٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
51
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو الإنعام الثالث. فأما قوله تعالى: {وَإِذْ وٰعَدْنَا } فقرأ أبو عمرو ويعقوب وإذ وعدنا موسى بغير ألف في هذه السورة وفي الأعراف وطه وقرأ الباقون واعدنا بالألف في المواضع الثلاثة، فأما بغير ألف فوجهه ظاهر لأن الوعد كان من الله تعالى، والمواعدة مفاعلة ولا بد من اثنين، وأما بالألف فله وجوه، أحدها: أن الوعد وإن كان من الله تعالى فقبوله كان من موسى عليه السلام وقبول الوعد يشبه الوعد، لأن القابل للوعد لا بد وأن يقول أفعل ذلك، وثانيها: قال القفال: لا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله ويكون معناه يعاهد الله. وثالثها: أنه أمر جرى بين اثنين فجاز أن يقال واعدنا. ورابعها: وهو الأقوى أن الله تعالى وعده الوحي وهو وعد الله المجيء للميقات إلى الطور، أما موسى ففيه وجوه، أحدها: وزنه فعلى والميم فيه أصلية أخذت من ماس يميس إذا تبختر في مشيته وكان موسى عليه السلام كذلك. وثانيها: وزنه مفعل فالميم فيه زائدة وهو من أوسيت الشجرة إذا أخذت ما عليها من الورق وكأنه سمي بذلك لصلعه، وثالثها: أنها كلمة مركبة من كلمتين بالعبرانية فمو هو الماء بلسانهم، وسى هو الشجر، وإنما سمي بذلك لأن أمه جعلته في التابوت حين خافت عليه من فرعون فألقته في البحر فدفعته أمواج البحر حتى أدخلته بين أشجار عند بيت فرعون، فخرجت جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأخذنه فسمي باسم المكان الذي أصيب فيه وهو الماء والشجر. واعلم أن الوجهين الأولين فاسدان جداً، أما الأول: فلأن بني إسرائيل والقبط ما كانوا يتكلمون بلغة العرب فلا يجوز أن يكون مرادهم ذلك، وأما الثاني: فلأن هذه اللفظة اسم علم واسم العلم لا يفيد معنى في الذات والأقرب هو الوجه الثالث وهو أمر معتاد بين الناس، فأما نسبه صلى الله عليه وسلم فهو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم عليهم السلام. أما قوله تعالى: {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } ففيه أبحاث: البحث الأول: أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل: إن خرجنا من البحر سالمين أتيتكم من عند الله بكتاب بين لكم فيه ما يجب عليكم من الفعل والترك، فلما جاوز موسى البحر ببني إسرائيل وأغرق الله فرعون قالوا: يا موسى ائتنا بذلك الكتاب الموعود فذهب إلى ربه ووعدهم أربعين ليلة وذلك قوله تعالى: {أية : وَوٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَـٰتُ رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } تفسير : [الأعراف: 142] واستخلف عليهم هارون ومكث على الطور أربعين ليلة وأنزل الله التوراة عليه في الألواح، وكانت الألواح من زبرجد فقربه الرب نجياً وكلمه من غير واسطة وأسمعه صرير القلم، قال أبو العالية وبلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور. البحث الثاني: إنما قال أربعين ليلة لأن الشهور تبدأ من الليالي. البحث الثالث: قوله تعالى: {وَإِذْ وٰعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } معناه واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلة كقولهم: اليوم أربعون يوماً منذ خرج فلان، أي تمام الأربعين، والحاصل أنه حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما في قوله تعالى: {أية : وَٱسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ } تفسير : [يوسف: 82] وأيضاً فليس المراد انقضاء أي أربعين كان، بل أربعين معيناً وهو الثلاثون من ذي القعدة والعشر الأول من ذي الحجة لأن موسى عليه السلام كان عالماً بأن المراد هو هذه الأربعون، وأيضاً فقوله تعالى: {وَإِذْ وٰعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } يحتمل أن يكون المراد أنه وعد قبل هذه الأربعين أن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين حتى تنزل عليه التوراة، ويحتمل أن يكون المراد أنه أمر بأن يجيء إلى الجبل هذه الأربعين ووعد بأنه ستنزل عليه بعد ذلك التوراة، وهذا الاحتمال الثاني هو المتأيد بالأخبار. البحث الرابع: قوله ههنا: {وَإِذَا وٰعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين، وقوله في الأعراف {وَوٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } يفيد أن المواعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين فكيف التوفيق بينهما؟ أجاب الحسن البصري فقال: ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة ثم بعد ذلك وعده بعشر لكنه وعده أربعين ليلة جميعاً، وهو كقوله: {أية : ثَلَـٰثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ } تفسير : [البقرة: 196]. أما قوله تعالى: {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ } ففيه أبحاث: البحث الأول: إنما ذكر لفظه (ثم) لأنه تعالى وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة عليه بحضرة السبعين. وأظهر في ذلك درجة موسى عليه السلام وفضيلة بني إسرائيل ليكون ذلك تنبيهاً للحاضرين على علو درجتهم وتعريفاً للغائبين وتكملة للدين، كان ذلك من أعظم النعم فلما أتوا عقيب ذلك بأقبح أنواع الجهل والكفر كان ذلك في محل التعجب فهو كمن يقول إنني أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا، ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء. البحث الثاني: قال أهل السير إن الله تعالى لما أغرق فرعون ووعد موسى عليه السلام إنزال التوراة عليه قال موسى لأخيه هارون: {أية : ٱخْلُفْنِى فِى قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ ٱلْمُفْسِدِينَ } تفسير : [الأعراف: 142]، فلما ذهب موسى إلى الطور، وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي الذي استعاروه من القبط قال لهم هارون إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فأحرقوها فجمعوا ناراً وأحرقوها، وكان السامري في مسيره مع موسى عليه السلام في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل عليه السلام حين تقدم على فرعون في دخول البحر فقبض قبضة من تراب حافر تلك الدابة، ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب والفضة وصور منه عجلاً وألقى ذلك التراب فيه فخرج منه صوت كأنه الخوار، فقال للقوم: {أية : هَـٰذَا إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ } تفسير : [طه: 88]، فاتخذه القوم إلهاً لأنفسهم فهذا ما في الرواية ولقائل أن يقول: الجمع العظيم من العقلاء لا يجوز أن يتفقوا على ما يعلم فساده ببديهة العقل وهذه الحكاية كذلك لوجوه: أحدها: أن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أن الصنم المتخذ من الذهب الذي لا يتحرك ولا يحس ولا يعقل يستحيل أن يكون إله السموات والأرض، وهب أنه ظهر منه خوار ولكن هذا القدر لا يصلح أن يكون شبهة في قلب أحد من العقلاء في كونه إلهاً، وثانيها: أن القوم كانوا قد شاهدوا قبل ذلك من المعجزات القاهرة التي تكون قريبة من حد الإلجاء في الدلالة على الصانع وصدق موسى عليه السلام، فمع قوة هذه الدلالة وبلوغها إلى حد الضرورة ومع أن صدور الخوار من ذلك العجل المتخذ من الذهب يستحيل أن يقتضي شبهة في كون ذلك الجسم المصوت إلهاً. والجواب: هذه الواقعة لا يمكن تصحيحها إلا على وجه واحد، وهو أن يقال: إن السامري ألقى إلى القوم أن موسى عليه السلام إنما قدر على ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى فلكية وكان يقدر بواسطتها على هذه المعجزات، فقال السامري للقوم: وأنا أتخذ لكم طلسماً مثل طلسمه وروح عليهم ذلك بأن جعله بحيث خرج منه صوت عجيب فأطمعهم في أن يصيروا مثل موسى عليه السلام في الإتيان بالخوارق، أو لعل القوم كانوا مجسمة وحلولية فجوزوا حلول الإله في بعض الأجسام فلذلك وقعوا في تلك الشبهة. البحث الثالث: هذه القصة فيها فوائد: أحدها: أنها تدل على أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الأمم، لأن أولئك اليهود مع أنهم شاهدوا تلك البراهين القاهرة اغتروا بهذه الشبهة الركيكة جداً، وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإنهم مع أنهم محتاجون في معرفة كون القرآن معجزاً إلى الدلائل الدقيقة لم يغتروا بالشبهات القوية العظيمة، وذلك يدل على أن هذه الأمة خير من أولئك وأكمل عقلاً وأزكى خاطراً منهم. وثانيها: أنه عليه الصلاة والسلام ذكر هذه الحكاية مع أنه لم يتعلم علماً، وذلك يدل على أنه عليه الصلاة والسلام استفادها من الوحي. وثالثها: فيه تحذير عظيم من التقليد والجهل بالدلائل فإن أولئك الأقوام لو أنهم عرفوا الله بالدليل معرفة تامة لما وقعوا في شبهة السامري. ورابعها: في تسلية النبي صلى الله عليه وسلم مما كان يشاهد من مشركي العرب واليهود والنصارى بالخلاف عليه وكأنه تعالى أمره بالصبر على ذلك كما صبر موسى عليه الصلاة والسلام في هذه الواقعة النكدة فإنهم بعد أن خلصهم الله من فرعون وأراهم المعجزات العجيبة من أول ظهور موسى إلى ذلك الوقت اغتروا بتلك الشبهة الركيكة، ثم إن موسى عليه السلام صبر على ذلك فلأن يصبر محمد عليه الصلاة والسلام على أذية قومه كان ذلك أولى. وخامسها: أن أشد الناس مجادلة مع الرسول صلى الله عليه وسلم وعداوة له هم اليهود فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء إنما يفتخرون بأسلافهم، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد فكيف هؤلاء الأخلاف. أما قوله تعالى: {وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ } ففيه أبحاث: البحث الأول: في تفسير الظلم وفيه وجهان. الأول: قال أبو مسلم الظلم في أصل اللغة هو النقص، قال الله تعالى: {أية : كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ شَيْئًا } تفسير : [الكهف: 33]، والمعنى أنهم لما تركوا عبادة الخالق المحيي المميت واشتغلوا بعبادة العجل فقد صاروا ناقصين في خيرات الدين والدنيا. والثاني: أن الظلم في عرف الشرع عبارة عن الضرر الخالي من نفع يزيد عليه ودفع مضرة أعظم منه والاستحقاق عن الغير في علمه أو ظنه، فإذا كان الفعل بهذه الصفة كان فاعله ظالماً ثم إن الرجل إذا فعل ما يؤديه إلى العقاب والنار قيل: إنه ظالم نفسه وإن كان في الحال نفعاً ولذة كما قال تعالى:{أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13]، وقال:{أية : فَمِنْهُمْ ظَـٰلِمٌ لّنَفْسِهِ } تفسير : [فاطر: 32] ولما كانت عبادتهم لغير الله شركا وكان الشرك مؤدياً إلى النار سمي ظلماً. البحث الثاني: استدلت المعتزلة بقوله: {وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ } على أن المعاصي ليست بخلق الله تعالى من وجوه، أحدها: أنه تعالى ذمهم عليها ولو كانت مخلوقة لله تعالى لما استحق الذم إلا من فعلها. وثانيها: أنها لو كانت بإرادة الله تعالى لكانوا مطيعين لله تعالى بفعلها لأن الطاعة عبارة عن فعل المراد. وثالثها: لو كان العصيان مخلوقاً لله تعالى لكان الذم بسببه يجري مجرى الذم بسبب كونه أسود وأبيض وطويلاً وقصيراً، والجواب: هذا تمسك بفعل المدح والذم وهو معارض بمسألتي الداعي والعلم ذلك مراراً. البحث الثالث: في الآية تنبيه على أن ضرر الكفر لا يعود إلا عليهم لأنهم ما استفادوا بذلك إلا أنهم ظلموا أنفسهم، وذلك يدل على أن جلال الله منزه عن الاستكمال بطاعة الاتقياء والانتقاص بمعصية الأشقياء. أما قوله تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ } فقالت المعتزلة: المراد ثم عفونا عنكم بسبب إتيانكم بالتوبة وهي قتل بعضهم بعضاً، وهذا ضعيف من وجهين، الأول: أن قبول التوبة واجب عقلاً فلو كان المراد ذلك لما جاز عده في معرض الإنعام لأن أداء الواجب لا يعد من باب الإنعام والمقصود من هذه الآيات تعديد نعم الله تعالى عليهم. الثاني: أن العفو اسم لإسقاط العقاب المستحق فأما إسقاط ما يجب إسقاطه فذاك لا يسمى عفواً ألا ترى أن الظالم لما لم يجز له تعذيب المظلوم، فإذا ترك ذلك العذاب لايسمى ذلك الترك عفواً فكذا ههنا، وإذا ثبت هذا فنقول لا شك في حصول التوبة في هذه الصورة لقوله تعالى: {أية : فَتُوبُواْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ }تفسير : [البقرة: 54] وإذا كان كذلك دلت هذه الآية على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً، وإذا ثبت ذلك ثبت أيضاً أنه تعالى قد أسقط عقاب من يجوز عقابه عقلاً وشرعاً، وذلك أيضاً خلاف قول المعتزلة، وإذا ثبت أنه تعالى عفا عن كفار قوم موسى فلأن يعفو عن فساق أمة محمد صلى الله عليه وسلم مع أنهم: خير أمة أخرجت للناس كان أولى. أما قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } فاعلم أن الكلام في تفسير «لعل» قد تقدم في قوله: {أية : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } تفسير : [الأنعام: 153] [الأعراف: 171] [البقرة: 21، 33] وأما الكلام في حقيقة الشكر وماهيته فطويل وسيجيء إن شاء الله تعالى، ثم قالت المعتزلة: إنه تعالى بين أنه إنما عفا عنهم ولم يؤاخذهم لكي يشكروا، وذلك يدل على أنه تعالى لم يرد منهم إلا الشكر، والجواب: لو أراد الله تعالى منهم الشكر لأراد ذلك إما بشرط أن يحصل للشاكر داعية الشكر أولاً بهذا الشرط فإن كان هذا الشرط من العبد لزم افتقار الداعية إلى داعية أخرى، وإن كان من الله فحيث خلق الله الداعي حصل الشكر لا محالة وحيث لم يخلق الداعي استحال حصول الشكر، وذلك ضد قول المعتزلة وإن أراد حصول الشكر منه من غير هذه الداعية فقد أراد منه المحال لأن الفعل بدون الداعي محال فثبت أن الإشكال وارد عليهم أيضاً والله أعلم.
القرطبي
تفسير : فيه ست مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} قرأ أبو عمرو «وَعَدْنَا» بغير ألفٍ، وٱختاره أبو عبيد ورجّحه وأنكر {وَاعَدْنَا} قال: لأن المواعدة إنما تكون من البشر، فأما الله جل وعز فإنما هو المنفرد بالوعد والوعيد. على هذا وجدنا القرآن؛ كقوله عز وجل: {أية : وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ}تفسير : [إبراهيم: 14] وقوله: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} تفسير : [النور: 55]، وقوله: {أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ}تفسير : [الأنفال: 7]. قال مكيّ: وأيضاً فإن ظاهر اللفظ فيه وَعْدٌ من الله تعالى لموسى، وليس فيه وعد من موسى؛ فوجب حمله على الواحد، لظاهر النص أن الفعل مضاف إلى الله تعالى وحده؛ وهي قراءة الحسن وأبي رجاء وأبي جعفر وشيبة وعيسى بن عمر؛ وبه قرأ قتادة وٱبن أبي إسحٰق. قال أبو حاتم: قراءة العامة عندنا «وعدنا» بغير ألف؛ لأن المواعدة أكثر ما تكون بين المخلوقين والمتكافئين، كل واحد منهما يَعِد صاحبه. قال الجوهري: الميعاد: المواعدة والوقت والموضع. قال مكيّ: المواعدة أصلها من ٱثنين، وقد تأتي المفاعلة من واحد في كلام العرب؛ قالوا: طارقت النّعل، وداويت العليل، وعاقبت اللص؛ والفعل من واحد. فيكون لفظ المواعدة من الله خاصة لموسى كمعنى وعدنا؛ فتكون القراءتان بمعنىً واحد. والاختيار {وَاعَدْنَا} بالألف لأنه بمعنى «وعدنا» في أحد معنييه، ولأنه لا بدّ لموسى من وعد أو قبول يقوم مقام الوعد فتصح المفاعلة. قال النحاس: وقراءة {وَاعَدْنَا} بالألف أجود وأحسن، وهي قراءة مجاهد والأعرج وٱبن كثير ونافع والأعمش وحمزة والكسائي؛ وليس قوله عز وجل: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} من هذا في شيء؛ لأن {وَاعَدْنَا مُوسَىٰ} إنما هو من باب الموافاة؛ وليس هذا من الوعد والوعيد في شيء، وإنما هو من قولك: موعدك يوم الجمعة، وموعدك موضع كذا. والفصيح في هذا أن يقال: واعدته. قال أبو إسحٰق الزجاج: {وَٰعَدْنَا} ها هنا بالألف جيّد؛ لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة؛ فمن الله جل وعز وَعْد، ومن موسى قبول وٱتباع يجري مجرى المواعدة. قال ٱبن عطية. ورجّح أبو عبيدة «وعدنا» وليس بصحيح؛ لأن قبول موسى لوعد الله والتزامه وٱرتقابه يشبه المواعدة. الثانية: قوله تعالى: {مُوسَىٰ} موسى اسم أعجمي لا ينصرف للعُجْمة والتعريف. والقبط على ـ ما يروى ـ يقولون للماء: مو، وللشجر: شا. فلما وُجِد موسى في التابوت عند ماء وشجر، سُمي موسى. قال السُّدّي: لما خافت عليه أمّه جعلته في التابوت وألقته في اليَمّ ـ كما أوحى الله إليها ـ فألقته في اليَمّ بين أشجار عند بيت فرعون؛ فخرج جواري آسية ٱمرأة فرعون يغتسلن فوجدنه؛ فسُمِّيَ باسم المكان. وذكر النقاش وغيره: أن ٱسم التي ٱلتقطته صابوث. قال ٱبن إسحٰق: وموسى هو موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحٰق بن إبراهيم عليه السلام. الثالثة: قوله تعالى: {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} أربعين نصب على المفعول الثاني، وفي الكلام حذف؛ قال الأخفش: التقدير وإذ واعدنا موسى تمام أربعين ليلة؛ كما قال: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ} تفسير : [يوسف: 82] والأربعون كلها داخلة في الميعاد. والأربعون في قول أكثر المفسرين: ذو القعدة وعشرة من ذي الحجة. وكان ذلك بعد أن جاوز البحر وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله؛ فخرج إلى الطور في سبعين من خيار بني إسرائيل، وصعِدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة؛ فعدّوا ـ فيما ذكر المفسرين ـ عشرين يوماً وعشرين ليلة، وقالوا قد أخلفنا موعده. فٱتخذوا العجل؛ وقال لهم السامريّ: هذا إلٰهكم وإلٰه موسى، فاطمأنوا إلى قوله. ونهاهم هارون وقال: {أية : يٰقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوۤاْ أَمْرِي قَالُواْ لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ} تفسير : [طه: 90]. فلم يتبع هارون ولم يطعه في ترك عبادة العجل إلا ٱثنا عشر ألفا فيما روي في الخبر. وتهافت في عبادته سائرهم وهم أكثر من ألفي ألف؛ فلما رجع موسى ووجدهم على تلك الحال، ألقى الألواح فرفع من جملتها ستة أجزاء وبقي جزء واحد وهو الحلال والحرام وما يحتاجون؛ وأحرق العجل وذراه في البحر؛ فشربوا من مائه حُبًّا للعجل؛ فظهرت على شفاههم صفرة وورمت بطونهم؛ فتابوا ولم تُقبل توبتهم دون أن يَقتلوا أنفسهم؛ فذلك قوله تعالى: {أية : فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 54]. فقاموا بالخناجر والسيوف بعضهم إلى بعض من لَدُن طلوع الشمس إلى ٱرتفاع الضّحى؛ فقتل بعضهم بعضاً، لا يسأل والد عن ولده ولا ولد عن والده، ولا أخ عن أخيه ولا أحد عن أحدٍ، كل من ٱستقبله ضربه بالسيف وضربه الآخر بمثله؛ حتى عَجَّ موسى إلى الله صارخاً: يا ربّاه، قد فنيت بنو إسرائيل! فرحمهم الله وجاد عليهم بفضله؛ فقبل توبةَ من بقي وجعل مَن قُتل في الشهداء؛ على ما يأتي. الرابعة: إن قيل: لم خصّ الليالي بالذكر دون الأيام؟ قيل له: لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة، ولذلك وقع بها التاريخ، فالليالي أوّل الشهور والأيام تَبَع لها. الخامسة: قال النقاش: في هذه الآية إشارة إلى صلة الصوم؛ لأنه تعالى لو ذكر الأيام لأمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل، فلما نصّ على الليالي ٱقتضت قوّة الكلام أنه عليه السلام واصل أربعين يوماً بلياليها. قال ٱبن عطية: سمعت أبي يقول: سمعت الشيخ الزاهد الإمام الواعظ أبا الفضل الجوهريّ رحمه الله يعظ الناس في الخلوة بالله والدُنو منه في الصلاة ونحوه، وأن ذلك يشغل عن كل طعام وشراب، ويقول: أين حال موسى في القرب من الله! ووِصال ثمانين من الدهر من قوله حين سار إلى الخضر لفتاه في بعض يوم: {أية : آتِنَا غَدَآءَنَا} تفسير : [الكهف: 62]. قلت: وبهذا ٱستدل علماء الصوفية على الوصال، وأن أفضله أربعون يوماً. وسيأتي الكلام في الوصال في آي الصيام من هذه السورة إن شاء الله تعالى. ويأتي في «الأعراف» زيادة أحكام لهذه الآية عند قوله تعالى: {أية : وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً} تفسير : [الأعراف: 142]، ويأتي لقصة العجل بيانٌ في كيفيته وخُواره هناك وفي «طه» إن شاء الله تعالى. السادسة: قوله تعالى: {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ} أي ٱتخذتموه إلٰهاً من بعد موسى. وأصل اتخذتم ٱئتخذتم، من الأخذ، ووزنه ٱفتعلتم، سهلت الهمزة الثانية لامتناع همزتين فجاء إيتخذتم، فٱضطربت الياء في التصريف جاءت ألفاً في ياتخذ، وواواً في موتخذ، فبُدِلت بحرف جَلْد ثابت من جنس ما بعدها وهي التاء وأدغمت؛ ثم ٱجتُلِبت ألف الوصل للنطق، وقد يستغنى عنها إذا كان معنى الكلام التقرير؛ كقوله تعالى: {أية : قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْداً} تفسير : [البقرة: 80] فٱستغنى عن ألف الوصل بألف التقرير؛ قال الشاعر:شعر : أسْتحدَثَ الرّكبُ عن أشياعهم خَبَراً أم راجع القلبَ من أطرابه طَرَبُ تفسير : ونحوه في القرآن: {أية : أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ} تفسير : [مريم: 78]. {أية : أَصْطَفَى ٱلْبَنَاتِ}تفسير : [الصافات: 153]. {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ}تفسير : [صۤ: 75] ومذهب أبي عليّ الفارسيّ أن «ٱتخذتم»، من تخذ لا من أخذ. {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} جملة في موضع الحال. وقد تقدّم معنى الظلم. والحمد لله.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذْ وٰعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } لما عادوا إلى مصر بعد هلاك فرعون وعد الله موسى أن يعطيه التوراة، وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة وعبر عنها بالليالي لأنها غرر الشهور. وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر وحمزة والكسائي {وٰعَدْنَا } لأنه تعالى وعده الوحي. ووعده موسى عليه السلام المجيء للميقات إلى الطور. {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ } إلٰهاً أو معبوداً. {مِن بَعْدِهِ } من بعد موسى عليه السلام، أو مُضِيِّهِ. {وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ } بإشراككم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يوماً، وهي المذكورة في الأعراف في قوله تعالى: {أية : وَوَٰعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَـٰثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} تفسير : [الأعراف: 142] قيل: إنها ذو القعدة بكماله، وعشر من ذي الحجة، وكان ذلك بعد خلاصهم من فرعون، وإنجائهم من البحر. وقوله تعالى: {وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ} يعني: التوراة {وَٱلْفُرْقَانَ} وهو ما يفرق بين الحق والباطل والهدى والضلالة {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} وكان ذلك أيضاً بعد خروجهم من البحر؛ كما دل عليه سياق الكلام في سورة الأعراف، ولقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ مِن بَعْدِ مَآ أَهْلَكْنَا ٱلْقُرُونَ ٱلأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون}تفسير : [القصص: 43] وقيل: الواو زائدة، والمعنى ولقد آتينا موسى الكتاب الفرقان، وهذا غريب. وقيل، عطف عليه، وإن كان المعنى واحداً، كما في قول الشاعر:شعر : وقَدَّمَتِ الأَديمَ لِراقِشِيْهِ فَأَلْفَى قَوْلَها كَذِباً ومَيْنا تفسير : وقال الآخر:شعر : ألا حَبَّذا هِنْدٌ وأرضٌ بها هندٌ وهندٌ أتى مِنْ دونِها النَّأْيُ والبُعْدُ تفسير : فالكذب هو المين، والنأي هو البعد. وقال عنترة:شعر : حُييْتَ مِنْ طَلَلٍ تقادَمَ عَهْدُهُ أَقْوَى وأَقْفَرَ بَعْدَ أُم الهَيْثَمِ تفسير : فعطف الإقفار على الإقواء، وهو هو.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذْ وٰعَدْنَا } بألف ودونها {مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } نعطيه عند انقضائها التوراة لتعملوا بها {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ } الذي صاغه لكم السامريُّ إلهاً {مِن بَعْدِهِ } أي بعد ذهابه إلى ميعادنا {وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ } باتخاذه لوضعكم العبادة في غير محلها.
