Verse. 2810 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

اِنَّ الَّذِيْنَ يُحِبُّوْنَ اَنْ تَشِيْعَ الْفَاحِشَۃُ فِي الَّذِيْنَ اٰمَنُوْا لَہُمْ عَذَابٌ اَلِيْمٌ۝۰ۙ فِي الدُّنْيَا وَالْاٰخِرَۃِ۝۰ۭ وَاللہُ يَعْلَمُ وَاَنْتُمْ لَا تَعْلَمُوْنَ۝۱۹
Inna allatheena yuhibboona an tasheeAAa alfahishatu fee allatheena amanoo lahum AAathabun aleemun fee alddunya waalakhirati waAllahu yaAAlamu waantum la taAAlamoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة» باللسان «في الذين آمنوا» بنسبتها إليهم وهم العصبة «لهم عذاب أليم في الدنيا» بحد القذف «والآخرة» بالنار لحق الله «والله يعلم» انتفاءها عنهم «وأنتم» أيها العصبة بما قلتم من الإفك «لا تعلمون» وجودها فيهم.

19

Tafseer

الرازي

تفسير : النوع السابع اعلم أنه سبحانه لما بين ما على أهل الإفك وما على من سمع منهم، وما ينبغي أن يتمسكوا به من آداب الدين أتبعه بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ } ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك في هذا الذم كما شارك فيه من فعله ومن لم ينكره، وليعلم أن أهل الأفك كما عليهم العقوبة فيما أظهروه، فكذلك يستحقون العقاب بما أسروه من محبة إشاعة الفاحشة في المؤمنين، وذلك يدل على وجوب سلامة القلب للمؤمنين كوجوب كف الجوارح والقول عما يضربهم، وههنا مسائل: المسألة الأولى: معنى الإشاعة الانتشار يقال في هذا العقار سهم شائع إذا كان في الجميع ولم يكن منفصلاً، وشاع الحديث إذا ظهر في العامة. المسألة الثانية: لا شك أن ظاهر قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ } يفيد العموم وأنه يتناول كل من كان بهذه الصفة، ولا شك أن هذه الآية نزلت في قذف عائشة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فوجب إجراؤها على ظاهرها في العموم، ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيصها بقذفة عائشة قوله تعالى في: {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ } فإنه صيغة جمع ولو أراد عائشة وحدها لم يجز ذلك، والذين خصصوه بقذفة عائشة منهم من حمله على عبدالله بن أبي، لأنه هو الذي سعى في إشاعة الفاحشة قالوا معنى الآية: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ } والمراد عبدالله أن تشيع الفاحشة أي الزنا في الذين آمنوا أي في عائشة وصفوان. المسألة الثالثة: روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : إني لأعرف قوماً يضربون صدورهم ضرباً يسمعه أهل النار، وهم الهمازون اللمازون الذين يلتمسون عورات المسلمين ويهتكون ستورهم ويشيعون فيهم من الفواحش ما ليس فيهم » تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام: « حديث : لا يستر عبد مؤمن عورة عبد مؤمن إلا ستره الله يوم القيامة ومن أقال مسلماً صفقته أقال الله عثرته يوم القيامة ومن ستر عورته ستر الله عورته يوم القيامة » تفسير : وعنه عليه الصلاة والسلام: « حديث : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه » تفسير : وعن عبدالله بن عمر عنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : من سره أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويحب أن يؤتى إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه » تفسير : وعن أنس قال: قال عليه الصلاة والسلام: « حديث : لا يؤمن العبد حتى يجب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير » تفسير : . المسألة الرابعة: اختلفوا في عذاب الدنيا، فقال بعضهم إقامة الحد عليهم، وقال بعضهم هو الحد واللعن والعداوة من الله والمؤمنين، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن أبي وحسان ومسطح، وقعد صفوان لحسان فضربه ضربة بالسيف فكف بصره، وقال الحسن عنى به المنافقين لأنهم قصدوا أن يغموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أراد غم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر، وعذابهم في الدنيا هو ما كانوا يتعبون فيه وينفقون لمقاتلة أوليائهم مع أعدائهم، وقال أبو مسلم: الذين يحبون هم المنافقون يحبون ذلك فأوعدهم الله تعالى العذاب في الدنيا على يد الرسول صلى الله عليه وسلم بالمجاهدة لقوله: { أية : جَـٰهِدِ ٱلْكُفَّـٰرَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱغْلُظْ عَلَيْهِمْ } تفسير : [التوبة: 73] والأقرب أن المراد بهذا العذاب ما استحقوه بإفكهم وهو الحد واللعن والذم. فأما عذاب الآخرة فلا شك أنه في القبر عذابه، وفي القيامة عذاب النار. أما قوله: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } فهو حسن الموقع بهذا الموضع لأن محبة القلب كامنة ونحن لا نعلمها إلا بالأمارات، أما الله سبحانه فهو لا يخفى عليه شيء، فصار هذا الذكر نهاية في الزجر لأن من أحب إشاعة الفاحشة وإن بالغ في إخفاء تلك المحبة فهو يعلم أن الله تعالى يعلم ذلك منه وإن علمه سبحانه بذلك الذي أخفاه كعلمه بالذي أظهره ويعلم قدر الجزاء عليه. المسألة الخامسة: الآية تدل على أن العزم على الذنب العظيم عظيم، وأن إرادة الفسق فسق، لأنه تعالى علق الوعيد بمحبة إشاعة الفاحشة. المسألة السادسة: قال الجبائي دلت الآية على أن كل قاذف لم يتب من قذفه فلا ثواب له من حيث استحق هذا العذاب الدائم، وذلك يمنع من استحقاق ضده الذي هو الثواب، فمن هذا الوجه تدل على ما نقوله في الوعيد، واعلم أن حاصله يرجع إلى مسألة المحابطة وقد تقدم الكلام عليه. المسألة السابعة: قالت المعتزلة: إن الله تعالى بالغ في ذم من أحب إشاعة الفاحشة، فلو كان تعالى هو الخالق لأفعال العباد لما كان مشيع الفاحشة إلا هو، فكان يجب أن لا يستحق الذم على إشاعة الفاحشة إلا هو، لأنه هو الذي فعل تلك الإشاعة وغيره لم يفعل شيئاً منها، والكلام عليه أيضاً قد تقدم. المسألة الثامنة: قال أبو حنيفة رحمه الله: المصابة بالفجور لا تستنطق، لأن استنطاقها إشاعة للفاحشة وذلك ممنوع منه.

ابن كثير

تفسير : هذا تأديب ثالث لمن سمع شيئاً من الكلام السيىء، فقام بذهنه شيء منه، وتكلم به، فلا يكثر منه، ولا يشيعه ويذيعه، فقد قال تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح، {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ٱلدُّنْيَا} أي: بالحد، وفي الآخرة بالعذاب الأليم، {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي: فردوا الأمور إليه ترشدوا. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكير، حدثنا ميمون بن موسى المرئي، حدثنا محمد بن عباد المخزومي عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : لا تؤذوا عباد الله، ولا تعيروهم، ولا تطلبوا عوراتهم، فإنه من طلب عورة أخيه المسلم، طلب الله عورته، حتى يفضحه في بيته».

