Verse. 2835 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

يُقَلِّبُ اللہُ الَّيْلَ وَالنَّہَارَ۝۰ۭ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَعِبْرَۃً لِّاُولِي الْاَبْصَارِ۝۴۴
Yuqallibu Allahu allayla waalnnahara inna fee thalika laAAibratan liolee alabsari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يقلب الله الليل والنهار» أي يأتي بكل منهما بدل الآخر «إن في ذلك» التقليب «لعبرة» دلالة «لأولي الأبصار» لأصحاب البصائر على قدرة الله تعالى.

44

Tafseer

المحلي و السيوطي

تفسير : {يُقَلّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ } أي يأتي بكل منهما بدل الآخر {إِنَّ فِى ذَلِكَ } التقليب {لَعِبْرَةً } دلالة {لأُوْلِى ٱلأَبْصَٰرِ } لأصحاب البصائر على قدرة الله تعالى.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ} بتعاقبهما، أو بنقص كل واحد منهما وزيادة الآخر، أو يغير النهار بظلمة السحاب تارة وبضوء الشمس أخرى ويغير الليل بظلمة السحاب تارة وبضوء القمر أخرى.

النسفي

تفسير : {يُقَلّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ } يصرفهما في الاختلاف طولاً وقصراً والتعاقب {إِنَّ فِى ذَلِكَ } في إزجاء السحاب وإنزال الودق والبرد وتقليب الليل والنهار {لَعِبْرَةً لأَِوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ } لذوي العقول. وهذا من تعديد الدلائل على ربوبيته حيث ذكر تسبيح من في السماوات والأرض وما يطير بينهما ودعاءهم له وتسخير السحاب إلى آخر ما ذكر، فهي براهين لائحة على وجوده ودلائل واضحة على صفاته لمن نظر وتدبر. ثم بين دليلاً آخر فقال تعالى. {وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ } {خالق كل} حمزة وعلي {دَابَّةٍ } كل حيوان يدب على وجه الأرض {مِن مَّاء } أي من نوع من الماء مختص بتلك الدابة أو من ماء مخصوص وهو النطفة، ثم خالف بين المخلوقات من النطفة فمنها هوام ومنها بهائم ومنها أناسي وهو كقوله {أية : يُسْقَىٰ بِمَاء وٰحِدٍ وَنُفَضّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِى ٱلأكُلِ }تفسير : [الرعد: و] هذا دليل على أن لها خالقاً ومدبراً وإلا لم تختلف لإتفاق الأصل. وإنما عرف الماء في قوله: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَاء كُلَّ شَىْء حَىّ }تفسير : [الأنبياء: 30] لأن المقصود ثم أن أجناس الحيوان مخلوقة من جنس الماء وأنه هو الأصل وإن تخللت بينه وبينها وسائط. قالوا: إن أول ما خلق الله الماء فخلق منه النار والريح والطين، فخلق من النار الجن، ومن الريح الملائكة، ومن الطين آدم ودواب الأرض، ولما كانت الدابة تشمل المميز وغير المميز غلب المميز فأعطى ما وراءه حكمه كأن الدواب كلهم مميزون فمن ثم قيل {فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِ } كالحية والحوت. وسمي الزحف على البطن مشياً استعارة كما يقال في الأمر المستمر قد مشى هذا الأمر، أو على طرائق المشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين {وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ رِجْلَيْنِ } كالإنسان والطير {وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ أَرْبَعٍ } كالبهائم وقدم ما هو أعرق في القدرة وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل أو غيرها ثم الماشي على رجلين ثم الماشي على أربع {يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَاء } كيف يشاء {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } لا يتعذر عليه شيء.