الشوكاني
تفسير : قرأ أبو عمرو "وعدنا" بغير ألف، ورجحه أبو عبيدة، وأنكر «واعدنا» قال: لأن المواعدة إنما تكون من البشر، فأما من الله فإنما هو التفرّد بالوعد على هذا وجدنا القرآن كقوله: {أية : وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقّ } تفسير : [إبراهيم: 22] وقوله: {أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتَيْنِ }تفسير : [الأنفال: 7] ومثله، قال أبو حاتم ومكي: وإنما قالوا هكذا نظراً إلى أصل المفاعلة، أنها تفيد الاشتراك في أصل الفعل، وتكون من كل واحد من المتواعدين، ونحوهما، ولكنها قد تأتي للواحد في كلام العرب كما في قولهم: داويت العليل، وعاقبت اللص، وطارقت النعل، وذلك كثير في كلامهم. وقرأه الجمهور: {واعدنا} قال النحاس: وهي أجود، وأحسن، وليس قوله: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }تفسير : [المائدة: 9، النور: 55] من هذا في شيء؛ لأن واعدنا موسى إنما هو من باب الموافاة، وليس هو من الوعد والوعيد في شيء، وإنما هو من قولك: موعدك يوم الجمعة، وموعدك موضع كذا؛ والفصيح في هذا أن يقال، واعدته. قال الزجاج: واعدنا بالألف ها هنا جيد؛ لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة، فمن الله سبحانه وعد، ومن موسى قبول. قوله: {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } قال الزجاج: التقدير تمام أربعين ليلة، وهي عند أكثر المفسرين ذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، وإنما خص الليالي بالذكر دون الأيام؛ لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قبله في الرتبة. ومعنى قوله: {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ } أي: جعلتم العجل إلهاً من بعده، أي: من بعد مضي موسى إلى الطور. وقد ذكر بعض المفسرين أنهم عدوا عشرين يوماً، وعشرين ليلة. وقالوا: قد اختلف موعده، فاتخذوا العجل، وهذا غير بعيد منهم، فقد كانوا يسلكون طرائق من التعنت خارجة عن قوانين العقل، مخالفة لما يخاطبون به، بل ويشاهدونه بأبصارهم، فلا يقال: كيف تعدون الأيام، والليالي على تلك الصفة، وقد صرح لهم في الوعد بأنها أربعون ليلة، وإنما سماهم ظالمين؛ لأنهم أشركوا بالله، وخالفوا موعد نبيهم عليهم السلام، والجملة في موضع نصب على الحال. وقوله: {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } أي: من بعد عبادتكم العجل، وسمي العجل عجلاً، لاستعجالهم عبادته كذا قيل، وليس بشيء؛ لأن العرب تطلق هذا الاسم على ولد البقر. وقد كان جعله لهم السامريّ على صورة العجل. وقوله: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي لكي تشكروا ما أنعم الله به عليكم، من العفو عن ذنبكم العظيم الذي وقعتم فيه. وأصل الشكر في اللغة: الظهور، من قولهم: دابة شكور إذ ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف. قال الجوهري: الشكر: الثناء على المحسن بما أولاك من المعروف، يقال شكرته وشكرت له، وباللام أفصح، وقد تقدّم معناه، والشكران خلاف الكفران. والكتاب: التوراة بالإجماع من المفسرين. واختلفوا في الفرقان، وقال الفراء، وقُطرُب: المعنى: آتينا موسى التوراة، ومحمداً الفرقان. وقد قيل: إن هذا غلط، أوقعهما فيه أن الفرقان مختص بالقرآن، وليس كذلك، فقد قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ } تفسير : [الأنبياء: 48] وقال الزجاج: إن الفرقان هو: الكتاب، أعيد ذكره تأكيداً. وحكى نحوه عن الفراء، ومنه قول عنترة:شعر : حييت من طلل تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم تفسير : وقيل: إن الواو صلة، والمعنى: آتينا موسى، الكتاب الفرقان، والواو قد تزاد في النعوت كقول الشاعر:شعر : إلى المَلكِ القَرْم وابن الهمام وليثِ الكتَيبةِ في المُزَدحمْ تفسير : وقيل المعنى: أن ذلك المنزل جامع بين كونه كتاباً وفارقاً بين الحق، والباطل، وهو كقوله: {أية : ثُمَّ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِى أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء } تفسير : [الأنعام: 154] وقيل الفرقان: الفرق بينهم، وبين قوم فرعون، أنجى هؤلاء، وأغرق هؤلاء. وقال ابن زيد: الفرقان: انفراق البحر. وقيل الفرقان: الفرج من الكرب. وقيل: إنه الحجة والبيان بالآيات التي أعطاها الله من العصا، واليد، وغيرهما، وهذا أولى، وأرجح، ويكون العطف على بابه، كأنه قال: آتينا موسى التوراة، والآيات التي أرسلناه بها معجزة له. قوله: {يَا قَوْمٌ } القوم يطلق تارة على الرجال دون النساء، ومنه قول زهير:شعر : وَمَا أدْرِي وَسَوف إخَالُ أدْرِي أقَومٌ آل حِصْنٍ أَمْ نِسَاء تفسير : ومنه قوله تعالى: {أية : لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مّن قَوْمٍ }تفسير : [الحجرات: 11]، ثم قال: {أية : وَلاَ نِسَاء مّن نّسَاء }تفسير : [الحجرات: 11]، ومنه {أية : وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ } تفسير : [الأعراف: 80] أراد الرجال، وقد يطلق على الجميع كقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ } تفسير : [نوح: 1] والمراد هنا بالقوم: عبدةُ العجل. والباريء: الخالق. وقيل إن الباريء: هو: المبدع المحدث، والخالق هو: المقدّر الناقل من حال إلى حال. وفي ذكر البارىء هنا إشارة إلى عظيم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم، وقد عبدتم معه غيره. والفاء في قوله: «فتوبوا» للسببية: أي: لتسبب التوبة عن الظلم، وفي قوله: {فَٱقْتُلُواْ } للتعقيب، أي: اجعلوا القتل متعقباً للتوبة. قال القرطبي: وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العجل بأن يقتل نفسه بيده. قيل: قاموا صفين، وقتل بعضهم بعضاً. وقيل: وقف الذين عبدوا العجل، ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم. وقوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ } قيل: في الكلام حذف أي: فقتلتم أنفسكم، {فتاب عليكم} أي: على الباقين منكم. وقيل: هو جواب شرط محذوف، كأنه قال: فإن فعلتم، فقد تاب عليكم. وأما ما قاله صاحب الكشاف من أنه يجوز أن يكون خطاباً من الله لهم على طريقة الالتفات، فيكون التقدير: ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم، فهو بعيد جداً كما لا يخفى. وقد أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } قال: ذا القعدة، وعشراً من ذي الحجة. وقد أخرج ابن جرير عنه في قوله: {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } قال: من بعد ما اتخذتم العجل. وأخرج عبد ابن حميد، وابن جرير عن مجاهد في قوله: {وَإِذْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ } قال: الكتاب هو: الفرقان، فرق بين الحق والباطل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس قال: الفرقان جماع اسم التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن. وأخرج ابن جرير عنه قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه أن يقتلوا أنفسهم، واختبأ الذين عكفوا على العجل، فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضاً، فانجلت الظلمة عنهم عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن عليّ قال: قالوا: لموسى ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين، فجعل الرجل يقتل أخاه، وأباه، وابنه، لا يبالي من قتل حتى قتل منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إلى موسى: مرهم، فليرفعوا أيديهم، وقد غفر لمن قُتل، وتَيب على من بقي. وقد أخرج عبد بن حميد عن قتادة، وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير عن الزهري، نحواً مما سبق. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: {إِلَىٰ بَارِئِكُمْ } قال: خالقكم.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وّإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}: أما مُوسَى، فاسم يَجْمَعُ بين كلمتين بالقبطية وهما: ماء وشجر، فـ: مُوهو الماء، و"سا" هو الشجر، وإنما سُمِّيَ بهذا الاسم الجامع لهاتين الكلمتين، لما ذكره السدي من أنَّ أمه لما خافت عليه جعلته في التابوت، وألقته في اليم، كما أُوحِيَ إليها، فألقاه بين أشجار عند بيت فرعون، فخرجت حَواريُّ آسيةَ امرأةِ فرعون يغتسلن، فوجدنه، فسُمِّيَ باسم المكان. قال ابن إسحاق: وهو موسى بنُ عمرانَ بنِ يصهر بنِ فاهت بنِ لاوى بن يعقوب (إسرائيل) بنِ إسحاق بنِ إبراهيم. وقوله تعالى: {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} قال ابنُ الكلبي: لما جاوز موسى ببني إسرائيل البحر، قال له بنو إسرائيل: أليس وعدتنا أن تأتينا بكتابٍ من الله تعالى؟ فوعده الله أربعين ليلة، ووعدها بني إسرائيل، قال أبو العالية: هي ذو القِعْدةِ وعَشْرٌ من ذي الحِجَّة، ثم اقتصر على ذكر الليالي دون الأيام، وإن كانت الأيام تبعاً معها، لأن أوَّلَ الشهورِ الليالي، فصارت الأيامُ لها تبعاً. قوله تعالى: {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ} يعني اتخذتموه إلهاً من بعد خروج موسى إلى الميقات، واستخلافِهِ هارونَ عليهم. وسببُ ذلك فيما ذكر ابن عباسٍ، أنَّ السامِرِيَّ كان من قومٍ يعبدون البقر، فكان حبُّ ذلك في نفسه بعْدَ إظهاره الإسلام، وكان قد عَرَفَ جبريل لأن أمه حين خافت عليه أن يُذْبَحَ خَلَّفَتْهُ في غار، وأطبقت عليه، وكان جبريل يأتيه، فيغذوه بأصابعه، فلمَّا رآه حين عبر البحر عرفه، فقبض قبضةً من أثر فرسه، وكان ابن مسعودٍ يقرأ: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ} ولم تزل القبضة في يده، حتى فصل موسى إلى ربه، وخلَّف هارون في بني إسرائيل، فقال لهم هارون: قد تحمَّلْتُمْ أوزاراً من زينة القوم، يعني أمتعةً وحُلِيَاً، فَتَطهَّرُوا منها فإنها نَجَسٌ، فأوقد لهم ناراً، وأمرهم بقذف ما كان معهم ففعلوا، فأقبل السامِرِيُّ إلى النار وقال: يا نبيَّ الله أُلْقِي ما في يدي؟ قال: نعم، وهو يظن أنَّهُ حُلِيٌّ، فقذفه، وقال: كن عجلاً جسداً له خوار. واختلفوا: هل صار حيواناً لحماً ودماً أم لا؟ فقال الحسن: انقلب حيواناً لحماً ودماً، وقال غيره لا يجوز لأن ذلك من آيات الله عز وجل التي لا يُظْهِرُها إلاَّ لمعجزَةِ نبيٍّ، وإنما جعل فيه خروقاً تَدْخُلُها الرِّيحُ، فَيَحْدُثُ فيهِ صوتٌ كالخوار. ودافع من تابع الحسن على قوله هذا، بوجهين: أحدهما: أنه لما قال: هذا إلهكم وإلهُ موسى، فقد أبطل على نفسه أن يدَّعِيَ بذلك إعجاز الأنبياء، فجاز أن يصح ذلك منه امتحاناً. والثاني: أن ذلك لا يجوز في غير زمان الأنبياء، ويجوز في زمان الأنبياء، لأنهم يُظهِرُون إبطاله، وقد كان ذلك في زمان نبيَّيْنِ. واختلفوا في تسميته عجلاً: فقال أبو العالية: لأنهم عَجِلُوا، فاتخذوه إلهاً، قبل أن يأتيهم موسى، وقال غيره: بل سُمِّيَ بذلك، لأنه صار عجلاً جسداً له خُوَارٌ. ثُمَّ إنهم عكفوا على العجل يعبدونه، فقال لهم هارون من قبل: يا قومِ إنما فتنتم به، وإن ربكم الرحمن، فاتبعوني، وأطيعوا أمري، قالوا: لن نبرح عليه عاكفين، حتى يرجع إلينا موسى. قوله عز وجل: {أية : وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} تفسير : [طه: 90؛ 91]: أما "إذ" فاسم للوقت الماضي، و"إذا" اسم للوقت المستقبل، و"الكتاب" هو التوراة. وفي الفرقان أربعةُ أقاويلَ: أحدها: أن الفُرْقان هو الكتاب فذكره باسمين تأكيداً، وهو قول الفراء. والثاني: أن الفُرْقَانَ: ما في التوراة من فَرْقٍ بني الحقِّ والباطلِ، فيكون ذلك نعتاً للتوراة، وهذا قول ابن عباس وأبي العالية. والثالث: أن الفرقان النصر، الذي فرَّق الله به بين موسى وفرعون، حتى أنجى موسى وقومَهُ، وأغرق فرعون وقومهُ، وهذا قول أبي زيدٍ. والرابع: أن الفرقان: انفراق البحر لِبَنِي إسرائيلَ، حتى عبروا فيه.
ابن عبد السلام
تفسير : [{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى} ] ووجد موسى [عليه السلام] في اليم بين الماء والشجر فسمى لذلك موسى، مو: هو الماء، وسا: هو الشجر. {الْعِجْلَ} قال الحسن: صار لحماً ودماً له خوار ومنع غيره ذلك لما فيه من الخرق المختص بالأنبياء، وإنما جعل فيه خروقاً تدخلها الريح فتصوت كالخوار. وعلى طريق الحسن فالخرق يقع لغير الأنبياء في زمن الأنبياء، لأنهم يبطلونه. وقد قال السامري: { أية : هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ} تفسير : [طه: 88] فأبطل أن يدعي بذلك إعجاز الأنبياء، وسمي عجلاً، لأنه عجل بأن صار له خوار، أو لأنهم عجلوا بعبادته قبل رجوع موسى.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وإذ وعدنا} من المواعدة وهو من الله الأمر ومن موسى القبول وذلك أن الله وعده بمجيء الميقات {موسى} اسم عبري معرب فموسى بالعبرية الماء والشجر سمي موسى لأنه أخذ من بين الماء والشجر ثم قلبت الشين سيناً فسمي موسى {أربعين ليلة} أي انقضاء أربعين ليلة ثلاثين من ذي القعدة وعشر من ذي الحجة، وقرن التاريخ بالليل دون النهار لأن الأشهر العربية وضعت على سير القمر لأن الظلمة أقدم من الضوء. ذكر القصة في ذلك: قال العلماء: لما أنجى الله نبي إسرائيل من البحر وأغرق عدوهم ولم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون إليهما، وعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة فقال موسى لقومه: إني ذاهب إلى ميقات ربي لآتيكم منه بكتاب فيه بيان ما تأتون وما تذرون، ووعدهم أربعين ليلة واستخلف عليهم أخاه هارون فلما جاء الموعد أتاه جبريل عليه الصلاة والسلام على فرس يقال له: فرس الحياة لا يصيب شيئاً إلا حيي ليذهب بموسى إلى ميقات ربه فرآه السامري، وكان صائغاً اسمه ميخا وقال ابن عباس: اسمه موسى بن ظفر، وقيل: كان من أهل ماحرا وقيل كرمان وقيل من بني إسرائيل من قبيلة يقال لها السامرة وكان منافقاً يظهر الإسلام وكان من قوم يعبدون البقر فلما رأى جبريل على ذلك الفرس ورأى موضع قدم الفرس يخضر في الحال فقال في نفسه إن لهذا لشأناً وقيل رأى جبريل حين دخل البحر قدام فرعون فقبض قبضة من تراب فرسه وألقى في روعه، أنه إذا ألقي في شيء حيي فلما ذهب موسى إلى الميقات، ومكث على الطور أربعين ليلة وأنزل الله عليه التوراة في الألواح وكانت الألواح من زبرجد، وقربه نجياً وأسمعه صرير الأقلام وقيل: إنه بقي أربعين ليلة لم يحدث فيها حدثاً حتى هبط من الطور، وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حلياً كثيراً من القبط حين أرادوا الخروج من مصر بعلة عرس لهم فلما هلك فرعون وقومه بقي ذلك الحلي في أيديهم فلما فصل موسى قال لهم السامري: إن الحلي الذي استعرتموه من القبط غنيمة لا تحل لكم فاحفروا حفيرة وادفنوه فيها حتى يرجع موسى، ويرى فيها رأيه وقيل: إن هارون أمرهم بذلك فلما اجتمعت الحلي أخذها السامري وصاغها عجلاً في ثلاثة أيام، ثم ألقى فيها القبضة التي أخذها من تراب فرس جبريل عليه الصلاة والسلام فصار عجلاً من ذهب مرصعاً بالجواهر وخار خورة وقيل: كان يخور ويمشي، فقال لهم السامري؛ "هذا إلهكم وإله موسى فنسي" أي فتركه ها هنا وخرج يطلبه وكان بنو إسرائيل قد أخلفوا الوعد، فعدوا اليوم مع الليلة يومين فلما مضى عشرون يوماً، ولم يرجع موسى وقعوا في الفتنة وقيل: كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة فكانت فتنتهم في تلك العشرة فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى، ظنوا أنه قد مات ورأوا العجل وسمعوا قول السامري فعكف عليه ثمانية آلاف رجل يعبدونه، وقيل: عبده كلهم إلا هارون مع اثني عشر ألف رجل وهذا أصح فذلك قوله عز وجل: {ثم اتخذتم العجل} يعني إلها {من بعده} أي من بعد موسى {وأنتم ظالمون} أي وأنتم ضارون لأنفسكم بالمعصية حيث وضعتم العبادة في غير موضعها {ثم عفونا عنكم} أي محونا ذنوبكم وتجاوزنا عنكم {من بعد ذلك} أي من بعد عبادتكم لعجل {لعلكم تشكرون} أي لكي تشكروا عفوي عنكم، وحسن صنيعي إليكم وأصل الشكر هو تصور النعمة وإظهارها ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها والشكر على ثلاث أضرب: شكر القلب وهو تصور النعمة. وشكر اللسان وهو الثناء على النعمة. وشكر بسائر الجوارح وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها، وقيل الشكر هو الطاعة بجميع الجوارح في السر والعلانية؛ وقيل: حقيقة الشكر العجز عن الشكر. وحكي أن موسى عليه الصلاة والسلام قال: إلهي أنعمت عليّ النعم السوابغ وأمرتني بالشكر وإنما شكري إياك نعمة منك فأوحى الله تعالى إليه يا موسى تعلمت العلم الذي لا فوقه علم حسبي من عبدي أن يعلم أن ما به من نعمة فهي مني. وقال داود عليه الصلاة والسلام: سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكراً كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة وقال الفضيل: شكر كل نعمة أن لا يعصى بعدها بتلك النعمة وقيل شكر النعمة ذكرها وقيل: شكر النعمة أن لا يراها البتة ويرى المنعم وقيل الشكر لمن فوقك بالطاعة والثناء ولنظيرك بالمكافأة ولمن دونك بالإحسان والإفضال. قوله عز وجل: {وإذ آتينا موسى الكتاب} يعني التوراة {والفرقان} قيل: هو نعت الكتاب والواو زائدة. والمعنى الكتاب المفرق بين الحلال والحرام والكفر والإيمان وقيل: الفرقان هو النصر على الأعداء والواو أصلية {لعلكم تهتدون} يعني بالتوراة {وإذ قال موسى لقومه} يعني الذين عبدوا العجل {يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل} يعني إلهاً تعبدونه فكأنهم قالوا ما نصنع قال {فتوبوا إلى بارئكم} أي ارجعوا إلى خالقكم بالتوبة قالوا كيف نتوب قال {فاقتلوا أنفسكم} يعني ليقتل البريء منكم المجرم. فإن قلت التوبة عبارة عن الندم على فعل القبيح والعزم على أن لا يعود إليه وهذا مغاير للقتل. فكيف يجوز تفسير التوبة بالقتل. قلت: ليس المراد تفسير التوبة بالقتل بل بيان أن توبتهم لا تتم إلا بالقتل، وإنما كان كذلك لأن الله أوحى إلى موسى عليه الصلاة والسلام أن توبة المرتد لا تتم إلا بالقتل. فإن قلت: التائب من الردة لا يقتل فكيف استحقوا القتل وقد تابوا من الردة. قلت ذلك مما تختلف فيه الشرائع فلعل شرع موسى كان يقتضي أن يقتل التائب من الردة إما عاماً في حق الكل أو خاصاً في حق الذين عبدوا العجل {ذلكم خير لكم عند بارئكم} يعني القتل وتحمل هذه الشدة لأن الموت لا بد منه فلما أمرهم موسى بالقتل قالوا: نصبر لأمر الله تعالى فجلسوا محتبين من الحبوة وهم ضم الساق إلى بطن بثوب، وقيل لهم من حل حبوته أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردودة توبته، وأصلت القوم الخناجر والسيوف، وأقبلوا عليهم فكان الرجل يرى ابنه وأباه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره فيرق له، فما يمكنهم المضي لأمر الله تعالى فقالوا يا موسى كيف نفعل؟ فأرسل الله تعالى عليهم سحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضاً فكانوا يقتلون إلى المساء فلما كثر القتل دعا موسى وهارون الله وبكيا وتضرّعا إليه وقال: يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فكشف الله السحابة عنهم وأمرهم أن يكفوا عن القتل، فتكشف عن ألوف من القتلى قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: كان عدد القتلى سبعين ألفاً فاشتد ذلك على موسى فأوحى الله إليه أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول الجنة، فكان من قتل منهم شهيداً ومن بقي مكفراً عنه ذنوبه فذلك قوله تعالى: {فتاب عليكم} أي فعلتم ما أمرتم به فتجاوز عنكم {إنه هو التواب} أي الرجاع بالمغفرة القابل التوبة {الرحيم} بخلقه.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى/: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً...} قال ابن عرفة: يمتنع أن يكون أربعين ليلة (ظرفا) لأن ظرف الزمان المحدود (العمل) فيه كله، ويمتنع أن يكون (مفعولا)، لأنها ليست هي (الموعودة) إنما الموعود موسى عليه السلام. قال الزمخشري: وعده الله الوحي، ووعده موسى (المجيء للميقات)، (فكأنه) مواعدة من الجانبين، وأبطله الطيبي بأن فيه تقدير مضافين معطوفين. وهو باطل. قال ابن عرفة: إنما يريد واعدنا موسى مناجاة أربعين (ليلة)، وملاقاة أربعين ليلة، والمناجاة تستلزم مجيء موسى إلى الميقات، لأنها بعد الأربعين لأن الله تعالى جعل له عبادة هذه الأربعين ليلة (و) وِصَال صيامها كلها ليلا ونهارا سببا في مناجاته إياه بعدها بما طلب من التوراة والصحف والألواح. قوله تعالى: {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ...} منع أبو حيان عود الضمير إلى الوعد للتناقض، لأن "ثُمَّ" للتراخي و"مِن" في "مِن بَعْدِهِ" (تقتضي) ابتداء الغاية فهي لأول أزمنة البعدية. وأجاب ابن عرفة: بأن الأولية مقولة بالتشكيك، ألا تراهم يؤرخون بأوائل الشهر في العشرة (الأول) كلّها. (قيل له): ابتداء الغاية ما (يصدق) إلا على أول جزء. قوله تعالى: {وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ} أي لا شبهة لكم في اتخاذه، بل ذلك محض ظلم منكم وتعنت.
