٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
46
Tafseer
ابن كثير
تفسير : يقرر تعالى أنه أنزل في هذا القرآن من الحُكْم والحِكَم والأمثال البينة المحكمة كثيراً جداً، وأنه يرشد إلى تفهمها وتعقلها أولي الألباب والبصائر والنهى، ولهذا قال: {وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لَّقَدْ أَنزَلْنَا ءَايَٰتٍ مُّبَيّنَٰتٍ } أي بيّنات هي القرآن {وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ } طريق {مُّسْتَقِيمٍ } أي دين الإِسلام.
النسفي
تفسير : {لَّقَدْ أَنزَلْنَا ءايَـٰتٍ مُّبَيّنَـٰتٍ وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاء } بلطفه ومشيئته {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } إلى دين الإسلام الذي يوصل إلى جنته والآيات لإلزام حجته لما ذكر إنزال الآيات، ذكر بعدها افتراق الناس إلى ثلاث فرق: فرقة صدقت ظاهراً وكذبت باطناً وهم المنافقون، وفرقة صدقت ظاهراً وباطناً وهم المخلصون، وفرقة كذبت ظاهراً وباطناً وهم الكافرون على هذا الترتيب. وبدأ بالمنافقين فقال: {وَيِقُولُونَ امَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ } بألسنتهم {وَأَطَعْنَا } الله والرسول {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ } يعرض عن الانقياد لحكم الله ورسوله {فَرِيقٌ مّنْهُمْ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ } أي من بعد قولهم آمنا بالله وبالرسول وأطعنا {وَمَا أُوْلَـئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } أي المخلصين وهو إشارة إلى القائلين آمنا، وأطعنا، لا إلى الفريق المتولي وحده. وفيه إعلام من الله بأن جميعهم منتفٍ عنهم الإيمان لاعتقادهم ما يعتقد هؤلاء والإعراض وإن كان من بعضهم فالرضا بالإعراض من كلهم. {وَإِذَا دُعُواْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } أي إلى رسول الله كقولك «أعجبني زيد وكرمه» تريد كرم زيد {لِيَحْكُمَ } الرسول {بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ } أي فاجأ من فريق منهم الإعراض نزلت في بشر المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في أرض فجعل اليهودي يجره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنافق إلى كعب بن الأشرف ويقول: إن محمداً يحيف علينا {وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ } أي إذا كان الحق لهم على غيرهم {يَأْتُواْ إِلَيْهِ } إلى الرسول {مُذْعِنِينَ } حال أي مسرعين في الطاعة طلباً لحقهم لا رضا بحكم رسولهم. قال الزجاج: الإذعان الإسراع مع الطاعة. والمعنى أنهم لمعرفتهم أنه ليس معك إلا الحق المر والعدل البحث يمتنعون عن المحاكمة إليك إذا ركبهم الحق لئلا تنتزعه من أحداقهم بقضائك عليهم لخصومهم، وإن ثبت لهم حق على خصم أسرعوا إليك ولم يرضوا إلا بحكومتك لتأخذ لهم ما وجب لهم في ذمة الخصم
الخازن
تفسير : {لقد أنزلنا آيات مبينات} يعني القرآن هو المبين للهدى والأحكام والحلال والحرام {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} يعني إلى دين الإسلام الذي هو دين الله وطريقه إلى رضاه وجنته. قوله تعالى {ويقولون} يعني المنافقين {آمنا بالله وبالرسول وأطعنا} أي يقولونه: بألسنتهم من غير اعتقاد {ثم يتولى فريق منهم} أي يعرض على طاعة الله ورسوله {من بعد ذلك} أي من بعد قولهم آمناً، ويدعو إلى غير حكم الله قال الله تعالى {وما أولئك بالمؤمنين} نزلت هذه الآية في بشر المنافق، كان بينه وبين يهودي خصومة في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد صلى الله عليه وسلم وقال المنافق بل نتحاكم إلى كعب بن الأشرف فإن محمداً يحيف فأنزل الله هذه الآية {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم} أي الرسول يحكم بحكم الله بينهم {إذا فريق منهم معرضون} يعني عن الحكم وقيل عن الإجابة {وإن لم يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين} أي مطيعين منقادين لحكمه أي إذا كان الحكم لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه لثقتهم أنه، كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضاً {في قلوبهم مرض} أي كفر ونفاق {أم ارتابوا} أي شكوا وهذا استفهام ذم وتوبيخ, والمعنى هم كذلك {أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله} أي بظلم {بل أولئك هم الظالمون} أي لأنفسهم بإعراضهم عن الحق. قوله عزّ وجلّ {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله} أي إلى كتاب الله {ورسوله ليحكم بينهم} هذا تعليم أدب الشرع على أي من هذه صفته {هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله} قال ابن عباس فيما ساءه وسره {ويخش الله} أي على ما عمل من الذنوب {ويتقه} أي فيما بعد {فأولئك هم الفائزون} يعني الناجون. قوله تعالى {وأقسموا بالله جهد أيمانهم} قيل: جهد اليمين أن يحلف بالله ولا يزيد على ذلك شيئاً {لئن أمرتهم ليخرجن} وذلك أن المنافقين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أينما كنت نكن معك لئن خرجت خرجنا، ولئن أقمت أقمنا، ولئن أمرتنا بالجهاد جاهدنا وقيل لما نزل بيان كراهتهم لحكم الله ورسوله قالوا للنبيّ صلى الله عليه وسلم لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا، وأموالنا ونسائنا لخرجنا، فكيف لا نرضى بحكمك فقال الله تعالى {قل} لهم {لا تقسموا} يعني لا تحلفوا، وتم الكلام ثم ابتدأ فقال {طاعة معروفة} يعني هذه طاعة القول باللسان دون الاعتقاد بالقلب، هي معروفة يعني أمر عرف منكم أنكم تكذبون، وتقولون ما لا تفعلون وقيل: معناه طاعة معروفة بنية خالصة أفضل وأمثل من يمين باللسان لا يوافقها الفعل {إن الله خبير بما تعلمون} يعني من طاعتكم بالقول ومخالفتكم بالفعل {قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول} يعني بقلوبكم وصدق نياتكم {فإن تولوا} يعني أعرضوا عن طاعة الله ورسوله {فإنما عليه} أي على الرسول {ما حمل} أي ما كلف وأمر به من تبليغ الرسالة {وعليكم ما حملتم} أي ما كلفتم من الإجابة والطاعة {وإن تطيعوه تهتدوا} أي تصيبوا الحق والرشد في طاعته {وما على الرسل إلا البلاغ المبين} أي التبليغ الواضح البين. قوله عزّ وجلّ {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} قيل مكث النبيّ صلى الله عليه وسلم بمكة بعد الوحي عشر سنين مع أصحابه، وأمروا بالصبر على أذى الكفار فكانوا يصبحون ويمسون خائفين ثم أمروا بالهجرة إلى المدينة وأمروا بالقتال وهم على خوفهم لا يفارق أحد منهم: سلاحه فقال رجل منهم أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح فأنزل الله هذه الآية، ومعنى ليستخلفنهم والله ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم، فجعلهم ملوكها وساستها وسكانها {كما استخلف الذين من قبلهم} أي كما استخلف داوُد وسليمان وغيرهما من الأنبياء، وكما استخلف بني إسرائيل وأهلك الجبابرة بمصر والشام وأورثهم أرضهم وديارهم {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى} أي اختاره {لهم} قال ابن عباس يوسع لهم في البلاد حتى يملكوها ويظهر دينهم