Verse. 2834 (AR)

٢٤ - ٱلنُّور

24 - An-Nour (AR)

اَلَمْ تَرَ اَنَّ اللہَ يُزْجِيْ سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَہٗ ثُمَّ يَجْعَلُہٗ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلٰلِہٖ۝۰ۚ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاۗءِ مِنْ جِبَالٍ فِيْہَا مِنْۢ بَرَدٍ فَيُصِيْبُ بِہٖ مَنْ يَّشَاۗءُ وَ يَصْرِفُہٗ عَنْ مَّنْ يَّشَاۗءُ۝۰ۭ يَكَادُ سَـنَا بَرْقِہٖ يَذْہَبُ بِالْاَبْصَارِ۝۴۳ۭ
Alam tara anna Allaha yuzjee sahaban thumma yuallifu baynahu thumma yajAAaluhu rukaman fatara alwadqa yakhruju min khilalihi wayunazzilu mina alssamai min jibalin feeha min baradin fayuseebu bihi man yashao wayasrifuhu AAan man yashao yakadu sana barqihi yathhabu bialabsari

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ألم تر أن الله يزجي سحابا» يسوقه برفق «ثم يؤلف بينه» يضم بعضه إلى بعض فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة «ثم يجعله ركاما» بعضه فوق بعض «فترى الوَدْق» المطر «يخرج من خلاله» مخارجه «وينزل من السماء من» زائدة «جبال فيها» في السماء بدل بإعادة الجار «من بَرَدِ» أي بعضه «فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد» يقرب «سنا برقه» لمعانه «يذهب بالأبصار» الناظرة له: أي يخطفها.

43

Tafseer

الرازي

تفسير : اعلم أن هذا هو النوع الثاني من الدلائل وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {أَلَمْ تَرَ } بعين عقلك والمراد التنبيه والإزجاء السوق قليلاً قليلاً، ومنه البضاعة المزجاة التي يزجيها كل أحد وإزجاء السير في الإبل الرفق بها حتى تسير شيئاً فشيئاً ثم يؤلف بينه، قال الفراء (بين) لا يصلح إلا مضافاً إلى اسمين فما زاد، وإنما قال {بَيْنَهُ } لأن السحاب واحد في اللفظ، ومعناه الجمع والواحد سحابة، قال الله تعالى: { أية : وَيُنْشِىء ٱلسَّحَابَ ٱلثّقَالَ } تفسير : [الرعد: 12] والتأليف ضم شيء إلى شيء أي يجمع بين قطع السحاب فيجعلها سحاباً واحداً {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً } أي مجتمعاً، والركم جمعك شيئاً فوق شيء حتى تجعله مركوماً، والودق: المطر، قاله ابن عباس وعن مجاهد: القطر، وعن أبي مسلم الأصفهاني: الماء. {مِنْ خِلاَلِهِ } من (شقوقه ومخارقه) جمع خلل كجبال في جمع جبل، وقرىء {مِنْ خلله}. المسألة الثانية: اعلم أن قوله: {يُزْجِي سَحَاباً } يحتمل أنه سبحانه ينشئه شيئاً بعد شيء، ويحتمل أن يغيره من سائر الأجسام لا في حالة واحدة، فعلى الوجه الأول يكون نفس السحاب محدثاً، ثم إنه سبحانه يؤلف بين أجزائه، وعلى الثاني يكون المحدث من قبل الله تعالى تلك الصفات التي باعتبارها صارت تلك الأجسام سحاباً، وفي قوله: {ثُمَّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ } دلالة على وجودها متقدماً متفرقاً إذ التأليف لا يصح إلا بين موجودين، ثم إنه سبحانه يجعله ركاماً، وذلك بتركب بعضها على البعض، وهذا مما لا بد منه لأن السحاب إنما يحمل الكثير من الماء إذا كان بهذه الصفة وكل ذلك من عجائب خلقه ودلالة ملكه واقتداره، قال أهل الطبائع إن تكون السحاب والمطر والثلج والبرد والطل والصقيع في أكثر الأمر يكون من تكاثف البخار وفي الأقل من تكاثف الهواء، أما الأول فالبخار الصاعد إن كان قليلاً وكان في الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فحينئذ ينحل وينقلب هواء. وأما إن كان البخار كثيراً ولم يكن في الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فتلك الأبخرة المتصاعدة إما أن تبلغ في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أو لا تبلغ فإن بلغت فإما أن يكون البرد هناك قوياً أو لا يكون، فإن لم يكن البرد هناك قوياً تكاثف ذلك البخار بذلك القدر من البرد، واجتمع وتقاطر فالبخار المجتمع هو السحاب، والمتقاطر هو المطر، والديمة والوابل إنما يكون من أمثال هذه الغيوم، وأما إن كان البرد شديداً فلا يخلو إما أن يصل البرد إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها وانحلالها حبات كباراً أو بعد صيرورتها كذلك، فإن كان على الوجه الأول نزل ثلجاً، وإن كان على الوجه الثاني نزل برداً، وأما إذا لم تبلغ الأبخرة إلى الطبقة الباردة فهي إما أن تكون كثيرة أو تكون قليلة، فإن كانت كثيرة فهي قد تنعقد سحاباً ماطراً وقد لا تنعقد، أما الأول فذاك لأحد أسباب خمسة: أحدها: إذا منع هبوب الرياح عن تصاعد تلك الأبخرة وثانيها: أن تكون الرياح ضاغطة إياها إلى الاجتماع بسبب وقوف جبال قدام الريح. وثالثها: أن تكون هناك رياح متقابلة متصادمة فتمنع صعود الأبخرة حينئذ ورابعها: أن يعرض للجزء المتقدم وقوف لثقله وبطء حركته، ثم يلتصق به سائر الأجزاء الكثيرة المدد وخامسها: لشدة برد الهواء القريب من الأرض. وقد نشاهد البخار يصعد في بعض الجبال صعوداً يسيراً حتى كأنه مكبة موضوعة على وهدة، ويكون الناظر إليها فوق تلك الغمامة والذين يكونون تحت الغمامة يمطرون والذين يكونون فوقها يكونون في الشمس، وأما إذا كانت الأبخرة القليلة الارتفاع قليلة لطيفة فإذا ضربها برد الليل كثفها وعقدها ماء محسوساً فنزل نزولاً متفرقاً لا يحس به إلا عند اجتماع شيء يعتد به، فإن لم يجمد كان طلاً، وإن جمد كان صقيعاً، ونسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر، وأما تكون السحاب من انقباض الهواء فذلك عندما يبرد الهواء وينقبض، وحينئذ يحصل منه الأقسام المذكورة والجواب: أنا لما دللنا على حدوث الأجسام وتوسلنا بذلك إلى كونه قادراً مختاراً يمكنه إيجاد الأجسام لم يمكنا القطع بما ذكرتموه لاحتمال أنه سبحانه خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق الذي ذكرتموه، وأيضاً فهب أن الأمر كما ذكرتم، ولكن الأجسام بالاتفاق ممكنة في ذواتها فلا بد لها من مؤثر. ثم إنها متماثلة، فاختصاص كل واحد منها بصفته المعينة من الصعود والهبوط واللطافة والكثافة والحرارة والبرودة لا بد له من مخصص، فإذا كان هو سبحانه خالقاً لتلك الطبائع وتلك الطبائع مؤثرة في هذه الأحوال وخالق السبب خالق المسبب، فكان سبحانه هو الذي يزجي سحاباً، لأنه هو الذي خلق تلك الطبائع المحركة لتلك الأبخرة من باطن الأرض إلى جو الهواء، ثم إن تلك الأبخرة إذا ترادفت في صعودها والتصق بعضها بالبعض فهو سبحانه هو الذي جعلها ركاماً، فثبت على جميع التقديرات أن وجه الاستدلال بهذه الأشياء على القدرة والحكمة ظاهر بين. أما قوله سبحانه: {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في هذه الآية قولان: أحدهما: أن في السماء جبالاً من برد خلقها الله تعالى كذلك، ثم ينزل منها ما شاء وهذا القول عليه أكثر المفسرين، قال مجاهد والكلبي: جبال من برد في السماء والقول الثاني: أن السماء هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس سمي بذلك لسموه وارتفاعه، وأنه تعالى أنزل من هذا الغيم الذي هو سماء البرد وأراد بقوله {مِن جِبَالٍ } السحاب العظام لأنها إذا عظمت أشبهت الجبال، كما يقال فلان يملك جبالاً من مال ووصفت بذلك توسعاً وذهبوا إلى أن البرد ماء جامد خلقه الله تعالى في السحاب، ثم أنزله إلى الأرض، وقال بعضهم إنما سمى الله ذلك الغيم جبالاً، لأنه سبحانه خلقها من البرد، وكل جسم شديد متحجر فهو من الجبال، ومنه قوله تعالى: { أية : وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ } تفسير : [الشعراء: 184] ومنه فلان مجبول على كذا، قال المفسرون والأول أولى لأن السماء اسم لهذا الجسم المخصوص، فجعله اسماً للسحاب بطريقة الاشتقاق مجاز، وكما يصح أن يجعل الله الماء فى السحاب ثم ينزله برداً، فقد يصح أن يكون في السماء جبال من برد، وإذا صح في القدرة كلا الأمرين فلا وجه لترك الظاهر. المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي قوله تعالى: {مِنَ ٱلسَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ } فمن الأولى لابتداء الغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء، والثانية للتبعيض لأن ما ينزله الله بعض تلك الجبال التي في السماء، والثالثة للتبيين لأن جنس تلك الجبال جنس البرد، ثم قال ومفعول الإنزال محذوف والتقدير وينزل من السماء من جبال فيها من برد، إلا أنه حذف للدلالة عليه. أما قوله: {فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء } فالظاهر أنه راجع إلى البرد، ومعلوم من حاله أنه قد يضر ما يقع عليه من حيوان ونبات، فبين سبحانه أنه يصيب به من يشاء على وفق المصلحة ويصرفه، أي يصرف ضرره عمن يشاء بأن لا يسقط عليه، ومن الناس من حمل البرد على الحجر وجعل نزوله جارياً مجرى عذاب الاستئصال وذلك بعيد. أما قوله تعالى: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَـٰرِ } ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ } على الإدغام وقرىء (بُرَقه) جمع بُرْقة وهي المقدار من البرق وبُرُقه بضمتين للاتباع كما قيل في جمع فعلة فعلات كظلمات، و (سناء برقه) على المد والمقصور بمعنى الضوء والممدود بمعنى العلو والارتفاع من قولك سنى للمرتفع و {يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَـٰرِ } على زيادة الباء كقوله: { أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ } تفسير : [البقرة: 195] عن أبي جعفر المدني. المسألة الثانية: وجه الاستدلال بقوله: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَـٰرِ } أن البرق الذي يكون صفته ذلك لا بد وأن يكون ناراً عظيمة خالصة، والنار ضد الماء والبرد فظهوره من البرد يقتضي ظهور الضد من الضد، وذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر حكيم. المسألة الثالثة: اختلف النحويون في أنك إذا قلت ذهبت بزيد إلى الدار فهل يجب أن تكون ذاهباً معه إلى الدار، فالمنكرون احتجوا بهذه الآية. أما قوله: {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ } فقيل فيه وجوه: منها تعاقبهما ومجيء أحدهما بعد الآخر وهو كقوله: { أية : وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ خِلْفَةً } تفسير : [الفرقان: 62] ومنها ولوج أحدهما في الآخر وأخذ أحدهما من الآخر. ومنها تغير أحوالهما في البرد والحر وغيرهما ولا يمتنع في مثل ذلك أن يريد تعالى معاني الكل لأنه في الإنعام والاعتبار أولى وأقوى. أما قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَـٰرِ } فالمعنى أن فيما تقدم ذكره دلالة لمن يرجع إلى بصيرة، فمن هذا الوجه يدل أن الواجب على المرء أن يتدبر ويتفكر في هذه الأمور، ويدل أيضاً على فساد التقليد.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً} ذكر من حججه شيئاً آخر؛ أي ألم تر بعيْنَيْ قلبك. «يُزْجِي سَحَاباً» أي يسوق إلى حيث يشاء. والريح تُزْجِي السحاب، والبقرة تزجي ولدها أي تسوقه. ومنه زجا الخراجُ يزجو زَجاءً (ممدوداً) إذا تيسَّرت جِبايته. وقال النابغة:شعر : إني أتيتك من أهلي ومن وطني أزجِي حُشاشة نفسٍ ما بها رَمَقُ تفسير : وقال أيضاً:شعر : أسْرَتْ عليه من الجوزاء سارِيَةٌ تُزْجِي الشَّمالُ عليه جامدَ البَرَدِ تفسير : {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} أي يجمعه عند انتشائه؛ ليقوَى ويتَّصل ويَكْثُف. والأصل في التأليف الهمز، تقول: تألف. وقرىء «يُوَلِّف» بالواو تخفيفاً. والسحاب واحد في اللفظ، ولكن معناه جمع؛ ولهذا قال: «يُنْشِىءُ السَّحاب». و«بين» لا يقع إلا لاثنين فصاعداً، فكيف جاز بينه؟ فالجواب أن «بينه» هنا لجماعة السحاب؛ كما تقول: الشجر قد جلستُ بينه لأنه جمع، وذكّر الكناية على اللفظ؛ قال معناه الفراء. وجواب آخر: وهو أن يكون السحاب واحداً فجاز أن يقال بينه؛ لأنه مشتمل على قطع كثيرة، كما قال:شعر : ...... بـيـن الـدَّخُـول فـحَـوْمَـلِ تفسير : فأوقع «بين» على الدخول، وهو واحد لاشتماله على مواضع. وكما تقول: ما زلت أدور بين الكوفة؛ لأن الكوفة أماكن كثيرة؛ قاله الزجاج وغيره. وزعم الأصْمَعِيّ أن هذا لا يجوز، وكان يروي:شعر : ......بـيـن الـدَّخُـول وحَـوْمَـلِ تفسير : {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} أي مجتمعاً، يركب بعضه بعضاً؛ كقوله تعالى: {أية : وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ} تفسير : [الطور: 44]. والرَّكْمُ جمع الشيء؛ يقال منه: رَكَم الشيء يَرْكُمُه رَكْماً إذا جمعه وألقى بعضه على بعض. وارتكم الشيءُ وتراكم إذا اجتمع. والرُّكْمة الطين المجموع. والرُّكَام: الرمل المتراكم. وكذلك السحاب وما أشبهه. ومُرْتَكَمُ الطريق (بفتح الكاف) جادّته. {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} في «الوَدْق» قولان: أحدهما: أنه البرق؛ قاله أبو الأشهب العقيلي. ومنه قول الشاعر:شعر : أثرنا عَجاجة وخرجن منها خروج الوَدْق من خَلَل السحاب تفسير : الثاني: أنه المطر؛ قاله الجمهور. ومنه قول الشاعر:شعر : فلا مُزْنة ودَقَتْ ودْقَها ولا أرضَ أبْقَلَ إبقالها تفسير : وقال امرؤ القيس:شعر : فدمعهما وَدْقٌ وسَحٌّ ودِيمَةٌ وسَكْبٌ وَتَوْكَافٌ وتَنْهَمِلانِ تفسير : يقال: ودَقَت السحابة فهي وادقة. ووَدَق المطر يَدِق ودْقاً؛ أي قَطَر. ووَدَقْتُ إليه دنوت منه. وفي المثل: وَدَق العَيْرُ إلى الماء؛ أي دنا منه. يُضرب لمن خضع للشيء لحرصه عليه. والموضع مَوْدِق. ووَدَقْتُ (به) وَدْقاً استأنستُ به. ويقال لذات الحافر إذا أرادت الفحل: ودَقَتْ تَدِق وَدْقاً، وأوْدَقَتْ واستودَقَتْ. وأتان وَدُوق وفرس وَدُوق، ووَدِيق أيضا، وبها وِداق. والوَدِيقة: شدّة الحَرّ. وخِلال جمع خَلَل؛ مثلُ الجبل والجبال، وهي فُرَجُه ومخارج القطر منه. وقد تقدم في «البقرة» أن كعباً قال: إن السحاب غِرْبال المطر؛ لولا السحاب حين ينزل الماء من السماء لأفسد ما يقع عليه من الأرض. وقرأ ابن عباس والضحاك وأبو العالية «من خلله» على التوحيد. وتقول: كنت في خلال القوم؛ أي وسطهم. {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} قيل: خلق الله في السماء جبالاً من بَرَد، فهو ينزِّل منها بَرَداً؛ وفيه إضمار، أي ينزِّل من جبال البرد بَرَدا، فالمفعول محذوف. ونحو هذا قول الفرّاء؛ لأن التقدير عنده: من جبال برد؛ فالجبال عنده هي البرد. و«بَرَدٍ» في موضع خفض؛ ويجب أن يكون على قوله المعنى: من جبالٍ بردٍ فيها، بتنوين جبال. وقيل: إن الله تعالى خلق في السماء جبالاً فيها برد؛ فيكون التقدير: وينزل من السماء من جبال فيها برد. و«مِن» صلة. وقيل: المعنى وينزل من السماء قدر جبال، أو مثل جبال من بَرَد إلى الأرض؛ فـ«ـمن» الأولى للغاية لأن ابتداء الإنزال من السماء، والثانية للتبعيض لأن البَرَد بعض الجبال، والثالثة لتبيين الجنس لأن جنس تلك الجبال من البَرَد. وقال الأخفش: إن «مِن» في الجبال و«بَرَد» زائدة في الموضعين، والجبال والبرد في موضع نصب؛ أي ينزل من السماء بَرَداً يكون كالجبال. والله أعلم. {فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَمَّن يَشَآءُ} فتكون إصابته نقمة، وصرفه نعمة. وقد مضى في «البقرة»، و«الرعد» أن من قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبّح الرعد بحمده والملائكة من خِيفته ثلاثاً عُوفي مما يكون في ذلك الرعد. {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} أي ضوء ذلك البرق الذي في السحاب {يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ} من شدّة بَريقه وضوئه. قال الشّمَّاخ:شعر : وما كادت إذا رفعَتْ سَناهَا ليُبْصِر ضوءها إلاّ البَصِيرُ تفسير : وقال امرؤ القيس:شعر : يضيء سَناه أو مصابيحُ راهبٍ أهان السَّلِيط في الذُّبال المُفَتَّلِ تفسير : فالسَّنَا (مقصور) ضَوْء البرق. والسَّنَا أيضاً نبت يتداوىَ به. والسَّناء من الرفعة ممدود. وكذلك قرأ طلحة بن مُصَرِّف «سناء» بالمد على المبالغة في شدة الضوء والصّفاء؛ فأطلق عليه اسم الشرف. قال المبرّد: السَّنَا (مقصور) وهو اللمع؛ فإذا كان من الشّرف والحسب فهو ممدود، وأصلهما واحد وهو الالتماع. وقرأ طلحة بن مُصَرِّف «سَنَاءُ بُرَقِه» قال أحمد بن يحيـى: وهو جمع بُرْقة. قال النحاس: البُرْقة المقدار من البَرْق، والبَرْقة المرّة الواحدة. وقرأ الجَحْدَرِيّ وابن القَعْقاع «يُذْهِب بالأبصار» بضم الياء وكسر الهاء؛ من الإذهاب، وتكون الباء في «بالأبصار» صلةً زائدة. الباقون «يَذْهَبُ بالأبصار» بفتح الياء والهاء، والباء للإلصاق. والبَرْقُ دليل على تكاثف السحاب، وبشير بقوّة المطر، ومحذّر من نزول الصواعق. {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} قيل: تقليبهما أن يأتي بأحدهما بعد الآخر. وقيل: تقليبهما نقصهما وزيادتهما. وقيل: هو تغيير النهار بظلمة السحاب مرّة وبضَوْء الشمس أخرى؛ وكذا الليل مرّة بظلمة السحاب ومرّة بضوء القمر؛ قاله النقاش. وقيل: تقليبهما باختلاف ما يقدّر فيهما من خير وشر ونفع وضرّ. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ} أي في الذي ذكرناه من تقلّب الليل والنهار، وأحوال المطر والصيف والشتاء {لَعِبْرَةً} أي اعتباراً {لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} أي لأهل البصائر من خَلْقي.

