Verse. 61 (AR)

٢ - ٱلْبَقَرَة

2 - Al-Baqara (AR)

وَاِذْ قَالَ مُوْسٰى لِقَوْمِہٖ يٰقَوْمِ اِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ اَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوْبُوْۗا اِلٰى بَارِىِٕكُمْ فَاقْتُلُوْۗا اَنْفُسَكُمْ۝۰ۭ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِىِٕكُمْ۝۰ۭ فَتَابَ عَلَيْكُمْ۝۰ۭ اِنَّہٗ ھُوَالتَّوَّابُ الرَّحِيْمُ۝۵۴
Waith qala moosa liqawmihi ya qawmi innakum thalamtum anfusakum biittikhathikumu alAAijla fatooboo ila bariikum faoqtuloo anfusakum thalikum khayrun lakum AAinda bariikum fataba AAalaykum innahu huwa alttawwabu alrraheemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذ قال موسى لقومه» الذين عبدوا العجل «يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل» إلهاً «فتوبوا إلى بارئكم» خالقكم من عبادته «فاقتلوا أنفسكم» أي ليقتل البريءُ منكم المجرم «ذلكم» القتل «خير لكم عند بارئكم» فوفقكم لفعل ذلك وأرسل عليكم سحابة سوداء لئلا يبصر بعضكم بعضا فيرحمه حتى قتل منكم نحو سبعين ألفا «فتاب عليكم» قبل توبتكم «أنه هو التواب الرحيم».

54

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا الإنعام الخامس قال بعض المفسرين: هذه الآية وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذكير بالنعم وذلك لأنها أمر بالقتل والقتل لا يكون نعمة وهذا ضعيف من وجوه، أحدها: أن الله تعالى نبههم على عظم ذنبهم، ثم نبههم على ما به يتخلصون عن ذلك الذنب العظيم وذلك من أعظم النعم في الدين، وإذا كان الله تعالى قد عدد عليهم النعم الدنيوية فبأن يعدد عليهم هذه النعمة الدينية أولى، ثم إن هذه النعمة وهي كيفية هذه التوبة لما لم يكن وصفها إلا بمقدمة ذكر المعصية كان ذكرها أيضاً في تمام النعمة. فصار كل ما تضمنته هذه الآية معدوداً في نعم الله فجاز التذكير بها. وثانيها: أن الله تعالى لما أمرهم بالقتل رفع ذلك الأمر عنهم قبل فنائهم بالكلية فكان ذلك نعمة في حق أولئك الباقين. وفي حق الذين كانوا موجودين في زمان محمد عليه الصلاة والسلام، لأنه تعالى لولا أنه رفع القتل عن آبائهم لما وجد أولئك الأبناء فحسن إيراده في معرض الامتنان على الحاضرين في زمان محمد عليه الصلاة والسلام، وثالثها: أنه تعالى لما بين أن توبة أولئك ما تمت إلا بالقتل مع أن محمداً عليه الصلاة والسلام كان يقول لهم: لا حاجة بكم الآن في التوبة إلى القتل بل إن رجعتم عن كفركم وآمنتم قبل الله إيمانكم منكم فكان بيان التشديد في تلك التوبة تنبيهاً على الإنعام العظيم بقبول مثل هذه التوبة السهلة الهينة. ورابعها: أن فيه ترغيباً شديداً لأمة محمد صلوات الله وسلامه عليه في التوبة، فإن أمة موسى عليه السلام لما رغبوا في تلك التوبة مع نهاية مشقتها على النفس فلأن يرغب الواحد منا في التوبة التي هي مجرد الندم كان أولى. ومعلوم أن ترغيب الإنسان فيما هو المصلحة المهمة من أعظم النعم. وأما قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ } أي واذكروا إذ قال موسى لقومه بعدما رجع من الموعد الذي وعده ربه فرآهم قد اتخذوا العجل {يَا قَوم إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ } وللمفسرين في الظلم قولان: أحدهما: أنكم نقصتم أنفسكم الثواب الواجب بالإقامة على عهد موسى عليه السلام، والثاني: أن الظلم هو الإصرار الذي ليس بمستحق ولا فيه نفع ولا دفع مضرة لا علماً ولا طباً، فلما عبدوا العجل كانوا قد أضروا بأنفسهم لأن ما يؤدي إلى ضرر الأبد من أعظم الظلم، ولذلك قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] لكن هذا الظلم من حقه أن يقيد لئلا يوهم إطلاقه إنه ظلم الغير لأن الأصل في الظلم ما يتعدى، فلذلك قال: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ }. أما قوله تعالى: {بِٱتّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ } ففيه حذف لأنهم لم يظلموا أنفسهم بهذا القدر لأنهم لو اتخذوه ولم يجعلوه إلهاً لم يكن فعلهم ظلماً، فالمراد باتخاذكم العجل إلهاً، لكن لما دلت مقدمة الآية على هذا المحذوف حسن الحذف. أما قوله تعالى: {فَتُوبُواْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } ففيه سؤالات. السؤال الأول: قوله تعالى: {فَتُوبُواْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } يقتضي كون التوبة مفسرة بقتل النفس كما أن قوله عليه السلام: «حديث : لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه فيغسل وجهه ثم يديه»،تفسير : يقتضي أن وضع الطهور مواضعه مفسر بغسل الوجه واليدين ولكن ذلك باطل لأن التوبة عبارة عن الندم على الفعل القبيح الذي مضى والعزم على أن لا يأتي بمثله بعد ذلك وذلك مغاير لقتل النفس وغير مستلزم له فكيف يجوز تفسيره به؟ والجواب ليس المراد تفسير التوبة بقتل النفس بل بيان أن توبتهم لا تتم ولا تحصل إلا بقتل النفس وإنما كان كذلك لأن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام أن شرط توبتهم قتل النفس كما أن القاتل عمداً لا تتم توبته إلا بتسليم النفس حتى يرضى أولياء المقتول أو يقتلوه فلا يمتنع أن يكون من شرع موسى عليه السلام أن توبة المرتد لا تتم إلا بالقتل. إذا ثبت هذا فنقول شرط الشيء قد يطلق عليه اسم ذلك الشيء مجازاً كما يقال للغاصب إذا قصد التوبة أن توبتك ردماً غصبت يعني أن توبتك لا تتم إلا به فكذا ههنا. السؤال الثاني: ما معنى قوله تعالى: {فَتُوبُواْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ } والتوبة لا تكون إلا للبارىء، والجواب: المراد منه النهي عن الرياء في التوبة كأنه قال لهم: لو أظهرتم التوبة لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى الله الذي هو مطلع على ضميركم، وإنما تبتم إلى الناس وذلك مما لا فائدة فيه، فإنكم إذا أذنبتم إلى الله. السؤال الثالث: كيف اختص هذا الموضع بذكر البارىء؟ والجواب: البارىء هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت: {أية : مَّا تَرَىٰ فِى خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَـٰوُتٍ } تفسير : [الملك: 3] ومتميزاً بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة والصور المتباينة فكان ذلك تنبيهاً على أن من كان كذلك فهو أحق بالعبادة من البقر الذي يضرب به المثل في الغباوة. السؤال الرابع: ما الفرق بين الفاء في قوله: {فَتُوبُواْ } والفاء في قوله: {فَٱقْتُلُواْ }؟ الجواب: أن الفاء الأولى للسبب لأن الظلم سبب التوبة والثانية للتعقيب لأن القتل من تمام التوبة فمعنى قوله: {فَتُوبُواْ } أي فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم. السؤال الخامس: ما المراد بقوله: {فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } أهو ما يقتضيه ظاهره من أن يقتل كل واحد نفسه أو المراد غير ذلك؟ الجواب: اختلف الناس فيه فقال قوم من المفسرين. لا يجوز أن يكون المراد أمر كل واحد من التائبين بقتل نفسه وهو اختيار القاضي عبد الجبار، واحتجوا عليه بوجهين. الأول: وهو الذي عول عليه أهل التفيسر أن المفسرين أجمعوا على أنهم ما قتلوا أنفسهم بأيديهم ولو كانوا مأمورين بذلك لصاروا عصاة بترك ذلك، الثاني: وهو الذي عول عليه القاضي عبد الجبار أن القتل هو نقض البنية التي عندها يجب أن يخرج من أن يكون حياً وما عدا ذلك مما يؤدي إلى أن يموت قريباً أو بعيداً إنما سمي قتلاً على طريق المجاز. إذا عرفت حقيقة القتل فنقول: إنه لا يجوز أن يأمر الله تعالى به لأن العبادات الشرعية إنما تحسن لكونها مصالح لذلك المكلف ولا تكون مصلحة إلا في الأمور المستقبلة وليس بعد القتل حال تكليف حتى يكون القتل مصلحة فيه وهذا بخلاف ما يفعله الله تعالى من الإماتة لأن ذلك من فعل الله فيحسن أن يفعله إذا كان صلاحاً لمكلف آخر ويعوض ذلك المكلف بالعوض العظيم وبخلاف أن يأمر الله تعالى بأن يجرح نفسه أو يقطع عضواً من أعضائه ولا يحصل الموت عقبه لأنه لما بقي بعد ذلك الفعل حياً لم يمتنع أن يكون ذلك الفعل صلاحاً في الأفعال المستقبلة. ولقائل أن يقول: لا نسلم أن القتل اسم للفعل المزهق للروح في الحال بل هو عبارة عن الفعل المؤدي إلى الزهوق إما في الحال أو بعده والدليل عليه أنه لو حلف أن لا يقتل إنساناً فجرحه جراحة عظيمة وبقي بعد تلك الجراحة حياً لحظة واحدة ثم مات فإنه يحنث في يمينه وتسميه كل أهل هذه اللغة قاتلاً والأصل في الاستعمال الحقيقة فدل على أن اسم القتل اسم الفعل المؤدي إلى الزهوق سواء أدى إليه في الحال أو بعد ذلك وأنت سلمت جواز ورود الأمر بالجراحة التي لا تستعقب الزهوق في الحال وإذا كان كذلك ثبت جواز أن يراد الأمر بأن يقتل الإنسان نفسه، سلمنا أن القتل اسم الفعل المزهق للروح في الحال فلم لا يجوز ورود الأمر به؟ قوله: لا بد في ورود الأمر به من مصلحة استقبالية، قلنا: أولاً لا نسلم أنه لا بد فيه من مصلحة، والدليل عليه أنه أمر من يعلم كفره بالإيمان ولا مصلحة في ذلك إذ لا فائدة من ذلك التكليف إلا حصول العقاب، سلمنا أنه لا بد من مصلحة ولكن لم قلت إنه لا بد من عود تلك المصلحة إليه، ولم لا يجوز أن قتله نفسه مصلحة لغيره فالله تعالى أمره بذلك لينتفع به ذلك الغير، ثم إنه تعالى يوصل العوض العظيم إليه. سلمنا أنه لا بد من عود المصلحة إليه، لكن لم لا يجوز أن يقال إن علمه بكونه مأموراً بذلك الفعل مصلحة له، مثل أنه لما أمر بأن يقتل نفسه غداً فإن علمه بذلك يصير داعياً له إلى ترك القبائح من ذلك الزمان إلى ورود الغد، وإذا كانت هذه الاحتمالات ممكنة سقط ما قال القاضي، بل الوجه الأول الذي عول عليه المفسرون أقوى، وعلى هذا يجب صرف الآية عن ظاهرها، ثم فيه وجهان، الأول: أن يقال أمر كل واحد من أولئك التائبين بأن يقتل بعضهم بعضاً فقوله: {ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } معناه ليقتل بعضكم بعضاً وهو كقوله في موضع آخر: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النساء: 29] ومعناه لا يقتل بعضكم بعضاً وتحقيقه أن المؤمنين كالنفس الوحدة، وقيل في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [الحجرات: 11] أي إخوانكم من المؤمنين، وفي قوله: {أية : لَّوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً } تفسير : [النور: 12] أي بأمثالهم من المسلمين، وكقوله: {أية : فَسَلّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } تفسير : [النور: 61] أي ليسلم بعضكم على بعض. ثم قال المفسرون: أولئك التائبون برزوا صفين فضرب بعضهم بعضاً إلى الليل. الوجه الثاني: أن الله تعالى أمر غير أولئك التائبين بقتل أولئك التائبين فيكون المراد من قوله: {ٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } أي استسلموا للقتل، وهذا الوجه الثاني أقرب لأن في الوجه الأول تزداد المشقة لأن الجماعة إذا اشتركت في الذنب كان بعضهم أشد عطفاً على البعض من غيرهم عليهم فإذا كلفوا بأن يقتل بعضهم بعضاً عظمت المشقة في ذلك ثم اختلفت الروايات، فالأول: أنه أمر من لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل منهم، وكان المقتولون سبعين ألفاً فما تحركوا حتى قتلوا على ثلاثة أيام، وهذا لقول ذكره محمد بن إسحاق. الثاني: أنه لما أمرهم موسى عليه السلام بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبروا على القتل فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة وأتاهم هارون بالإثني عشر ألفاً الذين لم يعبدوا العجل ألبتة وبأيديهم السيوف، فقال التائبون: إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف فاتقوا الله واصبروا فلعن الله رجلاً قام من مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل يقولون أمين، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء وقام موسى وهارون عليهما السلام يدعوان الله ويقولان البقية البقية يا إلهنا فأوحى الله تعالى إليهما، قد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي، قال: وكان القتلى سبعين ألفاً، هذه رواية الكلبي. الثالث: أن بني إسرائيل كانوا قسمين: منهم من عبد العجل ومنهم من لم يعبده ولكن لم ينكر على من عبده، فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة، ثم قال المفسرون: إن الرجل كان يبصر والده وولده وجاره فلم يمكنه المضي لأمر الله فأرسل الله تعالى سحابة سوداء، ثم أمر بالقتل فقتلوا إلى المساء حتى دعا موسى وهارون عليهما السلام وقالا: يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية فانكشفت السحابة ونزلت التوراة وسقطت الشفار من أيديهم. السؤال السادس: كيف استحقوا القتل وهم قد تابوا من الردة والتائب من الردة لا يقتل؟ الجواب: ذلك مما يختلف بالشرائع فلعل شرع موسى عليه السلام كان يقتضي قتل التائب عن الردة إما عاماً في حق الكل أو كان خاصاً بذلك القوم. السؤال السابع: هل يصح ما روي أن منهم من لم يقتل ممن قبل الله توبته؟ الجواب: لا يمتنع ذلك لأن قوله تعالى: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ } خطاب مشافهة فلعله كان مع البعض أو إنه كان عاماً فالعام قد يتطرق إليه التخصيص. أما قوله تعالى: {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ } ففيه تنبيه على ما لأجله يمكن تحمل هذه المشقة وذلك لأن حالتهم كانت دائرة بين ضرر الدنيا وضرر الآخرة، والأول أولى بالتحمل لأنه متناه، وضرر الآخرة غير متناه، ولأن الموت لا بد واقع فليس في تحمل القتل إلا التقدم والتأخير، وأما الخلاص من العقاب والفوز بالثواب فذاك هو الغرض الأعظم. أما قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ } ففيه محذوف،ثم فيه وجهان: أحدهما: أن يقدر من قول موسى عليه السلام كأنه قال: فإن فعلتم فقد تاب عليكم، والآخر: أن يكون خطاباً من الله لهم على طريقة الالتفات فيكون التقدير ففعلتم ما أمركم به موسى فتاب عليكم بارئكم. وأما معنى قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ }، فقد تقدم في قوله: {فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ }.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} القوم: الجماعة الرجال دون النساء؛ قال الله تعالى: {أية : لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ} تفسير : [الحجرات: 10] ثم قال: {أية : وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ}تفسير : [الحجرات: 10]. وقال زُهير:شعر : وما أدرِي وسوف إخال أدرِي أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نساءُ تفسير : وقال تعالى: {أية : وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ} تفسير : [الأعراف: 80] أراد الرجال دون النساء. وقد يقع القوم على الرجال والنساء؛ قال الله تعالى: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ}تفسير : [نوح: 1] وكذا كل نبيّ مرسَل إلى النساء والرجال جميعاً. قوله تعالى: {يَاقَوْمِ} منادَى مضاف. وحذفت الياء في «يا قَوْم» لأنه موضع حذف والكسرة تدل عليها؛ وهي بمنزلة التنوين فحذفتها كما تحذف التنوين من المفرد. ويجوز في غير القرآن إثباتها ساكنة؛ فتقول: يا قومي؛ لأنها ٱسم وهي في موضع خفص. وإن شئت فتحتها وإن شئت ألحقت معها هاء؛ فقلت: يا قومِيَهْ. وإن شئت أبدلت منها ألفاً لأنها أخفّ؛ فقلت: يا قوماً، وإن شئت قلت: يا قوم؛ بمعنى يأيها القوم. وإن جعلتهم نكرة نصبت ونوّنت. وواحد القوم ٱمرؤ على غير اللفظ. وتقول: قوم وأقوام؛ وأقاوم جمع الجمع. والمراد هنا بالقوم عَبَدة العجل، وكانت مخاطبته عليه السلام لهم بأمر من الله تعالى. قوله تعالى: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ} ٱستغنى بالجمع القليل عن الكثير؛ والكثير نفوس. وقد يوضع الجمع الكثير موضع جمع القِلة، والقليل موضع الكثرة؛ قال الله تعالى: {أية : ثَلاَثَةَ قُرُوۤءٍ}تفسير : [البقرة:228]. وقال: {أية : وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ} تفسير : [الزخرف: 71]. ويقال لكل مَن فعل فعلا يعود عليه ضرره: إنما أسأتَ إلى نفسك. وأصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه. ثم قال تعالى: {بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ} قال بعض أرباب المعاني: عجلُ كلّ إنسان نفسه؛ فمن أسقطه وخالف مراده فقد برىء من ظلمه. والصحيح أنه هنا عجل على الحقيقة عبدوه كما نطق به التنزيل. والحمد لله. قوله تعالى: {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} لما قال لهم: فتوبوا إلى بارئكم؛ قالوا: كيف؟ قال: {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}. قال أرباب الخواطر: ذَلِّلوها بالطاعات وكُفّوها عن الشهوات. والصحيح أنه قَتْلٌ على الحقيقة هنا. والقتل: إماتة الحركة. وقتلت الخمر: كسرت شدّتها بالماء. قال سفيان بن عُيَيْنة: التوبة نعمة من الله أنعم الله بها على هذه الأمة دون غيرها من الأمم؛ وكانت توبة بني إسرائيل القتل. وأجمعوا على أنه لم يؤمر كل واحد من عبدة العِجل بأن يقتل نفسه بيده. قال الزُّهْرِيّ: لما قيل لهم: {أية : فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [البقرة: 54] قاموا صفّين وقتل بعضهم بعضا؛ حتى قيل لهم: كُفّوا. فكان ذلك شهادةً للمقتول وتوبةً للحيّ؛ على ما تقدّم. وقال بعض المفسرين: أرسل الله عليهم ظلاماً ففعلوا ذلك. وقيل: وقف الذين عبدوا العجل صفًّا، ودخل الذين لم يعبدوه عليهم بالسلاح فقتلوهم. وقيل: قام السبعون الذين كانوا مع موسى فقَتَلُوا ـ إذ لم يعبدوا العجل ـ مَن عبد العجل. ويروى أن يوشع بن نون خرج عليهم وهم مُحْتَبُون فقال: ملعون من حلّ حَبْوتَه أو مدّ طرفه إلى قاتله أو ٱتقاه بيد أو رِجل. فما حلّ أحد منهم حبوته حتى قتل منهم ـ يعني من قتل ـ وأقبل الرجل يقتل من يليه. ذكره النحاس وغيره. وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العجل بقتل أنفسهم ـ على القول الأوّل ـ؛ لأنهم لم يغيّروا المنكر حين عبدوه؛ وإنما ٱعتزلوا، وكان الواجب عليهم أن يقاتلوا من عبده. وهذه سنة الله في عباده إذا فشا المنكر ولم يُغَيَّر عوقب الجميع. روى جرِير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من قوم يُعمل فيهم بالمعاصي هم أعزّ منهم وأمنع لا يغيّرون إلا عَمّهم الله بعقاب»تفسير : . أخرجه ٱبن ماجه في سُننه. وسيأتي الكلام في هذا المعنى إن شاء الله تعالى. فلما ٱسْتَحَرّ فيهم القتل وبلغ سبعين ألفاً عفا الله عنهم. قاله ٱبن عباس وعليّ رضي الله عنهما. وإنما رفع الله عنهم القتل لأنهم أعطوا المجهود في قتل أنفسهم. فما أنعم الله على هذه الأمة نعمة بعد الإسلام هي أفضل من التوبة. وقرأ قتادة: فأقيلوا أنفسكم ـ من الإقالة ـ؛ أي ٱستقبلوها من العثرة بالقتل. قوله تعالى: {بَارِئِكُمْ} البارىء: الخالق؛ وبينهما فرق، وذلك أن البارىء هو المبدع المحدِث. والخالق هو المقدّر الناقل من حال إلى حال. والبَرِيّة: الخلق؛ وهي فَعِيلة بمعنى مفعولة غير أنها لا تُهمز. وقرأ أبو عمرو «بارئكم» ـ بسكون الهمزة ـ ويشعركم وينصركم ويأمركم. وٱختلف النحاة في هذا؛ فمنهم من يُسكن الضمة والكسرة في الوصل؛ وذلك في الشعر. وقال أبو العباس المبرد: لا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب في كلام ولا شِعر. وقراءة أبي عمرو لحن. قال النحاس وغيره: وقد أجاز ذلك النحويون القدماء الأئمة؛ وأنشدوا:شعر : إذا اعْوَجَجْنَ قلتُ صاحبْ قَوِّمِ بالدَّو أمثالَ السَّفِين العُوَّمِ تفسير : وقال ٱمرؤ القيس:شعر : فاليومَ أشربْ غيرَ مُسْتَحْقِبٍ إثْماً من الله ولا واغِلِ تفسير : وقال آخر:شعر : قالتَ سُليمَى ٱشترْ لنا سَوِيقا تفسير : وقال الآخر:شعر : رُحتِ وفي رجليكِ ما فيهما وقد بدا هَنْكِ من المِئزرِ تفسير : فمن أنكر التسكين في حرف الإعراب فحجّته أن ذلك لا يجوز من حيث كان علما للإعراب. قال أبو عليّ: وأما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها مع توالي الحركات. وأصل برأ من تبرّى الشيء من الشيء وهو ٱنفصاله منه. فالخلق قد فُصلوا من العدم إلى الوجود؛ ومنه بَرَأْت من المرض بَرْءاً (بالفتح) كذا يقول أهل الحجاز. وغيرهم يقول: برِئت من المرض بُرْءاً (بالضم)؛ وبرئت منك ومن الديون والعيوب براءة؛ ومنه المبارأة للمرأة. وقد بارأ شريكه وٱمرأته. قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} في الكلام حذف، تقديره ففعلتم «فتاب عليكم»؛ أي فتجاوز عنكم، أي على الباقين منكم. {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تقدّم معناه، والحمد لله.

البيضاوي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِٱتّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ } فاعزموا على التوبة والرجوع إلى من خلقكم براءٍ من التفاوت، ومميزاً بعضكم عن بعض بصور وهيئات مختلفة، وأصل التركيب لخلوص الشيء عن غيره، إما على سبيل التقصي كقولهم بريء المريض من مرضه والمديون من دينه، أو الإنشاء كقولهم برأ الله آدم من الطين أو فتوبوا. {فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } إتماماً لتوبتكم بالبخع، أو قطع الشهوات كما قيل من لم يعذب نفسه لم ينعمها ومن لم يقتلها لم يحيها. وقيل أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً. وقيل أمر من لم يعبد العجل أن يقتل العبدة. روي أن الرجل كان يرى بعضه وقريبه فلم يقدر على المضي لأمر الله، فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون، فأخذوا يقتتلون من الغداة إلى العشي حتى دعا موسى وهارون فكشفت السحابة ونزلت التوبة، وكانت القتلى سبعين ألفاً. والفاء الأولى للتسبب، والثانية للتعقيب. {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ } من حيث إنه طهرة من الشرك، ووصلة إلى الحياة الأبدية والبهجة السرمدية. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ } متعلق بمحذوف إن جعلته من كلام موسى عليه السلام لهم تقديره: إن فعلتم ما أمرتم به فقد تاب عليكم، أو عطف على محذوف إن جعلته خطاباً من الله تعالى لهم على طريقة الالتفات، كأنه قال: ففعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم بارئكم. وذكر البارىء وترتيب الأمر عليه إشعار بأنهم بلغوا غاية الجهالة والغباوة، حتى تركوا عبادة خالقهم الحكيم إلى عبادة البقر التي هي مثل في الغباوة، وأن من لم يعرف حق منعمه حقيق بأن لا يسترد منه، ولذلك أمروا بالقتل وفك التركيب. {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ } للذي يكثر توفيق التوبة، أو قبولها من المذنبين، ويبالغ في الإنعام عليهم.

