٢٤ - ٱلنُّور
24 - An-Nour (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
47
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أنه سبحانه لما ذكر دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالدين بألسنتهم ولكنهم لم يقبلوه بقلوبهم وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال مقاتل: نزلت هذه الآية في بشر المنافق وكان قد خاصم يهودياً في أرض وكان اليهودي يجره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما، وجعل المنافق يجره إلى كعب بن الأشرف، ويقول إن محمداً يحيف علينا وقد مضت قصتهما في سورة النساء، وقال الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض فتقاسما فوقع إلى علي منها ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة، فقال المغيرة بعني أرضك فباعها إياه وتقابضا فقيل للمغيرة أخذت سبخة لا ينالها الماء. فقال لعلي اقبض أرضك فإنما اشتريتها إن رضيتها ولم أرضها فلا ينالها الماء فقال علي بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها وعرفت حالها لا أقبلها منك، ودعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المغيرة أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف علي فنزلت هذه الآية، وقال الحسن نزلت هذه الآية في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر. المسألة الثانية: قوله: {وَيِقُولُونَ امَنَّا } إلى قوله: {وَمَا أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } يدل على أن الإيمان لا يكون بالقول إذ لو كان به لما صح أن ينفي كونهم مؤمنين. وقد فعلوا ما هو إيمان في الحقيقة، فإن قيل إنه تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون آمنا، ثم حكى عن فريق منهم التولي فكيف يصح أن يقول في جميعهم {وَمَا أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } مع أن الذي تولى منهم هو البعض؟ قلنا إن قوله: {وَمَا أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } راجع إلى الذين تولوا لا إلى الجملة الأولى، وأيضاً فلو رجع إلى الأول يصح ويكون معنى قوله: {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } أي يرجع هذا الفريق إلى الباقين منهم فيظهر بعضهم لبعض الرجوع عما أظهروه، ثم بين سبحانه أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وهذا ترك للرضا بحكم الرسول، ونبه بقوله تعالى: {وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ } على أنهم إنما يعرضون متى عرفوا الحق لغيرهم أوشكوا فأما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا عن الإعراض بل سارعوا إلى الحكم وأذعنوا ببذل الرضا، وفي ذلك دلالة على أنه ليس بهم اتباع الحق، وإنما يريدون النفع المعجل، وذلك أيضاً نفاق. أما قوله تعالى: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُواْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ } ففيه سؤالات: السؤال الأول: كلمة (أم) للاستفهام وهو غير جائز على الله تعالى والجواب: اللفظ استفهام ومعناه الخبر كما قال جرير: شعر : ألستم خير من ركب المطايا (وأندى العالمين بطون راح) تفسير : السؤال الثاني: أنهم لو خافوا أن يحيف الله عليهم فقد ارتابوا في الدين وإذ ارتابوا ففي قلوبهم مرض، فالكل واحد، فأي فائدة في التعديد؟ الجواب: قوله: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } إشارة إلى النفاق وقوله: {أَمِ ٱرْتَابُواْ } إشارة إلى أنه حدث هذا الشك والريب بعد تقرير الإسلام في القلب، وقوله: {أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ } إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا إلى حيث يتركون الدين بسببه. السؤال الثالث: هب أن هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة فكيف أدخل عليها كلمة (أم)؟ الجواب: الأقرب أنه تعالى ذمهم على كل واحد من هذه الأوصاف فكان في قلوبهم مرض وهو النفاق، وكان فيها شك وارتياب، وكانوا يخافون الحيف من الرسول عليه الصلاة والسلام وكل واحد من ذلك كفر ونفاق، ثم بين تعالى بقوله: {بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } بطلان ما هم عليه لأن الظلم يتناول كل معصية كما قال تعالى: { أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] إذ المرء لا يخلو من أن يكون ظالماً لنفسه أو ظالماً لغيره، ويمكن أن يقال أيضاً لما ذكر تعالى في الأقسام كونهم خائفين من الحيف، أبطل ذلك بقوله: {بَلْ أُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } أي لا يخافون أن يحيف الرسول عليه الصلاة والسلام عليهم لمعرفتهم بأمانته وصيانته وإنما هم ظالمون يريدون أن يظلموا من له الحق عليهم وهم له جحود، وذلك شيء لا يستطيعونه في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يأبون المحاكمة إليه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ} يعني المنافقين، يقولون بألسنتهم آمنا بالله وبالرسول من غير يقين ولا إخلاص. {وَأَطَعْنَا} أي ويقولون، وكذبوا. {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ}.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن صفات المنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، يقولون قولاً بألسنتهم: {آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي: يخالفون أقوالهم بأعمالهم، فيقولون ما لا يفعلون، ولهذا قال تعالى: {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ}. وقوله تعالى: {وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} الآية، أي: إذا طلبوا إلى اتباع الهدىٰ فيما أنزل الله على رسوله، أعرضوا عنه، واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه، وهذه كقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً} تفسير : [النساء: 60 ــــ 61]. وفي الطبراني من حديث روح بن عطاء عن أبي ميمونة عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعاً: «حديث : من دعي إلى سلطان، فلم يجب، فهو ظالم لا حق له».تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} أي: وإذا كانت الحكومة لهم لا عليهم، جاؤوا سامعين مطيعين، وهو معنى قوله: {مُذْعِنِينَ} وإذا كانت الحكومة عليه، أعرض ودعا إلى غير الحق، وأحب أن يتحاكم إلى غير النبي صلى الله عليه وسلم ليروج باطله ثَمَّ. فإذعانه أولاً لم يكن عن اعتقاد منه أن ذلك هو الحق، بل لأنه موافق لهواه، ولهذا لما خالف الحق قصده، عدل عنه إلى غيره، ولهذا قال تعالى: {أَفِى قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} الآية، يعني: لا يخرج أمرهم عن أن يكون في القلوب مرض لازم لها، أو قد عرض لها شك في الدين، أو يخافون أن يجور الله ورسوله عليهم في الحكم، وأيا ما كان، فهو كفر محض، والله عليم بكل منهم، وما هو منطو عليه من هذه الصفات. وقوله تعالى: {بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ} أي: بل هم الظالمون الفاجرون، والله ورسوله مبرآن مما يظنون ويتوهمون من الحيف والجور، تعالى الله ورسوله عن ذلك. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا مبارك، حدثنا الحسن قال: كان الرجل إذا كان بينه وبين الرجل منازعة، فدعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محق، أذعن، وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سيقضي له بالحق، وإذا أراد أن يظلم، فدعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أعرض وقال: انطلق إلى فلان، فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من كان بينه وبين أخيه شيء، فدعي إلى حكم من حكام المسلمين، فأبى أن يجيب، فهو ظالم لا حق له» تفسير : وهذا حديث غريب، وهو مرسل. ثم أخبر تعالى عن صفة المؤمنين المستجيبين لله ولرسوله، الذين لا يبغون ديناً سوى كتاب الله وسنة رسوله، فقال: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي: سمعاً وطاعة. ولهذا وصفهم تعالى بالفلاح، وهو نيل المطلوب والسلامة من المرهوب، فقال تعالى: {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} وقال قتادة في هذه الآية: {أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} ذكر لنا أن عبادة بن الصامت، وكان عقبياً بدرياً أحد نقباء الأنصار: أنه لما حضره الموت، قال لابن أخيه جنادة بن أبي أمية: ألا أنبئك بماذا عليك وماذا لك؟ قال: بلى، قال: فإن عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك، وعليك أن تقيم لسانك بالعدل، وأن لا تنازع الأمر أهله، إلا أن يأمروك بمعصية الله بواحاً، فما أمرت به من شيء يخالف كتاب الله، فاتبع كتاب الله. وقال قتادة: ذكر لنا أن أبا الدرداء قال: لا إسلام إلا بطاعة الله، ولا خير إلا في جماعة، والنصيحة لله ولرسوله وللخليفة وللمؤمنين عامة، قال: وقد ذكر لنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: عروة الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والطاعة لمن ولاه الله أمر المسلمين، رواه ابن أبي حاتم، والأحاديث والآثار في وجوب الطاعة لكتاب الله وسنة رسوله وللخلفاء الراشدين والأئمة إذا أمروا بطاعة الله كثيرة جداً أكثر من أن تحصر في هذا المكان. وقوله: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي: فيما أمراه به، وترك ما نهياه عنه، {وَيَخْشَ ٱللَّهَ} فيما مضى من ذنوبه، {وَيَتَّقْهِ} فيما يستقبل. وقوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُون} يعني: الذين فازوا بكل خير، وأمنوا من كل شر في الدنيا والآخرة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَقُولُونَ } أي المنافقون {ءَامَنَّا } صدّقنا {بِٱللَّهِ } بتوحيده {وَبِٱلرَّسُولِ } محمد {وَأَطَعْنَا } هما فيما حكما به {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ } يُعرض {فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ } عنه {وَمَا أُوْلَٰئِكَ } المعرضون {بِٱلْمُؤْمِنِينَ } المعهودين الموافق قلوبهم لألسنتهم.