ابن كثير

تفسير : يذكر تعالى أنه يسوق السحاب بقدرته أول ما ينشئها وهي ضعيفة، وهو الإزجاء، {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} أي: يجمعه بعد تفرقه، {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} أي: متراكماً، أي: يركب بعضه بعضاً، {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ} أي: المطر {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} أي: من خلله، وكذا قرأها ابن عباس والضحاك. قال عبيد بن عمير الليثي: يبعث الله المثيرة، فتقم الأرض قماً، ثم يبعث الله الناشئة، فتنشىء السحاب، ثم يبعث الله المؤلفة، فتؤلف بينه، ثم يبعث الله اللواقح، فتلقح السحاب. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير رحمهما الله. وقوله: {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} قال بعض النحاة: {مِّن} الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والثالثة لبيان الجنس، وهذا إنما يجيء على قول من ذهب من المفسرين إلى أن قوله: {مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} معناه: أن في السماء جبال برد ينزل الله منها البرد. وأما من جعل الجبال ههنا كناية عن السحاب، فإن (من) الثانية عند هذا لابتداء الغاية أيضاً، لكنها بدل (من) الأولى، والله أعلم. وقوله تعالى: {فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ} يحتمل أن يكون المراد بقوله: {فَيُصِيبُ بِهِ} أي بما ينزل من السماء من نوعي المطر والبرد، فيكون قوله: {فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ} رحمة لهم {وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ} أي: يؤخر عنهم الغيث، ويحتمل أن يكون المراد بقوله: {فَيُصِيبُ بِهِ} أي: بالبرد، نقمة على من يشاء؛ لما فيه من نثر ثمارهم، وإتلاف زروعهم وأشجارهم، ويصرفه عمن يشاء رحمة بهم. وقوله: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَـٰرِ} أي: يكاد ضوء برقه من شدته يخطف الأبصار إذا اتبعته وتراءته. وقوله تعالى: {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} أي: يتصرف فيهما، فيأخذ من طول هذا في قصر هذا حتى يعتدلا، ثم يأخذ من هذا في هذا، فيطول الذي كان قصيراً، ويقصر الذي كان طويلاً، والله هو المتصرف في ذلك بأمره وقهره وعزته وعلمه، {إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُِوْلِى ٱلأَبْصَـٰرِ} أي: لدليلاً على عظمته تعالى، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلَـٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لأَيَـٰتٍ لأُِوْلِى ٱلأَلْبَـٰبِ} تفسير : [آل عمران: 190] وما بعدها من الآيات الكريمات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِى سَحَاباً } يسوقه برفق {ثُمَّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ } يضم بعضه إلى بعض فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً } بعضه فوق بعض {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ } المطر {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } مخارجه {وَيُنَزّلُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ مِن } زائدة {جِبَالٍ فِيهَا } في السماء بدل بإعادة الجارّ {مِن بَرَدٍ } أي بعضه {فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ يَكَادُ } يقرب {سَنَا بَرْقِهِ } لمعانه {يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَٰرِ } الناظرة له: أي يَخْطَفَها.

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {يُزْجِي سَحَاباً} فيه وجهان: أحدهما: ينزله قليلاً بعد قليل، ومنه البضاعة المزجاة لقلتها. الثاني: أنه يسوقه إلى حيث شاء ومنه زجا الخراج إذا انساق إلى أهله قال النابغة: شعر : إِنِّي أتَيْتُكَ من أَهْلِي ومنْ وَطَنِي أُزْجِي حُشَاشَةَ نَفْسٍ ما بِها رَمَقٌ تفسير : {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} أي يجمعه ثم يفرقه عند انتشائه ليقوى ويتصل. {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} أي يركب بعضه بعضاً. {فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} فيه قولان: أحدهما: أن الودق البرق يخرج من خلال السحاب قال الشاعر: شعر : أثرن عجاجة وخرجن منها خروج الودق من خلَلَ السحاب تفسير : وهذا قول أبي الأشهب: الثاني: أنه المطر يخرج من خلال السحاب، وهو قول الجمهور، ومنه قول الشاعر: شعر : فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل أبقالها تفسير : {وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن في السماء جبال برد فينزل من تلك الجبال ما يشاء فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء. الثاني: أنه ينزل من السماء برداً يكون كالجبال. الثالث: أن السماء السحاب، سماه لعلوه، والجبال صفة السحاب أيضاً سمي جبالاً لعِظمه فينزل منه برداً يصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء فتكون إصابته نقمة وصرفه نعمة. {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: صوت برقه. الثاني: ضوء برقه، قاله يحيى بن سلام ومنه قول الشماخ. شعر : وما كادت إذا رفعت سناها ليبصر ضوءها إلاّ البصير تفسير : الثالث: لمعان برقه، قاله قتادة والصوت حادث عن اللمعان كما قال امرؤ القيس: شعر : يضي سناه أو مصابيح راهب أمال السليط بالذبال المفتل تفسير : فيكون البرق دليلاً على تكاثف السحاب، ونذيراً بقوة المطر، ومحذراً من نزول الصواعق. قوله تعالى: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ} فيه ثلاث أوجه: أحدها: هو أن يأتي بالليل بعد النهار ويأتي بالنهار بعد الليل، حكاه ابن عيسى. الثاني: أن ينقص من الليل ما يزيد من النهار وينقص من النهار ما يزيد في الليل، حكاه يحيى بن سلام. الثالث: أنه يغير النهار بظلمة السحاب تارة وبضوء الشمس أخرى، ويغير الليل بظلمة السحاب مرة وبضوء القمر مرة، حكاه النقاش. ويحتمل رابعاً: أن يقلبها باختلاف ما يقدر فيهما من خير وشر ونفع وضر.

ابن عطية

تفسير : "الرؤية في هذه الآية رؤية عين والتقدير أن أمر الله وقدرته، و {يزجي} معناه يسوق، والإزجاء إنما يستعمل في سوق كل ثقيل ومدافعته كالسحاب والإبل المزاحف كما قال الفرزدق شعر : "على مزاحيف تزجيها مخارير" تفسير : والبضاعة المزجاة التي تحتاج من الشفاعة والتحسين إلى ما هو كسوق الثقيل، ومنه قول حبيب في الشيب، "ونحن نزجيه"، وسيبويه أبداً يقول في كلامه فأنت تزجيه إلى كذا أي تسوقه ثقيلاً متباطئاً، وقوله {يؤلف بينه} أي بين مفترق السحاب نفسه لأن مفهوم السحاب يقتضي أن بينه فروجاً، وهذا كما تقول جلست بين الدور ولو أضيفت "بين" إلى مفرد لم يصح إلا أن تريد آخر، لا تقول جلست بين الدار إلا أن تريد وبين كذا، وورش عن نافع لا يهمز "يولف" وقالون عن نافع والباقون يهمزون " يؤلف" وهو الأصل، و"الركام" الذي يركب بعضه بعضاً ويتكاثف، والعرب تقول إن الله تعالى إذا جعل السحاب ركاماً بالريح عصر بعضه بعضاً فخرج {الودق} منه ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً} تفسير : [النبأ: 14] ومن ذلك قول حسان بن ثابت: [الكامل] شعر : كلتاهما حلب العصير فعاطني بزجاجة أرخاهما للمفصل تفسير : ويروى للمِفصل بكسر الميم وبفتح الصاد، فالمِفصل واحد المفاصيل والمفصل اللسان ويروى بالقاف، أراد حسان الخمر والماء الذي مزجت به أي هذه من عصر العنب وهذه من عصر السحاب، فسر هذا التفسير قاضي البصرة عبد الله بن الحسن العنبري للقوم الذين حلف صاحبهم بالطلاق أن يسأل القاضي عن تفسير بيت حسان، و {الودق} المطر ومنه قول الشاعر: [المتقارب] شعر : فلا مزنة ودقت ودقها ولا أرض أبقل إبقالها تفسير : وقرأ جمهور الناس "من خلاله" وهو جمع خلل كجبل وجبال، وقرأ ابن عباس والضحاك "من خلله"، وقرأ عاصم والأعرج "وينزّل" على المبالغة والجمهور على التخفيف، وقوله {من جبال فيها من برد} قيل تلك حقيقة وقد جعل الله تعالى في السماء جبالاً {من برد} وقالت فرقة ذلك مجاز وإنما أراد وصف كثرته وهذا كما تقول عند فلان جبال من المال وجبال من العلم أي في الكثرة مثل الجبال، وحكي عن الأخفش تقديره زيادة {من} في قوله: {من برد} وهو قول ضعيف، و {من} في قوله {من السماء} هي لابتداء الغاية، وفي قوله {من الجبال} هي للتبعيض، وفي قوله {من برد} هي لبيان الجنس، و" السنا" مقصور، الضوء والسناء، ممدود، المجد والارتفاع في المنزلة، وقرأ الجمهور "سنا" بالقصر، وقرأ طلحة بن مصرف "سناء" بالمد والهمز. وقرأ طلحة أيضاً "بُرَقةَ" بضم الباء وفتح الراء وهي جمع "بُرْقة" بضم الباء وسكون الراء فعلة وهي القدر من البرق كلقمة ولقم وغرفة وغرف، وقرأ الجمهور "يَذهب" بفتح الياء، وقرأ أبو جعفر "يُذهب" بضمها من أذهب كأن التقدير يذهب النفوس بالأبصار نحو قوله {أية : ينبت بالدهن} تفسير : [المؤمنون: 20] ويحتمل أن يكون مثل قوله {أية : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} تفسير : [الحج: 25] فالباء زائدة دالة على فعل يناسبها ثم اقتضت لفظ الآية الإخبار عن تقبله الليل والنهار والإتيان بهذا بعد هذا دون توطئة هو الذي تعجز عنه الفصحاء حتى يقع منهم التخليق في الألفاظ والتوطئة بالكلام وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {يُزْجِى} يسوق {رُكَاماً} يركب بعضه بعضاً {الْوَدْقَ} البرق يخرج من خلال السحاب، أو المطر عند الجمهور {مِن جِبَالٍ} أي في السماء جبال بَرَد فينزل من السماء من تلك الجبال ما يشاء من البرد، أو ينزل من السماء بَرَداً يكون كالجبال، أو السماء: السحاب والسماء صفة للسحاب سُمي جبالاً لعظمته فينزل منه برداً {سَنَا بَرْقِهِ} صوت برقه، أو ضوؤه، أو لمعانه.

