٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
52
Tafseer
القرطبي
تفسير : فيه أربع مسائل: الأولى: قوله تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ} العَفْوُ: عفوُ الله جل وعز عن خلقه؛ وقد يكون بعد العقوبة وقبلها، بخلاف الغُفران فإنه لا يكون معه عقوبةٌ الْبَتّةَ. وكل من ٱستحق عقوبة فتُرِكت له فقد عُفِيَ عنه. فالعفو: مَحْوُ الذنب؛ أي محوْنا ذنوبكم وتجاوزنا عنكم. مأخوذ من قولك: عَفَتِ الريح الأثر؛ أي أذهبته. وعفا الشيءُ: كثر. فهو من الأضداد؛ ومنه قوله تعالى: {أية : حَتَّىٰ عَفَوْاْ}تفسير : [الأعراف: 95]. الثانية: قوله تعالى: {مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} أي من بعد عبادتكم العجل. وسُمِّيَ العجل عجلاً لاستعجالهم عبادته. والله أعلم. والعجل: ولد البقرة. والعِجّول مثله، والجمع العجاجيل؛ والأنثى عِجْلة. عن أبي الجرّاح. الثالثة: قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} كي تشكروا عفو الله عنكم. وقد تقدّم معنى لعل. وأما الشكر فهو في اللغة الظهور؛ من قوله: دابة شَكور؛ إذا ظهر عليها من السَّمَن فوق ما تُعْطَى من العَلَف. وحقيقته الثناء على الإنسان بمعروف يُولِيكه. كما تقدّم في الفاتحة. قال الجوهري: الشكر: الثناء على المحسن بما أوْلاكه من المعروف؛ يقال: شكرته وشكرت له؛ وباللام أفصح. والشكران: خلاف الكُفران. وتشكّرت له مثل شَكَرت له. وروى الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا يشكر الله من لا يشكر الناس»تفسير : . قال الخطابي: هذا الكلام يتأوّل على معنيين: أحدهما ـ أن من كان من طبعه كفران نعمة الناس وترك الشكر لمعروفهم كان من عادته كفران نعمة الله عز وجل وترك الشكر له. والوجه الآخر ـ أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذ كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ويكفر معروفهم؛ لاتصال أحد الأمرين بالآخر. الرابعة: في عبارات العلماء في معنى الشكر؛ فقال سَهْل ابن عبد اللَّه: الشكر: الاجتهاد في بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية في السر والعلانية. وقالت فرقة أخرى: الشكر هو الاعتراف في تقصير الشكر للمنعم؛ ولذلك قال تعالى: {أية : ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً}تفسير : [سبأ: 13]. فقال داود: كيف أشكرك يا رب، والشكر نعمة منك! قال: الآن قد عرفتني وشكرتني؛ إذ قد عرفت أن الشكر مني نعمة. قال: يا ربّ فأرني أخْفى نعمك عليّ. قال: يا داود تنفّس؛ فتنفّس داود. فقال الله تعالى: مَن يُحصي هذه النعمة الليلَ والنهارَ. وقال موسى عليه السلام: كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازي بها عملي كله! فأوحى الله إليه: يا موسى الآن شكرتني. وقال الجُنَيْد: حقيقة الشكر العجز عن الشكر. وعنه قال: كنت بين يدي السَّرِيّ السَّقَطِيّ ألعب وأنا ٱبن سبع سنين وبين يديه جماعة يتكلمون في الشكر، فقال لي: يا غلام ما الشكر؟ فقلت: ألا يُعْصَى الله بنعمه. فقال لي: أخشى أن يكون حظك من الله لسانك. قال الجنيد: فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها السِريّ لي. وقال الشبليّ: الشكر: التواضع والمحافظة على الحسنات، ومخالفة الشهوات وبذل الطاعات، ومراقبة جبّار الأرض والسموات. وقال ذو النُّون المصريّ أبو الفَيْض: الشكر لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان والإفضال.
البيضاوي
تفسير : {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ } حين تبتم، والعفو محو الجريمة، من عفا إذا درس. {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } أي الاتخاذ {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي لكي تشكروا عفوه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ } محونا ذنوبكم {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } الاتخاذ {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمتنا عليكم.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}. قال ابن عطية: الترجي مصروف للمخاطب أي (عَفَوْنَا) (عنكم) لتكونوا بحيث (يترجى) المخاطب (بها) شكركم عليه. وفسره الزمخشري على مذهبه بالإرادة.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله {ثم عفونا عنكم من بعد ذلك} يعني من بعد ما اتخذتم العجل.
القشيري
تفسير : سرعة العفو على عظيم الجُرْم تدل على حقارة قدرة المعفو عنه، يشهد لذلك قوله تعالى: (مخاطباً أمهاتِ المسلمين): {أية : مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ}تفسير : [الأحزاب: 30] هؤلاء بنو إسرائيل عبدوا العجل فقال الله تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ}، وقال لهذه الأمة (يقصد أمة محمد صلى الله عليه وسلم): {أية : وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}تفسير : [الزلزلة: 8].