على سائر الأديان {وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني} آمنين {لا يشركون بي شيئاً} فأنجز الله وعده وأظهر دينه ونصر أولياءه وأبدلهم بعد الخوف أمناً وبسطاً في الأرض (خ) عن "حديث : عدي بن حاتم قال: بينا أنا عندي النبيّ صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل فقال: "يا عدي هل رأيت الحيرة قلت: لم أرها ولقد أنبئت عنها قال فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة ترحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله قلت فيما بيني وبين نفسي، فإين دعار طيىء الذين قد سعروا البلاد، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى قلت كسرى بن هرمز قال كسرى بن هرمز ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة يطلب من يقبله منه وليلقين الله أحدكم يوم القيامة، وليس بينه وبينه ترجمان يترجم فليقولن ألم أبعث إليك رسولاً، فيبلغك فيقول بلى يا رب، ألم أعطك مالاً وأفضل عليك فيقول بلى فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن شماله فلا يرى إلا جهنم""تفسير : قال عدي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد شق تمرة فبكلمة طيبة"تفسير : قال عدي: فرأيت الظعينة ترحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلى الله وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: يخرج الرجل ملء كفه ذهباً إلخ. وفي الآية دليل على صحة خلافة أبي بكر الصديق والخلفاء الراشدين بعده، لأن في أيامهم كانت الفتوحات العظيمة وفتحت كنوز كسرى وغيره من الملوك، وحصل الأمن والتمكين وظهور الدين عن سفينة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "حديث : الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً"تفسير : ثم قال: أمسك خلافة أبي بكر سنتين وخلافة عمر عشر سنين، وخلافة عثمان اثنتي عشر سنة وعلي ستاً قال علي: قلت لحماد القائل لسعيد أمسك سفينة قال نعم" أخرجه أبو داود والترمذي بنحو هذا اللفظ. قلت: كذا ورد هذا الحديث بهذا التفصيل، وفيه إجمال وتفصيله أن خلافة أبي بكر كانت سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر كانت عشر سنين وستة أشهر وخلافة عثمان اثنتي عشر سنة كما ذكر في الحديث، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر ولهذا جاء في بعض روايات الحديث على كذا، ولم يبين تعيين مدته فعلى هذا التفصيل تكون مدة خلافة الأئمة الأربعة تسعة وعشرين سنة وستة أشهر، وكملت ثلاثين سنة بخلافة الحسن كانت ستة أشهر ثم نزل عنها والله أعلم، وقوله تعالى {ومن كفر بعد ذلك} أراد به كفران النعمة ولم يرد الكفران بالله {فأولئك هم الفاسقون} أي العاصون قال أهل التفسير: أو من كفر بهذه النعمة و جحد حقها الذين قتلوا عثمان، فلما قتلوه غير الله الله مابهم وأدخل عليهم الخوف حتى صاروا يقتلون بعد أن كانوا إخواناً. عن ابن أخي عبدالله بن سلام قال: "لما أريد قتل عثمان جاء عبدالله بن سلام فقال عثمان: ما جاء بك قال: جئت في نصرك قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني فإنك خارجاً خير لي منك داخلاً، فخرج عبدالله إلى الناس فقال: أيّها الناس إن لله سيفاً مغموداً وإن الملائكة قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فالله الله في هذا الرجل أن تقتلوه فوالله إن قتلتموه لتطردن جيرانكم الملائكة، وليسلن الله سيفه المغمود عنكم فلا يغمد إلى يوم القيامة قالوا: اقتلوا اليهودي واقتلوا عثمان" أخرجه الترمذي زاد في رواية غير الترمذي "فما قتل نبي قط إلا قتل به سبعون ألفاً، ولا خليفة إلا قتل به خمسة وثلاثون ألفاً".
ابو السعود
تفسير : {لَّقَدْ أَنزَلْنَا ءايَـٰتٍ مُّبَيّنَـٰتٍ} أي لكلِّ ما يليقُ بـيانُه من الأحكام الدِّينيةِ والأسرار التَّكوينيَّةِ {وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاء} أنْ يهديَه بتوفيقِه للنَّظرِ الصَّحيحِ فيها وإرشادِه إلى التَّأملِ في مطاويها {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ} موصل إلى حقيقة الحقِّ والفوز بالجنَّةِ. {وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ} شروعٌ في بـيان أحوالِ بعضِ مَن لم يشأ الله هدايتَه إلى الصِّراطِ المستقيمِ. قال الحسنُ: نزلتْ في المُنافقين الذين كانُوا يُظهرون الإيمانَ ويُسرُّون الكفرَ، وقيل: نزلتْ في بشرٍ المُنافقِ خاصمَ يهوديّاً فدعاهُ إلى كعبِ بنِ الأشرفِ واليهوديُّ يدعُوه إلى النبـي عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ. وقيل: في المغيرةِ بنِ وائلٍ خاصمَ عليًّا رضي الله عنه في أرضٍ وماءٍ فأبَى أنْ يُحاكِم إلى الرَّسُولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأيًّا ما كان فصيغةُ الجمعِ للإيذانِ بأنَّ للقائلِ طائفةً يُساعدونَهُ ويُشايعونَهُ في تلك المقالةِ كما يُقال: بنوُ فلانٍ قتلُوا فُلاناً والقاتلُ واحدٌ منهم {وَأَطَعْنَا} أي أطعناهُما في الأمرِ والنَّهيِ {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ} عن قبول حُكمِه {فَرِيقٌ مّنْهُمْ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي من بعد ما صدرَ عنهم ما صدرَ من ادِّعاءِ الإيمانِ بالله وبالرَّسولِ والطَّاعةِ لهما على التَّفصيلِ، وما في ذلك من معنى البُعد للإيذانِ بكونه أمراً معتدًّا به واجبَ المُراعاةِ {وَمَا أُوْلَـئِكَ} إشارةٌ إلى القائلينَ لا إلى الفريقِ المتولِّي منهم فقط لعدمِ اقتضاءِ نفيِ الإيمانِ عنهم نفيَه عن الأوَّلينَ بخلافِ العكسِ فإنَّ نفيَه عنِ القائلينَ مقتضٍ لنفيِه عنهم على أبلغِ وجهٍ وآكدِه وما فيه مِن مَعْنى البُعد للإشعارِ ببُعد منزلتهم في الكفر والفسادِ أي وما أُولئك الذين يدَّعُون الإيمانَ والطَّاعةَ ثم يتولَّى بعضُهم الذين يُشاركون في العقدِ والعملِ {بِٱلْمُؤْمِنِينَ} أي المؤمنينَ حقيقةً كما يُعرب عنه اللامُ أي ليسُوا بالمؤمنينَ المعهودين بالإخلاص في الإيمان والثَّباتِ عليه. {وَإِذَا دُعُواْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ} أي الرَّسولُ {بَيْنَهُمْ} لأنَّه المباشرُ حقيقةً للحكمِ وإنْ كانَ ذلك حكمَ الله حقيقةً. وذكرُ الله تعالى لتفخيمه عليه السَّلامُ والإيذانِ بجلالة محلِّه عنده تعالى {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ} أي فاجأ فريقٌ منهم الإعراضَ عن المحاكمةِ إليه عليه السَّلامُ لكون الحقِّ عليهم وعلمِهم بأنَّه عليه السَّلامُ يحكمُ بالحقِّ عليهم وهو شرح للتَّولِّي ومبالغةٌ فيه. {وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ} لا عليهم {يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} مُنقادين لجزمِهم بأنَّه عليه السَّلامُ يحكمُ لهم. وإلى صلةٌ ليأتُوا فإنَّ الإتيانَ والمجيءَ يُعدَّيان بإلى، أو لمذعنين على تضمينِ معنى الإسراعِ والإقبال كما في قولِه تعالى: {أية : فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِفُّونَ} تفسير : [الصافات: 94] والتقديمُ للاختصاصِ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الآية: 46]. خرجت هداية المراد من المشيئة.
