٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
50
Tafseer
الرازي
تفسير : هذا هو النعمة الثانية، وقوله: {فَرَقْنَا } أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم وقرىء: {فَرَقْنَا } بالتشديد بمعنى فصلنا. يقال: فرق بين الشيئين وفرق بين الأشياء لأن المسالك كانت اثنتي عشرة على عدد الأسباط، فإن قلت: ما معنى: (بكم)؟ قلنا: فيها وجهان، أحدهما: أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم فكأنما فرق بهم كما يفرق بين الشيئين بما توسط بينهما، الثاني: فرقناه بسببكم وبسبب إنجائكم ثم ههنا أبحاث: البحث الأول: روي أنه تعالى لما أراد إغراق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله أنه لا يؤمن أحد منهم أمر موسى عليه السلام بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط، وذلك لغرضين. أحدهما: ليخرجوا خلفهم لأجل المال، والثاني: أن تبقى أموالهم في أيديهم ثم نزل جبريل عليه السلام بالعشي وقال لموسى: أخرج قومك ليلاً، وهو المراد من قوله: {أية : وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى } تفسير : [طه: 77] وكانوا ستمائة ألف نفس لأنهم كانوا اثني عشر سبطاً كل سبط خمسون ألفاً، فلما خرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل بلغ ذلك فرعون، فقال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك. قال الراوي: فوالله ما صاح ليلته ديك فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال: لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إلي ستمائة ألف من القبط، وقال قتادة: اجتمع إليه ألف ألف ومائتا ألف نفس كل واحد منهم على فرس حصان فتبعوهم نهاراً. وهو قوله تعالى: {أية : فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ } تفسير : [الشعراء: 60] أي بعد طلوع الشمس. {أية : فَلَمَّا تَرَاءا ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } تفسير : [الشعراء: 61] فقال موسى: {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ } تفسير : [الشعراء: 62] فلما سار بهم موسى وأتى البحر قال له يوشع بن نون: أين أمرك ربك؟ فقال موسى: إلى أمامك وأشار إلى البحر فأقحم يوشع بن نون فرسه في البحر فكان يمشي في الماء حتى بلغ الغمر، فسبح الفرس وهو عليه ثم رجع وقال له: يا موسى أين أمرك ربك؟ فقال البحر، فقال: والله ما كذبت، ففعل ذلك ثلاث مرات، فأوحى الله إليه: {أية : أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ } تفسير : [الشعراء: 67]، فانشق البحر اثني عشر جبلاً في كل واحد منها طريق، فقال له: ادخل فكان فيه وحل فهبت الصبا فجف البحر، وكل طريق فيه حتى صار طريقاً يابساً كما قال تعالى: {أية : فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِى ٱلْبَحْرِ يَبَساً } تفسير : [طه: 77]، فأخذ كل سبط منهم طريقاً ودخلوا فيه فقالوا لموسى: إن بعضنا لا يرى صاحبه، فضرب موسى عصاه على البحر فصار بين الطرق منافذ وكوى فرأى بعضهم بعضاً، ثم أتبعهم فرعون، فلما بلغ شاطىء البحر رأى إبليس واقفاً فنهاه عن الدخول فهم بأن لا يدخل البحر فجاء جبريل عليه السلام على حجرة فتقدم فرعون وهو كان على فحل فتبعه فرس فرعون ودخل البحر، فلما دخل فرعون البحر صاح ميكائيل بهم الحقوا آخركم بأولكم، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله الماء حتى نزل عليهم في ذلك قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَـٰكُمْ } وقيل كان ذلك اليوم يوم عاشوراء، فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكراً لله تعالى. البحث الثاني: اعلم أن هذه الواقعة تضمنت نعماً كثيرة في الدين والدنيا، أما نعم الدنيا في حق موسى عليه السلام فهي من وجوه، أحدها: أنهم لما وقعوا في ذلك المضيق الذي من ورائهم فرعون وجنوده وقدامهم البحر، فإن توقفوا أدركهم العدو وأهلكهم بأشد العذاب وإن ساروا غرقوا فلا خوف أعظم من ذلك، ثم إن الله نجاهم بفلق البحر فلا فرج أشد من ذلك. وثانيها: أن الله تعالى خصهم بهذه النعمة العظيمة والمعجزة الباهرة، وذلك سبب لظهور كرامتهم على الله تعالى. وثالثها: أنهم شاهدوا أن الله تعالى أهلك أعداءهم ومعلوم أن الخلاص من مثل هذا البلاء من أعظم النعم، فكيف إذا حصل معه ذلك الإكرام العظيم وإهلاك العدو. ورابعها: أن أورثهم أرضهم وديارهم ونعمهم وأموالهم. وخامسها: أنه تعالى لما أغرق آل فرعون فقد خلص بني إسرائيل منهم، وذلك نعمة عظيمة لأنه كان خائفاً منهم، ولو أنه تعالى خلص موسى وقومه من تلك الورطة وما أهلك فرعون وقومه لكان الخوف باقياً من حيث إنه ربما اجتمعوا واحتالوا بحيلة وقصدوا إيذاء موسى عليه السلام وقومه، ولكن الله تعالى لما أغرقهم فقد حسم مادة الخوف بالكلية. وسادسها: أنه وقع ذلك الإغراق بمحضر من بني إسرائيل وهو المراد من قوله تعالى: {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } وأما نعم الدين في حق موسى عليه السلام فمن وجوه، أحدها: أن قوم موسى لما شاهدوا تلك المعجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشكوك والشبهات، فإن دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصانع الحكيم وعلى صدق موسى عليه السلام تقرب من العلم الضروري، فكأنه تعالى رفع عنهم تحمل النظر الدقيق والاستدلال الشاق. وثانيها: أنهم لما عاينوا ذلك صار داعياً لهم إلى الثبات على تصديق موسى والانقياد له وصار ذلك داعياً لقوم فرعون إلى ترك تكذيب موسى عليه السلام والإقدام على تكذيب فرعون. وثالثها: أنهم عرفوا أن الأمور بيد الله فإنه لا عز في الدنيا أكمل مما كان لفرعون ولا شدة أشد مما كانت ببني إسرائيل، ثم إن الله تعالى في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلاً والذليل عزيزاً، وذلك يوجب انقطاع القلب عن علائق الدنيا والإقبال بالكلية على خدمة الخالق والتوكل عليه في كل الأمور، وأما النعم الحاصلة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من ذكر هذه القصة فكثيرة، أحدها: أنه كالحجة لمحمد صلى الله عليه وسلم على أهل الكتاب لأنه كان معلوماً من حال محمد عليه الصلاة والسلام أنه كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط أهل الكتاب فإذا أورد عليهم من أخبارهم المفصلة ما لا يعلم إلا من الكتب علموا أنه أخبر عن الوحي وأنه صادق، فصار ذلك حجة له عليه السلام على اليهود وحجة لنا في تصديقه. وثانيها: أنا إذا تصورنا ما جرى لهم وعليهم من هذه الأمور العظيمة علمنا أن من خالف الله شقي في الدنيا والآخرة ومن أطاعه فقد سعد في الدنيا والآخرة، فصار ذلك مرغباً لنا في الطاعة ومنفراً عن المعصية. وثالثها: أن أمة موسى عليه السلام مع أنهم خصوا بهذه المعجزات الظاهرة والبراهين الباهرة، فقد خالفوا موسى عليه السلام في أمور حتى قالوا: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } تفسير : [الأعراف:138] وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فمع أن معجزتهم هي القرآن الذي لا يعرف كونه معجزاً إلا بالدلائل الدقيقة انقادوا لمحمد صلى الله عليه وسلم وما خالفوه في أمر ألبتة، وهذا يدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من أمة موسى عليه السلام. وبقي على الآية سؤالان: السؤال الأول: أن فلق البحر في الدلالة على وجود الصانع القادر وفي الدلالة على صدق موسى كالأمر الضروري، فكيف يجوز فعله في زمان التكليف؟ والجواب: أما على قولنا فظاهر، وأما المعتزلة فقد أجاب الكعبي الجواب الكلي بأن في المكلفين من يبعد عن الفطنة والذكاء ويختص بالبلادة وعامة بني إسرائيل كانوا كذلك، فاحتاجوا في التنبيه إلى معاينة الآيات العظام كفلق البحر ورفع الطور وإحياء الموتى، ألا ترى أنهم بعد ذلك مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم فقالوا: (يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة)، وأما العرب فحالهم بخلاف ذلك، لأنهم كانوا في نهاية الكمال في العقول، فلا جرم، اقتصر الله تعالى معهم على الدلائل الدقيقة والمعجزات اللطيفة. السؤال الثاني: أن فرعون لما شاهد فلق البحر وكان عاقلاً فلا بد وأن يعلم أن ذلك ما كان من فعله بل لا بد من قادر عالم مخالف لسائر القادرين، فكيف بقي على الكفر مع ذلك؟ فإن قلت: إنه كان عارفاً بربه إلا أنه كان كافراً على سبيل العناد والجحود. قلت: فإذا عرف ذلك بقلبه فكيف استخار توريط نفسه في المهلكة ودخول البحر مع أنه كان في تلك الساعة كالمضطر إلى العلم بوجود الصانع وصدق موسى عليه السلام، والجواب: حب الشيء يعمي ويصم فحبه الجاه والتلبيس حمله على اقتحام تلك المهلكة. وأما قوله تعالى: {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } ففيه وجوه. أحدها: أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه. وثانيها: أن قوم موسى عليه السلام سألوه أن يريهم الله تعالى حالهم فسأل موسى عليه السلام ربه أن يريهم إياهم فلفظهم البحر ألف ألف ومائتي ألف نفس وفرعون معهم، فنظروا إليهم طافين وإن البحر لم يقبل واحداً منهم لشؤم كفرهم فهو قوله تعالى: {أية : فَٱلْيَوْمَ نُنَجّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً } تفسير : [يونس: 92] أي نخرجك من مضيق البحر إلى سعة الفضاء ليراك الناس، وتكون عبرة لهم. وثالثها: أن المراد وأنتم بالقرب منهم حيث توجهونهم وتقابلونهم وإن كانوا لا يرونهم بأبصارهم، قال الفراء وهو مثل قولك: لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ} «إذ» في موضع نصب. و «فَرَقْنَا» فلقنا؛ فكان كل فِرْق كالطَّوْد العظيم، أي الجبل العظيم. وأصل الفَرْق الفصل؛ ومنه فَرْق الشّعر؛ ومنه الفُرقان؛ لأنه يفرق بين الحق والباطل أي يفصل؛ ومنه: {أية : فَٱلْفَارِقَاتِ فَرْقاً} تفسير : [المرسلات: 4] يعني الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل؛ ومنه: {أية : يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} تفسير : [الأنفال: 41] يعني يوم بَدْر، كان فيه فرق بين الحق والباطل، ومنه: {أية : وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ} تفسير : [الإسراء: 106] أي فصّلناه وأحكمناه. وقرأ الزُّهْرِيّ: «فرّقنا» بتشديد الراء؛ أي جعلناه فرقاً. ومعنى «بكم» أي لكم، فالباء بمعنى اللام. وقيل: الباء في مكانها؛ أي فرقنا البحر بدخولكم إياه. أي صاروا بين الماءين، فصار الفرق بهم؛ وهذا أوْلَى يبيّنه {أية : فَٱنفَلَقَ} تفسير : [الشعراء: 63]. قوله تعالى: {ٱلْبَحْرَ} البحر معروف، سُمي بذلك لاتساعه. ويقال: فَرَسٌ بَحْرٌ إذا كان واسع الجَرْي؛ أي كثيره. ومن ذلك "حديث : قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مَنْدُوب فرس أبي طلحة: «وإنْ وجدناه لبحراً»"تفسير : . والبحر: الماء الملح. ويقال: أبحر الماء: مَلُح؛ قال نُصَيب:شعر : وقد عاد ماءُ الأرض بَحْراً فزادني إلى مَرَضِي أن أبْحَرَ المَشْربُ العذْبُ تفسير : والبحر: البلدة؛ يقال: هذه بَحْرَتُنا؛ أي بلدتنا. قاله الأُمويّ. والبَحَر: السُّلال يصيب الإنسان. ويقولون: لقيته صَحْرَةً بَحْرَةً؛ أي بارزاً مكشوفاً. وفي الخبر عن كعب الأحبار قال: إن لله ملَكاً يقال له: صندفاييل، البحار كلها في نقرة إبهامه. ذكره أبو نعيم عن ثور بن يزيد عن خالد بن مَعْدان عن كعب. قوله تعالى: {فَأَنجَيْنَاكُمْ} أي أخرجناكم منه؛ يقال: نجوت من كذا نجاء، ممدود، ونجاة، مقصور. والصدق منجاة. وأنجيت غيري ونجّيته؛ وقرىء بهما «وإذ نجيناكم»، «فأنجيناكم». قوله تعالى: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} يقال: غَرق في الماء غَرَقاً فهو غَرِق وغارق أيضاً؛ ومنه قول أبي النَّجْم:شعر : من بين مقتولٍ وطافٍ غارِقِ تفسير : وأغرقه غيره وغَرّقه فهو مغرَّق وغريق. ولجام مغرّق بالفضة؛ أي مُحَلًّى. والتغريق: القتل؛ قال الأعشى:شعر : ألا ليت قَيْساً غَرّقته القوابل تفسير : وذلك أن القابلة كانت تغرّق المولود في ماء السَّلَى عام القحط، ذكرا كان أو أنثى حتى يموت، ثم جعل كل قتل تغريقاً؛ ومنه قول ذي الرُّمة:شعر : إذا غَرَّقتْ أرباضُها ثِنْيَ بَكْرةٍ بتَيْهَاءَ لم تُصبِح رَءُوماً سَلُوبُهَا تفسير : والأرباض: الحبال. والبَكْرة: الناقة الفتِيّة. وثِنْيُها: بطنها الثاني؛ وإنما لم تعطف على ولدها لما لحقها من التعب. القول في ٱختلاف العلماء في كيفيّة إنجاء بني إسرائيل فذكر الطبري أن موسى عليه السلام أُوحِيَ إليه أن يسري من مصر ببني إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحليّ والمتاع من القبط، وأحلّ الله ذلك لبني إسرائيل؛ فسرى بهم موسى من أول الليل؛ فأعلم فرعون فقال: لا يتبعهم أحد حتى تصيح الدِّيكَة، فلم يصِح تلك الليلة بمصر ديك؛ وأمات الله تلك الليلة كثيراً من أبناء القبط فاشتغلوا في الدفن وخرجوا في الأتباع مشرقين؛ كما قال تعالى: {أية : فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} تفسير : [الشعراء: 60]. وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه. وكانت عِدّة بني إسرائيل نَيِّفاً على ستمائة ألف. وكانت عِدّة فرعون ألف ألف ومائتي ألف. وقيل: إن فرعون اتّبعه في ألف ألف حصان سوى الإناث. وقيل: دخل إسرائيل ـ وهو يعقوب عليه السلام ـ مصر في ستة وسبعين نفساً من ولده وولد ولده؛ فأنمى الله عددهم وبارك في ذرّيته؛ حتى خرجوا إلى البحر يوم فرعون وهم ستمائة ألف من المقاتلة سوى الشيوخ والذرية والنساء. وذكر أبو بكر عبد اللَّه بن محمد بن أبي شيبة قال حدّثنا شَبَابة بن سَوّار عن يونس بن أبي إسحٰق عن أبي إسحٰق عن عمرو بن ميمون عن عبد اللَّه بن مسعود أن موسى عليه السلام حين أسري ببني إسرائيل بلغ فرعون فأمر بشاة فذبحت، ثم قال: لا والله لا يفرغ من سلخها حتى تجتمع لي ستمائة ألف من القبط؛ قال: فانطلق موسى حتى ٱنتهى إلى البحر؛ فقال له: ٱفْرُق؛ فقال له البحر: لقد ٱستكبرت يا موسى! وهل فَرْقت لأحد من ولد آدم فأفرق لك! قال: ومع موسى رجل على حصان له؛ قال: فقال له ذلك الرجل: أين أُمرتَ يا نبيّ الله؟ قال: ما أُمِرْتُ إلا بهذا الوجه؛ قال: فأقحم فرسه فسبح فخرج. فقال أين أُمرتَ يا نبي الله؟ قال: ما أمِرتُ إلا بهذا الوجه؛ قال: والله مَا كَذَبْتَ ولا كُذِّبْتَ؛ ثم ٱقتحم الثانية فسَبَح به حتى خرج؛ فقال: أين أُمرت يا نبيّ الله؟ فقال: ما أمرتُ إلا بهذا الوجه؛ قال: والله ما كَذَبْتَ ولا كُذِّبْتَ؛ قال فأوحى الله إليه: «أية : أن ٱضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ»تفسير : [الأعراف:160] فضربه موسى بعصاه؛ {أية : فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الشعراء: 63]. فكان فيه ٱثنا عشر فِرقاً، لاثني عشر سِبْطا، لكل سبط طريق يتراءون؛ وذلك أن أطواد الماء صارفيها طيقاناً وشبابيك يرى منها بعضهم بعضاً؛ فلما خرج أصحاب موسى وقام أصحاب فرعون التطم البحر عليهم فأغرقهم. ويذكر أن البحر هو بحر القُلْزم، وأن الرجل الذي كان مع موسى على الفرس هو فتاه يوشع بن نون. وأن الله تعالى أوحى إلى البحر أن ٱنفرق لموسى إذا ضربك؛ فبات البحر تلك الليلة يضطرب؛ فحين أصبح ضرب البحر وكنّاه أبا خالد. ذكره ٱبن أبي شيبة أيضاً. وقد أكثر المفسرون في قصص هذا المعنى؛ وما ذكرناه كافٍ، وسيأتي في سورة «يونس، والشعراء» زيادة بيان إن شاء الله تعالى. فصل: ذكر الله تعالى الإنجاء والإغراق، ولم يذكر اليوم الذي كان ذلك فيه. فروى مسلم عن ٱبن عباس: "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا اليوم الذي تصومونه» فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه وغَرّق فرعونَ وقومه، فصامه موسى شكراً؛ فنحن نصومه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فنحن أحق وأولى بموسى منكم» فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه"تفسير : . وأخرجه البخاري أيضاً عن ٱبن عباس،«حديث : وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «أنتم أحق بموسى منهم فصوموا»».تفسير : مسألة: ظاهر هذه الأحاديث تدل على أن النبيّ صلى الله عليه وسلم إنما صام عاشوراء وأمر بصيامه ٱقتداء بموسى عليه السلام على ما أخبره به اليهود. وليس كذلك؛ لما روته عائشة رضي الله عنها قالت: «حديث : كان يوم عاشوراء تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية؛ فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه؛ فلما فُرض رمضان ترك صيام يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه» تفسير : . أخرجه البخاريّ ومسلم. فإن قيل: يحتمل أن تكون قريش إنما صامتة بإخبار اليهود لها لأنهم كانوا يسمعون منهم؛ لأنهم كانوا عندهم أهل علم؛ فصامه النبيّ عليه السلام كذلك في الجاهلية، أي بمكة؛ فلما قدم المدينة ووجد اليهود يصومونه قال: «حديث : نحن أحقّ وأولى بموسى منكم»تفسير : . فصامه ٱتباعاً لموسى. «وأمر بصيامه» أي أوجبه وأكدّ أمره، حتى كانوا يصومونه الصغار. قلنا: هذه شبهة من قال: إن النبيّ صلى الله عليه وسلم لعلّه كان متعبداً بشريعة موسى؛ وليس كذلك، على ما يأتي بيانه في «الأنعام» عند قوله تعالى: {أية : فَبِهُدَاهُمُ ٱقْتَدِهْ} تفسير : [الأنعام: 90]. مسألة: اختلِف في يوم عاشوراء؛ هل هو التاسع من المحرّم أو العاشر؟ فذهب الشافعيّ إلى أنه التاسع؛ لحديث الحكم بن الأعرج قال: ٱنتهيت إلى ٱبن عباس رضي الله عنهما وهو متوَسِّد رداءه في زمزم، فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء؛ فقال: إذا رأيت هلال المحرّم فٱعدُد وأصْبِحْ يوم التاسع صائماً. قلت: هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال نعم. خرّجه مسلم. وذهب سعيد بن المسيب والحسن البصري ومالك وجماعة من السلف إلى أنه العاشر. وذكر الترمذي حديث الحَكَم ولم يصفه بصحة ولا حسن. ثم أردفه: أنبأنا عبد الوارث عن يونس عن الحسن عن ٱبن عباس قال: «حديث : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصوم عاشوراء يوم العاشر»تفسير : قال أبو عيسى: حديث ٱبن عباس حديث حسن صحيح. قال الترمذيّ: وروى عن ٱبن عباس أنه قال: صوموا التاسع والعاشر وخالفوا اليهود. وبهذا الحديث يقول الشافعيّ وأحمد بن حنبل وإسحٰق. قال غيره: وقول ٱبن عباس للسائل: «فٱعدُد وأصبح يوم التاسع صائماً» ليس فيه دليل على ترك صوم العاشر، بل وعد أن يصوم التاسع مضافاً إلى العاشر. قالوا: فصيام اليومين جَمْع بين الأحاديث. وقول ٱبن عباس للحَكَم لما قال له: هكذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يصومه؟ قال: نعم. معناه أن لو عاش؛ وإلا فما كان النبيّ صلى الله عليه وسلم صام التاسع قطّ. يبيِّنه ما خرّجه ٱبن ماجه في سُننه ومسلم في صحيحه عن ٱبن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لئن بَقِيت إلى قابلٍ لأصومّن اليوم التاسع».تفسير : فضيلة: روى أبو قتادة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال:«حديث : صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفّر السَّنة التي قبله»تفسير : . أخرجه مسلم والترمذيّ، وقال: لا نعلم في شيء من الروايات أنه قال: «صيام يوم عاشوراء كفّارة سنة» إلا في حديث أبي قتادة. قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} جملة في موضع الحال، ومعناه بأبصاركم؛ فيقال إن آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم يغرقون، وإلى أنفسهم ينجون؛ ففي هذا أعظم المِنّة. وقد قيل: إنهم أخرجوا لهم حتى رأوهم. فهذه مِنّة بعد مِنّة. وقيل: المعنى «وأنتم تنظرون» أي ببصائركم الاعتبار؛ لأنهم كانوا في شغل عن الوقوف والنظر بالأبصار. وقيل: المعنى وأنتم بحال من ينظر لو نظر؛ كما تقول: هذا الأمر منك بمرأى ومسمع؛ أي بحال تراه وتسمعه إن شئت. وهذا القول والأوّل أشبه بأحوال بني إسرائيل لتوالي عدم الاعتبار فيما صدر من بني إسرائيل بعد خروجهم من البحر؛ وذلك أن الله تعالى لما أنجاهم وغرّق عدوّهم قالوا: يا موسى إن قلوبنا لا تطمئن، إن فرعون قد غَرِق! حتى أمر الله البحر فلفَظَه فنظروا إليه. ذكر أبو بكر بن أبي شيبة عن قيس بن عُبَاد: أن بني إسرائيل قالت: ما مات فرعون وما كان ليموت أبداً! قال: فلما أن سمع الله تكذيبهم نبيه عليه السلام، رمى به على ساحل البحر كأنه ثور أحمر يتراءاه بنو إسرائيل؛ فلما أطمأنوا وبُعثوا من طريق البر إلى مدائن فرعون حتى نقلوا كنوزه وغرِقوا في النعمة، رأوا قوماً يَعكُفون على أصنام لهم؛ قالوا يا موسى ٱجعل لنا إلٰهاً كما لهم آلهة؛ حتى زجرهم موسى وقال: أغير الله أبغيكم إلٰهاً وهو فضّلكم على العالمين؛ أي عالمي زمانه. ثم أمرهم أن يسيروا إلى الأرض المقدّسة التي كانت مساكن آبائهم ويتطهروا من أرض فرعون. وكانت الأرض المقدّسة في أيدي الجبارين قد غُلبوا عليها فٱحتاجوا إلى دفعهم عنها بالقتال؛ فقالوا: أتريد أن تجعلنا لُحْمة للجبارين! فلو أنك تركتنا في يد فرعون كان خيراً لنا. قال: {أية : يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} تفسير : [المائدة: 21] إلى قوله «قَاعِدُون» حتى دعا عليهم وسمّاهم فاسقين. فبقوا في التِّيه أربعين سنة عقوبة ثم رحمهم فمنّ عليهم بالسّلْوَى وبالغمام ـ على ما يأتي بيانه ـ، ثم سار موسى إلى طُورِ سَيْناء ليجيئهم بالتوراة؛ فاتخذوا العجل ـ على ما يأتي شأنه ـ، ثم قيل لهم: قد وصلتم إلى بيت المقدس فٱدخلوا الباب سُجّداً وقولوا حِطّة ـ على ما يأتي ـ، وكان موسى عليه السلام شديد الحياء سِتّيراً؛ فقالوا: إنه آدر. فلما ٱغتسل وضع على الحجر ثوبه؛ فعدا الحجر بثوبه إلى مجالس بني إسرائيل، وموسى على أثره عُريان وهو يقول: يا حجر ثوبي! فذلك قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ آذَوْاْ مُوسَىٰ فَبرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ} تفسير : [الأحزاب: 69] على ما يأتي بيانه ـ، ثم لما مات هارون قالوا له: أنت قتلت هارون وحسدته؛ حتى نزلت الملائكة بسريره وهارون ميت عليه ـ وسيأتي في المائدة ـ، ثم سألوه أن يعلَموا آية في قبول قربانهم؛ فجعلت نار تجيء من السماء فتقبل قربانهم؛ ثم سألوه أنْ بيّن لنا كفارات ذنوبنا في الدنيا، فكان من أذنب ذنباً أصبح على بابه مكتوب: «عملت كذا، وكفارته قطع عضو من أعضائك» يسمّيه له؛ ومن أصابه بول لم يطهر حتى يَقرِضه ويزيل جلدته من بدنه؛ ثم بدّلوا التوراة وٱفتروا على الله وكتبوا بأيديهم وٱشتروْا به عَرَضاً؛ ثم صار أمرهم إلى أن قتلوا أنبياءهم ورسلهم. فهذه معاملتهم مع ربّهم وسيرتهم في دينهم وسوء أخلاقهم. وسيأتي بيان كل فصل من هذه الفصول مستوفًى في موضعه إن شاء الله تعالى. وقال الطبري: وفي أخبار القرآن على لسان محمد عليه السلام بهذه المغيّبات التي لم تكن من علم العرب ولا وقعت إلا في حق بني إسرائيل دليل واضح عند بني إسرائيل قائم عليهم بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ } فلقناه وفصلنا بين بعضه وبعض حتى حصلت فيه مسالك بسلوككم فيه. أو بسبب إنجائكم، أو ملتبساً بكم كقوله: شعر : تَدُوسُ بِنَا الجَماجِم والتَّرِيبا تفسير : وقرىء {فَرَقْنَا } على بناء التكثير لأن المسالك كانت اثني عشر بعدد الأسباط. {فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ } أراد به فرعون وقومه، واقتصر على ذكرهم للعلم بأنه كان أولى به، وقيل شخصه كما روي أن الحسن رضي الله تعالى عنه كان يقول: اللهم صل على آل محمد: أي شخصه واستغني بذكره عن ذكر أتباعه. {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} ذلك، أي غرقهم وإطباق البحر عليهم، أو انفلاق البحر عن طرق يابسة مذللة، أو جثثهم التي قذفها البحر إلى الساحل، أو ينظر بعضكم بعضاً. روي أنه تعالى أمر موسى عليه السلام أن يسري ببني إسرائيل، فخرج بهم فصبحهم فرعون وجنوده، وصادفوهم على شاطىء البحر، فأوحى الله تعالى إليه أن أضرب بعصاك البحر، فضربه فظهر فيه اثنا عشر طريقاً يابساً فسلكوها فقالوا: يا موسى نخاف أن يغرق بعضنا ولا نعلم، ففتح الله فيها كوى فتراؤوا وتسامعوا حتى عبروا البحر، ثم لما وصل إليه فرعون ورآه منفلقاً اقتحم فيه هو وجنوده فالتطم عليهم وأغرقهم أجمعين. واعلم أن هذه الواقعة من أعظم ما أنعم الله به على بني إسرائيل، ومن الآيات الملجئة إلى العلم بوجود الصانع الحكيم وتصديق موسى عليه الصلاة والسلام، ثم إنهم بعد ذلك اتخذوا العجل وقالوا: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً } ونحو ذلك، فهم بمعزل في الفطنة والذكاء وسلامة النفس وحسن الاتباع عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن ما تواتر من معجزاته أمور نظرية مثل: القرآن والتحدي به والفضائل المجتمعة فيه الشاهدة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم دقيقة تدركها الأذكياء، وإخباره عليه الصلاة والسلام عنها من جملة معجزاته على ما مر تقريره.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكروا {إِذْ فَرَقْنَا } فلقنا {بِكُمْ } بسببكم {ٱلْبَحْرَ } حتى دخلتموه هاربين من عدوّكم {فَأَنجَيْنَٰكُمْ } من الغرق {وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ} قومه معه {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } إلى انطباق البحر عليهم.
