Verse. 2984 (AR)

٢٦ - ٱلشُّعَرَاء

26 - Ash-Shu'ara (AR)

وَاَوْحَيْنَاۗ اِلٰى مُوْسٰۗي اَنْ اَسْرِ بِعِبَادِيْۗ اِنَّكُمْ مُّتَّبَعُوْنَ۝۵۲
Waawhayna ila moosa an asri biAAibadee innakum muttabaAAoona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وأوحينا إلى موسى» بعد سنين أقامها بينهم يدعوهم بآيات الله إلى الحق فلم يزيدوا إلا عتوا «أن أسر بعبادي» بني إسرائيل وفي قراءة بكسر النون ووصل همزة أسر من سرى لغة في أسرى أي سر بهم ليلا إلى البحر «إنكم مُتَّبعون» يتبعكم فرعون وجنوده فيلجون وراءكم البحر فأنجيكم وأغرقهم.

52

Tafseer

الرازي

تفسير : قرىء {أَسَرَّ } بقطع الهمزة ووصلها وسر. لما ظهر أمر موسى عليه السلام بما شاهدوه من الآية، أمره الله تعالى بأن يخرج ببني إسرائيل لما كان في المعلوم من تدبير الله تعالى في موسى وتخليصه من القوم وتمليكه بلادهم وأموالهم، ولم يأمن وقد جرت تلك الغلبة الظاهرة أن يقع من فرعون ببني إسرائيل ما يؤدي إلى الاستئصال، فلذلك أمره الله تعالى أن يسري ببني إسرائيل، وهم الذين آمنوا وكانوا من قوم موسى، ولا شبهة أن في الكلام حذفاً وهو أنه أسرى بهم كما أمره الله تعالى، ثم إن قوم موسى عليه السلام قالوا لقوم فرعون إن لنا في هذه الليلة عيداً، ثم استعاروا منهم حليهم وحللهم بهذا السبب، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر، فلما سمع ذلك فرعون أرسل في المدائن حاشرين، ثم إنه قوى نفسه ونفس أصحابه بأن وصف قوم موسى بوصفين من أوصاف الذم، ووصف قوم نفسه بصفة المدح أما وصف قوم موسى عليه السلام بالذم. فالصفة الأولى: قوله: {إِنَّ هَـؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ } والشرذمة الطائفة القليلة، ومنه قولهم ثوب شراذم للذي بلي، وتقطع قطعاً ذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلاً بالوصف، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلاً واختار جمع السلامة الذي هو للقلة (وقد يجمع القليل على أقلة وقلل)، ويجوز أن يريد بالقلة الذلة (والقماءة) لا قلة العدد، والمعنى أنهم لقلتهم لا يبالي بهم ولا يتوقع غلبتهم وعلوهم، ثم اختلف المفسرون في عدد تلك الشرذمة، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: كانوا ستمائة ألف مقاتل لا شاب فيهم دون عشرين سنة، ولا شيخ يوفي على الستين سوى الحشم، وفرعون يقللهم لكثرة من معه، وهذا الوصف قد يستعمل في الكثير عند الإضافة إلى ما هو أكثر منه، فروي أن فرعون خرج على فرس أدهم حصان وفي عسكره على لون فرسه ثلثمائة ألف. الصفة الثانية: قوله: {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ } يعني يفعلون أفعالاً تغيظنا وتضيق صدورنا، واختلفوا في تلك الأفعال على وجوه: أحدها: ما تقدم من أمر الحلي وغيره وثانيها: خروج بني إسرائيل عن عبودية فرعون واستقلالهم بأنفسهم وثالثها: مخالفتهم لهم في الدين وخروجهم عليهم ورابعها: ليس إلا أنهم لم يتخذوا فرعون إلهاً. أما الذي وصف فرعون به قومه فهو قوله: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَـٰذِرُونَ } وفيه ثلاث قراءات (حذرون) و(حاذرون) و(حادرون) بالدال غير المعجمة. واعلم أن الصفة إذا كانت جارية على الفعل وهي اسم الفاعل واسم المفعول كالضارب والمضروب أفادت الحدوث، وإذا لم تكن كذلك وهي الشبهة أفادت الثبوت، فمن قرأ {حَـٰذِرُونَ } ذهب إلى إنا قوم من عادتنا الحذر واستعمال الحزم، ومن قرأ {حَـٰذِرُونَ } فكأنه ذهب إلى معنى إنا قوم ما عهدنا أن نحذر إلا عصرنا هذا. وأما من قرأ {حادرون} بالدال غير المعجمة فكأنه ذهب إلى نفي الحذر أصلاً، لأن الحادر هو المشمر، فأراد إنا قوم أقوياء أشداء، أو أراد إنا مدججون في السلاح، والغرض من هذه المعاذير أن لا يتوهم أهل المدائن أنه منكسر من قوم موسى أو خائف منهم. أما قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَـٰهُمْ } فالمراد إنا جعلنا في قلوبهم داعية الخروج فاستوجبت الداعية الفعل، فكان الفعل مضافاً إلى الله تعالى لا محالة. وأما قوله: {مّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ } فقال مجاهد: سماها كنوزاً، لأنهم لم ينفقوا منها في طاعة الله تعالى، والمقام الكريم يريد المنازل الحسنة والمجالس البهية، والمعنى إنا أخرجناهم من بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة، والمواضع التي كانوا يتنعمون فيها لنسلمها إلى بني إسرائيل. أما قوله كذلك فيحتمل ثلاثة أوجه: النصب على أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه، والجر على أنه وصف لمقام كريم، أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي الأمر كذلك. أما قوله: {فَأَتْبَعُوهُم } أي فلحقوهم، وقرىء (فاتبعوهم) {مُشْرِقِينَ } داخلين في وقت الشروق من أشرقت الشمس شروقاً إذا طلعت. أما قوله: {فَلَمَّا تَرَاءا ٱلْجَمْعَانِ } أي رأى بعضهم بعضاً، قال أصحاب موسى: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } أي لملحقون {وَقَالُواْ يا مُوسَىٰ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } كانوا يذبحون أبناءنا، من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا يدركوننا، أي في الساعة فيقتلوننا، وقرىء {فَلَمَّا تَرَاءتِ ٱلْفِئَتَانِ } {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } بتشديد الدال وكسر الراء من أدرك الشيء إذا تتابع ففنى، ومنه قوله تعالى: { أية : بَلِ ٱدرَكَ عِلْمُهُمْ فِى ٱلأَخِرَةِ } تفسير : [النمل: 66] قال الحسن: جهلوا علم الآخرة، والمعنى إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد، فعند ذلك قال لهم كلا وذلك كالمنع مما توهموه، ثم قوى نفوسهم بأمرين: أحدهما: {إِنَّ مَعِىَ رَبّى } وهذا دلالة النصرة والتكفل بالمعونة والثاني: قوله: {سَيَهْدِينِ } والهدى هو طريق النجاة والخلاص، وإذا دله على طريق نجاته وهلاك أعدائه، فقد بلغ النهاية في النصرة.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ } لما كان من سنته تعالى في عباده إنجاء المؤمنين المصدقين من أوليائه، المعترفين برسالة رسله وأنبيائه، وإهلاك الكافرين المكذبين لهم من أعدائه، أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلاً وسماهم عباده؛ لأنهم آمنوا بموسى. ومعنى: {إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} أي يتبعكم فرعون وقومه ليردوكم. وفي ضمن هذا الكلام تعريفهم أن الله ينجيهم منهم؛ فخرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل سَحَراً، فترك الطريق إلى الشام على يساره وتوجه نحو البحر، فكان الرجل من بني إسرائيل يقول له في ترك الطريق فيقول: هكذا أمرت. فلما أصبح فرعون وعلم بسُرَى موسى ببني إسرائيل، خرج في أثرهم، وبعث إلى مدائن مصر لتلحقه العساكر، فروي أنه لحقه ومعه مائة ألف أدهم من الخيل سوى سائر الألوان. وروي أن بني إسرائيل كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً. والله أعلم بصحته. وإنما اللازم من الآية الذي يُقطع به أن موسى عليه السلام خرج بجمع عظيم من بني إسرائيل وأن فرعون تبعه بأضعاف ذلك. قال ابن عباس: كان مع فرعون ألف جبار كلهم عليه تاج وكلهم أمير خيل. والشِّرذمة الجمع القليل المحتقر والجمع الشَّراذم. قال الجوهري: الشِّرذمة الطائفة من الناس والقطعة من الشيء. وثوب شراذم أي قطع. وأنشد الثعلبي قول الراجز:شعر : جاء الشتاءُ وثِيَابي أَخْلاقْ شَراذِمٌ يَضحكُ منها النَّوَّاقْ تفسير : النَّوَّاقْ من الرجال الذي يروض الأمور ويصلحها؛ قاله في الصحاح. واللام في قوله: {لَشِرْذِمَةٌ} لام توكيد وكثيراً ما تدخل في خبر إن، إلا أن الكوفيين لا يجيزون إن زيداً لسوف يقوم. والدليل على أنه جائز قوله تعالى: {أية : فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}تفسير : [الشعراء: 49] وهذه لام التوكيد بعينها وقد دخلت على سوف؛ قاله النحاس. {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ } أي أعداء لنا لمخالفتهم ديننا وذهابهم بأموالنا التي استعاروها على ما تقدم. وماتت أبكارهم تلك الليلة. وقد مضى هذا في «الأعراف» و«طه» مستوفى. يقال: غاظني كذا وأغاظني. والغيظ الغضب ومنه التغيظ والاغتياظ. أي غاظونا بخروجهم من غير إذن. {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ } أي مجتمع أخذنا حِذرنا وأسلحتنا. وقرىء {حَاذِرُونَ} ومعناه معنى {حَذِرُونَ} أي فرقون خائفون. قال الجوهري: وقرىء {وَإِنَّا لجمِيعٌ حَاذِرُون} و{حَذِرُونَ} و{حَذُرونَ} بضم الذال حكاه الأخفش؛ ومعنى {حَاذِرُونَ} متأهبون، ومعنى: {حَذِرُونَ} خائفون. قال النحاس: {حَذِرُونَ} قراءة المدنيين وأبي عمرو، وقراءة أهل الكوفة {حَاذِرُونَ} وهي معروفة عن عبد الله بن مسعود وابن عباس؛ و{حَادِرُونَ} بالدال غير المعجمة قراءة أبي عبّاد وحكاها المهدوي عن ابن أبي عمار، والماوردي والثعلبي عن سُمَيْط بن عجلان. قال النحاس: أبو عبيدة يذهب إلى أن معنى {حَذِرُونَ} {وحَاذِرُونَ} واحد. وهو قول سيبويه وأجاز: هو حذِرٌ زيدا؛ كما يقال: حاذر زيدا، وأنشد:شعر : حَذِرٌ أُموراً لا تَضِيرُ وآمِنٌ ما ليس مُنْجِيَهُ من الأقدارِ تفسير : وزعم أبو عمر الجَرْميّ أنه يجوز هو حذرٌ زيداً على حذف مِن. فأما أكثر النحويين فيفرقون بين حذِر وحاذر؛ منهم الكسائي والفراء ومحمد بن يزيد؛ فيذهبون إلى أن معنى حذر في خلقته الحذر، أي متيقظ متنبه، فإذا كان هكذا لم يتعدّ، ومعنى حاذر مستعدّ وبهذا جاء التفسير عن المتقدّمين. قال عبد الله بن مسعود في قول الله عز وجل: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ } قال: مؤدون في السلاح والكُراع مُقْوون، فهذا ذاك بعينه. وقوله: مؤدون معهم أداة. وقد قيل: إن المعنى: معنا سلاح وليس معهم سلاح يحرضهم على القتال؛ فأما {حادِرون} بالدال المهملة فمشتق من قولهم عين حَدْرة أي ممتلئة؛ أي نحن ممتلئون غيظاً عليهم؛ ومنه قول الشاعر:شعر : وعينٌ لها حَدْرَةٌ بَدْرَةٌ شُقَّتْ مآقيهمَا مِنْ أُخَرْ تفسير : وحكى أهل اللغة أنه يقال: رجل حادِرٌ إذا كان ممتلىء اللحم؛ فيجوز أن يكون المعنى الامتلاء من السلاح. المهدوي: الحادر القويّ الشديد. قوله تعالى: {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ } يعني من أرض مصر. وعن عبد الله بن عمرو قال: كانت الجنات بحافتي النيل في الشّقتين جميعاً من أسوان إلى رشيد، وبين الجنات زروع. والنيل سبعة خلجان: خليج الإسكندرية، وخليج سَخا، وخليج دمياط، وخليج سَرْدُوس، وخليج مَنْف، وخليج الفيوم، وخليج المَنْهَى متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، والزروع ما بين الخلجان كلها. وكانت أرض مصر كلها تروى من ستة عشر ذراعاً بما دبّروا وقدّروا من قناطرها وجسورها وخلجانها؛ ولذلك سمي النيل إذا غلق ستة عشر ذراعاً نيل السلطان، ويُخَلع على ابن أبي الردّاد؛ وهذه الحال مستمرّة إلى الآن. وإنما قيل نيل السلطان لأنه حينئذٍ يجب الخراج على الناس. وكانت أرض مصر جميعها تروى من إصبع واحدة من سبعة عشر ذراعاً، وكانت إذا غلق النيل سبعة عشر ذراعاً ونودي عليه إصبع واحد من ثمانية عشر ذراعاً، ازداد في خراجها ألف ألف دينار. فإذا خرج عن ذلك ونودي عليه إصبعاً واحداً من تسعة عشر ذراعاً نقص خراجها ألف ألف دينار. وسبب هذا ما كان ينصرف في المصالح والخلجان والجسور والاهتمام بعمارتها. فأما الآن فإن أكثرها لا يروى حتى ينادى إصبع من تسعة عشر ذراعاً بمقياس مصر. وأما أعمال الصعيد الأعلى، فإن بها ما لا يتكامل ريّه إلا بعد دخول الماء في الذراع الثاني والعشرين بالصعيد الأعلى. قلت: أما أرض مصر فلا تروى جميعها الآن إلا من عشرين ذراعاً وأصابع؛ لعلو الأرض وعدم الاهتمام بعمارة جسورها، وهو من عجائب الدنيا؛ وذلك أنه يزيد إذا انصبت المياه في جميع الأرض حتى يسيح على جميع أرض مصر، وتبقى البلاد كالأعلام لا يوصل إليها إلا بالمراكب والقياسات. وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: نيل مصر سيد الأنهار، سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب، وذلل الله له الأنهار؛ فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده، فأمدته الأنهار بمائها، وفجّر الله له عيوناً، فإذا انتهى إلى ما أراد الله عز وجل، أوحى الله تبارك وتعالى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره. وقال قيس بن الحجاج: لما افتتحت مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بئونة من أشهر القبط فقالوا له: أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها، فقال لهم: وما ذاك؟ فقالوا: إذا كان لاثنتي عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بِكر بين أبويها؛ أرضينا أبويها، وحملنا عليها من الحليّ والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل؛ فقال لهم عمرو: هذا لا يكون في الإسلام؛ وإن الإسلام ليهدم ما قبله. فأقاموا أبيب ومسرى لا يجري قليل ولا كثير، وهموا بالجلاء. فلما أرى ذلك عمرو بن العاص كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فأعلمه بالقصة، فكتب إليه عمر بن الخطاب: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإن الإسلام يهدم ما قبله ولا يكون هذا. وبعث إليه ببطاقة في داخل كتابه. وكتب إلى عمرو: إني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي، فألقها في النيل إذا أتاك كتابي. فلما قدم كتاب عمر إلى عمرو بن العاص أخذ البطاقة ففتحها فإذا فيها: من عبد الله أمير المؤمنين عمر إلى نيل مصر ـ أما بعد ـ فإن كنت إنما تجري من قِبلك فلا تجر وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يُجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك. قال: فألقى البطاقة في النيل قبل الصليب بيوم وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها؛ لأنه لا تقوم مصلحتهم فيها إلا بالنيل. فلما ألقى البطاقة في النيل. أصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله في ليلة واحدة ستة عشر ذراعاً، وقطع الله تلك السيرة عن أهل مصر من تلك السنة. قال كعب الأحبار: أربعة أنهار من الجنة وضعها الله في الدنيا سَيْحان وجَيْحان والنيل والفرات. فسيحان نهر الماء في الجنة، وجيحان نهر اللبن في الجنة، والنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة. وقال ابن لَهيعَة: الدجلة نهر اللبن في الجنة. قلت: الذي في «الصحيح» من هذا حديث أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : سَيْحانُ وَجَيْحَانُ وَالنِّيلُ وَالْفُراتُ كُلٌّ من أنهار الجنة»تفسير : لفظ مسلم. وفي حديث الإسراء من حديث أنس بن مالك عن مالك بن صَعْصَعة رجل من قومه قال:« حديث : وحدّث نبيّ الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى أربعة أنهار يخرج من أصلها نهران ظاهران ونهران باطنان فقلت يا جبريل ما هذه الأنهار قال أما النهران الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات»تفسير : لفظ مسلم. وقال البخاريّ من طريق شَريك عن أنس «حديث : فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يَطَّرِدان فقال ما هذان النهران يا جبريل قال هذا النيل والفرات عنصرهما ثم مضى في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من اللؤلؤ والزبرجد فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر فقال ما هذا يا جبريل فقال هذا هو الكوثر الذي خبأ لك ربُّك»تفسير : . وذكر الحديث. والجمهور على أن المراد بالعيون عيون الماء. وقال سعيد بن جبير: المراد عيون الذهب. وفي الدخان {أية : كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ}تفسير : [الدخان: 25 ـ 26]. قيل: إنهم كانوا يزرعون ما بين الجبلين من أوّل مصر إلى آخرها. وليس في الدخان {وكنوز}. {وكنوز} جمع كنز؛ وقد مضى هذا في سورة «براءة». والمراد بها هاهنا الخزائن. وقيل: الدفائن. وقال الضحاك: الأنهار؛ وفيه نظر؛ لأن العيون تشملها. {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} قال ابن عمر وابن عباس ومجاهد: المقام الكريم المنابر؛ وكانت ألف مِنبر لألف جبّار يُعظّمون عليها فرعون ومُلكه. وقيل: مجالس الرؤساء والأمراء؛ حكاه ابن عيسى وهو قريب من الأول. وقال سعيد بن جبير: المساكن الحسان. وقال ابن لهيعة: سمعت أن المقام الكريم الفيوم. وقيل: كان يوسف عليه السلام قد كتب على مجلس من مجالسه (لا إلٰه إلا الله إبراهيم خليل الله) فسماها الله كريمة بهذا. وقيل: مرابط الخيل لتفرد الزعماء بارتباطها عُدّة وزينة فصار مقامها أكرم منزل بهذا؛ ذكره الماوردي. والأظهر أنها المساكن الحسان كانت تكرم عليها. والمقام في اللغة يكون الموضع ويكون مصدراً. قال النحاس: المقام في اللغة الموضع؛ من قولك قام يقوم، وكذا المقامات واحدها مقامة؛ كما قال:شعر : وفيهم مَقَاماتٌ حِسانٌ وجوهُهم وأنديةٌ ينتابُها القولُ والفعلُ تفسير : والمقام أيضاً المصدر من قام يقوم. والمقام (بالضم) الموضع من أقام. والمصدر أيضاً من أقام يقيم. قوله تعالى: {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ } يريد أن جميع ما ذكره الله تعالى من الجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم أورثه الله بني إسرائيل. قال الحسن وغيره: رجع بنو إسرائيل إلى مصر بعد هلاك فرعون وقومه. وقيل: أراد بالوراثة هنا ما استعاروه من حليّ آل فرعون بأمر الله تعالى. قلت: وكلا الأمرين حصل لهم. والحمد لله. {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} أي فتبع فرعون وقومه بني إسرائيل. قال السدي: حين أشرقت الشمس بالشعاع. وقال قتادة: حين أشرقت الأرض بالضياء. قال الزجاج: يقال شَرَقت الشمسُ إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت. واختلف في تأخر فرعون وقومه عن موسى وبني إسرائيل على قولين: أحدهما: لاشتغالهم بدفن أبكارهم في تلك الليلة؛ لأن الوباء في تلك الليلة وقع فيهم؛ فقوله: {مُشْرِقِينَ} حال لقوم فرعون. الثاني: إن سحابة أظلتهم وظُلْمة فقالوا: نحن بعد في الليل فما تقشعت عنهم حتى أصبحوا. وقال أبو عبيدة: معنى {فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ} ناحية المشرق. وقرأ الحسن وعمرو بن ميمون: {فَاتَّبَعُوهُمْ مُشَرّقِينَ} بالتشديد وألف الوصل؛ أي نحو المشرق؛ مأخوذ من قولهم: شرّق وغرّب إذا سار نحو المشرق والمغرب. ومعنى الكلام قدرنا أن يرثها بنو إسرائيل فاتبع قوم فرعون بني إسرائيل مشرّقين فهلكوا، وورث بنو إسرائيل بلادهم. قوله تعالى: {فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ} أي تقابلا الجمعان بحيث يرى كل فريق صاحبه، وهو تفاعل من الرؤية. {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} أي قرب منا العدوّ ولا طاقة لنا به. وقراءة الجماعة {لَمُدْرَكُونَ} بالتخفيف من أدرك. ومنه {أية : حَتَّىٰ إِذَآ أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ} تفسير : [يونس: 90]. وقرأ عبيد بن عمير والأعرج والزهري {لَمُدَّرِكُونَ} بتشديد الدال من ادّرك. قال الفراء: حفر واحتفر بمعنى واحد، وكذلك {لَمُدْرَكُونَ} و{لَمُدَّرَكُونَ} بمعنى واحد. النحاس: وليس كذلك يقول النحويون الحذّاق؛ إنما يقولون: مُدْرَكون ملحقون، ومدّركون مجتهد في لحاقهم، كما يقال: كسبت بمعنى أصبت وظفرت، واكتسبت بمعنى اجتهدت وطلبت وهذا معنى قول سيبويه. قوله تعالى: {قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } لما لحق فرعون بجمعه جمعَ موسى وقرب منهم، ورأت بنو إسرائيل العدوّ القويّ والبحر أمامهم ساءت ظنونهم، وقالوا لموسى على جهة التوبيخ والجفاء: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} فردّ عليهم قولهم وزَجَرهم وذكَّرهم وعد الله سبحانه له بالهداية والظفر {كَلاَّ} أي لم يدركوكم {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي} أي بالنصر على العدوّ. {سَيَهْدِينِ} أي سيدلّني على طريق النجاة؛ فلما عظم البلاء على بني إسرائيل، ورأوا من الجيوش ما لا طاقة لهم بها، أمر الله تعالى موسى أن يضرب البحر بعصاه؛ وذلك أنه عز وجل أراد أن تكون الآية متصلة بموسى ومتعلقة بفعل يفعله؛ وإلا فضرب العصا ليس بفارق للبحر، ولا معين على ذلك بذاته إلا بما اقترن به من قدرة الله تعالى واختراعه. وقد مضى في «البقرة» قصة هذا البحر. ولما انفلق صار فيه اثنا عشر طريقاً على عدد أسباط بني إسرائيل، ووقف الماء بينها كالطود العظيم، أي الجبل العظيم. والطود الجبل؛ ومنه قول امرىء القيس:شعر : فبينا المرءُ في الأحياءِ طَوْدٌ رَماهُ الناسُ عن كَثَبٍ فَمَالاَ تفسير : وقال الأسود بن يَعْفُر:شعر : حَلُّوا بأنْقرةٍ يَسيلُ عليهمُ ماءُ الفُراتِ يجيءُ من أَطْوَادِ تفسير : جمع طود أي جبل. فصار لموسى وأصحابه طريقاً في البحر يَبَساً؛ فلما خرج أصحاب موسى وتكامل آخر أصحاب فرعون على ما تقدّم في «يونس» انصب عليهم وغرق فرعونُ؛ فقال بعض أصحاب موسى: ما غرق فرعونُ؛ فنبذ على ساحل البحر حتى نظروا إليه. وروى ابن القاسم عن مالك قال: خرج مع موسى عليه السلام رجلان من التجار إلى البحر فلما أتوا إليه قالا له بم أمرك الله؟ قال: أمرت أن أضرب البحر بعصاي هذه فينفلق؛ فقالا له:افعل ما أمرك الله فلن يخلفك؛ ثم ألقيا أنفسهما في البحر تصديقاً له؛ فما زال كذلك البحر حتى دخل فرعون ومن معه، ثم ارتد كما كان. وقد مضى هذا المعنى في سورة «البقرة». قوله تعالى: {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ } أي قربناهم إلى البحر؛ يعني فرعون وقومه. قاله ابن عباس وغيره؛ قال الشاعر:شعر : وكلُّ يوم مَضَى أو ليلةٍ سلَفَتْ فيها النفوسُ إلى الآجال تَزْدَلِفُ تفسير : أبو عبيدة: {أَزْلَفْنَا} جمعنا ومنه قيل لليلة المزدلفة ليلة جَمْع. وقرأ أبو عبد الله بن الحارث وأبيّ بن كعب وابن عباس: {وَأَزْلَقَنَا} بالقاف على معنى أهلكناهم؛ من قوله: أزلقت الناقةُ وأزلقت الفرسُ فهي مُزْلِق إذا أزلقت ولدها. {وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ } يعني فرعون وقومه. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} أي علامة على قدرة الله تعالى {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} لأنه لن يؤمن من قوم فرعون إلا مؤمن آل فرعون واسمه حزقيل وابنته آسية امرأة فرعون، ومريم بنت ذا موسى العجوز التي دلّت على قبر يوسف الصديق عليه السلام. وذلك أن موسى عليه السلام لما خرج ببني إسرائيل من مصر أظلم عليهم القمر فقال لقومه: ما هذا؟ فقال علماؤهم: إن يوسف عليه السلام لما حضره الموت أخذ علينا موثقاً من الله ألا نخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا. قال موسى: فأيكم يدري قبره؟ قال: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل؛ فأرسل إليها؛ فقال: دلّيني على قبر يوسف، قالت: لا والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة؛ فثقل عليه، فقيل له: أعطها حكمها؛ فدلّتهم عليه، فاحتفروه واستخرجوا عظامه، فلما أقلوها، فإذا الطريق مثل ضوء النهار في رواية: فأوحى الله إليه أن أعطها ففعل، فأتت بهم إلى بحيرة، فقالت لهم: أنضبوا هذا الماء فأنضبوه واستخرجوا عظام يوسف عليه السلام؛ فتبينت لهم الطريق مثل ضوء النهار. وقد مضى في «يوسف». وروى أبو بردة عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بأعرابي فأكرمه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حاجتك» قال: ناقة أرحلها وأعنزا أحلبها؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلم عجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل» فقال أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل؟ فذكر لهم حال هذه العجوز التي احتكمت على موسى أن تكون معه في الجنة.

