٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
الرازي
تفسير : وفيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ } هل المراد منه كل من كان بهذه الصفة أو المراد منه الخصوص؟ أما الأصوليون فقالوا الصيغة عامة ولا مانع من إجرائها على ظاهرها فوجب حمله على العموم فيدخل فيه قذفة عائشة وقذفة غيرها، ومن الناس من خالف فيه ذكر وجوهاً: أحدها: أن المراد قذفة عائشة قالت عائشة: «رميت وأنا غافلة وإنما بلغني بعد ذلك، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي إذ أوحى الله إليه فقال حديث : أبشري تفسير : وقرأ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنـٰتِ }، وثانيها: أن المراد جملة أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنهن لشرفهن خصصن بأن من قذفهن فهذا الوعيد لاحق به واحتج هؤلاء بأمور: الأول: أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله تعالى في أول السورة: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } إلى قوله: { أية : وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } تفسير : [النور: 4 - 5 ] وأما القاذف في هذه الآية، فإنه لا تقبل توبته لأنه سبحانه قال: {لُعِنُواْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ } ولم يذكر الاستثناء، وأيضاً فهذه صفة المنافقين في قوله: { أية : مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ } تفسير : [الأحزاب: 61]، الثاني: أن قاذف سائر المحصنات لا يكفر، والقاذف في هذه الآية يكفر لقوله تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ } وذلك صفة الكفار والمنافقين كقوله: { أية : وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ } تفسير : [فصلت: 19] الآيات الثلاث. الثالث: أنه قال: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } والعذاب العظيم يكون عذاب الكفر، فدل على أن عقاب هذا القاذف عقاب الكفر، وعقاب قذفه سائر المحصنات لا يكون عقاب الكفر الرابع: روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يسأل عن تفسير القرآن، فسئل عن تفسير هذه الآية فقال: من أذنب ذنباً ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة، أجاب الأصوليون عنه بأن الوعيد المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون مشروطاً بعدم التوبة لأن الذنب سواء كان كفراً أو فسقاً، فإذا حصلت التوبة منه صار مغفوراً فزال السؤال، ومن الناس ذكر فيه قولاً آخر، وهو أن هذه الآية نزلت في مشركي مكة حين كان بينهم وبين رسول الله عهد فكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة. وقالوا إنما خرجت لتفجر، فنزلت فيهم والقول الأول هو الصحيح. المسألة الثانية: أن الله تعالى ذكر فيمن يرمي المحصنات الغافلات المؤمنات ثلاثة أشياء: أحدها: كونهم ملعونين في الدنيا والآخرة وهو وعيد شديد، واحتج الجبائي بأن التقييد باللعن عام في جميع القذفة ومن كان ملعوناً في الدنيا فهو ملعون في الآخرة والملعون في الآخرة لا يكون من أهل الجنة وهو بناء على المحابطة وقد تقدم القول فيه وثانيها: وقوله: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } ونظيره قوله: { أية : وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا } تفسير : [فصلت: 21] وعندنا البنية ليست شرطاً للحياة فيجوز أن يخلق الله تعالى في الجوهر الفرد علماً وقدرة وكلاماً، وعند المعتزلة لا يجوز ذلك فلا جرم ذكروا في تأويل هذه الآية وجهين: الأول: أنه سبحانه يخلق في هذه الجوارح هذا الكلام، وعندهم المتكلم فاعل الكلام، فتكون تلك الشهادة من الله تعالى في الحقيقة إلا أنه سبحانه أضافها إلى الجوارح توسعاً الثاني: أنه سبحانه بيني هذه الجوارح على خلاف ما هي عليه ويلجئها أن تشهد على الإنسان وتخبر عنه بأعماله، قال القاضي وهذا أقرب إلى الظاهر، لأن ذلك يفيد أنها تفعل الشهادة وثالثها: قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ } ولا شبهة في أن نفس دينهم ليس هو المراد لأن دينهم هو عملهم. بل المراد جزاء عملهم، والدين بمعنى الجزاء مستعمل كقولهم كما تدين تدان، وقيل الدين هو الحساب كقوله ذلك الدين القيم أي الحساب الصحيح ومعنى قوله: {ٱلْحَقَّ } أي أن الذي نوفيهم من الجزاء هو القدر المستحق لأنه الحق وما زاد عليه هو الباطل، وقرىء الحق بالنصب صفة للدين وهو الجزاء وبالرفع صفة لله. وأما قوله: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ } فمن الناس من قال إنه سبحانه إنما سمي بالحق لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره أو لأنه الحق فيما يأمر به دون غيره ومعنى {ٱلْمُبِينُ } يؤيد ما قلنا لأن المحق فيما يخاطب به هو المبين من حيث يبين الصحيح بكلامه دون غيره، ومنهم من قال الحق من أسماء الله تعالى ومعناه الموجود، لأن نقيضه الباطل وهو المعدوم، ومعنى المبين المظهر ومعناه أن بقدرته ظهر وجود الممكنات، فمعنى كونه حقاً أنه الموجود لذاته، ومعنى كونه مبيناً أنه المعطي وجود غيره.
القرطبي
تفسير : فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: {ٱلْمُحْصَنَاتِ} تقدّم في «النساء». وأجمع العلماء على أن حكم المحصنين في القذف كحكم المحصنات قياساً واستدلالاً، وقد بيناه أول السورة والحمد لله. واختلف فيمن المراد بهذه الآية؛ فقال سعيد بن جُبير: هي في رُماة عائشة رضوان الله عليها خاصّةً. وقال قوم: هي في عائشة وسائر أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ قاله ابن عباس والضحاك وغيرهما. ولا تنفع التوبة. ومن قذف غيرهن من المحصنات فقد جعل الله له توبة؛ لأنه قال: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ـ إلى قوله ـ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ} فجعل الله لهؤلاء توبة، ولم يجعل لأولئك توبة؛ قاله الضحاك. وقيل: هذا الوعيد لمن أصرّ على القذف ولم يتب. وقيل: نزلت في عائشة، إلا أنه يراد بها كل من اتّصف بهذه الصفة. وقيل: إنه عام لجميع الناس القذفة من ذكر وأنثى؛ ويكون التقدير: إن الذين يرمون الأنفس المحصنات؛ فدخل في هذا المذكر والمؤنث؛ واختاره النحاس. وقيل: نزلت في مشركي مكة؛ لأنهم يقولون للمرأة إذا هاجرت إنما خرجت لتَفْجُر. الثانية: {لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} قال العلماء: إن كان المراد بهذه الآية المؤمنين من القذفة فالمراد باللعنة الإبعاد وضربُ الحد واستيحاشُ المؤمنين منهم وهجرُهم لهم، وزوالُهم عن رتبة العدالة والبعد عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين. وعلى قول من قال: هي خاصة لعائشة تترتب هذه الشدائد في جانب عبد الله بن أبَيّ وأشباهه. وعلى قول من قال: نزلت في مشركي مكة فلا كلام، فإنهم مبعدون، ولهم في الآخرة عذاب عظيم؛ ومن أسلم فالإسلام يَجُبّ ما قبله. وقال أبو جعفر النحاس: مِن أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية إنه عام لجميع الناس القذفة من ذكر وأنثى؛ ويكون التقدير: إن الذين يرمون الأنفس المحصنات، فدخل في هذا المذكر والمؤنث، وكذا في الذين يرمون؛ إلا أنه غلب المذكر على المؤنث.