ابن كثير

تفسير : هذه صفة توبته تعالى على بني إسرائيل من عبادة العجل، قال الحسن البصري رحمه الله في قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ} فقال ذلك حين وقع في قلوبهم من شأن عبادتهم العجل ما وقع حتى قال تعالى: {أية : وَلَمَّا سُقِطَ فَىۤ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا}تفسير : [الأعراف: 149] الآية. قال: فذلك حين يقول موسى: {يَـٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ} وقال أبو العالية وسعيد بن جبير والربيع بن أنس: {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} أي: إلى خالقكم، قلت: وفي قوله ههنا: {إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} تنبيه على عظم جرمهم، أي: فتوبوا إلى الذي خلقكم، وقد عبدتم معه غيره. وقد روى النسائي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث يزيد بن هارون عن الأصبغ بن زيد الوراق عن القاسم بن أبي أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: فقال الله تعالى: إن توبتهم أن يقتل كل واحد منهم من لقي من والد وولد، فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، فتاب أولئك الذين كانوا خفي على موسى وهارون ما اطلع الله على ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أمروا به، فغفر الله للقاتل والمقتول، وهذا قطعة من حديث الفتون، وسيأتي في سورة طه بكماله إن شاء الله. وقال ابن جرير: حدثني عبد الكريم بن الهيثم حدثنا إبراهيم بن بشار حدثنا سفيان بن عيينة قال: قال أبو سعيد عن عكرمة عن ابن عباس، قال: قال موسى لقومه: { فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه عز وجل أن يقتلوا أنفسهم، قال: وأخبر الذين عبدوا العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة، فجعل يقتل بعضهم بعضاً، فانجلت الظلمة عنهم، وقد جلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة. وقال ابن جرير: (قال ابن جُريج:) أخبرني القاسم بن أبي بَزَّة أنه سمع سعيد بن جبير ومجاهداً يقولان في قوله تعالى: {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} قالا: قام بعضهم إلى بعض بالخناجر يقتل بعضهم بعضاً، لا يحنو رجل على قريب ولا بعيد، حتى ألوى موسى بثوبه، فطرحوا ما بأيديهم، فكشف عن سبعين ألف قتيل، وإن الله أوحى إلى موسى: أن حسبي، فقد اكتفيت، فذلك حين ألوى موسى بثوبه. وروي عن علي رضي الله عنه نحو ذلك، وقال قتادة: أمر القوم بشديد من الأمر، فقاموا يتناحرون بالشفار، يقتل بعضهم بعضاً، حتى بلغ الله فيهم نقمته، فسقطت الشفار من أيديهم، فأمسك عنهم القتل، فجعل لحيهم توبة، وللمقتول شهادة. وقال الحسن البصري: أصابتهم ظلمة حندس، فقتل بعضهم بعضاً، ثم انكشف عنهم، فجعل توبتهم في ذلك. وقال السدي في قوله: {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} قال: فاجتلد الذين عبدوه والذين لم يعبدوه بالسيوف، فكان من قتل من الفريقين شهيداً، حتى كثر القتل، حتى كادوا أن يهلكوا، حتى قتل منهم سبعون ألفاً، وحتى دعا موسى وهارون: ربنا أهلكت بني إسرائيل، ربنا البقية البقية، فأمرهم أن يلقوا السلاح، وتاب عليهم، فكان من قتل منهم من الفريقين شهيداً، ومن بقي مكفراً عنه، فذلك قوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} وقال الزهري: لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها، برزوا، ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف، وتطاعنوا بالخناجر، وموسى رافع يديه، حتى إذا فتر بعضهم، قالوا: يا نبي الله ادع الله لنا، وأخذوا بعضديه يسندون يديه، فلم يزل أمرهم على ذلك حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح، وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله جل ثناؤه إلى موسى: ما يحزنك؟ أما من قتل منهم فحي عندي يرزقون، وأما من بقي فقد قبلت توبته، فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل، رواه ابن جرير بإسناد جيد عنه. وقال ابن إسحاق: لما رجع موسى إلى قومه، وأحرق العجل وذراه في اليم، خرج إلى ربه بمن اختار من قومه، فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثوا، فسأل موسى ربه التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم، قال: فبلغني أنهم قالوا لموسى: نصبر لأمر الله، فأمر موسى من لم يكن عبد العجل أن يقتل من عبده، فجلسوا بالأفنية، وأصلت عليهم القوم السيوف، فجعلوا يقتلونهم، فهش موسى، فبكى إليه النساء والصبيان يطلبون العفو عنهم، فتاب الله عليهم، وعفا عنهم، وأمر موسى أن ترفع عنهم السيوف. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: لما رجع موسى إلى قومه، وكانوا سبعين رجلاً قد اعتزلوا مع هارون العجل لم يعبدوه، فقال لهم موسى: انطلقوا إلى موعد ربكم، فقالوا: يا موسى ما من توبة؟ قال: بلى، اقتلوا أنفسكم، ذلكم خير لكم عند بارئكم، فتاب عليكم الآية: فاخترطوا السيوف والجزرة والخناجر والسكاكين. قال: وبعث عليهم ضبابة، قال: فجعلوا يتلامسون بالأيدي، ويقتل بعضهم بعضاً، قال: ويلقى الرجل أباه وأخاه، فيقتله وهو لا يدري. قال: ويتنادون فيها: رحم الله عبداً صبر نفسه حتى يبلغ الله رضاه، قال: فقتلاهم شهداء، وتيب على أحيائهم ثم قرأ: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ } الذين عبدوا العجل { يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِٱتّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ } إلهاً {فَتُوبُواْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ } خالقكم من عبادته {فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } أي ليقتل البريءُ منكم المجرم {ذٰلِكُمْ } القتل {خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ } فوفقكم لفعل ذلك وأرسل عليكم سحابة سوداء لئلا يبصر بعضكم بعضاً فيرحمه حتى قُتِلَ منكم نحو سبعين ألفاً {فَتَابَ عَلَيْكُمْ } قبل توبتكم {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ }.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {فَتُوبُوا إلى بَارِئِكُمْ} يعني: فارجعوا إلى طاعة خالقكم، والبارئ الخالق، والبريَّة الخلق، وهي فعيلة، بمعنى مفعولة، غير أنها لا تهمز. واختلفوا في هذه التسمية على أربعة أقاويل: أحدها: أنها مأخوذة من برأ اللهُ الخلْق، يبرَؤُهُم برءاً. والثاني: أنها فعلية من البرء، وهو التراب. والثالث: أنها مأخوذة من برئ الشيء من الشيء، وهو انفصاله عنه، ومنه البراءة من الدين لانفصاله عنه، وأبرأه الله من المرض، إذا أزاله عنه. وقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} فيه تأويلان: أحدهما: معناه: ليقتل بعضكم بعضاً، وهذا قول ابن عباس، وسعيد بن جبيرٍ، ومجاهد. والثاني: استسلموا للقتل، وجعل ذلك بمنزلة القتل، وهذا قول أبي إسحاق. وأصل القتل: إماتةُ الحركة، ومنه: قتلت الخمر بالماء، إذا مَزَجتها، لأنك أمتَّ حركتها، وإنما جُعل القتل توبة، لأن من كفَّ عن الإنكار لعبادة العجل، إنما كف خوفاً من القتال والقتل، فجُعِلَت توبتهم بالقتل، الذي خافوه، هكذا قال ابن جريج. قال ابن عباسٍ: احْتَبَى الَّذِين عكفوا على العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكُفُوا عليه، وأخذوا الخناجر، وأصابتهم ظلمة فجعل بعضهم يقتل بعضاً، حتى انجلت الظلمة من سبعين ألفَ قتيلٍ في ساعة من نهار، وكانوا ينادون في تلك الحال: رحم الله عبداً صبر حتى يبلغ الله رضاه، فحزِن موسى وبنو إسرائيل لذلك القتل، فأوحى الله عز وجل إلى موسى: لا تحزن، أَمَّا من قُتِل منكم فأحياء عندي يرزقون، وأَمًّا من بقِيَ فقد قُبِلَتْ توبته، فَبَشَّرَ بذلك بني إسرائيل.

ابن عطية

تفسير : هذا القول من موسى صلى الله عليه وسلم كان بأمر من الله تعالى، وحذفت الياء في "يا قومي" لأن النداء موضع حذف وتخفيف، والضمير في "اتخاذكم" في موضع خفض على اللفظ، وفي موضع رفع بالمعنى، "العجل" لفظة عربية، اسم لولد البقرة. وقال قوم: سمي عجلاً لأنه استعجل قبل مجيء موسى عليه السلام. قال القاضي أبو محمد رحمه الله: وليس هذا القول بشيء. واختلف هل بقي العجل من ذهب؟ قال ذلك الجمهور وقال الحسن بن أبي الحسن: صار لحماً ودماً، والأول أصح. و "توبوا": معناه ارجعوا عن المعصية إلى الطاعة. وقرأ الجمهور: "بارئِكم" بإظهار الهمزة وكسرها. وقرأ أبو عمرو: "بارئْكم" بإسكان الهمزة. وروي عن سيبويه اختلاس الحركة وهو أحسن، وهذا التسكين يحسن في توالي الحركات. وقال المبرد: لا يجوز التسكين مع توالي الحركات في حرف الإعراب، وقرءاة أبي عمرو "بارئكم" لحن. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: وقد روي عن العرب التسكين في حرف الأعراب، قال الشاعر: [الرجز] شعر : إذا اعوججن قلت صاحب قوم تفسير : وقال امرؤ القيس: [السريع] شعر : فاليوم أشرب غير مستحقب إثماً من الله ولا واغل تفسير : وقال آخر: [الرجز] شعر : قالت سليمى اشتر لنا سويقا تفسير : وقال الآخر: [السريع] شعر : وقد بدا هَنْكِ مِن المِئْزَرِ تفسير : وقال جرير: شعر : ونهر تيري فما تعرفْكُمُ العربُ تفسير : وقال وضاح اليمن: [الرجز] شعر : إنما شعري شهد قد خلط بجلجلان تفسير : ومن أنكر التسكين في حرف الإعراب فحجته أن ذلك لا يجوز من حيث كان علماً للإعراب. قال أبو علي: وأما حركة البناء فلم يختلف النحاة في جواز تسكينها مع توالي الحركات. وقرأ الزهري: "باريكم" بكسر الياء من غير همز، ورويت عن نافع. وقرأ قتادة: "فاقتالوا أنفسكم": وقال: "هي من الاستقالة". قال أبو الفتح: "اقتال" هذه افتعل، ويحتمل أن يكون عينها واواً كاقتادوا، ويحتمل أن يكون ياء "كاقتاس" والتصريف يضعف أن تكون من الاستقالة، ولكن قتادة رحمه الله ينبغي أن يحسن الظن به في أنه لم يورد ذلك إلا بحجة عنده. وقوله تعالى: {فتاب عليكم} قبله محذوف تقديره ففعلتم. وقوله {عليكم} معناه: على الباقين، وجعل الله تعالى القتل لمن قتل شهادة وتاب على الباقين وعفا عنهم. قال بعض الناس: {فاقتلوا} في هذه الآية معناه بالتوبة وإماتة عوارض النفوس من شهوة وتعنت وغضب، واحتج بقوله عليه السلام في الثوم والبصل فلتمتهما طبخاً، وبقول حسان: شعر : قتلت قتلت فهاتها لم تقتل تفسير : وقوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى} يريد السبعين الذين اختارهم موسى، واختلف في وقت اختيارهم. فحكى أكثر المفسرين أن ذلك بعد عبادة العجل، اختارهم ليستغفروا لبني إسرائيل. وحكى النقاش وغيره أنه اختارهم حين خرج من البحر وطلب بالميعاد، والأول أصح، وقصة السبعين أن موسى صلى الله عليه وسلم لما رجع من تكليم الله ووجد العجل قد عبد قالت له طائفة ممن لم يعبد العجل: نحن لم نكفر ونحن أصحابك، ولكن أسمعنا كلام ربك، فأوحى الله إليه أن اختر منها سبعين شيخاً، فلم يجد إلاّ ستين، فأوحى الله إليه أن اختر من الشباب عشرة، ففعل، فأصبحوا شيوخاً، وكان قد اختار ستة من كل سبط فزادوا اثنين على السبعين، فتشاحوا فيمن يتأخر، فأوحى الله إليه أن من تأخر له مثل أجر من مضى، فتأخر يوشع بن نون وطالوت بن يوقنا وذهب موسى عليه السلام بالسبعين بعد أن أمرهم أن يتجنبوا النساء ثلاثاً ويغتسلوا في اليوم الثالث، واستخلف هارون على قومه، ومضى حتى أتى الجبل، فألقي عليهم الغمام. قال النقاش وغيره: غشيتهم سحابة وحيل بينهم وبين موسى بالنور فوقعوا سجوداً. قال السدي وغيره: وسمعوا كلام الله يأمر وينهى، فلم يطيقوا سماعه، واختلطت أذهانهم، ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعبر لهم، ففعل، فلما فرغ وخرجوا بدلت منهم طائفة ما سمعت من كلام الله فذلك قوله تعالى: {أية : وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه} تفسير : [البقرة: 75]، واضطرب إيمانهم وامتحنهم الله بذلك فقالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} ولم يطلبوا من الرؤية محالاً، أما إنه عند أهل السنة ممتنع في الدنيا من طريق السمع، فأخذتهم حينئذ الصاعقة فاحترقوا وماتوا موت همود يعتبر به الغير. وقال قتادة: "ماتوا وذهبت أرواحهم ثم ردوا لاستيفاء آجالهم، فحين حصلوا في ذلك الهمود جعل موسى يناشد ربه فيهم ويقول: أي رب، كيف أرجع إلى بني إسرائيل دونهم فيهلكون ولا يؤمنون بي أبداً، وقد خرجوا معي وهم الأخيار". قال القاضي أبو محمد رحمه الله: يعني وهم بحال الخير وقت الخروج. وقال قوم: بل ظن موسى عليه السلام أن السبعين إنما عوقبوا بسبب عبادة العجل، فذلك قوله {أتهلكنا} يعني السبعين {أية : بما فعل السفهاء منا} تفسير : [الأعراف: 155] يعني عبدة العجل. وقال ابن فورك: يحتمل أن تكون معاقبة السبعين لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه، بقولهم لموسى "أرنا" وليس وذلك من مقدور موسى صلى الله عليه وسلم، و{جهرة} مصدر في موضع الحال، والأظهر أنها من الضمير في {نرى}، وقيل من الضمير في {نؤمن}، وقيل من الضمير في {قلتم}، والجهرة العلانية، ومنه الجهر ضد السر، وجهر الرجل الأمر كشفه. وقرأ سهل بن شعيب وحميد بن قيس: "جهَرة" بفتح الهاء، وهي لغة مسموعة عند البصريين فيما فيه حرف الحلق ساكناً قد انفتح ما قبله، والكوفيون يجيزون فيه الفتح وإن لم يسمعوه. قال القاضي أبو محمد: ويحتمل أن يكون {جهرة} جمع جاهر، أي حتى نرى كاشفين هذا الأمر. وقرأ عمر وعلي رضي الله عنهما: "فأخذتكم الصعقة"، ومضى في صدر السورة معنى {الصاعقة}، والصعقة ما يحدث بالإنسان عند الصاعقة. وتنظرون معناه إلى حالكم. قال القاضي أبو محمد عبد الحق رحمه الله: حتى أحالهم العذاب وأزال نظرهم.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَارِئِكُمْ} خالقكم والبرية: الخلق متروك همزها من برأ الله الخلق، أو من البري وهو التراب، أو من بريت العود، أو من تبرى شيء من غيره إذا انفصل منه، كالبراءة من الدَّيْن والمرض. {فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} مكنوا من قتلها، أو ليقتل بعضكم بعضاً. والقتل إماتة الحركة قتلت الخمر بالماء إذا مزجتها به، فسكنت حركتها، ابن جريج، جُعلت توبتهم بالقتل، لأن الذين لم ينكروا خافوا القتل فجعلت توبتهم به.

النسفي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ } للذين عبدوا العجل. {يَـٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِٱتّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ } معبوداً {فَتُوبُواْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ } هو الذي خلق الخلق بريئاً من التفاوت. وفيه تقريع لما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم إبرياء من التفاوت إلى عبادة البقر الذي هو مثل في الغباوة والبلادة {فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } قيل: هو على الظاهر وهو البخع. وقيل: معناه قتل بعضهم بعضاً. وقيل: أمر من لم يعبد العجل أن يقتلوا العبدة فقتل سبعون ألفاً. {ذٰلِكُمْ } التوبة والقتل {خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ } من الإصرار على المعصية. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ } المفضال بقبول التوبة وإن كثرت {ٱلرَّحِيمُ } يعفو الحوبة وإن كبرت. والفاء الأولى للتسبيب لأن الظلم سبب التوبة، والثانية للتعقيب لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم إذ الله تعالى جعل توبتهم قتل أنفسهم، والثالثة متعلقة بشرط محذوف كأنه قال فإن فعلتم فقد تاب عليكم. {وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً } عياناً وانتصابها على المصدر كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس، أو على الحال من «نرى» أي ذوي جهرة. {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ } أي الموت. قيل: هي نار جاءت من السماء فأحرقتهم. روي أن السبعين الذين كانوا مع موسى عليه السلام عند الانطلاق إلى الجبل قالوا له: نحن لم نعبد العجل كما عبده هؤلاء فأرنا الله جهرة. فقال موسى: سألته ذلك فأباه عليّ. فقالوا: إنك رأيت الله تعالى فلن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. فبعث الله عليهم صاعقة فأحرقتهم. وتعلقت المعتزلة بهذه الآية في نفي الرؤية لأنه لو كان جائز الرؤية لما عذبوا بسؤال ما هو جائز الثبوت. قلنا: إنما عوقبوا بكفرهم لأن قولهم: إنك رأيت الله فلن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة كفر منهم. ولأنهم امتنعوا عن الإيمان بموسى بعد ظهور معجزته حتى يروا ربهم جهرة، والإيمان بالانبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم ولا يجوز اقتراح الآيات عليهم. ولأنهم لم يسألوا سؤال استرشاد بل سؤال تعنت وعناد. {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } إليها حين نزلت. {ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم } أحييناكم وأصله الإثارة {مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمة البعث بعد الموت. {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ } جعلنا الغمام يظلكم وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه وثيابهم لا تتسخ ولا تبلى {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ } الترنجبين وكان ينزل عليهم مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع. {وَٱلسَّلْوَىٰ } كان يبعث الله عليهم الجنوب فتحشر عليهم السلوى وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه. وقلنا لهم {كُلُواْ مِن طَيِّبَـٰتِ } لذيذات أو حلالات {مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا } يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } أنفسهم مفعول «يظلمون» وهو خبر «كان». {وَإِذْ قُلْنَا } لهم بعدما خرجوا من التيه. {ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ } أي بيت المقدس أو أريحاء. والقرية المجتمع من قريت لأنها تجمع الخلق، أمروا بدخولها بعد التيه. {فَكُلُواْ مِنْهَا } من طعام القرية وثمارها. {حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا } واسعاً {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ } باب القرية أو باب القبة التي كانوا يصلون إليها، وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى عليه السلام وإنما دخلوا الباب في حياته ودخلوا بيت المقدس بعده. {سُجَّدًا }. حال وهو جمع ساجد، أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله تعالى وتواضعاً له. {وَقُولُواْ حِطَّةٌ } فعلة من الحط كالجلسة وهي خبر مبتدأ محذوف أي مسألتنا حطة أو أمرك حطة، والأصل النصب وقد قرىء به بمعنى حط عنا ذنوبنا حطة، وإنما رفعت لتعطي معنى الثبات. وقيل: أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها. وعن عليّ رضي الله عنه: وهو بسم الله الرحمن الرحيم. وعن عكرمة: هو لا إله إلا الله. {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ } جمع خطيئة وهي الذنب. «يغفر»: مدني «تغفر»: شامي. {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ } أي من كان محسناً منكم. كانت تلك الكلمة سبباً في زيادة ثوابه ومن كان مسيئاً كانت له توبة ومغفرة. {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ } فيه حذف وتقديره فبدل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولاً غير الذي قيل لهم، فـ «بدل» يتعدى إلى مفعول واحد بنفسه وإلى آخر بالباء، فالذي مع الباء متروك والذي بغير باء موجود، يعني وضعوا مكان حطة قولاً غيرها أي أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ولم يمتثلوا أمر الله. وقيل: قالوا مكان حطة حنطة. وقيل: قالوا بالنبطية حطا سمقاثا أي حنطة حمراء استهزاء منهم بما قيل لهم وعدولاً عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون من أعراض الدنيا. {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا } عذاباً. وفي تكرير «الذين ظلموا» زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بإنزال الرجز عليهم لظلمهم. {مِّنَ ٱلسَّمَاءِ } صفة لرجز {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ } بسبب فسقهم. روي أنه مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفاً وقيل سبعون ألفاً.