ابن كثير

تفسير : لما طال مقام موسى عليه السلام ببلاد مصر، وأقام بها حجج الله وبراهينه على فرعون وملئه، وهم مع ذلك يكابرون ويعاندون، لم يبق لهم إلا العذاب والنكال، فأمر الله تعالى موسى عليه السلام أن يخرج ببني إسرائيل ليلاً من مصر، وأن يمضي بهم حيث يؤمر، ففعل موسى عليه السلام ما أمره به ربه عز وجل، خرج بهم بعد ما استعاروا من قوم فرعون حلياً كثيراً، وكان خروجه بهم فيما ذكره غير واحد من المفسرين وقت طلوع القمر، وذكر مجاهد رحمه الله أنه كسف القمر تلك الليلة، فالله أعلم، وأن موسى عليه السلام سأل عن قبر يوسف عليه السلام، فدلته امرأة عجوز من بني إسرائيل عليه، فاحتمل تابوته معهم، ويقال: إنه هو الذي حمله بنفسه عليهما السلام، وكان يوسف عليه السلام قد أوصى بذلك، إذا خرج بنو إسرائيل أن يحملوه معهم. وقد ورد في ذلك حديث رواه ابن أبي حاتم رحمه الله فقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح، حدثنا ابن فضيل عن عبد الله بن أبي إسحاق، عن ابن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى قال: نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعرابي، فأكرمه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : تعاهدنا» تفسير : فأتاه الأعرابي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ما حاجتك؟» تفسير : قال: ناقة برحلها وأعنز يحتلبها أهلي، فقال: «حديث : أعجزت أن تكون مثل عجوز بني إسرائيل؟» تفسير : فقال له أصحابه: وما عجوز بني إسرائيل يا رسول الله؟ قال: «حديث : إن موسى عليه السلام لما أراد أن يسير ببني إسرائيل، أضل الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: نحن نحدثك أن يوسف عليه السلام لما حضرته الوفاة، أخذ علينا موثقاً من الله أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسى: فأيكم يدري أين قبر يوسف؟ قالوا: ما يعلمه إلا عجوز لبني إسرائيل، فأرسل إليها فقال لها: دليني على قبر يوسف، فقالت: والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي، فقال لها: وما حكمك؟ قالت: حكمي أن أكون معك في الجنة، فكأنه ثقل عليه ذلك، فقيل له: أعطها حكمها ــــ قال ــــ فانطلقت معهم إلى بحيرة ــــ مستنقع ماء ــــ فقالت لهم: انضبوا هذا الماء، فلما أنضبوه قالت: احفروا، فلما حفروا استخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار» تفسير : وهذا حديث غريب جداً، والأقرب أنه موقوف، والله أعلم، فلما أصبحوا وليس في ناديهم داع ولا مجيب، غاظ ذلك فرعون، واشتد غضبه على بني إسرائيل لما يريد الله به من الدمار، فأرسل سريعاً في بلاده حاشرين، أي: من يحشر الجند ويجمعه كالنقباء والحجاب، ونادى فيهم: {إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ} يعني بني إسرائيل {لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} أي: لطائفة قليلة {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ} أي: كل وقت يصل منهم إلينا ما يغيظنا {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَـٰذِرُونَ} أي: نحن كل وقت نحذر من غائلتهم، وإني أريد أن أستأصل شأفتهم، وأبيد خضراءهم، فجوزي في نفسه وجنده بما أراد لهم، قال الله تعالى: {فَأَخْرَجْنَـٰهُمْ مِّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } أي: فخرجوا من هذا النعيم إلى الجحيم، وتركوا تلك المنازل العالية والبساتين والأنهار والأموال والأرزاق، والملك والجاه الوافر في الدنيا {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِىۤ إِسْرَٰءِيلَ} كما قال تعالى: {أية : وَأَوْرَثْنَا ٱلْقَوْمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَـٰرِقَ ٱلأَرْضِ وَمَغَـٰرِبَهَا ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا} تفسير : [الأعراف: 137] الآية، وقال تعالى: {أية : وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَارِثِينَ } تفسير : الآيتين [القصص: 5].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى } بعد سنين أقامها بينهم يدعوهم بآيات الله إلى الحق فلم يزيدوا إلا عُتُوّاً {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى } بني إسرائيل وفي قراءة بكسر النون ووصل همزة أسر من سرى لغة في أسرى أي سِر بهم ليلاً إلى البحر {إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ } يتبعكم فرعون وجنوده فيلجون وراءكم البحر فأُنجيكم وأُغرقهم.

