Verse. 2811 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

وَلَوْلَا فَضْلُ اللہِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُہٗ وَاَنَّ اللہَ رَءُوْفٌ رَّحِيْمٌ۝۲۰ۧ
Walawla fadlu Allahi AAalaykum warahmatuhu waanna Allaha raoofun raheemun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولولا فضل الله عليكم» أيها العصبة «ورحمته وأن الله رؤوف رحيم» بكم لعاجلكم بالعقوبة.

20

Tafseer

الرازي

تفسير : النوع الثامن وفيه وجوه: أحدها: أن جوابه محذوف وكأنه قال لهلكتم أو لعذبكم الله واستأصلكم لكنه رؤوف رحيم، قال ابن عباس الخطاب لحسان ومسطح وحمنة، ويجوز أن يكون الخطاب عاماً والثاني: جوابه في قوله: { أية : مَا زَكَى مِنكُم مّنْ أَحَدٍ أَبَداً } تفسير : [النور: 21] والثالث: جوابه لكانت الفاحشة تشيع فتعظم المضرة وهو قول أبي مسلم، والأقرب أن جوابه محذوف لأن قوله من بعد { أية : وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ } تفسير : [النور: 21] كالمنفصل من الأول فلا يجب أن يكون جواباً للأول، خصوصاً وقد وقع بين الكلامين كلام آخر، والمراد أنه لولا إنعامه بأن بقي وأمهل ومكن من التلافي لهلكوا، لكنه لرأفته لا يدع ما هو للعبد أصلح وإن جنى على نفسه.

ابن كثير

تفسير : يقول الله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي: لولا هذا، لكان أمر آخر، ولكنه تعالى رؤوف بعباده رحيم بهم، فتاب على من تاب إليه من هذه القضية، وطهر من طهر منهم بالحد الذي أقيم عليهم، ثم قال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} يعني: طرائقه ومسالكه، وما يأمر به {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} هذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح عبارة وأبلغها وأوجزها وأحسنها، قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: {خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ}: عمله. وقال عكرمة: نزغاته. وقال قتادة: كل معصية، فهي من خطوات الشيطان. وقال أبو مجلز: النذور في المعاصي من خطوات الشيطان. وقال مسروق: سأل رجل ابن مسعود فقال: إني حرمت أن آكل طعاماً، وسماه، فقال: هذا من نزغات الشيطان، كفِّر عن يمينك، وكل. وقال الشعبي في رجل نذر ذبح ولده: هذا من نزغات الشيطان، وأفتاه أن يذبح كبشاً. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا حسان ابن عبد الله المصري، حدثنا السري بن يحيى عن سليمان التيمي عن أبي رافع قال: غضبت علي امرأتي، فقالت: هي يوماً يهودية، ويوماً نصرانية، وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك، فأتيت عبد الله بن عمر، فقال: إنما هذه من نزغات الشيطان، وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة، وهي يومئذ أفقه امرأة بالمدينة، وأتيت عاصم بن عمر فقال مثل ذلك. ثم قال تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً} أي: لولا هو يرزق من يشاء التوبة والرجوع إليه ويزكي النفوس من شركها، وفجورها ودنسها، وما فيها من أخلاق رديئة كل بحسبه، لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا خيراً {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ} أي: من خلقه، ويضل من يشاء، ويرديه في مهالك الضلال والغي. وقوله: {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} أي: سميع لأقوال عباده {عَلِيمٌ} بمن يستحق منهم الهدى والضلال.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } أيها العصبة {وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } بكم لعاجلكم بالعقوبة.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {لاَ تَبَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} فيه أربعة أوجه: أحدها: خطايا الشيطان، قاله يحيى بن سلام. الثاني: آثاره، قاله ابن شجرة. الثالث: هو تخطي الشيطان الحلال إلى الحرام والطاعة إلى المعصية، قاله ابن عيسى. الرابع: هو النذور في المعاصي، قاله أبو مجلز. ويحتمل خامساً: أن تكون خطوات الشيطان الانتقال من معصية إلى أخرى مأخوذ من نقل القدم بالخطو من مكان إلى مكان.