ابن عادل

تفسير : وهذه الرؤية بصرية. والإزْجَاءُ: السوق قليلاً قليلاً، ومنه البضاعة المزجاة التي يزجيها كل أحد، وإزجاء السير في الإبل: الرفق بها حتى تسير شيئاً شيئاً. قوله: "بَيْنَهُ" إنما دخلت "بَيْنَ" على مفرد، وهي إنَّما تدخل على مثنى فما فوقه، لأنَّه إما أن يُرَاد بالسحاب: الجنس، فعاد الضمير عليه على حكمه، وإما أن يراد حذف مضافه أي: بَيْنَ قطعِهِ، فإن كل قطعة سحابة. قال ابن عطية: بين مُفترق السحاب، لأن مفهوم السحاب يقتضي أن بينه فروجاً. وورش عن نافع لا يهمز "يُؤَلِّفُ". وقالون عن نافع والباقون يهمزون "يُؤَلِّفُ". قوله: {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} أي: متراكماً يركب بعضها على البعض ويتكاثف، والعرب تقول: إن الله تعالى إذا جعل السحاب ركاماً بالريح عصر بعضه بعضاً فخرج الودق منه، ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلْمُعْصِرَاتِ مَآءً ثَجَّاجاً} تفسير : [النبأ: 14]، ومن ذلك قول حسان بن ثابت: شعر : 3839- كِلْتَاهُمَا حَلَبُ العَصِيرِ فَعَاطِنِي بِزُجَاجَة أرْخَاهُمَا لِلمَفْصَلِ تفسير : وروي: "لِلْمِفْصَلِ" بكسر الميم وفتح الصاد. فالمَفْصَلُ: واحد المفاصل. والمِفْصَل: اللسان. وروي بالقاف. أراد حسان الخمر والماء الذي مزجت، أي: من عصير العنب، وهذه من عصير السحاب، نقله ابن عطية. وقال أهل الطبائع: إن تكوين السحاب والمطر والثلج والبرد والطل والصقيع في أكثر الأمر يكون من تكاثف البخار، وفي الأقل من تكاثف الهواء. أما الأول فالبخار الصاعد إن كان قليلاً وكان في الهواء من الحرارة ما يحلل ذلك البخار فحينئذ ينحل وينقلب هواء، وإن كان البخار كثيراً ولم يكن في الهواء من الحرارة ما يحلله فتلك الأبخرة المتصاعدة إمّا أن تبلغ في صعودها إلى الطبقة الباردة من الهواء أو لا تبلغ. فإن بلغت فإما أن يكون البرد قوياً أو لا يكون. فإن لم يكن البرد هنا قوياً تكاثف ذلك البخار بذلك القدر من البرد واجتمع وتقاطر، فالبخار المجتمع هو السحاب، والمتقاطر هو المطر، والديمة والوابل إنما يكون من أمثال هذه الغيوم. وإن كان البرد شديداً فلا يخلو إما أن يصل البرد إلى الإجزاء البخارية قبل اجتماعها وانحلالها حبات كبار أو بعد صيرورتها كذلك. فإن كان على الوجه الأول نزل ثلجاً. وإن كان على الوجه الثاني نزل برداً فإن لم تبلغ الأبخرة إلى الطبقة الباردة فإما أن تكون كثيرة أو قليلة. فإن كانت كثيرة فقد تنعقد سحاباً ماطراً، وقد لا تنعقد. أما الأول فلأسباب خمسة: أحدها: إذا منع هبوب الرياح عن تصاعد تلك الأبخرة. وثانيها: أن تكون الرياح (ضاغطة) إياها إلى الاجتماع بسبب وقوف جبال قدام الريح. وثالثها: أن تكون هناك رياح متقابلة متصادمة فتعود الأبخرة حينئذ. ورابعها: أن يعرض للبخار المتقدم وقوف لثقله وبطء حركته يلتص به سائر الأجزاء الكثيرة المدد. وخامسها: لشدة برد الهواء القريب من الأرض، وقد نشاهد البخار يصعد في بعض الجبال صعوداً يسيراً حتى كأنه مكبة موضوعة على وَهْدَة، ويكون الناظر إليها فوق تلك الغمامة، والذين يكونون تحت الغمامة يمطرون، والذين يكونون فوقها يكونون في الشمس. فإن كانت الأبخرة القليلة الارتفاع قليلة لطيفة، فإذا مر بها برد الليل وكثفها، فإنها تصير ماءً محبوساً ينزل أولاً متفرقاً لا يحس به إلا عند اجتماع شيء يعتد به، فإن لم يجمد كان طلاًّ، وإن جمد كان صقيعاً، ونسبة الصقيع إلى الطل نسبة الثلج إلى المطر. والجواب (أنَّا دللنا على) حدوث الأجسام وتوسلنا بذلك إلى كونه قادراً مختاراً يمكنه إيجاد الأجسام، فلا نقطع بما ذكرتموه (لاحتمال أنه سبحانه خلق أجزاء السحاب دفعة لا بالطريق الذي ذكرتموه) وأيضاً فهب أن الأمر كما ذكرتم، ولكن الأجسام بالاتفاق ممكنة في ذواتها فلا بد لها من مؤثر، ثم إنها متماثلة، فاختصاص كل واحد منها بصفته المعينة من الصعود والهبوط واللطافة والكثافة والحرارة والبرودة لا بد له من مخصص، فإذا كان هو سبحانه خالقاً لتلك الطبائع، فتلك الطبائع في هذه الأحوال لا بد لها من سبب، وخالق السبب خالق المسبب، فكان سبحانه هو الذي يُزْجي سحاباً، لأنه هو الذي خلق تلك الطبائع المحركة لتلك الأبخرة من باطن الأرض إلى جو الهواء، ثم تلك الأبخرة ترادفت في صعودها والتصق بعضها بالبعض، فهو سبحانه هو الذي جعلها ركاماً، فعلى جميع التقديرات توجه الاستدلال بهذه الأشياء على القدرة والحكمة. قوله: {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ}. تقدم الخلاف في "خِلاَلِ" هل هو مفرد كحجاب أم جمع كجِبَال جمع "جبل"؟ ويؤيد الأول قراءة ابن مسعود والضحاك - وتُرْوَى عن أبي عمرو أيضاً - "مِنْ خَلَلِهِ" بالإفراد وقرأ عاصم والأعرج: "يُنَزِّل" على المبالغة. والجمهور على التخفيف. والوَدْق: قيل: هو المطر ضعيفاً كان أو شديداً، قال: شعر : 3840- فَلاَ مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَهَا وَلاَ أَرْضَ أَبْقَلَ إبْقَالَهَا تفسير : وقيل: هو البرق، وأنشد: شعر : 3841- أَثَرْنَ عَجَاجَةً وَخَرَجْنَ مِنْهَا خُرُوجَ الوَدْقِ مِنْ خَلَلِ السَّحَابِ تفسير : والوَدْقُ في الأصل مصدر، يقال: "وَدَقَ السحاب يَدِقُ وَدْقاً" و"يخرُج" حال، لأن الرؤية بصرية. قوله: {مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ}. "مِنْ" الأولى لابتداء الغاية اتفاقاً، لأن ابتداء الإنزال من السماء. وأما الثانية ففيها ثلاثة أوجه: أحدها: أنها لابتداء الغاية أيضاً فهي ومجرورها بدلٌ من الأولى بإعادة العامل، والتقدير: ويُنَزِّلُ من جبال السماء، أي: من جبال فيها، فهو بدل اشتمال. الثاني: أنها للتبعيض، قاله الزمخشري وابن عطية، لأن جنس تلك الجبال من جنس البرد، فعلى هذا هي ومجرورها في موضع مفعول الإنزال، كأنه قال: وينزل بعض جبال. الثالث: أنها زائدة، أي: ينزل من السماء جبالاً. وقال الحوفي: (من جبال) بدل من الأولى، ثم قال: "وهي للتبعيض". ورده أبو حيان بأنه لا تستقيم البدلية إلا بتوافقهما معنى، لو قلت: خرجت من بغداد من الكَرْخ، لم تكن الأولى والثانية إلا لابتداء الغاية. وأما الثالثة ففيها أربعة أوجه: الثلاثة المتقدمة، والرابع: أنها لبيان الجنس، قاله الحوفي والزمخشري. فيكون التقدير على قولهما ويُنَزِّل من السماء بعض جبال التي هي البَرَدُ، فالمُنَزَّلُ بَرَدٌ، لأنَّ بعض البَرَدِ بَرَدٌ، ومفعول "يُنَزِّلُ": هو مِنْ جِبَالٍ كما تقدم تقريره. وقال الزمخشري: "أَو الأولَيَان للابتداء، والثالثة للتبعيض" يعني: أنَّ الثانية بدلٌ من الأولى كما تقدم تقريره، وحينئذ يكون مفعول "يُنَزِّلُ" هو الثالثة مع مجرورها، التقدير: ويُنَزِّلُ بعض بردٍ من السماء من جِبَالِها. وإذا قيل بأن الثانية والثالثة زائدتان، فهل مجرورهما في محل نصب والثاني بدلٌ من الأول، والتقدير: ويُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ جِبالاً برداً، فيكون بدل كل من كل أو بعض من كل، أو الثاني في محل نصب مفعولاً لـ "يُنَزِّل"، والثالث في محل رفع على الابتداء وخبره الجار قبله؟ خلافٌ، الأول قول الأخفش، والثاني قول الفراء، وتكون الجملة على قول الفراء صفة لـ "جِبَال"، فيحكم على موضعها بالجر اعتباراً باللفظ، أو بالنصب اعتباراً بالمحل. ويجوز أن يكون "فِيهَا" وحده هو الوَصْفُ، ويكون "مِنْ بَرَدٍ" فاعلاً به لاعتماده، أي استقر فيها بردٌ. وقال الزجاج: "معناه: ويُنَزِّلُ من السماءِ من جبالٍ بَرَدٍ فيها، كما تقول: هذا خاتم في يدي من حديد، أي: خاتم حديد في يدي، وإنما جِئْتَ في هذا وفي الآية بـ "مِنْ" لما فَرَّقْتَ، ولأنك إذا قلت: هذا خاتمٌ من حديدٍ، وخاتم حديدٍ، كان المعنى واحداً" انتهى. فيكون "مِنْ بَرَدِ" في موضع جرٍّ صفة لـ "جِبَالٍ" كما كان "مِنْ حَدِيدٍ" صفة لـ "خَاتم"، ويكون مفعول: "يُنَزِّلُ": "مِنْ جِبَالٍ"، ويلزم من كون الجبال بَرَداً أن يكون المُنَزَّلُ بَرَداً. وقال أبو البقاء: والوجه الثاني: أن التقدير: شيئاً من جبال، فحذف الموصوف واكتفى بالصفة. وهذا الوجه هو الصحيح، لأن قوله: {فِيهَا مِن بَرَدٍ} يُحوجك إلى مفعول يعود الضمير إليه، فيكون تقديره: ويُنَزِّلُ مِنْ جِبَال السماء جبالاً فيها بَرَدٌ، وفي ذلك زيادة حَذْفٍ وتقدير مستغنًى عنه. وفي كلامه نَظَرٌ، لأن الضمير له شيءٌ يعود عليه وهو "السَّمَاء"، فلا حاجة إلى تقدير شيء آخر، لأنه مستغنى عنه، وليس ثَمَّ مانعٌ يمنع من عوده على "السَّمَاء". وقوله آخراً: وتقدير يستغنى عنه ينافي قوله: وهذا الوجه هو الصحيح. والضمير في "به" يجوز أن يعود على البَرَدِ وهو الظاهر، ويجوز أن يعود على الوَدْق والبَرَد معاً جرياً بالضمير مُجْرَى اسم الإشارة، كأنه قيل: فيصيب بذلك، وقد تقدم نظيره. فصل قال ابن عباس: أخبر الله أن في السماء جبالاً من برد، ثم ينزل منها ما شاء وهو قول أكثر المفسرين. وقيل: المراد بالسماء هو الغيم المرتفع، سمي بذلك لسموه وارتفاعه، وأنه تعالى أنزل من الغيم الذي هو سماء البرد. وأراد بقوله: "مِنْ جِبَالٍ": السحاب العظام، لأنها إذا عظمت شبهت بالجبال كما يقال: فلان يملك جبالاً من مال، ووصف بذلك توسعاً. وذهبوا إلى أن البرد ماء جامد خلقه الله في السحاب، ثم أنزل إلى الأرض. وقال بعضهم: إنما سمي ذلك الغيم جبالاً لأنه سبحانه خلقها من البرد، وكل جسم متحجر فهو من الجبال، ومنه قوله تعالى: {أية : خَلَقَكُمْ وَٱلْجِبِلَّةَ ٱلأَوَّلِينَ} تفسير : [الشعراء: 184]. قال المفسرون: والأول أولى، لأنَّ السماء اسم لهذا الجسم المخصوص، فتسمية السحاب سماء بالاشتقاق مجاز، وكما يصح أن يجعل الماء في السحاب ثم ينزله برداً، فقد يصح في القدرة جعل هذين الأمرين في السماء، فلا وجه لترك الظاهر. قوله: {فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ} أي: بالبرد من يشاء فيهلك زرعه وأمواله {وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ} أي: يصرف ضرره عمن يشاء بأن لا يسقطه عليه. قوله: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ}. العامة على قصر "سَنَا" وهو الضوء، وهو من ذوات الواو، يقال: سَنَا يَسْنُو سَناً، أي أضاء يُضِيء، قال امرؤ القيس: شعر : 3842- يُضِيءُ سَنَاهُ أَوْ مَصَابِيحُ رَاهِبِ تفسير : والسناءُ - بالمد -: الرفعة، قال: شعر : 3843- (وسِنٍّ كسُنَّيْقٍ سَنَاءً وسُنَّما) تفسير : وقرأ ابن وثاب: "سَنَاءُ بُرَقِهِ" بالمد، وبضم الباء من "بَرْقِهِ" وفتح الراء وروي عنه ضم الراء أيضاً. فأما قراءة المد فإنه شبه المحسوس من البرق لارتفاعه في الهواء بغير المحسوس من الإنسان. فأما "بُرَقِهِ" فجمع "بُرْقَةٍ"، وهي المقدار من البرق، كـ "غُرْفَة وغُرَف"، و"لُقْمَة ولُقَم". وأما ضم الراء فإتباع، كـ "ظُلُمَات" بضم اللام إتباعاً لضم الظاء، وإن كان أصلها السكون. وقرأ العامة أيضاً "يَذْهَبُ" بفتح الياء والهاء. وأبو جعفر بضم الياء وكسر الهاء من "أَذْهَبَ". وقد خَطَّأ هذه القراءة الأخفش وأبو حاتم، قالا: "لأنَّ الباءَ تُعَاقِبُ الهمزة". وليس ردُّهما بصوابٍ، لأنَّها تَتَخرّجُ على ما خُرِّجَ ما قُرِئَ به في المتواتر: "تُنْبِتُ بالدُّهْنِ" من أنَّ الباء مزيدةٌ، أو أنَّ المفعول محذوف والباء بمعنى "مِنْ" تقديره: يَذهب النور من الأبصار، كقوله: شعر : 3844- شُرْبَ النَّزِيفِ بِبَرْدِ مَاءِ الحَشْرَجِ تفسير : فصل المعنى: يكاد ضوء برق السحاب يذهب بالأبصار من شدة ضوئه. واعلم أنّ البرق الذي صفته كذلك لا بد وأن يكون ناراً عظيمة خالصة، والنار ضد الماء والبرد، فظهوره يقتضي ظهور الضد من الضد، وذلك لا يمكن إلا بقدرة قادر حكيم، ثم قال: {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} يصرفهما في اختلافهما، ويعاقبهما: يأتي بالليل ويذهب بالنهار، ويأتي بالنهار ويذهب بالليل قال عليه السلام: "حديث : قال الله تعالى: يُؤْذيني ابن آدم، يَسُبُّ الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر، أُقَلِّبُ الليلَ والنهارَ"تفسير : . وقيل: المراد ولوج أحدهما في الآخر. وقيل: المراد تغير أحوالهما في الحر والبرد وغيرهما. {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} أي: إن في الذي ذكرت من هذه الأشياء {لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} البصائر، أي: دلالة لأهل العقول على قدرة الله وتوحيده.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله ‏ {‏فترى الودق‏}‏ قال‏:‏ المطر‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله ‏ {‏فترى الودق‏} ‏ قال‏:‏ القطر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي بجيلة عن أبيه قال‏:‏ ‏ {‏الودق‏} ‏ البرق‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله ‏{‏من خلاله‏} ‏ قال‏:‏ السحاب‏.‏ وأخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قرأها ‏ {‏من خلله‏}‏ بفتح الخاء من غير ألف‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن كعب قال‏:‏ لو أن الجليد ينزل من السماء الرابعة، لم يمر بشيء إلا أهلكه‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏يكاد سنا برقه‏} ‏ يقول‏:‏ ضوء برقه‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله‏:‏ ‏ {‏يكاد سنا برقه‏} ‏ قال‏:‏ السنا الضوء‏.‏ قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت أبا سفيان بن الحارث وهو يقول‏: شعر : يدعو إلى الحق لا يبغي به بدلاً يجلو بضوء سناه داجي الظلم تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ‏{‏يكاد سنا برقه‏}‏ قال‏:‏ لمعان البرق‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن شهر بن حوشب أن كعباً سأل عبد الله بن عمرو عن البرق قال‏:‏ هو ما يسبق من البرد‏.‏ وقرأ ‏{‏جبال فيها من برد يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار‏}‏‏ .‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏{‏يقلب الله الليل والنهار‏} ‏قال‏:‏ يأتي بالليل، ويذهب بالنهار، ويأتي بالنهار، ويذهب بالليل‏.‏

القشيري

تفسير : تعرَّف إلى قلوب العلماء بدلالات صُنْعِه في بديع حكمته، وبما يدل منها على كمال قدرته، وشمول علمه وحكمته، ونفوذ إرادته ومشيئته. فَمَنْ أنعم النظرَ وَصَلَ إلى بَرَدِ اليقين، ومَنْ أعرض بقي في وَهْدَةِ الجُحْدِ وظلمات الجهل. ترتفع بقدرته بخاراتُ البحرِ، وتصعد بتسييره وتقديره إلى الهواء وهو السحاب، ثم يُديرها إلى سَمْتٍ يريد أن ينزل به المطر، ثم ينزل ما في السحاب من ماء البحر قطرةً قطرةً؛ ويكون الماء قبل حصول بخارات البحر غير عَذْبٍ فيقلبه عَذْباً، ويُسِحُّه السحاب سَكْباً، فيوصل إلى كلِّ موضع قَدْراً يكون له مُراداً معلوماً، لا بالجهدِ مِنَ المخلوقين يُمْسَكُ أو يُنَزَّلُ، ولا بالحيلةِ يُسْتَنْزلُ على المكانِ الذي لا يُمْطِره. {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ}: وكذلك جميع الأغيار من الرسوم والآثار.. ذلك تقدير العزيز العليم.