ابن عرفة

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم...} الظلم هنا المراد به الكفر لتقيّده (باتخاذ) العجل. قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : وقال جلّ ذكره: {أية : ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُوۤاْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ} تفسير : هو مطلق فلذلك أشكل على الصحابة رضي الله عنهم، وَقَالوا: أيُّنَا لم يلبس إيمانه بظلم؟ قال ابن عرفة: وقدم المجرور هنا على المفعول، والأصل تأخيره عنه، ولا (يقدم) إلا لنكتة (تتوخى) والحكمة في ذلك أن النداء إقبال على المنادى، وتخصيص له فلو قيل: (وإذ) قال موسى: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم لقومه. لما كان لقومه فائدة بخلاف قوله تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَاهُ لاۤ أَبْرَحُ} تفسير : فإن تقديم المجرور هناك (بمعنى) آخر وهو الاعتناء بالمقول له وتشريفه، والاهتمام به وتخصيصه بتلك المقالة دون غيره، وبين (بقوله): {ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُم} أن الله تعالى منزه عن أن يناله شيء من ظلمهم، وإنما ضرر ذلك راجع (إليهم). قال ابن عرفة: وهذا (يشبه المحدود)، فإنه لا تنفع فيه الشفاعة، ولا (تسقطه) التوبة كما قال الإمام مالك رضي الله عنه في المحارب: إذا قتل (أحدا) فعفا عنه وليه، أنّ الحد لا يرتفع لأن الحق لله تعالى، فلذلك قال: {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} وهذا بيان للتوبة، (و) الفاء (للتسبيب أو للتعقيب). قوله تعالى: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ...} الإشارة إلى التوبة بشرطها، وهو القتل، و(خير) هذا إما (فعل)، لأن (ضده) وهو عدم التوبة لا خير فيه، أو أفعل مِن، لأنّ ضده المشارك له في مطلق الخيرية هو التوبة مع علم قتل الأنفس. قوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ...} إما علم أنكم تتوبون، وإما على المعنى ألهمكم (للتوبة) أو يسرّها لكم. قوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} قال ابن عرفة: الوصف بالرحيم دليل لنا على المعتزلة في إبطال قاعدة التحسين والتقبيح، وأن الله تعالى لا يجب عليه شيء لاقتضائها أن توبته على (العصاة) محض رحمة منه وتفضل (لأن) الدليل اقتضى وجوب ذلك عليه، قال الإمام فخر الدين الرازي. قال ابن عرفة: يقال: إنه إنما لم يقل: فقتلوا لأن توبتهم (ملزومة) لقتلهم (أنفسهم)، فلا يبق للقتل بعد ذلك محل، لأنهم قد ماتوا حين التوبة.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {بارئكم} بالإمالة: قتيبة ونصير وأبو عمرو من طريق أبي الزعراء، وعبد الرحمن بن عبدوس. وقرأ أبو عمرو بالاختلاس {أنه هو} مدغماً: أبو عمرو غير عباس، وكذلك كل ما كان بينهما ياء أو واو ملفوظة مثل {ومن دونه هو} {وأنه هو} وأشباه ذلك. {حتى} حيث كان بالإمالة: نصير والعجلي {نرى الله} مكسورة الراء: روى ابن رومي عن عباس وأبو شعيب عن اليزيدي، وكذلك كل راء بعدها ياء استقبلها ألف ولام مثل {ولو يرى الذين} { والنصارى المسيح} {جهرة} مفتوحة الهاء: قتيبة {السلوى} بالإمالة الشديدة: حمزة وعلي وخلف. وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة وكذلك كل كلمة على مثال "فعلى". الوقوف: {فاقتلوا أنفسكم} (ط) {عند بارئكم} (ط) لأن التقدير ففعلتم {فتاب عليكم} (ط) {الرحيم} (ه) {تنظرون} (ه) {تشكرون} (ه) {السلوى} (ط) {ما رزقناكم (ط) {يظلمون} (ه) التفسير: إنه سبحان نبههم على عظم ذنبهم ثم على ما به يتخلصون منه، وذلك من أعظم النعم في الدين وأيضاً لما أمرهم بالقتل ورفع ذلك الأمر عنهم قبل فنائهم بالكلية، كان ذلك نعمة في حق أولئك الباقين وفي أعقابهم إلى زمن محمد صلى الله عليه وسلم، وأيضاً لما بين أن توبة أولئك ما تمت إلا بالقتل، ظهر أن بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لهم نعمة ورحمة لأنه لا يأمرهم بشيء من ذلك متى رجعوا عن كفرهم. وفيه ترغيب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في التوبة، فإن أمة موسى لما رغبوا في تلك التوبة مع نهاية مشقتها على النفس فلأن يرغب أحدنا في مجرد الندم كان أولى. هذا وقد مر أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه إلا أنه لا بد فيه من تعدي ضرر، فبين ههنا أن الضرر إنما يعود على أنفسهم فبذلك استحقوا العذاب الأبدي. والفرق بين الفاءات الثلاثة في الآية، أن الأولى للتسبيب لا غير لأن الظلم سبب التوبة. والثانية للتعقيب إما لأن المعنى فاعزموا على التوبة فاقتلوا أنفسكم على أن التوبة مفسرة بقتل النفس في شرعهم لا بالندم، وإما لأن القتل تمام توبة المرتد في شرعهم، والمعنى فتوبوا فاتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم كما أن القاتل عمداً لا تتم توبته في شرعنا إلا بتسليم النفس حتى يرضى أولياء المقتول أو يقتلونه. ومعنى {إلى بارئكم} النهي عن الرياء في التوبة كأنه قيل: لو أظهرتم التوبة لا عن القلب فأنتم ما تبتم إلى الله وإنما تبتم إلى الناس. وقوله {ذَٰلكم} أي القتل {خير لكم عند بارئكم} جملة معترضة تفيد التنبيه على أن ضرر الدنيا أهون من عذاب الآخرة إذ لا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي. والموت لا بد واقع فليس في تحمل القتل إلا التقديم والتأخير. والثالثة هي الفاء الفصيحة أي المفصحة عن محذوف تقديره: فامتثلتم فتاب عليكم. وعلى هذا يكون الكلام خطاباً من الله تعالى لهم على طريقة الالتفات، ويمكن أن يقال: المحذوف شرط منتظم في جملة قول موسى كأنه قال فإن فعلتم فقد تاب عليكم، وإنما اختص هذا الموضع بذكر البارئ لأن معناه كما مر في الأسماء الذين خلق الخلق على الوجوه الموافقة للمصالح والأغراض، ففيه تقريع لما كان منهم من ترك عبادة العليم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال المختلفة برآء من التنافر مناسبة للحكم والمقاصد إلى عبادة العجل الذي هو مثل في البلادة والغباوة، فلا جرم كان جزاؤهم تفكيك ما ركب من خلقهم وتبديل. من أشكالهم حين لم يشكروا النعمة في ذلك وغمطوها باتخاذ من لا يقدر على شيء منها. والمراد بقتل الأنفس إما ما يقتضيه ظاهر اللفظ وهو أن يقتل كل واحد نفسه، والقتل اسم للفعل المؤدي إلى زهوق الروح في الحال أو في المآل. وإما قتل بعضهم بعضاً وعليه المفسرون لقوله تعالى {أية : ولا تقتلوا أنفسكم} تفسير : [النساء: 29] {أية : ولا تلمزوا أنفسكم} تفسير : [الحجرات: 11] {أية : فسلموا على أنفسكم} تفسير : [النور: 61] وذلك أن المؤمنين كنفس واحدة. ثم اختلفوا فقيل: إنه أمر من لم يعبد العجل من السبعين المختارين لحضور الميقات أن يقتل من عبد العجل منهم. وقيل: لما أمرهم موسى عليه السلام بالقتل أجابوا فأخذ عليهم المواثيق ليصبرن على القتل فأصبحوا مجتمعين كل قبيلة على حدة، وأتاهم هارون بالاثني عشر ألفاً الذين ما عبدوا العجل وبأيديهم السيوف فقال: إن هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين للسيوف فاجلسوا بأفنية بيوتكم واتقوا الله واصبروا، فلعن الله رجلاً قام من مجلسه أو مد طرفه إليهم أو اتقاهم بيد أو رجل ويقولون آمين. روي أن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه فلم يمكنه المضي لأمر الله، فأرسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها، فجعلوا يقتلونهم إلى المساء. وقام موسى وهارون يدعوان الله ويقولان: هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية يا الهنا. فكشفت الضبابة والسحابة، وأوحى الله تعالى إليه: قد غفرت لمن قتل، وتبت على من لم يقتل. قالوا: وكانت القتلى سبعين ألفاً. وقيل: كانوا قسمين: منهم من عبد العجل، ومنهم من لم يعبد. ولكن لم ينكر على من عبده فأمر من لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة. والقائلون بأن العجل عجل الهوى قالوا: معنى قتل الأنفس هو قمع الهوى لأن الهوى حياة النفس. قوله: {وإذا قلتم يا موسى} ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه الواقعة كانت قبل أن كلف الله عبدة العجل بالقتل. قال محمد بن إسحق: لما رجع موسى عليه السلام من الطور إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال وأحرق العجل ونسفه في اليم، اختار سبعين رجلاً من خيارهم. فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى: سل ربك حتى نسمع كلامه. فسأل موسى ذلك فأجابه الله إليه، فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله، ودنا موسى عليه السلام من ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال للقوم: ادخلوا وعوا. وكان موسى متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني إسرائيل النظر إليه. وسمع القوم كلام الله مع موسى يقول له: افعل ولا تفعل. ومن جملة الكلام "إني أنا الله لا إله إلا أنا ذو بكة، أخرجتكم من أرض مصر فاعبدوني ولا تعبدوا غيري". فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك {لن نؤمن لك} أي لن نصدقك ولن نقر بنبوتك {حتى نرى الله جهرة} عياناً، وهي مصدر قولك جهر بالقراءة والدعاء، كأن الذي يرى بالعين يجاهر بالرؤية، والذي يرى بالقلب يخافت بها. وانتصابها على نحو انتصاب "قعد القرفصاء" لأن هذه نوع من الرؤية كما أن تلك نوع من القعود، ويحتمل أن يكون نصبها على الحال بمعنى ذوي جهرة. ومن قرأ {جهرة} بفتح الهاء فإما لأنه مصدر كالغلبة، وإما لأنه جمع جاهر. وإنما أكدوا بهذا لئلا يتوهم أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على ما يراه النائم {فأخذتكم الصاعقة} وهي ما صعقهم أي أماتهم. فقيل: نار وقعت من السماء فأحرقتهم، وقيل: صيحة جاءت من السماء، وقيل: أرسل الله جنوداً سمعوا بحسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة. وصعقة موسى في قوله {أية : وخر موسى صعقاً}تفسير : [الأعراف: 143] لم تكن موتاً ولكن غشية بدليل {أية : فلما أفاق}تفسير : [الأعراف: 143] والظاهر أنه أصابهم ما ينظرون إليه لقوله {وأنتم تنظرون} فرفع موسى يديه إلى السماء يدعو ويقول: إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلاً ليكونوا شهودي بقبول توبتهم فأرجع إليهم وليس معي أحد، فما الذي يقولون فيّ؟ فلم يزل يدعو حتى رد الله إليهم أرواحهم وذلك قولهم {ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} نعمة البعث بعد الموت، أو نعمة الله بعدما كفرتموها فطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم. وقيل: إن هذه الواقعة كانت بعد القتل. قال السدي: لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم، أمر الله أن يأتيه موسى في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلاً. فلما أتوا الطور قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وماتوا، فقام موسى يبكي ويقول: يا رب، ماذا أقول لبني إسرائيل فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بينهم هؤلاء، فإذا رجعت إليهم ولا يكون معي أحد منهم فماذا أقول لهم؟ فأوحى الله إلى موسى: إن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل إلهاً. فقال موسى: إن هي إلا فتنتك. فأحياهم الله تعالى فقاموا ونظر كل واحد إلى الآخر كيف يحييه الله تعالى. فقالوا: يا موسى إنك لا تسأل الله شيئاً، إلا أعطاك، فادعه يجعلنا أنبياء. فدعا بذلك فأجاب الله دعوته. هذا ما قاله المفسرون، وليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القولين على الآخر، ولا على أن الذين سألوا الرؤية عبدة العجل أم لا، والصحيح أن موسى لم يكن من جملة الصعقين في هذه الواقعة لأنه خطاب مشافهة، ولأنه لو تناوله لوجب تخصيصه بقوله في حق موسى {أية : فلما أفاق} تفسير : [الأعراف: 143] مع أن لفظة "الإفاقة" لا تستعمل في الموت. ثم في الآية فوائد منها: التحذير لمن كان في زمان نبينا صلى الله عليه وسلم عن فعل ما يستحق بسببه أن يفعل به ما فعل بأولئك. ومنها تشبيه جحودهم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بجحود أسلافهم نبوة موسى عليه السلام مع مشاهدتهم لعظم تلك الآيات ليتنبهوا أنه إنما لا يظهر على النبي صلى الله عليه وسلم مثلها لعلمه بأنه لو أظهرها لجحودها، ولو جحدوها لاستحقوا العقاب كما استحقه أسلافهم. ومنها التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتثبيت فؤاده كي يصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل. ومنها إزالة شبهة من يقول إن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لو صحت لكان أولى الناس بالإيمان به أهل الكتاب، حيث إنهم عرفوا خبره، وذلك أنه تعالى بيَّن أن أسلافهم بعد مشاهدة تلك الآيات كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه، فكيف يتعجب من مخالفتهم محمداً صلى الله عليه وسلم وإن وجدوا في كتبهم أخبار نبوته صلى الله عليه وسلم. و منها لما أخبر محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه القصة مع كونه أمياً، تبين أن ذلك من الوحي. بقي ههنا بحث وهو أن المعتزلة استدلوا بالآية على امتناع رؤية الله تعالى لأنها لو كانت أمراً جائز الوقوع لم تنزل بهم العقوبة كما لم تنزل بهم حين التمسوا النقل من قوت إلى قوت في قولهم {أية : لن نصبر على طعام واحد}تفسير : [البقرة: 61]. وأجيب بأن امتناع رؤيته في الدنيا لا يستلزم امتناع رؤيته في الآخرة الذي هو محل النزاع، فعل رؤيته تقتضي زوال التكليف عن العبد والدنيا مقام التكليف، وأيضاً اقتراح دليل زائد على صدق المدعي بعد ثبوته تعنت. وأيضاً لا يمتنع أن الله تعالى علم أن فيه مفسدة كما علم في إنزال الكتاب من السماء {أية : يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتاباً من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة} تفسير : [النساء: 153] فلهذا جاز الاستنكار لأن مطالبة الرؤية جهرة مطالعة الذات غفلة، وفيه من سوء الأدب وترك الحرمة ما لا يستحسنه قضية العزة والحشمة. قوله تعالى {وظللنا} أي جعلنا الغمام يظلكم وذلك في التيه كما سيجيء في المائدة، سخر الله لهم السحاب فيسير بسيرهم يظلهم من الشمس والظل ضوء ثان، وينزل عليه ثوب كالظفر يطول بطوله كما كان لآدم قبل الزلة، وينزل عليهم المن وهو الترنجبين مثل الثلج من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، لكل إنسان صاع لا أزيد، ويبعث الله الجنوب فتحشر عليهم السلوى وهي السماني، فيذبح الرجل منها ما يكفيه لا أزيد. مجاهد: المن صمغ حلو. وهب: هو الخبز السميذ. الزجاج: هو ما منّ الله تعالى به عليهم، وهذا كما يروى مرفوعاً "الكمأة من المن وفيها شفاء للعين" وقيل: السلوى العسل. وقيل: طائر أحمر {كلوا} على إرادة القول أي وقلنا لهم كلوا {من طيبات} من حلالات {ما رزقناكم} وهذا للإباحة. {وما ظلمونا} يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم فجعلوا موضع الشكر كفراً، وما ظلمونا فاختصر الكلام بحذفه لدلالة وما ظلمونا عليه {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} لأن وبال الظلم عائد عليهم لا إلى غيرهم ولا إلى الله تعالى. وإنما قال ههنا وفي الأعراف والتوبة والروم بزيادة لفظة "كانوا" لأنها إخبار عن قوم ماتوا وانقرضوا بخلاف قوله في آل عمران {أية : ولكن أنفسهم يظلمون} تفسير : [آل عمران: 117] لأنه مثل، والله أعلم.

ابن عادل

تفسير : "يا قوم" أعْلَمْ أن في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم ستَّ لُغَات. أفصحها: حذفها مجتزئاً عنها بالكَسْرَةِ، وهي لغة القرآن. والثانية: ثبوت الياء ساكنة. الثالثة: ثبوتها مفتوحة. الرابعة: قلبها ألفاً. الخامسة: حذف هذه الألف، والاجتزاء عنها بالفتحة؛ كقوله: [الوافر] شعر : 495ـ وَلَسْتُ بِرَاجِعِ مَا فَاتَ مَنِّي بِلَهْفَ وَلاَ بِلَيْتَ وَلاَ لَوَ أنِّي تفسير : أي يقول: يا لَهْفَا. السَّادِسَةُ: بناء المضاف إليها على الضَّمّ تشبيهاً بالمفرد، نحو قراءة من قرأ: {أية : قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ}تفسير : [الأنبياء:112]. قال بعضهم: لأن "يا قوم" في تقدير: يا أيها القوم والقوم: اسم جمع؛ لأنه دالّ على أكثر من اثنين، وليس له واحد من لفظه، ولا هو على صيغة مختصّة بالتكسير، ومُفْرَدُهُ "رَجُل"، واشتقاقه من "قَامَ بالأَمْرِ يقومُ به"، قال تعالى: {أية : ٱلرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ}تفسير : [النساء:34] والأصل في إطلاقه على الرجال؛ ولذلك قوبل بالنِّسَاء في قوله تعالى: {أية : لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ}تفسير : [الحجرات:11]. وقول زهير: [الوافر] شعر : 496ـ وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي أَقَوْمٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِسَاءَ تفسير : وأما قوله تعالى: {أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ}تفسير : [الشعراء:105] و{أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ}تفسير : [الشعراء:106] والمكذبون رجال ونساء فإنما ذلك من باب التَّغْلِيب، ولا يجوز أن يطلق على النِّساء وحدهن ألبتة، وإن كانت عبادة بعضهم توهم ذلك. فصل في نظم الآية في قوله: "يا قوم" لطيفة، وهي أنه أضاف القوم إلى نفسه، وأضاف نفسه إليهم إضافة اختلاط، وامتزاج، فكأنه منهم [وهم] منه فَصَارَا كالجَسَدِ الواحد فهو مقيد لهم ما يريد لنفسه، وإنما يضرهم ما يضره وما ينفعهم ينفعه كقول القائل لغيره إذا نصحه: ما أُحِبُّ لك إلا ما أُحِبُّ لنفسي وذلك إشارة إلى اسْتِمَالَةِ قلوبهم إلى قَبُولِ دعواه، وطاعتهم له فيما أمرهم به، ونَهَاهُمْ عنه. قوله تعالى: {بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ} الباء للسببية، متعلّقة بـ "ظلمتم"، وقد تقدم الخلاف في مثل هذه لمادة. و "العِجْل" مفعول أوّل، والثَّاني محذوف أي: إلهاً كما تقدم، والمصدر ـ هُنَا ـ مضاف للفاعل، وهو أحسن الوجهين، فإن المصدر إذا اجتمع فاعله ومفعوله فالأولى إضافته إلى الفاعل؛ لأنه رتبته التقديم، وهذا من الصور التي يجب فيها تقديم الفاعل. وأما {أية : قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ}تفسير : [الأنعام:137] فسيأتي إن شاء الله تعالى. وتقدّم الكلام في "العِجْل". قوله: {إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} متعلّق بـ "توبوا"، والمشهور كسر الهمزة؛ لأنها حركة إعراب. وروي عن أبي عمرو ثلاثة أوجه أخر: الاخْتِلاَس: وهو الإتيان بحركة خفية، والسكون المحض، وهذه قد طعن فيها جماعة من النحاة، ونسبوا راويها إلى الغَلَطِ على أبي عَمْرو. وقال سيبويه: "إنما اختلس أبو عمرو فظنَّه الراوي سَكَّن ولم يضبط". وقال المبرِّد: "لا يجوز التسكين مع تَوَالِي الحركات في حرف الإعراب في كلام ولا شِعْرِ، وقراءة أبي عمرو لحن". وهذه جرأة من المبرد، وجهل بأشعار العرب، فإن السُّكونَ في حركات الإعراب قد ورد في الشعر كثيراً؛ منه قول امرىء القيس: [السريع] شعر : 497ـ فَالْيَوْمَ أَشْرَبْ غَيْرَ مُسْتَحقِبٍ إثْماً مِنَ اللَّهَ وَلاَ وَاغِلِ تفسير : فَسكَّن "أَشْرَبْ"، وقال جَرِير: [البسيط] شعر : 498ـ...................... وَنَهْرُ تِيرَى فَلاَ تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ تفسير : وقال آخر: [السريع] شعر : 499ـ رُحْتِ وفي رِجْلَيْكِ مَا فِيهِمَا وَقَدْ بَدَا هَنْكِ مِنَ المِئْزَرِ تفسير : يريد: "هَنُك ـ وتَعْرِفُكُم" فهذه حركات إعراب، وقد سُكّنت، وقد أنشد ابن عطية وغيره رَدّاً عليه قوله: [الرجز] شعر : 500ـ قَالَتْ سُلَيْمَى: اشْتَرْ لَنَا سَوِيقَا تفسير : وقول آخر: [الرجز] شعر : 501ـ إِذَا اعْوَجَجْنَ قُلْتُ: صَاحِبْ قَوِّمِ تفسير : وقول الآخر: [الرمل] شعر : 502ـ إِنَّمَا شِعْرِيَ شَهْدٌ قَدْ خُلِطْ بِجُلْجُلانِ تفسير : ولا يحسن ذلك؛ لأنها حركات بناء، وإنما منع هو ذلك من حركات الإعراب، وقراءة أبي عمرو صحيحةٌ، وذلك أن الهمزة حرف ثقيلٌ، ولذلك اجتزىء عليها بجميع أنواع التخفيف، فاستثقلت عليها الحركة فقدِّرت، وهذه القراءة تشبه قراءة حمزة ـ رحمه الله ـ في قوله تعالى: {وَمَكْرَ ٱلسَّيِّىءْ وَلاَ} فإنه سكن همزة "السّيِّىء" وصلاً، والكلام عليهما واحد، والذي حسنه ـ هنا ـ أنّ قبل كسرةِ الهمزةِ راءٌ مكسورةً، والراء حرف تكرير، فكأنه توالى ثلاث كسرات فحسن التَّسْكين، وليت المبرِّد اقتدى بسيبويه في الاعْتِذَار عن أبي عمرو. وجميع رواية أبي عمرو دائرة على التَّخْفيف، وذلك يدغم المثلين، والمتقاربين، ويُسَهِّل الهمزة، ويسكن نحو: {أية : يَنصُرْكُمُ}تفسير : [آل عمران:160] و {أية : يَأْمُرُكُمْ}تفسير : [البقرة:67] و {أية : بِأَعْلَمَ بِٱلشَّاكِرِينَ}تفسير : [الأنعام:53] على تفصيل معروف عند القُرَّاء، وروي عنه إبدالُ هذه الهمزة السَّاكنة ياءً، كأنه لم يعتدّ بالحركة المقدرة، وبعضهم ينكر ذلك عنه، فهذه أربع قراءات لأبي عمرو. وروى ابن عطية عن الزهري: "بَارِيكُمْ" بكسر الياء من غير همزة قال: "ورويت عن نافع". قلت: من حق هذا القارىء أن يسكن الياء؛ لأن الكسرة ثقيلةٌ عليها، ولا يجوز ظهورها إلاّ في ضرورة شعر؛ كقول أبي طالب: [الطويل] شعر : 503ـ كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نُبْزِي مُحَمَّداً وَلَمْ تَخْتَضِبْ سُمْرُ العَوَالِي بالدَّمِ تفسير : وقرأ قتادة: "فَاقْتَالُوا" وقال: هي من الاستِقَالة. قال ابن جنِّي: اقْتَالَ: افتعل، ويحتمل أن تكون عينها واواً كـ "اقْتَادُوا" أو ياء كـ"اقْتَاسَ"، والتصريف يضعف أن تكون من الاستقالة. ولكن قتادة ينبغي أن يُحْسَنَ الظنُّ به في أنه لم يورد ذلك إلا بحجّة عنده. وقرىء أيضاً: "فَأَقِيلُوا أنفسكم" بالياء المُثَنَّاة التحتية، وهي موافقة للرسم أيضاً. "والبارىء": الخالق، برأ الله الخلق أي: خلقهم، وقد فرق بعضهم بين الخَالِقِ والبارىء، بأن البَارِىءَ هو المبدع والمُحْدِث، والخالق هو المقدر النَّاقل من حال إلى حال، وأصل هذه المادّة يدلّ على الانفصال والتميز، ومنه: برأ المريض بُرْءاً وبَرْءاً وبَرَاءَةً، وبرئت أيضاً من الدَّيْن براءةً، والبَرِيّة: الخلق؛ لأنهم انفصلوا من العَدَمِ إلى الوجود، إلاّ أنه لا يهمز. وقيل: أصله من البَرَى وهو التراب. وسيأتي تحقيق القولين إن شاء الله تعالى. قوله: {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}. قال بعض المفسرين: هذه الآية وما بعدها منقطعةٌ عما تقدم من التذكير بالنعم؛ لأنها أمر بالقَتْلِ، والقتل لا يكون نعمة، وهذا ضعيف لوجوه. أحدها: أن الله ـ تعالى ـ نبَّههم على عظم ذنبهم، ثم نبّههم على ما به يتخلّصون عن ذلك الذنب العظيم، وذلك من أعظم النعم في الدين، وإذا عدّد الله عليهم النعم الدنيوية، فتعديد النعم الدينية أولى، ثم إنّ هذه النعمة، وهي كيفية التَّوبة لما لم يكن وصفها إلا بمقدّمة ذكر المعصية كان ذكرها أيضاً مع تمام النّعمة، فصار كل ما تضمّنته هذه الآية معدوداً في نعم الله تعالى، فجاز التذكير بها. وثانيها: أنه ـ تعالى ـ لما أمرهم بالقَتْلِ رفع ذلك الأمر عنهم قبل فَنَائِهِمْ بالكلية، فكان ذلك نعمة في حَقِّ الباقين والموجودين في زمن محمد صلى الله عليه وسلم لأنه رفع القَتْلَ عن آبائهم، فكان نعمة في حقهم. وثالثها: أنه ـ تعالى ـ لما بين أنّ توبة أولئك ما تمّت إلا بالقَتْلِ مع أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان يقول لهم: لا حَاجَةَ بكم الآن في التوبة إلى القَتْلِ، بل إن رجعتم عن كفركم، وآمنتم قَبِلَ الله إيمانكم فكان بيان التَّشْديد في تلك التوبة تنبيهاً على أن توبة الحاضرين نعمة عظيمة لكونها سهلةٌ هيّنةً. ورابعها: أن فيه ترغيباً شديداً لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في التوبة، فإن أمة موسى ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ لما رغبوا في تلك التَّوْبة مع [غاية] مشقّتها على النفس، فلأن نرغب نحن في التوبة التي هي مُجَرّد الندم أولى. فصل في كيفية قتل أنفسهم أجمعوا على أنه لم يؤمر كلّ واحد من عبدة العِجْلِ بأن يقتل نفسه بِيَدِهِ، قال الزُّهرِي: لما قيل لهم: "فَتُوبُوا إلى بَارِئَكُمْ" قاموا صَفّين، وقتل بعضهم بعضاً، حتى قيل لهم: كفُّوا، فكان ذلك شهادة للمقتول وتوبة للحَيّ. وقيل: أرسل الله عليهم ظلاماً ففعلوا ذلك. وقيل: قام السبعون الذين كانوا مع موسى فقتلوا، إذ لم يعبدوا العِجْل. وقيل: إن يُوشَعَ بن نُون خرج عليهم وهم مُحْتَبُونَ فقال: ملعون من حلّ حَبْوَتَهُ أو مَدّ طرفه إلى قاتله، أو اتَّقَاهُ بِيَدٍ أو رِجْلٍ. فلم يَحلّ أحد منهم حبْوَتَه حتى قتل منهم من قتل. ذكره النحاس وغيره. وإنما عوقب الذين لم يعبدوا العِجْلَ بقتل أنفسهم ـ على القول الأول ـ لأنهم لم يغيروا المنكر، وإنما اعتزلوا، وكان الواجب عليهم أن يُقَاتلوا من عبده. وهذه سُنّة الله في عبادة، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "حديث : ما من قَوْمٍ يُعمل فيهم بالمَعَاصِي هم أعزُّ منهم وأمنع لا يُغَيِّرُون إلا عَمَّهُمُ اللَّه بِعِقَابٍ ". تفسير : فإن قيل: التوبة لا تكون إلا للباري فما الفائدة في ذكره؟ والجواب: كأنه قال: لما أذنبتم إلى الله وجب أن تتوبوا إلى الله. فإن قيل: كيف استحقُّوا القتل، وهم تابوا من الردَّة، والتائب من الردة لا يقتل؟ والجواب: أن ذلك مما يختلف [بالشرائع]. قوله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ}. قال بعضهم: "ذلكم" مفرد وقاع مقوع "ذانكم" المُثَنَّى؛ لأنه قد تقدّم اثنان: التوبة، والقَتْل. قال أبو البقاء: "وهذا ليس بشيء؛ لأن قوله: "فاقتلوا" تفسير للتوبة فهو واحد". و "خير" "أفعل" تفضيل، وأصله: أَخْيَر، وإنما حذفت همزته تخفيفاً، ولا ترجع هذه الهمزة إلا في ضرورة؛ قال: [الرجز] شعر : 504ـ بِلاَلٌ خَيْرُ النَّاسِ وَابْنُ الأَخْيَرِ تفسير : ومثله: "شَرّ" لا يجوز "أَشَرّ" إلا في ندور، وقد قرىء: {أية : مَّنِ ٱلْكَذَّابُ ٱلأَشِرُ}تفسير : [القمر:26] وإذا بني من هذه المادة فعل تعجّب على "أَفْعَل"، فلا تحذف همزته إلا في ندور، كقولهم: "ما خَيْر اللبن للصحيح، وما شَرّه للمبطون" فـ "خَيْر وشَرّ" قد خرجا عن نظائرهما في باب التَّفضيل والتعجُّب. و "خَيْر" أيضاً مخفف من "خَيْر" على "فَيْعل" ولا يكون من هذا الباب، ومنه: {أية : فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ}تفسير : [الرحمن:70]. قال بعضهم: مخفف من "خَيِّرات". والمفضّل عليه محذوف للعلم به، أي: خير لكم من عدم التوبة. ولـ "أفعل" التفضيل أحكام كثيرة، وباقي منها ما يضطر إليه. قوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} في الكلام حَذْفٌ، وهو: ففعلتم ما أمرتم به من القتل فتاب عليكم، والفاء الأولى في قوله: "فَتُوبُوا" للسببية؛ لأن الظلم سَبَبُ التوبة. والثانية للتعقيب؛ لأن المعنى: فاعزموا على التَّوْبة، فاقتلوا أنفسكم. والثَّالثة متعلقة بمحذوف ولا يخلو: إما أن ينتظم في قول مُوسَى لهم فيتعلّق بشرط محذوف، كأنه قال: وإن فعلتم فقد تاب عليكم، وإما أن يكون خطاباً من الله لهم على طريقة الالْتِفَاتِ، فيكون التقدير: ففعلتم ما أمركم به موسى، فتاب عليكم بارئكم. قاله الزمخشري. وقوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ}، أي فتجاوز عن الباقين منكم. إنه هو التواب الرحيم.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: أمر موسى قومه عن أمر ربه أن يقتلوا أنفسهم، واحتبى الذين عكفوا على العجل فجلسوا، وقام الذين لم يعكفوا على العجل فأخذوا الخناجر بأيديهم، وأصابتهم ظلمة شديدة فجعل يقتل بعضهم بعضاً، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، كل من قتل منهم كانت له توبة، وكل من بقي كانت له توبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن علي قال: قالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه - والله لا يبالي من قتل - حتى قتل منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم وقد غفر لمن قتل، وتيب على من بقي. وأخرج عبد حميد عن قتادة في قوله {إنكم ظلمتم أنفسكم...} الآية. قال: أمر القوم بشديدة من البلاء، فقاموا يتناحرون بالشفار، ويقتل بعضهم بعضاً، حتى بلغ الله نقمته فيهم وعقوبته، فلما بلغ ذلك سقطت الشفار من أيديهم وأمسك عنهم القتل، فجعله الله للحي منهم توبة وللمقتول شهادة. وأخرج أحمد في الزهد وابن جرير عن الزهري قال: لما أمرت بنو إسرائيل بقتل أنفسها برزوا ومعهم موسى، فاضطربوا بالسيوف وتطاعنوا بالخناجر وموسى رافع يديه، حتى إذا أفنوا بعضهم قالوا: يا نبي الله ادع لنا، وأخذوا بعضديه فلم يزل أمرهم على ذلك حتى إذا قبل الله توبتهم قبض أيديهم بعضهم عن بعض، فألقوا السلاح وحزن موسى وبنو إسرائيل للذي كان من القتل فيهم، فأوحى الله إلى موسى: ما يحزنك. . . ؟ أما من قتل منكم فحي عندي يرزق، وأما من بقي فقد قبلت توبته. فسر بذلك موسى وبنو إسرائيل. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {إلى بارئكم} قال: خالقكم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت قول تبع: شعر : شهدت على أحمد أنه رسول من الله باري النسم تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله {إلى بارئكم} قال: خالقكم. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: كان أمر موسى قومه عن أمر ربه أن يقتل بعضهم بعضاً بالخناجر، ففعلوا فتاب الله عليهم.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ} [الآية: 54]. قيل: عجل كل إنسان نفسه ممن أسقطه وخالف مراده وهواه فقد برئ من ظُلمه. قوله تعالى: {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}. قيل: إذا كان أول قدم فى العبودية التوبة وهو: إتلاف النفس وقتلها بترك الشهوات وقطعها عن المراد، فكيف الوصول إلى شىء من منازل الصادقين وفى أول قدم منها تلف المهج؟ وقيل: توبوا إلى بارئكم قال: ارجعوا إليه بأسراركم وقلوبكم واقتلوا أنفسكم بالتبرى منها، فإنها لا تصلح لبساط الأنس. وقال أبو منصور: ما شرع الحق إليه طريقًا إلا وأوائله التلف. قال الله تعالى: {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}. فما دام يصحبك تمييز وعقل فأنت فى عين الجهل حتى يضل عقلك ويذهب خاطرك ويفقد نسبك إذ ذاك وعسى ولعل. وقال الواسطى: كانت توبة بنى إسرائيل إفناء أنفسهم ولهذه الأمة أشد وهو إفناء أنفسهم مع مرادها مع بقاء رسومهم الهياكل. قال فارس: التوبة محو البشرية وثبات الإلهية. قال الله تعالى: {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ}. أي ما أضررتم إلا بأنفسكم فيما ارتكبتم من ذنوبكم، فأمَّا الحق سبحانه فعزيز الوصف، لا يعود إلى عِزِّه من ظلم الظالمين شيء، ومن وافق هواه واتَّبع مناه فَعِجْلُه ما علَّق به همَّه وأفرد له قصده. قوله جلّ ذكره: {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ}. الإشارة إلى حقيقة التوبة بالخروج إلى الله بالكلية. قوله جلّ ذكره: {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}. التوبة بقتل النفوس غير (...) إلا أن بني إسرائيل كان لهم قتل أنفسهم جهراً، وهذه الأمة توبتهم بقتل أنفسهم في أنفسهم سراً، فأَوَّلُ قَدَمِ في القصد إلى الله الخروجُ عن النفس. فصل: ولقد توهم الناس أن توبة بني إسرائيل كانت أشق، ولا كما توهموا؛ فإن ذلك كان مقاساة القتل مرة واحدة، وأمَّا أهل الخصوص من هذه (الأمة) ففي كل لحظة قتل، ولهذا: شعر : ليس من مات فاستراح بميتٍ إنما الميت ميت الأحياء تفسير : وقتل النفس في الحقيقة التبري عن حوْلِها وقوتها أو شهود شيءٍ منها، ورد دعواها إليها، وتشويش تدبيرها عليها، وتسليم الأمور إلى الحق - سبحانه - بجملتها، وانسلاخها من اختِيارها وإرادتها، وانمحاء آثار البشرية عنها، فأمَّا بقاء الرسوم والهياكل فلا خطرَ له ولا عبرةَ به. قوله جلّ ذكره: {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}. كونه لكم عنكم أتمُّ من كونكم لأنفسكم.

