٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
21
Tafseer
الرازي
تفسير : النوع التاسع قرىء خطوات بضم الطاء وسكونها، والخطوات جمع خطوة وهو من خطا الرجل يخطو خطواً، فإذا أردت الواحدة قلت خطوة مفتوحة الأول، والجمع يفتح أوله ويضم، والمراد بذلك السيرة والطريقة، والمعنى لا تتبعوا آثار الشيطان ولا تسلكوا مسالكه في الإصغاء إلى الإفك والتلقي له وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، والله تعالى وإن خص بذلك المؤمنين فهو نهي لكل المكلفين وهو قوله: {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ } ومعلوم أن كل المكلفين ممنوعون من ذلك، وإنما قلنا إنه تعالى خص المؤمنين بذلك لأنه توعدهم على اتباع خطواته بقوله: {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } وظاهر ذلك أنهم لم يتبعوه، ولو كان المراد به الكفار لكانوا قد اتبعوه، فكأنه سبحانه لما بين ما على أهل الإفك من الوعيد أدب المؤمنين أيضاً، بأن خصهم بالذكر ليتشددوا في ترك المعصية، لئلا يكون حالهم كحال أهل الإفك والفحشاء والفاحشة ما أفرط قيحه، والمنكر ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه. أما قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مّنْ أَحَدٍ أَبَداً } فقرأ يعقوب وابن محيصن ما زكى بالتشديد، واعلم أن الزكي من بلغ في طاعة الله مبلغ الرضا ومنه يقال زكى الزرع، فإذا بلغ المؤمن من الصلاح في الدين إلى ما يرضاه الله تعالى سمى زكياً، ولا يقال زكى إلا إذا وجد زكياً، كما لا يقال لمن ترك الهدى هداه الله تعالى مطلقاً، بل يقال هداه الله فلم يهتد، واحتج أصحابنا في مسألة المخلوق بقوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء } فقالوا التزكية كالتسويد والتحمير فكما أن التسويد تحصيل السواد، فكذا التزكية تحصيل الزكاء في المحل، قالت المعتزلة ههنا تأويلان: أحدهما: حمل التزكية على فعل الألطاف والثاني: حملها على الحكم بكون العبد زكياً، قال أصحابنا: الوجهان على خلاف الظاهر، ثم نقيم الدلالة العقلية على بطلانهما أيضاً أما الوجه الأول: فيدل على فساده وجوه: أحدها: أن فعل اللطف هل يرجح الداعي أو لا يرجحه فإن لم يرجحه ألبتة لم يكن به تعلق فلا يكون لطفاً، وإن رجحه فنقول المرجح لا بد وأن يكون منتهياً إلى حد الوجوب، فإنه مع ذلك القدر من الترجيح إما أن يمتنع وقوع الفعل عنده أو يمكن أو يجب، فإن امتنع كان مانعاً لا داعياً، وإن أمكن أن يكون وأن لا يكون، فكل ما يمكن لا يلزم من فرض وقوعه محال، فليفرض تارة واقعاً وأخرى غير واقع، فامتياز وقت الوقوع عن وقت اللاوقوع، إما أن يتوقف على انضمام قيد إليه أو لا يتوقف، فإن توقف كان المرجح هو المجموع الحاصل بعد انضمام هذا القيد، فلا يكون الحاصل أولاً مرجحاً، وإن لم يتوقف كان اختصاص أحد الوقتين بالوقوع والآخر باللاوقوع ترجيحاً للممكن من غير مرجح وهو محال، وأما إن اللطف مرجحاً موجباً كان فاعل اللطف فاعلاً للملطوف فيه، فكان تعالى فاعلاً لفعل العبد الثاني: أنه تعالى قال: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء } علق التزكية على المشيئة وفعل اللطف واجب، والواجب لا يتعلق بالمشيئة الثالث: أنه علق التزكية على الفضل والرحمة وخلق الألطاف واجب فلا يكون معلقاً بالفضل والرحمة وأما الوجه الثاني: وهو الحكم بكونه زكياً فذلك واجب لأنه لو يحكم به لكان كذباً والكذب على الله تعالى محال، فكيف يجوز تعليقه بالمشيئة؟ فثبت أن قوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكّي مَن يَشَاء } نص في الباب. أما قوله: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } فالمراد أنه يسمع أقوالكم في القذف وأقوالكم في إثبات البراءة، عليم بما في قلوبكم من محبة إشاعة الفاحشة أو من كراهيتها، وإذا كان كذلك وجب الاحتراز عن معصيته.
المحلي و السيوطي
تفسير : { يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ } أي طريق تزيينه {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَٰنِ فَإِنَّهُ } أي المتبع {يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاءِ } أي القبيح {وَٱلْمُنْكَرِ } شرعاً باتباعها {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم } أيها العصبة بما قلتم من الإِفك {مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً } أي ما صلح وطهر من هذا الذنب بالتوبة منه {وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكّى } يطهِّر {مَن يَشَآءُ } من الذنب بقبول توبته منه {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } بما قلتم {عَلِيمٌ } بما قصدتم.
ابن عطية
تفسير : هذا الخطاب عام لجميع المؤمنين، و {خطوات} جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي فكأن المعنى لا تمشوا في سبله وطرقه من الأفعال الخبيثة، وقال منذر بن سعيد يجوز أَن يكون {خطوات} جمع خطأ من الخبيثة، وسهلت الهمزة فنطق بها {خطوات} وقرأ بضم الطاء من "خُطوات" الجمهور، وقرأ بسكونها عاصم والأعمش، وقرأ الجمهور "ما زكى"، بتخفيف الكاف أَي ما اهتدى ولا أسلم ولا عرف رشداً، وقرأ أبو حيوة والحسن "زكّى" بشد الكاف أي تزكيته لكم وتطهيره وهدايته إنما هي بفضله لا بأعمالكم وتحرزكم من المعاصي، ثم ذكر تعالى أنه {يزكي من يشاء} ممن سبقت له السعادة وكان عمله الصالح أمارة على سبق السعادة له، ثم أخبر بأنه {سميع} لجميع أقوالهم وكلامهم من قذف وغيره، {عليم} بحق ذلك من باطله لا يجوز عليه في ذلك وهم ولا غلط.
ابن عبد السلام
تفسير : {خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} خطاياه، أو أثره، أو تخطيه من الطاعة والحلال إلى المعصية والحرام، أو النذر في المعاصي.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ما زكا منكم} قال: ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير.
السلمي
تفسير : قوله جل ذكره: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً} [الآية: 21]. قال السيارى: قال الله: ولولا فضل الله عليكم ورحمته ولم يقل ولولا فضل عبادتكم وصلاتكم، وجهادكم، وحسن قيامك بأمر الله ما نجا منكم من أحدٍ أبدًا ليعلم أن العبادات وإن كثرت فإنها من نتائج الفضل.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ}. إذا تَنَقَى القلبُ عن الوساوس، وصفا عن الهواجس بَدَتْ فيه أنوارُ الخواطر، فإذا سما وقتُ العبدِ عن ذلك سَقَطَتْ الخواطر، وبدت فيه أحاديث الحق - سبحانه - كما قال في الخبر:"حديث : لقد كان في الأمم محدَّثون فإن يكن في أمتي فَعُمَر"تفسير : . وإذا كان الحديث منه فذلك يكون تعريفاً يبقى مع العبد، ولا يكون فيه احتمالٌ ولا إشكال ولا إزعاج، وصاحبُه يجب أن يكون أميناً، غيرَ مُظْهِر لِسِرِّ ما كوشِفَ به. قوله جل ذكره: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. ردَّهم في جميع أحوالهم إلى مشاهدة ما منَّ الحقُّ في قسمي النفع والدفع، وحالتي العسر واليسر، والزَّكى من الله، والنُّعمى من الله، والآلاءُ من الله، قال تعالى: {أية : وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ}تفسير : [النحل: 53].
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً} بين ان تطهير العباد من الذنوب لا يكون الا بفضله السابق وعنايته الازلية كيف يزكى العلل ما يكون علالا فالمعلول لا يظهر المعلول والمعلول افعال الحدثان على كل صنف ولطف القديم غير معلول له استحقاق ذهاب العلل بوصوله قال السيارى قال الله لولا فضل الله عليكم ولم يقل لولا عبادتكم وصلاتكم وجهادك وحسن قيامكم بامر الله ما نجا منكم من احد ليعلم ان العبادات وان كثرة فانها من نتائج الفضل.
