٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : اختلف أهل السنة في النداء الذي سمعه موسى عليه السلام من الله تعالى، هل هو كلامه القديم أو هو ضرب من الأصوات، فقال أبو الحسن الأشعري: المسموع هو الكلام القديم، وكما أن ذاته تعالى لا تشبه سائر الأشياء، مع أن الدليل دل على أنها معلومة ومرتبة فكذا كلامه منزه عن مشابهة الحروف والأصوات مع أنه مسموع، وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى عليه السلام كان نداء من جنس الحروف والأصوات، وذلك لأن الدليل لما دل على أنا رأينا الجوهر والعرض، ولا بد من علة مشتركة بينهما لصحة الرؤية، ولا علة إلا الوجود، حكمنا بأن كل موجود يصح أن يرى، ولم يثبت عندنا أنا نسمع الأصوات والأجسام حتى يحكم بأنه لا بد من مشترك بين الجسم والصوت، فلم يلزم صحة كون كل موجود مسموعاً فظهر الفرق، أما المعتزلة فقد اتفقوا على أن ذلك المسموع ما كان إلا حروفاً وأصواتاً، فعند هذا قالوا إن ذلك النداء وقع على وجه علم به موسى عليه السلام أنه من قبل الله تعالى، فصار معجزاً علم به أن الله مخاطب له فلم يحتج مع ذلك إلى واسطة، وكفى في الوقت أن يحمله الرسالة التي هي {أَنِ ٱئْتَ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } لأن في بدء البعثة يجب أن يأمره بالدعاء إلى التوحيد، ثم بعده يأمره بالأحكام، ولا يجوز أن يأمره تعالى بذلك إلا وقد عرفه أنه ستظهر عليه المعجزات إذا طولب بذلك. أما قوله تعالى: {أَنِ ٱئْتَ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } فالمعنى أنه تعالى سجل عليهم بالظلم، وقد استحقوا هذا الاسم من وجهين من وجه ظلمهم أنفسهم بكفرهم، ومن وجه ظلمهم لبني إسرائيل. أما قوله: {قَوْمِ فِرْعَونَ } فقد عطف (قوم فرعون) على (القوم الظالمين) عطف بيان، كأن القوم الظالمين وقوم فرعون لفظان يدلان على معنى واحد. وأما قوله: {أَلا يَتَّقُونَ } فقرىء (ألا يتقون) بكسر النون، بمعنى ألا يتقونني، فحذفت النون لاجتماع النونين والياء للاكتفاء بالكسرة، وقوله: {أَلا يَتَّقُونَ } كلام مستأنف أتبعه تعالى إرساله إليهم للإنذار والتسجيل عليهم بالظلم، تعجيباً لموسى عليه السلام من حالهم (التي شفت) في الظلم والعسف، ومن أمنهم العواقب وقلة خوفهم (وحذرهم من أيام الله)، ويحتمل أن يكون {أَلا يَتَّقُونَ } حالاً من الضمير في (الظالمين) أي يظلمون غير متقين الله وعقابه، فأدخلت همزة الإنكار على الحال، ووجه ثالث وهو أن يكون المعنى ألا يا ناس اتقون، كقوله: (ألا يسجدوا). وأما من قرأ (ألا تتقون) على الخطاب، فعلى طريقة الالتفات إليهم وصرف وجوههم بالإنكار والغضب عليهم، كما يرى من يشكو ممن ركب جناية والجاني حاضر، فإذا اندفع في الشكاية وحمى غضبه، قطع مباثة صاحبه وأقبل على الجاني يوبخه ويعنفه به، ويقول له ألا تتقي الله ألا تستحي من الناس، فإن قلت: فما الفائدة في هذا الالتفات والخطاب مع موسى عليه السلام في وقت المناجاة، والملتفت إليهم غائبون لا يشعرون؟ قلت: إجراء ذلك في تكليم المرسل إليهم في معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه إلى مسامعهم، لأنه (مبلغهم) ومنهيه إليهم، وله فيه لطف وحث على زيادة التقوى، وكم من آية نزلت في شأن الكافرين وفيها أوفر نصيب للمؤمنين تدبراً لها واعتباراً بمواردها.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ} {إِذْ} في موضع نصب؛ المعنى: واتل عليهم {وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ} ويدلّ على هذا أنّ بعده. {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} ذكره النحاس. وقيل: المعنى؛ واذكر إذ نادى كما صرح به في قوله: {أية : وَٱذْكُرْ أَخَا عَادٍ} تفسير : [الأحقاف: 21] وقوله: {أية : وَٱذْكُرْ عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ}تفسير : [صۤ: 45] وقوله: {أية : وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ مَرْيَمَ}تفسير : [مريم: 16]. وقيل: المعنى؛ {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى} كان كذا وكذا. والنداء الدعاء بيا فلان، أي قال ربك يا موسى {أَنِ ٱئْتَ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} ثم أخبر من هم فقال: {قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ} فـ{ـقومَ} بدل؛ ومعنى {أَلاَ يَتَّقُونَ} ألا يخافون عقاب الله؟ وقيل هذا من الإيماء إلى الشيء لأنه أمره أن يأتي القوم الظالمين، ودلّ قوله: {يَتَّقُونَ} على أنهم لا يتقون، وعلى أنه أمرهم بالتقوى. وقيل: المعنى؛ قل لهم {أَلاَ تَتَّقُونَ} وجاء بالياء لأنهم غيب وقت الخطاب، ولو جاء بالتاء لجاز. ومثله {أية : قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ}تفسير : [آل عمران: 12] بالتاء والياء. وقد قرأ عبيد بن عمير وأبو حازم {أَلاَ تَتَّقُونَ} بتاءين أي قل لهم {أَلاَ تَتَّقُونَ}. {قَالَ رَبِّ} أي قال موسى {رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} أي في الرسالة والنبوة. {وَيَضِيقُ صَدْرِي} لتكذيبهم إياي. وقراءة العامة {وَيَضيقُ} {وَلاَ يَنْطَلِقُ} بالرفع على الاستئناف. وقرأ يعقوب وعيسى بن عمر وأبو حيوة {وَيَضِيقَ ـ وَلاَ يَنْطَلِقَ} بالنصب فيهما ردّاً على قوله: {أَنْ يُكَذِّبُونِ} قال الكسائي: القراءة بالرفع؛ يعني في {يَضِيقُ صَدْرِي وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَانِي} يعني نسقاً على {إِنِّي أَخَافُ}. قال الفراء: ويقرأ بالنصب. حكي ذلك عن الأعرج وطلحة وعيسى بن عمر وكلاهما له وجه. قال النحاس: الوجه الرفع؛ لأن النصب عطف على {يُكَذِّبُونِ} وهذا بعيد يدلّ على ذلك قوله عز وجل: {أية : وَٱحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي * يَفْقَهُواْ قَوْلِي }تفسير : [طه: 27 ـ 28] فهذا يدلّ على أن هذه كذا. ومعنى، {وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَانِي} في المحاجة على ما أحب؛ وكان في لسانه عُقْدة على ما تقدّم في «طه». {فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ} أرسل إليه جبريل بالوحي، واجعله رسولاً معي ليؤازرني ويظاهرني ويعاونني. ولم يذكر هنا ليعينني؛ لأن المعنى كان معلوماً، وقد صرح به في سورة «طه»: {وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً} وفي القصص: {أية : أَرْسِلْهِ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي}تفسير : [القصص: 34] وكأن موسى أذن له في هذا السؤال، ولم يكن ذلك استعفاء من الرسالة بل طلب من يعينه. ففي هذا دليل على أن من لا يستقل بأمر، ويخاف من نفسه تقصيراً، أن يأخذ من يستعين به عليه، ولا يلحقه في ذلك لوم. {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ } الذنب هنا قتل القبطي واسمه فاثور على ما يأتي في «القصص» بيانه، وقد مضى في «طه» ذكره. وخاف موسى أن يقتلوه به، ودلّ على أن الخوف قد يصحب الأنبياء والفضلاء والأولياء مع معرفتهم بالله وأن لا فاعل إلا هو؛ إذ قد يسلط من شاء على من شاء {قَالَ كَلاَّ} أي كلا لن يقتلوك. فهو ردع وزجر عن هذا الظن، وأمر بالثقة بالله تعالى؛ أي ثق بالله وانزجر عن خوفك منهم؛ فإنهم لا يقدرون على قتلك، ولا يقوون عليه. {فَٱذْهَبَا} أي أنت وأخوك فقد جعلته رسولاً معك. {بِآيَاتِنَآ} أي ببراهيننا وبالمعجزات. وقيل: أي مع آياتنا. {إِنَّا مَعَكُمْ} يريد نفسه سبحانه وتعالى. {مُّسْتَمِعُونَ } أي سامعون ما يقولون وما يجاوبون. وإنما أراد بذلك تقوية قلبيهما وأنه يعينهما ويحفظهما. والاستماع إنما يكون بالإصغاء، ولا يوصف الباري سبحانه بذلك. وقد وصف سبحانه نفسه بأنه السميع البصير. وقال في «طه»: {أية : أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} تفسير : [طه: 46] وقال: {مَعَكُمْ} فأجراهما مجرى الجمع؛ لأن الاثنين جماعة. ويجوز أن يكون لهما ولمن أرسلا إليه. ويجوز أن يكون لجميع بني إسرائيل.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عما أمر به عبده ورسوله وكليمه موسى بن عمران عليه السلام حين ناداه من جانب الطور الأيمن، وكلمه وناجاه، وأرسله واصطفاه، وأمره بالذهاب إلى فرعون وملئه، ولهذا قال تعالى: {أَنِ ٱئْتَ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّى أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِى فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} هذه أعذار سأل الله إزاحتها عنه، كما قال في سورة طه: {أية : قَالَ رَبِّ ٱشْرَحْ لِى صَدْرِى وَيَسِّرْ لِىۤ أَمْرِى } تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 25 ــــ 36]. وقوله تعالى: {وَلَهُمْ عَلَىَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} أي بسبب قتل ذلك القبطي الذي كان سبب خروجه من بلاد مصر {قَالَ كَلاَّ} أي قال الله له: لا تخف من شيء من ذلك؛ كقوله: {أية : قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَـٰناً} تفسير : ــــ أي: برهاناً ــــ {أية : فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِـآيَـٰتِنَآ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلْغَٰلِبُونَ}تفسير : [القصص: 35] {فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ} كقوله: {أية : إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ} تفسير : [طه: 46] أي: إنني معكما بحفظي وكلاءتي، ونصري وتأييدي {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} كقوله: في الآية الأخرى: {أية : إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ} تفسير : [طه: 47] أي: كل منا أرسل إليك {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ} أي: أطلقهم من إسارك وقبضتك وقهرك وتعذيبك، فإنهم عباد الله المؤمنون، وحزبه المخلصون، وهم معك في العذاب المهين، فلما قال له موسى ذلك، أعرض فرعون هنالك بالكلية، ونظر إليه بعين الازدراء والغمص، فقال: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً}؟ الآية، أي: أما أنت الذي ربيناه فينا، وفي بيتنا وعلى فراشنا، وغَذَّيناه وأنعمنا عليه مدة من السنين، ثم بعد هذا قابلت ذلك الإحسان بتلك الفعلة؛ أن قتلت منا رجلاً، وجحدت نعمتنا عليك، ولهذا قال: {وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} أي: الجاحدين. قاله ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير، {قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً} أي: في تلك الحال {وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ} أي: قبل أن يوحى إلي، وينعم الله علي بالرسالة والنبوة. قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والضحاك وغيرهم: {وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ} أي: الجاهلين. قال ابن جريج: وهو كذلك في قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} الآية، أي: انفصل الحال الأول، وجاء أمر آخر، فقد أرسلني الله إليك، فإن أطعته سلمت، وإن خالفته عطبت، ثم قال موسى: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِى إِسْرَٰءِيلَ} أي: وما أحسنت إلي وربيتني مقابل ما أسأت إلى بني إسرائيل، فجعلتهم عبيداً وخدماً تصرفهم في أعمالك ومشاق رعيتك، أفيفي إحسانك إلى رجل واحد منهم بما أسأت إلى مجموعهم؟ أي: ليس ما ذكرته شيئاً بالنسبة إلى ما فعلت بهم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر يا محمد لقومك {إِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ } ليلة رأى النار والشجرة {أن } أي بأن {ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّٰلِمِينَ } رسولاً.
الماوردي
تفسير : قوله {وَيَضِيقُ صَدْرِي} أي أخاف أن يضيق قلبي وفيه وجهان: أحدهما: بتكذيبهم إياي، قاله الكلبي. الثاني: بالضعف عن إبلاغ الرسالة. {وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَانِي} فيه وجهان: أحدهما: من مهابة فرعون، قاله الكلبي. الثاني: للعقدة التي كانت به. {فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ} أي ليكون معي رسولاً، لأن هارون كان بمصر حيث بعث الله تعالى موسى نبياً. {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ} فتكون علي بمعنى عندي، وهو قول المفضل، وأنشد قول أبي النجم: شعر : قد أصبحت أم الخيار تدَّعي علي ذَنْبا كلّه لم أصْنَعِ تفسير : والثاني: معناه ولهم عليّ عقوبة ذنب. {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} قد خاف موسى أن يقتلوه بالنفس التي قتلها، فلا يتم إبلاغ الرسالة لأنه يعلم أن الله تعالى بعثه رسولاً تكفل بعونه على تأدية رسالته. قوله عز وجل: {فَقُولاَ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالِمِينَ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه أرْسَلَنا رب العالمين، حكاه ابن شجرة. والثاني: معناه أن كل واحد منا رسول رب العالمين، ذكره ابن عيسى. والثالث: معناه إنا رسالة رب العالمين، قاله أبوعبيدة، ومنه قول كثير: شعر : لقد كَذَّب الواشون ما بُحْتُ عندهم بسرٍّ ولا أرسلتهم برسول تفسير : أي رسالة. قوله عز وجل: {قَاَلَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} أي صغيراً، لأنه كان في داره لقيطاً. {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} لم يؤذن له في الدخول عليه سنة، وخرج من عنده عشر سنين، وعاد إليه يدعوه ثلاثين سنة، وبقي بعد غرقه خمسين سنة، قال ذلك امتناناً عليه. {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ} يعني قتل النفس. {وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ} فيه قولان: أحدهما: أي على ديننا الذي لا تقول إنه كفر، وهو قول السدي. الثاني: من الكافرين لإحساني إليك وفضلي عليك، وهذا قول محمد بن إسحاق. قوله عز وجل: {قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضَّآلِينَ} يعني قتل النفس، قال المفضل: ومعنى إذن لموجبٍ. {وَأَنَاْ مِنَ الضَّآلِينَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: من الجاهلين، وهو قول مجاهد لا يعلم أنها تبلغ. والثاني: من الضالين عن النبوة، لأن ذلك كان قبل الرسالة، وهو معنى قول الضحاك. الثالث: من الناسين، وهو قول ابن زيد، كما قال تعالى: {أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى}. قوله عز وجل: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمْنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} فيه أربعة أوجه: أحدها: معناه أن اتخاذك بني إسرائيل عبيداً قد أحبط نعمتك التي تمن عليّ، وهذا قول عليّ بن عيسى. والثاني: معناه أنك لما ظلمت بني إسرائيل ولم تظلمني، أعددت ذلك نعمة تمنّ بها عليّ؟ قاله الفراء. والثالث: أنه لم تكن لفرعون على موسى نعمة لأن الذي رباه بنو إسرائيل بأمر فرعون لاستعباده لهم، فأبطل موسى نعمته لبطلان استرقاقه. والرابع: أن فرعون أنفق على موسى في تربيته من أموال بني إسرائيل التي أخذها من أكسابهم حين استعبدهم، فأبطل موسى النعمة وأسقط المنة، لأنها أموال بني إٍسرائيل لا أموال فرعون، وهذا معنى قول الحسن. وفي التعبيد وجهان: أحدهما: أنه الحبس والإِذلال، حكاه أبان بن تغلب. الثاني: أنه الاسترقاق، فالتعبيد الاسترقاق، سمي بذلك لما فيه من الإِذلال، مأخوذ من قولهم طريق معبد، ومنه قول طرفة بن العبد. شعر : تبارى عناقـــاً ناجيـــات وأتـبـعت وظـيـفـاً فــوق مــورٍ مُــعَبـّدِ تفسير : أي طريق مذلل.