البقلي

تفسير : {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ} اي اثرتم تمثال الشيطان على مشاهدة الرحمن وايضاً جهلتم صنع الخالق من صنع المخلوق وقيل فيه عجل كل انسان نفسه فمن اسقطه وخالف مارده هواه فقد برى من ظلمة {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} اي فارجعوا عن روية واهبه الى معرفة نفسه واقتلوا انفسكم بسيوف همومكم حتى لا يزاحِمَكم في قرية بربّكم وايضاً توبوا من روية توبتكم عَلَيْكم واقتلوا انفسكم بمعرفتكم برؤية توبة ربّكم عليها حتى توصلكم معرفتها ومخالفتها ربّكم التوبة ههنا مَحو اصلو الخيال عند مبادى المكاشفات وقتل النفس عند وجدان المشاهدات قرباناً من البَرّيات لصفات الازليات وايضاً فاقتلوا انفسكم بالمجاهدات بعد معرفة النفوس بعين النكرة على حقيقة المعرفة حتى توصلكم الى عين الجمع وصرف الاتحاد بلا رسومات البشرية وقتل فاقتلوا انفكسم في طاعته ثم توبوا اليه من افعالكم واقوالكم وطاعاتكم قال ابن منصوب التوبة محو البَشِرية باثبات الالهية وقتل النفس عما دون الله تعالى وعن الله حتى ترجع الى اصل القديم ويبقى الحق كما لم يزلُ قيل اذا كان اوّل قدم في العبودية التوبة وهو اتلاف النفس وقتلها بترك الشهوات وقطعها عن الملاذ فيكف الصول الى شئ من منازل الصديقين وفي اوّل قدمٍ منها تَلَق المهجم وقيل توبوا الى بارئكم اى ارجعوا اليه باسراركم وقلوبكم واقتلوا انفسهم بالتبرى منها فانها لا تصلح لبساط الانس وقال ابن منصورٍ ما شرَعَ الحق اليه طريقاً الاّ واوائله التلفَ قال الله تعالى توبوا الى بارئكم فاقتلو انفسكم فما دَامَ يصحبك تميز وعقل فانت في عين الجَهل حتى تضل عقلك ويذهب خطاطر وتفقد نسبتك اذِ ذاك عَسَى ولَعَل وقال الواسطى كان توبة بنى اسرائيل فناء انفسِهم ولهذه الامة اشد وهو فناء نفوسهم عن مرادها مع بقاء رسوم الهياكل وقال الفارس التوبة محو البشرية باثبات الالهية قال الله تعالى توبوا الى بارئكم فاقتلوا انفسَكم وقيل القوا عن انفسكم كل شئ لا يقرُّبكم الى الله تعالى.

اسماعيل حقي

تفسير : {و} اذكروا يا بنى اسرائيل هذا هو الانعام الخامس {اذ قال موسى} وقت قوله {لقومه} الذين عبدوا العجل {يا قوم} اى يا قومى والاضافة للشفقة {انكم ظلمتم انفسكم} اى ضررتم انفسكم بايجاب العقوبة عليها ونقصتم الثواب الواجب بالاقامة على عهد موسى {باتخاذكم العجل} اى معبودا قالوا اي شىء نصنع قال {فتوبوا} اى فاعزموا على التوبة والفاء للسببية لان الظلم سبب للتوبة {الى بارئكم} اى من خلقكم بريئا من العيوب والنقصان والتفاوت وميز بعضكم من بعض بصور وهيآت مختلفة والتعرض لعنوان البارئية للارشاد بانهم بلغوا من الجهالة اقصاها ومن الغباوة منتهاها حيث تركوا عبادة العليم الحكيم الذى خلقهم بلطيف حمته بريئا من التفاوت والتنافر الى عبادة البقر الذى هو مثل فى الغباوة وان من لم يعرف حقوق منعمه حقيق بان تسترد هى منه ولذلك امروا بالقتل وفك التركيب وقالوا كيف نتوب قال {فاقتلوا انفسكم} اى ليقتل البريىء منكم المجرم وانما قال انفسكم لان المؤمنين اخوة واخو الرجل كانه نفسه قال تعالى {أية : ولا تلمزوا انفسكم} تفسير : [الحجرات: 11] يعنى ذكر قتل الانفس واراد به قتل الاخوان وهذا كما قال ولا تلمزوا انفسكم اى ولا تغتابوا اخوانكم من المسلمين كذا فى التيسير وتفسير ابى الليث * والفاء للتعقيب وتوبتهم هي قتلهم اى فاعزموا على التوبة فاقتلوا انفكسم كذا فى الكشاف. وقال فى التفسير الكبير وليس المراد تفسير التوبة بقتل النفس بل بيان ان توبتهم لا تتم ولا تحصل الا بقتل النفس وانما كان كذلك لان الله تعالى اوحى الى موسى عليه السلام ان توبة المرتد لا تتم الا بالقتل {ذلكم} اى التوبة والقتل {خير لكم عند بارئكم} انفع لكم عند الله من الامتناع الذى هو اصرار وفيه عذاب لما ان القتل طهرة من الشرك ووصلة الى الحياة الابدية والبهجة السرمدية {فتاب عليكم} خطاب منه تعالى اى ففعلتم ما امرتم به فتاب عليكم بارئكم اى قبل توبتكم وتجاوز عنكم وانما لم يقل فتاب عليهم على ان الضمير للقوم لما ان ذلك نعمة اريد التذكير بها للمخاطبين لا لاسلافهم * فان قلت انه تعالى امر بالقتل والقتل لا يكون نعمة. قلت ان الله نبههم على عظيم ذنبهم ثم نبههم على ما به يتخلصون من ذلك العظيم وذلك من النعم فى الدين {انه} الله تعالى {هو التواب} اى الذى يكثر توفيق المذنبين للتوبة ويبالغ فى قبولها منهم {الرحيم} كثير الرحمة للمطيعين امره حيث جعل القتل كفارة لذنوبهم: قال السعدى شعر : فروماندكانرا برحمت قريب تضرع كنانرا بدعوت مجيب تفسير : روى انهم لما امرهم موسى بالقتل قالوا نصبر لامر الله فجلسوا بالافنية محتبين مذعنين وقيل لهم من حل حبوته اومد طرفه الى قاتله او اتقاه بيد او رجل فهو ملعون مردود توبته واصلت القوم عليهم الحناجر اى حملوا عليهم الخناجر ورفعوا وضربوهم بها وكان الرجل يرى ابنه واباه واخاه وقريبه وصديقه وجاره فلم يمكنهم المضى لامر الله قالوا يا موسى كيف نفعل فارسل الله ضبابة وسحابة سوداء لا يبصر بعضهم بعضا فكانوا يقتلونهم الى المساء فلما كثر القتل دعا موسى وهارون وبكيا وتضرعا وقالا يا رب هلكت بنوا اسرائيل البقية البقية فكشف الله السحابة ونزلت التوبة وامرهم ان يكفوا عن القتل فقتل منهم سبعون الفا فكان من قتل شهيدا ومن بقى مغفورة ذنوبه واوحى الى موسى عليه السلام انى ادخل القاتل والمقتول الجنة هذا على رواية ان القاتل من المجرمين على ان معنى قوله فاقتلوا انفسكم ليقتل بعض المجرمين بعضا فالقاتل هو الذى بقى من المجرمين بعد نزول امر الكف عن القتل والا فالقاتل على الرواية الاخرى هو البريىء كما سبق في تفسير الآية. روى ان الامر بالقتل من الاغلال التى كانت عليهم وهى المواثيق اللازمة لزوم الغل ومن الاصر وهو الاعمال الشاقة كقطع الاعضاء الخاطئة وعدم جواز صلاتهم فى غير المسجد وعدم التطهير بغير الماء وحرمة اكل الصائم بعد النوم ومنع الطيبات عنهم بالذنوب وكون الزكاة ربع مالهم وكتابة ذنب الليل على الباب بالصبح وكما روى ان بنى اسرائيل اذا قاموا يصلون لبسوا المسوح وغلوا ايديهم الى اعناقهم وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة وأوثقها الى السارية وحبس نفسه على العبادة فهذه الامور رفعت عن هذه الامة تكريما للنبى صلى الله تعالى عليه وسلم. فالتوبة نعمة من الله انعم بها على هذه الامة دون غيرها ولها اربع مراتب. فالاولى مختصة باسم التوبة وهى اول منزل من منازل السالكين وهى للنفس الامارة وهذه مرتبة عوام المؤمنين وهى ترك المنهيات والقيام بالمأمورات وقضاء الفوائت ورد الحقوق والاستحلال من المظالم والندم على ما جرى والعزم على ان لا يعود. والمرتبة الثانية الانابة وهى للنفس اللوامة وهذه مرتبة خواص المؤمنين من الاولياء والانابة الى الله بترك الدنيا والزهد فى ملاذها وتهذيب الاخلاق وتطهير النفس بمخالفة هواها والمداومة على جهادها فالنفس اذا تحلت بالانابة دخلت فى مقام القلب واتصفت بصفته لان الانابة من صفات القلب قال تعالى {أية : وجاء بقلب منيب"تفسير : [ق: 33]. والمرتبة الثالثة الاوبة وهى للنفس الملهمة وهذه مرتبة خواص الاولياء والاوبة الى الله من آثار الشوق الى لقائه فالنفس اذا تحلت بالاوبة دخلت فى مقام الروح ومن امارات الاواب المشتاق ان يستبدل المخالطة بالعزلة ومنادمة الاخدان بالخلوة ويستوحش عن الخلق ويستأنس بالحق ويجاهد نفسه فى الله حق جهاده ساعيا فى قطع تعلقاتها عن الكونين. والمرتبة الرابعة وهى للنفس المطمئنة وهذه مرتبة الانبياء واخص الاولياء قال تعالى {أية : ارجعي الى ربك} تفسير : [الفجر: 28]. هى صورة جذبة العناية الربوبية نفوس الانبياء والاولياء تجذبها من انانيتها الى هوية ربوبيته راضية اى طائعة تلك النفوس شوقا الى لقاء ربها مرضية اى على طريقة مرضية فى السير لربها باذلة نفسها فى مشاهدة اللقاء طامعة لرفع الاثنينية ودوام الالتقاء. قيل لما قدم الحلاج لتقطع يده قطعت اليد اليمنى اولا فضحك ثم قطعت اليد اليسرى فضحك ضحكا بليغا فخاف ان يصفر وجهه من نزف الدم فكب وجهه على الدم السائل ولطخ وجهه بدمه وانشأ يقول شعر : الله يعلم ان الروح قد تلفت شوقا اليك ولكنى امنيها ونظرة منك يا سؤلى ويا املى اشهى الى من الدنيا وما فيها يا قوم انى غريب فى ديار كمو سلمت روحى اليكم فاحكموا فيها ما اسلم النفس للاسقام تتلفها الا لعلمى بان الوصل يحييها نفس المحب على الآلام صابرة لعل مسقمها يوما يداويها تفسير : ثم رفع رأسه الى السماء وقال يا مولاى انى غريب فى عبادك وذكرك اغرب منى والغريب يألف الغريب ثم ناداه رجل وقال يا شيخ ما العشق قال ظاهره ما ترى وباطنه دق عن الورى. وفى التأويلات النجمية ان لكل قوم عجلا يعبدونه من دون الله قوم يعبدون عجل الدراهم والدنانير وقوم يعبدون عجل الشهوات وقوم يعبدون عجل الجاه وقوم يعبدون عجل الهوى وهذا ابغضها على الله فالله تعالى يلهم موسى قلب كل سعيد ليقول يا قوم {انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا الى بارئكم} اى ارجعوا الى الله بالخروج عما سواه ولا يمكنكم الا بقتل النفس {فاقتلوا انفسكم} بقمع الهوى لان الهوى هو حياة النفس وبالهوى ادعى فرعون الربوبية وعبد بنوا اسرائيل العجل وبالهوى أبى واستكبر ابليس اوارجعوا بالاستنصار على قتل النفس بنهيها عن هواها فاقتلوا انفسكم بنصر الله وعونه فان قتل النفس في الظاهر ييسر للمؤمن والكافر فاما قتل النفس فى الباطن وقهرها فامر صعب لا يتيسر الا لخواص الحق بسيف الصدق وبنصر الحق ولهذا حعل مرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء وكان النبى صلى الله عليه وسلم اذا رجع من غزو يقول "حديث : رجعنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر ". تفسير : وذلك لان المجاهد اذا قتل بسيف الكفار يستريح من التعب بمرة واحدة واذا قتل بسيف الصدق فى يوم الف مرة تحيى كل مرة نفس على بصيرة اخرى وتزداد فى مكرها فلا يستريح المجاهد طرفة عين من جهادها ولا يأمن مكرها وبالحقيقة النفس هى صورة مكرالحق ولا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون {ذلكم خير لكم عند بارئكم} يعنى قتل النفس بسيف الصدق خير لكم لان بكل قتلة رفعة ودرجة لكم عند بارئكم فانتم تتقربون الى الله بقتل النفس وقمع الهوى وهو يتقرب اليكم بالتوفيق للتوبة والرحمة عليكم كما قال "حديث : من تقرب الى شبرا تقربت اليه ذراعا" تفسير : وذلك قوله {فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم}: قال فى المثنوى شعر : عمرا كربكذشت بينحش اين دم است آب توبش ده اكر اوبى نم است بيخ عمرت را بده آب حيات تادرخت عمر كردد باثبات

ابن عجيبة

تفسير : قلت: البارىء هو: المقدر للأشياء والمظهر لها. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكروا يا بني إسرائيل حين {قال} موسى {لقومه} لما رجع من الطور، ووجدهم قد عبدوا العجل: {يَا قَوْم إنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أنفُسَكُم} وبخستموها {باتخاذكم العجل} إلاهكم، {فَتُوبُوا إلَى} خالقكم الذي صوركم في أحسن تقويم، {فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ} بهدم هذه البنية التي ركبتها في أحسن صورة، فبخستموها، ولم تعرفوا قدرها، فعبدتم أبلد الحيوان، الذي هو البقرة. من لم يعرف حق النعمة فحقيق أن تُسترد منه. فذلكم القتل والمبادرة إلى التوبة {خير لكم} عِندَ خالقكم، لأنه يفضي إلى الحياة الدائمة والبهجة السرمدية، فلما صعب عليكم القتل؛ للشفقة على الأخ أو القريب، ألقينا عليكم ضبابة حتى أظلم المكان، فاقتتلتم من الغداة إلى العشي، فدعا موسى وهارون - عليهما السلام - بالكشف عنهم، فرفعت السحابة، وقد قُتل سبعون ألفاً، ففعلتم ذلك القتل، فتاب الحق تعالى عليكم، فقبل توبة مَن بقي منكم، وعفا عمت مات؛ {إنه هو التواب الرحيم} أي: كثير التوفيق للتوبة، أو كثير قبولها، الرحيم بعباده المؤمنين. الإشارة: ما قاله سيدنا موسى عليه السلام لقومه، يقال مثله لمن عبد هواه، وعكف على متابعة دنياه: يا من بخس نفسه بإرخاء العنان في متابعة هواها، حتى حرمها من مشاهدة جمال مولاها، تُب إلى ربك، وانتبه من غفلتك، واقتل نفسك بمخالفة هواها، فلعلها تحيا بمشاهدة مولاها، فما دامت النفس موجودة، وحظوظها لديها مشهودة، وآمالها ممدودة، كيف تطمع أن تدخل حضرة الله، وتتمتع بشهود جماله وسناه؟! شعر : إن تُرِدْ وصْلَنا فَمَوتُكَ شَرْطٌ لا يَنالُ الوِصَالَ مَنْ فيهِ فَضْلَهْ تفسير : وقال الحلاجُ في هذا المعنى: شعر : لَمْ أُسْلِم النفسَ للأسقامِ تُتْلِفُها إلاَّ لِعِلْمِي بأَنَّ الوصْلَ يُحْيِيهَا تفسير : وقال أيضاً: شعر : أُقتُلوني يا ثقاتي إِنَّ في قَتْلِي حَياتِي وحَيَاتي في مَماتِي وممَاتي في حَياتي أنا عندي: مَحْوُ ذَاتي من أجَلِّ المكْرُمَاتِ وبَقَائِي في صِفاتي مِنْ قبيحِ السيِّئَاتِ تفسير : وقال أيضاً: شعر : إنْ كان سَفْكُ دَمي أقْصَى مُرادِكُمُ فَمَا غَلَتْ نظرةٌ مِنكُم بِسَفْك دَمِي تفسير : وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه: (لا يدخل على الله إلا من بابين، أحدهما: الموت الحسي، وهو الموت الطبيعي، والآخر: الموت الذي تعنيه هذه الطائفة). هـ. وهو موت النفوس، فمن لم تمت نفسه لم تَحْيَى روحه. وقال بعض العارفين: (لا يحصل الدخول على الله حتى يموت أربع موتات: موت أحمر، وموت أسود، وموت أبيض، وموت أخضر. أما الموت الأحمر فهو مخالفة الهوى، وأما الموت الأسود فهو تحمل الأذى، وأما الموت الأبيض فهو الجوع - أي: المتوسط - وأما الموت الأخضر فهو لبس المرقعات، وطرح الرقاع بعضها على بعض). قلت: ورأس الهوى وعنصره هو حب الجاه وطلب الرئاسة. فمن نزل إلى أرض الخمول، وخرق عوائد نفسه فيه، انخرقت له الحجب، ولاحت له الأنوار، وأشرقت عليه الأسرار في مدة قريبة، وبالله التوفيق وهو الهادي إلى سواء الطريق.

