٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
الرازي
تفسير : اعلم أن فرعون لم يقل لموسى {وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }، إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين، يبين ذلك ما تقدم من قوله: { أية : فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 16] فلا بد عند دخولهما عليه أنهما قالا ذلك، فعند ذلك قال فرعون: {وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } ثم ههنا بحثان: الأول: أن فرعون يحتمل أن يقال إنه كان عارفاً بالله، ولكنه قال ما قال طلباً للملك والرياسة، وقد ذكر الله تعالى في كتابه ما يدل على أنه كان عارفاً بالله، وهو قوله: { أية : قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } تفسير : [الإسراء: 102] فإذا قرىء بفتح التاء من {عَلِمَتِ } فالمراد أن فرعون علم ذلك، وذلك يدل على أنه كان عارفاً بالله، لكنه كان يستأكل قومه بما يظهره من إلهيته، والقراءة الأخرى برفع التاء من {عَلِمَتِ } فهي تقتضي أن موسى عليه السلام هو الذي عرف ذلك، وأيضاً فإن فرعون إن لم يكن عاقلاً لم يجز من الله تعالى بعثة الرسول إليه، وإن كان عاقلاً فهو يعلم بالضرورة أنه ما كان موجوداً ولا حياً ولا عاقلاً ثم صار كذلك، وبالضرورة يعلم أن كل ما كان كذلك فلا بد له من مؤثر، فلا بد وأن يتولد له من هذين العلمين علم ثالث بافتقاره في تركيبه وفي حياته وعقله إلى مؤثر موجد، ويحتمل أن يقال إنه كان على مذهب الدهرية من أن الأفلاك واجبة الوجود في ذواتها ومتحركة لذواتها، وأن حركاتها أسباب لحصول الحوادث في هذا العالم، أو يقال إنه كان من الفلاسفة القائلين بالعلة الموجبة لا بالفاعل المختار، ثم اعتقد أنه بمنزلة الإله لأهل إقليمه من حيث استعبدهم وملك ذماتهم وزمام أمرهم، ويحتمل أن يقال إنه كان على مذهب الحلولية، القائلين بأن ذات الإله يتدرع بجسد إنسان معين، حتى يكون الإله سبحانه لذلك الجسد بمنزلة روح كل إنسان بالنسبة إلى جسده، وبهذه التقديرات كان يسمي نفسه إلهاً. البحث الثاني: وهو أنه قال لموسى عليه السلام: {وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }؟ واعلم أن السؤال بما طلب لتعريف حقيقة الشيء، وتعريف حقيقة الشيء إما أن يكون بنفس تلك الحقيقة أو بشيء من أجزائها أو بأمر خارج عنها أو بما يتركب من الداخل والخارج. أما تعريفها بنفسها فمحال، لأن المعرف معلوم قبل المعرف، فلو عرف الشيء بنفسه لزم أن يكون معلوماً قبل أن يكون معلوماً وهو محال. وأما تعريفها بالأمور الداخلة فيها فههنا في حق واجب الوجود محال، لأن التعريف بالأمور الداخلة لا يمكن إلا إذا كان المعرف مركباً، وواجب الوجود يستحيل أن يكون مركباً، لأن كل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه، وكل واحد من أجزائه فهو غيره، فكل مركب محتاج إلى غيره، وكل ما احتاج إلى غيره فهو ممكن لذاته، وكل مركب فهو ممكن، فما ليس بممكن يستحيل أن يكون مركباً، فواجب الوجود ليس بمركب، وإذا لم يكن مركباً استحال تعريفه بأجزائه، ولما بطل هذان القسمان ثبت أنه لا يمكن تعريف ماهية واجب الوجود إلا بلوازمه وآثاره، ثم إن اللوازم قد تكون خفية، وقد تكون جلية، ولا يجوز تعريف الماهية باللوازم الخفية بل لا بد من تعريفها باللوازم الجلية، وأظهر آثار ذات واجب الوجود هو هذا العالم المحسوس وهو السموات والأرض وما بينهما فقد ثبت أنه لا جواب ألبتة لقول فرعون {وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } إلا ما قاله موسى عليه السلام، وهو أنه رب السموات والأرض وما بينهما، فأما قوله: {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } فمعناه: إن كنتم موقنين بإسناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته لأنكم لما سلمتم انتهاء هذه المحسوسات إلى الواجب لذاته، ثبت أن الواجب لذاته فرد مطلق، وثبت أن الفرد المطلق لا يمكن تعريفه إلا بآثاره، وثبت أن تلك الآثار لا بد وأن تكون أظهر آثاره، وأبعدها عن الخفاء وما ذاك إلا السموات والأرض وما بينهما، فإن أيقنتم بذلك لزمكم أن تقطعوا بأنه لا جواب عن ذلك السؤال إلا هذا الجواب، ولما ذكر موسى عليه السلام هذا الجواب الحق قال فرعون لمن حوله ألا تستمعون وإنما ذكر ذلك على سبيل التعجب من جواب موسى، يعني أنا أطلب منه الماهية وخصوصية الحقيقة، وهو يجيبني بالفاعلية والمؤثرية، وتمام الإشكال أن تعريف الماهية بلوازمها لا يفيد الوقوف على نفس تلك الماهية، وذلك لأنا إذا قلنا في الشيء إنه الذي يلزمه اللازم الفلاني، فهذا المذكور، إما أن يكون معروفاً لمجرد كونه أمراً ما يلزمه ذلك اللازم أو لخصوصية تلك الماهية التي عرضت لها هذه الملزومية، والأول محال لأن كونه أمراً يلزمه ذلك اللازم جعلناه كاشفاً فلو كان المكشوف هو هذا القدر لزم كون الشيء معروفاً لنفسه وهو محال، والثاني محال لأن العلم بأنه أمر ما يلزمه اللازم الفلاني لا يفيد العلم بخصوصية تلك الماهية الملزومة، لأنه لا يمتنع في العقل اشتراك الماهيات المختلفة في لوازم متساوية فثبت أن التعريف بالوصف الخارجي لا يفيد معرفة نفس الحقيقة فلم يكن كونه رباً للسموات والأرض وما بينهما جواباً عن قوله: {وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } فأجاب موسى عليه السلام: بأن {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } وكأنه عدل عن التعريف بخالقية السماء والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقاً لنا ولآبائنا، وذلك لأنه لا يمتنع أن يعتقد أحد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها فهي غنية عن الخالق والمؤثر، ولكن لا يمكن أن يعتقد العاقل في نفسه وأبيه وأجداده كونهم واجبين لذواتهم، لم أن المشاهدة دلت على أنهم وجدوا بعد العدم ثم عدموا بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجباً لذاته، وما لم يكن واجباً لذاته استحال وجوده إلا لمؤثر، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر فلهذا عدل موسى عليه السلام من الكلام الأول إليه فقال فرعون: {إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } يعني المقصود من سؤال ما طلب الماهية وخصوصية الحقيقة والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد ألبتة تلك الخصوصية، فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه، فقال موسى عليه السلام: {رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني، وذلك لأنه أراد بالمشرق طلوع الشمس وظهور النهار، وأراد بالمغرب غروب الشمس وزوال النهار، والأمر ظاهر في أن هذا التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر وهذا بعينه طريقة إبراهيم عليه السلام مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة وهو الذي ذكره موسى عليه السلام ههنا بقوله: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ } فأجابه نمروذ بقوله: { أية : أنا أحيي وأميت } تفسير : [البقرة: 258] فقال: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِى كَفَرَ}تفسير : [البقرة: 258] وهو الذي ذكره موسى عليه السلام ههنا بقوله: {رَّبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ }. وأما قوله: {إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } فكأنه عليه السلام قال إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت لأنك طلبت مني تعريف حقيقته بنفس حقيقته، وقد ثبت أنه لا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أعرف حقيقته بآثار حقيقته، وأنا قد عرفت حقيقته بآثار حقيقته فقد ثبت أن كل من كان عاقلاً يقطع بأنه لا جواب عن هذا السؤال إلا ما ذكرته. واعلم أنا قد بينا في سورة الأنعام (18) في تفسير قوله تعالى: { أية : وَهُوَ ٱلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ } تفسير : أن حقيقة الإله سبحانه من حيث هي هي غير معقولة للبشر، وإذا كان كذلك استحال من موسى عليه السلام أن يذكر ما تعرف به تلك الحقيقة، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة فكان حاصل كلام موسى عليه السلام أن ادعاء رسالة رب العالمين تتوقف صحته على إثبات أن للعالمين رباً وإلهاً ولا تتوقف على العلم بخصوصية الرب تعالى وماهيته المعينة، فكأن موسى عليه السلام يقيم الدلالة على إثبات القدر المحتاج إليه في صحة دعوى الرسالة، وفرعون يطالبه ببيان الماهية، وموسى عليه السلام كان يعرض عن سؤاله لعلمه بأنه لا تعلق لذلك السؤال نفياً ولا إثباتاً في هذا المطلوب، فهذا تمام القول في هذا البحث والله أعلم، ثم إن موسى عليه السلام لما خشن في آخر الكلام بقوله: {إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } فعند ذلك قال فرعون: {لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِى لاجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ } فإنه لما عجز عن الحجاج عدل إلى التخويف، فعند ذلك ذكر موسى عليه السلام كلاماً مجملاً ليعلق قلبه به فيعدل عن وعيده فقال: {أَوْ لَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ }؟ أي هل تستجيز أن تسجنني مع اقتداري على أن آتيك بأمر بين في باب الدلالة على وجود الله تعالى وعلى أني رسوله؟ فعند ذلك قال: {فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } وههنا فروع: الفرع الأول: الآية تدل على أنه تعالى ليس بجسم لأنه لو كان جسماً وله صورة لكان جواب موسى عليه السلام بذكر حقيقته ولكان كلام فرعون لازماً له لعدوله عن الجواب الحق الثاني: الواجب على من يدعو غيره إلى الله تعالى أن لا يجيب عن السفاهة لأن موسى عليه السلام لما قال له فرعون إنه مجنون لم يعدل عن ذكر الدلالة وكذلك لما توعده أن يسجنه الثالث: أنه يجوز للمسؤول أن يعدل في حجته من مثال إلى مثال لإيضاح الكلام ولا يدل ذلك على الانقطاع الرابع: إن قيل: كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول وهو قوله: {أَوْ لَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ } والمعجز لا يدل على الله تعالى كدلالة سائر ما تقدم؟ قلنا بل يدل ما أراد أن يظهره من انقلاب العصا حية على الله تعالى وعلى توحيده، وعلى أنه صادق في الرسالة فالذي ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم وأجمع الخامس: فإن قيل كيف قال: {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا } على التثنية والمرجوع إليه مجموع؟ جوابه أريد ما بين الجهتين، فإن قيل: ذكر السموات والأرض وما بينهما قد استوعب الخلائق كلهم، فما معنى ذكرهم وذكر آبائهم بعد ذلك وذكر المشرق والمغرب؟ جوابه: قد عمم أولاً ثم خصص من العام للبيان أنفسهم وآباءهم لأن أقرب الأشياء من العاقل نفسه ومن ولد منه وما شاهد من انتقاله من وقت ميلاده إلى وقت وفاته من حالة إلى حالة أخرى، ثم خصص المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها على تقدير مستقيم في فصول السنة من أظهر الدلائل السادس: فإن قيل لم قال: {لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ } ولم يقل لأسجننك مع أنه أخصر؟ جوابه: لأنه لو قال لأسجننك لا يفيد إلا صيرورته مسجوناً. أما قوله: {لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ } فمعناه أني أجعلك واحداً ممن عرفت حالهم في سجوني، وكان من عادته أن يأخذ من يريد أن يسجنه فيطرحه في بئر عميقة فرداً لا يبصر فيها ولا يسمع فكان ذلك أشد من القتل السابع: الواو في قوله: {أَوْ لَوْ جِئْتُكَ } واو الحال دخلت عليها همزة الاستفهام معناه أتفعل بي ذلك ولو جئتك بشيء مبين أي جائياً بالمعجزة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ } لما غلب موسى فرعون بالحجة ولم يجد اللعين من تقريره على التربية وغير ذلك حجة رجع إلى معارضة موسى في قوله: رسول رب العالمين؛ فاستفهمه استفهاماً عن مجهول من الأشياء. قال مكيّ وغيره: كما يستفهم عن الأجناس فلذلك استفهم بـ{ـما}. قال مكي: وقد ورد له استفهام بـ{ـمن} في موضع آخر ويشبه أنها مواطن؛ فأتى موسى بالصفات الدالّة على الله من مخلوقاته التي لا يشاركه فيها مخلوق، وقد سأل فرعون عن الجنس ولا جنس لله تعالى؛ لأن الأجناس محدثة، فعلم موسى جهله فأضرب عن سؤاله وأعلمه بعظيم قدرة الله التي تبيِّن للسامع أنه لا مشاركة لفرعون فيها. فقال فرعون: {أَلاَ تَسْتَمِعُونَ} على معنى الإغراء والتعجب من سفه المقالة إذ كانت عقيدة القوم أن فرعون ربهم ومعبودهم والفراعنة قبله كذلك. فزاد موسى في البيان بقوله: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} فجاء بدليل يفهمونه عنه؛ لأنهم يعلمون أنه قد كان لهم آباء وأنهم قد فنوا وأنه لا بد لهم من مغيِّر، وأنهم قد كانوا بعد أن لم يكونوا، وأنهم لا بد لهم من مكوِّن. فقال فرعون حينئذٍ على جهة الاستخفاف: {إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} أي ليس يجيبني عما أسأل؛ فأجابه موسى عليه السلام عن هذا بأن قال: {رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ} أن ليس ملكه كملكك؛ لأنك إنما تملك بلداً واحداً لا يجوز أمرك في غيره، ويموت من لا تحب أن يموت، والذي أرسلني يملك المشرق والمغرب؛ {وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}. وقيل: علم موسى عليه السلام أن قصده في السؤال معرفة من سأل عنه، فأجاب بما هو الطريق إلى معرفة الرب اليوم. ثم لما انقطع فرعون لعنه الله في باب الحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب فتوعد موسى بالسجن، ولم يقل ما دليلك على أن هذا الإله أرسلك؛ لأن فيه الاعتراف بأن ثَمَّ إلهاً غيره. وفي توعده بالسجن ضعف. وكان فيما يروى أنه يفزع منه فزعاً شديداً حتى كان اللعين لا يمسك بوله. وروي أن سجنه كان أشد من القتل. وكان إذا سجن أحداً لم يخرجه من سجنه حتى يموت، فكان مَخُوفاً. ثم لما كان عند موسى عليه السلام من أمر الله تعالى ما لا يرعه توعُد فرعون {فقَالَ} له على جهة اللطف به والطمع في إيمانه: {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ} فيتضح لك به صدقي، فلما سمع فرعون ذلك طمع في أن يجد أثناءه موضع معارضة {قَالَ} له {فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ}. ولم يحتج الشرط إلى جواب عند سيبويه؛ لأن ما تقدّم يكفي منه. {فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ} من يده فكان ما أخبر الله من قصته. وقد تقدّم بيان ذلك وشرحه في «الأعراف» إلى آخر القصة. وقال السحرة لما توعدهم فرعون بقطع الأيدي والأرجل {لاَ ضَيْرَ} أي لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عذاب الدنيا؛ أي إنما عذابك ساعة فنصبر لها وقد لقينا الله مؤمنين. وهذا يدلّ على شدّة استبصارهم وقوّة إيمانهم. قال مالك: دعا موسى عليه السلام فرعون أربعين سنة إلى الإسلام، وأن السحرة آمنوا به في يوم واحد. يقال: لا ضَيْر ولا ضَوْر ولا ضَرَّ ولا ضَرَرَ ولا ضارُورة بمعنى واحد؛ قاله الهَرَويّ. وأنشد أبو عبيدة:شعر : فإنكَ لا يَضُوركَ بعدَ حَوْلٍ أظبيٌ كان أُمُّكَ أَم حِمَارُ تفسير : وقال الجوهري: ضَارَه يَضُوره ويضيره ضَيْراً وضَوْراً أي ضَرَّه. قال الكسائي: سمعت بعضهم يقول لا ينفعني ذلك ولا يَضُورني. والتّضور الصياح والتلوّي عند الضرب أو الجوع. والضُّورَة بالضم الرجل الحقير الصغير الشأن. {إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ} يريد ننقلب إلى رب كريم رحيم {إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }. {أَنْ} في موضع نصب أي لأن كنا. وأجاز الفراء كسرها على أن تكون مجازاة. ومعنى: {أَوَّلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي عند ظهور الآية ممن كان في جانب فرعون. الفراء: أول مؤمني زماننا. وأنكره الزجاج وقال: قد روي أنه آمن معه ستمائة ألف وسبعون ألفاً، وهم الشِّرذمة القليلون الذين قال فيهم فرعون: {إِنَّ هَؤلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} روي ذلك عن ابن مسعود وغيره.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مخبراً عن كفر فرعون وتمرده وطغيانه وجحوده في قوله: {وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} وذلك أنه كان يقول لقومه: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} تفسير : [القصص: 38]، {فَٱسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} وكانوا يجحدون الصانع جل وعلا، ويعتقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون، فلما قال له موسى: إني رسول رب العالمين، قال له فرعون: ومن هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: {أية : قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِىۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ } تفسير : [طه: 50] ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم أن هذا سؤال عن الماهية، فقد غلط، فإنه لم يكن مقراً بالصانع حتى يسأل عن الماهية، بل كان جاحداً له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه، فعند ذلك قال موسى لما سأله عن رب العالمين: {قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ} أي: خالق جميع ذلك، ومالكه والمتصرف فيه، وإلهه، لا شريك له، هو الذي خلق الأشياء كلها؛ العالم العلوي وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات، والعالم السفلي وما فيه من بحار وقفار وجبال وأشجار وحيوانات ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطير، وما يحتوي عليه الجو، الجميع عبيد له خاضعون ذليلون، {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} أي: إن كانت لكم قلوب موقنة، وأبصار نافذة، فعند ذلك التفت فرعون إلى من حوله من ملئه ورؤساء دولته قائلاً لهم على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله: {أَلاَ تَسْتَمِعُونَ} أي: ألا تعجبون مما يقول هذا في زعمه أن لكم إلهاً غيري؟ فقال لهم موسى: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} أي: خالقكم وخالق آبائكم الأولين، الذين كانوا قبل فرعون وزمانه. {قَالَ} أي: فرعون لقومه: {إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِىۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} أي: ليس له عقل في دعواه أن ثم رباً غيري. {قَالَ} أي: موسى لأولئك الذين أوعز إليهم فرعون ما أوعز من الشبهة، فأجاب موسى بقوله: {رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} أي: هو الذي جعل المشرق مشرقاً تطلع منه الكواكب، والمغرب مغرباً تغرب فيه الكواكب؛ ثوابتها وسياراتها، مع هذا النظام الذي سخرها فيه وقدرها، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقاً، فليعكس الأمر، وليجعل المشرق مغرباً، والمغرب مشرقاً؛ كما قال تعالى عن {أية : ٱلَّذِى حَآجَّ إِبْرَٰهِيمَ فِى رِبِّهِ أَنْ آتَـٰهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّيَ ٱلَّذِى يُحْىِ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْىِ وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِى بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ} تفسير : [البقرة: 258] الآية. ولهذا لما غلب فرعون، وانقطعت حجته، عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه، واعتقد أن ذلك نافع له، ونافذ في موسى عليه السلام، فقال ما أخبر الله تعالى عنه
المحلي و السيوطي
تفسير : {قَالَ فِرْعَوْنُ } لموسى {وَمَا رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ } الذي قلت إنك رسوله؟ أي: أي شيء هو؟ ولما لم يكن سبيل للخلق إلى معرفة حقيقته تعالى وإنما يعرفونه بصفاته أجابه موسى عليه الصلاة والسلام ببعضها:
الشوكاني
تفسير : لما سمع فرعون قول موسى وهارون: {إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } قال مستفسراً لهما عن ذلك عازماً على الاعتراض لما قالاه فقال: {وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } أيّ شيء هو؟ جاء في الاستفهام بما التي يستفهم بها عن المجهول، ويطلب بها تعيين الجنس، فلما قال فرعون ذلك قَالَ موسى {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا }، فعين له ما أراد بالعالمين، وترك جواب ما سأل عنه فرعون؛ لأنه سأله عن جنس ربّ العالمين، ولا جنس له، فأجابه موسى بما يدلّ على عظيم القدرة الإلهية التي تتضح لكل سامع أنه سبحانه الربّ، ولا ربّ غيره {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } أي إن كنتم موقنين بشيء من الأشياء، فهذا أولى بالإيقان. {قَالَ } فرعون {لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ } أي لمن حوله من الأشراف ألا تستمعون ما قاله؟ يعني: موسى معجباً لهم من ضعف المقالة كأنه قال: أتسمعون وتعجبون؟ وهذا من اللعين مغالطة، لما لم يجد جواباً عن الحجة التي أوردها عليه موسى. فلما سمع موسى ما قال فرعون، أورد عليه حجة أخرى هي مندرجة تحت الحجة الأولى، ولكنها أقرب إلى فهم السامعين له فـفال: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءَابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ }، فأوضح لهم أن فرعون مربوب لا ربّ كما يدّعيه، والمعنى: أن هذا الربّ الذي أدعوكم إليه هو الذي خلق آباءكم الأوّلين، وخلقكم، فكيف تعبدون من هو واحد منكم مخلوق كخلقكم، وله آباء قد فنوا كآبائكم؟ فلم يجبه فرعون عند ذلك بشيء يعتدّ به، بل جاء بما يشكك قومه، ويخيل إليهم أن هذا الذي قاله موسى مما لا يقوله العقلاء، فـقال {إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } قاصداً بذلك المغالطة، وإيقاعهم في الحيرة، مظهراً أنه مستخفّ بما قاله موسى مستهزىء به، فأجابه موسى عند ذلك بما هو تكميل لجوابه الأوّل، فقال {رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا } ولم يشتغل موسى بدفع ما نسبه إليه من الجنون، بل بين لفرعون شمول ربوبية الله سبحانه للمشرق والمغرب وما بينهما، وإن كان ذلك داخلاً تحت ربوبيته سبحانه للسماوات والأرض وما بينهما، لكن فيه تصريح بإسناد حركات السماوات وما فيها، وتغيير أحوالها وأوضاعها، تارة بالنور وتارة بالظلمة إلى الله سبحانه، وتثنية الضمير في: {وَمَا بَيْنَهُمَا } الأوّل لجنسي السمٰوات والأرض كما في قول الشاعر:شعر : تنقلت في أشرف التنقل بين رماحي مالك ونهشل تفسير : {إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } أي شيئاً من الأشياء، أو إن كنتم من أهل العقل أي إن كنت يا فرعون، ومن معك من العقلاء عرفت، وعرفوا أنه لا جواب لسؤالك إلاّ ما ذكرت لك. ثم إن اللعين لما انقطع عن الحجة رجع إلى الاستعلاء والتغلب، فقال: {لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ } أي لأجعلنك من أهل السجن، وكان سجن فرعون أشدّ من القتل؛ لأنه إذا سجن أحداً لم يخرجه حتى يموت، فلما سمع موسى عليه السلام ذلك لاطفه طمعاً في إجابته وإرخاء لعنان المناظرة معه، مريداً لقهره بالحجة المعتبرة في باب النبوّة، وهي إظهار المعجزة، فعرض له على وجه يلجئه إلى طلب المعجزة فقال {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيء مُّبِينٍ } أي أتجعلني من المسجونين، ولو جئتك بشيء يتبين به صدقي ويظهر عنده صحة دعواي؟ والهمزة هنا للاستفهام، والواو للعطف على مقدّر كما مرّ مراراً، فلما سمع فرعون ذلك طلب ما عرضه عليه موسى فقال: {فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّـٰدِقِينَ } في دعواك، وهذا الشرط جوابه محذوف، لأنه قد تقدّم ما يدلّ عليه، فعند ذلك أبرز موسى المعجزة. {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } وقد تقدّم تفسير هذا وما بعده في سورة الأعراف، واشتقاق الثعبان من ثعبت الماء في الأرض، فانثعب أي: فجرته، فانفجر، وقد عبّر سبحانه في موضع آخر مكان الثعبان بالحية بقوله: {أية : فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ } تفسير : [طه: 21]، وفي موضع بالجانّ، فقال: {أية : كَأَنَّهَا جَانٌّ } تفسير : [ النمل: 10]، والجانّ هو المائل إلى الصغر، والثعبان هو المائل إلى الكبر، والحية جنس يشمل الكبير والصغير، ومعنى {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ }: ما رأيكم فيه، وما مشورتكم في مثله؟ فأظهر لهم الميل إلى ما يقولونه تألفاً لهم، واستجلاباً لمودّتهم، لأنه قد أشرف ما كان فيه من دعوى الربوبية على الزوال، وقارب ما كان يغرّر به عليهم الاضمحلال، وإلاّ، فهو أكبر تيها، وأعظم كبراً من أن يخاطبهم مثل هذه المخاطبة المشعرة بأنه فرد من أفرادهم، وواحد منهم، مع كونه قبل هذا الوقت يدّعي أنه إلٰههم ويذعنون له بذلك ويصدّقونه في دعواه، ومعنى {أَرْجِهْ وَأَخَاهُ }: أخر أمرهما، من أرجأته إذا أخرته، وقيل: المعنى: احبسهما {وَٱبْعَثْ فِي ٱلْمَدَائِنِ حَـٰشِرِينَ }، وهم الشرط الذين يحشرون الناس أي يجمعونهم {يَأْتُوكَ بِكُلّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ } هذا ما أشاروا به عليه، والمراد بالسحار العليم: الفائق في معرفة السحر وصنعته. {فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَـٰتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ } هو يوم الزينة كما في قوله: {أية : قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ ٱلزّينَةِ } تفسير : [طه: 59] {وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ } حثاً لهم على الاجتماع ليشاهدوا ما يكون من موسى والسحرة، ولمن تكون الغلبة، وكان ذلك ثقة من فرعون بالظهور، وطلباً أن يكون بمجمع من الناس حتى لا يؤمن بموسى أحد منهم، فوقع ذلك من موسى الموقع الذي يريده؛ لأنه يعلم أن حجة الله هي الغالبة، وحجة الكافرين هي الداحضة، وفي ظهور حجة الله بمجمع من الناس زيادة في الاستظهار للمحقين، والانقهار للمبطلين، ومعنى {لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ }: نتبعهم في دينهم {إِن كَانُواْ هُمُ ٱلْغَـٰلِبِينَ }، والمراد باتباع السحرة في دينهم هو: البقاء على ما كانوا عليه؛ لأنه دين السحرة إذ ذاك، والمقصود المخالفة لما دعاهم إليه موسى، فعند ذلك طلب السحرة من فرعون الجزاء على ما سيفعلونه فقالوا لفرعون: {إِنَّ لَنَا لأَجْرًا } أي لجزاء تجزينا به من مال أو جاه، وقيل: أرادوا إن لنا ثواباً عظيماً، ثم قيّدوا ذلك بظهور غلبتهم لموسى، فقالوا: {إِن كُنَّا نَحْنُ ٱلْغَـٰلِبِينَ }، فوافقهم فرعون على ذلك، {نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ ٱلْمُقَرَّبِينَ } أي نعم لكم ذلك عندي مع زيادة عليه، وهي كونكم من المقرّبين لديّ. {قَالَ لَهُمْ مُّوسَىٰ أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ }، وفي آية أخرى: {أية : قَالُواْ يٰمُوسَىٰ إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحْنُ ٱلْمُلْقِين} تفسير : [الأعراف: 115]، فيحمل ما هنا على أنه قال لهم: ألقوا بعد أن قالوا هذا القول، ولم يكن ذلك من موسى عليه السلام أمراً لهم بفعل السحر، بل أراد أن يقهرهم بالحجة، ويظهر لهم أن الذي جاء به ليس هو من الجنس الذي أرادوا معارضته به {فَأَلْقَوْاْ حِبَـٰلَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُواْ } عند الإلقاء {بِعِزَّةِ فِرْعَونَ إِنَّا لَنَحْنُ ٱلْغَـٰلِبُونَ } يحتمل قولهم: {بعزّة فرعون} وجهين: الأوّل: أنه قسم، وجوابه إنا لنحن الغالبون، والثاني: متعلق بمحذوف، والباء للسببية أي: نغلب بسبب عزّته، والمراد بالعزّة: العظمة {فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَـٰهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } قد تقدّم تفسير هذا مستوفًى. والمعنى: أنها تلقف ما صدر منهم من الإفك بإخراج الشيء عن صورته الحقيقية {فَأُلْقِىَ ٱلسَّحَرَةُ سَـٰجِدِينَ } أي لما شاهدوا ذلك، وعلموا أنه صنع صانع حكيم ليس من صنيع البشر، ولا من تمويه السحرة، آمنوا بالله، وسجدوا له، وأجابوا دعوة موسى، وقبلوا نبوّته، وقد تقدّم بيان معنى {ألقى}، ومن فاعله لوقوع التصريح به، وعند سجودهم {قَالُواْ ءَامَنَّا بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * رَبّ مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ } ربّ موسى عطف بيان لربّ العالمين، وأضافوه سبحانه إليهما؛ لأنهما القائمان بالدعوة في تلك الحال. وفيه تبكيت لفرعون بأنه ليس بربّ، وأن الربّ في الحقيقة هو هذا. فلما سمع فرعون ذلك منهم، ورأى سجودهم لله قال: {ءَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ ءَاذَنَ لَكُمْ } أي: بغير إذن مني، ثم قال مغالطاً للسحرة الذين آمنوا، وموهماً للناس أن فعل موسى سحر من جنس ذلك السحر: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسّحْرَ } وإنما اعترف له بكونه كبيرهم مع كونه لا يحبّ الاعتراف بشيء يرتفع به شأن موسى؛ لأنه قد علم كل من حضر أن ما جاء به موسى أبهر مما جاء به السحرة، فأراد أن يشكك على الناس بأن هذا الذي شاهدتم، وإن كان قد فاق على ما فعله هؤلاء السحرة، فهو فعل كبيرهم، ومن هو أستاذهم الذي أخذوا عنه هذه الصناعة، فلا تظنوا أنه فعل لا يقدر عليه البشر، وأنه من فعل الربّ الذي يدعو إليه موسىٰ. ثم توعد أولئك السحرة الذين آمنوا بالله لما قهرتهم حجة الله، فقال: {فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } أجمل التهديد أوّلاً للتهويل، ثم فصله، فقال: {لأقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ وَلأَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ }، فلما سمعوا ذلك من قوله قالوا: {لاَ ضَيْرَ إِنَّا إِلَىٰ رَبّنَا مُنقَلِبُونَ } أي لا ضرر علينا فيما يلحقنا من عقاب الدنيا؛ فإن ذلك يزول وننقلب بعده إلى ربنا فيعطينا من النعيم الدائم ما لا يحدّ ولا يوصف. قال الهروي: لا ضير، ولا ضرر، ولا ضرّ بمعنى واحد، وأنشد أبو عبيدة:شعر : فإنك لا يضرك بعد حول أظبي كان أمك أم حمار تفسير : قال الجوهري: ضاره يضوره، ويضيره ضيراً، وضوراً أي ضرّه. قال الكسائي: سمعت بعضهم يقول: لا ينفعني ذلك ولا يضورني: {إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَـٰيَـٰنَا }، ثم عللوا هذا بقولهم: {أَن كُنَّا أَوَّلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } بنصب أن أي لأن كنا أوّل المؤمنين. وأجاز الفراء، والكسائي كسرها على أن يكون مجازاة، ومعنى {أَوَّلُ ٱلْمُؤْمِنِينَ }: أنهم أوّل من آمن من قوم فرعون بعد ظهور الآية. وقال الفراء: أول مؤمني زمانهم، وأنكره الزجاج، وقال: قد روي أنه آمن معهم ستمائة ألف وسبعون ألفاً، وهم الشرذمة القليلون الذين عناهم فرعون بقوله: {إِنَّ هَـؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ}. وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: {فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } يقول: مبين: له خلق حية {وَنَزَعَ يَدَهُ } يقول، وأخرج موسى يده من جيبه {فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء } تلمع {لِلنَّـٰظِرِينَ }: لمن ينظر إليها ويراها. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: {وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُمْ مُّجْتَمِعُونَ } قال: كانوا بالإسكندرية. قال: ويقال: بلغ ذنب الحية من وراء البحيرة يومئذٍ. قال: وهربوا، وأسلموا فرعون، وهمت به فقال: خذها يا موسى، وكان مما بلى الناس به منه أنه كان لا يضع على الأرض شيئاً أي يوهمهم أنه لا يحدث فأحدث يومئذٍ تحته. وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: {لاَ ضَيْرَ } قال: يقولون: لا يضيرنا الذي تقول وإن صنعت بنا وصلبتنا {إِنَّا إِلَىٰ رَبّنَا مُنقَلِبُونَ } يقولون: إنا إلى ربنا راجعون، وهو مجازينا بصبرنا على عقوبتك إيانا وثباتنا على توحيده والبراءة من الكفر وفي قوله: {أَن كُنَّا أَوَّلَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قالوا: كانوا كذلك يومئذٍ أوّل من آمن بآياته حين رأوها.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فَأَلْقَى عَصَاهُ} قال سعيد بن جبير: كانت من عوسج، قال الحكيم: ولم يسخر العوسج لأحد بعده، وقال الكلبي: كانت من آس الجنة عشرة أذرع على طول موسى. {فإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ} فيه قولان: أحدهما: أنها الحية الذكر، قاله ابن عباس. الثاني: أنه اعتم الحيات الصفر شعراء العنق، حكاه النقاش. {مُّبِينٌ} فيه وجهان: أحدهما: مبين أنه ثعبان. الثاني: مبين أنها آية وبرهان، وكان فرعون قد همّ بموسى، فلما صارت العصا ثعباناً فَاغِراً فَاهُ خافه ولاَذَ بموسى مستجيراً وَوَلَّى قومُه هرباً حتى وطىء بعضهم على بعض، قال ابن زيد: وكان اجتماعهم بالإسكندرية، قال الزجاج: روي أن السحرة كانوا اثني عشر ألفاً، وقيل: تسعة عشر ألفاً. قوله تعالى: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} أي تشيرون لأنه لا يجوز أن يأمر التابع المتبوع، فجعل المشورة أمراً لأنها على لفظه. ويحتمل استشارته لهم وجهين: أحدهما: أنه أراد أن يستعطفهم لضعف نفسه. الثاني: أنه أذهله ما شاهد فحار عقله فلجأ إلى رأيهم وهو يقول أنا ربكم الأعلى، وقد خفي عليه تناقض الأمرين خذلانا.
الخازن
تفسير : {قال فرعون وما رب العالمين} يقول أي شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله أي يستوصفه إلهه الذي أرسله إليه، وهو سؤال عن جنس الشيء، والله تعالى منزه عن الجنسية والماهية فلهذا عدل موسى عن جوابه، وأجابه بذكر أفعاله وآثار قدرته التي تعجز الخلائق عن الإتيان بمثلها {قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين} أنه خالقهما فاعرفوا أنه لايمكن تعريفه إلا بما ذكرته لكم، فإن أيقنتم بذلك لزمكم أن تقطعوا أنه لا جواب لكم عن هذا السؤال إلا ما ذكرته من الجواب، وقال أهل المعاني أي كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينونها، فأيقنوا أن إله الخلق هو الله تعالى الذي خلقها وأوجدها فلما قال ذلك موسى تحير فرعون في جواب موسى {قال لمن حوله} أي من أشراف قومه قال ابن عباس: كانوا خمسمائة رجل عليهم الأسورة {ألا تستمعون} وإنما قال فرعون: ذلك على سبيل التعجب من جواب موسى، يعني أني إنما أطلب منها الماهية وخصوصية الحقيقة وهو يجيبني بأفعاله وآثاره وقيل: إنهم كانوا يعتقدون إن آلهتهم ملوكهم ثم زادهم موسى في البيان {قال ربكم ورب آبائكم الأولين} يعني أن موسى ذكر ما هو أقرب فقال ربكم يعني أنه خالقكم وخالق آبائكم الأولين {قال} يعني فرعون {إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون} يعني المقصود من السؤال طلب الماهية، وهو يجيب بالآثار الخارجة وهذا لا يفيد ألبتة فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه، ويتكلم بكلام لا نقبله ولا نعرف صحته، وكان عندهم أن من لا يعتقد ما يعتقدون ليس بعاقل فزاد في البيان {قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون} فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني، ومعنى إن كنتم تعقلون قد عرفتم أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت {قال} فرعون حين لزمته الحجة، وانقطع عنه الجواب تكبراً عن الحق {لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين} قيل كان سجن فرعون أشد من