ابو السعود

تفسير : {يُقَلّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} بالمُعاقبة بـينهما أو بنقصِ أحدِهما وزيادةِ الآخرِ أو بتغير أحوالهما بالحرِّ والبردِ وغيرهما ممَّا يقعُ فيهما من الأمور التي من جُملتِها ما ذُكر من إزجاءِ السَّحابِ وما ترتَّب عليهِ. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} إشارةٌ إلى ما فُصِّل آنِفاً، وما فيه من معنى البُعد مع قُربِ المشارِ إليه للإيذانِ بعلُّوِ رُتبتِه وبُعدِ منزلتِه {لَعِبْرَةً} أي لدلالةً واضحةً على وجود الصَّانعِ القديمِ ووحدتِه وكمال قُدرتِه وإحاطة علمِه بجميعِ الأشياءِ ونفاذِ مشيئتِه وتنزهه عمَّا لا يليقُ بشأنه العليِّ {لأُوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ} لكلِّ مَن له بصرٌ. {وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ} أي كلَّ حيوانٍ يدبُّ على الأرض. وقُرىء خالقُ كلِّ دابةٍ بالإضافة {مِن مَّاء} هو جزءُ مادتِه أو ماءٍ مخصوصٍ هو النُّطفةُ فيكون تنزيلاً للغالب منزلةَ الكلِّ لأنَّ من الحيوانات ما يتولَّد لا عن نُطفةٍ وقيل: من ماءٍ متعلِّق بدابةٍ وليست صلةً لخَلَقَ {فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ بَطْنِهِ} كالحيَّةِ وتسمية حركتِها مشياً مع كونِها زَحْفاً بطريقِ الاستعارةِ أو المُشاكلةِ {وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ رِجْلَيْنِ} كالإنسِ والطَّيرِ {وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَىٰ أَرْبَعٍ} كالنَّعمِ والوحش وعدمُ التَّعرضِ لما يمشي على أكثرَ من أربعٍ كالعناكبِ ونحوِها من الحشرات لعدمِ الاعتدادِ بها. وتذكيرُ الضَّميرِ في منهم لتغليبِ العُقلاءِ، والتَّعبـير عن الأصنافِ بكلمة مَن ليوافقَ التَّفصيلُ الإجمالَ، والتَّرتيبُ لتقديم ما هُو أعرفُ في القُدرةِ {يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَاء} ممَّا ذُكر وممَّا لم يُذكرْ بسيطاً كان أو مركّباً على ما يشاء من الصُّورَ والأعضاء والهيئات والحَرَكات والطَّبائعِ والقُوَى والأفاعيلِ مع اتِّحادِ العُنصرِ. وإظهارُ الاسم الجليل في موضعِ الإضمارِ لتفخيمِ شأنِ الخلقِ المذكورِ والإيذانِ بأنَّه من أحكامِ الأُلوهيَّةِ {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ} فيفعل ما يشاءُ كما يشاءُ. وإظهارُ الجلالةِ لما ذُكر مع تأكيد استقلال الاستئنافِ التعليليِّ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} [الآية: 44]. قال الواسطى رحمه الله: ما خالفه أحد قط، ولا وافقه وكلهم مستقلين مشيئته وقدرته أن يكون الوفاق، والخلاف، وهو يقلب الليل والنهار بما فيها، وهو قائم على الأشياء وبالأشياء فى بقائها وفنائها لا يؤنسه وجد، ولا يوحشه فقده. بل لا فقد ولا وجد إنما هى رسوم تحت الرسوم.

اسماعيل حقي

تفسير : {يقلب الله الليل والنهار} بالمعاقبة بينهما او بنقص احدهما وزيادة الآخر او بتغيير احوالهما بالحر والبرد والظلمة والنور وغيرها مما يقع فيهما من الامور التى من جملتها ما ذكر من ازجاء السحاب وماترتب عليه وفى الحديث قال الله تعالى "حديث : يؤذينى ابن آدم بسب الدهر وانا الدهر بيدى الامر اقلب الليل والنهار"تفسير : كذا فى المعالم والوسيط {ان فى ذلك} الذى فصل من الازجاء الى التقليب {لعبرة} لدلالة واضحة على وجود الصانع القديم ووحدته وكمال قدرته واحاطة علمه بجميع الاشياء ونفاذ مشيئته وتنزهه عما لا يليق بشأنه العلى واصل العبر تجاوز من حال الى حال والعبرة الحالة التى يتوصل بها من معرفة المشاهد الى ما ليس بمشاهد {لاولى الابصار} لكل من يبصر ويقال لقوة القلب المدركة بصيرة وبصر ولا يكاد يقال للجارحة بصيرة كما فى المفردات. يعنى ان من له بصيرة يعبر من المذكور الى معرفة المدبر ذلك من القدرة التامة والعلم الشامل الدال قطعا على الوحدانية، وسئل سعيد بن المسيب اى العبادة افضل قال التفكر فى خلقه والتفقه فى دينه، ويقال العبر باوقار والمعتبر بمثقال فعلى العاقل الاعتبار آناء الليل اطراف النهار، قالت رابعة القيسية رحمها الله ما سمعت الاذان الا ذكرت منادى يوم القيامة وما رأيت الثلوج الا ذكرت تطاير الكتب ومارأيت الجراد الا ذكرت الحشر. والاشارة فى الآية الكريمة ان الله تعالى يسوق السحب المتفرقة التى تنشأ من المعاصى والاخلاق الذميمة ثم يؤلف بينها ثم يجعلها مترا كما بعضها على بعض فترى مطر التوبة يخرج من خلاله كما خرج من سحاب وعصى آدم ربه فغوى مطر ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى فالانسان من النيسان والشر جزء من البشر فاذا اذنب الانسان فلتكن همته طلب العفو والرحمة من الله تعالى ولا يمتنع منه مستعظما لذنبه ظانا ان الله تعالى وصف ذاته الازلية بالغفارية والتوابية حين لم يكن بشر ولا ذئب ولا حادث من الحوادث فاقتضى ذلك وجود الذنب من الانسان البتة لان المغفرة انما هى بالنسبة الى الذنب: ولذا قال الحافظ شعر : سهو وخاطاى بنده كرش نيست اعتبار معنىء عفو ورحمت آمر زكار جيست تفسير : وينزل الله من سماء القلب من قساوة فيها جموده من قهر الحق وخذلانه فيصيب من برد القهر من يشاء من اهل الشقاوة ويصرفه عمن يشاء من اهل السعادة يكاد سنا برق القهر يذهب البصائر يقلب الله ليل معصية من يشاء نهار الطاعة كما قلب فى حق آدم عليه السلام ويقلب نهار طاعة من يشاء ليل المعصية كما قلب فى حق ابليس ان فى ذلك التقليب لعبرة لارباب البصائر بان يشاهدوا آثار لطفه وقهره فى مرآة التقليب كذا فى التأويلات النجمية.

