Verse. 60 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِذْ اٰتَيْنَا مُوْسَى الْكِتٰبَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَہْتَدُوْنَ۝۵۳
Waith atayna moosa alkitaba waalfurqana laAAallakum tahtadoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذ آتينا موسى الكتاب» التوراة «والفرقان» عطف تفسير، أي الفارق بين الحق والباطل والحلال والحرام «لعلكم تهتدون» به من الضلال.

53

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو الإنعام الرابع والمراد من الفرقان يحتمل أن يكون هو التوراة وأن يكون شيئاً داخلاً في التوراة وأن يكون شيئاً خارجاً عن التوراة فهذه أقسام ثلاثة لا مزيد عليها وتقرير الاحتمال الأول أن التوراة لها صفتان كونها كتاباً منزلاً وكونها فرقاناً تفرق بين الحق والباطل فهو كقولك: رأيت الغيث والليث تريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً } تفسير : [الأنبياء: 48] وأما تقرير الاحتمال الثاني فهو أن يكون المراد من الفرقان ما في التوراة من بيان الدين لأنه إذا أبان ظهر الحق متميزاً من الباطل، فالمراد من الفرقان بعض ما في التوراة وهو بيان أصول الدين وفروعه. وأما تقرير الاحتمال الثالث فمن وجوه، أحدها: أن يكون المراد من الفرقان ما أوتي موسى عليه السلام من اليد والعصا وسائر الآيات وسميت بالفرقان لأنها فرقت بين الحق والباطل. وثانيها: أن يكون المراد من الفرقان النصر والفرج الذي آتاه الله بني إسرائيل على قوم فرعون، قال تعالى: {أية : وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ } تفسير : [الأنفال: 41] والمراد النصر الذي آتاه الله يوم بدر، وذلك لأن قبل ظهور النصر يتوقع كل واحد من الخصمين في أن يكون هو المستولي وصاحبه هو المقهور، فإذا ظهر النصر تميز الراجح من المرجوح وانفرق الطمع الصادق من الطمع الكاذب، وثالثها: قال قطرب الفرقان هو انفراق البحر لموسى عليه السلام. فإن قلت: فهذا قد صار مذكوراً في قوله تعالى: {أية : وَإِذَا فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ } تفسير : [البقرة: 50] وأيضاً فقوله تعالى بعد ذلك: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لا يليق إلا بالكتاب لأن ذلك لا يذكر إلا عقيب الهدى. قلت: الجواب عن الأول أنه تعالى لم يبين في قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ } أن ذلك كان لأجل موسى عليه السلام، وفي هذه الآية بين ذلك التخصيص على سبيل التنصيص، وعن الثاني أن فرق البحر كان من الدلائل فلعل المراد أنا لما آتينا موسى فرقان البحر استدلوا بذلك على وجود الصانع، وصدق موسى عليه السلام وذلك هو الهداية وأيضاً فالهدى قد يراد به الفوز والنجاة كما يراد به الدلالة، فكأنه تعالى بين أنه آتاهم الكتاب نعمة في الدين والفرقان الذي حصل به خلاصهم من الخصم نعمة عاجلة. واعلم أن من الناس من غلط فظن أن الفرقان هو القرآن، وأنه أنزل على موسى عليه السلام وذلك باطل لأن الفرقان هو الذي يفرق بين الحق والباطل وكل دليل كذلك فلا وجه لتخصيص هذا اللفظ بالقرآن. وقال آخرون: المعنى: {وَإِذْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ } يعني التوراة وآتينا محمداً صلى الله عليه وسلم الفرقان لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب. وقد مال إلى هذا القول من علماء النحو الفراء وثعلب وقطرب وهذا تعسف شديد من غير حاجة ألبتة إليه. وأما قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } فقد تقدم تفسير لعل وتفسير الاهتداء، واستدلت المعتزلة بقوله: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } على أن الله تعالى أراد الاهتداء من الكل وذلك يبطل قول من قال: أراد الكفر من الكافر، وأيضاً فإذا كان عندهم أنه تعالى: يخلق الاهتداء، فيمن يهتدي والضلال فيمن يضل، فما الفائدة في أن ينزل الكتاب والفرقان ويقول: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } ومعلوم أن الاهتداء إذا كان يخلقه، فلا تأثير لإنزال الكتب فيه لو خلق الاهتداء ولا كتاب لحصل الاهتداء، ولو أنزل بدلاً من الكتاب الواحد ألف كتاب ولم يخلق الاهتداء فيهم لما حصل الاهتداء، فكيف يجوز أن يقول أنزلت الكتاب لكي تهتدوا؟ واعلم أن هذا الكلام قد تقدم مراراً لا تحصى مع الجواب والله أعلم.

القرطبي

تفسير : «إذ» ٱسم للوقت الماضي. و «إذا» ٱسم للوقت المستقبل. و «آتينا»: أعطينا. وقد تقدّم جميع هذا. والكتاب: التوراة بإجماع من المتأوّلين. وٱختلف في الفرقان؛ فقال الفَرّاء وقُطْرُب: المعنى آتينا موسى التوراة، ومحمداً عليه السلام الفرقان. قال النحاس: هذا خطأ في الإعراب والمعنى؛ أما الإعراب فإن المعطوف على الشيء مثله؛ وعلى هذا القول يكون المعطوف على الشيء خلافه. وأما المعنى فقد قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ}تفسير : [الأنبياء: 48]. قال أبو إسحٰق الزجاج: يكون الفرقان هو الكتاب؛ أعيد ذكره باسمين تأكيداً. وحكي عن الفرّاء؛ ومنه قول الشاعر:شعر : وقَدّمتِ الأدِيمَ لراهِشَيْهِ وأَلْفَى قولَها كذِباً ومَيْنَا تفسير : وقال آخر:شعر : ألاَ حبّذا هِندٌ وأرضٌ بها هِندُ وهندٌ أتى من دونها النَّأْيُ والبُعْدُ تفسير : فنسق البُعْد على النّأي، والمَيْنُ على الكذب؛ لاختلاف اللفظين تأكيداً؛ ومنه قول عنترة:شعر : حُيّييتِ مِن طَلَل تقادَم عهدُه أقْوَى وأقفرَ بعد أمّ الهيْثَمِ تفسير : قال النحاس: وهذا إنما يجيء في الشعر، وأحسن ما قيل في هذا قول مجاهد: فرقا بين الحق والباطل؛ أي الذي علمه إياه. وقال ٱبن زيد: الفرقان ٱنفراق البحر له حتى صار فَرِقاً فعبروا. وقيل: الفرقان الفرج من الكرب؛ لأنهم كانوا مستعبدين مع القبط؛ ومنه قوله تعالى: {أية : إَن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} تفسير : [الأنفال: 29] أي فرجاً ومخرجاً. وقيل؛ إنه الحجة والبيان. قاله ٱبن بحر. وقيل: الواو صلة، والمعنى آتينا موسى الكتاب الفرقان، والواو قد تزاد في النعوت؛ كقولهم: فلان حسن وطويل؛ وأنشد:شعر : إلى المَلِك القَرْم وٱبن الهمام وليثِ الكَتيبةِ في المُزْدَحمْ تفسير : أراد إلى الملك القرم ٱبن الهمام ليث الكتيبة. ودليل هذا التأويل قوله عزّ وجلّ: {أية : ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ تَمَاماً عَلَى ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ} تفسير : [الأنعام: 154] أي بين الحرام والحلال والكفر والإيمان والوعد والوعيد، وغير ذلك. وقيل: الفرقان الفَرْق بينهم وبين قوم فرعون؛ أنجى هؤلاء وأغرق أولئك. ونظيره: {أية : يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} تفسير : [الأنفال: 41]. فقيل: يعني به يوم بَدْر؛ نصر الله فيه محمداً صلى الله عليه وسلم وأصحابَه، وأهلك أبا جهل وأصحابه. {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} لكي تهتدوا من الضلالة. وقد تقدّم.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ } يعني التوراة الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وحجة تفرق بين الحق والباطل. وقيل أراد بالفرقان معجزاته الفارقة بين المحق والمبطل في الدعوى، أو بين الكفر والإِيمان. وقيل الشرع الفارق بين الحلال والحرام، أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه كقوله تعالى: {أية : يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ } تفسير : [الأنفال: 41] يريد به يوم بدر. {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } لكي تهتدوا بتدبر الكتاب والتفكر في الآيات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ } التوراة {وَٱلْفُرْقَانِ } عطف تفسير، أي الفارق بين الحق والباطل والحلال والحرام {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } به من الضلال.