القتل، لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان يهوي فيه إلى الأرض وحده فرداً لا يسمع ولا يبصر فيه {قال} له موسى حين توعده بالسجن {أولو جئتك بشيء مبين} أي بآية بينة والمعنى أتفعل ذلك، ولو جئتك بحجة بينة وإنما قال ذلك موسى لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بالبيان {قال} يعني فرعون {فأت به} أي إنا لن نسجنك حينئذٍ {إن كنت من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين} قيل إنها لما صارت حية ارتفعت في السماء، قدر ميل ثم انحطت مقبلة إلى فرعون فقال: بالذي أرسلك ألا أخذتها فأخذها موسى، فعادت عصاً كما كانت فقال وهل غيرها قال نعم وأراه يده ثم أدخلها في جيبه ثم أخرجها، فإذا هي بيضاء من غير برص لها شعاع كشعاع الشمس وهو قوله {ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين} فعند ذلك {قال} فرعون {للملأ حوله إن هذا} يعني موسى {لساحر عليم} وكان زمان السحر فلهذا روج فرعون هذا القول على قومه ثم قال {يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره} قال هذا القول على سبيل التنفير لئلا يقبلوا قول موسى {فماذا تأمرون} يعني ما رأيكم فيه وما الذي أعمله فعند ذلك {قاله أرجه وأخاه} أي أخره وأخاه {وابعث في المدائن حاشرين يأتوك بكل سحار عليم} قيل إن فرعون أراد قتل موسى فقالوا لا تفعل فإنك إن قتلته دخلت الناس شبهة في أمره ولكن أخره، واجمع له سحرة ليقاوموه ولا تثبت له عليك حجة. قوله تعالى {فجمع السحرة لميقات يوم معلوم} يعني يوم الزينة قال ابن عباس وافق ذلك يوم السبت في أول يوم من السنة، وهو يوم النيروز {وقيل للناس هل أنتم مجتمعون} أي لتنظروا ما يفعل الفريقان، ولمن تكون الغلبة {لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين} لموسى قيل أراد بالسحرة موسى وهارون وقالوا: ذلك على طريقة الاستهزاء {فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لأجراً إن كنا نحن الغالبين} طلبوا من فرعون الجزاء، وهو بذل المال والجاه فبذل لهم ذلك كله.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} إنما أتى بـ "مَا" دون "مَنْ" لأنها يسأل بها عن طلب الماهية، كقولك: ما العنقاء؟ ولما كان جواب هذا السؤال لا يمكن عدل موسى - عليه السلام - إلى جواب ممكن، فأجاب بصفاته تعالى، وخصَّ تلك الصفات لأنه لا يشاركه فيها أحد، وفيه إبطال لدعواه أنه إله. وقيل: جهل السؤال فأتى بـ "ما" دون "مَنْ". وليس بشيء. وقيل: إنما سأل عن الصفات, ذكره أبو البقاء. وليس بشيء، لأن أهل البيان نَصُّوا على أنها يطلب بها الماهيات، وقد جاء بـ "من" في قوله: {أية : فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ}تفسير : [طه: 49]. فصل اعلم أن فرعون لم يقل: {وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين، ويدل على ذلك قوله تعالى: {أية : فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولاۤ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ}تفسير : [الشعراء: 16] فلا بد من أنهما قالا ذلك حين دخلا عليه، فعند ذلك قال فرعون: {وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} يقول: أيّ شيء رب العالمين الذي تزعم أنك رسوله إليّ يستوصفه إلاهه الذي أرسل إليه؟ وهو سؤال عن جنس الشيء، والله منزَّه عن الجنسية. فأجابه موسى - عليه السلام - بذكر أفعاله التي يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها، فقال: {رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} أنه خلقها. قال أهل المعاني: كما توقنون هذه الأشياء التي تعاينوها، فأيقنوا أن إله الخلق هو الله عزَّ وجل. قوله: "وَمَا بَيْنَهُمَا" عاد ضمير التثنية على جمعين اعتباراً بالجنسين، كما فعل ذلك في قوله: شعر : 3901 - بَيْــنَ رماحَــيْ مَالِــكٍ وَنَهْشَــلٍ تفسير : ولمّا ذكر موسى - عليه السلام - هذا الجواب الحق تحير فرعون في جواب موسى، فقال لمن حوله من أشراف قومه - قال ابن عباس: كانوا خمسمائة -: "ألا تَسْتَمِعُونَ" على سبيل التعجب من جواب موسى، يعني: أنا أطلب منه الماهية وهو يجيبني بالفاعلية. وقيل: استبعد جواب موسى وقال "أَلاَ تَسْتَمِعُونَ" لأنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم ملوكهم، فزادهم موسى بياناً فقال: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} فعدل عن التعريف بخالقية السموات والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقاً لنا ولآبائنا، وذلك لأنه يمكن أن يعتقد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها، فهي غنية عن الخالق، ولا يمكن أن يعتقد في نفسه وفي آبائه وأجداده [كونهم واجبين لذواتهم، لأن المشاهدة دلَّت على أنهم وجدوا] بعد العدم، وعدموا بعد الوجود، وما كان كذلك استحال أن يكون واجباً لذاته، واستحال وجوده إلا بالمؤثر، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر، فلهذا عدل موسى - عليه السلام - إليه فقال فرعون: {إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} يعني: أن المقصود من سؤالنا طلب الماهية والحقيقة، والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد البتة تلك الخصوصية فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلاً عن أن يجيب عنه، فقال موسى - عليه السلام -: {رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني، وذلك أنه أراد بـ "المَشْرِق" طلوع الشمس وظهور النهار، وأراد بـ "المَغْرِب": غروب الشمس وزوالها، والأمر ظاهر؛ لأن التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر، وهذا بعينه طريقة إبراهيم - عليه السلام - مع نمروذ، فإنه استدل أولاً بالإحياء والإماتة، وهو الذي ذكره إبراهيم - عليه السلام - بقوله: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} فأجابه نمروذ: {أية : أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ}تفسير : [البقرة: 258] فقال: {أية : فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأْتِي بِٱلشَّمْسِ مِنَ ٱلْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ ٱلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ} تفسير : [البقرة:258] وهو الذي ذكره موسى - عليه السلام - بقوله: {رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ}. وأما قوله {إِنْ كَنْتُم تَعْقِلُونَ} فكأنه - عليه السلام - قال: إن كنت من العقلاء عرفت أنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرت، لأنك طلبت مني تعريف حقيقته، ولا يمكن تعريف حقيقته بنفس حقيقته، ولا بأجزاء حقيقته، فلم يبق إلا أن أُعرِّف حقيقته بآثار حقيقته، وقد عرّفت حقيقته، فمن كان عاقلاً يقطع بأنه لا جواب عن سؤالك إلا ما ذكرته. واعلم أن حقيقته غير معقولة للبشر، فيستحيل من موسى - عليه السلام - أن يذكر ما تعرف (به تلك) الحقيقة، إلا أن عدم العلم بتلك الخصوصية لا يقدح في صحة الرسالة، فلما انقطع فرعون عن الجواب ولزمته الحجة تكبر عن الحق، وعدل إلى التخويف، وقال: {لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ}: المحبوسين. قال الكلبي: كان سجنه أشد من القتل، لأنه كان يأخذ الرجل فيطرحه في مكان وحده فرداً لا يسمع ولا يبصر فيه شيئاً يهوي به في الأرض. وقال: {لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} ولم يقل: "لأَسْجُنَنَّكَ" وهو أخص منه؛ لأن فيه مبالغة ليست في ذاك، أو معناه: لأجعلنك ممن عرفت حاله في سجوني فعند ذلك ذكر موسى كلاماً مجملاً ليعلق قبله به فيعدل عن وعيده، فقال {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ} أي: هل يحسن أن يذكر هذا مع اقتداري على أن آتيك بدليلين يدلان على وجوه الله، وعلى أنِّي رسوله. فعند ذلك قال: {فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} وإنما قال موسى ذلك لأن من أخلاق الناس السكون إلى الإنصاف والإجابة إلى الحق بعد البيان فقال فرعون: "فَأْتِ بِهِ" فإنا لن نسجنك حينئذ {إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} فإن قيل: كيف قطع الكلام بما لا تعلق له بالأول، وهو قوله: {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ} أي: بآيةٍ بيِّنة، والمعجز لا يدل على الله لدلالة سائر ما تقدم؟ فالجواب: بل يدل على ما أراد أن يظهره من انقلاب العَصَا حَيَّةً على الله، وعلى توحيده، وعلى أنه صادق في ادعاء الرسالة، فالذي ختم به كلامه أقوى من كل ما تقدم. والواو في قوله: {أَوَلَوْ جِئْتُكَ} واو الحال، دخلت عليها همزة الاستفهام، والمعنى: أتفعل بي ذلك ولو جئتُكَ بشيء مبين؟ أي: جائياً بالمعجزة وقال الحوفي: "هي واو العطف". وتقدم تحرير هذا عند قوله: {أية : أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ}تفسير : [170] في البقرة، وغالب الجمل هنا تقدم إعرابها.
