٢٦ - ٱلشُّعَرَاء
26 - Ash-Shu'ara (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
69
Tafseer
الرازي
تفسير : القصة الثانية ـ قصة إبراهيم عليه السلام اعلم أنه تعالى ذكر في أول السورة شدة حزن محمد صلى الله عليه وسلم بسبب كفر قومه ثم إنه ذكر قصة موسى عليه السلام ليعرف محمد أن مثل تلك المحنة كانت حاصلة لموسى: ثم ذكر عقبها قصة إبراهيم عليه السلام ليعرف محمد أيضاً أن حزن إبراهيم عليه السلام بهذا السبب كان أشد من حزنه، لأن من عظيم المحنة على إبراهيم عليه السلام أن يرى أباه وقومه في النار وهو لا يتمكن من إنقاذهم إلا بقدر الدعاء والتنبيه فقال لهم: {مَا تَعْبُدُونَ } وكان إبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عبدة أصنام ولكنه سألهم ليريهم أن ما يعبدونه ليس من استحقاق العبادة في شيء كما تقول لتاجر الرقيق ما مالك؟ وأنت تعلم أن ماله الرقيق، ثم تقول: الرقيق جمال وليس بمال. فأجابوا إبراهيم عليه السلام بقولهم: {نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَـٰكِفِينَ } والعكوف: الإقامة على الشيء، وإنما قالوا: {نظل} لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل، واعلم أنه كان يكفيهم في الجواب أن يقولوا نعبد أصناماً، ولكنهم ضموا إليه زيادة على الجواب وهي قولهم: {فَنَظَلُّ لَهَا عَـٰكِفِينَ } وإنما ذكروا هذه الزيادة إظهاراً لما في نفوسهم من الابتهاج والافتخار بعبادة الأصنام فقال إبراهيم عليه السلام منبهاً على فساد مذهبهم {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } قال صاحب «الكشاف»: لا بد في يسمعونكم من تقدير حذف المضاف معناه هل يسمعون دعاءكم وقرأ قتادة {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ } أي هل يسمعونكم الجواب عن دعائكم وهل يقدرون على ذلك وتقرير هذه الحجة التي ذكرها إبراهيم عليه السلام أن الغالب من حال من يعبد غيره أن يلتجىء إليه في المسألة ليعرف مراده إذا سمع دعاءه ثم يستجيب له في بذل منفعة أو دفع مضرة، فقال لهم فإذا كان من تعبدونه لا يسمع دعاءكم حتى يعرف مقصودكم، ولو عرف ذلك لما صح أن يبذل النفع أو يدفع الضرر فكيف تستجيزون أن تعبدوا ما هذا وصفه؟ فعند هذه الحجة القاهرة لم يجد أبوه وقومه ما يدفعون به هذه الحجة فعدلوا إلى أن قالوا: {وَجَدْنَا ءابَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد ووجوب التمسك بالاستدلال، إذ لو قلبنا الأمر فمدحنا التقليد وذممنا الاستدلال لكان ذلك مدحاً لطريقة الكفار التي ذمها الله تعالى وذماً لطريقة إبراهيم عليه السلام التي مدحها الله تعالى فأجابهم إبراهيم عليه السلام بقوله: {أَفَرَءيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمُ الأَقدمون } أراد به أن الباطل لا يتغير بأن يكون قديماً أو حديثاً، ولا بأن يكون في فاعلية كثرة أو قلة. أما قوله: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } ففيه أسئلة: السؤال الأول: كيف يكون الصنم عدواً مع أنه جماد؟ جوابه من وجهين: أحدهما: أنه تعالى قال في سورة مريم (82) في صفة الأوثان { أية : كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَـٰدَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } تفسير : فقيل في تفسيره إن الله يحيي ما عبدوه من الأصنام حتى يقع منهم التوبيخ لهم والبراءة منهم، فعلى هذا الوجه أن الأوثان ستصير أعداء لهؤلاء الكفار في الآخرة فأطلق إبراهيم عليه السلام لفظ العداوة عليهم على هذا التأويل وثانيها: أن الكفار لما عبدوها وعظموها ورجوها في طلب المنافع ودفع المضار نزلت منزلة الأحياء العقلاء في اعتقاد الكفار، ثم إنها صارت أسباباً لانقطاع الإنسان عن السعادة ووصوله إلى الشقاوة، فلما نزلت هذه الأصنام منزلة الأحياء وجرت مجرى الدافع للمنفعة والجالب للمضرة لا جرم جرت مجرى الأعداء، فلا جرم أطلق إبراهيم عليه السلام عليها لفظ العدو وثالثها: المراد في قوله: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى } عداوة من يعبدها، فإن قيل فلم لم يقل إن من يعبد الأصنام عدو لي ليكون الكلام حقيقة؟ جوابه: لأن الذي تقدم ذكره ما عبدوه دون العابدين. السؤال الثاني: لم قال: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى } ولم يقل فإنها عدو لكم؟ جوابه: أنه عليه السلام صور المسألة في نفسه على معنى إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو فاجتنبتها، (وآثرت عبادة من الخير كله منه) وأراهم (بذلك) أنها نصيحة نصح بها نفسه، فإذا تفكروا قالوا ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، فيكون ذلك أدعى للقبول. السؤال الثالث: لم لم يقل فإنهم أعدائي؟ جوابه العدو والصديق يجيئان في معنى الواحد والجماعة، قال: شعر : وقوم عليَّ ذوي (مرة) أراهم عدواً وكانوا صديقاً تفسير : ومنه قوله تعالى: { أية : وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ } تفسير : [الكهف: 50] وتحقيق القول فيه ما تقدم في قوله: { أية : إِنَّا رَسُولُ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الشعراء: 16]. السؤال الرابع: ما هذا الاستثناء؟ جوابه أنه استثناء منقطع كأنه قال لكن رب العالمين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ } نبّه المشركين على فرط جهلهم إذ رغبوا عن اعتقاد إبراهيم ودينه وهو أبوهم. والنبأ الخبر؛ أي اقصص عليهم يا محمد خبره وحديثه وعيبه على قومه ما يعبدون. وإنما قال ذلك ملزماً لهم الحجة. والجمهور من القراء على تخفيف الهمزة الثانية وهو أحسن الوجوه؛ لأنهم قد أجمعوا على تخفيف الثانية من كلمة واحدة نحو آدم. وإن شئت حقّقتهما فقلت: {نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ}. وإن شئت خفّفتهما فقلت: {نبا إبراهيم}. وإن شئت خففت الأولى. وثَمَّ وجهٌ خامس إلا أنه بعيد في العربية وهو أن يدغم الهمزة في الهمزة كما يقال رأَّاس للذي يبيع الرؤوس. وإنما بعد لأنك تجمع بين همزتين كأنهما في كلمة واحدة، وحسُن في فَعَّال لأنه لا يأتي إلا مدغماً. {إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ } أي أيّ شيء تعبدون {قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً} وكانت أصنامهم من ذهب وفضة ونحاس وحديد وخشب. {فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} أي فنقيم على عبادتها. وليس المراد وقتاً معيناً بل هو إخبار عما هم فيه. وقيل: كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل، وكانوا في الليل يعبدون الكواكب. فيقال: ظل يفعل كذا إذا فعله نهاراً وبات يفعل كذا إذا فعله ليلاً. {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ} قال الأخفش: فيه حذف؛ والمعنى: هل يسمعون منكم؟ أو هل يسمعون دعاءكم؛ قال الشاعر:شعر : القائد الخَيلَ مَنْكُوباً دَوابِرُهَا قد أُحْكِمَتْ حَكَماتِ القِدِّ والأَبَقَا تفسير : قال: والأَبَق الكَتَّان فحذف. والمعنى؛ وأحكمت حكماتِ الأَبَق. وفي الصحاح: والأَبَق بالتحريك القِنَّب. وروي عن قتادة أنه قرأ {هَلْ يُسْمِعُونَكُمْ} بضم الياء؛ أي هل يسمعونكم أصواتهم {إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } أي هل تنفعكم هذه الأصنام وترزقكم، أو تملك لكم خيراً أو ضرّاً إن عصيتم؟ٰ وهذا استفهام لتقرير الحجة؛ فإذا لم ينفعوكم ولم يضروا فما معنى عبادتكم لها. {قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } فنزعوا إلى التقليد من غير حجة ولا دليل. وقد مضى القول فيه. {قَالَ} إبراهيم {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ} من هذه الأصنام {أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ } الأوّلون {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ} واحد يؤدّي عن جماعة، وكذلك يقال للمرأة هي عدوّ الله وعدوّة الله؛ حكاهما الفراء. قال علي بن سليمان: من قال عدوّة الله وأثبت الهاء قال هي بمعنى معادية، ومن قال عدوّ للمؤنث والجمع جعله بمعنى النسب. ووصف الجماد بالعداوة بمعنى أنهم عدوّ لي إن عبدتهم يوم القيامة؛ كما قال: {أية : كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً } تفسير : [مريم: 82]. وقال الفراء: هو من المقلوب؛ مجازه فإني عدوّ لهم لأن من عاديته عاداك. ثم قال: {إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} قال الكلبيّ: أي إلا من عبد ربّ العالمين؛ إلا عابد رب العالمين؛ فحذف المضاف. قال أبو إسحاق الزجاج: قال النحويون هو استثناء ليس من الأوّل؛ وأجاز أبو إسحاق أن يكون من الأوّل على أنهم كانوا يعبدون الله عز وجل ويعبدون معه الأصنام، فأعلمهم أنه تبرأ مما يعبدون إلا الله. وتأوّله الفراء على الأصنام وحدها والمعنى عنده: فإنهم لو عبدتُهم عدوّ لي يوم القيامة؛ على ما ذكرنا. وقال الجرجاني: تقديره: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون إلا رب العالمين فإنهم عدوّ لي. وإلا بمعنى دون وسوى؛ كقوله: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ} تفسير : [الدخان: 56] أي دون الموتة الأولى.
ابن كثير
تفسير : هذا إخبار من الله تعالى عن عبده ورسوله وخليله إبراهيم عليه السلام إمام الحنفاء، أمر الله تعالى رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يتلوه على أمته؛ ليقتدوا به في الإخلاص والتوكل، وعبادة الله وحده لا شريك له، والتبري من الشرك وأهله، فإن الله تعالى آتى إبراهيم رشده من قبل، أي من صغره إلى كبره، فإنه من وقت نشأ وشب أنكر على قومه عبادة الأصنام مع الله عز وجل {إِذْ قَالَ لأَِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ} أي: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ {قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَـٰكِفِينَ} أي: مقيمين على عبادتها ودعائها {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} يعني: اعترفوا بأن أصنامهم لا تفعل شيئاً من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، فهم على آثارهم يهرعون، فعند ذلك قال لهم إبراهيم: {أَفَرَءَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِىۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} أي: إن كانت هذه الأصنام شيئاً، ولها تأثير، فلتخلص إلي بالمساءة، فإني عدو لها، لا أبالي بها، ولا أفكر فيها، وهذا كما قال تعالى مخبراً عن نوح عليه السلام: {أية : فَأَجْمِعُوۤاْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ} تفسير : [يونس: 71] الآية، وقال هود عليه السلام: {أية : إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهِ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} تفسير : [هود: 54 ــــ 56] وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم فقال: {أية : وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 81] الآية. وقال تعالى: {أية : قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِيۤ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : ــــ إلى قوله ــــ {أية : حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ} تفسير : [الممتحنة: 4] وقال تعالى: {أية : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً} تفسير : [الزخرف: 26 ــــ 28] يعني: لا إله إلا الله.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ } أي كفار مكة {نَبَأَ } خبر {إِبْرَاهِيمَ } ويبدل منه.
الشوكاني
تفسير : قوله {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ } معطوف على العامل في قوله: {أية : وَإِذَا نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ } تفسير : [الشعراء: 10]، وقد تقدّم، والمراد بنبأ إبراهيم خبره أي اقصص عليهم يا محمد خبر إبراهيم وحديثه، و {إِذْ قَالَ } منصوب بنبأ إبراهيم أي: وقت قوله {لأِبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ }، وقيل: "إذ" بدل من نبأ بدل اشتمال، فيكون العامل فيه: اتل، والأوّل أولى. ومعنى {مَا تَعْبُدُونَ }: أيّ شيء تعبدون؟ وهو يعلم أنهم يعبدون الأصنام، ولكنه أراد إلزامهم الحجة {قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَـٰكِفِينَ } أي فنقيم على عبادتها مستمراً لا في وقت معين، يقال: ظلّ يفعل كذا: إذا فعله نهاراً، وبات يفعل كذا: إذا فعله ليلاً، فظاهره: أنهم يستمرّون على عبادتها نهاراً لا ليلاً، والمراد من العكوف لها الإقامة على عبادتها، وإنما قال: {لها} لإفادة أن ذلك العكوف لأجلها، فلما قالوا هذه المقالة قال إبراهيم منبهاً على فساد مذهبهم {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ } قال الأخفش: فيه حذف، والمعنى: هل يسمعون منكم؟ أو هل يسمعون دعاءكم؟ وقرأ قتادة: "هل يسمعونكم" بضم الياء أي هل يسمعونكم أصواتهم وقت دعائكم لهم {أَوْ يَنفَعُونَكُمْ } بوجه من وجوه النفع {أَوْ يَضُرُّونَ } أي: يضرّونكم إذا تركتم عبادتهم، وهذا الاستفهام للتقرير، فإنها إذا كانت لا تسمع، ولا تنفع، ولا تضرّ، فلا وجه لعبادتها، فإذا قالوا: نعم هي كذلك، أقرّوا بأن عبادتهم لها من باب اللعب والعبث، وعند ذلك تقوم الحجة عليهم، فلما أورد عليهم الخليل هذه الحجة الباهرة لم يجدوا لها جواباً إلاّ رجوعهم إلى التقليد البحت، وهو أنهم وجدوا آباءهم كذلك يفعلون أي: يفعلون لهذه العبادة لهذه الأصنام مع كونها بهذه الصفة التي هي سلب السمع والنفع والضر عنها. وهذا الجواب هو العصى التي يتوكأ عليها كلّ عاجز، ويمشي بها كلّ أعرج، ويغترّ بها كل مغرور، وينخدع لها كل مخدوع؛ فإنك لو سألت الآن هذه المقلدة للرجال التي طبقت الأرض بطولها والعرض، وقلت لهم: ما الحجة لهم على تقليد فرد من أفراد العلماء، والأخذ بكل ما يقوله في الدين، ويبتدعه من الرأي المخالف للدليل لم يجدوا غير هذا الجواب، ولا فاهوا بسواه، وأخذوا يعدّدون عليك من سبقهم إلى تقليد هذا من سلفهم، واقتداء بأقواله وأفعاله، وهم قد ملؤوا صدورهم هيبة، وضاقت أذهانهم عن تصوّرهم، وظنوا أنهم خير أهل الأرض، وأعلمهم، وأورعهم، فلم يسمعوا لناصح نصحاً، ولا لداع إلى الحق دعاء، ولو فطنوا لوجدوا أنفسهم في غرور عظيم وجهل شنيع وإنهم كالبهيمة العمياء، وأولئك الأسلاف كالعمي الذين يقودون البهائم العمي، كما قال الشاعر:شعر : كبهيمة عمياء قاد زمامها أعمى على عوج الطريق الحائر تفسير : فعليك أيها العامل بالكتاب والسنة المبرأ من التعصب والتعسف: أن تورد عليهم حجج الله، وتقيم عليهم براهينه، فإنه ربما انقاد لك منهم من لم يستحكم داء التقليد في قلبه، وأما من قد استحكم في قلبه هذا الداء، فلو أوردت عليه كلّ حجة، وأقمت عليه كلّ برهان لما أعارك إلاّ أذنا صماء، وعيناً عمياء، ولكنك قد قمت بواجب البيان الذي أوجبه عليك القرآن، والهداية بيد الخلاق العليم {أية : إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء } تفسير : [القصص: 56]. ولما قال هؤلاء المقلدة هذه المقالة {قَالَ } الخليل {قَالَ أَفَرَءيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُون أَنتُمْ وَءَابَاؤُكُمُ ٱلأقْدَمُونَ } أي: فهل أبصرتم، وتفكرتم ما كنتم تعبدون من هذه الأصنام التي لا تسمع، ولا تنفع، ولا تضرّ حتى تعلموا أنكم على ضلالة وجهالة؟ ثم أخبرهم بالبراءة من هذه الأصنام التي يعبدونها. فقال: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي}، ومعنى كونهم عدوًّا له مع كونهم جماداً: أنه إن عبدهم كانوا له عدوًّا يوم القيامة. قال الفراء: هذا من المقلوب أي: فإني عدوّ لهم؛ لأن من عاديته عاداك، والعدوّ كالصديق يطلق على الواحد والمثنى والجماعة والمذكر والمؤنث كذا قال الفراء. قال عليّ بن سليمان: من قال: عدوّة الله، فأثبت الهاء، قال: هي بمعنى المعادية، ومن قال: عدوّ للمؤنث والجمع جعله بمعنى النسب. وقيل: المراد بقوله: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى } آباؤهم الأقدمون لأجل عبادتهم الأصنام، وردّ بأن الكلام مسوق فيما عبدوه لا في العابدين، والاستثناء في قوله: {إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } منقطع أي لكن ربّ العالمين ليس كذلك، بل هو وليي في الدنيا والآخرة. قال الزجاج: قال النحويون: هو استثناء ليس من الأوّل، وأجاز الزجاج أيضاً أن يكون من الأوّل على أنهم كانوا يعبدون الله عزّ وجلّ، ويعبدون معه الأصنام، فأعلمهم أنه تبرأ مما يعبدون إلاّ الله. قال الجرجاني: تقديره: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون إلاّ رب العالمين، فإنهم عدوّ لي، فجعله من باب التقديم والتأخير، وجعل إلاّ بمعنى دون وسوى كقوله: {أية : لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلْمَوْتَ إِلاَّ ٱلْمَوْتَةَ ٱلأُولَىٰ } تفسير : [الدخان: 56] أي دون الموتة الأولى. وقال الحسن بن الفضل: إن المعنى: إلاّ من عبد ربّ العالمين. ثم وصف ربّ العالمين بقوله: {ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } أي: فهو يرشدني إلى مصالح الدين والدنيا. وقيل: إن الموصول مبتدأ، وما بعده خبره، والأوّل أولى. ويجوز أن يكون الموصول بدلاً من ربّ، وأن يكون عطف بيان له، وأن يكون منصوباً على المدح بتقدير: أعني، أو أمدح، وقد وصف الخليل ربه بما يستحق العبادة لأجله، فإن الخلق، والهداية، والرزق يدلّ عليه قوله: {وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ }، ودفع ضرّ المرض، وجلب نفع الشفاء، والإماتة، والإحياء، والمغفرة للذنب، كلها نعم يجب على المنعم عليه ببعضها فضلاً عن كلها أن يشكر المنعم بجميع أنواع الشكر التي أعلاها، وأولاها العبادة، ودخول هذه الضمائر في صدور هذه الجمل للدلالة على أنه الفاعل لذلك دون غيره، وأسند المرض إلى نفسه دون غيره من هذه الأفعال المذكورة رعاية للأدب مع الربّ، وإلاّ فالمرض وغيره من الله سبحانه، ومراده بقوله: {ثُمَّ يُحْيِينِ } البعث، وحذف الياء من هذه الأفعال لكونها رؤوس الآي. وقرأ ابن أبي إسحاق هذه الأفعال كلها بإثبات الياء، وإنما قال عليه الصلاة والسلام: {وَٱلَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِينِ } هضماً لنفسه، وقيل: إن الطمع هنا بمعنى اليقين في حقه، وبمعنى الرجاء في حق سواه. وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق "خطاياي" قالا: ليست خطيئته واحدة. قال النحاس: خطيئة بمعنى خطايا في كلام العرب. قال مجاهد: يعني بخطيئته قوله: {أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا } تفسير : [الأنبياء: 63]، وقوله: {أية : إِنّى سَقِيمٌ } تفسير : [الصافات: 89]، وقوله: إن سارة أخته، زاد الحسن: وقوله للكوكب: {أية : هَـٰذَا رَبّي } تفسير : [الأنعام: 86]، وحكى الواحدي عن المفسرين: أنهم فسروا الخطايا بما فسرها به مجاهد. قال الزجاج: الأنبياء بشر، ويجوز أن تقع عليهم الخطيئة إلاّ أنهم لا تكون منهم الكبيرة؛ لأنهم معصومون، والمراد بيوم الدين: يوم الجزاء للعباد بأعمالهم، ولا يخفى أن تفسير الخطايا بما ذكره مجاهد، ومن معه ضعيف، فإن تلك