النسفي

تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } لعجل لكم العذاب وكرر المنة بترك المعاجلة بالعقاب مع حذف الجواب مبالغة في المنة عليهم والتوبيخ لهم {وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءوفٌ } حيث أظهر براءة المقذوف وأثاب {رَّحِيمٌ } بغفرانه جناية القاذف إذا تاب. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ } أي آثاره ووساوسه بالإصغاء إلى الإفك والقول فيه {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ فَإِنَّهُ } فإن الشيطان {يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء } ما أفرط قبحه {وَٱلْمُنْكَرِ } ما تنكره النفوس فتنفر عنه ولا ترتضيه {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مّنْ أَحَدٍ أَبَداً } ولولا أن الله تفضل عليكم بالتوبة الممحصة لما طهر منكم أحد آخر الدهر من دنس إثم الإفك {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكّى مَن يَشَاء } يطهر التائبين بقبول توبتهم إذا محضوها {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ } لقولهم {عَلِيمٌ } بضمائرهم وإخلاصهم {وَلاَ يَأْتَلِ } ولا يحلف من ائتلى إذا حلف افتعال من الألية أولا يقصر من الألو {أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ } في الدين {وَٱلسَّعَةِ } في الدنيا {أَن يُؤْتُواْ } أي لا يؤتوا إن كان من الألية {أُوْلِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينَ وَٱلْمُهَـٰجِرِينَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ } أي لا يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى المستحقين للإحسان، أو لا يقصروا في أن يحسنوا إليهم وإن كانت بينهم وبينهم شحناء لجناية اقترفوها {وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُواْ } العفو الستر والصفح الإعراض أي ليتجاوزوا عن الجفاء وليعرضوا عن العقوبة {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ } فليفعلوا بهم ما يرجون أن يفعل بهم ربهم مع كثرة خطاياهم {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فتأدبوا بأدب الله واغفروا وارحموا، نزلت في شأن أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفق على مسطح ابن خالته لخوضه في عائشة رضي الله عنها وكان مسكيناً بدرياً مهاجراً، ولما قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر قال: بلى أحب أن يغفر الله لي ورد إلى مسطح نفقته.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} جواب "لولا" محذوف، أي: لعاجلكم بالعقوبة. قال ابن عباس: يريد مسطحاً وحسان وحَمْنة. ويجوز أن يكون الخطاب عاماً. وقيل: جوابه في قوله: {مَا زَكَى مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ}. وقيل: جوابه: لكانت الفاحشة تشيع فتعظم المضرة، وهو قول أبي مسلم. والأقرب أن جوابه محذوف، لأن قوله من بعد: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُمْ} كالمنفصل