ابو السعود
تفسير : {قَالَ فِرْعَوْنُ} لمَّا سمعَ منه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ تلك المقالةَ المتينةَ وشاهد تصلُّبهَ في أمرِه وعدمَ تأثُّرِه بما قدَّمه من الإبراقِ والإرعاد شرعَ في الاعتراض على دعواهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فبدأ بالاستفسارِ عن المُرْسِل فقال: {وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} حكايةٌ لما وقع في عبارته عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ أيُّ شيءٍ رب العالمينَ الذي أدَّعيتَ أنَّك رسولُه منكراً لأنْ يكون للعالمين ربٌّ سواه حسبما يُعرب عنه قولُه: { أية : أَنَاْ رَبُّكُمُ ٱلأعْلَىٰ} تفسير : [سورة النازعات: الآية 24] وقوله: { أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِى} تفسير : وينطق به وعيدُه عند تمام أجوبتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ {قَالَ} موسى عليه السَّلامُ مُجيباً له {رَبّ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا} بتعيـين ما أراد بالعالمين وتفصيله لزيادةِ التَّحقيقِ والتَّقريرِ وحسم مادَّةِ تزويرِ اللَّعينِ وتشكيكهِ بحملِ العالمينَ على ما تحت مملكتِه {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} أي إنْ كنتُم موقنين بالأشياءِ محقِّقين لها علمتُم ذلك، أو إنْ كنتُم موقنين بشيءٍ من الأشياءِ فهذا أولى بالإيقانِ لظهورِه وإنارةِ دليله. {قَالَ} أي فرعونُ عند سماع جوابِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ خوفاً من تأثيرِه في قلوبِ قومِه وإذعانِهم له {لِمَنْ حَوْلَهُ} من أشراف قومه قال ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: خمُسمائة عليهم الأساورُ وكانت للملوك خاصَّةً {أَلاَ تَسْتَمِعُونَ}مرائياً لهمَّ أنَّ ما سمعُوه من جوابِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مع كونِه ممَّا لا يليقُ بأنْ يتُعجَّب منه كأنَّه قال ألا تستمعُون ما يقولُه فاستمعُوه وتعجَّبوا منه حيثُ يدَّعي خلافَ أمرٍ محقَّقٍ لا اشتباه فيه يُريد به ربوبـيةَ نفسِه. {قَالَ} عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ تصريحاً بما كان مُندرجاً تحت جوابـيِه السَّابقينِ {رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} وحطّاً له من ادِّعاءِ الرُّبوبـيَّةِ إلى مرتبةِ المربُوبَّـيةِ. {قَالَ} أي فرعونُ لمَّا واجهه مُوسى عليه السَّلامُ بما ذُكر غاظه ذلك وخافَ من تأثُّر قومِه منه فأراهُم أنَّ ما قاله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ممَّا لا يصدرُ عن العُقلاء صدَّاً لهمُ عن قبولِه فقال مؤكِّداً لمقالتِه الشَّنعاءِ بحرفَيْ التَّأكيدِ: {إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} ليفتنهم بذلَك ويصرفهم عن قبولِ الحقِّ وسَّماهُ رسولاً بطريقِ الاستهزاءِ وأضافه إلى مُخاطبـيه ترفُّعاً من أنْ يكونَ مُرْسَلاً إلى نفسِه. {قَالَ} عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ {رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا} قاله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ تكميلاً لجوابه الأوَّلِ وتفسيراً له وتنبـيهاً على جهلِهم وعدمِ فهمِهم لمعنى مقالتِه فإنَّ بـيانَ ربوبـيَّتهِ تعالى للسَّموات والأرضِ وما بـينَهما وإنْ كان متضمِّناً لبـيانِ ربوبـيَّتِه تعالى للخافقينِ وما بـينَهُما لكن لمَّا لم يكُن فيه تصريحٌ بإستناد حركات السَّمواتِ وما فيها وتغيُّراتِ أحوالِها وأوضاعِها وكون الأرض تارةً مظلمةً وأخرى منورةً إلى الله تعالى أرشدَهُم إلى طريقِ معرفةِ ربوبـيته تعالى لمَّا ذكر فإن ذكر المشرقِ والمغربِ منبىءٌ عن شروقِ الشَّمسِ وغروبِها المنُوطينَ بحركاتِ السَّمواتِ وما فيها على نمطٍ بديعٍ يترتَّب عليه هذه الأضاعُ الرَّصينةُ، وكلُّ ذلك أمورٌ حادثةٌ مفتقرةٌ إلى محدثٍ قادرٍ عليمٍ حكيمٍ لا كذواتِ السَّمواتِ والأرضِ التي يتوهَّم جهلةُ المُتوهمينَ باستمرارِها استغناءها عن الموحِّدِ المُتصرِّفِ {إِنْ كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} أي إنْ كنتُم تعقلون شيئاً من الأشياءِ أو إنْ كنتُم من أهلِ العقلِ علمتُم أنَّ الأمرَ كما قُلته، وفيه إيذانٌ بغايةِ وضوحِ الأمرِ بحيثُ لا يشتبه على مَن له عقلٌ في الجُملةِ، وتلويحٌ بأنَّهم بمعزلٍ من دائرةِ العقلِ وأنَّهم المتَّصفون بما رَمَوه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ به من الجنونِ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى وتقدس: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} [الآية: 23-24]. قال عمرو المكى: لما سأل فرعون هذا السؤال؟ أجابه موسى بقوله: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} فعلم فرعون أن الحجة قد وجبت فخاف الافتضاح عند قومه فأعرض عن مسائلة موسى ورجع إلى قوله تعالى: {إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [الآية: 27، 28]. يبين بذلك حجته ويظهر افتضاحه فى انقطاعه. فقلبت الحجة عليه إذ لم يدفع الحجة بحجة، وهذا مثل ما حكى الله تعالى عن فرعون فى قصة أخرى حيث سأل موسى وهارون {أية : فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيۤ أَعْطَىٰ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} تفسير : [طه: 49-50] فانقطع فرعون ولزمته الحجة فأقبل يسأل متعنتًا {أية : فَمَا بَالُ ٱلْقُرُونِ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [طه: 51] فلم يجب له على موسى جواب لأنه انقطع عن إجابة الحق بعد استبانة الحجة فرده إلى تقليد العلم الإلهى فقال: {أية : عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي} تفسير : [طه: 52].
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}. نَظَرَ اللعينُ بجَهْلِهِ، وسألَ على النحو الذي يليق بِغَيِّه؛ فسأل بلفظ (ما) - و "ما" يُسْتَخْبَرُ بها عمَّا لا يعقل، فقال: {وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}. ولكنَّ موسى أعرض عن لفظه ومقتضاه، وأخبر عمَّا يصحُّ في وصفه تعالى فقال: قوله جل ذكره: {قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ}. فَذَكَرَ صفتَه - سبحانه وتعالى - بأنَّه إله ما في السماوات والأرض، فأخذ في التعجب، وقال: {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلاَ تَسْتَمِعُونَ قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ}. قال موسى: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} فحاد فرعونُ عن سنن الاستقامة في الخطاب، وأخذ في السفاهة قائلاً: {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ}. لأنه يزعم أنَّ هناك إلهاً غيره. ولم يكن في شيءٍ مما يجري من موسى - عليه السلام - أو مما يتعلَّق به وصفُ جنونٍ. ولم يُشْغَلْ بمجاوبته في السفاهة فقال: {قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}. أي إن كنتم من جملة مَنْ له عقلٌ وتمييزٌ. فقال فرعون: {قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ}. مضى فرعونُ يقول: لأفعلنَّ، ولأصنعنَّ... إن اتخذتَ إلهاً غيري وجرى ما جرى ذِكْرُه وشَرْحُه في غير موضع. ثم إنه أظهر معجزته بإلقاء العصا، وقَلَبَها - سبحانه - ثعباناً كاد يلتقم دار فرعون بمن فيها، ووثَبَ فرعونُ هارباً، واختفى تحت سريره، وهو ينتفض من الخوف، وتَلَطَّخَتْ بِزَّتُه وافتضح في دعواه، واتضحت حالته، فاستغاث بموسى واستجاره، وأخذ موسى الثعبان فردَّه الله عصاً. ولمَّا فَارقَه موسى - عليه السلام - تداركته الشقاوة، وأدركه شؤمُ الكفر، واستولى عليه الحرمانُ، فَجَمَع قومَه وكلَّمهم في أمره، وأجمعوا كلُّهم على أنه سحَرَهم. وبعد ظهور تلك الآية عاد إلى غيِّه... كما قيل: شعر : إذا ارْعَوَى عَادَ إلى جَهْلِه كَذِي الضَّنَى عاد إلى نُكْسِه تفسير : ثم إنه جَمَعَ السَّحَرَة، واستعان بهم، فَلمَّا اجتمعوا قالوا: {أية : إِنَّ لَنَا لأَجْراً}تفسير : [الأعراف: 113]. فنطقوا بخساسة هِمَّتِهم، فَضَمَنَ لهم أجْرَهم. وإنَّ مَنْ يعمل لغيره بأُجْرَةٍ ليس كَمَنْ يكون عملُه لله. ومَنْ لا يكون له ناصِرٌ إلاَّ بضمانِ الجَعَالَة وبَذْل الرِّشَا فَعَنْ قريبٍ سيُخْذَل.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} كان المعلون مشبّها لذلك قال وما رب العالمين اى اى شئ هو فوقع فى الخيال فاجابه موسى و{قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ} اى موجد الاشياء بلا كيف وهو منزه عن التكييف والتصوير وزاد الحجة عليه من حيث قطع نسبة التسبيه عنه بقوله {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} اى ليس الخالق كالمخلوق اوجدكم واوجدا أباءكم من العدم بقوة القدم ومن كان قديما انقطع عنه اشارات الاوهام والخيال فلما سمع الملعون حجة كاملة وعلم ان حجته انطقع نسب موسى الى الجنون لما لم يكن له جواب لموسى وخاف لن يسقط من اعين قومه قال عمر والمكى علم فرعون ان الحجة قد وجبت فخاف الافتضاح عند قومه فاعرض عن مسائلة موسى ورجع الى قومه وقال ان رسولكم الذى ارسل اليكم لمجنون قال موسى رب المشرق والمغرب وما بينهما ان كنتم تعقلون تبين بذلك حجته وظهرا ---- فى انقطاعه فثبت الحجة عليه اذ لم يدفع الحجة بحجة والاشارة فى قوله {قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ} مشرق قلوب العارفين يشرق بطلوع شمس تجلى الصفات والذات ومغرب نفوسهم التى هى معدن ظلمات قهره حين ابتلاهم بالاستتار اجد التجلى قال ابن عطا منور قلوب اوليائه بالايمان ومشرق ظواهرهم به ومظلم قلوب اعدائه بالكفر والعصيان ومظهر أثار تلك الظلم على هياكلهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {قال فرعون ومارب العالمين} مااستفهامية معناها أى شىء والرب المربى والمتكفل لمصلحة الموجودات والعالم اسم لما سوى الله تعالى من الجواهر والاعراض والمعنى أى شىء رب العالمين الذى ادعيت انك رسوله وما حقيقته الخاصة ومن أى جنس هو منكرا لان يكون للعالمين رب سواه. قال الكاشفى [جون فرعون شنيده بودكه موسى كفت انا رسول رب العالمين اسلوب سخن بكردانيد وازورى امتحان كفت جيست برودكار عالميان وجه جيزاست سؤال ازماهيت كرد] ولما لم يمكن تعريفه تعالى الا بلوازمه الخارجية لاستحالة التركيب فى ذاته من جنس وفصل
الجنابذي
تفسير : {قَالَ فِرْعَوْنُ} بعد ما سمع جوابه عن ايراداته للمجادلة معه بالسّؤال عن اجزاء ادّعائه حتّى يعجزه عن بيان قوله وادّعائه {وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} الّذى ادّعيت الرّسالة منه، سأله بما هو عن حدّه وحقيقته ولمّا لم يكن لله تعالى مهيّة مركّبة حتّى يكون له جنس وفصل عدل موسى (ع) عن جواب ما هو الى الجواب بالاعراض الّذى هو جوابٌ لايّ شيءٍ هو.
