٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
22
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه تعالى كما أدب أهل الإفك ومن سمع كلامهم كما قدمنا ذكره، فكذلك أدب أبا بكر لما حلف أن لا ينفق على مسطح أبداً، قال المفسرون: نزلت الآية في أبي بكر حيث حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن خالة أبي بكر، وقد كان يتيماً في حجره وكان ينفق عليه وعلى قرابته، فلما نزلت الآية قال لهم أبو بكر قوموا فلستم مني ولست منكم ولا يدخلن عليَّ أحد منكم، فقال مسطح أنشدك الله والإسلام وأنشدك القرابة والرحم أن لا تحوجنا إلى أحد، فما كان لنا في أول الأمر من ذنب، فقال لمسطح إن لم تتكلم فقد ضحكت! فقال قد كان ذلك تعجباً من قول حسان فلم يقبل عذره، وقال انطلقوا أيها القوم فإن الله لم يجعل لكم عذراً ولا فرجاً، فخرجوا لا يدرون أين يذهبون وأين يتوجهون من الأرض، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بأن الله تعالى قد أنزل علي كتاباً ينهاك فيه أن تخرجهم فكبر أبو بكر وسره، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية عليه فلما وصل إلى قوله: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ } قال بلى يا رب إني أحب أن يغفر لي، وقد تجاوزت عما كان، فذهب أبو بكر إلى بيته وأرسل إلى مسطح وأصحابه، وقال قبلت ما أنزل الله على الرأس والعين، وإنما فعلت بكم ما فعلت إذ سخط الله عليكم، أما إذا عفا عنكم فمرحباً بكم، وجعل له مثلي ما كان له قبل ذلك اليوم، وههنا مسائل: المسألة الأولى: ذكروا في قوله: {وَلاَ يَأْتَلِ } وجهين: الأول: وهو المشهور أنه من ائتلى إذا حلف، افتعل من الألية، والمعنى لا يحلف، قال أبو مسلم هذا ضعيف لوجهين: أحدهما: أن ظاهر الآية على هذا التأويل يقتضي المنع من الحلف على الإعطاء وهم أرادوا المنع من الحلف على ترك الإعطاء، فهذا المتأول قد أقام النفي مكان الإيجاب وجعل المنهي عنه مأموراً به؛ وثانيهما: أنه قلما يوجد في الكلام افتعلت مكان أفعلت، وإنما يوجد مكان فعلت، وهنا آليت من الألية افتعلت. فلا يقال أفعلت كما لا يقال من ألزمت التزمت ومن أعطيت اعتطيت، ثم قال في يأتل إن أصله يأتلي ذهبت الياء للجزم لأنه نهى وهو من قولك ما آلوت فلاناً نصحاً، ولم آل في أمري جهداً، أي ما قصرت ولا يأل ولا يأتل واحداً، فالمراد لا تقصروا في أن تحسنوا إليهم ويوجد كثيراً افتعلت مكان فعلت تقول كسبت واكتسبت وصنعت واصطنعت ورضيت وارتضيت، فهذا التأويل هو الصحيح دون الأول، ويروى هذا التأويل أيضاً عن أبي عبيدة. أجاب الزجاج عن السؤال الأول بأن (لا) تحذف في اليمين كثيراً قال الله تعالى: { أية : وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَـٰنِكُمْ أَن تَبَرُّواْ } تفسير : [البقرة: 224] يعني أن لا تبروا، وقال امرؤ القيس: شعر : فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي إليك وأوصالي تفسير : أي لا أبرح، وأجابوا عن السؤال الثاني، أن جميع المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم فسروا اللفظة باليمين وقول كل واحد منهم حجة في اللغة فكيف الكل، ويعضده قراءة الحسن ولا يتأل. المسألة الثانية: أجمع المفسرون على أن المراد من قوله: {أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ } أبو بكر، وهذه الآية تدل على أنه رضي الله عنه كان أفضل الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الفضل المذكور في هذه الآية إما في الدنيا وإما في الدين، والأول باطل لأنه تعالى ذكره في معرض المدح له، والمدح من الله تعالى بالدنيا غير جائز، ولأنه لو كان كذلك لكان قوله: {وَٱلسَّعَةِ } تكريراً فتعين أن يكون المراد منه الفضل في الدين، فلو كان غيره مساوياً له في الدرجات في الدين لم يكن هو صاحب الفضل لأن المساوي لا يكون فاضلاً، فلما أثبت الله تعالى له الفضل مطلقاً غير مقيد بشخص دون شخص وجب أن يكون أفضل الخلق ترك العمل به في حق الرسول صلى الله عليه وسلم فيبقى معمولاً به في حق الغير، فإن قيل نمنع إجماع المفسرين على اختصاص هذه الآية بأبي بكر، قلنا كل من طالع كتب التفسير والأحاديث علم أن اختصاص هذه الآية بأبي بكر بالغ إلى حد التواتر، فلو جاز منعه لجاز منع كل متواتر، وأيضاً فهذه الآية دالة على أن المراد منها أفضل الناس، وأجمعت الأمة على أن الأفضل إما أبو بكر أو علي، فإذا بينا أنه ليس المراد علياً تعينت الآية لأبي بكر، وإنما قلنا إنه ليس المراد منه علياً لوجهين: الأول: أن ما قبل هذه الآية وما بعدها يتعلق بابنة أبي بكر فيكون حديث علي في البين سمجاً الثاني: أنه تعالى وصفه بأنه من أولي السعة، وإن علياً لم يكن من أولي السعة في الدنيا في ذلك الوقت، فثبت أن المراد منه أبو بكر قطعاً، واعلم أن الله تعالى وصف أبا بكر في هذه الآية بصفات عجيبة دالة على علو شأنه في الدين أحدها: أنه سبحانه كنى عنه بلفظ الجمع والواحد إذا كنى عنه بلفظ الجمع دل على علو شأنه كقوله تعالى: { أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذّكْرَ } تفسير : [الحجر: 9]، { أية : إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } تفسير : [الكوثر: 1] فانظر إلى الشخص الذي كناه الله سبحانه مع جلاله بصيغة الجمع كيف يكون علو شأنه! وثانيها: وصفه بأنه صاحب الفضل على الإطلاق من غير تقييد لذلك بشخص دون شخص، والفضل يدخل فيه الإفضال، وذلك يدل على أنه رضي الله عنه كما كان فاضلاً على الإطلاق كان مفضلاً على الإطلاق وثالثها: أن الإفضال إفادة ما ينبغي لا لعوض، فمن يهب السكين لمن يقتل نفسه لا يسمى مفضلاً لأنه أعطى مالاً ينبغي، ومن أعطى ليستفيد منه عوضاً إما مالياً أو مدحاً أو ثناء فهو مستفيض والله تعالى قد وصفه بذلك فقال: { أية : وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى * ٱلَّذِي يُؤْتِى مَالَهُ يَتَزَكَّىٰ * وَمَا لأَحَدٍ عِندَهُ مِن نّعْمَةٍ تُجْزَىٰ * إِلاَّ ٱبْتِغَاء وَجْهِ رَبّهِ ٱلأَعْلَىٰ } تفسير : [الليل: 17 ـ 20] وقال في حق علي: { أية : إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ ٱللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلاَ شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً } تفسير : [الإنسان: 9، 10] فعلي أعطى للخوف من العقاب، وأبو بكر ما أعطى إلا لوجه ربه الأعلى، فدرجة أبي بكر أعلى فكانت عطيته في الإفضال أتم وأكمل ورابعها: أنه قال: {أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ } فكلمة من للتمييز، فكأنه سبحانه ميزه عن كل المؤمنين بصفة كونه أولي الفضل، والصفة التي بها يقع الامتياز يستحيل حصولها في الغير، وإلا لما كانت مميزة له بعينه، فدل ذلك على أن هذه الصفة خاصة فيه لا في غيره ألبتة وخامسها: أمكن حمل الفضل على طاعة الله تعالى وخدمته وقوله: {وَٱلسَّعَةِ } على الإحسان إلى المسلمين، فكأنه كان مستجمعاً للتعظيم لأمر الله تعالى والشفقة على خلق الله وهما من أعلى مراتب الصديقين، وكل من كان كذلك كان الله معه لقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } ولأجل اتصافه بهاتين الصفتين قال له: { أية : لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا } تفسير : [التوبة: 40] وسادسها: إنما يكون الإنسان موصوفاً بالسعة لو كان جواداً بذولاً، ولقد قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : خير الناس من ينفع الناس » تفسير : فدل على أنه خير الناس من هذه الجهة، ولقد كان رضي الله عنه جواداً بذولاً في كل شيء، ومن جوده أنه لما أسلم بكرة اليوم جاء بعثمان بن عفان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أسلموا على يده، وكان جوده في التعليم والإرشاد إلى الدين والبذل بالدنيا كما هو مشهور، فيحق له أن يوصف بأنه من أهل السعة، وأيضاً فهب أن الناس اختلفوا في أنه هل كان إسلامه قبل إسلام علي أو بعده، ولكن اتفقوا على أن علياً حين أسلم لم يشتغل بدعوة الناس إلى دين محمد صلى الله عليه وسلم وأن أبا بكر اشتغل بالدعوة فكان أبو بكر أول الناس اشتغالاً بالدعوة إلى دين محمد، ولا شك أن أجل المراتب في الدين هذه المرتبة فوجب أن يكون أفضل الناس بعد الرسول صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر من هذه الجهة ولأنه عليه السلام قال: « حديث : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » تفسير : فوجب أن يكون لأبي بكر مثل أجر كل من يدعو إلى الله، فيدل على الأفضلية من هذه الجهة أيضاً وسابعها: أن الظلم من ذوي القربى أشد، قال الشاعر: شعر : وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على المرء من وقع الحسام المهند تفسير : وأيضاً فالإنسان إذا أحسن إلى غيره فإذا قابله ذلك الغير بالإساءة كان ذلك أشد عليه مما إذا صدرت الإساءة من الأجنبي، والجهتان كانتا مجتمعتين في حق مسطح ثم إنه آذى أبا بكر بهذا النوع من الإيذاء الذي هو أعظم أنواع الإيذاء، فانظر أين مبلغ ذلك الضرر في قلب أبي بكر، ثم إنه سبحانه أمره بأن لا يقطع عنه بره وأن يرجع معه إلى ما كان عليه من الإحسان، وذلك من أعظم أنواع المجاهدات، ولا شك أن هذا أصعب من مقاتلة الكفار لأن هذا مجاهدة مع النفس وذلك مجاهدة مع الكافر ومجاهدة النفس أشق، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » تفسير : وثامنها: أن الله تعالى لما أمر أبا بكر بذلك لقبه بأولي الفضل وأولي السعة كأنه سبحانه يقول أنت أفضل من أن تقابل إساءته بشيء وأنت أوسع قلباً من أن تقيم للدنيا وزناً، فلا يليق بفضلك وسعة قلبك أن تقطع برك عنه بسبب ما صدر منه من الإساءة، ومعلوم أن مثل هذا الخطاب يدل على نهاية الفضل والعلو في الدين وتاسعها: أن الألف واللام يفيدان العموم فالألف واللام في الفضل والسعة يدلان على أن كل الفضل وكل السعة لأبي بكر كما يقال فلان هو العالم يعني قد بلغ في الفضل إلى أن صار كأنه كل العالم وما عداه كالعدم، وهذا وأيضاً منقبة عظيمة وعاشرها: قوله: {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ } وفيه وجوه: منها: أن العفو قرينة التقوى وكل من كان أقوى في العفو كان أقوى في التقوى، ومن كان كذلك كان أفضل لقوله تعالى: { أية : إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَـٰكُمْ } تفسير : [الحجرات: 13] ومنها: أن العفو والتقوى متلازمان فلهذا السبب اجتمعا فيه، أما التقوى فلقوله تعالى: { أية : وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلأَتْقَى } تفسير : [الليل: 17] وأما العفو فلقوله تعالى: {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ } وحادي عاشرها: أنه سبحانه قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: { أية : فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ } تفسير : [المائدة: 13] وقال في حق أبي بكر {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ } فمن هذا الوجه يدل على أن أبا بكر كان ثاني اثنين لرسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع الأخلاق حتى في العفو والصفح وثاني عشرها: قوله: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ } فإنه سبحانه ذكره بكناية الجمع على سبيل التعظيم، وأيضاً فإنه سبحانه علق غفرانه له على إقدامه على العفو والصفح فلما حصل الشرط منه وجب ترتيب الجزاء عليه، ثم قوله: {يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ } بصيغة المستقبل وأنه غير مقيد بشيء دون شيء فدلت الآية على أنه سبحانه قد غفر له في مستقبل عمره على الإطلاق فكان من هذا الوجه ثاني اثنين للرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: { أية : لّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ } تفسير : [الفتح: 2] ودليلاً على صحة إمامته رضي الله عنه فإن إمامته لو كانت على خلاف الحق لما كان مغفوراً له على الإطلاق ودليلاً على صحة ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في خبر بشارة العشرة بأن أبا بكر في الجنة وثالث عشرها: أنه سبحانه وتعالى لما قال: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ } وصف نفسه بكونه غفوراً رحيماً، والغفور مبالغة في الغفران فعظم أبا بكر حيث خاطبه بلفظ الجمع الدل على التعظيم، وعظم نفسه سبحانه حيث وصفه بمبالغة الغفران، والعظيم إذا عظم نفسه ثم عظم مخاطبه فالعظمة الصادرة منه لأجله لا بد وأن تكون في غاية التعظيم، ولهذا قلنا بأنه سبحانه لما قال: { أية : إِنَّا أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ } تفسير : [الكوثر: 1] وجب أن تكون العطية عظيمة، فدلت الآية على أن أبا بكر ثاني اثنين للرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المنقبة أيضاً ورابع عشرها: أنه سبحانه لما وصفه بأنه أولوا الفضل والسعة على سبيل المدح وجب أن يقال إنه كان خالياً عن المعصية، لأن الممدوح إلى هذا الحد لا يجوز أن يكون من أهل النار، ولو كان عاصياً لكان كذلك لقوله تعالى: { أية : وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَـٰلِداً فِيهَا } تفسير : [النساء: 14] وإذا ثبت أنه كان خالياً عن المعاصي فقوله: {يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ } لا يجوز أن يكون المراد غفران معصية لأن المعصية التي لا تكون لا يمكن غفرانها وإذا ثبت أنه لا يمكن حمل الآية على ذلك وجب حملها على وجه آخر، فكأنه سبحانه قال والله أعلم: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ } لأجل تعظيمكم هؤلاء القذفة العصاة، فيرجع حاصل الآية إلى أنه سبحانه قال يا أبا بكر إن قبلت هؤلاء العصاة فأنا أيضاً أقبلهم وإن رددتهم، فأنا أيضاً أردهم فكأنه سبحانه أعطاه مرتبة الشفاعة في الدنيا، فهذا ما حضرنا في هذه الآية والله أعلم فإن قيل: هذه الآية تقدح في فضيلة أبي بكر من وجه آخر وذلك لأنه نهاه عن هذا الحلف فدل على صدور المعصية منه قلنا الجواب: عنه من وجوه: أحدها: أن النهي لا يدل على وقوعه، قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: { أية : وَلاَ تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ } تفسير : [الأحزاب: 48] ولم يدل ذلك على أنه عليه الصلاة والسلام أطاعهم بل دلت الأخبار الظاهرة على صدور هذا الحلف منه، ولكن على هذا التقدير لا تكون الآية دالة على قولكم وثانيها: هب أنه صدر عنه ذلك الحلف، فلم قلتم إنه كان معصية، وذلك لأن الامتناع من التفضل قد يحسن خصوصاً فيمن يسيء إلى من أحسن إليه أو في حق من يتخذه ذريعة إلى الأفعال المحرمة لا يقال فلو لم تكن معصية لما جاز أن ينهى الله عنه بقوله: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ } لأنا نقول هذا النهي ليس نهي زجر وتحريم بل هو نهي عن ترك الأولى كأنه سبحانه قال لأبي بكر اللائق بفضلك وسعة همتك أن لا تقطع هذا فكان هذا إرشاداً إلى الأولى لا منعاً عن المحرم. المسألة الثالثة: أجمعوا على أن المراد من قوله: {أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } مسطح لأنه كان قريباً لأبي بكر وكان من المساكين وكان من المهاجرين، واختلفوا في الذنب الذي وقع منه فقال بعضهم قذف كما فعله عبدالله بن أبي فإنه عليه الصلاة والسلام حده وأنه تاب عن ذلك، وقال ابن عباس رضي الله عنهما كان تاركاً للنكر ومظهراً للرضا، وأي الأمرين كان فهو ذنب. المسألة الرابعة: احتج أصحابنا بهذه الآية على بطلان المحابطة وقالوا إنه سبحانه وصفه بكونه من المهاجرين في سبيل الله بعد أن أتى بالقذف، وهذه صفة مدح، فدل على أن ثواب كونه مهاجراً لم يحبط بإقدامه على القذف. المسألة الخامسة: أجمعوا على أن مسطحاً كان من البدريين وثبت بالرواية الصحيحة أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : لعل الله نظر إلى أهل بدر فقال افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم » تفسير : فكيف صدرت الكبيرة منه بعد أن كان بدرياً؟ والجواب: أنه لا يجوز أن يكون المراد منه افعلوا ما شئتم من المعاصي فيأمر بها أو يقيمها لأنا نعلم بالضرورة أن التكليف كان باقياً عليهم لو حملناه على ذلك لاقتضى زوال التكليف عنهم، ولأنه لو كان كذلك لما جاز أن يحد مسطح على ما فعل ويلعن، فوجب حمله على أحد أمرين: الأول: أنه تعالى اطلع على أهل بدر وقد علم توبتهم وإنابتهم فقال افعلوا ما شئتم من النوافل من قليل أو كثير فقد غفرت لكم وأعطيتكم الدرجات العالية في الجنة الثاني: يحتمل أن يكون المراد أنهم يوافون بالطاعة فكأنه قال: قد غفرت لكم لعلمي بأنكم تموتون على التوبة والإنابة فذكر حالهم في الوقت وأراد العاقبة. المسألة السادسة: العفو والصفح عن المسيء حسن مندوب إليه، وربما وجب ذلك ولو لم يدل عليه إلا هذه الآية لكفي، ألا ترى إلى قوله: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22] فعلق الغفران بالعفو والصفح وعنه عليه الصلاة والسلام: « حديث : من لم يقبل عذراً لمتنصل كاذباً كان أو صادقاً فلا يرد على حوضي يوم القيامة » تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام: « حديث : أفضل أخلاق المسلمين العفو » تفسير : وعنه أيضاً: « حديث : ينادي مناد يوم القيامة ألا من كان له على الله أجر فليقم فلا يقوم إلا أهل العفو، ثم تلا فمن عفا وأصلح فأجره على الله » تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام أيضاً: « حديث : لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه ويعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه » تفسير : . المسألة السابعة: في هذه الآية دلالة على أن اليمين على الامتناع من الخير غير جائزة، وإنما تجوز إذا جعلت داعية للخير لا صارفة عنه. المسألة الثامنة: مذهب الجمهور الفقهاء أنه من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها أنا ينبغي له أن يأتي الذي هو خير ثم يكفر عن يمينه، وقال بعضهم إنه يأتي بالذي هو خير، وذلك كفارته واحتج ذلك القائل بالآية والخبر، أما الآية فهي أن الله تعالى أمر أبا بكر بالحنث ولم يوجب عليه كفارة، وأما الخبر فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وذلك كفارته» وأما دليل قول الجمهور فأمور: أحدها: قوله تعالى: { أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَـٰنَ } تفسير : [المائدة: 89] فكفارته وقوله: { أية : ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَـٰنِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ } تفسير : [المائدة: 89] وذلك عام في الحانث في الخير وغيره وثانيها: قوله تعالى في شأن أيوب حين حلف على امرأته أن يضربها { أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بّهِ وَلاَ تَحْنَثْ } تفسير : [ص: 44] وقد علمنا أن الحنث كان خيراً من تركه وأمره الله بضرب لا يبلغ منها، ولو كان الحنث فيها كفارتها لما أمر بضربها بل كان يحنث بلا كفارة وثالثها: قوله عليه الصلاة والسلام: « حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه » تفسير : أما الجواب: عما ذكره أولاً فهو أنه تعالى لم يذكر أمر الكفارة في قصة أبي بكر لا نفياً ولا إثباتاً لأن حكمه كان معلوماً في سائر الآيات والجواب: عما ذكره ثانياً في قوله: « حديث : وليأت الذي هو خير وذلك كفارته » تفسير : فمعناه تكفير الذنب لا الكفارة المذكورة في الكتاب، وذلك لأنه منهي عن نقض الأيمان فأمره ههنا بالحنث والتوبة، وأخبر أن ذلك يكفر ذنبه الذي ارتكبه بالحلف. المسألة التاسعة: روى القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها أنها: قالت فضلت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعشر خصال تزوجني رسول صلى الله عليه وسلم بكراً دون غيري، وأبواي مهاجران، وجاء جبريل عليه السلام بصورتي في حريرة وأمره أن يتزوج بي، وكنت أغتسل معه في إناء واحد، وجبريل عليه السلام ينزل عليه بالوحي وأنا معه في لحاف واحد، وتزوجني في شوال وبنى بي في ذلك الشهر، وقبض بين سحري ونحري، وأنزل الله تعالى عذري من السماء، ودفن في بيتي وكل ذلك لم يساوني غيري فيه» وقال بعضهم برأ الله أربعة بأربعة: برأ يوسف عليه السلام بلسان الشاهد، وشهد شاهد من أهلها، وبرأ موسى عليه السلام من قول اليهود بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها، وبرأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز المتلو على وجه الدهر، وروي أنه لما قربت وفاة عائشة جاء ابن عباس يستأذن عليها، فقالت: يجيء الآن فيثني علي، فخبره ابن الزبير فقال ما أرجع حتى تأذن لي، فأذنت له فدخل فقالت عائشة: أعوذ بالله من النار، فقال ابن عباس يا أم المؤمنين مالك والنار قد أعاذك الله منها، وأنزل براءتك تقرأ في المساجد وطيبك فقال: { أية : ٱلطَّيّبَاتِ لِلطَّيّبِينَ وَٱلطَّيّبُونَ لِلْطَّيّبَـٰتِ } تفسير : [النور: 26] كنت أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يحب صلى الله عليه وسلم إلا طيباً وأنزل بسببك التيمم فقال: { أية : فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيّباً } تفسير : [النساء: 43] وروي أن عائشة وزينب تفاخرتا، فقالت زينب: أنا التي أنزل ربي تزويجي، وقالت عائشة أنا التي برأني ربي حين حملني ابن المعطل على الراحلة، فقالت لها زينب: ما قلت حين ركبتيها؟ قالت قلت: حسبي الله ونعم الوكيل. فقالت قلت كلمة المؤمنين.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ} من الألية، وهي الحلف، أي: لا يحلف {أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ} أي: الطَّوْل والصدقة والإحسان {وَٱلسَّعَةِ} أي: الجدة {أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي: لا تحلفوا أن لا تصلوا قراباتكم المساكين والمهاجرين. وهذا في غاية الترفق والعطف على صلة الأرحام، ولهذا قال تعالى: {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ} أي: عما تقدم منهم من الإساءة والأذى، وهذا من حلمه تعالى وكرمه ولطفه بخلقه مع ظلمهم لأنفسهم، وهذه الآية نزلت في الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة بعدما قال في عائشة ما قال؛ كما تقدم في الحديث، فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة، وطابت النفوس المؤمنة واستقرت، وتاب الله على من كان تكلم من المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد على من أقيم عليه، شرع تبارك وتعالى، وله الفضل والمنة، يعطف الصديق على قريبه ونسيبه، وهو مسطح بن أثاثة، فإنه كان ابن خالة الصديق، وكان مسكيناً لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر رضي الله عنه، وكان من المهاجرين في سبيل الله، وقد ولق ولقةً تاب الله عليه منها، وضرب الحد عليها، وكان الصديق رضي الله عنه معروفاً بالمعروف، له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب، فلما نزلت هذه الآية إلى قوله: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} الآية، فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تغفر عن المذنب إليك، نغفر لك، وكماتصفح، نصفح عنك، فعند ذلك قال الصديق: بلى، والله إنا نحب ــــ يا ربنا ــــ أن تغفر لنا، ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً، في مقابلة ما كان، قال: والله لا أنفعه بنافعة أبداً. فلهذا كان الصديق هو الصديق رضي الله عنه وعن بنته.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ يَأْتَلِ } يحلف {أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ } أي أصحاب الغنى {مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن } لا {يُؤْتُواْ أُوْلِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينَ وَٱلْمُهَٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } نزلت في أبي بكر حلف أن لا ينفق على مسطح وهو ابن خالته مسكين مهاجر بدريّ لما خاض في الإِفك بعد أن كان ينفق عليه، وناس من الصحابة أقسموا أن لا يتصدّقوا على من تكلم بشيء من الإِفك {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ } عنهم في ذلك {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } للمؤمنين قال أبو بكر: بلى أنا أُحب أن يغفر الله لي ورجع إلى مسطح ما كان ينفقه عليه.