الطوسي

تفسير : القراءة: {بارئكم} اسكن الهمزة فيها ابو عمرو. إلا المعدل وسحارة من طريق الجرمي، وابن مجاهد فكلهم خففوا الهمزة فيها. الا ابا طاهر عن ابن مجاهد عن اسماعيل فانه قلبها ياء. التقدير واذكروا ايضاً اذ قال موسى لقومه: {يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل}. وظلمهم اياها كان فعلهم بها ما لم يكن لهم ان يفعلوه بما يستحق به العقاب. وكذلك كل من فعل فعلا يستحق به العقاب فهو ظالم لنفسه. وقد بينا معنى التوبة فيما مضى. واما قوله: {إلى بارئكم}. اللغة: فالبارىء هو الخالق الصانع. يقال: برأه. واستبرأ استبراء، وتبرأ تبريا، وباراه مباراة، وبرأه براءة، وتبرئة. قال صاحب العين: البرأ مهموز وهو الخلق تقول برأ الله الخلق وهو يبرؤهم وهو البارىء وقال امية: شعر : الخالق البارىء المصور في ال أرحام ماء حتى يصير دما تفسير : والبرء السلامة من السقم. تقول برأ برؤه وبرئت وبرأت وبرؤت براءة. وتبرأ تبريا لغة في هذا والبراءة من العيب والمكروه لا يقال منه: الا برىء براء وفاعله برىء وفلان برىء وبراء كقوله: إني براء. وامرأة براء. ونسوة براء وبراء على وزن فعلاء. ومنه قوله: "انا برآء منكم" جمع برىء. ومن ترك الهمزة. قال: براء على وزن فعال. وتقول بارأت الرجل اي برئت اليه. وبرىء إلى مثل ذلك. وبارات المراة اي صالحتها على المفارقة وابرات الرجل من الضمان والدين وبرأه تبرئة. ويقال: ابرأ الله فلانا من المرض إبراء حسناً، والاستبراء: استبراء الجارية والمرأة بان لا يطأها حتى تحيض. والاستبراء نقاء الفرج من القذر. وأصل الباب تبري الشيء من الشيء: وهو انفصاله منه. وبرأ الله الخلق اي فطرهم، فانهم انفصلوا من العدم إلى الوجود. والبرية الخلق، فعيلة بمعنى مفعول، لا يهمز كما لا يهمز ملك وان كان اصله من الالوكة. وقيل البرية مشتقة من البراوة، وهو التراب، فلذلك لم تهمز. وقيل إنه مأخوذ من بريت العود، فلذلك لم يهمز. والبراءة من الشيء: المفارقة والمباعدة عنه: وبرىء الله من الكافر: باعده عن رحمته وانواع الفعل كثيرة: منها الخلق، والانشاء، والارتجاع. والبرء: الفطر. فأما الاحداث، والايجاد والتكوين فكالفعل والجعل: اعم من الفعل، لأنه لما وجد بعد ان لم يكن كقولك: جعلت الطين خزفا. فلم يحدث الخزف في الحقيقة، وانما احدث ما صار خزفاً. وقوله: {فاقتلوا} اللغة: فالقتل والذبح والموت نظائر. وبينها فرق: فالقتل نقض بنية الحياة. والذبح فري الاوداج. والموت عند من اثبته معنى عرض يضاد الحياة. يقال: قتل يقتل قتلا. واقتتلوا اقتتالا. وتقاتلوا تقاتلا. واستقتل استقتالا. وقتل تقتيلا. وقاتله مقاتلة. وقوله تعالى: {أية : قاتلهم الله} تفسير : معناه لعنهم الله. وقوم اقتال: اي هم اهل الوتر، والترة: اي هم اعداء وتراة. وتقول: تقتلت الجارية للفتى يصف به العشق. وقال الشاعر: شعر : تقتلت لي حتى اذا ما قتلني تنسكت ما هذا بفعل النواسك تفسير : واقتل فلان فلانا: اذا عرضه للقتل. والمقتل من الدواب الذي قد ذل ومرن على العمل. وقلب مقتل: اي قتل عشقاً. ومنه قول امرىء القيس: شعر : في اعشار قلب مقتل تفسير : قال ابن دريد: قتلت الخمر بالماء إذا مزجتها. قال الشاعر: شعر : ان التي ناولتني فرددتها قُتلت قتلت فهاتها لم تقتل تفسير : وتقتل الرجل لحاجة اي يأتي لها. ويقتل الرجل للمرأة: اذا خضع لها في كلامه وقتل الرجل: عدوه. والجمع اقتال. وفلان قتل فلان: أي نظيره، وابن عمه وقتله قتله سوء واقتتلوا بمعنى تقاتلوا ومثله قتلوا قال ابو النجم: شعر : ندافع الشيب ولم يقتل تفسير : وناقة ذات قتال وذات كيال، اذا كانت غليظة وثيقة الخلق. في المثل: قتلت ارض جاهلها، وقتل ارضا عالمها. ومقاتل الانسان: هي التي اذا اصيبت قتلت. وأصل الباب: القتل وهو نقض البنية التي تصح معها الحياة. وقال المبرد: واصله اماتة الحركة. وقوله: {قاتلهم الله أنى يؤفكون} اي قد حلوا محل من يقال له هذا القول. اي انزل الله بهم القتل. ويقول قتله علما اذا ايقنه وتحققه. وقوله: {فاقتلوا أنفسكم}. المعنى: قيل في معناه قولان: احدهما ـ يقتل بعضكم بعضا. ذهب اليه ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن وغيرهم من اهل العلم، كما يقول القائل: قتل آل فلان اذا قتل بعضهم بعضا. والثاني ـ ذكره ابن عباس واسحاق واختاره ابو علي. وهو ان يستسلموا للقتل فجعل استسلامهم للقتل قتلا منهم لانفسهم على وجه التوسع. وقيل: ان السبعين الذين اختارهم موسى للميقات امروا بالقتل لمن سأل الرؤية من بني اسرائيل وقيل: إنهم قتلوا انفسهم كما امروا. عمدوا إلى الخناجر وجعل بعضهم يطعن بعضا. قال ابن عباس وغيره من اهل العلم: ويقال غشتهم ظلمة شديدة فجعل بعضهم يقتل بعضا، ثم انجلت الظلمة، فاجلوا عن سبعين الف قتيل. والسبب الذي لاجله امروا بقتل انفسهم ذكره ابن جريج: ان الله علم ان ناساً منهم علموا ان العجل باطلا فلم يمنعهم ان ينكروا الا خوف القتل، فلذلك بلاهم الله ان يقتل بعضهم بعضا. وقال الرماني: ولا بد ان يكون في الامر بالقتل لطف لهم ولغيرهم، كما يكون في استسلام القاتل لطف له ولغيره. فان قيل كيف يكون في قتلهم نفوسهم لطف لهم، وبعد القتل لا تكليف عليهم. واللطف لا يكون لطفاً فيما مضى ولا فيما يقاربه قلنا: اذا كان القوم كلفوا ان يقتل بعضهم بعضا وكل واحد منهم يقصد قتل غيره ويجوز ان يبقى بعده فيكون القتل لطفاً له فيما بعد، ولو كان بمقدار زمان يفعل فيه واجبا واحدا: ويمتنع فيه من قبيح. وذلك كما نقول في عبادتنا في قتال المشركين. فان الله تعالى تعبدنا ان نقاتل حتى نقتل ونقتل ومدح على ذلك، فلذلك روى اهل السير ان الذين عبدوا العجل تعبدوا ان يقاتلوا من لم يعبد ويصبروا على ذلك حتى يقتل بعضهم بعضا. وكان القتل شهادة لمن قتل؛ وتوبة لمن بقي. وانما كانت تكون شبهة، لو امروا بان يقتلوا نفوسهم بايديهم. ولو صح ذلك لكان لا يمتنع بان يكونوا امروا بان يفعلوا بنفوسهم الجراح التي تفضي إلى الموت ـ وان لم يزل معها العقل فينا في التكليف ـ. وأما على القول الآخر وهو انهم امروا بالاستسلام والقتل والصبر عليه فلا مسألة لانهم امروا بقتل نقوسهم. وعلى هذا يكون قتلهم حسناً، لأنه لو كان قبيحاً لما جاز ان يؤمروا بالاستسلام. وكذلك نقول: لا يجوز ان يتعبد نبي او امام بان يستسلم للقتل مع قدرته على الدفع عن نفسه، فلا يدفعه لأن في ذلك استسلاما للقبيح مع القدرة على الدفع منه، وذلك لا يجوز وانما يقع قتل الانبياء والائمة على وجه الظلم، وارتفاع التمكن من الدفع مع الحرص على الدفع. غير انه لا يمتنع ان يتعبد بالصبر على الدفاع. وتحمل المشقة في ذلك ـ وان قتله غيره ظلما والقتل ـ وان كان قبيحا بحكم العقل ـ، فهو ما يجوز تغيره بان يصير حسنا، لانه جار مجرى سائر الالام. وليس يجري ذلك مجرى الجهل والكذب الذي ليس يصير قط حسناً ووجه الحسن في القتل انه لطف على ما قلناه، وكما يجوز من الله ان يميت الحي، كذلك يجوز ان يامرنا باماتته ويعوضه على ما يدخل عليه من الالام ويكون فيه لطف على ما قدمناه. وقوله: {ذلكم} اشارة إلى التوبة مع القتل لانفسهم على ما امرهم الله تعالى به بدلالة قوله. {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} فقوله: "توبوا" دال على التوبة، فكانها مذكورة. وقوله: {خير} اللغة: فالخير، والنفع، والفضل، والحظ نظائر وضد الخير: الشر. وضد النفع: الضرر. تقول: خار الله له الخير خيرة. واختار اختياراً واستخار فلان استخارة وتخير تخيراً وتخايراً. وخيره تخييراً. وخايره مخايرة ورجل خير وامرأة خيرة: أي فاضلة. وقوم اخيار، وخيار. وامرأة خيرة. حقيقة في جمالها، وميسمها. ومنه قوله: {أية : فيهن خيرات حسان}. تفسير : وناقه خيار. ورجل خيار. وتقول: والجمع خيار. وتقول: هذه وهذا وهؤلاء خيرتي. وما تختاره. وتقول: انت بالخيار وانت بالخيار سواء. والرجل يستخير الضبع واليربوع: اذا جعل حبسه في موضع النافقاء، فخرج من القاصعاء. والخيرة مصدر خار خيرة ساكنة الياء مثل راب ريبة. واصل الباب الخير نقيض الشر. والخير: الهيأه المختارة. وحذفت الياء من قوله: {ياقوم} واثبتت في قوله: {يا ليت قومي} لأن ياء الاضافة تحذف في النداء، لأنه موضع حذف، يحذف فيه التنوين، ويحذف الامم للترخيم، فلما كانت بالاضافة تحذف في غير النداء، لزم حذفها في النداء. وأما قوله: {أية : يا ليت قومي يعلمون}،تفسير : فانها تثبت لأنها ياء الاضافة. لا يلحقها ما يوجب حذفها، كما لحق الياء في النداء. ويجوز في {ياقوم} كسر الميم وحذف الياء هو اجماع القراء ويجوز بياء ساكنة، ويجوز بفتح الياء وما قرىء بها. فاما إسكان الهمزة. فالذي رواه سيبويه عن ابي عمر واختلاس الحركة. وهو اضبط من غيره والاسكان في مثل هذا يجوز في ضرورة الشعر كقول الشاعر: شعر : اذا اعوججن قلت صاحبْ قوم تفسير : وكان ينبغي ان يقال صاحبَ لأنه منادى. وقال امرؤ القيس: شعر : فاليوم فاشرب غير مستحقب اثما من الله ولا واغل تفسير : وقد روى بعضهم صاح قوم وروي فاليوم فاشرب وروى بعضهم: فاليوم فاسقي ولا يقال في الله تعالى تائب مطلقاً. وانما يقال: تائب على العبد. قوله: {فتاب عليكم} فالفاء متعلق بمحذوف كأنه قال ففعلتم او قتلتم انفسكم فتاب عليكم. وكان فيما بقى دلالة عليه.

صدر المتألهين الشيرازي

تفسير : هذا هو الإنعام الخامس من الله لهم، وذلك لأنّه نبَّههم على عظيم ذنبهم، ثمّ نبَّههم على طريق تخلُّصهم من عذاب يوم القيامة، وذلك من أعظم النِّعَم في الدين، ثمّ إنّه تاب عليهم قبل فنائهم بالكليّة، فكان ذلك نعمة في حقّ الباقين. يعني: أذكروا يا أهل الكتاب {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} الذين عبَدوا الْعِجْل عند رجوعه من الوعد الذي وعده ربّه: {يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ}. أي نقصتم أنفسكم الثواب الواجب بالإقامة على عهد موسى (عليه السلام)، أو أضررتم بها حيث وضعتم العبادة غير موضعها {بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ} إلهاً. والمفعول الثاني محذوفٌ لدلالة القرينة عليه، فإنّ الظلم إمّا بمعنى النقص، أو الإضرار الذي ليس بمستحقّ ولا فيه نفعٌ، ولا رفع مفسدة لا علماً ولا ظناً، فلمّا عبَدوا العِجْل فقد نقَصوا أنفسهم عن تمام الإنسانيّة، فإنّ الإنسان إذا كفَر بالله انسلخ عن الفطرة، وانخرط في سلْك البهائم والحشَرات. أو كانوا أضرّوا بأنفسهم لأنّ لا ضرر أعظم مما يؤدّي إلى عذاب الأبد، ولذلك قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان:13]. {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} أي: ارجعوا وأنيبوا إلى خالقكم بالطاعة والتوحيد. والفرق بين "البارئ" و "الخالِق" أنّ الباري هو المبدِع المحدِث، والخالِق هو المقدِّر الناقل من صورة إلى صورة، ومن حال إلى حال. وأصل التركيب في اللغة لخلوص الشيء عن غيره إمّا على سبيل التقصّي، كقولكم: "بِرئَ المريضُ من مرَضه، والمديونُ من دَينه" أو على سبيل الإنشاء، كقوله: "بَرأَ الله آدمَ من الطين". سؤالٌ: لِمَ اختصّ هذا المقام بذكر هذا الاسم دون غيره من الأسماء الحسنى؟ جوابٌ: لأنّ الباري هو الذي خلَق الخلْق بريئاً من التفاوت لقوله تعالى: {أية : مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتِ} تفسير : [الملك:3]. ومتميزاً بعضه من بعض بصور متباينة وأشكال مختلفة، فكان فيه تقريعٌ لهم بما وقع منهم من تَرك عبادة العالِم الخبير، الذي برأهم بلطف حكمته على الأشكال والصور المختلفة، وأبرياء من التفاوت إلى عبادة البقرَة التي هي مثَلٌ في الغباوة والبلادة وفي أمثال العرب: "أبلَد من ثورة" حتى عرَّضوا أنفسَهم لسخط الله. قوله: {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تتميماً لتوبتكم، إمّا بترك الشهوات واللَّذات وإماتة القُوى الحيوانيّة، بمنعها عن دواعيها كما قيل: "مَن لم يعذّب نفسه لم ينعِّمها، ومن لم يقتلها لم يحيها" وفي كلام بعض أعاظم الحكماء: "مُتْ بالإرادة تحيى بالطبيعة". وفي الحديث النبوي على قائله وآله أشرف سلام الله: "حديث : مُوتوا قبل أن تمُوتوا"تفسير : وروي أنّه قال أيضاً: حديث : من أراد أن ينظر إلى ميّت يمشي فلينظر إليَّ" تفسير : أو بالبخع، أو بقَتل بعضكم بعضاً فإنّ الأقوال فيه مختلفة. وقال قوم من المفسّرين - كالقاضي عبد الجبار وغيره -: لا يجوز أن يراد به قتل كلّ من التائبين نفسه، واحتجّوا عليه بوجهين: أحدهما: إنّهم ما قَتلوا أنفسهم بأيديهم ولو كانوا مأمورين به لعصَوا بتركه. وثانيهما: إنّ القتل اسم لنقص البُنية بفعل مزهق للروح في الحال، وأمّا ما يؤدي إلى الزهوق وقتاً آخر فإنّما سمّي قتلاً على سبيل المجاز. فإذا كان كذلك فلا يجوز من الله الأمر بقتل الإنسان نفسَه، لأنّ الأوامر الإلهية والتكاليف الشرعيّة إنّما وقعتْ لمصلحة للمكلف به في المستقبل، ولا يتصوّر وجودها بعد عدمه. وفي هذه المقدّمات مواضع نظر، على أنّ المصلحة لا يجب أن تعود إليه، بل ربما تعود مصلحة قتله لنفسه إلى غيره، بأن ينتفع به ذلك الغير، ثمّ الله يوصل العوض العظيم إليه. ثمّ على تقدير عودها إليه لا يلزم أن يكون في الدنيا بل تكون في العقبى. سلّمنا أنّه يلزم عودها إليه في الدنيا. لكن لِم لا يجوز أن يكون علمُه بكونه مأموراً بهذا القتل، وامتثاله للأمر مصلحة له في هذا الآن، أو الزمان القليل؟ كما أنّه لو أُمر بأن يقتل نفسَه غداً، فإنّ علمه بذلك يصير داعياً له إلى ترْك المعاصي من ذلك الزمان إلى ورود الغَد، فالوجه الأوّل أقوى، ولهذا عوّل عليه المفسِّرون. فعَلى هذا يجب صرف الآية عن ظاهرها إمّا إلى ما ذكَرنا أوّلاً، أو إلى غيره وهو اثنان: أحدهما: أن يقال: أمَر سبحانه التتائبين أن يقتل بعضُهم بعضاً وهو قول ابن عبّاس وسعيد بن جبير ومجاهد وغيرهم وهذا كقوله سبحانه: {أية : فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ}تفسير : [النور:61]. أي ليسلّم بعضُكم على بعض. وكقوله: {أية : وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ} تفسير : [النساء:29] ومعناه لا يقتل بعضكم بعضاً. وتحقيق ذلك أنَّ المؤمنين كنفس واحدة، بخلاف غيرهم من الكفار والمنافقين، فإنّهم ذو آراء متناقضة، ومذاهب متخالفة، وأخلاق متشتّتة بعضها: بهيميّة، وبعضها سبُعيّة، وبعضها شيطانيّة. ولذلك حشروا إلى صوَر مختلفة بحسب ما غَلب واستولى على نفوسهم من الأخلاق كما هو معلوم من مباحث علم المعاد. أمّا نفوس أهل الإيمان والتوحيد فقد ثبَت في موضعه أنّها ستَصل بعالَم القدس. ومذهب بعض أئمّة الحكمة والتوحيد من الأقدمين أنّ النفس العارفة العاقلة عند خروجها عن القوّة إلى الفعل في باب العاقليّة والمعقوليّة تتّحد بروح القدس المسمّى عندهم بالعقل الفعّال، فعلى هذا صحّ القول بأنّها كنفس واحدة. وكذا على مذهب أفلاطن ومن وافَقه من عظماء الحكماء في باب، أنّ لكل نوع صورة مفارقة في عالَم الأرواح العالية هي حقيقة ذلك النوع وتمامه، وهي جوهرٌ واحد قائم عند الله ماثلٌ بين يديه. ومع وحدته هو تمام كلّ واحد من أفراد ذلك النوع، وكذلك لنوع الإنسان وأفراده صورة واحدة في عالَم الربوبيّة هي تمام جوهر الإنسانيّة، وأن أفراد الناس إذا لم ينسلخوا عن الفطرة الإنسانيّة بالكفر ونحوه، يكونون متّحدين في تمام حقيقتهم، وكمال وجودهم العقلي الباطني بجوهر قدسيّ واحد، هو نفس حقيقة الجميع، وكانت هذه النفوس البشريّة أجزاء لذلك الجوهر، لأنّه الأصل. وهذه هي الفروع الصادرة منه، العائدة إليه عند تمامها وكمالها. وإليه الإشارة بقوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ} تفسير : [النساء:1]. وقوله: {أية : مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ} تفسير : [لقمان:28]. ولذا قيل في قوله: {أية : وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [الحجرات:11]. أي إخوانكم من المؤمنين. وفي قوله: {أية : لَّوْلاۤ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً}تفسير : [النور:12]. أي بأمثالهم من المؤمنين. ثمّ قال المفسّرون القائلون بهذا القول: إنّ أولئك التائبين برَزوا صفّين فضرب بعضهم بعضاً إلى الليل. وثانيهما: إنّ الله أمرَ مَن لم يعبُد العِجل أن يقتلوا العبَدَة وأمرَ التائبين أن يسلّموا للقتل، وهذا أقرب هذين الوجهين. وعن ابن إسحاق والجبائي أنَّ معنى {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} استسلموا للقتل. فجعل استسلامهم للقتل قتلاً منهم لأنفسهم على وجه التوسّع. واعلم أنَّ الروايات مختلفة في باب المأمورين بالقتل، ففي بعضها أنّ موسى (عليه السلام) أمَرهم أن يقوموا صفّين، فاغتسلوا ولبسوا أكفانهم، وجاء هارون باثني عشر ألفاً ممَّن لم يعبد العِجل، ومعهم الشّفار المُرهَفة، وكانوا يقتلونهم، فلمّا قَتلوا سبعين ألفاً تاب الله على الباقين، وجعل قتْل الماضين شهادة لهم. وفي بعضها: إنّ السبعين الذين كانوا مع موسى في الطور هم الذين قتلوا ممّن عبَد العِجل سبعين ألفاً، فما تحرّكوا حتى قتلوا ثلاثة أيام ذكره محمد بن إسجاق. وفي بعضها: - وهي رواية الكلبي -: لمّا أمَرهم موسى (عليه السلام) أجابوا، فأخَذ عليهم المواثيق ليصبرنّ على القتْل، فأصبحوا مجتمعين كلّ قبيلة على حدة. فأتاهم هارون بالإثني عشر ألفاً الذين ما عبَدوا العِجل، وبأيديهم السيوف وقال التائبون: إنّ هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف، فاتّقوا الله واصبروا، فلعَن اللهُ رجلاً قام من مجلسه، أو مدّ طرْفه إليهم، أو اتَّقاهم بيدٍ أو رِجْل، يقولون "آمين" فجعلوا يقتلونهم إلى السماء، وقام موسى وهارون يدعوان الله ويقولان: "البقيّة، البقيّة يا إلهنا" فأوحى تعالى إليه: "قد غفرتُ لمن قُتل. وتبتُ على مَن بقي" قالوا: وكان القتلى سبعين ألفاً. وفي بعضها: إن بني إسرائيل كانوا قسمين: منهم من عبَد العِجل، ومنهم من لم يعبده، ولكن لم يُنكِر على مَن عبَده، فأمَر مَن لم يشتغل بالإنكار بقتل من اشتغل بالعبادة. وفي الكشاف وغيره: روي أن الرجل كان يبصر ولدَه ووالدَه وجارَه وقريبَه، فلم يمكنهم المضيّ لأمر الله، فأرسل الله ضَبابة وسَحابة سَوداء لا يتباصرون تحتَها، وأمروا أن يحتبوا بأفنية بيوتهم، فقُتلوا إلى المساء، حتّى دعا موسى وهارون، فقالا: "يا ربّ هلكت بنو إسرائيل، البقيّة البقيّة" فانكشفت السحابة ونزلت التوبة، وسقطت الشّفار من أيديهم. وقوله: {ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} أي: فعْل التوبة، أو القتل من حيث كونه طهارة عن الشرك، أو وصلة إلى الحياة الأبديّة، والبهجة السرمديّة، خيرٌ لكم عند خالِقكم، فإنّ حالتهم كانت دائرة بين ضرر الدنيا ونعيم الآخرة أبداً، وبين التمتّع في الدنيا أيّاماً قليلة، والعذاب في الآخرة أبداً، وضرر الدنيا أولى بالتحمّل، لأنّه متناه من ضرر الآخرة، لأنّه غير متناهٍ، ونعيم الآخرة أولى بالإيثار من نعيم الدنيا لأنّه دائم وهذا منقطع. ولأنّ الموت واقع لا محالة، فليس في تحمّل القتل إلاّ تقديم أمر ضروري الوقوع لا محالة، وفي عدم تحمّله تأخيره، وأمّا النجاة مِن العقاب الدائم والفوز بالثواب الدائم، فهو سعادة لا أعظم منها. وقوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} أي: قبِل توبتكم. واعلم أنَّه قد تقرَّر عند أهل المعرفة والشهود، وثبَت بالأخبار المتكثّرة المتظافرة أنّ الإنسان كلّما قرُب من الحقّ قرُب هو تعالى منه، وكلّما رجع إلى الله رجع إليه. وفي الحديث الإلهي: "حديث : مَن قرب إليّ شِبراً قربت إليه ذراعاً، ومَن قرب إليّ ذراعاً قربت إليه باعاً ". تفسير : قوله: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} أي قابل التوبة عن عباده مرّة بعد أخرى، كثير العطوفة عليهم، يمحو السيّئات ويغفر الخطيئات.