ابن عطية
تفسير : {فرقنا} معناه: جعلناه فرقاً، وقرأ الزهري "فرَّقنا" بتشديد الراء، ومعنى {بكم} بسببكم، وقيل لما كانوا بين الفرق وقت جوازهم فكأنهم بهم فرق، وقيل معناه لكم، والباء عوض اللام وهذا ضعيف، و{البحر} هو بحر القلزم، ولم يفرق البحر عرضاً جزعاً من ضفة إلى ضفة، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، وكان ذلك الفرق بقرب موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرة بسبب جبال وأوعار حائلة. وذكر العامري أن موضع خروجهم من البحر كان قريباً من برية فلسطين وهي كانت طريقهم. وقيل انفلق البحر عرضاً وانفرق البحر على اثني عشر طريقاً، طريق لكل سبط فلما دخلوها قالت كل طائفة غرق أصحابنا وجزعوا، فقال موسى: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة، فأوحى الله إليه أن أدر عصاك على البحر، فأدارها فصار في الماء فتوح كالطاق يرى بعضهم بعضاً، وجازوا، وجبريل صلى الله عليه وسلم في ساقتهم على ماذيانة يحث بني إسرائيل ويقول لآل فرعون: مهلاً حتى يلحق آخركم أولكم، فلما وصل فرعون إلى البحر أراد الدخول فنفر فرسه فتعرض له جبريل بالرمكة فاتبعها الفرس، ودخل آل فرعون وميكائيل يحثهم، فلما لم يبق إلا ميكائيل في ساقتهم على الضفة وحده انطبق البحر عليهم فغرقوا. و {تنظرون} قيل معناه بأبصاركم، لقرب بعضهم من بعض. وقيل معناه ببصائركم للاعتبار لأنهم كانوا في شغل عن الوقوف والنظر بالأبصار. وقيل: إن آل فرعون طفوا على الماء فنظروا إليهم. وقيل المعنى وأنتم بحال من ينظر لو نظر، كما تقول: هذا الأمر منك بمرأى ومسمع، أي بحال تراه وتسمعه إن شئت. قال الطبري رحمه الله: وفي إخبار القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم بهذه المغيبات التي لم تكن من علم العرب ولا وقعت إلا في خفي علم بني إسرائيل، دليل واضح عند بني إسرائيل وقائم عليهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقرأ الجمهور "واعدنا". وقرأ أبو عمرو. "وعدنا"، ورجحه أبو عبيد، وقال: إن المواعدة لا تكون إلا من البشر. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وليس هذا بصحيح، لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وارتقابه يشبه المواعدة، و {موسى} اسم أعجمي لا ينصرف للعجمة والتعريف، والقبط على ما يروى يقولون للماء "مو"، وللشجر "سا"، فلما وُجِدَ موسى في التابوت عند ماء وشجر سُمِّي "موسى". قال ابن إسحاق: هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، ونصب أربعين على المفعول الثاني، ولا يجوز نصبها على الظرف في هذا الموضع، وهي فيما روي ذو القعدة وعشر ذي الحجة، وخص الليالي دون الأيام بالذكر إذ الليلة أقدم من اليوم وقبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخ. قال النقاش: "وفي ذلك إشارة إلى صلة الصوم، لأنه لو ذكر الأيام لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نص على الليالي اقتضت قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين ليلة بأيامها". قال القاضي أبو محمد رحمه الله: حدثني أبي رضي الله عنه قال: سمعت الشيخ الزاهد الإمام الواعظ أبا الفضل بن الجوهري رحمه الله يعظ الناس بهذا المعنى في الخلوة بالله والدنو منه في الصلاة ونحوه، وأن ذلك يشغل عن كل طعام وشراب ويقول: أين حال موسى في القرب من الله ووصال ثمانين من الدهر من قوله حين سار إلى الخضر لفتاه في بعض يوم: "آتنا غداءنا"؟ وكل المفسرين على أن الأربعين كلها ميعاد. وقال بعض البصريين: وَعَدَهُ رأس الأربعين ليلة. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف: وقوله تعالى {ثم اتخذتم}. قرأ أكثر السبعة بالإدغام. وقرأ ابن كثير وعاصم في روايه حفص عنه بإظهارالذال و {ثم} للمهلة، ولتدل على أن الاتخاذ بعد المواعدة، واتخذ وزنه افتعل من الأخذ. قال أبو علي: "هو من تخذ لا من أخذ" وأنشد [المخرق العبدي]: [الطويل] شعر : وَقَدْ تَخِذتْ رِجْلي إلى جَنْبِ غَرْزِها نسيفاً كأُفْحوصِ القَطَاة المطرق تفسير : ونصب {العجل} بـ {اتخذتم}، والمفعول الثاني محذوف، تقديره اتخذتم العجل إلهاً، واتخذ قد يتعدى إلى مفعول واحد، كقوله تعالى: {أية : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً} تفسير : [الفرقان: 27] وقد يتعدى إلى مفعولين أحدهما هو الآخر في المعنى كقوله تعالى: {أية : اتخذوا أيمانهم جنة} تفسير : [المجادلة: 16، المنافقون: 2]، وكهذه الآية وغيرها، والضمير في {بعده} يعود على موسى. وقيل: على انطلاقه للتكليم، إذ المواعدة تقتضيه. وقيل: على الوعد، وقصص هذه الآية أن موسى صلى الله عليه وسلم لما خرج ببني إسرائيل من مصر، قال لهم: إن الله تعالى سينجيكم من آل فرعون وينفلكم حليهم ومتاعهم الذي كان أمرهم باستعارته، وروي أنهم استعاروه برأيهم، فنفلهم الله ذلك بعد خروجهم، وقال لهم موسى عن الله تعالى: إنه ينزل عليّ كتاباً فيه التحليل والتحريم والهدى لكم، فلما جازوا البحر طالبوا موسى بما قال لهم من أمر الكتاب، فخرج لميعاد ربه وحده، وقد أعلمهم بالأربعين ليلة، فعدوا عشرين يوماً بعشرين ليلة، ثم قالوا هذه أربعون من الدهر، وقد أخلفنا الموعد، وبدا تعنتهم وخلافهم. وكان السامري رجلاً من بني إسرائيل يسمى موسى بن ظفر، وقيل لم يكن من بني إسرائيل بل كان غريباً فيهم، وكان قد عرف جبريل عليه السلام وقت عبرهم البحر، فقالت طائفة: أنكر هيئته فعرف أنه ملك. وقال طائفة: كانت أم السامري ولدته عام الذبح فجعلته في غار وأطبقت عليه، فكان جبريل صلى الله عليه وسلم يغذوه بأصابع نفسه فيجد في إصبع لبناً، وفي إصبع عسلاً، وفي إصبع سمناً، فلما رآه وقت جواز البحر عرفه، فأخذ من تحت حافر فرسه قبضة تراب، وألقي في روعه أنه لن يلقيها على شيء ويقول له كن كذا إلا كان، فلما خرج موسى لميعاده قال هارون لبني إسرائيل: إن ذلك الحلي والمتاع الذي استعرتم من القبط لا يحل لكم، فجيئوا به حتى تأكله النار التي كانت العادة أن تنزل على القرابين. وقيل: بل أوقد لهم ناراً وأمرهم بطرح جميع ذلك فيها، فجعلوا يطرحون. وقيل: بل أمرهم أن يضعوه في حفرة دون نار حتى يجيء موسى، وجاء السامري فطرح القبضة، وقال كن عجلاً. وقيل: إن السامري كان في أصله من قوم يعبدون البقر، وكان يعجبه ذلك. وقيل: بل كانت بنو إسرائيل قد مرت مع موسى على قوم يعبدون البقر فـ {أية : قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة} تفسير : [الأعراف: 138]، فوعاها السامري وعلم أن من تلك الجهة يفتنون، ففتنت بنو إسرائيل بالعجل، وظلت منهم طائفة يعبدونه، فاعتزلهم هارون بمن تبعه، فجاء موسى من ميعاده فغضب حسبما يأتي قصصه في مواضعه من القرآن إن شاء الله. ثم أوحى الله إليه أنه لن يتوب على بني إسرائيل حتى يقتلوا أنفسهم، ففعلت بنو إسرائيل ذلك، فروي أنهم لبسوا السلاح، من عبد منهم ومن لم يعبد وألقى الله عليهم الظلام، فقتل بعضهم بعضاً يقتل الأب ابنه والأخ أخاه، فلما استحر فيهم القتل وبلغ سبعين ألفاً عفا الله عنهم وجعل من مات منهم شهيداً، وتاب على البقية، فذلك قوله: {ثم عفونا عنكم}. وقال بعض المفسرين: وقف الذين عبدوا العجل صفاً ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم. وقالت طائفة: جلس الذين عبدوا بالأفنية، وخرج يوشع بن نون ينادي: ملعون من حل حبوته، وجعل الذين لم يعبدوا يقتلونهم، وموسى في خلال ذلك يدعو لقومه ويرغب في العفو عنهم، وإنما عوقب الذين لم يعبدوا بقتل أنفسهم على أحد الأقوال أو بقتلهم قراباتهم على الأقوال الأخر لأنهم لم يغيروا المنكر حين عبدوا العجل، وإنما اعتزلوا وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده، و {أنتم ظالمون} مبتدأ وخبر في موضع الحال، وقد تقدم تفسير الظلم، والعفو تغطية الأثر وإذهاب الحال الأولى من الذنب أو غيره، ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذنب وعفا عنهم عز وجل أي عمن بقي منهم لم يقتل، و {لعلكم} ترج لهم في حقهم وتوقع منهم لا في حق الله عز جل، لأنه كان يعلم ما يكون منهم. قوله تعالى: {وإذ آتينا موسى الكتاب}، {إذ} عطف على ما ذكر من النعم، و {الكتاب} هو التوراة بإجماع من المتأولين. واختلف في {الفرقان} هنا فقال الزجاج وغيره هو التوراة أيضاً كرر المعنى لاختلاف اللفظ، ولأنه زاد معنى التفرقة بين الحق والباطل، ولفظة الكتاب لا تعطي ذلك. وقال آخرون: {الكتاب} التوراة، و {الفرقان} سائر الآيات التي أوتي موسى صلى الله عليه وسلم، لأنها فرقت بين الحق والباطل. وقال آخرون: {الفرقان}: النصر الذي فرق بين حالهم وحال آل فرعون بالنجاة والغرق. وقال ابن زيد: "الفرقان انفراق البحر له حتى صار فرقاً". وقال الفراء وقطرب: معنى هذه الآية: آتينا موسى الكتاب ومحمداً الفرقان. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وهذا ضعيف. و {لعلكم تهتدون} ترج وتوقع مثل الأول.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَرَقْنَا} فصلنا "أو ميزنا" وسمى البحر بحراً لسعته وانبساطه، تبحر في العلم اتسع فيه. {تُنظِرُونِ} إلى سلوكهم البحر، وانطباقه عليهم.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {وإذ فرقنا بكم البحر} {فأنجيناكم} يعني من فرعون {وأغرقنا آل فرعون}. وذلك أن فرعون لما وصل إلى البحر فرآه منفلقاً، قال لقومه: انظروا إلى البحر كيف انفلق من هيبتي حتى أدرك عبيدي الذين أبقوا مني ادخلوا البحر فهاب قومه أن يدخلوا، وقيل: قالوا له: إن كنت رباً فادخل البحر كما دخل موسى وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن في خيل فرعون فرس أنثى فجاء جبريل عليه السلام على فرس أنثى وديق فتقدمه، وخاض البحر فلما شم أدهم فرعون ريحها اقتحم البحر في أثرها ولم يملك فرعون من أمره شيئاً، واقتحمت الخيول خلفه في البحر وجاء ميكائيل خلفهم يسوقهم وهو على فرس ويقول: الحقوا بأصحابكم حتى صاروا كلهم في البحر وخرج جبريل من البحر وهم أولهم بالخروج فأمر الله البحر أن يأخذهم، فالتطم عليهم وأغرقهم أجمعين وكان بين طرفي البحر أربع فراسخ وهو بحر القلزم وهو على طرف من بحر فارس، وقيل: هو بحر من وراء مصر يقال له: إساف وكان إغراق آل فرعون بمرأى من بني إسرائيل فذلك قوله: {وأنتم تنظرون} يعني إلى هلاكهم وقيل: إلى مصارعهم وقيل: إن البحر قذفهم حتى نظروا إليهم ووافق ذلك يوم عاشوراء فصام موسى عليه السلام ذلك اليوم شكراً لله تعالى.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {فَأَنجَيْنَاكُمْ...} قال البسيلي: في تفسير قوله تعالى: "فأنجيناكم" قدم الإنجاء وإن كان دفع المؤلم آكد مراعاة للترتيب الوجودي لأن الإنجاء متقدم على إغراق آل فرعون.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ} الآية: {فَرَقْنَا }: معناه: جعلْنَاه فِرَقاً، ومعنى {بِكُمُ} أي: بسببكم، والبحر هو بحر القُلْزُمِ ولم يفرق البحر عَرْضاً من ضفَّة إلى ضفَّة، وإنما فرق من موضع إلى موضع آخر في ضفة واحدة، وكان ذلك الفرق يُقَرِّبُ موضع النجاة، ولا يلحق في البر إلا في أيام كثيرةٍ بسبب جبالٍ وأوغار حائلة، وقيل: انفرق البحْرُ عَرْضاً على ٱثْنَيْ عَشَرَ طَريِقاً؛ طريق لكلِّ سبط، فلما دخلوها، قالَتْ كل طائفة: غَرِقَ أصحابنا، وجَزِعُوا، فقال موسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ: اللهمَّ، أَعِنِّي علَىٰ أخلاقهِمُ السَّيئة، فأوْحَى اللَّه إِلَيْه أَنْ أدِرْ عصَاك على البَحْر، فأدارها، فصار في الماء فتوحٌ كالطَّاق، يرَىٰ بعضهم بعضًا، وجازوا وجبريلُ في ساقتهم عَلَىٰ مَاذِيَانةٍ يحث بني إسرائيل، ويقول لآلِ فرْعَوْنَ: مَهْلاً حتَّىٰ يلحق آخركم أوَّلَكُم، فلما وصل فرعونُ إلى البحر، أراد الدخول، فنفر فرسُهُ، فتعرَّض له جبريلُ بالرَّمَكَة، فأتبعها الفرَسُ، ودخَل آلُ فرعَوْن، وميكائلُ يحثهم، فلما لم يبق إلا ميكائلُ في ساقتهم على الضّفَّة وحده، انطبَقَ البحْرُ عليهم، فغرقوا. وَ {تَنظُرُونَ}: قيل: معناه بأبصاركم لقُرْبِ بعضهم من بعضٍ، وقيل: ببصائركم لِلٱعتبار؛ لأنهم كانوا في شُغُلٍ. قال الطبريُّ: وفي أخبار القرآن على لسان النبيِّ صلى الله عليه وسلم بهذه المغيَّبات التي لم تكُنْ من علم العَرَب، ولا وقعتْ إلا في خفيِّ علْمِ بني إسرائيل دليلٌ واضحٌ عند بني إسرائيل، وقائمْ عليهم بنبوءة نبيِّنا محمَّد صلى الله عليه وسلم. وموسَى: اسم أَعْجميٌّ، قال ابن إِسحاقَ: هو مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهرَ بْنِ قَاهَثَ بْنِ لاَوى بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الخَليِلِ صلى الله عليه وسلم. وخص الليالي بالذكْرِ في قوله تعالَىٰ: {وَإِذْ وٰعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} إِذ الليلة أقدم من اليوم، وقبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخُ، قال النقَّاش: وفي ذلك إشارة إلى صلة الصوم؛ لأنه لو ذكر الأيام، لأَمْكَن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نصَّ على الليالي، ٱقتضَتْ قوة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين ليلةً بأيامها. قال: * ع *: حدَّثني أبي ـــ رضي اللَّه عنه ـــ قال: سمعتُ الشيخَ الزاهد الإِمام الواعظَ أبا الفضل بْنَ الجوهَرِيِّ ـــ رحمه اللَّه ـــ يعظُ النَّاسَ بهذا المعنى في الخلوة باللَّه سبحانه، والدنوِّ منه في الصلاة، ونحوه، وأنَّ ذلك يشغل عن كل طعامٍ وشرابٍ، ويقول: أين حال موسَىٰ في القرب من اللَّه، ووصالِ ثمانين من الدهْرِ من قوله، حين سار إلى الخَضِرِ لفتاه في بعض يوم:{ أية : آتِنَا غَدَاءَنَا}تفسير : [الكهف:62]. * ت *: وأيضاً في الأثر أنَّ موسَىٰ لم يصبه، أو لم يشك ما شكاه من النَّصَب؛ حتى جاوز الموضع الذي وعد فيه لقاء الخَضِرِ عليهما السلام. قال: * ع *: وكل المفسِّرين على أن الأربعين كلَّها ميعاد. وقوله تعالى: {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ } أي: إلهاً، والضمير في {بَعْدِهِ } يعود على موسَىٰ، وقيل: على انطلاقه للتكليمِ؛ إذ المواعدة تقتضيه، وقصص هذه الآية أن موسَىٰ عليه السلام، لما خرج ببني إسرائيل من مصْرَ، قال لهم: إن اللَّه تعالى سينجِّيكم من آل فرعَوْنَ، وينفلكم حُلِيَّهُمْ، ويروى أن استعارتهم للحُلِيِّ كانت بغَيْرِ إذن موسَىٰ ـــ عليه السلام ـــ وهو الأشبه به، ويؤيِّده ما في سورة طه في قولهم لموسى: { أية : وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا }، تفسير : [طه:87] فظاهرُهُ أنهم أخبروه بما لم يتقدَّم له به شعورٌ، ثم قال لهم موسَىٰ: إنه سينزل اللَّه عليَّ كتابًا فيه التحليلُ والتحريمُ والهُدَىٰ لكم، فلما جازوا البحر، طلبوا موسَىٰ بما قال لهم من أمر الكتاب، فخرج لميعاد ربه وحده، وقد أعلمهم بالأربعين ليلةً، فعدوا عشرين يوماً بعشرين ليلة، وقالوا: هذه أربعون من الدهر، وقد أَخْلَفَنَا المَوْعِدَ، وبدا تعنُّتهم وخلافُهم، وكان السامريُّ رجلاً من بني إسرائيل يسمى موسى بْنَ ظفر، ويقال: إِنه ابْنُ خالِ مُوسَىٰ، وقيل: لم يكن من بني إسرائيل، بل كان غريباً فيهم، والأول أصحُّ، وكان قد عرف جبريلَ عليه السلام وقت عبورهم، قالت طائفة: أنكَرَ هَيْئَتَهُ، فعرف أنه ملَكٌ، وقالت طائفة: كانت أم السامريِّ ولدته عام الذبْحِ، فجعلته في غَارٍ وأطبقت عليه، فكان جبريل عليه السلام يَغْذُوهُ بأصبع نفسه، فيجد في أصبع لَبَناً وفي أصبع عَسَلاً، وفي أصبع سَمْناً، فلما رآه وقت جواز البحْرِ، عرفه، فأخذ من تحت حافرِ فرسه قبضةَ ترابٍ، وألقَىٰ في روعِهِ؛ أنه لن يلقيها على شيء، ويقول له: كن كذا إلا كان، فَلَمَّا خرج موسَىٰ لميعاده، قال هارون لبنِي إسرائيل: إِن ذلك الحُلِيَّ والمتاعَ الذي استعرتم من القِبْط لا يحلُّ لكم، فَجِيئوا به؛ حتى تأكله النار التي كانت العادةُ أن تنزل على القرابين. وقيل: بل أوقد لهم ناراً، وأمرهم بطرح جميعِ ذلك فيها، فجعلوا يطرحون. وقيل: بل أمرهم أن يضعوه في حُفْرة دُون نار حتَّىٰ يجيء موسَىٰ، وروي، وهو الأصحُّ الأكثر؛ أنه ألقى الناسُ الحُلِيَّ في حفرة، أو نحوِها، وجاء السامريُّ، فطرح القبضة، وقال: كن عجلاً. وقيل: إن السامريَّ كان في أصله من قوم يعبدون البقر، وكان يعجبه ذلك. وقيل: بل كانت بنو إسرائيل قد مرَّت مع موسَىٰ على قوم يعبدون البَقَرَ. * ت *: والذي في القرآن: {أية : يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَهُمْ }، تفسير : [الأعراف:138] قيل: كانت على صور البقر، {أية : فَقَالُواْ يا مُوسَى ٱجْعَلْ لَنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَة }، تفسير : [الأعراف:138] فوعاها السامريُّ، وعلم أن من تلك الجهة يفتنون، ففتنت بنو إسرائيل بالعجل، وظلَّت منهم طائفةٌ يعبدونه، فٱعتزلهم هارونُ بمن تبعه، فجاء موسَىٰ من ميعاده، فغضب حسبما يأتي قصصه في مواضعه، إن شاء اللَّه تعالى، ثم أوحى اللَّه إِليه؛ أنه لن يتوب علَىٰ بني إِسرائيل؛ حتى يقتلوا أنفسهم، ففعلَتْ بنو إِسرائيل ذلك، فروي أنهم لبسوا السلاح مَنْ عَبَدَ منهم، ومن لم يَعْبُد، وألقى اللَّه عليهم الظلام، فقتل بعضهم بعضاً، يقتل الأب ابنه، والأخ أخاه، فلما استحر فيهم القتْلُ، وبلغ سبعين ألفاً، عفا اللَّه عنهم، وجعل من مات شهيداً، وتاب على البقية؛ فذلك قوله سبحانه: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم} وقال بعض المفسِّرين: وقف الذين عبدوا العجْلَ صفًّا، ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح، فقتلوهم، وقالت طائفة: جلس الذين عبدوا بالأفْنِيَةِ، وخرج يُوشَعُ بنُ نُونٍ ينادي: ملعونٌ مَن حَلَّ حُبْوَتَهُ، وجعل الذين لم يعبدوه يقتلونهم، وموسى صلى الله عليه وسلم في خلالِ ذلك يدعو لقومه، ويَرْغَبُ في العفو عنهم، وإِنما عوقب الذين لم يعبدوا بقتل أنفسهم على أحد الأقوال؛ لأنهم لم يغيِّروا المُنْكَرَ حين عُبِدَ العِجْلُ. {وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ} ابتداءٌ وخبرٌ في موضع الحالِ، والعفو تغطيةُ الأثر، وإِذهابُ الحالِ الأول من الذنب أو غيره. * ت *: ومنه الحديثُ: «حديث : فَجَعَلَتْ أُمُّ إسْمَاعِيلَ تعفي أَثَرَهَا».تفسير : قال: * ع *: ولا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا في الذَّنْبِ، والكتابُ هنا هو التوراةُ بإجماع، واختلف في الفُرْقَانِ هنا، فقال الزجَّاج وغيره: هو التوراة أيضاً؛ كرر المعنى؛ لاختلاف اللفظ، وقال آخرون: الكتاب التوراةُ، والفرقانُ سائر الآيات التي أوتي موسَىٰ عليه السلام؛ لأنها فَرَقَتْ بين الحق والباطل، واختلف هل بقي العجْلُ مِنْ ذَهَب؟ فقال ذلك الجمهور، وقال الحسن بن أبي الحسن: صار لحماً ودماً، والأول أصحُّ. * ت *: وقوله تعالَىٰ: {فَتُوبُواْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} عن أبي العالية: إلى خالقكم؛ مِنْ بَرَأَ اللَّهُ الخَلْقَ، أي: خلقهم، فالبريئة: فَعِيلَةٌ بمعنى مفعولة. انتهى من «مختصر أبي عبد اللَّه اللَّخْميِّ النحوي للطبريِّ».