ابن عادل
تفسير : قرأ أبو عمرو ويعقوب: "وَعَدْنَا" هنا، وما كان مِثْلَه ثلاثياً، وقرأ الباقون: "وَاعَدْنَا" بالألف، واختار أبو عبيدة قراءة أبي عمرو، ورجّحها بأن المُوَاعدة إنما تكون من البَشَرِ، وأما الله عز وجل فهو المنفرد بالوَعْدِ والوَعِيدِ، على هذا وجدنا القرآن نحو: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}تفسير : [المائدة:9]، {أية : وَعَدَكُمْ وَعْدَ ٱلْحَقِّ}تفسير : [إبراهيم:22]، {أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [الأنفال:7]. ورجحه مكّي فقال: وأيضاً فإن ظاهر اللفظ فيه "وعد" من الله تعالى لموسى، وليس فيه "وَعْد" من موسى، فوجب حمله على الواحد، بظاهر النص ثم ذكر جماعة جلّة من القراء عليها كالحَسَنِ، وأبي رجاء، وأبي جعفر، وشيبة، وعيسى بن عمر، وقتادة، وابن إسحاق، ورجّحه أبو حاتم أيضاً بأن قراءة العامة عندنا "وَعَدْنَا" بغير ألف؛ لأن المُوَاعدة أكثر ما تكون بين المَخْلُوقين والمُتَكَافئين. وقد أجاب الناس عن قول أبي عبيد، وأبي حاتم، ومكي بأن "المُفَاعلة" ـ هنا ـ صحيحة، بمعنى أن موسى نزل قبوله لالتزام الوفاء بمنزلة الوعد منه، أو أنه وعد أن يفي بما كلفه ربه. وقال القفال: "ولا يبعد أن يكون الآدمي يعد الله ـ تعالى ـ ويكون معناه يعاهد الله تعالى"، ومنه قوله تعالى: {أية : وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ ٱللَّهَ}تفسير : [التوبة:75] إلى أن قال: {أية : بِمَآ أَخْلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ}تفسير : [التوبة:77]. وقال مكّي: المُوَاعدة أصلاً من اثنين، وقد تأتي بمعنى "فعل" نحو: "طَارَقْتُ النَّعْل" فجعل القراءتين بمعنى واحدٍ. وقال الكسائي: ليس قوله الله: {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ}تفسير : [النور:55] من هذا الباب في شيء؛ لأن "واعدنا موسى" إنما هو من باب المُوَافاة، وليس من الوعد في شيء، وإنما هو من قولك: "موعدك يوم كذا"، و "موضع كذا". والفصيح في هذا أن يقال: "واعدته"، قال تعالى حكاية عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه قال: {أية : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزِّينَةِ}تفسير : [طه:59]. وقال الزجاج: "وَاعَدْنَا" بالألف جَيّد؛ لأن الطَّاعة في القبول بمنزلة المُوَاعد، فمن الله وَعْد، ومن موسى قَبُول واتباع، فجرى مجرى المواعدة. وقال مكّي أيضاً: "والاختيار"واعدنا" بالألف؛ لأنه بمعنى "وعدنا" في أحد معنييه؛ ولأنه لا بُدَّ لموسى من وَعْد أو قَبُول يقوم مقام الوَعْدِ فتصحّ المُفَاعلة". قال ابن الخَطِيب: الأقوى أن الله ـ تعالى ـ وعد الوَحْي، وهو وعد الله المجيء للميقات. قال الجوهري: "المِيعَادُ: المُوَاعدة والوقت والموضع". ووعد يتعدّى لاثنين، فـ "موسى" مفعول أول، و "أربعين" مفعول ثانٍ، ولا بد من حذف مضاف، أي: تمام أربعين، ولا يجوز أن ينتصب على الظَّرف، لفساد المعنى، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه جار مجرى جمع المذكر السَّالم، وهو في الأصل مفرد اسم جمع، سمي به هذا العَقْد من العدد، ولذلك أعربه بعضهم بالحركات؛ ومنه في أحد القولين: [الوافر] شعر : 486ـ وَمَاذَا يَبْتَغِي الشُّعَرَاءُ مِنِّي وَقَدْ جَاوَزْتُ حَدَّ الأَرْبَعِينِ تفسير : بكسر النون. و "ليلة" نصب على التَّمييز، والعقود التي هي من عشرين إلى تِسْعِين، وأحد عشر إلى تسعة عشر كلها تميز بواحد منصوب. و "موسى" هو موسى بن عِمْران بن يصهر بن قاهت بن لاوي بن يَعْقُوب بن إسْحَاق ابن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، اسم أعجمي غير منصرف، وهو في الأصل على ما يقال مركّب والأصل: مُوشَى ـ بالشين ـ لأن "ماء" بلغتهم يقال له: "مو" والشّجر يقال له: "شَا" فعربته العرب فقالوا: موسى. قالوا: إنما سمي به؛ لأن أمه جعلته في التَّابوت حين خافت عليه من فِرْعون، وألقته في البحر، فدفعته أمواج البحر حتى أدخلته بين أشْجَار عند بيت فرعون، فخرجت جَوَاري آسيَةَ امرأة فرعون يَغْسِلْنَ فوجدن التَّابوت، فأخذنه فسمي عليه الصلاة والسلام باسم المكان الَّذِي أصيب فيه وهو الماء والشجر، وليس لموسى اسم النَّبِيّ عليه الصلاة والسلام اشتقاق؛ لأنه أعجمي؛ لأن بني إسرائيل والقْبط ما كانوا يتكلّمون بلغة العرب. ومنهم من قال: إنه مشتق، واختلفوا في اشتقاقه، فقيل: هو "مفعل" من أَوْسَيْت رأسه: إذا حلقته فهو مُوسى، كـ "أعطيته فهو مُعْطَى"، فمن جعل اسمه عليه مشتقاً قال: إنما سمي بذلك لِصَلَعِهِ. وقيل: مشتق من "مَاسَ ـ يَمِيسُ" أي: يَتَبَخْتَرُ في مشيته ويتحرك، فهو "فعلى" وكان عليه الصلاة والسلام كذلك، فقلبت الياء واواً لانضمام ما قبلها كـ "مُوقِن" من "اليَقِين". والصحيح الأول، وهذا الاشتقاق إنما هو في مُوسى آلة الحَلْق. فصل في قصة موسى بعد نجاة قومه ذكر المفسرون أن موسى ـ عليه الصلاة والسَّلام ـ قال لبني إسرائيل: إن خرجنا من البحر سالمين آتيكم بكتاب من عند الله يبيّن لكم فيه ما يجب عليكم من الفِعْل والتَّرْكِ، فلما جاوز البحر، وأغرق الله فرعون قالوا: يا موسى ائتنا بذلك الكتاب الموعود، فخرج إلى الطُّور في سَبْعين من [أخيار] بني إسرائيل، وصعدوا الجبل، وواعدهم إلى تمام أربعين ليلةً، فعدوا فيما ذكر المفسرون وعشرين يوماً وعشرين ليلة، وقالوا: قد [أخلفنا] موعده. فاتّخذوا العجل. وقال أبو العالية: "بلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور". فإن قيل: لم خصّ الليالي بالذِّكْر دون الأيّام؟ قيل: لأن الليلة أسبق من اليوم فهي قَبْلَهُ في الرتبة وقع بها التاريخ، فاللَّيَالي أول الشهور، والأيام تَبَعٌ لها، وأيضاً فليس المراد انقضاء أي أربعين كان، بل أربعين معيناً وقيل: لأن الظلمة سابقة على النُّور، فهي الأصل يؤيده قوله تعالى: {أية : وَءَايَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ}تفسير : [يس:37]. فصل في معنى أربعين ليلة قوله: {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} معناه: واعدنا موسى انقضاء أربعين ليلةً كقولهم: "اليوم أربعون يوماً منذ خروج فلان" أي: تمام الأربعين، والحاصل أنه حذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه كقوله: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف:82] وأيضاً فليس المراد انقضاء أي أربعين كان، بل أربعين معيناً، وهو الثلاثون من ذي القِعْدَة، والعشر الأول من ذي الحجّة؛ لأن موسى عليه السَّلام كان عالماً بأن المراد هو هذه الأربعون، وكان ذلك بعد أن جاوز البحر. قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يكون المراد أنه وعد قَبْلَ هذه الأربعين أن يجيء إلى الجَبَل بعد انقضاء هذه الأربعين. قال: وهذا الاحتمال هو المؤيّد بالأخبار. فإن قيل: قوله ـ هاهنا ـ: "أربعين ليلة" يفيد أن المواعدة كانت من أول الأمر على الأربعين. وقوله في الأعراف: {أية : وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}تفسير : [الأعراف:142] يفيد أن المُوَاعدة كانت في أول الأمر على الثلاثين، فكيف التوفيق بينهما؟ أجاب الحَسَن البَصْري فقال: ليس المراد أن وعده كان ثلاثين ليلة، ثم بعد ذلك وعده بعشر، لكنه وعده أربعين ليلة جميعاً، وهو كقوله: {أية : ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ}تفسير : [البقرة:196]. قوله: {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ} "اتَّخَذَ" يتعدّى لاثنين، والمفعول الثاني محذوف أي: اتخذتم العِجْلَ إلهاً، وقد يتعدّى لمفعول واحد إذا كان معناه "عمل" و "جعل" نحو: {أية : وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَداً}تفسير : [البقرة:116]. وقال بعضهم: "تَخِذَ" و "اتَّخَذَ" يتعدّيان لاثنين ما لم يفهما كسباً، فيتعديان لواحد، واختلف في "اتَّخَذَ" فقيل: هو "افتعل" من الأَخْذِ، والأصل: "ائْتَخَذَ" الأولى همزة وصل، والثانية فاء الكلمة، فاجتمع همزتان ثانيتهما ساكنة بعد أخرى، فوجب قلبها ياء كـ "إيمان" فوقعت الياء فاء قبل تاء الافتعال، فأبدلت تاء، وأدغمت في تاء الافتعال كـ "اتَّسَرَ" من "اليُسْرِ"، إلا أن هذا قليل في باب الهمز؛ نحو: "اتَّكَلَ" من "الأَكْل"، و "اتَّزَر" من "الإزَار"؛ وقال أبو عليٍّ: هو "افْتَعَل" من تَخِذَ يَتْخَذُ؛ وأنشد: [الطويل] شعر : 487ـ وَقَدَ تَخِذَتْ رِجْلِي إلَى جَنْبِ غَرْزِهَا نَسِيفاً كَأُفْحُوصِ القطَاةِ المُطَرِّقِ تفسير : وقال تعالى: {أية : لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً}تفسير : [الكهف:77] وهذا أسهل القولين. والقُرّاءُ على إدغام الذَّال في التاء لقرب مخرجهما، وابن كثير، وعاصم في رواية حَفْص بالإظهار، وهذا الخلاف جارٍ في المفرد نحو: "اتَّخَذْتُ"، والجمع نحو: "اتَّخَذْتُم"، وأتى في هذه الجملة بـ "ثم" دلالة على أن الاتِّخَاذ كان بعد المُوَاعدة بمهلة. وقال ابن الخطيب: لما أنعم عليهم بهذه النِّعْمَة، وأتوا عَقِيْبَ ذلك بأقبح أنواع الجهل والكُفْر، كان ذلك في محل التعجُّب، فهو كمن يقول: إني أحسنت إليك، وفعلت كذا وكذا، ثم إنك تقصدني بالسُّوء والإيذاء، ومثله: {أية : ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ}تفسير : [الأنعام:1]، {أية : ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ}تفسير : [الأنعام:2]؛ {أية : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ}تفسير : [البقرة:74]، {أية : ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً}تفسير : [الجاثية:8]، {أية : ثُمَّ أَنْتُمْ هَـٰؤُلاۤءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ}تفسير : [البقرة:85]. قوله: "مِنْ بعْدِهِ" متعلّق بـ"اتَّخَذَتُمْ"، و "مِنْ" لابتداء الغاية والضمير يعود على مُوسى، ولا بُدّ من حذف مضافٍ، أي: من بعد انطلاقه أو مُضِيّه. وقال ابن عطية: "يعود على موسى". وقيل: "على انطلاقه للمتكلّم". وقيل: على الوَعْدِ، وفي كلامه بعض مُنَاقشة، فإن قوله: "وقيل يعود على انطلاقه" يقتضي عوده على موسى من غير تقدير مضاف، وذلك غير مُتَصَوَّر. قوله: "وَأَنْتُم ظَالِمُونَ" جملة حالية من فاعل "اتَّخَذْتُمْ". و "العِجْل" ولد البقرة، والعُجُول مثله، والجمع عَجَاجِيْل، والأنثى "عِجْلة"، عن أبي الحسن، وسمي العجل عِجْلاً لاستعجالهم عبادته، ذكره القُرْطبي، وفيه نظر؛ لأن العِجْلَ ولد البقرة كان موجوداً قبل أن يتخذ بنو إسرائيل العِجْل. فصل قال أهل التَّفسير: لما ذهب موسى إلى الطُّور، وقال لأخيه هارون: اخلفني في قَوْمي، وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحُلِيّ الذي استعاروه من القِبْطِ قال لهم هارون: إن هذه الثياب والحُلِيّ لا تحلّ لكم، وكان السَّامِرِيُّ من مسيره مع موسى ـ عليه السلام ـ إلى البحر ينظر إلى حافر دَابّة جبريل حين تقدم على فرعون في دخول البحر. قال بعض المفسرين: كان كلما نقل حافره يخضرّ مكانه نَبْتاً، فلهذا سمي فرس الحياة، ولا يصيب شيئاً إلا حَيي، فقال السّامريُّ: "إن لهذا النبت نَبَأً، فقبض منه قَبْضَةَ، وقيل: قبض من تراب حَافِرِهِ، فذلك قوله: {أية : فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ}تفسير : [طه:96]، ثم إن السَّامري أخذ ما كان معهم من الذَّهب، فصوَّر منه عِجْلاً وألقى فيه تلك القَبْضة، فخرج له صوت كالخُوَارِ، فقال القوم: {هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ} قال ابن عبّاس: "لأنه كان مُنَافقاً يظهر الإسلام، وكان يعبد البقر، وكان اسمه موسى بن ظفر". وقيل: متَّى. وقيل: هارون، وإنهم عبدوا العجل بعد مُجاوزة النَّهر لقوله تعالى: {أية : وَجَاوَزْنَا بِبَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ ٱلْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}تفسير : [الأعراف:138]. فإن قيل: كل عاقل يعلم ببديهة عقله أن الصنم الذي لا يتحرّك، ولا يحسّ، ولا يعقل مستحيل أن يكون إله السموات والأرض، وَهَبْ أنه ظهر من خُوَار، ولكن هذا القَدْر لا يصلح أن يكون شُبْهة في قَلْب أحد من العقلاء في كونه إلهاً، وأيضاً فإن القوم قد شاهدوا قبل ذلك من المعجزات الظاهرة التي تكون قريبةً من حَدّ الإلجاء من الدلالة على الصانع وصدق موسى ـ عليه السَّلام ـ فمع قوة هذه الدلالة وبلوغها إلى حَدّ الضرورة، لا يكون صدور الخُوَارِ من ذلك العِجْلِ يقتضي شبهة في كون ذلك الجسم المصوت إلهاً. قال ابن الخطيب: والجواب أنّ هذه الواقعة لا يمكن تصحيحها إلاّ على وجه واحدٍ، وهو أن السَّامري ألقى إلى القوم أن موسى ـ عليه السَّلام ـ إنما قدر على ما أتى به؛ لأنه كان يتّخذ طلسمَات على قوى ملكية، وكان يقدر بواسطتها على هذه المُعجِزَاتِ فقال السَّامري للقوم: "وأنا أتخذ لكم طلسمات مثل طلسمته، وروّج عليهم ذلك بأن جعله بحيث خرج منه صَوْتٌ عجيب، فأطمعهم في أن يصيروا مثل مُوسَى ـ عليه السَّلام ـ في الإتيان بالخوارق، أو لعلّ القوم كانوا مجسّمة وحُلُولية، فجوزوا حلول الإله في بعض الأجْسَام، فلذلك وقعوا في تلك الشبهة. فصل في فوائد من قصة بني إسرائيل في هذه القصة فوائد: أحدها: أنها تدلّ على أن أمّة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ خير الأمم؛ لأن أولئك اليهود مع مُشَاهدتهم تلك البَرَاهين البَاهِرَة اغْتَرُّوا بهذه الشبهة الرَّكيكة، وأمّا أمة محمد ـ عليه السلام ـ فإنهم مع أنهم محتاجون في ثبوت كون القُرْآن معجزاً إلى الدَّلائل الدقيقة لم يَغْتَرُّوا بالشُّبُهَات العظيمة، وذلك يدلُّ على أنهم أكمل عَقْلاً، وأدعى خاطراً من اليهود. وثانيها: فيه تحذير عظيم من التقليد والجَهْل بالدلائل، فإن هؤلاء الأقوام لو عرفوا الله بالدَّليل معرفة تامّة لما وقعوا في شبهة السامري. وثالثها: تسلية النبي ـ صلى الله علي وسلم - عما كان شَاهَدَ من مشركي العرب، واليهود، والنَّصارى من الخلاف، فكأنه تعالى أمره بالصَّبْرِ على ذلك كما صَبَرَ مُوسَى ـ عليه السلام ـ في هذه الواقعة المنكرة، فإنهم بعد أن خلّصهم الله ـ تعالى ـ من فرعون، وأراهم المعجزات العجيبة من أوّل ظهور مُوسَى إلى ذلك الوقت، اغْتَرُّوا بتلك الشبهة الرّكيكة، وأن موسى ـ عليه السلام ـ صبر على ذلك، فَلأَنْ يصبر محمد ـ عليه السلام ـ على أَذِيَّةِ قومه أولى. ورابعها: أن أشدّ الناس مجادلةً وعداوة مع الرسول هم اليهود، فكأنه ـ تعالى ـ قال: إن هؤلاء يفتخرون بأسلافهم، ثم إن أسلافهم كانوا في البَلاَدَةِ، والجهالة، والغباوة إلى هذا الحد بحيث إن أشدّ الأشياء بَلاَدَة، وجهالة، وغباوة، هم البقر، فجعلوه إلهاً، فكيف هؤلاء الأخلاف. فصل في تفسير الظّلم وجهان: الأول: قال فيه أبو مسلم: الظُّلم في أصل اللغة من النقص قال تعالى: {أية : كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمِ مِّنْهُ شَيْئاً}تفسير : [الكهف:33]. والمعنى: أنهم تركوا عبادة الخلاّق المحيي المميت، واشتغلوا بعبادة العِجْلِ، فقد صاروا ناقصين في خيرين: الدين والدنيا. والثّاني: أن الظلم في العرف عبارة عن الضرر الخالي عن نفع يزيد عليه، ودفع مضرّة أعظم منه، والاسْتِحْقَاقُ غير العرفي علمه أو ظنّه، فإذا كان بهذه الصفة كان فاعلاً ظلماً، ثم إن الرجل إذا فعل ما يؤدّيه إلى العقاب والنار، قيل: "إنه ظالم لنفسه"، وإن كان في الحال نفعاً ولذّة كما قال: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان:13]. وقال: {أية : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ}تفسير : [فاطر:32] ولمّا كانت عبادتهم لغير الله ظُلماً ومؤدّياً إلى عذاب النار سُمّي ظلماً. فصل في ردّ شبهة للمعتزلة استدّلت المعتزلة بهذه الآية على أنّ المعاصي ليست بخلق الله من وجوه: أحدها: أنه ـ تعالى ـ ذمَّهم عليها، ولو كانت مخلوقةً له لكانوا مطيعين بفعلها؛ لأن الطَّاعة عبارة عن فعل المراد. وثانيها: لو كان العصيان مخلوق لله ـ تعالى ـ لكان الذَّم بسببه يجري مجرى الذم بسبب كونه أَسْوَدَ، وأبيض، وطويلاً. قال ابن الخطيب: وهذا تمسّك بفعل المدح والذم، وهو معارض بمسألتي الداعي والعلم، وقد تقدّم. قوله: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ}. و "العفو" المَحْوُ، ومنه: "عَفَا اللَّهُ عَنْكُمْ" أي: محا ذنوبكم، والعافية: لأنها تمحو السّقم، وعَفَتِ الريح الأَثَرَ؛ قال: [الطويل] شعر : 488ـ فَتُوضِحَ فَالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ تفسير : وقيل: عَفَا كذا أي: كَثُرَ، ومنه "وأَعْفُوا اللِّحَى" فيكون من الأضداد. وقال ابن عطية: "العَفْوُ تَغطية الأثر، وإذهاب الحال الأوّل من الذَّنْبِ أو غيره، ولا يستعمل العَفْوُ بمعنى الصَّفح إلا في الذنب". وهذا الذي قاله قريب من تَفْسِيْرِ الغُفْرَان؛ لأن الغفر التغطية والسَّتر، ومنه: المغفر، ولكن قد فُرِّق بينهما بأن العفو يجوز أن يكون بعد العقوبة، فيجتمع معها، وأمّا الغُفْرَانُ فلا يكون مع عقوبة. وقال الرَّاغب: "العَفُو": القصد لتناول الشَّيء، يقال: عَفَاه واعْتَفَاهُ أي: قصده مُتَناولاً ما عنده، وعَفَتِ الريحُ التُّرابَ قصدتها متناولةً آثارها، وعَفَتِ الديار كأنها قصدت نحو البِلَى وعفا النَّبْت والشَّعْرُ قصد تناولَ الزِّيادة، وعفوتُ عنك كأنه قصد إِزَالَةَ ذَنْبِهِ صارفاً عنه، وأَعْفَيْتُ كذا، أي: تركته يعفو ويكثر، ومنه "أعْفُوا اللِّحَى" فجعل القصد قدراً مشتركاً في العَفْوِ، وهذا ينفي كونه من الأَضْدَادِ، وهو كلام حسن؛ وقال الشاعر [الطويل] شعر : 489ـ.................. إِذَا رَدَّ عَافِي الْقِدْر مَنْ يَسْتَعِيرُهَا تفسير : معناه: أن العَافِي هنا ما يبقى في القَدْرِ من المَرَقِ ونحوه، فإذا أراد أحد أن يستعير القِدْرَ يُعَلِّلُ صاحبها بالعَافي الذي فيها، فالعَافِي فاعل، ومن يستعيرها مَفْعُول، وهو من الإسناد المجازي؛ لأن الرَّاد في الحقيقة صاحب القِدْرِ بسبب العافي. فصل في تفسير المعتزلة للعفو في الآية قالت المعتزلة: "المراد ثم عفونا عنكم بسبب إتيانكم بالتَّوْبَة، وهي قتل بعضكم بَعْضاً". قال ابن الخطيب: وهذا ضعيف من وجهين: الأول: أن قبول التوبة وَاجبٌ عَقْلاً، ولو كان المُرَاد ذلك لما جاز عدُّه في معرض الإنعام، لأن أداء الواجب لا يُعَدّ من باب الإنعام، والمقصود من هذه الآيات تَعْدِيْدُ نِعَمِ الله ـ تعالى ـ عليهم. الثاني: أن العَفْوَ اسم لإسقاط العقاب المستحقّ؛ وأمّا إسقاط ما يجب إسقاطه، وذلك لا يُسمَّى عَفْواً، ألا ترى أن الظالم لما لم يجز له تعذيب المظلوم، فإذا ترك عذابه لم يكن الترك عفواً، فكذلك هاهنا. إذا ثبت هذا فنقول: لا شَكّ في حصول التوبة في هذه الصورة لقوله تعالى: {أية : فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}تفسير : [البقرة:54] وإذا كان كذلك دَلَّت الآية على أن قَبُولَ التوبة غير واجب عَقْلاً، وإذا ثبت ذلك ثبت أيضاً أنه ـ تعالى ـ أسقط عُقُوبَةَ من يجوز عقابه عقلاً، وشرعاً، وذلك أيضاً خلاف قول المعتزلة، وإذا ثبت أنه عفا عن كفّار قوم موسى، فلأن يعفوا عن فُسّاق أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع أنهم خير أمة أُخرجت للنَّاس كان أولى. قوله: "لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ". "تَشْكُرُونَ" في محل رفع خبر "لعلّ"، وقد تقدّم تفسير الشكر عند ذكر الحمد. وقال الراغب: هو تصور النعمة وإظهارها. وقيل: هو مقلوب عن الكَشْر أي: الكَشْف، وهو ضدّ الكفر، فإنه تَغْطِيَةُ النعمة وقيل: أصله من "عَيْن شَكْرى" أي: ممتلئة، فهو على هذا الامتلاء من ذكر المنعم عليه. و "شَكَر" من الأفعال المتعدّية بنفسها تارةً، وبحرف الجرِّ أُخْرَى، وليس أحدهما أصلاً للآخَرِ على الصحيح، فمن المتعدِّي بنفسه قوله عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ: [الطويل] شعر : 490ـ هُمُ جَمَعُوا بُؤْسَى ونُعْمَى عَلَيْكُمُ فَهَلاَّ شَكَرْتَ الْقَوْمَ إِذْ لَمْ تُقَاتِلِ تفسير : ومن المتعدِّي بحرف الجر قوله تعالى: {أية : وَٱشْكُرُواْ لِي}تفسير : [البقرة:152]، وسيأتي هنا تحقيقُهُ. فصل في الرد على المعتزلة قالت المعتزلة: إنه ـ تعالى ـ بَيَّن أنه عفا عنهم، ولم يؤاخذهم لكي يشركوا، وذلك يدلّ على أنه ـ تعالى ـ لم يرد منهم إلا الشكر. والجواب: لو أراد الله ـ تعالى ـ منهم الشكر لأراد ذلك، أنما شرط أن يحصل للشَّاكر داعية للشكر أولاً بهذا الشرط، والأول باطل؛ إذ لو أراد ذلك بهذا الشَّرط، فإن كان هذا الشرط من العَمْدِ لزم افتقار الدَّاعية إلى داعية أخرى، وإن كان من الله بحيث خلق الله الدَّاعي حصل الشكر لا محالة، وحيث لم يخلق الدَّاعي استحال حُصُول الشكر، وذلك ضد قول المعتزلة، وإن أراد حصول الشُّكر منه من غير هذه الداعية، فقد أراد منه المُحَال؛ لأن الفِعْلَ بدون الدواعي مُحَال. فثبت أن الإشكال واردٌ عليهم.
البقاعي