اطفيش
تفسير : {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ} هذا سؤال منه لعنه الله عن الله أي شيء هو على الاطلاق وعن جنس رب العالمين، أي شيء هو من الأجناس التي شوهدت والله سبحانه منزّه عن الجنسية والماهية وليس بشيء مما شوهد ولا من جنسه ولا جسم ولا عرض وهو شيء لا كالأشياء ليس كمثله شيء ولذلك أجابه بذكر أفعاله وأثار قدرته التي يعجز الخلق عن الإتيان بمثلها اذ قال.
اطفيش
تفسير : عطف على محذوف، أى أأنت الرسول، وما رب العالمين، وذكر قال فرعون لطول الفصل، ومن ربكما طلب للوصف المشخص، وهو الماهية، وما رب العالمين سؤال عن الجنس، تعالى الله عنه، أبشر أم ملك، او جنى، ولذلك كان بما لا بمنٍّ.
الالوسي
تفسير : {قَالَ فِرْعَوْنُ } مستفهماً عن المرسل سبحانه {وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وتحقيق ذلك على ما قال العلامة الطيبـي أنه عز وجل لما أمرهما بقوله سبحانه: {أية : فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الشعراء: 16] {أية : أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِى إِسْرٰءيلَ }تفسير : [الشعراء: 17] فلا بد أن يكونا ممتثلين مؤديين لتلك الرسالة بعينها عند اللعين فلما أديت عنده اعترض أولاً بقوله: {أية : أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً } تفسير : [الشعراء: 18] إلى آخره وثانياً بقوله: {وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } ولذلك جىء بالواو العاطفة وكرر (قال) للطول فكأنه قال: أأنت الرسول وما رب العالمين؟ وقال الزمخشري: إن اللعين لما قال له بوابه: إن هٰهنا من يزعم أنه رسول رب العالمين قال له عند دخوله: وما رب العالمين؟ واعترض بأنه نظم مختل لسبق المقاولة بينهم كما أشار إليه هو في سابق كلامه. وانتصر له صاحب «الكشف» فقال: أراد أنه تعالى ذكر مرة {أية : فَقُولا إِنَّا رَسُولاَ رَبّكَ فَأَرْسِلْ } تفسير : [طه: 47] وأخرى {أية : فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 16] والقصة واحدة والمجلس واحد فحمله على أن الثاني ما أداه البواب من لسانه عليه السلام والأول ما خاطبه به موسى عليه السلام مشافهة وأن اللعين أخذ أولاً: في الطعن فيه وأن مثله ممن قرف برذائل الأخلاق لا يرشح لمنصب عال فضلاً عما ادعاه؛ وثانياً: في السؤال عن شأن من ادعى الرسالة عنه استهزاء، ومن هذا تبين أن سبق المقاولة لا يدل على اختلال النظم الذي أشار إليه انتهى. وجوز بعضهم وقوع الأمر مرتين وأن فرعون سأل أولاً بقوله: {أية : فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 49] وسأل ثانياً بقوله: {وَمَا رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } وقد قص الله تعالى الأول فيما أنزل جل وعلا أولاً وهو سورة طه والثاني فيما أنزله سبحانه ثانياً وهو سورة الشعراء، فقد روي عن ابن عباس أن سورة طه نزلت ثم الواقعة ثم طسم الشعراء، وقال آخر: يحتمل أنهما إنما قالا: {أية : إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ }تفسير : [الشعراء: 16] والاقتصار في سورة طه على ذكر ربوبيته تعالى لفرعون لكفايته فيما هو المقصود، وعلى القول بوقوع الأمر مرتين قيل: إن فرعون سأل في المرة الأولى بقوله: {أية : مِنْ رَبّكُمَا }تفسير : [طه: 49] طلباً للوصف المشخص كما يقتضيه ظاهر الجواب خلافاً للسكاكي في دعواه أنه سؤال عن الجنس كأنه قال: أبشر هو أم ملك أم جني؟ والجواب من الأسلوب الحكيم وأخرى بما رب العالمين طلباً للماهية والحقيقة انتقالاً لما هو أصعب ليتوصل بذلك إلى بعض أغراضه الفاسدة حسبما قص الله تعالى بعد، و {مَا } يسئل بها عن الحقيقة مطلقاً سواء كان المسؤول عن حقيقته من أولي العلم أولاً فلا يتوهم أن حق الكلام حينئذٍ أن يقال من رب العالمين؟ حتى يوجه بأنه لإنكار اللعين له عز وجل عبر بما، ولما كان السؤال عن الحقيقة مما لا يليق بجنابه جل وعلا.
ابن عاشور
تفسير : لما لم يَرُجْ تهويله على موسى عليه السلام وعلم أنه غير مقلع عن دعوته ــــ تنفيذاً لما أمره الله ــــ ثنّى عنان جداله إلى تلك الدعوة فاستفهم عن حقيقة ربّ العالمين الذي ذكر موسى وهارون أنهما مُرسَلان منه إذ قالا: {أية : إنا رسولُ ربّ العالمين}تفسير : [الشعراء: 16] وإظهار اسم فرعون مع أن طريقة حكاية المقاولات والمحاورة يكتفى فيها بضمير القائلين بطريقة قال قال،أو قال فقال، فعدل عن تلك الطريقة إلى إظهار اسمه لإيضاح صاحب هذه المقالة لبعد ما بين قوله هذا وقوله الآخر. والواو عاطفة هذا الاستفهام على الاستفهام الأول الذي وقع كلام موسى فاصلاً بينه وبين ما عطف عليه. وحرف {ما} الغالب فيه أن يكون للسؤال عن حقيقة الاسم بعده التي تميزه عن غيره، ولذلك يسأل بها عن تعيين القبيلة، ففي حديث الوفود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: «مَا أنتم»، ففرعون سأل موسى عليه السلام تبيين حقيقة هذا الذي وصفه بأنه {أية : رب العالمين}تفسير : [الشعراء: 16]، فقد كانت عقائد القبط تثبت آلهة متفرقة قد اقتسمت التصرف في عناصر هذا العالم وأجناس الموجودات، وتلك العناصر هي العالمون ولا يدينون بإله واحد، فإنّ تعدد الآلهة المتصرفة ينافي وحدانية التصرف، فلما سمع فرعون من كلام موسى إثبات ربّ العالمين قَرع سمعه بما لم يألفه من قبل لاقتضائه إثبات إله واحد وانتفاء الإلهية عن الآلهة المعروفة عندهم، على أنهم كانوا يزعمون أن فرعون هو المجتبَى من الآلهة ليكون مَلِكَ مصر. فهو مظهر الآلهة الأخرى في تدبير المملكة {أية : قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي}تفسير : [الزخرف: 51]. وبهذا الانتساب إلى الآلهة وتمثيله إرادتهم في الأرض كان فرعون يُدعَى إلهاً. وقد كانت الأمم يومئذ في غفلة عما عدا أنفسها فكانوا لا يفكرون في مختلف أحوال الأمم وعوائد البشر. ولا تشعر كل أمة إلا بنفسها وخصائصها من آلهتها وملوكها فكان المَلِك لا يُشيع في أمته غيرَ قوته وانتصاره على الثائرين، ويخيل للناس أن العالم منحصر في تلك الرقعة من الأرض. فلا تجد في آثار القبط صوراً للأمم غير صور القبائل الذين يغزوهم فرعون ويأتي بأسراهم في الأغلال والسلاسل خاضعين عابدين حتى يخيّل لقومه أنه لما غلب أولئك فقد كان قهارَ البشر كلهم، ويُخفي أخبار انكساره إلا إذا لحقه غلب عظيم من أمة كبرى بحيث لا يستطيع إخفاءه، فحينئذ ينتقل أسلوب التاريخ عندهم وتنتَحِل الدولةُ الجديدة أساليبَ الدولة الماضية وتنسى حوادث الماضي وتغلب على مخيلاتهم الحالة الحاضرة، وللدعاة والمروجين أثر كبير في ذلك. وبهذا يتضح باعث فرعون على هذا السؤال الذي ألقاه على موسى، وهو استفهام مشوب بتعجب وإنكار على طريق الكناية. ومن دقائق هذه المجادلة أن الاستفسار مقدَّم في المناظرات، ولذلك ابتدأ فرعون بالسؤال عن حقيقة الذي أرسلَ موسى عليه السلام. وكان جواب موسى عليه السلام بياناً لحقيقة ربّ العالمين بما يصيِّر وصفَه بربّ العالمين نصاً لا يحتمل غير ما أراده من ظاهره، فأتى بشرح اللفظ بما هو تفصيل لمعناه، إذ قال: {رب السمٰوات والأرض وما بينهما}، فبذكر السموات والأرض وبعموم ما بينهما حصل بيان حقيقة المسؤول عنه بــــ{ما} ومرجع هذا البيان إلى أنه تعريف لحقيقة الربّ بخصائصها لأن ذلك غاية ما تصل إليه العقول في معرفة الله أن يُعرَف بآثار خلقه، فهو تعريف رسمي في الاصطلاح المنطقي. وانتظم السؤال والجواب على طريقة السؤال بكلمة {ما} عن الجنس. وهو جار على الوجه الأول من وجوه ثلاثة في تقرير السؤال والجواب من كلام «الكشاف»، وهو أيضاً مختار السكاكي في قانون الطلب من كتاب «المفتاح»، وطابق الجوابُ السؤالَ تمام المطابقة. وأشار صاحب «الكشاف» وصرَّح صاحب «المفتاح» بأن جواب موسى بما يبيِّن حقيقةَ {رب العالمين} تضمن تنبيهاً على أن الاستدلال على ثَبات الخالق الواحد يحصل بالنظر في السماوات والأرض وما بينهما نظراً يؤدي إلى العلم بحقيقة الربّ الواحد الممتازة عن حقائق المخلوقات. ولهذا أتبع بيانه بقوله: {إن كنتم موقنين}، أي إن كنتم مستعدين للإيقان طالبين لمعرفة الحقائق غير مكابرين. وسُمي العلم بذلك إيقاناً لأن شأن اليقين بأن خالق السموات والأرض وما بينهما هو الإلٰه لا يشاركه غيره. وضمير الجمع في {كُنتم موقنين} مراد به جميعُ حاضري مجلس فرعون، أراد موسى تشريكهم في الدعوة تقصياً لكمال الدعوة وأن مؤاخذة القائل لا تقع إلا بعد اتضاح مراده من مقاله إذ لا يؤاخذ بالمجملات. ومن هذا قال سحنون فيمن صدر منه قول أو فعل يستلزم كفراً: إنه يحضر ويوقف على لازم قوله فإن فهمه والتزم ما يلزمه حينئذ يعتبر مرتدّاً ويستتاب ثلاثة أيام بعد ذلك.