ابن كثير
تفسير : هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات ــــ خرج مخرج الغالب ــــ فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة، ولا سيما التي كانت سبب النزول، وهي عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما، وقد أجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن من سبها بعد هذا، ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن، وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي، والله أعلم. وقوله تعالى: {لُعِنُواْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ} الآية، كقوله: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} تفسير : [الأحزاب: 57] الآية. وقد ذهب بعضهم إلى أنها خاصة بعائشة رضي الله عنها، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد الله بن حراش عن العوام عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنـٰتِ} قال: نزلت في عائشة خاصة، وكذا قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان، وقد ذكره ابن جرير عن عائشة، فقال: حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه قال: قالت عائشة: رميت بما رميت به وأنا غافلة، فبلغني بعد ذلك، قالت: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس عندي، إذ أوحي إليه، قالت: وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة السبات، وإنه أوحي إليه وهو جالس عندي، ثم استوى جالساً يمسح وجهه، وقال: «حديث : يا عائشة أبشري» تفسير : قالت: فقلت: بحمد الله، لا بحمدك، فقرأ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنـٰتِ} ــــ حتى بلغ ــــ {أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} هكذا أورده، وليس فيه أن الحكم خاص بها، وإنما فيه أنها سبب النزول دون غيرها، وإن كان الحكم يعمها كغيرها، ولعله مراد ابن عباس ومن قال كقوله، والله أعلم. وقال الضحاك وأبو الجوزاء وسلمة بن نبيط: المراد بها أزواج النبي خاصة دون غيرهن من النساء. وقال العوفي عن ابن عباس في الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنـٰتِ} الآية، يعني: أزواج النبي صلى الله عليه وسلم رماهن أهل النفاق، فأوجب الله لهم اللعنة والغضب، وباؤوا بسخط من الله، فكان ذلك في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ثم نزل بعد ذلك: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} ــــ إلى قوله ــــ {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فأنزل الله الجلد والتوبة، فالتوبة تقبل، والشهادة ترد. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا هشيم، أخبرنا العوام بن حوشب عن شيخ من بني أسد عن ابن عباس قال: فسر سورة النور، فلما أتى على هذه الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنـٰتِ} الآية، قال: في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهي مبهمة، وليست لهم توبة، ثم قرأ: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} ــــ إلى قوله ــــ {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ} الآية، قال: فجعل لهؤلاء توبة، ولم يجعل لمن قذف أولئك توبة، قال: فهمّ بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه من حسن ما فسر به سورة النور. فقوله: وهي مبهمة، أي: عامة في تحريم قذف كل محصنة، ولعنته في الدنيا والآخرة، وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذا في عائشة، ومن صنع مثل هذا أيضاً اليوم في المسلمات، فله ما قال الله تعالى، ولكن عائشة كانت إماماً في ذلك. وقد اختار ابن جرير عمومها، وهوالصحيح، ويعضد العموم ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن أخي ابن وهب، حدثني عمي، حدثنا سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : اجتنبوا السبع الموبقات» تفسير : قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: «حديث : الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» تفسير : أخرجاه في "الصحيحين" من حديث سليمان بن بلال به. وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد الحذاء الحراني، حدثني أبي ح، وحدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا جدي أحمد بن أبي شعيب، حدثني موسى بن أعين عن ليث عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة»تفسير : . وقوله تعالى: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الرازي عن عمرو بن أبي قيس، عن مطرف عن المنهال عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنهم، يعني: المشركين، إذ رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، قالوا: تعالوا حتى نجحد، فيجحدون، فيختم على أفواههم، وتشهد أيديهم و أرجلهم، ولا يكتمون الله حديثاً. وروى ابن أبي حاتم وابن جرير أيضاً: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كان يوم القيامة، عرف الكافر بعمله، فيجحد ويخاصم، فيقال له: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك، فيقول: كذبوا، فيقال: أهلك وعشيرتك، فيقول: كذبوا، فيقال: احلفوا، فيحلفون، ثم يصمتهم الله، فتشهد عليهم أيديهم وألسنتهم، ثم يدخلهم النار».تفسير : وقال ابن أبي حاتم أيضاً: حدثنا أبو شيبة إبراهيم بن عبد الله بن أبي شيبة الكوفي، حدثنا منجاب بن الحارث التميمي، حدثنا أبو عامر الأسدي، حدثنا سفيان بن عبيد المكتب عن فضيل بن عمرو الفقيمي عن الشعبي عن أنس بن مالك قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه، ثم قال: «حديث : أتدرون مم أضحك؟» تفسير : قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: «حديث : من مجادلة العبد لربه يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ فيقول: بلى، فيقول: لا أجيز عليّ شاهداً إلا من نفسي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام عليك شهوداً، فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بعمله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول: بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل» تفسير : وقد رواه مسلم والنسائي جميعاً عن أبي بكر بن أبي النضر عن أبيه، عن عبد الله الأشجعي عن سفيان الثوري به، ثم قال النسائي: لا أعلم أحداً روى هذا الحديث عن سفيان الثوري غير الأشجعي، وهو حديث غريب، والله أعلم، هكذا قال، وقال قتادة: ابن آدم والله إن عليك لشهوداً غير متهمة في بدنك، فراقبهم، واتق الله في سرك وعلانيتك، فإنه لا يخفى عليه خافية، الظلمة عنده ضوء، والسر عنده علانية، فمن استطاع أن يموت، وهو بالله حسن الظن، فليفعل، ولا قوة إلا بالله. وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ} قال ابن عباس: {دِينَهُمُ} أي: حسابهم، وكل ما في القرآن دينهم، أي: حسابهم، وكذا قال غير واحد، ثم إن قراءة الجمهور بنصب الحق على أنه صفة لدينهم، وقرأ مجاهد بالرفع على أنه نعت الجلالة، وقرأها بعض السلف في مصحف أبيّ بن كعب: يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق، وقوله: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ} أي: وعده ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ } بالزنا {ٱلْمُحْصَنَٰتِ } العفائف {ٱلْغَٰفِلَٰتِ } عن الفواحش بأن لا يقع في قلوبهنّ فعلها {ٱلْمُؤْمِنَٰتِ } بالله ورسوله {لُعِنُواْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلأَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }.
ابن عطية
تفسير : قال سعيد بن جبير إن هذه الآية التي تضمنت لعن القاذف وتوعده الشديد إنما هي خاصة في رماة عائشة، وقال ابن عباس والضحاك وغيرهما بل هذه لجميع أزواج النبي عليه السلام، غلظ الله أمر رميهن لمكانهن من الدين، فلعن قاذفهن ولم يقرن بآخر الآية توبة ع وقاذف غيرهن له اسم الفسق، وذكرت له التوبة، وقالت جماعة من العلماء بل هي في شأن عائشة إلا أنه يراد بها كل من اتصف بهذه الصفة، وقال بعض هذه الفرقة إن هذه الآية نزلت أولاً في القاذفين، ثم نزلت بعد ذلك الآية التي صدرت في السورة التي فيها التوبة، وقد تقدم القول في {المحصنات} ما معناه، و"اللعنة" في هذه الآية الإبعاد وضرب الحد واستيحاش المؤمنين منهم وهجرهم لهم وزوالهم عن رتبة العدالة، وعلى من قال إن هذه الآية خاصة لعائشة تترتب هذه الشدائد في جانب عبدالله بن أُبي وأَشباهه وفي ضمن رمي المحصنة رمي الرجل معها وقد يكون مؤمناً، والعامل في قوله {يوم} فعل مضمر يقتضيه "العذاب" أي يعذبونه {يوم} أو نحو هذا، وأخبر الله تعالى أن جوارحهم تشهد عليهم ذلك من أعظم الخزي والتنكيل فيشهد اللسان وقلب المنافق لا يريد ما يشهد به، وتشهد الأيدي والأرجل كلاماً يقدرها الله عليه، وقرأ جمهور السبعة "تشهد" بالتاء من فوق وقرأ حمزة والكسائي "يشهد" بالياء و"الدين" في هذه الآية الجزاء ومنه قول الشاعر: [شهل بن شيبان الزماني] [الهزج] شعر : ولم يبق سوى العدوا ن دناهم كما دانوا تفسير : أي جازيناهم كما فعلوا مثل المثل كما تدين تدان، وقرأ جمهور الناس "الحقُّ" بالنصب على الصفة للدين، وقرأ مجاهد "الحقُّ" بالرفع على الصفة لله عز وجل وفي مصحف ابن مسعود وأبي بن كعب "يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم" بتقديم الصفة على الموصوف ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله {يعلمون أن الله هو الحق المبين} يقوي قول من ذهب إلى أن الآية في المنافقين عبد الله بن أبي وغيره وذلك أَن كل مؤمن ففي الدنيا يعلم {أَن الله هو الحق المبين} وإلا فليس بمؤمن.
النسفي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } العفائف {ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ } السليمات الصدور النقيات القلوب اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر لأنهن لم يجر بن الأمور {ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } بما يجب الايمان به. عن ابن عباس رضي الله عنهما: هن أزواجه عليه الصلاة والسلام. وقيل: هن جميع المؤمنات إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. وقيل: أريدت عائشة رضي الله عنها وحدها. وإنما جمع لأن من قذف واحدة من نساء النبي عليه الصلاة والسلام فكأنه قذفهن {لُعِنُواْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } جعل القذفة ملعونين في الدارين وتوعدهم بالعذاب العظيم في الآخرة إن لم يتوبوا، والعامل في {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ } يعذبون وبالياء حمزة وعلي {أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي بما أفكوا أو بهتوا والعامل في {يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ } بالنصب صفة للدين وهو الجزاء، ومعنى الحق الثابت الذي هم أهله. وقرأ مجاهد بالرفع صفة لله كقراءة أبيّ {يوفيهم الله الحق دينهم} وعلى قراءة النصب يجوز أن يكون {الحق} وصفاً لله بأن ينتصب على المدح {وَيَعْلَمُونَ } عند ذلك {أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ } لارتفاع الشكوك وحصول العلم الضروري. ولم يغلظ الله تعالى في القرآن في شيء من المعاصي تغليظه في إفك عائشة رضي الله عنها، فأوجز في ذلك وأشبع وفصل وأجمل وأكد وكرر، وما ذاك إلا لأمر. وعن ابن عباس رضي الله عنه: من أذنب ذنباً ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة. وهذا منه تعظيم ومبالغة في أمر الإفك. ولقد برأ الله تعالى أربعة بأربعة: برأ يوسف عليه السلام بشاهد من أهلها، وموسى عليه السلام من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه، ومريم رضي الله عنها بإنطاق ولدها، وعائشة رضي الله عنها بهذه الآي العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر بهذه المبالغات، فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك، وما ذلك إلا لإظهار علو منزلة رسوله والتنبيه على إنافة محله صلى الله عليه وسلم وعلى آله.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ...} الآيةَ: قال ابن جبير: هذه الآية خاصَّةٌ في رُمَاةِ عائشة، وقال ابن عباس وغيره: بل ولجميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لمكانهن من الدِّينِ ولم يقرن بآخر الآية توبة. قال * ع *: وقاذف غَيْرهِنَّ له اسم الفسق، وذكرت له التوبةُ، ولعن الدنيا: الإِبعاد، وضربُ الحَدِّ، والعامل في قوله: {يوم} فعل مُضمَرٌ تقديره: يُعَذَّبُونَ يومَ أو نحو هذا، والدين في هذه الآية: الجزاء، وفي مصحف ابن مسعود وأُبَيٍّ: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللّهُ الحَقُّ دِينَهُمْ} بتقديم الصفة على الموصوف. وقوله: {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ} يُقِوِّي قولَ مَنْ ذهب: أَنَّ الآية في المنافقين عَبْدِ اللّه بن أُبيِّ وغيرِهِ.