المحلي و السيوطي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَٰحِشَةُ } باللسان {في ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ } بنسبتها إليهم وهم العصبة {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ٱلدُّنْيَا } بحدّ القذف {وَٱلأَخِرَةِ } بالنار لحقِّ الله {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } انتفاءها عنهم {وَأَنتُمْ } أيها العصبة بما قلتم من الإفك {لاَ تَعْلَمُونَ } وجودها فيهم.

ابن عطية

تفسير : قال مجاهد وابن زيد الإشارة بهذه الآية إلى المنافقين عبد الله بن أَبي ومن أشبهه، وهي خاصة في أمر عائشة رضي الله عنها ع فحبهم شياع {الفاحشة} في المؤمنين متمكن على وجهه لعداوتهم في أهل الإيمان، و"عذابهم الأليم" {في الدنيا} الحدود، وفي {الآخرة} النار، وقالت فرقة وقولها الأظهر الآية عامة في كل قاذف منافقاً كان أو مؤمناً ع فالقاذف المؤمن لا يتصف بحب شياع {الفاحشة} في المؤمنين جملة لكنه يحبها لمقذوفه، وكذلك آخر لمقذوفه، وآخر حتى {تشيع الفاحشة} من مجموع فعلهم فهم لها محبون بهذا الوجه من حيث أحب واحد جزءاً من شياعها، والعذاب الأليم {في الدنيا} الحدود وفي {الآخرة} يحتمل وجهين أحدهما أن يكون القاذف متوعداً من بين العصاة بعذاب الآخرة لا يزيله الحد، حسب مقتضى حديث عبادة بن الصامت ويكون أمره كأمر المحاربين إذا صلبوا لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب، والوجه الثاني أن يحكم بأن الحد مسقط عذاب الآخرة حسب حديث عبادة ابن الصامت وأن قوله {والآخرة} لا يريد به عموم القذفة بل يريد إما المنافقين وإما من لم يتب، وقال الطبري معناه إن مات مصراً غير تائب، وقوله {والله يعلم} معناه البريء من المذنب وسائر الأمور، وحجة الحكمة في ستركم والتغليظ في الوعيد والعذاب على قاذفيكم، وقوله: {ولولا فضل الله} الآية جواب {لولا} محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره لفضحكم بذنوبكم ولعذبكم فيما أفضتم فيه من قول الباطل والبهتان.

الثعالبي

تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ...} الآية: قال مجاهد وغيره: الإشارة بهذه الآية إلى المنافقين، وعذابهم الأليم في الدنيا: الحدودُ، وفي الآخرة: النار، وقالت فرقة: الآية عامَّةٌ في كُلِّ قاذف، وهذا هو الأظهر. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} معناه: يعلم البريءَ من المُذْنِبِ، ويعلم سائر الأمور، وجواب {لَوْلاَ} أيضاً محذوف تقديره: لَفَضَحَكُم بذنوبكم، أَو لَعَذَّبَكُم ونحوه. وقوله تعالى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ...} الآية: خطوات جمع خُطْوَة، وهي ما بين القدمين في المشي، فكأنَّ المعنى: لا تمشوا في سُبُلِهِ وطُرُقِهِ. قلت: وفي قوله سبحانه: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً}: ما يردع العاقلَ عن الاشتغال بغيره، ويُوجِبُ له الاهتمامَ بإصلاح نفسه قبل هجوم مَنِيَّتِهِ وحُلُولِ رَمْسِهِ، وحَدَّثَ أَبو عمر في «التمهيد» بسنده عن إسماعيل بن كثير قال: سمعت مجاهداً يقول: «إنَّ الملائكة مع ابن آدم، فإذا ذكر أخاه المسلم بخير، قالت الملائكة: ولك مِثْلُهُ، وإذا ذكره بشرٍّ، قالتِ الملائكةُ: ابنَ آدمَ المستور عورته، أَرْبِعْ على نفسك، واحْمَدِ اللّه الذي يستر عورتك» انتهى ورُوِّينَا في «سنن أبي داودَ» عن سهل بن مُعَاذِ بن أنس الجُهَنِيِّ عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم) قال: «حديث : مَنْ حَمَى مُؤْمِناً مِنْ مُنَافِقٍ ـــ أَرَاهُ قالَ: بَعَثَ اللّهُ مَلَكاً يَحْمِي لَحْمَةُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ رَمَى مُسْلِماً بِشَيْءٍ يُرِيدُ بِهِ شَيْنَهُ، حَبَسَهُ اللّهُ ـــ عز وجل ـــ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» تفسير : , وروينا أيضاً عن أَبي داودَ بسنده عن جابرِ بن عبد اللّه وأبي طلحةَ بن سهل الأنصارِيَّين أنَّهما قالا: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَا مِنْ امرىءٍ يَخْذُلُ امرءاً مُسْلِماً في مَوْضِعٌ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ ـــ إلاَّ خَذَلَهُ اللّهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِىءٍ يَنْصُرُ مُسْلِماً في مَوْضِع يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ ـــ إلاَّ نَصَرَهُ اللّهُ في مَوْضِعٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ»تفسير : ، انتهى، ثم ذكر تعالى أَنَّه يزكي مَنْ شاء مِمَّنْ سبقت له السعادة، وكان عمله الصالح أمارة على سبق السعادة له.

ابن عادل

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ} الآية. لمَّا بين ما على الإفك وعلى مَنْ سُمِع مِنْهُ وما ينبغي أن يتمسكوا به من آداب الدين أتبعه بقوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ} ليعلم أن من أحب ذلك فقد شارك في هذا كما شارك فيه من فعله. والإشاعة: الانتشار، يقال: في هذا العقار سهم شائع: إذا كان في الجميع ولم يكن منفصلاً. وشاع الحديث: إذا ظهر في الجميع ولم يكن منفصلاً. وشاع الحديث: إذا ظهر في العامة. والمعنى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ} أن يظهر ويذيع الزنا {فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} يعني: عبد الله بن أبي وأصحابه المنافقين والعذاب في الدنيا: الحد. وفي الآخرة: النار. وظاهر الآية يتناول كل من كان بهذه الصفة. والآية إنما نزلت في قَذَفَةِ عائشة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ثم قال: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} وهذا حسن الموقع في هذا الموضع، لأن محبة القلب كافية ونحن لا نعلمها إلا بالإبانة، وأما الله - سبحانه - فإنه لا يخفى عليه، وهذا نهاية في الزجر، لأن من أحبّ إشاعة الفاحشة وإن بالغ في إخفاء تلك المحبة فهو يعلم أن الله يعلم ذلك منه، ويعلم قدر الجزاء عليه. وهذه الآية تدل على أن العزم على الذنب العظيم ذنب، وأن إرادة الفسق فسق، لأنه تعالى علق الوعيد بمحبّة إشاعة الفاحشة. فصل قالت المعتزلة: إن الله بالغ في ذم من أحب إشاعة الفاحشة، فلو كان تعالى هو الخالق لأفعال العباد لما كان مشيع الفاحشة إلا هو، فكان يجب ألا يستحق الذم على إشاعة الفاحشة إلا هو، لأنه هو الذي فعل تلك الإشاعة، وغيره لم يفعل شيئاً، وتقدم الكلام على (نظيره).