اسماعيل حقي
تفسير : {ياايها الذين ءامنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان} جمع خطوة بضم الخاء وهى ما بين القدمين اى مابين رجلى الخاطى وبالفتح المرة الواحدة من الخطو ثم استعمل اتباع الخطوات فى الاقتداء وان لم يكن ثمة خطو يقال اتبع خطوات فلان ومشى على عقبه اذا استن بسنته والمراد ههنا سيرة الشيطان وطريقته. والمعنى لاتسلكوا الطريق التى يدعوكم اليها الشيطان ويوسوس بها فى قلوبكم ويزينها لاعينكم ومن جملتها اشاعة الفاحشة وحبها {ومن يتبع خطوات الشيطان} فقد ارتكب الفحشاء والمنكر فقوله {فانه} اى الشيطان {يأمر بالفحشاء المنكر} علة للجزاء وضعت موضعه والفحشاء والفاحشة ما عظم قبحه عرفا وعقلا سواء كان فعلا او قولا والمنكر ما ينكره الشرع، وقال ابو الليث المنكر مالا يعرف فى شريعة ولا سنة، وفى المفردات المنكر كل شىء تحكم العقول الصحيحة بقبحه او تتوقف فى استقباحه العقول وتحكم بقبحه الشريعة واستعير الامر لتزيينه وبعثه لهم على الشر تحقيرا لشأنهم {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} بهذه البيانات والتوفيق للتوبة الماحية للذنوب وشرع الحدود المكفرة لها {مازكى} ما طهر من دنس الذنوب {منكم من احد} من الاولى بيانية والثانية زائدة واحد فى حيز الرفع على الفاعلية {ابدا} آخر الدهر لا الى نهاية {ولكن الله يزكى} يطهر {من يشاء} من عباده بافاضة آثار فضله ورحمته عليه وحمله عل التوبة ثم قبولها منه كما فعل بكم، وفيه حجة على القدرية فانهم زعموا ان طهارة النفوس بالطاعات والعبادات من غير توفيق من الله {والله سميع} مبالغ فى سمع الاقوال التى من جملتها ما قالوه من حديث الافك وما اظهروه من التوبة منه {عليم} بجميع المعلومات التى من جملتها نياتهم وفيه حث لهم على الاخلاص فى التوبة شعر : كر نباشد نيت خالص جه حاصل از عمل تفسير : وفى الآية امور، منها ان خطوات الشيطان كثيرة وهى جملة ما يطلق عليه الفحشاء والمنكر ومن جملته القذف والشتم والكذب وتفتيش عيوب الناس وفى الحديث "حديث : كلام ابن آدم كله عليه لا له الا امرا بمعروف او نهيا عن منكر او ذكر الله تعالى"تفسير : وفى الحديث "حديث : كثرت خيانة ان تحدث اخاك حديثا هو لك به مصدق وانت له كاذب"تفسير : وفى الحديث "حديث : طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس"تفسير : وانفق من مال اكتسبه من غير معصية وخالط اهل الفقه والحكمة وجانب اهل الجهل والمعصية، وعن بعضهم خطوات الشيطان النذور فى معصية الله كما فى تفسير ابى الليث فيخرج منها النذور فى طاعة الله كالصلاة والصوم ونحوهما مما ينهى عن الفحشاء والمنكر فضلا عن كونه فحشاء او منكرا، ومنها ان امر التزكية انما هو الى الله فانه بفضله ورحمته وفق العبد للطاعات والاسباب ولكن لا بد للعبد من استاذ يتعلم منه كيفية التزكية على مراد الله تعالى واعظم الوسائل هو النبى عليه السلام ثم من ارشده الى الله تعالى، قال شيخ الاسلام عبد الله الانصارى قدس سره مشايخى فى علم الحديث وعلم الشريعة كثيرة واما شيخى فى الطريقة فالشيخ ابو الحسن الخرقانى فلولا رأتيه ما عرفت الحقيقة فاهل الارشاد هداة طريق الدين ومفاتيح ابواب اليقين فوجود الانسان الكامل غنيمة ومجالسته نعمة عظيمة شعر : زمن اى دوست اين يك بند بيذير بروفتراك صاحب دولتى كير كه قطره تا صدف را درنيا بد نكردد كوهر روشن نتابند تفسير : ثم ان التزكية الحقيقية تطهر القلب عن تعلقات الاغيار بعد تطهيره عن الميل الى المعاصى والاوزار وقوله {من يشاء} انما هو لان كل احد ليس باهل للتزكية كالمنافقين واهل الرين والرعونة، ومنها الاشارة الى مغفرة من خاض فى حديث الافك من اهل بدر كمسطح ويدل عليها الاعتناء بشأنه فى الآية الآتية وقد ثبت ان الله اطلع على اهل بدر يعنى نظر اليهم بنظر الرحمة والمغفرة فقال (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) والمراد به اظهار العناية بهم واعلاء رتبتهم لا الترخيص لهم فى كل فعل كما يقال للمحبوب اصنع ماشئت، وفى المقاصد الحسنة كأنك من اهل بدر هو كلام يقال لمن يتسامح او يتساهل والله المسئول فى قبول التوبة عن كل حوبة.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خُطواتِ الشيطان} أي: لا تسلكوا مسالكه في كل ما تأتون وتذرون من الأفاعيل، والتي من جملتها: منع الإحسان إلى من أساء إليكم؛ غضباً وحَمِيَّةً، {ومن يتبع خُطُوات الشيطان}، وضع الظاهر موضع المضمر، حيث لم يقل: ومن يتبعها، أو: ومن يتبع خطواته؛ لزيادة التقرير والمبالغة في التنفير، {فإنه} أي: الشيطان {يأمرُ بالفحشاء}؛ كالبخل والشح، وكل ما عَظُمَ قُبْحُهُ، {والمنكر}؛ كالغضب، والحمية، وكل ما ينكره الشرع؛ لأن شأن الشيطان أن يأمر بهما. فمن اتبع خطواته فقد امتثل أمره. {ولولا فضلُ الله عليكم ورحمتُه} بالهداية والتوفيق لأسباب التطهير والعصمة والحفظ، {ما زَكَى منكم} أي: ما طَهُرَ من أَدْناسِ العيوب ولوث الفواحش {من أحدٍ أبداً}؛ إلى ما لا نهاية له، وإذا كان التطهير والعصمة بيد الله فلا تروا لأنفسكم فضلاً عمن لم يعصمه الله؛ فإنه مقهور تحت مجاري الأقدار، {ولَكِنَّ الله يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ}؛ يطهر من يشاء من عباده؛ بإفاضة آثار فضله ورحمته عليه؛ بالحفظ والرعاية، أو بالتوبة بعد الجناية، {والله سميعٌ عليم}؛ سميع لأقوالكم وإن خفيت، ومن جملتها: الحلف على ترك فعل الخير، عليم بنياتكم وإخلاصكم. وهذا الكلام مقدمة لقوله: {ولا يأْتَل}، من قولك: أليت: إذا حلفت، أي: لاَ يَحْلِفْ {أولو الفضل منكم} أي: في الدين، وكفى به دليلاً على فضل الصِّدِيقِ رضي الله عنه، {والسَّعَةِ}. أي: والسعة في المال {أن يُؤتوا} أي: لا يحلف على ألا يُعطوا {أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيلِ الله}؛ كمسطح، فإنه كان ابن خالته، وكان من فقراء المهاجرين. وهذه الأوصاف هي لموصوف واحد، جيء بها، بطريق العطف؛ تنبيهاً على أن كلاًّ منها علة مستقلة لا ستحقاقه الإيتاء. وحذف المفعول الثاني؛ لظهوره، أي: على ألاّ يؤتوهم شيئاً، {وليعفُوا} عما فرط منهم {وليصفحُوا} بالإغضاء عنه، فالعفو: التستر، والصفح: الإعراض، أي: وليتجاوزوا عن الجفاء، وليُعرضوا عن العقوبة. {ألا تُحبُّون أن يغفر الله لكم}؟ فلتفعلوا ما تحبون أن يُفْعَلَ بكم وبهم، مع كثرة خطاياهم، {والله غفور رحيم}؛ مبالغ في المغفرة والرحمة، مع كثرة ذنوب العباد، فتأدبوا بآداب الله، واعفوا، وارحموا. ولما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر رضي الله عنه قال: بل أُحب أن يغفر الله لي. ورد إلى مسطح نفقته، وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. وبالله التوفيق. الإشارة: كل ما يصد عن مكارم الأخلاق؛ كالحلم، والصبر، والعفو، والكرم، والإغضاء، وغير ذلك من الكمالات، فهو من خطوات الشيطان، تجب مجانبته، فإن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر؛ كالغضب، والانتصار، والحمية، والحقد، والشح، والبخل، وغير ذلك من المساوئ، ولا طريق إلى الدواء من تلك المساوئ إلا بالرجوع إلى الله والاضطرار له، والتعلق بأذيال فضله وكرمه. ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً، فإذا تعلق بالله، واضطر إليه اضطرار الظمآن إلى الماء طهَّره الله وزكاه، إما بلا سبب، أو بأن يلقيه إلى شيخ كامل، يُربيه ويهذبه بإذن الله، وهذا هو الكثير، والكل منه وإليه. قال الورتجبي قوله تعالى: {ولولا فضل الله عليكم رحمته...} إلخ: بيّن أن تطهير العباد من الذنوب لا يكون إلا بفضله السابق وعنايته الأزلية، كيف يزكي العِلَلَ ما يكون عللاً، فالمعلول لا يُطَهِّرُ، والمعلول أفعال الحدثان على كل صنف، ولطف القديم له استحقاق ذهاب العلل بوصوله. قال السياري: قال الله: {ولولا فضل الله عليكم}، ولم يقل: لولا عبادتكم وصلاتكم وجهادكم وحسن قيامكم بأمر الله ما نجا منكم أحد؛ ليعلم أن العبادات، وإن كثرت، فإنها من نتائج الفضل. هـ. قال في الحاشية: وظهر لي أن الآية مقدمة لما ندب إليه الصدِّيق بقوله: {ولا يأتل أولو الفضل منكم}، ففيه إشارة إلى أن فضله وزكاته فضل من الله عليه، وعنايةٌ سابقةٌ، وهي سبب حِفْظِهِ وتحليه بِخِلَعِ كوامل الأوصاف، فليشهدْ ذلك، ولا يأتل على من لم يجد ذلك، حتى وقع فيما وقع من القذف، بل يعذره، ويرى مِنَّةَ الله عليه في كونه نَزَّهَهُ بعنايته من الوقوع في مثل ذلك، مع كون المحل قابلاً، ولكن الله خَصَّصَهُ. هـ. قال الورتجبي على قوله: {ولا يأتل...} إلخ: في الآية بيانُ وتأديبُ الله للشيوخ والأكابر ألاَّ يهجروا صاحب العثرات والزلات، من المريدين، ويتخلقوا بخلق الله، حيث يغفر الذنوب العظامَ ولا يبالي، وأَعْلَمَهُمْ الاّ يَكُفُّوا أعطافهم عنهم. ثم قال: فَإنَّ مَنْ لَهُ اسْتِعْدَادٌ لا يَحْتَجِبُ بِعَوَارِضِ البَشَرِيَّةِ عَنْ أَحْكَامِ الطَّرِيقَةِ أبَداً. هـ. ثم ذكر وبال القاذفين لعائشة - رضي الله عنها - أو لغيرها، فقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ...}
الطوسي