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} العفائف "الغَافِلاَتِ" عن الفواحش "المُؤْمِنَاتِ" والغافلة عن الفاحشة أي: لا تقع في مثلها، وكانت عائشة كذلك، فقال بعضهم: الصيغة عامة، فيدخل فيه قَذَفَةُ عائشة وغيرها. وقيل: المراد قذفة عائشة. قالت عائشة: رميت وأنا غافلة، وإنما بلغني بعد ذلك، فبينا رسول الله عندي إذ أوحى إليه، قال: "أبشري" وقرأ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِنَاتِ}. وقيل: المراد جُملة أزواج رسول الله، وأنهن لشرفهن خصصن بأن من قذفهن فهذا الوعيد لاحقٌ به. واحتج هؤلاء بأمور: الأول: أن قاذف سائر المحصنات تقبل توبته لقوله في أول السورة: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} تفسير : [النور: 4] إلى قوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ...} تفسير : [النور: 5]. وأما القاذف في هذه الآية فإنه لا تقبل توبته لقوله تعالى: {لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} ولم يذكر استثناء. وأيضاً فهذه صفة المنافقين في قوله: {أية : مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوۤاْ} تفسير : [الأحزاب: 61]. الثاني: أن قاذف سائر المحصنات لا يكفر، والقاذف في هذه الآية كافر، لقوله: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ...} وذلك صفة الكفار والمنافقين لقوله: {أية : وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ...} تفسير : [فصلت: 19] الآيات. الثالث: أنه قال: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} والعذاب العظيم هو عذاب الكفر، (فدلّ على أن عذاب هذا القاذف عقاب الكفر). وعقاب قذف سائر المحصنات لا يكون عقاب الكفر. وروي أن ابن عياش كان بالبصرة يوم عرفة، وكان يسأل عن تفسير هذه الآية، فقال: "من أذنب ثم تاب قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة". وأجاب الأولون بأن الوعيد المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون مشروطاً بعدم التوبة، لأن الذنب سواء كان كفراً أو فسقاً، فإذا تاب عنه صار مغفوراً. وقيل: هذه الآية نزلت في مشركي مكة حين كان بينهم وبين رسول الله عهد، فكانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: "إنها خرجت لتفجر" فنزلت فيهم. قوله: "يَوْمَ تَشْهَدُ"، ناصبه الاستقرار الذي تعلق به "لَهُمْ". وقيل: بل ناصبه "عَذَابٌ". ورد بأنه مصدر موصوف. وأجيب بأن الظرف يُتَّسَعُ فيه ما لا يُتَّسَعُ في غيره. وقرأ الأخوان: "يَشْهَدُ" بالياء من تحت، لأن التأنيث مجازي، وقد وقع الفصل والباقون: بالتاء مراعاة للفظ. قوله: "يَوْمَئِذٍ": التنوين في "إذْ" عِوَضٌ من الجملة تقديره: يَوْمئذ تَشْهَدُ، وقد تقدم خلاف الأخفش فيه. وقرأ زيد بن علي "يُوفِيهِمْ" مخففاً من "أَوْفَى". وقرأ العامة بنصب "الحَقَّ" نعتاً لـ "دِينَهُمْ". وأبو حَيْوَة وأبو رَوْق ومجاهد - وهي قراءة ابن مسعود - برفعه نعتاً لله تعالى. فصل قوله {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ}. قال المفسرون: هذا قبل أن يختم على أفواههم وأيديهم وأرجلهم. يروى أنه يختم على الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا. {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ} جزاءهم الواجب. وقيل: حسابهم العدل، {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ} يبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. وإنما سُمِّيَ الله بـ "الحق" لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره. وقيل: سُمِّيَ بـ "الحق" ومعناه: الموجود، لأن نقيضه الباطل وهو المعدوم، ومعنى "المُبين": المظهر.
البقاعي
تفسير : ولما كان الختم بهذين الوصفين بعد الأمر بالعفو ربما جرّأ على مثل هذه الإساءة، وصل به مرهباً من الوقوع في مثل ذلك قوله معمماً للحكم: {إن الذين يرمون} أي بالفاحشة {المحصنات} أي اللائي جعلن أنفسهن من العفة في مثل الحصن. ولما كان الهام بالسيىء والمقدم عليه عالماً بما يرمي به منه، جاعلاً له نصب عينه، أكد معنى الإحصان بقوله: {الغافلات} أي عن السوء حتى عن مجرد ذكره. ولما كان وصف الإيمان حاملاً على كل خير ومانعاً ن كل سوء، نبه على أن الحامل على الوصفين المتقدمين إنما هو التقوى، وصرف ما لهن من الفطنة إلى ما لله عليهن من الحقوق فقال: {المؤمنات}. ولما ثبت بهذه الأوصاف البعد عن السوء، ذكر جزاء القاذف كفّاً عنه وتحذيراً منه بصيغة المجهول، لأن المحذور اللعن لا كونه المعين، وتنبيهاً على وقوع اللعن من كل من يتأتي منه فقال: {لعنوا} أي أبعدوا عن رحمة الله، وفعل معهم فعل المبعد من الحد وغيره {في الدنيا والآخرة} ثم زاد في تعظيم القذف لمن هذه أوصافها فقال: {ولهم} أي في الآخرة {عذاب عظيم*} وقيد بوصف الإيمان لأن قذف الكافرة وإن كان محرماً ليس فيه هذا المجموع، وهذا الحكم وإن كان عاماً فهو لأجل الصديقة بالذات وبالقصد الأول وفيما فيه من التشديد الذي قل أن يوجد مثله في القرآن من الإعلام بعلي قدرها، وجلي أمرها، في عظيم فخرها، ما يجل عن الوصف؛ ثم أتبع ذلك ذكر اليوم الذي يكون فيه أثر ذلك على وجه زاد الأمر عظماً فقال: {يوم تشهد عليهم} أي يوم القيامة في ذلك المجمع العظيم {ألسنتهم} إن ترفعوا عن الكذب {وأيديهم وأرجلهم} إن أنكرت ألسنتهم كذباً وفجوراً ظناً أن الكذب ينفعها {بما كانوا يعملون*} من هذا القذف وغيره؛ ثم زاد في التهويل بقوله: {يومئذ} أي إذ تشهد عليهم هذه الجوارح {يوفيهم الله} أي المحيط بكل شيء علماً وقدرة وله الكمال كله {دينهم} أي جزاءهم {الحق} أي الذي يظهر لكل أحد من أهل ذلك المجمع العظيم أنهم يستحقونه، فلا يقدر أحد على نوع طعن فيه {ويعلمون} أي إذ ذاك، لانقطاع الأسباب، ورفع كل حجاب {أن الله} أي الذي له العظمة المطلقة، فلا كفوء له {هو} أي وحده {الحق} أي الثابت أمره فلا أمر لأحد سواه، {المبين*} الذي لا أوضح من شأنه في ألوهيته وعلمه وقدرته وتفرده بجميع صفات الكمال، وتنزهه عن جميع سمات النقص، فيندمون على ما فعلوا في الدنيا مما يقدح في المراقبة وتجري عليه الغفلة؛ قال ابن كثير: وأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة لا سيما التي كانت سبب النزول، وهي عائشة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما، وقد أجمع العلماء قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر لأنه معاند للقرآن، وفي بقية أمهات المؤمنين رضي الله عنهن قولان أصحهما أنهن كهي، والله أعلم - انتهى. وقد علم من هذه الآيات وما سبقها من أول السورة وما لحقها إلى آخرها أن الله تعالى ما غلظ في شيء من المعاصي ما غلظ في قصة الإفك، ولا توعد في شيء ما توعد فيها، وأكد وبشع، ووبخ وقرع، كل ذلك إظهاراً لشرف رسوله صلى الله عليه وسلم وغضباً له وإعظاماً لحرمته وصوناً لحجابه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} قال: نزلت في عائشة خاصة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن خصيف قال: قلت لسعيد بن جبير أيما أشد: الزنا أم القذف؟ قال: الزنا. قلت: إن الله يقول {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} قال: إنما أنزل هذا في شأن عائشة خاصة. وأخرج الطبراني عن الضحاك قال: نزلت هذه الآية في عائشة خاصة {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات}. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الضحاك {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} قال: إنما عني بهذا نساء النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن أبي الجوزاء {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} قال: هذه لأمهات المؤمنين خاصة. وأخرج ابن أبي حاتم عن سلمة بن نبيط {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} قال: هن نساء النبي صلى الله عليه وسلم. وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس. أنه قرأ سورة النور ففسرها، فلما أتى على هذه الآية {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات} قال: هذه في عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم التوبة، ثم قرأ {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} إلى قوله {إلا الذين تابوا} ولم يجعل لمن قذف امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم توبة، ثم تلا هذه الآية {لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} فهم بعض القوم أن يقوم إلى ابن عباس، فيقبل رأسه لحسن ما فسر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عائشة قالت: رميت بما رميت به وأنا غافلة، فبلغني بعد ذلك: فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندي جالس، إذ أوحي إليه وهو جالس، ثم استوى، فمسح على وجهه وقال: يا عائشة ابشري فقلت: بحمد الله لا بحمدك فقرأ {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} حتى بلغ {أولئك مبرؤون مما يقولون} .