السيوطي

تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والطبراني عن مجاهد {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة} قال: تظهر. يحدث عن شأن عائشة. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة} قال: يحبون أن يظهر الزنا. وأخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن معدان قال: من حدث بما أبصرت عيناه، وسمعت أذناه، فهو من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال: من أشاع الفاحشة فعليه النكال، وإن كان صادقاً. وأخرج البخاري في الأدب والبيهقي في الشعب عن علي بن أبي طالب قال: العامل الفاحشة، والذي يشيع بها، في الإِثم سواء. وأخرج البخاري في الأدب عن شبل بن عون قال: كان يقال من سمع بفاحشة فأفشاها فهو فيها كالذي أبداها. وأخرج أحمد عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "حديث : لا تؤذوا عباد الله، ولا تعيروهم، ولا تطلبوا عوراتهم. فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته ".

القشيري

تفسير : هؤلاء في استحقاق الذمِّ أقبحُ منزلةً، وأشدُّ وِزْراً حيث أحبوا افتضاح المسلمين، ومن أركان الدين مظاهرةُ المسلمين، وإعانةُ أولي الدِّين، وإرادةُ الخير لكافة المؤمنين. والذي يودُّ فتنةً للمسلمين فهو شرُّ الخَلْق، واللَّهُ لا يرضى منه بحاله، ولا يؤهله لمنالِ خلاصة التوحيد.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان الذين} هم ابن ابىّ ومن تبعه فى حديث الافك {يحبون} يريدون {ان تشيع الفاحشة} تنشر وتظهر والفاحشة ما عظم قبحه من الافعال والاقوال والمراد هنا الزنى اى خبره {فى الذين ءامنوا} اخلصوا الايمان {لهم} بسبب ذلك {عذاب اليم} نوع من العذاب متفاقم المه {فى الدنيا} كالحد ونحوه {والآخرة} كالنار وما يلحق بها، قال ابن الشيخ ليس معناه مجرد وصفهم بانهم يحبون شيوعها فى حق الذين آمنوا من غير ان يشيعوا ويظهروا فان ذلك القدر لا يوجب الحد فى الدنيا بل المعنى ان الذين يشيعون الفاحشة والزنى فى الذين آمنوا كصفوان وعائشة عن قصد ومحبة لاشاعتها، وفى الارشاد يحبون شيوعها ويتصدون مع ذلك لاشاعتها وانما لم يصرح به اكتفاء بذكر المحبة فانها مستتبعة له لا محالة وفى الذين آمنوا متعلق بتشيع اى تشيع فيما بين الناس وذكر المؤمنين لانهم العمدة فيهم او بمضمر هو حال من الفاحشة فالموصول عبارة عن المؤمنين خاصة اى يحبون ان تشيع الفاحشة كائنة فى حق المؤمنين وفى شأنهم {والله يعلم} جميع الامور وخصوصا ما فى ضمائر من حب الاشاعة {وانتم لا تعلمون} فابنوا الامر فى الحد ونحوه على الظواهر والله يتولى السرائر.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {إن الذين يُحبون}؛ يريدون {أن تشيعَ الفاحشةُ} أي: تنتشر الخصلة المفرطة في القبح، وهو الرمي بالزنا، أو نفس الزنا، والمراد بشيوعها: شيوع خبرها، أي: يحبون شيوعها ويتصدون مع ذلك لإشاعتها. وإنما لم يصرح به؛ اكتفاء بذكر المحبة؛ فإنها مستلزمة له لا محالة، وهم: عبد الله بن أبيّ وأصحابه ومن تبعهم. {لهم عذابٌ أليم في الدنيا}؛ بالحدّ والفضيحة والتكذيب. ولقد ضرب صلى الله عليه وسلم الحدّ كل من رمى عائشة. وتقدم الخلاف في ابن أُبي، فقيل: حدَّه، وقيل: تركه؛ استئلافاً له. {و} لهم العذاب في {الآخرة} بالنار وغيرها، إن لم يتوبوا. {والله يعلم} جميع الأمور، التي من جملتها: المحبة المذكورة، {وأنتم لا تعلمون} ما يعلمه تعالى، بل إنما يعلمون ما ظهر من الأقوال والأفعال المحسوسة، فابنوا أمركم على ما تعلمونه، وعاقبوا في الدنيا على ما تشاهدونه من الأحوال الظاهرة، والله يتولى السرائر، فيعاقب في الآخرة على ما تُكنه الصدور. {ولولا فضلُ الله عليكم ورحمتُه}؛ التكرير؛ لتعظيم المِنَّةِ بترك المعاجلة؛ للتنبيه على كَمَالِ عِظَمِ الجريمة، {وأنَّ الله رؤوف رحيم} عطف على (فضل الله)، أي: لولا فضله ورأفته لعاَجلكم بالعقوبة، وإظهار إسم الجليل؛ لتربية المهابة، والإشعار باستتباع صفة الأولوهية للرأفة والرحمة، وتصديره بحرف التأكيد؛ لأن المراد بيان اتصافه تعالى في ذاته بالرأفة, التي هي كمال الرحمة, وبالرحيمية التي هي المبالغة فيها على الدوام والاستمرار. والله تعالى أعلم. الإشارة: من شأن أهل الُبعد والإنكار: أنهم إذا سمعوا بحدوث نقص أو عيب في أهل النِّسْبَةِ وأهل الخصوصية فرحوا، وأحبوا أن تشيع الفاحشة فيهم؛ قصداً لغض مرتبتهم؛ حسداً وعناداً، لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة، ولولا فضل الله ورحمته لعاجلهم بالعقوبة. والله تعالى أعلم وأحلم. ولما نزلت براءة عائشة - رضي الله عنها - حلف أبوها لا ينفق على مسطح شيئاً؛ غضباً لعائشة، وكان يُنفق عليه؛ لقرابته. فأنزل الله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ...}

الجنابذي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ} الفاحشة الزّنا او ما يشتدّ قبحه، او كلّ ما نهى الله عزّ وجلّ عنه {فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} متعلّق بتشيع والمعنى الّذين يحبّون ان تكثر الزّنا او سائر الفواحش فى الّذين آمنوا، او الّذين يحبّون ان يكثر ذكر الفاحشة فى الّذين آمنوا، او ظرف مستقرّ حال من الفاحشة، والمعنى انّ الّذين يحبّون ان تظهر الفاحشة الثّابتة فى المؤمنين ويكثر ذكرها {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا} بالحدّ المقرّر له فى الشّريعة أو بالعذاب عند الاحتضار او بالخوف من الافتضاح او باستيحاش المؤمنين منهم {وَٱلآخِرَةِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ} انّ لهم عذاباً فى الدّنيا والآخرة ولذا يمنعكم عن العود {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ولذا تحبّون ولا تخافون والجملة معطوفة على جملة انّ الّذين يحبّون، او على اسم انّ وخبرها وكلتاهما فى مقام التّعليل لقوله يعظكم الله او جملة الله يعلم حاليّة مفيدة للتّعليل، وعن الصّادق (ع) انّه قال: من قال فى المؤمن ما رأته عيناه وسمعته أذناه فهو من الّذين قال الله عزّ وجلّ: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ} (الآية) وعن الكاظم (ع) انّه قيل له: الرّجل من اخوانى بلغنى عنه الشّيء الّذى اكرهه فأسأله عنه فينكر ذلك وقد أخبرنى عنه قوم ثقاة؟- فقال: كذّب سمعك وبصرك عن اخيك وان شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولاً فصدّقه وكذّبهم ولا تذيعنّ عليه شيئاً تشينه به وتهدم به مروّته فتكون من الّذين قال الله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ} (الآية) وعن رسول الله (ص) من اذاع فاحشة كان كمبتديها.