الجنابذي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} عدّ نعمة أخرى فانّ توجّه موسى اليهم وتذكيرهم بالتّوبة وتعليمهم طريق التّوبة نعمة عظيمة كما انّ قبولهم لقوله (ع) وتوبتهم بقتل أنفسهم كانت نعمة عظيمة {يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ} الهاً {فَتُوبُوۤاْ} عن ظلمكم وضلالكم بما برأتم {إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} التّعليق على الوصف للاشعار بعلّة التّوبة والتّنبيه على غاية الغباوة بالانصراف عن البارى الى المبروء {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} الّتى اقتضت الانصراف عن البارى الى المبروء الّذى هو غاية الحماقة؛ فالمراد بالأنفس الأنفس المقابلة للعقول، او فاقتلوا وأفنوا أنانياّتكم الّتى اقتضت الاستقلال بالآراء الكاسدة، او اقتلوا ذواتكم بقتل بعضكم بعضاً. وما ورد فى الاخبار من أنّهم أمروا ان يقتلوا أنفسهم بالسّيوف وأنّهم كانوا سبعين ألفاً شهروا السّيوف على وجوههم يدلّ على ذلك، مثل ما ورد انّ العابدين كانوا ستّمائة الف الاّ انثى عشر الفاً وهم الّذين لم يعبدوا العجل أمر الله اثنى عشر الفاً لم يعبدوا العجل ان يقتلوا الّذين عبدوا العجل فشهروا سيوفهم وقالوا: نحن أعظم مصيبته من عبدة العجل نقتل آباءنا وقراباتنا بأيدينا فنزل الوحى على موسى (ع) اَنْ قل لهم: توسّلوا بالصّلاة على محمّد (ص) وآله (ع) حتّى يسهل عليكم ذلك فتوسّلوا فسهل عليهم ذلك فلمّا استمرّ القتل فيهم وهم ستّمائة الف الاّ اثنى عشر الفاً واستسلموا لذلك وقف الله الّذين عبدوا العجل على مثل ذلك فتوسّلوا فتاب الله عليهم فرفع القتل. ونقل انّه قتل منهم عشرة آلاف فوقفوا فرفع القتل {ذَلِكُمْ} القتل {خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} كرّر البارى للتّذذ والتّمكين واحضار الله بالوصف المخصوص تأكيداً لنسبة الغباوة اليهم بالانصراف عن عبادة البارئ الى عبادة المبروء. اعلم انّ اسم الله وسائر اسمائه تعالى قد تكرّر فى الكتاب كثير تكرارٍ، والوجه العامّ التّمكين فى القلوب وتلذّذ الموحى اليه بسماعه وذكره ويوجد فى خصوص المقامات دواعٍ خاصّة غير ذلك سواء اقتضت الدّواعى اسماء خاصّة مثل اقتضاء مقام التّهديد الاسماء القّهريّة كالاسماء الدّالّة على الغضب والانتقام وسرعة الانتقام ومثل اقتضاء مقام الوعد الاسماء اللّطفيّة اولا. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ}.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ}: الذين عبدوا العجل. {يَا قَوْمِ إِنَّكُم ظَلَمْتُم أَنْفُسَكُم باتِّخَاذِكُم العِجْلَ}: إلهاً. {فَتُوبُوا إِلى بَارِئِكُم}: الفاء للسببية فإنهم أمروا بالتوبة بسبب ظلمهم أنفسهم، وجاز كونها عاطفة أنكم ظلمتم أنفسكم، ولو كان أحدهما أمراً والآخر إخباراً فى الأصل، لأن ذلك محكى لأن الجملة تصير بالحكاية مفرداً، والمعنى. ارجعوا رجوعاً صحيحاً وثيقاً بقلوبكم وجوارحكم عن عبادته إلى الله الذى برأكم، أى خلقكم براء من التفاوت، وميز بعضكم من بعض بصور وهيئات وأصوات مختلفات، وأصل مادة برئ الخروج من الشئ كبرئ المريض أى خرج من مرضه، وبرئ المديون أى خرج من دينه، والتخريج كبرأ الله آدم من الطين، أى أنشأه منه، وإنما لم يقل إلى خالقكم أو إلى منشئكم لما يصرح به لفظ بارئكم من التبرئة من التفاوت، وتمييز بعض من بعض الدالين على غاية اللطف والصنعة والحكمة، كأنه قيل تتركون عبادة الصانع الحكيم الذى خلقكم عقلاء مميزون، وتعبدون البقرة التى هى مَثَلٌ فى الغباوة، تقول العرب فلان أبلد من الثور، وقرئ باريكم بالياء ساكنة مشبعة بها الراء، وهى قراءة حكيت عن السبع، وقرأ أبو عمرو بالهمزة مختلساً بحركتها، كأنه يميل إلى الياء، رواه البغداديون عنه وهو اختيار سيبويه، وروى عنه البرقيون إسكان الهمزة وهو قراءة أبى عمرو الدانى على الفارسى عن أبى طاهر، وقرأ نافع وباقى السبعة بهمزة مكسورة كسراً صحيحاً خالصاً، وكذا فى بارئكم فى الآية بعد ويأمركم ويأمرهم وينصركم ويشعركم فى تمكين حركة الراء فى الأربعة واختلاسها وإسكانها، واعلم أن من لم يعرف حق المنعم حقيقاً بأن تسترد منه نعمته، فلما لم يعرفوا نعمة الله تعالى فى خلقهم عقلاء براءَ من التفاوت متميزين، استرد الله منهم نعمته التى هى خلقه إياهم وتركيبه إياهم بإيجاب القتل الذى هو هدم البنية المركبة، إذ عبدوا ما لا يقدر على تركيب ولا حل، وبلغوا غاية الجهالة والغباوة بذلك، كما قال الله جل وعلا {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُم}: هذه الفاء للتعقيب المجرد عن التسبب والعطف على توبوا. والقتل تمام التوبة أو على محذوف، أى اعزموا على التوبة فاقتلوا، وأجيز كونها للتعبير، والمعنى اقتلوا بعضكم بعضاً من عبد العجل، ومن لم يعبده ولم يعتزل عمن عبده، وقيل ليقتل من لم يعبده واعتزل من عبده، ومن لم يعبده ولم يعتزل. وقيل لم يؤمر إلا بقتل من عبده، وإنما استحق من لم يعبده القتل على القولين الأولين، لأنهم لم يغيروا المنكر، وقيل أمر كل واحد أن يقتل نفسه قتلاً خالصاً بنحو خنجر لا قتلا بالهم، لأن الهم ضرورى لا حسى، فليس كما قيل إنهم أمروا أن يقتلوا أنفسهم بالهم، وقيل المراد بالقتل قطع الشهوات كما تقول العامة: مت تحى، وكما قيل من لم يعذب نفسه لم ينعمها، ومن لم يقتلها لم يحيها، والمشهور أنه القتل الحقيقى. روى عن ابن عباس وغيره أن الرجل كان يبصر ولده ووالده وجاره وقريبه فلم يمكنهم المضى لأمر الله، فأرسل الله سبحانه وتعالى ضبابة وسحابة سوداء لا يتباصرون تحتها، وأمروا أن يحتبوا بأفنية بيوتهم ويأخذ الذين لم يعبدوا العجل سيوفهم، وقيل لهم اصبروا فلعن الله من مد طرفه أو حل حبوته أو اتقى بيد أو رجل، وتوبة من فعل ذلك من مردودة فيقولون آمين فتقبلوهم إلى المساء حتى كثر القتل، فدعا موسى وهارون وبكيا وتضرعا وقالا: يا رب هلكت بنو إسرائيل البقية البقية، فكشف السحابة ونزلت التوبة فسقطت الشفار من أيديهم وأمروا بالكف عن القتل. قال على بن أبى طالب: وكان القتلى سبعين ألفاً والاحتباء ضم الساق إلى البطن بثوب أو عمامة أو غيرهما، والحبوة ما تحصل من تلك الكيفية، والبقية منصوب بمحذوف وكرر توكدا، أى اللهم هب لنا البقية البقية أو سلم البقية البقية أو اترك البقية البقية أو أبق البقية البقية أو نحو ذلك. وذلك القتل كفارة لذنبهم بعد ما تابوا كما يفعل الإنسان ذنباً كبيراً فيتوب، وتلزمه الكفارة كالقتل فذلك تمام للتوبة، أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: أن توبة المرتد لا تتم إلا بقتله مطلقاً أو ذلك فى توبة المرتدين بعبادة ذلك العجل خاصة، وليس ذلك فى شرعنا بل إن تاب المرتد لم يقتل. وتحملوا شدة القتل لأنهُ أهون من غضب الله ونار جهنم، ولأن الموت لا بد منهُ، فلما أمرهم موسى عليه السلام قالوا: نصبر لأمر الله فجلسوا محتبين، وسلط عليهم القوم الخناجز والسيوف على حد ما مر، وروى أنه اشتد ذلك على موسى، فأوحى الله إليه: أما يرضيك أن أدخل المقتول الجنة، ويكون شهيداً ومن بقى أكفر عنهُ ذنوبه؟ وروى أن الذين عبدوا العجل والذين لم يعبدوا ولم يعتزلوا لبسوا كلهم السلاح أمروا بقتل بعضهم بعضاً، وألقى الله عليهم الظلام ففعلوا حتى بلغوا سبعين ألفاً، وقيل وقف الذين عبدوه صفاً، ودخل من لم يعبدوه عليهم بالسلاح، فقتلوهم، وذكرت طائفة أن الذين عبدوه جلسوا بالأفنية، وخرج يوشع بن النون ينادى ملعون من حل حبوته، وجعل الذين لم يعبدوه يقتلونهم، وموسى ـ صلى الله عليه وسلم ـ فى خلال ذلك يدعو ويرغب فى العفو عنهم. روى أن موسى قال لهم: توبوا. فقالوا: كيف التوبة يا موسى؟ قال: اقتلوا أنفسكم. قالوا: نفعل يا موسى، فأخذ عليهم العهد والميثاق ليصبرن للقتل وليرضون بالقضاء. قالوا: نعم. قال: أصبحوا فى أفنية بيوتكم كل بنى أب على حدتهم، ففعلوا. فأمر السبعين الذين مضى بهم إلى الميقات فمشوا فيهم بالسيوف فقتلوا من لقوا. قال الشيخ هود: فبلغنا ـ والله أعلم ـ أن الرجل من بنى إسرائيل يأتى قومه فى أفنية بيوتهم جلوساً، فيقول إن هؤلاء إخوانكم أتوكم شاهرين السيوف، فاتقوا الله واصبروا، فلعنة الله على رجل حل حبوته أو قام من مجلسه أوحد إليهم طرفاً أو اتقى بيد أو رجل فيقولون آمين. قال ابن عباس رضى الله عنهما إن الله تعالى أبى أن يقبل توبتهم إلا بالحال التى كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل، وقال قتادة: جعل الله تعالى توبة عبادة العجل يعنى تمامها أو كفارتها القتل، لأنهم ارتدوا والكفر يبيح الدم. {ذَلِكُمْ}: أى قتلكم أنفسكم. {خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُم}: من الحياة لأنه طهارة عن الشرك ووصلة إلى رضا مالك الملك، وسكون الجنة الدائمة. {فَتَابَ عَلَيْكُم}: عطف على محذوف، أى ففعلتم فتاب عليكم التفاتاً من الغيبة فى قومه، لأن القوم اسم ظاهر، والظاهر من قبيل الغيبة إلى الخطاب على أن ذلك خطاب من الله تعالى لهم أو رابطة لجواب شرط محذوف، أى إن فعلتم ما أمرتم به فتاب عليكم، وقرن بالفاء مع صلوحه شرطاً لتقدير قد أو مبتدأ، أى فقد تاب أو فهو تاب، أو لحذف الشرط فهى دليل عليه وذلك على أنه خطاب من موسى، وعلى كل حال هى الفاء الفصيحة وهى التى يكون ما بعدها مسبباً لمحذوف قبلها، سواء كان المحذوف شرطاً أو لم يكن شرطاً لأنها تدل عليه. {إِنَّهُ هُوّ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}: الذى كثر توفيقه المذنبين للتوبة، أو الذى كثر قبوله إياها أو الذى يكثر الإنعام عليهم.

اطفيش

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ} من عبد العجل من الرجال والنساء، فإن لفظ قوم يستعمل عامّاً للنساء مع الرجال، تبعاً على المشهور، ولو كان لا يستعمل فيهن وحدهن لأنهم القائمون بهن، الرجال قوامون على النساء، وقيل يجوز إطلاق القوم عليهن حقيقة أو مع الرجال كذلك {يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} إلَهاً {فَتُوبُوا} من عبادة العجل، وتسميته إلَها، والدعاء إليه، والرضى بتصويره، مع أنه لا يقدر على فعل شىء، فضلا عن أن يكون خالقاً {إِلَى بَارِئِكُمْ} خالقكم برءاء من التفاوت، كيد فى عياة القصر والرقة، وأخرى طويلة غليظة أو يد سوداء، ووجه أبيض، وهو أخص من الخلق ومخرجكم من العدم والخلق النقل من حال الأحرى والتقدير {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ} ليس هذا من التوبة، تفسير إلها بل هى فى قوله توبوا، وهذا عقاب تصح به توبتهم، وتقبل كمن فعل ذنباً مما بينه وبين الله فاستقبحه، وندم، وعزم على عدم العود، وأمر بكفارة، فالتحقيق أن الكفارة ليست من حد التوبة ولو كانت قد تؤخذ فى تعريفها بخلاف رد المظلمة فمن حدها. ومعنى اقتلوا أنفسكم، ليقتل بعضكم بعضاً أنفسكم، أو نزلهم منزلة شىء واحد، وذلك أنهم لم يؤمر كل واحد أن يقتل نفسه بل أمر من لم يعبد العجل، وهم اثنا عشر ألفا أن يقتل من عبده، والقاتل والمقتول كنفس واحدة، نسبا وديناً، والخطاب لمن يعبده فى اقتلوا، أو اقتلوا يا عابدى العجل، بعضكم بعضاً، أو أسلموا أنفسكم للقتل، فالخطاب للعابدين، قالوا: نصبر للقتل طاعة الله ليقبل تربتنا، وعلى أن القاتلين من لم يعبد العجل، فالعابدون جلسوا محبتين، وقال هلم موسى من حل حبوته أو مد طرفه إلى قاتله، أو اتقاه بيد أو رجل فهو ملعون مردود التوبة، فأخرجت الخناجر والسيوف، وأقبلوا عليهم للقتل فكان الرجل يرى أباه وابنه وأخاه وقريبه وصديقه وجاره فيرق له ولا يمكنه أن يقتله، فقالوا يا موسى: كيف نفعل، فأرسل الله عليهم سحابة سوداء تغشى الأرض كالدخان لئلا يعرف القاتل المقتول، فشرعوا يقتلون من الغداة إلى العشى، حتى قتلوا سبعين ألفا، واشتد الكرب، فبكى موسى وهارون تضرعاً إلى الله، فانكشفت السحابة وسقطت الشفار من أيديهم، ونزلت التوبة، فأوحى الله إلى موسى، أما يرضيكم أن أدخل القاتل والمقتول الجنة، فكان من قتل منهم شهيداً، ومن بقى منهم مغفوراً له خطيئته من غير قتل، وذلك حكمة من الله عز وجل، وله أن يفعل ما يشاء، أبدلهم عن الحياة الدنيا حياة سرمدية بهيجة، وقيل التقل إذلال النفوس بالطاعة وترك المعصية {ذَٰلِكُمْ} أى القتل {خَيْرٌ} منفعة أو اسم تفضيل خارج عنه، وإن لم يخرج فباعتبار لذة المعصية فى النفوس، أو من باب العسل أحلى من الخل {لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} الخطاب للذين لم يعبدوا العجل، والذين عبدوه، أذعن العابدون للقتل، وامتثل غير العابدين قتل العابدين، مع أنهم من نسبهم وقرابتهم وأصدقائهم وأصهارهم، وجيرانهم، وكرر لفظ بارىء ولم يقل خير لكم عنده. ليشعر بأن من هو بارىء حقيق بأن يمتثل له أمره ونهيه {فَتَابَ} الله، ومقتضى الظاهر، فتبت {عَلَيْكُمْ} قبل توبتكم، من قتل، ومن لم يقتل لإذعانه للقتل {إِنَّهُ هُوَ} مقتضى الظاهر إننى أنا {التَّوَّابُ} على كل من تاب من خلقه {الرَّحِيمُ} المنعم على من تاب أو أنه هو الذى عهدتم يا بنى إسرائيل قبل ذلك توبته عليكم ورحمته لكم.

الخليلي

تفسير : هذه الآية وما بعدها غير خارجة عن سياق الآيات السابقة واللاحقة، ففيها تذكير بني إسرائيل بنعمة الله التي أسبغها عليهم، وقد توهم بعض المفسرين أنهما مقطوعتان عن هذا السياق، وأن ما فيهما لا يعدو أن يكون تذكيرا بشر ما ارتضوه لأنفسهم من الكفر بعد الإِيمان إذ اتخذوا العجل إلها من دون الله سبحانه، وجاهروا برفض الإِيمان إذ اتخذوا العجل إلها من دون الله سبحانه، وجاهروا برفض الإِيمان حتى يروا الله جهرة، وقد سرى إليهم هذا الوهم من اعتبارهم أن المعصية والعقوبة عليها لا يعدان من النعم، فالمعصية ناتجة عن الخذلان، وهو مغاير للتوفيق الذي يعد من أكبر نعمة الله على الإِنسان، والعقوبة - سواءً كانت إلهية محضة كالصعق أو كانت تكليفا إلهيا كالقتل - لا تعد إلا بلاء وشدة، فكيف تندرج مع الآلاء وتنتظم في سلك النعم، وقد غفل هؤلاء عن كون المعصية وعقوبتها لم تذكرا في هذه الآية والتي بعدها إلا ليبنى على ذكرهما ذكر ما وليهما من اللطف الإِلهي الذي لولاه لما بقيت لبني إسرائيل باقية، ولما كان للمخاطبين - في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المقصودين بهذا التذكير - وجود. ومما هو غني عن الذكر أن الله سبحانه قدير على أن يجمع لهم - على هذا الإِغراق في الضلالة واللجاجة في الكفر - عقاب الدنيا وعقاب الآخرة، غير أنه تعالى لسعة عفوه وواسع حلمه جعل هذه العقوبة الدنيوية - وهي قتل أنفسهم - تكفيرا لما ارتكبوه، لأنها كانت علامة صدق توبتهم ومنتهى إذعانهم على أن من فضل الله عليهم أن رفع هذه العقوبة عنهم قبل أن تستأصل شأفتهم، فكان هذا الرفع نعمة دنيوية جديرة بأن تقابل بالشكر من السلف والخلف، ولا يستغرب أن يشار إلى النعمتين بكلمة العفو الدالة على قبول التوبة ورفع عقاب الدنيا مع الوقاية من عقاب الآخرة، فإن ذلك من الإِيجاز المعهود في أساليب القرآن. وما هذا العقاب الدنيوي إلا ضرب من ضروب التربية النفسية لهم، فإنهم قوم قست قلوبهم، وعتت نفوسهم، لما مردوا عليه من الكفر وألفوه من الضلالة، فكم عاندوا موسى عليه السلام وآذوه وأصروا على هوى أنفسهم واستكبروا استكبارا، وواجهو المعجزات الباهرة والآيات الظاهرة بالصدود والتكذيب، فكانوا أحرياء بأن يؤدوا ضريبة دموية تكون تطهيرا لخطاياهم وإصلاحا وتقويما لنفوسهم. والقوم هم الجماعة المترابطة المتآزرة، وسُمُّوا كذلك لأنهم جميعا يقومون بمصالح بعضهم بعضا، ولما كانت هذه هي مهمة الرجال غالبا كان إطلاقه عليهم وحدهم هو الأغلب، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {أية : لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُواْ خَيْراً مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْراً مِّنْهُنَّ} تفسير : [الحجرات: 11] فإن العطف من شأنه التغاير بين المعطوف والمعطوف عليه، وقول زهير: شعر : وما أدري ولست إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء تفسير : ويطلق على الجماعة الجامعة للذكور والإِناث، ومنه قوله تعالى: {أية : إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ} تفسير : [نوح: 1]، فإن رسالته ليست خاصة بالذكور، وإنما هي شاملة لهم وللإِناث، واختلف فيه هل هو من باب المشترك، أو أن حقيقته في الذكور، وإطلاقه على الذكور والإِناث معا تغليب، وهذا هو الأظهر لأن الأصل عدم الاشتراك، وفائدة النص على أن قوله كان لقومه مع ابتداء خطابه بـ "يا قوم" التنبيه على أن هذا الخطاب ما كان بواسطة بينه وبينهم، بل كان منه لهم مباشرة. وابتداء خطابهم بـ "يا قوم" مشعر بتلطفه بهم، وحنوه عليهم ليكون ذلك أدعى الى تعاطفهم معه واستجابتهم لأمره، وقبولهم لنصحه، فإن من شأن الناس أن يكونوا أوثق بأبناء جلدتهم لا سيما في القضايا المشتركة والمصالح العامة. وقد ابتدأ عليه السلام نصحه لهم بإيقافهم على فحش خطئهم، وإيقاظهم أنهم لم يظلموا به إلا أنفسهم، فإن مغبة ما ارتكبوا عائدة إليهم، وسوء ما عملوا حائق بهم. واتخاذهم العجل إما تأليههم له وإما صنعه لأجل عبادته. والفاء في قوله: {فَتُوبُوۤاْ} سببية لأن وجوب التوبة عليهم مسبب عن هذا الظلم الذي ظلموه أنفسهم باتخاذهم العجل. والبارئ الخالق مع شيء من الفارق الدقيق في مفهوم اللفظين، وذلك أن البارئ هو المبدع المحدث، والخالق هو المقدر الناقل من حال إلى حال؛ وقيل: الخلق دال على مطلق الإِيجاد، والبرء هو إيجاد الشيء بريئا - أي خالصا - من وصمة التفاوت بين أجزائه، كطول إحدى اليدين مع قصر الأخرى، وكبر إحدى العينين مع صغر الثانية، وإليه الإِشارة بقوله تعالى: {أية : مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ ٱلرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ} تفسير : [الملك: 3]، وأصله الانفصال، كما يقال: برئ من كذا، إذ تخلص منه، ومنه برء المريض، وذلك أن الخلق فُصلوا بهذه الإِيجاد من العدم إلى الوجود. وهمزة بارئكم مكسورة عند الجمهور، وسكنها أبو عمرو - وهو أحد السبعة - ولَّحنه أبو العباس المبرد زاعما أن التسكين غير جائز في حرف الإِعراب في نثر ولا شعر، ورُد بأن قدماء النحويين أجازوا ذلك وأنشدوا: شعر : إذا اعوججن قلت صاحب قوِّمِ بالدَّوِّ أمثال السفين العُوَّمِ تفسير : وقول امرئ القيس: شعر : فاليوم أشرب غير مستحقبٍ إثماً من الله ولا واغل تفسير : ولعل الذي سوِّغ التسكين في قراءة أبي عمر اجتماع ثقل الكسرة والهمزة مع توالي ثلاث حركات. وفاء "فاقتلوا" للسببية كالتي قبلها، والسبب هو اتخاذ العجل إن قيل بأن القتل نفسه هو التوبة، وعليه فجملة "فاقتلوا" بدل من جملة "فتوبوا" أو التوبة إن قيل بأنه شرط من شروط صحتها، ككفارة الحنث، فإنها من شروط توبة الحانث وليست عينها، وهذا هو الأظهر لأن للتوبة أركانا معلومة تقدم ذكرها في تفسير قصة آدم، واختلفوا في حكم هذا القتل، قيل: بأنه خاص بهذه المعصية في هذه الواقعة بعينها، وقيل: بأنه تتوقف عليه توبة كل مُرتد من بني اسرائيل حسبما شرع لهم، والأول هو الظاهر إذ لم يثبت أنهم أمروا بقتل أنفسهم في غير هذه الواقعة مع كثرة ما صدر عنهم من موجبات الكفر، كقولهم: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ} تفسير : [آل عمران: 181]. وهذا الحكم يستحيل صدوره عن موسى عليه السلام من غير أن يستند فيه إلى وحي من الله لأن مما استقرت عليه العقول واتفقت عليه الشرائع وجوب المحافظة على سلامة النفس وبقاء حياتها إلا مع أسباب يستثنيها الشرع، وذلك بأن يكون القتل إما طهارة للنفس أو وقاية للمجتمع. وقد تلقى بنو إسرائيل هذا الأمر بالامتثال لأنهم شعروا بفداحة ما ارتكبوه، وضلالة ما فعلوا كما قال سبحانه وتعالى فيهم: {أية : وَلَمَّا سُقِطَ فِيۤ أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ} تفسير : [الأعراف: 149]. واختلف المفسرون في كيفية هذا القتل كما اختلفوا في العدد الذي وقع عليه القتل اختلافا كثيرا، قيل أُمر عبدة العجل بأن يباشر كل منهم قتل نفسه بيده، وجمهور السلف على خلاف هذا القول حتى أن صاحب المنتخب حكى الإِجماع على أنهم لم يؤمروا بقتل أنفسهم بأيديهم، وأنكر عليه أبو حيان في البحر المحيط دعوى الإِجماع لوجود من قال بأنهم أمروا بمباشرة قتل أنفسهم من بين المفسرين، ولم ينفرد صاحب المنتخب بحكاية الإِجماع في هذه المسألة، بل حكاه القرطبي أيضا، وقيل: بأن المراد بقتلهم أنفسهم هو قتل بعضهم بعضا، وهو المروي عن السلف، وعليه اقتصر المفسرون بالمأثور، وهو المتبادر، لأن الأمة الواحدة في تماسكها وترابطها كالنفس الواحدة والجسد الواحد في الشعور بالبؤس والنعيم، والعز والهوان، فإذا قتل أحد منها أخاه عُدَّ قاتلا لنفسه لأنه يصاب بفداحة الخسران منه كغيره من أبناء تلك الأمة، وكثيرا ما تُراعي هذه الوحدة الشعورية الواجبة بين الأمة في الخطابات التشريعية لإِثارة الإِحساس بها، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَاطِلِ} تفسير : [البقرة: 188]، وقوله: {أية : وَلاَ تَلْمِزُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} تفسير : [الحجرات: 11]، فإنه مما لا يُختلف فيه أن النهي في الآيتين إنما هو عن أكل مال الغير وعن لمز الغير، وهؤلاء اختلفوا، منهم من ذهب إلى أنهم جميعا أمروا بأن يأخذوا الحراب ويقتل بعضهم بعضا، ومنهم من ذهب إلى أن الذين أمروا بالقتل هم السبعون الذين كانوا مع موسى عليه السلام في الميقات ولم يشتركوا معهم في عبادة العجل، وذهب آخرون إلى أن المأمورين بالقتل هم الذين اعتزلوا مع هارون. وقيل: بأن استسلامهم للقتل هو الذي عُبر عنه بقتل أنفسهم، وذلك بأن عباد العجل أمروا بأن يحتبوا في أفنية دورهم، وخرج عليهم يوشع بن نون وهم محتبون، فقال: ملعون من حل حبوته أو مد طرفه الى قاتله أو اتقاه بيد أو رجل. وقيل: أمروا بأن يبخعوا أنفسهم، أي يحملوها من هموم الندم والحزن على اقتراف الشرك ما لا تتحمله؛ وقيل: بل أمروا بتذليل النفوس وهو المراد بقتلها، كما قال حسان: شعر : إن التي عاطيتني فرددتها قتلت قتلت فهاتها لم تقتل تفسير : وهو ضعيف. وأما عدد القتلى فأكثر المفسرين قالوا بأنهم كانوا سبعين ألفا تعويلا منهم على الروايات المعزوة إلى السلف من الصحابة والتابعين، ورجَّح بعض مفسري العصر أنهم كانوا ثلاثة آلاف تعويلا على نصوص التوراة، وكلا القولين ليس له سند واضح. أما الروايات المعزوة إلى السلف فليست وحدها حجة لعدم وثوق أسانيدها، وأما نصوص التوراة - بعدما دخلها التحريف والتبديل - فهي أضعف من أن تكون دليلا على شيء مع أنها لم تتفق على تحديد العدد بثلاثة آلاف، فقد جاء في بعض رواياتها أنهم كانوا ثلاثة وعشرين ألفا، ولا داعي إلى التفتيش عما طوى عنا القرآن علمه من هذه الأخبار، ولم يثبت بسند مقبول عن المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام، فإنه يفضي إلى الدخول في متاهات الأوهام، وحسبنا ذكرا وعظة ما قصة الله لنا من أن توبتهم كانت معقودة على دفع هذا الثمن الباهض لشططهم في الكفر، وغلوهم في التعنت؛ ثم تداركتهم عناية الله ولطفه فقبل توبتهم، وأذن برفع القتل عن بقاياهم، فكان القتل شهادة للمقتولين وتوبة للباقين: {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تذييل لقوله: {تُوبُوۤاْ} أو لقوله: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} وهو الأظهر.