تفسير : قرأ ابو جعفر المدني "ولا يتأل" على وزن (يتفعل) الهمزة مفتوحة بعد التاء، واللام مشددة مفتوحة. الباقون "يأتل" على وزن (يفتعل). الهمزة ساكنة. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصماً "يوم يشهد" بالياء، لان تأنيث الألسنة ليس بحقيقي، ولانه حصل فصل بين الفعل والفاعل. الباقون بالتاء، لان الألسنة مؤنثة. هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين المعترفين بتوحيد الله المصدقين لرسله، ينهاهم فيه عن اتباع خطوات الشيطان، وخطوات الشيطان تخطية الحلال الى الحرام. والمعنى لا تسلكوا مسالك الشيطان، ولا تذهبوا مذهبه، والاتباع الذهاب فيما كان من الجهات التي يدعو الداعي اليها بذهابه فيها، فمن وافق الشيطان فيما يدعو اليه من الضلال، فقد اتبعه. والاتباع اقتفاء أثر الداعي الى الجهة بذهابه فيها، وهو بالتثقيل والتخفيف بمعنى الاقتداء به. والمعنى لا تتبعوا الشيطان بموافقته فيما يدعو اليه. ثم قال {ومن يتبع خطوات الشيطان} فيما يدعوه اليه {فإنه} يعني الشيطان {يأمر بالفحشاء} يعني القبائح {والمنكر} من الأفعال. والفحشاء كل قبيح عظيم. والمنكر الفساد الذي ينكره العقل ويزجر عنه. ثم قال تعالى {ولو لا فضل الله عليكم ورحمته} بان يلطف لكم، ويزجركم عن ارتكاب المعاصي {ما زكى منكم من أحد أبداً} فـ (من) زائدة، والمعنى ما فعل احد منكم الافعال الجميلة إلا بلطف من جهته أو وعيد من قبله. وقال ابن زيد: معناه لولا فضل الله ما أسلم احد منكم. وفى ذلك دلالة على أن احداً لا يصلح في دينه إلا بلطف الله (عز وجل) له، لأن ذلك عام لجميع المكلفين الذين يزكون بهذا الفضل من الله. وقوله {ولكن الله يزكي من يشاء} معناه من يعلم أن له لطفاً يفعله به ليزكو عنده. وقيل: يزكي من يشاء بالثناء عليه. والأول أجود {والله سميع عليم} معناه إنه يفعل المصالح والالطاف على ما يعلمه من المصلحة للمكلفين. لانه يسمع أصواتهم ويعلم أحوالهم. وفي الآية دلالة على أنه تعالى يريد لخلقه خلاف ما يريده الشيطان، لأنه ذكره عقيب قوله {يأمر بالفحشاء والمنكر}. وقوله {ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة} فالايتلاء القسم، يقال آلى يؤلي إيلاء إذا حلف على أمر من الأمور، ويأتل (يفتعل) من الالية على وزن (يقتضي) من القضية، ومن قرأ {يتألّ} فعلى وزن (يتفعل)، والمعنى لا يحلف أن لا يؤتي. وقال ابن عباس وعائشة وابن زيد: إن الآية نزلت فى أبي بكر، ومسطح بن أثاثة، وكان يجري عليه، ويقوم بنفقته، فقطعها وحلف ان لا ينفعه أبداً، لما كان منه من الدخول مع أصحاب الافك فى عائشة، فلما نزلت هذه الآية عاد أبو بكر له الى ما كان، وقال: والله اني لأحب ان يغفر الله لي، والله لا أنزعها عنه ابداً. وكان مسطح ابن خالة أبي بكر، وكان مسكيناً ومهاجراً من مكة الى المدينة، ومن جملة البدريين. وقال الحسن ومجاهد: الآية نزلت فى يتيم كان في حجر أبي بكر، حلف الا ينفق عليه. وروي عن ابن عباس وغيره: أن الآية نزلت في جماعة من اصحاب - رسول الله حلفوا أن لا يواسوا أصحاب الأفك. وقال قوم: هذا نهي عام لجميع أولي الفضل والسعة أن يحلفوا ألا يؤتوا أولي القربى والمساكين والفقراء، وهو أولى واعم فائدة، ويدخل فيه ما قالوه. وكان مسطح احد من حده النبي (صلى الله عليه وسلم) فى قذف الافك. وقال ابو علي الجبائي: قصة مسطح دالة على انه قد يجوز أن تقع المعاصي ممن شهد بدراً بخلاف قول النوابت. وقوله تعالى {وليعفوا وليصفحوا} أمر من الله تعالى للمرادين بالآية بالعفو عمن أساء اليهم، والصفح عنهم. واصل العافي التارك للعقوبة على من اذنب اليه، والصفح عن الشيء ان يجعله بمنزلة ما مر صفحاً. ثم قال لهم {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} معاصيكم جزاء على عفوكم وصفحكم عمن اساء اليكم {والله غفور رحيم} اي ساتر عليكم منعم. ثم اخبر تعالى {إن الذين يرمون المحصنات} ومعناه الذين يقذفون العفائف من النساء {الغافلات} عن الفواحش {لعنوا في الدنيا والآخرة} اي أبعدوا من رحمة الله {في الدنيا} باقامة الحد عليهم ورد شهادتهم {وفي الآخرة} بأليم العقاب، والابعاد من الجنة {ولهم} مع ذلك {عذاب عظيم} عقوبة لهم على قذفهم المحصنات. وهذا وعيد عام لجميع المكلفين، في قول ابن عباس وابن زيد واكثر اهل العلم. وقال قوم: فى عائشة، لما رأوها نزلت فيها هذه الآية توهموا ان الوعيد خاص فيمن قذفها، وهذا ليس بصحيح، لأن عند اكثر العلماء المحصلين: ان الآية إذا نزلت على سبب لم يجب قصرها عليه، كآية اللعان، وآية القذف، وآية الظهار، وغير ذلك. ومتى حملت على العموم دخل من قذف عائشة في جملتها. وقوله {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم} تقديره: ولهم عذاب عظيم فى هذا اليوم. وهو يوم القيامة. وشهادة الايدي والأرجل باعمال الفجار. قيل فى كيفيتها ثلاثة اقوال: احدها - ان الله تعالى يبنيها بنية يمكنهم النطق بها والكلام من جهتها. الثاني - ان يفعل الله تعالى في هذه البنية كلاماً يتضمن الشهادة، فكأنها هي الناطقة. والثالث - ان يجعل فيها علامة تقوم مقام النطق بالشهادة، وذلك اذا جحدوا معاصيهم. واما شهادة الالسن فيجوز ان يكونوا يشهدون بألسنتم إذا رأوا ان لا ينفعهم الجحد. واما قوله تعالى {اليوم نختم على أفواههم} فقالوا: إنه يجوز ان يخرج الألسنة ويختم على الأفواه، ويجوز ان يكون الختم على الأفواه إنما هو فى حال شهادة الأيدي والارجل. وقال الجبائي: ويجوز ان يبنيها بنية مخصوصة، ويحدث فيها شهادة تشهد بها. وقوله {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق} يعني جزاءهم الحق، والدين - ها هنا - الجزاء، ويجوز ان يكون المراد جزاء دينهم الحق، وحذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه {ويعلمون أن الله هو الحق المبين} اي يعلمون الله ضرورة فى ذلك اليوم، ويقرون انه الحق، الذين ابان الحجج والآيات فى دار التكليف، وهو قول مجاهد، وقرئ {الحق} بالرفع، والنصب، فمن رفعه جعله من صفة الله، ومن نصبه جعله صفة للدين.
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} ناداهم اظهاراً للّطف بهم وترغيباً لهم فى استماع خطابه {لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} فى اشاعة الفاحشة ورمي البريء وغير البريء وقد مضى فى سورة البقرة عند قوله {أية : لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} تفسير : [البقرة:168] تحقيق الخطوات {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} يضلّ ويشقى {فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} البالغة فى القبح {وَٱلْمُنْكَرِ} ما لا يعرفه العقل والعرف حسناً وهو ما لا يكون بالغاً فى القبح {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً} زكى يزكو زكاءً نما كا زكى وزكى الرّجل صلح وتنعّم وصفا من الكدورات {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} باستعداد من قبله بسبب قوله او فعله {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} لاقواله المقاليّة والحاليّة {عَلِيمٌ} بافعاله واحواله ونيّاته واستعداداته المكمونة الغير الظّاهرة عليه وعلى غيره.
الأعقم
تفسير : {يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان} قيل: آثاره وطرقه التي تؤدي إلى مرضاته، وقيل: وساوسه {ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر} قيل: الفحشاء كل قبيح عظيم من المعاصي، والمنكر كل قبيح يجب انكاره {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} قيل: لولا ألطافه بالوعد والوعيد، ولولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة لما ظهر منكم بعد {ولكن الله يزكي من يشاء} وهو منه لطف دون من لا لطف له {والله سميع} لأقوالكم {عليم} بضمائركم وأعمالكم فيجازيكم بجميعها {ولا يأتل أولو الفضل} قيل: لا يحلف، وقيل: لا يقصر ولا يترك أولو الفضل إلى غيره، والآية نزلت في شأن مسطح وكان ابن خالة أبي بكر، وكان فقيراً من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر ينفق عليه، فلما فرط منه ما فرط آلى ألاَّ ينفق عليه فنزلت فعاد ينفق عليه {والسعة} من عنده سعة المال وهم الأغنياء {أن يؤتوا} معناه: ألاّ يتركوا ولا يقصّروا، وقيل: لا يقصّروا وأن يعطوا {أولو القربى} قرابته {والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا} خوض من تكلم فيهم {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} يعني أنه {غفور} للمذنبين بالتوبة {رحيم} لهم يدخلهم الجنة فقال أبو بكر: بلى أحب أن يغفر الله لي ورجع ينفق عليه، قوله تعالى: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات} الآية نزلت في مشركي مكة الذين قذفوا المهاجرات الغافلات العفائف الغافلات عن الفواحش {لعنوا في الدنيا} أي أبعدوا من رحمة الله في الدنيا {والآخرة}، وقيل: استحقوا اللعنة فيهما، وقيل: عذبوا في الدنيا بالحدّ وفي الآخرة بعذاب النار {ولهم عذاب عظيم} وهذا وعيدٌ عام في جميع المؤمنين عن ابن عباس، قوله تعالى: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون}، وقيل: يخلق الله فيهما النطق فتشهد عليهم جوارحهم بما عملوا {يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق} وذلك يكون يوم القيامة يتم لهم جزاء دينهم وجزاء أعمالهم، والدين الجزاء، والحق صفة على ما تقدم ذكره {ويعلمون أن الله هو الحق المبين} هو الحق فيما صنع وأديانهم باطلة {الخبيثات} من القول {للخبيثين} من الرجال والنساء {والخبيثون} منهم يتعرصون {للخبيثات} من القول، والخبيث يقتض الطيب والحرام كله خبيث، والآية تدل على أن من قال كلمة خبيثة فهو خبيث وتدل على براءة عائشة {والطيبات} من الكلام {للطيبين} من الرجال والنساء، وقيل: الطيبات من النساء {والطيبون} من الرجال {أولئك مبرّؤون} يعني الطيبين منزهون عما يقول الخبيثون من أهل الإِفك {لهم مغفرة ورزق كريم} يعني الجنة.