الشوكاني

تفسير : قوله {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي} أمر الله سبحانه موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلاً، وسماهم عباده؛ لأنهم آمنوا بموسى وبما جاء به، وقد تقدّم تفسير مثل هذا في سورة الأعراف، وجملة {إِنَّكُم مّتَّبَعُونَ } تعليل للأمر المتقدّم أي: يتبعكم فرعون وقومه ليردّوكم، و {فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِي ٱلْمَدَائِنِ حَـٰشِرِينَ}، وذلك حين بلغه مسيرهم، والمراد بالحاشرين: الجامعون للجيش من الأمكنة التي فيها أتباع فرعون، ثم قال فرعون لقومه بعد اجتماعهم لديه: {إِنَّ هَـٰؤُلاۤء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ } يريد: بني إسرائيل. والشرذمة الجمع الحقير القليل، والجمع شراذم. قال الجوهري: الشرذمة الطائفة من الناس، والقطعة من الشيء، وثوب شراذم أي قطع، ومنه قول الشاعر:شعر : جاء الشتاء وقميصي أخلاق شراذم يضحك منها الخلاق تفسير : قال الفراء: يقال: عصبة قليلة وقليلون وكثيرة وكثيرون. قال المبرّد: الشرذمة القطعة من الناس غير الكثير، وجمعها الشراذم، قال الواحدي: قال المفسرون: وكان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ } يقال: غاظني كذا وأغاظني. والغيظ: الغضب، ومنه التغيظ، والاغتياظ أي غاظونا بخروجهم من غير إذن مني {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَـٰذِرُونَ } قرىء: {حذرون}، و{حاذرون} و"حذرون" بضم الذال، حكى ذلك الأخفش. قال الفراء: الحاذر: الذي يحذرك الآن، والحذر: المخلوق كذلك لا تلقاه إلاّ حذراً. وقال الزجاج: الحاذر: المستعد، والحذر: المتيقظ، وبه قال الكسائي ومحمد بن يزيد، قال النحاس: {حذرون} قراءة المدنيين، وأبي عمرو، و {حاذرون} قراءة أهل الكوفة. قال: وأبو عبيدة يذهب إلى أن معنى حذرون، وحاذرون واحد، وهو قول سيبويه، وأنشد سيبويه:شعر : حذر أموراً لا تضير وحاذر ما ليس ينجيه من الأقدار تفسير : {فَأَخْرَجْنَـٰهُمْ مّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } يعني: فرعون وقومه أخرجهم الله من أرض مصر وفيها الجنات والعيون والكنوز وهي جمع جنة وعين، وكنز، والمراد بالكنوز: الخزائن. وقيل: الدفائن، وقيل: الأنهار، وفيه نظر؛ لأن العيون المراد بها عند جمهور المفسرين: عيون الماء، فيدخل تحتها الأنهار. واختلف في المقام الكريم؛ فقيل: المنازل الحسان. وقيل: المنابر، وقيل: مجالس الرؤساء والأمراء. وقيل: مرابط الخيل. والأوّل أظهر، ومن ذلك قول الشاعر:شعر : وفيهم مقامات حسان وجوهها وأندية ينتابها القول والفعل تفسير : {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِي إِسْرٰءيلَ } يحتمل أن يكون {كذلك} في محل نصب أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفنا، ويحتمل أن يكون في محل جرّ على الوصفية أي مقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، ويحتمل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر كذلك. ومعنى {وَأَوْرَثْنَـٰهَا بَنِي إِسْرٰءيلَ }: جعلناها ملكاً لهم، وهو معطوف على {فأخرجناهم} {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ } قراءة الجمهور بقطع الهمزة، وقرأ الحسن والحارث الديناري بوصلها، وتشديد التاء، أي فلحقوهم حال كونهم مشرقين أي داخلين في وقت الشروق، يقال: شرقت الشمس شروقاً إذا طلعت كأصبح وأمسى أي دخل في هذين الوقتين. وقيل: داخلين نحو المشرق كأنجد وأتهم. وقيل: معنى {مُشْرِقِينَ }: مضيئين. قال الزجاج: يقال: شرقت الشمس: إذا طلعت، وأشرقت إذا أضاءت. {فَلَمَّا تَرَاءا ٱلْجَمْعَانِ } قرأ الجمهور: {تراءى} بتخفيف الهمزة، وقرأ ابن وثاب والأعمش من غير همز، والمعنى: تقابلا بحيث يرى كلّ فريق صاحبه، وهو تفاعل من الرؤية، وقرىء: "تراءت الفئتان" {قَالَ أَصْحَـٰبُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ } أي سيدركنا جمع فرعون ولا طاقة لنا بهم. قرأ الجمهور: {إنا لمدركون} اسم مفعول من أدرك، ومنه {أية : حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ ٱلْغَرَقُ } تفسير : [يونس: 90]. وقرأ الأعرج وعبيد بن عمير بفتح الدال مشدّدة وكسر الراء. قال الفراء: هما بمعنى واحد. قال النحاس: ليس كذلك يقول النحويون الحذاق، إنما يقولون: مدركون بالتخفيف ملحقون وبالتشديد مجتهدون في لحاقهم. قال: وهذا معنى قول سيبويه. وقال الزمخشري: إن معنى هذه القراءة: إنا لمتتابعون في الهلاك على أيديهم حتى لا يبقى منا أحد. {قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبّي سَيَهْدِينِ } قال موسى هذه المقالة زجراً لهم وردعاً، والمعنى: أنهم لا يدركونكم، وذكرهم وعد الله بالهداية والظفر، والمعنى: إن معي ربي بالنصر والهداية، سيهدين أي: يدلني على طريق النجاة، فلما عظم البلاء على بني إسرائيل، ورأوا من الجيوش ما لا طاقة لهم به، أمر الله سبحانه موسى أن يضرب البحر بعصاه، وذلك قوله: {فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى أَنِ ٱضْرِب بّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ } لما قال موسى: {إِنَّ مَعِيَ رَبّي سَيَهْدِينِ } بيّن الله سبحانه له طريق الهداية، فأمره بضرب البحر، وبه نجا بنو إسرائيل، وهلك عدوّهم، والفاء في {فَٱنفَلَقَ } فصيحة: أي فضرب فانفلق فصار اثني عشر فلقاً بعدد الأسباط، وقام الماء عن يمين الطريق وعن يساره كالجبل العظيم، وهو معنى قوله: {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ }، والفرق: القطعة من البحر، وقرىء: "فلق" بلام بدل الراء، والطود: الجبل قال امرؤ القيس:شعر : فبينا المرء في الأحياء طود رماه الناس عن كثب فمالا تفسير : وقال الأسود بن يعفر:شعر : حلوا بأنقرة يسيل عليهم ماء الفرات يجيء من أطواد تفسير : {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ } أي قرّبناهم إلى البحر يعني: فرعون وقومه. قال الشاعر:شعر : وكلّ يوم مضى أو ليلة سلفت فيها النفوس إلى الآجال تزدلف تفسير : قال أبو عبيدة: {أزلفنا}: جمعنا، ومنه قيل لليلة المزدلفة: ليلة جمع، و «ثم» ظرف مكان للبعيد. وقيل: إن المعنى: {وأزلفنا} قربنا من النجاة، والمراد بالآخرين: موسى وأصحابه، والأوّل أولى، وقرأ الحسن وأبو حيوة: "وزلفنا" ثلاثياً، وقرأ أبيّ، وابن عباس وعبد الله بن الحارث: "وأزلقنا" بالقاف أي أزللنا وأهلكنا من قولهم: أزلقت الفرس: إذا ألقت ولدها. {وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ } بمرورهم في البحر بعد أن جعله الله طرقاً يمشون فيها {ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ } يعني: فرعون وقومه أغرقهم الله باطباق البحر عليهم بعد أن دخلوا فيه متبعين موسى وقومه، والإشارة بقوله: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً } إلى ما تقدّم ذكره مما صدر بين موسى وفرعون إلى هذه الغاية، ففي ذلك آية عظيمة وقدرة باهرة من أدلّ العلامات على قدرة الله سبحانه، وعظيم سلطانه {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } أي ما كان أكثر هؤلاء الذين مع فرعون مؤمنين، فإنه لم يؤمن منهم فيما بعد إلاّ القليل كحزقيل وابنته، وآسية امرأة فرعون، والعجوز التي دلت على قبر يوسف، وليس المراد أكثر من كان مع فرعون عند لحاقه بموسى، فإنهم هلكوا في البحر جميعاً بل المراد: من كان معه من الأصل، ومن كان متابعاً له ومنتسباً إليه، هذا غاية ما يمكن أن يقال، وقال سيبويه وغيره: إنَّ «كان» زائدة، وأن المراد الإخبار عن المشركين بعد ما سمعوا الموعظة {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ }، أي: المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه. وقد أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله: {إِنَّ هَـؤُلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ } قال: ستمائة ألف وسبعون ألفاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كانوا ستمائة ألف. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كان أصحاب موسى الذين جازوا البحر اثني عشر سبطاً، فكان في كلّ طريق اثنا عشر ألفاً كلهم ولد يعقوب»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عنه أيضاً بسندٍ. قال السيوطي: واه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كان فرعون عدوّ الله حيث أغرقه الله هو وأصحابه في سبعين قائداً مع كل قائد سبعون ألفاً، وكان موسى مع سبعين ألفاً حيث عبروا البحر»تفسير : . وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: كان طلائع فرعون الذين بعثهم في أثرهم ستمائة ألف ليس فيها أحد إلاّ على بهيم. وأقول: هذه الروايات المضطربة قد روي عن كثير من السلف ما يماثلها في الاضطراب والاختلاف، ولا يصحّ منها شيء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس: {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ } قال: المنابر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه في قوله: {كَٱلطَّوْدِ } قال: كالجبل. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن مسعود مثله، وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: {وَأَزْلَفْنَا } قال: قربنا. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن أبي موسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن موسى لما أراد أن يسير ببني إسرائيل أضلّ الطريق، فقال لبني إسرائيل: ما هذا؟ فقال له علماء بني إسرائيل: إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقاً أن لا نخرج من مصر حتى ننقل تابوته معنا، فقال لهم موسىٰ: أيكم يدري أين قبره؟ فقالوا: ما يعلم أحد مكان قبره إلاّ عجوز لبني إسرائيل، فأرسل إليها موسى فقال: دلينا على قبر يوسف؟ فقالت: لا والله حتى تعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟ قالت: أن أكون معك في الجنة، فكأنه ثقل عليه ذلك، فقيل له: أعطها حكمها، فأعطاها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة مستنقعة ماء، فقالت لهم: انضبوا عنها الماء، ففعلوا، قالت: احفروا فحفروا، فاستخرجوا قبر يوسف، فلما احتملوه إذا الطريق مثل ضوء النهار».

الماوردي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ هَؤُلاَءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} في الشرذمة وجهان: أحدهما: أنهم سفلة الناس وأدنياؤهم، قاله الضحاك، ومنه قول الأعشى: شعر : وهم الأعبد في أحيائهم لعبيدٍ وتراهم شرذمة. تفسير : الثاني: أنهم العصبة الباقية من عصبة كبيرة وشرذمة كل شيء بقيته القليلة. ويقال لما قطع من فضول النعال من الجلد شراذم، وللقميص إذا خلق شراذم، وأنشد أبو عبيدة. شعر : جاء الشتاء وقميصي أخلاق شراذم يضحك منها التواق تفسير : واختلف في عدد بني إسرائيل حين قال فرعون فيهم: إنه لشرذمة قليلون، على أربعة أقاويل: أحدها: ستمائة وتسعين ألفاً، قال مقاتل: لا يعد ابن عشرين سنة لصغيره ولا ابن ستين لكبره، وهو قول السدي. الثالث: كانوا ستمائة ألف مقاتل، قاله قتادة. الرابع: كانوا خمسمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة، وإنما استقل هذا العدد لأمرين: أحدهما: لكثرة من قتل منهم. الثاني: لكثرة من كان معه، حكى السدي أنه كان على مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان ليس فيها ماديانه، وقال الضحاك كانوا سبعة آلاف ألف. قوله تعالى: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَذِرُونَ} قراءة ابن كثير ونافع، وأبي عمرو، وقرأ الباقون {حَاذِرُونَ} وفيه أربعة أوجه: أحدها: أنهما لغتان ومعناهما واحد، حكاه ابن شجرة وقاله أبو عبيدة واسْتَشْهَد بقول الشاعر: شعر : وكنت عليه أحذر الموت وحده فلم يبق لي شيء عليه أحاذره. تفسير : الثاني: أن الحذر المطبوع على الحذر، والحاذر الفاعل الحذر، حكاه ابن عيسى. الثالث: أن الحذر الخائف والحاذر المستعد. الرابع: أن الحذر المتيقظ، والحاذر آخذ السلاح، لأن السلاح يسمى حذراً قاله الله تعالى: {أية : وَخُذُوا حِذْرَكُم} تفسير : [النساء: 102] أي سلاحكم، وقرأ ابن عامر. {حَادِرُونَ} بدال غير معجمة وفي تأويله وجهان: أحدهما: أقوياء من قولهم جمل حادر إذا كان غليظاً. الثاني: مسرعون. قوله تعالى: {وَكُنُوزٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: الخزائن. الثاني: الدفائن. الثالث: الأنهار، قاله الضحاك. {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها المنابر، قاله ابن عباس، ومجاهد. الثاني: مجالس الأمراء، حكاه ابن عيسى. الثالث: المنازل الحسان، قاله ابن جبير. ويحتمل رابعاً: أنها مرابط الخيل لتفرد الزعماء بارتباطها عُدة وزينة فصار مقامها أكرم منزول.