الالوسي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِٱتّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ} نعمة أخروية في حق المقتولين من بني إسرائيل حيث نالوا درجة الشهداء، كما أن العفو نعمة دنيوية في حق الباقين، وإنما فصل بينهما بقوله: {أية : وإذ آتينا}تفسير : [البقرة: 53] الخ؛ لأن المقصود تعداد النعم ـ فلو اتصلا لصارا نعمة واحدة ـ وقيل: هذه الآية وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذكير بالنعم ـ وليس بشيء ـ واللام في {لِقَوْمِهِ} للتبليغ، وفائدة ذكره التنبيه على أن خطاب موسى لقومه كان مشافهة لا بتوسط من يتلقى منه ـ كالخطابات المذكورة سابقاً لبني إسرائيل ـ والقوم اسم جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده امرؤ ـ وقياسه أن لا يجمع ـ وشذ جمعه على ـ أقاويم ـ والمشهور اختصاصه بالرجال لقوله تعالى: {أية : لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ} تفسير : [الحجرات: 11] مع قوله: {أية : وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ} تفسير : [الحجرات: 11] وقال زهير:شعر : فما أدري وسوف إخال أدري أ (قوم) آل حصن أم (نساء) تفسير : وقيل: لا اختصاص له بهم، بل يطلق على النساء أيضاً لقوله تعالى: {أية : إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَىٰ قَوْمِهِ }تفسير : [نوح: 1] والأول أصوب، واندراج النساء على سبيل الاستتباع، والتغليب والمجاز خير من الاشتراك، وسمي الرجال قوماً لأنهم يقومون بما لا يقوم به النساء، وفي إقبال موسى عليهم بالنداء، ونداؤه لهم بيا قوم إيذان بالتحنن عليهم وأنه منهم وهم منه، وهزّ لهم لقبولهم الأمر بالتوبة بعد تقريعهم بأنهم ظلموا أنفسهم والباء في {بِٱتّخَاذِكُمُ} سببية وفي ـ الاتخاذ ـ هنا الاحتمالان السابقان هناك. {فَتُوبُواْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} الفاء للسببية ـ لأن الظلم سبب للتوبة ـ وقد عطفت ما بعدها على {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ} والتوافق في الخبرية والإنشائية إنما يشترط في العطف ـ بالواو ـ وتشعر عبارات بعض الناس أنها للسببية دون العطف، والتحقيق أنها لهما معاً، والبارىء هو الذي خلق الخلق برياً ـ من التفاوت ـ وعدم تناسب الأعضاء وتلائم الأجزاء بأن تكون إحدى اليدين في غاية الصغر والرقة، والأخرى بخلافه؛ ومتميزاً بعضه عن بعض بالخواص والأشكال والحسن والقبح ـ فهو أخص من الخالق ـ وأصل التركيب لخلوص الشيء وانفصاله عن غيره إما على سبيل التفصي ـ كبرأ المريض ـ أو الإنشاء ـ كبرأ الله تعالى آدم ـ أي خلقه ابتداءً متميزاً عن لوث الطين، وفي ذكره في هذا المقام تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطف حكمته حتى عرضوا أنفسهم لسخط الله تعالى ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم،/ وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم حين لم يشكروا النعمة في ذلك وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها ـ وهو مثل في الغباوة والبلادة ـ وقرأ أبو عمرو: {بَارِئِكُمْ} بالاختلاس، وروي عنه ـ السكون ـ أيضاً وهو من إجراء المتصل من كلمتين مجرى المنفصل من كلمة، وللناس في تخريجه وجوه لا تخلو عن شذوذ. {فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} الفاء للتعقيب، والمتبادر من القتل القتل المعروف من إزهاق الروح ـ وعليه جمع من المفسرين ـ والفعل معطوف على سابقه، فإن كانت توبتهم هو القتل إما في حقهم خاصة، أو توبة المرتد مطلقاً في شريعة موسى عليه السلام، فالمراد بقوله تعالى: {فَتُوبُواْ} اعزموا على التوبة ـ ليصح العطف ـ وإن كانت هي الندم والقتل من متمماتها ـ كالخروج عن المظالم في شريعتنا ـ فهو على معناه ولا إشكال، وقد يقال: إن التوبة جعلت لهؤلاء عين القتل ولا حاجة إلى تأويل توبوا باعزموا، بل تجعل ـ الفاء ـ للتفسير ـ كما تجعل الواو له ـ وقد قيل به في قوله تعالى: {أية : فَٱنتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَـٰهُمْ فِي ٱلْيَمّ } تفسير : [الأعراف: 136] وظاهر الأمر أنهم مأمورون بأن يباشر كل قتل نفسه، وفي بعض الآثار أنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضاً، فمعنى {فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ} حينئذٍ، ليقتل بعضكم بعضاً، كما في قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } تفسير : [النساء: 29] {أية : وَلاَ تَلْمِزُواْ أَنفُسَكُمْ }تفسير : [الحجرات: 11] والمؤمنون كنفس واحدة، وروي أنه أمر من لم يعبد العجل أن يقتل من عبده، والمعنى عليه استسلموا أنفسكم للقتل، وسمى الاستسلام للقتل قتلاً على سبيل المجاز، والقاتل إما غير معين، أو الذين اعتزلوا مع هارون عليه السلام، والذين كانوا مع موسى عليه السلام، وفي كيفية القتل أخبار لا نطيل بذكرها، وجملة القتلى سبعون ألفاً، وبتمامها نزلت التوبة وسقطت الشفار من أيديهم، وأنكر القاضي عبد الجبار أن يكون الله تعالى أمر بني إسرائيل ـ بقتل أنفسهم ـ وقال: لا يجوز ذلك عقلاً ـ إذ الأمر لمصلحة المكلف ـ وليس بعد القتل حال تكليف ليكون فيه مصلحة، ولم يدر هذا القاضي بأن لنفوسنا خالقاً ـ بأمره نستبقيها؛ وبأمره نفنيها ـ وأن لها بعد هذه الحياة التي هي لعب ولهو، حياة سرمدية وبهجة أبدية، وأن الدار الآخرة لهي الحيوان، وأن قتلها بأمره يوصلها إلى حياة خير منها، ومن علم أن الإنسان في هذه الدنيا ـ كمجاهد أقيم في ثغر يحرسه، ووال في بلد يسوسه ـ وأنه مهما استرد فلا فرق بين أن يأمره الملك بخروجه بنفسه، أو يأمر غيره بإخراجه ـ وهذا واضح لمن تصور حالتي الدنيا والآخرة، وعرف قدر الحياتين والميتتين فيهما، ومن الناس من جوّز ذلك ـ إلا أنه استبعد وقوعه ـ فقال: معنى {فَٱقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } ذللوا، ومن ذلك قوله:شعر : إن التي عاطيتني فرددتها (قتلت قتلت) فهاتها لم (تقتل) تفسير : ولولا أن الروايات على خلاف ذلك لقلت به تفسيراً. ونقل عن قتادة أنه قرأ: (فأقيلوا أنفسكم) والمعنى أن أنفسكم قد تورطت في عذاب الله تعالى بهذا الفعل العظيم الذي تعاطيتموه، وقد هلكت ـ فأقيلوها ـ بالتوبة والتزام الطاعة، وأزيلوا آثار تلك المعاصي بإظهار الطاعات. {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ} جملة معترضة للتحريض على التوبة أو معللة، والإشارة إلى المصدر المفهوم مما تقدم، و {خَيْرٌ } أفعل تفضيل حذفت همزته، ونطقوا بها في الشعر. قال الراجز:شعر : بلال خير الناس وابن الأخير تفسير : وقد تأتي ـ ولا تفضيل ـ والمعنى: أن ذلكم خير لكم من العصيان والإصرار على الذنب ـ أو خير من ثمرة العصيان، وهو الهلاك الدائم، والكلام ـ على حد العسل ـ أحلى من الخل أو خير من الخيور كائن لكم./ والعندية هنا مجاز، وكرر البارىء بلفظ الظاهر اعتناءً بالحث على التسليم له في كل حال، وتلقى ما يرد من قبله بالقبول والامتثال فإنه كما رأى الإنشاء راجحاً فأنشأ رأي الإعدام راجحاً، فأمر به وهو العليم الحكيم. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} جواب شرط محذوف بتقدير ـ قد ـ إن كان من كلام موسى عليه السلام لهم، تقديره إن فعلتم ما أمرتم به فقد تاب عليكم ومعطوف على محذوف ـ إن كان خطاباً من الله تعالى لهم، كأنه قال: ففعلتم ما أمرتم فتاب عليكم بارئكم وفيه التفات لتقدم التعبير عنهم في كلام موسى عليه السلام بلفظ القوم وهو من قبيل الغيبة، أو من التكلم إلى الغيبة في {فَتَابَ} حيث لم يقل: فتبنا، ورجح العطف لسلامته من حذف الأداة والشرط وإبقاء الجواب، وفي ثبوت ذلك عن العرب مقال، وظاهر الآية كونها إخباراً عن المأمورين بالقتل الممتثلين ذلك. وقال ابن عطية: جعل الله تعالى ـ القتل ـ لمن ـ قتل ـ شهادة وتاب عن الباقين وعفا عنهم، فمعنى {عَلَيْكُمْ} عنده، على باقيكم. {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} تذييل لقوله تعالى: {فَتُوبُواْ} فإن ـ التوبة بالقتل ـ لما كانت شاقة على النفس هوّنها سبحانه بأنه هو الذي يوفق إليها ويسهلها ويبالغ في الإنعام على من أتى بها، أو تذييل لقوله تعالى: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} وتفسر التوبة منه تعالى حينئذ بالقبول لتوبة المذنبين ـ والتأكيد لسبق الملوح ـ أو للاعتناء بمضمون الجملة، والضمير المنصوب إن كان ضمير الشأن ـ فالضمير المرفوع مبتدأ ـ وهو الأنسب لدلالته على كمال الإعتناء بمضمون الجملة، وإن كان راجعاً إلى البارىء سبحانه فالضمير المرفوع إما فصل أو مبتدأ. هذا وحظ العارف من هذه القصة أن يعرف أن هواه بمنزلة عجل بني إسرائيل ـ فلا يتخذه إلهاً ـ {أية : أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ } تفسير : [الجاثية: 23] وأن الله سبحانه قد خلق نفسه في أصل الفطرة مستعدة لقبول فيض الله تعالى والدين القويم، ومتهيئة لسلوك المنهج المستقيم، والترقي إلى جناب القدس وحضرة الأنس، وهذا هو الكتاب الذي أوتيه موسى القلب، والفرقان الذي يهتدى بنوره في ليالي السلوك إلى حضرة الرب، فمتى أخلدت النفس إلى الأرض واتبعت هواها، وآثرت شهواتها على مولاها، أمرت بقتلها بكسر شهواتها وقلع مشتهياتها ليصح لها البقاء بعد الفناء، والصحو بعد المحو، وليست التوبة الحقيقية سوى محو البشرية بإثبات الألوهية، وهذا هو الجهاد الأكبر والموت الأحمر:شعر : ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء تفسير : وهذا صعب لا يتيسر إلا لخواص الحق ورجال الصدق، وإليه الإشارة بـِ "موتوا قبل أن تموتوا". وقيل أول قدم في العبودية إتلاف النفس وقتلها بترك الشهوات، وقطعها عن الملاذ، فكيف الوصول إلى شيء من منازل الصديقين ومعارج المقربين ـ هيهات هيهات ـ ذاك بمعزل عنا، ومناط الثريا منا:شعر : تعالوا نقم مأتما للهموم فإن الحزين يواسي الحزينا

ابن عاشور

تفسير : هذه نعمة أخرى وهي نعمة نسخ تكليف شديد عليهم كان قد جعل جابراً لما اقترفوه من إثم عبادة الوثن فحصل العفو عنهم بدون ذلك التكليف فتمت المنة وبهذا صح جعل هذه منة مستقلة بعد المنة المتضمنة لها قوله تعالى: {أية : ثم عفونا عنكم من بعد ذلك}تفسير : [البقرة: 52] لأن العفو عن المؤاخذة بالذنب في الآخرة قد يحصل مع العقوبة الدنيوية من حد ونحوه وهو حينئذ منة إذ لو شاء الله لجعل للذنب عقابين دنيوي وأخروي كما كان المذنب النفس والبدن ولكن الله برحمته جعل الحدود جوابر في الإسلام كما في الحديث الصحيح، فلما عفا الله عن بني إسرائيل على أن يقتلوا أنفسهم فقد تفضل بإسقاط العقوبة الأخروية التي هي أثر الذنب، ولما نسخ تكليفهم بقتل أنفسهم فقد تفضل بذلك فصارت منتان. فقول موسى لقومه: {إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} تشريع حكم لا يكون مثله إلا عن وحي لا عن اجتهاد - وإن جاز الاجتهاد للأنبياء فإن هذا حكم مخالف لقاعدة حفظ النفوس التي قيل قد اتفق عليها شرائع الله - فهو يدل على أنه كلفهم بقتل أنفسهم قتلاً حقيقة إما بأن يقتل كل من عبد العجل نفسه فيكون المراد بالأنفس الأرواح التي في الأجسام فالفاعل والمفعول واحد على هذا وإنما اختلفا بالاعتبار كقوله {ظلمتم أنفسكم} وقول ابن أذينة:شعر : وإذا وجدت لها وساوس سلوة شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها تفسير : وإما بأن يقتل من لم يعبدوا العجل عابديه، وكلام التوراة في هذا الغرض في غاية الإبهام وظاهره أن موسى أمره الله أن يأمر اللاويين - الذين هم من سبط لاوي الذي منه موسى وهارون - أن يقتلوا من عبد العجل بالسيف وأنهم فعلوا وقتلوا ثلاثة آلاف نفس ثم استشفع لهم موسى فغفر الله لهم أي فيكون حكم قتل أنفسهم منسوخاً بعد العمل به ويكون المعنى فليقتل بعضكم بعضاً، فالأنفس مراد بها الأشخاص كما في قوله تعالى: {أية : فإذا دخلتهم بيوتاً فسلموا على أنفسكم}تفسير : [النور: 61] أي فليسلم بعضكم على بعض وقوله: {أية : وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم}تفسير : [البقرة: 84] أي لا يسفك بعضكم دماء بعض وقوله عقبه: {أية : ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم}تفسير : [البقرة: 85] فالفاعل والمفعول متغايران. ومن الناس من حمل الأمر بقتل النفس هنا على معنى القتل المجازي وهو التذليل والقهر على نحو قول امرىء القيس: «في أعشار قلب مقتَّل» وقوله: خمر مقتلة أو مقتولة، أي مذللة سورتها بالماء. قال بجير بن زهير:شعر : إن التي ناولْتَني فرددتُها قُتِلتْ قُتِلت فهاتها لم تُقتلِ تفسير : وفيه بعد عن اللفظ بل مخالفة لغرض الامتنان، لأن تذليل النفس وقهرها شريعة غير منسوخة. والظلم هنا الجناية والمعصية على حد قوله: {أية : إن الشرك لظلم عظيم}تفسير : [لقمان: 13]. والفاء في قوله: {فتوبُوا} فاء التسبب لأن الظلم سبب في الأمر بالتوبة فالفاء لتفريع الأمر على الخبر وليست هنا عاطفة عند الزمخشري وابن الحاجب إِذ ليس بين الخبر والإنشاء ترتب في الوجود، ومن النحاة من لا يرى الفاء تخرج عن العطف وهو الجاري على عبارات الجمهور مثل صاحب «مغني اللبيب» فيجعل ذلك عطف إنشاء على خبر ولا ضير في ذلك. وذكر التوبة تقدم في قوله تعالى: {أية : فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه}تفسير : [البقرة: 37]. والفاء في قوله: {فاقتلوا أنفسكم} ظاهرة في أن قتلهم أنفسهم بيان للتوبة المشروعة له فتكون الفاء للترتيب الذكري وهو عطف مفصل على مجمل كقوله تعالى: {أية : فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة}تفسير : [النساء: 153] كما في «مغني اللبيب» وهو يقتضي أنها تفيد الترتيب لا التعقيب. وأما صاحب «الكشاف» فقد جوز فيه وجهين أحدهما تأويل الفعل المعطوف عليه بالعزم على الفعل فيكون ما بعده مرتباً عليه ومعقباً وهذا الوجه لم يذكره صاحب «المغني» وهذا لا يتأتى في قوله تعالى: {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا}، وثانيهما جعل التوبة المطلوبة شاملة لأقوال وأعمال آخرها قتلهم أنفسهم فتكون الفاء للترتيب والتعقيب أيضاً. وعندي أنه إذا كانت الجملة الثانية منزلة منزلة البيان من الجملة الأولى وكانت الأولى معطوفة بالفاء كان الأصل في الثانية أن تقطع عن العطف فإذا قرنت بالفاء كما في هذه الآية كانت الفاء الثانية مؤكدة للأولى، ولعل ذلك إنما يحسن في كل جملتين تكون أولاهما فعلاً غير محسوس وتكون الثانية فعلاً محسوساً مبين للفعل الأول فينزل منزلة حاصل عقبه فيقرن بالفاء لأنه لا يحصل تمامه إلا بعد تقرير الفعل الأول في النفس ولذلك قربه صاحب «الكشاف» بتأويل الفعل الأول بالعزم في بعض المواضع. والبارىء هو الخالق الخلق على تناسب وتعديل فهو أخص من الخالق ولذلك أتبع به الخالق في قوله تعالى: {أية : هو الله الخالق البارىء}تفسير : [الحشر: 24]. وتعبير موسى عليه السلام في كلامه بما يدل على معنى لفظ البارىء في العربية تحريض على التوبة لأنها رجوع عن المعصية ففيها معنى الشكر وكون الخلق على مثال متناسب يزيد تحريضاً على شكر الخالق. وقوله: {فتاب عليكم} ظاهر في أنه من كلام الله تعالى عند تذكيرهم بالنعمة وهو محل التذكير من قوله: {وإذ قال موسى لقومه} إلخ فالماضي مستعمل في بابه من الإخبار وقد جاء على طريقة الالتفات لأن المقام للتكلم فعدل عنه إلى الغيبة ورجحه هنا سبق معاد ضمير الغيبة في حكاية كلام موسى. وعطفت الفاء على محذوف إيجازاً، أي ففعلتم فتاب عليكم أو فعزمتم فتاب عليكم، على حد {أية : أن اضرب بعصاك البحر فانفلق}تفسير : [الشعراء: 63] أي فضرب، وعطف بالفاء إشارة إلى تعقيب جرمهم بتوبته تعالى عليهم وعدم تأخيرها إلى ما بعد استئصال جميع الذين عبدوا العجل بل نسخ ذلك بقرب نزوله بعد العمل به قليلاً أو دون العمل به وفي ذلك رحمة عظيمة بهم إذ حصل العفو عن ذنب عظيم بدون تكليفهم توبة شاقة بل اكتفاء بمجرد ندمهم وعزمهم على عدم العود لذلك. ومن البعيد أن يكون {فتاب عليكم} من كلام موسى لما فيه من لزوم حذف في الكلام غير واضح القرينة؛ لأنه يلزم تقدير شرط تقديره فإن فعلتم يتب عليكم فيكون مراداً منه الاستقبال والفاء فصيحة، ولأنه يعرى هذه الآية عن محل النعمة المذكر به إلا تضمناً. وجملة: {إنه هو التواب الرحيم} خبر وثناء على الله، وتأكيده بحرف التوكيد لتنزيلهم منزلة من يشك في حصول التوبة عليهم لأن حالهم في عظم جرمهم حال من يشك في قبول التوبة عليه وإنما جمع التواب مع الرحيم لأن توبته تعالى عليهم كانت بالعفو عن زلّة اتخاذهم العجل وهي زلة عظيمة لا يغفرها إلا الغفار، وبالنسخ لحكم قتلهم وذلك رحمة فكان للرحيم موقع عظيم هنا وليس هو لمجرد الثناء.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ}. لم يبين هنا من أي شيء هذا العجل المعبود من دون الله؟ ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: {أية : وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} تفسير : [الأعراف: 148]، وقوله: {أية : وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ} تفسير : [طه: 87-88]، ولم يذكر المفعول الثاني للاتخاذ في جميع القرآن، وتقديره: باتخاذكم العجل إلهاً، كما أشار له في سورة طه بقوله: {أية : فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هَـٰذَآ إِلَـٰهُكُمْ وَإِلَـٰهُ مُوسَىٰ}تفسير : [طه: 87-88].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ظلم النفس: تدسيتها بسّيئة الجريمة. باتخاذكم العجل: بجعلكم العجل الذي صاغه السامري من حلّي نسائكم إلهاً عبدتموه. البارىء: الخالق عز وجل. فاقتلوا أنفسكم: أمرهم أن يقتل من لم يعبد العجل من عبدَه منهم وجعل ذلك توبتهم ففعلوا فتاب عليهم بقبول توبتهم. نرى الله جهرة: نراه عياناً. الصاعقة: نار محرقة كالتي تكون مع السحب والأمطار والرعود. بعثناكم: أحييناكم بعد موتكم. الغمام: سحاب رقيق أبيض. المن والسلوى: المنّ: مادة لزجة حُلْوَةٌ كالعسل، والسلوى: طائر يقال له السُّماني. الطيبات: الحلال. المناسبة ومعنى الآيات: لما ذكّر الله تعالى اليهود بما أنعم على أسلافهم مطالباً إياهم بشكرها فيؤمنوا برسوله. ذكرهم هنا ببعض ذنوب أسلافهم ليتعظوا فيؤمنوا فذكرهم بحادثة اتخاذهم العجل إلهاً وعبادتهم له. وذلك بعد نجاتهم من آل فرعون وذهاب موسى لمناجاة الله تعالى، وتركه هارون خليفة له فيهم، فصنع السامري لهم عجلاً من ذهب وقال لهم هذا إلهكم وإله موسى فاعبدوه فأطاعه أكثرهم وعبدوا العجل فكانا مرتدين بذلك فجعل الله توبتهم من ردتهم أن يقتل من لم يعبد العجل من عبده فقتلوا منهم سبعين ألفاً فكان ذلك توبتهم فتاب الله عليهم إنه هو التواب الرحيم كما ذكرهم بحادثة أخرى وهي إنه لما عبدوا العجل وكانت ردة اختار موسى بأمر الله تعالى منهم سبعين رجلاً من خيارهم ممن لم يتورطوا في جريمة عبادة العجل، وذهب بهم إلى جبل الطور ليعتذروا إلى ربهم سبحانه وتعالى من عبادة إخوانهم العجل، فلما وصلوا قالوا لموسى اطلب لنا ربك أن يُسمعنا كلامه فأسمعهم قوله: إني أنا الله لا إله إلا أنا أخرجتكم من أرض مصر بيدٍ شديدة فاعبدوني ولا تعبدوا غيري. ولما أعلمهم موسى بأن الله تعالى جعل توبتهم بقتلهم أنفسهم، قالوا: لن نؤمن لك أي لن نتابعك على قولك فيما ذكرت من توبتنا بقتل بعضنا بعضا حتى نرى الله جهرة وكان هذا منهم ذنباً عظيماً لتكذيبهم رسولهم فغضب الله عليهم فأنزل عليهم صاعقة فأهلكتهم فماتوا واحدا واحدا وهم ينظرون ثم أحياهم تعالى بعد يوم وليلة، وذلك ليشكروه بعبادته وحده دون سواه كما ذكرهم بنعمة أخرى وهي إكرامه لهم وإنعامه عليهم بتظليل الغمام عليهم، وإنزال المنّ والسلوى أيام حادثة التيه في صحراء سيناء وفي قوله تعالى: {وَمَا ظَلَمُونَا} إشارة إلى أن محنة التيه كانت عقوبة لهم على تركهم الجهاد وجرأتهم على نبيّهم إذ قالوا له: {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} تفسير : [المائدة: 24]. وما ظلمهم في محنة التيه، ولكن كانوا هم الظالمين لأنفسهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- عبادة المؤمن غير الله وهو يعلم أنها عبادة لغير الله تعالى تعتبر ردة منه وشركاً. 2- مشروعية قتال المرتدين، وفي الحديث: "حديث : من بدّل دينه فاقتلوه"تفسير : ، ولكن بعد استتابته. 3- علة الحياة كلها شكر الله تعالى بعبادته وحده. 4- الحلال، من المطاعم والمشارب وغيرها، ما أحله الله والحرام ما حرمه الله عز وجل.