القشيري
تفسير : الآيات بَيِّنةٌ ولكنَّ اللَّهَ يهدي إليها قوماً ويُلَبِّس على آخرين، والذي سُدَّ بَصَرُه أنَّى ينفعه طلوعُ الشمسِ والنجوم؟ وكذلك الذي سُدَّت بصيرته أنَّى تنفعه شواهدُ العلوم ودلائل الفهوم؟ وقالوا في معناه: شعر : وما انتفاعُ أَخي الدنيا بمقلته إذا اسْتَوَتْ عِنْدَه الأنوارُ والظُلَمُ
اسماعيل حقي
تفسير : {لقد انزلنا آيات مبينات} اى لكل مايليق بيانه من الاحكام الدينية والاسرار التكوينية {والله يهدى من يشاء} بالتوفيق للنظر الصحيح فيها والارشاد الى التأمل فى معانيها {الى صراط مستقيم} يعنى الاسلام الذى هو دين الله وطريقه الى رضاه وجنته. وفى التأويلات النجمية اخبر عن سيرة هذه الدواب التى خلقت من الماء فقال {أية : فمنهم من يمشى على بطنه}تفسير : يعنى سيرته فى مشيه ان يضيع عمره فى تحصيل شهوات بطنه {أية : ومنهم من يمشى على رجلين}تفسير : اى يضيع عمره فى تحصيل شهوات فرجه فان كل حيوان اذا قصد قضاء شهوته يمشى على رجلين عند المباشرة وان كان له اربع قوائم {أية : ومنهم من يمشى على اربع}تفسير : اى يضيع عمره فى طلب الجاه لان اكثر طالبى الجاه يمشى راكبا على مركوب له اربع قوائم كالخيل والبغال الحمير كما قال تعالى {أية : والخيل والبغال الحمير لتركبوها وزينة ويخلق مالا تعلمون}تفسير : من انواع المخلوقات على مقتضى حكمته ومشيئته الازليه لما يشاء كما يشاء اظهارا للقدرة ليعلم ان الله على خلق كل نوع من انواع المخلوقات والمقدورات قادر ـ ومن اخبار الرشيد ـ انه خرج يوما للصيد فارسل بازيا اشهب فلم يزل يعلو حتى غاب فى الهواء ثم رجع بعد اليأس منه ومعه سمكة فاحضر الرشيد العلماء وسألهم عن ذلك فقال مقاتل يا امير المؤمنين روينا عن جدك ابن عباس رضى الله عنهما ان الهواء معمور بامم مختلفه الخلق سكان فيه وفيه دواب تبيض وتفرخ فيه شيئا على هيئة السمك لها اجنحة ليست بذات ريش فاجاز مقاتلا على ذلك واكرمه {لقد انزلنا آيات مبينات} اى انزلنا القرآن مبينات آياته ماخلقنا من كل نوع من انواع الانسان المذكورة اوصافهم ولكنهم لو وكلوا الى ما جبلوا عليه لما كانوا يهتدون الا الى هذه الاوصاف التى جبلوا عليها ولا يهتدون الى صراط مستقيم هو صراط الله بارادتهم ومشيئتهم {والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم} يصل به الى الحضرة بمشيئة الله وارادته الازلية تسأل الله الهداية الى سواء الطريق والتوفيق لجادة التحقيق.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {لقد أنزلنا آياتٍ مُبَيِّناتٍ} لكل ما يليق بيانه؛ من الأحكام الدينية، والأسرار التكوينية. أو: موضحات، أوضحنا بها ما يحتاجون إليه من علم الشرائع والأحكام، {والله يهدي من يشاء} توفيقه {إلى صراط مستقيم} أي: دين قيِّم يُوصل إلى رضوان الله ومعرفته. الإشارة: لقد أنزلنا من بحر الجبروت أنواراً ساطعة لعالم الملكوت، والله يهدي من يشاء إلى طريق شهود هذه الأنوار. فالطريق المستقيم هي التي تُوصل إلى حضرة العيان، على نعت الكشف والوجدان، وهي ثلاثة مدارج: المدرج الأول: إتقان الشريعة الظاهرة، وهي تهذيب الظواهر وتأديبها بالسُنَّة والمتابعة. والمدرج الثاني: إتقان الطريقة، وهي تهذيب البواطن وتصفيتها من الرذائل، فإذا تطهر الباطن، وكمل تهذيبه، أشرف على المدرج الثالث، وهو كشف الحقائق العرفانية والأسرار الربانية فيفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، فيقع العيان على فقد الأعيان، وتُشرق شمس العرفان فتغطي وجودَ الأكوان. وبالله التوفيق. ولمّا ذكر إنزال الآيات ذكر افتراق الناس إلى ثلاث فرق، فرقة آمنت ظاهراً وكفرت باطناً، وهم المنافقون، وفرقة آمنت ظاهراً وباطناً، وهم المخلصون، وفرقة كفرت ظاهراً وباطناً وهم الكافرون، وبدأ بالأولى، فقال: {وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ...}
الطوسي
تفسير : اقسم الله تعالى في هذه الآية انه انزل {آيات مبينات} أي دلالات واضحات تظهر بها المعاني، وتتميز، مما خالفها حتى تعلم مفصلة. ومن كسر الياء، جعلها من المبينة المظهرة مجازاً، من حيث يتبين بها، فكأنها المبينة. وقوله {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} معناه والله يلطف لمن يشاء بما يعلم انه يهتدي عنده {إلى صراط مستقيم} واضح: من توحيده وعدله وصدق أنبيائه. والهداية الدلالة التي يهتدي بها صاحبها الى الرشد، وقد تطلق على ما يصح أن يهتدى بها، كما قال تعالى {أية : وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} تفسير : لأن المراد فى الآية اللطف على ما قلناه. وقال الجبائي: قوله {يهدي من يشاء} يعني المكلفين دون من ليس بمكلف، ويجوز أن يكون المراد هدايتهم فى الآخرة الى طريق الجنة، والصراط المستقيم الايمان لأنه يؤدي الى الجنة. وقوله {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} قيل انها نزلت فى صفة المنافقين، لانهم يقولون بألسنتهم: آمنا بالله وصدقنا رسوله، فاذا انصرفوا إلى أصحابهم قالوا خلاف ذلك، فأخبر الله تعالى أن هؤلاء ليسوا بمؤمنين على الحقيقة. ثم اخبر عن حال هؤلاء فقال: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم} فى شيء يختلفون فيه {إذا فريق منهم} يعني المنافقين {معرضون} عن ذلك. ولا يختارونه، لانه يكون الحق عليهم. ثم قال {وإن يكن لهم الحق} وتتوجه لهم الحكومة {يأتوا اليه} يعني الى النبي (صلى الله عليه وسلم) منقادين {مذعنين} والاذعان هو الانقياد من غير اكراه، فهؤلاء المنافقون إذا دعوا الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ليحكم بينهم في شيء اختلفوا فيه، امتنعوا ظلماً، لانفسهم، وكفروا بنبيهم، ففضحهم الله بما أظهر من جهلهم ونفاقهم. و قيل انها نزلت فى رجل من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود حكومة، فدعاه اليهودي الى رسول الله، ودعاه المنافق الى كعب بن الاشرف. وقيل انها نزلت في علي (ع) ورجل من بني أمية دعاه علي الى رسول الله، ودعاه الاموي الى اليهود، وكان بينهما منازعة في ماء وأرض. وحكى البلخي انه كانت بين علي (ع) وعثمان منازعة في أرض اشتراها من علي، فخرجت فيها أحجار، واراد ردها بالعيب، فلم يأخذها، فقال بيني وبينك رسول الله، فقال الحكم ابن أبي العاص ان حاكمته الى ابن عمه حكم له، فلا تحاكمه اليه، فانزل الله الآية. ثم قال تعالى منكراً عليهم {أفي قلوبهم مرض} أي شك فى قلوبهم، وسمي الشك مرضاً، لانه آفة تصد القلب عن ادراك الحق، كالآفة في البصر تصد عن ادراك الشخص، وانما جاء على لفظ الاستفهام، والمراد به الانكار، لانه أشد فى الذم والتوبيخ أى ان هذا كفر، قد ظهر حتى لا يحتاج فيه الى البينة، كما جاز فى نقيضه على طريق الاستفهام، لأنه أشد مبالغة في المدح، كما قال جرير: شعر : ألستم خير من ركب المطايا واندى العالمين بطون راح تفسير : فقال الله تعالى {أفي قلوبهم مرض} أى شك فى النبي {أم ارتابوا} بقوله وبحكمه {أم يخافون أن يحيف الله ورسوله عليهم} أى يجور عليهم، والحيف الجور بنقض الحق، ويحيف عليهم: يظلمهم، لانه لا وجه للامتناع عن المجيء إلا أحد هذه الثلاثة. ثم اخبر تعالى فقال: ليس لشيء من ذلك، بل لانهم الظالمون نفوسهم وغيرهم، والمانعون لهم حقوقهم، وإنما افرد قوله {ليحكم بينهم} بعد قوله {إلى الله ورسوله}، لانه حكم واحد يوقعه النبي (صلى الله عليه وسلم) بأمر الله.