الجنابذي

تفسير : {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} جواب لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: ما حال اللّيالى والايّام تكون ذوات غيم وبلا غيم؟- وذوات مطرٍ وبرد وبلا مطر وبرد؟! فقال تعالى: {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} بان يجعل بعضهما حارّاً رطباً فيحصل فيه بخار فيتولّد منه سحاب ومطر وبرد ويجعل بعضما حارّاً جدّاً او بارداً جدّاً او يابساً فلا يحصل فيه سحابٌ او بان يجعل مكان اللّيل النّهار ومكان النّهار اللّيل او بان يجعل اللّيل طويلاً وقصيراً وكذا النّهار {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} التّقليب {لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} الّذين يبصرون الاشياء من حيث حكمها ومصالحها ونضدها وترتيبها وغاياتها المترتّبة عليها، فانّ هؤلآء يعتبرون باختلاف اللّيل والنّهار بالزّيادة والنّقيصة والبرودة والحرارة والنّور والظّلمة، ويستدلّون بذلك الاختلاف والانتضاد فى الاختلاف والحكم المودعة فيه والغايات المترتّبة عليه من تربية جملة المواليد على انّ خالقهما عليمٌ حكيمٌ قادرٌ قوىٌّ وان ليس هذا الانتضاد فى الاختلاف الاّ من مبدءٍ حكيمٍ وليس من الدّهر كما يقوله الدّهريّون، ولا من الطّبع كما يقوله الطّبيعيّون، ولا بمحض الاتّفاق كما يقوله القائلون بالبخت والاتّفاق.

الهواري

تفسير : قوله: {يُقَلِّبُ اللهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [هو أخذ كل واحد منهما من صاحبه كقوله: (أية : يُولِجُ الَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي الَّيْلِ) تفسير : [فاطر: 13] قال]: {إِن فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ} أي: لذوي الأبصار، وهم المؤمنون الذين أبصروا الهدى. قوله: {وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ}. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : كل شيء خلق من ماء . تفسير : قوله: {فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ} أي: الحيّة ونحوها {وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَّمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ} أي: ومنهم من يمشي على أكثر من ذلك. وإنما قال: {فَمِنْهُم مَّنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي} على كذا، ومنهم من يمشي على كذا، خلق الله كثير. قال: (أية : وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) تفسير : [النحل: 8]. قال: {يَخْلُقُ اللهُ مَا يَشَآءُ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. قوله: {وَيَقُولُونَ} يعني المنافقين {ءَامَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ} أي: من بعد أن يقولوا {ءَامَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} {وَمَآ أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ} أي: لأنهم تولوا عن العمل بما أقروا لله وللرسول به. قوله: {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ} أي: عن الإِجابة إلى حكم الله ورسوله وكتابه، يعني المنافقين الذين يقرُّون ولا يعملون.