ابن عادل
تفسير : "إذْ" في موضع نصب، و "الفَرْق" [والفَلْق] واحد، وهو الفصل والتمييز، ومنه: {أية : وَقُرْءَاناً فَرَقْنَاهُ}تفسير : [الإسراء:106] أي: فَصّلناه ومَيَّزْنَاه بالقرآن والبيان. والقرآن فُرْقان لتمييزه بين الحق والباطل. وقرأ الزُّهْرِي: "فَرَّقْنَا" بتشديد الراء. أي: جعلناه فرقاً. قوله: "بكم" الظاهر أن الباء على بابها من كونها داخلة على الآلة، فكأنه فرق بهم كما يفرق بين الشَّيئين بما توسط بينهما. وقال أبو البقاء: ويجوز أن تكون المعدية كقولك: "ذهبت بزيد"، فيكون التقدير: أفرقناكم البَحْر، ويكون بمعنى: {أية : وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ}تفسير : [الأعراف:138]. وهذا أقرب من الأول. ويجوز أن تكن الباء للسببية أي: بسببكم، ويجوز أن تكون للحال من "البحر" أي: فرقناه ملتبساً بكم، ونظره الزمخشري بقوله: [الوافر] شعر : 481ـ................. تَدُوسُ بِنَا [الجَمَاجِمَ] والتَّرِيبَا تفسير : أي: تَدُوسُهَا ونحن راكبوها. قال أبو البقاء: أي: فرقنا البحر وأنتم به، فيكون إما حالاً مقدرة أو مقارنة، ولا حاجة إلى ذلك؛ لأنه لم يكن مفروقاً إلا بهم حال كونهم سالكين فيه. وقال أيضاً: و "بكم" في موضع نصب مفعول ثانٍ لـ "فَرَقْنَا" و "البحر" مفعول أول، والباء هنا في معنى اللام. وفيه نظر؛ لأنه على تقدير تسليم كون الباء بمعنى اللام، فتكون لام العلّة، والمجرور بلام العلة لا يقال: إنه مفعول ثانٍ، لو قلت: ضربت زيداً لأجلك، لا يقول النحوي: "ضرب" يتعدّى لاثنين إلى أحدهما بنفسه، وللآخر بحرف الجر. و "البَحْر" أصله: الشِّق الواسع، ومنه "البَحِيْرة" لِشَقِّ أذنها، وفيه الخلاف المتقدّم في "النهر" في كونه حقيقة في الماء، أو في الأُخْدُود؟ ويقال: فرس بَحْر أي: واسع الجَرْي، ويقال: أبْحَرَ الماء: ملح؛ قال نُصَيْب: [الطويل] شعر : 482ـ وَقَدْ عَادَ مَاءُ الأَرْضِ بَحْراً فَزَادَنِي إلَى مَرَضِي أنْ أبْحَرَ المَشْرَبُ العَذْبُ تفسير : والبَحْر يكنى إياه، وقد يطلق على العَذْب بحراً، وهو مختص بالماء المَلْح، وفيه خلاف. و "البَحْر": البلدة، يقال: هذه بَحْرتنا، أي: بلدتنا. و "البحر": السُّلال يصيب الإنسان. ويقولون: لقيته صَحْرَةً بَحْرَةً، أي: بارزاً مكشوفاً. قوله: "فأنجيناكم" أي: أخرجناكم منه، يقال: نجوت من كذا نِجَاءً، ممدوداً، ونَجَاةً، مقصوراً، والصدق مَنْجَاة، وأَنْجَيْت غيري ونَجَّيته، وقرىء بهما: {أية : وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم}تفسير : [البقرة:49] "فأنجيناكم". قوله: {وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ}. "الغَرَق": الرسوب في الماء، يقال: غَرِقَ في الماء غَرَقاً، فهو غَرِقٌ وغَارِقٌ أيضاً، وأَغْرَقَ غَيْرَهُ وغَرَّقَهُ، فهو مُغَرَّقٌ وغَرِيقٌ؛ قال أبو النَّجْمِ: [الرجز] شعر : 483ـ مِنْ بَيْن مَقْتُولٍ وطَافٍ غَارِقٍ تفسير : ويطلق على القتل بأي نوع كان؛ قال الأعشى: [الطويل] شعر : 484ـ................... ألاَ لَيْتَ قَيْساً غَرَّقَتْهُ القَوابِلُ تفسير : وذلك إن القَابِلَةَ كانت تغرق المولود في دم السَّلَى عام القَحْطِ، ذكراً كان أو أنثى حتى يموت، فهذا الأصل، ثم جعل كل قتل تغريقاً، ومنه قول ذي الرمة: [الطويل] شعر : 485ـ إذَا غَرَّقَتْ أرْبَاضُهَا ثِنْيَ بَكْرةٍ بِتَيْهَاءَ لَمْ تُصْبِحْ رَءُوماً سَلُوبُهَا تفسير : والأَرْبَاض: الحِبَال. والبَكْرَة: النَّاقة. وثِنْيُهَا: بطنها الثَّاني، وإنما لم تعطف على ولدها لما لحقها من التعب. قوله: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} جملة من مبتدأ وخبر في محل نصب على الحال من "آل فرعون" أي: وأنتم تنظرون إغْرَاقَكُم، والعامل "أغرقنا"، ويجوز أن يكون حالاً من مفعول "أنجيناكم". والنَّظر يحتمل أن يكون بالبَصَرِ؛ لأنهم كانوا يبصرون بعضهم بعضاً لقربهم؛ وقيل: إن آل فرعون طغوا على الماء، فنظروا إليهم. وأن يكون بالبصيرة والاعتبار. وقيل المعنى: وأنتم بحال من ينظر لو نظرتم، ولذلك لم يُذْكر له مفعول. فصل في البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه قال بعض المفسرين: والبَحْرُ الذي أغرق الله فيه فرعون وقومه هو "نيل مصر"، وقيل: بحر "قلزم" طرف من بحر "فارس". وقال قتادة: بحر من وراء "مصر" يقال له "إسَافَة" واختلفوا هل تفرق البحر عرضاً أو طولاً؟ فقيل: إنه [تفرق] عرضاً وأن بني إسرائيل خرجوا إلى البَرِّ الذي كانوا فيه أولاً. وهذا هو الظاهر وفيه جمع بين القولين، فإنهم دخلوا فيه أولاً عرضاً، ثم مشوا فيه طولاً، وخرجوا من بَرْ الطول، وتبعهم فرعون فالْتَطَم عليه البحر، فغرق هو وجنوده، وصار بنو إسرائيل في بَرّ الطول، وإلا فأي من يقابل بر "القلزم" خرجوا إليه حتى ذهبوا إلى "الطُّور". ومن قال: إن البحر هو النيل فلا إشْكال؛ لأنهم كانوا في "مصر القديمة"، وجاءوا إلى شاطىء النيل، فانفرق لهم، وخرجوا إلى بَرّ الشرق، وذهبوا إلى "برية الطور". فصل في نعم الله على موسى وقومه في تلك الواقعة اعلم أن هذه الواقعة تضمّنت نعماً كثيرة في الدنيا والدين في حَقّ موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وبني إسرائيل. أما نعم الدنيا فهي أنهم لما وقعوا إلى ذلك المَضِيقِ، ومن ورائهم فرعون وجنوده، وقُدَّامهم البحر، فإن توقّفوا أدركهم فرعون وأهلكهم، وإن ساروا أغرقوا، فلا خوف أعظم من ذلك، ثم إن الله ـ تعالى ـ نَجّاهم بغرق البحر، فلا نِعْمَةَ أعظم من ذلك، وأيضاً فإنهم شاهدوا هَلاَكَ أعدائهم، وأورثهم أرضهم وديارهم، وأموالهم، وخلّصهم من أيديهم، ولو أنه ـ تعالى ـ خلّص موسى وقومه من تلك الحالة، وما أهلك فرعون لكان الخوف باقياً؛ لأنه رُبّما اجتمعوا واحتالوا على من أذاهم بحيلة، ولكن الله ـ تعالى ـ حَسَمَ عنهم مادة الخوف. وأما نعم الدِّين فهي أن قوم موسى لما شَاهَدُوا تلك المُعْجزة الباهرة زالت عن قلوبهم الشُّكُوك والشُّبُهَات، فإنّ دلالة مثل هذا المعجز على وجود الصَّانع الحكيم، وعلى صدق موسى تُقَرِّب من العلم الضروري، فكأنه ـ تعالى ـ رفع عنهم تحمُّل النظر الدقيق، والاستدلال، وأيضاً لما عاينوا ذلك صار داعياً لقوم فرعون إلى ترك تكذيب موسى، والإقدام على تكذيب فرعون، وايضاً أنهم عرفوا أنّ الأمور بيد الله، وأنه لم يكن في الدنيا أكمل ما كان لفرعون، ولا شدّة أكثر مما كانت لبني إسرائيل، ثم إنّ الله ـ تعالى ـ في لحظة واحدة جعل العزيز ذليلاً، والذليل عزيزاً، وذلك يوجب انقطاع القَلْب عن عَلاَئق الدُّنيا، والإقبال بالكليّة على خدمة الخالق، والتوكُّل عليه في كل الأمور. فإن قيل: إن فرعون لما شاهد فَلْقَ البحر وكان عاقلاً فلا بد وأن يعلم أن ذلك من فعل قادرٍ عالمٍ مخالفٍ لسائر القادرين، فكيف بقي على الفكر؟ والجواب: لعلّه اعتقد أن ذلك أيضاً السحر، كما قال حين ألقى موسى عصاه، وأخرج يده. يروى أن فرعون كان راكباً حصاناً، فلما أراد العُبُور في البحر خلف بني إسرائيل جَفل الحصان، فجاء جبريل على فَرَسٍ أنثى فتقدّمهم فتبعه الحصان، فلمّا اقتحموا البحر، وميكائيل خلفهم يَسُوقهم حتى لم يَبْقَ منهم أحد، وخرج جبريل وهم أولهم بالخروج أمر الله البحر فالْتَطَمَ عليهم. واعلم أن هنا لطائف: أولها: أن كل نبي لأمّته نصيب مما أعطي نبيهم، فموسى عليه الصَّلاة السلام لما نُجِّي من الغَرَقِ حين ألقي في اليَمِّ، كذلك [نُجّيت] أمته من الغَرَقِ. ثانيها: أن فرعون ادَّعى العلو والربوبية، فأغرق ونزل إلى الدَّرْك الأسفل. ثالثها: أنه لما ذبح أبناءهم، والذبح هو إنْهَار الدم، أغرقه الله في النَّهر. فصل في فضل يوم عاشوراء روى مسلم عن ابن عباس حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم "المدينة"، فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَا هَذا اليوم الذي تَصُومُونَهُ" فقالوا: هذا يوم عَظِيم أنجى الله فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكراً فنحن نصومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فنحن أَحَقّ وأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ"، فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامهتفسير : . وأخرجه البخاري أيضاً عن ابن عباس، "حديث : وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: أَنْتُمْ أَحَقّ بموسى منهم فَصُومُوا ". تفسير : فظاهر هذا أنه صلى الله عليه وسلم إنما صامه اقتداءً بموسى ـ عليه السَّلام ـ على ما أخبره اليَهُود، وليس كذلك، لما روته عائشة قالت: "كان يوم عَاشُورَاء تصومه قُرَيْشٌ في الجاهلية، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه في الجاهلية، فلما قدم "المدينة" صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك صِيَامَ يوم عَاشُورَاء، فمن شاء صامه، ومن شاء تَرَكَه". مُتَّفق عليه. فإن قيل: يحتمل أن تكون قريش إنما صامته؛ لأن اليهود أخبروهم، وكانوا عندهم أصحاب عِلْمٍ، فصامه النبي صلى الله عليه وسلم كذلك في الجاهلية، أي بـ "بمكة"، فلما قدم "المدينة"، ووجد اليهود يصومونه قال: "حديث : نَحْنُ أَحَقّ وأولى بموسى منكم"تفسير : ، فصامه اتِّبَاعاً لموسى. فالجواب: أن هذا مبني على أنه ـ عليه الصلاة والسَّلام ـ كان متعبداً بشريعة موسى عليه الصلاة والسلام، وليس كذلك.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد حميد عن قتادة في قوله {وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون} قال: أي والله لفرق بهم البحر حتى صار طريقاً يبساً يمشون فيه {فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون} [البقرة: 50] عدوّهم نعم من الله يعرفهم لكيما يشكروا ويعرفوا حقه. وأخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي عن ابن عباس قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال "حديث : ما هذا اليوم الذي تصومون؟ قالوا: هذا يوم صالح نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصومه ". تفسير : وأخرج الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير: أن هرقل كتب إلى معاوية وقال: إن كان بقي فيهم شيء من النبوّة فسيخبرني عما أسألهم عنه. قال: وكتب إليه يسأله عن المجرة، وعن القوس، وعن البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة واحدة، قال: فلما أتى معاوية الكتاب والرسول قال: إن هذا شيء ما كنت آبه له أن أسأل عنه إلى يومي هذا، من لهذا؟ قالوا: ابن عباس. وطوى معاوية كتاب هرقل وبعثه إلى ابن عباس، فكتب إليه: إن القوس أمان لأهل الأرض من الغرق، والمجرة باب السماء الذي تشق منه، وأما البقعة التي لم تصبها الشمس إلا ساعة من نهار فالبحر الذي أفرج عن بني إسرائيل. وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال"حديث : فلق البحر لبني إسرائيل يوم عاشوراء ".
ابو السعود
تفسير : {وَإِذْ فَرَّقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ} بـيان لسبب التنجيةِ وتصويرٌ لكيفيتها إثرَ تذكيرها وبـيانُ عِظمِها وهولِها وقد بَـيّن في تضاعيف ذلك نعمةً جليلةً أخرى هي الأنجاءُ من الغرق أي واذكروا إذ فلقناه بسلوككم كقوله تعالى: {أية : تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ} تفسير : [المؤمنون، الآية 20] أو بسبب إنجائكم وفصَلْنا بـين بعضِه وبعضٍ حتى حصلت مسالكُ، وقرىء بالتشديد للتكثير لأن المسالك كانت اثني عشَرَ بعدد الأسباط {فَأَنجَيْنَـٰكُمْ} أي من الغرق بإخراجكم إلى الساحل كما يصرِّح به العدولُ إلى صيغة الإفعال بعد إيرادِ التخليصِ من فرعون بصيغة التفعيل وكذا قولُه تعالى: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} أريد فرعونُ وقومُه وإنما اقتُصر على ذكرهم للعلم بأنه أولى به منهم وقيل: شخصُه كما روُي أن الحسن رضي الله عنه كان يقول: اللهم صل على آل محمدٍ أي شخصِه واستُغنى بذكره عن ذكر قومه {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} ذلك أو غرقَهم وإطباقَ البحر عليهم أو انفلاقَ البحر عن طرق يابسةٍ مذللة أو جثثَهم التي قذفها البحرُ إلى الساحل أو ينظرُ بعضُكم بعضاً. روي أنه تعالى أمر موسى عليه السلام أن يسريَ ببني إسرائيلَ فخرج بهم فصبحهم فرعونُ وجنودُه وصادفوهم على شاطىء البحر فأوحى الله تعالى إليه أن اضرِبْ بعصاك البحر فضربه بها فظهر فيها اثنا عشر طريقاً يابساً فسلكوها فقالوا: نخاف أن يغرَقَ بعضُ أصحابنا فلا نعلم ففتح الله تعالى فيها كُوىً فتراءَوْا وتسامعوا حتى عبروا البحرَ فلما وصل إليه فرعونُ فرآه منفلقاً اقتحمه هو وجنودُه فغشِيَهم ما غشيهم. واعلم أن هذه الواقعة كما أنها لموسى معجزةٌ عظيمة تخِرُّ لها أطُمُ الجبال ونعمةٌ عظيمة لأوائل بني إسرائيلَ موجبةٌ عليهم شكرَها كذلك اقتصاصُها على ما هي عليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم معجزةٌ جليلةٌ تطمئن بها القلوبُ الأبـية وتنقاد لها النفوس الغبـية موجبةً لأعقابهم أن يتلقَّوْها بالإذعان فلا تأثرت أوائلُهم بمشاهدتها ورؤيتها ولا تذكرت أواخرُهم بتذكيرها وروايتها فيا لها من عصابة ما أعصاها وطائفةٍ ما أطغاها.
القشيري
تفسير : تقاصرت بصائر بني إسرائيل فأراهم المعجزات عياناً، ونفذت بصائر هذه الأمة فكاشفهم بآياته سراً، وبذلك جرت سُنَّتُه سبحانه، وكل من كان أشحذَ بصيرةً كان الأمر عليه أغمض، والإشارات معه أوفر، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصاراً ". تفسير : وحين شاهدوا ظاهر تلك الآيات من فلق البحر وإغراق آل فرعون - دَاخَلَهُمْ ريبٌ؛ فقالوا: إنه لم يغرق حتى قذفهم البحر، فنظر بنو إسرائيل إليهم وهم مغرقون. وهذه الأمة لفظ تصديقهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله، وقوة بصائرهم (أن) قال واحد من أفتاء الناس: "كأني بأهل الجنة يتزاورون وكأني بأهل النار يتعاوون وكأني أنظر عرش ربي بارزاً" فشتَّان بين من يُعاين فيرتاب مع عيانه، وبين مَنْ يسمع فكالعيان حالُه من قوة إيمانه.