اطفيش
تفسير : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ} جمع خطوة وهي ما بين القدمين في المشي وذلك كناية عن طرقه المهلكة ومنها القذف ومحبة الشياع. وقرأ غير نافع والبزي وابي بكر وحمزة وابي عمرو بضم الطاء وقرئ بفتحها * {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُواتِ الشَّيْطَانِ} جواب الشرط محذوف اي يهلك وناب عنه قوله * {فَإِنَّهُ} اي الشيطان * {يَأَمُرُ بِالفَحْشَآءِ وَالمُنكَرِ} وهذه الفاء تعليل للجواب المحذوف أو تعليل للنهي ولك ان ترجع (الهاء) لمن فتكون الجملة هي الجواب والفحشاء ما فرط قبحه والمنكر ما انكره الشرع انكره العقل والعادة ام لم ينكراه واصله ما تنكره النفس وتنفر عنه * {وَلَولاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} بالستر لعيوبكم وذنوبكم كالقذف وبالتوبة والحدود الماحية لها إذا ظهر منها ما يجب الحد عليه * {مَا زَكَى} ما طهر من الدنس * {مِنكُم} حال (لأحد) قول في قوله * {مِّن أَحَدٍ} فاعل وقدم حاله عليه ولو كان مجرورا لان الجار صلة. وقرئ ما (زكى) بالتشديد اي الله (فاحد) مفعول {أَبَداً} والخطاب على العموم وقيل للعصبة وغيرهم مثلهم * {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} يطهره بان يوفقه إلى التوبة ويقبلها عنه * {وَاللَّهِ سَمِيعٌ} لاقوالكم {عَلِيمٌ} بنياتكم ولا راضي على العاقل عن الاشتغال بغيره ولا موجب للاهتمام بنفسه مثل هجوم ميتة وحلول رمسه. قال ابو عمر وابن عبدالبر من زهاد الاندلس وعلمائه عن اسماعيل بن كثير قال: سمعت مجاهدا يقول: ان الملائكة مع ابن آدم فاذا ذكر اخاه المسلم بخير قالت الملائكة ولك مثله وإذا ذكره بشر قالت الملائكة: ابن آدم للمستور عورته اربع على نفسك أي قف عليها واحد الله الذي ستر عورتك. وفي سنن ابي داود عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : من حمى مؤمنا من منافق بعث الله ملكا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم ومن رمى مسلما بشيء يريد به شينه حبسه الله عز وجل على جسر جهنم حتى يخرج مما قال"تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم "حديث : ما من امرئ مسلم يخذل أَخاه في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إِلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته وما من امرئ ينصر مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته الا نصره الله في موضع يحب فيه نصرته " تفسير : قال عبدالرحمن بن عوف - رضي الله عنه -: من سمع بفاحشة فافشاها فهو كالذي اتاها. قال مالك بن دينار: كفى بالمرئ شرا ان لا يكون صالحا ويقع في الصالحين.
اطفيش
تفسير : {يا أيها الَّذين آمنُوا لا تتبَّعوا خُطَوات الشيطان} لا تسلكوا طرقة فى الفعل والترك، فإنها تقضى الى شر الدنيا والآخرة، شبه ما أمر به الشيطان بآثار الأقدام فى الأرض {ومن يتبِّع خُطُوات الشيطان} لم يقل ومن يتبعها لزيادة التحذير منه ومن خطواته، وذمها الجواب محذوف، وكأنه غير محذوف لنيابة علته عنه، وهى قوله تعالى: {فإنه يأمر بالفَحْشاء والمُنْكر} تقديره يهلك، أَو يقع فى القذف، لأنه يأمر بالفحشاء كالقذف والمنكر، وهو ما ينكره الشرع مطلقا. {ولولا فَضْل الله عليكم ورحمته} ببسط التوبة والتوفيق إليها، وحد الحدود المكفرة {ما زَكَى} طهر من الذنوب {منكم مِنْ أَحدٍ أبداً} ومن الأولى للابتداء متعلقة بزكى، أو بيانية متعلقة بحال محذوفة من أحد الفاعل المجرور بمن الصلة {ولكنَّ الله يُزكَّى مَن يشاءُ} بالتوفيق الى التوبة وبقبولها {والله سميع} عليم بكل كلام، ومنه ما أظهروه من التوبة فى القذف {عليمٌ} منها إخلاص التوبة وعدمه.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } أي لا تسلكوا مسالكه في كل ما تأتون وما تذرون / والكلام كناية عن اتباع الشيطان وامتثال وساوسه فكأنه قيل: لا تتبعوا الشيطان في شيء من الأفاعيل التي من جملتها إشاعة الفاحشة وحبها. وقرأ نافع والبزي في رواية ابن ربيعة عنه وأبو عمرو وأبو بكر وحمزة {خطوٰت } بسكون الطاء وقرىء بفتحها أيضا. وهو في جميع ذلك جمع خطوة بضم الخاء وسكون الطاء اسم لما بين القدمين، وأما الخطوة (بفتح الخاء) فهو مصدر خطا والأصل في الاسم إذا جمع أن تحرك عينه فرقاً بينه وبين الصفة فيضم اتباعاً للفاء أو يفتح تخفيفاً وقد يسكن. {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } وضع الظاهران موضع ضميري الخطوات والشيطان حيث لم يقل ومن يتبعها أو من يتبع خطواته لزيادة التقرير والمبالغة [في التنفير والتحذير] {فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء } هو ما أفرط قبحه كالفاحشة {وَٱلْمُنْكَرِ } هو ما ينكره الشرع، وضمير (إنه) للشيطان؛ وقيل للشأن وجواب الشرط مقدر سد ما بعد الفاء مسده وهو في الأصل تعليل للجملة الشرطية وبيان لعلة النهي كأنه قيل: من يتبع الشيطان ارتكب الفحشاء والمنكر فإنه لا يأمر إلا بهما ومن كان كذلك لا يجوز اتباعه وطاعته وقد قرر ذلك النسفي وابن هشام في الباب الخامس من «المغنى». وتعقب بأنه يأباه ما نص عليه النحاة من أن الجواب لا يحذف إلا إذا كان الشرط ماضياً حتى عدوا من الضرورة قوله: شعر : لئن تك قد ضاقت على بيوتكم ليعلم ربـي أن بيتي أوسع تفسير : وأجيب بأن الآية ليست من قبيل ما ذكروه في البيت فإنه مما حذف فيه الجواب رأساً وهذا مما أقيم مقامه ما يصح جعله جواباً بحسب الظاهر. وقال أبو حيان: الضمير عائد على من الشرطية ولم يعتبر في الكلام حذفاً أصلاً، والمعنى على ذلك من يتبع الشيطان فإنه يصير رأساً في الضلال بحيث يكون آمراً بالفحشاء والمنكر وهو مبني على اشتراط ضمير في جواب الشرط الاسمي يعود إليه وسيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } بما من جملته إنزال هاتيك الآيات البينات والتوفيق للتوبة الممحصة من الذنوب وكذا شرع الحدود المكفرة لما عدا الردة منها على ما ذهب إليه جمع وأجابوا عن حديث أبـي هريرة السابق آنفاً بأنه كان قبل أن يوحى إليه صلى الله عليه وسلم بذلك {مَا زَكَى } أي ما طهر من دنس الذنوب. وقرأ روح والأعمش {مَا زكى }بالتشديد والإمالة، وكتب {زكى } المخفف بالياء مع أنه من ذوات الواو وحقها أن تكتب بالألف، قال أبو حيان: لأنه قد يمال أو حملاً على المشدد، ومن قوله تعالى: {مّنكُمْ } بيانية، وفي قوله سبحانه: {مّنْ أَحَدٍ } سيف خطيب و {أَحَدٌ } في حيز الرفع على الفاعلية على القراءة الأولى وفي محل النصب على المفعولية على القراءة الثانية والفاعل عليها ضميره تعالى أي ما زكى الله تعالى منكم أحداً {أَبَدًا } لا إلى غاية {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكّى } يظهر {مَن يَشَآء } من عباده بإفاضة آثار فضله ورحمته عليه وحمله على التوبة وقبولها منه كما فعل سبحانه بمن سلم عن داء النفاق ممن وقع في شرك الإفك منكم. {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } مبالغ في سمعه الأقوال التي من جملتها ما أظهروه من التوبة {عَلِيمٌ } بجميع المعلومات التي من جملتها نياتهم، وفيه حث لهم على الإخلاص في التوبة. وإظهار الاسم الجليل للإيذان باستدعاء / الألوهية للسمع والعلم مع ما فيه من تأكيد الاستقلال التذييلي.
ابن عاشور
تفسير : هذه الآية نزلت بعد العشر الآيات المتقدمة، فالجملة استئناف ابتدائي، ووقوعه عقب الآيات العشر التي في قضية الإفك مشير إلى أن ما تضمنته تلك الآيات من المناهي وظنون السوء ومحبة شيوع الفاحشة كله من وساوس الشيطان، فشبه حال فاعلها في كونه متلبساً بوسوسة الشيطان بهيئة الشيطان يمشي والعامل بأمره يتبع خطى ذلك الشيطان. ففي قوله: {لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان} تمثيل مبني على تشبيه حالة محسوسة بحالة معقولة إذ لا يعرف السامعون للشيطان خطوات حتى ينهوا على اتباعها. وفيه تشبيه وسوسة الشيطان في نفوس الذين جاءوا بالإفك بالمشي. {وخطْوات} جمع خطوة بضم الخاء. قرأه نافع وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم والبزي عن ابن كثير بسكون الطاء كما هي في المفرد فهو جمع سلامة. وقرأه من عداهم بضم الطاء لأن تحريك العين الساكنة أو الواقعة بعد فاء الاسم المضمومة أو المكسورة جائز كثير. والخطوة ــــ بضم الخاء ــــ: اسم لنقل الماشي إحدى قدميه التي كانت متأخرة عن القدم الأخرى وجعلها متقدمة عليها. وتقدم عند قوله: { أية : ولا تتبعوا خطوات الشيطان } تفسير : في سورة البقرة (168). و(مَن) شرطية ولذلك وقع فعل {يتبع} مجزوماً باتفاق القراء. وجملة: {فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر} جواب الشرط، والرابط هو مفعول {يأمر} المحذوف لقصد العموم فإن عمومه يشمل فاعل فعل الشرط فبذلك يحصل الربط بين جملة الشرط وجملة الجواب. وضميرا {فإنه يأمر} عائدان إلى الشيطان. والمعنى: ومن يتبع خطوات الشيطان يفعل الفحشاء والمنكر لأن الشيطان يأمر الناس بالفحشاء والمنكر، أي بفعلهما: فمن يتبع خطوات الشيطان يقع في الفحشاء والمنكر لأنه من أفراد العموم. والفحشاء: كل فعل أو قول قبيح. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : إنما يأمركم بالسوء والفحشاء } تفسير : في سورة البقرة (169). والمنكر: ما تنكره الشريعة وينكره أهل الخير. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وينهون عن المنكر } تفسير : في سورة آل عمران (104). وقوله: {ولولا فضل الله عليكم} الآية، أي لولا فضله بأن هداكم إلى الخير ورحمته بالمغفرة عند التوبة ما كان أحد من الناس زاكياً لأن فتنة الشيطان فتنة عظيمة لا يكاد يسلم منها الناس لولا إرشاد الدين، قال تعالى حكاية عن الشيطان { أية : قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } تفسير : [ص: 82، 83]. و{زكى} بتخفيف الكاف على المشهور من القراءات. وقد كتب {زكى} في المصحف بألف في صورة الياء. وكان شأنه أن يكتب بالألف الخالصة لأنه غير ممال ولا أصله ياء فإنه واوي اللام. ورسم المصحف قد لا يجري على القياس. ولا تعد قراءته بتخفيف الكاف مخالفة لرسم المصحف لأن المخالفة المضعِّفة للقراءة هي المخالفة المؤدية إلى اختلاف النطق بحروف الكلمة، وأما مثل هذا فمما يرجع إلى الأداء والرواية تعصم من الخطأ فيه. وقوله: {والله سميع عليم} تذييل بين الوعد والوعيد، أي سميع لمن يشيع الفاحشة، عليم بما في نفسه من محبّة إشاعتها، وسميع لمن ينكر على ذلك، عليم لما في نفسه من كراهة ذلك فيجازي كلاً على عمله. وإظهار اسم الجلالة فيه ليكون التذييل مستقلاً بنفسه لأنه مما يجري مجرى المثل.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. بين جل وعلا في هذه الآية، أنه لولا فضله ورحمته، ما زكا أحد من خلقه ولكنه بفضله ورحمته يزكي من يشاء تزكيته من خلقه. ويفهم من الآية أنه لا يمكن أحداً أن يزكي نفسه بحال من الأحوال، وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبيناً في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 49] الآية. وقوله تعالى: {أية : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلاَ تُزَكُّوۤاْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰ} تفسير : [النجم: 32]. والزكاة في هذه الآية: هي الطهارة من أنجاس الشرك، والمعاصي. وقوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآء} أي يطهره من أدناس الكفر والمعاصي بتوفيقه وهدايته إلى الإيمان والتوبة النصوح، والأعمال الصالحة. وهذا الذي دلت عليه هذه الآية المذكورة لا يعارضه قوله تعالى: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا} تفسير : [الشمس: 9] ولا قوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ} تفسير : [الأعلى: 14] على القول بأن معنى تزكى تطهر من أدناس الكفر والمعاصي، لا على أن المراد بها خصوص زكاة الفطر، ووجه ذلك في قوله: من زكاها أنه لا يزكيها إلا بتوفيق الله وهدايته إياه للعمل الصالح، وقبوله منه. وكذلك الأمل في قوله: {أية : قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ} تفسير : [الأعلى: 14] كما لا يخفى. والأظهر أن قوله: {مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} الآية: جواب لولا التي تليه، خلافاً لمن زعم أنه جواب لولا في قوله: {أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النور: 20] وقد تكرر في الآيات التي قبل هذه الآية حذف جواب لولا، لدلالة القرائن عليه.
