٢ - ٱلْبَقَرَة
2 - Al-Baqara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
55
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن هذا هو الإنعام السادس، بيانه من وجوه، أحدها: كأنه تعالى قال: اذكروا نعمتي حين قلتم لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة ثم أحييتكم لتتوبوا عن بغيكم وتتخلصوا عن العقاب وتفوزوا بالثواب، وثانيها: أن فيها تحذيراً لمن كان في زمان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن فعل ما يستحق بسببه أن يفعل به ما فعل بأولئك. وثالثها: تشبيههم في جحودهم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم بأسلافهم في جحود نبوة موسى عليه السلام مع مشاهدتهم لعظم تلك الآيات الظاهرة وتنبيهاً على أنه تعالى إنما لا يظهر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثلها لعلمه بأنه لو أظهرها لجحودها ولو جحدوها لاستحقوا العقاب مثل ما استحقه أسلافهم، ورابعها: فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم مما كان يلاقي منهم وتثبيت لقلبه على الصبر كما صبر أولو العزم من الرسل. وخامسها: فيه إزالة شبهة من يقول: إن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لو صحت لكان أولى الناس بالإيمان به أهل الكتاب لما أنهم عرفوا خبره، وذلك لأنه تعالى بين أن أسلافهم مع مشاهدتهم تلك الآيات الباهرة على نبوة موسى عليه السلام كانوا يرتدون كل وقت ويتحكمون عليه ويخالفونه فلا يتعجب من مخالفتهم لمحمد عليه الصلاة والسلام وإن وجدوا في كتبهم الأخبار عن نبوته. وسادسها: لما أخبر محمد عليه الصلاة والسلام عن هذه القصص مع أنه كان أمياً لم يشتغل بالتعلم ألبتة وجب أن يكون ذلك عن الوحي. البحث الثاني: للمفسرين في هذه الواقعة قولان، الأول: أن هذه الواقعة كانت بعد أن كلف الله عبدة العجل بالقتل، قال محمد بن اسحاق: لما رجع موسى عليه السلام من الطور إلى قومه فرأى ما هم عليه من عبادة العجل وقال لأخيه والسامري ما قال. وحرق العجل وألقاه في البحر، اختار من قومه سبعين رجلاً من خيارهم فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى: سل ربك حتى يسمعنا كلامه، فسأل موسى عليه السلام ذلك فأجابه الله إليه ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله ودنا من موسى ذلك الغمام حتى دخل فيه فقال للقوم: ادخلوا وعوا، وكان موسى عليه السلام متى كلمه ربه وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه، وسمع القوم كلام الله مع موسى عليه السلام يقول له: افعل ولا تفعل، فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة وماتوا جميعاً وقام موسى رافعاً يديه إلى السماء يدعو ويقول: يا إلهي اخترت من بني إسرائيل سبعين رجلاً ليكونوا شهودي بقبول توبتهم، فارجع إليهم وليس معي منهم واحد، فما الذي يقولون فيّ، فلم يزل موسى مشتغلاً بالدعاء حتى رد الله إليهم أرواحهم وطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العجل فقال: لا إلا أن يقتلوا أنفسهم. القول الثاني: أن هذه الواقعة كانت بعد القتل، قال السدي: لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم أمر الله تعالى أن يأتيهم موسى في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلاً، فلما أتوا الطور قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة وماتوا فقام موسى يبكي ويقول: يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل، فإني أمرتهم بالقتل ثم اخترت من بقيتهم هؤلاء، فإذا رجعت إليهم ولا يكون معي منهم أحد فماذا أقول لهم؟ فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذوا العجل إلهاً فقال موسى: {أية : إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } تفسير : [الأعراف: 155] إلى قوله: {أية : إِنَّا هُدْنَـا إِلَيْكَ } تفسير : [الأعراف: 156] ثم إنه تعالى أحياهم فقاموا ونظر كل واحد منهم إلى الآخر كيف يحييه الله تعالى، فقالوا: يا موسى إنك لا تسأل الله شيئاً إلا أعطاك فادعه يجعلنا أنبياء، فدعاه بذلك فأجاب الله دعوته. واعلم أنه ليس في الآية ما يدل على ترجيح أحد القولين على الآخر وكذلك ليس فيها ما يدل على أن الذين سألوا الرؤية هم الذين عبدوا العجل أو غيرهم. أما قوله تعالى: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } فمعناه لا نصدقك ولا نعترف بنبوتك حتى نرى الله جهرة (أي) عياناً. قال صاحب الكشاف: وهي مصدر من قولك: جهرت بالقراءة وبالدعاء كأن الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية والذي يرى بالقلب مخافت بها وانتصار بها على المصدر لأنها نوع من الرؤية، فنصبت بفعلها كما ينصب القرفصاء بفعل الجلوس أو على الحال بمعنى ذوي جهرة وقرىء جهرة بفتح الهاء وهي إما مصدر كالغلبة وإما جمع جاهر، وقال القفال أصل الجهرة من الظهور يقال جهرت الشيء إذا كشفته وجهرت البئر إذا كان ماؤها مغطى بالطين فنقيته حتى ظهر ماؤه ويقال صوت جهير ورجل جهوري الصوت، إذا كان صوته عالياً، ويقال: وجه جهير إذا كان ظاهر الوضاءة، وإنما قالوا: جهرة تأكيداً لئلا يتوهم متوهم أن المراد بالرؤية العلم أو التخيل على (نحو) ما يراه النائم. أما قوله تعالى: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ } ففيه أبحاث: البحث الأول: استدلت المعتزلة بذلك على أن رؤية الله ممتنعة، قال القاضي عبد الجبار: إنها لو كانت جائزة لكانوا قد التمسوا أمراً مجوزاً فوجب أن لا تنزل بهم العقوبة كما لم تنزل بهم العقوبة لما التمسوا النقل من قوت إلى قوت وطعام إلى طعام في قوله تعالى: {أية : لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وٰحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلأَرْضُ } تفسير : [البقرة: 61]، وقال أبو الحسين في كتاب التصفح: إن الله تعالى ما ذكر سؤال الرؤية إلا استعظمه، وذلك في آيات. أحدها: هذه الآية فإن الرؤية لو كانت جائزة لكان قولهم: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) كقول الأمم لأنبيائهم: لن نؤمن إلا بإحياء ميت في أنه لا يستعظم ولا تأخذهم الصاعقة. وثانيها: قوله تعالى: {أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ أَن تُنَزّلَ عَلَيْهِمْ كِتَـٰباً مّنَ ٱلسَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً فأخذتهم الصاعقة بظلمهم} تفسير : [النساء: 153]، فسمى ذلك ظلماً وعاقبهم في الحال، فلو كانت الرؤية جائزة لجرى سؤالهم لها مجرى من يسأل معجزة زائدة. فإن قلت أليس إنه سبحانه وتعالى قد أجرى إنزال الكتاب من السماء مجرى الرؤية في كون كل واحد منهما عتوا، فكما أن إنزال الكتاب غير ممتنع في نفسه فكذا سؤال الرؤية. قلت: الظاهر يقتضي كون كل واحد منهما ممتنعاً ترك العمل به في إنزال الكتاب فيبقى معمولاً به في الرؤية. وثالثها: قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلَـئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِى أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً } تفسير : [الفرقان: 21] فالرؤية لو كانت جائزة وهي عند مجزيها من أعظم المنافع لم يكن التماسها عتواً لأن من سأل الله تعالى نعمة في الدين أو الدنيا لم يكن عاتياً وجرى ذلك مجرى ما يقال: لن نؤمن لك حتى يحيي الله بدعائك هذا الميت. واعلم أن هذه الوجوه مشتركة في حرف واحد وهو أن الرؤية لو كانت جائزة لما كان سؤالها عتواً ومنكراً، وذلك ممنوع. و قوله: إن طلب سائر المنافع من النقل من طعام إلى طعام لما كان ممكناً لم يكن طالبه عاتياً وكذا القول في طلب سائر المعجزات. قلنا: ولم قلت إنه لما كان طالب ذلك الممكن ليس بعات وجب أن يكون طالب كل ممكن غير عات والاعتماد في مثل هذا الموضع على ضروب الأمثلة لا يليق بأهل العلم وكيف وأن الله تعالى ما ذكر الرؤية إلا وذكر معها شيئاً ممكناً حكمنا بجوازه بالاتفاق وهو إما نزول الكتاب من السماء أو نزول الملائكة. وأثبت صفة العتو على مجموع الأمرين، وذلك كالدلالة القاطعة في أن صفة العتو ما حصلت لأجل كون المطلوب ممتنعاً. أما قول أبي الحسين: الظاهر يقتضي كون الكل ممتنعاً ترك العمل به في البعض فيبقى معمولاً به في الباقي. قلنا: إنك ما أقمت دليلاً على أن الاستعظام لا يتحقق إلا إذا كان المطلوب ممتنعاً وإنما عولت فيه على ضروب الأمثلة، والمثال لا ينفع في هذا الباب، فبطل قولك: الظاهر يقتضي كون الكل ممتنعاً. فظهر بما قلنا سقوط كلام المعتزلة. فإن قال قائل: فما السبب في استعظام سؤال الرؤية؟ الجواب في ذلك يحتمل وجوهاً. أحدها: أن رؤية الله تعالى لا تحصل إلا في الآخرة، فكان طلبها في الدنيا مستنكراً. وثانيها: أن حكم الله تعالى أن يزيل التكليف عن العبد حال ما يرى الله فكان طلب الرؤية طلباً لإزالة التكليف وهذا على قول المعتزلة أولى، لأن الرؤية تتضمن العلم الضروري والعلم الضروري ينافي التكليف، وثالثها: أنه لما تمت الدلائل على صدق المدعي كان طلب الدلائل الزائدة تعنتاً والمتعنت يستوجب التعنيف، ورابعها: لا يمتنع أن يعلم الله تعالى أن في منع الخلق عن رؤيته سبحانه في الدنيا ضرباً من المصلحة المهمة، فلذلك استنكر طلب الرؤية في الدنيا كما علم أن في إنزال الكتاب من السماء وإنزال الملائكة من السماء مفسدة عظيمة فلذلك استنكر طلب ذلك والله أعلم. البحث الثاني: للمفسرين في الصاعقة قولان. الأول: أنها هي الموت وهو قول الحسن وقتادة واحتجوا عليه بقوله تعالى: {أية : فَصَعِقَ مَن فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَن فِى ٱلأرْضِ إِلاَّ مَن شَاء ٱللَّهُ } تفسير : [الزمر: 68]، وهذا ضعيف لوجوه. أحدها: قوله تعالى: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } ولو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونهم ناظرين إلى الصاعقة، وثانيها: أنه تعالى قال في حق موسى: {أية : وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا } تفسير : [الأعراف: 143] أثبت الصاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتاً لأنه قال: {فَلَمَّا أَفَاقَ } والإفاقة لا تكون عن الموت بل عن الغشي، وثالثها: أن الصاعقة وهي التي تصعق وذلك إشارة إلى سبب الموت. ورابعها: أن ورودها وهم مشاهدون لها أعظم في باب العقوبة منها إذا وردت بغتة وهم لا يعلمون. ولذلك قال: {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } منبهاً على عظم العقوبة، القول الثاني: وهو قول المحققين: إن الصاعقة هي سبب الموت ولذلك قال في سورة الأعراف: {فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ } واختلفوا في أن ذلك السبب أي شيء كان على ثلاثة أوجه. أحدها: أنها نار وقعت من السماء فأحرقتهم. وثانيها: صيحة جاءت من السماء، وثالثها: أرسل الله تعالى جنوداً سمعوا بخسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة. أما قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ } لأن البعث قد (لا) يكون إلا بعد الموت، كقوله تعالى: {أية : فَضَرَبْنَا عَلَىٰ ءاذَانِهِمْ فِى ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ بَعَثْنَـٰهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَدًا } تفسير : [الكهف: 11، 12]. فإن قلت: هل دخل موسى عليه السلام في هذا الكلام؟ قلت: لا، لوجهين. الأول: أنه خطاب مشافهة فلا يجب أن يتناول موسى عليه السلام. الثاني: أنه لو تناول موسى لوجب تخصيصه بقوله تعالى في حق موسى: {فَلَمَّا أَفَاقَ } مع أن لفظة الإفاقة لا تستعمل في الموت، وقال ابن قتيبة: إن موسى عليه السلام قد مات وهو خطأ لما بيناه. أما قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } فالمراد أنه تعالى إنما بعثهم بعد الموت في دار الدنيا ليكلفهم وليتمكنوا من الإيمان ومن تلافي ما صدر عنهم من الجرائم، أما أنه كلفهم فلقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } ولفظ الشكر يتناول جميع الطاعات لقوله تعالى: {أية : ٱعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودُ شُكْرَاً } تفسير : [سبأ: 13]، فإن قيل: كيف يجوز أن يكلفهم وقد أماتهم ولو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكلف أهل الآخرة إذا بعثهم بعد الموت؟ قلنا: الذي يمنع من تكليفهم في الآخرة ليس هو الإماتة ثم الإحياء، وإنما يمنع من ذلك أنه قد اضطرهم يوم القيامة إلى معرفته وإلى معرفة ما في الجنة من اللذات وما في النار من الآلام وبعد العلم الضروري لا تكليف فإذا كان المانع هو هذا لم يمتنع في هؤلاء الذين أماتهم الله بالصاعقة أن لا يكون قد اضطرهم، وإذا كان كذلك صح أن يكلفوا من بعد ويكون موتهم ثم الإحياء بمنزلة النوم أو بمنزلة الإغماء. ونقل عن الحسن البصري أنه تعالى قطع آجالهم بهذه الإماتة ثم أعادهم كما أحيا الذي أماته حين مر على قرية وهي خاوية على عروشها وأحيا الذين أماتهم بعدما خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت وهذا ضعيف لأنه تعالى ما أماتهم بالصاعقة إلا وقد كتب وأخبر بذلك فصار ذلك الوقت أجلاً لموتهم الأول ثم الوقت الآخر أجلاً لحياتهم. وأما استدلال المعتزلة بقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } على أنه تعالى يريد الإيمان من الكل فجوابنا عنه قد تقدم مراراً فلا حاجة إلى الإعادة.
القرطبي
تفسير : فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ} معطوف. {يَامُوسَىٰ} نداء مفرد. {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} أي نصدّقك. {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} قيل: هم السبعون الذين ٱختارهم موسى؛ وذلك أنهم لما أسمعهم كلام الله تعالى قالوا له بعد ذلك: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ}. والإيمان بالأنبياء واجب بعد ظهور معجزاتهم. فأرسل الله عليهم ناراً من السماء فأحرقهم؛ ثم دعا موسى ربه فأحياهم؛ كما قال تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ}. وستأتي قصة السبعين في الأعراف إن شاء الله تعالى. قال ٱبن فُورَك: يحتمل أن تكون معاقبتهم لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه بقولهم لموسى: {أية : أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً} تفسير : [النساء: 153] وليس ذلك من مقدور موسى عليه السلام. وقد ٱختُلِف في جواز رؤية الله تعالى؛ فأكثر المبتدعة على إنكارها في الدنيا والآخرة. وأهل السُّنَّة والسلف على جوازها فيهما ووقوعها فى الآخرة؛ فعلى هذا لم يطلبوا من الرؤية محالاً؛ وقد سألها موسى عليه السلام. وسيأتي الكلام في الرؤية في «الأنعام» و «الأعراف» إن شاء الله تعالى. الثانية: قوله تعالى: {جَهْرَةً} مصدر في موضع الحال، ومعناه علانية. وقيل عِيانا؛ قاله ٱبن عباس. وأصل الجهر الظهور؛ ومنه الجهر بالقراءة إنما هو إظهارها. والمجاهرة بالمعاصي: المظاهرة بها. ورأيت الأمير جِهاراً وجهرة؛ أي غير مستتر بشيء. وقرأ ٱبن عباس «جَهَرة» بفتح الهاء. وهما لغتان؛ مثل زَهْرة وزَهَرة. وفي الجهر وجهان: أحدهما: أنه صفة لخطابهم لموسى أنهم جهروا به وأعلنوا؛ فيكون في الكلام تقديم وتأخير؛ والتقدير: وإذ قلتم جهرة يا موسى. الثاني: أنه صفة لما سألوه من رؤية الله تعالى أن يروه جهرة وعِيانا؛ فيكون الكلام على نسقه لا تقديم فيه ولا تأخير. وأكّد بالجهر فرقاً بين رؤية العيان ورؤية المنام. الثالثة: قوله تعالى: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} قد تقدّم في أوّل السورة معنى الصاعقة. وقرأ عمر وعثمان وعليّ «الصَّعْقة»، وهي قراءة ٱبن مُحَيْصِن في جميع القرآن. {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} جملة في موضع الحال. ويقال: كيف يموتون وهم ينظرون؟ فالجواب أن العرب تقول: دور آل فلان تراءى؛ أي يقابل بعضها بعضاً. وقيل: المعنى «تنظرون» أي إلى حالكم وما نزل بكم من الموت وآثار الصعقة. الرابعة: قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} أي أحييناكم. قال قتادة: ماتوا وذهبت أرواحهم ثُمّ ردوا لاستيفاء آجالهم. قال النحاس: وهذا ٱحتجاج على من لم يؤمن بالبعث من قريش، وٱحتجاج على أهل الكتاب إذ خبروا بهذا، والمعنى {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ما فعل بكم من البعث بعد الموت. وقيل: ماتوا مَوْتَ همودٍ يعتبر به الغير، ثم أرسلوا. وأصل البعث الإرسال. وقيل: بل أصله إثارة الشيء من محله؛ يقال: بعثت الناقة: أثرتها، أي حركتها؛ قال ٱمرؤ القيس:شعر : وفتيان صدْق قد بعثتُ بسُحْرة فقاموا جميعاً بين عاثٍ ونَشْوان تفسير : وقال عنترة:شعر : وصحابةٍ شُمّ الأنوف بعثتهم ليلاً وقد مال الكرى بُطلاها تفسير : وقال بعضهم: {بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} علّمناكم من بعد جهلكم. قلت: والأوّل أصح؛ لأن الأصل الحقيقةُ، وكان موت عقوبة؛ ومنه قوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ}تفسير : [البقرة: 243] على ما يأتي. الخامسة: قال الماوَرْدِيّ: وٱختُلِف في بقاء تكليفَ من أعيد بعد موته ومعاينة الأحوال المضطرة إلى المعرفة على قولين: أحدهما: بقاء تكليفهم لئلا يخلو عاقل مِن تعبّد. الثاني: سقوط تكليفهم معتبراً بالاستدلال دون الاضطرار. قلت: والأوّل أصح، فإن بني إسرائيل قد رأوا الجبل في الهواء ساقطاً عليهم والنار محيطة بهم؛ وذلك مما ٱضطرهم إلى الإيمان، وبقاء التكليف ثابت عليهم؛ ومثلهم قوم يونس. ومحال أن يكونوا غير مكلَّفين. والله أعلم.