ابن عطية
تفسير : التقدير واذكر {إذ نادى ربك موسى} وسوق هذه القصة تمثيل لكفار قريش لتكذيبهم محمداً صلى الله عليه وسلم، وقوله {أن ائت} يجوز في {أن} أن تكون مفسرة لا موضع لها من الإعراب بمنزلة أي، ويجوز أن تكون غيرها وهي في موضع نصب بتقدير بأن ائت، وقوله {ألا يتقون} معناه قل لهم فجمع في هذه العبارة من المعاني نفي التقوى عنهم وأمرهم بالتقوى، وقرأ الجمهور" يتقون" بالياء من تحت، وقرأ عبد الله بن مسلم وحماد بن سلمة وأبو قلابة "تتقون" بالتاء من فوق على معنى قل لهم، ولعظيم نخوة فرعون وتألهه وطول مدته وما أشربت القلوب من مهابته قال عليه السلام {إني أخاف أن يكذبون}. وقرأ جمهور الناس "ويضيقُ" بالرفع و"ينطلقُ" كذلك، وقرأ الأعرج وطلحة وعيسى ذلك بالنصب فيهما، فقراءة الرفع هي إخبار من موسى بوقوع ضيق صدره وعدم انطلاق لسانه، وبهذا رجح أبو علي هذه القراءة، وقراءة النصب تقتضي أن ذلك داخل تحت خوفه وهو عطف على {يكذبون}، وكان في خلق موسى عليه السلام حد وكان في لسانه حبسة بسبب الجمرة في طفولته، وحكى أبو عمرو عن الأعرج أنه قرأ بنصب "ويضيقَ" وبرفع "ينطلقُ" وقد يكون عدم انطلاق اللسان بالقول لغموض المعاني التي تطلب لها ألفاظ محررة، فإذا كان هذا في وقت ضيق صدر ولم ينطلق اللسان، وقد قال موسى عليه السلام {أية : واحلل عقدة من لساني} تفسير : [طه: 27] فالراجح قراءة الرفع، وقوله تعالى: {فأرسل إلى هارون} معناه يعينني ويؤازرني، وكان هارون عليه السلام فصيحاً واسع الصدر، فحذف بعض المراد من القول إذ باقيه دال عليه، ثم ذكر موسى خوفه القبط من أجل ذنبه، وهو قتله الرجل الذي وكزه، قاله قتادة ومجاهد والناس، فخشي أن يستقاد منه لذلك فقال الله عز وجل له {كلا} رداً لقوله {إني أخاف} أي لا تخف ذلك فإني لم أحملك ما حملتك إلا وقد قضيت بنصرك وظهورك وأمر موسى وهارون بخطاب لموسى فقط، لأن هارون ليس بمكلم بإجماع، ولكن قال لموسى "اذهبا" أي أنت وأخوك، والآيات تعم جميع ما بعثهما الله به وأعظم ذلك العصا بها وقع العجز، وبالآيتين تحدى موسى عليه السلام، ولا خلاف في أن موسى عليه السلام هو الذي حمله الله أمر النبوة وكلها، وأن هارون كان نبياً رسولاً معيناً له وزيراً، وقوله {إنا معكم} إما على أن يجعل الاثنين جماعة، وإما أن يريدهما، والمبعوث إليهم وبني إسرائيل، وقوله {مستمعون} على نحو التعظيم والجبروت التي لله تعالى، وصيغة قوله {مستمعون} تعطي اهتبالاً بالأمر ليس في صيغة قوله "سامعون"، وإلا فليس يصف الله تعالى بطلب الاستماع، وإنما القصد إظهار التهمم ليعظم أنس موسى أو تكون الملائكة بأمر الله إياها تستمع، وقوله تعالى: {إنا رسول رب العالمين} هو على أن العرب أجرت الرسول مجرى المصدر في أن وصفت به الجمع والواحد والمؤنث، ومن ذلك قول الهذلي: شعر : ألكني إليها وخير الرسو ل أعلمهم بنواحي الخبر تفسير : ومنه قول الشاعر: وإن كان مولداً. شعر : إن التي أبصرتها سحراً تكلمني رسول تفسير : وقوله {أن أرسل معنا بني إسرائيل} معناه سرح، فهو من الإرسال الذي هو بمعنى الإطلاق، وكما تقول أرسلت الحجر من يدي، وكان موسى مبعوثاً إلى فرعون في أمرين: أحدهما أن يرسل بني إسرائيل ويزيل عنهم ذل العبودية والغلبة، والثاني أن يؤمن ويهتدي وأمر بمكافحته ومقاومته في الأول، ولم يؤمر بذلك في الثاني على ما بلغ من أمره، وبعث بالعبادات والشرع إلى بني إسرائيل فقط، هذا قول بعض العلماء، وقول فرعون لموسى {ألم نُربّك} هو على جهة المن عليه والاحتقار، أي ربيناك صغيراً ولم نقتلك في جملة من قتلنا، {ولبثت فينا سنين}، فمتى كان هذا الذي تدعيه، وقرأ جمهور القراء "من عمُرك" بضم الميم، وقرأ أبو عمرو "عمْرك" بسكونها، ثم قرره على قتل القبطي بقوله {وفعلت فعلتك} والفَعلة بفتح الفاء المرة من الفعل، وقرأ الشعبي "فِعلتك" بكسر الفاء وهي هيئة الفعل، وقوله {وأنت من الكافرين}، يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها أن يريد وقتلت القبطي {وأنت} في قتلك إياه {من الكافرين} إذ هو نفس لا يحل قتله قاله الضحاك، أو يريد {وأنت من الكافرين} بنعمتي في قتلك إياه قاله ابن زيد، وهذان بمعنى واحد في حق لفظ الكفر، وإنما اختلفا باشتراك لفظ الكفر والثاني أن يكون بمعنى الهزء على هذا الدين فأنت من الكافرين بزعمك قاله السدي، والثالث هو قول الحسن أن يريد {وأنت من الكافرين} الآن يعني فرعون بالعقيدة التي كان يبثها فيكون الكلام مقطوعاً من قوله {وفعلت فعلتك} وإنما هو إخبار مبتدأ كان من الكافرين وهذا الثاني أيضاً يحتمل أن يريد به كفر النعمة. قال القاضي أبو محمد: وكان بين خروج موسى عليه السلام حين قتل القبطي وبين رجوعه نبياً إلى فرعون إحدى عشر سنة غير أشهر.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ} التقدير: واذكر إذ نادى ربك موسى، وسَوْقُ هذه القصة تمثيل لكفار قريش في تكذيبهم النبيَّ صلى الله عليه وسلم. وقوله: {فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَـٰرُونَ} معناه: يعينني {وَلَهُم عَلَيَّ ذَنبٌ} يعني قَتْلَهُ القِبْطِيَّ. وقوله تعالى: {كَلاَّ} رَدٌّ لقوله: {إِنِّي أَخَافُ} أي: لا تخف ذلك، وقول فرعون لموسى: {أَلَم نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} هو على جهة المَنِّ عليه والاحتقار، أي: رَبَّيْنَاكَ صغيراً، ولم نقتلك في جملة مَنْ قَتَلْنَا {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ}: فمتى كان هذا الذي تدَّعِيْهِ، ثم قرره على قتل القبطي بقوله: {وَفَعَلْتَ فِعْلَتَكَ} والفَعْلَةُ - بفتح الفاء -: المَرَّةُ، وقوله: {وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ} يريد: وقتلت القبطيَّ وأنت في قتلك أَباه من الكافرين؛ إذ هو نَفْسٌ لا يحلُّ قتلها؛ قاله الضَّحَّاكُ، أو يريد: وأنت من الكافرين بنعمتي في قتلك إياه؛ قاله ابن زيد؛ ويحتمل أن يريد: وأنت الآن من الكافرين بنعمتي، وكان بين خروج موسى عليه السلام حين قتل القبطي وبين رجوعه نَبِيّاً إلى فرعون ـــ أَحَدَ عَشَرَ عاماً غيرَ أشهرٍ. وقوله: {قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً}: من كلام موسى عليه السلام والضميرُ في قوله: {فَعَلْتُهَا} لِقَتْلَةِ القِبْطِيِّ. وقوله: {وَأَنَا مِنَ ٱلضَّالِّينَ} قال ابن زيد: معناه: من الجاهلين بأنَّ وكزتي إياه تأتي على نفسه، وقال أبو عبيدةَ: معناه: من الناسين، ونزع بقوله: {أية : أنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا} تفسير : [البقرة:282]، وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس: «وأَنَا مِنَ الجَاهِلِينَ»، ويشبه أن تكون هذه القراءة على جهة التفسير، و {حُكْماً} يريد: النّبُوَّةَ وحكمتها. وقوله: {وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ} درجة ثانية لِلنُّبُوَّةِ، فرُبَّ نبيٍّ ليس برسول.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ} الآية. العامل في "إذْ نَادَى" مضمر، فقدره الزجاج: اتْلُ. وقدره غيره: اذكر. واختلف في النداء الذي سمعه موسى - عليه السلام - من الله تعالى، فقيل: هو الكلام القديم، فكما أن ذاته تعالى لا تشبه سائر الذوات مع أن الدليل دل على أنها معلومة ومرتبة، فكذا كلامه منزه عن مشابهة الحرف والصوت مع أنه مسموع وقيل: كان نداء من جنس الحروف والأصوات. وقالت المعتزلة: كان ذلك النداء حروفاً وأصواتاً علم به موسى من قبل الله تعالى فصار معجزاً، علم به موسى أن الله تعالى مخاطب له فلم يحتج مع ذلك إلى واسطة. قوله: {أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ}. يجوز أن تكون "أَنْ" مفسِّرة، وأن تكون مصدرية، أي: بأن. قوله: "قَوْمَ فِرْعَوْنَ". بدل أو عطف بيان لـ "القَوْمَ الظَّلِمِينَ". وقال أبو البقاء: إنه مفعول (تَتَّقُونَ) على قراءة من (تَتَّقُونَ) بالخطاب وفتح النون، كما سيأتي. ويجوز على هذه القراءة أن يكون منادى. قوله: "أَلاَ يَتَّقُونَ". العامة على الياء في "يَتَّقُونَ" وفتح النون، والمراد قوم فرعون، والمفعول محذوف، أي: يتقون عقابي، [وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار، وحماد، وشقيق بن سلمة بالتاء من فوق على الالتفات، خاطبهم بذلك توبيخاً] والتقدير: يا قوم فرعون. وقرأ بعضهم: "يَتَّقُونِ" بالياء من تحت، وكسر النون، وفيها تخريجان: أحدهما: أن "يَتَّقُونِ" مضارع، ومفعوله ياء المتكلم اجتزئ عنها بالكسرة. والثاني: جوّزه الزمخشري، أن تكون "يا" للنداء، و "اتَّقُونِ" فعل أمر، كقوله: "أَلاَ يَا اسْجُدُواْ" أي: يا قوم اتقون، أو يا ناس اتقون. وسيأتي تحقيق مثل هذا في السورة تحتها. وهذا تخريج بعيد. وفي هذه الجملة وجهان: أحدهما: أنها مستأنفة لا محل لها من الإعراب. وجوّز الزمخشري أَن تكون حالاً من الضمير في "الظَّالمِينَ" أي: يظلمون غير متَّقين اللَّهَ وعقابَه، فأُدخلت همزةُ الإنكار على الحال. وخطأه أبو حيان من وجهين: أحدهما: أنه يلزم عنه الفصل بين الحال وعاملها بأجنبي منهما، فإن أعرب "قَوْمَ فِرْعَوْنَ" عطف بيان لـ "القَوْمَ الظَّالمينَ". والثاني: أنه على تقدير تسليم ذلك لا يجوز أيضاً؛ لأن ما بعد الهمزة لا يعمل فيما قبلها، قال: وقولك: (جئتُ أمسرعاً)، إن جعلت (مسرعاً) معمولاً لـ (جئت) لم يجز، فإن أضمرت عاملاً جاز. والظاهر أن "أَلاَ" للعرض. وقال الزمخشري: إنها (لا) النافية، دخلت عليها همزة الإنكار. وقيل: هي للتنبيه. فصل قوله: {وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ} حين رأى الشجرة والنار {أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمينَ} أي: الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، فحكم عليهم بالظلم من وجهين: الأول: ظلموا أنفسهم بكفرهم. والثاني: ظلمهم بني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب. "قَوْمَ فِرْعَوْنَ" عطف "قَوْمَ فِرْعَوْنَ" على "القَوْمَ الظَّالِمينَ" فهما يدلان لفظاً على معنى واحد. "أَلاَ يَتَّقُونَ" أي: يصرفون عن أنفسهم عقوبة الله بطاعته. ومن قرأ "تَتَّقُونَ" بالخطاب فعلى الالتفات إليهم وصرف وجوههم بالإنكار والغضب عليهم، كمن يشكو من جناية والجاني حاضر، فإذا اندفع في الشكاية، وحمي غضبه قطع بأنه يخاطب صاحبه، وأقبل على الجاني يوبخه ويعنفه ويقول له: ألم تتق الله؟ ألم تستحي من الناس؟ فإن قيل: فما الفائدة في هذا الالتفات والخطاب مع موسى - عليه السلام - في وقت المناجاة، والملتفت إليهم غائبون لا يشعرون؟. قلنا: أجري ذلك في تكليم المرسل إليهم معنى إجرائه بحضرتهم وإلقائه إلى مسامعهم، لأنه مبلغهم، وله فيه لطف وحث على زيادة التقوى، وكم من آية نزلت في الكافرين وفيها أوفر نصيب للمؤمنين تدبراً بها، واعتباراً بمواردها.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه {وإذ نادى ربك موسى} قال: حين نودي من جانب الطور الأيمن. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {ولهم عليّ ذنب} قال: قتل النفس التي قتل فيهم وفي قوله {وفعلت فعلتك التي فعلت} قال: قتل النفس أيضاً. وفي قوله {فعلتها إذاً وأنا من الضالين} قال: من الجاهلين. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ولهم عليّ ذنب} قال: قتل النفس. وفي قوله {ألم نربّك فينا وليداً} قال: التقطه آل فرعون فربوه وليداً حتى كان رجلاً {وفعلت فعلتك التي فعلت} قال: قتلت النفس التي قتلت {وأنت من الكافرين} قال: فتبرأ من ذلك نبي الله قال: {فعلتها إذاً وأنا من الضالين} قال: من الجاهلين. قال: وهي في بعض القراءة {إذن وأنا من الجاهلين} فإنما هو شيء جهله ولم يتعمده. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين} قال: من فرعون على موسى حين رباه. يقول: كفرت نعمتي. وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {وتلك نعمة تمنها عليَّ أن عبدت بني إسرائيل} قال: قهرتهم واستعملتهم. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين} قال: للنعمة. إن فرعون لم يكن يعلم ما الكفر؟ وفي قوله {قال فعلتها إذاً وأنا من الضالين} قال: من الجاهلين. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن ابن جريج قال في قراءة ابن مسعود "فعلتها إذن وأنا من الجاهلين". وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {فوهب لي حكماً} قال: النبوة. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه {وتلك نعمة تمنها عليَّ} قال: يقول موسى لفرعون: أتمن عليَّ يا فرعون بأن اتخذت بني إسرائيل عبيداً وكانوا أحراراً فقهرتهم واتخذتهم عبيداً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {قال فرعون وما رب العالمين} إلى قوله {إن كنتم تعقلون} قال: فلم يزده إلا رغماً. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} يقول: مبين له خلق حية {ونزع يده} يقول: وأخرج موسى يده من جيبه {فإذا هي بيضاء} تلمع {للناظرين} ينظر إليها ويراها. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: أقبل موسى بأهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلاً، فتضيف على أمه وهو لا يعرفهم في ليلة كانوا يأكلون منها الطقشيل، فنزل في جانب الدار، فجاء هارون، فلما أبصر ضيفه سأل عنه أمه، فأخبرته أنه ضيف فدعاه فأكل معه، فلما قعدا فتحدثا فسأله هارون من أنت؟ قال: أنا موسى. فقام كل واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه، فلما أن تعارفا قال له موسى: يا هارون انطلق بي إلى فرعون فإن الله قد أرسلنا إليه. قال هارون: سمعاً وطاعة فقامت أمهما فصاحت وقالت: أنشدكما بالله أن لا تذهبا الى فرعون فيقتلكما، فأبيا فانطلقا إليه ليلاً، فأتيا الباب، فضرباه، ففزع فرعون وفزع البواب فقال فرعون: من هذا الذي يضرب ببابي هذه الساعة؟ فأشرف عليهما البواب فكلمهما فقال له موسى: {إنا رسول رب العالمين} ففزع البواب، فأتى فرعون فأخبره فقال: إن ههنا إنساناً مجنوناً يزعم أنه رسول رب العالمين فقال: أدخله، فدخل فقال: إنه رسول رب العالمين. {قال فرعون: وما رب العالمين} قال: {أية : ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} تفسير : [طه: 50] قال: {أية : إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين}تفسير : [الأعراف: 106] والثعبان الذكر من الحيات فاتحة فمها لحيها الأسفل في الأرض والأعلى على سورة القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه، فلما رآها ذعر منها ووثب فأحدث ولم يكن يحدث قبل ذلك وصاح: يا موسى خذها وأنا أؤمن بك وأرسل معك بني إسرائيل. فأخذها موسى فصارت عصا فقالت السحرة في نجواهم {أية : إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهم}تفسير : [طه: 63] فالتقى موسى وأمير السحرة فقال له موسى: أرأيت أن غلبتك غداً أتؤمن بي، وتشهد أن ما جئت به حق؟ قال الساحر: لآتين غداً بسحر لا يغلبه شيء، فوالله لئن غلبتني لأؤمنن بك، ولأشهدن أنك حق؛ وفرعون ينظر إليهما. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {وقيل للناس هل أنتم مجتمعون} قال: كانوا بالاسكندرية قال: ويقال بلغ ذنب الحية من وراء البحيرة يومئذ قال: وهزموا وسلم فرعون وهمت به فقال: خذها يا موسى. وكان مما بلي الناس به منه أنه كان لا يضع على الأرض شيئاً، فاحدث يومئذ تحته، وكان ارساله الحية في القبة الخضراء. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون} قال: فوجدوا الله أعز منه. وأخرج ابن أبي حاتم عن بشر بن منصور قال: بلغني أنه لما تكلم ببعض هذا {وقالوا بعزة فرعون} قالت الملائكة: قصمه ورب الكعبة فقال الله "تالون عليَّ قد أمهلته أربعين عاماً". وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله {لا ضير} قال: يقولون لا يضرنا الذي تقول، وإن صنعت بنا وصلبتنا {إنا إلى ربنا منقلبون} يقول: انا إلى ربنا راجعون. وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك ايانا، وثباتنا على توحيده، والبراءة من الكفر به، وفي قوله {أن كنا أول المؤمنين} قال: كانوا كذلك يومئذ أول من آمن بآياته حين رآها.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء رحمه الله: أسره بدعائهم إلى توحيده وقد أشهده عظمته فى انفراده، وإحاطة علمه، وقدرته بعباده فقال: {إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} [الآية: 12]. فنطق بخوفه بلسان إعظام الحق وإجلاله خوفًا من أن يرى تكذيبهم بمقال ورد عليهم من الخوف خوف من إسماعه إنكارًا، وأشفق من مشاهدتهم على ذلك إكبارًا.
