلم، أو ما عرفوه بالسماع من أحوال غيرهم، وكان أولئك التلامذة والمريدون يجمعون حصيلة هذه المعلومات بعدما يلتقطونها من الأفواه فينقلونها الى شيخهم الكبير وقائدهم المحنك ليدرس الأحوال كأنه ينظر اليها من كثب في وقت لم تكن تعرف فيه وسيلة من وسائل الإِعلام إلا تناقل الألسن للأحداث وسير الركبان بأخبارها، ولم يكن يألوا جهدا أن يفكر في حل لكل مشكلة وعلاج لكل مشكلة وعلاج لكل معضلة؛ فعندما علم بما كان المسلمون البربر في بلاد المغرب يعانون من قسوة ولاة بني أمية الذين لم تعرف الرحمة إلى قلوبهم سبيلا، وما كانوا يفكرون فيه من وسائل التخلص من هذا العسف والظلم أرسل إليهم على الفور أحد رجاله الأفذاذ - سلمة بن سعد رحمه الله - الذي لم يتردد لحظة في قبول أوامره قائده والقيام بما وكله إليه على أحسن وجه حتى نتج عن ذلك قيام تلك الدولة العادلة التي أذاقت أبناء تلك المنطقة لذة العدل بعدما تجرعوا مرارة الظلم. وبما أن السلف كانوا أغزر فهما لكتاب الله وأكثر دراية بمراشده استفادوا بتلاوتهم إياه من النواحي الاجتماعية كما استفادوا من الناحية الدينية، فقد أثار في نفوسهم الهمة والرغبة في فهم أوضاع البشر والإِطلاع على عجائب الأرض والتفكر في سنن الكون، وقد أدى بهم ذلك إلى التضحية بجزء ثمين من وقتهم لأجل هذه الغاية، ومن أمثال هؤلاء الإِمام أبويعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني الذي تحمل المشاق وصبر على وعثاء السفر حتى توغل في أعماق افريقيا السوداء لأجل الوقوف على خط الاستواء والاستفادة في أقيسة الطول والعرض فكان رائدا في هذا العلم وعلما من أعلامه كما كان علما من أعلام الشريعة. وقد سبق ابن خلدون صاحب العبر الأوربيين بقرون في دراسة أصول الاجتماع وقواعد العمران، فكانت عِبره مرجعا لجميع عشاق هذا العلم. وقد بلغت عناية السلف بالعلوم الإِنسانية أنهم كانوا ينقلون الأحداث والتواريخ بالأسانيد كما ينقلون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما ساء فهم الناس للقرآن وأخذا يتلونه للأسجاع والأنغام لا للاستفادة بفهم مراشده ودراسة مقاصده زهدوا في هذه العلوم فصاروا أكثر الناس تخلفا فيها حتى أن من يعنى بها من أبنائهم لا يتلقاها إلا من الغربيين وبحسب المفاهيم التي يعتقدونها والأساليب التي يتبعونها، فلذلك أصبحنا أكثر الناس إفلاسا في تأريخ أنفسنا فضلا عن تأريخ غيرنا. هذا وقد سبق الكلام في (إذ) وذكر جانب من اختلاف النحويين فيها في مثل هذا المقام في تفسير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ ٱسْجُدُواْ}. وبناء على ما اخترته هناك من جواز نصبها على المفعولية، فهي هنا معطوفة على مفعول (اذكروا) - وهو (نعمتي) - وهو من باب عطف الشيء على ما يصح إبداله منه، وجعل الزمن نفسه مذكورا مع أن المقصود بالذكر أحداثه لأن ذلك أبلغ في الدلالة على عموم هذه الأحداث، ولا يمنع توسط: {وَٱتَّقُواْ يَوْماً...} الآية بين المعطوف والمعطوف عليه من العطف لأنه ليس أجنبيا من كل وجه ولأن المعطوف والمعطوف عليه ليسا كالعامل والمعمول ومع ذلك يُفصل بينهما في كثير من الحالات. والتذكير بالنعمة مقرونا بذكر البلاء ليكون أبلغ وقعا في النفس فإن كل نعمة لا يقدرها قدرها إلا من سلبها، فنعمة الغنى لا يعرف كنهها إلا من يكابد مشقة الفقر، ونعمة الصحة لا يدرك حجمها إلا من يعاني من بلوى المرض، ولذة النعيم لا يدريها إلا من تذوق آلام البؤس، وقد أريد لهؤلاء المخاطبين أن يستحضروا حالة آبائهم وهم يرزحون تحت نير فرعون وآله، ويتململون في قيود المهانة والذلة، ويواجهون في كل يوم صنوفا من البلاء، ويتحملون ضروبا من العذاب، وكيف كانت عناية الله بهم إذ غشيتهم نعمته بقدر ما لم يكونوا يتصورونه فأنقذتهم من كل ما كانوا فيه، وأخرجتهم من الذلة إلى العز، ومن الفقر إلى الغنى، ومن التعب إلى الراحة، ومن البؤس إلى النعيم، والتذكير بهذا الأسلوب أدعى إلى الارعواء عن الغي، والاستجابة إلى الرشد، والقيام بواجب شكر المنعم قدر المستطاع. وتذكير الأولاد بما أُنعم على آبائهم لأنهم امتداد لهم، أو لأنهم مخاطبون باعتبار أنهم جميعا أمه إسرائيلية، وهذا هو الذي ذهب إليه الإِمام محمد عبده، وهذا نصف المحكى عنه في المنار: "خاطب الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بما كان لآبائهم لأن الإِنعام على أمة بعنوان أنها أمة كذا هو إنعام شامل للأمة من أصابه ذلك الإِنعام من أفرادها ومن لم يصبه، ويصح الامتنان به على اللاحقين منهم والسابقين، كما يصح الفخر به منهم أجمعين، كما أن الإِنعام على شخص بشيء يختص بعضو من أعضائه كلبوس يلبسه أو لذيذ طعام يطعمه يكون إنعاما على الشخص ولا يقال إنه إنعام على لسان فلان ولا على رأسه أو يده ورجله، ولأن ما وصل الى مجتمع بعنوان ذلك الاجتماع والرابطة التي ربطت أفراده بعضه ببعض يكون له أثر في مجموع الأفراد، لا سيما إن كان الواصل من نقمة أو نعمة مسببا عن عمل الأمة، شرا أو خيرا، ويكون لذلك أثر في الأمة يورثه السلف الخلف ما بقيت الأمة، وأنواع البلاء التي ذُكِّر بها اليهود في القرآن كانت لشعب إسرائيل من حيث هو شعب إسرائيل لأن الجرائم التي كان البلاء عقوبة عليها إنما كانت من مجموع الشعب من حيث هو شعب إسرائيل، ثم إن الله تعالى كان يتوب على الشعب بعد كل بلاء ويفيض عليهم النعم، فتكون العقوبة تربية وتعليما تفيد المعتبرين بها نعمة وسعادة. لا أقول إن هذا الخطاب إيماء أو إشارة للمخاطبين بأن يستحضروا تأريخ أمتهم الماضي ليتذكروا صنع الله تعالى فيهم فيعتبروا بما أصابهم من نعماء وضراء، وسعادة وشقاء، ويتفكروا فيما حل بهم من بعدهم وما ينتظر أن يحل بهم، وإنما الكلام نص صريح لا يحتاج إلى التأويل، فالروابط الاجتماعية بين أفراد الأمم وجماعاتها كالروابط الحيوية بين أعضاء الشخص الواحد بلا فرق، تعثر الرجل فتخدش أو توثأ، والألم يلم بالشخص كله من حيث هو شخص حي بحياة واحدة تستوي فيها رجله وسائر أعضائه، ولذلك يسعى بجملته لإِزالة ألم الرجل ويتوقى أسباب العثار بعد ذلك مستعينا بكل أعضائه وقواه. والتنجية التخليص من الأذى، وأصلها - عند القرطبي - الإِلقاء على نجوة من الأرض، وعند غيره هي الأصل وأخذت منها النجوة لارتفاعها وخلوصها عن سائر الأرض، ولأنها مظنة النجاة. والآل هم الأهل والعشيرة والأتباع وليس خاصا بذوي القرابة النسبية، والدليل على شموله الأتباع هذه الآية وأمثالها، فإنه مما يدرك بداهة أن الذين كانوا يسومون بني إسرائيل الخسف وينزلون بهم سوء العذاب لم يكونوا خاصة فرعون فحسب بل هم جميع أتباعه، كما أن الذين عوقبوا بالغرق مع فرعون ما كانوا ذوي قرابته وحدهم بل جميع جنوده كما نص عليه قوله تعالى: {أية : فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ...} تفسير : الآية [القصص: 40]، ويدل أيضا على شمول الآل لجميع الأتباع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : آل محمد كل تقي" تفسير : وقد أجاد الإِمام اللغوي نشوان ابن سعيد الحميري صاحب شمس العلوم حيث قال: شعر : آل النبي هم أتابع ملته من الأعاجم والسودان والعرب لو لم يكن آله إلا قرابته صلى المصلي على الغاوي أبي لهب تفسير : ولأجل دلالته على التبعية خُصت إضافته - عند بعض - إلى من كان ذا مكانة لفضله وصلاحه، أو لقوته ونفوذه، فمن الأول آل النبي، ومن الثاني آل فرعون، وبما أن فرعون نفسه كان مصدر بلاء بني اسرائيل لأنه هو الذي مكن لآله من سومهم سوء العذاب وأمرهم به يتبادر هنا سؤال، لم جُعلت النجاة منهم ولم تجعل منه؟ والجواب: أن ذلك لأن النفس ترتاح إذا خُلصت من قهر من يباشرها بالعذاب، وتشتفي اذا ما تلقى جزاءه العادل على فعله ذلك ولم يكن فرعون نفسه يتولى تعذيبهم بيديه، وإنما أولئك الأتباع كانوا ينفذون أمره ويبلغونه قصده ولعل منهم من كان يتجاوز حدود ما أُمر به فيفرط في التنكيل بهم والنيل منهم، وهذا هو دبدن حواشي الظلمة وأعوانهم، ومن ناحية أخرى فإن القائد بجنده، بهم يصول ويجول، ويعد ويتوعد، ويصل ويقطع لولاهم لما كان له شأن ولا اختص بمزية بين الناس. وفرعون لقب لحكام مصر قبل البطالسة، وقد شاع عند المفسرين أن فرعون الذي تردد ذكره في القرآن وتربى في حجره موسى بن عمران فكان - بمشيئة الله - هلاكه على يديه هو أحد العمالقة الذين تغلبوا على حكم مصر السفلي، أي الشطر الشمالي من القطر المصري؛ وباستقراء التأريخ المصري القديم يتضح خلاف ذلك فإن الحكم العمليقي لمصر قد انتهى عام 1700ق.م عندما ظهرت العائلة الثامنة عشرة وذلك قبل ميلاد موسى عليه السلام بعهد طويل، فإنما كان ميلاده ونبوته عليه السلام إبان حكم العائلة التاسعة عشرة التي شمل حكمها القطر المصري بشطريه الجنوبي والشمالي. وبسبب هذا الوهم قالت طائفة بأن هذا اللقب خاص بحكام العمالقة، وليس الأمر كذلك كما علمت وفي مقابل هذا الرأي ذهب آخرون إلى أنه لقب عام لكل حكام مصر قبل الإِسلام - أي قبل ظهور النبي الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام - ويرد ذلك بأنه لم يعهد إطلاقه على أحد إبان خضوع مصر للإِمبراطورية الرومانية، وعندما وجه النبي صلى الله عليه وسلم نداءه إلى حاكمها المحلي المقوقس يدعوه إلى دين الله لم يطلقه عليه. وهو في أصله جامد غير مشتق لكن بما أنه أطلق على أعتى الناس وأمردهم صار كالعلم على العتو والتمرد فاشتق منه بعضهم تفرعن إذا عتا حيث قال: شعر : قد جاءه موسى الكلوم فزاد في أقصى تفرعنه وفرط عرامِه تفسير : وبداية الوجود الإِسرائيلي بمصر كانت بدخول يوسف عليه السلام فيها الذي مكن الله له في أرضها حتى أصبح عزيزها، وانضم إليه أبوه يعقوب عليه السلام - وهو إسرائيل - ومعه بنوه، فكانوا نواة للمجتمع الإِسرائيلي، بأرض الكنانة، وقد جعل الله في ذريتهم البركة فتناموا حتى بلغ عددهم - فيما قيل - حال خروجهم من مصر نحو ستمائة ألف مع أن مدة بقائهم فيها نحو أربعمائة عام، وقد كانوا بداية الأمر على وفاق مع المصريين غير أن نمو عددهم المتزايد وبقاءهم محافظين على عاداتهم وعباداتهم غير ذائبين في الشعب المصري، كان ذلك كله مصدر قلق للمصريين إذ لم يأمنوا أن يصبحوا في يوم من الأيام أكثر عددا وأقوى عدة مع احتمال ارتباطهم بالشعوب المجاورة التي كانت تثور في وجه فرعون مصر فيخمد ثوراتها بعنفٍ تنتج عنه خسائر فادحة في ماله ورجاله، ومن بين هذه الشعوب الشعوب الكائنة بأطراف جزيرة العرب، وهذا الذي دعا فرعون وآله إلى التفكير في وسائل التخلص منهم ليأمنوا هذا الجانب، فأخذوا يستذلونهم ويكلفونهم من مشاق الأعمال ما لا تقواه نفوسهم وأجسادهم رجاء انقراضهم بقلة نسلهم، وتفشى الأمراض والموت فيهم، ولكن - لأمر أراده الله - كانوا مع ذلك يتكاثرون، ولم يمت في نفوسهم الشعور بالعزة والإِباء لاعتقادهم أنهم شعب الله وصفوته من خلقه، وقد كان بقاء هذه القوة المعنوية في نفوسهم شبحا مخيفا يتراءاه آل فرعون لأن انقراض الشعوب أو الأمم إنما يكون بموت معنوياتها، وإذا بقيت المعنويات فلا مطمع في انقراضها رغم التعذيب البدني والتصفية الجسدية. وما من شك في أن الإِذلال الدائم لأي مجتمع أو شعب أخطر وسيلة في إعدام نخوته وإبادة شعوره بالعز والإِباء، فإن نسول المستذلين لا تكون إلا ذليلة، وماذا عسى ان تكون حالة جيل يفتح عينيه فيرى أصوله نرزح في قيود الذل وتحت وطأة القهر والاستعباد؟ فهل يكون مثل هذا الجيل إلا أكثر ذلا وأشد خنوعا، وأعظم رضى بكل ما يلقاه من قاهريه ومستذليه؟ غير أن هذه الطريقة تحتاج إلى صبر طويل المدى حتى تعطي نتائجها، ولم يكن فرعون وآله يملكون مثل هذا الصبر، ومن ثم استعجلوا النتيجة بإبادة الذكران من المواليد الإِسرائيليين واستبقاء إناثهم للإِمعان في الإِهانة، وهذا لأن الذكور بهم امتداد حياة الأمم والشعوب والقبائل، وماذا عسى أن تكون حالة الإِناث وما لهن من حام للذمار، أو كاشف للعار؟ ولو قدرت لهن ذرية فلن تكون امتدادا لأصولهن، وإنما يكونون امتدادا لآبائهم الآخرين. هذا ما يدل عليه قوله تعالى: {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ}، وقد ذهب أكثر المفسرين في تفسيره مذاهب لا تستند على حجة سوى روايات ليس لها من أصل وإن عُزيت إلى من عزيت اليه من السلف، منها أن فرعون أخبرته الكهنة عن إظلال زمن مولود إسرائيلي يكون هلاكه على يديه، ومنها أنه رأى في نومه نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وسلمت بني اسرائيل فأُولت له رؤياه بما سبق ذكره، ومنها أنه نُمي إليه حديث تردده ألسنة بني اسرائيل مفاده أن الله تعالى وعد عبده الخليل ابراهيم عليه السلام أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا، وأنهم يتطلعون إلى هذا الوعد ليتخلصوا مما هم فيه من النكد. وهذه الأقوال ظاهرة البطلان؛ أما الأول والثاني فبطلانهما من حيث إن الرؤيا والكهانة لو أفادا علما يقينيا بأمر ما مع تحديد زمنه لبطل إعجاز النبوات بالإِخبار عن المغيبات لتساوي الكل في ذلك، وأين النبوة من الكهانة؟ والرؤيا الصادقة وإن كانت في كثير من أحوالها نافذة للاطلاع على بعض الأحوال المستقبلة، فإنها تختلف عن الوحي الظاهري لأنها تأتي مطوية في غُلفٍ تختلف رقة وغلظة ولذلك تحتاج إلى تأويل يصدر عن فهم وإدراك عميقين، ويبعد أن يكرم الله بالرؤيا الصادقة أمثال فرعون ممن ران على نفوسهم الكفر واستولى على وجدانهم الضلال، ومن ناحية أخرى فإنه من المستبعد أن يجرأ أحد على فرعون الجبار العنيد ذي البطش الشديد فيخبره بانتهاء ملكه على يدي ناشئ من بني إسرائيل. وأما القول الثالث فبطلانه من حيث إن أخبار النبوات لم تكن لتؤثر على نفسية فرعون بعدما تكبر وطغى وبلغ به غروره أن قال: {أية : فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ} تفسير : [النازعات: 24]، وقال: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} تفسير : [القصص: 38]، فإن تأثيرها على نفسه نافذة إلى تصديقها والإِيمان بها وأنى لمن لم يؤمن بالله رأسا بل ادعى أنه هو الإِله الواحد أن يؤمن أو يتأثر بشيء مما تردده الألسن عن أخبار الأنبياء؟ وهب ذاك صحيحا فإن ذرية إبراهيم لم تكن منحصرة في ولد إسرائيل، فليس تذبيحه لأبناء الإِسرائيليين كافيا في الاحتياط عما يحذره من ذلك. والمراد بسومهم سوء العذاب إذاقتهم إياه وإلصاقه بهم وفُسر بإيلائهم إياه، وحروفه توحي بالمداومة، ومن ذلك سميت الماشية التي لا تعلف سائمة لمداومتها الرعي، وقد شاع عند العرب قولهم (سامه الخسف)، أو (أسامة خطة خسف) إذا ألزمه ذلك، ومنه قول عمرو بن كلثوم: شعر : إذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقر الخسف فينا تفسير : وقد سبق تفسير العذاب وهو كله سيء، وإنما أضيف هنا الى سوء للإِمعان في الدلالة على كونه متناهيا في الإِيلام. وفصلت هنا جملة {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} لأجل كون تذبيح الأبناء من أكثر أنواع العذاب لما فيه من الإِيلام النفسي، فهي هنا مبدلة من جملة {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} ووصلت في سورة إبراهيم للدلالة على أن هناك أنواعا أخرى من العذاب كانوا يسامونها، وقد رُويت عن مفسري السلف روايات في بيان أنواع هذا العذاب يفيد مجملها أن جميع الأعمال الشاقة والرديئة كانوا يحملونها دون غيرهم، وبالجمع بين فائدتي الفصل في هذه السورة والوصل في سورة إبراهيم يستفاد أن هذه البدلية هنا هي بدلية بعض من كل، وأن العطف هناك عطف خاص على عام. ولا معنى لقول القرطبي إن الواو في (سورة إبراهيم) زائدة مستدلاله بقول الشاعر: شعر : "فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى" تفسير : أي قد انتحى، وقول الآخر: شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : والذي دعا القرطبي الى القول بزيادتها قبل (انتحى) من الشاهد الأول توهمه أن انتحى جواب للشرط وليس كذلك، فإن جواب الشرط في أول البيت الذي يليه ونص البيتين: شعر : ولما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن خبت ذي حقاف عقنقل أخذت بفودي رأسها فتمايلت عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل تفسير : وأما الشاهد الثاني فقد نظر فيه إلى وحدة المعطوف والمعطوف عليه من حيث الذات ونسى أنه من باب عطف الصفات بعضها على بعض، فالمعطوف فيه غير المعطوف عليه، وإن يكن الموصوف بها واحدا، وقد تقدم ذلك. والذي رجح العطف في سورة إبراهيم سبق قول الله فيها: {أية : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ} تفسير : [إبراهيم: 5]، فإنه يشير إلى نعم متعددة أسبغها الله عليهم في هذه الأيام، وإنما عظم شأن هذه النعم حتى عبر عن أوقاتها بأيام الله لعظم الشدائد التي سبقتها، فبقدر هول المحنة تعظم نعمة الخلاص منها. وقراءة الجمهور (يذبِّحون) بالتشديد، وقرأ ابن محيصن بالتخفيف والتشديد أبلغ لدلالته على الكثرة، والذبح معروف وأصله الشق، ولذا يُسمى تشقق الأصابع ذُباحا. وأسند التذبيح إلى الآل لأنهم يباشرونه وإن كان فرعون هو الآمر به، واستدل به على أن من باشر قتل أحد بأمر ظالم فالمباشر هو المقتول به، وفي هذه المسألة خلاف بين الفقهاء، قيل يقتلان جميعا، هذا بأمره وهذا بمباشرته القتل، وهو المروي عن النخعي، وقيل بالتفصيل فان كان المأمور يعلم أن الآمر ظالم ولم يكن مكرها قتلا معا، وإلا قتل الآمر دون المأمور، وهو المروي عن مالك والشافعي، وعليه فعلى المأمور نصف الدية، وقيل بتفصيل آخر وهو قتلهما معان ان كان للآمر سلطان على المأمور، وإلا فيقتل المأمور وحده، وهو الذي عليه أصحابنا، وعليه أكثر المالكية، وقيل غير ذلك. والمراد بالأبناء الأطفال كما يقتضيه الظاهر، وذهب قوم إلى أن المراد به الرجال البالغون، قال ابن عاشور: "وهذا الوجه أظهر وأوفق بأحوال الأمم، إذ الظنون أن المحق والاستئصال إنما يقصد به الكبار ولأنه على الوجه الأول تكون الآية سكتت عن الرجال إلا أن يقال إنهم كانوا يذبحون الصغار قطعا للنسل، ويسبون الأمهات استعبادا لهن، ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدريج، وإبقاء الرجال في مثل هذه الحالة أشد من قتلهم، أو لعل تقصيرا ظهر من نساء بني إسرائيل مرضعات الأطفال مربيات الصغار، وكان سببه شغلهن بشؤون أبنائهن، فكان المستعبدون لهن إذا غضبوا من ذلك قتلوا الطفل". وعمدة أصحاب هذا القول مقابلة الأبناء بالنساء، وليس في ذلك دليل لما قالوه كما سيأتي إن شاء الله، والقول الأول هو للجمهور وبه نصت التوراة، ويقويه أن أم موسى عندما خشيت عليه القتل أوحى الله إليها أن تجعله في التابوت وأن تلقيه في البحر، وأن امرأة فرعون قالت لآل فرعون عندما التقطوه: {أية : لاَ تَقْتُلُوهُ عَسَىٰ أَن يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً} تفسير : [القصص: 9]، فلو كان القتل للرجال البلغ لما كان لخوف أم موسى عليه سبب، ولا لقول أمرأة فرعون وجه. واستحياء النساء طلب حياتهن بالإِعراض عن قتلهن، وعُد ذلك من سوء العذاب الذي يسومونهم إياه لأن القصد منه سيء للغاية إذ لم يريدوا باستحيائهن تسليمهن من القتل، وإنما أرادوا به هتك أعراضهن وإنزال صنوف المهانة بهن وذلك أبلغ في إيذائهم وإيذائهن من القتل. فلربما تمنى الحر الأبي موته أو موت كرائمه عندما يجدهن معرضات لمثل هذا البلاء، وكم سارعت الحرائر إلى الموت من تلقاء أنفسهن خشية العار واتقاء سوء الأحدوثة. وعُبر عن البنات بالنساء ولم يُعبر عن الأبناء بالرجال لأنهم بقتلهم في طور الطفولة حيل بينهم وبين الوصول إلى طور الرجولة، بخلافهن فإن استحياءهن سبب لبلوغهن مبلغ النساء البالغات. وذهب بعض المفسرين في استحياء النساء مذهبا بعيدا وهو أن المراد به اكتشاف أحيائهن - أي فروجهن - ابتغاء معرفة كونهن حوامل أو غير حوامل، وهو ضعيف، فإن الحمل له قرائن بارزة وعلامات ظاهرة فما الذي يدعوهم إلى اكتشاف الفروج لأجل التفتيش عنه، وليس فيها قرائن الحمل وعلاماته. والبلاء الاختبار، ومنه قوله تعالى: {أية : لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} تفسير : [النمل: 40]، ويكون بالنعمة وبضدها، ومن هنا اختلف في المشار إليه بقوله: {وَفِي ذَلِكُمْ}، قيل: هو المحنة المتمثلة في سوم العذاب وتذبيح الأبناء واستحياء النساء، وقيل: هو نعمة التنجية من ذلك، ورَجَّح الأول بعضهم بكونه أقرب مذكور، والثاني آخرون لأن السياق في الحديث عن التنجية، وذهب بعض اللغويين إلى أن ما كان بالمحنة يأتي فعله مجردا ومزيدا على وزن افتعل، فيقال فيه بلوته وابتليته، وما كان بالنعمة فيأتي فعله مزيدا بالهمزة غالبا ومجردا منها قليلا، فيقال: أبليته في الغالب، وبلوته في النادر، وقد جمع الشاعر اللغتين في قوله: شعر : جزى الله بالإِحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوء ٱلْعَذَابِ} وهو على الشائع عطف على {أية : نِعْمَتِيَ } تفسير : [البقرة: 47] بتقدير: اذكروا/ كيلا يلزم الفصل بين المعطوفين بأجنبـي وهو اتقوا وقد تقدم قبل ما ينفعك هنا، وقرىء ـ (أنجيناكم)، و (أنجيتكم) ـ ونسبت الأولى للنخعي، والآل قيل: بمعنى الأهل وإن ألفه بدل عن هاء، وإن تصغيره أهيل، وبعضهم ذهب إلى أن ألفه بدل من همزة ساكنة وتلك الهمزة بدل من هاء، وقيل: ليس بمعنى الأهل لأن الأهل القرابة والآل من يؤول إليك في قرابة أو رأي أو مذهب، فألفه بدل من واو، ولذلك قال يونس في تصغيره: أويل، ونقله الكسائي نصاً عن العرب، وروي عن أبـي عمر ـ غلام ثغلب ـ إن الأهل القرابة كان لها تابع أو لا، والآل القرابة بتابعها فهو أخص من الأهل، وقد خصوه أيضاً بالإضافة إلى أولي الخطر فلا يضاف إلى غير العقلاء ولا إلى من لا خطر له منهم، فلا يقال ـ آل الكوفة، ولا ـ آل الحجام ـ وزاد بعضهم اشتراط التذكير فلا يقال ـ آل فاطمة ـ ولعل كل ذلك أكثري وإلا فقد ورد على خلاف ذلك ـ كآل أعوج ـ اسم فرس، وآل المدينة، وآل نعم، وآل الصليب، وآلك ـ ويستعمل غير مضاف ـ كهُم خير آل ـ ويجمع ـ كأهل ـ فيقال آلون. وفرعون لقب لمن ملك العمالقة ـ ككسرى