البيضاوي
تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ } أي لأجل قولك، أو لن نقر لك. {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً } عياناً وهي في الأصل مصدر قولك: جهرت بالقراءة، استعيرت للمعاينة، ونصبها على المصدر لأنها نوع من الرؤية، أو الحال من الفاعل، أو المفعول. وقرىء جهرة بالفتح على أنها مصدر كالغلبة، أو جمع جاهر كالكتبة فيكون حالاً من الفاعِل قطعاً، والقائلون هم السبعون الذين اختارهم موسى عليه السلام للميقات. وقيل عشرة آلاف من قومه. والمؤمن به: إن الله الذي أعطاك التوراة وكلمك، أو إنك نبي. {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ } لفرط العناد والنعت وطلب المستحيل، فإنهم ظنوا أنه تعالى يشبه الأجسام فطلبوا رؤيته رؤية الأجسام في الجهات والأحياز المقابلة للرائي، وهي محال، بل الممكن أن يرى رؤية منزهة عن الكيفية، وذلك للمؤمنين في الآخرة ولأفراد من الأنبياء في بعض الأحوال في الدنيا. قيل جاءت نار من السماء فأحرقتهم. وقيل صيحة. وقيل جنود سمعوا بحسيسها فخروا صعقين ميتين يوماً وليلة. {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } ما أصابكم بنفسه أو أثره.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في بعثي لكم بعد الصعق إذ سألتم رؤيتي جهرة عياناً مما لا يستطاع لكم ولا لأمثالكم، كما قال ابن جريج: قال ابن عباس في هذه الآية: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} قال: علانية، وكذا قال إبراهيم بن طهمان عن عباد بن إسحاق عن أبي الحويرث عن ابن عباس، أنه قال في قول الله تعالى: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} أي: علانية، أي: حتى نرى الله، وقال قتادة والربيع بن أنس: {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} أي: عياناً، وقال أبو جعفر عن الربيع بن أنس: هم السبعون الذين اختارهم موسى، فساروا معه، قال: فسمعوا كلاماً، فقالوا: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} قال: فسمعوا صوتاً، فصعقوا، يقول: ماتوا. وقال مروان بن الحكم، فيما خطب به على منبر مكة: الصاعقة صيحة من السماء، وقال السدي في قوله: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ} الصاعقة: نار، وقال عروة بن رويم في قوله: { وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} قال: صعق بعضهم، وبعض ينظرون، ثم بعث هؤلاء، وصعق هؤلاء، وقال السدي: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ} فماتوا، فقام موسى يبكي ويدعو الله، ويقول: رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم؟ {أية : لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ}تفسير : [الأعراف: 155] فأوحى الله إلى موسى أن هؤلاء السبعين ممن اتخذواالعجل، ثم إن الله أحياهم، فقاموا وعاشوا، رجل رجل، ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون؟ قال: فذلك قوله تعالى: { ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} وقال الربيع بن أنس: كان موتهم عقوبة لهم، فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم، وكذا قال قتادة، وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن حميد حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، قال: لما رجع موسى إلى قومه، فرأى ما هم عليه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل، وذراه في اليم، اختار موسى منهم سبعين رجلاً الخير فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله، وتوبوا إلى الله مما صنعتم، واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقّته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون، فيما ذكر لي حين صنعوا ما أمروا به، وخرجوا للقاء الله، قالوا: يا موسى، اطلب لنا إلى ربك نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل، وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى، فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام، وقعوا سجوداً، فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه: افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره، انكشف عن موسى الغمام، فأقبل إليهم، فقالوا لموسى: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} فأخذتهم الرجفة، وهي الصاعقة، فماتوا جميعاً، وقام موسى يناشد ربه، ويدعوه، ويرغب إليه، ويقول: {أية : رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّـٰىَ}تفسير : [الأعراف: 155] قد سفهوا، أفتهلك من ورائي من بني إسرائيل بما يفعل السفهاء منا؟ أي: إن هذا لهم هلاك، واخترت منهم سبعين رجلاً، الخير فالخير، أرجع إليهم وليس معي منهم رجل واحد، فما الذي يصدقوني به ويأمنوني عليه بعد هذا؟ {أية : إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف: 156] فلم يزل موسى يناشد ربه عز وجل، ويطلب إليه، حتى رد إليهم أرواحهم، وطلب إليهم التوبة لبني إسرائيل من عبادة العجل، فقال: لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم - هذا سياق محمد بن إسحاق - وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير: لما تابت بنو إسرائيل من عبادة العجل، وتاب الله عليهم بقتل بعضهم لبعض كما أمرهم الله به، أمر الله موسى أن يأتيه في كل أناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، وواعدهم موسى، فاختار موسى سبعين رجلاً على عينه، ثم ذهب بهم ليعتذروا، وساق البقية، وهذا السياق يقتضي أن الخطاب توجه إلى بني إسرائيل في قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} والمراد السبعون المختارون منهم، ولم يحك كثير من المفسرين سواه، وقد أغرب الرازي في تفسيره حين حكى في قصة هؤلاء السبعين: أنهم بعد إحيائهم قالوا: يا موسى إنك لا تطلب من الله شيئاً إلا أعطاك، فادعه أن يجعلنا أنبياء، فدعا بذلك، فأجاب الله دعوته، وهذا غريب جداً، إذ لا يعرف في زمان موسى نبي سوى هارون، ثم يوشع بن نون، وقد غلط أهل الكتاب أيضاً في دعواهم أن هؤلاء رأوا الله عز وجل، فإن موسى الكليم عليه السلام قد سأل ذلك، فمنع منه، فكيف يناله هؤلاء السبعون؟ القول الثاني في الآية: قال عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم في تفسير هذه الآية: قال لهم موسى لما رجع من عند ربه بالألواح قد كتب فيها التوراة، فوجدهم يعبدون العجل، فأمرهم بقتل أنفسهم ففعلوا، فتاب الله عليهم، فقال: إن هذه الألواح فيها كتاب الله، فيه أمركم الذي أمركم به، ونهيكم الذي نهاكم عنه، فقالوا: ومن يأخذه بقولك أنت؟ لا والله حتى نرى الله جهرة، حتى يطلع الله علينا فيقول: هذا كتابي فخذوه، فما له لا يكلمنا كما يكلمك أنت يا موسى؟ وقرأ قول الله: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} قال: فجاءت غضبة من الله، فجاءتهم صاعقة بعد التوبة، فصعقتهم، فماتوا أجمعون، قال: ثم أحياهم الله من بعد موتهم، وقرأ قول الله: { ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فقال لهم موسى: خذوا كتاب الله، فقالوا: لا، فقال: أي شيء أصابكم؟ فقالوا: أصابنا أنا متنا ثم أحيينا، قال: خذوا كتاب الله، قالوا: لا، فبعث الله ملائكة، فنتقت الجبل فوقهم. وهذا السياق يدل على أنهم كلفوا بعد ما أحيوا. وقد حكى الماوردي في ذلك قولين: أحدهما: أنه سقط التكليف عنهم لمعاينتهم الأمر جهرة حتى صاروا مضطرين إلى التصديق، والثاني: أنهم مكلفون لئلا يخلو عاقل من تكليف، قال القرطبي: وهذا هو الصحيح؛ لأن معاينتهم للأمور الفظيعة لا تمنع تكليفهم؛ لأن بني إسرائيل قد شاهدوا أموراً عظاماً من خوارق العادات، وهم في ذلك مكلفون، وهذا واضح، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ } وقد خرجتم مع موسى لتعتذروا إلى الله من عبادة العجل وسمعتم كلامه { يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً } عيانا {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ } الصيحة فمُتُّم {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } ما حلّ بكم.
الشوكاني
تفسير : قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ } هذه الجملة معطوفة على التي قبلها، وظاهر السياق أن القائلين هذه المقالة هم: قوم موسى. وقيل هم السبعون الذين اختارهم. وذلك أنهم لما سمعوا كلام الله قالوا له بعد ذلك هذه المقالة، فأرسل الله عليهم ناراً فأحرقتهم، ثم دعا موسى ربه، فأحياهم كما قال تعالى هنا: {ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ } وسيأتي ذلك في الأعراف إن شاء الله. والجهرة: المعاينة، وأصلها الظهور، ومنه الجهر بالقراءة، والمجاهرة بالمعاصي، ورأيت الأمر جهرة وجهاراً: أي غير مستتر بشيء، وهي مصدر واقع موقع الحال، وقرأ ابن عباس: «جهرة» بفتح الهاء، وهي لغتان مثل زهرة، وزهرة، ويحتمل أن يكون على هذه القراءة جمع جاهر. والصاعقة قد تقدم تفسيرها، وقرأ عمر، وعثمان وعليّ: «الصعقة» وهي قراءة ابن محيصن، والمراد بأخذ الصاعقة إصابتها إياهم. {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } في محل نصب على الحال، والمراد من هذا النظر الكائن منهم أنهم نظروا أوائل الصاعقة النازلة بهم الواقعة عليهم. لا آخرها الذي ماتوا عنده، وقيل المراد بالصاعقة الموت، واستدل عليه بقوله: {ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ } ولا موجب للمصير إلى هذا التفسير، لأن المصعوق قد يموت كما في هذه الآية، وقد يغشى عليه، ثم يفيق كما في قوله تعالى: {أية : وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ } تفسير : [الأعراف: 143] ومما يوجب بُعْد ذلك قوله: {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ } فإنها لو كانت الصاعقة عبارة عن الموت لم يكن لهذه الجملة كبير معنى، بل قد يقال: إنه لا يصح أن ينظروا الموت النازل بهم، إلا أن يكون المراد نظر الأسباب المؤثرة للموت. والمراد بقوله: {ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم } الإحياء لهم لوقوعه بعد الموت، وأصل البعث الإثارة للشيء من محله، يقال: بعثت الناقة، أي: أثرتها، ومنه قول امرىء القيس:شعر : وإخوان صدقٍ قد بَعَثْت بِسحْرِة فَقَامُوا جَمِيعاً بين غَاثٍ ونشوان تفسير : وقول عنترة:شعر : وصحابةٌ شُمُ الأُنوف بَعْثتَهم لَيلاً وَقد مَال الكرَى بطلاها تفسير : وإنما عوقبوا بأخذ الصاعقة لهم؛ لأنهم طلبوا ما لم يأذن الله به من رؤيته في الدنيا. وقد ذهبت المعتزلة ومن تابعهم إلى إنكار الرؤية في الدنيا والآخرة، وذهب من عداهم إلى جوازها في الدنيا، والآخرة، ووقوعها في الآخرة. وقد تواترت الأحاديث الصحيحة بأن العباد يرون ربهم في الآخرة، وهي قطعية الدلالة، لا ينبغي لمنصف أن يتمسك في مقابلها بتلك القواعد الكلامية التي جاء بها قدماء المعتزلة، وزعموا أن العقل قد حكم بها، دعوى مبنية على شفا جُرُف هار، وقواعد لا يغترّ بها إلا من لم يحظ من العلم النافع بنصيب، وسيأتيك إن شاء الله بيان ما تمسكوا به من الأدلة القرآنية، وكلها خارج عن محل النزاع، بعيد من موضع الحجة، وليس هذا موضع المقال في هذه المسألة. قوله: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ } أي: فعلناه كالظلة، والغمام جمع غمامة كسحابة، وسحاب، قاله الأخفش: قال الفراء ويجوز غمائم. وقد ذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر، والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين. والمنّ: قيل هو: الترنجبين. قال النحاس: هو بتشديد الراء، وإسكان النون، ويقال: الطرَّنجبين بالطاء، وعلى هذا أكثر المفسرين، وهو: طلٌّ ينزل من السماء على شجر، أو حجر، ويحلو، وينعقد عسلاً، ويجفّ جفاف الصمغ، ذكر معناه في القاموس، وقيل إن المنّ العسل، وقيل شراب حلو، وقيل خبز الرقاق، وقيل إنه مصدر يعمّ جميع ما مَنَّ الله به على عباده، من غير تعب، ولا زرع، ومنه ما ثبت في صحيح البخاري، ومسلم، من حديث سعيد بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : أن الكمأة من المنّ الذي أنزل على موسى»تفسير : . وقد ثبت مثله من حديث أبي هريرة عند أحمد، والترمذي، ومن حديث جابر، وأبي سعيد، وابن عباس عند النسائي. والسلوى: قيل هو: السُمَاني، كحبارى، طائر يذبحونه، فيأكلونه. قال ابن عطية: السلوى طير بإجماع المفسرين، وقد غلط الهذلي فقال:شعر : وقاسمهما بالله جَهْداً لأنتُما ألذُّ من السَلوى إذا ما أشورها تفسير : ظنّ أن السلوى العسل. قال القرطبي: ما ادعاه من الإجماع لا يصح. وقد قال المؤرج أحد علماء اللغة، والتفسير: إنه العسل. واستدل ببيت الهذلي، وذكر أنه كذلك بلغة كنانة، وأنشد:شعر : لو شربت السُّلوان ما سلوت ما بي غنا عنك وإن غنيت تفسير : وقال الجوهري: والسلوى العسل. قال الأخفش: السلوى لا واحد له من لفظه مثل الخير والشرّ، وهو يشبه أن يكون واحده سلوى. وقال الخليل: واحده سلواة، وأنشد:شعر : وإني لتعروني لذكراك سلوة كما انتفض السلواة من سلكه القطر تفسير : وقال الكسائي: السلوى واحدة، وجمعه سلاوى. وقوله: {كلوا} أي: قلنا لهم كلوا، وفي الكلام حذف، والتقدير: قلنا كلوا فعصوا، ولم يقابلوا النعم بالشكر، فظلموا أنفسهم، وما ظلمونا، فحذف هذا لدلالة {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } عليه، وتقديم الأنفس هنا يفيد الاختصاص. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً } قال: علانية. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن أنس قال: هم: السبعون الذين اختارهم موسى {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ } قال: ماتوا {ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ } قال: فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم } نحوه. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ } قال: غمام أبرد من هذا، وأطيب، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر، وكان معهم في التيه. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ } قال: كان هذا الغمام في البرية ظلل عليهم الغمام من الشمس، وأطعمهم المنّ، والسلوى حين برزوا إلى البرية، فكان المنّ يسقط عليهم في محلتهم سقوط الثلج أشدّ بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فيأخذ الرجل قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإن تعدى ذلك فسد ما يبقى عنده، حتى إذا كان يوم سادسه يوم جمعته أخذ ما يكفيه ليوم سادسه، ويوم سابعه فبقي عنده، لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر المعيشة، ولا لطلبة شيء، وهذا كله في البرية. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال: المنّ شيء أنزل الله عليهم مثل الطلّ، والسلوى: طير أكبر من العصفور. وأخرج وكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد، قال: المنّ صمغة، والسلوى: طائر. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي قال: قالوا: يا موسى كيف لنا بما ها هنا أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ، فكان يسقط على الشجرة الترنجبين. وأخرجوا عن وهب أنه سئل ما المنّ؟ قال: خبز الرقاق، مثل الذرة، أو مثل النوى. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: المنّ شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء، ثم يشربونه. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان المنّ ينزل عليهم بالليل على الأشجار، فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاءوا، والسلوى طائر يشبه السماني، كانوا يأكلون منه ما شاءوا. وأخرج ابن جرير عنه نحوه. وأخرج ابن جرير، عن ابن مسعود وناس من الصحابة، في السلوى مثله. وقد روى نحو ذلك عن جماعة من التابعين، ومن بعدهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَمَا ظَلَمُونَا } قال نحن أعزّ من أن نظلم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } قال: يضرّون.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {... حَتَّى نَرى اللهَ جَهْرَةً} فيه تأويلان: أحدهما: علانية، وهو قول ابن عباس. والثاني: عياناً، وهو قول قتادة. وأصل الجهر الظهور، ومنه الجهر بالقراءة، إنما هو إظهارها، والمجاهرة بالمعاصي: المظاهرة بها. {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} يعني الموت، {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} ما نزل بكم من الموت. قوله عز وجل: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} يعني الذين ماتوا بالصاعقة، وهم السبعون الذين اختارهم موسى ليستمعوا مناجاة ربَّه له بعد أن تاب على من عبد العجل. وفي قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ} تأويلان: أحدهما: أنه إحياؤهم بعد موتهم لاستكمال آجالهم، وهذا قول قتادة. والثاني: أنهم بعد الإحياء سألوا أن يبعثوا أنبياء فبعثهم الله أنبياء، وهذا قول السُّدِّيِّ. وأصل البعث الإرسال، وقيل: بل أصله: إثارة الشيء من محلِّه.
ابن عبد السلام
تفسير : {جَهْرَةً} علانية، أو عياناً، وأصل الجهر: الظهور، ومنه جهر بالقراءة، وجاهر بالمعاصي. {الصَّاعِقَةُ} الموت.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك} أي لن نصدقك {حتى نرى الله جهرة} أي عياناً وذلك أن الله عز وجل أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار موسى من قومه سبعين رجلاً من خيارهم وقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم، ففعلوا وخرج بهم موسى إلى طور سيناء لميقات ربه فقالوا لموسى: اطلب لنا أن نسمع كلام ربنا قال: أفعل فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغمام وتغشى الجبل كله فدخل موسى في الغمام، وقال للقوم: ادنوا حتى دخلوا تحت الغمام وخروا سجداً وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجه نور ساطع فلا يستطيع أحد أن ينظر إليه فضرب دونهم الحجاب وسمعوه يكلم موسى يأمره وينهاكم وأسمعهم الله تعالى: (إني أنا الله لا إله إلا أنا ذو بكة أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدوني ولا تعبدوا غيري فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) وإنما قالوا: جهرة توكيد للرؤية لئلا يتوهم متوهم أن المراد بالرؤية العلم {فأخذتكم الصاعقة} قيل: هي الموت وفيه ضعف لأن قوله وأنتم تنظرون يرده إذ لو كان منها الموت لامتنع كونهم ناظرين إليها وقيل: إن الصاعقة هي سبب الموت واختلفوا في ذلك السبب فقيل: إن ناراً نزلت من السماء فأحرقتهم. وقيل: جاءت صيحة من السماء وقيل: أرسل جموعاً من الملائكة فسمعوا بحسهم فخروا صعقين {وأنتم تنظرون} أي ينظر بعضكم إلى بعض كيف يأخذه الموت فلما هلكوا جعل موسى يبكي ويتضرع ويقول إلهي ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد هلك خيارهم "لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا" فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله رجلاً بعد رجل، بعد ما ماتوا يوماً وليلة ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون فذلك قوله تعالى: {ثم بعثناكم} أي أحييناكم {من بعد موتكم} أي لتستوفوا بقية آجالكم وأرزاقكم ولو أنهم كانوا قد ماتوا لانقضاء آجالهم لم يبعثوا إلى يوم القيامة {لعلكم تشكرون} قوله عز وجل: {وظللنا عليكم الغمام} يعني في التيه يقيكم حر الشمس، وذلك أنه لم يكن لهم في التيه شيء يسترهم ولا يستظلون به فشكوا إلى موسى فأرسل الله غماماً أبيض رقيقاً يسترهم من الشمس وجعل لهم عموداً من نور يضيء لهم الليل إذا لم يكن قمر {وأنزلنا عليكم المن والسلوى} أي في التيه الأكثرون على أن المن هو الترنجبين وقيل: هو شيء كالصمغ يقع على الشجر طعمه كالشهد. وقال وهب: هو الخبز الرقاق، وأصل المن هو ما يمن الله به من غير تعب (ق) عن سعيد بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين" تفسير : ومعنى الحديث أن الكمأة شيء أنبته الله من غير سعي أحد ولا مؤنة وهو بمنزلة المن الذي كان ينزل على بني إسرائيل، وقوله: وماؤها شفاء للعين معناه أن يخلط مع الأدوية فينتفع به لا أنه يقطر ماؤها بحتاً في العين وقيل: إن تقطيره في العين ينفع لكن لوجع مخصوص، وليس يوافق كل وجع العين وكان هذا المن ينزل على أشجارهم في كل ليلة من وقت السحر إلى طلوع الشمس، كالثلج لكل إنسان صاع فقالوا: يا موسى قد قتلنا هذا المن بحلاوته، فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم فأرسل الله عليهم السلوى، وهو طائر يشبه السماني وقيل هو السماني بعينه فكان الرجل يأخذ ما يكفيه يوماً وليلة، فإذا كان يوم الجمعة يأخذ ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل يوم السبت شيء {كلوا} أي وقلنا لهم كلوا {من طيبات} أي حلالات {ما رزقناكم} أي ولا تدخروا لغد فخالفوا وادخروا فدود وفسد، فقطع الله عنهم ذلك (ق) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر" تفسير : قوله: لم يخنز اللحم لم ينتن ولم يتغير {وما ظلمونا} أي وما بخسوا حقنا {ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} يعني بأخذهم أكثر مما حولهم فاستحقوا بذلك عذابي وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مؤنة ولا تعب في الدنيا ولا حساب في العقبى.
ابن عرفة
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ...} أي لن ندوم على الإيمان لك فليس هو ردة، لأنّه من قول السبعين، وقد كانوا آمنوا به، وفيه دليل على أن رؤية الله سبحانه وتعالى ممكنة جائزة عقلا لطلبهم ذلك. فإن قلت: لم يقم الدليل على صحة طلبهم، فلعلهم أخطؤوا في الطلب؟ قلنا: نص العميدي في الجدل وغيره إذا وقع الشك في شيء إنما يحمل على الأمر الغالب فيه، والغالب في هؤلاء أنهم ما يطلبون إلا الأمر الممكن عقلا، فأخبر الشارع أنه غير واقع. قال ابن عرفة: واستشكل القرطبي تكليفهم بعد إحيائهم من الصعق (لسقوط) التكليف بالصعق وإذا سقط لا يرجع. قال ابن عرفة: (وعندي) لا إشكال (فيه) وهو كمن أحرم بالحج وعنده طائر في قفص، فإنه مكلف (بإرساله، فإذا أزال إحرامه عادت الإباحة، كما كانت أول مرة. وكذلك النائم حالة نومه غير مكلف) فإذا استيقظ عاد التكليف. قوله تعالى: {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} قال (ابن عرفة): (حال) من الضمير المفعول في "أَخَذَتْكُم" فهي إشارة إلى أن (الصّاعقة) نالتهم/ على غفلة فصادفتهم ثابتين في النظر والأبصار والعقول، ولو علموا بها قبل ذلك لأذهب الوهم عنهم أبصَارَهُم وبصائرهم فلم تصادف عندهم إثباتا بوجه، والمراد بذلك أو أجزاء (الصاعقة).