البقلي

تفسير : قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} خاطب الحق سبحانه اهل التوحيد والمعرفة بانه سبحانه ينشئ فى سماء صحوا القلوب ---- انوار فعله على مقادير مشيته وقوة حملها واردات الغيوب ويسريها برياح الكرم ويجمعها بقوة القدم ولم يجعلها متكاثفات باثقال انوار الصفات وذلك قوله {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} ثم ينزل منها قطرات زلال بحر الصفة الى صحارى القلوب بقوله {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} فاذا اكمل الحال ينكشف جبال انوار الذات وينزل منها برد جواهر حقائق علوم القدم فيقع على بحار عقول العارفين ويتلقاها اصدف الارواح فيربيها فى حواصل الافئدة والاسرار ثم بين خاصية من سبق له الحسنى فى الازل فى وصول تلك الجواهر القدوسية {فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ} ثم بين ان سنا بروق تجلى الصفات يغلب على ابصار الارواح والقلوب حين عاينت الحق بقوله {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ} ثم بين مقام الحق والصحو والقبض والبسط واوقات الاستناد والتجلى بقوله {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} يقلب ليلى الهجران ونهار كشف العيان لاهل البيان والامتحان ثم بين ان هذه الاشارات لذوى البصائر من العارفين بقوله {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} اى بصيرة ومعرفةً ما بان من فحوى الخطاب من قوله يقلب الله الليل والنهار وحقائق غلبة مشية الازل على كل مشية اذ كل مشية قائمة بمشيته وكل ارادة صدرت من ارادته فاذا انسلخ الكون واهله من محل التصرف والارادة فى نفاذ مشيته تعالى الله من كل كائن يقع بخلاف ارادته قال الواسطى ما خلافه احد ولا واقعه وكلهم مستعملون بمسيته وقدرته انى يكون الوفاق والخلاف وهو بقلب الليل والنهار بما فيها وهو قائم على الاشياء بالاشياء وبقائها وفنائها لا يونسه وتجد ولا يوحشه فقد بل لا فقد ولا وجد انما هى رسوم تحت رسوم.

اسماعيل حقي

تفسير : {ألم تر ان الله يزجى سحابا} الازجاء سوق الشىء برفق وسهولة لينساق غلب فى سوق شىء يسير أو غير معتد به ومنه البضاعة المزجاة فانها يزجها كل احد ويدفعها لقلة الاعتداد بها ففيه ايماء الى ان السحاب بالنسبة الى قدرته تعالى مما لايعتد به ويسمى السحاب سحابا لانسحابه فى الهواء اى انجراره وهو اسم جنس يصح اطلاقه على سحابة واحدة وما فوقها والمراد ههنا قطع السحاب بقرينة اضافة بين الى ضميره فانه لايضاف الا الى متعدد. والمعنى قد رأيت رؤية بصرية ان الله يسوق غيما الى حيث يريد {ثم يؤلف بينه} اى بين اجزائه بضم بعضها الى بعض فيجعله شيأ واحدا ابعد ان كان قطعا {ثم يجعله ركاما} اى متراكما بعضه فوق بعض فانه اذا اجتمع شىء فوق شىء فهو ركوم مجتمع، قال فى المفردات يقال سحاب مركوم اى متراكم والركام ما يلقى بعضه على بعض {فترى الودق} اى المطر اثر تكاثفه وتراكمه، قال ابو الليث الودق المطر كله شديده وهينه، وفى المفردات الودق قيل ما يكون خلال المطر كأنه غبار وقد يعبر به عن المطر {يخرج من خلاله} حال من الودق لان الرؤية بصرية والخلال جمع خلل كجبال وجبل وهو فرجة بين الشيئين والمراد ههنا مخارج القطر. والمعنى حال كون ذلك الودق يخرج من اثناء ذلك السحاب وفتوقه التى حدثت بالتراكم وانعصار بعضه من بعض، قال كعب السحاب غربال المطر ولولاه لا فسد المطر ما يقع عليه {وينزل من السماء} اى من الغمام فان كل ماعلاك سماء وسماء كل شىء اعلاه {من جبال} اى من قطع عظام تشبه الجبال فى العظم كائنه {فيها} اى فى السماء فان السماء من المؤنثات السماعية {من برد} مفعول ينزل على ان من تبعيضية والاوليان لابتداء الغاية على ان الثانية بدل اشتمال من الاولى باعادة الجار والبرد محركه الماء المنعقد اى مايبرد من المطر فى الهواء فيصلب كما فى المفردات. والمعنى ينزل الله مبتدئا من السماء من جبال فيها بعض برد قال بعضهم ان الله تعالى خلق جبالا كثيرة فى السماء من البرد والثلج ووكل بها ملكا من الملائكة فاذا اراد ان يرسل البرد والثلج على قطر من اقطار الارض يأمره بذلك فثلج هناك ماشاء الله بوزن ومقدار فى صحبة كل حبة منها ملك يضعها حيث امر بوضعها، قال ابن عباس رضى الله عنهما لا عين تجرى على الارض الا واصلها من البرد والثلج ويقال ان الله تعالى خلق ملائكه نصف ابدانهم من الثلج ونصفها من النار فلا الثلج يطفىء النار ولا النار تذيب الثلج فاذا اراد الله ارسال الثلج فى ناحية امرهم حتى يترفرفوا باجنحتهم من الثلج فما تساقط عن الترفرف فهو الثلج الذى يقع هناك يقال رفرف الطائر اذا حرك جناحيه حول الشىء يريد ان يقع عليه وقيل المراد من السماء اى فى الآية المظلة اى الفلك وفيها جبال من برد كما ان فى الارض جبالا من حجر وليس فى العقل ما ينفيه والمشهور ان الابخرة اذا تصاعدت ولم تحللها حرارة فبلغت الطبقة الباردة من الهواء وقوى البرد اجتمت هناك وصارت سحابا فان لم يشتد البرد تقاطرت مطرا وان اشتد فان وصل الى الاجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل بردا وقد يبرد الهواء بردا مفرطا فينقبض وينعقد سحابا وينزل منه المطر او الثلج وكل ذلك مستند الى ارادة الله تعالى ومشيئته المبنية على الحكم والمصالح، وفى اخوان الصفاء الاجزاء المائية والترابية اذا كثرت فى الهواء وتراكمت فالغيم منها هو الرقيق والسحاب هو المتراكم والمطر هو تلك الاجزاء المائية اذا التأم بعضها مع بعض وبردت وثقلت رجعت نحو الارض والبرد قطر تجمد فى الهواء بعد خروجه من سمك السحاب والثلوج قطر صغار تجمد فى خلال الغيم ثم تنزل برفق من السحاب انهى والاجزاء اللطيفة الارضية تسمى دخانا والمائية بخارا، قال ابن التمجيد اذا اشرقت الشمس على ارض يابسة تحللت منها اجزاء نارية ويخالطها اجزاء ارضية يسمى المركب منهما دخانا، وفى شرح القانون الفرق بين الدخان والبخار هو ان تركيب الدخان من الاجزاء الارضية والنارية وتركيب البخار من المائية والهوائيه فيكون البخار الطف من الدخان {فيصيب به} اى بما ينزل من البرد والباء للتعدية: وبالفارسية [بس ميرساند آند تكرك را] {من يشاء} فيناله ما يناله من ضرر فى نفسه وماله نحو الزرع والضرع والثمرة {ويصرفه عمن يشاء} فيأمن غائلته {يكاد سنا برقه} اى يقرب ضوء برق السحاب فان السنا مقصورا بمعنى الضوء الساطع وممدودا بمعنى الرفعة والعلو والبرق لمعان السحاب، وفى القاموس البرق واحد بروق السحاب او ضرب ملك السحاب وتحريكه اياه لينساق فترى النيران، وفى اخوان الصفاء البرق نار تنقدح من احتكاك تلك الاجزاء الدخانية فى جوف السحاب {يذهب بالابصار} اى يخطفها من فرط الاضاءة وسرعة ورودها، قال الكاشفى [واين دليل است بر كمال قدرت كه شعله آتش ازميان ابر آبدار بيرون مى آرد] فسبحان من يظهر الضد من الضد.

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جل جلاله: {ألم ترَ أن الله يُزْجِي} أي: يسوق، برفق وسهولة، {سَحَاباً}: جمع سحابة، {ثم يُؤلِّف بينه} أي: يضم بعضه إلى بعض، {ثم يجعله رُكاماً}؛ متراكماً بعضه فوق بعض، {فَتَرى الوَدْقَ}: المطر، {يخرجُ من خِلالِه}؛ من فُتُوقِهِ ووسطه، جمع خَلل، كجبال وجبل، وقيل: مفرد، كحجاب وحجاز. قال القشيري: ترتفع بقدرته بُخَارَاتُ البحر، فيتصعد، بتسييره وتقديره، إلى الهواء، وهو السحاب، ثم يديره إلى سَمْتِ يريد أن ينزل به المطر، ثم ينزل ما في السحاب من ماء البحر، قطرة قطرة، ويكون الماء، حين حصوله في بخارات البحر، غير عذب، فيقلبه عذباً، ويَسُحُّهُ السحابُ سَكْباً، فيوصل إلى كلِّ موضع قَدْراً يكون له مُراداً معلوماً، لا بالجهدِ مِنَ المخلوقين يُمْسَكُ عن المواضع الذي عليه ينزله، ولا بالحيلة يُسْتَنْزلُ على المكانِ الذي لا يُمْطِره. هـ. قلت: وهذا أحد الأقوال في حقيقة المطر، والمشهور عند أهل السنة: أن الله تعالى يُنْشِىءُ السحاب بقدرته، ويخلق فيه الماء بحكمته، وينزله حيث شاء. ثم قال تعالى: {ويُنزِّل من السماء من جبالٍ فيها من بَرَدٍ}، "مِنْ" الأولى: لابتداء الغاية، والثانية: بدل من الأولى، والثالثة: لبيان الجنس، أي: يُنَزِّل البَرَد، وهو الثلج المكور، من السماء، أي: الغمام العلوي، فكل ما علاك سماء، من جبال فيها كائنة من البَرَد، ولا غرابة في أن الله يخلق في السماء جِبَالَ بَرَدٍ كما خلق في الأرض جبال حجر. قال ابن جزي: قيل: إن الجبال هنا حقيقة، وإن الله جعل في السماء جبالاً من بَرَد، وقيل: إنه مجاز، كقولك: عند فلان جبال من مال أو عِلم، أي: هن في الكثرة مثل الجبال. هـ. وأصله لابن عطية. وقال الشيخ أبو زيد الثعالبي: حَمْلُ اللفظ على حقيقته أولى، إن لم يمنع من ذلك مانع. هـ. يعني: ولا مانع هنا، فيحمل على ظاهره، وإن الله خلق جبال بَرد في السماء. وقال الهروي عن ابن عرفة - يعنى اللغوي -: سمعت أحمد بن يحيى يقول: فيه قولان: أحدهما: وينزل من السماء بَرَدَاً من جبال في السماء من برد, والآخر: وينزل من السماء أمثال الجبال من البَرَد. ويقال: إنما سمي برَدَاً؛ لأنه يَبْرُدُ وجه الأرض أي: يُقشره. هـ. قال البيضاوي: إن الأبخرة إذا تصاعدت ولم يتخللها حرارة، فبلغت الطبقة الباردة من الهواء، وقوي البرد هناك، اجتمع وصار سحاباً، فإن لم يشتد البرد تقاطر مطراً، وإن اشتد، فإن وصل إلى الأجزاء البخارية قبل اجتماعها، نزل ثلجاً، وإلاّ نزل بَرَداً، وقد يبرد الهواء برداً مفرطاً فينقبض، وينعقد سحاباً، وينزل منه المطر أو الثلج. وكل ذلك لا بد وأن يُسْنَدَ إلى إرادة الواجب الحكيم؛ لقيام الدليل على أنها الموجبة لاختصاص الحوادث بمحالِّها وأوقاتها، وإليه أشار بقوله: {فيُصيبُ به من يشاء ويصْرِفُهُ عمن يشاء} والضمير للبرَد. هـ. أي: فيصيب بذلك البَرَد من يشاء أن يصيبه به، فيناله ما ناله من ضرره في بدنه وماله؛ من زرع أو غيره. {ويَصْرِفُه عمن يشاء} أن يصرفه عنه، فينجو من غائلته. {يكاد سَنَا بَرْقِهِ} أي: ضوء برق السحاب، الموصوف بما مر من الإزجاء والتآلف. وإضافة البرق إليه، قبل الإخبار بوجوده، فيه إيذان بظهور أمره واستغنائه عن التصريح به. وقيل: الضمير للسماء، وهو أقرب، أي: يكاد ضوء برق السماء، ويحتمل أن يعود على "الله" تعالى؛ لتقدم ذكره، أي: يكاد ضوء برقه تعالى {يذهب بالأبصار}، أي: يخطفها من فرط الإضاءة، وسرعة ورودها، ولو عند إغماضها. {يُقلِّبُ الله الليلَ والنهارَ} أي: يصرفهما بالتعاقب، فيأتي هذا بعد هذا، أو بنقصِ أحدهما وزيادة الآخر، أو بتغيير أحوالهما بالحر والبرد وغيرهما. {إن في ذلك}، الإشارة إلى ما فصل آنفاً، أي: إن في إزجاء السحاب، وإنزال الودق، وتقليب الليل والنهار، {لعبرةً}؛ لَدَلاَلَةً واضحة على وجود الصانع القديم، القائم بالأشياء، والمدبر لها بقدرته وحكمته، {لأُولي الأبصار}؛ لذوي العقول الصافية. وهذا من تعدد الدلائل على ظهور نوره تعالى في الكائنات، حيث ذكر تسبيح مَنْ في السموات والأرض ما يطير بينهما وخضوعهم له، وتسخير السحاب وإنزال الأمطار، وتقليب الليل والنهار، إلى غير ذلك من لوامح الأنوار. والله تعالى أعلم وأحكم. الإشارة: ألم تر أن الله يُزجي سحابَ الواردات الإلهية، تحمل العلوم اللدنية، ثم يُؤلف بينه حتى يكون قوياً، يُقتطع به صاحبه عن حسه، ويغيبه عن أمسه ورسمه، فترى أمطار العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، والفتوحات العرفانية، تخرج من خلاله، أي: من قلب العارف، وهي نتائج الواردات وثمراتها. وفي الحِكَم: "لا تزكين وارداً لم تعلم ثمرته، فليس المراد من السحابة الأمطار، وإنما المراد منها وجود الأثمار". وينزل من سماء الأرواح من جبالِ عقولٍ، فيها علم الرسوم الظاهرة، فيصيب به من يشاء، ممن أريد لحمل الشرائع والقيام بها، ويصرفه عمن يشاء، ممن أريد أن يكون من عامة الناس، أو من خاصتهم. إن هبت عليه رياح الحقائق، فأمطرت على قلبه العلوم الغيبية فأغنته عن العلوم الرسمية، يكاد سنا برقه الساطع لقلوب أوليائه، وهو سطوع أنوار الملكوت وأسرار الجبروت، فإنها تكون أولاً كالبرق، تلمع وتخفي، ثم يتصل ورودها وشروقها، فتكون متصلة البروق دائمة الشروق، نهار بلا ليل، واتصال بلا انفصال، ووصال بلا انقطاع. وفي ذلك يقول القائل: شعر : طلعت شمسُ مَنْ أُحِبُّ بِلَيْلٍ وَاسْتَنَارَتْ، فَمَا تَلاَهَا غُرُوبُ إنَّ شَمْسَ النهار تَغْربُ بالليل وشَمْسَ القُلُوبِ ليْس لَهَا مَغِيبُ تفسير : يقلب الله ليل القبض على نهار البسط، ونهار البسط على ليل القبض، حتى يتصل النهار بالخروج عنهما، ليكون لله، لاشيء دونه. وبالله التوفيق. ولمّا ذكر التجليات العلوية ذكر التجليات السفلية فقال: {وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ...}

الجنابذي

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً} الجملة مستأنفة فى مقام التّعليل لقوله {وَللَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} او لقوله {وَإِلَىٰ ٱللَّهِ ٱلْمَصِيرُ}، او للمجموع والخطاب لمحمّدٍ (ص) لانّه هو الرّائى لمثل ذلك لا المحجوب عن مشاهدة فعل الحقّ فى افعال العباد والطّبائع، او لكلّ من يتأتّى منه تلك الرّؤية، او لكلّ راء فانّ كلّ راءٍ ينبغى له ذلك، والاستفهام على الاوّل والثّانى للتّقرير، وعلى الثّالث للتّوبيخ، والازجاء السّوق {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ} اى بين قطعه المتفرّقة {ثُمَّ يَجْعَلُهُ} بعد جمع قطعه {رُكَاماً} متراكماً {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ} اى المطر {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} اى من السّحاب فانّ كلّ ما علا مطبقاً فهو سماء {مِن جِبَالٍ فِيهَا} بدل من قوله من السّماء والمعنى ينزّل من السّحاب من القطع المعظمة المرتفعة فى السّحاب {مِن بَرَدٍ} بعضً من برد والوجوه الاُخر فى اعراب الآية ومعناها ضعيفة جدّاً {فَيُصِيبُ بِهِ} اى بضرر البرد {مَن يَشَآءُ} من عباده فيهلك حرثه وماله ويخرب دوره {وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} اى سنا برق السّحاب او البرد {يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ} لشدّة لمعانه.