القطان
تفسير : خُطُوات: بضم الخاء والطاء، واحدتها خطوة: المسافة ما بين الرِجلين في المشي، والمقصود: وساوس الشيطان. لا يأتلِ: لا يحلف. اولو الفضل: الاغنياء. المحصَنات: العفيفات. الغافلات: سليمات الصدور، اللاتي لا يفكرن في السوء. دينهم الحق: جزاءهم الثابت. ان الله هو الحق: ان الله هو الموجود الظاهر الذي بقدرته وجود كل شيء ويبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ... }. يا أيها الذين آمنوا، لا تسلكوا سُبُلَ الشيطان، بل احذَروا وساوسه التي تجرّكم الى إشاعة الفاحشة والمعاصي بينكم. ومن يتبع الشيطان فقد عصى.... لأنه يأمر بكبائر الذنوب. ولولا فضلُ الله عليكم ورحمته بكم ببيان الأحكام - ما طَهُرَ أحدٌ منكم من ذنوبه ابدا، ولكن الله يطهّر مَن يشاء من خلقه بقبول توبته، واللهُ سميع لما تقولون، عليم بما في قلوبكم. {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. كان أبو بكر الصدّيق ينفق على مسطح بن أثاثه ابنِ خالته، وهو صحابي بدريّ من المهاجرين الفقراء، ولكن هذا كان من الخائضين في حديث الإفك، فحلف أبو بكر ان يقطع النفقة عنه، فنزلت هذه الآية: لا يحلف أصحابُ الفضل من الأغنياء منكم الامتناعَ عن الإنفاق على أقاربهم من المساكين والمهاجرين ولو أساؤوا اليهم، بل عليهم ان يسامحوهم ويصفحوا عنهم. ألا تحبّون أن يستر الله عليكم ويغفر لكم ذنوبكم!! إن الله غفورٌ لذنوب من أطاعه رحيم به. فاستغفرَ ابو بكر ربه وأعاد النفقة على مسطح. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ان الذين يتّهمون المؤمناتِ المتزوجاتِ الشريفاتِ الغافلات عن كل سوء عليهم لعنةُ الله والطردُ من رحمته في الدنيا، ولهم عذابٌ عظيم في الآخرة. {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ}. في ذلك اليوم العظيم لا يحتاج الله شهوداً، لأن جوارحَ الانسان تشهد عليه بما كان يعمل... الله تعالى يجعلُها تنطق بالحق. وعند ذلك يحاسبُهم الله حساباً دقيقا ويجزيهم على ما عملوا جزاءَ الحق والعدل. عندئذٍ يعلمون أن ما وعدَهم الله هو الحق الذي لا شك فيه ولا ريب.
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {آمَنُواْ} {خُطُوَاتِ} {ٱلشَّيْطَانِ} (21) - يَأْمُرُ اللهُ المُؤْمِنِينَ بِأَلاَّ يَتَّبعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَسَالِكَهِ، وَمَا يَأْمُرُ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ، والشَّيْطَانُ إِنَّمَا يَأْمُرُ أَوْلِيَاءَهُ بِفِعْلِ الفَاحِشَةِ وإِشَاعَتِهَا وارْتِكَابِ المُنْكَرَاتِ، فَمَنْ اتَّبَعَ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ جَرَّهُ إِلَى إِرْتِكَابِ هَذِهِ المُوبقَاتِ. وَلَوْلاَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَرْزقُ مَنْ يَشَاءُ التَّوْبَةَ، والرُّجُوعَ إِلَيْهِ، وَيُزَكِّي بِهَا النُّفُوسَ وَيُطَهِّرُهَا مِنْ شِرْكِهَا وَفُجُورِهَا وَدَنسِها، لَمَا تَطَهَّر مِنْكُم أَحَدٌ مِنْ ذَنْبِهِ، وَلَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ النَّكَالَ والوَبَالَ، وَلَعَاجَلَكُم بالعُقُوبَةِ، وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ، واللهُ سَمِيعٌ لأَِقْوَالِ العِبَادِ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ مِنْهُم الهِدَايَةَ فَيَهْدِيِهِ. خُطُوَات الشَّيْطَانِ - طُرُقهُ وَمَذَاهِبُهُ وَآثَارُهُ. الفَحْشَاءُ - ما عَظُمَ قُبْحُهُ مِنَ الذُّنُوبِ. المُنْكَرُ - مَا يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ. مَا زَكَى - مَا تَطَهَّرَ مِنْ دَنَسِ الذُّنُوبِ.
الثعلبي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ} صلح وطهر من هذا الذنب، وقرأ ابن محيص ويعقوب: زكّى بالتشديد أي طهّر، دليلها قوله سبحانه وتعالى {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي} يطهّر {مَن يَشَآءُ} من الإثم والذنب بالرحمة والمغفرة {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه قال: حدَّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد بن مالك قال: حدّثنا علي بن زنجويه قال: حدَّثنا سعيد بن سيف التميمي قال: حدَّثنا غالب بن تميم السعدي قال: حدَّثنا خالد بن جميل عن موسى بن عقبة المديني عن أبي روح الكلبي عن حر بن نصير الحضرمي عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيّما رجل شدّ عضد امرئ من الناس في خصومة لا علم له بها فهو في ظلّ سخط الله سبحانه حتى ينزع، وأيّما رجل حال في شفاعة دون حدّ من حدود الله تعالى أن يقام فقد كايد اللّه حقّاً وحرص على سخطه وأن عليه لعنة الله تتابع إلى يوم القيامة، وأيّما رجل أشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها بريء يريد أن يشينه بها في الدنيا كان حقّاً على الله أن يذيبه في النار، وأصله في كتاب الله سبحانه {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} الآية . تفسير : {وَلاَ يَأْتَلِ} ولا يحلف، هذه قراءة العامة وهو يفتعل من الأليّة وهي القَسَم، وقال الأخفش: وإن شئت جعلته من قول العرب: ما ألوت جهدي في شأن فلان أي ما تركته، وقرأ أبو رجاء العطاردي وأبو مخلد السدوسي وأبو جعفر وزيد بن أسلم (ولا يُتأل) بتقديم التاء وتأخير الهمزة وهو يفتعل من الألية والالو. {أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ} يعني أبا بكر الصدّيق {أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} يعني مسطحاً،وكان مسكيناً مهاجراً بدرياً، وكان ابن خالة أبي بكر رضي الله عنه. {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ} عنهم خوضهم في أمر عائشة. وروت أسماء بنت يزيد أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قرأ {ولتعفوا ولتصفحوا} بالتاء. {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. فلمّا قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي بكر قال: بلى أنا أُحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح نفقته التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. وقال ابن عباس والضحّاك: أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر أَلاّ يتصدقوا على رجل تكلّم بشيء من الإفك ولا ينفعونهم فأنزل الله سبحانه هذه الآية. {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ} عن الفواحش وعما قذفن به كغفلة عائشة عمّا فيها {ٱلْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ} عُذبّوا {فِي ٱلدُّنْيَا} بالجلد وفي الآخرة بالنار {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} واختلف العلماء في حكم الآية، فقال قوم: هي لعائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر المؤمنات. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدَّثنا هارون بن محمد بن هارون قال: حدَّثنا محمد بن عبد العزيز قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: حدَّثنا هشام عن العوّام بن حوشب قال: حدّثنا شيخ من بني كاهل قال: فسّر ابن عباس سورة النور، فلمّا أتى على هذه الآية {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ} إلى آخر الآية، قال: هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وهي مبهمة ليس فيها توبة، ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله سبحانه له توبة، ثمَّ قرأ {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} الى قوله {إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذٰلِكَ وَأَصْلَحُواْ} فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لأُولئك توبة، قال: فهّم رجل أن يقوم فيقبّل رأسه من حسن ما فسّره. وقال آخرون: نزلت هذه الآية في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فكان ذلك كذلك حتى نزلت الآية التي في أول السورة {وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ} إلى {فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فأنزل الله له الجلد والتوبة، فالتوبة تُقبل والشهادة تُرَد. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حيّان قال: حدّثنا إسحاق بن محمد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا إبراهيم بن عيسى قال: حدّثنا علي بن علي عن أبي حمزة الثمالي قال: بلغنا أنها نزلت في مشركي أهل مكة إذ كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، فكانت المرأة إذا خرجت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مهاجرة قذفها المشركون من أهل مكة وقالوا: إنما خرجت تفجر. {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ} قرأه العامة بالتاء، وقرأ أهل الكوفة إلاّ عاصماً بالياء لتقدّم الفعل. {أَلْسِنَتُهُمْ} وهذا قبل أن يختم على أفواههم، وقيل: معناه: يشهد ألسنة بعضهم على بعض {وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} في الدنيا {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ} جزاءهم وحسابهم {ٱلْحَقَّ} قرأهُ العامة بنصب القاف، وقرأ مجاهد الحقُّ بالرفع على نعت الله وتصديقه، قراءة أبي يوفهم اللّه الحق دينهم. {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ} يبيّن لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا. {ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ} الآية. قال أكثر المفسّرين: الخبيثات من القول للخبيثين من الناس {وَٱلْخَبِيثُونَ} من الناس {لِلْخَبِيثَاتِ} من القول {وَٱلطَّيِّبَاتُ} من القول {لِلطَّيِّبِينَ} من الناس {وَٱلطَّيِّبُونَ} من الناس {لِلْطَّيِّبَاتِ} من القول. وقال ابن زيد: الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، والطيّبات من النساء للطيّبين من الرجال، والطيّبون من الرجال للطيّبات من النساء. {أُوْلَـٰئِكَ} يعني عائشة وصفوان فذكرهما بلفظ الجمع كقوله {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} والمراد أخَوَان. {مُبَرَّءُونَ} منزّهون {مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}. أخبرنا أبو نصر النعمان بن محمد بن النعمان الجرجاني بها قال: أخبرنا محمد بن عبد الكريم الباهلي قال: حدّثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن سفيان الترمذي قال: حدّثنا بشر بن الوليد الكندي قال: حدّثنا أبو حفص عن سليمان الشيباني عن علي بن زيد بن جدعان عن جدّته عن عائشة أنها قالت: لقد أُعطيت تسعاً ما أُعطيت امرأة، لقد نزل جبرئيل (عليه السلام) بصورتي في راحته حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوَّجني، ولقد تزوّجني بكراً وما تزوّج بكراً غيري، ولقد توفّي وإنّ رأسه لفي حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفّت الملائكة في بيتي، وإنْ كان الوحي لينزل عليه في أهله فيتفرقون عنه، وإنْ كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه، وإنّي لابنة خليفته وصدّيقه، ولقد نزل عذري من السماء، ولقد خلقت طيّبة وعند طيّب، ولقد وعدت مغفرة ورزقاً كريماً.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : كأن الشيطان له خطوات متعددة ليست خطوة واحدة، وقد أثبت الله عداوته لبني آدم، وهي عداوة مُسبَّبة ليست كلاماً نظرياً، إنما هو عدو بواقعة ثابتة، حيث امتنع عن السجود لآدم، وعصى أمر الله له، بل وأبدى ما في نفسه وقال: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف: 12]. وقال: {أية : أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً} تفسير : [الإسراء: 61] وهكذا علّلَ امتناعه بأنه خير، وكأن عداوته لآدم عداوة حسد لمركزه ومكانته عند ربه. والحق - تبارك وتعالى - حينما يخبرنا بعداوة الشيطان من خلال امتناعه عن السجود، إنما يحذرنا منه، ويُنبِّهنا إلى خطره ويُربِّي فينا المناعة من الشيطان؛ لأن عداوته لنا عداوة مركزة، ليست عداوة يمارسها هكذا كيفما اتفق، إنما هي عداوة لها منهج ولها خطة. فأول هذه الخطة أنه عرف كيف يقسم، فدخل على الإنسان من باب عزة الله عن خَلْقه، فقال: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82]. فلو أرادنا ربنا - عز وجل - مؤمنين ما كان للشيطان علينا سبيل، إنما تركنا سبحانه للاختيار، فدخل علينا الشيطان من هذا الباب؛ لذلك قال بعدها: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [الحجر: 40] فمَنِ اتصف بهذه الصفة فليس للشيطان إليه سبيل. إذن: مسألة العداوة هذه ليست بين الحق سبحانه وبين الشيطان، إنما بين الشيطان وبني آدم. فقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} [النور: 21] نداء: يا من آمنتم بإله كأنه يقول: تَنبَّهوا إلى شرف إيمانكم به، وابتعدوا عما يُضعِف هذا الإيمان، أو يفُتُّ في عَضُدِ المؤمنين بأيِّ وسيلة، وتأكّدوا أن الشيطان له خطوات متعددة. {لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ ..} [النور: 21] فإنْ وسوس لك من جهة، فتأبَّيْتَ عليه ووجد عندك صلابةً في هذه الناحية وجَّهك إلى ناحية أخرى، وزيّن لك من باب آخر، وهكذا يظل بك عدوك إلى أنْ يُوقِعك، فهو يعلم أن لكل إنسان نقطة ضَعْف في تكوينه، فيظل يحاوره إلى أنْ يصل إلى هذه النقطة. والشيطان: هو المتمرد العاصي من الجن، فالجن مقابل الإنس، فمنهم الطائع والعاصي، والعاصي منهم هو الشيطان، وعلى قِمتهم إبليس؛ لذلك يقول تعالى في سورة الكهف: {أية : إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ..} تفسير : [الكهف: 50]. وسبق أن ذكرنا أنك تستطيع أن تُفرِّق بين المعصية من قِبل النفس والمعصية من قِبل الشيطان، فالنفس تُلِح عليك في معصية بعينها لا تتعدّاها إلى غيرها، أما الشيطان فإنه يريدك عاصياً على أيِّ وجه من الوجوه، فإن امتنعت عليه في معصية جَرَّك إلى معصية أخرى أياً كانت. ثم يقول سبحانه: {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ..} [النور: 21] ولك أنْ تسأل: أين جواب (مَنْ) الشرطية هنا؟ قالوا: حُذِف الجواب لأنه يُفهم من السياق، ودَلَّ عليه بذكر عِلَّته والمسبّب لَه، وتستطيع أن تُقدِّر الجواب: مَنْ يتبع خطوات الشيطان يُذِقْه ربه عذاب السعير؛ لأن الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر، فَمَنْ يتبع خطواته، فليس له إلا العذاب، فقام المسبّب مقام جواب الشرط. والكلام ليس كلام بشر، إنما هو كلام رَبِّ العالمين. وأسلوب القرآن أسلوب رَاقٍ يحتاج إلى فكر وَاعٍ يلتقط المعاني، وليس مجرد كلام وحَشْو. أَلاَ ترى بلاغة الإيجاز في قوله تعالى من سورة النمل: {أية : ٱذْهَب بِّكِتَابِي هَـٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَٱنْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ} تفسير : [النمل: 28]. ثم يقول تعالى بعدها: {أية : قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ} تفسير : [النمل: 29]. وتأمل ما بين هذيْن الحدثيْن من أحداث حُذِفت للعلم بها، فوعي القارىء ونباهته لا تحتاج أن نقول له فذهب الهدهد .. وو إلخ فهذه أحداث يُرتِّبها العقل تلقائياً. وقد أوضح الشيطانُ نفسه هذه الخطوات وأعلنها، وبيَّن طرقه في الإغواء، ألم يقل: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16] فلا حاجةَ للشيطان بأصحاب الصراط المعوج لأنهم أتباعه، فالشيطان لا يذهب إلى الخمارة مثلاً، إنما يذهب إلى المسجد ليُفسِد على المصلين صلاتهم، لذلك البعض ينزعج من الوساوس التي تنتابه في صلاته، وهي في الحقيقة ظاهرة صحية في الإيمان، ولولا أنك في طاعة وعبادة ما وسوس لك. لكن مصيبتنا أن الشيطان يعطينا فقط طرف الخيط، فنسير نحن خَلْفه (نكُرّ في الخيط كَرّاً) ولو أننا ساعة ما وسوس لنا الشيطان استعذْنا بالله من الشيطان الرجيم، كما أمرنا ربنا تبارك وتعالى: {أية : وَإِماَّ يَنَزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ..} تفسير : [الأعراف: 200]. إذن: إياك أنْ تقبل منه طرف الخيط؛ لأنك لو قَبِلْته فلن تقدر عليه بعد ذلك. ومن خطوات الشيطان أيضاً قوله: {أية : ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ ..} تفسير : [الأعراف: 17]. إذن: للشيطان في إغواء الإنسان منهج وخُطّة مرسومة، فهو يأتي الإنسان من جهاته الأربع: من أمامه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله. لكن لم يذكر شيئاً عن أعلى وأسفل؛ لأن الأولى تشير إلى عُلُوِّ الربوبية، والأخرى إلى ذُلِّ العبودية، حين ترفع يديك إلى أعلى بالدعاء، وحين تضع جبتهك على الأرض في سجودك؛ لذلك لا يأتيك عدوك من هاتين الناحيتين. ثم يقول تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ ..} [النور: 21]. قلنا: إن فضل الجزاء يتناوبه أمران: جزاء بالعدل حين تأخذ ما تستحقه، وجزاء بالفضل حينما يعطيك ربك فوق ما تستحق؛ لذلك ينبغي أن نقول في الدعاء: اللهم عاملنا بالفضل لا بالعدل؛ وبالإحسان لا بالميزان، وبالجبر لا بالحساب. فإنْ عاملنا ربنا - عز وجل - بالعدل لَضِعْنا جميعاً. لكن، في أيِّ شيء ظهر هذا الفضل؟ ظهر فضل الله على هذه الأمة في أنه تعالى لم يُعذِّبها بالاستئصال، كما أخذ الأمم السابقة، وظهر فَضْل الله على هذه الأمة في أنه تعالى أعطاها المناعة قبل أن تتعرَّض للحَدث، وحذرنا قديماً من الشيطان قبل أن نقع في المعصية، وقبل أن تفاجئنا الأحداث، فقال سبحانه: {أية : فَقُلْنَا يآءَادَمُ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ ..} تفسير : [طه: 117] وإلا لغرق الإنسان في دوامة المعاصي. لأن التنبيه للخطر قبل وقوعه يُربِّي المناعة في النفس، فلم يتركنا ربنا - عز وجل - في غفلة إلى أنْ نقعَ في المعصية، كما نُحصِّن نحن أنفسنا ضد الأمراض لنأخذ المناعة اللازمة لمقاومتها. وقوله تعالى: {مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً ..} [النور: 21] (زكَى) تطهَّر وتنقّى وصُفِّيِ {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21] وقال: {سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21] لأنه تعالى سبق أنْ قال: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ..} تفسير : [النور: 19] ذلك في ختام حادثة الإفك التي هزَّتْ المجتمع الإسلامي في قمته، فمسَّتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه الصِّدِّيق وزوجته أم المؤمنين عائشة وجماعة من الصحابة. لذلك قال تعالى (وَٱللَّهُ سَمِيعٌ) لما قيل (عَلِيمٌ) [النور: 21] بما تُكِّنُه القلوب من حُبٍّ لإشاعة الفاحشة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ ...}.