اسماعيل حقي
تفسير : {و} اذكروا يا بنى اسرائيل {اذ فرقنا} فصلنا {بكم} اى بسبب انجائكم فالباء للسببية وهو اولى لان الكلام مسوق لتعداد النعم والامتنان وفى السببية دلالة على تعظيمهم وهو ايضا من النعم وقيل الباء بمعنى اللام كقوله تعالى {أية : ذلك بأن الله هو الحق} تفسير : [الحج: 62]. اى لان الله {البحر} وهو بحر القلزم بحر من بحار فارس او بحر من ورائهم يقال له اساف حتى حصل اثنا عشر مسلكا بعدد اسباط بنى اسرائيل والسبط ولد الولد والاسباط من بنى اسرائيل كالقبائل من العرب وهم اولاد يعقوب {فأنجيناكم} اى من الغرق باخراجكم الى الساحل {واغرقنا} الغرق الرسوب فى الشىء المائع ورسب الشىء فى الماء رسوبا اى سفل فيه والاغراق الاهلاك فى الماء {آل فرعون} يريد فرعون وقومه للعلم بدخوله فيهم وكونه اولى به منهم {وانتم تنظرون} بابصاركم انفراق البحر حين سلكتم فيه وانطباقه على آل فرعون بعد سلامتكم منه وايضا تنظرون اليهم غرقى موتى حين رماهم البحر الى الساحل. قال القرطبى ان الله تعالى لما انجاهم واغرق فرعون قالوا يا موسى ان قلوبنا لا تطمئن ان فرعون قد غرق حتى امر الله البحر فلفظه فنظروا اليه. روى انه لما دنا هلاك فرعون امر الله موسى عليه السلام ان يسرى ببنى اسرائيل من مصر ليلا فامرهم ان يخرجوا وان يستعيروا الحلى من القبط وامر ان لا ينادى احد منهم صاحبه وان يسرجوا في بيوتهم الى الصبح ومن خرج لطخ بابه بكف من دم ليعلم انه قد خرج فخرجوا ليلا وهم ستمائة الف وعشرون الف مقاتل لا يعدون فيهم ابن العشرين لصغره ولا ابن الستين لكبره والقبط لا يعلمون ووقع فى القبط موت فجعلوا يدفنونهم وشغلوا عن طلبهم فلما ارادوا السير ضرب عليهم التيه فلم يدروا اين يذهبون فدعا موسى مشيخة بنى اسرائيل وسألهم عن ذلك فقالوا ان يوسف لما حضره الموت اخذ على اخوته عهدا ان لا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم فلذلك انسد عليهم الطريق فسألهم عن موضع قبره فلم يعلمه احد غير عجوز قالت لو دللت على قبره أتعطينى كل ما سألتك فابى عليها وقال حتى اسأل ربى فامره الله بايتاء سؤلها فقالت انى عجوز كبيرة لا استطيع المشى فاحملنى واخرجنى من مصر هذا فى الدنيا واما فى الآخرة فاسألك ان لا تنزل في غرفة الا نزلتها معك قال نعم قالت انه في جوف الماء فى النيل فادع الله ان يحسر عنه الماء فدعا الله ان يؤخر طلوع الفجر الى ان يفرغ من امر يوسف فحفر موسى ذلك الموضع واستخرجه فى صندوق من صنوبر قالوا ان موسى استخرج تابوت يوسف من قعر النيل بالوفق وهو أول علم أوجده الله بنفسه وعلّمه آدم عليه السلام فتوارثه الأنبياء آخرا عن أ ول ثم انه حمله حتى دفنه بالشام ففتح لهم الطريق فساروا فكان هارون امام بنى اسرائيل وموسى على ساقتهم فلما علم بذلك فرعون جمع قومه فخرج فى طلب بنى اسرائيل وعلى مقدمته هامان فى الف الف وسبعمائة الف جواد ذكر ليس فيها رمكة على رأس كل واحد منهم بيضة وفى يده حربة فسارت بنوا اسرائيل حتى وصلوا الى البحر والماء فى غاية الزيادة فادركهم فرعون حين اشرقت الشمس فقال فرعون فى اصحاب موسى ان هؤلاء لشرذمة قليلون فلما نظر اصحاب موسى اليهم بقوا متحيرين فقالوا لموسى انا لمدركون يا موسى اوذينا من قبل ان تأتينا ومن بعد ما جئتنا اليوم نهلك فان البحر امامنا ان دخلناه غرقنا وفرعون خلفنا ان ادركنا قتلنا يا موسى كيف نصنع واين ما وعدتنا قال موسى كلا ان معى ربى سيهدين فاوحى الله الى موسى ان اضرب بعضاك البحر فضربه فلم يطعه فاوحى الله اليه ان كنه فضربه وقال انفلق يا ابا خالد فانفلق فصار فيه اثنا عشر طريقا كل طريق كالجبل العظيم فكان لكل سبط طريق يأخذون فيه وارسل الله الريح والشمس على قعر البحر حتى صار يبسا فخاضت بنوا اسرائيل البحر وعن جانبيهم الماء كالجبل الضخم ولا يرى بعضهم بعضا فقالوا ما لنا لا نرى اخواننا وقال كل سبط قد قتل اخواننا قال سيروا فانهم على طريق مثل طريقكم قالوا لا نرضى حتى نراهم فقال موسى اللهم اعنى على اخلاقهم السيئة فاوحى الله اليه ان قل بعصاك هكذا وهكذا يمنة ويسرة فصار فيها كوى ينظر بعضهم بعضا ويسمع بعضهم كلام بعض فساروا حتى خرجوا من البحر فلما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون على البحر فرآه منفلقا قال لقومه انظروا الى البحر انفلق من هيبتى حتى ادرك عبيدى الذين ابقوا فهاب قومه ان يدخلوه وقيل له ان كنت ربا فادخل البحر كما دخل موسى وكان فرعون على حصان ادهم اى ذكر اسود من الخيل ولم يكن فى قوم فرعون فرس انثى فجاء جبريل على انثى وديق وهى التى تشتهى الفحل وتقدمه الى البحر فشم ادهم فرعون ريحها فاقتحم خلفها البحر اى هجم على البحر بالدخول وهم لا يرونه ولم يملك فرعون من امره شيأ وهو لا يرى فرس جبريل وتبعته الخيول وجاء ميكائيل على فرس خلف القوم يعجلهم ويسوقهم حتى لا يشذ رجل منهم حتى خاضوا كلهم البحر ودخل آخر قوم قوم فرعون وجاز آخر قوم موسى وهم اولهم بالخروج فامر الله البحر ان يأخذهم فانطبق على فرعون وقومه فاغرقوا فنادى فرعون لا اله الا الذي آمنت به بنوا اسرائيل وانا من المسلمين القصة وقالت بنوا اسرائيل الآن يدركنا فيقتلنا فلفظ البحر ستمائة وعشرين الفا عليهم الحديد فذلك قوله تعالى {أية : فاليوم ننجيك ببدنك} تفسير : [يونس: 92] فلفظ فرعون وهو كانه ثور أحمر فلم يقبل البحر بعد ذلك غريقا الا لفظه على وجه الماء. واعلم ان هذه الوقعة كما انها لموسى عليه الصلاة والسلام معجزة عظيمة لاوائل بنى اسرائيل موجبة عليهم شكرها كذلك اقتصاصها على ما هى عليه من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم معجزة جليلة تطمئن بها القلوب الابية وتنقاد لها النفوس الغبية موجبة لاعقابهم ان يتلقوها بالاذعان لانه عليه السلام اخبرهم بذلك مع انه كان اميا لم يقرأ كتابا وهذا غيب لم يكن له علم عند العرب فاخباره به دل على انه اوحى اليه ذلك وذلك علامة لنبوته فما تأثرت اوائلهم بمشاهدتها ورؤيتها حيث اتخذوا العجل الها بعد الانجاء ثم صار امرهم الى ان قتلوا انبياءهم ورسلهم فهذه معاملتهم مع ربهم وسيرتهم فى دينهم وسوء اخلاقهم ولا تذكرت اواخرهم بتذكيرها وروايتها حيث بدلوا التوراة وافتروا على الله وكتبوا بايديهم واشتروا به عرضا وكفروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم الى غير ذلك فيا لها من عصابة ما اعصاها وطائفة ما اطغاها * وفى الآية تهديد للكافرين ليؤمنوا وتنبيه للمؤمنين ليتعظوا وينتهوا عن المعاصى فى جميع الاوقات خصوصا فى الزمان الذى انجى الله فيه موسى مع بنى اسرائيل من الغرق وهو اليوم العاشر من المحرم. وعن ابن عباس رضى الله عنهما حديث : ان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء فقال لهم "ما هذا اليوم الذي تصومونه" فقالوا هذا يوم عظيم انجى الله فيه موسى وقومه واغرق فيه فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فنخن نصومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نحن احق واولى بموسى منكم" فصامه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وامر بصيامه تفسير : رواه مسلم وهذا يدل بظاهره على ان النبى عليه السلام انما صام عاشوراء وامر بصيامه اقتداء بموسى عليه السلام على ما اخبر به اليهود وليس كذلك لما روته عائشة رضى الله عنها قالت كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش فى الجاهلية وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصومه فى الجاهلية فلما قدم المدينة صامه وامر بصيامه فلما فرض رمضان ترك صيام يوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه ـ يحكى ـ انه هرب اسير من الكفار يوم عاشوراء فركبوا فى طلبه فلما رأى الفرسان خلفه وعلم انه مأخوذ رفع رأسه الى السماء وقاله اللهم بحق هذا اليوم المبارك اسألك ان تنجينى منهم فنام فا عمى الله أبصارهم جميعاً فنجا الأسير فصام ذلك اليوم فلم يجد ما يفطر عليه ويتعشى به فاطعم وسقى فى المنام فعاش بعد ذلك عشرين سنة لم يكن له حاجة الى الطعام والشراب قال النبى عليه السلام "حديث : التمسوا فضله فانه يوم مبارك اختاره الله من الايام من صام ذلك اليوم جعل الله له نصيبا من عبادة جميع من عبده من الملائكة والانبياء والمرسلين والشهداء والصالحين ". تفسير : هذا فى الصوم * واما الصلاة الواردة فى يوم عاشوراء فقد ذكرها الشيخ عبد القادر قدس سره عن ابن عباس رضى الله عنهما فى حديث طويل فيه "حديث : ومن صلى اربع ركعات فى يوم عاشوراء يقرأ فى كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وخمسين مرة قل هو الله احد غفر الله له ذنوب خمسين عاما مستقبلا وبنى له فى الملأ الأعلى الف منبر من نور ". تفسير : ويستحب احياء ليلة عاشوراء ففى الحديث "حديث : من احيى ليلة عاشوراء فكأنما عبد الله بعبادة ملائكته المقربين ". تفسير : والاشارة ان البحر هو الدنيا وماؤه شهواتها ولذاتها وموسى هو القلب وقومه صفات القلب وفرعون هو النفس الامارة وقومه صفات النفس وهم اعداء موسى وقومه يطلبونهم ليقتلوهم وهم سائرون الى الله تعالى والعدو من خلفهم وبحر الدنيا امامهم ولا بدلهم فى السير الى الله من العبور على البحر ولا يخوضون البحر بلا ضرب عصا لا اله الا الله على البحر بيد موسى القلب فان له يدا بيضاء فى هذا الشأن والا لغرقوا كما غرق فرعون وقومه ولو كانت هذه العصا فى يد فرعون النفس لم يكن لها معجزة انفلاق البحر فاذا ضرب يد موسى القلب بعصا الذكر ينفلق بحر الدنيا وماء شهواتها يمينا وشمالا ويرسل الله ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا فيصير يابسا من ماء الشهوات فيخوض موسى القلب وصفاته فيجاورونه وتنجيهم عناية الله الى الساحل وأن الى ربك المنتهى وقيل لفرعون النفس وقومه اغرقوا فادخلوا نارا كذا لصاحب التأويلات النجمية قدس الله تعالى نفسه الزكية.
ابن عجيبة
تفسير : ثم ذكَّرهم الحق تعالى نعمة أخرى؛ وهي فلق البحر وإغراق العدو، فقال: يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكروا أيضاً حين {فرقنا} بسببكم {البحر}، حين فررتم من عدوكم، فسلكتم فيه اثنيْ عشر مسلكاً يابساً، حتى خلصتم إلى الشام، فلما أدرككم عدوُّكم، واسْتَتَمَّ دخولهُ فيه، أطبقنا عليهم البحر {فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون} وأنتم تعاينون غرقهم وهلاكهم، فاشكروا هذه النعم التي أنعمت بها على أسلافكم، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم على نبي أُمي، لم يكن له علم بهذا، حتى علمه بالوحي من ربكم. الإشارة: قال بعض الحكماء: (الهوى بحر لا ساحل له إلا الموت): فلا يقطع بحر الحظوظ والعوائد، إلا الخواص، الذين منَّ الله عليهم بسلوك الطريقة، والغرق في بحر الحقيقة، على يد رجلا جمعوا بين الشريعة والحقيقة، فيقول الحق - جلّ جلاله - لمن تخلَّص من بحر هواه، وأفضى إلى مشاهدة مولاه: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم؛ حيث خلصتكم من بحر الشهوات والعوائد، وأطلعتكم على أسرار العلوم وذخائر الفوائد، وأغرقنا فيه من تكبّر وطغى، وأنتم تنظرون ما فيه الناس من غم الحجاب وسوء الحساب، في بحر لجى يغشاه موج الذنوب، من فوقه موج الحظوظ، من فوقه سحاب الأثر، إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً لما له من نور. وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : موضع اذا نصب كما تقدم وهو عطف على ما مضى. فكأنه قال: واذكروا اذ فرقنا بكم البحر: وذلك من جملة نعم الله تعالى التي عددّها عليهم مما فعله مع اسلافهم. ومعنى فرقنا بكم البحر أي فرقنا بين الماءين حتى مررتم فيه وكنتم فرقا بينهما. اللغة: والفرق والفصل والقطع نظائر: والفرق يقتضي الجمع يقال فرق فرقا. وافرق المريض افراقا وافترق الشيء افتراقا. واستفرق استفراقا. وفرقه تفريقا. وتفارقوا تفارقا وتفرق تفرقا وفارقه مفارقة وانفرق انفراقا والفرق موضع المفرق من الرأس والفرق تفريق ما بين الشيئين والفرق فرجك ما بين شيئين تفرق بينهما فرقا، حتى يتفرقا ويفترقا، وتقول تفارق هؤلاه الصبحة أي فارق بعضهم بعضاً، وافترقوا وتقول: مشطت الماشطة كذا وكذا فرقا. أي كذا وكذا ضربا. والفرق طائفة من الناس. قال أعرابي لصبيان رآهم هؤلاء فرق سوء والفرق: الطائفة من كل شيء، ومن الماء، اذا انفرق بعضه عن بعض. وكل طائفة من ذلك فرق. وقوله: {أية : فكان كل فرق كالطود العظيم} تفسير : يعني الفرق من الماء، والفريق الطائفة من الناس. والفرقة: مصدر الافتراق. وهو احد ما خالف فيه مصادر افعل. والفرقان: اسم للقرآن. وكل كتاب انزل الله وفرق به بين الحق والباطل فهو فرقان. وسمى الله تعالى التوراة فرقانا. وقوله: {أية : يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} تفسير : كان يوم بدر ويوم احد فرق الله بين الحق والباطل. والفرق هو الفلق. والمفرق هو مكيال لأهل العراق والفرق: الخوف. تقول: رجل فروقة وامرأة فروقة والفعل فرق يفرق من كذا فرقا. وقوله: {أية : وقرآناً فرقناه} تفسير : مخفف ـ معناه احكمناه كقوله: {أية : فيها يفرق كل أمر حكيم}تفسير : وتقول: مفرق ما بين الطرفين. وافرق فلان من مرضه افراقا اذا برىء ولا يكون الافراق إلا من مرض لا يصيب الانسان إلا دفعة واحدة: نحو الجدري، والحصبة، وديك افرق: اذا انفرق عرفه. وتيس افرق: اذا تباعد طرفا قرنيه. ورجل فروقة وكذلك المرأة: مثل، نسابة وعلاّمة وجاء مصدر فرقته تفرقة. والفرق الذي جاء في الحديث:حديث : ما اسكر الفرق. فالجرعة منه حرامتفسير : ، مكيال يعرف بالمدينة. وفرقة من الناس ومعه فرق. واصل الفرق الفصل بين الشيئين. والفريقة حلبة تطبخ بتمر للنفساء وغيرها. والبحر يسمى بحراً وهو انبساطه وسعته ويقال استبحر فلان في العلم وتبحر لاستبحاره اذا اتسع فيه وتمكن منه. ويقال تبحر الراعي في رعي كثير. قال امية الصغير: شعر : انفق نصابك في نفل تبحره من الاباطح واحبسها بخلدان تفسير : وتبحر فلان في الماء. ومن ذلك بحيرة طبرية وهي عشرة اميال في ستة اميال وقيل: هي علامة خروج الدجال اذا يبست، فلا يبقى منها قطرة ماء. وبحرت اذن الناقة بحراً اذا شققتها. وهي البحير وكانت العرب تفعل ذلك اذا انتجت عشرة ابطن فلا تركب ولا ينتفع بظهرها. فنهى الله عن ذلك. والسائبة التي تسيب فلا ينتفع منها بظهر ولا لبن. والوصيلة في الغنم كانت اذا وضعت انثى تركت وان وضعت ذكراً أكله الرجال، دون النساء. وان ماتت الانثى الموضوعة اشتركوا في أكلها، وان ولد مع الميتة ذكر حي اتصلت به، كانت للرجال دون النساء. ويسمونها وصيلة. وقد قيل غير ذلك سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى. والباحر الاحمق الذي لبس في حديثه اذا كلم بقي كالمبهوت. وبحراني منسوب إلى البحرين ودم بحراني وباحر: اذا كان خالص الحمرة من دم الجوف. والعرب تسمي المالح والعذب بحراً اذا كثر ومنه قوله: {أية : مرج البحرين يلتقيان} تفسير : يعني المالح والعذب وأصل الباب الاتساع. والبحر: هو المجرى الواسع الكثير الماء. واما المالح: فهو الذي لا يرى حافتيه من في وسطه، لعظمه وكثرة مائه. فدجلة بحر بالاضافة إلى الساقية. وليست بحراً بالاضافة إلى جدة، وما جرى مجراها. المعنى : ومعنى قوله {فرقنا بكم البحر} أي جعلناكم بين فرقيه تمرون في طريق يبس كما قال تعالى: {أية : فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً} تفسير : وقال: {أية : فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم} تفسير : وقال بعضهم في معنى فرقنا يعني بين الماء وبينكم أي فصلنا بينكم وبينه حجزنا حيث مررتم فيه وهذا خلاف الظاهر، وخلاف ما بينه في الآيات الاخر التي وردت مفسرة لذلك، ومبنية لما ليس فيه اختلاف. وقوله: {وأغرقنا آل فرعون} اللغة: قال صاحب العين: الغرق: الرسوب في الماء ويشبه به الدين والبلوى والتغريق والتغويص والتغييب نظائر. والنجاة ضد الغرق كما انها ضد الهلاك. يقال غرق غرقا واغرق في الامر اغراقا. وغرقه تغريقا وتغرق تغرقا. ورجل غرق وغريق. وغرقت السيل واغرقته اذا بلغت به غاية المد في النفوس. والفرس اذا خالط، ثم سبقها: يقال اغترقها. والغرق من اللبن القليل. قال ابن دريد: غرق يغرق غرقا في الماء. وغرق في الطيب، والمال. واصله في الماء. وكثر فاستعمل في غيره. وكذلك غرق في الذنوب. واغرق في الأمر يغرق إغراقا: اذا جاوز الحد فيه. واصله من نزع السهم حتى يخرجه من كبد القوس. واغرورقت عيناه: شرقت بدمعها. وجمع غريق: غرقى واصل الباب الغرق: الرسوب في الماء. وقوله: {وأنتم تنظرون} قال المفسرون: وانتم ترون ذلك وتعاينونه. اللغة: والنظر والبصر والرؤية نظائر في اللغة. يقال نظر ينظر نظراً. وانظر ينظر انظاراً. وانتظر انتظاراً. واستنظر استنظاراً. وتناظر تناظراً. وناظره. مناظرة. قال صاحب العين: نظر ينظر نظراً ـ بتخفيف ـ المصدر. وتقول: نظرت إلى كذا - من غير ذكر العين ـ ونظرت في الكتاب ونظرت في الأمر. وقول القائل انظر إلى الله تعالى، ثم اليك معناه اني اتوقع فضل الله ثم فضلك. ويقال: نظرت بعلمي ويقال انظر الدهر اليهم أي اهلكهم قال الشاعر: شعر : نظر الدهر اليهم فابتهل تفسير : والنظر: الاسم من نظر. وقوله: {لا ينظر إليهم} أي لا يرحمهم. والمنظور من الناس هو المرجو فضله. ينعت به السيد. والنظور: الذي لا يغفل عن النظر إلى ما اهمه. والمناظرة ان تناظر اخاك في امر تنظر انت في ذلك وينظر هو فيه كيف تأتيانه. والمنظرة موضع في رأس جبل يكون فيه رقيب ينظر فيه إلى العدو ويحرس اصحابه. والمنظرة منظرة الرجل اذا نظرت اليه اعجبك أو اساءك. تقول: انه لذو منظرة بلا مخبرة والمنظر مصدر كالنظر. والمنظر: الشيء الذي يعجب بالنظر اليه ويسرّ به. تقول: ان فلانا لفي منظر ومسمع وفي ري ومشبع أي فيما أحب النظر اليه. ونظار بمعنى انتظر في الامر. وناظر العين. النقطة السوداء الخالصة الصافية التي في جوف سوداء العين مما يرى انسان العين والنظير: نظيرك الذي هو مثلك. والانثى نظيرة. وجمعه نظائر في الكلام والانشاء. ونظرته وانتظرته بمعنى واحد ويقول انظرني يا فلان أي استمع الي لقوله: {أية : لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا}تفسير : وتقول: بعت فلانا فانظرته. أي انسأته والاسم النظرة. ومنه قوله: {أية : فنظرة إلى ميسرة} تفسير : أى فانتظار. واستنظر فلان ـ من النظرة ـ: اذا هو سأل. والنظر توقع أمر تنتظره. وبفلان نظرة أى سوء هيئة وقوله: {أية : انظرونا نقتبس من نوركم} تفسير : أي انتظرونا. واصل الباب كله الاقبال نحو الشيء بوجه من