من الأول، فلا يكون جواباً للأول خصوصاً (وقد) وقع بين الكلامين كلام آخر. قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} الآية قرئ "خُطُوَاتِ" بضم الطاء وسكونها. والخُطُوات: جمع خُطْوة وهو من خَطَا الرجلُ يَخْطُو خَطْواً فإذا أردت الواحدة قلت: خَطْوَة مفتوحة الأول، والمراد بذلك: السيرة. والمعنى: لا تتبعوا آثار الشيطان ولا تسلكوا مسالكه في إشاعة الفاحشة، والله تعالى وإن خص بذلك المؤمنين، فهو نهي لكل المكلفين، لأن قوله: {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَآءِ} منع لكل المكلفين من ذلك والفحشاء: ما أفْرَط قُبْحُهُ. والمُنْكَر: ما تنكره النفوس، فتنفر عنه ولا ترتضيه. قوله: "فإنه يأمر" في هذه الهاء ثلاثة أوجه: أحدها: أنها ضمير الشأن، وبه بدأ أبو البقاء. والثاني: أنها ضمير الشيطان. وهذان الوجهان إنما يجوزان على رأي من لا يشترط عود الضمير على اسم الشرط من جملة الجزاء. والثالث: أنه عائد على "مَنْ" الشرطية. قوله: "مَا زَكَى". العامة على تخفيف الكاف، يقال: زَكَا يَزْكُو، وفي ألفه الإمالة وعدمها. وقرأ الأعمش وابن محيصن وأبو جعفر بتشديدها. وكتبت ألفه ياء، وهو شاذ، لأنه من ذوات الواو كغزا، وإنما حمل على لغة من أمال، أو على كتابة المشدد. فعلى قراءة التخفيف يكون "مِنْ أحَدٍ" فاعلاً. وعلى قراءة التشديد يكون مفعولاً، و"مِنْ" مزيدة على كلا التقديرين، والفاعل هو الله تعالى. فصل قال مقاتل: ما زَكَا: ما صلح. وقال ابن قتيبة: ما (ظهر). وقيل: من بلغ في الطاعة لله مبلغ الرضا، (يقال: زكا الزرع)، فإذا بلغ المؤمن في الصلاح في الدين ما يرضاه (تعالى) سمي زكياً، فلا يقال: زكى إلا إذا وجد زاكياً، كما لا يقال لمن ترك الهدى: هداه الله مطلقاً، بل يقال: هداه الله فلم يهتد. ودلت الآية على أن الله تعالى هو الخالق لأفعال العباد، لأن التزكية كالتسويد والتحمير، فكما أن التسويد يحصل السواد، فكذا التزكية تحصل الزكاء في المحل. والمعتزلة حملوه هنا على فعل الإلطاف، أو على الحكم بكون العبد زكياً، وهو خلاف الظاهر، ولأن الله تعالى قال: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ} علق التزكية على الفضل والرحمة، وخلق الإلطاف واجباً فلا يكون معلقاً بالفضل والرحمة، وأما الحكم بكونه زكياً فذلك واجب، لأنه لولا الحكم له لكان كذباً (و) الكذب على الله محال، فكيف يجوز تعليقه بالمشيئة؟. فصل قال ابن عباس في رواية عطاء: هذا خطاب للذين خاضوا في الإفك، ومعناه: ما ظهر من هذا الذنب ولا صلح أمره بعد الذي فعل، أي: ما قبل منكم توبة أحد أبداً، {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي} يطهر "مَنْ يَشَاءُ" من الذنب بالرحمة والمغفرة {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي: يسمع أقوالكم في القذف، وأقوالكم في البراءة و"عَلِيمٌ" بما في قلوبهم من محبة إشاعة الفاحشة أو من كراهتها، وإذا كان كذلك وجب الاحتراز عن معصيته.