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ}: يريد السبعينَ الذين اختارهم موسَىٰ، واختلف في وقت اختيارهمْ. فحكى أكثر المفسِّرين؛ أن ذلك بعد عبادة العجل، فاختارهم؛ ليستغفِروا لبني إسرائيل، وحكى النقَّاش وغيره؛ أنه اختارهم حين خَرَجَ من البحْرِ، وطلب بالميعاد، والأول أصح. وقصة السبعين أنَّ موسى عليه السلام، لما رجع من تكليم اللَّه تعالَىٰ، ووجد العجْلَ قد عُبِدَ، قالتْ له طائفة ممَّن لم يعبد العجلَ: نحن لم نكْفُرْ، ونحن أصحابك، ولكنْ أسمعْنَا كلام ربِّك، فأوحى اللَّه إِليه؛ أن اختَرْ منهم سَبْعِينَ، فلم يجد إلا ستِّين، فأوحى إليه أن ٱخْتَرْ من الشباب عَشَرةً، ففعل، فأصبحوا شيوخاً، وكان قد اختار ستَّةً من كلِّ سبط، فزادوا اثنين على السبعين، فتشاحُّوا فيمن يتأخَّر، فأُوحِيَ إِليه أنَّ من تأخَّر له أجْرُ مَنْ مضَىٰ، فتأخَّر يوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكَالُوثُ بْنُ يُوفَنَّا، وذهب موسَىٰ عليه السلام بالسبْعين، بعد أن أمرهم أن يتجنَّبوا النساء ثلاثاً، ويغتسلوا في اليوم الثالث، واستخلف هارون علَىٰ قومه، ومضَىٰ حتى أتى الجَبَلَ، فألقي عليهم الغمام، قال النَّقَّاش: غشيتهم سحابة، وحِيلَ بينهم وبين موسَىٰ بالنور، فوقعوا سجوداً، قال السُّدِّيُّ وغيره: وَسَمِعوا كلامَ اللَّهِ يأمر وينهى، فلم يطيقوا سماعه، واختلطتْ أذهانهم، ورَغِبُوا أن يكون موسَىٰ يسمع ويعبِّر لهم، ففعل، فلما فرغوا، وخرجوا، بدَّلت منهم طائفةٌ ما سمعت من كلام اللَّهِ، فذلك قوله تعالَىٰ: {أية : وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ } تفسير : [البقرة:75] واضطرب إيمانهم، وامتحنهم اللَّه تعالَىٰ بذلك، فقالوا: {لَنْ نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً }، ولم يطلبوا من الرؤية محالاً؛ أما إِنه عند أهل السُّنَّة ممتنعٌ في الدنيا من طريق السمع، فأخذتهم حينئذ الصاعقةُ، فٱحترقوا وماتوا موْتَ همودٍ يعتبر به الغَيْرُ، وقال قتادة: ماتوا، وذهبت أرواحهم، ثم رُدُّوا؛ لاستيفاء آجالهم، فحين حصلوا في ذلك الهمود، جعل موسَىٰ يناشد ربَّه فيهم، ويقول: أيْ ربِّ، كيف أرجع إِلى بني إِسرائيل دونهم، فيَهْلِكُون، ولا يؤمنون بي أبداً، وقد خرجوا، وهم الأخيار. قال: * ع *: يعني: هم بحال الخير وقْتَ الخروج، وقال قومٌ: بل ظن موسَىٰ أنَّ السبعين، إِنما عوقبوا بِسَبَبِ عبادة العجْلِ، فذلك قوله: {أية : أَتُهْلِكُنَا }،تفسير : [الأعراف:155] يعني السبعين: {بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَاءُ مِنَّا} يعني: عَبَدَةَ العجلِ، وقال ابن فورك: يحتمل أن تكون معاقبة السبعين؛ لإخراجهم طلب الرؤية عن طريقه؛ بقولهم لموسَىٰ: {أية : أَرِنَا }تفسير : [النساء:153] وليس ذلك من مقدورِ موسَىٰ عليه السلام. قال: * ع *: ومن قال: إن السبعين سَمِعُوا ما سمع موسَىٰ، فقد أخطأ، وأذهب فضيلةَ موسَىٰ، واختصاصه بالتكْلِيم. و {جَهْرَةً}: مصدر في موضع الحالِ، والجهرُ العلانيةُ، ومنه الجَهْرُ ضد السر، وجَهَرَ الرَّجُلُ الأَمْرَ: كشفه، وفي «مختصر الطبريِّ» عن ابن عبَّاس: {جَهْرَةً }: قال علانيةً، وعن الربيع: {جَهْرَةً}: عياناً. انتهى. وقوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}: أجاب اللَّه تعالى فيهم رغبةَ مُوسَىٰ عليه السلام وأحياهم من ذلك الهمودِ، أو الموت؛ ليستوفوا آجالهم، وتاب عليهم، والبعث هنا الإِثارة، و {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، أي: على هذه النعمة، والترجِّي إِنَّمَا هو في حق البَشَر. وذكر المفسِّرون في تظليل الغمامِ؛ أنَّ بني إِسرائيل، لما كان من أمرهم ما كان من القتل، وبقي منهم من بقي، حصلوا في فحص التِّيه بَيْن مصْر والشَّام، فأُمِرُوا بقتال الجَبَّارين، فَعَصَوْا، وقالوا: {أية : ٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا }تفسير : [المائدة:24] فدعا موسَىٰ عليهم، فعوقبوا بالبقاء في ذلك الفحْص أربعين سَنَةً يتيهون في مقدارِ خَمْسَة فراسِخَ أو ستَّةٍ، روي أنهم كانوا يمشون النهار كلَّه، وينزلون للمبيت، فيصبحون حيثُ كانوا بكرةَ أَمْسِ، فندم موسَىٰ على دعائه علَيْهم، فقيل له: {أية : لاَ تَأْسَ عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْفَاسِقِينَ}تفسير : [المائدة:26]. وروي أنهم ماتوا بأجمعهم في فحص التِّيه، ونشأ بنوهم علَىٰ خير طاعة، فهم الذين خرجوا من فحْصِ التيه، وقاتلوا الجَبَّارين، وإذ كان جميعُهم في التيه، قالوا لموسَىٰ: من لنا بالطعامِ؟ قال: اللَّه، فأنزل اللَّه عليهم المَنَّ والسلْوَىٰ، قالوا: مَنْ لنا من حَرِّ الشمس؟ فظلَّل عليهم الغمامَ، قالوا: بِمَ نستصْبِحُ بالليل، فضَرَبَ لهم عمودَ نُورٍ في وَسَطَ مَحَلَّتهم، وذكر مكِّيٌّ عمود نار، قالوا: من لنا بالماء؟ فأمر موسَىٰ بضرب الحَجَرِ، قالوا: من لنا باللباس، فَأُعْطُوا ألاَّ يَبْلَىٰ لهم ثوبٌ، ولا يَخْلَقَ، ولا يَدْرَنَ، وأن تنمو صِغَارُهَا حَسَب نُمُوِّ الصبيانِ، والمَنُّ صَمْغَةٌ حُلْوَةٌ؛ هذا قول فرقةٍ، وقيل: هو عسل، وقيل: شراب حُلْوٌ، وقيل: الذي ينزل اليوْمَ على الشجَر، وروي أنَّ المَنَّ كان ينزل عليهم من طُلُوع الفَجْر إلى طُلُوع الشمس؛ كالثلج، فيأخذ منه الرجُلُ ما يكفيه ليومه، فإِنِ ادَّخَرَ، فسد عليه إِلا في يوم الجمعة؛ فإِنهم كانوا يدَّخرون ليوم السبْتِ، فلا يفسد عليهم؛ لأن يوم السبت يومُ عبادةٍ. والسلْوَىٰ طيرٌ؛ بإِجماع المفسِّرين، فقيل: هو السُّمَّانا. وقيل: طائر مثل السُّمَّانَا. وقيل: طائر مثل الحمام تحشره عليهم الجَنُوب. * ص *: قال ابن عطيَّة: وغلط الهُذَلِيُّ في إِطلاقه السَّلْوَىٰ على العَسَلِ؛ حيث قال: [الطويل] شعر : وَقَاسَمَهَا بِاللَّهِ عَهْداً لأنْتُمُ أَلَذُّ مِنَ السَّلْوَىٰ إِذَا مَا نَشُورُهَا تفسير : * ت *: قد نقل صاحبُ المختصر؛ أنه يطلق على العَسَلِ لغةً؛ فلا وجه لتغليظه؛ لأنَّ إِجماع المفسِّرين لا يمنع من إِطلاقِهِ لغةً بمعنى آخر في غير الآية. انتهى. وقوله تعالى: {كُلُواْ...} الآية: معناه: وقلنا: كلوا، فحذف ٱختصاراً لدلالة الظاهر عليه، والطَّيِّبَاتُ، هنا جَمَعَتِ الحلال واللذيذ. * ص *: وقوله: {وَمَا ظَلَمُونَا}: قدَّر ابن عطية قبل هذه الجملةِ محذوفًا، أي: فَعَصوْا، وما ظَلَمُونا، وقدَّر غيره: فظَلَمُوا، ومَا ظَلَمُونَا، ولا حاجَة إِلى ذلك؛ لأن ما تقدَّم عنهم من القبائِح يُغْنِي عنه. انتهى. * ت *: وقول أبي حَيَّان: «لا حاجة إلى هذا التقدير...» إِلى آخره: يُرَدُّ بأن المحذوفاتِ في الكلام الفصيحِ هذا شأنها؛ لا بد من دليل في اللفظ يدلُّ عليها إلا أنه يختلف ذلك في الوضوحِ والخفاءِ، فأما حذف ما لا دليل عليه، فإِنه لا يجوزُ.
ابن عادل
تفسير : قوله: {لَن نُّؤْمِنَ} إنما تعّدى بـ "اللام" دون "الباء" لأحد وجهين: إمّا أن يكون التقدير: لن نؤمن لأجل قولك. وإما أن يضمن معنى الإقرار، أي: لن نقر لك بما ادعيته. وقرأ أبو عمرو بإدغام النون في اللام، لتقاربهما. وفرق بعضهم بين قوله: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} وجعل الإيمان به بما جاء به، والإيمان له هو الاستسلام والانقياد. قوله: {جَهْرَةً} فيها قولان: أحدهما: أنها مصدر، وفيها حينئذ قولان: أحدهما: أن ناصبها محذوف، وهو من لفظها تقديره: جهرتم جهرة، نقله "أبو البقاء". والثاني: أنها مصدر من نوع الفعل، فتنتصب انتصاب "القرفصاء" من قولك، "قعد القُرْفُصَاء" فإنها نوع من الرؤية، وبه بدأ "الزمخشري". والثَّاني: أنها مصدر واقع الحال، وفيها حينئذ أربعة أقوال: أحدها: أنه حَالٌ من فاعل "نرى"، أي: ذوي جَهْرَة، قاله "الزمخشري". والثاني: أنها حال من فاعل "قُلْتم"، أي: قلتم ذلك مُجَاهرين، قاله "أبو البقاء". وقال بعضهم: فيكون في الكلام تقديم وتأخير أي: قلتم جَهْرَةً: لن نؤمن لك، ومثل هذا لا يقال فيه تقديم وتأخير، بل أتي بمقول القول، ثم بالحال من فاعله، فهو نظير: "ضربت هنداً قائماً". والثالث: أنها حال من اسم الله ـ تعالى ـ أي: نراه ظاهراً غير مستور. والرابع: أنها حال من فاعل "نؤمن"، نقله "ابن عطية"، ولا معنى له. والصحيح من هذه الأقوال هو الثاني. وقرأ "ابن عَبَّاس": جَهَرَةً بفتح الهاء، وفيها قولان: أحدهما: أنها لغة في "جَهْرَة". قال "ابن عطية": "وهي لغة "مسموعة" عند البصريين فيما كفيه حرف الحَلْق ساكن قد انفتح ما قبله، والكُوفيون يُجِيزُونَ فيه الفتح، وإن لم يسمعوه" وقد تقدم تحريره. والثاني: أنها جمع "جَاهِر" نحو: "خَادِم وخَدَم"، والمعنى: حتى نرى الله كَاشِفِينَ هذا الأمر، وهي تؤيد كون "جَهرة" حالاً من فاعل "نرى". و "الجَهْر": ضد السِّرّ، وهو الكشف والظهور، ومنه: جَهَرَ بالقراءة أي: أظهرها. قال الزمخشري: "كأن الَّذِي يرى بالعين جاهر بالرُّؤية، والذي يرى بالقلب مخافت بها". قوله: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} قرأ عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم "الصَّعْقة" بغير ألف، وقرأ الباقون بالألف، وهما لغتان. فصل في زمان هذه الواقعة قال محمد بن إسحاق: هذه الواقعة قَبْلَ تكليفهم بالقَتْلِ لما رجع موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ من الطُّور، فرأى ما هم عليه من عِبَادَةِ العِجْلِ، وقال لأخيه والسامري ما قال، وحرق العجل، وألقاه في البَحْرِ، واختار من قومه سبعين رجلاً، فلما خرجوا إلى الطور قالوا لموسى: [أرنا ربك حتى] يسمعنا كلامه، فسأل موسى عليه الصلاة والسلام فأجاب الله إليه، ولما دنا من الجبل وقع عليه عمود من الغَمَامِ، وتغشّى الجبل كله، ودنا من موسى الغَمَام، فدخل فيه فقال للقوم: ادخلوا وادعوا، وكان موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ متى كلمه ربه أوقع على جبهته نوراً ساطعاً لا يستطيع أحد من بني آدم النظر إليه، وسمع القوم كلام الله ـ تعالى ـ مع موسى يقول له: افْعَلْ ولا تَفْعَلْ، فلما تم الكلام انكشف عن موسى الغَمَام الذي دخل فيه، فقال القوم بعد ذلك: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} فماتوا جميعاً، وقام موسى رافعاً يديه إلى السماء يدعو، ويقول: يا إلهي اخترت بني إسرائيل سبعين رجلاً ليكونوا شهودي بقبول توبتهم، فأرجع إليهم، وليس معي منهم واحد، فما الذي يقولون لي؟ فلم يزل موسى مشتغلاً بالدعاء حتى ردّ الله عليه أرواحهم، وطلب تَوْبَةَ بني إسرائيل من عبادة العجل فقال: "لا، إلا أن يقتلوا أنفسهم". وقال "السُّدي": لما تاب بنو إسرائيل من عبادة العجل بأن قتلوا أنفسهم أمر الله ـ تعالى ـ أن يأتيهم موسى في ناسٍ من بني إسرائيل يعتذرون من عبادتهم العِجْلَ، فاختار موسى سبعين رجلاً، فلما أتوا الطور قالوا: لن نؤمن لك حَتَّى نرى الله جهرةً، فأخذتهم الصاعقة، وماتوا، فقام موسى يبكي ويقول: يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل، فإني أمرتهم بالقَتْلِ، ثم اخترت من أنفسهم هؤلاء، فإذا رجعت إليهم، وليس معي منهم أحد فماذا أقول لهم؟ فأحياهم الله ـ تعالى ـ فقاموا، ونظر كل واحد منهم إلى الآخر [كيف يحييه الله تعالى]. فصل في "الصَّاعقة" قولان: الأول: قال "الحَسَن وقتادة": هي الموت، لقوله تعالى: {أية : فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ}تفسير : [الزمر:68] وهذا ضعيف لوجوه: أحدها: قوله تعالى: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}، ولو كانت الصاعقة هي الموت لامتنع كونه ناظرين إلى الصَّاعقة. وثانيها: قوله تعالى: {أية : وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً}تفسير : [الأعراف:143] أثبت الصَّاعقة في حقه مع أنه لم يكن ميتاً؛ لأنه قال: أَفَاقَ، والإفاقة لا تكون عن الموت. وثالثها: أن الصَّاعقة وهي التي تصعق، وذلك إشارة إلى سبب الموت. والقول الثاني: الصَّاعقة هي سبب الموت، واختلفوا فيها. فقيل: هي نار وقعت من السماء فأحرقتهم. وقيل: صحية جاءت من السماء. وقيل: أرسل الله جنوداً، فلما سمعوا حسّها خروا صَعِقِيْنَ ميتين يوماً وليلةً. قوله: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} جملة حالية، والمعنى: وأنتم تنظرون موت بعضكم خلف بعض، أو: تنظرون إلى ما حَلّ بكم، أو: أنتم أعيتكم صَيْحَةٌ وتفكّر. قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ} [أحييناكم من بعد موتكم]. قال قتادة: ماتوا وذهبت أرواحهم، ثم ردوا لاستيفاء آجالهم. قال النحاس: "وهذا احتجاج على من لم يؤمن بالبَعْثِ من قريش، واحتجاج على أهل الكتاب إذ خبروا بهذا". قوله: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} ما فعل بكم من البعث بعد الموت. وقيل: ماتوا موت هُمُودٍ يعتبر به الغير، ثم أرسلوا. وأصل البَعْث الإرسال. وقيل: بل أصله إثارة الشيء من محلِّه، يقال: بعثت الناقة: أثرتها، أي حركتها؛ قال امرؤ القيس: [الطويل] شعر : 505ـ وَفِتْيَانِ صِدْقٍ قَدْ بَعَثْتُ بِسُحْرَةٍ فَقَامُوا جَمِيعاً بَيْنَ عَاثٍ وَنَشْوَانِ تفسير : وقال غيره: [الكامل] شعر : 506ـ وَصَحَابَةٍ شُمِّ الأُنُوفِ بَعَثْتُهُمْ لَيْلاً وَقَدْ مَالَ الكَرَى بِطُلاَهَا تفسير : وقيل: {بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} علَّمناكم من بعد جهلكم. فصل في اختلافهم في تكليف من بعث بعد موته قال المَاوَرْدِيّ: اختلف في بقاء تكليف من أعيد بعد موته، ومُعَاينة الأحوال المضطرة إلى المعرفة على قولين: أحدهما: بقاء تكليفهم لئلا يَخْلُو عاقل من تعبد. الثاني: سقوط تكليفهم معتبراً بالاستدلال دون الاضطرار. والأول أَصَحّ، لقوله تعالى {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، ولفظ: الشكر يتناول جميع الطاعات، لقوله تعالى: {أية : ٱعْمَلُوۤاْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْراً}تفسير : [سبأ:13]. فإن قيل: كيف يجوز أن يكلفهم وقد أماتهم، ولو جاز ذلك جاز تكليف أهل الآخرة بعد البعث؟ فالجواب: أنّ الذي منع من تكليف أهْل الآخرة ليس هو الإماتة ثم الإحْيَاء، وإنما المانع كونه اضطرهم يوم القِيَامَةِ إلى معرفته لَذّات الجَنّة، وآلام النَّار، وبعد العلم الضروري لا تكليف، وإذا كان كذلك، فيكون مَوْتُ هؤلاء بمنزلة النَّوْمَ والإغماء.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {حتى نرى الله جهرة} قال: علانية. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} قال: هم السبعون الذين اختارهم موسى {فأخذتكم الصاعقة} قال: ماتوا {ثم بعثناكم من بعد موتكم} فبعثوا من بعد الموت ليستوفوا آجالهم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في الآية قال: عوقب القوم فأماتهم الله عقوبة، ثم بعثهم إلى بقية آجالهم ليتوفوها. وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل {فأخذتكم الصاعقة} قال: العذاب، وأصله الموت. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم. أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: شعر : وقد كنت أخشى عليك الحتوف وقد كنت آمنك الصاعقة
ابو السعود
تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} تذكيرٌ لنعمة أخرى عليهم بعد ما صدر عنهم ما صدر من الجناية العظيمةِ التي هي اتخاذُ العجل أي لن نؤمنَ لأجل قولِك ودعوتِك أو لن نُقرَّ لك، والمؤمَنُ به إعطاءُ الله إياه التوراةَ أو تكليمَه إياه أو أنه نبـيٌّ أو أنه تعالى جعل توبتَهم بقتلهم أنفسَهم {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} أي عياناً وهي في الأصل مصدرُ قولِك جهَرتُ بالقراءة، استُعيرت للمعاينة لما بـينهما من الاتحاد في الوضوح والانكشافِ، إلا أن الأولَ في المسموعات والثاني في المُبْصَرات ونصبُها على المصدرية لأنها نوع من الرؤية أو حالٌ من الفاعل أو المفعول وقرىء بفتح الهاء على أنها مصدر كالغَلَبة أو جمعٌ كالكَتَبة فيكون حالاً من الفاعل لا غير، والقائلون هم السبعون المختارون لميقات التوبةِ عن عبادة العجل، روُي أنهم لما ندِموا على ما فعلوا وقالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفرْ لنا لنكونن من الخاسرين، أمر الله موسى عليه السلام أن يجمع سبعين رجلاً ويحضُرَ معهم الطورَ يُظهرون فيه تلك التوبةَ فلما خرجوا إلى الطور وقع عليه عمودٌ من الغمام وتغشاه كله فكلم الله موسى عليه السلام يأمره وينهاه، وكان كلما كلّمه تعالى أوقع على جبهته نوراً ساطعاً لا يستطيع أحدٌ من السبعين النظرَ إليه وسمِعوا كلامَه تعالى مع موسى عليه السلام افعل ولا تفعل فعند ذلك طمِعوا في الرؤية فقالوا ما قالوا كما سيأتي في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى وقيل: عشرة آلاف من قومه {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ} لفرط العنادِ والتعنّتِ وطلب المستحيل فإنهم ظنوا أنه سبحانه وتعالى مما يشبه الأجسامَ وتتعلق به الرؤيةُ تعلُّقَها بها على طريق المقابلة في الجهات والأحياز، ولا ريبَ في استحالته إنما الممكنُ في شأنه تعالى الرؤيةُ المنزهة عن الكيفيات بالكلية وذلك للمؤمنين في الآخرة وللأفرادِ من الأنبـياء الذين بلغوا في صفاء الجوهر إلى حيث تراهم كأنهم وهم في جلابـيبَ من أبدانهم قد نَضَوْها وتجرّدوا عنها إلى عالم القدس في بعض الأحوال في الدنيا. قيل: جاءت نارٌ من السماء فأحرقتهم وقيل: صيحة وقيل: جنودٌ سمعوا بحسيسها فخرّوا صعِقين ميتين يوماً وليلة. وعن وهْبٍ: أنهم لم يموتوا بل لما رأَوْا تلك الهيئة الهائلةَ أخذتهم الرعدةُ ورَجَفوا حتى كادت تبِـينُ مفاصلُهم وتنقضُّ ظهورُهم وأشرفوا على الهلاك فعند ذلك بكىٰ موسى عليه السلام ودعا ربه فكشف الله عز وجل عنهم ذلك فرجعت إليهم عقولُهم ومشاعرُهم ولم تكن صعقةُ موسى عليه السلام موتاً بل غَشْيةً لقوله تعالى فلما أفاق {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} أي ما أصابكم بنفسه أو بآثاره {ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} بتلك الصاعقة، قيدُ البعثُ به لما أنه قد يكون من الإغماء وقد يكون من النوم كما في قوله تعالى: {أية : ثُمَّ بَعَثْنَـٰهُمْ لِنَعْلَمَ }تفسير : [الكهف، الآية 12] الخ {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي نعمةَ البعث أو ما كفرتموه بما رأيتم من بأس الله تعالى. {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} أي جعلناها بحيث تُلقي عليكم ظلَّها، وذلك أنه تعالى سخَّر لهم السحابَ يسير بسيرهم وهم في التيه يُظلهم من الشمس وينزل بالليل عمودٌ من نار يسيرون في ضوئه وثيابُهم لا تتسخ ولا تَبْلى {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} أي الترنجبـين والسُّمانىٰ وقيل: كان ينزل عليهم المنُّ مثلَ الثلج من الفجر إلى الطلوع لكل إنسانٍ صاعٌ وتبعَثُ الجَنوبُ عليهم السُّمانىٰ فيذبح الرجلُ منه ما يكفيه {كُلُواْ} على إرادة القول أي قائلين لهم أو قيل لهم: كلوا {مِن طَيّبَاتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ} من مستلذاته و(ما) موصولةً كانت أو موصوفةً عبارة عن المن والسلوى {وَمَا ظَلَمُونَا} كلامٌ عدَل بهم عن نهج الخطابِ السابقِ للإيذان باقتضاء جناياتِ المخاطبـين للإعراض عنهم وتَعدادِ قبائحهم عند غيرهم على طريق المباثة معطوفٌ على مضمر قد حذف للإيجاز والإشعار بأنه أمر محقق غني عن التصريح به أي فظلموا بأن كفروا تلك النعمَ الجليلةَ وما ظلمونا بذلك {وَلَـٰكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} بالكُفران إذ لا يتخطاهم ضررُه، وتقديمُ المفعول للدلالة على القصر الذي يقتضيه النفيُ السابقُ وفيه ضربُ تهكّمٍ بهم، والجمعُ بـين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارِهم على الكفر.