اسماعيل حقي
تفسير : {ثم عفونا عنكم} اى محونا جريمتكم حين تبتم {من بعد ذلك} اى من بعد الاتخاذ الذى هو متناه فى القبح فلم نعاجلكم بالاهلاك بل امهلناكم الى مجيىء موسى فنبهكم واخبركم بكفارة ذنوبكم {لعلكم تشكرون} لكى تشكروا نعمة العفو وتستمروا بعد ذلك على الطاعة فان الانعام يوجب الشكر واصل الشكر تصور النعمة واظهارها وحقيقته العجز عن الشكر: قال السعدى شعر : خردمند طبعان منت شناس بد وزند نعمت بميخ سباس
الطوسي
تفسير : قيل في معنى ما وقع العفو عنهم بقوله: {ثم عفونا عنكم} قولان: احدهما ـ انا تركنا معاجلتكم بالعقوبة من بعد اتخاذكم العجل الهاً. والآخر ـ عفونا عنكم بقبول التوبة من عبادة العجل. اللغة: والعفو، والصفح، والمغفرة، والتجاوز، نظائر. فالمغفرة نقيض العقوبة. ويقال عفا عفواً واعفاه واعفاء واستعفى استعفاء، وعفى تعفية وعافاه معافاة وتعفى تعفيا. وتعافى تعافيا، واعتفاه اعتفاء. والعفو احل المال واطيبه. والعفو: المعروف. والعفاة: طلاب المعروف. وهم المعتفون. تقول: اعتفيت فلانا اذا طلبت معروفه وفضله. والعافية من الطير والدواب الرزق. اسم جامع لها. ومنه قوله (ع) من غرس شجرة مثمرة فما اكلت العافية منها كتب له صدقة. والعافية دفاع الله عن العبد يقول عافاه الله من مكروه وهو يعافيه معافاة. والاستعفاء: ان تطلب إلى من كلفك امرا ان يعفيك منه، وعفى الشيء: اذا كثروا عفيته: اذا اكثرته: قال تعالى {حتى عفوا}. ومنه اعفاء اللحية: اكثارها. وعفى: درس يقال اخذ من فلان ما عفا، وصفا. والعفا: التراب تقول: يعفيه العفا. وعليه العفا. والعفا الدروس قال زهير: شعر : على اثار ما ذهب العفاء تفسير : ومنه عفت الديار. والريح تعفو الديار عفاء، وعفوا. وتعفت الدار والاثر تعفياً والعَفوة والعِفوة والعُفوة. والجمع العفو: وهي الحمر الأفتأ والفتيات. والعفاء. ما كثر من الوبر والريش وناقة ذات عفاء كثيرة الوبر طويلة والعفو: ولد الاتان الوحشية. وأصل الباب: الترك. ومنه قوله: {فمن عفي له من أخيه شيء} من ترك له. وعفو الشيء صفوه ومعنى {لعلكم} في الآية لكي تشكروا وقيل: معناه التعريض كانه قال: عرضناكم للشكر. وقوله: {من بعد ذلك} ـ وان كان اشارة إلى الواحد ـ فمعناه الجمع. وانما كان ذلك كذلك، لان ذا اسم مبهم فمرة يأتي على الاصل، ومرة يأتي على مشاكلة اللفظ. اذا كان لفظ المبهم على الواحد وان كان معناه الجمع على انه قد يخاطب بلفظ الواحد ويراد به الجمع كقوله: {يا أيها النبي} ثم قال: {إذا طلقتم النساء}. وقوله: {من بعد ذلك} إشارة إلى اتخاذهم العجل الهاً. وقوله: {لعلكم تشكرون}. اللغة: فالشكر: هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم. قال الرماني: الشكر هو الاظهار للنعمة. والصحيح هو الاول لأنه قد يظهر النعمة من لا يكون شاكرا لها. والفرق بين الشكر والمكافاة ان المكأفاة من التكافؤ وهو التساوي، وليس كذلك الشكر ففي مكافأة النعمة دلالة على انه قد استوفى حقها. وقد يكون الشكر مقصرا عنها وان كان ليس على المنعم عليه اكثر منه الا انه كلما ازداد من الشكر، حسن له الازدياد وان لم يكن واجبا لأن الواجب لا يكون إلا متناهياً وذلك كالشكر لنعمة الله لو استكثرته غاية الاستكثار لم يكن لينتهي الى حد لا يجوز له الازدياد لعظم نعم الله عز وجل وصغر شكر العبد. ويقال: شكر شكرا، وشكورا، وتشكر تشكرا. والشكور، من الدواب ما يكفيه قليل العلف لسمنه. والشكر من الحيوانات: التي تصيب حظا من بقل او مرعى فتغزر ليتها بعد قلة. يقال اشكر القوم: اذا انزلوا منزلا فاصابت نعمهم شيئاً من بقل، فدرت عليه، وانهم ليحلبون شكرة بجزم الكاف وقد شكرت الحلوبة شكرا: والشكير شعر ضعيف ينبت خلال الشيب. وكذلك ما ينبت من ساق الشجر قضبان تخرج غفه بين قضبان عاسية يقال له الشكر واشكر ضرع الناقة اذا امتلا لبنا والشكر بضع المرأة. وأصل الباب: الظهور ولا يستحق الكافر الشكر على وجه الاجلال والانعام، والكافر لا يستحق كذلك وانما يجب له مكافاة نعمته كما يجب قضاء دينه على وجه الخروج اليه من غير تعظيم له ويسمى ذلك شكرا والشكر لا يستحق الا على نعمة ومعنى قولنا في الله انه غفور شكور انه يجازي العبد على طاعاته من غير ان ينقصه شيئاً مين حقه فجعل المجازاة على الطاعة شكرا في مجاز اللغة ولا يستحق الانسان الشكر على نفسه لأنه لا يكون منعماً على نفسه كما لا يكون مقرضاً لنفسه والنعمة تقتضي منعماً غير المنعم عليه. كما أن القرض يقتضي مقترضا، غير المقرض. وقد يصح ان يحسن إلى نفسه كما يصح أن يسئ إليها، لأن الاحسان من المحسن. فاذا فعل بها فعلا حسنا ينتفع به، كان محسناً اليها بذلك الفعل، واذا فعل بها قبيحاً كان مسيئاً اليها. والشكر متعلق في الآية بعفو الله عنهم، ونعمه عليهم: كانه قال: لتشكروا الله على عفوه عنكم وسائر نعمه عليكم.