الشوكاني
تفسير : قوله {وَلاَ يَأْتَلِ } أي: يحلف، وزنه: يفتعل من الألية، وهي اليمين، ومنه قول الشاعر:شعر : تألّى ابن أوس حلفة ليردّني إلى نسوة كأنهن مفايد تفسير : وقول الآخر:شعر : قليل الألايا حافظ ليمينه وإن بدرت منه الألية برّت تفسير : يقال: ائتلى يأتلى إذا حلف. ومنه قوله سبحانه: {أية : لّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نّسَائِهِمْ } تفسير : [البقرة: 226] وقالت فرقة: هو من ألوت في كذا إذا قصرت، ومنه لم آل جهداً: أي: لم أقصر، وكذا منه قوله: {أية : لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً } تفسير : [آل عمران: 118]. ومنه قول الشاعر:شعر : وما المرء ما دامت حشاشة نفسه بمدرك أطراف الخطوب ولا آل تفسير : والأوّل أولى بدليل سبب النزول، وهو ما سيأتي، والمراد بالفضل: الغنى والسعة في المال {أَن يُؤْتُواْ أُوْلِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي: على أن لا يؤتوا. قال الزجاج: أن لا يؤتوا فحذف لا، ومنه قول الشاعر:شعر : فقلت يمين الله أبرح قاعدا ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي تفسير : وقال أبو عبيدة: لا حاجة إلى إضمار لا، والمعنى: لا يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى المستحقين للإحسان الجامعين لتلك الأوصاف، وعلى الوجه الآخر يكون المعنى: لا يقصروا في أن يحسنوا إليهم، وإن كانت بينهم شحناء لذنب اقترفوه، وقرأ أبو حيوة "إن تؤتوا" بتاء الخطاب على الالتفات. ثم علمهم سبحانه أدباً آخر، فقال: {وَلْيَعْفُواْ } عن ذنبهم الذي أذنبوه عليهم، وجنايتهم التي اقترفوها، من عفا الربع: أي: درس، والمراد محو الذنب حتى يعفو كما يعفو أثر الربع {وَلْيَصْفَحُواْ } بالإغضاء عن الجاني، والإغماض عن جنايته، وقرىء بالفوقية في الفعلين جميعاً. ثم ذكر سبحانه ترغيباً عظيماً لمن عفا وصفح، فقال: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ } بسبب عفوكم وصفحكم عن الفاعلين للإساءة عليكم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي: كثير المغفرة والرحمة لعباده مع كثرة ذنوبهم، فكيف لا يقتدي العباد بربهم في العفو والصفح عن المسيئين إليهم؟ {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } قد مرّ تفسير المحصنات، وذكرنا الإجماع على أن حكم المحصنين من الرجال حكم المحصنات من النساء في حدّ القذف. وقد اختلف في هذه الآية هل هي خاصة أو عامة؟ فقال سعيد بن جبير: هي خاصة فيمن رمى عائشة رضي الله عنها. وقال مقاتل: هي خاصة بعبد الله بن أبيّ رأس المنافقين. وقال الضحاك، والكلبي: هذه الآية هي في عائشة وسائر أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم دون سائر المؤمنين والمؤمنات، فمن قذف إحدى أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، فهو من أهل هذه الآية. قال الضحاك: ومن أحكام هذه الآية: أنه لا توبة لمن رمى إحدى أزواجه صلى الله عليه وسلم، ومن قذف غيرهنّ فقد جعل الله له التوبة كما تقدّم في قوله: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ } تفسير : [النور: 5]. وقيل: إن هذه الآية خاصة بمن أصرّ على القذف ولم يتب، وقيل: إنها تعم كلّ قاذف ومقذوف من المحصنات والمحصنين، واختاره النحاس، وهو: الموافق لما قرّره أهل الأصول من أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقيل: إنها خاصة بمشركي مكة؛ لأنهم كانوا يقولون للمرأة إذا خرجت مهاجرة: إنما خرجت لتفجر. قال أهل العلم: إن كان المراد بهذه الآية المؤمنون من القذفة، فالمراد باللعنة الإبعاد، وضرب الحدّ، وهجر سائر المؤمنين لهم، وزوالهم عن رتبة العدالة، والبعد عن الثناء الحسن على ألسنة المؤمنين، وإن كان المراد بها من قذف عائشة خاصة كانت هذه الأمور في جانب عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، وإن كانت في مشركي مكة فإنهم ملعونون {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }، والمراد بالغافلات اللاتي غفلن عن الفاحشة بحيث لا تخطر ببالهنّ، ولا يفطنّ لها، وفي ذلك من الدلالة على كمال النزاهة وطهارة الجيب ما لم يكن في المحصنات، وقيل: هنّ السليمات الصدور النقيات القلوب. {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ } هذه الجملة مقرّرة لما قبلها مبينة لوقت حلول ذلك العذاب بهم، وتعيين اليوم لزيادة التهويل بما فيه من العذاب الذي لا يحيط به وصف. وقرأ الجمهور {يوم تشهد} بالفوقية، واختار هذه القراءة أبو حاتم، وقرأ الأعمش، ويحيـىٰ بن وثاب، وحمزة، والكسائي، وخلف بالتحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيد، لأن الجارّ والمجرور قد حال بين الاسم والفعل. والمعنى: تشهد ألسنة بعضهم على بعض في ذلك اليوم، وقيل: تشهد عليهم ألسنتهم في ذلك اليوم بما تكلموا به {وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ } بما عملوا بها في الدنيا، وإن الله سبحانه ينطقها بالشهادة عليهم، والمشهود محذوف، وهو: ذنوبهم التي اقترفوها أي: تشهد هذه عليهم بذنوبهم التي اقترفوها، ومعاصيهم التي عملوها. و{يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ } أي: يوم تشهد عليهم جوارحهم بأعمالهم القبيحة يعطيهم الله جزاءهم عليها موفراً، فالمراد بالدّين هاهنا: الجزاء، وبالحق: الثابت الذي لا شك في ثبوته. قرأ زيد بن عليّ "يوفيهم" مخففاً من أوفى، وقرأ من عداه بالتشديد من وفّى. وقرأ أبو حيوة، ومجاهد "الحق" بالرفع على أنه نعت لله، وروي ذلك عن ابن مسعود. وقرأ الباقون بالنصب على أنه نعت لدينهم. قال أبو عبيدة: ولولا كراهة خلاف الناس لكان الوجه الرفع ليكون نعتاً لله عزّ وجلّ، ولتكون موافقة لقراءة أبيّ، وذلك أن جرير بن حازم قال: رأيت في مصحف أبيّ "يوفيهم الله الحق دينهم". قال النحاس: وهذا الكلام من أبي عبيدة غير مرضيّ، لأنه احتج بما هو مخالف للسواد الأعظم، ولا حجة أيضاً فيه؛ لأنه لو صحّ أنه في مصحف أبيّ كذلك جاز أن يكون دينهم بدلا من الحقّ {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ } أي: ويعلمون عند معاينتهم لذلك، ووقوعه على ما نطق به الكتاب العزيز: أن الله هو: الحقّ الثابت في ذاته، وصفاته، وأفعاله. المبين: المظهر للأشياء كما هي في أنفسها، وإنما سمى سبحانه الحقّ؛ لأن عبادته هي الحقّ دون عبادة غيره. وقيل: سمي بالحقّ أي: الموجود لأن نقيضه الباطل، وهو المعدوم. ثم ختم سبحانه الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة جامعة فقال {ٱلْخَبِيثَـٰتُ لِلْخَبِيثِينَ } أي: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال أي: مختصة بهم لا تتجاوزهم، وكذا الخبيثون مختصون بالخبيثات لا يتجاوزونهن، وهكذا قوله: {وَٱلطَّيّبَـٰتُ لِلطَّيّبِينَ وَٱلطَّيّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ} قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، وأكثر المفسرين: المعنى الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلمات، والكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات. قال النحاس: وهذا أحسن ما قيل. قال الزجاج: ومعناه لا يتكلم بالخبيثات إلاّ الخبيث من الرجال والنساء، ولا يتكلم بالطيبات إلاّ الطيب من الرجال والنساء، وهذا ذمّ للذين قذفوا عائشة بالخبث، ومدح للذين برّءُوها. وقيل: إن هذه الآية مبنية على قوله: {أية : ٱلزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً } تفسير : [النور: 3] فالخبيثات: الزواني، والطيبات العفائف، وكذا الخبيثون، والطيبون، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ } إلى الطيبين، والطيبات أي: هم مبرّءون مما يقوله الخبيثون، والخبيثات، وقيل: الإشارة إلى أزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقيل: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعائشة، وصفوان بن المعطل، وقيل: عائشة، وصفوان فقط. قال الفراء: وجمع كما قال: {أية : فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ } تفسير : [النساء: 11]، والمراد أخوان {لَهُم مَّغْفِرَةٌ } أي: هؤلاء المبرّءون لهم مغفرة عظيمة لما لا يخلوا عنه البشر من الذنوب {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }، وهو رزق الجنة. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {وَلاَ يَأْتَلِ } الآية، يقول: لا يقسموا أن لا ينفعوا أحداً. وأخرج ابن المنذر، عن عائشة قالت: كان مسطح بن أثاثة ممن تولى كبره من أهل الإفك، وكان قريباً لأبي بكر، وكان في عياله، فحلف أبو بكر: ألا ينيله خيراً أبداً، فأنزل الله {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ } الآية، قالت: فأعاده أبو بكر إلى عياله، وقال: لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيراً منها إلاّ تحللتها، وأتيت الذي هو خير. وقد روي هذا من طرق عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير، وابن مردويه، عن ابن عباس في الآية قال: كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رموا عائشة بالقبيح وأفشوا ذلك، وتكلموا فيها، فأقسم ناس من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر: أن لا يتصدّقوا على رجل تكلم بشيء من هذا، ولا يصلوه، فقال: لا يقسم أولوا الفضل منكم والسعة أن يصلوا أرحامهم، وأن يعطوهم من أموالهم كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك، فأمر الله: أن يغفر لهم، وأن يعفى عنهم. وأخرج ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه في قوله {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } الآية، قال: نزلت في عائشة خاصة. وأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه عنه أيضاً في الآية قال: هذه في عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم التوبة، ثم قرأ: {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ } إلى قوله: {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ}. وأخرج أبو يعلى، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه عن أبي سعيد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا كان يوم القيامة عرّف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقال: هؤلاء جيرانك يشهدون عليك فيقول: كذبوا، فيقال: أهلك وعشيرتك، فيقول: كذبوا، فيقال: احلفوا فيحلفون، ثم يصمتهم الله، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم، ثم يدخلهم النار»تفسير : . وقد روي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من طريق جماعة من الصحابة ما يتضمن شهادة الجوارح على العصاة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله سبحانه: {يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ } قال: حسابهم، وكلّ شيء في القرآن الدين، فهو الحساب. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأ: "يومئذٍ يوفيهم الله الحقّ دينهم". وأخرج ابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عباس في قوله {ٱلْخَبِيثَـٰتُ } قال: من الكلام {لِلْخَبِيثِينَ } قال: من الرجال {وَٱلْخَبِيثُونَ } من الرجال {لِلْخَبِيثَـٰتِ } من الكلام {وَٱلطَّيّبَـٰتُ } من الكلام {لِلطَّيّبِينَ } من الناس {وَٱلطَّيّبُونَ } من الناس {لِلْطَّيّبَـٰتِ } من الكلام، نزلت في الذين قالوا في زوجة النبيّ صلى الله عليه وسلم ما قالوا من البهتان. وأخرج عبد الرزاق والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، عن مجاهد نحوه. وأخرج ابن جرير، والطبراني، عن قتادة نحوه أيضاً، وكذا روي عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني عن ابن زيد في الآية قال: نزلت في عائشة حين رماها المنافقون بالبهتان، والفرية، فبرّأها الله من ذلك، وكان عبد الله بن أبيّ هو الخبيث، فكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة، ويكون لها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيباً، فكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة الطيبة، وكانت أولى بأن يكون لها الطيب، وفي قوله: {أُوْلَـٰئِك مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ } قال: هاهنا برئت عائشة. وأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: لقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة وعند طيب، ولقد وعدت مغفرة وأجراً عظيماً.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ} وقرىء ولا يتأل وفي اختلاف القراءتين وجهان: أحدهما: أن معناهما متقارب واحد وفيه وجهان: أحدهما: أي لا يقتصر مأخوذ من قولهم لا ألوت أي لا قصرت، قاله ابن بحر. الثاني: لا يحلف مأخوذ من الألية وهي اليمين. - والقول الثاني: معناهما مختلف فمعنى يأتل أي يألو أو يقصر، ومعنى يتأل أي يحلف. {أَن يُؤْتُواْ أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} أي لا يحلفوا ألاّ يبروّا هؤلاء، وهذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه كان ينفق على مسطح بن أثاثة فلما خاض في الإِفك ونشره حلف أبو بكر ألا يبره وكان ابن خالته فنهاه الله عن يمينه وندبه إلى بره مع إساءته. وهذا معنى لا يألو جهداً فالمنهى عنه فيها التوقف عن بر من أساء وأن نقابله بالتعطف والإِغضاء، فقال: {ولْيَعْفُواْ ولْيَصْفَحُواْ} وفيها وجهان: أحدهما: أن العفو عن الأفعال والصفح عن الأقوال. الثاني: أن العفو ستر الذنب من غير مؤاخذة والصفح الإِغضاء عن المكروه. {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُم} أي كما تحبون أن يغفر الله لكم ذنوبكم فاغفروا لمن أساء إليكم، فلما سمع أبو بكر هذا قال: بلى يا رب وعاد إلى برِّه وكفّر عن يمينه.
ابن عطية
تفسير : المشهور من الروايات أن هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر بن أبي قحافة الصديق ومسطح بن أثاثة، وذلك أنه كان ابن خالته وكان من المهاجرين البدريين المساكين وهو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، وقيل اسمه عوف ومسطح لقب، وكان أَبو بكر ينفق عليه لمسكنته، فلما وقع أمر الإفك وقال فيه مسطح ما قال حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعة أبداً، فجاءه مسطح فاعتذر وقال إنما كنت أغشى مجلس حسان فأسمع ولا أقول، فقال له أبو بكر لقد ضحكت وشاركت فيما قيل ومر على يمينه، فنزلت الآية، وقال الضحاك وابن عباس إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا والله لا نصل من تكلم في شأن عائشة فنزلت الآية في جميعهم والأول أصح، غير أن الآية تتناول الأمة إلى يوم القيامة بأن لا يغتاط "ذو فضل وسعة" فيحلف أن لا ينفع من هذه صفته غابر الدهر، ورأى الفقهاء من حلف ألا يفعل سنة من السنن أو مندوباً وأبد ذلك أنها جرحة في شهادته ذكر الباجي في المنتقى، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أيكم المتألي على الله لا يفعل المعروف"تفسير : ، و {يأتل} معناه يحلف وزنها يفتعل من الألية وهي اليمين، وقالت فرقة معناه يقصر من قولك ألوت في كذا إذا قصرت فيه، ومن قوله تعالى: {لا يألونكم خبالاً}، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع وزيد بن أسلم "ولا يتأل" وهذا وزنه يتفعل من الألية بلا خلاف وهي في المصحف ياء تاء لام، فلذلك ساغ هذا الخلاف لأبي جعفر وزيد فروياه، وذكر الطبري أن خط المصحف مع قراءة الجمهور فظاهر قوله إن ثم ألفاً قبل التاء، و"الفضل والسعة" هنا هي المال، وقوله تعالى: {ألا تحبون} الآية تمثيل وحجة أي كما تحبون عفو الله لكم عن ذنوبكم فذلك أغفر لمن دونكم وينظر إلى هذا المعنى قول النبي عليه السلام "حديث : من لا َيرحم لا يُرحم" تفسير : فروي أن أبا بكر رضي الله عنه لما نزلت هذه الآية قال إني لأحب أن يغفر الله لي ورجع إلى مسطح النفقة والإحسان الذي كان يجري عليه، قالت عائشة وكفر عن يمينه، وقرأ ابن مسعود وسفيان بن حسين "ولتعفوا ولتصفحوا" بالتاء من فوق فيهما، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعض الناس هذه أرجى آية في كتاب الله عز وجل من حيث لطف الله فيها بالقذفة العصاة بهذا اللفظ، قال القاضي أبو محمد وإنما تعطي الآية تفضلاً من الله في الدنيا وإنما الرجاء في الآخرة، أما أن الرجاء في هذه الآية بقياس أي إذا أمر "أولي السعة" بالعفو فطرد هذا التفضل بسعة رحمته لا رب سواه، وإنما آيات الرجاء قوله تعالى: {أية : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} تفسير : [الزمر: 53]. وقوله تعالى: {أية : الله لطيف بعباده} تفسير : [الشورى: 19]. وسمعت أبي رضي الله عنه يقول إن أرجى آية في كتاب الله عندي قوله تعالى: {أية : وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً} تفسير : [الأحزاب: 47]. وقد قال تعالى في آية أخرى: {أية : والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير} تفسير : [الشورى: 22]. فشرح الفضل الكبير في هذه الآية وبشر بها المؤمنين في تلك، وقال بعضهم أرجى آية في كتاب الله تعالى قوله تعالى: {أية : ولسوف يعطيك ربك فترضى} تفسير : [الضحى: 5]. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَأْتَلِ} ويتألَّ واحد أي لا يقسم أو لا يقصر، ما ألوت جهداً أي ما قصرت، أو يأتلِ: يقصر، ويتألَّ: يقسم، كان أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ ينفق على مسطح ـ وكان ابن خالته ـ فلما تكلم في الإفك أقسم أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ أن لا ينفق عليه، فنزلت. {وَلْيَعْفُواْ} عن الأفعال {وَلْيَصْفَحُواْ} عن الأقوال، أو العفو: ستر الذنوب من غير مؤاخذة والصفح: الإغضاء عن المكروه {أَلا تُحِبُّونَ} كما تحبون أن تُغفر ذنوبكم فاغفروا لمن أساء إليكم فلما سمِعَها أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ رَدَّ إليه النفقة.