ابن عبد السلام

تفسير : {الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ} الكتاب: التوراة، وهي الفرقان، أو الفرقان ما في التوراة من الفرق بين الحق والباطل، أو فرقة ـ سبحانه وتعالى ـ بين موسى وفرعون بالنصر، أو انفراق البحر.

ابن عادل

تفسير : "الكِتَاب" و "الفُرْقان" مفعول ثان لـ "آتَيْنَا". وهل المراد بالكتاب والفرقان شيء واحد، وهو التوراة؟ كأنه قيل: الجامع بين كونه كتاباً مُنَزَّلاً، وفرقاناً يفرِّق بَيْن الْحَقِّ والْبَاطل، نحو: رَأَيْتُ الغَيْثَ واللَّيْثَ، وهو مِنْ باب قوله: [المتقارب] شعر : 491ـ إِلَى الْمَلِكِ الْقَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ ........................ تفسير : أو لأنهم لمَّا اختلف اللفظ، جاز ذلك؛ كقوله: [الوافر] شعر : 492ـ فَقَدَّمَتِ الأَدِيمَ لِرَاهِشَيْه وَأَلْقَى قَوْلَهَا كَذِباً وَمَيْنَا تفسير : وقوله: [الطويل] شعر : 493ـ.................... وَهِنْدٌ أَتَى مِنْ دُونِهَا النَّأْيُ وَالْبُعْدُ تفسير : وقوله عنترة: [الكامل] شعر : 494ـ.................... أَقْوَى وَأَقْفَرَ بَعْدَ أُمِّ الْهَيْثَمِ تفسير : قال النحاس: "هذا إنما يجوز في الشِّعر، فالأحسن أن يراد بالفُرْقَانِ ما علَّمه الله موسَى من الفَرْقِ بين الحقِّ والباطل". وقيل: "الواو زائدة"، و "الفرقان" نعت للكتاب أو "الكتابُ" التوراةُ، و "الفرقان" ما فرِّق به بين الكُفْرِ والإيمان، كالآيات من نحو: العَصَا واليَدِ أو ما فرّق به بين الحلال والحرام من الشرائع. و "الفُرْقَان" في الأَصل مصدر مثل الغُفْرَان. وقد تقدّم معناه في {أية : فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ}تفسير : [البقرة:50]. وقيل: "الفُرقَانُ" هنا اسم للقرآن، قالوا: والتقدير: ولقد آتينا موسى الكتاب، ومحمّداً الفرقان. قال النحاس: هذا خطأ في الإعراب والمعنى، أمّا الإعراب فلأن المعطوف على الشيء مثله، وهذا يخالفه، وأمّا المعنى فلقوله: {أية : وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ}تفسير : [الأنبياء:48]. وقال قُطْرب وزيد: "الفُرْقَانُ انْفِرَاقُ البَحْرِ له". فإن قلت: هذا مذكور في قوله: {أية : وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ}تفسير : [البقرة:50] وأيضاً قوله بعد ذلك: "لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" لا يليق إلاّ بالكتاب؛ لأن ذلك لا يذكر إلا عقيب الهدى، فالجواب عن الأولى أنه تعالى لم يبين في قوله: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ} أن ذلك كان لأجل موسى ـ عليه السلام، وفي هذه الآية بَيّن ذلك بالتنصيص. وعن الثاني: أن فَرْقَ البحر كان من الدَّلائل فلعلّ المُرَاد: آتينا موسى الكتاب ليستدلُّوا بذلك على وجود الصانع، وصدق موسى عليه السَّلام، وذلك هو الهِدَايَةُ، وأيضاً فالهدى قد يُرَادُ به الفَوْزُ والنَّجَاة ولم يُرَدْ به الدلالة، فكأنه ـ تعالى ـ بيّن أنه أتاهم الكتاب نعمةً من الدين والفرقان الذي جعل به نجاتهم من الخَصْمِ نعمةً عاجلةً. وقيل: الفرقان: الفَرَجُ من الكَرْب؛ لأنهم كانوا مستعبدين مع القبط، {أية : إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}تفسير : [الأنفال:29] أي: فَرَجاً ومَخْرَجاً وقيل: الحجّة والبَيَان، قاله ابن بحر. وقيل: الفُرْقَان الفَرْقُ بينهم وبين قوم فرعون، أنجى هؤلاء، وغرق أولئك، ونظيره يوم الفُرْقَان، فقيل يعني به يوم بدر. فصل في الرد على المعتزلة استدلت المعتزلة بقوله: "لعلكْم تهتدون" على أن الله أراد الاهتداء من الكُلّ، وذلك يبطل قول من يقول: أراد الكُفْرَ من الكافر. وأيضاً إذا كان هداهم أنه ـ تعالى ـ لم يخلق الاهتداء ممن يهتدي، والضلال ممن يضل، فما الفائدة في إنزال الكتاب والفرقان، ولقوله: "لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ" ومعلوم أن الاهتداء إذا كان يخلقه، فلا تأثير لإنزال الكتب فيه لو كان الاهتداء [ولا كتاب لحصل] الاهتداء ولو أنزل الكتاب، ولم يخلق الاهتداء فيهم لما حصل الاهتداء، فيكف يجوز أن يقول: أنزلت [الكتاب] لكي تهتدوا؟ وقد تقدّم مثل [هذا] الكلام.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله {وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان} قال: الكتاب هو الفرقان، فرق بين الحق والباطل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس قال: الفرقان جماع اسم التوراة والإِنجيل والزبور والفرقان.