القشيري
تفسير : بالغ في توعده لهم حيث ذكر لفظ اللعنة في شأنهم. ووَصَفَ المحصنات بالغفلة: أي بالغفلة عما يُنْسَبْنَ إليه؛ فليس الوصف على جهة الذمِّ، ولكن لبيان تباعدهن عمَّا قيل فيهن. واستحقاقُ القّذَفَةِ لِلْعَنةِ - في الدنيا والآخرة - يدل على أنه لشؤم زلتهم تتغير عواقبهم، فيخرجون من الدنيا لا على الإسلام.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الذين يرمون} قد سبق معنى الرمى فى اوائل السورة {المحصنات} العفائف مما رمين من الفاحشة والزنى {الغافلات} [بيخبران] عنها على الاطلاق بحيث لم يخطر ببالهن شىء منها ولامن مقدماتها اصلا ففيها من الدلالة على كمال النزاهة ما ليس فى المحصنات، قال فى التعريفات الغفلة عن الشىء هى ان لايخطر ذلك بباله {المؤمنات} اى المتصفات بالايمان بكل ما يجب ان يؤمن به من الواجبات والمحظروات وغيرها ايمانا حقيقيا تفصيليا كما ينبىء عنه تأخير المؤمنات عما قبلها مع اصالة وصف الايمان والمراد بها عائشة الصديقة رضى الله عنها والجمع باعتبار ان رميها رمى لسائر امهات المؤمنين لاشتراك الكل فى العصمة والنزاهة والانتساب الى رسول الله عليه السلام كما فى قوله تعالى {أية : كذبت قوم نوح المرسلين}تفسير : ونظائره {لعنوا} بما قالوا فى حقهن وهتكوا حرمتهن {فى الدنيا والآخرة} حيث يلعنهم اللاعنون من المؤمنين والملائكة ابدا: وبالفارسية [دور كرده شدند در دنيا از نام نيكو در آخرت از رحمت يعنى درين عالم مردود وملعونند ودران سراى مبغوض ومطرود] واصل اللعنة الطرد والابعاد على سبيل السخط وذلك من الله تعالى فى الآخرة عقوبة وفى الدنيا انقطاع عن قبول فيضه وتوفيقه ومن الانسان دعاء على غيره {ولهم} مع ماذكر من اللعن الابدى {عذاب عظيم} لعظم ذنوبهم، قال مقاتل هذا خاص فى عبدالله بن أبىّ المنافق واليه الاشارة بقول حضرة الشيخ نجم الدين فى تأويلاته {ان الذين} الخ اى ان الذين لم يكونوا من اهل بدر من اصحاب الافك اهـ ليخرج مسطح نحوه كما سبقت الاشارة الى مغفرته، وقال بعضهم الصحيح انه حكم كل قاذف مالم يتب لقوله عليه السلام "حديث : اجتنبوا الموبقات السبع الشرك بالله والسحر وقتل النفس التى حرم الله الا بالحق واكل الربا واكل مال اليتيم والتولى يوم الزحف وقذف المؤمنات الغافلات"تفسير : وعن ابن عباس رضى الله عنهما من قذف ازواج النبى عليه السلام فلا توبة له ومن قذف مؤمنة سواهن قد جعل الله له توبة ثم قرأ {أية : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء}تفسير : الى قوله {أية : الا الذين تابوا واصلحوا}تفسير : الآية
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "يوم تشهد": ظرف للاستقرار، في "لهم"، أو: معمول لا ذكر. يقول الحق جل جلاله: {إن الذين يرمون}؛ يقذفون {المحصَنَاتِ}؛ العفائف مِمَا رُمين به من الفاحشة، {الغافلاتِ} عنها على الإطلاق، بحيث لم يخطر ببالهن شيء منها ولا من مقدماتها، أو السليمات الصدور، النقيات القلوب، اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر؛ لأنهن لم يُجربن الأمور، {المؤمنات}؛ المتصفات بالإيمان بكل ما يجب الإيمان به، إيماناً حقيقياً لا يُخالجه شيء مما يكدره. عن ابن عباس: هنّ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: جميع المؤمنات؛ إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقيل: أريدت عائشة وحدها، وإنما جمع؛ لأن من قذف واحدة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه قذفهنّ. ثم ذكر الوعيد، فقال: {لُعِنُوا في الدنيا والآخرة}، حيث يلعنهم اللاعنون من المؤمنين والملائكة أبداً، {ولهم} مع ذلك {عذابٌ عظيم}، هائل لا يُقادَرُ قَدْرُهُ؛ لعظم ما اقترفوه من الجناية، إن لم يتوبوا، فيعذبون. {يوم تشهدُ عليهم ألسنتُهم وأيديهم وأرجلُهم بما كانوا يعملون} أي: بما أَفكوا وبَهَتُوا {يومئذٍ يُوفّيهم الله دينَهُم} أي: يوم تشهد جوارحُهم بأعمالهم القبيحة يُوفيهم الله جزاءهم {الحقَّ} أي: الثابت الذي يحق أن يثبت لهم لا محالة، أو الذي هم أهله، والحق: صفة لدينهم، أو لله، ونصب على المدح. {ويَعْلَمُونَ} عند ذلك {أن الله هو الحقُّ} الثابت الواجب الوجود {المبين}؛ الظاهر البين؛ لارتفاع الشكوك، وحصول العلم الضروري؛ لارتفاع الغطاء بظهور ما كان وعداً غيباً. ولم يُغَلِظِ الله تعالى في القرآن في شيء من المعاصي تَغْلِيظَهُ في إفك عائشة - رضي الله عنها - فأوجز في ذلك وأَشْبَعَ، وفَصَّل، وأَجَمَلَ، وأَكَّدَ، وكَرَّرَ، وما ذلك إلا لأمر عظيم. وعن ابن عباس رضي الله عنه: (من أذنب ذنباً وتاب قُبلت توبته، إلا مَن خاض في أمر عائشة - رضي الله عنها)، وهذا منه مبالغةً وتعظيم لأمر الإفك، وقد برّأ الله تعالى أربعة؛ برّأ يوسف بشاهدٍ من أهلها، وموسى عليه السلام من قول اليهود فيه: أنه آدر، بالحجر الذي ذهب بثوبه، ومريم بنطق ولدها، وعائشة بهذه الآي العظام في كتابه المعجز، المتلوّ على وجود الدهر، بهذه المبالغات. فانظر: كم بينها وبين تبرئة أولئك؟! وما ذلك إلا لإظهار علوّ منزلة رسوله، والتنبيه على إنَافَةِ محله صلى الله عليه وسلم. وقد رام بعضُ النصارى الطَّعْنَ على المسلمين بقضية الإفك، فقال: كيف تبقى زوجة نبيكم، مع رجل أجنبي؟ فقال له, من كان يناظره من العلماء: قد برأها من برأ أُمَّ نبيكم, فبُهت الذي كفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: قد مدح الله تعالى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أوصاف، هي من أكمل الأوصاف: العفة، والتغافل، وتحقيق الإيمان؛ أما العفة: فهي حفظ القلب من دخول الهوى، والجوارح من معاصي المولى، وأما التغافل: فهو الغيبة عما سوى الله، والتغافل عن مساوئِ الناس. وفي الحديث: "حديث : المؤمن ثلثاه تغافل" تفسير : ، وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم:" حديث : المؤمنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، والمنافقُ خَبٌّ لَئِيمٌ"تفسير : وأما تحقيق الإيمان فيكون بالتفكر والاعتبار، وبصحبة الصالحين الأبرار، ثم يصير الإيمان ضرورياً بصحبة العارفين الكبار. قال القشيري: قوله تعالى: {ويعلمون أن الله هو الحق المبين}: تصير المعارف ضروريةً، فيجدون المعافاة في النظر والتذكر، ويستريح القلبُ من وَصْفَيْ تَرَدُّدِه وتَغيُّرِه، باستغنائه ببَصرِه عن تبصره. ويقال: لا يشهدون هذا إلا بالحق، فهم قائمون بالحق للحق مع الحق، يُبدي لهم أسرارَ التوحيد وحقائقه، فيكون القائمَ فيهم والآخذَ لهم عنهم، من غير أن يردهم عليهم. هـ. وبالله التوفيق. ثم برهن على نزاهة أهل البيت النبوي بقوله: {ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ...}
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ} ممّا قذفن به {ٱلْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} كرّره لانّ الاوّل لبيان العقوبة الصّوريّة والحدود الدّنيويّة وهذا لبيان العقوبة الاخرويّة والحدود الباطنيّة وللتّنبيه على عظم الذّنب.