التستري
تفسير : وسئل عن قوله: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ}[55] قال: الصاعقة: الموت، والصاعقة: كل عذاب مهلك ينزله الله تعالى بمن يشاء من عباده، فينظرون إلى ذلك عياناً، ويريه غيرهم فيهم اعتباراً وتحذيراً.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} [الآية: 55]. قال بعض البغداديين: من طالع الذات بعين الحرمة الحق، ومن طالعها بالحرمة أولى عليه صفات الجبروت والعظمة، ويستغيث من ذلك بلسان العجز سبحانك تبت إليك.
القشيري
تفسير : التعرض بمطالعة الذات على غير نعمة إلهية إفصاحٌ بِتَرْكِ الحرمة، وذلك من أمارات البعد والشقوة. وإثبات نعت التولي بمكاشفات العزة مقروناً بملاطفات القربة من علامات الوصلة ودلالات السعادة. فلا جَرَمَ لما أطلقوا لسان الجهل بتقوية ترك الحشمة أخذتهم الرجفة والصعقة.
البقلي
تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} الا طلَبُكم رويت ومطالعَتَى بتقليد موسى ولي لكم قام المشاهدة فلمّما برز لكم ذَرّةً من انار ذاتي فَنَيتهم فيما واحترقتم لانّكم في البداية وموسى في النهاية وايضاً افنيتكم في سَطَواتِ عظمتى وابقيتكمُ بانوار جمالى وجلالى بقوله ثم بعثناكم من بعد موتِكم وقال بعض البغداديين مَنْ طَالَع الذات بغير الحرمة الحق ومن طالعَها بالحرمة اولى عليه صفات الجبروت والعظمة ليستغيث من ذلك بلسان العجز سبحانك تبت اليك.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ قلتم} هذا هو الانعام السادس اى واذكروا يا بنى اسرائيل وقت قول السبعين من اسلافكم الذين اختارهم موسى حين ذهبوا معه الى الطور للاعتذار عن عبادة العجل وهم غير السبعين الذين اختارهم موسى اول مرة حين اراد الانطلاق الى الطور بعد غرق فرعون لاتيان التوراة {يا موسى لن نؤمن لك} لن نصدقك لاجل قولك ودعوتك على ان هذا كتاب الله وانك سمعت كلامه وان الله تعالى امرنا بقبوله والعمل به {حتى نرى الله جهرة} اى عيانا لا ساتر بيننا وبينه كالجهر فى الوضوح والانكشاف لان الجهر فى المسموعات والمعاينة فى المبصرات ونصبها على المصدرية لانها نوع من الرؤية فكأنها مصدر الفعل الناصب او حال من الفاعل والمعنى حتى نرى الله مجاهرين او من المفعول والمعنى حتى نرى الله مجاهرا بفتح الهاء {فأخذتكم الصاعقة} هى نار محرقة فيها صوت نازلة من السماء وهى كل امر مهول مميت او مزيل للعقل والفهم وتكون صوتا وتكون نارا وتكون غير ذلك وانما احرقتهم الصاعقة لسؤالهم ما هو مستحيل على الله فى الدنيا ولفرط العناد والتعنت وانما الممكن ان يرى رؤية منزهة عن الكيفية وذلك للمؤمنين فى الآخرة وللافراد من الانبياء فى بعض الاحوال فى الدنيا {وانتم تنظرون} الى الصاعقة النازلة فان كانت نارا فقد عاينوها وان كانت صوتا هائلا فقد مات بعضهم اولا ورأى الباقون انهم ماتوا ويسمى هذا رؤية الموت مجازا.
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {جهرة} مصدر نرى؛ لأنه نوع منه، أي: نرى الله رؤية عيان، أو حال من الفاعل، أي: نراه معاينين له، أو من المفعول؛ أي: نراه معاينة. يقول الحقّ جلّ جلاله: واذكروا أيضاً، يا بني إسرائيل، حين قلتم لموسى عليه السلام لما رجع من الطور، ووجدكم قد عبدتم العجل، فأخذ منكم سبعين رجلاً ممن لم يعبد العجل، وذهب يعتذر، فلما سمعتم كلامي أنكرتموه وحرفتموه، وقلتم: {لَن نُؤْمِنَ لَكَ} أن هذا كلام الله {حَتَّى نَرَى اللّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةِ} بسبب طلبكم ما لا طاقة لكم به، فغبتم عن إحساسكم، وذهبت أرواحكم، {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} ما فعل بكم، فاستشفع فيكم موسى عليه السلام وقال: يا {أية : رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّاىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَآءُ مِنَّا}تفسير : [الأعرَاف: 155] كيف أرجع إلى قومي بغير هؤلاء؟ {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْد مَوْتِكُمْ} وعشتم زماناً بعد ذلك {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} هذه النعمة، وتقومون بحسن الخدمة، فتقروا بربوبيتي، وتصدقوا برسلي، فلم تفعلوا. الإشارة: من شأن الأرواح الطيبة التشوق إلى الحضرة، والتشوف إلى العيان والنظرة، فلا يحصل لها كمال التصديق والإيقان إلا بعد الشهود والعيان، فلما علم الحق سبحانه من بعض الأرواح صدق الطلب، رفع عنها الحجاب، وفتح لها الباب، فأخذتها صاعقة الدهشة والحيرة، ولم تطق صدمة المشاهدة والنظرة، فغابت عن الأشكال والرسوم في مشاهدة أنوار الحي القيوم، ثم مَنَّ عليها بالبعث من موت الفناء إلى حياة البقاء، فأمنت من الشقاء، فحصلت لها الحياة الدائمة والسعادة السرمدية. فالصاعقة عند أهل الفن هي عبارة عن الغيبة عن النفس، وفناء دائرة الحس، وهي شهود عدمك لوجود الحق، والبعث منها هو مقام البقاء، وهو شهود الأثر بالله. وهو مقام حق اليقين. وحاصلة: شهود وجود الحق وحده، لا عدمك ولا وجودك، "كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان". وبالله التوفيق.
الطوسي
تفسير : وهذه الآية ايضاً عطف على ما تقدم كأنه قال واذكروا اذ قلتم يا موسى لن نصدق حتى نرى لله جهرة. اللغة: فالرؤيا والنظر والابصار نظائر في اللغة يقال: رأى رؤية ورأى من الرأي رأيا. وأراه لله اراءة وتراءى القوم ترائيا. وارتأى ارتياء وراءاه مراءاة قال صاحب العين: الرأي رأي القلب والجمع الاراء. وتقول: ما اضل آراءهم على التعجب ورأيهم ايضاً ورأيت رؤية وتقول رأيته رأي العين. أي حيث يقع البصر عليه. وتقول من رأي القلب: ارتأيت. وتقول: رأيت رؤيا حسنة. وتقول: رأيت فلانا ذا مسحة في اللون، وزية حسنة في اللباس، والمتاع. والذي يتعرض بزيه كهانة او طبا. وفي بعض اللغات ريت بمعنى رأيته. وعلى ذلك قراءة من قرأ اريت قال الشاعر: شعر : قد ريت منه عجبا من الكبر تفسير : وتراءى القوم: إذا رأى بعضهم بعضا وتراءى لي فلان: اذا تصدى لي فاراه والرواء: المنظر في البهاء والجمال. تقول: امرأة لها رواء وبهاء وسناء أي حسنة. والمرآة مثل المنظرة والمنظر والمرآة التي ينظر فيها وجمعها مراءى. ومن حوّل الهمزة قال: مرايا. تقول مرأت المرأة: اذا نظرت وجهها. وفي الحديثحديث : لا يتراءى احدكم في الماءتفسير : أي لا ينظر فيه. ويحذفون الهمزة في كل كلمة تشتق من رأيت اذا كانت الراء ساكنة تقول أريت فلانا فانا مري وهو مري. أي بحذف الهمزة واثبتوها في موضعين في قولهم رأيته فهو مرئي أرأت الناقة والشاة اذا يرى ضرعها انها قد اقربت وانزلت. وهي مرئى. والحذف فيه ايضاً صواب وتقول: من الظن رأيت ان فلانا اخوك. ومنهم من يحذف الهمزة يقول ريت انه ومن قلب الهمزة من رأى قال راي مثل ما تقولون: آرتيت واستريت بالمرآة والمرئية: مكسورة الراء مهموزة ممدودة ما ترى المرأة من الحيض صفرة أي بياضاً قبلا او بعدا وأما البصير بالعين فهو الرؤية. إلا أن تقول نظرت اليه رأي العين فيه وتقول: ما رأيته إلا رؤية واحدة وتقول للذي يريك الشي مري والمرأة مرية بلا همزة وتقول رأيت فلانا برؤية والمرآة التي تنظر فيها والرأي ما رأيت القوم في حسن البشارة والهيئة قال جرير: شعر : وكل قوم لهم رأي ومختبر وليس في تغلب رأي ولا خبر تفسير : واصل الباب: الرؤية بالعين وشبه الرؤية بالقلب به بمعنى العلم. والرأي يرى حال صلاح ويظن خلافها. والمرية لأنها بمنزلة الالة للقلب يرى بها. والجهرة، والعلانية، والمعاينة نظائر تقول: جهر جهرا أو جاهر مجاهرة، وجهاراً. وتجاهروا تجاهراً. ورجل جهير الصوت. قال صاحب العين: جهر فلان بكلامه، وهو يجهر بقراءته جهارا، واجهر بقراءته اجهاراً. وجاهرتم بالامر جهارا أي عالنتم به اعلانا واجتهر القوم فلانا جهاراً: اذا نظروا اليه وكل شيء يبدو فقد جهر ورجل جهير: اذا كان في المنظر والجسم في الناس مجهراً. وكلام جهير، وصوت جهير أي عال. والفعل منه جهر جهارة. والجهير هو الجريء المتقدم والجهوري: هو الصوت العالي. والجوهر: كل حجارة يستخرج منها شيء ينتفع به وجوهر كل شيء ما خلقت عليه حلية. والشاة الجهر التي لا تبصر في الشمس والكبش اجهر وقال بعضهم: جهرت البئر: اذا اخرجت ما فيها من الحمأة، والماء. وبئرٌ مجهورة. والجهر: ضد السر وجهرني الرجل إذا راعك جماله وهيئته. ورجل جهير ذو رواء واصل الباب الظهور. والجهر يقتضي ظاهراً بعد ان يكون خافياً، ليدرك ما لم يكن قبل مدركا ويستدل بالجهر على أنهم أرادوا الرؤية بالعين دون رؤية القلب. وحقيقة الجهر ظهور الشيء معاينة والفرق بين الجهر والمعاينة أن المعاينة ترجع إلى حال المدرِك والجهرة ترجع إلى حال المدرَك. المعنى: ومعنى قوله: {حتى نرى الله جهرة} قال ابن عباس: علانية. وقال قتادة عيانا. وقد تكون الرؤية غير جهره كالرؤية في النوم والرؤية بالقلب فاذا قال جهرة لم يكن إلا رؤية العين على التحقيق، دون التخيل وسؤالهم الرؤية. قال قوم: هو كفر لأن اجازة الرؤية كفر. وقال آخرون: ليس بكفر وانما اجازة الرؤية التي تقتضي التشبيه كفر. فاما هذا القول منهم فكفر اجماعا، لأنه رد على الرسول وكل من يلقى قول الرسول بالرد من المكلفين، كان كافراً. واما الصاعقة فانها تكون على ثلاثة اوجه: أولها ـ الموت: كقوله: {أية : فصعق من في السماوات ومن في الأرض}تفسير : {فأخذتكم الصاعقة} الثاني ـ العذاب. كقوله: {أية : فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود} تفسير : والثالث ـ نار تسقط من السماء كقوله: {أية : ويرسل الصواعق}تفسير : واكثرهم على ان موسى لم يمت بالصاعقة كما مات من سأل الرؤية وقال شاذ منهم: انه مات بالصاعقة وقوله: {وخر موسى صعقا} أي مغشياً عليه عند اكثر المفسرين بدلالة قوله: {فلما أفاق} والافاقة لا تكون إلا من الغشية دون الموت، وإلا لكان قد قال فلما حيي. وقوله: {جهرة} مشتق من جهرت الركية اجهرها جهرا وجهرة: اذا كان ماؤها قد غطاه الطين، فنقيت حتى ظهر الماء وقيل: اخذ من قولهم: فلان تجاهر بالمعاصي: اذا كان لا يسرها وانما فزعوا بسؤال اسلافهم الرؤية من حيث انهم سلكوا طريقهم في المخالفة للنبي الذي لزمهم اتباعه والتصديق بجميع ما اتى به فجروا على عادة اسلافهم في ذلك الذين كانوا يسألون تارة ان يجعل لهم إلهاً غير الله ومرة يعبدون العجل من دون الله ومرة يقولون: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} ومرة يقولون: {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون} وقال الزجاج في هذه الآية دلالة على مشركي العرب الذين كانوا ينكرون البعث، لأهل الكتاب مع مخالفتهم الرسول يقرون باذن الله أمات قوماً في الدنيا، ثم احياهم وعندنا ان نقل اهل الكتاب لمثل هذا ليس بحجة وانما الحجة في اخبار الله على لسان نبيه وحده اذ كان كلما يخبر به فهو حق وصدق. واستدل البلخي بهذه الآية على ان الرؤية لا تجوز على الله تعالى. قال لأنها انكارهم امرين ردهم على نبيهم، وتجويزهم الرؤية على ربهم وبين ذلك قوله تعالى: فقد سألوا موسى اكبر من ذلك فقالوا ارنا الله جهرة فدل ذلك على ان المراد إنكار الامرين وهذه الآية تدل على قوله: {رب أرني أنظر إليك} كان سؤالا لقومه، لأنه لا خلاف بين اهل التوراة ان موسى ما سأل الرؤية الا دفعة واحدة. وهي التي سألها لقومه وقوله: {لن نؤمن لك} تعلق بما يخبرهم به من صفات الله عز وجل، لأنهم قالوا لن نؤمن لك بما تخبرنا به من صفاته وما يجوز عليه حتى نراه. وقيل: انه لما جاءهم بالالواح وفيها التوراة قالوا لن نؤمن بان هذا من عند الله حتى نراه جهرة ونرى على وزن نفعل واصله: نرأى قال الشاعر: شعر : أرى عيني ما لم ترأياه كلانا عالم بالترهات تفسير : فجاء به على الاصل وقال آخر: شعر : ألم تر ما لاقيت والدهر اعصر ومن يتمل العيش يرأى ويسمع تفسير : وانما دعاهم إلى ان قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله شكهم، وحيرتهم فيما دعاهم اليه موسى (ع) من توحيد الله عز وجل، ولو كانوا عارفين، لكان دعاهم اليه العناد لموسى ومعلوم انهم لم يكونوا معاندين له (ع). وفي الناس من قال: إن قولهم: جهرة من صفه السؤال على التقديم والتأخير كانه قال: واذا قلتم جهرة لن نؤمن لك حتى نرى الله. وقال الاكثر إنها من صفة الرؤية. وهو الاقوى، لان ما قالوه ترك الظاهر، وتقدير التقديم والتأخير ليس هنا إلى ذلك حاجة. وقوله: {وأنتم تنظرون} يعني ما نزل بكم من الصاعقة والموت.