ابو السعود

تفسير : {وَإِذْ ءاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ} أي التوراةَ الجامعةَ بـين كونِها كتاباً وحُجةً تفرق بـين الحق والباطلِ وقيل: أريد بالفرقان معجزاتُه الفارقةُ بـين الحق والباطل في الدعوى أو بـين الكفر والإيمان، وقيل: الشرعُ الفارقُ بـين الحلالِ والحرام أو النصرُ الذي فرّق بـينه وبـين عدوِّه، كقوله تعالى: {أية : يوم الفُرقان} تفسير : [الأنفال، الآية 41] يريد به يومَ بدر {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} لكي تهتدوا بالتدبر فيه والعمل بما يحويه {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} بـيانٌ لكيفية وقوعِ العفو المذكورِ {يَـٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِٱتّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ} أي معبوداً {فَتُوبُواْ} أي فاعزِموا على التوبة {إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} أي إلى مَنْ خلقَكم بريئاً من العُيوب والنقصان والتفاوت وميّز بعضَكم من بعض بصور وهيئات مختلفة، وأصلُ التركيب الخلوصُ عن الغير إما بطريق التقصي كما في برِىء المريضُ أو بطريق الإنشاء كما في بَرَأ الله آدم من الطين والتعرض لعنوان البارئية للإشعار بأنهم بلغوا من الجهالة أقصاها ومن الغواية منتهاها حيث تركوا عبادةَ العليمِ الحكيم الذي خلقهم بلطيف حكمتِه بريئاً من التفاوت والتنافُرِ إلى عبادة البقر الذي هو مثلٌ في الغباوة، وأن من لم يعرِفْ حقوقَ مُنعِمِه حقيقٌ بأن تُستردّ هي منه ولذلك أُمروا بالقتل وفك التركيب {فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} تماماً لتوبتكم بالبَخْع أو بقطع الشهوات، وقيل: أُمروا أن يقتُلَ بعضُهم بعضاً وقيل: أُمر من لم يعبد العجل بقتل مَنْ عَبَده. يروى أن الرجلَ كان يرىٰ قريبَه فلم يقدِرْ على المُضِيِّ لأمر الله تعالى فأرسل الله ضَبابةً وسحابة سوداءَ لا يتباصَرون بها فأخذوا يقتتلون من الغداة إلى العشي حتى دعا موسى وهارونُ عليهما السلام، فكُشفت السحابةُ ونزلت التوبةُ وكانت القتلى سبعين ألفاً، والفاء الأولى للتسبـيب والثانية للتعقيب {ذٰلِكُمْ} إشارة إلى ما ذكر من التوب والقتل {خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ} لما أنه طُهرةٌ عن الشرك ووَصْلةٌ إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} عطفٌ على محذوف على أنه خطابٌ منه سبحانه على نهج الالتفاتِ من التكلم الذي يقتضيه سياقُ النظم الكريمِ وسياقه فإن مبنىٰ الجميعِ على التكلم إلى الغَيْبة ليكون ذريعة إلى إسناد الفعلِ إلى ضمير بارئِكم المستتبع للإيذان بعلّية عنوانِ البارئية والخلق والإحياءِ لقبول التوبة التي هي عبارةٌ عن العفو عن القتل، تقديرُه فعلتم ما أمرتم به فتابَ عليكم بارئُكم وإنما لم يقل فتابَ عليهم على أن الضميرَ للقوم لما أن ذلك نعمةٌ أريد التذكيرُ بها للمخاطبـين لا لأسلافهم هذا وقد جوز أن يكون فتاب عليكم متعلقاً بمحذوفٍ على أنه من كلام موسى عليه السلام لقومه تقديرُه إن فعلتم ما أُمِرْتم به فقد تاب عليكم ولا يخفىٰ أنه بمعزلٍ من اللَّياقة بجلالة شأنِ التنزيلِ، كيف لا وهو حينئذ حكايةٌ لوعد موسى عليه السلام قومَه بقَبول التوبةِ منه تعالى لا لقبوله تعالى حتماً، وقد عرفتَ أن الآيةَ الكريمةَ تفصيلٌ لكيفية القبول المحكيِّ فيما قبل وأن المراد تذكيرُ المخاطبـين بتلك النعمة. {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تعليل لما قبله أي الذي يُكثر توفيقَ المذنبـين للتوبة ويبالِغُ في قبولها منهم وفي الإنعام عليهم.

القشيري

تفسير : فرقان هذه الأمة الذي اخْتَصُّوا به نورٌ في قلوبهم، به يُفَرِّقون بين الحق والباطل، قال النبي صلى الله عليه وسلم لوابصة: "حديث : استفتِ قلبك ". تفسير : وقال: "حديث : اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله ". تفسير : وقال الله تعالى: {أية : إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً}تفسير : [الأنفال: 29] وذلك الفرقان ميراث ما قدَّموه من الإِحسان.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذ آتينا} اعطينا {موسى الكتاب والفرقان} اى التوراة الجامعة بين كونها كتابا وحجة تفرق بين الحق والباطل كقولك لقيت الغيث والليث تريد الجامع بين الجود والجراءة فالمراد بالفرقان والكتاب واحد {لعلكم تهتدون} لكى تهتدوا بالتدبر فيه والعمل بما يحويه وهذا بيان الحكمة دون العلة اى الحكمة فى انزاله ان يتدبروا فيه فيعلموا ان الله تعالى لم يفعل ذلك به الا للدلالة على صحة نبوته فيجتهدوا بذلك فى اتباع الرشد واذا فعلتم ذلك آمنتم بمحمد لانه قد اتى من المعجزات بما يدلكم اذا تدبرتم على صحة دعواه النبوة. روى ان بنى اسرائيل لما أمنوا من عدوهم باغراق الله آل فرعون ودخلوا مصر لم يكن لهم كتاب ولا شريعة ينتهون اليها فوعد الله موسى ان ينزل عليه التوراة فقال موسى لقومه انى ذاهب لميقات ربى آتيكم بكتاب فيه بيان ما تأتون وتذرون ووعدهم اربعين ليلة واستخلف عليهم اخاه هارون فلما اتى الوعد جاءه جبريل على فرس يقال له فرس الحياة لا يصيب شيأ الا حي ليذهب بموسى الى ربه فلما رآه السامرى وكان رجلا صائغا من اهل باجرمى واسمه ميحا ورأى مواضع الفرس تخضر من ذلك وكان منافقا اظهر الاسلام وكان من قوم يعبدون البقر فلما رأى جبريل على ذلك الفرس قال ان لهذا شأنا واخذ قبضة من تربة حافر فرس جبريل وقيل انه عرف جبريل لان امه حين خافت عليه ان يذبح سنة ذبح فرعون ابناء بنى اسرائيل خلفته فى غابة وكان جبريل يأتيه فيغذيه باصابعه فكان السامرى يمص من ابهام يمينه عسلا ومن ابهام شماله سمنا فلما ره حين عبر البحر عرفه فقبض قبضة من اثر فرسه فلم تزل القبضة فى يده حتى انطلق موسى الى الطور