تفسير : ولما كان فرق البحر للإبقاء البدني وكان إنزال الكتاب للإبقاء الديني عقبه به وكان الطبع السليم والمزاج المستقيم يقتضي إحسان العمل زمن المواعدة واستعطاف المواعد والترفق له والتملق بما تحقق الرجاء في إنجاز وعده لا سيما بعد بليغ إحسانه بالإنجاء من العدو وإهلاكه نعى عليهم عملهم بخلاف ذلك بقوله: {وإذ}. وقال الحرالي: لما ذكّرهم تعالى بأمر الوفاء بالعهد الذي هو خاتمة أمرهم وبالتفصيل الذي كان بادية أمرهم نظم ذلك بالأمر المتوسط بين الطرفين الذي أعلاه مواعدة موسى عليه السلام ربه الذي النعمة عليه نعمة عليهم فقال: وإذ {واعدنا} من الوعد وهو الترجية بالخير، ووعدنا من المواعدة وهي التقدم في اللقاء والاجتماع والمفاوضة ونحوه {موسى} كلمة معربة من لفظ العبراني بما تفسيره فيما يقال ماء وشجر، سمي به لما أودع فيه من التابوت المقذوف في اليم {أربعين ليلة} هي كمال وقت الليل والليل وقت انطماس المدركات الظاهرة - انتهى. وخص الليل بالذكر إشارة إلى أن ألذ المناجاة فيه وإلى أنه لا نوم في تلك المدة بل المناجاة عامة لليلها ونهارها، وانتصب أربعين بوقوعه موقع المفعول الثاني لوعدنا أي انقضاء أربعين أي الكلام أو إنزال التوراة عند انقضاء الأربعين وهي ذو القعدة وعشر من ذي الحجة وقيل ذو الحجة وعشر من المحرم. قال الحرالي: وفيه إشعار بأن المناجاة إنما يتهيأ لها لميقات حبس النفس عما به قوامها وكمال ذلك إنما هو الصوم وكمال العدد الذي هو طور مصير من حال إلى حال هو الأربعون، وذكر الميقات بالليالي يشعر أن مناجاته صباح من ظلمة الكون في حال خصوص الخلقة من حيث إن الظلمة آية على فوت مرام نور الحق والنهار آية على ظهور نور الحق وأول بادٍ بدأ من الحق للخلق كلامه لمصطفى من خلقه بغير واسطة وهو بعد في دنياه وفي أرضه التي كانت سجناً، فلما جاءها الحق لعبد من عبيده مناجياً له كما يأتيها يوم الجزاء بعد البعث صارت موطن رحمة وهدى ونور وهو مجيء الله سبحانه من سيناء المذكور في الكتاب الأول - انتهى. وهذا دون قصة المعراج التي كانت لنبينا صلى الله عليه وسلم في اختراق السماوات العلى إلى سدرة المنتهى إلى ما لا يعلمه إلاّ الله تعالى وسمع الكلام من غير واسطة ورجع إلى بيته في ليلته وقد قطع من المسافات ما مسيرته خمسون ألف سنة كما سأبينه إن شاء الله تعالى في سورة السجدة. ولما كانت الأنفس الأبيّة والهمم العلية تقتضي النفرة من الظالم والأنفة من كل ما ينسب إليه ويذكّر به وكانوا قد اتخذوا من آثار آل فرعون من حليهم ما دخلوا في رقه وعبوديته وكانت مشاهدتهم لما رأوا من الآيات مقتضية لغاية البعد من الكفر عبر عن مواقعتهم له بثم فقال: {ثم اتخذتم} قال الحرالي: من الاتخاذ وهو افتعال مما منه المواخذة كأنه الوخذ، وهو تصيير في المعنى نحو الأخذ في الحس، وفيه تكلف، {العجل} وذكر في هذا التقرير أصل المواعدة وذكر الميقات وتجاوز الخطاب ما بعد ذلك من مهل حسب ما تفهمه كلمة ثم، فاقتضى إفهام ذلك ما نالوه من الخير ثم تعقبوا ذلك بالتزام عادتهم في معاودة ما اعتادوه من أعمالهم إلى أدنى عمل من لا عقل له ولا بقية نظر له من اتخاذ جسد عجل إلهاً بعد معرفة آثار الإلهية على الغيب، ففيه تعجيب من أن موسى عليه السلام إنما واعده الله بالمناجاة بعد ميقات أربعين صوماً ونسكاً وتحنثاً وانقطاعاً إلى ربّه ثم يرونهم أنهم شهدوا الإله مصوراً محسوساً على أن موسى الذي ناجاه ربّه منع الرؤية فكيف بهم وذلك هو ظلمهم، فوضعوا الإله محل الشيء المحسوس وهو تعالى قد تعالى عن أن يراه صفيه الذي ناجاه في دنياه وإنما ناجاه بعد ميقاته، وهم يهمون في تألّه مرئي من غير مواعدة ولا اختصاص! وفي قوله تعالى {من بعده} أي من بعد إتيانه لميعادنا إضمار لذكر موسى عليه السلام تقريراً لما كان ينبغي أن يكونوا عليه من الارتقاب لما يأتيهم به موسى من فوائد المناجاة، كما يكون من تعلق قلبه بمن هو قدوته، والبعد بعد عن حد يتخذ مبدأ ليكون سابقه قبل ولاحقه بعد - انتهى. واثبات الجار لأن اتخاذهم ذلك لم يستغرق زمان البعد {وأنتم ظالمون} فاعلون فعل من هو في أظلم الظلام بعد أنجاءكم موسى بالنور المبين. ولما كان ذلك مقتضياً لأعظم السخط المقتضي من القادر للمعاجلة بالأخذ ذكرهم نعمة الإمهال بعده فقال مشيراً إلى عظم الذنب والنعمة بأداة التراخي: {ثم عفونا}. وقال الحرالي: ثم تجاوز الخطاب ما أصابهم من العقوبة على اتخاذهم إلى ذكر العفو تقريراً على تكرر تلافيهم حالاً بعد حال وقتاً بعد وقت، كلما أحدثوا خطيئة تداركهم منه عفو، وخصه باسم العفو لما ذكر ذنوبهم، لأن المغفور له لا يذكر ذنبه، فإن العفو رفع العقوبة دون رفع ذكرها، والغفر إماتة ذكر الذنب مع رفع العقوبة - انتهى. {عنكم} ولم نعاجلكم بالأخذ، وفي قوله تعالى {من بعد ذلك} أي الذنب العظيم إشعار بما أصابهم من العقوبة وخطاب لبقية المعفو عنهم، لينتهي الأمر فيهم إلى غاية يترجّى معها لبقيتهم الشكر - قاله الحرالي. وكان الإشعار من جهة أدخال من، على الظرفية، فاقتضى مهلة بين العفو والذنب لم يشملها العفو بل كان فيها عقوبة، كما اقتضى قوله: من بعده، مهلة بين اتخاذهم العجل وأول ذهاب موسى عليه السلام للمناجاة؛ ويجوز أن يكون أفرد حرف الخطاب إشارة إلى أنه لا يعلم جميع ما في دينهم من الشناعة إلا إمام أهل التوحيد النبي صلى الله عليه وسلم {لعلكم تشكرون *} أي ليكون حالكم حال من يتوقع منه الشكر. قال الحرالي: وهو ظهور بركة الباطن على الظاهر، يقال: دابة شكور، إذا أنجح مأكلها بظهور سمنها؛ وفيه إشعار بأن منهم من يشكر وفيهم من يتمادى بما في ترجي كلمة لعل، من الإبهام المشعر بالقسمين والمهيىء لإمكان ظهور الفريقين حتى يظهر ذلك لميقاته، لأن كل ما كان في حق الخلق تردداً فهو من الله سبحانه إبهام لمعلومه فيهم؛ على ذلك تجري كلمة لعل وعسى ونحوها - انتهى. ولما كان في ذلك دليل على سوء طباعهم وعكس مزاجهم وأنهم لا يحفظون عهداً ولا يستقيمون على نهج ذكرهم بنعمة الكتاب الذي من شأنه الضبط في جميع الأحوال بالرجوع إليه عند الضلال فقال: وقال الحرالي: لما ذكر تعالى أمر موسى عليه السلام وهو خاص أمرهم فصل لهم أمر ما جاء به موسى وما كان منهم فميا جاء به - انتهى. فقال {وإذ اتينا} أي بما لنا من العظمة {موسى الكتاب} أي الكامل في نفسه الجامع لكم على طريق الحق. ولما كان الكتاب مع كونه جامعاً لما أريد منه فارقاً بين الملبسات وصفه بقوله {والفرقان} أي المبين للأشياء على ما هي عليه من غير أن يدع في شيء لبساً. قال الحرالي: فقررهم على أمرين من الكتاب الذي فيه أحكام الأعمال والفرقان الذي فيه أمر العلم وهما مِلاك حال إقامة الدين بالعلم والعمل؛ والفرقان، فُعلان لفظ مبالغة يفهم استغراقاً وامتلاء وعظماً فيما استعمل فيه وهو في هذا اللفظ من الفرق وهو إظهار ما ألبسته الحكمة الظاهرة للأعين بالتبيان لفرقان لبسه بما تسمعه الأذن، وجاء فيه بكلمة لعل، إشعاراً بالإبهام في أمرهم وتفرقتهم بين مثبت لحكم الكتاب عامل به عالم بطية الفرقان خبير به وبين تارك لحكم الكتاب غافل عن علم الفرقان - انتهى. فقال تعالى {لعلكم تهتدون *} أي ليكون حالكم حال من ترجى هدايته فيغلب حلمه جهله وعقله شهوته، ولهذا الختم تلاه بما هداهم به بما ألزمهم من النقمة الزاجرة عن مثل ذلك من قتل الأنفس فقال: {وإذ}. قال الحرالي: لما تكمل إقبال الخطاب عليهم مرات بما تقدم من ندائهم والعطف على ما في صلته صرف الحق وجه الخطاب عنهم إلى ذكر خطاب نبيه صلى الله عليه وسلم لهم، فإن الله يخاطب العباد بإسقاط الواسطة بينه وبينهم ترفيعاً لأقدارهم لديه، فيرفع من شاء فيجيبه بما شاء، ويوقف من شاء فيجعل بينه وبينه في الخطاب واسطة من نبيه، فلما قررهم بما مضى من التذكير على ما واجههم به الحق تعالى ذكر في هذه الآية تقريرهم على ما خاطبهم به نبيهم حين أعرض الحق عن خطابهم بما أصابوه من قبيح خطيئتهم - انتهى. فقال {وإذ قال موسى لقومه} العابد للعجل والساكت عنه، والقوم قال الحرالي اسم من لهم منة في القيام بما هم مذكورون به، ولذلك يقابل بلفظ النساء لضعفهن فيما يحاولنه؛ وفيه تخويف لهذه الأمة أن يصيبهم مثل ما أصابهم في خطاب ربهم فيعرض عنهم - انتهى. {يا قوم} وأكد لعراقتهم في الجهل بعظيم ما ارتكبوه وتهاونهم به لما أشربوا في قلوبهم من الهوى فقال {إنكم ظلمتم أنفسكم} ظلماً تستحقون به العقوبة {باتخاذكم العجل} أي الهاً من دون الله، فجعلتم أنفسكم متذللة لمن لا يملك لها شيئاً ولمن هي أشرف منه، فأنزلتموها من رتبة عزها بخضوعها لمولاها الذي لا يذل من والاه ولا يعز من عاداه إلى ذلها بخضوعها لمن هو دونكم أنتم، هذا هو أسوأ الظلم، فإن المرء لا يصلح أن يتذلل ويتعبد لمثله فكيف لمن دونه من حيوان! فكيف بما يشبه بالحيوان من جماد الذهب الذي هو من المعادن وهو أخفض المواليد رتبة حين لم تبلغها حياتها أن تبدو فوق الأرض كالنبات من النجم والشجر ولما فيه من الانتفاع بما يكون من الحب والثمر الذي يُنتفع به غذاء ودواء والمعادن لا ينتفع بها إلا آلات ونقوداً منفعتها إخراجها لا إثباتها - قاله الحرالي: {فتوبوا إلى بارئكم} الذي فطركم من قبل أن تتخذوا العجل بريئين من العيب مع إحكام الخلق على الأشكال المختلفة. وقال الحرالي: البارىء اسم قائم بمعنى البرء وهو إصلاح المواد للتصوير، كالذي يقطع الجلد والثوب ليجعله خفاً وقميصاً، وكالذي يطحن القمح ويعجن الطين ليجعله خبزاً وفخاراً و - نحو ذلك، ومعناه التدقيق للشيء بحسب التهيؤ لصورته - انتهى. ولما كانت توبتهم بقتل أقاربهم وإن كانوا آباء أو أبناء عبر عنهم بالنفس لذلك وإشارة إلى خبث ما ارتكبوا فقال {فاقتلوا أنفسكم} أي التي أوجدها فقادتكم إلى غيره. قال الحرالي: والقتل قصل الحيوان قبل انتهاء قوته بمنزلة قصل الزرع قبل استحصاده - انتهى. ولما كان ما أمرهم به أمراً لا يكاد يسمح به عظّم الرغبة فيه بقوله {ذلكم} أي الأمر العظيم وهو القتل {خير لكم} والخير قال الحرالي ما يصلح في الاختيار من محسوس الأشياء وما هو الأصلح وما هو الأخير، وربما استعملت منه خيرٌ محذوفة فيقال: هو خير في نفسه، أي مما يختار، ويقال: هذا خير من هذا، أي أخير منه أي أصلح في الاختيار، وكذلك لفظ شر في مقابله وهما مشعران بمتوسط من الأشياء لا يختار لأجل زيادة صلاح ولا يطرح لأجل أذى ولا مضرة {عند} كلمة تفهم اختصاص ما أضيفت إليه بوجه مّا عام وأخص منه لدن، فلدن خاصتها وعند عامتها، كالذي يملك الشيء فهو عنده وإن لم يكن في حضرته - انتهى. {بارئكم} أي القادر على إعدامكم كما قدر على إيجادكم، وفي التعبير بالبارىء ترغيب لهم في طاعته بالتذكير بالإحسان وترهيب بإيقاع الهوان. ولما كان التقدير ففعلتم التوبة المأمور بها بأن قتل بعضكم بعضاً بتوفيقه لكم سبحانه مع ما فيه من عظم المشقة عطف عليه قوله {فتاب عليكم} أي مع عظم جرمكم، ولولا توبته عليكم ما تبتم؛ ثم علل ذلك بقوله {إنه} أي لأنه {هو التواب الرحيم} أي ما زال هذا صفة له لا لاستحقاق منكم عليه قال الحرالي: وفي إظهار هو مفصولة من ضمير وصلها إثبات معنى الرحمة لله ثبتاً لا يتبدل ولا يتغير إلا أنه من وراء غيب ما شاء الله من أدب وامتحان وعقاب، فلذلك ختمه باسمه الرحيم، لأن الختم أبدى إظهار للمعنى الأخفى من مضمون ما فيه الختم - انتهى. ولما استتيبوا عن عبادة العجل التي تقيدوا فيها بالمحسوس الذي هو مثل في الغباوة طلبوا رؤية بارئهم بالحس على ما له من صفات الكمال التي تأبى الابتذال ناسين لجميع النعم والنقم مسرعين في الكفر الذي هو من شأن الحائر والحال أن الفرقان الذي لا يدع شبهة ولا يبقى حيرة قائم بين أيديهم، لأنهم من الجمود والوقوف مع الوهم والحس بمكان عظيم، فذكرهم سبحانه ذلك مسلياً للنبي صلى الله عليه وسلم في إبائهم للإيمان به بما فعلوا مع موسى عليه السلام وهو أحدهم فقال {وإذ قلتم} أي بعد ما رأيتم من الآيات وشاهدتم من الأمور البينات {يا موسى} فدعوتموه باسمه جفاء وغلظة كما يدعو بعضكم بعضاً ولم تخصوه بما يدل على تعظيمه لما رأيتم من إكرام الله له وإكرامكم على يده {لن} وهي كلمة تفهم نفي معنى باطن كأنها لا أن، يُسِّر بالتخفيف لفظها - قاله الحرالي. {نؤمن لك} أي لأجل قولك. قال الحرالي: وجاء باللام لأنهم قد كانوا آمنوا به فتوقفوا عن الإيمان له الذي يتعلق بأمور من تفاصيل ما يأتيهم به، فمن آمن لأحد فقد آمن بأمور لأجله، ومن آمن به فقد قَبِل أصل رسالته { أية : يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } تفسير : [التوبة: 61] {حتى} كلمة تفهم غاية محوطة يدخل ما بعدها في حكم ما قبلها مقابل معنى لكي {نرى} من الرؤية وهي اطلاع على باطن الشيء الذي أظهر منه مبصره الذي أظهره منه منظره، ومنه يقال في مطلع المنام: رؤيا، لأن ذوات المرئي في المنام هي أمثال باطنه في صورة المنظور إليه في اليقظة - انتهى. {الله} أي مع ما له من العظمة {جهرة} أي عياناً من غير خفاء ولا نوع لبس. قال الحرالي: من الجهر وهو الإعلان بالشيء إلى حد الشهرة وبلاغه لمن لا يقصد في مقابلة السر المختص بمن يقصد به، وهذا المطلوب مما لا يليق بالجهر لتحقيق اختصاصه بمن يكشف له الحجاب من خاصة من يجوّزه القرب من خاصة من يقبل عليه النداء من خاصة من يقع عنه الإعراض، فكيف أن يطلب ذلك جهراً حتى يناله من هو في محل البعد والطرد! وفيه شهادة بتبلدهم عن موقع الرؤية، فإن موسى عليه السلام قال {أية : رب أرني } تفسير : [الأعراف: 143] وقال تعالى { أية : وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * } تفسير : [القيامة: 22-23] وقال عليه الصلاة والسلام: " حديث : إنكم ترون ربكم " تفسير : فالاسم المذكور لمعنى الرؤية إنما هو الرب لما في اسم الله تعالى من الغيب الذي لا يذكر لأجله إلا مع ما هو فوت لا مع ما هو في المعنى نيل، وذلك لسر من أسرار العلم بمواقع معاني الأسماء الحسنى فيما يناسبها من ضروب الخطاب والأحوال والأعمال، وهو من أشرف العلم الذي يفهم به خطاب القرآن حتى يضاف لكل اسم ما هو أعلق في معناه وأولى به وإن كانت الأسماء كلها ترجع معاني بعضها لبعض، {فأخذتكم} من الأخذ وهو تناول الشيء بجملته بنوع بطش وقوة - انتهى. أي لقولكم هذا لما فيه من الفظاعة وانتهاك الحرمة، {الصاعقة} قيل: هي صيحة، وقيل: نار نزلت من السماء فأحرقتهم، ويؤيده قوله {وأنتم تنظرون *} أي تلك الصاعقة فأماتتكم، لأنكم كنتم في طلبكم رؤيته على ضرب من حال عبدة العجل، فأماتكم كما أماتهم بالقتل. ولما كان إحياؤهم من ذلك في الدار في غاية البعد وخرق العادة عبر عنه بأداة التراخي ومظهر العظمة فقال {ثم بعثناكم} أي بما لنا من العظمة بالإحياء. قال الحرالي: من البعث وهو الاستثارة من غيب وخفاء، أشده البعث من القبور، ودونه البعث من النوم؛ قال: وتجاوز الخطاب ما كان من سبب بعثهم، وكذلك كل موضع يقع فيه ثم، ففيه خطاب متجاوز مديد الأمد كثير رتب العدد مفهوم لمن استوفى مقاصد ما وقعت كلمة ثم، بينه من الكلامين المتعاطفين؛ ففي معنى التجاوز من الخطاب سؤال موسى عليه السلام ربه في بعثهم حتى لا يكون ذلك فتنة على سائرهم - انتهى. ولما كان ربما ظن أن البعث من غشى ونحوه حقق معناه مبيناً أنه لم يستغرق زمن البعد بقوله: {من بعد موتكم} أي هذا بتلك الصاعقة، وقال دالاً على أن البعث إلى هذه الدار لا يقطع ما بنيت عليه من التكليف لأنها دار الأكدار فلا بد من تصفية الأسرار فيها بالأعمال والأذكار {لعلكم تشكرون} أي لتصير حالكم حال من يصح ترجي شكره لهذه النعمة العظيمة، وكل ما جاء من لعل، المعلل بها أفعال الرب تبارك وتعالى ينبغي أن تؤول بنحو هذا، فإن لعل، تقتضي الشك لأنها للطمع والإشفاق فيطمع في كون مدخولها ويشفق من أن لا يكون، وتارة يكون الشك للمخاطب وتارة يكون للمتكلم، ولو قيل: لتشكروا، لم يكن هناك شك - قاله الرماني في سورة يوسف عليه السلام. وقال الحرالي: وفي لعل، إبهام معلومه فيهم بأن منهم من يشكر ومنهم من لا يشكر - انتهى. وسيأتي في سورة طه إن شاء الله تعالى عن نص سيبويه في كتابه ما يؤيد ما ذكرته. وفي هذه الآية وما تقدمها من آية {واتقوا يوماً لا تجزي نفس} تنبيه للعرب من غفلتهم في إنكار البعث وإرشاد إلى سؤال ممن يغرّهم من أهل الكتاب بأنهم أولى بالحق من المسلمين عن هذه القصة التي وقعت لأسلافهم من إحيائهم بعد موتهم، وكذا ما أتى في محاوراتهم من قصة البقرة ونحوها مما فيه ذكر الإحياء في هذه الدار أو في القيامة. قال الحرالي: وفيه أي هذا الخطاب آية على البعث الآخر الذي وعد به جنس بني آدم كلهم فجأة صعق وسرعة بعث، فإن ما صح لأحدهم ولطائفة منهم أمكن عمومه في كافتهم - انتهى. ولما ذكرت الصاعقة الناشئة غالباً من الغمام كان أنسب الأشياء إيلاءها ذكر تظليل الغمام وناسب التحذير من نقمة الإحراق بالصاعقة والتذكير بنعمة الإيجاد من الموت الإتباع بذكر التنعيم في الإبقاء بالصيانة عن حر الظاهر بالشمس والباطن بالجوع.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة} قال: ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة، وذلك حين خلف موسى أصحابه واستخلف عليهم هرون، فمكث على الطور أربعين ليلة وأنزل عليهم التوراة في اللوح، فقربه الرب نجياً وكلمه وسمع صرير القلم، وبلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط الطور. أما قوله تعالى {ثم اتخذتم} . أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: اسم عجل بني إسرائيل الذي عبدوه يهبوب.
ابو السعود
تفسير : {وَإِذْ وٰعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} لما عادوا إلى مصرَ بعد مهلك فرعونَ وعد الله موسى عليه السلام أن يعطيه التوراة وضرب له ميقاتاً ذا القَعْدة وعشرَ ذي الحِجة وقيل: وعد عليه السلام بني إسرائيلَ وهو بمصر إن أهلك الله عدوَّهم أتاهم بكتاب من عند الله تعالى فيه بـيانُ ما يأتون وما يذرون فلما هلك فرعونُ سأل موسى ربه الكتاب فأمره بصومِ ثلاثين وهو شهرُ ذي القعدة ثم زاد عشراً من ذي الحجة وعبر عنها بالليالي لأنها غُررُ الشهور وصيغة المفاعلة بمعنى الثلاثي وقيل: على أصلها تنزيلاً لقبول موسى عليه السلام منزلةَ الوعدِ و(أربعين ليلةً) مفعول ثانٍ لواعدنا على حذف المضافِ أي بمقام أربعين ليلةً وقرىء (وعَدْنا) {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ} بتسويل السامري إلهاً ومعبوداً وثم للتراخي الرتبـي، {مِن بَعْدِهِ} أي من بعد مشْيِه إلى الميقات على حذف مضاف {وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ} بإشراككم ووضعِكم للشيء في غير موضعِه وهو حالٌ من ضمير اتخذتم أو اعتراضٌ تذيـيليّ أي وأنتم قومٌ عادتُكم الظلم. {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ} حين تبتم، والعفوُ محوُ الجريمة من عفاه درَسه وقد يجيء لازماً قال: شعر : عرفـتُ المنـزلَ الخالي عفا من بعد أحــوالِ عـفــاه كــلُّ هتــانٍ كـثـيــــرِ الـوَبْــل هطّــالِ تفسير : وقوله تعالى: {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي من بعد الاتخاذ الذي هو متناهٍ في القُبح للإيذان بكمال العفو بعد تلك المرتبة من الظلم {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لكي تشكروا نعمةَ العفو وتستمرّوا بعد ذلك على الطاعة.
القشيري
تفسير : شتَّان بين أمة وأمة؛ فأُمَّةُ موسى عليه السلام - غاب نبيُّهم عليه السلام أربعين يوماً فاتخذوا العِجْلَ معبودَهم، ورضوا بأن يكون لهم بمثل العجل معبوداً، فقالوا: {أية : هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ}تفسير : [طه: 88] وأمة محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم مضى من وقت نبيِّهم سنون كثيرة فلو سمعوا واحداً يذكر في وصف معبودهم ما يوجب تشبيهاً لما أبْقَوْا على حشاشتهم ولو كان في ذلك ذهاب أرواحهم. ويقال إن موسى - صلوات الله عليه - سلَّم أمته إلى أخيه فقال: اخلفني في قومي، وحين رجع وجدهم وقعوا في الفتنة، ونبيُّنا - صلوات الله عليه - توكَّل على الله فلم يُشِرْ على أحَدِ في أمر الأمة وكان يقول في آخر حاله: الرفيق الأعلى. فانظر كيف تولَّى الحق رعاية أمته في حفظ التوحيد عليهم. لعمري يُضَيِّعون حدودَهم ولكن لا ينقضون توحيدَهم.
البقلي
تفسير : {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} اراد الله تعالى ان تقدسَ موسى من العَادة والطبيعة ورسم البشرية بصفاء الخلوة ونيران الجوع ليتهيأ له استعداد اذ تحمل انوار المشاهدة والخطاب فصار سنة لاوليائه مِنْ طُلاّب المعرفة والمشاهدة تلك الابعين وايضاً اراد اَنْ يُرَبيَّه في كنَفَ قُربه حَتَّى يقدران يَسُمَع كلامه القديم لان تحمل الحقائق لا يكون لاحٍ حتى يتستقيم في الورادات والصادات من التجلى والتدلى.
اسماعيل حقي
تفسير : {و} اذكروا يا بنى اسرائيل {اذ واعدنا} وقت وعدنا وصيغة المفاعلة بمعنى الثانى او على اصلها فان الوعد وان كان من الله فقبوله كان من موسى وقبول الوعد شبه الوعد او ان الله تعالى وعده الوحى وهو وعده المجيىء للميقات الى الطور {موسى} مفعول اول لواعدنا "مو" بالعبرانية الماء و"شى" بمعنى الشجر فقلبت الشين المعجمة سينا فى العربية وانما سمى به لان امه جعلته فى التابوت حين خافت عليه من فرعون وألقته فى البحر فدفعته امواج البحر حتى أدخلته بين اشجار عند بيت فرعون فخرجت جوارى آسية امرأة فرعون يغسلن فوجدن التابوت فأخذنه فسمى عليه السلام باسم المكان الذي اصيب به وهو الماء والشجر ونسبه عليه الصلاة والسلام موسى بن عمران بن يصهر بن فاهت بن لاوى بن يعقوب اسرائيل الله بن اسحق بن ابراهيم عليه السلام {اربعين ليلة} اى تمام اربعين ليلة على حذف المضاف مفعول ثان امره الله تعالى بصوم ثلاثين وهو ذو القعدة ثم زاد عليه عشرا من ذى الحجة وعبر عنها بالليالى لانها غرر الشهور وشهور العرب وضعت على سير القمر ولذلك وقع بها التاريخ فالليالى اولى الشهور والايام تبع لها او لان الظلمة اقدم من الضوء {ثم اتخذتم العجل} وهو ولد البقرة بتسويل السامرى آلها ومعبودا {من بعده} اى من بعد مضيه الى الميقات وانما ذكر لفظة ثم لانه تعالى لما وعد موسى حضور الميقات لانزال التوراة عليه وفضيلة بنى اسرائيل ليكون ذلك تنبيها للحاضرين على علو درجتهم وتعريفا للغائبين وتكملة للدين كان ذلك من اعظم النعم فلما أتوا عقب ذلك باقبح انواع الكفر والجهل كان ذلك فى محل التعجب فهو كمن يقول اننى احسنت اليك وفعلت كذا وكذا ثم انك تقصدنى بالسوء والاذى {وانتم ظالمون} باشراككم ووضعكم للشىء فى غير موضعه اى وضع عبادة الله تعالى فى غير موضعها بعبادة العجل وهو حال من ضمير اتخذتم.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {أربعين}: مفعول لواعدنا، لا ظرف، و {العجل}: مفعول أول، والثاني محذوف، أي: اتخذتموه إليهاً، و {الفرقان}: معطوف على {الكتاب}. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكروا أيضاً حين {وَاعَدْنَا مُوسَى} أن يصوم {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} بأيامها متواصلة، وذلك حين طلبتم منه أن ينزل عيه الكتاب فيه بيان الأحكام، ثم لما صامها، وهي: ذو القعدة وعشر ذي الحجة، وأتى إلى المناجاة، كفرتم، و {اتَّخَذْتُمُ الْعَجْلَ} الذي صاغه السامِريُّ من الحُليّ، الذي أخذته نساء بني إسرائيل من القبط عارية، ففرّوا به ظنّاً منهم أنه حلال، فقال لهم هارون عليه السلام: لا يحل لكم، فطرحوه في حفرة، فصاغ منه السامري صورة العجل، وألقى في جوفه قبضة أخذها من تحت حافر فرس جبريل عليه السلام حين عبر معهم البحر، فجعل يخور، فقال السامري:{أية : هَذَآ إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى}تفسير : [طه: 88]، {وأنتم ظالمون} في عبادته، {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم} بالتوبة وقتل النفس على ما يأتي، {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، فلا فلا تعصون نعمة، {و} اذكروا أيضاً {إذْ آتينا موسَى الكِتَابَ} الذي طلبتم، وهو التوراة، وهو {الفرقان} الذي فرقنا فيه بين الحق والباطل، كي تهتدوا إلى الصواب فتنجوا من العذاب. الإشارة: ما زالت الأشياخ والأولياء الأقدمون ينتحلون طريق سيدنا موسى عليه السلام في استعمال هذه الأربعين، ينفردون فيها إلى مولاهم، مؤانسة ومناجاة، وفي ذلك يقول ابن الفارض رضي الله عنه: شعر : وصِرْتُ مُوسَى زَمَاني مذ صارَ بَعْضِيَ كُلِّي تفسير : وقال: شعر : صارتْ جِبالِيَ دكّاً مِنْ هَيْبَةِ المُتَجَلِّي تفسير : فيفارقون عشائرهم وأصحابهم في مناجاة الحبيب، والمؤانسة بالقريب، فمن أصحابهم مَن يبقى على عهده في حال غيبة شيخه، من المجاهدة والمشاهدة، ومنهم مَن تسرقه العاجلة فيرجع إلى عبادة عجل حظه وهواه؛ فيظلم نفسه بمتابعة دنياه، فإن بادر بالتوبة والإقلاع، ورجع إلى حضرة شيخه بالاستماع والاتباع، وقع عنه العفو والغفران ورجا ما كان يؤمله من المشاهدة والعيان، وإلا باء بالعقوبة والخسران، وكل مَن اعتزل عن الأحباب والعشائر والأصحاب، طالباً جمع قلبه، ورضى ربه، فلا بد أن ترد عليه أسرار ربانية ومواهب لدنية، من لدن حكيم عليم، يظهر بها الحق، ويدفع بها الباطل، فيفرق بين الحق والباطل. والله تعالى أعلم.