البقاعي

تفسير : ولما ختم بالحكم عليهم بالجهل، وكان التقدير كما أرشد إليه ما يأتي من العطف على غير معطوف: فلولا فضل الله عليكم ورحمته بكم لعجل هلاك المحبين لشيوع ذلك بعذاب الدنيا ليكون موصولاً بعذاب الآخرة، عطف عليه قوله مكرراً التذكير بالمنة بترك المعاجلة حاذفاً الجواب، منبهاً بالتكرير والحذف على قوة المبالغة وشدة التهويل: {ولولا فضل الله} أي الحائز لجميع الجلال والإكرام {عليكم ورحمته} بكم {وأن} أي ولولا أن {الله} أي الذي له القدرة التامة فسبقت رحمته غضبه {رؤوف} بكم في نصب ما يزيل جهلكم بما يحفظ من سرائركم بإرسال الرسل وإنزال الكتب ونصب الحدود، الزاجرة عن الجهل، الحاملة على التقوى، التي هي ثمرة العلم، فإن الرأفة كما تقدم في الحج وغيرها تقيم المرؤوف به لأنها ألطف الرحمة وأبلغها على أقوم سنن حتى تحفظ بمسراها في سره ظهور ما يستدعي العفو، وتارة يكون هذا الحفظ بالقوة بنصب الأدلة، وتارة يضم إلى ذلك الفعل بخلق الهداية في القلب بما للمرؤوف به من الوصلة بسهولة الانقياد وقوة الاستعداد {رحيم*} بما يثبت لكم من الدرجات على ما منحكم به من ثمرات ذلك الحفظ من الأعمال المرضية، والجواب محذوف تقديره: لترككم في ظلمات الجهل تعمهون، فثارت بينكم الفتن حتى تفانيتم ووصلتم إلى العذاب الدائم بعد الهم اللازم. ولما أخبرهم بأنه ما أنزل لهم هذا الشرع على لسان هذا الرسول الرؤوف الرحيم إلا رحمة لهم، بعد أن حذرهم موارد الجهل، نهاهم عن التمادي فيه في سياق معلم أن الداعي إليه الشيطان العدو، فقال ساراً لهم بالإقبال عليهم بالنداء: {يا أيها الذين آمنوا} أي أقروا بالإيمان {لا تتبعوا} أي بجهدكم {خطوات} أي طريق {الشيطان} أي لا تقتدوا به ولا تسلكوا مسالكه التي يحمل على سلوكها بتزيينها في شيء من الأشياء، وكأنه أشار بصيغة الافتعال إلى العفو عن الهفوات. ولما كان التقدير: فإنه من يتنكب عن طريقه يأت بالحسنى والمعروف، عطف عليه قوله: {ومن يتبع} أي بعزم ثابت من غير أن يكون مخطئاً أو ناسياً؛ وأظهر ولم يضمر لزيادة التنفير فقال: {خطوات الشيطان} أي ويقتد به يقع في مهاوي الجهل الناشىء عنها كل شر {فإنه} أي الشيطان {يأمر بالفحشاء} وهي ما أغرق في القبح {والمنكر} وهو ما لم يجوزه الشرع، فهو أولاً يقصد أعلى الضلال، فإن لم يصل تنزل إلى أدناه، وربما درج بغير ذلك، ومن المعلوم أن من اتبع من هذا سبيله عمل بعمله، فصار في غاية السفول، وهذا أشد في التنفير من إعادة الضمير في {فإنه على من} والله الموفق. ولما كان التقدير: فلولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان مع أمره بالقبائح، عطف عليه قوله: {ولولا فضل الله} أي ذي الجلال والإكرام {عليكم} أي بتطهير نفوسكم ورفعها عما تعشقه من الدنايا إلى المعالي {ورحمته} لكم بإكرامكم ورفعتكم بشرع التوبة المكفرة لما جرّ إليه الجهل من ناقص الأقوال وسفاف الأفعال {ما زكى} أي طهر ونما {منكم} وأكد الاستغراق بقوله: {من أحد} وعم الزمان بقوله: {أبداً ولكن الله} أي بجلاله وكماله {يزكي} أي يطهر وينمي {من يشاء} من عباده، من جميع أدناس نفسه وأمراض قلبه، وإن كان العباد وأخلاقهم في الانتشار والكثرة بحيث لا يحصيهم غيره، فلذلك زكى منكم من شاء فصانه عن هذا الإفك، وخذل من شاء. ثم ختم الآية بما لا تصح التزكية بدونه فقال: {والله} أي الذي له جميع صفات الكمال {سميع} أي لجميع أقولهم {عليم*} بكل ما يخطر في بالهم، وينشأ عن أحوالهم وأفعالهم، فهو خبير بمن هو أهل للتزكية ومن