القشيري
تفسير : أخبر أنه لما أمره بالذهاب إلى فرعون لدعوته إلى الله عَلِمَ أن شديد الخصومة، قد غَرَّتْه نَفْسُه فهو لا يبالي بما فعل. وأخَذَ (موسى) يتعلَّلُ - لا على جهة الإباء والمخالفة - ولكن على وجه الاستعفاء والإقالة إلى أن عَلِمَ أنَّ الأمرَ به جَزْمٌ، والحُكْمَ به عليه حَتْمٌ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} ناداه بنسات الوصال وكشف الجمال ثم امتحنه باعظم البلاء وهو صحبة الامتداد اظهار الربوبية وايجاد العبودية فاشفق موسى على خلقه بانهم ان كذبوه ملكوا لانه اخبر عن عظائم المقامات وحقائق الحالات بقوله {قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} وخوفه كان شفقة عليهم قال ابن عطا امره بدعائهم الى توحيده وقد اشهده عظمته فى انفراده احاطه علمه وقدرته بعباده فقال انى اخاف ان يكذبون فنطق بخوفه بلسان اعظم الحق واجلاله خوفا من ان يرى تكذيبهم بمقال ورد عليهم من الحق خاف من استماعه انكارا واشفق عن مشاهدتهم على ذلك اكبار ولما استطاب موسى مقام المداناة والمناجاة مع الحق سبحانه تعالى بقوله {وَيَضِيقُ صَدْرِي} اى ضاق صدرى من حمل وارد كشف الالوهية ومن غابة سكرى بشراب المحبة والوصلة ونظر روحى الى جمال الديمومية لا ينطلق لسانى بابلاغ الرسالة ولا يحتمل صدرى ورحمة رويتهم {وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي} بالعبادتى عن مقامى بين يديك لهم قال الشبلى كذلك صفة من يحقق فى المحبة ان يضيق صدره عن حمل ما فيه من انواع المحن وبكل لسانه من الاخبار عن شئ منه ليخرج به فيموت فيها كمد او يعيش فيها فندا ولمّا طاب وقت موسى فى استماعه كلام الحق من الحق بلا واسطة وحصل له لذة الحضور والمشاهدة ثقل عليه احكام الرسالة مع الخلق وابلاغها اليهم فتعلل بقوله {فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} وليس بعجب طريان خوف الطبيعة وصفات البشرية على الانبياء فى الاصل فالمعرفة ثابت هذا شرط الانبساط والسؤال عن سر القدر هل يكون مقتولاً بيدهم بالحكم السابق فاخبره الحق سبحانه ان فرعون وقومه من الهالكين لاجل عصيانهم بقوله {قَالَ كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ} اى من كنت معه بالنصر والظفر لا يخذله احد قال ابو بكر بن طاهر السوال سوال الحق تعالى عن عمله فاجابه كلا ثم بدا فقال اذهبا الأية تقدير بسواله اى هل فى سبق علمك وواجب حكمك ان يقتلون يستدل على ذلك بجواب الحق له كلا ثم خاطبه وبعثه بالرسالة وامرها باظهار الدلالة.
اسماعيل حقي
تفسير : {واذ نادى ربك موسى} اذ منصوب باذكر المقدر والمناداة والنداء رفع الصوت واصله من الندى وهو الرطوبة واستعارته للصوت من حيث ان من تكثر رطوبة فمه حسن كلامه ولهذا يوصف الفصيح بكثرة الريق. والمعنى اذكر يا محمد لقومك وقت نداءه تعالى وكلامه موسى اى ليلة رأى الشجرة والنار حين رجع من مدين وذكرهم بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم اياه وحذرهم ان يصيبهم مثل ماصابهم {ان ائت} تفسير نادى فان مفسرة بمعنى اى والاتيان مجيىء بسهولة. والمعنى قال له يا موسى ائت {القوم الظالمين} انفسهم بالكفر والمعاصى واستعباد بنى اسرائيل وذبح ابنائهم.
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {و} اذكر يا محمد {إذ نادى ربُّك موسى} أي: وقت ندائه إياه، وذَكِّر قومك بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم؛ زجراً لهم، وتحذيراً من أن يحيق بهم مثل ما حاق بإخوانهم المكذبين. أو: واذكر حاله لتتسلى به وبما عالج مع قومه, حيث أرسله وقال له: {أن ائْتِ القوم الظالمين}, أو: بأن ائْتِ القومَ الظالمين بالكفر والمعاصي، أو: باستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم. {قومَ فرعون}: عطف بيان، تسجل عليهم بالظلم، ثم فسرهم، وقل لهم: {ألاَ يتقون} الله، ويتركون ما هم عليه من العتو والطغيان. وقرئ بتاء الخطاب؛ على طريقة الالتفات، المنبئ عن زيادة الغضب عليهم، كأنَّ ظلمهم أدى إلى مشافهتهم بذلك. وليس هذا نفس ما ناداه به، بل ما في سورة طه من قوله: {أية : إِنّىِ أَنَاْ رَبُّكَ...} تفسير : [طه: 12] إلخ، واختصره هنا لمقتضى المقام. {قال} موسى عليه السلام؛ متضرعاً إلى الله عز وجل: {ربِّ إني أخافُ أن يكذِّبون} من أول الأمر، {ويضيق صدري} بتكذيبهم إياي، {ولا ينطلقُ لساني}؛ بأن تغلبني الحمية على ما أرى من المحال، وأسمع من الجدال، أو: تغلبني عقدة لساني، {فأرسلْ إلى هارون} أخي، أي: أرسل جبريلَ إليه، ليكون نبياً معي، أَتَقَوَّى به على تبليغ الرسالة. وكان هارون بمصر حين بُعث موسى بجبل الطور. وليس هذا من التعلل والتوقف في الأمر، وإنما هو استدعاء لما يُعينه على الامتثال، وتمهيد عذره. ثم قال: {ولهم عليّ ذنبٌ} أي: تبعة ذنب بقتل القبطيّ، فحذف المضاف، أو: سمّي تبعة الذنب ذنباً، كما يُسَمَّى جزاء السيئة سيئة. وتسميته ذنباً بحسب زعمهم. {فأخافُ أن يقتلونِ} به؛ قصاصاً. وليس هذا تعللا أيضاً، بل استدفاع للبلية المتوقعة، وخوف من أن يقتل قبل أداء الرسالة، ولذلك وعده بالكلاءة، والدفع عنه بكلمة الردع، وجمع له الاستجابتين معاً بقوله: {قال كلا فاذهبا}؛ لأنه استدفعه بلاءهم، فوعده بالدفع بردعه عن الخوف، والتمس منه رسالة أخيه، فأجابه بقوله: {اذهبا}، أي: جعلتُه رسولاً معك {فاذهبا بآياتنا} أي: مع آياتنا، وهو اليد والعصا وغير ذلك، فقوله: {فاذهبا}: عطف على مضمر، يُنبئ عنه الردع، كأنه قيل: ارتدع يا موسى عما تظن، فاذهب أنت ومن استدعيته مصحوباً بآياتنا، فإنها تدفع ما تخافه. {إنّما معكم مستمعون} أي: سامعون ما يقال لك، وما يجري بينكما وبينه، فنظهركما عليه. شبَّه حاله تعالى بحال ذي شوكة قد حضر مجادلة، فسمع ما يجري بينهم، فيمد أولياءه وينصرهم على أعدائهم؛ مبالغة في الوعد بالإعانة، فاستعير الاستماع، الذي هو الإصغاء للسمع، الذي هو العلم بالحروف والأصوات، وهو تعليل؛ للردع عن الخوف، ومزيد تسلية لهما، بضمان كمال الحفظ والنصر، كقوله تعالى: {أية : إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ}تفسير : [طه: 46]. {فَأْتِيَا فرعونَ فقولا إِنا رسولُ ربِّ العالمين}، ليس هذا مجرد تأكيد للأمر بالذهاب؛ لأن معنى هذا: الوصولُ إلى المرسل إليه، والذهاب: مطلق التوجه، ولم يُثَنَّ الرسول هنا كما ثناه في سورة طه؛ لأن الرسول يكون بمعنى المرسل وبمعنى الرسالة، فيكون مصدراً، فَجُعِلَ ثَمَّةَ بمعنى المُرْسَل فثنى، وجعل هنا بمعنى الرسالة، فسوّى في الوصف به الواحد والتثنية والجمع، كما تقول: رجل عدل، ورجلان عدل، ورجال عدل؛ لاتحادهما في شريعة واحدة، كأنهما رسول واحد. قلت: والنكتة في إفراد هذا وتثنية الآخر؛ أن الخطاب في سورة طه توجه أول القصة إليهما معاً بقوله {اذهب أنت وأخوك} فجرى في آخر القصة على ما افتتحت به، وهنا توجه الخطاب في أولها إلى موسى وحده، بقوله: {وإِذا نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين}، فجرى على ما افتتح به القصة من الإفراد. والله تعالى أعلم. {أنْ أرسل معنا بني إسرائيل}، "أن": مفسرة؛ لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول، أي: خَلِّ بني إسرائيل تذهب معنا إلى الشام، وكان مسكنهم بفلسطين منه، قبل انتقالهم مع يعقوب عليه السلام إلى مصر، في زمن يوسف عليه السلام. والله تعالى أعلم. الإشارة: من كان أهلاً للوعظ والتذكير لا ينبغي أن يتأخر عنه خوف التكذيب ولا خوف الإذاية، فإن الله معه بالحفظ والرعاية. نعم؛ إن طلب المُعِينَ فلا بأس، فإن أُبهة الجماعة، في حال الإقبال على من يُعظمهم، أقوى في الإدخال الهيبة والروع في قلوبهم، ونور الجماعة أقوى من نور الواحد. والله تعالى أعلم. ثم ذكر جواب فرعون ومجادلته، فقال: {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً...}
الطوسي
تفسير : قرأ {ويضيق صدري، ولا ينطلق لساني} بالنصب يعقوب، عطفاً على {أن يكذبون} الباقون - بالرفع - عطفاً على {أخاف} ويجوز أن يكون على الاستئناف. والمعنى: واني يضيق صدري. يقول الله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) واذكر يا محمد الوقت الذي نادى فيه ربك - الذي خلقك - موسى، ومعناه قال له: يا موسى، بأن ائت القوم الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي. ثم بين: من القوم الموصوفون بهذه الصفة؟ بان قال {قوم فرعون} وهو عطف بيان {ألا يتقون} وإنما قال بالياء، لأنه على الحكاية. وتقديره: فقل لهم: ألا تتقون، ومثله {قل للذين كفروا سيغلبون} بالياء والتاء. ولو قرى بالتاء كان جائزاً، والتقوى مجانبة القبائح بفعل المحاسن: اتقى الله يتقيه اتقاء أي اتقى عقابه بطاعته بدلا عن معصيته، واصله صرف الأمر بحاجز بين الصارف وبينه. ثم حكى ما قال موسى وجوابه، فانه قال يا {رب إني أخاف أن يكذبون} ولا يقبلون مني. والخوف انزعاج النفس بتوقع الضرر، ونقيضه الامن وهو سكون النفس إلى خلوص النفع، ونظير الخوف الفزع والذعر والجزع. والتكذيب تصيير المخبر كاذباً باضافة الكذب اليه، كذبه تكذيباً وأكذبه إكذاباً والكذب نقيض الصدق، والكذب كله قبيح، والتكذيب على وجهين: فتكذيب الصادق قبيح، وتكذيب الكاذب حسن. وقوله {ويضيق صدري ولا ينطلق لساني} حكاية أيضاً عما قال موسى، وضيق الصدر غم يمنع من سلوك المعاني في النفس، لأنه يمنع منه كما يمنع ضيق الطريق من السلوك فيه. وقوله {ولا ينطلق لساني} أي لا ينبعث بالكلام وقد يتعذر ذلك لآفة في اللسان، وقد يتعذر لضيق الصدر، وغروب المعاني التي تطلب الكلام. وقوله {فأرسل إلى هارون} يعني لمعاونتي، كما يقال: إذا نزلت بنا نازلة أرسلنا اليك أي لتعيننا. وقيل: انما طلب المعاونة حرصاً على القيام بالطاعة. {ولا ينطلق لساني} للعقدة التي كانت فيه. قال الجبائي: لم يسأل موسى ذلك إلا بعد أن أذن الله تعالى له في ذلك، لان الانبياء لا يسألون الله إلا ما يؤذن لهم في مسألته. وقوله {ولهم علي ذنب} يعني قتل القبطي الذي قتله موسى حين استصرخ به واحد من أصحابه من بني اسرائيل - ذكره مجاهد وقتادة - وقوله {فأخاف أن يقتلون} بدل ذلك المقتول.
الجنابذي
تفسير : {وَإِذْ نَادَىٰ} معطوف على محذوفٍ متعلّق بالعزيز او الرّحيم اى هو العزيز الرّحيم اليوم واذ نادى {رَبُّكَ مُوسَىٰ} او متعلّق يقال ربّ انّى اخاف او متعلّق بمحذوفٍ معطوفٍ على محذوفٍ او معطوفٍ على سابقه باعتبار المعنى فانّ السّابق فى معنى اذكر ذلك فكأنّه قال فاذكر ذلك ذكر نبأ اذ نادى ربّك موسى (ع) {أَنِ ٱئْتَ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} وصفهم بالظّلم ليكون كالعلّة للامر.
اطفيش
تفسير : {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ} أي واذكر يا محمد لقومك وقت نداء ربك وهو ليلة رؤية الشجرة. {مُوسَى أَنِ} حرف تفسير أو حرف مصدر يقدر حرف الجر قبله المصدر، ولعل للاشفاق بالنسبة إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أي أشفق على نفسك أن نقها حسرة على ما فاتك من إيمانهم، وأصل البخع قيل مخصوص وهو أن يبلغ الذابح البخاع وهو عرق مستبطن القفا وهو أقصى حد الذبح، قال جار الله في الدر الفائق البخع بالنون دون ذلك وهو أن يبلغ بالذبح النخاع وهو الخيط الأبيض الذي في الرقبة. قال ابن حيان بعد نقله ذلك: طالما بحثت في كتب اللغة والطب حجة على من لم يحفظ 1ـ هـ وفي القاموس بخع نفسه كمنع قتلها غما وبخع بالشاة بالغ في ذبحها حتى بلغ البخاع هذا أصله ثم استعمل في كل مبالغة فلعلك باخع نفسك أي مهلكها مبالغا فيها حريصا على إسلامهم وككتاب عرق في الصلب ويجري في عظم الرقبة وهو غير النخاع بالنون فيما زعم الزمخشري 1ـ هـ وقرأ قتادة باخع نفسك بالاضافة. {ائْتِ القَوْمَ الظَّالِمِينَ} لأنفسهم بالكفر والمعاصي ولبني اسرائيل حيث استعبدوهم وذبحوا أبناءهم.
اطفيش
تفسير : {وإذْ نادَى ربُّك مُوسى} اذكر إذ نادى الخ تسلية له بما وقع لموسى مع فرعون، وقيل: اذكر لقومك ما جرى لموسى مع فرعون تهديداً لهم، بأن يهلكوا كما هلك فرعون وقومه، كقوله تعالى: {واتل عليهم نبأ إبراهيم} {أنْ ائت القوم الظالمين} إن تفسيرية لتقدم معنى القول دون حروفه، وهو نادى فانه بمنزلة قال ربك يا موسى ائت القوم الظالمين بالاشراك والمعاصى، واستعباد بنى اسرائيل، وذبح أبنائهم.
الالوسي
تفسير : {وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ } كلام مستأنف مقرر لسوء حالهم ومسل له صلى الله عليه وسلم أيضاً لكن بنوع آخر من أنواع التسلية على ما قيل: و {إِذَ } منصوب على المفعولية بمقدر خوطب به النبـي صلى الله عليه وسلم معطوف على ما قبله عطف القصة على القصة، والتقدير عند بعض واذكر في نفسك وقت ندائه تعالى أخاك موسى عليه السلام وما جرى له مع قومه من التكذيب مع ظهور الآيات وسطوع المعجزات لتعلم أن تكذيب الأمم لأنبيائهم ليس بأول قارورة كسرت ولا بأول صحيفة نشرت فيهون عليك الحال وتستريح نفسك مما أنت فيه من البلبال. وعند شيخ الإسلام واذكر لقومك وقت ندائه تعالى موسى عليه السلام وذكرهم بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم إياه عليه السلام زاجراً لهم عما هم عليه من التكذيب وتحذيراً من أن يحيق بهم مثل ما حاق بهم حتى يتضح لديك أنهم في غاية العناد والإصرار لا يردعهم أخذ أضرابهم من المكذبين الأشرار ولا يؤثر فيهم الوعظ والإنذار، وهذا التقدير يناسب صدر القصة الآتية أعني قوله تعالى: {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرٰهِيمَ } تفسير : [الشعراء: 69] والأول يناسب القصص المصدرة بـ {أية : كَذَّبَتْ} تفسير : [الشعراء: 105]على ما قيل. والأظهر عندي تقدير واذكر لقومك لوضوح اقتضاء {أية : وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ } تفسير : [الشعراء: 69] له. ولا نسلم اقتضاء تلك القصص المصدرة بكذبت تقدير اذكر في نفسك وأمر المناسبة مشترك وإن سلم اختصاصها به فهي لا تقاوم الاقتضاء المذكور. نعم الأظهر أن يكون وجه التسلي بما ذكر كونه عليه الصلاة والسلام ليس بدعا من الرسل ولا قومه بدعا من الأقوام في التكذيب مع ظهور الآيات وسطوع المعجزات وقد تضمن الأمر بذكر ذلك لهم الأمر بالتسلي به على أتم وجه فتدبر. وأياً ما كان فوجه توجيه الأمر بالذكر إلى الوقت مع أن المقصود ذكر ما فيه قد مر مراراً. وقيل: إن ذلك المقدر معطوف على مقدر آخر أي خذ الآيات أو ترقب إتيان الأنباء واذكر وهو تكلف لا حاجة إليه. وقيل: {إِذْ } ظرف لقال بعد وليس بذاك. ومعنى نادى دعا. وقيل: / أمر. {أَنِ ٱئْتَ } أي بأن ائت على أن أن مصدرية حذف عنها حرف الجر أو أي ائت على أنها مفسرة. {ٱلْقَوْمَ ٱلظَّـٰلِمِينَ } بالكفر والمعاصي واستعباد بني إسرائيل وذبح أبنائهم وليس هذا مطلع ما ورد في حيز النداء وإنما هو ما فصل في سورة طه من قوله تعالى: {أية : إِنّى أَنَاْ رَبُّكَ} تفسير : [طه: 12] إلى قوله سبحانه: {أية : لِنُرِيَكَ مِنْ ءايَـٰتِنَا ٱلْكُبْرَىٰ } تفسير : [طه: 23] وسنة القرآن الكريم إيراد ما جرى في قصة واحدة من المقالات بعبارات شتى وأساليب مختلفة لاقتضاء المقام ما يكون فيه من العبارات كما حقق في موضعه.