الجنابذي
تفسير : {لَّقَدْ أَنزَلْنَآ} من مقام المشيّة ومقام الاقلام والالواح {آيَاتٍ} تدوينيّة فى صورة الآيات القرآنيّة الّتى تلوناها عليكم وآياتٍ تكوينيّة فى صور طبيعيّة من مثل تسبيح من فى السّماوات وازجاء السّحاب وانزال الامطار وتقليب الايّام وخلق الدّوابّ كلّها من الماء وجعلها مختلفاتٍ فى المشي وغيره {مُّبَيِّنَاتٍ} واضحات او موضحات {وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} بسبب تلك الآيات فلا غرو فى عدم اهتداء بعض مع وضوح الآيات الهاديات فانّ الهداية بيد الله لا غير، والصّراط المستقيم هو الولاية وطريق القلب.
اطفيش
تفسير : {لَقَدْ أَنْزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} القرآن * {وَاللَّهُ يَهْدِي} يوفق * {مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} إلى دين الاسلام الموصل إلى ادراك الحق والفوز بالجنة.
اطفيش
تفسير : {لقد أنزلنا آيات مبيِّناتٍ} لما يليق بالحكمة بيانه {والله يَهْدى} بالتوفيق {مَن يشاء} هدايته به {الى صراط مستقيم} يوصل الى المقصود وهو الجنة، ومن خالفه كفر، ولو قال بلسانه: لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما روى أن بشراً المنافق خاصمه يهودى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاصمه بشر الى كعب بن الأشرف، ثم وافقه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحكم لليهودى فحاكمه بشر الى عمر، فقال اليهودى: قد حكم لى النبى صلى الله عليه وسلم، ولم يرض، فقال لبشر: أكذلك، فقال: نعم، فقال: مكانكما، فدخل بيته فخرج بسيفه، فقتل به بشرا، وقال هكذا أقضى لمن لم يرض بقضاء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ونزل جبريل عليه السلام فقال أن عمر فرق بين الحق والباطل ولقب لذلك بالفاروق فنزل فى ذلك قوله تعالى: {ويقولون} أى المنافقون {آمنَّا بالله وبالرسول} الى قوله: "أية : أولئك هم المفلحون"تفسير : [النور: 51] ولا مانع من أن يقال: إلى "أية : الفائزون"تفسير : [التوبة: 20] وقيل: نزلت فى المغيرة ابن وائل، أقسم أرضا هو وعلى، فكان لعلى ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة، فقال لعلى:بع لى سهمك، فاشتراه فندم لقلة ما يناله من الماء، ولأنها سبخة، وقال له: خذ أرضك، فان الماء لا ينالها، فقال له علي: قد علمت حالها، واشتريتها، فخاصمه على الى النبى صلى الله عليه وسلم، فقال: لا إن محمداً يبغضنى، فأخاف أن يحيف على فنزلت الآية فى ذلك. فنقول: وقعت القصتان جميعا، فنزلت بعدهما، وإذا اتحد الفاعل فنزل القرآن بالجمع كهذه الآية، فلعموم الحكم، ولو خص السبب، أو لأن مع الفاعل من ساعده على فعله، وإذا فعل الفاعل فعله، ونزل القرآن بصيغة التكرار فلأن من شأن ذلك الفاعل أن يكرره، ولو لم يكرره لأنه أصر أو يحمل المضارع على طريق حكاية الحال الماضية لتكون كالأمر المشاهد، لا على التكرير. {وأطَعْنا} أى الله والرسول فى الأمر والنهى {ثم } لتراخى الرتبة {يتولى} يعرض عن الاطاعة المدعاة، أو عن مضمون قول آمنا بالله وبالرسول والطاعة {فريقٌ منهم من بعْد ذلك} المذكور من القول، والادعاء، وإشارة البعد الى القريب إعظام له فى التحريم، وكذا قوله: {وما أولئك} المنافقون القائلون آمنا بالله وبالرسول، الذين منهم الفريق المتولى {بالمؤمنين} المعهودين بالاخلاص والثبات، ويجوز عود ولو يقولون للمؤمنين، فيكون أولئك للفريق المتولى، فيكون ثم للاستبعاد، كأنه قيل كيف يدخلون فى زمرة المؤمنين الموفين مع نقضهم.
الالوسي
تفسير : {لَّقَدْ أَنزَلْنَا ءايَـٰتٍ مُّبَيّنَـٰتٍ } أي لكل ما يليق بيانه من الأحكام الدينية والأسرار التكوينية أو واضحات في أنفسها، وهذا كالمقدمة لما بعده ولذا لم يأت بالعاطف فيه كما أتى سبحانه به فيما مر من قوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ ءايَـٰتٍ مُّبَيّنَـٰتٍ وَمَثَلاً مّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ } تفسير : [النور: 34] الآية، ومن اختلاف المساق يعلم وجه ذكر {إِلَيْكُمْ } هناك وعدم ذكره هنا. {وَٱللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاء } هدايته بتوفيقه للنظر الصحيح فيها والتدبر لمعانيها {إِلَىٰ صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ } موصل إلى حقيقة الحق والفوز بالجنة.