الشوكاني
تفسير : شرع سبحانه في بيان أحوال من لم تحصل له الهداية إلى الصراط المستقيم، فقال: {وَيِقُولُونَ امَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا } وهؤلاء هم المنافقون الذين يظهرون الإيمان، ويبطنون الكفر، ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فإنهم كما حكى الله عنهم هاهنا ينسبون إلى أنفسهم الإيمان بالله، وبالرسول والطاعة لله ولرسوله نسبة بمجرد اللسان، لا عن اعتقاد صحيح، ولهذا قال: {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مّنْهُمْ } أي: من هؤلاء المنافقين القائلين هذه المقالة {مِن بَعْدِ ذٰلِكَ } أي: من بعد ما صدر عنهم ما نسبوه إلى أنفسهم من دعوى الإيمان، والطاعة، ثم حكم عليهم سبحانه وتعالى بعدم الإيمان، فقال: {وَمَا أُوْلَـئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ } أي: ما أولئك القائلون هذه المقالة بالمؤمنين على الحقيقة، فيشمل الحكم بنفي الإيمان جميع القائلين، ويندرج تحتهم من تولى اندراجاً أوّلياً. وقيل: إن الإشارة بقوله {أُوْلَـٰئِكَ } راجع إلى من تولى، والأوّل أولى. والكلام مشتمل على حكمين: الحكم الأوّل: على بعضهم بالتولي، والحكم الثاني: على جميعهم بعدم الإيمان. وقيل: أراد بمن تولى: من تولى عن قبول حكمه صلى الله عليه وسلم، وقيل: أراد بذلك رؤساء المنافقين، وقيل: أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين، ولا ينافي ما تحتمله هذه الآية باعتبار لفظها وورودها على سبب خاص، كما سيأتي بيانه. ثم وصف هؤلاء المنافقين بأن فريقاً منهم يعرضون عن إجابة الدعوة إلى الله، وإلى رسوله في خصوماتهم، فقال: {وَإِذَا دُعُواْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } أي: ليحكم الرسول بينهم، فالضمير راجع إليه؛ لأنه المباشر للحكم، وإن كان الحكم في الحقيقة لله سبحانه، ومثل ذلك قوله تعالى: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } تفسير : [التوبة: 62]. و«إذا» في قوله {إِذَا فَرِيقٌ مّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ } هي الفجائية أي: فاجأ فريق منهم الإعراض عن المحاكمة إلى الله والرسول، ثم ذكر سبحانه: أن إعراضهم إنما هو إذا كان الحقّ عليهم، وأما إذا كان لهم فإنهم يذعنون لعلمهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحكم إلاّ بالحق فقال {وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُواْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ } قال الزجاج: الإذعان الإسراع مع الطاعة، يقال: أذعن لي بحقي أي: طاوعني لما كنت ألتمس منه، وصار يسرع إليه، وبه قال مجاهد. وقال الأخفش، وابن الأعرابي: مذعنين مقرّين. وقال النقاش: مذعنين: خاضعين. ثم قسم الأمر في إعراضهم عن حكومته إذا كان الحقّ عليهم، فقال: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ }، وهذه الهمزة للتوبيخ، والتقريع لهم، والمرض النفاق أي: أكان هذا الإعراض منهم بسبب النفاق الكائن في قلوبهم {أَمِ ٱرْتَابُواْ }، وشكوا في أمر نبوّته صلى الله عليه وسلم، وعدله في الحكم {أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ }، والحيف: الميل في الحكم؛ يقال: حاف في قضيته أي: جار فيما حكم به، ثم أضرب عن هذه الأمور التي صدّرها بالاستفهام الإنكاري، فقال {بَلْ أُوْلَـٰئِك هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } أي: ليس ذلك لشيء مما ذكر، بل لظلمهم، وعنادهم؛ فإنه لو كان الإعراض لشيء مما ذكر لما أتوا إليه مذعنين إذا كان الحق لهم، وفي هذه الآية دليل على وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله العادل في حكمه؛ لأن العلماء ورثة الأنبياء، والحكم من قضاة الإسلام العالمين بحكم الله العارفين بالكتاب، والسنة، العادلين في القضاء. هو: حكم بحكم الله، وحكم رسوله، فالداعي إلى التحاكم إليهم قد دعا إلى الله، وإلى رسوله أي: إلى حكمهما. قال ابن خويز منداد: واجب على كل من دعي إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يعلم أن الحاكم فاسق. قال القرطبي: في هذه الآية دليل على وجوب إجابة الداعي إلى الحاكم، لأن الله سبحانه ذمّ من دعي إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه بأقبح الذمّ، فقال {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ } الآية. انتهى. فإن كان القاضي مقصراً لا يعلم بأحكام الكتاب، والسنة، ولا يعقل حجج الله، ومعاني كلامه، وكلام رسوله، بل كان جاهلاً جهلاً بسيطاً، وهو من لا علم له بشيء من ذلك، أو جهلاً مركباً، وهو: من لا علم عنده بما ذكرنا، ولكنه قد عرف بعض اجتهادات المجتهدين، واطلع على شيء من علم الرأي، فهذا في الحقيقة جاهل، وإن اعتقد أنه يعلم بشيء من العلم، فاعتقاده باطل؛ فمن كان من القضاة هكذا، فلا تجب الإجابة إليه؛ لأنه ليس ممن يعلم بحكم الله ورسوله حتى يحكم به بين المتخاصمين إليه، بل هو من قضاة الطاغوت، وحكام الباطل، فإنّ ما عرفه من علم الرأي إنما رخص في العمل به للمجتهد الذي هو منسوب إليه عند عدم الدليل من الكتاب، والسنة، ولم يرخص فيه لغيره ممن يأتي بعده. وإذا تقرّر لديك هذا، وفهمته حق فهمه علمت: أن التقليد، والإنتساب إلى عالم من العلماء دون غيره، والتقيد بجميع ما جاء به من رواية ورأي، وإهمال ما عداه من أعظم ما حدث في هذه الملة الإسلامية من البدع المضلة، والفواقر الموحشة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد أوضحنا هذا في مؤلفنا الذي سميناه: "القول المفيد في حكم التقليد" وفي مؤلفنا الذي سميناه: "أدب الطلب ومنتهى الأرب" فمن أراد أن يقف على حقيقة هذه البدعة التي طبقت الأقطار الإسلامية، فليرجع إليهما. ثم لما ذكر ما كان عليه أهل النفاق أتبع بما يجب على المؤمنين أن يفعلوه إذا دعوا إلى حكم الله، ورسوله، فقال {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُواْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } قرأ الجمهور بنصب: {قول} على أنه خبر كان واسمها {أن يقولوا}. وقرأ عليّ والحسن وابن أبي إسحاق برفع: "قول" على أنه الاسم، وأن المصدرية، وما في حيزها الخبر، وقد رجحت القراءة الأولى بما تقرّر عند النحاة من أنه إذا اجتمع معرفتان، وكانت إحداهما أعرف جعلت التي هي أعرف اسماً. وأما سيبويه فقد خير بين كلّ معرفتين، ولم يفرق هذه التفرقة، وقد قدّمنا الكلام على الدعوة إلى الله، ورسوله للحكم بين المتخاصمين، وذكرنا من تجب الإجابة إليه من القضاة، ومن لا تجب {أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } أي: أن يقولوا هذا القول لا قولاً آخر، وهذا، وإن كان على طريقة الخبر، فليس المراد به ذلك، بل المراد به تعليم الأدب الشرعي عند هذه الدعوة من أحد المتخاصمين للآخر. والمعنى: أنه ينبغي للمؤمنين أن يكونوا هكذا بحيث إذا سمعوا الدعاء المذكور قابلوه بالطاعة، والإذعان. قال مقاتل، وغيره: يقولون سمعنا قول النبي صلى الله عليه وسلم، وأطعنا أمره، وإن كان ذلك فيما يكرهونه، ويضرّهم، ثم أثنى سبحانه عليهم بقوله: {أُوْلَـٰئِك} أي: المؤمنون الذين قالوا هذا القول {هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ } أي: الفائزون بخير الدنيا والآخرة. ثم أردف الثناء عليهم بثناء آخر فقال: {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُون } وهذه الجملة مقرّرة لما قبلها من حسن حال المؤمنين، وترغيب من عداهم إلى الدخول في عدادهم، والمتابعة لهم في طاعة الله ورسوله، والخشية من الله عزّ وجلّ، والتقوى له. قرأ حفص {ويتقه} بإسكان القاف على نية الجزم. وقرأ الباقون بكسرها، لأن جزم هذا الفعل بحذف آخره، وأسكن الهاء أبو عمرو وأبو بكر واختلس الكسرة يعقوب وقالون عن نافع والمثنى عن أبي عمرو وحفص وأشبع كسرة الهاء الباقون. قال ابن الأنباري: وقراءة حفص هي على لغة من قال: لم أر زيداً، ولم أشتر طعاماً، يسقطون الياء للجزم، ثم يسكنون الحرف الذي قبلها، ومنه قول الشاعر:شعر : قالت سليمى اشتر لنا دقيقاً تفسير : وقول الآخر:شعر : عجبت لمولود وليس له أب وذي ولد لم يلده أبوان تفسير : وأصله يلد بكسر اللام، وسكون الدال للجزم، فلما سكن اللام التقى ساكنان، فلو حرك الأوّل لرجع إلى ما وقع الفرار منه، فحرك ثانيهما، وهو: الدال. ويمكن أن يقال: إنه حرك الأوّل على أصل التقاء الساكنين، وبقي السكون على الدال لبيان ما عليه أهل هذه اللغة، ولا يضرّ الرجوع إلى ما وقع الفرار منه، فهذه الحركة غير تلك الحركة، والإشارة بقوله: {فَأُوْلَـئِكَ هُمُ ٱلْفَائِزُون } إلى الموصوفين بما ذكر من الطاعة، والخشية، والتقوى أي: هم الفائزون بالنعيم الدنيوي والأخروي لا من عداهم. ثم حكى سبحانه عن المنافقين أنهم لما كرهوا حكمه أقسموا بأنه لو أمرهم بالخروج إلى الغزو لخرجوا، فقال: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ } أي: لئن أمرتهم بالخروج إلى الجهاد ليخرجن، و{جهد أيمانهم} منتصب على أنه مصدر مؤكد للفعل المحذوف الناصب له أي: أقسموا بالله يجهدون أيمانهم جهداً. ومعنى {جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ }: طاقة ما قدروا أن يحلفوا، مأخوذ من قولهم: جهد نفسه: إذا بلغ طاقتها، وأقصى وسعها. وقيل: هو منتصب على الحال والتقدير: مجتهدين في أيمانهم، كقولهم: افعل ذلك جهدك، وطاقتك، وقد خلط الزمخشري الوجهين، فجعلهما واحداً. وجواب القسم قوله: {لَيُخْرِجَنَّ } ولما كانت مقالتهم هذه كاذبة، وأيمانهم فاجرة ردّ الله عليهم، فقال {قُل لاَّ تُقْسِمُواْ } أي: ردّ عليهم زاجراً لهم، وقل لهم: لا تقسموا أي: لا تحلفوا على ما تزعمونه من الطاعة، والخروج إلى الجهاد إن أمرتم به، وهاهنا تمّ الكلام. ثم ابتدأ، فقال: {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ }، وارتفاع طاعة على أنها خبر مبتدأ محذوف أي: طاعتهم طاعة معروفة بأنها طاعة نفاقية لم تكن عن اعتقاد، ويجوز أن تكون طاعة مبتدأ، لأنها قد خصصت بالصفة، ويكون الخبر مقدّراً أي: طاعة معروفة أولى بكم من أيمانكم، ويجوز أن ترتفع بفعل محذوف أي: لتكن منكم طاعة، أو لتوجد، وفي هذا ضعف لأن الفعل لا يحذف إلاّ إذا تقدّم ما يشعر به. وقرأ زيد بن عليّ، والترمذي "طاعة" بالنصب على المصدر لفعل محذوف أي: أطيعوا طاعة {إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } من الأعمال، وما تضمرونه من المخالفة لما تنطق به ألسنتكم، وهذه الجملة تعليل لما قبلها من كون طاعتهم طاعة نفاق. ثم أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم: أن يأمرهم بطاعة الله ورسوله، فقال: {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ } طاعة ظاهرة، وباطنة بخلوص اعتقاد، وصحة نية، وهذا التكرير منه تعالى لتأكيد وجوب الطاعة عليهم، فإن قوله: {قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } في حكم الأمر بالطاعة، وقيل: إنهما مختلفان، فالأوّل نهي بطريق الردّ، والتوبيخ، والثاني أمر بطريق التكليف لهم، والإيجاب عليهم {فَإِن تَوَلَّوْاْ } خطاب للمأمورين، وأصله: فإن تتولوا، فحذف إحدى التاءين تخفيفاً، وفيه رجوع من الخطاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخطاب لهم لتأكيد الأمر عليهم، والمبالغة في العناية بهدايتهم إلى الطاعة، والانقياد، وجواب الشرط قوله: {فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ } أي: فاعلموا أنما على النبي صلى الله عليه وسلم ما حمل مما أمر به من التبليغ، وقد فعل، وعليكم ما حملتم أي: ما أمرتم به من الطاعة، وهو وعيد لهم، كأنه قال لهم: فإن توليتم، فقد صرتم حاملين للحمل الثقيل {وَإِن تُطِيعُوهُ } فيما أمركم به، ونهاكم عنه {تَهْتَدُواْ } إلى الحق، وترشدوا إلى الخير، وتفوزوا بالأجر، وجملة: {وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلاَّ ٱلْبَلَـٰغُ ٱلْمُبِينُ } مقرّرة لما قبلها، واللام إما للعهد، فيراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وسلم، وإما للجنس، فيراد كل رسول، والبلاغ المبين: التبليغ الواضح، أو الموضح. قيل: يجوز أن يكون قوله: {فَإِن تَوَلَّوْاْ } ماضياً، وتكون الواو لضمير الغائبين، وتكون هذه الجملة الشرطية مما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم، ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة، والأوّل أرجح. ويؤيده الخطاب في قوله {وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمّلْتُمْ }، وفي قوله {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواْ }، ويؤيده أيضاً قراءة البزي "فإن تولوا" بتشديد التاء، وإن كانت ضعيفة لما فيها من الجمع بين ساكنين. {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } هذه الجملة مقرّرة لما قبلها من أن طاعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم سبب لهدايتهم، وهذا وعد من الله سبحانه لمن آمن بالله وعمل الأعمال الصالحات بالاستخلاف لهم في الأرض لما استخلف الذين من قبلهم من الأمم، وهو وعد يعم جميع الأمة. وقيل: هو خاص بالصحابة، ولا وجه لذلك، فإن الإيمان وعمل الصالحات لا يختص بهم، بل يمكن وقوع ذلك من كل واحد من هذه الأمة، ومن عمل بكتاب الله وسنة رسوله، فقد أطاع الله ورسوله، واللام في {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ } جواب لقسم محذوف، أو جواب للوعد بتنزيله منزلة القسم، لأنه ناجز لا محالة، ومعنى {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي ٱلأَرْضِ }: ليجعلنهم فيها خلفاء يتصرفون فيها تصرف الملوك في مملوكاتهم، وقد أبعد من قال: إنها مختصة بالخلفاء الأربعة، أو بالمهاجرين، أو بأن المراد بالأرض أرض مكة، وقد عرفت أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وظاهر قوله: {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } كل من استخلفه الله في أرضه، فلا يخصّ ذلك ببني إسرائيل ولا أمة من الأمم دون غيرها. قرأ الجمهور {كَمَا ٱسْتَخْلَفَ } بفتح الفوقية على البناء للفاعل. وقرأ عيسىٰ بن عمر، وأبو بكر، والمفضل، عن عاصم بضمها على البناء للمفعول، ومحل الكاف النصب على المصدرية أي: استخلافاً كما استخلف، وجملة {وَلَيُمَكّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرْتَضَىٰ لَهُمْ } معطوفة على ليستخلفنهم داخلة تحت حكمه كائنة من جملة الجواب، والمراد بالتمكين هنا: التثبيت، والتقرير أي: يجعله الله ثابتاً مقرّراً،ويوسع لهم في البلاد، ويظهر دينهم على جميع الأديان، والمراد بالدين هنا: الإسلام، كما في قوله: {أية : وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلإسْلاَمَ دِيناً } تفسير : [المائدة: 3]. ذكر سبحانه وتعالى الاستخلاف لهم أوّلاً، وهو جعلهم ملوكاً، وذكر التمكين ثانياً، فأفاد ذلك أن هذا الملك ليس على وجه العروض، والطروّ، بل على وجه الاستقرار والثبات، بحيث يكون الملك لهم، ولعقبهم من بعدهم. وجملة {وَلَيُبَدّلَنَّهُمْ مّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً } معطوفة على التي قبلها. قرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب وأبو بكر: "ليبدلنهم" بالتخفيف من أبدل، وهي قراءة الحسن، واختارها أبو حاتم. وقرأ الباقون بالتشديد من بدّل، واختارها أبو عبيد، وهما لغتان، وزيادة البناء تدلّ على زيادة المعنى، فقراءة التشديد أرجح من قراءة التخفيف. قال النحاس: وزعم أحمد بن يحيـىٰ ثعلب أن بين التخفيف والتثقيل فرقاً، وأنه يقال: بدّلته أي: غيرته، وأبدلته: أزلته، وجعلت غيره. قال النحاس، وهذا القول صحيح. والمعنى: أنه سبحانه يجعل لهم مكان ما كانوا فيه من الخوف من الأعداء أمناً، ويذهب عنهم أسباب الخوف الذي كانوا فيه بحيث لا يخشون إلاّ الله سبحانه، ولا يرجون غيره. وقد كان المسلمون قبل الهجرة، وبعدها بقليل في خوف شديد من المشركين، لا يخرجون إلاّ في السلاح، ولا يمسون ويصبحون إلاّ على ترقب لنزول المضرّة بهم من الكفار، ثم صاروا في غاية الأمن، والدعة، وأذلّ الله لهم شياطين المشركين، وفتح عليهم البلاد، ومهد لهم في الأرض، ومكنهم منها، فلله الحمد، وجملة {يَعْبُدُونَنِي } في محل نصب على الحال، ويجوز أن تكون مستأنفة مسوقة للثناء عليهم، وجملة {لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً } في محل نصب على الحال من فاعل يعبدونني أي: يعبدونني، غير مشركين بي في العبادة شيئاً من الأشياء، وقيل: معناه لا يراؤون بعبادتي أحداً، وقيل: معناه لا يخافون غيري، وقيل: معناه لا يحبون غيري {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ } أي: من كفر هذه النعم بعد ذلك الوعد الصحيح، أو من استمرّ على الكفر، أو من كفر بعد إيمان، فأولئك الكافرون، هم الفاسقون؛ أي: الكاملون في الفسق. وهو الخروج عن الطاعة، والطغيان في الكفر. وجملة {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلاَة} معطوفة على مقدّر يدلّ عليه ما تقدّم، كأنه قيل لهم: فآمنوا، واعملوا صالحاً، وأقيموا الصلاة، وقيل: معطوف على {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ }، وقيل التقدير: فلا تكفروا، وأقيموا الصلاة. وقد تقدّم الكلام على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وكرّر الأمر بطاعة الرسول للتأكيد، وخصه بالطاعة، لأن طاعته طاعة لله، ولم يذكر ما يطيعونه فيه لقصد التعميم كما يشعر به الحذف على ما تقرّر في علم المعاني من أن مثل هذا الحذف مشعر بالتعميم {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } أي: افعلوا ما ذكر من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الرسول راجين أن يرحمكم الله سبحانه {لا تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعْجِزِينَ فِى ٱلأَرْضِ } قرأ ابن عامر، وحمزة، وأبو حيوة "لا يحسبنّ" بالتحتية بمعنى: لا تحسبنّ الذين كفروا، وقرأ الباقون بالفوقية أي: لا تحسبنّ يا محمد، والموصول المفعول الأوّل، ومعجزين الثاني، لأن الحسبان يتعدّى إلى مفعولين، قاله الزجاج والفرّاء وأبو علي. وأما على القراءة الأولى، فيكون المفعول الأوّل محذوفاً أي: لا يحسبنّ الذين كفروا أنفسهم. قال النحاس: وما علمت أحداً بصرياً ولا كوفياً إلاّ وهو يخطّىء قراءة حمزة، و{معجزين} معناه: فائتين. وقد تقدّم تفسيره، وتفسير ما بعده. وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ } الآية قال: أناس من المنافقين أظهروا الإيمان، وهم في ذلك يصدّون عن سبيل الله وطاعته، وجهاد مع رسوله صلى الله عليه وسلم. وأخرجوا أيضاً عن الحسن قال: إن الرجل كان يكون بينه، وبين الرجل خصومة، أو منازعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا دعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو محقّ أذعن، وعلم أن النبي سيقضي له بالحقّ، وإذا أراد أن يظلم فدعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أعرض، وقال: أنطلق إلى فلان، فأنزل الله سبحانه: {وَإِذَا دُعُواْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ } إلى قوله: {هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ } فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من كان بينه وبين أخيه شيء، فدعاه إلى حكم من حكام المسلمين، فلم يجب، فهو ظالم لا حقّ له»تفسير : . قال ابن كثير بعد أن ساق هذا المتن ما لفظه: وهذا حديث غريب، وهو مرسل. وقال ابن العربي: هذا حديث باطل، فأما قوله: فهو ظالم، فكلام صحيح. وأما قوله: فلا حق له، فلا يصح. ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق. انتهى. وأقول: أما كون الحديث مرسلاً، فظاهر. وأما دعوى كونه باطلاً، فمحتاجة إلى برهان، فقد أخرجه ثلاثة من أئمة الحديث عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم كما ذكرنا، ويبعد كل البعد أن ينفق عليهم ما هو باطل، وإسناده عند ابن أبي حاتم هكذا: قال ابن أبي حاتم: حدّثنا أبيّ حدّثنا موسى بن إسماعيل حدّثنا مبارك حدّثنا الحسن فذكره. وليس في هؤلاء كذاب ولا وضاع. ويشهد له ما أخرجه الطبراني عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : من دعي إلى سلطان فلم يجب فهو ظالم لا حقّ له»تفسير : . انتهى. ولا يخفاك أن قضاة العدل، وحكام الشرع الذين هم على الصفة التي قدّمنا لك قريباً هم سلاطين الدين المترجمون عن الكتاب، والسنة، المبينون للناس ما نزل إليهم. وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: أتى قوم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله لو أمرتنا أن نخرج من أموالنا لخرجنا، فأنزل الله {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَـٰنِهِمْ } الآية. وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في الآية قال: ذلك في شأن الجهاد، قال: يأمرهم أن لا يحلفوا على شيء {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } قال: أمرهم أن يكون منهم طاعة معروفة للنبي صلى الله عليه وسلم من غير أن يقسموا. وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد: {طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ } يقول: قد عرفت طاعتهم أي: إنكم تكذبون به. وأخرج مسلم، والترمذي، وغيرهما، عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه قال: قدم زيد بن أسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يأخذون منا الحق، ولا يعطونا؟ قال: «حديث : فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم»تفسير : . وأخرج ابن جرير، وابن قانع، والطبراني عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن سلمة بن يزيد الجعفي قال: قلت: يا رسول... فذكر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن الزبير عن جابر أنه سئل: إن كان عليّ إمام فاجر، فلقيت معه أهل ضلالة أقاتل أم لا؟ قال: "حديث : قاتل أهل الضلالة أينما وجدتهم، وعلى الإمام ما حمل وعليكم ما حملتم".تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن البراء في قوله {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ } الآية. قال: فينا نزلت، ونحن في خوف شديد. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأصحابه بمكة نحواً من عشر سنين يدعون إلى الله وحده، وعبادته وحده لا شريك له سرًّا، وهم خائفون لا يؤمرون بالقتال، حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة، فقدموا المدينة، فأمرهم الله بالقتال، وكانوا بها خائفين يمسون في السلاح، ويصبحون في السلاح، فغبروا بذلك ما شاء الله، ثم إن رجلاً من أصحابه قال: يا رسول الله أبد الدهر نحن خائفون هكذا؟ ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ونضع فيه السلاح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : لن تغبروا إلاّ يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليست فيهم حديدة»تفسير : ، فأنزل الله: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى ٱلأَرْضِ } إلى آخر الآية، فأظهر الله نبيه صلى الله عليه وسلم على جزيرة العرب، فأمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن الله قبض نبيه، فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان حتى وقعوا فيما وقعوا وكفروا النعمة، فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفع عنهم، وٱتخذوا الحجر والشرط وغيروا فغير ما بهم. وأخرج ابن المنذر والطبراني في الأوسط والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل والضياء في المختارة عن أبيّ بن كعب. قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحد، فكانوا لا يبيتون إلاّ في السلاح، ولا يصبحون إلاّ فيه، فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلاّ الله، فنزلت: {وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } الآية. وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس: {يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً } قال: لا يخافون أحداً غيري. وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد مثله، قال: {وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذٰلِكَ فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ}: العاصون. وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية قال: كفر بهذه النعمة، ليس الكفر بالله. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة {مُعْجِزِينَ فِي ٱلأَرْضِ } قال: سابقين في الأرض.