الخازن
تفسير : قوله: {ولا يأتل} يعني ولا يحلف من الألية وهي القسم {أولوا الفضل منكم والسعة} يعني الغنى يعني أبا بكر الصديق {أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله} يعني مسطحاً وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً ابن خالة أبي بكر الصديق حلف أبو بكر أن لا ينفق عليه فأنزل الله هذه الآية {وليعفوا وليصفحوا} يعني عن خوض مسطح في أمر عائشة {ألا تحبون} يخاطب أبا بكر {أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} فلما قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بكر قال بل أنا أحب أن يغفر الله لي ورجع إلى مسطح بنفقته التي كان ينفق عليه وقال والله لا أنزعها عنه أبداً. وفي الآية أدلة على فضل أبي بكر الصديق لأن الفضل المذكور في الآية ذكره تعالى في معرض المدح وذكره بلفظ الجمع في قوله أولوا الفضل وقوله ألا تحبون أن يغفر الله لكم وهذا يدل على علو شأنه ومرتبته منها أنه احتمل الأذى من ذوي القربى ورجع عليه بما كان ينفقه عليه وهذا من أشد الجهاد لأنه جهاد النفس. ومنها أنه تعالى قال في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم {أية : فاعف عنهم واصفح} تفسير : [المائدة: 12] وقال في حق أبي بكر: {وليعفوا وليصفحوا} فدل أن أبا بكر كان ثاني اثنين لرسول الله صلى الله عليه سلم في جميع الأخلاق. وفي الآية دليل على أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير ويكفّر عن يمينه ومنه الحديث الصحيح "حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه"تفسير : . قوله تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات} يعني العفائف {الغافلات} يعني عن الفواحش والغافلة، عن الفاحشة هي التي لا يقع في قلبها فعل الفاحشة وكذلك كانت عائشة رضي الله عنها {المؤمنات} وصفها بالمؤمنات لعلو شأنها {لعنوا} يعني عذبوا {في الدنيا} بالحد {والآخرة} يعني وفي الآخرة بالنار {ولهم عذاب عظيم} وهذا في حق عبدالله بن أبي ابن سلول المنافق، وروي عن حصيف قال قلت لسعيد بن جبير من قذف مؤمنة يلعنه الله في الدنيا والآخرة قال ذاك لعائشة وأزواج النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر المؤمنات ليس في ذلك توبة ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة ثم قرأ {والذين يرمون المحصنات} إلى قوله تابوا فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة وقيل بل لهم توبة أيضاً للآية {يوم تشهد عليهم ألسنتهم} هذا قبل أن يختم على أفواههم {وأيديهم وأرجلهم} يروي أنه يختم على الأفواه فتتكلم الأيدي والأرجل بما عملت في الدنيا وهو قوله {بما كانوا يعملون يومئذٍ يوفيهم الله دينهم الحق} يعني جزاءهم الواجب وقيل حسابهم العدل {ويعلمون أن الله هو الحق المبين} يعني الموجود الظاهر الذي بقدرته وجود كل شيء وقيل معناه يبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا وقال ابن عباس وذلك أن عبدالله بن أبي ابن سلول كان يشك في الدين فيعلم يوم القيامة أن الله هو الحق المبين. قوله عزّ وجلّ {الخبيثات للخبيثين} قال أكثر المفسرين معنى الخبيثات الكلمات والقول للخبيثين من الناس ومثله {والخبيثون} أي من الناس {للخبيثات} من القول {والطيبات} أي من القول ومعنى الآية أن الخبيث من القول لا يليق إلا بالخبيث من الناس. والطيب من القول لا يليق إلا بالطيب من الناس وعائشة لا يليق بها. الخبيث من القول لأنها طيبة فيضاف إليها طيب القول من الثناء والمدح وما يليق بها وقيل معناه لا يتكلم بالخبيث إلا الخبيث من الرجال والنساء وهذا ذم للذين قذفوا عائشة ولا يتكلم بالطيب من القول إلا الطيب من الرجال والنساء. وهذا مدح للذين يرونها بالطاهر والمدح لها وقيل معنى الآية الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء أمثال عبدالله بن أبي المنافق والشاكين في الدين والطيبات من النساء {للطيبين والطيبون للطيبات} يريد عائشة طيبها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم {أولئك مبرؤون} يعني عائشة وصفوان ذكرهما الله بلفظ الجمع منزهون {مما يقولون} يعني أصحاب الإفك {لهم مغفرة} أي عفو لذنوبهم {ورزق كريم} يعني الجنة روي أنّ عائشة كانت تفتخر بأشياء أعطيتها لم تعطها امرأة غيرها منها أن جبريل عليه السلام أتى بصورتها في سرفة حرير وقال هذه: زوجتك. وروي أنه أتى بصورتها في راحته. ومنها أن النبيّ صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً غيرها وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرها وفي يومها ودفن في بيتها وكان ينزل عليه الوحي وهي معه في اللحاف ونزلت براءتها من السماء وأنها ابنة الصديق وخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلقت طيبة ووعدت مغفرة ورزقاً كريماً. وكان مسروق إذا حدث عن عائشة يقول حدثتني الصديقة بنت الصدّيق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبرأة من السماء.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ...} الآية: المشهورُ من الروايات أَنَّ هذه الآية نزلت في قصة أبي بكر رضي اللّه عنه ومِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ، وكان من قرابة أبي بكر، وكان أبو بكر ينفق عليه، لمسكَنَتِهِ، فلما وقع أمر الإفك بلغ أبا بكر أَنَّه: وقع مِسْطَحٌ مع مَنْ وقع؛ فحلف أبو بكر: لا ينفق عليه، ولا ينفعه بنافعة أبداً، فجاء مِسْطَحٌ مُعْتَذِراً وقال: إنَّما كُنْتُ أسمع ولا أقول، فنزلتِ الآية، والفضل: الزيادة في الدِّينِ، والسعة هنا: هي المال، ثم قال تعالى: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ...} الآية، أي: كما تحبون عفوَ اللّه لكم عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم، فيروى أنَّ أبا بكر قال: بلى، إنِّي أُحِبُّ أَنْ يغفر اللّه لي، ورَجَّعَ إلى مِسْطَحٍ ما كان يُجْرِي عليه من النفقة والإحسان. قال ابن العربيِّ في «أحكامه»: وفي هذه الآيةِ دليلٌ على أَنَّ الحنث إذا رآه الإنسان خيراً هو أولى من البر، ولقول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : فَرَأَى غَيْرُهَا خَيْراً مِنْها، فلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» تفسير : انتهى. وقال بعض الناس: هذه أرجى، آيةٌ في كتاب اللّه عز وجل من حيث لطفه سبحانه بالقَذَفَةِ العُصَاةِ بهذا اللفظ. قال * ع *: وإنَّما تعطى الآية تفضلاً من اللّه تعالى في الدنيا، وإنَّما الرجاءُ في الآخرة، أما أنَّ الرجاءَ في هذه الآية بقياسٍ، أي: إذا أُمِرَ أُولِي الفضل والسعة بالعفو، فطرد هذا التفضل بسعة رحمته سبحانه لا رَبَّ غيره، وإنَّما آيات الرجاء: قوله تعالى: {أية : قُلْ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ} تفسير : [الزمر:53]. وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} تفسير : [الشورى:19]. وسمعت أبي رحمه اللّه يقول: أرجى آيةٌ في كتاب اللّه عندي قوله تعالى: {أية : وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً} تفسير : [الأحزاب:47]. وقال بعضهم: أرجى آية قوله تعالى: {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى:5].
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ} الآية. يجوز أن يكون "يَأْتَلِ": "يفتعل"، من الألية، وهي الحلف، كقوله: شعر : 3821- وَآلَتْ حَلْفَةً لَمْ تَحَلَّلِ تفسير : ونصر الزمخشري هذا بقراءة الحسن "ولا يَتَأَلَّ" من الأليَّة، كقوله: "مَنْ يَتَأَلَّ عَلَى اللَّهِ يُكَذبْهُ". ويجوز أن يكون "يفتعل" من أَلَوْتُ، أي: قَصَّرْتُ، كقوله تعالى: {أية : لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} تفسير : [آل عمران: 118] قال: شعر : 3822- وَمَا المَرْءُ مَا دَامَتْ حُشَاشَةُ نَفْسِهِ بمُدْرِكِ أَطْرَافِ الخُطُوبِ وَلاَ آلِ تفسير : وقال أبو البقاء: وقرئ: "وَلاَ يَتَأَلَّ" على "يَتفعل" وهو من الألية أيضاً، ومنه: شعر : 3823- تَألَّى ابنُ أَوْسٍ حَلْفَةً لَيَرُدُّنِي إلى نِسْوَةٍ كَأَنَّهُنَّ مَفَائِدُ تفسير : قوله: "أَنْ يُؤْتُوا" هو على إسقاط الجار، وتقديره على القول الأول: ولا يأتل أولو الفضل على أن لا يحسنوا. وعلى الثاني: ولا يقصر أولو الفضل في أن يحسنوا. وقرأ أبو حيوة وأبو البرهسيم وابن قطيب: "تؤتوا" بتاء الخطاب، وهو التفات موافق لقوله: "أَلاَ تُحِبُّون". وقرأ الحسن وسفيان بن الحسين "ولتعفوا ولتصفحوا" بالخطاب وهو موافق لما بعده. فصل المشهور أن معنى الآية: لا يحلف أولو الفضل، فيكون "افتعال" من الألية. قال أبو مسلم: وهذا ضعيف لوجهين: أحدهما: أن ظاهر الآية على هذا التأويل يقتضي المنع عن الحلف على الإعطاء، وهم أرادوا المنع على ترك الإعطاء، فهذا المتأول قد أقام النفي مكان الإيجاب، وجعل المنهي عنه مأموراً به. الثاني: أنه قلما يوجد في الكلام "أَفتعَلت" مكان "أفعلت" (وإنما وجد مكان "فعلت") وهنا آليْتُ من الأليّة: "افْتَعَلْتُ" فلا يقال: أفعلت، كما لا يقال من ألزمت التزمت، ومن أعطيت اعتطيت. ثم قال في "يأتل": إن أصله "يأتلي" ذهبت الياء للجزم لأنه نهي، وهو من قولك: مَا ألوتُ فلاناً نصحاً، ولم آل في أمري جُهْداً، أي: ما قصرت. ولا يأل ولا يأتل ولم يأل والمراد: لا تقصروا في أن تحسنوا إليهم، ويوجد كثيراً "افْتَعَلْتُ" مكان "فَعَلْتُ"، تقول: كسبتُ واكتسبت، وصنعتُ واصطنعتُ، وهذا التأويل مروي عن أبي عبيدة. قال ابن الخطيب: "وهذا هو الصحيح دون الأول". وأجاب الزجاج عن الأول بأن "لا" تحذف في اليمين كثيراً، قال الله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ} تفسير : [البقرة: 224] يعني: أن لا تبروا، وقال امرؤ القيس: شعر : 3824- فَقُلْتُ يَمِين اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِداً تفسير : أي: لا أبرح. وأجابوا عن السؤال الثاني أن جميع المفسرين الذين كانوا قبل أبي مسلم فسروا اللفظ باليمين، وقول واحد منهم حجة في اللغة، فكيف الكل؟ ويعضده قراءة الحسن: "ولا يَتَأَلَّ". فصل قال المفسرون معناه: ولا يحلف {أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ} أي: أولوا الغنى، يعني: أبا بكر الصديق {أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} يعني: مِسْطَحاً، وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً ابن خالة أبي بكر حلف أبو بكر لا ينفق عليه "وَلْيَعْفُوا وليصْفَحُوا" عنهم خوضهم في أمر عائشة "أَلاَ تُحِبُّونَ" يخاطب أبا بكر {أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ (لَكُمْ) وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فلما قرأها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي بكر قال: "بلى إنما أحب أن يغفر الله لي" ورجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: "والله لا أنزعها منه أبداً". وقال ابن عباس والصحابة أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر ألا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا ينفعوهم فأنزل الله هذه الآية. فصل أجمع المفسرون على أن المراد من قوله: "أولُو الفَضْل" أبو بكر، وهذا يدل على أنه كان أفضل الناس بعد الرسول، لأن الفضل المذكور في الآية إما في الدنيا وإما في الدين، والأول باطل، لأنه تعالى ذكره في معرض المدح له، والمدح من الله بالدنيا غير جائز، ولأنه لو جاز ذلك لكان قوله: "والسَّعَة" تكريراً، فتعين أن يكون المراد منه الفضل في الدين، فلو كان غيره مساوياً له في الدرجة في الدين لم يكن هو صاحب الفضل، لأن المساوي لا يكون فاضلاً، فلما أثبت الله له الفضل غير مقيد بشخص دون شخص وجب أن يكون أفضل الخلق تُرك العمل به في حق الرسول - عليه السلام - فيبقى معمولاً به في حق الغير. وأجمعت الأمة على أن الأفضل إما أبو بكر أو عليّ، فإذا تبين أنه ليس المراد عليًّا تعينت الآية في أبي بكر. وإنما قلنا: ليس المراد عليًّا، لأن ما قبل الآية وما بعدها يتعلق بابنة أبي بكر، ولأنه تعالى وصفه بأنه من أولي السعة، وأن عليًّا - رضي الله عنه - لم يكن من أولي السَّعة في الدنيا في ذلك الوقت، فثبت أن المراد منه أبو بكر قطعاً. فصل أجمعوا على أن مِسْطَحاً كان من البدريين، وصح عنه عليه السلام أنه قال: "حديث : لَعَلَّ الله نظرَ إلى أهل بدر فقال: اعمَلُوا ما شِئْتُم، فقد غفرت لكم" تفسير : فكيف صدرت الكبيرة منه بعد أن كان بدريًّا؟ والجواب: أنه لا يجوز أن يكون المراد منه: افعلوا ما شئتم من المعاصي، فيأمر بها، لأنا نعلم بالضرورة أن التكليف كان باقياً عليهم، ولو حملناه على ذلك لأفضى إلى زوال التكليف عنهم، ولو كان كذلك لما جاز أن يحدّ مِسْطح على ما فعل، فوجب حمله على أحد أمرين: الأول: أنه تعالى علم توبة أهل بدر فقال: افعلوا ما شئتم من النوافل من قليل أو كثير، فقد غفرت لكم وأعطيتكم الدرجات العالية في الجنة. والثاني: أن يكون المراد أنهم يوافون بالطاعة، فكأنه تعالى قال: قد غفرتُ لكم لعلمي بأنَّكم تموتون على التوبة والإنابة، فذكر حالهم في الوقت وأراد العاقبة. فصل دلت الآية على أن (الأيمان على) الامتناع من الخير غير جائز، وإنما يجوز إذا حصلت داعية صارفة عنه. فصل مذهب الجمهور أنَّ من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، أنه ينبغي له أن يأتي الذي هو خير ثم يكفر عن يمينه. وقال بعضهم: إنه يأتي بالذي هو خير، وذلك هو كفارته، لأن الله تعالى أمر أبا بكر بالحنث ولم يوجب عليه كفارة. ولقوله عليه السـلام: "حديث : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فرأى غيرها خيراً مِنْهَا فليأتِ الذي هو خير، وذلك كفارتـه ". تفسير : واحتج الجمهور بقوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ} تفسير : [المائدة: 89]، وقوله: {أية : ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} تفسير : [المائدة: 89]، وقوله لأيوب - عليه السلام -: {أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} تفسير : [ص: 44] وقد علمنا أن الحنث كان خيراً من تركه، ولو كان الحنث فيها كفارتها لما أمر بضربها، بل كان يحنث بلا كفارة، وقال عليه السلام: "حديث : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمينٍ فرَأَى غيرَها خيراً منْهَا فليأتِ الَّذِي هو خيرٌ وليكفِّرْ عن يمينه ". تفسير : وأما قولهم: إنَّ الله تعالى لم يذكر الكفارة في قصة أبي بكر، فإن حكمها كان معلوماً عندهم. وأما قوله عليه السلام: "حديث : وليأت الذي هو خير، وذلك كفارته" تفسير : فمعناه: تكفير الذنب لا أنه الكفارة المذكورة في الكتاب. فصل روي عن عائشة أنها قالت: "فُضِلْتُ على أزواج النبي بعشر خصال: تزوج رسول الله بي بكراً دون غيري، وأبواي مهاجران، وجاء جبريل بصورتي وأمره أن يتزوج بي، وكنت أغتسل معه في إنائه، وجبريل ينزل عليه وأنا معه في لحاف، وتزوج في شوال، وبنى بي في ذلك الشهر وقبض بين سحري ونحري، وأنزل الله عذري من السماء، ودفن في بيتي، وكل ذلك لم يساوني فيه غيري". وقال بعضهم: "لقد برَّأ الله أربعة بأربعة: بَرأ يوسف {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ} تفسير : [يوسف: 26]، وبرأ موسى من قول اليهود بالحجر الذي ذهب بثوبه، وبرأ مريم بإنطاق ولدها، وبرأ عائشة بهذه الآيات في كتابه المتلو على وجه الدهر".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {ولا يأتل أولوا الفضل} يقول: لا تقسموا أن لا تنفقوا على أحد. وأخرج ابن المنذر عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان مسطح بن اثاثة ممن تولى كبره من أهل الإِفك، وكان قريباً لأبي بكر، وكان في عياله، فحلف أبو بكر رضي الله عنه أن لا ينيله خيراً أبداً، فأنزل الله {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة} قالت: فأعاده أبو بكر إلى عياله وقال: لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا تحللتها، وأتيت الذي هو خير. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة في قوله {ولا يأتل أولوا الفضل منكم....} قال: "نزلت هذه الآية في رجل من قريش يقال له مسطح، كان بينه وبين أبي بكر قرابة، وكان يتيماً في حجره، وكان ممن أذاع على عائشة ما أذاع، فلما أنزل الله براءتها وعذرها، تألى أبو بكر لا يرزؤه خيراً، فأنزل الله هذه الآية. فذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر، فتلاها عليه فقال: ألا تحب أن يغفر الله لك؟ قال: بلى قال: فاعف عنه وتجاوز فقال أبو بكر: لا جرم... والله لا أمنعه معروفاً كنت أوليه قبل اليوم. وأخرج ابن المنذر عن الحسن قال: كان ذو قرابة لأبي بكر ممن كثر على عائشة، فحلف أبو بكر لا يصله بشيء وقد كان يصله قبل ذلك، فلما نزلت هذه الآية {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة...} إلى آخر الآية فصار أبو بكر يضعف له بعد ذلك بعدما نزلت هذه الآية ضعفي ما كان يعطيه. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: حلف أبو بكر لا ينفع مسطح بن أثاثة، ولا يصله، وكان بينه وبين أبي بكر قرابة من قبل النساء، فأقبل إلى أبي بكر يعتذر فقال مسطح: جعلني الله فداءك والله الذي أنزل على محمد ما قذفتها، وما تكلمت بشيء مما قيل لها أي خالي - وكان أبو بكر خاله - قال أبو بكر: ولكن قد ضحكت وأعجبك الذي قيل فيها قال: لعله يكون قد كان بعض ذلك، فأنزل الله في شأنه {ولا يأتل أولوا الفضل...}. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن محمد بن سيرين قال: حلف أبو بكر في يتيمين كانا في حجره، كانا فيمن خاض في أمر عائشة؛ أحدهما مسطح بن اثاثة قد شهد بدراً، فحلف لا يصلهما ولا يصيبا منه خيراً. فنزلت هذه الآية {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة....}. وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس في قوله {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة...} قال: كان ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رموا عائشة بالقبيح، وأفشوا ذلك، وتكلموا فيها، فأقسم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو بكر، أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من هذا ولا يصلوه قال: لا يقسم أولوا الفضل منكم والسعة أن يصلوا أرحامهم، وأن يعطوهم من أموالهم كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك، فأمر الله أن يغفر لهم وأن يعفو عنهم. وأخرج ابن المنذر عن أبي سلمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : ما نقص مال من صدقة قط. تصدقوا، ولا عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله عزا. فاعفوا يعزكم الله، ولا فتح رجل على نفسه باب مسألة يسأل الناس إلا فتح الله له باب فقر. إلا أن العفة خير ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في ذم الغضب، والخرائطي في مكارم الأخلاق، والحاكم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في سننه، عن أبي وائل قال: رأيت عبد الله أتاه رجل برجل نشوان فأقام عليه الحد ثم قال للرجل الذي جاء به: ما أنت منه؟ قال: عمه. قال: ما أحسنت الأدب ولا سترته {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم....} ثم قال عبد الله: إني لأذكر أول رجل قطعه النبي صلى الله عليه وسلم أتى رجل فلما أمر به لتقطع يده كأنما سف وجهه رماداً فقيل: يا رسول الله كان هذا شق عليك قال: "حديث : لا ينبغي أن تكونوا للشيطان عوناً على أخيكم، فإنه لا ينبغي للحاكم إذا انتهى إليه حد إلا أن يقيمه، وإن الله عفو يحب العفو، ثم قرأ {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم} ".