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : العَفو، والصفْح، والمغفرة، والتجاوز نظائر. قال ابن الأنباري: {أية : عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ}تفسير : [التوبة:43]. معناه: مَحى الله عنك. مأخوذ من قولهم: "عفَت الريح الأثر" إذا درَسته ومحَته. فعفو الله محوه الذنوب عن العبْد. والظاهر أنَّ المراد من قوله: {عَفَوْنَا عَنكُم} تركنا معاجلتكم بالعقاب في الدنيا {مِّن بَعْدِ} اتّخاذكم العِجل إلهاً {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي: تعرفون الله ورسوله. فإنّ تمام الشكر بأفضل أجزائه، وهو المعرفة. لمَّا وقعت إليه الإشارة سابقاً من أنّ كلّ مقام من مقامات الدين ينتظم بأمور ثلاثة -: العلم، وهو أعلاها، والحال، وهو أوسطها. والعمل، وهو أدناها - فالشكر لله عبارة عن اعتقاد كونه خالقاً، ورازقاً للعباد، ومنعماً عليهم في الدنيا والآخرة بواسطة الملائكة والأنبياء. ويلزم ذلك الاعتقاد الفرح بذكر الله، ومعرفته، وحبّ لقائه، وخلوص القلب عن الالتفات بغير الله، وتصفيته عن كلّ خاطر رديء، ويلزمه أيضاً العمل بالأركان والجوارح بقدر ما يتيسّر ويُطاق. واسم "الشُّكْرِ" تارةً يقع على الثلاثة، وتارةً يخصّ بالأول - نظراً إلى سرّه، وروحه، وباطنه - وتارة يخصّ بالآخر - نظراً إلى ظاهره المكشوف للحسّ - كما أنّ اسم الإيمان تارةً يقع على الاعتقاد بالله، واليوم الآخر، والملائكة، والكتب، والرسل، والأئمة (عليهم السلام)، مع الإقرار باللسان، والعمل بالأركان. وتارة يقع على نفس الاعتقاد الصحيح، وهو النور الباقي للمؤمن إلى يوم القيامة، يسعى بين يديه وعن يمينه. وقالت المعتزلة - ومنهم صاحب الكشاف -: "معنى قوله: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} أي: غفرنا لكم بسبب إتيانكم بالتوبة التي هي قتلكم أنفسكم". وفيه بحث من وجهين: الأول: إنّ قبول التوبة واجبٌ عقلاً. وأداء الواجب لا يكون إنعاماً. فلو كان المراد ذلك فلا يحسن عدّه في معرض الإنعام والامتنان. والآية مسوقة في تعديد نِعم الله على بني إسرائيل. والثاني: إنّ العفو اسم لإسقاط العقاب عن المستحق، فأمّا إسقاط ما يجب إسقاطه فلا يسمّى عفواً. فعُلم أنَّ ذلك المعنى الذي حملوا الآية عليه ضعيف عقلاً ولُغةً. تنبيه اعلم أنَّ هذه الآية دالّة على بطلان قول المعتزلة أنْ "لا عفو عن الكبائر" إذ لا كبيرة أكبر من اتّخاذ العِجل إلهاً، وإذا ثبت أنّه سبحانه عفَى عن كفر قوم موسى (عليه السلام) ولم يؤاخذهم على شِرْكهم، فبأن يعفو عن فسْق أُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله) كان أحقّ وأحرى. تنبيه آخر قد دلّت الآية أيضاً على أن الله تعالى لم يرد من العباد إلاّ الخير والطاعة، ولا يريد منهم الشرّ والعصيان. فإنّه تعالى لما بيَّن أنَّه إنّما عفى عنهم ولم يؤاخذهم لكي يشكروا، فلم يرد منهم في هذا العفو إلاّ الشكر، وهو أعظم الطاعات. وأمّا ما ذكره صاحب التفسير الكبير من قوله: "لو أراد الله منهم الشكر لأراد ذلك إمّا بشرط أن يصل للشاكر داعية الشكر، أو لا بهذا الشرط. والأوّل باطل، لأنّ تلك الداعية إن كانت من فعْل العبد لافتقر هذه الداعية إلى داعية أُخرى، والكلام فيها عائد. وإن كانت من الله فحيث خلَق الله الداعي حصل الشكر لا محالة. وحيث لم يخلق استحال حصول الشكر منه من غير هذه الداعية. والثاني أيضاً باطل، وإلاّ فقد أراد منه المحال، لأنَّ حصول الفعل بدون الداعي محال، وطلبُ المحالِ محالٌ على أصولهم". فمندفِعٌ، لأنّا نختار أنّ حصول الشكر من العبد بالاختيار مشروط بحصول الداعية فيه سواء كانت بالاختيار، فيستدعي داعية أخرى، أو بالاضطرار، فيكون من فعْل الحقّ، وعلى أيّ الوجهين ينتهي بالأخرة إلى حصول داعية ليست هي من فعْل العبد، بل من فعل الله الحاصل في العبد اضطراراً. وقد مرّ مراراً أنّ اختيار العبد ينتهي آخر الأمر إلى ما هو حاصل فيه بالاضطرار فإنَّ عِلْم الإنسان وداعيته مخلوقان لله بالاتّفاق، والنزاع ليس إلاّ في ترتّب هذه الأمور وافتقار بعضها إلى بعض أو في عدم الترتيب. فإنّ الأشاعرة ومَن يَحذو حذوهم أنكَروا حكمة الله في هذا الترتيب، ونَفوا القول بالعلّة والمعلول، ولهذا أسنَدوا القبائح والشرور كلّها إلى الله أوّلاً وبالذات تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً. حكمة قرآنية معنى "لعلَّ" في القرآن اعلم أنّ في لفظة "لعلّ" - وهي من كلمات الترجّي والإمكان - إشارةٌ بليغة إلى أنّ فعْل الشكر إنّما يحصل من العبد باختياره، فإنّ أفعال العباد من جهة نسبتها إلى مبادئها القريبة واقعة باختياره على سبيل الاحتمال والإمكان. ومن جهة نسبتها إلى السبب الأوّل ومبادئها البعيدة - من قضاء الله وقدَره وعلمه وقدرته - واقعة من العبد على سبيل البتّ والوجوب. ففعْل العبد من جهة وقوعه باختياره يحكم عليه بـ "القدَر والتفويض" أي: بكونه واقعاً بقدرتنا، مفوَّض إلينا - ومن جهة وقوعه بمشيّة الله وقضائه وقدَره، والوسائط المترتّبة المستندة - على ترتيبها في سلسلة العلل والمعلولات - إلى الله، يحكم عليه بـ "الجبْر" كما سبق. فلفظة "لعلّ" كلّما جاءت في القرآن فهي بحسب الاعتبار الأوّل، وهو وقوع الأمور من أسبابها القريبة. فصل الفرق بين الحمد والشكر اعلم أنَّ العلماء فرّقوا بين الحمد، والشكر، ومعناهما، وحكمهما، وملخّص الفرق المستفاد من أقوالهم: إنّ الحمد من أشباه الأذكار كالتسبيح والتهليل، فيكون من المساعي الظاهرة، والشكر من أشباه النيّات والأخلاق، كالصبر والتفويض والرضا. فيكون من المساعي الباطنة، لأنّ الشكر يقابل الكفران. والحمد يقابل اللَّوم. ولأنّ الحمد أعمّ وأكثر، والشكر أخصّ وأقل. كما قال تعالى: {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} تفسير : [سبأ: 13]. فثبت أنّهما معنيان متميّزان. ثمّ الحمد - كما هو المشهور من كلام الجمهور - هو الثناء على أحد بالفعل الجميل. وأمّا الشكر فقد تكلّموا في معناه وأكثَروا القول فيه: فعن ابن عباس أنّه قال: "هو الطاعة بجميع الجوارح لربّ العالمين في السرّ والعلانية". وهذا كما اشتهر على ألسِنة الجمهور: "أنّه عبارة عن صرف العبد جميع ما أنعمه الله فيما خُلق لأجله" وإلى نحوه ذهَب بعض المشايخ، فقال: "إنّه أداء الطاعات في الظاهر والباطن". وقال بعضهم: "اجتناب المعاصي ظاهراً وباطناً". وقال غيره: "الاحتراس عن اختيار معاصي الله". أي: تحترس على قلبك ولسانك وأركانك، حتى لا تعصي الله بشيء من هذه الثلاثة. وقال آخر: "الشكر تعظيم المنعم على مقابلة نعمته، على حدّ يمنعه من جفاء المنعم وكفرانه". ولو قيل: "تعظيم المحسِن على مقابلة إحسانه" ليصحّ أن يكون من الله الشكر للعبد المحسن. فإن قلت: فما موضع الشكر؟ فاعلم أنَّ موضعه النعم الدينيّة والدنيويّة مطلقاً. وأمّا الشدائد والمصائب الدنيويّة في النفس، أو الأهل، أو المال، فقال بعضهم: لا يلزم العبد الشكر عليها، وإنّما يجب عليها الصبر. وأمّا الشكر فهو على النعمة خاصّة. وقال بعضهم: لا شدّة إلاّ وفي جنبها نعم الله. فيلزم الشكر على تلك النعم المقترنة به، دون نفس الشدّة. وقال بعضهم - وهو الأولى -: إنّ شدائد الدنيا مما يلزم العبد الشكر عليها، لأنّ تلك الشدائد نعم بالحقيقة، لأنّها تعرض للعبد بمنافع عظيمة، ومثوبات جزيلة وأعواض كريمة، في العاقبة، تتلاشى في جنبها مشقّة هذه الشدائد. مثال ذلك من يسقيك دواء كريهاً مرّاً للدَّاء الشديد، فيؤدّي ذلك إلى صحّة النفس وصفوة العيش فيكون إيلامه إيّاك بمرارة الدواء منّة بالغة بالحقيقة، وإن كان في صورة مكروهة. فالحاصل من هذا الكلام رجع إلى أنّ البليّة والشدّة يجب الشكر عليها من حيث إنّها نعمة، لأنّها توجبها لا من حيث إنّها بليّة وآفة، فلا شكر على الشرور والأعدام من حيث إنّها شرور وأعدام. هذا هوالتحقيق، وعلى هذا يحمل قوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : الحمدُ لله على كلّ حال ". تفسير : ثمّ إنّ النعمة قسمان: دنيويّة، ودينيّة: فالدنيويّة ضربان: نفعٌ، ودفعٌ. فنعمة النفع - وهي المصالح والمنافع - ضربان: الخِلْقة السويّة في سلامتها وعافيتها، وما سلامة البدن موقوفة عليها من المطاعم، والمشارب، والملابس، والمناكح وغيرها من فوائدها. وأمّا نعمة الدفع فهي أن صرَف عنك المفاسد والمضار. وهي ضربان أحدهما: في النفس بأن سلمك من زمانتها، وسائر آفاتها، وعللها. والثاني: دفع ما يلحقك من ضرب من أنواع العوائق أو يقصدك بسوء من إنس، أو جنّ، أو سباع، أو هوامّ، أو نحوها. وأمّا النعم الدينيّة فضربان: نعمة التوفيق ونعمة العصمة، فنعمة التوفيق أن وفقك الله أوّلاً للإسلام، ثمّ الطاعة. ونعمة العصمة أن يعصمك أوّلاً عن الكفر والشرك، ثمّ عن البدعة والضلالة، ثمّ عن سائر المعاصي وتفصيل ذلك لا يحيط به إلاَّ السيّد الحكيم الذي أنعَم عليك كما قال جلّ جلاله {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} تفسير : [إبراهيم:34]. فصل عرشي اعلم أنَّ تحقيق الشكر، والعلم بكيفيّة حصوله من الإنسان، يستدعي معرفة أصول عظيمة عقليّة، ومسائل شريفة علميّة، منها معرفة النفس الإنسانيّة، وهي أمّ الفضائل ومفتاح العلوم الحقيقية، ولنذكر هاهنا استقصاءً يسيراً مما وجدناه من كتب العرفاء، لما فيه من عظيم الجدوى. فنقول: قد علمت سابقاً أنّ الشكر من جملة مقامات السالكين، ومنزلٌ من منازل أهل الدين، وكلّ مقام ومنزل لهم ينتظم من، علم، وحال، وعمل. العلم هو الأصل، فيورث الحال، والحال يورث العمل. أمّا العلم هاهنا فهو معرفة المنعِم وإنعامه. وأمّا الحال فيه فهو الابتهاج الحاصل فيه بإنعامه. وأمّا العمل فيه فهو القيام بما هو مؤدٍ إلى مقصود للمنعم وغاية إنعامه. ويتعلّق ذلك العمل بالقلب والجوارح واللِّسان. ولا بدّ من بيان جميع ذلك ليحصل بمجموعه الإحاطة بحقيقة الشكر. فالأصل الأول العلم: وهو متعلّق بثلاثة أمور: بعين النعمة، ووجه كونها نعمة في حقّه، وبذات المنعِم، ووجود صفاته، التي بها يتمّ الإنعام، وبصدور الإنعام منه عليه، فإنّه لا بدّ من منعِم، ومنعَمٍ عليه، يصل إليه النعمة من المنعِم بقصد وإرادة. فهذه الأمور لا بدّ من معرفتها في حقّ غير الله، فأمّا في حق الله فلا يتمّ إلاّ بأن يعرف أنّ النعم كلّها منه، وهو المنعِم بالحقيقة، والوسائط مسخّرون من جهته، فهذه المعرفة هي معرفة أن "لا مؤثّر في الوجود إلاّ الله" وهو توحيد الأفعال. وهذه المعرفة وراء التقديس، والتوحيد في الذات الواجبيّة، إذا دخل هذا التوحيد والتقديس فيها، بل الرتبة الأولى في معارف الإيمان التقديس. ثمّ إذا عرف ذاتاً مقدّسة عن النقائص الإمكانيّة - فضلاً عن المثالب الماديّة والمكانيّة - فيعرف أنّه لا مقدّس إلاّ واحد، وما عداه غير مقدّس وهو التوحيد. ثمّ يعلم أنَّ كل ما في العالَم فهو موجود من ذلك الواحد فقط، والكلّ نِعمة منه، فتقع هذه المعرفة في الرتبة الثالثة - أي بعد المعرفتين الأوليين - فينطوي فيها مع التقديس والتوحيد: كمال القدرة والانفراد بالفعل. وعن هذا عبّر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) حيث