ابن عطية

تفسير : ثم إن الله عز وجل لما أراد إظهار أمره في نجاة بني إسرائيل وغرق فرعون وقومه أمر موسى أن يخرج بني إسرائيل ليلاً من مصر، وأخبر أنهم سيتبعون وأمره بالسير تجاه البحر، وأمره بأن يستعير بنو إسرائيل حلي القبط وأموالهم وأن يستكثروا من أخذ أموالهم كيف ما استطاعوا هذا فيما رواه بعض المفسرين، وأمره باتخاذ خبز الزاد، فروي أنه أمر باتخاذه فطيراً لأنه أبقى وأثبت، وروي أن الحركة أعجلتهم عن اختمار خبز الزاد، وخرج موسى عليه السلام ببني إسرائيل سحراً فترك الطريق إلى الشام على يساره وتوجه نحو البحر، فكان الرجل من بني إسرائيل يقول له في ترك الطريق فيقول موسى هكذا أمرت، فلما أصبح فرعون وعلم بسرى موسى ببني إسرائيل خرج في أثرهم وبعث إلى مدائن مصر لتلحقه العساكر، فروي أنه لحقه ومعه ستمائة ألف أدهم من الخيل حاشى سائر الألوان، وروي أن بني إسرائيل كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً قاله ابن عباس، والله أعلم بصحته، وإنما اللازم من الآية الذي يقطع به أن موسى عليه السلام خرج بجمع عظيم من بني إسرائيل وأن فرعون تبعه بأضعاف ذلك العدد، قال ابن عباس كان مع فرعون ألف جبار كلهم عليه تاج وكلهم أمير خيل، و "الشرذمة" الجمع القليل المحتقر، وشرذمة كل شيء بقيته الخسيسة وأنشد أبو عبيدة: "تخذين في شراذم النعال". وقال الآخر: [الرجز] شعر : جاء الشتاء وقميصي أخلاق شراذم يضحك منها النواق تفسير : وقوله {لغائظون} يريد بخلافهم الأمر وبأخذهم الأموال عارية وتفلتهم منهم تلك الليلة على ما روي، قال أبو حاتم، وقرأ من لا يؤخذ عنه "لشر ذمة قليلون" وليست هذه موثوقة، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو "حذرون" وهو جمع حذر وهو المطبوع على الحذر وهو هاهنا غير عامل، وكذلك هو في قول أبي أحمر: [السريع] شعر : هل ينسئن يومي إلى غيره أنى حوالى وإني حذر تفسير : واختلف في عمل فعل فقال سيبويه إنه عامل وأنشد: [الكامل] شعر : حذر أموراً لا تضير وآمن ما ليس منجيه من الأقدار تفسير : وادعى اللاحقي تدليس هذا البيت على سيبويه، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي "حاذرون" وهو الذي أخذ يحذر، وقال عباس بن مرداس: [الوافر] شعر : وإني حاذر أنهي سلاحي إلى أوصال ذيال صنيع تفسير : وقرأ ابن أبي عمارة وسميط بن عجلان "حادرون" بالدال غير منقوطة من قولهم عين حدرة أي معينة فالمعنى ممتلئون غضباً وأنفة، والضمير في قوله {فأخرجناهم} عائد على القبط، و "الجنات والعيون" بحافتي النيل في أسوان إلى رشيد قاله ابن عمر وغيره، و"الكنوز" قيل هي إشارة إلى الأموال التي احتجنوها قال مجاهد لأنهم لم ينفقوها قط في طاعة، وقيل هي إشارة إلى كنوز المعظم ومطالبه وهي باقية إلى اليوم، "والمقام الكريم" قال ابن لهيعة هو الفيوم، وقيل يعني به المنابر، وقيل مجالس الأمراء والحكام، وقال النقاش المساكن الحسان، وقرأ الأعرج وقتادة بضم الميم من "مُقام"،وتوريث بني إسرائيل يحتمل مقصدين: أحدهما أنه تعالى ورثهم هذه الصفة من أرض الشام، والآخر أنه ورثهم مصر ولكن بعد مدة طويلة من الدهر قاله الحسن، على أن التواريخ لم تتضمن ملك بني إسرائيل في مصر و {مشرقين}، معناه عند شروق الشمس، أي حين دخلوا فيه، وقيل معناه نحو الشرق، وقرأ الحسن "فاتّبعوهم" بصلة الألف وشد التاء، والجمهور على قطع الألف وسكون التاء، فلما لحق فرعون بجمعه جمع موسى وقرب منهم ورأت بنو إسرائيل العدد القوي وراءهم والبحر أمامهم ساءت ظنونهم وقالوا لموسى عليه السلام على جهة التوبيخ والجفاء {إنا لمدركون} أي هذا رأيك، فرد عليهم قولهم وزجرهم وذكر وعد الله له بالهداية والظفر، وقرأ الجمهور "إنا لمدركون"، وقرأ الأعرج وابن عمير "إنا لمدَرّكون" بفتح الدال وشدّ الراء ومعناها يتتابع علينا حتى نفنى، وقرأ حمزة "تريءَ الجمعان" بكسر الراء بمد ثم بهمز، وروي مثله عن عاصم، وروي أيضاً عنه مفتوحاً ممدوداً، والجمهور يقرؤونه مثل تداعى وهذا هو الصواب، لأنه تفاعل، قال أبو حاتم وقراءة حمزة في هذا الحرف محال، وحمل عليه، قال وما روي عن الأعمش وابن وثاب خطأ.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ}. قرىء "أَسْرِ" بقطع الهمزة ووصلها. لما ظهر من أمر موسى - عليه السلام - ما شاهدوه أمره الله أن يخرج ببني إسرائيل، لما كان في المعلوم من تدبير الله وتخليصه من القوم وتمليكه بلادهم وأموالهم، ولم يأمن. وقد جرت تلك الغلبة الظاهرة أن يقع في فرعون ببني إسرائيل ما يؤدي إلى الاستئصال، فلذلك أمره الله تعالى أن يسري ببني إسرائيل، وهم الذين آمنوا، وكانوا من قوم موسى - عليه السلام -. واعلم أن في الكلام حذفاً، وهو أنه أسرى بهم كما امره الله تعالى، ثم إن قوم موسى قالوا لقوم فرعون: "إن لنا في هذه الليلة عيداً"، ثم استعاروا منهم حليهم بهذا السبب، ثم خرجوا بتلك الأموال في الليل إلى جانب البحر، فلما سمع فرعون ذلك أرسل في المدائن حاشرين يحشرون الناس، يعني الشُّرط ليجمعوا السحرة. وقيل: ليجمعوا له الجيش روي أنه كان له ألف مدينة واثنا عشر ألف قرية. و "حَاشِرِينَ" مفعول "أَرْسَلَ" ثم إنه قوى نفسه ونفس قومه بأن وصف قوم موسى بالذم، ووصف قوم نفسه بالمدح، أما وصفه قوم موسى - عليه السلام - بالذم، فقال: {إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ} [معمول لقول مضمر] أي: قال: إنَّ هؤلاء، وهذا القول يجوز أن يكون حالاً، أي: أرسلهم قائلاً ذلك، ويجوز أن يكون مفسراً لـ "أَرْسَلَ". والشِّرْذِمَةُ: الطائفة من الناس وقيل: كل بقية من شيء خسيس يقال لها: شرذمة. ويقال: ثوب شراذم، أي: أخلاق، قال: شعر : 3903 - جَـاءَ الشِّتَـاءُ وَقَمِيصِـي أَخْـلاقْ شَـرَاذِمُ تَضْحَـكُ مِنْـهُ الخُـلاقْ تفسير : وأنشد أبو عبيدة: شعر : 3904 - فــي شــراذم النـعــال تفسير : وجمع الشرذمة: شراذم، فذكرهم بالاسم الدال على القلة، ثم جعلهم قليلاً بالوصف، ثم جمع القليل فجعل كل حزب منهم قليلاً، واختار جمع السلامة الذي هو جمع القلة. ويجوز أن يريد بالقلة: الذلة، لا قلة العدو، أي: إنهم لقلتهم لا يبالى بهم. قال ابن عباس: كان الشرذمة الذين قللهم فرعون ستمائة ألف مقاتل لا شاب فيهم دون عشرين سنة، ولا شيخ يوفي على الستين سوى الحشم، وفرعون يقللهم لكثرة من معه. وهذا الوصف قد استعمل في الكثير عند الإضافة إلى ما هو أكثر منه، فروي أن فرعون خرج على فرس أدهم حصان وفي عسكره على لون فرسه ثمانمائة ألف. قوله: {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ}. يقال: غَاظَهُ وَأَغَاظَهُ وَغَيَّظَهُ: إذا أغضبه. والغيظ، الغضب. والمعنى: أنهم يفعلون أفعالاً تغيظنا. واختلفوا في تلك الأفعال. فقيل: أخذهم الحليّ وغيره. وقيل: خروجهم عن عبوديته. وقيل: خروجهم بغير إذنه، وقيل: مخالفتهم له في الدين. وقيل: لأنهم لم يتخذوا فرعون إلهاً. وأما وصفه قومه فهو قوله: {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ}. قرأ الكوفيون وابن ذكوان: "حاذرون" بألف. والباقون: "حذرون" بدونها. فقال أبو عبيدة والزجاج: هما بمعنى واحد، يقال: رجل حذر وحاذر بمعنى. وقيل: بل بينهما فرق، فالحذر: المتيقظ. والحاذر: الخائف. وقيل: الحذر: المخلوق مجبولاً على الحذر. والحاذر: ما عرض له ذلك. وقيل: الحذر: المتسلح الذي له شوكة سلاح، وأنشد سيبويه في إعمال "حَذِر" على أنه مثال مبالغة محول من حاذر قوله: شعر : 3905 - حَـذِرٌ أُمُـوراً لاَ تَضِيـرُ وَآمِـنٌ مَـا لَيْـسَ مُنْجِيــهِ مِـنَ الأَقْــدَارِ تفسير : وزعم بعضهم أن سيبويه لمَّا سأله: هل يحفظ شيئاً في إعمال "فَعِل"؟ صنع له هذا البيت، فعيب على سيبويه: كيف يأخذ الشواهد الموضوعة؟ وهذا غلط، فإن هذا الشخص قد أقر على نفسه بالكذب، فلا يقدح قوله في سيبويه. والذي ادعى انه صنع البيت هو الأخفش. و "حَذِر" يتعدى بنفسه، قال تعالى: {أية : يَحْذَرُ ٱلآخِرَةَ}تفسير : [الزمر: 9]، وقال العباس بن مرداس: شعر : 3906 - وَإِنِّـي حَــاذِرٌ أَنْمِــي سِـلاَحِــي إلَــى أَوْصَــالِ ذَيَّالٍ مَنِيـعِ تفسير : وقرأ ابن السميفع وابن أبي عمار: "حَادِرُونَ" بالدال المهملة من قولهم عين حدرة، أي: عظيمة، كقولهم: شعر : 3907 - وَعَيْــنٌ لَهَــا حَــدْرَةٌ بَــدْرَةٌ تفسير : والمعنى: عظيماً. وقيل: الحادر: القوي الممتلىء، وحكي: رجل حادر، أي: ممتلىء غيظاً، ورجل حادر، أي: أحمق، كأنه ممتلىء من الحمق قال: شعر : 3908 - أُحِــبُّ الغُــلاَمَ السُّــوءَ مِـنْ أَجْـلِ أُمِّـه وَأَبْغَضُـهُ مِـنْ بُغْضِهَــا وَهْـوَ حَادِرُ تفسير : ويقال أيضاً رجل [حَدُرٌ بزنة يقظ مبالغة في (حادر) من هذا المعنى، فصار يقال] حَذِر وحَذُر وحَاذِرِ بالذال المعجمة والمهملة والمعنى مختلف. واعلم أن الصفة إذا كانت جارية على الفعل وهو اسم الفاعل واسم المفعول كالضارب والمضروب أفادت الحدوث. وإذا لم تكن كذلك وهي المشبهة [أفادت الثبوت. فمن قرأ "حَذِرُونَ"] ذهب إلى معنى أنا قوم من عادتنا الحذر واستعمال الحزم ومن قرأ: "حَاذِرُون" ذهب إلى معنى: إنا قوم ما عهدنا أن نحذر إلا عصرنا هذا. ومن قرأ: "حَادِرُون" بالدال المهملة، فكأنه ذهب إلى نفي أصلاً، لأن الحادر هو السمين، فأراد: إنا قوم أقوياء أشداء، أو أراد: إنا شاكون في السلاح. والغرض من هذه التقادير ألا يتوهم أهل المدائن أنه منكسر من قوم موسى، أو خائف منهم. قوله: "فَأَخْرَجْنَاهُمْ". أي: خلقنا في قلوبهم داعية الخروج، فاستلزمت الداعية الفعل، فكان الفعل مضافاً إلى الله تعالى لا محالة. وقوله: {مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَكُنُوزٍ} أي: أخرجناهم من بساتينهم التي فيها عيون الماء وكنوز الذهب والفضة. قال مجاهد: سماها كنوزاً، لأنه لم يعط حق الله منها، وما لم يعط الله منه فهو كنز وإن كان ظاهراً. قوله: "وَمَقَامٍ". قرأ العامة بفتح الميم، وهو مكان القيام. وقتادة والأعرج بضمها وهو مكان الإقامة. والمراد بـ "الكَرِيم": الحسن. قال المفسرون: هي مجالس الأمراء والرؤساء التي كانت تحفها الأتباع. وقيل: المواضع التي كانوا [يتنعمون فيها]. قوله: "كَذَلِكَ". فيه ثلاثة أوجه: قال الزمخشري: يحتمل ثلاثة أوجه: النصب على أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه والجر على أنه وصف لـ "مَقَام" أي: ومقام كريم مثل ذلك المقام الذي كان لهم، والرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك. قال أبو حيان: فالوجه الأول لا يسوغ، لأنه يؤول إلى تشبيه الشيء بنفسه، وكذلك الوجه الثاني؛ لأن المقام الذي كان لهم هو المقام الكريم، فلا يشبه الشيء بنفسه. قال شهاب الدين: وليس في ذلك تشبيه الشيء بنفسه؛ لأن المراد في الأول: أخرجناهم إخراجاً مثل الإخراج المعروف المشهور، وكذلك الثاني. قوله: "وَأَوْرَثْنَاها" عطف على "فَأَخْرَجْنَاهُمْ" أي: وأورثناها بهلاكهم بني إسرائيل وذلك أن الله تعالى رد بني إسرائيل إلى مصر بعدما أغرق فرعون وقومه وأعطاهم جميع ما كان لفرعون وقومه من الأموال والمساكن. قوله: "فَأَتْبَعُوهُمْ". قرأ العامة بقطع الهمزة من "أَتْبعه" أي: ألحقه نفسه، فحذف الثاني. وقيل: يقال: أَتْبعه بمعنى "اتبعه" بوصل الهمزة، أي: لحقه. وقرأ الحسن والحارث الذَّمَّارِيّ بوصلها وتشديد التاء، وهي بمعنى اللحاق. وقوله: "مُشْرِقِينَ" أي: داخلين في وقت الشروق من: شَرَقت الشمس شروقاً: إذا طلعت كـ "أصبح، وأمسى": إذا دخل في هذين الوقتين. وقيل: داخلين نحو المشرق كـ "أَنْجَد، وأَتْهَم". و "مُشْرِقِين" منصوب على الحال، والظاهر أنه من الفاعل. وقيل: "مُشْرِقِين" بمعنى: مضيئين. وفي التفسير: أنّ بني إسرائيل كانوا في نور، والقبط في ظلمة، فعلى هذا يكون "مُشْرِقِين" حالاً من المفعول. قال شهاب الدين: وعندي أنه يجوز أن يكون حالاً من الفاعل والمفعول إذا جعلنا "مُشْرِقِين": داخلين في وقت الشروق، أو في مكان المشرق، لأن كلاً من القبيلين كان داخلاً في ذلك الزمان، أو في ذلك المكان. قوله: {فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ} أي: تقابلا ورأى بعضهم بعضاً. قرأ العامة: "تَرَاءَى" بتحقيق الهمزة. وابن وثاب والأعمش من غير همز، بأن تكون الهمزة مخففة بين بين، لا بالإبدال المحض، لئلا يجتمع ثلاث ألفات، الأولى الزائدة بعد الراء، والثانية المبدلة من الهمزة، والثالثة لام الكلمة، لكن الثالثة لا تثبت وصلاً لحذفها لالتقاء الساكنين، ثم اختلف القراء في إمالة هذا الحرف فنقول: هذا الحرف إما أن يوقف عليه أو لا، فإن وقف عليه فحمزة يميل ألفه الأخيرة؛ لأنها طرف منقبلة عن ياء. ومن ضرورة إمالتها إمالة فتحة الهمزة المسهلة، لأنه إذا وقف على مثل هذه سهلها على مقتضى مذهب، وأمال الألف الأولى إتباعاً لإمالة فتحة الهمزة. ومن ضرورة إمالتها إمالة فتحة الراء قبلها، وهذا هو الإمالة لإمالة. وغيره من القراء لا يميل شيئاً من ذلك. وقياس مذهب الكسائي أن يميل الألف الأخيرة، وفتحة الهمزة قبلها، وكذا نقله ابن الباذش عنه وعن حمزة. وإن وصل فإن الألف الأخيرة تذهب لالتقاء الساكنين، ولذهابها تذهب إمالة فتحة الهمزة، وتبقى إمالة الألف الزائدة، وإمالة فتحة الراء قبلها عنده اعتداداً بالألف المحذوفة، وعند ذلك يقال: حذف السبب وبقي المسبب؛ لأن إمالة الألف الأولى إنما كان لإمالة الألف الأخيرة [كما تقدم تقريره، وقد ذهبت الأخيرة] فكان ينبغي ألا تمال الأولى لذهاب المقتضي لذلك، ولكنه راعى المحذوف وجعله في قوة المنطوق؛ ولذا تجرأ عليه أبو حاتم فقالك وقراءة هذا الحرف بالإمالة محال. وقد تقدم في الأنعام عند "رَأَى القَمَرَ" و "رَأَى الشَّمْسَ" ما يشبه هذا العمل. قوله: "لَمَدْرَكُونَ". العامة على سكون الدال، اسم مفعول من "أَدْركَ" أي: لملحقون. وقرأ الأعرج وعبيد بن عمرو بفتح الدال مشددة وكسر الراء. قال الزمخشري: المعنى: متتابعون في الهلاك على أيديهم، ومنه بيت الحماسة: شعر : 3909 - أَبَعْـدَ بَنِــي أُمِّـي الَّـذِيـنَ تَتَـابَعُــوا أُرَجِّــي الحَيَــاةَ أَمْ مِــنَ المَــوْتِ أَجْــزَعُ تفسير : يعني: أن "ادَّرَك" على "افتعل" لازم بمعنى فني واضمحلّ، يقال: ادَّرَكَ الشيء يدَّرك فهو مدَّرَك، أي: فني متتابعاً، ولذلك كسرت الراء. وممن نص على كسرها أبو الفضل الرازي، قال: "وقد يكون "ادَّرَك" على "افتعل" بمعنى "أفعل" متعدياً، ولو كانت القراءة من هذا لوجب فتح الراء ولم يبلغني عنهما - يعني: عن الأعرج وعبيد - إلا الكسر". فصل المعنى {فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ}، أي: رأى كل فريق صاحبه. وقرىء "فَلَمَّا تَرَاءْتِ الفِئَتَانِ" قال أصحاب موسى: "إنَّا [لَمُدْرَكُونَ" أي] لَمُلْحَقُون، وقالوا: يا موسى {أية : أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا}تفسير : [الأعراف: 129] كانوا يذبحون أبناءنا، {أية : وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا}تفسير : [الأعراف: 129] يدركوننا في هذه الساعة فيقتلوننا، ولا طاقة لنا بهم، فعند ذلك قال موسى ثقة بوعد الله إياه "كَلاّ" وذلك كالمنع مما توهموه، أي: لن يدركونا {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} يدلني على طريق النجاة.