الأعقم

تفسير : {ألم تر أن الله يزجي سحاباً} أي يسوقه إلى حيث يريد، ومنه البضاعة المزجاة أي يزجيها كل أحد لا يرضاها {ثم يؤلف بينه} أي يضم ويجمع بين قطع السحاب المتفرقة {ثم يجعله ركاماً} أي متراكماً {فترى الودق يخرج من خلاله} من وسطه {وينزل من السماء من جبال فيها من برد} قيل: ذلك جبال في السماء من برد، وقيل: أراد بالسماء المعروفة فيها جبال البرد، وروي أنه ينزل البرد والمطر من السماء إلى السحاب، ثم ينزل إلى الأرض، وقيل: بل يخلق في السحاب حالاً بعد حال إن شاء المطر وإن شاء البر، قال جار الله: فإن قلت: متى رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تسبيح من في السماء ودعاءهم، وتسبيح الطير ودعاءهم، وينزل المطر من جبال برد في السماء حتى قيل له: ألم تر؟ قلتُ له: علم من جهة الله اخبار الله بذلك على طريق الوحي {فيصيب به} البرد {من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار} أي ضوء برقه، وقيل: لمعان برقه لشدة ضوئه {يقلب الله الليل والنهار} يصرفهما في اختلافهما وتعاقبهما، وقيل: بالطول والقصر بإدخال أحدهما في الآخر، وقيل: بالحر والبرد، وقيل: بالظلمة {إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} لذوي العقول لأنهم المكلفون الذين يمكنهم النظر {والله خلق كل دابة} أي كل حيوان {من ماء} من نطفة، وقيل: من ماء لأن أصل الخلق الماء، ثم قلب بعد الماء فجعلها ريحاً فخلق منه الملائكة وبعضه نار فخلق منه الجن، وبعضه إلى الطين فخلق منه آدم، وقيل: المراد كثرة الدواب لأن من الحيوانات من خلقه من التراب والرياح {فمنهم من يمشي على بطنه} كالحية والحوت والديدان، فإن قلت: لم سمي الزحف على البطن مشي؟ قلتُ: على سبيل الاستعارة كما يقال: فلان يمشي له أمرٌ {ومنهم من يمشي على رجلين} كالجن والإِنس والطيور {ومنهم من يمشي على أربع} كالأنعام والوحوش والسباع، وقيل: في قوله: {يخلق الله ما يشاء} تبينة على أن فيها أكثر من ذلك {إن الله على كل شيء قدير} قوله تعالى: {لقد أنزلنا آيات} دلالات، هو القرآن وسائر الأدلة {مبينات} واضحات {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}، وقيل: يهدي إلى طريق الجنة من يشاء وهم المؤمنون {ويقولون آمنا بالله وبالرسول} الآية نزلت في المنافقين وذلك أنهم يدَّعون بألسنتهم الايمان والطاعة {ثم يتولى فريق منهم} جماعة يعرضون على حكم الله وهم المنافقون {من بعد ذلك} أي من بعد أن أقروا بألسنتهم {وما أولئك بالمؤمنين} في الحقيقة {وإذا دعوا إلى الله} أي إلى كتابه وحكمه وشريعته ورسوله، أي وإلى رسوله {ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق} يعني إذا علموا أن الحق لهم أتوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {مذعنين} مطيعين منقادين {أفي قلوبهم مرض} شك ونفاق في نبوتك {أم ارتابوا} أي شكوا {أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله} أي يظلمهم ويجور عليهم، وقيل: يخافون أن يميل الرسول في الحكم {بل أولئك هم الظالمون} لأنفسهم حيث أعرضوا عن حكم الله وحكم رسوله، أو هم الظالمون لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث ظنوا أنه يحيف.

اطفيش

تفسير : {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي} يسوق برفق وفسره بعض بمجرد السوق ومن ذلك (بضاعة مزجاة) يزجيها كل احد اي يدفعها ولا يرضاها {سَحَاباً} يكون مفردا كما هنا ويكون جمعا. وفسره بعضهم الازجاء بالانشاء * {ثُمَّ يُؤلِّفُ} بالواو خالصة عند ورش وعن نافع وقرأة بغير همزة * {بَيْنَهُ} اي بين اجزائه فانه يكون قطعا ويضم الله بعضه إلى بعض فيكون قطعة واحدة ولذلك صحت كلمة (بين) كقول امرئ القيس: شعر : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل تفسير : اي بين مواضع الدخول وهو مكان. {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} الركام الذي بعضه فوق بعض يتكاثف {فَتَرَى الْوَدْقَ} المطر * {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} من فقوقه وهي مخارجه والهاء للسحاب وهو جمع خلل كجبل وجبال. وقرئ من خلله بالافراد * {وَيَنْزِّلُ} وقرئ بالتخفيف واسكان النون على انه من الانزال * {مِنَ السَّمَآءِ} من الغمام وكل ما علاك فهو سماء ولو سقفا (ومن) للابتداء * {مِن جِبَالٍ} (من) للابتداء ايضا فيكون من جبال بدلا من قوله {مِنَ السَّمَآءِ} بدل بعض ان اعتبرنا ان السماء شاملة لتلك الجبال وبدل اشتمال ان اعتبرنا انها غير شاملة لها * {فِيهَا} نعت لجبال والضمير للسماء * {مِن بَرَدٍ} حال جبال أو صفتها أو حال ضميرها المستتر في (فيها) او نعت ثان لجبال (ومن) للبيان أي (من جبال كائنة في السماء) هي برد أو للتبعيض والبرد القطع البيض الجامدة تنزل من السماء صغارا أو كبارا كالحجارة وتسمى حب الغمام وقيل: الثلج. قال ابن عباس: اخبر الله ان في السماء جبالا من برد قال رجل لابن عباس اتينا الليلة بمطر الضفادع فقال صدق ان في السماء بحارا أو قيل: (من) الثانية للتبعيض فتعلق بـ (ينزل) كالاولى اي بعض جبال وهي مغنية عن مفعول (ينزل) وعلى انها للابتداء فمفعول (ينزل) محذوف اي (ينزل كثيرا). وقيل: (من) الثالثة للابتداء. قال ابن هشام: قال الفارسي: (من) الثالثة زائدة في المفعول بناء على جواز زيادتها في الايجاب. وقيل: المراد بالسماء؟ السماء المظلة التي بينها وبين الارض خمسمائة عام وان فيها جبالا من برد كما ان في الارض جبالا من حجر وقدرة الله صالحة لذلك ولا مانع عقليا ولا سماعيا لذلك. وقيل: ليس المراد فيها أو بينها وبين الارض جبالا من برد حقيقة ولكن المراد انه ينزل منها أو مضاء بينها وبين الارض مقدار جبال في الكثرة من برد كما يقال (فلان عنده جبال من ذهب وجبال من علم وجبال من مال). قيل: والحقيقة اولى حملا للفظ على ظاهره والامر كذلك. قال القاضي والمشهور: ان الابخرة إذا تصاعدت ولم يتخللها حرارة فبلغت الطبقة الباردة من الهواء وقوي البرد هناك اجتمع وصار سحابا فان لم يشتد البرد تقاطر مطرا فان اشتد بان وصل إلى الاجزاء البخارية قبل اجتماعها نزل ثلجا والانزال بردا وقد يبرد الهواء بردا مفرطا فينقبض وينعقد سحابا وينزل منه المطر أو الثلج وكل ذلك بإرادة الله وقدرته * {فَيُصِيبُ بِهِ} بالبرد {مَن يَشَآءُ} فيهلكه به أو ماشيته أو حرثه أو الكل. قال بعضهم: رأيت امرأة بالبادية وقد جاء البرد وذهب بزرعها فجاء الناس يعزونها فرفعت رأسها إلى السماء وقالت: اللهم انت المأمول الحسن الخلف وبيدك التعويض مما تلف فافعل بنا ما انت أهله فان ارزقنا عليك وآمالنا مصروفة اليك فلم ابرح حتى مر رجل من الاجلاء فحدث بما كان فوهب لها خمسمائة دينار؛ اجاب الله دعوتها وفرج في الحين كربتها. {وَيَصْرِفُهُ عَمَّن يَشَآءُ} لا يضره ويجوز ارجاع الهائين إلى السحاب والبرد ينزل منه أو من جهته {يَكَادُ سَنَا} وقرأ السوسي بادغام الدال في السين والسنا بالقصر الضوء واما السنا بالمد فالشرف والمجد. وقد قرئ به هنا ايضا بمعنى العلو والارتفاع {بَرْقِهِ} وقرئ بفتح الراء تبعا للياء أو على انه جمع برقة بفتحها. وقرئ بضم الباء واسكان الراء جمع برقة بضم الباء واسكان الراء وبرقة بضمتين اتباعا وبرقة بضم ففتح جمع برقة بضم فاسكان بمعنى مقدار من البرق كغرفة وغرف {يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ} هذه الباء معاقبة لهمزة التعدية. وقرئ بضم الياء وكسر الهاء مضارعا بـ (أذهب) بهمزة التعدية فالباء زائدة والابصار مفعول به. ونسبت هذه القراءة لابي جعفر المدني والمراد بالابصار ابصار الناظرين يكاد البرق يزيلها لفرط اضاءته والمفرد (بصرا) بمعنى النظر أو بمعنى العين فيقدر مضاف على هذا الاخير اي يزيل نظر الابصار وذلك اقوى دليل على كمال القدرة من حيث انه توليد الضد فان الضوء مناسب للحرارة وقد تولد من البرد المناسب للبرودة والبرودة ضد الحرارة.