قال: "حديث : مَن قال "سبحان الله" فله عشر حسنات. ومَن قال: "لا إله إلاّ الله" فله عشرون. ومَن قال: "الحمدُ لله" فله ثلاثون حسَنة ". تفسير : وقال (صلّى الله عليه وآله): حديث : أفضل الذكر "لا إله إلاّ الله" وأفضل الدعاء "الحمدُ لله ". تفسير : وقال (صلّى الله عليه وآله): حديث : ليس شيء من الأذكار يضاعَف ما يضاعَف الحمد . تفسير : ولا تظننّ أنّ هذه الحسنات بإزاء تحريك اللِّسان بهذه الكلمات، من غير حصول معانيها في القلب. فـ "سبحانَ الله" كلمةٌ تدلّ على التقديس، و "لا إله إلاّ الله" كلمة تدلّ على التوحيد. و "الحمدُ لله" على معرفة النعمة من الواحد الحقّ. فالحسنات بإزاء هذه المعارف، التي هي من أنوار الإيمان واليقين. واعلم أنَّ تمام هذه المعرفة ينفي الشرك في الأفعال، فمَن أنعَم عليه ملِكٌ من الملوك بشيء فإن رأى المنعَمُ عليه لوزيره، أو وكيله دخْلاً في تيسير ذلك، وإيصاله إليه فهو إشراك به في النّعمة، فلا يرى النِّعمة من الملِك من كلّ وجهٍ، بل منه بوجه، ومن غيره بوجه. فيتوزّع فرحه عليهما. فلا يكون موحّداً في حق الملِك. نعَم لا ينقص عن توحيده في حقّ الملِك وكمال شكره أن يرى النعمة الواصلة إليه بتوقيعه الذي كتبَه بقلمه، وبالكاغد الذي كتب عليه، فإنّه لا يفرح بالقلم والكاغد ولا يشكرهما، لأنّه لا يثبت لهما دخلاً من حيث هما موجودان بأنفسهما بل من حيث هما مسخّران تحت قدرة الملِك. وقد يعلم أنّ الوكيل الموصل والخازن أيضاً مضطرّان من جهة الملِك في الإيصال، وأنّه لو رُدّ الأمرُ إليهما، ولم يكن من جهة الملِك أمْر حتم وقضاء جزم لما سلَّما. فإذا عرف ذلك كان نظره إلى الخازن والوكيل كنظره إلى القلم والكاغد، فلا يورث شركاً في توحيده من إضافة النعمة إلى الملِك. فكذلك من عرف الله، وعرف أفعالَه، علم أنّ الشمسَ، والقمرَ، والنجوم مسخراتٌ بأمره - كالقلم مثلاً في يد الكاتب - وأنّ الحيوانات التي لها اختيار مسخّرات في نفس اختيارها، فإنّ الله تعالى هو المسلِّط للدواعي عليه، شاءت أو أبت أي من حصول الداعي كالخازن المضطر الذي لا يجد سبيلاً إلى مخالفة الملِك، ولو خلّي ونفسه لَما أعطاك ذرّةً ممّا في يده. فكلّ من وصل إليك نعمة الله تعالى على يده فهو مضطرّ، إذ سلّط الله عليه الإرادة، وهيَّج عليه الدواعي، وألقى في قلبه أنّ خيره في الدنيا والآخرة هو أن يعطيك ما أعطاك. وبعد خلقِ الله له هذا الاعتقاد فلا يجد سبيلاً إلى تركه، فهو إذن إنّما يعطيك لغرض نفسه لا لغرضك ولو لم يكن غرضه في العطاء لما أعطاك. فالمنعِم عليك بالحقيقة هو الذي سخَّره لك، وألقى في قلبه من الاعتقادات والإرادات ما صار به مضطرّاً إلى الإيصال إليك. فإن عرفتَ الأُمور كذلك فقد عرفتَ الله، وعرفت فعله، وكنت موحّداً، وقدرت على شكره، بل كنت بهذه المعرفة بمجرّدها شاكراً، ولذلك قال موسى (عليه السلام) في مناجاته: "إلهي خلقتَ آدمَ بيدك، وإذا سوّيتَه فنفختَ فيه من روحك وفعلت، وفعلت، فكيف شكرك؟" فقال: "علم أنّ ذلك منّي، فكانت معرفته شُكراً". فإذن لا شكرَ إلاّ بأن تعرف أنّ الكلّ منه، فإن خالجَك ريبٌ في هذا لم تكن عارفاً إلاّ بالنعمة - لا بالمنعِم - فلا تفرح بالمنعَم وحده، بل بغيره. فبقدر نقصان معرفتك ينقص حالك في الفرح، وبنقصان فرحك وابتهاجك بالمنعم ينقص عملك. فهذا بيان هذا الأصل. الأصل الثاني: الحال المستثمر من أصل المعرفة، وهو الفرح بالمنعِم مع هيئة الخشوع والتواضع، وهذا أيضاً شكر في نفسه، كما أنّ المعرفة شكر، ولكن إنّما يكون شكراً إذا كان جامعاً لشروطٍ: أحدها: أن يكون فرحُك بالمنعِم - لا بالنعمة، ولا بالإنعام - ومثاله: أنّ الملِك إذا أنعم بفرس على إنسان، تصور فرحه بالفرس من ثلاثة أوجه: أحدها: أن يفرح به من حيث إنّه فرس، وانّه مال يُنتفَع به، ومركوبٌ يوافق غرضَه، وانّه جوادٌ نفيس ولو وجده في صحراء وأخذه لكان فرحُه مثلَ هذا الفرح. والثاني: أن يفرح به من حيث إنّه يستدلّ به على عناية الملِك وشفقته عليه، حتّى أنّه لو وجده في صحراء لم يفرح به أصلاً، لاستغنائه عنه أو لاستحقاره بالإضافة إلى ما هو مطلوبه من نيل المحلّ في قلب الملِك. الثالث: أن يفرح به ليركبه ويخرج به في خدمة الملِك؛ لينال بخدمته رتبة القُرب عنه، ويرتقي إلى درجة الوزارة من حيث إنَّه لم يقنع بأن يكون محلّه في قلب الملِك أن يعطيه فرَساً، ولا يكتفي بهذا القدر من العناية، بل هو طالب لأنْ لا ينعم الملِكُ على أحد إلاّ بواسطته، ثمّ إنّه لا يريد من الوزارةِ الوزارةَ أيضاً، بل مشاهدة الملِك والقرب منه، حتّى أنّه لو خيِّر بين الوزارة دون القُرب، وبين القُرب دون الوزارة لاختار القُرب. فهذه ثلاث درجات: فالأوّل لا يدخل فيه معنى الشكر أصلاً، لأنّ نظرَ صاحبه مقصورٌ على الفرَس لا بمعطي الفرس فهذا حال كلّ من فرح بنعمة من حيث إنَّها لذيذة وموافقة لغرضه، فهو بعيدٌ من معنى الشكر. والثانية داخلة في معنى الشكر من حيث إنّه فرح بالمنعم، ولكن لا من حيث ذاته، بل من حيث معرفة عنايته التي يستحثّه على الإنعام في المستقبل، وهذا حال الصالحين، الذين يعبدون الله ويشكرونه خوفاً من عقابه ورجاءً لثوابه. وإنّما الشكر التامّ في الفرَح الثالث، وهو أن يكون فرح العبد بنعم الله من حيث إنَّه يقتدر بها على التوسّل