البقاعي

تفسير : ولما قص سبحانه من حال الدعاء ما كفى في التسلية من قصد هذين النبيين بالأذى والتهكم بمن دعوا إليه، وجعلهما الأعليين، ولم يضرهما ضعفهما وقلتهما، ولا نفع عدوهما قوته وكثرته، شرع يسلي بما أوقعه في حال السير، فقال طاوياً ما بقي منه لأن هذا ذكّر به، عاطفاً على هذه القصة: {وأوحينا} أي بما لنا من العظمة حين أردنا فصل الأمر وإنجاز الموعود {إلى موسى أن أسر} أي سر ليلاً، حال اشتغال فرعون وجنوده بموت أبكارهم وتجهيزهم لهم {بعبادي} أي بني إسرائيل الذين كرمتهم مصاحباً لهم إلى ناحية بحر القلزم، غير مبال بفرعون ولا منزعج منه، وتزودوا اللحم والخبز الفطير للإسراع، وألطخوا أعتابكم بالدم، لأني أوصيت الملائكة الذين يقتلون الأبكار أن لا يدخلوا بيتاً على بابه دم؛ ثم علل أمر له بالسير في الليل بقوله: {إنكم متبعون*} أي لا تظن أنهم لكثرة ما رأوا من الآيات يكفون عن اتباعكم، فأسرع بالخروج لتبعدوا عنهم إلى الموضع الذي قدرت في الأزل أن يظهر فيه مجدي، والمراد توافيهم عند البحر، ولم يكتم اتباعكم عن موسى عليه السلام لعدم تأثره به لما تحقق عنده من الحفظ لما تقدم به الوعد الشريف بذلك التأكيد. ولما كان التقدير: فأسرى بهم امتثالاً للأمر بعد نصف الليل، عطف عليه قوله: {فأرسل فرعون} أي لما أصبح وأعلم بهم {في المدائن حاشرين*} أي رجالاً يجمعون الجنود بقوة وسطوة وإن كرهوا، ويقولون تقوية لقلوبهم وتحريكاً لهممهم: {إن هؤلاء} إشارة بأداة القرب تحقيراً لهم إلى أنهم في القبضة وإن بعدوا، لما بهم من العجز، وبآل فرعون من القوة، فليسوا بحيث يخاف قوتهم ولا ممانعتهم {لشرذمة} أي طائفة وقطعة من الناس. ولما كانت قلتهم إنما هي بالنسبة إلى كثرة آل فرعون وقوتهم وما لهم عليهم من هيبة الاستعباد، وكان التعبير بالشرذمة موهماً لأنهم في غاية القلة، أزال هذا الوهم بالتعبير بالجمع دون المفرد ليفيد أنه خبر بعد خبر، لا صفة، وأن التعبير بالشرذمة إنما هو للإشارة إلى تفرق القلوب، والجمع ولا سيما ما للسلامة مع كونه أيضاً للقلة أدل على أنهم أوزاع، وفيه أيضاً إشارة إلى أنهم مع ضعفهم بقلة العدد آيسون من إسعاف بمدد. وليس لهم أهبة لقتال لعدم العدة لأنهم لم يكونوا قط في عداد من يقاتل كما تقول لمن تزدريه: هو أقل من أن يفعل كذا، فقال: {قليلون*} أي بالنسبة إلى ما لنا من الجنود التي لا تحصى وإن كانوا في أنفسهم كثيرين، فلا كثرة لهم تمنعكم أيها المحشورون من اتباعهم؛ قال البغوي عن ابن مسعود رضي الله عنهما: كانوا ستمائة ألف وتسعين ألفاً، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون - انتهى. وكل هذا بيان لأن فرعون مع تناهي عظمته لم يقدر على أثرٍ ما في موسى عليه السلام ولا من اتبعه تحقيقاً لما تقدم من الوعد به أول القصة. ولما ذكر ما يمنع الخوف من اتباعهم، ذكر ما يوجب الحث عليه ويحذر من التقاعس عنه فقال: {وإنهم لنا} ونحن على ما نحن عليه من الكثرة والعظمة {لغائظون*} أي بما فجعونا به من أنفسهم وما استعاروه من الزينة من أواني الذهب والفضة وفاخر الكسوة، فلا رحمة في قلوبكم تحميهم. ولما كان مدار مادة "شرذم" على التقطع. فكان في التعبير بها إشارة إلى أنهم مع القلة متفرقون ليسوا على قلب واحد، وذكر أن في اتباعهم شفاء الغلل، أتبعه ما ينفي عن المتقاعد العلل، فقال: {وإنا لجميع} أي أنا وأنتم جماعة واحدة مجتمعون بإياله الملك على قلب واحد. ولما أشار بهذا الخبر إلى ضد ما عليه بنو إسرائيل مع قلتهم مما هو سبب للجرأة عليهم، أخبر بخبر ثان يزيد الجرأة عليهم، وفي مضادة لما أشير إليه بـ "قليلون" من الاستضعاف فقال: {حاذرون*} أي ونحن - مع إجماع قلوبنا - من شأننا وطبعنا الحذر، فنحن لا نزال على أهبة القتال، ومقارعة الأبطال، لا عائق لنا عنه بسفر ولا بغيره، أما من جهتي فبإفاضة الأموال عليكم، وإدرار الأرزاق فيكم، ووضع الأشياء في مواضعها في الأرض والرجال، وأما من جهتكم فباستعمال الأمانة من طاعة الملك في وضع كل ما يعطيكم في مواضعه من إعداد السلاح والمراكب والزاد، وجميع ما يحتاج إليه المحارب، مع ما لكم من العزة والقوة وشماخة الأنوف وعظم النفوس مع الجرأة والإقدام والثبات في وقف الحقائق، المحفوظ بالعقل المحوط بالجزم المانع من اجتراء الأخصام عليكم، ومكرهم لديكم، فإنه يحكى أنه كان يتصرف في خراج مصر بأن يجزئه أربعة أجزاء: أحدها لوزرائه وكتابه وجنده، والثاني لحفر الأنهار وعمل الجسور، والثالث له ولولده، والرابع يفرق من مدن الكور، فإن لحقهم ظمأ أو استبحار أو فساد علة أو موت عوامل قوّاهم به؛ وري أنه قصده قوم فقالوا: نحتاج إلى أن نحفر خليجاً لنعمر ضياعنا، فإذن في ذلك واستعمل عليهم عاملاً فاستكثر ما حمل من خراج تلك الناحية إلى بيت المال، فسأل عن مبلغ ما أنفقوه على خليجهم، فإذا هو مائة ألف دينار، فأمر بحملها إليهم فامتنعوا من قبولها، فقال: اطرحوها عليهم، فإن الملك إذا استغن بمال رعيته افتقر وافتقروا، وأن الرعية إذا استغنت بمال ملكهم استغنى واستغنوا. ولما كان التقدير: فأطاعوا أمره، ونفوا على كل صعب وذلول، عطف عليه قوله معلماً بما آل إليه أمرهم: {فأخرجناهم} أي بما لنا من القدرة، إخراجاً حثيثاً مما لا يسمح أحد بالخروج منه {من جنات} أي بساتين يحق لها أن تذكر {وعيون*} لا يحتاج معها إلى نيل ولا مطر {وكنوز} من الأموال تعرف بمقدار ما هم فيه من النعم الفاضلة عنهم، مع ما هم فيه من تمام الاستعداد لمثل هذا المراد {ومقام} من المنازل {كريم*} أي على صفة ترضي الرائي له لأنه على النهاية من الحسن لا يقال فيه: ليته كان كذا، أو كان كذا.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال‏:‏ ثم إن الله أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل فقال ‏ {‏أسر بعبادي ليلاً‏}‏ فأمر موسى بني إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم أن يستعيروا الحلي من القبط، وأمر أن لا ينادي أحد منهم صاحبه، وأن يسرجوا في بيوتهم حتى الصبح‏،‏ وأن من خرج منهم أمام بابه يكب من دم حتى يعلم أنه قد خرج، وأن الله قد أخرج كل ولد زنا في القبط من بني إسرائيل إلى بني إسرائيل، وأخرج كل ولد زنا في بني إسرائيل من القبط حتى أتوا آباءهم‏.‏ ثم خرج موسى ببني إسرائيل ليلاً والقبط لا يعلمون، وألقى على القبط الموت فمات كل بكر رجل منهم، فأصبحوا يدفنونهم فشغلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس، وخرج موسى في ستمائة ألف وعشرين ألفاً‏.‏ لا يعدون ابن عشرين لصغره، ولا ابن ستين لكبره، وإنما عدوا ما بين ذلك سوى الذرية‏. وتبعهم فرعون على مقدمته هامان في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان ليس فيها ماذيانة وذلك حين يقول الله ‏ {‏فأرسل فرعون في المدائن حاشرين، إن هؤلاء لشرذمة قليلون‏} ‏ فكان موسى على ساقة بني إسرائيل، وكان هارون أمامهم يقدمهم فقال المؤمن لموسى‏:‏ أين أمرت‏؟‏ قال‏:‏ البحر‏.‏ فأراد أن يقتحم فمنعه موسى‏. فنظرت بنو إسرائيل إلى فرعون قد ردفهم قالوا‏:‏ يا موسى ‏ {‏إنا لمدركون‏}‏ قال موسى ‏ {‏كلا إن معي ربي سيهدين‏}‏ يقول‏:‏ سيكفين‏.‏ فتقدم هارون فضرب البحر فأبى البحر أن ينفتح وقال‏:‏ من هذا الجبار الذي يضربني‏؟‏ حتى أتاه موسى، فكناه أبا خالد وضربه ‏{‏فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم‏}‏ يقول‏:‏ كالجبل العظيم، فدخلت بنو إسرائيل وكان في البحر اثنا عشر طريقاً في كل طريق سبط، وكانت الطرق إذا انفلقت بجدران فقال كل سبط‏:‏ قد قتل أصحابنا. فلما رأى ذلك موسى صلى الله عليه وسلم دعا الله، فجعلها لهم قناطر كهيئة الطبقات ينظر آخرهم إلى أولها حتى خرجوا جميعاً، ثم دنا فرعون وأصحابه فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقاً قال‏:‏ ألا ترون إلى البحر منفلقاً قد فرق مني، فانفتح لي حتى أدرك أعدائي فاقتلهم، فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيله أن تقتحم، فنزل على ماذيانة، فشامت الحصن ريح الماذيانة فاقتحمت في أثرها حتى إذا هم أولهم أن يخرج ودخل آخرهم‏.‏ أمر الله البحر أن يأخذهم، فالتطم عليهم وتفرد جبريل بفرعون يمقله من مقل البحر، فجعل يدسها في فيه‏. وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله ‏{إن هؤلاء لشرذمة قليلون‏}‏ قال‏:‏ ذكر لنا أن بني إسرائيل الذين قطع بهم موسى البحر كانوا ستمائة ألف مقاتل وعشرين ألفاً فصاعداً‏.‏ واتبعهم فرعون على ألف ألف حصان ومائتي ألف حصان‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله ‏ {إن هؤلاء لشرذمة قليلون‏}‏ قال ستمائة ألف وسبعون ألفاً‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن أبي عبيدة‏.‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{إن هؤلاء لشرذمة قليلون‏} ‏ قال‏:‏ كانوا ستمائة ألف‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ‏ {‏لشرذمة‏} ‏ قال‏:‏ قطعة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏لشرذمة‏} ‏ قال‏:‏ الفريد من الناس‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏كان أصحاب موسى الذين جاوزوا البحر اثني عشر سبط، فكان في كل طريق اثنا عشر ألفاً كلهم ولد يعقوب عليه السلام‏ "‏‏. تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد ‏ {إن هؤلاء لشرذمة قليلون‏} ‏ قال‏:‏ هم يومئذ ستمائة ألف‏.‏ ولا يحصى عدد أصحاب فرعون‏. وأخرج ابن مردويه بسندٍ واهٍ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"حديث : ‏كان فرعون عدو الله حيث غرقه الله هو وأصحابه في سبعين قائد، مع كل قائد سبعون ألفا‏ً.‏ وكان موسى مع سبعين ألفاً حين عبروا البحر ‏"‏‏.‏ تفسير : وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال‏:‏ أوحى الله إلى موسى‏:‏ أن أجمع بني إسرائيل كل أربعة أبيات من بني إسرائيل في بيت، ثم اذبح أولاد الضان فاضرب بدمائها على كل باب، فإني سآمر الملائكة أن لا تدخل بيتاً على بابه دم، وسآمر الملائكة فتقتل أبكار آل فرعون من أنفسهم وأهليهم، ثم اخبزوا خبز فطيرا فإنه أسرع لكم، ثم سر حتى تأتي البحر، ثم قف حتى يأتيك أمري‏.‏ فلما أن أصبح فرعون قال‏:‏ هذا عمل موسى وقومه، قتلوا أبكارنا من أنفسنا وأهلينا‏. وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر عن يحيى بن عروة بن الزبير قال‏:‏ إن الله أمر موسى أن يسير ببني إسرائيل، وقد كان موسى وعد بني إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع القمر، فدعا الله أن يؤخر طلوعه حتى يفرغ، فلما سار موسى ببني إسرائيل، أذن فرعون في الناس ‏ {إن هؤلاء لشرذمة قليلون‏}‏ ‏. وأخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب قال‏:‏ خرج موسى من مصر ومعه ستمائة ألف من بني إسرائيل لا يعدون فيهم أقل من ابن عشرين ولا ابن أكثر من أربعين سنة فقال فرعون‏:‏ ‏ {إن هؤلاء لشرذمة قليلون‏} ‏ وخرج فرعون على فرس حصان أدهم ومعه ثمانمائة ألف على خيل أدهم سوى ألوان الخيل، وكان جبريل عليه السلام على فرس شائع يسير بين يدي القوم ويقول‏:‏ ليس القوم بأحق بالطريق منكم‏.‏ وفرعون على فرس أدهم حصان‏.‏ وجبريل على فرس أنثى‏.‏ فاتبعها فرس فرعون، وكان ميكائيل في أخرى القوم يقول‏:‏ الحقوا أصحابكم حتى دخل آخرهم، وأراد أولهم أن يخرجوا فأطبق عليهم البحر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن ميمون قال‏:‏ لما أراد موسى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر بلغ ذلك فرعون فقال‏:‏ أمهلوهم حتى إذا صاح الديك فأتوهم‏.‏ فلم يُصِحْ في تلك الليلة الديك، فخرج موسى ببني إسرائيل وغدا فرعون، فلما أصبح فرعون أمر بشاة فأتي بها فأمر بها أن تذبح ثم قال‏:‏ لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع عندي خمسمائة ألف فارس‏.‏ فاجتمعوا إليه فاتبعهم، فلما انتهى موسى إلى البحر قال له‏:‏ وصيه يا نبي الله أين أمرت‏؟‏ قال‏:‏ ههنا في البحر‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ كان طلائع فرعون الذين بعثهم في أثرهم ستمائة ألف ليس فيهم أحد إلا على بهيم‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ كانت سيما خيل فرعون الخرق البيض في أصداغها، وكانت جريدته مائة ألف حصان‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار قال‏:‏ اجتمع آل يعقوب إلى يوسف وهم ستة وثمانون انساناً ذكرهم وأنثاهم‏.‏ فخرج بهم موسى يوم خرج وهم ستمائة ألف ونيف‏.‏ وخرج فرعون على أثرهم يطلبهم على فرس أدهم على لونه من الدهم ثمانمائة ألف أدهم سوى ألوان الخيل، وحالت الريح الشمال‏.‏ وتحت جبريل فرس وريق وميكائيل يسوقهم لا يشذ منهم شاذة إلا ضمه فقال القوم‏:‏ يا رسول الله قد كنا نلقى من فرعون من التعس والعذاب ما نلقى فكيف إن صنعا ما صنعنا فأين الملجأ‏؟‏ قال‏:‏ البحر‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس‏.‏ أنه قرأ ‏{‏وإنا لجميع حاذرون‏} ‏ قال‏:‏ مؤدون مُقِرّون‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الأسود بن يزيد انه كان يقرأها ‏{‏وإنا لجميع حاذرون‏} ‏ يقول‏: ‏مؤدون مقرون‏. وأخرج عبد بن حميد عن الأسود. أنه كان يقرأها {وإنا لجميع حاذرون} يقول: رادون مستعدون. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير‏.‏ أنه كان يقرأ ‏{‏وإنا لجميع حاذرون‏}‏ يقول‏:‏ مادّون في السلاح‏. وأخرج عبد بن حميد عن عمرو بن دينار قال‏:‏ قرأ عبيد ‏{‏وإنا لجميع حاذرون‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك ‏ {‏وإنا لجميع حاذرون‏} ‏ قال‏:‏ مؤدون مقوّون في السلاح والكراع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود {وإنا لجميع حاذرون} قال: مؤدون مقوّون في السلاح والكرام. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم‏.‏ إنه كان يقرأها ‏{‏وإنا لجميع حاذرون‏}‏ ‏.‏ وأخرج ابن الأنباري في الوقف عن ابن عباس‏.‏ أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله ‏ {‏وإنا لجميع حاذرون‏}‏ ما الحاذرون‏؟‏ قال‏:‏ التامون السلاح قال فيه النجاشي‏: شعر : لعمر أبي أتاني حيث أمسى لقد تأذت به أبناء بكر خفيفة في كتاب حاذرات يقودهم أبو شبل هزبر تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة ‏{‏فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم‏}‏ قال‏:‏ كانوا في ذلك في الدنيا، فأخرجهم الله من ذلك، وأورثها بني إسرائيل‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ‏{‏ومقام كريم‏} ‏ قال‏:‏ المنابر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏فأتبعوهم مشرقين‏} ‏ قال‏:‏ اتبعهم فرعون وجنوده حين أشرقت الشمس ‏{‏قال أصحاب موسى إنا لمدركون‏}‏ قال موسى وكان أعلمهم بالله ‏{‏كلا إن معي ربي سيهدين‏}‏‏ . وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ‏ {‏فأتبعوهم مشرقين‏} ‏ مهموزة مقطوعة الألف‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏فأتبعوهم مشرقين‏} ‏ قال‏:‏ خرج أصحاب موسى ليلاً، فكسف القمر ليلاً وأظلمت الأرض فقال أصحابه‏:‏ أن يوسف كان أخبرنا‏:‏ أنا سننجى من فرعون، وأخذ علينا العهد لنخرجن بعظامه معنا، فخرج موسى من ليلته يسأل عن قبره، فوجد عجوزاً سألها على قبره، فأخرجته له بحكمها فكان حكمها أن قالت له‏:‏ احملني فاخرجني معك، فجعل عظام يوسف في كساء. ثم حمل العجوز على كساء فجعله على رقبته وخيل فرعون في ملء أعنتها خضراء في أعينهم ولا يبرح حسه عن موسى وأصحابه حتى برزوا‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن خالد بن عبد الله القسري‏:‏ إن مؤمن آل فرعون كان امام القوم قال‏:‏ يا نبي الله أين أمرت‏؟‏ قال‏:‏ أمامك‏.‏‏.‏‏.‏ قال‏:‏ وهل أمامي إلا البحر‏؟‏ قال‏:‏ والله ما كذبت ولا كذبت‏.‏ ثم سار ساعة فقال مثل ذلك، فرد عليه موسى مثل ذلك قال موسى وكان أعلم القوم بالله ‏ {‏كلا إن معي ربي سيهدين‏}‏. ‏