لملك الفرس، وقيصر لملك الروم، وخاقان لملك الترك، وتبع لملك اليمن، والنجاشي لملك الحبشة ـ وقال السهيلي: هو اسم لكل من ملك القبط ومصر، وهو غير منصرف للعلمية والعجمة، وقد اشتق منه باعتبار ما يلزمه فقيل: تفرعن الرجل إذا تجبر وعتا، واسم فرعون هذا الوليد بن مصعب ـ قاله ابن إسحاق، وأكثر المفسرين ـ وقيل: أبوه مصعب بن ريان حكاه ابن جرير، قيل: قنطوس حكاه مقاتل، وذكر وهب بن منبه أن أهل الكتابين قالوا: إن اسمه قابوس، وكنيته أبو مرة وكان من القبط، وقيل: من بني عمليق أو عملاق بن لاوز بن ارم بن سام بن نوح عليه السلام، وهم أمم تفرقوا في البلاد، وروي أنه من أهل اصطخر ورد إلى مصر فصار بها ملكاً، وقيل: كان عطاراً بأصفهان ركبته الديون فدخل مصر وآل أمره إلى ما آل ـ وحكاية البطيخ شهيرة ـ وقد نقلها مولانا مفتي الديار الرومية في «تفسيره»، والصحيح أنه غير فرعون يوسف عليه السلام، وكان اسمه ـ على المشهور ـ الريان بن الوليد، وقد آمن بيوسف ومات في حياته وهو من أجداد فرعون المذكور على قول، ويؤيد الغيرية أن بين دخول يوسف ودخول موسى عليهما السلام أكثر من أربعمائة سنة، والمراد بـآل فرعون هنا أهل مصر أو أهل بيته خاصة أو أتباعه على دينه، وبـأنجيناكم أنجينا آباءكم، وكذا نظائره فلا حجة فيها لتناسخي، وهذا في كلام العرب شائع كقوله حسان:شعر : ونحن قتلناكم ببدر فأصبحت عساكركم في الهالكين (تجول) تفسير : و (يسومونكم) من السوم، وأصله الذهاب للطلب، ويستعمل للذهاب وحده تارة، ومنه السائمة، وللطلب أخرى، ومنه السوم في البيع، ويقال: سامه كلفه العمل الشاق، و ـ السوء ـ مصدر ساء يسوء، ويراد به السيء، ويستعمل في كل ما يقبح ـ كأعوذ بالله تعالى من سوء الخلق و (سوء العذاب) أفظعه وأشده بالنسبة إلى سائره، وهو منصوب على المفعولية ليسومونكم بإسقاط حرف الجر أو بدونه، والجملة يحتمل أن تكون مستأنفة، وهي حكاية حال ماضية، ويحتمل أن تكون في موضع الحال من ضمير {نَجَّيْنَـٰكُم} أو {مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ}، وهو الأقرب، والمعنى يولونكم أو يكلفونكم الأعمال الشاقة، والأمور الفظيعة أو يرسلونكم إليها ويصرفونكم فيها أو يبغونكم سوء العذاب المفسر بما بعده، وقد حكي أن فرعون جعل بني إسرائيل خدماً وخولاً، وصنفهم في الأعمال ـ فصنف يبنون، وصنف يحرثون، وصنف يخدمون ـ ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليه الجزية يؤديها كل يوم، ومن غربت عليه الشمس قبل أن يؤديها غلت يده إلى عنقه شهراً، وجعل النساء يغزلن الكتان، وينسجن. {يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ} جملة حالية أو استئنافية كأنه قيل: ما الذي ساموهم إياه، فقال:/ {يُذَبّحُونَ} الخ، ويجوز أن تخرج على إبدال الفعل من الفعل كما في قوله تعالى: {أية : يَلْقَ أَثَاماً * يُضَـٰعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ }تفسير : [الفرقان: 68ـ69]، وقيل: بالعطف وحذف حرفه لآية إبراهيم، والمحققون على الفرق، وحملوا {سُوء ٱلْعَذَابِ} فيها على التكاليف الشاقة غير الذبح، وعطف للتغاير، واعتبر هناك لا هنا على رأيهم لسبق {أية : وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ ٱللَّهِ } تفسير : [إبراهيم: 5]، وهو يقتضي التعداد، وليس هنا ما يقتضيه، والأبناء الأطفال الذكور، وقيل: إنهم الرجال هذا وسموا أبناء باعتبار ما كانوا قبل، وفي بعض الأخبار أنه قتل أربعين ألف صبـي، وحكي أنه كان يقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج والتجمع لإفساد أمره، والمشهور حمل الأبناء على الأول، وهو المناسب المتبادر، وفي سبب ذلك أقوال وحكايات مختلفة ومعظمها يدل على أن فرعون خاف من ذهاب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل ففعل ما فعل {أية : وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَراً مَّقْدُوراً } تفسير : [الأحزاب: 38] وقرأ الزهري وابن محيصن: {يُذَبّحُونَ} مخففاً، وعبد الله: {يَقْتُلُونَ} مشدداً. {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ} عطف على {يُذَبّحُونَ} أي يستبقون بناتكم ويتركونهن حيات، وقيل: يفتشون في حيائهن ينظرون هل بهن حمل ـ والحياء الفرج ـ لأنه يستحى من كشفه، والنساء جمع المرأة، وفي «البحر» إنه جمع تكسير لنسوة على وزن فعلة جمع قلة، وزعم ابن السراج أنه اسم جمع، وعلى القولين لم يلفظ له بواحد من لفظه، وهي في الأصل البالغات دون الصغائر، فهي على الوجه الأول مجاز باعتبار الأول للإشارة إلى أن استبقاءهم كان لأجل أن يصرن نساءً لخدمتهم، وعلى الثاني فيه تغليب البالغات على الصغائر، وعلى الثالث حقيقة، وقدم الذبح لأنه أصعب الأمور وأشقها عند الناس وإن كان ذلك الاستحياء أعظم من القتل لدى الغيور. {وَفِى ذٰلِكُمْ بَلاءٌ مِّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ} إشارة إلى التذبيح والاستحياء، أو إلى الإنجاء، وجمع الضمير للمخاطبين، ويجوز أن يشار بذلكم إلى الجملة وأصل البلاء الاختبار، وإذا نسب إليه تعالى يراد منه ما يجري مجراه مع العباد على المشهور، وهو تارة يكون بالمسار ليشكروا، وتارة بالمضار ليصبروا، وتارة بهما ليرغبوا ويرهبوا ـ فإن حملت الإشارة على المعنى الأول: ـ فالمراد بالبلاء المحنة، وإن على الثاني: فالمراد به النعمة، وإن على الثالث: فالمراد به القدر المشترك كالامتحان الشائع بينهما، ويرجح الأول: التبادر، والثاني: أنه في معرض الامتنان، والثالث: لطف جمع الترغيب والترهيب؛ ومعنى {مّن رَّبّكُمْ} من جهته تعالى إما بتسليطهم عليكم أو ببعث موسى عليه السلام وتوفيقه لتخليصكم أو بهما جميعاً، و(عظيم) صفة(بلاء) وتنكيرهما للتفخيم، والعظم بالنسبة للمخاطب، والسامع لا بالنسبة إليه تعالى لأنه العظيم الذي لا يستعظم شيئاً. ومن باب الإشارة: والتأويل: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم} من قوى فرعون النفس الأمارة المحجوبة بأنانيتها، والنظر إلى نفسها المستعلية على إهلاك الوجود، ومصر مدينة البدن المستعبدة، وهي وقواها من الوهم، والخيال، والغضب، والشهوة القوى الروحانية التي هي أبناء صفوة الله تعالى يعقوب الروح، والقوى الطبيعية البدنية من الحواس الظاهرة والقوى النباتية أولئك يكلفونكم المتاعب الصعبة، والأعمال الشاقة من جمع المال، والحرص وترتيب الأقوات والملابس وغير ذلك، ويستعبدونكم بالتفكر فيها والاهتمام بها لتحصل لكم لذة هي في الحقيقة عذاب وذلة لأنها تمنعكم عن مشاهدة الأنوار، والتمتع بدار القرار {يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ} التي هي القوى الروحانية من القوى النظرية التي هي العين اليمنى للقلب، والعملية التي هي العين اليسرى له، والفهم الذي هو سمعه، والسر الذي هو قلبه {أية : وَيَسْتَحْيُونَ }تفسير : [البقرة: 49] قواكم الطبيعية ليستخدموها ويمنعوها عن أفعالها اللائقة بها. وفي ذلك ـ الإنجاء ـ نعمة عظيمة من ربّكم المرقي لكم من مقام إلى مقام ومشهد إلى مشهد حتى تصلوا إليه وتحطوا رحالكم بين يديه، أو في مجموع ذلك امتحان لكم وظهور آثار الأسماء/ المختلفة عليكم فاشكروا واصبروا فالكل منه وكل ما فعل المحبوب محبوب.
ابن عاشور
تفسير : عطف على قوله: {أية : نعمتي}تفسير : [البقرة: 47] فيُجْعل (إذ) مفعولاً به كما هو في قوله تعالى: {أية : واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم}تفسير : [الأعراف: 86] فهو هنا اسم زمان غير ظرف لفعل والتقدير اذكروا وقت نجيناكم، ولما غلبت إضافة أسماء الزمان إلى الجمل وكان معنى الجملة بعدها في معنى المصدر وكان التقدير اذكروا وقت إنجائنا إياكم، وفائدة العدول عن الإتيان بالمصدر الصريح لأن في الإتيان بإذ المقتضية للجملة استحضاراً للتكوين العجيب المستفاد من هيئة الفعل لأن الذهن إذا تصور المصدر لم يتصور إلا معنى الحدث وإذا سمع الجملة الدالة عليه تصور حدوث الفعل وفاعله ومفعوله ومتعلقاته دفعة واحدة فنشأت من ذلك صورة عجيبة، فوزان الإتيان بالمصدر وزان الاستعارة المفردة، ووزان الإتيان بالفعل وزان الاستعارة التمثيلية، وليس هو عطفاً على جملة {أية : اذكروا}تفسير : [البقرة: 47] كما وقع في بعض التفاسير لأن ذلك يجعل (إذ) ظرفاً فيطلب متعلقاً وهو ليس بموجود، ولا يفيده حرف العطف لأن العاطف في عطف الجمل لا يفيد سوى التشريك في حكم الجملة المعطوف عليها، وليس نائباً مناب عامل، ولا يريبك الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه أعني {وإذ نجيناكم} بجملة {أية : واتقوا يوماً}تفسير : [البقرة: 48] فتظنه ملجأ لاعتبار العطف على الجملة لما علمت فيما تقدم أن قوله: {واتقوا} ناشىء عن التذكير فهو من علائق الكلام وليس بأجنبي، على أنه ليس في كلام النحاة ما يقتضي امتناع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالأجنبي فإن المتعاطفين ليسا بمرتبة الاتصال كالعامل والمعمول، وعُدي فعل {أنجينا} إلى ضمير المخاطبين مع أن التنجية إنما كانت تنجية أسلافهم لأن تنجية أسلافهم تنجية للخلف فإنه لو بقي أسلافهم في عذاب فرعون لكان ذلك لاحقاً لأخلافهم فذلك كانت منة النتيجة منتين: منة على السلف ومنة على الخلف فوجب شكرها على كل جيل منهم ولذلك أوجبت عليهم شريعتهم الاحتفال بما يقابل أيام النعمة عليهم من أيام كل سنة وهي أعيادهم وقد قال الله لموسى: {أية : وذكرهم بأيام الله}تفسير : [إبراهيم: 5]. وآل الرجل أهله. وأصل آل أهل قلبت هاؤه همزة تخفيفاً ليتوصل بذلك إلى تسهيل الهمزة مداً. والدليل على أن أصله أهل رجوع الهاء في التصغير إذ قالوا: أهيل ولم يسمع أُويل خلافاً للكسائي. والأهل والآل يراد به الأقارب والعشيرة والموالي وخاصة الإنسان وأتباعه. والمراد من آل فرعون وَزَعَته ووكلاؤه، ويختص الآل بالإضافة إلى ذي شأن وشرف دنيوي ممن يعقل فلا يقال آل الجاني ولا آل مكة، ولما كان فرعون في الدنيا عظيماً وكان الخطاب متعلقاً بنجاة دنيوية من عظيم في الدنيا أطلق على أتباعه آل فلا توقف في ذلك حتى يحتاج لتأويله بقصد التهكم كما أول قوله تعالى: {أية : أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}تفسير : [غافر: 46] لأن ذلك حكاية لكلام يقال يوم القيامة وفرعون يومئذ محقر، هلك عنه سلطانه. فإن قلت: إن كلمة أهل تطلق أيضاً على قرابة ذي الشرف لأنها الاسم المطلق فلماذا لم يؤت بها هنا حتى لا يطلق على آل فرعون ما فيه تنويه بهم؟ قلت: خصوصية لفظ آل هنا أن المقام لتعظيم النعمة وتوفير حق الشكر والنعمة تعظيم بما يحف بها فالنجاة من العذاب وإن كانت نعمة مطلقاً إلا أن كون النجاة من عذاب ذي قدرة ومكانة أعظم لأنه لا يكاد ينفلت منه أحد.