ابو السعود
تفسير : {وَلاَ يَأْتَلِ} أي لا يحلفْ، افتعالٌ من الأَليّة وقيل: لا يُقصِّرُ من الأَلْوِ. والأولُ هو الأظهرُ لنزولِه في شأنِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه حينَ حلفَ أنْ لا ينفقَ على مِسْطحٍ بعدُ وكانَ ينفقُ عليه لكونِه ابنَ خالتِه وكانَ من فُقراءِ المُهاجرينَ. ويَعضده قراءةُ مَن قرأَ ولا يألُ {أُوْلُو ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ} في الدِّين وكفَى به دليلاً على فضلِ الصِّدِّيقِ رضي الله تعالى عنه {وَٱلسَّعَةِ} في المالِ {أَن يُؤْتُواْ} أيْ على أنْ لا يُؤتوا. وقُرىء بتاءِ الخطابِ على الالتفاتِ {أُوْلِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ} صفاتٌ لموصوفٍ واحدٍ جِيء بها بطريقِ العطفِ تنبـيهاً على أنَّ كلاًّ منها علَّة مستقلَّة لاستحقاقِه الأبناءِ، وقيل: لموصوفاتٍ أقيمتْ هي مقامَها وحُذف المفعولُ الثَّاني لغايةِ ظهورِه أي على أنْ لا يُؤتوهم شيئاً {وَلْيَعْفُواْ} ما فَرَطَ منهم {وَلْيَصْفَحُواْ} بالإغضاءِ عنه. وقد قُرىء الأمرانِ بتاءِ الخطابِ على وفقِ قولِه تعالى: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي بمقابلة عفوِكم وصفحِكم وإحسانِكم إلى مَن أساءَ إليكُم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} مبالغٌ في المغفرة والرَّحمةِ مع كمالِ قُدرتِه على المُؤاخذة وكثرةِ ذنوبِ العبادِ الدَّاعيةِ إليها. وفيهِ ترغيبٌ عظيمٌ في العفو ووعدٌ كريمٌ بمقابلتِه كأنَّه قيل: ألا تُحبُّون أنْ يغفرَ الله لكُم فهذا من موجباتِه. رُوي أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قرأَه على أبـي بكرٍ رضي الله عنه فقالَ: بل أحبُّ أنْ يغفرَ الله لي فرجع إلى مسطحٍ نفقتَه وقال: والله لا أنزعها أبداً. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ} أي العفائفَ ممَّا رُمين به من الفاحشةِ {ٱلْغَـٰفِلَـٰتِ} عنها على الإطلاقِ بحيثُ لم يخطرْ ببالهنَّ شيءٌ منها ولا من مُقدِّماتِها أصلاً. ففيها من الدِّلالةِ على كمالِ النَّزاهةِ ما ليس في المحصناتِ أي السليماتِ الصدورِ النقيَّاتِ القلوبِ عن كلِّ سوءٍ {ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} أي المتصفاتِ بالإيمانِ بكلِّ ما يجبُ أنْ يُؤمن به الواجباتِ والمحظوراتِ وغيرِها إيماناً حقيقياً تفصيلياً كما يُنبىء عنه تأخيرُ المؤمناتِ عمَّا قبلَها من أصالةِ وصفِ الإيمانِ فإنَّه للإيذان بأنَّ المرادَ بها المعنى الوصفيُّ المُعربُ كما ذُكر لا المعنى الاسميُّ المصححُ لإطلاق الاسمِ في الجملةِ كما هو المتبادرُ على تقديرِ التَّقديمِ، والمرادُ بها عائشةُ الصِّدِّيقةُ رضي الله عنهَا. والجمعُ باعتبارِ أنَّ رميَها رميٌ لسائرِ أمَّهاتِ المُؤمنينَ لاشتراكِ الكلِّ في العصمةِ والنَّزاهةِ والانتسابِ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قولِه تعالى: { أية : كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ ٱلْمُرْسَلِينَ} تفسير : [الشعراء: 105] ونظائرِه وقيلَ: أمَّهاتُ المؤمنينَ فيدخلُ فيهن الصِّدِّيقةُ دُخولاً أوليًّا وأما ما قيل منْ أنَّ المرادَ هي الصِّدِّيقةُ والجمعُ باعتبارِ استتباعِها للمتَّصفاتِ بالصِّفاتِ المذكورةِ من نساءِ الأمةِ فيأباهُ أنَّ العقوباتِ المترتبةَ على رميِ هؤلاءِ عقوباتٌ مختصَّةٌ بالكفَّارِ والمنافقينِ ولا ريبَ في أنَّ رميَ غيرِ أمَّهاتِ المُؤمنين ليس بكفرٍ فيجبُ أن يكونَ المرادُ إيَّاهُنَّ على أحدِ الوجهينَ فإنهنَّ قد خصصنَّ من بـين سائرِ المُؤمناتِ فجعل رميهنَّ كفراً إبرازاً لكرامتهنَّ على الله عزَّ وجلَّ وحمايةً لحمى الرِّسالة مِنْ أنْ يحومَ حوله أحدٌ بسوءٍ حتَّى إنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما جعلَه أغلظَ من سائرِ أفرادِ الكفرِ حينَ سُئل عن هذه الآياتِ فقالَ: مَن أذنبَ ذنباً ثمَّ تابَ منه قُبلت توبتُه إلا مَن خاضَ في أمرِ عائشةَ رضي الله عنها. وهَلْ هُو منه رضي الله عنه إلا لتهويلِ أمرِ الإفكِ والتنبـيهِ على أنَّه كفرٌ غليظٌ {لُعِنُواْ} بما قالُوه في حقهنَّ {فِى ٱلدُّنُيَا وَٱلآخِرَةِ} حيثُ يلعنُهم اللاعنونَ من المؤمنينَ والملائكةِ أبداً {وَلَهُمْ} معَ ما ذُكر من اللَّعنِ الأبديِّ {عَذَابٌ عظِيمٌ} هائلٌ لا يُقادر قدرُه لغاية عظمِ ما اقترفُوه من الجنايةِ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ}[22] يعني وليعفوا عن ظلم الناس لهم. وحكي عن سفيان الثوري أنه قال: أوحى الله تعالى إلى عزير أنك إن لم تطب نفساً أن تكون مضغة في أفواه الآدميين، لم أكتبك عندي من المتواضعين. قال: فقال: عزير: إلهي، فما علامة من صافيته في مودتك. فقال: أقنعه بالرزق اليسير، وأحركه للخطر العظيم، قليل المطعم، كثير البكاء، يستغفرني بالأسحار، ويبغض فيَّ الفجار.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} [الآية: 22]. قال بعضهم: العفو هو الستر على ما مضى، وترك التأنيب فيما بقى. قال أبو على الجوزجانى: الصفح هو الإغماض على المكروه. وقال محمد بن على: وليعفوا عن من ظلمهم وليصفحوا عن من أساء إليهم.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ}. تحرَّك في أبي بكر عِرْقٌ من البشرية في وصف الانتقام من مسطح حين شرع وخَاضَ في ذلك الحديث، وكان في رفق أبي بكر فقطع عنه ذلك، وأخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - وانتظر الأمرَ من الله في ذلك، فأنزل الله تعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ} فلم يرضَ من الصديق رضي الله عنه أن يتحرك فيه عِرْقٌ من الأحكام النفسية والمطالبات البشرية، فأعاد أبو بكر له ما كان يفعله في ماضي أيامه. والإحسان إلى المحسن مكافأة، وإلى مَنْ لا يسيء ولا يحسن فضل، وإلى الجاني فُتُوَّةٌ وكَرَمٌ، وفي معناه أنشدوا: شعر : وما رضوا بالعفو عن كلِّ زَلةٍ حتى أنالوا كَفّه وأفادوا تفسير : قوله: {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ}: العفو والصفح بمعنىّ، فكررهما تأكيداً. ويقال العفو في الأفعال، والصفح في جنايات القلوب. قوله جل ذكرْ: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. هذا من كمال تلطفه - سبحانه. وفي الخبر: أن الله لما أنزل هذه الآية قال أبو بكر - رضي الله عنه: "لي، أُحِبُّ يا رب" وعفا عن مسطح. وإن الله يغادر في قلوب أوليائه كراهة من غيرهم، وأنَّى بالكراهة مِنَ الخَلْق والمتفرِّدُ بالإيجاد اللَّهُ؟! وفي معناه أنشدوا: شعر : رُبَّ رامٍ لي بأحجار الأذى لم أجِدْ بُدّاً من العطف عليه فعسى أن يَطْلعَ اللَّهُ على قَدْحِ القومِ فيدْنيني إليه
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} فيه بيان تاديب الله للشيوخ والاكابر ان لا يجروا صاحب العثرات واهل الزلات من المريدين ويتخلقوا بخلق الله حيث يغفر الذنوب العظام ولا يبالى واعلمهم ان لا يكفوا اعطا فهم عنهم ويخبرونهم ما وقع لهم من احكام الغيب فان من له استعداد لا يحتجب بعوارض البشرية عن احكام الطريقة ابدا والعفو والصفح حالان شريفان فاما العفو الاعراض عما جرى من الزلة والصفح لستر على ما يقع بعد الزلة فى وقت الامتحان من المحنة فلا يذكر حال الماضى ولا ياخذ بما ياتى قال بعضهم العفو هو الستر على ما مضى وترك التأديب فيما بقى وقال الجورجانى الصفح هو الاغماض عن المكروه.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا يأتل} من الائتلاء وهو القسم: وبالفارسية [سوكند خوردن] كما فى تاج المصادر من الالية بمعنى اليمين اى لا يخلف نزل فى شأن الصديق رضى الله عنه حين حلف ان يقطع نفقته عن مسطح ابن خالته لخوضه فى عائشة رضى الله عنها وكان فقيرا بدريا مهاجرا ينفق عليه ابو بكر رضى الله عنه {اولوا الفضل منكم} ذووا الفضل فى الدين والفضل الزيادة {والسعة} فى المال {ان يؤتوا} اى على ان لا يؤتوا شيأ ولا يحسنوا باسقاط الحافض وهو كثير شائع {اولى القربى} ذوى القرابة {والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله} صفات لموصوف واحد اى ناسا جامعين لها لان الكلام فيمن كان كذلك لان مسطحا قريب ومسكين ومهاجر جىء بها بطريق العطف تنبيها على ان كلا منها علة مستقلة لاستحقاق الايتاء {وليعفوا} عن ذنبهم {وليصفحوا} اى ليعرضوا عن لومهم، قال الراغب الصفح ترك التثريب وهو ابلغ من العفو وقد يعفو الانسان ولا يصفح {ألا تحبون} [آيا دوست نمى داريد] {ان يغفر الله لكم} اى بمقابلة عفوكم وصفحكم واحسانكم الى من اساء اليكم {والله غفور رحيم} مبالغ فى المغفرة والرحمة مع كمال قدرته على المؤاخذة وكثرة ذنوب العباد الداعية اليها، وفيه ترغيب عظيم فى العفو ووعد كريم بمقابلته كأنه قيل ألا تحبون ان يغفر الله لكم فهذا من موجباته ـ روى ـ انه عليه السلام قرأ هذه الآية على ابى بكر رضى الله عنه فقال بلى احب ان يغفر الله لى فرد الى مسطح نفقته كفر عن يمينه وقال والله لا انزعها ابدا، وفى معجم الطبرانى الكبير انه اضعف له النفقة التى كان يعطيه اياها قبل القذف اى اعطاه ضعف ما كان يعطيه قبل ذلك. وفى الآية دليل على ان من حلف على امر فرأى الحنث افضل منه فله ان يحنث ويكفر عن يمينه ويكون له ثلاثة اجور احدها ائتماره بامر الله تعالى والثانى اجر بره وذلك فى صلة قرابته والثالث اجر التكفير. ثم فى الآية فوائد، منها ان العلماء استدلوا بها على فضل الصديق رضى الله عنه وشرفه من حيث نهاه مغايبة ونص على فضله وذكره بلفظ الجمع للتعظيم كما يقال لرئيس القوم وكبيرهم لا يفعلوا كيت وكيت والمنكرون يحملون الفضل على فضل المال لكن لا يخفى ان يستفاد من قوله {والسعة} فيلزم التكرير فثبت كونه افضل الخلق بعد رسول الله عليه السلام، قال فى انسان العيون وصف الله تعالى الصديق باولى الفضل موافق لوصفه عليه السلام بذلك فقد حديث : جاء ان عليا كرم الله وجهه دخل على النبى صلى الله عليه وسلم وابو بكر رضى الله عنه جالس عن يمين رسول الله فتنحى ابو بكر عن مكانه واجلس عليا بينه وبين النبى عليه السلام فتهلل وجه النبى فرحا وسرورا وقال "لايعرف الفضل لاهل الفضل الا اولوا الفضل"تفسير : : قال الحكيم سنايى شعر : بود جندان كرامت وفضلش كه اولوا الفضل خوانذ ذو الفضلش صورت وسيرتش همه جان بود زان زجشم عوان بنهان بود روزوشب سال وماه درهمه كار ثانى اثنين اذ هما فى الغار تفسير : ومنها انها كفت داعية الى المجاملة والاعراض عن مكافاة المسيىء وترك الاشتغال بها حديث : وعن انس رضى الله عنه بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس اذ ضحك حتى بدت نواجذه فقال عمر رضى الله عنه بابى انت وامى ماالذى اضحكك قال "رجلان من امتى جثيا بين يدى رب العزة فقال احدهما خذ لى مظلمتى من هذا فقال الله تعالى رد على اخيك مظلمته فقال يارب لم يبق من حسناتى شىء فقال يارب فليحمل عنى من اوزارى" ثم فاضت عينا رسول الله بالبكاء فقال "ان ذلك ليوم عظيم يوم يحتاج الناس الى ان يحمل عنهم اوزارهم" قال "فيقول الله تعالى للمتكلم ارفع بصرك فانظر فى الجنان فقال يارب ارى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأى نبى هذا او لأى صديق او لأى شهيد قال الله تعالى لمن اعطى الثمن قال يارب ومن يملك ذلك قال الله تعالى انت تملكه قال بماذا يارب قال الله تعالى بعفوك عن اخيك قال يارب قد عفوت عنه قال الله تعالى خذ بيد اخيك فادخله الجنة" شعر : من كان يرجوا عفو من فوقه فليعف عن ذنب الذى دونه در عفو لذ تيست كه درا انتقام نيست تفسير : ومنها بيان تأديب الله للشيوخ والاكابر ان لا يهجروا صاحب الزلات واهل العثرات من المريدين ويتخلقوا بخلق الله حيث يغفر الذنوب ولا يبالى واعلمهم ان لايكفوا اعطاءهم عنهم ويخبروهم ما وقع لهم من احكام الغيب فان من له استعداد لايحتجب بالعوارض البشرية عن احكام الطريقة ابدا والله المعين على كل حال وبيده العفو عن سيآت الاعمال.
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ يَأْتَلِ} الا الواً كالضّرب والوّاً كالقعود واليّاً كالمضىّ وائتلى قصّر وأبطأ وتكبّر وآلى وائتلى حلف، وقيل فى نزول الآية: انّه آلى جماعة من الصّحابة على ان لا يتصدّقوا على رجلٍ تكلّم بشيءٍ من الافك ولا يواسوهم، وقيل: نزلت الآية فى ابى بكرٍ ومُسطِحَ بن اثاثة وكان ابن خالة ابى بكرٍ وكان من المهاجرين ومن البدريّين وكان فقيراً ويتحمّل نفقته ابو بكرٍ وكان من رؤساء اصحاب الافك فلمّا خاض فى الافك قطع عنه وحلف ان لا ينفعه بنفعٍ فلمّا نزل: ولا يأتل {أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ} عاد الى مواصلته والمراد بالفضل هو السّعة الّتى تفضل عمّا يحتاج اليه الانسان فى انفاقه، والسّعة اعمّ منه وممّا كان بقدر حاجة الانفاق بنحو السّعة، او احدهما مخصوص بالمال والآخر بسعة القلب من حيث العلم والاخلاق {أَن يُؤْتُوۤاْ} كراهة ان يؤتوا او على ان لا يؤتوا، او فى ان يؤتوا؛ وهذا على ان يكون لا يأتل بمعنى لا يحلف وان كان بمعنى لا يقصّر فهو بتقدير فى اى لا يقصّر اولوا الفضل منكم فى ان يؤتوا {أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ} اى اولى قرباهم او اولى قربى الرّسول (ص) {وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ} قرئ ان تؤتوا وهذان بالغيبة والخطاب وقد مضى مكرّراً انّ العفو عبارة عن ترك الانتقام سواء كان قريناً لحقد القلب على المسيء او لم يكن، والصّفح عبارة عن تطهير القلب عن الحقد عليه لكنّهما كالفقراء والمساكين اذا افترقا اجتمعا واذا اجتمعا افترقا، والآية اشارة الى كيفيّة حسن العمل مع المسيء خصوصاً على ما نقل من سبب نزولها فكأنّه قال: وليعفوا عن المسيء وليصفحوا ولا يأتل اولوا الفضل فى الاحسان اليه اذا كان اهلاً للاحسان {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} ترغيب فى المراتب المذكورة بأحسن وجهٍ يعنى انّ الله يغفر للمسيء ومن اراد ان يغفر الله له فليشاكل الله فى العفو عن المسيء فانّ المشاكل لله يغفر الله له لا محالة {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} يغفر لمن يغفر عن المسيء ويرحم من يحسن الى المسيء.
اطفيش
تفسير : {وَلاَ يَأتَلِ} اي لا يحلف ووزنه يفتع والاصل يفنعل حذفت لام الكلمة للجازم فالياء حرف مضارعة والالف فاء الكلمة اعني انها بدل من فائها وهي الهمزة والتاء زائدة واللام عين الكلمة وحذفت الياء بعدها وهي لام الكلمة وثلاثية الباء وبدل لذلك. قرأ الحسن (ولا يتالّ) بفتح الهمزة أو تشديد اللام مفتوحة محذوفا بعدها ألف للجازم من (تالي) كـ (تدلى) وبدل له ايضا ان ابا بكر رضي الله عنه كان ينفق على مسطح بن اثاثة لقرابته منه. قيل: كان ابن خالته ولفقره وكان من فقراء المهاجرين ولما رمى عائشة قال والله لا انفق عليه شيئا ابدا فنزل (ولا يأتل) الخ. وقيل: {لاَ يَأْتَلِ} بمعنى لا يقصر من قولهم (ما الوت) جهدا إذا لم يدخر منه شيئا * {أَوْلُوا الْفَضْلِ} أصحاب الغنى * {مِنكُمْ وَالسَّعَةِ} أي الوسع في المال. وقيل: المراد بالفضل الفضل في الدين ففيه شرف لابي بكر رضي الله عنه * {أَن يُؤْتُوا} يعظوا * {أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيل اللَّهِ} ان فسر (لا يأتل) بلا يحلف فالتقدير على ان لا يؤتوا أو بلا يقصر فالتقدير في ان يؤتوا. وقرأ أبو حيوة (ان تأتوا) بالفوقية على طريق الالتفات من الغيبة للخطاب ويناسبه (ألا تحبون) وتلك الصفات الموصوفات فيكون فيه التخصيص ايتاء على القريب وايتاء المسكين وايتاء المهاجر أو الموصوف واحد عطف بالواو أي ان يؤتوا من جمع هذه الصفات * {وَلْيَعْفُوا} عما صدر * {وَلْيَصْفَحُوا} يعرضوا عنه * {أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِر اللَّهُ لَكُمْ} الا للتخصيص أو الهمزة للاستفهام الانكاري او التقريري ولا نافيه والمراد {أَلاَ تُحِبُّونَ} ان تعفوا وتصفحوا فيغفر الله لكم {وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} مع كمال قدرته فاعفوا كما يعفو * اي انفقوا على هؤلاء المذكورين الاقارب والمساكين والمهاجرين ولو كانت منهم جناية عليكم كما ترجون ان يغفر الله لكم مع كثرة خطاياكم ولما نزلت الآية قرأها صلى الله عليه وسلم على ابي بكر فقال أبو بكر: بلى احب ان يغفر الله لي ورجع إلى مسطح ينفقه وقال والله لا اترك الانفاق عليه ابدا ولا انقص شيئا مما كنت افعل له وقد كان يتيما في حجره قبل ذلك وكان بين دار ابي بكر وداره خربة. وروي ان مسطحا جاءه واعتذر اني كنت اسمع ولا اقول فنزلت الآية فرجع إلى الانفاق وكفر عن يمينه. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على شيء فرأى خيرا منه فليأت إلى الذي هو خير وليكفر عن يمينه"تفسير : وفي قوله: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُم} تشريف لابي بكر فانه دعاء إلى المغفرة. والخطاب عام للحالف بان لا يعود إلى مثل الحلف ولغير الحالف. وقيل: هو لابي بكر وجمع له تعظيما وقد احتمل الاذى رضي الله عنه ورجع إلى الانفاق لامر الله له بالعفو والصفح كما امر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله {أية : فاعفو عنهم واصفح}تفسير : فابو بكر ثاني اثنين له صلى الله عليه وسلم في كثير من الاخلاق بل في جميعها الا ما خص به النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: حلف ناس من الصحابة ايضا ان لا ينفقوا على من تكلم بشيء من الافك فخوطبوا هم وأبو بكر بذلك. وقال بعض قومنا: هذه ارجى آيه من حيث لطفه بالقذفة العصاة بهذا اللطف ويرده ان هذا بفضل دنيوي وانما ارجى آية مثلا {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} في المواضع المذكورة وقوله {أية : يا عبادي الذين أَسرفوا}تفسير : وقوله {أية : الله لطيف بعباده}{أية : ولسوف يعطيك ربك فترضى}تفسير : فيما قيل:{أية : وبشر المؤمنين بان لهم من الله فضلا كبيرا}تفسير : وغير ذلك مما يذكر في مواضعه. ومما جاء في الصفح قوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت قصورا مشرفة على الجنة فقلت يا جبريل لمن هذه قال للكاظيمن الغيظ والعافين عن الناس " تفسير : وقوله لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن "حديث : ما زال جبريل يوصيني بالعفو فلولا علمي بالله لظننت انه يوصيني بترك الحدود " تفسير : وقول الحسن إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان له على الله اجر فليقم فلا يقوم الا العافون عن الناس. وقول علي: (أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة). وقوله: (إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه). وقوله: (ان أول عوض الحليم عن حلمه ان الناس له انصار على الجاهل). وقوله: (للمنتصر لذة العفو يلحقها حمد العافية ولذة التشفي يلحقها ذم الندم). وكان المأمون يحب العفو ويؤثره ويقول لقد حبب اليّ العفو حتى اخاف ان لا اثاب عليه ولو علم أهل الجرائم لذتي في العفو لارتكبوها ولو علم الناس حبي للعفو لما تقربوا إليَّ الا بالجنايات. وقال الرشيد لاعرابي: بما بلغ فيكم هشام بن عروة هذه المنزلة فقال بحلمه عن سفيهنا وعفوه عن مسيئنا وحمله عن ضعيفنا لا منّان ان إذا وهب ولا حقود إذا غصب؛ رحب الجنان سمح البنان ماضي اللسان فأومأ الرشيد إلى كلب صيد كان بين يديه فقال لو كان هذه في هذا الكلب لاستحق به السؤدد. {فَائده} يكتب أولو بالواو وبعد همزة مضمومة بالجر والنصب للفرق بينهم وبين (إلى) الجارة في الرسم وحمل عليهما الرفع وهذه الواو ليست من حروف الكلمة الاصلية ولا الزائدة انما هي كواو عمرو وفي ضبطها بحلقة حمراء بعد ضمة دليل على ذلك على حد ما مر في اولئك.