الهواري

تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: أن يظهر الزنا في تفسير قتادة] {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ} وهم المنافقون. كانوا يحبون ذلك ليعيبوا به النبي عليه السلام ويغيظوه. قال تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}. وعذاب الله في الدنيا للمنافقين أن تؤخذ منهم الزكاة كرهاً، وما ينفقون في الغزو كرهاً. قال الله تعالى في براءة: {أية : وَلاَ يَأْتُونَ ٱلصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ} تفسير : [التوبة: 54]. قوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} وهو مثل قوله الأول. أي: لأهلككم واستأصلكم، يعني الذين قالوا ما قالوا. وليس يعني بالفضل والرحمة عبد الله بن أبي ابن سلول فيهم، وقد ذكره بعد هذه الآية أنه في النار. قوله: {وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} أي: بالمؤمنين. وقد نفى الرحمة على الزاني والزانية في أول السورة لأنهم ليسوا بمؤمنين. قوله: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} أي: خطايا الشيطان؛ وبعضهم يقول: أمر الشيطان. قال: {وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ} أي: فإن الشيطان {يَأْمُرُ} بالخطيئة ويأمر {بِٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ} قال: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} وهي مثل الأولى {مَا زَكَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} أي: ما صلح منكم من أحد {أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي} أي: يصلح {مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}. قوله: {وَلاَ يَأْتَلِ} أي: ولا يحلف { أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ} يعني الغنى {أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}. نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق ومسطح. وكان بين مسطح وبين أبي بكر قرابة، وكان يتيماً في حجره، وكان ممن أذاع على عائشة ما أذيع. فلما أنزل الله براءتها وعذرها ائتلى أبو بكر، أي: حلف، ألا يرزأه خيراً أبداً. فأنزل الله هذه الآية، [أي: فكما تحبّون أن يغفر الله لكم فاعفوا واصفحوا]. ذكروا أن النبي عليه السلام دعا أبا بكر فتلاها عليه ثم قال: يا أبا بكر، ألا تحبَّ أن يعفو الله عنك؟ قال: بلى، قال: فاعف وتجاوز. فقال أبو بكر: لا جرم والله لا أمنعه معروفاً كنت أوليه إياه قبل اليوم. ذكروا عن عائشة قالت: كفَّر أبو بكر يمينه لذلك.

اطفيش

تفسير : {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ} تشتهر باللسان فكانوا يشيعونها بحبهم ان تشيع * {الفَاحِشَةُ} فاحشة الزنى وغيره وهم العصبة ومثلهم إلى يوم القيامة * {فِي الَّذِينَ آمَنُوا} عائشة وصفوان رضي الله عنهما والنبي صلى الله عليه وسلم وابو بكر رضي الله عنه ونحوهم إلى يوم القيامة. وقال مجاهد: المراد في ذلك قاذفو عائشة وصفوان ومن معهم {لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا} كالحد والشتم والطرف والعمى والشلل لمن حصلا له وقصد صفوان حسانا فضربه بالسيف فكف بصره {وَالآخِرَةِ} كالعذاب بالنار وعذاب القبر لمن لم يتب وعذاب القبر والتوبيخ لمن تاب * {وَاللَّهُ يَعْلَمُ} براءة عائشة وصفوان وما في القلوب من الاسرار كمحبة الشياع فهو معاقب على ذلك * {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} الا بعد اخباري اياكم.

اطفيش

تفسير : {إنَّ الذينَ} المراد الجنس فيدخل الخائضون فى شأن عائشة، أو هم المراد ويلتحق بهم مثلهم {يحبُّون أن تشيع الفاحشة} الخصلة الشنيعة الزنى، أو الرمى به، وفى ذكر الحب مبالغة لإدخال المحب لانتشارها محبة تدخل تحت الاختيار، ولو لم يقصد إليها بذكر أو سؤال أو سماع أو جارحة، وقيل: المراد بالحب لازمة الإشاعة {فى الَّذين آمنُوا} أى المحصنين والمحصنات، بأن تقع فيهم، وخصهم بالذكر، لأنهم العمدة أو تشهر فيهم نسبتها إلى بعضهم {لهَمْ عذاب أَليم فى الدُّنيا} كالعمى والشلل والحد {والآخرة} بالنار، إلا إن تاب وتخلص من التباعة فله عذاب الدنيا فقط، وإنما يكون الحد كفارة للتائب لا للمصر، ولم يخطر هذا فى قلب أبى هريرة، إذ قال: لا أدرى الحدود كفارة أو لا، أَو أراد لا أَدرى ما عند الله من التوبة، فتكون الحدود كفارة، ومن عدم التوبة فلا تكون كفارة. {واللهُ يعْلَم} أحوالكم وكل شىء ولو فى القلب كحب شيوع الفاحشة، ويعلم الصلاح فى التغليظ بالحدود {وأنتم لا تعلَمون} إلا ما علمَّكم الله.