اطفيش

تفسير : {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهَارِ} يأتي بكل منهما بدل الآخر أو ينقص من احدهما ويزيد في الآخر فيطول احدهما ويقصر الآخر ويستويان ايضا. واستواؤهما من جملة التقليب بانهما كانا غير مستويين ثم استويا أو وتقليبهما تغيير احوالهما بالحر والبرد والظلمة والنور أو تقليبهما فعل ذلك جميعا بهما. وعن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى: "حديث : يسبني ابن آدم بسب الدهر وأَنا الدهر؛ بيدي الأَمر أُقلب الليل والنهار"تفسير : فالدهر من اسمائه تعالى أو المعنى انا الذي يفعل ما تنسبونه للدهر والدهر الزمان مخلوق مثلكم اتصرف فيه. وفي رواية (يؤذيني ابن آدم) اي يفعل فلا يؤذي في الجملة والا فالله لا يضره شيء ولا ينفعه أو (يؤذي دهري) فان الزمان لا يرضى بمعصية الله. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرةً لأُوْلي الأَبْصَارِ} والاشارة إلى التقليب أو اليه والى غيره مما تقدم من البرق والمراد بالابصار العقول فان من لم يستعمل عقله كالاعمى. فائدة. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : اطلبوا اجابة الدعاء عند اقامة الصلاة وعند نزول الغيث ".

اطفيش

تفسير : {يُقلَّب الله اللَّيل والنَّهار} بالاتيان بأحدهما بعد الآخر، والزيادة فى احدهما، والنقص من الآخر، والضوء فى النهار دائماً، والظلمة فى الليل أحيانا، والحر والبرد، وظهور الكواكب فى أحدهما دون الآخر {إنَّ فى ذلك} المذكور من التقليب والازجاء وما بعده، وإشارة البعد مع قرب المشار اليه لعلو مرتبة ما ذكر، ولا بعد فى أول ما ذكر، لأنه كشىء متصل {لعبرةً} تفكراً يتوصل به الى معرفة وجود الله تعالى، وكمال قدرته {لأولى الأبصار}جمع بصر بمعنى بصيرة القلب، وفيه مع الأبصار المتقدم الجناس، كقوله تعالى: "أية : ويوم تقوم الساعة"تفسير : [الروم: 12، 14، 55] مع قوله: "أية : ما لبثوا غير ساعة"تفسير : [الروم: 55] ولو فسرناه بأبصار الوجه لوضوح الدلالالة، لكان شبه الابطاء فى القول فى: {والله خلق كلَّ دابَّةٍ} كل حيوان ينتقل الانس والجن والملائكة، والطير والسمك والأنعام، والوحش والبغال والحمير، والخيل والفيل والخشخاش، وسائر ما فيه الروح، ألا ترى أن السمك لا يمشى على الأرض، بل يسبح فى الماء، والطير إذا نزلت مشت فى الأرض { مِنْ ماءٍ} خلق الله جوهرة، وخلق فيها تمييزاً، فذابت ماء من خشية الله، وخلق من ذلك الماء النار والهواء والنور، وخلق الملائكة من هذا النور، وقيل من الريح والجن من النار، وآدم من طين مشتمل على ماء، قال الله تعالى: "أية : وجعلنا من الماء كل شىء حى"تفسير : [الأنبياء: 30] وعيسى خلق من جزء من أمه، كما خلق حواء من آدم، وذلك ذكر خلق من أنثى، وأنثى خلق من ذكر، وهى أعنى مريم ممن خلق من ماء، والله نفخ فى ذلك الجزء الروح. {فمنهم} من الدواب، وقوله: {هم} تغليب للعقلاء {مَنْ يمشى} ينتقل مجاز لعلاقة الاطلاق والتقييد، أو استعارة للفظ المشى للانتقال، ولا مانع من أن يقال المشى حقيقة فى الانتقال فى الأرض مثلا، وفيه استعمال من لغير العاقل، وذلك تغليب لجانب العاقل المذكور مع غيره بعد {على بَطنِهِ} كالحيات والسمك، {ومنهم من يمْشى على رجلين} كالانسان والطائر، وفى الجن أصناف منها ذو رجلين يطير ومنها ما لا يطير، وغير ذلك، وكذا فى الملائكة أصناف، وفى قوله: {هم} وقوله: "من" تغليب للعاقل. {ومنْهُم من يمشى على أربِعٍ} كالأنعام والحمير والبغال، والخيل والوحش، ولم يذكر ما يدب على رجل واحدة، وهو يشبه الانسان، وما يدب على اكثر من أربع كالعناكب، وأم الأربع والأربعين، لأن ذلك شاذ، ولأنه ليس فى الكلام حصر ولقوله: {يخْلق اللهُ ما يشاء} من الأجسام والأعراض والأشكال والطبائع والقوى، وفى قوله: "من" تغليب لجانب العاقل فيما قيل للمناسبة، ولا دليل لمن قال ما يمشى على أكثر من أربع معتمدة على أربع، فألغى الزايد ثم ظهر أن التغليب فى قوله: {فمنهم} فقط، والبافى جار عليه. {إن اللهَ على كلِّ شىء} من الممكنات {قَديرْ} وأما غير الممكن ما يناقض صفات الألوهية فمستحيل بالذات، لتحقق الألوهية، وإلا ناقضها، وما لا يناقض فلجعل الله عز وجل له مستحيلا، فلا يتصور أن يكون غير مستحيل.