شعر : ولا قرار على زأر من الأسد تفسير : وإنما جعلت النجاة من آل فرعون ولم تجعل من فرعون مع أنه الآمر بتعذيب بني إسرائيل تعليقاً للفعل بمن هو من متعلقاته على طريقة الحقيقة العقلية وتنبيهاً على أن هؤلاء الوزعة والمكلفين ببني إسرائيل كانوا يتجاوزون الحد المأمور به في الإعنات على عادة المنفذين فإنهم أقل رحمة وأضيق نفوساً من ولاة الأمور كما قال الراعي يخاطب عبد الملك بن مروان:شعر : إن الذين أمرتهم أن يعدلوا لم يفعلوا مما أمرت فتيلاً تفسير : جاء في التاريخ أن مبدأ استقرار بني إسرائيل بمصر كان سببه دخول يوسف عليه السلام في تربية العزيز طيفار كبير شرط فرعون، وكانت مصر منقسمة إلى قسمين مصر العليا الجنوبية المعروفة اليوم بالصعيد لحكم فراعنة من القبط وقاعدتها طيوه، ومصر السفلى وهي الشمالية وقاعدتها منفيس وهي القاعدة الكبرى التي هي مقر الفراعنة وهذه قد تغلب عليها العمالقة من الساميين أبناء عم ثمود وهم الذين يلقبون في التاريخ المصري بالرعاة الرحالين وبالهكصوص في سنة 3300 أو سنة 1900 قبل المسيح على خلاف ناشىء عن الاختلاف في مدة بقائهم بمصر الذي انتهى سنة 1700 ق م عند ظهور العائلة الثامنة عشرة، فكان يوسف عند رئيس شرط فرعون العمليقي، واسم فرعون يومئذ أبو فيس أو أبيبي وأهل القصص ومن تلقف كلامهم من المفسرين سموه ريّان بن الوليد وهذا من أوهامهم وكان ذلك في حدود سنة 1739 قبل ميلاد المسيح، ثم كانت سكنى بني إسرائيل مصر بسبب تنقل يعقوب وأبنائه إلى مصر حين ظهر أمر يوسف وصار بيده حكم المملكة المصرية السفلى. وكانت معاشرة الإسرائيليين للمصريين حسنة زمناً طويلاً غير أن الإسرائيليين قد حافظوا على دينهم ولغتهم وعاداتهم فلم يعبدوا آلهة المصريين وسكنوا جميعاً بجهة يقال لها أرض (جاسان) ومكث الإسرائيليون على ذلك نحواً من أربعمائة سنة تغلب في خلالها ملوك المصريين على ملوك العمالقة وطردوهم من مصر حتى ظهرت في مصر العائلة التاسعة عشرة وملك ملوكها جميع البلاد المصرية ونبغ فيهم رعمسيس الثاني الملقب بالأكبر في حدود سنة 1311 قبل المسيح وكان محارباً باسلاً وثارت في وجهه الممالك التي أخضعها أبوه ومنهم الأمم الكائنة بأطراف جزيرة العرب، فحدثت أسباب أو سوء ظنون أوجبت تنكر القبط على الإسرائيليين وكلفوهم أشق الأعمال وسخروهم في خدمة المزارع والمباني وصنع الآجر. وتقول التوراة إنهم بنوا لفرعون مدينة مخازن (فيثوم) ومدينة (رعمسيس) ثم خشي فرعون أن يكون الإسرائيليون أعواناً لأعدائه عليه فأمر باستئصالهم وكأنه اطلع على مساعدة منهم لأبناء نسبهم من العمالقة والعرب فكان يأمر بقتل أبنائهم وسبي نسائهم وتسخير كبارهم ولا بد أن يكون ذلك لما رأى منهم من التنكر، أو لأن القبط لما أفرطوا في استخدام العبرانيين علم فرعون أنه إن اختلطت جيوشه في حرب لا يسلم من ثورة الإسرائيليين فأمر باستئصالهم. وأما ما يحكيه القصاصون أن فرعون أخبره كاهن أن ذهاب ملكه يكون على يد فتى من إسرائيل فلا أحسبه صحيحاً إذ يبعد أن يروج مثل هذا على رئيس مملكة فيفنى به فريقاً من رعاياه، اللهم إلا أن يكون الكهنة قد أغروا فرعون باليهود قصداً لتخليص المملكة من الغرباء أو تفرسوا من بني إسرائيل سوء النوايا فابتكروا ذلك الإنباء الكهنوتي لإقناع فرعون، بوجوب الحذر من الإسرائيليين ولعل ذبح الأبناء كان من فعل المصريين استخفافاً باليهود، فكانوا يقتلون اليهودي في الخصام القليل كما أنبأت بذلك آية {أية : فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه}تفسير : [القصص: 15] والحاصل أن التاريخ يفيد على الإجمال أن عداوة عظيمة نشأت بين القبط واليهود آلت إلى أن استأصل القبط الإسرائيليين. ولقد أبدع القرآن في إجمالها إذ كانت تفاصيل إجمالها كثيرة لا يتعلق غرض التذكير ببيانها. وجملة: {يسومونكم سوء العذاب} حال من {آل فرعون} يحصل بها بيان ما وقع الإنجاء منه وهو العذاب الشديد الذي كان الإسرائيليون يلاقونه من معاملة القبط لهم. ومعنى {يسومونكم} يعاملونكم معاملة المحقوق بما عومل به يقال سامه خسفاً إذا أذله واحتقره فاستعمل سام في معنى أنال وأعطى ولذلك يعدى إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر. وحقيقة سام عرض السوم أي الثمن. وسوء العذاب أشده وأفظعه وهو عذاب التسخير والإرهاق وتسليط العقاب الشديد بتذبيح الأبناء وسبي النساء والمعنى يذبحون أبناء آبائكم ويستحيون نساء قومكم الأولين. والمراد من الأبناء قيل أطفال اليهود وقيل: أريد به الرجال بدليل مقابلته بالنساء وهذا الوجه أظهر وأوفق بأحوال الأمم إذ المظنون أن المحق والاستئصال إنما يقصد به الكبار، ولأنه على الوجه الأول تكون الآية سكتت عن الرجال إلا أن يقال: إنهم كانوا يذبحون الصغار قطعاً للنسل ويسبون الأمهات استعباداً لهن ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدريج. وإبقاء الرجال في مثل هاته الحالة أشد من قتلهم. أو لعل تقصيراً ظهر من نساء بني إسرائيل مرضعات الأطفال ومربيات الصغار وكان سببه شغلهن بشؤون أبنائهن فكان المستعبِدون لهم إذا غضبوا من ذلك قتلوا الطفل. والاستحياء استفعال يدل على الطلب للحياة أي يبقونهن أحياء أو يطلبون حياتهن. ووجه ذكره هنا في معرض التذكير بما نالهم من المصائب أن هذا الاستحياء للإناث كان المقصد منه خبيثاً وهو أن يعتدوا على أعراضهن ولا يَجدن بداً من الإجابة بحكم الأسر والاسترقاق فيكون قوله: {ويستحيون نساءكم} كناية عن استحياء خاص ولذلك أدخل في الإشارة في قوله: {وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} ولو كان المراد من الاستحياء ظاهره لما كان وجه لعطفه على تلك المصيبة. وقيل إن الاستحياء من الحياء وهو الفرج أي يفتشون النساء في أرحامهن ليعرفوا هل بهن حمل وهذا بعيد جداً وأحسن منه أن لو قال إنه كناية كما ذكرنا آنفاً. وقد حكت التوراة أن فرعون أوصى القوابل بقتل كل مولود ذكر. وجملة: {يذبحون أبناءكم} إلخ بيان لجملة {يسومونكم سوء العذاب} فيكون المراد من سوء العذاب هنا خصوص التذبيح وما عطف عليه وهو {ويستحيون نساءكم} لما عرفت فكلاهما بيان لسوء العذاب فكان غير ذلك من العذاب لا يعتد به تجاه هذا. ولك أن تجعل الجملة في موضع بدل البعض تخصيصاً لأعظم أحوال سوء العذاب بالذكر وهذاهو الذي يطابق آية سورة إبراهيم (6) التي ذكر فيها {أية : ويذبحون } تفسير : أبناءكم بالعطف على سوء العذاب وليس قوله {ويستحيون} مستأنفاً لإتمام تفصيل صنيع فرعون بل هو من جملة البيان أو البدل للعذاب ويدل لذلك قوله تعالى في الآية الأخرى: {أية : يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين}تفسير : [القصص: 4] فعقب الفعلين بقوله: {إنه كان من المفسدين}. والبلاء الاختبار بالخير والشر قال تعالى: {أية : وبلوناهم بالحسنات والسيئات}تفسير : [الأعراف: 168] وهو مجاز مشهور حقيقته بلاء الثوب ـــ بفتح الباء مع المد وبكسرها مع القصر ـــ وهو تخلقه وترهله ولما كان الاختبار يوجب الضجر والتعب سمي بلاء كأنه يُخلق النفس، ثم شاع في اختبار الشر لأنه أكثر إعناتاً للنفس،وأشهر استعماله إذا أطلق أن يكون للشر فإذا أرادوا به الخير احتاجوا إلى قرينة أو تصريح كقول زهير:شعر : yجزى الله بالإحسانِ ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو تفسير : فيطلق غالباً على المصيبة التي تحل بالعبد لأن بها يختبر مقدار الصبر والأناة والمراد هنا المصيبة بدليل قوله {عظيم}. وقيل أراد به الإنجاء والبلاء بمعنى اختبار الشكر وهو بعيد هنا. وتعلق الإنجاء بالمخاطبين لأن إنجاء سلفهم إنجاء لهم فإنه لو أبقى سلفهم هنالك للحق المخاطبين سوء العذاب وتذبيح الأبناء، أو هو على حذف مضاف أي نجينا آباءكم، أو هو تعبير عن الغائب بضمير الخطاب إما لنكتة استحضار حاله وإما لكون المخاطبين مثالهم وصورتهم فإن ما يثبت من الفضائل لآباء القبيلة يثبت لأعقابهم فالإتيان بضمير المخاطب على خلاف مقتضى الظاهر على حد ما يقال في قوله تعالى: {أية : إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية}تفسير : [الحاقة: 11] فالخطاب ليس بالتفات لأن اعتبار أحوال القبائل يعتبر للخلف ما ثبت منه للسلف.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ}. بينه بقوله بعده: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: النجاة: الخلاص من الهلكة، كالخلاص من الغرق، والخلاص من العذاب. آل فرعون: أتباع فرعون. وفرعون ملك مصر على عهد موسى عليه السلام يسومونكم سوء العذاب: يبغونك سوء العذاب وهو أشده وأفظعه ويذيقونكم إياه يستحيون نساءكم: يتركون ذبح البنات ليكبرن للخدمة، ويذبحون الأولاد خوفاً منهم إذا كبروا. بلاء عظيم: ابتلاء وامتحان شديد لا يطاق. فرقنا بكم البحر: صيرناه فرقتين، وما بَيْنَهُمَا يَبس لا ماء فيه لتسلكوه فتنجوا والبحر هو بحر القلزم (الأحمر). اتخذتم العجل: عجل من ذهب صاغه لهم السامري ودعاه إلى عبادته فعبده أكثرهم، وذلك في غيبة موسى عنهم. الشكر: إظهار النعمة بالإعتراف بها وحمد الله تعالى عليها وصرفها في مرضاته. الكتاب والفرقان: الكتاب: التوراة، والفرقان: المعجزات التي فرق الله تعالى بها بين الحق والباطل. تهتدون: إلى معرفة الحق في كل شئونكم من أمور الدين والدنيا. معنى الآيات: تضمنت هذه الآيات الخمس أربع نعم عظمى أنعم الله بها على بني إسرائيل وهي التي أمرهم بذكرها ليشكروه عليها بالإيمان برسوله محمد صلى الله عليه وسلم ودينه الإسلام. فالنعمة الأولى: انجاؤهم من فرعون وآله بتخليصهم من حكمهم الظالم وما كانوا يصبونه عليهم من ألوان العذاب. من ذلك: ذبح الذكور من أولادهم وترك البنات لاستخدامهن فى المنازل كرقيقات. والثانية: فلق البحر لهم وإغراق عدوهم بعد نجاتهم وهم ينظرون. والثالثة: عفوه تعالى عن أكبر زلة زلوها وجريمة اقترفوها وهي اتخاذهم عجلاً صناعياً إلهاً وعبادتهم له. فعفا تعالى عنهم ولم يؤاخذهم بالعذاب لعلة أن يشكروه تعالى بعبادته وحده دون سواه. والرابعة: ما أكرم به نبيهم موسى عليه السلام من التوراة التي فيها الهدى والنور والمعجزات التي أبطلت باطل فرعون، وأحقت دعوة الحق التي جاء بها موسى عليه السلام. هذه النعم هي محتوى الآيات الخمس، ومعرفتها معرفة لمعاني الآيات في الجملة اللهم إلا جملة {وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} في الآية الأولى فإنها: أخبار بأن الذي حصل لبني إسرائيل من عذاب على أيدي فرعون وملئه إنما كان امتحاناً من الله واختباراً عظيما لهم. كما أن الآية الثالثة فيها ذكر مواعدة الله تعالى لموسى بعد نجاة بني إسرائيل أربعين ليلة وهي القعدة وعشر الحجة ليعطيه التوراه يحكم بها بني إسرائيل فحدث في غيابه أن جمع السامري حلي نساء بني إسرائيل وصنع منه عجلاً ودعاهم إلى عبادته فعبدوه فاستوجبوا العذاب إلا أن الله منّ عليهم بالعفو ليشكروه. هداية الآيات: من هداية هذه الآيات: 1- ذكر النعم يحمل على شكرها، والشكر هو الغاية من ذكر النعمة. 2- أن الله تعالى يبتلي عباده لحكم عالية فلا يجوز الإعتراض على الله تعالى فيما يبتلي به عباده. 3- الشرك ظلم لأنه وضع العبادة في غير موضعها. 4- إرسال الرسل وإنزال الكتب الحكمة فيهما هداية الناس إلى معرفة ربهم وطريقة التقرب إليه ليعبدوه فيكملوا ويسعدوا في الحياتين.