الهواري
تفسير : قوله: {إِنَّ الذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ الغَافِلاَتِ} أي: العفائف {المُؤْمِنَاتِ} أي: المصدِّقات بالله العاملات بفرائضه {لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا والأَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وإذا عظّم الله شيئاً فهو عظيم. ثم قال: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} قال بعضهم: بلغني أنه يعني عبد الله بن أبي بن سلول في أمر عائشة. قولهم: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللهُ دِينَهُمُ الحَقَّ} أي: عملهم الحق، أي: يدانون بعملهم {وَيَعْلَمُونَ} يومئذ {أَنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ المُبِينُ} والحق اسم من أسماء الله.
اطفيش
تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ} بالزنى {الْمُحْصَنَاتِ} العفائف عن الزنى * {الْغَافِلاَتِ} عما قذفن به بان لا يقع في قلوبهن فعله {الْمُؤْمِنَاتِ} وذلك تعظيم لعائشة فان فيه اشارة إلى انها محصنة غافلة مؤمنة وتهوين وتحقير وذم لقاذفيها مع ان هذه صفاتها استباحة لعرضها وطعنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين * {لُعِنُواْ فِي الدُّنْيَا} بالحد والبغض والشتم * {وَالآخِرَةِ} بعذاب النار وغيرها استحقوا الاهانة والبعد عن مواطن الخير في الدنيا والآخرة ولذا عبر بالماضي مع ان الآخرة مستقبلة ولانها كالحاضر لانها لا بد منها * {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} وذلك في كل مقذوفة مؤمنة محصنة. وقيل: ذلك في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: في عائشة وجمعت تعظيما والتوبة مبسوطة لكل قاذف وذكر بعضهم ان ذلك في حق عبدالله بن ابي أبي سلول لا توبة له. وعن سعيد بن جبير من قذف زوجة من ازواج النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا فلا توبة له ومن قذف مؤمنة غيرهن فله توبة لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ} إلى قوله {تَابُوا} ولم يجعل لقذفه عائشة توبة والصحيح ان لهم توبة لدخولهم في تلك الآية وتقييد عذابه بعذاب التوبة من تلك الآية وغيرها ولان المراد بالفضل والرحمة والتفضل بقبول التوبة وغيره وعن بعضهم ان لكل قاذف توبة الاقاذف عائشة رضي الله عنها. وكان ابن عباس بالبصرة يوم عرفة وجعلوا يسألونه عن تفسير القرآن حتى سئل عن هذه الآيات. فقال: من اذنب ذنبا ثم تاب منه قبلت توبته الا من خاض في أمر عائشة ولو فتشت وعيد القرآن كله ووعيد عبدة الاصنام وغيرهم لم تجد فيه وعيدا يساوي قذف عائشة في الغلظ ولا وعيد الا دون وعيد قذفها نزل فيه آيات مشحونة بأبلغ عقاب وتشنيع على طرق مختلفة كل واحد منها كاف في بابه اوجز واشبع واجمل وافضل واكد وكرر ولو لم ينزل الا هذه الآية لكفى بها إذ جعلهم ملعونين في الدارين وتوعدهم بالعذاب العظيم في الاخرة وبشهادة جوارحهم بما افكوا بانه يوفيهم الله جزاهم الذي اهم اهله فيعلمون ان الله هو الحق وما ذلك الا تعظيم لعائشة تعظيما لم يعظمه غيرها واظهار لعلو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبراءة ساحة سيد ولد آدم وخيرة الخلق وغضب شديد في حرمته ونفي التهمة ولا يخفى ذلك على من تأمل آيات الافك. ولقد برأ الله يوسف بلسان الشاهد {أية : وشهد شاهد من أهلها}تفسير : وموسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه كما تراه في محله ومريم بنطق ولدها عليهم الصلاة والسلام وكما بين تبرئة هؤلاء وتبرئة عائشة رضي الله عنها في هذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلو على مر الدهور المحفوظ عن التبديل والتغيير.
اطفيش
تفسير : {إن الَّذين يرْمون المحصنات الغافلات} عَمَّارُمين به لا يخطر ببالهن فعله لطهارة قلوبهن عنه {المؤمنات} بكل ما يجب الإيمان به فعلاً أو تركاً، والمراد مدح عائشة بهذه الصفات، وذم من قذفها ولم يتب، لا مطلق من وجدت فيه هذه الصفات، على أنهن قيود، لأن القاذف ملعون فى الدنيا والآخرة، ولو قذف غير المحصنة وغير الغافلة أو المشركة، ومر أنه دوى أنه لا توبة لمن قذف عائشة، وكذا سائر أزواجه من قذف واحدة لا تقبل توبته، وحملت هذه الآية على العموم، وقيل: تحمل على أزواجه إلا أن هذه الرواية تحتمل أن يراد بها الزجر أو الحمل على أن لا يوفقوا التوبة النصوح، وقيل المراد عائشة عبر عنها بالجمع تعظيماً، ولأن من قذف واحدة من أزواجه كأنه قذف أزواجه كلهن، ولقد برأ الله أربعة بأربعة: يوسف بشاهد من أهلها، وموسى بحجر فر بثوبه ليرى أنه لا برص به، وغير منتفخ البيضتين، ومريم بإنطاق ولدها، وعائشة بهؤلاء الآى العظام، وهن أعظم إبراء. {لُعنوا فى الدنيا} بألسنة المؤمنين من الإنس والجن والملائكة {والآخرة} بألسنة الملائكة {ولَهُم عذابٌ عَظيمٌ} فى الآخرة، والصحيح لظاهر الآيات قبول توبة من قذف زوجاً من أزواج النبى صلى الله عليه وسلم، كما تقبل توبة من قذف غيرهن من المحصنات الغافلات المؤمنات، وقيل: هذه الآية فى مشركى مكة إذا هاجرت مؤمنة قالوا: هاجرت لتزنى، والصحيح ما تقدم.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } قد تقدم تفسيرها {ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ } عما يرمين به بمعنى أنه لم يخطر لهن ببال أصلاً لكونهن مطبوعات على الخير مخلوقات من عنصر الطهارة ففي هذا الوصف من الدلالة على كمال النزاهة ما ليس في المحصنات {ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } أي المتصفات بالإيمان بكل ما يجب أن يؤمن به من الواجبات والمحظورات وغيرها إيماناً حقيقياً تفصيلياً كما ينبىء عنه تأخير المؤمنات عما قبلها مع أصالة وصف الإيمان فإنه للإيذان بأن المراد بها المعنى الوصفي المعرب عما ذكر لا المعنى الإسمي المصحح لإطلاق الاسم في الجملة كما هو المتبادر على تقدير التقديم، كذا في «إرشاد العقل السليم» وفرع عليه كون المراد بذلك عائشة الصديقة رضي الله تعالى عنها، وروي ما ظاهره ذلك عن ابن عباس وابن جبير، والجمع على هذا باعتبار أن رميها رمي لسائر أمهات المؤمنين لاشتراك الكل في النزاهة والانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونظير ذلك جمع {ٱلْمُرْسَلِينَ } في قوله سبحانه وتعالى: { أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ } تفسير : [الشعراء: 105] وقيل: المراد أمهات المؤمنين فيدخل فيهن الصديقة دخولاً أولياً. وروي ما يؤيده عن أبـي الجوزاء والضحاك وجاء أيضاً عن ابن عباس ما يقتضيه، فقد أخرج عند سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني وابن مردويه أنه رضي الله تعالى عنه قرأ سورة النور ففسرها فلما أتى على هذه الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ } الخ قال: هذه في عائشة وأزواج النبـي صلى الله عليه وسلم ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبـي صلى الله عليه وسلم التوبة ثم قرأ { أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء } تفسير : [النور: 4]إلى قوله تعالى: { أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } تفسير : [النور: 5] الخبر، وظاهره أنه لا تقبل توبة من قذف إحدى الأزواج الطاهرات رضي الله تعالى عنهن. وقد جاء عنه في بعض الروايات التصريح بعدم قبول توبة من خاض في أمر عائشة رضي الله تعالى عنها، ولعل ذلك منه خارج مخرج المبالغة في تعظيم أمر الإفك كما ذكرنا أولاً وإلا فظاهر الآيات قبول توبته وقد تاب من تاب من الخائضين كمسطح وحسان وحمنة ولو علموا أن توبتهم لا تقبل لم يتوبوا. نعم ظاهر / هذه الآية على ما سمعت من المراد من الموصوف بتلك الصفات كفر قاذف أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن لأن الله عز وجل رتب على رميهن عقوبات مختصة بالكفار والمنافقين فقال سبحانه: {لُعِنُواْ } أي بسبب رميهم إياهن {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ } حيث يلعنهم اللاعنون والملائكة في الدارين {وَلَهُمْ } مع ما ذكر من اللعن {عَذَابٌ عظِيمٌ } هائل لا يقادر قدره لغاية عظم ما اقترفوه من الجناية. وكذا ذكر سبحانه أحوالاً مختصة بأولئك فقال عز وجل: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ ...}