سيد قطب
تفسير : بعد تلك الجولة الضخمة في مجالي النور، في مشاهد الكون الكبير.. يعود سياق السورة إلى موضوعها الأصيل. موضوع الآداب التي يربي عليها القرآن الجماعة المسلمة، لتتطهر قلوبها وتشرق، وتتصل بنور الله في السماوات والأرض. ولقد تناول في الدرس الماضي حديث الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة. وحديث الذين كفروا وأعمالهم ومآلهم، وما هم فيه من ظلمات بعضها فوق بعض. فالآن في هذا الدرس يتحدث عن المنافقين، الذين لا ينتفعون بآيات الله المبينات ولا يهتدون. فهم يظهرون الإسلام، ولكنهم لا يتأدبون بأدب المؤمنين في طاعة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي الرضى بحكمه، والطمأنينة إليه. ويوازن بينهم وبين المؤمنين الصادقين في إيمانهم. أولئك الذين وعدهم الله الاستخلاف في الأرض، والتمكين في الدين، والأمن في المقام، جزاء لهم على أدبهم مع الله ورسوله. وطاعتهم لله ورسوله.. وذلك على الرغم من عداء الكافرين. وما الذين كفروا بمعجزين في الأرض ومأواهم النار وبئس المصير.. {لقد أنزلنا آيات مبينات. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.. فآيات الله مبينة كاشفة؛ تجلو نور الله، وتكشف عن ينابيع هداه. وتحدد الخير والشر، والطيب والخبيث. وتبين منهج الإسلام في الحياة كاملاً دقيقاً لا لبس فيه ولا غموض؛ وتحدد أحكام الله في الأرض بلا شبهة ولا إبهام. فإذا تحاكم الناس إليها فإنما يتحاكمون إلى شريعة واضحة مضبوطة، لا يخشى منها صاحب حق على حقه؛ ولا يلتبس فيها حق بباطل، ولا حلال بحرام. {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}.. والمشيئة مطلقة لا يقيدها قيد. غير أن الله سبحانه قد جعل للهدى طريقاً، من وجه نفسه إليه وجد فيه هدى الله ونوره، فاتصل به، وسار على الدرب، حتى يصل ـ بمشيئة الله ـ ومن حاد عنه وأعرض فقد النور الهادي ولج في طريق الضلال. حسب مشيئة الله في الهدى والضلال. ومع هذه الآيات المبينات يوجد ذلك الفريق من الناس. فريق المنافقين، الذين كانوا يظهرون الإسلام ولا يتأدبون بأدب الإسلام: {ويقولون: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا. ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك. وما أولـئك بالمؤمنين. وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون. وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين. أفي قلوبهم مرض؟ أم ارتابوا؟ أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله؟ بل أولـئك هم الظالمون}.. إن الإيمان الصحيح متى استقر في القلب ظهرت آثاره في السلوك. والإسلام عقيدة متحركة، لا تطيق السلبية. فهي بمجرد تحققها في عالم الشعور تتحرك لتحقق مدلولها في الخارج؛ ولتترجم نفسها إلى حركة وإلى عمل في عالم الواقع. ومنهج الإسلام الواضح في التربية يقوم على أساس تحويل الشعور الباطن بالعقيدة وآدابها إلى حركة سلوكية واقعية؛ وتحويل هذه الحركة إلى عادة ثابتة أو قانون. مع استحياء الدافع الشعوري الأول في كل حركة، لتبقى حية متصلة بالينبوع الأصيل. وهؤلاء كانوا يقولون: {آمنا بالله وبالرسول وأطعنا}.. يقولونها بأفواههم، ولكن مدلولها لا يتحقق في سلوكهم. فيتولون ناكصين يكذبون بالأعمال ما قالوه باللسان: {وما أولئك بالمؤمنين} فالمؤمنون تصدق أفعالهم أقوالهم. والإيمان ليس لعبة يتلهى بها صاحبها؛ ثم يدعها ويمضي، إنما هو تكيف في النفس، وانطباع في القلب، وعمل في الواقع، ثم لا تملك النفس الرجوع عنه متى استقرت حقيقته في الضمير.. ولقد كان هؤلاء الذين يدعون الإيمان يخالفون مدلوله حين يدعون ليتحاكموا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على شريعة الله التي جاء بها: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون. وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين}.. فلقد كانوا يعلمون أن حكم الله ورسوله لا يحيد عن الحق، ولا ينحرف مع الهوى، ولا يتأثر بالمودة والشنآن. وهذا الفريق من الناس لا يريد الحق ولا يطيق العدل. ومن ثم كانوا يعرضون عن التحاكم إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويأبون أن يجيئوا إليه. فأما إذا كانوا أصحاب حق قضية فهم يسارعون إلى تحكيم رسول الله، راضين خاضعين، لأنهم واثقون أنه سيقضي لهم بحقهم، وفق شريعة الله، التي لا تظلم ولا تبخس الحقوق. هذا الفريق الذي كان يدعي الإيمان، ثم يسلك هذا السلوك الملتوي، إنما هو نموذج للمنافقين في كل زمان ومكان. المنافقين الذين لا يجرؤون على الجهر بكلمة الكفر، فيتظاهرون بالإسلام. ولكنهم لا يرضون أن تقضي بينهم شريعة الله، ولا أن يحكم فيهم قانونه، فإذا دعوا إلى حكم الله ورسوله أبوا وأعرضوا وانتحلوا المعاذير {وما أولئك بالمؤمنين} فما يستقيم الإيمان وإباء حكم الله ورسوله. إلا أن تكون لهم مصلحة في أن يتحاكموا إلى شريعة الله أو يحكموا قانونه! إن الرضى بحكم الله ورسوله هو دليل الإيمان الحق. وهو المظهر الذي ينبئ عن استقرار حقيقة الإيمان في القلب. وهو الأدب الواجب مع الله ومع رسول الله. وما يرفض حكم الله وحكم رسوله إلا سيِّئ الأدب معتم، لم يتأدب بأدب الإسلام، ولم يشرق قلبه بنور الإيمان. ومن ثم يعقب على فعلتهم هذه بأسئلة تثبت مرض قلوبهم، وتتعجب من ريبتهم، وتستنكر تصرفهم الغريب: {أفي قلوبهم مرض؟ أم ارتابوا؟ أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله؟}.. والسؤال الأول للإثبات. فمرض القلب جدير بأن ينشئ مثل هذا الأثر. وما ينحرف الإنسان هذا الانحراف وهو سليم الفطرة. إنما هو المرض الذي تختل به فطرته عن استقامتها، فلا تتذوق حقيقة الإيمان، ولا تسير على نهجه القويم. والسؤال الثاني للتعجب. فهل هم يشكون في حكم الله وهم يزعمون الإيمان؟ هل هم يشكون في مجيئه من عند الله؟ أو هم يشكون في صلاحيته لإقامة العدل؟ على كلتا الحالتين فهذا ليس طريق المؤمنين! والسؤال الثالث للاستنكار والتعجب من أمرهم الغريب. فهل هم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله؟ وإنه لعجيب أن يقوم مثل هذا الخوف في نفس إنسان. فالله خالق الجميع ورب الجميع. فكيف يحيف في حكمه على أحد من خلقه لحساب أحد من خلقه؟ إن حكم الله هو الحكم الوحيد المبرأ من مظنة الحيف. لأن الله هو العادل الذي لا يظلم أحداً. وكل خلقه أمامه سواء. فلا يظلم أحداً منهم لمصلحة أحد. وكل حكم غير حكمه هو مظنة الحيف. فالبشر لا يملكون أنفسهم وهم يشرعون ويحكمون أن يميلوا إلى مصالحهم. أفراداً كانوا أم طبقة أم دولة. وحين يشرع فرد ويحكم فلا بد أن يلحظ في التشريع حماية نفسه وحماية مصالحه. وكذلك حين تشرع طبقة لطبقة، وحين تشرع دولة لدولة. أو كتلة من الدول لكتلة.. فأما حين يشرع الله فلا حماية ولا مصلحة. إنما هي العدالة المطلقة، التي لا يطيقها تشريع غير تشريع الله، ولا يحققها حكم غير حكمه. من أجل ذلك كان الذين لا يرتضون حكم الله ورسوله هم الظالمون، الذين لا يريدون للعدالة أن تستقر؛ ولا يحبون للحق أن يسود. فهم لا يخشون في حكم الله حيفا، ولا يرتابون في عدالته أصلاً {بل أولئك هم الظالمون}.. فأما المؤمنون حقاً فلهم أدب غير هذا مع الله ورسوله. ولهم قول آخر إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم؛ هو القول الذي يليق بالمؤمنين؛ وينبئ عن إشراق قلوبهم بالنور: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. وأولـئك هم المفلحون}.. فهو السمع والطاعة بلا تردد ولا جدال ولا انحراف. السمع والطاعة المستمدان من الثقة المطلقة في أن حكم الله ورسوله هو الحكم وما عداه الهوى؛ النابعان من التسليم المطلق لله، واهب الحياة، المتصرف فيها كيف يشاء؛ ومن الإطمئان إلى أن ما يشاؤه الله للناس خير مما يشاءونه لأنفسهم. فالله الذي خلق أعلم بمن خلق.. {وأولئك هم المفلحون}.. المفلحون لأن الله هو الذي يدبر أمورهم، وينظم علاقاتهم، ويحكم بينهم بعلمه وعدله؛ فلا بد أن يكونوا خيراً ممن يدبر أمورهم، وينظم علاقاتهم، ويحكم بينهم بشر مثلهم، قاصرون لم يؤتوا من العلم إلا قليلاً.. والمفلحون لأنهم مستقيمون على منهج واحد، لا عوج فيه ولا التواء، مطمئنون إلى هذا المنهج، ماضون فيه لا يتخبطون، فلا تتوزع طاقاتهم، ولا يمزقهم الهوى كل ممزق، ولا تقودهم الشهوات والأهواء. والنهج الإلهي أمامهم واضح مستقيم. {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون}.. وقد كان الحديث في الآية السابقة عن الطاعة والتسليم في الأحكام. فالأن يتحدث عن الطاعة كافة في كل أمر أو نهي، مصحوبة هذه الطاعة بخشية الله وتقواه. والتقوى أعم من الخشية، فهي مراقبة الله والشعور به عند الصغيرة والكبيرة؛ والتحرج من إتيان ما يكره توقيراً لذاته سبحانه، وإجلالاً له، وحياء منه، إلى جانب الخوف والخشية. ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون، الناجون في دنياهم وأخراهم. وعد الله ولن يخلف الله وعده. وهم للفوز أهل، ولديهم أسبابه من واقع حياتهم. فالطاعة لله ورسوله تقتضي السير على النهج القويم الذي رسمه الله للبشرية عن علم وحكمة، وهو بطبيعته يؤدي إلى الفوز في الدنيا والآخرة. وخشية الله وتقواه هي الحارس الذي يكفل الاستقامة على النهج، وإغفال المغريات التي تهتف بهم على جانبيه، فلا ينحرفون ولا يلتفتون. وأدب الطاعة لله ورسوله، مع خشية الله وتقواه، أدب رفيع، ينبئ عن مدى إشراق القلب بنور الله، واتصاله به، وشعوره بهيبته. كما ينبئ عن عزة القلب المؤمن واستعلائه. فكل طاعة لا ترتكن على طاعة الله ورسوله، ولا تستمد منها، هي ذلة يأباها الكريم، وينفر منها طبع المؤمن، ويستعلي عليها ضميره. فالمؤمن الحق لا يحني رأسه إلا لله الواحد القهار. وبعد هذه المقابلة بين حسن أدب المؤمنين، وسوء أدب المنافقين الذين يدعون الإيمان، وما هم بمؤمنين. بعد هذه المقابلة يعود إلى استكمال الحديث عن هؤلاء المنافقين: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن. قل: لا تقسموا. طاعة معروفة. إن الله خبير بما تعملون. قل: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول. فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم. وإن تطيعوه تهتدوا. وما على الرسول إلا البلاغ المبين}.. ولقد كان المنافقون يقسمون لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لئن أمرهم بالخروج إلى القتال ليخرجن. والله يعلم إنهم لكاذبون. فهو يرد عليهم متهكماً، ساخراً من أيمانهم: {قل: لا تقسموا. طاعة معروفة}.. لا تحلفوا فإن طاعتكم معروف أمرها، مفروغ منها، لا تحتاج إلى حلف أو توكيد! كما تقول لمن تعلم عليه الكذب وهو مشهور به: لا تحلف لي على صدقك. فهو مؤكد ثابت لا يحتاج إلى دليل. ويعقب على التهكم الساخر بقوله: {إن الله خبير بما تعملون}.. فلا يحتاج إلى قسم ولا توكيد، وقد علم أنكم لا تطيعون ولا تخرجون! لهذا يعود فيأمرهم بالطاعة. الطاعة الحقيقية. لا طاعتهم تلك المعروفة المفهومة! {قل:أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}.. {فإن تولوا} وتعرضوا، أو تنافقوا ولا تنفذوا {فإنما عليه ما حمل} من تبليغ الرسالة وقد قام به وأداه {وعليكم ما حملتم} وهو أن تطيعوا وتخلصوا. وقد نكصتم عنه ولم تؤدوه: {وإن تطيعوه تهتدوا} إلى المنهج القويم المؤدي إلى الفوز والفلاح. {وما على الرسول إلا البلاغ المبين} فليس مسؤولاً عن إيمانكم، وليس مقصراً إذا أنتم توليتم. إنما أنتم المسؤولون المعاقبون بما توليتم وبما عصيتم وبما خالفتم عن أمر الله وأمر الرسول. وبعد استعراض أمر المنافقين، والانتهاء منه على هذا النحو.. يدعهم السياق وشأنهم، ويلتفت عنهم إلى المؤمنين المطيعين، يبين جزاء الطاعة المخلصة، والإيمان العامل، في هذه الأرض قبل يوم الحساب الأخير: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم؛ وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم؛ وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً. يعبدونني لا يشركون بي شيئاً. ومن كفر بعد ذلك فأولـئك هم الفاسقون}.. ذلك وعد الله للذين أمنوا وعملوا الصالحات من أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يستخلفهم في الأرض. وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم. وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمناً.. ذلك وعد الله. ووعد الله حق. ووعد الله واقع. ولن يخلف الله وعده.. فما حقيقة ذلك الإيمان؟ وما حقيقة هذا الاستخلاف؟ إن حقيقة الإيمان التي يتحقق بها وعد الله حقيقة ضخمة تستغرق النشاط الإنساني كله؛ وتوجه النشاط الإنساني كله. فما تكاد تستقر في القلب حتى تعلن عن نفسها في صورة عمل ونشاط وبناء وإنشاء موجه كله إلى الله؛ لا يبتغي به صاحبه إلا وجه الله؛ وهي طاعة لله واستسلام لأمره في الصغيرة والكبيرة، لا يبقى معها هوى في النفس، ولا شهوة في القلب، ولا ميل في الفطرة إلا وهو تبع لما جاء به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من عند الله. فهو الإيمان الذي يستغرق الإنسان كله، بخواطر نفسه، وخلجات قلبه. وأشواق روحه، وميول فطرته، وحركات جسمه، ولفتات جوارحه، وسلوكه مع ربه في أهله ومع الناس جميعاً.. يتوجه بهذا كله إلى الله.. يتمثل هذا في قول الله سبحانه في الآية نفسها تعليلاً للاستخلاف والتمكين والأمن: {يعبدونني لا يشركون بي شيئاً} والشرك مداخل وألوان، والتوجه إلى غير الله بعمل أو شعور هو لون من ألوان الشرك بالله. ذلك الإيمان منهج حياة كامل، يتضمن كل ما أمر الله به، ويدخل فيما أمر الله به توفير الأسباب، وإعداد العدة، والأخذ بالوسائل، والتهيؤ لحمل الأمانة الكبرى في الأرض.. أمانة الاستخلاف.. فما حقيقة الاستخلاف في الأرض؟ إنها ليست مجرد الملك والقهر والغلبة والحكم.. إنما هي هذا كله على شرط استخدامه في الإصلاح والتعمير والبناء؛ وتحقيق المنهج الذي رسمه الله للبشرية كي تسير عليه؛ وتصل عن طريقه إلى مستوى الكمال المقدر لها في الأرض، اللائق بخليقة أكرمها الله. إن الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة والإصلاح، لا على الهدم والإفساد. وقدرة على تحقيق العدل والطمأنينة، لا على الظلم والقهر. وقدرة على الارتفاع بالنفس البشرية والنظام البشري، لا على الانحدار بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان! وهذا الاستخلاف هو الذي وعده الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. وعدهم الله أن يستخلفهم في الأرض ـ كما استخلف المؤمنين الصالحين قبلهم ـ ليحققوا النهج الذي أراده الله؛ ويقرروا العدل الذي أراده الله؛ ويسيروا بالبشرية خطوات في طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها الله.. فاما الذين يملكون فيفسدون في الأرض، وينشرون فيها البغي والجور، وينحدرون بها إلى مدارج الحيوان.. فهؤلاء ليسوا مستخلفين في الأرض. إنما هم مبتلون بما هم فيه، أو مبتلى بهم غيرهم، ممن يسلطون عليهم لحكمة يقدرها الله. آية هذا الفهم لحقيقة الاستخلاف قوله تعالى بعده: {وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم}.. وتمكين الدين يتم بتمكينه في القلوب، كما يتم بتمكينه في تصريف الحياة وتدبيرها. فقد وعدهم الله إذن أن يستخلفهم في الأرض، وأن يجعل دينهم الذي ارتضى لهم هو الذي يهيمن على الأرض. ودينهم يأمر بالإصلاح، ويأمر بالعدل، ويأمر بالاستعلاء على شهوات الأرض.. ويأمر بعمارة هذه الأرض، والانتفاع بكل ما أودعها الله من ثروة، ومن رصيد، ومن طاقة، مع التوجه بكل نشاط فيها إلى الله. {وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً}.. ولقد كانوا خائفين، لا يأمنون، ولا يضعون سلاحهم أبداً حتى بعد هجرة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى قاعدة الإسلام الأولى بالمدينة. قال الربيع بن أنس عن أبي العالية في هذه الآية: كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه بمكة نحواً من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، وإلى عبادته وحده بلا شريك له، سراً وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال؛ حتى أمروا بعد الهجرة إلى المدينة، فقدموها، فأمرهم الله بالقتال، فكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح؛ فصبروا على ذلك ما شاء الله. ثم إن رجلاً من الصحابة قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع عنا السلاح؟ فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : لن تصبروا إلا يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم ليست فيه حديدة"تفسير : . وأَنزل الله هذه الآية، فأَظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح، ثم إن الله قبض نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان. حتى وقعوا فيما وقعوا فيه، فأدخل الله عليهم الخوف؛ فاتخذوا الحجزة والشرط، وغيروا فغير بهم.. {ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}.. الخارجون على شرط الله. ووعد الله. وعهد الله.. لقد تحقق وعد الله مرة. وظل متحققاً وواقعاً ما قام المسلمون على شرط الله: {يعبدونني لا يشركون بي شيئاً}.. لا من الآلهة ولا من الشهوات. ويؤمنون ـ من الإيمان ـ ويعملون صالحاً. ووعد الله مذخور لكل من يقوم على الشرط من هذه الأمة إلى يوم القيامة. إنما يبطئ النصر والاستخلاف والتمكين والأمن، لتخلف شرط الله في جانب من جوانبه الفسيحة؛ أو في تكليف من تكاليفه الضخمة؛ حتى إذا انتفعت الأمة بالبلاء، وجازت الابتلاء، وخافت فطلبت الأمن، وذلت فطلبت العزة، وتخلفت فطلبت الاستخلاف.. كل ذلك بوسائله التي أرادها الله، وبشروطه التي قررها الله.. تحقق وعد الله الذي لا يتخلف، ولا تقف في طريقه قوة من قوى الأرض جميعاً. لذلك يعقب على هذا الوعد بالأمر بالصلاة والزكاة والطاعة؛ وبألا يحسب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمته حساباً لقوة الكافرين الذين يحاربونهم ويحاربون دينهم الذي ارتضى لهم: {وأقيموا الصـلاة وآتوا الزكـاة، وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون. لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض. ومأواهم النار ولبئس المصير}.. فهذه هي العدة.. الاتصال بالله، وتقويم القلب بإقامة الصلاة. والاستعلاء على الشح، وتطهير النفس والجماعة بإيتاء الزكاة. وطاعة الرسول والرضى بحكمه، وتنفيذ شريعة الله في الصغيرة والكبيرة، وتحقيق النهج الذي أراده للحياة: {لعلكم ترحمون} في الأرض من الفساد والانحدار والخوف والقلق والضلال، وفي الآخرة من الغضب والعذاب والنكال. فإذا استقمتم على النهج، فلا عليكم من قوة الكافرين. فما هم بمعجزين في الأرض، وقوتهم الظاهرة لن تقف لكم في طريق. وأنتم أقوياء بإيمانكم، أقوياء بنظامكم، أقوياء بعدتكم التي تستطيعون. وقد لا تكونون في مثل عدتهم من الناحية المادية. ولكن القلوب المؤمنة التي تجاهد تصنع الخوارق والأعاجيب. إن الإسلام حقيقة ضخمة لا بد أن يتملاها من يريد الوصول إلى حقيقة وعد الله في تلك الآيات. ولا بد أن يبحث عن مصداقها في تاريخ الحياة البشرية، وهو يدرك شروطها على حقيقتها، قبل أن يتشكك فيها أو يرتاب، أو يستبطئ وقوعها في حالة من الحالات. إنه ما من مرة سارت هذه الأمة على نهج الله، وحكمت هذا النهج في الحياة، وارتضته في كل أمورها.. إلا تحقق وعد الله بالاستخلاف والتمكين والأمن. وما من مرة خالفت عن هذا النهج إلا تخلفت في ذيل القافلة، وذلت، وطرد دينها من الهيمنة على البشرية؛ واستبد بها الخوف؛ وتخطفها الأعداء. ألا وإن وعد الله قائم. ألا وإن شرط الله معروف. فمن شاء الوعد فليقم بالشرط. ومن أوفى بعهده من الله؟
ابن عاشور
تفسير : تذييل للدلائل والعبر السالفة وهو نتيجة الاستدلال ولذلك ختم بقوله: {والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم}، أي إن لم يهتد بتلك الآيات أهل الضلالة فذلك لأن الله لم يهدهم لأنه يهدي من يشاء. والمراد بالآيات هنا آيات القرآن كما يقتضيه فعل {أنزلنا} ولذلك لم تعطف هذه الجملة على ما قبلها بعكس قوله السابق { أية : ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } تفسير : [النور: 34]. ولما كان المقصود من هذا إقامة الحجة دون الامتنان لم يقيد إنزال الآيات بأنه إلى المسلمين كما قيد في قوله تعالى قبله: { أية : ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات } تفسير : [النور: 34] كما تقدم. وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب {مبينات} بفتح الياء على صيغة اسم المفعول، أي بيَّنها الله ووضحها ببلاغتها وقوة حجتها. وقرأ الباقون بكسر الياء على صيغة اسم الفاعل، فإسناد التبيين إلى الآيات على هذه القراءة مجاز عقلي لأنها سبب البيان. والمعنى أن دلائل الحق ظاهرة ولكن الله يقدِّر الهداية إلى الحق لمن يشاء هدايته.