ليس بأهل لها، فاشكروا الله على تزكيته لكم من الخوض في مثل ما خاض فيه غيركم ممن خذله نوعاً من الخذلان، واصبروا على ذلك منهم، ولا تقطعوا إحسانكم عنهم، فإن ذلك يكون زيادة في زكاتكم، وسبباً لإقبال من علم فيه الخير منهم، فقبلت توبته، وغسلت حوبته، وهذا المراد من قوله: {ولا يأتل} أي يحلف مبالغاً في اليمين {أولوا الفضل منكم} الذين جعلتهم بما آتيتهم من العلم والأخلاق الصالحة أهلاً لبر غيرهم {والسعة} أي بما أوسعت عليهم في دنياهم. ولما كان السياق والسباق واللحاق موضحاً للمراد، لم يحتج إلى ذكر أداة النفي فقال: {أن يؤتوا} ثم ذكر الصفات المقتضية للإحسان فقال: {أولي القربى} وعددها بأداة العطف تكثيراً لها وتعظيماً لأمرها، وإشارة إلى أن صفة منها كافية في الإحسان، فكيف إذا اجتمعت! فقال سبحانه: {والمساكين} أي الذين لا يجدون ما يغنيهم وإن لم تكن لهم قرابة {والمهاجرين} لأهلهم وديارهم وأموالهم {في سبيل الله} أي الذي عم الخلائق بجوده لما له من الإحاطة بالجلال والإكرام وإن انتفى عنهم الوصفان الأولان، فإن هذه الصفات مؤذنة بأنهم ممن زكى الله، وتعدادها بجعلها علة للعفو - دليل على أن الزاكي من غير المعصومين قد يزل، فتدركه الزكاة بالتوبة فيرجع كما كان، وقد تكون الثلاثة لموصوف واحد لأن سبب نزولها مسطح رضي الله عنه، فالعطف إذن للتمكن في كل وصف منها. ولما كان النهي عن ذلك غير صريح في العفو، وكان التقدير: فلؤتوهم، عطف عليه مصرحاً بالمقصود قوله: {وليعفوا} أي عن زللهم بأن يمحوه ويغطوه بما يسلبونه عليه من أستار الحلم حتى لا يبقى له أثر. ولما كان المحو لا ينفي التذكر قال: {وليصفحوا} أي يعرضوا عنه أصلاً ورأساً، فلا يخطروه لهم على بال ليثمر ذلك الإحسان، ومنه الصفوح وهو الكريم. ولما كانت لذة الخطاب تنسي كل عتاب، أقبل سبحانه بفضله ومنّه وطوله على أولي الفضل، مرغباً في أن يفعلوا بغيرهم ما يحبون أن يفعل بهم، مرهباً من أن يشدد عليهم إن شددوا فقال: {ألا تحبون} أي يا أولي الفضل {أن يغفر الله} أي الملك الأعظم {لكم} أي ما قصرتم في حقه، وسبب نزولها كما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أن أباها رضي الله تعالى عنه كان حلف ما بعد برأ الله عائشة رضي الله عنها أن لا ينفق على مسطح ابن خالته لكونه خاض من أهل الإفك؛ وفي تفسير الأصبهاني عن ابن عباس رضي الله عنهما: أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر رضي الله عنهم أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا ينفعوهم فأنزل الله هذه الآية. وناهيك بشهادة الله جل جلاله للصديق بأنه من أولي الفضل فيا له من شرف ما أجلاه! ومن سؤدد وفخار ما أعلاه! ولا سيما وقد صدقه رضي الله عنه بالعفو عمن شنع على ثمرة فؤاده ومهجة كبده، وهي الصديقة زوجة خاتم المرسلين، وخير الخلائق أجمعين، والحلف على أنه لا يقطع النفقة عنه أبداً، فيا لله من أخلاق ما أبهاها! وشمائل ما أطهرها وأزكاها! وأشرفها وأسندها. ولما كان الجواب قطعاً كما أجاب الصديق رضي الله عنه: بلى والله! إنا لنحب أن يغفر الله لنا، وكان كأنه قيل: فاغفروا لمن أساء إليكم، فالله حكم عدل، يجازيهم على إساءتهم إليكم إن شاء، والله عليم شكور، يشكر لكم ما صنعتم إليهم، عطف عليه قوله: {والله} أي مع قدرته الكاملة وعلمه الشامل {غفور رحيم*} من صفته ذلك، إن شاء يغفر لكم ذنوبكم بأن يمحوها فلا يدع لها أثراً ويرحمكم بعد محوها بالفضل عليكم كما فعلتم معهم، فإن الجزاء من جنس العمل.