سيد قطب
تفسير : هذه الحلقة من قصة موسى ـ عليه السلام ـ تجيء في هذه السورة متناسقة مع موضوع السورة، ومع اتجاهها إلى بيان عاقبة المكذبين بالرسالة؛ وإلى طمأنة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتعزيته عما يلقاه من إعراض المشركين وتكذيبهم؛ وإلى رعاية الله لدعوته والمؤمنين بها ولو كانوا مجردين من القوة وأعداؤهم أقوياء جبارون في الأرض مسلطون عليهم بالأذى والتنكيل ـ وهو الموقف الذي كان فيه المسلمون بمكة عند نزول هذه السورة ـ وقد كان القصص إحدى وسائل التربية القرآنية في القرآن الكريم. وقد وردت حلقات من قصة موسى ـ عليه السلام ـ حتى الآن في سورة البقرة، وسورة المائدة، وسورة الأعراف، وسورة يونس، وسورة الإسراء، وسورة الكهف، وسورة طه. عدا إشارات إليها في سور أخرى. وفي كل مرة كانت الحلقات التي تعرض منها أو الإشارات متناسقة مع موضوع السورة، أو السياق الذي تعرض فيه، على نحو ما هي في هذه السورة؛ وكانت تشارك في تصوير الموضوع الذي يهدف إليه السياق. والحلقة المعروضة هنا هي حلقة الرسالة والتكذيب وما كان من غرق فرعون وملئه جزاء على هذا التكذيب، وعقاباً على ائتماره بموسى ومن معه من المؤمنين. ونجاة موسى وبني إسرائيل من كيد الظالمين. وفي هذا تصديق قول الله سبحانه في هذه السورة عن المشركين: {أية : وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}.. تفسير : وقوله: {أية : فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون }.. تفسير : وهذه الحلقة مقسمة إلى مشاهد استعراضية، بينها فجوات بمقدار ما يسدل الستار على المشهد، ثم يرفع عن المشهد الذي يليه. وهي ظاهرة فنية ملحوظة في طريقة العرض القرآنية للقصة. وهنا سبعة مشاهد: أولها مشهد النداء والبعثة والوحي والمناجاة بين موسى ـ عليه السلام ـ وربه. وثانيها مشهد مواجهة موسى لفرعون وملئه برسالته وآيتي العصا واليد البيضاء. وثالثها مشهد التآمر وجمع السحرة وحشد الناس للمباراة الكبرى. ورابعها مشهد السحرة بحضرة فرعون يطمئنون على الأجر والجزاء! وخامسها مشهد المباراة ذاته وإيمان السحرة وتهديد فرعون ووعيده. وسادسها مشهد ذو شقين: الشق الأول مشهد إيحاء الله لموسى أن يسري بعباده ليلاً، والثاني مشهد إرسال فرعون في المدائن حاشرين يجمعون الجنود لملاحقة بني إسرائيل. وسابعها مشهد المواجهة أمام البحر ونهايته من انفلاق البحر وغرق الظالمين ونجاة المؤمنين. وقد عرضت هذه المشاهد في سورة الأعراف، وفي سورة يونس، وفي سورة طه. ولكنها عرضت في كل موضع من الجانب الذي يناسب ذلك الموضع، وبالطريقة التي تتفق مع اتجاهه، وكان التركيز فيها على نقط معينة هنا وهناك. ففي الأعراف مثلاً بدأ بمشهد المواجهة بين موسى وفرعون مختصراً، ومر بمشهد السحرة ونهايته سريعاً، بينما وسع في عرض مؤامرات فرعون وملئه بعد ذلك، وعرض آيات موسى مدة إقامته في مصر بعد المباراة قبل مشهد الغرق والنجاة. واستطرد بعد ذلك مع بني إسرائيل بعد مجاوزتهم البحر في حلقات كثيرة.. واختصر هذا هنا فلم يشر إليه. بينما وسع في مشهد الجدال بين موسى وفرعون حول وحدانية الله سبحانه ووحيه إلى رسوله؛ وهو موضوع الجدل في هذه السورة بين المشركين والنبي صلى الله عليه وسلم. وفي يونس بدأ بمشهد المواجهة مختصراً لم يعرض فيه آيتي العصا واليد، واختصر كذلك في مشهد المباراة. بينما توسع هنا في كليهما. وفي سورة طه توسع في مشهد المناجاة الأول بين موسى وربه. واستطرد بعد مشهدي المواجهة والمباراة فصاحب بني إسرائيل في رحلتهم طويلاً. ولم يجاوز هنا مشهد الغرق والنجاة. وكذلك لا نجد تكراراً في عرض القصة أبداً على كثرة ما عرضت في سور القرآن. لأن هذا التنويع في اختيار الحلقات التي تعرض، ومشاهد كل حلقة، والجانب الذي يختار من كل مشهد، وطريقة عرضه.. كل أولئك يجعلها جديدة في كل موضع. متناسقة مع هذا الموضع. {وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين. قوم فرعون. ألا يتقون؟ قال: رب إني أخاف أن يكذبون. ويضيق صدري ولا ينطلق لساني، فأرسل إلى هارون. ولهم عليَّ ذنب فأخاف أن يقتلون. قال: كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون. فأتيا فرعون فقولا: إنا رسول رب العالمين. أن أرسل معنا بني إسرائيل}.. الخطاب لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بهذا القصص، بعدما قال له في مطلع السورة: {أية : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين. إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين، وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين. فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون}.. تفسير : ثم أخذ يقص عليه أنباء المكذبين المعرضين المستهزئين، وما حاق بهم من العذاب الأليم. {وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين. قوم فرعون. ألا يتقون؟}.. وهذا هو المشهد الأول: مشهد التكليف بالرسالة لموسى ـ عليه السلام ـ وهو يبدأ بإعلان صفة القوم: {القوم الظالمين} فقد ظلموا أنفسهم بالكفر والضلال، وظلموا بني إسرائيل بما كانوا يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ويعذبونهم بالسخرة والنكال.. لذلك يقدم صفتهم ثم يعينهم {قوم فرعون} ثم يعجب موسى من أمرهم ويعجب كل إنسان: {ألا يتقون؟} ألا يخشون ربهم؟ ألا يخافون مغبة ظلمهم؟ ألا يرجعون عن غيهم؟ ألا إن أمرهم لعجيب يستحق التعجيب! وكذلك كل من كان على شاكلتهم من الظالمين! ولم يكن أمر فرعون وملئه جديداً على موسى ـ عليه السلام ـ فهو يعرفه، ويعرف ظلم فرعون وعتوه وجبروته، ويدرك أنها مهمة ضخمة وتكليف عظيم. ومن ثم يشكو إلى ربه ما به من ضعف وقصور لا ليتنصل أو يعتذر عن التكليف، ولكن ليطلب العون والمساعدة في هذا التكليف العسير. {قال: رب إني أخاف أن يكذبون. ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون. ولهم عليَّ ذنب فأخاف أن يقتلون}. والظاهر من حكاية قوله ـ عليه السلام ـ أن خوفه ليس من مجرد التكذيب، ولكن من حصوله في وقت يضيق فيه صدره ولا ينطلق لسانه فلا يملك أن يبين، وأن يناقش هذا التكذيب ويفنده. إذ كانت بلسانه حبسة هي التي قال عنها في سورة طه: {أية : واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي}تفسير : ومن شأن هذه الحبسة أن تنشئ حالة من ضيق الصدر، تنشأ من عدم القدرة على تصريف الانفعال بالكلام. وتزداد كلما زاد الانفعال، فيزداد الصدر ضيقاً.. وهكذا.. وهي حالة معروفة. فمن هنا خشي موسى أن تقع له هذه الحالة وهو في موقف المواجهة بالرسالة لظالم جبار كفرعون. فشكا إلى ربه ضعفه وما يخشاه على تبليغ رسالته، وطلب إليه أن يوحي إلى هارون أخيه، ويشركه معه في الرسالة اتقاء للتقصير في أداء التكليف، لا نكوصاً ولا اعتذاراً عن التكليف. فهارون أفصح لساناً ومن ثم هو أهدأ انفعالاً؛ فإذا أدركت موسى حبسة أو ضيق نهض هارون بالجدل والمحاجة والبيان. ولقد دعا موسى ربه ـ كما ورد في سورة طه ـ ليحل هذه العقدة من لسانه، ولكنه زيادة في الاحتياط للنهوض بالتكليف طلب معه أخاه هارون وزيراً ومعيناً.. وكذلك الشأن في قوله: {ولهم عليَّ ذنب فأخاف أن يقتلون}.. فإن ذكره هنا ليس للخوف من المواجهة، والتخلي عن التكليف. ولكن له علاقة بالإرسال إلى هارون. حتى إذا قتلوه قام هارون من بعده قام هارون من بعده بالرسالة، وأتم الواجب كما أمره ربه دون تعويق. فهو الاحتياط للدعوة لا للداعية. الاحتياط من أن يحتبس لسانه في الأولى وهو في موقف المنافحة عن رسالة ربه وبيانها، فتبدو الدعوة ضعيفة قاصرة. والاحتياط من أن يقتلوه في الثانية فتتوقف دعوة ربه التي كلف أداءها وهو على إبلاغها واطرادها حريص. وهذا هو الذي يليق بموسى ـ عليه السلام ـ الذي صنعه الله على عينه، واصطنعه لنفسه. ولما علمه ربه من حرصه هذا وإشفاقه واحتياطه أجابه إلى ما سأل، وطمأنه مما يخاف. والتعبير هنا يختصر مرحلة الاستجابة، ومرحلة الإرسال إلى هارون، ومرحلة وصول موسى إلى مصر ولقائه لهارون؛ ويبرز مشهد موسى وهارون مجتمعين يتلقيان أمر ربهما الكريم، في نفس اللحظة التي يطمئن الله فيها موسى، وينفي مخاوفه نفياً شديداً، في لفظة تستخدم أصلاً للردع وهو كلمة {كلا}! {قال: كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون. فأتيا فرعون فقولا: إنا رسول رب العالمين. أن أرسل معنا بني إسرائيل}. كلا. لن يضيق صدرك ويحتبس لسانك. وكلا لن يقتلوك. فأبعد هذا كله عن بالك بشدة. واذهب أنت وأخوك. {فاذهبا بآياتنا} وقد شهد موسى منها العصا واليد البيضاء ـ والسياق يختصرهما هنا لأن التركيز في هذه السورة موجه إلى موقف المواجهة وموقف السحرة وموقف الغرق والنجاة. اذهبا {إنا معكم مستمعون} فأية قوة؟ وأي سلطان؟ وأي حماية ورعاية وأمان؟ والله معهما ومع كل إنسان في كل لحظة وفي كل مكان. ولكن الصحبة المقصودة هنا هي صحبة النصر والتأييد. فهو يرسمها في صورة الاستماع، الذي هو أشد درجات الحضور والانتباه. وهذا كناية عن دقة الرعاية وحضور المعونة. وذلك على طريقة القرآن في التعبير بالتصوير. اذهبا {فأتيا فرعون} فأخبراه بمهمتكما في غير حذر ولا تلجلج: {فقولا: إنا رسول رب العالمين} وهما اثنان ولكنهما يذهبان في مهمة واحدة برسالة واحدة. فهما رسول. رسول رب العالمين. في وجه فرعون الذي يدعي الألوهية، ويقول لقومه: {ما علمت لكم من إله غيري} فهي المواجهة القوية الصريحة بحقيقة التوحيد منذ اللحظة الأولى، بلا تدرج فيها ولا حذر. فهي حقيقة واحدة لا تحتمل التدرج والمداراة. {إنا رسول رب العالمين. أن أرسل معنا بني إسرائيل}.. وواضح من هذا ومن أمثاله في قصة موسى ـ عليه السلام ـ في القرآن، أنه لم يكن رسولاً إلى فرعون وقومه ليدعوهم إلى دينه ويأخذهم بمنهج رسالته. إنما كان رسولاً إليهم ليطلب إطلاق بني إسرائيل ليعبدوا ربهم كما يريدون. وقد كانوا أهل دين منذ أبيهم إسرائيل ـ وهو يعقوب أبو يوسف عليهما السلام ـ فبهت هذا الدين في نفوسهم، وفسدت عقائدهم فأرسل الله إليهم موسى لينقذهم من ظلم فرعون ويعيد تربيتهم على دين التوحيد. وإلى هنا نحن أمام مشهد البعثة والوحي والتكليف. ولكن الستار يسدل. لنجدنا أمام مشهد المواجهة. وقد اختصر ما هو مفهوم بين المشهدين على طريقة العرض القرآنية الفنية: {قال ألم نُرَبِّكَ فِينا وليداً، ولبثت فينا من عمرك سنين؟ وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين؟ قال: فعلتها إذن وأنا من الضالين. ففررت منكم لما خفتكم، فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين. وتلك نعمه تمنها علي أن عَبَّدتَّ بني إسرائيل}. ويعجب فرعون وهو يرى موسى يواجه بهذه الدعوى الضخمة: {إنا رسول رب العالمين}. ويطلب إليه ذلك الطلب الضخم! {أن أرسل معنا بني إسرائيل}. فإن آخر عهده بموسى أنه كان ربيباً في قصره منذ أن التقطوا تابوته. وأنه هرب بعد قتله للقبطي الذي وجده يتعارك مع الإسرائيلي. وقيل: إن هذا القبطي كان من حاشية فرعون. فما أبعد المسافة بين آخر عهد فرعون بموسى إذن وهذه الدعوى الضخمة التي يواجهه بها بعد عشر سنين! ومن ثم بدأ فرعون متهكماً مستهزئاً مستعجباً: {قال: ألم نربك فينا وليداً، ولبثت فينا من عمرك سنين؟ وفعلت فعلتك التي فعلت، وأنت من الكافرين}.. فهل هذا جزاء التربية والكرامة التي لقيتها عندنا وأنت وليد؟ أن تأتي اليوم لتخالف ما نحن عليه من ديانة؟ ولتخرج على الملك الذي نشأت فيه بيته، وتدعو إلى إله غيره؟! وما بالك ـ وقد لبثت فينا من عمرك سنين ـ لم تتحدث بشيء عن هذه الدعوى التي تدعيها اليوم؛ ولم تخطرنا بمقدمات هذا الأمر العظيم؟! ويذكره بحادث مقتل القبطي في تهويل وتجسيم: {وفعلت فعلتك التي فعلت}.. فعلتك البشعة الشنيعة التي لا يليق الحديث عنها بالألفاظ المفتوحة! فعلتها {وأنت من الكافرين} برب العالمين الذي تقول به اليوم، فإنك لم تكن وقتها تتحدث عن رب العالمين! وهكذا جمع فرعون كل ما حسبه رداً قاتلاً لا يملك موسى ـ عليه السلام ـ معه جواباً، ولا يستطيع مقاومة. وبخاصة حكاية القتل، وما يمكن أن يعقبها من قصاص، يتهدده به من وراء الكلمات! ولكن موسى وقد استجاب الله دعاءه فأزال حبسة لسانه ـ انطلق ـ يجيب: {قال: فعلتها إذن وأنا من الضالين. ففررت منكم لما خفتكم، فوهب لي ربي حكماً وجعلني من المرسلين. وتلك نعمة تمنها عليّ أن عبدت بني إسرائيل!}.. فعلت تلك الفعلة وأنا بعد جاهل، أندفع اندفاع العصبية لقومي، لا اندفاع العقيدة التي عرفتها اليوم بما أعطاني ربي من الحكمة. {ففررت منكم لما خفتكم} على نفسي. فقسم الله لي الخير: ووهب لي الحكمة {وجعلني من المرسلين} فلست بدعاً من الأمر، إنما أنا واحد من الرعيل {من المرسلين}. ثم يجيبه تهكماً بتهكم. ولكن بالحق. {وتلك نعمة تمنها عليَّ أن عبدت بني إسرائيل}.. فما كانت تربيتي في بيتك وليداً إلا من جراء استعبادك لبني إسرائيل، وقتلك أبناءهم، مما اضطر أمي أن تلقيني في التابوت، فتقذف بالتابوت في الماء، فتلتقطونني، فأربى في بيتك، لا في بيت أبويّ. فهل هذا هو ما تمنه علي، وهل هذا هو فضلك العظيم؟! عندئذ عدل فرعون عن هذه المسألة، وراح يسأله عن صميم دعواه. ولكن في تجاهل وهزء وسوء أدب في حق الله الكريم: {قال فرعون: وما رب العالمين؟}.. إنه ـ قبحه الله ـ يسأل: أي شيء يكون رب العالمين الذي تقول: إنك من عنده رسول؟ وهو سؤال المتنكر للقول من أساسه، المتهكم على القول والقائل، المستغرب للمسألة كلها حتى ليراها غير ممكنة التصور، غير قابلة لأن تكون موضوع حديث! فيجيبه موسى ـ عليه السلام ـ بالصفة المشتملة على ربوبيته ـ تعالى ـ للكون المنظور كله وما فيه: {قال: رب السماوات والأرض وما بينهما. إن كنتم موقنين}.. وهو جواب يكافئ ذلك التجاهل ويغطيه.. إنه رب هذا الكون الهائل الذي لا يبلغ إليه سلطانك ـ يا فرعون ـ ولا علمك. وقصارى ما ادعاه فرعون أنه إله هذا الشعب وهذا الجزء من وادي النيل. وهو ملك صغير ضئيل، كالذرة أو الهباءة في ملكوت السماوات والأرض وما بينهما. وكذلك كان جواب موسى ـ عليه السلام ـ يحمل استصغار ما يدعيه فرعون مع بطلانه، وتوجيه نظره إلى هذا الكون الهائل، والتفكير فيمن يكون ربه.. فهو رب العالمين!.. ثم عقب على هذا التوجيه بما حكايته: {إن كنتم موقنين} فهذا وحده هو الذي يحسن اليقين به والتصديق. والتفت فرعون إلى من حوله، يعجبهم من هذا القول، أو لعله يصرفهم عن التأثر به، على طريقة الجبارين الذين يخشون تسرب كلمات الحق البسيطة الصريحة إلى القلوب: {قال لمن حوله: ألا تستمعون؟