القطان

تفسير : ما زال السياق في الكلام على بني إسرائيل. واذكر أيها الرسول الكريم قول موسى لقومه يوم عبدوا العِجل حين كان غائباً عنهم يناجي ربه: يا قومي ظلمتم أنفسكم باتخاذكم عجل السامريّ معبوداً من دون الله، فتوبوا الى خالقكم وارجعوا عن هذه الجريمة، فاقتلوا أنفسكم ندماً على فعلتكم وتكفيراً عن معصيتكم. روي ان موسى لما رجع من ميقات ربه، رأى ما صنع قومه بعده من عبادة العجل، فغضب غضباً شديداً، ورمى بالألواح من يده، ثم أحرق العجل الذي صنعوه. ثم قال: من كان من حزب الرب فليُقبل إلي، فأجابه بنو لاوي، فأمرهم أن يأخذوا السيوف ويقتل بعضهم بعضا. وانها لكفارة عنيفة، وتكليف مرهق كان لا بد منه لتطهُر تلك النفوس الشريرة المنغمسة في عبادة المادة المتجسدة بالعجل الذهبي. واذ فعل بعضهم ما أمر به موسى قُبلت توبتهم وتدراكتهم رحمة الله التي تسع كل شيء.

د. أسعد حومد

تفسير : {يَاقَوْمِ} {بَارِئِكُمْ} (54) - وَلَمَّا أَنْجَى اللهُ تَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَذَابِ فِرْعَوْنَ وَوَصَلوا إِلى سينَاءَ مَرُّوا بِقَوْمٍ هُنَاكَ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، فَوَقَعَتْ في نُفُوسِهِمْ عِبَادَةُ العِجْلِ، فَاتَّخَذُوا لأَنفُسِهِمْ عِجْلاً عَبَدُوهُ، فَلَمَّا عَادَ مُوسَى غَضِبَ لَمَّا رَآهُمْ يَعْبُدُونَ العِجْلَ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ يَا قَوْمُ ارْتَكَبْتُمْ ظُلْماً بِحَقِّ أَنْفُسِكُمْ إِذِ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ رَبّاً، فَتُوبُوا إِلى اللهِ الذِي خَلَقَكُمْ وَبَرَأَكُمْ. وَبَيَّنَ اللهُ لَهُمْ سَبِيلَ التَّوْبَةِ التِي تَكُونُ بِقَتْلِهِمْ أَنْفُسَهُمْ، لأَِنَّ القَتْلَ يُطَهِّرُ النُّفُوسَ مِنَ الرِّجْسِ الذِي دَنَّسُوا أَنْفُسَهُمْ بِهِ، وَيَجْعَلُهُمْ أَهْلاً لِلتَّوْبَةِ. وَكَانَ ذلِكَ عَنْ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى، وَذلِكَ بَأَنْ يَقْتلَ البَرِيءُ مِنْهُمُ المُذْنِبَ، حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ جَمْعٌ كَبِيرٌ، فَدَعَا مُوسَى وَهَارُونُ رَبَّهُمَا فَأَمَرَهُمْ بِالكَفِّ عَنِ القَتْلِ، وَتَابَ اللهُ عَلَيهِمْ. وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنْ عِبَادِهِ، وَهُوَ الرَّحِيمُ بِهِمْ. فَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ هذِهِ القِصَّةَ لِبَني إِسْرَائِيلَ وَغَيرِهِمْ فِيمَا تُلْقِيهِ عَلَيهِمْ مِنَ العِظَاتِ. بَارِئِكُمْ - خَالِقِكُمْ وَمُبْدِعِكُمْ. فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ - فَلْيَقْتُلِ البَرِيءُ مِنْكُمُ المُذْنِبَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يذكّر الله تبارك وتعالى بني إسرائيل بقصة عبادة العجل، وهي قصة مخالفة خطيرة لمنهج الله ومخالفة في القمة .. عبادة الله وحده، والذي حدث أن موسى عليه السلام ذهب لميقات الله ومعه نقباء قومه ليتلقى المنهج والتوراة، وأخبره الله سبحانه وتعالى أن قومه قد ضلوا وعبدوا غير الله .. وعاد موسى وهو في قمة الغضب، وأمسك بأخيه هارون يجره من رأسه ولحيته، ويقول له لقد أخلفتك عليهم لكيلا يضلوا، فقال هارون عليه السلام: {أية : قَالَ يَبْنَؤُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} تفسير : [طه: 94]. فتنة عبادة العجل حدثت بسبب السامري .. والسامري اسمه موسى السامري ولدته أمه في الصحراء وماتت فكفله جبريل ورباه. وكان جبريل عليه السلام يأتيه على حصان .. يحمل له ما يحتاج إليه من طعام وشراب، وكان موسى السامري يرى حصان جبريل، كلما مشى على أرض يقع منه تراب فتخضر وتنبت الأرض بعد هذا التراب، وأيقن أن في حافر الحصان سرّاً، فأخذ قبضة من أثر الحصان ووضعها في العجل المصنوع من الذهب. فأخذ يحدث خواراً كأنه حي. ولا تتعجب من أن صاحب الفتنة يجد معونة من الأسباب حتى يفتن بها الناس .. لأن الله تبارك وتعالى يريد أن يمتحن خلقه، والذي يحمل دعوة الحق لابد أن يهيئه الله سبحانه وتعالى تهيئة خاصة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن ينتقل إلى المدينة .. تعرض هو والمسلمون لابتلاءات كثيرة، ولقد جاء حدث الإسراء والمعراج لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن تخلت عنه أسباب الدنيا في مكة وذهب إلى الطائف يدعو أهلها فسلطوا عليه غلمانهم وسفهاءهم فقذفوه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين، ورفع يديه إلى السماء بالدعاء المأثور: "حديث : اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ". تفسير : وليس هذا على الرسول وحده بل والمؤمنين معه، حتى أن مصعب بن عمير فتى قريش المدلل الذي كان عنده من الملابس والأموال والعبيد ما لا يعد ولا يحصى رئي بعد إسلامه وهو يرتدي جلد حمار وذلك حتى يختبر الحق سبحانه وتعالى في قلب مصعب بن عمير حبه للإيمان .. هل يحب الدنيا أكثر أو يحب الله ورسوله أكثر، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول للصحابة انظروا كيف فعل الإيمان بصاحبكم. والله تبارك وتعالى لابد أن يمحص ويختبر أولئك الذين سيحملون دعوته إلى الدنيا كلها .. لابد أن يكونوا صابرين على البلاء، أقوياء أمام خصوم الدعوة .. مستعدين لتحمل المتاعب والآلام .. لأن هذا هو دليل الصدق في الإيمان. ولذلك تجد كل دعوة ضلال تأتي بالفائدة لأصحابها .. دعوة الشيوعية يستفيد منها أعضاء اللجنة المركزية .. أما الشعب فإنه يرتدي ملابس رخيصة، ويسكن في بيوت ضيقة. أما السادة الذين ينفقون بلا حساب فهم أعضاء اللجنة المركزية .. هذه دعوة الباطل، وعكس ذلك دعوة الحق .. صاحب الدعوة هو الذي يدفع أولاً ويضحي أولاً. لا ينتفع بما يقول بل على العكس يضحي في سبيل ما يقول .. إذن الباطل يأتي بالخير لصاحب الدعوة. فإذا رأيت دعوة تغدق على أتباعها فأعلم أنها دعوة باطل .. لولا أنها أعطت بسخاء ما تبعها أحد. والآية الكريمة التي نحن بصددها هي تقريع من موسى عليه السلام لقومه الذين نجاهم الله من آل فرعون وأهلك عدوهم فاتخذوا العجل إلهاً .. ومتى حدث ذلك؟ في الوقت الذي كان موسى فيه قد ذهب لميقات ربه ليأتي بالمنهج، والذين اتخذوا العجل إلهاً .. هل ظلموا الله سبحانه وتعالى أم ظلموا أنفسهم؟ .. ظلموا أنفسهم لأنهم أوردوها مورد التهلكة دون أن يستفيدوا شيئاً .. والظالم على أنواع: ظالم في شيء أعلى أي في القمة .. وظالم في مطلوب القمة .. الظالم في القمة هو الذي يجعل الله شريكاً ولذلك قال الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13]. وعلاقة الشرك بالظلم أنك جئت بمَنْ لم يخلق ومَنْ لم يرزق شريكاً لمَنْ خلق ورزق .. وذلك الذي جعلته إلهاً كيف يعبد؟ .. العبادة طاعة العابد للمعبود .. فماذا قال لكم هذا العجل الذي عبدتموه من دون الله أن تفعلوا .. لذلك فأنتم ظالمون ظلم القمة، والظلم الآخر هو الظلم فيما شرعت القمة .. بأن أخذتم حقوق الناس واستبحتموها .. في كلتا الحالتين لا يقع الظلم على الله سبحانه وتعالى ولكن على نفسك. لماذا؟ .. لأنك آمنت بالله أو لم تؤمن. سيظل هو الله القوي القادر العزيز. لن يُنْقصَ إِيمانك أو عدم إيمانك من ملكه شيئاً. ثم تأتي يوم القيامة فيعذبك. فكأن الظلم وقع عليك، وإذا أخذت حقوق الناس فقد تتمتع بها أياماً أو أسابيع أو سنوات ثم تموت وتتركها وتأخذ العذاب. فكأنك ظلمت نفسك ولم تأخذ شيئاً .. لذلك يقول الحق جل جلاله: {أية : وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تفسير : [البقرة: 57]. وظلم الناس يعود على أنفسهم .. لأنه لا أحد من خلق الله يستطيع أن يظلم الله سبحانه وتعالى .. وقوله سبحانه {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} [البقرة: 54] .. الحق تبارك وتعالى قال في الآية السابقة {أية : عَفَوْنَا عَنكُم} تفسير : [البقرة: 52] ثم يقول في هذه الآية {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} [البقرة: 54] .. لأن التوبة هي أصل المغفرة. أنت تتوب عن فعلك للذنب وتعتزم ألا تعود لمثله أبداً ويقبل الله توبتك ويعفو عنك. وقد كان من الممكن أن يأخذهم الله بهذا الذنب ويهلكهم كما حدث بالنسبة للأمم السابقة .. أما وقد شرع الله لهم أن يتوبوا. فهذا فضل من الله وعفو .. ثم يقول الحق تبارك وتعالى: {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54] .. فانظروا إلى دقة التكليف ودقة الحيثية في قوله تعالى: {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54] الله سبحانه وتعالى يقول لهم: أنا لم أغلب عليكم خالقاً خلقكم أو آخذكم منه .. ولكن أنا الذي خلقتكم. ولكن الخالق شيء والبارئ شيء آخر .. خلق أي أوجد الشيء من عدم .. والبارئ أي سَوَّاهُ على هيئة مستقيمة وعلى أحسن تقويم .. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ * وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ} تفسير : [الأعلى: 2-3]. ومن هنا نعرف أن الخلق شيء والتسوية شيء آخر .. بارئكم مأخوذة من برئ السهم، وبرئ السهم يحتاج إلى دقة وبراعة. وقوله تعالى: {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54] لأن الذي خلقك وسواك كفرت به وعبدت سواه. فكأنك في هذه الحالة لابد أن تعيد له الحياة التي وهبها لك .. وعندما نزل حكم الله تبارك وتعالى .. جعل موسى بني إسرائيل يقفون صفوفاً. وقال لهم إن الذي لم يعبد العجل يقتل مَنْ عبده، ولكنهم حين وقفوا للتنفيذ. كان الواحد منهم يجد ابن عمه وأخاه وذوي رحمه أمامه فيشق عليه التنفيذ .. فرحمهم الله بأن بعث ضباباً يسترهم حتى لا يجدوا مشقة في تنفيذ القتل .. وقيل إنهم قتلوا من أنفسهم سبعين ألفاً. وعندما حدث ذلك استصرخ موسى وهارون ربهم .. وقالا البكية البكية. أي أبكوا عسى أن يعفو الله عنهم، ووقفوا يبكون أمام حائط المبكى فرحمهم الله. وقوله تعالى: {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} [البقرة: 54] لأن هذه الأنفس بشهوتها وعصيانها .. هي التي جعلتهم يتمردون على المنهج. إن التشريع هنا بالقتل هو كفارة الذنب، لأن الذي عبد العجل واتخذ إلهاً آخر غير الله. كونه يقدم نفسه ليقتل فهذا اعتراف منه بأن العجل الذي كان يعبده باطل .. وهو بذلك يعيد نفسه التي تمردت على منهج الله إلى العبادة الصحيحة، وهذا أقسى أنواع الكفارة .. وهو أن يقتل نفسه إثباتاً لإيمانه .. بأنه لا إله إلا الله وندماً على ما فعل وإعلاناً لذلك .. فكأن القتل هنا شهادة صادقة للعودة إلى الإيمان. وقوله تعالى {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} [البقرة: 54] .. أي أن هذه التوبة هي أصدق أنواع التوبة، وهي خير لأنها تنجيكم من عذاب الآخرة .. وقوله سبحانه: {فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: 54]. التوبة الأولى أنه شرع لكم الكفارة، والتوبة الثانية عندما تقبل منكم توبتكم .. وعفا عنكم عفواً أبدياً.

زيد بن علي

تفسير : وقولهُ تعالى: {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} أًي خَالِقِكُمْ. تفسير : وقولهُ تعالى: {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ}. قالَ: فقاموا صَفين. فَقتلَ بَعضُهُمْ بَعضاً، حتَّى قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا، فكانَتْ شَهادةً للمقتُولينَ، وتوبةً للأَحياءِ مِنهُم.

الأندلسي

تفسير : {وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} القوم اسم جمع لا واحد له من لفظه ويختص بالرجال. والبارىء الخالق وقيل: المبدع للشيء والخالق المقدر الناقل من حال إلى حال ونداؤه لهم مضافين إليه مشعره بالثخن عليهم وهزلهم لما يلقيه إليهم من أمر التوبة ونبههم على أن عبادة غير الله من الظالم وظلم الانسان نفسه أفحش من ظلم غيرها. والباء سببية في {بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ} أي وعبادته أو إلهاً. وقرىء بارئكم بكسر الهمزة وباختلاس حركتها وبإِسكانها إجراء للمنفصل مجرى المتصل كابل في إبل ولا التفات لقول المبرد أن التسكين لحن. وقرىء بالياء مكسورة فاما إبدال الهمزة ياء على غير قياس وإما أن يكون من براغير مهموز وحرك الياء، نحو قول الشاعر: ويوماً يوافينا الهوى غير ماضي. {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} أمر بإِزهاق الروح بالقتل لمن اتخذ العجل ولا يكون إلا بوحي من الله تعالى، والظاهر أنهم أمروا بقتل انفسهم فيباشر الواحد قتل نفسه وإن كانت التوبة هي القتل فيكون فاقتلوا بدلاً من فتوبوا وإن كان القتل من تمام التوبة فالفاء للتعقيب والمعنى فأتبعوا التوبة القتل تتمة لتوبتكم. {ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} إشارة إلى القتل وجهة الخيرية إنه مفض إلى الخلاص من دخول النار، وخير أحد الخيور أو أفعل التفضيل أي الهلاك العاجل خير من الهلاك الدائم على حد العسل أحلى من الخل. ولكم في موضع الصفة إن كان خيراً من الخيور ومتعلق بخير إن كان أفعل التفضيل وتكرر لفظ. {بَارِئِكُمْ} لكونه في جملتين. {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} إخبار بالتوبة عليهم وثم محذوف، أي فامتثلتم ذلك فتاب عليكم، وهاتان الجملتان مندرجتان تحت الاضافة إلى الظرف الذي هو إذ في قوله: {وَإِذْ قَالَ}. (وأجاز) الزمخشري أن يكون مندرجاً تحت قول موسى على تقدير شرط محذوف كأنه قال: فإِن فعلتم فقد تاب عليكم، فتكون الفاء إذ ذاك رابطة لجملة الجزاء بجملة الشرط المحذوف وما ذهب إليه الزمخشري لا يجوز وذلك لأن الجواب يجوز حذفه كثيراً للدلالة عليه و فعل الشرط وحده دون الأداة فيجوز حذفه إذا كان منفياً بلا في الكلام النصيح، نحو: وان لا يَعْلُ مفرقك الحسام. فإِن كان غير منفي بلا فلا يجوز إلا في ضرورة، وكذلك حذفه وإبقاء إنْ امّا حذفهما معاً وإبقاء الجواب فلا يجوز إذ لم يثبت في كلامهم وجزم الفعل بعد الأمر والنهي ليس من هذا الباب.

الجيلاني

تفسير : {وَ} ولما أنجزنا وعد موسى ورجع إلى قومه غضبان أسفاً اذكروا {إِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ} المؤمنين له والمعاهدين من بعد رجوعه عن الميقات والتورية: {يَٰقَوْمِ} الناقضون بعهدي، والمجاوزون لحدود الله {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ} إلهاً مستحقاً للعبودية {فَتُوبُوۤاْ} عن هذا الاعتقاد والاتخاذ، وارجعوا متذللين {إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} الذي برأكم من المعدم ليبرأكم عن هذا الظلم، وإذا تبتم ورجعتم {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} الأمارة بهذا الظلم، بأنوا الرياضات وترك المشتهيات والمستلذات، وقطع المألوفات وترك المستحسنات الملومين عليها بأنواع الملامات، حتى تكون مطمئنة بما فتنتم بها، راضية بجريان حكم القضاء، مرضية بالفناء بل فانية عن الفناء {ذَٰلِكُمْ} المشار إليه من الإنابة والرجوع وإبراء الذمة والإذلال بأنواع الرياضات والفناء المطلق أيضاً {خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} خالقكم الذي خلقكم للتوحيد والعرفان، وإذا تحقق إنابتكم وأخلاصكم فيها {فَتَابَ عَلَيْكُمْ} قبل توبتكم ورضي عنكم {إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ} الرجاع للعباد إلى التوبة والإنابة {ٱلرَّحِيمُ} [البقرة: 54] لهم بقبول التوبة وإن عظمت زلتهم. {وَ} اذكروا أيضاً {إِذْ قُلْتُمْ} لموسى عند دعوتكم إلى الإيمان والهداية: {يَٰمُوسَىٰ} المدعي للرسالة، الداعي إلى الله بمجرد الإخبار {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} ولما جئت به من عند ربك {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ} المرسل {جَهْرَةً} ظاهراً من غير حجاب كما يرى بعضنا بعضاً {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ} النازلة من عين قهرنا وغضنا لإنكاركم ظهورنا الذي هو أظهر من الشمس، بل الشمس إنما هي لمعة من لمعات ذاتنا {وَأَنْتُمْ} حين ترونها {تَنظُرُونَ} [البقرة: 55] متحيرين والهين بلا تدبير وتصرف، إلى أن صرتم فانين مقهورين تحت قهرنا. {ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم} أحييانكم وأنشأناكم بالتجلي اللطفي {مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} وفنائكم بالقهر والغصب امتناناً لكم {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 56] نعمة الوجود والحياة بد الموت، وتعتقدون الحشر والموعود به يوم الجزاء وتؤمنون بنه. {وَ} اذكروا أيضاً إذ {ظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} يوم لا ظل إلا ظله، وأنتم تائهنن في التيه في الصيف، بأن سار معكم حيث شئتم، ولا يزول ظله عنكم {وَ} مع ذلك أنعمناكم فيها بأعظم من ذلك بأن {أَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ} من جانب السماء {ٱلْمَنَّ} التي الترنجبين لسكن حرارتكم {وَ} أنزلنا لغذائكم {ٱلسَّلْوَىٰ} وهو السماني، أو مثله في النزول من جانب السماء، وأبحنا لكم تناولهما، ولا تكفروا بها بأن قلنا لكم: {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} من خصائص النعم واشكروا لها {وَمَا ظَلَمُونَا} بمنع المنافع ورد الفوائد {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57] من الفوائد العائدة لنفوسهم من ازدياد النعم في إدامة شكرنا، والتقرب إلينا في إقامة حدودنا.

عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي

تفسير : 16 : 130 - سفين في قوله {فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ} قال، خالقكم الذي خلقكم [الآية 54].