الوجوه. وقال قوم: إن النظر اذا كان معه إلى، لايحتمل الا الرؤية. وحملوا قوله {أية : إلى ربها ناظرة} تفسير : على ذلك وقالوا لا يحتمل التأمل. وذلك غلط، لأنهم يقولون: انما انظر إلى الله ثم اليك بمعنى اتوقع فضل الله ثم فضلك. وقال الطريح ابن اسماعيل: شعر : واذا نظرت اليك من ملك والبحر دونك جرتني نعماء تفسير : وقال جميل بن معمر: شعر : اني اليك لما وعدت لناظر نظر الفقير إلى الغني الموسر تفسير : وقال آخر: شعر : وجوه يوم بدر ناظرات إلى الرحمان تأتي بالفلاح تفسير : واتوا بـ (الى) على معنى نظر الانتظار والصحيح ان النظر لا يفيد الرؤية وانما حقيقته تحديق الجارحة الصحيحة نحو المرئي طلباً لرؤيته ولو افاد الرؤية، لما جعل غاية لنفسه، الا تراهم يقولون: ما زلت انظر اليه ولا يقولون ما زلت أراه حتى رأيته، ولأنهم يثبتون النظر وينفون الرؤية يقولون: نظرت اليه فلم أره ولا يقولون رأيته فلم أره. المعنى: فاذا ثبت هذا، فالأولى ان نقول: إن تأويل الآية {وأغرقنا آل فرعون} وانتم مقبلون عليهم متوقعون له وقال الفرّاء قد كانوا في شغل من ان ينظروا مستورين بما اكتنفهم من البحر من ان يروا فرعون وغرقه ولكنه كقولك: قد ضربت واهلك ينظرون. فما اتوك، ولا اعانوك. ومعناه وهم قريب بمرأى ومسمع ومثله قوله: {أية : ألم تر إلى ربك كيف مد الظل}تفسير : وليس ها هنا رؤية، وانما هو علم، لأن الرؤية تستعمل في مثل ذلك يقول القائل رأيت فرعون اعتى الخلق واخبثه وهذا الذي ذكره الفرّاء محتمل مليح، غير انه مخالف لقول المفسرين كلهم فانهم لا يختلفون أن اصحاب موسى رأوا انفراق البحر والتطام امواجه بآل فرعون، حتى غرقوا فلا وجه للعدول عن الظاهر مع احتماله ولأنهم اذا عاينوا ذلك، كانوا أشد في قيام الحجة، واعظم في ظهور الآية وذكر الزجاج وجهاً آخراً قال: معناه وانتم بازائهم. كما يقول القائل: دور آل فلان إلى دور آل فلان أي هي بازائها، لأنها لا تبصر. قصة موسى (ع): وقصه فرعون مع بني اسرائيل في البحر. ولا نعلم جملة ما قال ابن عباس: ان الله اوحى إلى موسى {أية : أن أسر بعبادي إنكم متبعون} تفسير : فسرى موسى ببني اسرائيل ليلا {أية : فأرسل فرعون} تفسير : في الف الف حصان سوى الاناث. وكان موسى في ستمائة الف. فلما عاينهم قال: {أية : إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون وإنا لجميع حاذرون}تفسير : فسرى موسى ببني اسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فاذا هو برهج دواب فرعون {أية : فقالوا يا موسى أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} تفسير : هذا البحر امامنا وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه {أية : قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} تفسير : قال فاوحى الله إلى موسى {أن اضرب بعصاك البحر} واوحى إلى البحر ان اسمع لموسى واطع اذا ضربك. قال فبات البحر له أفكل أي له رعدة لا يدري من أي جوانبه يضربه. قال فقال يوشع لموسى (ع) بماذا امرت قال: امرت ان اضرب البحر. قال فاضربه. فضرب موسى البحر بعصاه، فانفلق، فكان اثنا عشر طريقاً كالطود العظيم فكان لكل سبط منهم طريق ياخذون فيه فلما اخذوا في الطريق، قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى اصحابنا قالوا لموسى: اصحابنا لا نراهم. فقال لهم: سيروا فانهم على طريق مثل طريقكم. فقالوا لا نرضى حتى نراهم. فيقال ان موسى قال لله تعالى: اللهم اعّني على اخلاقهم السيئة. فاوحى الله اليه انقل بعصاك هكذا يميناً وشمالاً. فصار فيها كوى ينظر بعضهم إلى بعض. قال ابن عباس: فساروا حتى خرجوا من البحر. فلما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون هو واصحابه وكان فرعون على فرس أدهم ذنوب حصان. فلما هجم على البحر هاب الحصان ان يتقحم على البحر، فتمثل له جبرائيل على فرس انثى وديق فلما رآها الحصان تقحم خلفها: وقيل لموسى ترك البحر رهواً أي طرقا على حاله. ودخل فرعون وقومه البحر فلما دخل آخر قوم آل فرعون وجاز آخر قوم موسى، انطبق البحر على فرعون وقومه فاغرقوا. ويقال نادى فرعون حين رأى من سلطان الله وقدرته ما رأى، وعرف ذلة وخذلة نفسه: لا إله إلا الذي امنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين فان قيل: كيف لم يسو الله بين الخلق في هذه الآيات الباهرات التي اعطاها بني اسرائيل لتكون الحجة أظهر والشبهة أبعد؟ قيل الآيات يظهرها الله على حسب ما يعلم من المصلحة في ذلك، وعلى حد لا ينتهي إلى الالجاء والاضطرار وخولف بين الآيات لهم على قدر حدة اذهان غيره، وكلالة اذهانهم يدل على ذلك ان بعد مشاهدة هذه الآيات قالوا يا موسى أجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. ولما كانت العرب من أحدّ الناس اذهاناً وأجودهم أوهاماً جاءت الآيات مشاكلة لطباعهم ومجانسة لدقة اذهانهم. وفي الجميع الحجة الباهرة، والآية القاهرة: وليس يمكن ان يقال انه لو ظهر لهم مثل تلك الآيات، لامنوا لا محالة. على وجه لا يكونون ملجئين اليه لأن ذلك لو كان معلوما، لأظهره الله تعالى. فلما لم يظهرها الله علناً انه لم يكن ذلك معلوما وموسى "ع" لم يكن مجتلباً إلى المعارف، لمشاهدته هذه الآيات، لأنه كان يقدم له الايمان بالله ومعرفته. وقوله: {وأغرقنا آل فرعون} وان لم يكن في ظاهره انه أغرق فرعون فهو دال عليه. وكأنه قال: وأغرقنا آل فرعون معهم، ـ وانتم تنظرون ـ فاختصر لدلالة الكلام عليه، لأن الغرض مبني على اهلاك فرعون وقومه ونظيره قول القائل: دخل جيش الامير الباذية. فان الظاهر من ذلك ان الامير معهم.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : هذه هي النعمة الثانية من الله على بني إسرائيل، المذكورة في هذا الموضع. قوله: {فَرَقْنَا} أي فَلقناه وفصَلنا بين أبعاضه حتّى حصلت فيه مسالك لكم، إذ الفَرْق هو الفصل بين شيئين إذا كانت بينهما فُرجة، والفِرْق: الطائفة من كلّ شيء ومن الماء إذا تفرّق بعضهُ عن بعض، فكلّ طائفة من ذلك فِرْقٌ. ومنه قوله تعالى: {أية : فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الشعراء:63] وقُرئ: إذ فَرَّقْنَا - بالتشديد - قال ابن جني: فرَّقنا أشدّ تفريقاً ن فَرَقنا. فمعنان: شقَقنا بكم البحر، لأنّ المسالك كان إثنا عشر على عدد الأسباط. وقوله: {بِكُمْ} الباء إمّا للسببية الفاعليّة، أي حصلت فيه فِرَقٌ، ومسالك بسلوكهم فيه كما يُفرق بين الشيئين بما توسّط بينهما، أو الغائيّة، أي بسبب إنجائكم ولأجله. أو للملابسة، ويكون في موضع الحال، أي فرقناه متلبّساً بكم، كقول الشاعر: شعر : "تَدوسُ بنا الجَماجمَ والتريبا" تفسير : أي: تدوسها ونحن راكِبوها. والنجاة: ضد الغرق، كما أنّها ضدّ الهلاك. و "أغرق في الأمر" إذا جاوز الحدّ فيه. والمراد من {آلَ فِرْعَوْنَ} هو وقومه، فاختصر لدلالة الكلام عليه، لأنّ الغرض مبنيٌّ على إهلاك فرعون وقومه، كقولك: "دخل جيشُ الأمير". ويكون الظاهر أنَّه معهم. ويجوز أن يراد بآل فرعون شخصه، كقوله تعالى: {أية : آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ} تفسير : [البقرة:248]. يعني موسى، وهارون. وقوله: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} أي تشاهدون غرقَهم، وإطباق البحر عليهم. وهذا أبلغ في الشماتة، وإظهار المعجزة، أو انفلاق البحر عن طرُق يابسة مذلّلة. وقيل: جُثثهم التي قذَفها البحر إلى الساحل. وقيل: معناه ينظر بعضُكم بعضاً، بحدوث الكُوى والروازن في فِرَق البحر. وقيل معناه: وانتم بمشهد ومنظر منهم، حتّى لو نظرتم إليهم لأمكنكم ذلك. وهو قول الزجّاج. ولا يخفى ضعفه، إذ لم يكن لأصحاب موسى (عليه السلام) ما يشغلهم عن الرؤية، فإنّهم قد جاوزوا البحر، وأقوال المفسّرين متظاهرة على أنّهم رأوا انفراق البحر، والتطام أمواجه بآل فرعون حتّى غرقوا. فلا وجْه للعدول عن الظاهر. قصّة غرق فرعون والقصّة - كما روي عن ابن عبّاس: إنّ الله تعالى أوحى إلى موسى أن يسري ببني إسرائيل من مصر. فسرى بهم ليلاً، فأتبعهم فرعون في ألف ألف حصان سوى الإناث. وكان موسى في ستمأة ألف وعشرين ألفاً. فلمَّا عاينَهم فرعون قال: {أية : إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ}تفسير : [الشعراء:54 - 56]. فسرى موسى ببني إسرائيل حتى هجَموا على البحر، فالتفتوا فإذا هم برهج دوابّ فرعون فقالوا: "يا موسى {أية : أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} تفسير : [الأعراف:129] هذا البحر أمامنا، وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه". فقال موسى (عليه السلام): {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الأعراف:129]. فقال له يوشع بن نون: "بِمَ امرت"؟ قال: "امرتُ ان أضربَ بعصاي البحر" قال: "إضرب". وكان الله تعالى أوحى إلى البحر "أن أطِع موسى إذا ضرَبك" قال: فباتَ البحرُ أفكَل - أي رَعِدة - لا يدري في أيّ جوانبه يضربه. فضرب بعصاه البحر فانفلَق. وظهر اثنا عشر طريقاً، لكلّ سبط منهم طريق. فقالوا: "إنّا لا نَسْلك نديّاً" فأرسل الله ريح الصبا حتى جفّفت الطريق، كما قال تعالى: {أية : فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً} تفسير : [طه:77]. فجَروا فيه. فلما أخذوا في الطريق قال بعضهم لبعض "مالنا لا نرى أصحابنا" فقالوا لموسى: "أيْن أصحابنا"؟ فقال: "في طريق مثل طريقكم" فقالوا: "لا نَرضى حتّى نراهم" فقال موسى (عليه السلام): "اللهم أعِنّي على أخلاقهم السيّئة". فأوحى الله إليه أن أشِر بعصاك هكذا وهكذا - يميناً وشمالاً - فأشار بعصاه يميناً وشمالاً، فظهر كالكُوى ينظر منها بعضهم إلى بعض. فلما انتهى فرعون إلى ساحل البحر - وكان على فرس حصان أدهم - فهابَ دخولَ الماء، تمثّل له جبرائيل على فرس انثى وديق، وتقحّم البحر. فلمّا رآها الحصان تقحّم خلفها، ثمّ تقحّم قوم فرعون، فلما خرجَ آخر من كان مع موسى من البحر ودخل آخر مَن كان مع فرعون البحر، أطبَق الله عليهم الماء فغرقوا جميعاً، ونجا موسى ومن معه. فصل اعلم أنّ هذه القصّة قد تضمّنت نعماً كثيرة دنيويّة ودينيّة، والدينيّة في حقّ قوم موسى، وقوم محمّد صلى الله عليهما وآلهما. أمّا الدنيويّة لهم: فمنها: نجاتهم عن الغرق، وإهلاك عدوّهم وقومه. ومنها: اختصاصهم بهذه المعجزة الباهرة، والكرامة الظاهرة. ومنها: استئصال عدوّهم من جهتهم. وأصل الخلاص من مثل هذا البلاء نعمة عظيمة، فكيف إذا قورن بالإكرام العظيم وإهلاك العدوّ. ومنها: أن أورثَهم أرضَهم، وديارَهم، ونعمَهم، وأموالَهم. ومنها: أنه كما غرَق العدوّ وهلك، غرق آله جميعاً وهلكوا، وإلاّ لكان الخوف بعد باقياً من حيث إنّهم ربما اجتمعوا، واحتالوا بحيلة وقع منها الضرر بهؤلاء، ولكن لما أهلكم الله جميعاً فقد حسَم مادّة الخوف بالكلّية. ومنها: أنّه وقع ذلك بمحضر من الأولياء والأعداء جميعاً، حتى لا يخفى على أحد منهم، وهذا يوجب ابتهاجاً عظيماً، وإليه الإشارة بقوله: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} إلى غير ذلك من النعم الدنيويّة. وأمّا النعم الدينيّة في حق قوم موسى عليه السلام: فمنها: أنّهم لما شاهَدوا تلك المعجزة الباهرة حصَل لهم العلم الضروري على وجود الصانع الحكيم، وعلى صدق موسى (عليه السلام)، وزالَت عنهم الشكوك، فكأنّه تعالى رفع عنهم كُلفة النظر الدقيق، والاستدلال الشاقّ. ومنها: أنّهم لمّا عاينُوا ذلك لزمهم الانقياد والطاعة لموسى (عليه السلام) وقبول قوله، ولهم في ذلك سعادة الدارين. ومنها: عرفوا أنَّ الأمور كلّها جارية على قضاء الله وقدره، فإنّه لا عزّة في الدنيا أكمل من عزّة فرعون، ولا شدّة أشدّ مما كانت لبني إسرائيل، ثمّ الله تعالى قلَّب الأمْر في ساعة واحدة، فجعل العزيز ذليلا، والذليل عزيزاً، وذلك يوجب انقطاع القلب عما سوى الله، والاقبال بالكليّة إلى خدمته، وطاعته، والتوكّل عليه. وأمّا النعم الحاصلة لهذه الأمّة المرحومة منها فكثيرة: أحدها: أنّها جاءت حجَّة لنا على أهل الكتاب، لأنّه كان معلوماً من حال نبيّنا أنه كان اميّاً لم يقرأ ولم يكتب. فإذا أخبرهم بما لا يعلم إلاّ من الكتب علموا أنه أخبرَ عن الوحي، فصار دينه حقّاً. وثانيها: أنّا إذا تصوّرنا ما جرَى لهم وعليهم من هذه الأمور العظيمة علمنا أنَّ من أطاع الله فقد سعد في الدنيا والآخرة، ومن خالفَه فقد استحقّ غضب الله عليه في الدنيا والآخرة، فصار ذلك مقرّباً لنا من الطاعة ومبعِّداً عن المعصية. وثالثها: أنّ أمّة موسى (عليه السلام) مع هذه المعجزات الباهرة، والكرامات المحسوسة الظاهرة، خالَفوه في أمور حتّى قالوا له: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} تفسير : [الأعراف:138] وأمّا هذه الأمّة فمع كون معجزتهم هي القرآن الذي خفي اعجازه، ولا يظهر إلاّ بالنظر الدقيق انقادوا للنبي (صلى الله عليه وآله) في كلّ الأحكام، وما خالَفوه في شيء البتّة، وهذا يدلّ على أنّهم أفضل من أمّة موسى (عليه السلام). وبهذا يخرج الجواب عن اشكال ربما خطَر بالبال، وهو أن يقال: كيف لم يعط الله تعالى نبيّنا (صلى الله عليه وآله) مثلَ ما أعطى موسى (عليه السلام) من الآيات الباهرات، لتكون الحجَّة أظهَر، والشبهة أسقَط؟ لأنّا نجيب: بأنّ الله أعطى كلَّ نبيٍ معجزة مناسبةً لقومه وعلى حسب صلاح حالهم، فنصب الأعلام الباهرة، والمعجزات القاهرة لاستصلاح أمّة موسى (عليه السلام)، وقد كان في قومه من فَظاظة القلب، وبَلادة النفْس، وكَلالة الحدس، ما لم يمكنهم معه الاستدلال بالآيات الخفيّة، والبراهين العقليّة. ألا ترى أنَّهم لما عبَروا النهر وأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا - بعد ما شاهَدوا من هذه الآيات -: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ}تفسير : [الأعراف:138]. وكان في العرب والعجَم من أمّة نبيِّنا (صلى الله عليه وآله) مِن جَودة القريحة، وحدّة الفِطنة، وذَكاء الذهن، ما كان يمكنهم معه الاستدلال بالفكر، واقتناص الحقائق بالنظر الدقيق، والتفطُّن بما يحتاج إلى التأمل والتدبّر، والاستفادة بنور العقل الفعّال في ملاحظة الآيات، فجاءت آياتُهم مشاكلة لقرائحهم المتوقّدة، ومجانسة لأذهانهم من الدقّة والحدّة. على أنّ في جميعها من الحجّة الظاهرة، والبيّنة الزاهرة ما ينفي خِلاج الشكّ عن قلب الناظر المُستبين، ويُفضي به إلى فضاء العلم اليقين، ويوضح له مناهج الصدق، ويولِجه موالِج الحقِّ، وما يستوي الأعمى والبصير. ولا ينبّئك مثل خبير. فصل سؤالٌ آخر: وهو إنّ فرعون - كما هو المشهور - كان من أهل الفكر والبحث، وقد لقّب بـ "أفلاطون القِبط" فلمّا شاهَد فلَقَ البحر - وكان من العقلاء - فلا بدّ وأن يعلم أنّ ذلك من فعْل الله، ومن فعْل عالِمٍ قادرٍ لما يشاء، مخالفٍ لسائر القادرين، فكيف بقيَ على الكفر مع ذلك؟ وأُجيب: بأنّه كان عارفاً بربِّه، إلا أنّه كان كافراً على سبيل الجحود والعِناد. ورُدَّ بأنّه إذا عرف ذلك بقلبه، فكيف استجاز تورّط نفسه في الهلاك واقتحم البحر؟! وأجيب: بأنّ حبّ الشيء يعمي ويصمّ، فحبّه للجاه والتلبيس، حملَه على اقتحام تلك المهلكة. وهذا الجواب ليس بشيء. والأولى أن يقال: إنّ اقتحام البحر لم يكن باختياره، بل وقع ذلك باقتحام حِصانه الذي ركبه، كما مرّ في القصّة. أو يقال: إنّه لم يجزم بهلاك نفسه عند دخوله في البحر حتى إذا أدركه الغرق، ولهذا قال عند الغرق: {أية : آمَنتُ أَنَّهُ لاۤ إِلِـٰهَ إِلاَّ ٱلَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنوۤاْ إِسْرَائِيلَ}تفسير : [يونس:90]. إيمان فرعون مقبولٌ، أم لا؟ واعلم أنَّه للعلماء خلاف في أنّ إيمان فرعون حين موته مقبولٌ أم لا؟ فذهب بعض المحقّقين على الأوّل، والأكثر على الثاني كما هو المشهور. وقال الشيخ ابن عربي في الباب السابع والستّين ومأة من الفتوحات: "لمّا حالَ الغرقُ بينَه وبين أطماعه، لَجأ إلى ما كان مستسراً في باطنه من الذلّة والافتقار... فقال: آمَنْتُ بالَّذِي آمنَتْ به بَنُو إسرَائيل وأنَا مِنَ المُسْلِمينَ كما قالت السحرة {أية : آمَنَّا بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ} تفسير : [الشعراء:47 - 48]. وقوله: {وَأَنَاْ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ} خطابٌ منه للحقّ، لعلمه أنّه تعالى يَسمعه ويَراه، فخاطَبه الحقُّ بلسان العتب، وأسمَعه {آلآنَ} أظهرتَ ما كنتَ تعلَمه {أية : وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ}تفسير : [يونس:91] في اتّباعك. وما قال له: {وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ} فهي كلمةُ بُشرى له عرّفنا بها؛ لنرجو رحمتَه مع اسرافنا واجرامنا، ثمّ قال {أية : فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ}تفسير : [يونس:92] فبشّره قبل قبض روحه {أية : لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} تفسير : [يونس:92] يعني: لتكون النجاة لمن يأتي بعدك آية علامة إذا قال ما قلته تكون له النجاة مثلما كانت لك. وليس في الآية أنَّ بأس الآخرة لا يُرتفع، ولا أنّ إيمانَه لم يقبل وإنّما في الآية أنّ بأس الدنيا لا يرتفع عمن نزَل به إذا آمن في حال رؤيته إلاّ قوم يونُس. فقوله: {أية : فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ}تفسير : [يونس:92] إذ العذاب لا يتعلّق إلا بظاهرك، وقد أريت الخلْق نجاته من العذاب، فكان ابتداء الغرق عذاباً، فصار الموت فيه شهادة خالصة بريئة لم تتخلّلها معصية، فقبضت على أفضل عملٍ، وهو التلفُّظ بالإيمان - كل ذلك - حتّى لا يقنط أحدٌ من رحمة الله. والأعمال بالخواتيم. فلم يزل الإيمان بالله يَجولُ في باطِنه، وقد حالَ الطابعُ الإلهي الذاتيّ في الخلْق بين الكبرياء واللطائف الإنسانية، فلم يدخلها قطّ كبرياء. وأمّا قوله تعالى: {أية : فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا}تفسير : [غافر:85] فكلامٌ محقّق في غاية الوضوح، فإنّ النافعَ هو الله، فما نفعَهم إلا الله. وقوله: {أية : سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ} تفسير : [غافر:85]. يعني الإيمان عند رؤية البأس الغير المعتاد. وقد قال تعالى: {أية : وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً} تفسير : [الرعد:15] فغاية هذا الإيمان أن يكون كَرهاً، وقد أضافَه الحقّ إليه. والكراهة محلُّها القلب، والإيمان محلّه القلب. والله لا يأخذ العباد بالأعمال الشاقّة عليه من حيث ما يجده من المشقّة فيها، بل يضاعف له فيها الأجر. وأمّا في هذا الموطن، فالمشقّة فيه بعيدةٌ، بل جاء طَوعاً في إيمانه، وما عاشَ بعد ذلك كما قال في راكب البحر عند ارتجاجه {أية : ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ} تفسير : [الإسراء:67]. فنجّاهم، فلو قبضَهم عند نجاتهم لمَاتُوا موحّدين وقد حصلت لهم النجاة، فقبَض فرعون ولم يؤخّر في أجَله في حال إيمانه لئلاّ يرجع إلى ما كان عليه من الدعوى. وأمّا قوله تعالى: {أية : فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ} تفسير : [هود:98]. فما فيه نصٌّ أنّه يدخلها معهم، بل قال: {أية : أَدْخِلُوۤاْ آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ ٱلْعَذَابِ}تفسير : [غافر:46] ولم يقل: "أدخلوا فرعونَ وآلهِ"، ورحمةُ الله أوسع من أن لا يقبل إيمان المضطرّ إذا دعاه. وأيّ اضطرار أعظم من اضطرار فرعون حالَ الغرق، والله يقول: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوۤءَ} تفسير : [النمل:62]. وهذا آمَن بالله خالصاً، وما دعاه في البقاء في الحياة الدنيا خوفاً من العوارض، أو يحال بينه وبين هذا الإخلاص، فرجّح جانب لقاء الله على البقاء بالتلفّظ بالإيمان، وجعَل ذلك الغرقَ نَكال الآخرة والأولى فلم يكن عذابُه أكثر من غمّ الماء الأجاج وقبضه على أحسن صفة. هذا ما يعطي ظاهرُ اللفظ. وهذا معنى قوله: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} تفسير : [النازعات: 26]. يعني في أخْذه نَكال الآخرة والأولى. وقدّم ذكْر الآخرة ليعلم أنَّ ذلك العذاب - أي الغرق - نُكال الآخرة، وهذا هو الفضل العظيم" انتهى كلامه. ويفوحُ من هذا الكلام رائحةُ الصدق، وقد صدَر من مشكاة التحقيق، وموضع القُرب والولاية. تنبيه قد ذُكر هاهنا إشكال: وهو أنّ فلَقَ البحر بضرب عصا من موسى (عليه السلام) والدلالة على وجود الصانع وقدرته كالأمر الضروريّ، فكيف يجوز فعلُه في زمان التكليف؟ والجواب: أمّا على طريقة الأشاعرة فظاهر. وأمّا على طريقة المعتزلة: فقد أجابَ الكعبي بأنّ عامّة بني إسرائيل كانتْ بعيدة العهد عن الفطنة والذَّكاء، ممنوّةً بالبَلادة، والفَظاظة، وقُصور الفهْم. فلا جرم احتاجوا في التنبُّه على حقيَّة الإيمان بالله، ورسله، إلى معاينة الآيات العظام، كفلَق البحْر، ورفْع الطور فوقهم، وإحياء الموتى. ألا ترى أنهم مع ذلك لم يقنعوا بهذه الدلائل الباهرة، فتارةً قالوا: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} تفسير : [الأعراف:138]. وتارة قالوا: {أية : يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} تفسير : [البقرة:55]. وأخرى: {أية : ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ} تفسير : [النساء:153]. إلهاً لهم. وأُخرى: {أية : كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ} تفسير : [البقرة:61]. كلّ ذلك لغلبة الكثافة على طبائعهم، والغشاوة على بصائرهم، والطبع والرَّين على قلوبهم. وأمّا هذه الأمّة فلذَكاء عقولِهم، وصَفاء قلوبِهم، كانوا على خلاف ذلك، فلا جرم وقعَ الاقتصار معهم على الآيات الدقيقة، والمعجزات العقليّة. وأمّا على طريقتنا فنقول: ليس في فلَق البحر، وقلب العصاء حيَّة، وما يجري مجراهما، زيادة على الدلالة على صدق موسى (عليه السلام) في جميع ما يدّعيه، من إثبات الإله الحقّ، وادّعاء النبوة، وغير ذلك بالدليل العقلي، وأمّا كون ذلك من الضروريّات التي لا حاجة معها إلى البرهان النيّر العقلي فغير مسلّم، كيف وقد ثبَت في علم الميزان: "إنّ المحسوس - بما هو محسوس - لا يكون كاسِباً لشيء ولا مؤدّياً إلى مطلوب" فليس من المحسوس حدٌّ لشيء، ولا برهان على شيء، كما ليس له حدّ ولا عليه برهان. وهذا أمرٌ محقَّق عند أئمَّة الحكمة والتحقيق، ولذا قال بعض: "الدين الحاصل بالمعجزة دين اللئام"، وحاشا المؤمن المتيقّن أن يكون بناء إيمانه ويقينه على رؤية المعجزة الفعليّة من الرسول. بل بناء ذلك على البرهان العقلي، أو الشهود الباطني الذي لا يعتريه وصْمةُ شكّ، وشوبُ ريبٍ. وأمّا انفلاق البحر وغيره فممّا للشبهة فيه مجالٌ - كما لا يخفى على أهل البحث -. ثمّ إنّ العلم الضروري، والكشف الحاصل للإنسان يوم القيامة، نحو آخر من العلم لم يحصل مثله من انفلاق البحر وغيره، لأنّ ذلك مما يحصل برؤية الأسباب والعلل. ومشاهدتها وظهور الأسباب بأعيانها ليس مثل العلْم بها من جهة آثارها.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ} من جنود فرعون ومن الغرق {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} اى فرعون وقومه فانّ نسبة أمرٍ الى قوم بسبب الانتساب الى رئيسهم تدلّ على انّ المنتسب اليه اولى بذلك الامر {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} اليهم وهم يغرقون وقد ورد فى اخبارنا انّ نجاتهم ونعمهم كانت بتوسّلهم بمحمّد (ص) وآله (ع) والمقصود من ذكر نجاتهم ونعمهم تذكيرهم بتوسّلهم بمحمّد (ص) وآله الطّيّبين حين عدم ظهورهم حتّى يتذكّروا بأنّ من كان نجاتهم من البلايا ونعمهم بتوسّلهم به حين لم يكن موجوداً فالتّوسّل به حين ظهوره اولى وفيه تعريض بالامّة وبنجاتهم ونعمتهم بمحمّد (ص) وآله (ع) وبان لا ينبغى التّخلّف عن قوله ومعاندة آله الّذين كان السّلف بتوسّلهم بهم ينجون ويتنعّمون، وقصّة خروج موسى (ع) مع بنى اسرائيل من مصر، وخروج فرعون وجنوده على اثرهم، وعبور السّبطىّ وغرق القبطىّ مذكورة فى المفصّلات ولعلّنا نذكر شطراً منها فيما يأتى.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ فَرَقْنَا}: وقرئ بتشديد الراء للمبالغة والتكثير، فإنهُ كان التفريق تفريقاً بيناً مستقيماً كان الماء به كالحيطان، وكان لكثير وهو اثنا عشر طريقاً لكل سبط طريق. {بِكُمُ}: هاربين من عدوكم، والباء هى باء الآلة بمعنى أنه فرق البحر بسلوكهم، ما زالوا يمشون وما زال ينفلق قدامهم حتى نفذوه كما يفرق الشىء بالموسى أو بالعصا، إلا أن الموسى يباشر ما يراد تفريقه، وكذا العصا، وقد لا تباشران مثل أن يقصد شجاع جماعة بموسى فيفترقون إلى الجانبين، فعصا موسى آلة معهم لا آلة مستقلة، وباء السببية أى بسبب إرادة إنجائكم أو للمعية متعلقة بفرقنا، أو بمحذوف حال من البحر كأنه قال: وإذ فرقنا البحر حال كونه ملتبساً بكم، كقول المتنبى: شعر : كأن خيولنا كانت قديما تسقى فى قحوفهم الحليبا فمرت غير نافرة عليهم تدوس بنا الجماجم والتريبا تفسير : القحف عظم الدماغ أى كأنها ألفتهم بأن كانت (تسقى) الحليب فى عظام دماغهم فمرت على رءوسهم وصدورهم غير نافزة. {البَحْرَ}: بحر القلزم فرقة عرضاً وقيل مقدار من الطول، فيكون كل طريق على هذا إلى جهة البحر أطول مما يليه إلى جهة البر، والمشهور الأول. واختار بعضهم الثانى، وقال إن ذلك الفرق يقرب موضع النجاة، ولا يلحق فى البر فى أيام كثيرة بسبب جبال وأوعار حائلة. {فَأنجَيْنَاكُمْ}: من فرعون وآله وقد تبعوكم، أو من الغرق. {وأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ}: حذف العاطف والمعطوف أى آل فرعون وفرعون، أو آل فرعون وإياه، وأجيز تقديم المعطوف عليه والعاطف، أى وأغرقنا فرعون وآل فرعون، وأجيز الوجهان فى قولهم: راكب الناقة طليحان، أى راكب الناقة والناقة متعبان، أو راكب الناقة وهى متعبان، أو الناقة وراكب الناقة متعبان، وإنما اقتصر فى الذكر على آل فرعون، لأن فرعون أولى بالإغراق، وقيل آل فرعون بمعنى شخص فرعون كما ورد فى الحديث: "حديث : أوتى مزماراً من مزامير آل داود" تفسير : فإن المراد داود نفسه، وكان الحسن يقول: اللهم صلى على آل محمد، أى على شخص محمد فاستغنى فى ذلك بذكر المتبوع عن ذكر أتباعه، أى شخص فرعون وقومه أو قوم فرعون وشخص فرعون. {وَأَنْتُم تَنْظُرُونَ}: ما ذكر من إنجائكم وإغراق آل فرعون لا تشكون، والجملة حال أو تنظرون إطباق البحر عليهم، أو فرق البحر طرقا يابسة مذللة أو طرق البحر أو أجسام آل فرعون ولباسهم التى طفت على الماء وقذفها البحر إلى الساحل، أو ينظر بعضكم بعضاً، أو تنظرون إلى هلاكهم أو مصرعهم أو إلى الطرق أو أجسامهم ولباسهم، وقيل تنظرون ببصائركم للاعتبار لأنهم كانوا فى شغل، أوحى الله سبحانه وتعالى إلى موسى أن يسرى ببنى إسرائيل فأمرهم موسى أن يستعيروا الحلى والمتاع من المصريين وأحل الله ذلك لبنى إسرائيل. ويروى أنهم فعلوا ذلك دون رأى موسى وهو أليق به. قيل استعاروها برسم عرس لهم ولا عرس، وقيل استعاروها لعرس حقيقى، وبقيت فى أيديهم حتى غرق فرعون وقومه، ويروى أن موسى عليه السلام قال: إن الله تبارك وتعالى سينجيكم من آل فرعون، وتنفعكم حليهم، ويؤيد القول بأنهم استعاروه بلا إذن منه، قولهم: ولكن حملنا أوزاراً من زينة القوم. فظاهره أنهم أخبروه بما لم يعلم فسرى بهم من أول الليل، فعلم بهم فرعون فقال: لا يتبعهم أحد حتى تصيح الديكة الليلة، فلم تصح بمصر ديكة فى تلك الليلة حتى أصبح، وأمات الله تلك الليلة كثيراً من أبناء القبط فاشتغلوا بالدفن وخرجوا فى الاتباع مشرقين، وذهب موسى إلى ناحية البحر حتى بلغه، وكانت عدة بنى إسرائيل نيفاً وستمائة ألف، وعدة فرعون ألف ألف ومائتى ألف، فلما رأى قوم موسى قوم فرعون على بعد، ظن قوم موسى أنهم غير ناجين، وقال يوشع بن نون لموسى: أين أمرت؟ فقال: هكذا وأشار إلى البحر فركض يوشع فرسه حتى بلغ الغمر، ثم رجع فقال لموسى: أين أمرت فوالله ما كذبت ولا كذبت، فأشار إلى البحر وقد أوحى الله إلى البحر أن انفلق لموسى إذا ضربك، فبات الليل يضطرب، وأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر وكنِّه أبا خالد، فضربه. وقال انفلق أبا خالد، فانفلق عن اثنتى عشرة طريقاً، فلما دخلوها قالت كل طائفة: غرق أصحابنا وجزعوا فقال موسى عليه الصلاة والسلام. اللهم أعنى على أخلاقهم السيئة. فأوحى الله تعالى إليه أن أدر عصاك فى البحر، فأدارها فصار فى الماء فتوح كالطاق يرى بعضهم بعضاً، وجبريل من وراء بنى إسرائيل يحثهم ويقول لقوم فرعون مهلا حتى يلحق آخركم أولكم. ورى أن فرس فرعون أبى الدخول فتعرض له ميكائيل بفرس أنثى فشم رائحتها فتبعها، فلما خرج بنو إسرائيل وتكامل قوم فرعون فى البحر، انطبق عليهم، ويروى أن موسى عليه السلام لما أمره الله تعالى أن يسرى ببنى إسرائيل فى الليل، أمر قومه أن يسرجوا فى بيوتهم السرج إلى الصبح، وأن يستعيروا حلى القبط لتبقى لهم أو يتبعوهم لأجل المال، وأخرج الله كل ولد زنى كان فى أهل مصر من بنى إسرائيل إلى بنى إسرائيل، وكل ولد زنى كان فى بنى إسرائيل إلى أهل مصر حتى يرجع كل ولد إلى أبيه، وألقى الله الموت على المصريين فمات كل بكر لهم فاشتغلوا بدفنهم، وأن بنى إسرائيل ستمائة ألف وعشرين ألفاً لا يعدون ابن عشرين سنة لصغره، ولا ابن ستين لكبره. وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب اثنين وسبعين إنساناً ما بين رجل وامرأة، فلما أرادوا السير ضرب عليهم التيه فلم يدروا أين يذهبون، فدعا موسى مشيخة بنى إسرائيل وسألهم عن ذلك فقالوا: إن يوسف لما حضره الموت أخذ على إخوته عهداً ألا يخرجوا من مصر حتى يخرجوه معهم، فلذلك انسد علينا الطريق فسألهم عن موضع قبره فلم يعلموه، فقام موسى ينادى أناشد الله من يعلم أين قبر يوسف أن يخبرنى به ومن لم يعلم صمت أذناه عن سماع قولى، فكان يمر بالرجل وهو ينادى فلا يسمع صوته حتى سمعت عجوز منهم فقالت: أرأيتك إن دللتك على قبره أتعطينى كل ما أسألك؟ فأبى وقال: حتى أسأل ربى، فأمره أن يعطيها سؤالها فقال: إنى عجوز لا أستطيع المشى فاحملنى معك. وأخرجنى من مصر، هذا فى الدنيا. وأما فى الآخرة فاسأل ألا تنزل غرفة من غرف الجنة إلا نزلتها معك؟ قال: نعم. قالت: إنُه فى النيل فى حرف الماء فادعو الله أن يحصر عنهُ الماء، فدعى الله أن يؤخر عنهُ طلوع الفجر حتى يفرغ من أمر يوسف، ثم حضر موسى ذلك الموضع ودعى أن يحصر عنه الماء فاستخرجه وهو فى صندوق من مرمر، وحمله ليدفنه بالشام، ففتح لهم الطريق. وقيل قصة استخراج يوسف إنما هى بعد إغراق فرعون ورجوع بنى إسرائيل إلى مصر ليأخذوا ما فيها، وقيل لم يرجعوا إليها ولكن ضرب عليم التيه عن الشام حتى استخرج يوسف، وكان موسى فى ساقة بنى إسرائيل وهارون فى مقدمتهم، ويروى أن فرعون تبعهم فى ألف ألف وسبعمائة ألف، وكان فيهم سبعون ألفاً من دهم الخيل سوى سائر الخيل، وقيل كان معهم مائة ألف حصان أدهم، وكان فرعون فى الدهم فى ساقتهم، وهامان على مقدمتهم، قيل وكان فرعون فى سبعة آلاف، وكان بين يديه مائة ألف نشاب ومائة ألف حراب، ومائة ألف معهم الأعمدة، وسار بنو إسرائيل حتى وصلوا البحر، والماء فى غاية الزيادة، ونظروا حين أشرقت الشمس فإذا هم بفرعون وجنوده فتحيروا وقالوا: يا موسى أين ما وعدتنا فكيف نصنع؟ هذا فرعون خلفنا إن أدركنا قتلنا، والبحر أمامنا إن دخلناه غرقنا؟ فأوحى الله إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه فلم يطعه، فأوحى الله إليه: كنِّهِ فضربه فقال: انفلق يا أبا خالد، فانفلق فكان كل فرق كالطّود العظيم، حتى وصلت، الشمس قعر البحر، وأرسل الله عز وجل الريح عليه فصار يبساً بالشمس والريح، فخاف كل سبط فى طريقه فى البحر أن يكون إخوانهم قد هلكوا، فأوحى الله إلى جبال الماء بين كل طريقين أن يصير كالشباك، فصاروا يرون بعضهم بعضاً ويسمع بعضهم كلام بعض. ويروى أن فرعون لما وصل البحر رآه منفلقاً فقال لقومه: انظروا للبحر كيف انفلق من هيبتى حتى أدرك عبيدى الذين آبقوا منى، ادخلوا البحر، فهابوا دخوله. وقيل قالوا لهُ: إن كنت ربًّا فادخل البحر كما دخل موسى، وكان فرعون على حصان أدهم ولم يكن فى خيل فرعون فرس أنثى، فجاء جبريل عليه السلام على فرس أنثى رديفه فتقدمه، وخاض البحر فلما شم أدهم فرعون أنثى اقتحم البحر فى أثرها، ولم يملك فرعون من أمره شيئاً، واقتحموا كلهم وجاء ميكائيل خلفهم على فرس يقول: الحقوا بأصحابكم حتى صاروا كلهم فى البحر، وخرج جبريل من البحر وهم أوّلهم بالخروج، ودخل آخرهم وخلفه ميكائيل فى البر، فانضم عليهم البحر ووافق ذلك يوم عاشوراء، فصامه موسى شكراً لله، وقد نوى الصوم لله شكراً فأصبح صائماً. وروى أن بنى إسرائيل قالوا فى البحر: أين إخواننا؟ وخافوا أن يكونوا قد هلكوا، فقال لهم موسى: سيروا إنهم على طريق مثل طريقكم، فقالوا: لا نرضى حتى نراهم، كأنهم هموا بالرجوع من حيث دخلوا، فأوحى الله إليه أن يفعل بعصاه كذا ففعل، فصارت بينهم طاقات فنظروا وسمع بعضهم بعضاً. ومن نظر اعتبر ما بين هذه الأمة وبنى إسرائيل، رأوا هذه المعجزة العظيمة، وقالوا: لا نرضى حتى نرى إخواننا، ولما خرجوا منه وأغرق عدوهم أرادوا صنماً يعبدونهُ، وشافهوا به نبى الله أن يجعله لهم وهو من أبعد خلق الله عنه. وغاب عنهم فى المواعدة وعبدوا العجل، ثم قال من اختار منهم: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فهم بمعزل فى الفطنة والدعاء وسلامة النفس وحسن الاتباع، عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، مع أن معجزات موسى أشياء محسوسة تلجئ إلى الإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى، وتصديق موسى، خصوصاً فرق البحر وهو من أعظم نعم الله تعالى عليهم، بخلاف معجزات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فإن أكثرها دقيق نظرى يدركه الأذكياء كالتحدى بالقرآن والفضائل المجتمعة فيه، فأدركوا وآمنوا ولم يطلبوا أكثر ولم يرتدوا، وقد مشى أمير صحابى على البحر من فوق سطح الماء هو وعسكره ولم يجد ذلك فى قلب العسكر شبهة أو شكا ينفيه، وما ازدادوا بها إلا شكراً وإيماناً بعد إيمان راسخ. ومن معجزاته إخباره بمعجزات موسى. قال الطبرى: وفى إخبار القرآن على لسان النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذه المغيبات التى لم تكن من علم العرب ولا وقعت إلا فى خفى علم بنى إسرائيل دليل واضح عند بنى إسرائيل، قائم عليهم بنبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ} لأجلكم يا بنى إسرائيل، أو بسببكم، أو شبه سلوكهن بالآلة فى كونه واسطة فى حصول الفرق، فكانت الباء، نفى ذلك استعارة تبعية، والفرق مقدم على السلوك فيه، لقوله تعالى { أية : فَانْفَلَقَ فَكَانَ كل فرق كَالطّودِ العَظِيم} تفسير : [الشعراء: 63] وما قيل من أنه فرق شيئاً فشيئاً بسلوكهم لا يصح {الْبَحْرَ} لتسلكوه وتنجوا من عدوكم، بحر القلزم فرقاً مستديراً راجعاً إلى جهة المدخل، وكان عرضه فى ذلك المحل أربعة فراسخ، فيستبعد السلوك فيه على ذلك الطول بلا تقويس، فيحتاجون إلى رجوع فى سفن مع كثرتهم، وقيل النيل فرقا على سمت، ويسهل رجوعهم فى سفن، أو على استدارة وتقويس إلى جهة المدخل، وهو أولى ويهلك عدوكم {فَأَنْجَينَٰكُمْ} من عدوكم ومن الغرق {وَأَغْرَقْنَا ءَالَ فِرْعَوْنَ} المراد فرعون وآله، أى هذا الجنس الشامل لفرعون وآله، لقوله تعالى {أية : ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدم} تفسير : [الإسراء: 70] أى جنس البشر الشامل لآدم وذريته، أو آل فرعون هو فرعون، وأما قومه فأتباع له وذكر بالغرق فى آى أخر، وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم حديث : مزامير آل داودَ تفسير : أى مزامير داود، وكان الحسن البصرى يقول: اللهم صل على آل محمد بدل اللهم صلى على محمد، وذلك أن ما للإنسان يكون لأهله، تحقيقاً أو فخراً، وأيضاً إذا أغرق أهله فهو أولى، لأنه رأسهم، وبه ضلوا، وناسب نجاة موسى من الغرق ونجانه منه حين ألفى فيه طفلاً، وللأمة نصيب مما لبنيها، وفرعون غرق بالماء إذ فاخر به فى قوله" أية : وهذه الأنهار تجري من تحتي" تفسير : [الزخرف: 51] ولقومه نصيب مما قاله، وكما عجل الموت بأنهار الدم عجل موته بالغرق، والموت به شديد. ولذلك كان الغريق شهيداً {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} بعد خروج أولهم، وبنو إسرائيل يومئذ ستمائة وعشرون ألفا ليس فيهم ابن عشرين لصغره، ولا ابن ستين لكبره، وأنهم بقوا فى مصر، وكانوا يوم دخلوا مصر مع يعقوب عليه السلام اثنين وسبعين إنساناً، ما بين رجل وامرأة، وبين يعقوب وموسى عليهما السلام ألف سنة، وقيل أربعمائة، بارك الله فى ذلك النس وهم عدا من مات، ومن ذبح وآل فرعون أل ألف وسبعمائة ألف، وفيهم من دهم الخيل سبعون ألفا، وإسناد النظر إذا كان بمعنى بالعين إنما هو للمجموع، لأنه إنما يرى الغرق، أو أجبر بنى إسرائيل الذين يقربون من البحر، وإن فسرناه بالعلم، فهو لكل واحد، وفى المشاهدة نعمة زائدة، وإن فسرنا النظر ينظر بعض إلى بعض من أكلوا حين استوحشوا، فأشار بالعصا فكانت أكلوا، فالأمر ظاهر كلن على هذا تتعلق الجملة بأنجيناكم أو بفرقنا لا بأغرقنا.