وكان السامرى سمعهم حين خرجوا من البحر واتوا على قوم يعكفون على اصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا الها كما لهم آلهة ووقع فى نفسه ان يفتنهم من هذا الوجه وكان بنوا اسرائيل استعاروا حليا كثيرة من قوم فرعون حين ارادوا الخروج من مصر بعلة عرس لهم فاهلك الله تعالى فرعون وبقيت تلك الحلى فى ايدى بنى اسرائيل فلما ذهب موسى الى المناجاة عد بنوا اسرائيل اليوم مع الليلة يومين فلما مضى عشرون يوما قالوا قد تم اربعون ولم يرجع موسى الينا فخالفنا فقال السامرى هاتوا الحلى التى استعرتموها او ان موسى امرهم ان يلقوها فى حفرة حتى يرجع ويفعل ما يرى فيها فلما اجتمعت الحلى صاغها السامرى عجلا فى ثلاثة ايام ثم ألقى فيها القبضة التى اخذها من تراب سنبك فرس جبريل فخرجت عجلا من ذهب مرصعا بالجواهر كأحسن ما يكون فصار جسدا له خوار اى صوت كصوت العجل وله لحم ودم وشعر وقيل دخل الريح فى جوفه من خلفه وخرج من فيه كهيئة الخوار فقال للقوم هذا الهكم وآله موسى فنسى اى اخطأ موسى الطريق وربه هنا وهو ذهب يطلبه فاقبلوا كلهم على عبادة العجل الا هارون مع انثى عشر الفا اتبعوا هارون ولم يتبعه غيرهم وهارون قد نصحهم ونهاهم وقال يا قوم انما فتنتم به وان ربكم الرحمن فاتبعونى واطيعوا أمرى قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع الينا موسى وقيل كان موسى وعدهم ثلاثين ليلة ثم زيدت العشر وكانت فتنتهم فى تلك العشر فلما مضت الثلاثون ولم يرجع موسى وظنوا انه قد مات ورأوا العجل وسمعوا قول السامرى عكفوا على العجل يعبدونه. قال ابو الليث فى تفسيره وهذا الطريق اصح فلما رجع موسى ووجدهم على ذلك القى الالواح فرفع من جملتها ستة اجزاء وبقى جزء واحد وهو الحلال والحرام وما يحتاجون واحرق العجل وذراه فى البحر فشربوا من مائه حبا للعجل فظهرت على شفاههم صفرة ورمت بطونهم فتابوا ولم تقبل توبتهم دون ان يقتلوا انفسهم هذه حالهم واما هذه الامة فلا يحتاجون الى قتل النفس فى الصورة وتوبتهم الحقيقية انما هى الرجوع الى الله بقتل النفس الامارة التى تعبد عجل الهوى: قال فى المثنوى شعر : اى شهان كشتيم ماخصم برون ماند خصمى زوبتر در اندرون كشتن اين كار عقل وهوش نيست شيرباطن سخره خركوش نيست نفس ازدرها ست اوكى مرده است ازغم بى آلتى افسرده است كربيابد آلت فرعون او كه بامر اوهمى رفت آب جو آنكه اوبنياد فرعونى كند راه صد موسى وصد هارون زند تفسير : واعلم ان تعيين عدد الاربعين فى الميعاد لاختصاصه فى الكمالية وذلك لان مراتب الاعداد اربع الآحاد والعشرات والمآت والالوف والعشرة عدد فى نفسها كاملة كقوله تعالى {أية : تلك عشرة كاملة} تفسير : [البقرة: 196]. واذا ضعفت العشرة اربع مرات وهو كمال مراتب الاعداد تكون اربعين وهو كمال الكمال وهو اعداد ايام تخمير طينة آدم عليه السلام كقوله تعالى "حديث : خمرت طينة آدم بيدى اربعين صباحا ". تفسير : فللاربعين خاصية وتأثير لم توجد فى غيره من الاعداد كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : ان خلق احدكم يجمع فى بطن امه اربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ". تفسير : الحديث كما ان انعقاد الطلسم الجسمانى على وجه الكنز الروحانى كان مخصوصا بالاربعين كذلك انحلاله يكون باختصاص الاربعين سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا. واما اختصاص الليل بالذكر فى قوله اربعين ليلة فلمعنيين احدهما ان لليل خصوصية في التعبد والتقرب كقوله عليه السلام "حديث : ان اقرب ما يكون العبد من الرب فى جوف الليل ". تفسير : وهكذا قوله عليه السلام "حديث : ينزل الله كل ليلة الى السماء الدنيا ". تفسير : الحديث ولهذا المعنى قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {أية : ومن الليل فتهجد به نافلة لك} تفسير : [الإِسراء: 79] الآية وقال تعالى {أية : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام} تفسير : [الإِسراء: 1]. والآخر انه لو ذكر اليوم دون الليل يظن انه موعود بالتعبد فى النهار دون الليل وانما الليل جعل للاستراحة والسكون كقوله تعالى {أية : هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا} تفسير : [يونس: 67]. فلما خص الليل بالذكر علم موسى عليه السلام ان التعبد فى الليل واليوم جميعا كذا فى التأويلات النجمية * قال الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره ان النبى عليه السلام لم يعين الاربعين بل اعتكف فى العشر الاخير نعم فعل موسى عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى {أية : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر} تفسير : [الأَعراف: 142]. والخلوتية أخذوا من ذلك كذا فى واقعات الشيخ الهدائى قدس الله نفسه الزاكية. قال فى التأويلات النجمية ايضا الشكر على ثلاثة اوجه شكر بالاقوال وشكر بالاعمال وشكر بالاحوال فشكر الاقوال ان يتحدث بالنعم مع نفسه اسرارا ومع غيره اظهارا ومع ربه افتقارا كما قال تعالى {أية : وأما بنعمة ربك فحدث} تفسير : [الضحى: 11] وقوله صلى الله عليه وسلم "حديث : التحدث بالنعم شكر ". تفسير : وشكر الاعمال ان يصرف نعمة الله فى طاعته ولا يعصيه بها ويتدارك ما فاته من الطاعات وبادره من المعاصى كقوله تعالى {أية : اعملوا ءَال داوود شكرا} تفسير : [سبأ: 13]. وشكر الاحوال ان يتجلى المنعم بصفة الشكورية على سر العبد فلا يرى الا المنعم فى النعمة والشكور فى الشكر ويرى المنعم فى النعم والنعمة من المنعم والشكور فى الشكر والشكر من الشكور ويرى وجوده وشكره نعمتين من نعم المنعم ورؤية المنعم والنعمة نعمة اخرى الى غير نهاية فيعلم ان لا يقوم باداء شكره ولا يشكره الا الشكور وَمن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا ان الله غفور شكور.