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا دُعُواْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ} هذه الآية نزلت في بشر، رجلٌ من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود خصومة فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ودعاه بشر إلى كعب بن الأشرف لأن الحق إذا كان متوجهاً على المنافق إلى غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسقط عنه، وإذا كان له حاكم إليه ليستوفيه منه فأنزل الله هذه الآية. وقيل: إنها نزلت في المغيرة بن وائل من بني أمية كان بينه وبين علي كرم الله وجهه خصومة في ماء وأرض فامتنع المغيرة أن يحاكم علياً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنه يبغضني، فنزلت هذه الآية. {وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} فيه أربعة أوجه: أحدهما: طائعين، حكاه ابن عيسى. الثاني: خاضعين، حكاه النقاش. الثالث: مسرعين، قاله مجاهد. الرابع: مقرنين، قاله الأخفش وفيها دليل على أن من دعي إلى حاكم فعليه الإِجابة ويحرج إن تأخر. وقد روى أبو الأشهب عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : مَنْ دُعِيَ إِلَى حَاكِمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْ فَهُوَ ظَالِمٌ لاَ حَقَّ لَهُ". تفسير : ثم قال: {أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} فيه قولان: أحدهما: شرك، قاله الحسن. الثاني: نفاق، قاله قتادة. {أَمِ ارْتَابُواْ} أي شكوا ويحتمل وجهين: أحدهما: في عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثاني: في نبوته.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} الآية. لما ذكر دلائل التوحيد أتبعه بذم قوم اعترفوا بالذنب بألسنتهم ولكنهم لم يقبلوه بقلوبهم. قال مقاتل: نزلت هذه الآية في بشر المنافق وكان قد خاصم يهودياً في أرض، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال المنافق: نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فإن محمداً يحيف علينا، فأنزل الله هذه الآية. وقد مضت قصتها في سورة "النساء". وقال الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل، كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض تقاسماها، فوقع إلى عليّ ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة، فقال المغيرة: بعني أرضك. فباعها إياه، وتقابضا. فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء فقال لعلي: اقبض أرضك، فإنما اشتريتها إن رضيتها، ولم أرضها. فقال علي: بل اشتريتها ورضيتها وقبضتها وعرفت حالها، لا أقبلها منك، ودعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال المغيرة: أما محمد فلا آتيه ولا أحاكم إليه، فإنه يبغضني، وأنا خاف أن يحيف علي، فنزلت الآية. وقال الحسن: نزلت هذه في المنافقين الذين كانوا يظهرون الإيمان ويسرون الكفر. فصل المعنى: {وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} يعني: المنافقين يقولونه، "ثُمَّ يَتَوَلَّى" يعرض عن طاعة الله ورسوله {فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي من بعد قولهم: آمَنَّا، ويدعو إلى غير حكم الله، ثم قال: {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ}. فإن قيل: إنه تعالى حكى عن كلهم أنهم يقولون: "آمَنَّا" ثم حكى عن فريق منهم التولي، فكيف يصح أن يقول في جميعهم: {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} مع أن المتولي فريق منهم؟ فالجواب: أن قوله: {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} راجع إلى الذين تولوا لا إلى الجملة الأولى، وأيضاً فلو رجع إلى الأولى لصح، ويكون معنى قوله: {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ} أي: يرجع هذا الفريق إلى الباقين فيظهر بضهم لبعض الرجوع، كما أظهروه، ثم بين تعالى أنهم إذا دُعُوا إلى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُم بَيْنَهُمْ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرضُونَ، وهذا ترك للرضا بحكم الرسول لقوله تعالى: {وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} منقادين لحكمه، أي: إذا كان الحق لهم على غيرهم أسرعوا إلى حكمه لتيقنهم أنه كما يحكم عليهم بالحق يحكم لهم أيضاً بالحق، وهذا يدل على أنهم إنما يعرضون متى عرفوا الحق لغيرهم أو شكوا. فأما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا عن الإعراض وسارعوا إلى الحكم وأذعنوا (ببذل الرضا). قوله: "ليَحْكُم" أفرد الضمير وقد تقدَّمه اسمان وهما: "اللَّهُ ورَسُولُهُ" فهو كقوله: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة: 62] لأنَّ حكم رَسُولِهِ هو حُكْمُهُ. قال الزمخشري: كقولك: أَعْجَبَنِي زَيْدٌ وَكَرَمُهُ، أي: كَرَمُ زَيْدٍ، ومنه: شعر : 3846- وَمَنْهَلٍ مِنَ الفَيَافِي أَوْسَطُهْ غَلَّسْتُهُ قَبْلَ القَطَا وفَرَطُهْ تفسير : أي: قبل فَرطِ (القطا) يعني: قبل تقدَّم القطا. وقرأ أبو جعفر والجحدري وخالد بن إلياس والحسن: "ليُحْكَمَ بَيْنَهُمْ" هنا، والتي بعدها مبنياً للمفعول، والظرف قائم مقام الفاعل. قوله: "إذا فَرِيقٌ" "إذَا" هي الفجائية، وهي جواب "إذَا" الشرطية أولاً وهذا أحد الأدلة على منع أن يعمل في "إذا" الشرطية جوابها، فإن ما بعد الفجائية لا يعمل فيما قبلها، كذا ذكره أبو حيان، وتقدم تحرير هذا وجواب الجمهور عنه. قوله: "إلَيْهِ" يجوز تعلقه بـ "يَأْتوا"، لأنَّ "أَتَى" و"جَاءَ" قد جاءا مُعَدَّيَيْن بـ "إلى"، ويجوز أن يتعلق بـ "مُذْعِنِينَ" لأنه بمعنى: مسرعين في الطاعة. وصححه الزمخشري، قال: لتقدُّم صلته، ولدلالته على الاختصاص، و"مُذْعِنِينَ" حال والإذعان: الانقياد، يقال: أَذْعَنَ فلانٌ لفلان، انقَادَ لَهُ. وقال الزجاج: "الإذْعَانُ: الإسراع مع الطاعة". قوله: {أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ}. "أَمْ" فيهما منقطعة، فتقدر عند الجمهور بحرف الإضراب وهمزة الاستفهام، تقديره: بل أَرْتَابُوا بل أَيَخَافُونَ، ومعنى الاستفهام هنا: التقرير والتوقيف، ويبالغ فيه تارة في الذم كقوله: شعر : 3847- أَلَسْتَ مِنَ القَوْم الَّذِينَ تَعَاهَدُوا عَلَى اللُّؤمِ وَالفَحْشَاءِ في سَالِفِ الدَّهْرِ تفسير : وتارة في المدح كقول جرير: شعر : 3848- أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايا وَأَنْدَى العَالَمِينَ بُطُونَ رَاحِ تفسير : و"أَنْ يَحِيفَ" مفعول الخوف والحوف: الميل والجور في القضاء، يقال: حاف في قضائه، أي: (مال). فصل قوله {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} نفاق "أَم ارْتَابُوا" شكوا، وهو استفهام ذم وتوبيخ، أي هم كذلك، {أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} أي: يظلم {بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}، لأنفسهم بإعراضهم عن الحق. قال الحسن بن أبي الحسن: من دعا خصمه إلى حكم من أحكام المسلمين فلم يجب، فهو ظالم فإن قيل: إذا خافوا أن يحيف الله عليهم ورسوله فقد ارتابوا في الدين، وإذا ارتابوا ففي قلوبهم مرض، فالكل واحد، فأي فائدة في التعديد؟ فالجواب: قوله: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} إشارة إلى النفاق، وقوله: "أَم ارْتَابُوا" إشارة إلى أنهم بلغوا في حب الدنيا إلى حيث يتركون الدين بسببه. فإن قيل: هذه الثلاثة متغايرة ولكنها متلازمة، فكيف أدخل عليها كلمة "أم"؟ فالجواب الأقرب أنه تعالى أنبههم على كل واحدة من هذه الأوصاف، فكان في قلوبهم مرض وهو النفاق، وكان فيها شك وارتياب، وكانوا يخافون الحيف من الرسول، وكل واحد من ذلك كفر ونفاق، ثم بين تعالى بقوله: {بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ} بطلان ما هم عليه، لأن الظلم يتناول كل معصية، كما قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13].
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة {ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} قال: أناس من المنافقين، أظهروا الإِيمان والطاعة، وهم في ذلك يصدون عن سبيل الله، وطاعته، وجهاد مع رسوله. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن قال: إن الرجل كان يكون بينه وبين الرجل خصومة، أو منازعة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا دعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محق أذعن وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سيقضي له بالحق، وإذا أراد أن يظلم فدعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أعرض وقال: انطلق إلى فلان فأنزل الله {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم} إلى قوله {هم الظالمون} فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : من كان بينه وبين أخيه شيء فدعاه إلى حكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم لا حق له ". تفسير : وأخرج الطبراني عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : من دعي إلى سلطان فلم يجب فهو ظالم لا حق له ".