معاريض، وهي أيضاً إنما صدرت عنه بعد هذه المقاولة الجارية بينه وبين قومه. ثم لما فرغ الخليل من الثناء على ربه، والاعتراف بنعمه عقبه بالدعاء ليقتدي به غيره في ذلك، فقال: {رَبّ هَبْ لِي حُكْماً }، والمراد بالحكم العلم والفهم، وقيل: النبوّة والرسالة، وقيل: المعرفة بحدود الله، وأحكامه إلى آخره {وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّـٰلِحِينَ } يعني: بالنبيين من قبلي. وقيل: بأهل الجنة {وَٱجْعَل لّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ } أي: اجعل لي ثناء حسناً في الآخرين الذين يأتون بعدي إلى يوم القيامة. قال القتيبي: وضع اللسان موضع القول على الاستعارة، لأن القول يكون به، وقد تكنى العرب بها عن الكلمة، ومنه قول الأعشى:شعر : إني أتتني لسان لا أسرّ بها تفسير : وقد أعطى الله سبحانه إبراهيم ذلك بقوله: {أية : وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي ٱلآخِرِينَ } تفسير : [الصافات: 108] فإن كل أمة تتمسك به وتعظمه. وقال مكي: قيل: معنى سؤاله: أن يكون من ذريته في آخر الزمان من يقوم بالحق، فأجيبت دعوته في محمد صلى الله عليه وسلم، ولا وجه لهذا التخصيص. وقال القشيري: أراد الدعاء الحسن إلى قيام الساعة، ولا وجه لهذا أيضاً، فإن لسان الصدق أعم من ذلك {وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ }: {من ورثة} يحتمل أن يكون مفعولاً ثانياً، وأن يكون صفة لمحذوف هو المفعول الثاني أي وارثاً من ورثة جنة النعيم، لما طلب عليه السلام بالدعوة الأولى سعادة الدنيا طلب بهذه الدعوة سعادة الآخرة، وهي جنة النعيم، وجعلها مما يورث تشبيهاً لغنيمة الآخرة بغنيمة الدنيا، وقد تقدّم تفسير معنى الوراثة في سورة مريم: {وَٱغْفِرْ لأِبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّالّينَ } كان أبوه قد وعده أنه يؤمن به، فاستغفر له، فلما تبين له أنه عدوّ الله تبرأ منه، وقد تقدّم تفسير هذا مستوفى في سورة التوبة وسورة مريم، ومعنى {مِنَ ٱلضَّالّينَ }: من المشركين الضالين عن طريق الهداية. و{كان} زائدة على مذهب سيبويه كما تقدّم في غير موضع. {وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ } أي: لا تفضحني على رؤوس الأشهاد بمعاتبتي، أو لا تعذبني يوم القيامة، أو لا تخزني بتعذيب أبي أو ببعثه في جملة الضالين، والإخزاء يطلق على الخزي، وهو الهوان، وعلى الخزاية وهي الحياء، و{يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ } بدل من يبعثون، أي يوم لا ينفع فيه المال والبنون أحداً من الناس، والابن هو أخصّ القرابة، وأولاهم بالحماية، والدفع، والنفع، فإذا لم ينفع، فغيره من القرابة، والأعوان بالأولى. وقال ابن عطية: إن هذا وما بعده من كلام الله، وهو ضعيف، والاستثناء بقوله: {إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } قيل: هو منقطع، أي: لكن من أتى الله بقلب سليم. قال في الكشاف: إلا حال من أتى الله بقلب سليم، فقدّر مضافاً محذوفاً. قال أبو حيان: ولا ضرورة تدعو إلى ذلك. وقيل: إن هذا الاستثناء بدل من المفعول المحذوف، أو مستثنى منه، إذ التقدير لا ينفع مال ولا بنون أحداً من الناس إلاّ من كانت هذه صفته، ويحتمل أن يكون بدلاً من فاعل {ينفع}، فيكون مرفوعاً. قال أبو البقاء: فيكون التقدير: إلاّ مال من أو بنو من، فإنه ينفع. واختلف في معنى القلب السليم، فقيل: السليم من الشرك، فأما الذنوب، فليس يسلم منها أحد، قاله أكثر المفسرين. وقال سعيد بن المسيب: القلب السليم الصحيح، وهو قلب المؤمن، لأن قلب الكافر والمنافق مريض، وقيل: هو القلب الخالي عن البدعة المطمئن إلى السنة، وقيل: السالم من آفة المال والبنين. وقال الضحاك: السليم الخالص. وقال الجنيد: السليم في اللغة: اللديغ، فمعناه: أنه قلب كاللديغ من خوف الله تعالى، وهذا تحريف وتعكيس لمعنى القرآن. قال الرازي: أصح الأقوال أن المراد منه سلامة النفس عن الجهل والأخلاق الرذيلة. {وَأُزْلِفَتِ ٱلْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ } أي: قربت، وأدنيت لهم؛ ليدخلوها. وقال الزجاج: قرب دخولهم إياها، ونظرهم إليها {وَبُرّزَتِ ٱلْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ } أي جعلت بارزة لهم، والمراد بالغاوين: الكافرون، والمعنى: أنها أظهرت قبل أن يدخلها المؤمنون، ليشتدّ حزن الكافرين، ويكثر سرور المؤمنين {وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ * مِن دُونِ ٱللَّهِ } من الأصنام والأنداد {هَلْ يَنصُرُونَكُمْ } فيدفعون عنكم العذاب {أَوْ يَنتَصِرُونَ } بدفعه عن أنفسهم. وهذا كله توبيخ وتقريع لهم، وقرأ مالك بن دينار: "وبرّزت" بفتح الباء والراء مبنياً للفاعل. {فَكُبْكِبُواْ فِيهَا هُمْ وَٱلْغَاوُونَ } أي ألقوا في جهنم "هم" يعني: المعبودين، و{الغاوون} يعني: العابدين لهم. وقيل: معنى كبكبوا: قلبوا على رؤوسهم، وقيل: ألقى بعضهم على بعض، وقيل: جمعوا، مأخذوا من الكبكبة، وهي الجماعة قاله الهروي. وقال النحاس: هو مشتق من كوكب الشيء أي معظمه، والجماعة من الخيل كوكب، وكبكبة، وقيل: دهدهوا، وهذه المعاني متقاربة، وأصله كببوا بباءين الأولى مشدّدة من حرفين، فأبدل من الباء الوسطى الكاف. وقد رجح الزجاج أن المعنى: طرح بعضهم على بعض. ورجح ابن قتيبة أن المعنى: ألقوا على رؤوسهم. وقيل: الضمير في كبكبوا لقريش، والغاوون الآلهة، والمراد بجنود إبليس: شياطينه الذين يغوون العباد، وقيل: ذريته، وقيل: كل من يدعو إلى عبادة الأصنام، و{أَجْمَعُونَ } تأكيد للضمير في كبكبوا، وما عطف عليه. وجملة: {قَالُواْ وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل: ماذا قالوا حين فعل بهم ما فعل؟ ومقول القول: {تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } وجملة: {وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ } في محل نصب على الحال أي قالوا هذه المقالة حال كونهم في جهنم مختصمين، و«إن» في {إِن كُنَّا } هي المخففة من الثقيلة، واللام فارقة بينها وبين النافية أي قالوا تالله إن الشأن كوننا في ضلال واضح ظاهر، والمراد بالضلال هنا: الخسار، والتبار، والحيرة عن الحق، والعامل في الظرف، أعني: {إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } هو كونهم في الضلال المبين. وقيل: العامل هو الضلال، وقيل: ما يدل عليه الكلام، كأنه قيل: ضللنا وقت تسويتنا لكم بربّ العالمين. وقال الكوفيون: إنّ «إن» في {أَن كُنَّا } نافية، واللام بمعنى إلاّ أي ما كنا إلا في ضلال مبين. والأوّل أولى، وهو مذهب البصريين. {فَمَا لَنَا مِن شَـٰفِعِينَ } يشفعون لنا من العذاب كما للمؤمنين {وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ } أي: ذي قرابة، والحميم القريب الذي تودّه، ويودّك، ووحد الصديق لما تقدّم غير مرة أنه يطلق على الواحد والإثنين والجماعة والمذكر والمؤنث، والحميم مأخوذ من حامة الرجل أي: أقربائه، ويقال: حمّ الشيء وأحمّ إذا قرب منه، ومنه الحمى؛ لأنه يقرّب من الأجل. وقال علي بن عيسى: إنما سمي القريب حميماً؛ لأنه يحمى لغضب صاحبه، فجعله مأخوذاً من الحمية. {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } هذا منهم على طريق التمني الدالّ على كمال التحسر كأنهم قالوا: فليت لنا كرّة أي رجعة إلى الدنيا، وجواب التمني: {فنكون من المؤمنين} أي نصير من جملتهم، والإشارة بقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً } إلى ما تقدّم ذكره من نبأ إبراهيم، والآية: العبرة والعلامة، والتنوين يدل على التعظيم والتفخيم {وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ } أي أكثر هؤلاء الذين يتلو عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نبأ إبراهيم، وهم قريش ومن دان بدينهم. وقيل: وما كان أكثر قوم إبراهيم بمؤمنين، وهو ضعيف؛ لأنهم كلهم غير مؤمنين {وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ } أي هو القاهر لأعدائه الرحيم بأوليائه، أو الرحيم للأعداء بتأخير عقوبتهم وترك معاجلتهم. وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّـٰلِحِينَ } يعني: بأهل الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَٱجْعَل لّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ } قال: اجتماع أهل الملل على إبراهيم. وأخرج عنه أيضاً: {وَٱغْفِرْ لأَبِى } قال: امنن عليه بتوبة يستحق بها مغفرتك. وأخرج البخاري، وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني، فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: ربّ إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأيّ خزي أخزى من أبي؟ الأبعد فيقول الله: إني حرّمت الجنة على الكافرين، ثم يقول: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فإذا هو بذيخ متلطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار»تفسير : ، والذيخ هو الذكر من الضباع، فكأنه حوّل آزر إلى صورة ذيخ. وقد أخرجه النسائي بأطول من هذا. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: {إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } قال: شهادة أن لا إلٰه إلاّ الله. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه: {فَكُبْكِبُواْ فِيهَا } قال: جمعوا فيها {هُمْ وَٱلْغَاوُونَ } قال: مشركو العرب والآلهة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً } قال: رجعة إلى الدنيا {فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } حتى تحلّ لنا الشفاعة كما حلت لهؤلاء.
ابن عطية
تفسير : هذه القصة تضمنت الإعلام بغيب والإيمان بما قطع أن محمداً عليه السلام لم يكن يعرفه ثم ظهر على لسانه في ذلك ما في الكتب المتقدمة، وليست هذه الآية مثالاً لقريش إلا في أمر الأصنام فقط لأنه ليس فيها تكذيب وعذاب، وقول إبراهيم عليه السلام {ما تعبدون} استفهام بمعنى التقرير، والصنم ما كان من الأوثان على صورة ابن آدم من حجر أو عود أو غير ذلك، و"نظل" عرفها في فعل للشيء نهاراً وبات عرفها في فعله ليلاً، وطفق عامة للوجهين، ولكن قد تجيء ظل بمعنى العموم وهذا الموضع من ذلك، و"العكوف" اللزوم، ومنه المعتكف، ومنه قول الراجز: "عكف النبيط يلعبون الفنزجا". ثم أخذ إبراهيم عليه السلام يوقفهم على أشياء يشهد العقل أنها بعيدة من صفات الله، وقرأ الجمهور بفتح الياء من "يسمعونكم"، وقرأ قتادة بضمها من أسمع وبكسر الميم والمفعول على هذه القراءة محذوف، وقرأ جماعة من القراء {إذ تدعون} بإظهار الذال والتاء، وقرأ الجمهور {إذ تدعون} بإدغام الذال في التاء بعد القلب ويجوز فيه قياس مذكر، ولم يقرأ به وطرد القياس أن يكون اللفظ به "إذ ددعون" والذي منع من هذا اللفظ اتصال الدال الأصلية بالفعل فكثرت المماثلات، وقولهم بل {وجدنا آباءنا كذلك يفعلون}، أقبح وجوه التقليد لأنه على ضلالة وفي أمر بين خلافه وعظيم قدره، فلما صرحوا لإبراهيم عليه السلام عن عدم نظرهم وأنه لا حجة لهم خاطبهم ببراءته من جميع ما عبد من دون الله وعداوته لذلك وعبر عن بغضته واطراحه لكل معبود سوى الله تعالى بالعداوة إذ هي تقتضي التغيير ومحو الرسم، وقيل في الكلام قلب لأن الأصنام لا تعادي وإنما هو عاداها، وقوله {إلا رب العالمين} قالت فرقة هو استثناء متصل لأن في بغضته الأقدمين من قد عبد الله، وقالت فرقة هو استثناء منقطع لأنه إنما أراد عبادة الأوثان من كل قرن منهم، ولفظة {عدو} تقع للجميع والمفرد والمؤنث والمذكر.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {لي إلا} {واغفر لأبي إنه} بفتح الياء فيهما: أبو جعفر ونافع {وأجري إلا} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص: {وأتباعك} على أنه جمع تابع أو تبع: يعقوب {أنا إلا} بالمد: أبو نشيط عن قالون {معي من المؤمنين} بفتح ياء المتكلم: حفص وورش. الوقوف: {إبراهيم} م لئلا يوهم أن "إذ" طرف {اتل} وإنما هو منصوب باذكر {ما تعبدون} ه {عاكفين} ه {تدعون} ه {يضرون} ه {يفعلون} ه {تعبدون} ه لا لأن الضمير بعده توكيد {الأقدمون} ه والوصل أولى للفاء {العالمين} ه لا لأن {الذي} صفة الرب {يهدين} ه لا {يشفين} ه {ويسقين} ه {يحيين} ه لا {الدين} ه {بالصالحين} ه لا {الآخرين} ه لا {النعيم} ه لا {الضالين} ه لا {يبعثون} ه {ولا بنون} ه لا {سليم} ه ط بناء على أن ما بعده إلى آخر أحوال الجنة والنار هو من كلام الله تعالى وهو الظاهر. وقيل: هو من تتمة كلام إبراهيم {العالمين} ه {المجرمون} ه {شافعين} ه {حميم} ه ط {المؤمنين} ه {الاية} ط {مؤمنين} ه {الرحيم} ه {المرسلين} ج لأن "إذ" تصلح ظرفاً للتكذيب مفعولاً لا ذكر {تتقون} ج ه لأن ما بعده من تمام المقول {أمين} ه لا للفاء {وأطيعون} ج ه {من أجر} ج {العالمين} ج ه {وأطيعون} ه لا {الأرذلون} ه ط {يعملون} ج ه لأن ما بعده من تمام المقول {تشعرون} ه لذلك {المؤمنين} ج ه {مبين} ه {المرجومين} ه ط {كذبون} ه ج {المؤمنين} ه {المشحون} ج ه {الباقين} ه {الآية} ط {مؤمنين} ه ط {الرحيم} ه. التفسير: القصة الثانية قصة إبراهيم عليه السلام وكان يعلم عبدة أصنام ولكنه سألهم للإلزام والتبكيت. ومثله أهل المعاني بأن يقول أحد للتاجر: ما مالك؟ وهو يعلم أن ماله الرقيق ثم يقول له الرقيق: جمال وليس بمال. وإنما قال في سورة الصافات {أية : ماذا تعبدون} تفسير : [الصافات: 85] بزيادة "ذا" لأنه أراد هناك مزيد التوبيخ ولذلك بنى الكلام على الزيادة ثم اردفه بقوله {أية : أئفكا آلهة دون الله تريدون}تفسير : [الصافات: 86] وحين صرح هنالك بالتوبيخ لم يجيبوه وههنا ظنوا أنه يريد الاستفهام حقيقة فأجابوه ولكنهم بسطوا الكلام بسطاً ولم يقتصروا على {أصناماً} بل زادوا ناصبه وعقبوه بقولهم {فنظل لها عاكفين} إظهاراً للابتهاج والافتخار. قال في الكشاف: وإنما قالوا {فنظل} لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل. قلت: وهذا مبني على النقل الصحيح والظن به حسن. قال: لا بد في {يسمعونكم} من تقدير حذف المضاف معناه هل يسمعون دعاءكم؟ قلت: ويحتمل أن يكون المحذوف مفعولاً ثانياً أي هل يسمعونكم تدعون إذ تدعون وهو حكاية حال ماضية لأن "إذ" للمضي ومعناه استحضار الأحوال الماضية التي كانوا يدعونها فيها. وحين تمسكوا في الجواب بطريقة التقليد قائلين على سبيل الإضراب {بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} نبههم إبراهيم بقوله {أفرأيتم} على أن الباطل لا يتغير بأن يكون قديماً أو حديثاً ولا بأن يكون في مرتكبيه كثرة أو قلة، وصرح بأن معبوديه أعداء لقوله تعالى {أية : كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً} تفسير : [مريم: 82] أو لأن الذي يغري على عبادتها هو الشيطان وهو أعدى عدو للإنسان، وإنما لم يقل عدوّ لكم لأنه أراد تصوير المسألة في نفسه ليكون أدل على النصح وأقرب إلى القبول كأنه قال: إني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدوّ. ويحكى عن الشافعي أن رجلاً واجهه بشيء فقال: لو كنت بحيث أنت لاحتجت إلى أدب. وقوله {إلا رب العالمين} استثناء منقطع أي لكن رب العالمين حبيب لي. ثم وصف لهم الرب بأنه {الذي خلقني فهو يهدين} أي خلق بدني على كماله الممكن له ثم يهدين في الاستقبال إلى ضروب مصالح الدين والدنيا كامتصاص الدم في البطن والثدي بعد الولادة نظيره ما مر في "طه" {أية : الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}تفسير : [طه: 50]. ثم نبه بقوله {والذي هو يطعمني ويسقين} أن الذي يتعلق به قوام البدن من الاغتذاء بالطعام والإساغة بالشراب هو من جملة إنعام الله تعالى لأنه خلق هناك قوى جاذبة وماسكة وهاضمة ودافعة وغيرها، ولولاها لما تم أمر الانتفاع بالغذاء بل نفس الغذاء من جملة نعمه الشاملة، ثم قال {وإذا مرضت فهو يشفين} وذلك أن البدن ليس دائماً على النهج الطبيعي بحيث تصدر عنه الأفعال الموضوع هو لها سليمة فاسترداد الصحة بعد زوالها ليس إلا بإذن الله وبما خلق لكل داء دواء وإنما لم يقل أمرضني لأن كثيراً من اسباب المرض يحدث بإسراف الإنسان في المطعم والمشرب. وأيضاً الصحة تحتاج إلى سبب قاهر يقسر الأخلاط والقوى على النسبة المطلوبة، أما المرض فإنه بسبب تنافر الأخلاط وطلب كل منها مركزه الأصلي. وأيضاً فيه رعاية الأدب في مقام المدح وتعداد النعم وإنما لم يراع هذه النكتة في قوله {والذي يميتني} لأن الإماتة ليست بضر كالمرض. إما بعدم الإحساس وقتئذ، وإما لأنها مقدمة الوصول إلى عالم الخير والراحة. وإنما زاد لفظة "هو" في الإطعام والشفاء لأنهما قد ينسبان إلى الإنسان فيقال: زيد يطعم وعمرو يداوي. فأكد إعلاماً بأن ذلك في الحقيقة من الله، واما الإماتة والإحياء فلا يدعيهما مدع فأطلق: ثم اشار إلى ما بعد الإحياء من المجازاة بقوله {والذي أطمع} فحمل الأشاعرة الطمع على مجرد الظن والرجاء بناء على أنه لا يجب لأحد على الله شيء. وحمله المعتزلة على اليقين تارة وعلى هضم النفس والتواضع وتعليم الأمة أخرى، كما أنه أضاف الخطيئة إلى نفسه لمثل ذلك. وقد تحمل الخطيئة على المعاريض المنسوبة إليه من قوله {أية : إني سقيم} تفسير : [الصافات: 89] وقوله {أية : بل فعله كبيرهم} تفسير : [الأنبياء: 63] وقوله لسارة "هي أختي" وإنما علق المغفرة بيوم الدين لأن أثرها يتبين يومئذ وهو في الدنيا خفي. قال بعضهم: فائدة زيادة "لي" هي أن يعلم أن المغفرة فائدتها تعود إليه والله سبحانه لا يستفيد بذلك كمالاً لم يكن له. والمراد: أطمع أن يغفر لي لمجرد عبوديتي له واحتياجي إليه لا بواسطة شفيع كما قال لجبرائيل: أما إليك فلا. وحين قدم الثناء شرع في الدعاء تعليماً لأمته إذا أرادوا مسألة فقال {رب هب لي حكماً} وهو إشارة إلى كمال القوة النظرية {وألحقني بالصالحين} وهو إشارة إلى كمال القوة العملية. ولقد اجابه حيث قال {وإنه في الآخرة لمن الصالحين} وقيل: الحكم النبوة إذ النبي ذو حكمة وذو حكم. بين عباد الله تعالى وزيف بأنه كان حاصلاً فكيف يطلبه؟ والظاهر أنه اراد بالحكم النسب الذهنية المطابقة للخارجية أعني العلوم النظرية كما بينا. قالت الأشاعرة: في الآية دلالة على مسألة خلق الأعمال، إنه طلب العلم من الله فلولا أن العلم بخلقه وإلا كان السؤال عبثاً. وحمله المعتزلة على منح الألطاف. قيل: الحكم المطلوب بالدعاء إن كان هو العلم بغير الله لزم أن يكون سائلاً لما يشغله عن الله وهو باطل، وإن كان العلم بالله بقدر ما هو شرط صحة الإيمان لزم طلب ما هو حاصل لأدنى المؤمنين فضلاً عن إبراهيم، فإذن هو العلم الزائد على ما هو ضروري في الإيمان وهو الوقوف على حقيقة الذات والصفات، ثم لا يكشف المقال عنها غير الخيال وبه يصير المؤمن من الواصلين إلى العين دون السامعين إلى الأثر. ثم طلب الذكر الجميل بقوله {واجعل لي لسان صدق} والإضافة فيه كقوله {أية : قدم صدق} تفسير : [يونس: 2] وقال ابن عباس: وقد أعطاه الله ذلك لقوله {أية : وتركنا عليه في الآخرين} تفسير : [الصافات: 78] ولهذا اتفق أهل الأديان قاطبة على حبه وادعاء متابعته. ومدح الكافر ليس مقصوداً لذاته من حيث هو كافر وإنما المقصود أن يكون ممدوح كل إنسان ومحموداً بكل لسان. وفائدة الثناء على الشخص بعد وفاته هو انصراف الهمم إلى ما به يحصل له عند الله زلفى وقد يصبر ذلك المدح داعياً للمادح أو لمن يسمعه إلى اكتساب مثل تلك الفضائل. وقيل: سأل ربه أن يجعل من ذريته في آخر الزمان من يكون داعياً إلى ملته وهو محمد صلى الله عليه وسلم. ثم سأل ما هو غاية كل سعادة فقال {واجعلني من ورثة جنة النعيم} وقد مر معنى هذه الوراثة في قوله {أية : وتلك الجنة التي أورثتموها} تفسير : [الأعراف: 43] وكذلك في سورة مريم {أية : تلك الجنة التي نورث من عبادنا} تفسير : [مريم: 63] ثم طلب السعادة الحقيقية لأشد الناس التصاقاً به وهو ابوه قائلاً {واغفر لأبي} وقد سبق في آخر التوبة وفي مريم" ما يتعلق به من المباحث. وههنا سؤال: وهو أنه متى حصلت الجنة بدعائه امتنع حصول الخزي فكيف قال بعده {ولا تخزني} وايضاً قال تعالى {أية : إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين} تفسير : [النحل: 27] وما كان نصيب الكافر كيف يستجير منه المعصوم؟ أجاب عنه في التفسير الكبير كما أن حسنات الأبرار سيئات المقربين فكذلك درجات الأبرار دركات المقربين، وخزي كل واحد ما يليق بحاله فكأنه سأل الشركة أوّلاً ثم الخصوصية ثانياً. وأقول: يحتمل أن يكون هذا الدعاء من تتمة دعائه لأبيه أي لا تخزني ولا تفضحني بسبب تعذيب ابي يوم يبعث الضالون أو العباد كلهم، ومثل هذا الضمير مما يعلم عوده بالقرينة. ويجوز أن يكون سأل الجنة بشرط التعظيم والإجلال، ويجوز أن يكون أخر هذا الدعاء لما يعقبه من حديث يوم القيامة وأهوالها وأحوالها فاراد أن لا ينقطع نظم الكلام. وفي قوله {إلا من أتى الله بقلب سليم} إشارة إلى ما وصفه الله به في قوله تعالى {أية : وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم}تفسير : [الصافات: 84] وفي هذا الاستثناء وجوه منها: أنه منقطع والمضاف محذوف أي إلا حال من أتى الله بقلب سليم والمراد بالحال سلامة القلب والمعنى: أن المال والبنين لا ينفعان وإنما ينفع سلامة القلب عن الأمراض الروحانية كالجهل وسائر الأخلاق الذميمة، ويندرج في سلامة القلب سلامة سائر الجوارح لأنه رئيسها. ولا شك أن المال والبنين ليسا من جنس سلامة القلب فيكون الاستثناء منقطعاً. ومنها أنه متصل وذلك على وجهين: أحدهما لا ينفع غنى إلا غنى من أتى الله بقلب سليم لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه. وثانيهما أن يجعل من باب قولهم: شعر : تحية بينهم ضرب وجيع تفسير : والمضاف المحذوف الحال أو السلامة نظيره أن يقال لك: هل لزيد مال وبنون؟ فتقول: ماله وبنوه سلامة قلبه تريد نفي المال والبنين عنه وإثبات سلامة القلب له بدلاً عن ذلك. ومنها أن يكون الموصول مفعولاً لينفع والاستثناء مفرغ أي لا ينفع مال ولا بنون أحداً إلا رجلاً سلم قلبه مع ماله وبنيه حيث أنفقه في طاعة الله وما قصر في باب تأديبهم وإرشادهم، أو سلم قلبه من فتنة المال والبنين فلم يكفر ولم يعص. وقد يفسر السليم بالذائب من خشية الله تعالى. وحين أنجرّ الكلام إلى ذكر يوم القيامة وصف الله تعالى أو إبراهيم أحواله وأهواله فقال {وأزلقت الجنة للمتقين} قال المفسرون: الجنة تقرب من موقف السعداء ليكون لهم فرجاً معجلاً، وتجعل النار بارزة مكشوفة للأشقياء ليزدادوا غماً وحسرة، ولمثل هذا اليوم وبخهم بقوله {إينما كنتم تعبدون} يعني الآلهة التي كنتم تعبدونها {من دون الله هل ينصرونكم} بنصرتهم لكم أو هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وآلهتهم وقود النار وذلك قوله {فكبكبوا فيها هم} أي الآلهة {والغاوون} الذين عبدوهم قال جار الله: الكبكبة تكرير الكب جعل التكرير في اللفظ دليلاً على التكرير في المعنى كأنه إذا ألقى في جهنم ينكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعرها أعاذنا الله منها. والمراد بجنود إبليس شياطينهم أو متبعوه من عصاة الجن والإنس. {قالوا} يعني الغاوين وجنود إبليس {وهم} يعني والحال أن الأصنام وعبدتهم {فيها يختصمون} قال أكثر المفسرين: يجوز أن ينطق الله الأصنام بحيث يصح منها التخاصم. وقيل: إن هذا التخاطب بين العصاة والشياطين إذ سووهم برب العالمين. والمراد بالمجرمين على التفسيرين الرؤساء والكبراء. وعن السدي: الأولون الذين سنوا الشرك. وعن ابن جريج: إبليس وقابيل لأنه سن القتل وأنواع المعاصي: {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} خالص يهمه ما يهمنا وفيه نفي الشفعاء والصديق راساً أو نفي للذين كانوا عدّوهم شفعاء واصدقاء من الأصنام والرؤساء، أو نفي للانتفاع بهم قصدوا بنفيهم ما يتعلق بهم من الفائدة، فكل عديم النفع حكمه حكم المعدوم. قال جار الله: إنما جمع الشافع ووحد الصديق لكثرة الشفعاء لأجل الخشية عادة، ولكن الصديق الصادق أعز من الكبريت الأحمر حتى زعم بعض الحكماء أنه اسم لا معنى له. وجوز أن يكون الصديق في معنى الجمع والكرة الرجعة إلى الدنيا "ولو" في معنى التمني. وقوله {فنكون} جواب التمني أو عطف في المعنى على {كرة} أي ليت لنا كرة فإن نكون، وعلى هذا جاز أن تكون "لو" على أصل الشرط والجواب محذوف وهو لفعلنا كيت وكيت. ثم بين أن فيما كره من قصة إبراهيم عليه السلام لآية لمن يريد أن يستدل بذلك وما كان أكثر قوم إبراهيم بمؤمنين. القصة الثالثة قصة نوح: ولا ريب أن نبأه عظيم فقد كان يدعوهم الف سنة غلا خمسين عاماً، ومع ذلك لم يزد قومه إلا التكذيب. والقوم مؤنث بدليل قوله {كذبت} وكان أميناً فيهم مشهوراً كمحمد صلى الله عليه وسلم في قريش. وكرر قوله {فاتقوا الله وأطيعون} تأكيداً وتقريراً في النفوس مع أنه علق كل واحد بسبب وهو الأمانة في الأول وقطع الطمع في الثاني نظيره قول الرجل لغيره: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيراً؟ ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيراً؟ وقدم الأمر بتقوى الله على الأمر بطاعته لأن تقوى الله علة طاعته. قوله {وما علمي} يريد ايّ شيء علمي ومعناه انتفاء علمه بإخلاص أعمالهم لله عز وجل واطلاعه على باطنهم ومكنون ضميرهم كأنهم طعنوا في إيمانهم ايضاً فذكر أن حسابهم على الله وأنه لم يبعث إلا للنذارة. ويجوز أن يكون فسر لهم الرذالة بما هو الرذالة عنده من سوء الأعمال وفساد العقائد فبنى جوابه على ذلك وقال: ما علمي إلا اعتبار الظاهر والله يتولى السرائر. وفي قوله {لو تشعرون} إشارة إلى أنهم لا يصدقون بالحساب والجزاء، وفيه إنكار أن يسمى المؤمن رذلاً وإن كان أفقر الناس وأوضعهم فالغني غني الدين والنسب نسب التقوى. {رب أن قومي كذبون} ليس إخباراً لأنه علام الغيوب وإنما هو تمهيد مقدمة لطلب الفتح والحكومة. والفلك المشحون المملوء من كل زوجين اثنين مع نوح وأهله. التأويل: {واتل عليهم نبأ إبراهيم} القلب {إذ قال لأبيه وقومه} وهو الروح وما يتولد منه {نعبد أصناماً} وهو ما سوى الله {فنظل لها عاكفين} إلا أن أدركتنا العناية فنعرض عنها: {بل وجدنا آباءنا} وهم الأرواح والآباء العلوية كذلك يتعلق بعضهم ببعض {فإنهم عدوّ لي} إن تعلقت فصرت محجوباً بهم عن الله {خلقني فهو يهدين} إلى حضرته و{يطعمني} من طعام العبودية الذي يعيش القلوب، ويسقيني من شراب طهور التجلي {وإذا مرضت} بتعلقات الكونين {فهو يشفين} بالجذبة الإلهية {والذي يميتني} عن أوصاف البشرية {ثم يحيين} بأوصاف الروحانية ويميتني عن أوصاف الروحانية ثم يحيين بالأوصاف الربانية ثم يميتني عن أنانيتي ثم يحيين بهويته {والذي أطمع أن} يستر ظلمة خطيئة وجودي بطلوع شمس نهار الدين {رب هب لي} من ربوبيتك {حكماً} على بذل وجودي فيهويتك {وألحقني} بالذين صلحوا لقبول الفيض الإلهي بلا واسطة. {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} من النفس وصفاتها ليعرضوا عما سوى الله {واغفر لأبي} الروح {إنه كان من الضالين} حين رد من العالم العلوي إلى السفلي من قولهم "ضل الماء في اللبن" {ولا تخزني} بتعلقات الكونين {قال نوح} القلب {وما علمي بما كانوا يعملون} يعني أراذل الجسد والأعضاء لأنهم عملة عالم الشهادة وأنا من عملة عالم الغيب {إن حسابهم إلا على ربي} فيما يعملون من الأعمال الحيوانية لحاجة ضرورية يعفو عنها والشهوة حيوانية يؤاخذهم بها {لو تشعرون} الفرق بينهما {قالوا} أي النفس وصفاتها {لئن لم تنته يا نوح} القلب عما تدعونا إليه على خلاف إرادتنا {لنكونن من المرجومين} بأحجار الوساوس والهواجس {في الفلك المشحون} أي في فلك الشريعة المملوء بالأوامر والنواهي والحكم والمواعظ والأسرار والحقائق {ثم أغرقنا الباقين} بطوفان استيلاء الأخلاق الذميمة وآفات الدنيا الدنية، وباقي القصص إشارات إلى رسول القلب المسلم من الله وقومه النفس وصفاتها وإليه المرجع والمآب لما قررناه.
الثعالبي
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرٰهِيمَ...} الآية: هذه الآية تضمنت الإعلام بغيب، والعكوف: اللزوم. وقوله: {فَإِنَّهُم عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَـٰلَمِينَ} قالت فرقة: هو استثناءٌ مُتَّصِلٌ، لأنَّ في الآباء الأقدمين مَنْ قد عبد اللّه تعالى، وقالت فرقة: هو استثناءٌ مُنْقَطِعٌ؛ لأَنَّهْ إنَّما أراد عُبَّادَ الأوثان من كل قرن منهم، وأسند إبراهيم عليه السلام المَرَضَ إلى نفسِهِ والشفاءَ إلى ربه عز وجل، وهذا حُسْنُ أدب في العبارة، والكل من عند اللّه، وأوقف عليه السلام نفسه على الطمع في المغفرة، وهذا دليل على شِدَّةِ خوفه مع عُلُوِّ منزلته عند اللّه، وروى الترمذيُّ عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ عَادَ مَرِيضاً أَوْ زَارَ أَخَا لَهُ في اللّهِ ـــ نَادَاهُ مُنَادٍ: أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الجَنَّةِ مَنْزِلاً»تفسير : ، قال أبو عيسَىٰ: هذا حديثٌ حَسَنَ، انتهى. وفي «صحيح مسلم» عن ثوبانَ مولى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم عن رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حديث : مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ ٱلجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ، وَمَا خُرْفَةُ الجَنَّةِ؟ قال: جَنَاهَا»تفسير : انتهى، وعنه صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ العَظِيمِ أَنْ يَشْفَيَكَ ـــ إلاَّ عَافَاهُ اللّهُ سُبْحَانَهُ»تفسير : خرجه أبو داود، والترمذيُّ، والحاكم في «المُسْتَدْرَكِ على الصحيحين» بالإسناد الصحيح، انتهى من «حلية النوويِّ»، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : مَنْ عَادَ مَرِيضاً لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ، فَقَالَ عِنْدَ رَأْسِهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ العَظِيمِ ـــ أَنْ يَشْفَيَكَ ـــ إلاَّ عَافَاهُ اللّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ»تفسير : رواه أبو داودَ واللفظ له، والترمذيُّ والنسائِيُّ والحاكم وابن حِبَّان في «صحيحيهما» بمعناه، وقال الحاكم: صحيحٌ على شرط الشيخَيْنِ، يعني: البخاريَّ ومُسْلِماً، وفي رواية النسائيِّ وابن حِبَّانَ: «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إذَا عَادَ الْمَرِيضَ، جَلَسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ قَالَ»، فَذَكَرَ مِثْلَهُ بمعناه انتهى من «السلاح». وقوله: {خَطِيئَتِي} ذهب أكثرُ المفسرين إلى: أَنَّهُ أراد كَذَباتِهِ الثلاثَ، قوله: هي أختي في شأن سارة، وقوله: {أية : إِنِّي سَقِيمٌ} تفسير : [الصافات:89]. وقوله: {أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} تفسير : [الأنبياء:63], وقالت فرقة: أراد بالخطيئة اسم الجنس، فدعا في كل أمره من غير تعيين. قال * ع *: وهذا أظهر عندي.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ...} الآيات. اعلم أنه تعالى ذكر في أول السورة شدة حزن محمد - عليه السلام - ثم ذكر قصة موسى ليعرِّف محمداً أن مثل تلك المحنة كانت حاصلة لموسى، ثم ذكر عقيبها قصة إبراهيم ليعرف محمد أن حزن إبراهيم بهذا السبب كان أشد من حزنه. قوله: "إذْ قَالَ" العامل في "إِذْ" "نَبَأَ" أو "اتْلُ" قاله الحوفي وهذا لا يتأتى إلا على كون "إذْ" مفعولاً به. وقيل: "إذ" بدل من "نبأ" بدا اشتمال، وهو يؤول إلى أن العامل فيه "اتْلُ" بالتأويل المذكور. قوله: "وَقَوْمِهِ" الهاء تعود على إبراهيم، لأنه المحدث عنه. وقيل: تعود على "أَبِيهِ" لأن أقرب مذكور، أي: قال لأبيه وقوم أبيه، ويؤيده: {أية : إِنِّيۤ أَرَاكَ وَقَوْمَكَ}تفسير : [الأنعام: 74] حيث أضاف القوم إليه. قوله "مَا تَعْبُدُونَ" أي: أيّ شيء تعبدون؟ وهو يعلم أنهم عبدة الأصنام، ولكنه سألهم ليريهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، كما تقول (لتاجر الرقيق): ما مالك؟ وأنت تعلم أن ماله الرقيق، ثم تقول: الرقيق جمال وليس بمال. قوله: {نَعْبُدُ أَصْنَاماً} أتوا في الجواب بالتصريح بالفعل ليعطفوا عليه قولهم: "فَنَظَلُّ" افتخاراً بذلك، وإلاَّ فكان قولهم: "نَعْبُدُ أَصْنَاماً" كافياً كقوله تعالى: "قُلِ العَفْوَ"، "قَالُوا خَيْراً". قوله: {فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ}. العكوف: الإقامة على الشيء. قال بعض العلماء: إنما قالوا: (فَنَظَلُّ) لأنهم يعبدونها بالنهار دون الليل، يقال: ظل يفعل كذا: إذا فعل بالنهار. فقال إبراهيم - عليه السلام - منبهاً على فساد مذهبهم: "هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ" لا بد من محذوف، أي: يسمعون دعاءكم، أو يسمعونكم تدعون، فعلى الأول هي متعدية لواحد اتفاقاً. وعلى الثاني هي متعدية لاثنين قامت الجملة المقدرة مقام الثاني، وهو قول الفارسي. وعند غيره: الجملة المقدرة حال. وتقدم تحقيق القولين. وقرأ قتادة ويحيى بن يعمر بضم الياء وكسر الميم، والمفعول الثاني: محذوف، أي: يسمعونكم الجواب. قوله: "إذْ تَدْعُونَ" منصوب بما قبله، فما قبله وما بعده ماضيان معنى وإن كانا مستقبلين لفظاً لعمل الأول في "إذْ" ولعمل "إذْ" في الثاني. وقال بعضهم: "إذ" هنا بمعنى: "إذا" وقال الزمخشري: إنه على حكاية الحال الماضية، ومعناه: استحضروا الأحوال التي كنتم تدعونها فيها، هل سمعوكم إذا سمعوا؟ وهو أبلغ في التبكيت، وقد تقدم أنه قرىء بإدغام ذال "إذْ" وأظهارها في التاء. وقال ابن عطية: ويجوز فيه قياس "مذكر" ونحوه، ولم يقرأ به أحد، والقياس أن يكون اللفظ به "إدَّدْعون" والذي منع من هذا اللفظ اتصال الدال الأصلية في الفعل فكثرت المتماثلات، يعني: فيكون اللفظ بدال مشددة مهملة، ثم بدال ساكنة مهملة أيضاً. قال أبو حيان: وهذا لا يجوز، لأن هذا الإبدال إنما هو في تاء الافتعال بعد الدال والذال والزاي نحو: ادَّهَن، واذّكر، وازْدَجَر، وبعد جيم شذوذاً نحو: "اجْدَمعوا" في "اجتمعوا"، وفي تاء الضمير بعد الدال والزاي نحو: "فُزْدَ في فُزْتَ" و "جَلَدُّ في جَلَدْتُ" أو تاء "تَوْلَج" قالوا فيها: "دَوْلَج" وتاء المضارعة، ليس شيئاً مما ذكر وقوله: "والذي منع... إلى آخره" يقتضي جوازه لو لم يوجد ما ذكر، فعلى مقتضى قوله يجوز أن تقول في "إذْ تَخْرُج": "إذَّ خْرُج" ولا يقول ذلك أحد، بل يقولون: اتّخرج فيدغمون الذال في التاء. فصل تقرير هذه الحجة التي ذكرها إبراهيم - عليه السلام - أن من عبد غيره لا بد أن يلتجىء إليه في المسألة ليعرف مراده أو يسمع دعاءه، ثم يستجيب له في بذل منفعة أو دفع مضرة، فقال لهم: إذا كان الذي تعبدونه لا يسمع دعاءكم حتى يعرف مقصودكم، ولو عرف ذلك لما صح أن يبذل النفع أو يدفع الضرر، فكيف تعبدون ما هذا صفته؟ فعند هذه الحجة الباهرة لم يجدوا ما يدفعون به حجته إلا التقليد، فقالوا: {وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}. وهذا من أقوى الدلائل على فساد التقليد ووجوب التمسك بالاستدلال، إذ لو قلبنا الأمر فمدحنا التقليد وذممنا الاستدلال لكان ذلك مدحاً لطريقة الكفار التي ذمها الله، وذماً لطريقة إبراهيم التي مدحها الله. قوله: "كَذَلِكَ" منصوب بـ "يَفْعَلُونَ" أي: يفعلون مثل فعلنا، و "يَفْعَلُون" في محل نصب مفعولاً ثانياً لـ "وَجَدْنَا". قوله: {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ}. أراد به أن الباطل لا يتغير بأن يكون قديماً أو حديثاً، ولا بأن يكون في فاعليه كثرة أو قلة. قوله: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ} اللغة الغالبة إفراد "عَدُوّ" وتذكيره، قال تعالى: {أية : هُمُ ٱلْعَدُوُّ}تفسير : [المنافقون: 4] وإنما فعل به ذلك تشبيهاً بالمصادر نحو: "الوَلُوعُ، والقَبُول" وقد يقال: أعداءٌ، وعَدُوَّةٌ، وقوله: "عَدُوٌّ لي" على أصله من غير تقدير مضاف ولا قلب، لأن العدو والصديق يجيئان في معنى الوحدة والكثرة، قال الشاعر: شعر : 3910 - وَقَــوْمٌ عَلَــى ذَوِي مِئْــرَةٍ أَرَاهُــمْ عَــدُوّاً وَكَانُـــوا صَدِيقَــا تفسير : وتقدم الكلام في نظيره عند قوله: "إنَّا رَسُولُ". وقيل: المعنى: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ} لو عبدتهم يوم القيامة، كقوله: {أية : سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً}تفسير : [مريم: 82]. (وقيل: الأصنام لا تُعادى لأنها جماد، والتقدير: فإن عبادهم عدو لي). وقيل: بل في الكلام قلب تقديره: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لهم وهذان مرجوحان لاستقامة الكلام بدونهما، فإن قيل: لم قال: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ} ولم يقل فإنها عدو لكم؟ فالجواب: أنه - عليه السلام - صور المسألة في نفسه، بمعنى أني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو فاجتنبتها، وأراهم أنها نصيحة نصح بها نفسه، فإذا تفكروا وقالوا: ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه فيكون أدعى إلى القبول. قوله: {إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس بعدوٍّ لي. وقال الجرجاني: فيه تقديم وتأخير، أي: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون إلا ربّ العالمين فإنهم عدو لي، و "إلاَّ" بمعنى "دُونَ، وسِوَى". والثاني: أنه متصل، وهو قول الزجاج، لأنهم كانوا يعبدون الله والأصنام، فقال إبراهيم: كل من تبعدون أعداء لي إلا رب العالمين. وقال الحسن بن الفضل: معناه: إلا من عبد رب العالمين. وقيل: معناه: فإنهم غير معبود لي إلا رب العالمين. ثم وصف معبوده، وهو قوله: "الذَّي خَلَقَنِي" يجوز فيه أوجه: النصب على النعت لـ "رَبّ العَالَمِينَ"، أو البدل، أو عطف البيان، أو على إضمار "أعني". والرفع على خبر مبتدأ مضمر، أي: هو الذي خلقني، أو على الابتداء. و "فَهُوَ يَهْدِين" جملة اسمية في محل رفع خبراً له. قال الحوفي: ودخلت الفاء لما تضمنه المبتدأ من معنى الشرط. وهذا مردود. لأن الموصول معيَّنٌ ليس عاماً، ولأن الصلة لا يمكن فيها التجدد، فلم يشبه الشرط وتابع أبو البقاء الحوفيَّ، ولكنه لم يتعرض للفاء، فإن عنى ما عناه الحوفي فقد تقدم ما فيه، وإن لم يعفه فيكون تابعاً للأخفش في تجويزه زياة الفاء في الخبر مطلقا نحو: "زيدٌ فاضربه" وقد تقدم تجويزه.