الطوسي

تفسير : اللغة: قوله: {وإذ} عطف على ما مضى من التذكير بنعمه فكأنه قال: واذكروا اذ آتينا موسى الكتاب، لأن (اذ) اسم للوقت الماضي و (اذا) للوقت المستقبل. وكذلك تستعمل في الجزاء، لأن الجزاء لا يكون إلا بالمستقبل. كقولهم: ان تاتنى آتك ولو تشبه الجزاء من حيث انه لا بد لها من الجواب. كما لا بد لحرف الجزاء من الجواب. المعنى: وقوله: و {آتينا موسى الكتاب} معناه اعطيناه. والكتاب يريد به التوراة. وأما الفرقان فقال الفراء وقطرب وتغلب: يحتمل أن يكون اتى موسى كتاب التوراة ومحمد الفرقان: كما قال الشاعر: شعر : متقلدا سيفا ورمحا تفسير : وضعف قوم هذا الوجه، لأن فيه حمل القران على المجاز من غير ضرورة مع انه تعالى اخبر انه اتى موسى الفرقان في قوله: {أية : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء} تفسير : وقال الفراء: هو كلام مثنى يراد به: التوراة. وكرر لاختلاف اللفظين: كقولهم: بعداً وسحقاً، وهما بمعنى واحد. قال الرماني: هذا المثال لا يشبه الآية، لانه جمع الصفتين لموصوف واحد على معنيين متفقين. والاولى ان يمثل بقولهم: هو العالم الكريم فجمعت الصفتان لموصوف واحد على معنيين مختلفين وقال عدي ابن زيد: شعر : وقدّدت الاديم لراهشيه والفى قولها كذبا ومينا تفسير : وقال قوم: الكتاب: التوراة والفرقان: انفراق البحر لبني اسرائيل. والفرج الذي اتاهم كما قال. {يجعل لكم فرقانا} اي مخرجا. وقال بعضهم: الفرقان: الحلال والحرام الذي ذكره في التوراة. وروي عن ابن عباس وابي العالية ومجاهد: ان الفرقان الذي ذكره هو الكتاب الذي اتاه يفرق فيه بين الحق والباطل. وقال ابن زيد: الفرقان: النصر الذي فرق الله به بين موسى وفرعون: كما فرق بين محمد "صلى الله عليه وسلم" وبين المشركين. كما قال: {أية : يوم الفرقان يوم التقى الجمعان}. تفسير : وقال ابو مسلم: هو ما اوتي موسى من الآيات والحجج التي فيها التفرقة بين الحق والباطل. وقوله: {لعلكم تهتدون}. المعنى: اي لكي تهتدوا. وقد بيناه فيما مضى وفيه دلالة على انه (تعالى) اراد ان يهتدوا لأن هذه اللام لام الغرض وذلك يفسد قول المجبرة إنه اراد منهم الكفر. فأن قيل: كيف يهتدون بما اوتي موسى من البيان، وما اوتي في التوراة من البرهان مع انقطاع النقل الذي تقوم به الحجة. قيل: الجواب عنه من وجهين: احدهما ـ ان الخطاب لأسلافهم: كما قال: {وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون}. والثاني ـ ان اخبار الرسول لهم ما تقوم به الحجة عليهم، فيمكنهم ان يستدلوا بذلك على ما انعم الله به على اسلافهم، ولانهم مقرون بان موسى (ع) اوتي التوراة بما فيها من الهدى والبينات، فتقوم الحجة عليهم باقرارهم.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : هذه هي النِّعمة الرابعة عليهم من الله تعالى الفرقان والقرآن والفُرقان في اللغة مصدر فرّقت بين الشيئين فرقاً وفرقاناً، يطلق على ما به يحصل الفرقان، والمراد به هاهنا إمّا نفس التوراة باعتبار كونه فارقاً بين الحقّ والباطل، أو شيئاً داخلاً فيه، أو خارجاً عنه. فالأوّل: قول ابن عباس. وإنّما صحّ العطف لتغاير اللفظين، بل لتغاير المفهومين فإنّ مفهوم "الكتاب" يغاير مفهوم "الفارِق" فهو كقولك: "رأيت الغَيث والليث" تريد الرجل الجامع بين الجود والشجاعة، ونظيره قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً} تفسير : [الفرقان:48]. يعني الجامع بين هذه الأوصاف. والثاني: يكون إشارة إلى بعض ما في التوراة، كبيان أصول الدين وفروعه. وأمّا الثالث: فقيل: إنّ المراد به انفراق البحر الذي آتاه موسى (عليه السلام). وقيل: الفرق الحاصل بين أهل الحقّ - وهم موسى وأصحابه المؤمنون - وبين أهل الباطل - وهم فرعون وأصحابه الكافرون - وذلك بأشياء كثيرة منها: نجاة هؤلاء، وغرق هؤلاء - هذا بحسب الظاهر. وأمّا بحسب الباطن فهؤلاء نجَوا من غرق بحر الطبيعة التي هي بحر مسجور، فخلصوا من عذاب نيرانها في القيامة، وهؤلاء غرقوا فيها واحترقوا بنار جهنّم في القيامة، وقد قال سبحانه: "هؤلاء للجنّة ولا أُبالي وهؤلاء للنار ولا أُبالي" وهذا الفرق المعنوي بعينه حاصلٌ إلى الآن بين المحقّين والمبطلين، مشهود لأرباب الشهود الباطني. وقيل: الشرع الفارق بين الحلال والحرام. وقيل: النصْر الذي فرّق بينهم وبين عدوّهم، كقوله: {أية : يَوْمَ ٱلْفُرْقَانِ} تفسير : [الأنفال:41]. يريد يوم بدْر. وقيل: إنّ المراد بالفرقان: القرآن. ويكون تقديره: "وآتينا موسى التوراة، وآتينا محمداً الفرقان، لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب". وهو قول الفرّاء وقُطرب وثَعلب. وهذا تعسّفٌ شديد، لأنّ فيه حمل القرآن على مثل هذا المجاز من غير ضرورة، مع أنّه تعالى أخبَر أنّه آتى موسى الفرقان. إشارة الفرقان والقرآن عند أهل الله وهاهنا دقيقة أخرى لأهل الله في معنى الفرقان، والتمييز بينه وبين معنى القرآن، وهو أنّ للنفس الناطقة ضربين من العلوم الإلهيَّة: أحدهما: ما يقال له: "العلْم الإجمالي، والقضائي، والعقلاني" ويسمّى عند قوم من الحكماء بـ "العقل البسيط" ويتّصف به العقْل الفعّال، وهو من صفات المقرّبين، ومن الملائكة المقدّسين، والأنبياء، والأولياء الكاملين. وثانيهما: ما يقال له: "العلم التفصيلي، والقدَري والنفساني" ويتّصف به العقل المنفعل، وهو من صفات المتفكّرين في الآفاق والأنفس. فإذا تقرّر هذا فنقول: إنّ القرآن عند أهل الله خاصّة - وهم أهل القرآن - عبارةٌ عن العقل البسيط، والعلم الإجمالي. والفرقان عندهم عبارة عن العلوم الانفعالية التفصيلية الحاصلة من ذلك العقل البسيط، فذلك العقل القرآني مبدأ لحصول الصوَر العلميّة الفكريّة للنفس. إذا علمت هذا فاعلم أنّ الله خصّص نبيّنا حبيب الله (صلّى الله عليه وآله) من بين سائر الأنبياء (عليهم السلام) بإنزال القرآن والفرقان جميعاً، ولهذا وصَف ما أنزل الله عليه بهما جميعاً، كما أنّه (صلّى الله عليه وآله) اختصّ من بينهم بإنزال الكلام وتنزيل الكتاب جميعاً، والمنزَل على سائر الأنبياء (عليهم السلام) فرقان فقط وليس بقرآن، كما أنّ المنزل عليهم كتابٌ فقط وليس بكلام. ومن هذا الوجه يعلم فضيلة هذه الأمّة على سائر الأمم، لأنّ فائدة الإنزال والتنزيل ترجع إلى الأمَم، فبقدر فضيلة