الطوسي
تفسير : القراءاة: قرأ {واعدنا} بغير الف أهل البصرة، وابو جعفر هنا وفي الاعراف، وطه وقرأ الباقون بالف قبل العين، وقرأ ابن كثير وحفص والبرجمي ورويس {اتخذتم} (واخذتم) وما جاء منه باظهار الذال. ووافقهم الأعشى فيما كان على وزن افتعلت وافتعلتم. الباقون بالادغام. حجة من قرأ باثبات الالف دلالة الله على وعده وقبول موسى لأنه اذا حسن في مثل قوله: {أية : أخلفوا الله ما وعدوه} تفسير : الاخبار كان هنا في الاختيار واعدنا. ومن قرأ بالالف، قال: هو اشد مطابقة للمعنى اذا القبول ليس بوعد في الحقيقة انما هو اخبار الموعود بما يفعل به من خير. وعلى هذا قوله: "اخلفوا الله لما وعدوه" مجاز حقيقة بما اخبروه انهم فاعلوه وقال جماعة من أهل العلم: ان المواعدة في الحقيقة لا تكون إلا من البشر والله تعالى هو المتفرد بالوعد والوعيد. كما قال تعالى {أية : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين}تفسير : وقال: {أية : وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات} تفسير : والقراءتان جميعاً صحيحتان قويتان اللغة: "وإذ" معطوفة على الآيات المتقدمة: كأنه قال: واذكروا اذ وعدنا وبينا وجه الحسن فيه فالوعد، والعدة، والموعد والميعاد، نظائر. والوعد في الخير والوعيد في الشر يقال وحده: وعدا. واوعده: ايعاداً. وواعده: مواعدة. تواعدوا: تواعداً. واتعدوا: اتعاداً. وتوعدوا ـ في الشر خاصة ـ قال صاحب العين: الوعد والعدة مصدران ويكونان اسمين. فاما العدة فيجمع على العدات والوعد لا يجمع. والموعد: موضع التواعد. وهو الميعاد. ويكون الوعد مصدر وعدته. ويكون الموعد وقتاً للحين. والموعدة اسم العدة. والميعاد: لا يكون إلا وقتاً أو موضوعا. والوعيد من التهدد، أوعدته المكاره ويقال ايضاً: وعدته من الشر كقوله: {أية : النار وعدها الله الذين كفروا} تفسير : ووعد الفحل: اذا هم ان يصول. واصل الباب: الوعد الذي هو الخبر بانه سيفعل بالمخبر به خيراً أو شراً وقال احمد ابن يحيى: تقول أوعدته، وتسكت أو تجيء بالباء تقول: أوعدته بالشر ولا تقول اوعدته الشر. وموسى اسم مركب من اسمين بالقبطية (فمو) هو الماء و (سى) شجر. وسمي به، لأن التابوت الذي كان فيه موسى وجد عند الماء، والشجر وجدنه جواري آسية امرأة فرعون وقد خرجن ليغتسلن، فسمي بالمكان الذي وجد فيه وهو موسى بن عمران بن يصمر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب اسرائيل الله. المعنى: وقال: {أربعين ليلة} ولم يقل يوماً على عادة العرب في التاريخ بالليالي، لأن الأهله تطلع فيها. واعتمادهم على الأهلة. وقال الأخفش. وعد باتمام اربعين ليلة، أو انقضاء اربعين ليلة كقولك: اليوم أربعون يوما مذ خرج فلان. واليوم يومان: أي تمام يومين. وقال غيره: الاربعون كلها داخلة في الميعاد. قال ابو العالية: واعدنا موسى اربعين ليلة يعني ذا القعدة وعشراً من ذي الحجة وقال غيره: ذا الحجة وعشراً من المحرم. وذلك حين خلف موسى اصحابه واستخلف عليهم هارون فمكث على الطور أربعين ليلة وانزلت عليه التوراة في الالواح. وعن الربيع نحوه. وقال الطبري: لا يجوز ما قاله الاخفش، لأنه خلاف ظاهر التلاوة وما جاءت به الرواية قال الرماني: في هذا غلط ظاهر. ان الوعد لا يتصل وقوعه في الاربعين كلها اذا كان الوعد هو الاخبار الموعود بما فيه النفع، فلم يكن ذلك الخبر في طول تلك المدة فلا بد على ذلك ان يكون التقدير على ما قاله الاخفش أو على وعدناه اقامة اربعين ليلة للمناجاة أو غيبته اربعين ليلة عن قومه للمناجاة، وما اشبه ذلك من التقدير. قال ابو علي: لا يخلو ان تكون {أربعين} ظرفا مفعولا ثانياً. ولا يجوز ان تكون ظرفا، لأن الوعد ليس فيها كلها فيكون جواب كم. ولا في بعضها فيكون جوابا لمتى. فاذا لم تكن ظرفا كانت منتصبة بوقوعها موقع المفعول الثاني. فيكون تقديره: وعدنا موسى انقضاء اربعين ليلة أو تتمة أربعين ليلة فحذف المضاف كما يقول اليوم خمسة عشر من الشهر أي تمامه. اللغة: والاربعة عدد يزيد على الثلاثة، وينقص عن الخمسة يقال: ربع يربع ربعا. وربع تربيعا وتربع تربعا. وارتبع ارتباعا تقول ربعت القوم فانا رابعهم. والرابع من الورد وهو ان تحبس الابل عن الماء اربعة ايام ثم ترد يوم الخامس. وربعت الحجر بيدي ربعا اذا رفعته عن الارض بيدك. وارتبعت الحجر كذلك. وربعت الوتر اذا جعلته اربع طاقات، وتقول: أربع على ضلعك، واربع على نفسك، واربع عليك كل ذلك واحد بمعنى انتظر. والربع المنزل والموطن. والربع الفصيل الذى نتج في الربيع وما ينتج بالصيف يقال له: هبع وفي المثل ما له هبع ولا ربع. ورجل ربعة ومربوع: ليس بطويل ولا قصير. والربعة: الجونة. والمرباع كانت العرب اذا غزت اخذ رئيس القوم ربع الغنيمة، والباقي بينهم. واول الاسنان الثنايا، ثم الرباعيات وهي اربعة ثنيتان من تحت وثنيتان من فوق والواحد رباعية واربع الفرس اذا القى رباعية من السنة الاخرى. والجمع الربع. والربيعة: هي البيضة من السلاح. يقال: ربعت الارض فهي مربوعة من الربيع. وارتبع القوم: اذا اصابوا ربيعا وحمر ربع ما لي يوم الرابع والمربعة خشبة تشال بها الاحمال، وتوضع على الابل والربع: الباهر. ورجل مربوع ومربع: اذا اخذته حمى الربع والربيع حظ من الماء للارض ربع يوم او ربع ليلة يقال لفلان في الماء ربيع وربع المال جزء من اربعة ويقال له: ربيع ولم يتجاوز العرب في هذا المعنى الثمين وقال بعضهم: التسيع والعشير والاول اظهر واصل الباب الاربعة من العدد والاربعة تجري تارة على نفس العدد، واخرى على المعدود فاذا اجربته على العدد، قلت اربعة اثواب واذا اجريته على المعدود قلت. اثواب اربعة. وليلة وعشية ومساء نظائر ويقال يوم وليلة. على طريق النقيض. قال صاحب العين: الليل ضد النهار. والليل ظلام الليل. والنهار الضياء. فاذا افردت احدهما من الآخر قلت: ليلة ويوم تصغيرها لييلة اخرجوا الياء الاخيرة من مخرجها في الليالي يقول بعضهم: انما كان بناؤها ليلاء فقصر يقولون: هذه ليلة ليلاء: اذا اشتدت ظلمتها. قال الكميت: شعر : وليلهم الاليل تفسير : هذا لضرورة الشعر. في الكلام ليلاء. والليلة: الوقت من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني. واليوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. قال ابو زيد اتخذنا ما لا فنحن نتخذه اتخاذاً وتخذت تخذا. قال ابو علي اتخذ افتعل ومنه تخذت. قال الله تعالى: {أية : لو شئت لاتخذت عليه أجرا}تفسير : وتخذت: لا يتعدى، إلا إلى مفعول واحد. واتخذت تارة يتعدى إلى مفعول واحد وتارة إلى مفعولين فتعديه إلى مفعول واحد. مثل قوله: {أية : يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا} تفسير : ومثل قوله: {أية : واتخذوا من دون الله آلهة}تفسير : وتعديه إلى مفعولين مثل قوله تعالى {أية : اتخذوا أيمانهم جنة} تفسير : وقوله: {أية : لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء}تفسير : وقوله: {أية : فاتخذتموهم سخريا} تفسير : ومن ادغم فلقرب مخرج الذال من مخرج التاء. ومن لم يدغم فلان مخرجهما متغاير. والعجل والثور والبقرة نظائر. الا أن العجل هو البقرة الصغيرة ويقال عجل وعجول. واشتقاقه من عجل يعجل عجلة واعجله اعجالا. واستعجل استعجالا. وتعجل تعجلا. وعجل تعجيلا. وعاجلته معاجلة. وتعاجلوا تعاجلا. ورجل عَجِل وعَجُل لغتان. وتقول: استعجلت فلانا أي حثثته واعجلت فلانا اعجله اعجالا وتعجلت خراجه أي كلفته ان يعجله ورجل عجلان وامرأة عجلى وقوم عجال ونسوة عجال. والعجال الابل. والعجل عجل الثيران والواحدة عجلة ويجمع على الاعجال والعجالة ما تعجلت من شيء. والعجالة طعام الراكب الذي لا يحسن طبخه ويقال: هو تمر ولبن والعجلة الادواة الصغيرة وهي المطهرة. والجمع العجال. والعاجلة: نقيض الآجلة يعني الدنيا والآخرة. والعاجل: نقيض الآجل عام في كل شيء تقول عاجل وآجل. والعجل: ولد البقرة. وجمعه عجاجيل ويقال عجول. والانثى: عجولة وقوله: {أية : خلق الأنسان من عجل} تفسير : يقال إن آدم "ع" حين بلغ الروح منه إلى الركبتين همّ بالنهوض قبل ان تبلغ القدمين فقال الله تعالى: {خلق الأنسان من عجل} واورثنا آدم العجلة. والعجل الظنين: من غير الخليل والعجل خشب يؤلف شبه المحفة تجعل عليه الاثقال. وجمعه الاعجال. وصاحب عجال واصل الباب العجل الذي هو الاسراع. والعجلة والسرعة والخفة نظاير ونقيض العجلة التأني ونقيض السرعة: الابطاء وبعد نقيض قبل تقول: كان هذا بعد هذا. وتقول: بعد بعدا. او ابعده الله إبعاداً وتباعد تباعدا وباعده مباعدة. واستبعده استبعاداً. وبعده تبعيداً. وتبعد تبعدا. قال صاحب العين بعد لما يكون على اثر الشيء اذا كان قد مضى فاذا افردوا قالوا: هو من بعد: كقوله تعالى: {أية : لله الأمر من قبل ومن بعد} تفسير : وتقول: بعداً وسحقا. ويقرأ: {أية : باعد بين أسفارنا}تفسير : وبعد بمعنى واحد. والابعد نقيض الاقرب. والجمع: اباعد واقارب ويقرأ {بعِدت ثمود} و {بَعُدت ثمود} ومعناهما واحد إلا انهم يقولون: بعد الرجل وابعده الله والبعد من اللعن يقول: ابعده الله أي لا يرثي له مما نزل به وقال ابن دريد: البعد: ضد القرب وبعد ضد قبل. وسمع ابو زيد العرب تقول: فلان غير بعيد وغير بعد واصل الباب البعد نقيض القرب. المعنى: ومعنى قوله: {ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون} أي اتخذتموه إلهاً لأن بنفس فعلهم لصورة العجل لا يكونون ظالمين، لأن فعل ذلك ليس بمحظور وانما هو مكروه وما روي عن النبي "صلى الله عليه وسلم" انه لعن المصورين معناه: من شبه الله بخلقه او اعتقد فيه انه صورة فلذلك قدر الحذف في الآية. كانه قال: اتخذتموه الهاً وذلك انهم عبدوا العجل بعد موسى لما قال لهم السامري: هذا الهكم واله موسى. فنسي اي ترك آلهم ومضى ناسيا. وقيل: بل معنى فنسي اي فترك ما يجب عليه من عبادة الله. قصة السامرى: وكان سبب عبادتهم العجل ما ذكره ابن عباس. ان السامري كان رجلا من اهل (با كرم) وكان من قوم يعبدون البقر. وكان حب عبادة البقر في نفسه. وكان قد اظهر الاسلام في بني اسرائيل، فلما قصد موسى إلى ربه خلف هرون في بني اسرائيل: قال لهم هرون: انكم تحملتم اوزارا من زينة آل فرعون، وامتعة وحلي، فتطهروا منها، فانها بخس، واوقد لهم ناراً. وقال لهم: اقذفوا ما كان معكم فيها. فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الامتعة ووذلك الحلي، فيقذفون به فيها. حتى اذا انكسر الحلي ورأى السامري اثر فرس جبرئيل، فأخذ ترابا من اثر حافره، ثم اقبل إلى النار. فقال لهرون يا نبي الله القي ما في يدي؟ قال نعم ولم يظن هرون الا انه كبعض ما جاء به غيره من الحلي والامتعة. فقذف فيها وقال كن عجلا جسداً له خوار وكان البلاء والفتنه وقال: هذا الهكم واله موسى، فعكفوا عليه واحبوه حبا لم ير مثله قطاً. اللغة: وسمي العجل عجلا مأخوذ من التعجيل لأن قصر المدة كالعجل في الشيء. وقال ابو العالية: انما سمّي العجل عجلا، لانهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى. وقال الحسن صار العجل لحماً ودماً. وقال غيره لا يجوز لأن ذلك من معجزات الانبياء. ومن وافق الحسن قال: ان القبضة من اثر الملك كان الله قد اجرى العادة بانها اذا طرحت على اي صورة كانت حية، فليس ذلك بمعجزة اذ سبيل السامري فيه وسبيل غيره سواء. ومن لم يجز انقلابه حيا، فاوّل الخوار على ان السامري جعل فيه خروقا، فدخلها الريح فحدث فيه صوت كالخوار. وانما قال: {وأنتم ظالمون} يعني ظالمي انفسهم اذا دخلوا عليها الضرر بما يستحقون على عبادته من العقوبة والظلم. وقد يكون للنفس وقد يكون للغير. وانما وصفوا بانهم اتخذوا العجل الها وهي صفة ذم لهم بما لم يفعلوا لرضاهم بما كان عليه اسلافهم، وسلوكهم طرائقهم في المخالفة لأمر الله، والذم على الحقيقة على افعالهم فان كان اللفظ على افعال اسلافهم فاخرج اللفظ مخرج من كانهم فعلوا ذلك لسلوكهم تلك الطرق وعدولهم إلى المخالفة. فالذم متعلق بما كان منهم في الحقيقة، فان قيل: هل هذا الميقات في قوله: واعدنا موسى ثلثين ليلة واتممناها بعشر. قيل: قال ابو علي وابو بكر بن اخشاذ واسمه احمد بن علي ان هذا ذاك وفي الناس من قال: هو غيره والاول اظهر، وانما ذكر الثلاثين واتمها بعشر والاربعين قد تكمل بعشرين وعشرين، لأن الثلاثين اراد بها ذا القعدة وذا الحجة فذكر هذا العدد لمكان الشهر ثم ذكر ما يتم به العدد اربعين ليلة. وانما قال {أربعين ليلة} ولم يقل اربعين يوماً، لتضمن الليالي الايام على قول المبرد، ومعنى ذلك: انه اذا ذكرت الليالي دخلت فيها الايام وليس اذا ذكرت الايام دخلت الليالي فيها. هكذا هو الاستعمال، والصحيح ان العرب كانت تراعي في حسابها الشهور والأيام والأهلة. فاول الشهر الليالي ولذلك ارخت بالليالي وغلبتها على الايام ولذلك صارت الايام تابعة لليالي. واكتفى بذكر الليالي من الايام، فقيل لعشر خلون. ولم يقولوا لعشرة لأنه جرى على ما جرى على الليالي. "واتخذ" قال الرماني: وزنه افتعل واصله يتخذ فقلبت الياء تاء وادغمت في التاء التي بعدها وقال ابو علي يتخذت وليس من اخذت، لان الهمزة لا تبدل من الياء ولا تبدل الياء منها، واتخذت لا تكون افتعلت من اخذت وتكون ابدلت الهمزة ياء ثم ادغمت في التاء كما قالوا يسر الجزور وهو من اليسر لانه لا يجوز على قول اصحابنا لاختلاف الحرفين وفائدة الآية التعجب من قولهم اذ كانوا في مقدار هذه المدة اليسيرة لغيبة موسى عنهم اتخذوا العجل الها وادغام الذال عند التاء جائز وتركه أيضاً كذلك جائز.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : الوَعْد، والموعِد، والوعيد والعِدة، والموعِدة مصادر. والفعل يتعدّى إلى مفعولين، ويجوز الاقتصار على أحدهما. والمفعول الثاني فيه إمّا {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} أو المقدّر، وهو أن يعطيه الله التوراة ونحو ذلك، لأنّه لمّا دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون، ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعَد الله موسى أن ينزّل عليهم التوراة. و {وَعَدْنَا} قراءة أهل البصرة وأبي جعفر، وقرأ الباقون {وَاعَدْنَا} - بالألف - وكذا في الأعراف، وطه. أما حجَّة مَن قرأ بغير الألف فواضحٌ، لأنّ الوعد كان من الله، والمواعَدة لا تكون إلاّ من الجانبين. وأمّا حجة الباقين فوجوه: أحدها: إنّ الوعْد وإن كان مِن الله، فقبوله كان من موسى (عليه السلام)، وقبول الوعد يشبه فعل الوعْد. وهذا كما يطلق أهل الميزان النقيض لكلّ واحدة من القضيتين اللتين أحدهما سلب للأخرى، مع أن نقيض الشيء رفعه، فيكون السالبة نقيضاً للموجبة - دون العكس - إلاّ أنّه أطلق عليهما المتناقضتان باعتبار أنّ أحدهما رفع، والأخرى مرتفعة به، ففيها أيضاً معنى الرفع في الجملة، وبهذا القدر صحّ إطلاق المتناقضتين عليهما، وإن لم يصح إطلاق النقيضين على كلّ منهما بانفراده، وكذا الحكْم في الزوجين والمتمّمين، حيث إنّ لكل منهما مدخلاً في الزوجيّة والتتميم. وثانيها: إنّه لا يبعد أن يكون الآدمي يَعِدُ الله تعالى، بمعنى أنَّه يعاهد الله. وثالثها: إنَّ الله تعالى وعدَه الوحي، وهو وَعَد الله المجيء للميقات إلى الطور وهذا أقوى. والقراءتان جميعاً قويتان. و {مُوسَىٰ} اسمٌ مركّب من اسمين بلغة القبط، فـ "مُو" هو الماء. و "سى" الشجر. سمّي بذلك لأنّ التابوت الذي كان جعلت أمّ موسى إيّاه فيه - حين خافت من فرعون، وألقته في البحر، فدفعته الأمواج بين أشجار عند بيت فرعون - وجدته جواري آسية امرأة فرعون عند الماء والشجَر، وقد خرجْن ليغتسلنَ بذلك المكان، فسمّي (عليه السلام) باسم المكان الذي وجد فيه، وهو الماء والشجر. وهذا أصح الأقوال. وفيه وجهان آخران مقدوحان: أحدهما: إنَّ وزنه "فُعلى"، والميم فيه أصلية من "مَاسَ، يَميس، موساً" إذا تبختَر في مشيِه. وكان (عليه السلام) كذلك. وثانيهما: إنَّ وزنه مُفعَل، من "أوسيت الشجرة" إذا أخذت ما عليها من الورَق. فكأنّه سمي بذلك لصلْعه. ووجه انقداحهما أنّ بني إسرائيل والقبط ما كانوا يتكلّمون بلغة العرب، وأيضاً إنّ هذا الاسم عَلَمٌ، والعلَم لا يفيد معنى غير الذات الشخصيّة. وهو (عليه السلام) موسى بن عمران بن يصهر بن فاهث بن لاوي ابن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - صلوات الله على نبيّنا وعليهم أجمعين -. وانتصاب {أَرْبَعِينَ} إمّا بالظرفية، أو على أنّه مفعول ثان. والثاني أولى، لأنّ الوعد ليس فيها كلّها، كما في جواب "كمْ" ولا في بعضها كما في جواب "مَتى" بل يقضي الأربعين، فيكون انتصابه بوقوعه موقع المفعول الثاني، فالتقدير: وعَدنا موسى انقضاء أربعين ليلة. أو تمام أربعين ليلة على حذف المضاف، كقولهم: "أربعين يوماً منذ خرج فلان" أي: تمام الأربعين. و {لَيْلَةً} منتصبة على التمييز للعدد "أربعين"، وهو شهر ذي القعدة، وعشر ذي الحجة. ويحتمل أن يكون المراد، أنّه تعالى وعَد موسى قبل هذا الأربعين أن يجيء إلى الموعد - أي الطور - بعد انقضاء هذا الأربعين، حتّى تنزل عليه التوراة ويحتمل أن يكون المراد، أنَّه أمَر بأن يجيء إليه هذا الأربعين، ووعَد بأنّه ينزّل بعد ذلك التوراة، وهذا الثاني هو المؤيّد بالأخبار. وعبّر عنها بالليالي، لأنّها غُرر الشهور، فإنّ أوّل كلّ شهر إنّما يبيّن بليله الذي يظهر فيه هلاله. وقيل: لأنّ الظُّلمة سابقة على النور وفيه تأمّل. فصل كانت المواعدة ثلاثين ليلة أو أربعين؟ واعلم أنَّ قوله تعالى هاهنا يدلّ أن المواعدة كانت من أوّل الأمر على الأربعين، وفي الأعراف حيث قال: {أية : وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} تفسير : [الأعراف:142]. يفيد أنّ المواعدة كانت أولاً على ثلاثين ليلة، ثمّ بعد ذلك واعدَه بعشر، فلا بدّ في التوفيق بينهما من نكتة. قال الحسن: ليس المراد أنّ وعده كان ثلاثين ليلة، ثمّ بعد ذلك وعدَه بعشر، لكنّه وعده أربعين ليلة جميعاً، وهو كقوله تعالى: {أية : ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي ٱلْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} تفسير : [البقرة:196]. هذا ما في التفسير. وذكر بعض العلماء أنّه روي أنّ موسى (عليه السلام) وعد بني إسرائيل - وهم بمصر - أنّ الله تعالى إذا أهلك عدوّهم فرعون، وقومه، واستنقذهم من أيديهم، يأتيهم بكتاب من عند الله فيه بيان الحلال والحرام، والحدود والأحكام فلمّا فعل ذلك، وأهلك فرعون سأل موسى ربّه الكتابَ. فأمره الله تعالى أن يصوم ثلاثين يوماً - وهو ذو القعدة -. ولم يكن صوم موسى (عليه السلام) ترك الطعام في النهار وأكْله بالليل. بل طَوى الثلاثين من غير أكْل. فلمَّا تمّت ثلاثون ليلة أنكَرَ خلوفَ فمه. فتسوّك بعود خرنوب فقالت الملائكة: "كنّا نشمّ مِن فِيك رائحةَ المسك فأفسدتَه بالسواك" فأمَره الله تعالى أن يصومَ عشرة أيّام من ذي الحجة. وقال له: "أما علِمتَ أنَّ خُلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك"؟ واعلم أنّه قد حصَل لموسى (عليه السلام) في هذه المدّة المضروبة له من الله استعداد المكالمة له مع الله بواسطة انقطاعه عن الطعام والشراب، واجتنابه عن اللَّذات، والشواغل الحسيّة. وكذلك استفاضة العلوم اللدنيّة، والمعارف الإلهية، وهي ضرب من المكالمة - لأنّ حقيقة التكلّم إظهار ما يدلّ على المعاني الغائبة عن الحواسّ، سواء كان بخلْق الألفاظ، أو بإفاضة صور الحقائق على النّفْس - لا تحصل إلاّ بتخلية المدارك والحواسّ عن الاشتغال بشواغل الدنيا وأغراضها، وتخلية الجوف عن الطعام، ومنع اللسان عن الكلام إلاّ بذكر الله، وعدم اشتغال القلب بما سوى الحقّ، فإن جميع ذلك مما يعدّ النفس الشريفة الزكيّة للمكالمة الحقيقية مع الله تعالى، وإفاضة صور الحقائق عليها. ولا يختصّ ذلك بمدّة دون أخرى. غير أنّ تعيين الأربعين والحكمة في ذلك لا يطّلع عليه إلاّ الأنبياء والكمّل من الأولياء (عليهم السلام). وذكَر بعض العرفاء نكتة لطيفة في بيان ذلك وهي: "إنّ الله سبحانه لمّا أراد تكوين آدم (عليه السلام) من التراب، قدَّر التخمير بهذا القدر من العدد، كما وردت "خمّرتْ طينة آدم بيده أربعين صباحاً". فكان آدم (عليه السلام) لما كان مستصلحاً لعمارة الدارين؛ لكونه مركباً من جوهرين: أحدهما: ملكوتي أُخروي وهو روحه. والآخر: ملكيّ دنيويّ وهو قالبه، فأراد الله منه عمارة الدنيا وعمارة الجنّة، فكوّنه من التراب تكويناً يناسب عالَم الحكمة والشهادة أوّلاً، ويناسب عالَم الغيب والرحمة ثانياً. وما كانت عمارة النشأة الأولى تتأتّى منه إلاّ ويكون خلقته من أجزاء أرضيّة وقُوى سفلية، بحسب قانون الحكمة. فمن التراب كوّنه، وأربعين صباحاً خمّر طينته، وأودع فيه بحسب كلّ تخمير مرتبة من القوى والآلات، وطبقة من التجسّم والأعضاء والأدوات، يوجب كلّ مرتبة وطبقة منها نوعاً من البعد عن الحضرة الإلهيّة في القوى النزوليّة. فاحتجب عن عالَم القدس والوحدة، بالتوجّه إلى عمارة الدنيا، وزينة التركيب لبُعده بالتخمير أربعين صباحاً بأربعين حجاباً عن الحضرة الإلهية، كلّ حجاب معنى مودع فيه يصلح لعمارة الدنيا وزينتها، من القُوى النفسانيّة، والحيوانيّة، والنباتيّة، والطبيعيّة. ويتعوّق به عن مراتب القُرب. ولو لم يتعوّق الآدمي بهذه الحُجب والكثائف عن عالَم القدس، ومواطن القرب ما تعمّرت الدنيا. فمنشأ بُعده عن مقام القُرب لعمارة الدنيا، وفي ذلك من لطائف صُنْع الله والحكمة ما لا يخفى. فالتبتّل إلى طاعة الله، والاقبال إليه، والرجوع عن أمر المعاش، وما يتعلّق بالدنيا كلّ يوم يخرج عن حجاب من هذه الحُجب، ويتّخذ منزلاً في القُرب في القوس العروجية من الحضرة الإلهيّة - التي هي مجمع العلوم، ومنبع المكاشفات ومصدر الحقائق - فإذا تمّت الأربعون زالت الحجُب بالكليّة، وانصبّت إلى قلبه أنهار العلوم والمعارف انصباباً. ففي كلّ يوم بإخلاصه في العمل لله تعالى يكشف له طبقة من طبقات الحجُب الجسميّة، والأغشية الظلمانيّة، والنشأة الترابيّة الطبيعيّة، ويزول عنه طور من الأطوار الكونيّة الخلقيّة المبعّدة له عن الله، ويظهر عليه سلطان النشأة الأخروية، إلى أن ينكشف باستعمال الأربعين أربعين طبقة من أطباق حجابه وأطوار بُعده عن الله، واشتغاله بعمارة الدنيا، ولذلك ورَد في الحديث: "حديث : من أخلَص للهِ أربعين صباحاً ظهرتْ من قلبه على لسانه ينابيع الحكمة ". تفسير : فهذا أصل يستفاد منه سرّ تعيين الأربعين في الخلوة والرياضة والعلْم عند الله. عقدة وحل الغرض من تعمير الدنيا ولعلّك تقول: إنّ الحكمة في تعلّق الروح الإنساني بهذا القالب الكثيف لو كانت لمصلحة تعود إلى الكائنات الأرضيّة لكان يلزم منها استخدام العالي للسافل. وأيضاً في تبعيد الروح الإنساني عن عالَم القدس والقُرب إلى عالَم الظُّلمة، والكُدورة، والعاهات، ضرب من التعذيب له، والتخريج عمّا فطر له من الروح والراحة. فأيّ فائدة في تعذيب أشرف الجواهر الحيوانيّة، لأجل صلاح سائر المركبات الحيوانيّة، والنباتيّة، والمعدنيّة؟! وهذا الإشكال ممّا لا يخلو الجواب عنه عن صعوبة، لتوقّفه على تحقيق مهيّة الإنسان ومعرفة أطواره ونشآته، وذلك متعلّق بعلوم كثيرة من علوم المكاشفات. وقد مرّت إشارة إلى سرّ نزول الروح الإنساني إلى هذا العالَم فيما سبق عند قوله تعالى: {أية : وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ} تفسير : [البقرة:36]. والذي نذكر هاهنا في دفع هذا الاشكال هو أنّ المراد بتكوين الإنسان عامراً لهذه النشأة وزينة للكائنات، هو تعميره على وجه تعود فائدة التعمير إليه، فإنّ الإنسان الكامل ذو أجزاء كثيرة، وأطوار متعدّدة، له بحسب كل قوّة منها كماليّة وتماميّة لا تحصل إلاّ بها، وليس الغرض من خلافته في الأرض وتعميره للدنيا إلاّ تبقيةَ شخصِه ونوعه، وتكميل ذاته على وجه يصير مظهراً للأسماء الإلهيّة، وجامعاً للحقائق الكونيّة والأسرار الربوبية، خليفة لله في الأرض والسماء، وزينة للنشأة الباقية بعد الأولى. وأمّا تكوّن سائر الأكوان من النبات والحيوان بسببه فهو إمّا لأجل انتفاعه بها واستخدامه لها كما دلّ عليه قوله في حق الجميع: {أية : خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً} تفسير : [البقرة:29]. وقوله تعالى في باب الأنعام والدوابّ: {أية : أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ} تفسير : [يس:71 - 72]. وقوله في باب النباتات: {أية : يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ ٱلزَّرْعَ وَٱلزَّيْتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} تفسير : [النحل:11]. وقال في باب المعادن والجمادات: {أية : وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ ٱلْجِبَالِ أَكْنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} تفسير : [النحل:81]. وغير ذلك من الآيات الكثيرة في هذا المطلب. وإمّا لأجل أن لا يكون ضائعاً مهملاً ما بقي من فضالة مادّة الإنسان، وكثائف طينته التي صرفت لطائفه في تخمير قالبه، فكما أنَّ البنَّاء يستعمل الخشَبَ في غرضه فما فضل لا يُضيعه، بل يتّخذه قسيّاً وخلالاً وغير ذلك، فكذلك الغاية القصوى في إيجاد هذا العالَم وتمامه خِلْقة الإنسان الذي من شأنه أن يعرج بالعلم والتقوى إلى جوار الله وملكوته. وأمّا تكوّن سائر المكوّنات، فلئلاّ يفوت حقّ كلّ عنصر ومادّة، ويصل إلى كلّ مخلوق من الخير والسعادة قدراً يليق به، وشرح هذا المقام ممّا يطول. فصل قوله تعالى: {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ} أي: اتّخذتموه إلهاً ومعبوداً، لأنّ بمجرّد فعلهم لتصويره لا يكونون ظالمين، لأنّ فعل التصوير ليس بمحظور، وإنّما هو مكروه عند أكثر الفقهاء. وأمّا الخبر الذي رُوي "إنّه عليه وآله الصلاة والسلام لَعَنَ المصوّرين" فالمراد مَن شبَّه الله بخلْقه، أو اعتقد أنّه صورة جسمانيّة. وقوله: {مِن بَعْدِهِ} أي: من بعد خروج موسى وغيبته، أو مِن بعد وعد الله إيّاكم بالتوراة، أو مِن بعد غرْق فرعون وهلاك قومه، أو مِن بعد ما رأيتم من الآيات الباهرات. {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} في اتّخاذكم العِجل معبوداً وإصراركم على ارتكاب الباطل، ومتابعة الهوى والظُّلمات. روي عن ابن عباس - رضي الله عنه -: كان السامري رجُلاً اسمه موسى بن ظفَر - وقيل: اسمه "ميحا" - وكان من قوم يعبدون البقر، فكان حبّ عبادة البقر في نفسه، وقد كان أظهَر الإسلام في بني إسرائيل، فلمّا قصَد موسى إلى ربّه، وخلَّف هارون في بني إسرائيل، قال هارون لقومه: "قد حملتم أوزاراً من زينة القوم" - أي آل فرعون - "فتطهّروا منها، فإنّها نجس" يعني: إنّهم استعاروا من القبط حليّاً واستبدّوا بها، فقال هارون: "طهِّروا أنفسكم منها فإنّها نجسة" وأوقد لهم ناراً فقال: "اقذفوا ما كان معكم فيها" فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الأمتعة والحُلي، فيقذفون فيها. وكان السامري رأى أثر فرس جبرائيل، فأخذ تراباً من أثر حافره، ثمّ أقبل إلى النار، فقال لهارون: "يا نبيّ الله ألقي ما في يدي"؟ قال: "نعم" وهو لا يدري ما في يده. ويظنّ أنّه مما يجيء به غيره من الحُلي والأمتعة. فقذَف فيها وقال: "كُنْ عِجْلاً جَسَداً له خُوار" فكان البلاء والفتنة. فقال: {أية : هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ} تفسير : [طه:88] فعكَفوا عليه وأحبّوه حبّاً لم يحبّوا مثله شيئاً قطّ. قال ابن عباس: "فكان البلاء والفِتنة" لم يزد على هذا. وقال الحسن: "صار العِجْل لحماً ودماً". وقال غيره: "لا يجوز ذلك، لأنّه من معجزات الأنبياء". ومن وافَق الحسن قال: "إن القبضة من أثر الملَك، وكان الله قد أجرى العادة بأنّها إذا طرحت على أيّ صورة كانت حييت، فليس ذلك بمعجزة، إذ سبيل السامري فيه سبيل غيره" ومن لم يجز انقلابه حيّاً تأوّل الخُوار على أنّ السامري صاغ عِجْلاً، وجَعل فيه خروقاً يدخله الريح، فيخرج منها صوت كالخُوار، ودعاهم إلى عبادته، فأجابوه وعَبدوه كذا عن الجبائي. تذكرة السامريُّ والعِجل ذكر بعض العلماء أنّ هذه الواقعة على الوجه المنقول مما يأبى العقل عن إذعانها، لأنّ كلّ عاقل يعلم ببديهة عقله أنَّ الصنم المتّخَذ من الذهب، الذي لا يتحرّك، ولا يحسّ، ولا يعقل، يستحيل أن يكون إلهاً في السماوات والأرض، وهبْ أنّه ظهر منه خُوارٌ، ولكن هذا القدر لا يصلح أن يكون شُبهة في قلب أحد من العقلاء في كونه إلهاً. ولا يمكن تصحيح هذه الواقعة إلاّ على وجه، وهو أنَّ السامري ألقى إلى القوم أنّ موسى إنّما قدر على ما أتى به لأنّه كان يتّخذ طلسمات على قُوى فلكيّة، فأنا أتّخذ لكم طِلسماً مثلَ طِلسمه، وروّج عليهم ذلك بأن جعله بحيث يخرج عنه صوتٌ عجيب، فأطمعَهم في أن يصيروا مثل موسى (عليه السلام) في الإتيان بالخوارق، ولعلّ القوم كانوا مجسّمة وحلوليّة، فجوّزوا حلول الإله في بعض الأجسام. وذكر العارف المحقّق محيي الدين الأعرابي في فصوص الحكم: "إنّ من خصائص الأرواح أنّها لا تطأ شيئاً إلاّ حيِيَ ذلك الشيء وسَرَت الحياة فيه، ولهذا قبض السامري قبضة من أثر الرسول الذي هو جبرائيل (عليه السلام) - وهو الروح -. وكان السامري عالِماً بهذا الأمر، فلمّا عرف أنّه جبرائيل، عرف أنّ الحياة قد سَرَت فيما وطئ عليه، فقبض قبضة من أثر الرسول - بالضاء أو بالصاد، أي: بملء، أو بأطراف أصابعه - فنبذَها في العِجل، فخارَ العِجل، إذ صوت البقر إنّما هو خُوار، ولو أقامه صورة أخرى، لنسب إليها اسم الصوت الذي لتلك الصورة، كالرُّغاء للإبل، والثؤاج للكباش، واليُعار للشياه، والصوت للإنسان أو النطق أو الكلام. فذلك القدْر من الحياة السارية في الأشياء يسمّى "لاهوتاً" و "الناسوت" هو المحلّ القائم به ذلك الروح" - انتهى. تبصرة بماذا نعرف الرسول؟ اعلم أنَّ طريق الإيمان بالله، ورسله، وآياته عند العرفاء، وأرباب اليقين، ليس مما يحصل بالنظر في المعجزة، وخرقِ العادة الواقع من الرسل، فإنّي قد آمَنت بصدق نبيّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله) في جميع ما أتى به، وبصدق موسى (عليه السلام)، لا بشقّ القمر وقلب العصا حيّة، بل باعلامات إلهيّة، وإلهامات ربّانية في القلب التي لا يتطرّق إليها شائبة شكّ وريب، ولا يقربها وصمة شبهة وعيب. وهي موزونة مع ذلك بميزان صحيح العيار من موازين القسط ليوم الحساب الذي وضعه الله من السماء العقليّة في أرض القلب الإنساني، الموضوع تحت سماء العقل المرفوع، وأمَر باقامته كما دلّ عليه قوله تعالى: {أية : وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي ٱلْمِيزَانِ وَأَقِيمُواْ ٱلْوَزْنَ بِٱلْقِسْطِ وَلاَ تُخْسِرُواْ ٱلْمِيزَانَ وَٱلأَرْضَ وَضَعَهَا لِلأَنَامِ} تفسير : [الرحمن:7 - 10]. وقد أقمتُ هذا الميزان الصحيح كما أمر الله به، ووزنتُ به جميع المعارف الإلهيّة، بل أحوال المعاد، وسرّ حشر الأجساد، وعذاب أهل الفجور، وثواب أهل الطاعة، فوجدت جميعها مطابقة لما في هذا القرآن الذي هو تنزيل من الله العزيز المنّان، ولما في الأحاديث الواردة من النبي وآله (صلى الله عليه وآله)، وتيقّنت أنّ جميع ما صحّ عن رسول الله وآله (صلى الله عليه وآله) حقّ وصدْق. وأمّا طريق النظر في المعجزة، فذلك مما يتطرّق إليه التباس كثير، فلا يوثق به كلّ الوثوق بل من بنى إيمانَه على قلْب العصا ثعباناً، يكفر بخُوار عجل السامري، فإنّ التعارض في عالَم الحسّ والشهادة كثيرٌ جداً، والعالَم الذي هو عالَم العصمة والطهارة عن الخبْط والغلَط، هو عالَم القلْب، وأمّا عالَم البدن فالخطأ والالتباس فيه كثير. وأكثر الناس اعتمادهم على ما تدركه الحواسّ، وعكوفهم على ما ينتمي إلى الأوضاع الحسيّة، ولهذا يغلطون كثيراً، ولو لم يكن لهم قائد يقتدون به، يسلك بهم كمَن يقود الأعمى في الليل المظلم، لوقعوا في الحميم، وسلكوا طريق الجحيم، وهؤلاء طائفةٌ لا يعرفون الحق إلاّ بالرّجال. وأمّا العرفاء الإلهيون فهم يعرفون أهل الحق بالحقّ، كما قال أمير المؤمنين وإمام العارفين (عليه السلام): "لا تعرف الحق بالرّجال، إِعرف الحقّ تعرف أهله" فكانت معرفة العارفين المحقّقين بصدق النبي (صلى الله عليه وآله) ضروريّة، كمعرفتك إذا رأيت رجُلاً عربيّاً يدّعي الفقه، ويناظر في مسألة من مسائل الفقه، ويحسن في البحث عنه، ويأتي بالفقه الصحيح الصريح، فإنّك لا تتمارى في أنّه فقيه، ويقينك الحاصل بفقهه من مناظرته أوضح من اليقين الحاصل به لو قلَب ألف عصا ثعباناً، لأنّ ذلك يتطرّق فيه احتمال السحر، والطلسم، والتلبيس بغيره، ويحصل به إيمان ضعيف هو إيمان العوام والمتكلّمين، فأمّا إيمان الناظرين من مشكاة الملكوت، فلا يتطرّق إليه تلك الاحتمالات، وهذا النحو من العلْم والإيمان إنّما يحصل بتعليم من الله ومن جبرائيل بواسطة الرسول (صلّى الله عليه وآله). وهذا أوضح من الاعتقاد الذي يحصل من النصّ أو بالمعجزة، فإنّ ثلاثة أنفس لو ادّعوا عندك أنّهم يحفظون القرآن، فقلت: "ما برهانكم"؟ فقال أحدهم: إنّه نصَّ عليَّ الكسائي أستاذ المقرئين. أو نصَّ على أستاذي فلان وأستاذي نصَّ عليَّ، فكأنَّ الكسائي نصَّ عليَّ. وقال الثاني: برهاني أنّي أقلب العصا حيَّة - وقد قلَب العصا حيّة -. وقال الثالث: برهاني أن أقرأ القرآن بين يديك من غير مصحَف - وقرأ - فليتَ شعري أيّ هذه البراهين أوضح؟ وقلبُك بأيّها أشدّ تصديقاً؟ لا شكّ أنّك بالذي قرأ القرآن، فهو غاية البرهان، وبه يحصل غاية الإيمان إذ لا يخالج فيه ريبٌ. أمّا نصُّ أُُستاذه عليه، ونصُّ الكسائي على أُستاذه، فيتصوّر أن يقع فيه أغاليط، سيما عند طول الأزمنة وبُعد الأسفار. وأمّا قلب العصا حيّة: فلعلَّ ذلك لحيلة وشَعبذة، وإن لم يكن كذلك فغايته أنّه فعَل أمراً عجيباً، ومن أين يلزم أنّ من قدر على فعلٍ عجيب ينبغي أن يكون حافظاً للقرآن؟! تنبيه ذكر نكات تلمح إليها الآية اعلم - أيّها العاقل الفهيم - أنّ في هذه الآية تحذيراً بليغاً من التقليد والجهل بالدلائل والبراهين، فإنّ أولئك القوم لو عرفوا الله بالحُجج الواضحة، والشواهد الباطنة معرفة تامَّة لما وقَعوا في شُبهة السامري. وفيها أيضاً دلالة على أنّ أمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله) خير الأُمم، لأنّ أولئك اليهود مع أنّهم شاهَدوا تلك المعجزات الباهرة اغترّوا بهذه الشُّبهة الركيكة، وأمّا هذه الأُمَّة فإنّهم مع حاجتهم في معرفة اعجاز القرآن إلى الأدلّة الدقيقة لم يغترّوا بالشبهات القويّة، وذلك يدلّ على أنّ هذه الأُمّة أكمل عقلاً، وأزكى خاطراً، وأشدّ تعمّقاً في الحقّ من غيرهم. وفيها أيضاً تسلية لرسول الله (صلّى الله عليه وآله) مما كان يشاهد من مشركي مكّة والمنافقين وأمر له بالصبر على مخالفتهم، كما صَبر موسى (عليه السلام) في هذه الواقعة المنكرة من قومه، وقد خلصهم (عليه السلام) من فرعون، وأراهم المعجزات القويّة، فاغترّوا بهذه الشبهة الركيكة. وفيها أيضاً دلالة على مذمّة الاقتداء بالأسلاف والآباء من غير بصيرة، فإنّ أشدّ الناس مجادلة مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وعداوة للذين آمنوا هم اليهود، وكانوا يتفاخَرون بأسلافهم ويلتزمون دين أشياخهم وآبائهم، فكأنّه تعالى قال: "هؤلاء إنّما يتفاخَرون بأسلافهم ويقتدون على آثارهم. ثمّ إنّ أسلافهم كانوا في البلادة وسخافَة العقل والغباوة إلى هذا الحدّ، فكيف من يقتدي بهم ويقتفي آثارهم"؟! وفيها أيضاً تنبيهٌ يستفاد من قوله: {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} على أن ضرر الكفر والمعاصي لا يعود إلاّ إلى صاحبه، لأنّهم ما استفادوا بذلك إلاَّ أنّهم ظلَموا أنفسهم وحرّفوها عن جوار الله ودار كرامته إلى الهاوية ودار الهوان والعذاب، وذلك يدلّ على أن جلال الله منزّه عن الاستكمال بطاعة العباد والانتقاص بمعصيتهم.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} كان موسى بن عمران يقول لبنى اسرائيل: اذا فرّج الله عنكم أتيتكم بكتابٍ من ربّكم مشتمل على ما تحتاجون اليه فى دينكم، فلمّا فرّج الله عنهم امره الله عزّ وجلّ ان يأتى للميعاد ويصوم ثلاثين يوماً فلمّا كان فى آخر الايّام استاك قبل الفطر فأوحى الله عزّ وجلّ اليهحديث : يا موسى: اما علمت انّ خلوف فم الصّائم أطيب عندى من ريح المسك، صُم عشراً آخر ولا تستك عند الافطارتفسير : ؛ ففعل ذلك موسى فكان وعد الله تعالى ان يعطيه الكتاب بعد اربعين ليلة فأعطاه ايّاه فجاء السّامرى فشبّه على مستضعفى بنى اسرائيل وقال وعدكم موسى ان يرجع اليكم بعد اربعين ليلة وهذه عشرون ليلة وعشرون يوماً تمّت اربعون أخطأ موسى ربّه وقد اتاكم ربّكم ان يريكم انّه قادرٌ على ان يدعوكم بنفسه الى نفسه وانّه لم يبعث موسى لحاجة منه اليه فأظهر لهم العجل الّذى كان عمله، فقالوا له: كيف يكون العجل آلهنا؟ - قال لهم: انّما هذا العجل يكلّمكم منه ربّكم كما كلّم موسى من الشّجرة فالاله فى العجل كما كان فى الشّجرة فضّلوا وعبدوه. ونقل انّه صنع صورة العجل ووضعه بحيث كان مؤخّره الى حائط وحبس خلف الحائط بعض مردته فوضع فاه على دبره وتكلّم بما تكلّم فتوهّموا انّ العجل يكلّمهم. ونقل انّ السّامرىّ كان قد أخذ من تراب اثر قدم فرس جبرئيل يوم غرق فرعون وكان التّراب فى صرّةٍ عنده وكان يفتخر على بنى اسرائيل بذلك وكان موسى قد وعدهم ان يأتى بالكتاب بعد الثّلاثين فلمّا انقضى الثّلاثون ولم يرجع موسى اتى الشّيطان بصورة شيخ وقال لهم: انّ موسى قد هرب ولا يرجع اليكم فاجمعوا لى حليّكم حتّى اتّخذ لكم آلهاً فصاغ لهم العجل وقال للسّامرىّ: هات التّراب الّذى عندك فأتاه به فألقاه فى جوف العجل فتحرّك وخار ونبت له الوبر والشّعر {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} نقل انّ اتّخاذهم العجل كان بتهاونهم بالصّلاة على محمّد (ص) وآله (ع) وبترك التّوسّل بهم.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}: وعدناه ووعدنا، ولذلك قال واعدنا بالألف، وذلك أن الله وعده الوحى والتوراة والمناجاة، وموسى وعد الله المجئ للميقات إلى الطور، وقرأ أبو عمرو: وعدنا بدون ألف، وقرأ باقى السبعة وخلف: بالألف، وكذلك فى قوله: {واعدناكم} وقد مر، وقيل لم يعيدوا إليها. وعلا كل حال فى تفسير له لم يكمل لم يصرح أحد من المؤرخين إياها ولم يردهم إليها، وجعل مساكنهم الشام وذلك وعده الله أن يعطيه التوراه، وجعل له أجلا هو أربعون يوماً ذو القعدة من العام الآخر، وعشرة أيام من ذى الحجة، وعبر بالليالى عن الأيام، لأن الليلة هى أول الشهر العربى، وهو بحساب سير القمر، ولأن الظلمة أسبق من الضوء، ولأن الليل سابق للنهار، وأربعين ظرف على حذف مضاف، أى تمام أربعين، أى ضمنا له أن نوقع الموعود فى تمامها. ويأتى كلام فى الأعراف ـ إن شاء الله ـ فبتضمين المواعدة معنى الإيقاع صح كون أربعين ظرفاً لواعدنا، وإلا فالمواعدة وقعت قبل الأربعين لا فى الأربعين، فلا يصح التعليق به إلا بذلك التضمين، وليس مفعولا به لواعدنا، لأن الموعود به ليس نفس الأربعين، بل مفعول محذوف أى واعدنا موسى الوحى والتوراة والمناجاة، والمجئ للميقات وبعض ذلك من موسى وأقرب من ذلك جعله ظرفاً لمفعول محذوف، أى واعدناه الملاقاة تمام الأربعين، أو واعدناه الوحى، وإنزال التوراة تمام الأربعين، وفى ذكر الليلة إلى أنه وصل الليل بالنهار فى الصوم، روى أنهُ صام أربعين يوماً بلياليها. {ثُمّ اتَّخَذْتُمُ}: افتعلتم من الأخذ أصله اتخذتم بهمزة وصل مكسورة، فهمزة قطع ساكنة هى فاء الكلمة بعدها تاء الافتعال، أبدلت الهمزة الثانية تاء وأدغمت فى تاء الافتعال والإبدال القياسى أن تبدل الهمزة واواً، ثم الواو تاء فيكون الإدغام، وقيل أصله أو اتخذ أبدلت الواو تاء وأدغمت وذلك على لغة من يقول وخذ، استغنى بها فى الافتعال من يقول أخذ، وقال الفارسى: التاء الأولى أصل على لغة من يقول: اتخذ قرأ {التخذت عليه أجراً} بالتخفيف استغنى بهذه اللغة فى الافتعال من يقول أخذ، ومفعول الثانى محذوف تقديره ثم اتخذتم. {الْعِجْلَ}: إلهاً وهو ذكر البقر الصغير. {مِنْ بَعْدِهِ}: أى من بعد موسى، وهو على حذف مضاف، أى بعد مضيه إلى الطور، ويجوز عود الضمير إلى مضيه ولو لم يتقدم له ذكر، لأن ذكر المواعدة تقتضيه ولا يصح تقدير المضاف مواعدة، أى من بعد مواعدته، ولا عود الضمير للوعد لأنه لا يزول بذلك تعارض بين مدلول ثم من التراخى عند المواعدة، ومدلول الابتداء به وهو وقوع البعدية عقب المواعدة، إذ المهملة واقعة بين المواعدة والاتخاذ، وبيان الغاية واقع عقب المضى إلى الطور فلم يتواردا على محل واحد. {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ}: مائلون عن الصواب إذ عبدتم ما ليس أهلا للعبادة، أو ناقصو الحض لأنفسكم إذ تعرضتم لهلاكها بعبادته لما أنجى الله سبحانه وتعالى موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، ولم يكن لموسى وقومه كتاب ينتهون إليه. وعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة، فقال لقومه: إنى ذاهب إلى ميقات ربى لآتيكم بكتاب فيه ما تأتون وما تذرون. ويروى أنه قال: إن الله سينجيكم من آل فرعون وتنفعكم حليهم، وينزل عليكم كتاباً. فلما أنجز الله وعده بانجائهم وأخذهم الحلى طلبوه بما وعدهم من الكتاب، فخرج لميقات ربه ووعدهم أربعين ليلة، واستخلف عليهم أخاه هارون، وجاء جبريل راكباً فرسا يقال له فرس الحياة، لا يصيب شيئاً إلا حيى، فذهب للميقات فرآه السامرى وكان صائغاً اسمه ميخا، وقال ابن عباس: موسى بن ظفر، وكان من أهل كرمان، ولميل من بنى إسرائيل من قبيلة يقال لها السامرة، وكان مشركاً فى الباطن وأظهر الإسلام وهو الصحيح. وقد قيل إنه ابن خال موسى، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان يعجبه ذلك، وقيل لما مر بعد مجاورة البحر على قوم يعبدون البقر كما قال الله تعالى: {أية : يعكفون على أصنام لهم} تفسير : وكانت على صور البقر، فقال بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة، فاغتنم السامرى مقالتهم ليفتنهم بعبادة العجل، فلما رأى موضع حافر الفرس يخضر فى الحال قال: إن لهذا شأناً، فأخذ من تحت حافره تراباً، وذلك حين جاء جبريل ليذهب بموسى للميقات، وقيل: حين دخل البحر خلف قوم موسى، وقيل: أنكر هيئته فعرف أنه ملك حين دخل البحر، وقيل: عرفه من حيث ولدته أمه عام الذَّبح فأطبقت عليه أمه فى غار فوكله الله أن يغذوه بأصبع نفسه، أعنى بأصبع السامرى، فيجد فى أصبع لبناً وفى أصبع عسلا وفى أصبع سمناً، وألقى فى روعه أنه لا يلقى ذلك التراب فى شىء، وما قال له: كن كذا إلا كان، ولا يلقيه على ميت إلا حيى، ولما مضى موسى للميقات وقد وعدهم أربعين ليلة حسبوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، فقالوا هذه أربعون من الدهر وقد أخلفنا موسى الوعد، وبدأ تعنتهم وخلافهم، فقال لهم السامرى: إنما بأيديكم من حلى القبط غنيمة لا تحل لكم فاحفروا حفيرة فادفنوها فيها حتى يرجع موسى ويرى فيها رأيه، وقيل أمرهم هارون بذلك، وقيل قال السامرى: أحضروه لتأكله النار التى كانت تأكل القرابين، وقيل: أوقد ناراً وأمرهم بطرح ذلك فيها فطرحوا. وعلى كل قول لما اجتمع ألقى فيه التراب الذى أخذه وقال: كن عجلا، وصححه بعض ونسبه للأكثر وقيل: إنهُ صاغه عجلا فى ثلاثة أيام، ورصعه بالجوهر، وألقى فيه التراب وخاره خوره. والصحيح تعدد الخوار منهُ كما يتبادر من قوله عز وعلا: {له خوار} قيل: كان يخور ويمشى وجسمه باق ذهباً وجوهراً، ونسبه بعض للجمهور وصححه، وقيل: صار لحماً ودماً، وبه قال الحسن بن أبى الحسين، وكل ذلك بقدرة الله سبحانهُ وتعالى، وعبدت طائفة ذلك العجل واعتزلهم هارون بمن معه، وقال لهم السامرى: هذا إلهكم وإله موسى، فنسى أى تركه هنا غفلة عنه وخرج يطلبه. وروى أنهُ لما مضى عشرون يوماً عدوا أربعين بالليالى، ولم يرجع موسى فوقعوا فى الفتنة، وقيل: وعدهم موسى ثلاثين ليلة ثم زيدت العشرة فكانت فتنتهم فى تلك العشرة لما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى، ظنوا أنه قد مات، ورأوا العجل فسمعوا قول السامرى وعكف عليه ثمانية آلاف رجل يعبدونهُ، وقيل: عبدوه كلهم إلا هارون مع اثنى عشر ألف رجل قيل، وهذا أصح. ويروى أنهم لما جاوزوا البحر قالوا: يا موسى آتنا بكتاب من عند ربنا كما وعدتنا، وزعمت أنك تأتينا به إلى شهر، فاختار موسى من قومه سبعين رجلا لينطلقوا معه، فلما تجهزوا قال الله لموسى: أخبر قومك أنك لن تأتيهم إلى أربعين ليلة قد أتممناها بعشر، وقال الحسن: كانت أربعين وأول يقول واعدنا موسى ثلاثين ليلة وبعدها عشر، وهذا معنى قوله: {أية : وأتممناها بعشر} تفسير : كقوله:{أية : فصِيَامُ ثلاثةِ أيَّامٍ فى الحجِّ وسبعةٍ إذا رجَعْتُم تلْكَ عَشَرَة كَامِلَةٌ} تفسير : قال الكلبى: لما خرج بالسبعين أمرهم أن ينتظروه فى أسفل الجبل، وصعد موسى الجبل فكلمهُ ربهُ وكتب له فى الألواح، ثم إن بنى إسرائيل عدوا عشرين يوماً وعشرين ليلة، وقالوا: قد أخلفنا موسى الوعد، وجعل لهم الوعد وجعل لهم السامرى العجل فقال: هذا إلهكم وإلهُ موسى فعبدوه. قال الكلبى: بلغنى والله أعلم أن الله قال عند ذلك: يا موسى إن قومك قد عبدوا من بعدك عجلا جسداً لهُ خوار، فرجع موسى إلى قومه ومعهُ السبعون ولم يخبرهم موسى بما أحدث بنو إسرائيل، فلما غشى موسى محلة القوم سمعوا اللغط حول العجل، فقال السبعون: هذا قتال فى الحلة، فقال موسى: ليس بقتال ولكنه صوت الفتنة، فدخل موسى فنظر ما يصنع بنو إسرائل حول العجل، فغضب فألقى الألواح فانكسرت وارتفع ما فيها إلا سبعة {أية : فأخذ برأس أخيه يجره إليه فقال لهُ يا ابن أم لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى إنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرائيل ولم ترقب قولى} تفسير : فأرسله موسى وأقبل على السامرى فقال: ما خطبك يا سامرى؟ ولم صنعت ما أرى؟ قال: بصرت بما لم تبصروا به، يعنى بنى إسرائيل. قال: وما الذى بصرت به؟ قال: رأيت جبريل على فرس وألقى فى نفسى أن أقبض من أثره قبضة، فلما ألقيت عليه منها شيئاً كان له روح ودم، وهذا الكلام من عدو الله يقوى قول من قال: إن العجل صار لحماً ودماً، فحين رأيت قومك سألوك أن تجعل لهم إلهاً، فكذلك سولت لى نفسى أن أصنع إلهاً، ثم ألقى عليه القبضة فيصير ربا لبنى إسرائيل فيعبدوه بين ظهرانيهم، فغضب موسى فأمره أن يخرج من محلة بنى إسرائيل ولا يخالطهم فى شيء، فأمر بالعجل فذبح ثم أحرقه بالنار، فمن قرأها لنحرقنه باسكان الحاء يريد بالنار، ومن قرأ بالفتح والتشديد فبالنار أو بالمبرد والأول أحسن فيما قيل، لأن الحريق للذهب الذى لا تأكله النار آية عجيبة لموسى، لكن لا تناسب ما مر من صيرورته دماً ولحماً، ولعله برد لحمه وعظمه بالمبرد. قيل لما أحرق أو برد ذراه موسى فى البحر وأتاهم موسى بالحلال والحرام والحدود والفرائض، ولما نظروا إليه قالوا: لا حاجة لنا فيما أتيتنا به، فإن العجل الذى أحرقته كان أحب إلينا مما أتيتنا به، فلسنا قابليه ولا آخذين ما فيه، فقال موسى: يا رب إن عبادك بنى إسرائيل ردوا كتابك، وكذبوا نبيك، وعصوا أمرك، فأمر الله الملائكة فرفعوا الجبل فغشوا بنى إسرائيل حتى أظلوا به فحال بينهم وبين السماء، فقال موسى: إما أن تأخذوا هذا الكتاب بما فيه، وإما أن يلقى عليكم الجبل فيشدخكم، فقالوا: سمعنا وعصينا أى سمعنا الذى تخوفنا به، وعصينا الذى أمرتنا به ثم أخذوا الكتاب، ولم يجدوا بدا من أخذه ورفع عنهم الجبل، ونظروا فى الكتاب فبين راض وكاره ومؤمن وكافر.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَى} المفاعلة للمبالغة لأن من شأن المتفاعلين جذب كل واحد ليغلب الآخر، أو على بابها، إذ وعده الله إنزال التوراة ووعد الله المجيء إلى الطور للعبادة، أو يكفى فيها فعل من طرف، وقبول من آخر، كعالجت المريض أو الطلب طرف وامتناع القبول طرف {أَرْبِعِينَ لَيْلَةً} تمام أربعين يوماً بلياليها ذا القعدة وعشرة من ذى الحجة، أو ذا الحجة وعشرة من المحرم، يصوم الأيام فى الطور بوصال، ويقوم الليالى. ويتعبد، جعلت له ذلك لأنزل عليه التوراة بعد تمامها، فتعملوا بها، وأخبره الله بذلك، وعبر بالليالى لأنها أول اليوم، والشهور والأعوام، فإنها بالهلال والهلال بالليل ولأن الظلمة أقدم من الضوء، وآية لهم الليل نسلخ منه النهار. استخلف هارون على بنى إسرائيل، فذهب إلى الطور، فتعبد أربعين، وأنزل عليه بعد تمامها، أو فى العشرة الأخيرة أو فى الأربعين كلها أو فى أولها، أقوال التوراة سبعين سفرا، وقلما توجد كلها عند إنسان واحد على عهد موسى أو ما يليه وذلك بعد ما ذهب منها بإلقائه الألواح الزبرجدية المكتوبة هى فيها، فيحتاج إنسان إلى مسألة، فيقال هى فى سفر كذا وكذا، عند فلان فى موضع كذا؛ فتلاشت ولم يبق منها إلى القليل، ثم وقع التحريف أيضا، ومواعدة الأربعين إخبار بما فى نفس الأمر عند الله، إذ كان فى الغيب عند الله أن يتعبد ثلاثين، أمره بها ثم زاد عشرة، والنصب على المفعولية أى واعدنا موسى إعطاء أربعين يتعبد فيها، أو على الظرفية، أى أمراً واقعاً فيها أو بعدها، أو مفعول مطلق، أى مواعدة أربعين {ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ} اتخذ آباؤكم الباقون فى مصر ومن معهم، إلا اثني عشر ألف رجل مع هارون، وقيل اتخذه ثمانية آلاف {الْعِجْلَ} الذى صاغه موسى السامرى المنافق إلها يعبدونه، فالمفعول الثانى إلها، أو لا ثانى له، كقوله اتخذت سيفا صنعته {مِنْ بَعْدِهِ} بعد ذهاب موسى عليه السلام إلى ميقات الأربعين {وَأَنْتُمْ ظَٰلِمُونَ} باتخاذه لأنفسكم ولدين الله، ولم يقتدى بكم وزمانكم ومكانكم، وكل من عصى الله فقد ظلم وقته ومكانه، والظلم الضر، ونقص حق الشىء، ووضع الشىء فى غير موضعه فاحفظ ذلك لغير هذا الموضوع، واعتبره، وقد وضعوا العبادة واسم الألوهية فى غير موضعهما، وذلك العجل لحم ودم بإذن الله على الصحيح، وقيل صورة، فنسبة الخوار إليه على التجوز، ونسب للجمهور.