}.. ألا تستمعون إلى هذا القول العجيب الغريب، الذي لا عهد لنا به، ولا قاله أحد نعرفه! ولم يلبث موسى أن هجم عليه وعليهم بصفة أخرى من صفات رب العالمين. {قال: ربكم ورب أبائكم الأولين}.. وهذه أشد مساساً بفرعون ودعواه وأوضاعه، فهو يجبهه بأن رب العالمين هو ربه، فما هو إلا واحد من عبيده. لا إله كما يدعي بين قومه! وهو رب قومه، فليس فرعون ربهم كما يزعم عليهم! وهو رب آبائهم الأولين. فالوراثة التي تقوم عليها ألوهية فرعون دعوى باطلة. فما كان من قبل إلا الله ربا للعالمين! وإنها للقاصمة لفرعون. فما يطيق عليها سكوتا والملأ حوله يستمعون. ومن ثم يرمي قائلها في تهكم بالجنون: {قال: إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون}.. إن رسولكم الذي أرسل إليكم.. يريد أن يتهكم على مسألة الرسالة في ذاتها، فيبعد القلوب عن تصديقها بهذا التهكم، لا أنه يريد الإقرار بها والاعتراف بإمكانها. ويتهم موسى ـ عليه السلام ـ بالجنون، ليذهب أثر مقالته التي تطعن وضع فرعون السياسي والديني في الصميم. وترد الناس إلى الله ربهم ورب آبائهم الأولين. ولكن هذا التهكم وهذا القذف لا يفت في عضد موسى، فيمضي في طريقه يصدع بكلمة الحق التي تزلزل الطغاة والمتجبرين: {قال: رب المشرق والمغرب وما بينهما. إن كنتم تعقلون}.. والمشرق والمغرب مشهدان معروضان للأنظار كل يوم؛ ولكن القلوب لا تنتبه إليهما لكثرة تكرارهما، وشدة ألفتهما. واللفظ يدل على الشروق والغروب. كما يدل على مكاني الشروق والغروب. وهذان الحدثان العظيمان لا يجرؤ فرعون ولا غيره من المتجبرين أن يدعي تصريفهما. فمن يصرفهما إذن ومن ينشئهما بهذا الاطراد الذي لا يتخلف مرة ولا يبطئ عن أجله المرسوم؟ إن هذا التوجيه يهز القلوب البليدة هزا، ويوقظ العقول الغافية إيقاظاً. وموسى ـ عليه السلام ـ يثير مشاعرهم، ويدعوهم إلى التدبر والتفكير: {إن كنتم تعقلون}.. والطغيان لا يخشى شيئاً كما يخشى يقظة الشعوب، وصحوة القلوب؛ ولا يكره أحداً كما يكره الداعين إلى الوعي واليقظة؛ ولا ينقم على أحد كما ينقم على من يهزون الضمائر الغافية. ومن ثم ترى فرعون يهيج على موسى ويثور، عندما يمس بقوله هذا أوتار القلوب. فينهي الحوار معه بالتهديد الغليظ بالبطش الصريح، الذي يعتمد عليه الطغاة عندما يسقط في أيديهم وتخذلهم البراهين: {قال: لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين}.. هذه هي الحجة وهذا هو الدليل: التهديد بأن يسلكه في عداد المسجونين. فليس السجن عليه ببعيد. وما هو بالإجراء الجديد! وهذا هو دليل العجز، وعلامة الشعور بضعف الباطل أمام الحق الدافع. وتلك سمة الطغاة وطريقهم في القديم والجديد! غير أن التهديد لم يفقد موسى رباطة جأشه.. وكيف وهو رسول الله؟ والله معه ومع أخيه؟ فإذا هو يفتح الصفحة التي أراد فرعون أن يغلقها ويستريح. يفتحها بقول جديد، وبرهان جديد: {قال: أولو جئتك بشيء مبين؟}.. وحتى لو جئتك ببرهان واضح على صدق رسالتي فإنك تجعلني من المسجونين؟ وفي هذا إحراج لفرعون أمام الملأ الذين استمعوا لما سبق من قول موسى؛ ولو رفض الإصغاء إلى برهانه المبين لدل على خوفه من حجته، وهو يدعي أنه مجنون. ومن ثم وجد نفسه مضطراً أن يطلب منه الدليل: {قال: فأت به إن كنت من الصادقين}.. إن كنت من الصادقين في دعواك؛ أو إن كنت من الصادقين في أن لديك شيئاً مبيناً. فهو ما يزال يشكك في موسى، خيفة أن تترك حجته في نفوس القوم شيئاً. هنا كشف موسى عن معجزتيه الماديتين؛ وقد أخرهما حتى بلغ التحدي من فرعون أقصاه: {فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين}.. والتعبير يدل على أن العصا تحولت فعلاً إلى ثعبان تدب فيه الحياة، وأن يده حين نزعها كانت بيضاء فعلا. يدل على هذا بقوله: {فإذا هي} فلم يكن الأمر تخييلا، كما هو الحال في السحر الذي لا يغير طبائع الأشياء، إنما يخيل للحواس بغير الحقيقة. ومعجزة الحياة التي تدب من حيث لا يعلم البشر، معجزة تقع في كل لحظة، ولكن الناس لا يلقون لها بالا، لطول الألفة والتكرار، أو لأنهم لا يشهدون التحول على سبيل التحدي فاما في مثل هذا المشهد. وموسى ـ عليه السلام ـ يلقي في وجه فرعون بهاتين الخارقتين فالأمر يزلزل ويرهب. وقد أحس فرعون بضخامة المعجزة وقوتها؛ فأسرع يقاومها ويدفعها؛ وهو يحس ضعف موقفه، ويكاد يتملق القوم من حوله؛ ويهيج مخاوفهم من موسى وقومه، ليغطي على وقع المعجزة المزلزلة: {قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم، يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره، فماذا تأمرون؟}.. وفي قولــة فرعون هذه يبدو إقراره بعظمة المعجزة وإن كان يسميها سحراً؛ فهو يصف صاحبها بأنه ساحر {عليم}. ويبدو ذعره من تأثر القوم بها فهو يغريهم به: {يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره}. ويبدو تضعضعه وتهاويه وتواضعه للقوم الذين يجعل نفسه لهم إلها، فيطلب أمرهم ومشورتهم: {فماذا تأمرون؟} ومتى كان فرعون يطلب أمر أتباعه وهم له يسجدون! وتلك شنشنة الطغاة حينما يحسون أن الأرض تتزلزل تحت أقدامهم. عندئذ يلينون في القول بعد التجبر. ويلجأون إلى الشعوب وقد كانوا يدوسونها بالأقدام. ويتظاهرون بالشورى في الأمر وهم كانوا يستبدون بالهوى. ذلك إلى أن يتجاوزوا منطقة الخطر، ثم إذا هم هم جبابرة مستبدون ظالمون! وأشار عليه الملأ؛ وقد خدعتهم مكيدته، وهم شركاء فرعون في باطله، وأصحاب المصلحة في بقاء الأوضاع التي تجعلهم حاشية مقربة ذات نفوذ وسلطان؛ وقد خافوا أن يغلبهم موسى وبنو إسرائيل على أرضهم لو اتبعتهم الجماهير، حين ترى معجزتي موسى وتسمع إلى ما يقول.. أشاروا عليه أن يلقى سحره بسحر مثله، بعد التهيئة والاستعداد: {قالوا: أرجه وأخاه: وابعث في المدائن حاشرين، يأتوك بكل سحار عليم}.. أي أمهله وأخاه إلى أجل؛ وابعث رسلك إلى مدائن مصر الكبرى، يجمعون السحرة المهرة، لإقامة مباراة للسحر بينهم وبينه. وهنا يسدل الستار على هذا المشهد ليرفع على مشهد السحرة يحشدون، والناس يجمعون للمباراة، وتبث فيهم الحماسة للسحرة ومن خلفهم من أصحاب السلطان؛ وتهيأ أرض المباراة بين الحق والباطل، أو بين الإيمان والطغيان. {فجمع السحرة لميقات يوم معلوم. وقيل للناس: هل أنتم مجتمعون، لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين؟}.. وتظهر من التعبير حركة الإهاجة والتحميس للجماهير: {هل أنتم مجتمعون، لعلنا نتبع السحرة؟} هل لكم في التجمع وعدم التخلف عن الموعد، ليترقب فوز السحرة وغلبتهم على موسى الإسرائيلي! والجماهير دائماً تتجمع لمثل هذه الأمور، دون أن تفطن إلى أن حكامها الطغاة يلهون بها ويعبثون، ويشغلونها بهذه المباريات والاحتفالات والتجمعات، ليلهوها عما تعاني من ظلم وكبت وبؤس. وهكذا تجمع المصريون ليشهدوا المباراة بين السحرة وموسى عليه السلام! ثم يجيء مشهد السحرة بحضرة فرعون قبل المباراة؛ يطمئنون على الأجر والمكافأة إن كانوا هم الغالبين؛ ويتلقون من فرعون الوعد بالأجر الجزيل والقربى من عرشه الكريم! {فلما جاء السحرة قالوا لفرعون: أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين؟ قال: نعم، وإنكم إذن لم المقربين}.. وهكذا ينكشف الموقف عن جماعة مأجورة يستعين بها فرعون الطاغية؛ تبذل مهارتها في مقابل الأجر الذي تنتظره؛ ولا علاقة لها بعقيدة ولا صلة لها بقضية، ولا شيء سوى الأجر والمصلحة. وهؤلاء هم الذين يستخدمهم الطغاة دائماً في كل مكان وفي كل زمان. وها هم أولاء يستوثقون من الجزاء على تعبهم ولعبهم وبراعتهم في الخداع. وها هو ذا فرعون يعدهم بما هو أكثر من الأجر. يعدهم أن يكونوا من المقربين إليه. وهو بزعمه الملك والإله! ثم إذا مشهد المباراة الكبرى وأحداثه الجسام: {قال لهم موسى: ألقوا ما أنتم ملقون. فألقوا حبالهم وعصيهم، وقالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون: فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون، فألقي السحرة ساجدين. قالوا: آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون. قال: آمنتم له قبل أن آذن لكم! إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون. لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ولأصلبنكم أجمعين. قالوا: لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون. إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين}.. ويبدأ المشهد هادئاً عادياً. إلا أنه يشي منذ البدء باطمئنان موسى إلى الحق الذي معه؛ وقلة أكتراثه لجموع السحرة المحشودين من المدائن، المستعدين لعرض أقصى ما يملكون من براعة، ووراءهم فرعون وملؤه، وحولهم تلك الجماهير المضللة المخدوعة.. يتجلى هذا الاطمئنان في تركه إياهم يبدأون: {قال لهم موسى: ألقوا ما أنتم ملقون}.. وفي التعبير ذاته ما يشي بالاستهانة: {ألقوا ما أنتم ملقون}.. بلا مبالاة ولا تحديد ولا اهتمام. وحشد السحرة أقصى مهارتهم وأعظم كيدهم وبدأوا الجولة باسم فرعون وعزته: {فألقوا حبالهم وعصيهم؛ وقالوا: بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون}.. ولا يفصل السياق هنا ما كان من أمر حبالهم وعصيهم، كما فصله في سورة الأعراف وطه، ليبقى ظل الطمأنينة والثبات للحق، وينتهي مسارعاً إلى عاقبة المباراة بين الحق والباطل؛ لأن هذا هو هدف السورة الأصيل. {فألقى موسى عصاه، فإذا هي تلقف ما يأفكون}.. ووقعت المفاجأة المذهلة التي لم يكن يتوقعها كبار السحرة؛ فلقد بذلوا غاية الجهد في فنهم الذي عاشوا به وأتقنوه؛ وجاءوا بأقصى ما يملك السحرة أن يصنعوه. وهم جمع كثير. محشود من كل مكان. وموسى وحده، وليس معه إلا عصاه. ثم إذا هي تلقف ما يأفكون؛ واللقف أسرع حركة للأكل. وعهدهم بالسحر أن يكون تخييلاً، ولكن هذه العصا تلقف حبالهم وعصيهم حقاً. فلا تبقي لها أثراً. ولو كان ما جاء به موسى سحراً، لبقيت حبالهم وعصيهم بعد أن خيل لهم وللناس أن حية موسى ابتلعتها. ولكنهم ينظرون فلا يجدونها فعلاً! عندئذ لا يملكون أنفسهم من الإذعان للحق الواضح الذي لا يقبل جدلاً. وهم أعرف الناس بأنه الحق: {فألقي السحرة ساجدين. قالوا: آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون}.. وهم قد كانوا منذ لحظة مأجورين ينتظرون الجزاء من فرعون على مهارتهم، ولم يكونوا أصحاب عقيدة ولا قضية. ولكن الحق الذي مس قلوبهم قد حولهم تحويلاً. لقد كانت هزة رجتهم رجاً، وخضتهم خضاً؛ ووصلت إلى أعماق نفوسهم وقرارة قلوبهم، فأزالت عنها ركام الضلال، وجعلتها صافية حية خاشعة للحق، عامرة بالإيمان، في لحظات قصار. فإذا هم يجدون أنفسهم ملقين سجداً، بغير إرادة منهم، تتحرك ألسنتهم، فتنطلق بكلمة الإيمان، في نصاعة وبيان: {آمنا برب العالمين. رب موسى وهارون}. وإن القلب البشري لعجيب غاية العجب، فإن لمسة واحدة تصادف مكانها لتبدله تبديلاً. "حديث : وصدق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ما من قلب إلا بين أصبعين من أصابع الرحمن. إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه" تفسير : . وهكذا انقلب السحرة المأجورون، مؤمنين من خيار المؤمنين. على مرأى ومسمع من الجماهير الحاشدة ومن فرعون وملئه. لا يفكرون فيما يعقب جهرهم بالإيمان في وجه الطاغية من عواقب ونتائج، ولا يعنيهم ماذا يفعل أو ماذا يقول. ولا بد أن كان لهذا الانقلاب المفاجئ وقع الصاعقة على فرعون وملئه. فالجماهير حاشدة. وقد عبأهم عملاء فرعون وهم يحشدونهم لشهود المباراة. عبأوهم بأكذوبة أن موسى الإسرائيلي، ساحر يريد أن يخرجهم من أرضهم بسحره، ويريد أن يجعل الحكم لقومه؛ وأن السحرة سيغلبونه ويفحمونه.. ثم هاهم أولاء يرون السحرة يلقون ما يلقون باسم فرعون وعزته. ثم يغلبون حتى ليقرون بالغلب؛ ويعترفون بصدق موسى في رسالته من عند الله، ويؤمنون برب العالمين الذي أرسله، ويخلعون عنهم عبادة فرعون، وهم كانوا منذ لحظة جنوده الذين جاءوا لخدمته، وانتظروا أجره، واستفتحوا بعزته! وإنه لانقلاب يتهدد عرش فرعون، إذ يتهدد الأسطورة الدينية التي يقوم عليها هذا العرش. أسطورة الألوهية، أو بنوته للآلهة ـ كما كان شائعاً في بعض العصور ـ وهؤلاء هم السحرة. والسحر كان حرفة مقدسة لا يزاولها إلا كهنة المعابد في طول البلاد وعرضها. ها هم أولاء يؤمنون برب العالمين، رب موسى وهارون، والجماهير تسير وراء الكهنة في معتقداتهم التي يلهونهم بها. فماذا يبقى لعرش فرعون من سند إلا القوة؟ والقوة وحدها بدون عقيدة لا تقيم عرشاً ولا تحمي حكماً. إن لنا أن نقدر ذعر فرعون لهذه المفاجأة، وذعر الملأ من حوله، إذا نحن تصورنا هذه الحقيقة؛ وهي إيمان السحرة الكهنة هذا الإيمان الصريح الواضح القاهر الذي لا يملكون معه إلا أن يلقوا سجداً معترفين منيبين. عندئذ جن جنون فرعون، فلجأ إلى التهديد البغيض بالعذاب والنكال. بعد أن حاول أن يتهم السحرة بالتآمر عليه وعلى الشعب مع موسى! {قال: آمنتم له قبل أن آذن لكم! إنه لكبيركم الذي علمكم السحر. فلسوف تعلمون. لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف، ولأصلبنكم أجمعين}.. {آمنتم له قبل أن آذن لكم}.. لم يقل آمنتم به. إنما عده استسلاماً له قبل إذنه. على طريقة المناورات التي يدبرها صاحبها وهو مالك لإرادته، عارف بهدفه، مقدر لعاقبته. ولم يشعر قلبه بتلك اللمسة التي مست قلوبهم. ومتى كان للطغاة قلوب تشعر بمثل هذه اللمسات الوضيئة؟ ثم سارع في اتهامهم لتبرير ذلك الانقلاب الخطير: {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} وهي تهمة عجيبة لا تفسير لها إلا أن بعض هؤلاء السحرة ـ وهم من الكهنة ـ كانوا يتولون تربية موسى في قصر فرعون أيام أن تبناه، أو كان يختلف إليهم في المعابد. فارتكن فرعون إلى هذه الصلة البعيدة، وقلب الأمر فبدلاً من أن يقول: إنه لتلميذكم قال: إنه لكبيركم. ليزيد الأمر ضخامة وتهويلاً في أعين الجماهير! ثم جعل يهدد بالعذاب الغليظ بعد التهويل فيما ينتظر المؤمنين: {فلسوف تعلمون. لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين}.. إنها الحماقة التي يرتكبها كل طاغية، حينما يحس بالخطر على عرشه أو شخصه، يرتكبها في عنف وغلظة وبشاعة، بلا تحرج من قلب أو ضمير.. وإنها لكلمة فرعون الطاغية المتجبر الذي يملك تنفيذ ما يقول.. فما تكون كلمة الفئة المؤمنة التي رأت النور! إنها كلمة القلب الذي وجد الله فلم يعد يحفل ما يفقد بعد هذا الوجدان. القلب الذي اتصل بالله فذاق طعم العزة فلم يعد يحفل الطغيان. القلب الذي يرجو الآخرة فلا يهمه من أمر هذه الدنيا قليل ولا كثير: {قالوا: لا ضير. إنا إلى ربنا منقلبون. إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول المؤمنين}.. لا ضير. لا ضير في تقطيع الأيدي والأرجل من خلاف. لا ضير في التصليب والعذاب. لا ضير في الموت والاستشهاد.. لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون.. وليكن في هذه الأرض ما يكون: فالمطمع الذي نتعلق به ونرجوه {أن يغفر لنا ربنا خطايانا} جزاء {أن كنا أول المؤمنين}.. وأن كنا نحن السابقين.. يا لله! يا لروعة الإيمان إذ يشرق في الضمائر. وإذ يفيض على الأرواح. وإذ يسكب الطمأنينة في النفوس. وإذ يرتفع بسلالة الطين إلى أعلى عليين. وإذ يملأ القلوب بالغنى والذخر والوفر، فإذا كل ما في الأرض تافه حقير زهيد. هنا يسدل السياق الستار على هذه الروعة الغامرة. لا يزيد شيئاً. ليبقى للمشهد جلاله الباهر وإيقاعه العميق. وهو يربي به النفوس في مكة وهي تواجه الأذى والكرب والضيق ويربي به كل صاحب عقيدة يواجه بها الطغيان والعسف والتعذيب. فأما بعد ذلك فالله يتولى عباده المؤمنين. وفرعون يتآمر ويجمع جنوده أجمعين: {وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون.. فأرسل فرعون في المدائن حاشرين. إن هؤلاء لشرذمة قليلون. وإنهم لنا لغائظون. وإنا لجميع حاذرون}.. وهنا فجوة في الوقائع والزمن لا تذكر في هذا الموضع. فقد عاش موسى وبنو إسرائيل فترة بعد المباراة، وقعت فيها الآيات الأخرى المذكورة في سورة الأعراف قبل أن يوحي الله لموسى بالرحيل بقومه. ولكن السياق هنا يطويها ليصل إلى النهاية المناسبة لموضوع السورة واتجاهها الأصيل. لقد أوحى الله إلى موسى إذن أن يسري بعباده، وأن يرحل بهم ليلاً، بعد تدبير وتنظيم. ونبأه أن فرعون سيتبعهم بجنده؛ وأمره أن يقود قومه إلى ساحل البحر (وهو في الغالب عند التقاء خليج السويس بمنطقة البحيرات). وعلم فرعون بخروج بني إسرائيل خلسة، فأمر بما يسمى "التعبئة العامة" وأرسل في المدائن حاشرين يجمعون له الجنود، ليدرك موسى وقومه؛ ويفسد عليهم تدبيرهم؛ وهو لا يعلم أنه تدبير صاحب التدبير! وانطلق عملاء فرعون يجمعون الجند.. ولكن هذا الجمع قد يشي بانزعاج فرعون، وبقوة موسى ومن معه وعظم خطرهم، حتى ليحتاج الملك الإله ـ بزعمه! ـ إلى التعبئة العامة. ولا بد إذن من التهوين من شأن المؤمنين: {إِن هؤلاء لشرذمة قليلون}! ففيم إذن ذلك الاهتمام بأمرهم، والاحتشاد لهم، وهم شرذمة قليلون! {وإنهم لنا لغائظون}.. فهم يأتون من الأفعال والأقوال ما يغيظ ويغضب ويثير! وإذن فلهم شأن وخطر على كل حال! فليقل العملاء: إن هذا لا يهم فنحن لهم بالمرصاد: {وإنا لجميع حاذرون}.. مستيقظون لمكائدهم، محتاطون لأمرهم، ممسكون بزمام الأمور! إنها حيرة الباطل المتجبر دائماً في مواجهة أصحاب العقيدة المؤمنين! وقبل أن يعرض المشهد الأخير، يعجل السياق بالعاقبة الأخيرة من إخراج فرعون وملئه مما كانوا فيه من متاع. ووراثة بني إسرائيل المستضعفين. {فأخرجناهم من جنات وعيون. وكنوز ومقام كريم. كذلك، وأورثناها بني إسرائيل}.. لقد خرجوا يتبعون خطا موسى وقومه ويقفون أثرهم. فكانت خرجتهم هذه هي الأخيرة. وكانت إخراجاً لهم من كل ما هم فيه من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم؛ فلم يعودوا بعدها لهذا النعيم! لذلك يذكر هذا المصير الأخير عقب خروجهم يقفون أثر المؤمنين. تعجيلاً بالجزاء على الظلم والبطر والبغي الوخيم. {وأورثناها بني إسرائيل}.. ولا يعرف أن بني إسرائيل عادوا إلى مصر بعد خروجهم إلى الأرض المقدسة؛ وورثوا ملك مصر وكنوز فرعون ومقامه. لذلك يقول المفسرون: إنهم ورثوا مثل ما كان لفرعون وملئه. فهي وراثة لنوع ما كانوا فيه من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم. وبعد هذا الاعتراض يجيء المشهد الحاسم الأخير: {فأتبعوهم مشرقين. فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى: إنا لمدركون. قال: كلا إن معي ربي سيهدين. فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق. فكان كل فرق كالطود العظيم. وأزلفنا ثم الآخرين. وأنجينا موسى ومن معه أجمعين. ثم أغرقنا الآخرين.}.. لقد أسرى موسى بعباد الله، بوحي من الله وتدبير. فأتبعهم جنود فرعون في الصباح بمكر من فرعون وبطر. ثم ها هو ذا المشهد يقترب من نهايته. والمعركة تصل إلى ذروتها.. إن موسى وقومه أمام البحر ليس معهم سفين ولا هم يملكون خوضه وما هم بمسلحين. وقد قاربهم فرعون بجنوده شاكي السلاح يطلبونهم ولا يرحمون! وقالت دلائل الحال كلها: أن لا مفر والبحر أمامهم والعدو خلفهم: {قال أصحاب موسى: إنا لمدركون}.. وبلغ الكرب مداه، وإن هي إلا دقائق تمر ثم يهجم الموت ولا مناص ولا معين! ولكن موسى الذي تلقى الوحي من ربه، لا يشك لحظة وملء قلبه الثقة بربه، واليقين بعونه، والتأكد من النجاة، وإن كان لا يدري كيف تكون. فهي لا بد كائنة والله هو الذي يوجهه ويرعاه. {قال: كلا إن معي ربي سيهدين}.. كلا. في شدة وتوكيد. كلا لن نكون مدركين. كلا لن نكون هالكين. كلا لن نكون مفتونين. كلا لن نكون ضائعين {كلا إن معي ربي سيهدين} بهذا الجزم والتأكيد واليقين. وفي اللحظة الأخيرة ينبثق الشعاع المنير في ليل اليأس والكرب، وينفتح طريق النجاة من حيث لا يحتسبون: {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر}.. ولا يتمهل السياق ليقول إنه ضرب بعصاه البحر. فهذا مفهوم. إنما يعجل بالنتيجة: {فانفلق. فكان كل فرق كالطود العظيم}.. ووقعت المعجزة، وتحقق الذي يقول عنه الناس: مستحيل. لأنهم يقيسون سنة الله على المألوف المكرور. والله الذي خلق السنن قادر على أن يجريها وفق مشيئته عندما يريد. وقعت المعجزة وانكشف بين فرقي الماء طريق. ووقف الماء على جانبي الطريق كالطود العظيم. واقتحم بنو إسرائيل.. ووقف فرعون مع جنوده مبغوتاً مشدوهاً بذلك المشهد الخارق، وذلك الحادث العجيب. ولا بد أن يكون قد وقف مبهوتاً فأطال الوقوف ـ وهو يرى موسى وقومه يعبرون الخضم في طريق مكشوف ـ قبل أن يأمر جنوده بالاقتحام وراءهم في ذلك الطريق العجيب. وتم تدبير الله. فخرج بنو إسرائيل من الشاطئ الآخر، بينما كان فرعون وجنوده بين فرقي الماء أجمعين. وقد قربهم الله لمصيرهم المحتوم: {وأزلفنا ثم الآخرين. وأنجينا موسى ومن معه أجمعين}.. {ثم أغرقنا الآخرين}!!! ومضت آية في الزمان، تتحدث عنها القرون. فهل آمن بها الكثيرون؟ {إن في ذلك لآية. وما كان أكثرهم مؤمنين}.. فالآيات الخارقة لا تستتبع الإيمان حتماً. وإن خضع لها الناس قسراً. إنما الإيمان هدي في القلوب. {وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.. التعقيب المعهود في السورة بعد عرض الآيات والتكذيب..
ابن عاشور
تفسير : شروع في عدّ آيات على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم بذكر عواقب المكذبين برسلهم ليحذر المخاطَبون بالدعوة إلى الإسلام من أن يصيبهم ما أصاب المكذبين. وفي ضمن ذلك تبيين لبعض ما نادى به الرسل من البراهين. وإذ قد كانت هذه الأدلة من المثلات قصد ذكر كثير اشتهر منها ولم يُقتصر على حادثة واحدة لأن الدلالة غير العقلية يتطرقها احتمال عدم الملازمة بأن يكون ما أصاب قوماً من أولئك على وجه الصدفة والاتفاق فإذا تبين تكرر أمثالها ضعُف احتمال الاتفاقية، لأن قياس التمثيل لا يفيد القطع إلا بانضمام مقومات له من تواتر وتكرر. وإنما ابتدىء بذكر قصة موسى ثم قصة إبراهيم على خلاف ترتيب حكاية القصص الغالب في القرآن من جعلها على ترتيب سبقها في الزمان، لعلَّهُ لأن السورة نزلت للرد على المشركين في إلحاحهم على إظهار آيات من خوارق العادات في الكائنات زاعمين أنهم لا يؤمنون إلا إذا جاءتهم آية؛ فضرب لهم المثل بمكابرة فرعون وقومه في آيات موسى إذ قالوا: {أية : إنّ هذا لساحر مبين}تفسير : [يونس: 2] وعُطف {وإذا نادى ربك موسى} عطفَ جملةٍ على جملة: {أية : أوَ لم يَرَوْا إلى الأرض}تفسير : [الشعراء: 7] بتمامها. ويكون {إذ} اسم زمان منصوباً بفعل محذوف تقديره: واذْكر إذ نادى ربّك موسى على طريقة قوله في القصة التي بعدها {أية : واتل عليهم نبأ إبراهيم}تفسير : [الشعراء: 69]. وفي هذا المقدّر تذكير للرسول عليه الصلاة والسلام بما يسلّيه عما يلقاه من قومه. ونداء الله موسى الوحيُ إليه بكلام سمعه من غير واسطة ملَك. جملة: {أن ائت القوم الظالمين} تفسير لجملة: {نادى}، و{أَنْ} تفسيرية. والمقصود من سَوق هذه القصة هو الموعظة بعاقبة المكذبين وذلك عند قوله تعالى: {أية : فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر}تفسير : [الشعراء: 63] إلى قوله: {أية : وإن ربّك لهو العزيز الرحيم}تفسير : [الشعراء: 68]. وأما ما تقدم ذلك من قوله: {وإذ نادى ربك موسى} إلخ فهو تفصيل لأسباب الموعظة بذكر دعوة موسى إلى ما أُمر بإبلاغه وإعراضضِ فرعون وقومِه وما عقبَ ذلك إلى الخاتمة. واستحضار قوم فرعون بوصفهم بالقوم الظالمين إيماء إلى علة الإرسال. وفي هذا الإجمال توجيه نفس موسى لترقب تعيين هؤلاء القوم بما يبينه، وإثارةٌ لغضب موسى عليهم حتى ينضمّ داعي غضبه عليهم إلى داعي امتثال أمر الله الباعِثِه إليهم، وذلك أوقع لكلامه في نفوسهم. وفيه إيماء إلى أنهم اشتهروا بالظلم. ثم عقب ذلك بذكر وصفهم الذاتي بطريقة البيانِ من القوم الظالمين وهو قوله: {قوم فرعون}، وفي تكرير كلمة {قوم} موقع من التأكيد فلم يقل: ائت قوم فرعون الظالمين، كقول جرير:شعر : يا تيم تيمَ عدي لا أبا لكم لا يُلْفينَّكُمُ في سَوْأة عُمَرُ تفسير : والظلم يعم أنواعه، فمنها ظلمهم أنفسهم بعبادة ما لا يستحق العبادة، ومنها ظلمهم الناسَ حقوقهم إذ استعبدوا بني إسرائيل واضطهدوهم، وتقدم استعماله في المعنيين مراراً في ضد العدل {أية : ومن أظلم مِمّن مَّنَع مساجدَ اللَّه} تفسير : في البقرة (114)، وبمعنى الشرك في قوله: {أية : الذين آمنوا ولم يلبِسوا إيمانهم بظلم} تفسير : في الأنعام (82). واعلم أنه قد عدل هنا عن ذكر ما ابتدىء به نداء موسى مما هو في سورة طه (22) بقوله: {أية : إني أنا ربّك فاخلَع نعليك} تفسير : إلى قوله: {أية : لنُريَكَ من آياتنا الكبرى}تفسير : (23) لأن المقام هنا يقتضي الاقتصار على ما هو شرح دعوة قوم فرعون وإعراضهم للاتّعَاظ بعاقبتهم. وأما مقام ما في سورة طه فلبيان كرامة موسى عند ربّه ورسالته معاً فكان مقام إطناب مع ما في ذلك من اختلاف الأسلوب في حكاية القصة الواحدة كما تقدم في المقدمة السابعة من مقدمات هذا التفسير. والإتيان المأمور به هو ذهابه لتبليغ الرسالة إليهم. وهذا إيجاز يبيّنه قوله: {أية : فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين}تفسير : [الشعراء: 16] إلى آخره. وجملة: {ألا يتقون} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنه لمّا أمره بالإتيان إليهم لدعوتهم ووصَفَهَم بالظالمين كان الكلام مثيراً لسؤاللٍ في نفس موسى عن مَدى ظلمهم فجيء بما يدل على توغّلهم في الظلم ودوامهم عليه تقوية للباعث لِموسى على بلوغ الغاية في الدعوة وتهيئة لتلقِّيه تكذيبَهم بدون مفاجأة، فيكون {ألا} من قوله: {ألا يتقون} مركباً من حرفين همزة الاستفهام و(لا) النافية. والاستفهام لإنكار انتفاء تقواهم، وتعجيب موسى من ذلك، فإن موسى كان مطّلعاً على أحوالهم إذ كان قد نشأ فيهم وقد عَلم مظالمهم وأعظمها الإشراك وقتلُ أنبياء بني إسرائيل.... ويجوز أن يكون {ألا} كلمةً واحدة هي أداة العرض والتحضيض فتكون جملة: {ألا يتقون} بياناً لجملة {ائت}. والمعنى: قل لهم: ألا تتقون. فحكى مقالته بمعناها لا بلفظها. وذلك واسع في حكاية القول كما في قوله تعالى: {أية : ما قلتُ لهم إلاَّ ما أمرتني به أن اعبُدُوا الله ربّي وربّكم}تفسير : [المائدة: 117] فإن جملة: {أن اعبُدوا الله} مفسرة لجملة {أمرتني}. وإنما أمره الله أن يعبدوا الله ربّ موسى وربهم، فحكى ما أمره الله به بالمعنى. وهذا العرض نظير قوله في سورة النازعات (18) {أية : فقل هل لك إلى أن تزكّى}تفسير : . والاتّقاء: الخوف والحذر، وحذف متعلق فعل يتقون} لظهور أن المراد: ألا يتقون عواقب ظلمهم. وتقدم في قوله تعالى: {أية : الذين عاهدتَ منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون} تفسير : في سورة الأنفال (56). ويَعلم موسى من إجراء وصف الظلم وعدم التقوى على قوم فرعون في معرض أمره بالذهاب إليهم أن من أول ما يبدأ به دعوتَهم أن يدعوهم إلى ترك الظلم وإلى التقوى. وذكر موسى تقدم عند قوله تعالى: {أية : وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة}تفسير : في سورة البقرة (51). وتقدمت ترجمة فرعون عند قوله تعالى: {أية : إلى فرعون وملائه}تفسير : في الأعراف (103).
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً} تفسير : [مريم: 52]
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وإذ نادى ربك: أي اذكر لقومك يا رسولنا إذ نادى ربك موسى. إن ائت: أي بأن ائت القوم الظالمين. ألا يتقون: ألا يخافون الله ربهم ورب آبائهم الأولين ما لهم ما دهاهم؟ ويضيق صدري: أي من تكذيبهم لي. ولا ينطلق لساني: أي للعقدة التي به. فأرسل إلى هارون: أي إلى أخي هارون ليكون معي في إبلاغ رسالتي. ولهم علي ذنب: أي ذنب القبطي الذي قتله موسى قبل خروجه إلى مدين. قال كلا: أي قال الله تعالى له كلا أي لا يقتلونك. فاذهبا: أنت وهارون. إنا رسول رب العالمين: أي إليك. معنى الآيات: قوله تعالى {وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ} هذا بداية سلسلة من القصص بدئت بقصة موسى وختمت بقصة شعيب وقصها على المشركين ليشاهدوا أحداثها ويعرفوا نتائجها وهي دمار المكذبين وهلاكهم مهما كانت قوتهم وطالت أعمارهم قال تعالى في خطاب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم {وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ} أي اذكر إذ نادى ربك موسى في ليلة باردة شاتية بالواد الأيمن من البقعة المباركة من الشجرة {أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ} إذ ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك وظلموا بني إسرائيل باضطهادهم وتعذيبهم {أَلا يَتَّقُونَ} أي قل لهم ألا تتقون أي يأمرهم بتقوى ربهم بالإِيمان به وتوحيده وترك ظلم عباده فالاستفهام معناه الأمر. وقوله تعالى {قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} أي قال موسى بعد تكليفه رب إني أخاف أن يكذبون فيما أخبرهم به وأدعوهم إليه، {وَيَضِيقُ صَدْرِي} لذلك {وَلاَ يَنطَلِقُ لِسَانِي} للعقدة التي به، وعليه {فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ} أي جبريل يبلغه أن يكون معي معيناً لي على إبلاغ رسالتي، وقوله {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} هذا قول موسى عليه السلام لربه تعالى شكا إليه خوفه من قتلهم له بالنفس التي قتلها أيام كان بمصر قبل خروجه إلى مدين فأجابه الرب تعالى {كَلاَّ} أي لن يقتلوك. وأمرهما بالسير إلى فرعون فقال {فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ} وهي العصا واليد {إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ} أي فبلغاه ما أمرتكما ببلاغه وإنا معكم مستمعون لما تقولان ولما يقال لكما {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ} عند وصولكما إليه {إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي نحمل رسالة منه مفادها أن ترسل معنا بني إسرائيل لنخرج بهم إلى أرض الشام التي وعد الله بها بني إسرائيل هذا ما قاله موسى وهارون رسولا رب العالمين أما جواب فرعون ففي الآيات التالية. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- إثبات صفة الكلام لله تعالى بندائه موسى عليه السلام. 2- لا بأس بإبداء التخوف عند الإقدام على الأمر الصعب ولا يقدح فى الإيمان ولا في التوكل. 3- مشروعية طلب العون والمساعدة من المسؤلين إذا كلفوا المرء بما يصعب.