صدر المتألهين الشيرازي
تفسير : هذا هو الإنعام السادس عليهم من جهة مكافأتهم على ما قالوا في الدنيا بالصاعقة ثمّ إحيائهم بعد الموت ليتوبوا. ولأهل التفسير في هذه القضيّة قولان: الأوّل: إنّ هذه القضيّة كانت واقعة بعد أن كلَّف الله عبَدَة العِجل بالقتل. قال محمد بن إسحاق: لمّا رجع موسى (عليه السلام) من الطور إلى قومه ورأى ما هم فيه من عبادة العِجل وقال لأخيه والسامري ما قال، وحرَق العِجل وألقاه في البحر، اختار من قومه سبعين رجُلاً، فلمّا خرجوا إلى الطور قالوا لموسى (عليه السلام): "سلْ ربَّك حتى يسمعنا كلامَه". فسأل موسى (عليه السلام) ذلك فأجابه الله إليه، فلمّا دنَا إلى الجبَل وقع عليه عمودٌ من الغمام وتغشّى الجبل كلّه ذلك، ودنا من موسى ذلك الغمام حتّى دخل فيه. فقال للقوم أُدخلوا وعُوا. وكان موسى (عليه السلام) متى كلَّمه ربُّه وقَع على جبهته نور ساطع، لا يستطيع أحد منهم النظر إليه، وسمعوا كلام الله مع موسى (عليه السلام)، يقول له: "إفعل كذا، ولا تفعل كذا" فلما تمّ الكلام انكشف عن موسى (عليه السلام) الغمام الذي دخل فيه فقال القوم بعد ذلك {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} فأخذتهم الصاعقة وماتوا جميعاً وقام موسى (عليه السلام) رافعاً يديه إلى السماء يدعو ويقول: إلهي اخترتُ من بني إسرائيل سبعين رجلاً ليَكونوا شهودي لقبول توبتهم، فأرجعُ إليهم وليس معي واحد، فما الذي يقولون فيَّ؟ فلم يزل مشتغلاً بالدعاء حتى ردّ الله إليهم أرواحهم. فطلب توبة بني إسرائيل من عبادة العِجل. فقال: "لا، إلاّ أن يقتلوا أنفسهم". القول الثاني: إنّ هذه الواقعة كانت بعد القتل. قال السدّي: ولمّا تاب بنو إسرائيل من عبادة العِجل بأن قتَلوا أنفسهم أمَر الله تعالى أن يأتيه موسى (عليه السلام) في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادتهم العِجل، فاختار موسى سبعين رجُلاً، فلمّا أتوا الطور قالوا: {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} فأخذتهم الصاعقة وماتوا، فقام موسى (عليه السلام) يبكي ويقول: "يا ربِّ ماذا أقول لبني إسرائيل؟ فإنّي أمرتهم بالقتل ثمّ اخترت من بقيَّتهم هؤلاء، فلمّا رجعت إليهم ولا يكون معي منهم أحد ماذا أقول لهم؟" فأوحى الله إلى موسى "إنّ هؤلاء السبعين ممّن اتَّخذوا العِجل إلهاً". فقال موسى: {أية : إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ} تفسير : [الأعراف:55] إلى قوله: {أية : إِنَّا هُدْنَـآ إِلَيْكَ} تفسير : [الأعراف:56]. ثمّ إنّه تعالى أحياهم، فقاموا، ونظَر كلّ واحد منهم إلى الآخر كيف يحييه الله تعالى، قالوا: يا موسى إنّك لا تسأل الله شيئاً إلاّ أعطاك، فادعه ليجعلَنا أنبياء. فدعا موسى (عليه السلام) بذلك. فأجاب الله بذلك. واعلم أنّ كل واحد من القولين محتملٌ ولا ترجيح لأحدهما على الآخر.. قال صاحب الكبير: "وليس في الآية ما يدلّ على أنّ الذين سألوا الرؤية هم المتّخذوا العِجل إلهاً أو غيرهم". أقول: وجدنا في الفسير المنسوب إلى مولانا حسن بن عليّ العسكريّ (عليه السلام) ما يدلّ على الثاني لأنّه فيه أنّ معنى قوله تعالى: {فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ} أي: "فليقتل بعضكم بعضاً. فقتل من لم يعبد العِجل من عبدَه" فظهَر أنّ المقتولين هم العابدون للعِجل. فالسائلون للرؤية غيرهم. وفي التفسير المذكور أيضاً: "إنّ القوم كانوا ستمائة ألف، كلّهم قُتلوا إلاّ اثني عشر ألفاً، وهم الذين لم يعبدوا العِجل". وقوله: {جَهْرَةً} أي: عياناً. قال صاحب الكشّاف: "هي مصدر من قولك: "جهر بالقراءة وبالدعاء" كأنّ الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية، والذي يرى بالقلب مخافت بها. وانتصابها على المصدريّة، لأنّها نوع من الرؤية فنصبت بفعلها كما تنصب القرفصاء بفعل الجلوس. أو على الحال بمعنى "ذَوي جَهرة" وقرئ "جهَرة" - بفتح الهاء - وهي إما مصدر كـ "الغلبة" وإما جمع "جاهر". وقال القفّال: أصل الجهرة من الظهور. يقال: "جهرتُ الشيء" إذا كشفته، و "جهرتُ البئر" إذا كان ماؤها يغطى بالطين فنقّيته حتى ظهر الماء. ويقال: "صوت جَهير" و "رجُل جَهوري الصوت" إذا كان صوته عالياً. وإنّما قالوا {جَهْرَةً} لئلاّ يتوهّم أنّ المراد بالرؤية العلْم والتخيّل، كما يراه النائم. وفي هذا المقام موضع أبحاث عقليّة: الأوّل: إنّ بعض المتكلّمين من أصحابنا الإماميّة - رضوان الله عليهم - وسائر المعتزلة استدلّوا بقوله تعالى: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} على امتناع الرؤية عليه. تقريره: أنّها لو كانت جائزة فكانوا التمسوا أمراً مجوّزاً، فوجب أن لا ينزل عليهم العذاب، كما لم ينزل بهم العقوبة لمَّا التمسوا النقل من طعام إلى طعام. وقال بعضهم: ما ذكر الله سؤال الرؤية في كتابه إلاّ وقد استعظمه، منها هذه الآية. ومنها قوله: {أية : يَسْأَلُكَ أَهْلُ ٱلْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذٰلِكَ فَقَالُوۤاْ أَرِنَا ٱللَّهِ جَهْرَةً} تفسير : [النساء:153]. ومنها قوله: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً} تفسير : [الفرقان:21]. فالرؤية لو كانت جائزة لما كان سائله مستحقّاً للصاعقة، ظالماً ومستكبراً في نفسه وعاتياً عتوّاً كبيراً. فدلّت الآيات على أنّ رؤية الله ممتنعة على عباده. ولقائل أن يقول: لا نسلّم دلالتها على امتناع الرؤية، وليس كلّ عقوبة وجب أن يكون واردة على طلب أمر محال في ذاته، فربما كان سبب العقوبة كونهم ادّعوا لنفسهم منصباً عالياً يستحيل حصوله لهم؛ لانحطاط درجتهم عن استحقاقٍ لذلك غاية الانحطاط، وإن كان الأمر في نفسه ممكناً. ولأنّه لمّا تمّت الدلائل الباهرة، والمعجزات الجليّة على صدق المدعى، كان طلب دليل آخر زائد تعنّتاً ولجاجاً، والمتعنّت اللَّجوج يستوجب المقت والعذاب. ولأنّه يجوز أن يعلم الله في زجْر الخلق عن طلب الرؤية مصلحة مهمّة، كما علم أنّ في إنزال الكتاب من السماء، وإنزال الملائكة منها عليهم مفسدة عظيمة، لا جرم زجرهم عن ذلك واستنكره، ولغير ذلك من الوجوه. واستدلّ بعض المجوّزين للرؤية بأنّ الله قد أجرى إنزال الكتاب من السماء مجرى الرؤية في كون كلّ منهما عتوّاً، فكما أنّ إنزال الكتاب أمرٌ ممكن في نفسه فكذا الرؤية. ومن هذا القبيل استدلال بعضهم على إمكانها بأنّ الله علّق رؤيته على استقرار الجبل في قوله: {أية : فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} تفسير : [الأعراف:143]. من أنّ استقرار الجبل أمرٌ ممكن في نفسه، والمتعلّق على الممكن ممكن، فإنّ المحال لا علاقة له بشيء، فتكون رؤية الله جائزة. والجواب: أنّ إنزال الكتاب على وجه اقترحوه أمرٌ محال لما حقّق في العلوم الحقيقية من كيفيّة نزول الكلام والكتاب، وقد سبَق في المفاتيح ما يوضح ذلك لأهل البصيرة. وكذا نقول استقرار الجبل حين التجلّي أمر محال. وأمّا الذي أجاب به بعضهم "من أنّ الظاهر يقتضي كون كلّ واحد من نزول الكتاب والرؤية ممتنعاً، لكن ترك العمل به في إنزال الكتاب، فيبقى معمولاً به في الرؤية" ففي غاية السخافة كما لا يخفى، لأنّه ما أقام دليلاً على أنّ الاستعظام لا يتحقّق إلاّ إذا كان المطلوب ممتنعاً، وإنّما وقع التعويل على ضرب الأمثلة والمثال لا يقنع به في هذا الباب، والعمل بالظاهر إنّما يصح - حيث يصح - في الأحكام الفرعيّة دون العقائد الأصليّة. البحث الثاني: إنّ الرؤية - على أيّ وجه كانت - هل هي ممكنة للعباد؟ أم هي ممتنعة؟. اعلم أنّ أكثر الناس يتنازعون في مسألة لا يعرفون بعد موضوعها ولا محمولها، فقبْل تحرير محل النزاع يخاصِم بعضُهم بعضاً، ويكفّر بعضُهم بعضاً. وهذه المسألة من هذا القبيل، فإنّ الواجب أوّلاً على كلّ مسلم أن يعرف ربَّه ويعرف نفسه، ثمّ يتكلّم في هذا المقام. وهذان العِلْمان من العلوم الغامضة التي لا تتيسَّر إلاّ بجهد جَهيد، وخوض شديد، مع ذهنٍ صاف وصدر منشرح، وقلب منوّر مشتعل في الصدر كالمصباح في القنديل. وأكثر الناس غِلاظ الطّبائع قساة القلوب. فإذا من حصل له علم بماهيّة نفسه وعرف ربَّه بصفاته اللائقة به من العلْم، والقدْرة والإرادة، والحياة، وغير ذلك وعرف الصفات على وجه تصحّ نسبتها إلى الذات الإلهية، وعِلم تنزيه الله عن النقائص والعيوب والتشبيهات: ثمّ علم معنى الرؤية إذا نسبت إلى الحقّ، ومعنى الرؤية إذا نسبت إلى الخلْق، فحينئذٍ لم يبق له مجالُ شكٍ، ولا يسع لأحدٍ محل خصومة وخلاف في هذه المسألة. قال تعالى: {أية : وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُواْ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} تفسير : [البقرة:189]. والقوم ترَكوا وصيّة ربّهم، واستدلّوا على هذا المطلب الشريف الشامخ الإلهي، بالعمل بالظاهر من الوقائع، والحكايات، والأمثال المشهورة، وهذا بعينه اتيان البيت من ظَهره وسَطحه. ولذلك علومهم وكمالاتهم دائماً ظاهريّة سطحيّة، وهم المسمّون عند أهل المعرفة الحقّة بالظاهريّين وعلماء القشر. فإذا تقررت هذه المقدمات فنقول: رؤية الله تعالى إمّا أن يراد بها رؤيته بهذه الآلة المخصوصة، أو بعين القلب. وكلّ منها إمّا أن يتعلّق بذاته تعالى من حيث ذاته أو بمظهر خاص من المظاهِر. فهذه أربعة أقسام بحسب الاحتمال العقلي قبل إقامة البرهان. أمّا الأوّل: وهو أنْ يرى الإنسان بهذه الباصرة الداثرة ذاتَه الأحديّة، فلا شبهة لذي بضاعة علميّة في أنّ ذلك من الممتنعات، لأنّ الإحساس بالشيء حالة وضعيّة للجوهر الحاسّ بالقياس إلى المحسوس الوضعي، ففرْض ما لا وضْع له ولا جهة له محسوساً، كفرض ما لا جهة له في جهة، أو ما لا وضع له ذا وضع، وهذا فرض أمرين متناقِضين، فيكون المفروضُ - بل الفرضُ - محالاً. وأمّا الثاني: وهو أن يرى بهذا البصَر الجسماني مَظهراً من مظاهر ذاته، ومَجلى ومثالاً للحق تعالى، سواء علِم كونَه مثالاً ومظهراً له، أو لم يعلم فهذا أمر جائز، بل واقع، لقوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : مَن رَآني فقد رَأى الحقّ"تفسير : . وقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ} تفسير : [الفتح:10]. وقوله: {أية : مَّنْ يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ} تفسير : [النساء:80]. وأمّا معنى كون الشيء مثالاً ومظهراً له تعالى فيحتاج تحقيقه إلى علوم كثيرة باطنيّة ليس هاهنا موضع بيانها وسنشير إلى لمعة منها. وأمّا القسم الثالث: هو أن يرى بعين القلب مظهراً مثالياً. ولا تنفكُّ هذه الرؤية من العلم بكون المظهر مثالاً له تعالى، فهذا مما لا يمكن وقوعه من العبد في الدنيا. وأمّا ما روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أو عن غيره "أنّه رأى في صورة كذا وكذا" فذلك لظهور سلطان الآخرة، وتجرّد الروح عن الدنيا وما فيها، فإنّ للنفس في ذاتها سمعاً، وبصَراً، ويداً، ورجْلاً، وجميع الحواسّ والجوارح المستورة عن مشاعر هذا العالَم، وهذه الحواسّ والقشور حجُب، وأغشية ظلمانيّة على تلك الحواس، والقوى، والأعضاء، وهي المقبورة المحشورة من الخلْق عند قيام الساعة. وأمّا القسم الرابع: وهو أن يرى بالعين الباطنة ذاتَ الله تعالى - فهذا مختصٌّ بالعلماء الراسخين، سيّما الأنبياء والأولياء منهم (عليهم السلام) - سواء كانوا في الدنيا أو ارتحلوا إلى الآخرة، فإنّ هذه رؤية بحقائق الإيمان لا بجوارح الأبدان. والدليل على هذا ما رواه محمّد بن يعقوب الكليني في الكافي، ومحمّد بن عليّ بن بابويه القمّي في كتاب التوحيد - طاب ثراهما - عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) إنّه قال: "جاء حِبْر إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيتَ ربّك حين عبدتَه؟ قال: فقال: ويلك ما كنت أعبد ربّاً لم أره؟ قال: وكيف الرؤية؟ قال: ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار. ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان". والذي يدلّ أيضاً على تحقيق رؤية الله بالمعنى الثاني أو الرابع في الدنيا، ما روى محمّد بن علي بن بابويه عليه الرحمة في كتاب التوحيد مسنداً عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أخبِرني عن الله عز وجل، هل يراه المؤمنون يومَ القيامة؟ قال: نعم وقد رأوه قبل يوم القيامة، فقلت: متى؟ قال: حين قال لهم: {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ} تفسير : [الأعراف:172] ثمَّ سكَت ساعة. ثمّ قال: وإنّ المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة: ألستَ تراه في وقتك هذا؟ قال أبو بصير: جُعلتُ فداك فأحدّثُ بهذا عنكَ؟ فقال: لا لأنّك إذا حدّثت به فأنكَره منكرٌ جاهلٌ بمعنى ما تقولُه ثمّ قدّر أن ذلك تشبيه كفَر، وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالى عمّا يقوله المشبّهون والملحدون. البحث الثالث: في معنى كون الشيء مثالاً ومظهراً لأمر: اعلم أنّ الله منزّه عن المِثْل، إذ لا ماهيّة له، والمماثل للشيء هو المساوي له في النوع. ولأنّ كلّ ما سواه ممكن الوجود في ذاته مستفيد الوجود منه تعالى، والبرهان قائم على أنّ أفراد ماهيّة واحدة لا يمكن كون بعضها علّة، وبعضها معلولاً. ولكن لا ينزّه عن المِثال وهو عبارةٌ عن أمر إذا عرف، عرف الممثَّل له. وإذا شوهد، شوهد. وذلك لأجل رابطة وجودية بينهما، فإنّ من رأى صورة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فقد رأى حقيقته المقدسة، فإنّ الشيطان لا يتمثّل به، كما ورَد في الحديث عنه (صلّى الله عليه وآله). وليس المعنى أنّ من رآه رأى شخصَه الذي مات ودُفن في روضة المدينة، لاستحالة خروج شخصه الجسمانيّ من القبر وحضوره في مواضع كثيرة غير محصورة في لحظة واحدة، إذ ربما رآه ألف نائم في أمكنة مختلفة بصوَر مختلفة في العِظَم والصِّغَر، والشيب والشباب، وغير ذلك في وقت واحد، ووجود جسم واحد في مكانين - فضلاً عن الأمكنة الكثيرة - مستحيل، ومن جوَّز ذلك فقد خرَج عن حدّ العقل الإنساني، ودخل في حدود البهيميّة. فقد علم أنَّ المراد من رؤيته في المنام رؤية حقيقته المقدّسة، التي هي حامل جوهر النبوّة، وحامل الرسالة، في صورة مثاليّة يصدق عليها أنَّها هي هو بعينه (صلّى الله عليه وآله). كما أنّ من رأى زيداً فقد رأى الحقيقة الإنسانية، التي هي ماهيّة، كلّية، عقليّة، توجد في عالَم العقل، وفي كل شخص إنساني، فتوجد تلك الحقيقة الواحدة في أماكن متعددة وأزمنة متخالفة، وتتَّحد بأشخاص غير متناهية، فتكون عين تلك الأشخاص بوجه، وغيرها بوجه؛ لأنّها ليست من حيث هي هي متكمّمة، ولا متحيّزة، ولا مشكَّلة ولا ملوَّنة، ولا في أين، ولا في زمان. ومع ذلك فهي موجودة بعين وجودات هذه الأشخاص كلّها، متّحدة بها مع اتّصاف الأشخاص بهذه الصفات الكونيّة، والتضادّ الواقع بينها، كالسواد، والبياض، والحرارة، والبرودة، والعلم، والجهل، وغير ذلك. والسبب في هذا أنّ نحو وحدة الحقيقة الكليّة نحو آخر من الوحدة، وكذا وجودها ضرب آخر من الوجود، فلها سعة وجوديّة بها تسع هذه الوجودات الشخصيّة العدد مع عدم حاجتها في ذاتها إلى شيء منها. فعلى هذا القياس الحقيقة النبويّة، لأنّ حقيقة النبي (صلّى الله عليه وآله) حقيقة مقدّسة شريفة، وله مقام كلّي مع الله لا يسَعه أحد - لا ملَك مقرَّب ولا نبيّ مرسل - كما ورد من قوله (صلّى الله عليه وآله): "حديث : لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملَك مقرّب ولا نبيّ مرسَل"تفسير : - والذي كان له وقتاً صار له مقاماً، إذ الفرق بين الوقت والمقام في عرف أهلِ الله كالفرق بين الحال والملكة النفسانيّين في عرف أهل النظر. فذات النبي (صلّى الله عليه وآله) مع الله البتّة، ولكن توجد مع ذلك في مظاهِر ومجالي بحيث من رأى مثال حقيقته فقد رآه بالحقيقة - لا بالمجاز -. وكذلك ذات الله تعالى منزّه عن الشكل والصورة، ولكن ينتهي تعريفه للعبد بواسطة مثال محسوس إلى حيث يصلح أن يكون مثالاً لجماله الحقيقي، الذي لا شكل، ولا صورة، ولا لون له، ويكون ذلك المثال صادقاً حقّاً، وواسطة في المعرفة. فيقول الرائي النائم: "رأيتُ الله في المنام" لا بمعنى أنّه رأى ذاتَه الأحديّة، مجرّدة عن الأشباح والأمثلة. بل بمعنى أنّه رأى مثال ذاته والمثال غير المثل. وهمٌ وإزالة ولعلّك تقول: إذا أمكنت رؤية الله بضرب مثال، فلِماذا لمّا طلب موسى (عليه السلام) الرؤية لقومه أخذتهم الصاعقة؟! ولمَّا طلَب لنفسه قال: {أية : لَن تَرَانِي}تفسير : ؟! [الأعراف:143] فهلاّ أظهر له - أو لهم - مثالاً صادقاً يرَونه شاهدين؟. فنقول: إنّ الرؤية المثاليّة له تعالى على أنحاء متفاضلة، وفي عوالِم متفاوتة في القُرب والبُعد منه تعالى، فربّ مثال بالنسبة إلى مثال آخر كالحقيقة بالنسبة إلى مثال. ألا ترى أنَّ حقيقة جبرائيل حقيقة عقليّة، وكان جبرائيل قد يتمثّل أحياناً في هذا العالَم بصورة شخص أعرابي، وكثيراً ما كان متمثّلاً بصورة دُحية الكلبي، وكان رجُلاً حسَن الوجه، وقد يتمثّل له (صلّى الله عليه وآله) في عالَم آخر بصورة هي بالحقيقة صورته وقد طبّق الخافقين، وذلك أنّه سأله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أن يريه نفسه على صورته، فواعَده ذلك سحَراً، فطلَع جبرائيل، فسدّ الأفق إلى المغرب. والمشهور أنّه رآه بصورته الحقيقية مرّتين، مرّة ما ذكرنا. ومرّة أخرى عند سدرة المنتهى كما دلّ عليه قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ ٱلْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ ٱلْمَأْوَىٰ} تفسير : [النجم:13 - 15]. وكان ما يراه غالباً في صورة الآدمي. فإذا تقرّر هذا نقول: أمّا الذي طلبه موسى (عليه السلام) من رؤية الله فهو رؤية لا يمكن تحقّقها إلاّ بالصعق، والاندكاك، والموت، وما يجري مجراه. ولذلك وقع النهي والعقاب لأنّ ذلك لا يمكن بهذا العين البالية الدائرة. فصل في معنى الصاعقة قد اختلفوا في معنى "الصاعقة": هل هي بمعنى الموت؟ أو الشيء الذي هو سبب الموت؟ فالقول الأوّل - وهو أنّها هي الموت - قاله الحسن وقتادة، محتجّين بقوله تعالى: {أية : فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الزمر:68]. وحجّة القائل بالثاني ما وقَع في سورة الأعراف: {أية : فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} تفسير : [الأعراف:155]. وهذا أولى لوجوه: أحدها: قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} لامتناع كونهم ناظرين حين تحقّق الموت. وثانيها: قوله تعالى في حقّ موسى (عليه السلام): {أية : وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً}تفسير : [الأعراف:143]. والاتّفاق حاصل على أنّه لم يمت حينئذٍ، ولأنّه قال: {أية : فَلَمَّآ أَفَاقَ} تفسير : [الأعراف:143] و "الافاقة" تكون عن الغشي - لا عن الموت -. وثالثها: إنّ الصاعقة هي التي توجب الصَّعق، فلو فرض كون معنى الصعق هو الموت، فهي سبب الموت. ولا يبعد القول: بأنّهم لما طلَبوا الرؤية، أخذَهم شِبْه الغشْي والسقوط، وكانوا ينظرون بعيون قلوبهم جمال الله في عالَم آخر مثالي، ثمّ بعثهم الله بدعاء موسى (عليه السلام) عن هذا الصعق الشبيه بالموت، ولفظ "الموت" ومرادفه قد يُطلق على مثل هذه الحالة من النوم وغيره، كما في قوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِٱللَّيْلِ} تفسير : [الأنعام:60]. وكقوله تعالى في حق عيسى (عليه السلام): {أية : إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} تفسير : [آل عمران:55] وكذا لفظ "البعْث" يطلق على مقابل هذا المعنى، كقوله تعالى: {أية : ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مّسَمًّى} تفسير : [الأنعام:60]. وكقوله في أصحاب الكهف: {أية : ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُواْ أَمَداً} تفسير : [الكهف:12]. ثمّ القائلون بأنّ الصاعقة المراد بها هي سبب الموت اختلفوا في أنّها أي شيءٍ كانت هي؟ فمنهم مَن قال: "إنّها نار وقعت من السماء فأحرقتهم". ومنهم من قال: "إنّه أرسل الله جنوداً سمعوا بحسيسها، فخرّوا صعقين ميّتين يوماً وليلة". ولقائل أن يقول: الإنسان إذا مات قطع تعلُّق النفس عن بدنه وفسد البدن عن صلاحيّة تعلقها. فإذا فرض إحياؤه، كان ذلك بتعلّق النفس مرّة أخرى ببدن في هذا العالَم. فكان ذلك نسخاً والتناسخ محال، بخلاف الحشْر فإنّه في عالَم آخر؟ والجواب: إنّ التناسخ إنّما يلزم لو تعلّقت النفس من بدن إلى آخر مباين في هذا العالَم - كما ذكرت - ولكن البدن إذا كان واحداً، وكان التعلّق متعدّداً فلا يلزم ذلك. ولعلّ الأبدان - فيما نحن فيه - لم تفسد بالكليّة، ولم تخرج عن صلوح تعلّق النفس بها. فصل قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم} قال صاحب الكبير: "فإن قلت: هل دخل موسى (عليه السلام) في هذا الكلام؟ قلتُ: لا. لأنه خطاب مشافهة، فلا يلزم تناوله لموسى (عليه السلام). ولأنّه لو تناوَله أيضاً لوجَب تخصيصه بقوله تعالى: {أية : فَلَمَّآ أَفَاقَ}تفسير : [الأعراف:143] لأنّ لفظة "الافاقة" لا تستعمل في الموت". أقول: قضيّة صعق موسى (عليه السلام) غير هذه القضيّة، فلا يجب هذا التخصيص. ولا يلزم بطلان قول مَن قال كابن قتيبة: "إنّ موسى قد مات". وقوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} لفظ "الشكر" يتناول جميع الطاعات والتكاليف، ولهذا قال تعالى: {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} تفسير : [سبأ:13]. فالمراد بعثُكم بعد الموت لتتمكّنوا من فِعْل الطاعات، والتلافي لما صدَر عنكم من السيّئات. وفي الكبير: "فإن قيل: كيف يجوز أن يكلّفهم الله وقد أماتَهم، ولو جاز ذلك فلِم لا يجوز أن يكلّف أهل الآخرة إذا بعثَهم بعد الموت؟ قلنا: الذي يمنع من تكليفهم في الآخرة ليس هو الإماتة ثمّ الإحياء. وإنّما يمنع من ذلك لأنّه قد اضطرهم يوم القيامة إلى معرفته ومعرفة ما في الجنّة من اللَّذات وما في النار من الآلام. وبعد العلْم الضروري فلا تكليف، فإذا كان المانع هو ذاك فلم يمتنع التكليف في حقّهم، ويكون موتهم ثمّ الإحياء بمنزلة النوم أو الإغماء".