الالوسي

تفسير : {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ } أي يريدون ويقصدون {أَن تَشِيعَ } أن تنتشر {ٱلْفَـٰحِشَةُ } أي الخصلة المفرطة في القبح وهي الفرية والرمي بالزنا أو نفس الزنا كما روي عن قتادة، والمراد بشيوعها شيوع خبرها {فِى ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } متعلق بتشيع أي تشيع فيما بين الناس. وذكر المؤمنين لأنهم العمدة فيهم أو بمضمر هو حال من الفاحشة أي كائنة في حق المؤمنين وفي شأنهم والمراد بهم المحصنون والمحصنات كما روي عن ابن عباس {لَهُمْ } بسبب ذلك {عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ٱلدُّنْيَا } مما يصيبه من البلاء كالشلل والعمى {وَ} في {ٱلآخِرَةَ } من عذاب النار ونحوه، وترتب ذلك على المحبة ظاهر على ما نقل عن الكرماني من أن أعمال القلب السيئة كالحقد والحسد ومحبة شيوع الفاحشة يؤاخذ العبد إذا وطن نفسه عليها، ويعلم من الآية على أتم وجه سوء حال من نزلت الآية فيهم كابن أبـي ومن وافقه قلباً وقالباً وأن لهم الحظ / الأوفر من العذابين حيث أحبوا الشيوع وأشاعوا. وقال بعضهم: المراد من محبة الشيوع الإشاعة بقرينة ترتب العذاب عليها فإنه لا يترتب إلا على الإشاعة دون المحبة التي لا اختيار فيها، وإن سلم أن المراد بها محبة تدخل تحت الاختيار وهي مما يترتب عليها العذاب قلنا: إن ذلك هو العذاب الأخروي دون العذاب الدنيوي مثل الحد، وقد فسر ابن عباس وابن جبير العذاب الأليم في الدنيا هنا بالحد وهو لا يترتب على المحبة مطلقاً بالاتفاق، ومن هنا قيل أيضاً: إن ذكر المحبة من قبيل الاكتفاء عن ذكر الشيء وهو الإشاعة بذكر مقتضيه تنبيهاً على قوة المقتضي، وقيل: إن الكلام على التضمين أي يشيعون الفاحشة محبين شيوعها لأن كلا معنى المحبة والإشاعة مقصودان. واستشكل تفسير العذاب الأليم في الدنيا بالحد بأنه لا يضم إليه العذاب الأليم في الآخرة لأن الحدود مكفرة. وأجيب بأن حكم الآية مخصوص بمن أشاع ذلك في حق أم المؤمنين، وقيل: الحد لمن نقل الإفك من المسلمين والعذاب الأخروي لأبـي عذرته ابن أبـي والموصول عام لهما، على أن في كون الحدود مطلقاً مكفرة خلافاً فبعضهم قال به فيما عدا الردة وبعضهم أنكره وبعضهم توقف فيه لحديث أبـي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: « حديث : لا أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا » تفسير : ولعل الأنسب بمساق النظم الكريم من تقبيح الخائضين في الإفك المشيعين له هو ما ذكرناه أولاً، والمراد بالموصول إما هم على أن يكون للعهد الخارجي كما روي عن مجاهد وابن زيد؛ والتعبير بالمضارع في الصلة للإشارة إلى زيادة تقبيحهم بأنه قد صارت محبتهم لشيوع الفاحشة عادة مستمرة، وأما ما يعمهم وغيرهم من كل من يتصف بمضمون الصلة على إرادة الجنس ويدخل أولئك المشيعون دخولاً أولياً كما قيل. {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ } جميع الأمور التي من جملتها ما في الضمائر من المحبة المذكورة وكذا وجه الحكمة في تغليظ الوعيد {وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ما يعلمه سبحانه وتعالى. والجملة اعتراض تذييلي جيء به تقريراً لثبوت العذاب له وتعليلاً له، قيل: المعنى والله يعلم ما في ضمائرهم فيعاقبهم عليه في الآخرة وأنتم لا تعلمون ذلك بل تعلمون ما يظهر لكم من أقوالهم فعاقبوا عليه في الدنيا.

ابن عاشور

تفسير : لما حذر الله المؤمنين من العود إلى مثل ما خاضوا به من الإفك على جميع أزمنة المستقبل أعقب تحذيرهم بالوعيد على ما عسى أن يصدر منهم في المستقبل بالوعيد على محبة شيوع الفاحشة في المؤمنين؛ فالجملة استئناف ابتدائي، واسم الموصول يعم كل من يتصف بمضمون الصلة فيعم المؤمنين والمنافقين والمشركين، فهو تحذير للمؤمنين وإخبار عن المنافقين والمشركين. وجُعل الوعيد على المحبة لشيوع الفاحشة في المؤمنين تنبيهاً على أن محبة ذلك تستحق العقوبة لأن محبة ذلك دالة على خبث النية نحو المؤمنين. ومن شأن تلك الطوية أن لا يلبث صاحبها إلا يسيراً حتى يصدر عنه ما هو محب له أو يُسَر بصدور ذلك من غيره، فالمحبة هنا كناية عن التهيؤ لإبراز ما يحب وقوعه. وجيء بصيغة الفعل المضارع للدلالة على الاستمرار. وأصل الكناية أن تجمع بين المعنى الصريح ولازمه فلا جرم أن ينشأ عن تلك المحبة عذاب الدنيا وهو حد القذف وعذاب الآخرة وهو أظهر لأنه مما تستحقه النوايا الخبيثة. وتلك المحبة شيء غير الهمّ بالسيئة وغير حديث النفس لأنهما خاطران يمكن أن ينكف عنهما صاحبهما، وأما المحبة المستمرة فهي رغبة في حصول المحبوب. وهذا نظير الكناية في قوله تعالى: { أية : ولا يحض على طعام المسكين } تفسير : [الماعون: 3] كناية عن انتفاء وقوع طعام المسكين. فالوعيد هنا على محبة وقوع ذلك في المستقبل كما هو مقتضى قوله: {أن تشيع} لأن (أن) تخلص المضارع للمستقبل. وأما المحبة الماضية فقد عفا الله عنها بقوله: { أية : ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم } تفسير : [النور: 14]. ومعنى: {أن تشيع الفاحشة} أن يشيع خبرها، لأن الشيوع من صفات الأخبار والأحاديث كالفشو وهو: اشتهار التحدث بها. فتعين تقدير مضاف، أي أن يشيع خبرها إذ الفاحشة هي الفعلة البالغة حداً عظيماً في الشناعة. وشاع إطلاق الفاحشة على الزنى ونحوه وتقدم في قوله تعالى: { أية : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } تفسير : في سورة النساء (15). وتقدم ذكر الفاحشة بمعنى الأمر المنكر في قوله: { أية : وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا } تفسير : في سورة الأعراف (28). وتقدم الفحشاء في قوله تعالى: { أية : إنما يأمركم بالسوء والفحشاء } تفسير : في سورة البقرة (169). ومن أدب هذه الآية أن شأن المؤمن أن لا يحب لإخوانه المؤمنين إلا ما يحب لنفسه، فكما أنه لا يحب أن يشيع عن نفسه خبر سوء كذلك يجب عليه أن لا يحب إشاعة السوء عن إخوانه المؤمنين. ولشيوع أخبار الفواحش بين المؤمنين بالصدق أو بالكذب مفسدة أخلاقية فإن مما يزع الناس عن المفاسد تهيبهم وقوعها وتجهمهم وكراهتهم سوء سمعتها وذلك مما يصرف تفكيرهم عن تذكرها بله الإقدام عليها رويداً رويداً حتى تنسى وتنمحي صورها من النفوس، فإذا انتشر بين الأمة الحديث بوقوع شيء من الفواحش تذكرتها الخواطر وخف وقع خبرها على الأسماع فدب بذلك إلى النفوس التهاون بوقوعها وخفة وقعها على الأسماع فلا تلبث النفوس الخبيثة أن تقدم على اقترافها وبمقدار تكرر وقوعها وتكرر الحديث عنها تصير متداولة. هذا إلى ما في إشاعة الفاحشة من لحاق الأذى والضر بالناس ضراً متفاوت المقدار على تفاوت الأخبار في الصدق والكذب. ولهذا ذيل هذا الأدب الجليل بقوله: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} أي يعلم ما في ذلك من المفاسد فيعظكم لتجتنبوا وأنتم لا تعلمون فتحسبون التحدث بذلك لا يترتب عليه ضر وهذا كقوله: { أية : وتحسبونه هيّناً وهو عند الله عظيم } تفسير : [النور: 15].