القطان
تفسير : في هذه الآيات تعداد لنعم الله تعالى على بني اسرائيل ومننه الكثيرة، فيقول تعالى: واذكروا من نِعَمنا عليكم أن أنجيناكم من ظلم فرعون وأعوانه الذين كانوا يذيقونكم أشد العذاب، فإنهم كانوا يذبحون الذكور من أولادكم تحسّباً من أن ينازعوهم في حكم البلاد، ويبقون الإناث ليتخذوهن جواري لهم. وفي هذا العذاب والتعرض للفناء بلاء شديد من ربكم لكم واختيار عظيم. وفرعون لقبٌ لمن ملك مصر قبل البطالسة، مثل كسرىعند الفرس وقيصر عند الروم، وتُبَّع في اليمن، والنجاشي في الحبشة. واذكروا كذلك من نعم الله عليكم أننا شققنا من أجلكم البحر وفصلنا بعضه عن بعض لتسيروا فيه، فتتخلصوا وتنجوا من ملاحقة فرعون وجنوده.. هكذا نجوتم، كما انتقمنا لكم من عدوكم فأغرقناه أمام أبصاركم. وهذه القصة من خوارق العادات ومن معجزات الأنبياء التي يؤيدهم الله بها حين يرسلهم. وخوارق العادات جائزةٌ عقلا، وهي خاضعة لارادة الله وفق النواميس الطبيعية التي وضعها سبحانه وتعالى، لكن تفسيرها هو الذي يبدو خارقاً. فالحق أن السنن والقوانين الكونية لا تحكُم على واضعها ومبررها بل هو الحاكم المتصرف فيها. واذكروا حين واعد ربُّكم موسى أربعين ليلة لمناجاته، وتلقى التوراة. فلما ذهب موسى الى ميعاده، بعد اجتياز البحر سألتموه أن يأتيكم بكتاب من ربكم، فلمّا أبطأ علكيم اتخذتم عِجْلاً من ذهبٍ وعبدتموه من دون الله. بذلك عدتم الى كفركم والإشراك في الله. يومذاك كان الذهب هو ربكم، فبئس ما تفعلون. أما العجل فقد استعاروه من عبادة الكنعانيين. والمراد بهذه الآيات هو تذكير أحفادهم بالنعمة وبيان كفرهم بها. وذلك ليظهر أن تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ليس بغريب منهم، بل هو معهود فيهم. وهو دليل على أنهم عبيد المادة يجرون وراءها، هذا ديدنهم منذ أول أمرهم الى الآن. ومن فعلَ هذا من الأمم الأخرى فقد اكتسب بعض صفاتهم.. إنه تهوّد. ثم عفَونا عنكم ومحونا عقوبتكم أملاً في ان تنصلح حالكم ولعلّكم تشكرون ربكم على عفوه عنكم، وفضله عليكم، وتشجيعاً لأن تداوموا على طاعة الله ورسله. واذكروا حين أنعمنا عليكم فأنزلنا على نبيكم موسى كتاباً من عندنا جعلناه يفرّق بين الحق والباطل، ويبين لكم الحلال من الحرام. وذلك لكي تسترشدوا بنور هذا الكتاب وتهتدوا من الضلال باتباع ما جاء فيه. القراءات: قرأ نافع، وابن كثير، وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "واعدنا" والباقون "وعدنا".
د. أسعد حومد
تفسير : {نَجَّيْنَاكُم} {آلِ فِرْعَوْنَ} (49) - يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرائِيلَ بِنِعْمَتِهِ عَلَيهِمْ إِذْ أَنْجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ (آلِ فِرْعَوْنَ) الذِينَ كَانُوا يُذِيقُونَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَسْوَأَ العَذَابِ جَزَاءَ مَا اقْتَرَفُوهُ مِنْ جَرَائِمَ وَآثَامٍ، إِذْ كَانُوا يَقْتُلُونَ الذُّكُورَ مِنْ أَبْنَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الذِينَ كَانُوا في مِصْرَ، وَيَسْتَبْقُونَ البَنَاتِ مِنْهُمْ، زِيَادَةً فِي القَهْرِ وَالإِذْلاَلِ، وَإِنَّ هذا الذِي قَامَ بِهِ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ مِنْ ذَبْحِ الأَبْنَاءِ، وَإِرْهَاقِ بَني إِسْرَائِيلَ بِشَاقِّ الأَعْمَالِ، إِنَّمَا هُوَ بَلاَءٌ عَظِيمٌ، وَشَرٌ كَبِيرٌ، ابْتَلَى اللهُ بِهِ اليَهُودَ. سَامَهُ العَذَابَ - أَذَاقَهُ العَذَابَ، وَأَوْلاَهُ إِيَّاهُ. يَسْتَحْيُونَ - يَسْتَبْقُونَ البَنَاتِ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ. بَلاَءٌ - امتِحَانٌ وَاخْتِبَارٌ.
الثعلبي
تفسير : {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم} يعني أسلافكم وآباءكم فأعتدّها منّة عليهم؛ لأنّهم نجوا بنجاتهم، ومآثر الآباء مفاخر الأبناء. وقوله: {أية : فَأَنجَيْنَاكُمْ} تفسير : [البقرة: 50]: أصله ألقيناكم على النّجاة وهو ما ارتفع واتّسع من الأرض هذا، هو الأصل، ثم سمّي كلّ فائز ناجياً كأنّه خرج من الضيق والشدة الى الرخاء والراحة. وقرأ إبراهيم النخعي: وإذ نجّيناكم على الواحد. {مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ}: أي أشياعه وأتباعه وأسرته وعزّته وأهل دينه، وأصله من الأول وهو الرجوع كأنّه يؤول إليك، وكان في الأصل همزتان فعّوضت من إحداهما مدّ وتخفيف. وفرعون: هو الوليد بن مصعب بن الريّان، وكان من العماليق. {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} يعني يكلّفونكم ويذيقونكم أشدّ العذاب وأسوأه، وذلك أنّ فرعون جعل بني إسرائيل خدماً وعبيداً وصنّفهم في أعمالهم. فصنف يبنون، وصنف يحرثون ويزرعون، وصنف يخدمون، ومن لم يكن منهم في عمل من هذه الأعمال فعليه الجزية. {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ}. وقرأ ابن محيصن: بالتخفيف فتح الياء والباء من الذبح، والتشديد على التكثير، وذلك أنّ فرعون رأى في منامه كأنّ ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقتها وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، فهاله ذلك، ودعا بالسحرة والكهنة وسألهم عن رؤياه فقالوا: إنّه يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك وتبديل دينك، فأمر فرعون بقتل كلّ غلام يولد في بني إسرائيل، وجمع القوابل من أهل مملكته فقال لهنّ: لا يسقطنّ على أيديكنّ غلام من بني إسرائيل إلاّ قتل ولا جارية إلاّ تركت، ووكّل بهنّ من يفعلن ذلك، وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل فدخل رؤوس القبط على فرعون فقالوا له: إنّ الموت قد وقع في بني إسرائيل وأنت تذبح صغارهم [ويموت كبارهم،فيوشك أن يقع العمل علينا، فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها فترك، وولد موسى في السنة التي يذبحون فيها]. {وَفِي ذَلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} في إنجائكم منهم نعمة عظيمة، والبلاء تنصرف على وجهين: النعماء والنقماء [...........]. {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ}....... {ٱلْبَحْرَ}: وذلك إنّه لما دنا هلاك فرعون أمر الله عزّ وجلّ موسى أن يسري ببني إسرائيل، وأمرهم أن يسرجوا في بيوتهم إلى الصبح، وأخرج الله عزّ وجلّ كل ولد زنا في القبط من بني اسرائيل إليهم وأخرج [من بني إسرائيل كل ولد زنا منهم] إلى القبط حتى رجع كل واحد منهم الى أبيه، وألقى الله عزّ وجلّ على القبط الموت فمات كل بكراً، فاشتغلوا بدفنهم [عن طلبهم حتى] طلعت الشمس وخرج موسى عليه السلام في ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يتعدّون ابن العشرين أصغرهم، ولا ابن الستين أكبرهم، سوى الذرية. فلما أرادوا السير ضُرب عليهم التّيه فلم يدروا أين يذهبون، فدعا موسى عليه السلام مشيخة بني إسرائيل وسألهم عن ذلك. فقالوا: إنّ يوسف عليه السلام لما حضرته الوفاة أخذ على إخوته عهداً أن لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم؛ فلذلك أنسدّ علينا الطريق، فسألهم عن موضع قبره فلم يعلموا. فقام موسى يُنادي: أنشد الله كل من يعلم أين موضع قبر يوسف إلاّ أخبرني به، ومن لم يعلم فصمّت أذناه عن قولي. فكان يمرّ بين الرّجلين ينادي فلا يسمعان صوته حتى سمعتهُ عجوز لهم فقالت: أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطيني كلّما سألتك، فأبى عليها وقال: حتى أسأل ربّي، فأمره الله عزّ وجلّ بايتاء سؤلها، فقالت: إني عجوز كبيرة لا أستطيع المشي فاحملني وأخرجني من مصر هذا في الدُّنيا، وأما في الآخرة فأسألك أن لا تنزل بغرفة من الجنة إلاّ نزلتها معك، قال: نعم، قالت: إنّه في جوف الماء في النيل، فادعُ الله حتى يحبس عنه الماء. فدعا الله فحبس عنه الماء، ودعا أن يؤخر طلوع الفجر إلى أن يفرغ من أمر يوسف، فحفر موسى ذلك الموضع واستخرجه في صندوق من المرمر فحمله حتى دفنه بالشام، ففتح لهم الطريق. فساروا وموسى على ساقتهم وهارون على مقدّمتهم، وعلم بهم فرعون فجمع قومه وأمرهم أن لا يخرجوا في طلب بني إسرائيل حتى يصيح الدّيك. فوالله ما صاح ديك في تلك الليلة. فخرج فرعون في طلب بني اسرائيل وعلى مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف، وكان فيهم سبعون ألف من دهم الخيل سوى سائر الشّيات، وسارت بنو إسرائيل حتى وصلوا إلى البحر، والماء في غاية الزيادة. نظروا فإذا هم بفرعون وذلك حين أشرقت الشمس، فبقوا متحيرين وقالوا: يا موسى كيف نصنع؟ وما الحيلة؟ فرعون خلفنا والبحر أمامنا. قال موسى: {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62] فأوحى إليه: {أية : أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ} تفسير : [الشعراء: 63] فضربه فلم يُطعه، فأوحى الله إليه أن كنّه، فضربه موسى بعصاه وقال: انفلق أبا خالد بإذن الله، {أية : فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الشعراء: 63] وظهر فيها اثنا عشر طريقاً لكلّ سبط طريق، وأرسل الله عزّ وجلّ الريح والشمس على مقر البحر حتى صار يبساً. وقال سعيد بن جبير: أرسل معاوية الى ابن عباس فسأله عن مكان لم تطلع فيه الشمس إلاّ مرة واحدة؟ فكتب إليه: إنه المكان الذي انفلق منه البحر لبني إسرائيل. فخاضت بنو إسرائيل البحر كل سبط في طريق وعن جانبه الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضاً، فخافوا وقال كل سبط قد غرق كل إخواننا. فأوحى الله إلى حال الماء أن تشبّكي، فصار الماء شبكات يرى بعضهم بعضا، ويسمع بعضهم كلام بعض حتى عبروا البحر سالمين. ذلك قوله تعالى {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ} أي فلقنا وميّزنا الماء يميناً وشمالا. {فَأَنجَيْنَاكُمْ} من آل فرعون والغرق. {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} وذلك إنّ فرعون لما وصل إلى البحر فرآه منغلقاً، قال لقومه: انظروا إلى البحر انفلق لهيبتي حتى أدرك أعدائي وعبيدي الذين أبقوا وأقتلهم، أدخلوا البحر، فهاب قومه أن يدخلوه ولم يكن في خيل فرعون أنثى، وإنما كانت كلها ذكور، فجاء جبرائيل عليه السلام على فرس أنثى وديق فتقدّمهم فخاض البحر، فلما شمّت الخيول ريحها اقتحمت البحر في أثرها حتى خاضوا كلهم في البحر، وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يستحثهم ويقول لهم: إلحقوا بأصحابكم، حتى إذا خرج جبرائيل من البحر وهمَّ أولهم أن يخرج، أمر الله تعالى البحر أن يأخذهم والتطم عليهم فأغرقهم أجمعين؛ وذلك بمرأى من بني إسرائيل، وذلك قوله: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ}. {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} إلى مصارعهم. {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} وذلك أنّ بني إسرائيل لما أمِنوا من عدوهم، ودخلوا مصر، ولم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليها، فوعد الله عزّ وجلّ موسى أن ينزّل عليهم التوراة، فقال موسى لقومه: إنّي ذاهب إلى ميقات ربي، وآتيكم بكتاب فيه تبيان ما تأتون وما تذرون، فواعدهم أربعين ليلة ثلاثين من ذي القعدة وعشراً من ذي الحجة واستخلف عليهم أخاه هارون. فلما أتى الوعد جاء جبرئيل على فرس يُقال لها فرس الحياة لا يصيب شيئاً إلاّ حييّ؛ ليذهب بموسى إلى ربه، فلمّا رآه السامري وكان رجلاً صائغاً من أهل باجرو واسمه ميخا ـ وقال ابن عباس: إسمه موسى بن ظفر، وكان رجلاً منافقاً قد أظهر الإسلام، وكان من قوم يعبدون البقر، فدخل قلبه حبُّ البقر ـ فلما رأى جبرئيل على ذلك الفرس، قال: إنّ لهذا شأناً، وأخذ قبضةً من تربة حافر فرس جبرئيل، وكانت بنو إسرائيل قد استعاروا حلياً كثيراً من قوم فرعون حين أرادوا الخروج من مصر لغلة عرس لهم فأهلك الله عزّ وجلّ قوم فرعون فبقيت تلك الحلي في يد بني إسرائيل. فلما وصل موسى. قال السامري: إنّ الأمتعة والحلي التي استعرتموها من قوم فرعون غنيمة، ولا تحلّ لكم. فاحفروا حفرةً وادفنوها فيها حتى يرجع موسى، ويرى فيها رأيه، ففعلوا ذلك. فلما اجتمعت الحلي صاغها السامري، ثم ألقى القبضة التي أخذها من تراب فرس جبرئيل فيه، فخرج عجلا من ذهب مرصعاً بالجواهر كأحسن ما يكون وخار خورة. قال السّدي: كان يخور ويمشي [ويقول: ] هذا آلهكم واله موسى فَنسي، أي تركه ها هنا وخرج بطلبه. وكان بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد فعدّوا اليوم والليلة يومين، فلما مضت عشرون يوماً ولم يرجع موسى عليه السلام ورأوا العجل وسمعوا قول السامري، أفتتن بالعجل ثمانية الآف رجل منهم، وعكفوا عليه يعبدونه من دون الله عزّ وجلّ. {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ}: قرأ أبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب: (وعدنا) بغير ألف في جميع القرآن، وقرأ الباقون: (واعدنا) بالألف، وهي قراءة ابن مسعود. فمن قرأ بغير ألف قال: لأنّ الله عزّ وجلّ هو المتفرد بالوعد والقرآن ينطق به كقوله تعالى: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ} تفسير : [النساء: 95] وقوله: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ} تفسير : [إبراهيم: 22]، ومن قرأ بالالف قال: قد يجيء المفاعلة من واحد كقولهم: عاقبت اللص، وعافاك الله، وطارقت النعل. قال الزجاج: (واعدنا) جيد لأن بالطاعة والقبول بمنزلة المواعدة فكان من الله الوعد ومن موسى القبول. وموسى: هو موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب. {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} وقرأ زيد بن علي: (أربعين) بكسر الباء وهي لغة، و(ليلة) نصب على التمييز والتفسير، وإنّما قرن التاريخ بالليل دون النهار؛ لأن شهور العرب وضعت على مسير القمر، والهلال إنّما يهلّ بالليل، وقيل لأنّ الظلمة أقدم من الضوء، والليل خُلق قبل النهار. قال الله عزّ وجلّ: {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ} تفسير : [يس: 37] الآية. {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ} يقول أبو العالية: إنّما سمّي العجل لأنّهم تعجّلوه قبل رجوع موسى عليه السلام. {مِن بَعْدِهِ} من بعد انطلاق موسى إلى الجبل للميعاد. {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} مشّاؤون لأنفسكم بالمعصية، وواضعون العبادة في غير موضعها. {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم} أي تركناكم فلم نستأصلكم، من قول له عليه السلام: أحفوا الشّوارب واعفوا اللحي، وقيل: محونا ذنوبكم، من قول العرب: عفت الرّيح المنازل فعفت. {مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} أي من بعد عبادتكم العجل. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لكي تشكروا عفوي عنكم، وصنيعي إليكم. واختلف العلماء في ماهيّة الشكر، فقال ابن عباس: هو الطاعة بجميع الجوارح لربّ الخلائق في السر والعلانية. وقال الحسن: شكر النعمة ذكرها، قال الله تعالى: {أية : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} تفسير : [الضحى: 11]. الفضل: شكر كل نعمة ألاّ يُعصى الله بعد تلك النعمة. أبو بكر بن محمد بن عمر الوراق: حقيقة الشكر: معرفة المُنعم، وأن لا تعرف لنفسك في النعمة حظّاً بل تراها من الله عزّ وجلّ. قال الله تعالى: {أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ} تفسير : [النحل: 53] يدل عليه ما روى سيف بن ميمون عن الحسين: إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : قال موسى عليه السلام: يا ربّ كيف استطاع آدم أنْ يؤدي شكر ما أجريت عليه من نعمك، خلقته بيدك واسجدت له ملائكتك واسكنته جنَّتك؟ فأوحى الله إليه: إنّ آدم علم إنّ ذلك كله منّي ومن عندي فذلك شكر ". تفسير : وعن إسحاق بن نجيح الملطي عن عطاء الخرساني عن وهب بن منبّه قال: قال داود عليه السلام : إلهي كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصِلُ إلى شكرك إلاّ بنعمتك؟ فأوحى الله تعالى إليه: ألست تعلم أنّ الذي بك من النعم منّي؟ قال: بلى يا ربّ، قال: أرضى بذلك لك شكراً. وقال وهب: وكذلك قال موسى: يا ربّ أنعمت عليّ بالنعم السوابغ وأمرتني بالشكر لك عليها، وإنما شكري لكل نعمة منك عليّ، فقال الله: يا موسى تعلّمت العلم الذي لا يفوته علم، حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فهو منّي ومن عندي. قال الجنيد: حقيقة الشكر: العجز عن الشكر. وروى ذلك عن داود عليه السلام إنّه قال: سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكراً، كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة. وقال بعضهم: الشكر أن لا يرى النعمة البتة بل يرى المنعم. أبو عثمان الخيري: صدق الشكر: لا تمدح بلسانك غير المنعم. أبو عبد الرحمن السلمي عن أبي بكر الرازي عن الشبلي: الشكر: التواضع تحت رؤية المنّة. وقيل: الشكر خمسة أشياء: مجانبة السيئات، والمحافظة على الحسنات، ومخالفة الشهوات، وبذل الطاعات، ومراقبة ربّ السموات. قال الثعلبي: سمعت أبا القاسم الحبيبي يقول: سُئل أبو الحسن علي بن عبد الرحيم القناد في الجامع بحضرة أبي بكر بن عدوس وأنا حاضر: من أشكر الشاكرين؟ قال: الطاهر من الذنوب، يعدُّ نفسه من المذنبين، والمجتهد في النوافل بعداد الفرائض، يعدُّ نفسه من المقصّرين، والراضي بالقليل من الدُّنيا، يعدُ نفسهُ من المفلسين، فهذا أشكر الشاكرين. بكر بن عبد الرحمن عن ذي النّور: الشكر لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان والإفضال. {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَٱلْفُرْقَانَ} قال مجاهد والفراء: هما شيء واحد، والعرب تكرر الشيء إذا اختلفت ألفاظه على التوهم، وأنشد الفراء: شعر : وقدّمت الأديم لراهشيه وألفى قولها كذباً وميْنَا تفسير : وقال عنترة: شعر : حيّيت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أمّ الهيثم تفسير : وقال الزجاج: وهذا هو القول؛ لأنّ الله عزّ وجلّ ذكر لموسى الفرقان في غير هذا الموضع فقال: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ} تفسير : [الأنبياء: 48]. وقال الكسائي: الفرقان: نعت للكتاب، يريد: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَٱلْفُرْقَانَ} فرّق بين الحلال والحرام، والكفر والإيمان، والوعد والوعيد. فزيدت الواو فيه كما يُزاد في النعوت من قولهم: فلان حسن وطويل، وأنشد: شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : ودليل هذا التأويل قوله: {أية : ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 154]. وقال قطرب: أراد به الفرقان، وفي الآية إضمار، ومعناه: وإذا آتينا موسى الكتاب ومحمّد الفرقان. {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} لهذين الكتابين، فترك أحد الإسمين، كقول الشاعر: شعر : تراهُ كأن الله يجدع أنفه وعينيه إن مولاه بات له وفر تفسير : وقال ابن عباس: أراد بالفرقان النصر على الأعداء، نصر الله عزّ وجلّ موسى وأهلك فرعون وقومه، يدلّ عليه قوله عزّ وجلّ: {أية : وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ} تفسير : [الأنفال: 41] يوم بدر. يمان بن رباب: الفرقان: انفراق البحر وهو من عظيم الآيات، يدلّ عليه قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ}. {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} الذين إتخذوا العجل. {يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي ضررتم أنفسكم {بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ} إلهاً، فقالوا: فأي شيء نصنع وما الحيلة؟ قال: {فَتُوبُوۤاْ} فأرجعوا. {إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} أي خالقكم، وكان أبو عمرو يختلس الهمزة الى الجزم في قوله: {بَارِئِكُمْ} و(يأمركم) وينصركم طلباً للخفة كقول امرؤ القيس: شعر : فاليوم أشرب غير مستحقب إثماً من الله ولا واغل تفسير : وأنشد: شعر : وإذا أعوججن قلت صاحب قوّم بالدوّ أمثال السفين العوم تفسير : قال: {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} ليقتل البريء المجرم. {ذَلِكُمْ} القتل. {خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} قال ابن جرير: فأبى الله عزّ وجلّ أن يقبل توبة بني إسرائيل إلاّ بالحال التي كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل. وقال قتادة: [جعلّ عقوبة] عبدة العجل القتل؛ لأنّهم إرتدّوا، والكفر يبيح الدّم. وقرأ قتادة: (فأقيلوا أنفسكم) من الأقالة أي استقيلوا العثرة بالتوبة، فلما أهمّ موسى بالقتل قالوا: نصير لأمر الله تعالى فجلسوا بالأفنية مختبئين وأصلت القوم عليهم الخناجر وكان الرّجل يرى ابنه وأباه وعمّه وقومه وصديقه وجاره فلم يمكنهم المضي لأمر الله وقالوا: يا موسى كيف نفعل؟ فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضاً وقيل لهم من حلّ حبوته أو مدّ طرفه الى قاتله أو إتّقى بيد أو رجل فهو طعون مردود توبته، فكانوا يقتلونهم الى المساء، فلمّا كثر فيهم القتل دعا هارون وموسى وبكياً وجزعاً وتضرّعاً وقالا: يا ربّ هلكت بنو اسرائيل البقيّة البقيّة، فكشف الله عزّ وجلّ السحاب وأمرهم أن يرفعوا السلاح عنهم ويكفّوا عن القتل. فتكشّفت عن ألوف من القتلى، فاشتدّ ذلك على موسى، فأوحى الله إليه: أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنّة، وكان من قُتل منهم شهيداً ومن بقي منهم نكفّر عنه ذنوبه، فذلك قوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} يعني ففعلتم بأمره فتاب عليكم وتجاوز عنكم. {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن حذر الله سبحانه وتعالى بني إسرائيل من يوم لا تنفع فيه الشفاعة. أراد أن يذكرهم بفضله عليهم وبنعمه. قوله تعالى: {وَإِذْ} هي ظرف لشيء وسبق أن قلنا إن الظرف نوعان. لأن كل حدث من الأحداث يحتاج إلى زمان يقع فيه وإلى مكان يقع فيه. وعندما أقول لك اجلس مكانك. هذا الظرف يراد به المكان. وعندما يخاطب الله عز وجل عباده: أذكر إذ فعلت كذا. أي اذكر وقت أن فعلت كذا ظرف زمان. وقول الحق تبارك وتعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم} أي اذكروا الوقت الذي نجاكم فيه من فرعون. والآية التي نحن بصددها وردت ثلاث مرات في القرآن الكريم. قوله تعالى: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49]. {أية : وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ..} تفسير : [الأعراف: 141]. وقوله جل جلاله في سورة إبراهيم: {أية : إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 6]. الاختلاف بين الأولى والثانية هو قوله تعالى في الآية الأولى: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ}. وفي الثانية: {يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ}. "ونجينا" في الآية الأولى، "وأنجينا" في الآية الثانية. ما الفرق بين نجينا وأنجينا؟ هذا هو الخلاف الذي يستحق أن تتوقف عنده .. في سورة البقرة: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} .. الكلام هنا من الله .. أما في سورة إبراهيم فنجد {أية : ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ} تفسير : [إبراهيم: 6]. الكلام هنا كلام موسى عليه السلام. ما الفرق بين كلام الله سبحانه وتعالى وكلام موسى؟. إن كلام موسى يحكي عن كلام الله. إن الله سبحانه وتعالى حين يَمْتَنُّ على عباده يمتن عليهم بقمم النعمة، ولا يمتن بالنعم الصغيرة. والله تبارك وتعالى حين امتن على بني إسرائيل قال: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} [البقرة: 49]. ولم يتكلم عن العذاب الذي كان يلاقيه قوم موسى من آل فرعون. إنهم كانوا يأخذونهم أجراء في الأرض ليحرثوا وفي الجبال لينحتوا الحجر وفي المنازل ليخدموا. ومن ليس له عمل يفرضون عليه الجزية. ولذلك كان اليهود يمكرون ويسيرون بملابس قديمة حتى يتهاون فرعون في أخذ الجزية منهم. وهذا معنى قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ ..} تفسير : [البقرة: 61]. أي أنهم يتمسكنون ويظهرون الذلة حتى لا يدفعوا الجزية. ولكن الحق سبحانه وتعالى لم يمتن عليهم بأنه أنجاهم من كل هذا العذاب. بل يمتن عليهم بقمة النعمة. وهي نجاة الأبناء من الذبح واستحياء النساء؛ لأنهم في هذه الحالة ستستذل نساؤهم ورجالهم. فالمرأة لا تجد رجلاً يحميها وتنحرف. كلمة (نجَّى) وكلمة (أنجى) بينهما فرق كبير. كلمة (نَجَّى) تكون وقت نزول العذاب. وكلمة (أنجى) يمنع عنهم العذاب. الأولى للتخليص من العذاب والثانية يبعد عنهم عذاب فرعون نهائياً. ففضل الله عليهم كان على مرحلتين. مرحلة أنه خلصهم من عذاب واقع عليهم. والمرحلة الثانية أنه أبعدهم عن آل فرعون فمنع عنهم العذاب. قوله تعالى: {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} [البقرة: 49] ما هو السوء؟ إنه المشتمل على ألوان شتى من العذاب كالجلد والسخرة والعمل بالأشغال الشاقة. ما معنى يسوم؟ يقال سام فلان خصمه أي أذله وأعنته وأرهقه. وسام مأخوذة من سام الماشية نتركها ترعى. لذلك سميت بالسام أي المتروكة. وعندما يقال إن فرعون يسوم بني إسرائيل سوء العذاب. معناها أن كل حياتهم ذل وعذاب .. فتجد أن الله سبحانه وتعالى عندما يتكلم عن حكام مصر من الفراعنة يتكلم عن فراعنة قدماء كانوا في عهد عاد وعهد ثمود. واقرأ قوله تعالى: {أية : وَٱلْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ * وَٱلشَّفْعِ وَٱلْوَتْرِ * وَٱلَّيلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ * أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلْعِمَادِ * ٱلَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي ٱلْبِلاَدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخْرَ بِٱلْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِى ٱلأَوْتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَوْاْ فِي ٱلْبِلاَدِ * فَأَكْثَرُواْ فِيهَا ٱلْفَسَادَ} تفسير : [الفجر: 1-12]. أي أن الله تبارك وتعالى جاء بحضارة الفراعنة وقدماء المصريين بعد عاد وثمود. وهذا دليل على أن حضارة عاد وثمود قديمة. والله سبحانه وتعالى وصف عاداً بأنها التي لم يخلق مثلها في البلاد. أي أنها حضارة أرقى من حضارة قدماء المصريين. قد يتساءل بعض الناس كيف يصف الله سبحانه وتعالى عاداً بأنها التي لم يخلق مثلها في البلاد مع أنه يوجد الآن حضارات متقدمة كثيرة. نقول إن الله قد كشف لنا حضارة الفراعنة وآثارهم. ولكنه أخفى عنا حضارة عاد. ولقد وجدنا في حضارة الفراعنة أشياء لم نصل إليها حتى الآن. مثل براعتهم في تحنيط الموتى والمحافظة على الجثث، وبناء الأهرامات وغير ذلك. وبما أن حضارة عاد كانت أرقى من حضارة الفراعنة. فإنها تكون قد وصلت إلى أسرار ما زالت خافية على العالم حتى الآن. ولكنا لا نعرف شيئاً عنها، لأن الله لم يكشف لنا آثارها. ولقد تحدث الحق تبارك وتعالى عن الفراعنة باسم فرعون، وتكلم عنهم في أيام موسى باسم آل فرعون. ولكن الزمن الذي كان بين عهدي يوسف وموسى لم يسم ملك مصر فرعون، إنما سماه العزيز الذي هو رئيس الوزراء ورئيسه الملك. وقال الحق تبارك وتعالى: {أية : وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ ..} تفسير : [يوسف: 50]. إذن فالحاكم أيام يوسف كان يسمى ملكاً ولم يسم فرعون. بينما حكام مصر قبل يوسف وبعده كانوا يلقبون بفرعون. ذلك لأنه قبل عهد يوسف عليه السلام حكم مصر الهكسوس أهل بني إسرائيل. فقد أغاروا على مصر وانتصروا على الفراعنة، وحكموا مصر سنوات حتى تجمع الفراعنة وطردوهم منها. والغريب أن هذه القصة لم تعرف إلا بعد اكتشاف حجر رشيد، وفك رموز اللغة الهيروغليفية. وكان ملوك الهكسوس من الرعاة الذين استعمروا مصر فترة، ولذلك نرى في قصة يوسف عليه السلام قول الله سبحانه وتعالى: {أية : وَقَالَ ٱلْمَلِكُ ٱئْتُونِي بِهِ} تفسير : [يوسف: 50]. وهكذا نعلم أن القرآن الكريم قد روى بدقة قصة كل حاكم في زمنه. وصف الفراعنة بأنهم الفراعنة، ثم جاء الهكسوس فلم يكن هناك فرعون ولكن كان هناك ملك. وعندما جاء موسى كان الفراعنة قد عادوا لحكم مصر. فإذا كان هذا الأمر لم نعرفه إلا في مطلع القرن الخامس. عندما اكتشف الفرنسيون حجر رشيد، ولكن القرآن أَرَّخَ له التاريخ الصحيح منذ أربعة عشر قرناً. وهذه معجزة تنضم لمعجزات كبيرة في القرآن الكريم عن شيء كان مجهولاً وقت نزول القرآن وأصبح معلوماً الآن. لنجد أن القرآن جاء به في وضعه الصحيح والسليم. بعد أن تحدثنا عن الفرق بين نجيناكم وأنجيناكم. نتحدث عن الفرق بين {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ}. و {يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ} .. الذبح غير القتل .. الذبح لابد فيه من إراقة دماء، والذبح عادة يتم بقطع الشرايين عند الرقبة، ولكن القتل قد يكون بالذبح أو بغيره كالخنق والإغراق. كل هذا قتل ليس شرطاً فيه أن تسفك الدماء. والحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن فرعون حينما أراد أن ينتقم من ذرية بني إسرائيل انتقم منهم انتقامين .. انتقاماً لأنهم كانوا حلفاء للهكسوس وساعدوهم على احتلال مصر. ولذلك فإن ملك الهكسوس اتخذ يوسف وزيراً. فكأن الهكسوس كانوا موالين لبني إسرائيل. وعندما انتصر الفراعنة انتقموا من بني إسرائيل بكل وسائل الانتقام. قتلوهم وأحرقوا عليهم بيوتهم. أما مسألة الذبح في قوله تعالى: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} فلقد رأى فرعون ناراً هبت من ناحية بيت المقدس فأحرقت كل المصريين ولم ينج منها غير بني إسرائيل. فلما طلب فرعون تأويل الرؤيا. قال له الكهان يخرج من ذرية إسرائيل ولد يكون على يده نهاية ملكك. فأمر القوابل (الدايات) بذبح كل مولود ذكر من ذرية بني إسرائيل. ولكن قوم فرعون الذين تعودوا السلطة قالوا لفرعون: إن بني إسرائيل يوشك أن ينقرضوا وهم يقومون بالخدمات لهم. فجعل الذبح سنة والسنة الثانية يبقون على المواليد الذكور. وهارون ولد في السنة التي لم يكن فيها ذبح فنجا. وموسى ولد في السنة التي فيها ذبح فحدث ما حدث. إذن سبب الذبح هو خوف فرعون من ضياع ملكه. وفرض الذبح حتى يتأكد قوم فرعون من موت المولود. ولو فعلوه بأي طريقة أخرى كأن ألقوه من فوق جبل أو ضربوه بحجر غليظ أو طعنوه بسيف أو برمح قد ينجو من الموت. ولكن الذبح يجعلهم يتأكدون من موته في الحال فلا ينجو أحد. والحق يقول: {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} [البقرة: 49]. كلمة الابن تطلق على الذكر، ولكن الولد يطلق على الذكر والأنثى. ولذلك كان الذبح للذكور فقط. أما النساء فكانوا يتركونهن أحياء. ولكن لماذا لم يقل الحق تبارك وتعالى يذبحون أبناءكم ويستحيون بناتكم بدلاً من قوله يستحيون نساءكم. الحق سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن الفكرة من هذا هو إبقاء عنصر الأنوثة يتمتع بهن آل فرعون. لذلك لم يقل بنات ولكنه قال نساء. أي أنهم يريدونهن للمتعة وذلك للتنكيل ببني إسرائيل. ولا يقتل رجولة الرجل إلا أنه يرى الفاحشة تصنع في نسائه. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49]. ما هو البلاء؟ بعض الناس يقول إن البلاء هو الشر. ولكن الله تبارك وتعالى يقول: {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} تفسير : [الأنبياء: 35]. إذن هناك بلاء بالخير وبلاء بالشر. والبلاء كلمة لا تخيف. أما الذي يخيف هو نتيجة هذا البلاء؛ لأن البلاء هو امتحان أو اختبار. إن أديته ونجحت فيه كان خيراً لك. وأن لم تؤده كان وبالاً عليك. والحق سبحانه وتعالى يقول في خليله إبراهيم: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ..} تفسير : [البقرة: 124]. فإبراهيم نجح في الامتحان، والبلاء جاء لبني إسرائيل من جهتين .. بلاء الشر بتعذيبهم وتقتيلهم وذبح أبنائهم، وبلاء الخير بإنجائهم من آل فرعون. ولقد نجح بنو إسرائيل في البلاء الأول. وصبروا على العذاب والقهر وكان بلاءً عظيماً، وفي البلاء الثاني فعلوا أشياء سنتعرض لها في حينها.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما قدّم تعالى ذكر نعمه على بني إِسرائيل إِجمالاً، بيَّن بعد ذلك أقسام تلك النعم على سبيل التفصيل، ليكون أبلغ في التذكير وأدعى إِلى الشكر، فكأنه قال: اذكروا نعمتي، واذكروا إِذ نجيناكم من آل فرعون، واذكروا إِذ فرقنا بكم البحر.. إِلى آخره وكل هذه النعم تستدعي شكر المنعم جل وعلا لا كفرانه وعصيانه. اللغَة: {آلِ فِرْعَوْنَ} أصل "آل" أهل ولذلك يصغّر بأهيل فأبدلت هاؤه ألفاً، وخُصَّ استعماله بأولي الخطر والشأن كالملوك وأشباههم، فلا يقال آل الإِسكاف والحجام، و{فِرْعَوْنَ} علمٌ لمن ملك العمالقة كقيصر لملك الروم وكسرى لملك الفرس، ولعتو الفراعنة اشتقوا تفرعن إِذا عتا وتجبر {يَسُومُونَكُمْ} يذيقونكم من سامه إِذا أذاقه وأولاه قال الطبري: يوردونكم ويذيقونكم. {يَسْتَحْيُونَ} يستبقون الإِناث على قيد الحياة {بَلاۤءٌ} اختبار ومحنة، ويستعمل في الخير والشر كما قال تعالى {أية : وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً} تفسير : [الأنبياء: 35] {فَرَقْنَا} الفرق: الفصل والتمييز ومنه {أية : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ} تفسير : [الإسراء: 106] أي فصلناه وميزناه بالبيان {بَارِئِكُمْ} الباري هو الخالق للشيء على غير مثال سابق، والبرية: الخلق. التفسِير: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم} أي اذكروا يا بني اسرائيل نعمتي عليكم حين نجيت آباءكم {مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} أي من بطش فرعون وأشياعه العتاة، والخطاب للأبناء المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم إِلا أن النعمة على الآباء نعمة على الأبناء {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} أي يولونكم ويذيقونكم أشد العذاب وأفظعه {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} أي يذبحون الذكور من الأولاد {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} أي يستبقون الإِناث على قيد الحياة للخدمة {وَفِي ذَلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} أي فيما ذكر من العذاب المهين من الذبح والاستحياء، محنة واختبارٌ عظيم لكم من جهته تعالى بتسليطهم عليكم ليتميز البرُّ من الفاجر {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ} أي اذكروا أيضاً إِذ فلقنا لكم البحر حتى ظهرت لكم الأرض اليابسة فمشيتم عليها {فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} أي نجيناكم من الغرق وأغرقنا فرعون وقومه {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} أي وأنتم تشاهدون ذلك فقد كان آية باهرة من آيات الله في إِنجاء أوليائه وإِهلاك أعدائه {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} أي وعدنا موسى أن نعطيه التوراة بعد أربعين ليلة وكان ذلك بعد نجاتكم وإِهلاك فرعون {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ} أي عبدتم العجل {مِن بَعْدِهِ} أي بعد غيبته عنكم حين ذهب لميقات ربه {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} أي معتدون في تلك العبادة ظالمون لأنفسكم {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم} أي تجاوزنا عن تلك الجريمة الشنيعة {مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} أي من بعد ذلك الاتخاذ المتناهي في القبح {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي لكي تشكروا نعمة الله عليكم وتستمروا بعد ذلك على الطاعة {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَٱلْفُرْقَانَ} أي واذكروا نعمتي أيضاً حين أعطيت موسى التوراة الفارقة بين الحق والباطل وأيدته بالمعجزات {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي لكي تهتدوا بالتدبر فيها والعمل بما فيها من أحكام. ثم بَيَّنَ تعالى كيفية وقوع العفو المذكور بقوله {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} أي واذكروا حين قال موسى لقومه بعدما رجع من الموعد الذي وعده ربه فرآهم قد عبدوا العجل يا قوم لقد ظلمتم أنفسكم {بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ} أي بعبادتكم للعجل {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} أي توبوا إِلى من خلقكم بريئاً من العيب والنقصان {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} أي ليقتل البريء منكم المجرم {ذَٰلِكُمْ} أي القتل {خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} أي رضاكم بحكم الله ونزولكم عند أمره خير لكم عند الخالق العظيم {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أي قبل توبتكم {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} أي عظيم المغفرة واسع التوبة. البَلاَغَة: قال ابن جزي: {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} أي يلزمونهم به وهو استعارة من السَّوْم في البيع وفسَّرَ سوء العذاب بقوله {يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} ولذلك لم يعطفه هنا. ثانياً: التنكير في كل من {بَلاۤءٌ} و {عَظِيمٌ} للتفخيم والتهويل. ثالثاً: صيغة المفاعلة في قوله {وَإِذْ وَاعَدْنَا} ليست على بابها لأنها لا تفيد المشاركة من الطرفين، وإِنما هي بمعنى الثلاثي {وَإِذْ وَاعَدْنَا}. رابعاً: قال أبو السعود: {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} التعرض بذكر البارئ للإِشعار بأنهم بلغوا من الجهالة أقصاها ومن الغواية منتهاها، حيث تركوا عبادة العليم الحكيم، الذي خلقهم بلطيف حكمته، إِلى عبادة البقر الذي هو مثلٌ في الغباوة. الفوَائِد: الأولى: العطف في قوله {ٱلْكِتَابَ وَٱلْفُرْقَانَ} هو من باب عطف الصفات بعضها على بعض، لأن الكتاب هو التوراة والفرقان هو التوراة أيضاً وحسن العطف لكون معناه أنه آتاه جامعاً بين كونه كتاباً منزلاً وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل. الثانية: سبب تقتيل الذكور من بني إِسرائيل ما رواه المفسرون أن فرعون رأى في منامه كأنَّ ناراً أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر، وأحرقت كل قبطي بها ولم تتعرض لبني إِسرائيل فهاله ذلك وسأل الكهنة عن رؤياه فقالوا: يولد في بني إِسرائيل غلام يكون هلاكك وزوال ملكك على يده، فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إِسرائيل. الثالثة: قال القشيري: من صبر في الله على قضاء الله، عوّضه الله صحبة أوليائه، هؤلاء بنو إِسرائيل، صبروا على مقاساة الضر من فرعون وقومه، فجعل منهم أنبياء، وجعل منهم ملوكاً، وآتاهم ما لم يؤت أحداً من العالمين.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} أَي يَنَالونكم بِهِ. والسُّوءُ: أَشدُ. تفسير : وقولهُ تعالى: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} معناه اختبارٌ. والبَلاءُ: يَكونُ شَراً، ويكونُ نِعمةً. وهما ضدٌّ.