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} بجرأتكم على نبيّكم وعلى ربّكم وسوء أدبكم {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} الى الصّاعقة تنزل بكم فمتّم.
الأعقم
تفسير : {واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} يعني عيانا، وفي هذا الكلام دليل واضحٌ على ان من اجاز على الله الرؤية فقد جعله من جملة الاجسام والاعراض تعالى الله عن ذلك، القائلون بالرؤية هم السبعون الذين صعقوا لقوله تعالى: {فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون} قيل: اماتهم، وقيل نار من السماء وقعت عليهم فأحرقتهم، فخروا صعقين ميتين يوماً وليلةً، وموسى (عليه السلام) لم تكن صعقته موتاً ولكن غشي عليه، وذلك ان موسى (عليه السلام) لما صعقوا جعل يتضرع ويبكي ويقول: يا رب ماذا أقول لبني اسرائيل اذا أتيتُهم وقد أهلكت خيارهم، ويقولوا أفتهلكنا بما فعل السفهاء منا، ولم يزل موسى يتضرع حتى احياهم الله جميعا رجلاً بعد رجل، ينظر بعضهم الى بعض كيف يحيَون. {وظللنا عليكم الغمام} في التيه تقيكم حر الشمس، وذلك انهم كانوا في التيه، وليس لهم كنَّ من الشمس، فشكوا ذلك الى موسى فأنزل الله تعالى عليهم غماماً ابيض، فقالوا لموسى: هذا الظل حصل فأين الطعام فأنزل الله تعالى {المن} قيل هو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار وطعمه كالشهد وقيل: الخبز الرقاق، وقيل: المن العسل، وقيل: ماء يشربونه، وقيل: شيء يقع على الأشجار بالأسحار، فقالوا: يا موسى هذا المن فأين اللحم؟ فدعا الله موسى فأنزل الله تعالى عليهم {السلوى} قال عكرمة: هو طير اكبر من العصفور. {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم} يعني ظلموا بأن كفروا هذه النعم. {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية} قيل: بيت المقدس، وقيل: اريحا، وقيل: الاردن، وقيل: فلسطين. {وادخلوا الباب سجداً} امروا بالسجود عند الانتهاء الى الباب تواضعاً لله تعالى، وقيل: بخشوع. {حطة} يعني حطَّ عنا ذنوبنا. وعن ابن عباس قول لا اله الا الله فانها تحط الذنوب. {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} قيل: قالوا: مكان حطة حنطة حمراء استهزاء منهم. {فأنزلنا على الذين ظلموا رجزاً} قيل: الرجز العذاب، وروي انه مات منهم أربعة وعشرون ألفاً في ساعة، وقيل: سبعون، وقيل: سبعون ألفاً عطشاً. {فقلنا اضرب بعصاك الحجر} الالف واللام في الحجر، قيل: للجنس أيّ حجر كان، وقيل: للعهد وكان حجراً مربعاً، وقيل: مدوراً، وقيل: كان مربعاً له أربعة وجوه كان ينبع من كل وجه ثلاث أعين لكل سبط عين، وكانوا ستمائة ألف وسبعة، وقيل: اهبط آدم من الجنة واهبط معه الحجرَ وتوارثوه حتى وصل الى شعيب، فدفعه الى موسى مع العصا، وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل اذ رموه بالأدرة. روي ان موسى ذهب يغتسل فوضع ثيابه على حجر فمر الحجر بثوبه، فخرج موسى في أثره يقول: ثوبي ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنو اسرائيل الى موسى فقالوا: والله ما بموسى من بأس، قال: فقام بعدما نظروا اليه فأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضرباً وهو من قوله عزّ وجلّ: {أية : آذوَا موسى} تفسير : [الأحزاب: 69] الآية والله أعلم بصحة الخبر.
الهواري
تفسير : قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} أي لن نصدّقك. {حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً} أي عياناً {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ}. يعني أنهم أُميتوا عقوبة ثم بُعِثوا ليستكملوا بقية آجالهم. وقال الكلبي: بلغني أنهم هم السبعون الذين اختار موسى من قومه فذهبوا معه إلى حيث كلمه ربه، فقالوا: يا موسى، لنا عليك حق؛ كنا أصحابك، لم نختلف ولم نصنع الذي صنع قومنا، فأرنا الله جهرة كما رأيته أنت. فقال لهم موسى: ما رأيته، ولا كانت مسألتي إياه أن أنظر إليه بالمجاهرة كما سألتم. وتجلَّى للجبل فصار دكّاً، وخررتُ صعِقاً. فلما أفقتُ سألت الله واعترفت بالخطيئة. فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عن آخرهم. فظن موسى أنما احترقوا بخطيئة أصحاب العجل فقال موسى لربه: (أية : رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ. أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ). تفسير : [الأعراف:155]. فبعثهم الله من بعد موتهم لعلهم يشكرون. أي: لكي يشكروا الله. فلما قدم نبي الله المدينة، فكلّمته اليهود، ودعاهم إلى الله وإلى كتابه، فكذّبوه وجحدوه، أنزل الله (أية : أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ).تفسير : [البقرة:75]. قال الحسن: هو ما حرّفوا من كلام الله. قوله: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوَى}. ذكروا أن مجاهداً قال: الغمام غير السحاب. قال الكلبي: لما سلكوا مع موسى أرض التيه والمفاز ظلّل الله عليهم الغمام بالنهار، يقيهم حر الشمس، وجعل لهم بالليل عموداً من النار يضيء لهم مكان القمر، وأنزل عليهم المنّ والسلوى. قال بعضهم: المنّ صمغة تسقط عليهم من السماء. وكان ينزل عليهم المنُّ في محلّتهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وكان أشد بياضاً من الثلج، وأحلى من العسل؛ فيأخذ أحدهم ما يكفيه يومه، وإن تعدّى ذلك فسد ولم يبق عنده. حتى إذا كان يوم سادسهم، يعني يوم الجمعة، أخذوا ما يكفيهم ذلك اليومَ ويومَ سابعهم، يعني السبت، فيبقى عندهم، لأن يوم السبت إنما كانوا يعبدون الله فيه، لا يشخصون لشيء من الدنيا ولا يطلبونه. قال: والسلوى السُّمَانَى، طير إلى الحمرة كانت تحشرها عليهم الجنوب، فيذبح الرجل ما يكفيه يومَه، فإن تعدّى ذلك فسد ولم يبق عنده، إلا يوم الجمعة فإنهم كانوا يذبحون ليومهم والسبت. قوله: {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} يعني بالطيبات المن والسلوى {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي بمعصيتهم. وقال بعضهم يضرّون أنفسهم. وقال بعضهم ينقصون أنفسهم، وذلك تعدّيهم في المن والسلوى.
اطفيش
تفسير : {وإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسَى}: خطاباً للسبعين الذين اختارهم موسى للميقات، هذا فى الحقيقة وإلا فالخطاب لبنى إسرائيل لكون السبعين من أسلافهم، قال الكلبى: والجمهور اختارهم موسى ليستغفروا لمن عبد العجل بعد التوبة، أو ليدعوا الله ليبين لهم كيف تكون توبتهم وكيف يكون الحكم فيهم، قال النقاش وغيره: إنه اختارهم حين خرج من البحر وطلبوه بما وعدهم من الكتاب. {لَن نُّؤمِنَ لَكَ}: أى لن نخضع لك بالإيمان، أو لن ننقاد لقولك أو لن نقر لك أو لن نؤمن لأجل قولك. {حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً}: أى عياناً وزادوا لفظ جهرة لئلا يتوهم متوهم أن المراد بالرؤية العلم، وأصلها إظهار الكلام، تقول جهرت بالقراءة جهراً. وجهرة ضد الإسرار، استعير لمعاينة الشئ استعارة تحقيقية أصلية بجامع الظهور، وفائدتها كمال الرؤية، وهى مفعول مطلق لأنها نوع من الرؤية، كأنه قيل حتى نرى الله رؤية كاملة، أو مفعول مطلق لحال محذوفة أى حتى نرى الله جاهراً لنا جهرة أى ظاهرا لنا ظهوراً، وقدر بعض مجهوراً بالرؤية، قيل أو جاهرين جهرة، أو حال من لفظ الجلالة، أى ذا جهرة أو بمعنى جاهراً، قيل أو من الضمير فى يرى أى جاهرين الله جهرة أو ذوى جهرة، وقرئ جهر بفتح الهاء تبعاً للجيم أو مصدراً كالقبلة بفتح اللام، ويضعف كونه جمع جاهر ككامل وكملة، وإنما ضعفت الحالية من ضمير نرى، لأن المراد طلب ظهوره تعالى لهم لا طلب ظهورهم، وما هى إلا على التأويل بمعاينين، والقائلون: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} هم السبعون الذين اختارهم موسى للميقات، وقيل عشرة آلاف من قومه، وروى أن طائفة ممن لم يعبدوا العجل قالوا: نحن لم نكفر كما كفر هؤلاء، ونحن أصحابك فأسمعنا كلام ربك، فأوحى الله إليه أن اختر منهم سبعين، فلم يجد إلا ستين، فأوحى الله إليه أن اختر من الشباب عشرة، ففعل فأصبحوا شيوخاً، وكان قد اختار شابين من كل سبط ليختار عشرة فزاد اثنان فتشاحنوا فيمن يتأخر، فاوحى الله إليه أن من تأخر له أجر من مضى، فتأخر يوشع ابن نون وطالوت بن يوقنا، وذهب موسى بالسبعين بعد أمرهم أن يجتنبوا النساء ثلاثاً، ويغتسلوا فى اليوم الثالث، واستخلف هارون على قومه، ومضى حتى أتى الجبل فألقى عليهم الغمام. قال النقاش: غشيتهم سحابة وحيل بينهم وبين موسى بالنور، فوقعوا سجداً، قال السدى: وسمعوا الكلام الذى خلق الله لموسى يأمر وينهى فلم يطيقوا سماعه، واختلطت أذهانهم ورغبوا أن يكون موسى يسمع ويعبر ففعل، فلما فرغوا وخرجوا بدلت منهم طائفة ما سمعوا من كلام الله فذلك قوله تعالى: {أية : وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه} تفسير : واضطرب إيمانهم وامتحنهم الله تعالى بذلك، فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، ومن ادعى أن السبعين سمعوا ما سمع موسى فقد أخطأ وأذهب فضيلة موسى واختصاصه بالتكليم. وقيل: إن الله سبحانه وتعالى أمر موسى أن يأتيه فى ناس من بنى إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، واختار موسى من قومه سبعين رجلا من خيارهم، وقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم ففعلوا، وخرج بهم موسى إلى طور سيناء لميقات ربه، فقالوا لموسى: أطلب لنا أن نسمع كلام ربنا؟ قال: أفعل. فلما دنا من الجبل وقع عليه عمود الغمام وتغشى الجبل كله فدخل موسى فى الغمام. وقال للقوم: ادنوا فدنوا حتى دخلت تحت الغمام وخروا سجداً، وكان موسى إذا كلمه ربه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد أن ينظر إليه فضرب دونهم الحجاب، وسمعوا الكلام لموسى يأمر وينهى، وأسمعهم الله أنى أنا الله لا إله إلا أنا أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدونى ولا تعبدوا غيرى. فلما فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم فقالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، وروى أنهم قالوا أعنى السبعين: كنا أصحابك ولم نختلف ولم نصنع الذى صنع قومنا، فأرنا الله جهرة كما رأيته أنت. ظنوا أنه رآه، فقال لهم موسى: ما رأيته ولكن سألته أن أنظر إليه بالمجاهرة كما سألتم فتجلى للجبل فصار دكا، وخررت صعقاً فلما أفقت سألت الله واعترفت بالخطيئة. فقالوا: {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة} وهذه الرواية تقتضى أن موسى يجير الرؤية حتى سألها ومُنعها، وليس كذلك بل إن صح سياق هذه الرواية فقد سألوه الرؤية قبل ذلك فنهاهم عن ذلك وحرمه، أو سكت انتظاراً للوحى فى ذلك، فلما فرغ وخرج عاودوه ذكر ذلك. فقال لهم: قد سألته على لسانكم كما تحبون لأخبركم بالجواب الذى يقمعكم لا لجواز الرؤية، فتجلى للجبل بعض آياته فصار دكا فكفروا بطلب الرؤية لاستلزامها اللون والتركيب، والتحيز والحدود والحلول، والعجز عن الاستقلال، وعما بعد عن الحل كل العجز أو بعضه، والجهل به كل الجهل أو بعضه، وذلك كله يستلزم الحدوث وذلك كله محال عن الله، وإذا كان ذلك مستلزماً عقلا لم يختلف دنياً وأخرى، فالرؤية محل دنيا وأخرى، ولا بالإيمان والكفر والنبوة وعدمها، وكفروا أيضاً بتحريف كلام الله الذى سمعوه حينئذ، كما قال الله سبحانهُ وتعالى لسيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمسلمين فتطمعون أن يؤمنوا لكم، وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، وقال الحسن: هو ما حرفوه من كتاب الله، ونزل فى قطع عذرهم بطلب الرؤية جهرة. {فأَخَذتْكُمُ الصَّاعِقَةُ}: فإن هذه الفاء سببية أى أخذتكم الصاعقة بسبب طلبكم الرؤية جهرة أو بسبب هذا الطلب، وسبب تأخير الإيمان إلى أن يحصل هذا المطلوب لا بسبب هذا التأخير فقط بدليل قوله تعالى: {أية : فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة..}تفسير : الآية وقيل: يحتمل أن تكون معاقبتهم بقولهم لموسى أرنا، وليس ذلك من مقدور موسى عليه السلام وهو احتمال قوى لا تدفعهُ هذه الآية، بل يدفعه ما تقدم من الاستلزام، وأما ادعاء أن الجائز رؤية غير مكيفة بتكييف الجسم، وأنهم عوقبوا بطلب رؤية كرؤية الجسم، وإنما هو تستر بما لا يغنى وعجز عن مقاومة حججنا، والصاعقة من عذاب الله لا يستعمل فى الرضا، ولو كانت بإزالة روح فقط دون نار بخلاف صعق ويصعق ونحوهما، وقرأ على بن أبى طالب: الصعقة بإسكان العين وإسقاط الألف قبها أو المراد فى الآية: نار أحرقتهم كلهم وماتوا، وقيل صيحة من السماء ماتوا بها، وقيل أرسل جمع من الملائكة فسمعوا حسهم فماتوا، وقيل المراد ضعف لقوله تعالى: {وَأَنْتُم تَنظُرُونَ}: ما أصابكم بنفسهِ أو أثره إذ لو كانت الصاعقة موتاً بالنار أو بالصيحة أو بحبس الملائكة لما وصفهم بالنظر، لأن الميت لا ينظر وليس كذلك، لأن المعنى تنظرون بعضكم إلى بعض كيف يموت، وقيل: ماتوا موت همود يعتبر به الغير، والمشهور أنهم ماتوا وذهبت أرواحهم، قال قتادة: ماتوا وذهبت أرواحهم ثم ردوا لاستيفاء آجالهم، كانوا فى الكفر بطلب الروية كعبدة العجل فعوقبوا بالموت بالصاعقة، كما عوقبوا عبدة العجل بالقتل تسوية بين الكفرين، وصعقة موسى ليست موتاً بل غشية لعظم آية رآها لا لكونه اعتقد الرؤية، لأنهُ لا يعتقدها، روى أنهم ماتوا يوماً وليلة، وظن موسى عليه السلام أنهم عوقبوا بسبب عبادة القوم العجل، كما قد يعم عذاب الدنيا العاصى والمطيع، فقال: اتهلكنا بما فعل السفهاء منا، يعنى عبدة العجل، ويأتى تفسير الآية ـ إن شاء الله تعالى ـ ولما ماتوا جعل موسى يناشد ربه ويقول: أى ربى كيف أرجع إلى بنى إسرائيل دونهم ولا يؤمن بى أحد وقد خرجوا وهم الأخيار ولا يدرى بنو إسرائيل بما أحدثوا من طلب الرؤية فلا يؤمن بى أحد؟ فأجاب الله دعاءه فأحياهم الله ـ عز وجل ـ كما قال: {ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ}
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ} نسب القول إليهم، لأنه لآبائهم، وذلك القول ارتداد منهم، وقيل المراد لن يكمل إيماننا بك حتى نرى الله عز وجل، كقوله صلى الله عليه وسلم: لن يؤمن أحدكم حتى يحب لنفسه، أى لن يكمل إيمانه {يَٰمُوسَى لَنْ نُّؤْمِنَ لَكَ} بنبوءتك مطلقا، أو لن نذعن لك، أو لن نؤمن لأجل قولك أو بك، فيما تقول من أن التوراة من الله أو من أن الله ألزمنا قتل عابدى العجل كفارة لهم، أو من أن هذا الذى سمعنا كلام الله، والقائلون هم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه الذين لم يعبدوا العجل لميقات وقت لهم من خيارهم أمره الله أن يأتى بهم إلى طور سيناء ليعتذروا ويطلبوا العفو عن عبّاد العجل، فأتى بهم، وأمرهم أن يتطهروا، ويطهروا ثيابهم، ويصوموا، وقالوا له، ادع الله أن يسمعنا كلامه، فأسمعهم، أننى أنا الله لا إله إلا أنا، أخرجتكم من أرض مصر تيد شديدة فاعبدونى ولا تعبدوا غيرى. سمعوا كلام الله بأن خلق صوتاً فى أبدانهم، أو فى الهواء، أو حيث شاء وفى أبدانهم وأسماعهم، وقيل القائلون هم السبعون الذين اختارهم موسى لميقات التوراة، قالوا بعد الرجوع وقتله عبدة العجل وتحريقه، وقيل عشرة آلاف من قومه، وعلى كل حال لم يقنعوا بذلك، وسألوا الرؤية جهاراً كما قال {حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً} عياناً، أى رؤية جهرة بحاسة العين لا مناماً وقلبا أو ذوى جهرة أو مجاهرين، أو مبالغة أو قولاً ذا جهرة أو قول جهرة، أو قولاً جاهراً أو مبالغة، {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّٰعِقَةُ} النار مع صوت شديد من المساء لطلبكم مالا يجوز للزوم التشبيه، ولوقفكم عن الإيمان حتى شرطتم له {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} يرى بعضكم بعضاً كيف يموت، أو ترون أثر الموت فى أنفسكم، إذ يحيى كل واحد منكم عضواً عضواً، أو يرى بعضكم بحيا من موت، وقيل الموت عنا غشيان كما قال الله عز وجل، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت، كذا قيل، ولعله تمثيلى، وإلا فغشيان أهل النار إراحة لهم لو كان لكن لا يكون.