ابو السعود

تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} تكريرٌ للمنَّةِ بترك المعاجلةِ بالعقاب للتنبـيه على كمال عظمِ الجريرةِ {وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ} عطفٌ على فضلُ الله. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتربـية المهابةِ والإشعارِ باستتباع صفةِ الأُلوهية للرَّأفة والرَّحمةِ، وتغيـيرُ سبكِه وتصديرُه بحرفِ التَّحقيقِ لما أنَّ المرادَ بـيانُ اتِّصافِه تعالى في ذاتِه بالرَّأفةِ التي هي كمالُ الرَّحمةِ والرَّحيميةِ التي هي المبالغةُ فيها على الدَّوامِ والاستمرارِ لا بـيانُ حدوثِ تعلُّق رأفتِه ورحمتِه بهم كما أنَّه المراد بالمعطوفِ عليه. وجوابُ لولا محذوفٌ لدلالةِ ما قبلَه عليه. {يـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} أي لا تسلكُوا مسالكَه في كلِّ ما تأتُون وما تذرُون من الأفاعيل التي من جُملتِها إشاعةُ الفاحشةِ وحبُّها. وقُرىء خُطْواتِ بسكونِ الطَّاءِ وبفتحِها أيضاً {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ} وُضعَ الظَّاهرانِ موضعَ ضميريهما حيثُ لم يُقلْ ومَن يتبعها أو ومَن يتبع خطواتِه لزيادة التَّقريرِ والمبالغةِ في التَّنفيرِ والتَّحذيرِ {فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ} علَّة للجزاءِ وضعتْ موضعَه كأنَّه قيل: فقد ارتكبَ الفحشاءَ والمُنكرَ لأنَّه دأبُه المستمرُّ أنْ يأمرَ بهما فمَن اتبعَ خطواتِه فقدِ امتثلَ بأمرِه قطعاً. والفحشاءُ: ما أفرطَ قبحُه كالفاحشةِ، والمنكرُ: ما يُنكره الشَّرعُ. وضميرُ إنَّه للشَّيطانِ وقيل: للشَّأنِ على رأي مَن لا يوجبُ عودَ الضَّميرِ من الجُملةِ الجزائيَّةِ إلى اسمِ الشَّرطِ، أو على أنَّ الأصلَ يأمرُه وقيل: هو عائدٌ إلى مَن أي فإنَّ ذلك المتَّبعَ يأمرُ النَّاسَ بهما لأنَّ شأنَ الشَّيطانِ هو الإضلالُ فمن اتَّبعه يترقَّى من رُتبة الضَّلالِ والفساد إلى رُتبة الإضلالِ والإفسادِ. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} بما مِن جُملتِه هاتيك البـياناتُ والتَّوفيقُ للتَّوبةِ الماحصةِ للذُّنوبِ، وشرحُ الحُدودِ المُكفِّرةِ لها {مَا زَكَى} أي ما طهُر من دنسِها. وقُرىء ما زكَّى بالتَّشديدِ أي ما طهَّر الله تعالى. ومِن في قولِه تعالى: {مّنكُمْ} بـيانيَّةٌ. وفي قولِه تعالى: {مّنْ أَحَدٍ} زائدةٌ وأحدٌ في حيِّزِ الرَّفعِ على الفاعليَّةِ على القراءةِ الأُولى، وفي محلِّ النَّصبِ على المفعوليَّةِ على القراءةِ الثَّانيةِ {أَبَدًا} لا إلى نهايةٍ {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكّى} يُطهِّر {مَن يَشَآء} من عبادِه بإفاضة آثارِ فضلِه ورحمتِه عليه، وحملِه على التَّوبةِ ثمَّ قبولِها منه كما فَعَل بكُم {وَٱللَّهُ سَمِيعٌ} مبالغٌ في سمعِ الأقوالِ التي مِنْ جُملتِها ما أظهرُوه من التَّوبةِ {عَلِيمٌ} بجميعِ المعلوماتِ التي مِنْ جُملتِها نيَّاتُهم، وفيه حثٌّ لهم على الإخلاص في التَّوبة. وإظهارُ الاسمِ الجليلِ للإيذانِ باستدعاءِ الأُلوهيَّةِ للسمعِ والعلمِ مع ما فيهِ من تأكيدِ استقلالِ الاعتراضِ التَّذيـيليِّ.