ابو السعود

تفسير : {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى} وذلك بعد بضعِ سنينَ أقامَ بـين أظهُرِهم يدعُوهم إلى الحقِّ ويُظهر لهم الآياتِ فلم يزيدُوا إلاَّ عُتُوَّاً وعناداً حسبما فُصِّل في سورة الأعراف بقوله تعالى: { أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسّنِينَ} تفسير : [سورة الأعراف: الآية 130] الآيات. وقرىء: بكسر النون ووصل الألف من سرى، وقرىء: أنْ سِرْ من السير. {إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ} تعليلٌ للأمرِ بالإسراءِ أي يتبعكُم فرعونُ وجنودُه مصبحينَ فأسرِ بمَن معك حتَّى لا يُدركوكم قبل الوصولِ إلى البحرِ فيدخلُوا مداخلَكم فأُطبقَه عليهم فأُغرقَهم. {فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ} حين أُخبر بمسيرهم {فِى ٱلْمَدَائِنِ حَـٰشِرِينَ} جامعينَ للعساكرِ ليتبعُوهم. {إِنَّ هَـؤُلآء} يريدُ بني إسرائيلَ {لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} استقلَّهم وهم ستمائة ألفٍ وسبعونَ ألفاً بالنسبةِ إلى جُنوده إذْ رُوي أنَّه أرسل في أثرِهم ألفَ ألفَ وخمسمائةِ مَلكٍ مُسوَّرٍ مع كل مَلِكٍ ألفٌ وخرجَ فرعونُ في جمعٍ عظيم وكانت مقدِّمتُه سبعَمائة ألفِ رجلٍ على حصان وعلى رأسِه بـيضةٌ وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما خرجَ فرعونُ في ألفِ ألفِ حصانٍ سوى الإناثِ. {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ} أي فاعلون ما يغيظُنا. {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَـٰذِرُونَ} يريدُ أنَّهم لقلَّتهم لا يُبالى بهم ولا يتوقَّع غلبتَهم وعلوَّهم ولكنَّهم يفعلون أفعالاً تغيظُنا وتضيق صدورَنا ونحن قومٌ من عادتنا التَّيقُّظُ والحذرُ واستعمالُ الحزمِ في الأمورِ فإذا خرجَ علينا سارعنا إلى إطفاءِ ثائرةِ فسادِه، وهذه معاذيرُ اعتذر بها إلى أهلِ المدائن لئلاَّ يُظنُّ به ما يكسر من قهرهِ وسلطانه. وقُرىء حَذِرون فالأوَّلُ دالٌّ على التَّجدُّدِ والثَّاني على الثَّباتِ وقيل: الحاذرُ المؤدِّي في السِّلاحِ. وقُرىء حادِرون بالدَّالِ المُهملة أي أقوياءُ وأشدَّاءُ وقيل: مدجَّجون في السِّلاحِ قد أكسبَهم ذلك حدارةً في أجسامِهم. {فَأَخْرَجْنَـٰهُمْ} بأن خلقنا فيهم داعيةَ الخروجِ بهذا السَّببِ فحملتهم عليهم {مّن جَنَّـٰتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} كانت لهم جملة ذلك.

اسماعيل حقي

تفسير : {واوحينا الى موسى ان اسرى بعبادى} الايحاء اعلا فى خفاء وسرى يسرى بالكسر سرى بالضم وسرى بالفتح ايضا اى سار ليلا. والمعنى وقلنا لموسى بطريق الوحى ياموسى اذهب ببنى اسرائيل بالليل وسيرهم حتى تنتهى الى بحر القلزم فيأتيك هناك امرى فتعمل به وذلك بعد سنين اقام بين اظهرهم يدعوهم الى الحق ويظهر لهم الآيات فلم يزيدوا الا عتوا وفسادا: وبالفارسية [وبيغام كرديم بسوى موسى آنكه ببر بسبب بندكان من يعنى بنى اسرائيل بجانب درياى قلزم كه نجات شما وهلاك كفره در آنست] وعلم الانتهاء الى البحر من الوحى اذ من البعيد ان يؤمر بالمسير ليلا وهو لايعرف جهة الطريق ومن قول جبريل حين خرجوا من مصر موعد ما بينى وبينك ياموسى البحر اى شط بحر القلزم {انكم متبعون} يتبعكم فرعون وجنوده وهو تعليل للامر بالاسراء اى اسر بهم حتى اذا اتبعوكم مصبحين كان لكم تقدم عليهم بحيث لايدركونكم قبل وصولكم الى البحر بل يكونون على اثركم حين تدخلون البحر فيدخلون مداخلكم فاطبقه عليهم فاغرقهم

ابن عجيبة

تفسير : قلت: أسرى وسرى: لغتان، وقرئ بهما. يقول الحق جل جلاله: {وأَوْحَيْنَا إلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ} بقطع الهمزة ووصلها, أي: سر {بعبادي} ليلاً. وسماهم عباده؛ لإيمانهم بنبيهم، وذلك بعد إيمان السحرة بسنين، أقام بين أظهرهم، يدعوهم إلى الحق ويُظهر لهم الآيات، ثم أمره بالخروج، وقال: {إِنَّكُم مُّتَّبعُونَ} أي: يتبعكم فرعونُ وجنوده مصبحين، فأسر بمن معك حتى لا يدركوكم قبل الوصول إلى البحر، فيدخلوا مداخلكم، فأُطبقه عليهم فأُغرقهم. رُوي أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوت القبط ولد، فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه. ورُوي أن الله أوحى إلى موسى: أن أجمع بين إسرائيل، كلّ أربعة ابيات في بيت، ثم اذبحوا أولاد الضأن، فاضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة فلا تدخل بيتاً فيه دم، وسآمرها فتقتل أبكار القبط، وأخبزوا فطيراً؛ فإنه أسرع لكم، ثم أَسْرِ بعبادي حتى تنتهي إلى البحر فيأتيك أمري. هـ. وحكمة لطخ الدم ليتميز بيوت بني إسرائيل، فلا تقتل الملائكة فيها أحداً. عاملهم على قدر عقولهم، وإلا فالملك لا يخفى عليه ما أُمر به. {فأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ} حين أخبر بمسيرهم {في المدائن حاشرين}؛ جامعين للعساكر ليتبعهم، فلما اجتمعوا قال: {إنّ هؤلاء}، يريد بني إسرائيل {لَشِرْذِمَةٌ}؛ طائفة قليلة {قليلون}، ذكرهم بالاسم الدالّ على القلة، ثم جعلهم قليلاً بالوصف، ثم جمع القليل, فيدل على ان كل حزب منهم قليل. أو: أراد بالقلة: الذلة، لا قلة العدد، أي: إنهم؛ لذلتهم، لا يُبالي بهم، ولا يتوقع غلبتهم. قال ابن عرفة: شرذمة: تقليل لهم باعتبار الكيفية، وقليلون: باعتبار الكمية، وإنما استقلّ قوم موسى - وكانوا ستمائة ألف وسبعين ألفاً -؛ لكثرة مَن معه، فعن الضحاك: كانوا سبعة آلاف ألف، ورُوي أنه أرسل في أثرهم ألفَ ألف وخمسمائة ألف ملِك مُسوّر، مع كل ملِك ألفٌ، وخرج فرعون في جمع عظيم، وكانت مقدمته سبعمائة ألف رجل على حصان، وعلى رأسه بيضة. وعن ابن عباس رضي الله عنه: أنه خرج فرعون في ألف ألف حصان، من سوى الإناث. هـ. {وإنهم لنا لغائظون} أي: فاعلون ما يغيظنا، وتضيق به صدورنا، وهو خروجهم من مصر، وحملهم حُلينا، وقتلهم أبكارنا، {وإنا لجميع حاذِرُون} أي: ونحن قوم عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج سارعنا إلى إطفاء ثائرته وحسم فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن؛ لئلا يظن العجز. وقرئ (حذرون)؛ بالمد والقصر، فالأول دال على تجدد الحذر، والثاني على ثبوته. قال تعالى: {فأخرجناهم} أي: خلقنا فيهم داعية الخروج وحملناهم عليه، {من جناتٍ}؛ بساتين {وعيونٍ}، وأنهار جارية، {وكنوز}؛ أموال وافرة من ذهب وفضة، وسماها كنوزاً؛ لأنهم لم يُنفقوا منها في طاعة الله تعالى شيئاً. {ومَقَامٍ كريم} أي: منزل رفيع بَهيّ، وعن ابن عباس: المنابر. {كذلك} أي: الأمر كذلك، أو: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج العجيب، فهو خبر، أو: مصدر تشبيهي لأخرجنا. {وأورثنا بني إسرائيل} أي: ملكناها إياهم، على طريقة تمليك مال الموروث للوارث؛ لأنهم ملكوها من حين خروج أربابها عنها قبل أن يقبضوها. وعن الحسن: لما عبروا النهر رجعوا، وأخذوا ديارهم وأموالهم. هـ. قال ابن جزي: لم يذكر في التواريخ مُلك بني إسرائيل لمصر، وإنما المعروف أنهم ملكوا الشام، فتأويله على هذا: أورثناهم مثل ذلك بالشام. هـ. قلت: بل التحقيق أنهم ملكوا التصرف في مصر، ووصلت حكومتهم إليها، ولم يرجعوا إليها. والله تعالى أعلم. الإشارة: لا ينتصر نبيّ ولا وليّ إلا بعد أن يهاجر من وطنه؛ سُنّة الله التي قد خلت من قبل، ولن تجد لسُنَّة الله تبديلاً، والنصرة مقرونة مع الذلة والقلة؛ {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة}. وبالله التوفيق. ثم ذكره معجزة فلق البحر، وغرق فرعون، فقال: {فَأَتْبَعُوهُم ...}

الجنابذي

تفسير : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ} بعد ان مكث فيهم مدّة مديدةً ان اطلب عبادى من فرعون واخرجهم من مصر و {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ} الى البحر {إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ} يتّبعكم فرعون وقومه.

الأعقم

تفسير : {وأوحينا إلى موسى}، قيل: أمرنا {أن أسر بعبادي إنكم متبعون} يتبعكم فرعون وجنوده {فأرسل فرعون في المدائن حاشرين}، قيل: أرسل فرعون في أثره ألف ألف وخمس مائة ملك مع كل ملك ألف، وخرج فرعون في جمع عظيم وكان مقدمته سبعمائة ألف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة، وعن ابن عباس: خرج فرعون في ألف ألف حصان سوى الإِناث، فلذلك استقل قوم موسى وكانوا ستمائة الف وسبعين ألفاً وسماهم شرذمة، والشرذمة الطائفة القليلة {وإنهم لنا لغائظون} يعني يقولون ما يغيظنا، وهو قولهم أن لفرعون يجب عليه أن نعبده {وإنا لجميع حاذرون} أي حذرنا بالاستعداد بالسلاح والتحرز {فأخرجناهم} يعني فرعون وجنوده {من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم} مجلس كريم حسن، وقيل: هو مجالس الملوك والرؤساء من قومه، وقيل: المنابر {كذلك وأورثناها بني اسرائيل} لأنهم ورثوا مصراً بعد إهلاك فرعون {فاتبعوهم مشرقين} يعني لحقوهم مصبحين، وقيل: في وقت شروق الشمس أو ظهورها {فلما تراءا الجمعان} الفئتان، تقابلا فرأى بعضهم بعضاً {قال أصحاب موسى إنا لمدركون} أي لحقنا فرعون وجنوده فأجابهم موسى بما قوى به قلوبهم {قال كلا} أي لا يكون ذلك {إن معي ربي سيهدين} يعني الله تعالى سيهدين سيدلني على طريق النجاة {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كلُّ فرق} قطعة من الماء {كالطود العظيم} أي الجبل العظيم {وأزلفنا ثمّ} أي قرّبنا إلى البحر فرعون وقومه، وقرئ فأزلقنا بالقاف شاذ، وقيل: صار فيه اثني عشر طريقاً لكل سبط طريق، فرطت بنو إسرائيل وبقيت الطريق كذلك، فلما قرب فرعون وقومه قحموه، ومتى قيل: كيف قحموا البحر مع عظيم الخطر؟ قيل: كان فرعون على حصان وجبريل على رمكه تقدمه واقتحم به البحر، وقيل: طردتهم الملائكة {وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ثم أغرقنا الآخرين} يعني قوم فرعون {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين} قوله تعالى: {وإن ربك لهو العزيز الرحيم} يعني القادر على ما يشاء.