ابن عاشور
تفسير : جملة: {إن الذين يرمون المحصنات} استئناف بعد استئناف قوله: { أية : إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا } تفسير : [النور: 19] والكل تفصيل للموعظة التي في قوله: { أية : يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين } تفسير : [النور: 17]؛ فابتدىء بوعيد العود إلى محبة ذلك وثُني بوعيد العود إلى إشاعة القالة، فالمضارع في قوله: {يرمون} للاستقبال. وإنما لم تعطف هذه الجملة لوقوع الفصل بينها وبين التي تناسبها بالآيات النازلة بينهما من قوله: { أية : يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان } تفسير : [النور: 21]. واسم الموصول ظاهر في إرادة جماعة وهم عبد الله بن أبي بن سلول ومن معه. و{الغافلات} هن اللاتي لا علم لهن بما رُمين به. وهذا كناية عن عدم وقوعهن فيما رُمين به لأن الذي يفعل الشيء لا يكون غافلاً عنه فالمعنى: إن الذين يرمون المحصنات كذباً عليهن، فلا تحسب المرادَ الغافلات عن قول الناس فيهن. وذكر وصف {المؤمنات} لتشنيع قذف الذين يقذفونهن كذباً لأن وصف الإيمان وازع لهن عن الخنى. وقوله: {لعنوا} إخبار عن لعن الله إياهم بما قدَّر لهم من الإثم وما شَرع لهم. واللعن: في الدنيا التفسيق، وسلب أهلية الشهادة، واستيحاش المؤمنين منهم، وحد القذف، واللعن في الآخرة: الإبعاد من رحمة الله. والعذاب العظيم: عذاب جهنم فلا جدوى في الإطالة بذكر مسألة جواز لعن المسلم المعيّن هنا ولا في أن المقصود بها من كان من الكفرة. والظرف في قوله: {يوم تشهد عليهم} متعلق بما تعلق به الظرف المجعول خبراً للمبتدأ في قوله: {ولهم عذاب عظيم}. وذكر شهادة ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم للتهويل عليهم لعلهم يتقون ذلك الموقف فيتوبون. وشهادة الأعضاء على صاحبها من أحوال حساب الكفار. وتخصيص هذه الأعضاء بالذكر مع أن الشهادة تكون من جميع الجسد كما قال تعالى: { أية : وقالوا لجلودهم لِمَ شهدتم علينا } تفسير : [فصلت: 21] لأن لهذه الأعضاء عملاً في رمي المحصنات فهم ينطقون بالقذف ويشيرون بالأيدي إلى المقذوفات ويسعون بأرجلهم إلى مجالس الناس لإبلاغ القذف. وقرأ حمزة والكسائي وخلف {يشهد عليهم} بالتحتية، وذلك وجه في الفعل المسند إلى ضمير جمع تكسير. وقوله: {يومئذٍ يوفيهم الله دينهم} استئناف بياني لأن ذكر شهادة الأعضاء يثير سؤالاً عن آثار تلك الشهادة فيجاب بأن أثرها أن يجازيهم الله على ما شهدت به أعضاؤهم عليهم. فدينهم جزاؤهم كما في قوله: { أية : ملك يوم الدين } تفسير : [الفاتحة: 4]. و{الحقَّ} نعت للدين، أي الجزاء العادل الذي لا ظلم فيه فوصف بالمصدر للمبالغة. وقوله: {ويعلمون أن الله هو الحق المبين} أي ينكشف للناس أن الله الحق. ووصف الله بأنه {الحق} وصف بالمصدر لإفادة تحقق اتصافه بالحق، كقول الخنساء: شعر : ترتع ما رتعت حتى إذا ادَّكرت فإنما هي إقبال وإدبار تفسير : وصفة الله بأنه {الحق} بمعنيين: أولهما: بمعنى الثابت الحاق، وذلك لأن وجوده واجب فذاته حق متحققة لم يسبق عليها عدم ولا انتفاء فلا يقبل إمكان العدم. وعلى هذا المعنى في اسمه تعالى: {الحق} اقتصر الغزالي في «شرح الأسماء الحسنى». وثانيهما: معنى أنه ذو الحق، أي العدل وهو الذي يناسب وقوع الوصف بعد قوله: {دينهم الحق}. وبه فسر صاحب «الكشاف» فيحتمل أنه أراد تفسير معنى الحق هنا، أي وصف الله بالمصدر وليس مراده تفسيرَ الاسم. ويحتمل إرادة الإخبار عن الله بأنه صاحب هذا الاسم وهذا الذي درج عليه ابن برّجان الإشبيلي في كتابه «شرح الأسماء الحسنى» والقرطبي في «التفسير». و{الحق} من أسماء الله الحسنى. ولما وصف بالمصدر زيد وصف المصدر بــــ{المبين}. والمبين: اسم فاعل من أبان الذي يستعمل متعدياً بمعنى أظهر على أصل معنى إفادة الهمزة التعدية، ويستعمل بمعنى بان، أي ظهر على اعتبار الهمزة زائدة، فلك أن تجعله وصفاً لــــ{الحق} بمعنى العدل كما صرح به في «الكشاف»، أي الحق الواضح. ولك أن تجعله وصفاً لله تعالى بمعنى أن الله مبيَّن وهاد. وإلى هذا نحا القرطبي وابن برَّجان، فقد أثبتا في عداد أسمائه تعالى اسم {المبين}. فإن كان وصف الله بــــ{الحق} بالمعنى المصدري فالحصر المستفاد من ضمير الفصل ادعائي لعدم الاعداد بــــ{الحق} الذي يصدر من غيره من الحاكمين لأنه وإن يصادف المحز فهو مع ذلك معرض للزوال وللتقصير وللخطأ فكأنه ليس بحق أو ليس بمبين. وإن كان الخبر عن الله بأنه {الحق} بالمعنى الاسمي لله تعالى فالحصر حقيقي إذ ليس اسم الحق مسمى به غير ذات الله تعالى، فالمعنى: أن الله هو صاحب هذا الاسم كقوله تعالى: { أية : هل تعلم له سميّاً } تفسير : [مريم: 65]. وعلى هذين الوجهين يجري الكلام في وصَفه تعالى بــــ{المبين}. ومعنى كونهم يعلمون أن الله هو الحق المبين: أنهم يتحققون ذلك يومئذ بعلم قطعي لا يقبل الخفاء ولا التردد وإن كانوا عالمين ذلك من قبل لأن الكلام جار في موعظة المؤمنين؛ ولكن نزل علمهم المحتاج للنظر والمعرض للخفاء والغفلة منزلة عدم العلم. ويجوز أن يكون المراد بــــ{الذين يرمون المحصنات الغافلات} خصوص عبد الله بن أبي بن سلول ومن يتصل به من المنافقين المبطنين الكفر بله الإصرار على ذنب الإفك إذ لا توبة لهم فهم مستمرون على الإفك فيما بينهم لأنه زُين عند أنفسهم، فلم يروموا الإقلاع عنه في بواطنهم مع علمهم بأنه اختلاق منهم؛ لكنهم لخبث طواياهم يجعلون الشك الذي خالج أنفسهم بمنزلة اليقين فهم ملعونون عند الله في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم في الآخرة ويعلمون أن الله هو الحق المبين فيما كذبهم فيه من حديث الإفك وقد كانوا من قبل مبطنين الشرك مع الله فجاعلين الحق ثابتاً لأصنامهم، فالقصر حيئنذ إضافي، أي يعلمون أن الله وحده دون أصنامهم. ويجوز أن يكون المراد بـــ{الذين يرمون المحصنات الغافلات} عبد الله بن أبي بن سلول وحده فعبر عنه بلفظ الجمع لقصد إخفاء اسمه تعريضاً به، كما في قوله تعالى: { أية : الذين قال لهم الناس } تفسير : [آل عمران: 173] وقول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله ».