الخليلي
تفسير : تفصيل لما أُجمل من قبل في قوله: {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم} وعطفه عليه عطف تفصيل على إجمال، وقد سيقت هذه القصة ببيان أوسع في القرآن المكي لأجل مخاطبته قوما لم يكونوا على عهد بالنبوات وليس في أيديهم شيء يتلونه مما أُنزل عليهم، فكانت توسعة بيانها من مقتضيات التخاطب مع أمثالهم لما فيها من العبر المختلفة والنذر المتعددة، وبها يزداد المؤمنون الذين يغذيهم القرآن بعلوم النبوات السابقة اتساع أفق ورسوخ قدم وقوة بصيرة. أما بنو اسرائيل فلم يكونوا بحاجة إلى مثل ذلك البيان الواسع في تحديثهم بها لما استقر عندهم من أخبارها التي يتلونها في الكتاب ويتلقاها الأصاغر منهم عن الأكابر والأخلاف عن الأسلاف، فلذلك اكتُفى بهذا القدر لأن المراد به اشعارهم برد النعمة يلامس أبدانهم التي أرهقها سوء العذاب من فرعون وآله. وقد كانت هذه النتجية على يدي موسى عليه السلام احدى معجزاته الظاهرة للعيان، فهي معجزة في نفسها لأنها كانت من عدو قاهر ومعجزة في كيفيتها لأنها كانت بطريقة لم تعهد من قبل. وقد كانت غب ما أمرهم الله به من الخروج من مصر حالة استخفاء من فرعون وآله لئلا يحول بينهم وبين بغيتهم من الخروج، وقد كان ذلك أمرا إلهيا أوحاه الله إلى موسى عليه السلام وهو الذي يدل عليه قوله عز من قائل: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ} تفسير : [الشعراء: 52]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً} تفسير : [طه: 77]، وقوله: {أية : فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰؤُلاَءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} تفسير : [الدخان: 22-23]، وهذا هو الذي اقتصر عليه جمهور المفسرين، وخالفهم بعض المتأخرين كالإِمام محمد عبده والسيد رشيد رضا، وتبعهما القاسمي في محاسن التأويل، فذهبوا إلى أن ذلك كان بإخراج بل طرد من فرعون بعد أن رأى ما رآه من الآيات التي كادت تُحلَّ به وبقومه البوار، وقد عولوا في رأيهم هذا على ما جاء في سفر الخروج من تأريخ التوراة "أن الله تعالى أنبأ موسى بأنه يقسي قلب فرعون فلا يخفف العذاب عن بني اسرائيل ولا يرسلهم مع موسى حتى يريه آياته، وأنه بعد الدعوة زاد ظلما وعتوا فأمر الذين كانوا يسخرون بني إسرائيل في الأعمال الشاقة بأن يزيدوا في القسوة عليهم وأن يمنعوهم التبن الذي كانوا يعطونهم إياه لعمل اللَّبِن، ويكلفوهم أن يجمعوا التبن ويعملوا كل ما كانوا يعملونه من اللبن لا يخفف عنهم منه شيء، فأعطى الله موسى وأخاه هارون الآيات البينات فحاول فرعون معارضتها بسحر السحرة، فلما آمن السحرة برب العالمين رب موسى وهارون لعلمهم أن ما جاء به ليس من السحر وإنما هو تأييد من الله تعالى ورأى ما رأى بعد ذلك من آيات الله لموسى سمح بخروج بني إسرائيل بل طردهم طردا". "وقال لهارون وموسى اخرجوا من بين شعبي أنتما وبنو إسرائيل جميعا واذهبوا اعبدوا الرب كما تكلمتم، فلما ارتحلوا وأخبر فرعون أن الشعب قد هرب تغير قلبه عليهم، وقال ماذا فعلنا حين أطلقناهم من خدمتنا؟ فشد مركتبه وأخذ قومه وسعى وراءهم". وسوغ العلامة ابن عاشور هذا الرأي تسويغه للرأي الذي قبله، وأجاز أن يكون نَدَم فرعون على إطلاقهم ناشئا عن إغراء بعض أعوانه بصدهم عن الخروج لما في خروجهم من إضاعة الأعمال التي كانوا يسخرون فيها، أو لأنه لما رآهم سلكوا غير الطريق المألوف لاجتياز مصر إلى الشام ظنهم يرومون الانتشار في بعض مملكته المصرية فخشى شرهم إن هم بعدوا عن مركز ملكه ومجتمع قوته وجنده. ورأى الجمهور عندي أولى بالصواب لأمرين: أولهما: موافقته لظواهر الآيات كما أسلفنا على أن من الآيات ما يدل دلالة واضحة بأن فرعون عدنا شاهد آيات الله العظام التي نزلت به وبقومه وما أصابهم من الرجز طلب من موسى عليه السلام أن يدعو ربه برفع الرجز، ووعده بالإِيمان له وإرسال بني إسرائيل معه إذا ما تحقق مطلوبه هذا، وكان هذا الوعد معلقا على رفع الرجز فلما تحقق ذلك نكث في عهده وأصر على عناده، والدال على ذلك قوله تعالى: {أية : وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ ٱلرِّجْزُ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ فَلَماَّ كَشَفْنَا عَنْهُمُ ٱلرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُم بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ} تفسير : [الأعراف: 134-135]، ومن الظاهر أن هذا النكث كان في كلا الأمرين، الإِيمان به وإرسال بني إسرائيل معه، ولم يكن في أحدهما دون الآخر، ولا مساغ للتعلق بنصوص التوراة المحرفة، مع معارضتها نصوص القرآن الذي صانه الله عن أيدي العابثين على أن التوراة نفسها لا تخلو مما يدل على أن خروج بني إسرائيل من مصر لم يكن بإخراج فرعون إذ عبرت عنه تارة بالهروب. ثانيهما: أن التوراة نصت وعلماء التفسير وغيرهم أطبقوا على أن بني اسرائيل عندما هموا بالخروج من مصر استعاروا من المصريين حليهم وأشار الى ذلك القرآن في قوله: {أية : وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ} تفسير : [طه: 87]، ولم يخالف في وقوع ذلك أحد من أهل الكتاب أو المسلمين، وإن اختلفوا في كون ذلك بإذن من موسى عليه السلام إذ وعد بني إسرائيل أن ينفلهم أموال المصريين، أو أنه من تصرف بني إسرائيل أنفسهم من غير أن يعمل بهم موسى عليه السلام، وأنهم خدعوا المصريين بأنهم يريدون هذا الحلي المستعار للاحتفال ببعض أعراسهم. وعلى القول بأنه كان بإذن من موسى فذلك لحكمة أرادها الله وهي أن يكون ذلك أدعى لفرعون وملئه للحاق بهم بقصد الانتقام منهم واسترداد أموالهم فينتهوا إلى ما كتبه الله عليهم من الهلاك. ومهما يكن فإنه يبعد أن يرضى المصريون بإعارتهم حليهم الثمين مع معرفتهم بأنهم على وشك الطرد والإِبعاد، كما يبعد أن يخفى عليهم قرار الطرد الذي اتخذه فرعون ضد بني إسرائيل لأنهم خاصة فرعون ورهطه. وكان اتجاه موسى ومن معه في خروجهم من مصر بتوجيه من الله سبحانه حتى يتحقق أمره وتتجلى قدرته، فلو أنهم قطعوا الطريق المألوفة وسلكوا شاطئ البحر الأبيض المتوسط - الذي كان يسمى ببحر الروم - لاختصروا المسافة وما كانا يلجأون إلى خوض البحر غير أن هذا الطريق كانت محفوفة بالخطر بالنظر إلى حالهم، فإن قوافل المصريين كانت تتردد فيها جيئة وذهابا، وفي أعمال رسل الله سبحانه ما تقتضيه سنن الحياة من الأخذ بأسباب النجاح والابتعاد عن مظان الفشل ليكونوا أسوة لغيرهم وإن شملتهم عناية الله، ولذلك لجأ موسى بقومه إلى ناحية لم تكن يطرقها السفار فيمم إلى الناحية الجنوبية الشرقية حتى انتهى إلى ساحل البحر الأحمر في مكان يسمى فم الحوريث، وهناك فوجئ بنو اسرائيل بعدوهم القاسي يغشاهم بجنوده الغلاظ فقالوا لموسى: {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 61-62]، فتم ما أراده الله من إنجائهم وإهلاك عدوه وعدوهم بأمر لم يؤلف نظيره وهو فرق البحر {أية : فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الشعراء: 63]، حتى جاوزه بنو إسرائيل إلى الضفة الأخرى ثم أطبعه على أعدائهم الذين كانوا يسرعون خلفهم لأجل الانتقام منهم فاجتمعت لهم من ذلك نعمتان كبريان، إنجاؤهم من العدو والغرق، وإهلاك عدوهم بما كان سببا لتنجيتهم وهم ينظرون، كما ظهر لهم ولغيرهم من آيات الله في ذلك ما يستدعي رسوخ الإِيمان وزيادة اليقين. ويستفاد أن البحر المقصود في هذه الآية ونظائرها هو البحر الأحمر، وهو الذي يقتضيه قوله تعالى: {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ}، وقد سمعت من أحد الفضلاء بمصر أن الخبراء الروس اكتشفوا آثار هذا الفرق في البحر المذكور وتلك من آيات الله التي تقوم بها حجته على الجاحد والمعاند. وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالبحر في هذه الآية وأشباهها النيل وأن غرق فرعون كان فيه. وهذا رأي مرفوض. وقد كان انفلاق البحر مسببا عن ضربه موسى بالعصى، وذلك يستفاد من قوله عز من قائل: {أية : فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [الشعراء: 63]، وتلك إحدى المعجزات التي قرن الله بها دعوة عبده موسى عليه السلام، إذ لم يكن ذلك أمرا طبعيا مألوفا، فما للعصى وانفلاق البحر لولا أن الله أودع فيها من سره الغيبي ما لا تكتنهه عقول البشر، وقد مضت سنة الله في خلقه أن يهيئ ما شاء من الأسباب لما يشاء من المسببات، سواء كانت داخلة في النواميس الكونية المألوفة لدى البشر أم خارجة عنها، ولا يجادل في ذلك إلا المرتابون الذين هم في ريبهم يعمهون. وقد أجاد الإِمام محمد عبده في حديثه عن هذه المعجزة، وإن عهد منه الميل إلى تفسير الحقائق الغيبية بما يتلاءهم مع السنن الكونية المعهودة عند الناس، وقد كرر هنا ما قاله في رسالة التوحيد، وهو أن الخوارق الجائزة عقلا - أي التي ليس فيها اجتماع النقيضين ولا ارتفاعهما - لا مانع من وقوعها بقدرة الله في يد نبي من الأنبياء وأنه يجب أن يؤمن بها على ظاهرها، ووصف المنكرين للمعجزات بأنهم من المتهورين، ونسب إليهم في تأويل هذه القصة أنهم يزعمون بأن عبور بني إسرائيل البحر كان في إبان الجزر، فإن البحر الأحمر رقارق إذا كان الجزر الذي عهد هناك شديدا يتسير للإِنسان أن يعبره ماشيا، ولما اتبعهم فرعون بجنوده ورآهم قد عبروا البحر تأثرهم، وكان المد تفيض ثوائبه - وهي المياه التي تجيء عقيب الجزر - فلما نجا بنو إسرائيل كان المد قد طغى وعلا حتى أغرق المصريين فتحقق إنعام الله على بني إسرائيل بأن تم هذا التوفيق لهم والخذلان لعدوهم، وزعموا أن كونه ليس آية لموسى عليه السلام لا ينافي الامتنان به عليهم، فإن نعم الله بغير طريق المعجزات أعم وأكثر - قال الإِمام - ولكن يدل على كونه آية له وصف كل فرق منه كالطود العظيم، وإذا تيسر تأويل كل آيات القصة من القرآن، فإنه يتعسر تأويل قوله تعالى في سورة الشعراء: {أية : فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : وهو الموافق لما في التوراة. ولخص صاحب المنار قول المؤولين بما حاصله، "أن بني إسرائيل لما عبروا البحر انفرق بهم وكانوا لاستعجالهم واتصال بعضهم ببعض قد جعلوا ذلك الماء الرقراق فرقين عظيمين ممتدين كالطود، وأن هذه الآية تشعر بذلك، فإنه يقول: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ} ولم يقل فرقنا لكم البحر والظاهر أن الباء هنا للآلة، كما تقول قطعت بالسكين، وأما قوله تعالى: {أية : فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ} تفسير : [الشعراء: 63] فإنه لا ينافي أن الانفلاق كان بهم، كما في آية البقرة لا بالعصى، وذلك أن الذي أوحاه الله تعالى إلى موسى هو أن يخوض البحر ببني إسرائيل وقد عهد أن من كان بيده عصى إذا أراد الخوض في ماء كترعة أو نهر أن يضربه أولا بعصاه، فهذه الآية معبرة عن هذا المعنى، أي ألهمه الله عندما وصل إلى البحر أن يضربه بعصاه ويمشي، ففعل ومشى وراءه بنو إسرائيل بجمعهم الكبير، وأما قوله تعالى: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} فهو تشبيه معهود مثله في مقام المبالغة، كقوله تعالى: {أية : وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَٱلْجِبَالِ} تفسير : [هود: 42]، وقوله: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلْجَوَارِ فِي ٱلْبَحْرِ كَٱلأَعْلاَمِ} تفسير : [الشورى: 32]، فالأمواج والسفن الجواري لا تكون كالجبال الشاهقة والأعلام الباسقة، وإنما تقضي البلاغة بمثل هذا التعبير لكمال التصوير وإرادة التأثير"، وأضاف إلى ذلك من بعد أنه بسط تأويلهم لئلا يتوهموا أنه لم يقل به لعدم اهتدائه إلى توجيهه مثلهم، وأشار فيما بعد إلى عدم أهمية الخلاف مع هؤلاء إذ كانوا يثبتون الآيات الكونية تأييدا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وسوغ أن تكون الباء في قوله بكم سببية أو للملابسة لا للآلة - كما يقول المتأولون، وذكر ان البيضاوي أشار إلى ذلك كله بقوله: "فلقناه وفصلنا بين بعضه وبعض حتى حصلت فيه مسالك لسلوككم، أو بسبب إنجائكم، أو متلبسا بكم"، وأضاف ألى ذلك من بعد أن الخلاف منصوص عليه في تفسيري الأصفهاني والبغوي. ويستفاد مما قاله أنه لا يستبعد صحة مقالة هؤلاء المتأولين ما داموا يحملون هذه الآيات الكونية المتفقة مع سنن الوجود على أن فيها تأييدا للرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا جرى على ما عهد منه من حمله كثيرا من هذه الأخبار الغيبية على ما يتفق مع الأحوال المألوفة للناس وإن أفضي ذلك إلى التكلف الممقوت في حمل ألفاظ القرآن على ما لا تنسجم معه من المعاني، وحسبكم دليلا على بطلان هذا التأويل تعذره إذا ما قسناه على الحالة الطبعية المعهودة للماء إذا خيض فيه فإنه لم يعهد منه انقسامه إلى شطرين كل شطر على جانب الخائضين كالطود العظيم، بل من طبع الماء الإِنسياب في الفرج بين أقدام الماشين فيه، وتساوي سطحه من كل جانب، ومما يؤكد بطلان تأويلهم قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً} تفسير : [طه: 77]، فإنه نص في أن انشقاق الطريق لهم كان بضرب موسى البحر، وأنهم اجتازا مكانا يبسا لا ماء فيه. هذا، وقد امتلأت كتب التفسير بروايات متعددة متناقضة في وصف قصة نجاة موسى ومن معه، وغرق فرعون وآله، وقد نص ابن عطية وأبو حيان والألوسي في تفاسيرهم على أن هذه الروايات لا تعتضد بشاهد من الكتاب ولا الأحاديث الصحيحة غير أنهم مع ما قالوه لم تسلم تفاسيرهم من شوائبها، ومن ذلك قول أبي حيان: "ولم يختلفوا في أن فرق البحر كان بعدد الأسباط اثني عشر مسلكا"، وحمل عليه قراءة الزهري "فرّقناه" وهي قراءة شاذة تخالفها جميع القراءات العشر، فليست موضعا للاستدلال على أن ابن عاشور حملها في تفسيره على مراعاة شدة الاتصال بين أجزاء المفرق، وذلك يستدعي شدة التفرقة، وإنما اتفقت القراءات العشر على التخفيف لما فيه من النظر إلى عظيم قدرة الله تعالى، فكان ذلك الفرق الشديد خفيفا. والقرآن لم يذكر طرقا وإنما ذكر طريقا، وكل زيادة على ما جاء فيه غير مسلمة على أنه يبعد في مثل ذلك المقام المدهش والرعب المؤدي إلى الفوضى عادة أن ينحاز كل سبط من بني إسرائيل بنفسه ويسلم طريقا غير طريق الآخرين. والفرق الفصل إما بين الشيء الواحد حتى يكون شيئين، وإما بين الشيئين المتصلين حتى يكونا منفصلين، وإذا استعمل في الشيء الواحد كان بمعنى الشق، ففرق البحر إذن هو شقه ليتهيأ بين شطريه سبيل للسالكين. واختُلف في الباء (بكم)؛ قيل إنها للآلة، ومعنى ذلك أن الفرق حصل بسلوكهم، وعبر عنها بعض المفسرين بالاستعانة، وهو تعبير لا يليق بواجب الأدب مع الله تعالى، فإنه هو الذي أسند إليه الفرق، وهو أجل من أن يستعين بشيء، وإذا عُبِّر عن هذه الباء بأنها للاستعانة إذا أُسند الفعل إلى غيره فإن هذا التعبير يجب استبداله بما يتفق مع التأدب أمام الربوبية إذا أُسند إليه تعالى، وقيل: هي للسببية فتكون بمعنى اللام إذا ما قيل بجواز تعليل أفعاله تعالى لعدم الفرق بين قولك: فعلت هذا لأجلك، وقولك فعلته بسببك، إذ كان المخاطب هو الباعث على الفعل؛ وعند من يمنع تعليل أفعاله سبحانه فهي للسببية الشبيهة بالسببية الباعثة على الفعل في تربية على مدخولها وكونه هو المقصود به. وذكر الألوسي أن الدامغاني نقل عن العرب أنهم يقولون: غضبت لزيد، إذا كان الغضب من أجله وهو حي، وغضبت بزيد، إذا غضبت من أجله وهو ميت، وأتبع ذلك الألوسي قول: "ففيه تلويح إلى أن الفرق كان من أجل أسلاف المخاطبين". وجُوز أن تكون الباء هنا للمعية - ويُعبَّر عنها بالملابسة - ومعنى ذلك أنهم كانوا بمعية الله تعالى عندما فرق البحر لينجوا من عدوهم أي كانكوا محفوفين بنصره مشمولين برعايته، وهو معنى قول موسى عليه السلام الذي حكاه الله عنه: {أية : قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62] واختُلف في هذا الفرق فقيل كان خطيا أي من ضفة إلى أخرى، وقيل: كان قوسيا، أي رجعوا إلى الضفة التي خرجوا منها، وكانت بين مدخلهم البحر ومخرجهم من جبال وأوعار لا يخشون بسببها أن يلحق بهم العدو من طريق البر، وهذا الذي اعتمده ابن عطية في تفسيره، وقطب الأئمة في هيميانه وتيسيره، وبما ذكراه يندفع ما قاله الألوسي، وهو أن احتمال الرجوع في طريق الدخول يكاد يكون باطلا لأن الأعداء في أثرهم. وأيد القطب - رحمه الله - القول بأن الفرق كان قوسيا بأنهم من الكثرة بحيث يحتاجون إلى سفن ترجع بهم إلى مصر لو أن الفرق كان خطيا ووصلوا إلى الضفة الثانية مع التئام البحر ورجوعه إلى حاله. وكلامه هذا يشير إلى أنهم عادوا إلى مصر بعد أن أنقذهم الله تعالى وأهلك عدوهم، وهذا الذي ذهب اليه كثير من أئمة التفسير؛ قال ابن عاشور: "وهذا وهم، فإن بني إسرائيل لم يعودوا إلى مصر البتة بعد خروجهم، كيف والآيات صريحة في أن نزول الشريعة كان بطور سيناء، وأن خروجهم كان ليعطيهم الله الأرض المقدسة التي كتب الله لهم؟". وابن عاشور هو الواهم في هذا التوهيم، فإن القرآن صريح في أن الله تعالى أورث بني إسرائيل ما كان خوله فرعون من قبل من جنات، وعيون، وكنوز، وزروع، ومقام، وهو نص في سورة الشعراء حيث يقول تعالى فيها: {أية : فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} تفسير : [الشعراء: 57-59]، ويقول في سورة الدخان: {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ} تفسير : [الدخان: 25-28]، والقوم الآخرون هنا هم بنو إسرائيل قطعا لبيان ذلك في سورة الشعراء، وأولى ما فسر القرآن القرآن. أما خروجهم إلى طور سيناء لتلقي التوراة واستمرارهم سيرهم بعده إلى الأرض المقدسة فقد كان بعد عودهم إلى مصر لينفلهم الله مخلفات فرعون وآله، إذ يستحيل أن يكونوا وارثين لها من غير أن يعودوا إليها. وفيما ذكرته الآية نعم متعددة ترتبت على فرق البحر فإن الفرق نفسه نعمة جلى إذ جاءت مخالفة لما استقرت عليه العادة وأُلف عند الناس من سنن الكون، وإنجاؤهم من عدوهم باجتيازهم البحر نعمة عظيمة مقصودة بالفرق، وإغراق عدوهم فيه عليهم نعمتان: أولاهما الأمن من شره، إذ لعله لو بقى حيا لأخذ يتتبع فلولهم، ويدبر لهم المكائد، ويكيل لهم الشرور. ثانيتهما: شفاء غيظ صدورهم بمهلكه، فإن من شأن المظلوم أن يشعر بارتياح الضمير ولذة معنوية كبرى إذا تلقى ظالمه جزاءه، وقد تحقق ذلك كله بمرأى منهم لتطمئن نفوسهم ويلتذوا بهذا المشهد، مشهد المعجزة الخارقة للعادة التي أجراها الله على يد نبيهم، ومشهد نجاتهم بسبب هذه المعجزة، ومشهد هلاك عدوهم بما كانت به نجاتهم، وهذا كله يستفاد من تذييل الآية بقوله: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}. ونسب الإِغراق في الآية إلى آل فرعون، مع أن فرعون نفسه كان من الغارقين، كما نصت عليه آيات أخرى، منها قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ} تفسير : [يونس: 90]، وقوله: {أية : فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي ٱلْيَمِّ} تفسير : [القصص: 40]، وذلك إما لأن استحقاق آلة الغرق - وهم له أتباع لا يصدرون إلا عنه في شورهم، ولا ينفذون إلا رغباته في ظلمهم، لأنه رأس الشر ومصدر الظلم - يقضي بأنه أحق به منهم، فإذا ما نُص على غرقهم كان ذلك أدل على أنه من الغارقين، وإما لأن آله هم الذين كانوا يباشرون تعذيبهم الجسدي والنفسي، فهم الذين سخروهم للأعمال الشاقة، وسفكوا دماءهم بأيديهم، وذبحوا أبناءهم، واستحيوا نساءهم، فكان إغراق أولئك الآل أشفى لغيظ صدورهم. وفي هذين الاحتمالين غنى عن دعوى بعضهم أن المراد بالآل نفس فرعون استنادا إلى ما روي عن الحسن البصري أنه كان يقول "اللهم صل على آل محمد"، ومراده اللهم صل على محمد، فإن في توجيه ذلك - إن صح النقل - احتمال، واذا طرق الدليل الاحتمال سقط به الإِستدلال. وإن من دواعي الاعتبار وبواعث الاستعبار أن يكون هلاك فرعون بما كان يفاخر به ويباهي، فهو القائل: {أية : وَهَـٰذِهِ ٱلأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِيۤ} تفسير : [الزخرف: 51]، فأهكله الله بالماء، وهذه هي سنة الله في خلقه، فكل مغرور بشيء يأتيه قضاء الله من طريق غروره، وكم في الأرض من عات مشاقق سعى في الأرض فسادا وأهلك الحرث والنسل حتى إذا بلغ به الغرور أوجه وخُيل إليه أنه ينطح السماء بفوديه. ويطأ الجوزاء بنعليه أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، وفي مصارع القوم الظالمين عبر للمعتبرين، وذكرى لقوم يعلمون: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ} تفسير : [النازعات: 26]. وفيما يورده القرآن من هذه القصص إنذار للظالمين وتبشير للضعفاء المضطهدين، فإن المصير لا يختلف، والعاقبة لا تتبدل، ولكل أحد آتاه الله في الدنيا ما يراه ميزة لنفسه بين بني جنسه معتبر فيمن أهلك الله قبله من أمثاله، {أية : أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ ٱلْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً} تفسير : [القصص: 78]، {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ ٱلْوَارِثِينَ} تفسير : [القصص: 58]. وخطاب بني إسرائيل الذين عاصروا نزول السورة بهذه المنة مع أنها كانت على أسلافهم لأنهم امتداد لهم كما تقدم، وقد علمتم مما تقدم قبل قليل أن المراد بالنظر هنا نظرهم إلى ذلك المشهد الجامع للمعجزة الخارقة، ونعمة إنجائهم وإهلاك عدوهم، فهو بعين البصر، وقيل: بل هو بعين البصيرة، وعليه فهو بمعنى العلم، وقيل: أراد به نظرهم إلى جثث أعدائهم الهامدة بعد أن لفظها البحر: {أية : فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} تفسير : [يونس: 92]، والقول الأول هو الصحيح لأن الواو حالية، وفي حال إنجائهم وإهلاك عدوهم كانوا ينظرون إلى المشهد لا إلى الجثث التي لم يلفظها البحر إلا من بعد، ولأن حمل النظر على حقيقته، وهو النظر البصري أولى ما لم تدل على خلافه قرينة.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ} عطف على ما قبل، و ـ الفرق ـ الفصل بين الشيئين، وتعديته إلى البحر بتضمين معنى الشق، أي فلقناه وفصلنا بين بعضه وبعض لأجلكم، وبسبب إنجائكم. والباء للسببية الباعثة بمنزلة اللام ـ إذا قلنا بتعليل أفعاله تعالى ـ وللسببية الشبيهة بها في الترتيب على الفعل، وكونه مقصوداً منه ـ إن لم نقل به ـ وإنما قال سبحانه: {بِكُمْ} دون لكم، لأن العرب ـ على ما نقله الدامغاني ـ تقول: غضبت لزيد ـ إذا غضبت من أجله وهو حي ـ وغضبت بزيد ـ إذا غضبت من أجله وهو ميت ـ ففيه تلويح إلى أن الفرق كان من أجل أسلاف المخاطبين، ويحتمل أن تكون للاستعانة على معنى ـ بسلوككم ـ ويكون هناك استعارة تبعية بأن يشبه سلوكهم بالآلة في كونه واسطة في حصول الفرق من الله تعالى، ويستعمل الباء. وقول الإمام الرازي قدس سره: ـ إنهم كانوا يسلكون، ويتفرق الماء عند سلوكهم، فكأنه فرق بهم ـ يرد عليه أن تفرق الماء كان سابقاً على سلوكهم على ما تدل عليه القصة، وقوله تعالى: {أية : أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ }تفسير : [الشعراء: 63] وما قيل: إن الآلة هي العصا ـ كما تفهمه الآية ـ غير مسلم. والمفهوم كونها آلة الضرب ـ لا الفرق ـ ولو سلم يجوز كون المجموع آلة، على أن آلية السلوك على التجوز، وقد يقال: إن الباء للملابسة، والجار والمجرور ظرف مستقر واقع موقع الحال من الفاعل، وملابسته تعالى معهم حين الفرق ملابسة عقلية، وهو كونه ناصراً وحافظاً لهم، وهي ما أشار إليه موسى عليه السلام بقوله تعالى: {أية : كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبّى سَيَهْدِينِ } تفسير : [الشعراء: 62] ومن الناس من جعله حالاً من البحر مقدماً ـ وليس بشيء ـ لأن الفرق مقدم على ملابستهم البحر اللهم إلا على التوسع. واختلفوا في هذا البحر فقيل: القلزم ـ وكان بين طرفيه أربعة فراسخ ـ وقيل: النيل، والعرب تسمي الماء الملح والعذب بحراً ـ إذا كثر، ومنه: {أية : مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ}تفسير : [الرحمن: 19] وأصله السعة، وقيل: الشق، ومن الأول: البحرة البلدة، ومن الثاني: البحيرة التي شقت أذنها، وفي كيفية الانفلاق قولان: فالمشهور كونه خطياً، وفي بعض الآثار ما يقتضي كونه قوسياً، إذ فيه أن الخروج من الجانب الذي دخلوا منه، واحتمال الرجوع في طريق الدخول يكاد يكون باطلاً لأن الأعداء في أثرهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ما يتعلق بهذا المبحث. {فَأَنجَيْنَـٰكُمْ وَأَغْرَقْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ} في الكلام حذف يدل عليه المعنى والتقدير: وإذا فرقنا بكم البحر وتبعكم فرعون وجنوده في تقحمه فأنجيناكم أي من الغرق، أو من إدراك فرعون وآله لكم، أو مما تكرهون، وكنى سبحانه بآل فرعون عن فرعون وآله كما يقال: بني هاشم؛ وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } تفسير : [الإسراء: 70] يعني هذا الجنس الشامل لآدم، أو اقتصر على ذكر الآل لأنهم إذا عذبوا بالإغراق كان مبدأ العناد ورأس الضلال أولى بذلك، وقد ذكر تعالى غرق فرعون في آيات أخر من كتابه كقوله سبحانه: {أية : فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا } تفسير : [الإسراء: 103] {أية : فَأَخَذْنَـٰهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَـٰهُمْ فِى ٱلْيَمّ } تفسير : [القصص: 40] وحمل الآل ـ على الشخص حيث إنه ثبت لغة كما في «الصحاح» ـ ركيك غير مناسب للمقام، وإنما المناسب له التعميم، وناسب نجاتهم ـ بإلقائهم في البحر وخروجهم منه سالمين ـ نجاة نبيهم موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام من الذبح بإلقائه وهو طفل في البحر وخروجه منه سالماً، ولكل أمة نصيب من نبيها وناسب هلاك فرعون ـ وقومه بالغرق ـ هلاك بني إسرائيل على أيديهم بالذبح لأن الذبح فيه تعجيل الموت بإنهار الدم، والغرق فيه إبطاء الموت ولا دم خارج وكان ما به الحياة وهو الماء كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَىْء حَىّ } تفسير : [الأنبياء: 30] سبباً لإعدامهم من الوجود، وفيه إشارة إلى تقنيطهم وانعكاس آمالهم كما قيل:شعر : إلى الماء يسعى من يغص بلقمة (إلى أين) يسعى من يغص بماء تفسير : ولما كان الغرق من أعسر الموتات وأعظمها شدة ـ ولهذا كان الغريق المسلم شهيداً ـ جعله الله تعالى نكالاً لمن ادعى الربوبية وقال: {أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأَعْلَىٰ }تفسير : [النازعات: 24] وعلى قدر الذنب يكون العقاب. ويناسب دعوى الربوبية والاعتلاء انحطاط المدعي وتغييبه في قعر الماء، ولك أن تقول لما افتخر فرعون بالماء كما يشير إليه قوله تعالى حكاية عنه: {أية : أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَـٰذِهِ ٱلاأَنْهَـٰرُ تَجْرِى مِن تَحْتِى }تفسير : [الزخرف: 51] جعل الله تعالى هلاكه بالماء، وللتابع حظ وافر من المتبوع ـ وكان ذلك الغرق والإنجاء، والإغراق يوم عاشوراء ـ والكلام فيه مشهور. {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} جملة حالية وفيها تجوز أي وآباؤكم ينظرون، والمفعول محذوف أي جميع ما مر فإن أريد الأحكام فالنظر بمعنى العلم ـ وعليه ابن عباس رضي الله تعالى عنه ـ وإن نفس الأفعال من الغرق والإنجاء. والإغراق فهو بمعنى المشاهدة ـ وعليه الجمهور ـ والحال على هذا من الفاعل وهو معمول بجميع الأفعال السابقة على التنازع، وفائدته: تقرير النعمة عليهم كأنه قيل: وأنتم لا تشكون فيها، وجوز أن يقدر المفعول خاصاً أي غرقهم، وإطباق البحر عليهم فالحال متعلق بالقريب، وهو {أَغْرَقْنَا} وفائدته: تتميم النعمة فإن هلاك العدو نعمة؛ ومشاهدته نعمة أخرى، وفي «قصص الكسائي» أن بني إسرائيل حين عبروا البحر وقفوا ينظرون إلى البحر وجنود فرعون، ويتأملون كيف يفعلون، أو انفلاق البحر فيكون الحال متعلقاً بالأصل في الذكر، وهو {فَرَقْنَا} وفائدته: إحضار النعمة ليتعجبوا من عظم شأنها، ويتعرفوا إعجازها، أو ذلك الآل الغريق فالحال من مفعول {أَغْرَقْنَا} متعلق به والفائدة: تحقيق الإغراق وتثبيته، وقيل: المراد ينظر بعضكم بعضاً وأنتم سائرون في البحر، وذلك أنه نقل أن بعض قوم موسى قالوا له: أين أصحابنا؟ فقال: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم. قالوا: لا نرضى حتى نراهم فأوحى الله تعالى أن قل بعصاك هكذا فقال بها على الحيطان فصار بها كوى فتراأوا وسمعوا كلام بعضهم بعضاً فالحال متعلق بفرقنا وفائدته: تتميم النعمة فإن كونهم مستأنسين يرى بعضهم ـ حال بعض آخر ـ نعمة أخرى، وبعض الناس يجعل الفعل على هذا الوجه منزلاً منزلة اللازم وليس بالبعيد، نعم البعيد جعل النظر هنا مجازاً عن القرب أي وأنتم بالقرب منهم أي بحال لو نظرتم إليهم لرأيتموهم كقولهم ـ أنت مني بمرأى ومسمع ـ أي قريب مني بحيث أراك وأسمعك، وكذا جعله بمعنى الاعتبار أي وأنتم تعتبرون بمصرعهم وتتعظون بمواقع النقمة التي أرسلت عليهم. هذا وقد حكوا في كيفية خروج بني إسرائيل وتعنتهم وهم في البحر، وفي كيفية خروج فرعون بجنوده، وفي مقدار الطائفتين حكايات مطولة جداً لم يدل القرآن ولا الحديث الصحيح عليها والله تعالى أعلم بشأنها. والإشارة: في الآية أن البحر هو الدنيا وماءه شهواتها ولذاتها، وموسى هو القلب، وقومه صفات القلب، وفرعون هو النفس الأمارة، وقومه صفات النفس، وهم أعداء موسى، وقومه يطلبونهم ليقتلوهم، وهم سائرون إلى الله تعالى، والعدو من خلفهم، وبحر الدنيا أمامهم، ولا بد لهم في السير إلى الله تعالى من عبوره ولو يخوضونه بلا ضرب عصا لا إله إلا الله بيد موسى ـ القلب فإن له يداً بيضاء في هذا الشأن ـ لغرقوا كما غرق فرعون وقومه، ولو كانت هذه العصا في يد فرعون النفس لم ينفلق فكما أن يد موسى القلب شرط في الانفلاق كذلك عصا الذكر شرط فيه، فإذا حصل الشرطان، وضرب موسى بعصا الذكر مرة بعد أخرى ينفلق بإذن الله بحر الدنيا بالنفي وينشبك ماء الشهوات يميناً وشمالاً، ويرسل الله تعالى ريح العناية، وشمس الهداية على قعر ذلك البحر فيصير يابساً من ماء الشهوات فيخرج موسى وقومه بعناية التوحيد/ إلى ساحل النجاة {أية : وَأَنَّ إِلَىٰ رَبّكَ ٱلْمُنتَهَىٰ }تفسير : [النجم: 42] ويقال لفرعون وقومه إذا غرقوا وأدخلوا ناراً: ألا بعداً للقوم الظالمين.