اطفيش

تفسير : {وَأَوْحَيْنَآ إِلَى مُوسَى أَن أَسْرِ بِعِبَادِيَ} وسكن الياء غير نافع. {إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ} وقرأ غير ابن كثير ونافع أن اسر بفتح همزة (اسر) وقطعها من الاسراء وقرىء {أن أسر وإنكم متبعون} علة للأمر أي يمنعكم فرعون وجنوده ليحولوا بينكم وبين الخروج وفي اتباعهم اغراق لهم أو أسروا يتبعوكم فيدخلوا البحر بعدكم فيغرقوا. وروي (أن الله أوحى إلى موسى أن أجمع كل أربعة أبيات من أبيات بني اسرائيل في بيت ثم اذبحوا الجديان وهو جمع جدي - وفي رواية - ثم ذبحوا أولاد الضان فأضربوا بدمائها على أبوابكم فإني سآمر الملائكة بقتل أبكار القبط وأن لا يدخلوا بيتا فيه دم). وروي أنه مات في تلك الليلة في كل بيت من بيوتهم ولد فاشتغلوا بموتاهم حتى خرج موسى بقومه وكسف القمر واظلمت الأرض حين خرجوا وقد أمرهم الله أن يخبزوا خبزا فطيرا فانه أسرع لكم ثم انتهوا إلى البحر فيأتكم أمري فأرسل فرعون في أثره الفا وخمسمائة الف ملك مسور مع كل ملك الف رجل وخرج فرعون في جمع عظيم وكانت مقدمته سبعمائة الف كل رجل على حصان وعلى رأسه بيضة وقيل مقدمته الف الف حصان وروي أن جمع جنوده أربعون الف الف وإنما كان هذا بعد ما استعارت بنو اسرائيل بأمر الله حلي القبط لتلك الليلة وقالوا انها عيد لنا فخرجوا بها ولما سمع فرعون بخروجهم قال هذا عمل موسى وقومه قتلوا أولادنا وأخذوا أموالنا فخرج في أثرهم بعساكره. وعن ابن عباس خرج فرعون في الف الف حصان سوى الاناث وسوى المشاة وقد أمر جيشه كله بالخروج كما قال الله عز وجل.

اطفيش

تفسير : {وأوَحيْنا إلى مُوسى أن اسْر} أن تفسيرية لتقدم معنى القول لا حروفه، وأسر بفتح الهمزة فتحاً منقولا الى النون أمر من أسرى الرباعى بزيادة الهمزة، أى سيروا ليلاً {بِعبادِى} بنى إسرائيل عن القبط، بعد إذ قام فيهم يدعوهم الى التوحيد سنين، وما زادوا إلا عتواً {إنَّكم متَّبعُون} يتبعكم فرعون وجنوده، مصبحين فلا يدركونكم إلا عند البحر، فتدخلونه، ويتبعونكم فتنجون، ويهلكون على أن موسى أخبره الله بذلك.

الالوسي

تفسير : {وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِى } وذلك بعد سنين أقام بين ظهرانيهم يدعوهم إلى الحق ويظهر لهم الآيات فلم يزيدوا إلا عتواً وعناداً حسبما فصل في سورة الأعراف [130] بقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بِٱلسّنِينَ } تفسير : الآيات. وقرىء {أن اسر } بكسر النون ووصل الألف من سرى. وقرأ اليماني {أن سِر} أمراً من سار يسير {إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ } تعليل للأمر بالإسراء أي يتبعكم فرعون وجنوده مصبحين فأسر ليلاً بمن معك حتى لا يدركوكم قبل الوصول إلى البحر بل يكونون على أثركم حين تلجون البحر فيدخلون مداخلكم فأطبقه عليهم فأغرقهم.

ابن عاشور

تفسير : هذه قصة أخرى من أحوال موسى في دعوة فرعون، فالواو لعطف القصة ولا تفيد قرب القصة من القصة، فقد لبث موسى زمناً يطالب فرعون بإطلاق بني إسرائيل ليخرجُوا من مصر، وفرعون يماطل في ذلك حتى رأى الآياتِ التسعَ كما تقدم في سورة الأعراف. ونظير بعض هذه الآية تقدم في سورة طه. وزادت هذه بقوله: {إنكم متبعون}، أي أعلم الله موسى أن فرعون سيتبعهم بجنده كما في آية سورة طه. والقصد من إعلامه بذلك تشجيعه. وقرأ نافع وابن كثير وأبو جعفر {اِسْرِ} بهمزة وصل فعلَ أمر من (سَرى) وبكسر نون {أن}. لأجل التقاء الساكنين. وقرأ الباقون بهمزة قطع وسكون نون (أنْ) وفعلا سرى وأسرى متحدان كما تقدم في قوله تعالى: {أية : سبحان الذي أسرى}تفسير : [الإسراء: 1].

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 52- وأوحى الله إلى موسى - عليه السلام - أن يسير ليلا بالمؤمنين من بنى إسرائيل حينما لم تُجْدِ مصابرة موسى، وقد نظم أمر الفريقين على أن يتقدم موسى بقومه، ويتبعهم فرعون بقومه حتى يدخلوا مدخلهم من طريق البحر، فيهلكهم الله. 53- فأرسل فرعون جنده فى مدائن مملكته يجمعون الأشداء من قومه حينما علم بسير موسى ببنى إسرائيل، ليحول بينهم وبين ما يقصدون. 54- قال فرعون: إن بنى إسرائيل الذين فروا مع موسى طائفة خسيسة فى شأنها قليل عددها. يثير بذلك الحمية فى نفوس جنده. 55- وإنهم مع هذا فاعلون ما يثير غيظنا بمخالفة أمرنا والخروج بغير إذننا. 56- وإنا لجمع من عادتنا الحذر واليقظة، والحزم فى الأمور. 57- فأخرجنا فرعون وجنوده من أرضهم الشبيهة بجنات تجرى من تحتها الأنهار، فأهلكوا بصرفهم عن الحق، وإثارتهم إلى الخروج وراء موسى بما جاء فى الآيات الثلاث السابقة. 58- وأخرجناهم كذلك من كنوز الذهب والفضة والأماكن التى كانوا يقيمون فيها، مُنَعَّمين بجمالها وحسن مرافقها. 59- مثل هذا الإخراج العجيب الذى وصفناه لك أخرجناهم، وجعلنا هذا الملك وما فيه من ألوان النعيم لبنى إسرائيل بعد أن كانوا مُعْدمين. 60- جدَّ فرعون وقومه فى السير ليلحقوا ببنى إسرائيل، فلحقوا بهم وقت شروق الشمس.

القطان

تفسير : سرى وأسرى: سار ليلا. متبعون: يتبعكم فرعون وجنوده. الشرذمة: الجماعة القليلة من الناس، والشرذمة: القطعة من الشيء جمعها شراذم. غائظون: جمع غائظ، وهو الذي يفعل ما يغضب. حَاذرون: جمع حاذر وهو الذي يكون يقِظا محترزا. مقام كريم: القصور العالية، والمنازل المريحة والنعمة الوافرة. اورثناها: ملّكناها لهم. مشرقين: وقت شروق الشمس. تراءى الجمعان: تقابلا ورأى كل منهما الآخر. لمدرَكون: سيدركوننا. انفلق: انشق. الفِرق: بكسر الفاء الجزء. الطود: الجبل. أزلفنا: قربنا. ثم: هناك. لآية: لعظة وعبرة. وأوحى الله الى موسى ان يَسْرِيَ ببني إسرائيل ليلاً ويخرج من مصر، وان يمضيَ بهم حيث ما يؤمر. ففعل. كذلك أعلمه الله ان فرعون سيتبعهم. وبالفعل، فقد أرسل فرعون الى جميع المدائن بمصر يقول لهم: ان موسى ومن معه شِرذمة قليلة قد أغاظونا بإيمانهم بموسى وربه، فعليكم جميعا ان تحذَروهم. وخرج فرعون بجيوشه ليلحقوا بموسى ومن معه، وتركوا تلك البلاد وما فيها من نعيم، ومنازِل وقصورٍ وجنات. {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} يعني أنه أخرج بني إسرائيل من ذلك النعيم، واورث بني اسرائيل جناتٍ وعيوناً مماثلة لها في ارضٍ غيرها، ولا يمكن ان يكون بنو اسرائيل عادوا الى مصر وورثوها واقاموا بها. {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} ولحقَ فرعون وجنوده موسى ومن معه عند شروق الشمس. فلما رآهم قوم موسى خافوا وقالوا: أدركَنا فرعون!! فقال موسى: لا تخافوا إن معي ربي وهو سيَهديني الى الصواب، ويرشدُني الى طريق النجاة. فأوحى الله الى موسى أن اضرِبْ بعصاك البحر، فضربه، فانفلق البحر قسمين عظيمين كل قسم كالجبل. وسار موسى وقومه ونجَوا، وتبعهم فرعون وجيشه فانطبق عليهم الماء فغرقوا جميعا. وفرعونُ كما تقدم هو امنفتاح بن رعمسيس، وجسده موجود الآن في المتحف المصري يشاهده الناس. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} ان في هذا الذي حدثَ في البحر لمعجزةً وعبرة لمن اراد ان ينتفع. لكنّ اكثرَهم لم يؤمنوا ولم يعتبروا مع ما رأوا من الآيات العظام والمعجزات الباهرات. {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} يتكرر هذا التعقيب في هذه السورة ثماني مرات في ختام كل قصة قراءات: قرأ أهل الكوفة وابن عامر: "حاذرون" بالف بعد الحاء. والباقون: حذرون. وقرأ حفص: معيَ ربي بفتح الياء، والباقون: معي ربي بسكونها.