القشيري

تفسير : كرَّر قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} لِيُبَيِّنَ للجميع أنَّ حُسْنَ الدفعِ عنهم كان بفضله ورحمته وجميل المنح لهم، وكلٌّ يشهد حُسنَ المَنْحِ ويشكر عليه، وعزيزٌ عبدٌ يشهد حُسْنَ الدفع عنه فيحمده على ذلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولولا فضل الله عليكم ورحمته وان الله رؤف رحيم} جواب لولا محذوف اى لولا فضله وانعامه عليكم وانه بليغ الرأفة والرحمة بكم لعاجلكم بالعقاب على ما صدر منكم. وفى الآيتين اشارات، منها ان اهل الافك كما يعاقبون على الاظهار يعاقبون باسرار محبة الاشاعة فدل على وجوب سلامة القلب للمؤمنين كوجوب كف الجوارح والقول عما يضرهم وفى الحديث "حديث : انى لاعرف قوما يضربون صدورهم ضربا يسمعه اهل النار وهو الهمازون الذين يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم ويشيعون لهم الفواحش"تفسير : وفى الحديث "حديث : ايما رجل اشاع على رجل مسلم كلمة وهو منها برىء يرى ان يشينه بها فى الدنيا كان حقا على الله ان يرميه بها فى النار"تفسير : كما فى الكبير فالصنيع الذى ذكر من اهل الافك ليس من صنيع اهل الايمان فان من صنيع اهل الايمان ما قال عليه السلام "حديث : المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"تفسير : وقال "حديث : مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كنفس واحدة اذا اشتكى منها عضو تداعى سائر الجسد بالحمى والسهر" شعر : بنى آدم اعضاى يكديكرند كه در آفرينش زيك كوهرند جو عضوى بدرد آوردروز كار دكر عضوها را نماند قرار تو كز محنت ديكران بى غمى نشايد كه نامت نهند آدمى تفسير : فمن اركان الدين مظاهرة المسلمين واعانة اهل الدين وارادة الخير بكافة المؤمنين والذى يود الفتنة وافتضاح الناس فهو شر الخلق كالخناس، ومنها ان ترك المعاجلة بالعذاب تعريض للتوبة فدل على ان عذاب الآخرة انما هو على تقدير الاصرار وعليه يحمل قوله عليه السلام "حديث : اذا كان يوم القيامة حد الله الذي شتموا عائشة ثمانين على رؤس الخلائق فيستوهب لى المهاجرين منهم واستأمرك يا عائشة"، قال الراوى فلما سمعت عائشة وكانت فى البيت بكت وقالت "والذى بعثك بالحق نبيا لسرورك احب الىّ من سرورى" فتبسم رسول الله ضاحكا وقال "ابنة صديق"تفسير : ، ومنها غاية كرم الله ورحمته وفضله على عباده حيث يتفضل عليهم ويرحمهم ويزكيهم عن اوصافهم الذميمة مع استحقاقهم العذاب الاليم فى الدنيا والآخرة فانه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب ولو كان للعذاب لكان من جهتهم بسوء اختيارهم وعصمنا الله واياكم من الاوصاف الذميمة الموجبة للعذاب الاليم وشرفنا بالاخلاق الحميدة الباعثة على الدرجات والتنعمات فى دار النعيم.

الجنابذي

تفسير : تكرار هذه الكلمة اشارة الى نهاية قبح هذا القول وشدّة الغضب لاجله ونهاية قبح حبّ شياع الفاحشة فى المؤمنين، وحذف الجواب ههنا للاشعار بشدّة القبح وشدّة الغضب على حبّ شياع الفاحشة.

اطفيش

تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُم وَرَحْمتَهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَؤُوفَ رَّحِيمٌ} بكم لعاجلكم في الدنيا والخطاب للعصبة وكرر ذلك تكريرا للمنة بالامهال مع عظم الجريمة وفي حذف الجواب وذلك التكرار مع ذكر الرافة وذكر الرحمة ايضا بعدها مبالغة عظيمة.

اطفيش

تفسير : لعوجلتم بعذاب مستأصل أو عذاب أعظم مما أصابكم من الحد أو غيره على ما مر، والخطاب لمسطح وحسان وحمنة، عند ابن عباس، وقيل لغير ابن أبى ونحوه من المنافقين، وقيل لغيرهم، ولهم على معنى أن من شأن الله الرأفة والرحمة، وقبول التوبة، إلا إن اختار أحد لنفسه السوء، وعن ابن عباس: من خاض فى حديث الإفك وتاب لم تقبل توبته، يعنى أن الله حكم شقاوتهم وتوبتهم غير خالصة، أو لا يختم لهم بها، ومراده ابن أبى ونحوه، وهذا أولى من أن يقال أراد التغليظ.