القشيري
تفسير : يستسلمون في الظاهر ويُقِرُّون باللسان، ثم المخلص يبقى على صدقه. والذي قال لخوفِ سيفِ المسلمين، أو لِغَرَضِ له آخر فاسد يتولى بعد ذلك، وينحاز إلى جانب الكفرة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويقولون آمنا بالله وبالرسول} نزلت فى بشر المنافق خاصم يهوديا فى ارض فدعاه الى كعب بن الاشرف من احبار اليهود ودعاه اليهودى الى النبى عليه الصلاة والسلام فصيغه الجمع للايذان بان للقائل طائفة يساعدونه ويتابعونه فى تلك المقالة كما يقال بنوا فلان قتلوا فلانا والقاتل منهم واحد {واطعنا} اى اطعناهما فى الامر والنهى والاطاعة فعل يعمل بالامر لاغير لانها الانقياد وهو لا يتصور الابعد الامر بخلاف العبادة وغيرها {ثم يتولى} يعرض عن قبول حكمه، قال الامام الراغب تولى اذا عدى بنفسه اقتضى معنى الولاية وحصوله فى اقرب المواضع واذا عدى بعن لفظا او تقديرا اقتضى معنى الاعراض وترك القرب فان الولى القرب والتولى قد يكون بالجسم وقد يكون بترك الاصغاء والائتمار وثم يجوز ان يكون للتراخى الزمانى وان يكون لاستبعاد امر التولى عن قولهم آمنا واطعنا {فريق منهم} اى من القائلين، قال فى فى المفردات الفرق القطعة المنفصلة ومنه الفرقة للجماعة المنفردة من الناس والفريق الجماعة المنفردة عن آخرين {من بعد ذلك} القول المذكور {وما اولئك} اشارة الى القائلين فان نفى الايمان عنهم مقتض لنفيه عن الفريق المتولى بخلاف العكس اى وما اولئك الذين يدعون الايمان والاطاعة ثم يتولى بعضهم الذين يشاركونهم فى الاعتقاد والعمل {بالمؤمنين} حقيقة كما يعرف عنه اللام اى ليسوا بالمؤمنين المعهودين بالاخلاص فى الايمان والثبات عليه.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله في شأن من لم يشأ هدايته إلى صراط مستقيم: {ويقولون} أي: المنافقون {آمنا بالله وبالرسول}؛ بألسنتهم، {وأطعنا} الله والرسول في الأمر والنهي، {ثم يتولى} عن قبول حُكْمِهِ {فريقٌ منهم مِن بعدِ ذلك} أي: من بعد ما صدر عنهم من ادعاء الإيمان بالله والرسول والطاعة لهما. قال الحسن: نزلت في المنافقين، الذين كانوا يُظهرون الإيمان ويًسرون الكفر. وقيل: نزلت في "بِشْر" المنافق، خاصم يهودياً، فدعاه إلى كعب بن الأشْرَف، ودعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال بشر: لا، إن محمداً يحيفُ علينا - قبح الله سعيه. وقيل: في المغيرة بن وائل، خاصم عليّاً رضي الله عنه في أرض وماء، فأبى أن يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأيا ما كان فصيغة الجمع تدل على أن للقائل طائفة يساعدونه ويشايعونه في تلك المقال. ثم حكم عليهم بالكفر، فقال: {وما أولئك بالمؤمنين} أي: المخلصين، والإشارة إلى القائلين: آمنا بالله وبالرسول، لا إلى الفريق المتولي منهم فقط، لئلا يلزم نفي الإيمان عنهم فقط، دون مَنْ قبلهم، بخلاف العكس، فإن نفى الإيمان عن القائلين يقتضي نفيه عنهم، على أبلغ وجه وآكده، وما فيه من معنى البعد؛ للإشعار ببُعد منزلتهم في الكفر والفساد. {وإذا دُعُوا إلى الله ورسولِه} أي: إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن حُكمَه حكمُ الله، {ليَحْكُمَ بينهم} أي: ليحكم الرسول بينهم؛ لأنه المباشر للحُكم حقيقة، وإن كان ذلك حكم الله في الحقيقة؛ لأنه خليفته. وذكر الله تعالى لتفخيم شأنه عليه، والإيذان بجلالة قدره عنده. فإذا دُعُوا إلى التحاكم بينهم {إذا فريقٌ منهم مُعْرِضون} أي: فاجأ فريق منهم الإعراض عن المحاكمة إليه صلى الله عليه وسلم؛ لكون الحق عليهم، وقد علموا أنه صلى الله عليه وسلم يحكم بالحق على من كان. {وإن يكن لهم الحقُّ} على غيرهم {يأتوا إليه}؛ إلى الرسول {مُذْعنين}؛ مسرعين في الطاعة، طلباً لحقهم، لا رضاً بحُكم رسولهم. قال الزجاج: والإذعان: الإسراع مع الطاعة. والمعنى: أنهم؛ لمعرفتهم أنك لا تحكم إلا بالحق المُر والعدل المحض، يمتنعون من المحاكمة إليك، إذا ركبهم الحق، لئلا تنزعه منهم بقضائك عليهم لخصُومهم، وإن ثبت لهم حق على خصم أسرعوا إليك، ولم يرضوا إلا بحكومتك، لتأخذ لهم ما وجب لهم على خصمهم. {أفي قلوبهم مرضٌ} ؛ كفر ونفاق، {أم ارْتابُوا} في نبوته صلى الله عليه وسلم، {أم يخافون أن يَحِيفَ}؛ أن يجور {الله عليهم ورسولهُ} فيحكم بينهم بغير الحق. قسَّم الحق تعالى الأمر في صدود المنافقين عن حكومته - عليه الصلاة والسلام - إذا كان الحق عليهم ثلاث: بأن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو مرتابين في أمر نبوته، أو خائفين الحيف في قضائه، ثم أبطل الكل بقوله: {بل أولئك هم الظالمون}، أما الأولان؛ فلأنه لو كان شيء منهما لأعرضوا عنه، عند كون الحق لهم؛ لتحقق نفاقهم وارتيابهم، وأما الثالث؛ فلمعرفتهم بأحواله صلى الله عليه وسلم في الأمان والثبات على الحق، فهم لا يشكون أنه لا يحيف؛ بل لأنهم هم الظالمون، يريدون أن يظلِمُوا من له الحق عليهم، ويتم لهم جحودهم، فيأبَوْن المحاكمة إليه - عليه الصلاة والسلام - لأنه صلى الله عليه وسلم يقضي عليهم بالحق الصريح، المؤيد بالوحي الصحيح. الإشارة: ترى فريقاً من الناس يدّعون الإيمان والطاعة والمحبة، ونفوسهم غالبة عليهم، فإذا دُعُوا إلى من يحكم بينهم وبينها، بأن يأمرهم بمجاهدتها أو قتلها؛ إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق، بأن وجدوا من يدلهم على البقاء مع عوائدها وشهواتها، يأتوا إليه مذعنين. أفي قلوبهم شك ووَهْم، أم ارتابوا في وجود الطبيب، أم يخافون أن يحيف الله عليهم؟ بأن يدلهم على من يتعبهم ولا يبرئهم، حتى حسَّنوا الظن به والتجأوا إليه، فلا يدلهم إلا على من يوصلهم إليه، بل أولئك هم الظالمون لنفوسهم، حيث حرموها الوصول، وتركوها في أودية الشكوك والخواطر تجول. قال الورتجبي: {وإذا دُعُوا إلى الله ورسوله} أي: دُعوا إلى مشاهدة الله بنعت المحبة والمعرفة، وعبوديته بنعت الإخلاص، ودُعُوا إلى رسوله بالمتابعة والموافقة في الشريعة والطريقة. هـ. ثم ذكر الفريق الثاني وهم المخلصون فقال: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوۤاْ...}
الجنابذي
تفسير : {وَيِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ} عطف على الله يهدى سواء جعل معطوفاً على قد انزلنا او حالاً او يقولون حال بتقدير المبتدأ {وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} يعنى انّ ايمانهم محض قول لمنافاة فعلهم له ولذلك قال {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} وهذا وجه آخر للدّلالة على عدم ايمانهم {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ} وجه آخر للدّلالة على عدم ايمانهم وانّهم انّما توجّهوا اليه لجلب النّفع فى دنياهم.
اطفيش
تفسير : {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} اي يقول المنافقون صدقنا بتوحيد الله وبرسالة محمد واطعناهما. قال الحسن: كان الرجل منهم يكون بينه وبين الرجل من المؤمنين خصومة فيدعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فان علم ان الحق له جاء معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وان علم ان عليه لم يجيء اليه. وروي انها نزلت في بشر المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في ارض فجعل اليهودي يجره إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمنافق يجره إلى كعب بن الاشرف ويقول ان محمدا يحيف وكان المنافق مبطلا. وروي ان المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي خصومة في ماء وارض فقال المغيرة: اما محمد فليست آتيه ولا احاكم إليه فانه يبغضني واخاف ان يحيف علي. {ثُمَّ يَتَولَى} يعرض عن طاعة الله ورسوله والامتناع عن قبول الحق قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : من دعي الى حكم المسلمين ولم يجب فهو ظالم"تفسير : {فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ} من بعد قولهم آمنا {وَمَا أُولَئِكِ بِالمُؤْمِنينَ} المعهود الموافق قلوبهم السنتهم والاشارة إلى جميع المنافقين القائلين: (آمنا بالله وبالرسول واطعنا) فانهم المراد للقائلين اخبرنا الله ان جميع هؤلاء القائلين منتف عنهم الايمان أو الاشارة إلى الفريق المتولي وحده سلب الايمان عنه لتوليه
الالوسي
تفسير : {وَيَقُولُونَ ءامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ } شروع في بيان أحوال بعض من لم يشأ الله تعالى هدايته إلى صراط مستقيم وهم صنف من الكفرة الذي سبق وصف أعمالهم. أخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة أنها نزلت في المنافقين وروي عن الحسن نحوه، وقيل نزلت في بشر المنافق دعاه يهودي في خصومة بينهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا هو اليهودي إلى كعب بن الأشرف ثم تحاكما إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فحكم لليهودي فلم يرض المنافق بقضائه عليه الصلاة والسلام وقال: نتحاكم إلى عمر رضي الله تعالى عنه فلما ذهبا إليه قال له اليهودي: قضى لي النبـي صلى الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ فقال: نعم فقال: مكانكما حتى أخرج إليكما فدخل رضي الله تعالى عنه بيته وخرج بسيفه فضرب عنق ذلك المنافق حتى برد وقال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فنزلت، وقال جبريل عليه السلام: إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمى لذلك الفاروق، وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وقال الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي كرم الله تعالى وجهه خصومة في أرض فتقاسما فوقع لعلي ما لا يصيبه الماء إلا بمشقة فقال المغيرة: بعني أرضك فباعها إياه وتقابضا فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء فقال لعلي كرم الله تعالى وجهه: اقبض أرضك فإنما اشتريتها إن رضيتها ولم