اطفيش

تفسير : {ألَم تَرَ} لعينك، أو ألم تعلم {أنَّ الله يُزجى سحاباً} يدفعه برفق وسهولة، وقيل الازجاء سوق الثقيل برفق وسهولة، وغلب فى سوق الشىء اليسير، أو ما لا يعتد به، ومنه بضاعة مزجاة أى مدفوعة للرغبة عنها، فالسحاب شىء هين بالنسبة الى ما هو أكبر منه، بقدرة الله عز وجل، وهو مفرد، والمعنى يدفع سحاباً الى سحاب، فيكون سحابا واحدا كما قال: {ثم يؤلِّف بينه} أى بين أجزائه كل سحاب جزءا، والسحاب جماعة، وعليه فثم للترتيب الذكرى، أى ثم نذكر لكم أنا جمعناه من سحابات متعددة {ثم يجعله رُكاماً} متراكباً بعضه فوق بعض، حاصل ذلك أنه تتصل سحابة بطرف سحابة، ثم تعلوها، ويأتى بأخرى تتصل بها، وبأخرى تتصل بهذه وتعلوها، وهكذا. {فترى الوَدْق} المطر {يخْرجُ منْ خلاله} جمع خلل، وهى فتوقه ومخارجه الحادثة بالتراكم، والعصر والمفرد خلل كشجر وأشجار، وجبل وجبال، وقيل: مفرد كحجاب، ويدل له قراءة من خلله بفتح الخاء وإسقاط الألف، فالمراد الجنس، وفى العطف مبالغة فى سرعة الخروج باتصاله بحصول التركيم {وينزِّل من السَّماء} من للابتداء والسماء السحاب لسموه، أى علوه، والبرد مسبب للطبقة الباردة العالية، أو السماء جهة العلو {من جبالٍ} قطعا تشبه الجبل {فيها} نعت جبال، وقيل: المراد الكثرة، كما يقال لفلان جبال من الذهب، ومن للابتداء أيضا، ومن جبال بدل بعض من قوله: "من السماء" وإن لم تعتبر بعضيتها، فبدل اشتمال والعائد ها من فيها، وفيها نعت جبال، والمفعول محذوف تقديره شيئا. {مِنْ برَدٍ} أى شيئا ثابتا من برد، ومن هذه للتبعيض أو للبيان، أى شيئاً هو برد أو من مفعول مضاف لبرد، أى بعض برد فى قول بعض، أو من الثانية مفعول به كذلك، فتكون الثالثة بيانية أو زائدة، ومدخولها مفعول والثالثة تبعيضية لها أو بيانية على جواز زيادتها فى الاثبات، والبرد الماء المتحجر من البرودة ضد الحرارة، أو من برده بمعنى قشره، فانه يفسد نبات الأرض، وقيل: السماء إحدى السبع فيها جبال من برد، ينزل منها ما شاء الله بسرعة، أو على الدوام والترسل شيئا فشيئا. {فيُصيبُ بهِ} بما ينزل من البرد {مَنْ يشاء} فى نفسه أو ماله أَو فيهما، فتضرر به الحيوان والشجر والنخل والحرث {ويصْرفه عمَّن يشاء} فينجو من مضرته، ويجوز على ضعف عود الهائين للودق وهو منفعة {يكادُ سَنا} ضوء {بَرْقه} برق السحاب المذكور، وأصل الكلام فيه برق يكاد سنا برقة فحذف للعلم والمشاهدة بالبرق، ومن زعم أن الودق البرق، فقد ذكر البرق وهو مردود {يذْهب بالأبصار} يخطف ضوء العيون الذى يبصر به، أو نفس ما طبع فيه النظر من العيون، أو نفس العيون مبالغة، جمع بصر بمعنى بصر الوجه، والباء للتعدية، كأنه قيل يذهب الأبصار بالنصب وضم المثناة.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِى سَحَاباً } الخ كالتأكيد لما قبله والتنوير له. والإزجاء سوق الشيء برفق وسهولة، وقيل: سوق الثقيل برفق وغلب على ما ذكر بعض الأجلة في سوق شيء يسير أو غير معتد به، ومنه البضاعة المزجاة أي المسوقة شيئاً بعد شيء على قلة وضعف، وقيل: أي التي تزجي أي تدفع للرغبة عنها. وفي التعبير بيزجي على ما ذكر إيماء إلى أن السحاب / بالنسبة إلى قدرته تعالى مما لا يعتد به، وهو اسم جنس جمعي واحده سحابة، والمعنى كما في «البحر» يسوق سحابة إلى سحابة {ثُمَّ يُؤَلّفُ بَيْنَهُ } بأن يوصل سحابة بسحابة، وقال غير واحد: السحاب واحد كالعماء والمراد يؤلف بين أجزائه وقطعه وهذا لأن بين لا تضاف لغير متعدد وبهذا التأويل يحصل التعدد كما قيل به في قوله: بين الدخول فحومل، واستغنى بعضهم عنه بجعل السحاب اسم جنس جمعي على ما سمعت. وقرأ ورش عن نافع {يُؤَلّفُ } غير مهموز {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً } أي متراكماً بعضه فوق بعض. {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ } أي المطر شديداً كان أو ضعيفاً إثر تراكمه وتكاثفه، وأخرج ابن أبـي حاتم عن أبـي بجيلة عن أبيه أنه فسر الودق بالبرق ولم نره لغيره والذي رأيناه في معظم «التفاسير» و«كتب اللغة» أنه المطر {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ } أي من فتوقه ومخارجه التي حدثت بالتراكم والانعصار وهو جمع خلل كجبال وجبل، وقيل: هو مفرد كحجاب وحجاز، وأيد بقراءة ابن عباس وابن مسعود وابن زيد والضحاك ومعاذ العنبري عن أبـي عمرو والزعفراني {من خلله} والمراد حينئذٍ الجنس. والجملة في موضع الحال من {ٱلْوَدْقَ } لأن الرؤية بصرية، وفي تعقيب الجعل المذكور برؤيته خارجاً لا بخروجه من المبالغة في سرعة الخروج على طريقة قوله تعالى: { أية : فَقُلْنَا ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ فَٱنفَلَقَ } تفسير : [الشعراء: 63] ومن الاعتناء بتقرير الرؤية ما لا يخفى. {وَيُنَزّلُ مِنَ ٱلسَّمَاء } أي من السحاب فإن كل ما علاك سماء، وكأن العدول عنه إلى السماء للإيماء إلى أن للسمو مدخلاً فيما ينزل بناءً على المشهور في سبب تكون البرد، وجوز أن يراد بها جهة العلو وللإيماء المذكور ذكرت مع التنزيل {مِن جِبَالٍ } أي من قطع عظام تشبه الجبال في العظم على التشبيه البليغ كما في قوله تعالى: { أية : حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً } تفسير : [الكهف: 96] والمراد بها قطع السحاب، ومن الغريب الذي لا تساعده اللغة كما في «الدرر والغرر الرضوية» قول الأصبهاني: إن الجبال ما جبله الله تعالى أي خلقه من البرد {فِيهَا } أي في السماء، والجار والمجرور في موضع الصفة لجبال، وقوله تعالى: {مِن بَرَدٍ } وهو معروف، وسمي برداً لأنه يبرد وجه الأرض أي يقشره من بردت الشيء بالمبرد مفعول {يُنَزّلٍ } على أن (من) تبعيضية، وقيل: زائدة على رأي الأخفش والأوليان لابتداء الغاية، والجار والمجرور الثاني بدل من الأول بدل اشتمال أو بعض أي ينزل مبتدأ من السماء من جبال كائنة فيها بعض برد أو برداً. وزعم الحوفي أن (من) الثانية للتبعيض كالثالثة مع قوله بالبدلية وهو خطأ ظاهر، وقيل: (من) الأولى ابتدائية والثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول، وقيل: زائدة على رأي الأخفش أيضاً والثالثة للبيان أي ينزل مبتدأ من السماء بعض جبال أو جبالاً كائنة فيها التي هي برد فالمنزل برد، وعن الأخفش أن {مِنْ } الثانية و(من) الثالثة زائدتان وكل من المجرورين في محل نصب أما الأول فعلى المفعولية لينزل وأما الثاني فعلى البدلية منه أي ينزل من السماء جبالاً برداً ومآله ينزل من السماء برداً. وقال الفراء: هما زائدتان إلا أن المجرور بأولاهما في موضع نصب على المفعولية والمجرور بثانيتهما في موضع رفع إما على أنه مبتدأ و {فِيهَا } خبره والضمير من {فِيهَا } للجبال أي ينزل من السماء جبالاً في تلك الجبال برد لا شيء آخر من حصى وغيره، وإما على أنه فاعل {فِيهَا } لأنه قد اعتمد على الموصوف أعني الجبال وضميره راجع إليها أيضاً: والمراد بالجبال على غير ما قول الكثرة مجازاً وقد جاء استعمالها فيها كذلك في قول ابن مقبل: شعر : / إذا مت عن ذكر القوافي فلن ترى لها شاعراً مني أطب وأشعرا وأكثر بيتاً شاعر ضربت له بطون جبال الشعر حتى تيسرا تفسير : ويقال: عنده جبل من ذهب وجبل من علم. وعن مجاهد والكلبـي وأكثر المفسرين أن المراد بالسماء المظلة وبالجبال حقيقتها قالوا: إن الله تعالى خلق في السماء جبالاً من برد كما خلق في الأرض جبالاً من حجر وليس في العقل ما ينفيه من قاطع فيجوز إبقاء الآية على ظاهرها كما قيل، والمشهور بين أهل الحكمة أن انبعاث قوى السماويات وأشعتها قد يوجب تصعيد أجسام لطيفة مرتفعة عن الماء ممتزجة مع الهواء وهي التي تسمى بخاراً ولثقله بالنسبة إلى الدخان لرطوبته ويبس الدخان يقف في حيز الهواء بحيث لا يكون واصلاً إليه الحرارة الكائنة من الشعاع المنعكس عن جرم الأرض ويكون متباعداً عن المتسخن بحرارة النار فيبقى في الطبقة الباردة من الهواء فيبرد ويتكاثف بالتصاعد شيئاً فشيئاً فيرتكم منه سحاب فيقطر مطراً إما كله أو بعضه ويتفرق بعضه لبقائه على صورته الهوائية واستحالة ما قطر إلى صورته المائية فإن طالت مسافتها اتصلت فكانت قطراتها أكبر وإن اشتد البرد عليها صارت برداً أو نزلت ثلجاً وامتنع تصاعد البخار عند ذلك فيبرد وجه الأرض مع برد الجو فيكون من ذلك البرد القوي فإن صادف ريحاً اشتد البرد لإزالتها البخار الأرضي وإن لم يصادف ريحاً أذاب البخار الثلج وسخن وجه الأرض، وذكروا أنه كلما طالت المسافة حتى اتصلت وكبرت القطرات وصادف البرد كان البرد أكبر مقداراً وقد ينعقد المطر برداً داخل السحاب ثم ينزل وذلك في الربيع عندما يصيبه سخونة من خارجه فتبطن البرودة في داخله عند انحلاله قطرات فيجمد وقد يكون البخار أكثر تكاثفاً فلا يقوى على الارتفاع ويبرد بسرعة بما يوافيه من برد الليل لعدم الشعاع، وليس بحيث يصير سحاباً فيكون منه الطل وقد يجمد في الأعالي قبل تراكمه فيكون منه الصقيع وقد يتكاثف الهواء لإفراط البرد فينعقد سحاباً ويمطر بحاله، والحق أن كل ذلك مستند إلى إرادة الله عز وجل ومشيئته سبحانه المبنية على الحكم والمصالح والأسباب التي ذكرت عادية ولا أرى بأساً بالقول بذلك، وباعتبار أن أول الأسباب القوى السماوية وأشعتها صح أن يقال: إن الإنزال مبتدأ من السماء على ما أشار إليه العلامة البيضاوي في الكلام على سورة البقرة، وحمل الآية على ما يوافق المشهور لا يخل بجزالتها بل هي عليه أجزل وعن شكوك العوام أبعد لا سيما أهل الجبال الذين قد يمطرون وينزل على أرضهم البرد وهم فوق الجبال في الشمس. {فَيُصِيبُ بِهِ } أي بما ينزل من البرد {مَن يَشَآء } أي يصيبه فيناله ما يناله من ضرر في ماله ونفسه {وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء } أن يصرفه عنه فينجو من غائلته. ورجوع الضميرين إلى البرد هو الظاهر. وفي «البحر» يحتمل رجوعهما إلى الودق والبرد وجرى فيهما مجرى اسم الإشارة كأنه قيل فيصيب بذلك ويصرف ذلك والمطر أغلب في الإصابة والصرف وأبلغ في المنفعة والامتنان اهـ وفيه بعد ومنع ظاهر. {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ } أي ضوء برق السحاب الموصوف بما مر من الإزجاء والتأليف وغيرهما، وإضافة البرق إليه قبل الإخبار بوجوده فيه للإيذان بظهور أمره واستغنائه على التصريح به وعلى ما سمعت عن أبـي بجيلة لا يحتاج إلى هذا ورجوع الضمير إلى البرد أي برق البرد الذي يكون معه ليس بشيء، وتقدم الكلام في حقيقة البرق فتذكر. وقرأ طلحة بن مصرف {سناء} ممدوداً {بَرْقِهِ } بضم الباء وفتح الراء جمع برقة بضم الباء وهي المقدار / من البرق كالغرفة واللقمة، وعنه أيضاً أنه قرأ {بَرْقِهِ } بضم الباء والراء أتبع حركة الراء لحركة الباء كما قيل نظيره في { أية : ظُلُمَـٰتِ } تفسير : [النور: 40] والسناء ممدوداً بمعنى العلو وارتفاع الشأن، وهو هنا كناية عن قوة الضوء، وقرىء {يَكَادُ سَنَا } بإدغام الدال في السين. {يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَـٰرِ } أي يخطفها من فرط الإضاءة وسرعة ورودها؛ وفي إطلاق الأبصار مزيد تهويل لأمره وبيان لشدة تأثيره فيها كأنه يكاد يذهب بها ولو عند الإغماض، وهذا من أقوى الدلائل على كمال القدرة من حيث إنه توليد للضد من الضد. وقرأ أبو جعفر {يذهب } بضم الياء وكسر الهاء، وذهب الأخفش وأبو حاتم إلى تخطئته في هذه القراءة قالا: لأن الباء تعاقب الهمزة، ولا يجوز اجتماع أداتي تعدية، وقد أخطآ في ذلك لأنه لم يكن ليقرأ إلا بما روي وقد أخذ القراءة عن سادات التابعين الآخذين عن جلة الصحابة أبـي وغيره رضي الله تعالى عنهم ولم ينفرد هو بها كما زعم الزجاج بل قرأ أيضاً كذلك شيبة وخرج ذلك على زيادة الباء أي يذهب الأبصار وعلى أن الباء بمعنى من كما في قوله: شعر : فلثمت فاها قابضاً بقرونها شرب النزيف ببرد ماء الحشرج تفسير : والمفعول محذوف أي يذهب النور من الأبصار، وأجاز الحريري كما نقل عنه الطيبـي الجمع بين أداتي تعدية.

ابن عاشور

تفسير : أعقب الدلالة على إعطاء الهدى في قوانين الإلهام في العجاوات بالدلالة على خلق الخصائص في الجماد بحيث تسير على السير الذي قدره الله لها سيراً لا يتغير، فهي بذلك أهدى من فريق الكافرين الذين لهم عقول وحواس لا يهتدون بها إلى معرفة الله تعالى والنظر في أدلتها، وفي ذلك دلالة على عظم القدرة وسعة العلم ووحدانية التصرف. وهذا استدلال بنظام بعض حوادث الجو حتى آل إلى قوله {فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء}. وقد حصل من هذا حسن التخلص للانتقال إلى الاستدلال على عظم القدرة وسمو الحكمة وسعة العلم الإلهي. و{يزجي}: يسوق. يقال: أزجى الإبل إزجاء. وأطلق الإزجاء على دنو بعض السحاب من بعض بتقدير الله تعالى الشبيهِ بالسوْق حتى يصير سحاباً كثيفاً، فانضمام بعض السحاب إلى بعض عبر عنه بالتأليف بين أجزائه بقوله تعالى: {ثم يؤلف بينه} الخ. وتقدم الكلام على السحاب في سورة البقرة (164) في قوله: { أية : والسحاب المسخر } تفسير : وفي أول سورة الرعد(12). ودخلت (بين) على ضمير السحاب لأن السحاب ذو أجزاء كقول امرىء القيس: شعر : بَيْن الدخول فحَوْمَل تفسير : أي يؤلف بين السحابات منه. والركام: مشتق من الركم. والركم: الجمع والضم. ووزن فُعال وفُعالة يدل على معنى المفعول. فالركام بمعنى المركوم كما جاء في قوله تعالى: { أية : وإن يَروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم } تفسير : في سورة الطور (44). فإذا تراكم السحاب بعضه على بعض حدث فيه ما يسمى في علم حوادث الجو بالسيال الكهربائي وهو البرق. فقال بعض المفسرين: هو الودق. وأكثر المفسرين على أن الودق هو المطر، وهو الذي اقتصرت عليه دواوين اللغة، والمطر يخرج من خلال السحاب. والخلال: الفتوق، جمع خَلَل كجبل وجبال. وتقدم { أية : خلال الديار } تفسير : في سورة الإسراء (5). ومعنى {ينزل من السماء} يُسقط من علو إلى سفل، أي يُنزل من جو السماء إلى الأرض. والسماء: الجو الذي فوق جهة من الأرض. وقوله: {من جبال} بدل من {السماء} بإعادة حرف الجر العامل في المبدل منه وهو بدل بعض لأن المراد بالجبال سحاب أمثال الجبال. وإطلاق الجبال في تشبيه الكثرة معروف. يقال: فلان جبل علم، وطود علم. وفي حديث البخاري من طريق أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « حديث : لو كان لي مثل أحُد ذهباً لسَرّني أن لا تمر علي ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيئاً أرصده لدين » تفسير : أي ما كان يسرني، فالكلام بمعنى النفي، أي لمَا سرني. أو لما كان سرني الخ. وحرف {من} الأول للابتداء و{من} الثاني كذلك و{من} في قوله {من برد} مزيدة في الإثبات على رأي الذين جوزوا زيادة {من} في الإثبات. أو تكون {من} اسماً بمعنى بعض. ومفعول {ينزل} محذوف يدل عليه قوله: {فيها من برد} والتقدير: يُنزل بَرداً. ووقوع {من} زائدة لقصد مشاكلة قوله: {من جبال}. وقوله: {فيصيب به من يشاء} جعل نزول البرد إصابة لأن الإصابة إذا أطلقت في كلامهم دلت على أنها حلول مكروه. ومن ذلك سميت المصيبةَ الحادثةُ المكروهة. وأما قوله تعالى: { أية : إن تصبك حسنة تسؤهم } تفسير : [التوبة: 50] فلأن قوله: {حسنة} قرينة على إطلاق الإصابة على مطلق الحدوث إما مجازاً مرسلاً وإما مشتركاً لفظياً أو مشتركاً معنوياً فإن (أصاب) مشتق من الصوب وهو النزول ومنه صوب المطر، فجعل نزول البرَد إصابة لأنه يفسد الزرع والثمرة، فضمير {به} للبرَد. وجملة: {يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار} وصف لـ{سحاباً}. وضمير {برقه} عائد إلى {سحاباً}. وفائدة هذه الصفة تنبيه العقول إلى التدبر في هذه التغيرات إذ كان شعور الناس بحدوث البرق أوضح وأكثر من شعورهم بتكوّن السحاب وتراكمه ونزول المطر والبرَد، إذ قد يغفل الناس عن ذلك لكثرة حدوثه وتعودهم به بخلاف اشتداد البرْق فإنه لا يخلو أحد من أن يكون قد عرض له مرات، فإن أصحاب الأبصار التي حركها خفق البرق يتذكرون تلك الحالة العجيبة الدالة على القدرة. ولهذه النكتة خصصت هذه الحالة من أحوال البرق بالذكر. والسنا مقصوراً: ضوء البرق وضوء النار. وأما السناء الممدود فهو الرفعة. قال ابن دريد في أبيات له في متشابه المقصور والممدود: شعر : زال السنا عن ناظريـ ـه وزال عن شرف السناء تفسير : ولام التعريف في {بالأبصار} لام الحقيقة. وقوله: {يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار} هو كقوله في سورة البقرة (20) { أية : يكاد البرق يخطف أبصارهم } تفسير : سوى أن هذه الآية زيد فيها لفط {سنا} لأن هذه الآية واردة في مقام الاعتبار بتكوين السحاب وإنزال الغيث فكان المقام مقتضياً للتنويه بهذا البرق وشدة ضيائه حتى يكون الاعتبار بأمرين: بتكوين البرق في السحاب. وبقوة ضيائه حتى يكاد يذهب بالأبصار. وآية البقرة واردة في مقام التهديد والتشويه لحالهم حين كانوا مظهرين الإسلام ومنطوين على الكفر والجحود فكانت حالهم كحالة الغيث المشتمل على صواعق ورعد وبرق فظاهره منفعة وفي باطنه قوارع ومصائب. ومن أجل اختلاف المقامين وضع التعبير هنا بـ{يذهب بالأبصار} وهنالك بقوله: {يخطف أبصارهم} لأن في الخطف من معنى النكاية بهم والتسلط عليهم ما ليس في {يذهب} إذ هو مجرد الاستلاب. وأما التعبير هنا بـ{الأبصار} معرفاً باللام فلأن المقصود أن البرق مقارب أن يزيل طائفة من جنس الأبصار إذ اللام هنا لام الحقيقة كما في قوله: { أية : أن يأكله الذئب } تفسير : [يوسف: 13] وقولهم: ادخل السوق، لأن الحكم على حالة البرق الشديد من حيث هي. بخلاف آية البقرة فإنها في مقام التوبيخ لهم بأن ما شأنه أن ينتفع الناس به قد أشرف على الضر بهم فلذلك ذكر لفظ أبصار مضافاً إلى ضميرهم مع ما في هذا التخالف من تفنين الكلام الواحد على أفانين مختلفة حتى لا يكون الكلام معاداً وإن كان المعنى متحداً ولا تجد حق الإيجاز فائتاً فإن هذين الكلامين في حد التساوي في الحروف والنطق. وهكذا نرى بلاغة القرآن وإعجازه وحلاوة نظمه. وقرأ الجمهور {يذهب} بفتح التحتية وفتح الهاء، فالباء للتعدية، أي يُذهب الأبصار. وقرأه أبو جعفر وحده بضم التحتية وكسر الهاء فتكون الباء مزيدة لتأكيد اللصوق مثل { أية : وامسحوا برؤوسكم } تفسير : [المائدة: 6].