الواحدي

تفسير : {إنَّ الذين يحبون أن تشيع الفاحشة} يفشوَ الزِّنا {في الذين آمنوا لهم عذاب أليمٌ} وهم المنافقون كانوا يشيعون هذا الكذب، ويطلبون العيب للمؤمنين، وأن يكثر فيهم الزِّنا. {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} لعجَّل لكم الذي تستحقُّونه من العقوبة. {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى} ما صلح وطهر من هذا الذَّنب أحد {منكم} يعني: من الذين خاضوا فيه {ولكنَّ الله يزكي مَنْ يشاء} يُطهِّر مَنْ يشاء من الإِثم والذَّنب بالرَّحمة والمغفرة. {ولا يأتل} ولا يحلف {أولو الفضل منكم والسعة} يعني أبا بكر الصديق رضي الله عنه {أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله} يعني: مسطحاً، وكان مسكيناً مهاجراً وكان ابن خالة أبي بكر، وكان قد حلف أن لا ينفق عليه ولا يُؤتيه شيئاً. {وليعفوا وليصفحوا} عنهم لخوضهم في حديث عائشة {ألا تحبون أن يغفر الله لكم} فلمَّا نزلت هذه الآية قال أبو بكر الصديق: بلى، أنا أحبُّ أن يغفر الله لي، ورَجَع إلى مسطح بنفقته التي كان ينفق عليه. {إنَّ الذين يرمون المحصنات الغافلات} عن الفواحش، كغفلة عائشة رضي الله عنها عمَّا قذفت به {لعنوا} عُذِّبوا {في الدنيا} بالجلد {و} في {الآخرة} بالنَّار. {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون} وقوله: {يوفيهم الله دينهم الحق} أي: جزاءهم الواجب {ويعلمون أنَّ الله هو الحق المبين} لأنَّه قد بيَّن لهم حقيقة ما كان يعدهم به في الدُّنيا. {الخبيثات} من القول. وقيل: من النِّساء {للخبيثين} من الرِّجال {والخبيثون} من النَّاس {للخبيثات} من القول. وقيل: من النِّساء {والطيبات} من القول. وقيل: من النِّساء {للطيبين} من النَّاس {والطيبون} من النَّاس {للطيبات} من القول. وقيل: من النَّاس. {أولئك} يعني: عائشة وصفوان {مبرَّؤون مما يقولون} يقوله أهل الخبث والقاذفون. {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا} تستأذنوا {وتسلموا على أهلها} وهو أن يقول: السَّلام عليكم، أَأَدخلُ؟ {فإن لم تجدوا فيها} في البيوت {أحداً} يأذن لكم في دخولها {فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا} انصرفوا {فارجعوا} ولا تقفوا على أبوابهم {هو} أي: الرُّجوع {أزكى لكم} أطهر لكم وأصلح، فلمَّا نزلت هذه الآية قيل: يا رسول الله، أفرأيت الخانات والمساكن في الطَّريق ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله سبحانه: {ليس علكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة} بغير استئذانٍ {فيها متاع} منفعةٌ {لكم} في قضاء حاجةٍ، أو نزولٍ وغيره. {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} يكفُّوها عن النَّظر إلى ما لا يحلُّ {ويحفظوا فروجهم} عن مَنْ لا يحلُّ. وقيل: يستروها حتى لا تظهر.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: أن تشيع الفاحشة: أي تعم المجتمع وتنتشر فيه والفاحشة هي الزنا. ولولا فضل الله عليكم ورحمته: جواب لولا محذوف تقديره: لعاجلكم بالعقوبة أيها العصبة. خطوات الشيطان: نزغاته ووساوسه. ما زكى منكم من أحد أبداً: أي ما طهر ظاهره وباطنه وهي خلو النفس من دنس الإِثم. ولا يأتل أولوا الفضل منكم: أي ولا يحلف صاحب الفضل منكم وهو أبو بكر الصديق رضي الله عنه. والسعة: أي سعة الرزق والفضل والإِحسان إلى الغير. معنى الآيات: ما زال السياق في عتاب المؤمنين الذين خاضوا في الإِفك فقوله تعالى: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ} أي تنتشر وتشتهر {فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي في المؤمنين {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا} بإقامة حد القذف عليهم وإسقاط عدالتهم وفي الآخرة إن لم يتوبوا بإدخالهم نار جهنم، وكفى بهذا الوعد زاجراً ورادعاً وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أي ما يترتب على حب إشاعة الفاحشة بين المؤمنين من الآثار السيئة فلذا توعد من يحبها بالعذاب الأليم في الدارين، وأوجب رد الأمور إليه تعالى وعدم الاعتراض على ما يشرع وذلك لعلمه المحيط بكل شيء وجهلنا لكل شيء إلا ما علمناه فأزال به جهلنا وقوله: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} لهلكتم بجهلكم وسوء عملكم، ولكن لما أحاطكم الله به من فضل لم تستوجبوه إلا برأفته بكم ورحمته لكم عفا عنكم ولم يعاقبكم. وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} أي يا من صدقتم الله ورسوله لا تتبعوا خطوات الشيطان فإنه عدوكم فكيف تمشون وراءه وتتبعونه فيما يزين لكم من قبيح المعاصي وسيء الأقوال والأعمال فإن من يتبع خطوات الشيطان لا يلبث أن يصبح شيطاناً يأمر بالفحشاء والمنكر، ففاصلوا هذا العدو، واتركوا الجري وراءه فإنه لا يأمر بخير قط فاحذروا وسواسه وقاوموا نزغاته بالاستعاذة بالله السميع العليم فإنه لا ينجكم منه إلا هو سبحانه وتعالى وقوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً} وهذه منة أخرى وهي أنه لولا فضل الله على المؤمنين ورحمته بحفظهم ودفع الشيطان عنهم ما كان ليطهر منهم أحد، وذلك لضعفهم واستعدادهم الفطري للاستجابة لعدوهم، فعلى الذين شعروا بكمالهم؛ لأنهم نجوا مما وقع فيه عصبة الإِفك من الإِثم أن يستغفروا لإِخوانهم وأن يقللوا من لومهم وعتابهم، فإنه لولا فضله عليهم ورحمته بهم لوقعوا فيما وقع فيه إخوانهم، فليحمدوا الله الذي نجاهم وليتطامنوا تواضعاً لله وشكراً له، وقوله: {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي فمن شاء الله تزكيته زكاه وعليه فليلجأ إليه وليطلب التزكية منه، وهو تعالى يزكي من كان أهلاً للتزكية، ومن لا فلا، لأنه السميع لأقوال عباده والعليم بأعمالهم ونياتهم وأحوالهم وهي حال تقتضي التضرع إليه والتذلل وقوله تعالى: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤْتُوۤاْ أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْمَسَاكِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلْيَعْفُواْ وَلْيَصْفَحُوۤاْ} هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق لما منع مسطح بن أثاثة وهو ابن خالته، وكان رجلاً فقيراً من المهاجرين، ووقع في الإِفك فغضب عليه أبو بكر وحلف أن يمنعه ما كان يرفده به من طعام وشراب، فأنزل الله تعالى هذه الآية ولا يأتل أي ولا يحلف أصحاب الفضل والإِحسان والسعة في الرزق والمعاش أن يؤتوا أولي القربى أي أن يعطوا أصحاب القرابة، والمساكين والمهاجرين في سبيل الله كمسطح، وليعفو أي وعليهم أن يعفوا عما صدر من أولئك الأقرباء من الفقراء والمهاجرين، وليصفحوا أي يعرضوا عما قالوه فلا يذكروه لهم ولا يذكرونهم به فإنه يحزنهم ويسوءهم ولا سيما وقد تابوا وأقيم الحد عليهم وقوله تعالى: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ}؟ فقال أبو بكر بلى والله أحب أن يغفر الله لي فعندها صفح وعفا وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمينه فقال كفر عن يمينك ورد الذي كنت تعطيه لمسطح. وتقرر بذلك أن من حلف يميناً على شيء فرأى غيره خيراً منه كفر عن يمينه وأتى الذي هو خير. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فهذا إخبار منه تعالى أنه ذو المغفرة والرحمة وهما من صفاته الثابتة له وفي هذا الخبر تطميع للعباد لأن يرجوا مغفرة الله ورحمته وذلك بالتوبة الصادقة والطلب الحثيث المتواصل لأن الله تعالى لا يغفر لمن لا يستغفره، ولا يرحم من لا يرجو ويطلب رحمته. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- لقبح فاحشة الزنى وضع الله تعالى لمقاومتها أموراً منها وضع حد شرعي لها، ومنع تزويج الزاني من عفيفة أو عفيفة من زانٍ إلا بعد التوبة، ومنها شهود عدد من المسلمين إقامة الحد ومنها حد القذف ومنها اللعان بين الزوجين، ومنها حرمة ظن السوء بالمؤمنين، ومنها حرمة حب ظهور الفاحشة وإشاعتها في المؤمنين، ومنها وجوب الإِستئذان عند دخول البيوت المسكونة، ومنها وجوب غض البصر وحرمة النظر إلى الأجنبية، ومنها احتجاب المؤمنة عن الرجال الأجانب ومنها حرمة حركة ما كضرب الأرض بالأرجل لإظهار الزينة. ومنها وجوب تزويج العزاب والمساعدة على ذلك حتى في العبيد بشروطها، ومنها وجوب استئذان الأطفال إذا بلغوا الحلم، وهذه وغيرها كلها أسباب واقية من أخطر فاحشة وهي الزنى. 2- حرمة إتباع الشيطان فيما يزينه من الباطل والسوء والفحشاء والمنكر. 3- متابعة الشيطان والجري وراءه في كل ما يدعو إليه يؤدي بالعبد أن يصبح شيطاناً يأمر بالفحشاء والمنكر. 4- على من حفظهم الله من الوقوع في السوء أن يتطامنوا ولا يشعروا بالكبر فإن عصمتهم من الله تعالى لا من أنفسهم. 5- من حلف على شيء لا يفعله أو يفعله ورأى أن غيره خيرٌ منه كفر عن يمينه وفعل الذي هو خير. 6- وجوب العفو والصفح على ذوي المروءات وإقالة عثرتهم إن هم تابوا وأصلحوا.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْفَاحِشَةُ} {آمَنُواْ} {وَٱلآخِرَةِ} (19) - إِنَّ الذينَ يَرْمُونَ المُحْصنَاتِ، وَبِخَاصَّةِ أُوْلَئِكَ الذين يَتَجَرَّؤُونَ عَلَى رَمِي بَيْتِ النُّبُوَّةِ الكَرِيمِ، إِنَّمَا يَعْمَلُونَ عَلَى زَعْزَعَةِ ثِقَةِ الجَمَاعَةِ المُسْلِمَةِ بالخَيْرِ والعِفَّةِ، وَعَلَى إِزَالَةِ التَّحَرُّجِ مِنْ ارْتِكَابِ الفَاحِشَةِ، وَذَلِكَ عَنْ طَرِيقِ الإِيْحَاءِ بِأَنَّ الفَاحِشَةَ شَائِعَةٌ فِيهَا، وَبِذَلِكَ تَشِيعٌ الفَاحِشَةُ فِي النُّفُوسِ، ثُمَّ تَشِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الوَاقِعِ، فَهَؤُلاَءِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ عَنْدَ اللهِ: فِي الدُّنْيَا بِإِقَامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِم، واللَّعْنِ والذَّمِّ مِنَ النَّاسِ، وَفِي الآخِرَةِ بِعَذَابِ النَّارِ. وَمَنْ ذا الذي يَرَى الظَّاهِرَ والبَاطِنَ، وَلاَ يَخْفَى عَلَيْه شَيءٌ غَيْرُ اللهِ تَعَالَى العَلِيمِ الخَبِيرِ؟ فَرُدُّوا الأُمُورَ إِلَى الله تَرْشُدُوا، وَلاَ تَرْوُوا مَا لاَ علْمَ لَكُمْ بِهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : {يُحِبُّونَ ..} [النور: 19] الحب عمل قلبي، والكلام عمل لساني، وترجمة عملية لما في القلب، فالمعنى: الذين يحبون هذا ولو لم يتكلَّموا به؛ لأن لهذه المسألة مراحل تبدأ بالحب وهو عمل القلب، ثم التحدث، ثم السماع دون إنكار. ولفظاعة هذه الجريمة ذكر الحق سبحانه المرحلة الأولى منها، وهي مجرد عمل القلب الذي لم يتحول إلى نزوع وعمل وكلام إذن: المسألة خطيرة. والبعض يظن أن إشاعة الفاحشة فضيحة للمتهم وحده، نعم هي للمتهم، لكن قد تنتهي بحياته، وقد تنتهي ببراءته، لكن المصيبة أنها ستكون أُسْوة سيئة في المجتمع. وهذا توجيه من الحق - سبحانه وتعالى - إلى قضية عامة وقاعدة يجب أن تُرَاعى، وهي: حين تسمع خبراً يخدش الحياءَ أو يتناول الأعراض أو يخدش حكماً من أحكام الله، فإياك أنْ تشيعه في الناس؛ لأن الإشاعة إيجاد أُسْوة سلوكية عند السامع لمن يريد أن يفعل، فيقول في نفسه: فلان فعل كذا، وفلان فعل كذا، ويتجرأ هو أيضاً على مثل هذا الفعل، لذلك توعد الله تعالى مَنْ يشيع الفاحشة وينشرها ويذيعها بين الناس {لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ..} [النور: 19]. والحق - تبارك وتعالى - لم يعصم أحداً من المعصية وعمل السيئة، لكن الأَسْوء من السيئة إشاعتها بين الناس، وقد تكون الإشاعة في حق رجل محترم مُهَابٍ في مجتمعه مسموع الكلمة وله مكانة، فإنْ سمعت في حَقِّه مَا لا يليق فلربما زهّدك ما سمعتَ في هذا الشخص، وزهَّدك في حسناته وإيجابياته فكأنك حرمتَ المجتمع من حسنات هذا الرجل. وهذه المسألة هي التعليل الذي يستر الله به غَيْب الخَلْق عن الخَلْق، إذن: سَتْر غيب الناس عن الناس نعمة كبيرة تُثري الخير في المجتمع وتُنميه، ويجعلك تتعامل مع الآخرين، وتنتفع بهم على عِلاَّتهم، وصدق الشاعر الذي قال: شعر : فَخُذْ بِعلْمي ولاَ تركَنْ إلىَ عَمِلي وَاجْنِ الثمارَ وخَلِّ العُودَ للنَّارِ تفسير : ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ ...}.