ابن عاشور
تفسير : هذا زيادة في التفصيل بذكر نعمة أخرى عظيمة خارقة للعادة، بها كان تمام الإنجاء من آل فرعون، وفيها بيان مقدار إكرام الله تعالى لهم ومعجزة لموسى عليه السلام وتعدية فعل {فرقنا} إلى ضمير المخاطبين بواسطة الحرف جار على نحو تعدية فعل {أية : نجيناكم}تفسير : [البقرة: 49] إلى ضميرهم كما تقدم. وفَرَق وفرَّق بالتخفيف والتشديد بمعنى واحد إذ التشديد يفيده تعدية ومعناه الفصل بين أجزاء شيء متصل الأجزاء، غير أن فرق يدل على شدة التفرقة وذلك إذا كانت الأجزاء المفرقة أشد اتصالاً، وقد قيل إن فرّق للأجسام وفرق للمعاني نقله القرافي عن بعض مشايخه وهو غير تام كما تقدم في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير بدليل هذه الآية، فالوجه أن فَرَّقَ بالتشديد لما فيه علاج ومحاولة وأن المخفف والمشدد كليهما حقيقة في فصل الأجسام وأما في فصل المعاني الملتبسة فمجاز. وقد اتفقت القراءات المتواترة العشر على قراءة (فرقنا) بالتخفيف والتخفيف منظور فيه إلى عظيم قدرة الله تعالى فكان ذلك الفرق الشديد خفيفاً.شعر : وتصغر في عين العظيم العظائم تفسير : وأل في (البحر) للعهد وهو البحر الذي عهدوه أعني بحر القلزم المسمى اليوم بالبحر الأحمر وسمته التوراة بحر سوف. والباء في (بكم) إما للملابسة كما في طارت به العنقاء وعدا به الفرس، أي كان فرق البحر ملابساً لكم والمراد من الملابسة أنه يفرق وهم يدخلونه فكان الفرق حاصلاً بجانبهم. وجوز صاحب «الكشاف» كون الباء للسببية أي بسببكم يعني لأجلكم. والخطاب هنا كالخطاب في قوله: {أية : وإذ نجيناكم من آل فرعون}تفسير : [البقرة: 49]. وقوله: {فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون} هو محل المنة وذكر النعمة وهو نجاتهم من الهلاك وهلاك عدوهم، قال الفرزدق:شعر : كيف تراني قَاليا مجنى قد قتل الله زياداً عني تفسير : فيكون قوله: {وإذ فرقنا بكم البحر} تمهيداً للمنة لأنه سبب الأمرين النجاة والهلاك وهو مع ذلك معجزة لموسى عليه السلام. وقد أشارت الآية إلى ما حدث لبني إسرائيل بعد خروجهم من مصر من لحاق جند فرعون بهم لمنعهم من مغادرة البلاد المصرية وذلك أنهم لما خرجوا ليلاً إما بإذن من فرعون كما تقول التوراة في بعض المواضع، وإما خفية كما عبرت عنه التوراة بالهروب، حصل لفرعون ندم على إطلاقهم أو أغراه بعض أعوانه بصدهم عن الخروج لما في خروجهم من إضاعة الأعمال التي كانوا يسخرون فيها أو لأنه لما رآهم سلكوا غير الطريق المألوف لاجتياز مصر إلى الشام ظنهم يرومون الانتشار في بعض جهات مملكته المصرية فخشى شرهم إن هم بعدوا عن مركز ملكه ومجتمع قوته وجنده. إن بني إسرائيل ما خرجوا من جهات حاضرة مصر وهي يومئذ مدينة منفيس لم يسلكوا الطريق المألوف لبلاد الشام إذ تركوا أن يسلكوا طريق شاطىء بحر الروم (المتوسط) فيدخلوا برية سينا من غير أن يخترقوا البحر ولا يقطعوا أكثر من اثنتي عشرة مرحلة أعني مائتين وخمسين ميلاً وسلكوا طريقاً جنوبية شرقية حول أعلى البحر الأحمر لئلا يسلكوا الطريق المألوفة الآهلة بقوافل المصريين وجيوش الفراعنة فيصدوهم عن الاسترسال في سيرهم أو يُلحق بهم فرعون من يردهم لأن موسى علم بوحي كما قال تعالى: {أية : وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون}تفسير : [الشعراء: 52] إن فرعون لا يلبث أن يصدهم عن المضي في سيرهم فلذلك سلك بهم - بالأمر الإلهي - طريقاً غير مطروقة فكانوا مضطرين للوقوف أمام البحر في موضع يقال له «فم الحيروث» فهنالك ظهرت المعجزة إذ فلق الله لهم البحر بباهر قدرته فأمر موسى أن يضربه بعَصاه فانفلق وصار فيه طريق يبس مرت عليه بنو إسرائيل وكان جند فرعون قد لحق بهم ورام اقتحام البحر وراءهم فانطبق البحر عليهم فغرقوا. وقوله: {وأغرقنا آل فرعون} أي جنده وأنصاره. ولم يذكر في هاته الآية غرق فرعون لأن محل المنة هو إهلاك الذين كانوا المباشرين لتسخير بني إسرائيل وتعذيبهم والذين هم قوة فرعون وقد ذكر غرق فرعون في آيات أخرى نتكلم عليها في موضعها إن شاء الله، وكان ذلك في زمن الملك «منفتاح» ويقال له «منفطة» أو «مينيتاه» من فراعنة العائلة التاسعة عشرة في ترتيب فراعنة مصر عند المؤرخين. قوله: {وأنتم تنظرون} جملة حالية من الفاعل وهو ضمير الجلالة في {فرقنا} و{أنجينا} و{أغرقنا} مقيدة للعوامل الثلاثة على سبيل التنازع فيها، ولا يتصور في التنازع في الحال إضمار في الثاني على تقدير إعمال الأول لأن الجملة لا تضمر كما لا يضمر في التنازع في الظرف نحو سكن وقرأ عندك ولعل هذا مما يوجب إعمال الأول وهذا الحال زيادة في تقرير النعمة وتعظيمها فإن مشاهدة المنعم عليه للنعمة لذة عظيمة لا سيما ومشاهدة إغراق العدو أيضاً نعمة زائدة كما أن مشاهدة فرق البحر نعمة عظيمة لما فيها من مشاهدة معجزة تزيدهم إيماناً وحادث لا تتأتى مشاهدته لأحد. ويجوز أن تكون الجملة حالاً من المفعول وهو (آل فرعون) أي تنظرونهم، ومفعول {تنظرون} محذوف ولا يستقيم جعله منزلاً منزلة اللازم. وإسناد النظر إليهم باعتبار أن أسلافهم كانوا ناظرين ذلك لأن النعمة على السلف نعمة على الأبناء لا محالة فضمير الخطاب مجاز.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ}. لم يبين هنا كيفية فرق البحر بهم، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: {أية : فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [الشعراء: 63]، وقوله: {أية : وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً} تفسير : [طه: 77]. قوله تعالى: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} الآية. لم يبين هنا كيفية إغراقهم ولكنه بينها في مواضع أخر كقوله: {أية : فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ} تفسير : [الشعراء: 60-66]، وقوله: {أية : فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ} تفسير : [طه: 78]. وقوله: {أية : وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} تفسير : [الدخان: 24]، وقوله: {رَهْواً} أي ساكناً على حالة انفلاقه حتى يدخلوا فيه، إلى غير ذلك من الآيات.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 50- واذكروا كذلك من نعم الله عليكم حين شققنا لكم ومن أجلكم البحر - وفصلنا ماءه بعضه عن بعض لتسيروا فيه - فتتخلصوا من ملاحقة فرعون وجنوده، وبفضلنا نجوتم، وانتقمنا لكم من عدوكم، فأغرقناهم أمام أبصاركم، فأنتم ترونهم وهم يغرقون والبحر ينطبق عليهم عقب خروجكم منه. 51- واذكروا حين واعد ربكم موسى أربعين ليلة لمناجاته، فلما ذهب إلى ميعاده وعاد، وجدكم قد انحرفتم واتخذتم العجل الذى صنعه السامرى معبوداً لكم، وكنتم ظالمين باتخاذكم العجل شريكاً لله الذى خلقكم ونجاكم. 52- ثم عفونا عنكم ومحونا عقوبتكم حين تبتم واستغفرتم من إثمكم، لعلكم تشكرون ربكم على صفحه وعفوه وفضله. 53- واذكروا نعمتنا عليكم إذ أنزلنا على نبيكم موسى كتابنا التوراة، وهو الذى يفرِّق بين الحق والباطل، ويميِّز الحلال من الحرام، لكى تسترشدوا بنورها وتهتدوا من الضلال بتدبر ما فيها. 54- واذكروا يوم قال لكم رسولكم موسى: يا قوم، لقد ظلمتم أنفسكم باتخاذكم عجل السامرى معبوداً، فتوبوا إلى ربكم خالقكم من العدم، بأن تغضبوا على أنفسكم الشريرة الآمرة بالسوء وتذلوها، لتتجدد بنفوس مطهرة، فأعانكم الله على ذلك ووفقكم له وكان ذلك خيراً لكم عند خالقكم، ولهذا قَبِل توبتكم وعفا عنكم، فهو كثير التوبة على عباده، واسع الرحمة بهم. 55- واذكروا قولكم لموسى: إننا لن نقر لك بالإيمان حتى نرى الله جهاراً عياناً بحاسة البصر لا يحجبه عنا شئ، فانقضَّت عليكم صاعقة ونار من السماء زلزلتكم جزاء عنادكم وظلمكم وطلبكم ما يستحيل وقوعه لكم، وأنتم تنظرون حالكم وما أصابكم من بلاء وعذاب فى الصاعقة.
د. أسعد حومد
تفسير : {فَأَنجَيْنَاكُمْ} {آلَ فِرْعَوْنَ} (50) - وَيُذَكِّرُهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ بَعْدَ أَنْ غَادَرُوا مِصْرَ بِصُحْبَةِ مُوسَى عَلَيه السَّلاَمُ، تَبِعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ، وَكَادَ أَنْ يُدْرِكَهُمْ، فَإِنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ مُوسَى فَضَرَبَ البَحْرَ بِعَصَاهُ، فَانْفَلَقَ، وَمَرَّ مُوسَى وَقَوْمُهُ إِلى الجَانِبِ الآخَرِ، وَلَمَّا اتَّبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ أَطْبَقَ اللهُ عَلَيهِمْ جَانِبَي البَحْرِ، فَأَغْرَقَهُمْ، وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يُشَاهدُونَ هَذِهِ المُعْجِزَةَ الإِلهِيَّةَ الخَارِقَةَ بِأَعْيُنِهِمْ. فَرَقْنَا - فَلَقْنَا وَشَقَقْنَا وَشَطَرْنَا.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : مرة ثانية تأتي {وَإِذْ}. ويأتي الإنجاء وسيلة. هذه الوسيلة ذكرتها الآية الكريمة. فقد خرج موسى وقومه وكانوا ستمائة ألف كما تقول الروايات. وعرف فرعون بخروجهم فخرج وراءهم على رأس جيش من ألف ألف (مليون). عندما رآهم قوم موسى كما يروي لنا القرآن الكريم: {أية : قَالُوۤاْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ..} تفسير : [الأعراف: 129]. وقال لهم موسى كما جاء في الكتاب العزيز: {أية : عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} تفسير : [الأعراف: 129]. وعندما جاء قوم فرعون بعددهم الضخم يقاومون قوم موسى وتراءى الجمعان أي أنهم رأوهم رؤية العين قال قوم موسى {أية : إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} تفسير : [الشعراء: 61]. وهذا كلام منطقي. فأمامهم البحر ووراءهم فرعون وجنوده. ولكن حين تخرج الأحداث من نطاق الأسباب إلى قدرة المُسَبِّب فهي لا تخضع لأسباب الكون. ولذلك قال لهم موسى بملء فمه: {أية : قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 62]. وبذلك نقل المسألة من الأسباب إلى المسبب تبارك وتعالى. فبمنطق الأحداث يكون فرعون وجنوده سيدركونهم. ولكن بمنطق الحق سبحانه وتعالى فإنه سيهيئ لهم طريق النجاة. وأوحى الله سبحانه وتعالى إلى موسى بأن يضرب بعصاه البحر فانفلق. وهكذا توقف قانون الماء وهو الاستطراق والسيولة. وانفلق البحر وأصبح كل جزء منه كالجبل. ذرات الماء تماسكت مع بعضها البعض لتكون جبلين كبيرين بينهما يابس يمر منه بنو إسرائيل. هذا هو معنى قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ} [البقرة: 50] والفرق هو الفصل بين شيئين .. وإذا كان البحر قد انشق .. فأين ذهب الطين المبتل في قاع البحر؟ .. قالوا إن الله أرسل ريحاً مرت عليه فجففته. ولذلك قال الحق جل جلاله: {أية : طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً} تفسير : [طه: 77]. ويقال إنه حين كان موسى وقومه يعبرون البحر سألوا عن بقية إخوانهم. فقال لهم موسى إنهم في طرق أخرى موازية لطريقنا. قالوا نريد أن نطمئن عليهم. فرفع موسى يده إلى السماء وقال اللهم أَعِنِّي على أخلاقهم السيئة. فأوحى الله إلى موسى أن يضرب بعصاه الحواجز فانفتحت طاقة بين كل ممر. فكانوا يرون بعضهم بعضاً. وعندما رأى موسى عليه السلام فرعون وجيشه يتجهون إلى البحر ليعبروه. أراد أن يضرب البحر ليعود إلى السيولة. فلا يلحق بهم آل فرعون. ولكن الله أوحى إليه: {أية : وَٱتْرُكِ ٱلْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ} تفسير : [الدخان: 24]. أي اترك البحر على ما هو عليه. حتى يتبعكم قوم فرعون. ظانين أنهم قادرون على أن يسلكوا نفس الطريق ويمشوا فيه. وحينما يكون أولهم قريباً من شاطئكم وآخرهم عند الشاطئ الآخر. أعيد الماء إلى استطراقه. فأكون قد أنجيت وأهلكت بالسبب الواحد. فالحق سبحانه وتعالى يريد أن يمنَّ على بني إسرائيل بأنه أنجاهم من العذاب وأهلك عدوهم. فكان العطاء عطاءين. عطاء إيجاب بأن أنجاهم. وعطاء سلب بأن أهلك عدوهم. وقوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} [البقرة: 50] في هذه الآية لم يتحدث الحق جل جلاله عن فرعون. وإنما تحدث عن إغراق آل فرعون. لماذا؟ لأن آل فرعون هم الذين أعانوه على جبروته وبطشه وطغيانه. هم الأداة التي استخدمها لتعذيب بني إسرائيل. والله سبحانه وتعالى أراد أن يرى بنو إسرائيل آل فرعون وهم يغرقون فوقفوا يشاهدونهم. وأنت حين ترى مصرع عدوك. تشعر بالمرارة التي في قلبك تزول. {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} [البقرة: 50] تحتمل معنى آخر. أي ينظر بعضكم إلى بعض وأنتم غير مصدقين أنكم نجوتم من هذا البلاء العظيم. وفي نفس الوقت تطمئنون وأنتم تشاهدونهم وهم يغرقون دون أن ينجو منهم أحد حتى لا يدخل في قلوبكم الشك. إنه ربما نجى بعضهم وسيعودون بجيش ليتبعوكم.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {آلَ فِرْعَوْنَ} فآلُ: أَهلُ دِينهِ. وآلُ الرّجلِ: قَومُهُ وعِتْرتُهُ.
همام الصنعاني
تفسير : 52- عبد الرزّاق، قال معمر، عن أبي إسحاق الهمداني، عن عمرو بن ميمون الأودي في قوله: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}: [الآية: 50]، قال: لما خرج موسى مع بني إسرائيل بلغ ذلك فرعون، فقال: لا تتَّبِعوهم حتى يصيح الديك!. قال: فوالله ما صاح ليلتئذ ديك حتى أصبحوا: فدعا بشاة فذُبِحَتْ، ثم قال: لا أفرُغ من كبدها حتى يجتمع إليَّ ستمائة ألف من القِبط، لم يفرُغ من كبدها حتى اجتمع إليه ستمائة ألف من القبط، ثم سار موسى بن معه، فلما أتى البحرَ، قال له رجل من أصحابه، يقال له يوشع بن نون: إين أمَرَكَ ربك يا موسى؟ فوالله ما كَذَبْتَ، ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم أوحى الله - عزّ ثناؤه - إلى موسى {أية : أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ} فضربه {فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : : [الشعراء: 63]. مثل جبل نخلة. ثم سار موسى ومن معه، وأتبعهم فرعون في طريقهم، حتى إذا انتهوا إليه أطبقه الله عليهم، فذلك قوله تعالى: {وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}: [الآية: 50]، قال معمر، وقال قتادة: كان مع موسى ستمائة ألف، واتبعهم فرعونَ على ألفي ألفٍ ومائتي ألف حصان.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):