الواحدي

تفسير : {ألم تر أنَّ الله يزجي} يسوق {سحاباً} إلى حيث يريد {ثمَّ يؤلف بينه} يجمع بين قطع ذلك السَّحاب {ثم يجعله ركاماً} بعضه فوق بعض {فترى الودق} المطر {يخرج من خلاله} فُرَجِه {وينزل من السماء من جبالٍ} في السَّماء {من بَردٍ فيصيب} بذلك البرد {مَنْ يشاء ويصرفه عَنْ مَنْ يشاء يكاد سنا برقه} ضوء برق السَّحاب {يذهب بالأبصار} من شدَّة توقُّده. {يقلب الله الليل والنهار} يُصرِّفهما في اختلافهما وتعاقبهما {إنَّ في ذلك} الذي ذكرت من هذه الأشياء {لعبرة لأولي الأبصار} لذوي العقول. {والله خلق كلَّ دابة من ماء} أَيْ: من نطفةٍ {فمنهم من يمشي على بطنه} كالحيًّات والحيتان {ومنهم من يمشي على رجلين} كالإنس والجنِّ والطَّير {ومنهم مَنْ يمشي على أربع} كالبقر والجمال وغيرهما.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 43- ألم تر - أيها النبى - أن الله يسوق بالريح سحاباً، ثم يضم بعضه إلى بعض ويجعله متراكماً، فترى المطر يخرج من خلال السحاب، والله ينزل من مجموعات السحب المتكاثفة التى تشبه الجبال فى عظمتها برداً، كالحصى ينزل على قوم فينفعهم أو يضرهم تبعاً لقوانينه وإرادته ولا ينزل على آخرين كما يريد الله فهو سبحانه الفاعل المختار، ويكاد ضوء البرق الحادث من اصطكاك السحب يذهب بالأبصار لشدته، وهذه الظواهر دلائل قدرة الله الموجبة للإيمان به. 44- يغير الله أحوال الليل والنهار بالطول والقصر، والبدء والانتهاء بدوران الفلك، إن فى ذلك كله لعبرة لذوى العقول السليمة المتبصرة، يؤمنون عن طريقها بالله.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: يزجي سحاباً: أي يسوق برفق ويسر. ثم يؤلف بينه: أي يجمع بين أجزائه وقطعه. ثم يجعله ركاماً: أي متراكماً بعضه فوق بعض. الودق: أي المطر. يخرج من خلاله: أي من فرجه ومخارجه. من جبال فيها من برد: أي من جبال من برد في السماء والبرد حجارة بيضاء كالثلج. فيصيب به من يشاء: أي فيصيب بالبرد من يشاء. سنا برقه: أي لمعانه. يذهب بالأبصار: أي الناظرة إلَيْهَ. لعبرة: أي دلالة على وجود الله تعالى وقدرته وعلمه ووجوب توحيده. كل دابة من ماء: أي حيوان من نطفة. على بطنه: كالحيات والهوام. على رجلين: كالإِنسان والطير. على أربع: أي كالأنعام والبهائم. إلى صراط مستقيم: أي إلى الإِسلام. معنى الآيات: ما زال السياق في عرض مظاهر القدرة والعلم والحكمة الإِلهية وهي الموجبة لله تعالى العبادة دون سواه فقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً} أي ألم ينته إلى علمك يا رسولنا أن الله يزجي سحاباً أي يسوقه برفق وسهولة {ثُمَّ يُؤَلِّفُ} أي يجمع بين أجزائه فيجعله ركاماً أي متراكماً بعضه على بعض {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ} أي المطر {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} أي من فتوقه وشقوقه. والخلال جمع خلل كجبال جمع جبل وهو الفتوق بين أجزاء السحاب وهو مظهر من مظاهر القدرة والعلم. وقوله: {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ} أي ينزل برداً من جبال البرد المتراكمة في السماء فيصيب بذلك البرد من يشاء فيهلك به زرعه أو ماشيته، ويصرفه عمن يشاء عن عباده فلا يصيبه شيء من ذلك وهذا مظهر آخر من مظاهر القدرة واللطف الإِلهي وقوله: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ} أي يقرب لمعان البرق الذي هو سناه يذهب بالأبصار التي تنظر إليه أي يخطفها بشدة لمعانه. وقوله تعالى {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ} بأن يظهر هذا ويخفي هذا فإذا ظهر النهار اختفى الليل، وإذا ظهر الليل اختفى النهار فيقلب أحدهما على الآخر فيخفيه ويستره به وقوله: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} أي إن في إنزال البرد ولمعان البرق وتقليب الليل والنهار لعظة عظيمة لأولي البصائر تهديهم إلى الإِيمان بالله وجلاله وكماله فيعبدونه ويوحدونه مُحِبّين له معظمين راجعين خائفين إن هذه ثمرة الهداية هذا ما دلت عليه الآيتان الأولى [43] والثانية [44] أما الآية [45] فقد اشتملت على أعظم مظهر من مظاهر القدرة الإِلهية فقال تعالى: {وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ} أي من إنسان وحيوان {مِّن مَّآءٍ} أي نطفة من نطف الإِنسان والحيوان، {فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ} كالحيات والثعابين والأسماك، {وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ رِجْلَيْنِ} كالإِنسان والطير، {وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَىٰ أَرْبَعٍ} كالأنعام والبهائم، وقوله: {يَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} إذْ بعض الحيوانات لها أكثر من أربع وقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي على فعل وإيجاد ما يريده قدير لا يعجزه شيء فأين الله الخالق العليم الحكيم من تلك الأصنام والأوثان التي يؤلهها الجاهلون من أهل الشرك والكفر؟ وقوله تعالى: {لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} أي واضحات لأجل هداية العباد إلى طريق سعادتهم وكمالهم وهي هذه الآيات التي اشتملت عليها سورة النور وغيرها من آيات القرآن الكريم فمن آمن بها ونظر فيها وأخذ بما تدعو إليه من الهدى اهتدى، ومن أعرض عنها فضل وشقى فلا يلومن إلا نفسه، {وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ} هدايته ممن رغب في الهداية وطلبها وسلك لها مسالكها {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} ألا وهو الإِسلام طريق الكمال والسعادة في الحياتين الله اجعلنا من أهله إنك قدير. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته وهي موجبات الإِيمان والتقوى. 2- بيان كيفية نزول المطر والبرد. 3- مظاهر لطف الله بعباده في صرف البرد عن الزرع والماشية وبعض عباده. 4- مظاهر القدرة والعلم في تقليب الليل والنهار على بعضهما بعضاً. 5- بيان أصناف المخلوقات في مشيها على الأرض بعد خلقها من ماء وهو مظهر العلم والقدرة. 6- امتنان الله تعالى على العباد بإنزاله الآيات المبينات للهدى وطريق السعادة والكمال.

القطان

تفسير : يزجي: يسوقُ برفق. يؤلف بينه: يجمع بين أجزائه وقطعه. ركاماً: متراكما بعضه فوق بعض. الودق: المطر. من خلاله: من بينه. من جبال: من قطعٍ عظام تشبه الجبال. سنا برقه: ضوء برقه. يذهب بالأبصار: يخطفها لشدة بريقه ولمعانه. يقلّب الليل والنهار: يتصرف فيهما طولا وقصرا. لأولي الأبصار: لأهل العقول والبصائر. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً.... }. في هذه الآية والتي تليها دلالةٌ على قدرة الله ووحدانيته.... انظرُ أيها الرسولُ الكريم السحابِ يسوقُه الريحُ بقدرة الله أول ما ينشئه، ثم يجمع بين ما تفرّق من أجزائه، ثم يجعل بعضَه متراكماً فوق بعض، فترى المطرَ يخرج من خلاله. واللهُ يُنزل من مجموعات السحب المتراكمة التي تشبه الجبالَ في عِظَمِها بَرَداً ينزل على قومٍ فينفعهم او يضرّهم تبعاً لقوانينه وارادته، ولا ينزل على آخرين كما يريد الله. وانظُر إلى ما في هذه السّحاب من بَرْقٍ يضيء بشدّةٍ وسرعة حتى يكاد يخطَفُ الأبصار، كما في قوله تعالى: {أية : يَكَادُ ٱلْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ}تفسير : [البقرة:20]. وهذه الظواهر من أقوى الدلائل على قدرة الله، وكلُّ من ركب الطائرة يعرف التشابه بين السحب والجبال، فانه يراها متراكمة كأنها الجبال والآكام، وهذا من الأدلة الباهرة على إعجاز القرآن الكريم. ولم تُعرف هذه الصورة الا بعد وجود الطائرات التي ترفع الإنسان فوق السحب فيراها على حقيقتها كما وُصفت في القرآن. {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱللَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي ٱلأَبْصَارِ} انظر أيضاً الى اختلاف الليلِ والنهار وتقلُّبِها بزيادة أحدِهما ونقص الآخر، والى تغير أحوالهما بالحرارة والبرودة.... ان في ذلك كله لعبرةً لذوي العقول السليمة، وعظةً لكل من ينظر ويتأمل. {وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ.... } والله خلقَ كلَّ حيوان يدب على الأرض من الماء، وكما قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ}تفسير : [الانبياء:30]. ثم بيّن اقسام هذا الحيوان، فمنهم من يمشي على بطنه كالزواحف، ومنهم من يمشي على رِجلين كالانسان والطير، ومنهم من يمشي على أربع كالأنعام والوحوش. {وَيَخْلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ} من الحشرات التي تمشي على أكثرَ من أربع ارجل، وغير ذلك على اختلاف انواعها. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ان الله على إحداث ذلك وخلْقِ ما يشاء لذو قدرة، لا يتعذر عليها شيء فالماء هو اصل الانسان، وجسمُ الانسان معظمه من الماء اذ يحتوي على نحو 70% من وزنه ماءً. والماء اكثر ضرورةً للانسان من الغذاء، فبينما يمكن للانسان ان يعيش ستين يوما بدون غذاء لا يمكنه ان يعيش بغير الماء الا ثلاثة ايام الى عشرة على اقصى تقديره. {لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}. لقد انزلنا عليك يا محمد دلائلَ واضحةً تبين الأحكام والعظات، والله يوفق الى الخير من يشاء من عباده، ويرشدهم الى الطريق المستقيم. قراءات: قرأ حمزة والكسائي وخلف: والله خالق كل دابة. والباقون: والله خلق كل دابة.

د. أسعد حومد

تفسير : {خِلاَلِهِ} {بِٱلأَبْصَارِ} (43) - أَلَمْ تَرَ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ كَيفَ يَسُوقُ اللهُ تَعَالَى بِقُدْرَتِهِ السَّحَابَ بِالرِّيحِ أَوَّلَ مَا يُنْشِئُهُ (وَهُوَ الإِزْجَاءُ)، ثُمَّ يَجْمَعُهُ وَيَضُمُّ بَعْضَه إِلَى بَعْضٍ بَعْدَ تَفَرُّقِهِ (وَهُوَ التَّأَلِيفُ)، ثُمَّ يَجْعَلُهُ مُتَرَاكِماً يَرْكَبُ بَعْضُه بَعْضاً، فإِذَا أَثْقَلَ خَرَجَ المَطَرُ (الوَدْقُ) مِنْ خِلاَلِهِ، وَيَكُونُ السَّحَابُ فِي هَيْئَةِ الجِبَالِ الضَّخْمَةِ الكَثِيفَةِ فِيهَا قِطَعُ البَرَدَ والثَّلْجِ الصَّغِيرَةِ، ثُمَّ وَفْقَ نِظَامٍ قَدَّرَه اللهُ تَعَالَى، يُوَجِّهُ اللهُ السَّحَابَ إِلَى الأَمَاكِنِ التي يُرِيدُ لِيُفْرِغَ مَا فِيهِ مِنْ مَاءٍ وَبَرَدٍ وَثَلْجٍ، فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ، وَيَصْرِفُهُ عَمَّنْ يَشاءُ مِنْ خَلْقِهِ، وَيَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِ السَّحَابِ البَرْقِ الذي تَكَادُ قُوَّةُ بَرِيقِهِ تَخْطَفٌ الأبْصَارَ، وَتَذْهَبُ بِهَا. وَهَذِهِ الظَّوَاهِرُ دَلاَلَةٌ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ المُوجِبَةِ لِلإِيْمَانِ بِهِ. الوَدْقُ - مَاءُ المَطَرِ. يُزْجِي سَحَاباً - يَسُوقُه بِرْفْقٍ إِلَى حَيْثُ يُرِيدُ. يَجْعَلُهُ رُكاماً - مَجْتَمِعاً يَرْكَبُ بَعْضُه بَعْضاً. سَنَا بَرْقِهِ - ضَوْءُ بَرْقِهِ وَلَمَعَانُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ ..} [النور: 43] يعني: ألم تعلم، وقد وقفنا مع تطور العلم على كيفية تكوُّن المطر بين التبخير والتكثيف الذي يُكوِّن السحاب، وقلنا سابقاً: إن مُسطح الماء على الأرض ثلاثة أرباع اليابسة حتى تكفي هذه المساحة البخر اللازم لتكوّن المطر، ونحن نُجري مثل هذه العملية في تقطير الماء حين نغلي الماء ونستقبل البخار على سطح بارد، فتحدث له عملية التكثيف. وقد أوضحنا هذه العملية بكوب الماء حين تتركه ممتلئاً وتسافر مثلاً، فحين تعود تجد الكوب قد نقص قليلاً، أما إذا أرقْتَهُ على الأرضِ، فإنه يجفُّ سريعاً، وقبل أن تغادر المكان، لماذا؟ لأنك وسََّعْتَ مساحة البَخْر. ومعنى {يُزْجِي سَحَاباً ..} [النور: 43] أي: يرسله برِفْق ومَهَل؛ لذلك لما وصف الشاعر مَشْي الفتاة قال: شعر : كَأنَّ مِشْيَتَها مِنْ بيْتِ جَارَتِها مَرُّ السَّحابَة لاَ رَيْث ولاَ عَجَل تفسير : {ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ..} [النور: 43] أي: يجمع بعضه على بعض، وحين يُجمع الشيء بعضه على بعض لا بُدَّ أن يبقى بينه فاصل، فلا يلتحم بغيره التحاماً تاماً، ولولا هذه الفواصل بين قِطَع السحاب، ولولا هذه الفتوق ما نزل الوَدَق من خلاله. ولو شاء سبحانه لجعل السحاب قطعة واحدة، ولكنه سبحانه يؤلف بينه ويُجمِّعه بعضه على بعض دون أنْ يُوحِّده تكويناً، فيحدث بذلك فراغاً بين قطع السحاب. أرأيتَ حين نلصق الورق بالصمغ مثلاً فمهما وضعت عليه من ثقل لا بُدَّ أن يبقى بينه فراغات؛ لأنه ليس ذاتاً واحدة. وعملية تفريغ الهواء هذه تلاحظها حين تضع كوباً مبلولاً وتتركه لفترة، فيتبخر الماء من تحته ويخرج الهواء، فإذا أردْتَ رفعه وجدته صعباً لماذا؟ لتفريغ الهواء من تحت قاعدة الكوب، وفي هؤلاء الذين يعالجون الآلام الناتجة عن البرد، فيضعون الكوب مقلوباً على مكان الألم، ثم يُشعِلُون بداخله قطعةً من القماش مثلاً لتحرق الهواء بداخل الكوب. وبذلك نمنع الخلل في التقاء الكوب بالجسم، وهذه المسألة هي سِرُّ عظمة قدماء المصريين في البناء، حيث تتماسك الحجارة دون وجود (مونه) تربط بينها. إذن: وجود الهواء بين الشيئن يُحدِث خللاً بينهما، ولولا هذا الخلل في السحاب ما نزل منه الماء، والمطر آية عظيمة من آيات الله لا نشعر بها، ولك أنْ تتصور كم يُكلِّفنا كوب الماء المقطّر حين نُعِدُّه في المعمل، فما بالك بالمطر الذي يسقي الأرض كلها؟ ثم يقول تعالى: {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً ..} [النور: 43] يعني: مُكدَّساً بعضه على بعض، وفي آية أخرى: {أية : وَإِن يَرَوْاْ كِسْفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطاً يَقُولُواْ سَحَابٌ مَّرْكُومٌ}تفسير : [الطور: 44] متراكم بعضه على بعض {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ ..} [النور: 43] أي: المطر: {يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ..} [النور: 43] أي: من خلال هذه الفجوات والفواصل التي تفصل بين السُّحُب. وهذا الماء الذي ينزل من السماء فيُحيي به الله الأرض قد يأتي نقمةً وعذاباً، كما قال سبحانه: {وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَآءُ ..} [النور: 43] ولنا في أهل مأرب الذين أغرقهم الله عبرةٌ وعظة. ولو تأملتَ لوجدتَ الماء والنار عدويْن متقابلين يصعب مقاومتهما؛ لذلك كان العرب إلى عهد قريب يخافون الماء لما عاينوه من غرق بعد انهيار سدِّ مأرب؛ لذلك آثروا أنْ يعيشوا في الصحراء بعيداً عن الماء. وبالماء نجَّى الله تعالى موسى - عليه السلام - وأغرق عدوه فرعون، ففعل سبحانه الشيء وضده بالشيء الواحد. وقوله تعالى: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ} [النور: 43] أي: الضوء الشديد الذي يُحدِثه السحاب يكاد أن يخطف الأبصار، وفي البرق تتولد النار من الماء؛ لذلك حينما يقول تعالى: {أية : وَإِذَا ٱلْبِحَارُ سُجِّرَتْ}تفسير : [التكوير: 6] فصدِّق هذه الآية الغيبية؛ لأنك شاهدت نموذجاً لها في مسألة البرق. ثم يقول الحق سبحانه: {يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيْلَ وَٱلنَّهَارَ ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً} معناه يَسوقُ {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً} معناه مُتراكمٌ بَعضُهُ على بعضٍ. تفسير : وقوله تعالى: {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ} والوَدَقُ: المَطرُ وخلالُهُ: بينَ السَّحابِ. تفسير : وقوله تعالى: {سَنَا بَرْقِهِ} معناه ضَوءُ بَرقهِ.