اطفيش
تفسير : {ولا يأتَل} يفتعل من الألية بمعنى الحلفة، فالألف بدل من الهمزة التى هى فاء الكلمة، والتاء تاء الافتعال، واللام عين الكلمة والياء المحذوفة للجازم لام الكلمة، ويدل لذلك قراءة لا يتأل بوزن يفعل لكن حذفت الألف بعد اللام للجازم، وأصله ياء بمعنى لا يحلف، حلف الصديق رضى الله عنه أن لا ينفق على مسطح، وكان من المهاجرين الأولين وشهد بدراً، وكان يتيماً فى حجره، وابن خالته، وقيل ابن اخته قيل: وعلى رجل آخر كان ايضاً يتماً فى حجره للخوض فى إفك عائشة، وقطع جماعة من المؤمنين منافعهم عمن خاض فيه، فنزل: {ولا يأتل} الى {رحيم} وزعم بعض انه يفتعل من الألو بفتح الهمزة وإسكان اللام، أو الألو بضمنها وضم اللام وشد الواو. {أولو الفَضْل} الزيادة فى الدين {منكُم والسَّعة} الوسع فى المال كالصديق رضى الله عنه {أن يؤتُوا} على أن لا يؤتُوا، أَو يقصروا فى أن يؤتوا {أولى القربى والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله} أى من اتصف بهؤلاء الصفات، وجمعها كمسطح المسكين المهاجر القريب للصديق، أو من فيه إحدى هؤلاء الصفات، فكيف من جمعهن {وليعْفوا وليصْفَحوا} يعرضوا عن الاساءة الصادرة منهم كأن لم تكن {ألا تُحبُّون أن يغْفر الله لكُم} كما تحبون مغفرة الله اغفروا لمن أساء، فيثيبكم أو ألا تحبون أن يغفر الله لكم فى مقابلة العفو والصفح عمن أساء بالانفاق عليه. {والله غفور رحيم} فافعلوا ما يفعل من المغفرة والرحمة العظيمتين، فقال الصديق: بلى والله يا ربنا إنا لنحب ان تغفر لنا، فأعاد الانفاق على من قطع عنه الانفاق، وأعاد المؤمنون النفع الى من قطعوه عنه، ويروى أنه كان ينفق على مسطح ضعفى ما كان ينفق عليه، وروى أنه قال: يا خالى والله الذى انزل على محمد براءتها ما تكلمت بشىء، فقال الصديق: لكن ضحكت وأعجبك ما قيل،فقال: لعل بعض ذلك كان، ولا كفارة عليهم. والحنث بالعود الى الانفاق كما جاء فى الحديث: "حديث : من حلف على شىء ورأى غيره خيراً عنه فليفعل ما هو خير فذلك كفارته"تفسير : لكن لعل المراد أن فعله له جبر لما أراد فوته لا كفارة اليمين، فإنه لازمة كما فى رواية فليفعل الذى هو خير، وليكفر عن يمينه، ولعل المراد فى الآية بالايتاء العزم الشديد بدون يمين، وأنهم لم يحلفوا.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ يَأْتَلِ } أي لا يحلف افتعال من الألِيَّة. وقال أبو عبيدة واختاره أبو مسلم: أي لا يقصر من الألو بوزن الدلو والألو بوزن العتو، قيل: والأول أوفق بسبب النزول وذلك أنه صح عن عائشة وغيرها أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه حلف لما رأى براءة ابنته أن لا ينفق على مسطح شيئاً أبداً وكان من فقراء المهاجرين الأولين الذين شهدوا بدراً وكان ابن خالته، وقيل: ابن أخته رضي الله تعالى عنه فنزلت {وَلاَ يَأْتَلِ } الخ وهذا هو المشهور. وعن محمد بن سيرين أن أبا بكر حلف لا ينفق على رجلين كانا يتيمين في حجره حيث خاضا في أمر عائشة أحدهما مسطح فنزلت، وعن ابن عباس والضحاك أنه قطع جماعة من المؤمنين منهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه منافعهم عمن قال في الإفك وقالوا: والله لا نصل من تكلم فيه فنزلت. وقرأ عبد الله بن عباس بن ربيعة وأبو جعفر مولاه وزيد بن أسلم {يتأل} مضارع تألى بمعنى حلف، قال الشاعر شعر : تألى ابن أوس حلفة ليردني إلى نسوة لي كأنهن مقائد تفسير : وهذه القراءة تؤيد المعنى الأول ليأتل {يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ } أي الزيادة في الدين {وَٱلسَّعَةِ } أي في المال {أَن يُؤْتُواْ } أي على أن لا يؤتوا أو كراهة أن يؤتوا أو لا يقصروا في أن يؤتوا. وقرأ أبو حيوة وابن قطيب وأبو البرهسم {تُؤْتُواْ } بتاء الخطاب على الالتفات.{أُوْلِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } صفات لموصوف واحد بناء على ما علمت من أن الآية نزلت على الصحيح بسبب حلف أبـي بكر أن لا ينفق على مسطح وهو متصف كما سمعت بها فالعطف لتنزيل تغاير الصفات منزلة تغاير الموصوفات، والجمع وإن كان السبب خاصاً لقصد العموم وعدم الاكتفاء بصفة للمبالغة في إثبات استحقاق مسطح ونحوه الإيتاء فإن من اتصف بواحدة من هذه الصفات إذا استحقه فمن جمعها بالطريق الأولى. وقيل: هي لموصوفات أقيمت هي مقامها وحذف المفعول الثاني لغاية ظهوره أي أن يؤتوهم شيئاً. {وَلْيَعْفُواْ } ما فرط منهم {وَلْيَصْفَحُواْ } بالإغضاء عنه. وقرأ عبد الله والحسن وسفيان بن الحسين وأسماء بنت يزيد {ولتعفوا ولتصفحوا} بتاء الخطاب على وفق قوله تعالى: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ } أي بمقابلة عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } مبالغ في المغفرة والرحمة مع كمال قدرته سبحانه على المؤاخذة وكثرة ذنوب العباد الداعية إليها، وفيه ترغيب عظيم في العفو ووعد كريم بمقابلته كأنه قيل: ألا تحبون أن يغفر الله لكم فهذا من موجباته، وصح أن أبا بكر لما سمع الآية قال: بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا وأعاد له نفقته، وفي رواية أنه صار يعطيه ضعفي ما كان يعطيه أولاً. ونزلت هذه الآية على ما أخرج ابن أبـي حاتم عن مقاتل بعد أن أقبل مسطح إلى أبـي بكر معتذراً فقال: جعلني الله تعالى فداك والله الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ما قذفتها وما تكلمت بشيء مما قيل لها أي خال فقال أبو بكر: ولكن قد ضحكت وأعجبك الذي قيل فيها فقال مسطح: لعله يكون قد كان بعض ذلك. وفي الآية من الحث على مكارم الأخلاق ما فيها. واستدل بها على فضل الصديق رضي الله تعالى عنه لأنه داخل في أولي الفضل قطعاً لأنه وحده أو مع جماعة سبب النزول، ولا يضر في ذلك عموم / الحكم لجميع المؤمنين كما هو الظاهر، ولا حاجة إلى دعوى أنها فيها خاصة والجمع للتعظيم، وكونه مخصوصاً بضمير المتكلم مردود على أن فيها من ارتكاب خلاف الظاهر ما فيها، وأجاب الرافضة بأن المراد بالفضل الزيادة في المال، ويرد عليه أنه حينئذ يتكرر مع قوله سبحانه {وَٱلسَّعَةِ } وادعى الإمام أنها تدل على أن الصديق رضي الله تعالى عنه أفضل من جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وبين ذلك بما هو بعيد عن فضله، وذكر أيضاً دلالتها على وجوه من مدحه رضي الله تعالى عنه وأكثرها للبحث فيها مجال. واستدل بها على أن ما لا يكون ردة من المعاصي لا يحبط العمل وإلا لما سمى الله تعالى مسطحاً مهاجراً مع أنه صدر منه ما صدر، وعلى أن الحلف على ترك الطاعة غير جائز لأنه تعالى نهى عنه بقوله سبحانه: {لا يَأْتَلِ } ومعناه على ما يقتضيه سبب النزول لا يحلف، وظاهر هذا حمل النهي على التحريم، وقيل: هو للكراهة، وقيل: الحق أن الحلف على ترك الطاعة قد يكون حراماً، وقد يكون مكروهاً، فالنهي هنا لطلب الترك مطلقاً وفيه بحث. وذكر جمهور الفقهاء أنه إذا حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه كما جاء في الحديث، وقال بعضهم: إذا حلف فليأت الذي هو خير وذلك كفارته كما جاء في حديث آخر. وتعقب بأن المراد من الكفارة في ذلك الحديث تكفير الذنب لا الكفارة الشرعية التي هي بإحدى الخصال.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة: { أية : لا تتبعوا خطوات الشيطان } تفسير : [النور: 21] عطف خاص على عام للاهتمام به لأنه قد يخفى أنه من خطوات الشيطان فإن من كيد الشيطان أن يأتي بوسوسة في صورة خواطر الخير إذا علم أن الموسوس إليه من الذين يتوخون البر والطاعة، وأنه ممن يتعذر عليه ترويج وسوسته إذا كانت مكشوفة. وإن من ذيول قصة الإفك أن أبا بكر رضي الله عنه كان ينفق على مسطح بن أثاثة المُطَّلبي إذ كان ابن خالة أبي بكر الصديق وكان من فقراء المهاجرين فلما علم بخوضه في قضية الإفك أقسم أن لا ينفق عليه. ولما تاب مسطح وتاب الله عليه لم يزل أبو بكر واجداً في نفسه على مسطح فنزلت هذه الآية. فالمراد من أولي الفضل ابتداء أبو بكر، والمراد من أولي القربى ابتداء مسطح بن أثاثة، وتعم الآية غيرهما ممن شاركوا في قضية الإفك وغيرهم ممن يشمله عموم لفظها فقد كان لمسطح عائلة تنالهم نفقة أبي بكر. قال ابن عباس: إن جماعة من المؤمنين قطعوا منافعهم عن كل من قال في الإفك وقالوا: والله لا نصل مَن تكلَّم في شأن عائشة. فنزلت الآية في جميعهم. ولما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية إلى قوله: {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} قال أبو بكر: بلى أحب أن يغفر الله لي. ورجّع إلى مسطح وأهله ما كان ينفق عليهم. قال ابن عطية: وكفّر أبو بكر عن يمينه، رواه عن عائشة. وقرأ الجمهور: {ولا يأتل}. والايتلاء افتعال من الإلية وهي الحلف وأكثر استعمال الإلية في الحلف على امتناع، يقال: آلى وائتلى. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : للذين يؤلون من نسائهم } تفسير : في سورة البقرة (226). وقرأه أبو جعفر {ولا يتألّ} من تألّى تفعّل من الأليّة. والفضل: أصله الزيادة فهو ضد النقص، وشاع إطلاقه على الزيادة في الخير والكمال الديني وهو المراد هنا. ويطلق على زيادة المال فوق حاجة صاحبه وليس مراداً هنا لأن عطف {والسعة} عليه يبعد ذلك. والمعنيّ من أولي الفضل ابتداء أبو بكر الصديق. والسعة: الغنى. والأوصاف في قوله: {أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله} مقتضية المواساة بانفرادها، فالحلف على ترك مواساة واحد منهم سد لباب عظيم من المعروف وناهيك بمن جمع الأوصاف كلها مثل مسطح الذي نزلت الآية بسببه. والاستفهام في قوله: {ألا تحبون} إنكاري مستعمل في التحضيض على السعي فيما به المغفرة وذلك العفو والصفح في قوله: {وليعفوا وليصفحوا}. وفيه إشعار بأنه قد تعارض عن أبي بكر سبب المعروف وسبب البر في اليمين وتجهم الحنث وأنه أخذ بجانب البر في يمينه وترك جانب ما يفوته من ثواب الإنفاق ومواساة القرابة وصلة الرحم وكأنه قدم جانب التأثم على جانب طلب الثواب فنبهه الله على أنه يأخذ بترجيح جانب المعروف لأن لليمين مخرجاً وهو الكفارة. وهذا يؤذن بأن كفارة اليمين كانت مشروعة من قبل هذه القصة ولكنهم كانوا يهابون الإقدام على الحنث كما جاء في خبر عائشة. أن لا تكلم عبد الله بن الزبير حين بلغها قوله: إنه يحجر عليها لكثرة إنفاقها المال. وهو في «صحيح البخاري» في كتاب الأدب باب الهجران. وعُطف {والله غفور رحيم} على جملة: {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} زيادة في الترغيب في العفو والصفح وتطميناً لنفس أبي بكر في حنثه وتنبيها على الأمر بالتخلق بصفات الله تعالى.
الشنقيطي
تفسير : نزلت هذه الآية الكريمة في أبي بكر رضي الله عنه، ومسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، وكان مسطح المذكور من المهاجرين وهو فقير، وكانت أمه ابنة خالة أبي بكر رضي الله عنه، وكان أبو بكر ينفق عليه لفقره وقرابته وهجرته، وكان ممن تكلم في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالإفك المذكور في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ} تفسير : [النور: 11] الاية، وهو ما رموها به من أنها فجرت مع صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه. وقصة الإفك معروفة مشهورة ثابتة في عشر آيات من هذه السورة الكريمة، وفي الأحاديث الصحاح، فلما نزلت براءة عائشة رضي الله عنها في الآيات المذكورة، حلف أبو بكر ألا ينفق على مسطح، ولا ينفعه بنافعة بعد ما رمى عائشة بالإفك ظلماً وافتراء، فأنزل الله في ذلك: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الآية. وقوله: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَة} أي لا يحلف فقوله: يأتل وزنه يفتعل من الألية وهي اليمين، تقول العرب آلى يؤلي وائتلى إذا حلف، ومنه قوله تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ } تفسير : [البقرة: 226] أي يحلفون مضارع آلى يؤلي إذا حلف. ومنه قول امرئ القيس: شعر : ويوما على ظهر الكثيب تعذرت علي وآلت حلفة لم تحلل تفسير : أي حلفت حلفة. وقول عاتكة بنت زيد العدوية ترثي زوجها عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهم: شعر : فآليت لا تنفك عيني حزينة عليك ولا ينفك جلدي أغبرا تفسير : والألية اليمين، ومنه قول الآخر يمدح عمر بن عبد العزيز: شعر : قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت تفسير : أي لا يحلف أصحاب الفضل والسعة: أي الغنى كأبي بكر رضي الله عنه، أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله كمسطح بن أثاثة. وقوله: أن يؤتوا: أي لا يحلفوا عن أن يؤتوا، أو لا يحلفوا ألا يؤتوا وحذف حرف الجر قبل المصدر المنسبك من أن وأن وصلتهما مطرد. وكذلك حذف لا النافية قبل المضارع بعد القسم، ولا يؤثر في ذلك هنا كون القسم منهياً عنه. ومفعول يؤتوا الثاني محذوف: أي أن يؤتوا أولي القربى النفقة والإحسان، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه. وقال بعض أهل العلم قوله: ولا يأتل: أي لا يقصر أصحاب الفضل، والسعة كأبي بكر في إيتاء أولي القربى كمسطح، وعلى هذا فقوله يأتل يفتعل من ألا يألوا في الأمر إذا قصر فيه وأبطأ. ومنه قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} تفسير : [آل عمران: 118] أي لا يقصرون في مضرتكم، ومنه بهذا المعنى قول الجعدي: شعر : وأشمط عريان يشد كتافه يلام على جهد القتال وما ائتلا تفسير : وقول الآخر: شعر : وإن كنائني لنساء صدق فما آلى بني ولا أساءوا تفسير : فقوله: فما آلى بني: يعني ما قصروا، ولا أبطؤوا والأول هو الأصح. لأن حلف أبي بكر ألا ينفع مسطحاً بنافعة، ونزول الآية الكريمة في ذلك الحلف معروف. وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن الحلف عن فعل البر من إيتاء أولى القربي والمساكين والمهاجرين، جاء أيضاً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [البقرة: 224] أي لا تحلفوا بالله عن فعل الخير، فإذا قيل لكم: اتقوا وبروا، وأصلحوا بين الناس قلتم: حلفنا بالله لا نفعل ذلك، فتجعلوا الحلف بالله سبباً للامتناع من فعل الخير على الأصح في تفسير الآية. وقد قدمنا دلالة هاتين الآيتيتن على المعنى المذكور، وذكرنا ما يوضحه من الأحاديث الصحيحة في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: {أية : لاَ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ} تفسير : [المائدة: 89]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ} فيه الأمر من الله للمؤمنين إذا أَساء إليهم بعض إخوانهم المسلمين أن يعفوا عن إساءتهم ويصفحوا ـ وأصل العفو: من عفت الريح الأثر إذا طمسته. والمعنى: فليطمسوا آثار الإساءة بحلمهم وتجاوزهم، والصفح، قال بعض أهل العلم مشتق من صفحة العنق أي أعرضوا عن مكافأة إساءتهم حتى كأنكم تولونها بصفحة العنق، معرضين عنها. وما تضمنته هذه الآية من العفو والصفح جاء مبيناً في مواضع أخر كقوله تعالى: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَاوَاتُ وَٱلأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 133ـ 134] وقد دلت هذه الآية على أن كظم الغيظ والعفو عن الناس، من صفات أهل الجنة، وكفى بذلك حثاً على ذلك. ودلت أيضاً: على أن ذلك من الإحسان الذي يحب الله المتصفين به وكقوله تعالى: {أية : إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوۤءٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} تفسير : [النساء: 149] وقد بين تعالى في هذه الاية أن العفو مع القدرة من صفاته تعالى، وكفى بذلك حثاً عليه. وكقوله تعالى: {أية : فَٱصْفَحِ ٱلصَّفْحَ ٱلْجَمِيلَ} تفسير : [الحجر: 85] وكقوله: {أية : وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ ٱلأُمُورِ} تفسير : [الشورى: 43] إلى غير ذلك من الآيات. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} دليل على أن العفو والصفح عن المسيء المسلم من موجبات غفران الذنوب، والجزاء من جنس العمل، ولذا لما نزلت قال أبو بكر: بلى والله نحب أن يغفر لنا ربنا، ورجع للإنفاق على مسطح، ومفعول أن يغفر الله محذوف للعلم به: أي يغفر لكم ذنوبكم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي أصحاب القرابة، ولفظه أولى اسم جمع لا واحد له من لفظه يعرب إعراب الجمع المذكر السالم. في هذه الآية الكريمة، دليل على أن كبائر الذنوب لا تحبط العلم الصالح، لأن هجرة مسطح بن أثاثة من عمله الصالح، وقذفه لعائشة من الكبائر ولم يبطل هجرته لأن الله قال فيه بعد قذفه لها {وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} فدل ذلك على أن هجرته في سبيل الله، لم يحبطها قذفه لعائشة رضي الله عنها. قال القرطبي في هذه الآية: دليل على أن القذف وإن كان كبيراً لا يحبط الأعمال، لأن الله تعالى وصف مسطحاً بعد قوله بالهجرة والإيمان، وكذلك سائر الكبائر، ولا يحبط الأعمال غير الشرك بالله، قال تعالى: {أية : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} تفسير : [الزمر: 65] اهـ. وما ذكر من أن الآية وصف مسطح بالإيمان لم يظهر من الآية، وإن كان معلوماً. وقال القرطبي أيضاً: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله. ثم قال بعد هذا: قال بعض العلماء، هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ. وقيل: أرجى آية في كتاب الله عز وجل قوله تعالى: {أية : وَبَشِّرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ ٱللَّهِ فَضْلاً كِبِيراً} تفسير : [الأحزاب: 47] وقد قال تعالى في آية أخرى {أية : وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ ٱلْجَنَّاتِ لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} تفسير : [الشورى: 22] فشرح الفضل الكبير في هذه الآية، وبشر به المؤمنين في تلك. ومن آيات الرجاء قوله تعالى {أية : قُلْ يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغْفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعاً} تفسير : [الزمر: 53] الآية. وقوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ} تفسير : [الشورى: 19] وقال بعضهم: أرجى آية في كتاب الله عز وجل {أية : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ} تفسير : [الضحى: 5] وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار. انتهى كلام القرطبي. وقال بعض أهل العلم: أرجى آية في كتاب الله عز وجل، آية الدين: وهي أطول آية في القرآن العظيم، وقد أوضح الله تبارك وتعالى فيها الطرق الكفيلة بصيانة الدَّينِ من الضياع، ولو كان الدَّينُ حقيراً كما يدل عليه قوله تعالى فيها: {أية : وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ} تفسير : الآية [البقرة: 282] قالوا هذا من المحافظة في آية الدين على صيانة مال المسلم، وعدم ضياعه، ولو قليلاً يدل على العناية التامة بمصالح المسلم، وذلك يدل على ان اللطيف الخبير لا يضيعه يوم القيامة عند اشتداد الهول، وشدة حاجته إلى ربه. قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: من أرجى آيات القرآن العظيم قوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِير جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُور ٱلَّذِيۤ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ} تفسير : [فاطر: 32ـ35]. قد بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن إيراث هذه الأمة لهذا الكتاب، دليل على أن الله اصطفاها في قوله: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [فاطر: 32] وبين أنهم ثلاثة أقسام: الأول: الظالم لنفسه، وهو الذي يطيع الله، ولكنه يعصيه أيضاً فهو الذي قال الله في فيه {أية : خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} تفسير : [التوبة: 102]. والثاني: المقتصد وهو الذي يطيع الله، ولا يعصيه، ولكنه لا يتقرب بالنوافل من الطاعاتز والثالث: السابق بالخيرات: وهو الذي يأتي بالواجبات ويجتنب المحرمات ويتقرب إلى الله بالطاعات والقربات التي هي غير واجبة، وهذا على أصح الأقوال في تفسير الظالم لنفسه، والمقتصد والسابق، ثم إنه تعالى بين أن إيراثهم الكتاب هو الفضل الكبير منه عليهم، ثم وعد الجميع بجنات عدن وهو لا يخلف المعياد في قوله:{أية : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا}تفسير : [فاطر: 33] إلى قوله: {أية : وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ}تفسير : [فاطر: 35] والواو في يدخلونها شاملة للظالم، والمقتصد والسابق على التحقيق. ولذا قال بعض أهل العلم: حق لهذه الواو أن تكتب بماء العينين، فوعده الصادق بجنات عدن لجميع أقسام هذه الأمة، وأولهم الظالم لنفسه يدل على أن هذه الآية من أرجى آيات القرآن، ولم يبق من المسلمين أحد خارج عن الأقسام الثلاثة، فالوعد الصادق بالجنة في الآية من أرجى آيات القرآن، ولم يبق من المسلمين أحد خارج عن الأقسام الثلاثة، فالوعد الصادق بالجنة في الآية شامل لجميع المسلمين ولذا قال بعدها متصلاً بها {أية : وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ} تفسير : [فاطر: 36] إلى قوله: {أية : فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} تفسير : [فاطر: 37]. واختلف أهل العلم في سبب تقديم الظالم في الوعد بالجنة على المقتصد والسابق، فقال بعضهم: قدم الظالم لئلا يقنط، وأخر السابق بالخيرات لئلا يعجب بعمله فيحبط. وقال بعضهم: قدم الظالم لنفسه، لأن أكثر أهل الجنة الظالمون لأنفسهم لأن الذين لم تقع منهم معصية أقل من غيرهم. كما قال تعالى: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} تفسير : [ص: 24].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 22- ولا يَحّلِف الصالحون وذوو اليسار منكم على أن يمنعوا إحسانهم ممن يستحقونه من الأقارب والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله وغيرهم لسبب من الأسباب الشخصية، كإساءتهم إليهم، ولكن ينبغى أن يسامحوهم ويعرضوا عن مجازاتهم، وإذا كنتم تحبون أن يعفو الله عن سيئاتكم فافعلوا مع المسئ إليكم مثل ما تحبون أن يفعل بكم ربكم، وتأدبوا بأدبه فهو واسع المغفرة والرحمة. 23- إن الذين يتهمون بالزنا المؤمنات العفيفات الطاهرات، اللاتى لا يظن فيهن ذلك، بل هن لفرط انصرافهن إلى الله غافلات عما يُقال عنهن، يُبعدهم الله عن رحمته فى الدنيا والآخرة، ولهم عذاب عظيم إن لم يتوبوا. 24- ذلك العذاب يكون يوم القيامة حيث لا سبيل للإنكار، بل يثبت عليهم ما ارتكبوا إذ تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بجميع ما ارتكبوا من آثام، وذلك بظهور آثار مما عملوه عليها، أو بأن يُنطقها الله الذى أنطق كل شئ. 25- فى ذلك اليوم يعاقبهم الله العقاب المقرر لهم كاملاً غير منقوص، وهنا يعلمون علم اليقين أُلوهية الله وأحكام شريعته، وصدق وعده ووعيده، لأن كل ذلك واضح دون خفاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {أُوْلُواْ} {وَٱلْمَسَاكِينَ} {ٱلْمُهَاجِرِينَ} (22) - وَلاَ يَحْلِفِ القَادِرُونَ مِنْكُم عَلَى الإِنْفَاقِ والإِحْسَانِ (أُولُو الفَضْلِ)، والذينَ يَجِدُونَ سَعَةً فِي الرِّزْقِ، عَلَى أَنْ لاَ يَصِلُوا أَقْرَبَاءَهُمْ المَسَاكِينَ والمُهَاجِرِينَ، وَلَيَصْفَحُوا عَنْهُم، وَلْيَعْفُوا عَمَّا تَقَدَّمَ مِنْهُمْ مِنْ الإِسَاءَةِ والأَذَى، فَاللهُ تَعَالَى يَجْزِيهِمْ بِصَفْحِهِمْ عَنْ أَذَى ذَوِي قُرْبَاهُمْ المَسَاكِينِ، وَعَلَى إِحْسَانِهِمْ إِلَيْهِمْ، بالعَفُوِ والمَغْفِرَةِ. فَإِذَا كُنْتُمْ تُحِبُّونَ أَنْ يَعَفُو رَبُّكُم عَنْ سَيِّئَاتِكُم، فَافْعَلُوا مَعَ المُسِيءِ إِلَيْكُم مِثْلَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَفْعَلَ بِكُمْ رَبُّكُم، وَتَأَدَّبُوا بِأَدَبِهِ تَعَالَى، فَهُوَ وَاسِعُ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ. (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ حِينَمَا أَقْسَمَ عَلَى أَنْ لاَ يُنْفِقَ عَلَى ابنِ خَالَتِهِ مِسْطَحِ بنِ أُثَاثَةَ، وَهُوَ مِنْ فُقَرَاءِ المُهاجِرِينَ لِمَا خَاضَ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ الإِفْكِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: (بَلَى وَاللهِ إِنَّا نُحِبُّ أَنْ تَغْفِرَ لَنَا يَا رَبّ). ثُمَّ عَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِنْفَاقِ عَلَى مِسْطَحٍ). أوْلُوا الفَضْلِ - أَصْحَابُ الزِّيَادَةِ فِي الدِّينِ. السعَةِ - الغِنَى.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تورط في حادثة الإفك جماعة من أفاضل الصحابة ممن طُبِع على الخير، لكنه فُتِن بما قيل وانساقَ خلف مَنْ روَّجوا لهذه الإشاعة، وكان من هؤلاء مسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر الصديق، وكان أبو بكر ينفق عليه ويرعاه لفقره، فلما قال في عائشة ما قال وخاض في حقها أقسم أبو بكر ألاّ ينفق عليه، وقد كان يعيش وأهله في سَعَة أبي بكر وفضله؛ لأن هذه الفتنة جعلتْ بعض أهل الخير يضِنُّ به. وهذا نموذج لمن ينكر الجميل ولا يُقدِّر صنائع المعروف، وهذا الفعل يُزهِّد الناس في الخير، ويصرفهم عن عمل المعروف، والله تعالى يريد أنْ يُصحِّح لنا هذه المسألة، فهذه نظرة لا تتفق وطبيعةَ الإيمان؛ لأن الذي يعصي الله فيك لا تكافئه إلا بأنْ تطيع الله فيه. وحين تترك مَنْ أساء إليك لعقاب الله وتعفُو عنه أنت، فإنما تركتَه للعقاب الأقوى؛ لأنك إنْ عاقبته عاقبته بقدرتك وطاقتك، وإنْ تركتَ عقابه لله عاقبه بقدْر طاقته تعالى وقدرته. إذن: العافي أقسى قَلْباً من المنتقم، وسبق أنْ مثّلنا لذلك بالأخ حين يعتدي على أخيه الأصغر، فيأتي الأب فيجد صغيره مهاناً مظلوماً، فيأخذه في حضنه، ويحاول إرضاءه وتعويضه عَمَّا لَحِقه من ظلم أخيه، كذلك الحال في هذه المسألة ولله المثل الأعلى. ومن هنا يجب عليك أن تُسَرَّ بمَنْ جعل الله في جانبك، وتُحسن إليه، لا أن تردّ له الإساءة بمثلها. إذن: نزلت هذه الآية في مسطح بن أثاثة حين أقسم أبو بكر أَلاَّ ينفق عليه وعلى أهله، وأنْ يمنع عنه عطاءه وبِرّه، نزلت لتصحح للصِّديق هذه النظرة وتُوجِّه انتباهه إلى جانب الخير الباقي عند الله لا عند الناس. فقال تعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ ..} [النور: 22]. {يَأْتَلِ ..} [النور: 22] ائتلى مثل اعتلى تماماً، ومنها تألّى يعني: حلف وأقسم، يوجه الحق - تبارك وتعالى - الصِّديق أبا بكر، ويذكر لفظ {أُوْلُواْ ..} [النور: 22] الدال على الجماعة لتعظيمه لما له من فضل ومنزلة في الإسلام، ففي كل ناحية له فضل؛ لذلك أعطاه وصفيْن مثل ما أعطى للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال للصِّديق: {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ ..} [النور: 22] وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: {أية : فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ..} تفسير : [المائدة: 13]. كذلك، أَلاَ ترى الصِّدِّيق ثانَي اثنينِ في الغار، وثاني اثنين في أمور كثيرة، فهو ثاني اثنين في الهجرة، وثاني اثنين في قبول دعوة الإسلام الأولى؛ لذلك صدق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عن الصِّديق: "حديث : "كنت أنا وأبو بكر في الجاهلية كفرسي رهان". يعني: في التسابق في الخير "فسبقته إلى النبوة فاتبعني، ولو سبقني إليها لاتبعته" . تفسير : ولما كان لأبي بكر أفضال كثيرة في زوايا متعددة لم يخاطبه بصيغة المفرد، إنما بصيغة الجمع تكريماً وتعظيماً. أَلاَ ترى الصِّديق مع ما عُرِف عنه من الحلم ورقة القلب لما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وحدثتْ مسألة الردّة يقف ويقول: "والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدُّونها لرسول الله لجالدتهم بالسيف، لو لم أجد إلا الذر". هذا موقف الصِّديق رقيق القلب، ليِّن الجانب، صاحب الرحمة والحنان، الذي تقول عنه ابنته "إنه رجل بكّاء" يعني: كثير البكاء. في حين يعارضه في أمر الحرب عمر مع ما عُرِف عنه من الشدة والقسوة على الكفار. لكن هذا التناقض في موقف كل منهما يقوم دليلاً على أن الإسلام ليس طَبْعاً غالباً على المسلم إنما موقف يعود المسلم إليه، فموقف الردة هو الذي جعل من الصِّدِّيق أسداً شجاعاً قاسيَ القلب، ولو أن عمر في مكانه من المسئولية وفعل كما فعل الصِّدِّيق لقالوا: شِدّة أَلِفها الناس من عمر. فكأن الإسلام لا يريد أن يطبع المسلم على طبْع خاص يظل عليه، إنما الموقف هو الذي يطبعك إيمانياً، وهذا ما ذكرناه في قوله تعالى: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ..} تفسير : [الفتح: 29]. فالمسلم ليس مفطوراً لا على الشدة وحدها، ولا على الرحمة وحدها، إنما عليه أنْ يتصرَّف في كل موقف بما يناسبه على ضوء ما شرع الله. فقوله تعالى: {أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ ..} [النور: 22] يقول للصِّديق: أنت رجل فاضل صِدِّيق، وعندك سعة فلا تعطي ولا تُؤثر على نفسك من ضيق، ولا يليق بالفاضل أن يقطع صلته ورحمه لمثل هذا الخطأ الذي وقع فيه مِسْطح، خاصة أنه أخذ جزاءه كما شرع الله، وعُوقِبَ بحدِّ القذف ثمانين جَلْدة، وليس لك أن تعاقبه بعد ذلك. ومن سماحة الإسلام أن مَنْ وقع في حَدٍّ وعُوقِب به لا يجوز لأحد أنْ يُعيِّره بذنبه؛ لأنه تاب وأناب وطهّره الله منه بالحدِّ، وانتهت المسألة، وليس لأحد أن يدخل بين العبد وربه. فكأن الحق - تبارك وتعالى - يقول: ارجع إلى فضلك يا أبا بكر، وعُدْ أنت إلى سعتك، وكُنْ موصولَ المروءة، ولا تقطع رحمك، يريد - سبحانه وتعالى - أنْ يُصفِّي ما في النفوس من آثار هذه الفتنة التي زلزلتْ المجتمع المؤمن في المدينة. ولا يليق بذي الفضل والسَّعَة أنْ يعامل الناس بالعدل، فصحيح أن مِسْطح كان يستحق هذه القطيعة وهذا الحرمان، إنما هذا الجزاء لا يليق بالصِّدِّيق صاحب الفضل والسَّعَة. ولو أجريتَ إحصاءً للمؤمنين بإله وللكافرين في الكون، ستعلم أن المؤمنين قِلَّة والكافرين كثرة، فهل قال الله تعالى لجنود خيره في الكون: أعطوا مَنْ آمن، واتركوا مَنْ كفر؟ وكأن الحق - تبارك وتعالى - يعطينا مَثَلاً في ذاته عز وجل، فكما أنه يعطي مَنْ كفر به ويرزقه، بل ربما كان أحسن حالاً مِمَّنْ آمن، فأنت كذلك لا تمنع عطاءك عَمَّنْ أساء إليك. لذلك يقول سبحانه في آية أخرى: {أية : وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [البقرة: 224]. فإنْ كنت بارّاً بأحد وبدر منه شيء فلا تحلف بالله أنك لا تبرُّه، فقد تهدأ ثورتك عليه، وتريد أنْ تبرَّه، وتتحجج بحلفك، إذن: لا تجعلوا الله عُرْضة لحلف يمنعكم من المعروف. ثم يقول سبحانه: {أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ..} [النور: 22] صحيح أن مِسْطح من ذوي قُرْبى أبي بكر ومن المساكين، لكن يعطيه الله نيشاناً آخر، فلم يخرجه مَا قال من وصف المهاجر، ولم يخرجه ذنبه من هذا الشرف العظيم. فمن فضل الله تعالى على عباده أن السيئة لا تُحبط الحسنة، إنما الحسنة بعد السيئة تحبطها، كما قال عز وجل: {أية : إِنَّ ٱلْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّـيِّئَاتِ ..} تفسير : [هود: 114]. فرغم ما وقع فيه مِسْطح، فقد أبقاه الله في العَتْب على أبي بكر، وتحنين قلبه، وأبقاه في المهاجرين. {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ ..} [النور: 22] العفو: ترك العقوبة على الذنب، لكن قد تعفو عن المذنب ثم تُؤنبه، وتمنّ عليه بعفوْك، وتُذكِّره دائماً أنه لا يستحق منك هذا العفو؛ لذلك يحثنا ربنا - تبارك وتعالى - على الصفح بعد العفو، والصفح: تَرْك المنِّ وعدم ذكر الزلة لصاحبها حتى تصبح العقوبة عنده أهونَ من عفوك عنه. ذلك لأن الحق سبحانه حينما يُشرِّع للبشر ما يُنظِّم العلاقات بينهم يراعي جميع مَلكات النفس، لا يقتصر على الملَكات العالية فحسب، إنما لكل الملَكات التي تنتظم الخَلْق جميعاً، وليأخذ كل مِنَّا على قَدْر إيمانه وامتثاله لأمر ربه. وفي ذلك يقول سبحانه: {أية : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} تفسير : [النحل: 126]. لو تأملنا حقيقة المثْلية في رَدِّ الإساءة لوجدناها صعبة في تقديرها، فإنْ ضربَك شخصٌ ضربة، أعندك القدرة التي تردُّ بها هذه الضربة بمثلها تماماً بنفس الطريقة، وبنفس القوة، وبنفس الألم، بحيث لا تكون أنت مُعْتدياً؟ إنك لو تأملتَ هذه المثلية لفضَّلْتَ العفو بدل الدخول في متاهات أخرى. وسبق أن ذكرنا قصة المرابي الذي اشترط على المدين إنْ تأخر في السداد أن يقطع رطلاً من لحمه، ولما تأخر الرجل في السداد خاصمه عند القاضي، وأخبره بما كان بينهما من شرط، وكان القاضي ذكياً فقال للمرابي: خُذ السكين واقطع رطلاً من لحمه، لكن إنْ زاد أخذناه منك، وإنْ نقص أخذناه منك، فتراجع المرابي لأنه لا يستطيع تقدير هذه المسألة. فإن انصرفنا عن المعاقبة بالمثل وَسِعَنا العفو، وانتهت المسألة على خير ما يكون. وفي مرتبة أخرى يقول سبحانه: {أية : وَٱلْكَاظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134]. فالحق - تبارك وتعالى - يجعل لنا مراتب في رَدِّ السيئة، فالعقاب بالمثل مرتبة، وكَظْم الغيظ مرتبه، والعفو مرتبة، والصفح مرتبة، وأعلى ذلك كله مرتبة الإحسان إلى مَنْ أساء إليك {أية : وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ} تفسير : [آل عمران: 134]. ثم يجعل الحق سبحانه من نفسه أُسْوة لعباده فيقول: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ ..} [النور: 22] فكما تحب أن يغفر الله لك ذنبك، فلماذا لا تغفر أنت لمَنْ أساء إليك؟ وكأن ربنا - عز وجل - يريد أن يُصلح ما بيننا؛ لذلك لما نزلتْ هذه الآية في شأن أبي بكر قال: أحب يا رب، أحب يا رب، أحب يا رب. ومعنى {أَلاَ ..} [النور: 22] أداة للحضِّ وللحثِّ على هذا الخُلُق الطيب {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [النور: 22] فمن تخلَّق بأخلاق الله تعالى فليكُنْ له غفران، وليكن لديه رحمة، ومَنْ مِنّا لا يريد أن يتصف ببعض صفات الله، فيتصف بأنه غفور ورحيم؟ ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ...}.