القطان
تفسير : مرت حلقاتٌ من قصة موسى في سورة البقرة، وسورة المائدة، وسورة الأعراف، وسورة يونس، وسورة الإسراء، وسورة الكهف، وسورة طه، عدا اشارات اليها في سور أخرى. وفي كل سورة تأتي القصة مناسبةً لها، وهنا تبدأ القصة من الآية العاشرة الى الآية 68. اذكر يا محمد لقومك اذ نادى اللهُ موسى وأمَرَه ان يذهب إلى قوم فرعونَ الظالمين ليدعوهم الى دين الله، فقال موسى إني أخاف أن يكذّبوا برسالتي، ولا ينطلق لساني لما فيه من الثقَل، فأرسلْ معي أخي هارون رسولاً يعينني. ولهم عليَّ ذنبٌ حين قتلتُ منهم رجلاً فأخاف ان يقتلوني به. فقال له الله: لن يقتلوك، فاذهبْ أنت وأخوك هارون بآياتي وأنا معكم أستمعُ لما تقولون وأرى ما يجري بينكم. اذهبا وقولا لفرعون إننا رسولا ربِّ العالمين، أرسلَنا اليك لترسلَ معنا بني اسرائيل وتدَعَهم أحرار يعبدون الله. فلما ذهبا الى فرعون وقالا له ما أمرهما الله به، قال فرعون لموسى: يا موسى، ألم نُربِّك في قصرِنا وأنت وليد صغير، ومكثت في رعايتنا سنين من عمرك حتى كبِرتَ وأصبحتَ شابا، وجنيتَ جنايتك فقتلتَ رجلاً دون ذنب!! وأنت الآن تكفر بدِيني، وتنكر نعمتي! فقال موسى: لقد ارتكبتُ جريمتي وأنا ضالّ لا أعرف حدود الله، وفررت منكم لَمّا خفت أن تقتلوني، فوهب الله لي حُكماً وعلماً وجعلني من المرسلين. انك يا فرعون تمنّ عليّ بتربيتك لي، والواقع أن جميع ما أنعمتَ به علي لا يعادل ما ارتكبتَه أنت مع بني اسرائيل من استعبادٍ وقتل وإذلال. قراءات: قرأ يعقوب: ويضيق صدري ولا ينطلق لساني، بنصب يضيق وينطلق، والباقون بالرفع.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلظَّالِمِينَ} (10) - واذْكُرْ أيُّها الرسولُ لِقَوْمِكَ، قِصَّةَ مُوسى عليهِ السلامُ، حينَما نَاداهُ ربُّهُ من جَانِِبِ الطُّورِ الأيمنِ، وكَلَّمَهُ ونَاجَاهُ، وأمَرَهُ بالذَّهَابِ إلى القومِ الظالمينَ، الذين ظَلَمُوا أنْفُسَهُم بِكُفْرِهِمْ، والظَّالمِينَ لِبَنيِ إسْرائيلَ باسْتِعْبَادِهِمْ، وذَبْحِ الذُّكُورِ مِنْ أبْنَائِهمْ.
الثعلبي
تفسير : {وَإِذْ نَادَىٰ} واذكر يا محمد إذ نادى {رَبُّكَ مُوسَىٰ} حين رأى الشجرة والنار {أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} لأنفسهم بالكفر والمعصية ولبني إسرائيل باستعبادهم وسومهم سوء العذاب. {قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ} وقرأ عبيد بن عمير بالتاء أي قل لهما: ألا تتّقون؟ { قَالَ رَبِّ إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي} من تكذيبهم إيّاي {وَلاَ يَنطَلِقُ} ولا ينبعث {لِسَانِي} بالكلام والتبليغ للعقدة التي فيه، قراءة العامة برفع القافين على قوله {فَأَخَافُ} ونصبها يعقوب على معنى وأن يضيق ولا ينطلق {فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ} ليؤازرني ويظاهرني على تبليغ الرسالة، وهذا كما تقول: إذا نزلت بي نازلة أرسلت إليك، أي لتعينني {وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ} يعني القتل الذي قتله منهم واسمه ماثون، وكان خباز فرعون، وقيل: على معنى: عندي ولهم عندي ذنب {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} به {قَالَ} الله سبحانه {كَلاَّ} أي لن يقتلوك {كَلاَّ فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ} سامعون ما يقولون وما تجابون، وإنّما أراد بذلك تقوية قلبيهما وإخبارهما أنّه يعينهما ويحفظهما {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} ولم يقل رسولا لأنه أراد المصدر أي رسالة ومجازه: ذو رسالة رب العالمين، كقول كثيّر: شعر : لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسرَ ولا أرسلتهم برسول تفسير : أي برسالة. وقال العباس بن مرداس: شعر : إلاّ مَنْ مبلغٌ عنّا خفافاً رسولا بيت أهلك منتهاها تفسير : يعني رسالة فلذلك انتهاء، قالهُ الفرّاء. وقال أبو عبيد: يجوز أن يكون الرسول في معنى الواحد والاثنين والجمع، تقول العرب: هذا رسولي ووكيلي، وهذان رسولي ووكيلي، وهؤلاء رسولي ووكيلي، ومنه قوله {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ} [الشعراء: 77] وقيل: معناه كل واحد منا رسول رَبّ العالمين. {أَنْ} أي بأن {أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} إلى فلسطين ولا تستعبدهم وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة وكانوا في ذلك الوقت ستمائة وثلاثين ألفاً فانطلق موسى إلى مصر، وهارون بها وأخبره بذلك فانطلقا جميعاً الى فرعون، فلم يؤذَنْ لهما سنة في الدخول عليه، فدخل البوّاب فقال لفرعون: ههنا إنسان يزعم أنّه رسول رب العالمين، فقال فرعون: ايذن له لعلّنا نضحك منه، فدخلا عليه وأدّيا إليه رسالة الله سبحانه وتعالى فعرف فرعون موسى لأنّه نشأ في بيته فقال له {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً} صبيّاً {وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} وهي ثلاثون سنة {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ} يعني قتل القبطي. أخبرنا ابن عبدوس قال: حدّثنا محمد بن يعقوب قال: حدّثنا محمد بن الجهم قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني موسى الأنصاري عن السري بن إسماعيل عن الشعبي انه قرأ {وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي} بكسر الفاء ولم يقرأ بها غيره. {وَأَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} الجاحدين لنعمتي وحق تربيتي، ربيناك فينا وليداً فهذا الذي كافأتنا أن قتلت منّا وكفرت بنعمتنا، وهذه رواية العوفي عن ابن عباس، وقال: إنَّ فرعون لم يكن يعلم ما الكفر بالربوبية. فقال موسى {قَالَ فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ ٱلضَّالِّينَ} أي الجاهلين قبل أن يأتيني عن الله شيء، هذا قول أكثر المفسّرين وكذلك هو في حرف ابن مسعود وأنا من الجاهلين. وقيل: من الضالّين عن العلم بأن ذلك يؤدي الى قتله. وقيل: من الضالّين عن طريق الصواب من غير تعمّد كالقاصد الى أن يرمي طائراً فيصيب إنساناً. وقيل: من المخطئين نظيره {أية : إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ ٱلْقَدِيمِ}تفسير : [يوسف: 95] {أية : إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ}تفسير : [يوسف: 8] وقيل: من الناسين، نظيره{أية : أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا}تفسير : [البقرة: 282]. {فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ} إلى مدين {فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً} فهماً وعلماً {وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ}. اختلف العلماء في تأويلها، ففسّرها بعضهم على إقرار وبعضهم على الإنكار، فمن قال: هو إقرار قال: عدّها موسى نعمة منه عليه حيث ربّاه ولم يقتله كما قتل غلمان بني إسرائيل، ولم يستعبده كما استعبد وتركني فلم يستعبدني وهذا قول الفرّاء، ومن قال هو إنكار قال: معناه وتلك نعمة على طريق الاستفهام كقوله {أية : هَـٰذَا رَبِّي}تفسير : [الأنعام: 76-78] وقوله {أية : فَهُمُ ٱلْخَالِدُونَ}تفسير : [الأنبياء: 34] وقول الشاعر: هم هم، وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة: شعر : لم أنس يوم الرحيل وقفتها ودمعها في جفونها عرق وقولها والركب سائرة تتركنا هكذا وتنطلق تفسير : وهذا قول مجاهد، ثم اختلفوا في وجهها فقال بعضهم: هذا ردّ من موسى على فرعون حين امتنّ عليه بالتربية فقال: لو لم تقتل بني إسرائيل لربّاني أبواي فأىّ نعمة لك عليَّ؟ وقيل: ذكره إساءته إلى بني إسرائيل فقال: تمنُّ عليَّ أن تربّيني وتنسى جنايتك على بني إسرائيل. وقيل: معناه كيف تمنُّ علي بالتربية وقد استعبدت قومي؟ ومن أُهين قومه ذّل، فتعبيدك بني إسرائيل قد أحبط إحسانك إليَّ. وقال الحسن: يقول: أخذت أموال بني إسرائيل وأنفقت منها عليَّ واتّخذتهم عبيداً. وقوله سبحانه {أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي اتّخذتهم عبيداً، يقال: عبّدته وأعبدته، وأنشد الفرّاء: شعر : علام يعبّدني قومي وقد كثرتْ فيهم أباعر ما شاؤوا وعبدان تفسير : وله وجهان: أحدهما: النصب بنزع الخافض مجازه: بتعبيدك بني إسرائيل والثاني: الرفع على البدل من النعمة. {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} وأيّ شيء ربّ العالمين الذي تزعم أنّك رسوله إليَّ ؟ {قَالَ} موسى (عليه السلام) {رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} إنّه خلقها عن الكلبي. وقال أهل المعاني: إن كنتم موقنين أي ما تعاينونه كما تعاينونه فكذلك فأيقنوا أنّ ربّنا هو ربّ السموات والأرض. {قَالَ} فرعون {لِمَنْ حَوْلَهُ} من أشراف قومه، قال ابن عباس: وكانوا خمسمائة رجل عليهم الأسورة محيلا لقوم موسى معجباً لقومه {أَلاَ تَسْتَمِعُونَ} فقال موسى مفهماً لهم وملزماً للحجة عليهم {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ * قَالَ} فرعون {إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} يتكلّم بكلام لا يعقله ولا يعرف صحته. فقال موسى {رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} فقال فرعون حين لزمته الحجّة وانقطع عن الجواب تكبّراً عن الحق وتمادياً في الغي {لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} المحبوسين. قال الكلبي: وكان سجنه أشدّ من القتل؛ لأنه كان يأخذ الرجل إذا سجنه فيطرحه في مكان وحدهُ فرداً لا يسمع ولا يبصر فيه شيئاً، يهوى به في الأرض. فقال له موسى حين توعدهُ بالسجن {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ} يبيّن صدق قولي، ومعنى الآية: أتفعل ذلك إنْ أتيتك بحجّة بيّنة، وإنما قال ذلك موسى لأن من أخلاق الناس السكون الى الإنصاف والإجابة الى الحق بعد البيان. فقال له فرعون {فَأْتِ بِهِ} فإنّا لن نسجنك حينئذ {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ * فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} بيّن ظاهر أمرهُ، فقال: وهل غير هذا؟ {وَنَزَعَ} موسى {يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَآءُ لِلنَّاظِرِينَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق - تبارك وتعالى - يقصُّ على رسوله قصص الأنبياء، وهو أحسن القصص لحكمة: {أية : وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ..}تفسير : [هود: 120]. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بمعارك كثيرة مع الكفر، فكان يحتاج إلى تثبيت مستمر كلما تعرض لشدة؛ لذلك تكرر القصص القرآني لرسول الله على مدى عمر الدعوة، والقصص القرآني لا يراد به التأريخ لحياة الرسل السابقين، إنما إعطاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم عِبرةً وعظة بمَنْ سبقه من إخوانه الرسل؛ لذلك كانت القصة تأتي في عدة مواضع، وفي كل موضع لقطة معينة تناسب الحدث الذي نزلت فيه. وهنا يقول سبحانه: {وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ ..} [الشعراء: 10] يعني: اذكر يا محمد، إذ نادى ربك موسى أي: دعاه. لكن لماذا بدأ بقصة موسى عليه السلام بالذات؟ قالوا: لأن كفار مكة كفروا بك أنت، فلا تحزن؛ لأن غيرهم كان أفظع منهم، حيث ادعى الألوهية، وقال: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي ..}تفسير : [القصص: 38]. والسياق هنا لم يذكر: أين ناداه ربه، ولا متى ناداه، وبدأ الحوار معه مباشرة، لكن في مواضع أخرى جاء تفصيل هذا كله. ثم يأتي الأمر المباشر من الله تعالى لنبيه موسى: {أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [الشعراء: 10] أي: الذين ظلموا أنفسهم، بأنْ جعلوا لله تعالى شريكاً، والشرك قِمَّة الظلم {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}تفسير : [لقمان: 13]. ولم يُبيِّن القرآن مَنْ هم هؤلاء الظالمون؛ لأنهم معروفون مشهورون، فهم في مجال الشرك أغنياء عن التعريف، بحيث إذا قلنا {ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [الشعراء: 10] انصرف الذِّهْن إليهم، إلى فرعون وقومه؛ لأنه الوحيد الذي تجرّأ على ادعاء الألوهية، وبعد أنْ ذكرهم بالوصف يُعيِّنهم: {قَوْمَ فِرْعَوْنَ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثمَّ أشار سبحانه إلى تعداد المكذبين الضالين عن طريق الحق، التائهين في تيه الغفلة والغرور فقال: {وَ} اذكر يا أكمل الرسل للمنصرفين عك وعن آياتك عناداً قصة أخيك موسى الكليم - صلوات الرحمن عليه - مع فرعون وملئه، وقت {إِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ} عبده {مُوسَىٰ} وأوحى إليه بعدما ظهر الفساط في الأرض من استيلاء فرعون وملئه على بني إسرائيل واستعبادهم، وقتل أبنائهم واستحياء نسائهم ظلماً. حين قال له سبحانه: {أَنِ ٱئْتِ ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ} [الشعراء: 10] أي: لك الإتيان بالدعوة والرسالة يا موسى على القوم الظالمين، الخارجين عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة بين العباد؛ للإنصاف والانتصاف؛ يعني: {قَوْمَ فِرْعَوْنَ} الطاغي الباغي الذي بغى على عباد الله بأنواع الجور والفساد، فقل لهم أولاً بعدما ذهبت إليهم على سبيل التنبيه: {أَلا يَتَّقُونَ} [الشعراء: 11] ويحذرون عن قهر الله، أيها المسرفون المكابرون، والمتجاوزون عن مقتضى العقل والنقل. وبعدما ناداه سبحانه ما ناداه {قَالَ} موسى ملتجئاً إلى الله، مناجياً له: {رَبِّ} من رباني بأنواع اللطف والكرم {إِنِّيۤ} من غاية ضعفي وانفرادي {أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ} [الشعراء: 12] ولا يقبلون دعوتي ولا يتلفتون إلي. {وَ} بذلك {يَضِيقُ صَدْرِي} ويكلُّ خاطري عن تبليغ ما أمرتني به {وَ} بعد ضيق صدري وكلٍّ خاطري {لاَ يَنطَلِقُ} ولا يجري {لِسَانِي} على تبينها وتفهمها، مع أن في لساني لكنة جِبلِّة، وبالجملة: أنا وحدي لا أطيق بحمل أعباء الرسالة وتبليغها، واجعل لي يا ربي ظهيراً يعينني، وأخي أولى بالمظاهرة والمعاونة {فَأَرْسِلْ} بمقتضى فضلك وجودك حامل وحيك {إِلَىٰ هَارُونَ} [الشعراء: 13] أخي، وأمره أن يشركه في أمري؛ حتى نذهب إلى فرعون ونبلغ رسالتك إياه. {وَ} لا سيما {لَهُمْ} أي: لقوم فرعون {عَلَيَّ ذَنبٌ} عظيم، وهو قتلي فيما مضى قبطياً منهم {فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ} [الشعراء: 14] بقصاصه. {قَالَ} سبحانه في جوابه على سبيل الردع: {كَلاَّ} أي: ارتدع يا موسى عن الخوف منهم بعدما أيدناك واصطفيناك للرسالة، ولا تبالِ بهم وبكثرتهم؛ إذ لا يسع لهم أن يقتلوك، وإن أردت أن تشرك أخاك معك في أمرك هذا فتشركه، فأرسل سبحانه جبرائيل عليه السلام إلى هارون بالحي وأشركه مع أخيه، وأمرهما بتبليغ الرسالة إلى فرعون بقوله: {فَٱذْهَبَا بِآيَاتِنَآ} الدالة على عظمة ذاتنا وكمال صفاتنا، وبلغا ما أُمرتما بتبليغه بلا خوف منهم ومبالاةٍ لهم {إِنَّا} حاضرون {مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ} [الشعراء: 15] ما جرى بينكم حافظون لكما عما قصدوا من المقت والأذاء. {فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ} مجترئين بلا مبالاة له {فَقُولاۤ} له بلا دهشة وخوف من سطوته واستيلائه: {إِنَّا} أي: كل واحد منا {رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} [الشعراء: 16] إليك أيها الطاغي نبلغك من عنده سبحانه. {أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا} قومنا {بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 17] أي: خلِّ سبيلهم؛ حتى يذهبوا بنا إلى أرض الشام سالمين عن ظلمك وجورك. {قَالَ} في جوابهما مخاطباً لموسى؛ إذ هو أصل في الرسالة، معاتباً عليه، متهمكاً موبخاً: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا} زماناً يا موسى حين كنت {وَلِيداً} لا متعهد لك سوانا {وَلَبِثْتَ فِينَا} بعدما كبرت إلى حيث مضى {مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} [الشعراء: 18]. قيل: لبث فيهم ثلاثين، ثمَّ خرج إلى مدين عشر سنين، ثمَّ عاد عليهم إلى التوحيد ثلاثين سنة، ثمَّ بقي بعد غرقهم خمسين سنة. {وَ} بعدما ربيناك بأنواع التربية والكرامة {فَعَلْتَ} من سوء صنعيك {فَعْلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلْتَ} بأن قتلت نفساً بلا جريمة صدرت منها موجبة لقتلها، فقتلها ظلماً وعدواناً {وَ} بالجملة: {أَنتَ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ} [الشعراء: 19] لنعمنا كفراناً سقط به لياقتك للرسالة والهداية، فالآن جئت تدعي الرسالة والإرشاد إلى الهداية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } إلى آخر