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: يرمون المحصنات: أي العفيفات بالزنى. الغافلات: أي عن الفواحش بحيث لم يقع في قلوبهن فعلها. المؤمنات: أي بالله ورسوله ووعد الله ووعيده. يعملون: أي من قول أو عمل. يوفيهم الله دينهم الحق: أي يجازيهم جزاءهم الواجب عليهم. الخبيثات: الخبيثات من النساء والكلمات. للخبيثين: للخبيثين من الرجال. والطيبات: من النساء والكلمات. للطيبين: أي من الرجال. أولئك مبرءون مما يقولون: أي صفوان بن المعطل وعائشة رضي الله عنهما أي مبرءون مما قاله عصبة الإِفك. معنى الآيات: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} هذه الآية وإن تناولت ابتداءً عبد الله بن أبي فإنها عامة في كل من يقذف مؤمنة محصنة أي عفيفة غافلة لسلامة صدرها من الفواحش لا تخطر ببالها {لُعِنُواْ} أي أبعدوا من الرحمة الإِلهية {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} في الدنيا بإقامة الحد عليهم وفي الآخرة بعذاب النار، وذلك {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من سوء الأفعال وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ} أي يتم ذلك يوم يوفيهم الله دينهم الحق أي جزاءهم الواجب عليهم ويعلمون حينئذ أن الله هو الحق المبين أي الإِله الحق الواجب الإِيمان به والطاعة له والعبودية الكاملة له لا لغيره. وقوله تعالى: {ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} أي الخبيثات من النساء والكلمات للخبيثين من الرجال كابن أبي، {وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ} أي والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء والكلمات وقوله: {وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ} أي والطيبات من النساء والكلمات للطيبين من الرجال كالنبي صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها وقوله: {وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ} أي والطيبون من الرجال للطيبات من النساء والكلمات تأكيد للخبر السابق وقوله تعالى: {أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} أولئك إشارة إلى صفوان بن المعطل وعائشة رضي الله عنها، ومبرؤون أي من قالة السوء التي قالها ابن أُبي ومن أذاعها معه. وقوله: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} هذه بشرى لهم بالجنة مقابل ما نالهم من ألم الإِفك الذي جاءت به العصبة المتقدم ذكرها إذ أخبر تعالى أن لهم مغفرة لذنوبهم التي لا يخلو منها مؤمن وهو الستر عنها ومحوها ورزقاً كريماً في الجنة. وبهذه تمت براءة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها والحمد لله أولاً وآخراً. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- عِظَمُ ذنب قذف المحصنات الغافلات المؤمنات وقد عده رسول الله صلى الله عليه وسلم في السبع الموبقات، والعياذ بالله تعالى. 2- تقرير الحساب وما يتم فيه من استنطاق واستجواب. 3- تقرير التوحيد بأنه لا إله إلا الله. 4- استحقاق الخبث أهله. فالخبيث هو الذي يناسبه القول الخبيث والفعل الخبيث. 5- استحقاق الطيب أهله فالطيب هو الذي يناسبه القول الطيب والفعل الطيب. 6- براءة أم المؤمنين وصفوان مما رماهما به أهل الإِفك. 7- بشارة أم المؤمنين وصفوان بالجنة بعد مغفرة ذنوبهما.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُحْصَنَاتِ} {ٱلْغَافِلاَتِ} {ٱلْمُؤْمِناتِ} {وَٱلآخِرَةِ} (23) - يَتَوَعَّدُ اللهُ تَعَالَى الذينَ يَتَّهِمُونَ بِالفَاحِشَةِ النِّسَاءَ العَفِيفَاتِ (المُحْصَنَاتِ) الغَافِلاَتِ عَنْهَا، المُؤْمِنَاتِ (وَمِنْ بَابِ أوْلَى أُمَهَاتِ المُؤْمِنِينَ)، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُمْ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وَإِنَّهُ تَعَالَى أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً عَظِيماً يَوْمَ القِيَامَةِ إِذَا لَمْ يَتُوبُوا فَإِذَا تَابُوا قُبِلَتْ تَوْبَتُهمْ. المُحْصَنَاتُ - العَفِيفَاتُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نلحظ أن الآيات تحدثتْ عن حَدِّ القذف وما كان من حادثة الإفك، ثم ذكرت آية العتاب لأبي بكر في مسألة الرزق، ثم عاد السياق إلى القضية الأساسية: قضية القذف، فلماذا دخلتْ مسألة الرزق في هذا الموضوع؟ قالوا: لأن كل معركة فيها خصومة قد يكون لها آثار تتعلق بالرزق، والرزق تكفَّل الله به لعباده؛ لأنه سبحانه هو الذي استدعاهم إلى الوجود، سواء المؤمن أو الكافر، وحين تعطي المحتاج فإنما أنت مناول عن الله، ويد الله الممدودة بأسباب الله. والحق تبارك وتعالى يحترم ملكية الإنسان مع أنه سبحانه رازقه ومعطيه، لكن طالما أعطاه صار العطاء مِلْكاً له، فإنْ حَثَّه على النفقة بعد ذلك يأخذها منه قَرْضاً؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ..} تفسير : [البقرة: 245]. فإنْ أنفق الموسر على المعسر جعله الله قَرْضاً، وتولّى سداده بنفسه؛ ذلك لأن الله تعالى لا يرجع في هِبَته، فطالما أعطاك الرزق، فلا يأخذه منك إلا قَرْضاً. لذلك يقول تعالى: {أية : هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ..} تفسير : [محمد: 38]. وفي موضع آخر يقول عن الأموال: {أية : إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} تفسير : [محمد: 38] لأن الإنسان تعب في جمع المال وعَرق في سبيله، وأصبح عزيزاً عليه؛ لذلك يبخل به، فأخذه الله منه قَرْضاً مردوداً بزيادة، وكان الرزق والمال بهذه الأهمية لأنه أول مَنَاط لعمارة الخليفة في الأرض؛ لذلك ترك الحديث عن القضية الأساسية هنا، وذكر هذه الآية التي تتعلَّق بالرزق. ومن ذلك أيضاً قوله تعالى: {أية : حَافِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَاتِ وٱلصَّلاَةِ ٱلْوُسْطَىٰ ..} تفسير : [البقرة: 238] وقد ذُكِرَتْ وسط مسائل تتعلق بالعِدَّة والكفارة، وعِدَّة المتوفَّى عنها زوجها، فما علاقة الصلاة بهذه المسائل؟ قالوا: لأن النزاعات التي تحدث غالباً ما تُغيِّر النفس البشرية وتثير حفيظتها، فإذا ما قمتَ للوضوء والصلاة تهدأ نفسك وتطمئن. وتستقبل مسائل الخلاف هذه بشيء من القبول والرضا. نعود إلى قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ..} [النور: 23] المحصنة: لها إطلاقات ثلاث، فهي المتزوجة لأن الإحصان: الحِفْظ وكأنها حفظتْ نفسها بالزواج، أو هي العفيفة، وإنْ لم تتزوج فهي مُحْصَنة في ذاتها، والمحصنة هي أيضاً الحرة؛ لأن عملية البِغَاء والزنا كانت خاصة بالإماء. و{ٱلْغَافِلاَتِ ..} [النور: 23] جمع غافلة، وهي التي لا تدري بمثل هذه المسائل، وليس في بالها شيء عن هذه العملية، ومن ذلك ما ورد في الحديث الشريف "حديث : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل بريرة خادمة السيدة عائشة: ما تقولين في عائشة يا بريرة؟ فقالت: تعجن العجين ثم تنام بجانبه فتأتي الدواجن فتأكله وهي لا تدري"تفسير : . وهذا كناية عن الغفلة لأنها ما زالت صغيرة لم تنضج نُضْج المراهقة ومع نُضْج المراهقة نُضْج اليقين والإيمان. وتلحظ هذه الغفلة في البنت الصغيرة حين تقول لها: أتتزوجين فلاناً؟ تقول: لا أنا أتزوج فلاناً، ذلك لأنها لا تدري معنى العلاقة الزوجية، إنما حينما تكبر وتفهم مثل هذه الأمور فإنْ ذكرتَ لها الزواج تستحي وتخزى أن تتحدث فيه؛ لأنها عرفتْ ما معنى الزواج. لذلك لما أمرنا الشرع باستئذان البنت للزواج جعل إذنها سكوتها، فإن سكتتْ فهذا إذْن منها، ودليل على فهمها لهذه العلاقة، إنما إنْ قالت: نعم أتزوجه لأنه جميل و .. و ..، فهذا يعني أنها لم تفهم بعد معنى الزواج. إذن: الغافلة حتى عن مسائل الزواج والعلاقات الزوجية، ولا تدري شيئاً عن مثل هذه الأمور كيف تفكر في الزنا؟ ثم يذكر ربنا - تبارك وتعالى - جزاء هذه الجريمة: {لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23]. وإن كانت الغافلة هي التي ليس في بالها مثل هذه الأمور، ولا تدري شيئاً حتى عن الزواج والعلاقات الزوجية بين الرجل والمرأة، فكيف نقول: إنها تفكر في هذه الجريمة؟ واللعْن: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله، وأيضاً الطرد والإبعاد عن حظيرة المؤمنين؛ لأن القاذف حكمه أنْ يُقام عليه الحدُّ، ثم تسقط شهادته، ويسقط اعتباره في المجتمع الذي يعيش فيه، فجمع الله عليه الخزي في الدنيا بالحدِّ وإسقاط الاعتبار، إلى جانب عذاب الآخرة، فاللعن في الدنيا لا يعقبه من عذاب الآخرة. وقلنا: إن العذاب: إيلام حَيٍّ، وقد يُوصَف العذاب مرة بأليم، ومرة بمهين، ومرة بعظيم، هذه الأوصاف تدور بين العذاب والمعذّب، فمن الناس مَنْ لا يؤلمه الجَلْد، لكن يهينه، فهو في حقه عذاب مهين لكرامته، أما العذاب العظيم فهو فوق ما يتصوَّره المتصوِّر؛ لأن العذاب إيلام من مُعذِّب لمعذَّب، والمعذَّب في الدنيا يُعذَّب بأيدي البشر وعلى قَدْر طاقته، أمّا العذاب في الآخرة فهو بجبروت الله وقَهْر الله؛ لذلك يُوصَف بأنه عظيم. ثم يقول الحق سبحانه: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ ...}.