البقاعي
تفسير : ولما أتم سبحانه ما أراد من قصة موسى عليه السلام، أتبعه دلالة على رحيميته قصة إبراهيم عليه السلام لما تقدم أنه شاركه فيه مما يسلي عما وقع ذكره عنهم من التعنتات في الفرقان، ولما اختص به من مقارعة أبيه وقومه في الأوثان، وهو أعظم آباء العرب، ليكون ذلك حاملاً لهم على تقليده في التوحيد إن كانوا لا ينفكون عن التقليد، وزاجراً عن استعظام تسفيه آبائهم في عبادتها، وتعبيره سبحانه للسياق قبل وبعد، وتعبيره بقوله: {واتل} أي اقرأ قراءة متتابعة - مرجح للتقدير الأول في {وإذ} من جعله "اذكر" وتغييره في التعبير بها لسياق ما تقدم وما تأخر لتنبيه العرب على اتباعه لما لهم به من الخصوصية {عليهم} أي على هؤلاء المغترين بالأوثان، المنكرين لرسالة البشر {نبأ إبراهيم*} أي خبره العظيم في مثل ذلك {إذ} أي حين {قال لأبيه وقومه} منبهاً لهم على ضلالهم، لا مستعلماً لأنه كان عالماً بحقيقة حالهم: {ما} أي أي شيء، وصور لهم حالهم تنبيهاً لهم على قباحتها فعبر بالمضارع فقال: {تعبدون*} أي تواظبون على عبادته {قالوا} مبتهجين بسؤاله، مظهرين الافتخار في جوابهم بإطالة الكلام: {نعبد أصناماً فنظل} أي فيتسبب عن عبادتنا لها أنا نوفي حق العبادة بأن ندوم {لها عاكفين*} أي مطيفين بها على سبيل الموظبة متراكمين بعضنا خلف بعض حابسين أنفسنا تعظيماً لها، فجروا على منوال هؤلاء في داء التقليد الناشىء عن الجهل بنفس العبادة وبظنهم مع ذلك أنهم على طائل كبير، وأمر عظيم، ظفروا به، مع غفلة الخلق عنه - كما دل عليه خطابهم في هذا الكلام الذي كان يغني عنه كلمة واحدة، وهذا هو الذي أوجب تفسير الظلول بمطلق الدوام وإن كان معناه الدوام بقيد النهار، وكأنهم قصدوا بما يدل على النهار - الذي هو موضع الاشتغال والسهرة - الدلالة على الليل من باب الأولى، مع شيوع استعماله أيضاً مطلقاً نحو {فظلت أعناقهم لها خاضعين}، وزاد قوم إبراهيم عليه السلام أن استمروا على ضلالهم وأبوه معهم فكانوا حطب النار، ولم يتكمن من إنقاذهم من ذلك، ولم تكن لهم حيلة إلا دعاؤهم، فهو أجدر بشديد الحزن وببخع نفسه عليهم وهو موضع التسلية. ولما فهم عنهم هذه الرغبة، أخذ يزهدهم فيها بطريق الاستفهام الذي لا أنصف منه عن أوصاف يلجئهم السؤال إلى الاعتراف بسلبها عنهم، مع كل عاقل إذا تعقل أن لا تصح رتبة الإلهية مع فقد واحدة منها، فكيف مع فقدها كلها؟ فقال تعالى مخبراً عنه: {قال} معبراً عنها إنصافاً بما يعبر به عن العقلاء لتنزيلهم إياها منزلتهم: {هل يسمعونكم} أي دعاءكم مجرد سماع؛ ثم صور لهم حالهم ليمنعوا الفكر فيه، فقال معبراً بظرف ماض وفعل مضارع تنبيهاً على استحضار جميع الزمان ليكون ذلك أبلغ في التبكيت: {إذ تدعون*} أي استحضروا أحوالكم معهم من أول عبادتكم لهم وإلى الآن: هل سمعوكم وقتاً ما؟ ليكون ذلك مرجياً لكم لحصول نفع منهم في وقت ما. ولما كان الإنسان قد يعكف على الشيء - وهو غير سامع - لكن لنفعه له في نفسه أو ضره لعدوه كالنار مثلاً، وكان محط حال العابد والداعي بالقصد الأول بالذات جلب النفع، قال: {أو ينفعونكم} أي على العبادة كما ينفع أقل شيء تقتنونه {أو يضرون*} على الترك: {قالوا}: لا والله! ليس عندهم شيء من ذلك {بل وجدنا آباءنا كذلك} أي مثل فعلنا هذا العالي الشأن، ثم صوروا حالة آبائهم في نفوسهم تعظيماً لأمرهم فقالوا: {يفعلون*} أي فنحن نفعل كما فعلوا لأنهم حقيقون منا بأن لا نخالفهم، مع سبقهم لنا إلى الوجود، فهم أرصن منا عقولاً، وأعظم تجربة، فلولا أنهم رأوا ذلك حسناً، ما واظبوا عليه، هذا مع أنهم لو سلكوا طريقاً حسية حصل لهم منها ضرر حسي ما سلكوها قط، ولكن هذا الدين يهون على الناس فيه التقليد بالباطل قديماً وحديثاً. ولما وصلوا إلى التقليد المخض الخالي عن أدنى نظر كما تفعل البهائم والطير في تبعها لأولها {قال} معرضاً عن جواب كلامهم بنقص، إشارة إلى أنه ساقط لا يرتضيه من شم رائحة الرجولية: {أفرأيتم} أي فتسبب عن قولكم هذا أني أقول لكم: أرأيتم، اي إن لم تكونوا رأيتموهم رؤية موجبة لتحقق أمرهم فانظروهم نظراً شافياً {ما كنتم} أي كوناً هو كالجبلة لكم {تعبدون*} مواظبين على عبادتهم {أنتم}. ولما أجابوه بالتقليد، قال لهم ما معناه، رقوا تقليدكم هذا إلى أقصى غاياته، فإن التقدم والأولوية لا تكون برهاناً على الصحة، والباطل لا ينقلب حقاً بالقدم، وذلك مراده من قوله: {وآباؤكم الأقدمون*} أي الذين هم أقدم ما يكونون: هل لهم وصف غير ما أقررتم به من عدم السماع والنفع والضر؟ {فإنهم} أي فتسبب عن رؤيتكم ووصفكم لهم بما ذكرتم أني أخبركم إخباراً مؤكداً أنهم. ولما كانت صيغة فعول للمبالغة، أغنت في العدو والصديق عن صيغة الجمع ولا سيما وهي شبيهة بالمصادر كالقبول والصهيل، فقال مخبراً عن ضمير الجمع: {عدو لي} أي أناصفهم بالسوء وأعاملهم في إبطالهم ومحقهم معاملة الأعداء وكل من عبدهم كما قال في الآية الأخرى {أية : لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين}تفسير : [الأنبياء: 54]،{أية : أف لكم ولما تعبدون من دون الله}تفسير : [الأنبياء: 57] و {أية : تالله لأكيدن أصنامكم} تفسير : [الأنبياء: 67]. ولما كانوا هم مشركين، وكان في آبائهم الأقدمين من عبد الله وحده. قال: {إلا رب العالمين*} أي مدبر هذه الأكوان كلها - كما قال موسى عليه السلام - لأن ذلك أشهر الأوصاف وأظهرها، فإنه ليس بعدوي، بل هو وليّي ومعبودي؛ ثم شرع يصفه بما هم به عالمون من أنه على الضد الأقصى من كل ما عليه أصنامهم فقال: {الذي} ولما لم يكن أحد يدعي الخلق لم يحتج إلى ما يدل على الاختصاص فقال: {خلقني} أي أوجدني على هيئة التقدير والتصوير {فهو} أي فتسبب عن تفرده بخلقي أنه هو لا غيره {يهدين*} أي إلى الرشاد، ولأنه لا يعلم باطن المخلوق ويقدر على كمال التصرف فيه غير خالقه، ولا يكن خالقه إلا سمعياً بصيراً ضاراً نافعاً، له الكمال كله، ولا شك أن الخلق للجسد، والهداية للروح، وبالخلق والهداية يحصل جميع المنافع، والإنسان له قالب من عالم الخلق، وقالب من عالم الأمر، وتركيب القالب مقدم كما ظهر بهذه الآية، ولقوله {أية : فإذا سويته ونفخت فيه من روحي}تفسير : [الحجر: 29] وأمثال ذلك، وذكر الخلق بالماضي لأنه لا يتجدد في الدنيا، والهداية بالمضارع لتجددها وتكررها ديناً ودنيا {والذي هو} أي لا غيره {يطعمني ويسقين} ولو أراد لأعدم ما آكل وما أشرب أو أصابني بآفة لا أستطيع معها أكلاً ولا شرباً.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {فنظل لها عاكفين} قال: عابدين {قال هل يسمعونكم إذ تدعون} يقول: هل تجيبكم آلهتكم إذا دعوتموهم. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله {إذ يسمعونكم} قال: هل يسمعون أصواتكم.
ابو السعود
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ} عطف على المضمرِ المقدَّر عاملاً لإذ نادى الخ أي واتل على المشركينَ {نَبَأَ إِبْرٰهِيمَ} أي خبَره العظيمَ الشَّأنِ حسبما أُوحيَ إليك لتقف على ما ذُكر من عدمِ إيمانِهم بما يأتيهم من الآيات بأحد الطَّريقين {إِذْ قَالَ} منصوب إما على الظَّرفيةِ للنبأ أي نبأه وقت قوله {لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ} أي على المفعولية لاتلُ على أنَّه بدلٌ من نبأ أي واتلُ عليهم وقت قوله لهم {مَا تَعْبُدُونَ} على أنَّ المتلو ما قاله لهم في ذلك الوقتِ سألهم عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عن ذلك ليبني على جوابِهم أنَّ ما يعبدونَهُ بمعزولٍ من استحقاقِ العبادةِ بالكُلِّية. {قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَـٰكِفِينَ} لم يقتصرُوا على الجواب الكافي بأنْ يقولُوا أصناماً كما في قوله تعالى: { أية : يَسْـئَلُونَكَ مَاذا يُنْفِقُونَ قُل ٱلعَفو} تفسير : [سورة البقرة: الآية 219] وقوله تعالى: { أية : مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا} تفسير : [سورة النحل: الآية 30] ونظائرهما، بل أطنبُوا فيه بإظهار الفعلِ. وعطفُ دوامِ عكوفهم على أصنامِهم قصداً إلى إبرازِ ما في نفوسِهم الخبـيثةِ من الابتهاجِ والافتخارِ بذلك، والمرادُ بالظلول الدَّوامُ وقيل: كانُوا يعبدونَها بالنَّهارِ دُون اللَّيلِ، وصلة العكوف كلمةُ عَلَى. وإيرادُ اللاَّمِ لإفادةِ معنى زائدٍ كأنَّهم قالوا فنظلُّ لأجلِها مُقبلين على عبادتها أو مستديرين حولَها وهذا أيضاً من جُملة إطنابِهم. {قَالَ} استئنافٌ مبنيٌّ على سؤالِ نشأ من تفصيلِ جوابهم {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ} أي هل يسمعُون دعاءَكم على حذف المضافِ أو يسمعونكم تدعُون كقولك سمعتُ زَيْداً يقول كيتَ وكيتَ فخذف لدلالةِ قوله تعالى: {إِذْ تَدْعُونَ} عليه. وقُرىء هل يُسمعونكم من الإسماع أي هل يُسمعونكم شيئاً من الأشياءِ أو الجواب عن دعائكم وهل يقدِرون على ذلك. وصيغةُ المضارعِ من إذ على حكايةِ الحالِ الماضيةِ لاستحضار صُورتِها كأنَّه قيل لهم: استحضُروا الأحوالَ الماضيةَ التي كنتُم تدعونها فيها وأجيبُوا هل سمعُوا أو أسُمعوا قط.
القشيري
تفسير : قوله جل ذكره: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}. عاتب إبراهيمُ أباه وقومَه، وطالَبَهُم بالحجة على ما عابَهم به وقال لِمَ تعبدون ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ؛ ولا ينفع ولا يَضُرُّ، ولا يُحِسُّ ولا يَشْعُر؟ فلم يرجعوا في الجواب إلا إلى تقليدهم أسلافَهم، وقالوا: على هذه الجملة وَجَدْنا أسلافَنَا. فنطق إبراهيمُ - عليه السلام - بعد إقامة الحجة عليهم والإخبار عن قبيح صنيعهم بمَدْح مولاه والإغراق في وصفه، وقال: {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}. ذَكَرَهم بأقلِّ عبارة فلم يقل: فإنهم أعداءٌ لي، بل وَصَفَهم بالمصدر الذي يصلح أن يوصَفَ به الواحد والجماعة فقال: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ}. ثم قال: {إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ}، وهذا استثناء منقطع، وكأنه يضرب بلطفٍ عن ذِكْرِهم صفحاً حتى يتوصَّلَ إلى ذكر الله، ثم أخذ في شرح وصفه كأنه لا يكاد يسكت، إذ مضى يقول: والذي... والذي... والذي..، ومن أمارات المحبة كَثْرَةُ ذِكْرِ محبوبك، والإعراضُ عن ذكرِ غيرِه، فتَنَزُّهُ المحبين بتقلُّبِهم في رياض ذِكْرِ محبوبهم، والزهَّادُ يعددون أورادهم، وأَربابُ الحوائج يعددون مآربَهم، فيطنبون في دعائهم، والمحبون يُسْهِبونَ في الثناء على محبوبهم.