الأندلسي
تفسير : وفي العامل في "وإذ" تقديرات اخترنا أن يكون فعلاً محذوفاً يدل عليه ما قبله أي وأنعمنا عليكم {إِذْ نَجَّيْنَٰكُم} وجاء بنون العظمة لأن الانجاء من عدوهم من أعظم النعم فناسب الأعظم نسبته للمعظم وقرىء نجيناكم والهمز والتضعيف للتعدية وقرىء نجيتكم فوافق الضمير ضمير نعمتي والمعنى خلصناكم. {مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} وهم الذين كانوا يبشارونهم بأمر فرعون وفرعون علم لمن ملك العمالقة وآله أتباعه على دينه وامتنع من الصرف للعلمية والعجمة واشتقوا منه. قالوا: تفرعن الرجل تجبر وعتا والمشهور في اسمه الوليد بن مصعب وهو من بني عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، ولا يضاف آل إلا للرئيس الأعظم: قاله الأخفش. ويقال: سامه كلفه العمل الشاق. {يَسُومُونَكُمْ} حال من آل فرعون أي سائميكم أو استئناف حكاية حال. ويقال: سامه خطة خسف أي كلفه. فيكون {سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} منصوباً مفعولاً ثانياً ليسوم وسوء العذاب الأعمال الشاقة من البناء والتخريب ونحت السواري من الجبال ونقل الحجارة وضرب اللبن وطبخ الأجر والنجارة والحدادة وضرب الخراج على ضعفتهم إلى غير ذلك مما يناسب هذه التكاليف وكان قومه جنداً وملوكاً. وقرىء {يُذَبِّحُونَ} مشدداً دالاً على التكثير ويذبحون من ذبح اكتفاء بالمطلق والجملة مستأنفة أو حال من ضمير الرفع في يسومونكم أو بدل من يسومونكم أو معطوفة عليه حذف منها حرف العطف لثبوته في سورة إبراهيم. {أَبْنَآءَكُمْ} أي الأطفال. {وَيَسْتَحْيُونَ} أي يبقونهن أحياء. {نِسَآءَكُمْ} سمين بما يؤل إليه أمرهن للخدمة ولمن يفترشهن من أعدائهن. وقدم ذبح الأبناء على استحياء البنات لأنه أصعب وأشق إذ فيه إفساد الصورة بالكلية. {وَفِي ذَٰلِكُمْ} إشارة إلى السوم والذبح والاستحياء. {بَلاۤءٌ} شدة ومكروه. {مِّن رَّبِّكُمْ} دليل على أن الخير والشر من الله تعالى. فرق بين كذا وكذا فصل. {وَإِذْ فَرَقْنَا} قرىء مخففاً اكتفاء بالمطلق إذ معلوم التكثير بعدد الاسباط ومشدداً دلالة على التكثير. والباء في "بكم" للسبب أو المصاحبة أي ملتبساً بكم. والمعنى: جعلناه فرقاً بكم وهذا البحر يكون قريباً من مصر من بحارها يقال له اساف ويسمى اليوم بحر القلزم وفرقه قيل: عرضاً من ضفة إلى ضفة، وقيل: طولاً خرجوا إلى برية فلسطين وكان انفراق البحر بعدد الاسباط اثني عشر مسلكاً. {فَأَنجَيْنَٰكُمْ} أي من الغرق ومن إدراك فرعون لكم وثم محذوف أي وتبعكم فرعون وجنوده في تقحمه فأنجيناكم. {وَأَغْرَقْنَا} الهمزة للتعدية ويعدى أيضاً بالتضعيف. {آلَ فِرْعَوْنَ} لم يذكر آل فرعون فيمن لا غرق لأن وجوده معهم مستقر ولأنهم هم الذين سبق ذكرهم في السوم والتذبيح والاستحياء. وقد نص تعالى في غير هذا الموضع على فرقه وناسب نجاتهم من فرعون بإِلقائهم في البحر وخروجهم منه سالمين نجاة موسى على نبينا وعليه السلام من الذبح بإِلقائه في البحر وخروجه منه سالماً ولكل أمة نصيب من نبيّها وناسب دعوى الربوبية والاعتلاء انحطاط المدعى وتغييبه في قعر الماء. {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} الجملة حال والنظر هنا من الأبصار أي وأنتم تبصرون هذه الخوارق من فرق البحر وانجاتكم وإغراق عدوكم.
الجيلاني
تفسير : وبعدما ما أمرهم بتذكير النعم إجمالاً، وحذرهم عن جواء الكفران، أشار إلى مقدار النعم العظام التي خصصوا بها امتناناً عليهم، فقال: {وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم} أي: أذكروا وقت إنجائنا إياكم {مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ} الذين {يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ} بعلمونكم ويفضحونكم بسوء العذاب الذي لا عذاب أسوأ منه وهو أنهم { يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ} لئلا يبقى ذكركم في الدنيا؛ إذ بالابن يذكر الأب ويحيا اسمه؛ لأنه سره {وَ} أشنع من ذلك أنهم {يَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ} بناتكم ليلحق العار عليكم، بتزويجهم إياهن بلا نكاح ولا عار أشنع من ذلك، لذلك عد موت النبات من المكرمات {وَفِي ذَٰلِكُمْ} أي: واعلموا في المحن المشار إليها { بَلاۤءٌ} اختيار لكم {مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ} [البقرة: 49] ليجزيكم بنعمة أعظم منها، وهو إنجاؤكم منهم واستيلاؤكم عليهم. وبعدما ابتليناكم باحتمال الشدائد والمتاعب، ومقاساة الأحزان أردنا إنجاءكم من عذابهم وإهلاكهم بالمرة، فأمرناكم بالسير والفرار من العدو ففرتم ليلاً، فأصبحتم مصادفين البحر والعدو صادفكم. {وَ} اذكروا {إِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ} أي: وقت تفريقنا بالفرق الكبيرة {ٱلْبَحْرَ} المتصل في بعضه ليسهل عبوركم منه ونجاتكم منه، وبالجملة: {فَأَنجَيْنَٰكُمْ} فعبرناكم منه سالمين {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} المقتحمين بالفور خلفكم باجتماع تلك الفرق واتصال البحر على ما هو عليه في نفسه {وَأَنْتُمْ} حينئذ {تَنظُرُونَ} [البقرة: 50] إلى الافتراق والاجتماع المتعاقبة، فكيف لا تذكرونها وتشكرونها. {وَ} بعد إنجائكم من البحر سالمين، وإغراقهم بالمرة وإيراثنا لكم أرضهم وديارهم وأموالهم اذكروا {إِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰ} المتبحر في ضبط المملكة في أول الاستيلاء بأمر، قلنا له: إن أخلصت التوجه والرجوع والميل إلينا مدة {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} متوالية متتالية - خصصها لخلوها عن الشواغل المانعة من الإخلاص - أنزلنا عليكم كتاباً جامعاً لمرتبتي الإيمان والعمل، حاوياً على جميع التدابير والحكم الظاهرة والباطنة {ثُمَّ} لم اشتغل موسى بإنجاز الوعد، وإيفاء العهد فذهب إلى الميقات {ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ} الذي صوغتم بيدكم من حليكم بتعليم السامري، بسبب الخوار الذي ظهر منه ابتلاء لكم وفتنة إلهاً من دون الله، بل حصرتم الإلهية له بقولكم: هذا إلهكم وإله موسى، فأخلفتم الوعد {مِن بَعْدِهِ} أي: من بعد ذهاب موسى إلى الميقات، وقيل رجوعه منه {وَأَنْتُمْ} بسبب خلف الوعد والا تخاذ المذكور {ظَٰلِمُونَ} [البقرة: 51] خارجون عن الإيمان والتوحيد، والعياذ بالله من ذلك. {ثُمَّ} لما تبتم ورجعتم إلينا عن صميم القلب {عَفَوْنَا عَنكُم} أي: أزلنا عن ذمتكم جزاء ذلك الظلم الذي ظلمتم {مِّن بَعْدِ} إنابتكم ورجوعكم {ذَلِكَ} وإنما أزلناه عنكم {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 52] رجاء أن تشكروا، أو تعظموا نعمة العفو الذي هو من آثار اللطف، والجمال المتفرع على الظلم المعفو عنه الذي هو من آثار القهر والجلال، فتكونوا من الشاكرين الذين يشكرون الله في السراء والضراء والخصب والرخاء. {وَإِذْ} بعدما أخلفتم الوعد قبل تمامها، وظلمتم باتخاذ العجل لم نهمل أمر موسى، ولم نخلف الوعد الذي وعدنا معه اذكروا {آتَيْنَا مُوسَى} إنجازاً لوعدنا {ٱلْكِتَابَ} الموعود، الجامع لأسرار الربوبية {وَٱلْفُرْقَانَ} الفارق بين الحق والباطل، وبين الضلالة والهداية {لَعَلَّكُمْ} تقتدرون له { تَهْتَدُونَ} [البقرة: 53] به إلى طريق التوحيد وتجاهدون فيه إلى أن تخلصوا عن الشواغل المانعة عنا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : هذا شروع في تعداد نعمه على بني إسرائيل على وجه التفصيل فقال: { وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ } أي: من فرعون وملئه وجنوده وكانوا قبل ذلك { يَسُومُونَكُمْ } أي: يولونهم ويستعملونهم، { سُوءَ الْعَذَابِ } أي: أشده بأن كانوا { يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } خشية نموكم، { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } أي: فلا يقتلونهن، فأنتم بين قتيل ومذلل بالأعمال الشاقة، مستحيي على وجه المنة عليه والاستعلاء عليه فهذا غاية الإهانة، فمن الله عليهم بالنجاة التامة وإغراق عدوهم وهم ينظرون لتقر أعينهم. { وَفِي ذَلِكم } أي: الإنجاء { بَلاءٌ } أي: إحسان { مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } فهذا مما يوجب عليكم الشكر والقيام بأوامره. ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة، ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده، أي: ذهابه. { وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ } عالمون بظلمكم، قد قامت عليكم الحجة، فهو أعظم جرما وأكبر إثما. ثم إنه أمركم بالتوبة على لسان نبيه موسى بأن يقتل بعضكم بعضا فعفا الله عنكم بسبب ذلك { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } الله. { وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } وهذا غاية الظلم والجراءة على الله وعلى رسوله، { فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ } إما الموت أو الغشية العظيمة، { وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } وقوع ذلك، كل ينظر إلى صاحبه، { ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } . ثم ذكر نعمته عليكم في التيه والبرية الخالية من الظلال وسعة الأرزاق، فقال: { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ } وهو اسم جامع لكل رزق حسن يحصل بلا تعب، ومنه الزنجبيل والكمأة والخبز وغير ذلك. { وَالسَّلْوَى } طائر صغير يقال له السماني، طيب اللحم، فكان ينزل عليهم من المن والسلوى ما يكفيهم ويقيتهم { كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ } أي: رزقا لا يحصل نظيره لأهل المدن المترفهين، فلم يشكروا هذه النعمة، واستمروا على قساوة القلوب وكثرة الذنوب. { وَمَا ظَلَمُونَا } يعني بتلك الأفعال المخالفة لأوامرنا لأن الله لا تضره معصية العاصين، كما لا تنفعه طاعات الطائعين، { وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } فيعود ضرره عليهم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):