إلى القُرب منه، والنزول في جواره والنظر إلى وجهه على الدوام فهذه الرتبة العليا، وأمارته أن لا يفرح من الدنيا إلاّ بما هو مزرعة الآخرة ومُعينة عليها. ويحزن بكلّ نعمة تُلهيه عن ذكر الله تعالى، وتصدّه عن سبيله لأنّه ليس يريد النعمة لأنّها لذيذة. ولذلك قال الشبلي: "الشكر رؤية المنعِم لا رؤية النعمةَ" وقال الخواصّ "شكر العامّة على المَطعم والمَلبس، وشكر الخاصّة على واردات القلوب". وهذه رتبةٌ لا يدركها كلّ من انحصرت عنده اللذّات في البطن، والفَرْج، ومدركات الحواسّ، وخَلا عن لذّة القلب، فإنّ القلب - أعني الروح - لا يلتذّ في حال الصحّة والسلامة إلاّ بذكر الله تعالى ومعرفته ولقائه، وإنّما يلتذّ من غيره إذا مرض بسوء العادات، كما يستلذّ بعض الناس بأكل الطين، وكما يستبشِع بعض المرضى الأشياءَ الحلوة، ويستحلي الأشياء المرّة، فإذن هذه شرائط الفرح بنعمة الله. الأصل الثالث: وهو العمل. وصرْف الجوارح وسائر النعم في المصارف التي خلَقها الله وأنعمَها لأجلها، وذلك لأمرين: أحدهما: لدوام النعمة. زالثاني: لحصول الزيادة. فأمّا دوام النعمة فلأنّ الشكر قيد المنعَم، به تدوم وتبقى، وبتركه تزول وتحول، ولما علمت أن كلّ نعمة - بل كل عين، أو صفة، أو قوّة - فهي مخلوقةٌ لأجل غاية وفائدة هي مصرفها، فإذا صرفت في مصارفها دامت، وإلاّ زالت. كما قال الله تعالى: {أية : إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} تفسير : [الرعد:11]. وقال: {أية : فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ}تفسير : [النحل:112]. وقوله: {أية : مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} تفسير : [النساء:147]. وفي الحديث أنّه قال: "حديث : إنّ النعم أوابد كأوابد الوحوش، فقيِّدوها بالشكر ". تفسير : وأمّا الزيادة فلأن الشكر لمّا كان قيد النعمة فهو يثمر الزيادة، وصرْف الشيء في مصرفه الطبيعي يوجب اشتدادَه وازديادَه كما قال تعالى: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} تفسير : [إبراهيم:7]. وقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى} تفسير : [محمد:17]. ألا ترى أنّ السيد الحكيم إذا رأى العبدَ قد قام بحقّ نعمة يَمنّ عليه بأخرى ويراه أهلاً لها، وإلاّ فيقطع عنه ذلك؟ تذييل فإن قلت: هل لنا أن نشكر الخلْقَ على إحسانهم إلينا للنعم الواصلة إلينا من الله بأيديهم - وقد ذكر أنّ الوسائط مسخّرون ولا تأثير لهم في الإفادة أصلاً -؟ قلنا: نعم تأدّباً بأدَب الله وأدب رسوله (صلّى الله عليه وآله)، فإنّ شكر المحسن على الإحسان والدعاء له من شِعار الصالحين، وأخلاق العارفين، وذلك منهم مع كمال توكّلهم على ربّهم وصفاء توحيدهم في الأفعال، وقطعهم النظر عن الأغيار في التأثير والآثار ورؤيتهم النعم كلّها من المنعِم الجبّار، فإنّهم يفعلون ذلك اقتداءً برسول الله (صلى الله عليه وآله) كما ورد في كثير من الأحاديث والأخبار. وبيان ذلك أنّ الناس على ثلاثة أقسام: فالعامّة حجبوا عن الله بالخلْق في المنع والعطاء. والصوفيّون السالكون في الابتداء حجبوا بالله عن الخلْق ورأوا الأشياء من الله، حيث طالَعوا ناصية التوحيد، وخرَقوا الحِجاب الذي منع الخلْق عن صرف التوحيد، فلم يثبتوا للخلق منعاً ولا عطاء. وأمّا الكمّل من العلماء الإلهيّين فحيث ارتقوا إلى ذروة التوحيد شكروا الخلْق بعد شُكر الحقّ، وأثبتوا لهم وجوداً وتأثيراً في المنح والعطاء، بعد أن رأوا وشاهَدوا السبب الأوّل أوّلاً. وذلك لسعة علْمهم وقوّة معرفتهم بحيث يسع علمهم للجانبين، ولا يحجب نظرهم بأحد من الخلْق والحقّ عن الآخر، فلا يحجبهم الخلْق عن الحقّ كعامّة المسلمين الساكنين في مقام التسليم، ولا يحجبهم الحقّ عن الخلْق كأرباب الإرادة والمبتدئين من السالكين، بل شاهَدوا الحكمة والترتيب ونفوذ نور الحقيقة في مطاوي الممكنات، ومكامِن الماهيات، فيشكرون الخلْق لأنّهم الوسائط والأسباب. روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: "حديث : أوّل ما يدعى إلى الجنّة الحمّادون، الذين يحمدون الله في السرّاء والضرّاء" تفسير : وقال (صلّى الله عليه وآله): "حديث : من عطَس أو تجشّى فقال: "الحمد لله على كلّ حال" رفع الله بها عنه سبعين داء أهونها الجذام"تفسير : . وقال (صلّى الله عليه وآله): "حديث : ما من عبْد ينعم عليه نِعمة فحمَد الله إلاّ كان الحمدُ أفضل منها ". تفسير : فقوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : كان الحمدُ أفضل منها" تفسير : يحتمل أنّه رضي الحقّ بها شكراً، ويحتمل أنّ الحمد أفضل منها نعمة، فيكون نعمة الحمدِ أفضل من النعمة التي حَمَد عليها، فإذا شكروا المنعِم الأوّل يشكرون الواسطة المنعِم من الناس، ويدعون. وعنه (صلّى الله عليه وآله) أنّه إذا أفطر عند قوم قال: "حديث : أفطَر عندكم الصائِمون، وأكَل طعامَكم الأبرارُ، ونزلت عليكم السكينةُ والوقار" تفسير : وعنه (صلّى الله عليه وآله): "حديث : من قال لأخيه: "جزاك الله خيراً" فقد أبلغ في الثناء ".
الجنابذي
تفسير : {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم} بتوسّلكم بمحمّد (ص) وآله من بعد ذلك {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمة العفو ونعمة التّوسّل بمحمّد (ص) وآله (ع).