أرضها فإن الماء لا ينالها فقال علي: قد اشتريت ورضيتها وقبضتها وأنت تعرف حالها لا أقبلها منك ودعاه إلى أن يخاصمه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما محمد فلست آتيه فإنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف علي فنزلت، وعلى هذا وما قبله جميع الضمير لعموم الحكم أو لأن مع القائل طائفة يساعدونه ويشايعونه في تلك المقالة كما في قولهم بنو فلان قتلوا قتيلاً والقاتل واحد منهم. وإعادة الباء للمبالغة في دعوى الإيمان وكذا التعبير عنه صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسول وقولهم مع ذلك {وَأَطَعْنَا } أي وأطعنا الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم في الأمر والنهي {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ } أي يعرض عما يقتضيه هذا القول من قبول الحكم الشرعي عليه {فَرِيقٌ مّنْهُمْ مّن بَعْدِ ذٰلِكَ } أي من بعدما صدر عنهم من ادعاء الإيمان بالله تعالى وبالرسول صلى الله عليه وسلم والطاعة لهما، وما في ذلك من معنى البعد للإيذان بكونه أمراً معتداً به واجب المراعاة. {وَمَا أُوْلَـئِكَ } إشارة إلى القائلين {آمَنَّا} الخ وهم المنافقون / جميعهم لا إلى الفريق المتولي منهم فقط، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلتهم في الكفر والفساد أي وما أولئك الذين يدعون الإيمان والطاعة ثم يتولى بعضهم الذين يشاركونهم في العقد والعمل {بِٱلْمُؤْمِنِينَ } أي المؤمنين حقيقة كما يعرب عنه اللام أي ليسوا بالمؤمنين المعهودين بالإخلاص والثبات عليه، ونفي الإيمان بهذا المعنى عنهم مقتض لنفيه عن الفريق على أبلغ وجه وآكده ولذا اختير كون الإشارة إليهم، وجوز أن تكون للفريق على أن المراد بهم فريق منافقون، وضمير {يَقُولُونَ } للمؤمنين مطلقاً، والحكم على أولئك الفريق بنفي الإيمان لظهور أمارة التكذيب الذي هو التولي منهم، و {ثُمَّ } على هذا حسبما قرره الطيبـي للاستبعاد كأنه قيل كيف يدخلون في زمرة المؤمنين الذين يقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يعرضون ويتجاوزون عن فريق المؤمنين ويرغبون عن تلك المقالة وهذا بعيد عن العاقل المميز، وعلى الأول حسبما قرره أيضاً للتراخي في الرتبة إيذاناً بارتفاع درجة كفر الفريق المتولي عنهم انحطاط درجة أولئك. وفي «الكشف» أن الكلام على تقدير كون الإشارة إلى القائلين لا إلى الفريق المتولي وحده كالاستدراك وفيه دلاله على توغل المتولين في الكفر وأصل الكفر وشامل للطائفتين، وأما على تقدير اختصاص الإشارة بالمتولين ففائدة {ثُمَّ } استبعاد التولي بعد تلك المقالة، وفائدة الإخبار إظهار أنهم لم يثبتوا على قولهم كأنه قيل: يقولون هذا ثم يوجد فيهم ما يضاده فلا يكون في دليل خطابه أن غيرهم مؤمن انتهى، وعليه فضمير {يَقُولُونَ } للمنافقين الشاملين للفريق المتولي لا للمؤمنين مطلقاً على الوجهين فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : عطف جملة: {ويقولون} على جملة: { أية : والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } تفسير : [النور: 46] لما تتضمنه جملة: {يهدي من يشاء} من هداية بعض الناس وحرمان بعضهم من الهداية كما هو مقتضى: {من يشاء}. وهذا تخلص إلى ذكر بعض ممن لم يشأ الله هدايتهم وهم الذين أبطنوا الكفر وأظهروا الإسلام وهم أهل النفاق. فبعد أن ذُكرت دلائل انفراد الله تعالى بالإلٰهية وذكر الكفارُ الصرحاء الذين لم يهتدوا بها في قوله: { أية : والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة } تفسير : [النور: 39] الآيات تهيأ المقام لذكر صنف آخر من الكافرين الذين لم يهتدوا بآيات الله وأظهروا أنهم اهتدوا بها. وضمير الجمع عائد إلى معروفين عند السامعين وهم المنافقون لأن ما ذكر بعده هو من أحوالهم، وعود الضمير إلى شيء غير مذكور كثير في القرآن، على أنهم قد تقدم ما يشير إليهم بطريق التعريض في قوله: { أية : رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة } تفسير : [النور: 37]. وقد أشارت الآية إلى المنافقين عامة، ثم إلى فريق منهم أظهروا عدم الرضى بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم فكلا الفريقين موسوم بالنفاق، ولكن أحدهما استمر على النفاق والمواربة وفريقاً لم يلبثوا أن أظهروا الرجوع إلى الكفر بمعصية الرسول علناً. ففي قوله: {يقولون} إيماء إلى أن حظهم من الإيمان مجرد القول دون الاعتقاد كما قال تعالى: { أية : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمّا يدخللِ الإيمان في قلوبكم } تفسير : [الحجرات: 14]. وعبر بالمضارع لإفادة تجدد ذلك منهم واستمرارهم عليه لما فيه من تكرر الكذب ونحوه من خصال النفاق التي بينتُها في سورة البقرة. ومفعول {أطعنا} محذوف دل عليه ما قبله، أي أطعنا الله والرسول. والإشارة في قوله: {وما أولئك} إلى ضمير {يقولون}، أي يقولون آمنّا وهم كاذبون في قولهم. وإنما يظهر كفرهم عندما تحل بهم النوازل والخصومات فلا يطمئنون بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصح جعله إشارة إلى {فريق} من قوله: {إذا فريق منهم معرضون} لأن إعراضهم كاف في الدلالة على عدم الإيمان. فالضمير في قوله: {وإذا دعوا} عائد إلى معاد ضمير {يقولون}. وإسناد فعل {دعوا} إلى جميعهم وإن كان المعرضون فريقاً منهم لا جميعهم للإشارة إلى أنهم سواء في التهيؤ إلى الإعراض ولكنهم لا يظهرونه إلا عندما تحل بهم النوازل فالمعرضون هم الذين حلت بهم الخصومات. وقد شملت الآية نفراً من المنافقين كانوا حلت بهم خصومات فأبوا حكم النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحكم عليهم أو بعدما حكم عليهم فلم يُرضهم حكمه، فروى المفسرون أن بشْراً أحد الأوس أو الخزرج تخاصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع يهودي فلما حكم النبي لليهودي لم يرض بشر بحكمه ودعاه إلى الحكم عند كعب بن الأشرف اليهودي فأبى اليهودي وتساوقا إلى عمر بن الخطاب فقصّا عليه القضية فلما علم عمر أن بشْراً لم يرض بحكم النبي قال لهما: مكانكما حتى آتيكما. ودخل بيته فأخرج سيفه وضرب بشراً بالسيف فقتله. فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لقب عمر يومئذٍ الفاروق لأنه فرق بين الحق والباطل، أي فرق بينهما بالمشاهدة. وقيل: إن أحد المنافقين اسمه المغيرة بن وائل من الأوس من بني أمية بن زيد الأوسي تخاصم مع علي بن أبي طالب في أرض اقتسماها ثم كره أمية القسم الذي أخذه فرام نقض القسمة وأبى علي نقضها ودعاه إلى الحكومة لدى النبي صلى الله عليه وسلم فقال المغيرة: أما محمد فلست آتية لأنه يُبغضني وأنا أخاف أن يحيف علي. فنزلت هذه الآية. وتقدم ذلك عند قوله تعالى: { أية : ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك } تفسير : الآية في سورة النساء (60). ومن سماجة الأخبار ما نقله الطبرسي الشيعي في تفسيره المسمى «مجمع البيان» عن البلخي أنه كانت بين علي وعثمان منازعة في أرض اشتراها من علي فخرجت فيها أحجار وأراد ردها بالعيب فلم يأخذها فقال: بيني وبينك رسول الله. فقال له الحكم بن أبي العاص إن حاكمته إلى ابن عمه يحكمْ له فلا تحاكمه إليه. فنزلت الآيات. وهذا لم يروه أحد من ثقات المفسرين ولا أشك في أنه مما اعتيد إلصاقه ببني أمية من تلقاء المشوهين لدولتهم تطلعا للفتنة، والحكم بن أبي العاص أسلم يوم الفتح وسكن المدينة وهل يظن به أن يقول مثل هذه المقالة بين مسلميْن. وإنما جعل الدعاء إلى الله ورسوله كليهما مع أنهم دعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن حكم الرسول حكم الله لأنه لا يحكم إلا عن وحي. ولهذا الاعتبار أفرد الضمير في قوله: {ليحكم} العائد إلى أقرب مذكور ولم يقل: ليحكما. وقوله: {وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه} أي إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ومعنى: {وإن يكن لهم الحق} أنه يكون في ظن صاحب الحق ويقينه أنه على الحق. ومفهومه أن من لم يكن له الحق منهم وهو العالم بأنه مبطل لا يأتي إذا دعي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فعُلم منه أن الفريق المعرضين هم المبطلون. وكذلك شأن كل من هو على الحق أنه لا يأبى من القضاء العادل، وشأن المبطل أن يأبى العدل لأن العدل لا يلائم حبه الاعتداء على حقوق الناس، فسبب إعراض المعرضين علمهم بأن في جانبهم الباطل وهم قد تحققوا أن الرسول لا يحكم إلا بصراح الحق. وهذا وجه موقع جملة: {أفى قلوبهم مرض} إلى آخرها. ووقع حرف {إذا} المفاجأة في جواب {إذا} الشرطية لإفادة مبادرتهم بالإعراض دون تريث لأنهم قد أيقنوا من قبل بعدالة الرسول وأيقنوا بأن الباطل في جانبهم فلم يترددوا في الإعراض. والإذعان: الانقياد والطاعة. ولما كان هذا شأناً عجيباً استؤنف عقبه بالجملة ذات الاستفهامات المستعملة في التنبيه على أخلاقهم ولفت الأذهان إلى ما انطووا عليه والداعي إلى ذلك أنها أحوال خفية لأنهم كانوا يظهرون خلافها. وأُتبع بعض الاستفهامات بعضاً بحرف {أم} المنقطعة التي هي هنا للإضراب الانتقالي كشأنها إذا عطفت الجمل الاستفهامية فإنها إذا عطفت الجمل لم تكن لطلب التعيين كما هي في عطف المفردات لأن المتعاطفات بها حينئذٍ ليست مما يطلب تعيين بعضه دون بعض، وأما معنى الاستفهام فملازم لها لأنه يقدر بعد {أم}. والانتقال هنا تدرج في عدّ أخلاقهم. فالمعنى أنه إن سأل سائل عن اتصافهم بخُلق من هذه المذكورات علم المسؤول أنهم متصفون به، فكان الاستفهام المكرر ثلاث مرات مستعملاً في التنبيه مجازاً مرسلاً، ومنه قوله تعالى: { أية : ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها } تفسير : في سورة الأعراف (195). والقلوب: العقول. والمرض مستعار للفساد أو للكفر قال تعالى: { أية : في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً } تفسير : [البقرة: 10] أو للنفاق. وأتي في جانب هذا الاستفهام بالجملة الاسمية للدلالة على ثبات المرض في قلوبهم وتأصله فيها بحيث لم يدخل الإيمان في قلوبهم. والارتياب: الشك. والمراد: ارتابوا في حقيّة الإسلام، أي حدث لهم ارتياب بعد أن آمنوا إيماناً غير راسخ. وأتي في جانبه بالجملة الفعلية المفيدة للحدوث والتجدد، أي حدث لهم ارتياب بعد أن اعتقدوا الإيمان اعتقاداً مزلزلاً. وهذا يشير إلى أنهم فريقان: فريق لم يؤمنوا ولكنهم أظهروا الإيمان وكتموا كفرهم، وفريق آمنوا إيماناً ضعيفاً ثم ظهر كفرهم بالإعراض. والحيف: الظلم والجور في الحكومة. وجيء في جانبه بالفعلين المضارعين للإشارة إلى أنه خوف في الحال من الحيف في المستقبل كما يقتضيه دخول {أن}، وهي حرف الاستقبال، على فعل {يحيف}. فهم خافوا من وقوع الحيف بعد نشر الخصومة فمن ثمة أعرضوا عن التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأسند الحيف إلى الله ورسوله بمعنى أن يكون ما شرعه الإسلام حيفاً لا يظهر الحقوق. وهذا كناية عن كونهم يعتقدون أنه غير منزل من الله وأن يكون حكم الرسول بغير ما أمر الله، فهم يطعنون في الحكم وفي الحاكم وما ذلك إلا لأنهم لا يؤمنون بأن شريعة الإسلام منزلة من الله ولا يؤمنون بأن محمداً عليه الصلاة والسلام مرسل من عند الله، فالكلام كناية عن إنكارهم أن تكون الشريعة إلٰهية وأن يكون الآتي بها صادقاً فيما أتى به. واعلم أن المنافقين اتصفوا بهذه الأمور الثلاثة وكلها ناشئة عن عدم تصديقهم الرسول سواء في ذلك من حلت به قضية ومن لم تحل. وفيما فسرنا به قوله تعالى: {أفي قلوبهم مرض} ما يثلج صدر الناظر ويخرج به من سكوت الساكت وحيرة الحائر. و{بل} للإضراب الانتقالي من الاستفهام التنبيهي إلى خبر آخر. ولم يؤت في هذا الإضراب بـ{أم} لأن {أم} لا بد معها من معنى الاستفهام، وليس المراد عطف كونهم ظالمين على الاستفهام المستعمل في التنبيه بل المراد به إفادة اتصافهم بالظلم دون غيرهم لأنه قد اتضح حالهم فلا داعي لإيراده بصيغة استفهام التنبيه. وليست {بل} هنا للإبطال لأنه لا يستقيم إبطال جميع الأقسام المتقدمة فإن منها مرض قلوبهم وهو ثابت، ولا دليل على قصد إبطال القسم الأخير خاصة، ولا على إبطال القسمين الآخرين. وجملة: {أولئك هم الظالمون} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن السامع بعد أن طنت بأذنه تلك الاستفهامات الثلاثة ثم أعقبت بحرف الإضراب يترقب ماذا سيُرسي عليه تحقيق حالهم فكان قوله: {أولئك هم الظالمون} بياناً لما يترقبه السامع. والمعنى: أنهم يخافون أن يحيف الرسول عليهم ويظلمهم. وليس الرسول بالذي يظلم بل هم الظالمون. فالقصر الحاصل من تعريف الجزأين ومن ضمير الفصل حصر مؤكَّد، أي هم الظالمون لا شرعُ الله ولا حكم رسوله. وزاد اسم الإشارة تأكيداً للخبر فحصل فيه أربعة مؤكدات: اثنان من صيغة الحصر إذ ليس الحصر والتخصيص إلا تأكيداً على تأكيد، والثالث ضمير الفصل، والرابع اسم الإشارة. واسم الإشارة الموضوع للتمييز استعمل هنا مجازاً لتحقيق اتصافهم بالظلم، فهم يقيسون الناس على حسب ما يقيسون أنفسهم، فلما كانوا أهل ظلم ظنوا بمن هو أهل الإنصاف أنه ظالم كما قال أبو الطيب: شعر : إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم تفسير : ولا تعلق لهذه الآية بحكم من دعي إلى القاضي للخصومة فامتنع لأن الذم والتوبيخ فيها كانا على امتناع ناشىء عن كفرهم ونفاقهم.
الواحدي
تفسير : {ويقولون آمنا بالله} يعني: المنافقين {ثمَّ يتولى} يعرض عن قبول حكم الرَّسول صلى الله عليه وسلم {فريق منهم من بعد ذلك} الإقرار {وما أولئك بالمؤمنين}. {وإذا دعوا إلى الله} إلى كتاب الله {ورسوله ليحكم بينهم} نزلت في بشر المنافق وخصمه اليهوديّ، كان اليهوديُّ يجرُّه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما، وجعل المنافق يجرُّه إلى كعب بن الأشرف، وهذا إذا كان الحقُّ على المنافقين أعرضوا عن حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه كان لا يقبل الرُّشا، وإن كان لهم الحقُّ على غيرهم أسرعوا إلى حكمه، وهو وقوله تعالى: {وإن يكن لهم الحقُّ يأتوا إليه مذعنين} مُطيعين مُنقادين.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 47- والمنافقون يقولون بألسنتهم: آمنا بالله وبالرسول وأطعنا أوامرهما. وعند اختبارهم يعرض فريق منهم عن مشاركة المسلمين فى أعمال الخير كالجهاد وغيره، بعد قولهم هذا، وهؤلاء ليسوا بمؤمنين مخلصين، ولا جديرين بإطلاق اسم المؤمنين عليهم. 48- ومن أحوالهم أنهم إذا طلبوا إلى التحاكم أمام الرسول بمقتضى ما أنزل الله، ظهر نفاق بعضهم فرفضوا التحاكم إذا عرفوا أن الحق فى جانب خصومهم. 49- أما إذا عرفوا أن الحق فى جانبهم، فهم يأتون إلى الرسول مسرعين ليحكم بينهم وبين خصومهم. 50- ولماذا يقفون هذا الموقف من التحاكم أمام الرسول؟ ألأنَّ نفوسهم مريضة بالعمى فلا تخضع لحكمك الحق، أم لأنهم شكوا فى عدالة محمد - صلى الله عليه وسلم - فى الحكم؟ لا شئ من ذلك أصلاً، ولكنهم هم الظالمون لأنفسهم ولغيرهم بسبب كفرهم ونفاقهم وعدولهم عن الحق. 51- إنما كان القول الحق للمؤمنين الصادقين إذا دعوا إلى التحاكم بمقتضى ما جاء عن الله ورسوله أن يقولوا قابلين مذعنين: سمعنا دعوتك يا محمد ورضينا حكمك، وهؤلاء يكونون أهل فلاح فى دنياهم وأُخراهم. 52- ومن يطع الله، ويرض بما يأمر به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويخش ذات الله العلية، ويستحضر جلاله ويتق غضبه، فأولئك هم الفائزون برضا الله ومحبته، ونعيم الجنة، والفائزون بالخير المطلق.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ويقولون: أي المنافقون. آمنا بالله وبالرسول: أي صدقنا بتوحيد الله وبنبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. ثم يتول فريق منهم: أي يعرض. إذا فريق منهم معرضون: أي عن المجيء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. مذعنين: أي مسرعين منقادين مطيعين. في قلوبهم مرض: أي كفر ونفاق وشرك. أم ارتابوا: أي بل شكوا في نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم. أن يحيف الله عليهم ورسوله: أي في الحكم فيظلموا فيه. إنما كان قول المؤمنين: هو قولهم سمعنا وأطعنا أي سمعاً وطاعة. المفلحون: أي الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة. معنى الآيات: بعد عرض تلك المظاهر لقدرة الله وعلمه وحكمته والموجبة للإِيمان بالله ورسوله، وما عند الله من نعيم مقيم، وما لديه من عذاب مهين فاهتدى عليها من شاء الله هدايته وأعرض عنها من كتب الله شقاوته من المنافقين الذين أخبر تعالى عنهم بقوله: {وَيَِقُولُونَ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} أي صدقنا بالله ربَّاً وإلهاً وبمحمد نبياً ورسولاً، وأطعناهما {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ} أي من بعد تصريحهم بالإِيمان والطاعة يقولون معرضين بقلوبهم عن الإِيمان بالله وآياته ورسوله، {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} فأكذبهم الله في دعوة إيمانهم هذا ما دلت عليه الآية الأولى [47] وقوله تعالى: {وَإِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} أي في قضية من قضايا دنياهم، {إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مُّعْرِضُونَ} أي فاجأك فريق منهم بالإِعراض عن التحاكم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقوله: {وَإِن يَكُنْ لَّهُمُ ٱلْحَقُّ} أي وإن يكن لهم في الخصومة التي بينهم وبين غيرهم {يَأْتُوۤاْ إِلَيْهِ} أي إلى رسول الله {مُذْعِنِينَ} أي منقادين طائعين أي لعلمهم أن الرسول يقضي بينهم بالحق وسوف يأخذون حقهم وافياً وقوله تعالى: {أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ} أي بل في قلوبهم مرض الكفر والنفاق {أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ} أي بل ارتابوا أي شكوا في نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم {أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ} لا، لا، {بَلْ أُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلظَّالِمُونَ}، ولما كانوا ظالمين يخافون حكم الله ورسوله فيهم لأنه عادل فيأخذ منهم ما ليس لهم ويعطيه لمن هو لهم من خصومهم وقوله تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي الصادقين في إيمانهم {إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا} أي لم يكن للمؤمنين الصادقين من قول يقولونه إذا دعوا إلى كتاب الله ورسوله ليحكم بينهم إلا قولهم: سمعنا وأطعنا فيجيبون الدعوة ويسلمون بالحق قال تعالى في الثناء عليهم {وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ} أي الناجحون في دنياهم وآخرتهم دون غيرهم من أهل النفاق. وقوله تعالى: في الآية الكريمة الأخيرة [52] {وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ} أي فيما يأمران به وينهيان عنه، {وَيَخْشَ ٱللَّهَ} أي يخافه في السر والعلن، {وَيَتَّقْهِ} أي يتق مخالفته فلا يقصر في واجب ولا يَغْشَى محرماً، {فَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُون} فقصر الفوز عليهم أي هم الآمنون من عذاب الله يوم القيامة المنعمون في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. اللهم اجعلنا منهم واحشرنا في زمرتهم إنك ربنا وربهم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب التحاكم إلى الكتاب والسنة. 2- من دُعِيَ إلى الكتاب والسنة فأعرض فهو منافق معلوم النفاق. 3- اتخاذ قوانين وضعية للتحاكم إليها دون كتاب الله وسنة رسوله آية الكفر والنفاق. 4- فضل طاعة الله ورسوله وتقوى الله عز وجل وأن أهلها هم الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنان.