الكتاب يعلم فضيلة المنزل عليهم، فيستفاد من هذا البيان أنّه يوجد في هذه الأُمّة جماعة تكون درجتهم درجة إدراك العقل البسيط القرآني، وأنّه لم توجد هذه الدرجة في سائر الأُمم، بل في أنبيائهم خاصّة، وإلاّ لكان كتابُهم المنزَل عليهم من مثل هذا القرآن، وليس كذلك. وقد مرّ الفرق أيضاً بين كلام الله وكتابه من أنّ الكلام من عالَم الأمر، والكتاب من عالَم الخلْق. ومن أنّ الكلام منزَل على قلب حبيب الله (صلّى الله عليه وآله) بالحقّ، وكُتب سائرِ الأنبياء (عليهم السلام) نازلةٌ عليهم في الألواح والصحُف، وبين الإنزالين بونٌ بعيد وفرقٌ عظيم. وقد ذكرنا أيضاً فرقاً آخر بين الكلام والكتاب، بأنّ أحدهما يكون صفة نفسانيّة وخُلقاً، والآخر يكون فعلاً وأثراً مبائناً. وكذلك العقل البسيط الإجمالي القرآني صفة ذاتيّة للعالِم به، بل ربما يكون عين العالِم. وأمّا الصوَر والعلوم التفصيليّة فهي من قبيل الآثار، والأفعال، بالقياس إلى العقل الكامل الفعّال. فلهذا كان القرآن خُلْق نبيّنا (صلّى الله عليه وآله) كما هو المرويّ. قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أي بتدبُّر الكتاب والتفكّر في آياته.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ آتَيْنَا} واذكروا اذ آتينا {مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَٱلْفُرْقَانَ} ما به يفرق بين الحقّ والباطل والمحقّ والمبطل والمراد بالكتاب النّبوّة والتّوراة صورتها وبالفرقان الرّسالة او المراد بالكتاب النّبّوة والرّسالة وبالفرقان الولاية فانّها الفارقة بين الخير والشّرّ والخيّر والشّرير والتّوراة صورتهما ولذا فسّر الكتاب بالتّوراة او النّبوّة يعنى الّتى كانت فى موسى (ع) والفرقان بالاقرار بمحمّد (ص) والطّيّبين من آله (ع) فانّه كالولاية فارق، نقل انّه لمّا أكرمهم الله بالكتاب والايمان به أوحى الله الى موسى هذا الكتاب قد أقرّوا به وقد بقى الفرقان فرق ما بين المؤمنين والكافرين فجدّد عليهم العهد به فانّى آليت على نفسى قسماً حقّاً لا أتقبّل من أحدهم ايماناً ولا عملاً الاّ به، قال موسى (ع): ما هو يا ربّ؟ - قال الله: يا موسى تأخذ عليهم انّ محمّدا (ص) خير النّبيّين وسيّد المرسلين، وانّ أخاه ووصيّه عليّاً خير الوصيّين، وأنّ اولياءه الّذين يقيمهم سادة الخلق، وانّ شيعته المنقادين له ولخلفائه نجوم الفردوس الا على وملوك جنّات عدنٍ فأخذ عليهم موسى ذلك؛ فمنهم من اعتقده حقّاً ومنهم من أعطاه بلسانه دون قلبه، فالفرقان النّور المبين الّذى كان يلوح على جبين من آمن بمحمّد (ص) وعلىّ (ع) وعترتهما وشيعتهما وفقده من جبين من أعطى ذلك بلسانه دون قلبه اقول: الاقرار بهذه المعانى والمراتب المذكورة ليس الاّ بقبول الولاية فانّه بالولاية يتبيّن مراتب الوجود وأنّ بعضها افضل من بعضٍ ومراتب الرّسل والاوصياء وانّ بعضهم أكمل من بعضٍ لا بغيرها {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} الى مقامات الانبياء والرّسل ومراتب الوجود ومراحل السّلوك وعوالى العوالم.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ}: الكتاب هو ألفاظ التوراة، والفرقان هو التفريق بها بين الحق والباطل، كقولك خلق الله اللغة ومعانيها، وأعجبنى زيد وحسنه. والحاصل أنه ذكر الشىء وما يتحصل به، وليس ذلك من عطف النعت النحوى على منعوته، ولا من زيادة الواو فى النعت، كما قال من قال: إن الفرقان نعت للمبالغة أو للتأويل بالمفرق، أو لتقدير مضاف أى ذا فرقان، ولا عطف تفسير كما قيل، لأن لفظ الكتاب ليس موضوعاً لمعنى الفرقان فضلا عن أن يفسر به، وقد يقال: على اعتبار معنى وصف الكتاب: إنهُ من عطف صفة على أخرى وهو جائز، كقولك جاء زيد الفقيه والعالم، تريد جاء زيد الجامع بين الفقه وسائر العلوم، كأنه قيل: وإذ آتينا موسى التوراة التى هى من كلام جامع للحدود، والأحكام مفرقة بين الحق والباطل، فكأنه قيل التوراة المشتملة على الجمع والتفريق، تقول جاءك الفرح والمستبشر، أى زيد الجامع بين الصفتين الفرح والاستبشار، أو الفرقان معجزاته الفارقة بين المحق والمبطل فى الدعوى، فإن عصاه ويده مثلا مبطلتان لدعوى فرعون، محققتان لدعوى موسى الرسالة، أو بين الإيمان والكفر، ويجوز أن يكون الفرقان بمعنى الشرع الفارق بين الحلال والحرام، وهو ما تضمنتهُ ألفاظ التوراة من المعانى، ولا شك أن المعنى غير اللفظ فصح العطف، وهذا الوجه من وادى الوجه الأول، ويجوز أن يكون الفرقان بمعنى النصر الذى فرق بينه وبين عدوه كما قيل فى قوله تعالى: {أية : يوم الفرقان} تفسير : إنهُ بمعنى يوم النصر وهو يوم بدر، وقيل الفرقان فرق البحر. {لَعلّكُم تَهْتَدُونَ} أى لتهتدوا بتدبر الكتاب الذى هو التوراة والتفكر فى المعجزات، وتتركوا الضلال، فلعل للتعليل، ويجوز بقاؤها للترجى باعتبار المخلوق كما مر.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ ءَاتَيْنَا} هى إذ الساكنة، فتحت بالنقل، ومدت بألف آتينا بعد حذف همزه، {مُوسَى} منع الصرف للعملية والعجمة، مركب من ماء وشجر، فمو ماء، وسى شجر أبدلت الشين سينا، وزاد الألف لأنه وجد بين ماء وشجر فى بركة فرعون من النيل، وقيل عربى مفعل، وقيل فعلى، من ماس يميس، أبدلت الياء واو كطوبى من طاب يطيب، والألف للتأنيث، وهو ضعيف، لأن زيادة الميم أولا أولى من زيادة الألف {الْكِتَٰبَ} الصحف {وَالْفُرْقَانَ} التوراة الفارقة بين الحق والباطل، والحلال والحرام، أو الكتاب التوراة، والفرقان المعجزات، كالعصا واليد أو كلاهما التوراة وعطف تنزيلا لتغاير الصفات منزلة تعاير الذات آى آتينا موسى كلاما جامعاً بين كونه مكتوباً من الله فى الألواح، وفى اللوح المحفوظ، وكونه مفرقا بين ذلك، والفرقان أيضا مكتوب فى اللوح المحفوظ، وفى صحف الملائكة، والفرقان النصر الفارق بين العدو والولى، كما قيل سمى يوم بدر يوم الفرقان لذلك وذلك كما تقول جاء زيد العالم الشجاع والكريم، تريد جاء زيد المتصف بالعلم والشجاعة والكرم، ويدل لذلك قوله تعالى: الفرقان وضياء وذكراً {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} من الضلال بهما أو به، إذ قلنا هما واحد، أى لتهتدوا، أو عاملناكم معاملة الراجى، أو أرجو الاهتداء، وكذا حيث تكون لعل من الله ولو لم أذكر ذلك.