اطفيش
تفسير : {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُم}: حين تبتم من عبادة العجل، والعفو عدم المؤاخذة بالجريمة، المؤاخذة شبيهة بالأثر فى الأرض أو غيرها، والعفو شبيه بمحو ذلك الأثر أو هو مأخوذ من عفا الشىء إذ اندرس، وعلى الوجهين العفو ذهاب الحال الأول من الذنب كما هو المراد هنا أو من غير الذنب. وقال عياض: لا يستعمل العفو بمعنى الصفح إلا فى الذنب. {مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ}: الاتخاذ اتخاذ العجل إلهاً. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: أى لتشكروا عفوه. فلعل هنا تعليلية، ويجوز بقاؤها للترجى باعتبار نظر المخلوق. أى عفونا عنكم عفواً، يقول المتفكر من الخلق لعلكم تشكرون، والشكر فى أصل اللغة ضد الكفر، والكفر الستر، فالشكر إظهار النعمة والشكر شكر القلب وهو تصور النعمة، أعنى استحضارها فى القلب واستحضار صورتها فيه، وشكر اللسان وهو الثناء على النعمة وذكرها وشكر سائر الجوارح، وهو مكافأة النعمة بقدر استحقاقها، غير أن شكر الله لا يقوم به قائم بكله وحقيقته إلا بمسامحة الله فى جعله قليل شكره كثيراً أو كلا كما روى أن موسى عليه السلام قال: إلهى أنعمت علىّ النعم السوابغ: وأمرتنى بالشكر، وإنما شكرى إياك نعمة منك فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى تعلمت العلم الذى ما فوقه علم، حسبى من عبدى أن يعلم أن ما به من نعمة هى منّى، وكما روى أن داود عليه السلام قال: سبحان من جعل اعتراف العبد بالعجز عن شكره شكراً، كما جعل اعترافه بالعجز عن معرفته معرفة، ولذلك قيل حقيقة الشكر العجز عن الشكر، وقيل الشكر لمن فوقك بالطاعة والثناء كما هو حال المخلوق مع الخالق، وكما هو حال العبد مع سيده، وأحاد الرعية مع الملك ولنظيرك بالمكافأة ولمن دونك بالإحسان والإفضال، فشكر الله الطاعة بالقلب واللسان والجوارح سراً وعلانية، لأن القلب واللسان والجوارح نعم منه تعالى، وفيهن نعم فشكره استعمالهن بالعبادة وعدم استعمالهن فى المعصية، فانهن خلقن للعبادة. وقد قيل شكر النعمة ذكرها بالقلب ليستشعر أنه مقصر فى حق من أنعمها عليه، وذكرها باللسان ليقوى تصورها بسماع الأذن والملائكة والجن والإنس، ولينبه السامع فيشكر لأنه لا مخلوق إلا والله فيه نِعَمٌ لا تحصى، وقيل شكر النعمة ألا يتعلق قلبه بتعظيمها فى مجرد ذاتها، بل يتعلق بالمنعم وتعظيمه، فإذا تذكرها توصل منها إلى تعظيمه وانتقل منها إليه.
اطفيش
تفسير : {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ} الاتخاذ قبلنا توبة عبدة العجل بعد ما قتلوا منهم سبعين ألفا، ورفع الله عنهم السيف، وصح إطلاق العفو مع عقابهم بالقتل لأنه عفو عن مزيد العقاب بخلاف الغفران فلا يكون مع العقاب كذا قيل، والصحيح أنه يستعمل كالعفو بلا عقاب ومع عقاب {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} تستعملون قلوبكم، وألسنتكم، وجوارحكم فى العبادة لمقابلة نعمة العفو إذ عاملناكم معاملة من يرجو الشكر على ما أنعم به أو لتشكروا، والشكر استشعار العجز عن الوفاء بحق النعم، عند الجنيد، والنواضع عند حضور النعمة القلب عند الشبلى، والطاعة لمن فوقك لنعمه ولنظيرى بالمكافأة ولمن دون ذلك بالإحسان.
الالوسي
تفسير : (ثم) لتفاوت ما بين فعلهم القبيح، ولطفه تعالى في شأنهم، فلا يكون {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ} تكراراً. و(عفا) بمعنى درس يتعدى ولا يتعدى ـ كعفت الدار، وعفاها الريح ـ والمراد بالعفو هنا ـ محو الجريمة بالتوبة ـ وذلك موضوع موضع (ذلكم) والإشارة ـ للاتخاذ ـ كما هو الظاهر، وإيثارها لكمال العناية بتمييزه ـ كأنه يجعل ظلمهم مشاهداً لهم ـ وصيغة البعيد مع قربه لتعظيمه ليتوسل بذلك إلى جلالة قدر العفو والمراد بالترجي ما علمت، والمشهور هنا كونه مجازاً عن طلب الشكر على العفو ومن قدر الإرادة من أهل السنة ـ أراد مطلق الطلب ـ وليس ذلك من الاعتزال، إذ لا نزاع في أن الله تعالى قد يطلب من العباد ما لا يقع والشكر عند الجنيد هو العجز عن الشكر، وعند الشبلي ـ التواضع تحت رؤية المنة ـ وقال ذو النون: الشكر لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافآت، ولمن دونك بالإحسان.
د. أسعد حومد
تفسير : (52) - ثُمَّ عَفَا اللهُ عَنْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتُوبُونَ إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ، وَالعَمَلِ بِأَوَامِرِهِ، وَطَلَبِ مَرْضَاتِهِ وَتَشْكُرُونَ أَنْعُمَهُ عَلَيْكُمْ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الله سبحانه وتعالى يَمُنُّ على بني إسرائيل مرة أخرى مع أنهم ارتكبوا ذنباً من ذنوب القمة؛ ومع ذلك عفا الله عنهم لأنه يريد أن يستبقي عنصر الخير للناس .. يريد أن يعلم خلقه أنه رب رحيم، يفتح أبواب التوبة للواحد بعد الآخر .. لتمحو خلايا الشر في النفس البشرية. إن الإنسان حين يذنب ذنباً ينفلت من قضية الإيمان، ولو لم تشرع التوبة والعفو من الله لزاد الناس في معاصيهم وغرقوا فيها، لأنه إذا لم تكن هناك توبة وكان الذنب الواحد يؤدي إلى النار، والعقاب سينال الإنسان فإنه يتمادى في المعصية. وهذا ما لا يريده الله سبحانه وتعالى لعباده، وفي الحديث الشريف: "حديث : لَلَّهُ أفرحُ بتوبةِ عبدِه مِن أحدِكم سَقَطَ على بعيره وقد أضلَّه في أرضٍ فلاةٍ ". تفسير : معنى الحديث .. رجل معه بعير يحمل ماله وطعامه وشرابه وكل ما يملكه. هذا البعير تاه في صحراء جرداء، بحث عنه صاحبه فلم يجده. لقد فقده وفقد معه كل مقومات حياته .. ثم ينظر فيراه أمامه .. كيف تكون فرحته؟ .. طبعاً بلا حدود. هكذا تكون فرحة الله تعالى بتوبة عبده المؤمن بل أشد من ذلك. إن الله تبارك وتعالى حين يفتح باب التوبة. يريد لحركة العالم أن تسير .. هب أن نفساً غفلت مرة أو قادتها شهوتها مرة إلى معصية أو وسوس الشيطان لها كما حدث مع آدم وحواء. لو لم تكن هناك توبة ومغفرة .. لانقلب كل هؤلاء إلى شياطين، بل إن أعمال الخير تأتي من الذين أسرفوا على أنفسهم، فهؤلاء يحسنون كثيراً ويفعلون الخير كثيراً .. مصداقاً لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ذٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} تفسير : [هود: 114]. وقوله جل جلاله: {أية : خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ..} تفسير : [التوبة: 103]. إذن فكون الله سبحانه وتعالى يتوب على بني إسرائيل مع أنهم كفروا بالقمة في عبادة العجل .. فذلك لأن الله يريد استبقاء الخير في كونه، ولقد عبد بنو إسرائيل العجل قبل أن ينزل عليهم المنهج وهو التوراة، ولكن هل بعد أن أنزل عليهم المنهج والتوراة تابوا وأصلحوا أم استمروا في معصيتهم وعنادهم؟