اسماعيل حقي
تفسير : {واتل عليهم} من التلاوة وهى القراءة على سبيل التتابع والقراءة اعم اى اقرأ على مشركى العرب واخبر اهل مكة {نبأ ابراهيم} خبره العظيم الشان. قال الكاشفى [خبر ابراهيم كه ايشان بدو نسبت درست ميكنند وبفر زندى او مفتخرند ومستظهر]
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جل جلاله: {واتلُ عليهم} أي: على المشركين {نبأَ إبراهيمَ} أي: خبره العظيم الشأن، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قِصَّةٍ إلا في هذه؛ تفخيماً لشأنه، وتعظيماً لأمر التوحيد، الذي دلت عليه. {إذْ قال} أي: وقت قوله {لأبيه وقومه ما تعبدون} أي: أيُّ شيء تعبدون؟ وإبراهيم عليه السلام يعلم أنهم عَبَدة الأصنام، لكنه سألهم؛ ليُعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة، {قالوا نعبد أصناماً}، وجواب {ما تعبدون}: هو قولهم: {أصناماً}؛ لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة، فكان حق الجواب أن يقولوا: أصناماً، كقوله تعالى: {أية : وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ} تفسير : [البقرة: 219]، وكقوله تعالى: {أية : مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ} تفسير : [سبأ: 23]. لكنهم أطنبوا فيه بإظهار العامل؛ قصداً إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بعبادتها، {فنظلُّ لها عاكفين} أي: فنقيم على عبادتها طول النهار. وإنما قالوا: {فنظل}؛ لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل: أو يراد به الدوام. {قال} إبراهيمُ عليه السلام: {هل يسمعونكم إذ تَدْعون} أي: هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم، على حذف مضاف، {أو ينفعونكم} إن عبدتموها، {أو يَضُرُّونَ}؛ أو يضرونكم إن تركتم عبادتها؛ إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر؟ {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} فاقتدينا بهم. اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر؛ من السمع، والمنفعة، والمضرة بالمرة. واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء. {قال} إبراهيم: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} أي: أنظرتم وأبصرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون {أنتم وآباؤكم الأقدمون} حق الإبصار، أو حق العلم، {فإنهم عدو لي} أي: فاعلموا أنهم أعداء لي، لا أحبهم ولا يحبونني، أو: لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة، كقوله: {أية : سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً}تفسير : [مريم: 82]، وقال الفراء: هو من المقلوب، أي: فإني عدو لهم، والعدو يجيء بمعنى الواحد والجماعة؛ لأنه فَعُولٌ، كصبور. وفي قوله: {عدو لي}، دون "لكم"؛ زيادةُ نصحٍ، لكونه أدعى لهم إلى القبول، ولو قال: فإنهم عدو لكم، لم يكن بتلك المثابة، ولم يقبلوه، {إلا ربِّ العالمين}: استثناء منقطع، أي: لكن رب العالمين ليس كذلك، بل هو حبيب لي. وأجاز الزَّجَّاجُ أن يكون متصلاً، على أن الضمير لكل معبود، وكان من آبائهم من عَبَد الله تعالى، وهم أيضاً كانوا يعبدون الله مع أصنامهم. ثم وصف الربّ تعالى قوله: {الذي خلقني} بالتكوين في القرار المكين، {فهو يَهدين} وحده إلى كل ما يُهمني ويُصلحني من أمور الدين والدنيا، هداية متصلة بحين الخلق ونفخ الروح، متجددة على الاستمرار، كما ينبئ عنه صيغة المضارع. وعبَّر بالاستقبال، مع سبق الهداية في الأزل؛ لأن المراد ما ينشأ عنها، وهو الاهتداء لما هو الأهم والأفضل والأتم والأكمل، أو: والذي خلقني لأسباب خدمته فهو يهدين إلى آداب خُلَّتِهِ. ولما كان الخلق لا يمكن أن يدعيه أحد لم يؤكد فيه بهو، بخلاف الهداية والإطعام والسقي، فإنه يكون على سبيل المجاز من المخلوقين، ولذلك أكده بهو؛ ليخصه به تعالى. {والذي هو يُطعمني} لا غيره، أصناف الإطعام إلى مُولي الإنعام؛ لأن الركون إلى الأسباب عادة الأَنْعام. {و} هو أيضاً الذي {يسقين} أي: يرويني بمائه. وتكرير الموصول في المواضع الثلاثة؛ للإيذان بأن كل واحدة من تلك الصلات نعت جليل له تعالى، مستقل في استيجاب الحكم. {وإِذا مرضت فهو يَشْفين}: عطف على {يُطعمني ويسقين}، ونظم معهما في سلك الصلة بموصول واحد؛ لأن الصحة والمرض من متبوعات الأكل والشرب في العادة، غالباً. وقال في الحاشية: ثم ذكر بعد نعمة الخلق والهداية ما تدوم به الحياة وتستمر، وهو الغذاء والشراب، ولمَّا كان ذلك مبنياُ على غلبة إحدى الكيفيات على الآخر، بزيادة الغذاء أو نقصانه، فيحدث بعد ذلك مرض، ذكر نعمته بإزالة ما حدث من السقم. هـ. ونسبة المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله تعالى، مع أنهما منه تعالى؛ لمراعاة حسن الأدب، كما قال الخضر عليه السلام: {أية : فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} تفسير : [الكهف: 79]، {أية : فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا}تفسير : [الكهف: 82]. {والذي يُميتني ثم يُحيينِ}، ولم يقل: وإذا مت؛ لأن الإماتة والإحياء من خصائصه تعالى. وأيضاً: الموت والإحياء من كمال الكمال؛ لأنه الخروج من سجن الدنيا إلى السرور والهناء، أو: الخروج من دار البلاء والفناء إلى دار الهناء والبقاء. {والذي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفَر لي} أي: في مغفرته لي {خطيئتي يومَ الدين}، ذكره عليه السلام؛ هضماً لنفسه، وتعليماً للأمة أن يجتنبوا المعاصي، ويكونوا على حذر منها، وطلب مغفرته لما يفرط منهم. وقال أبو عثمان: أخرج سؤاله على حد الأدب، لم يحكم على ربه بالمغفرة، ولكنه طَمِعَ طَمَعَ العبيد في مواليهم، وإن لم يكونوا يستحقون عليهم شيئاً؛ إذ العبد لا يستحق على مولاه شيئاً، وما يأتيه يأتيه من فضل مولاه. هـ. وقيل: أشار إلى قوله: {أية : إِنّيِ سَقِيمٌ}تفسير : [الصافات: 89] {أية : فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} تفسير : [الأنبياء: 63] وقوله في سارّة: "هي أختي"؛ حذراً من الجبار. وفيه نظر؛ لأنها مع كونها معاريض، لا من قبيل الخطايا المفتقرة إلى الاستغفار, إنما صدرت عنه عليه السلام بعد هذه المقالة الجارية بينه وبين قومه في أول أمره. وتعليق مغفرة الخطيئة بيوم الدين، مع كونها إنما تُغفر في الدنيا؛ لأن أثرها إنما يظهر يومئذٍ، ولأن في ذلك تهويلاً له، وإشارة إلى قوع الجزاء فيه، إن لم يغفر. والله تعالى أعلم. الإشارة: ينبغي لك أيها العبد أن تكون إبراهيمياً حنيفياً، فتنبذ جميعَ الأرباب، وتعادي كل من يشغلك عن محبة الحبيب، من العشائر والأصحاب، وتقول لمن عكف على متابعة هواه، ولزم الحرص على جمع دنياه، هو ومن تقدمه: أفرأيتم ما كنتم تعبدون، أنتم وآباؤكم الأقدمون، فإنهم عدو لي إلا رب العالمين، الذي خلقني لعبوديته، فهو يهدين إلى معرفته، والذي هو يطعمني طعم الإيمان واليقين والإحسان، ويسقيني من شراب خمرة العيان، وإذا مرضتُ بالذنوب فهو يشفين بالتوبة، أو: مرضت بشيء من العيوب فهو يشفين بالتطهير منها. أو: إذا مرضت برؤية السِّوى، فهو يشفين بالغيبة عنه، والذي أطمع أن يطهرني من البقايا، ويجعلني من المقربين يوم الدين. وقال ذو النون رضي الله عنه: يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني شرا ب المحبة، ثم قال: شعر : شَرَابُ المَحَبَّةِ خَيْرُ الشَّرابْ وكُلُّ شرابٍ سواه سَرَابْ تفسير : وقال الشيخ أبو يزيد البسطامي رضي الله عنه: إن لله شراباً، يقال له: شراب المحبة، ادخره لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، وإذا سكروا طاشوا، وإذا طاشوا طاروا وصلوا، وإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. هـ. قلت: شراب المحبة هو خمرة الفناء والغيبة في الله، بدليل قول ابن الفارض رضي الله عنه. شعر : فَلَمْ تهْوَني ما لم تكنْ فِيَّ فانِياً ولمَ تَفْنَ ما لم تجتل فيكَ صورتي تفسير : وقال الجنيد رضي الله عنه: يُحشر الناس يوم القيامة عراة، إلا من لبس ثياب التقوى، وجياعاً إلا من أكل طعام المعرفة، وعطاشاً إلا من شرب شراب المحبة. هـ. وقد يستغني صاحب طعام المعرفة وشراب المحبة عن الطعام والشراب الحسيين، كما قال صلى الله عليه وسلم، حين كان يواصل: "حديث : إني أبَيتُ عند ربي يُطعمني ويسقين ". تفسير : قال أبو الوراق في قوله تعالى: {الذي هو يُطعمني ويسقين} أي: يُطعمني بلا طعام، ويسقيني بلا شراب. قال: ويدل عليه حديث السَّقَّاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ ثلاثة أيام: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها}، فرمى بِقِرْبَتِهِ، فأتاه آتٍ في منامه بقدح من شراب الجنة، فسقاه، قال أنس: فعاش بعد ذلك نيفاً وعشرين سنة، ولم يأكل ولم يشرب على شهوة. هـ. وكان عبد الرحمن بن أبي نعيم لا يأكل في الشهر إلا مرة، فأدخله الحجاج بيتاً، وأغلق عليه بابه، ثم فتحه بعد خمسة عشر يوماً، ولم يشك أنه مات، فوجده قائماً يُصلي، فقال: يا فاسق، تصلي بغير وضوء؟ فقال: إنما يحتاج الوضوء من يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها. هـ. ومكث سفيان الثوري بمكة دهراً، وكان يَسفُّ من السبت إلى السبت كفاً من الرمل. هـ. وهذا من باب الكرامة، فلا يجب طردها، وقد تكون بالرياضة، وطريق المعرفة لا تتوقف على هذا. والله تعالى أعلم. ثم ذكر دعاء إبراهيم، فقال: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً...}
الأعقم
تفسير : {واتل عليهم نبأ ابراهيم} عطف قصة إبراهيم على موسى تسلية لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووعداً له بالنصر ورجوا لقومه، يعني اقرأ عليهم خبر إبراهيم {إذ قال لأبيه} آزر {وقومه ما تعبدون} {قالوا نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين} أي لا نزال مقيمين على عبادتها ملازمين لها {قال هل يسمعونكم إذ تدعون} {أو ينفعونكم أو يضرون} فأجابوه وسلكوه طريقة التقليد {قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} كما نفعله في عبادة الأصنام {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون} {فإنهم عدوّ لي} يوم القيامة إن عبدتهم في الدنيا، وقيل: أراد بالعداوة البراءة، وقيل: لم يرد العداوة ولكن أخبر أنهم لا يصلحون للعبادة {إلاّ رب العالمين} استثناء كأنه قال: إلا رب العالمين فإنه معبودي الذي أحب عبادته، ثم وصفه بما يدل على كمال قدرته وأنه سبحانه مستحق للعبادة فقال: {الذي خلقني فهو يهدين} لأن جميع النعم تتم بالهداية، وقيل: الذي يدلني على سبل الخير {والذي هو يطعمني ويسقين} {وإذا مرضت فهو يشفين} فأضاف المرض إلى نفسه لأن أهل اللغة يقولون: مرض فلان فيضاف إليه، وقيل: إذا مرضت بالذنوب شفاني بالتوبة عن الصادق {والذي يميتني ثم يحيين} للجزاء {والذي أطمع} أرجو، وهذا طمع يقين {أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} يوم القيامة والجزاء قيل: أراد الصغائر، وقيل: فيه فوائد أولها الاعتراف بالخطأ، والثاني الانقطاع إلى الله، وقيل: هو قوله: {أية : إني سقيم}تفسير : [الصافات: 89]، وقوله: {أية : بل فعله كبيرهم} تفسير : [الأنبياء: 63] وقوله لسارة: هي أختي، وما هي إلا معارض كلام للكفرة {رب هب لي حكماً}، قيل: فهماً وعلماً، والمراد زيادة العلم {وألحقني بالصالحين} أي بلطفك الذي يؤدي إلى الاجتماع بالنبيين والمؤمنين {واجعل لي لسان صدق في الآخرين}، قيل: ثناءً حسناً {واجعلني من ورثة جنة النعيم}، قيل: ممن يكون له في الجنة حظ {واغفر لأبي}، قيل: دعا له بموعدة وعدها إياه، وقيل: آمن به في السر {ولا تخزني يوم يبعثون} ولقد أجابه حيث قال: {أية : وإنه في الآخرة لمن الصالحين} تفسير : [البقرة: 130] {يوم لا ينفع مال ولا بنون} {إلا من أتى الله بقلب سليم} خالص من الذنب والشك والبدع، وإذا سلم القلب سلمت باقي الجوارح {وأزلفت الجنة للمتقين}، قيل: قربت له حولها، وقيل: هذا من كلام إبراهيم، وقيل: بل هو ابتداء كلام الله تعالى {وبرزت الجحيم للغاوين} أي أظهرت حتى يرونها أهل الجمع {وقيل} لهم أي للغاوين {أين ما كنتم تعبدون} {من دون الله} يعني الأوثان التي عبدتموها {هل ينصرونكم أو ينتصرون} لأنفسهم، هذا توبيخ.
اطفيش
تفسير : {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ} على مشركي العرب. {نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} خبره.
الالوسي
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ } عطف على المضمر العامل في {أية : إِذْ نَادَىٰ }تفسير : [الشعراء: 10] الخ أي اذكر ذلك لقومك واتل عليهم {نَبَأَ إِبْرٰهِيمَ } أي خبره العظيم الشأن حسبما أوحي إليك ليتأكد عندك لعدم تأثرهم بما فيه العلم بشدة عنادهم. وتغيير الأسلوب لمزيد الاعتناء بأمر هذه القصة لأن عدم الإيمان بعد وقوفهم على ما تضمنته أقوى دليل على شدة شكيمتهم لما أن إبراهيم عليه السلام جدهم الذي يفتخرون بالانتساب إليه والتأسي به عليه السلام.
سيد قطب
تفسير : مضت قصة موسى ـ عليه السلام ـ مع فرعون وملئه؛ وانتهت بتلك النهاية، وفيها البشرى للمؤمنين المستضعفين المضطهدين ـ كما كانت القلة المؤمنة يومذاك في مكة ـ وفيه الدمار للظالمين المتجبرين الذين يشبه موقفهم موقف المشركين. فالآن تتبعها قصة إبراهيم ـ عليه السلام ـ وقومه. ويؤمر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يتلوها على المشركين. ذلك أنهم يزعمون أنهم ورثة إبراهيم، وأنهم على دينه القديم؛ وهم يشركون بالله، ويقيمون الأصنام لعبادتها في بيته الحرام، الذي بناه إبراهيم خالصاً لله.. فاتل عليهم نبأ إبراهيم ليتبينوا منه حقيقة ما يزعمون. والقصص في هذه السورة لا يتبع الخط التاريخي، لأن العبرة وحدها هي المقصودة. فأما في سورة الأعراف مثلاً فقد كان الخط التاريخي مقصوداً، لعرض خط وراثة الأرض، وتتابع الرسل من عهد آدم ـ عليه السلام ـ فمضى القصص فيها يتبع خط التاريخ، منذ الهبوط من الجنة، وبدء الحياة البشرية. والحلقة التي تعرض هنا من قصة إبراهيم ـ عليه السلام ـ هي حلقة الرسالة إلى قومه، وحواره معهم حول العقيدة، وإنكار الآلهة المدعاة، والاتجاه بالعبادة إلى الله. والتذكير باليوم الآخر. يعقب هذا مشهد كامل من مشاهد القيامة، يتنكر فيه العباد للآلهة، ويندمون على الشرك الذي انتهى بهم إلى ما هم فيه. كأنهم قد صاروا فعلاً إلى ما هم فيه! وهنا عبرة القصة للمشركين.. ومن ثم يتوسع في الحديث عن مقومات عقيدة التوحيد، وفساد عقيدة الشرك؛ ومصير المشركين في يوم الدين. لأن التركيز متجه إليها. ويختصر ما عدا ذلك مما يفصله في سور أخرى. وقد وردت حلقات من قصة إبراهيم ـ عليه السلام ـ في البقرة، والأنعام، وهود، وإبراهيم، والحجر، ومريم، والأنبياء، والحج. وكانت في كل سورة مناسبة لسياقها العام. وعرض منها ما يتفق مع موضوع السورة وجوها وظلها. عرضت في سورة البقرة حلقة بنائه للبيت هو وإسماعيل، ودعائه أن يجعل الله البلد الحرام آمناً، وإعلانه أن وراثة البيت ووراثة بانية إنما هي للمسلمين، الذين يتبعون ملته، لا لمن يدعون بالنسب وراثته. وكان هذا بصدد مخالفات بني إسرائيل، وطردهم ولعنهم، وتوريث دين إبراهيم وبيته للمسلمين.. وعرضت كذلك حلقة محاجته للملك الكافر في صفة الله الذي يحيي ويميت، والذي يأتي بالشمس من المشرق، وتحديه للملك أن يأتي بها من المغرب. فبهت الذي كفر. كما عرضت حلقة طلبه من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى، وأمره بذبح أربعة من الطير، وتوزيع أشلائهن على الجبال، ثم إحياؤها بين يديه، فجاءت تسعى إليه. وهذا وذلك في معرض الحديث في السورة، عن آيات الله وقدرته على الإماتة والإحياء. وعرضت في الأنعام حلقة بحثه عن ربه، واهتدائه إليه، بعد تأمل في النجوم والقمر والشمس، وتتبع مشاهد الكون.