د. أسعد حومد

تفسير : (52) - ولَمَّا طالَ مُقَامُ موسى في مصرَ، وأقامَ بها حُجَجَ اللهِ وبراهينَهُ على فرعونَ ومَلَئِِهِ، وهُمْ في ذلكَ يُكَابِرُون ويُعَانِدُون، لمْ يَبْقَ إلا العذابُ والنَّكالُ، فأمرَ اللهُ تعالى مُوسى بأَنْ يخرجَ ببني إسرائيلَ ليلاً من مِصْرَ، وأعْلَمَهُ أنَّ فرعونَ سيتْبَعُهُم، وأمَرَهُ بأنْ يتوجَّهَ حيثُ يُؤْمَرُ، فَفَعَلَ موسى ما أمَرَهُ بهِ ربُّهُ. مُتَّبعُون - يَتْبَعُكُمْ فرعونُ وجنودُهُ. السُّرى - السَّيْرُ ليلاً.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قلنا: الوحي لغةً: إعلام بخفاء، وشرعاً: إعلام من الله لرسول من رسله بمنهج خير لخَلْقه. ومن الوحي المطلق قوله تعالى: {أية : وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً ..}تفسير : [النحل: 68]. وقوله سبحانه: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ ..}تفسير : [الأنعام: 121]. وقوله تعالى: {أية : وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ..}تفسير : [القصص: 7]. فالوحي العام إذن لا نسأل عن الموحِي، أو الموحَى إليه، أو موضوع الوحي، فقد يكون الوحي من الشيطان، والموحَى إليه قد يكون الأرض أو الملائكة أو الحيوان، على خلاف الوحي الشرعي، فهو محدد ومعلوم. لقد قام فرعون بحملة دعاية لهذه المعركة مع موسى - عليه السلام - وحشد الناس لمشاهدة هذه المباراة، وهذا دليل على أنه قدَّر أنه سيغَلِب، لكن خيَّب الله ظنه، وكانت الجولة لمصلحة موسى عليه السلام، فآمن السحرة بالله تعالى رب موسى وهارون، فأخذ يهددهم ويتوعدهم، وهو يعلم أنَّ ما رأوْه من الآيات الباهرات يستوجب الإيمان. ومع ذلك لما غُلِب فرعون وضاعتْ هيبته وجباريته وقاهريته سكت جمهور الناس، فلم ينادوا بسقوطه، واكتفوا بسماع أخبار موسى، وظل هذا الوضع لمدة طويلة من الزمن حدث فيها الآيات التسع التي أنزلها الله ببني إسرائيل. ومن غباء فرعون أن ينصرف عن موسى بعد أن أصبح له أتباع وأنصار، ولم يحاول التخلص منه حتى لا يزداد أتباعه وتقوى شوكته، فكأن مسألة الآيات التسع التي أرسلها الله عليهم قد هَدَّتْ كيانه وشغلته عن التفكير في آمر موسى عليه السلام. وهكذا استشرى أمر موسى وأصبحت له أغلبية وشعبية، حتى إن الأقباط أتباع فرعون كانوا يعطفون على أمر موسى وقومه؛ لذلك استعاروا من القبط حُليَّ النساء قبل الخروج مع موسى، ومن هذه الحلي صنع السامري العجل الذي عبدوه فيما بعد. وهنا يقول تعالى: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ} [الشعراء: 52] وقبل ذلك نبَّهه ربه للخروج بعد أن قتل الرجل: {أية : وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى ٱلْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يٰمُوسَىٰ إِنَّ ٱلْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَٱخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّاصِحِينَ}تفسير : [القصص: 20]. أما الآن، فالمؤامرة عليه وعلى مَنْ معه من المؤمنين. ومعنى {أَسْرِ ..} [الشعراء: 52] الإسراء: المشي ليلاً {إِنَّكُم مّتَّبِعُونَ} [الشعراء: 52] يعني: سيتبعكم جنود فرعون ويسيرون خلفكم. ثم يقول الحق سبحانه: {فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِي ٱلْمَدَآئِنِ ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه السورة سبع قصص: أولها قصة موسى وهارون، وثانيها قصة إبراهيم، وثالثها قصة نوح، ورابعها قصة هود، وخامسها قصة صالح وسادسها قصة لوط وسابعها قصة شعيب، وكل تلك القصص لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من المشركين، ولا تزال الآيات تتحدث عن قصة موسى عليه السلام. اللغَة: {أَسْرِ} من الإِسراء وهو السير ليلاً فلا يقال لمن سار نهاراً أسرى وإِنما هو خاصٌ بالليل {شِرْذِمَةٌ} الشرذمة: الجمع القليل الحقير والجمع شراذم قال الجوهري: الشرذمة الطائفةُ من الناس، والقطعةُ من الشيء، وثوبٌ شراذم أي قطع {أَزْلَفْنَا} قرَّبنا ومنه {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي قُرّبت قال الشاعر: شعر : وكلُّ يوم مضى أو ليلةٍ سلفَتْ فيها النفوسُ إلى الآجال تزَّدلفُ تفسير : {فَكُبْكِبُواْ} كَبْكَبَ الشيء: قلبَ بعضه على بعض قال ابن عطية: وهو مضاعف من كبَّ وهذا قول الجمهور مثل صرّ، وصَرْصَر، وقال الزمخشري: الكبكبة: تكرير الكبِّ جُعل التكرير في اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى كأنه إذا أُلقي في جهنم ينكبُّ مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها {حَمِيمٍ} الحميم: الصديق الخالص الذي يهمه ما أهمَّك {كَرَّةً} الكرة: العودة والرجوع مرة أُخرى. التفسِير: {وَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ} أي أمرنا موسى بطريق الوحي أن يسير ليلاً إلى جهة البحر ببني إسرائيل قال القرطبي: أمر الله موسى أن يخرج ببني إسرائيل ليلاً، وسمّاهم عباده لأنهم آمنوا بموسى {إِنَّكُم مّتَّبَعُونَ} أي يتبعكم فرعون وقومه ليردُّوكم إلى أرض مصر ويقتلوكم {فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ} أي أرسل فرعون في طلبهم حين أَخبر بمسيرهم وأمر أن يُجمع له الجيش من كل المُدُن قائلاً لهم {إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ} أي طائفة قليلة قال الطبري: كان بنو إسرائيل ستمائة وسبعين ألفاً ولكنه قلَّلهم بالنسبة إلى كثرة جيشه {وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَآئِظُونَ} أي وإِنهم يفعلون أفعالاً تغيظنا وتضيق صدورنا {وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} أي ونحن قوم متيقظون منتبهون، من عادتنا التيقظ والحذر، واستعمالُ الحزم في الأمور قال الزمخشري: وهذه معاذير اعتذر بها إلى قومه لئلا عادتنا التيقظ والحذر، واستعمالُ الحزم في الأمور قال الزمخشري: وهذه معاذير اعتذر بها إلى قومه لئلا يُظنَّ به ما يكسر من قهره وسلطانه، قال تعالى {فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أي أخرجنا فرعون وقومه من بساتين كانت لهم وأنهار جارية {وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} أي وأخرجناهم من الأموال التي كنزوها من الذهب والفضة، ومن المنازل الحسنة والمجالس البهية {كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} أي مثل ذلك الإِخراج الذي وضعناه فعلنا بهم، وأورثنا بني إسرائيل ديارهم وأموالهم بعد إغراق فرعون وقومه {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} أي فلحقوهم وقت شروق الشمس {فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ} أي فلما رأى كلٌّ منهما اللآخر، والمراد جمعُ موسى وجمع فرعون {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} أي مُلحقون يلحقنا فرعون وجنوده فيقتلوننا، قالوا ذلك حين رأوا فرعون الجبار وجنوده وراءهم، والبحر أمامهم، وساءت ظنُونُهم {قَالَ كَلاَّ} أي قال موسى كلاَّ لن يدركوكم فارتدعوا عن مثل هذا الكلام وانزجروا {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} إنَّ ربي معي بالحفظ والنصرة، وسيهديني إلى طريق النجاة والخلاص قال الرازي: قوَّى نفوسهم بأمرين: أحدهما أن ربه معه وهذا دلالة النصرة والتكفل بالمعونة والثاني قوله {سَيَهْدِينِ} أي إلأى طريق النجاة والخلاص، وإِذا دلَّه على طريق نجاته وهلاك أعدائه فقد بلغ النهاية في النصرة {فَأَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْبَحْرَ} أي أمرنا موسى بطريق الوحي أن يضرب البحر بعصاه {فَٱنفَلَقَ} أي فضربه فانشق وانفلق {فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} أي فكان كل جزء منه كالجبل الشامخ الثابت قال ابن عباس: صار فيه اثنا عشر طريقاً لكل سبطٍ منهم طريق {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ ٱلآخَرِينَ} أي وقربنا هناك فرعون وجماعته حتى دخلوا البحر على إثر دخول بني إسرائيل {وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ} أي أنجينا موسى والمؤمنين معه جميعاً {ثُمَّ أَغْرَقْنَا ٱلآخَرِينَ} أي أغرقنا فرعون وقومه قال المفسرون: لما انفلق البحر جعله الله يبَساً لموسى وقومه، وصار في اثنا عشر طريقاً ووقف الماء بينها كالطود العظيم، فلما خرج أصحاب موسى وتكامل دخول أصحاب فرعون أمر الله البحر أن يطبق عليهم فغرقوا فيه، فقال بعض أصحاب موسى: ما غرق فرعون! فنبذ على ساحل البحر حتى نظروا إليه {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} أي إنَّ في إغراق فرعون وقومه لعبرة عظيمة على إِنجاء الله لأوليائه، وإِهلاكه لأعدائه {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} أي ومع مشاهدة هذه الآية العظمى لم يؤمن أكثر البشر، وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ووعيدٌ لمن عصاه {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} أي المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} هذه بداية قصة إبراهيم أي اقصص عليهم يا محمد خبر إبراهيم الهام وشأنه العظيم {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَِ} أي حين قال لأبيه وعشيرته أيَّ شيءٍ تعبدون؟ سألهم مع علمه بأنهم يعبدون الأصنام ليبيّن لهم سفاهة عقولهم في عبادة ما لا ينفع، ويقيم عليهم الحجة {قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} أي نعبد أصناماً فنبقى مقيمين على عبادتها لا نتركها، قالوا ذلك على سبيل الابتهاج والافتخار، وكان يكفيهم أن يقولوا: نعبد الأصنام ولكنهم زادوا في الوصف كالمفتخر بما يصنع {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} أي قال هم إبراهيم على سبيل التبكيت والتوبيخ: هل يسمعون دعاءكم حين تلجأون إليهم بالدعاء؟ {أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} أي وهل يبذلون لكم منفعة، أو يدفعون عنكم مضرة؟ {قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} أي وجدنا آباءنا يعبدونهم ففعلنا مثلهم قال أبو السعود: اعترفوا بأنها لا تنفع ولا تضر بالمرَّة، واضطروا إلى إظهار الحقيقة وهي أنه لا سند لهم سوى التقليد، وهذا من علامات انقطاع الحجة {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ} أي قال إبراهيم: أفرأيتم هذه الأصنام التي عبدتموها من دون الله أنتم وآباؤكم الأولون؟ {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} أي فإِن هذه الأصنام أعداء لي لا أعبدهم، ولكن أعبد الله ربَّ العالمين فهو وليي في الدنيا والآخرة، أسند العداوة لنفسه تعريضاً بهم وهو أبلغ في النصيحة من التصريح {ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} أي اللهُ الذي خلقني هو الذي يهديني إلى طريق الرشاد لا هذه الأصنام {وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} أي هو تعالى الذي يرزقني الطعام والشراب فهو الخالق الرازق الذي ساق المُزْن، وأنزل المطر، وأخرج به أنواع الثمرات رزقاً للعباد {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} أي وإِذا أصابني المرض فإِنه لا يقدر على شفائي أحدٌ غيره، وإِنما أسند المرض إلى نفسه {مَرِضْتُ} وأسند الشفاء إلى الله رعايةً للأدب، وإلاّ فالمرض والشفاء من الله جل وعلا فاستعمل في كلامه حسن الأدب {وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِين} أي وهو تعالى المحيي المميت لا يقدر على ذلك أحد سواه، يميتني إذا شاء ثم يحييني إذا أراد بعد مماتي {وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ} أي أرجو من واسع رحمته أن يغفر لي ذنبي يوم الحساب والجزاء حيث يُجازى العباد بأعمالهم، وفيه تعليم للأمة أن يستغفروا من ذنوبهم ويقرُّوا بخطاياهم {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} أي هب لي الفهم والعلم وألحقني في زمرة عبادك الصالحين {وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ} أي اجعلْ لي ذكراً حسناً وثناءً عاطراً {فِي ٱلآخِرِينَ} أي فيمن يأتي بعدي إلى يوم القيامة، أُذكر به ويُقتدى بي قال ابن عباس: هو اجتماعُ الأمم عليه، فكلُّ أمةٍ تتمسك به وتُعظّمه {وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ} أي من السعداء في الآخرة الذين يستحقون ميراث جناتِ الخُلد {وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ} أي اصفح عنه واهده إلى الإِيمان {إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ} أي ممن ضلَّ عن سبيل الهدى قال الصاوي: وقد أجابه الله تعالى في جميع دعواته سوى الدعاء بالغفران لأبيه وقال القرطبي: كان أبوه وعده أن يؤمن به فلذلك استغفر له، فلما بان له انه لا يفي تبرأ منه {وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ} أي لا تُذلَّني ولا تُهِنِّي يومَ تبعث الخلائق للحساب، وهذا تواضعٌ منه أمام عظمة الله وجلاله وإلا فقد أثنى الله عليه بقوله {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً}تفسير : [النحل: 120] الآية {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ} أي في ذلك اليوم العصيب لا ينفع أحداً فيه مالٌ ولا ولد {إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ} إي إلا من جاء ربَّه في الآخرة {بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} أي بقلب نقيٍّ طاهر، سليم من الشرك والنفاق، والحسد والبغضاء، وإِلى هنا تنتهي دعوات الخليل إبراهيم ثم قال تعالى {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ} أي قُرِّبت الجنة للمتقين لربهم ليدخلوها قال الطبري: وهم الذين اتقوا عقابَ الله بطاعتهم إيّاه في الدنيا {وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} أي وأُظهرتِ النارُ للمجرمين الضالين حتى رأوها بارزة أمامهم مكشوفة للعيان، فالمؤمنون يرون الجنة فتحصل لهم البهجة والسرور، والغاوون يرون جهنم فتحصل لهم المساءة والأحزان {وَقِيلَ لَهُمْ} أي قيل للمجرمين على سبيل التقريع والتوبيخ {أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ} أي أين آلهتكم الذين عبدتموهم من الأصنام والأنداد؟ {هَلْ يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ} أي هل ينقذونكم من عذاب الله، أو يستطيعون أن يدفعوه عن أنفسهم؟ وهذا كله توبيخ {فَكُبْكِبُواْ فِيهَا} أي أُلقوا على رءوسهم في جهنم قال مجاهد: دُهوروا في جهنم وقال الطبري: رُمي بعضُهم على بعض، وطُرح بعضُهم على بعض منكبين على وجوههم {هُمْ وَٱلْغَاوُونَ} أي الأصنامُ والمشركون والعابدون والمعبودون كقوله {أية : إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} تفسير : [الأنبياء: 98] {وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} أي وأتباعُ إبليس قاطبة من الإِنس والجن {قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ} أي قال العابدون لمعبوديهم وهم في الجحيم يتنازعون ويتخاصمون {تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي نقسم بالله لقد كنا في ضلالٍ واضح وبعدٍ عن الحق ظاهر {إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} أي حين عبدناكم من ربّ العالمين وجعلناكم مثله في استحقاق العبادة {وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلاَّ ٱلْمُجْرِمُونَ} أي وما أضلنا عن الهدى إلاّ الرؤساء والكبراء الذين زينوا لنا الكفر والمعاصي {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ} أي ليس لنا من يشفع لنا من هول هذا اليوم {وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} أي ولا صديقٍ خالص الود ينقذنا من عذاب الله {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً} أي لو أن لنا رجعةً إلى الدنيا {فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي فنؤمن بالله ونحسن عملنا ونطيع ربنا {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} أي إن فيما ذكر من نبأ إبراهيم وقومه لعبرةً يعتبر بها أولو الأبصار {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ} اي وما كان أكثر هؤلاء المشركين الذين تدعوهم إلى الإِسلام بمؤمنين {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ} أي المنتقم من أعدائه، الرحيم بأوليائه. البَلاَغَة: تضمنت الآيات وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الإِيجاز بالحذفِ {فَٱنفَلَقَ} أي فضرب البحر فانفلق. 2- التشبيه المرسل المجمل {كَٱلطَّوْدِ ٱلْعَظِيمِ} أي كالجبل في رسوخه وثباته ذكرت أداة التشبيه وحذف وجه الشبه. 3- الطباق بين {يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ} وكذلك بين {يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ}. 4- مراعاة الأدب {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} لم يقل: وإِذا أمرضني بل أسند المرض لنفسه تأدباً مع الله لأنَّ الشرَّ لا يُنسب إليه تعالى أدباً، وإِن كان المرضُ والشفاء كلاهما من الله. 5- الاستعارة اللطيفة {وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ} استعار اللسان للذكر الجميل والثناء الحسن وهو من ألطف الاستعارات. 6- المقابلة البديعة {وَبُرِّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} مقابل قوله عن السعداء {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ}. 7- مراعاة الفواصل في أواخر الآيات مثل {الْمُتَّقِينَ}، {الْغَاوِينَ}، و{ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} وهو من السجع الحسن الذي يزيد في جمال البيان. تنبيه: "روي أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترةٌ وغبرة فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني! فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم يا رب: إنك وعدتني ألاّ تخزني يوم يُبعثون، فأي خزيٍ أخزى من أبي الأبعد؟ فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقول يا إبراهيم: انظر تحت رجلك فينظر فإِذا هو بذيخ - ذكر من الضباع - متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار" رواه البخاري.

الجيلاني

تفسير : {وَ} بعدما أقام موسى فيهم زماناً، ويدعوهم إلى التوحيد دائماً وما زادوا إلاَّ عتواً وعناداًت، وأدى عتوهم إلى أن قصدوا مقته وهلاكه، وقتل من معه من المؤمنين؛ لذلك {أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ} بعدما هموا العزم لهلاكه، وقلنا له: {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِيۤ} أي: سِرْ ليلاً يا موسى مع من تبعك من عبادي {إِنَّكُم مّتَّبَعُونَ} [الشعراء: 52] يتبعكم ويعقبكم فرعون وجنوده. فأسرى موسى مع المؤمنين، فاطلع فرعون وقومه على إسرائهم {فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ} شرطة {فِي ٱلْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ} [الشعراء: 53] لجندهم؛ ليتبعوهم. وأمر الشرطة أن قالوا للجيش ترغيباً لهم وتحريكاً لحميتهم: {إِنَّ هَـٰؤُلاۤءِ} الفارين {لَشِرْذِمَةٌ} أي: طائفة وجماعة {قَلِيلُونَ} [الشعراء: 54] بالنسبة إلينا، مع أنهم ستمائة وسبعون ألفاً، وقوم فرعون من كثرتهم لا يعد ولا يحصى. {وَ} لنا أن نتبعهم ونستأصلهم {إِنَّهُمْ} قوم عدو {لَنَا لَغَآئِظُونَ} [الشعراء: 55] بناـ يفعلون أفعالاً تغيظنا وتحرك غيظنا، فلنا أن نقلع عرقهم عن وجه الأرض. {وَإِنَّا} وإن كنا أقوياء أشداء على الأعداء {لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ} [الشعراء: 56] دائماً عن كيدهم ومكرهم، وإفسادهم بأنوع الفسادت من قطع الطريق والالتجاء بالأعداء والمظاهرة معهم، ولا بدَّ لذوي الحزم والعزم من الضبط والاحتياط في عموم الأحوال. {فَأَخْرَجْنَاهُمْ} بعدما تعلق إرادتنا بإهلاكهم وإغراقهم بهذه الدواعي والبواعث المهيجة لنفوسهم إلى الخروج والاقفتاء أثر الأعداء {مِّن جَنَّاتٍ} منتزهات بهية فيها فواكهة شهية {وَعُيُونٍ} [الشعراء: 57] أي: منابع تجري منها في جناتهم الأنهار خلالها؛ ليزيد صفاء ونضارة وبهاء. {وَكُنُوزٍ} من الذهب والفضة مدفونة وغير مدفونة {وَمَقَامٍ كَرِيمٍ} [الشعراء: 58] هو المنازل الحسنة والقصور المرتفعة الموضوة فيها الأرائك والسرور والبسط المفروشة من الحرير وغيرها. {كَذَلِكَ} أي: أخرجناهم إخراجاً كذلك بإحداث بواعث الخروج في نفوسهم وإزعاجهم إلى أن يخرجوا مضطرين {وَ} بعدما أخرجناهم عمَّا أخرجناهم {أَوْرَثْنَاهَا} أي: ما سمعت من المذكورات جميعها {بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ} [الشعراء: 59] إنعامهاً لهم وامتناناً عليهم بما صبروا بظلمهم وأنواع أذياتهم. وبعدما اجتمع الجيش من أطراف المدائن، وازدحموا على باب فرعون خرجوا خلفهم مسرعين {فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ} [الشعراء: 60] أي: وقت طلوع الشمس من المشرق. {فَلَمَّا تَرَاءَى ٱلْجَمْعَانِ} أي: تقاربا إلى أن رأى كل من الجمعين صاحبه {قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ} مشتكين إليه، ميئوسين من الحياة بعدما رأوا من خلفهم جيشاً لا يُعدّ ولا يُحصى، وعن أمامهم البحر الذي لا يمكن العبور عنه: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} [الشعراء: 61] ملحقون، يلحقنا العدو الآن وبعد فناؤنا في البحر. {قَالَ} موسى ردعاً لهم وإزالةً لرعبهم: {كَلاَّ} أي: ارتدعوا عن هذا القول ولا تخافوا عن إداركهم {إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} [الشعراء: 62] ويلهمني إلى طريق النجاة والخلاص؛ إذ وعدني اليوم بالخلاص، فإن وعده حتم لا يخلف.