الالوسي

تفسير : {يُقَلّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ } بإتيان أحدهما بعد الآخر، أو بنقص أحدهما وزيادة الآخر أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد وغيرهما مما يقع فيهما من الأمور التي من جملتها ما ذكر من إزجاء السحاب وما ترتب عليه، وكأن الجملة على هذا استئناف لبيان الحكمة فيما مر، وعلى الأولين استئناف لبيان أنه عز وجل لا يتعاصاه ما تقدم من الإزجاء وما بعده، وقيل هي معطوفة على ما تقدم داخلة في حيز الرؤية وأسقط حرف العطف لقصد التعداد وهو كما ترى. {إِنَّ فِى ذَلِكَ } إشارة إلى ما فصل آنفاً، وما فيه من معنى البعد مع قرب المشار إليه للإيذان بعلو رتبته وبعد منزلته {لَعِبْرَةً } لدلالة واضحة على وجود الصانع القديم ووحدته وكمال قدرته وإحاطة علمه بجميع الأشياء ونفاذ مشيئته وتنزهه عما لا يليق بشأنه العلي، ودلالة ذلك على الوحدة بواسطة برهان التمانع وإلا ففيه خفاء بخلاف دلالته على ما عدا ذلك فإنها واضحة {لأُِوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ } أي لكل من له بصيرة يراجعها ويعملها فالأبصار هنا جمع بصر بمعنى البصيرة بخلافها فيما سبق. وقيل: هو بمعنى البصر الظاهر كما هو المتبادر منه، والتعبير بذلك دون البصائر للإيذان بوضوح الدلالة. وتعقب بأنه يلزم عليه ذهاب حسن التجنيس وارتكاب ما هو كالإيطاء. واشتهر أنه ليس في القرآن جناس تام غير ما في قوله تعالى: { أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقْسِمُ ٱلْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ } تفسير : [الروم: 55] وفيه كلام نقله السيوطي في «الإتقان» ناشىء عند من دقق النظر من عدم الإتقان، واستنبط شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني موضعاً آخر وهو هذه الآية الكريمة وهو لا يتم إلا على ما قلنا، وأشار إليه البيضاوي وغيره ولعل من اختار المتبادر راعى أن حسن تلك الإشارة فوق حسن التجنيس فتأمل.