الجيلاني
تفسير : رُوي أنه صلى الله عليه وسلم قرأها على أبي بكر رضي عنه، فقال: بلى أحب، وأعاد إلى مسطح - هو أحد القاذفني الآفكين - وهو ابن خالته فقيرُ ليس له شيء ينفقه على نفسه؛ لأنه ينفق عليه دائماً. ثم قال سبحانه تذكيراً لعموم عباده، ونهياً لهم عن الرمي بالزنا مطلقاً: {إِنَّ} المسرفين {ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ} بالزنا {ٱلْمُحْصَنَاتِ} المتعففات، والمستحفظات لحدود الله {ٱلْغَافِلاَتِ} البرئيات المنزهَات عما رُموا به أولئك الغفلة الجهلة ظلماً وزوراً {ٱلْمُؤْمِناتِ} بالله، وبما جاء من عنده من الحدود والأحكام الجارية على ألسنة رسله، وبيوم الجزاء المعدّ للكشفش والتفضيح {لُعِنُواْ} وطُردوا عن روح الله وسعة رحمته؛ لقصدهم عرض العفائف، وهتك أستارهن، وطعنهم فيهن افتراءً ومراءً {فِي ٱلدُّنْيَا} بإجراء الحد وأنواع الطرد والشتم، ورد شهادتهم مدة حياتهم {وَٱلآخِرَةِ} بأنواع العذاب والنكال. {وَ} بالجملة: {لَهُمْ} بسبب قبح صنيعهم وسوء فعالهم {عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: 23] لا عذاب أعظم منه؛ لعظم جرمهم وعصيانهم. اذكر لهم يا أكمل الرسل توبيخاً لهم، وتذكيراً لمن اعتبر منهم من المؤمنين {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ} بإلهام الله وإعلامه {أَلْسِنَتُهُمْ} وتقر بما صدر عنها من الكذب والافتراء، ورمي المحصنات، وقذف العفائف عمداً بلا علم لهم ولا شعور بحالهن {وَأَيْدِيهِمْ} لما افترقوا من الأخذ والإعطاء لا على الوجه المشروع {وَأَرْجُلُهُمْ} بالسعي والتردد إلى ما يرضى منه سبحانه ولا رسوله ولا المؤمنون، وبالجملة: يقر كل من أعضائهم وجوارحهم {بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النور: 24] ويكتسبون من المعاصي والآثام. {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ} المجازي لأعمالهم {دِينَهُمُ} وجزائهم {ٱلْحَقَّ} أي: ما يستحقون من الجزاء بلا زيادة ونقصان عدلاً منه سبحانه {وَ} حنيئذٍ {يَعْلَمُونَ} يقيناً {أَنَّ ٱللَّهَ} القادر على الإنعام والانتقام {هُوَ ٱلْحَقُّ} المقصور على التحقق والثبوت بالقسط والعدل {ٱلْمُبِينُ} [النور: 25] الظاهر ألوهيته وربوبيته على الوجه الأقسط الأعدل الأقوم، بلا ميلٍ منه وانحرافٍ عن جادة الاستقامة والعدل الحقيقي. ومن جملة عدالته: رعاية المناسبات بين المظاهر والمربوبات، كما بينها سبحانه بقوله: {ٱلْخَبِيثَاتُ} من النساء المطعونات بأنواع الرذائل، المنحرفات عن جادة السلام والطهارة {لِلْخَبِيثِينَ} كذلك من الرجال؛ يعني: لا يتزوجهن غير الخبيثين بحكم المناسبة {وَ} كذا {ٱلْخَبِيثُونَ} من الرجال {لِلْخَبِيثَاتِ} من النساء، كلُ لنظيرتها بحكم المصلحة الإلهية. {وَ} كذا {ٱلطَّيِّبَاتُ} الطاهرات العفائف المحصنات {لِلطَّيِّبِينَ} أيضاً كذلك {وَ} كذا {ٱلطَّيِّبُونَ} المستقيمون على جادة التوحيد والعدالة {لِلْطَّيِّبَاتِ} أيضاً كذلك؛ إذ كلُ يميل بالطبع إلى شاكلته بالميل المعني الموضوع بالوضع الإلهي، ومتى ثبت هذا الحكم، وتبين هذه المناسبات بتبيين الله {أُوْلَـٰئِكَ} العفائف المطهرون الطيبون {مُبَرَّءُونَ} منزَّهون {مِمَّا يَقُولُونَ} أولئك الرماة المفترون والطغاة الخبيثون المنحرفون عن طريق احلق، الناكبون عن صراطٍ مستقيم، ولبراءتهم ونزاهتهم {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} وعفوٌ من الله المطَّلعِ لبراءتهم الشاهدِ عليها {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [النور: 26] وهو الرزق الصوري والمعنوي، الذي يتلذذون به الجنة عند كشف الغطاء ورفع الحجب. اللهم ارزقنا بلطفك من الرزق الكريم، واجعلنا بجودك من ورثة جنة النعيم. ثم لما كان أمثال هذه الهذيانات الباطلة، والمفتريات العاطلة من نتائج الخلطة والاستئناس مع أصحاب الغفلة، وكشف الحجب، والأستار الواقعة بين ذوي القدور والاعتبار وأولي الخطر الكبار إلى من هو من السلفة الساقطين المنحطين من درجة أرباب الاستبصار. أشار سبحانه إلى أن الاختلاط الاستئناس بين المؤمنين، لا بدَّ وأن يكون مسبوقاً بالاستئذان والاسترخاص، حتى لا يؤدي إلى أمثال هذه الخرافات، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} مقتضى إيمانكم محافظة المحبة والإخلاص بينكم، ومن جملتها: إنها {لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} أي: بيتاً من بوت إخوانكم بغتةً بلا استئذانٍ من أهلها، بل لكم أن تصبروا {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ} وتستأذنوا، وتطلبوا رخصة الدخول. {وَ} بعدما أذنتم ورخصتم {تُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا} بأن تقولوا: "حديث : السَّلاَمُ عَلَيْكمُمْ! أَدْخُلُ أَمْ لاْ؟ ثلاث مرات"تفسير : هكذا رُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم. فإن أذنتم بالدخول، فدخلوه وإلا فارجعوا {ذٰلِكُمْ} أي: الاستئذان والاستئناس {خَيْرٌ لَّكُمْ} من المبادرة إلى الدخول بغتةً، وإنما أَنزل عليكم هذه الكريمة المتعلقة بالأخلاق {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 27] وتتعظون بها، وتحفظون حدود المصاحبة والمؤاخاة بينكم، ولا تجاوزون عن مقتضى المروءة والعدالة.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 718 : 12 : 4 - سفين أخبرني من سمع سعيد بن جبير يقول، نزلت هذه الآية في عايشة خاصة {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ}. [الآية 23]. 719 : 13 : 15 - سفين عن خصيف قال، قلت لسعيد بن جبير و{ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ} في من نزلت؟ قال، في عايشة خاصة. 720 : 14 : 5 - سفين عن سلمة بن نبيط عن الضحاك بن مزاحم قال، نزلت في ازواج النبي، صلى الله عليه وسلم، خاصة.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ} [23] 381 - أنا الربيعُ بنُ سليمان، نا عبد الله بن وهبٍ، عن سليمان ابن بلالٍ، عن ثور بن زيدٍ، عن أبي الغيثِ عن أبي هُريرة أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اجتنبوا السبع المُوبِقاتِ" قيل: يا رسول الله، وما هي؟ قال: الشركُ بالله، والسحرُ وقتلُ النَّفس التي حرم الله إلاَّ بالحق، وأكلُ الربا وأكلُ مال اليتيم، والتولي يوم الزَّحفِ، وقذفُ المُحصناتِ المُؤمناتِ ".
همام الصنعاني
تفسير : 2018- عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الكلبي، في قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ}: [الآية: 23]، قَالَ: إنما عنى بهذه الآية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فأمَّا من رمى امرأة من المسلمين، فهو فَاسق كما قال الله أو يَتُوب.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):