القصة قوله: { إِنَّ في ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } أعاد الباري تعالى، قصة موسى وثناها في القرآن، ما لم يثن غيرها، لكونها مشتملة على حكم عظيمة، وعبر وفيها نبأه مع الظالمين والمؤمنين، وهو صاحب الشريعة الكبرى، وصاحب التوراة أفضل الكتب بعد القرآن فقال: واذكر حالة موسى الفاضلة، وقت نداء الله إياه، حين كلمه ونبأه وأرسله فقال: { أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } الذين تكبروا في الأرض، وعلوا على أهلها وادعى كبيرهم الربوبية. { قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ } أي: قل لهم، بلين قول، ولطف عبارة { أَلا تَتَّقُونَ } الله الذي خلقكم ورزقكم، فتتركون ما أنتم عليه من الكفر. فقال موسى عليه السلام، معتذرا من ربه، ومبينا لعذره، وسائلا له المعونة على هذا الحمل الثقيل: { قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسَانِي }. فقال: {أية : رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي } تفسير : { فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ } فأجاب الله طلبته ونبأ أخاه هارون كما نبأه { فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا } أي معاونا لي على أمري أن يصدقوني. { وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ } أي في قتل القبطي { فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ }. { قَالَ كَلا } أي لا يتمكنون من قتلك فإنا سنجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ولهذا لم يتمكن فرعون من قتل موسى مع منابذته له غاية المنابذة وتسفيه رأيه وتضليله وقومه { فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا } الدالة على صدقكما وصحة ما جئتما به { إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ } أحفظكما وأكلؤكما، { فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ } أي أرسلنا إليك لتؤمن به وبنا وتنقاد لعبادته وتذعن لتوحيده { أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } فكف عنهم عذابك وارفع عنهم يدك ليعبدوا ربهم ويقيموا أمر دينهم. فلما جاءا فرعون وقالا له ما قال الله لهما لم يؤمن فرعون ولم يلن وجعل يعارض موسى فـ { قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا } أي ألم ننعم عليك ونقم بتربيتك منذ كنت وليدا في مهدك ولم تزل كذلك. { وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ } وهي قتل موسى للقبطي، حين استغاثه الذي من شيعته، على الذي من عدوه {أية : فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ } تفسير : الآية. { وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ } أي: وأنت إذ ذاك طريقك طريقنا، وسبيلك سبيلنا، في الكفر، فأقر على نفسه بالكفر، من حيث لا يدري. فقال موسى: { فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ } أي: عن غير كفر، وإنما كان عن ضلال وسفه، فاستغفرت ربي فغفر لي. { فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ } حين تراجعتم بقتلي، فهربت إلى مدين، ومكثت سنين، ثم جئتكم. { فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ }. فالحاصل أن اعتراض فرعون على موسى، اعتراض جاهل أو متجاهل، فإنه جعل المانع من كونه رسولا أن جرى منه القتل، فبين له موسى، أن قتله كان على وجه الضلال والخطأ، الذي لم يقصد نفس القتل، وأن فضل الله تعالى غير ممنوع منه أحد، فلم منعتم ما منحني الله، من الحكم والرسالة؟ بقي عليك يا فرعون إدلاؤك بقولك: { أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا } وعند التحقيق، يتبين أن لا منة لك فيها، ولهذا قال موسى: { وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ }. أي: تدلي علي بهذه المنة لأنك سخرت بني إسرائيل، وجعلتهم لك بمنزلة العبيد، وأنا قد أسلمتني من تعبيدك وتسخيرك، وجعلتها علي نعمة، فعند التصور، يتبين أن الحقيقة، أنك ظلمت هذا الشعب الفاضل، وعذبتهم وسخرتهم بأعمالك، وأنا قد سلمني الله من أذاك، مع وصول أذاك لقومي، فما هذه المنة التي تبت بها وتدلي بها؟. { قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ } وهذا إنكار منه لربه، ظلما وعلوا، مع تيقن صحة ما دعاه إليه موسى، قال: { رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا }. أي: الذي خلق العالم العلوي والسفلي، ودبره بأنواع التدبير، ورباه بأنواع التربية. ومن جملة ذلك، أنتم أيها المخاطبون، فكيف تنكرون خالق المخلوقات، وفاطر الأرض والسماوات { إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ } فقال فرعون متجرهما، ومعجبا لقومه: { أَلا تَسْتَمِعُونَ } ما يقول هذا الرجل، فقال موسى: { رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ } تعجبتم أم لا استكبرتم، أم أذعنتم. فقال فرعون معاندا للحق، قادحا بمن جاء به: { إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } حيث قال خلاف ما نحن عليه، وخالفنا فيما ذهبنا إليه، فالعقل عنده وأهل العقل، من زعموا أنهم لم يخلقوا، أو أن السماوات والأرض، ما زالتا موجودتين من غير موجد وأنهم، بأنفسهم، خلقوا من غير خالق، والعقل عنده، أن يعبد المخلوق الناقص، من جميع الوجوه، والجنون عنده، أن يثبت الرب الخالق للعالم العلوي والسفلي، والمنعم بالنعم الظاهرة والباطنة، ويدعو إلى عبادته، وزين لقومه هذا القول، وكانوا سفهاء الأحلام، خفيفي العقول {أية : فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ } تفسير : فقال موسى عليه السلام، مجيبا لإنكار فرعون وتعطيله لرب العالمين: { رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا } من سائر المخلوقات { إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } فقد أديت لكم من البيان والتبيين، ما يفهمه كل من له أدنى مسكة من عقل، فما بالكم تتجاهلون فيما أخاطبكم به؟ وفيه إيماء وتنبيه إلى أن الذي رميتم به موسى من الجنون، أنه داؤكم فرميتم أزكى الخلق عقلا وأكملهم علما، بالجنون، والحال أنكم أنتم المجانين، حيث ذهبت عقولكم لإنكار أظهر الموجودات، خالق الأرض والسماوات وما بينهما، فإذا جحدتموه، فأي شيء تثبتون؟ وإذا جهلتموه، فأي شيء تعلمون؟ وإذا لم تؤمنوا به وبآياته، فبأي شيء - بعد الله وآياته - تؤمنون؟ تالله، إن المجانين الذين بمنزلة البهائم، أعقل منكم، وإن الأنعام السارحة، أهدى منكم. فلما خنقت فرعون الحجة، وعجزت قدرته وبيانه عن المعارضة { قَالَ } متوعدا لموسى بسلطانه { لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ } زعم - قبحه الله - أنه قد طمع في إضلال موسى، وأن لا يتخذ إلها غيره، وإلا فقد تقرر أنه هو ومن معه، على بصيرة من أمرهم. فقال له موسى: { أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ } أي: آية ظاهرة جلية، على صحة ما جئت به، من خوارق العادات. { قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ } أي: ذكر الحيات، { مُبِينٌ } ظاهر لكل أحد، لا خيال، ولا تشبيه. { وَنزعَ يَدَهُ } من جيبه { فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ } أي: لها نور عظيم، لا نقص فيه لمن نظر إليها. { قَالَ } فرعون { لِلْمَلإ حَوْلَهُ } معارضا للحق، ومن جاء به: { إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ } موَّه عليهم لعلمه بضعف عقولهم، أن هذا من جنس ما يأتي به السحرة، لأنه من المتقرر عندهم، أن السحرة يأتون من العجائب، بما لا يقدر عليه الناس، وخوَّفهم أن قصده بهذا السحر، التوصل إلى إخراجهم من وطنهم، ليجدوا ويجتهدوا في معاداة من يريد إجلاءهم عن أولادهم وديارهم، { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } أن نفعل به؟. { قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ } أي: أخرهما { وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ } جامعين للناس. { يَأْتُوكَ } أولئك الحاشرون { بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ } أي: ابعث في جميع مدنك، التي هي مقر العلم، ومعدن السحر، من يجمع لك كل ساحر ماهر، عليم في سحره فإن الساحر يقابل بسحر من جنس سحره. وهذا من لطف الله أن يري العباد، بطلان ما موه به فرعون الجاهل الضال، المضل أن ما جاء به موسى سحر، قيضهم أن جمعوا أهل المهارة بالسحر، لينعقد المجلس عن حضرة الخلق العظيم، فيظهر الحق على الباطل، ويقر أهل العلم وأهل الصناعة، بصحة ما جاء به موسى، وأنه ليس بسحر، فعمل فرعون برأيهم، فأرسل في المدائن، من يجمع السحرة، واجتهد في ذلك، وجد. { فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ } قد واعدهم إياه موسى، وهو يوم الزينة، الذي يتفرغون فيه من أشغالهم. { وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ } أي: نودي بعموم الناس بالاجتماع في ذلك اليوم الموعود. { لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ } أي: قالوا للناس: اجتمعوا لتنظروا غلبة السحرة لموسى، وأنهم ماهرون في صناعتهم، فنتبعهم، ونعظمهم، ونعرف فضيلة علم السحر، فلو وفقوا للحق، لقالوا: لعلنا نتبع المحق منهم، ولنعرف الصواب، فلذلك ما أفاد فيهم ذلك، إلا قيام الحجة عليهم. { فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ } ووصلوا لفرعون قالوا له: { أَئِنَّ لَنَا لأجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ } لموسى؟ { قَالَ نَعَمْ } لكم أجر وثواب { وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ } عندي، وعدهم الأجر والقربة منه، ليزداد نشاطهم، ويأتوا بكل مقدورهم في معارضة ما جاء به موسى. فلما اجتمعوا للموعد، هم وموسى، وأهل مصر، وعظهم موسى وذكرهم وقال: {أية : وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى } تفسير : فتنازعوا وتخاصموا ثم شجعهم فرعون، وشجع بعضهم بعضا. فـ { قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ } أي: ألقوا كل ما في خواطركم إلقاؤه، ولم يقيده بشيء دون شيء، لجزمه ببطلان ما جاءوا به من معارضة الحق. { فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ } فإذا هي حيات تسعى، وسحروا بذلك أعين الناس، { وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ } فاستعانوا بعزة عبد ضعيف، عاجز من كل وجه، إلا أنه قد تجبر، وحصل له صورة ملك وجنود، فغرتهم تلك الأبهة، ولم تنفذ بصائرهم إلى حقيقة الأمر، أو أن هذا قسم منهم بعزة فرعون والمقسم عليه، أنهم غالبون. { فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ } تبتلع وتأخذ { مَا يَأْفِكُونَ } فالتفت جميع ما ألقوا من الحبال والعصي، لأنها إفك، وكذب، وزور وذلك كله باطل لا يقوم للحق، ولا يقاومه. فلما رأى السحرة هذه الآية العظيمة، تيقنوا - لعلمهم - أن هذا ليس بسحر، وإنما هو آية من آيات الله، ومعجزة تنبئ بصدق موسى، وصحة ما جاء به. { فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ } لربهم. { قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ } وانقمع الباطل، في ذلك المجمع، وأقر رؤساؤه، ببطلانه، ووضح الحق، وظهر حتى رأى ذلك الناظرون بأبصارهم، ولكن أبى فرعون، إلا عتوا وضلالا وتماديا في غيه وعنادا، فقال للسحرة: { آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ }. يتعجب ويعجب قومه من جراءتهم عليه، وإقدامهم على الإيمان من غير إذنه ومؤامرته. { إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ } هذا، وهو الذي جمع السحرة، وملأه، الذين أشاروا عليه بجمعهم من مدائنهم، وقد علموا أنهم ما اجتمعوا بموسى، ولا رأوه قبل ذلك، وأنهم جاءوا من السحر، بما يحير الناظرين ويهيلهم، ومع ذلك، فراج عليهم هذا القول، الذي هم بأنفسهم، وقفوا على بطلانه، فلا يستنكر على أهل هذه العقول، أن لا يؤمنوا بالحق الواضح، والآيات الباهرة، لأنهم لو قال لهم فرعون عن أي شيء كان، إنه على خلاف حقيقته، صدقوه. ثم توعد السحرة فقال: { لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ } أي: اليد اليمنى، والرجل اليسرى، كما يفعل بالمفسد في الأرض، { وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } لتختزوا، وتذلوا. فقال السحرة - حين وجدوا حلاوة الإيمان وذاقوا لذته -: { لا ضَيْرَ } أي: لا نبالي بما توعدتنا به { إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا } من الكفر والسحر، وغيرهما { أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ } بموسى، من هؤلاء الجنود، فثبتهم الله وصبرهم. فيحتمل أن فرعون فعل بهم ما توعدهم به، لسلطانه، واقتداره إذ ذاك ويحتمل، أن الله منعه منهم، ثم لم يزل فرعون وقومه، مستمرين على كفرهم، يأتيهم موسى بالآيات البينات، وكلما جاءتهم آية، وبلغت منهم كل مبلغ، وعدوا موسى، وعاهدوه لئن كشف الله عنهم، ليؤمنن به، وليرسلن معه بني إسرائيل، فيكشفه الله، ثم ينكثون، فلما يئس موسى من إيمانهم، وحقت عليهم كلمة العذاب، وآن لبني إسرائيل أن ينجيهم من أسرهم، ويمكن لهم في الأرض، أوحى الله إلى موسى: { أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي }. أي: اخرج ببني إسرائيل أول الليل، ليتمادوا ويتمهلوا في ذهابهم. { إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ } أي: سيتبعكم فرعون وجنوده. ووقع كما أخبر، فإنهم لما أصبحوا، وإذا بنو إسرائيل قد سروا كلهم مع موسى. { فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ } يجمعون الناس، ليوقع ببني إسرائيل، ويقول مشجعا لقومه: { إِنَّ هَؤُلاءِ } أي: بني إسرائيل { لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ } ونريد أن ننفذ غيظنا في هؤلاء العبيد، الذين أبِقُوا منا. { وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ } أي: الحذر على الجميع منهم، وهم أعداء للجميع، والمصلحة مشتركة، فخرج فرعون وجنوده، في جيش عظيم، ونفير عام، لم يتخلف منهم سوى أهل الأعذار، الذين منعهم العجز. قال الله تعالى: { فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } أي: بساتين مصر وجناتها الفائقة، وعيونها المتدفقة، وزروع قد ملأت أراضيهم، وعمرت بها حاضرتهم وبواديهم. { وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } يعجب الناظرين، ويلهي المتأملين، تمتعوا به دهرا طويلا وقضوا بلذته وشهواته، عمرا مديدا، على الكفر والفساد، والتكبر على العباد والتيه العظيم. { كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا } أي: هذه البساتين والعيون، والزروع، والمقام الكريم، { بَنِي إِسْرَائِيلَ } الذين جعلوهم من قبل عبيدهم، وسخروا في أعمالهم الشاقة، فسبحان من يؤتي الملك من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ويعز من يشاء بطاعته، ويذل من يشاء بمعصيته. { فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ } أي: اتبع قوم فرعون قوم موسى، وقت شروق الشمس، وساقوا خلفهم محثين، على غيظ وحنق قادرين. { فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ } أي رأى كل منهما صاحبه، { قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى } شاكين لموسى وحزنين { إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } فـ { قَالَ } موسى، مثبتا لهم، ومخبرا لهم بوعد ربه الصادق: { كُلا } أي: ليس الأمر كما ذكرتم، أنكم مدركون، { إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } لما فيه نجاتي ونجاتكم. { فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ } فضربه { فَانْفَلَقَ } اثني عشر طريقا { فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ } أي: الجبل { الْعَظِيمِ } فدخله موسى وقومه. { وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ } في ذلك المكان { الآخَرِينَ } أي فرعون وقومه، قربناهم، وأدخلناهم في ذلك الطريق، الذي سلك منه موسى وقومه. { وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ } استكملوا خارجين، لم يتخلف منهم أحد. { ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ } لم يتخلف منهم عن الغرق أحد. { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } عظيمة، على صدق ما جاء به موسى عليه السلام، وبطلان ما عليه فرعون وقومه، { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } مع هذه الآيات المقتضية للإيمان، لفساد قلوبكم. { وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } بعزته أهلك الكافرين المكذبين، وبرحمته نجى موسى، ومن معه أجمعين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):