الالوسي

تفسير : {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ } الخطاب على ما أخرج الطبراني عن ابن عباس لمسطح وحسان وحمنة، أو لمن عدا ابن أبـي وأضرابه من المنافقين الخائضين، وهذا تكرير للمنة بترك المعاجلة بالعقاب للتنبيه على كمال عظم الجريرة وقوله سبحانه وتعالى: {وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } عطف على {فَضَّلَ ٱللَّهُ } وإظهار الاسم الجليل لتربية المهابة والإشعار باستتباع صفة الألوهية للرأفة والرحمة، وتغيير سبكه وتصديره بحرف التحقيق لما أن المراد بيان اتصافه تعالى في ذاته بهاتين الصفتين الجليلتين على الدوام والاستمرار لا بيان حدوث تعلقهما بهم كما أنه المراد بالمعطوف عليه وجواب {لَوْلاَ } محذوف كما مر. وهذه نظير الآية المارة في آخر حديث اللعان إلا أن في التعقيب بالرؤوف الرحيم بدل { أية : تَوَّابٌ حَكِيمٌ } تفسير : [النور: 10] هنالك ما يؤذن بأن الذنب في هذا أعظم وكأنه لا يرتفع إلا بمحض رأفته تعالى وهو أعظم من أن يرتفع بالتوبة كما روي عن ابن عباس من خاض في حديث الإفك وتاب لم تقبل توبته والغرض التغليظ فلا تغفل.

ابن عاشور

تفسير : هذه ثالث مرة كرر فيها {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} وحذف في الأول والثالث جواب (لولا) لتذهب النفس كل مذهب ممكن في تقديره بحسب المقام. وقد ذكر في المرة الأولى وصف الله بأنه تواب حكيم للمناسبة المتقدمة، وذكر هنا بأنه رؤوف رحيم، لأن هذا التنبيه الذي تضمنه التذييل فيه انتشال للأمة من اضطراب عظيم في أخلاقها وآدابها وانفصام عرى وحدتها فأنقذها من ذلك رأفة ورحمة لآحادها وجماعتها وحفظاً لأواصرها. وذكر وصف الرأفة والرحمة هنا لأنه قد تقدمه إنقاذه إياهم من سوء محبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا تلك المحبة التي انطوت عليها ضمائر المنافقين كان إنقاذ المؤمنين من التخلق بها رأفة بهم من العذاب ورحمة لهم بثواب المتاب. وهذه الآية هي منتهى الآيات العشر التي نزلت في أصحاب الإفك على عائشة رضي الله عنها، نزلت متتابعة على النبي صلى الله عليه وسلم وتلاها حين نزولها وهو في بيته.

د. أسعد حومد

تفسير : (20) - فَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُم، وَلَوْلاَ رَحْمَتُهُ بِكُمْ بَعْدَ الذي قِيلَ، لأَهْلَكَكُم، وَلَكِنَّهُ تَعَالَى رَؤُوف بِعِبَادِهِ، رَحِيمٌ بِهِمْ، فَتَابَ عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيهِ مِنْ هَذِهِ القَضِيَّةِ، وَطَهَّرَ مِنْهُم مَنْ طَهَّرَ بِالحدِّ الذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : انظر كم فضل من الله تعالى تفضّل به على عباده في هذه الحادثة، ففي كل مرحلة من مراحل هذه القضية يقول سبحانه: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ..} [النور: 20] وهذا دليل على أن ما حدث كان للمؤمنين نعمة وخير، وإنْ ظنوه غير ذلك. لكن أين جواب لولا؟ الجواب يُفهَم من السياق وتقديره: لَفُضحْتُم ولَهلكتم، وحصل لكم كذا وكذا، ولك أنْ تُقدِّره كما تشاء. وما منع عنكم هذا كله إلا فضل الله ورحمته. وفي موضع آخر يوضح الحق سبحانه منزلة هذا الفضل: {أية : قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} تفسير : [يونس: 58]. فالحق - سبحانه وتعالى - شرع منهجاً ويحب مَنْ يعمل به، لكن فرحة العبد لا تتم بمجرد العمل، وإنما بفضل الله ورحمته في تقبُّل هذا العمل. إذن: ففضْل الله هو القاسم المشترك في كل تقصير من الخَلْق في منهج الخالق عز وجل. وبعد هذه الحادثة كان لا بُدَّ أنْ يقول تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ ...}.