الخليلي
تفسير : بَدء في عرض سيئات بني إسرائيل ومقابلتهم النعمة بالكفران، والبرهان بالنكير والإِعراض، والدعوة الصادقة المؤيدة بالمعجزات بالسخرية والاستخفاف، وهكذا كان ديدنهم، فقد عانى منهم موسى عليه السلام الذي أكرمهم الله برسالته فكانت نجاتهم على يديه ما عاناه من الإِعنات والشقاق، وكانت نُذر الهلاك تحيط بهم من أمامهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، ومن فوقهم ومن تحتهم، غير أنهم لا يكادون يرعوون عندما يواجهون الشدائد حتى يعودوا إلى غيهم وينقلبوا إلى نزعتهم البغيضة عندما يجدون أدنى متنفس ويبصرون أصغر ثغرة للفرج، فظل موسى عليه السلام بينهم في محنة وبلاء، وعنت وعناء، كما يتضح ذلك في هذه الآية من السورة وغيرها. والمواعدة مفاعلة، وهي في الأصل لا تكون إلا من جانبين، وقد يعبر بها عما يكون من جانب واحد لما يكون في هذا التعبير من نكتة طريفة وظريفة، ومن هذا الباب {أية : قَاتَلَهُمُ ٱللَّهُ}تفسير : [التوبة: 30]، وعاقبت اللص، وداويت المريض، وقد قرأ الجمهور هنا "واعدنا" لأن الوعد واقع من موسى لربه، كما أنه صادر عن الله تعالى إلى موسى، فكلاهما واعد وموعود، فالله وعد موسى أن يؤتيه الكتاب إذا جاء الى الميقات، وموسى وعد الله المجيء إلى الميقات، ويحتمل أن يكون ذلك من باب داويت المريض كما سبق قريبا، وهذه هي قراءة العشرة ما عدا أبا عمرو، وقرأ أبو عمرو - وهو من السبعة المشهورين - "وعدنا" بحذف الألف، وهي من الوعد، وهذه هي القراءة التي ارتضاها أبو عبيد وأنكر قراءة "واعدنا" وزعم أن المواعدة لا تكون إلا من البشر، أمَّا ما كان من الله فهو وعد نحو {أية : وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : الآية [النور: 55]، {أية : وَإِذْ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحْدَى ٱلطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ} تفسير : الآية [الأنفال: 7]، {أية : وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً} تفسير : [الفتح: 20]، ووافقه على قوله أبو حاتم ومكي، وزعم أبو حاتم أن المواعدة أكثر ما تكون من المخلوقين المتكافئين، يعد كل منهما صاحبه؛ ولعمري إن هذه جرأة لم يصحبها تعقل من هؤلاء القائلين، فقد أنكروا ما تواتر نقله بالأسانيد الصحيحة المعتبرة من قراءة المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام، وتلقته عنه الأمة بالقبول والتسليم جيلا بعد جيل، وقرأ به أكثرها، فإن مما لا خفاء فيه تواتر القراءات السبع، وثبوت سندها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتقاد أي منها أو نكيره عدم مبالاة بالسلامة في الدين، وقد أجاد ابن جرير الطبري هنا في دفع شبه المعترضين على هذه القراءة مع ما عهد منه من انتقاد ما لا يستسيغه ذوقه من القراءات ولو تواتر. وموسى هو نبي الله المرسل إلى فرعون وآله الذي أُنزلت عليه التوراة هدى لبني اسرائيل، واختلف في منشأ تسميته بذلك، وغالب ما قيل ليس له أساس من الصحة وإنما الذي تحتمل صحته هو أنه مركب من "مو" بمعنى الماء، "وشي" بمعنى المنقَد، أي مُنقذ الماء في اللغة العبرانية لأن أمه جعلته في التابوت فألقته في اليم كما ألهمها الله، وفصلته سورة القصص، فكان الماء سببا لإِنقاذه بأمر الله، وقيل (شي)، بمعنى الشجر لأنه التقط بين ماء وشجر في منتزه لأهل بيت فرعون فسمي بذلك، وعُرِّب بإهمال الشين المعجمة، وذكر الفخر وغيره من المفسرين أن نسبه موسى بن عمران بن يصهر بن قاهت ابن لاوي بن يعقوب عليه السلام، ولم تذكر التوراة إلا انه ابن عمران وأنه من سبط لاوي. وقد كانت هذه المواعدة من الله لموسى لإِيتاءه التوراة هدى لبني إسرائيل، وحدد أكثر العلماء هذه الأربعين ليلة بذي القعدة وعشر من ذي الحجة، وذهب بعضهم إلى انها ذو الحجة وعشر من المحرم، وذكر الليالي دون الأيام مع أن اليوم يُطلق على مجموع الليل والنهار كما يطلق على النهار وحده الذي يتخلل كل ليلتين لأن ببداية الليل ينتهي يوم ويبتدئ غيره إذ غروب الشمس هو الحد الفاصل بين كل يوم وآخر، ولأن هذا الميقات الزمني كان بحسب الأشهر القمرية التي تبتدئ بالليل، ويحتمل أن يكون ذلك لكون الليل هو الأصل والنهار طارئ عليه، فإن الظلمة أسبق من النور {أية : وَآيَةٌ لَّهُمُ ٱلْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ} تفسير : [يس: 37]. وذكر بعض أن ذكر الليالي للإِشارة إلى أنه عليه السلام كان مطالبا بالتهجد في أثناء هذه المدة، ورده آخرون بأن المروي أنه كان مأمورا بالصيام لا القيام، واستدل بعض هؤلاء بذكر الليالي على أن صومه عليه السلام كان وصالا يشمل الليل والنهار، واحتجوا بذلك على جواز الوصال، وأن أفضله أربعون يوما كما فعل موسى عليه السلام. وليس في القرآن ما يدل على انه عليه السلام كان مأمورا بالصوم في هذه المواعدة، ولم أجد في ذلك رواية يعتمد عليها، فما القول به - حسبما إخال - إلا جزاف من قائله، بله صلاحيته للإِستلادل به على فضل الوصال، ومثله القول بأن موسى عليه السلام في خلال تلك المدة لم يحدث أبدا. عجل السامريّ وعندما ذهب موسى للمعياد انتهز بنوا اسرائيل فرصة غيبوبته نازعين الى ما هم عليه من لؤم الطباع وفساد الفطرة وانحراف الفكر، فألّهوا عجلا جسدا له خوار، أخرجه لهم السامري ليضلهم عن سواء الصراط، قائلا لهم: {أية : هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ} تفسير : [طه: 88] أي نسى موسى أن هذا هو الإِله فلذا ذهب الى الطور لطلب مناجاة الإِله، أو نسى السامري بأن هذا مجرد عجل لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع، وأن ما جرى على يد موسى عليه السلام من المعجزات العظام أقطع حجة وأصدق برهان بأنه رسول رب العالمين الذي له ملك السماوات والأرض والذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل؛ وعلى الأول فجمة "فنسى" من ضمن المحكي عن السامري، وعلى الثاني فهي رد من الله تعالى عليه، ونداء عليه بالسفه والضلالة، وقصة العجل ذكرت هنا عرضا لتذكير يهود المدينة بجرائر أسلافهم، وما قابلوا به نعم الله وآياته من الجحد والكفران، وإنما تفصيلها فيما نزل من قبل بمكة في سورتي الأعراف وطه. وذكر جماعة من أهل التفسير أنهم كانوا يعدون اليوم ليله ونهاره ليلتين فلما انقضت عشرون يوما، وهي عشرون ليلة وعشرون نهارا زعموا أن موسى أخلفهم وعده فركنوا إلى ما دعاهم إليه السامري من اتخاذ العجل معبودا دون الله تعالى. و"اتخذ" أصله منتزع من أخذ، وهو بوزن افتعل، فهو إئتخذتم واستُثقلت الهمزتان فسهلت الثانية - وهي الأصلية - فانقلبت ياء، فاضطربت الياء في التصريف لعدم قرارها على حال، إذ تأتي ألفا في ياتخذ، وواوا في موتخذ، فأبدلت بحرف جلد ثابت من جنس ما بعدها وهي التاء وأدغمت فيها وأقرت همزة الوصل كما كانت حفاظا على عدم الابتداء بساكن في النطق، وهو يتعدى إلى مفعول، إن كان بمعنى ابتداء صنعه نحو "اتخذ لك سيفا"، وإلى مفعولين إن كان المقصود إليه وصفا في المتخذ نحو: {أية : وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} تفسير : [النساء: 125]، وهو هنا بمعنى جعل الذي يقصد به صيّر، ويحتمل في الآية الوجهان؛ وعلى الثاني فالمفعول الثاني محذوف تقديره إلها. والعجل هو ولد البقرة، وقد درج كثير من المفسرين على أن تسميته بذلك لأن بني اسرائيل تعجلوا عبادته قبل أن يرجع اليهم موسى من الميقات، وهذا وهم ظاهر، فإن العرب عهدت منهم تسميته بذلك منذ القدم، وليست هذه التسمية مقتبسة من اللغة العبرانية، إذ لم تكن قبائل العرب على اتصال باليهود إلا قليلا منهم كقبيلتي الأوس والخزرج وبعض قبائل اليمن، ومع ذلك لم يكونوا قبل نزول القرآن على علم أحداث بني إسرائيل. والعجل المذكور صُنع مما حمله بنو إسرائيل من حُلي المصريين، كما يشير إلى ذلك قولهم: {أية : وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا} تفسير : [طه: 87]، وذلك أن هارون عليه السلام أخبرهم بعد ذهاب موسى إلى الميقات بأن تلك الغنائم لا تحل لهم، وأمرهم بإحراقها، فجاء السامري فألقى فيها قبضة من تراب وطئته دابة جبريل عليه السلام عندما جاء إلى موسى ليذهب به الى الميقات، أو عندما جاء إلى موسى ومن معه لينقذهم من شر فرعون وآله؛ بإخبار موسى أن يضرب بعصاه البحر؛ والأول هو الأظهر، وكان السامري يعلم أن في هذه الدابة سرا غيبيا، ولعله استنتج من ذلك أن ما لا مسته تسري فيه الحياة ولو كان جمادا، فألقى بتلك القبضة الترابية في ذلك الذهب المشتغل نارا، فصار عجلا جسدا له خوار، وقيل: إنه هو الذي صنع منه العجل، لأنه كان صانعا، ثم ألقى فيه القبضة الترابية التي بيده، ويشير إلى صنيعه هذا جوابه الذي حكاه الله عنه بقوله: {أية : بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذٰلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي} تفسير : [طه: 96]. وكان السامري فيما قيل شابا إسرائيليا أوتي حظا من الذكاء فاستغله في إضلال بني اسرائيل، وقيل: لم يكن إسرائيليا وإنما كان دخيلا فيهم، وأصله من عباد البقر فنزع الى أصله، وقيل: إن سبب اختياره العجل من بين سائر المعبودات أنه كان مع بني اسرائيل لما جاز بهم موسى البحر: {أية : فَأَتَوْاْ عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} تفسير : [الأعراف: 138]، وقد كانت تلك الأصنام تماثيل أبقار، وقد كان السامري قبل انكشاف أمره منافقا يظهر عند موسى ومن معه من المؤمنين الإِيمان ويبطن في خفايا نفسه عقيدة وثنية. قال ابن عاشور: "وإنما اتخذوا العجل تشبها بالكنعانيين الذين دخلوا الى أرضهم - وهم الفينيقيون سكان سواحل بلاد الشام - فإنهم كانوا عبدة أوثان، وكان العجل مقدسا عندهم، وكانوا يمثلون أعظم الآلهة عندهم بصورة إنسان من نحاس له رأس عجل جالس على كرسي مادا ذراعيه كمتناول شيء يحتضنه واكنوا يحمونه بالنار من حفرة تحت كرسيه لا يتفطن لها الناس، فكانوا يقربون إليه القرابين، وربما قربوا له أطفالهم صغارا، فإذا وضع الطفل على ذراعيه اشتوى فظنوا ذلك أمارة قبول القربان، فتبا لجهلهم وما يصنعون، وكان يسمى عندهم "بعلا" وربما سموه "مولوك" وهم أمة سامية لغتها وعوائدها تشبه في الغالب لغة وعوائد العرب، فلما مر بهم بنو اسرائيل قالوا لموسى: {ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ}، فانتهرهم موسى، فلما ذهب للمناجاة واستخلف عليهم هارون استضعفوه وظنوا أن موسى هلك، فاتخذوا العجل الذي صنعوه من ذهب وفضة من حليهم وعبدوه". ومراده سبحانه بقوله: {مِن بَعْدِهِ} بعد ذهابه عنهم للدلائل القائمة على أن موسى عليه السلام كان حيا عندما عبد قومه العجل، والعطف بثم إما للمهلة الزمنية التي كانت بين بداية غيابه والإِتخاذ، فإنهم اتخذوه بعدما مضى على غياب موسى عشرون يوما - كما قيل - وإما للمهلة الرتبية، وذلك لفظاعة هذا الأمر بحيث لا تكاد الأذهان تتصوره منهم بعد أن شاهدوا ما شاهدوا من الآيات الداعية إلى رسوخ الإيمان وصدق اليقين. وقوله: {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} إما حال مؤكدة أريد بها تسفيههم وقطع عذرهم، فإن اتخاذ الأنداد لله سبحانه معلوم بالضرورة أنه ظلم، وإما حال مقيدة أريد بها التنصيص على أن الظلم لم يفارقهم في فترة هذا الاتخاذ، أو أريد به استئصال توهم كون شبهة عرضت لهم في هذا الاتخاذ؛ وأرى أن هذا الوجه لا يختلف عن الذي قبله إلا اختلافا لفظيا. والعفو لغة إزالة الأثر كما يقال: "عفت الريح أثره" إذا مسحته، واصطلاحا اسقاط عقوبة الجاني وإزالة ما يترتب على جنايته من الآثار المعنوية، وعفو الله عن عباده اسقاطه عقوبتهم في الآخرة بقبول توبتهم وتكفير سيئاتهم، ويطلق على رفع العقوبات الدنيوية كما في قوله: {أية : وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ} تفسير : [الشورى: 30]، والمراد بالعفو في هذه الآية قبول توبة بني إسرائيل من عبادتهم العجل، وثم هنا كسابقتها، إما أن تكون للمهلة الزمنية لأن قبوله تعالى التوبة منهم كان بعدما رجع موسى إليهم وأمرهم بقتل أنفسهم تكفيرا ليسئتهم، ولا يخفى ما بين الأمرين من المهلة؛ وإما للمهلة الرتبية، وقد أراد الله بها شد عقول السامعين إلى سعة حلمه وواسع مغفرته، فبعد هذا الغنت وهذه المكابرة للحق، ومغالطة الحقيقة من بني اسرائيل الذين بسط الله لهم نعمته، وأراهم في تنجيتهم من عدوهم آيته، قبل سبحانه توبتهم مع ما اقترفوه من الإِشراك بالله، واتخاذ الند له تعالى. وقد تقدم القول في لعل فيما تقدم من تفسير هذه السورة، كما تقدم القول في الشكر في تفسير الفاتحة الشريفة، وإنما بقى أن أضيف الى ذلك أن مادة الشكر تدل لغة على الظهور، فهي على النقيض من الكفر الدال على المواراة والإِخفاء، ومن هذا الباب قولهم: "دابة شكور" اذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف، والضدية المفهومة من هذين اللفظين لغة تنعكس عليهما اصطلاحا، فكما أن الشكر هو القيام بحقوق المنعم باستخدام نعمته في مراضيه، فكذلك الكفر هو التنكر لهذه النعمة بطمسها أو استخدامها فيما يسخط من أنعم بها، ويدل على هذا التقابل بينهما قوله تعالى حكاية عن عبده سليمان عليه السلام: {أية : لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ} تفسير : [النمل: 40]، وقوله في الإنسان: {أية : إِنَّا هَدَيْنَاهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} تفسير : [الانسان: 3]، وقد اختلفت عبارات العلماء في الشكر وتحديد مفهومه، وهي ترجع إلى أصل واحد، فروى عن ذي النون المصري أنه قال: "الشكر لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإِحسان"، وروى عن الجنيد أنه سئل عن الشكر وهو غلام فقال: "أن لا يعصى الله بنعمه"، وروى عنه أن حقيقة الشكر العجز عن الشكر، يعني الاعتراف التام بالعجز عن القيام بحقوق المنعم مع استقصاء الجهد في ذلك، وهذا كما روى أن داود عليه السلام عندما أمره الله بشكره قال: كيف أشكرك يا رب والشكر نعمة منك، قال: "الآن قد عرفتني وشكرتني إذ عرفت أن الشكر مني نعمة" فقال: يا رب أرني أخفى نعمك علي، قال: "يا داود تنفس"، فتنفس داود، فقال الله تعالى: "من يحصي هذه النعمة الليل والنهار؟". وروى كذلك عن موسى عليه السلام انه قال: كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازي بها عملي كله، فأوحى الله إليه: "يا موسى الآن قد شكرتني"، وروى عن سهل بن عبد الله أن الشكر الاجتهاد في بذل الطاعة مع اجتناب المعصية في السر والعلانية.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ وٰعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} لما جاوز بنو إسرائيل البحر سألوا موسى عليه السلام أن يأتيهم بكتاب من عند الله فوعده سبحانه أن يعطيه التوراة وقبل موسى ذلك، وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة أو ذا الحجة وعشر المحرم فالمفاعلة على بابها، وهي من طرف فعل، ومن آخر قبوله مثل ـ عالجت المريض ـ وإنكار جواز ذلك لا يسمع مع وروده في كلام العرب وتصريح الأئمة به وارتضائهم له، ويجوز أن يكون {وٰعَدْنَا} من باب الموافاة وليس من الوعد في شيء وإنما هو من قولك موعدك يوم كذا وموضع كذا، ويحتمل أن يكون بمعنى (وعدنا) وبه قرأ أبو عمرو، أو يقدر الملاقاة، أو يقال بالتفكيك إلى فعلين فيقدر الوحي في أحدهما؛ والمجىء في الآخر ولا محذور في شيء كما حققه الدامغاني، وقول أبـي عبيدة: المواعدة لا تكون إلا من البشر غير مسلم، وقول أبـي حاتم: أكثر ما تكون من المخلوقين المتكافئين على تقدير تسليمه لا يضرنا. و(أربعين) مفعول به بحذف المضاف بأدنى ملابسة أي إعطاء أربعين أي عند انقضائها، أو في العشر الأخير منها، أو في كلها، أو في أولها على اختلاف الروايات، أو ظرف مستقر وقع صفة لمفعول محذوف ـ لواعدنا ـ أي واعدنا موسى أمراً كائناً في أربعين، وقيل: مفعول مطلق أي واعدنا موسى مواعدة أربعين ليلة. ومن الناس من ذهب إلى أن الأولى أن لا يقدر مفعول لأن المقصود بيان من وعد لا ما وعد ـ وينصب الأربعين على الإجراء مجرى المفعول به توسعاً، وفيه مبالغة بجعل ميقات الوعد موعوداً وجعل الأربعين ظرفاً لواعدنا على حد جاء زيد يوم الخميس ـ ليس بشيء كما لا يخفى. و(موسى) اسم أعجمي لا ينصرف للعلمية والعجمة، ويقال: هو مركب من (مو) وهو الماء (وشى) وهو الشجر وغُيّرَ إلى (سى) بالمهملة وكأن من سماه به أراد ماء البحر والتابوت الذي قذف فيه ـ وخاض بعضهم في وزنه ـ فعن سيبويه أن وزنه مفعل وقيل: إنه فعلى وهو مشتق من ماس يميس فأبدلت الياء واواً لضم ما قبلها كما قالوا طوبـى، وهي من ذوات الياء لأنها من طاب يطيب، ويبعده أن الإجماع على صرفه نكرة ولو كان فعل لم ينصرف لأن ألف التأنيث وحدها تمنع الصرف في المعرفة والنكرة على أن زيادة الميم أولاً أكثر من زيادة الألف آخراً، وعبر سبحانه وتعالى عن ذلك الوقت بالليالي دون الأيام لأن افتتاح الميقات كان من الليل، والليالي غرر شهور العرب لأنها وضعت على سير القمر، والهلال إنما يهل بالليل، أو لأن الظلمة أقدم من الضوء بدليل {أية : وَءايَةٌ لَّهُمُ ٱلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ ٱلنَّهَارَ } تفسير : [يس: 37] أو إشارة إلى مواصلة الصوم ليلاً ونهاراً ولو كان التفسير باليوم أمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل فلما نص على الليالي فهم من قوة الكلام أنه واصل أربعين ليلة بأيامها، والقول بأن ذكر الليلة ـ كان للإشعار بأن وعد موسى عليه السلام كان بقيام الليل ـ ليس بشيء لأن المروي أن المأمور به كان الصيام لا القيام. وقد يقال من طريق الإشارة: إن ذكر الليلة للرمز إلى أن هذه المواعدة كانت بعد تمام السير إلى الله تعالى ومجاوزة بحر العوائق والعلائق، وهناك يكون السير في الله تعالى الذي لا تدرك حقيقته، ولا تعلم هويته، ولا يرى في بيداء جبروته إلا الدهشة والحيرة، وهذا السير متفاوت باعتبار الأشخاص والأزمان ولي مع الله تعالى وقت يشير إلى ذلك. {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَـٰلِمُونَ} الاتخاذ يجيء بمعنى ابتداء صنعة فيتعدى لواحد نحو ـ اتخذت سيفاً ـ أي صنعته. وبمعنى اتخاذ وصف فيجري مجرى الجعل ويتعدى/ لاثنين نحو ـ اتخذت زيداً صديقاً ـ والأمران محتملان في الآية، والمفعول الثاني على الاحتمال الثاني محذوف لشناعته أي: اتخذتم العجل الذي صنعه السامري إلهاً، والذمّ فيه ظاهر لأنهم كلهم عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألفاً، أو إلا هارون والسبعين الذين كانوا مع موسى عليه السلام، وعلى الاحتمال الأول لا حاجة إلى المفعول الثاني ويؤيده عدم التصريح به في موضع من آيات هذه القصة، والذمّ حينئذٍ لما ترتب على الاتخاذ من العبادة أو على نفس الاتخاذ لذلك، والعرب تذم أو تمدح القبيلة بما صدر عن بعضها. والعجل ولد البقرة الصغير وجعله الصوفية إشارة إلى عجل النفس الناقصة وشهواتها وكون ما اتخذوه عجلاً ظاهر في أنه صار لحماً ودماً فيكون عجلاً حقيقة ويكون نسبة الخوار إليه فيما يأتي حقيقة أيضاً وهو الذي ذهب إليه الحسن، وقيل: أراد سبحانه بالعجل ما يشبهه في الصورة والشكل. ونسبة الخوار إليه مجاز وهو الذي ذهب إليه الجمهور، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك. ومن الغريب أن هذا إنما سمي عجلاً لأنهم عجلوا به قبل قدوم موسى فاتخذوه إلهاً، أو لقصر مدته حيث إن موسى عليه السلام بعد الرجوع من الميقات حرقه ونسفه في اليم نسفاً. والضمير في {بعده} راجع إلى موسى، أي: بعد ما رأيتم منه من التوحيد والتنزيه والحمل عليه والكف عما ينافيه، وذكر الظرف للإيذان بمزيد شناعة فعلهم، ولا يقتضي أن يكون موسى متخذاً إلهاً ـ كما وهمَ ـ لأن مفهوم الكلام أن يكون الاتخاذ ـ بعد ـ موسى ومن أين يفهم اتخاذ موسى سيما في هذا المقام؟ ويجوز أن يكون في الكلام حذف، وأقرب ما يحذف مصدر يدل عليه {وٰعَدْنَا} أي من بعد مواعدته؛ وقيل: المحذوف الذهاب المدلول عليه ـ بالمواعدة ـ لأنها تقتضيه. والجملة الاسمية في موضع الحال، ومتعلق الظلم الإشراك، ووضع العبادة في غير موضعها، وقيل: الكف عن الاعتراض على ما فعل السامري وعدم الإنكار عليه ـ وفائدة التقييد بالحال ـ الإشعار بكون الاتخاذ ـ ظلماً ـ بزعمهم أيضاً لو راجعوا عقولهم بأدنى تأمل، وقيل: الجملة غير حال بل مجرد إخبار أن سجيتهم الظلم وإنما راج فعل السامري عندهم لغاية حمقهم وتسلط الشيطان عليهم ـ كما يدل على ذلك سائر أفعالهم ـ واتخاذ السامري لهم العجل دون سائر الحيوانات، قيل: لأنهم مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم على صور البقر فقالوا: {أية : ٱجْعَلْ لَّنَا إِلَـٰهًا كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } تفسير : [الأعراف: 138] فهجس في نفس السامري أن فتنتهم من هذه الجهة، فاتخذ لهم ذلك. وقيل: إنه كان هو من قوم يعبدون البقر ـ وكان منافقاً ـ فاتخذ عجلاً من جنس ما يعبده.