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ومن نعمه الباطنة: ما ذكر في قوله تعالى: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} [البقرة: 52] أي: من بعد عبادتكم العجل {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 52]، والشكر على ثلاثة أوجه: شكر بالأقوال، وشكر بالأعمال، وشكر بالأحوال. فشكر الأقوال: أن يتحدث بالنعم مع نفسه إسراراً ومع غيره إظهاراً ومع ربه افتقاراً، كما قال تعالى: {أية : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ}تفسير : [الضحى: 11]، وقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : التحدث بالنعم شكر ". تفسير : وشكر الأعمال: أن يعرف نعمة الله تعالى في طاعته ولا يعصيه بها، ويتدارك ما فاته من الطاعات وبادر من المعاصي؛ لقوله تعالى: {أية : ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً}تفسير : [سبأ: 13]. وشكر الأحوال: أن يتجلى المنعم بالصفة الشكورية على سر العبد، فلا يرى إلا المنعم في النعمة والشكور في الشكر، ويرى المنعم في النعمة من المنعم، والشكر في الشكر والشكر من الشكور، ويرى وجوده وشكر النعمتين من نعم المنعم ورؤية النعمة، فتكون نعمة وجوده مرآة جمال المنعم، ويكون شكره مرآة جمال الشكور، ورؤية النعمة والمنعم نعمة أخرى إلى غير نهاية، فيعلم ألا يقوم بأداء شكره ولا يشكره إلا الشكور {أية : وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ}تفسير : [الشورى: 23]. ثم أخبر عن إتياء الكتاب أنها نعمة أخرى في هذا الباب بقوله تعالى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 53]، والإشارة فيها أن الله تعالى آتى لموسى الكتاب وهي التوراة والفرقان وهو نور النبوة والحكمة يؤتيها الله تعالى أنبياءه مع الكتاب، فيفرقون بها بين الحق والباطل للأمة، ويبينون بها الكتاب، ويعلمهم الحكمة لقوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ}تفسير : [الأنعام: 89]، وقوله تعالى: {أية : وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلْكِتَابَ وَٱلْحِكْمَةَ}تفسير : [البقرة: 151]، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ"، تفسير : {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} لكي تهتدوا بنور الكتاب ونور حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسن موعظته إلى التوبة الحقيقية، وهي الرجوع إلى الله تعالى بقتل النفس الأمارة التي تعبد عجل الهوى؛ كيلا يحتاجوا إلى قتل النفس في الصورة. فلما لم يهتدوا إلى هذه التوبة بالتعريض، أمرهم بالتصريح بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} [البقرة: 54]، والإشارة فيها أن لكل قوم عجلاً يعبدونه من دون الله؛ قوم يعبدون عجل الدرهم والدينار قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة"، تفسير : وقوم يعبدون عجل الشهوات، وقوم يعبدون عجل الجاه، وعجل الهوى وهذه يغضها الله تعالى لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما عبد إله أبغض على الله من الهوى ". تفسير : وقال تعالى: {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الجاثية: 23]، فأرسل الله تعالى نبيه موسى قلب كل سعيد لقوله تعالى: {يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} [البقرة: 54]، ارجعوا إلى الله تعالى بالخروج عما سواه، ولا يمكنكم إلا بقتل النفس {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54]، بقمع الهوى لأن الهوى هو حياة، وبالهوى عبد ما عبد من دون الله على الحقيقة، وبالهوى ادعى فرعون الربوبية، وعبد بنو إسرائيل العجل، وبالهوى أبى واستكبر إبليس، وبه أكل آدم من الشجر، وبه عبدت الكواكب والأصنام. وفيه معنى آخر: {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} ارجعوا إليه للاستنصار على قتل النفس بنهيها عن هواها، فاقتلوا أنفسكم بنصر الله وعونه، فإن قتل النفس في الظاهر تيسر للمؤمنين والكافرين، وأما قتل النفس في الباطن وقهر ما قهر صعب لا يتيسر إلا خواص الحق بسيف الصدق ونصر الحق، ولهذا جعل مرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء بقوله تعالى: {أية : فَأُوْلَـٰئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّينَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّالِحِينَ}تفسير : [النساء: 69]. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع من غزو يقول: "حديث : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"تفسير : وذلك لأن المجاهد إذا قتل سيف الكفار يستريح من النصب والتعب بمرة واحدة، وإذا قتل بسيف الصدق في يوم ألف مرة تحيى نفسه على بصيرة أخرى وتزداد في مكرها وخداعها وحيلها، فلا يستريح المجاهد طرفة من جهادها، ولا يأمن مكرها. وبالحقيقة: النفس صورة مكر الحق {أية : فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْخَاسِرُونَ} تفسير : [الأعراف: 99]. {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} [البقرة: 54] يعني: قتل النفس بسيف الصدق ألف مرة خير لكم؛ لأن بكل قتلة رفعة درجة لكم عند بارئكم، فأنتم تقربون إلى الله تعالى بقتل النفس وقمع الهوى وهو يتقرب إليكم بالتوفيق للتوبة والرحمة عليكم، كما قال تعالى: "حديث : من تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً"، تفسير : وذلك قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: 54]، أخبر عن سوء أعمالهم بمقالهم في قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55]، الآيتين، الإشارة فيهما أن مطالبة الرؤية جهرة هي تعرض مطالعة الذات المقدسة، فتوجب سوء الأدب وترك الحرمة، وذلك من أمارات البعد والشقاوة، فمن سطوات العظمة والعزة أخذتهم الرجفة الصعقة إظهاراً للعدل، ثم من سنة الكرم قاصد عليهم بحال النعم إسبالاً للستر على هيئات العبيد والخدم فقال: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} [البقرة: 55]، {ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 56]، إظهاراً للفضل. ثم أخبر عن نتائج الكرم بأنواع النعم بقوله تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} [البقرة: 57]، والإشارة: لما ابتلاهم بألسنة العزة وأدبهم بسوط القوة، أدركهم بالرحمة في وسطه الكربة، فأكرمهم بالإنعام وظللهم بالغمام ومن عليهم بالمن وسلاهم بالسلوى، فما ازدادوا بشؤوم الطبيعة ولؤم الوقيعة إلا في البلوى، كما قيل: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 57]، بأمر الشرع {وَمَا ظَلَمُونَا} [البقرة: 57]، إذ تصرفوا فيها بالطبع {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57]، بالحرص على الدنيا ومتابعة الهوى.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):