القطان
تفسير : يتولى: يعرض ولا يطيع. مذعنين: منقادين. أفي قلوبهم مرض: فسادٌ وبغض يحملهم على الضلال. ارتابوا: شكوا. يحيف: يجور. جهد أيمانهم: اقصى غايتها. فان تولّوا: فان تتولوا بحذف التاء، أصلُه تتولوا. الحديث في هذه الآيات الكريمة عن المنافقين الذي يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم فيقولون: آمنّا بالله والرسول وأطعْنا أوامرهما، ثم يفعلون ضدّ ما يقولون، فهؤلاء ليسوا بمؤمنين. فاذا طُلبوا الى التحاكم أمامَ رسول الله فيما يتنازعون فيه أَبَوا وخافوا ان يحكمَ عليهم. اما اذا عرفوا الحق في جانبهم فإنهم يأتون الى الرسول مسرعين ليحكم بينهم. لماذا يقفون هذا الموقف، هل هم مرضى القلوب بالكفر والنفاق؟ أم يشكّون في عدالة الرسول الكريم؟ ام يخافون ان يجور عليهم الله ورسوله؟ كل هذا لم يحصل، بل هم الظالمون لأنفسهم ولغيرهم بسبب كفرهم ونفاقهم وعدولهم عن الحق. وبعد ان نفى عن المنافقين الإيمانَ الحقَّ بيَّن صفاتِ المؤمنين فقال: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ}. فأما المؤمنون حقاً الصادقون فِعلاً فإنهم إذا طُلبوا الى التحاكم بمقتضى ما جاء عن الله الى رسوله قالوا مطيعين: سمعْنا وأطعنا الأمر، وأولئك هم المفلحون. ومن يطِع الله ورسولَه فيما أمرا به وتركِ ما نهيا عنه، ويخشىَ الله وغضبه - فأولئك هم الفائزون في الدنيا والأخرة. ثم بعد المقابلة بين المنافقين والمؤمنين يعودُ لاستكمال الحديث عن المنافقين: {وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أقسم المنافقون بالأيمان المغلّظة لئن أمرتَهم يا محمد بالخروج إلى الجهاد معك ليخرجون، قل لهم: لا تحلِفوا، إن طاعتكم معروفة لنا، فهي طاعة باللسان فحسب، والله تعالى خبير لا تخفى عليه خافية من اعمالكم فلا يحتاج الى حلف او توكيد. {قُلْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ.... } قل لهم ايها الرسول: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول طاعة صادقة، فإن أعرضوا ولم يمتثلوا، فإنما على الرسول ما حمّله الله من امر التبليغ، وعليكم ما حمّلكم من التكليف والطاعة. إنكم ان تطيعوا الرسول تهتدوا الى الخير، وما عليه الا التبليغ الواضح. قراءات: قرأ حفص: "يتقْه" باسكان القاف، والباقون: "يتقِهِ" بكسر القاف والهاء. قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي: ويتقهي بكسر القاف ومد الهاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنَّا} {أُوْلَـٰئِكَ} (47) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى عَنْ حَالِ المُنَافِقِينَ الذينَ يُظْهِرُونَ خِلاَفَ مَا يُبْطِنُونَ، فَيَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ: آمَنَّا بِاللهِ وبِالرَّسُولِ، وأَطْعْنَا أمْرَهُمَا، ثُمَّ تُخَالِفُ أَعْمَالُهُمْ أَقْوَالَهُمْ فَيَفْعَلُونَ خِلاَفَ مَا يَقُولُونَ، لِذَلِكَ يَقُولُ تَعَالَى عَنْهُمْ: إِنَّ أولَئِكَ لَيْسُوا بالمُؤْمِنِينَ المُخْلِصينَ الثَّابِتِينَ عَلَى الإِيْمَانِ الصَّحِيحِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : وفي آية أخرى يقول سبحانه: {أية : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً}تفسير : [النساء: 61]. وهؤلاء هم المنافقون، وخَيْبة المنافق أنه متضارب الملكات النفسية؛ ذلك لأن للإنسان مَلَكات متعددة تتساند حال الاستقامة، وتتعاند حال المعصية، فالإنسان تراه طبيعياً حين ينظر إلى ابنته أو زوجته، لأن مَلَكاته منسجمة مع هذا الفعل، أما حين ينظر إلى محارم الغير فتراه يختلس النظرة، يخاف أنْ يراه أحد يتلصّص ويحتاط؛ لأن مَلَكاته مضطربة غير منسجمة مع هذا الفعل. لذلك يقولون: الاستقامة استسامة، فملكات النفس بطبيعتها متساندة لا تتعارض أبداً، لكن المنافق فضلاً عن كذبه، فهو متضارب الملَكات في نفسه؛ لأن القلب كافر واللسان مؤمن. لذلك فكرامة الإنسان تكون بينه وبين نفسه قبل أن تكون بينه وبين الناس، فقد يصنع الإنسان أمام الناس صنائع خير تُعجب الآخرين، لكنه يعلم من نفسه الشر، فهو وإن كسب ثقة المجتمع من حوله، إلا أنه خسر رَأْى نفسه في نفسه، وإذا خسر الإنسان نفسه فلن يُعوِّضه عنها شيء حتى إنْ كسب العالم كله؛ لأن المجتمع لا يكون معك طول الوقت، أمّا نفسك فملازمة لك كل الوقت لا تنفك عنها، فأنا كبير أمام الناس ما دُمْت معهم، أمّا حين أختلي بنفسي أجدها حقيرة: فعلتْ كذا، وفعلت كذا. إذن: أنت حكمتَ أنّ رأى الناس أنفَسُ من رأيك، ولو كان لرأيك عندك قيمة لحاولت أن يكون رأيك في نفسك صحيحاً، لكن أنت تريد أن يكون رأي الناس فيك صحيحاً، وإنْ كان رأيك عند نفسك غير ذلك. ويقول تعالى في هؤلاء: {أية : أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوۤاْ إِلَى ٱلطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوۤاْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً}تفسير : [النساء: 60]. فقد حكم عليهم أنهم يزعمون، والزعم مطيّة الكذب، والدليل على أنهم يزعمون أنهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، ولو كانوا مؤمنين بما أُنزِل إليك وما أُنزِل من قبلك ما تحاكموا إلى الطاغوت، وهكذا فضحوا هم أنفسهم، فالثانية فضحتْ الأولى. لذلك قالوا: إن الكافر أحسن منهم؛ لأنه منسجم الملَكات: قلبه موافق للسانه، قلبه كافر ولسانه كذلك، ومن هنا كان المنافقون في الدَّرْك الأسفل من النار. والحق - تبارك وتعالى - يعطينا صورة ونموذجاً يحذرنا ألاَّ نحكم على القول وحده، فيقول تعالى عن المنافقين: {أية : إِذَا جَآءَكَ ٱلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ ٱلْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}تفسير : [المنافقون: 1]. وهذه المقولة {أية : إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ ..}تفسير : [المنافقون: 1] مقولة صادقة، لكن القرآن يُكذِّبهم في أنهم شَهدوا بها. وقد نزلتْ هذه الآية في أحد المنافقين أظن أنه بشر، وكانت له خصومة مع يهودي، فطلب اليهودي أن يتحاكما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطلب المنافق أنْ يتحاكما عند كعب بن الأشرف، لكن رَدَّ اليهودي حكومة كعب لما يعلمه من تزييفه وعدم أمانته - والإنسان وإن كان في نفسه مُزِّيفاً إلا أنه يحب أنْ يحتكم في أمره إلى الأمين العادل - وفعلاً تغلّب اليهودي وذهبا إلى رسول الله فحكم لليهودي. وفي هذا دلالة على أن اليهودي كان ذكياً فَطِناً، يعرف الحق ويعرف مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن المنافق لم يَرْضَ حكم رسول الله، وانتهى بهما الأمر إلى عمر رضي الله عنه وقَصَّا عليه ما كان، ولما علم أن المنافق رَدَّ حكم رسول الله قام عمر وجاء بالسيف يُشْهِره في وجه المنافق وهو يقول: مَنْ لم يَرْضَ بقضاء رسول الله فذلك قضائي فيه. إذن: فهؤلاء يقولون: {آمَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ..} [النور: 47] كلام جميل وأكثر الله من خيركم، لكن هذا قول فقط لا يسانده تطبيق عملي، والإيمان يقتضي أن تجيء الأعمال على وَفْق منطوق الإيمان. فهذا منهم مجرد كلام، أما التطبيق: {ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ ..} [النور: 47] والتولِّي: الانصراف عن شيء كان موجوداً إلى شيء مناقض {وَمَآ أُوْلَـٰئِكَ بِٱلْمُؤْمِنِينَ} [النور: 47] فما داموا قد تولوا فهم لم يطيعوا ولم يؤمنوا.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن حالة الظالمين، ممن في قلبه مرض وضعف إيمان، أو نفاق وريب وضعف علم، أنهم يقولون بألسنتهم، ويلتزمون الإيمان بالله والطاعة، ثم لا يقومون بما قالوا، ويتولى فريق منهم عن الطاعة توليا عظيما، بدليل قوله: { وَهُمْ مُعْرِضُونَ } فإن المتولي، قد يكون له نية عود ورجوع إلى ما تولى عنه، وهذا المتولي معرض، لا التفات له، ولا نظر لما تولى عنه، وتجد هذه الحالة مطابقة لحال كثير ممن يدعي الإيمان والطاعة لله وهو ضعيف الإيمان، وتجده لا يقوم بكثير من العبادات، خصوصا: العبادات التي تشق على كثير من النفوس، كالزكوات، والنفقات الواجبة والمستحبة، والجهاد في سبيل الله، ونحو ذلك. { وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ } أي: إذا صار بينهم وبين أحد حكومة، ودعوا إلى حكم الله ورسوله { إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ } يريدون أحكام الجاهلية، ويفضلون أحكام القوانين غير الشرعية على الأحكام الشرعية، لعلمهم أن الحق عليهم، وأن الشرع لا يحكم إلا بما يطابق الواقع، { وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ } أي: إلى حكم الشرع { مُذْعِنِينَ } وليس ذلك لأجل أنه حكم شرعي، وإنما ذلك لأجل موافقة أهوائهم، فليسوا ممدوحين في هذه الحال، ولو أتوا إليه مذعنين، لأن العبد حقيقة، من يتبع الحق فيما يحب ويكره، وفيما يسره ويحزنه، وأما الذي يتبع الشرع عند موافقة هواه، وينبذه عند مخالفته، ويقدم الهوى على الشرع، فليس بعبد على الحقيقة، قال الله في لومهم على الإعراض عن الحكم الشرعي: { أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ } أي: علة، أخرجت القلب عن صحته وأزالت حاسته، فصار بمنزلة المريض، الذي يعرض عما ينفعه، ويقبل على ما يضره، { أَمِ ارْتَابُوا } أي: شكوا، وقلقت قلوبهم من حكم الله ورسوله، واتهموه أنه لا يحكم بالحق، { أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ } أي: يحكم عليهم حكما ظالما جائرا، وإنما هذا وصفهم { بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }. وأما حكم الله ورسوله، ففي غاية العدالة والقسط، وموافقة الحكمة. {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ } تفسير : وفي هذه الآيات، دليل على أن الإيمان، ليس هو مجرد القول حتى يقترن به العمل، ولهذا نفى الإيمان عمن تولى عن الطاعة، ووجوب الانقياد لحكم الله ورسوله في كل حال، وأن من ينقد له دل على مرض في قلبه، وريب في إيمانه، وأنه يحرم إساءة الظن بأحكام الشريعة، وأن يظن بها خلاف العدل والحكمة. ولما ذكر حالة المعرضين عن الحكم الشرعي، ذكر حالة المؤمنين الممدوحين، فقال: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):