مجاهد بن جبر المخزومي

تفسير : يقول: يرويه: بعضكم عن بعض وقال: {إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَاحِشَةُ} [الآية: 19]. يعني تظهر وتتحدث بها في شأَن عائشة. أَنبا عبد الرحمن، قال: نا إِبراهيم، قال نا آدم، قال: نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ} [الآية: 22]. وذلك أَنه حلف أَبو بكر الصديق، رضي الله عنه أَن لا ينفع يتيماً كان في حجره، اشاع ذلك. فلما أَنزل الله عز وجل: {وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ} إلى قوله: {أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} [الآية: 22]. قال أَبو بكر، رضي الله عنه: فأَنا أُحب أَن يغفر الله لي، ولأَكونن ليتيمي خيراً مما كنت له قط.

الجيلاني

تفسير : ثم قال سبحانه تذكيراً لعموم عباده: {إِنَّ} المفسدين المسرفين {ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ} من خبث بواطنهم {أَن تَشِيعَ} تظهر وتنتشر {ٱلْفَاحِشَةُ} الخصلة المذمومة عقلاً وشرعاً {فِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} أي: بين عموم المؤمنين {لَهُمْ} جزاءً لإشاعتهم وإذاعتم {عَذَابٌ أَلِيمٌ} مؤلمُ مفزعُ {فِي ٱلدُّنْيَا} بالجلد {وَٱلآخِرَةِ} بالنار المحرق الملتهب {وَٱللَّهُ} المطلع لجميع ما جرى في الغيب والشهادة {يَعْلَمُ} قبحَ ما في الإشاعة والإذاعة {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النور: 19] قبحها لذلك تحبون. {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} بفتح باب التوبة، والرجوع عن المعصية بالندامة الخالصة لفضَحكم، وعذبكم بقبح صنعتكم وشنعة خصلتكم {وَ} اعلموا {أَنَّ ٱللَّهَ} المراقب لجميع ما صدر عنك {رَءُوفٌ} لكم يحفظكم عما يضركم {رَّحِيمٌ} [النور: 20] لكم يرحمكم، بعدما وفقتم على التوبة والندامة. ولما كان أمثال هذه المعاصي والآثام بمتابعة الشيطان المضلٍّ المغوي، نادى سبحانه عموم عباده المؤمنين، ونهاهم عن متابعته والاقتداء به والاقتفاء بأثره، فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بوحدة الصانع وصفاته، وبالنبوة والرسالة، والتشريع العام المفيد لاعتدال الأخلاق والأطوار بين عموم العباد، مقتضى إيمانكم مخالفة النفس والهوى اللتين هما من جنود الشيطان المضل المغوي عن طريق الحق {لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} ولا تقتفوا أثره في إشاعة الفاحشة واستحباب المعصية. {وَمَن يَتَّبِعْ} منكم أيها المؤمنون {خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ} المضل المغوي فقد ضلَّ وغوى {فَإِنَّهُ} أي: الشيطان {يَأْمُرُ} من يتابعه ويقتدي به {بِٱلْفَحْشَآءِ} المستقبح عقلاً وشرعاً {وَٱلْمُنْكَرِ} المردود مروءة ونقلاً {وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} المتكفل لإصلاح حالكم عليكم {وَرَحْمَتُهُ} الواسعة الشاملةُ لعموم عباده {مَا زَكَىٰ} وطهر وخلص {مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} متابعة الشيطان {أَبَداً} ما دمتم أحياء؛ إذ متابعته مطبوعةُ لكم، مستحسنةُ عندكم، مقبولةُ لأنفسكم {وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ} المدبرَ لأمور عباده {يُزَكِّي} أي: يخلص ويطهر من غوائل الشيطان ووساوسه {مَن يَشَآءُ} رعايةً لحكمته، وضبطاُ لمصلحته التي جَبل عباده عليها {وَٱللَّهُ} المطّلعُ لما ظهرَ وبطنَ {سَمِيعٌ} لأقوالهم {عَلِيمٌ} [النور: 21] بقصهم ونياتهم. {وَ} بعدما جاء من القاذفين الآفيكن ما جاء، انصرف عنهم المؤمنون وأعرضوا عن إنفاقهم ورعايتهم، وحلفوا ألاَّ ينفقوا عليهم أصلاً، مع أن بعضَهم في غاية الفاقة، ردَّ الله على المؤمنين، وحثهم على الإنفاق، وأمرهم بالإحسان بدل الإساءة، وقال: {لاَ يَأْتَلِ} أي: لا يحلف ولا يقصر {أُوْلُواْ ٱلْفَضْلِ مِنكُمْ} في الدين {وَ} أولوا {ٱلسَّعَةِ} في الرزق {أَن يُؤْتُوۤاْ} أي: من ألاَّ يؤتوا أو على ألاَّ يؤتوا {أُوْلِي ٱلْقُرْبَىٰ} أي: الفقراء الذين ينتمون إليكم إيها المؤمنون بالقرابة {وَٱلْمَسَاكِينَ} الفاقدين لقوت يومهم، ولا سيما الفقراء {وَٱلْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ} الباذلين أرواحَهم في ترويج دينه؛ بسبب أنهم خاضوا في معصية الإفك والافتراء، وجاءوا ببهتانٍ عظيمٍ، وأحبوا أن يشيعوه، ويتقولوا به ظلماً وزوراً. {وَ} بعد نزول آيات البرءاة، والتنزيه في شأن العفيفة - رضي الله تعالى عنها - {لْيَعْفُواْ} أي: جملة المؤمنين عن ذوب القاذفين بعدما تابوا وندموا، وقَبِل الله سبحانه منه توبتهم {وَلْيَصْفَحُوۤاْ} وليعرضوا عن جريمتهم، ويصافحوا معهم، وليعطوا لهم ما أعطوهم قبل {أَلاَ تُحِبُّونَ} أيها المقذوفون المطهرون البريئون {أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ} زلتكم وذنوبكم بسبب عفوكم عنهم، وصفحكم عما جاءوا به افتراءً {وَٱللَّهُ} المنتقم المجازي لعباده {غَفُورٌ} لهم يغفر زلتهم وذنوبهم بسبب عفوهم جرائم إخوانهم {رَّحِيمٌ} [النور: 22] يرحمهم تفضلاً عليهم وامتناناً.