ابن عاشور

تفسير : التقليب تغيير هيئة إلى ضدها ومنه { أية : فأصبح يُقلب كفيه على ما أنفق فيها }تفسير : [الكهف: 42] أي يدير كفيه من ظاهر إلى باطن، فتقليب الليل والنهار تغيير الأفق من حالة الليل إلى حالة الضياء ومن حالة النهار إلى حالة الظلام، فالمقلَّب هو الجو بما يختلف عليه من الأعراض ولكن لما كانت حالة ظلمة الجو تُسمى ليلاً وحالة نوره تسمى نهاراً عُبر عن الجو في حالتيه بهما، وعدي التقليب إليهما بهذا الاعتبار. ومما يدخل في معنى التقليب تغيير هيئة الليل والنهار بالطول والقصر. ولرعي تكرر التقلب بمعنييه عبر بالمضارع المقتضي للتكرر والتجدد. والكلام استئناف. وجيء به مستأنفاً غير معطوف على آيات الاعتبار المذكورة قبله لأنه أريد الانتقال من الاستدلال بما قد يخفى على بعض الأبصار إلى الاستدلال بما يشاهده كل ذي بصر كل يوم وكل شهر فهو لا يكاد يخفى على ذي بصر. وهذا تدرج في موقع هذه الجملة عقب جملة { أية : يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار } تفسير : [النور: 43] كما أشرنا إليه آنفاً. ولذلك فالمقصود من الكلام هو جملة {إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار}، ولكن بني نظم الكلام على تقديم الجملة الفعلية لما تقتضيه من إفادة التجدد بخلاف أن يقال: إن في تقليب الليل والنهار لعبرة. والإشارة الواقعة في قوله: {إن في ذلك} إلى ما تضمنه فعل {يقلب} من المصدر. أي إن في التقليب. ويرجح هذا القصد ذكر العبرة بلفظ المفرد المنكر. والتأكيد بـ{إن} إما لمجرد الاهتمام بالخبر وإما لتنزيل المشركين في تركهم الاعتبار بذلك منزلة من ينكر أن في ذلك عبرة. وقيل: الإشارة بقوله: {إن في ذلك} إلى جميع ما ذكر آنفاً ابتداء من قوله: { أية : ألم تر أن الله يزجي سحاباً } تفسير : [النور: 43] فيكون الإفراد في قوله: {لعبرة} ناظراً إلى أن مجموع ذلك يفيد جنس العبرة الجامعة لليقين بأن الله هو المتصرف في الكون. ولم تَرد العبرة في القرآن معرّفة بلام الجنس ولا مذكورة بلفظ الجمع.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱللَّيْلَ} {ٱلأَبْصَارِ} (44) - وَاللهُ تَعَالَى يَتَصَّرفُ باللَّيْلِ والنَّهَارِ، فَيأخذُ مِنْ طُولِ هَذَا لِيُضِيفَ فِي قِصَرِ هَذَا حَتَّى يَعْتَدِلاَ، ثُمَّ يَتَتَابَعُ هَذَا التَّنَاوُبُ؛ فَهُوَ تَعَالَى المُتَصَرِّفُ بِذَلِكَ بِأَمْرِهِ وَقَهْرِهِ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى عَظَمَةِ اللهِ وَقُدْرَتِهِ تَجْعَلُ ذَوِي الأَبْصَارِ والعُقُولِ المُدْرِكَة يُؤمِنُونَ بِاللهِ تَعَالَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : فالليل والنهار آيتان يتتابعان لكن دون رتابة، فالليل قد يأخذ من النهار، والنهار يأخذ من الليل، وقد يستويان في الزمن تماماً. ومن تقليب الليل والنهار ما يعتريهما من حَرٍّ أو برد أو نور وظلمة. إذن: فالمسألة ليست ميكانيكية رتيبة، إنما هي قيومية الله تعالى وقدرته في تصريف الأمور على مراده تعالى؛ لذلك يقول تعالى بعدها: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} [النور: 44]. العِبرة والعَبرة والعبور والتعبير كلها من مادة واحدة، نقول: هذا مكان العبور يعني الانتقال من جهة إلى جهة أخرى، وفلان عبَّر عن كذا، يعني: نقل الكلام النفسي إلى كلام باللسان، والعبرة أنْ ننظرَ في الشيء ونعتبر، ثم ننتقل منه إلى غيره، وكذلك العَبْرة لأنها حزن أسال شيئاً، فنزل من عيني الدمع. والعبرة هنا لمن؟ {لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} [النور: 44] والمراد: الأبصار الواعية لا الأبصار التي تدرك فقط، والإنسان له إدراكات بوسائلها، وله عقل يستقبل المدركات ويغربلها، ويخلُص منها إلى قضايا، ومن الناس مَنْ يبصر لكنه لا يرى شيئاً ولا يصل من رؤيته إلى شيء، ومنهم أصحاب النظر الواعي المدقِّق، فالذي اكتشف قوة البخار رأى القِدْر وهي تغلي وتفور فيرتفع عليها الغطاء، وهذا منظر نراه جميعاً الرجل والمرأة، والكبير والصغير، لكن لم يصل أحد إلى مثل ما وصل إليه. إذن: المراد الأبصار التي تنقل المبصر إلى العقل ليُحلِّله ويستنبط ما فيه من أسباب، لعله يستفيد منها بشيء ينفعه، والله تعالى قد خلق في الكون ظواهرَ وآياتٍ لو تأملها الإنسان ونظر إليها بتعقُّل وتبصُّر لاستنبطَ منها مَا يُثري حياته ويرتقي بها. ثم يقول الحق سبحانه: {وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ ...}.