الشنقيطي
تفسير : ظاهر هذه الآية الكريمة: أن فرعون لا يعلم شيئاً عن رب العالمين، وكذلك قوله تعالى عنه: {أية : قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 49] وقوله: {أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي} تفسير : [القصص: 38] وقوله: {أية : لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} تفسير : [الشعراء: 29] ولكن الله جل وعلا بين أن سؤال فرعون في قوله: {وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}. وقوله: {فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} تجاهل عارف أنه عبد مربوب لرب العالمين بقوله تعالى: {أية : قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَـٰؤُلاۤءِ إِلاَّ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يٰفِرْعَونُ مَثْبُوراً} تفسير : [الإسراء: 102] وقوله تعالى في فرعون وقومه: }أية : وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً} تفسير : [النمل: 14]. وقد أوضحنا هذا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء: 9] وفي سورة طه في الكلام على قوله تعالى: {أية : قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 49].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: وما رب العالمين: أي الذي قلت إنك لرسوله من أي جنس هو؟ رب السماوات والأرض وما بينهما: أي خالق ومالك السماوات والأرض ما بينهما. إن كنتم موقنين: بأن السماوات والأرض وما بينهما من سائر المخلوقات مخلوقة قائمة فخالقها ومالكها هو رب العالمين. لمن حوله: أي من أشراف قومه ورجال دولته. ألا تستمعون: أي جوابه الذي لم يطابق السؤال في نظره. أو لو جئتك بشيء مبين: أي أتسجنني ولو جئتك ببرهان وحجة على رسالتي. فأت به إن كنت من الصادقين: أي فأت بهذا الشيء المبين إن كنت من الصادقين فيما تقول. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في الحوار الدائر بين موسى عليه السلام وفرعون عليه لعائن الرحمن لما قال موسى {أية : إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ}تفسير : [الزخرف: 46] في أول الحوار قال فرعون مستفسراً في عناد ومكابرة {وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ}؟ أي أيُّ شيء هو أو من أي جنس من أجناس المخلوقات فأجابه موسى بما أخبر تعالى به عنه {قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ} أي خالق السماوات والأرض وخالق ما بينهما. ومالك ذلك كله، إن كنتم موقنين بأن كل مخلوق لا بد له من خالق خلقه، وهو أمر لا تنكره العقول. وهنا قال فرعون في استخفاف وكبرياء لمن حوله من رجال دولته وأشراف قومه: {أَلاَ تَسْتَمِعُونَ} كأن ما قاله موسى أمر عجب أو مستنكر فعرف موسى ذلك فقال {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} أي خالقكم وخالق آبائكم الأولين الكل مربوب له خاضع لحكمه وتصرفه. وهو اغتاظ فرعون فقال {إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} أراد أن ينال من موسى لأنه أغاظه بقوله {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ ٱلأَوَّلِينَ} فرد موسى أيضاً قائلاً {رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ} أي رب الكون كله {إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} أي ما تخاطبون به ويقال لكم وفي هذا الجواب ما يتقطع له قلب فرعون فلذا رد بما أخبر به تعالى عنه في قوله {قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذْتَ إِلَـٰهَاً غَيْرِي} أي رباً سواي {لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ ٱلْمَسْجُونِينَ} أي لأسجننك وأجعلك في قعر تحت الأرض مع المسجونين، فرد موسى عليه السلام قائلا {أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُّبِينٍ} أي أتسجنني ولو جئت بحجة بينة وبرهان ساطع على صدقي فيما قلت وأدعوكم إليه؟ وهنا قال فرعون ما أخبر تعالى به {قَالَ فَأْتِ بِهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّادِقِينَ} أي فيما تدعي وتقول. هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير الربوبية المقتضية للألوهية من طريق هذا الحوار ليسمع ذلك المشركون، وليعلموا أنهم مسبوقون بالشرك والكفر وأنهم ضالون. 2- سنة أهل الباطل أنهم يفجرون في الخصومة وفي الحديث "وإذا خاصم فجر". 3- أهل الكبر والعلو في الأرض إذا أعيتهم الحجج لجأوا إلى التهديد والوعيد واستخدام القوة.
القطان
تفسير : ثعبان مبين: ظاهر بلا تمويه. الملأ: أشراف القوم. فماذا تأمرون: بماذا تشيرون. أرْجه وأخاه: أخّره وأخاه ولا تقتلهما. حاشِرين: اجعل رجال الشرطة يحشرون السحرة من جميع البلاد. قال فرعون يسأل موسى في تجاهل وهزء: أيّ شيء يكون ربُّ العالمين الذي تدعو اليه؟ فأجابه موسى بالصفة المشتملة على الربوبية: إنه ربُّ السماوات والأرض ورب هذا الكون الهائل، {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ}. فالتفتَ فرعون الى مَن حوله ليصرفَهم عن التأثر بقول موسى وقال لهم: ألا تستمعون الى ما يقوله موسى، إنه يدعوكم الى عبادة إلهٍ لا عهدَ لنا به، ولا قاله احد نعرفه. فقال موسى: هو ربكم وربّ آبائكم الاولين: فلما لم يستطع فرعون ان يردّ على ما جاء به موسى {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيۤ أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ}. ولكن موسى لم يسكت ومضى يصدَعُ بكلمة الحق التي تزلزل الطغاة فقال: {قَالَ رَبُّ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ}. اني ادعوكم إلى عبادة إلهِ هذا الكون العظيم ان كان لكم عقول تفكر وتتدبر في الأمور. فقاطعه فرعون قائلا: إنِ اتخذتَ إلها غيري أسجنُك وتكونُ من المعذبين. فقال موسى: أتفعل ذلك ولو جئتك ببرهانٍ عظيم يدلّ على صدقي فيما اقول؟ فقال فرعون: فأتِ بالذي يشهد بنبوَّتك إن كنت صادقاً في دعواك. وهنا كشف موسى عن معجزتيه: ألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ ظاهر حي يخيف، وأخرج يده من جيبه فاذا هي بيضاء مع أن موسى أسمر البشرَة. عندئذٍ أحسّ فرعون بضخامة المعجزة فأسرع يقاومها، واخذ يتملّق الذي حوله ويخوّفهم من موسى، فقال لمن حوله: ان هذا ساحرٌ كبير، يريد ان يستميل إليه قلوبكم لتؤمنوا به، فيكثر بذلك أتباعه ويأخذَ البلاد منكم، فأشيروا عليَّ ماذا اصنع به؟ فأجابوه بقولهم: أخِّرْه مع أخيه، واضربْ لهما موعِدا، واجمع له كل سحرة دولتك، لينازلوه في يوم معيّن، تجمع فيه الناس ليشاهدوا هذه المباراة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْعَالَمِينَ} (23) - وكانَ فِرْعَوْنُ يَحْمِلُ قَوْمَهُ على عِبَادَةِ شَخْصِهِ هُوَ، ويَقُولُ لَهُمْ: (أية : مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَـٰهٍ غَيْرِي)تفسير : فَلَمَّا دَعاه مُوسى إِلى عبادةِ اللهِ، وقالَ لهُ إني رسولُ رَبِّ العَالَمين، قالَ لهُ فِرعونُ مُسْتَخِفّاً جَاحِداً: ومَنْ رَبُّ العَالَمِين هذا الذي تَدَّعِي أَنَّهُ أَرْسَلَكَ إِلَيِّ؟ وما هِيَ حَقِيقَتُهُ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : يعني: مسألة جديدة هذه الذي جئتَ بها يا موسى، فمن رَبُّ العالمين الذي تتحدث عنه؟
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):