وكان ذلك في السورة التي تدور حول العقيدة، وآيات الله في الكون، ودلالتها على الصانع المبدع الذي لا شريك له. وعرضت في سورة هود حلقة تبشيره بإسحاق، وكان ذلك في سياق قصة لوط، ومرور الملائكة المكلفين تدمير قريته في طريقهم بإبراهيم. وفيها تبدو رعاية الله للمختارين من عباده وتدمير الفاسقين. وعرضت في سورة إبراهيم حلقة دعائه بجوار البيت المحرم لمن أسكنه من ذريته بواد غير زرع؛ وحمده على أن وهب له على الكبر إسماعيل وإسحاق؛ وطلبه إلى ربه أن يجعله مقيم الصلاة هو وذريته، وأن يقبل دعاءه، ويغفر له ولوالديه وللمؤمنين يوم يقوم الحساب.. وكان سياق السورة كله هو عرض أمة الرسل؛ برسالة واحدة، هي التوحيد؛ وعرض المكذبين بأمة الرسل صفاً واحداً كذلك؛ وكأنما الرسالة شجرة ظليلة في هجير الكفر وصحراء الجحود! وعرضت في سورة الحجر الحلقة التي عرضت في سورة هود مع شيء من التفصيل، في صدد ذكر رحمة الله بعباده المؤمنين، وعذابه للعصاة المذنبين. وعرضت في سورة مريم حلقة دعوته في رفق لأبيه، وغلظة أبيه عليه، واعتزاله لأبيه وقومه، وهبة إسماعيل وإسحاق له. وذلك في السورة التي تعرض رعاية الله للمصطفين من عباده. وجوها كله تظلله الرحمة والود واللين. وعرضت في سورة الأنبياء حلقة دعوته لأبيه وقومه، وزرايته على أصنامهم. وتحطيم هذه الأصنام، وإلقائه في النار التي كانت برداً وسلاماً عليه بأمر الله، ونجاته هو وابن أخيه لوط إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين. وذلك في صدد استعراض أمة الرسل، ورعاية الله لهذه الأمة واتجاهها إلى عبادة الله الواحد الذي ليس له شريك. ووردت في سورة الحج إشارة إلى أمر بتطهير البيت للطائفين والعاكفين.. {واتل عليهم نبأ إبراهيم، إذ قال لأبيه وقومه: ما تعبدون؟}.. اتل عليهم نبأ إبراهيم الذي يزعمون أنهم ورثته، وأنهم يتبعون ديانته. اتله عليهم وهو يستنكر ما كان يعبده أبوه وقومه من أصنام كهذه الأصنام التي يعبدها المشركون في مكة؛ وهو يخالف أباه وقومه في شركهم، وينكر عليهم ما هم عليه من ضلال، ويسألهم في عجب واستنكار: {ما تعبدون؟}. {قالوا: نعبد أصناماً فنظل لها عاكفين}! وهم كانوا يسمون أصنامهم آلهة. فحكاية قولهم: إنها أصنام. تنبئ بأنهم لم يكونوا يملكون إنكار أنها أصنام منحوتة من الحجر، وأنهم مع ذلك يعكفون لها، ويدأبون على عبادتها. وهذه نهاية السخف. ولكن العقيدة متى زاغت لم يفطن أصحابها إلى ما تنحط إليه عبادتهم وتصوراتهم ومقولاتهم! ويأخذ إبراهيم ـ عليه السلام ـ يوقظ قلوبهم الغافية، وينبه عقولهم المتبلدة، إلى هذا السخف الذي يزاولونه دون وعي ولا تفكير: {قال هل يسمعونكم إذ تدعون؟ أو ينفعونكم أو يضرون} فأقل ما يتوفر لإله يعبد أن يكون له سمع كعابده الذي يتوجه إليه بالعبادة والابتهال! وهذه الأصنام لا تسمع عبادها وهم يتوجهون إليها بالعبادة، ويدعونها للنفع والضر. فإن كانت صماء لا تسمع فهل هي تملك النفع والضر؟ لا هذا ولا ذاك يمكن أن يدعوه! ولم يجب القوم بشيء عن هذا فهم لا يشكون في أن إبراهيم إنما يتهكم ويستنكر؛ وهم لا يملكون حجة لدفع ما يقول. فإذا تكلموا كشفوا عن التحجر الذي يصيب المقلدين بلا وعي ولا تفكير: {قالوا: بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون}.. إن هذه الأصنام لا تسمع ولا تضر ولا تنفع. ولكنا وجدنا آباءنا يعكفون عليها، فعكفنا عليها وعبدناها! وهو جواب مخجل. ولكن المشركين لم يخجلوا أن يقولوه، كما لم يخجل المشركون في مكة أن يفعلوه. فقد كان فعل الآباء لأمر كفيلاً باعتباره دون بحث؛ بل لقد كان من العوائق دون الإسلام أن يرجع المشركون عن دين آبائهم، فيخلوا باعتبار أولئك الآباء، ويقروا أنهم كانوا على ضلال. وهذا ما لا يجوز في حق الذاهبين! وهكذا تقوم مثل هذه الاعتبارات الجوفاء في وجه الحق، فيؤثرونها على الحق، في فترات التحجر العقلي والنفسي والانحراف التي تصيب الناس، فيحتاجون معها إلى هزة قوية تردهم إلى التحرر والانطلاق والتفكير. وأمام ذلك التحجر لم يجد إبراهيم ـ على حلمه وأناته ـ إلا أن يهزهم بعنف، ويعلن عداوته للأصنام، وللعقيدة الفاسدة التي تسمح بعبادتها لمثل تلك الاعتبارات! {قال: أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون؟ فإنهم عدو لي إلا رب العالمين}.. وهكذا لم يمنعه أن أباه وأن قومه يعبدون ما يعبدون، أن يفارقهم بعقيدته، وأن يجاهر بعدائه لآلهتهم وعقيدتهم، هم وآباؤهم ـ وهم آباؤه ـ الأقدمون! وكذلك يعلم القرآن المؤمنين أن لا مجاملة في العقيدة لوالد ولا لقوم؛ وأن الرابطة الأولى هي رابطة العقيدة، وأن القيمة الأولى هي قيمة الإيمان. وأن ما عداه تبع له يكون حيث يكون. واستثنى إبراهيم {رب العالمين} من عدائه لما يعبدون هم وأباؤهم الأقدمون: {فإنهم عدو لي إلا رب العالمين}.. فقد يكون من آبائهم الأقدمين من عبدالله، قبل أن تفسد عقيدة القوم وتنحرف؛ وقد يكون من عبدالله ولكن أشرك معه آلهة أخرى مدعاة. فهو الاحتياط إذن في القول، والدقة الواعية في التعبير، الجديران بإبراهيم ـ عليه السلام ـ في مجال التحدث عن العقيدة وموضوعها الدقيق. ثم يأخذ إبراهيم ـ عليه السلام ـ في صفة ربه. رب العالمين. وصلته به في كل حال وفي كل حين. فنحس القربى الوثيقة، والصلة الندية، والشعور بيد الله في كل حركة ونأمة، وفي كل حاجة وغاية. {الذي خلقني فهو يهدين. والذي يطعمني ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين. والذي يميتني ثم يحيين. والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين}.. ونستشعر من صفة إبراهيم لربه، واسترساله في تصوير صلته به، أنه يعيش بكيانه كله مع ربه. وأنه يتطلع إليه في ثقة، ويتوجه إليه في حب؛ وأنه يصفه كأنه يراه، ويحس وقع إنعامه وإفضاله عليه بقلبه ومشاعره وجوارحه.. والنغمة الرخية في حكاية قوله في القرآن تساعد على إشاعة هذا الجو وإلقاء هذا الظل، بالإيقاع العذب الرخي اللين المديد.. {الذي خلقني فهو يهدين}.. الذي أنشأني من حيث يعلم ولا أعلم؛ فهو أعلم بماهيتي وتكويني، ووظائفي ومشاعري، وحالي ومآلي: {فهو يهدين} إليه، وإلى طريقي الذي أسلكه، وإلى نهجي الذي أسير عليه. وكأنما يحس إبراهيم ـ عليه السلام ـ أنه عجينة طيعة في يد الصانع المبدع، يصوغها كيف شاء، على أي صورة أراد. إنه الاستسلام المطلق في طمأنينة وراحة وثقة ويقين. {والذي هو يطعمني ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين}.. فهي الكفالة المباشرة الحانية الراعية، الرفيقة الودود، يحس بها إبراهيم في الصحة والمرض. ويتأدب بأدب النبوة الرفيع، فلا ينسب مرضه إلى ربه ـ وهو يعلم أنه بمشيئة ربه يمرض ويصح ـ إنما يذكر ربه في مقام الإنعام والإفضال إذ يطعمه ويسقيه.. ويشفيه.. ولا يذكره في مقام الابتلاء حين يبتليه. {والذي يميتني ثم يحيين}.. فهو الإيمان بأن الله هو الذي يقضي الموت، وهو الإيمان بالبعث والنشور في استسلام ورضى عميق. {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين}.. فأقصى ما يطمع فيه إبراهيم ـ عليه السلام ـ النبي الرسول، الذي يعرف ربه هذه المعرفة، ويشعر بربه هذا الشعور، ويحس في قرارة نفسه هذه القربى.. أقصى ما يطمع فيه أن يغفر له ربه خطيئته يوم الدين. فهو لا يبرئ نفسه، وهو يخشى أن تكون له خطيئة، وهو لا يعتمد على عمله، ولا يرى أنه يستحق بعمله شيئاً، إلا أنه يطمع في فضل ربه، ويرجو في رحمته، وهذا وحده هو الذي يطمعه في العفو والمغفرة. إنه شعور التقوى، وشعور الأدب، وشعور التحرج؛ وهو الشعور الصحيح بقيمة نعمة الله وهي عظيمة عظيمة، وقيمة عمل العبد وهو ضئيل ضئيل. وهكذا يجمع إبراهيم في صفة ربه عناصر العقيدة الصحيحة: توحيد الله رب العالمين. والإقرار بتصريفه للبشر في أدق شؤون حياتهم على الأرض. والبعث والحساب بعد الموت وفضل الله وتقصير العبد. وهي العناصر التي ينكرها قومه، وينكرها المشركون. ثم يأخذ إبراهيم الأواه المنيب في دعاء رخي مديد، يتوجه به إلى ربه في إيمان وخشوع؛ {رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين. واجعل لي لسان صدق في الآخرين. واجعلني من ورثة جنة النعيم. واغفر لأبي إنه كان من الضالين. ولا تخزني يوم يبعثون. يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم}.. والدعاء كله ليس فيه طلب لعرض من أعراض هذه الأرض؛ ولا حتى صحة البدن. إنه دعاء يتجه إلى آفاق أعلى؛ تحركه مشاعر أصفى. ودعاء القلب الذي عرف الله فأصبح يحتقر ما عداه. والذي ذاق فهو يطلب المزيد؛ والذي يرجو ويخاف في حدود ما ذاق وما يريد. {رب هب لي حكماً}.. أعطني الحكمة التي أعرف بها القيم الصحيحة والقيم الزائفة، فأبقى على الدرب يصلني بما هو أبقى. {وألحقني بالصالحين}.. يقولها إبراهيم النبي الكريم الأواه الحليم. فيا للتواضع! ويا للتحرج! ويا للإشفاق من التقصير! ويا للخوف من تقلب القلوب! ويا للحرص على مجرد اللحاق بالصالحين! بتوفيق من ربه إلى العمل الصالح الذي يلحقه بالصالحين! {واجعل لي لسان صدق في الآخرين}.. دعوة تدفعه إليها الرغبة في الامتداد، لا بالنسب ولكن بالعقيدة؛ فهو يطلب إلى ربه أن يجعل له فيمن يأتون أخيراً لسان صدق يدعوهم إلى الحق، ويردهم إلى الحنيفية السمحاء دين إبراهيم. ولعلها هي دعوته في موضع آخر. إذ يرفع قواعد البيت الحرام هو وابنه إسماعيل ثم يقول: {أية : ربنا واجعلنا مسلمين لك. ومن ذريتنا أمة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم. ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك، ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويزكيهم، إنك أنت العزيز الحكيم}.. تفسير : وقد استجاب الله له، وحقق دعوته، وجعل له لسان صدق في الآخرين، وبعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم.. وكانت الاستجابة بعد آلاف من السنين. هي في عرف الناس أمد طويل، وهي عند الله أجل معلوم، تقتضي حكمته أن تتحقق الدعوة المستجابة فيه. {واجعلني من ورثة جنة النعيم}.. وقد دعا ربه ـ من قبل ـ أن يلحقه بالصالحين، بتوفيقه إلى العمل الصالح، الذي يسلكه في صفوفهم. وجنة النعيم يرثها عباد الله الصالحون. {واغفر لأبي إنه كان من الضالين}.. ذلك على الرغم مما لقيه إبراهيم ـ عليه السلام ـ من أبيه من غليظ القول وبالغ التهديد. ولكنه كان قد وعده أن يستغفر له، فوفى بوعده. وقد بين القرآن فيما بعد أنه لا يجوز الاستغفار للمشركين ولو كانوا أولي قربى؛ وقرر أن إبراهيم استغفر لأبيه بناء على موعدة وعدها إياه {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} وعرف أن القرابة ليست قرابة النسب، إنما هي قرابة العقيدة.. وهذه إحدى مقومات التربية الإسلامية الواضحة. فالرابطة الأولى هي رابطة العقيدة في الله، ولا تقوم صلة بين فردين من بني البشر إلا على أساسها. فإذا قطعت هذه الصلة انبتت سائر الوشائج؛ وكانت البعدى التي لا تبقى معها صلة ولا وشيجة. {ولا تخزني يوم يبعثون، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم}.. ونستشف من قولة إبراهيم ـ عليه السلام ـ: {ولا تخزني يوم يبعثون} مدى شعوره بهول اليوم الآخر؛ ومدى حيائه من ربه، وخشيته من الخزي أمامه، وخوفه من تقصيره. وهو النبي الكريم. كما نستشف من قوله: {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم}. مدى إدراكه لحقيقة ذلك اليوم. وإدراكه كذلك لحقيقة القيم. فليست هنالك من قيمة في يوم الحساب إلا قيمة الإخلاص. إخلاص القلب كله لله، وتجرده من كل شائبة، ومن كل مرض، ومن كل غرض، وصفائه من الشهوات والانحرافات. وخلوه من التعلق بغير الله. فهذه سلامته التي تجعل له قيمة ووزناً {يوم لا ينفع مال ولا بنون}؛ ولا ينفع شيء من هذه القيم الزائلة الباطلة، التي يتكالب عليها المتكالبون في الأرض؛ وهي لا تزن شيئاً في الميزان الأخير! وهنا يرد مشهد من مشاهد القيامة يرسم ذلك اليوم الذي يتقيه إبراهيم؛ فكأنما هو حاضر، ينظر إليه ويراه، وهو يتوجه لربه بذلك الدعاء الخاشع المنيب: {وأزلفت الجنة للمتقين. وبرزت الجحيم للغاوين. وقيل لهم: أين ما كنتم تعبدون من دون الله؟ هل ينصرونكم أو ينتصرون؟ فكبكبوا فيها هم والغاوون، وجنود إبليس أجمعون. قالوا وهم فيها يختصمون: تالله إن كنا لفي ضلال مبين. إذ نسويكم برب العالمين. وما أضلنا إلا المجرمون. فما لنا من شافعين ولا صديق حميم. فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين!}. لقد قربت الجنة وعرضت للمتقين، الذين كانوا من عذاب ربهم مشفقين. ولقد كشفت الجحيم وأبرزت للغاوين، الذين ضلوا الطريق وكذبوا بيوم الدين، وإنهم لعلى مشهد من الجحيم يقفون. حيث يسمعون التقريع والتأنيب، قبل أن يكبكبوا في الجحيم.. إنهم يسألون عما كانوا يعبدون من دون الله ـ وذلك تساوق مع قصة إبراهيم وقومه وما كان بينه وبينهم من حوار عما كانوا يعبدون ـ إنهم ليسألون اليوم: {أين ما كنتم تعبدون من دون الله؟} أين هم {هل ينصرونكم أو ينتصرون} ثم لا يسمع منهم جواب، ولا ينتظر منهم جواب. إنما هو سؤال لمجرد التقريع والتأنيب {فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون}.. كبكبوا.. وإننا لنكاد نسمع من جرس اللفظ صوت تدفعهم وتكفئهم وتساقطهم بلا عناية ولا نظام، وصوت الكركبة الناشئ من الكبكبة، كما ينهار الجرف فتتبعه الجروف. فهو لفظ مصور بجرسه لمعناه. وإنهم لغاوون ضالون، وقد كبكب معهم جميع الغاوون. هم {وجنود إبليس أجمعون}. والجميع جنود إبليس. فهو تعميم شامل بعد تخصيص. ثم نستمع إليهم في الجحيم.. إنهم يقولون لآلهتهم من الأصنام: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} فنعبدكم عبادته. إما معه وإما من دونه. الآن يقولونها بعد فوات الأوان! وهم يلقون التبعة على المجرمين منهم، الذين أضلوهم وصدوهم عن الهدى. ثم يفيقون فيعلمون أن الأوان قد فات، وأنه لا جدوى من توزيع التبعات: {فما لنا من شافعين ولا صديق حميم} فلا آلهة تشفع، ولا صداقات تنفع.. وإذا لم تكن شفاعة فيما مضى أفلا رجعة إلى الدنيا لنصلح ما فاتنا فيها؟ {فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين}! وما هو إلا التمني. فلا رجعة ولا شفاعة فهذا يوم الدين! ثم يجيء التعقيب المعهود: {إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم}.. وهو نفس التعقيب الذي جاء في السورة بعد عرض مصارع عاد وثمود وقوم لوط. كما جاء تعقيباً على كل آية من آيات الله وقعت للمكذبين. فهذا المشهد من مشاهد القيامة عوض في سياق السورة عن مصارع المكذبين في الدنيا. إذ يصور نهاية قوم إبراهيم. ونهاية الشرك كافة. وهو موضع العبرة في قصص السورة جميعاً. ومشاهد القيامة في القرآن تعرض كأنها واقعة، وكأنما تشهدها الأبصار حين تتلى، وتتملاها المشاعر، وتهتز بها الوجدانات. كالمصارع التي تمت على أعين الناس وهم يشهدون.