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حادثة الإِفك، أتبعها بالتحذير من سلوك طريق الشيطان المتربص بالإِنسان الذي يدعو إلى السوء والشر والفساد، ثم ذكر تعالى آداب الاستئذان والزيارة لأن أهل الإِفك إنما وجدوا السبيل إلى بهتانهم من حيث اتفقت الخلوة فصارت طريقاً للتهمة، فأوجب تعالى ألا يدخل إنسان ببيت غيره إلا بعد الاستئذان والسلام، ثم أتبعها بآيات غضِّ البصر. اللغَة: {يَأْتَلِ} يحلف والأليَّةُ: اليمين ومنه {أية : يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ} تفسير : [البقرة: 226] اي يحلفون {ٱلْمُحْصَنَاتِ} العفائف الشريفات الطاهرات جمع محصنة وهي العفيفة {مُبَرَّءُونَ} منزهون والبراءة: النزاهة مما نسب للإِنسان من تهمة {تَسْتَأْنِسُواْ} تستأذنوا وأصله في اللغة: طلبُ الأنس بالشيء قال الشاعر: شعر : عوى الذئب فاستأنستُ للذئب إِذْ عوى وصوَّت إِنسانٌ فكدت أطير تفسير : {يَغُضُّواْ} غضَّ بصره: خفضه ونكَّسه وأصله إطباق الجفن على الجفن قال جرير: شعر : فغُضَّ الطّرف إنك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلابا تفسير : {بِخُمُرِهِنَّ} جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها، وخمّروا الآنية أي غطوها {جُيُوبِهِنَّ} جمع جيب وهو الصدر {ٱلإِرْبَةِ} الحاجة إلى النساء. سَبَبُ النّزول: أ - كان أبو بكر الصدّيق ينفق على "مسطح بن أُثاثة" لمسكنته وقرابته، فلما وقع أمر الإِفك وقال فيه مسطحٌ ما قال، حلف أبو بكر ألا ينفق عليه ولا ينفعه بنافعةٍ أبداً فأنزل الله {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ..} الآية فقال أبو بكر: واللهِ إني لأحبُ أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبداً. ب - عن علي كرم الله وجهه قال: مرَّ رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريقٍ من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأةٍ ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان أنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا إعجاباً به، فبينما الرجل يمشي إلى جانب حائط ينظر إليها إذ استقبله الحائط "أي صدمه الحائط" فشقَّ أنفه فقال: والله لا أغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُعلمه أمري، فأتاه فقصَّ عليه قصته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا عقوبة ذنبك فأنزل الله {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ..} الآيات. التفسِير: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} أي يا من صدَّقتم بالله ورسوله لا تتبعوا آثار الشيطان ولا تسلكوا مسالكه بإِشاعة الفاحشة، والإِصغاء إِلى الإِفك والقول به {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} أي ومن يتبع سيرة الشيطان وطريقته {فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} أي فإِن الشيطان يضل الإِنسان ويغويه لأنه يأمر بالفحشاء وهي ما أفرط قبحه ، والمنكر وهو ما ينكره الشرع وتنفر منه العقول السليمة {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} أي لولا فضل الله عليكم أيها المؤمنون بالتوفيق للتوبة الماحية للذنوب، وبشرع الحدود المكفرة للخطايا {مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً} أي ما تطهر أحدٌ منكم من الأوزار أبد الدهر {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} أي ولكن الله بفضله ورحمته يطهر من يشاء بتوفيقه للتوبة النصوح وقبولها منه قال القرطبي: والغرض أن تزكيته لكم، وتطهيره وهدايته إنما هي بفضله لا بأعمالكم {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي سميع لأقوالكم عليم بنياتكم وضمائركم {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ} أي لا يحلف أهل الفضل في الدين وأصحاب الغنى واليسار {أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} أي أن لا يؤتوا أقاربهم من الفقراء والمهاجرين ما كانوا يعطونهم إيَّاه من الإِحسان لذنب فعلوه {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ} أي وليعفوا عمّا كان منهم من جرم، وليصفحوا عما بدر منهم من إساءة، وليعودوا إلى ما كانوا عليه من الإِنعام والإِحسان {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} أي ألا تحبون أيها المؤمنون أن يغفر الله لكم على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم؟ روي أن أبا بكر لما سمع الآية قال: بلى أحب أن يغفر الله لي وأعاد النفقة إلى مسطح وكفَّر عن يمينه وقال: والله لا أنزعها منه أبداً!! قال المفسرون: والآية دالة على فضل أبي بكر فإن الله تعالى امتدحه بقوله {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ} وكفى به دليلاً على فضل الصدّيق رضي الله عنه وأرضاه {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي مبالغ في المغفرة والرحمة مع كمال قدرته على العقاب، ثم توعَّد تعالى الذين يرمون العفائف الطاهرات فقال {إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ} أي يقذفون بالزنى العفيفات، السليمات الصدور، النقيات القلوب عن كل سوء وفاحشة {ٱلْمُؤْمِناتِ} أي المتصفاب بالإيمان مع طهارة القلب {لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} أي طردوا وأُبعدوا من رحمة الله في الدنيا والآخرة قال ابن عباس: هذا اللعن فيمن قذف زوجات النبي صلى الله عليه وسلم إذْ ليس له توبة، ومن قذف مؤمنة جعل الله له توبه وقال أبو حمزة: نزلت في مشركي مكة، كانت المرأة إذا خرجت إلى المدينة مهاجرة قذفوها وقالوا خرجت لتفجر {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} أي ولهم مع اللعنة عذاب هائل لا يكاد يوصف بسبب ما ارتكبوا من إثم وجريمة {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي وذلك العذاب الشديد في ذلك اليوم الرهيب - يوم القيامة - حين تشهد على الإِنسان جوارحه فتنطق الألسنة والأيدي والأرجل بما اقترف من سيء الأعمال {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلْحَقَّ} أي يوم القيامة ينالهم حسابهم وجزاؤهم العادل من أحكم الحاكمين {وَيَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ ٱلْمُبِينُ} أي ويعلمون حينئذٍ أن الله هو العادل الذي لا يظلم أحداً، الظاهر عدله في تشريعه وحكمه.. ثم ذكر تعالى بالدليل القاطع، والبرهان الساطع براءة عائشة ونزاهتها، فهي زوجة رسول الله الطيب الطاهر وقد جرت سنة الله أن يسوق الجنس إلى جنسه، فلو لم تكن عائشة طيبة لما كانت زوجة لأفضل الخلق صلى الله عليه وسلم وهذا قال {ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَٱلْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلْطَّيِّبَاتِ} أي الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء، وكذلك الطيبات من النساء للطيبين من الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من النساء، وهذا كالدليل على براءة عائشة لأنها زوجة أشرف رسول وأكرم مخلوق على الله، وما كان الله ليجعلها زوجة لأحبِّ عباده لو لم تكن عفيفة طاهرة شريفة {أُوْلَـٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} أي أولئك الفضلاء منزهون ممَّا تقوَّله أهل الإِفك في حقهم من الكذب والبهتان {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي لهم على ما نالهم من الأذى مغفرة لذنوبهم، ورزقٌ كريم في جنات النعيم قال ابن كثير: وفيه وعدٌ بأن تكون زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} لما حذَّر تعالى من قذف المحصنات وشدد العقاب فيه، وكان طريق هذا الاتهام مخالطة الرجال للنساء، ودخولهم عليهم في أوقات الخلوات أرشد تعالى إلى الآداب الشرعية في دخول البيوت فأمر بالاستئذان قبل الدخول وبالتسليم بعده {حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَهْلِهَا} أي لا تدخلوا بيوت الغير حتى تستأذنوا وتسلموا على أهل المنزل {ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ} أي ذلك الاستئذان والتسليم خير لكم من الدخول بغتة {لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} أي لتتعظوا وتعملوا بموجب هذه الآداب الرشيدة قال القرطبي: المعنى إن الاستئذان والتسليم خير لكم من الهجوم بغير إذن ومن الدخول على الناس بغتة أو من تحية الجاهلية فقد كان الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته قال: حُيّيتم صباحاً، وحُييتم مساءً ودخل فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحافٍ، وروي حديث : أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم أأستأذن على أمي؟ قال نعم، قال ليس لها خادمٌ غيري، أأستأذن عليه ما كلما دخلتُ؟ قال: أتحب أن تراها عريانه؟ قال لا، قال فاستأذن عليها تفسير : {فَإِن لَّمْ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَداً} أي فإن لم تجدوا في البيوت أحداً يأذن لكم بالدخول إليها {فَلاَ تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ} أي فاصبروا ولا تدخوها حتى يسمح لكم بالدخول، لأن للبيوت حرمة ولا يحل دخولها إلا بإذن أصحابها {وَإِن قِيلَ لَكُمْ ٱرْجِعُواْ فَٱرْجِعُواْ} أي وإن لم يؤذن لكم وطلب منكم الرجوع فارجعوا ولا تلحًّوا {هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ} أي الرجوع أطهر وأكرم لنفوسكم وهو خير لكم من اللجاج والانتظار على الأبواب {وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} أي هو تعالى عالم بالخفايا والنوايا وبجميع أعمالكم فيجازيكم عليها قال القرطبي: وفيه توعدٌ لأهل التجسس على البيوت، ثم إنه تعالى لما ذكر حكم الدور المسكونة ذكر بعده حكم الدور غير المسكونة فقال {لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي ليس عليكم إثمٌ وحرج {أَن تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ} أي أن تدخلوا بغير استئذان بيوتاً لا تختص بسكنى أحد كالرباطات والفنادق والخانات قال مجاهد: هي الفنادق التي في طرق السابلة لا يسكنها أحد بل هي موقوفة ليأوي إليها كل ابن سبيل {فِيهَا مَتَاعٌ لَّكُمْ} أي فيها منفعة لكم أو حاجة من الحاجات كالاستظلال من الحر، وإيواء الأمتعة والرحال {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} أي يعلم ما تظهرون وما تُسرون في نفوسكم فيجازيكم عليه قال ابو السعود: وهذا وعيدٌ لمن يدخل مدخلاً لفسادٍ أو اطلاع على عورات، ثم أرشد تعالى إلى الآداب الرفيعة من غض البصر، وحفظ الفروج فقال {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} أي قل يا محمد لأتباعك المؤمنين يكفوا أبصارهم عن النظر إلى الأجنبيات من غير المحارم، فإن النظرة تزرع في القلب الشهوة، ورُبَّ شهوة أورثت حزناً طويلاً شعر : كم نظرةٍ فتكت في قلب صاحبها فتك السهام بلا قوس ولا وتر تفسير : {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} أي يصونوا فروجهم عن الزنى وعن الإِبداء والكشف {ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ} أي ذلك الغضُّ والحفظ أطهرُ للقلوب، وأتقى للدين، وأحفظ من الوقوع في الفجور {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} أي هو تعالى رقيبٌ عليهم، مطلعٌ على أعمالهم، لا تخفى عليه خافية من أحوالهم، فعليهم أن يتقوا الله في السر والعلن قال الإِمام الفخر: فإن قيل فلم قدم غضَّ الأبصار على حفظ الفروج؟ قلنا: لأن النظر بريد الزنى، ورائد الفجور، والبلوى فيه أشدُّ وأكثر، ولا يكاد يُحترس منه {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} أي وقل أيضاً للمؤمنات يكففن أبصارهن عن النظر إلى ما لا يحل لهن النظر إليه، ويحفظن فروجهن عن الزنى وعن كشف العورات، قال المفسرون: أكد تعالى الأمر للمؤمنات بغض البصر وحفظ الفروج، وزادهن في التكليف على الرجال بالنهي عن إبداء الزينة إلا للمحارم والأقرباء فقال {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} أي ولا يكشفن زينتهن للأجانب إلا ما ظهر منها بدون قصدٍ ولا نية سيئة قال ابن كثير: أي لا يظهرن شيئاً من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه، كما قال ابن مسعود: الزينة زينتان: فزينةٌ لا يراها إلا الزوج: الخاتم والسوار، وزينةٌ يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب، وقيل: المراد به الوجه والكفان فإنهما ليسا بعورة قال البيضاوي: والأظهر أن هذا في الصلاة لا في النظر، فإن كل بدن الحرة عورة لا يحل لغير الزوج والمحرم النظر إلى شيء منها إلا لضرورة كالمعالجة وتحمل الشهادة {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} أي وليلقين الخمار وهو غطاء الرأس على صدورهن لئلا يبدو شيء من النحر والصدر، وفي لفظ الضرب مبالغة في الصيانة والتستر، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأُول لما أنزل الله {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ} شققن مروطهن فاختمرن بها قال المفسرون: كانت المرأة في الجاهلية - كما هي اليوم في الجاهلية الحديثة - تمر بين الرجال مكشوفة الصدر، بادية النحر، حاسرة الذراعين، وربما أظهرت مفاتن جسمها وذوائب شعرها لتغري الرجال، وكنَّ يسدلن الخُمُر من ورائهن فتبقى صدورهن مكشوفة عارية، فأمرت المؤمنات بأن يلقينها من قدامهن حتى يغطينها ويدفعن عنهن شر الأشرار {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} أي ولا يظهرن زينتهن الخفية التي حرم الله كشفها إلا لأزواجهن {أَوْ آبَآئِهِنَّ أَوْ آبَآءِ بُعُولَتِهِنَّ} أي أو لآبائهن أو آباء أزواجهن وهو العم أبو الزوج فإنهما من المحارم، فإن الأب يصون عرض ابنته، ووالد الزوج يحفظ على ابنه ما يسوءه، ثم عدد بقية المحارم فقال {أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيۤ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ} فذكر تعالى الأبناء، وأبناء الأزواج، والإِخوة، وأبناء الإِخوة، وأبناء الأخوات وكلهم من المحارم الذين يحرم الزواج بهم لما جبل الله في الطباع من النفرة من مماسة القريبات ونكاحهن {أَوْ نِسَآئِهِنَّ} أي المسلمات وخرج بذلك النساء الكافرات قال مجاهد: المراد نساؤهن المسلمات، ليس المشركات من نسائهن، وليس يحل للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة وقال ابن عباس: هن المسلمات ولا تبدي زينتها أمام يهودية أو نصرانية {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} أي من الإِماء المشركات قال ابن جرير: يعني من نساء المشركين فيجوز لها أن تظهر زينتها لها وإن كانت مشركة لأنها أمتها {أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ} أي الخدام غير أولي الميل والشهوة والحاجة إلى النساء كالبُلْهِ والحمقى والمغفلين الذين لا يدركون من أمور الجنس شيئاً قال مجاهد: هو الأبله الذي يريد الطعام ولا يريد النساء ولا يهمه إلا بطنه {أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ} أي الأطفال الصغار الذين لم يبلغوا حدَّ الشهوة، ولا يعرفون أمور الجماع لصغرهم فلا حرج أن تظهر المرأة زينتها أمامهم {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ} أي ولا يضربن بأرجلهن الأرض لئلا يسمع الرجال صوت الخلخال فيطمع الذي في قلبه مرض قال ابن عباس: كانت المرأة تمر بالناس وتضرب برجلها ليسمع صوت خلخالها، فنهى الله تعالى عن ذلك لأنه من عمل الشيطان {وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أي ارجعوا أيها المؤمنون إلى ربكم بامتثال الطاعات، والكفّ عن الشهوات، لتنالوا رضاه وتفوزوا بسعادة الدارين {وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ} أي زوجوا أيها المؤمنون من لا زوج له من الرجال والنساء من أحرار رجالكم ونسائكم قال الطبري: الأَيامي جمع أَيَّم، يوصف به الذكر والأنثى يقال: رجل أَيَّم وامرأة أَيِّمة إذا لم يكن لها زوج {وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ} أي وأنكحوا كذلك أهل التقى والصلاح من عبيدكم وجواريكم قال البيضاوي: وتخصيص الصالحين لأن إحصان دينهم والاهتمام بشأنهم أهمُّ، وفيه إشارة إلى مكانة التقى والصلاح في الإِنسان {إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} أي إن يكن هؤلاء الذين تزوجونهم أهل فاقةٍ وفقر فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم، ففي فضل الله ما يغنيهم {وَٱللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أي واسع الفضل، جواد كريم، يعطي الرزق من يشاء وهو عليم بمصالح العباد قال القرطبي: وهذا وعدٌ بالغنى للمتزوجين طلباً لرضى الله، واعتصاماً من معاصيه وقال ابن مسعود: التمسوا الغنى في النكاح وتلا هذه الآية وفي الحديث "حديث : ثلاثة حقٌّ على الله عونهم: الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء، والغازي في سبيل الله"تفسير : {وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} أي وليجتهد في العفة وقمع الشهوة الذين لا تتيسر لهم سبل الزواج لأسباب مادية {حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ} أي حتى يوسع الله عليهم ويسهل لهم أمر الزواج، فإن العبد إذا اتقى الله جعل له من أمره فرجاً ومخرجاً {وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} أي والذين يريدون أن يتحرروا من رقِّ العبودية بمكاتبة أسيادهم من العبيد والأرقاء {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} أي فكاتبوهم على قدر من المال إن عرفتم منهم الأمانة والرشد ليصيروا أحراراً {وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ} أي أعطوهم مما أعطاكم الله من الرزق ليكون لهم عوناً على فكاك أنفسهم {وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ} أي لا تجبروا إماءكم على الزنى {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} أي إن أردن التعفف عن مقارفة الفاحشة، وليس هذا للقيد أو الشرط وإنما هو لبيان فظاعة الأمر وشناعته، فالأصل في المملوكة أن يُحصنها سيدها أمّا أن يأمرها بالزنى وتمتنع وتريد العفة فذلك منتهى الخسة والدناءة منه قال المفسرون: نزلت في "عبد الله بن سلول" المنافق كان له جاريتان إحداهما تسمى "مُسَيْكة" والثانية تسمى "أميمة" فكان يأمرهما بالزنى للكسب ويضربهما على ذلك فشكتا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية {لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} أي لأجل أن تنالوا حطام هذه الحياة الزائل، وتحصلوا على المال بطريق الفاحشة والرذيلة {وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي ومن يجبرهن على الزنى فإن الله غفور لهن رحيم بهن لا يؤاخذهن بالزنى لأنهن أُكرهن عليه وسينتقم ممن أكرههن شر انتقام {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} أي والله لقد أنزلنا إليكم أيها المؤمنون آيات واضحات وأحكاماً مفصلات {وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ} وضربنا لكم الأمثال بمن سبقكم من الأمم لتتعظوا وتعتبروا {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} أي وعظة وذكرى للمتقين. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة اللطيفة {لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} شبَّه سلوك طريق الشيطان والسير في ركابه بمن يتتبع خطوات الآخر خطوة خطوة بطريق الاستعارة. 2- الإِيجاز بالحذف {أَن يُؤْتُوۤاْ} أي أن لا يؤتوا حذفت منه {لا} لدلالة المعنى وهو كثير في اللغة. 3- صيغة الجمع للتعظيم {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} والمراد به أبو بكر الصدّيق. 4- الجناس الناقص بين {يَعْمَلُونَ} و {يَعْلَمُونَ}. 5- المقابلة اللطيفة بين {ٱلْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ.. وَٱلطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ}. 6- الطباق بين {تُبْدُونَ.. تَكْتُمُونَ}. 7- الإِيجاز بالحذف {يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ} لأن المراد غض البصر عما حرَّم الله لا عن كل شيء فحذف ذلك اكتفاءً بفهم المخاطبين. 8- المجاز المرسل {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} المراد مواقع الزينة وهو من باب إطلاق اسم الحال على المحل قال الزمخشري: وذكرُ الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتستر والتصون. فَائِدَة: قال بعض المحققين: إن يوسف لما رُمي بالفاحشة برّاه الله على لسان صبي في المهد، وإن مريم لما رُميت بالفاحشة برأها الله على لسان ابنها عيسى عليه السلام، وإن عائشة لما رُميت بالفاحشة برأها الله في كتابه العزيز، فما رضي الله لها ببراءة صبيٍّ ولا نبيّ حتى برّأها الله في القرآن من القذف والبهتان. تنبيه: السرُّ في تقديم غضّ البصر على حفظ الفروج {يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} هو أن النظر بريد الزنى ورائد الفجور، وهو مقدمة للوقوع في الخطر كما قال الشاعر: شعر : وكنتَ إذا أَرسلتَ طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر رأيتَ الذي لا كلَّه أنت قادرٌ عليه وعلى عن بعضه أنت صابر تفسير : لطيفَة: ذكر أن قسِّيساً أراد أن ينال من المسلمين بالطعن في أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها، فقال: إن الناس رموها بالإِفك ولا ندري أهي بريئة أم متهمة؟ فأجابه بضع الحاضرين بقوله: إسمعْ يا هذا، هناك امرأتان اتهمتا بالزنى وقد برأهما القرآن الكريم، إحداهما ليس لها زوج وقد جاءت بولد، والأخرى لها زوج ولم يأتها ولد - يقصد مريم وعائشة - فأيتهما أحرى بالتهمة؟ فخرس القسيس.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} معناه آثارُهُ.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 716 : 10 : 20 - سفين عن أبي مجلز {لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} قال، النذر في المعصية. [الآية 21].
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):