الخليلي

تفسير : في هذه الآية تذكير لبني إسرائيل بنعمة سابغة تُعد أكبر نعمة بسطها الله لهم وأنعم بها عليهم لما فيها من صلاح الدين والدنيا وقوام أمر الفرد والمجتمع، وهي نعمة إنزال التوراة عليهم لتكون لهم هدى ونورا، تنتظم شمل جماعتهم، ويحتكمون اليها في منازعاتهم، ويستمدون منها الرشد والصلاح فيما يتعلق بالمعاش والمعاد، وحقيق أن تكون التوراة أكبر النعم التي أوتيها بنو إسرائيل، إذ لا يعرف في الكتب السماوية مما نزل قبلها أو بعدها ما هو أجمع منها حكما، وأوسع منها علما، وأعم منها نورا، إلا القرآن الذي أنزل الله هدى وذكرا للعالمين، فهيمن على كل ما أُنزل قبله، والامتنان بإنزال الكتاب على موسى لهداية قومه ذُكر هنا في معرض تعداد النعم المختلفة التي أسبغها الله عليهم لأنه حلقة من حلقات سلسلتها الطويلة، ولم يختلف المفسرون في كون المقصود بالكتاب التوراة الهادية الى أمر الله، والتي تعاقب عدد من النبيين على تجديد إبلاغ رسالتها، والحكم بمضمونها، كما قال تعالى: {إِنَّآ أَنزَلْنَا ٱلتَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسْلَمُواْ}، وهي التي جعلتها بنو إسرائيل أعظم مفاخرهم التي يتطاولون بها على سائر الشعوب والأمم، وإنما اختلف أهل التفسير في المراد بالفرقان على مذاهب أنهاها أبو حيان في "البحر" إلى اثني عشر مذهبا، منها: أنه نفس التوراة وإنما أعيد ذكرها باسم آخر اعتبارا لمنشأ التسميتين، فهي كتاب باعتبارها مجموعة مكتوبة، وفرقان باعتبارها فارقة - أي مميزة - بين الحق والباطل، وهو قول الزجاج، واختاره الزمخشري، وبدأ بذكره ابن عطية، وعليه فالعطف للتغاير الحاصل بين مدلول الاسمين وإن كان مسماهما واحدا، واستدل لهذا القول بقول الشاعر: شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : ورُدَّ بأن البيت فيه عطف صفات على صفة واحدة، وهي القرم مع وحدة الموصوف وهو الملك، فلا يجوز تخريج الآية عليه لما بينهما من الفارق، وأقرب من هذا البيت إلى الاستدلال لهذا القول قول الشاعر: شعر : فألفى قولها كذبا ومينا... تفسير : غير أنه يمتنع تخريج الآية عليه كذلك، لأن القرآن الكريم بلغ من فصاحة القول وبلاغة الكلام ما لم يبلغه شعر ولا نثر، فمن المستحيل أن يعطف فيه لفظ على آخر من غير اشتمال هذا العطف على فائدة لا تحصل دونه، والكذب والمين معناهما واحد، فجمعهما في البيت لا يعدو أن يكون حشوا لا يجوز إلصاقه بالتنزيل، وللشعراء مذاهب يتوسعون فيها بما لا يجوز نحوه في المنثور البليغ محافظة منهم على روى الشعر ووزنه، ومثل ذلك لا يجوز تخريج الأسلوب القرآني عليه. ومنها أنه هو النصر لأن الله سمى يوم بدر "يوم الفرقان"، وفي معناه قول من قال إنه الفرج، واستدل لذلك بقوله تعالى: {أية : يِا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً} تفسير : [الأنفال: 29]. ومنها أنه فرق البحر واعترض بأنه سبق ذكره فلا داعي لإِعادته ورد هذا الاعتراض بأن ذكره السابق كان في معرض الامتنان على بني اسرائيل بإنجائهم من فرعون وآله، وهو هنا في معرض الحديث عن الآيات التي أوتيها موسى عليه السلام. ومنها أنه الآيات الخارقة التي كانت لموسى من العصى واليد وغيرهما لأنها فرقت بين الحق والباطل. ومنها أنه القرآن لأن الله سماه الفرقان، وعليه فإما أن يكون المراد بإيتائه موسى إيتاءه ذكر نزوله على محمد صلى الله عليه وسلم حتى آمن به، وهو الذي حكاه ابن الأنباري، وإما أن يخرج الكلام على تقدير محذوف أي ومحمدا الفرقان، وهو محكي عن الفراء وقطرب وثعلب، وضعف هذا القول بكلا فرعيه أظهر من أن يحتاج إلى بيان، فإن من أوتي ذكر شيء لا يعد مؤتى ذلك الشيء بعينه، وإلا لكان كل شقي وسعيد أوتوا الجنة لأنهم قد أوتوا ذكرها فيما أنزله الله من وحيه، وفيما تتناقله الألسن عن النبيين، وتخريج الفرع الثاني من هذا القول على قول الشاعر: شعر : ................. وزججن الحواجب والعيونا تفسير : غير مسلّم لأن جواز ذلك مشروط بوجود ما يدل على المراد من القرائن، كما في البيت إذ العيون لا تزجج بل تكحل ففهم منه أن فيه لفظا منويا تقديره (وكحلن العيونا) وليست في الآية قرينة يفهم منها هذا المعنى على أن لفظ الفرقان غير محصور في القرآن كما تبين، وقد قال عز من قائل: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ}. والظاهر أن المراد بالفرقان ما احتواه الكتاب نفسه من أحكام ومراشد مفرقة بين الحلال والحرام، وبين الحق والباطل، وهذا الذي اعتمده قطب الأئمة في الهيميان، والإِمام محمد عبده في المنار، وجعله القطب - رحمه الله - من باب أعجبني زيد وحسنه، فإن الحسن مما اشتمل عليه زيد المعطوف عليه، وكذا الكتاب مشتمل على الفرقان المميز ويستأنس لهذا القول بما ذيلت به الآية وهو قوله: {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}، فإن ما في تضاعيف الكتاب من أحكام وحكم، ووعد ووعيد، وحجج وبراهين هو السبب للهداية المشار اليها، ومثل هذا مثل قوله تعالى في القرآن: {أية : ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} تفسير : [البقرة: 2]، فإن احتواء القرآن على الحجج الناصعة، والأحكام البينة، والمعجزة الباهرة هو باب هدايته للمتقين، وكتب الله جميعا أنزلت لهذا الغرض، فهي ينابيع الهدى ومشارق الأنوار، ومصادر الأحكام، وسفن نجاة الناس من مخاطر تيارات الحياة المضطربة.

الالوسي

تفسير : (الكتاب) التوراة ـ بإجماع المفسرين ـ/ وفي الفرقان أقوال: الأول: إنه هو التوراة أيضاً، والعطف من قبيل عطف الصفات للإشارة إلى استقلال كل منها، فإن التوراة لها صفتان يقالان بالتشكيك، كونها كتاباً جامعاً لما لم يجمعه منزل سوى القرآن، وكونها (فرقاناً) أي حجة تفرق بين الحق والباطل ـ قاله الزجاج ـ ويؤيد هذا قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلْفُرْقَانَ وَضِيَاء وَذِكْراً }تفسير : [الأنبياء: 48] الثاني: أنه الشرع الفارق بين الحلال والحرام، فالعطف مثله في: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلَـٰئِكَةُ وَٱلرُّوحُ }تفسير : [القدر: 4] قاله ابن بحر. الثالث: أنه المعجزات الفارقة بين الحق والباطل ـ من العصا واليد وغيرهما ـ قاله مجاهد. الرابع: إنه النصر الذي فرق بين العدو والولي، وكان آية لموسى عليه السلام، ومنه قيل ليوم بدر: يوم الفرقان، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: إنه القرآن، ومعنى إتيانه لموسى عليه السلام نزول ذكره له حتى آمن به، حكاه ابن الأنباري ـ وهو بعيد ـ وأبعد منه، ما حكي عن الفراء وقطرب ـ أنه القرآن ـ والكلام على حذف مفعول ـ أي ومحمداً الفرقان ـ وناسب ذكر الاهتداء إثر ذكر إتيان موسى، الكتاب والفرقان لأنهما يترتب عليهما ذلك لمن {أية : أَلْقَى ٱلسَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} تفسير : [ق: 37].

ابن عاشور

تفسير : هذا تذكير بنعمة نزول الشريعة التي بها صلاح أمورهم وانتظام حياتهم وتأليف جماعتهم مع الإشارة إلى تمام النعمة وهم يعدونها شعار مجدهم وشرفهم لسعة الشريعة المنزلة لهم حتى كانت كتاباً فكانوا به أهل كتاب أي أهل علم تشريع. والمراد من (الكتاب) التوراة التي أوتيها موسى فالتعريف للعهد، ويعتبر معها ما ألحق بها على نحو ما قدمناه في قوله تعالى: {أية : ذلك الكتاب}تفسير : [البقرة: 2]. والفرقان مصدر بوزن فعلان مشتق من الفرق وهو الفصل استعير لتمييز الحق من الباطل فهو وصف لغوي للتفرقة فقد يطلق على كتاب الشريعة وعلى المعجزة وعلى نصر الحق على الباطل وعلى الحجة القائمة على الحق وعلى ذلك جاءت آيات {أية : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده}تفسير : [الفرقان: 1] {أية : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان}تفسير : [الأنبياء: 48] فلعله أراد المعجزات لأن هارون لم يؤت وحياً وقال: {أية : يوم الفرقان يوم التقى الجمعان}تفسير : [الأنفال: 41] يعني يوم النصر يوم بدر وقال: {أية : وأنزل الفرقان}تفسير : [آل عمران: 4] عطفاً على {أية : نزل عليك الكتاب بالحق وأنزل التوراة والإنجيل}تفسير : [آل عمران: 3] الآية. والظاهر أن المراد به هنا المعجزة أو الحجة لئلا يلزم عطف الصفة على موصوفها إن أريد بالفرقان الكتاب الفارق بين الحق والباطل والصفة لا يجوز أن تتبع موصوفها بالعطف ومن نظر ذلك بقول الشاعر:شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : فقد سها لأن ذلك من عطف بعض الصفات على بعض لا من عطف الصفة على الموصوف كما نبه عليه أبو حيان. وقوله: {لعلكم تهتدون} هو محل المنة لأن إتيان الشريعة لو لم يكن لاهتدائهم وكان قاصراً على عمل موسى به لم يكن فيه نعمة عليهم. والقول في {لعلكم تهتدون} كالقول في {أية : لعلكم تشكرون}تفسير : [البقرة: 52] السابق.