الصابوني
تفسير : [4] في أعقاب حادثة الإفك التحليل اللفظي {يَأْتَلِ}: أي يحلف من (الأليّة) بمعنى الحلف، ووزنها (يَفْتَعِلْ) ومنه قوله تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} تفسير : [البقرة: 226] وقال بعضهم: معناه يقصّر من قولك: ألَوْتُ في كذا إذا قصّرت فيه ومنه قوله تعالى: {أية : لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} تفسير : [آل عمران: 118]. قال الزمخشري: (يأتل) من ائتلى إذا حلف: افتعال من الأليّة، وقيل: من قولهم: ما ألوت جهداً، إذا لم تدّخر منه شيئاً، ويشهد للأول قراءة الحسن: ولا يتألَّ والمعنى: لا يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى المستحقين للإحسان. {أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ}: أصحاب الصلاح والدين، ومعنى الفضل الزيادة والمراد هنا أهل البر والدين والصلاح. {وَٱلسَّعَةِ}: المراد بها السعة في الرزق والمال، الذين وسّع الله عليهم وأغناهم من فضله، قال الشاعر: شعر : ومن يك ذا مال فيبخل بفضله على غيره يستغنى عنه ويذمم تفسير : {أَن يُؤْتُوۤاْ} قال ابن قتيبة معناه: أن لا يؤتوا، وقال القرطبي قوله تعالى: {أَن يُؤْتُوۤاْ} أي ألاّ يؤتوا فحذف (لا) كقول القائل: شعر : فقلتُ يمينُ اللَّه أبرحُ قاعداً ولو قطعوا رأسي لديكِ وأوصالي تفسير : أقول: هذا الحذف وارد في كلام العرب ومثله قوله تعالى: {أية : يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ} تفسير : [النساء: 176] أي لئلا تضلّوا أو خشية أن تضلوا. {وَلْيَعْفُواْ}: أي يغفروا الزلات، من عفا الربع إذا محي أثره ودرس، فهو محو الذنب حتى يعفو كما يعفو أثر الربع. {ٱلْمُحْصَنَاتِ}: العفائف الشريفات الطاهرات، وقد تقدم معنى الإحصان فيما سبق. {ٱلْغَافِلاَتِ}: جمع غافلة وهي التي غفلت عن الفاحشة، بحيث لا تخطر ببالها، وقيل: هي السليمة الصدر، النقية القلب، التي ليس فيها دهاء ولا مكر، لأنها لم تجرب الأمور، ولم تزن الأحوال، فلا تفطن لما تفطن له المجرِّبة العارفة. {لُعِنُواْ}: اللعن هو الطرد والإبعاد من رحمة الله عز وجل {أية : وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً} تفسير : [النساء: 52] وقد يراد به الذكر السَّيِّئ أو الحد (الجلد) كما في هذه الآية حيث أقيم عليهم حد القذف. {تَشْهَدُ}: تقر وتعترف، وشهادة الألسنة إقرارها بما تكلموا به من الفرية، وهؤلاء غير الذين يختم على أفواههم. وقال ابن جرير: المعنى أنّ ألسنة بعضهم تشهد على بعض بما كانوا يعملون من القذف والبهتان. {يُوَفِّيهِمُ}: التوفية إعطاء الشيء وافياً، يقال: تَوفّى حقه إذا أخذه كاملاً غير منقوص. {دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ}: أي حسابهم العدل، أو جزاءهم الواجب، والدين في اللغة بمعنى الجزاء، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : إعمل ما شئت كما تدين تدان"تفسير : أي كما تفعل تجزى. {ٱلْخَبِيثَٰتُ لِلْخَبِيثِينَ}: المعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، وهو جمع خبيثة وخبيث، والخبيثُ الذي يعمل الفواحش والمنكرات سمّى خبيثاً لخبث باطنه وسوء عمله قال تعالى: {أية : وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَائِثَ} تفسير : [الأنبياء: 74] وذهب جمهور المفسّرين إلى أن معنى الآية: الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال. والخبيثون من الناس للخبيثات من القول، والكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من القول.. قال النحاس: وهذا أحسن ما قيل في هذه الآية واختاره ابن جرير الطبري. {مُبَرَّءُونَ}: أي منزّهون مما رُمُوا به، والمراد بالآية براءة الصدّيقة عائشة رضي الله عنها مما رماها به أهل الإفك والبهتان، وجاء بصيغة الجمع للتعظيم. {مَّغْفِرَةٌ}: أي محو وغفران للذنب، والبشر جميعاً معرضون للخطأ وقيل في الآية إنه من باب: (حسناتُ الأبرار سيئات المقربين). {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}: قال الألوسي: هو الجنة كما قال أكثر المفسرين. ويشهد له قوله تعالى في سورة الأحزاب في أمهات المؤمنين {أية : وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً} تفسير : [الأحزاب: 31] فإن المراد به الجنة. المعنى الإجمالي يقول الله جل ثناؤه ما معناه: لا يحلف أهل الفضل والصلاح والدين. الذين وسّع الله عليهم في الرزق وأغناهم من فضله، على ألا يؤتوا أقاربهم من الفقراء والمهاجرين ما كانوا يعطونهم إياه من الإحسان لجرم ارتكبوه، أو ذنب فعلوه. وليعفوا عما كان منهم من جرم، وليصفحوا عما بدر منهم من إساءة. وليعودوا إلى مثل ما كانوا عليه من الإفضال والإحسان، ألا تحبون أيها المؤمنون أن يكفر الله عنكم سيئاتكم، ويغفر لكم ذنوبكم، ويدخلكم الجنة مع الأبرار!! ثم أخبر تعالى بأن الذين يرمون المؤمنات العفيفات الطاهرات بالزنى، ويقذفونهن بالفاحشة، وهنّ الغافلات عن مثل هذا الافتراء والبهتان... هؤلاء الذين يتهمون الحرائر العفيفات الشريفات، قد لعنهم الله بسبب هذا البهتان. فطردهم من رحمته، وأوجب لهم العذاب الأليم، الجلد في الدنيا، وعذاب جهنم في الآخرة، بسبب ما ارتكبوا من إثم وجريمة في حق أولئك المؤمنات... وليس هذا فحسب بل سوف تنطق عليهم جوارحهم، وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم، في ذلك اليوم الرهيب. بما كانوا يفعلونه من الإفك والبهتان، وستكون فضيحتهم عظيمة، عندما ينكشف أمرهم على رؤوس الأشهاد، وينالون جزاءهم العادل من أحكم الحاكمين، الذي لا يضيع عنده مثقال ذرة ويعلمون في ذلك اليوم أن الله عادل، لا يظلم أحداً من خلقه؛ لأنه هو الحق المبين، الذي يكشف لكل إنسان كتاب أعماله، ويجازيه عليها الجزاء العادل. ثمّ أخبر تعالى ببراءة السيدة عائشة الصدّيقة أم المؤمنين رضوان الله عليها، مما رماها به أهل الضلال والنفاق، وتقوّلوا به عليها من الفاحشة، وأتى بالبرهان الساطع، والدليل القاطع، على عصمتها ونزاهتها وبراءتها، فهي زوج رسول الله الطاهرة الشريفة، ورسول الله طيّب طاهر. وقد جرت سنة الله أن يسوق الجنس إلى جنسه، فالخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء. والطيبات من النساء للطّيبين من الرجال، والطّيبون من الرجال للطيبات من النساء، أولئك المتهمات في أعراضهن، بريئات من تلك التهمة الشنيعة، كيف لا وهنَّ أزواج أشرف رسول، وأكرم مخلوق على الله، وما كان الله ليقسمهنَّ لأحب عباده إليه إن لم يكنَّ طاهرات النفس {أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}!! سبب النزول 1 - روى ابن جرير الطبري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لما نزل قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ} تفسير : [النور: 11] الآية في عائشة وفيمن قال لها ما قال، قال أبو بكر: - وكان ينفق على مسطح لقرابته وحاجته - والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً، ولا أنفعه بنفع أبداً، بعد الذي قال لعائشة ما قال، وأدخل عليها ما أدخل، قالت فأنزل الله في ذلك: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ...} الآية قالت: فقال أبو بكر: والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجّع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه، وقال: "والله لا أنزعها منه أبداً" 2 - وأخرج ابن المنذر عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان مسطح بن أثاثة) ممن تولى كِبْرَه من أهل الإفك، وكان قريباً لأبي بكر، وكان في عياله، فحلف أبو بكر رضي الله عنه أن لا ينيله خيراً أبداً فأنزل الله {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ} الآية قالت: فأعاده أبو بكر إلى عياله، وقال: لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها، إلاّ تحلّلتها وأتيت الذي هو خير. وفي رواية أخرى أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم دعا أبا بكر فتلاها عليه، فقال: ألا تحب أن يغفر الله لك؟ قال: بلى، قال: فاعف عنه وتجاوز، فقال أبو بكر: لا جرم والله لا أمنعه معروفاً كنت أوليه قبل اليوم، وضعّف له بعد ذلك فكان يعطيه ضِعْفي ما كان يعطيه. وجوه القراءات 1 - قرأ الجمهور (وَلاَ يَأْتَلِ) على وزن (يفتعِل) وقرأ الحسن وأبو العالية (ولا يتألّ) بهمزة مفتوحة مع تشديد اللام على وزن (يتعَلَّ) وهو مضارع تألى بمعنى حلف قال الشاعر: شعر : تألّى ابن أوس حِلفةً ليردّني إلى نسوة لي كأنهن مقائد تفسير : وهذه القراءة تؤيد المعنى الأول ليأتل. وليس كما قال أبو عبيدة إنه من (الألْو) بوزن الدلو بمعنى لا يقصّر، واستشهد بقوله تعالى: {أية : لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} تفسير : [آل عمران: 118] فإنّ سبب النزول يؤيد الرأي الأول. 2 - قرأ الجمهور (أَن يُؤْتُوۤاْ) وقرأ أبو حيوة (أن تُؤتوا) بتاء الخطاب على طريق الالتفات. 3 - قوله: {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ} قراءة الجمهور بالياء، وقرأ الحسن، وسفيان بن الحسين (ولتَعْفوا ولتَصْفحوا) بتاء الخطاب على وفق قوله تعالى: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ}. 4 - قرأ الجمهور (يوم تشهد) بالتاء، وقرأ حمزة والكسائي (يوم يشهد) بالياء بدل التاء، قال الألوسي: ووجهه ظاهر. 5 - قرأ الجمهور (دينَهم الحقّ) بالفتح على أنه صفة للدّين بمعنى حسابهم العدل، وقرأ مجاهد والأعمش (دينَهم الحقُّ) برفع القاف على أنه صفة للاسم الجليل. (ويجوز الفصل بالمفعول بين الموصوف وصفته) ويصبح المعنى: يومئذ يوفيهم اللَّهُ الحقّ دينهم. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: قوله تعالى: {أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ...} الآية هذه شهادة عظيمة من الله سبحانه بفضل أبي بكر، وأنه أفضل الصحابة. قال الفخر الرازي: أجمع المفسّرون على أن المراد من قوله تعالى: {أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ} أبو بكر رضي الله عنه، وهذه الآية تدل على أنه كان أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه تعالى ذكره في معرض المدح له، والمدح من الله تعالى بالدنيا غير جائز. فتعيّن أن يكون المراد منه الفضل في الدين. ولأنه لو أريد به الفضل في الدنيا لكان قوله (والسعة) تكريراً. فلما أثبت الله له الفضل المطلق وجب أن يكون أفضل الصحابة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال أبو السعود: قوله تعالى: {أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ} أي في الدين، وكفى به دليلاً على فضل الصدّيق رضي الله تعالى عنه. اللطيفة الثانية: قوله تعالى: {أَن يُؤْتُوۤاْ} فيه حذف بالإيجاز، فقد حذفت منه (لا) لدلالة المعنى على ذلك، أي على أن لا يؤتوا. قال الزجّاج، إنّ (لا) تحذف في اليمين كثيراً قال تعالى: {أية : وَلاَ تَجْعَلُواْ ٱللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ} تفسير : [البقرة: 224] يعني أن لا تبروا. وقال امرؤ القيس: "فقلت يمين الله أبرح قاعداً" أي لا أبرح. اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} هذا خطاب بصيغة الجمع، والمراد به أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وورد الخطاب بهذه الصيغة للتعظيم كقوله تعالى: {أية : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ} تفسير : [الحجر: 9]. قال الإمام الفخر رحمه الله: "فانظر إلى الشخص الذي كناه الله سبحانه مع جلاله بصيغة الجمع كيف يكون علو شأنه" وحين سمعها أبو بكر قال: بلى أحب أن يغفر الله لي. وأعاد النفقة إلى مسطح. اللطيفة الرابعة: قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ} قال العلامة ابن الجوزي: فإن قيل: لم اقتصر على ذكر المحصنات دون الرجال؟ فالجواب أنّ من رمى مؤمنة فلا بدّ أن يرمي معها مؤمناً، فاستغني عن ذكر المؤمنين. ومثله قوله تعالى: {أية : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ ٱلْحَرَّ} تفسير : [النحل: 81] أراد: والبرد، قاله الزجاج. اللطيفة الخامسة: ذكر الله تعالى في أول السورة المحصنات بقوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} تفسير : [النور: 4] ولم يقيّد المحصنات هناك بوصفٍ وأما هنا فقد قيّده بأوصاف عديدة بقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ} والسرُّ في هذا أن هذه الآيات خاصة بأمهات المؤمنين، رضوان الله عليهن أجمعين، وتدخل السيدة عائشة فيهن دخولاً أولياً، فاتهام هؤلاء الأزواج الطاهرات إتهام لـ (بيت النبوّة)، وإيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال ابن عباس رضي الله عنهما، حين قرأ سورة النور ففسّرها فلما أتى على هذه الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ} قال: هذه في (عائشة) وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة، وجعل لمن رمى امرأة من المؤمنات، من غير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم التوبة، ثم تلا هذه الآية {لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فهمّ بعض القوم أن يقوم إلى ابن عباس فيقبّل رأسه لحسن ما فسّره. اللطيفة السادسة: أشارت الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {ٱلْخَبِيثَٰتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَٰتِ} إلى مبدأ هام من مبادئ الحياة الاجتماعية، وهو أن النفوس الخبيثة لا تلتئم إلا مع النفوس الخبيثة من مثلها، والنفوس الطيبة لا تمتزج إلا بالنفوس الطيبة من مثلها، وحيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب الأطيبين، وأفضل الأولين والآخرين، تبيّن أنّ الصدّيقة رضي الله عنها من أطيب النساء بالضرورة، وأنّ ما قيل في حقها كذب وبهتان كما نطق بذلك القرآن {أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} ويا لها من شهادة قاطعة!! قال أبو السعود: "هذا مسوق على قاعدة السنّة الإلٰهية، الجارية فيما بين الخلق، على موجب أنّ لله ملكاً يسوق الأهل إلى الأهل، لأن المجانسة من دواعي الانضمام... وما في الإشارة من معنى البعد (أولئك) للإيذان بعلو رتبة المشار إليهم، وبعد منزلتهم في الفضل، أي أولئك الموصوفون بعلو الشأن، مبرءون مما تقوّله أهل الإفك في حقهم من الأكاذيب الباطلة". اللطيفة السابعة: قال الزمخشري في تفسيره "الكشاف": "لقد برَأ الله تعالى أربعة بأربعة: برّأ يوسف بلسان الشاهد {أية : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ} تفسير : [يوسف: 26]. وبرّأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه.. وبرّأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها {أية : إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ}تفسير : [مريم: 30]. وبرّأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز، المتلوّ على وجه الدهر، مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك؟ وما ذاك إلاّ لإظهار علو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتنبيه على إنافة محل سيد آدم، وخيرة الأولين والآخرين وحجة الله على العالمين، ومن أراد أن يتحقّق عظمة شأنه صلى الله عليه وسلم، وتقدّم قدمه، وإحرازه قَصَب السبق دون كل سابق، فليتلقّ ذلك من آيات الإفك، وليتأمل كيف غضب الله في حرمته، وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه". خصائص السيدة عائشة رضي الله عنها عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "لقد أُعطِيتُ تسعاً ما أعطيتهنّ امرأة: لقد نزل جبريل عليه السلام بصورتي في راحته حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني، ولقد تزوجني بكراً وما تزوّج بكراً غيري. ولقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي. ولقد حفّته الملائكة في بيتي. وإن الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإني لابنة خليفته وصديقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خُلقت طيّبة عند طيّب. ولقد وعدت مغفرة ورزقاً كريماً". الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل يحبط العمل الصالح بارتكاب المعاصي؟ أجمع المفسّرون على أن المراد من قوله تعالى: {أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} مِسْطَح، لأنه كان قريباً لأبي بكر، وكان من المساكين، والمهاجرين البدريّين، وكان قد وقع في حديث الإفك، وقذف عائشة ثم تاب بعد ذلك، ولا شك أن القذف من الذنوب الكبائر، وقد احتج أهل السنة والجماعة بهذه الآية الكريمة على عدم بطلان العمل بارتكاب الذنوب والمعاصي، ووجه الاستدلال أن الله سبحانه وصف (مسطحاً) بكونه من المهاجرين في سبيل الله بعد أن أتى بالقذف، وهذه صفة مدح، فدلّ على أنّ ثواب كونه مهاجراً لم يحبط بإقدامه على القذف. وقالوا: لا يحبط العمل إلا بالإشراك، والردة عن الإسلام والعياذ بالله، أما سائر المعاصي فلا تُحبِط العمل إلا إذا استحل الإنسان المحرّم فحينئذٍ يرتد وبالردة يحبط العمل قال تعالى: {أية : وَمَن يَكْفُرْ بِٱلإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي ٱلآخِرَةِ مِنَ ٱلْخَاسِرِينَ} تفسير : [المائدة: 5] وقال تعالى: {أية : وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلۤـٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ...} تفسير : [البقرة: 217] الآية. الحكم الثاني: هل العفو عن المسيء واجب على الإنسان؟ اتفق الفقهاء على أنّ العفو والصفح عن المسيء حسن ومندوب إليه، لقوله تعالى: {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ} والأمر هنا للندب والإرشاد، وليس للوجوب، لأن الإنسان يجوز له أن يقتص ممّن أساء إليه، فلو كان العفو واجباً لما جاز طلب القصاص، ومما يدل لرأي الفقهاء قوله تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلظَّالِمِينَ} تفسير : [الشورى: 40] وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا يكون العبد ذا فضل حتى يصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويعطي من حرمه"تفسير : فيندب العفو عن المسيء لقوله تعالى: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ}؟ فعلّق الغفران بالعفو والصفح، قال الإمام الفخر: ولو لم يدل عليه إلا هذه الآية لكفى. الحكم الثالث: هل تجب الكفارة على من حنث في يمينه؟ ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها، أنه ينبغي له أن يأتي الذي هو خير، ثمّ يكفّر عن يمينه لقوله عليه السلام: "حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها، فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه ". تفسير : فتجب الكفارة بالحنث في اليمين، سواء كان الحانث في أمر فيه خير أو غير ذلك. وقال بعضهم: إنه يأتي بالذي هو خير وليس عليه كفارة ليمينه، واستدلوا بظاهر هذه الآية {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ} ووجه استدلالهم أن الله تعالى أمر أبا بكر بالحنث ولم يوجب عليه كفارة. واستدلوا كذلك بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "حديث : من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وذلك كفارته ". تفسير : أدلة الجمهور: استدل الجمهور على وجوب الكفارة على الحانث بما يلي: أ - قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} تفسير : [المائدة: 89] الآية. ب - وقوله تعالى: {أية : ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ} تفسير : [المائدة: 89] وذلك عام في الحانث في الخير وغيره. جـ - وقوله تعالى في شأن أيوب حين حلف على امرأته أن يضربها {أية : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَٱضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثْ} تفسير : [ صۤ: 44] والحنث كان خيراً من تركه، وأمره الله بضرب لا يبلغ منها، ولو كان الحنث فيها كفارتها لما أمر بضربها، بل كان يحنث بلا كفارة. د- وبحديث "حديث : فليأت الذي هو خير وليكفّر عن يمينه"تفسير : وقد تقدم. قال الجصاص: "أما استدلالهم بالآية فليس فيما ذكروا دلالة على سقوط الكفارة، لأن الله قد بيّن إيجاب الكفارة في قوله: {أية : فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ}تفسير : وقوله: {أية : ذٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} تفسير : [المائدة: 89] وذلك عام فيمن حنث فيما هو خير وفي غيره، وأما استدلالهم بالحديث "حديث : فليأت الذي هو خير وذلك كفارته"تفسير : فإن معناه تكفير الذنب. لا الكفارة المذكورة في الكتاب، وذلك لأنه منهي عن أن يحلف على ترك طاعة الله. فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالحنث والتوبة، وأخبر أن ذلك يكفّر ذنبه الذي اقترفه بالحلف". وقال ابن العربي: عجبت لقوم يتكلفون فيتكلمون بما لا يعلمون، هذا أبو بكر حلف ألا ينفق على مسطح، ثم رجَّع إليه نفقته، فمن للمتكلف لنا تكلّف بأن أبا بكر لم يكفّر حتى يتكلم بهذا الهزء. الترجيح: ومن استعراض الأدلة يتبيّن لنا قوة رأي الجمهور في وجوب الكفارة على الحانث مطلقاً وضعف رأي غيرهم والله أعلم. الحكم الرابع: هل تنعقد اليمين في الامتناع عن فعل الخير؟ تنعقد اليمين إذا حلف الإنسان أن يمتنع عن فعل الخير وتجب عليه الكفارة عند الجمهور كما أسلفنا، ولكنّ هذا النوع من الحلف غير جائز لما فيه من ترك الطاعة لله عز وجل في قوله: {أية : وَٱفْعَلُواْ ٱلْخَيْرَ} تفسير : [الحج: 77]. قال الفخر الرازي: "في هذه الآية دلالة على أن اليمين على الامتناع من الخير غير جائزة، وإنما تجوز إذا جعلت داعية للخير، لا صارفة عنه". وقال الألوسي: "وظاهر هذا حمل النهي على التحريم، وقيل: هو للكراهة، وقيل: إن الحلف على ترك الطاعة قد يكون حراماً، وقد يكون مكروهاً، فالنهي هنا لطلب الترك مطلقاً". الحكم الخامس: هل يكفر من قذف إحدى أمهات المؤمنين؟ ذهب بعض العلماء إلى كفر من قذف إحدى نساء الرسول (أمهات المؤمنين) رضوان الله عليهن، وذلك لما ورد من الوعيد الشديد في حق قاذفهن كما قال تعالى: {لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} حتى ذهب ابن عباس إلى عدم قبول توبته. وحجة هؤلاء أن قذف أمهات المؤمنين، طعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجرح لكرامته ومن استباح الطعن في عرض الرسول فهو كافر مرتد عن الإسلام. قال العلامة الألوسي رحمه الله: "وظاهر هذه الآية كفر قاذف أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن لأن الله عز وجلّ رتّب على رميهن عقوبات مختصة بالكفار والمنافقين، والذي ينبغي أن يعوَّلَ الحكم عليه بكفر من رمى إحدى أمهات المؤمنين، بعد نزول الآيات، وتبيّن أنهن طيبات، سواء استباح الرمي أم قصد الطعن برسول الله صلى الله عليه وسلم أم لم يستبح ولم يقصد، وأمّا من رمى قبل فالحكم بكفره مطلقاً غير ظاهر. والظاهر أن يحكم بكفره إن كان مستبيحاً، أو قاصداً الطعن به عليه الصلاة والسلام كابن أُبيّ لعنه الله تعالى، فإن ذلك مما يقتضيه إمعانه في عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحكم بكفره إن لم يكن كذلك كحسّان. ومِسطَح، وحمنة، فإنّ الظاهر أنهم لم يكونوا مستحلين، ولا قاصدين الطعن بسيّد المرسلين، وإنما قالوا ما قالوا تقليداً، فوبخوا على ذلك توبيخاً شديداً". أقول: إنّ من استحلّ قذف إحدى المؤمنات كافر، فكيف بمن يستحل قذف أمهات المؤمنين الطاهرات وعلى رأسهن الصدّيقة عائشة التي برأها القرآن الكريم، ونزلت براءتها من السماء؟ ولا شك أن الخوض في أمهات المؤمنين بعد نزول القرآن الكريم، تكذيب لله عز وجل في إخباره، وطعن لرسول الله وإيذاء له في نسائه وهنّ العفيفات، الطاهرات، الشريفات، فيكون قاذفهن كافراً بلا تردد. والله تعالى يقول: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤْذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُّهِيناً} تفسير : [الأحزاب: 57]. الحكم السادس: هل يجوز لعن الفاسق أو الكافر؟ دلّ قوله تعالى: {لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} على جواز لعن الفاسق أو الكافر، وقد اتفق الفقهاء على جواز لعن من مات على الكفر كأبي جهل وأبي لهب، وعلى جواز التعميم باللعنة على الكفرة والفسقة والظالمين كقوله: لعنة الله على الظالمين، أو لعنة الله على الفاسقين، أو الكافرين... أما إذا خصّص باللعنة إنساناً معيّناً فلا يجوز حتى ولو كان كافراً، لأن معنى اللعنة: الطرد من رحمة الله. والدعاء عليه بأن يموت على الكفر، ولا يجوز لمسلم أن يتمنى موت غيره على الكفر، لأن الرضى بكفر الكافر كفر، والمسلم يريد الخير للناس، ويتمنى أن يموتوا على الإيمان جميعاً. قال الألوسي: "واعلم أنه لا خلاف في جواز لعن كافر معين، تحقّق موته على الكفر، إن لم يتضمن إيذاء مسلم، أما إن تضمّن ذلك حرم، ومن الحرام لعن (أبي طالب) على القول بموته كافراً، بل هو من أعظم ما يتضمن ما فيه إيذاء من يحرم إيذاؤه، ثمّ أن لعن من يجوز لعنه لا أرى أنه يعد عبادة إلا إذا تضمّن مصلحةً شرعية، وأما لعن كافر معيّن حي، فالمشهور أنه حرام، ومقتضى كلام حجة الإسلام الغزالي أنه كفر، لما فيه من سؤال تثبيته على الكفر الذي هو سبب اللعنة، وسؤالُ ذلك كفر". وقال العلامة ابن حجر: "ينبغي أن يقال: إن أراد بلعنه الدعاء عليه بتشديد الأمر، أو أطلق لم يكفر، وإن أراد سؤال بقائه على الكفر، أو الرضى ببقائه عليه كفر، فتدبر ذلك حق التدبر". أقول: وردت نصوص في السنة المطهّرة تدل على جواز لعن الفاسق المعين، أو العاصي المشتهر الذي كثر ضرره، منها ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بحمارٍ وُسِمَ في وجهه فقال: "حديث : لعن الله من فعل هذا ". تفسير : ومنها ما صح أنه صلى الله عليه وسلم لعن قبائل من العرب بأعيانهم فقال: "حديث : اللهم العن رَعْلاً، وذَكوان، وعُصيّة، عصَوا الله تعالى ورسوله ". تفسير : ومنها حديث "حديث : إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء، فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح ". تفسير : فيجوز لعن من اشتهر بالفسق والمعصية، وخاصة إذا كان ضرره بيناً أو أذاه واضحاً يتعدى إلى الناس، أو كان سيفاً للحجاج مسلطاً بالظلم والطغيان، كزبانية هذا الزمان، الذين يعتدون على عباد الله بدون حق، وقد أصبحنا في زمان لا يأمن فيه الإنسان على نفسه أو ماله وإنا لله وإنّا إليه راجعون، وقد حدّث المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى عن مثل هذا الصنف من الظلمة، وذلك من معجزات النبوة ففي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس"تفسير : .. الحديث. فيجوز لعن مثل هؤلاء الظلمة، المستبيحين للحرمات.. والدعاء لهم بالصلاح أفضل من اللّعن ولكن هيهات أن ينفع الدعاء بالصلاح لأمثال (أبي جهل) و(أبي لهب)!! وقد قال (السراج البلقيني) بجواز لعن العاصي المعيّن، أو الفاسق المستهتر، وذلك ما دلت عليه النصوص النبوية الكريمة والله أعلم. الحكم السابع: هل يقطع لأمهات المؤمنين بدخول الجنة؟ اتفق العلماء على أن العشرة المبشرين بالجنة، الذين أخبر عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة، يقطع لهم بدخول الجنة، لأنّ خبر الرسول حق وهو بوحي من الله تعالى، وقد ألحق بعض العلماء أمهات المؤمنين بالعشرة المبشرين، بأنه يقطع لهن بدخول الجنة، واستدلوا بقوله تعالى: {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} بناءً على أن الآيات الكريمة نزلت في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عامة وفي شأن عائشة خاصة، والرزق الكريم الذي أشارت إليه الآية يراد منه الجنة بدليل قوله تعالى في مكان آخر {أية : وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ للَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً} تفسير : [الأحزاب: 31] وهو استدلال حسن. قال الإمام الفخر: "بيّن الله تعالى أن الطيبات من النساء للطيبين من الرجال، ولا أحد أطيب ولا أطهر من الرسول صلى الله عليه وسلم فأزواجه إذن لا يجوز أن يكنّ إلاّ طيبات. ثمّ بيّن تعالى أنّ {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} ويحتمل أن يكون ذلك خبراً مقطوعاً به. فيعلم بذلك أن أزواج الرسول عليه الصلاة والسلام هنّ معه في الجنة، وهذا يدل على أن عائشة رضي الله عنها تصير إلى الجنّة، بخلاف مذهب الرافضة الذين يكفّرونها بسبب حرب يوم الجمل، فإنهم يردّون بذلك نصّ القرآن الكريم". وقال العلامة الألوسي: "وممّا يرد زعم الرافضة، القائلين بكفرها وموتها على ذلك وحاشاها لقصة وقعة الجمل، قول عمار بن ياسر في خطبته حين بعثه الأمير كرّم الله وجهه مع الحسن يستنفران أهل المدينة وأهل الكوفة: والله إني لأعلم أنها زوجة نبيّكم عليه الصلاة والسلام في الدنيا والآخرة. ولكن الله تعالى ابتلاكم بها ليعلم أتطيعونه أم تطيعونها"؟ ثم قال: "ومما يقضي منه العجب ما رأيته في كتب بعض الشيعة. من أنها خرجت من أمهات المؤمنين بعد تلك الوقعة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأمير كرّم الله وجهه: "حديث : قد أذنت لك أن تُخْرج بعد وفاتي من الزوجيّة من شئت من أزواجي"تفسير : ، فأخرجها من ذلك لما صدر منها معه ما صدر. ولعمري إنّ هذا مما يكاد يضحك الثكلى، وفي حسن معاملة الأمير إياها رضي الله تعالى عنها بعد استيلائه على العسكر ما يكذب ذلك. ولو لم يكن في فضلها إلا ما رواه البخاري ومسلم وأحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام"تفسير : لكفى ذلك، لكني مع هذا لا أقول بأنها أفضل من بضعته الكريمة فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنها". قصة الإفك لم تسترح نفوس المنافقين من الكيد للإسلام، والدسّ على المسلمين، حتى استهدفوا صاحب الرسالة العظمى محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، فرموه في أقدس شيء وأعزه، في عرضه المصون، وأهله الطاهرة البريئة، السيدة عائشة بنت الصدّيق الأكبر رضي الله عنهما، وقد حاولوا بذلك أن يوجهوا ضربة للإسلام في الصميم، في شخص نبيه الكريم، عن طريق الطعن في عرضه واتهام أهله بارتكابها فاحشة الزنى التي هي من أقبح الجرائم وأشنعها على الإطلاق، وكان الذي تولى كبر هذه التهمة النكراء، وأشاع ذلك الإفك المفتري المزعوم. رأس المنافقين (عبد الله بن أُبيّ بن سلول) لعنه الله، الذي ما فتئ يكيد للإسلام ولرسوله الكريم حتى أهلكه الله تعالى، وخلّص المسلمين من شره وبلائه. وقد أنزل الله تبارك وتعالى في شأن هذا المنافق وغيره من المنافقين قرآناً يُتلى، وآيات تسطّر، ليكون ذلك درساً وعبرة للأمة، لتعرف فيه خطر (النفاق والمنافقين) وضررهم على الأمة الإسلامية، فيأخذوا الحيطة والحذر. والقرآن الكريم يكشف لنا عن شناعة الجرم وبشاعته، وهو يتناول بيت النبوّة الطاهر، وعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم أكرم إنسان على الله، وعرض صديقه الأول (أبي بكر) رضي الله عنه أكرم إنسان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرض رجل من خيرة الصحابة (صفوان بن المعطل) رضي الله عنه، يشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه لم يعرف عليه إلا خيراً... ذلك هو حديث الإفك الذي نزل فيه عشر آيات في كتاب الله تعالى، تبتدئ من قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ ٱمْرِىءٍ مِّنْهُمْ مَّا ٱكْتَسَبَ مِنَ ٱلإِثْمِ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} تفسير : [النور: 11] وتنتهي بالبراءة التامة لبيت النبوة في قوله تعالى: {ٱلْخَبِيثَٰتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَٰتِ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَٰتِ أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}. هذا الحادث - حادث الإفك - قد كلف أطهر النفوس في تاريخ البشرية كلها آلاماً لا تطاق. وكلّف الأمة المسلمة كلها تجربة من أشق التجارب في تاريخها الطويل، وزرع في بعض النفوس الشك والريبة والقلق، وعلّق قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلب زوجه عائشة التي يحبها، وقلب أبي بكر الصديق، وقلب صفوان بن المعطل شهراً كاملاً. وجعلها في حالة من الألم الذي لا يطاق، حتى نزل القرآن ببراءة زوج الرسول، الطاهرة العفيفة الشريفة، وببراءة ذلك المؤمن المجاهد المناضل (صفوان) وإدانة أهل النفاق، وحزب الضلال وعلى رأسهم (عبد الله بن أبي بن سلول) بالتآمر على بيت النبوة، وترويج الدعايات المغرضة ضد صاحب الرسالة عليه السلام، واختلاق الإفك والبهتان ضد المحصنات الغافلات المؤمنات، في تلك الحادثة المفجعة الأليمة. ومن المؤسف أن يغترّ بهذه التهمة النكراء بعض المسلمين، وأن يتناقلها السذّج البسطاء منهم، وهم في غفلة عن مكائد المنافقين، ومؤامراتهم ومخططاتهم، التي يستهدفون بها الإسلام. وأن تروج أمثال هذه الفرية المكذوبة، فيقع في حبائل هذا الإفك والبهتان، أناس مؤمنون مشهورون بالتقى والصلاح. كأمثال (مسطح بن أثاثة) و(حسّان بن ثابت) و(حمنة بنت جحش) أخت السيدة زينب زوج الرسول الكريم، فلنترك المجال لأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، تروي لنا قصة هذا الألم، وتكشف عن سرّ هذه الآيات الكريمة التي نزلت بشأنها، وما افتراه عليها أهل الإفك والبهتان. قصة الإفك كما في "الصحيحين" روى الإمام البخاري ومسلم في "صحيحيهما" عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيتُهنَّ خرج سهمها خرج بها معه. وإنه أقرع بيننا في غزاة فخرج سهمي. فخرجت معه بعدما أنزل الحجاب، وأنا أحمل في هودج وأُنْزَل فيه. فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل، ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظِفَار قد انقطع، فرجعت فالتمسته فحبسني ابتغاؤه. وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري وهم يحسبون أني فيه. وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يثقلهن اللحم. وإنما نأكل العُلْقَة من الطعام. فلم يستنكر القوم حين رفعوه خفة الهودج، فحملوه وكنت جارية حديثة السن. فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش. فجئت منزلهم وليس فيه أحد منهم. فتيممت منزلي وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليّ. فبينما أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان (صفوان بن المعطل السُّلَمي) ثم الذكواني قد عرّس وراء الجيش فادّلج فأصبح عندي منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني - وكان يراني قبل الحجاب - فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، والله ما كلمني بكلمة، ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها فركبها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا مُعَرِّسين، قالت: فهلك في شأني من هلك، وكان الذي تولى كبر الإثم (عبد الله بن أبيّ بن سلول) فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهراً، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر. وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل فيسلّم ثم يقول: حديث : كيف تيكم؟ تفسير : ثم ينصرف، فذلك الذي يريبني منه، ولا أشعر بالشر حتى نقهت. فخرجت أنا وأم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل. وذلك قبل أن نتخذ الكُنُف، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، فأقبلت أنا وأم مسطح - وهي ابنة أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق - وابنها (مسطح بن أثاثة) حتى فرغنا من شأننا نمشي، فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلاً شهد بدراً؟ فقالت يا هنتاه: ألم تسمعي ما قال؟ فقلت: وما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً إلى مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: حديث : كيف تيكم؟ تفسير : فقلت: ائذن لي أن آتي أبوي - وأنا حينئذٍ أريد أن استيقن الخبر من قبلهما - فأذن لي، فأتيت أبويّ فقلت لأمي: يا أمتاه ماذا يتحدث الناس به؟ فقالت يا بنيّة: هوّني على نفسك الشأن، فوالله لقلّما كانت امرأة قط وضيئة، عند رجل يحبها ولها ضرائر إلاّ أكثرن عليها، فقلت: سبحان الله ولقد تحدّث الناس بهذا؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي.. فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد - رضي الله عنهما - حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة فأشار عليه بما يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم من الودّ لهم، فقال أسامة: هم أهلك يا رسول الله، ولا نعلم والله إلا خيراً. وأما علي بن أبي طالب فقال يا رسول الله: لم يضيّق الله عليك، والنساءُ سواها كثير، وسل الجارية تخبرك، قالت: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال لها: حديث : أي بريرة: هل رأيت فيها شيئاً يريبك؟ تفسير : فقالت: لا والذي بعثك بالحق نبياً، إن رأيت منها أمراً أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله. قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه واستعذر من (عبد الله بن أبي بن سلول) فقال وهو على المنبر: حديث : من يعذرني من رجلٍ بلغني أذاه في أهلي؟ فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً... ولقد ذكروا لي رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي . تفسير : قالت: فقام (سعد بن معاذ) فقال يا رسول الله أنا والله أعذرك منه إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك! فقام (سعد بن عبادة) وهو سيّد الخزرج - وكان رجلاً صالحاً ولكن أخذته الحميّة - فقال لسعد بن معاذ: كذبتَ لعمرُ الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك. فقام (أُسَيْد بن حُضَيْر) وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنّه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيّان (الأوس) و (الخزرج) حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فلم يزل يخفّضهم حتى سكتوا ونزل. وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويوماً حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها. فجلست تبكي معي. فبينما نحن كذلك إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جلس - ولم يجلس عندي من يوم قيل فيّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء - فتشهّد حين جلس ثم قال: "حديث : أما بعد فإنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله تعالى، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله تعالى وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه ". تفسير : فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه بقطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال!! قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله. فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال!! قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله. قالت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن، فقلت: إني والله أعلم أنكم سمعتم حديثاً تحدّث الناس به، واستقرَّ في نفوسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة لا تصدّقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمرٍ، واللَّهُ يعلم أني منه بريئة لتصدقُنَّني، فوالله ما أجد لي ولكم مثلاً إلاّ أبا يوسف إذ قال {أية : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} تفسير : [يوسف: 18]. ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، وأنا والله أعلم أني بريئة، وأن الله تعالى مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل الله تعالى في شأني وحياً يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله تعالى فيّ كلاماً يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله تعالى بها. فوالله ما رام مجلسه، ولا خرج أحد من البيت، حتى أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، فسرّي عنه وهو يضحك... فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: "حديث : يا عائشة احمدي الله تعالى فإنه قد برأك ". تفسير : فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحمديه - فقلت: والله لا أقوم إليه. ولا أحمد إلا الله تعالى، هو الذي أنزل براءتي، فأنزل الله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُوا بِٱلإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ...} تفسير : [النور: 11] الآيات العشر. فلما أنزل الله تعالى هذا في براءتي. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه - وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره - والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعدما قال لعائشة فأنزل الله تعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ...} إلى قوله: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فقال أبو بكر رضي الله عنه: بل والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجَّع إلى مسطح النفقة التي كان يجري عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. قالت عائشة: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري فقال: "حديث : يا زينب ما علمت وما رأيت"تفسير : ؟ فقالت يا رسول الله: أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيراً قالت: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله تعالى بالورع. قالت: فطفقت أختها (حمنة) تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك". قال ابن شهاب: فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط. "رواه البخاري ومسلم" وهكذا يظهر لنا خطر النفاق والمنافقين، وتآمرهم على الإسلام، وكيدهم لصاحب الرسالة محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، حيث استهدفوا عرضه وكرامته، وأرادوا أن يلوّثوا سمعته الطاهرة، بالطعن في عفاف زوجه الصدّيقة عائشة رضي الله عنها... ولكنّ الله جلّ ثناؤه كشف خبثهم وتآمرهم، وبرّأ أم المؤمنين من ذلك البهتان العظيم، وجعل ذلك درساً للأجيال وعبرة لأولي البصائر، وعنوان مجد وفخار لزوجاته الطاهرات، ودليل طهر ونزاهة لبيت النبوة الكريم {أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}. ما ترشد إليه الآيات الكريمة 1 - وصفُ المرء بالتقى والصلاح جائز إذا لم يدع ذلك إلى العُجب والخيلاء. 2 - إذا حلف الإنسان على ترك فعل الخير فليكفّر عن يمينه وليفعل الخير. 3 - الصفح والعفو عمن أساء من مظاهر الكمال ودلائل الإيمان. 4 - قذف العفائف المحصنات من الكبائر التي توجب سخط الله وغضبه. 5 - الجوارح والحواس تشهد على الإنسان يوم القيامة بما عمل في الدنيا. 6 - الجزاء العادل يلقاه المرء يوم القيامة على ما اقترف من سيِّئ الأعمال. 7 - اتهام زوجات الرسول الطاهرات إيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعدوان على الدين نفسه. 8 - براءة أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها مما نسب إليها أهل الإفك والبهتان. 9 - بيت النبوة بيت الطهر والعفة فلا يتصور أن تخرج منه رائحة الخنا أو الفجور. 10 - السُنّة الإلٰهية قضت بالامتزاج الروحي فالنساء الخبيثات للرجال الخبيثين والعكس بالعكس.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ} معناه يَحلِفُ من [آليتُ]. ويأتلُ: معناه لا يالُ أي لا يُقصِّرُ.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم قال تعالى في حقه مع الصديق الأكبر: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22] يعني: أن لم تعفوا عن مقالته ولم تصفحوا عن صنيعه لا يغفر الله لكم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ} لذنب مسطح {رَّحِيمٌ} [النور: 22] على أهل بدر. ثم {إِنَّ ٱلَّذِينَ} لم يكنوا من أهل بدر ومن أصحاب الإفك {يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ} يعني: عائشة رضي الله عنها {لُعِنُواْ} أي: طردوا عن الحضرة {فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} بنار القطيعة إلى الأبد {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ} على ما قالوا {أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النور: 24] تشهد عليهم أعضاؤهم بما عملوا في حديث الإفك، وفيه إشارة أخرى وهي أنها تشهد على المذنبين بذنوبهم وتشهد للمطيعين بطاعتهم. فاللسان: يشهد على الإقرار وقراءة القرآن. واليد: تشهد بأخذ المصحف. والرجل: تشهد بالمشي إلى المسجد. والعين: تشهد بالبكاء. والأذن: تشهد باستماع كلام الله تعالى، ويقال: شهادة الأعضاء في القيامة مؤجلة وشهادتها في الجنة اليوم معجلة من صفرة الوجه إذا بدا المحبوب وشحوب اللون ونحافة الجسم وانسكاب الدموع وخفقان القلب وغير ذلك. {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ} [النور: 25] يجازيهم على قدر استحقاقهم للعابدين بالجنان والمثوبة على توفية أعمالهم وللعارفين بالوصلة والقربة على تصفية أحوالهم، وهؤلاء لهم علوا الدرجات وهؤلاء لهم الأنس بعزيز المشاهدات ودوام المناجاة وتصير المعارف ضرورية، فيجدون المعافاة من النظر وتذكره ويستريح القلب من وصفي تردده وتعززه باستغنائه عن تبصره، ويقال: لا يشهدون غداً إلا الحق فهم قائمون للحق بالحق يبين لهم أسرار التوحيد وحقائقه ويكون القائم عنهم وإلا خذلهم عنهم من غير الذين يردهم إليهم.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 717 : 11 : 21 - سفين {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ} قال، كانت ام مسطح عند عايشة، فقالت ام مسطح: "تعس مسطح". فقالت عايشة: "لم تقولين هذا لرجل من المهاجرين"؟ فقالت أم مسطح: "أما تعلمين ما قد قيل"؟ وكان مسطح في من قال في عايشة. وكان يتيماً في حجر أبي بكر. فقال أبو بكر: "لا أنفعه بقليل ولا كثير". قال، فنزلت هذه الآية: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ} الى آخر الآية. [الآية 22].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):