ابن عاشور
تفسير : عقبت قصة موسى مع فرعون وقومه بقصة رسالة إبراهيم. وقدمت هنا على قصة نوح على خلاف المعتاد في ترتيب قصصهم في القرآن لشدة الشبه بين قوم إبراهيم وبين مشركي العرب في عبادة الأصنام التي لا تَسمع ولا تبصر. وفي تمسكهم بضلال آبائهم وأن إبراهيم دعاهم إلى الاستدلال على انحطاط الأصنام عن مرتبة استحقاق العبادة ليكون إيمان الناس مستنداً لدليل الفطرة، وفي أن قوم إبراهيم لم يسلّط عليهم من عذاب الدنيا مثل ما سلط على قوم نوح وعلى عاد وثمود وقوم لوط وأهل مدين فأشبهوا قريشاً في إمهالهم. فرسالة محمد وإبراهيم صلى الله عليهما قائمتان على دعامة الفطرة في العقل والعمل، أي في الاعتقاد والتشريع، فإن الله ما جعل في خلق الإنسان هذه الفطرة ليضيعها ويهملها بل ليقيمها ويعملها. فلما ضرب الله المثل للمشركين لإبطال زعمهم أنهم لا يؤمنون حتى تأتيهم الآيات كما أوتي موسى، فإن آيات موسى وهي أكثر آيات الرسل السابقين لم تقض شيئاً في إيمان فرعون وقومه لما كان خلقهم المكابرة والعناد أعقب ذلك بضرب المثل بدعوة إبراهيم المماثلة لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم في النداء على إعمال دليل النظر. وضمير {عليهم} عائد إلى معلوم من السياق كما تقدم في قوله أول السورة {أية : ألا يكونوا مؤمنين}تفسير : [الشعراء: 3]. والتلاوة: القراءة. وتقدم في قوله: {أية : ما تتلوا الشياطين} تفسير : في [البقرة: 102]. و{نبأ إبراهيم}: قصته المذكورة هنا، أي اقرأ عليهم ما ينزل عليك الآن من نبأ إبراهيم. وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتلاوته للإشارة إلى أن الكلام المتضمن نبأ إبراهيم هو آية معجزة، وما تضمنته من دليل العقل على انتفاء إلهية الأصنام التي هي كأصنام العرب آية أيضاً. فحصل من مجموع ذلك آيتان دالّتان على صدق الرسول. وتقدم ذكر إبراهيم عند قوله تعالى: {أية : وإذ ابتلى إبراهيمَ} تفسير : في [البقرة: 124]. و{إذ قال} ظرف، أي حين قال. والجملة بيان للنبأ، لأن الخبر عن قصة مضت فناسب أن تبيّن باسم زمان مضاف إلى ما يفيد القصة. وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: {أية : واتْلُ عليهم نَبَأ نوح إذ قال لقومه يا قوم} تفسير : الآية في سورة [يونس: 71]. و{ما} اسم استفهام يسأل به عن تعيين الجنس كما تقدم في قوله: {أية : وما ربّ العالمين}تفسير : في هذه السورة [23]. والاستفهام صوري فإن إبراهيم يعلم أنهم يعبدون أصناماً ولكنه إراد بالاستفهام افتتاح المجادلة معهم فألقى عليهم هذا السؤال ليكونوا هم المبتدئين بشرح حقيقة عبادتهم ومعبوداتهم، فتلوح لهم من خلال شرح ذلك لوائح ما فيه من فساد، لأن الذي يتصدّى لشرح الباطل يشعر بما فيه من بطلان عند نظم معانيه أكثر مما يشعر بذلك من يسمعه، ولأنه يعلم أن جوابهم ينشأ عنه ما يريده من الاحتجاج على فساد دينهم وقد أجابوا استفهامه بتعيين نوع معبوداتهم. وأدخلَ أباه في إلقاء السؤال عليهم: إمّا لأنه كان حاضراً في مجلس قومه إذ كان سادن بيت الأصنام كما روي، وإمّا لأنه سأله على انفراد وسأل قومه مرة أخرى فجمعت الآية حكاية ذلك. والأظهر أن إبراهيم ابتدأ بمحاجّة أبيه في خاصتهما ثم انتقل إلى محاجّة قومه، وأن هذه هي المحاجّة الأولى في ملإ أبيه وقومه؛ ألقى فيها دعوته في صورة سؤال استفسار غير إنكار استنزالاً لطائر نفورهم، وأما قوله في الآية الأخرى {أية : إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكاً آلهة دون الله تريدون}تفسير : [الصافات: 85 - 86] فذلك مقام آخر له في قومه كان بعد الدعوة الأولى المحكية في سورة الصافات. ولأجل ذلك كان الاستفهام مقترناً بما يقتضي التعجب من حالهم بزيادة كلمة (ذا) بعد (ما) الاستفهامية في سورة الأنبياء. وكلمة (ذا) إذا وقعت بعد (مَا) تؤول إلى معنى اسم الموصول فصار المعنى في سورة الأنبياء: ما هذا الذي تعبدونه، فصار الإنكار مسلطاً إلى كون تلك الأصنام تُعبد. والظاهر أنه ألقى عليهم السؤال حين تلبُّسهم بعبادة الأصنام كما هو مناسب الإتيان بالمضارع في قوله: {تعبدون} وما فهم قومه من كلامه إلا الاستفسار فأجابوا: بأنهم يعبدون أصناماً يعكفون على عبادتها. والتنوين في {أصناماً} للتعظيم، ولذا عدل عن تعريفها وهم يعلمون أن إبراهيم يعرفها ويعلم أنهم يعبدونها. واسم الأصنام عندهم اسم عظيم فهم يفتخرون به على عكس أهل التوحيد. ولهذا قال إبراهيم لهم في مقام آخر {أية : إنما تَعبدون من دون الله أوثاناً}تفسير : [العنكبوت: 17] على وجه التحقير لمعبوداتهم والتحميق لهم. وأتوا في جوابهم بفعل {نعبد} مع أن الشأن الاستغناء عن التصريح إذ كان جوابهم عن سؤال فيه {تعبدون}. فلا حاجة إلى تعيين جنس المعبودات فيقولوا أصناماً كما في قوله تعالى: {أية : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو}تفسير : [البقرة: 219]، {أية : ماذا قال ربكم قالوا الحق}تفسير : [سبأ: 23] {أية : ماذا أنزل ربّكم قالوا خيراً}تفسير : [النحل: 30] فعدلوا عن سُنَّة الجواب إلى تكرير الفعل الواقع في السؤال ابتهاجاً بهذا الفعل وافتخاراً به، ولذلك عطفوا على قولهم: {نعبد} ما يزيد فعل العبادة تأكيداً بقولهم: {فنظَلُّ لها عاكفين}. وفي فعل «نظَلّ» دلالة الاستمرار جميع النهار. وأيضاً فهم كانوا صابئة يعبدون الكواكب وجعلوا الأصنام رموزاً على الكواكب تكون خلَفاً عنها في النهار، فإذا جاء الليل عبدوا الكواكب الطالعة. وضمّن {عاكفين} معنى (عابدين) فعدي إليه الفعل باللام دون (على). ولما كان شأن الرب أن يُلجأ إليه في الحاجة وأن ينفع أو يضر ألقى إبراهيم عليهم استفهاماً عن حال هذه الأصنام هل تسمع دعاء الداعين وهل تنفع أو تضر تنبيهاً على دليل انتفاء الإلهية عنها. وكانت الأمم الوثنية تعبد الوثن لرجاء نفعه أو لدفع ضره ولذلك عبد بعضهم الشياطين. وجعل مفعول {يسمعونكم}ضمير المخاطبين توسعاً بحذف مضاف تقديره: هل يسمعون دعاءكم كما دل عليه الظرف في قوله: {إذ تدعون}. وأراد إبراهيم فتح المجادلة ليعجزوا عن إثبات أنها تسمع وتنفع. و{بل} في حكاية جواب القوم لإضراب الانتقال من مقام إثبات صفاتهم إلى مقام قاطع للمجادلة في نظرهم وهو أنهم ورثوا عبادة هذه الأصنام، فلما طوَوا بساط المجادلة في صفات آلهتهم وانتقلوا إلى دليل التقليد تفادياً من كلفة النظر والاستدلال بالمصير إلى الاستدلال بالاقتداء بالسلف. وقوله: {كذلك يفعلون} تشبيه فعل الآباء بفعلهم وهو نعت لمصدر محذوف، والتقدير: يفعلون فعلاً كذلك الفعلِ. وقدم الجار والمجرور على {يفعلون} للاهتمام بمدلول اسم الإشارة. واقتصرَ إبراهيم في هذا المقام (الذي رجحنا أنه أول مقام قام فيه للدعوة) على أنْ أظهر قلة اكتراثه بهذه الأصنام فقال: {فإنهم عدوٌّ لي} لأنه أيقن بأن سلامته بعد ذلك تدل على أن الأصنام لا تضرّ وإلاّ لضَرَّته لأنه عدُوّها. وضمير {فإنهم} عائد إلى {ما كنتم تعبدون}. وقوله: {وآباءكم} عطف على اسم {كنتم}. والعدوّ: مشتق من العُدوان، وهو الإضرار بالفعل أو القول. والعدوّ: المُبغض، فعدوّ: فعول بمعنى فاعل يُلازم الإفراد والتذكير فلا تلحقه علامات التأنيث (إلا نادراً كقول عمر لنساء من الأنصار: يا عدوات أنفسهن). قال في «الكشاف»: حملاً على المصدر الذي على وزن فَعول كالقبول والولوع. والأصنام لا إدراك لها فلا توصف بالعداوة. ولذلك فقوله {فإنهم عدو لي} من قبيل التشبيه البليغ، أي هم كالعدوّ لي في أني أُبغِضهم وأُضرهم. وهذا قريب من قوله تعالى: {أية : إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدواً}تفسير : [فاطر: 6] أي عاملوه معاملة العدوِّ عدوَّه. وبهذا الاعتبار جُمع بني قوله {أية : لكم عدوّ}تفسير : [فاطر: 6] وقوله: {أية : فاتخذوه عدوّاً}تفسير : [فاطر: 6]. والتعبير عن الأصنام بضمير جمع العقلاء في قوله: {فإنهم} دون (فإنَّها) جرْي على غالب العبارات الجارية بينهم عن الأصنام لأنهم يعتقدونها مدركة. وجملة: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} مفرّعة على جمل كلام القوم المتضمنة عبادتهم الأصنام وأنهم مقتدون في ذلك بآبائهم. فالفاء في {أفرأيتم} للتفريع وقدم عليها همزة الاستفهام اتّباعاً للاستعمال المعروف وهو صدارة أدوات الاستفهام. وفعل الرؤية قلبي. ومثل هذا التركيب يستعمل في التنبيه على ما يجب أن يعلم على إرادة التعجيب مما يُعلم من شأنه. ولذلك كثر إردافه بكلام يشير إلى شيء من عجائب أحوال مفعول الرؤية كقوله تعالى: {أية : أفرأيتَ الذي تولّى وأعطى قليلاً}تفسير : [النجم: 33 - 34] الآية، ومنه تعقيب قوله هنا {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} بقوله: {فإنهم عدو لي}. وعطف {آباؤكم} على {أنتم} لزيادة إظهار قلة اكتراثه بتلك الأصنام مع العلم بأن الأقدمين عبدوها فتضمن ذلك إبطالَ شبهتهم في استحقاقها العبادة. ووصف الآباء بالأقدمية إيغال في قلة الاكتراث بتقليدهم لأن عرف الأمم أن الآباء كلما تقادم عهدهم كان تقليدهم آكد. والفاء في قوله: {فإنهم عدو لي} للتفريع على ما اقتضته جملة: {أفرأيتم ما كنتم تعبدون} من التعجيب من شأن عبادتهم إياها. ويجوز جعل الرؤية بصرية لها مفعول واحد وجَعْل الاستفهام تقريرياً والكلام مستعمل في التنبيه لشيء يريد المتكلم الحديث عنه ليعيه السامع حق الوعي، أو فاء فصيحة بتقدير: إن رأيتموهم فاعلموا أنهم عدُوّ لي. وهذا الوجه أظهر. والاستثناء في قوله: {إلا رب العالمين} منقطع. و{إلا} بمعنى (لكن) إذا كان ربّ العالمين غير مشمول لعبادتهم إذ الظاهر أنهم ما كانوا يعترفون بالخالق ولم يكونوا يجعلون آلهتهم شركاء لله كما هو حال مشركي العرب، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : قال بل فعله كبيرهم هذا}تفسير : [الأنبياء: 63] فهو الصنم الأعظم عندهم، وإلى قوله: {أية : قال أتحاجّوني في الله وقد هدان}تفسير : [الأنعام: 80]. ويظهر أن الكلدانيين (قوم إبراهيم) لم يكونوا يؤمنون بالخالق الذي لا تدركه الأبصار. وكان أعظم الآلهة عندهم هو كوكبَ الشمس والصنم الذي يمثل الشمس هو (بعل)، فوظيفة الأصنام عندهم تدبير شؤون الناس في حياتهم. وأما الإيجاد والإعدام فكانوا من الذين يقولون {أية : وما يُهلكنا إلا الدهر}تفسير : [الجاثية: 24] وأن الإيجاد من أعمال التناسل وهم في غفلة عن سر تكوين تلك النظم الحيوانية وإيداعها فيها. وقد يكونون معترفين برب عظيم خالق للأكوان وإنما جعلوا الأصنام شركاء له في التصرف في نظام تلك المخلوقات كما كان حال الإشراك في العرب فيكون الاستثناء متصلاً لأنَّ الله من جملة معبودِيهم، أي إلا الرب الذي خلق العوالم. وتقدم ذكر أصنام قوم إبراهيم في سورة الأنبياء. وانظر ما يأتي في سورة العنكبوت.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: واتل عليهم نبأ إبراهيم: أي اقرأ يا رسولنا على قومك خبر إبراهيم وشأنه العظيم. لأبيه وقومه: أي آزر والبابليين. فنظل لها عاكفين: أي فنقيم أكثر النهار عاكفين على عبادتها. قالوا بل وجدنا: أي لا تسمع ولا تنفع ولا تضر بل وجدنا آباءنا لها عابدين فنحن تبع لهم. فإنهم عدو لي: أي أعداء لي يوم القيامة إذا أنا عبدتهم لأنهم يتبرءون من عابديهم. إلا رب العالمين: فإن من يعبده لا يتبرأ منه يوم القيامة بل ينجيه من النار ويكرمه بالجنة. فهو يهدين: أي إلى ما ينجيني من العذاب ويسعدني في دنياي وأخراي. والذي يميتني ثم يحيين: أي يميتني عند انتهاء أجلي، ثم يحييني ليوم الدين. يوم الدين: أي يوم الجزاء والحساب وهو يوم القيامة والبعث الآخر. معنى الآيات: هذا بداية قصص إبراهيم عليه السلام والقصد منه عرض حياة إبراهيم الدعوية على مسامع قريش قوم محمد صلى الله عليه وسلم علهم يتعظون بها فيؤمنوا ويوحدوا فيسلموا ويسلموا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة قال تعالى {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} أي اقرأ على قومك من قريش خبر إبراهيم في الوقت الذي قال لأبيه وقومه {مَا تَعْبُدُونَ} مستفهماً إياهم ليرد على جوابهم وهو أسلوب حكيم في الدعوة والتعليم يسألهم ويجيبهم بناء على مقتضى سؤالهم فيكون ذلك أدعى للفهم وقبول الحق: {قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً} أي في صور تماثيل {فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ} فنقيم أكثر النهار عاكفين حولها نتقرب إليها ونتبرك بها خاشعين خاضعين عندها. ولما سمع جوابهم وقد صدقوا فيه قال لهم {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ} أي إذ تدعونها {أَوْ يَنفَعُونَكُمْ} إن طلبتم منهم منفعة {أَوْ يَضُرُّونَ} إن طلبتم منهم أن يضروا أحداً تريدون ضره أنتم؟ فأجابوا قائلين في كل ذلك لا، لا، لا. وإنما وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ففعلنا مثلهم اقتداءً بهم واتباعاً لطريقتهم، وهنا صارحهم إبراهيم بما يريد أن يفهموه عنه فقال {أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ} الذي هم أجدادكم الذين ورث عنهم آباؤكم هذا الشرك والباطل {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ} أي أعداء لي وذلك يوم القيامة إن أنا عبدتهم معكم، لأن كل مَنْ عُبد من دون الله يتبرأ يوم القيامة ممن عبده ويعلن عداوته له طلباً لنجاة نفسه من عذاب الله. وقوله {إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} فإنه لا يكون عدواً لمن عبده بل يكون ودوداً له رحيماً به. ألا فاعبدوه يا قوم واتركوا عبادة من يكون عدواً لكم يوم القيامة!! ثم أخذ إبراهيم يذكر ربه ويثني عليه ويمجده تعريفاً به وتذكيراً لأولئك الجهلة المشركين فقال {ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} أي إلى طريق نجاتي وكمالي وسعادتي وذلك ببيانه لي محابة لآتيها، ومساخطه لأتجنبها، {وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} أي يغذوني بأنواع الأطعمة ويسقيني بما خلق ويسر لي من أنواع الأشربة من ماء ولبن وعسل، {وَإِذَا مَرِضْتُ} بأن اعتل جسمي وسقم فهو لا غيره يشفيني، {وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي} يوم يريد إماتتي عند انتهاء ما حدد لي من أجل تنتهي به حياتي، ثم يحييني يوم البعث والنشور، {وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي} أي يسترها ويمحو أثرها من نفسي يوم الدين أي يوم الجزاء والحساب على عمل الإِنسان في هذه الدار إذ هي دار عمل والآخرة دار جزاء. وإذا قيل ما المراد من الخطيئة التي ذكر إبراهيم لنفسه؟ فالجواب إنها الكذبات الثلاث التي كانت لإِبراهيم طوال حياته الأولى قوله {أية : إِنِّي سَقِيمٌ} تفسير : [الصافات: 89] والثانية {أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا}تفسير : [الأنبياء: 63] والثالثة قولي للطاغية إنه أخي ولا تقولي إنه زوجي، هذه الكذبات التي كانت لإِبراهيم فهو خائف منها ويوم القيامة لما تطلب منه البشرية الشفاعة عند ربها يذكر هذه الكذبات ويقول إنما أنا من وراء وراء فاذهبوا إلى موسى. ألا فليتعظ المؤمنون الذين كذبهم لا يعد كثرة!! هداية الآيات من هداية الآيات: 1- تقرير النبوة المحمدية بذكر هذا القصص. 2- تقرير التوحيد بالحوار الذي دار بين إبراهيم إمام الموحدين وقومه المشركين. 3- بيان أن كل من عبد معبوداً غير الله تعالى سيكون له عدواً لدوداً يوم القيامة. 4- بيان أن العكوف على الأضرحة والتمرغ في تربتها وطلب الشفاء منها شرك. 5- بيان الاسلوب الحكيم في الدعوة إلى الله تعالى من طريق السؤال والجواب.
القطان
تفسير : اتلُ عليهم: أخبرهم، واقرأ عليهم. عاكفين: ملازمين على عبادتها ومواظبين. يوم الدين: يوم القيامة. حُكما: علما بالخبر والعمل به. لسانَ صدق: ذكراً جميلا بين الناس. يوم يُبعثون: يوم القيامة. في هذه الآيات الكريمة عرضٌ لقصة إبرهيمَ عليه السلام، وقد وردت قصتُه في سور: البقرة والأَنعام وهو إبراهيم والحِجر ومريم والأنبياء والحج، وكانت القصة في كل سورة مناسبةً لسياقها العام، وعُرِض منها ما يتفق مع موضوع السورة. وخلاصتها: أخبرْ يا محمد الناس قصة ابراهيم إذ قال لأبيه وقومه: أي شيء هذا الذي تعبدونه؟ قالوا: نعبد أصناماً ونلتزم طاعتها ونواظب على ملازمتها. فقال ابراهيم: هل تسمعكم هذه الأصنام حين تدعونها، وهل تضركم او تنفعكم؟ قالوا: لا يفعلون لنا شيئا من ذلك، ولكننا وجدْنا آباءنا يعبدونها فقلّدناهم فيما كانوا يفعلون. قال ابراهيم: هل فكّرتم فيما تفعلون وما تعبدون، انتم وآباؤكم، بأن هذه الأصنام أهلٌ للعبادة؟ انني عدو لهذه الأصنام، فأنا اعبد رب العالمين الذي خلقني وتكفّل برعايتي، وهداني الى الدين الذي يدلّني على أسلوب الحياة الصحيح. انه هو الذي يسّر لي الرزقَ وأنعم عليّ بالطعام والشراب، وهو الذي ينعم علي بالشفاء إذا مرضتُ.. (الم يقل والذي يُمرْضني، بل قال واذا مرضتُ، وهذا من الأدب مع ربه).... وهو الذي يميتني اذا حلّ أجَلي، والذي يحييني مرةً أخرى للحساب والجزاء، وأما أطمع ان يغفر لي ذنوبي يوم القيامة. ثم توجه ابراهيم الى ربه بالدعاء فقال: يا رب، امنحني عِلماً أسير على هداه، ووفّقني لأنتظمَ في عداد الصالحين، واجعل لي ثناءً حسنا، وذِكراً جميلا يبقى أثره بين الناس الى يوم القيامة. واجعلني يا ربّ من عبادِك الذين يدخلون جنة النعيم، واغفر لأبي إنه كان من الكافرين، ولا تُذلّني يوم القيامة، يوم لا ينفعُ أحداً مالُه ولا أولاده لا من جاء الله بقلبٍ سليم من كل كفر ورياءٍ ونفاق.
د. أسعد حومد
تفسير : {إِبْرَاهِيمَ} (69) - واتْلُ يا مُحَمَّدُ عَلَى قَوْمِكَ أخْبَارَ أبيهِمْ إبراهيمَ عَليهِ السَّلامُ، لَعَلَّهُمْ يَقْتَدُونَ بهِ في الإِخلاصِ والتَّوَكُّلِ على اللهِ تَعالى، وَعِبَادَتِه وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لهُ، والتَّبَرُّؤ منَ الشِّرْكِ وأهلِهِ فقدْ أُوتِي رُشْدَهُ من صِغَرِهِ، فَهوَ حينَ نَشَأَ وَتَرَعْرَعَ أنكَرَ على أبيهِ وقومِهِ عبادةَ الأصْنَامِ.