الشنقيطي

تفسير : الظاهر في معناه أن الفرقان هو الكتاب الذي أوتيه موسى، وإنما عطف على نفسه. تنزيلاً لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات. لأن ذلك الكتاب الذي هو التوراة موصوف بأمرين: أحدهما: أنه مكتوب كتبه الله لنبيه موسى عليه، وعلى نبينا الصلاة والسلام. والثاني: أنه فرقان، أي فارق بين الحق والباطل، فعطف الفرقان على الكتاب، مع أنه هو نفسه نظراً لتغاير الصفتين. كقول الشاعر: شعر : إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم تفسير : بل ربما عطفت العرب الشيء على نفسه مع اختلاف اللفظ فقط، فاكتفوا بالمغايرة في اللفظ. كقول الشاعر: شعر : إني لأعظم في صدر الكمي على ما كان في من التجدير والقصر تفسير : والقصر هو التجدير بعينه. وقول الآخر: شعر : وقددت الأديم لراهشيه وألفى قولها كذباً وميناً تفسير : والمَيْن هو الكذب بعينه. وقول الآخر: شعر : ألا حبذا هند وأرض بها هند وهند أتى من دونها الناي والبعد تفسير : والبعد هو النأي بعينه. وقول عنترة في معلقته: شعر : حييت من طللٍ تقادم عهده أقوى وأقفر بعد أم الهيثم تفسير : والإقفار هو الإقواء بعينه. والدليل من القرآن على أن الفرقان هو ما أُوتيه موسى. قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ} تفسير : [الأنبياء: 48].

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْنَا} {ٱلْكِتَابَ} (53) - ثُمَّ يُذَكِّرُ اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ إِذْ أَنْزَلَ عَلَى مُوسَى التَّورَاةَ والفُرقَانَ (وَالفُرْقَانُ هُنَا هُوَ الآيَاتُ التِي أَيَّدَ اللهُ بِهَا مُوسَى لِلدَّلاَلَةِ عَلَى صِدْقِ رِسَالَتِهِ، وَسُمِّيَتْ فُرْقَاناً لأَِنَّهَا تَفْرِقُ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ، وَبَيْنَ الهُدَى والضَّلاَلِ)، لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ بِنُورِها إِلى طَرِيقِ اللهِ القَوِيمِ. وَكَانَ ذلِكَ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ البَحْرِ، وَإِغْرَاقِ فِرْعَوْنَ. الفُرْقَانَ - الشَّرْعَ الفَارِقَ بَيْنَ الحَلاَلِ وَالحَرَامِ، أَوْ هُوَ الآيَاتُ التِي أَيَّدَ اللهُ بِهَا مُوسَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الحق سبحانه وتعالى يذكر بني إسرائيل هنا .. أنه بعد أن أراهم من المعجزات الكثير، ونجاهم من آل فرعون وشق لهم البحر - كان لابد أن يؤمنوا إيماناً حقيقياً لا يشوبه أي نوع من التردد .. ذلك لأنهم رأوا وشهدوا، وكانت شهادتهم عين يقين. أي شهدوا بأعينهم ماذا حدث. ولكن هل استطاعت هذه المشاهدة أن تمحو من قلوبهم النفاق والكفر؟ .. لا .. لقد ظلوا معاندين طوال تاريخهم. لم يأخذوا أي شيء بسهولة. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحذر أمته من أن يكونوا كبني إسرائيل ويكونوا قوماً شددوا فشدد الله عليهم، وكان ذلك بالنسبة لقصة البقرة التي أمروا أن يذبحوها ليعرفوا مَنْ القاتل في جريمة قتل كادت تثير حروباً بينهم، فأخذوا يسألون ما هي وما لونها إلى آخر ما سنتحدث عنه .. عندما نأتي إلى الآيات الكريمة الخاصة بهذه الواقعة. فلو ذبحوا أي بقرة لكفتهم .. لأنه يكفي أن يقول لهم الله سبحانه وتعالى اذبحوا بقرة فيذبحوا أي بقرة، وعدم التحديد يكون أسهل عليهم، ولكنهم سألوا وظلوا يسألون فشدد عليهم بتحديد بقرة معينة بذاتها .. ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ذَرُوني ما تَرَكْتُكُمْ فإنما هلكَ من قبلِكُم بكثرةِ سؤالِهِمْ واختلافِهِمْ على أنبيائِهِم فإذا أمرتُكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نَهَيْتُكُم عن شيء فدعُوه ". تفسير : والله سبحانه وتعالى في قوله: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَٱلْفُرْقَانَ} [البقرة: 53]. كأن آيتا موسى الكتاب والفرقان نعمة يجب أن يذكرها قومه، وأن يستقبلوا منهج الله على أنه نعمة .. فلا يأخذ الإنسان التكليف الإلهي من زاوية ما يقيد حركته ولا ما يعطيه له .. ذلك أن الله حين حَرَّم عليك السرقة .. حرم على الناس جميعاً أن يسرقوك .. فإذا أخذ منك حريتك أن تسرق، فقد أخذ من الناس كل الناس حريتهم أن يسرقوا مالك، وهذه حماية كبيرة لك. ما هو الكتاب .. وما هو الفرقان؟ .. الكتاب هو التوراة .. هو الذي يبين المنهج .. والفرقان هو الأشياء التي يفرق الله فيها بين الحق والباطل، فكأن الفرقان تطلق مرة على التوراة لأنها تفرق بين الحق والباطل، وتطلق أيضاً على كل ما يفرق بين الحق والباطل، ولذلك سمي يوم بدر يوم الفرقان؛ لأنه فرق بين الحق والباطل .. فكأن منهج الله وكتابه يبين لنا أين الحق وأين الباطل ويفرق بينهما.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاء عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد، في قوله: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ} [الآية: 53]. قال: هو القرآن والفرقان فرق فيه بين الحق والباطل. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد قال: أَمر موسى قومه [عن أَمر ربه عز وجل أَن يقتل] بعضهم بعضاً بالخناجر ففعلوا فتاب الله عليهم.... [الآية: 54]. / 2ظ / أَنا عبد الرحمن، قال: ثنا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: [نا] ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} [الآية: 58] [يعني]: لا حساب عليهم. أَنا عبد الرحمن، قال نا: إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله، عز وجل: {ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} [الآية: 57]. قال: المن صمغة والسلوى طائر. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} [الآية: 58] قال: باب حطة، باب إِيلياءَ بيت المقدس. أَمر موسى قومه أَن يدخلوا الباب ويقولوا: حطة وطؤطيء الباب ليخفظوا رؤوسهم. فلما سجدوا قالوا: حنطة. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} [الآية: 58]. يعني لا حساب عليهم. فنتق الجبل فوقهم يقول: أَخرجه من الأَرض فرفعه فوقهم كالظِّلة: كالسحابة. قال: والجبل {ٱلطُّورَ} [الآية: 63]، بالسريانية. تخويفاً، فدخلوا سجّدا على حرف أَعينهم إِلى الجبل، وهو الجبل الذي تجلى له ربه. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: ثنا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن. مجاهد، في قوله، عز وجل: {وَٱلصَّابِئِينَ} [الآية: 62] قال: هم قوم بين المجوس واليهود لا دين لهم. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد، قال: الفُومُ: الخبز. [الآية: 61]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاء عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد، في قوله: {كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} [الآية: 65] قال: لم يمسخوا قردة، ولكنه كقوله:{أية : كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً}تفسير : [الجمعة: 5]. أَنا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال: نا آدم قال: نا ورقاءُ عن [ابن أَبي نجيح] عن مجاهد في قوله: {بِقُوَّةٍ} [الآية: 63] قال: يعمل بما فيه.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ وَٱلْفُرْقَانَ} أَي أَعْطَينَا. والفُرْقَانُ: ما فرقَ بينَ الحقِّ والبَاطلِ.