الخليلي
تفسير : هذه حلقة في سلسلة عنادهم المتطاول، وضرب من ضروب إخلادهم إلى الأباطيل في مواجهة الحق البيّن، والحقيقة الناصعة، فإنهم لم يكتفوا بما شاهدوه رأى العين من معجزات موسى الباهرة، وحججه القاهرة، التي يطمئن إليها كل ذي لب، ويهتدي بها كل من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، حتى جاهروا بهذا المطلب الذي لا يصدر إلا ممِن لم يقدروا الله حق قدره، ولم يصفوه بما هو هل أهل من صفات الجلال والكبرياء، وفي طي تذكيرهم بهذه الجريمة النكراء تذكير بنعمة أخرى من نعم الله المتلاحقة عليهم، وهي تداركهم باللطف بعدما حاق بهم العقاب الأليم اللائق بسوء ما ارتكبوه، ومحط هذا الامتنان قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم}. وتعدية نؤمن باللام لتضمنه معنى نقر، والمراد بعدم إيمانهم له عدم إيمانهم بما أنزل عليه من الكتاب، أو بأنه رسول من الله، أو بأن الله كلمه تكليما. والجهرة هنا بمعنى العلانية كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرج عن الربيع وقتادة أنه بمعنى العيان، والمؤدى واحد، وإنما أوثرت كلمة "جهرة" على غيرها مما يؤدي مؤداها لتلاؤمها مع ما سبقها ولحقها في النظم، بجانب ما توحيه من وصف التعنت الذي كانوا عليه، وأصلها بمعنى الظهور، ومنه الجهر بالقراءة. وانتصابها على المصدرية التأكيدية، فهي تجتث توهم أن تكون الرؤية المطلوبة منامية أو قلبية، وهذا أولى من دعوى أن النصب على الحالية بمعنى جاهرين بالرؤية، أو تقدير محذوف، أي ذوي جهرة. واختلف في أصحاب هذه المقالة؛ فقيل: هم السبعون الذين اختارهم لميقات ربه، وقيل كانوا عشرة آلاف من بني اسرائيل، والأول أصح لقوله تعالى: {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ} تفسير : [الأعراف: 155]. واختلف في هذا الميقات؛ قيل: إنه الميقات الذي كان بعد تنجيتهم من فرعون وآله الذي وعد الله موسى أن ينزل عليه الكتاب فيه، وقيل: هو ميقات آخر واعد الله فيه موسى ليجيئه بسبعين رجلا من بني إسرائيل يعتذرون إليه مما وقعوا فيه من عبادة العجل، ومهما يكن فإن الظاهر أن هؤلاء كانوا من أفضل بني إسرائيل حسب ظاهر حالهم، فلذلك اختيروا لما اختيروا له من الشهادة لموسى عليه السلام بإنزال التوراة عليه، أو للوفود على الله للاعتذار إليه، ومع ذلك قالوا ما قالوا من كلمة الكفر إذ علقوا إيمانهم لموسى على ما يستحيل على الله، وحسبكم ذلك دليلا على شر طباعهم وتعفن أفكارهم وبعد ضلالهم، بأن المراد بنظرهم نظرهم إلى أحوالهم، وما بقى في أجسامهم من أثر ولكن الحق تعالى لم يمهلهم في هذه المرة، بل صب عليهم سوط عذابه، وأذاقهم وبال ما ارتكبوه، إذ أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون. وقد قال جماعة من أهل التفسير وغيرهم إن الذي أطمعهم في رؤية الله سماعهم كلامه، فقاسوا الرؤية على السماع، وأكثر المفسرين على أن السماع كان خاصا بموسى وحده، وهو الذي يؤذن به قوله تعالى: {أية : إِنِّي ٱصْطَفَيْتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي} تفسير : [الأعراف: 144]، وكأني بأصحاب القول الأول يستدلون لقولهم بما جاء في سفر التثنية من التوراة مما يقتضي ثبوت السماع لهم، وقد علمتم أن نصوص التوراة لم تعد مما يعول عليه في اثبات شيء أو نفيه لما خالطها من تحريف المحرفين وأضاليل الدجالين، فغشيها من اللبس ما غشيها. والصاعقة هي صوت مرجف، وقيل: نار محرقة، وقيل: صوت مع نار، وقيل: هي الموت، وقيل: صوت جند الله لم يطيقوا سماعة، والصحيح الأول لقوله تعالى: {أية : فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ ٱلرَّجْفَةُ} تفسير : [الأعراف: 155]. وأخذها إياهم استيلاؤها عليهم وإحاطتها بهم. وجملة {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} حالية، وهي دالة على أن الصاعقة نزلت بهم وقد كانوا واعين بهولها محسين بشدتها حتى أهلكتهم، ولا داعي إلى التأويلات البعيدة التي حاولها المفسرون لتبيان مفهوم هذه الجملة، كقول القرطبي بأن المراد بنظرهم تقابلهم في حال الموت كما تقول العرب دور آل فلان تراءى، أي يقابل بعضها بعضا؛ وقول غيره الصعق بعد البعث؛ وقول الآخرين بأنهم كانوا ينظر بعضهم إلى بعض عندما بعثهم الله بالإِحياء مرة أخرى، فإن في ذلك من التكلف ما لا يخفى على متأمل. وفي التأويلين الأخيرين خروج بجملة {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} عن الحالية، لأن نظرهم إلى آثار الصاعقة وإلى سريان الحياة في أجسادهم غير مقترن بنزول الصاعقة بهم، كيف وقد قيل إنهم ماتوا يوما وليلة، وقيل: يومين؟ وهذا كله مبني على أنها كانت ميتة حقيقية، وهو الذي يؤيده قوله تعالى: {أية : ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} تفسير : [البقرة: 56]. وعليه فيكون هؤلاء من الذين ماتوا وأحيوا بعد الموت في الدار الدنيا {أية : كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِـي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ} تفسير : [البقرة: 259]، وكالذين أخبر الله عنهم بقوله: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} تفسير : [البقرة: 243]، ويدخل ذلك في مقدورات الله الخارجة عن السنن المعهودة، وبهذا تعلمون أنه لا داعي إلى السؤال والجواب اللذين أوردهما الإِمام ابن عاشور في قوله: "فإن قلت ان الموت يقتضي انحلال التركيب المزاجي فكيف يكون البعث بعده في غير يوم إعادة الخلق؟ قلت الموت هو وقوف حركة القلب وتعطيل وظائف الدورة الدموية، فإذا حصل عن فساد فيها لم تعقبه حياة إلا في يوم إعادة الخلق، وهو المعني بقوله تعالى: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ}تفسير : [الدخان: 56]، واذا حصل عن حادث قاهر مانع وظائف القلب من عملها كان للجسد حكم الموت في تلك الحالة، لكنه يقبل الرجوع إن عادت إليه أسباب الحياة بزال الموانع العارضة، وقد صار الأطباء اليوم يعتبرون بعض الأحوال التي تعطل عمل القلب اعتبار الموت، ويعالجون القلب بأعمال جراحية تعيد إليه حركته، والموت بالصاعقة إذا كان عن اختناق أو قوة ضغط الصوت على القلب قد تعقبه الحياة بوصول هواء صاف جديد، وقد يطول زمن هذا الموت في العادة ساعات قليلة، ولكن هذا الحادث كان خارق عادة، فيمكن أن يكون موتهم قد طال يوما وليلة كما روي في بعض الأخبار، ويمكن دون ذلك". ولعل العلامة ابن عاشور لم يستحضر عندما كتب الذي كتبه هنا آيتي 243، 259 من هذه السورة اللتين سبق ذكرهما، وأن من معجزات عيسى إحياء الموتى، كما نُص عليه في سورتي آل عمران والمائدة. وذهبت طائفة إلى أن ميتتهم هذه لم تكن ميتة حقيقية، بل كانت ميتة همود وسكون، ثم أُرسلوا، وذلك على حد قوله تعالى: {أية : وَيَأْتِيهِ ٱلْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ} تفسير : [إبراهيم: 17]. وذكر هذه القصة وارد مورد الإِمتنان عليهم كسائر هذه القصص المتتابعة مع ما فيها من النداء عليهم بسفاهة الأحلام، وضلال العقول، وفساد الفطرة، ومحط الامتنان قوله: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} القائل هم السبعون الذين اختارهم موسى عليه السلام لميقات التوراة، قيل: قالوه بعد الرجوع، وقتل عبدة العجل، وتحريق عجلهم، ويفهم من بعض الآثار أن القائل أهل الميقات الثاني الذي ضربه الله تعالى للاعتذار عن عبدة العجل ـ وكانوا سبعين أيضاً، وقيل القائل عشرة آلاف من قومه، وقيل: الضمير لسائر بني إسرائيل ـ إلا من عصمه الله تعالى ـ وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأعراف ما ينفعك هنا ـ واللام ـ من {لَكَ} إما ـ لام الأجل ـ أو للتعدية بتضمين معنى الإقرار على أن موسى مقرّ له/ والمقر به محذوف، وهو أن الله تعالى أعطاه التوراة، أو أن الله تعالى كلمه فأمره ونهاه، وقد كان هؤلاء مؤمنين ـ من قبل ـ بموسى عليه السلام، إلا أنهم نفوا هذا الإيمان المعين والإقرار الخاص. وقيل: أرادوا نفي الكمال أي لا يكمل إيماننا لك، كما قيل في قوله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه»تفسير : والقول إنهم لم يكونوا مؤمنين أصلاً لم نره لأحد من أئمة التفسير. {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} {حَتَّىٰ} هنا حرف غاية، والجهرة في الأصل مصدر جهرت بالقراءة ـ إذا رفعت صوتك بها ـ واستعيرت للمعاينة بجامع الظهور التام. وقال الراغب: ((ـ الجهر ـ يقال لظهور الشيء بإفراط حاسة البصر أو حاسة السمع أما البصر فنحو رأيته جهاراً وأما السمع فنحو)) {أية : وَإِن تَجْهَرْ بِٱلْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ ٱلسّرَّ وَأَخْفَى }تفسير : [طه: 7] وانتصابها ـ على أنها مصدر ـ مؤكد مزيل لاحتمال أن تكون الرؤية مناماً أو علماً بالقلب، وقيل: على أنها حال على تقدير ذوي ـ جهرة ـ أو مجاهرين، فعلى الأول ـ الجهرة ـ من صفات الرؤية، وعلى الثاني من صفات الرائين، وثمّ قول ثالث، وهو أن تكون راجعة لمعنى القول أو القائلين ـ فيكون المعنى ـ وإذ قلتم كذا قولاً جهرة أو جاهرين بذلك القول مكترثين ولا مبالين، وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبـي عبيدة، وقرأ سهل بن شعيب وغيره جهرة بفتح الهاء، وهي إما مصدر ـ كالغلبة ـ ومعناها معنى المسكنة وإعرابها إعرابها أو جمع ـ جاهر ـ أو كفاسق وفسقة، وانتصابها على الحال. {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ} أي استولت عليكم وأحاطت بكم، وأصل ـ الأخذ ـ القبض باليد، والصاعقة هنا نار من السماء أحرقتهم أو جند سماوي سمعوا حسهم فماتوا، أو صيحة سماوية خروا لها صعقين ميتين يوماً وليلة، واختلف في موسى هل أصابه ما أصابهم؟ والصحيح ـ لا ـ وأنه صعق ولم يمت لظاهر {أية : فَلَمَّآ أَفَاقَ}تفسير : [الأعراف: 143] في حقه، و {أية : ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم } تفسير : [البقرة: 56] الخ في حقهم، وقرأ عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما (الصعقة). {وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ} جملة حالية ومتعلق النظر ما حل بهم من الصاعقة أو أثرها الباقي في أجسامهم بعد البعث، أو إحياء كل منهم ـ كما وقع في قصة العزيز، قالوا: أحيا عضواً بعد عضو: والمعنى: وأنتم تعلمون أنها تأخذكم، أو وأنتم يقابل بعضكم بعضاً، قال في «البحر»: ((ولو ذهب ذاهب إلى أن المعنى: وأنتم تنظرون إجابة السؤال في حصول الرؤية لكم كان وجهاً من قولهم: نظرت الرجل ـ أي انتظرته ـ كما قال:شعر : فإنكما إن (تنظراني) ساعة من الدهر تنفعني لدى أم جندب تفسير : لكن هذا الوجه غير منقول فلا أجسر على القول به، وإن كان اللفظ يحتمله)).
ابن عاشور
تفسير : تذكير بنعمة أخرى نشأت بعد عقاب على جفاء طبع فمحل المنة والنعمة هو قوله: {ثم بعثناكم}، وما قبله تمهيد له وتأسيس لبنائه كما تقدم في قوله: {أية : وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة}تفسير : [البقرة: 51] الآية. والقائلون هم أسلاف المخاطبين وذلك أنهم قالوا لموسى {لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة}. والظاهر أن هذا القول وقع منهم بعد العفو عن عبادتهم العجل كما هو ظاهر ترتيب الآيات، روى ذلك البغوي عن السدي، وقيل: إن ذلك سألوه عند مناجاته وأن السائلين هم السبعون الذين اختارهم موسى للميقات وهم المعبر عنهم في التوراة بالكهنة وبشيوخ بني إسرائيل. وقيل: سأل ذلك جمع من عامة بني إسرائيل نحو العشرة الآلاف وهذان القولان حكاهما في «الكشاف» وليس في التوراة ما هو صريح لترجيح أحد القولين ولا ما هو صريح في وقوع هذا السؤال ولكن ظاهر ما في سفر التثنية منها ما يشير إلى أن هذا الاقتراح قد صدر وأنه وقع بعد كلام الله تعالى الأول لموسى لأنها لما حكت تذكير موسى في مخاطبة بني إسرائيل ذكرت ما يغاير كيفية المناجاة الأولى إذ قال: فلما سمعتم الصوت من وسط الظلام والجبل يشتعل بالنار تقدم إليّ جميع رؤساء أسباطكم وشيوخكم وقلتم هو ذا الرب إلٰهنا قد أرانا مجده وعظمته وسمعنا صوته من وسط النار... إن عندما نسمع صوت الرب إلٰهنا أيضاً نموت... تقدم أنت واسمع كل ما يقول لك الرب إلٰهنا وكلمنا بكل ما يكلمك به الرب إلخ. فهذا يؤذن أن هنالك ترقباً كان منهم لرؤية الله تعالى وأنهم أصابهم ما بلغ بهم مبلغ الموت، وبعد فالقرآن حجة على غيره مصدقاً لما بين يديه ومهيمناً عليه. والظاهر أن ذلك كان في الشهر الثالث بعد خروجهم من مصر. ومعنى {لا نؤمن لك} يحتمل أنهم توقعوا الكفر إن لم يروا الله تعالى أي إنهم يرتدون في المستقبل عن إيمانهم الذي اتصفوا به من قبل، ويحتمل أنهم أرادوا الإيمان الكامل الذي دليله المشاهدة أي إن أحد هذين الإيمانين ينتفي إن لم يروا الله جهرة لأن لن لنفي المستقبل قال سيبويه: «لا لنفي يفعل ولن لنفي سيفعل» وكما أن قولك سيقوم لا يقتضي أنه الآن غير قائم فليس في الآية ما يدل على أنهم كفروا حين قولهم هذا ولكنها دالة على عجرفتهم وقلة اكتراثهم بما أوتوا من النعم وما شاهدوا من المعجزات حتى راموا أن يروا الله جهرة وإن لم يروه دخلهم الشك في صدق موسى وهذا كقول القائل إن كان كذا فأنا كافر. وليس في القرآن ولا في غيره ما يدل على أنهم قالوا ذلك عن كفر. وإنما عدى {نؤمن} باللام لتضمينه معنى الإقرار بالله ولن نقر لك بالصدق والذي دل على هذا الفعل المحذوف هو اللام وهي طريقة التضمين. والجهرة مصدر بوزن فَعلة من الجهر وهو الظهور الواضح فيستعمل في ظهور الذوات والأصوات حقيقة على قول الراغب إذ قال: «الجهر ظهور الشيء بإفراط إما بحاسة البصر نحو رأيته جهاراً ومنه جهر البئر إذا أظهر ماءها، وإما بحاسة السمع نحو: {أية : وإن تجهر بالقول}تفسير : [طه: 7]» وكلام «الكشاف» مؤذن بأن الجهر مجاز في الرؤية بتشبيه الذي يرى بالعين بالجاهر بالصوت والذي يرى بالقلب بالمخافت، وكان الذي حداه على ذلك اشتهار استعمال الجهر في الصوت وفي هذا كله بعد إذ لا دليل على أن جهرة الصوت هي الحقيقة ولا سبيل إلى دعوى الاشتهارفي جهرة الصوت حتى يقول قائل إن الاشتهار من علامات الحقيقة على أن الاشتهار إنما يعرف به المجاز القليل الاستعمال، وأما الأشهرية فليست من علامات الحقيقة، ولأنه لا نكتة في هذه الاستعارة ولا غرض يرجع إلى المشبه من هذا التشبيه فإن ظهور الذوات أوضح من ظهور الأصوات. وانتصب (جهرة) على المفعول المطلق لبيان نوع فعل ترى لأن من الرؤية ما يكون لمحة أو مع سائر شفاف فلا تكون واضحة. ووجه العدول عن أن يقول عياناً إلى قوله (جهرة) لأن جهرة أفصح لفظاً لخفته، فإنه غير مبدوء بحرف حلق والابتداء بحرف الحلق أتعب للحلق من وقوعه في وسط الكلام ولسلامته من حرف العلة وكذلك يجتبي البلغاء بعض الألفاظ على بعض لحسن وقعها في الكلام وخفتها على السمع وللقرآن السهم المعلى في ذلك وهو في غاية الفصاحة. وقوله: {فأخذتكم الصاعقة} أي عقوبة لهم عما بدا منهم من العجرفة وقلة الاكتراث بالمعجزات. وهذه عقوبة دنيوية لا تدل على أن المعاقب عليه حرام أو كفر لا سيما وقد قدر أن موتهم بالصاعقة لا يدوم إلا قليلاً فلم تكن مثل صاعقة عاد وثمود. وبه تعلم أن ليس في إصابة الصاعقة لهم دلالة على أن رؤية الله تعالى مستحيلة وأن سؤالها والإلحاح فيه كفر كما زعم المعتزلة وأن لا حاجة إلى الجواب عن ذلك بأن الصاعقة لاعتقادهم أنه تعالى يشبه الأجسام فكانوا بذلك كافرين إذ لا دليل في الآية ولا غيرها على أنهم كفروا، كيف وقد سأل الرؤية موسى عليه السلام. والصاعقة نار كهربائية من السحاب تحرق من أصابته، وقد لا تظهر النار ولكن يصل هواؤها إلى الأحياء فيختنقون بسبب ما يخالط الهواء الذي يتنفسون فيه من الحوامض الناشئة عن شدة الكهربائية، وقد قيل: إن الذي أصابهم نار، وقيل: سمعوا صعقة فماتوا. وقوله: {وأنتم تنظرون} فائدة التقييد بهذا الحال عند صاحب «الكشاف» الدلالة على أن الصاعقة التي أصابتهم نار الصاعقة لا صوتها الشديد لأن الحال دلت على أن الذي أصابهم مما يرى، وقال القرطبي أي وأنتم ينظر بعضكم إلى بعض أي مجتمعون. وعندي أن مفعول {تنظرون} محذوف وأن (تنظرون) بمعنى تحدقون الأنظار عند رؤية السحاب على جبل الطور طمعاً أن يظهر لهم الله من خلاله لأنهم اعتادوا أن الله يكلم موسى كلاماً يسمعه من خلال السحاب كما تقوله التوراة في مواضع، ففائدة الحال إظهار أن العقوبة أصابتهم في حين الإساءة والعجرفة إذ طمعوا فيما لم يكن لينال لهم. وقوله: {ثم بعثناكم من بعد موتكم} إيجاز بديع، أي فمتم من الصاعقة ثم بعثناكم من بعد موتكم، وهذا خارق عادة جعله الله معجزة لموسى استجابة لدعائه وشفاعته أو كرامة لهم من بعد تأديبهم إن كان السائلون هم السبعين فإنهم من صالحي بني إسرائيل. فإن قلت إذا كان السائلون هم الصالحين فكيف عوقبوا؟ قلت قد علمت أن هذا عقاب دنيوي وهو ينال الصالحين ويسمى عند الصوفية بالعتاب وهو لا ينافي الكرامة، ونظيره أن موسى سأل رؤية ربه فتجلى الله للجبل فجعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك. فإن قلت إن الموت يقتضي انحلال التركيب المزاجي فكيف يكون البعث بعده في غير يوم إعادة الخلق؟ قلت: الموت هو وقوف حركة القلب وتعطيل وظائف الدورة الدموية فإذا حصل عن فساد فيها لم تعقبه حياة إلا في يوم إعادة الخلق وهو المعنى بقوله تعالى: {أية : لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى}تفسير : [الدخان: 56] وإذا حصل عن حادث قاهر مانع وظائف القلب من عملها كان للجسد حكم الموت في تلك الحالة لكنه يقبل الرجوع إن عادت إليه أسباب الحياة بزوال الموانع العارضة، وقد صار الأطباء اليوم يعتبرون بعض الأحوال التي تعطل عمل القلب اعتبار الموت ويعالجون القلب بأعمال جراحية تعيد إليه حركته. والموت بالصاعقة إذا كان عن اختناق أو قوة ضغط الصوت على القلب قد تعقبه الحياة بوصول هواء صاف جديد وقد يطول زمن هذا الموت في العادة ساعات قليلة ولكن هذا الحادث كان خارق عادة فيمكن أن يكون موتهم قد طال يوماً وليلة كما روي في بعض الأخبار ويمكن دون ذلك.
القطان
تفسير : واذكروا نعمتي عليكم يوم سألتم وقلتم له: اننا لن نصدّقك في قولك إن هذا كتاب الله، وأنك سمعت كلامه ـ حتى نرى الله عياناً. حينذاك انقضّت عليكم صاعقة من السماء زلزلتكم جزاء عنادكم وظلمكم وأنتم تنظرون. قال المفسرون: ان الذين طلبوا رؤية الله هم السبعون الذين اختارهم موسى لميقات الله كما جاء في سورة الأعراف. آية 154. {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ ٱلْكَافِرِينَ} فالحادثة واحدة جاءت هنا مختصرة وفٌصلت وشرحت في الأعراف.
د. أسعد حومد
تفسير : {يَامُوسَىٰ} {ٱلصَّاعِقَةُ} (55) - وَيُتَابِعُ اللهُ جَلَّ شَأْنُهُ تَذْكِيرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِانْعَامِهِ عَلَيهِمْ فَيُذَكِّرُهُمْ بِإِحْيَائِهِ إِيَّاهُمْ بَعْدَ أَنْ صَعَقَهُمْ، حِينَما قَالُوا لِمُوسَى إِنَّهُمْ لَنْ يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ بِأَنَّ هذا كِتَابُ اللهِ، وَأَنَّ مُوسَى سَمِعَ كَلاَمَ رَبِّهِ حَتَّى يَرَوا اللهَ عِيَاناً، بِدُونَ سَاتِرٍ بَيْنَهُم وَبَيْنَهُ، فَصَعَقَهُمُ اللهُ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى مَا حَلَّ بِهِمْ مِنْ بَلاءٍ وَعَذَابٍ، وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلاً اخْتَارَهُمْ مُوسَى مِنْ قَومِهِ لِيَذْهَبُوا مَعَهُ إِلى مِيقَاتِ رَبِّهِ للاعْتِذَارِ إِليهِ عَنْ عِبَادَةِ قَوْمِهِم العِجْلَ. جَهْرَةً - عِيَاناً بَالبَصَرِ.