الثعلبي
تفسير : {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُواْ نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ}. قال بعض العلماء: إنّما قالوا: فنظل لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل. {قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ} قراءة العامة بفتح الياء أي: هل يَسمعون دعاءكم، وقرأ قتادة يُسمعونكم بضم الياء {إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ}. وفي هذه الآية بيان أنَّ الدين إنما يثبت بالحجة وبطلان التقليد فيه. {قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَّا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمُ ٱلأَقْدَمُونَ} الأولون {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ} وأنا منهم بريء، وإنما وحّد العدو لأن معنى الكلام: فإنّ كل معبود لكم عدوّ لي لو عبدتهم يوم القيامة، كما قال الله سبحانه وتعالى {أية : كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً}تفسير : [مريم: 82]. وقال الفرّاء: هو من المقلوب أراد فإنّي عدو لهم لأنّ مَن عاديَته عاداك. ثم قال {إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ} نصب بالاستثناء يعني فإنهم عدو لي وغير معبود لي إلاّ ربّ العالمين فإنّي أعبده، قاله الفرّاء، وقيل: هو بمعنى لكن، وقال الحسن بن الفضل: يعني الأمر عند رب العالمين. ثم وصفه فقال {ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} أخبر أن الهادي على الحقيقة هو الخالق لا هادي غيره. قال أهل اللسان: الذي خلقني في الدنيا على فطرته فهو يهديني في الآخرة إلى جنته. {وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ} يعني يرزقني ويربيني. وقال أبو العباس بن عطاء: يعني يطعمني أيّ طعام شاء، ويسقيني أيّ شراب شاء. قال محمد بن كثير العبدي: صحبت سفيان الثوري بمكة دهراً فكان يستف من السبت الى السبت كفّاً من رمل. وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول: سمعت أبا الحسن محمد بن علي بن الشاه يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن علي بن حمدان يقول: سمعت الحجاج بن عبد الكريم يقول: خرجت من بلخ في طلب إبراهيم بن أدهم فرأيته بحمص في أتون يسجّرها فسلّمت عليه وسألته عن حاله، فردّ عليَّ السلام وسألني عن حالي وحال أقربائه، فكنت معه يومه ذلك فقال: لعلّ نفسك تنازعك الى شيء من طعام؟ فقلت: نعم فأخذ رماداً وتراباً فخلطهما وأكلهما ثمَّ أقبل بوجهه عليَّ وانشأ يقول: شعر : اخلط الترب بالرماد وكُلْه وازجر النفس عن مقام السؤالِ فإذا شئت ان تقبّع بالذلّ فرم ما حوته أيدي الرجال تفسير : فخرجت من عنده فمكثت أياماً لم أدخل عليه فاشتدّ شوقي إليه، فدخلت عليه وكنت عنده فلم يتكلّم بشيء فقلت له: لِمَ لا تكلّم؟ فقال: شعر : مُنع الخطاب لأنه سبب االردى والنطق فيه معادن الآفاتِ فإذا نطقتَ فكن لربّك ذاكراً وإذا سكتَّ فعدّ جسمك مات تفسير : قال أبو بكر الوراق: يطعمني بلا طعام ويسقيني بلا شراب، ومجازها: يشبعني ويرويني من غير علاقة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنّى أبيت يطعمني ربّي ويسقيني".تفسير : يدلّ عليه حديث السقاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سمع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام يقرأ {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا} فرمى بقربته، فأتاه آت في منامه بقدح من شراب الجنّة فسقاه. قال أنس: فعاش بعد ذلك نيّفاً وعشرين سنة لم يأكل ولم يشرب على شهوته. وقال علي بن قادم: كان عبد الرَّحْمن بن أبي نعم لا يأكل في الشهر إلاّ مرَّة، فبلغ ذلك الحجاج فدعاه وأدخله بيتاً وأغلق عليه بابه ثم فتحه بعد خمسة عشر يوماً ولم يشكّ أنّه مات فوجده قائماً يصلّي فقال: يا فاسق تُصلّي بغير وضوء فقال: إنّما يحتاج الى الوضوء مَن يأكل ويشرب، وأنا على الطهارة التي أدخلتني عليها هذا البيت. وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد النيسابوري يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الاصبهاني يقول: سمعت أبا سعيد الخزاز بمكة يقول: كنت بطرسوس جائعاً، فاشتدَّ بي الجوع فجلست على شاطئ النهر ووضعت رجلي في الماء فنوديت: أضجرت من جوعك؟ هاك شبع الأبد. قال: فعاش بعده سنين لم يشته طعاماً ولا شراباً، وكان مع ذاك إذا أراد الاكل والشرب أمكنه. وبلغني أنّ امرأة اسرت من حلب الى الروم في أيام سيف الدولة علي بن حمدان، فهربت منهم ومشت مائتي فرسخ لم تطعم شيئاً، فقدمت الى سيف الدولة فقال لها: كيف قويت على المشي وكيف عشت بلا طعام ؟ فقالت: كنتُ كلّما جعت أو أعييت أقرأ {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ}تفسير : [الإخلاص: 1] ثلاث مرّات فأشبع وأروى وأقوى. وسمعت أبا القاسم؟ يقول: سمعت أبا القاسم النصرآبادي يقول: سمعت أبا بكر الشبلي يقول: في الخبز لطيفة تشبعك لا الخبز، ولو شاء لأبقى فيك تلك اللطيفة حتى لا تحتاج الى الخبز. وقال ذو النون المصري: يطعمني طعام المحبّة ويسقيني شراب المحبّة. ثم أنشأ يقول: شعر : شراب المحبّة خير الشراب وكلّ شراب سواه سراب تفسير : وسمعت ابن حبيب يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن عبيد الله الجرجاني يقول: سمعت الحسن بن علوية الدامغاني يقول: سمعت عمّي يقول: سمعت أبا يزيد البسطامي يقول: إنَّ لله شراباً يقال له شراب المحبّة ادّخرهُ لأفاضل عباده، فإذا شربوا سكروا، فإذا سكروا طاشوا، فإذا طاشوا طاروا، فإذا طاروا وصلوا، فإذا وصلوا اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر. وقال الجنيد: يُحشر الناس كلّهم عراة إلاّ من لبس لباس التقوى، وغراثاً إلاّ من أكل طعام المعرفة، وعطاشى إلاّ من شرب شراب المحبّة. {وَإِذَا مَرِضْتُ} أضاف إبراهيم (عليه السلام) المرض الى نفسه وإن كان من الله سبحانه؛ لأنّ قومه كانوا يعدّونه عيباً فاستعمل حسن الأدب، نظيرها قصة الخضر حيث قال {أية : فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا}تفسير : [الكهف: 79] وقال {أية : فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا}تفسير : [الكهف: 82]. {فَهُوَ يَشْفِينِ} يبرئني يحكى أنّ أبا بكر الورّاق مرّ بطبيب يعطي الناس الأدوية فوقف عليه وقال: أيفعل دواؤك هذا أمرين ؟ قال: وما هما؟ فقال: ردّ قضاء قاض وجرّ شفاء شاف ؟ فقال: لا قال: فليس [ذلك بشيء]. وقال جعفر الصادق: إذا مرضت بالذنوب شفاني بالتوبة. سامر بن عبد الله: إذا أمرضتني مقاساة الخلق شفاني بذكره والأُنس به. {وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} أدخل ههنا {ثُمَّ} للقطع والتراخي. قال أهل اللسان والاشارة: يميتني بالعدل ويحييني بالفضل، يميتني بالمعصية ويحييني بالطاعة، يميتني بالفراق ويحييني بالتلاقي، يميتني بالخذلان ويحييني بالتوفيق، يميتني غنىً ويحييني به، يميتني بالجهل ويحييني بالعلم. {وَٱلَّذِيۤ أَطْمَعُ} أرجو {أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ ٱلدِّينِ} قراءة العامّة بالتوحيد. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا أبا القاسم بن الفضل قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أحمد بن يزيد قال: حدّثنا روح عن أبي اليقظان قال: حدّثنا الحكم السلمي قال: سمعت الحسن يقرأ "والذي أطمع أن يغفر لي خطاياي يوم الدين". قال: إنّها لم تكن خطيئة ولكن كانت خطايا. قال مجاهد ومقاتل: هي قوله {أية : إِنِّي سَقِيمٌ}تفسير : [الصافات: 89] وقوله {أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ}تفسير : [الأنبياء: 63] وقوله لسارة (هي أُختي) زاد الحسن، وقوله للكواكب {أية : هَـٰذَا رَبِّي}تفسير : [الأنعام: 76-78]. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم بن شاذان قال: حدّثنا عبيد الله بن ثابت الحريري قال: حدّثنا أبو سعيد الأشج قال: حدّثنا أبو خالد عن داود عن الشعبي حديث : عن عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله إنّ عبد الله بن جدعان كان يقري الضيف ويصل الرحم ويفكّ العاني، فهل ينفعه ذلك ؟ قال: لا، لأنّه لم يقل يوماً قطّ: اغفر لي خطيئتي يوم الدين . تفسير : وهذا الكلام من إبراهيم (عليه السلام) احتجاج على قومه وإخبار أنّه لا يصلح للإلهية إلاّ من فعل هذه الأفعال. {رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً} وهو البيان على الشيء على ما توجبه الحكمة، وقال مقاتل: فهماً وعلماً، والكلبي: النبوّة. {وَأَلْحِقْنِي بِٱلصَّالِحِينَ} بمن قبلي من النبيين في الدرجة والمنزلة. وقال ابن عباس: بأهل الجنة. {وَٱجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي ٱلآخِرِينَ} أي ذكراً جميلاً وثناءً حسناً وقبولاً عاماً في الأُمم التي تجيء بعدي، فأعطاه الله سبحانه وتعالى ذلك، فكلّ أهل الأديان يتولّونه ويبنون عليه. قال القتيبي: ووضع اللسان موضع القول على الاستعارة؛ لأن القول يكنى بها، والعرب تسمّي اللغة لساناً. وقال أعشى باهله: شعر : إنّي أتتني لسان لا أُسرُّ بها من علو لا عجب منها ولا سخر تفسير : {وَٱجْعَلْنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ * وَٱغْفِرْ لأَبِيۤ إِنَّهُ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ} وقد بيّنا المعنى الذي من أجله استغفر إبراهيم (عليه السلام) لأبيه في سورة التوبة بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. {وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : جاءت هذه الآية بعد الانتهاء في إيجاز مُبسّط لقصة موسى عليه السلام مع فرعون، وخُتمت بقوله تعالى: {أية : إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ}تفسير : [الشعراء: 67-68]. ثم تكلم الحق سبحانه عن نبيه إبراهيم عليه السلام {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} [الشعراء: 69] مما يدل على أن المسألة في القرآن ليست سَرْداً للتاريخ، فإبراهيم كان قبل موسى، ولو أردنا التأريخ لجاءت قصة إبراهيم أولاً، إنما الهدف من القصص في القرآن التقاط مواضع العِبْرة والعِظَة واتخاذ الأُسوة من تاريخ الرسل، ليُثبِّت الله بها فؤاد رسوله صلى الله عليه وسلم حينما يواجه الأحداث الشاقة والعصيبة. والمتأمل في رسالة موسى ورسالة إبراهيم عليهما السلام يجد أن موسى جاء ليعالج مسألة هي قمة العقيدة، ويواجه مَنِ ادّعى الألوهية وقال: إني إله من دون الله، أما إبراهيم فقد عالج مسألة الشرك مع الله وعبادة الأصنام، فعندهم طَرَف من إيمان، بدليل أنهم إذا ضيّقنا عليهم الخناق قالوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ..}تفسير : [الزمر: 3]. لذلك كانت قصة موسى أَوْلَى بالتقديم هنا. ومعنى: {وَٱتْلُ عَلَيْهِمْ ..} [الشعراء: 69] أي: اقرأ، أو وضِّح، أو عبِّر، ونقول للقراءة (تلاوة) لأنه لا يُتلَى إلا المكتوب المعلوم المفهوم {عَلَيْهِمْ ..} [الشعراء: 69] على أمة الدعوة كلها، أَمْ على المكذبين خاصة؟ قالوا: على المكذِّبين خاصة؛ لأن المصدِّقين برسول الله لا يحتاجون هذه التلاوة، وإنْ تُليَتْ عليهم فإنما التلاوة للتذكرة أو لعلم التاريخ. إذن: المراد هنا المكذِّبون المنكرون ليعلموا أن نهاية كل رسل الله في دعوتهم النصر والغلبة، وأن نهاية المكذبين المخالفين الهزيمة والاندحار. فكأن القرآن يقول لهم: لا تغتروا بقوتكم، ولا بجاهكم، ولا تنخدعوا بسيادتكم على العرب، ومعلوم أن مكانة قريش بين العرب إنما أخذوها من خدمة بيت الله الحرام، وما أَمِنُوا في طرق تجارتهم إلاَّ بقداسة بيت الله وحُرْمته. ولولا البيت ما كان لقريش كل هذه المكانة، بدليل قوله تعالى: {أية : لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ * إِيلاَفِهِمْ رِحْلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيْفِ}تفسير : [قريش: 1-2]. ولو انهدم البيت في قصة الفيل ما كان لقريش سيادة ولا سيطرة على الجزيرة العربية، وما دام أن الله تعالى فعل معهم هذا {أية : فَلْيَعْبُدُواْ رَبَّ هَـٰذَا ٱلْبَيْتِ * ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}تفسير : [قريش: 3-4]. ومعنى {نَبَأَ ..} [الشعراء: 69] أي: الخبر الهام الذي يجب أنْ يُقال، ويجب أنْ يُنصتَ له، وأنْ تُؤخَذ منه عِبْرة وعِظة، فلا يُقال (نبأ) للخبر العادي الذي لا يُؤبَهُ له. ولو تتبعتَ كلمة (نبأ) في القرآن لوجدتها لا تُقَال إلا للأمر الهام، كما في قوله تعالى: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ}تفسير : [النبأ: 1-2]. وقوله تعالى في قصة سليمان عليه السلام والهدهد: {أية : وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ}تفسير : [النمل: 22]. إذن: {نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ} [الشعراء: 69] يعني: الخبر الهام عنه. وإبراهيم هو أبو الأنبياء الذي مدحه ربه مدحاً عظيماً في مواضع عدة من القرآن، فقال الحق سبحانه عنه: {أية : إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً ..}تفسير : [النحل: 120]. والأمة لا تُطلَق إلا على جماعة تنتسب إلى شيء خاص، ويجمعهم مكان وزمان وحال. كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد أضفى الله عليه كمالات من صفات كماله لا يستطيع بشر أن يتحملها. لذلك جاء في الحديث الشريف: "حديث : الخير فِيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة ". تفسير : الخير فيَّ حصراً، الخير على عمومه، وفي كل جوانب شخصيته: داعيةً وأباً وزوجاً .. الخ وخصال الخير من شجاعة، وحِلْم، وعِلْم، وكرم .. إلخ. وكذلك الخير في أمتي منثورٌ بين أفرادها، يأخذ كل منهم من الخير بطرف، وله منه نصيب، لكن لا أحدَ يستطيع أن يجمع الكمال المحمدي أبداً، ولا أن يتصف به. كذلك كان سيدنا إبراهيم عليه السلام (أمة)؛ لأن خصال الخير تُوزَّع على أفراد الأمة: هذا ذكى، وهذا حليم، وهذا عالم، وهذا حكيم .. الخ أما إبراهيم - عليه السلام - فقد جمع من الخير ما في أمة بأكملها، وهذا ليس كلاماً يُقَال في مدح نبي الله إبراهيم، إنما من واقع حياته العملية. واقرأ إنْ شئتَ قوله تعالى عن إبراهيم: {أية : وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ..}تفسير : [البقرة: 124]. وحَسْب إبراهيم - عليه السلام - من الخير هذه الدعوة: {أية : رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ..}تفسير : [البقرة: 129]. فكان محمد صلى الله عليه وسلم دعوة أبيه إبراهيم.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ } إلى آخر هذه القصة { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: واتل يا محمد على الناس، نبأ إبراهيم الخليل، وخبره الجليل، في هذه الحالة بخصوصها، وإلا فله أنباء كثيرة، ولكن من أعجب أنبائه، وأفضلها، هذا النبأ المتضمن لرسالته، ودعوته قومه، ومحاجته إياهم، وإبطاله ما هم عليه، ولذلك قيده بالظرف فقال: { إِذْ قَالَ لأبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا } متبجحين بعبادتهم: { نَعْبُدُ أَصْنَامًا } ننحتها ونعملها بأيدينا. { فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ } أي مقيمين على عبادتها في كثير من أوقاتنا، فقال لهم إبراهيم، مبينا لعدم استحقاقها للعبادة: { هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ } فيستجيبون دعاءكم، ويفرجون كربكم، ويزيلون عنكم كل مكروه؟. { أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ } فأقروا أن ذلك كله، غير موجود فيها، فلا تسمع دعاء، ولا تنفع، ولا تضر، ولهذا لما كسرها وقال: {أية : بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ } تفسير : قالوا له: {أية : لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ } تفسير : أي: هذا أمر متقرر من حالها، لا يقبل الإشكال والشك. فلجأوا إلى تقليد آبائهم الضالين، فقالوا: { بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } فتبعناهم على ذلك، وسلكنا سبيلهم، وحافظنا على عاداتهم، فقال لهم إبراهيم: أنتم وآباءكم، كلكم خصوم في الأمر، والكلام مع الجميع واحد. { أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي } فليضروني بأدنى شيء من الضرر، وليكيدوني، فلا يقدرون. { إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } هو المنفرد بنعمة الخلق، ونعمة الهداية للمصالح الدينية والدنيوية. ثم خصص منها بعض الضروريات فقال: { وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ } فهذا هو وحده المنفرد بذلك، فيجب أن يفرد بالعبادة والطاعة، وتترك هذه الأصنام، التي لا تخلق، ولا تهدي، ولا تمرض، ولا تشفي، ولا تطعم ولا تسقي، ولا تميت، ولا تحيي، ولا تنفع عابديها، بكشف الكروب، ولا مغفرة الذنوب. فهذا دليل قاطع، وحجة باهرة، لا تقدرون أنتم وآباؤكم على معارضتها، فدل على اشتراككم في الضلال، وترككم طريق الهدى والرشد. قال الله تعالى: {أية : وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ } تفسير : الآيات. ثم دعا عليه السلام ربه فقال: { رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا } أي: علما كثيرا، أعرف به الأحكام، والحلال والحرام، وأحكم به بين الأنام، { وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } من إخوانه الأنبياء والمرسلين. { وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ } أي: اجعل لي ثناء صدق، مستمر إلى آخر الدهر. فاستجاب الله دعاءه، فوهب له من العلم والحكم، ما كان به من أفضل المرسلين، وألحقه بإخوانه المرسلين، وجعله محبوبا مقبولا معظما مثنًى عليه، في جميع الملل، في كل الأوقات. قال تعالى: {أية : وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ }. تفسير : { وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ } أي: من أهل الجنة، التي يورثهم الله إياها، فأجاب الله دعاءه، فرفع منزلته في جنات النعيم. { وَاغْفِرْ لأبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ } وهذا الدعاء، بسبب الوعد الذي قال لأبيه: {أية : سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا } تفسير : قال تعالى: {أية : وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ }. تفسير : { وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ } أي: بالتوبيخ على بعض الذنوب، والعقوبة عليها والفضيحة، بل أسعدني في ذلك اليوم الذي { لا يَنْفَعُ } فيه { مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } فهذا الذي ينفعه عندك وهذا الذي ينجو به من العقاب ويستحق جزيل الثواب. والقلب السليم معناه الذي سلم من الشرك والشك ومحبة الشر والإصرار على البدعة والذنوب ويلزم من سلامته مما ذكر اتصافه بأضدادها من الإخلاص والعلم واليقين ومحبة الخير وتزيينه في قلبه وأن تكون إرادته ومحبته تابعة لمحبة الله وهواه تابعا لما جاء عن الله، ثم ذكر من صفات ذلك اليوم العظيم وما فيه من الثواب والعقاب فقال { وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ } أي قربت { لِلْمُتَّقِينَ } ربهم الذين امتثلوا أوامره واجتنبوا زواجره واتقوا سخطه وعقابه. { وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ } أي برزت واستعدت بجميع ما فيها من العذاب { لِلْغَاوِينَ } الذين أوضعوا في معاصي الله وتجرأوا على محارمه وكذبوا رسله وردوا ما جاءوهم به من الحق { وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ } بأنفسهم أي فلم يكن من ذلك من شيء وظهر كذبهم وخزيهم ولاحت خسارتهم وفضيحتهم وبان ندمهم وضل سعيهم { فَكُبْكِبُوا فِيهَا } أي ألقوا في النار { هُمْ } أي ما كانوا يعبدون { وَالْغَاوُونَ } العابدون لها، { وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ } من الإنس والجن الذين أزَّهم إلى المعاصي أزًّا وتسلط عليهم بشركهم وعدم إيمانهم فصاروا من دعاته والساعين في مرضاته وهم ما بين داع لطاعته ومجيب لهم ومقلد لهم على شركهم. { قَالُوا } أي جنود إبليس الغاوون لأصنامهم وأوثانهم التي عبدوها { تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ } في العبادة والمحبة والخوف والرجاء وندعوكم كما ندعوه فتبين لهم حينئذ ضلالهم وأقروا بعدل الله في عقوبتهم وأنها في محلها وهم لم يسووهم برب العالمين إلا في العبادة لا في الخلق بدليل قولهم { برب العالمين } إنهم مقرون أن الله رب العالمين كلهم الذين من جملتهم أصنامهم وأوثانهم. { وَمَا أَضَلَّنَا } عن طريق الهدى والرشد ودعانا إلى طريق الغي والفسق { إِلا الْمُجْرِمُونَ } وهم الأئمة الذين يدعون إلى النار، { فَمَا لَنَا } حينئذ { مِنْ شَافِعِينَ } يشفعون لنا لينقذونا من عذابه { وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ } أي قريب مصاف ينفعنا بأدنى نفع كما جرت العادة بذلك في الدنيا فأيسوا من كل خير وأبلسوا بما كسبوا وتمنوا العودة إلى الدنيا ليعملوا صالحا. { فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً } أي رجعة إلى الدنيا وإعادة إليها { فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } لنسلم من العقاب ونستحق الثواب هيهات هيهات قد حيل بينهم وبين ما يشتهون وقد غلقت منهم الرهون. { إِنَّ فِي ذَلِكَ } الذي ذكرنا لكم ووصفنا { لآيَةً } لكم { وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ } مع نزول الآيات.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):