ابن عاشور
تفسير : تذكير لهم بنعمة عفو الله عن جرمهم العظيم بعبادة غيره وذلك مما فعله سلفهم، فإسناد تلك الأفعال إلى ضمير المخاطبين باعتبار ما عطف عليه من قوله: {ثم عفونا عنكم} فإن العفو عن الآباء منة عليهم وعلى أبنائهم يجب على الأبناء الشكر عليه كما تقدم عند قوله: {أية : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم}تفسير : [البقرة: 40، 47]. ووقع في «الكشاف» و«تفسير البغوي» و«تفسير البيضاوي» أن الله وعد موسى أن يؤتيه الشريعة بعد أن عاد بنو إسرائيل إلى مصر بعد مهلك فرعون، وهذا وهم فإن بني إسرائيل لم يعودوا إلى مصر ألبتة بعد خروجهم، كيف والآيات صريحة في أن نزول الشريعة كان بطورسينا وأن خروجهم كان ليعطيهم الله الأرض المقدسة التي كتب الله لهم وقد أشار في «الكشاف» في سورة الدخان إلى التردد فيه ولا ينبغي التردد في ذلك. وقوله: {ثم اتخذتم العجل من بعده} هو المقصود وأما ما ذكر قبله فهو تمهيد وتأسيس لبنائه وتهويل لذلك الجرم إظهاراً لسعة عفو الله تعالى وحلمه عنهم. وتوسيط التذكير بالعفو عن هذه السيئة بين ذكر النعم المذكورة مراعاة لترتيب حصولها في الوجود ليحصل غرضان غرض التذكير وغرض عرض تاريخ الشريعة. والمراد من المواعدة هنا أمر الله موسى أن ينقطع أربعين ليلة لمناجاة الله تعالى وإطلاق الوعد على هذا الأمر من حيث إن ذلك تشريف لموسى ووعد له بكلام الله وبإعطاء الشريعة. وقراءة الجمهور {وواعدنا} بألف بعد الواو على صيغة المفاعلة المقتضية حصول الوعد من جانبين الواعد والموعود والمفاعلة على غير بابها لمجرد التأكيد على حد سافر وعافاه الله، وعالج المريض وقاتله الله، فتكون مجازاً في التحقيق لأن المفاعلة تقتضي تكرر الفعل من فاعلين فإذا أخرجت عن بابها بقي التكرر فقط من غير نظر للفاعل ثم أريد من التكرر لازمه وهو المبالغة والتحقق فتكون بمنزلة التوكيد اللفظي. والأشهر أن المواعدة لما كان غالب أحوالها حصول الوعد من الجانبين شاع استعمال صيغتها في مطلق الوعد وقد شاع استعمالها أيضاً في خصوص التواعد بالملاقاة كما وقع في حديث الهجرة «وواعداه غار ثور». وقول الشاعر:شعر : فواعديه سَرْحَتَي مالك أو الرُّبا بينهما أسهلا تفسير : واستعملت هنا لأن المناجاة والتكلم يقتضي القرب فهو بمنزلة اللقاء على سبيل الاستعارة ولذلك استغني عن ذكر الموعود به لظهوره من صيغة المواعدة. وقيل المفاعلة على بابها بتقدير أن الله وعد موسى أن يعطيه الشريعة وأمره بالحضور للمناجاة فوعد موسى ربه أن يمتثل لذلك، فكان الوعد حاصلاً من الطرفين وذلك كاف في تصحيح المفاعلة بقطع النظر عن اختلاف الموعود به، وذلك لا ينافي المفاعلة لأن مبنى صيغة المفاعلة حصول فعل متماثل من جانبين لا سيما إذا لم يذكر المتعلق في اللفظ كما هنا لقصد الإيجاز البديع لقصد إعظام المتعلق من الجانبين، ولك أن تقول سوغ حذفه علم المخاطبين به فإن هذا الكلام مسوق للتذكير لا للإخبار والتذكير يكتفى فيه بأقل إشارة فاستوى الحذف والذكر فرجح الإيجاز وإن كان الغالب اتحاده. وقرأ أبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب {وعدنا} بدون ألف عقب الواو على الحقيقة. وموسى هو رسول الله إلى بني إسرائيل وصاحب شريعة التوراة، وهو موسى بن عمران ولم يذكر اسم جده ولكن الذي جاء في التوراة أنه هو وأخوه هارون من سبط لاوى بن يعقوب. ولد بمصر في حدود سنة ألف وخمسمائة قبل ميلاد عيسى ولما ولدته أمه خافت عليه أن يأخذه القبط فيقتلوه لأنه في أيام ولادته كان القبط قد ساموا بني إسرائيل سوء العذاب لأسباب غير مشروعة كما تقدم عند قوله تعالى: {أية : يذبحون أبناءكم}تفسير : [البقرة: 49] فأمر ملك مصر بقتل كل ذكر يولد في إسرائيل. وأمه تسمى «يوحانذ» وهي أيضاً من سبط لاوى وكان زوجها قد توفي حين ولدت موسى فتحيلت لإخفائه عن القبط مدة ثلاثة أشهر ثم ألهمها الله فأرضعته رضعة ووضعته في سفط منسوج من خوص البردي وطلته بالمغرة والقار لئلا يدخله الماء ووضعت فيه الولد وألقته في النيل بمقربة من مساكن فرعون على شاطىء النيل ووكلت أختاً له اسمها مريم بأن ترقب الجهة التي يلقيه النيل فيها وماذا يصنع به، وكان ملك مصر في ذلك الوقت تقريباً هو فرعون رعمسيس الثاني، ولما حمله النهر كانت ابنة فرعون المسماة ثرموت مع جَوارٍ لها يمشين على حافة النهر لقصد السباحة والتبرد في مائه قيل كانوا في مدينة عين شمس فلما بصرت بالسفط أرسلت أمة لها لتنظر السفط فلما فتحنه وجدن الصبي فأخذته ابنة فرعون إلى أمها وأظهرت مريم أخت موسى نفسها لابنة فرعون فلما رأت رقة ابنة فرعون على الصبي قالت: إن فينا مرضعاً أفأذهب فأدعوها لترضعه؟ فقالت: نعم فذهبت وأتت بأم موسى. وأخذت امرأة فرعون الولد وتبنته وسمته موشى قيل: إنه مركب من كلمة «مو» بمعنى الماء وكلمة «شى» بمعنى المنقَذ وقد صارت في العربية موسى والأظهر أن هذا الاسم مركب من اللغة العبرية لا من القبطية فلعله كان له اسم آخر في قصر فرعون وأنه غير اسمه بعد ذلك. ونشأ موسى في بيت فرعون كولد له ولما كبر علم أنه ليس بابن لفرعون وأنه إسرائيلي ولعل أمه أعلمته بذلك وجعلت له أمارات يوقن بها وأنشأه الله على حب العدل ونصر الضعيف وكان موسى شديداً قوي البنية ولما بلغ أشده في حدود نيف وثلاثين من عمره حدث له حادث قتل فيه قبطياً انتصاراً لإسرائيلي ولعل ذلك كان بعد مفارقته لقصر فرعون أي بعد موت مربيه فخاف موسى أن يقتص منه وهاجر من مصر ومر في مهاجرته بمدين وتزوج ابنة شعيب ثم خرج من مدين بعد عشر سنين وعمره يومئذ نيف وأربعون سنة. وأوحى الله إليه في طريقه أن يخرج بني إسرائيل من مصر وينقذهم من ظلم فرعون فدخل مصر ولقي أخاه هارون في جملة قومه في مصر وسعى في إخراج بني إسرائيل من مصر بما قصه الله في كتابه وكان خروجه ببني إسرائيل من مصر في حدود سنة 1460 ستين وأربعمائة وألف قبل المسيح في زمن منفطاح الثاني وتوفي موسى عليه السلام قرب أريحا على جبل نيبو سنة 1380 ثمانين وثلاثمائة وألف قبل ميلاد عيسى ودفن هنالك وقبره غير معروف لأحد كما هو نص التوراة. وقوله: {أربعين ليلة} انتصب على أنه ظرف لمتعلق {واعدنا} وهو اللقاء الموعود به ناب هذا الظرف عن المتعلق أي مناجاة وغيرها في أربعين ليلة إن جعل {واعدنا} مسلوب المفاعله وإن أبقي على ظاهره قدرنا متعلقين وعلى كلا التقديرين فانتصاب (أربعين) على الظرفية لذلك المحذوف على أن إطلاق اسم الزمان على ما يقع فيه مجاز شائع في كلام البلغاء ومنه {أية : واتقوا يوماً لا تجزى نفس}تفسير : [البقرة: 48] كما تقدم والأمور التي اشتملت عليها الأربعون ليلة معلومة للمخاطبين يتذكرونها بمجرد الإلماع إليها. وبما حررناه في قوله: {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة} تستغني عن تطويلات واحتمالات جرت في كلام الكاتبين هنا من وجوه ذكرها التفتزاني وعبد الحكيم وقد جمع الوجه الذي أبديناه محاسنها. وجعل الميقات ليالي لأن حسابهم كان بالأشهر القمرية. وعطفت جملة {اتخذتم العجل من بعده} بحرف {ثم} الذي هو في عطف الجمل للتراخي الترتيبي للإشارة إلى ترتيب في درجات عظم هذه الأحوال وعطف {ثم عفونا عنكم من بعد ذلك} أيضاً لتراخي مرتبة العفو العظيم عن عظيم جرمهم فروعي في هذا التراخي أن ما تضمنته هذه الجمل عظائم أمور في الخير وضده تنبيهاً على عظم سعة رحمة الله بهم قبل المعصية، وبعدها وحذف المفعول الثاني لاتخذتم لظهوره وعلمهم به ولشناعة ذكره وتقديره معبوداً أو إلهاً وبه تظهر فائدة ذكر {من بعده} لزيادة التشنيع بأنهم كانوا جديرين بانتظارهم الشريعة التي تزيدهم كمالاً لا بالنكوص على أعقابهم عما كانوا عليه من التوحيد والانغماس في نعم الله تعالى وبأنهم كانوا جديرين بالوفاء لموسى فلا يحدثوا ما أحدثوا في مغيبه بعد أن رأوا معجزاته وبعد أن نهاهم عن هاته العبادة لما قالوا له: {أية : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون}تفسير : [الأعراف: 138] الآية. وفائدة ذكر (من) للإشارة إلى أن الاتخاذ ابتدأ من أول أزمان بعدية مغيب موسى عليه السلام وهذه أيضاً حالة غريبة لأن شأن التغير عن العهد أن يكون بعد طول المغيب على أنه ضعف في العهد كما قال الحرث بن كلدة:شعر : فما أدري أغيَّرهم تناءٍ وطول العهد أم مالٌ أصابوا تفسير : ففي قوله: {من بعده} تعريض بقلة وفائهم في حفظ عهد موسى. وقوله: {من بعده} أي بعد مغيبه وتقدير المضاف مع بعد المضاف إلى اسم المتحدث عنه شائع في كلام العرب لظهوره بحسب المقام وإذا لم يكن ما يعنيه من المقام فالأكثر أنه يراد به بعد الموت كما في قوله تعالى: {أية : قلتم لن يبعث الله من بعده رسولاً}تفسير : [غافر: 34] وقوله: {أية : ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى}تفسير : [البقرة: 246]. وإنما اتخذوا العجل تشبهاً بالكنعانيين الذين دخلوا إلى أرضهم وهم الفنيقيون سكان سواحل بلاد الشام فإنهم كانوا عبدة أوثان وكان العجل مقدساً عندهم وكانوا يمثلون أعظم الآلهة عندهم بصورة إنسان من نحاس له رأس عجل جالس على كرسي ماداً ذراعيه كمتناول شيء يحتضنه وكانوا يحمونه بالنار من حفرة تحت كرسيه لا يتفطن لها الناس فكانوا يقربون إليه القرابين وربما قربوا له أطفالهم صغاراً فإذا وضع الطفل على ذراعيه اشتوى فظنوا ذلك أمارة قبول القربان فتباً لجهلهم وما يصنعون. وكان يسمى عندهم «بعلا» وربما سموه «مولوك» وهم أمة سامية لغتها وعوائدها تشبه في الغالب لغة وعوائد العرب فلما مر بهم بنو إسرائيل قالوا لموسى {أية : اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة}تفسير : [الأعراف: 138] فانتهرهم موسى وكانوا يخشونه فلما ذهب للمناجاة واستخلف عليهم هارون استضعفوه وظنوا أن موسى هلك فاتخذوا العجل الذي صنعوه من ذهب وفضة من حليهم وعبدوه. وقوله: {وأنتم ظالمون} حال مقيدة لاتخذتم ليكون الاتخاذ مقترناً بالظلم من مبدئه إلى منتهاه وفائدة الحال الإشعار بانقطاع عذرهم فيما صنعوا وأن لا تأويل لهم في عبادة العجل أو لأنهم كانوا مدة إقامتهم بمصر ملازمين للتوحيد محافظين على وصية إبراهيم ويعقوب لذريتهما بملازمة التوحيد فكان انتقالهم إلى الإشرك بعد أن جاءهم رسول انتقالاً عجيباً. فلذلك كانوا ظالمين في هذا الصنع ظلماً مضاعفاً فالظاهر أن ليس المراد بالظلم في هاته الآية الشرك والكفر وإن كان من معاني الظلم في اصطلاح القرآن لظهور أن اتحاذ العجل ظلم فلا يكون للحال معه موقع. وقد اطلعت بعد هذا على «تفسير الشيخ محمد بن عرفة التونسي» فوجدته قال: {وأنتم ظالمون} أي لا شبهة لكم في اتخاذه. وقوله: {ثم عفونا عنكم من بعد ذلك} هو محل المنة، وعطفه بثم لتراخي رتبة هذا العفو في أنه أعظم من جميع تلك النعم التي سبق عدها ففيه زيادة المنة فالمقصود من الكلام هو المعطوف بثم وأما ما سبق من قوله: {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة} إلخ فهو تمهيد له وتوصيف لما حفّ بهذا العفو من عظم الذنب. وقوله: {من بعد ذلك} حال من ضمير «عفونا» مقيدة للعفو إعجاباً به أي هو عفو حال حصوله بعد ذلك الذنب العظيم وليس ظرفاً لغواً متعلقاً بعفونا حتى يقال: إن ثم دلت على معناه فيكون تأكيداً لمدلول ثم تأخير العفو فيه وإظهار شناعته بتأخير العفو عنه وإنما جاء قوله ذلك مقترناً بكاف خطاب الواحد في خطاب الجماعة لأن ذلك لكونه أكثر أسماء الإشارة استعمالاً بالإفراد إذ خطاب المفرد أكثر غلب فاستعمل لخطاب الجمع تنبيهاً على أن الكاف قد خرجت عن قصد الخطاب إلى معنى البعد ومثل هذا في كلام العرب كثير لأن التثنية والجمع شيآن خلاف الأصل لا يصار إليهما إلا عند تعيين معناهما فإذا لم يقصد تعيين معناهما فالمصير إليهما اختيار محض. وقوله: {لعلكم تشكرون} رجاء لحصول شكركم، وعدل عن لام التعليل إيماء إلى أن شكرهم مع ذلك أمر يتطرقه احتمال التخلف فذكر حرف الرجاء دون حرف التعليل من بديع البلاغة فتفسير لعل بمعنى لكي يفيت هذه الخصوصية وقد تقدم كيفية دلالة لعل على الرجاء في كلام الله تعالى عند قوله: {أية : يا أيها الناس اعبدوا ربكم} تفسير : إلى قوله {أية : لعلكم تتقون}تفسير : [البقرة: 21]. ومعنى الشكر تقدم في قوله تعالى: {أية : الحمد لله رب العالمين}تفسير : [الفاتحة: 2] وللغزالي فيه باب حافل عدلنا عن ذكره لطوله فارجع إليه في كتاب «الإحياء».
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}. لم يبين هنا هل واعده إياها مجتمعة أو متفرقة؟ ولكنه بين في سورة الأعراف أنها متفرقة، وأنه واعده أولاً ثلاثين، ثم أتمها بعشر. وذلك في قوله تعالى: {أية : وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} تفسير : [الأعراف: 142].
الواحدي
تفسير : {وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة} أَي: انقضاءَها وتمامَها للتَّكلُّم معه {ثمَّ اتخذتم العجل} معبوداً وآلهاً {من بعده} من بعد خروجه عنكم للميقات {وأنتم ظالمون} واضعون العبادةَ في غير موضعها، وهذا تنبيه على أنَّ كفرهم بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ليس بأعجب من كفرهم وعبادتهم العجل في زمن موسى عليه السَّلام. {ثمَّ عفونا} محونا ذنوبكم {عنكم من بعد ذلك} من بعد عبادة العجل {لعلكم تشكرون} لكي تشكروا نعمتي بالعفو. {وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان} [عطف تفسيري] يعني: التَّوراة الفارق بين [الحق والباطل] والحلال والحرام {لعلكم تهتدون} لكي تهتدوا بذلك الكتاب [من الضلال]. {وإذ قال موسى لقومه} الذين عبدوا العجل {يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل} إلهاً {فتوبوا إلى بارئكم} يعني: خالقكم. قالوا: كيف نتوب؟ قال: {فاقتلوا أنفسكم} أَيْ: ليقتلِ البريءُ منكم المجرمَ {ذلكم} أَي: التَّوبة {خيرٌ لكم عند بارئكم} من إقامتكم على عبادة العجل، ثم فعلتم ما أُمرتم به {فتاب عليكم} [: قبل توبتكم. {إنَّه هو التواب الرحيم} ]. {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك} يعني: الذين اختارهم موسى عليه السَّلام ليعتذروا إلى الله سبحانه من عبادة العجل، فلمَّا سمعوا كلام الله تعالى، وفرغ موسى من مناجاة الله عزَّ وجلَّ قالوا له: [ {لن نؤمن لك} ] لن نصدِّقك {حتى نرى الله جهرةً} أَيْ: عِياناً لا يستره عنا شيءٌ {فأخذتكم الصاعقة} وهي نارٌ جاءت من السَّماء فأحرقتهم جميعاً {وأنتم تنظرون} إليها حين نزلت، وإنَّما أخذتهم الصَّاعقة؛ لأنَّهم امتنعوا من الإِيمان بموسى عليه السَّلام بعد ظهور معجزته حتى يُريهم ربَّهم جهرةً، والإيمانُ بالأنبياء واجبٌ بعد ظهور معجزتهم، ولا يجوز اقتراح المعجزات عليه، فلهذا عاقبهم الله تعالى، وهذه الآية توبيخٌ لهم على مخالفة الرَّسول صلى الله عليه وسلم مع قيام معجزته، كما خالف أسلافهم موسى مع ما أَتى به من الآيات الباهرة. {ثم بعثناكم} نشرناكم وأَعدْناكم أَحياءً {من بعد موتكم لعلكم تشكرون} نعمة البعث.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَاعَدْنَا} {ظَالِمُونَ} (51) - وَيُتَابِعُ اللهُ تَعَالَى تَذْكِيرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنْعُمِهِ وَأَفْضَالِهِ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى آبائِهِمْ، فَيَقُولُ لَهُمْ: اُذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ بِعَفْوِي عَنْكُمْ حِينَمَا عَبَدْتُمُ العِجْلَ. وَقَدْ كَانَتْ عِبَادَتُهُمُ العِجْلَ بَعْدَ أَن اجْتَازُوا البَحْرَ هَرَباً مِنْ فِرْعَوْنَ، فَسَأَلُوا مُوسَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بِكِتَابٍ مِنْ رَبِّهِمْ، فَوَاعَدَهُ رَبُّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ التَّورَاةَ، وَعَيَّنَ لَهُ مِيقَاتاً لِذلِكَ، بَعْدَ أَنْ صَامَ ثَلاثِينَ لَيْلَةً، وَأَتَمَّهَا بِصِيامِ عَشرِ لَيَالٍ أُخَرَ، وَلَمَّا ذَهَبَ مُوسَى لِمِيقَاتِ رَبِّهِ اسْتَبْطَأَهُ قُومُهُ، فَاتَّخَذُوا عِجْلاً مِنْ ذَهَبٍ جَعَلُوهُ لَهُمْ إِلهاً، فَعَبَدُوهُ، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِإِشْرَاكِهِمْ، وَبِعِبَادَتِهِم العِجْلَ. اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ - جَعَلْتُمُوهُ إِلهاً مَعْبُوداً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قول الحق سبحانه وتعالى {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [البقرة: 51] هذا الوعد كان لإعطاء موسى المنهج، فحينما كلَّم الله سبحانه وتعالى موسى بجانب الطور .. كان هذا لإبلاغ موسى عليه السلام أنه رسول من رب العالمين - وأنه أرسله ليخلص بني إسرائيل من طغيان فرعون وعذابه .. وأنه سيمده بآيات ومعجزات .. حتى يقتنع فرعون وقومه أن موسى رسول من الله تبارك وتعالى .. بعد تكليف موسى بالرسالة وذهابه إلى فرعون، وما حدث مع السحره ثم نجاة موسى وقومه، بأن شق الله جل جلاله لهم البحر .. هذا في وقت لم يكن المنهج قد نزل بعد .. ولذلك بمجرد أن نجَّى الله سبحانه وتعالى موسى وقومه وأغرق فرعون .. كان لابد أن يتم إبلاغ موسى بالمنهج. وكان الوعد يشمل أربعين ليلة .. هذه الليالي الأربعون حددت كثلاثين أولاً .. تم أتمها الحق سبحانه وتعالى بعشر أخرى .. واقرأ قوله سبحانه وتعالى: {أية : وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ..} تفسير : [الأعراف: 142]. وعندما يتكلم الدين عن الزمن يتكلم دائماً بالليلة .. والسبب في ذلك أنك لا تستطيع أن تحدد الزمن بدقة بالنهار .. الشمس تشرق وتغرب ثم تعود لتشرق .. فإذا نظرت إلى قرص الشمس .. لا يمكن أن تحدد في أي وقت من الشهر نحن .. هل في أوله أو في وسطه أو في آخره .. ولكن إذا جاء الليل بمجرد أن تنظر إلى القمر تستطيع أن تحدد الزمن. فإذا كان القمر هلالاً فنحن في أوائل الشهر .. وإذا كان بدراً فنحن في وسطه وهكذا. إن هناك مقاييس دقيقة بالنسبة للقمر وقياس الزمن، ولكن المهم أنك إذا أخذت الناس كل الناس؛ الإنسان العادي يستطيع أن يحدد لك الزمن بالتقريب بالليالي .. ويقول لك البدوي في الصحراء، هذا القمر ابن كذا ليلة. وفي منطق الدين نحسب كل شيء بدخول الليل .. فهذه ليلة الأول من شهر رمضان نصلي فيها التراويح .. وليلة العيد لا تصلى فيها التراويح .. وليلة النصف من شعبان .. وليلة الإسراء والمعراج.. وفي كل مقاييس الدين الليل لا يتبع النهار إلا في شيء واحد هو يوم عرفة .. فلا نقول ليلة عرفة وإنما نقول يوم عرفة .. إذن الليلة هي ابتداء الزمن في الدين .. والزمن عند الله مدته اثنا عشر شهراً للعام الواحد .. السنة الميلادية تختلف عن السنة الهجرية .. والسبب في ذلك أن الله سبحانه وتعالى وزع رحمته على كونه .. فلو أن المواقيت الدينية سارت على مواقيت الشمس .. لجاء رمضان مثلاً في شهر محدد لا يتغير .. يصومه الناس صيفاً في مناطق محددة. وشتاء في مناطق محددة ولا يختلف أبداً .. فيظل رمضان يأتي في الصيف والحر دائماً بالنسبة لبعض الناس .. وفي الشتاء والبرد دائماً بالنسبة لبعض الناس. ولكن لأن السنة الهجرية تقوم على حساب الهلال .. فمعنى ذلك أن كل نفحات الله في كونه تأتي في كل الفصول والأزمان .. فتجد رمضان في الصيف والشتاء، وكذلك وقفة عرفات وكذلك كل المناسبات الدينية الطيبة .. لأن السنة الهجرية تنقص أحد عشر يوماً عن السنة الميلادية، والفرق سنة كل ثلاث وثلاثين سنة. والحق سبحانه يقول: {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} [البقرة: 51]. يريد أن يُمَحِّص بني إسرائيل، ويبين لنا كفرهم بنعم الله. فالله نجاهم من آل فرعون، ولم يكادوا يعبرون البحر حتى رأوا قوما يعبدون الأصنام .. فقالوا كما يروى لنا القرآن الكريم: {أية : يٰمُوسَىٰ ٱجْعَلْ لَّنَآ إِلَـٰهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ..} تفسير : [الأعراف: 138]. حدث هذا بمجرد خروجهم من البحر سالمين .. موسى عليه السلام أخذ النقباء وذهب لميقات ربه .. وترك أخاه هارون مع بني إسرائيل .. وبنو إسرائيل عندما كانوا في مصر، وكانوا يخدمون نساء آل فرعون .. أخذوا منهن بعض الحلي والذهب خلسة .. ومع أن فرعون وقومه متمردون على الله تبارك وتعالى .. فإن هذا لا يبرر سرقة حلي نسائهم .. فنحن لا نكافئ من عصى الله فينا بأن نعصي الله فيه .. ونصبح متساوين معهم في المعصية، ولكن نكافئ من عصى الله فينا بأن نطيع الله فيه. وأبو الدرداء رضي الله عنه حينما بلغه أن شخصاً سبَّه. بعث له كتاباً قال فيه: يا أخي لا تسرف في شتمنا .. واجعل للصلح موضعاً فإنا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه .. بنو إسرائيل سرقوا بعض حلي نساء آل فرعون .. فجعلها الله فتنة لإغوائهم .. وزين لهم الشيطان أن يصنعوا منها عجلاً يعبدونه .. صنعه لهم موسى السامري الذي رباه جبريل .. فأخذ الحلي وصهرها ليجعلها في صورة عجل له خوار .. وقال لهم هذا إلهكم وإله موسى. أتعرف لماذا فتنهم الله سبحانه وتعالى بالعجل؟ لأن الذهب المصنوع منه العجل من أصل حرام .. والحرام لا يأتي منه خير مطلقاً .. ولابد أن نأخذ العبرة من هذه الواقعة .. وهي أن الحرام ينقلب على صاحبه شراً ووبالاً، إن كان طعامك حراماً يدخل في تكوين خلاياك ويصبح في جسدك الحرام .. فإذا دخل الحرام إلى الجسد يميل فعلك إلى الحرام .. فالحرام يؤرق الجسد ويسوقه إلى المعاصي. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَاتِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} وقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَٱشْكُرُواْ للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}، ثم ذكر، الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأَنَّى يستجاب لذلك ". تفسير : وقد حصل لبني إسرائيل الشيء نفسه وسرقوا ذهب آل فرعون فانقلب عليهم ظلماً، وقال الله تعالى عنهم: {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} [البقرة: 51]. وعد الله لموسى كما قال أهل العلم كان ثلاثين ليلة .. إتمام الثلاثين ليلة يؤتيه ما وعد .. وكلمة وعد هي الإخبار بشيء سار. والوعيد هي الإخبار بشيء سيئ .. فإذا سمعت وعداً فاعرف أنَّ ما سيجيء بعدها خير .. وإن سمعت وعيداً تعرف أن ما بعدها شر، إلا آية واحدة وهي قوله سبحانه وتعالى: {أية : ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ..} تفسير : [الحج: 72]. فهل الوعد هنا بخير أو المعنى اختلف؟ .. نقول: إن كانت النار موعوداً فهي شر .. وإن كانت النار هي الموعودة والكفار هم الموعود بهم فهي خير للنار؛ لأن النار تفرح بتعذيب الكافرين من عباد الله .. ونعرف هذا الفرح من قوله تعالى: {أية : يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمْتَلأَتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ} تفسير : [ق: 30]. ولا يستزيد الإنسان إلا من شيء يحبه .. والنار - ككل شيء مسخر - مُسَبِّحة لله تكره العصاة .. ولكنها غير مأمورة بحرقهم في الدنيا، ولكن في الآخرة تكون سعيدة وهي تحرق العصاة والكافرين.
الأندلسي
تفسير : وقرىء {وَٰعَدْنَا} ووعدنا فاحتمل واعد أن يكون بمعنى وعد واحتمل أن يكون من اثنين وعد الله موسى الوحي ووعده موسى المجيء للمقيات. "وموسى" هو ابن عمران بن يصهر بن فاهت بن لؤي بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، وامتنع من الصرف للعلمية والعجمة. {أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} ذو الحجة وعشر من المحرم أو ذو القعدة وعشر من ذي الحجة وقرىء أربعين بكسر الباء شذوذاً وانتصب على المفعول به إذ هي الموعودة أو على حذف أي تمام أو انقضاء أربعين ولا يجوز نصبه على الظرف لأنه معدود فيلزم أن يكون وقوع العامل في كل فرد فرد منها وليس كذلك. وفسّر بليلة لأن أول الشهر ليلة الهلال وهذه الموادعة بعد خروجهم من البحر أو بعدد دخولهم مصر بعد هلاك فرعون ونقل أنهم سألوه أن ينزل الله عليهم كتاباً والمعنى فخرج إلى ميقات ربه. {ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ} إدغام الذال في التاء وإظهارها فصيحان وقرىء بهما. والعجل أل فيه لتعريف الماهية أو للعهد السابق إذ كانوا قد صنعوه ونسب الاتخاذ إلى جميعهم وإن كان بعضهم لم يتخذ لأن القبيلة قد تذم وقد تمدح بما وقع من بعضها واتخذ إن كان بمعنى عمل تعدي إلى واحد وكان بعد ذلك محذوف مقدر أي وعبدتموه الها وإن كان بمعنى ما تعدي الى اثنين كان الثاني محذوفاً لدلالة المعنى أي ثم اتخذتم العجل الها وظاهر العجل انه عجل حقيقة وقيل شكل عجل. {مِن بَعْدِهِ} أي من بعد مواعدته أو من بعد ذهابه إلى الطور. {وَأَنْتُمْ ظَٰلِمُونَ} أي باتخاذكم العجل الها أو أخبار بأن سجيتهم الظلم وعبادتهم العجل تدل على انهم مجسمة أو حلولية. {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم} أي لم نؤاخذكم باتخاذكم العجل. {مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي بالثناء على المنعم المطابق لما يعتقده المنعم عليه من حق المنعم. {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} وهو التوراة. {وَٱلْفُرْقَانَ} أي تفرق بين الحق والباطل. {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي باتباع الكتاب المنزل والعمل بما فيه إذ اتباع الكتب الالهية سبب للهداية انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين وآتيناه الإِنجيل فيه هدى ونور.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):