الثعلبي
تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} الآية، وذلك أنّ الله أمر موسى أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل، فاختار سبعين رجلا من خيارهم، وقال لهم: صوموا وتطهّروا وطهّروا ثيابكم، ففعلوا ذلك، فخرج بهم موسى الى طور سيناء لميقات ربّه، فلمّا وصل ذلك الموضع قالوا: اطلب لنا نسمع كلام ربّنا، فقال: أفعل، فلمّا دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام وتغشّى الجبل كلّه فدخل في الغمام وقال القوم: ادنوا، وكان موسى إذا كلّمه ربّه وقع على وجهه نور ساطع لا يستطيع أحد من بني إسرائيل أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم حتى دخلوا في الغمام وخرّوا سجّدا، وسمعوه وهو يكلّم موسى يأمره وينهاه، وأسمعهم الله تعالى: إنّي أنا الله لا اله إلاّ أنا ذو بكة أخرجتكم من أرض مصر فأعبدوني ولا تعبدوا غيري. فلمّا فرغ موسى وانكشف الغمام أقبل إليهم، فقالوا له: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} وهي نارٌ جاءت من السماء فأحرقتهم جميعاً. وقال وهب: أرسل الله عزّ وجلّ عليهم جنداً من السماء فلما سمعوا بحسّها ماتوا يوماً وليلة. والصاعقة: المهلكة، فذلك قوله: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ} لن نصدّقك {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً}. قرأه العامّة بجزم الهاء، وقرأ ابن عباس: (جهرة) بفتح الهاء وهما لغتان مثل زُهْره وزَهَره. {جَهْرَةً} أي معاينة بلا ساتر بيننا وبينه، وأصل الجهر من الكشف. قال الشاعر: شعر : يجهر أجواف المياه السّدم [وانتحابها على الحان] تفسير : {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} قرأ عمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم): (الصعقة) بغير ألف، وقرأ الباقون (الصاعقة) بالألف وهما لغتان. {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} وذلك أنهم لما هلكوا جعل [موسى] يبكي ويتضرّع ويقول: يا ربّ ماذا أقول لبني إسرائيل إذا أتيتهم وقد أهلكت خيارهم ولو شئت أهلكتهم من قبل، ويا ربّي {أية : أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ} تفسير : [الأعراف: 155] فلم يزل يناشد ربّه حتى أحياهم الله تعالى جميعاً رجلا بعد رجل ينظر بعضهم الى بعض كيف يحيون، فذلك قوله تعالى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم} أحييناكم {مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} لتستوفوا بقيّة آجالكم وأرزاقكم، وأصل البعث: إثارة الشيء من [مكمنه]. يقال: بعثت البعير، وبعثت النائم فانبعث. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} في التيه تقيكم حرّ الشمس، وذلك أنّهم كانوا في التّيه ولم يكن لهم كنّ يسترهم فشكوا ذلك الى موسى، فأنزل الله عليهم غماماً أبيضاً رقيقاً وليس بغمام المطر بل أرقّ وأطيب وأبرد ـ والغمام: ما يغمّ الشيء أي يستره ـ وأظلّهم فقالوا: هذا الظّل قد جعل لنا فأين الطعام، فأنزل الله عليهم المنّ. واختلفوا فيه، فقال مجاهد: وهو شيء كالصمغ كان يقع على الأشجار وطعمه كالشهد. الضحّاك: هو الطرنجبين. وقال وهب: الخبز الرّقاق. السدي: عسل كان يقع على الشجر من الليل فيأكلون منه. عكرمة: شيء أنزله الله عليهم مثل الزّيت الغليظ، ويقال: هو الزنجبيل. وقال الزجاج: جملة المنّ ما يمنّ الله مما لا تعب فيه ولا نصب. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : الكماة من المنّ وماءوها شفاء للعين ". تفسير : وكان ينزل عليهم هذا المنّ كل ليلة تقع على أشجارهم مثل الملح،لكلّ إنسان منهم صاع كل ليلة قالوا يا موسى: مللنا هذا المنّ بحلاوته، فادع لنا ربّك أن يطعمنا اللحم، فدعا عليه السلام، فأنزل الله عليهم السلوى. واختلفوا فيه، فقال ابن عباس وأكثر المفسرين: هو طائر يشبه السّماني. أبو العالية ومقاتل: هو طير أحمر، بعث الله سحابة فمطرت ذلك الطير في عرض ميل وقدر طول رمح في السماء بعضه على بعض. عكرمة: طير يكون بالهند أكبر من عصفور، المؤرّخ: هو [المعسل] بلغه كنانه. وقال شاعرهم: شعر : وقاسمها بالله حقّاً لأنتم الّذّ من السلوى إذا ما نشورها تفسير : وكان يرسل عليهم المنّ والسلوى، فيأخذ كل واحد منه ما يكفيه يوماً وليلة، وإذا كان يوم الجمعة أخذ ما يكفيه ليومين لأنّه لم يكن ينزل إليهم يوم السبت، فذلك قوله: {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُواْ} أي وقلنا لهم كلوا. {مِن طَيِّبَاتِ} حلالات. {مَا رَزَقْنَاكُمْ} ولا تدّخروا لغد فخبأوا لغد فقطع الله عزّ وجلّ ذلك عنهم ودوّد وفسد ما ادّخروا، فذلك قوله عزّ وجلّ {وَمَا ظَلَمُونَا} ضرّونا بالمعصية. {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} يصرّون باستيجابهم عذابي وقطع مادة الرزق الذي كان ينزّل عليهم بلا كلفة ولا مؤونة، ولا مشقّة في الدنيا، ولا تبعه ولا حساب في العقبى. خلاس بن عمرو عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لولا بني إسرائيل لم يخنز الطعام ولم يخبث اللّحم، ولولا حوّاء لم تخن أنثى زوجها ". تفسير : {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} ابن عباس: هي أريحا وهي قرية الجبّارين، وكان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة ورأسهم عوج بن عناق، وقيل: هي بلقا. وقال ابن كيسان: هي الشام. الضّحاك: هي الرّملة والاردن وفلسطين وتدمر. مجاهد: بيت المقدس. مقاتل: إيليا. {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} موسعاً عليكم. {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ} يعني باباً من أبواب القرية وكان لها سبعة أبواب. {سُجَّداً} منحنين متواضعين وأصل السجود الخضوع. قال الشاعر: شعر : بجمع يضل البلق في حجراته ترى الأكْم فيه سجّداً للحوافر تفسير : وقال وهب: قيل لهم ادخلوا الباب، فاذا دخلتموه فاسجدوا شكراً لله عزّ وجلّ، وذلك أنّهم أذنبوا بإبائهم دخول أريحا، فلما فصلوا من التيه أحبّ الله عزّ وجلّ أن يستنقذهم من الخطيئة. {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} قال قتادة: حطّ عنّا خطايانا وهو أمرٌ بالاستغفار. وقال ابن عباس: يعني لا اله الاّ الله؛ لأنّها تحطّ الذنوب، وهي رفع على الحكاية في قول أبي عبيدة. وقال الزجاج: سألتنا حطّة. {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} وقرأ أهل المدينة بياء مضمومة وأهل الشام بتاء مضمومة. {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} إحساناً وثواباً والسلام. {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أنفسهم بالمعصية، وقيل كفروا. وقال مجاهد: كموطيء لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم، فلم يخفضوا ولم يركعوا ولم يسجدوا، فدخلوا مترجعين على أشباههم. {قَوْلاً} يعني وقالوا قولا. {غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} وذلك إنّهم أُمروا أن يقولوا (حطّة) فقالوا: (حطا) [.....] يعنون حنطه حمراء استخفافاً بأمر الله. {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً} عذاباً {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} وذلك أنّ الله تعالى أرسل الله عليهم ظلمة وطاعوناً فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفاً. {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} يعني يلعبون ويخرجون من أمر الله عزّ وجلّ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن تاب الله على قوم موسى بعد عبادتهم للعجل .. عادوا مرة أخرى إلى عنادهم وماديتهم. فهم كانوا يريدون إلهاً مادياً .. إلهاً يرونه ولكن الإله من عظمته أنه غيب لا تدركه الأبصار .. واقرأ قوله تعالى: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَارَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الأنعام: 103]. فكون الله سبحانه وتعالى فوق إدراك البشر .. هذا من عظمته جل جلاله، ولكن اليهود الذين لا يؤمنون إلا بالشيء المادي المحس .. لا تتسع عقولهم ولا قلوبهم إلى أن الله سبحانه وتعالى فوق المادة وفوق الأبصار .. وهذه النظرة المادية نظرة حمقاء .. والله تبارك وتعالى قد لفتنا إلى قضية رؤيته جهرا في الدنيا .. بقوله تعالى: {أية : وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ} تفسير : [الذاريات: 21]. أي أن الله جل جلاله وضع دليل القمة على وجود الله الذي لا تدركه الأبصار. وضع هذا الدليل في نفس كل واحد منا. وهي الروح الموجودة في الجسد، والإنسان مخلوق من مادة نفخت فيها الروح فدبت فيها الحياة والحركة والحس .. إذن كل ما في جسدك من حياة .. ليس راجعاً إلى المادة التي تراها أمامك .. وإنما يرجع إلى الروح التي لا تستطيع أن تدركها إلا بآثارها .. فإذا خرجت الروح ذهبت الحياة وأصبح الجسد رمة. إذا كانت هذه الروح التي في جسدك، والتي تعطيك الحياة لا تستطيع أن تدركها مع أنها موجودة داخلك .. فكيف تريد أن تدرك الله سبحانه وتعالى .. كان يجب أولاً أن تسأل الله أن يجعلك تدرك الروح التي في جسدك، ولكن الله سبحانه وتعالى قال إنها من أمر الله .. واقرأ جل جلاله: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 85]. إذا كانت هذه الروح هي مخلوقة لله لا تدركها .. فكيف تطمع أن ترى خالقها .. وانظر إلى دقة الأداء القرآني في قوله سبحانه. {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] .. فكلمة نرى تطلق ويراد بها العلم .. مثلاً: {أية : أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ}تفسير : [الفرقان: 43]. أي أعلمت .. ولكن جاءت كلمة جهرة لتنفي العلم فقط وتطالب بالرؤية مجهورة واضحة يدركونها بحواسهم. وهذا دليل على أنهم متمسكون بالمادية التي هي قوام حياتهم .. نقول لهؤلاء إن سؤالكم يتسم بالغباء .. فأنتم حين تطلبون أن تروا الله جهرة. والمفروض أن الله تبارك وتعالى له مدلول عندكم .. ولذلك تطلبون رؤيته لتقارنوا المدلول على الموجود .. ذلك لو كانت القضية أصلاً أن تعرفوا أن الله موجود أو غير موجود، والذي شجعهم على أن يقولوا ما قالوا .. طلب موسى عليه السلام من الله سبحانه وتعالى أن يراه. واقرأ قوله تعالى: {أية : قَالَ رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً} تفسير : [الأعراف: 143]. ولابد أن نعرف أن قضية رؤية الله في الدنيا محسومة، وأنه لا سبيل إلى ذلك والإنسان في جسده البشري .. لأن هذا الجسد له قوانين في إدراكاته، ولكن يوم القيامة نكون خلقاً بقوانين تختلف .. ففي الدنيا لابد أن تخرج مخلفات الطعام من أجسادنا، وفي الآخرة لا مخلفات. وفي الدنيا يحكمنا الزمن، وفي الآخرة لا زمن. إذ يظل الإنسان شباباً دائماً .. إذن فهناك تغيير.. المقاييس هنا غير المقاييس يوم القيامة في الدنيا بإعدادك وجسدك لا يمكن أن ترى الله. وفي الآخرة يسمح إعدادك وجسدك بأن يتجلى عليك الله سبحانه وتعالى، وهذا قمة النعيم في الآخرة. أنت الآن تعيش في أثار قدرة الله .. وفي الآخرة تعيش عيشة الناظر إلى الله تبارك وتعالى .. وفي ذلك يقول الحق جل جلاله: {أية : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} تفسير : [القيامة: 22-23]. والإنسان في الدنيا قد اخترع آلات مكنته من أن يرى ما لا يراه بعينه المجردة يرى الأشياء الدقيقة بواسطة الميكرسكوب، والأشياء البعيدة بواسطة التلسكوب .. فإذا كان عمل الإنسان في الدنيا جعله يبصر ما لم يكن يبصره .. فما بالك بقدرة الله في الآخرة .. وإذا كان الإنسان عندما يضعف نظره، يطلب منه الطبيب استعمال نظارة .. فإذا ذهب إلى طبيب أمهر .. أجرى له عملية جراحية في عينه يستغني بها عن النظارة ويرى بدونها .. فما بالكم بإعداد الحق للخلق وبقدرة الله التي لا حدود لها في أن يعيد خلق العين بحيث تستطيع أن تتمتع بوجهه الكريم. ولقد حسم الله تبارك وتعالى المسألة مع موسى عليه السلام بأن أراه العجز البشري .. لأن الجبل بقوته وجبروته لم يستطع احتمال نور الله فجعله دكا .. وكأن الله يريد أن يفهم موسى .. أن الله تبارك وتعالى حجب عنه رؤيته رحمة منه. لأنه إذا كان هذا قد حدث للجبل فماذا كان يمكن أن يحدث بالنسبة لموسى. إذا كان موسى قد صعق برؤية المتجلَّى عليه .. فكيف لو رأى المتجلِّي؟.. والإنسان حين يعجز عن إدراك شيء في الدنيا لأنه مخلوق بهذه الإمكانات يكون العجز عن الإدراك إدراكا لأن العجز عن الإدراك هو في عظمة الله سبحانه وتعالى .. وقوم موسى حينما طلبوا منه أن يروا الله جهرة أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون .. عندما اجترأوا هذا الاجتراء على الله أخذتهم الصاعقة .. والصاعقة إما نار تأتي وإما عذاب ينزل .. المهم أنه بلاء يعمهم .. والصاعقة قد أصابت موسى.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: بعد أن ذكّرهم تعالى بالنعم، بيَّن لوناً من ألوان طغيانهم وجحودهم، وتبديلهم لأوامر الله، وهم مع الكفر والعصيان، يعاملون باللطف والإِحسان، فما أقبحهم من أمة وما أخزاهم!! قال الطبري: لما تاب بنو إِسرائيل من عبادة العجل أمر الله تعالى موسى أن يختار من قومه رجالاً يعتذرون إِليه من عبادتهم العجل، فاختار موسى سبعين رجلاً من خيارهم كما قال تعالى {أية : وَٱخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا} تفسير : [الأعراف: 155] وقال لهم: صوموا وتطهروا وطهّروا ثيابكم ففعلوا، وخرج بهم إِلى "طور سيناء" فقالوا لموسى: اطلب لنا أن نسمع كلام ربنا فقال: أفعل، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجوداً، فسمعوا الله يكلم موسى يأمره وينهاه، فلما انكشف عن موسى الغمام أقبل إِليهم فقالوا لموسى {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً}. اللغَة: {جَهْرَةً} علانيةً، وأصل الجهر: الظهور، ومنه الجهر بالقراءة والجهر بالمعاصي يعني المظاهرة بها، تقول: رأيت الأمير جهاراً وجهرة أي غير مستتر بشيء، وقال ابن عباس: جهرةً: عياناً. {ٱلصَّاعِقَةُ} صيحة العذاب أو هي نار محرقة {بَعَثْنَاكُم} أحييناكم قال الطبري: وأصل البعث: إِثارة الشيء من محله {ٱلْغَمَامَ} جمع غمامة كسحابة وسحاب وزناً ومعنى، لأنها تغم السماء أي تسترها، وكل مغطّى فهو مغموم، وغُمَّ الهلال: إِذا غطّاه الغيم فلم ير {حِطَّةٌ}: مصدر من حطَّ عنا ذنوبنا، وهي كلمة استغفار ومعناها: اغفر خطايانا. {رِجْزاً} عذاباً ومنه {أية : لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا ٱلرِّجْزَ} تفسير : [الأعراف: 134] أي العذاب {يَفْسُقُونَ} الفسق: الخروج عن الطاعة وقد تقدم. التفسِير: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَىٰ} أي اذكروا يا بني إِسرائيل حين خرجتم مع موسى لتعتذروا إِلى الله من عبادة العجل فقلتم {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} أي لن نصدّق لك بأنَّ ما نسمعه كلام الله {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} أي حتى نرى الله علانية {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} أي أرسل الله عليهم ناراً من السماء فأحرقهم {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} أي ما حلّ بكم ثم لما ماتوا قام موسى يبكي ويدعو الله ويقول: ربّ ماذا أقول لبني إِسرائيل وقد أهلكت خيارهم، وما زال يدعو ربه حتى أحياهم قال تعالى {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} أي أحييناكم بعد أن مكثتم ميتين يوماً وليلة، فقاموا وعاشوا ينظر بعضهم إِلى بعض كيف يحيون {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي لتشكروا الله على إِنعامه عليكم بالبعث بعد الموت. ثم ذكّرهم تعالى بنعمته عليهم وهم في التيه لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين وقتالهم وقالوا لموسى {أية : فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاۤ} تفسير : [المائدة: 24] فَعُوقِبُوا على ذلك بالضياع أربعين سنة يتيهون في الأرض فقال تعالى: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} أي سترناكم بالسحاب من حر الشمس وجعلناه عليكم كالظُلَّة {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ} أي أنعمنا عليكم بأنواعٍ من الطعام والشراب من غير كدٍّ ولا تعب، والمنُّ كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه، والسلوى: طير يشبه السماني لذيذ الطعم {كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي وقلنا لهم كلوا من لذائذ نعم الله {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} أي أنهم كفروا هذه النعم الجليلة، وما ظلمونا ولكن ظلموا أنفسهم، لأن وبال العصيان راجع عليهم {وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُواْ هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ} أي واذكروا أيضاً نعمتي عليكم حين قلنا لكم بعد خروجكم من التيه، ادخلوا بيت المقدس {فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً} أي كلوا منها أكلاً واسعاً هنيئاً {وَٱدْخُلُواْ ٱلْبَابَ سُجَّداً} أي وادخلوا باب القرية ساجدين لله شكراً على خلاصكم من التيه {وَقُولُواْ حِطَّةٌ} أي قولوا يا ربنا حطَّ عنا ذنوبنا واغفر لنا خطايانا {نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ} أي نمح ذنوبكم ونكفّر سيئاتكم {وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ} أي نزيد من أحسن إحساناً، بالثواب العظيم، والأجر الجزيل {فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي غيَّر الظالمون أمر الله فقالوا {قَوْلاً غَيْرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمْ} حيث دخلوا يزحفون على أستاههم أعني "أدبارهم" وقالوا على سبيل الاستهزاء: "حبة في شعيرة" وسخروا من أوامر الله {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي أنزلنا عليهم طاعوناً وبلاءً {بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} أي بسبب عصيانهم وخروجهم عن طاعة الله، روي أنه مات بالطاعون في ساعة واحدة منهم سبعون ألفاً. البَلاَغَة: أولاً: إِنما قيَّد البعث بعد الموت {ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} لزيادة التأكيد على أنه موت حقيقي، ولدفع ما عساه يتوهم أن بعثهم كان بعد إِغماء أو بعد نوم. ثانياً: في الآية إِيجاز بالحذف في قوله {كُلُواْ} أي قلنا لهم كلوا وفي قوله {وَمَا ظَلَمُونَا} تقديره فظلموا أنفسهم بأن كفروا وما ظلمونا بذلك دل على هذا الحذف قوله {وَلَـٰكِن كَانُوۤاْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} والجمع بين صيغتي الماضي والمضارع {ظَلَمُونَا} و {يَظْلِمُونَ} للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارهم على الكفر. ثالثاً: وضع الظاهر مكان الضمير في قوله {فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ} ولم يقل "فأنزلنا عليهم" لزيادة التقبيح والمبالغة في الذم والتقريع، وتنكير {رِجْزاً} للتهويل والتفخيم. تنبيهْ: قال الراغب: تخصيص قوله {رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} هو أن العذاب ضربان: ضربٌ قد يمكن دفاعه وهو كل عذاب جاء على يد آدمي، أو من جهة المخلوقات كالهدم والغرق، وضربٌ لا يمكن دفاعه بقوة آدمي كالطاعون والصاعقة والموت وهو المراد بقوله {رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}.
زيد بن علي
تفسير : وقولهُ تعالى: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّاعِقَةُ} معناهُ الموتُ.
الأندلسي
تفسير : {وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ} يعدد عليكم ما صدر منهم من سوء الاقتراح وفي ندائهم كليم الله باسمه دليل على سوء أدبهم معه وقد تكرر ذلك منهم في ندائه. {لَن نُّؤْمِنَ لَكَ} أي لن نصدقك فيما جئت به من التوراة وكانوا مؤمنين به ولذلك قالوا لك: {حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً} أي ينتفي إيمانهم إلى هذه الغاية فإِذا رأوا آمنوا له والرؤية بصرية وأكدت بجهرة مبالغة في الأبصار وانتصب على أنه مصدر نوع من الرؤية قيل: أو على أنه في موضع الحال أي ذو جهرة أو جاهرين بالرؤية وقرىء - بفتح الهاء - مصدراً كالغلبة أو جمع جاهر. {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ} أمر حدث عنه الموت. {وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ} ما حلّ بكم. {ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ} الظاهر أنهم ماتوا أو عبر بالموت عن الغشي وبالبعث عن الافاقة. {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} نعمته ببعثكم بعد الموت. {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ} أي سترناكم من حر الشمس بالسحاب والغمام، مفعول على إسقاط الباء أي بالغمام، أو مفعول به أي جعلناه عليكم ظلة. {وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ} وهو صمغة حلوة تسقط على الشجر. {وَٱلسَّلْوَىٰ} وهو طائر وهو السماني قيل أو شبهه. {كُلُواْ} أمر إباحة، أي وقلنا كلوا. {مِن طَيِّبَاتِ} أي مستلذات إذ لا أشرف في المأكول من اللحم والحلو. {وَمَا ظَلَمُونَا} نفي أن يقع منهم ظلم لله تعالى وفيه دليل على أنه ليس من شرط النفي إمكان وقوعه وكانت صدرت منهم قبائح كثيرة. فالمعنى لم يصل إلينا من ذلك ضرر بل وبال ذلك يختص بأنفسهم ولما كان قد وقع منهم ظلم ونفي أن يصل إلى الله تعالى تشوقت النفس إلى ذكر من وقع به الظلم فاستدرك أن ذلك الظلم الحاصل منهم إنما كان واقعاً وباله بهم. و{يَظْلِمُونَ} مضارع ماض من حيث المعنى.
همام الصنعاني
تفسير : 53- عبد الرزّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ}: [الآية: 55-56]، قال أخذتهم الصاعقة حين ماتوا، بعثهم الله تعالى، ليُكْمِلوا بقية أجالهم".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):