د. أسعد حومد
تفسير : {آيَاتٍ} {مُّبَيِّنَاتٍ} {صِرَاطٍ} (46) - وَلَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى آيَاتٍ وَاضِحَاتٍ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى طَرِيقِ الحَقِّ والرَّشَادِ، وَلَكِنْ لاَ يَتَوَصَّلُ إِلَى فَهْمِهَا إِلاَّ أُوتِي فَهْماً سَلِيماً وَبَصِيرَةً نَيِّرَةً، وَاللهُ يُرْشِدُ مَنْ يَشاءُ إِلَى الطَّرِيقِ القَويمِ الذي لاَ عِوَجَ فِيهِ، طَرِيقِ الهُدَى والرَّشَادِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يعني: مَنْ ملك هذا الملْك وحده، وخلق لكم هذه العجائب أنزل لكم آيات بينات تحمل إليكم الأحكام، فكما فعل لكم الجميل، ووفر لكم ما يخدمكم في الكون، سمائه وأرضه، فأدُّوا أنتم ما عليكم نحو منهجه وأحكامه، واتبعوا هذه الآيات البينات. ومعنى: {مُّبَيِّنَاتٍ ..} [النور: 46] أي: لاستقامة حركة الحياة؛ لأن حركة الحياة تحتاج لأنْ يتحرك الجميع ويؤدي كُلٌّ مهمته حتى تتساند الحركات ولا تتعاند، فالذي يُتعب الدنيا أن تبنى وغيرك يهدم. إذن: لا بُدَّ من ضابط قيمي يضبط كل الحركات ويحثّ كل صانع أنْ يتقن صَنْعته ويُخلِص فيها، والإنسان غالباً لا يحسن إلا زاوية واحدة في حياته، هي حرفته وتخصصه، وربما لا يحسنها لنفسه؛ لأنه لا يتقاضى عليها أجراً، لذلك يقولون (باب النجار مخلع) أما إنْ عمل للآخرين فإنه يُحسِن عمله ويتقن صنعته، وكذلك يتقن الناس لك ما في أيديهم، فتستقيم الأمور، فأحْسن ما في يدك للناس، يحسنْ لك الناسُ ما في أيديهم. وقوله تعالى: {وَٱللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [النور: 46]. ولقائل أنْ يسأل: وما ذنب مَنْ لم يدخل في هذه المشيئة فلم يَهْتد؟ وسبق أن قلنا: إن الهداية نوعان: هداية الدلالة وهداية المعونة على الدلالة. فالله تعالى يهدي الجميع هداية الدلالة، ويبين للكل أسباب الخير وسُبل النجاة وطريق الفلاح والأسلوب الأمثل في إدارة حركة الحياة، فمَنْ سمع كلام الله ووثق في توجيهه وأطاع في هداية الدلالة أعانه بهداية المعونة. فساعة تسمع: {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلْفَاسِقِينَ}تفسير : [المائدة: 108]. {أية : وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}تفسير : [البقرة: 258]. فاعلم أنهم امتنعوا عن هداية الدلالة فامتنعت عنهم هداية المعونة، لا هداية الدلالة والإرشاد والبيان. وقلنا: إن كلمة {أَنزَلْنَآ ..} [النور: 46] تشعر باحترام الشيء المنزّل؛ لأن الإنزال لا يكون إلا من العُلُو إلى الأدنى، فكأن ربك - عز وجل - حين يكلفك يقول لك: أريد أن أرتفع بك من مستوى الأرض إلى عُلو السماء؛ لذلك يقول تعالى في موضع آخر: {أية : قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ..}تفسير : [الأنعام: 151]. أي: لا تضعوا لأنفسكم القوانين، ولا تسيروا خلف آرائكم وأفكاركم، إنما تعالوا إلى الله وخذوا منه سبحانه منهج حياتكم، فهو الذي خلقكم، وخلق لكم هذه الحياة. ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثم قال سحبانه تحريكاً لحمية عباده، وتشديداً لبنيان اعتقاداتهم بالله وتوحيده وأسمائه وصفاته: {لَّقَدْ أَنزَلْنَآ} من مقام جودنا، ولطفنا إليكم إيها المحبوسون في مضيق الإمكان، المقيدون بسلاسل الكفران والعصيان {آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ} موضحاتٍ مفصلاتٍ لتوحيدنا وصفاتنا وقدرتنا على الإنعام والانتقام، لعلكم تتفطنون منها إلى علو شأننا وكمال سطوتنا وسلطاننا، مع أن أكثركم لا تتفطنون ولا تتنبهون؛ لانهماككم في بحر الغفلة والضلالة، {وَٱللَّهُ} الهادي لعباده {يَهْدِي} بفضله {مَن يَشَآءُ} هدايته منهم {إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [النور: 46] موصلٍ إلى كعبة توحيده بلا عوج وانحراف. {وَ} من انحراف المنافقين، وانصرافهم عن طريق الحق، وميلهم إلى الباطل {يَِقُولُونَ} بأفواههم خوفاً من حقن دمائهم وأموالهم: {آمَنَّا بِٱللَّهِ} المتوحّد في ذاته {وَبِٱلرَّسُولِ} المرسل من عنده لتبليغ دينه وآياته، {وَأَطَعْنَا} لحكم الله ورسوله سمعاً وطاعة {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ} أي: يعرض وينصرف {فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} أي: من المنافقين {مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} الإقرار عن حكم الله ورسوله تكذيباً لنفسه، وإظهاراً لما في قلبه من الكفر والنفاق {وَ} لذلك {مَآ أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المردودون {بِٱلْمُؤْمِنِينَ} [النور: 47] المتصفين بالإيمان والإذعان حقيقةً، وإن أقروا واعترفوا على طرف اللسان؛ لأن الإيمان من صفات القلب واللسانُ مترجمُ له. {وَ} كيف كانوا مؤمنين أولئك المنافقون مع أنهمن {إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ} المصلح لأحوال عباده {وَرَسُولِهِ} المستخلفِ منه سبحانه النائبِ عنه بإذنه {لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} ويقطع نزاعهم {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ} [النور: 48] أي: فأجاءوا إلى الانصراف عن حكم الله وحكم رسوله بعدما دُعوا إلى رسوله إن كان الحكم عليهم. {وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ} والحكم {يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ} أي: إلى الرسول {مُذْعِنِينَ} [النور: 49] منقادين طائعين، وبالجملة: هم تابعون لمطلوبهم، وما هو مقصودهم، طالبون أن يصلوا إلى ما أَمِلوا في نفوسهم، بلا ميلٍ منهم إلى الحق وصراطه المستقيم وميزانه العدل القويم. وما سبب ميلهم وإعراضهم؟! {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} يعرضهم عن قبول الإيمان، والميل إلى اليقين والعرفان {أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ} وترددوا في عدالة الله ورسوله {أَمْ يَخَافُونَ} من سوء ظنونهم {أَن يَحِيفَ} ويميل {ٱللَّهُ} المستوي على القسط والعدل {عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} المتخلقُ بأخلاقه ظلماً، بأن أجازوا الظلم على الله ورسوله {بَلْ} الحق أنه لا شكل في عدالة الله ورسله، ولا يُنسب الحيف والميل إليهما أصلاً، فتعين أنه {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء عن ساحة القبول {هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} [النور: 50] المقصورون على الخروج عن حد الاعتدال، المائلون عن الصراط المستقيم لمرض قلوبهم وخبثِ طينتهم. ثم قال سبحانه على مقتضى سنته المستمرة: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} المخلصين على عكس المنافقين والمترددين {إِذَا دُعُوۤاْ} عند النزاع والمخاصمة {إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} ويزيل شبههم {أَن يَقُولُواْ} طائعين راغبين: {سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} بلا مطلٍ وتسويفٍ، رضينا بما حكمنا الله ورسوله {وَأُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون عند الله ورسوله {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} [النور: 51] الفائزون بالفلاح، المقصورون على الصلاح والنجاح، ولا يتحولون عنه بل يزادون عليه تفضلاً وامتناناً. {وَ} كيف لا يزادون؛ إذ {مَن يُطِعِ ٱللَّهَ} حق إطاعته وينقاد {وَرَسُولَهُ} حق الانقياد والاتِّباع {وَيَخْشَ ٱللَّهَ} المنتقمَ فيما صدر عنه، ومضى عليه من الذنوب بعدما تاب وندم {وَيَتَّقْهِ} عنه سبحانه فيما بقي من عمره {فَأُوْلَـٰئِكَ} المطيعون المنقادون بالله ورسوله، الخاشعون المخبتون المتقون {هُمُ} المتقون {ٱلْفَآئِزُون} [النور: 52] بالمثوبة العظمى والدرجة العليا عند الله {أية : لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}تفسير : [يونس: 62].
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: لقد رحمنا عبادنا، وأنزلنا إليهم آيات بينات، أي: واضحات الدلالة، على جميع المقاصد الشرعية، والآداب المحمودة، والمعارف الرشيدة، فاتضحت بذلك السبل، وتبين الرشد من الغي، والهدى من الضلال، فلم يبق أدنى شبهة لمبطل يتعلق بها، ولا أدنى إشكال لمريد الصواب، لأنها تنزيل من كمل علمه، وكملت رحمته، وكمل بيانه، فليس بعد بيانه بيان {أية : لِيَهْلِكَ } تفسير : بعد ذلك {أية : مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } تفسير : { وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ } ممن سبقت لهم سابقة الحسنى، وقدم الصدق، { إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } أي: طريق واضح مختصر، موصل إليه، وإلى دار كرامته، متضمن العلم بالحق وإيثاره والعمل به. عمم البيان التام لجميع الخلق، وخصص بالهداية من يشاء، فهذا فضله وإحسانه، وما فضل الكريم بممنون وذاك عدله، وقطع الحجة للمحتج، والله أعلم حيث يجعل مواقع إحسانه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):