الأندلسي

تفسير : {فَتَرَى ٱلْوَدْقَ} أي المطر لتراكم السحاب بعضه على بعض وانعصاره بذلك. {مِنْ خِلاَلِهِ} أي من فتوقه ومخارجه التي حدثت بالتراكم والانعصار * والخلال قيل مفرد وقيل جمع خلل كجبال وجبل والظاهر أن في السماء جبالاً من برد قاله مجاهد والكلبي وأكثر المفسرين خلقها الله تعالى كما خلق في الأرض جبالاً من حجارة وجبال على معنى الكثرة وقرىء: سنا مقصوراً * برقه منفرداً، وقرىء: سناء ممدوداً برقه بضم الباء وفتح الراء جمع برقة كاللقمة وهي المقدار من البرق. {يَذْهَبُ بِٱلأَبْصَارِ} الباء للتعدية تقديره يذهب الأبصار. {كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ} والظاهر أن من ماء متعلق بخلق ومن لابتداء الغاية أي ابتدأ خلقها من الماء واندرج في كل دابة المميزة وغيره فسهل التفصيل بمن التي لمن يعقل وما لا يعقل إذ كان مندرجاً في العام فحكم له بحكمه كان الدواب كلهم مميزون والماشي على بطنه الحيات والحوت ونحوه من الدود وغيره. و{عَلَىٰ رِجْلَيْنِ} الإِنسان والطير. و{عَلَىٰ أَرْبَعٍ} لسائر الحيوان الأرضي من البهائم وغيرها فإِن وجد من له أكثر من أربع فقيل: اعتماده إنما هو على الأربع ولا يفتقر في مشيه إلى جميعها وقدم ما هو أغرب في القدرة وأعجب وهو الماشي بغير آلة مشي من أرجل وقوائم ثم الماشي على رجلين ثم على أربع. {وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} الآية إلى قوله: إلا البلاغ المبين نزلت في المنافقين بسبب منافق اسمه بشر دعاه يهودي في خصومة بينهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا هو إلى كعب بن الأشرف فنزلت * ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد أتبع ذلك بذم قوم آمنوا بألسنتهم دون عقائديهم. {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} عن الإِيمان بعد ذلك أي بعد قولهم آمنا. {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} إشارة إلى القائلين فينتفي عن جميعهم الإِيمان أو إلى الفريق المولى فيكون ما سبق لهم من الإِيمان ليس إيماناً إنما كان ادعاء باللسان من غير مواطأة بالقلب وأفرد الضمير في ليحكم وقد تقدم قوله إلى الله ورسوله لأن حكم الرسول عن الله تعالى وقسم تعالى جهات توليهم عن حكومته فقال: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} أي نفاق وعدم إخلاص. {أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ} أي عرضت لهم الريبة والشك في نبوته بعد أن كانوا مخلصين. {أَمْ يَخَافُونَ} أي يعرض لهم الخوف من الحين في حكومته فيكون ذلك ظلماً لهم ثم استدرك ببل أنهم هم الظالمون. {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ} لما بلغ المنافقين ما أنزل الله فيهم أتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأقسموا إلى آخره أي ليخرجن عن ديارهم ونسائهم وأموالهم أو لئن أمرتهم بالجهاد ليخرجن * وتقدم الكلام في مهد أيمانهم في الانعام ونهاهم تعالى عن قسمهم لعلمه تعالى أنه ليس حقاً * وطاعة مبتدأ ومعروفة صفة والخبر محذوف أي أمثل وأولى أو خبر مبتدأ محذوف أي أمرنا والمطلوب طاعة معروفة. {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ} أي على الرسول. {مَا حُمِّلَ} وهو التبليغ ومكافحة الناس بالرسالة واعمال الجهاد في إنذارهم. {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ} وهو السمع والطاعة واتباع الحق ثم علق هدايتهم على طاعته فلا تقع إلا بطاعته. {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلاَغُ} تقدّم الكلام على مثل هذه الجملة في المائدة * والخطاب في منكم للرسول صلى الله عليه وسلم وأتباعه ومن للبيان أي الذين هم أنتم. {وَعَدَ ٱللَّهُ} أن ينصر الإِسلام على الكافرين ويورثهم الأرض ويجعلهم خلفاء. {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي بني إسرائيل حين أورثهم مصر والشام بعد هلاك الجبابرة * واللام في ليستخلفنهم جواب قسم محذوف أي وأقسم ليستخلفنهم أو أجرى وعد الله لتحققه مجرى القسم فجووب بما يجاب به القسم وعلى تقدير حذف القسم يكون معمول وعد محذوفاً تقديره استخلافكم وتمكين دينكم ودل عليه جواب القسم المحذوف. {وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ} أي يثبته ويوطده بإِظهاره وإعزاز أهله وإذلال الشرك وأهله. و{ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ} لهم صفة مدح جليلة وقد بلغت هذه الأمة في تمكين هذا الدين الغاية القصوى بما أظهره الله على أيديهم من الفتوح والعلوم التي فاقوا فيها جميع العالم من لدن آدم صلى الله عليه وسلم إلى زمان هذه الملة المحمدية. {لاَ تَحْسَبَنَّ} قال صاحب النظم: لا يحتمل أن يكون ومأواهم متصلاً بقوله: لا تحسبن ذلك نهي وهذا إيجاب فهو إذن معطوف بالواو على مضمر قبله تقديره لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض بل هم مقهورون. {وَمَأْوَٰهُمُ ٱلنَّارُ} "انتهى" واستبعد العطف من حيث أن لا تحسبن نهي ومأواهم جملة خبرية فلم تناسب عنده أن تعطف الجملة الخبرية على جملة النهي لتباينهما وهذا مذهب قوم ولما أحس الزمخشري بهذا قال: كأنه قيل الذين كفروا لا يفوتون الله فتأول جملة النهي بجملة خبرية حتى تقع المناسبة والصحيح أن ذلك لا يشترط بل يجوز عطف الجمل على اختلافها بعضها على بعض وان لم تتحد في النوعية وهو مذهب سيبويه، قال الزمخشري: يكون الأصل لا تحسبنهم الذين كفروا معجزين ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول وكأن الذي سوغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كانت كالشىء الواحد اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالث "انتهى" قد رددنا هذا التخريج في آخر آل عمران في قوله: لا يحسبن الذين يفرحون بما أتوا في قراءة من قرأ بياء الغيبة وجعل الفاعل الذين يفرحون وملخصه أنه ليس هذا من الضمائر التي يفسرها ما بعدها فلا يتقدّر لا تحسبنهم إذ لا يجوز ظنه زيد قائماً على تقدير رفع زيد بظنه. {يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ} الآية روي أن عمر بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم غلاماً من الأنصار يقال له مدلج وكان نائماً فدق عليه الباب ودخل فاستيقظ وجلس فانكشف منه شىء فقال عمر وددت أن الله تعالى نهى أبناءنا ونساءنا عن الدخول علينا في هذه الساعة إلا بإِذن ثم انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد نزلت فخر ساجداً لله * وليستأذنكم أمر والظاهر حمله على الوجوب وقيل على الندب والظاهر عموم الذين ملكت أيمانكم في العبيد والإِماء * والظاهر من قوله: ثلاث مرات ثلاث استئذانات ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم: حديث : الاستئذان ثلاث . تفسير : {مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ} لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ما ينام فيه من الثياب ولبس ثياب اليقظة وقد ينكشف النائم. {وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ} لأنه وقت وضع الثياب للقائلة لأن النهار إذ ذاك يشتد حره في ذلك الوقت. {وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ} لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والإِلتحاف بثياب النوم. {ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ} سمي كل واحدة منها عورة لأن الناس يختل تسترهم وتحفظهم فيها والعورة الخلل ومنه أعور الفارس وأعور المكان والأعور المختل العين وقرىء: ثلاث بالرفع أي تلك وقرىء: بالنصب وقرأ الأعمش عورات بفتح الواو وهي لغة تميم وهذيل بن مدركة. {طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ} أي يمضون ويجيئون وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هم طوافون أي المماليك والصغار طوافون عليكم يدخلون عليكم في المنازل غدوة وعشية بغير إذن إلا في تلك الأوقات. {كَذَلِكَ} الإِشارة إلى ما تقدم ذكره من استئذان المماليك وغير البلغ * ولما أمر تعالى النساء بالتحفظ من الرجال والأطفال غير البلغ في الأوقات التي هي مظنة كشف عورتهن استثنى القواعد من النساء اللاتي كبرن وقعدن عن الميل إليهن والافتتان بهن فقال: والقواعد وهو جمع قاعد من صفات الإِناث وقال ابن السكيت: امرأة قاعد قعدت عن الحيض وقال ابن قتيبة: سمين بذلك لأنهن بعد الكبر يكثرن القعود. {لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ} عن ابن عباس: لما نزلت لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، تحرج المسلمون عن مواكلة الأعمى لأنه لا يبصر موضع الطعام الطيب والأعرج لأنه لا يستطيع المزاحمة على الطعام والمريض لأنه لا يستطيع استيفاء الطعام فأنزل الله تعالى هذه الآية، قيل: وتحرجوا عن أكل طعام القرابات فنزلت مبيحة جميع هذه المطاعم ومبينة أن تلك في التعدي والقمار وما يأكله المؤمن من مال من يكره أهله. {أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ} قيل ألزمني ملكوا التصرف في البيوت التي سلمت إليهم مفاتيحها وقيل ولي اليتيم يتناول من ماله بقدر ما قال تعالى ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ومفاتحه بيده. {أَوْ صَدِيقِكُمْ} قرن الله تعالى الصديق آكد من القرابة ألا ترى استغاثة الجهنميين فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ولم يستغيثوا بالآباء والأمهات * وانتصب جميعاً وأشتاتاً على الحال أي مجتمعين أو متفرقين. {فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ} قال ابن عباس: المساجد فسلموا على من فيها فإِن لم يكن فيها أحد قال السلام على رسول الله وقيل يقول السلام عليكم يعني الملائكة ثم يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وقيل: إذا دخلتم بيوتاً من هذه البيوت لتأكلوا فيها فابدؤا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة. {تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} أي ثابتة بأمره مشروعة من لدنه * وانتصب تحية لقوله: فسلموا لأن معناه فحيوا كقولك: قعدت جلوساً. {إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} الآية، لما افتتح السورة بقوله: سورة أنزلناها وذكر أنواعاً من الأوامر والحدود مما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم اختتمها بما يجب له صلى الله عليه وسلم على أمته من التابع والتشايع على ما فيه مصلحة الإِسلام ومن طلب استئذانه أن عرض لأحد منهم عارض ومن توقيره في دعائهم إياه والمؤمنون مبتدأ والموصول خبره وهو قوله: الذين آمنوا، ومعنى على أمرها مع نحو مقاتلة عدو وتشاور في أمر مهم أو نضام لإِرهاب مخالف يحتاج فيه إلى اجتماع ذوي الآراء فإذا ذاك لا يحل ذهاب أحد ممن يحتاج إليه إلا بعد استئذان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك غيا الذهاب بقوله حتى يستأذنوه ثم أكد الاستئذان بقوله: إن الذين يستأذنوك بلفظ ان وبالإِشارة في قوله أولئك وبالخبر بعده * ثم أمره تعالى بأن يأذن لمن يستأذن لبعض شأنه وأمره باستغفار الله له على طاعته باستئذانه. {لاَّ تَجْعَلُواْ} خطاب لمعاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان التداعي بالأسماء على عادة البداوة أمروا بتوقير الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يدعوه بأحسن ما يدعى به نحو يا رسول الله يا نبي الله ألا ترى إلى بعض جفاة من أسلم كان يقول يا محمد وفي قوله: كدعاء بعضكم بعضاً إشارة إلى جواز ذلك مع بعضهم لبعض إذ لم يؤمر بالتوقير والتعظيم في دعائه صلى الله عليه وسلم إلا من دعاه لا من دعا غيره وكانوا يقولون يا أبا القاسم يا محمد فنهوا عن ذلك ومعنى: {يَتَسَلَّلُونَ} ينصرفون قليلاً قليلاً عن الجماعة في خفيه. و{لِوَاذاً} يلوذ بعضهم ببعض هذا بذاك بحيث يدور معه حيث دار استتارا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو إذا صحت الواو فيه وان كان قبلها كسرة لصحتها في الفعل في قولهم لاوذ بخلاف قام قياماً فإِنها اعتلت في الفعل فاعتلت في مصدره وقيل في حفر الخندق ينصرف المنافقون بغير إذن ويستأذن المؤمنون إذا عرضت لهم حاجة وخالف يتعدى بنفسه يقول: خالفت أمر زيد وبإِلى تقول خالفت إلى كذا فقوله: عن أمر ضمن خالف معنى صدّ وأعرض فعداه بعن والضمير في أمره عائد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وظاهر الأمر الوجوب ولذلك جعل في المخالفة إصابة الفتنة أو إصابة العذاب. {قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ} أي من مخالفة أمر الله وأمر رسوله وفيه تهديد ووعيد وأتى بالمضارع وهو يعلم كناية عن المجازاة والظاهر أن الخطاب في أنتم للمنافقين ولغيرهم وما عامة في الأعمال التي يعملها المكلفون. {وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ} ويوم معطوف على ما أي علم الذين أنتم عليه. {فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ} فتعلق علمه بالأمرين حالاً وهو ما أنتم عليه ومآلاً وهو يوم يرجعون إليه والتفت من ضمير الخطاب في أنتم إلى ضمير الغيبة في يرجعون.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: ألم تشاهد ببصرك، عظيم قدرة الله، وكيف { يُزْجِي } أي: يسوق { سَحَابًا } قطعا متفرقة { ثُمَّ يُؤَلِّفُ } بين تلك القطع، فيجعله سحابا متراكما، مثل الجبال. { فَتَرَى الْوَدْقَ } أي: الوابل والمطر، يخرج من خلال السحاب، نقطا متفرقة، ليحصل بها الانتفاع من دون ضرر، فتمتلئ بذلك الغدران، وتتدفق الخلجان، وتسيل الأودية، وتنبت الأرض من كل زوج كريم، وتارة ينزل الله من ذلك السحاب بردا يتلف ما يصيبه. { فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ } بحسب ما اقتضاه حكمه القدري، وحكمته التي يحمد عليها، { يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ } أي: يكاد ضوء برق ذلك السحاب، من شدته { يَذْهَبُ بِالأبْصَارِ } أليس الذي أنشأها وساقها لعباده المفتقرين، وأنزلها على وجه يحصل به النفع وينتفي به الضرر، كامل القدرة، نافذ المشيئة، واسع الرحمة؟. { يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } من حر إلى برد، ومن برد إلى حر، من ليل إلى نهار، ومن نهار إلى ليل، ويديل الأيام بين عباده، { إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ } أي: لذوي البصائر، والعقول النافذة للأمور المطلوبة منها، كما تنفذ الأبصار إلى الأمور المشاهدة الحسية. فالبصير ينظر إلى هذه المخلوقات نظر اعتبار وتفكر وتدبر لما أريد بها ومنها، والمعرض الجاهل نظره إليها نظر غفلة، بمنزلة نظر البهائم.

همام الصنعاني

تفسير : 2054- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ}: [الآية: 43]، قال: لمعان البرق يكاد يذهب بالأبْصار.